معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 64

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَــــــنِ الرَّحِيــــــــــم
المقدمة
الحمد لله الذي تعالت صفاته، وثبتت للخلائق وحدانيته، وعجزت العقول عن درك كنهه، الذي تفضل وجعل العالم مظهراً لجماله وجلاله وصفاته الحسنى.
وصلى  على محمد عبده ورسوله وعلى أهل بيته الطاهرين وسلم.
الحمد لله الذي جعل القرآن نوراً يضيء لأهل السماء دروب الأرض، ولأهل الأرض طرق السماء بالسياحة في آياته وبديع صنعه.
فتمتلأ النفوس بالإيمان وترتقي في عالم الملكوت ليكون الجامع المشترك بين الإنسان والملك كلام  فيصبح عهداً وميثاقاً يتجاذب اهل السماء والأرض فيه المودة والمحبة بضلال العبودية المحضة لله تعالى، التي تتجلى في كل آية من آيات القرآن ،الذي يتضمن عطاء ولطفاً غير متناهِ أراد  له ان يكون جسراً يربط بين الدنيا والآخرة وواقية من عذاب البرزخ ونار جهنم سواء بتلاوته او العمل به او التدبر في آياته ومضامينه القدسية، وأصدق مفاهيم التدبر هو علم التفسير والتأويل الذي أرتدى حلة مباركة جديدة في معالم الإيمان لم ترق اليها العلوم الإنسانية ببركة القرآن وأنواره اللامحدودة وهو على موعد مع العولمة وتداخل الحضارات، ليكون دعوة للناس لقراءة شطر من علوم القرآن.وهو غيض من فيض وكنوز لم يصل اليها العقل الإنساني، سيتصدى لإستخراج شطر منها العلماء في الأجيال اللاحقة ان شاء .
وهذا هو الجزء الرابع الستون منه، ويتضمن تفسير الآيات (69-75) من سورة آل عمران، وأغلب علماء التفسير يجمعها في موضع واحد ليفسرها ببضع صفحات، وقد أنعم  علينا بتفسير كل آية على نحو مستقل كما هي منهجيتنا، مع التأويل والإستنباط والإستناج والتحليل من غير خروج عن مضمون الآية الكريمة لتشع أنوار البهجة والكرامة، وكل آية دعوة للأستقرار في حضرة الملك الجبار وليكون هذا التفسير روضة ناضرة لعلوم التنزيل [وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ].

قوله تعالى [وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] الآية 69
الإعراب واللغة
ودت: فعل ماض، والتاء للتأنيث.
طائفة: فاعل، من أهل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائفة.
الكتاب: مضاف اليه.
لو يضلونكم: لو: مصدرية، يضلونكم: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون.
الواو: فاعل، الكاف: مفعول به، ولو وما بعدها في تأويل مصدر منصوب، والتقدير ودت اضلالكم.
وما يضلون الا انفسهم: الواو: حالية، ما: نافية، يضلون: فعل وفاعل، الا: أداة حصر، انفسهم: مفعول به، والجملة في محل نصب حال، وما يشعرون: و(ما) حرف نفي، دخلت على جملة فعلية فلا تعمل شيئاً، اما لو دخلت على جملة اسمية فانها تعمل عمل ليس بشروط مخصوصة عند الحجازين والنجدين ، كما في قوله تعالى [مَا هَذَا بَشَرًا].
في سياق الآيات
بعد آيات الإحتجاج في ابراهيم ، ومخاطبة أهل الكتاب بصيغة الاشراك والجمع ، مع التفصيل بالإشارة الى اليهود والنصارى على نحو الخصوص وما فيه من الإجمال في تفسير لفظ أهل الكتاب وان المراد بهم أتباع موسى وعيسى العاملون بالتوراة والإنجيل، جاءت هذه الآية خطاباً للمسلمين ، وتحذيراً لهم من آثار جدال أهل الكتاب وما هو أعم منه مما يتعلق بارادة الضلالة، ولتعود الآيتان التاليتان الى مخاطبة أهل الكتاب بصيغة الذم والتوبيخ.
إعجاز الآية
من وجوه الإعجاز في الآية:
الأول: انها تبدأ وتختتم بالبشارة وبعث السكينة في نفوس المسلمين مع انها تتضمن معنى الإيذاء وبيان قصد الآخرين التعدي عليهم.
ومن الإعجاز في نظم الآيات ان تأتي هذه الآية وما فيها من التنبيه والتحذير بعد الإحتجاج على أهل الكتاب ونفي ادعائهم انتساب إبراهيم الى اليهودية او النصرانية ، وما تقدم في التفسير من بيان الغايات من هذا الإدعاء والنسبة بما يضر المسلمين في عقيدتهم وانتمائهم، فبينت هذه الآية جانباً من هذا الإقرار او مقدماته، وفي هذا النظم منع للبس والشك وغلبة القول بعدم وجود مثل هذه الرغبة السلبية عند فريق من أهل الكتاب، فاذا كانت الآيات السابقة تؤكد الإفتراء على عيسى  والإدعاء على ابراهيم بغير حق، فان هذه الآية جاءت بموضوع مشابه، ولكنه لم يصدر عن جميع أهل الكتاب بل عن طائفة منهم.
الثاني: تنبيه المسلمين الى الإضرار المترتبة على ادعاء نسبة ابراهيم الى أهل الكتاب، وان الغايات منه لا تنحصر بموضوع النسبة بل يراد منه الحرب على الإسلام.
الثالث: جاءت الآية بصيغة الود “ود” في اشارة الى رغبة وتمني فريق من أهل الكتاب لميل المسلمين عن الحق والهدى ، ومن الإعجاز فيه الإشارة الى قلة الأثر المترتب على هذا التمني، وبيان ان الإحتجاج فيما يخص انتساب ابراهيم لن يتعدى في غاياته حدود التمني.
الرابع: حصرت الآية تمني الضلالة بطائفة من أهل الكتاب للدلالة على وجود أمة منهم تؤمن بالله ولا تريد الأذى والكيد بالمسلمين.
الخامس: البشارة بخسارة أعداء الإسلام، ورجوع المكر على أنفسهم.
السادس: الإنتقال في لغة الخطاب وموضوعه آية اعجازية، فبعد صيغ اللوم لأهل الكتاب، جاءت آية البشارة للمسلمين بما يبعث الثقة والعز في نفوسهم، وفيه اخبار عن منافع تفضله تعالى بفضح كذب دعوى انتساب ابراهيم  لليهود او النصارى.
السابع: مجيء الآية بصيغة المضارع في اشارة الى استمرار الكيد ومحاولات الإضلال، ان لغة التبعيض في موضوع الرغبة في أغواء المسلمين عنوان للدقة في اللفظ والمضمون، وشاهد على نزول القرآن من عند  وفيه دعوة لأهل الكتاب للإسلام لما فيه من الإحاطة بما يجري ويحاك في منتدياتهم وامتناع شطر منهم عن صيغ المكر والضلالة.
الثامن: الآية ثناء عليه تعالى في صد كيد الأعداء عن الإسٍلام والمسلمين.
ويمكن تسمية الإية بآية (لو يضلونكم) ولم يرد هذا الفظ في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
في الآية عون ومدد للمسلمين لمواجهة صيغ الشك والريب التي يبثها اهل الحسد، وهي حرز وواقية دون الإصغاء للدعاوى التي لا أصل لها وفيها تنمية لمدارك المسلمين، ودعوة لأخذ الحائطة من المكر وأسباب الضلالة، وتشد الآية من عزائم المسلمين بان تصور لهم الكيد بدرجة ضعيفة لا ترقى الى مستوى التهديد، اذ جاءت بلفظ (ود).وتشد الآية من عضد المسلمين لما فيها من المدد الغيبي والعون الإلهي برد محاولة الغير إضلالهم إليه بالذات ،والذي يتجلى بخيبته وخسارته.

مفهوم الآية
تبين الآية وجود أمم وجماعات تريد الإضرار بالمسلمين، وتسعى لتحريف الحقائق بما يؤدي الى نشر مفاهيم الضلالة وحجب دعوة الحق، وتخبر الآية عن الرغبة عند طائفة من أهل الكتاب بالتعتيم على النبوة وحجب البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واثارة الشبهات في الدعوة الإسلامية، كما تجلى بادعاء اليهود ان ابراهيم  يهودي ، وقول النصارى انه نصراني، وفي مفهوم الآية وجوه:
الأول: تدعو الآية المسلمين الى الحذر واليقظة من أهل الكتاب فيما يدعونه، بخصوص الأنبياء والعقائد.
الثاني: تحذر الآية المسلمين من الكافرين والمشركين من باب الأولوية، فاذا كان الذين يتبعون الكتاب السماوي يودون الضلالة للمسلمين، فلابد ان المشركين يسعون في أغواء المسلمين وصدهم عن الإسلام.
الثالث: في الآية تنبيه للمسلمين بان هذه الرغبة في أغواء المسلمين لا تشمل جميع أهل الكتاب، مما يدل على ظهور التباين في الأقوال والأفعال عندهم، ولزوم الفصل والتمييز فيها.
الرابع: في الآية لوم اضافي لأهل الكتاب، فهي وان جاءت خطاباً للمسلمين الا انها تجري ضمن نظم الآيات التي تلومهم على أدعاء نسبة ابراهيم  لهم.
الخامس: يشير ظاهر الآية الى وجود اختلاف وفرقة بين أهل الكتاب بخصوص ما يتخذونه أزاء الإسلام، مما يؤكد ايمان فريق منهم بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه في نبوته، واكرامهم للمسلمين في عقيدتهم ومناسكهم.
السادس: تبعث الآية السكينة في نفوس المسلمين لأنها وردت بلفظ (لو) وهو حرف يفيد التمني.
السابع: في الآية ذم لمن يريد التعدي على المسلمين وايذاءهم، كما تتضمن الإشارة الى اضراره بنفسه من حيث لا يعلم، ومن مفاهيمها الإخبار عن صرف البلاء عن المسلمين، وتفضله تعالى بدفع الأذى عنهم، وصد كيد الأعداء.
إفاضات الآية
لقد جاءت الآيات السابقة باصطفاء ابراهيم وآل ابراهيم، وبينت بعض المسائل التي تدل على هذا الإصطفاء موضوعاً وحكماً، وجاءت هذه الآية لتبين فضله تعالى على المسلمين واصطفاءهم بوقايتهم من الإضلال والغواية، ليفوزوا بوراثة اصطفاء الأنبياء والرسل، بالإضافة الى الإصطفاء بنيل مراتب الإيمان واداء الفرائض والعبادات.
ويستحق المسلمون عناوين مباهاة الملائكة بهم لتعاهدهم أحكام الشريعة الناسخة، وحفظ آيات القرآن، وهذا الحفظ لا ينحصر بالتوثيق وتعاهد نسخ المصحف وتلاوة آيات القرآن، بل يشمل العمل والتقيد التام بالأحكام والسنن التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
اسباب النزول
قيل نزلت هذه الآية في معاذ وعمار بن ياسر وحذيفة دعاهم اليهود الى دينهم( ).
ولكن الآية أعم والموضوع مختلف، وجاءت بلغة المخاطب وارادة عموم المسلمين كما انها جاءت بصيغة الود والحالة النفسية، وهذا لا ينفي وقوع دعوة اليهود لبعض المسلمين الى دينهم.

التفسير
قوله تعالى [ودَّتْ]
من الإعجاز في هذه الآية انها تبدأ بالإخبار عن قصد اهل الكتاب ايذاء المسلمين في دينهم وعقديتهم التي هي أهم شيء عندهم، وأفضل ما استطاع البشر نيله من التحصيل والمراتب، لذا فمن البديهي ان يستغرب المسلمون والعقلاء مثل هذا الإيذاء سبباً وغاية، فاراد   ان يبين عدم ترتب الضرر والأذى على ارادة اهل الكتاب ايذائهم في موضوع العقيدة والمبادئ.
ويحتمل موضوع الود في الآية أموراً:
الأول: انه بمرتبة الود والتمني وانعدام الأثر الخارجي، وبقاء الأمر ضمن حدود الرغبة النفسية، ولا يصل الى عالم الأفعال.
الثاني: ترجمة هذا التمني في الواقع العملي بصورة المكر والكيد واثارة الشبهات والقيام بالجدال والمغالطة بغية بعث الشك في نفوس جماعة من المسلمين، ومنع الإسلام من تحقيق الإنتصارات.
الثالث: الفصل والتفكيك بين الود والفعل بقصد الإضلال، فالعمل لإضلال المسلمين موجود وتسعى فرقة من أهل الكتاب لصد المسلمين عن مسالك الإيمان والهداية وفي الوقت نفسه تتمنى حصول الضلالة والأغواء بتقريب وهو ان الفعل والسعي لإضلال المسلمين قد لا يحدث اثراً في الواقع وان المسلمين يمتنعون عن هذا السعي والمكر ولكن الرغبة عند هذه الطائفة من أهل الكتاب موجودة لتحصيل الغواية والإضلال.
الرابع: مجيء فعل الإضلال والمكر عن قصد، بمعنى ان الجدال والإحتجاج والمغالطة منهم لم تكن لإرادة الفهم وتحصيل العلم واليقين او اختبار صدق النبوة والتدبر بالآيات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل جاءت بقصد الضلالة ، واقترنت بالرغبة فيها.
الخامس: الود في اضلال المسلمين مقدمة للكيد والمكر بهم، فاذا ود الإنسان امراً ما فانه يسعى في دروبه ويحاول تحصيله، لذا فانه انذار للمسلمين ودعوة لهم لأخذ الحائطة والحذر من الكيد الذي يصدر عن أهل الكتاب والإلتفات الى كل فعل منهم أزاء المسلمين ومعرفة اسبابه وغاياته ومدى نفعه او ضرره.
فالآية حث على ارتقاء المسلمين في ميادين المعرفة، والإلتفات الى ما يحاك ضدهم من المكر وأسباب الإيذاء، والصد عن الإقامة على أداء الشعائر والجهاد في سبيل .
ولا تعارض بين هذه الوجوه لإمكان التداخل بينها، وتحمل الآية على المعنى الأعم لإصالة الإطلاق وتعدد الموضوع بالإضافة الى عدم الملازمة بين محاولة الإضلال ووقوعه فعلاً، فاذا قام أهل الكتاب باضلال المسلمين فلا يعني هذا انهم يستطيعون بلوغ غاياتهم.
وجاءت الآية بصيغة الماضي (ودت) وهو آية اعجازية في لغة القرآن ويعني هذا حدوث هذا الود بالزمن الماضي، الا انه لا يفيد الحصر به لقرينة حرف الإمتناع لو في قوله تعالى [لَوْ يُضِلُّونَكُمْ] وهذه الآية مدنية مما يعني انصراف الآثار المترتبة على هذا الود ليبقى شاهداً على الأذى الذي لاقاه رسول  صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة في تثبيت دعائم الدين، ومع هذا فان صيغة الماضي لا تعني انقطاع هذا الود والكيد ومحاولات الإضلال لبقاء مضامين الآية القرآنية حية غضة الا مع الدليل على ارادة الزمن الماضي على نحو الخصوص، وتؤكدالقرائن في الآية وجود محاولات الإضلال لوروده بصيغة المضارع [لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ] بالإضافة الى عدم وجود قيد زماني مخصوص في حرف الإمتناع (لو).
وفي الآية لوم لأهل الكتاب على هذا الود، لأن الأصل هو ان يحب اهل الكتاب للمسلمين الهداية والصلاح واجتناب الضلالة والغواية والإبتعاد عن مفاهيم العبودية، ويحتمل هذا اللوم أموراً من جهة السعة والحصر:
الأول: شمول اللوم لجميع أهل الكتاب لأن طائفة منهم تود السوء للمسلمين، وعلة هذا الشمول مسألتان:
الأولى: ان اهل الكتاب جميعاً مسؤولون عما يصدر عن طائفة منهم خصوصاً، وان الوصف جاء بانهم طائفة من اهل الكتاب.
الثانية: لزوم توجه اهل الكتاب عامة الى مد جسور المحبة مع المسلمين، وتوثيق الصلات معهم، والإقرار بآيات النبوة.
الثاني: توجه اللوم الى الرهبان والقادة منهم، لأن الوظيفة الشرعية تقتضي اعلان ما موجود في التوراة والإنجيل من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والوظيفة الأخلاقية تستلزم نصرة الحق والصدق والتنزيل.
الثالث: حصر اللوم والتوبيخ بطائفة منهم، وهي التي تود اضلال المسلمين دون غيرها.
والأصح هو الأخير لعمومات قوله تعالى [َلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى]( ) ولتوجه اللوم الى فاعل القبيح ومن يقصد الإساءة والإيذاء،وفيه ثلاثة وجوه:
الأول: هذه الطائفة من الرهبان وقادة أهل الكتاب ،خشية منهم على مصالحهم ومنافعهم الشخصية التي يخافون زوالها انتشار الإسلام.
الثاني: هم من عامة اهل الكتاب والناس الذين لا يتدبرون في عواقب الأفعال.
الثالث: الجامع من الرهبان ومن يتبعهم من عامة أهل الكتاب.
والأقرب هو الثالث لأن هذا الود عبارة عن رغبة في النفس متقومة بقصد وغاية تتعلق بالمبادئ والأهداف.
لقد جاءت الآية بأمرين:
الأول: عدم تعدي الإرادة عن حدود الود والرغبة.
الثاني: انحصاره بطائفة وفرقة من أهل الكتاب دون المجموع وعامة اليهود والنصارى ، وكل من هذين الأمرين بشارة وتخفيف عن المسلمين وفيه توثيق حال الإبتلاء والإختبار التي يتعرضون لها وما يترتب عليها وما يجب اتخاذه ازاءها من الأفعال واخبار عن نوايا أهل الباطل والرغبة في حصول الزيغ عن جادة الصواب وان وجودها لا ينحصر بالكفار والمشركين بل يشمل فرقة من الذين يتبعون الكتب السماوية.
والطائفة من الشيء: الجزء منه، وتطلق على الجماعة من الناس وليس لها حد مخصوص فهي من الكلي المشكك الذي له مراتب متفاوتة، (قال مجاهد: الطائفة الرجل الواد الى الألف) ( ).
والأصح ان الطائفة ليس لها حد من طرف الكثرة الا انها جزء وشطر من الكل وان كان الأكثر منه، وفي الحديث: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق”.
ومجيء الآية بلفظ (طائفة) آية اعجازية، من وجوه:
الأول: عدم تعيين تلك الطائفة بوصف مخصوص.
الثاني: لفظ (الطائفة) يفيد الكثرة والقلة، وفيه اخبار بإزدياد عدد هؤلاء تارة، واخرى يصيبه النقص، من غير ان ينتفي وجوده اوموضوعه.
الثالث: الحذر والحيطة من شمول اهل الكتاب بعمومات الآية، وهذا الود، وفيه تأديب للمسلمين، ومنع من سوء الظن والريب في كل قول وفعل يصدر من اهل الكتاب، وهذا المنع، برزخ دون ضياع اسباب الرشاد والعون التي قد تصدر من طائفة اخرى من اهل الكتاب، واذ اخبرت الآية عن ود ارادة القبيح ، فان مفهومها يعني ان طائفة اخرى منهم لاتود الضلالة والغواية للمسلمين ، وفيه وجوه.
الاول: ان الطائفة الاخرى من اهل الكتاب يودون الهداية والصلاح للمسلمين.
الثاني: ليس عند هذه الطائفة رغبة في صلاح، وضلالة المسلمين، وهذا الوجه على شعب:
الاولى: المراد طائفة من اهل الكتاب من حول المدينة مثل يهود خيبر، ونصارى نجران.
الثانية: اهل الكتاب الذين لم تبلغهم الدعوة، ولم تصلهم الدعوة إلى الاسلام وأخبار بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة: الجامع لهما، وارادة الفريقين معاً.
والاصح الثالثة خصوصاً بلحاظ ارادة العموم في مضامين الآية.
وفي الآية اشارة الى التحريف والابتعاد عن الحق عند فريق وجماعة من اهل الكتاب، لان من يرغب بضلالة من هو على جادة الصواب والهدى، لابد وانه على الضلالة والغواية لذا فان الآية تحذير لهم، وتقذف الرعب في قلوبهم من وجوه:
الاول: اخبار القرآن عما يضمرون من المكر والكره ونية الاضرار بالمسلمين.
الثاني: بيان قبح نية ألسوء وارادة الشر بالمسلمين.
الثالث: ورود الخطاب للمسلمين في وصف لفرقة وطائفة من أهل الكتاب بيان لحال القوة والمنعة عند المسلمين، وقدرتهم على الانتفاع من هذا الخطاب ومعالجة الامر واجتناب الاضرار التي قد تنتج عن مثل هذا الود والرغبة.
وفي الآية دعوة لاصلاح اهل الكتاب انفسهم وتهذيب نواياهم وعدم اضماء السوء والشر للمسلمين.
نظرية اعجازية جديدة
تتضمن الآية في فحوى الخطاب الزجرعن ايذاء المسلمين بالقول والفعل، فاذا كان القرآن يحذر المسلمين من نوايا السوء التي يضمرها فريق من اهل الكتاب لهم، فانه من باب الاولوية يحذر ويمنع أهل الكتاب من المكر والكيد بهم.
وهذا من الغايات غير المحدودة للفظ القرآني، فبعد ان ثبت وشاع ان القرآن بالفاظه المحدودة يحيط بعالم اللا محدود من الوقائع الاحداث، فان مضامين الآيات القرآنية تبين حقيقة عقائدية اخرى وهي ان كلمات القرآن تحيط باللامحدود من الغايات والمقاصد، والاسباب والنتائج فتأتي هذه الآية للاخبار عما تتمناه طائفة من اهل الكتاب للمسلمين من معاني الإذى والسوء ، لتكون اشارة الى امور:
الاول: العداوة والبغض الذي يحمله فريق من اهل الكتاب للمسلمين.
الثاني: احتمال صدورتعد منهم على المسلمين.
الثالث: عدم الوثوق بهذه الطائفة.
الرابع: الحذر مما يدعون فيما يخص النبوات السابقة والعبادات.
الخامس: التصدي لما يثيرون من اسباب الشك والريب.
السادس: ضرورة الحذر من المكر السئ.
السابع: لزوم وحدة المسلمين، واعتصامهم بالتوحيد وتقيدهم باحكام الشريعة خشية الضلالة واهلها.
فمن الآيات في المقام :
اولا: الحذر من المكر والكيد، يدفع بالمسلمين الى اليقظة والنباهة والفطنة.
ثانياًَ: تقوية صفوف المسلمين واعتصامهم بكلمة التوحيد، وثباتهم على الايمان.
ثالثاً:تنمية ملكة الحيطة عند المسلمين.
رابعاً:الوقاية والحذر عند المسلمين تكون على قسمين :
الاول: القضية الشخصية، فيصبح المسلم حذراً من اسباب الافتتان، واثارة الشبهات.
الثاني: القضية النوعية العامة، فيكون حذر المسلمين أفرادا وجماعات وملة ودولة عاما، وشاملاً وظاهراً في المساجد والممنتديات والاسواق والبيوت وغيرها من الاماكن العامة، ومواقع السلطان والتاثير والاصح هو الثاني، لذا جاءت الآية لتحذير المسلمين كافة بصيغة الجمع.
بحث بلاغي
من وجوه البديع التنكيت وهو ارادة شيء مخصوص بالذكر دون غيره، لأجل صفة ونكتة فيه، واستدل عليه بقوله تعالى [وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى] ( )، فجاء ذكر الشعرى من بين النجوم مع انه تعالى رب كل شيء، لموضوع خاص يتعلق بها، وهو ان رجلاً من العرب كان يعرف بابن أبي كبشة اخذ يعبد الشعرى، وجاءت هذه الآية بخصوص طائفة من اهل الكتاب دون غيرها، مع ان هذا الود موجود عند غيرهم من اهل الكتاب، ومن الكفار والمشركين الذين يصرون على العناد والجحود، فلماذا ذكرت هذه الفرق على نحو الخصوص فيه وجوه:
الأول: معرفة المسلمين بطائفة منهم دون غيرها.
الثاني: قربهم من المسلمين.
الثالث: ارادة تحذير المسلمين منهم.
الرابع: الآية لم تعين جماعة او طائفة مخصوصة.
وهل يعني هذا الدعوة للحذر واخذ الحائطة من الجميع، لا مانع من هذا الأمر، ولكن الآية أخبرت عن طائفة ولابد انها مخصوصة ومعلومة عند المسلمين، لذا قيل: المراد (جماعة من اليهود خاصة)( ).
وقيل ان المراد من [ودت] أرادت بمعنى انها عزمت على الاضلال.
بحث بلاغي
قسم الكلام في علم البيان الى الخبر والإنشاء، وجاءت اقوال متعددة باضافة اقسام اخرى منها النداء، والمسألة والأمر والنهي والتشفع والتعجب.
واكتفى جماعة باضافة الطلب الى الخبر والإنشاء، وقد عرف القاضي ابو بكر والمعتزلة الخبر بانه الكلام الذي يدخله الصدق والكذب، واشكل عليه بان خبر  تعالى حق وصدق، (فأجاب القاضي: بانه يصح دخوله لغة)( ).
ولا يخلو من تكلف، ويمكن ان يقال ان الاخبار السماوي خارج بالتخصص من تعريف الخبر هذا، او ان يؤتى بتعريف آخر يتعلق بالاثبات والنفي، فليس من ملازمة بين الخبر وبين موضوع الصدق والكذب في التعريف، وتقسيم الكلام الى الإنشاء والخبر استقرائي، فقد يأتي الخبر بمعنى ألأمر، وبمعنى النهي، كما في قوله تعالى [وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ]( )، مع ان الأمر والنهي من اقسام الانشاء، ومن اقسامه ايضاً التمني وهو الرغبة بحصول شيء، وبين التمني والترجي عموم وخصوص مطلق، فكل ترجي هو تمني، وليس كل تمني هو ترجي، والتمني يقع في الممكن والمستحيل، أما الترجي فلا يقع الا في الممكن لاشتراط الامكان في الترجي، ومنهم من جعل التمني من اقسام الخبر، وان المراد منه الخبر، وعده من الانشاء هو الأصح.
وجاء (الود) في الآية من باب التمني وليس الترجي، أي انه لن يحصل، وتدل عليه خاتمة الآية الكريمة، ومن الآيات والبيان ان تاتي الآية ذاتها بما ينفي حصول موضوع هذا التمني مثلما يحمل ذات اللفظ، أي [ودت] مضامين الاستحالة.
ومن خصائص التمني انه يقع في البعيد، فجاءت الآية للاخبار عن بعد وقوع الضلالة للمسلمين، وان أهل الكتاب وغيرهم يدركون عدم اغواء المسلمين او اضلالهم، وهذا التنافي بين ما يودون وبين ثبات المسلمين على الهدى والايمان يؤكد الضلالة الذاتية عند تلك الطائفة، لانها تتطلع لأمر غير ممكن، وفيه بشارة للمسلمين بثبات دعائم الايمان، ورسوخ اركان الاسلام وعدم الخشية من الكيد والمكر.
قوله تعالى [طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ]
ذكرت الآية الذين يتمنون الغواية والضلالة للمسلمين، ولم تكتف الآية بذكر لفظ جماعة او فريق اوطائفة من الناس، بل قيدت ذكرهم بانهم من اهل الكتاب، وفيه بيان وتعيين لهم ليكون المسلمون على حذر منهم، ولكن هذا التعيين اجمالي وليس تفصيلياً، فالآية لم تذكر اشخاصاً على نحو الخصوص، ولا فئة او فرقة بالاسم، او اليهود وحدهم دون النصارى، بل ذكرت ان الطائفة من جملة اهل الكتاب وهل هذه الطائفة ثابتة الافراد، الجواب لا، بل هي من الكلي المشكك على وجوه:
الاول: انتقال جماعة من افراد هذه الطائفة الى الاسلام فحينما يرون الآيات، وثبات المسلمين في منازل الهداية فانهم يبادرون الى اختيار ما فيه الخلاص والنجاة، فيدخلون الاسلام افراداً وافواجاَ .
الثاني: قيام جماعة من هذه الطائفة بايذاء المسلمين بالقول والفعل، اذ إنه يبدأ بحال الود والتمني لضلالة المسلمين ثم مايلبث ان يقوم بنفسه بتحريف الحقائق، والمكر السئ واثارة الشبهات، والتغير الذي يطرأ على هؤلاء ليس من الكلي المتواطئ بل هو من الكلي المشكك، فمنهم من يظهر اشهدحالات الاذى للمسلمين، ومنهم يظهر أدناها وأقلها ،أو يحرص على إخفائها ولكن القرآن جاء بفضحها بقصد الإصلاح مطلقا.أي إصلاح المسلمين وغيرهم.
الثالث: بقاء بعض الأفراد في ذات الفرقة التي تود الغواية والضلالة للمسلمين.
وهل الآية ناظرة الى التغيير الذي يطرأ على هذه الطائفة كثرة وقلة الجواب نعم، لذا جاء اختيار لفظ الطائفة باعتبار عدم وجود حد له من طرف الكثرة أي انه قد يتسع او يضيق، او تكثر أفراده او تنقص في دعوة الى عدم الخشية من كثرة هذه الطائفة وعدم الإستخفاف بها.
ولقد ذكرت الآية طائفة من أهل الكتاب يودون ضلالة المسلمين ولم تذكر الطائفة او الطوائف الأخرى منهم ، وفيه وجوه:
الأول: ان أهل الكتاب الآخرين لا يودون ضلالة المسلمين.
الثاني: انهم يودون الإستقامة والعز للمسلمين.
الثالث: لم يطلع فريق من أهل الكتاب على الإسلام أيام نزول هذه الآية ، ولم يكن لهم علم ببعثة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولو أطلعوا فيما بعد على الإسلام ومبادئه فهل يلحقون بالطائفة الأخرى ويكونون جميعاً ممن يبغي الضلالة للمسلمين، ليصبح اهل الكتاب جميعهم يودون الضلالة للمسلمين، الجواب لا، لأن الآية ذكرت طائفة منهم مما يعني عدم شمول مضامينها اهل الكتاب جميعاً في أي زمان.
وقد مدح القرآن فريقا من أهل الكتاب ، بقوله تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى].
ولا تعارض بين اطلاق الآية أعلاه والتخصيص الوارد في الآية محل البحث خصوصاً وانها وردت بذكر طائفة من أهل الكتاب وليس طائفة من النصارى على نحو الخصوص والتسمية ، ولعل القول والإنتماء للنصرانية أعم من مسمى ألإنتساب ،والرغبة بضلالة فرد او جماعة من الهوى السلبي الذي هو على قسمين فمنه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه، ومن أي القسمين هذا الود، الجواب انه من المكروه لترجله الى عالم الفعل، نعم يكون هذا الود حسرة يوم القيامة على صاحبه كما انه يحول دون تدبر صاحبه بالواقع.
ومن لطفه تعالى اصطفاؤه لآل ابراهيم ،اذ تفضل بهذه الآية بتنبيه وتحذير أهل الكتاب من الرغبة التي تتضمن القبح والكراهة، وهذا اللطف مركب وعلى وجوه:
الأول: لطف ورحمة بالمسلمين بتحذيرهم واخبارهم عن رغبة اهل الكتاب ، وهم أقرب الناس الى المسلمين.
الثاني: الرأفة بأهل الكتاب بنزول القرآن بوصف ما في نفوس شطر منهم من الرغبات والأهواء، ومدى ما فيها من الضرر والإضرار، وهذا الوجه على أقسام:
الأول: انذار افراد هذه الطائفة ومن يضمر السوء للمسلمين، ودعوتهم الى اصلاح الذات وتهذيب النفوس.
الثاني: الرأفة بالطائفة او الطوائف الأخرى من أهل الكتاب بتنبيههم وتحذيرهم من الإنسياق وراء رغبات اخوانهم ممن يريد السوء والشر بالإسلام والمسلمين، من وجوه:
الأول : ما تبينه الآية من قبح ارادة الإضرار بالمسلمين.
الثاني : مدحهم بانهم لم يرغبوا بالغواية والضلالة للمؤمنين.
الثالث : الإشارة الى سلامة نهج المسلمين، وان صدهم عن الإسلام ضلالة وإضلال، وهما فعلان قبيحان عقلاً وشرعاً.
الثالث: التخويف والوعيد لأهل الكتاب الذين يحاربون الإسلام ويريدون الشر بالمسلمين، فاذا كانت الآية تذم الرغبات السلبية أزاء المسلمين فلابد ان حكم الذين يحاربون الإسلام أشد.
الرابع: نصح وتحذير أهل الكتاب من تحمل الآثام بالتعدي على المسلمين وايذائهم.
الخامس: الرأفة والرحمة بالناس جميعاً بتحذيرهم من الإساءة للمسلمين ومحاولة الكيد بهم، واخبارهم بان القرآن ينزل بكشف سرائرهم ونواياهم.
ومن الإعجاز في الآية انها خصت طائفة من أهل الكتاب لجعل كل فرد من أهل الكتاب يتجنب ان يكون من هذه الطائفة، ويخشى ان يظهر ما يدل على ميله ورغبته لإضلال المسلمين سواء في القول او العمل كما انه يجعلهم أفرادا وجماعات يحرصون على الإبتعاد عما يسيء للعقيدة الإسلامية ومبادئ التنزيل، وتعطي الآية لعامة أهل الكتاب درساً بلزوم النفرة ممن يريد بالإسلام السوء ويضمر للمسلمين الضغائن، حتى اذا اظهر بعضهم رغبته ووده بايذاء المسلمين والإيقاع بهم لم يجد له ناصراً من أهل الكتاب فيكون عدد أفراد تلك الطائفة التي ذكرتها هذه الآية قليلاً، لا تأثير له، وهذا من اعجاز القرآن وآية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً، فتأتي الآية بذم الهوى والشعور الذاتي الخاص عند فريق من أهل الكتاب ليكون حصانة للفريق الآخر والمسلمين والناس جميعاً.
والآية شاهد بتضمن القرآن لما يخفي الناس في نفوسهم، وهي دعوة للبحث في القرآن عما يراه الآخرون أزاء الإسلام وفي شؤون الدنيا وأحوال الآخرة، ومعرفة قصص الأمم السالفة فاذا كان القرآن يكشف الهوى والميل لطائفة من الناس فمن باب أولى انه يخبر عن عالم الأقوال والأفعال، والدروس والعبر المستنبطة منه.
لقد سخر   الدنيا للإنسان وأسباب سعادته، وجعل ما فيها من الكائنات آيات ومادة لهداية الإنسان ، وجاءت هذه الآية مصداقاً لقوله تعالى [ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]( )، فهي من الآيات التي تتعلق بالأنفس لأنها تبين للمسلمين وجود كدورات عند بعض الطوائف من أقرب الملل الى الإسلام والمسلمين، وتحذرهم من تحول التمني السلبي عندهم الى تعدِ وأذى ومقدمة للرد على الإعتداء لعمومات قوله تعالى [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ] ( )، وجاءت الآية لمنع وقوع هذا الإعتداء بحصره في درجات الرغبة والهوى ومنعه من الظهور في القول والفعل.
لقد أراد  نصرة المسلمين بذكر الفريق الذي يتمنى الضلالة لهم، ولابد انه سبحانه ينصرهم على من يقوم بمحاولة اضلالهم والتعدي عليهم، وفيه درس لأهل الكتاب والناس جميعاً، ويأتي الضلال بلفظ الهلاك، ولكن القدرالمتيقن من الآية هو الإضلال والغواية، نعم هذا الإضلال مقدمة ومدخل للهلاك لما فيه من الإبتعاد عن أحكام الشريعة.
ولكنه لا يمنع من ارادة عامة اهل الكتاب لأن الضلالة أعم من موضوع الآية والود بضلالة المسلمين للتخلف عن الإستجابة للآيات، فالآية قاعدة كلية وهي ان الذي لا يصدق بالآيات والتنزيل يكون قد أرتكب خطأ ازاء نفسه وقادها الى الضلالة والغواية، وصار سبباً في غواية غيره كالأبناء الا ان يشاء .
قوله تعالى [لَوْ يُضِلُّونَكُمْ]
لو حرف امتناع لإمتناع، والجواب فيها ممتنع لإمتناع الشرط ولعدم الوقوع، ولا عبرة بابطال ابن هشام لهذا المعنى اذ إستدل بقوله تعالى [وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا]( )، ولكن هذه الآية لا تنفي معنى الإمتناع الشرطي والجوابي للحرف (لو).
ومجيء الآية بلفظ (لو) بشارة للمسلمين ، وكنز قرآني خالد يبعث اشراقة العز في نفوس المسلمين، ويثبت مفاهيم النصر في مجتمعاتهم والإمتناع بالحرف (لو) لا ينحصر بزمان دون آخر، بل هو أعم من أفراد الزمان الطولية، ويعرف بالقرائن هل المراد الزمان الماضي او الحال او المستقبل او ان الفعل الممتنع ينبسط على آنات الزمان المتعددة والمتباينة.
لقد جاءت الآية باكرام المسلمين بمخاطبتهم بصيغة التحذير والتنبيه، وتدعوهم الى اليقظة والفطنة، ويدل هذا الخطاب موضوعاً وحكماً على أهلية المسلمين لتلقي الخطاب التحذيري، واتقان آداب المعاملة والتصرف مع المذاهب والملل الآخرى، والإحتراز من أسباب الضلالة وسبل الإنحراف.
وفي الآية مسائل:
الأولى: مجيء الآية بصيغة الجمع بخصوص الطائفة التي تريد اضلال المسلمين وهي جزء وشطر من عموم أهل الكتاب.
الثانية: توجه تمني الإضلال الى عموم المسلمين وبصفة الإسلام وليس بالصفة الشخصية او جماعة او أهل من بلد من بلدان المسلمين، او طبقة او جيل منهم.
الثالثة: تبين الآية سمو أخلاق المسلمين، وعلو منزلتهم.
الرابعة: تدل الآية على ان الضلالة صادرة من كبرائهم وممن يصر على الثبات على ملته والصدود عن الإسلام.
الخامسة: هل تبين الآية الضلالة التي عليها تلك الطائفة من أهل الكتاب، الجواب نعم، ولكن بوجوه:
الأول: انها على ضلالة لذا تريد إغواء الغير وصده عن سبيل الهدى.
الثاني: تأتيهم الضلالة بالعرض، فما داموا يتمنون الضلالة لأهل الإيمان فانهم على الضد من الإيمان.
الثالث: قبح النية المكروهة والرغبة الفاسدة.
وتحث الآية المسلمين على التدبر والتمييز بين طوائف اهل الكتاب لأنها تتضمن الذم لطائفة منهم، وهذا التدبر وموضوعه ينمي ملكة التمييز عند المسلمين، ويجعلهم يعرفون لحن القول ، وما يخفيه الإنسان من الحسد ونية السوء من خلال كلامه وفعله كما يترشح عن هذا التمييز اختيار كيفية المعاملة معهم والتباين فيها بما يجعل المسلمين يتجنبون المكر الذي قد ينتج عن نية السوء، ويسعون لتخليص اهل الكتاب منها.
وإذا طالت ملابسة الود باضلال المسلمين مع النفس وخلجاتها، فانه يبدأ بالصعود الى الخارج على نحو الهمّ وأول القصد، ثم يظهر على اللسان وفي الأفعال خصوصاً اذا كان الود مستحوذاً على المتعدد كما في الطائفة والجماعة، فان بعضهم يؤازر بعضاً في تبيانه وظهوره لما يبعثه حضور وفعل الجماعة من الحماس في ذات الفرد، كما أنه يجعل غشاوة على بصره تمنع من اكتشاف الحقائق ومعرفة ما هم عليه من الباطل والضلالة، لذا جاءت الآية بصفة الطائفة لتبين الأمور الإضافية والعرضية التي تأتي مع تواطئ الجماعة على فعل القبيح والإضلال المذكور في الآية على وجوه:
الأول: الإرتداد عن الإسلام.
الثاني: ترك العبادات والمناسك.
الثالث: اظهار الإسلام ثم الرجوع عنه.
الرابع: الفتور والصدود عن الجهاد في سبيل .
الخامس: الإعراض عن النفير ومحاربة الشرك.
السادس: الميل الى دين اليهودية والنصرانية، خصوصاً وانهم أدعوا بان ابراهيم كان يهودياً او نصرانياً.
السابع: الهلاك والخسارة في الدارين بترك دروب الهدى والإيمان، فجاءت الآية لتنبيه المسلمين للثبات في منازل الهدى والبقاء على النهج المستقيم مع الحذر والحيطة من دعوات أهل الكتاب وتعديات المشركين والإحتراز من النفس الشهوية والميل الى زينة الدنيا والركون اليها.
وفي أوان ومكان الإضلال وجوه:
الأول: ايام التنزيل، والنبوة.
الثاني: مدة النبوة وعهد الصحابة.
الثالث: الإنبساط على أيام الحياة، منذ ايام التنزيل وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والى يومنا هذا وما بعده.
والأصح هو الثالث، لإصالة الإطلاق وبقاء الموضوع.

قوله تعالى [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ]
لم تذكر الآية عدواً وهمياً للمسلمين كي تنمي ملكة اليقظة والإحتراز عندهم بل جاءت بأمر واقعي وذكرت عدواً قريباً من المسلمين يريد تهديد كياناتهم برغبائه وأهوائه، ويتربص بهم الفرص،فالله لا يقول إلا الحق .
ولم تبعث في نفوسهم الخوف وتزيد من الخشية من الغدر والمكر، بل القت السكينة في نفوسهم ببيان سوء عاقبة من يتمنى لهم الشر والأذى، ومن الإعجاز ان هذه العاقبة لم تأتِ عن سبب خارجي او فعل للغير، او رد على تلك الرغائب وما فيها من القبح الذاتي، بل انها نتيجة لنفس القصد الذي يتمنونه للمسلمين، وهذا من الآيات في الأنفس وخلق الإنسان، وموضوعية الإيمان الفطري عنده والآثار السلبية للإبتعاد عن قيمه ومفاهيمه، وغلبة الكدورات واغواء الشيطان.
وتبين الآية حقيقة في خلق الإنسان وهي ان اتباع الهوى والإصرار على الباطل يضر الإنسان ذاته، وهذا من الإعجاز في علوم القرآن، فتمني اضلال الغير أمر مذموم وقبيح، ويعود على صاحبه بالخسارة والضلالة ليس كعقوبة من عند  ، فان العقوبة أمر آخر اضافي اشد، بل لأن الإنشغال باضلال الغير يزين للنفس الضلالة، والإصرار على الضلالة ودعوة الآخرين للإقتداء به في مسالك الغواية والعناد والمكر، لذا أخبرت الآية عن رجوع الإضلال الى الذات، وجاءت بصيغة الجمع ، وفيه وجوه:
الأول: الطائفة من أهل الكتاب تضل نفسها بالإتفاق على التحريف وعدم التقيد بأحكام الكتاب السماوي، فتجتمع هذه الطائفة على الضلالة سواء للإصرار عليها، او لترغيب الآخرين فيها.
الثاني: يقوم الرهبان والرؤساء باضلال العامة من هذه الطائفة ، وفيه اربعة أقسام:
أولاً: قيام الرؤساء بتسخير الرهبان وأحكام الشريعة لتثبيت سلطانهم وتوسعة ملكهم.
ثانياً: قيام الرهبان على نحو مستقل بتحريف الأحكام والتنزيل واخفاء البشارات التي جاء بها الأنبياء السابقون بغية البقاء في منازلهم وشأنهم عند اتباعهم.
ثالثاً: توجيه الرهبان للرؤساء واهل الحل والعقد لنشر مفاهيم الضلالة وأغواء الناس، كما في الأحوال التي تكون السيطرة فيها للرهبان.
رابعاً: التعاون بين الملوك والرهبان للتصدي لدعوة الحق، واكراه الناس على الضلالة.
الثالث: قيام بعض افراد الطائفة باضلال افرادها لغلبة روح الحسد عندهم، او لمصالح ومنافع خاصة.
الرابع: كل فرد منهم يضل نفسه، بسبب ما عنده من الوساوس واستناده الى مباني خاطئة ولا يضر باستقلال هذا القسم للإشتراك النوعي والتفكيك العام بتلك المباني.
الخامس: قيام الجماعة باضلال الفرد الواحد، بمعنى ان الفرد يشترك مع الجماعة في اضلال نفسه وان لم يكن عازماً وراغباً بالضلالة، ولكن الإنسياق مع الفعل النوعي العام يجعل الضلالة تملأ نفسه ويمكن التفكيك بين الود والرغبة باضلال المسلمين وبين اضلال النفس والجماعة.
فقد لا تكون عند الفرد من أهل الكتاب الرغبة بالضلالة والغواية، ولكنه يرغب بضلالة المسلمين فيتلبس بمناهج الضلالة ويصدق بها، وتستولي على نفسه وهذا من أضرار محاربة المسلمين والتنزيل.
لقد نجا المسلمون من مكرهم وحسدهم، وهذه النجاة تحتمل وجوهاً:
الأول: بسبب عدم وصول الكيد والمكر لأنه باقِ ضمن الرغبة وحدود التمني.
الثاني:ثبات الإيمان في نفوس المسلمين.
الثالث: فضله تعالى في وقاية المسلمين من الكيد والمكر.
ولا تعارض بين هذه الوجوه نعم انها ليست بعرض واحد بل ان الوجه الثالث هو الأصل ومنه تتفرع الوجوه الأخرى.
لذا فان الأمر لم ينحصر بنجاة المسلمين بل رجعت الضلالة الى نفوسهم مع عدم ادراكهم لتلك الضلالة واضرارها.
قانون الخيار
لقد تفضل  سبحانه ورزق الإنسان العقل آلة للتمييز بين الحق والباطل، وجعل الحياة الدنيا مليئة بوجوه الإبتلاء وأسباب التضاد، والتباين، تتزاحم الخيارات أمام مرآى الإنسان وتتدافع بين يديه، يأتيه فعل الخير من اليمين، ويحاول الشر الوصول اليه من اليسار، وتارة يدعوه كل منهما اليه، مع وسائل الترغيب الذاتي الا ان دعوة الخير تنفرد بأمور ومقدمات حسنة منها:
الأول: الترغيب الملائم للفعل.
الثاني: موافقة دعوته لحكم الشرع.
الثالث: الحسن الذاتي.
الرابع: عدم نفرة النفس منه.
الخامس: المدد والإعانة من عند  للأخذ بالحق واتباع مناهجه وتحبيبه الى النفس.
السادس: قرب الحق الى الإنسان مع بعد الشر وأسبابه، وهذا التباين بينهما من اللطف الإلهي لكي يكون الخير في متناول الإنسان ويستطيع الوصول اليه قبل ان يصل الى الشر.
السابع: انتفاء الموانع والحواجز بين الإنسان وفعل الخير.
الثامن: عدم الحاجة الى مؤونة زائدة لفعل الخير ، خصوصاً وانه من الكلي المشكك الذي له مراتب متفاوتة، ويكفي في تحصيله الأقل والأدنى.
التاسع: الثناء العام على اتيان وفعل الخير يجعل الإنسان يختاره ويستمر في ولوج أبوابه.
العاشر: موافقة فعل الخير لفطرة الإنسان.
الحادي عشر: الثواب العظيم الذي وعد  على فعل الخير.
الثاني عشر: النتائج والآثار الحميدة لفعل الخير.
اما فعل الشر فلا تنحصر مخالفته للخير بالتضاد في الذات والغاية ، بل يشمل الوسائط والمقدمات فبينما تكون مقدمات الخير دعوة لفعله والإقبال عليه بشوق ورغبة، فان مقدمات الشر تكون عوائق وبرزخاً دون اتيانه ومنها:
الأول: اللطف الإلهي بحجب المكلف عن فعل الشر، سواء بمنعه او بايجاد ما يحول دون تحقيقه واتيانه او سلب الرغبة والميل الى تحقيقه، وهذه الآية من اللطف الإلهي في أمور:
اولا: عدم ارتقاء الرغبة الى فعل الإضلال.
ثانياً: انحصار الرغبة بطائفة من أهل الكتاب،ثالثا :الأمل بعودة تلك الطائفة الى عموم أهل الكتاب وعلمائهم ممن لا يود الضلالة للمسلمين.
الثاني: القبح الذاتي للمنكر وأفعال الشر.
الثالث: الوصف الشرعي لها بانها حرام.
الرابع: نفرة النفوس من الحرام والشر وكل ما هو قبيح شرعاً وعقلاً.
الخامس: الأضرار التي تترشح عن فعل المنكر والشر، وهذه الأضرار على أقسام:
اولاً: خاص بفاعل الشر.
ثانياً: ما يتعلق بمن يقع عليه فعل الشر.
ثالثاً: الضرر الذي يلحق بالجماعة والأمة من فعل الشر.
السادس: لغة الإنذار والوعيد على فعل الحرام التي جاءت بها الكتب السماوية والأنبياء، ولقد وعد   بالخلود في النار على فعل الموبقات.
ومع أسباب ترجيح فعل الخير واعانة المكلفين على اتيانه والتسابق فيه يكون الإنسان مخيراً بين المتضادين، بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والخير والشر.
أي انهما لم يكونا بعرض واحد من جهة التزاحم والقرب والبعد، بل ان الحق والحلال هو الأقرب، والمنكر هو الأبعد، والقرب والبعد ليس ذاتيين فحسب، بل ان المكلف نفسه اقرب الى الخير منه الى الشر، أي ان نفسه تميل الى فعل الخير وتشعر بالسكينة معه، وتنفر من الشر وتبغض فاعله.
ويلوم الإنسان نفسه عند ارتكاب المعصية وفعل القبيح، ويلازمه الندم بعده، وهو من خصائص وسنخية النفس الإنسانية، ومن أسرار نفخ الروح في آدم .
ويمكن ان نسمي هذا القانون “بقانون الخيار” وفيه تتجلى معاني اللطف الإلهي المركب في التقريب الى الخير والإعانة عليه، والإبعاد عن الشر والنفرة منه، وهذا القانون حجة على الإنسان من وجوه:
الأول: سهولة وقرب فعل الخير، ووجود الموانع الذاتية والعرضية دون فعل السوء ، ومن العصمة امتناع المعصية، فقد ينوي الإنسان ارتكاب المنكر ولكنه متعذر، وقد يطرأ ما يحول دون وقوعه وهو من اللطف الإلهي اللاحق والمصاحب للإنسان.
الثاني: نعمة العقل عند الإنسان للتمييز بين الخير والشر، وهذا التمييز لا ينحصر بموضوع الخير والشر وحده بل يشمل:
الأول : حكم كل منهما.
الثاني : ماهية وحسن الخير، ومبغوضية الشر.
الثالث : ما يدركه العقل من الصفات الذاتية لكل منهما.
الرابع : موافقة الخير للمصلحة ، والشر للمفسدة.
الخامس : من خصائص العقل انه يصل الى خفايا الأمور لقدرته على الإستدلال والنظر، مما يعني ان العقل يدرك وجوه الخير والشر ، وهي على قسمين:
الأول: بسيط، ويدرك بالبديهية، فالعقل يدرك حسن العدل، وقبح الظلم من غير حاجة الى سبب خارجي، بل يكفي تصور الطرفين المحكوم عليه، والمحكوم به.
الثاني: مركب، ويستلزم ادراكه وجود سبب خارجي ومقدمات، فالقرض حسن لما فيه من المنافع وقضاء الحوائج وتيسير الأعمال، والربا قبيح للأضرار المالية والإجتماعية التي يسببها وكذا بالنسبة للإضلال فانه قبيح شرعاً وعقلاً، ومضامين قانون الخيار حث على اجتناب الرغبة باضلال المسلمين.
قانون التكليف
مما يتفق عليه المليون ان الدنيا دار ابتلاء جعلها   مناسبة للإختبار والإمتحان، يكون فيها الإنسان على مرحلتين متعاقبتين:
الأولى: عدم التكليف، وهي مرحلة الصبا والصغر.
الثاني: تلقي الخطاب التكليفي، بأداء الفرائض واجتناب النواهي، فالأول يدخل به الإنسان عالم الدنيا، اما الثاني فيدخل فيه عالم المسؤولية الشرعية والتكليف، وقانون الخيار المتقدم ينبسط على المرحلتين، والتكليف يبدأ بعمر معين، وهو سن البلوغ ،وعند الذكر اتمام خمس عشرة سنة هلالية، وعند الأنثى اتمام تسع سنوات هلالية، الا ان قانون الخيار يبدأ قبله بسنوات ومن حين التمييز والإدراك ومعرفة الأشياء ولكن بدرجة محدودة ثم تستمر بالإرتقاء والتكامل الى حين البلوغ ليكون أواناً لقيام الحجة على الإنسان.
والتكليف مصداق عملي، وشاهد واقعي لقوله تعالى [ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ] ( )، ويشمل أحكام الحلال والحرام في المعاملات، وينفذ الى ميادين الحياة المختلفة، ويلازم الإنسان في حياته كلها، ولا تنحصر أحكام قانون التكليف بالمسلمين او هم وأهل الكتاب بل تشمل الناس جميعاً منذ ايام آدم  الى يوم القيامة بغض النظر عن مسألة تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالأصول او عدمه.
والأصح هو الأول، وهو المشهور شهرة عظيمة، فالكفار مكلفون بالفروع ايضاً كالصلاة والصوم كما هم مكلفون بالإقرار بالتوحيد والنبوة والمعاد، ومن شرائط التكليف بالإضافة الى البلوغ العقل والإختيار، وهذه الشرائط شاهد على التخفيف الإلهي عن الناس، وكل فرد منها عون على التوفيق النوعي والشخصي في أداء الفرائض والتكاليف، فكما ان أحكام التكليف انحلالية تتوجه الى كل مكلف، فانها نوعية تخاطب الأمم والجماعات، وتدعوهم الى تعاهد الفرائض والواجبات والتعاون على أدائها، والتجافي والإبتعاد عن المعاصي والمنكرات ليكون السلوك الجمعي العام عوناً للفرد على حسن الإمتثال، كما يتفضل سبحانه على العباد بتهيئة أسباب النجاح في أداء التكاليف، ومنها هذه الآية بتحذير المسلمين من العداوة التي لم تبرز الى الخارج، فهي في مرحلة الرغبة والتمني السلبي عند الغير، فأخبر  المسلمين بها للوقاية منها، وليكون هذا الأخبار اجهازاً عليها لما يملأ نفوس أهل الكتاب والمشركين من الفزع والخوف بهذا الكشف الغيبي.
ان قانون التكليف من أحسن ما يزين الحياة الدنيا، ويضفي عليها قدسية ويجعل لماهية الأعمال موضوعية فيها، وينتفي العبث واللهو والباطل في الأرض، لتكون الدنيا مزرعة للآخرة، وفرصة للفوز بالنعيم الخالد، فصحيح ان التكاليف لا تخلو من جهد وعمل والتزام الا ان منافعها أكثر من أن تحصى، وعظيم الثواب بالإمتثال فيها يمنع من الشعور بالمشقة والعناء في أوانها، ويجعل الإنسان يشعر بالغبطة للتوفيق في أدائها، ومن اللطف الإلهي ان قانون التكليف تلازمه أسباب التخفيف والتيسير والإعانة على التقيد بأحكامه وسننه.
قانون دفع الإضلال
من الآيات في خلق الإنسان، وعظيم رأفة  تعالى به جعله قريباً من اختيار الطاعة والتوفيق مع الشعور باللذة والرضا عند اتيانها وترك القبيح، مع قدرته على فعل الخير والشر، وفيه نفع عظيم للإنسان لأنه عنوان للإحتراز من السيئات، فقواعد اللطف في مفهومها واقية من الذنوب، وسبب للإبتعاد عنها، وحاجب من الغواية، وهذه الغواية لا تأتي من النفس وحدها وميلها الى الشهوة والهوى واستحواذ الشيطان عليها، بل انها تأتي من الغير، لأن الإنسان بطبعه كائن مؤثر ومتأثر بغيره، ولم ينحصر التأثير بجانب دون آخر من أمور الحياة الدنيا وأحكام الحلال والحرام، ولا بخيار الأحسن والحسن مطلقاً، لذا فان   يتفضل على الإنسان ويجعل برزخاً دون سرعة استجابته للغواية وأسباب الضلالة فحباه نعمة العقل والقدرة الذاتية على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر ثم تفضل سبحانه وهيء له أسباباً اضافية تساهم في زحزحته الإنسان عن مواقع الضلالة، وتدفع عنه أسبابها وتحجب عنه مقدماتها، وهذه الأسباب على أقسام:
الأول: عام يتعلق بالناس جميعاً، فترى أحكام النكاح والزواج مثلاً راسخة في الأرض ومتوارثة عند الأجيال المتعاقبة، ويتعاهدها الناس بالفطرة، ويعمل الملوك على تثبيتها وتصدر القوانين لضبطها، ويقوم المجتمعات والمنتديات بتوثيقها وتتفرع عنها صلات نسب وسبب فضلا منه تعالى لمنع الناس من الزنا او تفشيه في المجتمعات، وهو من أخطر وجوه الضلالة وسبب لأفراد عديدة منها تتعلق بالمبادئ والأخلاق والأحكام.
الثاني: ما يخص المليين الذين يؤمنون بالتنزيل ويتبعون الأنبياء، ويلتقي فيه المسلمون وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، بالإعانة على الصدور عن الكتب المنزلة.
ان الإنتماء الى الديانة السماوية شرف يبعث في النفس نوع سكينة وثقة وأمل، وحرص على التقيد بأحكام التنزيل ولو على نحو الموجبة الجزئية، ليكون هذا الحرص حصناً من الضلالة، فلذا جاءت هذه الآية لتذكير اليهود والنصارى بانتمائهم الى الكتاب السماوي لإجتناب دروب الضلالة واضلال المسلمين.
الثالث: الأسباب الخاصة بالمسلمين، وهي فضل منه تعالى على أهل الديانة الناسخة، ليكون أهلها بأعلى مراتب الصلاح ومثلما تكون هذه الآية من القسم الثاني أعلاه فانها تكون خاصة بالمسلمين على نحو اضافي لما فيها من التحذير والإخبار عن رغبة من يلتقي معهم المسلمون في الإقرار بالتوحيد والتنزيل والنبوة.
الرابع: الأسباب الخاصة بالفرد على نحو القضية الشخصية، بان يتفضل سبحانه ويقربه الى سبل الطاعة، ويهيء له ما يحجبه عن المنكر، ويبعد عنه مقدمات الحرمات على نحو الجمع والتعدد او نيل شطر منها، وقد يتفضل بتقريب العبد الى الطاعة، ولكن مقدمات الحرام تبقى غير بعيدة عنه تحاول جذبه، ولا يعني هذا التخلية بين العبد والمعصية، من وجهين:
اولاً: الأثر النوعي والنفع والإحتراز الذي يسببه اللطف الإلهي بتقريب العبد للطاعة ويتجلى بالنفرة من الحرام.
ثانياً: التخفيف والتقليل من أسباب ميل الإنسان الى الحرام أي ان وسائل الإغواء تبدو كالقريبة ولكنها مدفوعة عن منازل القرب الأصلية، واللطف بأبعادها جاء على نحو الموجبة الجزئية، فان قلت لماذا لا يكون ابعادها وتنحيتها عن الإنسان على نحو الموجبة الكلية، الجواب: على شعب متعددة:
الأولى: الدنيا دار امتحان وابتلاء، ومن وجوه الإمتحان وجود أسباب المعصية.
الثانية: النواهي العامة تشمل القضايا الشخصية في موارد الإفتتان، فعندما تهجم المعصية على المسلم فانه محترز بمعرفة احكام الحلال والحرام.
الثالثة: تقصير الإنسان في العبادات ومصاديق الطاعة قد يحرمه من بعض وجوه الرحمة التي تساهم في حجب المعصية.
ويمكن ان نسمي فضله تعالى بدفع أسباب الضلالة عن الناس بـقانون (دفع الضلالة) وتتجلى فيه معاني اللطف الإلهي ومضامين الرحمة الإلهية في الدنيا ، ويتبين من الوجوه المتقدمة ان هذا القانون على مراتب متعددة هي:
الأول: شمول الناس من غير الموحدين بفرد واحد منها بلحاظ الإنسانية والعبودية لله.
الثاني: شمول أهل الكتاب بفردين منها ، لأنهم اتباع دين سماوي.بالإضافة الى الإنسانية.
الثالث: انتفاع المسلم بالوجوه الأربعة أعلاه، أي بما هو انسان ومن أتباع كتاب سماوي هو أفضل الكتب وأشرفها وهو القرآن، وبما هو مسلم، بالإضافة الى العناية الشخصية المبينة في الوجه الرابع أعلاه، والتي ينتفع منها كل انسان وليس المسلم وحده، ولكن المسلم له خصوصية تتعلق في مقدار هذا الإنتفاع كماً وكيفاً وأثراً للحصة الإضافية للإسلام وهل تكون بعض أفراد هذا القانون من الجزاء العاجل على أداء العبادات والإمتثال لأوامره تعالى، الجواب نعم، فان   هو الواسع الكريم يتقرب اليه العبد بفعل محدود فينعم عليه تعالى بالإعانة على ما فيه الثواب العظيم، ويدرأ عنه البلاء والأذى وأسباب المعصية.
قانون الترشح
من أسمائه تعالى الحسنى الرحمن والرحيم، وهو الذي يرزق الناس والخلائق كافة ويرأف بهم ويتعاهد الموجودات بفضله واحسانه، وجعل  الإنسان كائناً محتاجاً، وهذه الحاجة وسيلة لبقائه في مراتب العبودية والخضوع والطاعة لأوامره تعالى وفيها بيان لعظيم قدرته وسلطانه سبحانه، وانه قادر على تعاهد الخلائق جميعها في وقت واحد من غير ان يشغله بعضها عن بعض ، ويمكن تقسيم الرحمة بلحاظ الزمان الى ثلاثة أقسام:
الأول: في الحياة الدنيا، فالله  يرحم الإنسان ما دام في الدنيا، ومن مصاديق رحمته تعالى بالإنسان في الدنيا اعانته وهدايته للطاعة والإمتثال للأحكام الشرعية، وابعاده او حجبه عن المعصية، وهي من أسمى وجوه الرحمة وتتجلى فيها فضله وحلمه تعالى، كما يقربه تعالى من أسباب التوبة والإستغفار ويهيء له مقدماته، وتنبسط الرحمة بالإنسان في الدنيا على جميع آنات حياته، بل انها متقدمة عليها اذ تسبق الإنسان في وجوده بتهيئة أسباب النكاح بين الأبوين وعلوق النطفة ومدة الحمل التي لا يكون فيها للجنين أي حركة ارادية.
وتتصف الرحمة في الدنيا بانها عون على استدامة الحياة، ومناسبة لفعل الصالحات واجتناب السيئات ومن خصائص هذا القسم انها تشمل البر والفاجر ، والمؤمن والكافر.
الثاني: في عالم البرزخ ومدة بقاء الإنسان في القبر اذ ان القبر يكون للمؤمن روضة من رياض الجنة ويكون للكفار حفرة من حفر النيران، والموت امر وجودي وهو عبارة عن مغادرة الروح للجسد وانعدام الحركة عند الإنسان،
فبقاء الروح لا يكون الا برحمته ولطفه تعالى وهي تحتاج الى الرحمة في وجودها، وتأتي رحمة   للإنسان في قبره بالواسطة بالعناية بابنائه وأبويه في الدنيا ممن تركهم من خلفه، وارشادهم وتوفيقهم لأداء ما ينفعه في آخرته، فكما بدأت رحمة  للإنسان في الدنيا قبل وجوده وخلقه وفي طفولته وصباه اذ يكون عاجزاً عن دفع الأذى عن نفسه، فانها تتصل وتستمر الى ما بعد وفاته ودخوله القبر، كما تشمل ذكره الحسن في الدنيا وينال المسلم استغفار الناس له من ذويه وأصحابه ومن كان يحضر معه صلاة الجماعة ونحوهم.
الثالث: في الآخرة ، اذ تتغشى أهل المحشر الرحمة الإلهية بفيض ورأفة تفوق ادراك العقل الإنساني، وفي الحديث “إن الله تبارك وتعالى خلق يوم خلق السموات والارض مائة رحمة ، كل رحمة طباق ما بين السماء والارض ، فأنزل منها إلى الارض رحمة واحدة ، فبها تعطف الوالدة على ولدها ، والوحش والطير بعضها على بعض ، حتى أن الفرس لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ، فإذا كان يوم القيامة رد الله تعالى هذه الرحمة إلى التسعة والتسعين ، فأكملها مائة رحمة فيرحم بها عباده”.
وعظم وكبر مضامين هذا القسم من الرحمة لا ينحصر بموضوع طول المدة والخلود في الآخرة وحده، بل يشمل تعدد وجوه الرحمة والمغفرة والهبات والشفاعة ودفع العذاب والعفو والفضل الإلهي بما لا يعد ولا يحصى من الوجوه، وليس من عبد الا وهو محتاج الى رحمته تعالى يوم القيامة، وينال نصيبه منها بما لا يستحقه.
ومن الآيات والشواهد على عظيم رحمته تعالى بالإنسان ان مضامين الرحمة من القسم الأول اعلاه تترشح على القسمين الآخرين، وهو الذي نطلق عليه (قانون الترشح) ففعل الصالحات والإستغفار ضياء يشع في قبر الإنسان، وكنز مدخر له في الآخرة والصدقة نور يشع في قبره، والصلاة والصيام طهارة من الدرن، والصيام حاجز من النار.
وصلاح الولد باب لتعاقب شآبيب الرحمة على الميت، ان قانون الترشح رحمة اضافية مركبة وتدل مضامينه على الإتصال والتداخل بين أقسام الرحمة.
وهل هو من مضاعفة الرحمة ، الجواب انه أعم فهو موضوع مستقل ورأفة وباب فتحه  تعالى للعباد حثا لهم على الصالحات، والرضا بفضله تعالى، كما يبعث السكينة في النفس، وهو سبب للعفو والمغفرة وليكون موضوع الرحمة الذي بدأ مع الإنسان في حياته حاضراً معه في عالم البرزخ وفي الآخرة بما يخفف عنه العذاب ويزيد من درجته في الآخرة.
وارادة الغير للمسلمين الإضلال هل تترشح منه رحمة على المسلمين في الحياة الدنيا والآخرة ، الجواب نعم.
وبلحاظ كيفية اضلال النفس وجوه:
الأول: العقوبة الإلهية على محاولة ايذاء المسلمين.
الثاني: الود السلبي يرجع على صاحبه، فيرغب بالتلبس بالضلالة.
الثالث: اظهار هذه الطائفة الضلالة في محاولة لمحاكاة المسلمين لهم.
الرابع: العقوبة الإلهية العاجلة على الود القبيح.
الخامس: الضلالة الذاتية الواردة في هذه الآية نتيجة لمعصية  ورسوله وعدم التصديق بالقرآن والوحي ، قال تعالى [وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا ] ( ).
السادس: هذا الإضلال يتعلق بأمور وأفعال غير الود السلبي، فبعضهم يضل بعضاً، ويحرضه على فعل المنكر والحرام والإعراض عن الحق والتنزيل.
السابع: الود لإضلال المؤمنين فرع الضلالة الذاتية، فلأن هذه الطائفة في ضلالة فانها تود اغواء المسلمين وصدهم عن الجهاد في سبيله تعالى.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، ومن رحمته تعالى ان جاءت الآية لتحذير المسلمين ودعوة لأهل الكتاب لمحاربة الأدران النفسية، وتنزيه منتدياتهم من مفاهيم الضلالة، فمضامين الآية أعم من موضوع الضلال والغواية ، وجاءت لمحاربة الضلالة الذاتية والشخصية وتنزيه طوائف وأفراد أهل الكتاب منها.
وفيها دعوة وحث لأهل الكتاب لإصلاح تلك الطائفة ومنعها من ايذاء المسلمين، وهذه الدعوة تأتي مقترنة بالإنذار واحتمال استعمال السيف والسلاح للدفاع عن مبادئ الإسلام، وحماية عقائده فهي خطاب لعموم أهل الكتاب بذم تلك الطائفة ومنعها من:
الأول: الضلالة الذاتية.
الثاني: الود والرغبة باضلال المسلمين.
الثالث: اضلال الطوائف والفرق الأخرى من أهل الكتاب.
الرابع: الزيادة في ضلالة المشركين والكفار، فان ضلالة فريق من أهل الكتاب ومحاولة اضلال المسلمين برزخ وحاجب دون هداية المشركين، وتدبرهم في آيات التنزيل خصوصاً وان الناس جميعاً يعلمون ان اليهود والنصارى اتباع ملة سماوية.
و هل يمكن التعدد والتفكيك بين واو الجماعة في (وما يضلون) وبين الضمير (هم) في أنفسهم، الجواب نعم.
فواو الجماعة يحتمل أمرين:
الأول: افراد الطائفة التي ترغب باضلال المسلمين.
الثاني: اهل الكتاب بلحاظ الجمع وتذكير الفاعل، وعدم مجيئه بالتأنيث والإشارة الى لفظ طائفة ، والأصح هو الأول، وهو القدر المتقين من الآية.
أما الضمير (هم) في أنفسهم فانه يشمل الوجهين معاً، أي ان هذه الطائفة تضر بأهل الكتاب جميعهم بالضلالة والمنع من الإنصات الى الآيات والتصديق بالتنزيل، والمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا من اعجاز القرآن وتعدد معاني اللفظ القرآني ولذا فان الآية لم تذكر لفظ الطائفة على نحو التنكير وتقول “لودت طائفة لو يضلونكم” ولم تقل بانه “ود اليهود” او “ود النصارى” او طائفة من احداهما.
لقد ذكرت هذه الطائفة بقيد أعم وأخبرت بانهم من اهل الكتاب، لتكون الفائدة أعم سواء بسعة الحذر وتعدد وجوه الحيطة، ومراجعة أهل الكتاب كافة لأقوالهم وأفعالهم ويعلمون موضوعية حالات النفس من الود والبغض، وارادة الخير او الشر بالآخرين، والتنزه من آفة الحسد وليدرك الجميع ان  تعالى قادر على اظهار الإسلام ورفعة المؤمنين ونصرة الحق وثبات الهداية في الأرض، وصلاح النفوس.
وهل تأتي ضلالة الذات عن قصد ام عن غير قصد، لا مانع من التعدد في المقام، بلحاظ عدم حصر الضلالة بموضوع الآية.
علم المناسبة
ورد لفظ [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ] في القرآن مرتين والمرة الثانية جاءت بعزم المنافقين ونحوهم ايذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والكيد به وبالمسلمين ، قال تعالى [ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ] ( ).
فالأذى يأتي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الفريقين لأن الآية الأولى لها عموم بالاضافة الى منطوق الآية أعلاه . لتبين الآيتان مجتمعتين الأذى والعناء المضاعف الذي تلقاه الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
واذ جاءت الآية محل البحث برغبة طائفة من أهل الكتاب باضلال المسلمين، وبما لا يرقى الى عالم الفعل فان الآية من سورة النساء جاءت بالإخبار عن الهم وما يدل على القصد واضمار السوء.
وقد حذر القرآن من الإستعانة بأهل الضلالة واتخاذهم انصاراً واعواناً ، قال تعالى [وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ] ( )، وهو نوع تأديب وتعليم وارشاد، فقصد الإضلال وبال على صاحبه يحجبه عن منازل الوزارة والمشورة.
ان عدم تجاوز الإضلال مراتب الود والهم يدل على الإرتقاء في مراتب العلم عند المسلمين كافة وان العدو لا يستطيع ان ينفذ اليهم في باب العقيدة والأفعال والعبادات، وأصبحوا قادرين على مواصلة الجهاد في سبيله تعالى، ولا يخشى عليهم الفرقة والتشتت، اذ ان الفرقة من أقسام او فروع الضلالة التي يقصدها العدو لما فيها من الضعف والوهن والإنشغال بالذات، وتثبت الآية ان المسلمين لا يتركون الحق والهدى، وان   يمدهم بأسباب الثبات ومنها هذه الآية.

قوله تعالى [وَمَا يَشْعُرُونَ ]
خاتمة كريمة للآية، تبعث على التفكر والتدبر في نتائج وآثار الأقوال والأفعال بل والنوايا والرغائب.
لقد أرادت تلك الطائفة اضلال المسلمين، فعادت الضلالة عليهم، ورجع كيدهم الى نحورهم.
وتتضمن خاتمة الآية التوبيخ والتقبيح لعدم الشعور بالضرر الناتج عن الضلالة ، وهو على أقسام:
الأول: التمادي في مسالك الضلالة.
الثاني: ارادة الإضرار بالغير بدون حق.
الثالث: مخالفة الفطرة وعلة خلق الإنسان، فبدل العبادة والصلاح ودعوة الناس لدروب الهداية ، فان هذه الطائفة تحاول إمالة أهل الهدى عن الحق.
الرابع: التلبس بالضلالة ومبادئ الكفر والجحود.
وموضوع عدم الشعور هذا يحتمل وجوهاً:
الأول: تمني ايذاء المسلمين.
الثاني: اضلال أفراد تلك الطائفة من أهل الكتاب لأنفسهم.
الثالث: الجامع للوجهين أعلاه.
الرابع: وجود حذف في الآية ، والمراد وما يشعرون بالآثار المترتبة على هذا الود السلبي والضلالة الذاتية.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها شواهد على سعة مضامين الآية، والأحكام التي تتفرع عن إرادة الضلالة.
وواو الجماعة في [وَمَا يَشْعُرُونَ ] فيها وجوه:
الأول: أفراد الطائفة التي ترغب بادخال المسلمين في الضلالة.
الثاني: الطائفة والفرقة الأخرى من أهل الكتاب فهم لا يعلمون بما يفعله اخوانهم في أنفسهم واضلالهم للذات.
الثالث: اهل الكتاب عامة سواء الذي يود الضلالة والهلاك للمسلمين، او الذي لا يوده.
والآية دعوة لأهل الكتاب بالتدبر فيما يقولون ويفعلون، وما يجب عليهم بحسب احكام التوراة والإنجيل.
وغياب الشعور عنوان للجهل وعدم العلم بالحال او النتائج والعواقب.
وفي الآية وجوه:
الأول: لا يشعرون بان ما يفعلون ضلالة ويؤدي الى الهلاك.
الثاني: لا يعلمون رجوع الكيد والمكر عليهم، وشموله لأهل الكتاب كأمة وأفراد.
الثالث: لا يعلمون ان   يطلع المسلمين على ما يخفون من الرغبة والتمني السلبي، وان هذا الإخبار عون على تثبيتهم على الإيمان.
الرابع: لا يعلمون بالتلبس بمفاهيم الضلالة.
الخامس: في الآية ذم لهم من وجوه:
اولاً: ارادة القبيح.
ثانياً: قصد ايذاء المسلمين مع انهم على الحق والهدى.
ثالثاً: التخلف عن لزوم العلم بالضلالة موضوعاً وحكماً واجتناب طرقها.
رابعاً: عدم اجتناب منازل الجهل بسنن المعرفة الإلهية، والظن بعدم وقوع النسخ في الشرائع وادعاء ان موسى قال بعدم زوال شريعته وان كان هذا القول لا يتعارض مع النسخ لإمكان حمله على نزول التوراة، وبقاء من يؤمن بها، او يحمل على ان القرآن يتضمن ما جاء به موسى من أصول وقواعد، كأحكام الصلاة والصيام، ومنهم من أدعى ان النسخ يؤدي الى البداء ولكن لا ملازمة بينهما، والله  يعلم بالنسخ وانه سيقع قبل وقوعه، وفيه نفع للمكلفين ورحمة بالعباد.
السادس: انهم لايعلمون بان هذا الود يضرهم ولا يضر المسلمين.
السابع: اصبح الإسلام قوياً فلا تضره رغبة السوء وما يتفرع وينتج عنها من المكر والكيد.
الثامن: ما يشعرون بالأذى الذي يلحق بهم بسبب العزم على ايذاء المسلمين.
التاسع: لا يعلمون باطلاعه تعالى على ما تخفي صدورهم ضد الإسلام، وانه تعالى يعاقبهم على محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
ترى لماذا توّد فرقة من أهل الكتاب اضلال المسلمين، وما هي اسباب هذا التمني السلبي ، فيه وجوه:
الأول: الحسد واستحواذه على النفس بعد رؤية المسلمين وهم يبادرون الى الإمتثال لأحكام القرآن والنبوة.
الثاني: نتيجة التحريف واخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: ادعاء عدم وصول النسخ الى كل من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام.
الرابع: حب الدنيا، ومنازل الرئاسة فيها، والمنافع المالية والإجتماعية من السلطنة وتولي الإمامة، لذا يسعى الرهبان صد اتباعهم عن الإسلام ومعرفة مبادئه.
الخامس: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير اليهود، مع انهم كانوا ينتظرون بعثة نبي آخر الزمان منهم.ولا أصل لهذا الإنتظار والحصر .
السادس: حب البقاء على ذات الشيء، والإصرار على الشريعة السابقة.
السابع: استحواذ النفس الشهوية والميل الى العناد والجحود.
الثامن: استيلاء النفس الغضبية لما ناله المسلمون من النصر وظهور الحق وقبول الناس للآيات.
التاسع: مصالح ومنافع الرؤساء الذين يخشون فقدانها فيسخرون العامة لمواجهة الإسلام من أجل بقائها ودوام التنعم باسباب الوجاهة والثروة في الدنيا.
وهذا من الأسباب الذاتية فهل هناك أسباب عرضية تدعوهم للجحود خاصة بالإسلام والمسلمين، الجواب لا، فالإسلام شريعة متكاملة والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالآيات الباهرات، والمسلمون حرصوا على اظهار التقوى بدليل هذه الآيات التي تدل في مفهومها على تقواهم وصلاحهم واجتنابهم لأسباب الضلالة.


قوله تعالى [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ] الآية 70
الإعراب واللغة
يا: حرف نداء، اهل الكتاب: منادى مضاف.
لم: اللام: حرف جر، ما: اسم استفهام في محل جر باللام حذفت الألف لدخول حرف الجر عليها.
وتدل على الألف المحذوفة الفتحة على الميم، وقد تسكن لضرورة شعرية
تكفرون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، الواو: فاعل، بآيات: جار ومجرور، اسم الجلالة: مضاف اليه، وانتم تشهدون: الواو: حالية.
انتم: ضمير في محل رفع مبتدأ، تشهدون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، الواو: فاعل، والجملة خبر.
في سياق الآيات
بعد تفضله تعالى باخبار المسلمين عن حال طائفة من أهل الكتاب في اصرارها على الضلالة والإغواء، جاءت هذه الآية خطاباً لأهل الكتاب عامة وبصيغة الذم لجحودهم بالآيات بعد رؤيتهم لها، وحضورهم التنزيل واطلاعهم على ألآيات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولتأتي الآية التالية بذات الموضوع، واللوم على اخفائهم للحقائق والبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاء الخطاب عاماً لم ينحصر بطائفة دون أخرى، مما يعني ان موضوع وأحكام هذه الآية تشمل الطائفة التي ذكرتها الآية السابقة، وفيه اشارة الى ان الود بضلالة المسلمين مترشح عن الكفر بالآيات، وان هذا الكفر على مراتب متعددة، منه ما يظهر بصيغة الود والتمني السلبي بالإضلال ، وجاء توجيه الخطاب لأهل الكتاب بغية اصلاحهم ونبذهم للجحود بالمعجزات والبراهين، ودعوتهم للتصديق بالبشارات والعمل بها، واصلاح الآية السابقة بمخاطبة المسلمين وتحذيرهم من هذا الود.
اما موضوع اللوم على الأصل المترشح عنه هذا الود فقد جاء الخطاب فيه لأهل الكتاب كي ينتبه اهل الكتاب الى ما هم عليه من التقصير، ويتدبروا في أمرهم، ويكون الأثر لنزول الآية أعظم وأكبر، وهذا التباين في لغة الخطاب بين الآية السابقة وهذه الآية من اعجاز القرآن.
إعجاز الآية
في الآية اثبات لنزول الآيات وظهورها على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واقرار اهل الكتاب القلبي بها، والعجز عن الجحود بها، وآيات البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي وردت في التوراة والإنجيل، وفي الآية تحذير من التحريف والعناد والإستكبار، وتبين الآية مضامين النصر الإلهي للإسلام بتوكيد الآيات والإخبار عن قيام الحجة على أهل الكتاب بصدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد جاءت الآية بالخطاب الى أهل الكتاب وبلغة اللوم لإصلاح حالهم، واجتناب محاربة الإسلام، والآية شاهد على نزول القرآن رحمة بالناس جميعاً، ومن الإعجاز اقامة الحجة عليهم بحصول العلم بالآيات، وبلوغ امرها لهم.
ويمكن تسمية الآية بآية “وأنتم تشهدون”

الآية سلاح
الخطاب لأهل الكتاب عون لهم وللمسلمين، عون لهم لما فيه من أسباب الهداية والرشاد، فالآية لم تترك أهل الكتاب على حال الجحود بالآيات، بل وجهت لهم اللوم ليكون سبباً للإلتفات الى حالهم، ومادة للتدبر في الأمور، والنظر الى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفق منطق العقل والشريعة، اذ ان الآيات العقلية والحسية التي جاء بها تشهد بصدق نبوته، بالإضافة الى البشارات ببعثته التي جاءت بها التوراة والإنجيل.
وهو عون للمسلمين ، لما فيه من التخفيف عنهم في الإحتجاج على أهل الكتاب، وشاهد سماوي يثبت البشارة بالرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
مفهوم الآية
في الآية تحذير للمسلمين من الذين لا يصدقون بالآيات التي تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وحث على لزوم عدم الإصغاء لهم او الإلتفات الى الجدل والشبهات التي يثيرونها، ومن مضامين اللطف الإلهي بالمسلمين ان يتكفل القرآن مخاطبة اهل الكتاب مع بيان ما هم عليه من التقصير ازاء الإسلام والبعثة النبوية.
وتدل الآية في مفهومها على لزوم عدم الكفر بالآيات والبراهين، ودعوة الناس للإيمان، وهذه الدعوة لا تنحصر بالمخاطبين بالآية، بل تشمل غيرهم من باب الأولوية، فالمشرك والكافر عليه ان يصدق بالآيات لعموم الدعوة الى التوحيد، ولزوم اقرار جميع الناس بالربوبية والنبوة، ونسبة الآيات الى  تعالى حث سماوي على قبولها وتلقيها بالرضا وحسن الإستجابة، وفي الآية امور:
الأول: توجه الخطاب الى اليهود والنصارى.
الثاني: صيغة اللوم والذم على الجحود بالمعجزات والبشارات.
الثالث: حصر الجحود بانه بآيات ، ونسبة الآيات الى  تعالى، مما يعني وجوب التصديق بها وامتناع انكارها.
الرابع: عدم امكان الإعتذار بالجهل او التخلف عن المعرفة والعلم بهذه الآيات، وتدل الآية على شيوع وانتشار البراهين التي تثبت نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبلوغها حالة التصديق وتعذر الدحض والتشويه بحيث صار القرآن يدعو من لم يؤمن بها الى اللحاق بمن آمن بها، وفيه عز للمسلمين وتثبيت لقلوبهم على الإيمان، ومنع من زيغ القلوب او التأثر بأسباب الشك والريب.
ويمكن ان نعتبر هذه الآية من (الآيات الوقائية) اذ انها تقي المسلمين من شر الأعداء والمنافقين والجاحدين وفيها تخفيف عن المسلمين فبدل ان يجتهدوا في تكرار ذكر الآيات، وتثبيتها وبيان تفاصيلها يأتي القرآن ليقيم الحجة على ادراك غير المسلمين لها ولموضوعاتها واستحقاق عنوان وصفة الآية والمعجزة عليها، فينقلهم الى حال متقدمة، وفعل أكثر ارتقاء الا وهو اقامة الحجة على الخصم، وتوجيه اللوم له على تخلفه عن قبولها.
لذا يمكن اعتبارها ايضاً من (آيات الإحتجاج) لأنها تتضمن الإحتجاج على أهل الكتاب باختيارهم الصدود عن الآيات والمعجزات مع توكيد الشهود والحضور ، وهو مما يؤكد على موضوعيته وان  تعالى جعل أهل الكتاب شهوداً على الآيات، ولا ينحصر موضوع الشهادة بالحياة الدنيا بل يشمل الآخرة وعالم الحساب كحجة عليهم.
وجاءت الآية على ثلاثة شعب ابتدأت بالخطاب التشريفي ثم اللوم على الجحود بالتنزيل وعدم نصرة الحق، ثم توكيد اللوم ببيان حالهم عند الجحود والصدود، وفيه حجة، واخبار عن ظهور الإسلام، ودعوة المسلمين للتوجه الى الناس جميعاً لدخول الإسلام، وان لايقف الصدود عن الآيات في وجه الدعوة الى  ، وتحذر الآية من القاء الشبهات واظهار الشك بآيات القرآن خصوصا وأن حجتها ذاتية.
افاضات الآية
لقد اصطفى  آل ابراهيم على العالمين، فما هي نسبة موضوع هذه الآية من الإصطفاء ، فيه وجوه:
الأول: تنبيه اتباع موسى وعيسى عليهما السلام على وظائفهم الشرعية وهو فضل منه تعالى.
الثاني: عدم التعجيل بمؤاخذتهم على الكفر بالآيات بل تنزل الآيات بلغة اللوم والذم والتحذير.
الثالث: الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة لهم وللناس جميعاً، وهي من مصاديق اصطفاء آل ابراهيم لإختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذرية ابراهيم ، والآيات التي جاء بها لهداية الناس، ومنهم أهل الكتاب.
الرابع: تمكين اهل الكتاب من رؤية وادراك الآيات وحضورها، وهذا الحضور اكرام اضافي، وعون على الإيمان.
الخامس: التنزيل من تجليات الحق، انعم  به على الناس ، واهل الكتاب اولى من غيرهم بالمبادرة الى التصديق به.
التفسير
قوله تعالى [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ]
بعد آية المباهلة مع أهل الكتاب وردت آية (كلمة سواء) قبل ست آيات بقوله تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ] ثم جاءت بعدها آية الإحتجاج في ابراهيم التي إبتدأت بقوله تعالى [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ] وجاءت الآيات بعدها بخصوص الإحتجاج ذاته موضوعاً وحكماً، وتضمنت هذه الآية ذات الخطاب مما يعني ان هذه الآيات مدرسة في الإحتجاج على اهل الكتاب وشاهد على موضوعية الحوار والحديث مع أهل الكتاب ، كما تبين سنخية هذا الحوار وانه يتقوم بالإحتجاج وليس بالمهادنة والوسطية والترديد، فموضوع الحديث مع اهل الكتاب مناسبة لبيان دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الإسلام، وبيان الآيات الدالة على صدقه.
وتوجيه اللوم على الإعراض عنه، وهو من عمومات قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( )، وهي ايضاً مدرسة للمسلمين وتجمع الأمرين معاً:
الأول: الجدال بالحق والبرهان.
الثاني: الموعظة والإعانة على الرشاد.
وهذان الأمران متحدان ، احدهما متداخل مع الآخر.
وهما عنوان لصلاح الذات والغير، ويبعثان الثقة في النفس ويدلان على الإستقامة والوقار، وكما ان لبس المسلم للحرير في الحرب دعوة للعدو لدخول الإسلام لأنه دليل السعة والمندوحة في أحكام الشريعة فان الجدال بالحكمة دلالة على ارتقاء المسلمين في مراتب العلم، اما الموعظة فهي شاهد على النصح الذي يتصف به المسلمون، والحرص على هداية الناس جميعاً الى الحق والنجاة في النشأتين، وهما حاجز دون تعدي الغير وانتقال الخلاف الى صيغ القتال.
وحال السلم اعم واطول واوسع من حال الحرب والقتال، فلذا يكون المسلمون والناس جميعاً بحاجة الى الجدال بالحكمة والموعظة الحسنة، لأن الجميع ينتفعون منها وهي سبب للتقارب.
ومن الآيات ان هذا التقارب لا يكون الا وفق قواعد شرعية ثابتة وهي الإقرار بالتوحيد والإيمان بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند  فالأمر ليس صلحاً او توافقاً وتراضِ، فلابد من احقاق الحق ورجوع الضال الى المهتدي، والجاحد الى المؤمن، والكافر الى المسلم، لتكون جذبة الى كمال لطفه وعزته تعالى، ومناسبة لمعرفة الآيات الكونية والتنزيلية، وسياحة في عالم الجمال المطلق، لما في هذا النوع من الجدال من التخلية عن الرذائل ،
وهذه التخلية عامة وشاملة وان كانت على درجات متباينة فيصبح المسلم الذي يجادل بالحكمة عالماً بكيفية المناظرة، بعيداً عن الغضب والإنفعال مما يساعده على احضار البرهان، ودحض حجة الخصم، الذي يبعث الجدل بالحق الشوق في نفسه لسماع البرهان وتدبر الآيات ومن مصاديق هذا الجدال مخاطبة الذين يودون اضلال المسلمين بالنسبة التشريعية الى الكتاب المنزل.
فبعد الإخبار عما تضمره طائفة منهم للمسلمين تأتي هذه الآية لتناديهم جميعاً بـ [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ] وهذا النداء صادر من عند  مما يكون حجة على المسلمين في لزوم التقيد به باكرام اهل الكتاب عند الإحتجاج وتوجيه اللوم ، وهذا من اعجاز الخطاب القرآني ان يجمع بين المتباينين في موضوع واحد وهو الخطاب والجدال، فالإكرام بالصفة واللوم والذم على الفعل والجحود، فلا الجحود صار برزخاً دون الإكرام الخطابي، ولا النعت والإشتراك مع المسلمين بالإنتماء الى الكتاب السماوي يكون مانعاً دون التوبيخ على الفكر.
وهذا الجمع انذار للمشركين والكفار بان ما ينتظرهم أشد أذى، لا أقل في صيغة الخطاب، ووعيد لهم بالعقاب الشديد للإقامة على الكفر والضلالة، فهذه الآية لا تجعل الكفار بمعزل عن موضوعها او انها تحيلهم الى الآيات الخاصة بالمشركين وما يستحقون من العقاب، بل انها تقصدهم بالمنطوق ومفهوم الخطاب ، اما المنطوق فلأنها تذم الكفر وتنهى عنه، وأما المفهوم فان اللوم الذي تتضمنه الآية يشملهم من باب الأولوية، واللوم والذم الذي يتوجه اليهم أشد في موضوعه وحكمه من اللوم الموجه الى اهل الكتاب.
وورد ذكر الكتاب في الآية بصيغة المفرد، مع ان المراد التوراة والإنجيل، فالمراد اسم الجنس الجامع لهما، وفيه رأفة وود مع اليهود والنصارى للإلتقاء مع المسلمين بالكتاب السماوي ، وقد تقدم قوله تعالى [ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ]( ).
ومع ان اللوم والذم تعلق بالأفعال، فان الخطاب التشريفي جاء بالصفة والإنتساب، والمدار على الأفعال وهي التي تصاحب الإنسان في عالم الحساب وتأخذ بيده الى السعادة أو الشقاوة، والى الجنة او النار.

قوله تعالى [لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ]
بعد الخطاب التشريفي جاء اللوم على الكفر، ليكون الخطاب سبباً للوم اضافي من وجوه:
الأول: تضمن التوراة والإنجيل للبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الإنتماء للكتاب السماوي عون على معرفة حقيقة التنزيل والتصديق بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: القرآن حجة عقلية، وآياته اظهر وأعظم من ألآيات التي جاء بها موسى وعيسى عليهما السلام.
الرابع: الأصل هو مبادرة اهل الكتاب للتصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء لما عندهم من البشارات ببعثته، او لأنهم موحدون يعلمون ان  ينزل الكتاب على الأنبياء ، والرسول الأكرم جاء بالمعجزات والبراهين.
الخامس: يتضمن القرآن الإعجاز الذاتي، ومن السهل على أهل الكتاب ان يتلمسوا الفارق الكبير بينه وبين التوراة والإنجيل من جهة البلاغة والأسرار الإعجازية والأحكام الشرعية، والقواعد العقائدية.
السادس: تفضله تعالى بمخاطبة اهل الكتاب، وما في الآية من اللوم رحمة متجددة لأهل الكتاب ورأفة بهم وهو من وجوه الإصطفاء، فلم يتركهم  وشأنهم، ولم يجعلهم مقيمين على المعصية الى حين النشور والحساب، بل تفضل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم وللناس جميعاً ثم خصهم بآيات من القرآن تفيض منها معاني الرحمة الخاصة بهم.
ويحتمل ارادة كفرهم بالتوراة والإنجيل بعدم الأخذ بما فيهما من البشارة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصرارهم على العمل بالتحريف، ولا تعارض بين هذا القول وبين ارادة الكفر بآيات التنزيل، منهما الجحود بآيات الله تعالى.
وبينما جاءت الآية السابقة بذم طائفة من أهل الكتاب لتمنيهم ضلالة المسلمين، جاءت هذه الآية بلوم وتوبيخ اهل الكتاب عامة لأنهم يكفرون بآيات  ففي الآية وجوه:
الأول: ارادة الطائفة التي ذكرتها الآية السابقة لنظم الآيات، بتقريب وهو ان الرغبة في الإضلال فرع الكفر بالآيات.
الثاني: الآية وان جاءت على نحو العموم فان القدر المتيقن منها من كان يكفر بآيات القرآن والتنزيل.
الثالث: شمول الآية لأهل الكتاب جميعاً، لجحودهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والأصح هو الثالث لإصالة الإطلاق، وعدم وجود مخصص للآية، ولأن المراد بالكفر هو الجحود بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجيء الآية بصيغة الإطلاق وشمولها لعموم أهل الكتاب آية اعجازية وتوكيد للرأفة الإلهية بأهل الكتاب والناس جميعاً، وشاهد على اصطفاء آل ابراهيم، لأنها دعوة عامة لدخول الإسلام وزجر عن الإقامة على الكفر.
وفي الآية مدح للمسلمين لأنهم بادروا الى الإسلام والإيمان بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصاروا حجة على أهل الكتاب ، ورهطا سابقا يدعون الناس للحوق بهم والتخلص من الكفر وهو أقبح ما على وجه الأرض من الأفعال، ويجلب الأذى على صاحبه وغيره، ولا ينحصر اذاه في الدنيا بل يكون في الآخرة أشد وأقسى.
ومن الإعجاز في الآية انها قيدت الكفر بانه بآيات ، ولم تنعتهم بالكفر بمعنى الجحود بالربوبية، وهو موافق للنداء بيا أهل الكتاب، وحث على الإيمان بالكتاب النازل على الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لوحدة الموضوع في تنقيح الكتاب، ولكنها لم تقل لهم لماذا لم تؤمنوا بالكتاب المنزل، بل قالت [تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ]، وفيه مسائل:
الأولى: بين الكتاب وآيات  عموم وخصوص مطلق، فالكتاب آية من آيات ، لذا جاءت الآية بصيغة الجمع ، وهو درس في الحجة القرآنية، والإحتجاج بالأعم، والإنتفاع من التعدد في البرهان، والكثرة في الدليل وقوة الحجة.
الثانية: توكيد تعدد الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو شاهد على تفضيله وتشريفه ومصداق لنبوته.
الثالثة: صيغة الجمع في الآيات، ومن اللطف الإلهي بالناس فاذا لم يلتفت او يؤمن الإنسان بآية من تلك الآيات فان غيرها تذكره وتدعوه وتجذبه الى منازل الإيمان، فان قلت لماذا لم يؤمن هؤلاء مع تعدد وكثرة الآيات، قلت: انهم اختاروا الكفر واصروا على الجحود.
وليس من فعل او قول لله تعالى الا وله نتائج وآثار كريمة ومباركة، ومن نتائج هذه الآية:
اولا: تجديد الدعوة الى الإسلام.
ثانياً: ايمان جماعات من أهل الكتاب.
ثالثا: تثبيت المسلمين في منازل الهدى والإيمان.
رابعاً: اقامة الحجة على الكافرين والجاحدين.
خامساً: تحدي الكافرين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوالي وتعدد الآيات التي جاء بها.
سادساً: دعوة المسلمين وعلمائهم الى احصاء معجزات الرسول الأكرم ، ومنهم من أوصلها الى أربعة آلاف معجزة، وقد أفردنا باباً في هذا التفسير لإعجاز كل آية وعدد آيات القرآن هي (6236) آية، وكل آية تتضمن اعجازاً متعدداً ،وهو على وجوه منها:
الأول: ما بينه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: ما هو ظاهر جلي.
الثالث: ما أكدته الوقائع والأحداث.
الرابع: الأخبار الغيبية.
الخامس: بيان أحوال الآخرة وعالم الثواب والعقاب.
السادس: الإعجاز الذي يترشح مع الأيام، ويتوصل اليه العلماء بالتحقيق والإستدلال والإستنباط.
السابع: الإعجاز العلمي ودلائل الآيات الكونية.
وجاءت الآية بنسبة الآيات لله تعالى ، وفيه مسائل:
الأولى: الإخبار بان ما عند رسول  صلى الله عليه وآله وسلم انما هو آيات تفضل  تعالى بها عليه وعلى الناس.
الثانية: تنزيه الناس من العناد في باب العقائد والإصرار على البقاء على الشريعة المنسوخة والظن بعدم زوال شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، فالتوراة والإنجيل كتابان من عنده تعالى، وقد تفضل سبحانه وتعالى وأنزل الآيات على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكما آمنوا بالآيات التي جاء بها موسى وعيسى فعليهم ان يؤمنوا بالآيات التي أنزلها  على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: الآية تخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبرزخ دون معاداته وحسده وهي تشريف له بأن نسب القرآن آيات التنزيل والوحي ومعجزات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم له سبحانه.
الرابعة: الآية حجة على أهل الكتاب، وانذار لهم من عواقب عدم الإيمان بمعجزات الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة: التخويف والوعيد من التعدي في الكفر والجحود، والمنع من التجرأ بالتعدي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
السادسة: بعث السكينة في نفوس المسلمين، واخبارهم بانهم على الحق والهدى.
السابعة: توكيد سماوية القرآن، وفيه دعوة للإنتفاع من هذه النعمة.
الثامنة: الآية شهادة على خلو القرآن من التحريف.
التاسعة : أن بعثةالنبي محمد آية من آيات.
علم الوقائع
من خصائص الحادث انه متغير لا يمكنه الإستقرار على حال، وهذاالتحرك شاهد على امكانه وفقره لغيره، وحاجته للعلة والمحل، والدنيا حادث وعالم متغير، ليس فيها شيء ثابت الا التوحيد والإقرار بالعبودية لله تعالى، اذ تتعاقب عليها اجيال البشر والكائنات المختلفة، وتزول آثار لتظهر معالم جديدة، وفي حياة كل أمة وجيل وجماعة قصص وحوادث متعددة، وجاء القرآن ليوثق احسن تلك القصص بآيات اعجازية، واخبار سماوي، لتكون كل واحدة منها مدرسة في المعرفة الإلهية، ومن الآيات ان القرآن حفظ الوقائع ذات الأهمية في حياة الناس، لتصبح حرزاً للمسلم وآلة للإقتباس والإستنباط والإستدلال، والوقائع في القرآن على وجوه:
الأول: قصة خلق آدم .
الثاني: قصص الأنبياء السابقين.
الثالث: الأمم المتعاقبة من أهل الإيمان والصلاح الذين يتوارثون الإسلام من أصحاب واتباع الأنبياء ممن لا يضرهم من خالفهم الى ان بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: احوال الأمم السالفة، والصراع بين الإيمان والكفر وظهور أهل الحق على من ناوءهم.
الرابع: توكيد البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالكتب السالفة وعلى لسان الأنبياء السابقين، وهو على أقسام ثلاثة:
الأولى : اخبار الأنبياء والرسل لأصحابهم واممهم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والحث على التصديق به وبرسالته ونصرته وإتباعه ، كما ورد حكاية عن عيسى في التنزيل [بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] ( ).
الثانية : أدعية الأنبياء بخصوص بعثته صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على موضوعيتها وادراك الأنبياء والرسل لأهميتها في تغيير الواقع وتوجيه الأحداث بما يثبت دعائم التوحيد في الأرض، ويعز المؤمنين وفي خصوص دعاء ابراهيم ، ورد قوله تعالى [وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ] ( ).
الثالثة : تذكير اهل الكتاب بوظائفهم أزاء البعثة النبوية ، ومنها هذه الآية.
الخامس: الأحداث التي صاحبت تنزيل القرآن ، ومنها أسباب النزول وما فيها من التوثيق.
السادس: الشواهد التأريخية التي تدل على الحاجة الى بعثته صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن.
السابع: نزول الملائكة الى الأرض، واعانتهم للأنبياء في جهادهم، ونصرتهم للمسلمين.
الثامن: المدد الإلهي لسلامة الأنبياء والأولياء، والذب عنهم، وتهيئة أسباب نجاتهم وظهورهم على أعدائهم.
التاسع: الحوادث الغيبية، مما أخبر عن وقوعها القرآن، وهي على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يقع أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتنزيل القرآن.
الثاني: الحوادث التي ستقع بعد أنتقال الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى والى يوم القيامة باعتبار ان القرآن فيه تبيان كل شيء.
الثالث: الحوادث المنبسطة على أيام التنزيل وما بعدها، سواء ما يتكرر حدوثه او ما يستمر وجوده او ما يتكون من أحداث متعاقبة ، كما في قوله تعالى [ غُلِبَتْ الرُّومُ *فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ *فِي بِضْعِ سِنِينَ]( ).
ان علم الوقائع في القرآن حجة وعبرة وموعظة، وله دلالات اعجازية، وهو مدرسة للأجيال المتعاقبة، وينتفع منه المسلمون وغيرهم، ويمكن استنباط قواعد عملية منه تؤكد بقاء كلمة التوحيد في الأرض، وحتمية انتصار الإسلام، واندحار مفاهيم الكفر والضلالة، وهي قوانين علمية يعرض عليها ما يحدث في اليوم والليلة في البلدان المختلفة من الحوادث والوقائع والفتن والإبتلاءات، لمعرفة ماهيتها والتدبر فيها، وكيفية التصرف أزاءها وتوظيفها لمصلحة الإيمان، واجتناب الأضرار المحتملة منها.
لقد أراد   ان تكون الوقائع في القرآن مقاييس لقراءة التأريخ وموعظة وسلاحاً للمسلمين حكومات وقادة وافراداً ووسيلة للنجاة والسلامة والتوفيق.
قانون الآيات
الآيات جمع آية وهي العلامة والدلالة، وفي الإصطلاح هي المعجزة القاهرة والشاهد على وجود الصانع وبعثة النبي، فهي فضل من عند  على الناس جميعاً، والآيات على قسمين:
الأول: عقلية وهي التي يدركها العقل الإنساني بالضروريات والكليات البديهية وتترشح عنها النظريات، ولتكون الغائبات حاضرة عنده.
الثاني: حسية وهي التي تدرك بآلة الحس في حال وجودها في الخارج، ويعجز الإنسان عن احصاء افراد مصاديق كل قسم منها مما يستطيع ادراكه ومعرفته، اما ما لا يستطيع التوصل اليه فهو أعظم واكبر وأكثر عدداً، بالإضافة الى قاعدة كلية وهي تعدد الآيات في ذات الآية الواحدة، وهذا التقسيم للآيات استقرائي والا فما من آية حسية الا وهي تخاطب العقل وما من آية حسية الا وتدرك بالعقل سواء بالذات او بالعرض، وهو من عمومات قواعد اللطف الإلهي وتقريب الناس الى الإيمان والإقرار بالعبودية المحضة لله تعالى، واعانتهم على انتهاج سبل الطاعة.
وترى الأجيال تتعاقب والآيات باقية شامخة بل هي متجددة، ومن فضله تعالى ان يعلم الإنسان بآيات سابقة لزمانه ومصاحبه له ومتأخرة عليه، وتؤكد الآيات بديع صنعه تعالى وحكمته واتقانه للأشياء ولطفه ورحمته وعظيم قدرته وعدم استعصاء مسألة عليه، والآيات على وجوه منها:
الأول: الآيات الكونية التي تتجلى في خلق السماوات والأرض وهي التي تلح على الإنسان في كل لحظة بلزوم الإنقياد لمقام الربوبية لما فيها من معاني القدرة الإلهية، وتحث الإنسان على التفكر في الخلائق ليكون هذا التفكر مقدمة ومناسبة للمعرفة الإلهية والإبتعاد عن منازل الجهل.
الثاني: خلق الملائكة وهم أجسام نورانية لطيفة، ولها القدرة على تغيير اشكالها وهيئاتها بصور مختلفة، والملائكة منقطعون الى العبادة لا يفعلون الا ما يأمرهم   ولا يعصونه في شيء ومسكنهم في السماوات، وقد ينزلون الى الأرض بحسب الأمر الإلهي، وعن الإمام الصادق  ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من شيء أكثر من الملائكة.
ومن تعدد الآيات في خلق الملائكة انهم مع عظيم خلقهم فانهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، وغذاؤهم التسبيح ونسيم العرش.
الثالث: خلق  الجن، وجعلهم أمماً ومجتمعات وبينما لا يفعل الملائكة الا الخير، فان الجن يفعلون الخير ويفعلون الشر، والجن قادرون على تغيير صورهم وهيئاتهم بصور متعددة منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح.
الرابع: آية الشمس والقمر وجريانهما البديع، وما يرتبط به من الآيات الكونية بالإضافة الى المعاملات والصنائع.
الخامس: التباين بين الشتاء والصيف وتقلبات الزمان وأحوال المناخ ونزول الأمطار وادراك الإنسان لحاجته لها، وعجزه عن توفير ما يحتاجه من الماء والغذاء الا بفضله تعالى.
السادس: المعجزات التي جاء بها الأنبياء بما هو خارق للعادة وقوانين السببية والعلة والمعلول وما فيها من النفع العقائدي والإجتماعي والأخلاقي.
السابع: آيات القرآن وما فيها من المضامين القدسية والأسرار الملكوتية.
الثامن: ذات الإنسان، فكل فرد هو آية مستقلة ويكون آية لذاته ولغيره، فيرى في خلقه ونفسه وتصريف شؤونه ما يدرك انه آية في خلقه واستدامة حياته، كما يدرك الأسرار الإعجازية في خلق غيره، بالإضافة الى تجليات الحق في التباين بين الناس في الصورة والهيئة والأفعال وكل آية في الخلق عالم مستقل بذاته، ومصداق من مصاديق الإرادة التكوينية، وكنز مدخر يدعو الناس الى الإتعاظ والإعتبار والإقٌرار بالوحدانية.

قوله تعالى [وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ]
خاتمة الآية تتمة لصيغة اللوم والذم التي جاءت بها، وهي حجة اضافية وتوكيد لتخلفهم عن الإيمان بالآيات والمعجزات التي جاء بها رسول  صلى الله عليه وآله وسلم ، وللشهادة هنا أربع معانِ:
الأول: الحضور يقال شهد شهوداً أي حضره، والمشاهدة: المعاينة، وفيه وجوه:
الأول: يكفر أهل الكتاب بالآيات، وهم حاضرون عندها، يرونها ويكونون موجودين ساعة وأوان نزولها، كما في نزول آيات القرآن وما فيها من الإعجاز، وما يصيب النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من الكرب ساعة النزول.
الثاني: حضور الجدال والإحتجاج، كما في آية المباهلة وعجزهم عنها.
الثالث: رؤية الآيات الكونية التي تدل على لزوم الإمتثال لأوامره تعالى، ومنها الإقرار بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: معاينة انتصار المسلمين وأتساع رقعة الإسلام، ودخول الناس افواجاً فيه.
جاءت الآية بصيغة الجمع، أي ان الحضور لم يكن لأفراد قليلين منهم بل هو عام ويتصور على شعبتين:
الأولى: حضور جميع أهل الكتاب وقوع الآيات.
الثانية: رؤية ومشاهدة جماعة منهم لا يتواطئ أفرادها على الكذب، ويقومون بنقل ما يشاهدون الى الجميع ، الأصح هو الأول، وفيه دلالة على بلوغ الآيات لأهل الكتاب على فرض ان المراد من الشهادة هنا الحضور وانها تتعلق بنزول الآيات ونحوه.
الخامس: تشهدون انتصار المسلمين والمدد والعون الإلهي لسرايا المجاهدين، واخلاصهم في طاعة .
الثاني :تأتي الشهادة بمعنى العلم، “والشاهد العالم الذي يبين ما علمه”( )، وفيه بلحاظ هذا المعنى وجوه:
الأول: الآية خطاب لأهل الكتاب بأنهم يعلمون بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن التوراة والإنجيل جاءا بالبشارة به، وقد جاءت الآيات السابقة بالإشارة الى التوراة والإنجيل باعتبار انهما نزلا بعد ابراهيم ، فصار نزولهما دليلاً على دحض القول بانتساب ابراهيم لليهودية أوالنصرانية، وجاءت هذه الإية بالتذكير بهما، لأن لفظ الكتاب جامع لهما ، مما يعني موضوعيتهما عند اليهود والنصارى واعتبار نزولهما حجة، وتضمنت الآية الإشارة الى ما فيهما من البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار ان هذه البشارة برهان ودليل يفيد العلم عند أهل الكتاب.
الثاني: حصول العلم واليقين بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن المعجزة تثبت بذاتها عجز الناس عن معارضتها والإتيان بمثلها، ويدرك اهل الكتاب قاعدة كلية في الإرادة التكوينية وهي مجيء النبي بالآيات.
الثالث: في الآية لوم لأهل الكتاب لأنهم يجحدون بآيات النبوة والتنزيل وهم يعلمون بسوء هذا الفعل، والإضرار المترتبة على الجحود بالآيات.
الثالث من معاني الشهادة هو ادلاء الشخص بما رأى او سمع من الوقائع وأخباره بما شاهده وما أمتاز بالإحاطة به، وفي الآية بحسب هذا المعنى وجوه:
اولاً: قيام الحجة عليهم بالشهادة بصدق النبوة ونزول القرآن، وعدم جواز اخفاء الشهادة، قال تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ]( ).
ثانيا: التقوا في منتدياتهم يشهدون بصدق الآيات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ثالثا: يكفرون بالآيات في الظاهر، ويعترفون في قرارة أنفسهم بصدقها.
رابعا: يشهدون بما جاء به موسى وعيسى عليهما السلام بالبشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم اتباعه.
خامسا: يشهدون على أنفسهم بالجحود بالآيات، بمعنى انهم يعلمون بالتقصير والظلم، فجاءت الآية دعوة للتغلب على النفس الشهوية والغضبية، واجتناب العناد والجحود.
الرابع: الإقرار واليقين، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير “ان نعت نبى الله محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم في التورة والانجيل النبي الامي”( ).
أي ان لفظ تشهدون من الشهادة ومعناه حصول اليقين والقطع عندهم بأمور:
الأول: ان التوراة والإنجيل أخبرا عن صفات نبي آخر الزمان.
الثاني: ان النعت المذكور في التوراة والإنجيل ليس له مصداق الا النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم اسماًَ ومسمى، وقد تفضل   وجعل الآيات والمعجزات تترى على يديه ليكون برزخاً دون تأثير التحريف عليهم، وليكون دعوة كاملة وحجة باهرة للناس جميعاً ممن لم يؤمن بالتوراة والإنجيل.
ولا تعارض بين الوجوه أعلاه في تفسير الشهادة المذكورة في الآية،مع تعددها وتشعبها ، وتدل مجتمعة ومتفرقة على التخلف عن نصرة الحق والإيمان بالتنزيل، ولزوم عدم اخفاء الآيات والمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتخليص الناس من الضلالة، والأخذ بهم الى سبل النجاة والنعيم الدائم.
ان المعجزة ذاتها شاهد على صدق دعوى النبوة، لأنها إخبار سماوي حاضر لا يقبل الظن او الشك او الوهم، بل يفيد القطع واليقين، ان حضور المعجزة مانع من التكذيب، وبرزخ دون التردد في الإيمان، لأن النفس الشهوية والغضبية واغواء الشيطان لا تستطيع حجب الإنسان عن الإيمان عند اجتماع العقل والحس على صدق النبوة، فجاءت الآية لنزع رداء العناد والصدود بلطف ورأفة لتكون تذكرة وموعظة.
بحث بلاغي
من البديع الإفتان وهو الاتيان في كلام بصيغتين من الكلام احداهما تختلف عن الاخرى مثل الحزن والفرح، والفخر والتعزية، والوعد والوعيد، الوعد على العمل الصالح، والوعيد على المعاصي والذنوب، والثناء والإنذار كما قوله تعالى [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ]( )، فانه تعالى أخبر عن فناء الخلائق وزوالها، ومدح نفسه بوجوب الوجود وبصفات الجلال والاكرام التي تدل على استحقاقه للعبادة، وان بقاءه أمر ثابت وليس انتزاعياً.


قوله تعالى [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] الآية 71

الإعراب واللغة
قرئ (تلبسون) بالتشديد، وقرأ يحيى بن وئاب (تلبسون) بفتح الباء، أي تلبسون الحق مع الباطل.
والأصح ما مرسوم في المصاحف، وان أفاد التشديد التكثير، واللبس: اختلاط الأمر ، ويقال التبس عليه الأمر أي اختلط واشتبه.
يا: حرف نداء، أهل الكتاب: منادى مضاف، الكتاب: مضاف اليه، لم: تقدم اعرابها في الآية السابقة.
تلبسون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، الواو: فاعل،
الحق: مفعول به، بالباطل: جار ومجرور.
تكتمون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، الواو: فاعل.
الحق: مفعول به منصوب.
وانتم تشهدون: تقدم اعراب مثلها في الآية السابقة.
في سياق الآيات
بعد اللوم الموجه لأهل الكتاب في دعوى انتساب ابراهيم، والكفر بآيات  مع الإقرار بها وحضور المعجزة، جاءت هذه الآية بذات النظم والحكم مع التباين في الموضوع ، وفيه توكيد لقبح الفعل، بصيغ اللوم والذم.
ولكن أيهما أشد اذى وضرراً الكفر بآيات  مع الحضور والعلم الذي ذكرته الآية السابقة، أم خلط الحق والباطل ، واخفاء الدلائل الذي ورد في هذه الآية، الجواب هو الأول.
ولكن هذا لا يمنع من التداخل بينهما، وكون أحدهما فرعاً ونتيجة للآخر، لذا جاء موضوعهما في سياق واحد ، وهذا من الآيات في نظم الآيات ليحصل عموم النفع، أي ان اللوم في الآيات ليس للتنكيل والحجب عن الإستفادة من إفاضات البعثة النبوية وشآبيب الرحمة التي جاءت مع التنزيل بل انه نصح وإرشاد لذا تعددت وجوه وصف القبيح من أفعالهم بغية التفاتهم اليها والإنتباه الى كثرتها وكيف ان هذه الكثرة تؤدي الى الجحود.ومحاربة الإسلام والمبادئ التي جاء بها، كما يمكن تأويل النسبة بين الآيتين بانها عموم وخصوص مطلق فهذه الآية بيان وتفصيل للآية السابقة وما فيها من الأخبار عن الكفر والجحود.
وجاءت الآية السابقة في الغواية الذاتية، اما هذه الآية فتضمنت الأغواء والإضلال، ولا يعني هذا استقلال كل فرد منهما بالموضوع والحكم، بل هما متداخلان يؤثر أحدهما بالآخر، ويتفرع عنه.
اعجاز الآية
في الآية اعجاز من وجوه:
الأول : ابتداء الآية بذات الخطاب التشريفي وهو [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ] والجمع بينه وبين مضمون الآية يدل على زيادة التنبيه باعتبار ان الإنتساب للكتاب المنزل يملي على الإنسان استصحاب التصديق بالتنزيل فاذا كان قد آمن بالكتاب السابق فعليه ان يؤمن بالكتاب اللاحق وانه حق خصوصاً مع الدليل القاطع على التنزيل.
الثاني : في الآية اخبار عن حال اهل الكتاب، وكيف انهم يخلطون الباطل بالحق، وفيه اشارة وتذكير بالأضرار التي تنتج عن هذا الفعل.
الثالث : التوكيد على حقيقة غيبية، وهي قيام أهل الكتاب باخفاء الحقائق التي علموها من التوراة والإنجيل، ومنها البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : قيام الحجة عليهم بحصول العلم عندهم بما يجب فعله.
الخامس : الآية مدرسة في الإحتجاج على أهل الكتاب، ولم يأتِ هذا الإحتجاج لدحض حجة الخصم، وجعله عاجزاً عن الرد فقط، بل انه جاء لإصلاحه وهدايته ومنعه من التمادي في الضلالة.
السادس : تدعو الآية الى معرفة موازين الحق والباطل، وماهية وخصائص كل منهما، وتزيح الآية حاجز التردد والهيبة من نفوس المسلمين في موضوع مخاطبة أهل الكتاب بصيغة اللوم ، فالأصل انهم اتباع كتاب سماوي ويظن المسلمون ان ما يفعلونه مقتبساً ومستقرأ من أحكام التوراة والإنجيل، ولكن الآية جاءت لتبين التباين بين التشريع والأفعال، ولزوم تحذير أهل الكتاب من عدم التقيد بأحكام التنزيل.
السابع : جاءت الآية بلفظ اللبس ولم تأتِ بلغة الجمع بين الحق والباطل، في اشارة الى عدم امكان التداخل بينهما ، والتوكيد على حصول الفضل والتمييز بينهما.
ويمكن تسمية هذه الآية بآية (تكتمون الحق) ولم يرد هذا اللفظ بصيغة الجملة الخبرية الا في هذه الآية.
الآية سلاح
تؤكد الآية حقيقة في الواقع العقائدي، وهي وجود أمة وجماعات لا تفصل بين الحق والباطل، بل تتعمد الخلط بينهما وفتحت باب الجهاد العلمي والعقائدي، لتنزيه مجتمعات أهل الكتاب من اللبس والجهالة وفيها تأديب للمسلمين بلزوم الحرص على أتباع الحق، وعدم الميل الى الباطل او جعله في طول او عرض الحق والعدل.
مفهوم الآية
تتضمن الآية معاني الرحمة واللطف بأهل الكتاب وأفرادهم بالخطاب المتكرر، والنصح المتصل، والإحتجاج السماوي الكريم الذي تتجلى فيه الغايات الحميدة للأخذ بايديهم الى سبل النجاة، ومن خصائص النفس الإنسانية أنها تنفر احياناً من لغة اللوم والذم وقد تؤدي بها الى العناد والإصرار، خصوصاً اذا كانت مكررة وموجهة الى أمة وملة.
ولكن هذه اللغة في القرآن تبعث في النفس معاني التدبر وتجعل الإنسان يعشق القرآن ويميل الى ما فيه من الأخبار والقصص والبراهين، وهذا سر من أسرار القرآن، وما جعل  له من السلطان على النفوس، لا سيما وان اللوم يتكرر فيه موضوعاً وحكماً كما في هذه الآيات.
فبعد الإحتجاج في ابراهيم وابطال دعوى انتسابه لهم، جاء التحذير من اضلالهم للمسلمين بآية [لَوْ يُضِلُّونَكُمْ] ثم خاطبتهم الآية السابقة بأشد لغات الذم والتقبيح اذ نعتتهم بالكفر بالآيات مع انهم أهل الكتاب، وجاءت هذه الآية بخصوص الخلط بين الحق والباطل، ولم تسمع رداً سلبياً من اليهود والنصارى بخصوص مضامين هذه الآيات عند نزولها، بل ساعدت في إيجاد مفاهيم وقيم جديدة، وساهمت في التقارب بينهم وبين المسلمين بأن كانت لغة البرهان والإحتجاج هي الغالبة على الصلات والتعامل بين الطرفين.
وتدل الآية في مفهومها على القدرة النوعية العامة على الفصل بين الحق والباطل، والتنزيل والتحريف، والصدق والكذب، وتدعو الى تنميتها وجعلها جزء من وظائف الخلافة في الأرض، وحاجزاً دون تجدد هذا الخلط والأضرار الناتجة عنه.
وجاءت الآية بأمور هي:
الأول: تخصيص أهل الكتاب بالنداء ولا يعني هذا عدم شمول غيرهم بمضامينه بل انه يتوجه الى المشركين والكفار من باب الأولوية، مع زيادة في التوبيخ والإنذار لأنهم يركبون جادة الباطل.
الثاني: توكيد موضوعية أهل الكتاب في عالم العقائد وكأن الآية في مفهومها تطلب العون من أهل الكتاب لتثبيت مبادئ التوحيد في الأرض بهجران الخلط بين الحق والباطل، ولا يعني هذا ان الإسلام بحاجة لهم، ولكن هذا الهجران لمنفعتهم ومنفعة المسلمين والناس جميعاً وفيه إنابة وصلاح وعودة الى الفطرة، وهو طريق للتدبر بالآيات ومعرفة المعجزات.
الثالث: وجود أمة تخلط بين الحق والباطل، وتتبنى مفاهيم التحريف وتظنها من التنزيل، ولو كانت هذه الأمة من المشركين لهان الأمر، ولكنها من أتباع الأنبياء، فصار نزول القرآن وعصمته من التحريف ضرورة للناس، والتنبيه على التقصير والإثم في مناهج التحريف حاجة لأهل الكتاب أنفسهم وللمسلمين والناس جميعاً، فتعتبر الآية سلاحاً لإصلاح النظم العقائدية للملل السماوية، ودعوة لأهل الكتاب للرجوع على القرآن وعرض ما عندهم على علومه وأحكامه وتنقيح المبادئ بما يلائم التنزيل.
الرابع: تبين الآية تعدد جهات الجهاد التي يتوجه اليها المسلمون والقرآن، وكل جهة انحلالية تنشطر الى جهات عديدة تستلزم بذل الجهد واقامة البرهان وازاحة الباطل، فالآية لم تأتِ للإشارة الى واقع أهل الكتاب وخلطهم الحق والباطل، بل جاءت لتغيير هذا الواقع، ومن الإعجاز في الآية انها توجهت لتهذيب النفوس باعتبارها وسيلة لإصلاح المجتمعات.
الخامس: منع اتساع رقعة الضلالة وتعديها، وهذا المنع مقدمة للإجهاز عليها، وفضح التحريف والزيف.
السادس: تظهر الآية سهولة انتصار الحق على الباطل، ودحض القرآن لحجة الخصم، واختيار الموضوع الذي له تأثير في العقائد والأفعال من أجل اصلاحها وتنزيهها.
السابع: اهلية المسلمين لمعرفة موارد استعمال الألفاظ المشتركة والمنقولة، والحقيقة والمجاز، والمطلق والمقيد، وبما يدفع حجة الخصم ويثبت الإيمان في النفوس.
الثامن: يأتي الجدل لإثبات شيء لشيء ويسمى الإثبات، او نفيه عنه.
وجاءت الآية لتوكيد حقيقة وهي قيام اهل الكتاب باخفاء الحق، والدعوة لإظهاره، أي ان الكتمان أمر عارض على الموضوع مما يدل على وجود الحق وضرورة اظهاره.
التاسع: خاتمة الآية حجة على أهل الكتاب، وتحدِ جديد يفيد توكيد مضامين الآية.
وجاء اللوم في موضوعين، ويفيد العلم بهما:
الأول: لبس الحق بالباطل.
الثاني: اخفاء الحق، فكلاهما يتعلقان بالحق، الا ان الأول يفيد مزج الباطل به، اما الثاني فيفيد اخفاءه، وليس من تعارض بينهما لوجوه:
الأول: لبس الشيء بضده نوع اخفاء له.
الثاني: تعدد مصاديق وأفراد الحق، فيقومون بخلط بعضها بالباطل، وبعضها يخفونها كما في اخفاء البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: تعدد مواطن الجدال والإحتجاج، ففي بعضها يقومون بخلط الحق بالباطل وبعضها يكتمونه مع وحدة الموضوع.
الرابع: عدم نفع الخلط بين الحق والباطل وعند قيام الحجة وكشف اللبس، فيلجأون الى اخفاء الحق أصلاً.
الخامس: العكس من الوجه أعلاه،وهو تعذر امكان اخفاء الحق، فيحصل خلط بينه وبين الباطل بالمغالطة واثارة الشبهات والشكوك.
قانون البرهان
البرهان قياس مؤلف من يقينيات، ويؤتى به للوصول الى يقين، وقياس يوصل الى التصديق على نحو لا يقبل الشك والتردد.
ومن خصائص البرهان انه يفصل الحق عن الباطل، ويميز الصحيح عن الفاسد بالدليل، لأن البرهان عبارة عن مقدمتين من القضايا القطعية التي توجب القبول، فحينئذ لا تتخلف النتيجة لإستحالة تخلف المعلول عن علته، لذا قيل ان نتيجة البرهان ضرورية، وجاءت هذه الآية بأمور:
اولاً: صيغة البرهان، وذكر يقينيات قائمة على الشواهد التي تؤكد حصول التحريف واظهار غير ما يخفون.
الثاني: النهي عن خلط الباطل مع الحق، والدعوة الى الفصل بينهما.
الثالث: ايصال أهل الكتاب والناس الى الحقائق، والتصديق بالنبوة ونزول القرآن.
الرابع: اجتناب الخطابة والجدل بغير حق سواء من قبل اهل الكتاب او غيرهم.
الخامس: بيان الإعجاز في نزول القرآن باعتماده صيغ الإستدلال والبيان والمقدمات القطعية التي تجعل الناس ينقادون لأحكامه.
ومن يطلب الحقيقة لابد وان يلجأ الى البرهان، او انه يستجيب له، وان كان مغايراً في نتيجته لما يقول به، ووجود البرهان في القرآن، وهي آية اعجازية ولكنه لا يمنع من وجود الإستقراء والتمثيل والقصص في القرآن لا تفيد اليقين كما هو حال البرهان ليكون التعدد من عمومات قواعد اللطف الإلهي وليصل المكلف بعقله وبالإستنتاج والمعرفة والهداية، وانحلال البرهان الى قضايا يقينية الى مرتبة الإحتراز يمنع من سلطان الكدورات او وضع الغشاوة على الأبصار، فهو حرب على الرهبان والرؤساء الذين يقومون بتضليل الناس ومنعهم من ادراك الحقائق.
فالبرهان يأتي بالبديهية التي تخاطب كل انسان ولا تترك لغيره التأثير عليه بغير الحق، مما يعني ان براهين القرآن ثورة على سلطان الظلم العقائدي ودافع لكل مانع يحول بين كل مكلف وواجبه الشرعي، وهذا الأمر ينفرد به القرآن ولا تستطيع أمة او جماعة ان تقوم بشطر منه، والتحقيق في (قانون البرهان) في القرآن يبين العجز عن احصاء عدده وموضوعاته، ففي كل آية تجد برهاناً ودليلاً يشير الى وجود الصانع ووجوب عبادته، سواء كان الدليل في المنطوق او المفهوم.
ولو كانت احدى المقدمتين ليست يقينية لا يعتبر برهاناً، لأن عنوان القياس يتبع أخس مقدماته.
ومن خصائص البرهان القرآني انه يمنع من التكافئ والتساوي في الجدل ويقضي على المناظرة التي تقسم الناس الى فريقين أو أكثر كل فريق يناصر رأياً، ويحرص على تعاهده والذب عنه ويحاول جذب أفراد الفريق او الفرق الأخرى لتأييده، ويجتهد في نقض وهدم حجة الخصم، ويشترك أفراده في التماس الحجة لنصرة قوله، فقد جاءت آيات القرآن لهداية الناس بالبرهان والدليل، وليس من خصم أمام القرآن كي يحتج عليه، بمعنى ان هذه الآية لا تخاطب اهل الكتاب بانهم خصم على خلاف ونزاع مع التنزيل عليه ان يأتي بحجته، بل انها تؤكد موضوعاً واحداً انهم على خطأ في خلط الباطل والحق، والجمع بين الأخذ بالشرائع السماوية وما طرأ عليها من التحريف، وهذا التأكيد يتجلى الأقوال والوقائع، والشرائع السابقة التي جاءت بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ان عجز الآخرين عن الإتيان ببرهان يقابل البرهان القرآني وحده حجة ودليل على انفراده بالحقائق، وانجذاب القلوب له وملائمة آياته لما فطر  الناس عليه، وفيه منافع خاصة للمسلمين منها تنمية ملكة تحصيل المقدمات وبلوغ الحق والإرتقاء في منازل اليقين، وتخفف عنهم آثار جدل أهل الريب والشك ولا تنحصر الحاجة الى البرهان القرآني بأيام التنزيل وحصول المنازعات والمناظرات بل تشمل جميع الأزمنة والبلدان.
فمن اعجاز القرآن ان يبقى برهانه غضاً طرياًَ، ومحامياً عن نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحسن اختيار المسلمين وهو من أقوى الأسلحة العقلية والعلمية في أزمنة الحوار وتقارب الحضارات والتداخل بين الأمم وظهور سلطان الإعلام.
افاضات الآية
جاء تكرار الخطاب لأهل الكتاب في هذه الآيات رشحة من رشحات القرآن، وامامته للناس وجذبهم لمنازل التقوى، وفي الآية اخبار عن وجود حق وباطل، وان التمييز بينهما امر ممكن، وكذا التخلص من الخلط بينهما، فلم يقصد الذم في الآية بذاته بل هو وسيلة لتنقية النفوس وتنقيح مفاهيم أهل الكتاب واعادتهم الى أحكام الشرائع السماوية.
ومضامين الآية لا تنحصر بأهل الكتاب بل تشمل غيرهم كما في شمول الخطابة للنظارة الذين ينصتون للجدل والخطابة ويسمعون الأقوال المتباينة، ويناصرون هذا الطرف او ذاك لظهور الحق، او اتباع الحجة والدليل او غيره، فجاءت الآية بخطاب يتحدث عن اللبس ولكنه خالِ من اللبس والوهم وهو من أوليات محاربة الباطل.
وتبين الآية الإختلاف في درجات الإصطفاء بحسب الإيمان أي ان الإصطفاء من الكلي المشكك وقد رزق  الأنبياء أعلى مراتبه، وتبين الآية فضل المسلمين على غيرهم بالإصطفاء بان جعلهم  يدعون غيرهم الى عدم خلط الحق والباطل، ويجاهدون من أجل اظهار الحق ونصرته.
قانون اظهار الحق
الحق نقيض الباطل، ويقال: حق الأمر يحق حقاً وحقوقاً، أي ثبت واستبان وأنتفى عنه الشك وقيل معناه صار واجباً، ومن أسمائه تعالى “الحق” أي واجب الوجود الذي ثبتت الوهيته ولقد جعل  الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان، ومن موارد الإبتلاء فيها عدم انحصار الصراع في باب مخصوص بل يشمل جميع الميادين، وينفذ الى النفس الإنسانية ويجعلها تجاهد لإختيار الحق وعندما تختاره تشعر باللذة والسكينة، وان ركبت جادة الباطل أستولى عليها الفزع والأذى والحزن والخوف مع انها أختارته اختياراً.
ولا يجري هذا الصراع على نحو التكافئ بين الطرفين، بل ان طرف الحق أكثر رجحاناً ويمتلك خصائص للنصر والفوز في المعركة التي تجري بين الحق والباطل في ذات النفس الإنسانية لإختيار احدهما، او في الصراع العام بينهما في أمور الحياة المختلفة وهذا من الآيات، ومن مصاديق (قانون اظهار الحق) فلقد تفضل  سبحانه بأمور في هذا العلم هي:
الأول : جعل الحق أقرب للعبد.
الثاني : زينة في نفسه وجعلها تميل اليه.
الثالث : اعانه عليه ويسر له طرقه.
الرابع : أزاح الحواجز التي تقف دون سبل الحق والصدق.
الخامس : وعد  سبحانه بالثواب العظيم على فعل الخير واتباع الحق.
السادس : جعل  تعالى لنية فعل الخير والتقيد بأحكام الشريعة موضوعية في العمل والثواب.
السابع : ومن فضله تعالى انه لم يخلِ بين العبد وبين الباطل قال تعالى [ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ]( )، فالحق له قدرة على المجيء والحركة والتوجه الى الناس على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، بينما الباطل كالجماد ولا سلطان له.
الثامن : جعل النفس الإنسانية تنفر من الباطل وفاعله، فالإنسان نفسه يكره الباطل والفساد والظلم والذنب وان رأى من يفعله فانه يبغضه وان كان هذا البغض على مراتب متفاوتة عند الناس.
ومن النعم الإلهية اظهار الحق ومنع اخفائه ومحاربة الباطل، ويتجلى هذا الإظهار بمصاديق لا يمكن احصاؤها لأنها ملازمة للإنسان وانحلالية منها:
الأول: صيغ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: النصح والتوجيه الصادر من الوالدين والأهل والمجتمع.
الثالث: العقل ووظائفه بهداية الإنسان الى سبل الحق وزجره عن مواطن التهلكة.
الرابع: الحواس، والعلوم الكسبية وتحصيل أسباب المعرفة.
الخامس: التجربة والواقع العملي وما له من الأثر على الإنسان من جهة الإعتبار والإتعاظ.
السادس: نزول الكتب السماوية وبيان الحق وتعيين معالمه، ومنع الخلط بينه وبين الباطل.
السابع: بعثة الأنبياء قادة في سبل الحق، ودعاة اليه ومنذرون من الباطل والضلالة.
الثامن: تنبيه الناس للرجوع الى الحق، وزجرهم عن لبسه بالباطل، وخلط المفاهيم.
وهذه الآية من مصاديق الوجوه الثلاثة أعلاه بالإضافة الى انها سلاح دائم لتقويم عمل أهل الكتاب واصلاح السنن، ومن اللطف الإلهي اتصال سبل اظهار الحق، فبالإضافة الى الكتب المنزلة وبعثة الأنبياء فان الآيات القرآنية تتجدد آثارها ووظائفها بالتلاوة وامتثال المسلمين للعمل بمضمونها والإحتجاج بمفاهيمها، كما تفضل سبحانه بنصرة الأنبياء بالمؤمنين والأعوان وعدم انقطاع الأتباع.
وتبين افراد هذا القانون ان لبس الباطل بالحق لن يضره وان معالم الحق تبقى مستقلة غير خافية على الناس، يستطيعون الوصول اليها والتقيد بأحكامها ومن مصاديق هذا القانون ان الإنسان لا يبقى متحيراً متردداً في الموضوع وهل هو من مصاديق الحق او الباطل، فلا شبهة موضوعية في المقام، فمواضيع الحق معلومة للناس، والتمييز بينه وبين الباطل يدركه الأفراد والجماعات، وكذا بالنسبة للحكم فلا شبهة حكمية فيه.
فحكم الحق هو الإستقامة والثواب والأجر، وحكم الباطل الإثم والذنب، وهذا القانون مصاحب للإنسان في يومه وليلته منذ أيام ابينا آدم والى يوم القيامة، وهو عون على التقيد بمصاديقه كما انها متداخلة وبعضها يشير الى بعضها الآخر، فالكتاب يدعو الى النبوة، والنبوة تدعو الى الكتاب، والعقل يحث الإنسان على التقيد بأحكامها، لذا فان الغالب على الناس الدعوة الى الحق، وهذه الآية معضدة بالعقل ومخاطبة له، مما يسهل على أهل الكتاب والناس قبول مضامينها، والتدبر في معانيها.
التفسير
قوله تعالى [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ]
تبين الآية عظيم فضله تعالى على أهل الكتاب بالذات وبلحاظ نظم الآيات لأن هذه الآيات جاءت لمخاطبتهم، ولم تكتفِ الآية بذكر اللوم والموضوع من غير النداء لوجوه في الآية السابقة، أي ان الآيات لم تقل “يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات  وانتم تشهدون، ولم تلبسون الحق بالباطل” بل كررت النداء والخطاب لأهل الكتاب وهذا التكرار اعجاز اضافي وله دلالات عقائدية منها:
الأول: توكيد اللطف الإلهي بأهل الكتاب على نحو الخصوص.
الثاني: بيان انفراد أهل الكتاب بنداءات خاصة.
الثالث: الإخبار السماوي عن وجود أمم يجمعها الكتاب السماوي.
الرابع: الترغيب باللجوء الى الكتاب السماوي.
الخامس: ان الإنتماء الى الكتاب السماوي لا يعني التزكية وصحة الأفعال، بدليل ان هذه الآيات تتضمن التوبيخ المتعدد لهم.
السادس: تثبيت قاعدة كلية وهي الفصل بين الإنتساب والفعل، فالإنسان ينتمي الى ملة، ولكن فعله لا يتناسب وهذا الإنتماء.
السابع: وحدة الموضوع في تنقيح المناط بين الكفر بالآيات، وخلط الحق بالباطل واخفاء البشارات وآيات الحق والتنزيل، وهذه الوحدة في الموضوع لا تمنع من التعدد في وجوه التقصير والخطأ، فمنها ما يتعلق بالجحود، ومنها بالتحريف واخفاء الحقائق.
بحث بلاغي
من اقسام الانشاء النداء، وهو دعوة الغير بحرف يفيد معنى الدعوة والتنبيه، والاصل فيه حرف (يا) ويأتي لنداء البعيدحقيقة وحكماً، ويُنادى به للقريب، ويؤتى به لغايات ونكت منها:
الأولى: تعظيم شأن المدعو كما في الدعاء لمقام الربوبية بلفظ (يا رب).
الثانية: العناية الخاصة بموضوع النداء، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ]( ).
الثالثة: اكرام المُنادى وتمييزه عن غيره بخصوصية كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ]( )، فجاء النداء بصفة الايمان، والموضوع على نحو الجملة الخبرية وليس الانشائية، مما يدل على اكرامهم في كتابة وفرض الصيام عليهم، ليعلم الناس جميعاً ان فرض الصوم رحمة لا ينالها الا الذي نال مرتبة الايمان.
الرابعة: ارادة الانتقاص من شأن المدعو، وتنبيهه على خطأه وتقصيره كما في قوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ]( ).
وقال السيوطي: ومنه قصد انحطاطه كقول فرعون [إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا]( )، وظاهر الآية بخلافه من وجوه:
الأول: ان قيام فرعون بمخاطبة موسى باسمه هو نوع اكرام واجلال بلحاظ مقام فرعون وادعائه الربوبية.
الثاني: مجيء الكلام بصبغة الظن وفيه مسائل:
الأولى: عدم حجية الظن.
الثانية: صدور هذا الظن من الكافر الذي يدعي ما ليس له، فكما يكون ظنه في نفسه خطأ وضلالة فمن باب الولوية ان يكون ظنه بغيره خطأ.
الثالثة: جاء الظن على نحو التعليق والاحتمال.
الثالث: نظم وموضوع الآية، فقد اخبرت الآية عن فضله تعالى برزق موسى تسع آيات بينات، وسؤال بني اسرائيل للشهادة على هذه الحقيقة.
الرابع: مجيء قول فرعون بصيغة الماضي والواقع، ولكن قوانين النبوة تنفيه وتكذبه، فيكون كلام فرعون حجة عليه، وموضوعاً اضافياً يؤكد ضلالته وجهله.
وفي النداء الوارد في الآية مسائل:
الأولى: ورود اداة الاستفهام (ما) وفيه توبيخ وتقبيح لفعلهم، وتوكيد لمخالفته لحكم الشرع والعقل.
الثانية: النداء بالانتماء للكتاب السماوي تنبيه لوظائفهم ولزوم الاقرار بالتوحيد، وتذكيرهم بالأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، والاحكام التي جاءت بها الكتب السماوية.
الثالثة: مصاحبة التوبيخ للنداء، وتعقبه بجملة خبرية هي [وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] لتوكيد التوبيخ واقامة الحجة والانذار من الانتقام والعقاب الإلهي.

قوله تعالى [لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ]
يتوجه الخطاب في الآية الى اليهود والنصارى، وكل أمة منها مستقلة في فعلها وعملها ولكنهم يشتركون في خلط الحق بالباطل واخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على ان البشارة بنبوته موجودة في كل من التوراة والإنجيل، باعتبار ان اليهود يرجعون الى التوراة، والنصارى الى الإنجيل ويحتمل من جهة المرتبة والدرجة وجوه:
الأول: ان بعض الفرق أكثر من غيرها في كتمان الحق.
الثاني: قيام بعض الطوائف من كل أمة منهم بلبس الحق بالباطل، ومع هذا جاءت الآية عامة في موضوعها سواء لغلبة تلك الطائفة او لسكوت الآخرين عنها، او لأنها خلطت بينهما بلحاظ الإنتساب للكتاب فاستحقوا الذم.
الثالث: عموم تلبسهم بالخلط بين الحق والباطل، خصوصاً وانهم يصرون على انكار بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود البشارة به في التوراة والإنجيل، وعليه اصالة الإطلاق.
واخبار الآية عن قيامهم بخلط الحق بالباطل يدل على حقيقة ثابتة وهي التمييز بين الحق والباطل، فكل منهما منفصل عن الآخر وله خصائصه الواضحة عند الناس، وهذا من الآيات في الإرادة التكوينية فمع ان مفاهيم الحق والباطل ليس من الماديات الا انها ليست مخفية ومستورة، والعلم بها يتصور على وجوه:
الأولى: عند المسلمين، فانهم يعلمون بالحق ومضامينه ومصاديقه.
الثانية: عند أهل الكتاب بدليل مخاطبة اهل الكتاب بها، فالخطاب شاهد سماوي على معرفة اهل الكتاب بوجوه التباين بين الحق والباطل، وقدرتهم على الفصل بينهما.
الثالثة: عند الناس جميعاً.
والجواب فيه تفصيل، فما تعلق بعلوم التنزيل يعلمه المسلمون واهل الكتاب، وما يوافق العقل يدركه الناس جميعاً وجاءت هذه الآية باعجاز اضافي وهو نقل الناس جميعاً الى مرتبة من المعرفة الإلهية، ليكون العدو مناصراً للحق وملتفتاً الى منازل الأمم وتأريخ الملل ومدى ملائمة أفعالها للمبادئ.
ولبس الحق بالباطل فيه وجوه:
الأول: تحريف التوراة، فيخلطون المنزل بالمحرف، عن الحسن وابن زيد.
الثاني: الإيمان بموسى وعيسى والكفر بمحمد.
الثالث: ما يعلمونه في قلوبهم من ان محمداً أحق بما يظهرونه من تكذيبه، عن الجبائي وابي مسلم( ).
الرابع: انهم تواضعوا على اظهار الإسلام اول النهار، ثم الرجوع عنه آخر النهار، تشكيكاً للناس، عن ابن عباس وقتادة.
الخامس: يكون في التوراة ما يدل على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم من البشارة والنعت والصفة، ويكون في التوراة ايضاً ما يوهم خلاف ذلك( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق اللبس، وتؤكدها شواهد من القرآن والسنة والتأريخ.
ومن الإعجاز القرآني ان الآية ذكرت حقيقة متأصلة عند أهل الكتاب، من غير تعيين المصاديق وفيه وجوه:
الأول: تعدد وكثرة المصاديق.
الثاني: معرفة اهل الكتاب والمسلمين بها، فلا تصل النوبة الى ذكرها.
الثالث: ليس من مصداق مخصوص، فمرة يكون اللبس في موضوع، وأخرى يكون في موضوع غيره فجاء الوصف مجملاً.
الرابع: الوصف الإجمالي باللبس دعوة لإستقراء مصاديقه والمبرز الخارجي له.
الخامس: جاء الفعل بصيغة المضارع مما يدل على الإستمرار في الأغواء.
ومن مضامين الآية انها دعوة لهجران الباطل والضلالة، وتنقيح عالم الأقوال والأفعال، والرجوع الى التنزيل، لقد أراد   تنبيه أهل الكتاب للتحريف ولزوم التخلص منه، وتبين امكان التنزه عن الباطل، وفي الآية ثلاثة أطراف:
الأول: الحق والصدق.
الثاني: الباطل والضلالة.
الثالث: اللبس والخلط بينهما، وهذا اللبس ليس قهرياً او دائماً بل هو ما دامياً أي ما دام اهل الكتاب يقصدونه ويبغونه فهو موجود، وبالإمكان اجتنابه والتخلص منه نجاة لهم.
وفيه تخفيف عن المسلمين والناس جميعاً، وتبين الآية قبح الخلط بين الحق والباطل، بالسبب والذات والغاية، فهذا الخلط قبيح ذاتاًً، وفيه أضرار دنيوية وأخروية على الفرد والجماعة، فجاءت الآية رحمة وحجة وتثبيتاً لقلوب المسلمين.
ويتصور خلط الحق الباطل على وجوه:
الأول: الجمع بينهما في القول والفعل.
الثاني: التقيد بشطر من أحكام التنزيل دون الشطر الآخر.
الثالث: الإتيان بشبهات تكون نوع غشاوة على الحق والهدى.
الرابع: الجدال بالباطل، والإصرار عليه.
الخامس: اخفاء الدليل الذي يؤكد الحق والصدق.
السادس: العمل بالتحريف، فجاءت الآية للإخبار عنه والحث على الإمتناع عنه.
السابع: الإقرار بالتوراة والإنجيل واخفاء ما فيهما من البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فالباطل اعم من الفعل الوجودي بل يشمل السلبي الذي يأتي عن قصد كما في اخفاء البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
بحث بلاغي
من وجوه البديع الطرد والعكس، وهو ان يؤتى بجملتين احداهما تقرر بمنطوقها الثانية، وتقرير الثانية للأولى يسمى الطرد، وتقرير الللثانية للأولى يسمى العكس ، كما في قوله تعالى [لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]( ).
ومن مصاديقه هذه الآية ولكن ليس بصيغة المدح كما في الآية أعلاه بل بصيغة الذم الى اهل الكتاب لما يفعلونه من المكر والكيد بالمسلمين فاخفاء الحق يقرر خلطه بالباطل، وكذا العكس فان خلطه بالباطل يؤكد ويقرر اخفاءه وكتمانه.
ولو أقتصرت الآية على لبس الحق بالباطل لكان الأمر أخف والضرر أهون ولجاءت الآية بحثهم على التمييز بين الحق والباطل والفصل بينهما ،ولكن الآية تضمنت موضوعا آخر وهو اخفاء الحق لتبين وجوه الأذى واقامة الحجة ولزوم التخلص منها، بالإضافة الى الغايات من كشفها.
فمن مواضيع الآية كشف اخفاء الحق، واظهار كتمانه ليسبر القرآن اغوار النفس الإنسانية ونغروا مضامينه بلطف القلوب ، لما فيها من البديع وحسن النظم والصدق والحق والأسرار الملكوتية، ومن الآيات ان هذا اللوم يتوجه الى اهل الكتاب لإخفائهم البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقترناً بالآيات والمعجزات التي تدل على صدق نبوته.
فمن فضله تعالى ان اثبات نبوته لا يتوقف على اظهار أهل الكتاب لما عندهم من البشارات، بل ان الحجة والبرهان على صدق نبوته ذاتية وملازمة لها وتترشح عنها وعن آيات القرآن، فلبس الحق بالباطل واخفاء الحقائق لا يضر الا أصحابه، لما فيه من الإصرار على الضلالة فجاءت هذه الآية كمصداق للإصطفاء ولإنقاذ أهل الكتاب والذين ورائهم من الضلالة والغواية.

قوله تعالى [وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ]
توجهت الآية بلوم جديد في موضوع آخر غير لبس الحق بالباطل، وهو اخفاء الحقائق، والأسرار العقائدية التي يجب ان تكون ظاهرة معلومة للناس جميعاً، وتعطي الآية درساً في ضرورة عدم اخفاء الحق وانباء التنزيل واسرار النبوة، وقد يظن الإنسان ان الضرر يكمن في لبس الحق بالباطل وحده، وان اخفاء الحق موضوع اخف وطأة وأقل ضرراً من الخلط بين الحق والباطل، باعتبار ان الإخفاء امر سلبي وعدمي، وان الإنسان لم يقم فيه بالتعدي في القول او الفعل.
فجاءت هذه الآية لبيان الأضرار التي يسببها اخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصوص الأحكام الشرعية التي في التوراة والإنجيل مما هو مطابق وموافق لأحكام القرآن، وأكدت بان اخفاء الحق والبشارات ليس أمراً عدمياً بل هو أمر وجودي يتم عن نية وقصد، ويتحمل صاحبه الإثم ،والمراد من الكتمان في الآية وجوه:
الأول: اخفاء الحق، وعدم اعلانه.
الثاني: الجحود وعدم الإقرار بما جاء في التنزيل.
الثالث: تحريف الحق، وتغيير النصوص.
الرابع: الإنكار واظهار عدم العلم بالحق ومصاديقه.
الخامس: الجدال والصدود.
السادس: عدم الإمتثال للأحكام الشرعية التي جاءت بها التوراة والإنجيل.
السابع: حجب الحقائق والبشارات عن عامة أهل الكتاب وعدم كشفها وبيانها لهم.
الثامن: منع الناس من الوصول الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأخذ منه، ومعرفة ما رزقه  من الآيات، والتدبر فيها.
التاسع: حث الأتباع على عدم قبول الدعوة الإسلامية والقيام بتكذيب الآيات وشواهد التنزيل.
العاشر: اخفاء آيات من التوراة والإنجيل، وبما يؤدي الى اخفاء الحقائق.
ولا تعارض بين هذه الوجوه ولابد ان تأتي السنة النبوية بذكر شطر من مصاديق هذا الكتمان ومنها ما تضمنته هذه الآيات من نبوة عيسى واخبار ولادته وعبوديته لله تعالى، وعدم انتساب ابراهيم لليهودية والنصرانية، وما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد بينت الآية ان البشارات بالنبي واخبار التنزيل حق وصدق وفيه دلالة على المضامين الجهادية التي تتضمنها هذه الآية، ودعوة للناس جميعاً على عدم اخفاء آيات القرآن، واشارة الى انه سبحانه يتعاهد القرآن ويحفظ آياته عن الإخفاء والكتمان.
كما تتضمن الآية في مفهومها مدح المسلمين لقيامهم بالإعلان عن الآيات واتباع الحق الحق والتنزيل ونبذهم لإخفاء الآيات، والتحدي لأهل الكتاب بان المسلمين لم يكتموا الحق، ولا يمكن لأحد الرد عليهم او نعتهم بذات الفعل، بل انهم يظهرون الحق ويجاهدون من أجل تثبيته، ويمنعون من ضياعه واخفائه وستره.
لقد جاءت هذه الآيات مجتمعة ومتفرقة بتحذير ونهي أهل الكتاب من الجدال، من وجوه:
الأول: آية المباهلة وما فيها من التحدي والزجر.
الثاني: دعوة أهل الكتاب الى كلمة التوحيد، كما في الآية الرابعة والستين وهي آية (كلمة سواء)
الثالث: اللوم والنهي عن الجدال في انتساب ابراهيم، مع تضمن الآية للإخبار عن نزول التوراة والإنجيل بعد إنقضاء أيامه.
الرابع: اولوية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بابراهيم والأنبياء الآخرين.
الخامس: اخبار المسلمين عما تبينه طائفة من أهل الكتاب لهم من نية الإضلال والأغواء.
السادس: مخاطبة اهل الكتاب بصيغة اللوم على الكفر بآيات ، كما في الآية السابقة.
السابع: مجيء هذه الآية بأمرين معاً، خلط الحق بالباطل، وكتمان الحق، وهل من تعارض بينهما، بمعنى ان خلط الحق والباطل يدل بالدلالة التضمنية على وجود الحق وعدم الإعراض عنه ولكنهم يخلطون معه الباطل، بينما جاء الشطر الثاني من الآية بالإخبا رعن اخفاء الحق، وليس من تعارض في المقام من وجوه:
الأول: الخلط مع الضد نوع اخفاء.
الثاني: تعدد مصاديق الحق، فمنها ما يخلط مع الباطل ومنها ما لا يقبل الخلط فيخفى ويقابل بالإنكار.
الثالث: انطباق الأمرين معاً الخلط والإخفاء على الموضوع المتحد، كما في البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمرة تذكر اوصاف غير التي وردت في التوراة والإنجيل وأخرى يتم انكار هذه البشارة.
الرابع: التباين والتعدد الزماني كما في الآية التالية بان قالت فرقة منهم بالإيمان اول النهار والكفر آخره.
الخامس: الإختلاف الإفرادي، بان يقوم افراد او طائفة بخلط الحق بالباطل في موضوع مخصوص ، ويقوم آخرون باخفائه وكتمانه.
السادس: تقوم ذات الطائفة بخلط الحق بالباطل، وتقوم مرة أخرى بكتمان من ذات الموضوع، للبس على المسلمين والناس، واثارة الشبهات والجدال،بسبب العناد والإصرار،
وتدعو الآية عامة اهل الكتاب والناس كافة الى التحقيق والإستنتاج والبحث عن الدليل والشاهد على صدق التنزيل، وتبعث الأمل في نفوس المسلمين بعدم امكان اخفاء الحق ولابد وان يظهر للناس، ويتجلى هذا الظهور والكشف بالقرآن وآياته، ان هذه الآية تلاحق الذين يخفون الآيات والبراهين التي تدل على وجود الصانع وبعثة الأنبياء ولزوم الإمتثال لأوامره تعالى في العبادات والمعاملات والأحكام والسنن.
لقد خلق   الناس ليعبدوه ويطيعوه، مما يعني ان الأمر لا يقف عند حدود اللوم والذم على اخفاء الحق بل انه سبحانه يتفضل باظهاره وبيان دلائل التنزيل واعانة الناس على الوصول اليها وادراك معانيها، وهو من عمومات قواعد اللطف، فالآية تتضمن الإنذار والوعيد، الإنذار من كتمان الحق والإخبار عن حتمية ظهوره وكشفه، والوعيد بالعقاب الشديد على كتمانه وبلحاظ نظم الآيات فان كتمان الحق لن يضر الا من يقوم به ، بدليل ما ورد قبل السابقة [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ].
لذا جاءت الآية رحمة بهم، ودعوة للكف عن اخفاء الحق، وفي الآية نكتة عقائدية إذ تحثهم على السعي لطلب الحق، وكشف مصاديقه والمعرفة بمعالمه لوجوه:
الأول: صيغة اللوم الواردة في الآية.
الثاني: صدور اللوم والتقبيح من عند  تعالى.
الثالث: شوق الإنسان لمعرفة الحق والصدق والحقائق والوقائع بماهيتها الحقيقية.
الرابع: نفرة النفوس من التحريف عند العلم به فقد يزاول الإنسان التحريف ويعمل به ويؤمن به، وهو لا يعلم انه تحريف، اما اذا علم بحقيقته وانه خلاف الواقع، فانه يبادر الى اجتنابه ويبتعد عمن ساقه اليه إن لم يصبح سببا لإنقاذه وإصلاحه ولو على نحو السالبة الجزئية .
الخامس: تفتح الآية باباً للتزاحم والصراع داخل مجتمعات اهل الكتاب وفي النفوس بين الحق والباطل، وتلح في كشف الحق، ونبذ الباطل، وهذا من اسباب العون الإلهي وآثار الرحمة بالنفخ من روح  في الإنسان بان جعله مستجيباً لدعوة الحق، وتنفر نفسه من الباطل.
بحث بلاغي
ومن جهة العطف والإتحاد والتداخل بين مضامين الآية في الفعل والعمل وجوه:
الأول: التداخل بين اللبس والكتمان في موضوع وزمان واحد.
الثاني: انفصال واستقلال الكتمان عن موضوع اللبس.
الثالث: الإتحاد بين اللبس والكتمان في موضوع واحد ولكن مع تعدد الزمان، مرة يخلطون بين الحق والباطل وأخرى يخفون الحق ، ولا تعارض بين هذه الوجوه لإمكان حصولها.
ومن الإعجاز ان يجتمع ذم اللبس والكتمان في آية واحدة، ولولا هذا الجمع لظن بعضهم ان اللبس كتمان، وكذا العكس، ولكن الآية جاءت بصيغة التعدد لبيان الإصرار والعناد، والسعي للتصدي للإسلام بالمكر والحيلة والخداع، وجاء موضوع اللبس متقدماً على الكتمان في الآية ولابد له من أسرار منها:
الأول: الإشارة الى كثرة الخلط بين الحق والباطل عند اهل الكتاب.
الثاني: اظهار آثار التحريف في الكتب السماوية وما جاء فيها من البشارات بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: خلط الحق والباطل أشد ضرراً من اخفاء الحق لأن الخلط يلبس على الإنسان وقد يجعله في حيرة لصعوبة التمييز والفصل بين الحق والباطل، خصوصاً وان الذي يقوم به ممن ينتمي الى ديانة سماوية.

قوله تعالى [وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]
خاتمة كريمة للآية وحجة قاطعة تفيد حصول الذنب عن قصد ونية، وهل تتعلق الخاتمة بفرد من فردي الآية وهما لبسهم الحق بالباطل، وكتمان الحق، أم بهما معاً، الجواب هو الأخير، فموضوع العلم وادراك الفعل يستوعب الطرفين معاً، وفي الآية وجوه:
الأول: يخلطون الحق بالباطل مع علمهم بهذا الخلط.
الثاني: يأتون بالكذب مع الصدق، والتحريف مع التنزيل مع علمهم بالكذب والتحريف.
الثالث: يعلمون بمصاديق الحق، ومصاديق الباطل، وعندهم القدرة على التمييز بينهما.
الرابع: حصول المعرفة الإلهية، وفيه حجة عليهم، بأن  رزقهم بنزول التوراة والإنجيل العلم ولكنهم لم ينتفعوا منه.
الخامس: يعلمون قيامهم باخفاء الحق، قال تعالى [وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( )، لذا قيل (بان الكتمان انما يصح حصوله على الطائفة القليلة دون الكثيرة)( ).
السادس: في الآية توبيخ لأهل الكتاب بلحاظ ما عندهم من العلم، فكأن الآية تقول لهم انكم تعلمون الحق وتقدرون على التمييز بينه وبين الباطل لأنكم اهل كتاب منزل، فكيف حال الكفار والوثنيين.
السابع: يعلمون بان هذا الجحود والكتمان حسد منهم.
الثامن: يعلمون العقاب الشديد الذي ينتظر من يقوم بخلط الباطل الحق بالباطل واخفاء الحق وكتمان البشارة بالنبي محمد صلى  عليه وآله وسلم.
التاسع: يدركون عظيم النفع الذي ينالونه بكشف الحقائق وبيان البشارات بالنبي محمد صلى  عليه وآله وسلم.
العاشر: ارادة معنى التمييز من العلم هنا، بمعنى انهم قادرون على التمييز بين الحق والباطل.
الحادي عشر: يعلمون ان لبس الحق بالباطل لن يضر المسلمين او يثنيهم عن ادائهم لمناسك العبادة.
الثاني عشر: يعلمون ان   يظهر الاسلام ويجعل الناس يدركون صدق نبوة النبي محمد صلى  عليه وآله وسلم.
الثالث عشر: يعلمون انهم يضرون أنفسهم بلبس الحق بالباطل واخفاء الحقائق، وهل يعارض هذا التأويل قوله تعالى [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] ( )، الجواب لا، للتباين في الموضوع فعدم الشعور يتعلق بالاضرار بالذات بسبب الود والرغبة باضلال المسلمين، اما العلم فلا يخص الرغبة بل يتعلق باتيان الافعال المنهي عنها شرعاً وعقلاً، نعم تلتقي الآيتان في موضوع الاضرار بالذات وعدم الاضرار بالمسلمين لفقد المقتضي وفقد المانع.فليس من مسوغ شرعي أو عقلي للضلالة ،كما أن المانع موجود بالذات والعرض، وجاءت خاتمة الآية بصيغة الجمع، وفيه مسائل:
الأولى: اقامة الحجة على اهل الكتاب.
الثانية: عدم انحصار الظلم والتعدي بالملأ والرؤساء منهم، وهذا من الآيات اذ انه يدل في مفهومه على ادراك كل فرد منهم لقبح الجحود بآيات  واخفاء التنزيل وما فيه من البشارات.
الثالثة: معرفة أهل الكتاب باطراف اللبس الثلاثة وهي:
الأول : الحق.
الثاني : الباطل.
الثالث : خلط احدهما بالآخر.
الرابعة: في الآية تخفيف عن المسلمين، فالاخبار القراني عن وقاية المسلمين وإحترازهم من الضلالة مع سعي وكيد الآخرين رحمة إضافية وشاهد على التفضيل والفضل الذي تذكره الآية بعد التالية.
علم المناسبة
لقد ورد لبس الحق بالباطل في آيتين فقط من القرآن فقد جاء في سورة البقرة [ وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ]( )، وبين الآيتين عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي:
الأول: موضوع خلط الحق بالباطل.
الثاني: ذكره مجتمعاً مع اخفاء الحق، والعلم به.
اما مادة الإفتراق فهي:
الأول: الخطاب في الآية محل البحث لأهل الكتاب، اما ما جاء في سورة البقرة فلبني اسرائيل وهو أخص.
الثاني: جاءت الآية بصيغة اللوم الذي يدل على حصول اللبس والإخفاء ، اما في سورة البقرة فجاءت بصيغة النهي والزجر، ولا تعارض بين اللغتين لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً وفيه شاهد بان النهي جاء لتحذيرهم مما يقومون به من خلط الحق والباطل واخفاء الحقائق، وليس انذاراً مسبقاً عن فعل يحتمل ان يقوموا به، كما تدل هذه الآية على عدم انتفاعهم من الإنذار الوارد في سورة البقرة، وهو ظاهر بان نزول هذه الآية متأخر زماناً على نزول الآية الثانية والأربعين من سورة البقرة.
فبعد صيغة الإنذار والتحذير جاء اللوم والتوبيخ والسؤال بـ(لم تلبسون) لدعوتهم الى التفكر في حالهم والنظر في أسباب عنادهم وجحودهم ومخالفتهم لحكم الشريعة وموازين العقل والإنصاف، وهذا السؤال التوبيخي الوارد في الآية دعوة سماوية لعامة اهل الكتاب للإعراض عمن يحثهم على محاربة النبوة والكفر بالآيات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتأكيد لصيغة التوبيخ التي تدل على قوة الإسلام.
وتخبر الآية في مفهومها عن خيبة اعداءالإسلام وعدم امكان الإضرار به بالتدليس واللبس، وفيها اشارة لظهور الحقائق ووضوح الحق، وانكشاف امر اللبس للناس بحيث يمكن توجيه اللوم عليه، لأن هذا اللوم عنوان للقدرة النوعية والشخصية على التمييز بين الحق والباطل عند من يتوجه اليه اللوم لعدم التكليف بما لا يطاق.


قوله تعالى [وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] الآية 72
الإعراب واللغة
وقالت طائفة: الواو: استئنافية، قالت: فعل ماض.والتاء للتأنيث .
طائفة: فاعل مرفوع، من أهل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائفة، الكتاب: مضاف اليه.
آمنوا بالذي أنزل: آمنوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والجملة في محل نصب مقول القول.
بالذي: جار ومجرور متعلقان بآمنوا.
أنزل: فعل ماض مبني للمجهول، نائب الفاعل: ضمير مستتر تقديره هو، على الذين: جار ومجرور، آمنوا: فعل ماض ، والواو: فاعل، والجملة صلة الموصول.
وجه النهار: ظرف زمان، متعلق بآمنوا، وهو مضاف ، النهار: مضاف اليه.
اكفروا: فعل أمر، والواو : فاعل، آخره: ظرف زمان متعلق باكفروا، والهاء: مضاف اليه.
لعلهم يرجعون: لعلهم حرف مشبه بالفعل واسمها.
يرجعون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: فاعل، والجملة خبر لعل، والجملة في محل نصب على الحال ، والتقدير: راجين رجوعهم.
في سياق الآيات
بعد خطابات اللوم الى اهل الكتاب وبيان التخلف عن نصرة النبوة والجحود بآيات التنزيل، عادت الآيات مرة اخرى لمخاطبة المسلمين، فقد ورد قبل ثلاث آيات ما يدل على تحذير المسلمين من الرغبة والتمني الموجود عند طائفة من أهل الكتاب باضلال المسلمين.
ولم تبق الآية موضوع هذا الود معلقاً بل أكدت على حقيقة دائمة وهي ان من يود اغواء واضلال أهل الايمان لن يضل الا نفسه، ليكون في بيان هذه الحقيقة انذار للناس جميعاً، وزجر عن ايذاء المسلمين والتعدي على حرماتهم.
وجاءت هذه الآية لبيان حال فرقة من أهل الكتاب وما تمكر به ضد الاسلام ليكون في نظم الآيات درس عقائدي مركب من لغة الانذار والتحذير والوعيد، انذار أهل الكتاب ودعوتهم للهدى، وتحذير المسلمين من المكر والحسد، والوعيد للكافرين وتخويفهم من التعدي على الاسلام.
وأيهما أقبح ما ورد في آية [لَوْ يُضِلُّونَكُمْ] من الود والرغبة باضلال المسلمين أم هذا القول؟ الجواب هو الأخير، فلهذا القول أثر ظاهر في الخارج، واضرار بالناس وتحريض على الاسلام.
موضوع النزول
في الآية وجهان:
الأول: قام اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة بالتواطئ على الحيلة والمكر، (وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا آخر النهار وقولوا انا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمداً ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه. فاذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه، وقالوا: انهم أهل الكتاب، وهم أعلم به منا، فيرجعون عن دينه الى دينكم، عن الحسن والسدي)( ).
الثاني: (وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان هذا في شأن القبلة لما حوّلت الى الكعبة، شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالله وبما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الكعبة، وصلّوا اليها أول النهار، وارجعوا الى قبلتكم آخره، لعلهم يشكون)( ).
والأول هو الأرجح، وان كان الثاني لا يتعارض معه بل هو فرع له، وليس من دليل بأنهم صلّوا الى الكعبة، وهو أمر صغروي لأن الآية تتحدث عن القول والمكر وليس الفعل.
وقال ابن عباس: وجه النهار اوله وهو صلاة الصبح واكفروا آخره: يعني صلاة الظهر ) وتقريره انه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الى بيت المقدس بعد ان قدم المدينة ففرح اليهود بذلك وطمعوا ان يكون منهم، فلما حوله  الى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشراف وغيره [آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ] يعني آمنوا بالقبلة التي صلى اليها صلاة الصبح فهي الحق، واكفروا بالقبلة التي صلى اليها صلاة الظهر، وهي آخر النهار، وهي الكفر)( ).
ولكن قول ابن عباس أعم من هذا التقرير لأنه ورد مطلقاً ويحمل على ارادة الايمان والتصديق، وان وجه النهار وعاء زماني لاعلانهم الايمان، وآخر النهار وعاء ووقت معلوم للتكذيب بالتنزيل وليس فقط موضوعا القبلة.

اعجاز الآية
في الآية كشف لما يبيته جماعة من أهل الكتاب، واخبار عما يجري في منتدياتهم من أسباب المكر والكيد، وفيها اعجاز ذو وجوه متعددة منها:
الأول: اعانة المسلمين باخبارهم عن مقدمات المكر.
الثاني: دعوة المسلمين للتمسك بمبادئ الاسلام وعدم التأثر بأهل الشك والريب.
الثالث: التحذير من أهل النفاق.
الرابع: بعث السكينة في نفوس المسلمين لما في الإخبار الغيبي عما يُحاك لهم من التنبيه والتحذير.
الخامس: الآية حجة على اهل الكتاب، ودعوة لهم لدخول الاسلام والإقرار بنزول القرآن من عند الله تعالى لما فيه من الاخبار عن اسرارهم وما يجري في منتدياتهم.
السادس: تتعلق الآية بالتنزيل مع الاقرار الضمني بأن القرآن ينزل على المؤمنين والاعتراف بسلامة اختيار المسلمين.
السابع: تبعث الآية الفزع والخوف في قلوب الكافرين وتمنع من التدبير والتخطيط لقتال المسلمين ، فما دام القرآن يخبر عما يجري بين أهل الكتاب وما يعزمون عليه من إيذاء المسلمين, فانه يخبر عما يدبره الاعداء للاسلام والمسلمين من صنوف الشر والاذى.
الثامن: حصرت الآية دعوة تلك الطائفة بآنات اليوم الواحد بالايمان في أوله برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واظهار الكفر والجحود في آخره، مما يدل على التحدي والدقة في الاخبار.
ويمكن أن نسمي هذه الآية (آية وجه النهار) ولم يرد في القرآن هذا اللفظ وكذا قوله تعالى [وَاكْفُرُوا آخِرَهُ] الا في هذه الآية.
الآية سلاح
في الآية مدد إلهي للمسلمين وتخفيف عنهم في حاله السلم والحرب لما تنبأ عنه في حالات المكر الخفي, خصوصاً وانها جاءت بصيغة الجمع أي ان فرقة أهل الكتاب تدعو الى الكيد واظهار النفاق لايذاء المسلمين، وهذه الآية حاجز دون دبيب روح اليأس في نفوس المؤمنين، ودعوة لعدم الخشية من الاعداء.
وصحيح ان الآية لم تخبر عن حصول التباين في الأقوال والافعال، والاستجابة لهذا القول الا انها تؤكد معالم وجوده لصيغة العزم والقصد فيه.
مفهوم الآية
تبين الآية ان أهل الكتاب على طوائف متعددة وان بعضها يؤثر ببعضها الآخر في موارد الفعل والقول، وان الدعوة الاسلامية وصلت دورهم ومنتدياتهم، واصبح موضوع الانتماء الى الاسلام عاماً ويجذب الناس اليه، ومبادؤه تنفذ الى القلوب.
ويدل هذا القول وصدوره من طائفة من اهل الكتاب وهي أكبر من الجماعة بل تتكون من جماعات متعددة، وهذه الجماعة متفقة في القول والفعل، فهي طائفة وجماعة واحدة بالنوايا والاقوال، ولكنها تعتبر من جهة الكثرة والتعدد جماعات متعددة بلحاظ ان المتبادر من الجماعة ما يقع على عدد قليل او كثير، أما الطائفة فهو عنوان يفيد كثرة الافراد ولكن هذه الكثرة جزء وشطر من أهل الكتاب.
وفي تخصيص الوصف وذكر قيد [أَهْلِ الْكِتَابِ] نكت عقائدية متعددة منها:
الأول: الاصل ان يكون أهل الكتاب أقرب الى المسلمين وان لا يلجأوا الى ايذائهم.
الثاني : يبدأالإصلاح من الأقرب للمسلمين .
الثالث: ليس بالضرورة ان يؤدي اظهار الايمان ثم الكفر الى الاضرار بالمسلمين بل انه يضر بأهله كما في قوله تعالى [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ] الذي تقدم قبل آيتين، ومع هذا فان الله عز وجل تفضل بإظهاره، وكشف أقوالهم وما يقصدون من ورائها، ليكون المسلمون في حرز ومأمن من الكيد، وهل هذا القول من تلك الطائفة من المكر الظاهر أم الخفي؟ الجواب: انه من المكر الخفي الذي لا يعلم به المسلمون، فجاءت هذه الآية لفضحه وكشفه، ولكنه لم يصبح من المكر الظاهر بل ذهب ضرره وشره.
الثالث: تحذير أهل الكتاب إنذار لغيرهم من الناس ، وقد لا يعتبر أهل الكتاب تحذير غيرهم شاملا لهم .الرابع :تخبر الآية عن الواقع والتلبس بالمكر .
ولقد أرادت تلك الطائفة الاستحواذ على القلوب، وتحريض النفس الشهوية والغضبية، فأبطلت هذه الآية كيدهم مما يدل على ان الاسلام لم ينتشر بالسيف، بل انه انتشر بالحجة والبينة والبرهان والقوة الغيبية في كشف نوايا السوء قبل ان يصل أثرها الى المسلمين وواقع الدعوة الاسلامية.
ومن منافع هذه الآية امور:
الأول: الحصانة العقائدية للمسلمين.
الثاني: التصدي للنفاق واسبابه.
الثالث: ادراك الاعجاز القرآني.
الرابع: اطمئنان المسلمين لنزول النصرة من عند الله ، وتطلعهم للكشف عن المكر والحسد الذي يُراد بهم.
الخامس: بعث الشوق في نفوسهم لآيات القرآن لأنها تحمل أسرار الحياة اليومية للطوائف المختلفة.
السادس: عجز الآخرين عن انكار هذا القول، وفيه أطراف ثلاثة:
أولاً: الطائفة التي تقول اعلنوا الايمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول النهار واكفروا آخره.
ثانياً: الرهبان والرؤساء يدعون اتباعهم واعوانهم للكفر بالاسلام من اجل بقائهم على التبعية والولاء.
ثالثاً: افراد ذات الطائفة أي انهم يحثون أنفسهم وبعضهم بعضاً باظهار النفاق، وفيها وجوه:
ألأول: مجموع الطوائف الأخرى من اهل الكتاب.
الثاني: الكفار والمشركون.
الثالث: الذين ينوون دخول الاسلام، فيقولون لهم بقصد الإرباك وبث روح الشك والتردد في نفوسهم لا مانع من دخول الإسلام بشرط التعجيل بالخروج منه ،ظنا منهم بأنهم إذا دخلوا الاسلام فهذا القول يلاحقهم، وقد يؤدي الى التفكير بالارتداد.
ولا تعارض بين هذه الوجوه والآية شاملة لها جميعاً لاطلاق اللفظ وعمومات الخطاب في الآية، وهل تشمل اليهود والنصارى أم أحدهما؟ الأصح هو الشمول والعموم الا ان يرد دليل خاص على التقييد وبلحاظ انتماء الطائفة، وفيه وجوه:
الأول: انهم طائفة وشطر من اليهود خصوصاً وانهم كانوا يسكنون يثرب قبل البعثة النبوية المباركة.
الثاني: فرقة من النصارى.
الثالث: جميع اليهود.
الرابع: النصارى كافة.
الخامس: جماعة من اليهود وجماعة من النصارى.
السادس: الرهبان والقسيسون من احد الفريقين.
السابع: الرهبان والقسيسون من الفريقين اليهود والنصارى.
الثامن: ما ورد في أسباب النزول وان اثني عشر رجلاً من احبار اليهود تواطئوا على هذا القول.
ومن مفاهيم الآية حث المسلمين على الثبات على الايمان وعدم الالتفات الى اسباب الارتداد التي تظهر عند بعض الافراد، وتعين على معرفة النوايا والغايات الذميمة وراء هذا الارتداد، وانه لم يبن على الايمان والهدى.
وتبين خاتمة الآية اليأس والقنوط الذي أصاب بعض أهل الكتاب من المسلمين وادركوا ان من يعلن اسلامه ويأتي بالشهادتين يبقى متمسكاً بمبادئ الاسلام، ويفتخر بادائه للفرائض والواجبات وطاعة الله ورسوله.
وفي الآية مسائل:
الأولى: الخطاب الإلهي لأهل الكتاب.
الثانية: تكرار ذات الخطاب في هذه الآية والآية السابقة وبنفس الصيغة التي تتضمن اللوم الذي لا يأتي الا على فعل قبيح وثابت شرعاً ولغة ولا يمكن انكاره.
الثالثة: في الآية دعوة لجميع أهل الكتاب بالتنزه من هذا المكر، والتخلص من هذا القول، والتنزه يكون على قسمين:
أولاً: عدم الانصات والاستجابة لهذا القول، وهذا القسم على مراتب:
المرتبة الأولى: النهي والمنع منه باليد والفعل.
المرتبة الثانية: الزجر عنه بالقول والنصح، فيأتي أفراد هذه الطائفة الى بعض اليهود او النصارى ويطلبون منهم الايمان اول النهار والكفر آخره فيزجرهم ويبين لهم قبح هذا الفعل.
المرتبة الثالثة: الاكتفاء بالاعراض عن هذه الدعوة وعدم الاستجابة لها، وهذا الفعل ليس أمراً عدمياً، بل هو أمر وجودي يفيد الترك عن قصد، كما انه رد بالرفض وعدم الاستجابة، وهذه المرتبة هي أكثر المراتب لعدم قيام أكثرهم بالنهي باليد، لاسيما اذا كانت الدعوة صادرة من الرهبان والرؤساء، لأن العامة تجد صعوبة في عدم استجابة دعوة الرؤساء.
ثانياً: الكف عن هذا القول، وانتقال الافراد من الطائفة التي تحرض على تثبيت عزائم المسلمين.
الرابعة: هل ينحصر قول هذه الطائفة بأيام التنزيل أم انه أعم؟ الجواب: هو الأخير، فالآية لا تنحصر بزمان دون آخر، نعم قد لا تأتي بذات الصيغة والقول ولكن النية والقصد نفسه، وهو القيام بمحاولة مبغوضة لقصد بث الشك والريب في نفوس المسلمين.
الخامسة: ظاهر الآية اطلاق ارادة (الذين آمنوا) فهل يقصدون جميع المسلمين أم أفراداً منهم مخصوصين؟ الجواب: انهم يسعون للمعنى الأعم الشامل للجميع، كل يعمل من موضعه وفي دويرته.
إفاضات الآية
تتوالى الآيات السماوية والأرضية والبشرية لتثبيت دعائم الاسلام، وتوكيد صدق نزول القرآن من عند الله تعالى، فهذا التوكيد لا يأتي بمفرده وعلى نحو الاستقلال بل يأتي وتحيط به هالة من الانوار التي تنفذ الى أعماق النفوس ويصطحب معه مفاهيم مباركة لجذب القلوب المنكسرة الى ما فيه من المواعظ والعبر، ويزف للناس بشارة النجاة والسلامة في النشاتين، فتذكر الآية قولاً لفرقة ممن ينتمون الى التوراة او الإنجيل او لهما معاً، مع انهما وجميع الكتب السماوية لم تأمر بهذا الفعل، بل انها تذمه وتدعو الى اجتناب الاخلاق الذميمة، وتحث الى نبذ التعدي على النبوة واتباعها، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، والتقاء الملل السماوية والأنبياء بالدعوة الى التوحيد.
والآية اشراقة واخبار عن بلوغ المسلمين مراتب الإيمان والهداية ومنازل رفيعة في المعرفة الإلهية يصعب على الخصم تنحيتهم عنها.
التفسير
قوله تعالى [وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ]
قد تقدم قوله تعالى [وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ] وجاءت هذه الآية بموضوع آخر وفيه مسائل:
الأولى: الاخبار عن الأذى الذي يتعرض له المسلمون.
الثانية: توثيق الخصومة التي واجهت بها طوائف من اهل الكتاب الاسلام.
الثالثة: التدرج من الود بالاضلال الى الفعل بقصد الاضلال ايضاً، وهذا التدرج يحتمل أموراً:
الأول: ارادة الانتصار على المسلمين.
الثاني: ادراك قوة الاسلام والخشية من ظهوره على الاديان، فارادوا الاستباق في محاربته، ومحاولة الاجهاز عليه، فجاءت هذه الآية لحصانة المسلمين وحفظهم من اسباب المكر.
الثالث: الآية مدرسة في الجهاد ضد الاعلام الحربي، فالتظاهر بالايمان أول النهار، والكفر آخره تثبيط لعزائم المسلمين واضرار بهم.
الرابع: عجز الكفار عن مواجهة المسلمين، فتصدت طائفة من اهل الكتاب لايذاء المسلمين بهذا القول.
وبلحاظ النسبة بين هذه الطائفة والطائفة التي ودت اضلال المسلمين فيه وجوه:
الأول: انها نفس الطائفة فهي التي ودت اضلال المسلمين وقالت هذا القول.
الثاني: التغاير والتعدد بين الطائفتين، فالتي قالت هذا القول غير التي ودت اضلال المسلمين.
الثالث: التداخل بين افراد الطائفتين، على شعب:
الأولى: جماعة تود اضلال المسلمين.
الثانية: فرقة وجماعة تحث على النفاق والمغالطة الفعلية.
الثالثة: افراد متعددون يكونون من كلا الطائفتين ممن استحوذ الحسد على نفسه وحرص على اتباع ومحاكاة من يريد الاساءة للاسلام.
الرابعة: وجود جماعات وطوائف من أهل الكتاب ليس من الطائفة الأولى ولا الثانية، فلا يودون ضلالة المسلمين، ولا يدعون الى ادعاء الايمان كذباً، وتعقبه بالكفر.
لقد ارادت هذه الطائفة ارتداد فريق من المسلمين أي ان قولهم يتضمن وجوهاً:
الأول: دعوة اصحابهم الى اعلان الاسلام ثم النكوص والارتداد.
الثاني: المكر باولئك الذين أسلموا، فحينما رأوا الناس يدخلون الاسلام افواجاً ارادت هذه الطائفة ارتداد فريق منهم.
وتتضمن الدعوة من هذه الطائفة ثلاثة أطراف هي:
الأول: طلب اعلان الايمان بالقرآن والوحي.
الثاني: أوان هذا الاعلان أول النهار.
الثالث: الجحود به آخر النهار.
وكان من حق من يؤمن بالنهار أن يكفر ويجحد عند المساء او بعده بوقت قصير، ولكن الغرض منه هو بعث روح الشك والتردد عند المسلمين، والسعي لصدهم عن واجباتهم الجهادية والعقائدية، لما في اظهار الارتداد من الخذلان، لقد ارادوا دبيب الوهن في صفوف المسلمين، فجاءت هذه الآية لتحول دون حدوثه، وتبعث في نفوس المسلمين العز وتزيدهم ايماناً.
ترى ما هو الايمان الذي دعت تلك الطائفة له, فيه وجوه:
الاول: التصديق بنزول القرآن من عند الله وانه كتاب سماوي.
الثاني: الايمان باحكام الشرائع التي جاء بها الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون في اول النهار ان الصلاة والصوم ونحوها من العبادات حق وواجب، وفي آخر النهار يرجعون عن هذا القول بما يوحي انه ثبت عندهم عدم لزوم الاتيان بها.
الثالث: التصديق بأمر التنزيل اول النهار والتكذيب بأمر غيره آخر النهار.
الرابع : التصديق بالاسلام أمام من يدعوهم اول النهار، واذا جاءهم غيره في المساء يجحدون بتلك الدعوة لأغراض خاصة.
وهل جاء اول النهار وآخره على نحو التعيين والحصر ام انه من باب المثال؟ الجواب: هو الاخير، فالآية تفيد ارادتهم لاعلان التصديق لاغراض المكر, ثم يتعقبه التكذيب واظهار العناد والجحود، مما يدل على انهم يريدون عدم استقرار الاسلام في باب الاحكام, وارباك المسلمين في العقائد وعلم الكلام ومضامين التوحيد واسرار التنزيل، وبذا تظهر الاضرار الخطيرة الكامنة في ثنايا هذه الدعوة وما ورائها من الغايات الخبيثة والعداء للاسلام وارادة الاجهاز عليه من داخله.
نعم التواطئ على تعيين أوان التصديق بالتنزيل وأوان التكذيب به على نحو الاتفاق والأمر المعلوم عند عامتهم يدل على الدقة في الحبك والمكر، وان تلك الطائفة على درجة من التنظيم، ويدرك افرادها ان أكبر الاضرار تأتي من الفتنة الداخلية لأنها تؤدي الى تفريق الجمع وتشتيت الجهود، والانشغال في محاولة اصلاح الذات والدخول في معارك جدلية ومناظرات وخصومات عقائدية، وقد بذل قادة المسلمين الوسع في درء الشبهات وابطال الشكوك.
لقد أرادوا استغلال مسألة وهي حداثة عهد المسلمين بالاسلام، وعدم ادراك شطر منهم لعلل الاحكام واسرار التنزيل، فجاءت الآية لتجعل المسلمين على مرتبة متقدمة من منازل المعرفة الإلهية، أي ان أهل الحسد والعناد ارادوا تخلف المسلمين عن أداء وظائفهم وعجزهم عن الجهاد في سبيل الله، بالاضافة الى غايات اخرى وهي صد الناس عن دخول الاسلام، فحينما يرى الكافر الوثني ان اليهودي مثلاً أعلن إيمانه وتصديقه بنزول القرآن في الصباح ثم يعود في المساء ويكذب بالتنزيل، فانه يظن ان هذه التكذيب نسخ للتصديق، وانه لم يأت الا بعد تدبر ومراجعة.
ترى ما هي كيفية الايمان التي دعوا اليه، وما هي كيفية الكفر في آخر النهار، فيه وجوه:
الأول: النطق بالشهادتين في أول النهار، ثم اعلان الارتداد والجحود في آخره.
الثاني: أداء صلاة الصبح مع المسلمين، ثم الاعراض والجفاء في آخر النهار.
الثالث: اظهار التصديق بنزول القرآن، ثم اعلان الجحود به.
الرابع: إمضاء عمل المسلمين واظهار الرضا والقبول لايمانهم بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يعودون في المساء لتوجيه اللوم لهم على الايمان بقصد حثهم على ترك منازل الايمان، او لا أقل منعهم من الخروج الى الجهاد والدفاع عن بيضة الاسلام.
الخامس: تلقي دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لهم بالتصديق أول النهار، والكفر بها آخر ه، فاذا جاء نفر من المسلمين يدعونهم للاسلام فانهم يقولون اننا مصدقون بدعوتكم ولكن أمهلونا الى المساء، وعندما يأتون عند المساء لا يجدون عندهم الا الكفر والجحود،
وهذا الكفر ليس مجرداً وخالياً من الجدل والدعوى، بل انهم يلفقون معه الأكاذيب والأباطيل، ويحاولون اثارة الشبهات، ويستغلون اطمئنان المسلمين لهم بعد اعلانهم التصديق بالتنزيل، لأن هذا التصديق سبب للاصغاء والإستماع لهم، فجاءت الآية وحذرت منهم، ومنعت من اتباع اهوائهم، وكشفت عن حقيقة فعلهم وسوء مقاصدهم، والاحتراز من المكر الجديد الذي قد يصدر منهم او من غيرهم.
وفعلاً فحينما تعلم تلك الطائفة بانكشاف أمرها وفضح مقاصدها فانها تكف عن ايذاء المسلمين والمكر بهم، وتظن انها اصبحت معروفة بافرادها واشخاصها، فتملأ نفوسهم فزعاً وخوفاً من المسلمين ومما لحقهم من الخزي والفضح، بالاضافة الى العقاب الاخروي، ومع هذا فان عمومات دخول الاسلام تشملهم،فقولهم هذا والفضح القرآني له جعلهم يدركون المدد الإلهي في حفظ المسلمين ومبادئ الاسلام، فيكون سبباً لدخول الاسلام والتخلص من عقائد الكفر والضلالة.
ومن الآيات انهم أقروا بالتنزيل على الذين آمنوا، وهو حجة على تلك الطائفة من وجوه:
الأول: ان الآية جاءت بصيغة الايمان وهو عنوان التصديق.
الثاني: لقد نزل القرآن والوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره من البشر، ومع هذا قالت تلك الطائفة بان التنزيل على الذين آمنوا، وفيه شاهد على الاقرار باسباب الثبات على الايمان، فمن ينزل عليه الكتاب والوحي من السماء لا يغادره.
الثالث: في الآية اخبار بان المسلمين يتلقون القرآن وكأنه نازل عليهم، مما يعني اخلاصهم في العبادة وامتلاء نفوسهم بالايمان.
الرابع: تدعو الآية أهل الكتاب وغيرهم لعدم الاستجابة لدعوة تلك الطائفة لما فيها من الحجة عليهم باعترافهم بالتنزيل، فمع وجود المقتضي وفقد المانع لماذا لا يؤمن الناس بالتنزيل.
الخامس: في الآية ثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واخبار عن اعتراف الخصم بانه جعل التنزيل ملكاً للمسلمين.
ولكن لماذا لم يذكروا اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص، فيه وجوه:
الأول: استحواذ الحسد والضغائن على نفوسهم.
الثاني: ارادة عدم اظهار اسمه ودعوته.
الثالث: الخشية من ميل الناس اليه من خلال ذكر ما انزل عليه.
الرابع: شمول مضمون الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ التنزيل والايمان فهو إمام المؤمنين.
الخامس: القصد من قول تلك الطائفة ايذاء المسلمين وبعث الشك في نفوس بعضهم، لذا لم يذكروا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: تدل الآية على عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصرف الناس عن ذكره الا بخير.
السابع: اقبال الناس على دخول الاسلام واظهار المسلمين للشعائر وتقيدهم باحكام الشريعة جعل هؤلاء ينسون ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويلتفتون الى كيفية وقف هذا الزحف العقائدي المبارك.
الثامن: لقد ارادوا محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمنع الناس من الاسلام، والتظاهر بالاسلام أمامهم.
التاسع: خشية نزول آية من عند الله تفضح قولهم وتبطل حيلتهم.
العاشر: في الآية دلالة بانهم لم يقصدوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وان الكلام كان يدور في منتدياتهم، ومع هذا نزل فيه قرآن لتوكيد ان الاخبار عن هذا القول من علم الغيب، وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلم به ولكن الله عز وجل هو الذي تفضل وأخبره.
وتحتمل الآية وجوهاً:
الأول: آمنوا بصلاتهم الى الكعبة أول النهار واكفروا آخره، عن الحسن وجماعة( ).
والظاهر أنه أحد مصاديق الآية ، إذ أن إطلاق الآية يفيد المعنى الأعم، فقد جاء ذكر الإيمان في الآية مطلقاً من غير تقييد بعمل مخصوص.
الثاني: السعي لإيجاد فرقة من المنافقين وأهل الريب، وبث روح الشك وإرادة إرتداد جماعة من المسلمين قال تعال[لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا] ( ).
الثالث: أعلنوا الإيمان بالتنزيل وجه النهار، واجعلوا المسلمين يفرحون بايمانكم وأظهروا الجحود آخره.
ويكون هذا الإيمان على وجوه:
الأول: الإقرار بصدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: التأييد والإمضاء لإتخاذ المسلمين بيت المقدس قبلة في صلاتهم.
الثالث: اداء المسلمين للصلاة والصيام والزكاة وانها حق وصدق.
الرابع: سور وآيات القرآن ،فقدكان تنزيل القرآن من أهم المسائل التي تشغل الناس ايام التنزيل موضوعاً ودلالة وغاية واعجازاً.
الخامس: تجدد موضوع الإيمان بحسب التنزيل اذ ان الآيات نزلت نجوماً وكذا بالنسبة للأحكام الشرعية، فكلما تنزل آية او حكم او قصة وخبر من السماء يعلن هؤلاء تصديقهم به في الصباح، ثم يعودون لتكذيبه في المساء مما يسبب حدوث ارباك عند المسلمين، ويمنع من تدبر الناس بالآيات، ويؤدي بعامة أهل الكتاب الى العزوف عن اخبار التنزيل بظنهم.
فان قلت: ان بعض الآيات تنزل في آخر النهار وعند الليل، قلت: لقد أرادوا تعقب التكذيب للتصديق ، كما ان الصباح أوان لإنتشار الأنباء، ويلتقي فيه الناس بالأسواق وغيرها ويكون مناسبة للحديث والجدال، ومن خلال الآية تستقرأ حقيقة وهي اعطاء الناس الأولوية لإخبار التنزيل، وما يأتي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن وما فيه من الدلالة والعبر والمواعظ والإنذارات والبشارات، وفيه نكتة اضافية وهي خشية تلك الطائفة من اعلان التكذيب وجه النهار من وجوه:
الأول: قوة المسلمين.
الثاني: حضور الدليل والحجة، وعدم تحصيل أي نفع من التكذيب اول النهار.
الثالث: احتراز المسلمين من الشبهات واجتماعهم في النهار، وتعاونهم لصد الأباطيل.
الرابع: انه من عمومات قوله تعالى [وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً] ( ) فالنهار وعاء لفضح الكيد والمكر السيء، ومناسبة لنشر دعوة الحق، فلا يستطيع الأعداء حجبها عن الناس، فيتظاهرون بالقبول والتصديق.
الخامس: اقبال الناس على تصديق الآيات على نحو دفعي ومتعدد، فكل يوم يطل على الناس يدخل فيه جماعات الإسلام ويعلنون تصديقهم الإبتدائي بالتنزيل، فاراد هؤلاء الرهط المجاراة مع الناس والتظاهر بالإيمان لطعنه في المساء.
السادس: لقد رأى رؤساء اليهود والنصارى قيام شطر من اتباعهم بدخول الإسلام، وشيوع دخول الإسلام فأرادوا اشغالهم بصيغ المكر والإحتيال، واظهار بقائهم على تبعيتهم وانقيادهم لهم، فجاءت هذه الآية خطاباً لأولئك الأتباع بضرورة رفض الباطل والحيلة.
السابع: لقد أرادوا بهذا القول وضع الحجب بين اتباعهم ودخول الإسلام بالإضافة الى بعث الشك في نفوس المسلمين.
الثامن: أحس هؤلاء باعراض الناس عنهم ،وانشغالهم بآيات البعثة النبوية المتعاقبة والمتوالية والشواهد الإعجازية التي تؤكد صدق النبوة.
التاسع: لقد أدرك بعض الرهبان قرب فقدانهم لسلطانهم ومواقعهم واستيلاء القيم الإسلامية على النفوس فارادوا وقف هذا الزحف العقائدي المبارك ووضع الحواجز دونه، وحاولوا اثبات بقاء تأثيرهم على اتباعهم، فتصدت هذه الآية لفضحهم والتحذير من الضلالة والغواية.
العاشر: لقد أراد هؤلاء تكذيب كل آية تنزل على النبي وكل معجزة تأتي على يديه، بدعوتهم للتكذيب اليومي للنبوة والتنزيل، لذا فان قولهم واكفروا آخره، أي قوموا بتكذيب الآيات التي تنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كي لا يزداد المسلمون ايماناً وبغية حجب الناس عن دخول الإسلام.
ترى ما هي النسبة بين القول والإرتداد الجواب:
الأول : ان هذا القول صادر من غير المسلمين، اما الإرتداد فمتعلق بمن هو مسلم او صار مسلماً ثم أرتد.
الثاني : في هذا القول دعوة لمقدمات ألإرتداد بالواسطة فتلك الطائفة تطلب من جماعة اهل الكتاب الإيمان بالتنزيل اول النهار ثم الكفر آخره ليكون هذا الفعل وسيلة وطريقاً لبث الشك والريب في نفوس المسلمين، فالإرتداد المقصود لا يأتي الا بوسائط هي:
الأول: التلبس والتدليس وإظهار المكر وإعتماد الحيلة بادعاء الإيمان اول النهار والكفر آخره.
الثاني: وجود من يستجيب لهذه الدعوة وما فيها من المكر القبيح والعمل بها.
الثالث: حصول الأثر لهذا الفعل في حال وقوعه، وهذا الأثر من الكلي المشكك، فقد لا يحصل بسببه ارتداد متحد او متعدد، ووقوع الريب والشك اعم من الإرتداد فلا يعتبر مرتداً من دب في نفسه الشك، بل ان  يتفضل على المسلم بطرد هذا الشك من نفسه، وجعله يمتلك الحصانة منه ومن مصاديق هذه الحصانة توالي نزول الآيات وحدوث الشواهد والمعجزات التي تدل على صدق النبوة بالإضافة الى الآيات الكونية التي تشهد بوجود الصانع ووجوب عبادته.
الرابع: التكذيب بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحريض للناس عليه ودعوة لقتله لأهمية ادعاء الرسالة من عند ، لقد أرادوا الإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المكر وان كان في ظاهره نفاقاً، وبذا جاء القرآن لحفظه وسلامته ووقايته بفضح تلك الطائفة ورد كيدها.
الخامس: لقد أرادوا ارتداد جماعة من المسلمين كما تدل عليه خاتمة الآية (لعلهم يرجعون) فجاءت هذه الآية لتدفع كيدهم وتمنع من الإرتداد الذي قد يحصل من أسباب أخرى، سواء كانت مكراً او اكراهاً او قتالاً او غيره، وهذا من اعجاز القرآن وعظيم فضله تعالى على المسلمين، فمع صدور قول من طائفة من أهل الكتاب على نحو الإقتراح الخبيث، ينزل القرآن بأمور منها:
الأول : فضح هذا الإقتراح.
الثاني : ابطاله ووأده في المهد.
الثالث : تحذير المسلمين من المكر السيء.
الرابع : الإرتقاء النوعي عند المسلمين بان أصبحوا قادرين على معرفة النوايا السيئة التي تقف خلف أفعال الصدود عن الإسلام.
الخامس : تنبيه المسلمين، وتحذيرهم من الركون الى غيرهم لوجود طوائف تمكر بهم، وتريد لهم السوء والأذى.
السادس : بث روح الشك والريب في قلوب غير المسلمين، فحينما يأتي القرآن بفضح أهل الكيد والمكر، ويقي المسلمين شرهم وأذاهم، فان المعركة تنتقل الى منتديات أهل الكتاب ويبقى موضوع الآيات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأدلة صدقها هو الذي يجذب القلوب.
لقد أخبرت الآية عن التمييز والفصل بين المسلمين وأهل الكتاب بالإيمان، وجعلت المسلمين أمة مستقلة يتعذر على الآخرين محاربتهم فلجأوا الى صيغ الكيد والمكر، والمراد من الذين آمنوا وجوه:
الأول: المسلمون الذين صدقوا بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونطقوا بالشهادتين.
الثاني: المؤمنون الذين أمتلأت قلوبهم بالإيمان.
الثالث: الذين أقروا بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان القرآن كتاب نازل من عند ، وان لم يدخلوا الإسلام ولم ينطقوا بالشهادتين.
والأصح هو الأول، فالمراد المسلمون الذين أعلنوا اسلامهم.
ودعوة الطائفة من أهل الكتاب ولدت ميتة وتدل على إقرار تلك الطائفة بصدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم ذكروا افراداً كل واحد منها حجة عليهم:
الأول: ذكر التنزيل وان الذي يرد على الذين آمنوا هو تنزيل من عند .
الثاني: ان الحيلة موجهة ضد الذين آمنوا، والأصل انه يكون أهل الكتاب اقرب الناس لهم،وان المكر بهم ظلم وتعدِ، ولا يؤدي بصاحبه الا للخسارة.
الثالث: يدل هذا القول في ظاهره على اقبال الناس على الإسلام، وان الذين يدخلون فيه يتمسكون بعبادته، فجاءت تلك الطائفة بمحاولة لبعث الشك والريب في النفوس، وأكدت الآية بأن التمسك بمبادئ الإسلام دعوة وجذب للناس لدخوله ، وترغيب فيه، باعتباره نتيجة وأثراً لصدق مبادئه أي لو لم تكن تلك المبادئ صادقة ونازلة من عند  لما حصل التمسك بها، فأرادت تلك الطائفة حجب هذه الحقيقة واثر هذا التمسك والإنقطاع الى  على عموم الناس.
قانون منع الإرتداد
هذه الآية شاهد على فضله تعالى على المسلمين بمنع أسباب الإرتداد عنهم، فكما انه تعالى خلق الإنسان وتعاهده في معيشته ورزقه ودوام حياته إلى حين أجله ، ولم يتركه وشأنه فكذا بالنسبة لموضوع الإيمان فانه سبحانه حببه للمسلم، وهيء له مقدماته وانزل الآيات وجعل المعجزات تترى على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لترغيبه بالإسلام فجاءت في حفظ المسلم وتعاهده في عقيدته، ونجته من الكيد والمكر الذي يراد به ارتداده عن الإسلام، خصوصاً وان اسلام الشخص لا ينحصر بذاته بل يتعلق بطائفة وأمة من ذريته تتوارث الإسلام، وتتقيد بأحكامه وسننه، مما يدل على موضوعية المبادئ وأن حفظها من الإرادة التكوينية ، وهو مصداق لعمومات قوله تعالى [ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ] ( ).
فالعبادة غاية في الخلق وهي تنبسط على ألأزمنة المتباينة والأجيال المتعاقبة، ومن مصاديقها حجب الإرتداد عن المسلمين ، وهذا الحجب من خصائص الخلافة في الأرض، فأراد   للمسلمين ان يكونوا خلفاء الأرض، فجاءت هذه الآية لإعانتهم على تعاهد شرائط الخلافة لتكون سبباً لجذب الناس الى الإسلام واقامة الحجة على من يتخلف منهم عن الدعوة الى الإسلام.
والإرتداد على قسمين:
الأول: ارتداد عن ملة، وهو يخص الذي كان كافراً ثم صار مسلماً ثم أرتد عن الإسلام.
الثاني: المرتد الفطري وهو الذي ولد لأبوين مسلمين او احدهما مسلم ثم أرتد عن الدين.
ومن الآيات في تعاهده تعالى للإسلام ان أعان المسلمين على النجاة من الإرتداد، قبل ان تصل النوبة الى الفقه الجنائي والعقوبة الدنيوية، وهذه الإعانة تتجلى من الأيام الأولى للإسلام، فالذين يدخلون الإسلام لا يتركونه مع تباين منازلهم وقبائلهم وأهوائهم، وكثرة سبل الأغواء والإضلال عليهم كما في هذه الآية وحيلة تلك الطائفة من أهل الكتاب.
ومن المعروف ان حداثة الإنتماء لعقيدة وملة سبب للتردد ودبيب روح الشك والريب وسهولة التأثر بالحيل والمكر، ولكن الإسلام ينفرد بالخروج بالتخصص عن هذه القاعدة اذ جعل  سبحانه وسائل الوقاية والإحتراز تتغشى مبادئه واشخاص المسلمين، وتفضل مرة أخرى وفضح الكيد الذي يقصد منه الإرتداد لبعض أفراد المسلمين، لتثبيت قانون منع الإرتداد الى يوم القيامة، كما في هذه الآية ، ومن خصائص هذا القانون بعث اليأس في نفوس الكافرين كمقدمة لدعوتهم للإسلام، وهذا من رحمة  تعالى بالناس.
يقومون بالمكر السيء، فتأتي الآية القرآنية بأمور:
الأول: فضح كيدهم، وجعله امراً مكشوفاً وظاهراً وهذا الكشف ابطال له.
الثاني: الإرباك في صفوف تلك الطائفة، وشعورهم بالخزي وخيبة الأمل.
الثالث: القوة والمنعة الذاتية للمسلمين.
الرابع: هذه الآية مناسبة للثناء عليه تعالى على نعمة كشف الكيد والحيلة، والتخفيف عن المسلمين.
الخامس: ادراك المسلمين ان  معهم وانه ناصرهم.
السادس: تنبيه المسلمين بعضهم لبعضهم الآخر عن أسباب الحيلة والكيد وفيه تجديد للأخوة الإيمانية وتوثيق لأواصرها، وهذه الأخوة من مصاديق الإحتراز من الإرتداد.
السابع: تشريع سنن العقوبة الشرعية لمن أختار الإرتداد، وهذا التشريع باب لحفظ الإسلام ونجاة الأفراد من الضلالة، وكما في قوله تعالى [ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ] ( ) وان عقوبة القصاص باب للنجاة من شيوع القتل بين المسلمين لأن الذي يخاف ان يقتل عقوبة يتجنب قتل غيره كي يحفظ نفسه وحياته، فكذا بالنسبة لعقوبة الإرتداد وقتل المرتد، فانه باب لحرص كل مسلم على اجتناب تلك العقوبة، وحث الآخرين على التقيد بأحكام الشريعة، وهذا التقيد سبب في امتلاء النفوس بحب العبادات والمناسك والإقبال عليها بشوق،
لقد جاءت هذه الآية لكشف مكر مخصوص صادر من طائفة معينة الا ان وظائف ومنافع اعظم وأكبر من أن تحصى كما انها لا تنحصر بزمان التنزيل بل تشمل افراد الزمان الطولية المتلاحقة، وهل تدل صيغة الأمر بالإيمان وتعقبه بالكفر على الوجوب ام الإستحباب، لا مانع من التعدد فاذا كان صادراً من الرهبان والرؤساء فانه صادر بارادة الوجوب والإلزام لذا جاء القرآن بالذم لإتخاذهم ارباباً من دون ، لطاعتهم في معصية .
وقول تلك الطائفة يحتمل بلحاظ الإتحاد والتعدد وجوهاً:
الأول: انه قول مجرد خالِ من أي امور اضافية سواء كانت اعتبارية او مادية.
الثاني: ينفق معه الأموال الطائلة من أجل استمالة الآخرين وحثهم على طاعتهم والتحريض على النفاق والفتنة.
الثالث: لغة التهديد، وتأثير السلطان سواء كان روحياً او بواسطة الملك والسطوة.
الرابع: التخويف بالعقاب الإلهي، كما في القول بان شريعة موسى لا تنسخ، والذي يدل في مفهومه على حث عامة اليهود على البقاء عليها وعدم التصديق بالآيات والمعجزات.
ولا تعارض بين هذه الوجوه فكل واحدة منها من عمومات الآية.

قوله تعالى [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ]
تفيد (لعل) التمني والترجي، وتدل في مفهومها على أمور:
الأول: استيلاء اليأس والقنوط على نفوس افراد تلك الطائفة من أهل الكتاب ولجوئهم الى هذه الحيلة.
الثاني: إعتمادهم المكر واختيار ما قد يحدث الشك والتردد والرجوع عند المسلمين.
الثالث: لقد علموا ان المسلمين متمسكون بمبادئ الإسلام وانهم لن يتخلوا عنها.
الرابع: قلة الحيلة والعجز عن مواجهة الإسلام بالحكمة والبرهان وقصروا حتى عن الجدل والمغالطة.
الخامس: ظهور حقيقة وهي عدم امكان وقف دخول الناس جماعات في الإسلام، لأنه لو كان الإنتماء له على نحو القضية الشخصية لما لجأت طائفة وفرقة من أهل الكتاب الى هذه الحيلة واشغال أفرادها وغيرهم بها مع ادراك رجحان عدم حصول اثر لها كما يدل عليه لفظ (لعل).
السادس: تحذير المسلمين من اتفاق واجتماع أفراد الخصم على المكر بهم والنيل من دينهم وعقيدتهم، لما في الآية من الإخبار عن اتفاق الجماعة على المكر بهم، ودعوتها لغيرها للإشتراك بالمكر فللمكر المذكور في الآية طرفان:
الأول: طائفة تدعو الى الحيلة.
الثاني: طائفة او طوائف تستمع لها ويدل عليه امران:
الأول: ان تلك الطائفة لا تدعو شخصاً واحداً فقط،
الثاني: صيغة الجمع في الطلب [آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ].
وتدل صيغة الجمع في الطرفين على الشعور بالخيبة والحاجة الى التعاون لوقف اتساع رقعة الإسلام بدل التدبر بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق بها، فجاءت هذه الطائفة لتبين نزغ الشيطان واثره على النفوس، ووجود من يحارب الإسلام وتؤكد الجهاد العقائدي للمسلمين في أيام الإسلام الأولى والأزمنة اللاحقة.
الثالث: تدل الآية على استيلاء الحسد على نفوس افراد تلك الطائفة وطمعهم بان يكون الرجوع على نحو متعدد وكأنهم يريدون القضاء على الإسلام، لذا جاءت الآية لتثبيت دعائم الإسلام بالذب عن المسلمين عقائدياً وفكرياً وجعلهم مسلحين بالفطنة والنباهة بالإضافة الى المعرفة الإلهية.
والضمير في (لعلهم) يحتمل وجوها:
الأول: الصحابة.
الثاني: المسلمون جميعاً على مختلف أجيالهم.
الثالث: الذين كانوا يهوداً او نصارى ثم دخلوا الإسلام.
الرابع: حديثوا العهد بالإسلام.
الخامس: من كان ايمانه ضعيفاً، ومن لم يرسخ الإيمان بعد في قلبه.
ولا تعارض بين هذه الوجوه لأن نيتهم متوجه لمحاربة الإسلام.
السادس: الذين يودون دخول الإسلام، وينوون النطق بالشهادتين.
والرجوع المذكور في الآية يحتمل وجهين:
الأول: أن يتعدى بحرف الجر (من) فيكون المراد الرجوع من أمر أو أمور مخصوصة وفيه وجوه:
الأول: تحريض بعضهم عن الإرتداد عن الإسلام والتصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: عسى ان يكف جماعة من المسلمين عن اتخاذ الكعبة قبلة، والرجوع الى استقبال بيت المقدس الذي كان عليه المسلمون قبل تحويل القبلة الى الكعبة.
الثالث: محاولة منع المسلمين عن مواصلة الجهاد في سبيل  والإنشغال بالجدل ومحاولة امتناع الذين كفروا آخر النهار لإعادتهم الى سبل الإيمان والهداية ولم يعلموا بانهم لم يكونوا مؤمنين انما أظهروا الإيمان والتصديق بالآيات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم غيلة وحيلة فجاءت الآية لتكشف زيف ادعائهم، ونفاقهم، وتخبر المسلمين بانه لا حاجة للإنشغال باقناعهم بالعودة عن الضلالة هذا في حال استجابة قوم من أهل الكتاب وغيرهم بالدعوة التي وجهتها تلك الطائفة وان كان ظاهر الآية يدل على ولادة هذه الدعوة ميتة بسبب تصدي القرآن لفضحها.
الرابع: اجتناب الإحتجاج على أهل الكتاب وحثهم على دخول الإسلام، فاذا كان جماعة يظهرون الجحود بآيات القرآن بعد اعلانهم التصديق بها فانه يكون حجة بذاتها تحول دون الإلحاح على أهل الكتاب بدخول الإسلام.
الخامس: رجوع الجماعات والقبائل التي تريد دخول الإسلام، فاظهار حدوث الكفر بعد الإيمان ضد لهم عن الإسلام.
السادس: لقد أخذ أفراد القبائل يتوافدون على المدينة المنورة للقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورؤرية الآيات عن قرب، فيعلنون اسلامهم ويتعلمون اداء الصلاة فأرادت تلك الطائفة وقف زحف القبائل نحو المدينة، كما في قريش في بداية الهجرة النبوية المباركة اذ وضعوا رجالاً حول المدينة يصدون الناس عن الوصول اليها، والإلتقاء بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت هذه الطائفة من أهل الكتاب بحيلة أخرى مشابهة لها في الغاية ومخالفة لها في الكيفية، ولكن النتيجة واحدة وهي انعدام الأثر.
فيقولون لهم ان جماعات من اهل الكتاب آمنوا ثم كفروا، للإيهام والتضليل بان الكفر بالآيات هو النتيجة.
وهذا المكر اشد خطورة على الإسلام خصوصاً وانه صادر ممن يدعي اتباعه للكتاب السماوي المنزل، لذا جاء القرآن بفضحه وكشفه.
الثاني: يعدي الرجوع بحرف إلى وفيه وجوه :
الأول : لعل بعض أفراد اليهود والنصارى يرجع الى دينه باعتبار ان أصحابه وقومه رأوا كذب الآيات بظن مراجعة الكتب التي عندهم.
الثاني: لعلهم يرجعون الى التوراة والإنجيل وما فيها من الأخبار، وما جرى عليها من التحريف كما في قومهم ان شريعة موسى لا تنسخ ولزوم مجيء النبي المبعوث بما يصدق نبوة موسى .
الثالث: عسى ان يرجع الناس الى الرهبان والقسيسين للفصل بين قول المؤمنين والكافرين، وهذا كيد اضافي وغاية للمكر والحيلة، وعلى فرض ان المراد بتلك الطائفة هم الرهبان والرؤساء فيكون المعنى انهم يحثون قومهم على الإيمان وجه النهار والكفر آخره اما هم أي الرهبان والرؤساء فباقون على ديانتهم اليهودية او النصرانية ينتظرون رجوع الناس عامة والمسلمين خاصة لهم للسؤال عن صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واخبار رسالته في كتب واخبار اهل الكتاب حينئذ يقوم الرهبان باتمام الحيلة وختمها بتكذيب النبوة ومناصرة القوم الكافرين، وكأنهم يقولون لأتباعهم، اظهروا الإيمان بنبوة محمد ثم أكفروا بها فيرجع الناس الينا، فنقوم بتكذيبها.
بحث بلاغي
من وجوه البديع انتزاع معنى اضافي من ذات الشيء وكـأنه رديف له مع انه في الأصل متحد معه، كما في قوله تعالى [لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ] فليس دار الخلد موضوعاً آخر غير الجنة، فكأن الآية جردت داراً أخرى غيرها، مع أنها ذاتها دار الخلد، وهل ما ورد حكاية عن قولهم من التجريد، وان تمني الرجوع من مكرهم باظهار الإيمان اول النهار والكفر آخره، الجواب أن الرجوع لم يتم ، نعم تمني الرجوع غرض لفعلهم وانتزاع لوصف آخر منه فقد جاء مكرهم لغاية وهي ان يجردوا منه رغبة وأمنية لا واقع لها.تكون حجة عليهم .

بحث بلاغي
من وجوه البديع ائتلاف اللفظ مع اللفظ وتقارب المعنى بان تكون الإلفاظ متشابهة في الوزن والنظم او متحدة في الموضوع للحاظ الجوار والمناسبة والحكم، والغرابة او التداول.
وقد جاءت هذه الآية بأمور:
الأول: حصر الخطاب بامة معلومة على نحو التعيين، ولا يغير التعدد في ملل أهل الكتاب في هذا التعيين لأن المراد هو قربهم للمسلمين بالقياس مع غيرهم من الملل والنحل.
الثاني: الذم على لبس الحق بالباطل، مع ان الأصل فيمن يتبع الكتاب السماوي ان لا يخلط الحق بنقيضه بل يعمل بالحق الذي جاءت به الكتب السماوية، فالآية تذكرهم بالأصل ووظائفهم الشرعية التي جاءت بها الرسل من عند  .
الثالث: الكتاب السماوي ينافي الباطل وجاء للقضاء عليه ودحره، فكأن الآية توجه اللوم لهم على الإتيان بالباطل من غير الكتب السماوية وتطرح سؤالاً استنكارياً هو من أين جئتم بالباطل وخلطتموه بالحق، مع ان الكتاب الذي تتبعونه ليس فيه من الباطل شيء.
الرابع: الذم مرة أخرى وفي التفريط بالحق والصدق ايضاً ولكن من جهة الإخفاء وليس الخلط بالباطل.
وما هي النسبة بين الخلط بالضد والإخفاء الجواب العموم والخصوص من وجه فمادة الإلتقاء الظلم والتعدي والإبتعاد عن صيغ الحق والإنصاف ، ومادة الإفتراق ادخال الباطل بين ثنايا الحق في الأول وكتمان اسرار التنزيل في الثاني ففي باب البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في التوراة والإنجيل، يكون من اللبس ذكر الإقرار بالبشارة بذكر صفات غير الصفات الواردة بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإيهام بانها لا تنطبق عليه اما الإخفاء فهو الجحود بنبوته ونكران وجود بشارات بها في التوراة والإنجيل.
ومن ائتلاف اللفظ مع اللفظ خاتمة الآية اذ انها تربط أولها بآخرها فتبدأ الآية بالنداء وتختتم بالإخبار عن علمهم بما يفعلون مما يخالف وظائف الكتابي بالتصديق بالتنزيل.
نظرية طمع الرجوع
تتعدد المذاهب والعقائد ومنها ما تتصارع على البقاء او تتنافس فيما بينها، ومنها ما تلتقي في باب وتختلف في آخر، فاذا اعطيت الأولوية لوجوه الإلتقاء تقارب الطرفان وانتفع احدهما من الآخر ولا أقل تجنب كل منهما الإضرار بالآخر والإنشغال به، اما اذا توجه الإهتمام بمواطن الخلاف فان الخصومة والصراع يزداد وقد تصل النوبة الى الفتنة العقائدية والطائفية
وكان الناس في الجزيرة وما حولها من الأمصار من المشركين واليهود والنصارى، فجاء الإسلام ليصبح في بضع سنوات اقوى وأكبر عقيدة وأمة، ويجذب قلوب الناس ويجعلهم يدخلون فيه افواجاً وجماعات، فيأتي رؤساء قبيلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويرون الآيات فيعلنون اسلامهم، ويرجعون الى قومهم بالدعوة الى الإسلام واداء الصلاة .
وليس من السهل على رؤساء المذاهب والديانات الموجودة آنذاك قبول هذا الأمر لغلبة الحسد وحب الدنيا على نفوسهم، وخشيتهم من خسارة منازلهم.
فجاء الرد على وجوه متعددة، اقساها واكثرها ضرراً وشراً ما صدر من كبراء قريش المشركين اذ حاربوا الإسلام وحاولوا الإجهاز عليه، ونال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشد وجوه الأذى وتعرض الصحابة للتعذيب والبطش بغية رجوعهم عن الإسلام، ولكن   اظهر الإسلام وجاءت الهجرة النبوية لتؤسس دولة الإسلام في المدينة المنورة، فقامت طائفة من أهل الكتاب بالحث على المكر بالمسلمين واتباع صيغ الحيلة والخديعة الجماعية العامة.
أي التي تشترك فيها جماعات منهم تدبيراً وقولاً وفعلا . مما يدل على خطورة الفعل، واتساع دائرة ضرره، فاذا صدر المكر من جماعة متعددين لا تنكشف حقيقته لبعض الناس، لرجحان عدم تواطئ الكثرة والجماعة على الكذب، الا بعد حين.
فجاءت هذه الآية لتمنع من الفترة في الكشف وتبطل المكر قبل حدوثه وهو من اللطف الإلهي ، فطائفة من أهل الكتاب تدعو الآخرين للمكر بسرية، وهذه الآية تفضح هذه الدعوة مما يؤدي الى عدم استجابة الآخرين من أهل الكتاب لتلك الدعوة من وجوه:
الأول: الإعجاز في الإخبار عن هذه الدعوة وبطلانها.
الثاني: كشف الغايات الذميمة منها.
الثالث: التفات المسلمين لهذا المكر فلا يضرهم قيام بعضهم بالكفر آخر النهار.
الرابع: امكان اتخاذ المسلمين ايمان فريق منهم اول النهار حجة عليهم وباباً لجذبهم ومنعهم من الرجوع عن الإيمان.
لقد كان هذا المكر مقدمة لمحاولة ثني المسلمين عن مبادئ الإيمان، فجاءت هذه الآية لمنع هذه المقدمة قبل ان تصل النوبة الى المحاولة لثنيهم وبعث روح الشك والريب في نفوسهم وتلك المحاولة لو حصلت، لتهيأت أسباب دفعها ، ونزلت آيات لإبطالها ومنع تأثيرها، لقد أكدت هذه الآية حقيقة وهي وجود طوائف وجماعات من الناس تود لو ان المسلمين رجعوا عن الإسلام او عن بعض أحكامه، وتسامحوا في شطر منها وهذا الطمع باقِ في نفوس أهل الحسد، ويظهر بين الحين والآخر، بصيغ مناسبة تنبعث منها راحة البغضاء والكراهة.
وتضمنت هذه الآية البشارة بخيبتهم وعدم ترتب الأثر على طمعهم المذموم هذا، والإخبار بانعدام أثره، بل بالعكس فان الآيات القرآنية الفاضحة له تجعل المسلمين أكثر قوة ومنعة، فلا رجوع ولا ارتداد في الإسلام لأن الإنتماء اليه يكون عن ايمان وادراك لصدق الدعوة اليه، ومن يدخل فبه ويتذوق حلاوة مبادئه يرى نفسه وهو يؤدي الفرائض والتكاليف متقلباً في نعيم الآخرة، شاكراً لله تعالى على نعمة الإسلام والهداية الى الإيمان .
فهذه الآية من الآيات التي أكدت رسوخ الإيمان في النفوس، وجعلت الطمع في الرجوع عن التقيد بأحكام المسلمين امراً لا يضر الا أصحابه لما يسببه من الحسرة في نفوسهم من الإنشغال باسباب هذا الطمع، وهل انقطع هذا الطمع أم هو باقِ الى يومنا هذا؟
الجواب انه باقِ عند فريق من اهل الكتاب والمشركين ولو على نحو السالبة الجزئية بوجوه متعددة بحسب الحال والموضوع والحكم خصوصاً مع تقارب البلدان، واتساع اثر وسائل الإعلام المتباينة، وتعدد صيغ الحوار والإحتجاج والتحقيق، ومع بقاء هذا الطمع فان موضوع واحكام هذه الآية باقية ومستمرة وتدعو المسلمين للحيطة والحذر وعدم الإغترار بالتظاهر بالإيمان الذي يتعقبه الجحود وأسباب الشك والتردد والريب.
بحث بلاغي/ اصطلاح جديد “عطف شبه الرديف” قد يرد عطف الخاص على العام، وبالعكس لبيان السعة والتعدد، وامكان التغاير الموضوعي، وقد يأتي العطف بين المترادفين وفي المشترك اللفظي او شبه مترادفين، وهناك كلمات كثيرة يعدها اللغويون من المترادف الا انها في علوم القرآن ليست من المترادف ، وهذا من اسرار القرآن، ففي صيغ التخاطب وعلوم اللغة تعتبر من المترادف ويكون بينهما في القرآن عموم وخصوص من وجه، أي انها تلتقي في مادة وتفترق في مادة أخرى، وهذا الإفتراق على قسمين:
الأول: ذاتي بلحاظ الدقة في المعنى الذي وضعت او نقلت له.
الثاني: عرضي، بلحاظ موضع الكلمة في الآية ونظم التنزيل.
بل ان ذات اللفظ له يتعدد معناه بحسب النظم والقرائن المقالية والحالية من غير خروج عن معناه اللغوي، بالإضافة الى معاني التوكيد التي يتضمنها مثل هذا العطف، وقد تجد بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً.
وقد ذكرت في باب عطف احد المترادفين على الآخر امثلة يمكن ان تكون من هذا الباب الجديد ، مثل قوله تعالى[ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ] ( ) قال ثعلب هما بمعنى، ولكن هناك تباين بينهما خصوصاً بلحاظ اوان النذر وتقدمه زماناً وعموم العذر وامكان تخلفه ومنها قوله تعالى [أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا] ( ) ويطلق السيد على المالك والشريف والفاضل والمقدم اما الكبراء فهو أخص ويتعلق بمن يتولى وظائف القيادة والرياسة وفيه تعريض بمن يتولى شؤونهم.
والأمثلة التي ذكرت متعددة، ولكن المترادف لا يصدق عليها، لتعدد المعنى لذا أطلقنا عليه اصطلاح شبه المترادف ليكون هذا الشبه عنواناً للبحث عن وجوه الإلتقاء والمغايرة، وهذا العنوان والمعنون ينفعان في فروع علم المناسبة ، وتفسير القرآن بالقرآن، وكما يكون شبه الرديف في الإلفاظ فكذا يكون في الموضوعات ، وكتمان الحق قريب من خلطه بالباطل ، ولكن النسبة بينهما ليست التساوي.

بحث بلاغي آخر
من وجوه البديع التذييل، وهوا ن يؤتى بجملة عقب جملة، وتتضمن الثانية التوكيد على ما في ألأولى من المعنى سواء في المنطوق او المفهوم، وهو من مصاديق البيان والوضوح في القرآن لما فيه من منع اللبس وطرد الجهالة والتغرير، ومن الإعجاز في الآية مسائل:
الأولى: انها نقلت قول طائفة من أهل الكتاب ولكنها لم تذكر الجهة المخاطبة بهذا القول مما يدل على اطلاقه وارادتهم عدم تحديده بجهة مخصوصة ، وعدم التحديد هذا يدل على ما عندهم من البغض والحسد للإسلام ومحاولة جمع المعاندين للإسلام وتوجيه مكرهم .
الثانية: الإقرار ضمناً بالتنزيل،وصحة الإيمان به كما في قوله تعالى (بالذي أنزل على الذين آمنوا ) ، ولم يلتفتوا الى ان هذا الإقرار حجة عليهم، ويساعد الناس على الإعراض عن دعوتهم وعدم الإصغاء لهم، ويدل على ان الحسد يسلب عن صاحبه الإلتفات لما يقدمه لخصمه من الحجة عليه.
الثالثة: الإيمان اول النهار قد يؤدي الى محاكاة اخرين لهم بالإيمان من وجوه:
الأول: بعد الإيمان مباشرة يتلقى هؤلاء ما يثبت الإيمان في صدورهم وتتجلى لهم الآيات.
الثاني: انهم من أهل القرى والنواحي القريبة من المدينة ، فيسلمون في أول النهارمحاكاة لأهل الكتاب ، ويغادرون الى قومهم بالإسلام قبل آخره.
الثالث: يحضرون او يسمعون بايمان اهل الكتاب فيحاكونهم ويسلمون، ثم لا يسمعون بارتداد وعودة اهل الكتاب عن الإسلام.
الرابع: يتبعون اهل الكتاب بدخول الإسلام، ولا يتبعونهم في الخروج والإرتداد عنه لأنهم لا يرون سبباً لهذا الخروج.
الخامس: يسلمون معهم اول النهار، ويخشون الإرتداد وعقوبته آخر النهار.
السادس: لا يتعجلون بالكفر والجحود بل ينتظرون الى حين التزود من الآيات والتبصر بحقيقة النبوة والإسلام، فيثبت لهم صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعقيدة الإسلامية فلا يغادرون منازل الإيمان بل يكونون خصماً عمن يرتد عن الإسلام نفاقاً.
وهل التفتت تلك الطائفة الى هؤلاء عند الشروع في المكر والحيلة ولو التفتوا لهم وعلموا بهذا الأثر العرضي لمكرهم فهل يكفون عنه ويأتون بحيلة أخرى، الجواب لقد ضاقت عليهم مسالك الحيلة والمكر ، وانعم   على الناس بالإسلام واعانهم على الإيمان واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فسواء جاء هؤلاء بتلك الحيلة او غيرها فلن يضروا المسلمين بل يضرون انفسهم.
الرابعة: جاءت خاتمة الآية لتأكيد مفهوم قول تلك الطائفة وبيان القصد منه، فقد بينوا الغاية منه وهي أغواء بعض المسلمين وجعلهم يرتدون عن اسلامهم، وفيه دلالة على عظيم العناء الذي يلاقيه كل مسلم في ثباته على الإيمان وأدائه الفرائض والعبادات،
ومن مفاهيم الآية بيان جهاد المسلمين الأوائل المتعدد الجهات وكيف انهم تلقوا الأذى وتحماوا العناء، ونصروا الرسول الأكرم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.

قوله تعالى [وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]الآية 73
الإعراب واللغة
ولا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم: الواو: عاطفة، لا: ناهية، تؤمنوا: فعل مضارع مجزوم بلا، الواو: فاعل، الا: أداة استثناء، لمن: اللام حرف جر، من: اسم موصول في محل جر باللام.
تبع: فعل ماضِ، والفاعل ضمير تقديره هو، دينكم: مفعول به، والضمير مضاف اليه.
قل ان الهدى هدى : قل: فعل أمر، ان: حرف مشبه بالفعل.
الهدى: اسم ان، هدى: خبر ان، اسم الجلالة: مضاف اليه.
ان يؤتى احد مثل ما اوتيتم: ان وما في حيزها في تأويل مصدر مجرور، بنزع الخافض، الجار والمجرور متعلقان بتؤمنوا.
احد: نائب فاعل يؤتى.
مثل: مفعول به ثانِ.
ما: اسم موصول في محل جر بالإضافة، جملة اوتيتم: صلة.
او يحاجوكم عند ربكم: او: حرف عطف، يحاجوكم: فعل مضارع معطوف على يؤتى، وعلامة نصبه حذف النون، الواو: فاعل، الكاف: مفعول به.
عند: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال، ربكم: مضاف اليه.
قل ان الفضل بيد : قل: فعل أمر، الفاعل أنت.
ان الفضل: ان واسمها، بيد : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر.
يؤتيه من يشاء: يؤتيه: فعل وفاعل مستتر والضمير الهاء مفعول به، من: اسم موصول في محل نصب مفعول يؤتي الثاني.
جملة يشاء: صلة.
والله واسع عليم: الواو: استئنافية، : مبتدأ، واسع: خبر اول، عليم: خبر ثان.
في سياق الآيات
بعد قيام طائفة من أهل الكتاب بحث اصحابهم بان يتظاهروا بالإيمان والتصديق بالقرآن والآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند ، واظهار الكفر بعده مباشرة من غير فاصلة يوم او يومين، جاءت هذه الآية لتبين قولاً آخر لتلك الطائفة متمماً للقول الأول ومتصلاً به أي انه جزء من موضوع المكر بالمسلمين ومحاولة صدهم عن سبل الإيمان.
لقد سعت تلك الطائفة للحث على البقاء على ملتهم من أجل تثبيت شريعتهم وتقيد الأفراد بها، وتضمنت هذه الآية الأمر الإلهي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرد على تلك الطائفة في موضوع هذه الآية والآية السابقة وتوكيد عظيم فضله تعالى على المسلمين، فمن الإعجاز في النظم ان يرد الرد والبيان في الآية اللاحقة على موضوع الآية السابقة.
وبعد آية المباهلة وقبول اهل الكتاب بالجزية ودعوتهم الى التوحيد جاءت هذه الآيات لتبين عدم انقطاع احتجاجهم بالباطل كما في نسبتهم ابراهيم  لليهودية أوالنصرانية، وودهم اضلال المسلمين، وخلطهم الحق بالباطل ودعوتهم اصحابهم للإيمان اول النهار والكفر آخره، وحصر التصديق باتباع ملتهم، كل هذا لبيان ان فرارهم من المباهلة، وقبولهم الجزية لا يعني قبولهم بالإسلام،واجتنابهم لمحاربته كما يقتضي الأصل، فجاءت هذه الآيات للتنبيه والتحذير مع بيان موارد وموضوعات التحذير وهذا من اعجاز القرآن، وعمومات اللطف الإلهي بأن يتضمن التحذير ذكر موضوعاته.
اعجاز الآية
في الآية مسائل:
الأولى: كشف ما يقوم به أهل الكتاب في منتدياتهم.
الثانية: اصرارهم على الثبات على اليهودية والنصرانية.
الثالثة: تحريض بعضهم بعضاً على الود المتبادل بضابطة الإنتماء لدينهم.
الرابعة: الأمر الإلهي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرد على كلامهم مع انه خاص بينهم.
الخامسة: جاء الرد بقاعدة كلية باقية الى يوم القيامة وتنبض بالحياة وهي ان الهدى أمر من عنده تعالى ويتجلى بالبعثة النبوية المباركة، وهداية الناس الى الصلاة والصيام والزكاة.
السادسة: في الآية توبيخ لأهل الكتاب على اختيارهم الصدود عن الإسلام مع انه فضل عظيم من عند  على الناس جميعاً.
السابعة: تظهر الآية قدرة المسلمين على الرد على أهل الكتاب وغيرهم.
الثامنة: من الإعجاز في الرد القرآني ان يتضمن أموراً:
الأول: الدفاع عن المسلمين والعقيدة الإسلامية.
الثاني: توبيخ الذي يتعدى على الإسلام.
الثالث: الدعوة الى الإسلام، وبيان أن النجاة والخلاص فيه.
ويمكن ان نسمي هذه الآية آية (هدى الله).
مفهوم الآية
بدأت الآية بتتمة كلام طائفة من أهل الكتاب، وفيه اشارة الى أهميته والضرر منه ولزوم الإجتراز منه والتصدي له، والعناية والتدبر بالفضح الإلهي له، أي ان كان المسلمون عاجزين عن معرفة علوم الغيب والتوصل الى ما يدور في الخفاء من المكر لهم ومحاولات ايذائهم وحرمانهم من الثواب العظيم الذي يترشح من الإيمان بالنبوة واداء العبادات والفرائض.فإن  يتفضل عليهم بإعانتهم على كشفه.
لقد أراد رؤساء اهل الكتاب منع اتباعهم من التصديق بالآيات ومعجزات رسول  صلى الله عليه وآله وسلم بان جعلوا قاعدة كلية لتقييد الإيمان بان يكون الذين يتبعونه من اتباع دينهم وفيه حجة عليهم فاذا كان متبوعاً، كيف يكون تابعاً.
وتدل الآية في مفهومها على تحريض المسلمين على عدم السكوت على ادعاء اليهود والنصارى وسعيهم لحجب اصحابهم واتباعهم عن الإسلام، مما يدل على لزوم التوجه لعامة بني اسرائيل والناس جميعاً، ومحاربة اسباب صد الناس عن الإسلام ومنع وصول الآيات والمعجزات لهم، كما انها جاءت لدحض أصل الإحتجاج للبقاء على دين آخر غير الإسلام.
وفي الآية اخبار عن حصول الإحتجاج يوم القيامة، وهذا الإحتجاج جاء موضوعاً للإنذار والتوبيخ، وتكرر قوله تعالى (قل) في الآية لحث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على الإحتجاج على أهل الكتاب في الدنيا، وتدعو الآية اهل الكتاب والناس جميعاً لينهلوا من فضله تعالى الذي يتجلى بالقرآن وعلومه ،وفيها بشارة بتوالي النعم على المسلمين، ومنع تأثير الأغواء عليهم، ومن مفاهيم الآية:
الأول: حرص كبراء اليهود والنصارى على بقاء اتباعهم على ملتهم.
الثاني: منعهم من الإقتراب والإتصال بالمسلمين والإقتباس منهم.
الثالث: البيان والتوكيد بانه تعالى يتفضل بالهدى والصلاح.
الرابع: في الآية دعوة لأهل الكتاب باللجوء اليه تعالى والإيمان بما ينزل من عنده تعالى.
الخامس: الإمتثال لأوامره تعالى ، ومن خصائص المهتدي اتباع الفرائض والواجبات.
السادس: القرآن يفسر بعضه بعضاً، وقد ورد قوله تعالى [ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ] ( ).
السابع: الإسلام فضل منه تعالى، وعلى أهل الكتاب ان يغبطوا المسلمين بدل ان يحدسوهم.
الثامن: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة من عند  ورحمة لأهل الأرض وهي فضل منه تعالى وليس استحقاقاً لذا لابد من تلقيها بالثناء والشكر له تعالى، وهذا الشكر يتجلى بالتصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته ومؤازرته.
التاسع: لا ينال فضل  تعالى الا من يشاء سبحانه، وقد انعم على المسلمين وجعلهم اهلاً لخلافة الأرض بالإيمان ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن من عند .
لقد أيقن الرهبان والرؤساء بانه لابد من الإيمان والتظاهر به، خصوصاً وان الإنتساب للكتاب السماوي يجعله حقيقة عقائدية، فلم يقولوا بالجحود بالتنزيل ولكنهم قيدوا الإيمان بالإنقياد لدينهم، والإمتثال لما عندهم دون غيرهم.

التفسير
قوله تعالى [وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ]
جاءت (لا) في الآية للنهي والزجر، فبعد الآية السابقة وما فيها من امر طائفة من اهل الكتاب بعضهم لبعض ولأصحابهم من أهل الكتاب بالإيمان اول النهار والكفر آخره بصيغة الأمر، جاءت هذه الآية بصيغة النهي، وهذا من الدهاء بان يأتي المكر متعدداً وجامعاً للأمر والنهي كي ينشغل الإتباع به ولا تكون عندهم مندوحة للتدبر والتفكر والنظر، ولكي يبدو لهم وكأنهم على شريعة متكاملة لا يطرأ عليها النسخ، ليكون موافقاً لما يذهب اليه كبراء اليهود بان التوراة تدل على عدم نسخ شرع موسى .
ولا أصل لهذا القول ولكن المراد منه صد الأتباع عن اتباع الآيات والتصديق بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
علم الفصل بين الآيات
يتألف القرآن من مائة وأربع عشرة سورة قرآنية وكل سورة تتكون من آيات متعددة، يتراوح عدد آياتها من (286) آية كما في سورة البقرة الى ثلاث آيات كما في سورة الكوثر، وهذا التباين آية اعجازية في القرآن وسر من اسراره وكل فصل بين آيتين له خصوصية وموضوعية.
وجاء الفصل بين هذه الآية والآية السابقة مع اتحاد جهة الصدور، ونسبة الكلام الى طائفة من أهل الكتاب وما تكيده للمسلمين، ولكن لماذا لم يأتِ هذا النهي في الآية السابقة لوحدة الموضوع ولأنه جزء من كلام تلك الطائفة، فيه وجوه:
الأول: الفصل بين الأمر والنهي في كلام تلك الطائفة.
الثاني: بيان موضوعية كل واحد منها، في القصد والنية.
الثالث: الإخبار عن العناية الخاصة التي توليها تلك الطائفة للنهي والزجر.
الرابع: الإشارة الى الأهلية والمزاولة في مسؤوليات الرياسة التي تتولاها تلك الطائفة، فمن اعجاز القرآن ان يكون هذا الفصل والتعدد في الآيات شاهداً وامارة على تعيين تلك الطائفة وتحديد منازلها، باعتبار ان هذا التدبير لا يصدر الا من الرهبان والرؤساء الذين لهم القدرة في تدبير احوال الأتباع وابقائهم منقادين لهم، وان كان توظيف هذه القدرة بغير الحق.
الخامس: ارادة موضوعه مستقل بهذا النهي، فقد تعلقت الآية بما يجب ان يفعلوه في اليوم الواحد من الإيمان في اوله والكفر في آخره، اما هذه الآية فجاءت للإخبار عن ماهية وموضوع الإيمان، وما هي مضامينه وكيفيته ولزوم انحصاره باتباع الملة التي جاء بها موسى  بالنسبة لليهود ، والملة التي جاء بها عيسى  بالنسبة للنصارى.
السادس: في حال عدم رجوع المسلمين عن دينهم واستقبالهم للكعبة الشريفة، فان تلك الطائفة تدعو للبقاء على ديانة اهل الكتاب وعدم اعلان الإيمان بمبادئ الإسلام.
السابع: جعل قاعدة كلية باطلة، وهي عدم الإيمان بالآيات والمعجزات الا تلك التي تنزل على من يتبع دينهم، وبما ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم النبيين فان تلك الطائفة ارادت حجب اهل الكتاب عن التصديق بالآيات والمعجزات والوقوف عند نبوة موسى وعيسى عليهما السلام، لذا جاءت الآية بتذكيرهم بقواعد الإرادة التكوينية وهي ان الفضل بيد ، ولا يستطيعون حجبه.
الثامن: لقد أدركوا عجزهم عن النيل من الإسلام، وخابت ظنونهم وايقنوا بان المسلمين لايرجعون عن مبادئهم والإمتثال لأحكام الشريعة الإسلامية، فتوجهوا الى اتباعهم بحثهم على عدم الميل والتصديق والنصرة الا لأصحابهم من أهل الكتاب.
التاسع: جاءت الآية السابقة بذكر المكر الذي ينوون فعله ازاء المسلمين من الأغواء والإضلال، اما هذه الآية فتتعلق بكيفية تصرفهم مع اصحابهم من اهل الكتاب.
العاشر: اراد رؤساء اهل الكتاب رجوع اصحابهم لهم في موضوع الإيمان والكفر.
الحادي عشر: تدل الآية في مفهومها على دعوة تلك الطائفة للجحود والكفر بالآيات التي جاء بها النبي لأنها تجعل المدار على صدق الآيات ،وذم الفعل الذي هو خلاف حكم الشرع والملل السماوية المتعددة خلاف العقل.
الثاني عشر: حرصوا على بيان التباين بين الإيمان الذي يدعون له ، والإيمان الذين تدعوله هذه الآية، لقد ذكرت الآية السابقة زيف ونفاق ما يبيتون مع علمهم به، اما الإيمان في هذه الآية فهو صدق وحق ،ومن القلب ، ويتصف بالدوام ،ولكنه خلاف الواجب الذي يقتضي إتباع الآيات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث عشر: جاءت دعوتهم للمكر بالتظاهر بالإيمان في الآية السابقة مطلقة ، وورد ذكر الإيمان في هذه الآية متصرفاُ بحرف اللام [لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ] ومما يدل على ان المراد بالإيمان في الآية السابقة هو اعلان التصديق بالآيات مكراً وحيلة، اما هذه الآية فجاءت لإرادة الإيمان والتصديق وحصره باتباع ديانتهم كما في الام في قوله تعالى [ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ] ( ) بمعنى انهم يحثون على عدم الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع دلالة الآيات على صدقها.وسبق بشارات الأنبياء بها .
واذا كان المراد من الإيمان وجه النهار في الآية السابقة اضلال المسلمين فما هي الغاية من الإيمان في هذه الآية ، فيه وجوه:
الأول: اضلال المسلمين.
الثاني: الخشية من بقاء اصحابهم على الإيمان والتصديق بالآيات.
الثالث: صيرورة وجه النهار مناسبة للتدبر بالآيات والمعجزات.
الرابع: الإنصات الى آيات القرآن والتدبر بمضامينه والغوص في خزائنه وكنوزه فلا يلتفتون الى الأمر الآخر، وهو اظهار الكفر والجحود في آخر النهار.
الخامس: التوكيد على لزوم استحضار انتمائهم الى اليهودية والنصرانية.
السادس: الإخبار ببقاء ديانتهم، وعدم زوالها ببزوغ شمس الإسلام، ولا تعارض بين هذه الوجوه وهذه الآية تشترك مع الآية السابقة بمحاولة اضلال المسلمين.
وقال الرازي: اتفق المفسرون على ان هذا بقية كلام اليهود( )،وهو الأرجح ، وذكر الطبرسي ثلاثة أقوال في الآية احدها “ان يكون الكلام من اول الآية الى آخرها لله تعالى، وتقديره ولا تؤمنوا ايها المؤمنون الا لمن تبع دينكم، وهو دين الإسلام ولا تصدقوا بان يؤتى احد مثل ما اوتيم من الدين”( )،
والقرآن يفسر بعضه بعضاً.وليس فيه اشارة الى اتباع دين الإسلام بل انه انتماء للإسلام، واتباع لما جاء به الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإستجابة له باعتبار ان الإسلام هو دين الفطرة، والملة الباقية الى يوم القيامة ، قال تعالى [ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا]( ).
لقد سعى اهل الكتاب لصد الناس عن الإسلام، وأرادوا من المسلمين اتباعهم في قبلتهم واحكام الشرائع واظهروا الرغبة بان يكون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تابعاً لديانتهم وما عندهم من الأحكام التي لم تسلم من التحريف ، قال تعالى [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ]( ).
فاذا كان عموم اليهود والنصارى لا يرضون من النبي الا ان يتبع ملتهم فمن باب الأولوية ان تدعو طائفة منهم افرادها الى عدم الإيمان والتصديق الا لمن يتبع دينهم، فالآية اعلاه من سورة البقرة عامة من جهة صدور الرغبة والرضا وخاصة في موضوعها بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اما الآية محل البحث فهي خاصة بطائفة من أهل الكتاب من جهة القول، وعامة في متعلقها بل ان المعنى متحد بخصوص المتعلق نعم حينما يريدون من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتباع ملتهم انما يقصدون المسلمين جميعاً، ولكن   ابى الا ان ينصر الإسلام ويثبت مبادئه، ويأمر الناس جميعاً بالإنتماء اليه والتقيد باحكامه وسننه وما فيه من التكاليف ، وقد ورد عن ابن عباس قوله تعالى [قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ] ( ).
معناه الدين دين ، مما يعني ان هذا الكلام جواب عما حكاه التنزيل عنهم.
وتخبر هذه الآية عن وجود من يحث على الإعراض عن التنزيل، فأراد   للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين عدم ترك اهل الكتاب وحالهم من الإعراض عن الدعوة الإسلامية، وفيه مسائل:
الأول: الآية شاهد على قوة الإسلام، واهلية المسلمين للتبليغ والدعوة.
الثاني: القدرة على الإحتجاج والجدل بالحجة والبرهان.
الثالث: الإعجاز القرآني في الإخبار عما يجري في منتديات ومجالس أهل الكتاب من المكر بالإسلام، مما يدل على ان هذه الآية عون للمسلمين ومدد لهم في نشر الدعوة الإسلامية والتصدي للكيد بالإخبار عنه ، والحث على التصدي له واماتته في مهده، وتحتمل الآية وجوهاً:
الأول: حث تلك الطائفة لليهود بعدم ترك دينهم حتى مع وجود الآيات الدالة على النسخ.
الثاني: عدم ترك النصرانية.
الثالث: هذا القول ليهود خيبر، قالوه ليهود المدينة لتحذيرهم من تصديق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً مع ظهور الآيات لهم لقرب سكناهم من النبي والمسلمين واطلاعهم على الآيات والتنزيل.
الرابع: حث تلك الطائفة اليهود على عدم ترك اليهودية ، والنصارى على عدم ترك النصرانية.
الخامس: ان كل ملة منهما فيها طائفة تحث افرادها وابناء ملتها على عدم الإيمان الا لمن يكون على دينهم، فاليهودي يحذر من الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذا رسالة عيسى ، والنصراني يحث على التصديق بعيسى.
السادس: لقد جمعت اليهود والنصارى حالة واحدة من تحدي الإسلام والآيات القرآنية للديانتين، وأخذ أفراد وجماعات من كلتا الملتين بالدخول في الإسلام والإنجذاب للبراهين التي تدل على صدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والأرجح هو الوجه الأخير ولكنه لا يتعارض مع الوجوه الأخرى المتقدمة.
فجاءت دعوة رؤساء اليهود والنصارى الى الفريقين وكأنهم أصبحوا في خندق واحد لمواجهة الإسلام، وهذا الأمر يحصل كثيراً في الواقع العملي، فعندما يأتي خطر يهدد المتنازعين معاً، فانهما يتحدان ويتفقان على الحد الأدنى الذي يساعد في مواجهته ومحاربته.
وانتصار الإسلام على هذا الإتحاد يستلزم النصرة والعون من عند ، لذا تفضل سبحانه بالإخبار عنه بصيغة الإطلاق وعدم حصر انتماء الطائفة ودعوتها باليهود او النصارى.
وهذا الإطلاق اعجاز مستقل لما فيه من التنبيه للمسلمين، وتحذيرهم من أهل الكتاب مطلقاً، والكلام صادر من طائفة منهم فلماذا يأتي التحذير من الجميع الذي يدل عليه الإجمال والإطلاق وعدم التقييد بملة واحدة منهم، أي ان الآية لم تقل “طائفة من اليهود” وليس في القرآن مثل هذا العنوان، الجواب على وجوه:
الأول: دعوة المسلمين للحيطة والحذر.
الثاني: ان الطائفة من اهل الكتاب تدعو جميع اهل الكتاب من غير تخصيص بفرقة او جماعة منهم فلذا جاء التحذير بلحاظ الأثر لهذه الدعوة.
الثالث: في الآية حجة على جميع الكتاب، واخبار عن تضمن القرآن لعلوم الغيب، وكشف ما يجري في مجالسهم ومنتدياتهم.
الرابع: جاءت الآية بتفصيل اقوال تلك الطائفة لتوكيد انها من علم الغيب لتعذر نقل تلك الأقوال على نحو الدقة الى المسلمين.
ومن الآيات انها لم تذكر اسماء على نحو الخصوص ،وقد ورد عن الحسن والسدي انه تواطأ اثنا عشر رجلاً من احبار يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد النهار باللسان دون الإعتقاد، واكفروا به آخر الليل.
الخامس: في الآية توثيق للمكر والأذى الذي تلقاه المسلمون.
السادس: الآية درس لأجيال المسلمين للإعتبار والإتعاظ.
السابع: الآية مانع من حصول الشك والإرباك في صفوف المسلمين.
الثامن: الآية لطف منه تعالى بتقريب الناس للإيمان وانقاذهم من الضلالة والإضلال، فتلك الطائفة من اهل الكتاب تريد ان تضل عامة اهل الكتاب والمسلمين والناس جميعاً، فجاءت هذه الآية لفضحهم ومنعهم من التأثير على اهل الكتاب، وحصانة المسلمين من كيدهم، ولولا هذه الآية لما انتبه المسلمون لأضرار قولهم الا بعد حين وحصول صدود واغواء متعدد ، فتفضل سبحانه بهذه الآية ليقطع دابر الفتنة والإفتتان الى الأبد.

قوله تعالى [قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ]
الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويشمل المسلمين كلهم، وهذا الشمول من الإعجاز القرآني من وجوه:
الأول: الدلالة على دوام واتصال لغة الإحتجاج والبرهان لتثبيت الإيمان في النفوس.
الثاني: انقطاع كيد ومكر تلك الطائفة بالتحريض على بعث الشك بين المسلمين بالفضح السماوي الذي ورد في هذه الآيات، وهذا من خصائص الآية القرآنية ان تأتي على المنكر فتقطع دابره، وتبقى حرزاً دون حدوث أثره وتكراره.
الثالث: بقاء الآية غضة طرية في منطوقها والفاظها وموضوعها وحكمها.
الرابع: توكيد حقيقة عقائدية وهي محاكاة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القول والإحتجاج.
الخامس: اعلان المسلمين العملي بانهم على نهج رسول  صلى الله عليه وآله وسلم في طاعة  .
السادس: بيان فضل  على النبي ونصرته واعانته، وكشف ما يحاك ضده من المكر لأن عدم الإيمان بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتضمن في مفهومه التحريض على شخصه الكريم لإيذائه وقتله ، فجاءت الآية لتؤكد للأجيال صدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم واعلانه الرسالة من عند  بفضل منه تعالى.
السابع: اذا أنعم  نعمة على أهل الأرض فانها لاترفع، والأخبار السماوي عن المكر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين نعمة عامة لذا اراد  عز جل ان تبقى في الأرض بان يشمل الخطاب المسلمين جميعاً وقيامهم بالإحتجاج على اليهود والنصارى.
ومن الإعجاز في الآية تعدد وجوه وجهات الإنتفاع من هذا الرد على دعوى تلك الطائفة، وهي على أقسام:
الجهة الأولى: انه فضل ونعمة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: توكيد رسالته وتصديق نبوته.
الثاني: منع التعدي عليه ، ووقايته من الآثار العرضية التي يسببها التكذيب اليومي المتصل.
الثالث: دعوته للإحتجاج على أهل الكتاب.
الرابع: المنع من الإعتراض عليه بسبب هذا الإحتجاج، فبعد نزول هذه الآية ليس لأحد ان يقول لا حاجة للإنشغال بالإحتجاج معهم لأن الآية اكدت لزوم تصدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه لرد الشبهات وفضح المكر، كي تنكشف للمسلمين الغايات الخبيثة من المغالطات اليومية التي يثيرها هؤلاء.
الخامس: تساهم الآية في منع استمرار اثارة الشبهات على نحو يومي، وتنزه المجتمعات منها، وهذا التنزيه مقدمة للإنتفاع النوعي العام من الآيات، باعتبار ان اثارة الشبهات واعلان التكذيب بالآيات اشغال للناس عن الآيات ودعوة للإعراض عنها، فجاءت هذه الآية بابطال الكيد، ودعوة الناس للإنصات للآيات والتدبر في مضامينها القدسية، هذا من الإتقان والفضل الإلهي لإظهار الإسلام على الملل الأخرى.
الجهة الثانية: لطف وفضل على المسلمين، من وجوه:
الأول: الرحمة والتخفيف بدفع الكيد والمكر عن المسلمين ، اذ ان قيام جماعات بالتكذيب بالتنزيل بعد التصديق الظاهري به تثبيط لعزائمهم.
الثاني: لقد أرادت تلك الطائفة من اهل الكتاب اغواء حديثي العهد بالإسلام، وبعث الشك في نفوسهم.
الثالث: جاءت هذه الآية لتقوية الإيمان، أي انها لم تقم بفضح الكيد وصده، بل ساهمت في تثبيت الإسلام وتقوية الإيمان في النفوس والمجتمعات لما فيها من الدلالة والكشف عن علوم الغيب.
الرابع: الخطاب النبوي انحلالي، فهو وان كان رداً على طائفة من أهل الكتاب الا انه يتضمن اخبار المسلمين عن صحة انتمائهم وفوزهم بحسن الإختيار.
الخامس: الآية بشارة للمسلمين بالنجاة في النشأتين.
السادس: تبعث الآية العز في نفوس المسلمين لأنهم على النهج والفطرة السليمة.
السابع: اقامة الحجة على اهل الكتاب من وجوه:
اولاً: نص الآية الكريمة، أي ان الآية وحدها حجة عليهم اذ تطل عليهم وجه النهار وآخره لتزجرهم عن المكر.
ثانياً: احتجاج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن الآية تضمنت الأمر الإلهي له بالإحتجاج.
ثالثاً: قيام المسلمين بذكر المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبراهين التي تدل على صدق نبوته.
رابعاً: البشارات بنبوته التي جاءت في التوراة والإنجيل، واخبار الأنبياء السابقين.
الجهة الثالثة: لطف ورحمة باهل الكتاب من وجوه:
الأول: فضح المكر الذي تقوم به طائفة منهم.
الثاني: التخلية بينهم وبين الدعوة الى الإسلام.
الثالث: ازالة اللبس الذي يسببه المكر والكيد.
الرابع: التخلص من الحجب التي أرادت تلك الطائفة منهم وضعها بينهم وبين المسلمين.
الخامس: الآية حجة عليهم في كشف اسرارهم وما يدور بينهم من التدبير الخفي ومحاولات الأضرار بالمسلمين.
السادس: تؤكد الآية اتحاد الغاية عند المليين وهي ارادة الهدى وسلامة الدين، وهو أمر لا يتحقق الا من عنده تعالى فلابد من طلبه من مظانه التي تنحصر بالنبوة والتنزيل وهما يدعوان الى الإسلام سواء الأنبياء السابقين والتوراة والإنجيل او خاتم النبيين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن الكريم.
السابع: جاءت الآية لتوكيد المباهلة والتنبيه الى لزوم جعلها وسيلة للإيمان والهدى، فلا يقف الأمر الأمر عند الدعوة اليها ودفع الجزية، مع المكر واثارة الشبهات، بل لابد من احترام شرائط الذمة، والتدبر بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من الفضل الإلهي العظيم.
الثامن: تدعو الآية اليهود الى عدم الإصرار على القول بعدم نسخ التوراة، وعدم اتباع من يقول بتغيير التوراة لأن الهدى من عنده تعالى وقد اقترنت نبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات.
الجهة الرابعة: الآية رحمة بتلك الطائفة من اهل الكتاب التي تبغي السوء بالمسلمين من وجوه:
الأول: تتضمن الآية النصح والإرشاد الى الكف عن ايذاء المسلمين.
الثاني: اجتناب المكر والكيد يؤدي الى ازالة الحجب والغشاوة التي تتولد عن الغايات الذميمة وتؤثر على الأبصار والبصائر، فما دام الإنسان مشغولاً بالكيد وايذاء غيره فانه لا يستطيع ان يتدبر الآيات.
الثالث: الزجر والمنع من مواصلة تحريض الآخرين على المسلمين لفضح نواياهم، وعدم ترتب الأثر عليه بعد نزول الآيات القرآنية بكشف وذم تفاصيل وكيفية التحريض.
الرابع: دعوتهم للإعتبار والإتعاظ وادراك ان   يعلم ما يفعلون.
الخامس: الإنذار من محاولة الكيد والمكر بالمسلمين، لأن   يطلع المسلمين على فعلهم وكيدهم، فما ان دعوا قومهم الى اظهار الإيمان في اول النهار والكفر آخره حتى نزلت الآية بفضحهم، أي ان قومهم واصحابهم لم يبادروا الى فعل ما طلبوا منهم، وهذا من الرحمة باهل الكتاب مثلما هو رحمة بالمسلمين، فلو قام اصحابهم بالإيمان اول النهار والكفر آخره لتحمل أفراد تلك الطائفة اوزار فعلهم من غير ان ينقص من آثام صاحب المكر السيء شيئاً.
السادس: الحيلولة دون اقدام تلك الطائفة من اهل الكتاب على مكر آخر وحيلة جديدة، وكذا بالنسبة لأهل الكتاب عموماًُ فحينما يرون ان اصحابهم قد افتضحوا ورجع كيدهم الى نحورهم فانهم يجتنبون القيام بحيل مشابهة او مباينة لها في الكيفية ومتفقة معها في الغاية والغرض.
السابع: تدعو الآية اهل الكتاب الى الحذر من تلك الطائفة لأنها جاءت بما سبب الفضح والذم.
الثامن: في الآية حث على التخلص من استحواذ النفس الشهوية والغضبية.
الجهة الخامسة: الآية فضل منه تعالى على الناس جميعاً من وجوه:
الأول: فيها دعوة لكل مكلف لدخول الإسلام لما فيها من الإعجاز.
الثاني: تبين الآية نصرته تعالى للمسلمين، وما دام  ناصر المسلمين فلابد ان يظهروا على عدوهم.
الثالث: تبعث الآية الشوق في النفس لمعرفة علوم الغيب التي تأتي بوجوه:
اولاً: الآيات القرآنية.
ثانياً: الدخول في الإسلام والتفقه في الدين.
ثالثاً: الإرتقاء في منازل المعرفة الإلهية بالإطلاع على علوم القرآن والوحي والسنة النبوية.
الرابع: في الآية اخبار عن الظلم الواقع على المسلمين، والأذى الذي يلاقونه من الآخرين عدواناً وبغير حق.
الخامس: من الفطرة نفرة النفس الإنسانية من القبيح والفعل المذموم، والمكر السيء امر مكروه ومخالف لإدراك العقل والسجايا الإنسانية السليمة.
السادس: كان المشركون يظنون ان اهل الكتاب هم أعلم بالنبوات واخبارها، فيأتون لهم لمعرفة صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت هذه الآية لتبين مكرهم وانهم يصرون على عدم تصديق الذي لا يتبع دينهم وان الفضل والهدى بيده تعالى.
السابع: من اعجاز هذه الآية انها تسقط بعض الحواجز التي وضعت بين الدعوة الإسلامية وعموم الناس، لقد أرادوا صد أصحابهم عن الإسلام بما يظهر للناس خلاف الواقع، ليحاكوهم ويتبعوهم في الصدود عن الإسلام بالإعراض عن الآيات، فجاءت هذه الآية لتكشف زيف ادعائهم، وتحث الناس على عدم الإعراض عن الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد أمر   النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بان يحتج بقاعدة كلية من الإرادة التكوينية وهي ان الهدى هو الذي يتفضل به  سبحانه، ويتجلى هذا المائز بان اهل الكتاب يصرون على التصديق بمن يتبع ملتهم.
اما هذه الآية فقد جاءت للإحتجاج بدعوة الناس للتدبر وتحثهم على دخول الإسلام بالإختيار وترجيح جانب العقل، وتشير الى النسخ في الشرائع وان التوراة والإنجيل يتبعان في زمانهما، وان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هدى ورحمة منه تعالى.
قوله تعالى [أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ]
من اعجاز القرآن اجتماع البيان وامكان تعدد المعنى من غير تعارض بينهما وكذا بين المعاني المتعددة ذاتها مع التباين بينها، وفي الآية وجوه واقوال:
الأول: هذا الشطر من الآية تتمة لكلام الطائفة من اهل الكتاب مع وجود تقديم وتأخير، والتقدير: “ولا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم ان يؤتى احد مثل ما اوتيتم او يحاجوكم عند ربكم، قل ان الهدى هدى الله” أي انهم طلبوا من أصحابهم ان لا يعلنوا تصديقهم بحقيقة وهي امكان نزول الكتاب على المسلمين من عند ، لما في هذا الإعلان والإقرار من قوة للمسلمين وتثبيت للإسلام.
ولا دليل عليه خصوصاً وان الظاهر يفيد معنى آخر من غير ان تصل النوبة الى الإضمار والتقديم والتأخير، ويمكن ان نؤسس قاعدة وهي اذا أفاد الظاهر والسياق معنى ودلالة، فلا تصل النوبة الى معنى آخر مضمر ويحتاج الى تقديم وتأخير، لقاعدة نفي الحرج ولأن القرآن نزل بصيغ البيان والوضوح.
الثاني: المعنى “قل ان الهدى هدى ” كراهة “ان يؤتى احد مثل ما اوتيتم” أي مما خالف دين ، “ان  لا يهدي من هو كاذب كفار”فهدى  بعيد عن غير المؤمنين، عن ابي العباس المبرد( ).
ولكن هذا خلاف الأصل ولغة القرآن، فالإتيان في القرآن ينصرف الى الأمر الحسن والى التنزيل والنعم الإلهية وليس الجحود والتشابه في مخالفة الشرائع السماوية، وقد وردت الآيات باتيان الكتاب لهم قال تعالى [وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ] ( ).
الثالث: الآية تفسير لمعنى الهدى، بان يتفضل  سبحانه ويؤتي ملة غيركم مثل الذي آتاكم، قال الطبرسي: ” فالمؤتى هو الشرع، وما يحاج به العقل، وتقدير الكلام “ان هدى  ما شرع، او ما عهد به في العقل” ولكنه بعيد لعدم وجود دليل على جعل امر آخر بعرض واحد مع الشرع والذي سماه ما عهد به في العقل ، انما الإحتجاج في المقام فرع اتيان الكتاب والعلم والشرع.
الرابع: الآية كلها خطاب من عند   للمسلمين، وفيها دعوة لأن لا يؤمن المسلمون الا لمن آمن بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتبع دين الإسلام، وان لا يصدقوا بان يؤتى احد مثل ما آتاهم  من الدين، فلا نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى يوم القيامة، وان الإسلام هو دين الفطرة والناسخ للأديان الأخرى.
لقد جاءت الآية للإحتجاج على اهل الكتاب وهذا الشطر جزء من الأمر الإلهي بالإحتجاج على اهل الكتاب وهو من اعجاز القرآن ان تأتي الآية بكشف كيدهم ثم تتعقبه بالإحتجاج عليهم ، وبيًن الضلالة والخطأ في هذا الكيد، وهو من اللفظ الإلهي من وجوه:
الأول: تخليص تلك الطائفة من اهل الكتاب من العناد واللجاج والإصرار على المكر.
الثاني: عدم تلبسهم من جديد بما يؤذي المسلمين.
الثالث: دعوتهم للإقرار بالرسالة، والإعتراف بصحة نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: في الآية دعوة لأهل الكتاب لدخول الإسلام والإقرار بان   واسع كريم يؤتي النبوة من يشاء ويرزق المسلمين النصر والعز من فضله تعالى.
الخامس: الآية بشارة اتيان المسلمين العلم والإرتقاء في المعرفة الإلهية.
وتبين الآية سعة فضله تعالى وان التنزيل والنعم الإلهية لا تنحصر بملة او أمة دون غيرها، لقد ظن المسلمون ان شريعة موسى لا تنسخ وان الأفضلية لهم، فجاءت هذه الآية لتبين ان الأفضلية بيده تعالى وان النعم لا تنحصر بأمة دون غيرها، ومن صفات اهل الإيمان ان يعترفوا بان نعمة التنزيل بيده تعالى وانه سبحانه يختار من يشاء لمرتبة الرسالة وانها لم اولي العزم فكذا تفضل سبحانه يبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشريعة الإسلام لهداية الناس الى سبل الهداية.
ترى ما هو الشيء او الأمر الذي يؤتى، فيه وجوه:
الأول: نزول الكتب والآيات من عند ، فكما نزلت التوراة والإنجيل فان   يتفضل بانزال الكتاب على من يشاء من عباده، وفيه اشارة الى وجود نبي ينزل عليه الكتاب، لأن التوراة والإنجيل نزلا على موسى وعيسى عليهما السلام وان وردت بعض الآيات بالإشارة الى وصف اليهود والنصارى بانهم اوتوا الكتاب، فاذا اراد  ان ينزل الكتاب فلابد بان ينزل على رسول ، وهذا الرسول لا يكون تابعاً لدين اليهودية او النصرانية، ولا عاملاً بأحكام الشريعة التي جاء بها موسى او عيسى عليهما السلام ، بل يأتي بشريعة جديدة يصدق معها على اصحابه واتباعه انهم اوتوا مثل الذي اوتي اليهود والنصارى.
الثاني: الحكمة والعلم، قال تعالى [ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ] ( )، فما أتى   اهل الكتاب من العلم فان   يؤتيه غيرهم ايضاً، لينتفعوا منه، ويجعلوه مادة للعبادة وطريقاً للهدى واتباع الأنبياء وفي الآية تذكير لأهل الكتاب بوظائفهم، وهي مركبة من قسمين:
الأول: جعل العلم سلاحاً للتمييز، والتدبر في الآيات ومعرفة التنزيل.
الثاني: تصديق العلم لإتحاد موضوعه واحكامه ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا ]( ).
الثالث: المثلية الواردة في الآية تتعلق بالموضوع وليس بالكم والدرجة، فالمراد وحدة موضوع التنزيل، ولابد ان يكون التنزيل اللاحق جامعاً للتنزيل السابق، لقد نفى اليهود الرسالة والتنزيل بعد موسى وقالوا بعدم نسخ شريعة موسى، فجاءت هذه الآية لتبين عظيم فضله تعالى، وانه سبحانه يؤتي المسلمين مثلما أتى اليهود والنصارى من التنزيل فعليهم ان يقروا بفضله تعالى.
لقد دخل المسلمون عالم الملل السماوية، وأصبحوا اهل تنزيل وأنهم بعين  آتاهم مثل ما آتى أهل الكتاب، ومع التنزيل تفضل سبحانه فدافع عنهم وبينما جاءت صيغة الخطاب والمشبه به، بلغة الجمع (ما اوتيتم) فان ذكر المشبه جاء بلغة المفرد، “يؤتى أحد” وفيه اكرام اضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، واشارة الى الفضل الإلهي بنزول القرآن وسلطان دولة المسلمين.
وهل يمكن انصراف “أحد” الى شخص معين، الجواب نعم فالمراد هو الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد آتاه   النبوة وأنزل عليه القرآن وهو جامع لما في التوراة والإنجيل وما في أيدي اليهود والنصارى من العلوم والبشارات والإنذار.
وهذا التباين في صيغة الأفراد والجمع يبين جانباً من اسرار ورود لفظ طائفة من اهل الكتاب في الآية، ولم تقل بانهم طائفة من اليهود او النصارى، وان كان هذا الإطلاق يحمل على ظاهره ويمكن ان يكون افراد تلك الطائفة من اليهود والنصارى، والآية حجة على اهل الكتاب لما فيها من الدلالة بان كل ما عندهم هو عند الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتبين الآيات التالية لزوم الإقرار برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكيف انه يدعو الى   وان الإسلام هو دين الفطرة.
ويفيد لفظ (أحد) في الآية معنيين:
الأول: ارادة المفرد وهو الظاهر.
الثاني: المراد معنى المتعدد والجمع بقرينة التشبيه باتيان اهل الكتاب، وصيغة الجمع في قوله تعالى (او يحاجوكم).
ولا تعارض بين الأمرين، وهذا من اعجاز القرآن بأن يجتمع المفهوم المتعدد في لفظ واحد، ويمكن معرفة مصداقه في الواقع العملي بان الأصل هو اتيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النبوة والكتاب والحكمة، وترشحت هذه النعم على المسلمين وأنتفعوا منها وأخذوا ينهلون منها لما فيه نفعهم في الدنيا والآخرة.
وجاء لفظ (يؤتى احد) بصيغة المضارع بالإضافة الى دلالة (ان) على الإستقبال، وورد (ما اوتيتم) بصيغة الماضي، مما يدل على توالي التنزيل والنعم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وانقضاء زمان نزول الآيات على اليهود والنصارى فلا يبعث نبي يتبع ديانتهم وفيه اشارة الى ان النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم النبيين.
وفيه دعوة لأهل الكتاب بعدم التعجل ومحاربة الآيات واعلان الكفر بها في آخر النهار، فانها تترى وتتوالى، بما لا يمكن لهم اخفاؤها مثلما عجز فرعون عن اخفاء الآيات التي جاء بها موسى، وعجز الذين كفروا عن ستر وحجب معجزات عيسى  عن الظهور للناس،و وصف هذا الإتيان بانه من هدى   دعوة لأهل الكتاب لقبول التنزيل والتسليم بما جاء به الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإقرار بانه نعمة وهدى وصلاح للناس جميعاً،
وتبين الآية العناية القرآنية الخاصة باهل الكتاب والإتيان بالبرهان الذي يدل على صدق التنزيل، وفيه اشارة الى اكرامهم وان انتماءهم الى الكتاب السماوي سبب في جذبهم بلطف الى الإسلام، وحثهم على عدم المكر بالمسلمين، فلم تأمر الآية برد المكر بمثله او بالإنتقام منهم وتشريع عقوبة جنائية لمن يتظاهر بالإيمان ثم يعلن الكفر لصد الناس عن الإسلام، بل جاءت بصيغة النصح والموعظة واقامة الحجة، وهو دليل على ان الإسلام لم ينتشر بالسيف، بل بالآيات والمعجزات والبراهين.
لقد اكدت الآية بطلان قول اليهود بان التوراة لا تنسخ، واخبرت بان باب الهداية مفتوح، وان اللطف الإلهي يتغشى الناس بتقريبهم الى سبل الإيمان واعانتهم عليه.
وبينما ارادت طائفة من أهل الكتاب صدهم عن التدبر بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأسرار التنزيل جاءت هذه الآية خطاباً لأهل الكتاب كافة من اليهود والنصارى لإعانتهم بنسخ قول تلك الطائفة، فمن هدى  انه سبحانه لم يخل بين تلك الطائفة وعموم اهل الكتاب فجاءت الآية بهدايتهم الى الإيمان، وبيان عظيم فضله تعالى وتوالي الآيات والنسخ في الشرائع، او لا أقل المثلية والتشابه في التنزيل، وهذه المثلية دعوة لعدم الصدود عن الإسلام، وتحذير من التكذيب بالتنزيل، ونهي عن التناقض في الموضوع الواحد، فما اوتيتم من التوراة والإنجيل اعلنتم الإيمان والتصديق به، واذا نزل مثله لماذا تقومون بتكذيبه مع المثلية في التنزيل ووحدة الموضوع.

قوله تعالى [أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ]
انتقلت الآية الى لغة الإنذار ومن اعجاز القرآن ان يكون الإنذار فرع الموعظة، فبعد حصر الهدى بهدى   وليس أقوال اهل الأهواء، وان   تفضل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن والآيات الباهرات، جاءت هذه الآية لتذكير اهل الكتاب بالآخرة ولزوم اختيار ما يؤدي الى سلامتهم فيها وعدم التعرض للحرج واقامة الحجة عليهم.
وتظهر الآية ان قول تلك الطائفة من أهل الكتاب ليس مجرداً بل يتضمن الإصرار والعناد وايجاد اسباب الإقناع والجدال، فهم حينما يأمرون قومهم بعدم الإنقياد الا لمن تبع دينهم، يستندون الى حجة واهية وهي عدم حصول النسخ بالشرائع، وانهم يحاجون من يخالف دينهم يوم القيامة عند ، فجاءت الآية للإخبار بان المسلمين هم الذين يحتجون عليهم لأنهم أتبعوا آيات النبوة والتنزيل، فكما أخبر قوله تعالى [إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ] عن مضامين الرشاد والهداية في الدنيا، فان هذا الشطر من الآية أخبر عن موضوع الإحتجاج يوم القيامة.
وفيه ابطال لما يدعونه من اهليتهم للإحتجاج يوم القيامة، وهذا البيان من اللطف الإلهي المتعدد بخصوص المتعلق من وجوه:
الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان أمته مؤهلة للإحتجاج يوم القيامة بالآيات التي نزلت عليه.
الثاني: البشارة للمسلمين بالغلبة يوم القيامة بالإحتجاج واستحضار الدليل، ومن يكون غالباً يوم القيامة لابد وان ينال المنزلة الرفيعة.
الثالث: في الآية اخبار للناس جميعاً بحصول الإحتجاج يوم القيامة ولم تقل الآية “يجادلوكم” لأن الجدال اعم ويتقوم بطرفين أحدهما يجادل الآخر، بل جاءت الآية للإخبار بان الإحتجاج من طرف واحد، مما يدل على ثبوت الحجة وظهور الدليل وفيه شاهد على التباين بين عالم الدنيا والآخرة، فالإنسان يستطيع في الدنيا المغالطة واثارة الشبهات ومحاولة ايهام الخصم وافحامه ولو بغير الحق، اما في الآخرة فالأمر مختلف اذ تنكشف الحقائق وينعدم اللبس وتزول الجهالة والغرر، وتتجلى لغة الدليل والبرهان فيحتج المسلمون على غيرهم وتكون الغلبة والظفر لهم.
ولكن لماذا جاء حرف الترديد (أو) فالآية لم تقل “فيحاجوكم” باعتبار ان الإحتجاج فرع اتيان الآيات فيه وجوه:
الأول: بيان ان اتيان الآيات في الدنيا، اما الإحتجاج فانه في الآخرة.
الثاني: الإحتجاج أعم من ان ينحصر باتيان الآيات، فقد يحتج المسلمون وغيرهم على تلك الطائفة من أهل الكتاب بسبب تركهم لما جاء به موسى وعيسى عليهما السلام من البشارات بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: تحدِ وذم لهم لاصرارهم على التحريض على البقاء على دينهم واخبار بانه سيكون وبالاً عليهم.
الرابع: قيام اصحابهم بالإحتجاج عليهم يوم القيامة، أي ان جماعة اهل الكتاب سيحتجون على تلك الطائفة لأنها سعت في صدهم عن التدبر بآيات التنزيل ودخول الإسلام.
الخامس: ان   يهدي الناس للإيمان ويحببه الى نفوسهم ولكن طائفة أو جماعة تضع غشاوة على أبصارهم، فجاءت الآية للإخبار عن اقامة الحجة عليهم يوم القيامة.
السادس: يتعلق الإحتجاج بما تفعله تلك الطائفة، أي ان المسلمين وأهل الكتاب والناس جميعاً يحتجون عليهم لإختيارهم أغوائهم فأهل ألكتاب يضعون اللوم على تلك الطائفة ، لأنهم دعوهم الى النفاق ومحاربة الإسلام باعلان الإيمان أول النهار والكفر آخره ، وعدم الإيمان الا لمن يتبع دينهم،والمسلمون يشتكون من ايذائهم وصد الناس عنهم، والناس من غير المسلمين وأهل الكتاب يؤاخذونهم بحجب الحقائق عنهم واضلالهم.
فمثلاً يقول المشركون بانهم كانوا يظنون ان اهل الكتاب اعلم الناس بأسرار النبوة وحينما سألوهم عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدقوهم القول، مع ان هذا الإحتجاج لا ينفعهم لأن الوظيفة الشرعية لكل مكلف تقتضي الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الإنصات لأهل العناد والجحود والضلالة.
السابع: تعدد وجوه الإحتجاج منها:
الأول: ما يكون بسبب طرو التحريف والتبديل على التوراة والإنجيل.
الثاني: الكفر بآيات  مع العلم.
الثالث: لبس الحق بالباطل.
الرابع: اخفاء الحق، وعدم الإخبار عن البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت بها الكتب السابقة.
ان اظهار تلك البشارات مناسية كريمة لهداية الكثير من الناس سواء من أهل الكتاب ام من الكفار والمشركين.
ويسبب كتمان الآيات ضلالة قوم واضافة عناء وأذى للمسلمين لأن الضال يضر نفسه وغيره، ويبقى أثر الضلالة في ذريته الا ان يشاء .
ولا ينحصر موضوع الآية باللوم والإنذار والوعيد بل انها تدعو أهل الكتاب الى التدارك واجتناب كل ما يؤدي الى الإحتجاج عليهم يوم القيامة وحثهم على اجتناب ما يبعث على الشك والريب في التنزيل وأسرار النبوة.
وجاءت الآية بذكر الربوبية واضافة لفظ الرب للغة الخطاب “عند ربكم” وفيه مسائل:
الأولى: ان “عند” ظرف مكان، وهو اشارة الى يوم القيامة ومواطن الحساب الأخروي، وفيه أمور:
الأول: انه شاهد على اقرار اهل الحساب باليوم الآخر.
الثاني: تذكيرهم بيوم الحساب وانذارهم مما فيه.
الثالث: الوعيد بالعقاب الأخروي والتحذير منه.
الرابع: اجتناب ايذاء المسلمين لأنه باب للإثم وترتب العقاب.
الثانية: تذكير أهل الكتاب بمواثيق النبوة، وما فيها من ضرورة الإقرار بالعبودية لله تعالى.
الثالثة: بعث الخوف والفزع في قلوب أهل الكتاب من مقام الربوبية ولزوم الحرص على عدم الخروج عن أحكام العبودية والطاعة لله سبحانه.
الرابعة: الآية من مصاديق اللطف الإلهي، لما فيها من الدلالات بانه سبحانه لم ينس اهل الكتاب من رحمته، وانه ربهم ويرأف بهم، ومن الرأفة هذه الآية اذ جاءت بتحذيرهم من احتجاج المسلمين عليهم يوم القيامة، ولزوم اجتناب اسباب هذا الإحتجاج وما فيه من الحجة والبرهان عن تخلفهم عن نصرة الحق.
قانون الإحتجاج الأخروي
الإحتجاج والجدال مصاحب للإنسان في حياته، ويأتي للذب والدفاع عن المذهب الخاص، او لبيان صحة الإنتماء والولاء والرأي، اولإقناع الطرف الآخر بمذهبه وقوله، سواء كان النزاع كبروياً او صغروياً.
والإحتجاج في الدنيا قد يكون بالحق والبرهان، وقد يكون بالباطل واثارة الشبهات والمغالطة، وقد لا يوفق صاحب الحق لبيان حقه، وقد يقوم صاحب المغالطة بدحضه لإنعدام الحجة ، وافتقار المناظرة الى الدليل، وحتى في حال ظهور صاحب الحق فانه لا يعني الإنتهاء من الباطل والعمل به لغلبة النفس الشهوية والغضبية، والإحتجاج من عالم الأقوال والأعمال في الدنيا، اما الآخرة فهي حساب بلا عمل.
ومن الآيات ان ترى الإحتجاج ينبسط على عالم الدنيا والآخرة، فذات العمل يكون موجوداً في الدنيا والآخرة وبين الإحتجاجين عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء على وجوه:
اولاً: صدق اسم الإحتجاج على كل منهما.
ثانياً: اتحاد موضوع الإحتجاج فيما يخص المبادئ اما مادة الإفتراق فهي:
الأول : وجود جدل ومغالطة واثارة شبهات في الدنيا، وانحصار الإحتجاج في الآخرة بالحق.
الثاني : ترشح الإبتلاء والإختبار على الإحتجاج في الدنيا، وانتفاء موضوعه في الآخرة.
الثالث : اقامة الحجة في الآخرة، وعدم امكان رد الخصم.
الرابع : من خصائص الإبتلاء في الدنيا الإمتحان والحاجة الى السعي لتدبر الحق والصدق، اما في الآخرة فالحق بين وظاهر.
الخامس : الإحتجاج في الدنيا بعلم وبغير علم ، قال تعالى [فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ]( )، اما في الآخرة فلا يكون الإحتجاج الا مع العلم، ومن الآيات ان العلم يتجلى في الآخرة للطرفين الذي يحتج والذي يحتج عليه.
السادس : يجري الإحتجاج والجدل في الدنيا على نحو عام وخاص، اما في الآخرة فان الإحتجاج يكون أمام الأشهاد يسمعه الملائكة والناس.
السابع : قد يكون احتجاج الدنيا مطلوباً لذاته، اما في الآخرة فانه حجة ويطلب للحساب والثواب والعقاب، وانتزاع الحق، وبيان الظلم بالغواية والإضلال، نعم قد يحصل الإحتجاج بين طرفين، كما في أهل النار قال تعالى [ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ *قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ]( ).
وهل من صلة بين الإحتجاج في الدنيا، والإحتجاج في الآخرة الجواب نعم، لما فيه من أسباب الهداية والصلاح في الدنيا والذكرى والحجة في الآخرة، ولقد تفضل سبحانه وذكر في القرآن ما يجري في الآخرة من الإحتجاج ليكون عبرة ودرساً وموعظة، وفي ذكره عون للمسلمين، واخبار بحصول الغلبة لهم يوم القيامة في مواطن الإحتجاج، ومن يصر على العناد في الدنيا تراه في الآخرة صاغراً نادماً.
لقد أتخذت طوائف من أهل الكتاب الإحتجاج والجدل وسيلة لمعاداة الإسلام والتشكيك بالمعجزات، فجاءت هذه الآية لتنذرهم بالإحتجاج في الآخرة وتدعوهم الى ترك الجدل.

قوله تعالى [قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ]
تكررلفظ (قل) في الآية ، وجاء في نظم الكلام وفيه مسائل:
الأولى: التوكيد بان هذا الشطر امر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله.
الثانية: دعوة المسلمين الى الإحتجاج بفضله تعالى.
الثالثة: تعليم المسلمين كيفية الإحتجاج واقامة البرهان باللجوء الى بيان قدرته تعالى وعظيم هباته.
الرابعة: الفصل والإستقلال لموضوع هذا الشطر من الآية وبيان اهميته في الإحتجاج والإعتبار.
الخامسة: بلوغ مرتبة اليقين عند النبي والمسلمين.
السادسة: التطلع الى رحمته تعالى في استمرار النعم.
السابعة: الشكر له تعالى على نعمة الإيمان والهداية.
الثامنة: الإسلام فضل منه تعالى، ورحمة لأهل الأرض.
التاسعة: ليس من برزخ دون الإيمان ودخول الإسلام لأنه فضل ورحمة الهية.
العاشرة: في الآية اخبار عن زيادة النعم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين واظهار الإسلام وقوته ومنعته وتوالي الآيات.
الحادية عشرة: منع اللبس الذي تحاول تلك الطائفة من أهل الكتاب بثه بين المسلمين.
وقيل في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير: ولا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم ان يؤتى احد مثل ما اوتيتم او يحاجوكم عند ربكم، قل ان الهدى هدى ، وان الفضل بيد ”( ).
أي ان اهل الكتاب اقروا بان  يؤتي المسلمين مثل ما آتاهم من التنزيل والنبوة وهو امر مذكور في كتبهم ومنه البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن تلك الطائفة من اهل الكتاب دعت الى عدم اظهار هذا الإقرار واخبار المسلمين به لئلا يزداد دخول الناس في الإسلام ويترسخ الإيمان في قلوب المسلمين.
ولكن هذا المعنى لا يستلزم التقديم والتأخير الذي يحتاج الى قرينة والأصل عدمه أي عدم حصول التقديم والتأخير، وظاهر الآية وتكرار لفظ (قل) يفيد الإعجاز والدعوة للتدبر والنظر في مبادئ الشريعة الإسلامية وما فيها من الشواهد التي تدل على التكامل والعناية الإلهية والرحمة بانزال القرآن هدى للناس جميعاً.
وفي فضل  الوارد في الآية أقوال هي:
الأول: النبوة، وبعثة الرسول.
الثاني: الحجج التي نالها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن معه.
الثالث: نعم الدين والدنيا( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق فضله تعالى ولقد جاء هذا الشطر من الآية بصيغة الإطلاق مما يعني انه أعم من المصاديق أعلاه، ولكن هل يكفي موضوع الآية قرينة على تقييد معناه الجواب لا، من وجوه:
الأول: موضوع الآية هو الفضل الإلهي، وهذا الموضوع ذاته لا يسمح بالتقييد والحصر.
الثاني: جاءت الآية بعد ذكر اتيان النعم والإعجاز منه تعالى، والأهلية على الإحتجاج المطلق غير المقيد مما يدل على سعة الفضل الإلهي في المقام.
الثالث: تدعو هذه الآية الى الإعتبار والإيمان، والإقرار بسعة فضله تعالى وعظيم هباته.
الرابع: من الإعجاز ان تتضمن الآية الترغيب بالإسلام، بالإشارة الى فضله تعالى على المسلمين.
الخامس: ليس من تقييد زماني او موضوعي لفضله تعالى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
السادس: من فضله تعالى الإسلام وهو من أعظم النعم وهو فضل عام وخاص، اما العام فان الناس جميعاً ينتفعون منه، واما الخاص فهو دخول الأفراد فيه فجاءت الآية لإخبار تلك الطائفة من اهل الكتاب وغيرهم بانه لا يمكنهم حجب ومنع الناس من نيل فضله بدخول الإسلام.
وتدل الآية على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: بما يظهره على لسانه من الإقرار بفضله تعالى.
الثاني: الإطمئنان لتوالي احسانه ونعمه عليه وعلى المسلمين.
الثالث: اعتراف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان النبوة فضل من عند .
الرابع: تطلع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الى زيادة الإحسان وتوالي النعم من عند .
الخامس: لغة التحدي في الآية فمن كان على الحق هو الذي ينال فضل ، وفي الآية اخبار عن فوز المسلمين بفضله تعالى.
السادس: الهدى والإيمان فضل واحسان من عند  ولا ينحصر موضوعه بمرتبة واحدة بل يشمل فضله تعالى الإرتقاء في منازل الإيمان وبلوغ درجة التقوى واليقين.
السابع: في الآية اخبار عن توالي الآيات وظهور المعجزات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانها لم تتوقف او تنتهِ، خصوصاً وانها وردت بصيغة المضارع كما في قوله تعالى [يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ].
الثامن: يمكن اعتبار هذه الآية تفسيراً لآية المباهلة واخباراً عن انتصار وغلبة المسلمين فيها في حال وقوعها وموافقة اهل الكتاب عليها وعدم اختيارهم الصلح ودفع الجزية، كما انها مقدمة لدخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المباهلة بسكينة وثقة بالظفر لأنه من فضله تعالى.
ان الناس جميعاً يعلمون ان الفضل والإحسان بيد  فلماذا ورد
هذا المضمون في خطاب لأهل الكتاب:
الأول: التذكير بهذه الحقيقة.
الثاني: الإنذار والوعيد.
الثالث: الحث على التوجه الى الدعاء لنيل النعم الإلهية.
الرابع: في الآية تفويض للأمور له سبحانه.
الخامس: عدم امكان حجب فضله تعالى.
وقد ورد قوله تعالى [ لِأَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ]( )، وفي الجمع بين هذه الآية والآية محل البحث تحذير للناس من الإنصات لتلك الطائفة من أهل الكتاب واخبارهم بانها لن تجلب لهم النفع وعليهم ان يتوجهوا الى التنزيل والنهل من النعم المتوالية التي جاء بها الإسلام وسؤال المزيد منها.
وقوله تعالى [بِيَدِ اللَّهِ] دلالة على ان القدرة المطلقة له سبحانه وانه صاحب الفضل العظيم الذي يهب العطايا الجزيلة، والله  منزه عن التشبيه، ولكن لفظ اليد جاء لبيان أمور:
الأول: ان النعم التي عند المسلمين هي من  .
الثاني: النبوة والكتاب فضل منه تعالى.
الثالث: الثناء عليه سبحانه.
الرابع: لزوم شكره تعالى على النعم لأن شكر المنعم واجب.
الخامس: منع الإنسان من الغرور والعتو.
السادس: الآية مقدمة للإخبار عن توالي النعم على المسلمين.
السابع: تمنع الآية من المن على المسلمين، فليس لأحد من فضل عليهم الا   فما عندهم من النعم احسان ولطف منه تعالى.
الثامن: الآية من مصاديق قوله تعالى [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، لأن النبي في المقام مؤدب لأهل الكتاب وغيرهم بان يدعوهم الى فضله واحسانه تعالى، ويجاهد ضد الجحود والعناد.
لقد تضمن هذا الشطر من الآية ثلاثة مسائل:
الأولى: الأمر الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بـ(قل) عون الهي له على الإحتجاج، وفيه دلالة بنصرته تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب الجدال واقامة البرهان، ولابد من وجود أثر لهذا الأمر والقول، فلابد ان النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يستجيب للأمر ويقول هذه الحقيقة التكوينية الثابتة وهذا القول يردده المسلمون كل يوم بأمرين:
الأول: تلاوة هذه الآية.
الثاني: العمل بمنطوق الآية.
الثانية: تفويض الأمر له تعالى والتطلع الى رحمته والزيادة والإحسان من النعم الإلهية.
الثالثة: الأهمية والموضوعية لنيل فضله تعالى.
الرابعة: حث أهل الكتاب على التوجه لسؤال الفضل الإلهي، ومن وجوه الفضل الإلهي دخول الإسلام ومنه الإصغاء للآيات والتدبر في المعجزات التي جاء بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأن بعثته فضل الهي متعدد الوجوه منها:
الأول: اوان البعثة النبوية على فترة من الرسل.
الثاني: نزول الوحي في مكة المكرمة وهي عنوان التوحيد بعد تفشي الشرك بين أهلها فالأصل ان يتعاهد أهل مكة مضامين التوحيد ويجتمعوا على نبذ الشرك والضلالة، وحينما ساد الشرك بينهم جاء الإصلاح لهم وللناس جميعاً من وسط شعاب مكة لينطلق نور الإيمان من جنبات البيت الحرام، ويملأ ربوع الأرض الى يوم القيامة وليكون مصداقاً وشاهداً على فضله تعالى.
الثالث: تفضله تعالى بشريعة متكاملة، معصومة من التحريف غير قابلة للنسخ والتغيير.
الرابع: التخفيف عن الناس ببقاء دين الإسلام الى يوم القيامة، ففي كل مرة يأتي رسول بشريعة جديدة تصر طائفة على البقاء على الشريعة السابقة وقد تتعدى على الرسول اللاحق كما في الإفتراء على عيسى وأمه عليهما السلام، فجاء الإسلام ليخفف عن الأجيال المتعاقبة، وهذا التخفيف من فضله ولطفه تعالى، وهو حجة على الناس لما فيه من قلة اللبس، وضعف وسائل التغرير.
الخامس: امهال الذين كفروا بالتنزيل وعدم مؤاخذتهم بالعقاب الشديد، ومع ان هذا الإمهال فضل الهي، فانه سبحانه أحسن اليهم مرة أخرى بصيغة الإحتجاج هذه، وتذكيرهم بان الفضل بيده تعالى.
وتبين الآية لزوم الجهاد العقائدي باللسان والقلم لبيان ان الإحسان وزيادة النعم بيد  ، وفيه دلالة على ان جهاد المسلمين لم يكن لتثبيت شرائع الإسلام وحده ، بل لتوكيد مضامين الربوبية في الأرض وحث الناس على الإرتقاء في مراتب المعرفة الإلهية، وجذبهم الى ميادين العبودية.
ومن فضله تعالى ان جعل فضله بيده وفيه رحمة اضافية للناس واخبار بدوام الحاجة اليه تعالى وان غيره من الخلائق لا يستطيع ان يمنح جزء يسيراً من فضله تعالى للناس، فلو اذن  تعالى لأحد او جماعة من أشرف الخلائق ان يمنحوا فضله للناس والخلائق فانهم لا يستطيعون ان يعطوا جزء يسيراً من عظيم فضله تعالى لذا فمن فضله تعالى ان جعل فضله بيده، فلم ينزل العذاب على أهل الكتاب لجحودهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل تفضل بالإحتجاج عليهم، وهذا الإحتجاج ترغيب بالإسلام وتخليص للنفوس من الكدورات الظلمانية ووجوه العناد والإصرار.

قوله تعالى [يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ]
تبين الآية كرمه تعالى وانه سبحانه لم يحبس الفضل عن الناس بل يهب العطايا وينزل النعم على من يشاء من عباده تعالى، وفيها دلالة على ان النعم تأتي رحمة منه تعالى وليس استحقاقاً من العباد او وجوباً عليه تعالى، فالنبوة لطف وفضل ، وفي الآية مسائل:
الأولى: قد أنعم   على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورزقه النبوة فليس لأهل الكتاب ان يتدخلوا في تعيين شخص النبي، او يشترطون لايمانهم وتصديقهم بنبوته ان يكون منهم وتابعاً لملتهم ودينهم كما ورد في قوله تعالى [ وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ]( ).
الثانية: المراد من فضل  في الآية أعم من النبوة فيشمل اتباع النبي والتصديق برسالته في توكيد قرآني لحقيقة عقائدية وهي ان الإنتماء للإسلام فضل ولطف منه تعالى.
الثالثة: جاءت الآية بصيغة المضارع مما يدل على اتصال فضله تعالى وتوالي النعم منه سبحانه وفيه ترغيب للمسلمين وغيرهم بسؤال فضله تعالى فالآية وان جاءت خطاباً توبيخياً لأهل الكتاب الا انها تدعو المسلمين كي ينهلوا من فضله تعالى الذي ينال بالدعاء والعمل الصالح وحسن الإمتثال لأوامره تعالى.
الرابعة: تتضمن الآية صيغة المفرد والجمع لورود لفظ (من) الذي يطلق على المتحد والمتعدد، فالإحسان والرحمة الإلهية تصيب المسلمين.
الفضل المتحد والمتعدد
الفضل لغة هو الزيادة ويأتي بمعنى الإحسان وزيادته، كما استعمل لإرادة نفع الغير من دون استحقاق، فيكون كالهبة التي لا مقابل لها او سبب ومقدمة من الموهوب له، والله  ذو الفضل العظيم، وفضله شاهد على عدم حاجته لغيره، فهولا يهب العطايا والإحسان عن حاجة منه للخلائق او لعبادتها بل ينعم عليها عامة وعلى الإنسان خاصة ليكون هذا الفضل عوناً له للنجاة في الدنيا والفوز في الآخرة والفضل الإلهي على مراتب ووجوه من جهة المتعلق وهي:
الأول: على الخلائق كافة، في ديمومة الحياة وتهيئة لوازمها وأسباب استدامة وجود الجنس بالتكاثر والتناسل والعناية الإلهية بالمنع من الإنقراض والإندثار.
الثاني: التباين في الهيئة والماهية بين الخلائق كل بحسب وظيفته وعمله.
الثالث: الفضل الإلهي الخاص بكل جنس ، فالملائكة مثلاً من أعظم وأشرف الخلائق ومسكنهم السماء، وهي أجسام نورانية.
الرابع: فضل  على الإنسان، اذ نفخ فيه من روحه وجعله خليفته في الأرض، وأرسل الأنبياء والرسل، وأنزل الكتب السماوية لهدايته، وفضله تعالى على الإنسان على أقسام:
الأول: على الناس كافة، من الرزق والصحة والأمن والخطابات التكليفية وستر العيوب ودفع الضرر بمشيئته.
الثاني: على المسلمين وأهل الكتاب باتباع الكتب السماوية المنزلة والإيمان بالنبوة مع التباين بين المسلمين وغيرهم، اذ ان المسلمين يؤمنون بالرسل على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، اما أهل الكتاب فكل فرقة تؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر.
الثالث: فضله تعالى على المسلمين ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً للنبيين وسيداً للمرسلين، وانزال القرآن كتاباً جامعاً لأحكام ألشريعة الناسخة والديانة الباقية الى يوم القيامة واصلاحهم لأداء الفرائض وهدايتهم للإعتصام بحبل  واجتناب الفرقة والشقاق.
الرابع: فضله تعالى على كل انسان بنعمة الخلق والعقل، والعافية والسلامة من الآفات ودفع الأجل الى حين أوانه، وغفران الذنوب وغيرها من النعم التي يعجز الإنسان عن عدها، قال تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( )، ترى ما هي النسبة بين النعمة والفضل فيه وجوه:
الأول: التساوي ، فكل نعمة هي فضل.
الثاني: العموم والخصوص المطلق وهو على شعبتين:
الأولى: كل نعمة هي فضل وليس العكس.
الثانية: كل فضل هو نعمة، وليس العكس.
الثالث: العموم والخصوص من وجه، أي بين النعمة والفضل مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق.
والأصح هو الأول أي ان كل نعمة هي فضل منه تعالى، نعم من النعم ما يأتي زيادة على المكتوب وما يفوق الأسباب وقوانين العلة والمعلول فيصدق عليه انه فضل من غير ان يفقد صفة النعمة.
الخامس: الفضل الإلهي على المسلم على نحو القضية الشخصية بالهداية الى الإيمان، وتسهيل أداء الواجبات والإعانة على الإيمان ووضع الحواجز دون الذنب والخطيئة ، ومن العصمة انتفاء المعصية ومن جهة الزمان وعالم الفضل فانه على ثلاثة أقسام:
الأول: الرحمة والفضل الإلهي في دار الحياة الدنيا، ويتغشى المتحد والمتعدد، والبر والفاجر، والمسلم والكتابي والمشرك وان كان على مراتب متباينة ، وقياس مقدار ونوع الفضل على ثلاث شعب:
الأولى: الفضل بالذات والأصل كالغنى والصحة.
الثانية: الفضل بالغاية والأثر، كما في الفضل والرحمة الإلهية التي تؤدي الى اجتناب الذنب والنجاة في الآخرة فيبتلى الإنسان بالمرض كي يمتنع عن الظلم والفساد في الأرض، او بالفقر والفاقة كي لا يوظف المال في الحرام أو يرزق الصحة والغنى على نحو الإتحاد أو التعدد فيسخرهما في طاعة  .
بحث بلاغي
من وجوه البديع (التكميل) ويسمى الإحتراس لما فيه من البيان والإيضاح ودفع الوهم ومنع اللبس ،كما في قوله تعالى [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] ( )، فلو اكتفى على لفظ الأشداء لظن غلبة صبغة الغلظة عليهم، ولكن جاء وصف الرحمة بينهم لبيان التعدد في المعاملة، وان الشدة ليس طبعاً وسجية ثابتة بل فعل جهادي وعمل عقائدي.
وفي هذه الآية ورد قوله تعالى [إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ] ولكن لم تقف الآية عند هذا الوصف بل جاءت ببيان اتيانه لمن يشاء   لتوكيد كرمه سبحانه وعظيم هباته على الناس وانه جعل الفضل بيده دون غيره ليمنحه لعبيده والخلائق عامة، تكون بيده سبحانه ليس للحبس والمنع بل للإعطاء،
لقد اراد  سبحانه لأهل الكتاب ان ينهلوا من فضله تعالى وان يكونوا من الذين يؤتيهم منه ببيان جهة وكيفية النيل منه،والتعريض بمن يحاول حجب فضله تعالى ، كالذي يبحث عن الماء ويوهم غيره بالإشارة الى جهة هو كان فيها وتأكد من انعدامه في ناحيتها ولكنها يخشى ان يجد الجميع الماء بالجهة الأخرى فينافسونه، فجاءت الآية لتدل على الجهة التي ينهل منها المسلمون ويقومون بدعوة غيرهم لمشاركتهم غير خوف من المنافسة ويتحملون الأذى من الغير مع قصد نفعه ونجاته، مما يدل على صدق نزول القرآن من عنده تعالى وان خزائن فضله ليس لها حدود.
وفعلاً فانت ترى الإنسان حالما ينطق بالشهادتين يكون له ما للمسلمين، ويظهر هذا في الغنائم والعطاء والمناصب، ولم يفكر كبار المسلمين بان هذا القانون بسبب قلة مواردهم بسبب مشاركة من يسلم حديثاً لهم فيما يرد الى بيت المال.
قانون الفضل
والفضل الإلهي على قسمين منه ما هو متواطئ على مرتبة ودرجة واحدة ، ومنه ما هو تشكيكي على مراتب ودرجات متباينة وان كان موضوعه واحد كما في حال الغنى والسعة، فترى حال الإنسان في تباين، ومن فضله تعالى ان تجد مراتب الفضل على العبد في ازدياد كماً وكيفاً.
والفضل الإلهي مقدمة للذكرى وعنوان للإعتبار، فكلما أحسن   للعبد ازداد التفاته للنعم الإلهية وكذا في باب الإبتلاء فانه سبب للإتعاظ والتوجه الى  بالدعاء والمسألة كما انه باب للمغفرة ومحو الذنوب.
ومن فضله تعالى عدم وجود حد له من طرف الكثرة والشمول ولا يقف عند درجة مخصوصة بل ان ابوابه مفتوحة متصلة وفي زيادة من غير ان تنقص خزائنه شيئاً.
وبينما قال جماعة من علماء الكلام خصوصاً من المعتزلة بان اللطف واجب على ، جاءت هذه الآية لتنفي هذا الوجوب وتؤكد بان النبوة ليس استحقاقاً بل ان  هو الذي يختار النبي وزمانه ويهيء له الأعوان والأنصار، ويدعو الناس الى التصديق به وأتباعه، ان تعليق الفضل على المشيئة الإلهية رحمة اضافية للناس ومنع من الإصرار على الظن بان الهدى ملازم لفرقة من أهل الكتاب لا يفارقها بل على كل انسان ان يتبع الآيات والمعجزات وأحكام النبوة.
وتبين الآية عدم انقطاع فضله تعالى وان الأمر لا ينحصر بالبعثة النبوية وزمانها بل هو متصل ودائم، كما ان لفظ من الوارد في قوله تعالى (من يشاء) يشمل الشخص والجماعة والأمة، وفيه تأديب للمسلمين ايضاً بان يتوقعوا ان يصيب فضله تعالى غيرهم من الناس سواء بهدايتهم للإسلام أو إمهالهم وتلقيهم الرزق والسعة.
ومن الإعجاز ان التعليق على المشيئة ينحصر هنا بالإتيان ، وليس بذات الفضل والزيادة والإحسان في اشارة الى ان فضله تعالى متصل ودائم خصوصاً مع قرينة صيغة المضارع في الآية، لذا لابد من وجود امة مؤمنة ينزل عليها فضله تعالى وأخرى تنتقل الى منازل الإيمان وأمة تتوارثه على نحو الدوام، ولما جاء الإٍسلام بادروا الى التصديق بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان بنبوته ووجود مثل هذه الأمة فضل منه تعالى على الناس والخلائق.

قوله تعالى [وَاللَّهُ وَاسِعٌ]
خاتمة الآية لطف الهي وتوكيد لفضله سبحانه وشموله للناس جميعاً، وعدم حصره على طائفة مخصوصة في رد على أهل الكتاب الذين يدعون حصره بهم على نحو الخصوص ، كما في قوله تعالى [وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى] ( ).
لقد وسعت رحمة  الناس جميعاً، ومنها ان جاءت الدعوة الى الإسلام عامة وتشمل كل انسان ، فمن خصائص الشريعة الناسخة انها ليست حكراً على أمة مخصوصة دون غيرها، بل هي خطاب تكليفي لجميع الناس، ولا يقف الفضل الإلهي بعموم الخطاب بل ان  يحث الناس على الإسلام كل بحسبه، فلذا جاء الإحتجاج على أهل الكتاب باعتباره دعوة لهم لدخول الإسلام واعانة على التخلص من اسباب العناد والجحود، وهذا الخطاب ينفع المسلمين وغيرهم ايضاً، اذ انه يثبت المسلمين على الإيمان، وهو حجة على غير أهل الكتاب من باب الأولوية القطعية.
لقد جاءت صفة (واسع) لله تعالى في هذه الآية لتؤكد اتصال الفضل الإلهي ودوام النعم على المسلمين.
مدرسة اعجازية جديدة
ليس من حد لإعجاز القرآن ومن وجوه اعجازه المستحدثة التي نؤسسها في هذا الكتاب هي الجمع بين مضامين متعددة في الآية الواحدة او آيات متعاقبة او متفرقة لينتج عنه دلالات عقائدية وبراهين قاطعة تبهر العقول وتفتح آفاقاً من العلم، وجاءت بعض معالم هذه المدرسة في مفاهيم الآية في أجزاء هذا الكتاب، وبخصوص هذه الآية يمكن ان نستقرأ مسائل وأحكاماً متعددة من الجمع بين أمور ستة في منطوقها وهي:
الأول: صفة (الواسع) لله تعالى.
الثاني: اقترانها بصفة العليم.
الثالث: وجود واتصال ودوام الفضل والإحسان الإلهي.
الرابع: حصر الفضل بيده سبحانه دون غيره.
الخامس: تعليق فضله على المشيئة الإلهية.
السادس: صيغة المضارع لإتيان فضله تعالى.
ومن المسائل التي تستقرأ من هذا الجمع هي:
الأولى: البشارة باتساع الإسلام، وكثرة أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانصاره واتباعه وليس من نبي له من الأصحاب مثل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممن تابعه على الهدى والإيمان والتصديق به.
الثانية: ان   عليم بمن ينال فضله تعالى ويستجيب للدعوة الإسلامية.
الثالثة: ليس من حد لفضله تعالى، وهو لا ينحصر بزمان دون آخر، وفيه ابطال للقول بعدم مجيء شريعة ناسخة لشريعة موسى .
الرابعة: لوم النفس على التخلف عن نيل فضله تعالى.
الخامسة: تجدد انفتاح ابواب الفضل الإلهي، لذا تفضل سبحانه بتشريع التوبة، ومن وجوه هذا التجديد قاعدة “الإسلام يجب ما قبله” فليس لأحد البقاء على ملته وتردده في دخول الإسلام بسب معاداته له ومحاربته للمسلمين وقيامه بايذائهم، وكم من قطب من أقطاب الكفر والضلالة دخل الإسلام فقابله المسلمون بالقبول والحسن والتكبير والتهليل وتولى قيادة الجيوش والسرايا.
السادسة: مع سعة وكثرة الفضل الإلهي فانه يأتي عن علم منه تعالى بمن يناله وأسباب ونتائج وآثار حصوله على الزيادة بالإحسان الإلهي، وان توالي فضله تعالى يأتي لمصلحة الخلق وتثبيت دعائم التوحيد، ان تخلص أي طائفة من الظن بأفضليتهم على غيرهم، يزيل عن ابصارهم غشاوة ويجعلهم يسلمون بفضله تعالى على غيرهم ، ويسعون في سبل الإنتفاع من هذا الفضل، وهذا الأمر عنوان لإرتقاء الأمم والأفراد ليس في باب العقائد وحده بل في أمور الصناعات والزراعات والتجارات، فالذي يدرك حقيقة نزول فضله تعالى على من يشاء من عباده، يجتهد في الإنتفاع من هذا الفضل وأسبابه ونتائجه.
السابعة: في الآية حث على معرفة مواطن رضاه تعالى، والفوز بفضله تعالى فتعليق نيل الفضل على المشيئة اشارة وحث على حسن الإمتثال للأوامر الإلهية واجتناب المعاصي.
ويمكن استقراء منافع أخرى بلحاظ جمع عدد معين من الأمور الستة التي وردت في هذه الآية منها مثلاً
الأول: اجتماع صفة الواسع مع العليم، للإخبار بان السعة في فضله لا تتم الا مع علمه تعالى.
الثاني: ان كل فرد منها مدرسة اعجازية بالإضافة الى مفاهيم الإحتجاج كسبب وموضوع لنزول الآية.

قوله تعالى [عَلِيمٌ]
هذا ثناء آخر عليه تعالى، لتكون خاتمة الآية ثناء مركباً متعدداً عليه تعالى، ولم ينحصر الثناء في الآية بخاتمتها، بل جاء في وجوه متعددة منها:
الأول: علمه تعالى بالغيب.
الثاني: تفضله بتوكيد نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وامانته بامره تعالى له بـ(قل) وما في القول من المضامين العقائدية.
الثالث: ان لله  فضلاً ونافلة من الإحسان على الناس، وأمم وأفراد منهم.
الرابع: عدم قدرة غير   على الفضل، لأن الإلف واللام في الفضل ليس للعهد بل هي للجنس، وما يرد من احسان بين البشر لا يتم الا بمشيئته قال تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] ( ).
الخامس: دلالة تعلق الفضل بالمشيئة الإلهية على علمه تعالى باحوال وافعال الناس والأمم.
السادس: يمن  على الناس بما يصلح امورهم ويخفف عنهم ويدفع عنهم وجوهاً من الأذى والبلاء.
وفي تفسير الآية (قيل يعلم حيث يجعل رسالته) ( ).
وموضوع الآية أعم وهو من مصاديق فضله تعالى التي تشمل معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في اختياره للنبوة وتوالي نزول الآيات عليه وظهور المعجزات على يديه ونصرته واعانته وتأييده بجنود من الملائكة والناس ، كما تخص المسلمين جميعاً في هدايتهم وعزتهم وغلبتهم على أعدائهم، وتشمل الناس جميعاً في أرزاقهم وتقريبهم الى الإيمان بقواعد اللطف الإلهي،
وفي الآية زجر لأهل الكتاب ومن يصر على العناد والجدال بان  يعلم اصرارهم وايذائهم للنبي، وفيها نوع ملازمة بين حجب الفضل والقيام بالجدال والمغالطة واثارة الشبهات، فهو سبحانه يعلم بالتحريض على الجحود وعدم الإيمان بالتنزيل، فلا يأتي فضله الا من يشاء وفيها تحذير من حرمان النفس والجماعة من الفضل الإلهي وترغيب باجتناب ما يحجب هذا الفضل الذي ليس له حد، كما ان نيل الأمة والفرد الفضل الإلهي لا ينقص منه ،ولايمنع من نيل الآخرين مثله او أفضل منه، فخزائنه غير محدودة في الكم والكيف والعدد.
وتمنع الآية من الخوف من أهل الكتاب وغيرهم في الأرزاق والشأن والرفعة وفيها اشارة الى لزوم عدم الخشية من أحد او المهادنة مخافة فقدان بعض المصالح او فوات المنافع، كما انها تبعث السكينة في نفوس المسلمين وتجعلهم يتوجهون الى اعمالهم العبادية والجهادية مع التوكل عليه تعالى ورجاء رفده وفضله.
وبلحاظ الجمع بين اول الآية وآخرها فان الخاتمة انذار ووعيد لأهل الكتاب وتحذير من التحريض على النفاق والإمتناع عن الإيمان بالتنزيل والمعجزات التي تفضل   بها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين واهل الكتاب والناس جميعاً خصوصاً وانها امتداد وزيادة للفضل الإلهي على أهل الكتاب لما فيها من تثبيت نبوة موسى وعيسى عليهما السلام كما ان ختم النبوة بسيد المرسلين رحمة للمليين والناس كافة.
علم المناسبة
ورد قوله تعالى [وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] سبع مرات في القرآن بالجمع بين صفتي الجلال والكمال له سبحانه ، فورد قوله تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]( ) وفيه اشارة الى السعة في أحكام الشريعة، وان التخفيف عن المسلمين في التكاليف والأحكام من فضله تعالى، وفيه ترغيب لأهل الكتاب.
فقد ورد قوله تعالى في سورة البقرة [وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ] ( )، والجمع بين هذه الآية وقوله تعالى [إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ] ( )، وفيه دلالة على ان الله يضاعف الفضل والإحسان ويجزي بالثواب المضاعف على العمل الصالح، والفضل هنا مضاعف ومركب من ذات الثواب ومضاعفته فهو انحلالي ومتعدد.
وجاء هذا الشطر من الآية في مدح المؤمنين وذم المنافقين والإخبار عن مواظبة المؤمنين على الجهاد في سبيل ، وعدم خشيتهم من أحد قال تعالى [يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ]( ).
وفيه دلالة على ان العز والجهاد والتواضع للمؤمنين من فضل ، وانه سبحانه يرزق المسلمين قوة الشوكة والمنعة، كما ورد قوله تعالى [ وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ] ( ).
وفي الآية اخبار عن تفضله تعالى بالرزق الكريم والغنى على المسلمين في حال اقدامهم على النكاح لما فيه من كثرة عدد المسلمين وعزهم ونشر مبادئ الإسلام وتثبيت دعائم وأركان الشريعة.


قوله تعالى [يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] الآية 74
الإعراب واللغة
يختص برحمته: يختص فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير يعود لله تعالى، والجملة خبر ثالث، برحمته: جار ومجرور، والضمير مضاف اليه، من: اسم موصول في محل نصب مفعول به.
يشاء: فعل مضارع، والفاعل ضمير يعود لله تعالى، والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول.
(والله ذو الفضل العظيم ) الواو: عاطفة، : مبتدأ، ذو الفضل: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، الفضل: مضاف اليه، العظيم صفة للفضل.
في سياق الآيات
بعد مجيء الآيات من علم الغيب بالإخبار عما يحاك للمسلمين من المكر والدهاء في الخفاء، وتعليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين واقامة الحجة وتأسيس مدارس الإحتجاج في الإسلام لتكون نبراساً ومنعة فكرية وعقائدية في عالم المبادئ والإخبار بان الإحسان وزيادة الأنعام كله بيد  للمسلمين، جاءت هذه الآية تتمة للبشارات التي تضمنتها الآية السابقة وبيان للإرادة التكوينية وفيضه تعالى في اختصاص فرد او جماعة او أمة بفضله ولطفه سبحانه.

اعجاز الآية
تتضمن الآية البيان والتفصيل بخصوص فضله تعالى وكأنها تفسير وتوضيح لمفاهيم الآية السابقة، وفيه لطف ورحمة بأهل الكتاب والناس جميعاً لأنها تمنع من اللبس والترديد والشك، وفي الآية اخبار عن نزول رحمته تعالى وعدم حجبها عن النا س ولا ينالها الا من يشاء ، وهذا الإختصاص فضل اضافي منه تعالى، ودعوة للناس لأن يكونوا ممن ينالها أفراداً وجماعات.
ومن الإعجاز ان الإختصاص متعلق بالمشيئة الا ان هذا لا يمنع من اجتماع خصال معينة فيمن ينالها بلحاظ تتبع الآيات القرآنية وقصص القرآن والسنة النبوية وما فيها من الأحاديث والأدعية ،فمن إعجاز الآية البحث والتدبر والإستقراء في مفاهيم المعرفة الإلهية للفوز برحمته تعالى، وخاتمة الآية بشارة وسكينة وامل ومانع من الحسد او البغضاء بسبب نيل الغير للخيرات، وتبين الآية عظيم قدرته لأن الفضل مصداق القدرة والرحمة.
وجاءت الآية خالصة في المدح والثناء عليه تعالى، وبيان واسع رحمته وعظيم احسانه، فليس فيها ذم او توبيخ او احتجاج، وهذا من أسرار فصل الآيات واستقلال كل واحدة منها، وهو دعوة للتدبر في الآية والبحث في مضامينها كما انها تبعث السكينة في النفس وتحث على التطلع الى رحمته تعالى واصلاح النفس واجتناب المعاصي طلباً لمرضاته سبحانه.
الآية سلاح
في الآية تثبيت لقلوب المسلمين وعون لهم في مواجهة الإفتراء واثارة الشبهات وتكذيب الآيات، وهي ظهير لهم في الإحتجاج والذب عن الإسلام ومبادئ النبوة، وتفتح الآيات آفاق ألأمل امام المسلمين وتجعلهم يتطلعون دائماً الى المزيد من فضله واحسانه تعالى، ولا يصيبهم القنوط واليأس، مما يبعث الفزع في قلوب الذين كفروا ويدركون معه امتناع ارتداد المسلم، وهذا الإدراك رحمة للجميع فهو تخفيف عن المسلم، وزجر وموعظة للكتابي، وتخويف وتحذير للكافر.
مفهوم الآية
في الآية انذار وتخويف للكفار لإختيارهم الجحود بالآيات وهذا الجحود سبب في حرمان النفس من الفضل الإلهي.
لقد جاءت الآية قاعدة كلية وقانوناً ثابتاً يتغشى أهل الأرض وفيه مضامين الرحمة والرأفة الا ان منازلها لا تتم الا بالمشيئة الإلهية، وتجمع الآية بين أمور:
الأول: نزول الرحمة الإلهية.
الثاني: اختصاص فريق من الناس بها.
الثالث: من صفاته تعالى انه ذو الفضل والإحسان.
الرابع: ليس من حد من طرف الكثرة لفضله تعالى كما انه لا ينحصر بموضوع او جانب واحد من جوانب الحياة فجاء وصف العظيم لفضله تعالى للدلالة على اطلاقه وتعدده وكثرة وجوهه.
ومن مفاهيم الآية ترغيب المسلمين بالتكاليف وأداء العبادات باعتبار انها من رحمة ، فمن فضله تعالى ان اختار المسلمين لأدائها كشاهد على صدق العبودية وحسن الإمتثال للأوامر الإلهية، كما انه باب ومقدمة لنزول شآبيب الرحمة ونيل الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.
افاضات الآية
في كل آية عناوين لجذب العبد لطاعة ، وهذا سر من أسرار القرآن ، والجذب يكون في ذات ومضمون ومفهوم وأحكام الآية الكريمة، وجاءت هذه الآية لتتدلى منها معاني الرأفة وتخبر عن خزائن لا حدود لها من الفضل الإلهي المتجدد والمنبسط على الناس جميعاً.
وفي الآية دلالة بان القرآن واسطة للفيض الإلهي على جميع الخلائق، لما فيه من الإخبار الكريم والوعد العظيم والبشارة بنزول الرحمة.
التفسير
قوله تعالى [يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ]
تحتمل الآية في نظمها امرين:
الأول: انها متصلة مع الآية السابقة في موضوعها فتكون جزء من أمره تعالى الى النبي بمخاطبة اهل الكتاب والإحتجاج عليهم.
الثاني: الآية موضوع مستقل قائم بذاته، وقانون ثابت في الإرادة التكوينية جاءت مصداقاً لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيها حجة على الجاحدين بنبوته وتحذير من الندم لحرمان النفس من مضامين الفضل الإلهي.
ولا تعارض بين الأمرين، وهذا من اعجاز القرآن فهي موضوع مستقل بلحاظ الفصل بين الآيتين، وهل هما بعرض واحد ، الجواب ان الأمر الثاني هو الأصل.
فيحتج به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه المجاورة بين الآيتين اعانة للرسول الأكرم والمسلمين في الإحتجاج، بل هي بذاتها درس وموعظة واحتجاج، وزاجر لأعداء الإسلام عن مواصلة ايذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين فاذا علم غير المسلم بفوز النبي والمسلمين بالإختصاص برحمته تعالى، فانه يصاب باليأس والقنوط ويدرك ان كيده لا يؤدي الا الى أحد أمرين:
الأول: ذهابه هباء، فيبذل الجهد وينفق الأموال ويحرض الأتباع والأصدقاء لإعلان الصدود برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا يظهر اثر لهذه الأفعال إلا الخيبة والخسران.
الثاني: رجوع مكره وكيده على نفسه بما هو أعم من الحياة الدنيا، قال تعالى [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ]( ).
وهذا اليأس رحمة بالمسلمين بالذات ورحمة لصاحب المكر بالعرض لأنه سب للحد من الكيد الخبيث.
واختصاص شخص او جماعة برحمته تعالى يحتمل أمرين:
الأول: انحصار أسباب الرحمة به، وهو ظاهر معنى الإختصاص والإنفراد.
الثاني: ترشح هذه الرحمة على غير الذي أختص بها.
والأصح هو الثاني وهذا من فضله تعالى ، لذا أختتمت الآية بانه تعالى [وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]، فمن عظيم فضله تعالى ان الرحمة الخاصة بالأصالة تشمل العامة بالعرض والتبعية.
وجاءت الآية بصيغة المضارع لبيان استمرار نزول الرحمة وتوالي الإنعام والإحسان وفيه بشارة واخبار لأهل الكتاب بامكان التدارك والتوبة واللحاق بالمسلمين في اتباع الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه في نبوته كي يكونوا من أهل الإختصاص.
وهل تشمل الدعوة التي تتضمنها صيغة الآية الطائفة التي تحرض على النفاق وايذاء المسلمين وتدعو افرادها وغيرهم الى اظهار الإيمان في أول النهار والكفر في آخره، الجواب نعم، بل ان هذه الصيغة تحثهم على التدارك والإنابة والإعتبار .
وهل اللوم والتوبيخ الوارد في الآية السابقة من خصوص الرحمة الإلهية الوارد في هذه الآية، الجواب لا، ولكنه من الرحمة العامة ومن فضله تعالى.
قانون الإختصاص
من أسمائه تعالى الرحمن والرحيم وهو العاطف على الخلائق بالرحمة والرزق والإحسان، ورحمته تعالى سر دوام الحياة والسعادة في الأرض، ولا تنحصر بالرزق المادي بل تشمل الروحي واسباب الهداية والتوفيق، وهذه الآية من الشواهد عليه لأن اختصاص بعض الأفراد بالرحمة يحتمل أمرين:
الأول: التباين في الرتبة والدرجة كما لو كان المختص ينال الرزق والفضل بمراتب عالية ومقادير كثيرة وهبات عظيمة، اما غيره فلا ينال الا أدنى وأقل منها.
الثاني: انفراد المختص بوجوه وصيغ من الرحمة لم يصل الى غيره مها شيء، والأصح هو الثاني وهو المتبادر من معنى الإختصاص ودلالاته في الإنفراد، نعم من خصائص رحمته انتفاع العام من الخاص.
فالرحمة الإلهية كالمطر النازل من السماء وان أصاب ارض مخصوصة فانه يجري في الأرض والأودية والأنهار ليصل الى بقاع وأمصار لم ترَ المطر، وتزرع الأرض الممطورة فيأكل اهل الأرض القاحلة، او ينزح لها غيرهم للكسب ورعي الأنعام، وتزدهر التجارات والصناعات في المدن القريبة، فهذا المعنى الواقعي للإختصاص لطف منه تعالى بالخلائق، فالإختصاص مركب من أمرين:
الأول: موضوع نزول الرحمة الإلهية.
الثاني: الإنتفاع من هذه الرحمة.
فالمراد من الإختصاص هو الأول، على نحو الحصر، اما بالنسبة للأمر الثاني فان النفع يعم المختص وغيره وان كان المختص ينال نصيباً وافراً منه ويأتيه بالذات وعلى نحو التعيين، واما الغير فبالعرض والأسباب والترشح، والإنتفاع من الرحمة بلحاظ العوالم المتعددة يحتمل وجوهاً:
الأول: الإختصاص بالرحمة في الدنيا.
الثاني: نيلها في عالم البرزخ.
الثالث: الفوز بها في الآخرة.
الرابع: الإطلاق واحراز الإختصاص بالرحمة في الدنيا والآخرة، والأصح هوالرابع فيختص بالرحمة في الدنيا، فتتغشاه في النشأة الآخرة لأنه سبحانه اذا أعطى يعطي بالأوفى والأتم، كما ان الإختصاص بالرحمة في الدنيا مقدمة للنجاة والفوز بالنعيم الخالد.
لقد أراد   ان يكون قانون الإختصاص رحمة للناس جميعاً لما فيه من مضامين الهداية والصلاح الخاص والعام، وهو شاهد على عظيم قدرته تعالى وسعة رحمته، وجزيل هباته وان أبواب رحمته مفتوحة للناس، ترى ما هي النسبة بين الإصطفاء وقانون الإختصاص.
فيه وجوه:
الأول: التساوي، فكل اصطفاء هو اختصاص بالرحمة.
الثاني: العموم والخصوص من وجه أي بينهما مادة للإلتقاء ومادة للإفتراق.
الثالث: العموم والخصوص المطلق ، وهو على قسمين:
الأول: الإصطفاء من مصاديق وفروع قانون الإختصاص وأخص منه.
الثاني: الإختصاص اخص من الإصطفاء.
والأرجح هو القسم الأول من الوجه الثالث اعلاه فالإصطفاء هو من مصاديق قانون الإختصاص، ولكن ليس من تعارض او تنافِ بينهما، فقد يجتمعان في موضوع وشخص واحد، كما في اجتماعهما بالرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو من آل ابراهيم الذين اصطفاهم  ، وقد خصه  برحمته ليكون الإختصاص هنا امراً خاصاً مضافاً للإصطفاء، ولتأتي رسالته متكاملة جامعة ونافعة للناس جميعاً.
لقد أراد   رفع اللبس الذي عند أهل الكتاب ، وإخبار الخلائق بانه سبحانه هو الذي يختار النبي ، وهذا الإختيار من الإختصاص بالرحمة ولكن قانون الإختصاص لا يقف عند الإختيار للنبوة لعظيم فضله وسعة رحمة الله تعالى، بل يستمر مع النبي على نحو النصرة السماوية والمدد الملكوتي وكثرة الأعوان من المسلمين لذا فان الإختصاص بالرحمة فوز وأمن وعز.
ويمكن ان تناقش النسبة بين قانون الإختصاص والفضل بذات الوجوه المحتملة بينه وبين الإصطفاء، وقانون الإختصاص اخص وأعلى رتبة من قانون الفضل وان كان من مصاديقه، فكل اختصاص هو من فضل  وليس كل فضل هو من الإختصاص لذا أختتمت هذه الآية بانه تعالى ذو الفضل العظيم، كما يترشح الفضل النوعي العام من الإختصاص ذي القضية الشخصية فينال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة الخاصة لتكون فضلاً على المسلمين على نحو الخصوص والناس جميعاً على نحو العموم.
لذا فان هذه الآية من فضله تعالى لما فيها من توكيد لتشريف واكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإختصاص برحمته لكي تملأ الثقة نفوس المسلمين، ويطمئن اهل الكتاب الى التنزيل، ويقل او ينعدم الكيد والمكر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لأن من وجوه قانون الإختصاص الوقاية والسلامة من الكيد والمكر، فيعلم المليون عدم ترتب الأثر على المكر في غاياته غير الحميدة.
اعجاز في علم المناسبة
وردت كلمات هذه الآية شطراً من آية أخرى من سورة البقرة، وهذا من اعجاز القرآن في علم المناسبة ان يكون شطر آية مستقلة وفيه مسائل:
الأولى: التعدد في الموضوع.
الثانية: معاني كلمات القرآن أعم من الإلفاظ.
الثالثة: هذا العلم دعوة للبحث والتحقيق عن وجوه الإلتقاء.
الرابعة: يأتي قانون الإختصاص تارة لتوكيد مصداقه في الآية ويأتي مرة أخرى قائماً بذاته في آية مستقلة ولكل منها مضامين خاصة، بالإضافة الى اجتماعهما في مفاهيم مشتركة، فقد ورد في شطر من آية في قوله تعالى [ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( )
فبينت الآية الحسد الذي يلاقيه المسلمون بسبب النبوة والإيمان بالرسالة والتنزيل، وجاءت خاتمة الآية لدرء الكيد والشر، والإجهاز على تلك الرغبة القبيحة في حجب التنزيل مع أنه رحمة للناس جميعاً، وفيها توكيد لإتصال النعم ونزول الآيات على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين
اما الآية محل البحث فقد جاء الإختصاص بها مستقلاً، لبيان انه أعم من التنزيل، ولا ينحصر موضوعه بالإحتجاج على أهل الكتاب والمشركين وذمهم على الرغبة بحجب نعمة التنزيل، وفي حال تكرار شطر من الآية فلا نكتفي بالقول بانه تقدم تفسيره وكذا في هذه الصورة التي لم تتكرر فيها هذه الكلمات بصيغة الجزئية من الآية بل جاءت آية مستقلة لها دلالات ومعانٍ،
فلابد من النظر للآية بحسب اللحاظ والنظم والموضوع وتعدد ووحدة الحكم، كما ان مجيء الشطر من الآية في آية مستقلة يتضمن أسراراً ملكوتية تؤكد موضوعية هذا الشطر ولزوم أفراده بالدراسة واستنتاج الدروس والعبر منه سواء بلحاظ الجزئية او الإستقلال.

قوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]
خاتمة كريمة للآية وبشارة اضافية أخرى واخبار عن عدم حرمان احد من فضله تعالى، فمن لم يشمله قانون الإختصاص فان قانون الفضل العظيم يتغشاه وينفعه، فليس للعبد ان يقول اني لست ممن أختصه  برحمته ، لأن قانون الفضل العظيم انحلالي ينال منه كل انسان بما يصدق مع المنفرد انه اختصاص برحمته تعالى، وهذا من رحمة  الواسعة، وخاتمة الآية أعم من أولها، أي ان الناس على قسمين:
الأول: من يختص برحمته تعالى.
الثاني: الذي ينال من فضله العظيم.
وبين القسمين عموم وخصوص مطلق، فالذي يفوز بالإختصاص برحمته تعالى ينال من فضله تعالى، وهذا الفضل لا ينحصر بموضوعات الإختصاص وحدها، بل له عناوين وموضوعات متعددة، نعم الذي ينال من مصاديق قانون الإختصاص ينال ايضاً من الفضل العظيم لله تعالى.
وعندما ذكرت الآية اختصاص نفر وجماعة برحمته تعالى، جاءت خاتمتها لتخبر عن عظمة فضله سبحانه وهذا من الفضل العظيم أي انه سبحانه لم يذكر الإختصاص برحمته وحده بل جاء معه بالإخبار بانه ذو الفضل العظيم كي تشمل افاضات الآية الخلائق كلها،
وفي هذه الآية دعوة للتوجه اليه تعالى بالدعاء وسؤال المغفرة والإنابة والتوبة وعدم اليأس او القنوط من رحمته، كما انها تحذر من الحرمان من هذا الفضل والإحسان الذي لا يقف عند حد بالإصرار على العناد والجحود.

قانون الفضل العظيم
وهو قانون ثابت في الإرادة التكوينية يتغشى الخلائق كلها ليس من مخلوق وممكن في الوجود الا وهو ينال نصيبه من هذا القانون ، وهذا النصيب ليس استحقاقاً، بل هو فضل ولطف منه تعالى وهو حجة على الناس في النشأتين وباب للهداية، وسبب في تعجيل العقاب على المعاند والكافر لأنه جاحد بالنعم النوعية والشخصية التي تترشح من فضله تعالى عليه وعلى الناس، ومن مصاديق صفة العظيم لفضله تعالى تعدد أقسام الفضل بمالا يستطيع الناس عدها واحصاءها مع اقرار الجميع بكثرها وعظمتها كماً وكيفاً، ومن وجوه الفضل الإلهي:
الأول: الفضل النوعي العام المستغرق للدنيا والآخرة، فيشمل العبد الفضل الإلهي في الدنيا، ويأتيه فضل آخر في الآخرة أعظم منه بلحاظ عالم الخلود في الآخرة وحاجة العبد له.
الثاني: النعمة والإحسان في الدنيا بما ينتفع به العبد في الآخرة، وهذا الإنتفاع فضل الهي آخر فالذين رزقهم  المال والجاه على شعبتين:
الأولى: من يجعله في نعيم الدنيا خاصة ، قال تعالى [فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ]( ).
الثانية: الذي يجعل الفضل الإلهي وسيلة ومادة للنجاة والفوز في الآخرة ، قال تعالى [ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ] ( ).
الثالث: الفضل الشخصي الذي يأتي للعبد على نحو القضية الشخصية كالهداية للحق والصواب والرشاد والعصمة من المعصية مع دنوها واقترابها، وكالعافية والسعة في الرزق.
الرابع: الإحسان والنعمة الإلهية المنبسطة على الأجيال المتعاقبة، كما في النبوة فهي نعمة شخصية ولكنها تنبسط على أهل زمان النبي والأجيال المتعاقبة ، كل جيل يتزود منها بما يصلح احواله في الدنيا والآخرة، ومن الفضل الإلهي تثبيتها واعانة الناس.
والى جانب الكثرة تتجلى عظمة الفضل الإلهي بوجوه أخرى منها:
اولاً: دوامه واتصاله وعدم انقطاعه.
ثانياً: زيادته والإكثار منه، فيأتي فضل وأحسان منه تعالى ثم فضل اضافي ونافلة أخرى رديفة له.
ثالثاً: تعاقب أفراد الفضل الإلهي، فهي لا تقف عند حد محدود، بل تتتابع وتتصل اولاها بآخرها.
رابعاً: من خصائص الفضل الإلهي انه توليدي، فيزداد ويتفرع ذاتاً وعرضاً.
وهذا القانون باعث للأمل في النفوس، ودعوة للناس للإيمان واصلاح السرائر باعتباره وسيلة لتلقي الفضل والإحسان الإلهي.
وهل نزول القرآن من قانون الإختصاص ام من قانون الفضل العظيم الجواب انه من الفضل العظيم الذي أنعم به  على الناس، ولكن الذي آمن به وعمل بأحكامه هو من أختصه  برحمته وفاز بها.


قوله تعالى [وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] الآية 75
الإعراب واللغة
قرأ حمزة وابو بكر عن عاصم يؤده بسكون الهاء، ونسب الى ابي عمرو، ولكن الزجاج نفى هذه النسبة (وقال الفراء: بعض العرب يسكنون الهاء اذا تحرك ما قبلها).
يقولون ضربته، كما يسكنون ميم انتم وقمتم) ( ).
وقرأ ابو جعفر ويعقوب بكسر الهاء مع الإختلاس، للإكتفاء بالكسرة عن الياء والباقون بالكسر والإشباع.
الواو: استئنافية، من: حرف جزم ، اهل :اسم مجرور، وهو مضاف الكتاب: مضاف اليه.
من ان تأمنه: من: اسم موصول، مبتدأ مؤخر.
ان: حرف شرط جازم، تأمن: فعل الشرط مجزوم.
الهاء: مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
بقنطار: جار ومجرور متعلقان بتأمنه، يؤده: جواب الشرط مجزوم.
وعلامة جزمه حذف حرف العلة، الهاء: مفعول به.
اليك: جار ومجرور متعلقان بيؤده.
ومنهم من أن تأمنه بدينار: عطف على ما سبق.
الا ما دمت عليه قائماً: الا: اداء حصر، ما دمت: فعل ماض ناقص، ومركبة من كلمتين (ما) مصدرية زمانية، و(دام) فعل ماض ناقص.
التاء: اسمها: قائماً: خبرها.
عليه: جار ومجرور متعلقان ب (قائماً).
ذلك بانهم قالوا: ذلك: اسم اشارة في محل رفع مبتدأ، الباء: حرف جر، ان وما بعده: في محل جر بالباء.
قالوا: فعل ماض، والواو فاعل، والجملة خبر ان.
ليس علينا في الأميين سبيل: ليس فعل ماض ناقص، علينا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ليس المقدم، في الأميين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ليس المقدم، في الأميين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، سبيل: اسم ليس المؤخر.
ويقولون على  الكذب: الواو: استئنافية، يقولون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، الواو: فاعل، على : جار ومجرور متعلقان بيقولون ، الكذب: مفعول به.
وهم يعلمون، الواو: حالية، هم: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ جملة يعلمون: خبر.
في سياق الآيات
بعد ذكر ما تقوم به طائفة من أهل الكتاب من التحريض على النفاق والمكر، وبيان عظيم فضله تعالى، ونزول الرحمة والإفاضة ،
جاءت هذه الآية بذكر حال المعاملة عند أهل الكتاب وذم فريق منهم بنعته بالخيانة والإصرار على الكذب.
وجاء إفتتاح هذه الآيات فيما يخص ذم أهل الكتاب على نحو الترتيب التنازلي:
الأول: الخطاب الى أهل الكتاب عامة بالتوبيخ على الكفر بآيات ، ولبس الحق بالباطل كما في الآية السبعين والواحدة والسبعين.
الثاني: بيان قول طائفة من أهل الكتاب دون الجميع، بالحث على النفاق ،واظهار الإيمان مع نية الرجوع عنه، والإحتجاج عليهم كما في الآية الثانية والسبعين.
الثالث: لغة التبعيض بلفظ (ومنهم) كما ورد في هذه الآية وهذا التبعيض يحتمل الكثرة والقلة، وكذا بالنسبة للفظ طائفة، الا ان حرف الجر (من) أقرب الى القلة لأنه يشمل المتحد والمتعدد، وهل تعتبر هذه الآية من مضامين الرحمة الخاصة التي منّ  بها على المسلمين الجواب نعم، لما فيها من التنبيه والتحذير وحصانة الأموال ومنع الأذى والكيد.
اعجاز الآية
هذه الآية من علم الغيب في أحوال الناس، ونتائج وآثار الأفعال، وفيها حصانة لأموال المسلمين وموعظة وعبرة، وتحذير من خيانة اهل الكتاب، ومن الإعجاز ان التحذير جاء جزئياً ويدل بالدلالة التضمنية على وجوه الأمانة عندهم ونيتهم في اعادة حقوق وأموال المسلمين، ومثلما جاء الإئتمان بحرف التبعيض (من) فكذا جاء موضوع الخيانة والتحذير.
وهذا من اعجاز القرآن ولو شاء   لتضمنت الآية ما يفيد الكثرة في أحد الطرفين دون الآخر، ولكن هذا التساوي في درجة التبعيض حث على الحذر وفي نفس الوقت يعتبر دعوة لعدم التشديد، وفي الآية بيان لما يقوله هؤلاء فيما بينهم في وصف المسلمين كعلة يرونها في خيانتهم للأمانة ،وقد يرى المسلمون نفراً من أهل الكتاب يتصفون بالأمانة، وكذا العكس أي ان خيانة بعضهم لا يعني عدم وجود الأمين بينهم، ومن اعجاز الآية انها تنفي الحرج في المعاملات، وتدعو لمعرفة احوال الناس على نحو القضية الشخصية سواء بتعدد المذاهب عند أهل الكتاب واختلاف بعضهم عن بعض بلحاظ المذهب او الإنتماء.
ان التدبر في معرفة أحوال اهل الكتاب ودرجة امانة كل شخص يحصل التعامل معه، باب لمعرفة احوال غيرهم من الناس وبما هو أعم من مسألة الأمانة لذا جاءت قاعدة كلية وشاهداً على العموم، فمن اعجاز الآية انها تتضمن المدح والذم في آن واحد من غير تعارض بينهما بلحاظ تعدد الأفراد والمصاديق مع وجود الجامع.
وهذا من أسرار الإجمال في القرآن وما فيه من الحث على الإرتقاء في المعرفة، وفي الآية رد على نعت بعض أهل الكتاب المسلمين بالأميين، لأنها جاءت بذكر الأمين والخائن من أهل الكتاب على الإجمال وفيه دليل على قدرة المسلمين على تعاقب اجيالهم على الفصل والتمييز بين الفريقين، وامكان الإطمئنان الى الأمين بعد معرفته، والحذر من الخائن، ومن لطف الله تعالى ان جاءت خاتمة الآية للبيان ومعرفة الأمين من الخائن منهم.
كما تبعث الآية على تعاون المسلمين في معرفة منازل الأفراد من أهل الكتاب، فيخبر بعضهم بعضاً، ويساهم هذا الإخبار في قوة وعز واتحاد المسلمين كما أنه انذار لأهل الكتاب وغيرهم لما فيه من الدلالة على فطنة ونباهة وتعاون المسلمين في باب المعاملات وهو مقدمة ورديف لتحابهم وتآزرهم وتعاونهم في ميادين القتال والجهاد.
وفيه انذار وتخويف للكفار فاذا كان المسلمون حذرين من اهل الكتاب فمن باب أولى ان يكونوا أكثر حذراً من الكفار ويتجنبوا المعاملة معهم وفق موازين الأمانة والبيع بالنسيئة والسلف، ومن اعجاز الآية مساهمتها في تنظيم معاملات المسلمين وشؤونهم المالية كمقدمة لإحراز النصر في ميادين الجهاد.
ويمكن تسمية هذه الإية بآية (تأمنه بقنطار) ولم يرد هذا الفظ في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
لقد أراد   للمسلمين العز والرفعة واستقرار المجتمعات، والحفاظ على أرزاقهم وأموالهم اذ ان تعرض الإنسان والجماعة الى الخيانة والغدر يؤدي الى الضعف والإرباك والإنشغال بالخصومات فيدعى المسلم للنفير وليس عنده مؤونة لعياله كما انه مشغول بمحاولة انتزاع امواله وحقوقه التي جعلها امانة عند غير المسلم مما يسبب التردد وعدم القدرة على الخروج فجاءت الآية للإحتراز وسلامة الأموال وعدم حصول الأحزان والغضب.
ومن منافع الآية إبتغاء صحة المعاملة، وان تتصف الصلات بين المسلمين واهل الكتاب بصيغة الحسن، وعدم الكدورة مع السلامة في الأموال والأنفس.
مفهوم الآية
في الآية بلحاظ المفهوم مسائل:
الأولى: البشارة للسعة والغنى عند المسلمين، وأهليتهم للمعاملات وايداع الأموال، والبيع بالنسيئة، وهو من اختصاص المسلمين برحمته تعالى، ونيلهم من خزائن فضله العظيم، فأراد  لهم ان يتنعموا بهذه النعم ولا يغتصبها منهم أحد، فجاء التحذير في الحكم والأثر الذي يؤكد وجود الموضوع وهو الأموال والأعيان عند المسلمين يتعاملون بها في البيع والشراء والإيداع.
الثانية: تنفي الآية الشك والريب باهل الكتاب على نحو الإطلاق، فلو حصلت خيانة من كتابي فهذا لا يعني ان كل كتابي لا يرد الأمانة، ولا يقضي الدين، وكذا العكس فاذا قام كتابي برد الوديعة والوفاء بالدين فلا يدل الأمر على العموم وشمول جميع أهل الكتاب بحال الصدق والأمانة.
الثالثة: جاء التحذير والتنبيه منه تعالى هبة للمسلمين لتوكيد فضله عليهم، فما ان أختتمت الآية السابقة بقانون الفضل العظيمن حتى ابتدأت هذه الآية بالفضل الإلهي في بيان حال أهل الكتاب وتقسيمهم الى قسمين فمنهم من يتحرج وبتجنب الذم ويحرص على سمعته والوفاء بحقوق المسلم اذا أئتمنه وأودعه ومنهم بخلافه.
الرابعة: هذه الآية من آيات الأخلاق، لأنها تبعث على الأخلاق الحميدة والصفات الحسنة، وتدعو الى الأمانة، وتنبذ الخيانة.
الخامسة: تبين الآية علة الخيانة وكيف ان الذي لا يؤدي الأمانة يفتري على الله مما يدل على ان عدم الأمانة فرع الكذب على  وفيه دلالة على التحذير ممن يتجرأ في القول والفعل على ، ويقول غير الحق.
السادسة: عدم اليأس والسكوت عن الخيانة وعدم رد الأموال، فلابد من السعي الحثيث لإعادتها.
السابعة: بيان التباين الكبير بين ما يؤديه المؤتمن من أهل الكتاب، وقلة المال الذي ينكره الخائن، مما يدل على ان الخيانة لأسباب لا تنحصر بموضوع المال خصوصا إذا لم تكن له قيمة يعتد بها، لذا ذكرت الآية علة الإمتناع عن رد الأمانة مع قلتها.
الثامنة: تبين الآية صحة المعاملة مع اهل الكتاب وعدم حرمتها ولكنها تدعو الى اليقظة والحذر في المعاملة، فاذا كان هناك حرج وشك من الطرف الآخر تكون المعاملة بالنقد وليس بالنسيئة، مع اجتناب الوديعة عند الكتابي الذي يخشى منه الخيانة.
التاسعة: في الآية تحذير من الكفار والمشركين من باب الأولوية القطعية فاذا كان أهل الكتاب على فريقين فيما يخص الأمانة فلابد ان المشركين اشد منهم على المسلمين وأقل تقيداً بموضوع الأمانة لعدم وجود الواعز الديني ولبغضهم للإسلام وعدم اقرارهم بالتوحيد واليوم الآخر.
العاشرة: في الآية تحذير ممن ينقض العهود وعدم ايفاء الآخرين بها.
الحادية عشرة: في ألآية حث للمسلمين على اتخاذ اسباب القوة والمنعة التي يخشى معها الآخرون نقض العهود، والخيانة.
الثانية عشرة: تبين الآية ما يطلبه المسلمون من العدل والإنصاف فمع قوتهم وعزتهم وظهورهم على الآخرين فانهم لا يبغون الا نيل حقوقهم واسترداد اموالهم خصوصاً مع احكام حرمة الربا وعدم جواز اخذ الزائد على الأموال.
وفي الآية مسائل:
الأولى: صيغة التحذير للمسلمين من أقرب الملل لهم ، وهم أهل الكتاب، وهذا القرب بلحاظ الجامع بين المسلمين وبينهم وهو على قسمين:
الأول: الكتاب المنزل.
الثاني: اتباع النبي والإنتساب له، اذ ان اليهود يعملون بالتوراة وان كانت محرفة، ويتبعون موسى ، والنصارى يعملون بالإنجيل بما طرأ عليه، ويتبعون عيسى .
اما المسلمون فيعملون بالقرآن ويطيعون  ورسوله.
الثانية: لغة التبعيض والتقسيم في اهل الكتاب فقد جعلتهم الآية على قسمين، قسم يؤدي الأمانة وان كانت كبيرة، وآخر لا يؤديها وان كانت قليلة، وهل من قسم ثالث يصلح ان يكون قسيماً لهما، مثلاً:
اولاً: يرد عليك الوديعة مرة وأخرى لا يردها.
ثانياً: لا يقبل استلام الوديعة.
ثالثا: يؤدي المال القليل ولا يؤدي الكثير، فحينما يكون المال كثيراً يطمع فيه ويميل الى مسألة حلية اكل مال المسلم بغير حق.
رابعاً: من لم تكن عنده نية الغصب وخيانة الوديعة ، ولكن حينما يودع عنده المسلم او يبقى للمسلم في ذمته مبلغ كبير فان الشيطان يستحوذ عليه، ويختار عدم رد الوديعة.
والجواب ان هذه الوجوه ممكنة ،ولكنها لا تصلح ان تكون قسيماً للقسمين اللذين ذكرتهما الآية بل هي من فروعهما، لذا فان حصر موضوع الوديعة عند الكتابي بالرد او الخيانة من اعجاز القرآن ،لأن الأمر يتعلق بأموال المسلمين وكيفية حفظها ،وإن لم تنف الآية وجود من ليس مؤهلا للأمانة من أهل الكتاب ، أو أنه يتجنب الأمانة .وعدم الإيجاد أعم من عدم الوجود .
وقد تضمنت الآية مسائل:
الأول: توجه الخطاب للمسلمين بصيغة الإخبار عن حال أهل الكتاب.
الثاني: تعيين موضوع الآية بمسألتين:
الأولى: حفظ أهل الكتاب للأمانة او عدمه.
الثانية: وديعة المسلم عند الكتابي.
ومفاهيم الآية أعم من أن تنحصر بالمسألتين أعلاه في الموضوع والمحمول، فهي تشمل وجوه المعاملة الأخرى، ومع الناس كافة.
الثالث: لقد تضمنت الآية السنخية الإنسانية السليمة لأهل التوحيد، فهم لا يريدون اعتزال الناس في المعاملات وغلق باب البيع والشراء والأمانات ونحوها على أنفسهم، وأخبرت بان الإسلام يجيز المعاملة مع اهل الكتاب ويدعو الى عدم النفرة والغصب، فاذا كانت هذه الآية تحذر من خيانة طائفة من أهل الكتاب فانها تدل في مفهومها على اجتناب الغدر لما فيه من القبح الذاتي، والظلم للنفس والغير، كما جاءت الآيات الأخرى بوجوب أداء الأمانات، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا] ( ).
كما أمر  بالحكم بالعدل بين الناس واعادة الأمانة من مصاديق العدل.
الرابع: توكيد الآية على الإنصاف والعدل ودعوة المسلمين الى العدل وعدم الظلم في حال تولي شؤون السلطان والحكم والقضاء وان لا يأخذوا الا حقهم مع الإمتناع عن الإضرار بالناس أوالإنتقام منهم، فحينما يحاول الغير عدم رد الأمانة واستطاع المسلم انتزاعها فليس له أن يرتب أثراً على هذا الإمتناع بل يكتفي بأخذ حقه واعادة وديعته لا ان يسبب الإمتناع اضراراً عرضية واضافية فبحسبه من غير ظلم او غبن.
الخامس: الإنتماء للكتاب السماوي ليس علة تامة للأمانة، فليس كل كتابي ذا أمانة، وليس كل غير مسلم فاقداً للأمانة، فقد يكون غير المسلم حافظاً للعهد والأمانة والوديعة كما في الكتابي من أتباع موسى وعيسى عليهما السلام.
السادس: تدعو الآية المسلمين الى المشاورة فيما بينهم، لمعرفة احوال الناس والتراجم الشخصية في ميادين التجارة والزراعة والمعاملة، وقد يتظاهر بعضهم بالأمانة، ولكن لجوء المسلم الى أخوانه بالسؤال عنه قبل الإطمئنان اليه يكشف حقيقته.
السابع: من مفاهيم الآية تنزيه الأسواق مطلقاً، وأسواق المسلمين خاصة من المعاملات الباطلة والغش والغرر فيكون الصلاح في الأسواق مقدمة لجذب الناس للإيمان، خصوصاً وان الأسواق من أشر الأماكن اذ ينشط بها الشيطان.
الثامن: الإذن للمسلم بمتابعة انتزاع حقه، بما يجعل الغير يرجعه له.
التاسع: عدم الملل من القيام بالمطالبة بالحق ، فقوله تعالى [مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا] عنوان لإستدامة السعي لإنتزاع الحق الى حين استرداده واعادة الوديعة.
العاشر: بيان ما يذكره الذين يخونون الأمانة من العلة لعدم اعادة المال الى صاحبه المسلم، [قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] وهي باطلة شرعاً وعقلاً ومضموناً، لأن اعادة الأمانة ليس من السبيل بل هي حق لابد من ارجاعه وظهور المسلمين عليهم يتم بفضله ومشيئته تعالى، ولا يحول دونه عدم رد الوديعة، كما ان حالات خيانة الأمانة محدودة ببركة القرآن.
الحادي عشر: بيان صفة ذم اضافية لمن يتعمد عدم رد الوديعة بانه يقول على  الكذب، وايهما أكبر عدم رد الوديعة، ام الإفتراء وقول الكذب على ، الجواب هو الثاني لأنه أعم في موضوعه ودلالته وآثاره، فعدم رد الوديعة يتعلق بأفراد من المسلمين وقد يقع اولا يقع من وجوه:
الأول: اجتناب المسلمين الوديعة عند من ينوي عدم ردها، خصوصاً بعد نزول هذه الآية وقوة شوكة المسلمين واستقرار مجتمعاتهم وتنظيم شؤون المعاملات في أسواقهم.
الثاني: قيام وسلطة المسلم المودع على الكتابي المستودع لحين استرداد الوديعة سواء كانت سلطة شرعية أو قانونية أوعرفية.
اما بالنسبة للكذب على  فانه كفر وجحود، وله أضرار نوعية عامة، بل تبين الآية ان خيانة الوديعة فرع الكذب على .
الثاني عشر: اقامة الحجة على الذي يخون الأمانة ويكذب على علم بانه يعلم بسوء فعله ويصر عليه.
وجاءت الآية بصيغة المفرد (تأمنه) وفيه دلالة على حصر الموضوع بالقضية الشخصية ، والتحذير من التعدد والتصرف الجماعي في مسألة الإيداع عند الكتابي، وبشارة قيام المسلمين بالإيداعه عند بعضهم بعضاً.
ومع مجيء الآية بصيغة المفرد، فانها انتقلت الى صيغة الجمع في موضوع قول الكذب على ، كما في قوله تعالى [إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] وهذا الإنتقال فيه وجوه:
الأول: السلوك الفردي في عدم رد الأمانة ناتج عن قول طائفة وجماعة منهم تنفي سبيل المسلمين عليهم، فالقول يصدر من الجماعة، وعدم رد الوديعة شخصي وان تعدد في مصاديقه، كما ان ادعاء نفي السبيل لا ينحصر بموضوع الوديعة بل هو أعم، فجاءت الآية لمعالجة مصداق منهم وهو موضوع الوديعة ولكنها تضمنت التحذير منهم مطلقاً بخصوص قصدهم أخذ حقوق وأموال المسلمين.
الثالث: الملازمة بين ادعائهم نفي سبيل المسلمين عليهم والإفتراء على  وتحريف التنزيل.
افاضات الآية
الفوز بالإختصاص برحمة  مصداق للتجاذب التام بين العبد والرب، ويتجلى في مصاديق عديدة منها لغة التنبيه والتحذير في المعاملات بما يكفل الأمن وصيانة الأموال، لتكون منفعة المسلم باباً لإنجذابه الى مقامات الربوبية ومناسبة لإظهار معاني العبودية المحضة، ولتغمره السكينة والثقة بالغد المشرق، وتوظيف الأموال لما فيه السلامة والنجاة في النشأتين
لقد أظهرت الآية الإستغناء بالإنقطاع الى ، وتلقي الأحكام والآداب من الوحي والتنزيل، وتدل على عدم انحصار الوحي بالأحكام والقصص والمواعظ، بل يشمل التعليم والإرشاد والنصح والهداية لشؤون الدين والدنيا، لقد أنقاد المسلم لأحكام التنزيل فشكره   شكراً عاجلاً بان هداه لما فيه حفظ أمواله، وجعله يلتفت الى التمييز بين الناس من جهة الأمانة وحفظ المواثيق والعهود، ليكون سبباً لتعلق قلبه بالله  وهو الذي يسمى بالحب الإلهي، ووسيلة لكمال معرفة  وعشق الجمال المطلق.
وفي الآية طرد للغفلات، ومنع لأستحواذها على بقعة في قلب المسلم الذي أراد  له ان يكون روضة ناضرة،وبستاناً عامراً بذكره تعالى.
التفسير
قوله تعالى [وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ]
افتتحت الآية بحرف العطف (الواو) مما يدل على الإتصال ووحدة النظم وتداخل مواضيع الآيات، فبعد ذكر بعض معائب شطر من أهل الكتاب والإحتجاج عليهم من عنده تعالى بالبرهان وارشاد المسلمين الى صيغ الإحتجاج وكيفية ابطال الشبهات في باب العقائد، جاءت هذه الآية في باب المعاملات وأحكامها، لذا فان حرف العطف له دلالات اعجازية منها:
الأول: وحدة الموضوع في تنقيح المناط بين لغة الإحتجاج وكيفية المعاملة.
الثاني: الإخبار بان الآيات لا تزال بخصوص اهل الكتاب، وهذا لا يعني عدم تعلقها بغيرهم، بل انها تشمل الناس جميعاً، واذا كان أهل الكتاب على قسمين بخصوص الأمانة والوفاء للمسلمين، فقد تكون بعض طوائف المشركين ممن يتصف بالخيانة وعدم رد الأمانة.
الثالث: مع ان الآية جاءت بخصوص الأمانة فانها من مواضيع الإحتجاج على اهل الكتاب إذ أن الكتب السماويةجميعها جاءت بلزوم رد الأمانة الى اهلها ،لحسن الرد ذاتا ولأنه من وجوه الإنصاف
وليس من تعارض بين القرآن والكتب السماوية السابقة ، والأمانة من الثوابت الشرعية التي لا يطرأ عليها النسخ لذا تجد أهل الخيانة يعتذرون بعذر واهن كما ورد في قوله تعالى [لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] ( ).
الرابع: الملازمة بين العبادات والمعاملات، ووحدة الإحتجاج فيهما.
الخامس: تأثير الأموال الخاص على العقائد وأداء العبادات، فاذا حصلت خيانة في الأمانة من الكتابي فقد يكون وقعها على المسلم أشد من الإحتجاج خصوصاً وان ايمان المسلم ثابت، لا يتزلزل بالجدل واثارة الشبهات، فتأتي الخيانة لإيذائه واشغاله عن عبادته.
السادس: الآية تحذير من أسباب الإنشغال عن عبادة  العرضية التي تأتي من الغير وتعمده الإساءة.
السابع: من وظائف (الواو) في المقام التنبيه والتحذير من غير المسلم مطلقاً في المعاملة وأخذ الحائطة لحفظ الأموال مثلما يجب اخذها لحفظ النفس والملة.
لقد ذكرت الآية أهل الكتاب على نحو الخصوص، والمراد هم اليهود والنصارى من غير فصل وتعيين لأحدهما بخصوص قسم من القسمين ، وهذا من الإعجاز القرآني وحجة أخرى عليهم، فلا تستطيع فرقة منهما ان تقول ان جميع ابناء ملتنا مؤتمنون حريصون على رد الأمانة وقضاء الدين للمسلم وان الخيانة في الفريق الآخر هذا مع وجود الخصومة والخلاف بينهما.
والإعجاز هنا ليس من باب الصرفة بمعنى ان  صرفهم عن الرد بل من باب القبول باحكامه والإقرار بمضامينه القدسية واسراره الغيبية وكشفه للحقائق والوقائع، واخرج ابن المنذر وابن ابي حاتم عن سفيان قال: كل شيء في آل عمران من ذكر اهل الكتاب فهو في النصارى( )،
ولكنه خلاف ظاهر واطلاق الآية، والنصوص والإخبار والتبادر وتفسير معنى اهل الكتاب الذي ينصرف الى اليهود والنصارى.
فان قلت لماذا هذا التوكيد وتعدد الآيات بخصوص اهل الكتاب دون غيرهم، قلت: ان التوكيد عليهم في هذه الآيات ظاهر ولابد له من علة ودلالة والله  يقول الحق، بمعنى ان هذا التوكيد يفتح آفاق المعرفة الإلهية ويحث على دراسة احوال الأمم والملل، والإحاطة بسيرتها والمبادئ التي ترتكز عليها في أفعالها ومعاملاتها،
وجاء المدح والذم بلحاظ الإنتماء للكتاب السماوي.مما يدل على ان الإمانة والخيانة لم تكن لأسباب شخصية وغلبة الطمع والنفس الشهوية وحدها، بل لأمور عقائدية وللعلم بتأثير رد الأمانة والوفاء بدين ـ بفتح الدال ـ المسلمين على الإسلام ، وتثبيت دعائمه ولتكون الحجة عليهم أبلغ سواء بلحاظ الكشف عن نواياهم في المعاملة في المسلمين او بخصوص تعمد طائفة منهم ايذاء المسلمين، ولو كان عدم الرد بسبب تلف الوديعة فهل تشمله الآية الكريمة الجواب لا، لأنه ليس من الخيانة ولعدم ثبوت التفريط او تعمد الأهمال.
وهو ظاهر في قوله تعالى [إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا]والتعليل الذي يذهبون اليه في عدم رد وديعة ومال المسلم، فالآية تذم من يخل عمداً بالأمانة.
وجاءت النسبة للكتاب لمدح من يتقيد بالوفاء وبالأمانة وذم من يتعمد خيانتها، وفيه تذكير للمسلمين ولأهل الكتاب أنفسهم بان الأصل اقتداء الناس بأهل الكتاب فاذا خانوا الأمانة فان غيرهم قد يتبعهم في فعلهم فيتحملون أوزار فعله.
وجاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية، والمراد أمور:
الأول: الإنشاء وتنبيه المسلمين للزوم الحذر والحرص على الأموال بعدم وضعها الا عند الثقة، وعدم الإغترار بانتساب الطرف الآخر الى كتاب سماوي ، وان كان هذا الإنتساب أقرب اليه من أهل الكفر والشرك.
الثاني: الإعجاز باخبار اهل الكتاب بانقسامهم الى فريقين من جهة الأمانة وحفظ اموال المسلمين المودعة عندهم.
الثالث: التحذير من المشركين في ودائع الأموال، واعطاؤهم درساً بان المسلمين امة ذات كيان مستقل تتغشاها عناية خاصة ولطف الهي لا ينحصر بامور العبادات بل يشمل المعاملات وكيفية صيانة الأموال.
وهذا من اعجاز القرآن ان تأتي الآية في طائفة من أهل الكتاب ليكون مفهومها والعبر والمسائل المستنبطة منها أعم وأكبر وتشمل الناس جميعاً، وكذا بالنسبة للموضوع، اذ ان موضوع الآية هو الأموال وايداعها ولكن الأحكام المستقرأة منها اعم فتشمل الحذر والحيطة في العهود والمواثيق والإئتمان على الإنفس والإعراض والأعيان والوصايا وفيها دعوة للمعاملات الذاتية بين المسلمين وتنمية القدرتهم على حفظ الأمانة .
فاذا كان اهل الكتاب على قسمين في حفظ الأمانة والوديعة فالأصل ان يكون المسلمون جميعاً اهل أمانة وحفظ للوديعة، فحينما جاء التحذير من شطر من اهل الكتاب في الوديعة فان المسلمين أصبحوا في حالة من التقوى والمنعة بحيث يستطيعون حفظها، وسعة يؤدون معها ألديون.
لقد صار مجتمع المدينة المنورة بعد الهجرة متنوعاً تتعدد فيه الملل وهاجر اليها المسلمون من الأمصار والقرى القريبة، وهم لا يعلمون باحوال اليهود مثلاً وقد يظهر بعضهم خلاف ما يخبئه ، ويميل اليه شطر من المسلمين لأنه صاحب عمل وتجارة وسكن مستقر،
فجاءت الآية لتقسم الناس على أساس الإنتماء العقائدي بما يجعل المسلمين متبصرين في أحوالهم، ولا يختارون فعلاً وكيفية في المعاملات الا مع الإحتراز من الخسارة والتفريط، فهناك من المهاجرين من باع داره واملاكه والأنعام التي عنده في بلده وقريته ثم جاء الى المدينة ليشتري دنياه وآخرته، ثم الى الكتابي في المعاملة ويودع عنده الأموال او يختار المضاربة معه في التجارة والكسب.باعتبار انه من اهل البلدة وارباب الخبرة في احوالها والتجارة فيها , فكما كانت قريش ترجع إلى أهل الكتاب لمعرفة صدق نبوة النبي محمد والأخبار التي عندهم بخصوصه،فكذا بالنسبة لقيام المسلم بتقديم الكتابي على غيره في حفظ الوديعة ،بإعتباره صاحب كتاب وأقرب للإسلام ، فتفضل سبحانه بإتيان النبي الشواهد والآيات التي تؤكد نبوته كي تقوم الحجة على قريش وغيرهم فلا تصل النبوة لسؤال أهل الكتاب،فكذا جاءت هذه الآية لتحذير المسلمين من الإسترسال في الوثوق بغيرهم في ودائع أموالهم ،وإن كانوا أهل كتاب .
كما نزلت للتنبيه، ومن الإعجاز انها لم تغلق الباب في مثل هذه المعاملات اذ ذكرت قسماً من اهل الكتاب يتصف بالأمانة، وفيه ترغيب لأهل الكتاب بالأمانة وحفظ اموال المسلمين ،والتسابق في رد الودائع، والمساهمة في تثبيت الأخلاق الحميدة،
وفي الآية تذكير لهم لما جاء في التوراة والإنجيل من لزوم حفظ الوديعة ورد الأمانة الى اهلها وعدم نقض العهود والمواثيق، وزجر لهم عن الظلم والإستحواذ على اموال الناس. ولا تعارض بين مضامين الآية المتعدد في موضوعاتها للتباين الجهتي في الغرض ، والمخاطب والمقصود ،

قوله تعالى [مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ]
جاءت الآية بحرف الباء (بقنطار) ويدل على الإلصاق أي ان الأمانة ملتصقة بالكتابي ، ويجوز ان يتعدى بحرف الجر (على) فيقال (على قنطار) لإفادة الإستعلاء، أي استعلاء المستودع على الأمانة كما في قوله تعالى [ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَال] ( )،
ولابد من دلالات لمجيء الباء في الآية منها:
الأول: الإخبار الإلهي بعدم استيلاء الكتابي على امانة المسلم.
الثاني: ليست الأمانة في المقام من الإستعلاء ، بل هي اختبار وامتحان للكتابي لأن عدم اعادتها يضره في النشأتين.
الثالث: قد يخلف  على المسلم خيراً فيما يضيع من أمواله بسبب الثقة بالكتابي.
الرابع: امكان انتزاع المسلم أمواله وامانته من الكتابي خصوصاً بعد بسط الحكم للمسلمين ، واعتماد سنن العدل ونبذ الظلم.
الخامس: انذار اهل الكتاب وغيرهم بان جحود الوديعة وعدم الوفاء بالدين يجعل استلام المسلمين للحكم والقضاء بين الناس نوع حاجة في المعاملات وصلاح المجتمعات.
السادس: بيان أولوية الثقة في موضوع الإيداع وليس حفظ المال وحده، وفيه اشارة الى ان مسألة الأمانة هنا لها مفاهيم عقائدية، فيقال امنتك بدينار، أي انك ثقتي لحفظ هذا الدينار ويقال امنتك عليه أي جعلتك اميناً عليه.
وبدأت الآية بذكر الفريق والفرد المؤتمن من أهل الكتاب وفيه مسائل:
الأولى: التحذير من استيلاء الشك على قلب المسلم، لأن هذا الإستيلاء قد يفوت الفرص على المسلم.
الثالث: المنع من غلبة النفرة بين المسلم والكتابي.
الرابع: اظهار الأخلاق الحميدة التي يتحلى بها المسلمون.
الخامس: الآية من عمومات قواعد اللطف الإلهي بالكتابي بان يأتي التنزيل بالإبتداء بالمؤتمن منهم.
السادس: تحريض اهل الكتاب على الأمانة وحفظ الوديعة، فالغاية من التنزيل اصلاح النفوس والمجتمعات.
السابع: التوكيد لأهل الكتاب بان القرآن جاء بالإبتداء بمدح المؤتمن منهم على المال الكثير.
الثامن: تبعث الآية الأمل في نفس الكتابي باستدامة المعاملات مع المسلمين في حال غلبة الإسلام وتسلم المسلمين لمقاليد الحكم والقضاء، مما يخفف من عدائهم وتصديهم للإسلام ومحاربتهم لمبادئهم.
التاسع: الآية من عمومات اصطفاء آل ابراهيم بان بدأت باهل الأمانة من أهل الكتاب وفيها نفي للحرج من التعامل معهم وايداع الأموال عندهم واجراء عقود المضاربة والتجارة معهم.
العاشر: تقديم الثقة منهم دعوة للمسلمين للبحث عنه، وسؤال بعضهم بعضاً عمن ثبتت أمانته من أهل الكتاب.
وقد ورد قول نقله الرازي “بان اهل الأمانة من أهل الكتاب هم الذين أسلموا، اما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة”( ).
ولكن ظاهر الآية يفيد ان القسمين من أهل الكتاب، خصوصاً ان من اسلم منهم لا يصدق عليه انه من اهل الكتاب ، بل هو أحد المسلمين ، ويشمله التحذير من شطر من اهل الكتاب وقد يحتاج التحذير الوارد في هذه الآية اكثر من غيره من اخوانه المسلمين لأنه يستصحب حال اهل الكتاب كما كان منهم من جهة الأمانة ورد الأموال،
فجاءت هذه الآية لتخبره بتغير الموضوع وانهم سينظرون له كمسلم فمنهم من يؤدي اليه المال الكثير ومنهم لا يؤدي اليه المال قليلاً او كثيراً، قرضاً او وديعة، او بيعاً بالنسيئة، فالآية خاصة بمن بقي على اليهودية والنصرانية، ومن ينتقل منهم للإسلام فليس هو من أحد القسمين بل يكون من المسلمين الذين جاءت الآية لتحذيرهم ووقاية أموالهم.
وجاءت الآية بصيغتين:
الأولى: الخطاب بلغة المفرد (تأمنه) وهو موجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمراد المسلمون جميعاً على مختلف أمصارهم وتعاقب أجيالهم، وهذا من أعجاز القرآن، فاذا كان اليهود هم الموجودون من اهل الكتاب في المدينة، فان الآية تشمل النصارى ايضاً عند انتشار الإسلام في البلدان التي يكثر فيها النصارى لذا فان موضوع الآية لا ينحصر باليهود او أيام التنزيل ومن يكون على صلة في المعاملات مع المسلمين يومئذ بل يشمل النصارى في بلدانهم مما يؤكد حاجة المسلم المغترب الى القرآن لمعرفة معادن الناس وكيفية التعامل معهم وأخذ الحائطة للدين والمال.
الثانية: صيغة المضارع في الآية مما يدل على ان الآية حية وهي في كل زمان غضة طرية تدعو المسلمين للتدبر والحذر في المعاملة.
وهل تدعو الآية الى التجزئة في توديع الأموال بان يكون شطر من مال المسلم عند اليهودي، وآخر عند النصراني، او عند أهل ملة واحدة منهم ولكن بالتقسيم والتجزئة كي يسلم جزء من ماله لأن أحدهما مؤتمن، الجواب لا، من وجوه:
الأول: جاءت الآية لحصانة مال المسلم على نحو الإطلاق.
الثاني: وردت الآية لتحذير المسلمين من الخيانة وعدم رد الأمانة على نحو الإطلاق.
الثالث: ان   اذا أنعم نعمة، فانها تأتي تامة كاملة لذا جاء تقسيم أهل الكتاب الى قسمين، كما جاءت خاتمة الآية لمعرفة القسم الذي يتصف بالخيانة ويتعمد عدم رد الأمانة.
قد تقدم معنى القنطار وذكرنا فيه خمسة وعشرين وجهاً منها انه مائة مثقال وهو وارد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها انه أربعون أوقية من الذهب، ومنها انه ألف ومائتا أوقية، وأستدل عليه بالرواية عن ابي بن كعب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان رجلاً من قريش أودع عند عبد  بن سلام الفاً ومائتي اوقية من الذهب فردهما اليه، ومنها انه سبعون الف دينار وقيل ملأ جلد ثور ذهباً.
وعنوان القنطار جاء لبيان الكثرة والزيادة في الأموال، وفي الآية بشارة الغنى والسعة في أموال المسلمين، بل في مالية المسلم الواحد أي يصبح بعضهم مالكاً لقنطار من الدنانير او الدراهم باعتبار ان القنطار معيار يقدر بالوزن على قول وورد بيان مقداره بالذهب والدينار والدرهم .
ومن الإعجاز ان يأتي لفظ القنطار على نحو التنكير من غير تعيين له بالدينار او الدرهم لتكون مضامين الآية مناسبة للأحوال المتعددة ، وشاملة لمختلف الأموال والأعيان على تباينها في مراتب كثيرة.
في ثناء على بعض أهل الكتاب وحث لهم على التقيد بالأمانة وعدم الإخلال بها.
ومن مفاهيم الآية انها دعوة للتخلص من التحريف الذي طرأ على الكتب السماوية والقيم والعقائد الأخلاقية، فالأمانة واجب للبر والفاجر وعليه ، بمعنى يجب رد الأمانة لكل إنسان ، بغض النظر عن إنتمائه وديانته ، وكذا عليه تعاهد ورد الوديعة لصاحبها ، وإن كان مختلفا معه في العقيدة ،والولاء .ولكن نفراً من اهل الكتاب يجيزون أخذ مال المسلم عن قصد فجاءت الآية للتحذير منهم.
وهذا الشطر ينفي الحرج عن المسلمين بخصوص الأمانة واجراء العقود مع الكتابي ويمنع من الإعراض التام عنهم في المعاملة والوديعة، فقد يكون في هذا الإعراض أذى على المسلم كما لو تضمنت صفقة البيع مع الكتابي ارباحاً أكثر من غيرها او ان عدم اجرائها يسبب كسادا وخسارة مالية لا تحتمل ، وهل ينحصر موضوع الآية بالقضية الشخصية ام يشمل المتعدد فيشمل الشركات والجمعيات والورثة المتعددين وقيامهم بايداع أموالهم عند الكتابي المؤتمن.
الجواب هو الأخير، لإطلاق الآية وقاعدة نفي الحرج ولوحدة الموضوع في تنقيح المناط، وهذا الإطلاق من فضله تعالى على المسلمين وصيانة اموالهم ومجتمعاتهم والحيلولة دون حصول الخصومات بينهم، وفي الآية وإختيار الكتابي للوديعة وجوه محتملة منها:
الأول: يتعذر على المسلم الإيداع عند أخيه المسلم.
الثاني: انحصار الإيداع باهل الكتاب.
الثالث: عدم امكان ابقاء المسلم ماله في حوزته ،وانه يحتاج إلى ايداعها عند الغير.
وبالنسبة للأول فان المسلم اهل للأمانة وقد جاءت الآيات بمدح الأمين والحث على حفظ الأمانة ، قال تعالى [ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ]( ).
اما الثاني فهناك سعة في اجراء المعاملات مع المسلمين وغيرهم، ولا انحصار للأمانة في ملة دون غيرها خصوصاً وان المسلمين في كثرة وازدياد وغنى في الأموال، اما الثالث فلا يصلح ان يكون قاعدة كلية خصوصاً مع تنامي قوة المسلمين واتساع سلطان الإسلام.
وأداء شطر من أهل الكتاب للأمانة يحتمل وجوهاً:
الأول: الوديعة على قسمين:
اولا: الأمانة المالية كالدينار والدرهم.
ثانياً: الأعيان كالحلي والأنعام.
الثاني: القرض والدين.
الثالث: ما يشترى بالسلم والثمن المدفوع نقداً.
ولا ينحصر لزوم الرد بالمسلم بل هو عام ويتجلى الفرق والتباين انه اذا كانت أمانتهم مع المسلمين خاصة فانه نوع عناية واقرار ضمني بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اما اذا كان عاماً فهو دليل على حسن السمت والتقيد بأحكام الكتاب المنزل، والأخلاق الإنسانية الحميدة، والأصح هو الثاني أي ان هذا الشطر منهم ملتزم بالأداء والوفاء للمسلمين وغيرهم، قال تعالى [مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ *يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ]( ).
ووجود هذه الأمة توطئة ومقدمة لبزوغ شمس الإسلام، كي لا يهجم اهل الضلالة والفجور على المسلمين ويفتكوا بهم قبل ظهور دولتهم، لأن الدعوة الى الحق لا تروق لرؤساء الكفر والضلالة.
وهذا من الآيات الإعجازية في نظام الملل والنحل، وآداب الأمم السالفة ومنه ايضاً تعاقب الأنبياء على أممهم، ومنه إجتناب تكرار قيام بعض الأمم بقتل الأنبياء وتعريض أصحابه وانصاره الى أشد أنواع العذاب، فأراد   جعل واقية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي على أقسام:
الأول: وجود موحدين، لا يشركون بالله، ولا يعبدون الأصنام.
الثاني: أهل الكتاب من اليهود والنصارى ممن يدين بالتنزيل والنبوة.
الثالث: وجود طائفة من أهل الكتاب تحرص على الأخلاق الحميدة وقواعد التنزيل وخشية ، وفيه تهيئة لأسباب منعة وقوة المسلمين وحفظ اموالهم، وبرزخ دون التردد والإنكسار ودفع أسباب الفقر وفقدان الأموال.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (الفرائد) والفريدة هي الجوهرة في العقد التي لا نظير او شبيه لها، واذا نفذت عز ايجاد مثلها، واطلقت في باب الفصاحة على الألفاظ المخصوصة التي يصعب على الفصحاء الإتيان بمثلها لمناسبتها للموضوع والحكم، وهي شاهد على فصاحة الكلام، وجزالة المنطق، وان كانت كلمات القرآن كلها فرائد، فليس من كلمة الا وهي جوهرة لا يمكن استبدالها بغيرها،
واذا حصل الإستبدال فان المعنى يتغير خصوصاً مع لحاظ تجدد معاني اللفظ القرآني بلحاظ الزمان والمكان وتعدد الموضوع فلفظ (قنطار) فريدة في موضعه التباين والإختلاف في تحديد مقداره، وهو الإختلاف يتعلق بالكثرة اذ يصل احياناً الى مليون دينار، وكل دينار مثقال ذهب عيار 18 حبة، او انه الف ومائتا أوقية وكان مقدارها أربعين درهماً، وهي افعولة من الوقاية لأنها تقي صاحبها من الضرر وتدفع عنه الفقر والعوز، وقيل فعلية من ألأوق وهو الثقل والجمع أواقي،
والأوقية عند الأطباء عشرة مثاقيل وخمسة أسباع الدرهم، (وقيل ليس للقنطار وزن عند العرب) ( ).
وهو امر جائز لأن الثراء عند العرب لم يبلغ هذه الدرجة من الكثرة عند الأفراد.
مما يدل على الإعجاز في ألفاظ القرآن بأن يأتي بكلمة تتضمن وزناً غير معروف عند العرب ليكون بشارة عظيمة لهم واخباراً عما ينتظرهم من الغنى، لأن الآية جاءت في باب الإئتمان والإيداع عند الغير، ولابد ان يكون مع الغنى والسعة امان، ففي الوقت الذي يحذرهم القرآن ممن يريد المكر بهم يأتي ضمن التحذير والتنبيه بالبشارات، وهل هذه البشارات خافية عن المسلمين بحيث لم يلتفتوا اليها الى ان اشرنا لها في هذا التفسير، الجواب لا، فقد كان الصحابة والتابعون يعلمون ما ينتظرهم من الخير والسعة وكأنهما ملازمان للهدى والإيمان، كما وردت النصوص والإخبار عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبشارة بفتح بصرى والشام.
لقد فتح لفظ القنطار للمسلمين آفاقاً جديدة في الحياة الدنيا ولم يجعلهم يعيشون الوهم والحلم، فلم تمض الأيام والليالي حتى أتسعت فتوحات المسلمين وأخذت الغنائم ترد من الشرق والغرب على بلاد المسلمين وصار موضوع الآية والتحذير فيها امراًُ واقعياً وحاجة عقائدية واجتماعية ، اما عقائدياً فالأمر على وجوه:
الأول: الإنتفاع من مال المسلم في الجهاد.
الثاني: الإنفاق منه في سبيل .
الثالث: المال الشخصي ثروة للمسلمين عامة.
الرابع: توظيف الذهب والفضة في سبيل الله، وشراء العدة والسلاح وتهيئة المؤون للمقاتلين.
واما اجتماعياً فهو على وجوه:
الأول: تبعث كثرة المال على السكينة.
الثاني: الرضا لأن الحصول على المال الكثير جاء بصيغ شرعية وحيازته تمت بصفة الإيمان.
الثالث: فيه شاهد عملي على الفلاح والجزاء العاجل في الدنيا بالسعة بعد الضيق، والغنى بعد الفقر، وكله بسبب اختيار الإسلام عقيدة.
الرابع: فيه دعوة للنكاح وكثرة النسل، وهو سبيل لنشر الإسلام وتثبيت مبادئه.
الخامس: كثرة المال تجعل الإنسان قادراً على التوسعة على العيال في المأكل والمشرب.
لقد جاءت البشارة بالملك واقتناء المال الكثير على نحو عرضي، وفي باب التحذير من خيانة الآخرين لبيان عظيم فضله تعالى وانه يهب الشيء العظيم ومع هذا لم يذكر في القرآن الا على نحو عرضي وفي سياق موضوع آخر كما انه يدل على أهمية التحذير من قيام الآخرين بخيانة المسلم والغدر به، لأن التوقي من الخيانة يحفظ النفس والعرض والمال.
لقد جاء ذكر القنطار مع كثرته على نحو الأمانة أي ان المسلم يودعه عند غيره، وفيه مسائل هي:
الأولى: ثروة المسلم لا تنحصر بما يودعه عند غيره.
الثانية: الإيداع عند الكتابي لا يحتل الأولوية عند المسلم دائماً، وفي الغالب يميل الى اخيه المسلم.
الثالثة: في الآية دعوة لإيجاد مصارف ومؤسسات خاصة بحفظ الودائع تخفف عن المسلمين، وتصون أموالهم.
الرابعة: لعل في الآية حثاً على توظيف الأموال، وعدم الإتجاه الى ايداعها عند من تحتمل خيانته، ومع عدم الخيانة فان الأمانة عرضة للتلف والضياع، وصيغ التوظيف عديدة كل بحسب زمانه ومكانه وشأنه منها العقارات والبساتين والأنعام، والمزارع والأعيان المختلفة، لقد جاء لفظ القنطار فريدة في دلالته ومناسبته ومعانيه ،ليكون مدرسة فقهية وعقائدية وبلاغية.

قوله تعالى [وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ]
بعد شطر الآية الذي تضمن الإخبار عن الفريق الذي يحفظ الأمانة ويرد الوديعة من أهل الكتاب، جاء هذا الشطر ليتضمن حال الفريق الآخر منهم، ومن الإعجاز في الآية انها لم تذكر فريقاً منهم وتسكت عن الآخر او تشير اليه على نحو الإشارة او انه يذكر في آية أخرى، بل جاء ذكره مع رديفه في عرض واحد، لتكون الآية جامعة مانعة ، جامعة لحال اهل الكتاب فيما يخص وديعة القرض ومانعة من الجهالة والغرر واخذ البرئ بجريرة المذنب، او معاملة صاحب نية وفعل السوء، بمن التزم جانب الوفاء.
بحث أخلاقي
لقد تضمن القرآن الآيات السماوية التي تنمي فضيلة العفة وتكبح جماح القوة الشهوانية والبهيمية والغضبية، لتصبح النفس منجذبة لمفاهيم التقوى ولا تصدر الا عن أوامر احكام القرآن، وهذا من الآيات التوليدية لآيات القرآن وما فيها من الإعجاز ، وعلم الأخلاق مقدمة لأداء العبادات وعون على الإتيان بالمستحبات وهو وعاء لأسباب الثواب وحسن الجزاء ، ومن غايات موضوعاته جعل الدنيا دار أمان ووسيلة للإستعاد لعالم الحساب بلا عمل .
وكل علم لا يتقوم الا بمسائله، ومن مسائل علم الأخلاق الأمانة لما فيها من حسن الخلق والسيرة والعدالة، وخيانة الأمانة داء يهدد الدين والمجتمعات والأفراد، ومحاربتها وظيفة شرعية وأخلاقية، ولا تنحصر الأمانة بحفظ المال والوديعة بل هي أعم وتشمل العناوين الأخلاقية، ومنها:
الأولى: صيانة العرض.
الثاني: كتمان السر، وعدم افشائه.
الثالث: ستر العيب، وأجتناب اذاعته.
الرابع: النصيحة وحسن الإرشاد، وفي الحديث: الدين النصيحة.
الخامس: تعاهد الفرائض والواجبات باعتبارها امانة السماء عند الإنسان، وميثاق النبوة في الأرض.
السادس: اجتناب موارد الخيانة والغدر.
السابع: صيرورة الإنسان عند حسن ظن الطرف الآخر به، فحسن الظن من مصاديق الإئتمان بالغير، ويقتضي الأصل ان يكون عمل الإنسان موافقاً للظن الحسن به.
الثامن: حفظ الذرية وأفراد الأسرة وصيانتهم وبذل الوسع في حصانتهم من الضلالة والفجور.
التاسع: عدم ايذاء الإنسان لأتباعه والعاملين تحت أمرته وسلطانه، ولقد جاء القرآن بما يصلح الناس ويهذب النفوس ويجعل للقوى العاقلة والناطقة السلطان والغلبة على الجوارح في أفعالها وحركاتها، وهذه الآية من الآيات التي تكبت جماح القوة الشهوية والغضبية عند الإنسان وتؤكد على الأمانة، وتخفف عن المسلمين باجتناب ايداع الأموال ونحوها عند من يرتابون منه، ويخشون خيانته وعدم رده الأمانة،
وهذا التخفيف يشمل أهل الكتاب وغيرهم اذ يحول دون تحملهم أوزار الخيانة المركبة لأنها في حال وقوعها تتألف من الغدر وعدم الأمانة ومن قصد أيذاء اهل الإيمان بها، فالأمانة عنوان جامع للخيرات وباعث على السكينة والطمأنينة، ومانع من التعدي والظلم، سواء التعدي بالخيانة والجحود وعدم حفظ الأمانة، او التعدي بالرد على الخيانة، وهي سبيل لنبذ الأخلاق الذميمة، فمتى ما أدرك الإنسان لزوم الأمانة وتعاهدها فانه يحرص على حفظ العهود والمواثيق وصلة الرحم، ويلتفت الى وظائفه العقائدية، ويتدبر في آيات النبوة من غير اصرار على العناد والجحود.
وقد تكون الأمانة عند الإنسان على نحو جزئي ومحدود، فهو مؤتمن في الجزئيات والأمور الصغيرة والأموال القليلة، اما اذا كان الأمر من الكليات والمال كثيراً فانه يتجه صوب الخيانة، ومنهم من يحرص على الأمانة وعدم الخيانة عند اطلاع الآخرين وشهادتهم على الوديعة اما مع عدم علم الناس بها وانحصارها بما يمكن تكذيبه ونفيه فانه لا يفي بها ولا يرد الوديعة، فأراد   ان تكون الأمانة سجية ثابتة وملكة راسخة تتحكم بالسلوك وآلة للسعادة الحقيقية والشخصية والنوعية، وطريقاً لبلوغ منازل الإيمان.
قانون الهدى
من بديع الآيات في خلق الإنسان إ نتـهاج مسالك الأخلاق الحميدة، والمباني السليمة والهداية الى الخير التي تنجذب اليها النفوس، ويسعى العقلاء في مقدماتها ودروبها ، ويشعرون باللذة والرضا عند التحلي والفوز بنيلها.
والهدى والضلالة من المتناقضين فلا يجتمعان في قلب الإنسان ولا يلتقيان في موضوع واحد.كما يظهر كل واحد منهما في عالم الأعمال .
وذكرت الآية الدينار ليكون عنواناً للقلة ولكنها القلة المعتبرة التي لها شأن في المعاملات ويصدق عليها انها أمانة والدينار هنا يحتمل وجهين:
الأول: الدينار الذهبي، الذي كان موجوداً أيام التنزيل والى بدايات القرن الرابع عشر الهجري، وهو مثقال من الذهب عيار ثمان عشرة حبة.
الثاني: المراد المعنى الأعم للدينار وبحسب العرف والزمان، فيصلح على الذهبي في ايام التنزيل وعلى الورقي في هذا الزمان.
وصحيح ان الذهن ينصرف الى المعنى الأول، ولكن موضوع الآية ليس في المعاملات والحصر بزمان دون آخر، بل جاء مطلقاً ومع كثرة تداول لفظ الدينار والدرهم وأهمية الأموال في حياة الناس، فلم يرد لفظ (دينار) الا في هذه الآية، كما ان لفظ (الدرهم) لم يرد الا في آية واحدة وبصيغة الجمع (دراهم)، وهذا من اعجاز القرآن من وجوه:
الأول: ان لفظ الدينار متحد والدراهم جمع، والدينار يكون دراهم معدودات فيكون عشرة او سبعة او بحسب الحال وصرف الذهب بالفضة باعتبار ان الدينار من الذهب والدرهم من الفضة وتتباين قيمة كل منهما في الأمكنة والأزمنة المختلفة.
الثاني: الدعوة لعدم الإنشغال بالدنيا وزينتها والذي يتجلى غالباً في الدينار والدرهم.
الثالث: موارد ذكر الدينار والدرهم، فالدينار جاء في موضوع ايداعه ونكران المستودع له، وجاء ذكر الدراهم في شراء نبي  يوسف ظلماً وجوراً وفي معاملة باطلة جملة وتفصيلاً.
كما جاءت الآية بلفظ (تأمنه) وفيه مسائل:
الأولى: انها حجة تحول دون اللبس وأسباب الجهالة والغرر، خصوصاً وان الآية في مقام الإحتجاج والإرشاد والهداية ،وهي شاهد على تعيين موضوع المعاملة وهو الأمانة والوديعة التي تتقوم باطراف ثلاثة هي:
الأول: المودع الذي يقوم بايداع ماله عند الغير.
الثاني: الوديعة ، وهي ذات الشيء الذي يوضع أمانة سواء كان مالاً او عيناً.
الثالث: المستودع الذي توضع عنده الأمانة والوديعة.
بحث فقهي
الوديعة عقد جائز يحتاج الى الإيجاب والقبول، ويجزي في الإيجاب كل لفظ يــدل على الإستنابة كما لو قال: مالي هذا وديعة عندك او احفظه، اما القبول فيجزي فيه كل ما يدل على الرضا والنيابة في الحفظ.
تصح الوديعة باي لغة ولا تشترط فيها العربية كما تصح كتابة وبالهاتف ونحوه من وسائل الإتصال الحديثة، ويجوز ان يكون الإيجاب باللفظ والقبول بالفعل، وتصح ايضاً بالمعاطاة بان يسلمه المال بما يفهم منه انه وديعة ويحفظه من غير لفظ بينهما يدل على الإيجاب والقبول بل يكفي التلويح والاشارة المبينة للقصد للتوسعة والتيسير في العقود الجائزة.
لو تم الإيجاب والقبول في الوديعة او ان المستودع اظهر ما يدل على القبول لفظاً او فعلاً ونحوه مما يدل على الرضا فتشملها حينئذ احكام الوديعة.
ولو قال مالي عندك وديعة ولكن الغير لم يقبل ولم يصدر منه ما يدل على الرضا، ومع هذا ترك المالك ماله عنده بنية الإستيداع وانصرف عنه، لم يكن فيه ضمان والأحوط القيام بحفظه لحين اعادته لصاحبه او وكيله او تسليمه الى الحاكم.
ومن كان عاجزاً عن حفظ الوديعة ابتداء او استدامة لا يجوز له التصدي لقبولها، لما للقدرة من اعتبار في المستودع.
والوديعة جائزة من الطرفين فللمالك استرداد ماله وللمستودع رده في أي وقت.
اذا طلب المالك الوديعة فليس للمستودع الإمتناع عن ردها ويكون بعدها ضامناً.
ولو فسخ المستودع الوديعة انفسخت وزالت الأمانة المالكية واصبحت عنده امانة شرعية فيجب عليه حينئذ الرد الى المالك او الى وكيله او اعلامه بالفسخ وقصد الإعادة من غير ابطاء، فلو اهمل يكون ضامناً.
ويعتبر في كل من المستودع والمودع البلوغ والعقل، فلا يصح ايداع الصبي والمجنون ولا استيداعهما.
ومن اخذ من الصبي والمجنون لا تبرء ذمته بالإرجاع اليهما فلابد من الإيصال الى وليهما الا مع القرينة المعتبرة الدالة على اذن الولي في خصوص الصبي المميز.
ولا بأس بأخذ الشيء من الصبي والمجنون اذا خيف هلاكه وتلفه في ايديهــما بعنــوان الحســبة والحفــظ ويكون حينئــذ امانــة شــرعية وليس وديعة وامانة مالكية، اي يجب على الآخذ حفظها والمبادرة في ايصالها الى وليهمــا واعلامــه بكونها عنده وليس عليه ضمان لو تلفت في يده من غير تعد او تفريط او ابطاء عرفي في الإيصال الى الولي.
لو كان الصبي او المجنون وسيلة وآلة لنقل الوديعة من البالغ العاقل الى من مثله صحت وديعة وامانة مالكية.
ولو ارسلت الوديعة بواسطة آلة جمادية أو حوالة مصرفية أو حيوان معلم أو وسائل علمية حديثة صحت اذ لا موضوعية للواسطة بعد تحقق أخذ المستودع للوديعة.
ولا يضمن الصبي غير المميز والمجنون ما يودع عندهما اذا تلف وكذا لو اتلفاه.
ويجب على المستودع حفظ الوديعة وفق المتعارف والممكن ولهما موضوعية حتى في نية المودع لإختيار الوديعة او شخص المستودع، ويجب وضعها في حرز مناسب لها بحيث لا يعد عرفاً مقدمة للتضييع او التفريط او الخيانة، ويجب على المستودع تحصيل الحرز عند قبوله الوديعة لوجوب حفظ الأمانة ولأن مقدمة الواجب واجبة.
والأقوى صحة اشتراط جعل عقد الوديعة لازماً لعمومات المؤمنون عند شروطهم.
ويعتبر حفظ العين الشخصية المودعة الا ان يجزي حفظ اصل المالية ولا يغير الموضوع كما لو اودع عشرة دنانير من فئة دينار واحد فقد يصدق الحفظ ان تعلق بورقة واحدة من عشرة دنانير فيصح ايضاً الا مع القرينة على الخلاف.
لا يضمن المستودع الوديعة لو تلفت عنده اذا لم يكن متعدياً او مفرطاً، وكذا لو اخذها منه ظالم قهراً سواء بالإنتزاع من يده او اجباره على دفعها له او سرقتها الا ان يكون المستودع هو السبب فالأقوى الضمان.
وتسقط المدافعة عن الوديعة اذا استلزمت ضرراً على البدن او العرض او المال مما لا يحتمل، اما لو ترتب على حفظ الوديعة والمدافعة عنها ضرر يسير بحيث يمكن تحمله عرفاً كما لو خوطب بكلام فيه غلظة ولكنه لا يعد هتكاً لمقامه وقدره ولا يتأذى منه فالظاهر وجوب تحمله لأهمية حفظ الوديعة معه.
ولو توقف الدفــع عن الوديعة بمال من المستودع تبرعاً ومجاناً ومصــانعة لا يجب عليه، نعــم لو امكن الرجوع به على المالك او من يقوم مقامه وجب البذل، خصوصاً مع احتمال وترجيح رضا المالك بالدفع.
ولا تجب مباشرة المستودع حفظ وتعاهد الوديعة بنفسه فيجوز ان يقوم ولده مثلاً بسقي الدابة وعلفها الا اذا ابتنى الإيداع على مباشرة المستودع بنفسه واشتراطها، او كانت مباشرة الغير مقدمة لضياعها او سبباً لتلفها.
واذا استلزم حفظ الوديعة مؤونة فهي على المالك، ويجوز ان ينفق المستودع عليها من ماله على ذمة المالك بعد رضاه وبقصد الرجوع عليه، فان تعذر ذلك يرفع المستودع الأمر الى الحاكم الشرعي ليرى رأيه ولو ببيع بعضها.
وإذا مات المودع بطلت الوديعة ويجب على المستودع رد الوديعة الى الورثة فوراً او اخبارهم بها، فان اهمل الرد مع امكانه وعدم وجود عذر شرعي ضمن.
وإذا كان الوارث متعدداً فلا يجوز تسليم الوديعة الى البعض بل يجب تسليمها الى الكل او الى من يقوم مقامهم.
وتبطل الوديعة لو مات المستودع وتصبح الوديعة امانة شرعية في يد وارثه او وليه او من صار اليه حفظها ويجب عليه الرد الى المودع او اعلامه فوراً، وللمودع ابقاء الوديعة عند الوارث.
وإذا لم يوص المستودع بالوديعة اشتغلت ذمته بها، ولو كان الوارث او غيره مطلعاً على امر الوديعة يعتبر مكلفاً شرعاً بالأخبار عنها وبردها ان كان هو المتولي للرد.
ويجوز ان يسافر المستودع ويترك الوديعة في حرزها عند اهله وعياله ووكيله وان لم يكن السفر ضرورياً، الا اذا توقف حفظها على حضوره فحينئذ يلزم عليه احدى ثلاث :
الأول : الإقامة وترك السفر.
الثاني : ردها الى مالكها او وكيله مع الامكان.
الثالث : ايصالها الى الحاكم، ولا يجوز ان يسافر بها ولو مع أمن الطريق.
اذا كان سفر المستودع ضرورياً ولم يكن واثقاً من حفظها في حرزها اثناء سفره وتعذر عليه ايصالها الى مالكها او وكيله او الى الحاكم يتعين ايداعها عند امين والإشهاد عليها خصوصاً اذا كانت الوديعة خطيرة.
والمستودع امين ليس عليه ضمان لو تلفت الوديعة او تعيبت بيده الا مع التفريط او التعدي وعليه النص والإجماع.
والتفريط في حفظ الوديعة نوع اهمال، وكذا التسامح في الإحتراز عليها وترك اسباب حفظها وفق المتعارف والمعهود من مثله فما يكون حرزاً عند البعض قد يكون اهمالاً عند غيره، ومن كان عنده خزيــنة حــديــديــة محكــمة الأقفال يعــتبر مفرطاً لو لم يحفظ الوديعة فيها وفقدت مع ان الخزينة صالحة لحفظها، بخلاف الذي لا يملك الا خــزاناً خشبياً يحفظ فيه مدخراته، ومن التفريط عدم تعاهدهــا ومراقبتهــا او ترك ادامتــها ان كانت تحــتاج الى الإدامــة.
والتعدي في حفظ الأمانة هو الخروج عن اذن المالك في التصرف فيها او الخيانة والإتيان بما ينافي الأمانة والمتعارف في حفظها، كما لو تصرف بها كاعطاء الوديعة من الحلي الى عياله للبسها ولو مرة واحدة، او الإذن لغيره بالوصــول اليها، او تركها في موضع يفســدها، او خلطهــا بمال يعود لغير المودع وان كان من جنسها، بل لو كان للمودع كيسان فالأحوط عدم جعلهما كيساً واحداً الا مع الإذن او الفحــوى او القــرائن او الضــرورة ســواء كانا مختومــين او غير مختومــين.
ومجرد نية التصرف في الوديعة لا يكون سبباً للضمان، نعم لو نوى الغصبية بان قصد الإستحواذ عليها وعدم ردها الى المالك تصبح يده يد عدوان تعليقي، ولكن لو حصل التلف من غير تعد ولا تفريط او موضوعية لنية الغصب فالأقوى عدم الضمان وصيرورة يده مرة اخرى يد استئمان ما دامت نية الغصب لم تترجل بفعل خارجي.
وإذا انكر المستودع الوديعة، او امتنع عند طلبها عن ردها مع التمكن منه عقلاً وشرعاً فانه يصبح ضامناً ولم يبرأ من الضمان لو عدل عن امتناعه، اما لو رجع عن انكاره وجحوده واقر بالوديعة فأن يد العدوان تزول، والأحوط اخذ الوديعة منه لعمومات الموثق: “ليس لك ان تأتمن من خانك”.
قانون الوديعة
وهي استنابة في حفظ المال اي وضعه عند الغير للإستئمان عليه وحفظــه لمالكه وتكــاد تكون الوديعة ملازمة لوجود الإنسان على الأرض، ولكن الإسلام اخضعها للقواعد الشرعية وبيّن احكامها لتكون معلماً اخلاقياً محسوساً ومناسبة للأمن والثقة والأجر والثواب لاسيما وان موضــوعها يتعــدى في العرف الإسلامي المال، والإجماع على مشروعيتها ، قال تعالى [ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا].
ويتقوم موضوع الوديعة بامور:
الأول: وجود مجتمع وحصول معاملات بينهم.
الثاني: الملكية الشخصية.
الثالث: احتمال ضياع المال او تعرضه للتلف، وصيغ التعدي.
الرابع: وجود أفراد وجهات تتصف بالأمانة وحفظ الوديعة، ووجود هؤلاء الأفراد عنوان للإستقرار المجتمعات، وعدم سيادة الظلم والتعدي على نحو مطلق، فلا تتوقف الوديعة على الإنتماء العقائدي بل هي أمر جائز وحاصل بين الناس بمختلف مذاهبهم، وقد ترى القريب يخون الأمانة بينما يقوم البعيد في النسب والمذهب والملة بحفظها وتعاهد الوديعة وتسليمها الى صاحبها.
ولعل حفظ الأمانة والوديعة من افاضات نفخ الروح في آدم ان جعل   امة وافراداً يتصدون للأمانة ويولون حفظها وتعاهدها عناية خاصة، ومن مصاديقه ان الآية لم تنفِ قيام نفر من اهل الكتاب بحفظ الأمانة بالإضافة الى تولي المسلمين حفظها ايضاً، ليكون حفظ الأمانة من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض وشاهداً على قدرته على تحمل اعباء مسؤوليات دوام العبادة والصلاح، وقد ورد قوله تعالى [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ] ( ).
ليكون حفظ الوديعة المالية فرع الأمانة العقائدية في بقاء كلمة التوحيد في الأرض وان تباينت المصاديقه الشخصية، بمعنى ليس كل من يكون صائناً للأمانة الشخصية متقيداً بأحكام التوحيد، ولكن الملازمة بينهما في الجملة، فلقد أراد   للوديعة المالية ان تكون شاهداً على الوديعة العظمى التي يتقوم بها الوجود الإنساني، وتستديم معالم الحياة على الأرض وهي وديعة كلمة التوحيد وقول لا اله الا  لذا تقدم قبل آيات قوله تعالى [تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ] ومتى ما اجتهد الإنسان في حفظ الوديعة فانه يسأل نفسه هل حفظ الوديعة التي جعلها   عنده وحمله مسؤولية حفظها وتعاهدها ونقلها لمن بعده خصوصاً وان حفظها لا يستلزم الا صيانة القلب من وساوس وإغواء الشيطان .
فموضوع الوديعة وائتمان الناس بعض بعضاً على أموالهم مناسبة ووسيلة للتذكير بالوديعة العقائدية ، وليس فيها انتقاء واختبار للمستودع، لأنها تكون عند كل مكلف ومكلفة وقد تفضل سبحانه ببعث الأنبياء وانزال الكتب السماوية لإعانة الناس على حفظ هذه الوديعة وهي كلمة التوحيد كما ان حفظها سبب ومناسبة لحفظ الإنسان لوديعة غيره، فمتى ما كان الإنسان يخشى ربه ويعلم ان وظيفته تستلزم حفظ الوديعة العظمى فانه يجتهد في حفظ الوديعة الشخصية، فان قلت: من الناس من يحفظ الوديعة مع كفره وجحوده وشركه بالله، قلت: انه من النفخ في آدم من روحه تعالى.وخصائص الخلافة في الأرض اذ يدرك الإنسان بما آتاه  من العقل الحسن الذاتي للأمانة.
وهل يتعارض الإيداع مع الزهد، بمعنى ان الإيداع دليل على الزيادة على المؤونة والرغبة في المال وادخاره، والزهد في الشيء ذد الرغبة فيه والزهد فيكون من مجموع حروف لمواضيع ثلاث يلزم تركها كي يصدق على الإنسان انه زاهد، فالزاي اول حروف الزينة، والهاء اول حرف الهدى، والدال اول حروف الدنيا.
والجواب لا تعارض بين الإيداع والزهد، لأن المقاصد والغايات من الزهد أعم من أن تنحصر بالدنيا وزينتها فقد يكون الإيداع لحاجات شخصية وأسرية وعقائدية ، ولما يطرأ من الضروريات ومؤون الغد، وفيه احتراز من الحاجة والنقص، وهو باعث للسكينة والطمأنينة، وهذه السكينة مقدمة لأداء العبادات ، ومن خصائص قانون الوديعة ولا يضر فيه حصول بعض الأفراد منه لأغراض الدنيا، نعم لابد من الإلتفات الى اخراج زكاة المال المدخر.

بحث فقهي
لا تنحصر وظيفة المستودع بحفظ الأمانة بل عليه القيام بكل ما يصونها ويحول دون تلفها وان لم يطلب منه المودع ذلك، فاذا كانت الوديعــة قماشــاً كالصوف ونحوه يقوم بنشره، واذا كانت دابة يقوم بسقيها وعلفها، فلو اهمل وتلفت الوديعة يكون ضامناً.
ولو طلب المودع من المستودع وضع الوديعة وحفظها في موضع خاص اقتصر عليه، ولا يجوز نقلها الى غيره بعد وضعها فيه وان كان احفظ وعليه الضمان الا مع الضرورة وصيرورتها في معرض التلف فيجوز نقلها الى مكان احفظ ولا ضمان عليه حتى مع النهي السابق من المالك كقوله لا تنقلها وان تلفت.
مما يدل على الوظائف التي تترشح عن الوديعة ومسؤولية المستودع في حفظها وتعاهدها وقبوله ورضاه بهذه المسؤولية فلا غرابة ان يترتب الثواب والأجر على حفظ الأمانة مع قصد القربة وطلب رضاه سبحانه.
ولو تمكن الدفع عن الوديعة بالوسائل والطرق الموجبة لسلامتها من غير خروج عن احكام الشريعة وجب لأنه مقدمة للواجب، ويجوز اليمين لو توقف انكارها عليه.
ولو انحصر الدفع عن الوديعة وحفظها الى بذل بعض المال وجب دفع اقل مقدار من مال الوديعة، ولو اهمل المستودع ولم يدفع واستحوذ معتد على الوديعة يكون المستودع ضامناً للزائد عن المقدار الذي وجب دفعه، فلو كانت الوديعة الف دينار او ان قيمتها كذلك، وكان بالإمكان الدفع عنها بمائة دينار ولكن المستودع اهمل وابى الدفع منها حتى اخذت كلها فانه يضمن تسعمائة دينار، الا ان تكون عنده امارة على استدامة حفظها من غير بذل.
والآية الكريمة ناظرة الى قواعد وأحكام الأمانة وحفظ الوديعة، ولزوم تقيد من يتصدى للأمانة بها، ومراعاته لأسباب حفظ الوديعة لحين ردها الى صاحبها وعدم التفريط حتى في قواعدالرد.
اذ يجب رد الوديعة حال المطالبة وعدم التأخير عرفاً مع المقدرة وان كان المودع كافراً محترم المال.
ويعتبر في رد الوديعة التخلية بينها وبين المالك او من يقوم مقامه ووجوب رفع اليد عنها ولا يلزم نقلها اليه الا اذا انحصر الرد به ومؤونة النقل على المالك، ولو كانت في صندوق او بيت مقفل وفتحه وقال له ها هي وديعتك فخذها تحقق الرد وبرئت ذمة المستودع الا مع القرينة على الخلاف.
والمراد من الفورية في الرد الفورية العرفية فلا يجب قطع الصلاة مثلاً او الخروج من الحمام فوراً ويجوز له التأخير المناسب للإشهاد، ولو دار الأمر بين السعي الى الإشهاد وبين التأخير لحين حصوله كما لو كان بامكانه السعي الى المسجد للإشهاد على الرد وبين انتظار زيارة عدلين قدم الأول، ولو طلب المالك الرد مع الترخيص في التأخير وعدم الإسراع فيجوز حينئذ التأخير.
ورد الوديعة لا ينحصر بمطالبة المالك بل يجب ايضاً اذا خاف المستودع عليها من تلف او سرق او حرق ونحوه.
ويجب على المستودع رد الوديعة الى مالكها او وكيله مع الإمكان اذا ظهرت عليه امارة الموت لأن الرد يكون حينئذ مضيقاً وفورياً قهراً، ومع تعذر التسليم الى المالك او وكيله تسلم الى الحاكم الشرعي، ومع تعذره فإلى عدول المؤمنين والأولى الإشهاد.
ولو لم يتمكن المستودع من ايصال الوديعة الى المالك او وكيله او الحاكم الشرعي كما لو باغتته امارة الموت ولم يمهل بما يتسع للتســليم او حــدث امر طاريء يتعذر عليه معه تعاهد الأمانة فيجب عليه ان يوصــي بالوديعــة ويشــهد بها على نحـو يؤدي الى حفظها وتمكين مالكها منها، واذا استلزم الأمر الوصية بها من غير مشاهدة الوصي فعليه ان يبين جنســها ووضعها ويعين مكانها ومالكها وبما يحول دون الجهالة فلا يكفي ان يقول عندي لفلان وديعة او عندي لبعض الناس مبلــغ مائة ديــنار وديعة، ويجوز ان يودعها عند ثقة امين قادر على حفظها.
والمستودع امين ليس عليه ضمان لو تلفت الوديعة او تعيبت بيده الا مع التفريط او التعدي وعليه النص والإجماع.
وصفة الأمانة للمستودع عنوان مدح وتخفيف واعانة على قبول الوديعة فلو كان الضمان مطلقاً وفي كل الأحوال لتردد الناس في قبول الأمانات خشية الخسارة من غير تفريط.

قوله تعالى [لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ]
والدينار أصله دنّار، بكسر الدال والتشديد، فقلبت أحدى النونين ياء، للتمييز بينه وبين المصادر التي تأتي على وزن فِعال، قيل (دينار وقيراط وديباج اصلها اعجمية، غير ان العرب تكلمت بها قديماً، فصارت عربية)( ).
والإقرار بتكلم العرب بها قديماً يدل بالدلالة التضمنية على ان العرب يستعملونها من قديم الزمان، وهو شاهد على عربيتها، اما موضوع النقل من الأعجمية الى العربية، فيحتاج الى دليل.
ومن اعجاز الآية انها تتضمن التحدي والإخبار عن أخلاق مذمومة عند طائفة من اهل الكتاب بخيانة الأمانة وعدم ردها وان كانت قليلة وذات مقدار لا يعتد به، وتتضمن الآية مسائل عقائدية منها:
الأول: يتعلق عدم الرد بحب المال والتلذذ بجحوده.
الثاني: عدم الرد حرب مالية على المسلمين.
الثالث: استحلال اكل مال المسلم، وان كان قليلاً.
الرابع: تثبيط عزائم المسلمين، والإستهانة بهم.
الخامس: بث الإرباك في أسواق المسلمين، ومحاولة افساد المعاملات فيما بينهم، فعندما لا يرد غير المسلم وديعة المسلم فانه قد يرغب بقيام المسلم بمعاملة باطلة مع غيره، او التصرف بالمثل مع غيره ممن يستطيع عدم رد سلعته، او عدم ايفاء دينه ونحوها فيؤثم.
السادس: دبيب الباطل وفساد المعاملات الى المجتمعات، من خلال وشيوع الخيانة وعدم رد الأمانة.
السابع: انشغال المسلم برفع دعوى او استحضار البينة على الأمانة، والتسويف والأخذ والرد ومحاولة تثبيت وقوع الإيداع.
الثامن: بعث اليأس في نفس المسلم بفقدانه لأمواله المستودعة وخشيته على ما بقي في يديه.
وتظهر الآية اصرار هذه الطائفة على عدم اعادة امانة المسلم لورودها بصيغة المضارع، ولأنهم لم يعتبروا او يتعظوا من التنبيه والتحذير الوارد في هذه الآية، وفي الآية مسائل:
الأول: هل من ملازمة وصلة بين عدم رد الأمانة ودعوة طائفة منهم بالإيمان اول النهار، والكفر آخره.
الثاني: هل الذي لا يرد الأمانة من الذين يدعون الى الإيمان في أول النهار والكفر آخره.
الثالث: عدم ارجاع الوديعة هل هو من أثر الدعوة أعلاه او انه مقدمة له.
الجواب لا تعارض بين هذه المسائل،والجواب بعدم النفي عليها جائز ، وهي متفرقة ومتداخلة تدل على مجيء المكر بالمسلمين على نحو القصد المتشعب، وفيه انذار بحصول مواجهة وتحدِ، وهو امارة عن قرب نشوب قتال بين الفريقين، لأنه أذى من طرف واحد يشمل الميادين العقائدية والإقتصادية والمعاشية والأخلاقية، فان عدم رد الأمانة لا ينظر اليه على نحو مجرد بل لابد من اخذ الأسباب والنتائج وما يلزمه من الأعمال والتحدي، فالآية وان جاءت بصيغة الخبر الا انها تتضمن مسائل منها:
الأولى: بيان تعدي طائفة وجماعة من أهل الكتاب على حقوق المسلمين.
الثانية: تحذير المسلمين من الركون والوثوق بطائفة من أهل الكتاب.
الثالثة: حث المسلمين على الأمانة وحفظ الودائع واستغنائهم عن غيرهم في باب الأمانات، وفيه دعوة لبناء مؤسسات اقتصادية وتجارية يمكن معها ايداع المال.
الرابعة: البشارة باقتناء المسلمين للأموال وحاجتهم لإيداعها عند الغير، وكان اغلب المسلمين في أيام التنزيل في حاجة أو أنهم لا يستطيعون توفير زائد عن المؤونة يستلزم الإيداع، وصحيح ان الدينار مبلغ قليل الا انه عنوان للإيداع وموضوع للتوفير وجاء من باب المثال بالأدنى، فالمراد منه انه لو اودعته المال الكثير لم يرده من باب الأولوية القطعية.
واعتبار الدينار هنا مبلغاً قليلاً شاهد على الغنى والسعة التي تنتظر المسلمين، وحتى الدينار الذهبي الواحد فانه لا يعتبر أيام التنزيل مبلغاً قليلاً او لا شأن له، فقد وردت الأخبار بان مهر بعض النساء كان بمقدار الحمصة الواحدة او ان الإنسان يتزوج وليس عنده مهر الا سورة قرآنية يعلمها الزوجة، ومع هذا جاء ذكره بانه الأقل والأدنى.
الرابعة: من الإعجاز ان يتعلق موضوع الأمانة بأهل الكتاب، والمراد الناس جميعاً، لأن أهل الكتاب أقرب الناس للمسلمين فاذا كانوا ينقسمون الى فريقين، أحدهما مؤتمن على الكثير، والآخر يخون في المال القليل، فمن باب اولى ان يحذر المسلمون من غيرهم أشد الحذر في باب الوديعة والبيع بالنسيئة.
الخامسة: تظهر الآية أهمية المعاملات في الحياة العامة للمسلمين، وتدعوهم للإلتفات الى ضبطها وتولي شؤون الأسواق، وزمام المعاملات بما يمنع من الغفلة والجهالة التي تؤدي الى الخسارة.
السادسة: يحتاج المسلمون الوديعة على نحو طارئ ومفاجئ، فقد يكونون في حال حرب او على أبواب معركة، ويستلزم الأمر تهيئة مقدماتها وشراء الأسلحة والمؤون، وعدم اعادة الوديعة قد يؤدي إلى تعريض ألمسلمين للهزيمة وعوائلهم للأذى الشديد، لذا فان الآية جاءت للإحتراز في تهيئة المقدمات للقتال والغزو والدفاع، بان يكون باستطاعة المسلمين استرداد الودائع ساعة الحاجة وعدم التسويف فيه بما يفوت فرصة الغلبة على العدو، ورد كيده وشره.
السابعة: اخذ الحائطة لحال عدم اعادة الوديعة، فقد يظن المسلم بالكتابي خيراً ويعتبره ممن يؤدي الأمانة ويجعل ماله عنده وديعة، وعند طلبها يفاجئه بانكارها وعدم ردها.
الثامنة: توثيق الأمانة وكتابة الوديعة والشهادة على الدين، وقد تقدم قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ]( )، فمن باب الأولوية ان تحصل الكتابة وتوثيق الدين والوديعة بين المسلم والكتابي.
التاسعة: في الآية تعريض بأهل الكتاب بقيام شطر وجماعة منهم بعدم رد الوديعة، لأن الذم والتقبيح جاء بصفة الإنتماء الى الكتاب السماوي، وهو أبلغ اثراً وبياناً وحجة ولتوكيد حقيقة وهي ان رد الأمانة واجب جاءت به الكتب السماوية كافة، وان الخيانة أمر مبغوض ذاتاً وشرعاً وعقلاً.
وتدعو الآية في مفهومها الى معالجة اسباب الخيانة وعدم رد الأمانة وتجعل المسلمين حذرين من موارد الخيانة مطلقاً أي ليس بخصوص عدم رد الأمانة وحده، فليس كل مؤمن عنده ما يودعه، واذا كان عنده فقد لا يودعه عند كتابي، ولكن الآية جاءت لتأديب المسلمين كافة وارشادهم الى سبل السلامة والأمن واجتناب موارد الغدر.
وتحتمل الآية أمرين:
الأول: الوقاية من خيانة الأمانة، واجتناب الذي لا يرد الوديعة كثيرة كانت او قليلة.
الثاني: صيغ التدارك والعلاج في حال حصول خيانة للأمانة، ولا تعارض بين الوجهين، والآية شاملة لهما لأنهما من مصاديق حفظ مال المسلم ابتداء واستدامة.
وذكر الدينار هنا أعم من الوديعة فيشمل البيع بالنسيئة والشراء بالسلم، والقرض والمعاملات التي يبقى معها مقدار من المال في ذمة الطرف الآخر، او انه ليس من المتعاقدين ولكنه شخص ثالث كالكفيل فان عمومات الآية تشمله.
وأوان عدم الأداء في قوله تعالى [لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ] يحتمل وجهين:
الأول: عند المطالبة وسؤال استرداد الوديعة.
الثاني: مطلقاً في حال المطالبة او عدمها، والأصح هو الثاني لأنه أعم، فقد يموت المودع فيجب رد الوديعة الى الورثة، واذا كان المودع لا يردها لصاحبها، فمن باب أولى لا يردها الى الورثة، ويجب على المستودع الوصية بالوديعة كي يقوم ورثته باعادتها في حال موته، ومن يخشى منه خيانة الوديعة، فمن المحتمل بل الراجح ان لا يوصي بها، ولو اشترط المودع لزوم الرد او الضمان بالمثل او القيمة حتى مع عدم التعدي او التفريط ورضي المستودع بذلك صح على الأقوى، والأولى ان يكون تعهداً من المستودع في ماله لخسارة التلف لا بشرط الضمان في الوديعة.

قوله تعالى [إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا]
جاء الإستثناء في الآية على نحو الإعجاز الموضوعي والحكمي، وفيه ثلاثة أطراف:
الأول: المودع.
الثاني: المستودع.
الثالث: قيام المودع على المستودع.
ولم تقل الآية ما دمت (عنده) قائماً، بل جاءت بلفظ (على) وهو يفيد الإستعلاء، وفيه مسائل:
الأولى: فيه اشارة الى القوة واسباب انتزاع الحق ممن يمتنع عن رده.
الثانية: تمنع الآية من اليأس من المال في حال قيام المستودع بانكار الأمانة واصراره على عدم ردها.
الثالثة: اعانة المسلمين لأخيهم في استرجاع امانته.
الرابعة: تنبيه الكتابي وغيره ممن يتعمد عدم رد الأمانة واخباره بامكان استرجاعها.
الخامسة: هذه الآية بشارة عدم ضياع أموال المسلمين من وجوه:
الأول: التحذير من ايداع المال عند من يحتمل انكاره له.
الثاني: التنبيه الى لزوم عدم اجراء المعاملات مع اهل المكر والخديعة والخيانة.
الثالث: العمل لإستنقاذ الحق والمال الذي يقوم الآخرون بانكاره او أخذه.
وهذا من اللطف الإلهي المركب، فعند التعرض للخديعة او الضرورة بالإيداع عند من يقوم بانكار الوديعة او القرض فان الآية تدعو لإيجاد أسباب انتزاع الحق وفق الطرق الشرعية التي هي قواعد كلية تحكم فعل المسلم.
السادسة: اهلية المسلمين لإسترداد حقوقهم ، ومنع الآخرين من الغدر بهم، فمن الممكن بعد هذه الآية ان يكون جميع أهل الكتاب ممن يرد الأمانة ويحفظ الوديعة ولا ينكرها، اذ انهم يكونون على أقسام:
الأول: من يقوم باعادتها اصلاً من غير تسويف كما جاء في الشطر الأول من الآية.
الثاني: من يعيد الوديعة ولكن بمؤونة زائدة وجهد.
الثالث: من يهم بأخذ الوديعة وخيانة الأمانة، ولكنه يخشى البطش والأذى وحمله على اعادتها قهراً، فيقوم بردها.
وهذا من افاضات وبركات هذه الآية الكريمة.
وتدعو الآية الى عدم الفترة والسكوت عن المطالبة بالحق واسترداد الوديعة، وعدم الفترة في هذا جزء من وسائل انتزاع الحق ويتضمن التأديب ويدل على عز المسلمين وعدم تفريطهم بحقوقهم وأموالهم.
وفيه نكتة اضافية الإنتفاع من الوقت بانتزاع الحق في أسرع وقت والتوجه الى الوظائف العقائدية والعبادية، والإنتفاع من المال والوديعة المسترجعة، فمع تضمن الآية التوبيخ والتقبيح لمن يغدر بالمسلمين، ويصر على ايذائهم، فانها تتضمن البشارة باعادة الودائع الإسلامية، وعدم استدامة اخفائها ومصادرتها وغصبها، وان الأمر يتطلب السعي لإستردادها، وتمنع الآية من مفهومها من التعدي والظلم بسبب عدم رد الوديعة، اذ ان النوبة لا تصل اليه.
هذا في حال العلاج والتدارك والا فان الآية حذرت اصلاً من من مثل هذه الوديعة التي ليس فيها امارات تدل على الوثوق والإعادة.
وهل تشمل الآية من يتعذر عليه أداء الأمانة كما لو فقدت من غير تفريط منه، الجواب لا، ومع هذا فصيغة الإجمال في الآية تدعو للحذر من مثل هذه الصورة وتدعو الى التثبت في الأمانة عند من يحرص على مقدمات حفظها وتعاهدها وصيانتها ويكون مؤهلاً لحفظها، بمعنى ان الحرص على الأمانة غير الأهلية لحفظها، فقد يكون الإنسان حريصاً على حفظها ولكنه لا يملك الموضع الذي يحفظها فيه ووسائل صياغتها، وقد يكون مؤهلاً لحفظها ولكنه لا يلتفت الى العناية بها، واذا استلزم حفظها واستدامتها الى العناية بها وصرف مؤونة لها فانه لا يبذل الوسع ولا ينفق عليها وان كان هذا الإنفاق على المالك.
وفي معنى القيام في قوله تعالى [مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا] ذكرت وجوه:
الأول: الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة( ).
الثاني: تلازمه، وتتقاضاه، عن الحسن وابن زيد.
الثالث: التقاضي والمطالبة، عن قتادة ومجاهد.
الرابع: الإجتماع معه، والملازمة، عن السدي ( ).
ولكن هذه الوجوه من مصاديق الآية، وموارد القيام المذكور فيها، فلا تعارض بينها لقد بينت الآية أمرين:
الأول: من أهل الكتاب فريق تأمنه على الوديعة، ويكفي مجرد ايداعها ولا يستلزم ملازمته والتوكيد المستمر عليها، والحرص على المواثيق وعدم نسيان الشهود لموضوع الوديعة.
الثاني: منهم من يستلزم حفظ الوديعة أخذ المواثيق وحضور الشهود، والتوكيد المستمر على الوديعة ومتابعة أمرها، وحين ارادة أحد الطرفين المودع والمستودع النظر في موضوع ابقائها او اخذها منه، والحذر من خلط الكتابي للوديعة بأمواله، وتصرفه او عماله وعياله بها.
كما تعطي الآية الإذن للمسلم بالتقاصي والخصومة عند الجحود بالوديعة، وفيها دعوة للمسلمين لأمانة أخيهم ان أدى وجود وديعة له عند الكتابي، ولزوم عدم تكذيبه او تركه وحيداً يصارع الباطل لإنتزاع حقه، اذا كانت عنده بينة تدل على الوديعة.
وتحث الآية المسلمين على تنظيم صفوفهم وايجاد أسباب القوة والمنعة وبعث الخوف في قلوب الآخرين من نتائج خيانتهم وايذائهم، والجحود بحقوقهم سواء النوعية العامة او الشخصية، ويأتي القيام بمعنى الدوام والثبات، وفيه اشارة الى الحرج في اختيار هذا الفرد والطائفة من اهل الكتاب للأمانة حتى مع رجحان ردها، وحصوله فعلاً اذ ان الأمانة عنده تستلزم البقاء على صلة معه.
وهذه الصلة تتقوم باسباب المنعة التي يخشى معها الطرف الآخر الإستيلاء على الوديعة ومنها المواثيق والشهادات الدالة على الوديعة، مع الحاجة الى مقومات سلطان وأثر هذه المواثيق والشهادات وهي أمور تتباين من زمان الى آخر، ومن موضع ومكان الى غيره، وفيها نفي للحرج من جهة أخرى باجتناب مثل هذا الفرد من اهل الكتاب والبحث عن الأمين، فان قلت لماذا لم تأتِ الآية باجتناب الإيداع عند هذا الكتابي، ودفع الحرج من الأصل، الجواب من وجوه:
الأول: الإجمال وعدم الفصل والتمييز بين الفريقين، المؤتمن وغي المؤتمن منهم، فلذا يعتبر التحذير الوارد بخصوص الفريق الثاني من الإطلاق الشمولي ليستبين امر المؤتمن منهم ومن لا يقول بجواز الإستيلاء على أموال المسلمين.
الثاني: قد يكون الحرج في عدم الوديعة اكثر منه في الوديعة عند من يحتمل عدم ردها، كما لو كان المال في معرض التلف او ان معاملة البيع والشراء مع هذا الكتابي تجنب صاحبها الخسارة في التجارة وتلف الأعيان وضياع الأموال الخاصة.
الثالث: ذكر الفريق الآخر غير المؤتمن في الآية، لا يعني عدم امكان استرداد الوديعة والغرض منه، لأن الآية جاءت باسباب الوقاية والتوقي من الخيانة، وحثت على اتخاذ ما فيه الضمان لحفظ المال واسترجاع الوديعة.
ومن الإعجاز ان هذه الأسباب تنفع في حفظ الوديعة مطلقاً عند الكتابي المؤتمن وغيره، بل وعند المسلم وغير المسلم، لأن الأمانة تتعلق بالإنتماء العقائدي وحسن الإيمان، وصدق السريرة والقدرة على التغلب على النفس الشهوية والأمارة بالسوء، كما تتعلق بالخشية من  والإقرار باليوم الآخر وما فيه من مواطن الحساب والثواب والعقاب، الثواب على الأمانة ورد الوديعة واكرام المسلم بحفظ امواله وعدم ظلمه، والعقاب على الخيانة مطلقاً والغدر بالمسلم وايذائه في نفسه وماله.
مسائل في الوديعة
التفريط في حفظ الوديعة نوع اهمال، وكذا التسامح في الإحتراز عليها وترك اسباب حفظها وفق المتعارف والمعهود من مثله فما يكون حرزاً عند البعض قد يكون اهمالاً عند غيره، ومن كان عنده خزيــنة حــديــديــة محكــمة الأقفال يعــتبر مفرطاً لو لم يحفظ الوديعة فيها وفقدت مع ان الخزينة صالحة لحفظها، بخلاف الذي لا يملك الا خــزاناً خشبياً يحفظ فيه مدخراته، ومن التفريط عدم تعاهدهــا ومراقبتهــا او ترك ادامتــها ان كانت تحــتاج الى الإدامــة.
والتعدي في حفظ الأمانة هو الخروج عن اذن المالك في التصرف فيها او الخيانة والإتيان بما ينافي الأمانة والمتعارف في حفظها، كما لو تصرف بها كاعطاء الوديعة من الحلي الى عياله للبسها ولو مرة واحدة، او الإذن لغيره بالوصــول اليها، او تركها في موضع يفســدها، او خلطهــا بمال يعود لغير المودع وان كان من جنسها، بل لو كان للمودع كيسان فالأحوط عدم جعلهما كيساً واحداً الا مع الإذن او الفحــوى او القــرائن او الضــرورة ســواء كانا مختومــين او غير مختومــين.
ومجرد نية التصرف في الوديعة لا تكون سبباً للضمان، نعم لو نوى الغصبية بان قصد الإستحواذ عليها وعدم ردها الى المالك تصبح يده يد عدوان تعليقي، ولكن لو حصل التلف من غير تعد ولا تفريط او موضوعية لنية الغصب ، فالأقوى عدم الضمان وصيرورة يده مرة اخرى يد استئمان ما دامت نية الغصب لم تترجل بفعل خارجي.
ولو انكر المستودع الوديعة، او امتنع عند طلبها عن ردها مع التمكن منه عقلاً وشرعاً فانه يصبح ضامناً ولم يبرأ من الضمان لو عدل عن امتناعه، اما لو رجع عن انكاره وجحوده واقر بالوديعة فأن يد العدوان تزول، والأحوط اخذ الوديعة منه ، للتوقي والحذر بعد ظهور أمارات الخيانة .
ولو اخذ قسماً من الوديعة ضمنه ولا يضمن الجميع وان كان في كيس مختوم وقد فتحه الا ان يكون الفتح او اخذ القسم من الوديعة سبباً او مقدمة لتلف الجميع.
ولو كانت نيته الأخذ من الوديعة على نحو التدريج ولكنه لم يأخذ الا القليل فلا يضمن الا ما اخذ اذا ظلت الوديعة في حرزها ولم يكن الأخذ ونيته سبباً لتلف الجميع.
ولو وكل المســتودع غــيره بحفظ الوديــعــة ضمن وان كان التسليم لولده او زوجته الا ان يكون هذا التسليم معلوماً عند المودع عرفاً ولو في الجملة او انه تم بمحضر ومشاهدة المودع او بعد اخباره.
والأقوى صحة ابراء المودع للمستودع من الضمان وسقوط الحق به وان كان قبل التلف وعلى نحو الإنشاء الإقتضائي، الا ان يكون الإبراء مقيداً بحد معين عرفاً وارتكازاً ومبنياً على موارد معهودة يخرج منها التعدي والتفريط تخصصاً، كما لو كان الإبراء بلحاظ امكان الحفظ والقدرة عليه من غير عناية زائدة وانه لا يشمل التعدي والتفريط، فالإبراء من الضامن حينئذ لا يعني التصرف بالوديعة او قيام المستودع بضمها الى ماله.
ولو ادعى المستودع تلف الوديعة او انكرها او اعترف بها ولكنه ادعى ردها الى المالك او من يقوم مقامه فالقول قوله مع يمينه الا مع الحجة المعتبرة على الخلاف، وكذا لو اتفق المودع والمستودع على التلف وادعى المودع تفريط المستودع او تعديه لأن يده يد امانة وهو محسن ظاهراً.
و لو ادعى المســـتودع تســليم العين المودعة الى الذي اذن المالك بالتسليم اليه، فلو صدقه المالك على الإذن وكذّب حصول التسليم فالقول قول المستودع مع يمينه ايضاً، وان انكر المالك الإذن وليس من بينة للمستودع على الإذن فالقول قول المالك مع يمينه.
و اذا انكر المستودع الوديعة فاقام المالك البينة على حصولها وصدقها فادعى المستودع حينئذ تلفها قبل الإنكار لا تقبل دعواه ويكون ضامناً الا ان يأتي بحجة معتبرة شرعاً مع لحاظ الإنكار الأول الذي اوجد سبب الضمان، كما لو جاء ببينة شرعية ودليل يثبت التلف وانه ادعى الإنكار خشية فقدان البينة، ومع التنازع يرجع الى الحاكم الشرعي، اما لو ادعى حصول التلف بعد الإنكار وبعد ثبوتها فالأقوى سماع قوله الا مع البينة.
واذا وصى قبل موته بوديعة عنده وعينها وذكر اسم صاحبها او اوصافه وما يدل عليه وجب على الوارث دفعها اليه ولا تعتبر من التركة، وكذا لو ذكرها وعينها اجمالاً في عدد محصور كشاة في مجموعة شياء وفق احكام العلم الإجمالي.
ولو اقــرّ الميت بوديعة عــنده وعيّنها في عــين شخصية ولكنه لم يذكـــر المالك كانت من مجهـول المالك، وان ادعــى شــخص انه المــودع او وارثه مـع البينة واطمئن له فيجب تسليمها اليه، اما لو عجز عن تعيينها ولم تكن امارة معتبرة على صدق قوله فلا اعتبار لدعواه.
بحث بلاغي
لقد جاء في الآية جمع وتفريق وتفصيل، فأما الجمع فيستقرأ بالمفهوم وعلى نحو مركب:
الأول: ارادة المسلمين بصيغة الإرشاد والتنبيه والتحذير الواردة في الآية الكريمة.
الثاني: شمول اهل الكتاب بموضوع الآية لأنها تقسمهم الى قسمين بخصوص الوديعة وحفظها او عدمه.
وهل الأصل في الوديعة عندهم الأمانة وردها، ام عدم الرد، فيه وجوه:
الأول: على القول بان (أهل الأمانة هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهود) ( )، ولكن هذا القول لا دليل عليه خصوصاً وقد ورد عن عبد  بن عباس: اودع رل عبد  بن سلام الفاً ومائتي أوقية من ذهب فادى اليه، وأودع رجل آخر فنحاص بن عازور ديناراً فخانه فنزلت الآية).
وفيه تفصيل وهو اذا كان الإيداع عند عبد  بن سلام وهو مسلم، فيخرج بالتخصص ولا يشمله موضوع الآية لأنه حينئذ ليس من اهل الكتاب، وان الإيداع عنده قبل اسلامه وعندما كان يهودياً فيدل على اطلاق صفة الخيانة على اليهود، واما على صيغة الإطلاق فالأصل العدم لأن النكرة في مقام الإثبات لا عموم لها، وفي مقام النفي تعم، لقد جاءت الآية بصيغة الإطلاق الشمولي وان تضمنت الإشارة.
وجاء التفريق في قوله تعالى من أهل الكتاب، وقوله تعالى [وَمِنْهُمْ] أي تقسيمهم الى فريقين فريق يرد الوديعة والآخر يجحدها ولا يردها اما التفصيل فجاء فيمن لا يرد الوديعة واسباب عدم الرد مما يراه من علة فاسدة للجحود والإنكار، ولو علم ما في رد الوديعة على المسلم من منافع شخصية ونوعية، منها النماء في ماله.
وهذا النماء لا يكون في الثواب على حسن الخلق وحده، بل بالأسباب المادية ايضاً، لأن ردها سبب لحسن الصيت والسمعة الحميدة، وهذه السمعة مقدمة وعلة لتوجه الناس له ليس في الإيداع وحده بل في الشراء والبيع، كما ان الإيداع نفسه يكون سبباً للإجارة والكسب، كما لو كان تعلق الإيداع بالعقارات والبساتين والمختار عندنا جوازه وحينئذ يمكن ان يأخذ المستودع اجرة على حفظ وتعاهد واصلاح الوديعة اذا استلزم بذل الجهد الذي يستحق الأجر وايجاد الكتابي العلة الفاسدة لعدم رد وديعة المسلم يضر به في معاملاته وتجارته بالإضافة الى العقاب الأخروي.
بحث بلاغي
من البديع اللف والنشر وهو ذكر شيئين او أشياء مرة واحدة ، اما على نحو التفصيل والبيان بذكر كل شيء على حدة موضوعاً وحكماً، او يذكرها اجمالاً، ويترك للسامع الفصل والتمييز ونسبة المحمول الى الموضوع، والعرض الى الذات المناسب.
كما في قوله تعالى [ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى]( )، أي ان كل فريق منهما ادعى عدم دخول غيره الجنة، اما هذه الآية فلم تذكر الفريق المؤتمن على نحو التعيين بل جاءت مجملة، وما قيل من ارادة اليهود بالفريق الأول، وارادة النصارى بالثاني ليس له دليل ينهض لإثباته.
فيبقى اجمال الآية على حاله وهذا من الإعجاز خصوصاً وان التفصيل والتعيين يؤدي الى الوثوق بالفريق الذي ادعي امانته، مما يسبب الحرج عند المسلمين، انما تركت الآية للمسلمين الفصل والتمييز وتعيين الثقة المؤتمن، والذي يحتاج الى المواثيق والتوكيد في حفظه للأمانة وعدم التفريط بها، فاذا ورد اجمال في آية من آيات القرآن فانه يكون مبيناً في آية اخرى، اما اذا لم يستطع المسلم الوقوف على هذا البيان فانه يتجه الى الواقع العملي وميدان الأفعال لمعرفة التفصيل والتمييز والبيان.
وتضمنت هذه الآية الشواهد والأمارات على التعيين والتمييز بخاتمتها التي تبين صفات من يخون الأمانة.

قوله تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ]
يتضمن هذا الشطر من الآيات وجوهاً اعجازية متعددة، بعضها خاص به، والآخر يتعلق بعموم الآية، منها:
الأول: لقد تفضل  سبحانه، وبين علة جحود نفر من اهل الكتاب الأمانة، ولولا هذا البيان لا يمكن تعيين العلة والسبب لكثرة الإحتمال وتباين الأحوال.
الثاني: ذكر علة الخيانة سبب لإرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية، وعون لهم في معرفة أحوال الناس، وعادات وقيم أهل الملل والنحل.
الثالث: طرد اليأس والقنوط من نفوس المسلمين، فعندما يغدر احدهم بالمسلم ولا يعيد له أمانته فانه لا يفاجئ به لأخبار القرآن عن الكدورات الظلمانية التي تقف وراء هذا الغدر.
الرابع: ذكر العلة أعم من موضوع عدم رد الوديعة، فقد تكون سبباً لإيذاء المسلمين ومباغتتهم في أنفسهم واعراضهم وأموالهم، وكأن موضوع الوديعة جاء من باب المثال وليس الحصر، وكما يفيد ذكره في الإحتراز بخصوص الوديعة فانه ينفع بالتوقي والحذر من تلك الطائفة والأفراد الذين يقولون ليس علينا في الأميين سبيل.
الخامس: من اعجاز القرآن ان تأتي الآية في موضوع ولكنها أعم منه، وتشمل مواضيع أخرى متعددة، فموضوع هذه الآية الوديعة، ولكن ليس كل مسلم عنده ما يحتاج الى ايداعه عند غيره، وعلى فرض وجوده فانه يميل الى أخيه المسلم بالأولوية ثم الكتابي،
ومع هذا جاءت الآية بالتحذير وذكرت علة التحذير لتكون ذات نفع متعدد من وجوه:
الأول: الوقاية مطلقاً في باب الوديعة وغيرها، كالأموال والأعراض والشؤون الشخصية والأسرية ، واليقظة والحذر في اختبار المستودع.
الثاني: جعل المسلمين مؤهلين للإحتجاج والجدال في ابطال هذا القول.
الثالث: معرفة حقيقة وهي ان قرب اهل الكتاب من المسلمين لا يتعلق بجميع الوجوه والجهات، وربما كانوا في بعض الأحيان أشد على المسلمين من غيرهم، ولو على نحو السالبة الجزئية عند طائفة منهم كما في هذا القول الذي هو قاعدة كلية تتعدى حدود الوديعة،
وتدل الآية على توارث رد وديعة المسلم عندهم، لأن الفعل شخصي كما في قوله تعالى [إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ]، اما الأمر الذي يستند اليه فهو قول امة وطائفة، ولا ينحصر موضوعه بالمودع ولابالوديعة بل انها قاعدة مطلقة تتعلق بالمسلمين في شؤونهم العامة والخاصة.
وجاء وصف المسلمين على لسانهم بالأميين، وهو جمع أمي والمراد منه وجوه:
الأول: سموا المسلمين أميين، نسبة الى مكة وهم ام القرى.
الثاني: ذكر بان اليهود قالوا “ليس علينا في أموال العرب التي اصبناها سبيل لأنهم مشركون: عن قتادة والسدي”( )، أي ان وصف الأميين يتعلق بالعرب، باعتبار ان المسلمين من العرب سواء المهاجرين منهم او الأنصار، مع ان المقصود بالأذى هو الإسلام.
الثالث: لقد جاءت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس كافة، فأسلم جماعة من اليهود، وعندما أرادوا أخذ اموالهم وديونهم من اليهود امتنعوا لأنهم تركوا دينهم وقالوا لهم: انما عاملناكم وأنتم على ديننا، فاذا فارقتموه سقط حقكم وأدعوا ان ذلك في كتبهم فاكذبهم  بقوله [وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ]، انهم يكذبون لأن  امرهم بخلاف ما قالوا عن الحسن وابن جريج.
الرابع: لأن الإسلام دين وشريعة، لا تنتمي الى اليهودية والنصرانية، وفي تسمية محاولة للتعريض بالمسلمين، وهي نتيجة وسبب لغشاوة على الأبصار تمنع من رؤية الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما في الإسلام من المبادئ والأحكام الشرعية المتكاملة.
الخامس: كان اهل الكتاب اذا بايعهم المسلمون قال بعضهم لبعض: ليس للأميين يعني العرب حرمة أهل ديننا، وأموالهم تحل لنا( )، وفيه دلالة على اطلاق اليهود صفة العربي على كل مسلم وان كان أنتقل من اليهودية او النصرانية، او من بلاد فارس كما في سلمان الفارسي، او من الحبشة كما في بلال، وهذا الإطلاق دعوة للمسلمين للتآخي والإتحاد بتجرد وإبتعاد عن جعل موضوعية للإنتماء القومي وإعتبار المسلمين جميعا من العرب ومن أهل مكة في مواجهة الخصم ومن يريد الغدر بهم خصوصا وأنه ينظر إليهم بصفة جامعة والنسنة الى مكة وإلى النبي الأمي.بل إن  أسماهم أبناء إبراهيم [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ] ( ).
السادس: تترشح صفة الأميين على المسلمين، بلحاظ ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من مكة وهي ام القرى، وهذه الصفة منبسطة على كل مسلم في الأزمنة اللاحقة.
السابع: اطلقوا صفة الأميين على المسلمين لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يكتب على القول به.
الثامن: ارادة المهاجرين على نحو الخصوص دون الأنصار، من وجوه:
الأول: انهم من أهل مكة وهي أم القرى،
الثاني: انهم اهل الإسلام ومنطلق الرسالة الى الناس جميعاً.
الثالث: كان الأنصار من الأوس والخزرج من أهل المدينة، وبين أهلهم وعشائرهم فيخشى اليهود الإستحواذ على ودائعهم.
والأصح هو إرادة الإطلاق في الوصف , وإرادتهم المسلمين جميعا، وليس المهاجرين وحدهم .
والسبيل لغة هو الطريق، وفي عدم رد الأمانة نوع تحدِ للمسلمين ومحاولة لبعث الطمأنينة بين أهل الكتاب بأخذ أموال المسلمين والقول بعدم حقهم فيها، وان الأمر والشأن لهم لذا فلا يعيدون المال وكأنه عقوبة لهم على دخول الإسلام، وهذا القول يجعل المسلمين يتحدون فيما بينهم، ويعملون على الإستغناء عن الحاجة الى غيرهم فيما يخص الوديعة ونحوها، أي ان وظيفة الرؤساء وعامة أهل الكتاب المنع من التعدي على أموال المسلمين لأن هذا التعدي يضرهم في سمعتهم ومعاملاتهم، وهذا من الوظائف الإعجازية للآية الكريمة فكما انها تحذير للمسلمين، فانها انذار لأهل الكتاب من التعدي على أموال المسلمين بل وعلى حرياتهم من باب أولى.
وقد ورد لفظ الأميين بلغة الجمع أربع مرات ، وهي:
الأول: ورد في طائفة من بني اسرائيل لقطع الطمع في نفوسهم لأنهم غير عالمين بالكتاب، قال تعالى [وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ]( ).
الثاني: الذين لا كتاب منزل عندهم، ولا يتبعون أحد الرسل ، كما في قوله تعالى [َقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ] ( ) ، والمراد في الآية العرب المشركون.
الثالث: قوله تعالى [ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ]( )، والمراد أمة العرب لأنهم كانوا يتصفون من بين الأمم بانهم لايكتبون ، “وقيل بدأت الكتابة بالطائف أخذوها من أهل الحيرة”( ).
مدرسة كلامية جديدة
لقد جاء وصف المسلمين بالأميين في مقام عدم رد الأمانة ولعل من بين وجوهه انهم يفتقدون الى البينة التدوينية ومراجعة الوثائق الخاصة بالديون، وفيه تحريض للمسلمين على تعلم الكتابة وقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجعل تعليم نفر من المسلمين الكتابة شرطاً لإطلاق سراح من يقوم به من اسرى بدر.
والظاهر ان واقعة بدر سابقة لهذا القول وقيام طائفة من أهل الكتاب بعدم رد وديعة المسلم ، مما يدل على الإعجاز العملي في السنة النبوية باستباق الأحداث واخذ الحيطة والتصدي لما يلاقيه المسلمون من وجوه الأذى ، وإعانة لهم على إجتناب الحرج في المعاملات ،خصوصا أن الأمر فرع العبادات والعقائد , أي أن المسلمين ما كانوا يتعرضون للأذى في باب الودائع والمشقة في أسترداد بعضها إلا لإختيارهم الإسلام.
وبينما يظن هؤلاء بان المسلمين لا يكتبون ويمكن أخذ ودائعهم والإستحواذ على أموالهم، يفاجئون بإزدياد عدد الذين يكتبون منهم، ويدل عليه قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ]( ).و لا تنحصر فوائد الزيادة بعدد الكتًاب بالودائع وإعادتها، لأن وظائف الكتابة متعددة تشمل الميادين المختلفة ،
وهذه المسألة تفتح الباب أمام الباحثين لدراسة الإعجاز في السنة النبويةبإعتبارها جزء من الوحي،ومن مصاديقه .
الاول :إستباق السنة النبوية للحدث .
الثاني : تهيئة المسلمين لما يواجههم من الأذى والعناء .
الثالث : ظهور المعجزات الفعلية في فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : منع الخصم من إيذاء المسلمين ، ودعوته للإعتبار .
إن الأمر الإلهي بكتابة الدين يدل على وجود الكتاب بين المسلمين، وعدم المشقة في الحصول على الكاتب، وبلحاظ هذه الآية يحتمل الأمر وجهين:
الأول: ان قول هؤلاء (ما علينا في الأميين من سبيل ) متقدم زماناً على نزول آية الدين وكثرة الذين يعرفون الكتابة فيهم، والتفات المسلمين الى أهمية الكتابة في توثيق الودائع.
الثاني: يريدون من تسمية المسلمين بالأميين امراً آخر غير الجهل بالكتابة.
ولا تعارض بين الوجهين اذ ان الآية أعم من ان تنحصر بعدم معرفة الكتابة خصوصاً وان موضوع الأمانة قائم على الثقة بالأمين، وعدم جحوده الوديعة فالذي يريد ان يضع وديعة عند شخص ينظر في وثاقته وسمته وأهليته لحفظ الوديعة.
ويمكن تأويل الآية بمعنى آخر وهو انهم قالوا [قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] أي انا لا نستطيع ان ننتصر عليهم في ساحات القتال، فنتجه الى ايذائهم وأضعافهم باخذ اموالهم المودعة عندنا ونمتنع عن الوفاء بما لهم من الدين والقرض علينا، لأن الآية لم تقل: ما للأميين علينا من سبيل بل أظهرت الآية عجزهم عن النيل من المسلمين، وأخبرت عن انعدام الطريق لإيذاء المسلمين والسيطرة عليهم في أمور الدين والعقيدة.
لقد أخبرت الآيات السابقة عن اعلانهم عدم اتباع الا من تبع دينهم، والمسلمون لم يتبعوا شريعة موسى وعيسى، لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء بشريعة جديدة متكاملة جامعة لأحكام التوراة والإنجيل ومن غير تحريف، وبهذا المعنى تكون الآية اقراراً منهم بالعجز عن الغلبة على المسلمين، وانهم لا يستطيعون غصب اموالهم والإستحواذ عليها، فاتجهوا صوب اخذها غيلة وحيلة ومكراً كما تظهر اعترافهم بان المسلمين امة واحدة.
ولا عبرة بتسمية العدو لهم بالأميين حتى على فرض ارادة عدم كثرة الكتاب بينهم، لأن الواقع بخلافه ، فالقرآن عنوان الإرتقاء العملي عند المسلمين وسبيل للتحصيل والكسب وقوس الصعود في المعرفة الإلهية، بالإضافة الى اجتهاد المسلمين فيتعلم الكتابة والقراءة، وكما دعت طائفة منهم في الآيات المتقدمة افرادها الى الإيمان اول النهار والكفر آخره لمحاولة اضلال نفر من المسلمين.
فكذا جاء وصف المسلمين بالأميين لترغيب اصحابهم بالغيلة والغدر بالمسلمين بظن انهم اميون يسهل اخذ اموالهم وودائعهم اذ انهم لا يعلمون الكتابة وتوثيق الودائع فان ادعى احد المسلمين انه اودع عندهم مائة دينار يخرج الآخر سجلاته ويقول انه لم يودع عندي، او ان مقدار وديعته عشرةدنانير، او اني قمت بتسليمها له كما مدون في السجلات ، التي تكتب من طرف واحد.
فوصف الأميين تحريض على الغيلة في باب التدوين والوثائق والسجلات فيما يخص الودائع، ولكنه يدل بالدلالة التضمنية على قوة شوكة المسلمين للإقرار بعدم السبيل للغلبة عليهم.
نعم قد يشكل على هذا التأويل بان الآية لم تقل [لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] ولكن هذا القول والتعدي بحرف الجر على ، يدل على اليأس والقنوط من التأثير على المسلمين.
وتأتي (على) بمعنى الإستعلاء الحقيقي، وبلحاظ وجود حذف في الآية يكون المعنى ليس علينا في مال الأميين سبيل أي ان أخذه لا يترتب عليه اثر بمعنى انهم يجوزون أخذ مال المسلمين غيلة فهؤلاء ليس من سجيتهم خيانة الأمانة، بل الخيانة منحصرة بخصوص المسلمين لأنهم أختاروا الإسلام،
اما بلحاظ انهم من أهل مكة وكان معروفاً عنهم أنهم مشركون فليس بتام، للتباين في الموضوع، وانتقالهم الى الإسلام ، ولم يعرف عند أهل مكة ان اليهود يأكلون وودائعهم لأنهم من مكة او من قريش، فهذا القول وإرادة خيانة الوديعة أمر مستحدث ومقترن بالإسلام ، خصوصاً وان تجارة نفر من اليهود مع قريش كانت مستمرة حتى بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة ووقوع معركة بدر واحد ، وكما قالوا [ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً]( ).
فكذا قولهم هذا فانهم يزعمون ان  لا يؤاخذنا يوم القيامة على أكل أموال المسلمين والتعدي عليهم، فجاءت هذه الآية لفضح وابطال قولهم هذا وتنبيه المسلمين اليه ودعوتهم الى التصدي له.
ترى ما المراد بالضمير في قوله تعالى [بانهم] فيه وجوه:
الأول: الذي لا يؤدون الأمانة للمسلم الا مع القيام عليهم.
الثاني: اهل الكتاب.
الثالث: اليهود.
الرابع: طائفة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
الخامس: طائفة من اليهود دون النصارى.
السادس: طائفة من النصارى دون اليهود.
السابع: الذي يؤدي الأمانة وان كثرة وكبرت، والذي لا يؤديها وان قلت وصغرت.
والأرجح هو طائفة من اهل الكتاب ويدخل فيهم الذي لا يؤدي الأمانة للمسلم الا مع الإلحاح والتوثيق والخصومة، وقد يكون هذا الفرد تابعاً لأصحاب هذا القول.

قوله تعالى[وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ]
خاتمة الآية تبين علة التعدي وخيانةالأمانة، وفيها بيان لعظيم الأثم الذي يرتكبونه، فايهما أكبر الأستحواذ على الوديعة ام الإفتراء على الله، الجواب الثاني هو الأكبر بل ان الأول فرع ومعلول له، لقد حاول بعض كبرائهم وساداتهم الأستحواذ عليهم بالتحريف وتغيير التنزيل واغرائهم بأخذ مال المسلم، من وجوه:
الأول: نسبة الخداع وجواز الخديعة وأخذ مال المخالف الى التوراة.
الثاني: كانوا كاذبين في الإتيان بصفات غير ما مذكور في التوراة والإنجيل بخصوص خاتم النبيين.
الثالث: وصف المسلمين انهم أميون مع ان  سماهم المسلمين في القرآن والتوراة والإنجيل بينما أصر هؤلاء على تسميتهم بما معروف عن اهل مكة وحال المشركين فيها.
الرابع: الكذب بنفي الجناح عليهم في خيانة وديعة المسلم.
الخامس: معنى الآية أعم من خيانة الأمانة وعدم رد الوديعة، ففيها اشارة الى نقضهم للمواثيق وعدم وفائهم بالعهود.
ولقد ورد هذا الشطر مرتين في القرآن وليس بينهما الا آيتين فقد ورد في الآية الثامنة والسبعين من هذه السورة قوله تعالى [ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ].
مما يدل على ان الكذب هنا يتعلق بتحريف التنزيل وادعاء ما ليس بحق، ولفظ فريق الوارد في الآية أعلاه يدل على ان الذين يقولون الكذب ليس كل أهل الكتاب بل هما جماعة وطائفة منهم، وبين هذه الطائفة ومن يخون الأمانة ولا يرد الوديعة عموم وخصوص مطلق.
فالذين يقولون الكذب على  ويحرفون الكتاب أعم وأكثر من الذين يخونون الأمانة، والذي لا يرد الوديعة يستند الى قول هذا الفريق من أهل الكتاب، مع تباين أفراد هذا الفريق ولكن الجامع بينهم هو تحريف الكتاب والتحريض على ايذاء المسلمين، وحث اصحابهم على التجرأ والإعتداء على ودائع المسلمين.
لقد جاءت الآية بكنوز من المعارف الإلهية، وفيها سلاح للمسلمين بحفظ اموالهم وحثهم على الحرص عليها وتوخي الحذر والحيطة في تعاهدها واجتناب موارد الريب والضرر والغدر.
وهذه الآية تؤثر سلباً على منازل اهل الكتاب في الأسواق والمعاملات المالية، تلك التي يولوها أهمية خاصة في حياتهم اليومية وعالم السياسة والإقتصاد خصوصاً بالنسبة لليهود لأنها تحذر المسلمين من الإيداع عند فريق منهم، وهذا التحذير جزئي من وجهين:
الأول: انه لم يشمل عقود البيع والشراء والصرف والبيع نقداً، مما يدل على ان التحذير نوع ضرورة والضرورات تقدر بقدرها.
الثاني: لم تكتفِ الآية بيان التبعيض وان فريقاً وجماعة من أهل الكتاب لا يردون الوديعة الا مع الإلحاح والخصومة بل جاءت بأمور:
الأول: صيغة الاسم الموصول (من) الذي يشمل المفرد والمتعدد.
الثاني: التقديم بذكر المؤتمن من أهل الكتاب.
الثالث: وصف الأمانة بانها تتعلق بالمال الكثير ومجيؤها على نحو الإطلاق أي وان لم تكن الوديعة وفق مواثيق خاصة، ولم يكن عليها بينة، وفيها اشارة الى التعدد في المودع، فيودع عدد من المسلمين أموالهم عند شخص واحد من أهل الكتاب، وهذه الأموال تبلغ قنطاراً ويصدق عليها انها أمانة للمسلمين عند الكتابي فيردها لهم جميعاً وهذا من اعجاز ذكر لفظ القنطار وما فيه من الدلالة على المال الكثير.
لم يؤثر الذي يقول الكذب على  على الفريق المؤتمن مع ان الفرق الثلاث من اهل الكتاب وهي:
الأول : الفريق المؤتمن.
الثاني : الفريق غير المؤتمن.
الثالث : الذين يقولون على  الكذب.
الرابع : ترى ما هي دلالات وجود فريق مؤتمن فيه وجوه:
الأول: هناك فريق رابع من اهل الكتاب لا يقولون على  الكذب ولا يفترون عليه، ولا يجدون سبباً شرعياً او عقلياً للإعتداء على أموال المسلمين ويحرصون على تعاهد الأمانة.
الثاني: مع قول الكذب على ، فان فريقاً منهم يلتزمون بأحكام الأمانة سواء لأن قول الكذب خاص بالعقائد وتحريف البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اوانه أعم ولكن لا يشمل موضوع الأمانة عندهم.
الثالث: ادراك الحاجة الشخصية لرد الوديعة، لموضوعية حسن السمعة في السوق، ومنافع اطمئنان الناس الى الأمين في زيادة الشراء والبيع معه، وهذا الأمر ظاهري في كل زمان ومكان، الأرجح هو الأول، اذ ان   اقام الحجة على اهل الكتاب بوجود من يجتنب قصد وارادة الإفتراء على ، ويحرص على اداء الأمانة واعادة ودائع المسلمين وان كثرت، ومن هؤلاء من بادر لدخول الإسلام وأيقن بصدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فصار من المسلمين وخرج من موضوع الآية ليشمله خطاب التحذير فيها من الإيداع عند غير المؤتمن من أهل الكتاب.
وتبين الآية الآثار السلبية والأضرار المترشحة عن الإفتراء في حصول التنزيل والأحكام الشرعية ومنها التعدي في موضوع الوديعة، وتبييت النية على عدم ردها مع الإمكان.
وجاء حرف العطف (الواو) في قوله تعالى [وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ] اشارة للتباين والمغايرة بين قوله [لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] وكذبهم على  .
ترى ما هي النسبة بين هذين القولين انها العموم والخصوص ألمطلق فالأول فرع الثاني، لأن الذي يقوم بالتحريف والإفتراء يتجرأ على أموال المسلم.
وجاءت الآية لتحذير المسلمين مما هو أكبر من مال الوديعة التي قد تسترد بالإلحاح والخصومة ولكن الكذب على   يضر الناس في دنياهم وأخراهم ويحول دون اتباع الآيات وادراك المعجزات بالبصيرة.واتباع مناهج الحق والصدق ، فهذه الواو من عطف الخاص على العام، وأفرد الخاص لبيان بطلانه وضرره ولزوم محاربته بالإحتجاج والنصح الى جانب الإحتراز من الإيداع عند غير المؤتمن، مع الإجتهاد في تعلم عموم المسلمين الكتابة.
وروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “لما قرأ هذه الآية كذب اعداء  ما من شيء كان في الجاهلية الا وهو تحت قدمي الا الأمانة فانها مؤداة الى البر والفاجر”( ).
مما يدل على ان الأمانة من القواعد الثابتة في كل الشرائع السماوية، وانها مطلقة شاملة للناس جميعاً من غير ملازمة بينها وبين الإنتماء العقائدي والولاء والصلاح والرشاد، لعمومات قاعدة السلطنة وان الناس مسلطون على أموالهم.
وورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “للمنافق ثلاث علامات: “إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان”( ).
وفيه دلالة على مبغوضية الخيانة وعدم رد الودائع، ويدل الحديث في مفهومه على لزوم انصاف المؤتمن بالأمانة ورد الوديعة ومن يؤمن بالتنزيل والنبوة يجب ان يحرص على الأمانة وقواعدها.
والآية ذم وتبكيت للذين يفترون على الله في مسائل التنزيل ، وأمور الحلال والحرام.
وسيأتي في الجزء الثاني والأربعين بعد المائتين من هذا السِفر المبارك باب (قراءة قرآنية في التجري) وان لم يكن موضوع الآية من التجري إنما من الإصرار على الباطل.
والمراد من التجري هو قصد إرتكاب المعصية في أمر مباح ، كما لو كان إناء فيه خلّ فشربه بقصد أنه خمر وهو يعلم حرمة الخمر .
فقول الكذب على الله والظن أنه صرف من التجري والتعدي وما يعاقب عليه المرء.
قانون الأمانة
لقد ابتلى   الإنسان بحب الذات، بإعتباره امتحاناً واختباراً له في باب الصدق والنزاهة، وليكون هذا الحب مقيداً بالقواعد الكلية الشرعية، وبرزخاً دون التعدي وايذاء الآخرين وغصب حقوقهم فكما يحب الإنسان الملكية والحيازة، فان غيره يحبها لذاته فهل يحصل التعارض الجواب ليس من تعارض بينهما للتباين الموضوعي في الأعيان التي يحب اقتناؤها كل واحد منهم واذا أتحدت جهة الحب، فان الحيازة لا تتقوم الا بالملكية الشرعية، لذا يحرم الغصب وسرقة مال الغير.
ووديعة الإنسان لما يملك عند غيره من عمومات قانون الحاجة، اذ ان الإنسان ممكن محتاج الى غيره، فتأتي الحاجة الى ايداع ماله عند غيره ليدرك ضعفه وعجزه عن حفظ وتعاهد ماله ولو لحين من الزمن، فيلجأ الى غيره لإيداعه عنده وتكون الوديعة امتحاناً للأمين واختباراً للأمانته وصدقه وخشيته من  ، ووثيقة دنيوية لعالم الحساب .
وكما جاء القرآن بتصديق نبوات الأنبياء السابقين، والتصديق برسالة موسى وعيسى عليهما السلام، مع ان اليهود والنصارى لا يؤمنون بالآيات التي نزلت على النبي محمد، وهذا التصديق دليل على صدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وانه لا يقول الا الحق، فكذا بالنسبة لموضوع الوديعة وحفظ الأمانة.
فقد وثق القرآن الى يوم القيامة تعدي تلك الطائفة من اهل الكتاب على المسلمين في أكل ودائعهم ووقيام طائفة نتهم بالحث على انكارها، ومع هذا جاء بحفظ الأمانة مطلقاً وأداء الودائع الى الناس جميعاً وان كانوا من تلك الطائفة وهو شاهد على قانون الأمانة وملازمته للإنسان وتضمن الشرائع السماوية لأحكامه وقواعده، واخبار سماوي بان قول تلك الطائفة واصرارها على اكل أموال وودائع المسلمين مخالف لأحكام الشرائع وسنن النبوة، وهو شاهد عملي على حصول التحريف عندهم،وظهور أثاره بعالم الأعمال .
لقد أراد   ان يخزيهم،ويبين المصداق العملي لما عندهم من التحريف وانه لا ينحصر بالتنزيل وانكار البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل يشمل القيم الأخلاقية والسنن المتوارثة التي أراد   لها ان تكون ثابتة في الأرض وتبعث على الرحمة والمودة بين الناس وتمنع من ظلم بعضهم بعضاً، خصوصاً وان الإنسان قد يحتاج ايداع أمواله عند غيره للأمن من الظلم وخشية استيلاء وغصب الآخرين لها، فيلجأ الى من يظنه اميناً، فيجده أشد وأظلم ممن كان يخشاه.
لقد جاء الإسلام ليثبت مبادئ ومفاهيم قانون الأمانة في الأرض، ويمنع المسلمين من التمييز بين قواعد ردها، وينهى عن جعل الأمين شروطاً لرد الودائع وقضاء الدين، ويذم اهل الخلاف الذين حاولوا تقويض دعائم هذا القانون، ليتحمل المسلمون أعباء مركبة من وجهين:
الأول: تلقي الأذى بسبب محاولة بعضهم التعدي على قانون الأمانة.
الثاني: حفظ سنن وقواعد هذا القانون باظهار الأمانة وحفظ الوديعة مطلقاً للمسلم وغيره حتى للذي حاول اكل مال المسلم ، فلو أودع مسلم عند كتابي مالاً وحاول الأخير انكاره، ولم يسترده المسلم الا بعد الحاح وخصومة ومشقة، ثم قام الكتابي بعدها بالإيداع عند المسلم او بيعه بالنسيئة والأجل، فهل يحق للمسلم مقابلته بالمثل الجواب لا، لأن الوظيفة الشرعية تقتضي الإلتزام بقواعد الأمانة ورد الأمانات الى أهلها لعدم اكل مال الغير بغير حق، والتصرف فيه من غير اذنه.
وقد جاءت الشريعة بأحكام دقيقة للأمانة تقدمت في باب البحث الفقهي ومسائل في الوديعة لبيان أهمية حفظ (الوديعة) وفي التفسير لأن فيها حفظ النظام العام والمصالح النوعية ومعايش الناس، وهي حائل دون التعدي او التفريط، التعدي في أكل مال المسترسل الذي وثق بالأمين، والتفريط بما جعل عليه الأمين حافظاً وحارساً.
وكما جاءت الآيات القرآنية بالحث على الأمانة فان السنة النبوية الشريفة اكدت على موضوعية وأهمية الأمانة، وندبت المسلمين الى تعاهدها ولم تأتِ بمقابلة الكتابي وغيره بالمثل ، وقد مدح   الذين يحفظون الأمانة وقرنها بالعهد، قال تعالى [وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ] ( ).
وهذا المدح حث وندب على حفظ الأمانة مطلقاً بلحاظ موضوعاتها واعادتها لصاحبها من غير اعتبار لإنتمائه وهل هو مؤالف ام مخالف.
بحث اصولي
هل الأمانة من القواعد التعبدية التي تحتاج الى دليل شرعي، او انها من القواعد العقلائية التي يدركها العقل ويتوارثها العقلاء ، وتنفر من مخالفتها النفس الإنسانية، وكفاية عدم ثبوت الردع عنها.
والحق انها منهما معاً، ولا تعارض بينهما بل ان الثاني فرع الأول، وليس من شريعة سماوية الا وأكدت على لزوم الأمانة وحفظ الوديعة خصوصاً وانها لا تنحصر بودائع الناس المالية والإعتبارية والأخلاقية ومضامين الستر والعفة بل تشمل حفظ الوديعة العقائدية وأمانة السماء وهي أعظم امانة بين الخلائق، وبها يتباهى الإنسان، ويثبت اهليته للخلافة في الأرض .
وبناء العقلاء على الأمانة لما مرتكز في أذهانهم من التنزيل، وجهاد الأنبياء في تثبيت دعائم الأمانة في الأرض ولفضله تعالى بجعل العقل مرآة للتنزيل في حفظ الأمانة ونبذ الخيانة والتغرير بالغير ولا تقف أحكام الأمانة عند حدود حفظها وتعاهدها.
بل تشمل التدارك في استردادها اوقيمتها، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، ولعمومات قاعدة الغرور المقتبسة من قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “المغرور يرجع الى من غره” وان لم يكن هذا الحديث مذكورا في أمهات كتب الحديث، الا انه موجود في بعض الكتب الفقهية، ولوجوب رد الأمانة وحرمة الغصب وأدلة الضمان في حال التعدي او التفريط، نعم ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه نهى عن الغرر، وأحكام قاعدة نفي الغرر لا تنحصر بالبيع والشراء والمعاوضات، بل تشمل حفظ الوديعة، وتعاهد حقوق الآخرين وعدم التعدي عليها.
وهذه الآية من مصاديق وعناوين الرحمة في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيها من توكيد إطلاق الأمانة وعدم جعلها تدور مدار الإنتماء العقائدي والولاء، وهو جزء من وظائف الزعامة وامامة المسلمين للناس وأهليتهم للقضاء والحكم وصيانة الحقوق العامة والخاصة، ان قاعدة نفي الغرر والنصوص الدالة على النهي عنه ولزوم اجتنابه، وتداركه عند وقوعه تؤكد وجوب تثبيت قواعد وقانون الأمانة وعدم التفريط بها.
وبينما جاء الفعل بصيغة الماضي في الشطر السابق من هذه الآية [لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ] جاء في هذا الشطر بصيغة المضارع [وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ] مما يدل على ان قيامهم بالإفتراء اشد وأطول مدة، وهو متصل وان ضرره أبلغ وأكثر من وجهين:
الأول: الموضوع وما فيه من التعدي والظلم للنفس والغير.
الثاني: استدامة فعل الكذب، والإصرار عليه، وفيه اشارة الى عدم اعتبارهم إتعاظهم من نزول آيات القرآن، وما فيها من الحجة والبرهان وفضح للتحريف بلحاظ عدم التعارض بين الكتب السماوية المتعددة وان كانت الأفضلية للقرآن، والتباين في صيغة الفعلين يدل على استمرار نيتهم في التعدي على ودائع المسلمين ،ولزوم الحذر الدائم من تلك الطائفة ،وما يبيتون.
ترى لماذا جمعت الآية بين خيانة الأمانة والكذب على ، وجعلتهما وكأن كل واحد منهما جزء علة لقيام بعضهم بعدم رد أمانة المسلم، الجواب من وجوه:
الأول: الإخبار عن اصرارهم على العناد والجحود.
الثاني: في الآية اشارة الى تعدد أسباب التعدي على مال المسلم.
الثالث: بيان ما يبيتون للمسلمين من الأذى، وأنه أعم من موضوع انكار الوديعة.
الرابع: الدعوة لمعالجة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء أكلهم للودائع خصوصاً وان الكذب والإفتراء في باب العقائد والملل يؤدي الى اضرار عامة لا تنحصر في موضوع المال والوديعة، والا فبامكان المسلمين الإحتراز من الإيداع عندهم، وفي حال حصول هذا الإيداع فانه ينقسم الى قسمين:
الأول: ان تحفظ الأمانة ويعاد المال وان كان قنطاراً ومالاً كثيراً.
الثاني: يقوم المستودع بمحاولة خيانة الأمانة وانكار المال وهذا القسم على شعبتين:
الأولى: انتزاع الحق والأمانة بالإلحاح، واقامة البينة، والخصومة.
الثانية: ضياع المال، بسب الفتور وعدم المتابعة والإلحاح، واقامة الدعوى، او لفقدان البينة، فيتحصل لنا، ان المال المفقود جزء من احد القسمين من الودائع، وجاءت هذه الآية لتجعل هذا الجزء أقل أجزاء صيانة مال المسلم وتعاهده ومع هذا تضمنت التحذير منه، وبيان أسبابه القريبة والبعيدة، فالقريبة قولهم ليس علينا في الأميين سبيل، والبعيدة افتراؤهم على .
وهل يمكن ان يتحول بعض من اهل الكتاب من القسم الأول أعلاه الى القسم الثاني او بالعكس، قبل او بعد التلبس بقبض الوديعة أي انه كان ممن يثق به المسلمون ويعيد الوديعة وان كثرت ثم أصبح فجأة ممن لا يعيدها ويرى أكل اموال المسلمين، او بالعكس انه كان من الذين يأكلون مال المسلم بالباطل ويستحوذون على وديعته، ثم يتحول الى القسم الأول ويصلح حاله، وقد يقوم باعادة ودائع المسلمين التي يأس اصحابها منها؟
الجواب نعم، لإطلاق علة الظلم والتعدي في هذا الباب، ومجيء طرفيها بصيغة الجمع سواء النسبة لقولهم بأكل أموال المسلم، او الإفتراء عى ، وفيهما تحريض ذاتي للأفراد منهم بعدم رد الوديعة، الا ان هذا التحريض لم ولن يؤثر على جميع أهل الكتاب، نعم هذا التحول ليس عاماً وشائعاً، ومع هذا فانه دعوة للتثبت وحث لأهل الأمانة من اليهود والنصارى باجتناب اعلان ما فيه الكذب والإفتراء على .
وكل قسم من القسمين من الكلي المشكك أي انه في ازدياد او نقيصة، وليست نسبته ثابتة بل تتباين نسبة كل منهما بلحاظ:
الأول: الإنتماء الى اليهودية او النصرانية.
الثاني: الصلاح الذاتي، والتأثر بالواقع والمجتمع والعرف.
الثالث: قوة واتساع الإسلام في المصر.
الرابع: الأنظمة والقوانين في البلدان.
الخامس: اليقظة والحيطة عند المسلمين، وتعاونهم في معرفة معادن الرجال، وكيفية المعاملة وحسن الإختيار في الطرف الآخر من العقد، مما يؤدي الى حرص الآخرين على الوفاء بالعهود والعقود لا أقل من أجل الكسب والربح المتصل.

قوله تعالى [وَهُمْ يَعْلَمُونَ]
جملة حالية وخاتمة كريمة للآية ،وفيه وجوه:
الأول: توكيد لما في الآية من الذم والتقبيح.
الثاني: منع ادعاء الجهل والغفلة.
الثالث: خاتمة الآية برزخ دون ايجاد العذر لسوء فعل الكذب على ، وهذا البرزخ لا يتعارض مع مضامين الرحمة لأنه يمنع من التعدي والظلم.
الرابع: فيها دعوة للإصلاح والهداية والرشاد.
الخامس: الآية حجة على اولئك الذين يقومون بتحريف الكتاب.
السادس: في الآية كشف لحقيقة في تأريخ العقائد، وهي ان توارث التحريف لا يتعارض مع العلم به أي من يتلقى التحريف عن آبائه يعلم به، وهذا الأمر دعوة للتحقيق واثبات حصول هذا العلم، ويتم بشعب متعددة:
الأولى: مخالفة الكذب الواقع.
الثانية: التعارض بين ما يقولون وبين الدلائل التي تؤكد صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: لقد جعل  عز وجل العقل رسولاً باطنياً، وهو يدعو الإنسان الى الصدق والعدل والإنصاف وعدم التعدي وأكل أموال الناس بالباطل.
السابع: لقد أكدت الآية حصول العلم عندهم اثناء تلبسهم بالكذب على ، مما يعني اقامة الحجة عليهم في النشأتين.
الثامن: في الآية تخفيف عن المسلمين، ودعوة لعدم الإنشغال التام بمحاولة تعليمهم وارشادهم وزجرهم عن سبل الضلالة، لأنهم يعلمون ما يفعلون.
التاسع: فيها حجة عليهم، لثبوت سوء الفعل وترتب الأثر عليه بعد العلم به.
العاشر: في الآية حث لهم على التوبة والإنابة، لأنها تبين ارتكابهم الفعل القبيح عن قصد أي انها تنهى عن أمرين:
الأول: ارتكاب الفعل القبيح الذي جاءت الآية ببيانه على نحو النص وثبوت ارتكابه عن قصد.
الثاني: الإخبار عن العمد في اتيانه.
الحادي عشر: لقد أرادت الآية اصلاح المجتمعات وتهذيب النفوس، واجتناب الظلم والتعدي والتجرأ على .
الثاني عشر: في الآية حث على العلم بماهية القول والفعل الذاتي فليس للإنسان ان يقول شيئاً وهو لا يعلمه.
ترى ما هو موضوع العلم الذي جاءت به الآية لزيادة الذم واقامة الحجة عليه، فيه وجوه:
الأول: يعلمون بانهم يكذبون على  اثناء التلبس بالكذب.
الثاني: يعلمون بواجبهم الشرعي أزاء رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذي ينحصر بتصديقها والإيمان بها.
الثالث: يعلمون ما في الكذب على  من العقاب الشديد في الآخرة، فهم يصرون على الذنب مع ضرره.
الرابع: يدركون حقيقة ان هذا الكذب لا يضر الإسلام، بل يضرهم بانفسهم.
الخامس: ما يترتب على الكذب على  من الخسارة والأذى وفوات معرفة الحقائق.
السادس: يعلمون ظهور الإسلام وانتصار المسلمين، وان التعدي على أموالهم لن يؤثر سلباً عليهم.
السابع: يعلمون بصدق البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل.
الثامن: يعلمون بوجود التحريف في التوراة والإنجيل.
التاسع: يعلمون بطلان قولهم بنفي سبيل المسلمين عليهم وان السبيل موجود، والإسلام يزداد قوة ومنعة.
العاشر: ان   يفضح قولهم هذا، ويدفع عن المسلمين وجوه الكيد والمكر.
الحادي عشر: يعلمون كيفية اجتناب الكذب على ، والإبتعاد عنه.
الثاني عشر: يعلمون قول الحق، واختيار مسالك النجاة.
الثالث عشر: يعلمون سبل التوبة، وطرق الهداية.
الرابع عشر: يعلمون ان قربهم وتعاونهم مع المسلمين وسيلة لتثبيت دعائم التوحيد في الأرض.
الخامس عشر: يعلمون بالتباين في حفظ الوديعة وعدمها الموجود عند اهل الكتاب ودلالاته، وان أهل الأمانة حجة على غيرهم.
السادس عشر: يعلمون الفضل الإلهي عى اهل الإيمان واصحاب الأمانة.
السابع عشر: يعلمون حتمية اليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب.
بحث بلاغي وأصولي
من أقسام الإنشاء النهي، ويراد منه الكف عن فعل، والزجر عن عمل، وصيغته لا تفعل، وهو ضد الأمر وصيغته (افعل) وكما أختلف في ارادة الأمر على الوجوب او الإستحباب او المعنى الجامع لهما، والأصح هو الأول الا مع القرينة الصارفة للندب والإستحباب، أختلف في النهي ،وفي دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده، ودلالة اللفظ عليه منطوقاً ومفهوماً.
والنهي يدل على التحريم، كما في قوله تعالى [ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ] ( )، اذ يتضمن الأمر والنهي في آن واحد، وجاء النهي متمماً لأحكام الأمر ومبيناً لموضوعية الميزان وحرمة انقاصه، فتجب اقامة لسان الميزان بالعدل ويحرم على صاحبه انقاصه لما فيه من الإضرار بالغير ، وقد يدل على الكراهة.
“وقال السيوطي في النهي وصيغته ” لا تفعل” وهي حقيقة في التحريم، وترد مجازاً لمعان منها الدعاء، نحو [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا] ( ) ( ).
ولكن الدعاء يخرج بالتخصص من مضامين الأمر والنهي، ولابد من جعل باب مستقل له وهو سؤال ورجاء وتوسل، سواء في حال سؤال شيء او الإستجارة والإستعاذة من شيء آخر.
فالأمر والنهي يكون من عنده تعالى الى الخلائق، ويكون فيما بين الناس باعتبار العلو أي يكون من العالي الى الداني، وقيل يصدق عنوان الأمر اذا صدر الطلب من المساوي، او السؤال من الداني الى الأعلى منه.
وصيغة النهي والزجر عن الفعل والمنع من اتيانه جملة انشائية، ولكنه قد يأتي بجملة خبرية، واشعار المخاطب بلزوم الترك والكف عن الفعل، وهل هذا الترك والكف أمر وجودي ام عدمي، الجواب هو الأول، لأنه يكون عن ارادة وقصد، وفيه الثواب والأجر إذا كان طاعة لله عز وجل.
وقد يقال ان الجملة الخبرية تدل على الزجر بصورة اكثر وضوحاً وتوكيداً من الإنشائية، لأن الجملة الخبرية تثبت الوقوع والنسبة والإخبار عن مضمون الطلب، اما النهي في الجملة الإنشائية فالوقوع يتوقف على حصول الإمتثال، ولكن الجملة الإنشائية لا تحتاج الى مؤونة زائدة في ارادة المقصود، ومع هذا فان افادة الجملة الخبرية للنهي له دلالاته وأهميته.
وقد جاءت هذه الآية على نحو الجملة الخبرية لتتضمن النهي عن الكذب على ، ومن منافع الجملة الخبرية في المقام وجوه:
الأول: عدم إنحصارالنهي بجملة الخطاب بل هو شامل لغيرها.
الثاني: تتضمن الآية في مفهومها نهي أصحاب الأمانة من أهل الكتاب عن ترك منازلها، وزجر اصحاب الخيانة عن الإقامة فيها وتدعوهم للحاق باصحابهم الذين يحرصون على تعاهد وحفظ الودائع والعهود.
الثالث: تنهى الآية عن تعليل الخيانة، من وجهين:
الأول: عدم صحة هذا التعليل، وبطلانه جملة وتفصيلاً.
الثاني: قبح الخيانة وأكل مال الغير مطلقاً، ومال المسلم على نحو الخصوص.
الرابع: في الآية نهي ثابت ودائم عن الإفتراء والكذب على ، وهذا النهي يتضمن أمرين:
الأول: الإكتفاء بالتمسك بأحكام هذا النهي، وعدم قول الكذب على .
الثاني: قول الحق والصدق، باعتبار ان النهي عن الشيء أمر بضده، فبدل كتمان ما جاءت به الكتب السماوية من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجب اظهارها والإخبار عنها ،وبدل خيانة الأمانة يجب حفظها وارجاع الودائع،
ويستحب ان يودع الإنسان دينه واهله وما يملك كل صباح عند الله تعالى الذي لا تضيع عنده الودائع.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة