معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 58

المقدمة
الحمد لله القاهر الغني الذي لا يحتاج الى أحد , وتحتاجه الخلائق كلها ابتداء واستدامة، أحدث الأشياء كلها بعد العدم من غير مشقة او تفكر، وجعلها منقادة لمشيئته، منجذبة لإرادته، صادعة بربوبيته، طائعة لأوامره، وكل فرد منها دليل على وحدانيته، وآية وشاهد على عظيم قدرته، وبديع صنعه،
وإختار من بينها الإنسان ونفخ فيه من روحه , وجعله خليفته في الأرض ليجتهد في عبادته ويرتقي في منازل التقوى وأنعم عليه بثلاث نعم, العقل وهو رسول باطني، والرسل والأنبياء وهم عقل خارجي، وكان خاتمهم وسيدهم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مظهر الكمالات الإنسانية، وتجلت فيه آيات الإصطفاء والإجتباء التي خص الله عز وجل بها خاصة عباده، وصفوة خلقه، ليكونوا دعاة اليه، والنعمة الثالثة الكتاب النازل من السماء، وجاء القرآن جامعاً للأحكام واماماً للإنس والجن .
ومن الآيات في القرآن التي ينفرد بها القرآن , ونذكرها لاول مرة هنا أن علم المجمل والمبين لا ينحصر بالألفاظ والكلمات، بل يشمل المواضيع والآيات، ومنها موضوع الإصطفاء،فجاء مطلقا في آل ابراهيم وآل عمران, ثم ورد مثال وشاهد كريم له في ولادة مريم ودعاء زكريا ,وتفضل الله تعالى بالبشارة بيحيى، لتكون اشارات يدركها كل عاقل ذي لب، ولطائف يتيه في عالمها الأولياء والصالحون .
ويدرك الإنسان بالعقل النظري وهو ان المدرك مما ينبغي ان يعلم، والعقل العملي وهو ان المدرك مما ينبغي ان يفعل ويؤتى به، لزوم عبادة الله والإستعانة به، والإنقياد لأوامره، والتصديق بأنبيائه.
وهذا هو الجزء الرابع والخمسون من معالم الإيمان , ويتضمن تفسير الآيات (32-39) من سورة آل عمران في ثورة لم يشهدها تأريخ العلوم النقلية والعقلية والحمد لله، اذ تزيد أجزاؤه وفق هذه المنهجية على ثلاثة ملايين جزء أدعو العلماء في الأجيال القادمة إتمامه، وكلها تفسير وتأويل وتحليل واستنباط , ويتضمن تأسيس قواعد جديدة في الكلام والأصول والبلاغة وغيرها، من غير جرح او قدح بمذهب او طائفة او جماعة من المسلمين لأن القرآن مائدة السماء وهبة الله لهم جميعاً .
ومن لطف وفضل الله تعالى ان أقوم بنفسي بكتابة وتصحيح ومراجعة أجزاء التفسير وأشرف على طباعتها, وعلى نفقتي الخاصة، قال تعالى [قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ]( ).

قوله تعالى[قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ] الآية 32
الإعراب واللغة
قل: فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره انت، يعود للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
اطيعوا: فعل أمر، والواو فاعل، اسم الجلالة: مفعول به
والرسول: الواو: حرف عطف، الرسول: معطوف على اسم الجلالة.
فان: الفاء استئنافية، ان: شرطية، تولوا: فعل مضارع وهو فعل الشرط، فان الله : الفاء رابطة لجواب الشرط، ان: حرف مشبه بالفعل، اسم الجلالة: اسمها،
لا: نافية، يحب: فعل مضارع , والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، الكافرين: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة فان الله في محل جزم جواب الشرط.
في سياق الآيات
بعد الإخبار عما يجده الإنسان امامه يوم القيامة حيث لا يصاحبه الا عمله خيرا كان او سوء، والسوء في معرض المحو والإزالة لمن عرف طريق المحو وهو حب الله واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , جاءت هذه الآية بياناً وتفصيلاً للحب وظهوره كارادة في عالم النوايا والأفعال بان يتجلى بطاعة الله ورسوله، ولتكون هذه الآية مقدمة لبيان الإرتقاء في الكمالات ومراتب الملكوت لمن أخلص لله تعالى من خاصة خلقه وسادة الأمم وهم الأنبياء، وبينما جاءت الآية السابقة بحبه تعالى للمؤمنين جاءت هذه الآية جامعة للأمر للناس جميعاً بطاعة الله وبغضه للكافرين.
وإنتقلت الآية التالية إلى ذكر الأنبياء والأولياء، واصطفائهم وإجتباهم من عند الله عز وجل من بين الخلائق، وفيه بلحاظ آية البحث مسائل :
الأولى : دعوة الناس للإقتداء بالأنبياء في إخلاص الطاعة لله.
الثانية : الإخبار عن وراثة المسلمين للأنبياء في أداء العبادات والفرائض.
الثالثة : بيان قانون في الإرادة التكوينية وهو أن الإجتباء والإصطفاء إبتدأ مع هبوط الإنسان للأرض، إذ أن آدم هو أول من إصطفى الله عز وجل، وهل تدل الآية على الملازمة بين الإصطفاء والخلافة , الجواب لا، فقد شملت بعض الأنبياء لغة الجمع (آل إبراهيم وآل عمران) كما شملت مريم عليها السلام كما في قوله تعالى[وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ] ( ).
الرابعة : لم يأت الإصطفاء إلا بحب العبد لله عز وجل والفناء في طاعته.
الخامسة : حب العبد لله عز وجل من الشكر له سبحانه، والإصطفاء من شكر الله عز وجل للعبد على طاعته واخلاصه في إيمانه.
السادسة : بيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن الله عز وجل إصطفاه وإجتباه للنبوة والرسالة.
إعجاز الآية
لم تجعل الآية برزخاً بين الطاعة والمعصية، بين الإيمان والكفر وبهذا تكون الآية من آيات (منع الجهالة والغرر) لأن العقاب بلا بيان قبيح، والله عز وجل منزه عن القبيح , وموضوع الآية الفصل بين الإيمان والكفر , وذم الإعراض والتولي عن دعوة الحق، وقرنت الآية طاعة النبي بطاعة الله تعالى.
وتبين الآية فلسفة النبوة وأنها تتقوم بالدعوة إلى طاعة الله والرسول، ومن إعجاز الآية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يدعو لطاعة الناس له بأمر من الله عز وجل، وإقتران طاعته بطاعة الله عز وجل .
وتقدير الآية: قل أطيعوا الله واطيعوني) ليتقوم الإيمان بطاعة الله ورسوله، ووجوب عدم معصية النبي، لأن كلامه وحي وصدق.
ويمكن تسمية الآية آية (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) وقد ورد لفظ (اطيعوا) في القرآن ست عشرة مرة، وهذه المرة الوحيدة فيه التي ورد فيها قوله تعالى[قُلْ أَطِيعُوا].
الآية سلاح
الآية دعوة للناس جميعاً للهداية، وفيها تثبيت لما تقدم في قوله تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ] ( )، ولابد من الدعوة الى الإسلام , فجاءت بالقرآن والأمر الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة الى طاعة الله وطاعة النبي نفسه، وتبعث الآية الرضا والغبطة في نفوس المسلمين لإمتثالهم لأمره تعالى، وتجعلهم يتسابقون في تبليغ الدعوة والسعي لجعل الناس ينقادون لحكم القرآن.
وتمنع الآية من الركون للظالمين والمهادنة مع المنافقين، وتمنع من دبيب اليأس والقنوط إلى نفوس المسلمين بسبب إعراض الكفار عن دعوة الحق والهوى , ويدل إخبار الآية عن بغض الله للكافرين على دعوة المسلمين للنفرة منهم، وعدم الإصغاء لهم في جدالهم ومغالطتهم , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ]( ).
مفهوم الآية
لا يقبل الله من العباد الا طاعته تعالى , ومنعت الآية من الترديد والإختلاف فقرنت طاعة نبيه محمد بطاعته، للتنبيه بعدم الإكتفاء باتباع ما جاء به الأنبياء السابقون على نحو الإستقلال وترك ما جاء به الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا من اعجاز القرآن وسنن التخفيف في مضامين الهداية، فحينما تتعدد الأقوال والدعوات من الجهات المختلفة , فهذا الإنسان يقول له ابق على يهوديتك وآخر يقال له كن نصرانياً، وملة اخرى من المشركين تشكك بالنبوات، وسلطان يمنع وصول التبليغ اليه, ويجعل الأمرة والسلطنة دنيوية خاصة به , ولا يرضى من الناس الا بطاعته , والإنقياد لأوامره وحده فجاءت هذه الآية لمنع اللبس وكشف الحقائق والأخبار عما ينفع الإنسان في النشأتين على نحو الحصر والتقييد وهو طاعة الله والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل يمكن انصراف لفظ الرسول الى المعنى الأعم وشمول الرسل كلهم بالآية وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً, الجواب لا، لأن الآية نزلت ايام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, والألف واللام في الرسول للعهد, وليس للجنس,
وجاء الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) وليس من رسول غيره أوان النزول، كما ان طاعة الرسول هي طاعة الله لأنه يبلغ ما أمر به من عنده سبحانه، بالإضافة الى الآيات العديدة التي قرنت طاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطاعته تعالى،
لقد اكدت هذه الآية موضوع الآية السابقة وبينت ان الحب ليس هو ميل المتصف به الى ما تهواه النفس من اللذات التي تدرك بالحس وغيرها، بل الحب ارادة وعقيدة ومبدأ يتجلى بالإنقياد والطاعة لأوامره تعالى، كما بينت معنى اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو طاعة الله وطاعته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجزي ذكر طاعة النبي وحدها في المقام لأن مفهوم المتابعة يعني المشاكلة والمشابهة والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه يطيع الله وقد وصفته آيات عديدة بانه عبد الله منها قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً] ( ).
وحينما جاء موضوع الطاعة والإنقياد له نعته الله بانه رسوله أي يتبع بصفة الرسول وما يترشح من الوحي والنبوة عليه , ويمكن اعتبار هذه الآيات شاهداً وبرهاناً على حجية سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية ولزوم الأخذ بها لأنها جاءت باتباع النبي والأمر بطاعته،
وما دام الله يأمر بطاعته فانه تعالى يتعاهد سنته، لذا كان جبرئيل يكثر من النزول عليه بالقرآن، والوحي،
وجاءت الآية بصيغة التبليغ والدعوة الى الله، ثم بينت كيفية معالجة حال التولي ومن يختار الإعراض عن الدعوة وركوب جادة العناد والإصرار فلم تأمر الآية بقتاله ومحاربته والتضييق عليه بل أخبرت عن قاعدة كلية وهي بغضه تعالى للكافرين، وهو أشد عليهم من القتال والحرب لأن قتال الكافرين يعرضهم لأحد وجوه :
الأول : الخسارة والهزيمة.
الثاني : الهدنة والفترة.
الثالث : الإعراض عن مواطن القتال.
الرابع : فقد الرجال بالقتل.
الخامس : اسلام شطر منهم.
فهذه الآية جاءت بالإخبار عن كرهه وعدم حبه تعالى لمن يتولى ويعرض عن طاعته بعد اقامة الحجة والدليل عليه بالتبليغ وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدعوته الى الإسلام، اما ايمان شطر منهم بسبب القتال , فهو يتحقق ايضاً بالتبليغ ومضمون هذه الآية، نعم وردت آيات بتشريع القتال وكل بحسبه وله نفعه والحاجة اليه
وغالباً ما كان اختيار المسلمين للقتال دفاعاً عن الإسلام والأنفس واستباقاً للعدو بعد ظهور امارات تعديه وظلمه، وتشير هذه الآية الى تولي الكافرين , وقد يكون التولي مقدمة لمهاجمة المسلمين، أو يقف عند حال الإعراض عن الدعوة , فجاءت خاتمة الآية مطلقة وتخبر عن بغضه تعالى لمن يعرض عن رسالة السماء .
ومن مفاهيم الآية انها انذار وتخويف من التولي، ولو لم يتول الإنسان وانصت الى قول النبي وأستمع الى اوامر القرآن بطاعة الله ورسوله فهل يكفي لنجاته من بغض الله عز وجل الجواب لا، لأن الآية لم تجعل وسطاً بين الطاعة وعدمها، وقد يكون مجرد الإنصات أقرب للتولي وليس برزخاً او وسطاً بينهما،
والمدار على الطاعة فمن لم يكن مطيعاً لله ورسوله يلحق بالمتولين عن دعوة الحق، وهو كافر لأنه لم يستجب للآية , فلذا جاءت خاتمة الآية بذكر الكافرين وعدم حبه تعالى لهم , وليس الذين تولوا فقط، لتشمل احكامها كل من كان كافراً، سواء تولى عن الدعوة او لم يتول.
لقد جاءت الآية بصيغة المفرد والجمع بلحاظ الخطاب والخبر:
الأولى : صيغة المفرد (قل) وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وينحل لإرادة المسلمين كافة على نحو الإتحاد والتعدد.
الثانية : الأمر بطاعة الله ورسوله بصيغة الجمع.
الثالثة : الإخبار عن تولي شطر من الناس جحوداً وعناداً وبصيغة الجمع.
اما الإتحاد في الأول فلان موضوع الطاعة بسيط غير مركب، والتبليغ متحد غير متباين في ماهيته وان تعددت وتشعبت كيفيته وكمه وطرقه، اما الثاني فان الخطاب للناس جميعاً وهو ينحل ايضاً على الأفراد، فكل فرد مأمور بان يطيع الله ورسوله، وبالنسبة للتولي فان الآية تمنع المسلمين من اليأس والقنوط من رؤية الكافرين والجاحدين وهم يعرضون عن الدعوة الى طاعة الله ورسوله، وفيها اعجاز واخبار بحصول التولي والإعراض المتعدد.
وهل الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مخاطب بالأمر بطاعة الله ورسوله، الجواب نعم لعمومات التكليف من غير ان يتعارض خطاب التكليف مع العصمة بل هو شاهد عليها، وبذا يمتاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الناس , اذ ان الناس مأمورون بطاعته كرسول في طول طاعة الله تعالى، ومأمور بالطاعة لله ، فهو يبادر الى فعل ما يأمر الناس به من عنده تعالى وفيه تشريف له , وان قيل ان النبي مأمور بالخطاب في الآية بطاعة الرسول صح أيضا اذ كان اول من يمتثل لما جاء به من عند الله .
افاضات الآية
تجعل الآية المسلم منجذباً الى محبة الله تعالى، متقياً وخائفاً من غضبه وسلب الحب عنه، يعيش المشاهدة والكشف في الفعل، يضع أعماله بموازين الحب والعشق والشوق الى الباري، ينقاد لأوامره تعالى حباً له وطمعاً في رضاه والفوز بمحبته فان الإنسان يسعى للكسب والتزود من الدنيا.
وليس من كسب يفتح الكنوز والخيرات مثل حبه تعالى، الذي يفيض على النفس الإنسانية، والجوانح، والجوارح، ويجعلها تدرك وتحس مواطن رضاه تعالى فتندفع في منازلها وتعرف أسباب غضبه فتتجنب مزالقها.
وجاءت الآية السابقة بمعاني الحب كوظيفة للعباد، وجزاء من عند الله، أما آية البحث فذكرت بغض وكره الله للكفار لتدل في مفهومها على حبه تعالى للذين يطيعونه ويطيعون رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه بعث للشوق في النفوس للإيمان، والأخلاص في طاعة الله والرسول.
وتحتمل طعة الله والرسول وجوهاً:
الأول : إنها من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً.
الثاني : إنها من الكلي المتواطئ الذي يكون على مراتب متساوية في القول والعمل.
الثالث : طاعة الله عز وجل من الكلي المتواطئ وطاعة الرسول من الكلي المشكك.
الرابع : طاعة الله عز وجل من الكلي المشكك، وطاعة الرسول من الكلي المتواطئ.
والصحيح هو الثاني، لأن المراد هو الإطلاق في طاعة الله والرسول في الأحكام والسنن والمسائل لحلال والحرام.
وفي الآية حث على العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدم التفريط بها، قال تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، وتبين الآية بين التولي وباعراض عن الدعوة إلى طاعة الله والرسول وبين الكفر والجحود، وفيه دعوة للناس للإنصات للقرآن والسنة النبوية.

التفسير
قوله تعالى [قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ]
الآية خطاب تكليفي موجه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه عام للمسلمين كافة، فكل مسلم مأمور ان يدعو الى طاعة الله ورسوله وهذا من أسرار مجيء لفظ الخطاب بلفظ الرسول، ولم تقل الآية اطيعوا الله واطيعوني، لأن القرآن كله كلام الله ومجيء الطاعة بصفة الرسالة كعنوان اضافي اعتباري زائد يتضمن ماهية الطاعة، وانها ليست طاعة شخصية محضة، بل طاعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما هو رسول من عند الله وبما جاء به من السماء،
والآية امضاء لفعل النبي، واخبار عن أمانته وصدقه، فحينما يأمر الله تعالى بطاعته فانه يدل على ادائه لأمانة الرسالة وقيامه بما أُمر به من غير زيادة او نقصان.
لقد جاءت الآية السابقة باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإتباع نوع مفاعلة بان يكون المكلف هو التابع اما الرسول فهو المتبوع، فالإختيار فيه للمكلف والمخاطب، اما في هذه الآية فجاءت الوظيفة بعنوان الطاعة وتعني الإمتثال، أي ان الله يأمر المكلف والرسول يأمره أيضا فيطيع الأوامر ويمتثل لما ينزل من الوحي من السماء،
فالطاعة أخص وأدق وأرقى في سلم العبادات والقرب الى رحمة الله، والإنجذاب الى سبحات وجهه لأن الإنسان يكون منقاداً للأوامر، كما ان الآية لم تأتِ بطاعة الرسول، بل جاءت بطاعة الله اولاً , وهي الأصل ثم قرنت بها طاعة الرسول لتكون فرع طاعته سبحانه، ولتكون السنة النبوية وسيلة مباركة لتثبيت دعائم الدين، والمخاطب في الآية على وجوه:
الأول : الصحابة ايام النبوة.
الثاني : المسلمون كافة على تعاقب أجيالهم.
الثالث : أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
الرابع : الناس جميعاً.
والآية شاملة للوجوه الأربعة أعلاه من غير تعارض بينها، فالخطاب انحلالي يستوعب الجميع، والقرآن عالمي الرسالة والخطاب، وتكون وظيفة المسلمين في الآية مركبة من وجوه:
الأول : يقومون بوراثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحاكاته بالتبليغ الوارد في الآية بدعوى الناس الى طاعة الله وطاعة الرسول.
الثاني : يتلقون الأمر بالإمتثال والطاعة، فعليهم طاعة الله ورسوله كباقي المكلفين.
الثالث : انهم الأسوة والقادة وأهل السبق في طاعة الله ورسوله.
والطاعة لها طرفان:
الأول: ايجابي، وهو الإمتثال للأوامر واتيان الأفعال التي يأمر بها الله ورسوله كاداء الصلاة ودفع الزكاة وصيام شهر رمضان،
الثاني: سلبي، وهو اجتناب النواهي والإنزجار عما جاء النهي عنه كالسرقة والظلم وعقوق الوالدين والفواحش مطلقاً.
والآية شاملة للطرفين معاً فليس الطاعة اتيان الأوامر فحسب بل تعني اجتناب النواهي , لذا جاءت الآية بعنوان الطاعة وليس الإتباع، كما ان لفظ الإتباع خاص بالنبي اما فيما يتعلق بأوامره تعالى فلا يصدق الا عنوان الطاعة والإمتثال لأنها صلة بين الخالق والمخلوق، والرب والعبد.
وطاعة الله ورسوله بلحاظ الإتحاد والتعدد تنقسم الى:
الأولى : طاعة الله.
الثانية : طاعة الرسول.
الثالثة : طاعة الله ورسوله معاً.
بمعنى هل طاعة الرسول في كل قضية شخصية جزء من طاعة الله وتفنى فيها، اما أوامر يأتي بها الرسول خاصة تجب طاعتها.
الجواب: هو الأول, وإن كان المعنى واحد، سواء قلنا بالإتحاد أوالتعدد ولكن الإختلاف بالزوائد الإعتبارية، فالقرآن كتاب الله والجامع لأحكام الحلال والحرام، واما السنة فتعني طاعة الرسول، فيحصل التعدد، مع الإقرار بان السنة من عنده تعالى بالمعنى والوحي وليس باللفظ.
واذا نظرنا الى الأمر بلحاظ ان ما يأمر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو وحي اوحاه الله له فان طاعته جزء من طاعة الله , وليس مستقلة بذاتها، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
وهذا المعنى هو الأنسب، فجاء ذكر طاعة الرسول للبيان واقامة الحجة والا فهي طاعة لله تعالى.
وتدل الآية على وجوب قبول احكام القرآن وما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع طرد روح الشك والريب والتردد، لقد رد بنو اسرائيل القول كما في ذبح البقرة وقولهم [لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ] ( ) مع انه كان ينزل عليهم من السماء المن والسلوى وتعرض للأذى موسى وعيسى وزكريا ويحيى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام،
فجاءت الآية لتؤسس قواعد كلية في الإرادة الشرعية مرتكزة الى وجوب طاعة الله ورسوله من غير تردد او ترديد، فان قيل ان هذه الطاعة عمياء ولابد للإنسان من الإختيار والعمل عن بصيرة قلت: انها ليست من الطاعة العمياء فهي انقياد واجب وامتثال مفروض فيه نجاة وصلاح العبد.
لقد اراد الله للعباد ان يدخلوا الجنة باختيارهم طاعته وطاعة رسوله لذا جاءت الآية بعنوان التبليغ (قل) الذي يتضمن الأمر المركب، امراً الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقول والتبليغ، وامراً الى الناس بالإنقياد والإمتثال.
وفي الآية ترغيب بطاعته تعالى وطاعة رسوله، لأنها جاءت بلفظ القول والدعوة السماوية , وحينما تصدر الدعوة من الخالق الى المخلوق فانه تشريف وترغيب للعبد مع انه سبحانه قادر على قهر العباد وعلى طاعته او ان يلجئهم الى طاعته ويجعلهم يدركون الحاجة اليها كما يدركونها في الآخرة.
ومن خصائص يوم الحشر ان العباد يتمنون لو أفنوا اعمارهم في طاعة الله، ويودون انهم لم يفعلوا السيئات والفواحش، والله عز وجل قادر على ان يجعل حال التمني هذا في الدنيا، ولكنها دار امتحان واختبار فرغبهم الى الطاعة وزينها لهم، وجعل النفوس تنفر من المعصية.
قوله تعالى [فَإِنْ تَوَلَّوْا]
بعد لغة الخطاب الموجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتقلت الآية الى صيغة الغائب وتفصيل الحكم، فالأصل هو طاعة الله ورسوله , ولن يرضى الله من العباد بغيره، ولكن الناس على أقسام في تلقي الدعوة :
الأول : أناس يستجيبون للدعوة، وهم المسلمون.
الثاني : من يطلب الإمهال والتدبر , فيبقى الخطاب التكليفي موجهاً اليه, مع ان الأصل هو الإستجابة والفورية.
الثالث : الذي يختار الإعراض والتولي وهو الكافر فجاء هذا الشطر من الآية بذمه وتقبيح فعله.
بحث أصولي
تأتي صيغة الأمر (أفعل) ونحوه مطلقة من غير تقييد بارادة الفورية او التراخي ومع عدم وجود القرينة الدالة على احدهما، ففيه أقوال ووجوه:
الأول : تفيد صيغة أفعل التراخي وعدم لزوم المبادرة للإمتثال، ويكون المكلف في مندوحة في وقت الأداء وله ان يمتثل بالزمن الأول للأمر، وله ان يؤخره الى الزمن الثاني والثالث وهكذا.
الثاني : انه يفيد الفورية.
الثالث : فيه دلالة على التوقف من غير قطع بارادة الفورية او التراخي.
الرابع : افادة الصيغة للتراخي.
الخامس : الصيغة ليست موضوعة للفور او التراخي ولا تتضمن الدلالة على احدهما.
ومنهم من قال بلزوم التقديم لأن الإشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، ولكن قاعدة الإشتغال لا تد ل على الفورية لعدم الملازمة بينهما، وقاعدة الإشتغال تعني تحقق الوجوب على المكلف ولزوم الإمتثال ولا تدل على اكثر من الطبيعة المهملة.
والمراد من الفورية هي الإمتثال على الفور ومن غير تأخير او ابطاء او تسويف اوان الإمكان، اما التراخي فيعني جواز الإبطاء والتأخر في الإمتثال عن قصد وصيغة الأمر لا تتضمن احدهما,
واستدل على الفورية بآيتين هما:
الأولى : قوله تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ] ( )، فالمسارعة الى المغفرة تعني المبادرة الى التوبة واتيان الأفعال التي تؤدي الى المغفرة, والآية حث على الفورية والتعجيل في طلب مرضاته ومغفرته تعالى.
الثانية : قوله تعالى [فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ]( )، وفيها حث على الإسراع, وعدم التواني في ولوج ابواب الصالحات واتيان الواجبات.
بالإضافة الى الصيغة فهناك من قال بوجود دليل آخر خارج الصيغة يدل على الفورية، لا بمعنى ان الصيغة لا تدل على الفورية ولكن للتوكيد والبرهان الخارجي,
وبذا تكون الفورية هي الأصل الا ان يرد دليل آخر خارج الصيغة يدل على التراخي.
وأشكل على هذا الإستدلال بان اسباب المغفرة كما في موضوع الآية الأولى، والخيرات كما في الآية أعلاه من سورة البقرة تصدق على الواجبات وعلى المستحبات, فكلها أسباب للمغفرة, وباب للرحمة، ولكن المستحبات لا تجب المسارعة فيها لأنه يجوز تركها اصلاً، فيكون من باب أولى عدم وجوب المسارعة اليها فتضمنها للمستحبات والمسارعة فيها بحسب الآيتين يعني ان طلب المسارعة ليس على نحو الإلزام،كما أستدل على عدم صحة الإستدلال بالآيتين بوجهين:
الأول: بانهما لم يردا الا للبعث نحو المسارعة الى المغفرة، من دون استتباع تركهما للغضب والشر،
أي ان الآيتين خاليتان مما يدل على ان ترك المسارعة يؤدي الى نزول الغضب الإلهي لأنه ليس من تحذير وانذار في الآيتين،
الثاني: كثرة تخصيص وجوب الفور بالمستحبات وببعض الواجبات الموسعة في وقتها، لأن الواجب ينقسم الى:
الأول : مؤقت.
الثاني : غير مؤقت.
وينقسم الى موسع ومضيق، وغير المؤقت الى فوري وغير فوري،
فرد السلام مثلاً فوري اما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقالوا انه ليس فورياً، ولكن بعض مصاديق الأمر بالمعروف تكون في فوريتها وكثرة ثوابها أهم من رد السلام.
واشكل بانه اذا كان التخصيص هو الأكثر بعموم المستحبات وكثير من الواجبات فلا يصح افادة الفورية منهما لأنه لم يبق تحت عنوان العام الا القليل فيكون قرينة على صرف ظاهر الآيتين عن الوجوب الظاهر فيهما فيحمل الأمر فيهما على استحباب الفورية الا ما دل الدليل على وجوب فوريته او حملهما على مطلق الرجحان،
ونجيب على الإستدلال الأول أعلاه بان ثبوت الفورية او عدمها لا يتوقف على استتباع الترك بالغضب والشر، اذ ان الآية القرآنية لها منطوق ومفهوم فمنطوقها يدل الأمر فيه على المسارعة، اما مفهومها فيدل على العقاب لمن يتخلف عن امتثال أمره تعالى وتلك قاعدة كلامية معروفة عند المليين والعقلاء عامة، وتدل عليه ايضاً شواهد قرآنية، فالترغيب بفعل الصالحات يدل في مفهومه على مؤاخذة من يعصي الله، كما قال بعض الأصوليين ان الأمر بالشيء يدل على النهي عن ضده، ولم تثبت كقاعدة كلية.
اما الإستدلال الثاني الذي ذكره الكثير من الأصوليين فانه غير مناسب للموضوع، لأن الأمر ليس من العام والمخصص المتصل الذي يكون قرينة على ارادة ما عدا الخاص من العموم كقولك “أشهد ان لا اله الا الله” او المخصص المنفصل الذي يرد في كلام آخر مستقل قبله او بعده،
والمعروف ان القرآن فيه عام وخاص ولكن المسارعة الى الخيرات في الآية من باب السبر والتقسيم أي ان المسارعة ذاتها فعل مأمور به اما بالنسبة للخيرات فتنقسم الى واجب ومندوب، فتكون المسارعة للواجبات على نحو الفورية والوجوب، وتكون المسارعة الى المستحبات فورية مستحبة ولا تعارض بينهما لتعدد الموضوع،
ولأن القرآن بكلماته المحدودة يحيط باللامحدود من الوقائع والأشياء، ولأننا لم نجد من يرد على هذا الإشكال بل اتخذ اقوى دليل على ابطال القول بالفورية لأن الأصل في الواجبات تقسيمها الى واجبات مؤقتة وغير مؤقتة.
فيكون معنى الفورية من الآيتين هو اتيان الموسع باول أوقاته على نحو الإستحباب واثناء وقته على نحو الوجوب كصلاة الظهر فان وقتها يدخل عند الزوال ويستمر الى ما قبل غروب الشمس بمقدار اربع ركعات، فافضل اوقاتها المبادرة الى اتيانها باول وقتها، الا ان تأخيرها الى العصر تصدق معه الفورية، أي ان الفورية لها مراتبها من الفضل فهو من الكلي المشكك.
بمعنى ان الآيتين تدلان على الفورية كل بحسبه وبدليله وبحكمه التكليفي من الوجوب والإستحباب الا ان يرد مخصص لذات الفعل ويجوز معه تأخيره سواء كان المخصص من القرآن او السنة مما يتحصل معه الرجوع الى دليل آخر لمعرفة الفورية او التراخي، وبذا يكون الوصول الى مرتبة القيد ليس فورياً ومباشراً بل بالواسطة وبعد التدبر ويمكن الإستدلال بالآيتين على ان الأصل بالواجبات هو الفورية الا ان يرد دليل على التراخي.
وهذا لا يتعارض مع القول بأن قضية اطلاق الصيغة جواز التراخي باعتبار ان المتكلم في مقام البيان وليس من دليل على تقييد المطلوب بقيد الفور او التراخي.
وهناك مسائل:
الأول: لو أخل بالفورية في الزمان الأول فيجب ان يأتي به في الزمان الثاني، أي ان الوجوب يكون فوراً ففوراً، باعتبار ان الإخلال لم يحصل الا بزمان الفور الأول فيتجدد الخطاب والوجوب ويبقى المأمور به على حاله لتعدد المطلوب والمراد من الفورية، فالمصلحة تتقوم بأمرين:
أولاَ : الفورية.
ثانياَ : ذات الفعل.
فلا يسقط الأمر بالإخلال بالفورية، نعم عدم الإتيان به على الفور مفوت لمرتبة من مراتب المصلحة مع عدم انتفائها بل تبقى بمراتب أدنى بلحاظ كل أوان من آنات الفعل،
الثاني: التداخل بين المصلحة القائمة بنفس الطبيعة وبين المصلحة في الفورية والأداء في الزمان الأول، فاذا لم يأتِ بالمأمور به في الزمان الأول فتنتفي المصلحة في الفعل، لأنها متقومة بالفورية وتفوت بفواتها،
وهذا هو المراد (بوحدة المطلوب) وكأنه من عمومات انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، ويمكن ان نضيف وجهاً ثالثاً، وهو بقاء الأمر وموضوعه مع سقوط الفورية، فلو لم يأت بالفعل على الفور، فان الفورية تسقط، ولكن المصلحة في الفعل باقية، وهي ان يؤتى به قضاء فيما بعد سواء على القول بالمواسعة او المضايقة،
ولكن القول بوحدة المطلوب ليس مطلقاً انما يعرف بالقرائن أي الأصل هو التعدد، وليس البراءة من الوجوب فيما عدا الزمان الأول كما ذهب اليه بعض العلماء، ويدل على التعدد اصالة الإشتغال، وقاعدة نفي الحرج، وعمومات اللطف الإلهي والإنابة والتدارك، لذا قيل بان هذا التفريغ لا تدل عليه الصيغة على القول بالفورية فانها لا تدل على أكثر من ارادة الطبيعة فوراً، فلا تدل على وحدة المطلوب وسقوط الأمر بالمعروف بعدم الإمتثال على الفور او على تعدد المطلوب وهو تجدد الفور مع كل زمان،
وفي الآية الكريمة [قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ] امران:
الأول: الأمر بالقول والتبليغ بوجوب الطاعة.
الثاني: وجوب طاعة الناس لله ورسوله.
وكلا الأمرين يستلزمان الفورية وعدم التراخي، ولقد شرع التوجه الى البيت الحرام قبلة للمسلمين فأستدار جماعة وهم في الصلاة فنالوا الشرف العظيم وسمي مسجدهم مسجد القبلتين،
وفرض الصيام والزكاة في السنة الثانية للهجرة النبوية وشرع المسلمون بالإمتثال مع المشقة والتكلف، ولم يقل احد بمسألة الترديد بين الفورية والتراخي، والتيه في مباحث تفصيلية، الثمرة منها قليلة، فالأصل في الأوامر الإلهية هو الفورية والمبادرة للإمتثال الا ان يرد دليل على التراخي وهو معدوم في هذه الآية، فيحمل قوله تعالى للنبي (قل) الى المبادرة الى القول والتبليغ بكل الوسائل والصيغ الممكنة.
أي فان أعرضوا عن دعوة الحق الى طاعة الله ورسوله، وهل المراد من الذين يولون ويعرضون هم المخاطبون بقوله تعالى [قُلْ أَطِيعُوا] الجواب لا، لأن الخطاب في أول الآية عام، وان التولي لا يحصل الا من شطر وطائفة من الناس، وفي الآية حذف يمكن معرفته بنظم الآيات أي وان تولى الذين يدعون انهم يحبون الله ولكنهم يأبون اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم،
وجاءت الآية بصيغة الجمع للدلالة على وجود طائفة من الكفار لا يسمعون الإنذارات ويصرون على عدم الطاعة، وهو امر ظاهر بالوجدان لكي لا يصاب المسلمون باليأس والقنوط او الفتور من السعي والدعوة الى الله، فحينما يعلم المسلم ان دعوته الآخرين قد تلقى استجابة وقد تقابل بالإعراض فانه يجددها ويواظب عليها رجاء الثواب والأجر،وتظهر الآية قوة المسلمين، خصوصاً مع اعتبار ما تقدم قبل أربع آيات بالتحذير من الكافرين، والدعوة الى التقية منهم، وبيان احكام التقية للسلامة والحفظ.
اما هذه الآية فجاءت بدعوتهم الى طاعة الله ورسوله وهو أمر مباين ومخالف للتقية ويدل على انتفاء اسبابها وموضوعها، وليس من تعارض بين الأمرين، فأحكام هذه الآية لا تسقط موارد التقية عند اجتماع شرائطها، ولكن الجمع بين الآيتين يجعل أمر التقية ثانوياً، والحاجة اليه قليلة مع القوة، ويشعر المسلم ان بامكانه الإنتقال من العمل، او الموضع، او البلد الذي يضطر فيه للتقية الى بلد أو ثغر من ثغور المسلمين، خال من لوازم وصيغ التقية.
وتجعل الآية المسلمين قادرين على الإحتجاج، والرياضة الذهنية، والجدلية لأن الدعوة الى طاعة الله ورسوله قد تستلزم الإتيان بالبرهان والدليل على صدق النبوة، ولابد من اللجوء الى القرآن والإحاطة الإجمالية بوقائع السنة النبوية المباركة ومعرفة صيغ الترغيب والترهيب والتي تدل عليها هذه الآيات المتتاليات،
وفي الآية مدح للمسلمين لأنهم أختاروا الإيمان وطاعة الله ورسوله وأصبحوا دعاة الى الحق، وتلاوة المسلم لهذه الآية وحدها دعوة الى الله يترشح العمل بها على الجوانح والأركان من حيث يعلم او لا يعلم لأن القرآن امام وقائد، ومن امامته ان يتلوه المسلم فتنطبع أوامره ونواهيه في ذاكرته.
ومثلما ميزت الآية قبل السابقة بين حضور عمل الخير عند العبد يوم القيامة، وبين فعل السوء بذكره على نحو تمني غيابه وعدم حضوره، فان هذه الآية ميزت بين ثلاثة أمور:
الأول : طاعة الله ورسوله، وجمعت بينهما ولم تذكر فرداً يطيع الله ولا يطيع رسوله، مما يدل على عدم قبول العمل الا بالإسلام.
الثاني : تولي شطر من الناس واعراضهم عن الدعوة الإلهية للطاعة، ومجيء هذه الدعوة في القرآن يدل على انها من عند الله وان جاءت على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : بغضه تعالى للكافرين، وماهي النسبة بين التولي والكفر فيه وجوه:
الأول : كل تولي هو كفر، وليس العكس.
الثاني : كل كفر هو تولي، وليس العكس.
الثالث : بينهما تساو فالكفر هو التولي والتولي هو الكفر، والأقوى ان التولي مظهر من مظاهر الكفر ودلالة عليه الا انه قد يكون مرتبة ادنى من الكفر ومقدمة له، فيكون هناك برزخ بين الكفر والتولي، فكل كفر هو تولي وليس العكس، باعتبار انه قد يتولى ليتدبر الأمر ويفكر في الدعوة ولكنه فرد نادر.
وخاتمة الآية تدل على الأول وان التولي هو كفر الا انه من اللطف الإلهي ان جاء عنوان التولي وليس الكفر، لحصول الأسباب المتتابعة للدعوة الى الإسلام حتى مع التولي، ولبيان ان الحكم الإلهي يدركه وان تولى فليس من فرار او اعراض عنه،
وجاءت آيات متعددة تبين نوع الفعل ازاء من تولى ويمكن ان يكون فيها الخيار بحسب الحال والشأن، فمثلاً يرد قوله تعالى [فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ]( ) ( )، كما ورد قوله تعالى [فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ]( )،
وتبين الآية أهمية التبليغ في موازين الجهاد، وانه يكفي فيه صرف الطبيعة، والدعوة الى الإسلام، وان كانت الإضافات والإحتجاج والبرهان أمراً حسناً، ولها خصوصية اعتبارية واجر اضافي عظيم الا انها لا يسقط الثواب في الدعوة الى الله بمسمى الدعوى والتبليغ بحسب الحال، فمرة يحتاج المسلم بيان البراهين والأدلة على صدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم، ومرة تكون هي ظاهرة عند الغير، ومرة يكفي مسمى الدعوة.
ان التزام المسلم بالعبادات وما جاء به الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو دعوة صامتة الى الله عز وجل، ولكن الآية لا تقف عنده بل يحمل قوله تعالى [قُلْ أَطِيعُوا] على القول والتلفظ ودعوة الآخرين واقعاً وترجله للخارج وسماع التبليغ فانما عرف الأنبياء بالكلام،
وتحذر الآية أهل الكتاب والكفار من الإعراض عن دعوة الحق وتبين ان الله عز وجل لا يحب الذي يعرض عن الحق لأن الله بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لإقامة صرح الإسلام، وهداية الناس الى الرشاد، فتولي الإنسان يعني اعراضه عما ينفعه، وتعريض الذات والغير للضرر والأذى في النشأتين، ويعتبر توليه محاولة لصد الفتح المبين ونشر لواء راية الدين.
لقد جاءت الآية بالأمر بالدعوة الى طاعته تعالى لغلق الباب امام الذين يقولون اتركونا وشأننا، لكم دينكم ولنا ديننا، كما جاءت لمنع ظهور اصوات من داخل صفوف المسلمين تنادي بترك الكفار وحالهم، ومنع حصول الإرباك بين المسلمين،
فقد ساعدت هذه الآيات المسلمين على معرفة القواعد الكلية للعمل الجهادي واسس التبليغ التي يشترك فيها الجميع، والكليات والمناهج التي يعملون بها على نحو الإتحاد او التعدد، والفرد والجماعة.

قوله تعالى [فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ]
قاعدة كلية من مصاديق الإرادة التكوينية والصفات الفعلية في بغضه وكرهه تعالى للكافرين الذين يجحدون بربوبيته تعالى، وهم أشد الناس ظلماً لأنفسهم ولغيرهم، اذ يقابلون النعم بالكفران، والدعوة الى طاعة الله ورسوله بالتولي والصدود والإصرار على لزوم العناد والبقاء في الغشاوات الظلمانية التي تترشح عن الضلالة،
والكفر مكروه بالذات والعرض، بالذات لأنه أشد أنواع المعاصي وخلاف الحكم الشرعي، وادراك العقل، والوجدان والوظيفة العملية للإنسان في الحياة الدنيا وهي عبادة الله تعالى، وبالعرض للآثار السلبية والأضرار الناجمة عنه فهو مادة الفساد والإفساد وسبب الإبتلاءات ونقص الأموال والثمرات وامساك السماء والذل والهوان، وهو طريق الوقوع في الهاوية، ودخول النار يوم القيامة،
وعدم حبه تعالى مركب من أمرين:
الأول: الحرمان من حبه تعالى وما يعنيه من افاضات الرحمة ورشحات اللطف الإلهي واتصال النعم.
الثاني: التعرض لغضبه وسخطه سبحانه، وهذا الغضب ينقسم الى قسمين:
الأول: في الحياة الدنيا، وما يلاقيه فيها الكافر من الأذى والشر وعدم التوفيق.
الثاني: في الآخرة ودخول النار عقاباً على الكفر.
لقد أمر الله نبيه بالدعوة الى طاعته وعضّد وايّد الأمر والمأمور الكريم بخاتمة هذه الآية واعلان هذه الوثيقة الخالدة التي تكون ركيزة واساً في بناء عالم الحساب في الآخرة،
وتبعث خاتمة الآية الفزع والخوف في قلوب الكافرين وتدعوهم الى توظيف العقل للتدبر بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله و عدم التولي من الدعوة الى الله،
والمراد من الكفر في الآية وجوه:
الأول : كفر بالوحدانية والربوبية، وهوكفر جحود.
الثاني : كفر بالنبوة، وعدم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : كفر بما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله، وعدم الشكر على نعمة القرآن.
الرابع : معصية الله ورسوله وعدم العمل بالأوامر والتكاليف الإلهية، وهذه الوجوه كلها من مصاديق الآية، وعناوين الذم واللوم.
علم المناسبة
تضمن القرآن آيات (الحب) وما فيها من مضامين المدح والثناء كما في قوله تعالى [فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ] والله يحب الصابرين كما تضمن القرآن الآيات التي تتضمن بغضه لمن يرتكب المعاصي والذنوب، ويصر على العناد والجحود، ويلاحظ في الآية ان بغضه وعدم حبه تعالى لم يأت الا بعد الدعوة النبوية الى طاعته ونيل مرضاته.
وجاء عدم حبه تعالى في القرآن ببيان، وحجة على الناس في عدة آيات وهي:
الأولى : ما ورد في هذه الآية من عدم حبه للكافرين والتي تكررت في سورة الروم.
الثانية : عدم حبه تعالى للمعتدين، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، وقوله تعالى [إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] ( )، كما ورد في القرآن بغضه وعدم حبه للمسرفين والمستكبرين، والفرحين، والمفسدين، والخائنين.
وفي آيات البغض هذه مدرسة لتهذيب النفوس، واصلاح المجتمعات واقامة صرح الدين وعدم ترك الهوى يستولي على المجتمعات، فيأتي عدم حبه تعالى زاجراً عن الضلالة، وعوناً للقرآن والمسلمين في الدعوة الى الله تعالى،
كما تطرح ألآية تقسيماً للناس بلحاظ الحب والبغض الإلهي وتمنع من النظر العقائدي الى الفريقين على نحو التساوي، لوجود التباين والتناقض بينهما بلحاظ الفعل وترتب الأثر.
وهذا التقسيم يساعد في توجيه أفعال ومعاملات المسلمين بما يثبت دعائمالإسلام ويساهم في حفظ الشريعة وأحكامها.


قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ] الآية 33
الإعراب واللغة
ان الله: ان: حرف مشبه بالفعل، اسم الجلالة: اسمها،
اصطفى: فعل ماض، آدم: مفعول به، والجملة الفعلية خبر ان.
نوحاً وآل ابراهيم وآل عمران: عطف على آدم .
على العالمين: جار ومجرور متعلقان باصطفى.
في سياق الآيات
بعد ان بينت الآيتان السابقتان مواطن حب الله تعالى للناس وفق ملاكات العمل الصالح، وبغضه لمن يتولى عن دعوة الحق ويختار الكفر والجحود، مع التأكيد على طاعة الله ورسوله، جاءت هذه الآية لبيان المنزلة العظيمة للأنبياء والرسل، واتصال النبوة وعدم انقطاعها من آدم الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أختتمت الآية السابقة بذم الكافرين وقبح فعلهم وإعراضهم عن أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجوب طاعة الله والرسول، وكيف أن الله لايحبهم مما يدل على سوء عاقبتهم في النشأتين.
وإبتدأت هذه الآية بموضوع إكرام الأنبياء وخاصة الأولياء وإجتبائهم في الدنيا والآخرة، ليفيد الجمع بين خاتمة الآية السابقة وبداية هذه الآية مسائل:
الأولى : علم الله عز وجل بأفعال العباد.
الثانية : مجئ الجزاء العاجل في الدنيا بالإكرام للصالحين والبغض للكافرين.
الثالثة : ترغيب الناس بالإيمان، وبعث النفرة في نفوسهم من الكفر والضلالة.
الرابعة : طاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي ذكرتها الآية السابقة لأنه ممن إصطفى الله، ولأن الله عز وجل إختاره للنبوة الخاتمة.
الخامسة : بيان فضل الله عز وجل على الأنبياء والأولياء الذين اصطفاهم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبنزول القرآن، فهذه الآية وثيقة سماوية في موضوع وموضوعية اللطف بالإصطفاء.
ولما جاءت الآية السابقة بوجوب طاعة الله عز وجل وقرنت طاعة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطاعته تعالى، أخبرت هذه الآية عن إصطفاء وإجتباء آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من آل إبراهيم , وفيه دعوة لأهل الكتاب والناس بتلقي معجزات النبوة بالتصديق والتحذير من الجحود بها، وبعث لمعاني المودة وعدم النفرة بين المسلمين وأهل الكتاب لإلتقائهم بنسب الذرية وباتباع نهج الذرية، فكل فريق منهم إما من ذرية إبراهيم وإما من أتباع ذرية إبراهيم , قال تعالى[وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى]( ).

إعجاز الآية
تبين الآية النعمة العظيمة في الإصطفاء، والإختيار للنبوة والرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا، وفي دعوة للناس للتسليم بهذا الإصطفاء وعدم مقابلته بالصدود والعناد والضلالة، ووصفت الآية الإصطفاء بانه على العالمين، للدلالة على عموم الحكم وان اصطفاءهم واجتباءهم من بين الناس جميعاً .
وفي الآية دعوة لإكرام الأنبياء والتسليم بفضلهم وتتبع آثار اختيارهم واصطفائهم للنبوة والرسالة، ولزوم الإقرار بما جاءوا به، والآية شاهد سماوي على عصمة الأنبياء في الجملة
وتؤكد الآية نسب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورجوعه الى ابراهيم وهو أمر ثابت بالأخبار ومتواتر بين المسلمين وغيرهم منهم علماء الأنساب منذ البعثة النبوية الى يومنا هذا، ولكن توثيق القرآن للنسب تأكيد سماوي يؤكد العناية الإلهية بالأنبياء وكيفية اختيارهم من الذرية الطاهرة واعدادهم وتهيئتهم واصلاحهم للنبوة،
والآية حجة في لزوم التسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما آمنوا وسلموا بالنبوات من قبله.
وتبين الآية نعمة على أهل الأرض وأنه سبحانه لن يترك الناس وشأنهم، قال سبحانه[أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى]( ).
فقد تفضل الله عز وجل باصطفاء طائفة من خاصة عباده ليكونوا أئمة واسوة للناس، بهم يستضيئون , ومنهم يقتبسون , قال تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( )،
ويمكن ان تسمى هذه الآية آية (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ) ولم يرد لفظ(ان الله اصطفى) في القرآن إلا مرتين إذ ورد بقوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( )، في خطاب من يعقوب النبي إلى بنيه ومنهم يوسف عليه السلام، لبيان أن نعمة الإصطفاء ثروة عقائدية في الأرض ورثها المسلمون ليتعاهدوها بالتقوى، لذا جاء قبل آيتين[قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ]( ).
الآية سلاح
هذه الآية فخر وشرف زائد للأنبياء بشهادة القرآن لهم بالتفضيل الذي يعني تزكية اعمالهم ولزوم اتباعهم، وتؤيدها الشواهد القرآنية التي تخبر عن الإيحاء لهم، وفي الآية حث للناس على الإيمان بالنبوة وعدم الجحود بما جاء به الأنبياء من عند الله، وتبين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإقرار بالأنبياء من قبله بأمر منه تعالى، وصدق نزول القرآن.
وتحث الآية المسلمين والناس جميعاً على التصديق بنبوة آدم عليه السلام وأنبياء بني إسرائيل، وتبين عظيم منزلتهم عند الله وحفظهم لسنن التوحيد في الأرض، إلى أن جاء القرآن فحفظ لهم إخلاصهم وتفانيهم في طاعة الله، ولاقى عدد من أنبياء بني إسرائيل القتل في سبيل الله وتثبيت دعائم التوحيد في الأرض، وهل إصغاؤهم قبل قتلهم أو بعده، الجواب هو الأول، لأن الإصطفاء ملازم للنبوة، وعنوان إختيارهم لهذه المنزلة الرفيعة.
ومن الآيات أن الإصطفاء في الآية لم يرد بذاته كالفعل اللازم، بل ورد بافادة التقدم الرتبي على عموم الناس، وجاء بلفظ ( على العالمين) الذي يفيد الإستعلاء ليكون من معاني الآية محاكاتهم في سنن طاعة الله، والثناء عليهم وإكرامهم، ومن أسرار ذكر الإصطفاء في الآية التصديق بالبشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ألسنة الأنبياء السابقين من (آل إبراهيم وآل عمران) وأن هذه البشارات هي من مصاديق الإصطفاء مثلما هي من رشحاته.
مفهوم الآية
ان الله عز وجل خلق آدم من تراب وجعله خليفته في الأرض وخلق حواء لتكون زوجاً له، فصارت هذه الذرية الهائلة التي تدل على العناية الإلهية بالإنسان فلولا فضله تعالى في تعاهد بني آدم لما وصل الناس الى ما هم عليه من الكثرة والدقة في الأنظمة والمعاملات، وأسباب التناسل والى جانب هذه العناية بالناس هناك عناية وتشريف خاص لجماعة وأشخاص من البشر، هم الأنبياء وهم اشرف الناس،
وفي الآية اخبار بان الناس ليسوا بعرض واحد في التفضيل والإختيار، فهناك تفضيل عام للإنسان، ففي بني آدم قال تعالى [وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً]( )، وهناك تفضيل خاص منه تفضيل بني اسرائيل على أهل زمانهم [وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( )، ومنه تفضيل المجاهدين في سبيل الله [وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا]( )،
وجاءت هذه الآية بالإجتباء والإنتقاء، وهو أعلى رتبة وعلواً من التفضيل، ففي الآية اخبار عن حصول اصطفاء وانتقاء بين الناس، وهو رحمة خاصة وعامة، خاصة بالذين نالوا هذا الإصطفاء من الأنبياء، وعامة للناس لأن الأنبياء الوسائط المباركة بين الله وبين خلقه، والله عز وجل لا يفعل الا الخير والحسن وما فيه الكرم والرحمة والرأفة، فلابد ان هذا الإصطفاء رحمة بالناس جميعاً،
ومن الرحمة ذكر هذا الإصطفاء في القرآن وتثبيته لمنع التعدي على الأنبياء، او التبعيض بالإيمان بهم، فلابد من الإيمان بجميع الأنبياء، ولا يجوز الإيمان ببعض منهم دون بعضهم الآخر، فجاء توكيد الإصطفاء للإخبار بانهم بعرض واحد في النبوة والرسالة،
ومن مفاهيم الآية انها تمنع من ادعاء الإصطفاء والإختيار والتفضيل الإلهي بغير حق، واتخاذ هذه الدعوى وسيلة لجذب الرياسة والإستحواذ على الشؤون العامة ومحاولة التشريع والإجتهاد، فقد ذكرت الآية الذين فازوا بالإصطفاء على نحو التعيين، وبالأسماء والصفات، مما يدل على أهمية الأمر وضرورة عدم اللبس والجهالة فيه، وفيه حث للناس على ضبط هذه الحقائق من الإرادة التكوينية والتشريعية، وقد ورد الإصطفاء والإجتباء لكل من:
أولاَ : آدم عليه السلام، وهو ابو البشر.
ثانياَ : نبي الله نوح عليه السلام، وهو من الرسل الخمسة اولي العزم.
ثالثاَ : آل ابراهيم.
رابعاَ : آل عمران.
ويلاحظ فيه انه على قسمين:
الأول: على نحو القضية الشخصية بذكر آدم ونوح،
والثاني: بذكر الآل، وفيه سعة وبيان وشمول للأنبياء من ذرية ابراهيم،
والقرآن جاء بجوامع الكلم، واصطفاء الأنبياء تعرفه الخلائق وعن ابن عباس: “اذا قبض الله نبياً من الأنبياء بكت عليه السماء والأرض أربعين سنة” ومن مفاهيم الإصطفاء على الناس دعوة الناس لإتباعهم والإنقياد لهم.
افاضات الآية
لقد حصل الإجتباء والإختيار بارادته تعالى وهو أعلم بالمصالح والمفاسد، وجاءت على نحو التعيين بالاسم والذات، وهو تشريف وتفضيل، ودعوة لمحبة الأنبياء وعدم الصدود عنهم، وتوكيد لوجوب طاعتهم للوحي والتنزيل والتأهيل الإلهي لمراتب الكمال،
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين اذ ذكر الإصطفاء وأشخاص الذين أجتباهم من بين خلقه، وفيه تأديب لهم وارشاد لوجوب التصديق بنبوتهم،
وقد أظهر المسلمون صدق الإيمان وسلموا بالنبوات وليس من مسلم الا ويقدم الأنبياء بالشرف والفضيلة وسمو المرتبة الإلهية التي ينفردون بها من بين الخلائق،
ان اكرام كل نبي هو اكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته وبعثته، كما ان اكرام وتصديق المسلمين بالأنبياء هو عنوان تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين، فبنبوته أستقر موضوع اكرام الأنبياء في الأرض على نحو العموم المجموعي، وصار من مضامين الإيمان الثابتة التصديق، والإيمان بكل نبي من الأنبياء.
التفسير
قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ]
لقد جاءت الآية نصاً صريحاً ومحكماً بالإجتباء والإصطفاء، وان الله تعالى هو الذي اصطفى واختار، وليس لأحد من الناس ان يسأل لماذا هذا الإصطفاء بل أمر ثابت لوجوه:
الأول : انه تعالى يفعل ما يشاء [لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] ( ).
الثاني : هذا الإصطفاء تشريف لبني آدم جميعاً.
الثالث : هو جزء من الإرادة التكوينية في تقديم بعض أفراد الجنس البشري للوساطة بين الله وبين خلقه، لتتجلى معاني الكمالات الإنسانية في سننهم وسيرتهم وسمتهم.
الرابع : هذا الإجتباء رحمة بالناس جميعاً، فالله عز وجل يختار نفراً من عباده للنبوة فينتفع الناس كافة بالهداية والرشاد.
الخامس : ان طريق الإصطفاء مفتوح للناس بركوب جادة الإيمان والتصديق بالنبوات، والعمل بما جاء به الأنبياء، والدعوة الى الله في السر والعلانية.
ومن وجوه الإجتباء:
الأول : الإختيار للنبوة والوحي، وهي أشرف رتبة بين الخلائق.
الثاني : العصمة من الزلل والخطأ، لأن من يصطفيه الله يختاره لنفسه وينزهه عن الإنشغال بما سواه، وحتى الذين نفوا عصمة الأنبياء فانهم نفوها في غير الوحي والتبليغ، مثل نصب العمال وتدبير شؤون الحرب، والأحوال الشخصية من المباحات.
الثالث : الدعوة المستجابة، وفي الحديث:”لكل نبي دعوة مستجابة” وقيل جميع دعوات الأنبياء مستجابة، وفي الحديث: “انا دعوة ابي ابراهيم”.
الرابع : تزكية أعمالهم وصحة ما يبلغون به وصدق اخبارهم عن الله عز وجل.
الخامس : تعاهد الصلاة والعبادة في الأرض ليرجع لهم الناس ويصدروا عنهم.
السادس : بلوغ الأنبياء منازل اليقين، وهو اعتقاد ايماني راسخ، وعلم خال من الشك والتردد.
السابع : التصدي لأغواء الشيطان عن ملكة واختيار.
الثامن : الإختيار للنبوة والرسالة.
التاسع : اجتباؤهم لدينه.
العاشر : من الإصطفاء والإجتباء الجهاد وألإجتهاد في الدعوة الى الله، وهداية الناس، لذا فان الآية السابقة امرت بطاعة الرسول لأنه يدعو الى الله وانه سبحانه أصطفاه واختاره، فالله يختار ويصطفي من يشاء من عباده للنبوة وعلى الناس ان يتبعوه ويطيعوه،
ومن اعجاز القرآن ان تأتي الجملة الخبرية في أمر، ولكن مفادها ألأمر والإنشاء، وأخبرت الآية عن تفضله بالإجتباء لتبين عظيم رحمته على الناس جميعاً بهذا الإصطفاء ولزوم مقابلته بالشكر والإستجابة والإمتثال، لأن الإصطفاء ليس مطلوباً بذاته، بل هو عنوان الرسالة وأداء الوظيفة السماوية,
وبدأت الآية بذكر آدم لأن خلقه آية وسر من أسرار الكون، وفيه عز وتشريف لجنس البشر اذ نفخ الله فيه من روحه، وجعل له خصوصية تميزه عن المخلوقات الأخرى، وتؤهله للخلافة في الأرض، ولتبعث النفس المدركة الى مفاهيم الإيمان وتفيض صيغ العبادة وتثبت التوحيد في الأرض، وتفضل سبحانه وأسكنه وحواء الجنة كما تقدم بيانه( )، ولا يؤثر في هذا التشريف الإختلاف الذي جرى بين العلماء والمتكلمين في جنة آدم، وهل هي؟
أولاَ : جنة الخلد.
ثانياَ : جنة من جنان السماء.
ثالثاَ : من جنات وبقاع الأرض وسكن الجنة.
ومن الأمور النادرة التي تجمع عليها الملل والأمم على اختلاف مشاربها ومذاهبها ان آدم ابو البشر وان ذكرت له في الديانات الأخرى أسماء غير آدم، ولكن تلك الأسماء انما هي ترجمة لاسم آدم، واسمه عند الهنود كيومرت،
ومن وجوه التشريف والإكرام ان تفضل سبحانه، وعلم آدم الأسماء كلها والأسماء جمع اسم، وهو في الإصطلاح المنطقي اللفظ الذي يمكن ان يخبر به وعنه وحده، ولا يدل بهيئته وصيغته على الزمان، ان اختيار آدم كذات وبدن ونفخ الروح فيه وخلقه باجمل صورة من بين المخلوقات، هو اصطفاء واختيار ودعوة لإكرامه بالإضافة الى ابوته للبشر، وانه العلة المادية لأصل تكاثرهم وتوالدهم في نظام دقيق.
لقد جعل الله النبوة ملازمة للوجود الإنساني في الأرض، فقد كان آدم نبياً، وتدل عليه هذه الآية وآيات الخلافة الى جانب النصوص، وفي حديث ابي ذر الغفاري “سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن آدم هل هو نبي مرسل؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلاً”، وفي رواية ابي امامة عنه: نعم، كان نبياً، كلمه الله قبلاً،
واذا كانت الخلافة في الأرض نوعية فهل يمكن اعتبار المراد من اصطفاء آدم في الآية هو اصطفاء جنس الإنسان، الجواب لا، لأن القدر المتيقن في الآية ارادة شخص آدم من وجوه:
الأول : لقرينة قوله تعالى [عَلَى الْعَالَمِينَ] فقد جاء الإجتباء والتشريف والإختيار من بين الناس وبما يفيد رفعة وعلو شأن من أصطفى.
الثاني : قرينة ذكر نوح وآل ابراهيم وآل عمران بعرض واحد في الإصطفاء مع آدم، اذ لو كان اصطفاء آدم اجتباء للناس كلهم فلا يلزم ذكر نوح والأنبياء الآخرين.
الثالث : القدر المتيقن، وظاهر اللفظ يدل على التخصيص والقضية الشخصية.
الرابع : مسألة الإصطفاء غير الخلافة في الأرض،
ولقد فضل الله تعالى الإنسان على العالمين، وكثير من الخلائق، وجاءت الآية لتخبر عن الإصطفاء الخاص بعد التفضيل العام، أي الإصطفاء أخص من التفضيل ويكون من بين الأفضل والأحسن، ويعني الإصطفاء صفوة الخلق والنقاء والتمييز من بين الناس، واعطاءهم منزلة لا ينالها غيرهم.
قوله تعالى [وَنُوحًا]
نوح رسول من الخمسة أولي العزم الذين أختارهم الله من بين الرسل، وهو اسم ينصرف مع العجمة والتعريف فتقول أصطفى الله نوحاً، لأنه ساكن الوسط مثل لوط،
وقد شرف الله نوحاً فقال [سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ] ( )، والمشهور ان نوحاً هو ابن لامك بن متوشخ بن أخنوخ وهو ادريس النبي، واختلف في اسم نوح على قولين:
الأول: أعجمي،
الثاني: انه عربي مشتق من ناح ينوح أي صاح لأنه كان يصيح بقومه أي يدعوهم الى الإيمان، او انه كان ينوح ويبكي على نفسه، وذكر انه ناح على نفسه خمسمائة عام لما عليه قومه من الضلالة، وقد أسسنا قاعدة لسانية وهي (لو دار الأمر في اللفظ القرآني بين كونه عربياً او اعجمياً، فالأصل انه عربي) وكان نوح نجاراً، ولعل مهنة النجارة جاءته من طول المدة التي استغرقها صنع السفينة او انها مقدمة لها.
وفي خبر الواسطي قال: سألت الإمام جعفر بن محمد من الفلاحين؟ قال: هم الزارعون كنوز الله في أرضه وما في الأعمال شيء أحب الى الله من الزراعة، وما بعث الله نبياً الا زارعاً، الا ادريس فانه كان خياطاً، فجاء الإستثناء من عمل الأنبياء بالزراعة خاصاً بادريس، مما يعني ان نوحاً عمل بالزراعة ايضاً.
“وفي الحديث عن الصادق عاش نوح الفي سنة وخمسمائة سنة ومنها ثمان مائة وخمسون قبل أن يبعث وألف سنة إلا خمسين عاما في قومه يدعوهم وسبعمائة بعد نزوله من السفينة، ونضب الماء ومصر الامصار وأسكن ولده في البلدان، ثم إن ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال ” السلام عليك ” فرد وقال له : ما جاء بك يا ملك الموت ؟ قال : جئت لاقبض روحك . فقال له : تدعني أتحول من الشمس إلى الظل ؟ فقال : نعم، فتحول نوح فقال : يا ملك الموت كأن ما مرّ بي من الدنيا مثل تحولي من الشمس إلى الظل فامض لما أمرت به.
وذكر انه كان بين نوح النبي وبين آدم عشرة آباء أنبياء”( ).
ونوح من المعمرين وقد ذكره الله بقوله [فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا] ( )، ومن جهاد نوح تعلم وجهاً من وجوه الإصطفاء والإجتباء وانه عنوان الجهاد وبذل الوسع في ذات الله وما تحمله من الأذى والعناء من قومه، وهل جاء الإصطفاء بعد الجهاد في سبيله تعالى وتلقي العناء والأذى من قومه ام ان الإصطفاء سابق له، الجواب ان اصطفاء واجتباء الأنبياء سابق ومتقدم زماناً لما لاقوه من الأذى، وهو في علم الله، ومع الإجتباء وعظيم منزلة نوح فان قومه لم يبادروا الى الإسلام حينما دعاهم اليه ورغبهم بدخوله، قال تعالى [وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى]( )، وذكر نوح على نحو الخصوص من بين الأنبياء الذي يشملهم الإصطفاء اكرام خاص ودليل على عظيم منزلته عند الله عز وجل، ومن وجوه اصطفاء نوح:
الأول : اختياره للنبوة.
الثاني : طول العمر.
الثالث : النجاة من الغرق.
الرابع : اجابة دعائه.
علم المناسبة
وردت مادة ( اصطفى) و(صفى) في القرآن ثلاث عشرة مرة، ونسبة الإصطفاء فيها جميعاً لله تعالى فهو الذي يصطفي ويجتبي ويختار وليس لغيره من الخلائق الأهلية للإصطفاء، بل الكل يتطلع لأن يناله الإصطفاء ولو على نحو جزئي وبلحاظ جهتي وحيثية مخصوصة وليس مطلقاً، فصرف الطبيعة من الإصطفاء تشريف وفضل عظيم، وقد ورد الإصطفاء في القرآن على وجوه:
الأول : اصطفاء واجتباء الرسل كما في هذه الآية الكريمة.
الثاني : اصطفاء الدين للمسلمين، واختيار الإسلام شريعة لأهل الأرض، لأنه الدين عند الله.
الثالث : اصطفاء مريم على نساء زمانها [وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ]( )، ويلاحظ تكرر الإصطفاء في الآية.
الرابع : اصطفاء نفر من الملائكة لتبليغ الوحي للأنبياء، قال تعالى [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ]( ).
الخامس : الإصطفاء لأغراض الملك والأمرة والسلطنة للعمل بما انزل الله ومحاربة الجبارين، كما في اصطفاء طالوت [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ]( )،
وتبين الآيات القرآنية لزوم الشكر له تعالى على نعمة الإصطفاء والتسليم والدعاء لهم بما يؤكد التصديق بنبوتهم، قال تعالى [قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى]( )،
قوله تعالى [وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ]
الآل خاصة الأهل والقربى، وقيل الآل والأهل واحد، ولكن النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق، فالآل من الأهل والأخص من بينهم نسباً وقرابة، مقتبس من الأوّل – بتخفيف الواو- وهو الرجوع، قال الشاعر:
ولا تبك ميتاً بعد ميت أجنّة علي وعباس وآل ابي بكر
ولا يقال آل فلان الا لصاحب الشأن والسلطان والجاه سواء كان سلطان حق وعدل، او سلطان ظلم وجور كما في فرعون وآل فرعون، وقال ابو عبيدة سمعت اعرابياَ فصيحاً يقول:”أهل مكة آل الله” فقلنا ما تعني بذلك قال: “اليسوا مسلمين، المسلمون آل الله” وليس بتام لأن الله عز وجل منزه عن نسبة الآل بل كل عباده ولم نر من رد هذا القول، ولا يقال للأدنين آل فلان فذكر آل ابراهيم، دلالة العز والرفعة والجاه في الدنيا والآخرة لأن الآية جاءت بصدد الإصطفاء والإجتباء، ويحتمل وجوهاً ثلاثة:
الأول : الإصطفاء في الدنيا.
الثاني : الإجتباء والتفضيل في الآخرة.
الثالث : الإصطفاء في الدنيا والآخرة،
والوجه الثالث هو الصحيح لإصالة الإطلاق، ولأنه سبحانه اذا اعطى يعطي بالأوفى والأتم والأكمل، وفي ابراهيم قال تعالى [وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ] ( )، وهذا من الإعجاز وبيان الفارق بين نواميس وقوانين الدنيا والآخرة، ووجود وجوه للشبه تتعلق باكرام المؤمنين كما في قوله تعالى في أصحاب الجنة [هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ]( )،
والإصطفاء في الآخرة أعم ويشمل اهل الجنان، مما يعني ان الإصطفاء في الدنيا جاء بذكر آدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران على سبيل المثال الأمثل وليس الحصر، فكل من اعانه الله بلطفه على انتهاج سنتهم وعمل بعملهم فهو ملحق بهم في الإصطفاء ولو بدرجة أدنى،
والآية ترغيب باتباعهم ودخول الإسلام لأن صفات الأنبياء تتكامل وتجتمع بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ان ذكر الإصطفاء دعوة للناس لإتباع نهجهم الذي يبينه امران:
أولاَ : القرآن وما فيه من قصصهم، لذا وصفها تعالى بانها “أحسن القصص”
ثانياَ : سنة وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تمثل الكمالات الإنسانية، وتتجلى فيها العبودية المحضة لله تعالى وهي العلة المادية لهذا الإصطفاء والإنتقاء.
وجاء ذكر آل ابراهيم لأنه ابو الأنبياء الذين جاءوا من بعده فاسماعيل واسحاق ويعقوب وداود وسليمان وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم كلهم من ذرية ابراهيم، ولكن الآية لم تذكر ابراهيم على نحو الخصوص، لأن آل الشخص غير ذاته، فهل هو بدرجة ادنى رتبة من آدم ونوح الجواب لا، لأنه من الخمسة اولي العزم وآدم ليس منهم، كما ورد ذكر آله من الأنبياء ومنهم انبياء وليسوا رسلاً،
واصطفاء ابراهيم ورد في آية اخرى، [وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا] ( )، مما يدل على ان ابراهيم ايضاً اصطفاه الله وان الآيةلم تغفل حقه بل اعطته تشريفاً اضافياً بان ذكرت آله في الآية مع الأنبياء وجاء ذكر اصطفائه بآية مستقلة والنسبة والصلة بين النبوة والإصطفاء تحتمل وجوهاً:
الأول : مجيء النبوة بسبب الإصطفاء.
الثاني : الإصطفاء جاء بسبب النبوة وهو فرع لها.
الثالث : كل منهما مستقل عن الآخر.
الرابع : كلاهما جاءا معاً دفعة .
الخامس : الإصطفاء هو النبوة وهما بمعنى واحد.
السادس : الإصطفاء اعم من النبوة.
السابع : العكس من الوجه السابق وهو ان النبوة أعم من الإصطفاء.
والتعارض بين الوجوه اعلاه بدوي يزول بادنى تحقيق، فلا تعارض بينما ويمكن اعتبارها من عمومات اذا اجتمع افترق واذا افترق اجتمع وبلحاظ الآيات القرآنية الأخرى، فان الإصطفاء اعم من النبوة فقد جاء في طالوت وهو ملك وان قيل انه نبي ايضاً كما ورد الإصطفاء في مريم وهي ليست بنبية وان كان اصطفاؤها مقيداً بانه [عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ] ( ).
وقد يكون الإصطفاء أخص من النبوة كما في موسى قال تعالى [إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي]( )،
وبلحاظ الزمان للنسبة بين النبوة والإصطفاء، وجوه ثلاثة وهي:
الأول : تقدم الإصطفاء على العمل فيأتي الإصطفاء عناية خاصة، وملكة تساعدهم على التوفيق في أداء الواجبات، وعصمة من الزلل والخطأ، وطهارة من الذنب والدنس.
الثاني : تقدم العمل على الإصطفاء، ويكون الإصطفاء عنوان جزاء وشاهداً على التمييز وعلة الإختيار.
الثالث : اقتران الإصطفاء بالعمل.
ولا تعارض بين هذه الوجوه الثلاثة لعظيم فضله تعالى، فقد اختار الله ابراهيم نبياً وهو من الإصطفاء بكلمات وامتحان، فجعله اماماً، قال تعالى [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا]( )،
وهل الإصطفاء من الكلي المتواطئ وانه على مرتبة واحدة، ام من الكلي المشكك وانه متفاوت في القوة والضعف والكثرة والقلة الجواب هو الثاني والله واسع كريم فمنهم من كان نبياً رسولاً ومنهم من كان نبياً او وصياً او ولياً.
وقيل المراد من آل ابراهيم هم المؤمنون المتمسكون بدينه وهو دين الإسلام، عن ابن عباس والحسن.
لكنه اخص وتتعلق الآية بشرف النبوة بقرينة ذكر آدم ونوح مع وجود عشرة أنبياء بينهم كما قيل، وقد كان بينهما ولد آدم هبة الله وهو شيث، ولم يذكر في هذه الآية مع انه نبي.
وأختلف في عمران على أقوال:
الأول : عمران ابو موسى وهارون، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم.
الثاني : عمران ابو مريم عليها السلام، وهو عمران بن ماثان، وقيل عمران بن الهشم بن أمون وهو من نسل سليمان بن داود بن إيشا، من نسل يهوذا بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليه السلام، وذكر ان بين العمرانين الف وثمانمائة سنة.
الثالث : آل عمران من آل ابراهيم أي يكون من عطف الخاص على العام .
الرابع : ارادة نفس ابراهيم ونفس عمران( )، وهو بعيد الا ان يدخلا في مصاديق ومعاني اللفظ فيكون الآل شامل لهما ولذريتهما.
والوجه الثالث اعلاه جامع للوجهين الأول والثاني لأن موسى وهارون وعيسى ومريم وعمران ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم من ذرية ابراهيم عليه السلام، وعمران مشتق من العمر ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون وذكر انه اعجمي ممنوع من الصرف.
وفي الآية دعوة لتلمس وجوه الإصطفاء ودراسة كل نعمة مترشحة عنها، فطول العمر عند آدم اصطفاء ونعمة وكذا نجاته من الغرق، بالإضافة الى النبوة والرسالة، واختيار ابراهيم خليلاً نعمة عظيمة وشاهد على الإصطفاء بالإضافة الى نجاته من النار.
واخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هم المؤمنون من آل ابراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم( ).
بمعنى ان الآية تتضمن الترغيب والحث على اتباع نهج ابراهيم وتدعو ذريته على نحو الخصوص لنيل شرف الإصطفاء والإجتباء وانه باب مفتوح الى يوم القيامة، وهذا المضمون من اعجاز الآية القرآنية لذا وردت بذكر الآل ليكون دعوة لبني اسرائيل للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتصال نعمه تعالى عليهم مع زيادة عليها وهو الإصطفاء والإختيار، والآية دعوة للمسلمين والناس جميعاً لإكرام أهل بيت النبي لأنهم آل ابراهيم، وجاء القرآن بالحث على مودتهم ومحبتهم.
لقد جاءت الآية بذكر اول انسان خلقه الله وهو آدم لتبين كرمه سبحانه وان وجود الإنسان بدأ بالإصطفاء والإجتباء، ولم يجعله الله عز وجل خاملاً بدليل ان الله أمر الملائكة ان يسجدوا له وهو من الإصطفاء ثم لم ينقطع هذا الإصطفاء، بل بقي بالأنبياء والرسل الى ان انتهى بأهل بيت النبوة والمؤمنين من اتباع الرسل، وهم على نهج محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الله عز وجل اذا أنزل نعمة فانه أكرم من ان يرفعها، فالإصطفاء موجود وان تباينت درجته، وقلت مرتبته بعد انتقال الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى وانتقل الى صفة المحاكاة، والإقتداء أي محاكاة الأنبياء والإقتداء بسيرتهم وسننهم لتنزل النعم على المؤمنين،
لقد أراد الله عز وجل للإنسان ان يصاحبه الإصطفاء من أول ساعة خلقه وهذا الإصطفاء مستمر وملازم للوجود الإنساني الى يومنا هذا، وهو من فضله تعالى على الناس،
وفي الآية تأديب للمسلمين كما تبعث في نفوسهم الثقة والسكينة والأمل بالسعادة الأخروية، وتجعلهم يشعرون بامكان الإرتقاء في سلم الكمالات ويتسابقون في سبل الصلاح.
ولابد من وجود أنبياء بين آدم ونوح، وبين نوح وابراهيم، ولكن الآية لم تذكرهم، وفيه وجوه:
الأول : هناك آيات أخرى تشير الى اصطفائهم كما في قوله تعالى [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ] ( )، فتعلق الإصطفاء بالأنبياء جميعاً، وهذه الآية أخص فتتعلق بالأنبياء بصفة النبوة وهي أشرف وأعلى مرتبة بين الناس.
الثاني : شمول الآية للأنبياء جميعاً وان لم يكونوا من ذرية ابراهيم لأن اجتباء آدم ونوح جاء بلحاظ النبوة وآل ابراهيم وآل عمران بالنبوة والإمامة والعفاف والتقوى لشمولها لمريم عليها السلام مثلاً.
الثالث : تتضمن الآية التالية اشارة الى الأنبياء الآخرين بقوله تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ]،
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها وشواهد دلائل تؤكد شمول الأنبياء الآخرين بآية الإصطفاء وانهم لم يخرجوا من هذه النعمة لا بالتخصص ولا بالتخصيص.

قوله تعالى [عَلَى الْعَالَمِينَ]
جاء حرف الجر (على) لإفادة الإستعلاء وهو ظاهر لأن الإصطفاء اكرام خاص وتشريف لم ينله الا خاصة اولياء الله وعباده المخلصين، ولفظ العالمين جمع عالم ويفيد الإطلاق لصيغة جمع المذكر السالم، ولكن أختلف في متعلقه على أقوال:
الأول : الناس جميعاً.
الثاني : عالم الماديات وعالم المجردات، والأول الأجسام والفلكيات والعناصر، والثاني هم الملائكة ويسمون الملأ الأعلى، والنفوس الفلكية، والأرواح البشرية الناطقة،
ومنهم من استدل بهذه الاية على أفضلية الأنبياء على الملائكة باعتبار انهم من العالمين ويمكن القول بالتفصيل في معنى العالمين، وانه من الكلي المشكك الذي يقع على مراتب متفاوتة وليس من الكلي المتواطئ، فله معنيان:
الأول: افادة اطلاق اللفظ وارادة الخلائق كلها ويدخل معها الملائكة، كما في قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ].
الثاني: ارادة الناس، كما في مريم، قال تعالى [وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ] ( )،
وورد في تفسير الآية ان الله اصطفاها على نساء اهل زمانها مما يدل على ارادة الناس من لفظ العالمين، وهو الأظهر في الآية محل البحث فان المراد اصطفاء واختيار آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على الناس وفيه دعوة للجميع للإلتحاق بهم وعدم التخلف عما جاءوا به من الأحكام الشرعية.
ومن اشراقات الآية انها ترغيب بسيرتهم ومنع من الطعن بهم أو الإنتقاص من عظيم منزلتهم، ونهي عن التبعيض في الإيمان بهم، فلا يصح الإيمان ببعض الأنبياء دون البعض الآخر، وفيها زجر عن الغلو بالأنبياء واتخاذ بعضهم أرباباً وآلهة كما تتضمن التوكيد بان عزيراً وعيسى ليس ابني الله عز وجل انما هما نبيان من أنبيائه، وقد ذكر بعض الأنبياء على نحو الخصوص بالاسم في الإصطفاء ولم يذكر اسميهما بل اشير لهما بانهما من آل ابراهيم وآل عمران، وليس المراد الإقلال من شأنهما، لثبوت نبوتهما ولكن لمنع الغلو، والإخبار بان الكرامات التي جاءت على يد الأنبياء انما هي من فضله تعالى.
بحث كلامي
منعت الآية من الغلو بالأنبياء والأولياء ونهت عن ترك سنتهم والإعراض عما جاءوا به من عند الله، وتضمنت الوعيد والتخويف والتكذيب لمن يحاول ان يدعي منزلتهم، ويدعو الناس لإتباعه والإنقياد لأمره، ومن باب الأولوية تمنع الآية من ادعاء الطاغوت الربوبية، وتظهر ان أشرف الناس وأسناهم مرتبة اجتهد في اظهار أسمى معاني العبودية والرق والخضوع لله تعالى، ليكون هذا الإصطفاء رحمة للناس جميعا.
وتقسم الآية الناس الى قسمين:
الأول: عباد أصطفاهم الله عز وجل، وخصهم بآيات وكرامات منه تعالى، وهم الخاصة وعددهم قليل من بين الناس.
الثاني: الكثرة والعامة من الناس، وهم مأمورون بالإنقياد الى من أصطفاهم الله، ليرقى الى مرتبتهم ومنزلتهم من سار على هداهم وأمتثل لما جاءوا به من عنده تعالى، والله واسع كريم.
وجاء الإصطفاء على قسمين ايضاً:
الأول: فردي ويتعلق بآدم ونوح عليهما السلام، ولابد من خصوصية لكل منهما، فآدم ابو البشر الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، واصطفاؤه أعم من ان ينحصر بجنس الإنسان، وهذه آية يختص بها آدم عليه السلام، ومن وجوه اصطفائه ان أسجد الله له الملائكة.
اما نوح فانه ابو البشر الثاني بعد الغرق والطوفان.
الثاني: نوعي، ويتعلق بآل ابراهيم وآل عمران، والتعدد في الإصطفاء وشموله للفرد والجماعة، يؤكد عظيم قدرته وسلطانه ورحمته وفضله تعالى وورود الإصطفاء النوعي لآل ابراهيم وآل عمران يدل على اتصال ودوام الإصطفاء وان الله عز وجل اذا انزل رحمة لأهل الأرض فهو أكرم من ان يرفعها.
وظاهر الآية دوام وتجدد الإصطفاء الا مع القرينة الصارفة فهل يعتبر ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نهاية للإصطفاء الجواب لا، بدليل ان الإصطفاء تم لمريم وانها ليست بنبية، وللعموم الوارد في آل ابراهيم والذرية الكريمة.
فبين الإصطفاء والنبوة عموم وخصوص مطلق، فكل نبي مصطفى وليس العكس، نعم لابد من معرفة ضوابط الإصطفاء ثم البحث عن مصاديقها واذا لم تصل النوبة الى الإصطفاء الشخصي فان الآية تفيد تفضيل واكرام أهل بيت النبوة خاصة.
وصيغ هذا الإصطفاء ليست واحدة بل هي متعددة ومن الكلي المشكك بحسب المشيئة واللطف الإلهي، والمنزلة الحاجة الشخصية والنوعية لآل ابراهيم وآل عمران، وحاجة المسلمين والمسلمات والناس جميعاً، ومقومات حفظ كلمة التوحيد في الأرض.


قوله تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] الآية 34
الإعراب واللغة
ذرية: بدل من آدم او من آل، ويمكن اعرابه حالاً منصوباً أي اصطفاهم لأن بعضهم من بعض، والأول أرجح لنظم الآية واتصال الإصطفاء،
بعضها: مبتدأ مرفوع وهو مضاف، والضمير: مضاف اليه،
من بعض: جار ومجرور متلعقان بمحذوف خبر.
والله سميع عليم، الواو: استئنافية، الله: مبتدأ، سميع عليم: خبران للمبتدأ.
في سياق الآيات
تتصل الآية في موضوعها بالآية السابقة والآية اللاحقة، اما السابقة فلأن الآية ذكرت الإصطفاء فجاء بيان وتفصيل لآل ابراهيم وآل عمران، ولمنع الظن بارادة الأعوان ونحوهم، كما في (آل فرعون) وان المراد من الآل هنا هم الذرية، لأن المقام مقام الإصطفاء والوحي والتنزيل والإخبار عن الله، ومن فضله تعالى ان يأتي بالبيان الذي يرفع اللبس ويدفع الشك والوهم، ويمنع من سوء التفسير واستغلاله من الذين في قلوبهم مرض .
فأكدت الآية بان النبوة إنتقلت الى ذرية ابراهيم , وذرية عمران التي هي ايضاً من ذرية ابراهيم كما جاءت الآية مقدمة لبيان ولادة عيسى وانه عبد الله الذي إصطفاه للرسالة ولمنع الغلو فيه.
وتقدير الآية: إن الله اصطفى ذرية بعضها من بعض لبيان المنزلة العظيمة للأنبياء، ويحتمل متعلق لفظ (ذرية) في الآية وجوهاً
الأول : خصوص آل إبراهيم وآل عمران.
الثاني : نوح ذرية آدم، وآل إبراهيم ذرية نوح، وآل عمران ذرية آل إبراهيم.
الثالث : إرادة خصوص الأنبياء فيما يتعلق بآل إبراهيم وآل عمران.
الرابع : الأنبياء مع الأولياء والأوصياء من آل إبراهيم وآل عمران، ويدل عليه إجتباء مريم مع أنها ليست بنبية , قال تعالى[يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ] ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وتبين الآية التالية معاني ومصاديق الصلة والنسب بين أفراد الذرية، ودلالات القربى بينهم التي تتقوم بالتقوى والصلاح بقوله تعالى[إِذْ قَالَتْ امرأة عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي]( ).
ولما إحتجت الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض كما ورد في التنزيل[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، أخبرهم الله عز وجل بأنه سبحانه[قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ليكون من علم الله عز وجل وجود تعاقب ذرية طاهرة زكية تحفظ مبادئ التوحيد في الأرض , وتجتهد في تعظيم شعائر الله إلى أن أنعم الله عز وجل على أهل الأرض برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
إعجاز الآية
تبين الآية موضوعية النسل والتوالد في الإيمان ونيل الإصطفاء من الله تعالى، وترشح الفضل والنفع من الآباء على الأبناء لما يحملونه من وراثة النبوة والعلم وخلوصهم من الأدناس، وطهارتهم من الذنوب، واستحقاقهم مراتب الكمالات باخلاصهم العبادة لله،
مع أن آدم عليه السلام ليس بذرية فقد إبتدأت الآية السابقة بذكره وفيه مسائل:
الأولى : المراد من الذرية هم نوح وآل إبراهيم وآل عمران، لتكون الواو في نوح كالواو الإستئنافية.
الثانية : تعدد الذرية والأبناء المذكورين في الآية.
الثالثة : إرادة تعدد الشبه والإتصال في ملاكات التقوى، وأن النسبة والصلة بين الأصل والفرع لاتنحصر بالنسل وحده، بل يقتبس ويتوارث الأبناء من الآباء إخلاص العبادة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونبذ الشرك والضلالة.
ويمكن تسمية الآية آية [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ] ولم يرد لفظ (ذرية بعضها) في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
الآية حرز لحفظ ذراري الأنبياء، فمن مصاديق الإصطفاء الحفظ والعناية الإلهية كما ان الود الذي يجعله الله لهم بهذه الآية ونحوها مدخل للإنصات لهم وتلقي احكام الشريعة، والإقتباس من سيرتهم، والإقتداء بهم، والآية دعوة للإيمان وطاعة الله ورسوله وصدق السريرة.
وتدعو الآية الناس إلى شكر الله عز وجل على نعمة الذرية التي تحفظ الإيمان في ذاتها، وتدعو إلى الهداية والصلاح، وتبين الآية أسرار بشارة الأنبياء السابقين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغبطتهم بتمام الرسالة والنبوة ببعثته , لذا ورد قوله تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
وفي خاتمة الآية أعلاه شاهد بأن المسلمين ورثوا إصطفاء الذرية الطاهرة وأحكام الشريعة التي أنعم الله عز وجل بها على الأنبياء لأن الجامع المشترك بينهم وبين الذرية المذكورة في آية البحث هو دين الإسلام.
ومع تعدد أنساب وشعوب المسلمين والمسلمات وإنتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها، فقد أكرمهم الله عز وجل بالخطاب التشريفي والنسبة إلى إبراهيم، قال تعالى[مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ]( ).
مفهوم الآية
تدعو الآية الى الإيمان بالأنبياء من ذرية ابراهيم والتسليم بنبوتهم، والتصديق بنبوة موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه من آل ابراهيم ومن أولاده، ففي الآية اخبار عن اصطفائه واجتبائه واختياره للنبوة، وتنهى عن الجحود برسالته التي تؤيدها الآيات والبراهين والشواهد.
وتنفي الآية وجود فوارق تفصل بين آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، فكلهم نور واحد ومشكاة النبوة وضياء وسبل هدى ورشاد للعالمين، فلا يجوز التفريق بينهم في الإيمان والتصديق والإقرار بالنبوة مثلما لا يجوز الغلو في بعضهم، وجعله بمنزلة الألوهية لأن الذي يقع عليه الإصطفاء لابد وانه تابع ومنقاد وأدنى مرتبة ممن يصطفيه،
فالإصطفاء مفاعلة بين طرفين، أحدهما يتولى الإصطفاء والإختيار والإنتقاء، والآخر يقع عليه الإصطفاء، والله تعالى هو فاعل الإصطفاء بفضله ولطفه، فالإصطفاء من قواعد اللطف على نحو مركب من وجوه:
الأول : الذين اصطفاهم الله، لأن الإصطفاء مرتبة في السمو والرفعة.
الثاني : أهل وذراري الذين إصطفاهم الله.
الثالث : المسلمون الذين أقتدوا بالمصطفين سواء من عاصرهم من أصحابهم او من أتبعهم بعد وفاتهم.
الرابع : الناس جميعاً، لأن اصطفاء نخبة منهم اكرام لجنس الإنسان، ودعوة عامة للصلاح والهداية.
لقد جاءت آيات الإصطفاء كلها بنسبته لله تعالى دون غيره، ويفصل الإصطفاء بين الرب والمربوبين ليفوز الذي أصطفاه الله بالفخر والشرف والعز، وهذا الفوز يترشح على كل أصحابه واتباعه والذين يطيعونه فيما يأتي به من عند الله.
افاضات الآية
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان وجعله خليفته في الأرض، ورزقه من الطيبات، ثم تفضل سبحانه وجعل بعض عباده مجتبين ومصطفين عنده من بين الناس ليكونوا لهم أسوة ومثالاً، ولمنع التداعي في العقائد وغلبة روح الشك والوهم والكفر،
فلابد من ضياء ينير الدرب ويمنع من اللبس وخلط الأوراق، ولكي لا يدعي كل أحد انه على الحق، ويتغلب صاحب السطوة والمال ويبالغ فيه الأتباع والأعوان حتى يجعل نفسه بمنزلة أرقى وأكبر من منزلة الأنبياء.
لقد أراد الله عز وجل التخفيف عن المسلمين وأهل زمان نزول القرآن، سواء كانوا مسلمين او أهل كتاب او مشركين، بمنع تأليه الأفراد او اعطائهم مراتب مثل مراتب الأنبياء،
وهذا من افاضات القرآن والشواهد التي تدل على أفضليته على الكتب الأخرى، وفيه بيان لضرورة عدم طرو التحريف والتغيير عليه، والمسلمون حريصون على تعاهد نص الآيات القرآنية وعدم السماح بوصول يد التحريف اليه، ولو أراد احد التحريف لما أستطاع اليه سبيلاً، ولم يقرأ احد ألآية بادعاء انها ذرية بعضها ليس من بعض كي يخرجها من ذراري الأنبياء، بل تلقى المسلمون الآية بالإعتزاز والفخر وهي من الآيات التي يحفظها الكثير من المسلمين.
وإختطت الآية طريقاً وسطاً ومنعت من الغلو والتفريط بحق ذراري الأنبياء وعلى المعنى الأعم للذرية فان الآية باب للإجتهاد والإخلاص في العبادة والإرتقاء في منازل التقوى، بدليل خاتمتها وما فيها من الترغيب بفعل الخيرات بذكر إسمين من أسمائه تعالى وانه هو السميع العليم.
التفسير
قوله تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ]
الذرية هم الأولاد والنسل سواء كان صلبياًَ او بالواسطة أي الأحفاد واللفظ مأخوذ من الذر والإلقاء والتفريق، والآية تشريف واكرام للأنبياء وذراريهم مطلقاً الا ان الإكرام مقيد بالإيمان والبقاء على نهج الأنبياء وقد تشمل الذرية المعنى الأعم، ففي الآية وجوه:
الأول : الإصطفاء بلحاظ التوالد والتناسل والتكاثر فهم ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم ذرية ابراهيم، وهو المروي عن الإمام الصادق وإختاره ابو علي الجبائي.
الثاني : المراد أمر مركب من التناسل والتناصر في الدين والإسلام، أي دين بعض الذرية من دين بعضها الآخر، كما قال تعالى [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ] ( )، أي في التناصر والتعاضد على الضلال وهو قول الحسن وقتادة وحكاه المفسرون والقول وجيه، ولكن التمثيل بالمنافقين قياس مع الفارق لأن النسبة بين المنافقين بلحاظ الفعل والإختيار اما عنوان الإصطفاء في الذرية فهو مركب من النسب والفعل معاً،
فهذه الآية لها خصوصية وتنفرد باجتماع الأمرين معاً، وتبين اعباء التكليف بالنبوة وانحصارها بالذرية الطاهرة ولابد له من دلالات عقائدية خاصة، منها:
الأول : الإستحقاق بالتقوى والصلاح وان كانت التقوى فرع الإصطفاء.
الثاني : ان الإصطفاء نوع ثواب عاجل، وهو على شعبتين:
الأولى: الإجتباء والإختيار جزاء للآباء بجعل الإصطفاء متصلاً ويتغشى الأبناء.
الثانية: الإصطفاء جزاء للأبناء لأنهم تعاهدوا سنن الأنبياء، وحفظوا الشرائع التي جاء بها آباؤهم من عند الله.
ولا تعارض بين الوجهين لأن كل واحد منهما في طول الآخر.
الثالث : الإصطفاء رحمة منه تعالى وفضل، يرزقه الله من يشاء من عباده تعالى، وقد أختار سبحانه الأنبياء وذريتهم، فليس للعباد الا الطاعة والإمتثال والتسليم.
الرابع : لقد جاهد الأنبياء في سبيل الله وأخلصوا العبادة له، ووظفوا سلاحهم وهو الدعاء لنيل ذريتهم شرف الإصطفاء فاستجاب لهم الله، وفي إبراهيم وإسماعيل قال تعالى [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ] ( ).
الخامس : جاء ذكر الذرية للوصف وتثبيت اشخاص المصطفين فهو جامع مانع، جامع للذوات المطهرة التي شرفها الله بالإصطفاء، ومانع من دخول غيرهم معهم “أخرج ابن سعد وابن أبى حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ان عليا قال للحسن قم فاخطب الناس، قال اني أهابك أن أخطب، وانا أراك فتغيّب عنه حيث يسمع كلامه ولا يراه فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه وتكلم ثم نزل فقال علي عليه السلام : ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم”( ).
وأمر الإمام للحسن بالخطاب وانصاته ومتابعته له من عمومات الآية واعداد الذرية للإمامة والمسؤوليات الشرعية ووعظ وارشاد الناس.
ونعت المصطفين بانهم ذرية بعضها من بعض من الآيات البلاغية والإعجازية، ودلالة النسل والنسب والعقب فيها ظاهرة، وتبين عالم التخصص والتقييد في العقائد، وتحول دون اللبس والجهالة والغرر، وتدعو الناس الى مثال كريم يجب ان يحتذى، ولا يمكن ان يحصل تزاحم بين المصطفين انفسهم او ورود اسم غيرهم معهم.
ففي الآية ارشاد وتعليم وتأديب مركب للناس جميعاً بالرجوع الى الأنبياء، ومن صفات الأنبياء انهم ذرية مباركة بعضها من بعض، فأنحصر ادعاء النبوة بذرية مخصوصة من بين آلاف الذريات والأعقاب، فلا أحد يجرأ على ادعائها الا ذرية مخصوصة، وان كانت الدعوى وحدها ليست كافية فلابد من الآيات والإعجاز المصاحب للدعوى وصاحبها، ومن الناس من يجهز على النبي ويقتله مع مجيئه بالآيات الحسية والبراهين الظاهرة،
ثم يأتي أمر الآيات والمعجزات المرافقة للإدعاء والدليل على النبوة، فلا يدعيها الا اهلها من بين الذرية الطاهرة، وليكون أفراد الذرية الآخرون عوناً وناصراً للنبي كما في أصحاب موسى وعيسى، وأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين من قريش وأهل بيته، ويستثنى من أختار الكفر والجحود وهذا الإستثناء ليس عقلياً ووجدانياً فحسب بل نزل فيه قرآن، كما في ابراهيم [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]( ).
لقد ذكرت الآية طريقين:
الأول: الذرية، وهو العقب والنسل بقيد الإيمان ونيل مرتبة الإصطفاء.
الثاني: التبعيض بقوله تعالى (من بعض) والمراد فيه وجوه:
الأول : من بعض الذرية لحصول التعاقب في الإصطفاء والإختيار للنبوة.
الثاني : من بعض المصطفين، للأخبار عن قيد الذرية في حصول الإصطفاء وان كل نبي لم يولد من آباء خاملين او مغمورين او كفار ومشركين، بل انه ولد من الأصلاب الطاهرة النقية التي لم تدنسها شوائب الجهل والوثنية.
الثالث : لقد أراد الله للمصطفين التوارث والتعاقب، وكل أمة وجيل يعرفون نبي زمانهم على نحو الإجمال في ذرية مخصوصة، فحينما يأتي بالآيات تتجلى براهين نبوته لوجود قيد سابق وهو الذرية والعقب من النبي السابق.
الرابع : في الآية دعوة للناس جميعاً، للتطلع الى النبوة والإصطفاء بجهة مخصوصة، فلذا كان اليهود والنصارى ينتظرون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان اليهود يظنونه يبعث من بينهم، مما يدل على التسالم بين المليين بحصول البعثة في الذرية الطاهرة، وهذه حجة سماوية تأريخية لصدق نزول هذه الآية من عنده تعالى.
ولم يبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا من ذرية ابراهيم وقد جاءت الآيات بتثبيت نسب اسماعيل وذريته الى ابراهيم، وكان انبياء بني اسرائيل يؤكدون هذه الحقيقة العقائدية ويتوارثونها فيما بينهم كالوصية وورد عن يعقوب في التنزيل[ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ]( )،
وهذه الوصية والعهد دعوة للتصديق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته، نعم ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان آخر الذرية في النبوة كما كان آدم أول أفراد النبوة من البشر، واذا كان (ذرية) ورد بدلاً عن آدم، فآدم عليه يخرج بالتخصص من مفهوم الذرية، لأنه لم يولد في رحم، والأولى انه بدل من نوح لقوله تعالى [وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ]( )،
وقد تكرر لفظ الذرية في آيات عديدة من القرآن يتعلق أكثرها بذراري الأنبياء قال تعالى [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ]( ).
والآية دعوة لنبذ الفرقة والخلاف بين ذراري ابراهيم عليه السلام وترك التطاول والتحاسد بينهم، واخبار بان ما يكون عند بعضهم من العلم والرزق الكريم انما هو لهم جميعاً، في اشارة الى نبوة محمد وحث على عموم حصول النزاع والشقاق بين افراد وجماعات الذرية الطاهرة الى يوم القيامة.
فان قلت ان الله واسع كريم فلماذا هذا الحصر بالذرية دون غيرها، قلت: ان هذا الحصر رحمة بالناس جميعاً من وجوه:
الأول : منع الإدعاء الباطل، بالإصطفاء من خارجها.
الثاني : اعتبار التربية والإعداد واصلاح الناشئة.
الثالث : بيان الآيات والحجة لآدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران فتتبع قصصهم يدلك على أهليتهم لهذا الإصطفاء وبخصوص مريم نجد امها وهي زوجة عمران تبذل الوسع بالدعاء والنذر لتلد من يكون محرراً للكنيسة وعند ولادتها انثى لم تيأس بل أجتهدت بالدعاء.
الرابع : آيات الإصطفاء دعوة للناس جميعاً للحاق بالأنبياء وآل ابراهيم في العمل والصلاح والتقوى، قال تعالى [فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( )، وفي القرآن مطلق ومقيد، فالإصطفاء ورد في هذه الآية لآل ابراهيم وآل عمران مطلقاً ولكنه يقيد من جهات:
الأولى: في ذكر آدم ونوح على نحو الخصوص وفيه تثبيت لتقدم زمان نوح على ابراهيم،
الثانية: مجيء القرآن باخراج الظالم من ذرية ابراهيم من الإمامة، وفي التنزيل حكاية على لسان ابراهيم [قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] ( ).
الثالثة: التقييد الموضوعي وهذا من اعجاز القرآن ان يرد مطلقاً ولكن تقييده موضوعي وليس لفظياً، فآل عمران ليس منهم الا مريم وعيسى عليهما السلام، وعلى القول بان المرأة من الآل، تكون امرأة عمران حنة منهم وهي آية في عالم المرأة وتلبسها بالورع والتقوى.
لقد إلتفت زكريا الى ان الإصطفاء في الذرية المباركة لقوله تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ] فسأل الذرية وأراد الإصطفاء لذا حرص على القيد في سؤاله بان قال (طيبة).
قوله تعالى [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]
من أسماء الله تعالى انه سميع وعليم، وما من صوت وقول الا ويسمعه الله من غير آلة للسمع لأنه سبحانه منزه عن الكيف والشبه والحواس، بل الأصوات كلها حاضرة عنده لا تحجب عنه، ومع هذا تفضل وجعل ملائكة يحصرون ويكتبون عمل بني آدم تشريفاً للإنسان واجلالاً له، وتوكيداً للملائكة بان الإنسان مؤهل للخلافة في الأرض بما يواظب عليه من العبادات والفرائض، وان أداها شطر من الناس، وهم المسلمون فهذا الأداء يكفي في حفظ الخلافة وتوارثها،
فمن إصطفاهم الله عز وجل جعلهم الصفوة والنخبة المباركة التي يرجع اليها الناس ويصدرون عنهم، ويعلمون من خلالهم لزوم العبادة،
وهم حجة على الذي يصر على العناد والمكابرة والضلالة، وفي الآية وجوه:
الأول : ان الله تعالى سميع لدعوة الذرية الناس للإسلام.
الثاني : سميع بما يقوله المليون والناس في الذرية والأنبياء.
الثالث : في الآية تعريض بمن جعل بعض الأنبياء بمرتبة الالوهية والبنوة لله تعالى.
الرابع : في الآية وعيد وتخويف من انكار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : ان الله تعالى سميع للمؤمنين في دعوتهم لإتباع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالإصطفاء باب للناس جميعاً لينهلوا من الثواب والأجر.
السادس : جاء الإصطفاء عن سمع من الله تعالى لحسن مناجاة وعبادة الذرية، فاستحقوا الشرف والرفعة.
السابع : لقد جعل الله عز وجل الإخبار عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم امانة عند المليين، وهو سبحانه يسمع نقل البشارة بين الأجيال والأتباع او تحريفها وتغييرها.
الثامن : لقد إصطفى الله تعالى الذرية وهو سبحانه يسمع ما يقوله الناس في مسألة الإصطفاء والتسليم بها لله، ومن صفات الله تعالى الثبوتية انه عالم لا يفعل الا الأفعال المتقنة، ومن علمه تعالى في المقام امور:
الأول : حاجة الناس الى اصطفاء واجتباء نفر منهم.
الثاني : الذين اصطفاهم الله من آدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران هم خير البرية.
الثالث : ان الله عز وجل يعلم افتتان شطر من الناس ببعض من أصطفى، وهذا الإفتتان لا يمنع من حصول الإصطفاء لأن منافعه عظيمة، ومتصلة وتتغشى الناس جميعاً، والإصطفاء باب للإمتحان، ونسبة الربوبية لبعض من عباده الذين أجتبى سبب للعقاب.
الرابع : ان الله عز وجل يعلم الكافرين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين ينكرون البشارات التي وردت فيه.
الخامس : يعلم الله عز وجل كيفية اظهار الإصطفاء واصلاح المصطفين للإختيار والإجتباء، وابقائهم أعزة وفي رفعة وهو الذي ييسر لهم أسباب انجاز رسالتهم.
السادس : كفاية الإصطفاء موضوعاً وأشخاصاً لنشر الإسلام في العالمين.
وجاء اجتماع صفة السميع والعليم للدلالة على أحكام آيات الإصطفاء وانه تعالى يسمع ويعلم استجابة المسلمين وقبولهم للإصطفاء وانصياعهم لما يأتي به الأنبياء من عنده تعالى.
وبلحاظ المقام فان الآية بشارة إستجابة دعاء آل ابراهيم وآل عمران كما يظهر في استجابة دعاء نوح على قومه واستجابة دعاء ابراهيم في محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “انا دعوة أبي ابراهيم” وفي الآية وعد كريم وتنبيه للزوم الإنتفاع من بركات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وفي الخاتمة وعد كريم بحفظ الآل وصيانتهم من الكيد والأذى.
بحث بلاغي عقائدي
من البديع (الإئتلاف) وهو اختصار لإئتلاف اللفظ مع اللفظ والتقائه معه في المعنى بحيث يظهر التداخل والتشابه في نظم اللفظ، فيقترن اللفظ المشهور مع مثله، والغريب مع شبهه، بلحاظ الجوار والنسق بين الكلمات من غير خروج عن مناسبة الموضوع والحكم، وأستدل عليه بقوله تعالى [وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ] ( )، باعتبار ان الركون هو الميل والإلتجاء والنصرة البعيدة،
وجاء ذكر العقاب بلفظ المس في الوقت الذي ذكرت فيه النار كمثوى ودار مقام للكافرين، وهناك فرق بين المس وبين الإقامة والإحراق في النار،
ومن الإئتلاف ورود قوله تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ]، وفيه طرفان:
الأول : ذرية، وهي تنقسم الى قسمين:
أولاَ : الآباء: ويشمل الآباء الصلبيين والأجداد , فكل منهم يصح ان يقال له الأب، ويشمل العم كما في قوله تعالى [مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ]( )، فجعلوا ابراهيم أباً لهم وهو جدهم، وكذا اسماعيل وهو عمهم.
ثانياَ : الأبناء: ويشمل الأبناء الصلبيين والأحفاد، وكل الأنبياء أولاد لآدم , وهو أول الصفوة كما تبينه الآية السابقة.
الثاني : التبعيض، وذكر بعض على نحو مكرر في الآية مع قصرها، والضمير
الهاء في بعضها راجع الى الذرية، وفيه وجوه:
الأول : بعض الذرية من بعض الذرية نفسها وهو ظاهر اللفظ والمفهوم، بلحاظ الأبوة والبنوة، فقد يكون اثنان من المصطفين وكل واحد له ولد أو أولاد فازوا بالإجتباء .
الثاني : بعض الذرية من بعض المصطفين، فليس كل مصطفى يكون الإصطفاء في ذريته , فقد يقف عنده كما في انتهاء النبوة في بني اسرائيل.
الثالث : توكيد حصر الإصطفاء داخل الذرية، وعدم شموله لها على نحو العموم الإستغراقي بل ان بعضها فقط ينال الإصطفاء.
الرابع : لبيان التعدد في الذرية، وعدم حصرها بأب واحد، وتوارث الإصطفاء في ذريته.
الخامس : لفظ (بعض) يدل على شيء من الأشياء وجزء من الكل، فالثمانية بعض من العشرة، فلماذا لم تقل الآية كلها من بعضها، اوكل من الآخر، بل ذكرت البعض في الطرفين، وحرف الجر (من) لإبتداء الغاية المكانية.
ويصلح ان يكون ايضاً للتبعيض أي انه بمعنى (بعض) كما تقول (يحيى من الأنبياء) أي هو بعض الأنبياء، فيكون معنى الآية “بعضها بعض بعض”، لتبين الآية معنى عقائدياً آخر وهو وحدة مفاهيم النبوة واتصالها , وان تعددت أشخاص الأنبياء لذا ورد وجوب التصديق بالأنبياء على نحو العموم المجموعي وعدم الجحود بنبوة أي منهم،
وجاء قوله تعالى [مِنْ بَعْضٍ] على نحو التنكير، والنكرة في مقام الإثبات لا عموم لها, والقيد لمنع الدور, ولكي لا يقال كيف يكون الأب من الإبن، وليبقى باب الإصطفاء مفتوحاً, ولنفي التوارث الشخصي في الإصطفاء فقد يكون في نبي ثم لا يحصل الا في البطن السابعة او الثامنة من احفاده.
وفي الوقت الذي بينت فيه الآية تعلق الإصطفاء بالذرية الصالحة فانها ذكرت ان بعض هذه الذرية من بعضها الآخر،
والمراد من البعض من أصطفى الله , لتوكيد عدم شمول الإصطفاء كل الذرية وان النسل وحده لا يكفي، وكذا لو أقترن بالإيمان والتقوى، فلابد الإصطفاء والإختيار منه تعالى.
وفي الآية اشارة الى مراتب أخرى تترشح من الإصطفاء على الأبناء لذا تجد أبناء النبي وأحفاده وأهل بيته وان لم يكونوا جميعاً او شطر منهم مصطفين، ولكنهم يتصفون بصفات العفاف والورع، ويتجلى الإيمان في أقوالهم وسيرتهم بأبهى صوره، قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ]( )، وقال تعالى [جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ]( )،
ومن أقسام البديع الإقتداء بان يظهر المتكلم المعنى الواحد في صيغ متعددة، إقتداراً منه على تركيب الكلام , واختيار الألفاظ والجمل المناسبة من غير ان يخرج عن المعنى الأصلي، مع التباين في الإطناب والإيجاز، والحقيقة والمجاز، والإستعارة والبيان ونحوها مع الحفاظ على ذات المعنى، ويمكن ان يسمى (المشترك الجملي) في مقابل المشترك اللفظي
والإقتدار البلاغي في القرآن له مضامين قدسية متعددة بلحاظ مجيء آيات متعددة في موضوع او قصة واحدة كما في قصص الأنبياء، فتجد اللفظ القرآني الواحد يحمل عدة معانِ وأغراض،


قوله تعالى[إِذْ قَالَتْ امرأة عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] الآية 35
الإعراب واللغة
اذ: ظرف لما مضى من الزمان،
قالت: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث،إمرأة، فاعل، وهو مضاف.
عمران: مضاف اليه ممنوع من الصرف،
والجملة الفعلية في محل جر باضافة الظرف اليها،
رب: مناد مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة، بدليل الكسرة عليها.
اني: ان وأسمها، نذرت: فعل ماض وفاعل والجملة الفعلية خبر ان.
ما: اسم موصول مفعول به.
في بطني: جار ومجرور، وبطن مضاف والياء مضاف اليه.
محرراً: حال من ما، فتقبل مني: الفاء استئنافية، تقبل: فعل أمر، وفاعله ضمير تقديره انت، مني: جار ومجرور متعلقان بتقبل.
انك: ان وأسمها، انت: مبتدأ، او ضمير متصل لا محل له،
السميع العليم: خبران لأنت،
وتحرير الولد: افراده لطاعة الله عز وجل وخدمة المسجد، وحرره أعتقه، يقال: حر العبد يحر حرارة بالفتح صار حراً.
والنذر من الوجوب، واللزوم يقال نذرت على نفسي أي اوجبت.

في سياق الآيات
بعد ان أخبرت الآيتان السابقتان عن اصطفاء آدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران، وانهم ذرية متعاقبة متشابهة في الإيمان وتتوارث الشريعة والدين.
وأختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]، جاءت هذه الآية في سماع سؤال امرأة عمران، ومضمون الآية من مصاديق اصطفاء آل عمران وانه لا ينحصر بالذرية بل يشمل الأهل والزوجة بما يساهم في ايجاد الذرية المؤهلة لخلافة الأرض وحمل لواء النبوة،
وقال الزجاج: التقدير: وأصطفى آل عمران على العالمين، اذ قالت امرأة عمران، “وطعن ابن الأنباري بهذا النظم وقال: ان الله قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح”.
ولما كان اصطفاؤه آدم ونوحاً قبل قول امرأة عمران استحال ان يقال: ان هذا الإصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه( ).
وصحيح ان علمه تعالى سابق للحدث الا ان الآية اخبار عن حال ووقائع منها ما هو حاصل قبل نزول القرآن، وان مضامين الإصطفاء في وجود الذي أصطفاه الله كل أوانه وزمانه وان كان موضوع الإصطفاء عاماً فالإصطفاء سابق في علم الله، ولكن شواهده ومصاديقه في الواقع كل بحسب زمانه.
وتكرر قوله تعالى [سَمِيعٌ عَلِيمٌ] في هذه الآية والآية السابقة في توكيد على اتصال اكرام الذين اصطفاهم الله في أنفسهم وذرياتهم.
وذكرت الآية التالية خصلة كريمة عند الذرية وهي إستحضار النذر عند الوضع والولادة، وأن مجئ جنس المولود خلاف موضوع النذر لايعني سقوطه والإنحلال منه، بل توجهت أم مريم إلى الله عز وجل بالتوسل والرجاء وبيان الحال وهو أعلم به.
وأطلقت على المولودة المباركة إسم(مريم) وأول شئ عملته بخصوصها هو الإستجارة بالله والإستعاذة به ليحفظها وذريتها من شرور الشيطان مع ذمه ونعته بأنه رجيم ومطرود من رحمة الله، بدعائها [وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ]( ).
وفيه دلالة على أن من مصاديق قوله تعالى[ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ] إحاطة الآباء الأبناء بالإستعاذة بالله عز وجل وإتخاذها سلاحاً للأمن والسلامة من إغواء شياطين الإنس والجن.
إعجاز الآية
تبين الآية انقطاع بيت النبوة الى الله عز وجل في الدعاء والسؤال ودعاء امرأة عمران من الآثار الظاهرة للإصطفاء وانه يتجلى في عمل وسيرة أهل بيت النبوة والأزواج فيتغشاهم الإصطفاء والرحمة، ويحرصون على وراثة النبوة وعدم خروجها من دورهم وذراريهم سواء بالإعداد او النذر او الإنقطاع الذاتي الى الله تعالى، وفي اجابة الدعاء ووضع مريم آية اعجازية ومقدمة لبعثة عيسى عليه السلام.
واسمها حنة، وقيل اسمها مرثا وهي بالعربية وهيبة، والأول أصح وهو المشهور وقيل انها حملت بمريم يوم الجمعة للزوال وولدت الثلاثاء، والأرجح ان مدة حملها مثل باقي الناس وحسب المتعارف.
ويحتمل قول أم مريم[رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي]( )، وجوهاً:
الأول : إنه من الإصطفاء والإختيار والإجتباء للذرية، وبيان حقيقة وهي من مصاديق الإصطفاء النذر لله عز وجل، والحرص على تعاهد الأبناء للإيمان وسنن التقوى.
الثاني : بيان شمول الإصطفاء وإخلاص الإيمان النساء من الذرية، وأنه ليس خاصاً بالأنبياء منهم، لأن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم.
الثالث : إنه من الشكر لله عز وجل على الإصطفاء والإجتباء، فأراد الله عز وجل بذرية إبراهيم وآل عمران دوام صعود الشكر له سبحانه من أهل الأرض.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق آية البحث.
وتتضمن الآية في مفهومها أن الرجال من الذرية يهيئون مقدمات تفرغ نسائهم للعبادة، وأنهم لا يعارضون في النذر الخالص لله، ولا تنخرم هذه القاعدة بكون عمران والد مريم توفى وهي في بطن أمها لتعدد الأولياء، ولما في هذه النذر من الدلالة على كونه أمراً مألوفاً عندهم سواء صدر من الأب أو الأم.
ويمكن ان تسمى هذه الآية آية (امرأة عمران) ولم يرد هذا اللفظ وذكر ها الا في هذه الآية .

الآية سلاح
تبين الآية سنن بيت النبوة في الدعاء والسؤال والإنقطاع الى الله تعالى، وفيها دعوة للمسلمين وأسرهم وذويهم للإقتداء بهم وأخذ الدروس والمواعظ منهم، وتظهر الآية ما للمرأة من منزلة في الإيمان وسعي مبارك في تحقيق مضامين الإصطفاء.
ذكرت الآية أم مريم بعنوان أنها امرأة عمران , وفيه مسائل:
الأولى : بيان أنها من آل إبراهيم، وأن الإصطفاء يشمل الرجال والنساء.
الثانية : إرادة شمول أزواج آل إبراهيم وآل عمران بالإصطفاء والإجتباء.
الثالثة : يتعلق الإصطفاء بالمولود الذي تضعه أم مريم، وهو يرجع في نسبه إلى آل إبراهيم وآل عمران.
والصحيح هي الأولى والثالثة.
وقد ذكرت الآية قبل السابقة نوحاً عليه السلام في موضوع الإصطفاء بقوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا…]( )، بينما جاء في ذم امرأة نوح قوله تعالى[ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امرأة نُوحٍ وَامرأة لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا]( ) .
وعن ابن عباس في قوله تعالى[فَخَانَتَاهُمَا] قال: ما زنتا ، أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس : إنه مجنون ، وأما خيانة امرأة لوط ، فكانت تدل على الضيف ، فتلك خيانتها ( ).
مفهوم الآية
في الآية ارتقاء للنساء في منازل العبادة وتهيئة الحال المناسبة لحصول الإصطفاء، وعدم الملل او الكسل او اليأس من رحمته تعالى، مع صدق النية والإخلاص له سبحانه، فالمرأة تتوجه الى الله بالدعاء فيما يخص الحمل الذي في بطنها، مع ان أمره مشترك بينها وبين زوجها خصوصاً بالنسبة لأهل بيت النبوة للزوم رجوع نسائهم اليهم، وصدورهن عنهم لما عندهم من العلم، وهل تعني الآية تفويض امر الحمل للزوجة ما دام في البطن الجواب لا، ويجب عليها ديته ان أسقطته مع الإثم، وفي الآية وجوه:
الأول : انها حصلت على الإذن من زوجها بالنذر.
الثاني : انه عمل خير محض، لا حاجة فيه للإذن.
الثالث : لقد بادرت الى النذر وللزوج ان يحلها منه.
الرابع : كان في شرعهم ان تنذر الأم ما في بطنها.
الخامس : كان زوجها ميتاً كما سيأتي بيانه، ومن الإمارات الدالة عليه انها قامت بتسمية المولودة مريم.
السادس : فوض زوجها لها الأمر ، أما الأول فلا دليل عليه وظاهر الآية بخلافه، واما الثاني فانه لا يكفي للجواز واباحة النذر والتصرف في الحمل، اما الثالث فان النذر لم يتعلق بشخصها ومالها،
اما الرابع فيحتاج الى دليل خاص والأصل وحدة الشرائع في الأحكام الا ما خرج بالدليل.
وقد ورد في بعض الأخبار انها كانت عاقراً لم تلد، ولكن هذا القول لا يغير من أصل الموضوع خصوصاً، وان الاية أخبرت بحصول وتحقق الحمل لأنها تقول (ما في بطني) أي تيقنت من الحمل، والوجه السادس أعلاه كالأول، فالأقوى هو الوجه الخامس، وفي الآية مسائل:
الأولى : توثيق قول امرأة عمران فيما يخص حملها.
الثانية : دخول قولها في موضوع الإصطفاء، مع ان الإصطفاء اختيار منه تعالى.
الثالثة : يتعلق النذر بأفضل ما تملك.
الرابعة : النذر خالص لوجهه الكريم.
الخامسة : اقتران النذر بالخشوع والخضوع وسؤال القبول.
السادسة : جاء طلب القبول بالحصر (منها) وليس منها ومن زوجها.
السابعة : أختتم السؤال بتعظيم مقام الربوبية والثناء على الباري عز وجل، وهو باب لقبول الدعاء، والتوسل لرجاء تحقيق النذر.
افاضات الآية
من وسائل التقرب الى الله النذر، وهو في الإصطلاح الشرعي التزام المكلف بفعل او ترك تقرباً الى الله، وهو معروف عند المليين منذ ايام ابينا آدم عليه السلام، وجاءت الآية لتبعث في المؤمنات الأمل والعز والقدرة على اختيار سبل التقرب الى الله بصيغ الطاعة والزلفى والحب، ليكون محاكاة لمن أختارهم واجتباهم الله من عباده،
وفيما ذكرت الآيتان السابقتان آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران جاءت هذه الآية لتخبر بان المرأة والزوجة لها نصيب في الإصطفاء وهي تبادر لدخول باب الإصطفاء وتهيئة أبناءها للحوق بآبائهم في الذرية الصالحة، ولابد ان نساء أهل بيت النبوة يعلمن باصطفاء الذرية ممن يصلح نفسه فارادت اصلاح جنينها للإصطفاء من أيام الحمل، وجاءت نية الإصلاح بتفويض امره الى الله تعالى، ليصبح معتوقاً من الوظائف الإجتماعية ازاء أمه ومنقطعاً الى الله تعالى في عمله وسعيه وعبادته.
التفسير
قوله تعالى [ إِذْ قَالَتْ امرأة عِمْرَانَ]
تذكير واستحضار لواقعة عقائدية في بيوت الذين أصطفاهم الله وفيه مسائل:
الأولى : من الإصطفاء ان يسخر الله لهم أزواجاً صالحات قانتات.
الثانية : تسعى الزوجات لتثبيت الإجتباء والإصطفاء في أولادهن لما فيه من الثواب العظيم والعز في الدارين.
الثالثة : تأدية وظائف الزوجية في بيوت الأنبياء تكون مضاعفة، وتتعلق بالحمل والجنين، واعداد الأولاد في نشأتهم، ليكونوا على ذات النهج النبوي المبارك.
الرابعة : من الإصطفاء ان تعتني الأمهات بهم، أي ان الإصطفاء يتعلق بالحمل والجنين وليس بالأب والرجل وحده.
الخامسة : جاءت الآية بذكر حال الزوجية (امرأة عمران) ولم تذكرها بالإسم، مع تكرر ورود اسم مريم في القرآن وهي ابنتها مما يدل على عظيم منزلة مريم، ولأن الموضوع هنا يتعلق باصطفاء آل عمران فيكون شاملاً لكل من:
أولاَ : عمران.
ثانياَ : إمرأته.
ثالثاَ : مريم عليها السلام.
وهذا من اعجاز القرآن والآيات الباهرات فيه، ان تأتي آية الإصطفاء ثم تتعقبها آية تدل على استحقاقه والسعي اليه من أهل بيت النبوة رجالاً ونساء، فلابد من أمة تعبد الله مخلصة له الدين، يرجع اليها الناس ويصدرون عنها،
وفي توثيق كلام امرأة عمران دلالة على تناول القرآن لتفاصيل حياة وشؤون الأنبياء وذكر أزواجهم فيما يتعلق بالنبوة والإصطفاء، وهذا الذكر تشريف لإمرأة عمران لأنها لم تذكر الا بما هو خير محض وفيه ايضاً عز وفخر لمريم ولعيسى ومنع من التعدي على مريم في أهلها وأمها وأبيها، لذا ورد في مدحها [وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا]( )، للتسالم عند بني اسرائيل على طهارة ونزاهةامرأة عمران،
فالقرآن يفسر بعضه بعضاً، وشهادة القوم بطهارتها جاءت في أقسى حالات الإنكار والإستغراب اذ رأوا بيد مريم مولوداً وهي لم تتزوج بعد، ممايدل على حال العفة العامة عند الناس آنذاك، ووجود مناهج النبوة والإسلام في المجتمعات وهو جزء من الإعجاز في ولادة عيسى ان ولد في مجتمع عفة من امرأة طاهرة وجدة نقية، كما بادروا الى مدح أبيها [مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ]( )،
ان شهادة بني اسرائيل لأم مريم لها اثر، واعتبار في تأويل قولها في هذه الآية، وارادتها النذر والعهد قربة الى الله تعالى، فهي من أهل التقوى والصلاح،
وجاءت الآية بذكرها باسم امرأة عمران، ولم يرد ذكرها باسم ام مريم، وفيه مسائل:
الأولى : جاءت الآية السابقة في ذكر آل عمران، وهذه الآية تفصيل للإصطفاء.
الثانية : ان نذرها مترشح عن اصطفاء آل عمران ووجود حال التقوى والعبادة عندهم.
الثالثة : ما في بطنها من آل عمران.
الرابعة : لم تكن عندها مريم بعد ولم تولد، فجاء الوصف بحالها عند النذر.
الخامسة : لم يتعارف في التأريخ ان يقال للمرأة ام فلانة بل تذكر باسمها او بالنسبة الى زوجها، كما هو وارد في القرآن في امرأة فرعون، وامرأة العزيز، وامرأة لوط( ).
السادسة : تبين الآية فضله تعالى على آل عمران.
السابعة : جاءت الآية بذكر صفة امرأة عمران، وليس ام الجنين او الحمل لتوكيد حقيقة تأريخية وهي مشاركة ازواج اهل البيت في تثبيت دعائم الدين، ولزوم اكرامهن بصلة السبب مع بيت النبوة، وما يفعلنه لتثبيت كلمة التوحيد.
وامرأة عمران اسمها حنة ابنة قاقوذ بن قبيل وهي جدة عيسى لأمه لأنه لا اب له، وعمران فيه قولان:
الأول: انه عمران بن الهشم من ولد سليمان بن داود.
الثاني: عمران بن ماثان، عن ابن عباس ومقاتل.
وهو غير عمران ابي موسى للتباين الزماني الكبير بينهما وقد تقدم انه الف وثمانمائة سنة، وماثان ابو عمران من رؤساء بني اسرائيل.
وحنة لها أخت واسمها إيشاع تزوجها زكريا، فيحيى ومريم ابنا خالة، وقال الرازي “وامرأة عمران حنة بنت قاقوذ، وقد تزوج زكريا بابنته ايشاع اخت مريم، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة”( )، وظاهره ان ايشاع ابنة عمران، والمشهور بخلافه وان زوجة زكريا هي أخت ام مريم ولا يمنع من اعتبارهما ولدي خالة، وفي كفالة مريم ورد عن عكرمة ان زكريا قال “ادفعوها الي فان خالتها تحتي”.
نعم أخرج البيهقي عن عدد من الصحابة ان أخت مريم عند زكريا وسيأتي ذكر الخبر بعد آيتين،
وهو الأنسب بلحاظ العمر والسن، لأن زكريا وأمرأته طعنا في السن، حين كفالة مريم، ولعله من وجوه كفالته لها، انه لم يكن عنده ولد وهو وأمرأته في سن الشيخوخة.

علم المناسبة
ورد ذكر اسم عمران-بكسر العين- ثلاث مرات في القرآن، مرتين في هذه السورة، في هذه الآية وقبل آيتين، لذا سميت السورة بسورة آل عمران، ومرة في سورة التحريم بخصوص مريم، قال تعالى [وَمريم ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا] ( )،
أي ان ذكره جاء كالآتي:
أولاَ : آل عمران.
ثانياَ : امرأة عمران.
ثالثاَ : ابنة عمران.
فليس فيه ذكر لعمران نفسه على نحو الخصوص، مع ذكر الأنبياء في القرآن، لأن موسى وهارون عليهما السلام يرد ذكرهما من غير ذكر اسم الأب لكفاية دلالة الاسم الشخصي عليهما عند المليين وغيرهما، ومع كثرة ورود اسم موسى في القرآن فانه لم يرد الا باسمه مجرداً مع ان المشهور عند الناس في الأخبار ذكره بموسى بن عمران، ولم تذكرامرأة عمران في موضوع يخصها بل جاء ذكرها بالنذر، وفيما يتعلق بالجنين الذي هو في بطنها، وهي مريم عليها السلام، وفيه اشارة لورود اكرام وتشريف للرجل بلحاظ ما يترشح من أعمال التقوى من زوجته وبنته وأولاده مطلقاً.
وذكر موضوع مريم في الآيات الثلاثة التي جاء فيها ذكر عمران ابيها، كعنوان له دلالات عقائدية خاصة، فلم تذكر بالاسم بل بما يدل على شمولها بالإصطفاء، وهو الذي تؤكده الآيات القرآنية، وبشارة الملائكة لها [يَامريم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ] اما امرأة عمران فقد ذكرت في هذه الآية وهل يشملها ذكر آل عمران ام لا؟ فيه وجهان: الأرجح انه يشملها لدلالة الآيات عليه، وهذا الشمول مقدمة لإصطفاء الأنبياء والذراري الطاهرة، وكأن الآية جاءت لبيان التفصيل في آل عمران، اما التفصيل في آل ابراهيم فينقسم الى قسمين:
الأول: في بني اسرائيل والأنبياء منهم.
الثاني: في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من نسل اسماعيل من ولد ابراهيم عليه السلام، لتتجلى الأفضلية في آل ابراهيم، لذا قدموا في الآية على آل عمران ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقدم زمان الأنبياء من نسل ابراهيم عليه السلام.
قوله تعالى [رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا]
توجهت زوجة عمران بالدعاء والتوسل الى الله، جاء دعاؤها بصيغة النذر وتقربت اليه تعالى بأحب شيء عندها، وتحصل بين المسلمين الشهادة والقتل في سبيله تعالى باختيار المؤمنين الجهاد والبروز للقتل شوقاً لله تعالى وحباً بالإسلام، اما في هذه الآية فجاء الشوق من الأم الحامل نعم هذا الشوق ليس للقتل في سبيله تعالى بل للتسخير في خدمة دور العبادة،
وفيه بيان لتعدد مراتب والتضحية، والإخلاص في العبادة، كما يدل على شرف الإسلام، وأهلية المسلمين لمنازل الإرتقاء والإصطفاء لأنهم لم يقفوا عند حدود خدمة المساجد بل ضحوا بأنفسهم وبذلوا أعز شيء في سبيله تعالى، وهل من أمهات يلدن وهن ينذرن ابناءهن للشهادة او انهن يعلمن ان سيقتلون في سبيله، الجواب نعم خصوصاً في ايام الحروب والجهاد وظهور كثرة القتل بين المسلمين، لذا يستحب الإكثار من الأنجاب وكثرة النسل.
لقد أظهرت ام مريم الأدب في الدعاء، وأخبرت عن الحمل بصيغة الكناية والإجمال لإحتمال التعدد وولادة توأم.
وأكدت العزم على النذر والثبات عليه بقصد القربة الى الله فقالت (لك) واللام هنا للإختصاص، لتوكيد الإنقطاع الى الله تعالى، والإنقلاع عن الدنيا وزينتها، مما يدل على درجة التقوى التي تتصف بها ام مريم بحيث تريد ان ترى تعاهد الإيمان في آل عمران،
فمن الإصطفاء مؤازرة النساء للرجال في سلوك دروب الإيمان، ومنع تسرب الضلالة والتيه الى الأولاد وهو حجة على بني اسرائيل في تصديق عيسى عند بعثته وما يأتي به من الأخبار والبشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وابتدأت كلامها بـ(رب) وهو من أمهات الأسماء المقدسة وجاءت أدعية القرآن به مما يدل على موضوعيته في الإستجابة لأنه توكيد للعبودية والإقرار بالربوبية له تعالى وان المشيئة له سبحانه، ومقاليد الأمور كلها بيده فهو الذي يهب ويعطي، والهبة تستلزم اطرافاً ثلاثة:
الأول : الواهب.
الثاني : المتهب.
الثالث : الموهوب.
ولا يقدر على منح الولد وتوجيه عمله الا الله تعالى، فامرأة عمران لم تسأل خدمة ولدها في المسجد فقط بل سألته تعالى الإعانة والتوفيق عليه لذا ابتدأت دعاءها برب، والا فقد تنذر الأم ولا يلتزم الولد بالنذر خصوصاً وان التكليف متوجه اليه على نحو مستقل ونذر غيره ليس حجة عليه الا ان يكون براً بوالديه عند نذرها، وهذا ايضاً يستلزم التقوى والصلاح بحيث يكون الابن باراً بوالديه، طائعاً لأمرهما كفرع من طاعته تعالى.
وقيل كان نذر الولد جائزاً في ملتهم، وعلى أولادهم طاعتهم والوفاء بالنذر فرضاً، فكان الرجل منهم ينذر في ولده ان يكون خادماً يخدمهم في متعبدهم ولعبادهم، وهو خاص بالذكور دون الإناث وجاء النذر مطلقاً خالصاً لوجهه تعالى بقولها (محرراً) من غير تقييد او تعليق على حال مخصوصة، فاذا ولد الولد يكون نذراً لخدمة المساجد، وهل فيه رغبة بولادة الذكر دون الأنثى، الجواب نعم كأن يكون الإنسان بين أمرين، اما ان تولد بنت ولا تصلح للتحرير او يولد ولد ويكون محرراً، فيختار الثاني وان يأتي ولد محرر أفضل من ولادة بنت، وان التحرير لخدمة المسجد نور اضافي وعنوان للتقوى والصلاح، الا ان يقال ان لفظ (محرراً) لا يدل على حصر النذر بالولد، لأن التذكير هو اللفظ الغالب اذا اجتمعت ارادة المذكر والمؤنث، ولكن ما يأتي في الآية التالية وقولها [إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى] يستقرأ منه ارادتها للمولود الذكر.
ومن الإصطفاء ان تعمد الزوجة الى نذر ولدها لخدمة المسجد مما يدل على السمو الأخلاقي والرفعة والهداية عند آل عمران وتفانيهم في خدمة الإسلام، وحرصهم على توارث هذه الخدمة وعدم مغادرتهم لها، وليكونوا أسوة حسنة للناس.
وتدل لام الإختصاص في (لك) على انعدام الرياء، والنفع الخاص وحب الدنيا، فليس في النذر الا القربة الى الله، ومن الإصطفاء ان تكون أفعال العبد خالصة لوجهه تعالى، والمراد مما في البطن هو الحمل والجنين ولقد أختتمت الآية السابقة بانه تعالى السميع العليم، فكانت امرأة عمران على يقين من استجابة دعوتها، وفي الآية أقوال:
الأول : ان أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت، وكانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد، فدعت ربها ان يهب لها ولداً فحملت بمريم، وهلك عمران فلما عرفت جعلته لله محرراً أي خادما للمسجد، عن محمد بن اسحاق.
الثاني : انها فعلت ذلك بالهام من الله، ولولاه ما فعلت، كما رأى ابراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم ان ذلك امر من الله وان لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله عز وجل ام موسى فقذفته في اليم وليس بوحي( ).
الثالث : أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس قال: كانت نذرت ان تجعله في الكنيسة يتعبد بها، وكانت ترجو ان يكون ذكراً( ).
الرابع : أخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كانت المرأة في زمان بني اسرائيل اذا ولدت غلاماً أرضعته وربته حتى اذا أطاق الخدمة دفعته الى الذين يدرسون الكتب، فقالت هذا محرر لكم يخدمكم.
الخامس : اخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: ان امرأة عمران كانت عجوزاً عاقراً تسمى حنة، وكانت لا تلد فجعلت تغبط النساء لاولادهن فقالت اللهم ان علي نذرا شكرا ان رزقتني ولدا ان أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدامه، فلما وضعتها قالت رب انى وضعتها انثى وليس الذكر كالانثى يعنى في المحيض، ولا ينبغى لامرأة ان تكون مع الرجال ثم خرجت أم مريم تحملها في خرقتها إلى بنى الكاهن بن هارون أخي موسى، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلى الحجبة من الكعبة، فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فانى حررتها وهي ابنتي ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا هذه ابنة امامنا وكان عمران يؤمهم في الصلاة، فقال زكريا ادفعوها إلي فان خالتها تحتي فقالوا لا تطيب أنفسنا بذلك، فذلك حين اقترعوا عليها بالاقلام التى يكتبون بها التوراة فقرعهم زكريا فكفلها”( ).
مما يدل على ان عمران كان وجيهاً بين قومه، وكان يؤمهم في الصلاة وعن الإمام الباقر عليه السلام: انه كان نبياً مرسلاً الى قومه، وقيل لم يكن لبني اسرائيل غنيمة ولا سبي، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم في خدمة الكنيسة، فيتخلى الوالدان عن حقهم في خدمة ولدهم لهم لكي يعمل في الكنيسة وطاعة  عز وجل.
وظاهر الآية الكريمة ان النذر بتحرير الولد امر متعارف عندهم، لذا قيل ما من نبي الا ومن نسله محرر في بيت القدس، والتحرير ليس مطلقاً فهو بديل عن خدمة الولد لوالديه، فاذا بلغ الحلم له ان يترك العمل في خدمة المسجد، فحينما نذرت امرأة عمران جنينها لخدمة المسجد فانها تنازلت عن حقها في خدمته لها، لذا ورد في معنى محرر انه عتيق خالص لطاعة الله، لا تستعمله أمه في منافعها وحوائجها الخاصة.
ومن أقسام النذر نذر التبرع وهو الذي يبتدأ به من غير ان يكون معلقاً على شرط كما لو قال: لله عليّ كذا واستدل بقوله تعالى[ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ] بأن نذرهــا مطلق لم يعلق على شرط، ومع قولنا بانعقاد الشرط المطلق فأن الآية الكريمة اعم من المدعى ولا تدل على الاطلاق بل كانت ترجو ولادته ذكراً سليماً مباركاً.

قوله تعالى [فَتَقَبَّلْ مِنِّي]
سؤال قبول الفعل العبادي ووجوه الطاعة، وهذا من صيغ العبودية وآداب اهل بيت النبوة وشاهد على الإصطفاء والإختيار والإنتقاء، باظهار ادب الخشوع ازاء مقام الربوبية فليس النذر وحده كافياً لنيل الثواب والأجر بل لابد من القبول والرضوان منه تعالى، وتبين الآية الإرتقاء في مسالك العبادة عند أهل بيت النبوة، وبيوتات الذين أصطفاهم الله عز وجل، وفيه حفظ لمبادئ التوحيد، ومنع من التعدي والتفريط.
ولابد من وجود حواجز دون طغيان النفس الغضبية والكبرياء والغرور او الظن بكفاية القليل، فالعبادة أفعال متصلة يتعقب احدها الآخر بذات المنهجية وتدل على سنخية واحدة ملاكها الإخلاص والصدق في الطاعة والعبودية، ومن وجوه التعاقب ان توجه الأم ابنها لخدمة المسجد، ومنها مشاركة الأم والمرأة في اصلاح الأسرة وأفعال الطاعة والإمتثال،
وذكر امرأة عمران بصفة الزوجية دليل على جهاد المرأة في حياة الذين اصطفاهم الله وهو مثال لجهاد البنت والأخت والأم، وليس الزوجة فقط، ولم تبين الآية ان امرأة عمران كانت ابنة عمه او من بيت النبوة او لا، لأنها ارادت ان تؤكد على حقيقة وهي قيام الزوجة عند آل ابراهيم وآل عمران بالسعي لتعاهد الإصطفاء سواء كانت قريبة او غريبة، ولا ينحصر الأمر بزوجة عمران او ازواج وبنات آل عمران، وفي النذر والفعل العبادي هنا ثلاثة أطراف وهم:
الأول : الأب.
الثاني : الأم.
الثالث : الحمل المحرر.
فلماذا قالت تقبل مني على نحو الحصر والتقييد، فيه مسائل:
الأولى : ان سؤال القبول متعلق بذات النذر.
الثانية : حصول الثواب لمجرد انشاء وايقاع النذر، فقد لا يتم موضوعه، وقد لا يكون الجنين ذكراً اولا يخرج الجنين حياً ونحوه، فجاء طلب القبول بلحاظ النية والعزم والقصد.
الثالثة : لقد سألت قبول عملها، بالذات وهو يعني ترشح الثواب على الأب والابن ايضاً لوحدة موضوع النذر.
الرابعة : يأتي الثواب للأب والابن لاحقاً ان تم الوفاء بالنذر، وليس على قولها وحدها.
الخامسة : ثواب الأب متوقف على رضاه في حال حياته، اما اذا كان ميتاً فانه يأتيه الثواب انطباقاً.
السادسة : اذا قبل الله النذر والعمل منها فان الأب والابن ينالا الثواب.
السابعة : عدم انحصار موضوع وسؤال القبول بالنذر، بل يشمل اعمالها العبادية أي في الكلام حذف، والتقدير تقبل مني اعمالي وعباداتي، فيكون هذا النذر مقدمة ومناسبة لسؤال قبول الأعمال، وقد ورد لفظ (تقبل منا) في دعاء ابراهيم واسماعيل عليهما السلام( )،
لقد أكدت الآية على موضوعية قبول الأفعال العبادية، وهذا القبول يأتي بالسؤال وبايجاد أسباب القبول كاجتناب الحرام وقول الزور وعدم خلط العمل الصالح بآخر سيء.
وتبين الآية صدق امرأة عمران في نذرها ودعائها وفيه تأديب للمسلمين، فاذا نذر الإنسان وتحقق متعلق النذر فلابد من الوفاء به، وروي عن الإمام الصادق قال: اوحى الله تعالى الى عمران اني واهب لك ذكراً مباركاً يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى باذن الله، وجاعله رسولاً الى بني اسرائيل، فحدث امرأته حنة بذلك وهي ام مريم، فلما حملت بها قالت [رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي] أي نذري قبول رضا( )،
لقد أعطت امرأة عمران درساً للمسلمين والمسلمات بالإنجذاب الى مقام الربوبية وعشق صفات الكمال والجلال والحرص على اظهار هذا العشق على ذريتها واولادها ليكون الإصطفاء ارثاً خاصاً بآل عمران تترشح منافعه على الأزواج مع الغبطة والفرح بفضله تعالى، فقدمت أعز ما تملك ومحط آمالها وعزها والخيط المتصل بينها وبين الحياة الدنيا، وسر الوجود الذكري والإعتباري بعد الموت، ولم تنذر وتترك النذر وشأنه وبحسب تقلبات الأحوال بل سألت الله القبول، ومن وجوه القبول تيسير تحقيق النذر والإعانة على الوفاء به، والوفاء يتعلق بأطراف متعددة منها:
الأولى : الأم ذاتها صاحبة النذر بتعاهدها للنذر وسعيها لتنجزه عند اجتماع شرائطه.
الثانية : الولد المنذور باظهاره حسن الإستجابة، ورضاه بالعمل وفق النذر، وهذا من الإصطفاء لآل عمران، ان تنذر الأم ويمتثل الولد، فليس عندهم من يعصي ويمتنع سواء كان كبيراً او صغيراً،
ان امتثال الولد من آل عمران منذ صغره بنذر أمه مظهر من مظاهر الإصطفاء مع ان نذر الأم أدنى رتبة من نذر الأب في التأثير والسلطان على الإبن، فاذا نذر الأب يكون تقيد الابن بالنذر من باب أولى، فالآية تبين أهلية آل ابراهيم وآل عمران للإصطفاء، وجاء الدعاء برجاء القبول للإعانة وحسن التوكل.
بحث فقهي
النذر لغة الإلتزام والعهد، وهو في الإصطلاح الإلتزام بعمل لله تعالى على نحو معين ومخصوص ويدل عليه الكتاب والسنة واجماع المسلمين ولا يكفي فيه النية القلبية،
فلابد من الصيغة التي تدل على العهد والإلتزام بالوفاء بفعل او ترك قربة له تعالى، والفعل كما لو قال “لله علي ان أصوم يوماً ان رزقني الله ولداً” اما الترك، كما لو قال لله علي ان اسجد شكراً لله ان تركت الغيبة.
والنذر على أقسام فاما ان يكون نذر مجازاة شكراً لله او تعليقاً على حصول نعمة او نذر الزجر عن فعل حرام، واما ان يكون نذر تبرع وهو ما كان مطلقاً ولم يعلق على شيء، والإجماع على صحة نذر الشكر والزجر، ووقع الخلاف في نذر التبرع، والقائل بعدم انعقاده أستدل بقول ثعلب في اللغة بان النذر هو الوعد بشرط، واصالة عدم ترتب الأثر، والأقوى انعقاده ايضاً، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: من نذر ان يطيع الله فليطعه( )،
ولإصالة الإطلاق ولأن النذر وجه من وجوه التقرب والطاعة له تعالى، وللإختيار في كيفية الطاعة مع عدم الإضرار بالنفس، وقد يقال بان هذه الآية دالة على نذر التبرع وانه كان موجوداً في الشرائع السابقة، ولكنه ليس تبرعاً محضاً لرجاء الولد وانه من نذر المجازاة والشكر لله تعالى.

قوله تعالى [إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]
تجلت في خاتمة الآية مرتبة الإيمان التي تعاهدها آل ابراهيم وآل عمران، وظهرت عليهم في القول والفعل، بالإقرار بعظيم قدرته تعالى وانه تعالى ينفرد بصفات الجلال والكمال وله التدبير والمشيئة ولا تخفى عليه خافية في الأرض والسماء، لقد ارادت أم مريم الأجر والثواب باعلانها النذر وصيغته وما يدل عليه من اخلاص العبادة لله تعالى، ولابد ان هذا النذر وتحرير الولد لخدمة الكنيسة موجود في شريعة بني اسرائيل، وهو غير موجود في الإسلام مما يدل على التخفيف عن المسلمين، وبيان أحكام الشريعة بما ينفي العسر والمشقة والحرج.
وفي خاتمة الآية خشوع وتضرع الى الله برجاء قبول النذر فبعد ان سألت امرأة عمران قبول نذرها، أردفت بالمدح والثناء عليه تعالى وتفويض الأمر اليه من وجوه:
الأول : انجاح النذر والوفاء به، فلا يستطيع الإنسان وحده أداء ما عليه من النذر الا بتوفيق منه سبحانه.
الثاني : تفضله تعالى بولادة ولد ذكر يكون مؤهلاً لخدمة دور العبادة.
الثالث : يعقد العبد النذر فيمن الله عز وجل بتهيئة اسبابه.
الرابع : الإقرار بان الله سمع النذر، وهذا الإقرار مقدمة للسعي في الوفاء بالنذر خشية منه تعالى وتقرباً اليه.
ظاهر الآية يدل على ان امرأة عمران ترجو ان تضع ولداً، ورجاؤها هذا ليس مطلوباً بذاته وانها تتمنى الولد على نحو مجرد، بل ليكون جزء من الإصطفاء الذي أنعم الله به على آل ابراهيم وآل عمران، ارادت الإنتفاع من نعمة الإصطفاء، ونيل ولدها من تلك النعمة، ومساهمته في تعاهدها وحفظها، وعدم خروجها عنهم، لأن النعم تنفر اذا لم تقابل بالشكر، وأظهرت حرصها على ما يأتيها من الثواب من ذات النذر ومن وفاء ابنها به، وانه تعالى يهبها ويرزقها الأجر على النطق بصيغة النذر، فبمجرد خروج الصيغة من فمها ونطقها بها فان الله سمعها،
وسمعه تعالى للنذر ليس حضور الصوت عنده وحده، بل يتضمن الأمل بالإستجابة ورجاء القبول، فهو يقبل النذر ويثيب عليه لأنه سميع، وهو عليم بما في بطن حنةامرأة عمران، وهل هو ولد فيتحقق النذر ام انه انثى، والأنثى لا تصلح للتحرير لخدمة المسجد لما يلحقها من أذى الحيض والنفاس، وفي خاتمة الاية اشارة الى ادراك أم مريم احتمال انها لن تضع ولداً وقد يكون المولود بنتاً،
لقد حصرت زوجة عمران على نيل الثواب بمجرد عقد النذر لإدراكها بانه تعالى سميع لقولها وعليم بنيتها وفيه تأكيد بان النذر خالصاً لوجهه تعالى،
وخاتمة الآية تظهر التجاء أم مريم اليه سبحانه رجاء نزول الرحمة عليها وعلى جنينها، ومن وجوه القبول تيسير الولادة وحال الطلق، لأنه تعالى اذا أعطى يعطي بالأوفى والأتم والأكمل، فالإنسان ينذر ويفعل الصالحات ولكن المدار على القبول لذا فان سؤال قبول الأعمال عنوان اضافي آخر في سلم العبادات، وهو عبادة محضة تؤكد ارتقاء العبد في المعارف الإلهية وعالم الثواب والعقاب،
واظهرت الآية الإقرار بانفراده تعالى بالسمع والعلم على نحو الإطلاق فكل شيء حاضر عنده سبحانه لا يغيب عنه شيء ومن لطفه ورحمته ان تتهيء الأسباب للوفاء بالنذر، ومن الآيات في الإصطفاء لآل ابراهيم وآل عمران ان الزوجة والمرأة عندهم تتقرب الى الله بالنذر وتتوسل اليه بقبوله وتهيئة أسباب الوفاء به مع تضرع وتسليم بربوبيته تعالى.
وفي الآية نوع تدارك وتسليم من مقامات العبودية والخشوع وان تعيين جنس الولد ذكراً او انثى هو بعلمه تعالى، بمعنى ان اسم السميع جاء لرجاء سماع دعائها واستجابة طلبتها كي تقدر على تحقيق نذرها وان اسم العليم للإخبار عن علمه تعالى بصدق نيتها وبما في بطنها، لعمومات قوله تعالى [وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ]( ).


قوله تعالى[فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] الآية 36
الإعراب واللغة
الفاء: استئنافية، لما: ظرفية حينية،
وضعتها: فعل ماض وفاعله مستتر، والضمير الهاء مفعول به،
وجملة قالت لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم.
رب: منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة،
اني: ان واسمها،
وضعتها: فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر ان، انثى: حال،
وجملة النداء مقول القول، والله: الواو اعتراضية، الله: مبتدأ
اعلم: خبر مرفوع بالضمة، بما : جار ومجرور متعلقان باعلم، وجملة وضعت لا محل لها لأنها صلة ما،
وليس: الواو عاطفة،
ليس: فعل ماض ناقص، الذكر: اسم ليس، كالأنثى: جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر، وقيل بجواز كون الكاف اسماً بمعنى (مثل) ولم يسلم به سيبويه الا عند الضرورة.
واني: الواو حرف عطف، اني: حرف مشبه بالفعل واسمه
سميتها: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر، والهاء مفعول به.
مريم: مفعول به ثان،
واني أعيذها: ان وأسمها، اعيذها: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر، والضمير الهاء مفعول به، بك: جار ومجرور متعلقان باعيذها، وذريتها: الواو حرف عطف، ذرية: معطوف على الهاء في اعيذها،
من الشيطان: جار ومجرور متعلقان باعيذها،
الرجيم: صفة للشيطان،
في سياق الآيات
النظم ظاهر بين آيات قصة ولادة مريم وكيف انها جاءت بعد دعاء عظيم وحسن توجه الى الله ونذر صادق وانقطاع الى الله تعالى، وفيه سعي لإتصال النذر وانتقاله الى الأنثى خلافاً للمتعارف ولكنه العشق والشوق الى الله الذي هو متأصل في الذين اصطفاهم الله,
ليأتي القبول الذي سألته امرأة عمران في مريم مقيداً بعنوان تشريف، وهو حسن القبول كما في الآية التالية.
وتبين الآية أن من مصاديق إصطفاء آل إبراهيم وآل عمران مسائل:
الأولى : ذكر النذر الخاص لبيان حقيقة وهي أن المصطفين من البشر ينذرون لله عز وجل وهذا النذر متوارث في ذرية آدم، قال تعالى في ولدي آدم[إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ] ( ).
الثانية : من الإصطفاء إكرام الذرية بذكر وضع المولود في الكتاب السماوي الباقي إلى يوم القيامة وهو القرآن.
الثالثة : جاءت تسمية مريم باختيار أمها، أما اسم عيسى فكان من عند الله لقوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ] ( ).
الرابعة : بيان قانون كلي وهو أن نعمة الله عز وجل باقية لاتغادر الذين تنزل عليهم، لذا فان قوله تعالى[ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ]( )، نوع وعد من الله وبيان عظيم فضله على الأنبياء وأهل بيت النبوة.
إعجاز الآية
جاء الوضع مخالفاً لموضوع النذر، فقد كان الحمل الذي في بطنها أنثى، وهي لا تعلم الحال، ولم تيأس بل لجأت اليه تعالى في اجارتها وحفظها وذريتها، وذكر الذرية يتصل بالإصطفاء وتوارثه والنذر في آية منه تعالى، ولم تكتف بتعويذها بالله من الشيطان بل ذكرت معها ذريتها في تعويذتها،
ولم يرد لفظ (ذريتها) ونسبة الذرية الى المرأة الا في هذه الآية مما يدل على الإعجاز وان امرأة عمران قد تلقت البشارات بولادة عيسى عليه السلام، وليس لمريم من ذرية الا عيسى، ولم يكن له أب فهو ينسب الى ابراهيم وعمران بواسطة مريم، مما يدل على تأسيس فروع مستقلة من آل ابراهيم وآل عمران بفضله تعالى.
ومن مصاديق الإصطفاء ان الأم تقوم مقام الأب في تعاهد وتوارث الإيمان والتقوى في ذرية وأولاد آل ابراهيم وآل عمران،
ووقع الإختلاف في أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هل هن من أهل البيت ام لا، والنزاع صغروي لأن الفضل الإلهي يترشح عليهن من الصلة والإقتران المبارك، والسبب، وايضاً الولادة وحصول النسب بالإمومة، كما في امرأة عمران، وفي تعويذتها لمريم تنزيه لها ومنع من الإفتراء عليها حينما تلد عيسى لأنها مطهرة من الدنس.
لقد ارادت امها تحويل النذر اليها مع الفارق لتكون هي المنذورة.
ويمكن ان تسمى هذه الآية آية (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا) ولم يرد لفظ وضعتها بالماضي، ووضعتها بتاء المتكلم الا في هذه الآية.
الآية سلاح
تبين الآية اكرام المرأة واهليتها للدعاء وما في ولادتها من البركة والرزق، ولزوم احاطتها بالعناية وحسن التأديب والتربية، ومن وجوه العناية تعويذها، وطلب سلامتها من شرور الشيطان واغوائه.
وتبين الآية أن بركة المولود لاتختص بالذَكر، مع قيامه بأمور المعيشة والسعي والمعاملة والدفاع، فقد تكون البركة أيضاً بالأنثى بانقطاعها إلى الله عز وجل وصيرورتها وعاء لولادة الصالح من الأولاد وقيامها بالتربية الحسنة في مرضاة الله، لذا جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم وأد البنات، لإكرام المرأة وبناء الأسرة المسلمة وفق أحكام الإيمان , قال الله تعالى[وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] ( ).

مفهوم الآية
لقد كانت ام مريم ترجو ان تضع ولداً، وأرادت نيل هذه البغية الكريمة بنذره وتحريره لخدمة الكنيسة، ليكون وارثاً لحق الإصطفاء وبقائه في آل ابراهيم وآل عمران، وهل تعلم امرأة عمران ان هذا التوارث سبيل لبعثة عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، الأقوى نعم، فهي تنتظر ان يكون عيسى من آل عمران وبشارة لخروج محمد من آل ابراهيم في حفظ الملة والشريعة السماوية، فقد كان الوضع فيصلاً في بداية الوفاء بالنذر او عدمه، ولكن شرائطه لم تجتمع بلحاظ المتعارف ,فلم تيأس أم مريم،
وتظهر ألآية لجوء امرأة عمران لأنها لم تلد ولداً يقدر على خدمة الكنيسة والمسجد ولكنها لم تقنط ولم تحزن، وتوجهت الى الله بالدعاء مما يدل على انها منقطعة الى الله , وتعلم انه سبحانه يصلح الحال ويقبل القليل،
لقد سألت التخفيف في موضوع الحمل والوضع، والله عز وجل يعلم عند نذرها وقبل ان تخلق وتنذر نذرها انها لن تلد الا بنتاً، وأراد سبحانه ان يبين لنا وجهاً من وجوه الإصطفاء هو السعي في سبيله , والتهيء لتسخير الذرية في طاعته، وأخبرت الآية عن علمه تعالى بما وضعت في دعوة لإستحضار ذكره تعالى، وفي الآية مسائل:
الأولى : انتظارامرأة عمران ان تضع ولداً، وان تفي بنذرها.
الثانية : جاء الوضع والولادة، ولكنها لم تضع الا بنتاً.
الثالثة : لم تيأس ولم تتأذِ لولادة البنت بل تلقتها بالقبول.
الرابعة : أختارت حال الوضع اللجوء الى الله بذات النداء الذي نذرت به، فقالت (رب) مما يدل على ثبات ايمانها ورضاها عنه تعالى.
الخامسة : اظهرت المائز والفارق بين الذكر والأنثى فيما يخص الذكر، وتحرير الولد لخدمة المسجد.
السادسة : بادرت الى تسميتها، وأعلنت التسمية ضمن الدعاء والمناجاة.
السابعة : لجأت الى تعويذها بالله عز وجل من الإغواء ووسوسة الشيطان، ولم تحصر الإستعاذة بما وضعت بل بذريتها، فحالما وضعتها استعاذت لذريتها وكأنها تعلم بما سيكون حال ولدها.
الثامنة : يعلم المسلمون وأسرهم شرور الشيطان، ويتوقون منه، ويحرصون على عدم تلاعبه باي واحدة من بناتهم.
افاضات الآية
تتجلى في الآية أسرار العبودية في نساء أهل البيت، وحرصهن على الذرية ذكوراً واناثاً، وهو من مفاهيم الإصطفاء والإجتباء، وظهور جذب العبودية عند المرأة بالعناية بالولد منذ أوان حمله، وتبين الآية منزلة مريم منذ ولادتها وعدم وصول الدنس اليها، وانها منذورة لله عز وجل، وسيرتها تؤكد اخلاصها في الطاعة والعبادة،
وفي الآية اخبار عما ورثته مريم من امها حنة من التقوى والإنقطاع الى الله تعالى، وهو من مقدمات ولادة عيسى بآية منه تعالى ولتدخل مريم منذ ولادتها في عالم الإصطفاء واشخاصه، وتكون وعاء مباركاً لروح الله، وسبباً في تثبيت البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

التفسير
قوله تعالى [فَلَمَّا وَضَعَتْهَا]
جاءت الفاء للتعقيب وان الذي بعدها واقع عقب الذي قبلها بغير فاصل، سواء كان الوقت بينهما طويلاً او قصيراً فالمدار على مقداره الإعتيادي، ومن القصير “غربت الشمس فصلينا المغرب” اذ ليس بينهما وقت.
ومن الثاني: تزوج زيد فولد له، فليس بينهما الا مدة الحمل، وهي تسعة أشهر للإشارة الى تعقب الحمل للزواج من غير فترة كالسنتين والثلاث، فالآية جاءت للإخبار بانه بعد النذر وانعقاده حصلت الولادة وجاءت بخلاف موضوع النذر، ولم تقل الآية فلما وضعت بل قالت [فَلَمَّا وَضَعَتْهَا] بصيغة التأنيث، وفي عائدية الضمير الهاء وجوه:
الأول : انه يعود للمولودة ساعة وضعها، للدلالة على أنها ولدت بنتاً وليس ولداً.
الثاني : الضمير يعود للنفس التي هي مؤنثة.
الثالث : يعود للمنذورة، فكانت تظن انه منذور فارادت نقل النذر،
والأصح هو الوجه الأول , وفيه اشارة الى ان الله يعلم انها لن تضع الا انثى حتى حين نذرها، ولكن النذر اظهر معاني الإصطفاء وأثره في بيوتات الأنبياء،
لقد جاءت الآية لتوكيد علمه تعالى بمافي بطنها وللإخبار عن بدء مرحلة جديدة من مقدمات بعثة عيسى لأن بعثته ذات خصوصية تتعلق بطهارة الولد فأراد الله عز وجل تهيئة الأذهان لولادته وطرد الشك والريبة عن مريم وانها ولدت منذورة لله وهي تنفرد بهذه الخصوصية لأن النذر لخدمة المسجد يكون في الولد،
والاية بشارة ولادة مريم عليها السلام لأن ولادة عيسى ستكون وسط اذى وخوف وفزع من مريم فاراد الله عز وجل ان تكون العناية العامة من الأهل بولادة أمه وسط مراسم التقوى والفلاح والإعداد للشأن العظيم ولتكون مريم متميزة بحالة تنفرد بها من بين النساء وهي النذر للكنيسة، وهذا النذر لم يكن غاية بل هو مقدمة لإشتهارها بالتقوى ومعرفة سيرتها،
فكما ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عرف بين قريش وأهل مكة بانه صادق أمين، فلما بعث من عند الله ونزل عليه الوحي صدقه فريق من الناس لطهارته وتنزهه عن أدناس الكذب والإفتراء، وهذا من الإصطفاء، وكذا مريم فمما اصطفاها الله بها ان نذرت نفسها لخدمة الكنيسة، والمرأة قد تواجه الإختلاط ويلحقها عيب فيه.
فاراد الله عزوجل لها شهادة الرهبان والناس بالصلاح وتبرئة ساحتها عند حصول الآية خصوصاً مع ما عرف عن بني اسرائيل من اللجاج والعناد والرد كما اظهرت قصة البقرة وذبحها وكيف انهم شدّدوا على أنفسهم بطلب صفاتها وخصائصها، ومرتين يسألون موسى [ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ] ( )، واخرى يسألون عن لونها وهكذا.
فلا ينظر للآية بلحاظ ام مريم ووضعها بل لابد من تدبر المعاني القدسية من الآية فيما يخص مريم وهو الفرد الأهم لتبدأ قصة مريم واصطفائها من ساعة ولادتها، وان تلك الولادة لم تكن كسائر النساء، لذا ذكر القرآن اصطفاء مريم على نحو الخصوص وان الملائكة اخبرتنا به [وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ]( ).
لقد كانت ولادتها اشراقة ملكوتية تشع بضيائها على الأرض وتعلن بدء مرحلة جديدة من أنوار عالم الغيب، وتجليات الإرادة التكوينية في الوضع والحمل والنشأة، وهو تشريف لعيسى في امه لأنه ليس له أب صلبي، ويشهد على توارث النبوة والإيمان منه.
فجاء الفخر من جهتين ولادته من غير أب، ومن ام مجتباة منذ لحظة ولادتها، ونشأت على التقوى والطهر , والظاهر ان الطهر والعفة المطلقة شرط لتلقي النفخ من روحه تعالى، وهو من مضامين الإصطفاء وبأبهى معانيه، ولم يرد لفظ (وضعتها) الا بخصوص مريم، كما لم يرد الوضع بخصوص شخص معين من الأنبياء او غيرهم، نعم جاء بذكر جنس الإنسان قال تعالى [حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا]( ).
قوله تعالى [قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى]
توجهت أم مريم الى الله بالمناجاة والدعاء والتوسل، وهي تدرك انه سبحانه يعلم ان المولود أنثى ولكنها أرادت الإعتذار وبيان حرصها على تحقيق نذرها ورجاءها بان يكون المولود ذكراً، ولابد ان آل عمران ينتظرون البشارة بولادة عيسى، وكان الذي يحرر لخدمة الكنيسة هو الولد وليس البنت وانها كانت تأمل ان يرث المولود آل عمران، ولم تيأس ولم تقنط بل سألته تعالى ان يجعل الأنثى مباركة مؤهلة لوراثة الإصطفاء والإجتباء ونيل ثواب النذر الذي كانت تأمله بولادة الذكر، لقد أعلنت قبولها لما رزقها الله تعالى وانه سبحانه لا يريد لها الا ان تلد بنتاً.
وذكر ان هذا القول دلالة على الخيبة واظهار التحسر، ولا دليل عليه انما هو جزء من مضامين الشكر له تعالى , والفزع اليه في كل الأمور وانه سبحانه يثيب المرء على نيته ويصلح له ذريته ذكوراً كانوا او اناثاً , وكم من أب انتفع في دنياه وآخرته من بنت له اكثر مما ينتفع من أولاده الذكور، وان كانوا متعددين، وهذا الأمر ظاهر للعيان ومدرك بالوجدان في كل مكان وزمان،
وتجتمع في الآية مضامين قدسية من قاعدتين من قواعد اللطف الإلهي في القرآن هما:
الأول : الإصطفاء.
الثاني : أحسن القصص.
اذ يتجلى في الآية جهاد أهل البيت لتأسيس صرح خالد للمرأة المؤمنة في المجتمع ودور العبادة، او قل المؤسسات الدينية عموما، وان أم مريم تطمع ان يكون للمولودة موقعاً ومنزلة وشأناً بين بني اسرائيل , وفي مسالك التقوى والصلاح.
لم تتجه امرأة عمران الى السكوت ونسيان النذر لأن الذي ولد خلاف المقصود الذي ينطبق عليه موضوع النذر، وتدل الآية على صدق نية امرأة عمران، وهذا من الإصطفاء،

قوله تعالى[وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ]
قرأ ابو بكر عن عاصم وابن عامر (وَضَعْتُ) بالرفع أي ان هذا الشطر من الآية من كلامها وانها لم ترد اخباره تعالى بما وضعت لعلمه تعالى، بل أعلنت تسليمها بعلمه تعالى بالحمل وجنسه قبل ان تضعه، اما باقي القراء فقرأوه بالجزم أي ان الآية جملة اعتراضية تدل على علمه تعالى بما وضعت وهو المرسوم في المصاحف، وهو الأصح، فلو كان من سياق كلامها لقالت “الله أعلم بما وضعت” لأنها تكلمت بصيغة النداء (رب).
وفي الآية مسائل:
الأولى : تعظيم شأن المولود وان كان أنثى.
الثانية : علمه تعالى يعني احراز المولودة درجة من الرفعة، وان الله أعدها لأمر عظيم.
الثالثة : في الآية اخبار عن قبول النذر وترتب الثواب.
الرابعة : لنفي اليأس والقنوط عن نفسها لأنها لم تلد ذكراً.
الخامسة : للإخبار الإلهي بسعة فضله تعالى، وانها لا تدرك اصطفاء هذه الأنثى.
السادسة : في الآية اكرام للبنت ولزوم عدم الإستهانة بها حينما تضع المرأة انثى فلا يعلم الا الله ما سيكون لها من النفع والعز، وما يفتح الله لها من أبواب الخير والبركة، بالذات او السبب والواسطة، ومن السبب اقترانها بزوج مؤمن , وانشاء صلة نسب مباركة وذات منافع متعددة.
السابعة : الآية توكيد لحقيقة ثابتة وهي احاطته تعالى علماً بالأشياء جميعاً، وامرأة عمران لا تجهلها بدليل قولها في الآية السابقة [إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] فالآية تصديق لقولها واخبار بانها لم تعلم ما في رحمها وفوضت الأمر اليه وان الإنسان يرجو فعل الخير وقد لا تجتمع شرائطه.
وتبين الآية عظمة الباري عز وجل و وفيها تنبيه للعباد بلزوم استحضار علمه تعالى بالأشياء وانه لاتخفى عليه خافية في الأرض والسماء، أي في ضمن سياق القصة القرآنية يؤدب الله عز وجل المسلمين على منازل الرق والخشوع له تعالى، فمتى ما أدرك العبد ان الله عز وجل يعلم ما يقول أي العبد، وما يفعل وما يرد عليه من الأمور فانه يحسن التوكل اليه.
لقد ارادت الآية الإخبار بعدم حصول ما يضر في نذر وأماني امرأة عمران، وهو من وجوه الإصطفاء وعظيم فضله تعالى على من أجتبى من عباده، فحتى لو جاء الأمر على خلاف ما يتمنون فانه يتضمن الخير الكثير والعطاء الجزيل، والمعروف عند الأمم المتعاقبة ان المولود الذكر أفضل من البنت في مستقبل الأيام وأكثر نفعاً منها، وهو الذي يرث الاسم ويحفظ الشأن، ويتصف بالقوة والإختلاط مع الناس ولا يأتيه العيب والعار الذي قد يلحق المرأة خصوصاً في حالات الحروب والسبي.
والرجل يستطيع القتال والدفاع وقضاء الحوائج والخروج للكسب والعمل والتجارة، وفي المقام يصح نذر الولد لخدمة المسجد وحفظ ميراث النبوة ولم تبعث أنثى نبية، وكانت كثرة الأنبياء متعارفة عند بني اسرائيل، ولعل امرأة عمران ارادت ان يكون ولدها نبياً وتعده لمراتب النبوة وتهيئه لنيل درجة الوحي وانها كانت تعلم انها تلد النبي البشارة.
وموضوع الآية لا ينحصر بقولها واخبارها عن ولادتها، بل هو مطلق وحكم عام يظهر تجليات الإرادة التكوينية، وانه تعالى يتولى تدبير شؤون الخلائق ومنها ذراري الذين أصطفاهم الله واصلحوا للإصطفاء.
وفي قراءة ابن عباس: والله أعلم بما وضعتِ، بكسر التاء، وهو خطاب الله عز وجل لها، أي ان الأنثى التي ولدتيها انما هي مصطفاة ومطهرة ولها شأن عظيم، وانك نظرت فقط الى جنس المولود وموضوع النذر ولكن الله عز وجل استجاب لك بخصوص المولود فجعل الموهبة والرفعة والإصطفاء عندها.
وهذا المعنى يصلح حتى في حال اطلاق القول من غير اعتباره خطاباً لها، ولكن لغة الخطاب تدل على اكرام اضافي لأم مريم، ولقد وردت خطابات القرآن لأم موسى ولكنه قياس مع الفارق لأن أم موسى كانت مأمورة بما يؤدي الى حفظه وسلامته ونجاته، كما في قوله تعالى [فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ] ( ).
فالأصح القراءة المرسومة في المصاحف وتحمل قراءة ابن عباس على البيان والتفصيل، فمن مصاديق القراءة التي في المصحف انها انحلالية، تنحل الى عدة صيغ وخطابات، فهي خطاب لأم مريم ايضاً وخطاب للناس جميعاً، وقاعدة فيما يخص آل بيت النبوة في تعاهد ولاداتهم، وتعيينها ذكراً او أنثى، بما يؤدي الى حفظ الإجتباء والإختيار، وبقائهم دعاة الى الله، وحفظة للشريعة سواء كانوا ذكوراً او اناثاً، ولبيان ان المرأة منهم لها خصوصية في التناسل والتوارث، ولو كان هذا الشطر من الآية خطاباً من الله لها، ولقالت الآية ان الله أعلم بما وضعتِ، وهو أقرب من العطف بالواو.

قوله تعالى [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى]

أنتقلت الآية الى ذكر التباين بين الذكر والأنثى، وفي الآية وجهان:
الأول: انها قاعدة كلية ذكرها القرآن لبيان الفارق بين الذكر والأنثى مطلقاً، وبخصوص النذر والوفاء به،
الثاني: انه كلام ام مريم وانها تقصد تفضيل الولد الذكر على الأنثى من وجوه:
اولاً: يحصل التحرير للذكور دون الإناث، وان شرائط النذر لم تنعقد، ولا يمكنها الوفاء بالنذر مطلقاً، او على نحو التمام والكمال.
ثانياً: يرث الذكر الإصطفاء، ويكون داعياً الى الله، ويحضر المنتديات والمجالس، ويأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
ثالثاً: يستطيع الذكر مواصلة خدمة المسجد والكنيسة على نحو يومي متصل، أما المرأة فتضطر للإنقطاع بسبب الحيض والنفاس ونحوهما.
رابعاً: يكون اداء الذكر أفضل لأنه أشد قوة وأكثر تحملاً، اما الأنثى فانها ضعيفة لا تستطيع أداء وظائف الخدمة.
خامساً: وجود المرأة في خدمة موضع العبادة قد يكون سبباً للإفتتان، بخلاف الرجل.
سادساً: المولودة من أهل بيت اصطفاهم الله وأشكل على نسبة الكلام لأم مريم، لأنه لو كانت الآية مقول قولها لكان الأولى ان يرد اللفظ بانه [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى] أي ليس الأنثى مثل الذكر في النذر والمنزلة، والأقوى انه حكاية عنها ولابد من تأويله سواء بظاهر معناه او بالمعنى المنسبق الى الذهن وهو أفضلية الذكر بما يفيد اكرام مريم على نحو الخصوص.
ومنها انها أنتقلت الى منازل الشكر والثناء كانت، ووجود فترة وفاصلة بين الوضع وبين هذا القول، فبعد ان قالت انها وضعتها أنثى، أدركت الآية في وضعها سواء بالتحديث او الإخبار او الشواهد التي تظهر على مريم وهي صغيرة فقالت أمها حينها وليس الذكر المنذور وما يحتمل من سائر الأولاد كهذه الأنثى ذات الشرف والخصوصية.
لقد أدركت حنة ان مريم مصطفاة وان الله عز وجل أكرمها وجعل لها شأناً فعند ذاك عادت لتشكره تعالى على هذه النعمة وانه شرف عظيم ان تضع مريم التي تربو على الرجل في الدرجات، وتفوقهم في الرفعة والتقوى والصلاح لتكون وعاء لروح الله، ومما يدل على ان قوله تعالى [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى] هو كلام أم مريم عطف ما بعده عليه بالواو.
والآية شكر لله تعالى بانها طلبت ولداً ليكون خادماً في محل العبادة، فجاءتها هبة الله، فأظهرت شكرها وفرحها بفضله تعالى , لتكون هذه الآية عبرة وموعظة للمؤمنين والناس جميعاً , وان الإنسان يسأل الله عز وجل فيأتيه ما هو أعظم ويرزقه من حيث لا يحتسب، فصحيح ان بعض البنات أفضل من الأولاد الا ان الأصل عند الولادة تفضيل الولد للعمومات , ولأن تفضيل البنت وظهور خصوصية عندها أمر نادر الوقوع وخلاف القاعدة، فأراد الله عز وجل لكل رجل حب ولادة البنت وعدم التأذي حين سماع نبأ وضع زوجته بنتاً، وكذا غير الأب من الأخوان وألأهل.
وتبين الآية حال الذين أصطفاهم الله، فان جاءتهم بنت فلا يبتئسون ولا يظهرون الضجر بل العكس لإحتمال ان تكون هذه البنت هبة منه تعالى بخلاف القوم الكافرين الذين ذمهم الله في القرآن لحال الكآبة التي تبدو عليهم عندما يبشرون بالبنت، قال تعالى [وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ]( ) .
ويمكن قراءة الآية بتقدير وجود حذف، وهو “وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى هذه” وتدل الآية على منزلة حنة في المعرفة الإلهية وانها عارفة ومنقطعة الى الله تعالى بالإضافة الى رؤية الآيات في ولادة مريم وسيرتها منذ صباها لأن الإصطفاء الخاص بمريم الذي جاء في القرآن [يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ]، اعم من ان ينحصر بزمان مخصوص وسن مخصوص، وهو يتغشى ايام حياتها.
ومن مضامين الآية الخاصة بالذين أصطفاهم الله انه سبحانه يعطيهم ما يسألون مع زيادة لا يعلم قدرها الا الله عز وجل بمعنى ان الزيادة اكبر وأكثر من البغية والسؤال وهو من كرمه وجوده عليهم وعلى الناس في خلقهم فان عطاءه سبحانه للمصطفين الأخيار عطاء ونفع للناس جميعاً، وان أفتاهم فيها من الخير والبركة ما يعلمه الا الله عز وجل.
وفي الآية دعوة لإكرام وود ذراري أهل البيت من النساء وعدم حصر الود والإكرام بالرجل منهم، ومن الآيات ان يحصل الإختلاف في نسبة الكلام وعائديته الى الله تعالى او الى أم مريم، وهو من مصاديق الإصطفاء والإجتباء، فجعل الله كلامهم أقرب الى كلامه في اشارة الى الوحي والتنزيل، والإخبار عن التحديث عند أهل بيت النبوة، فقد كانت مريم محدثة، وان لم يرد ما يدل على ان أمها محدثة ايضاً.
فمن اكرامهم أهل بيت النبوة ان يكون كلامهم في القرآن كأنه كلام له تعالى، وانه سبحانه يمضي قولهم، وعلى فرض انه كلام الله ففيه اشارة الى منزلة مريم وما ينتظرها من الشأن العظيم والدرجة الرفيعة، وفي الآية دعوة لبني اسرائيل لاكرامها وعدم الإفتراء عليها او الطعن بها، وهي مقدمة لتصديقها في ولادة عيسى لإحاطتها بالطهر والتقديس من حين ولادتها.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (التشبيه) وهو أمر لغوي وموجود في كل لغة من اللغات وهو ليس امراً لغوياً محضاً بل هو عقلي لما فيه من تقريب البعيد، وبيان الغامض بالظاهر، والمجهول بالمعروف والمبهم بالواضح، والخفي بالجلي، وفيه كشف عن المقصود باختصار واعانة على الفهم والبيان، لذا تجده في البلاغة والفقه والمنطق، فلا ينحصر موضوعه بالإلفاظ فمنهم من اعتبره في الأحكام.
ففي المنطق هناك اصطلاح (التمثيل) وهو انتقال الذهن من حكم أحد الشيئين الى آخر لإشتراك جهتي بينهما يتعلق بموضوع الحكم وأشكل عليه في باب الحكم وانه لا يفيد الا الظن، الا ان قوة وجود الشبه بين الأصل والفرع تزيد من درجة الظن.
ويعتبر التشبيه من أقسام البلاغة وقال المبرد: لو قال قائل: هو أكثر كلام العرب لم يبعد.
وأدوات التشبيه متعددة وتشمل الأسماء والحروف، ومن الأولى شبه ومثل، كما في قوله تعالى [كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ] ( ) ومن الثانية حرف (الكاف) وهو أشهر ادوات التشبيه وأكثرها استعمالاً، وأختلف في الفعل مثل حسب، ويخيل، كما في قوله تعالى [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى]( )، ومال الى القول بالتشبيه السكاكي وجماعة، والنزاع صغروي لظهور المعنى فقد يكون المراد من التشبيه هو المشاركة في معنى جهتي كما في قولك “حسبت زيداً أسداً” ويدل على وجود شبه عند زيد للأسد في قوته وشجاعته، وقد يراد الكناية والتعريض مع الإلتفات الى المجاز في اطلاق لفظ الأسد على الإنسان فيكون المعنى حينئذ “حسبت زيداً شجاعاً” فلا يشمله.
وهناك تباين في الإستعمال، فاذا قلت زيد كالأسد، او زيد مثل الأسد، فانه يختلف عن حسبت زيداً أسداً، التي يتعدد معناه ويظهر فيه جلياً الظن والإحتمال.
والأصل في التشبيه ان تدخل أدواته على المشبه به وأستدل بقوله تعالى [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى] بان الأصل: ليس الأنثى كالذكر، وانما عدل عنه لوضوح الحال، وقيل لمراعاة الفواصل، لأن قبله [إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى]، والأقوى عدم حصول عدول , وان الآية جاءت على الأصل لفظاً ومعنى، فالأصل أخذ الكلام على ظاهره الا مع القرينة الصارفة عنه، ومن بلاغة القرآن ان ترد هذه الآية خلافاً للقواعد البلاغية لأن مريم عليها السلام وولادتها وما ينتظرها من التشرف بانجاب كلمة الله خلاف القاعدة ايضاً في مراتب الذكورة والأنوثة.
قوله تعالى [وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ]
تظهر الاية الخلة والصلة بين الله عز وجل وبين امرأة عمران بحيث انها تأنس بالمناجاة وتتوجه له تعالى بأمورها كلها وانها مستغرقة في جمال وبهاء الله، وقد ورد في اكرام يحيى ان الله عز وجل هو الذي سماه، ومثلما يرد الترديد في الشطر السابق من الآية [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى] هل هو من كلام الله ام كلام امرأة عمران، فكذا يرد الترديد هنا، وهل الضمير في (اني) عائد لله تعالى ام لأم مريم، أي ان اختيار الاسم جاء من عند الله ام من عند ام مريم، والمشهور والظاهر ان التسمية من عند ام مريم، وهي التي اختارت لها هذا الاسم مما يدل على الفرق بين الاسم والمسمى والتسمية، ومريم اسم مؤنث سرياني معناه الخادمة او العابدة، ومعاني الاسم واختياره يدل على غبطة ورضا امرأة عمران بالمولودة وانها نذرتها لخدمة دور العبادة وألزمت نفسها باصلاحها للتقوى والعبادة، فهذا الاسم يتضمن نوع الكفالة.
ويعتبر هذا الاسم مدرسة في الفضيلة ورسالة الى بني اسرائيل في اكرام مريم عليها السلام بمعنى ان حثهم على اكرامها يأتي من جهة الاسم والمسمى، والعنوان والمعنون، وفيه درس لعلماء الإجتماع وأهل التحقيق لإعتبار ما يترشح عن الاسم الحسن من الفيض، فلذا جاءت النصوص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان خير الأسماء ما عبد وحمد، وان من حق الابن على أبيه ان يسميه اسماً حسناً.
ومن الإصطفاء اختيار الاسم الحسن لآل ابراهيم وآل عمران سواء من عنده تعالى وتفضله بالإختيار كما في يحيى، او بما ينطق به أهل البيت أنفسهم، وظاهر اختيار اسم مريم انه ليس من التحديث على فرض ان الآية مقول قولها، وانها هي التي أختارت هذا الاسم ليكون عنوان تشريف اضافي.
ويستحب تسمية المولود قبل ولادته ولكن أم مريم سمتها بعد ولادتها لأنها كانت ترجو ان يكون المولود ذكراً وليكون الإسم شمساً مضيئة تشرق على موضوع ولادتها لعيسى لتوكيد الإعجاز فيها ولبعث الطمأنينة في نفوس بني اسرائيل وكانت مريم اسماً ومسمى عنواناً للعفاف والنسك، وحياتها قبس من الأنوار الملكوتية تستنير بها أجيال المسلمين وفيها دعوة لإخلاص العبادة لله تعالى.
لقد كانت رائدة في الزهد والتقوى، واختيار هذا الاسم دليل على رضا امرأة عمران بالمولود الإنثى، وان الأهم عندها ليس جنس المولود بل نشأته على التقوى والصلاح، كما يدل على تفاؤلها بالمولودة ورجائها ان تكون من القانتات العابدات.
وفي الآية دعوة لإختيار الأسماء الحسنة ذات الصبغة الإيمانية للأوامر ليساعد كلاً منهم اسمه في اختيار الهداية والصلاح.
ولم يرد لفظ (سميتها) في القرآن الا في هذه الآية، وجاء متعلقاً بمناجاة بين أمة الله وبين الخالق، ولابد له من دلالات وأسرار منها:
الأولى : ان امرأة عمران تتوجه الى الله بالمناجاة والبث والإخبار، مع علمها بان الله يعلم السر وأخفى.
الثانية : انها مأمورة باعلان اسم المولود، لعلمها الإجمالي بانه سيكون ذا شأن.
الثالثة : اظهار العبادة والطاعة لله عز وجل باختيار اسماء ذات صبغة ايمانية.
الرابعة : اختيار الاسم جزء من خصوصيات التسخير لخدمة موضع العبادة.
الخامسة : هذا الاسم رجاء صلاحها وهدايتها وعصمتها من الزلل والخطأ.
السادسة : اسم مريم دعوة لبني اسرائيل لإكرامها، وتهيئة أسباب مواظبتها على الصلاح، واداء افعال العبادة.
السابعة : الإخبار عن قيامها بتعيين الاسم المناسب للمولود، وفيه اشارة الى جواز اختيار الأم لاسم ولدها، وهل يكون مطلقاً ام في حال غياب ووفاة الأب، الظاهر هو الثاني، لأن اختيار الاسم جزء من الولايــــة على الصبي.
الثامنة : تنفي الآية شبهة الغلو في مريم واسمها ثم اختياره من قبل أمها، وانه حق من حقوقها.
التاسعة : لقد أرادت الأم ان يكون المولود ذكراً كي تحرره من التبعية للوالدين وتنزع السلطنة والولاية عليه من يديها ليكون مسخراً في سبيل الله، ويجاهد في خدمة موضع العبادة، ولكنها رزقت بنتاً فلم تيأس بل أختارت لها اسماً يدل على ذات الغرض في التسخير للعبادة، ويبدو ان تعاهد موضع العبادة يومئذ كان بدرجة عظيمة عند بني اسرائيل وهو سبب لصلاح الأمة والعباد، ومصداق من مصاديق التقوى وسبيل لهداية الناس، وعنوان لتهذيب الأخلاق، وشاهد على نزاهة وطهارة العبد.
العاشرة : كانت ولادة مريم كباقي الناس من غير معجزة، وكذا تسميتها جاءت من قبل أمها، ولكن هذا لا يمنع من شمولها بالإصطفاء والإجتباء، وهو مانع من الغلو فيها.
قوله تعالى [وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ]
أظهرت امرأة فرعون غاية العبودية والتسليم لله عز وجل، وهو من مضامين الإصطفاء، وأعطت درساً للمسلمين والمسلمات في تعاهد اولادهم بالإستـعاذة، وفيه اقرار بجهل ما يحدث لها ولذريتها والعجز عن السيطرة على شؤون الإنسان وما يرد عليه من الأمور , وخروج تقلبات احواله عن ارادته، سواء بالنسبة للذات او المتعلقين.
ومن فلسفة الإستعاذة انها لجوء الى الله تعالى لأنه هو القوي القادر على كل شيء والذي يدفع الآفات والبلاء عن العباد متحدين ومتفرقين، وهي برزخ دون الإنصراف عن الطاعات، وفيها اقرار بالعجز عن دفع الأذى والشرور عن النفس، وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “من عرف نفسه فقد عرف ربه”، أي عرفها بالضعف والعجز والنقص، والإستعاذة اثبات لحاجة الممكن الى واجب الوجود، وعروج من الخلق الى الحق، ان الشيطان يسعى لصد الإنسان عن الطاعات، ويحاول تحسين المحرمات، فجاءت الآية لصيانة مريم من شرور الشيطان.
والعوذ هو الإلتجاء والإستجارة وهو لجوء الى الله تعالى، والشيطان مأخوذ من الشطن وهو البعد والمراد بعده عن رحمة الله، اما الرجيم فانه فعيل بمعنى مفعول أي موجود.
وهل الألف واللام في الشيطان للعهد، وان المراد هو ابليس وسؤال حجب شروره عن مريم وعيسى، ام المراد المعنى الأعم وان الألف واللام للجنس، الأصح هو الثاني لعموم اللفظ وتقديمه على خصوص السبب.
لقد أرادت أم مريم الوقاية والحصانة لمريم من شرور الناس وأذى أهل الإفتراء فلابد من واقية لحفظ عيسى في أمه وولادته ونفسه بالإضافة الى الإنزجار الذاتي من القبائح والمعاصي، والشيطان عدو خارجي وداخلي، فالآية لمنع وسوسة الشيطان وغلبة النفس الشهوية.
لقد جاءت أم مريم بمفتاح للعلوم وسعت لإرتقاء مريم في مراتب التقوى، وهي بعد في المهد، ووضعت حاجباً دون مداهمة القوى الشيطانية لها وارادتها الإنتقاص من توجهها نحو الصلاح والرشاد، وقد ظهر أثر الإستعاذة هذه على سيرة مريم ولما رأت جبرئيل ورد حكاية عنها في التنزيل [قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا] ( ).
وقد انعم الله عز وجل على المسلمين، وجعل عندهم الإستعاذة متصلة مستمرة، قال سبحانه [فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ]( ) .
لقد أرادت ام مريم تهيئة مريم لقبول التكاليف ومواثيق العبادة والإمتثال لأوامره تعالى، وهذا من عناوين الإصطفاء ان يتولى الآباء والأمهات في آل ابراهيم وآل عمران حصانة اولادهم من شرور الشيطان عند ولادتهم وقبلها، عند الولادة بخصوص مريم، وقبلها بالنسبة لعيسى عليه السلام، وهذه الإستعاذة جاءت لأنها وضعتها أنثى ام مطلقاً؟ بمعنى انه لو كان المولود ذكراً لعوذته ايضاً، الجواب هو الأخير بقرينة ان الإستعاذة شاملة لها ولذريتها.
والمتبادر من لفظ الذرية المتعدد في الأشخاص والجنس من ذكر وأنثى وان كانت ذرية مريم منحصرة بعيسى وهو ذكر ايضاً، ان خدمة الكنيسة وموضع العبادة تستلزم اللجوء الى الله عز وجل للحصانة والوقاية من شرور ابليس وجنده لتطهير النفس وأماكن العبادة، وليكون قلب المؤمن بستاناً لذكره تعالى.
ومواضع العبادة طاهرة منزهة من دنس الشيطان بالذات والواسطة أي ان قلب خادم المسجد طاهر ايضاً لقدسية موضع العبادة وما يترشح منه على القلوب المنكسرة، وهو من منافع المساجد القلبية والروحية، ومن الإصطفاء ان عرفت امرأة عمران هذا الضياء المبارك لمواضع العبادة الذي يشع على النفوس.
لقد توجهت الى الرحمن الرحيم ملتجأة من شرور الشيطان الرجيم ليكون هذا التوجه حرزاً لمريم ودرساً لنساء المسلمين في تعويذ اولادهن،
“واخرج عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كل مولود من ولد آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي الاما كان من مريم بنت عمران وولدها فان أمها قالت حين وضعتها وانى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فضرب بينهما حجاب فطعن في الحجاب( )” وفاعل طعن هو ابليس، فلم يضر عيسى.
وطعن القاضي بالخبر وقال انه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده( ).
وجاء ذكر عيسى وموضوع الحجاب من طعنة ابليس بالدعاء دعوة للمسلمين اباءً وامهات للإستعاذة للمولود ساعة الحمل، ومن الآيات ان جاءت الإستعاذة للمولود الصلبي ولذريته على نحو الإطلاق لينفع الأحفاد سواء تكررت الإستعاذة في البطون اللاحقة , او تركت عن سهو او غفلة او عمد.
وسيأتي في سورة الكهف ان قوله تعالى [وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا] هو الجد السابع وحفظ كنز الولدين اكراماً له فمن منافع الإصطفاء ان ينتفع المسلم من الإستعاذة في الآية على نحو مركب من وجوه:
الأول : قيام امرأة عمران بالإستعاذة.
الثاني : السعة في الإستعاذة لتشمل المولود وذريته.
الثالث : الإلتفات الى ذرية البنت , وعدم حصر الإستعاذة والدعاء والإهتمام بذرية المولود والابن الذكر اذ ان أولاد البنت ابناء للرجل وزوجته.
الرابع : بيان النفع من الإستعاذة.
الخامس : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذكر منافع استعاذة امرأة عمران، وهو من المصطفين بل هو سيدهم.
السادس : الحديث دعوة للإنتفاع من سيرة وسنن المصطفين واثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فما نالته مريم وعيسى كنز يستطيع المسلمون ان ينهلوا منه بالدعاء والتضرع والله واسع كريم.
وعن الإمام محمد الباقر قال: لقي ابليس عيسى بن مريم فقال: هل نالني من حبائلك شيء، قال : جدتك التي قالت: [ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ].
والحبائل جمع حبالة- بكسر الحاء- والمراد بها: أسباب الخداع والمكر التي يصيد بها ابليس الناس لإغرائهم بالمعصية.
وعن قتادة في الآية قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : كل بني آدم طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى ابن مريم وأمه، جعل بينهما وبينه حجاب، فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شئ وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها سائر بني آدم . وذكر لنا أن عيسى كان يمشي على البحر كما يمشي على البر مما أعطاه الله تعالى من اليقين والاخلاص( ).
ويدل الحديث على استجابته تعالى لدعاء امرأة عمران وهو جزء من الإصطفاء والإجتباء وأسباب اصلاح ذراريهم ليتعاهدوا كلمة التوحيد في الأرض، وتكون الأنثى أضعف من الذكر على مواجهة مشاق الحياة، فلا تستطيع النهوض باعباء الخدمة وتكون حبيسة الدار تتطلع الى من يوفر لها لقمة العيش، ولكن أم مريم التفتت الى الجانب الأهم وهو التقوى والصلاح وارادة تخليصها من براثن الشيطان ومكره وكيده وفتنته لأن أكثر أسباب الأذى فروع لكيد الشيطان واغوائه.
ولما كان عمران قد مات قبل وضع مريم، فحنةامرأة وكانت ترجو ولداً يحفظ الإم والعنوان ولم تنشغل بحاجتها اليه في كبرها وشيخوختها وقيامه بمستلزمات معيشتها بل نذرته لخدمة الكنيسة ففي النذر غاية الإيثار،
ارادت ان يكون ولدها سيفاً ضد الشرك والكفر، وداعية الى الله ويكسب لها الثواب بالصلاح والإصلاح وهذا الثواب عندها أفضل من الكسب المادي وهو عرض زائل، وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لولا انها قالت اني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، اذن لم تكن لها ذرية.
ولكن القدر المتيقن هو الحصانة والوقاية من شرور الشيطان وأخرج ابن جرير عن الربيع مرسلاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: كل آدمي طعن الشيطان في جنبه غير عيسى وأمه، كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها بنو آدم، قال: وقال عيسى فيما يثني على ربه: وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن له علينا سبيل( ).


قوله تعالى[فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] الآية 37
القراءة
قرأ عاصم وحمزة والكسائي فكفلها بتشديد الفاء، والباقون بالتخفيف، وقر أ حمزة والكسائي وحفص: وكفلها زكريا، مقصوراً في كل القرآن “وقال ابن سيده: وفي زكريا أربع لغات:
زكري مثل عربي،
زكري-بتخفيف الياء- قال وهذا مرفوض عند سيبويه،
وزكريا مقصور،
وزكرياء – ممدود”( ).
وقال ابن منظور: فان ترك صرفه فان في آخره الف التأنيث في المد، والف التأنيث في القصر، ونسب الى بعض النحويين القول بانه لم ينصرف لأنه أعجمي، وزكريا من ولد نبي الله سليمان بن داود.
وقرأ مجاهد [فَتَقْبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتْْْهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفّْلَهَا] على لفظ الطلب والسؤال الصادر من امرأة عمران، أي انها تدعو ربها بمعنى: اقبلها يا ربها، انبتها يا ربها، والمرسوم في المصاحف بصيغة الخبر هو الأصح والأولى.
الإعراب واللغة
فتقبلها: الفاء: عاطفة، تقبل: فعل ماض، الهاء: مفعول به،
ونصب ابو بكر وحده زكرياء، والباقون بالرفع، والذي قرأ بالرفع فمعناه قيام زكريا بضمها لنفسه،
ربها: فاعل مرفوع، وهو مضاف، والضمير الهاء مضاف اليه، بقبول جاء ومجرور متعلقان بتقبلها، حسن: صفة، وانبتها: الواو حرف عطف.
أنبتها: فعل وفاعل مفعول به، نباتاً: مفعول مطلق، حسناً: صفة،
وكفلها: الواو: عاطفة، كفل: فعل ماض والفاعل عائد الى الله عز وجل لعطف على فتقبلها ربها، وهو الأرجح كما سيأتي في قوله تعالى [وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا].
الهاء: مفعول به أول، زكريا: مفعول به ثان،
اما اذا قرأت كفلها بتخفيف الفاء، فان زكريا هو الفاعل لأن الكفالة مسندة اليه، وهو الذي قام بها.
كلما: ظرف زمان، وهي مركبة من (كل) و(ما) المصدرية ولا يليها الا جملتان ولهذا أشبهت أدوات الشرط، دخل: فعل ماض، عليها: جار ومجرور، زكريا: فاعل، والجملة في محل جر باضافة الظرف اليها.
المحراب: مفعول به، منصوب بنزع الخافض والتقدير بالمحراب،
وجد: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود لزكريا، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، عندها: ظرف مكان، والهاء مضاف اليه،
رزقاً: مفعول به منصوب،
قال: فعل ماض، والفاعل ضمير تقديره هو،
يا: حرف نداء، مريم: منادى مفرد علم مبني على الضم، والجملة مستأنفة، منادى: مفرد علم مبني على الضم، انى: اسم استفهام بمعنى كيف، منصوب على الظرفية.
قالت: فعل ماض والجملة مستأنفة، هو: مبتدأ، من عند: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، اسم الجلالة: مضاف اليه،
ان الله: ان واسمها، يرزق: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود لله تعالى، والجملة الفعلية خبر ان،
من: اسم موصول مفعول به، يشاء: فعل مضارع، والفاعل ضمير يعود لله تعالى وجملة يشاء لا محل لها لأنها صلة الموصول، بغير: جار ومجرور وهو مضاف، حساب: مضاف اليه،
والكافل والكفيل: العائل والمتولي لمؤونة غيره، يقال كفله يكفله وكفله اياه، وفي الحديث: “انا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة” وهاتين اشارة الى أصبعيه الشريفتين السبابة والوسطى، والكافل: القائم بأمر اليتيم المربي له، سواء كان رحماً او اجنبياً،
والكفيل والكافل هو الضامن في الدين ونحوه، وفي حديث هوازن: وانت خير المكفولين، في خطابهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي خير من كُفل في صغره وأرضع وربي حتى نشأ.
والكفالة في الإصطلاح الفقهي عقد او ايقاع يجري في حق الإنسان وغيره، والمكفول في الصبا الذي يقوم الكفيل بتولي شؤونه وتوفير مؤونته، والكفالة في الفقه لها اطراف أربعة:
الأولى : المكفول والمدان او المطلوب بجناية ونحوها.
الثانية : الكفيل الذي يضمن احضاره عند الطلب، وفي هذا الزمان تتضمن الكفالة القضاء والوفاء عن المكفول.
الثالثة : المكفول به هو الدين والحق للآخرين سواء كان عيناً او عنواناً اعتبارياً.
الرابعة : المكفول له وهو الدائن وصاحب الحق.
وكفالة زكريا تولي مؤونة مريم وتهيئة اسباب خدمتها للكنيسة وحفظها من الأعداء وأهل الحسد والريبة، وتظهر الآية نزول الرزق لمريم من عنده تعالى كفايتها وعدم حاجتها للمؤونة.
في سياق الآيات
يبدو نظم الآيات جلياً باتصال هذه الآية مع الآية السابقة في وحدة الموضوع وهو مناجاة ودعاء ام مريم للمولودة الأنثى ليكون حصناً لها، فجاءت الآية بقبوله تعالى لمريم برضا وعناية خاصة.
لقد سألت امرأة عمران قبل آيتين قبول ما في بطنها، فجاء القبول في هذه الآية بعد المناجاة، وتبين الآية عظيم نعمه تعالى على مريم بحيث توجه النبي زكريا بالدعاء وسأل الله ذرية صالحة كما في الآية التالية.
ومن فضل الله أنه يستجيب بالأتم والأمثل، وما لايطرأ على التصور الذهني لذات السائل فقد سألت أم مريم، قبول النذر , وعند الوضع أعاذت إبنتها وذريتها من الشيطان.
فجاءت الإستجابة في هذه الآية من وجوه:
الأول : قبول مريم ذاتها، مع أنها أنثى.
الثاني : النشأة الكريمة لمريم.
الثالث : تهيئة أسباب العناية بمريم.
الرابع : مجئ الرزق لمريم بآية من عند الله بما يكون درساً وموعظة للنبي زكريا , ولغيره من بني إسرائيل والناس من باب الأولوية.
فتضمنت الآية التالية دعاء زكريا وسؤاله الولد بآية من عند الله بعد تخلف قانون العلة والمعلول وفق قواعد السببية التكوينية كما ورد في التنزيل[رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا]( ).
إعجاز الآية
تظهر الآية مضامين الإصطفاء والإجتباء بقبوله تعالى لمريم، فأم مريم عرضت بخشوع حالها وما ولدت، وتوسلت اليه تعالى مستعيذة به ملتجئة اليه في حفظ ابنتها وذريتها، فتفضل سبحانه بقبولها، وهو اعم من التعويذ لأنه سبحانه اذا وهب يهب بالأوفى، وموضوعات الآية من صيغ الإصطفاء ليظهر للمسلمين والناس جميعاً تعدد وجوهه وأحكامه، وما له من الفيوضات المتصلة والمتشعبة ومنها:
الأول : قبول المولودة مع انها انثى، واتصاف القبول بالحسن.
الثاني : كفالة زكريا.
الثالث : رؤية زكريا للآيات عندها.
ويمكن تسمية هذه الآية بآية (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا) ولم يرد لفظ تقبلها الا في هذه الآية.

الآية سلاح
في الآية تنزيه لمريم عليه السلام، ومنع من الإفتراء عليها، وهي عون للمسلمين في الإحتجاج على اليهود وغيرهم في ولادة عيسى، فمن الإصطفاء ان يجعل الله المسلمين يدافعون بالبرهان السماوي عن ولادة عيسى، ويكون لمريم العذراء عندهم شأن خاص، ويحرصون على اكرامها وتقديسها.
وجاءت الآية ليكون هذا التقديس عن وعي ومعرفة قرآنية بتفاصيل الإصطفاء الإلهي، وليمتنع المؤمنون عن التأثر والإنصات للإفتراء عليها من شطر من اليهود او غيرهم من المشركين، ممن يستمع لهم وقد يكون اشد على مريم وعيسى من اليهود، لموضوعية الكفر والشرك في صيغ العداوة، فيتخذ ما يقوله بعض اليهود على مريم حجة على النصارى وجرحاً وقدحاً بمعجزة عيسى، فجاءت الآية لتدعو المسلمين الذب والدفاع عن مريم عليها السلام ونجعلهم قادرين على صيانة سمعة المصطفين وتعاهد منزلة الإصطفاء في الدنيا، وهذا من مصاديق وراثة الأرض.
مفهوم الآية
تبين الآية التفضيل والإجتباء الذي ناله آل ابراهيم وآل عمران في انفسهم وذراريهم من الذكور والأناث اذ ان اكرام وقبول مريم يعني اكراماً واصطفاء لجنس الذكور والأناث منهم، لأن اكرامها امر مركب من اجتباء مريم واجتباء عيسى من غير ان يتعارض هذا الإجتباء مع اكرام غيرهم من آل ابراهيم، وفي الآية مسائل:
الأولى : انه تعالى استجاب لدعاء امرأة عمران، وهو من الإصطفاء في الدنيا.
الثانية : لم ينحصر قبول المولود بالذكر، فعندما وضعتها انثى، وظنت امرأة عمران انها لن تقبل، وقد لا تصلح للوفاء بالنذر لخصوصية الذكر فيه ، جاء الفضل الإلهي بالقبول والإنبات.
الثالثة : قبول مريم اعظم بشارة لأمها وبداية عهد جديد من العز والرفعة وتوارث الإصطفاء والتفضيل ولكنه سبحانه لم يكتف بالقبول بل جعل هذا القبول حسناً.
الرابعة : لابد من نسبة بين قبول مريم وموضوع ذريتها ومدى انتفاعها من هذا القبول، وهل من الكلي المتواطئ او المشكك، بمعنى ان القبول الحسن لمريم وذريتها على قرينة واحدة ام انها على مراتب متفاوتة في الحسن، الجواب هو الأخير، لأن عيسى نبي رسول، من غير ان يتعارض ارتقاؤه في مراتب القبول مع عظيم فضله تعالى بالقبول الحسن لمريم.
الخامسة : ثم تفضل سبحانه وتعاهدها في نشأتها وتربيتها واعدادها لأنها ستتولى اعظم مسؤولية تأريخية تحملتها امرأة في باب العقائد والأديان.
السادسة : تعهد نبي الله زكريا لنشأتها ورعايتها.
السابعة : رؤية زكريا للآيات الخاصة بمريم مما يعني ان الله يرزق اهل بيت النبوة آيات وكرامات خاصة، تتعدى عالم التصور.
الثامنة : من تعاهد وكفالة زكريا لها كثرة دخوله عليها الى المحراب الذي يؤكده قوله تعالى [كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا].
التاسعة : وجود مريم في المحراب شاهد على التقوى والصلاح.
العاشرة : اتصال الرزق يدل على تعاهده تعالى لمريم.
الحادية عشرة : ما تتصف به مريم من الإيمان والتقوى كسجية ثابتة.
الثانية عشرة : تظهر الاية اشراقة من تجليات الإصطفاء لآل عمران، وتكررت في الآية صفة الحسن للقبول والإنبات، وهو وعد كريم وبشارة الرزق منه تعالى.
افاضات الآية
وأراد الله عز وجل لمريم الطهارة من الأدناس والنقاء من الرذائل، وقد تكفلها زكريا ولكن عنايته تعالى بها جعلت زكريا نفسه يغبطها، ويرجو نيل بغيته لما رآه من الكرامات التي خصها الله بها، فكانت مدرسة وعبرة وموعظة لزكريا نفسه فكيف بالنسبة للناس جميعاً فهي دعوة ظاهرة لهم للإيمان وتعاهد سنن الأنبياء وذراريهم من الصالحين.
ان المجتمعات الإنسانية في كل زمان بحاجة الى بيان الصورة المشرقة للمرأة وكيفية التعامل معها، ومعرفة ما لها من الحقوق وما عليها من الواجبات وفق قواعد الشريعة وأحكامها لمنع ايذائها والإضرار بها وكذا اعطائها اكثر مما لها، فجاءت هذه الآية لتبين لزوم اكرام المرأة بقيد الإيمان والعناية بها في صباها ونشأتها، والعلم بان الله لم يجعل التفضيل والإصطفاء بالرجال فقط، بل انه يرزق بعض النساء درجة من الرفعة تفوق كثيراً من الرجال، وكان اكرام مريم مناسبة واشارة لإكرام نساء المسلمين، وبنات وأزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل عموم المسلمين.
فمثلاً روي عن سعد بن ابي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول فاطمة أعز الناس الي، وروي مثله عن المسور بن مخرمة يرفعه، وعن عبد الله بن الزبير، ويتلقى المسلمون جميعاً رجالاً ونساء وفي كل زمان ومكان حديث “فاطمة بضعة مني” بالقبول في دلالة على اكرام الإسلام للمرأة بلحظ القربى والإيمان والتقوى.
لقد نذرت امرأة عمران ما في بطنها، فجاء الرزق الإلهي دفعة ومن غير حساب على المولودة، وقد نذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه وذريته وأصحابه للجهاد في سبيله تعالى ليأتيهم المدد والفيض الإلهي المتصل، ولم ينحصر نذر اهل البيت والصحابة في خدمة المساجد وحده بل في سوح المعارك والقتال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي تكون خدمة المساجد امراً توليدياً منه، وبه يتجلى فضل المسلمين رجالاً ونساء، فالأم تلد الولد وتعده وهي تعلم انه قد يبرز للقتال، ويخرج زوجها في السرايا لتحفظه في بيته وماله وولده وتسد عورته وتكفيه مؤونته في بيته لتنال درجات الرفعة والمنزلة العظيمة يوم القيامة.
لقد اراد الله عز وجل من قصة مريم وقبولها بعث الأمل في صفوف المسلمات والثقة بما ينتظرهن من الثواب العظيم وان ما تلاقيه بعض النساء من الضيق والمعاملة بالأدنى لن يؤثر على عشقها للتقوى وانقطاعها الى الله، لأنها تدرك من خلال قبول مريم انه لا برزخ او حاجز بينها وبين رضاه وقبوله تعالى لأعمالها، ولتبقى في مأمن من اليأس او القنوط.
فقصة مريم تبعث الحياة والأمل في قلب كل مسلمة وتجعلها ترجو فضله تعالى وتميل الى الإنقطاع اليه تعالى، وهي حرب على النفس الشهوية والحيوانية عند المرأة وتهذيب للغرائز، ودعوة لكل مسلم كي يكرم ابنته وزوجته واخته.
بالإضافة الى اكرام الأم الذي يأتي اصلاً من وجوب بر الوالدين، والذي يدل بالدلالة التضمنية على اكرام المرأة، وما رزقه الله للملل السابقة هو عند المسلمين، فلابد ان النعم التي جاءت لمريم تكون عند خاصة نساء المسلمين، والآية دعوة لهن للتسابق في ميادين المعرفة الإلهية، وصيغ العبودية المحضة لله وطاعته سبحانه.
التفسير
قوله تعالى [فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ]
لقد جاء لفظ القبول في القرآن متعلقاً بالأعمال والدعاء، كما في قوله
تعالى [الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا] ( )، وقوله تعالى [وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ]( )،
ولم يرد القبول بلحاظ الأفراد والأشخاص الا في هذه الآية وفي قصة مريم عليها السلام مما يدل على عظيم منزلتها، ويحتمل في حيثية القبول وجوه:
الأول : انه جاء اكراماً لأم مريم حنة.
الثاني : لنذرها ما في بطنها محررا.
الثالث : جاء لدعائها واستعاذتها واستجارتها بالله لوقاية مريم وذريتها من شرور واغواء الشيطان.
الرابع : القبول جزء من اصطفاء آل ابراهيم وآل عمران، لأن حنة ام مريم هي امرأة عمران، فالقبول بلحاظ النسبة والسبب مع عمران نفسه.
الخامس : القبول نعمة مستقلة خاصة بمريم بقرينة قوله تعالى [فَتَقَبَّلَهَا] أي قبول مريم.
السادس : القبول لجنس المرأة المؤمنة مطلقاً.
ولا تعارض بين هذه الوجوه فهي مجتمعة ومتفرقة اسباب لنزول فضله تعالى بالقبول، ولتختص مريم به وكأنها عمل من أعمال التقوى مما يدل على درجة الإيمان عند ابويها وان النذر الذي تلفظت به امها لم يكن موضوعاً مستقلاً وعنواناً مجرداً، بل هو جزء من حياة يومية مملوءة بالإيمان لآل عمران في داخل بيوتهم وخارجها،
وجاء النذر كجزء من التسابق على طلب مرضاته سبحانه وهو نوع شكر له تعالى على الإصطفاء فزادهم الله رفعة بان خصهم بآية قبول مريم، أي ان قوله تعالى [فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا] ارتقاء جديد في عالم الإصطفاء والإجتباء وعنوان اكرام شخصي لمريم عليها السلام، وفيه اشارة الى حصول الإصطفاء بوجوه متعددة، وصيغ متباينة قوة وضعفاً الا ان كل واحدة منها ينتفع منها كل انسان.
فقبوله تعالى لمريم تثبيت لدعائم التوحيد في الأرض، وتهيئة لولادة عيسى من وعاء طاهر منزه عن الرذائل والفواحش، وجاء القبول بثلاثة قيود:
الأولى : حصول القبول بصفة الرب وهو من أمهات الأسماء المقدسة وقد وردت ادعية الأنبياء به، وهنا جاء لمضامين الإستجابة.
الثانية : مجيء لفظ الرب مضافاً بانه تعالى ربها في دلالة على اكرام اضافي لمريم وانها من المصطفين الإخيار قبل ان يتقبلها الله عز وجل، وجاء القبول اكراماً خاصاً وفريدة في الإصطفاء، وفيه دلالة على التدرج والإرتقاء في صيغ الإصطفاء وانه لا يقف عند حد ودرجة مخصوصة،
وهذا من فلسفة ونواميس النعم الإلهية على أهل الأرض والخلائق كافة، فان نعمه تعالى لا تبقى عند حال معينة بل هي في زيادة وتكثر وتعدد في ترغيب للعباد على الإيمان ودعوة لهم للهداية وتوكيد لرحمته تعالى بهم.
فمن فرائد الفضل الإلهي مضاعفة الرزق وتوالي الإحسان وتعدد النعم بما يدرك معه الناس حصول التعدد والكثرة ليكون تذكيراً لهم بلزوم عبادته، وهذا التذكير يأتي بالنعم والبلاء الحسن لذا ترى كل جيل من الناس يرى في آخر ايامه اموراً مستحدثة ومنافع كثيرة لم تكن موجودة في صباه ولم يتنعم بها الجيل الذي سبقه سواء كانت تلك النعم مباشرة ام بالواسطة وبما رزق الله الإنسان من العلوم والمعارف.
الثالثة : ورود قيد القبول بانه حسن وهو تشريف واكرام اضافي لمريم، ويدل على العناية الخاصة بها وبعيسى عليه السلام، وهل هذا الحسن من مراتب الزيادة والفضل في الإصطفاء، الجواب نعم، وفيه افاضة مركبة، وتتغشى كلاً من:
الأول : آل ابراهيم وآل عمران بقبول صبية منهم قبولاً حسناً من عنده تعالى جزاء لجهادهم في سبيل الله وحفظاً لذراريهم، وعنواناً لبقاء وراثة النبوة والإمامة فيهم.
الثاني : توكيد صفحة واشراقة جديدة في اصطفائهم وهي شمول النساء بهذا الإصطفاء، فلقد أسكن الله حواء الجنة مع آدم، ثم جاء اصطفاء واجتباء مريم كامرأة من آل ابراهيم وآل عمران.
الثالث : استجابة دعاء امرأة عمران بما ورد حكاية عنها [فَتَقَبَّلْ مِنِّي] والإخبار عن تعلق النذر على القبول منه تعالى.
الرابع : افاضة ورشحة من رشحات فضله تعالى على معاشر النساء مطلقاً، والمرأة المؤمنة خاصة، وان العناية الإلهية تتغشى المؤمنة منذ ولادتها وفي حال نشأتها.
الخامس : اكرام المسلمين باجتباء بناتهم وازواجهم، وتفضله تعالى بتعاهد اهل البيت في عناية وواقية منه تعالى.
وتطرد الآية الخوف عن نفوس المسلمات، وتفتح امامهن أبواب الجنان واسعة، فاذا عانت المرأة من الأذى والإستضعاف في حياتها الأسرية وفي المجتمع فانها تتلمس في قبوله تعالى لمريم التنعم بفضله تعالى في الدنيا والآخرة، وتعتبر مسألة الغيرة وصيانة العرض وستر المحارم من أوليات عمل المسلم وتأخذ حيزاً في تفكيره واختياره وعمله.
فجاءت هذه الآية لتبعث الثقة في نفسه وتخبره بان الله عز وجل يتعاهد ابنته وأخته وأسرته ليتوجه الى ميادين الجهاد بعزيمة واخلاص وحسن توكل، ويفرغ قلبه لما فيه رضاه تعالى” وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتضن أحد ابني ابنته وهو يقول: والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون، وإنكم لمن ريحان الله”( ).
وكانت العرب تقول:الولد مجهلة مجبنة مبخلة( ).
لأن الأب يحب الحياة والبقاء من أجل اعداد وتربية الولد، ويبخل عن الإنفاق ليبقى المال لولده من بعده، واضاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها ان الولد سبب للجهل لأن الإنشغال به يحول دون التفقه في الدين، وبذا تختلف المعارف الإسلامية عن تراث العرب بالتوكيد على العلم والتفقه والإرتقاء في مراتب المعرفة الإلهية واصلاح النفوس والمجتمعات، لأن الجهل تخلف وحاجز دون الإيمان، والقبول منه تعالى لا ينحصر بالدنيا بل يشمل الدنيا والآخرة، لإصالة الإطلاق، ولأنه تعالى يعطي بالأوفى والأتم ولأن الإنسان يحتاج القبول في الآخرة أكثر مما يحتاجه في الدنيا.
ويتعلق النذر بالتحرير للكنيسة بالولد والذكر، فهل رضاه تعالى بنذر مريم للكنيسة من القبول ام من صفات الحسن الإضافية التي ذكرها الله بقوله تعالى [بِقَبُولٍ حَسَنٍ] الجواب انه من القبول ذاته، اما صفات الحسن فهي اضافية وزيادة من فضله تعالى، فالعبد يسأل الله لطلب حاجة ومسألة على نحو الإتحاد ولكنه سبحانه يعطيه الهبات المتعددة في ذات الموضوع الذي سأل فيه وفي غيره من المواضيع.

قوله تعالى [وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا]
لم يرد لفظ أنبتها في القرآن الا في هذه الآية للدلالة على الخصوصية التي نالتها مريم عليها السلام في موازين الإكرام الإلهي والحصانة منذ ايام حياتها الأولى لتكون مرآة صافية للطهارة المتمثلة في شخص القديسة والمرأة المؤمنة التي وهبت قلبها لله عز وجل فملأه ايماناً وتقوى، ويتعلق النبت بالزرع والحب والغرس، والنابت من كل شيء: الطري حين ينبت صغيراً، (ويقال: ما أحسن نابتة بني فلان أي ما ينبت عليه أموالهم وأولادهم) ( )،
فالإنبات في الآية يتعلق بنشأة مريم وتربيتها واعدادها وفيه وجوه:
الأول : السرعة في نموها وتسوية خلقها، وعن ابن عباس: كانت تنبت في يوم ما ينبت غيرها في عام، ولكن لو كان هكذا لكانت حجة اضافية على بني اسرائيل وبخصوص ولادة عيسى عليه السلام، ويجوز ان يكون القدر المتيقن من الحديث هو نباتها في العلم والمعارف الإلهية.
الثاني : أنبتها في رزقها وغذائها حتى تمت امرأة بالغة تامة، عن ابن جريج( ).
الثالث : لما بلغت تسع سنين صامت النهار وقامت الليل وتبتلت حتى غلبت الأحبار عن ابن عباس.
و الإنبات يحتمل وجوها:
الأول: في الدنيا خاصة بالحفظ والعناية والرزق الكريم، والحجب عن الرذائل الخلقية والصفات الذميمة.
الثاني: في الآخرة بالثواب الجزيل والرزق الحسن.
الثالث: في الدنيا والآخرة لإطلاق معنى الإنبات والأرجح هو الأول من غير أن يتعارض مع الثاني والثالث بل هو مقدمة كريمة لمقامات الإكرام في الآخرة وهي من أفراد ونتائج الإصطفاء، لأن الإنبات والعناية الإلهية بالإنسان لابد وان تكون طريقاً الى الرفعة والخلود في الجنة، فالمراد من الإنبات الحسن انه في الحياة الدنيا وشامل لأيام الرضاعة والطفولة والصبا وايام العمر كله، ولأن الإنسان ممكن محتاج يفتقر في وجوده الى لطفه وعنايته تعالى، ومن أهم وجوه الإنبات الحسن العمل الصالح والإنقطاع الى الله تعالى، والآية تنزيه اضافي لمريم وحجة على بني اسرائيل ودعوة لتصديقها ان جاءت بعيسى من غير أب، فلابد ان مضامين الإنبات الحسن تجلت للناس عامة ولبني اسرائيل، فاذا جحدها بنو اسرائيل، فانه عبرة وموعظة للناس جميعاً من وجوه:
الأول : بيان الجحود الذي قابل به شطر من اليهود آية مريم عليها السلام، اذ ان اكرامها يجب ان يتصل حتى في حال ظهور المعجزة بولادة عيسى استصحاباً للإنبات الحسن وللقدسية والطهر الذي كانت عليه في ايام حياتها وعفتها وورعها.
الثاني : تنمية المعارف الإجتماعية عند المسلم واحاطته علماً بقصص الأولياء والصالحين، فقوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ]( )، شامل لقصص الأولياء وحياة مريم عليها السلام، ولم تكن مريم نبية ومع هذا فان الله عز وجل أنبتها نباتاً حسناً فهل يمكن تعميم الحكم بالأولوية وشموله لإنبياء الله عز وجل وان كل نبي من الأنبياء أنبته الله نباتاً حسناً ويمكن ان تتخذ هذه الآية مادة وموضوعاً في مباحث عصمة الأنبياء.
الثالث : لقد ورد الإنبات في الناس عامة بقوله تعالى [وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا]( )، وتتعلق الآية بالخلق والإيجاد، اما الإنبات الخاص بمريم فهو اكرام اضافي وافاضة للقدسية والتشريف لشخصها.
الرابع : الآية دعوة للمؤمنين والمؤمنات لنيل مراتب الإنبات الحسن بالدعاء والعمل الصالح.
الخامس : في الآية ارشاد للآباء والأمهات بالدعاء لأبنائهم وتفويض أمورهم الى الله تعالى وعدم الضيق او الخوف من قلة الرزق ومشاق الحياة.
السادس : في الآية استحضار ذهني لعالم الآخرة لأن الإنبات الحسن مقدمة لدخول الجنة ونيل الدرجات فيها.
السابع : تبين الآية أهمية التربية والإعداد في الصغر وتهذيب النفس والتحصيل العلمي في أيام الصبا.
الثامن : تدعو الآية الى انشاء المؤسسات التعليمية، ومساعدة الدولة الأبوين في تعليم القراءة والكتابة وكسب المعارف، وقد بلغت الإنسانية في هذه الأزمنة درجة محمودة فيه.
العاشر : تؤكد الآية على الكسب العلمي الديني، وحفظ الآيات القرآنية، وتعلم احكام الحلال والحرام لتكون واقية وسلاحاً للصبي في حال بلوغه.
الحادي عشر : بعد نزول هذه الآية ليس للإنسان ان يقول بان أوان التعليم هو عند بلوغ سن التكليف، لأن الإنبات يقيد حصول التعليم في الصغر، وان الله عز وجل تفضل على مريم بالإعداد والإصلاح والتربية بعد الوضع.
الثاني عشر : الآية بشارة واكرام لكل النساء وانه بالإمكان اصلاح المرأة للحياة العامة وان تصبح أسوة كريمة في التقوى والورع.
الثالث عشر : صحيح ان الأنبياء كلهم من الرجال وليس من امرأة نالت مرتبة النبوة الا ان هذه الآية تؤكد على أهلية المرأة لمراتب الرفعة والشرف والتقوى اذ ان مريم أنفردت بخصوصية قرآنية لم ينلها احد من البشر وهي الإنبات الحسن من عنده تعالى.
نعم الآية دليل على نيل الأنبياء هذه المرتبة من باب الأولوية، ولكن هذا لا يتعارض مع بقاء مريم في مرتبة من الشرف والعز بما يؤكد استحقاق المرأة للإرتقاء في أبواب المعرفة الإلهية ونيلها درجات الرفعة.
والإنبات الحسن يتعلق بمريم بالذات كما انه مقدمة لولادة مريم عيسى من غير أب، اذ ان الآية تؤكد أهمية ولادة عيسى من غير أب.
فلولا هذا الإنبات الحسن، لما قبل بنو اسرائيل ولادة عيسى وقد بينت قصصهم في سورة البقرة كثرة ردهم على موسى مع رؤيتهم الآيات، فجاء الإنبات الحسن واقية لحفظ عيسى والتدبر في آية ولادته وعدم لجوئهم الى نكرانها وتقبيح فعل مريم.
وهذا التدبر والتأني اكرام لمريم مناسبة كافية لإظهار الآية بان يسمعوا عيسى يتكلم في المهد بمعنى انه لولا هذا الإنبات لتعذر حتى سماع عيسى وهو يتكلم في المهد، او لسمعوه ولكن هذا السماع لم يكف لإنصاتهم أو لإتباع عيسى ولقالوا انه سحر او انها أصوات من الجن ولأجهزوا على مريم وعلى عيسى، ولكن الإنبات والإعداد الحسن لمريم في منافع عظيمة تترشح على:
الأول : بني اسرائيل لأنه دعوة يومية متجددة لعدم رفض ما تأتي به مريم من ولادة عيسى من غير أب، فآية الإنبات تحثهم في كل يوم وعلى نحو متجدد على اكرام مريم وتبين أهليتها للتصديق وانها منزهة من الدنس والذنب والخطيئة.
الثاني : آل عمران بان حفظهم الله في الذرية والأولاد، وان نساءهم يؤتين من الشأن وأسباب الرفعة والتأهيل ما لا يناله الرجال من غيرهم.
الثالث : الناس جميعاً في لزوم اكرام آل ابراهيم وآل عمران وان استحقاقهم لمراتب السمو تبدأ من الصغر ومن داخل بيوتهم، فولادة واعداد مريم شاهد على المعالم الخاصة لإعداد اولادهم ونشأتهم، وانهم لا يكتفون بتربية واعداد الأولاد بل انهم يعدون ويصلحون البنات ايضاً، كما جاء في دعاء ام مريم، وتفضله سبحانه بتولي اعدادها.
الرابع : مريم عليها السلام في اصلاحها وما تغشاها من الرحمة الإلهية ومراتب الإصطفاء والإعداد والنشأة.
الخامس : عيسى واكرامه في امه وتنزيهه ولادته ورفع الشبهة والظنة عنه، منذ الساعة الأولى لولادته وما فيها من التخفيف عن مريم وبني اسرائيل، فلو لم تكن مريم على درجة من التقوى والإيمان لما استطاعت تحمل مسألة حصول الحمل من غير ان يتغشاها رجل وولادتها لعيسى ومواجهة الناس به.
فهي لم تتركه فزعاً وخوفاً ومحاولة للستر واجتناباً للفضيحة والخزي، بل جاءت به كآية للعالمين وكأنها تدعو بني اسرائيل لتصديقه في نبوته وهو أمر يحتاج المنزلة الرفيعة عند بني اسرائيل التي يمكن معها استماعهم للدعوة ولو على نحو الموجبة الجزئية، فكان هذا الإنبات بداية الدعوة.
ولتكون اول من دعى الى نبوة عيسى امرأة هيأها الله الى هذه المنزلة الرفيعة وكذا بالنسبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان اول من آمن به زوجته خديجة كما ورد في اخبار عديدة اذ آمنت في اليوم الثاني لبعثته بالإضافة الى سبق تسخيرها اموالها وتجارتها في شؤون البعثة النبوية.
السادس : المنافع العظيمة المترشحة على نبوة عيسى في اخبار إلهي عن اصلاح عيسى للنبوة ابتداء من جدته الى امه ثم في ولادته كما ان الإنبات الحسن لمريم عليها السلام يتجلى بالواسطة على اعداد عيسى وتربيته ونشأته، لأن مريم اكتسبت كيفية الإعداد الأحسن واصلاح الولد للسمو الأخلاقي وتأديبه بما يجعله أسوة في التقوى والصلاح.
السابع : انتفاع المسلمين من نشأة مريم واكرامها بالإعداد الحسن، واخبار بان الله عزوجل يتولى نشأة من يشاء من عباده، وهو بشارة اصلاحهم واولادهم ذكوراً واناثاً، ولا تنحصر مواضيع الإنبات الحسن بالأولاد الصغار بل تشمل الأولاد البالغين والآباء والأمهات انفسهم، فالحياة وعاء ومدرسة لتلقي العلوم والمعارف واكتساب العادات والمفاهيم.
الثامن : معاشر النساء بالذات وبالعرض، أي بصفتهن نساء وامهات وأخوات وبنات، فكل امرأة تعلم ان الله تولى اعداد مريم تتطلع الى عنايته ورحمته تعالى في اصلاحها ونشأتها.
والإنبات الحسن من عالم الأمر، وهو أشرف من عالم الخلق، وفيه اكرام اضافي زائد بآل ابراهيم وآل عمران ودليل على تفضيلهم واجتبائهم واختيارهم.
لقد اراد الله عز وجل بهذا الإنبات تعاهد الشعائر والفرائض وابقاء كلمة التوحيد بين الناس ومنع حصول التغيير وظهور مضامين الكفر والجحود وبين الناشئة، فاذا سادت افكار مخصوصة بين الناشئة والصبيان ونمت وانتشرت معهم اذا صاروا جزء من واقعهم اليومي فانها تطغى وتسود في المجتمعات عندما يكونون هم القادة والسادة وولاة الأمر.
فأخبرت الآية عن فرد من أفراد تفضيل واصطفاء آل ابراهيم وآل عمران وهو تعاهد الإسلام وكلمة التوحيد في ايام الصبا بين الصبيان والأطفال عموماً بافراد من آل ابراهيم ليكونوا النواة والضياء المبارك الذي يقتبس منه الآخرون، والذي يأخذ ويتعلم منهم على أقسام:
الأول: اقرانهم من الصبيان والأطفال.
الثاني: الكبار من الرجال والنساء، بالأولوية فحينما يرون الصغار من آل ابراهيم وآل عمران تتجلى في أقوالهم وأفعالهم سنن الشريعة السماوية فانهم يدركون لزوم تقيدهم بأحكامها من باب الأولوية.
الثالث: من يأتي من بعدهم من الأجيال، وهذا القسم متعدد ويتكون من عدة طبقات فكل طبقة تأخذ من الطبقة التي قبلها من آل ابراهيم وآل عمران، الى جانب انها تتأثر وتقتبس من أنوار الطبقة التي تصاحبها منهم، والطبقة التي تليها.
والآية رسالة سماوية الى ذرية ابراهيم والى يوم القيامة بلزوم العناية في اعداد ونشأة اولادهم وتعاهدهم بمضامين الإيمان كما يتعاهد الفلاح زرعه بالسقي والمداراة والإشراف اليومي المباشر، فمن شرائط من يقوم بالزرع والإنبات الحضور الدائم عند زرعه، وتربية الأبناء والأجيال تستلزم عدم تركهم.
وموضوع الآية لا ينحصر بالقضية الشخصية فيشمل ابناء المسلمين كافة من الذكور والأناث ويشمل مفهوم الخطاب في الآية الدول الإسلامية والمؤسسات والجمعيات الخيرية وائمة المساجد والمصلحين للزوم تظافر الجهود لإنبات الأبناء واعدادهم اعداداً سليماً.
والإنبات الوارد في الآية على وجوه:
الأول : اصلاح مريم جسدياً وخلقياً، وخلو بدنها من الدرن والأمراض.
الثاني : تطهيرها من الرذائل الخلقية والعادات الذميمة، والغشاوات الظلمانية.
الثالث : تنمية ملكة التقوى عندها وجعلها تفوق نساء زمانها في الصلاح والهداية والرشاد.
الرابع : تهيئة موارد الرزق والكسب الحلال وعدم الذلة او الإستضعاف في طرق الكسب والعيش، والرزق الكريم مطلوب بذاته كجزء من الإنبات وهو مقدمة للإنقطاع الى الله تعالى، والإنشغال بالعبادة وخدمة المسجد وموضع العبادة.
الخامس : اعداد مريم لتلقي نداء الملائكة وتحديثها لها واخبارها بان الله اصطفاها، ويملي عليها الإصطفاء واجبات اضافية تفوق ما يتحمله غيرها من الناس، وهذا التحديث مقدمة لإلتقائها بروح الله الذي تمثل لها بهيئة البشر ومبادرتها للإستعاذة منه كعنوان لتفويض امورها الى الله [قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا]( ).
السادس : تحمل مريم لمسؤوليات ولادة عيسى واعداده ونشأته، فانبات مريم يعني انبات وتربية واعداد عيسى عليه السلام.
لقد تعلقت بشخص مريم مسؤوليات حفظ النبوة بصيغ اكثر مما تحملته ام موسى عليه السلام، وبينهما عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء هي:
الأولى : كل منهما ام لنبي رسول من اولي العزم.
الثانية : خافت كل منهما على ولدها عند الحمل والولادة،
اما مادة الإفتراق فهي على وجوه:
الأول : جاء حمل ام موسى عن زواج وابوة ومدة حمل وفق سنن الخلق والمتعارف، اما حمل عيسى فكان من غير أب بآية منه تعالى، وكان لساعات وليس لأشهر.
الثاني : الذي وجه اللوم لمريم وجهه من منطلق ايماني، كما في قولهم [يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ].
الثالث : خوف ام موسى من آل فرعون الكفار مع وجود تستر وعناية من الأهل والأبناء كما في أخت موسى، اما مريم فكانت تواجه قومها بني اسرائيل، وليس معها عند الولادة من ناصر الا الله عز وجل.
فكان الإنبات الحسن حاجة لشخصها للزوم قدرتها على تحمل عناء مواجهة التحدي والإفتراء والجحود، وهو وقاء لعيسى في حمله وولادته ونشأته، فمثلما استنكر بنو اسرائيل ولادتها لعيسى كما ورد في التنزيل، فلابد انهم يحاولون النيل منه في صغره.
فرزقه الله الآيات وهو في المهد لتكون حجة عليهم وسبباً لحفظه وسلامته، وبرهاناً على لزوم اتباعه في دعوته ورسالته وهذه الآيات من الإنبات الحسن لمريم، أي ان الله عز وجل جعل عيسى يتكلم في المهد، وهو جزء من اصطفائها واكرامها وتبرئة ساحتها، ولو ترددت مدة الإنبات بين حصرها بأيام الصبا او شمولها لأيام الشباب او الإطلاق لأيام حياة مريم، فالصحيح هو الأخير لإصالة الإطلاق ولأن الإنسان بحاجة الى التزود من العلوم والمعارف الإلهية ما دام في الحياة الدنيا.
وهذا الإنبات يأتي بعدة طرق ووسائل ومنها الآيات التي رزق الله عيسى واحاديثه معها، نستقرأ قادة كلية في اصطفاء آل ابراهيم وآل عمران وهي ان الذرية الطاهرة بعضها يصلح بعضاً وكل يقتبس من أبيه وامه واخيه وابنه وابنته والأعمام والأخوال وابنائهم الى جانب صيغ المودة والتعاون بينهم، ومن وجوه التعاون ان تصدى زكريا لكفالة مريم عليها السلام.

قوله تعالى [وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا]
أي ان الله عز وجل ضمن تدبير وتولي شؤون مريم لزكريا، هذا على القراءة بتشديد الفاء، اما من قرأ بتخفيف الفاء فان المعنى هو ان زكريا
ضمن القيام بتولي أمورها، والمعنى الأول أرجح، وفيه مسائل:
الأولى : ان الكفالة هنا فرع القبول، وفيه اخبار عن تجلي القبول الحسن بمصاديق عملية وشواهد تدل على تفضله تعالى بالقبول منها كفالة زكريا لها.
الثانية : فيه دلالة على نبوة زكريا عليه السلام، وانه تلقى الوحي بالعناية بشؤون مريم عليها السلام.
الثالثة : من وجوه الحسن في قبوله تعالى لمريم ان تولى رعايتها نبي من الأنبياء، وهو عنوان تشريف اضافي وتنزيه لها عليها السلام، ودليل على الطهارة والنقاء الذي صاحبها في صغرها وصباها.
الرابعة : ان الله عز وجل لم يخل بين مريم ودخول المجتمع، بل أعدها اعداداً حسناً للحياة وخدمة المسجد ولتكون في طهر كمقدمة كريمة للحمل بعيسى عليه السلام.
الخامسة : في الآية اشارة الى وفاة ابي مريم، لأن الكفالة في الغالب تتعلق بالأيتام.
السادسة : تدل الآية على المنزلة الرفيعة التي يتمتع بها زكريا اذ تلقى الأمر بكفالة مريم بعد ان قبلها الله قبولاً حسناً.
السابعة : الإجتباء والتفضيل لعيسى بكفالة امه من قبل نبي الله زكريا.
الثامنة : حصول الكفالة بأمره تعالى، وتفضله بتعاهد أمور مريم منذ وضعها ولحين ولادتها عيسى، وبعد الولادة، بان كان عيسى عوناً وعضداً لها، فليس من اكرام واصطفاء لام مثل تكلم ابنها وهو في المهد.
وولادة مريم لعيسى وتلقيها للتحديث الملكوتي، بقوله تعالى [وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ] ( )يدل على قيام زكريا بالكفالة أحسن قيام واخلاصه في عمله، واعانته مريم في عبادتها ونسكها.
“وذكر انه لما ضم زكريا مريم الى نفسه بنى لها بيتاً وأسترضع لها، وقال محمد بن اسحاق: ضمها الى خالتها ام يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء، بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطها، لا يرقى إليها إلا بسلم مثل باب الكعبة، ولا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم”( ).
واخرج ابن جرير عن ابن عباس [وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا] قال: جعلها معه في محرابه( )،
والآية دعوة للمسلمين لكفالة الأيتام من ابناء أخوانهم في الدين ذكوراً واناثاً وتعاهدهم و رعايتهم، وفي الكفالة أمران خاص وعام، اما الخاص فهو اصلاح الصبي والصبية ومنعهما من الإنزلاق في المعاصي والمهالك، والعام هو اصلاح المجتمع باصلاح افراده، فمتى ما تكفل المسلمون الأيتام فانهم يعتنون بتربية اولادهم من باب الأولوية، ومتى ما أهملوا الأيتام وتركوهم عرضة لأغواء الشيطان وافتتان اهل الضلالة والفجور فان العدوى تتفشى في المجتمع وتنتقل الى غيرهم من أولاد المسلمين، ويصبح الإصلاح امراً مستصعباً وعسيراً.
فهذه الآية من آيات (التربية) والإعداد للناشئة وفيها برزخ دون إنتشار الفواحش، انها تسعى للأعم من اصلاح اليتامى، لأن آل ابراهيم وآل عمران اجتباهم الله لدينه وفضلهم على العالمين فاراد لهذه اليتيمة ان تكون لها السيادة والشرف والرفعة والعز، ولتكون مقدمة لأمرين:
الأول : ولادة عيسى من غير أب.
الثاني : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يتيم بعد ان مات أبوه وهو في بطن أمه، كما في مريم عليها السلام للدلالة على عدم مانعية اليتيم من نيل مراتب النبوة والإصطفاء، لأن الإصطفاء يدرك بالذرية والنسبة الى ابراهيم والنبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يرجع في نسبه الى اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام، وانه لايمنع من أفضل وجوه النشأة الصحيحة والسليمة، وقد خص الله يتامى آل محمد بالعناية من عموم المسلمين بان جعل لهم حقاً في الخمس قال تعالى [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ]( ).
وأخبرت الآية عن كفالة زكريا لمريم عليها السلام لتكون وثيقة سماوية تمنع من التعدي عليها مدة صباها او الإفتراء عليها فيما يخص تلك الفترة، وحصانتها من الشبهات من مستلزمات التصديق بولادة عيسى من غير أب، فلا يستطيع أحد ذمها او نسبة المكروه اليها في سيرتها وسلوكها.
كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسمى قبل البعثة النبوية بالصادق الأمين حتى اذا ما أخبر الناس عن نزول الوحي عليه صدقه قوم، وتوقف آخرون، وتطلع فريق الى الآيات الدالة على نبوته لسبق الصدق والعفة والطهر منه، وكذا بالنسبة لكفالة زكريا لمريم فانها وسيلة سماوية مباركة لحفظ حسن الصيت لها بين الناس.
وتقييد الوسيلة بانها سماوية لأن الكفالة جاءت من عنده تعالى وما دامت بامره سبحانه فلابد ان تكون جامعة مانعة، جامعة لكل وجوه الخير والصلاح، ومانعة من كل سوء وأذى وشر، فالله عزوجل حينما يأمر بشيء فانه يهيء له الأسباب ويجعل شرائط حسنه مجتمعة، ويساعد العبد على القيام بعمله ووظيفته الشرعية على أحسن حال، واذ كان قيام زكريا بكفالة مريم قضية شخصية، فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم تكفل بايتام المسلمين والى يوم القيامة وجاءت الآيات القرآنية بالترغيب بتعاهدهم وكفالتهم والإحسان اليهم.
وهذا من مضامين التشريف النوعي العام للمسلمين وعدم حصره بالقضية الشخصية، لتبقى النعم السماوية والتفضيل الذي ناله المصطفون الأخيار ظاهراً على المسلمين من سننهم وأحكام دينهم ليكون مصداقاً لقوله تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ] ( ) وان الإنبات الحسن يشمل ابناء المسلمين بما فيهم اليتامى الذين فقدوا آباءهم، وفي أوان كفالة زكريا لمريم وجوه:
الأول : ان الكفالة في حال طفولتها، ونسبه الرازي الى الأكثرين( ).
الثاني : حصلت الكفالة بعد الفطام باعتبار تعقب الكفالة للإنبات،
والظاهر ان الكفالة اعم وتشمل ايام الطفولة والصبا وما بعد البلوغ لأن كفالة زكريا فرع الإنبات الحسن في طوله وليس قسيماً له، والواو في (وكفلها) لا تفيد الترتيب، وعلى فرض افادته فهو من عطف الخاص على العام وتعدد النعم الإلهية على مريم وبيان لماهية الإصطفاء.
وفي الآية حث للمسلمين على كفالة الأيتام، وهذه الكفالة من وراثة الأنبياء، وهل من خصوصية في كفالة يتامى آل محمد الجواب نعم لأنه جزء من الإصطفاء لآل ابراهيم وآل عمران، لقد اراد الله للمسلمين العز والكرامة والثواب العظيم وفي كفالة اليتامى خير الدنيا والآخرة، وقد ورد لفظ الكفالة في موسى عليه السلام، قال تعالى [فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ] ( )، ليرجع موسى الى أهله بواقية وحرز من شرور آل فرعون.
اما كفالة مريم فجاءت بأمر منه تعالى الى زكريا النبي، مما يدل على التشريف الذي أنفردت به مريم عليها السلام وهو من الإصطفاء الخاص الذي بلغته اذ انها نالت مرتبة الإصطفاء على نحو مركب، من وجوه:
الأول :انها من آل ابراهيم.
الثاني : من آل عمران.
الثالث : الإصطفاء الخاص الذي بشرتها به الملائكة.
الرابع : كفالة نبي الله زكريا لها ومن مصاديق الإصطفاء النعم اللاحقة على آل ابراهيم وآل عمران عموماً والفرد منهم كما في نعمة ولادة عيسى على مريم، فولادته وبعثته ورسالته تشريف اضافي لمريم عليها السلام باعتبارها امه التي حملت به من غير أب،
قوله تعالى [كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ]
للمحراب معنيان لغوي واصطلاحي، اما اللغوي فهو صدر البيت وأفضل المواضع في المجلس، وفي حديث أنس انه كان يكره المحاريب أي لم يكن يحب الجلوس في صدر المجلس لما فيه من الترفع، ويأتي المحراب بمعنى الغرفة والمكان المرتفع والمخصوص في الدار، اما المعنى الإصطلاحي فهو القبلة وموضع الإمام وفي لسان العرب: محاريب بني اسرائيل: مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها، وفي التهذيب: “التي يجتمعون فيها للصلاة”.
وبذا يكون ذكر المحراب دليلاً على العناية التي أحاط بها زكريا مريم، وما هيأه لها من أسباب التفرغ للعبادة والإنقطاع عن الناس وعدم الإنشغال بخدمة المنزل او قضاء الحوائج الشخصية، ومن ينقطع الى الله عز وجل تخف مؤونته ويبعث الهيبة في النفوس، ويكون داعية الى الله تعالى وعبرة في عدم اللهث وراء زينة الدنيا، وفي الآية مسائل:
الأولى : لم تذكر الآية الا المحراب وان زكريا يدخل على مريم وهي قائمة ذاكرة فيه دون غيره، مما يدل على حسن الكفالة وانحصارها في موضوع العبادة، وتدل الآية على قيام زكريا بالكفالة على أحسن حال وكيفية، وهو جزء من الأهلية للإصطفاء والإختيار لتوكيد حقيقة وهي ان آل ابراهيم يحفظون العهود، ويؤدون الأمانة، ويقومون بالوظيفة الشرعية أحسن قيام.
الثانية : تدل الآية على تعاهد زكريا لمريم بتولي شؤون لكفالة بنفسه فهو لم يفوض الأمر الى غيره مع مقام النبوة وعظيم المسؤوليات التي يقوم بها.
الثالثة : صياغة الجملة آية بلاغية لها معان عقائدية، فقد قدمت الآية الجار والمجرور (عليها)، وذكرت المحراب من غير حرف جر، لبيان اقامة مريم في المحراب، وان صلة الكفالة متقومة بظرفية المحراب كوعاء لإقامة مريم اليومية.
الرابعة : ان زكريا يتفقد مريم في المحراب، وهذا التفقد وموضعه يدل على سلامة النهج الذي تتخذه مريم وخفة مؤونتها، وحرصها على الإنقطاع الى الله، وتعاهد زكريا لهذا النهج ورضاه عنها في عبادتها.
الخامسة : مجيء (كلما) يدل على التعدد وكثرة دخوله عليها في المحراب، وصحيح ان اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره فدخول زكريا على مريم في المحراب لا يدل على عدم دخوله عليها او رؤيتها في مكان آخر، في الكنيسة أو غيرها، ولكن القدر المتيقن هو دخوله عليها في المحراب خصوصاً مع القرينة التي تدل على ملازمتها له وهي وجود الرزق عندها في المحراب بمعنى انها اتخذته مكاناً لتناول الطعام وأستغنت عن الخروج الى غيره، علماً بان الأكل فيه لا ينقص من قدسيته لسنخية الطعام السماوية.
السادسة : (كلما) يفيد التعدد والكثرة، فما رآه زكريا عند مريم آيات وليس آية واحدة، ففي كل يوم آية مستقلة وهي ايضاً تنقسم الى آيات متعددة بلحاظ نزولها ومادتها وكميتها وكيفيتها.
السابعة : لفظ المحراب يدل على اقامة مريم في الكنيسة وانها أصبحت محررة لها، مع العناية بها من قبل زكريا عليه السلام، سواء كان المحراب غرفة أو مقصورة في صدر المعبد، ومن فيه محجوب عن الآخرين.
وفي الآية بيان لكيفية عمل المحاريب ووظائفها ونهي عن الإختلاط في الكنيسة، وآية قرآنية في لزوم منع الإختلاط في عمل الرهبان، وما نتج عن مخالفة المنع في القرون المتأخرة.
فالقرآن حجة متقدمة على النصارى في هذا الباب، ودعوة لهم لتنزيه المحاريب والكنائس واخبار عن حصول الخلل في كيفية الإختيار والعمل، وليس في أصل تشريع تحرير الفتاة للكنيسة وعمل المحاريب، والقرآن يفضح التحريف في مناهج العمل، وهذا إعجاز يدل على قيمومة القرآن على أفعال أهل الملل الأخرى في دور العبادة، ودعوته السماوية لتعاهد الصيغ الشرعية فيها، تلك التي تمنع من حصول أي فاحشة او فضيحة تؤثر سلباً على سمعة دور العبادة عند المليين وغيرهم.
فالآية تنظيم وتعيين لعمل المرأة في الكنيسة ولزوم كفالتها من قبل أحسن القائمين في شؤون الملة، وتعهده لها والعناية بشؤونها ومنع اختلاطها، مع قلة جنس النساء في خدمة الكنيسة، لأن الأصل فيه خدمة الرجال لها.
الثامنة : تدل الآية على العفة والطهارة وبراءة ساحة زكريا، وهو مقدمة لمنع الإفتراء على مريم وعيسى، وزكريا معاً عند ولادة عيسى فزكريا لم يدخل على مريم الا في المحراب، وهو عنوان الصلاح والتقوى.
وفي كفالة زكريا وجهان:
الأول: بأمر منه تعالى وتلقي زكريا الكفالة بالوحي.
الثاني: بالأسباب والإتفاق بين وجهاء بني اسرائيل كما ورد في مسألة القرعة، قال تعالى [وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ] ( )،
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود وابن عباس وعن ناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر التفسير وقال في قصة مريم عليها السلام إن الذين كانوا يكتبون التوراة إذا جاءوا إليهم بإنسان يحررونه اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه وكان زكريا أفضلهم يومئذ وكان بينهم وكانت أخت مريم تحته فلما أتوا بها قال لهم زكريا أنا أحقكم بها تحتي أختها فأبوا فخرجوا إلى نهر الأردن فألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها فجرت الأقلام، وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين فأخذ الجارية( ).
وقد تقدم قبل آيتين ان حنة خالتها وهو الأرجح، ولا تعارض بين الوجهين، اذ يجتمع التقدير والقرعة لتكون القرعة حجة عليهم وسبباً لتنزيه زكريا.
لقد حررت مريم للكنيسة ولكنهم هيأوا محراباً ومكاناً للعبادة وأسقطوا عنها خدمة الكنيسة لأنها خاصة بالرجال، وتدل عليه كفالة زكريا لها، وعدم ظهور موضوع الكفالة والتحرير لخدمة الكنيسة في الآيات الا بالدخول عليها في المحراب، وما تدل عليه الإقامة في المحراب وغرفة العبادة من عدم القيام بالعمل والخدمة،
وقد يقول قائل انها كانت تعمل ساعات ثم تعود للمحراب، وخدمة الكنيسة والمسجد عنوان الورع والتقوى الا ان القدر المتيقن من الآيات انشغالها بالعبادة وكفاية السماء برزقها، ومن يأتيه رزقه من السماء وهو منقطع للعبادة لابد وان الآخرين يقومون بوظائفه نيابة عنه، فكيف وهي امرأة لا تصلح لأعمال الخدمة التي تستلزم القوة البدنية، والإختلاط مع الرجال ولم يشهد ان تولت امرأة قبلها الخدمة في المسجد، وقد ضم زكريا مريم الى خالتها للعناية بها ثم بنى لها غرفة ومحراباً في المسجد لتنقطع الى الله بالدعاء، فصار تحريرها الى الكنيسة انشغالها في العبادة داخلها وبمعزل عن الرجال.

قوله تعالى [وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا]
في الآية مسائل:
الأولى : تبين الآية فضله تعالى على مريم وزكريا ايضاً، فكأن الكفيل هو الله تعالى وليس زكريا، وهذا الشطر من الآية يرجح قراءة التشديد (كفّلها) أي ان الله هو الذي جعل زكريا كفيلاً، وهو المرسوم في المصاحف، لأن الله عز وجل ان امر عبداً بشيء فانه يساعده ويوفقه لأدائه، وتهيئة الرزق من عنده تعالى تستلزم ان يكون الكفيل بمرتبة من التقوى والورع، بحيث يطلع على تلك الآية، فلذا تكفلها زكريا نفسه، وان يم يمنع من رؤية غيره له على فرض دخوله المحراب.
الثانية : هذا الرزق مقدمة لولادة عيسى من غير أب، لأنه آية من عنده تعالى ودعوة لتصديقها.
الثالثة : انه من مصاديق الإصطفاء والإكرام الإلهي وبشارة تهيئة أسباب الرزق الكريم لآل إبراهيم ولآل عمران، وتعرض جماعات وأسر منهم للفقر والجوع لا يضر بأصل هذه القاعدة، خصوصاً وان هذا الجوع يأتي احياناً من حجب حقهم عنهم، او انه جزء من الإبتلاء العام لأهل البلد او القرية ومع هذا فانك تجد دائماً ضياء من نور يفتح عليهم أبواب الأمل والسعة.
الرابعة : جاء الرزق هنا من باب المثال والدلالة على التفضيل والإكرام وصدق الإصطفاء والغنى عما في ايدي الناس، ومما يواجه الإنسان في حياته هو توفير الطعام والمأوى الذي يسكن فيه، ومع توفرهما فانه يستطيع ان يرى الأشياء بمنظار الحقيقة، ويتخلص من أسباب الخوف والفزع واللجوء الى الإنسان لإلتماس الحاجة، وما يتفرع عن هذا اللجوء من الضعف والعجز.
الخامسة : أراد الله عز وجل لمريم الغنى عن الناس، وهذا الغنى مقدمة للحفاظ على عيسى وعدم التخلي عنه ساعة ولادته خشية انقطاع الرزق من قبل الناس، ودفع الخشية والخوف من اطعامه وحضانته وتولي نفقات كسوته وزاده، فالرزق مقدمة لحفظ عيسى ساعة ولادته وفي مهده.
السادسة : تمنع الآية الآخرين في توجيه مريم في عبادتها وقرارها وشؤونها الخاصة، فليس لأحد ان يقول لها مثلاً عليك بالزواج، وانه السبيل الى تكفل حاجات المرأة ونفقاتها، وأراد الله لها بهذا الرزق الطهر والنقاء والعفة وتحصين الفرج.
والآية دعوة للمؤمنين والمؤمنات ولآل ابراهيم وآل عمران خاصة بالتوجه الى الله تعالى لطلب الرزق من غير أسباب بل بفضله تعالى، وفيها اشارة الى انه الله عز وجل يرزق من يشاء استثناء من قوانين السببية والعلة والمعلول، وفي الطعام الملكوتي وجوه:
الأول : انه من القبول الحسن منه تعالى لمريم عليها السلام.
الثاني : من الإنبات الحسن.
الثالث : منهما معاً أي من القبول والإنبات الذي أخبرت عنهما الآية.
الرابع : انها موضوع مستقل من فضله تعالى، وعنوان اكرام اضافي وليس من القبول او الإنبات الحسن.
الخامس : جزاء لورعها وتقواها وانقطاعها الى الله وفرع الإصطفاء.
ان القبول يعني التلقي والرضا منه تعالى بفعل العبد كما في قوله تعالى [فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ]( )، وهذا الرزق من الإنبات الحسن وفيه نماء لمداركها وبدنها وسلامة لها وعون على نيلها مراتب الكمالات وهو ايضاً فضل منه تعالى وفرع الإصطفاء.
السادس : وهذا الرزق كرامة وأمر خارق خاص بمريم عليها السلام وآية بان المعجزات والكرامات لا تنحصر بالأنبياء بل هي مطلقة تشمل الأولياء وآل ابراهيم وآل عمران وهي جزء من الإصطفاء.
وأشكل ابو علي الجبائي وقال: لم لا يجوز ان يقال ان تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام، وبيانه من وجهين:
الأول: ان زكريا دعا لها على الإجمال ان يوصل الله اليها رزقاً، وانه ربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى، فاذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال [أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] فعند ذلك يعلم ان الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة.
الثاني: يحتمل ان يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداًَ الا انه كان يأتيها من السماء، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من ان يكون يأتيها من عند انسان يبعثه اليها، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره( ).
والجواب عليه من وجوه:
الأول : ان الله عز وجل أخبر بانه قبل مريم قبولاً حسناً وانه أنبتها نباتاً حسناً، فهذا الرزق من الإنبات الحسن الذي وعد الله به في الآية الكريمة، فان سأل احدهم عن مصاديق هذا الإنبات جاءه الجواب بأن منه كفالة زكريا والرزق النازل من السماء.
الثاني : ليس من مانع بان زكريا دعا لها بالرزق، وهذا لا يتعارض مع اختصاص مريم بالرزق من عنده تعالى.
الثالث : يحمل الكلام على ظاهره لحجية الظواهر الا مع القرينة الصارفة بالإضافة الى التبادر وهو من علامات الحقيقة، فنظم الآية يدل على سؤال زكريا لطلب كيفية الحال.
الرابع : لقد رزق الله عز وجل أكبر من آية الرزق اذ كانت تحدثها الملائكة وتخبرها عن اصطفائها وطهرها، ولا يستطيع احد ان يقول بان تحديث وبشارة الملائكة كانت بواسطة أحد من البشر سواء زكريا او أمها او عيسى عليه السلام، فاذا صح التحديث الملكوتي فلماذا لا يصح تلقيها الرزق من عنده تعالى، وان تقوم الملائكة نفسها بتهيئة هذا الرزق ليكون فرع التحديث ومصداقاً للإصطفاء الذي أخبر به الملائكة وعوناً على اتصال ودوام الطهر، ولا تصل النوبة لهذا القياس الإقتراني ومفهوم الخطاب والأولوية لإخبار القرآن الرزق الكريم.
الخامس : ظاهر الآية ان زكريا لم يكن على علم بالرزق الذي يأتي مريم، وهذه كرامة أخرى أخرى لمريم عليها السلام.
كما قال الجبائي معنى الآية ان الله تعالى كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات، فكان زكريا اذا رأى شيئاً من ذلك خاف انه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال”( ).
ولكن سؤال زكريا ليس للإنكار والإستغرابً بل سؤال تقرير وليكون حجة على بني اسرائيل في ثبوت اصطفاء مريم وان زكريا لم يكن يتولى اطعامها بل هو نفسه يجهل كيفية مجيء الرزق الى ان سألها وأخبرته.
ان ورود قوله تعالى (كلما) توكيد لإختصاص مريم بالآية والكرامة، ونفي لإحتمال ان يكون الرزق من عند غيره من المؤمنين والأخيار، لأنه كان يرى الرزق في كل مرة ولكنه لا يسأل عنه، فلماذا لم يسأل من أول مرة، الجواب انه كان يعلم بالكرامة والفضل الذي حازته مريم، بالإضافة الى حجية ماهية الرزق الذي وردت به الأخبار وفيه وجوه:
الأول : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال كفلها زكريا فدخل عليها المحراب فوجد عندها رزقا عنبا في مكتل في غير حينه، قال [أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]، قال ان الذي يرزقك العنب في غير حينه لقادر ان يرزقني من العاقر الكبير العقيم ولدا هنالك دعا زكريا ربه فلما بشر بيحيى قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس قال يعتقل لسانك من غير مرض وأنت سوي( ).
الثاني : الرزق هو فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وهو المروي عن الإمام الصادق وابن عباس ومجاهد.
الثالث : الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد، عن ابن عباس.
الرابع : وجد عندها رزقاً قال علماً، عن مجاهد، ولكن ظاهر المعنى يفيد انه من أصناف الطعام، وما هو أعم من الأمور المحسوسة والمادية ولكنه لا يمنع من حصول العلم والإرتقاء به.
الخامس : أخرج أبو يعلى عن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً فأتى فاطمة فقال يا بنية هل عندك شئ آكله فانى جايع فقالت لا والله فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فاخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت والله لاؤثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام.
فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له بابى أنت وأمى قد أتى الله بشئ قد خبأته لك فقال هلمي يا بنية بالجفنة فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما فلما نظرت إليها بهتت وعرفت انها بركة من الله فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما رآه حمد الله وقال من أين لك هذا يا بنية قالت يا أبت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب فحمد الله ثم قال الحمد لله الذى جعلك شبيهة سيدة نساء بني اسرائيل فانها كانت إذا رزقها الله رزقا فسئلت عنه قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب”( ).
وجاء الرزق بصيغة التنكير مما يعني تعدد أصناف الأكل والطعام والفواكه واتصفت مريم بالشكر لله تعالى ونسبة الرزق اليه وهي لم تطلب غيره وقد ورد في بني اسرائيل انهم قالوا [لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ] أما مريم فان الله عز وجل أنعم عليها بالرزق الكريم وقابلته بالرضا والشكر والإنقطاع اليه تعالى.
لقد جاءت الآية بالإخبار عن اتصال نعمه تعالى على مريم، وان الكفالة تأتي بالمرتبة الثانية بعد تلك النعم والإصطفاء ولتوكيد الحجة على الناس، وحينما يخبر زكريا النبي الناس بانه يرى عندها الرزق ولم يكن هو الذي يأتي به فانه أقرب الى التصديق وتسكن اليه النفوس وتطمأن اليه، وبذا تكون كفالة زكريا دون غيره ممن يكتبون التوراة وعلماء بني اسرائيل دعوة للناس للتصديق بطهارة مريم ونزاهتها من الدنس، فتأتيهم الشهادة من النبي زكريا بان هذا الرزق من عنده تعالى.
كما انه يتضمن الإعجاز الذاتي لأنه يأتي بغير أوانه، ومن مظاهر هذه النعمة والإصطفاء في هذا الزمان الزراعة المغطاة والتجارة بين البلدان وصيغ التجميد والخزن الحديثة فترى فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف وهذا لا يمنع من مصداق الآية والكرامة لخصوص مريم عليها السلام، لأنه في زمانها كرامة وآية تدل على عظيم منزلة مريم عند الله وانها قامت بوظائف الإصطفاء والإجتباء على أحسن حال، وتدل الآية على عدم التخلية بين مريم وبين الحاجة والعوز والفاقة لذا جاء الرزق بصيغة التنكير والتعدد وهو من اعظم الدلائل على عدم انقطاع فضله تعالى على مريم.
وما عيسى الا رزق كريم لمريم فازت به اماً في آية أنفردت بها من بين النساء منذ أول الخليقة الى يوم القيامة فلا غرابة ان يأتيها الرزق المتنوع والمتعدد، وهذا التنوع فضيلة ومكرمة وفيض من رحمة الله ومقدمة لولادة عيسى وتدل الآية على عدم خفاء الرزق الذي يرد مريم وليس هو أمراً مستوراً بل هو ظاهر من يدخل المحراب يراه عندها، والظاهر ان زكريا لم ينقب في الغرفة وخصوصيات مريم فبمجرد ان يدخل المحراب يراه امامه، وهل يحتمل اختصاص زكريا برؤية الرزق لأنه نبي يرى دون غيره الرزق النازل من السماء، هذا بعيد بدليل السؤال عنه ولحمل المعنى على الظاهر وهو وجود الرزق ورؤيته لمن يدخل المحراب، وعلى فرض اختصاص زكريا فهو شاهد كريم وجاءت الآية لحثه على الدعاء بطلب الولد، ولكن الله عزوجل أراد لآية رزق مريم مقدمة لولادة عيسى سواء بتطهير رحم مريم وجعله من مكونات سماوية ليكون مؤهلاً لحمل روح الله، أو لجعل بني اسرائيل يشهدون لمريم بالعفة والتقوى.
واذا كان بنو اسرائيل قد تلقوا موضوع الرزق الكريم لمريم بالتسليم والتصديق، فعليهم ان يتلقوا خبر ولادة عيسى من غير أب بالقبول لإستصحاب الآيات والكرامات، ولوحدة لموضوع في تنقيح المناط، وكما ان الرزق يخبر بنفسه عن نفسه انه من عند الله تعالى بأن يأتي في غير أوانه ويكون غضاً طرياً، فكذا بالنسبة لعيسى فانه تكلم وهو في المهد وهذا كله مما فضل الله به بني اسرائيل اذ جاءتهم الآيات مقرونة بالدلائل والبراهين القاطعة.
وأحتج على انحصار المعجزات بالأنبياء وان الأولياء لهم الكرامات، ومنهم من قال بانحصار المعجزات والكرامات معاً بالأنبياء , والتقسيم الى معجزات وكرامات تقسيم استقرائي، وليس في القرآن لفظ معجزة او كرامة بصيغة المفرد او الجمع، ولكن الآية شاهد على مجيء المعجزة والأمر الخارق لمريم عليها السلام مع ثبوت عدم كونها نبية، ولم تدع هي شيئاً، نعم هي آية بنص القرآن الكريم.
وتعتبر هذه الآية مقدمة لجعلها مؤهلة للحمل بعيسى من غير أب وهو نبي من غير ان تنسى حقها بهذه الكرامة.
ولكن الله عز وجل أخبر بانه أصطفاها وأجتباها وقال البلخي من المعتزلة: “ان هذه المعجزة تأسيس لنبوة عيسى” وهذا صحيح الا انها تخص مريم بالذات وليس بالعرض وحده.
وهذه الكرامة من الإصطفاء، ويمكن القول أن المعجزة خاصة بالأنبياء الا ما دل عليه الدليل كما في مريم عليه السلام، وفيه تشريف واكرام لمعاشر النساء والتماس الرزق الكريم بولادتهن ونشأتهن، والنهي عن التشاؤم او الإكتئاب منهن، فان الآيات والكرامات والأرزاق الكريمة لا تنحصر بالرجال وان أنحصرت بهم النبوة، خصوصا وان الكرامات جاءت لمريم بالذات وبالعرض، بالذات لشخصها وعبادتها وطهارتها، وبالعرض لأنها من آل عمران ولنذر أمها وكفالة زكريا لها وولادتها عيسى أي انها كانت محاطة بامارات التفضيل والتشريف في النسب , وعند الحمل, وحال الوضع والنشأة الكريمة , وعند حملها بعيسى عليه السلام.
لقد أجابت مريم بان الرزق الذي عندها هو من الله تعالى وفيه وجوه:
الأول : الملائكة هل التي أخبرتها بان هذا الرزق من عنده تعالى.
الثاني : الرزق نفسه يحدثها بانه من الله.
الثالث : نوع وماهية وجنس الرزق، وما فيه من الأمر الخارق للعادة، بلحاظ أوانه ومذاقه ونكهته انه من الله عز وجل، ومن ثمار الجنة.
الرابع : انه وحي أوحاه الله لها.
الخامس : رؤيا منام صادقة.
السادس : أخبرها نبي من أنبياء بني اسرائيل أو أحد الأولياء الصالحين.
السابع : كانت مريم موعودة بالرزق الملكوتي سواء عن طريق أمها، ام ابيها عمران بالواسطة وذكر انه كان نبياً.
الثامن : زكريا هو الذي أنبأها سواء بصفته كنبي او كفيل، وجاء سؤاله للتقرير.
التاسع : حضور الرزق بواسطة الملائكة وهو دليل على انه من عند الله.
العاشر : رؤيتها للرزق الى جانبها من غير ان يدخل عليها أحد.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من فضله تعالى على فرض وقوعها وهو أمر ممكن ولو مجتمعة، والأظهر هو الوجه الأول وان الملائكة كانت تنزل بالرزق من عنده تعالى وقد ورد في القرآن ما يدل على تحديث الملائكة لمريم [وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ…]( )، ولا يمنع من حصول أسباب وطرق أخرى للتبليغ والإخبار.
وأيهما أفضل لامرأة عمران ان يأتيها الولد مباشرة او ما حصل لها من ولادة البنت التي يأتيها رزقها من السماء وتخلد في القرآن، ثم الولد فيه تفصيل من وجهين:
الأول: مجيء البنت ثم الولد من غير خصوصية اعتبارية وتشريف اضافي.
الثاني: ولادة مريم عليها السلام ثم عيسى كلمة الله وولادة عيسى لم تتم من امرأة عمران مباشرة، لأنها ذات بعل وحصل حملها على نحو طبيعي، وعيسى ولد من بنتها مريم ومن غير أب.
فاذن ليس هناك سبيل للمقارنة لأن ما حصل لا شبيه له في تأريخ الإنسانية والأجيال المتعاقبة وهذا التعاقب وولادة مريم ثم عيسى من أعظم النعم فان قلت سيترشح مثله عن الإستنساخ البشري والهندسة الوراثية وولادة ونشوء اولاد بلا آباء وفق الإمكان العلمي فهل يتزاحم هذا مع المعجزة في ولادة مريم، الجواب لا، لأن المعجزة هي:
الأولى : الأمر الخارق للعادة.
الثانية : المقرون بالتحدي.
الثالثة : السالم عن المعارضة.
والتطورات العلمية فاقدة لكل شرط من هذه الشروط الثلاث، فمعجزة ولادة عيسى باقية وكذا باقي معجزات الأنبياء وان كانت حسية، تعاهدها وحفظها الله بمعجزة محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية الخالدة وهي القرآن كما ان المعجزات والتحدي الحسي باق ويقصر العلم عنه كما في أكثر مصاديق الإرادة التكوينية ومنها احتجاج ابراهيم على نمرود [فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ] ( ) فهذا التحدي مستديم ويفحم الطواغيت، ويساهم في تأديب العلماء، ويمنعهم من الغرور ويحول دون إفتتان الناس بتوظيفهم للعلوم التطبيقية والتقنية الحديثة.
وتبين الآية موضوعية الغذاء الجيد في تحصيل العلوم والإرتقاء في المعارف الإلهية وفيها دعوة لإطعام الأطفال والناشئة الغذاء المناسب وعدم جعلهم في حال الفقر والعوز، وتحث الآية على تعليم ومرفة الآباء والأمهات لاصناف الغذاء التي تساعد في نمو الطفل جسدياً وعقلياً ليكون قادراً على تحمل المشاق والكسب العلمي، والآية شاهد على حيازة مريم الكمالات الإنسانية التي تؤهلها للإرتقاء الى عالم الملكوت.
وجهة ومصدر الرزق الذي جاءت به الملائكة يحتمل وجوهاً:
الأول : من السماء لنزول المن والسلوى لبني اسرائيل، والمائدة التي أنزلت على عيسى، والطير الذي رزق رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : من الجنة التي سكنها آدم وحواء في إخبار واشارة الى الملائكة والخلائق بان صلة الإنسان لم تنقطع مع الجنة بهبوط آدم الى الأرض.
الثالث : من موضع آخر من الأرض فيه هذه الثمار فيأتون لها في الشتاء بفاكهة الصيف مزروعة في بلدان أخرى، وفي الصيف يأتون لها بالفاكهة التي تزرع في بلدان باردة.
الرابع : هذا الرزق امر مستحدث وخاص بمريم وهو بمشيئته تعالى وعمومات قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
الخامس : تفضل سبحانه واذن للملائكة ان تستحدث هذا الرزق من غير أصل او شجر، وتضعه عند مريم وهذا الأمر بعيد، لأن الإرادة التكوينية من مختصاته تعالى.
ولقاعدة “انه تعالى يعطي بالأوفى والأتم” فان الرزق نازل من السماء كنزول المن والسلوى على بني اسرائيل ولا مانع ان يكون من ذات الجنة التي كان يسكنها آدم وحواء الا انه دليل عليه.
بحث منطقي
وتقسم القضية في علم المنطق الى حملية وشرطية، والأولى ما يحكم فيها بثبوت شيء لشيء او نفيه عنه مثل الزكاة واجب، الزنا محرم، والثانية وهي الشرطية ويحكم فيها بوجود نسبة وصلة بين طرفين وقضيتين تتعلق احداهما بالأخرى في الوجود والعدم، مثل الشمس طالعة فالنهار موجود.
وتقسم الشرطية الى:
الأولى : شخصية: وهي التي يحكم فيها بالنسبة من الإتصال او التنافي في زمن وحال شخصية مخصوصة مثل ان كان يصلي فلا تسلم عليه، فحصر عدم السلام بما لو كان منشغلاً المكلف بالصلاة.
الثانية : المهملة: وهي التي يحكم بها بالإتصال او التنافي بلحاظ حال او زمان مخصوص من غير تعيين له بأوان محدد او النظر الى الأحوال والأزمان الأخرى، مثل: اذا زالت الشمس دخل وقت صلاة الظهر.
الثالثة : القضية المحصورة: وهي التي تبين مقدار وكم أحوال الذات والحكم واوقاته كلاً او بعضاً، وهي على قسمين كلية وجزئية.
الرابعة : سور القضية الشرطية يدل على عموم الأحوال والأزمان، وهو على أربعة اقسام:
الأولى : سور الموجبة الكلية مثل كلما، حتى، أنى.
الثانية : سور السالبة الكلية مثل ليس، ابداً.
الثالثة : سور الموجبة الجزئية مثل قد، يكون، لعل.
الرابعة : سور السالبة الجزئية مثل قد لا يكون.
فكلما من سور الموجبة الكلية أي لم يدخل عليها زكريا المحراب الا وجد عندها رزقاً كريماً من عنده تعالى، ولم تبين الآية المدة المحصورة بين كل دخولين لزكريا المحراب على مريم وعدد المرات في الأسبوع او الشهر ولكنها أخبرت بما يفيد وجود الرزق السماوي على نحو مستديم غير منقطع.
فمن منافع هذا الرزق:
الأول : توكيد امكان اطعام الإنسان من السماء بقيد التقوى والصلاح.
الثاني : عدم اليأس في الرزق، ولزوم توقع مجيئه من حيث لا يحتسب الإنسان.
الثالث : الإرتقاء العلمي في هذا الزمان شاهد على تحسن اصناف الطعام وأنواع الصناعات والزراعات والمكاسب، فالآية بشارة لهذا الإرتقاء.
الرابع : اكرام أهل الإيمان بتهيئة موارد رزقهم، وعدم جعلهم في حاجة وفقر وعوز، واطعامهم باب لنزول البركات والإفاضات.
الخامس : الآية شاهد حسي على الإصطفاء ومنع من تأويله بالعلم وحده، بل العلم والتقوى والأرزاق المادية المحسوسة.
السادس : استغناء مريم عن الكسب وما قد يعرضها الى الإختلاط بالرجال، والمماكسة والشبهات في المعاملات، فاراد الله عز وجل ان تكون وعاء طاهراً لحمل عيسى، ولا تنشغل الا بالعبادة والنسك والمناجاة.
السابع : وجود صلة واتصال بين السماء والأرض وليس من قطيعة او بينونة عزلة بينهما، ويدل الرزق الذي يأتي الى مريم من السماء على بقاء باب السماء مفتوحاً للدعاء والمسألة ونيل الكمالات والمراتب العالية.
الثامن : تدعو الآية المسلمين والمسلمات الى السعي لبلوغ منازل الملائكة.
التاسع : وقوله تعالى [وَجَدَ عِنْدَهَا] أي انه بحضرتها وهي في المحراب , ومنشغلة بالدعاء فمع ان الرزق سماوي وملكوتي الا انه لم يشغلها عن العبادة ولم تنقطع اليه، مما يعني انها تأخذ حاجتها منه , وهي مواظبة على العبادة والتقوى.

قوله تعالى [قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا]
بينما جاء الرزق متعدداً او نكرة وأخبرت الآية عن رؤية زكريا له في كل مرة يدخل اليها وهي في المحراب، جاء القول والسؤال منه لمرة واحدة وليس في كل مرة يجد عندها الرزق، وهذا من الآيات فزكريا لم يظهر استغرابه حينما رأى فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف عند مريم ورأى الآيات والكرامات تترى عليها.
لقد سأل زكريا عن جهة ومصدر هذا الرزق من اين لك هذا وفيه وجوه:
الأول : سؤال انكار واستغراب.
الثاني : التعجب والإستفهام.
الثالث : سؤال تحقيق باعتبار انه جزء من كفالته لها.
الرابع : للتقرير وتثبيت حقيقة وماهية هذا الرزق.
الخامس : لإقامة الحجة على بني اسرائيل في لزوم اكرام وتصديق مريم فيما عندها من الكرامات والحجج.
والأصح هو الوجهان الرابع والخامس معاً فهذا السؤال تثبيت لموضوع الرزق السماوي والطعام الملكوتي ووجه من وجوه الإصطفاء الخاص بمريم وبأهل بيت النبوة وانه سبحانه يتكفلهم لحفظ كلمة التوحيد في الأرض.
لقد أراد الله عز وجل لعيسى ان ينشأ في وعاء وبدن يتغذى من السماء وكأنه من شرائط الولادة من غير أب، ولتكون مريم عليها السلام مؤهلة لتلقي النفخ والحمل وقد ذكر ان حمل مريم بعيسى تسع ساعات، حملته بالليل فوضعته في الغداة أي الفجر، فهذا الرزق والغذاء ليس مطلوباً بذاته بل هو مقدمة لولادة عيسى وفق نواميس السماء، فكلما أطعم الله آدم وحواء من الجنة فكذا أطعم مريم فحينما سأل زكريا اراد توكيد البشارة بعيسى وكأن من علاماته ان أمه تطعم من الجنة ويأتيها رزقها من السماء فان قلت ان بني اسرائيل نزل عليهم المن والسلوى ايضاً ولم يولد عندهم من ليس له أب.
قلت: ان آية مريم جاءت على نحو القضية الشخصية وأنفردت بها، ولم تدع امرأة من بني اسرائيل انها ولدت ولداً من غير أب، وليس عندهم مولود في التيه اوبعده تكلم في المهد، بل ان المن والسلوى الذي نزل على بني اسرائيل تجدد في شخص مريم، وكلتا الآيتين اجتمعتا في تكوين ونمو مريم ثم عيسى عليه السلام، وهو دليل على توالي الآيات على بني اسرائيل، وما رزق الله مريم من الكرامات هو ايضاً فضل على بني اسرائيل ونعمة أخرى تدعوهم للإيمان والتصديق بعيسى من باب الأولوية، فاذا كانت تتنزل عليها الآلاء والكرامات وهي ليست بنبي، فمن باب أولى التصديق بعيسى وهو نبي تكلم في المهد.
ان قيد (المحراب) يدل على ان مريم لم تغادره لطلب الرزق ولم يدخل عليها أحد فيه وكانت زاهدة عابدة، فاراد زكريا الإخبار بعدم مجيئه بواسطته كنبي ولم يأت هو به، بل انه خاص بمريم عليها السلام.
فالآية شهادة بان هذا الرزق لم يرد الى مريم بواسطة زكريا، بل جاء لها على نحو الخصوص نعم يمكن اعتبار عيسى شريكاً لها في هذا الرزق من جهة اصلاحها لحمله كما تقدم، ففي الآية مسائل هي:
الأولى : دخول زكريا النبي الكفيل على مريم.
الثانية : مكان هذا الدخول هو المحراب.
الثالثة : تكرر رؤية الرزق والطعام عندها.
الرابعة : سؤاله عن مصدر هذا الرزق، وجاء هذا السؤال بعد العلم والظاهر الملموس بانه آية من عنده تعالى مما يعني ان كفالة زكريا تمت لإظهار الآيات التي رزق الله مريم ولتثبيت اصطفائها، فهو نبي يعرف ماذا يقول ويفعل، فجاء سؤاله ليكون وثيقة نبوية خالدة لهذه النعمة والآية العظمى لتتجلى الأخلاق الحميدة التامة والإنقطاع الى رب العزة، والجذبة الإلهية بتقريب مريم ومن خلالها المؤمنات الى يوم القيامة الى مقامات لطفه ورحمته تعالى.
وتبعث الآية العز والفخر في نفوس المسلمات الى يوم القيامة الى جانب الشواهد والأنوار في عطائه تعالى لفاطمة الزهراء وأزواج النبي والصحابيات، وفيها بشارة الأمل والأمن والسكينة، ومع فقد درجة النبوة عند النساء الا انهن بهذه الآيات أصبحن مؤهلات للمباهاة والتفاخر والإرتقاء في عالم التقوى فالنبي الكفيل يسأل مريم لتوكيد تكرار الآية وتثبيتها من غير ان يخشى المؤاخذة بانه نبي فكيف يسأل عن رزق جارية هو قد تكفلها، بل أظهر ضعفه امام قدرة الباري عز وجل وتوالي عطائه وإقراره بان نعمه تعالى لا تحيط بها أوهام البشر ولا تنحصر بفئة او طائفة مخصوصة منهم.
لقد كان زكريا يعرف ان هذا الرزق خارق للعادة وان البشر يعجزون عنه ولو أجتمعوا ولكنه اراد توكيد تلك الحقيقة لبني اسرائيل والناس، فان قلت لو كانت مريم في هذا الزمان زمان الصناعات الحديثة والنقل السريع وعندها هذا الرزق، فانه ليس بآية فماذا يأتيها كي يصدق انه آية واعجاز وكرامة الجواب ان زمن المعجزات قد أنتهى بخاتم النبيين، وبقي القرآن هو المعجزة الخالدة وعلى فرض حصول المعجزة في هذا الزمان فان الرزق يأتي لمريم بما يفيد الأمر الخارق للعادة السالم من المعارضة وعبر الفضائيات وقد أنعم الله على عيسى باحياء الموتى وهي آية مستديمة باقية لم يقدر العلم على احياء الميت واخراجه من قبره، فكل زمان يتسع للآيات وفيه براهين تدل على الوحدانية منها الآيات الكونية وبديع خلق الإنسان وآيات القرآن.
لقد خاطبها زكريا باسمها (يا مريم) وهو سؤال تكريم وتشريف واقرار بمنزلتها ومقامها، فلم يصدر السؤال من كفيل الى صبية مكفولة بلهجة الإنكار والتعجب والدهشة التي تجعل الإهتمام متوجهاً الى الموضوع المسؤول عنه بل خاطبها وناداها باسمها مما يدل على مالها من الشأن عند الأنبياء حتى في ايام صباها وان زكريا سلّم واقرّ بالآية والكرامة واراد ان يسمع منها، ولتوكيد حقيقة وهي عائدية الرزق لها، وجاء جوابها لتوكيد انها ليست غافلة عن هذا الرزق الكريم.
وسيأتي في الآية التالية ان زكريا دعا الله لطلب الولد، وقد اخبرت هذه الآية عن حضور الرزق عند مريم وفيه وجوه:
الأول : جاء الرزق السماوي بدعائها وسؤالها.
الثاني : انه جزء القبول والإنبات الحسن والإعداد الملكوتي لمريم، فلما وعد الله تعالى بالإنبات الحسن فان الرزق السماوي فرع وجزء منه.
الثالث : نزل الرزق السماوي بدعاء زكريا وكفالة زكريا لها.
الرابع : بدعاء الملائكة لها خصوصاً وانهم يحدثونها.
الخامس : انه عنوان الإصطفاء ومظهر من مظاهر تجلياته.
السادس : بدعاء ونذر امها لها.
السابع : انه مصداق الإجتباء والإكرام , ومقدمة لولادة عيسى عليه السلام.
الثامن : اجتماع الوجوه أعلاه او شطر منها.
والأرجح انه من القبول والإنبات الحسن الذي تفضل به على مريم ولا يمنع من اجتماع الوجوه الأخرى معه والله واسع كريم.
ومجيء اللام في (أنى لك) يدل على الإختصاص والملك، وان هذه الفاكهة والرزق ملك لمريم لا يستطيع أحد التصرف فيه او الأكل منه من غير اذنها , وقوله (هذا) اشارة الى الرزق في دلالة على قربه، وان الله عز وجل اراد له ان يكون حجة ظاهرة بينة للعيان غير خفية، فلو اراد الله عز وجل لأطعمها وسقاها من غير زاد وجعل غذاءها التسبيح والتهليل او النسيم، ولكنه سبحانه تفضل عليها بما يقوم البدن وفق طبيعة الإنسان وما يشبع غرائزه وحاجته.
علم المناسبة
ورد ذكر مريم في القرآن أربع وثلاثين مرة وهو أكثر اسم لامرأة يرد في القرآن وهذا من الإصطفاء والإجتباء ودليل على احتواء القرآن على بيان كل شيء وانه يضم علوم الأولين والآخرين واذا اجريت احصائية لأسماء الأنبياء والذوات المذكورة في القرآن لرأيت ان الأكثر الغالب منها يخص آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران، وهذا من الإعجاز القرآني ومصداق لتبيانه التفاصيل وان آياته يفسر بعضها بعضاً حتى في لغة الأرقام والأخبار.
واسم مريم في القرآن ورد على قسمين:
الأول: ذكرت بانها أم عيسى، وفي تعريف عيسى بانه ابنها كما في قوله تعالى [وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ] ( )، وعدد الآيات التي ذكرت فيها مريم بصفة الأم لعيسى هو اثنتان وعشرون مرة.
الثاني: ذكر مريم بذاتها وشخصها وعلى نحو الخصوص وهو على شعبتين:
الأولى: بيان النداء وصيغة الخطاب وعدده خمس مرات وفيه تفصيل وعلى وجوه:
الأول : خطاب الملائكة لمريم والبشارة باصطفائها، كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ]( ).
الثاني : نداء الأنبياء لها الذي تجلى في هذه الآية بسؤال زكريا (يا مريم) .
الثالث : خطاب بني اسرائيل لها والذي أختلف عن الخطابات السابقة وجاء بصيغة الإفتراء والذم الذي لا أصل له [فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا]( )،
ومن الآيات ان خطابات الوجهين الأول والثاني جاءا في سورة آل عمران على نحو الحصر والتقييد( )، اما الوجه الثالث وما فيه من الإفتراء فجاء في سورة مريم،
وكما خاطب زكريا مريم (بأنى) وهو اسم استفهام بمعنى كيف أي كيف وصل اليك هذا الرزق فانه توجه الى ربه بذات اللفظ [قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ] ( )، كما سيأتي بعد ثلاث آيات مع علمه بالمعجزة الإلهية وقدرته تعالى على كل شيء وعدم استعصاء مسألة عليه، والجمع بين الآيتين يدل على ان زكريا يعلم بان هذا الرزق من عنده تعالى خصوصاً ماهية وجنس الرزق وان ينبأ بذاته عن الكرامة والمعجزة لأنه عبارة عن فاكهة غضة طرية ليس في أوانها، مع قرائن كريمة كتقيدها بأرقى سنن التقوى وعدم دخول احد على مريم.

قوله تعالى [قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ]
لم تتردد مريم في الكلام ولم تمتنع عن الجواب، وهذه هي المرة الأولى في القصة التي يتجلى فيها كلام لمريم فقد تضمنت الآيات الإصطفاء وأفراده ونذر امرأة عمران ثم وضعها للأنثى وتسميتها مريم واحاطتها بالإستعاذة بالله من الشيطان، وتفضل الله تعالى بقبولها وانباتها انباتاً حسناً، وكفالة زكريا النبي لها، وأخبرت الآية هنا عن حديثها وكلامها القدسي وكما ان الفاكهة التي عندها غضة طرية جاء ذكر الله تعالى على لسانها غضاً طرياً ورد على لسانها منه ثلاث كلمات وموضوعها:
الأولى : هذا الرزق الكريم.
الثانية : جهة الرزق ومصدره.
الثالثة : انه من عند الله عز وجل وليس من غيره.
وهذا يدل على أهليتها للإصطفاء وشكرها للنعمة وامتلاء جوانحها بالإيمان، لقد أكدت معرفتها بان هذا الرزق خارق للعادة وفوق العلل المادية وطبيعة الأشياء، وانه من افراد المائدة النازلة من السماء والمتجددة كل يوم او كل حين، جاء جوابها من جوامع الكلم، وتظهر فيه رشحات الغذاء الملكوتي اذ انه يدل على الإنقطاع الى الله تعالى والرضا بفضله تعالى، ولا يعني هذا ارادة الواسطة ونسبة افعال العباد في الصالحات اليه تعالى، وان الرزق من الأخيار والمحسنين، وان الله سخرهم لخدمتها، بل أرادت بيان الأمر الخارق للعادة مع من كفلها ولا يستطيع احد ان يصل اليها الا من خلال الكفيل فأخبرت بانه من عند الله ترى ما هي طريقة وكيفية وجود هذا الرزق، فيه مسائل:
الأولى : تأتي به الملائكة وتقوم بتسليمه الى مريم.
الثانية : تجد مريم الطعام حاضراً عندها.
الثالثة : يأتي عن سؤال منها في الكم والكيف والنوع.
الرابعة : تترك مريم للملائكة اوان وكم وصفة الطعام لأنها مشغولة بالعبادة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، ان سؤال زكريا النبي الكفيل عن مصدر هذا الرزق يدل على عدم وجود واسطة من البشر يقوم بالإتيان بالطعام والرزق من باب الأولوية، فجاء سؤال زكريا وجوابه حجة ووثيقة سماوية، ويدل الجواب على ثقة مريم بدوام الرزق واتصاله لأن ما كان من عند الله لا ينقطع ولا يصيبه النقصان، وللدلالة على ما فيه من البركات والخيرات، قال تعالى [مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ]( ).
لقد ارادت مريم عليها السلام التحذير من الجحود بهذه الآية الكريمة والتسليم بنزاهتها وطهارتها واصطفائها وعلو شأنه والتخويف من ايذائها والإفتراء عليها، قال تعالى [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ] ( )، فنسبة الرزق الى الله شهادة من مريم تتضمن معاني الشكر لله وفيها اشارة الى ارادة الصبر والتحمل ومواجهة اهل الجحود، كما تدل على التجاهر والإفصاح عن فضله تعالى.
ان ما عند مريم ليس من أهل الأرض ولا من طعامهم بل هو من ثمار الجنة، لقد كان سؤال زكريا عن الكيفية وليس عن شخص او جهة بمعنى انه اراد السؤال عن كيفية وحصول هذا الرزق الملكوتي، فاجابته انه ما دام من عند الله فانه سبحانه لا تستعصي عليه مسألة ويوصل الرزق بالكيفية والطريقة التي يحب ويرضى الى من أصطفى وأجتبى.

قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]
أنتقلت مريم عليها السلام الى مرتبة الدعوة والتبليغ ونشر لواء التوحيد من محرابها، وأخذت تعطي دروس المعرفة الإلهية، وتظهر تجليات انقطاعها الى الله تعالى، وتؤكد انها ليست عابدة زاهدة فقط بل داعية الى الله بالقول والفعل تأمر الناس بالتوجه اليه تعالى، وفي الآية مسائل:
الأولى : بيان مريم لقاعدة كلية ثابتة في القدرة الإلهية.
الثانية : ان الرزق كله من عنده تعالى.
الثالثة : حاجة الخلائق لفضله تعالى.
الرابعة : انه تعالى يرزق من يشاء من عباده من غير تحديد للكم والمقدار والكيف.
الخامسة : اقرار واعتراف والتفات مريم الى عظيم النعمة والمنزلة التي نالتها.
السادسة : عدم وجود الحسد عند مريم بل انها تدعو الناس لينهلوا من النعم الإلهية وان يتخذوا آية الرزق السماوي هذه سبباً للجوء اليه تعالى.
السابعة : لقد جعلت مريم علة الرزق هي مشيئته تعالى وليس عن استحقاق منها.
الثامنة : في الآية شكر له تعالى بالإقرار بان هذه النعمة مما يتعدى الحساب والعد والتقدير.
التاسعة : تبين الآية المنافع العظيمة للإنقطاع اليه تعالى.
العاشرة : من مصاديق الإصطفاء انه تعالى يرزق الذي يصطفيه ويجتبيه رزقاً وافياً كثيراً لا ينحصر بمقدار او كم معين.
الحادية عشرة : لم تكتف مريم بالإخبار عن الرزق بانه من عند الله بل أردفت كلامها بما يؤكد شكرها وثناءها على مقام الربوبية وبيان استحقاقها للإصطفاء.
الثانية عشرة : من الرزق بغير حساب كيفية وصول هذا الرزق الكريم من غير سعي ولا جهد ولا عناء، بل تجده مريم عندها في جواب عن سؤال الكيفية.
لقد جاءت خاتمة الآية درساً عقائدياً لزكريا، وبياناً لعلة الرزق ومنعاً للآخرين من كثرة السؤال، فمتى ما نسب الفعل او فوض الأمر الى الله تعالى فان الكلام يأخذ منحى آخر يتقوم بالتسليم والإقرار والشكر له تعالى.
لقد أظهرت مريم مضامين العبودية والخضوع له تعالى وأكدت بان الرزق الكريم الذي عندها لم تنله عن استحقاق بل هو فضل منه تعالى، ولم يكن حصراً عليها او خاصاً بها، بل هو امر معروض للناس جميعاً وانها ترجو للمؤمنين والمؤمنات ان ينالوا مثله او أكثر منه، وهو ظاهر قوله تعالى [بِغَيْرِ حِسَابٍ].
لقد ارادت مريم اجتناب حسد الناس وغلبة النفس الشهوية والحيوانية عند بعضهم لإنفراد مريم بهذه الآية فابتعدت عن منافستهم الناس على منازل الرياسة الدينية وهي امرأة لا يؤذن لها بمقامات الرئاسة.
وتلك الآية تؤهلها لمراتب عالية ولكنها أختارت الإنشغال بالعبادة والإخبار بان الرزق من عنده تعالى ومن اراد مثله او أفضل منه فليتوجه اليه سبحانه، فصرفت ابصار الحاسدين والوشاة وأهل الريب عنها وجعلت المؤمنين يتخذون ما رزقها الله مناسبة للدعاء بهمة عالية وصدق سريرة.


قوله تعالى [هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ] الآية 38
الإعراب واللغة
هنالك: اسم اشارة للبعيد، فاللام للبعد، والكاف للخطاب، جاء في محل نصب على الظرفية المكانية.
دعا: فعل ماض، زكريا: فاعل مرفوع بالضمة المقدرة على الألف،
ربه: مفعول به، والهاء: مضاف اليه،
قال: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود لزكريا،
والجملة مستأنفة لبيان ما عرض له من التوجه بالدعاء الى الله،
هب: فعل طلب، لي: جار ومجرور متعلقان بهب،
من لدنك: جار ومجرور، والكاف مضاف اليه،
ذرية: مفعول به، طيبة: صفة، انك سميع: ان واسمها وخبرها، وسميع مضاف، الدعاء: مضاف اليه،
من أسمائه تعالى (الوهاب) وهو المنعم الذي يمنح العطايا الجزيلة من غير عوض يرتجى لأنه غني عن غيره، والهبة: العطية الخالية عن العوض والغرض والشرط، يقال وهب لك الشيء يهبه وهباً، وهبة، والاسم الموهب والموهبة، والإستيهاب: طلب الهبة.
والإتهاب: قبول الهبة، يقال اتهب منه: أي قبل هديته،
لدن: ظرف للزمان والمكان بمعنى عند، وفيه عدة لغات وهي:
الأولى : بفتح اللام وضم الدال وسكون النون.
الثانية : ضم اللام وسكون الدال وضم النون.
الثالثة : فتح اللام وسكون الدال وضم النون.
الرابعة : فتح اللام وكسر الدال وضم النون.
الخامسة : وَلَد- بالحذف.
السادسة : لدى محولة.
في سياق الآيات
بعد العز الذي كسى مريم بفضله تعالى ورحمته التي تغشتها وفضله العظيم بنزول رزقها من السماء تجلت آيات النفع الشخصي والنوعي من هذه النعم وأول من استثمرها زكريا النبي بالدعاء وطلب الحوائج منه تعالى.
وتبين الآية أن الدنيا مدرسة الإقتباس , وهذا الإقتباس متعدد الوجوه والمواضيع، وقد يكون في الخير أو الشر، فجاءت الآية لحث المسلمين والمسلمات على الإقتباس من الخير إقتداء بالنبي زكريا عليه السلام الذي كفل مريم للعناية بها، ولكنه رأى الآيات فاتخذها وسيلة ومناسبة للتضرع إلى الله عز وجل وسؤاله المعجزة، في حياته الخاصة بأن يرزقه ولداً، وهذه المعجزة تنفع الناس جميعاً سواء بشخص يحيى النبي أو بالإقتداء بزكريا في الدعاء والتوسل .
وفيه نكتة وهي إذا رأيت نعمة عند غيرك فتوجه إلى الله عز وجل بأن تكون عنك مثلها أو شبهها حسب حاجتك وسعيك في الصالحات.
إعجاز الآية
تظهر الآية افاضات الإصطفاء الذاتية والعرضية، وكيف ان آية الرزق جاءت لمريم وكفيلها، مما يدل على انتفاع الكفيل من مريم اكثر من انتفاعها منه، وهذا من الإصطفاء والإجتباء، لقد بينت الآية ان زكريا النبي يتعظ من غيره، وان بركات اصطفاء مريم يستفيد منها القاصي والداني، ومن هو أرقى منها رتبة في الكمالات ومن هو أدنى منها بمراتب.
لقد اراد عز وجل لمريم ان تكون رحمة وآية وأسوة وجاء قول مريم ان الله يرزق من يشاء حثاً لزكريا للمبادرة بالدعاء.
لقد جاء دعاء زكريا النبي متفرعاً من الآيات التي رآها عند مريم وسأل الولد الصالح الذي يرث النبوة، وفي قصص القرآن مدرسة وموعظة للمسلمين، فاذا انتفع زكريا مما يأتي مريم من الرزق، فان المسلمين ينتفعون من جميع الآيات التي جاءت للإنبياء والأولياء والأصفياء.
ويمكن تسمية الآية الكريمة بآية (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا)
الآية سلاح
تحث الآية على لزوم اكرام المسلمين في كل زمان لمريم وهي حجة في تنزيهها وتوكيد ارتقائها في عالم الكمالات والملكوت، وتفتح الآية باب الدعاء للمسلمين وتبعث الأمل في نيل الرغائب وتحقيق ما يبدو من المحال وفق عالم الأسباب والعلل.
ولم يكتف زكريا بدعاء المتحد من الولد، بل سأل المتعدد بقوله(ذرية) وجاءت آية أخرى تبين أنه أراد ولداً بقوله تعالى[فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ] ( )، وقيد زكريا سؤاله الذرية بالطيبة، مما يدل على أن الله قادر على إصلاح فعل وقول الإنسان وجعله صالحاً، ومنعه من الضلالة والشرك .
وبدأ زكريا دعاءه بالنداء (رب) وإختتمه بقول[إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ] وفيه ثناء على الله عز وجل وثقة بقدرته ومشيئته المطلقة ولطفه بالإستجابة.
مفهوم الآية
تدل الآية على عظيم منزلة مريم عند بني اسرائيل وانها كانت تعطي الدروس الإيمانية منذ صغرها، واراد زكريا دعوة بني اسرائيل للإنتفاع من مريم وما لها من القدسية , لقد بادر الى الدعاء عند رؤية الآيات والرزق الكريم وتوجه الى الله تعالى في طلب الولد لهداية بني اسرائيل الى الدعاء في طلب الحوائج والإنشغال به عن الإفتراء على مريم عند ولادتها لعيسى فمن يكون منقطعاً الى الله يتجنب القذف والغيبة ويعلم ان الله يرزق من يشاء.
لقد ظهر الجزاء العاجل من كفالة مريم بان انقطع زكريا الى الدعاء بخصوص الولد بعد ان تقدمت به السن، في اشارة الى الثواب العظيم الذي يأتي لكل من يكرم مريم عليها السلام في حياتها وبعد وفاتها وكذا بالنسبة للمصطفين من آل ابراهيم وآل عمران بالإضافة الى انبياء الله ابتداء من آدم ونوح، لقد جاءت الآية والكرامة الى مريم، فاتخذه زكريا سبباً ومناسبة للفزع الى الله عز وجل في حاجته ومسألته وبعد ان كانت النعم السماوية تترى على بني اسرائيل على نحو العموم المجموعي كما في نجاتهم وعبورهم البحر يبساً ونجاتهم من فرعون، ونزول المن والسلوى عليهم من السماء، وتدفق انهار الماء من الحجر بضربة من عصا موسى عليه السلام.
جاءت المعجزة والكرامة هنا على نحو القضية الشخصية لتنتفع منها مريم، ويتوجه زكريا النبي الى سلاح الدعاء لنيلها وطلبها، ولم يكن قاطعاً بتحصيلها لأن بغيته في الولد معلقة على الإستجابة من عنده تعالى، اما مريم فقد جاءتها النعم تترى لأنه سبحانه قبلها قبولاً حسناً وتولى نشأتها نشأة كريمة، فكان الطعام الملكوتي من الإنبات الحسن، وفي الآية مسائل:
الأولى : انصات زكريا الى كلام مريم وجوابها.
الثانية : مبادرته الى الدعاء فيما يتعلق بشأنه وحاجاته.
الثالثة : بيان ان النبي يتوجه الى الله تعالى بالدعاء والسؤال وليس من انسان الا وهو محتاج لفضله تعالى.
الرابعة : جاء الدعاء بلفظ الرب وهو من أمهات الأسماء المقدسة، مما يدل على صدق العبودية واخلاص النية في الدنيا وطلب الحاجة.
الخامسة : جاء السؤال بطلب الولد من عنده تعالى ومن فضله، وليس عن استحقاق.
السادسة : لم يطلب زكريا بصيغة المفرد والمتحد بل طلب بالمتعدد والكثرة فقد قالت مريم ان الله يرزق من يشاء بغير حساب.
السابعة : اختتام الآية بالمدح والثناء لله عز وجل.
افاضات الآية
تبدو اشراقات اصطفاء مريم جلية في حياة الآخرين فتؤكد الآية وجهاً من وجوه الإصطفاء وهو ترشح منافع الإصطفاء الشخصي على الآخرين من آل ابراهيم وآل عمران ومن الأنبياء وهذه آية أخرى لمريم عليها السلام وسر من أسرار اصطفائها وتحديثها من قبل الملائكة، وتظهر الآية البركات والأجر العاجل الذي جاء لمن كفل مريم، وكذا من ينصرها ويحبها ويؤمن بطهارتها وينتهج طريقتها في الدعاء والتقوى.
وتعتبر مريم رائدة مدرسة الإنقطاع الى الله تعالى وفي سيرتها دليل على حاجة الناس والملة الى إصطفاء آل ابراهيم وآل عمران ليكونوا نبراساً وضياء ينير الدرب لمن أراد الهداية والرشاد، وتحث قصتها على التطلع الى فضله تعالى وبما يخالف مجرى الطبيعة والأسباب.
لقد أرادت مريم مجازاة زكريا على كفالته فارشدته بالقول والفعل الى الدعاء وطلب الولد بلغة الإشارة والتحريض على الدعاء وهي لغة يفقهها المؤمنون فكيف بالنسبة للأنبياء وارادت ان تسدي معروفاً الى خالتها وهي زوجة زكريا وتساعدها بصيغ التقوى على ان ترزق ولداً خصوصاً بعد انغلاق أبواب الأسباب والعلة المادية اذ تقدم العمر بزكريا وكانت خالتها وهي أمرأته عاقراً.
التفسير
قوله تعالى [هُنَالِكَ]
اسم اشارة يستعمل للبعيد، ويراد منه المكان كما في قوله تعالى [جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنْ الأَحْزَابِ] ( )، وقد يستعمل للزمان سواء على نحو الإستقلال ام جمعاً بينه وبين المكان، كما في قوله تعالى [فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ]( )، وقد ورد لفظ هنالك في القرآن تسع مرات أكثرها في الإنذار والوعيد، وجاء اسم الإشارة في هذه الآية لبعث اشراقة أمل في نفوس المسلمين والمسلمات في حوائج الدنيا مطلقاً، والمراد منه في الآية ارادة الزمان والمكان معاً وفيه وجوه:
الأول : هنالك أي عند رؤية فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الصيف في الشتاء عند مريم.
الثاني : رؤية انقطاع مريم الى العبادة ومناسك التقوى.
الثالث : سيماء الصلاح والعفاف عند مريم وكيف انها سبب نزول الفيض الإلهي.
الرابع : اما بالنسبة لإرادة الزمان فان زكريا توجه بالدعاء لطلب الولد وهو في سن الشيخوخة وأوان كفالته لمريم عليها السلام.
الخامس : اوان سماعه كلام مريم بان الله يرزق من يشاء بغير حساب.
السادس : هنالك أي من المحراب الذي تتنسك وتتعبد فيه مريم باعتباره مكاناً مباركاً تنزل فيه المائدة من عند الله تعالى.
وقال جماعة من المعتزلة بان زكريا رأى آثار الصلاح والعفاف جلية عند مريم عليها السلام فاشتهى الولد وتمناه وعندها دعا الله وسواء كان هذا القول عن تأويل وتفسير او لإنكارهم كرامات الأولياء فانه خلاف ظاهر ونظم الآيات اذ ان قوله تعالى [هُنَالِكَ] يدل على وجود موضوع يصلح لأن يكون سبباً للدعاء بانخراق العادات وما يخالف الطبائع والأسباب، وقد ذكره القرآن.
لقد اراد زكريا آية اعجازية تثبت نبوته وعظيم منزلته عند الله وتحفظه في ذريته ليكون الولد مصداقاً لإصطفاء آل ابراهيم وآل عمران ومناسبة لنيل الآيات الشخصية بعد الايات النوعية العامة لبني اسرائيل.
وهل هو من نواميس وبركات الرزق السماوي عند مريم ان من رآه ينال دعوة مستجابة لا دليل عليه الا ان يكون خاصاً بالأنبياء، لقد فزع زكريا الى الله تعالى بالدعاء واستثمر هذه المناسبة التي وجد فيها جزء من موجودات الجنة في الأرض فسأل الله الولد، لذا جاءت بلفظ [هُنَالِكَ] أي عندما رآى الرزق السماوي نازلاً في الأرض وهو النبي الذي حاز السبق في المعارف الإلهية، أختار موضوع الدعوة المستجابة.

قوله تعالى [دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ]
ولم يحسد زكريا مريم على النعيم الذي نالته، ولم يقل بانه نبي فكيف يؤتى لمريم الصبية التي تكفلها ورعاها ما لم يؤت له وهو النبي الكامل ومن آل ابراهيم ايضاً الذين أصطفاهم الله، وفيه حجة على اليهود كي لا يجحدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن ليس من بني اسرائيل.
فزكريا لم ينكر هذه الآيات ولم يحسد مريم على ما آتاها الله بل توجه الى الدعاء والمسألة وفيه تأديب لبني اسرائيل وهو جزء من كفالته لمريم فبدعائه هذا يدعو الآخرين ممن حوله والناس والى يوم القيامة بعدم حسد مريم او التعدي عليها او محاولة اخفاء هذه الآية فكأنه يقول لهم توجهوا الى الله واسألوا الذي آتى مريم بل وأكثر منه ان شئتم وها انا ادعو ربي.
والإستجابة له في طلبه توكيد لطلب سلامة مريم عليها السلام لأن هذه الإستجابة مصداق لنيل الرغائب من عنده تعالى، فمن الدلالات الإلتزامية لدعاء زكريا:
الأولى : تثبيت آية الطعام والرزق الملكوتي لمريم عليها السلام.
الثانية : دعوة بني اسرائيل للإقرار بهذه الآية.
الثالثة : حثهم على اجتناب ايذاء مريم وعدم حسدها.
الرابعة : لزوم اكرام مريم وحفظها في ذاتها وعرضها وسمعتها، ليكون هذا الحفظ مقدمة لولادة عيسى من غير أب.
الخامسة : دعوة المسلمين في كل زمان للدعاء وطلب الحاجات عند تلاوة هذه الآيات وذكر قصة مريم وما رزقها الله تعالى.
السادسة : التوكيد على سلاح الدعاء في نيل الرغائب وفي فهم الوقائع والحوادث التي تقع من حولنا، فمن الظواهر ما لا يجد لها الإنسان تفسيراً في عالم الأسباب والعلل، فيلجأ الى الدعاء للحصول على الحاجات ودفع الأضرار وبما يتعدى ويفوق قوانين السببية.
السابعة : ولا تعني الآية ان زكريا لم يكن يدعو ربه في طلب الولد وغيره الا في هذا الوقت لأن اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، ولكن لبيان مناسبة الموضوع وفيه اشارة الى رجحان بعض الأمكنة والأزمنة والوقائع للدعاء وسؤال الحاجات، كما في المسجد الحرام مثلاً وأوان الأذان وساعة نزول المطر وهبوب الرياح، فكان محراب مريم مكاناً مقدساً مباركاً للدعاء، وفيه حث لبني اسرائيل باستثمار وجود مريم والإقتباس من بركاتها وما رزقها الله من فضله ونعمه.
وقد ورد لفظ (دعا ربه) في القرآن خمس مرات، ثلاث منها في دعاء الأنبياء نوح، وموسى، وزكريا، وجاء دعاء نوح وموسى بالشكوى من القوم المجرمين والكافرين، اما دعاء زكريا فجاء بمضامين الرجاء والكسب وارادة طلب الولد، بعد الإعتبار من مريم مما يدل على انعطاف كبير في الدعاء وانه أخذ منحى ايجابياً يدل على استقرار وثبات الإيمان في الأرض، ومجيء دعاء زكريا عند رؤية الآيات لا يتعارض مع علمه بقدرته تعالى على المعجزات وخرق الطبيعة والأسباب، ولم تكن رؤية آية الرزق الملكوتي لمريم زيادة في علمه بعظيم فضله تعالى ولكنه اتخذها فرصة للدعاء، والسؤال ولتكون مناسبة وعوناً للمؤمنين في أدعيتهم والى يوم القيامة، ان قصص الأنبياء موعظة للمسلمين والناس جميعاً قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
فالبحوث الكلامية يجب ان لا تنحصر باختيار زكريا لأوان الدعاء بل تشمل الإتعاظ والإعتبار وكيف ان زكريا يؤسس مدرسة في الدعاء وهي استثمار مناسبة نزول الآيات والبركات فيلجأ الإنسان الى الدعاء لأنه من مواطن الإستجابة كما دلت عليه الآيات، والا فان زكريا منقطع الى الدعاء قبل تلك الآية، وفيه بيان لمضامين الإصطفاء على نحو مركب.
الأول : المعتبر منه وهو مريم عليها السلام.
الثاني : المعتبر والمنتفع وهو زكريا.
الثالث : تحقق الإستجابة بولادة يحيى.
والثلاثة كلهم من آل ابراهيم، كما ان ام يحيى هي بنت عمران وخالة مريم ونالها الفضل الإلهي بالحمل والولادة وقيل انها أخت مريم كما تقدم.
لقد جاءت الآية بعنوان الجملة الخبرية، ولكنها تتضمن الحث على الدعاء فان قلت رأى زكريا الرزق الكريم ودعا الله عز وجل ونحن لم نر هذه الآية، فلا ملازمة في المقام، والجواب ان رؤية زكريا كانت رؤية عين، وهي تتجدد للمؤمنين في كل زمان ومكان وحاضرة عندهم لأن القرآن حق وصدق، ولا يدل دعاء زكريا على حتمية الإستجابة بذات السؤال لأن الله عز وجل أمر بالدعاء وضمن الإجابة وهي أعم من ان تنحصر بموضوع وأوان السؤال.
وهل يمكن القول ان دعاء النبي يختلف عن غيره وانه يستلزم الإستجابة القطعية الجواب ان النبي له درجة من التفضيل والإكرام وهذا التفضيل يشمل أبواب الدعاء على نحو الخصوص الا انه لا يعني حتمية الإستجابة في ذات الأمر، والله هو الواسع الذي يعلم مواطن المصلحة ودفع المفسدة.
“وقد ذهب شطر من المتكلمين الى القول بان النبي لا يدعو الا بعد الإذن له خشية ان يكون دعاؤه مردوداً، وهو نقص في الأنبياء”.
ولا دليل عليه، نعم تحصل الإستجابة ولكن ليس في خصوص موضوع السؤال او قضيته الشخصية، فقد يسأل النبي هداية افراد على نحو الخصوص ويذكر اسماءهم ولكن الله عز وجل يستجيب له في غيرهم وبما يكون نفعهم أعظم وايمانهم أحسن.
وكأن الآية تقول ان أوان الإستجابة لزكريا قد حان، ونزول الرزق السماوي لمريم مناسبة كريمة لبني اسرائيل للدعاء والتضرع، وفيه مسألة وهي اذا نزل الفضل الإلهي فان أبواب السماوات تفتح للدعاء لأنه تعالى كريم ينعم على فرد من عباده ويجعل هذه النعمة فاتحة لنزول نعم على الآخرين وعلى ذات العبد ايضاً وكأن في الآية ذماً للذين لم يستثمروا نعمة نزول الطعام الى مريم، وانهم لو بادروا الى الدعاء مثلما فعل زكريا لنالوا الرغائب وأحتلت مريم عندهم منزلة من الإكرام تساعد في تلقيهم ولادة عيسى من غير أب بالقبول خصوصاً وانه جاء بآيته معه فهو يتكلم في المهد، وعندما كبر أخذ يبرئ الأكمه ويشفي المرضى ويحيي الموتى باذنه تعالى.
لقد أدرك زكريا ان ابواب السماء مفتوحة للدعاء سواء لوجود رزق سماوي في المكان، او لحضور الملائكة عند مريم ينزلون بالرزق الكريم ويصعدون بالدعاء في ذات البقعة المباركة، ليكون حثاً على اكرام ذراري الأنبياء والعناية بهم ومد يد العون والمساعدة لهم، فقد جلبت كفالة مريم لزكريا خير الدنيا والآخرة، وكانت مناسبة لتجديد الدعاء وسؤال الولد من فضله تعالى.
لقد أظهرت الآية ان زكريا لم يتوسل بمريم ان تكون شفيعاً له، ولا هي ارادت ذلك، لأنها قالت ان الرزق من عند الله، وانه يرزق من يشاء بغير حساب، فتوجه زكريا الى ربه من غير واسطة بشر، وسأله ان يرزقه، لقد غبط مريم على ما آتاها الله، وأراد ان يعطيه منيته وحاجته.

قوله تعالى [قَالَ رَبِّ هَبْ لِي]
جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سببه كلام مريم عليها السلام، ودلالة على حجته وصدقه، وهو يؤكد الشهادة النبوية على سلامة منطق وكلام مريم، وهذا منّ الإصطفاء الذي من الله عز وجل به عليها، أخذ الأنبياء منها موعظة تنير دروب الإيمان للمسلمين الى يوم القيامة، وأسباب وعلل هذه المنافع هي:
الأول : نذر ودعاء امرأة عمران.
الثاني : نعمته تعالى باصطفاء آل ابراهيم وآل عمران لأن الإصطفاء يضفي قدسية ومضامين اضافية كريمة الدعاء والنذر.
الثالث : ولادة مريم كنور يملأ الأرض بالتقوى والصلاح، ويدعو معاشر النساء الى الإسلام وحتى يوم القيامة.
الرابع : قبوله تعالى لمريم وانباتها نباتاً حسناً.
الخامس : اداء مريم لوظائف النسك على أحسن حال، والإنقطاع الى الله تعالى بالعبادة.
السادس : وجود الطعام الملكوتي والرزق النازل من السماء عند مريم، ورؤية زكريا له مما يدل على انه نعمة وكرامة ظاهرة، وليس امراً خاصاً بمريم او هي وزكريا معها على نحو الخصوص لأنه نبي، بل هي آية موجودة في المحراب، وبقاء الرزق في كل مرة دليل العفة والطهارة والنقاء وعدم وصول ايدي الآخرين الى محرابها.
السابع : جواب مريم وحثها له على الدعاء بتوكيدها لحقيقة كلامية ثابتة وهي ما من مسألة الا ويقدر عليها الله عز وجل وان عطاياه تتعدى عالم العد والحساب والمقادير.
الثامن : الكبرى الكلية في تفضله تعالى باصطفاء آل ابراهيم وآل عمران، وورود الإصطفاء بصيغة الآل اشارة الى تعاقب الذرية والتوالد بينهم.
وفيه وجوه:
الأول : القرآن يفسر بعضه بعضاً، وان القول في هذه الآية يحمل على النداء الخفي.
الثاني : التعدد في الدعاء، فمرة بالمناجاة والسر ومرة بالعلانية، وعندما رأى الآيات عند مريم دعا بصوت مسموع للدلالة بانه طمع بالإستجابة وادرك امكان نيله الولد، ويمكن استقراء قاعدة كلامية في باب الدعاء انه لو تردد الأمر بين اتحاد او تعدد الدعاء، فالأصل تعدده، خصوصاً بالنسبة للأنبياء.
لقد ذكرت الآية دعاء زكريا وموضوعه وفيه مسائل:
الأولى : انه قال بصوت مسموع وليس بينه وبين ربه في السر، لأن الآية وردت بلفظ (قال) نعم ورد قوله تعالى [ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا] ( )، مما يدل على تعدد دعائه ومناجاته لطلب الولد.
الثانية : جاء القول بصيغة الدعاء، وليس السؤال او الطلب او الشكوى لأن الدعاء عنوان التوسل والخضوع والخشوع لمقام الربوبية.
الثالثة : لقد ذكرت الآية السابقة نزول الرزق من عنده تعالى الى مريم، ولم تذكر دعاءها وطلبها للرزق، وعدم الذكر لا يدل على عدم الوجود، والوعد الإلهي بالإنبات الحسن لا يعني استغناءها عن الدعاء، فمن مصاديق الإنبات الحسن قيام مريم بالدعاء، اما زكريا النبي فقد توجه بالدعاء لطلب الولد وكان رزق مريم الملكوتي موجوداً حاضراً، ودعاء زكريا معلقاً على الإستجابة، الا ان هذا التعليق لا يدل على المرجوحية بل هو باب كريم لقضاء الحاجات وطلب الرغائب، وفيه توكيد لفضل مريم وعظيم ما نالته من النعم والهبات الإلهية، بمعنى ان عظيم منزلة مريم والهبات التي نالتها تتجلى بذات شخصها الكريم وبنوع الهبات والرزق السماوي، وبما يترشح منه كموضوع ومادة واعتبار ومناسبة من الفيوضات على أهل الإيمان والتقوى.
الرابعة : ورد الدعاء بالنداء باسم الرب وهو عنوان الملكية المطلقة لله تعالى واقرار بان الأمور بيده تعالى، والإضافة الى الذات (ربي) تسليم بالوحدانية، وشاهد عن الإيمان والتسليم لله تعالى وتوكيد لنفي الشرك، واعراض عن عالم الأسباب والعلل خصوصاً مع عجزها عن تحقيق المنية والرجاء للشيخوخة والعقم، فأنغلقت الأبواب ولم يبق الا باب واحد وهو الدعاء والمسألة فأحسن زكريا استثماره وهو النبي ليساهم الدعاء والإستجابة في منع اليأس والقنوط من التسرب الى نفوس المسلمين في مسألة الولد والإنجاب.
الخامسة : تخفف الآية وطأة العقم والشيخوخة، وتؤكد بانهما ليسا بمعجزين او أمرين قاهرين بل هما مانع يزول باذنه تعالى.
السادسة : تدل الآية على درجة الإيمان النبوية وان زكريا يعلم بتفضله تعالى بالإستجابة واعطاء الولد بخلاف العادات وقوانين العلة والمعلول.
السابعة : لقد كان عند مريم رزق وطعام من السماء وتلك نعمة عظيمة، ولكن زكريا لم يسألها، بل سأل مسألة وحاجة أخرى غيرها، وكان الحال في موضوع السؤال على عدة شعب:
الأولى : سؤال ذات الرزق الذي رآه عند مريم.
الثانية : مشاركتها فيه.
الثالثة : سؤال الولد.
الرابعة : سؤال الحاجات الأخرى.
الخامسة : سؤال الولد وحوائج ورغائب أخرى.
السادسة : عدم سؤال شيء.
لقد أختار زكريا سؤال الولد والذرية الصالحة لعموم النفع، فيها وهي آية شخصية وتترتب عليها مصالح خاصة وعامة.
السابعة : لقد جاءت الآية بسؤال الهبة والمنحة والعطية، مما يدل على توقف الإنجاب والأولاد على العلة الفاعلية، وما منه الوجود والفيض، وليس العلة المادية التي يطلق عليها ما فيه الوجود، وهي هنا الوالدان وصلاحيتهما للإنجاب.
الثامنة : جاء طلب زكريا الذرية بانها له، مع ان منافعها له ولزوجته وللإسلام والمسلمين، وهذا من أدب العبودية، واخبار عن عظيم منزلته عند الله، وشاهد على رجاء العبد بالرزق الخاص الذي تتجلى فيه مضامين الإكرام فضلاً منه تعالى.
لقد أراد زكريا التباهي بفضله تعالى امام بني اسرائيل كما فخرت مريم بالرزق السماوي ونالت درجة من العز والرفعة بينهم.
التاسعة : في الآية اخبار عن حاجة الأنبياء للسؤال وانهم أصحاب حوائج ايضاً فخصائص الإمكان والضعف والحاجة لم تفارقهم وان بلغوا مرتبة النبوة وما تدل عليه من الكمالات الإنسانية وعظيم الشرف، بل ان حاجتهم الى الدعاء نوع كمال ودليل على العز والرفعة لأن الدعاء عنوان الشرف والفخر ومناسبة لإظهار العبودية والخشوع لله تعالى وفيه الثواب والأجر بالإضافة الى تحقيق الرغائب التي تعجز عنها الأسباب والخلائق وان أجتمعت.
فان قلت ان الشيخوخة والكبر أمران أشرف العلم على التغلب عليهما كمانع من الإنجاب، قلت: ان الحاجة عند الإنسان مستمرة ومصاحبة له في عالم الدنيا والبرزخ ويوم القيامة وفي دار الخلود، مع التباين في مصاديق الحاجة بين شخص وآخر.
وتتعدد الحاجات باختلاف الزمان والمكان بل ذات الإنسان تتباين حاجاته في أيام حياته، فكل يوم له حاجات غير التي في غيره بلحاظ الإبتلاءات والرغائب ومدارك الأوهام وغلبة الشهوة أو العقل وحتى في حال الزهد والعفة فان باب الحاجات مفتوح على الإنسان ولو على نحو الموجبة الجزئية.
وقول زكريا (لي) وافادة اللام الإختصاص يدل على نسبة الولد لزكريا، وهل تعني الآية ان نسبة وعائدية الولد للأب اكثر منه للأُم، او ان المرأة لا تحتاج الولد وترغب فيه أكثر من الرجل، او انها مجرد وعاء لحمل الولد كما في بيت شعر لم يعرف قائله وان كان مشهوراً:
بنونا بنو ابنائنا وبناتنا

                                     بنوهن ابناء الرجال الأباعد( )

الجواب لا، ولكنه تقرب الى الله تعالى بسؤال الولد له ويكون بالتبعية لأمرأته، والآية لا تنفي سؤال امرأة زكريا ايضاً الولد كما سأله هو، وكما ناجت أختها امرأة عمران الله عز وجل ونذرت ما في بطنها محرراً.
ونسبة عيسى الى ابراهيم وآل عمران بواسطة مريم يدل على عدم اعتبار مضمون بيت الشعر هذا وان وافق العرف، لأنه في حال التعارض بين الحكم والقواعد القرآنية وبين العرف السائد في بلد ما، يؤخذ بالحكم القرآني ويعرض عن العرف.
لقد سأل زكريا الولد له ليؤكد فقره لفضله تعالى وانه لا يستطيع الإستغناء عنه، ويعلن حاجته للولد والذرية سواء في الدنيا والآخرة، ان بيان الحوائج الى الله ليس عيباً او نقصاً بل هو دليل الإيمان والإذعان والتسليم لمقام الربوبية.
العاشرة : هل يمكن القول ان زكريا طلب الذرية عسى ان يكون نبي آخر زمان من ذريته الجواب لا، لمعرفته بان نبي آخر الزمان ليس من بني اسرائيل، نعم أراد النبوة في ذريته وقد أنعم عليه بيحيى، لقد وردت الآيات القرآنية بالإقتداء بالأنبياء والأخذ من سننهم، وجاء القرآن بتوثيقها وتثبيتها الى يوم القيامة بالتعلم ممن هو أدنى منهم مرتبة ومن زوجاتهم وابنائهم وبناتهم واقتباس المعارف الإلهية وسبل الهداية منهم، وعدم الترفع والتكبر عن الدعاء والكسب العلمي.
قوله تعالى [مِنْ لَدُنْكَ]
لقد ايقن زكريا ان هناك نعماً تأتي على نحو القضية الشخصية، خارجة عن عالم المسببات وخارقة للعادة والمعاملات وأحكام الإبتلاء في الدنيا، بلحاظ ما رآه عند مريم، وان هذه النعم ليست بعيدة عنه فهي من عند الله عز وجل وقد جعل الله سبحانه الدعاء سلاحاً بيد العبد لطلبها وسؤالها.
ومن قوانين الحياة والعلل المادية فيها ان يتزوج الرجل والمرأة فينجبان الأولاد، الا ان بعضهم يحصل عنده قصور بدني وداء يصيب الزوج او الزوجة فيبقى محروماً من الولد مع مافيه من السعادة والشعور بالبقاء والذكر والشأن المتصل للأبوين باعتبار ان الولد يحفظ الشأن بوجوده بعد الوفاة، بالإضافة الى انه زينة الحياة الدنيا وعضد وعون في امور الدنيا والآخرة.
وحاجة زكريا للولد مركبة لأنه يحصر وراثة النبوة وعدم خروجها من صلبه، وكأنه شعر ان مريم مؤهلة لولادة نبي في بني اسرائيل لما وجد عندها من الرزق السماوي، فأراد اللحاق بها وهو من الغبطة المحمودة وليس الحسد المذموم، أراد ان يرزق ولداً ليكون نبياً كما يحتمل ان ترزق مريم عليها السلام فتوجه بالدعاء والطلب، وقيد سؤاله بان ما اطلبه منك اللهم، وليس وفق الأسباب المادية، فقد ثبت عدم حصوله على الولد عن طريقها، وهذا لا يتعارض مع الإقرار بان الأسباب المادية من عنده تعالى ايضاً، ولكنه أراد حصة زائدة ونعمة خاصة على نحو القضية الشخصية تتعدى قوانين الأسباب فكانت كل كلمة من الدعاء تدل على سؤال الآية والنعمة الخاصة وهي:
الأول : الدعاء بنداء (رب) لتعظيم مقام الربوبية واظهار المسكنة وحسن الإلتجاء.
الثاني : الطلب بصيغة الهبة وهي العطية الخالية من العوض والغرض.
الثالث : قيد (لي) أي نعمة لي على نحو الخصوص.
الرابع : (مِنْ لَدُنْكَ) أي من عندك سبحانك بأفرادي بمعجزة وكرامة خارقة للعادة، سالمة عن المعارض، وفيها اقرار بانحصار الأسباب والعلل بمشيئته تعالى، وتدل الآية على عدم شك زكريا بقدرته تعالى، ولكنها تخبر عن تقسيم استقرائي للنعم والهبات، الى قسمين:
الأول: الذي يأتي وفق الأسباب الظاهرة وال
علل المادية وجزء من السنن الكونية الثابتة التي جعلها الله تنظم شؤون الخلائق بعلمه ومشيئته وارادته سبحانه فاذا حصلت العلة الموجبة وجد المعلول، لعدم تخلف المعلول عن علته كما في وجود النهار عند طلوع الشمس من الآيات الكونية، وجواز وحلية الوطئ بعد اجراء عقد النكاح من الأحكام الوضعية.
الثاني: الهبات الخاصة التي تأتي بفضل منه تعالى وخلافاً للأسباب وقواعد الطبيعة وأنظمة الحياة الدنيا المتعارفة، وبانخراق للعادات، يدرك كل انسان ان هذه النعمة منه تعالى وبرهان قاطع على وجود الصانع، وعظيم قدرته وانه سبحانه لا تستعصي عليه مسألة، ويهب للإنسان فينال من النعم من القسمين أعلاه.
فأدرك زكريا ان النعم من القسم الثاني، يمكن ان تنال ويتم الحصول عليها بطريق واحد، وهو اللجوء اليه تعالى بالدعاء والتوسل والسؤال بان تكون هذه النعمة خاصة لذا قال (لي) أي خلافاً للقواعد والقوانين.
وقد ورد لفظ (لدن) أي عند ست عشرة مرة كلها تعود لله عز وجل، وتدل على عظيم عطائه وتعدد نعمه وميادينها، ووردت على وجوه:
الأول : بلفظ (لدنك) بصيغة الخطاب.
الثاني : (لدنه) بصيغة الغائب.
الثالث : (لدنا) بصيغة المتكلم، والجمع مما يدل على التفخيم والتعظيم.
وورد مرة واحدة بصيغة المفرد ويعود للخضر في قصته مع موسى [قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا] ( )، وقد تعقبه الخضر بقوله [وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ
أَمْرِي]( )، أي الأمر والفعل منه تعالى ولكن بواسطة الخضر.
لقد أراد زكريا اتيانه ومنحه آية خاصة وخالصة منه تعالى، ومن فلسفة الدعاء انه يتضمن نيل الرغائب التي تحصل بالأسباب والعلل المادية والتي لا يمكن نيلها الا بالإعجاز والكرامات.

قوله تعالى [ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً]
أفصح زكريا عن موضوع مسألته بوضوح، وتبدو اهمية المسألة من وجوه:
الأول : انه سأل الولد والنسل.
الثاني : كان زكريا شيخاً كبيراً وامرأته عاقراً كما يأتي بعد آيتين.
الثالث : قيد سؤال الولد والذرية بانها طيبة، فمع حرمان زكريا من الولد وتقدم العمر به فانه لم ييأس ولم يقنط بل توجه الى الأسباب الخاصة والرزق الإعجازي الكريم، والقرآن يفسر بعضه بعضاً قال تعالى [لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ] ( ).
فجاءت الآية لطرد اليأس والقنوط من النفوس في الرغائب والآمال من غير ان ينحصر موضوعه بطلب الولد بل مطلقاً اذ ان مجيء الملائكة بالرزق لمريم وسؤال زكريا الولد جاءا من باب المثال وليس الحصر، وفيهما دلالة على عظيم هباته تعالى، فمنهم من يكون محتاجاً الى الشفاء.
والى الآن ومع الإرتقاء السريع في ميادين الطب والعلاج ترى امراضاً مستعصية تصيب ارباب السلطان والأموال فيعجزون عن نيل الشفاء او دفع الآلام التي ترافق المرض ويبدو الأجل القريب امراً حتمياً لا تنفع معه كثرة الأموال، وتبقى الجند المجندة والأعوان والأنصار يرقبون خبر وفاته بعد ان كانوا ينتظرون أوامره ويتسابقون في السمع والطاعة واظهار حسن الإنصياع، ومنهم من يسأل المال لدفع الفقر او النجاح في الإمتحان ونيل الشهادة والوظيفة المناسبة، او للنجاة من بطش السلطان والعدو مطلقاً واسباب الفتنة والإفتتان، او رجاء الفوز بزوج او زوجة معينة او ذات صفات مخصوصة من الإيمان والجمال والمال، خصوصاً وان قصة وولادة مريم ترغب بالمرأة المؤمنة العفيفة.
وقصة ودعاء زكريا يرغب النساء بالزوج المؤمن الورع لأن أشد ما تخشاه المرأة هو ان تكون عاقراً ويلحقها الأذى والذل وتشعر بالنقص فيأتي دعاء الزوج لتدارك النقص الذاتي عندها والتغلب على الصعاب بتجاوز قوانين الأسباب والعلل، وحاجات الإنسان لا تنقطع وهي من عالم اللامحدود، ومنها ما هو مستديم وما هو مستحدث وما هو عرض لازم او زائل، ومنها ما يكون على على نحو القضية الشرطية ويتوقف وجوده على شرط معدوم عند الإنسان فتشمله قاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه.
ولكن الدعاء حاكم على هذه القاعدة ومتجاوز لها، اراد زكريا اجتياز عدم الشيخوخة وسلامة رحم الزوجة كشرطين للإنجاب، وهذا الإجتياز للموانع لا يأتي الا بنعمة وآية خاصة وكرامة نازلة لزكريا على نحو الخصوص وهو أمر سهل على الله عز وجل بدليل ما رآه من الآيات والكرامات عند مريم عليها السلام.
“وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال لما وجد زكريا عند مريم ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها انى لك هذا في غير حينه فقالت هذا رزق من عند الله يأتي به الله، ان الله يرزق من يشاء بغير حساب فطمع زكريا في الولد فقال ان الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادران يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولدا فعند ذلك دعا زكريا ربه وذلك لثلاث ليال بقين من المحرم قام زكريا فاغتسل ثم ابتهل في الدعاء إلى الله قال يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف هب لي من لدنك يعني من عندك ذرية طيبة يعني تقيا”( ).
ودعاء زكريا من مصاديق قوله تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ] من وجوه:
الأول : طمعه فيما وعد الله عز وجل من الذرية في آل ابراهيم وآل عمران وانها متصلة دائمة.
الثاني : قوله تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ] أعم من أن يتعلق بالوالد والولد بل يشمل العمومة ووحدة النسب، وأخذ بعض آل ابراهيم وآل عمران من بعضهم الآخر وان لم يكن بينهما اتصال الأبوة والبنوة فيكفي النسب، وقد أخذ زكريا من مريم لأنهما معاً من آل ابراهيم وهذا من الآيات لأن الله اذا اعطى يعطي بالأوفى والأتم، ولا ينحصر أخذ آل ابراهيم فيما بينهم وكذا آل عمران، بل ان آل ابراهيم يأخذون من آل عمران، وآل عمران يأخذون من آل ابراهيم، خصوصاً وان النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل من هو من آل عمران هو من آل ابراهيم وليس العكس.
وجاء التعدد بذكرهما ومصاديق كل منهما، لبيان فضله تعالى واشارة الى كثرة أفراد المصطفين كنعمة على أهل الأرض.
والناس جميعاً ينهلون من علومهم وينتفعون من سننهم و من نبوة آدم ونوح عليهما السلام، فهذه الآيات شاهدة على العولمة الإيمانية التي تنفرد بخصائص منها عدم انحصارها بالجانب الإقتصادي والسياسي او بمستوى العالم بموضعه الحالي، بل تشمل افراد الزمان الطولية منذ بدء خلق آدم ومن قبل ان يهبط الى الأرض ويخوض غمار الإبتلاء والإمتحان والإفتتان ومع ان زكريا نبي يوحى اليه فانه لم يقطع بالمعجزة ونيل البغية ومجيء الولد، بل توجه بالدعاء، وبلحاظ الإجابة يحتمل وجوهاً ثلاثة:
الأول: الإستجابة الإلهية.
الثاني: ارجاء الإجابة وتأخيرها، وهذا التأخير فيه شعب هي:
الأولى: حصول المزيد من الدعاء.
الثانية: امتحان العبد ومدى صبره.
الثالثة: اصلاح الذات لتلقي الإجابة.
الرابعة: تعلق المصلحة بتأخير الإجابة.
الخامسة: لأسباب وأمور تفوق معرفة وتصور الإنسان.
الثالث: عدم الإستجابة ورد الدعاء لقصور من العبد وعدم اجتماع شرائط الدعاء، كما في دعاء الكافر، وآكل الحرام والسحت.
الرابع: حصول الإجابة ولكن في مورد آخر غير موضوع السؤال لأنه سبحانه أعلم بمصلحة ومنفعة العبد، وهو سبحانه وعد بالإستجابة بقوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( )، والإستجابة أعم من ان تحصل في ذات السؤال، ولكن زكريا سأل الولد على نحو الخصوص فاستجاب الله له، وهو من خصائص الأنبياء، يسألون فتأتي الإستجابة في ذات موضوع السؤال،
والذرية هي النسل والأولاد، وتقع على المتحد والمتعدد والذكر والأنثى، ومع القرينة الصارفة فانها تحمل على الجمع المتعدد، وقد وردت مادة (ذرية) في القرآن اثنتين وثلاثين مرة كلها تفيد الجمع والتعدد العرضي والطولي بمعنى انها لا تنحصر بطبقة واحدة، نعم ورد في قول امرأة عمران كما تقدم قبل آيتين [وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ] ( )، وتنحصر ذرية مريم بعيسى عليه السلام، ولكن هذا الحصر في المصداق الخارجي وليس في الموضوع وقصد الدعاء، لذا فان سؤال زكريا مطلق ويراد منه الجمع والتعدد، وورد فيه تفويض لله تعالى في الإجابة من جهة الكم والكيف والزمان وغيرها من الصفات.
ان الإنسان يطمع بفضله تعالى سواء بخصوص النعم العامة او الخاصة، والنبي أعلم من غيره بموارد نزول العطاء الإلهي خصوصاً وان زكريا رأى بعينه النعم التي تترى على مريم فاراد الأولاد والنسل، ومن الآيات وآداب الدعاء التي تستقرأ من هذه الآية انه لم يسأل الولد مطلقاً واي ولد كان مع انه محتاج وفي سن الشيخوخة والهرم.
والأصل ان يرضى ويفرح باي ولد كان ينسب له في نسبه وأسمه، ولكنه قيد سؤاله بان تكون الذرية طيبة، وفيه دعوة للمسلمين بتقييد الطلب والرجاء في حاجات الدنيا والآخرة، في الدعاء والكسب والسعي في مصالح الدنيا بان تكون الغايات مقيدة بخصائص الإيمان وما يؤدي الى النفع في النشأتين.
لقد اراد زكريا تعليم المسلمين درساً وهو ان لا تؤدي الحاجة بهم الى سؤال او كسب ما يؤدي الى الأضرار في الدين والعقيدة، وقد يقول قائل: ان الوارد لا يخصص المورد وان زكريا ذكر القيد في باب الدعاء، والمكاسب والمعاملات أعم، فقد يعجز الإنسان عن تحقيق أغراضه جامعة لخصال الحسن والصلاح، قلت: ان العجز أمر آخر يتعلق بقواعد الميسور والإمكان وان الميسور لا يترك بالمعسور.
ومع القدرة على تحصيل الحسن والأمر الجامع لشرائط الصلاح فلابد من السعي له وعدم الإكتفاء بالناقص الذي قد تكون اضراره أكثر من نفعه، فالولد الفاسق أكثر ضرراً على الإنسان من حرمانه من الولد الا ان تخرج منه ذرية صالحة، وسؤال زكريا لا ينحصر بالولد الصلبي بل يشمل الأولاد المتعاقبين لذا قال (ذرية)،
وهناك قاعدة في علم الأصول وهي ان ترتب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم، وهل يمكن صياغة قاعدة في الدعاء مقتبسة منها ونقول ان ترتب الدعاء على الوصف مشعر بكون الوصف علة للإستجابة، وان العبد يسأل امراً مقيداً فلا يريد الا أن تأتي الإستجابة بحسب القيد خصوصاً وانه قيد ايماني حسن، الجواب لا، وهو قياس مع الفارق لأن الحكم يصدر عن الحاكم.
والدعاء سؤال وتضرع معلق على الإجابة من المسؤول وهو الله عز وجل، ولكن سؤال المقيد ليس ممتنعاً، او ان المحمول وهو طلب الذرية لا يثبت للموضوع وهو زكريا وموضوع سؤاله وقد ثبت في علم الكلام عدم استحالة مسألة عليه تعالى، فمع وجود المقتضي وفقد المانع من السؤال المقيد، جاءت الآية بسؤال زكريا ان تكون الذرية طيبة، وفيه درس في عالم الدعاء وتوكيد بان ضغط الحاجة والعوز والإفتقار الى مسمى الإستجابة وصرف الطبيعة يجب ان لا يحول دون الدعاء والطلب بالأوفى والأتم لأن الطلب المقيد بخصال الحسن يدل على الإيمان بعظيم قدرته تعالى وانه يهب العطايا الجزيلة.
وتظهر الآية حرص الأنبياء على الأمة والناس من بعدهم فكل نبي ينظر الى المصالح والمفاسد في حياته وبعد وفاته، ومن مقدمات اصلاح الناس بعد وفاته ان يرزق النبي ذرية طيبة تساهم في تقويم اخلاق الناس، وارشادهم الى طرق الإيمان والهداية لذا فان زكريا اراد في دعائه جلب المنفعة للناس وللمسلمين خاصة بتثبيت قلوبهم على الإيمان، وزيادة بصيرتهم في أحكام الحلال والحرام.
وفي الحديث: لكل نبي دعوة مستجابة، فأراد زكريا في دعوته النفع الخاص والعام.
وفي قيد (طيبة) وردت أقوال:
الأول : طيبة أي مباركة، أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي( ).
الثاني : صالحة تقية نقية العمل، نسبه الطبرسي الى القيل( ).
الثالث : ذرية طيبة يعني تقياً، عن الحسن البصري، ولا تعارض بين هذه الأقوال وكلها تصلح تفسيراً للآية.
وقد ورد لفظ (طيبة) بصيغة المؤنث المفرد تسع مرات في القرآن، اثنتين منها بخصوص مساكن الجنة، والباقي في الدنيا مثل كلمة طيبة، ريح طيبة، تحية طيبة، بلدة طيبة( )، وقيد (طيبة) عنوان الحسن والأخلاق الحميدة والتقيد بالأحكام الشرعية.
ولم يرد قيد طيبة للإنسان والذرية الا في هذه الآية، وجاءت على سبيل المسألة والدعاء، وهو فرع الإصطفاء لآل ابراهيم من وجوه:
الأول: ان زكريا ومع ما به من الحاجة للولد حرص على ان يقيد سؤاله بان تكون الذرية طيبة، مما يدل على أهلية آل ابراهيم للدعاء واتقان قواعده واحاطتهم بآدابه.
الثاني: تتعلق صفات الطيب بالإصطفاء، فكل من كان مصطفى لابد ان يكون طيباً، فاراد زكريا ظهور الإصطفاء في ذريته وأولاده.
الثالث: لقد خشي زكريا ما ورد في باب الإمامة وخروج الظالم منها كما في دعاء ابراهيم حينما سأل الإمامة لذريته، فجاءه الجواب الإلهي باستثناء وخروج الظالم منها بالتخصص كما ورد في التنزيل [قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]( )، فالتفت زكريا للإمامة والإصطفاء في طلب الذرية لا بمعنى انه جعله شرطاً على الله تعالى ولكنه التماس ورجاء ودعاء وبيان ما عليه زكريا من الإيمان والتقوى والحرص على تعاهد سنن اصطفاء آل ابراهيم وعدم التفريط بهذه النعمة.
وجاء تأنيث الطيبة بلحاظ تأنيث لفظ الذرية، وقال الرازي”والمراد ههنا ولد واحد”( )،
وظاهر الآية ان زكريا لم يسأل ولداً واحداً بدعائه وطلبه ذرية طيبة، وعنوان الذرية يحمل على الكثرة والتعدد الا مع القرينة التي تدل على ارادة الفرد الواحد من الأولاد، ولا قرينة صارفة في المقام نعم ورد قوله تعالى [وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا]( )،
والجمع بين الآيتين فيه وجوه:
الأول : تعدد حالات الدعاء وان زكريا سأل مرة عدم بقائه وحده من غير ولد، ومرة سأل الذرية الصالحة والتعدد.
الثاني : سؤال الولد يعني طلب وارادة وتمني العقب والتناسل خصوصاً وانه سبحانه يعطي بالأوفى، وسؤال زكريا جاء بصيغة إلهية ولسان التضرع والخشوع.
الثالث : من مضامين الإصطفاء ان الله عز وجل يهب آل ابراهيم الولد على نحو المتعدد وبما يفيد التناسل والتكاثر، كما في فضله تعالى على ابراهيم اذ ولد له على الكبر اسماعيل واسحاق.
الرابع : اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فاذا كان الولد المتحد ينفي الوحدة ويزيل الفردية، فان الأولاد المتعددين ايضاً يزيلونها من باب الأولوية القطعية.
نعم رزق زكريا يحيى وهذا لا يعني ارادة المفرد والمتحد من وجوه:
الأول : ان الدعاء غير الإستجابة، خصوصاً وان الإستجابة قد تأتي بفرد آخر غير موضوع الدعاء كما في امرأة عمران أرادت ذكراً فرزقها الله مريم ثم جاء الولد المبارك الذي أشرقت الأرض بولادته.
الثاني : لقد أمر الله عز وجل الناس بالدعاء، وجاء الأمر بلغة الإطلاق والتنكير (ادعوني) فجاء قيد (طيبة) للذرية استجابة وامتثالاً لأمره تعالى بالدعاء.
الثالث : طلب المتعدد من الأولاد، تسليم وأعتراف بعظيم عطائه تعالى.
الرابع : فيه اقتباس من قول مريم عليها السلام بان الله يرزق من يشاء بغير حساب.
الخامس : لقد سأل زكريا الرزق الذي يأتي بغير حساب وهو لا ينحصر بالولد الواحد، والأخبار لم تحدثنا عن وجود أولاد آخرين لزكريا غير يحيى بعد دعائه، ومع ان عدم الإيجاد أعم من عدم الوجود فالظاهر انه لم يولد له غير يحيى.
والطيب وصف لما هو حسن سواء بالذات او بالعرض او بحسب ملائمته لمذاق النفس والقواعد الكلية سواء كانت شرعية او عقلية او حسية تدرك بأحد الحواس الخمس وجاء دعاء زكريا جامعاً لمضامين الحسن في الوجوه أعلاه وتجليها بايمان الذرية وصلاحها ورضا واطمئنان النفوس لها والغبطة بما تفعله من مناسك العبادة.
وفي قيد ووصف (طيبة) أربع مراتب:
الأولى: صرف الطبيعة ومسمى الطيبة.
الثانية: يكون الحسن على نحو الموجبة الجزئية.
الثالثة: يبدو الطيب والحسن بحيثية جهتية معينة.
الرابعة: يتجلى الطيب والحسن على نحو الموجبة الكلية والكلي الطبيعي.
والمرتبة الرابعة والمطلقة هي مقصود زكريا في سؤاله ودعائه.
لقد ألتفت زكريا الى ان الإصطفاء في الذرية المباركة لقوله تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ] فسأل هو الذرية واراد الإصطفاء لذا حرص على القيد في سؤاله بان قال (طيبة)
قوله تعالى [إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ]
من اسمائه تعالى [السَّمِيعُ]، وجميع الأصوات حاضرة عنده لا يغيب عنها شيء، ولا تختلط او تتداخل وان اتحد مصدرها والفاظها، يسمع اصوات الداعين بلغاتهم المختلفة المنقرضة والمتداخلة والتي تستحدث، ودأب المفسرون على القول بان المراد من لفظ السميع هو (قابل الدعاء) ( )، وقال الرازي: ليس المراد ان يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم، بل المراد ان يجيب دعاءه( )، ولكن لا مانع من التعدد في معنى السميع في الآية وفيه وجوه:
الأول: انه تعالى يسمع الدعاء ومضمونه وجاء الألف واللام في الدعاء لإفادة الجنس، فليس من دعاء الا ويسمعه الله عزوجل فلا يفوته سماعه، فقد يرسل الإنسان الى الملك والأمير رسالة وطلباً، ولم يرده جواب فيحتمل انه لم يصله لإحتمال انه فقد في الطريق او اخفاه عنه الحجاب والبطانة، اما الدعاء فانه يصعد الى الله تعالى ولا يستطيع أحد من الخلائق حجبه او اخفاؤه وتلك نعمة على الإنسان لم تعط قدرها في ميادين الشكر، فجاء كلام زكريا لتأديب المسلمين ولفت انظارهم الى هذه النعمة وانه سبحانه يسمع كل دعاء.
الثاني: انه تعالى يسمع الدعاء بمعنى يستجيب له سواء تحصل الإستجابة في ذات المسألة والموضوع او في غيره والله واسع كريم، فالسمع يأتي بمعنى العلم والإدراك من غير ان يكون منه تعالى بآلة سامعة ويأتي بمعنى الإستجابة، والمراد في هذه الآية المعنيان معاً، أي ان زكريا يقول اني واثق بانك سمعت مسألتي ولم تخف عليك حاجتي واني أرجو الإستجابة، قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( )، فأطلق عنوان الإستجابة صريحاً على قضاء الحاجة وموضوع مسائل الدعاء.
لقد ختم زكريا دعاءه بالثناء على مقام الباري عزوجل وحمده وشكره لتفضله تعالى بقبول دعاء امرأة عمران ودعاء المؤمنين، واحسانه لمريم بان انزل لها الرزق الكريم من السماء، وفي هذا الثناء رجاء لدوام النعمة على مريم، سماع دعاء امها فيها ودعائها هي خاصة، واثابة زكريا على كفالته لها، وبقاء الإصطفاء في آل ابراهيم بسماع دعاء ابراهيم.
فمن الآيات في القرآن ان قوله تعالى [سَمِيعُ الدُّعَاءِ] لم يرد الا مرتين، احداهما هذه الآية، والأخرى قوله تعالى في ابراهيم [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ] ( )، وزكريا من ذرية ابراهيم واسحاق، ففي الآية استحضار لعظيم فضله تعالى على زكريا وانه اصلاً نافلة منه كما كان اسحاق وولده يعقوب نافلة، قال تعالى [وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً]( )، فقوله تعالى [سَمِيعُ الدُّعَاءِ] لم يرد الا في طلب الولد في حال الشيخوخة ومن ابراهيم وزكريا، وتفضل سبحانه بالإستجابة وهي من اللطف الإلهي والإصطفاء.
الثالث: يراد من السميع كثرة وتعدد استجابة الدعاء، فهو سبحانه كثير الإجابة، ويعطي بالأوفى والأتم وتأتي استجابته لتمام السؤال وليس لجزئه وشطر منه، كما ان استماعه واجابته الدعاء لا تنحصر بالحياة الدنيا بل تشمل الدار الآخرة، لقد أظهر زكريا ثقته باستجابته تعالى، وان العلل المادية غلقت ابوابها بوجهه.
فتوجه الى ابواب رحمته تعالى، ولجأ الى سلاح الدعاء الذي ابقاه الله مفتوحاً الى يوم القيامة، وجعله ملاذاً للمؤمنين ونظم الآيات والصلة بين دعاء ابراهيم وزكريا يدلان على علم الأنبياء بانه تعالى يجيب الدعاء ويقضي الحوائج ولا يرد سائلاً.
لقد ابتدأ كلام زكريا بقوله (رب) وهو عنوان الإستغاثة واللجوء والمدح لمقام الربوبية وختمه بالثناء عليه تعالى والإخبار عن عدم اليأس من رحمته.
لقد أختتمت الآية السابقة بقول مريم [إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] اما زكريا فأختتم دعاءه بالقول انك السميع الدعاء، فهل من مقارنة بينهما الجواب ان موضوع الآيتين متبياين فكانت مريم تتنعم بالرزق السماوي ساعتها، وزكريا طلب قضاء حاجته ونجح طلبه، ومع هذا فكل من خاتمتي الآيتين آية في الثناء عليه تعالى والإقرار بفضله، والأولى تعلقت بالرزق الذي عندها وما يأتي للناس، بل والخلائق عامة للغة الإطلاق في الآية، وهذه الآية جاءت بسماعه تعالى واستجابته لجنس الدعاء على نحو الإطلاق.
ويبين زكريا قاعدة كلية في الإرادة التكوينية لينهل منها المسلمون جميعاً وهي انه سبحانه يسمع الدعاء، والألف واللام في (الدعاء) لإرادة الإستغراق والإطلاق، فليس من دعاء الا ويسمعه الله، وفيه ترغيب للمسلمين باتخاذ سلاح الدعاء وسيلة مباركة لقضاء الحوائج.
وهل الأنبياء والمؤمنون والمسلمون على درجة واحدة في الإنتفاع من الدعاء وخصوص الإجابة ام ان الأنبياء أكثر من غيرهم في اللجوء الى الدعاء لقضاء حوائجهم الجواب هو الأخير، وصيغ دعائهم أعم من العنوان الشخصي ام النوعي بمعنى انهم يدعون:
أولاَ : لأنفسهم.
ثانياَ : لهم ولعوائلهم.
ثالثاَ : لأهل بلدهم وملتهم.
رابعاَ : للناس جميعاً.
والأخير هو الغالب، بل حتى الدعاء الشخصي تكون الغاية منه عامة،
ولا يدعو النبي لأهل زمانه، بل لهم وللأجيال القادمة من البشر وما فيه بقاء كلمة التوحيد لذا سأل زكريا الذرية الطيبة، وهل استجابة الله عز وجل للأنبياء بدرجة واحدة مع استجابته للمسلمين ام ان دعاء النبي له خصوصية تؤثر حتى في مضمون الإستجابة.
لقد جاء الخطاب الخطاب الإلهي ليخبر عن الإستجابة على نحو الإطلاق قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( )، نعم هناك خصوصية وتشريف للأنبياء بلحاظ وظائفهم الشرعية العامة، وارادتهم النفع العام وهو من الإصطفاء، وأهليتهم للإستجابة لحسن امتثالهم وانقيادهم لله تعالى واسباب التنزيه في السيرة والمأكل والمشرب ونحوها، فمن مصاديق الإصطفاء ان جعلهم الله مؤهلين للدعاء بما ينفع الناس كافة.

قوله تعالى [فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ] الآية 39
القراءة
في القراءة في الآية وجوه:
الأول : قرأ حمزة والكسائي: فناداه الملائكة على التذكير والإمـــالة والباقون على التأنيث في اللفظ (فنادته)، ومن قرأ بالتذكير أراد المعنى وان الملائكة من جنس المذكر، وقيل لأن الفعل قبل الإسم، اما من قرأ بالتأنيث (فنادته) فلصيغة الجماعة، وقيل لأن الفعل للملائكة.
الثاني : قرأ ابن مسعود (فناداه جبريل) ( )، وكان عبد الله يأتي بلفظ الملائكة في القرآن بصيغة التذكير وليس التأنيث كما أخرجه ابن المنذر عن ابراهيم.
الثالث : قرأ ابن عامر وحمزة (إن) بكسر الهمزة، والباقون بفتحها.
الرابع : قرأ حمزة والكسائي (يبشرك) بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، والباقون بضم الياء والتشديد وهو المرسوم في المصاحف.
الخامس : قرأ حمزة والكسائي (يحيى) بالإمالة لمقام الياء، والباقون بالتفخيم.

الإعراب واللغة
فنادته الملائكة: الفاء: عاطفة، نادته: فعل ماض، والهاء: مفعول به، الملائكة: فاعل مرفوع.
وهو قائم: الواو: حالية، هو: مبتدأ، قائم: خبره، والجملة نصب على الحال من مفعول النداء الضمير (الهاء).
يصلي: فعل مضارع والفاعل ضمير يعود لزكريا، والجملة في محل نصب على الحال من القيام.
في المحراب: جار ومجرور متعلقان بيصلي.
ان الله: ان واسمها، يبشرك: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر يعود لله تعالى، والكاف: ضمير في محل مفعول به، ان وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، بيحيى: جار ومجرور متعلقان بنادته، مصدقاً : حال، بكلمة: جار ومجرور متعلقان بمصدقاً.
وسيداً وحصوراً ونبياً: عطف على مصدقاً.
من الصادقين: جار ومجرور صفة لأنبياء.
في سياق الآيات
بعد رؤية زكريا للآيات تترى على مريم بنزول الرزق السماوي من عنده تعالى، وتوجهه الى الله بالدعاء وسؤال الولد خلافاً للأسباب المادية التي أصبح فاقداً لها، جاءته البشارة من عنده تعالى بالولد الصالح بلسان الملائكة لتكون مصداقاً لسمعه تعالى لجنس الدعاء مطلقاً واستجابته للمؤمنين.
لقد نزل الملائكة بالرزق على مريم وجاءوا لزكريا بالبشارة وكله من فضله تعالى.
وليس من فاصلة بين دعاء زكريا ونداء الملائكة له، ومجيئها بالإستجابة من عند الله، لتكون إستجابة الدعاء من مصاديق الأمر في قوله تعالى[إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( )، وإختارت الملائكة وقتاً للبشارة بأن يكون زكريا قائماً بين يدي الله في محراب الصلاة وساعة مناجاته لله، وكأنه من شكر الله عز وجل له على تقواه وإنقطاعه إلى الذكر والتسبيح والصلاة.
لقد سأل زكريا أمرين:
الأول : ذرية، وهو الأصل.
الثاني : نعت الذرية بالطيبة، وهو الفرع، فتضمنت الإستجابة من عند الله أموراً :
الأول : البشارة.
الثاني : البشارة بولادة يحيى.
الثالث : تسمية المولود من عند الله، وقوله تعالى[لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا]( )، ومع القول بأن الاسم غير المسمى فان التسمية من الله تنطبق على المسمى في صدقها، إذ بقي يحيى بنزول القرآن حياً بين الناس، وتبين آيات القرآن قصة ولادته بالمعجزة، وتذكر السنة النبوية شطراً من حياته، ويتلو المسلمون الآيات الخاصة به إلى يوم القيامة وهذه التلاوة من مصاديق الحياة ليحيى.
الرابع : تصديق يحيى للرسول عيسى ابن مريم، وعمله بسنته وكان عيسى ويحيى إبني خالة، بلحاظ أن خالة الأم خالة.
الخامس : إتصاف يحيى بالحلم.
السادس : إمتناع يحيى عن الإقتراب إلى النساء، فجاءت ولادته عن كبر لحق زكريا وزوجه، فجعله الله عز وجل فانياً في طاعته، منقطعاً إلى ذكره .
ومن السنة النبوية في ذكر يحيى ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما من عبد يلقى الله إلاّ ذا ذنب إلاّ يحيى بن زكريا ، فإن الله يقول : { وسيداً وحصوراً } قال : وإنما كان ذكره مثل هدبة الثوب ، وأشار بأنملته ( ).
السابع : نيل يحيى مرتبة النبوة.
الثامن : البشارة بحسن عاقبة يحيى، وعظيم ثوابه في الآخرة.
إعجاز الآية
هذه الآية كلها اعجاز سواء في الموضوع او المحمول، بدأت بنداء الملائكة، وما له من الدلالات واثبات الصلة بين أهل السماء وأهل الأرض، وان الملائكة رسل الله ينزلون للأنبياء بالوحي الذي يخص الناس جميعاً، ويتعلق باحكام الدين، ويأتون بالبشارات والأخبار الشخصية ليكون مجيؤهم هذا اعلاناً لإشراقة تملأ الأرض بأنوار النبوة والهداية والصلاح، ومن الآيات ان الله عز وجل يتفضل بالإستجابة المقرونة بالبشارة بها، والإستجابة منبسطة على أحوال متعددة فلا تنحصر بانجاب الولد بل بتعاهده وجعله يبلغ منازل الكمال والرفعة، اذ جاءت الآية بذكر الخصال المباركة ليحيى.
ويمكن تسمية هذه الآية آية (فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ) ولم يرد لفظ نادته في القرآن الا فيها.
الآية سلاح
تبعث الآية الأمل في نفوس المسلمين في تحقيق الأماني والرغائب، وان كانت غير ممكنة في عالم الأسباب المادية والعلل الظاهرية، وفيها اخبار بان رحمة الله قريب من المحسنين، وانه تعالى يسمع الدعاء ويتفضل بالإستجابة الوافية الكاملة، وتجعل الآية المسلمين يسبحون في عالم الملكوت ويرجون الإرتقاء في منازل الدارين ببركة الدعاء وأبواب الإستغاثة.
لقد أخبرت الآية بان الأحوال ومجريات الحوادث وما يتعرض له الناس لا ينحصر بقوانين الأسباب والمسببات وحدها، وان الوقوف عندها عجز وضعف، وأراد الله للمسلمين ان يستثمروا ما سخر لهم مما في الكون من الآيات الكونية سواء بالدعاء او العلم، وتبين الآية جانباً من قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( )، ومن آيات الآفاق نداء الملائكة ووصولهم الى بعض افراد البشر بالبشارة والإخبار ولو كان هذا الفرد من الآية على نحو التقريب ولا يتم الا بمؤونة زائدة ولحاظ التلبس بالبشارة، لأن الآية تتكون من أربعة أطراف:
الأولى : الملائكة ونزولها الى الأرض وتحدثها مع الإنسان.
الثانية : البشارة والنداء الملكوتي.
الثالثة : تلقي زكريا للنداء.
الرابعة : تحقيق البشارة في الإمكان الإعجازي والعملي لتصبح واقعاً معلوماً ومعروفاً عند المليين، وفي تفضله تعالى باختيار اسم يحيى اعانة للمسلمين على تفاصيل قصة يحيى والتذكير بها، وعدم الخلط بين اسم الأب والإبن، ومن مفاهيم اسم يحيى انه عنوان الحياة فظل باقياً في أذهان المسلمين وان كان حصوراً، لأن الملائكة من عالم السماء والملكوت والبشارة لزكريا وحصول الإنجاب عنده من الآيات في الأنفس، ليكون من مصاديق الآية أعلاها يطرأ على الإنسان من تغيرات تأتي على نحو اعجازي وخارق للعادات وأنظمة الطبيعة.
مفهوم الآية
في الآية توكيد لإستجابته تعالى للدعاء وعدم ترك المؤمن في خيبة وعجز ووهن، وتقدم البشارة السماوية على الإستجابة الواقعية مما يبعث البهجة بتحقيقها وان تأخر اوانها أي ان البشارة رحمة وعنوان اصطفاء اضافي، فمدة الحمل تسعة أشهر، وفي يحيى ذكر ان مدة الحمل كانت ستة أشهر، وهي أقل مدة للحمل بالحالة الإعتيادية، فتفضل سبحانه وبشر زكريا بحمل زوجه، وجاءت البشارة على لسان الملائكة بما لا يقبل الشك، وفي الآية مسائل:
الأولى : البشارة الملكوتية وليس عن رؤيا منام ونحوه، او ترك الآية والمعجزة تتحقق في أوانها من غير اخبار سابق بل جاءت الملائكة بالبشارة.
الثانية : مجيء الملائكة وحصول البشارة، وزكريا يصلي في المحراب مما يدل على وجود الصلاة عند بني اسرائيل، وانها مناسبة لنزول البشارات.
الثالثة : في الآية حث على التقيد بالصلاة والحرص على ادائها في المساجد لأنها مناسبة لنزول الفيض الإلهي.
الرابعة : لم تنطق الملائكة بالبشارة من عندها بل قدمت ذكره تعالى وعائدية نسبة ما تلقيه الى الله تعالى، فالملائكة قدمت أسمه تعالى وهو عنوان أدب في العبودية.
الخامسة : جاءت البشارة بذكر اسم يحيى وليس بحصول الولادة او جنس الولد وانه ذكر، وقيدت الأخبار بالضمير في (يبشرك) ليكون النداء متعلقاً بسؤال زكريا الهبة، فحينما قال زكريا (هب لي) جاء النداء الملكوتي (يبشرك) والفاعل في كل من الجملتين الله عز وجل سواء في موضوع الهبة او البشارة، في اشارة ودعوة للإنقطاع اليه ورجاء الخير منه.
السادسة : سماع نداء الملائكة جاء اثناء اداء زكريا للصلاة، ولم يتعارض مع انقطاعه الى الله تعالى، ولأن البشارة في الدين والنبوة وهو نوع جزاء وهل يمكن اعتباره مصداقاً لقاعدة كلية وهي عدم مجيء نداء الملائكة الا في حال صلاة النبي او المسلم لا اقل بخصوص البشارة، الجواب لا، لأن الله واسع كريم ولكنه نوع تشريف وتفضيل، وفيه اشارة الى موضوعية المكان في البشارة الملكوتية وخلوص النفس من شوائب الدنيا.
السابعة : لم تقل الملائكة نبشرك بل نقلت بشارته تعالى الى زكريا مما يدل على عظيم منزلة زكريا عند الله، وتفضله بمخاطبة عباده الصالحين.
الثامنة : جاءت البشارة بالولد باختيار اسمه، وكل انسان يدرك الفضل الإلهي الإضافي باختيار اسم المولود المعجزة.
التاسعة : ذكرت الآية خصالاً حميدة أختص بها يحيى لكل منها علة وموضوع سيأتي في التفسير.
ويمكن اجراء مقارنة بين بشارة زكريا وكرامات مريم منها:
الأول : ان الملائكة نادت على نحو الخبر [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ] فالملائكة علمت بالإصطفاء واذن لهم باخبارها بنعمة الإصطفاء، اما بالنسبة لزكريا فقد جاءت الملائكة رسلاً من عنده تعالى لنقل البشارة [إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ].
الثاني : جاء الرزق الملكوتي لمريم بوعده تعالى بانباتها نباتاً حسناً وبدعاء امها وبتقوى وعفاف وورع مريم نفسها، اما زكريا فقد توجه بالدعاء وسأل الولد نعم لقد كان الرزق السماوي يأتي لمريم من عنده تعالى، وكما رزق الله زكريا يحيى فقد أنعم على مريم بعيسى روح الله، فنعمه متعددة من غير ان يكون بينها تعارض او تدافع ولا يسبب بعضها نقصاً في بعضها الآخر.
الثالث : لقد جاء الرزق الى مريم ابتداء من عنده تعالى، وجاء الولد لزكريا بعد اتعاظه واتعاظه من الآيات التي رآها عند مريم بلحاظ ان كل رزق في كل يوم هو آية بل آيات متعددة.
التفسير
قوله تعالى [فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ]
الضمير (الهاء) في فنادته يعود لزكريا وجاء حرف (الفاء) هنا للعطف ويفيد:
الأول : الترتيب، بمعنى ان نداء الملائكة جاء بعد دعاء زكريا وسؤاله الذرية الطيبة، وهو من الترتيب المعنوي أي ان النداء جاء متعقباً في زمانه للدعاء.
الثاني : التعقيب أي ان النداء جاء متعقباً للدعاء من غير دليل على وجود فاصلة زمنية بينهما.
الثالث : السببية بتقدير اضمار (ان) بعد الفاء وان البشارة جاءت بسبب الدعاء.
لإخبار المسلمين بان الرزق نوعان:
الأول: ما يأتي وفق الأسباب والعلل المادية المتعارفة.
الثاني: الرزق الذي يأتي بالدعاء والتضرع الى الله عز وجل.
ولا يعني هذا ان الثاني قسيم للأول ومباين له في الموضوع والحكم، بل النسبة بينهما كالنسبة بين العام والخاص، فالدعاء شامل للقوانين الطبيعية لتجري وفق القواعد وعلى أحسن حال، ويختص بما لا يمكن تحققه وفق الأسباب والعلل العامة.
فما يأتي بالدعاء لا يمكن تحققه بواسطة القواعد العامة وما يأتي بالقواعد العامة يمكن نيله بالدعاء، فعالم الدعاء هو عالم الهبات والعطايا والمنح الإلهية لذا ورد في الآية السابقة قوله تعالى (هب لي) ونداء الملائكة من اصطفائه تعالى لآل ابراهيم من وجوه:
الأول : الإخبار القرآني عن تفضله تعالى بسماع الدعاء، وهومصداق لقول زكريا [إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ] فان آل ابراهيم يعلمون أسرار المعارف الإلهية، وحازوا مراتب السبق والرفعة، واعطوا لأجيال المسلمين الدروس والمواعظ فيها، وأكدوا بالقول والفعل ان الله يسمع دعاءهم، لحثهم على عدم البخل على أنفسهم، وحجب أبواب الرزق الإلهي.
الثاني : ان الإجابة للمصطفين تحمل مضامين قدسية خاصة، فقد تأتي بنداء وبشارة الملائكة لهم ويمكن استقراء قاعدة كلية وهي “وجود صلة بين المصطفين وبين السماء” وقد تجلت هذه الصلة بالوحي الى الأنبياء مطلقاً، ونزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه صفوة آل ابراهيم، وآل عمران فرع من آل ابراهيم.
وجاء ذكر الملائكة بصيغة الجمع نادته، وفيه وجوه:
الأول : صدور النداء من جمع من الملائكة في آن واحد.
الثاني : نزل الأمر الى الملائكة، وناداه أحدهم، فصدق صدور النداء منهم جميعاً بلحاظ الأمر الإلهي.
الثالث : الذي تولى التبليغ والنداء واحد من الملائكة، وصدق عليه عنوان الجمع لإرادة الجنس وان النداء لم يأتِ لزكريا بواسطة أحد من البشر، كما يقال فلان ركب الخيل، ولم يركب الا فرساً واحدة.
الرابع : الذي تكفل النداء رئيس من رؤساء، الملائكة فأستحق صفة الجمع بلحاظ من معه من الأعوان من الملائكة.
الخامس : ان النداء صدر من جماعة متعددين من الملائكة، ولا ملازمة بين النداء وبين سماع زكريا له من الجميع، فالملائكة الذين نادوا بالبشارة جماعة متعددون، ولكن الذي أوصل النداء والبشارة لزكريا واحد منهم.
السادس : من قوانين السماء ان طائفة من الملائكة تختص بالنداء وتولي شؤون البشارة، فجاءت الآية لإرادتهم على نحو العموم المجموعي، وذكر في الآية قولان:
الأول : الذي ناداه هو جبرئيل، عن السدي( ).
الثاني : ناداه جماعة من الملائكة، نسبه الطبرسي الى القيل( ).
السابع : يمكن صدور النداء من أكثر من ملك بصوت واحد، للإشارة بان نواميس السماء تختلف عن نواميس أهل الأرض، وان الصوت المتعدد من جماعة من الملائكة يصل الى الإنسان وكأنه صوت واحد منهم.
الثامن : قيام جماعة من الملائكة بالنداء وهو قائم في الصلاة على نحو التعدد واحداً بعد الآخر او كل واحد منهم في صلاة مخصوصة.
التاسع : يكون الملك الواحد كالوكيل في النداء عن جماعة الملائكة ويصدق ان النداء حصل من الجميع بلحاظ الأصل.
العاشر : تدل الآية على المسؤولية الجماعية للملائكة في التبليغ والنداء، ودراسة صدور النداء من المتحد او المتعدد من الملائكة يجب ان لا تؤدي الى الغفلة عن المضامين القدسية والكلامية في مجيء اللفظ بصيغة الجمع، وما فيه من معاني الإكرام لزكريا والتوكيد على حصول البشارة، فمع مجيء النداء من جماعة الملائكة فان زكريا عاد وقال [أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ].
ويحمل الكلام على ظاهره الا مع القرينة الصارفة الى خلاف الظاهر والأقوى صدور النداء الى زكريا من ملك واحد بقرينة انه كان قائماً اثناء صلاته ولأن النداء يصدر عادة من الواحد.
الا ان هذا لا يمنع من اعتبار النداء صادراً من جماعة الملائكة على الظاهر، وهي من الآيات الإعجازية في الإصطفاء والصلة بين سكان السماوات وبين الأنبياء كما ان الذي حضر للنداء ليس ملكاً واحداً بل ملائكة متعددين فصدق صدور النداء منهم جميعاً، كما في حضور الملائكة عند سليمان وهو في محرابه قال تعالى [وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ] ( ).
في الآية دلالة بان ملائكة السماء على علم بهذه البشارة لأنهم يفرحون بما يأتي للأنبياء والمصطفين من آل ابراهيم وآل عمران من الآيات والكرامات.
ومع ورود مادة (نادى) في نحو اثنين وخمسين موضعاً من القرآن ويتضمن نداءات في عالم الدنيا والآخرة، ولم ترد نسبة النداء صريحاً الى الملائكة الا في هذه الآية [ فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ ].
ولقد جاء تشريف المسلمين بالنجاة الى صلاة الجمعة التكرر كل أسبوع [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ] ( )، ليكون مناسبة للدعاء ونزول البركات والإفاضات منه تعالى، يقف المسلمون في مساجدهم للصلاة استجابة للنداء بانقطاع الى الله وخشوع وخضوع واداء جماعي منتظم وفق قواعد وكيفية عبادية ثابتة منذ ايام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لتشهد الملائكة هذا الفعل العبادي وتناديهم بالبشارة والرزق الكريم.
وتبين الآية مسألة كلامية وهي ان نداء الملائكة جاء بلغة البشارة ولم ترد في القرآن نداءات من الملائكة الى الكفار على سبيل الإنذار والتوبيخ والذم لفعلهم لوجوه:
الأول : عدم استحقاقهم لنداء أهل السماء لما يستلزمه من مراتب الصلاح والتقوى التي تؤهل العبد لتلقي تلك النداءات.
الثاني : لم يرق الكفار والمنافقون الى درجة سماع النداء القرآني.
الثالث : جاءت الإنذارات لهم بواسطة الأنبياء والكتب السماوية التي نزلت عليهم.
الرابع : جاء تبليغ الأنبياء بصيغة النداء ايضاً والدعوة الى الله لعموم الناس كما في قوله تعالى حكاية عن المؤمنين [رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ]( ).
ونعمة نداء الملائكة من مصاديق الإصطفاء الإلهي لآل ابراهيم وفيه وجوه:
الأول: انقطاع صيغ النداء الملكوتي بانقطاع النبوة، ويمكن تقسيم الإصطفاء الى أقسام:
الأول: اصطفاء خاص للأنبياء من آل ابراهيم وآل عمران ويتضمن تحديث واخبار الملائكة بالبشارات والوقائع ونحوها.
الثاني: الإصطفاء الخاص لبعض الأولياء والصالحين من آل ابراهيم وآل عمران كما في مريم عليها السلام لما نالته من أرقى منازل الرفعة والإكرام.
الثالث: الإصطفاء العام لآل ابراهيم وآل عمران بالإمامة والتوفيق والصلاح والرشاد، فهل يشمل القسم الأخير المسلمين الجواب نعم لأنهم ورثة الأنبياء ولأن القرآن تفضل عليهم ومنحهم مرتبة البنوة لإبراهيم ونسبهم الى ابراهيم مع تعدد ابائهم واختلاف قومياتهم قال تعالى [أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ]( )، بالإضافة الى ما يترشح عليهم من الإفاضات من اصطفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء الآخرين والقرآن وحده من أعظم مصاديق الإصطفاء سواء بأحكامه او مواضيعه او آياته، ومنها هذه الآية التي تفتح آفاق الأمل والإستجابة لكل مسلم في المسائل المستعصية، وفي كيفية نداء الملائكة وجوه:
الأول : الإيحاء والإلهام في القلب.
الثاني : الإخبار المباشر وتمثل الملك بهيئة انسان كما في تمثل جبرئيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهيئة دحية الكلبي.
الثالث : ورود نداء وصوت مسموع من الملائكة وهذا الصوت على قسمين:
الأول: خاص يسمعه زكريا دون غيره وان كان الغير حاضراً معه في المحراب.
الثاني: صوت مسموع لكل من كان حاضراً وهو على شعبتين:
الأولى: ان يكون زكريا وحده في المحراب.
الثانية: حضور آخرين مع زكريا في المحراب.
والظاهر انه من الشعبة الأولى من القسم الثاني أعلاه، أي ان نداء الملائكة صوت مسموع ومشافهة من الملائكة لزكريا، ولم يكن في المحراب الا زكريا وحده، لأن الكلام يحمل على ظاهره، والنداء لغة وعرفاً صوت مسموع، اما سماعه وحده فلقرينة طلبه آية [رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً]( )، لعدم حضور شهود سمعوا النداء.
وكما جاءت آية مريم عليها السلام ونزول الرزق عليها بصورة ظاهرة محسوسة رآها زكريا بعينه فان آية زكريا جاءت بصورة ظاهرة وبينة سمعها باذنه، وهذا من عناوين الإصطفاء ان تأتي البشارة جلية واضحة خالية من احتمال الوهم او الشك والريب، ومانعة من الظن بانها من حديث النفس او الوسوسة، لأن النداء والصوت الملكوتي وحده اعجاز وموضوع لاتقدر عليه الشياطين.
وهذا من الإرادة التكوينية بحيث يكون شأن وسلطان للملائكة وصيغ الوحي والتنزيل لا تنفذ اليه معاشر الجن والشياطين وان أجتمعت، والشياطين لا تستطيع ان تتلاعب بالنبي، وتجعل الأحداث تختلط عليه، لأن الله عز وجل يرزقه القدرة على التمييز بين الصوت الرحماني الملكوتي وغيره، بل ان هذا التمييز يكون عند من هو أدنى من الأنبياء من الأولياء والصالحين، لأن الملائكة تجعل كلامها بيناً لا لبس فيه.
قوله تعالى [وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ]
جملة حالية تبين حال زكريا اثناء تلقيه النداء الملكوتي والتشريف الإلهي وفيها مسائل:
الأولى : الآية دليل على اتصاف زكريا بخصال التقوى والصلاح والإنقطاع الى الله تعالى.
الثانية : ان الملائكة تختار الوقت والموضوع المناسب للإخبار بالبشارة.
الثالثة : ذات البشارة لها خصوصيات تستلزم اداءها في الحال والمحل المناسبين.
الرابعة : اجتماع خمسة أطراف قدسية في أداء البشارة.
وفي الآية وجوه :
الأول : الرسول الذي ينقل البشارة ملك من الملائكة، او ملائكة متعددون.
الثاني : موضوع البشارة ويتضمن خير الدنيا والآخرة.
الثالث : مجيء البشارة الى نبي من الأنبياء ومن آل ابراهيم الذين أصطفى الله، وفيه اخبار عن اتصال الإصطفاء وتعدده في زمان واحد لإجتماع آية مريم وزكريا في وقت واحد.
الرابع : حصول النداء اثناء قيام زكريا في الصلاة والعبادة.
الخامس : وقوعه وزكريا في المحراب وهو المسجد والمكان الطاهر المخصص للعبادة.
لقد جاء اخبار الملائكة بالولد بانه بشارة والبشارة تتضمن اسباب الغبطة والرضا والفرح بفضله تعالى وتحتمل أمرين:
الأول: ان الولد مطلقاً نعمة ويصدق عليه انه بشارة.
الثاني: ان البشارة جاءت بلحاظ صفات الحسن والصلاح التي سيتصف بها يحيى في حياته.
الثالث: اجتماع الأمرين معاً مجيء المولود عن اعجاز واتصافه بخصائص الحسن.
والجواب هو الأخير، فما دامت البشارة منه تعالى فانها تأتي وافية جامعة لشرائط الحسن والصلاح وينضح منها البهاء والأنوار الإيمانية.
وهل رأى زكريا الملائكة ساعة النداء، الجواب لا، لأن القدر المتيقن هو النداء ولوجود قاعدة كلية وهي ان النبي يسمع الصوت ولا يرى الملك، اما الرسول فانه يسمع الصوت ويرى الملك، وزكريا نبي من انبياء الله والى جانب القرينة المقالية هناك قرينة حالية وهي ان النداء جاء ساعة انشغال زكريا بالصلاة وهو بين يدي الله، فلا يلتفت ببصره الى الغير، ولا الملائكة تشغله بظهورها امامه ساعة الصلاة.
وتبين الآية الحال المخصوصة التي نزلت فيها الملائكة بالبشارة والوحي وهو ان زكريا كان:
أولاَ : قائماً.
ثانياَ : متلبساً في الصلاة.
ثالثاَ : محل وجوده هو المحراب.
وهل هذه الأحوال من باب الشرط والتقييد ام انها على سبيل الحال الأفضل والأحسن، الجواب هو الثاني لأن الله واسع كريم، ولورود الإخبار بان الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد أو في البيت او السفر، وحال الصلاة افضل حال للإنسان من جهة صفاء البال ونقاء السريرة والإعراض على الدنيا، وهو مناسبة لغياب الشيطان وانحسار ضرره وأثره عن الإنسان، وفيه نكتة اضافية في الإصطفاء وهي ان الملائكة تختار للمصطفين افضل الأحوال لنزول البشارة لمنع الإلتباس او الشك وليكون تلقي البشارة تاماً فتدخل الى الجوانح وتخترق شغاف القلب ويدرك النبي انها من عند الله عز وجل.
لقد نزل الرزق الملكوتي الى مريم في المحراب، وجاءت البشارة الى زكريا في المحراب وفيه اشارة الى استحقاق آل ابراهيم وآل عمران الإصطفاء والإجتباء لمواظبتهم على العبادة وتعاهدهم لمناسك الورع والإيمان، وحث للناس على اختيار الحال التي تؤهلهم لتلقي البشارات ونزول البركات من عنده تعالى، فاذا كان المسلم لا يسمع نداء الملائكة فانه لا يعني توقف البشارات والفيوضات، وعدم نزولها على ذراري آل ابراهيم خاصة وعلى المسلمين عامة، بل ان نعمه سبحانه تترى وآياته متصلة، فتأتي البشارة وان لم يسمع المسلم او انه يسمعها بواسطة البشر او برؤيا منام صادقة لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال ” لا يبقى بعدي من النبوة الا المبشرات قالوا: يا رسول الله ما المبشرات؟ قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل او ترى لـه. وفي رواية البزاز يراها الرجل الصالح”( ).
وتبين الآية توارث آل ابراهيم للصلاة وحرصهم على تعاهدها وعدم التفريط بها حتى في حال الضيق والشيخوخة والحاجة كما في حال زكريا اذ كان رجلاً كبيراً ولم تلد له امرأته،
لقد أظهرت الآية الإرتباط بين عالم الشهادة وعالم الغيب وما في الإصطفاء من مضامين التجاذب بين الرب والعبد، فاظهر زكريا العبودية الخالصة لله والإنقطاع اليه بالصلاة وعدم التفاته الى حاجاته البدنية والإجتماعية والإعتبارية المتمثلة بالولد، فجاءت جذبة الخالق عز وجل لتقربه الى رحمته وتغمره بالغبطة وتفتح امامه أبواب السعادة والأمل بتجدد الإيمان في ذريته ليكون سبباً وعلة مادية لبقاء كلمة التوحيد في الأرض، وليأتيه ثواب اضافي بعبادة ذريته لله تعالى في حياته وبعد وفاته.
فكما كانت الملائكة واسطة الفيض الإلهي على زكريا، فان الصلاة والمحراب وسائط مباركة لتلقي البشارة وموضعاً مناسباً لنزول الملائكة.
لقد نزلت البشارة وقلب زكريا متعلق بالله تعالى لا يحب غيره وهو في حال نقاء ونزاهة من دنس الدنيا ومشاغلها ليسبح في أنوار جلال الله.
وتدل الآية على حاجة الخلق الى الله عز وجل ورحمته وان النبي مع منزلته وعظيم درجته فانه يحتاج اللطف الإلهي ومنه الولد على نحو الخصوص، فمقام النبي عند الله معروف سواء في الدنيا أو الآخرة، ومع هذا فقد سأل زكريا الولد لينهل من معين رحمته تعالى وينال المزيد من فضله فبدعائه وسؤاله الولد اظهر الطمع في رحمته تعالى ورجاء فضله واحسانه، واخبر عن فقره وحاجته للإرتقاء في منازل الرفعة بالذات والعرض، بفعله وجهاده وتقواه وعبادته، وبما يأتي من الولد وآثار صلاحه، فزكريا يصلي في المحراب قد نال درجات الرضا وفاز بمراتب الشرف ومع هذا فان الذي اخبرت به الملائكة كان بشارة وهي تعني الأخبار عن حصول أمر حسن، وفيه نفع كبير، وهو عنوان الحاجة والإفتقار اليه.
لقد أستقر زكريا في حضرة الملك الجبار ووقف طائعاً خاشعاً بين يديه يقوم باداء افعال الصلاة في لذة وبهجة، وهو في حال القاء الفاظ الصلاة المخصوصة واتيان افعالها، ولكن الله عز وجل تفضل والقى عليه البشارة وآتاه باسباب السعادة، وهو من الجزاء العاجل لأداء الصلاة اما ثوابها الآجل فلا يعلمه الا الله، لذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اذا احزنه أمر فزع الى الصلاة.
تتجلى في الجمع بين هذه الآية وفزع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الصلاة مضامين يدركها ارباب الإشارات ويحس بها كل مسلم وتبعث في النفوس الشوق الى الصلاة، وتذكرهم بها كملجأ آمن عند توالي الهموم، وأسباب الحزن او الخوف.
ان فقدان الولد والحرمان منه يملأ النفس بالحزن والخوف، الحزن على ما فات من النعم، والخوف مما يأتي سواء من أسباب الحاجة الدنيوية او الأخروية فجاءت البشارة لزكريا ليكون من مضامين الإصطفاء لآل ابراهيم وآل عمران رفع الحزن وطرد الخوف، ويدركوا ان مقاليد القدرة والتدبير بيده تعالى، وتدل الآية على ان الصلاة أشرف موضوع ولو كان هناك فعل أفضل منها لنزلت عنده الملائكة بالبشارة اثناءه، ولايحتمل وجود فعل أفضل وأحسن من غيره ولا يقوم به الذي أختاره الله للنبوة والوحي كزكريا، فلذا يظهر النداء شرف التلبس بالصلاة وأفضليتها على باقي الأعمال، وهل يمكن اجتماع الصلاة والصيام عند زكريا في حال تلقي البشارة، الجواب ان الصيام من وظائف الأنبياء، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ]( )، انه كان مكتوباً على الأنبياء ولكن هذا لا يثبت كون زكريا صائماً ساعة البشارة، فالقدر المتيقن ان زكريا كان منشغلاً بالصلاة، وهو عنوان الشرف والفخر، وهل كانت البشارة في الليل ام في النهار ليس من امارة على تعيينه مما يدل على سعة فضله تعالى، وامكان نزول البشارة في أي وقت من الليل او النهار، وان المدار على اداء الصلاة في المسجد.
بحث فقهي
وردت نصوص بالنهي عن المحاريب والمذابح فقد أخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمرو ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: اتقوا هذه المذابح يعني المحاريب( )، كما ورد عن موسى الجهني ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح النصارى، والمراد من من المذابح في المساجد هي الطاقات وبه ورد البيان بلسان الصحابة، واخرج عن ابي ذر انه قال: من أشراط الساعة ان تتخذ المذابح في المساجد، وطوق كل شيء ما أستدار به، والطاق ما عطف من الأبنية والجمع الطاقات وقال ابن منظور: والطيقان فارسي معرب( ).
لذا أخرج ابن ابي شيبة عن علي انه كره الصلاة في الطاق.
الظاهر عدم وجود ملازمة بين المحراب المذكور في القرآن في قصة زكريا ومريم وكذا في قصة سليمان بقوله تعالى [وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ] ( )، والمراد من المحراب في قصص القرآن هو موضع الصلاة من المسجد والمكان المخصص للعبادة، وان موضوع المحراب مما دخل عليه التحريف والتغيير، فالمحراب الوارد ذكره في القرآن هو قبل بعثة عيسى عليه السلام،
اما المذابح فقد اتخذها النصارى، ولا ملازمة بين المحاريب والمذابح وان فسرت المحاريب في الحديث بالمذابح بلحاظ العرف والمسمى وانطباق اللفظ على معنى مخصوص وكأن انطباق اسم المحاريب على المذابح من المجاز والمعنى المنقول، اما المحراب الذي كان فيه زكريا وسليمان ومريم فهو أشرف البقاع التي يختارها الإنسان للعبادة والصلاة.
وقد ورد في النصوص استحباب اتخاذ المسجد في البيت أي مكان خاص للعبادة ولا تشمله احكام المسجدية والوقف، ولكنه عنوان الطهارة والإختصاص، ويكون سبباً للتذكير بالصلاة والذكر والإنقطاع الى الله تعالى.
والمحراب الوارد ذكره في القرآن مدرسة مكانية تشع أنوارها الى عموم بقاع الأرض مع اختلاف وتعدد الأزمنة، ومن معاني الشرف والإفتخار لزكريا خاصة ولآل ابراهيم عامة انه كان في المحراب ساعة تلقي البشارة، وهل يعتبر موعد نزول الملائكة بالبشارة معيناً ومحدداً بحيث يبلغ البشارة وهو على أي حال، او انهم يأتون بذات الوقت فان لم يجدوه قائماً في المحراب ينصرفون الى حين آخر، الجواب انهم اختاروا ساعة قيامه في المحراب للصلاة ولابد انها ليست قليلة في ساعات يومه، وصدر النداء ليتضمن معاني الشكر والجزاء والرضا بعبادته وتقواه، ومن الناس من يقوم للصلاة ويؤديها وقلبه منصرف عنها ومشغول بهموم الدنيا وزينتها، اما زكريا فكان منقطعاً للصلاة وانه يؤديها بصدق فجاء نداء الملائكة ساعة الخشوع والتسليم بالربوبية المطلقة لله تعالى.
والآية دعوة للسعي الى المساجد، والإنقطاع فيها للصلاة والعبادة لذا يكره الإشتغال في أمور الدنيا والبيع والشراء في المساجد، لقد ارادت الآية الإخبار بان المسجد دار العبادة والتقوى وهو المحل المبارك لتلقي البشارات ونزول الفيض والرحمة الإلهية.

قوله تعالى [أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ]
هذا الشطر من الآية هو موضوع النداء ومقول قول الملائكة وتبين ماهية الأمر الذي يأتي به الملائكة للمؤمنين هو انه يتصف بالحسن ويحمل شآبيب الرحمة، والرسول الذي يحمل البشارة يكون في ذاته سعيداً مغتبطاً، فبينما قالت الملائكة في خلق آدم [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا]( )، قالوه وهم في السماء وفي منازلهم، اما في هذه الآية فقد نزلوا وجاءوا الأرض فرحين مستبشرين مقرين بأهلية الإنسان للخلافة، جاءوا يحملون البشارة بالولد المعجزة في نشوئه في رحم أمه وخصاله الحميدة وحيازته للكمالات للنبي الصالح مما يدل على رضاهم بخلق الإنسان، وولادة المولود الجديد وانه سيكون من الصالحين ولا يفسد في الأرض، فالآية مصداق عملي للرد الإلهي على الملائكة يوم خلق آدم وقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )،
فلقد أخرج الله من صلب آدم ذرية طيبة تعاهدها الله بالإكرام والإجتباء، ومن مضامين علمه تعالى اصطفاء آدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران ليكون اصلاً ثابتاً للإيمان والهداية ومانعاً من طغيان الشرك وترك الناس للإيمان، فمع بقاء امة تدعو الى التوحيد وتتحمل من اجله المشاق والعناء، فان الناس يرجعون اليه ويتدبرون الآيات ويلتمسون طرق التوبة والإنابة، خصوصاً وانه تعالى يبتلي الكفار والظالمين بزوال دولتهم ليبقى الإنسان لا يفصل بيته وبين عباده ربه برزخ وحاجز فجاءت البشارة لزكريا ولكنها لآل ابراهيم وللناس عامة، ولا تنحصر بزمان البشارة وشخص المولود بل هي شاملة لكل أجيال المسلمين وفيها موعظة ودرس وصلاح.
لقد أبتدأ الملائكة نداءهم بذكر اسم الله عز وجل وانه هو الذي أراد وشاء وليس للملائكة في الأمر شيء الا قيامهم بنقل البشارة، وهو من مظاهر صدق عبودية الملائكة لله، فلم يقولوا “انا نبشرك بيحيى”، وهذا القول لا يدل على ان البشارة من عندهم لوجود قواعد كلية ثابتة وهي انهم عباد لله ورسل من عنده ولكنهم أرادوا تأديب العباد من وجوه:
الأول : توكيد عبوديتهم لله تعالى.
الثاني : انهم رسل الله لنقل البشارة وفيه دعوة للأنبياء والمؤمنين ان يكون رسلاً للتبليغ والإنذار ونقل البشارات بالجنة لمن يعمل صالحاً والإنذار من عذاب النار لمن يعمل سوء.
الثالث : الملائكة قريبون من حضرة القدس ويتلقون الأوامر من عنده تعالى.
الرابع : امكان الحديث والإخبار الملكوتي لجنس الإنسان، وان الصلة بين الملائكة والإنسان لم تنقطع بعد هبوط آدم من الجنة.
الخامس : في الآية مقدمة لنزول الوحي والقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فاذا كانت الملائكة تنادي زكريا بالبشارة ويسمع كلامهم ويعي موضوع البشارة، فان القرآن بشرى ورحمة قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ]( )، فهذه الآية تدل على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبشارة لأن القرآن نزل عليه رحمة للمسلمين والناس جميعاً، والبشارة اخبار بما يسر وسميت بشارة لأنها تتبين في بشرة الذي يتلقاها وتظهر على اساريره علامات الفرح والرضا والسرور.
علم المناسبة
لم يرد لفظ (يبشرك) في القرآن الا مرتين وفي قول الملائكة كلاهما بلغة الخطاب أحدهما للمذكر المفرد كما وردت بشارتهم لإبراهيم في قوله تعالى [قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ]( )، وهو الوارد في هذه الآية والآخر بصيغة المفرد المؤنث وهو قوله تعالى [إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ]( )، وهذا من اعجاز القرآن ان يأتي لفظ البشارة كلاهما على لسان الملائكة وبخصوص ولادة نبي.
واحدى البشارتين جاءت للأب، والأخرى جاءت للأم، مما يدل على حق الأم في الولد وتطلعها لأن يكون عندها ولد صالح، وأهليتها للتلقي البشارة وسماع قول الملك، ووردت بشارة الملائكة لزكريا بصيغة النداء، بينما جاءت لمريم بصيغة القول [قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ] والمعنى واحد، ولعل صيغة النداء أقوى وقعاً وأثراً وان زكريا مستعد لتلقي النداء، اما مريم فنظرت الملائكة الى معاني الأنوثة عند المرأة وانشغالها بالنسك والعبادة فجاءت بشارتها لها بلغة القول وليس النداء، كما تضمنت بشارة الملائكة لزكريا الإخبار بولادة عيسى على نحو الإجمال لقوله تعالى [مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ].
لقد أنتفع زكريا من رؤيا الرزق عند مريم وسأل الولد، وكذا أنتفعت منه مريم فبشرها الله بالولد ليكون من منافع الرزق السماوي في الأرض استجابة الدعاء بالولد الصالح لأن الرزق السماوي أعظم من ان يتعلق موضوعه بالأكل والتزود منه بل ان الأكل منه ورؤيته تؤهل الإنسان لسؤال ولطلب الولد الصالح.
قوله تعالى[بِيَحْيَى]
جاءت بشرى الملائكة بالولد مع ذكر اسمه، وهذا من الآيات الإعجازية في القرآن والإرادة التكوينية، وفي الآية مسائل:
الأولى : استجباته تعالى لدعاء زكريا.
الثانية : لقد انعم على مريم بالرزق، ولم يمنع من رأى الرزق الملكوتي من الرزق ايضاً، بان يسأل حاجته وينال بغيته والله واسع كريم.
الثالثة : اسم يحيى هو الوحيد الذي ورد القرآن بالإخبار بان الله عزوجل هو الذي أختاره ومن خصائص الإختيار الإلهي انه اسم بكر لم يكن أحد مسمى به من قبل وان الله عز وجل أكرم وأسمى من ان يختار اسماً تداوله الناس وسموا به ابناءهم.
الرابعة : هذا الاسم المبارك عنوان الحياة والبهجة والحركة وهو قريب من الأذهان ومع كثرة الأسماء وتعددها فانه لم يجرأ احد ان يسمي هذا الإسم، وسواء كان عدم التسمية هذا من الصرفة أي ان الله صرف الناس عن هذا الاسم ام انهم لم يتوصلوا الى اختياره كاسم، ولو اختاروه اسماً لأختار الله للمولود البشارة اسماً آخر، ان كان عدم التسمية به من قبل شرطاً في التسمية الإلهية للمولود وان كان انفراده بالتسمية من قبله تعالى [لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا]( ).
الخامسة : البشارة بذكر اسم المولود على نحو التعيين والخصوص يؤكد وقوع البشارة على نحو القطع والجزم.
السادسة : تبين الآية جواز تسمية المولود قبل ولادته بل وقبل الحمل به، وكان المسلمون يسمون اولادهم ويكنونهم، منعاً لظهور كنيةغير مناسبة عنه من أهل الحسد او البطالين ويكنى بما يتضمن السخرية والإستخفاف.
السابعة : في التسمية السابقة للولادة عز للمولود ونوع رفعة وشأن له في الحياة العائلية والعامة من قبل ان يولد، فهذه التسمية وجهة صدورها مقدمة لنبوة يحيى.
الثامنة : فيها دعوة لبني اسرائيل لإكرام يحيى وعدم التعدي عليه لأنه ولد عن بشارة ملكوتية واعجاز ظاهر بلحاظ شيخوخة الأب وعقم الأم بالإضافة الى تسميته من عند الله عز وجل.
وورد اسم يحيى في القرآن خمس مرات، وهو عدد غير قليل خاصة مع لحاظ عدم ذكر أسماء اكثر الأنبياء في القرآن، وجاءت ثلاث آيات بخصوص بشارة زكريا به وواحدة خطاباًَ ليحيى [يَايَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ]( )، والخامسة وردت بذكره في نظم ذرية ابراهيم( )، وفي تسميته يحيى وجوه:
الأول : ان الله احيا به عقر أمه، عن ابن عباس.
الثاني : احيا الله به الإيمان، عن قتادة.
الثالث : لأن الله تعالى احيا قلبه بالنبوة، نسبه الطبرسي الى القيل( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها مصاديق لفضله تعالى، وهي استقراء واقتباس من مضامين الآية ولم يرد في القرآن او عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بياناً لعلة هذه التسمية وعدم البيان هذا فيه نكتة وهي ان الاسم بذاته يخبر عن دلالات عقائدية متعددة لأنه رمز الحياة وتحمل الحياة هنا على اطلاقها من وجوه:
الأول : ان الإحياء يتعلق بالمولود نفسه، وانه اشراقة وعنوان للحياة.
الثاني : فيه بشارة مركبة وهي ان المولود سيبقى ذكره حياً متجدداً، لذا ترى القرآن خلده بالذكر.
الثالث : من حياة هذا المولود ان المسلمين وأهل الكتاب يسمون اسماء ابنائهم باسمه والى يوم القيامة.
الرابع : ان ما يتعرض له يحيى من القتل لن يضر في بقاء ذكره.
الخامس : في الآية بشارة لنيل يحيى المراتب العالية في جنة الخلد لأن الله عزوجل هو الذي بشر بالولد وتفضل به ولابد ان يصلحه للدنيا والآخرة.
السادس : تعتبر بشارة الملائكة واقية للمولود وحرزاً من زيغ ووسوسة الشيطان.
السابع : سيبقى قلب المولود حياً بالإيمان ولسانه لهجاً بذكره تعالى.
الثامن : الآية انذار للكافرين والجاحدين بانهم لن يضروا الإسلام في تصديهم على يحيى، لأن ذكره باق كمعجزة ونبي.
التاسع : لقد جاءت البشارة بالمولود وحياته، فهذه الآية لم تذكر لفظ (يحيى) على انه الإسم، بل ورد موضوعاً للبشارة وفيه اشارة عقائدية وجاء ذكر يحيى في آية اخرى [إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى]( )، ووردت البشارة من عنده تعالى، والقرآن يفسر بعضه بعضاً مما يدل على ان ذكر يحيى في الآية محل البحث يراد منه الاسم ولكن هذا لا يمنع من دلالة الاسم على المسمى لأن اختيار الاسم منه تعالى فالناس يختارون الأسماء تفاؤلاً مع أول مناسبة او واقعة تقترن ولادته بها، او محاكاة لاسم نبي او عظيم او مصلح او احد الأجداد، اما اختياره تعالى فلابد انه يتضمن التوافق والتطابق بين الاسم والمسمى.
لقد أراد الله ليحيى ان يكون جوهراً نورانياً يضيء لأهل السماء معاني الإيمان التي تتجلى بأفعال بني آدم فلذا نزلوا بالبشارة فرحين بعطائه غير المتناهي على الإنسان واستدامة الصلاح، وليتلقى الملائكة والناس درساً في ولادة يحيى، اما الملائكة فقد أيقنوا بان الله خلق آدم وأهبطه الى الأرض، ولم يتركه وذريته بل تعاهد صلاحهم، وهيء لهم اسباب اللطف التي تقربهم الى الطاعة وتساعدهم على اتيان الفرائض والمناسك والتلبس بها.
وجاء اللطف الإلهي بولادة يحيى بالمعجزة ليكون وسيلة مباركة لحفظ الدين والملة ومنع الناس من الكفر والجحود والضلالة فان قلت ان الناس قتلوا يحيى، فكيف يكون اسمه يحيى ويعتدى عليه بالقتل قلت: ان الموت وزهوق الروح وانتقال الإنسان الى عالم الآخرة امر حتمي، ولن يكتب الخلود لأحد من البشر، ولكن قتل يحيى جاء ليبقى حياً في قلوب المسلمين وليحيا به الدين.
والتعدي على النبي والصالحين يؤدي الى هدم كيانات الكفر والظلم، ومن سنن الأنبياء تحمل الأذى وتلقي البلاء، وفي الحديث: اشد الناس بلاء الأنبياء.
وفي الآية دعوة لبني اسرائيل لإكرام يحيى والتصديق بما يأتي به وانذار لهم وتخويف من ايذائه والتعدي عليه من وجوه:
الأول : ان ولادته جاءت على نحو الإعجاز بالآية الحسية للناس بعد عجز الأسباب الطبيعية والعلل المادية عن حصول زكريا على الولد اذ بلغ سن الشيخوخة ورحم امرأته معطل أصلاً عن الحمل.
الثاني : جاءت ولادة يحيى ببشارة من عنده تعالى واخبار ملكوتي.
الثالث : ان يحيى بذاته وشخصه وسيرته يخبر عن استحقاقه للإكرام لأنه نبي من عند الله.
الرابع : ان قوله تعالى [بِيَحْيَى] يتضمن ارادة اسم الفاعل وليس المفعول، فهو يحيى باسمه ومسماه وعمله وسيرته ونبوته ودعوته الى الله عز وجل، فالآية القرآنية لم تسمه- يُحيى- بضم الياء- بل جاءت بفتح الياء فهو بذاته يحيى ويبقى وبما ان البقاء في الدنيا خارج بالتخصص فانه يبقى خالداً في القرآن وفي أذهان المسلمين، وان تعدى عليه الظالمون وقتلوه.
أي ان البشارة ذاتها تحمل عنوان التحدي للكافرين والجاحدين وليس الإنذار وحده، فمن يبقى ذكره وعزه وشأنه قائما ًبعد مقتله فكأنه باق لم يقتل، ويكون أمره مفزعاً ومخيفاً للكافرين حتى بعد مقتله،
ان اسم يحيى عنوان للحياة، وبعث للأمل بالإنجاب وبقاء الذرية وحفظ الشأن والجاه والعنوان بالولد الصالح، وفيه أمل لكل زوجين بان يرزقهما الله ولداً، ومن تخلف عنده الإنجاب يتعلق باسم يحيى وقصته أكثر من غيره.
ومن الآيات ان هذا الاسم محبوب عند كل الناس وله وقع خاص في النفوس ولا يزال غضاً طرياً على الألسن وفي المجتمعات، وهذه الآية تؤسس علماً مستقلاً وهو (التسمية السماوية) وفيها عدة أطراف:
الأول : الاسم وهو يحيى.
الثاني : التسمية وانها جاءت من عنده تعالى.
الثالث : المسمى وهو النبي البشارة.
الرابع : ناقل التسمية وهم جماعة الملائكة.
الخامس : موضع التبليغ بالاسم وهو المحراب.
السادس : الذي نقل له الاسم وهو زكريا النبي، لأن هذا النقل ليس من مضامين الخبر بل هو أمر الهي الى زكريا وغيره.
السابع : ان الله سبحانه هو الذي تفضل وسماه من عنده، وفيه دعوة للإنبياء والعلماء والرؤساء بالمساهمة باختيار الأسماء وأسماء المولودين، وهذا الإختيار مع موضوعيته فانه يبعث الحياة والهمة وأسباب الصلاح في نفس المسمى، ويكون عنوان تشريف له.
ان ذكر يحيى في هذه الآية من غير مادة الإسم، أي ان الآية لم تقل (اسمه يحيى) كما في سورة مريم، بل قالت (يبشرك بيحيى) يدل على تعلق البشارة بالمسمى والذات وانه بذاته سيكون بشارة الى جانب تعيين الاسم كبشارة مستقلة، وتدل على الآية على ان الولد مطلقاً نعمة منه تعالى وخصوصاً الولد الصالح، اما ولد السوء فان الشر والأذى يأتيه بالعرض واكتساب ما هو قبيح.
ويخاف المؤمن من ولد السوء لذا قيد زكريا دعاء وسؤاله الذرية بان توسل الى الله بان تكون ذرية طيبة للنجاة من الشرور التي ترد على الإنسان من رفقاء السوء، ووساوس الشيطان.
وهل كان هذا القيد سبباً بقتل يحيى بمعنى انه لو لم يقيد زكريا سؤاله الذرية بانها طيبة لبقى يحيى لم يتعرض للقتل الجواب لا، لأنه من الأجل المحتوم، ولكن هذا القيد كتب العز والرفعة والذكر الحسن ليحيى.
لقد أراد زكريا ميراث النبوة وان يكون يحيى من أفراد المصطفين من آل ابراهيم فاستجاب له الله، فجعله يرث النبوة ويجاهد في سبيله تعالى، ويحمل لواء التوحيد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخشى مكر الجاحدين وكيد الظالمين، ولعل في البشارة اشارة الى وجود نبي في أسماء الأنبياء اسمه يحيى، فاراد الله عز وجل ان يخبر زكريا بان هذا النبي انما هو ولدك لتتضمن الآية معنيين:
الأول: البشارة بالذرية.
الثاني: الإخبار عن تحقق قيد (طيبة) الذي سأله زكريا سواء جاء هذا الإخبار بالعلم المسبق عن زكريا بوجود نبي اسمه يحيى او بدلالة اختياره تعالى لإسمه، وانه ينفرد بهذا الاسم ولهذا الإنفراد والإستحداث دلالات عقائدية منها:
الأولى : موضوعية اختياره تعالى للاسم وانه سبحانه منزه عن الشرك والند حتى في الفعل واختيار الإسم.
فمن عظيم قدرته وسلطانه ان يختار اسماً حسناً يبعث البهجة في النفوس
مع اذعان الجميع عن العجز عن اختياره والإلتفات اليه كاسم من الأسماء، مع تعدد مشارب الناس في اختيار الأٍسماء وعدم وجود سلطان عليهم بتحديد اسماء ابنائهم ومنهم من تتم تسميته باكثر من اسم بالإضافة الى الكنية، واسم يحيى مستحدث في الأسماء والكنى، أي ليس من أحد كان يكنى أبا يحيى، مما يعين ترشح الحداثة في الاسم على كنية زكريا، وهذه الكنية سماوية تشريفية.
الثانية : تأديب المسلمين باختيار الأسماء الحسنة لأولادهم ذات المضامين الإيمانية التي تساعد الولد ذكراً كان او انثى على سلوك طرق الهداية.
الثالثة : في الآية اشارة الى اثر الاسم على الفرد والجماعة فالاسم الحسن لا ينتفع منه صاحبه وحده، بل الأبوان والأخوان والأهل والناس الآخرون، لما يبعثه من السكينة والأمل واسباب التذكير بالله تعالى ولزوم عبادته.
الرابعة : الاسم الإيماني حرب على الكفر والضلالة، فان قلت ان يحيىيعني الحياة وليس فيه ما يدل على الإيمان قلت: المراد من اسم يحيى الحياة وحدها بل الإحياء، فهو يحيي القلوب الميتة ويزيل الغشاوة عن الأبصار وتلك وظيفة كل نبي فحينما اطلق سبحانه اسم يحيى على ولد زكريا قبل ولادته، فالمراد جنس الأنبياء وان كل نبي هو يحيى في بقائه وجهاده وذكره، فهذا الاسم ورد لشخص يحيى الا ان المراد اكرام الأنبياء جميعاً في اسمائهم ومنها تفضله تعالى بتسمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيه من عناوين الشكر والثناء والحمد له تعالى.
وذكر الاسم بالذات عون على تعيين الولد والبشارة وانه ذكر وليس انثى كما في دعاء امرأة عمران وولادتها لمريم، وان البشارة اصبحت امراً حتماً وفيه دعوة لزكريا لأعلان البشارة، ومن منافعها توكيد وتثبيـــت نبوة زكريا لأن مجيء الولد له نوع اعجاز ظاهر،
ومن الآيات ان الخلل والعجز عن الولد لم يكن منحصراً به ولا بأمرأته بل كان شاملاً للطرفين معاً، وفيها تخفيف عنه وعن بني اسرائيل ومنع الإفتراء والريب كالذي أظهروه في ولادة عيسى، وان كان موضوع يحيى أخف لوجود ألأب، الا ان الله عز وجل أراد من ولادة يحيى آية اعجازية خالصة فكان بنو اسرائيل شاهدين على تعذر نيل زكريا الولد وان تزوج امرأة أخرى، كما ان أمراته ظهر عقمها لتوالي السنين عليها وعدم انجابها الولد، ولابد من ثبوت عقمها طبياً، لأن الطب كان متطوراً في ايامهم لذا جاء عيسى بابراء الأكمه والأبرص، لإثبات معجزته بما هو شائع في زمانه.
لقد أختار الله اسماً للمولود والبشارة بما يناسب حال الملائكة وما يجري على لسانها من ألفاظ العفة والطهارة والتقوى، وسيبقى الملائكة فخورين بمن بشروا به وهو يحيى وعيسى فلا يأتي احد من الخلائق ويقول لهم بصيغة الذم والتعيير هذا الذي بشرتم به، او يأتي صنف من الناس ويقول نحن أفضل من بشارة الملائكة،
لذا جعل الله الأنبياء أشرف الخلائق وتعاهدهم وعصمهم من الزلل فحازوا الكمالات الإنسانية وارتقوا في المعرفة الإلهية وكانوا ولا زالوا قادة الأمم، وسرعان ما انقضت ايامهم ولكن كل واحد منهم خلف تركة حميدة ومأثورة لا تقدر امة كاملة ان تخلف مثلها.

قوله تعالى [مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ]
ان البشارة بالولد نعمة عظيمة ولو كانت رؤيا منام، ولكن الله عز وجل تفضل وجعل البشارة بيحيى آية كونية تدل على اكرامه تعالى للإنسان واخبار مستحدث للملائكة باهليته لتلقي البشارة، فبعد اخباره تعالى للملائكة عند خلق آدم بانه جاعل في الأرض خليفة جاءت هذه الآية لتذكرهم بأهلية الإنسان لخلافة الأرض سواء المبشر او المبشر به، فكل من زكريا ويحيى نبي رفع لواء العبادة والجهاد الى ان قتل في سبيل الله مظلوماً فاي شرف اعظم بين الملائكة وسكان السماوات ان ينزل جماعة منهم لحمل البشارة للإنسان.
والقرآن فيه تبيان كل شيء ولا تجد فيه نزول الملائكة بالبشارة بالسوء والعقاب، اذ ان مادة بشر تستعمل في الخير والشر، ومن الأخير قوله تعالى [فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( )، وبلحاظ بشارة الملائكة بيحيى وعيسى فان الملائكة لم تأتِ بالبشارة على نحو مجرد واجمالي فلم تنادِ زكريا “بان الله يبشرك بولد” او تقول لمريم ان الله يبشرك بعيسى، بل وردت بشارة الملائكة على نحو التفصيل فذكرت هذه الآية عدة خصال للمولود وهي:
الأولى : اسمه يحيى ومن بركات هذا الاسم انه لم يسمع به احد من أيام آدم والى حين ولادة يحيى.
الثانية : يقوم بتصديق الحق والتنزيل.
الثالثة : ينصر عيسى في رسالته.
الرابعة : سيداً في العلم والتقوى.
الخامسة : لا يأتي النساء لإنقطاعه الى الله.
السادسة : انه نبي من انبياء الله من الصالحين في الدنيا والآخرة، وسيأتي ايضاً التفصيل في بشارة عيسى في تفسير الآية الخامسة والأربعين من هذه السورة.
والآية بيان مبارك وفضل الهي زائد يتلقاه زكريا وفيه مسائل:
الأولى : انه من عند الله ومن كرمه ان يخبر بتفاصيل البشارة كي تمتلأ النفس رضا وسكينة وسروراً.
الثانية : من سنن الملائكة ان لا تنزل الا بالبشارة التفصيلية لعظيم منزلتها عند الله.
الثالثة : لتوكيد ان البشارة من عنده تعالى وليس من الشيطان.
الرابعة : لإقامة الحجة وان البشارة آية من عنده تعالى، ولم تأتِ اتفاقاً وصدفة او وفق الأسباب والعلل النادرة الحدوث، فقد يحصل حمل بعد نأي وانتظار، وله شواهد في كل زمان، فتجد المرء متزوجاً ليس عنده ولد أكثر من عشرين سنة، ثم ينعم الله عليه من ذات الزوجة بالأولاد خصوصاً باضافة مسألة اصلاح الحال بالطب والعلاج.
فجاءت الآية والبشارة يتضمنان تفصيلاً كريماً يتعدى موضوع الولادة وفيه بيان اعجازي وذكر لأفراد من الوصف الحسن في الذات والسيرة وعظيم المنزلة.
والأصح ان هذا التفصيل من الله عز وجل وليس من الملائكة بقرينة اتصال كلام الملائكة وابتداء النداء [أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ].
ومصدقاً حال نكرة ليحيى، مما يدل على انه سبحانه يعطي بالأوفى حتى في البشارة والأخبار عن النعمة.
والملائكة لا ترى المصلحة من البشارة بتمامها وهو من مختصاته تعالى بدليل انهم لم يدركوا المضامين القدسية لخلق آدم وجعله خليفة في الأرض، فجاءت هذه الآية ارشاداً وتأديباً للملائكة ولبني اسرائيل والمسلمين والناس جميعاً.
فهذه البشارة انعطاف عظيم في تأريخ الإنسانية ومظهر من مظاهر الكمالات والتجليات وهو من مفاهيم الإصطفاء لآل ابراهيم وآل عمران بان تأتي البشارة وافية جامعة مانعة، جامعة لشرائط الصلاح والتقوى ومانعة من الرذائل والأخلاق الذميمة التي تعلق باعمال بني آدم، كما تظهر تفاصيل البشارة عظيم قدرته تعالى من وجوه:
الأول : نزول الملائكة وتوجيههم الخطاب الى الإنسان.
الثاني : مجيؤهم بالبشارة والأمر الحسن ونقلهم لمضامين الرحمة الإلهية.
الثالث : البشارة بالمعجزة الخاصة ذات الأثر والنفع العام.
الرابع : الإخبار عن الصفات الكريمة للمولود مما يدل على تفضله تعالى باعانته عليها وهو من قواعد اللطف الإلهي، وقد يقال ان الآية في معرض الإخبار عن علمه تعالى بما سيكون عليه حال يحيى، ولكن الإخبار جاء ضمن افراد البشارة التي نقلتها الملائكة مما يدل على ان خصال يحيى المذكورة في الآية بتوفيق وعون منه تعالى وفيها دعوة للمسلمين بسؤاله تعالى فيما يكون عليه حال أولادهم وان يبادروا للدعاء للصلاح والرشاد قبل الحمل وعند الحمل وبعد الوضع، لذا وردت ادعية خاصة بليلة الزفاف، والمبادرة بالدعاء لا تنحصر بالآباء بل تشمل الأمهات ايضاً بدليل دعاء امرأة عمران، لتتجلى لنا معانِ شريفة من الإصطفاء والإجتباء وتتغشى الولادات عند المسلمين وتبين منافع الدعاء العاجلة والآجلة وانه يقرب البعيد، ويطرد مقدمات الإمتناع ويحول دون أسباب العجز والقصور.
ان البشارة بالولد نعمة عظيمة ولكن نعمه سبحانه لا تعد ولا تحصى وقد أخبرت مريم زكريا انه تعالى يرزق من يشاء بغير حساب، فمن وجوه الرزق غير المحدود هو افراد هذه البشارة العظيمة، وبعد ان اخبرت الملائكة باسم المولود المبارك بالذات والاسم والتسمية المبشر بها، فمن خصائص وبركات هذا الاسم ان جاء من عنده تعالى وان نقلته الملائكة وهم اول من نطق به على الأرض وتلقاه نبي اثناء ادائه للصلاة في بقعة من اشرف واطهر بقاع الأرض.
وبعد الاسم الهبة، جاء وصف يحيى بخصلة كريمة وهي تصديقه بكلمة من الله، مما يدل على ان هذا المولود يكبر ويصل سن البلوغ وتصدر منه الفعال الحميدة وانه يبادر الى تصديق الحق، وتقديم التصديق والإخبار الملكوتي عنه يدل على ظهوره بالقول والفعل وعلى اللسان والجوارح كما ان اطلاقه يدل على عدم انحصاره بحال دون حال فلا يكون في حال الرخاء والسعة فحسب بل يشمل حالات الشدة والأذى ومواجهة الظالمين.
وفي الآية مسائل منها:
الأولى : اهمية نصرة الأنبياء والدعوة الى الله وهي عنوان الشرف والفخر عند الله والملائكة الناس.
الثانية : ان الأنبياء يحتاجون الناصر والمعين والذي يصدقهم في دعواهم.
الثالثة : المصدق النبي في دعوته منزلة من الشرف العظيم لا ينالها غيره، وقد حاز صحابة النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم شرف السبق في تصديقه في دعوته والجهاد تحت لوائه.
الرابعة : من الوظائف الشرعية للعباد تصديق الأنبياء الذين يأتون معهم بالمعجزات.
الخامسة : تصديق الرسالات من افراد اصطفاء آل عمران وآل ابراهيم، وفيه دعوة لذراري الأنبياء بالمبادرة الى تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته الى الله،
والآية حجة على الناس جميعاً من باب الأولوية فاذا كان الذين أصطفاهم الله مأمورين بتصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون الخطاب متوجهاً الى الآخرين من عموم الناس من باب الأولوية.
والمراد من قوله تعالى [بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ] هو عيسى وعليه اجماع العلماء ولا عبرة بمن شذ وقال المراد هو كتاب الله،
ولا تصل النوبة الى قول المفسرين بل هو ظاهر الآية الكريمة بالإضافة الى تفسير القرآن بالقرآن فقد ورد ذكر المسيح عيسى بانه كلمة من الله قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ] ( )، وقال تعالى [إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ] ( )،
وجمع هذا الشطر عدة بشارات في آن واحد وهي :
الأولى : البشارة بالمولود.
الثانية : بيان ما سيكون عليه من الورع والتقوى.
الثالثة : نصرة يحيى لعيسى بن مريم.
الرابعة : تدل الآية بالدلالة التضمنية على البشارة بعيسى من غير ان تشير اليه على نحو الخصوص او تذكر امه بل ذكرته باسمى صفة وابهى تكريم وشهادة سماوية بشرفه وعظيم منزلته، واذا أخذ بنظر الإعتبار ان مدة الحمل بيحيى كانت وفق المتعارف تسعة أشهر او انها ستة أشهر كما ورد في بعض الأخبار، وكانت مدة الحمل بعيسى فكانت لساعات وان البشارة بيحيى جاءت قبل ان تحمل به امه تبين مقدار المدة بين بشارة الملائكة هذه لزكريا وبين ولادة عيسى، فهذه البشارة سابقة للحمل بعيسى بأشهر، وعن ابن عباس: كان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر.
وعن السدي: لقيت ام عيسى ام يحيى، وهذه حامل بحيى وتلك بعيسى، فقالت امرأة زكريا يا مريم اشعرت اني حبلى، فقالت مريم ايضا اشعرت اني حبلى فقالت امرأة زكريا فاني وجدت ما في بطني يسجد للذي في بطنك فذلك قوله عزوجل مصدقا بكلمة من الله، وقريب منه عن ابن عباس( ).
وعن مجاهد قال : قالت امرأة زكريا لمريم : إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك( ).
وفي الذي يصدق به يحيى ورد قيود:
الأول: انه كلمة من الله في اشارة الى ولادته بكلمة منه تعالى واخبار عن الإعجاز في الحمل به، ولزوم التصديق وعدم الجحود به كآية من عنده تعالى ولأنه سبب لهداية الناس كما يهتدون بكتاب الله.
الثاني : تدل الآية على موضوعية نصرة عيسى وانه سيحتاج الى الناصر، وهذا ظاهر للوجدان لأن عيسى يولد من غير أب، بالإضافة الى اجتهاده في الدعوة الى الله.
الثالث : تبين الآية فضل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمع نبوته ومجيئه بالكتاب السماوي الجامع فانه بعث من غير ان يكون معه نبي مصدق له.
الرابع : في الآية طرفان مصدق على اسم الفاعل وهو يحيى، ومصدق به وهو عيسى عليه السلام، والمصدق به اسمى مرتبة من المصدق، من غير ان ينقص من مرتبة ورفعة المصدق، ففي الآية اخبار بان عيسى سيكون الإمام في الدعوة الى الله تعالى، وقد كان يحيى نبياً اما عيسى فكان نبياً رسولاً ومن الخمسة أولي العزم من الرسل.
الخامس : تؤكد الآية سلامة فعل يحيى بما يبعث السكينة والطمأنينة في نفس زكريا، فلن يفعل يحيى الا الخير والصلاح، ويكون رائداً في تثبيت الحق.
السادس : ان ذكر عيسى بلفظ كلمة من الله تشريف وحفظ له ووقاية له ولأمه من شرور الظالمين، فمضمون البشارة وما فيها من التصديق وجهته لا يعرف الا بعد بعثة عيسى وظهور نصرة يحيى له، والا فان لفظ “كلمة من الله” مطلق، قد يحمله الناس على كتاب وتنزيل من الله وهذا من الإعاز وآيات الحفظ ليحيى نفسه ولعيسى، وعلى فرض إظهار البشارة واخبار زكريا بها وهو الأرجح فان التصديق بكلمة من الله لا يثير حفيظة أي أحد من بني اسرائيل، وبما يؤدي الى الأذى المبكر وقد تعرض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأذى منذ ايامه الأولى للبشارة بنبوته مما يدل على انه لم يلاق أحد من الأنبياء مثل الأذى الذي لاقاه.
السابع : جاء ذكر (كلمة) على نحو التنكير مما يدل على توالي الآيات والكلمات منه تعالى.
الثامن : قيد (من الله) يبين رسوخ يحيى في العلم وانه لا ينصر الكلمة الا لأنها من عند الله، فتدل الآية على درجة الإيمان الكامل والبصيرة عند يحيى.
التاسع : في الآية بشارة البشارة، وانه ستطل على الناس كلمة من الله يصدق بها نبي من آل ابراهيم فلابد ان تثبت الكلمة دعائم التوحيد في الأرض وان يكون لها شأن ومصدقين وأعوان.
العاشر : جاء ذكر الكلمة على نحو التنكير ولكنها مقيدة بانها من عند الله في دعوة للناس باتباع يحيى في تصديقه، فالذي يصدقه يحيى يجب على بني اسرائيل والناس تصديقه واتباعه من وجوه:
الأول : ان يحيى بشارة الملائكة، وولادة يحيى عن آية اعجازية ولابد من ترشح اعجاز الولادة على السيرة والفعل، فالذي يصدقه عيسى هو كلمة من الله عز وجل سواء كان من البشر او كتاب سماوي نازل.
الثاني : في الآية اخبار بان يحيى بشارة خاصة ستعقبها بشارة عامة للناس، وما بشارة يحيى الا جزء منها وفي طولها، فكأن الآية تقول ان ولادة يحيى مقدمة لبشارة أعم وأكبر، فاستعدوا لها بالقبول والتصديق، فولادة يحيى اخبار واشارة الى ولادة عيسى وبعثته، كما وردت الأخبار في التوراة والإنجيل عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق به.
ومع ان يحيى أكبر من عيسى بأشهر فهو مأمور وقبل ان يولد بالتصديق بعيسى، وكأن هذا التصديق نوع عهد وميثاق الهي وجزء من الشكر لله تعالى على البشارة بالولادة.
وكان يحيى معروفاً بالتقوى والصلاح والعفة والنزاهة، فلما رآه الناس يصدق ويؤمن برسالة عيسى آمن شطر منهم برسالة عيسى وأيقنوا انها حق بالإضافة الى الآيات الحسية التي جاء بها عيسى لإثبات نبوته، فمن الإعجاز في باب النبوة ان البشارة بالنبي تسبق بعثته، والتأييد والنصرة ياتيانه من أهل الإيمان وهو نفسه يأتي بالآيات والمعجزات الباهرات التي تصدق نبوته وتؤكد رسالته وتكون شاهداً على صواب اختيار من صدقه، وآمن به، وتدعو الناس للإيمان به، والإقتداء بالذين صدقوه.
لقد كان تصديق يحيى لعيسى آية في التخفيف عن الناس واعانتهم على التصديق برسالة عيسى عليه السلام، وفي الآية دعوة ليحيى للإستعداد لنصرة عيسى والتصديق به حال بعثته ومنع من الشك والريب في نبوته لأنه كلمة الله، وتنفي الآية تلاعب الشيطان في الأمر لأن أمر عيسى سيكون كالشمس ليس فيه لبس او ريب، ووصفه بانه كلمة من الله يدل على مجيئه بآيات لم تكن موجودة بين الناس لذا كان عيسى يحيي الموتى باذن الله.
وعن ابن عباس ان يحيى اول من صدق بعيسى وكلمه عيسى( )، مما يدل على عنوان اضافي آخر وهو مبادرة يحيى الى التصديق بعيسى حال بعثته أي من خصائص نبوة يحيى التصديق برسالة عيسى، ولتأتي البشارة بأبهى معانيها، ويكون حجة على الناس، ومن الشرف العظيم لعيسى ورسالته ان يصدق به حال بعثته نبي قد جاءت ولادته باعجاز الهي مع اعتبار صلة القربى بينهما، وانهما ابنا خالة، وتبين الآية المنزلة العظيمة لخديجة الكبرى وللإمام علي في المبادرة الى تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حال بعثته وكذا الصحابة الأوائل من المهاجرين والأنصار.
والآية دليل على النفع المتبادل والتعاضد بين آل ابراهيم وآل عمران لأن يحيى من آل ابراهيم وينصر عيسى وهو من آل عمران وآل ابراهيم ايضاً، وهو من أسرار العطف بينهما في الآية الثالثة والثلاثين.
ومع ان اختيار اسم يحيى نزل من السماء وان الله هو الذي تفضل به على نحو التعيين في ذات المسمى لم يرد ذكر عيسى في الآية على نحو التصريح والإسم، بل جاء بالكناية[ بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ] وهذه الكناية قد تنصرف في زمانها الى ارادة الكتاب السماوي بل هذا التأويل قال به ابو عبيدة من علماء المسلمين وان المراد هو كتاب من الله.
وفي هذه الكناية والتنكير وقاية ليحيى وعيسى في آن واحد، وكان بنو اسرائيل متمسكين بشريعة موسى ولا يريدون التخلي عنها ومع ما جاء به عيسى من الآيات فانهم واجهوه بالصدود.
فلو كان الإخبار عن تفاصيل نصرة يحيى لعيسى على نحو التصريح والإفصاح لربما تم الإجهاز عليهما قبل ظهور رسالة عيسى وتجلي الآيات الباهرات على يديه.
وفيها آية اعجازية اذ يتوقع الناس التصديق بكتاب من الله، واا هو نبي وكلمة منه تترى الآيات على يديهم ، فيسقط ما في ايدي الكافرين والجاحدين.
قوله تعالى [وَسَيِّدًا]
السيد هو الرئيس الكبير في قومه المطاع في جماعته وعشيرته والذي يكثر من فعل الخيرات واعانة الآخرين والإنفاق ونشر الإحسان، ويتحلى بفضائل الأخلاق كالحلم والكرم، وتحمل الأذى من قومه، لأن الحلم من مقدمات وأسباب الرياسة، وفي حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم “انا سيد ولد آدم ولا فخر”، للدلالة على ان سيادته مطلقة على الناس وجاءت نعمة وفضلاً منه تعالى وان هذه النعمة لم تخرجه عن الخضوع لله تعالى، والتواضع مع الناس، وعدم الزهو والترفع عليهم، لأن مقام النبوة يستلزم الخلق الرفيع، لذا مدح الله عز وجل النبي فقال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ) .
ان السيادة في المجتمع امر محمود اذا أقترنت بالصلاح، وغاية يتمناها الإنسان ويسعى اليها، وهذا السعي من الكلي المشكك فمنهم من يجعلها غاية يبذل الوسع وينفق الأموال من اجلها ويتحمل العناء والمشقة، ويتلقى الأذى كي يسود قومه، ومنهم من يريد السيادة بصيغ القهر والبطش، وهذا لا يصدق عليه انه سيد لقيد فعل الخيرات، فمن خصائص السيد الحلم والكرم والسخاء والذي يترأس على قومه بالقوة والبطش لا تميل له النفوس وان أظهر الناس له السمع والطاعة، ولكن يلحق به من أتبعه في ظلمه وجوره، كما ورد في أهل النار.
وليس كل من يريد ان يكون سيداً في قومه ينال بغيته فقد تكون هناك موانع تحول دون بلوغه مراتب السيادة او أنه يفتقر الى مقومات السيادة، او يوجد هناك من هو أكثر أهلية وقدرة ويكون منافساً له ومزيحاً عن موضع الرياسة او حاجباً دون بلوغه مراتبها، ومنهم من ينال السيادة على نحو الموجبة الجزئية، وتتوقف السيادة على المقومات والمؤهلات الشخصية للفرد ومدى صلاحيته له من الناحية الإجتماعية والأخلاقية والفكرية والمالية وغيرها بحسب موضوع السيادة ففي ايام الحروب والمعارك تستلزم السيادة القوة في البدن وحسن التخطيط وادارة شؤون المعارك لذا مدح الله طالوت حينما جعله ملكاً على بني اسرائيل في قتال الجبابرة فورد في التنزيل حكاية عن نبيهم [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ]( ).
والبشارة بان يحيى سيد رحمة ونعمة خاصة وعامة، اما الخاصة فتتعلق بحيى ذاته ووالديه وبعيسى عليه السلام، اما العامة فيشمل بني اسرائيل والناس جميعاً لأنه سيكون داعياً الى الله ويقود الناس الى سبل الخير، وهذه السيادة ليحيى من مصاديق الإصطفاء لآل ابراهيم وآل عمران،
فلقد اراد الله لمصدق عيسى ان يكون رائد قومه واماماً يهدي الناس لإتباع عيسى، لتكون سيادة يحيى مقدمة كريمة من مقدمات نبوة عيسى ونشر أحكامها وجعل الناس يتقيدون بشريعته، ان تهيئة هذه المقدمات العظيمة لنبوة عيسى تبين اهميتها وعظيم شأنها، وما تواجهه من المشاق والصعاب وكأن هذه التهيئة المباركة لرسالة عيسى اخبار عما سيلاقيه كل من عيسى ويحيى في جنب الله.
وفي (سيداً) وردت أقوال هي:
الأول : ان يحيى كريم على ربه، عن ابن عباس ومجاهد.
الثاني : حليماً تقياً، عن ابن عباس( ).
الثالث : سيداً في العلم والعبادة، عن قتادة.
الرابع : في الحلم والتقى وحسن الخلق، عن الضحاك.
الخامس : فقيهاً عالماً، عن سعيد بن المسيب.
السادس : مطيعاً لربه، عن سعيد بن جبير.
السابع : مطاعاً، عن الخليل.
الثامن : سيداً للمؤمنين بالرئاسة عليهم، عن الجبائي( ).
التاسع : الذي لا يغلبه الغضب.
العاشر : السيد هو المتقدم المرجوع اليه، عن القاضي( ).
ومن الإصطفاء ان يأتي الثناء والمدح ليحيى وهو لم يولد بعد وهذا الثناء يرد بنداء ورسالة شفوية ينقلها الملائكة عن الله عز وجل ليخلدها القرآن، فتكون وثيقة سماوية ناطقة تحكي الكرامات التي منحها الله عز وجل لآل براهيم وآل عمران ومنها ان يحيى سيد، اذ ان هذه الكرامة والإصطفاء يشملان آل عمران ايضاً لما فيهما من المقدمات لنبوة عيسى وتصديق الناس بها.
علم المناسبة
ورد لفظ (سيد) في القرآن ثلاث مرات، مرتين بصيغة المفرد، والثالثة بصيغة الجمع، فقد ورد في امرأة العزيز في قصة يوسف [وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ] ( ).
كما وردت بصيغة الجمع في أصحاب النار [وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ] ( )، ولفظ (سيدها) ورد بخصوص امرأة العزيز فهو مورد خاص كما انها لم تعط العنوان والمعنون حكمهما، اما السادة من أصحاب النار فقد جاء بصيغة الذم وللبيان بان القائلين والمعتذرين اتباع وان امراءهم وكبراءهم قادوهم الى العذاب واستحقاق النار.
لقد جاءت سيادة وزعامة يحيى حاجة عقائدية للناس لمنع تفشي الظلم والجحود وتعدي اقطاب الكفر ورئاستهم للناس من دون منافس وند لهم يدعو الناس الى الحق والعدل وطاعة الله عز وجل، وجاء وصف سادة الكفر بصيغة الجمع للدلالة على كثرتهم وتعددهم، بينما ذكر لفظ السيد ليحيى بصيغة المفرد وكفاية المفرد الداعية الى التوحيد وفعل الخيرات في مواجهة المتعدد من رؤساء الكفر والشرك واذا كان هؤلاء يقودون اتباعهم الى النار، فان يحيى يقود اتباعه ومن يصدق برسالة عيسى الى الجنة والرضوان.
ولفظ سيد وان ورد بخصوص يحيى الا انه جاء من باب المثال فهو شامل للأنبياء جميعاً فكل نبي سيد في قومه وأمته، بل ان مصاديق السيادة ظاهرة على آل ابراهيم ممن عمل بتقوى الله، لذا ورد قوله تعالى في ابراهيم [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]( )، والإمامة أرقى مضامين السيادة والعز والرئاسة.
لقد اراد الله عز وجل ليحيى الجاه العريض والوجاهة في الدنيا والآخرة وهو من أسرار بشارة الملائكة به، وليكون هذا الجاه مقدمة اجتماعية لجذب الناس الى الإسلام وانقيادهم الى عيسى عليه السلام.
لقد بعث عيسى الى بني اسرائيل وهم متمسكون بشريعة موسى لا يرضون بحصول تغيير فيها، ولكن الله عزوجل ينسخ الشرائع ويريد للناس الإنقياد لأمره المقترن بالآيات الباهرات، فمع الرسول المبعوث تأتي المعجزات التي تدعو الناس للإمتثال لما جاء به من عند الله، وتمنع من الصدود والجحود، وهل زكريا نفسه سيد، الجواب نعم، للنبوة والإصطفاء، والأهلية لتلقي نداء الملائكة ولكفالته مريم من بين الرهبان وقد ورد عن ابن عباس انه كان رأس الأحبار( )، لإاراد الله ان يبشر زكريا بان عنوان السيادة والرفعة والشأن الإجتماعي باقِ في ذريته وان الذي سيولد له ليس خاملاً، وهو من الإصطفاء والإجتباء.

قوله تعالى [وَحَصُورًا]
الحصر لغة الحبس والمنع العرضي يقال: حصرني الشيء وأحصرني أي حبسني قال ابن منظور: والحصير الملك، سمي بذلك لأنه محصور أي محجوب( )، ويقال: حصر الرجل: عيي في منطقه والحصر: ضيق الصدر، والإحصار: ان يحصر الحاج عن بلوغ المناسك بمرض او نحوه، والحصور: الذي لا إربة له في النساء، والحصور: الممسك الذي لا ينفق على من معه.
وفي معنى الحصور في الآية أقوال:
الأول : الذي لا يأتي النساء، عن ابن عباس وابن مسعود والإمام الصادق والحسن وقتادة.
الثاني : لا يدخل في اللعب والأباطيل، عن المبرد.
الثالث : العنين، عن ابن المسيب، والضحاك، وهذا المعنى خلاف نظم الآية التي جاءت في باب المدح والثناء على يحيى، والعنة نقص وعيب، كما انه يتعارض مع فحوى الخطاب وظاهر المعنى اللغوي ذاته.
فالحصر أقل درجة من العاقر وهو الذي يأتي النساء ولا يولد له، وهو حاصل لمانع عرضي اختياري، نعم قد يستعمل الحصور فيمن لا يأتي النساء مطلقاً مع عموم السبب، قال الأزهري: رجل حصور اذا حُصِر عن النساء( ).
الرابع : قال ابن الإعرابي: الحصور الذي لا يشتهي النساء ولا يقربهن، وفي علة امتناع يحيى عن اتيان النساء قولان:
الأول: العجز عن وطئ المرأة أي ان الحصور فعول بمعنى مفعول مثل حلوب بمعنى محلوب، والقائلون به أختلفوا في ذكر السبب على وجوه:
الأول : لصغر الآلة.
الثاني : لتعذر الإنزال.
الثالث : عدم القدرة على الوطئ، ولكن مقام النبوة أرفع شأناً، ومباحث حياتهم الخاصة يجب ان تكون منزهة عن هذه التفاصيل، خصوصاً وانها لا دليل عليها، وترد على نحو الإحتمال والظن المرجوح.
الثاني: ان يحيى لا يأتي النساء لا لعجز بل لإنقطاعه الى الله، ولخصال العفة والزهد التي أتصف بها، وهذا القول هو المشهور والمختار،
لقد تحمل يحيى وظائف عقائدية عظيمة فاراد ان يرى الناس المعاني الحقيقية للعبادة ويرجعهم الى سبل الرشاد ويهيء المقدمات اللازمة للتصديق بعيسى عليه السلام، فمن آيات نبوة عيسى ان الله بعث نبياً مصاحباً له يظهر أعلى مضامين التقوى، وتكون هذه خصاله الحميدة دعوة للناس لإتباع عيسى باعتبار ان صاحب العفة والزهد لا يكون كاذباً او خاطئاً في اختياره العقائدي.
فكان الحصر الذي اختاره يحيى من مصاديق العفة والزهد والورع ومناسبة للتفرغ للإنشغال بالعبادة والسعي لجذب الناس الى مفاهيم التوحيد والنبوة، ويتعلق حصر يحيى بالناس اكثر مما يتعلق به نفسه، وتلك من فلسفة النبوة ان اختياراتهم وفق المنافع العامة ودرء المفاسد عن الناس، والحصر هنا عنوان اختياري للتفرغ للعبادة، وعدم تعلق القلب بحب الناس.
“وقال الرازي: احتج أصحابنا بهذه الآية على ان ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح، وذلك يدل على ان ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة، واذا ثبت ان الترك في تلك الشريعة أفضل، وجب ان يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول، اما النص فقوله تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ] ( )، واما المعقول فهو ان الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل”( ).
ويناقش كلامه بصغرى وكبرى، اما الصغرى فيها وجوه:
الأول : لا دليل على ثبوت افضلية ترك النكاح في أي شريعة سماوية وقد ورد في خلق حواء قوله تعالى [وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا] ( )، فكأن المرأة خلقت للزواج وليس للتعطيل والترك.
الثاني : ان ترك يحيى للنكاح جاء على نحو القضية الشخصية، فهو أمر خاص به دون غيره من الأنبياء وذراري الأنبياء.
الثالث : لقد اراد الله عز وجل لصفة الحصر آية ليحيى وشاهداً على ان البشارة من عنده تعالى وانها ملازمة لأيام حياته كلها، فمن الصعب على الإنسان ان يمتنع عن النساء، وبينما الحّ زكريا في طلب الولد كان يحيى حصوراً ممتنعاً عن النساء.
اما الكبرى ففيها وجوه ايضاً:
الأول : لم تثبت افضلية ترك النكاح في تلك الشريعة، والشريعة السائدة آنذاك هي شريعة موسى لأنه رسول من الخمسة اولي العزم وجاءت من بعدها شريعة عيسى وليس في أي منهما افضلية او استحباب ترك النكاح، والا فان كانت الشرائع السماوية تدعو لترك النكاح، وغيرها من ملل الكفر تميل الى النساء لإشباع اللذات وطلب الولد كما في قوله تعالى [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ]( )، فان مفاهيم التوحيد تنحسر في الأرض ويسود الكفر والضلالة.
الثاني : ان قوله تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ] ( )، يراد منه روح
الإيمان والأخلاص في العبادة والإنقياد الى الأنبياء فيما جاءوا به من عند الله، بقرينة (فَبِهُدَاهُمْ) ولو تنزلنا وقلنا ان الحصر من مصاديق الآية، فمجموع الأنبياء مائة والف واربعة وعشرون ألف نبي، لم يرد ذكر أحدهم الا وهو متزوج وله أولاد، الا ما خرج بالدليل كيحيى وعيسى عليهما السلام، وعن الإمام الصادق قال: من اخلاق الأنبياء عليهم السلام حب النساء، وورود استثناء وخصوص فرد من الأنبياء لا يضر بالقاعدة العامة بالإقتداء بهم في النكاح.
الثالث : ان قول الرازي ان الأصل ثابت بقاؤه على ما كان والنسخ خلاف الأصل، فهو حجة في اعتبار الأصل هو النكاح ابتداء من خلق آدم وان الحالة الشخصية الواحدة المستثناة لا تضر ببقائه على حاله.
الرابع : قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( )، كما ورد قوله تعالى [وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ] ( )، وأصل الأمر الوجوب الا مع القرينة وقد وردت النصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم باستحباب النكاح وطلب الولد منها الحديث المشهور “النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني” وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “ما بني بناء أحب الى الله تعالى من التزويج”.
الخامس : لقد رغّب القرآن بالزواج ووصف النساء بانهن أزواج ومادة السكن قال تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا] ( ).
السادس : الزواج العلة المادية لإنجاب الأولاد الذين يتعاهدون التوحيد.
السابع : لقد أظهرت هذه الآيات الحاح زكريا للدعاء بطلب الولد وكذا بالنسبة لأم مريم في رجائها لولد منذور للكنيسة.
الثامن : لقد كان حصر يحيى بيان وتحد للمؤمنين بانه لا يستطيع أحد منكم الصبر على النساء والولد، ويحيى جاهد في سبيله صابراً بلطف واعانة منه تعالى فلا تشددوا على أنفسكم وتختاروا الحصر.
لقد كان في حصر يحيى عنوان للجهاد والإخلاص في سبيله تعالى، وكما انه مصدق بعيسى فانه مستعد بالحصر للقتل في سبيله تعالى، وهو الذي حصل فعلاً، وكأن يحيى يعمل لأجله، ويستعد لمواجهة الكافرين بالصبر في مختلف وجوه الحياة، فالحصر كان خاصاً بيحيى ولا صلة له بنسخ الشرائع ولا يصح اقتباس قواعد كلية منه مثل “ترك النكاح أفضل” بل ان توكيد استحباب النكاح والتنعم بالولد من نعم الله على المسلمين، ويدل على ما كان يعانيه الأنبياء في ذات الله وان منهم من صبر عن الزواج واحتمل الحصر.
ان ورود البشارة بالحصر لا يخلو من تحد فمن أراد صدق النداء والبشارة فليرقب ويفطن الى حياة يحيى، فمن العسير على الإنسان ان يصبر عن النساء، فجاءت سيرة يحيى بمثل ما أخبرت به الملائكة، ويبدو ان الناس في زمان يحيى كانوا مولعين بالنساء والإفتتان بهم بقرينة كيفية قتل يحيى، واغراء امرأة السلطان به.
لقد كان الحصر نوع طريق وكاشف على صدق العفة والطهارة والنزاهة وعدم جعل الدنيا حائلاً دون التضحية في سبيل الله ويدل على ان تصديق يحيى لعيسى لا ينحصر عند حدود القول والتأييد باللسان والفعل الممكن، بل يشمل تحمل القتل من أجل اعلاء كلمة الحق وتثبيت رسالة عيسى.
وفي الآية اشارة وأمر الى وزكريا وزوجه بعدم أمر يحيى بالزواج وترغيب بالنكاح وانه سنة الحياة، خصوصاً وانهما قد أشتاقا الى طلب الولد والحّا في الدعاء والمسألة، فمجيء الولد بعد طول انتظار يجعلهما يحثان ولدهما الوحيد على الزواج لرؤية ذريتهما لاسيما وان زكريا طلب (ذرية طيبة) والذرية أعم من الولد الصلبي، واذا أمر الوالدان يحيى بالنكاح فانه سيق في تعارض بين الحصر باعتباره امر الهي بدليل الآية وان الحصور صفة من صفاته وبين أمر الوالدين، لا سيما وان زكريا نبي الى جانب كونه أباً، فجاءت لتمنع زكريا من الطلب من زكريا بالزواج وفيها منع من اثارة الأقاويل والإفتراء على يحيى وأسباب عدم مقاربته النساء، فجاء الإخبار مقدماً وقيل ان يولد بانه سيكون حصوراً وهذا من آيات الإصطفاء والتخفيف من المصطفين في منع الأقاويل واثارة الشبهات عليهم.
لقد كان يحيى نعمة ونافلة منه تعالى، فجاء حصوراً كنوع شكر له تعالى على هذه النعمة العظيمة والهبة المسخرة للدين وتعظيم شعائر الله، وهذا الحصر من الإصطفاء الذي أنعم الله عزوجل به على آل ابراهيم بان يكون منهم نبي منقطعاً الى الله مشغولاً بذكره تعالى وعبادته ومستعداً للتضحية في سبيله تعالى.
وفي الآية اخبار اعجازي بان هذا المولود سيكون صابراً عن النساء من غير عجز او عدم قدرة على الوطئ بل انه سيكون منقطعاً الى الله تعالى.
وهذا التحدي في الآية سيزيد من الإفتتان والإبتلاء ورصد الناس له او رغبة النساء بالفوز بالزواج منه لأسباب وهي:
الأول : انه ولد بالبشارة الملكوتية وبعد كبر وشيخوخة الأب.
الثاني : يحيى نبي من انبياء الله.
الثالث : لورعه وتقواه وانقطاعه الى الله تعالى.
الرابع : لإنجذاب النفوس له ولإسمه الذي أختاره الله له.
الخامس : لمضمون الآية التي أخبرت بانه حصور.
فمن الآيات ان الفيض والبشارة الملكوتية تتغشى ايام حياة يحيى وانه سيكون حصوراً لا يطئ النساء كشاهد وامارة ودليل صدق على ان البشارة بولادته من الله تعالى وعلى نحو الإعجاز.
بحث بلاغي
من أنواع البديع “الإرداف” وهو ارادة المتكلم لمعنى ولكنه لا يعبر عنه بلفظه الموضوع له، بل بلفظ يرادفه، وقال اهل البيان انه يشبه الكناية، ومن منافع الإرداف الإيجاز وافادة المعنى وما يتعلق به من الزوائد، واستدل عليه بقوله تعالى [وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ]( )، “وان الأصل هو جلست،وعدل عنه عن اللفظ الخاص بالمعنى الى مرادفه لما في الأستواء من الإشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ الجلوس”( ).
وآخر الكلام ينقض أوله، اذ انه يدل على عدم استيعاب لفظ الجلوس لتمام الفرض والمعنى، لذا فلابد من دراسة كل لفظ في القرآن يظن انه من الأرداف بالمعنى البلاغي، فاللفظ القرآني شامل وعام ويتضمن المقاصد المتعددة والمعاني المختلفة التي تتضمن التفسير والتأويل والظاهر والباطن،
ويعتبر وصف (الحصور) آية اعجازية في اختيار اللفظ ويتضمن المدح في مسألة يخالف بها يحيى سنن الأنبياء، ولكنها ليست من عنده او باختياره فأرادت الآية بيان انه نذر نفسه لله وبشارة ثابتة وقد سبق في علم الله انه حصور ممتنع عن النساء، وحصر يحيى انما هو نذر للذات في سبيل الله والإنقطاع اليه سبحانه.
قوله تعالى[وَنَبِيًّا]
وهذا الفرد من افراد البشارة اعظمها وأسناها، وجاءت الآية من باب المثال لبيان مضامين البشارة الإلهية وانها جامعة لخصائص الحسن، ليباهي الله عزوجل بهذه البشارة الملائكة ويدل على تجدد مسألة اقامة الحجة عليهم في الإنسان وأهليته لخلافة الأرض، ففي خلق آدم وعندما توجه الملائكة بالسؤال طلباً للعلم والمعرفة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا]( )،
وتفضل سبحانه لإقامة الحجة عليهم وبعث الثقة في نفوسهم بهذا الخليفة بان علم آدم الأسماء وسألهم سبحانه عنها واظهروا عجزهم عن معرفتها، وفي هذه الآية نزلوا بانفسهم من السماء، ببيان صفات يحيى وهي من مظاهر الجمال والبهاء في المخلوقات، ويلاحظ انهم لم يعترضوا ولم يترددوا في نقل البشارة بل جاءوا مستبشرين، ونقلوها لزكريا في أشرف مواضع الأرض وهو محراب العبادة، وفيه حجة بان الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض لم يفسد فيها، بل عمرها بالتقوى والعبادة والنسك، واخبروا عن صفات يحيى مستبشرين لأن به دوام كلمة التوحيد في الأرض وانه حصور لم يبغ من الدنيا لذاّتها وان كانت تلك اللّذات مباحة ومستحبة بل سخر نفسه لشريعة روح الله، القادم الى الأرض بآية قريبة من آية خلق آدم،
وبين خلق آدم وعيسى عموم وخصوص مطلق، اذ ان آدم خلق من دون ان يكون في رحم وليس له أب، فمادة الإلتقاء ان كلاً منهما ليس له أب، ومادة الإفتراق:
الأولى : ان آدم نفخ الله فيه من روحه من غير واسطة ملك، اما عيسى فان روح الله هو الذي نفخ الروح.
الثانية : جاء نفخ الروح في آدم ببدنه ليبعث الحياة به، اما النفخ بالنسبة لعيسى فجاء في مريم لتحمل بعيسى.
الثالثة : لم ينشأ آدم في رحم، اما عيسى فانه نشأ في رحم، ومرّ بمرحلة الحمل.
الرابعة : آدم ليس له أب ولا أم، اما عيسى فله أم.
الخامسة : ليس من أناس عند خلق آدم، اما عيسى فكان الناس موجودين.
السادسة : الذي سألوا عن موضوع خلق آدم وجعله خليفة في الأرض هم الملائكة وسرعان ما لاذوا بالعرش، وسجدوا لآدم، اما الذين اشكلوا على مريم في ولادتها فهم من بني اسرائيل.
السابعة : لم يمر آدم بمرحلة المهد والصبا بينما عيسى كان في المهد ومن آياته ان تكلم عقب ولادته مباشرة.
الثامنة : آدم ابو البشر، اذ خلق الله له حواء زوجة اما عيسى فانه لم يتزوج.
التاسعة : آدم مات على فراشه بعد عمر مديد اما عيسى فانهم ارادوا صلبه فرفعه الله اليه.
اما عيسى قوله وليس له أب، فنزول الملائكة جاء بالبشارة بتصديق يحيى لعيسى أي انهم فرحون بقرب اوان بعثة عيسى وانهم علموا ما سيكون له من الشأن في الأرض واعلائه لكلمة التوحيد وتثبيته لمبادئه واتصال رسالته ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لقد أكدت الآية اطلاع سكان السماوات على تفاصيل حياة الإيمان في الأرض وتأييدهم لها بنقل البشارات الكريمة.
لقد أخبر الملائكة عن ورود اسم يحيى في الأنبياء وليس لزكريا ولا غيره ان يبدل اسمه لأن الله تعالى أسماه، وان الملائكة تفرقه باسمه من بين الأنبياء وتنتظر نبوته، وما دام مكتوباً في الأنبياء لابد وان يولد ويخرج الى الوجود وان تخلفت العلة المادية، بفضله ومشيئته تعالى.
لقد اراد الله عز وجل ان يرى الناس والملائكة حسن تدبير تعالى من منازل الربوبية والقدرة المطلقة، وهذه الآيات مظهر لجلاله وجماله وأسمائه وصفاته، ومثال لتجلي معاني الكمال الإنساني على من يشاء من عباده فكان يحيى عنوان الإصطفاء ومثال الإجتباء.
لقد أظهرت الآية استحقاق البشارة لنزول الملائكة وقد تقدم ان الملائكة نزلت بالبشارة وفي كل مرة تكون علة نزولهم الإخبار بالنبوة، مما يدل على سعادة واستبشار الملائكة عند ولادة كل نبي.
وهذا الإستبشار يكون متقدماً زماناً على ولادة النبي، وليس على بعثته فقط فقد جاء نزول الملائكة بالبشارة ثلاث مرات وهي:
الأولى: بشارة ابراهيم في سن الشيخوخة بالولد الصالح، وأختلف في المبشر به هل هو اسماعيل او اسحاق، والمشهور قال بانه اسحاق للآية اعلاه وعندي ان بشارة ابراهيم متعددة وليس متحدة وهي على ثلاثة اقسام:
الأولى : البشارة باسماعيل لما ورد في القرآن حكاية عن ابراهيم [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ] ( ).
الثانية : البشارة باسحاق قال تعالى [وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ]( ).
الثالثة : البشارة بيوسف كما في قوله تعالى [قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ]( )، وقد اخبر يوسف عن نفسه بانه عليم فقد ورد في التنزيل حكاية عنه في لقائه مع ملك مصر بعد خروجه من السجن[قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ]( ).
الثانية: بشارة الملائكة لزكريا بيحيى كما في هذه الآية، وهي متقدمة زماناً على بشارة مريم بعيسى بقرينة انها قالت عند تلقي البشارة [قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ]( ).
الثالثة: بشارة الملائكة لمريم بيحيى، وذكر هذه البشارات في القرآن لا يعني الحصر بها، اذ ان اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، وهي عنوان الإعجاز في ولادة عدد من الأنبياء، وانه سبحانه يتعاهد الإيمان في الأرض بولادة الأنبياء بخارق العادات وبما يبعث على التصديق العام بهم.
ولا ملازمة بين الولادة الإعجازية وبين النبوة، فليس كل نبي ولد بكفية اعجازية خارقة للعادة، ولكنها نوع طريق كاشف عن خصوصيات النبوة وتعاهده تعالى للأنبياء قبل ان يولدوا، وقد تكون وظيفة الملائكة في ولادة ونشأة وسيرة الأنبياء أعم من ان تنحصر بالبشارة وان الذين يقومون بالبشارة منهم يتعاهدون النبي في ولادته ونشأته ويحفظونه ويذبون عنه ويدفعون عنه الكيد والشر الى حين بعثته، وقيامه بالتبليغ والدعوة الى الله.
لقد تجلت في هذه الآية معاني الإصطفاء والإجتباء وحيازة آل ابراهيم السبق والكرامة في بلوغ ارقى مراتب الكمالات الإنسانية بفضل منه تعالى، فالله عز وجل هو الذي رزق زكريا ولداً خلافاً لنواميس الطبيعة ثم تفضل وأخبر بانه سيكون نبياً، وهل أعلن زكريا تفاصيل البشارة على بني اسرائيل وان ابنه الذي يولد بمعجزة سيكون نبياً، الأقرب لا، خشية عليه ومنعاً لوصول يد الحسد والبغي اليه، تلك التي تطال الكتب السماوي وتقوم بتحريفه وتغييره، وبقرينة لاحقة وهي قتل يحيى بعد ان تجلت آيات نبوة وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد أراد الله لهذه البشارة ان تدخل قلوب المسلمين وتغمرها بالغبطة والسعادة وهذا من الإعجاز القرآني ان يعرض القرآن البشارة الخاصة ومن رحمته ان تكون البشارة رحمة للناس جميعا ًوتبعث السرور والبهجة في نفوسهم، اذ ان منافع نبوته يحيى وكل نبي تعم المسلمين في كل زمان، لذا فمن شرائط الإيمان التصديق بالأنبياء على نحو العموم الإستغراقي من غير تفريط بنبوة أي منهم.
وتبدو في الآية عظمة الإصطفاء الإلهي وانه سبحانه اذا اعطي يعطي بالأوفى والأتم واي انسان اصابه الكبر، وبلغ مراحل الشيخوخة وليس عنده ولد، فانه يطمع بالولد على نحو الإطلاق، ومن غير تقييد ولكن في بشارة يحيى نبياً وجوه:
الأول : ان زكريا يختلف عن غيره، لأنه نبي وأشترط او لم يرض لنفسه بالولد الا ان يكون نبياً وانه كان يتمنى ان لا يرزق ولداً ان لم يكن نبياً فجاءت البشارة استجابة لرغبته.
الثاني : لقد أجتهد زكريا بالدعاء وسؤال الولد، وان يكون نبياً، ولكل نبي دعوة مستجابة، فاستجاب الله تعالى له وجعل يحيى نبياً.
الثالث : انه من الفضل الإلهي، ومن نواميس السماء ان لا تبشر الملائكة بمولود الا ويكون نبياً، كما في الشواهد القرآنية في اسماعيل، واسحاق، كبشارة لإبراهيم، واضفنا البشارة بيوسف كما تقدم.
ومجيء الملائكة بالبشارة الى مريم بعيسى عليه السلام، ولا تعارض بين الوجوه أعلاه فكلها من مصاديق رحمته تعالى، الا انه يمكن تقسيمها الى مراتب بلحاظ التأثير والأثر.
قوله تعالى [مِنْ الصَّالِحِينَ]
في الآية معنيان:
الأول: ان الجار والمجرور متعلقان (بنبي) وهو قيد وبيان للنبوة.
الثاني: انه صفة مستقلة ليحيى ومنزلة وكرامة اضافية،
ولا تعارض بين الوجهين وصحيح ان غياب الواو بين النبي وبين من الصالحين يبين تعلق قيد الصالحين بالنبوة الا انه لا يمنع من المعنى الأعم واستقلاله كقيد وتعلقه بالمولود البشارة وتلك من الفرائد البلاغية التي ينفرد بها القرآن، ويجعل القواعد البلاغية والكلامية متخلفة عن سبر أغوار علومه، فكل نبي هو رأس الصلاح والتقوى، ولكن الآية جاءت هنا للتأكيد والبيان، وفي معنى الآية وجوه:
الأول : جاء حرف الجر هنا لإبتداء الغاية وان يحيى من ابناء الصالحين، ففي الآية مدح لزكريا وانه يستحق الإكرام بالبشارة بهذا المولود المبارك الجامع لشرائط الحسن والرفعة والشـأن في النشأتين.
الثاني : ارادة التبعيض كما تقول: هذا الرجل من المسلمين، فتكون (من) بمعنى بعض للتوكيد على قيام يحيى بفعل الصالحات وانه ليس نبياً مبعوثاً الى الناس فحسب بل يقوم بفعل الصالحات واتيان الخيرات.
الثالث : ان كل نبي هو من الصالحين، وقد ورد هذا الوصف لعدد من الأنبياء كما في:
الأول : ابراهيم قال تعالى [وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ]( ).
الثاني : اسحاق ويعقوب، كما في قوله تعالى [وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ]( ).
الثالث : في عدد من الأنبياء [وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ]( )،
ان الإنتماء الى جماعة الصالحين رجاء وأمل يسعى اليه الأنبياء والمؤمنون جميعاً، وقد سأل ابراهيم الله عزوجل متوسلاً ان يجعله من الصالحين وورد التنزيل على لسانه [رب هب لي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ]( ).
لقد بشر الملائكة باسحاق ويعقوب ويحيى ويوسف، وكل منهم ورد ذكره بانه من الصالحين مما يدل على ان هذا القيد تؤكد عليه الملائكة، ومن منافعه:
أولاَ : حاجة الإنسان الى فعل الخيرات واتيان الصالحات.
ثانياَ : ان نعت الأنبياء بانهم من الصالحين على نحو الإتحاد والتعدد دعوة للمسلمين والناس جميعاً لنيل هذه المرتبة والشرف العظيم، فانها وحدها تستحق ان تكون بشارة ينقلها الملائكة عن الله عزو جل.
ثالثاَ : تبعث الآية الرغبة في النفس على فعل الخيرات.
رابعاَ : في الآية اشارة الى إمكان الإرتقاء الى مراتب الأنبياء في ثواب الأعمال، عند عمل الصالحات.
خامساَ : مع عظمة منزلة الأنبياء فانهم يحرصون على ان يكونوا من الصالحين، وفيه حث لسؤال الصلاح والهداية والإلتحاق بالصالحين.
سادساَ : وصف (من الصالحين) لم ينحصر بالدنيا وما فيها من عالم الأعمال، بل يشمل الآخرة وموارد الثواب فيها، كما في قوله تعالى في ابراهيم[وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ]( ).
سابعاَ : في الآية تنبيه للمسلمين ولزوم الإستعداد لطلب الولد الصالح في الزواج، واختيار الزوجة المؤمنة المؤهلة لأعانته في نشأة الأولاد، وقد تكرر في الآيات السابقة مرتين قوه تعالى [وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ]( ).
ثامناَ : في الآية تأديب وتعليم للمسلمين بالدعاء وطلب الولد الصالح في كل الأحوال، في حال القدرة والعجز والا من والخوف، والسعة والضيق، وعدم توفر أسباب الصلاح عند الأم او البيئة وما حول الأسرة والولد لا يمنع من الدعاء بالولد الصالح بل انه مناسبة للإجتهاد بطلب الولد الصالح ليكون داعية الى الله تعالى.
وجاءت البشارة بيحيى بانه من الصالحين لنفي الخوف والفزع عن قلب زكريا، لما يراه عند الناس من ضعف الإيمان، وصيغ التحريف، بدليل انهم قتلوا يحيى عندما أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، ودعاهم الى اتباع عيسى عليه السلام.
فان قلت ان تضمن البشارة بانه نبي يكفي في افادة المطلوب قلت: ان الله واسع كريم واذا اعطى انسان او جماعة او انه يعطي بالأحسن والأكثر كمالاً، فمن وجوه الإصطفاء وخصائص البشارة ان تأتي جامعة مانعة، جامعة لخصائص وصفات الحسن ومانعة من الظن الذي يبعث الخوف في النفس، فورد قيد من الصالحين ليطمئن زكريا لعظيم الثواب الذي يرده بسبب ولادة يحيى وللتوكيد للناس جميعاً بانه ما من نبي الا وهو من الصالحين، وفيه حجة على بني اسرائيل وغيرهم من وجوه:
الأول : لزوم اكرام يحيى وعدم ايذائه لأنه لا يريد الا الصلاح.
الثاني : الإيمان برسالة عيسى لأن الذي صدقه من الصالحين.
الثالث : في الآية دعوة للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه نبي من الصالحين ولأن عيسى بشر به.
الرابع : تحث الآية على فعل الصالحات وان صاحبها ممدوح عند الله وعلى لسان الملائكة.
وفي الآية اكرام للمسلمين ان تكون صفات يلتقون بها مع الأنبياء عسى ان يبلغوا درجات الثواب والرفعة في الآخرة.


مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة