معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 66


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَــــــنِ الرَّحِيــــــــــم
المقدمة
الحمد لله الذي له ملك السماوات والأرض، الذي أكرم الإنسان بان خلقه في الجنة ونفخ فيه من روحه، ومنحه منزلة ووظيفة الخلافة في الأرض، فلم يهبط آدم الى الأرض الا وهو خليفة الله فيها، مع سبق خلق الملائكة والجن على خلقه وعلو منزلة الملائكة بين الخلائق.
لقد فاز الإنسان بالمرتبة السامية ليكون اعماره للأرض اشراقة ملكوتية تملأ اقطارها مع اعتبار الملازمة بين النفخ في الإنسان من روح الله وبين الخلافة ولابد ان لهذا التشريف والمنزلة من آثار مباركة ومنافع متعددة وتجلت بأفضل مصاديقها بالنبوة التي ابتدأت بآدم عليه السلام وسكنه في الأرض وأختتمت بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن الآيات في هذا الختم بقاؤها وثباتها في الأرض بالقرآن والمسلمين الى يوم القيامة.
لقد أراد الله عز وجل ان يبقى الأنبياء ائمة الناس في دروب الهداية والإيمان، فجاءت الآيات (79-81) من سورة آل عمران التي يتضمنها هذا الجزء، عنواناً للتجاذب التام بين الرب والعبد، ولطفاً إلهياً ورابطاً بين عالم الغيب وعالم المادة تشع بضيائها على النفوس فتملأها ايماناً وتدفع عنها وهم الغلو والإفتراء على الأنبياء الذين أخلصوا في مرضاة الله، وجاهدوا في سبيل تثبيت كلمة التوحيد.
فأخبرت الآيات الثلاث عن عظيم منزلتهم، وعصمتهم من الزلل والخطأ العقائدي، وأكدت براءتهم في القول والفعل من مفاهيم الشرك الظاهر والخفي، وهذا التأكيد دعوة للناس للتنزه عن الغلو، وحث لهم على الرجوع الى الأنبياء والصدور عنهم.
وتدل بالدلالة التضمنية على أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاء بالقرآن من عند الله ليكون وثيقة خالدة الى يوم القيامة تحفظ للأنبياء قيادتهم للناس في سبل التوحيد، وتنفي عنهم الغلو وموضوع الإفتراء في آن واحد، وتبين انهم لم يكتفوا بصلاح أنفسهم بل اجتهدوا في دعوة الناس لأن يكونوا علماء أتقياء، كما مبين في آية “كونوا ربانيين” التي يفتتح بها هذا الجزء وهذا الاسمالذي أخترناه للآية يبعث الشوق للإطلاع على تفسيرها وتأويلها.
ولا تنحصر دعوة الأنبياء بمن حولهم وسكان أمصارهم وأهل زمانهم بل هي شاملة متصلة بالقرآن والعهد الذي أخذه الله على الناس في التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، وقد جاء هذا الجزء آية في الإستنباط والتأويل والتفسير واظهار اسرار وعلوم جديدة من ذات الآيات الثلاث بفيض إلهي ظاهر وجلي في صفحات الكتاب التي تتشرف باشراقة مضامين قرآنية قدسية.
وبفضله تعالى ورجاء رفده ودوام لطفه واحسانه اعددت بنفسي هذا الجزء تأليفاً ومراجعة وتصحيحاً والى حين الإصدار كالأجزاء السابقة من التفسير وكتبي الفقهية والأصولية والكلامية ورسائلي العملية، مع ما تستلزمه من الجهد والوقت والحاجة لإكمال أجزاء هذا التفسير المبارك وكل جزء منها مدرسة علمية مستقلة، وختامه مسك وقد أختتم هذا الجزء بتفسير قوله تعالى [قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ].

قوله تعالى [مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] الآية 79-آل عمران
القراءة والإعراب واللغة
قرأ عبد الله بن عامر وأهل الكوفة تعلّمون بالتشديد، والباقون تعلمون، والأصح الأول، وهو المرسوم في المصاحف، والفرق بينهما، ان الذي يقوم بتعليم الشيء يجب ان يكون عالماً بمضامينه متقيداً به، واذا تركه إستحق الذم أكثر من غيره.
ومن قرأ (تعلمون) اراد لزوم ظهور العلم في ميادين العمل، وان العلم بالشيء ارقى مرتبة واكبر حجة في لزوم التقيد بما علمه وكسبه.
ما: حرف نفي، لا محل لها من الأعراب ، لأنها داخلة على جملة فعلية.
كان: فعل ماضِ ناقص، لبشر: جار ومجرور في محل خبر مقدم.
ان: حرف مصدري.
يؤتيه: فعل مضارع منصوب بان، الهاء: مفعول به اول، وان وما في حيزها في تأويل مصدر، ويعتبر اسمكان المؤخر.
اسمالجلالة: فاعل، الكتاب: مفعول به ثانِ.
ثم يقول للناس: ثم: حرف عطف للتراخي، جملة يقول: معطوف على يؤتيه، للناس، جار ومجرور متعلقان بيقول.
كونوا عباداً لي: كان فعل ماضِ ناقص، الواو: اسمها.
عباداً: خبرها منصوب، لي: جار ومجرور.
من دون الله: من: حرف جر، دون: اسممجرور، وهو مضاف، اسمالجلالة: مضاف اليه.
ولكن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ: الواو: حرف عطف، لكن: مخففة مهملة، كونوا: فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، الواو: اسمها، ربانيين: خبرها، والجملة في محل مقول قول محذوف أي ولكن يقول كونوا.
بما كنتم تعلمون الكتاب: الباء: حرف جر، ما: مصدرية، مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالباء، كنتم: كان واسمها.
تعلمون: فعل مضارع، الواو: فاعل.
الكتاب: مفعول به منصوب بالفتحة.
وبما كنتم تدرسون: الواو للعطف، و(بما كنتم) معطوف.
تدرسون: فعل مضارع، الواو: فاعل، والجملة خبر كنتم.
البشر، جنس الإنسان، يقع على المفرد والإثنين والجمع والذكر والأنثى، يقال هو بشر، وهي بشر، وهما بشر، ولكن ورد في التنزيل بصيغة التثنية [أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا] ( ). والجمع ابشار.
والربانيون جمع رباني، وفيه غاية التشريف لانه منسوب الى الرب، وفي معنى الرباني اقوال.
الأول: معناه كونوا علماء فقهاء، عن علي وابن عباس( ).
الثاني: كونوا علماء حكماء عن قتادة والسدي.
الثالث: كونوا حكماء اتقياء.
الرابع: كونوا مدبري امر الناس في الولاية بالاصلاح، عن ابن زيد.
الخامس: كونوا معلمين للناس من علمكم عن الزجاج.
السادس: قال ابو عبيدة: سمعت رجلاً يقول: الرباني العلم والحرام، والأمر والنهي ، وما كان وما يكون.
وهذه الوجوه المتعددة لا تبتعد عن الوجه الأول الوارد عن الصحابة من اهل البيت، وباقي الأقوال عن التابعين، وفيه الآية وجوه اخرى هي:
الأول: المواظب على طاعة الله.
الثاني: المعترف بربوبيته تعالى.
الثالث: المراد من الربانيين ارباب العلم، باعتبار ان اشرف مراتب العلم معرفة الله تعالى.
الرابع: المنقطع الى ذكر الله.
الخامس: المجاهد في سبيل الله والذي يدعو الناس الى عبادته تعالى.
السادس: المنقطع الى معاني الربوبية، الغارق في سبحات القدس والجلال.
ودرس الكتاب: قرأه وتعلمه، ويقال درست السورة أي حفظتها (ويقال سمي أدريس عليه السلام لكثرة دراسته كتاب الله تعالى) أي اقرؤه وتعهدوه لئلا تنسوه.
في سياق الآيات
بعد ان جاءت الآية السابقة بذم فريق من اهل الكتاب لقيامهم بالتحريف الذي اشارت اليه بلي الألسن، وتعقبته بنفي كونه من الكتاب، وزادت عليه بان تضمنت فضح وذم اهله بانهم يفترون على الله، وما فيه من الإشارة إلى ما ينتظرهم من العذاب الأليم،للمرتكز في الأذهان من صيغ الوعد والوعيد .
جاءت هذه الآية الكريمة لتخبر عن اعتزاز الأنبياء بمرتبة العبودية، لتنفي بالدلالة التضمنية القول بإلوهية عيسى عليه السلام، كما انهم لا يأمرون الناس بعبادة الملائكة والأنبياء الآخرين لأن مثل هذا الأمر كفر صريح، ويظهر في نظم الآيات اعجاز خاص، إذ يأتي بيان حال النكوص والضلالة ليتعقبها ذمها وفضحها في نفس الآية، ثم تأتي الآية التالية بالإحتجاج بالدليل والبرهان.
ومن الإعجاز في نظم الآيات مجئ هذه الآية بصيغة الجملة الخبرية ولكن خاتمتها جمعت بين العام والخاص، إذ ذكرت الناس وبصيغة الخطاب[وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] في خطاب من النبي مطلقاً لتنتقل الآية التالية لصيغة الخطاب الخاص بالمخاطبين بقوله تعالى[وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ] وفيه مسائل:
الأولى : تنزيه مقام النبوة والأنبياء من الدعوة لغير الله عز وجل.
الثانية : دعوة الناس للتفقه في الدين ومعرفة سنن التوحيد.
الثالثة : بيان قانون كلي وهو أن النبي اللاحق لا يدعو لعبادة النبي السابق لوجوب الإقتداء بالأنبياء , قال تعالى[فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ] ( ).
الرابعة : بيان صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاء بكلمة التوحيد . ( وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، ثم قرأ { فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر } ( ).
إعجاز الآية
في الآية مسائل اعجازية هي:
الأولى: تعتبر الآية اشراقة عقائدية تتجلى فيها قواعد كلية في باب النبوة، كماجاءت لتوكيدها وجعلها نبراساً وضياء ينير دروب المسلمين.ومن المعروف ان التأكيد غير المؤكد، ولكن آيات القرآن تتصف بإجتماع الأمرين في لفظ وموضوع واحد .
الثانية: تمنع الآية من الغلو في اشخاص الأنبياء ، وفيها اخبار بان المائز الذين يمتازون به عن الناس وهو النبوة فضل من الله ،عليهم وعلى الناس جميعا، فإن قلت هل يخرج بالتخصص من مضامين وبركات هذا الفضل الكفار، لا أقل الذين يحاربون الأنبياء منهم، الجواب لا، لعمومات الفضل والنعم الإلهية ،ولبقاء باب التوبة مفتوحا.
نعم هذا الفضل يجب الا يكون سبباً للجحود.
الثالثة: تبين الآية حكمته تعالى في اصطفاء نفر من البشر ليكونوا سادة الأمم بنيلهم مرتبة النبوة من وجوه:
الأول: حاجة الناس الى النبوة.
الثاني: تكامل صفات العبودية والإخلاص بطاعة الله عند الأنبياء.
الثالث: بذلهم الوسع في الدعوة الى الله وامامة الناس في مسالك العبادة.
الرابعة: قيامهم بتبليغ الأحكام ومضامين الوحي وآيات الكتاب.
الخامسة: الأنبياء قادة الأمم في نشر العلم والدراسة.
السادسة: تبين الآية عظيم فضله تعالى على فريق من عباده وتوالي النعم عليهم واهليتهم لتلقيها بمقابلتها بالشكر ودعوة الناس للإيمان، وهو دليل على بطلان التحريف.
السابعة: التعاقب في اتيان الكتاب ثم الحكم ثم النبوة باعتبار ان الحكم عمل بالكتاب، والنبوة مرتبة رفيعة وفيها يبلغ الإنسان اعلى درجات اليقين، فيكون معصوماً من الضلالة.
وتبين الآية جهاد الأنبياء ودعوتهم الناس للهداية والإيمان، وبراءتهم من الغلو في اشخاصهم.
الثامنة: ورود (ثم) نوع اعجاز لما فيه من التراخي ، المقرون باتصال الفعل وتغشيه على جميع آنات وأوقات النبي، لتكون الآية شاهداً على تعاهد الأنبياء الدعوة الى الله الى حين انتقالهم الى الرفيق الأعلى، وان التحريف امر لاحق وجاء فيما بعد وهم بريئون منه.
التاسعة: تبين الآية المنافع العظيمة لبعثة الأنبياء في تثبيت دعائم الإيمان.
العاشرة: تدعو الآية الى العلم والتزود من المعارف لأنه وسيلة للإقرار بالربوبية واجتناب الشرك ومفاهيم الضلالة.
الحادية عشرة: تؤكد الآية وراثة المسلمين للأنبياء في الدعوة الى الله، ولقد دعا الأنبياء الناس الى عبادة الله وعدم الغلو في اشخاصهم، اما المسلمون فقد تصدوا للغلو الواقع فعلاً، والذي ظهر بتحريف الكتب ولي ألألسن، بالإضافة الى جهادهم لمواجهة وفضح تحريف البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويمكن ان نسمي هذه الآية بآية [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
جاءت مضامين هذه الآية حجة ودليلاً على نزاهة الأنبياء وطهارتهم من دنس التحريف وبراءتهم من الدعوات للغلو فيهم، وتحث المسلمين وغيرهم على نبذ الغلو في اشخاص الأنبياء، وتتجلى منافع الآية بهذا الخصوص بعدم غلو المسلمين بشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع انه سيد ولد آدم.
ولم يحتج احد من المسلمين على اهل الكتاب بانه لو كانت العبادة جائزة لغير الله لكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى بها من عيسى وغيره من الأنبياء، فتنزه المسلمون عن هذا الإحتجاج كمثال، للتسالم بان واجب الناس جميعاً اخلاص العبودية لله تعالى، وان المسلمين أهل التوحيد والدعاةالى الله عز وجل، وبه يستحقون الخلافة في الأرض.
ولم ينظروا الى مفاهيم الشرك الا بازدراء وتحدِ مقرون بالدعوة الى عبادة الله تعالى، والإقتداء بالرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء الآخرين في اخلاص العبادة له.
لقد أنعم الله عز وجل على الناس باقتران النبوة بعمارتهم الأرض، فأول من سكنها هو آدم عليه السلام وكان نبياً رسولاً، وتعاقب الأنبياء وكل منهم يأتي بالمعجزة التي تدل على صدق نبوته، وهي زاجر للناس عن الإفتتان به ونسبته إلى الربوبية من بعد مماته.
فجاءت الآية شهادة من عند الله لحسن سمت الأنبياء وقيامهم بأداء وظائفهم العقائدية في التبليغ والدعوة إلى الله عز وجل.
وفيه دلالة على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين بلحاظ مجئ القرآن باكرامهم وتنزيه مقاماتهم ودعوة الناس للإقتداء بهم في سنن التوحيد، وهذه الدعوة باقية إلى يوم القيامة لبقاء القرآن سالماً من التحريف.
الآية لطف
بدأت الآية بصيغة النفي، وهو وسيلة للإنصات وطرد الضجر والسأم، والتطلع لما بعد النفي من المواضيع والأحكام، والكلمة التي بعدها لا تخلو من الإبهام لأنها جاءت بلفظ البشر وهو اسمجنس يقع على المتحد والمتعدد، والقلة والكثرة.
ولكن جاء البيان بعده بما يفيد الحصر في عدد معين، وهو أشرف الإعداد، وأبهى الأسماء واقدس الأوصاف بين اهل الأرض الا وهو معاشر الأنبياء وفيه مصداق لقوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ…]( ).
ومن اللطف الإلهي في الآية وجوه:
الأول: الآية تأديب للناس لشمولهم بشطر من موضوع الآية بلحاظ الإلتقاء في صفة الإنسانية.
الثاني: الدعوة لإتباع الأنبياء، وهذا الإتباع على جهات:
الأولى: اتباعهم فيما جاءوا به من عند الله.
الثانية: الإقتداء بهم في سننهم.
الثالثة: اظهار العبودية لله تعالى.
الرابعة: محاربة من يدعي الغلو في الربوبية، وعدم الإمتثال له.
الثالث: اجتناب الغلو في اشخاص الأنبياء، خصوصاً انهم بشر تلقوا الوحي من عند الله.
الرابع: الإقرار بعظيم درجة الأنبياء للمنزلة العظيمة التي نالوها وشرف الوحي.
الخامس: تنزيه الأنبياء من الغلو في اشخاصهم، وتوكيد براءتهم منه، ومن اللطف الإضافي في المقام ان هذا التنزيه خالد وثابت في الأرض الى يوم القيامة ببركة القرآن وهو سر من اسرار وجوب حفظه وتعاهده وعدم طرو التحريف عليه.
السادس: بقاء دعوة الأنبياء للناس بان يكون فقهاء متعلمين حية غضة ببركة هذه الآية، ومن اللطف الإلهي ان تأتي الآية في موضوع مخصوص الا ان الغايات القدسية الحميدة فيها تكون متعددة وكثيرة يصعب احصاؤها، وفي كل زمان يكتشف شطر منها.
السابع: حث الأجيال اللاحقة من الناس على محاكاة الآباء والأمم السابقة في الإمتثال لأوامر الأنبياء في طاعة الله عز وجل.
الثامن: بيان حقيقة وهي ان تعلم الكتاب والدراسة في العلوم زاجر ومانع من الغلو في الأنبياء، فمتى ما تفقه الإنسان في الدين فانه يحترز من الغلو والمبالغة في اشخاص الأنبياء، وحينما يرى ويعلم بالآيات والمعجزات الباهرات التي جاءوا بها يدرك انها فيض وفضل ولطف من عند الله، ويدل هذا المعنى في مفهومه على رمي اهل الغلو بالجهل وقلة التعلم وعدم التفقه في الدين.
مفهوم الآية
من الآيات في القرآن ان يأتي التنزيه للأنبياء جميعاً من الشرك على نحو الإطلاق، وهذا التنزيه جاء بنفي دعوتهم الناس لعبادتهم، وليس هو من باب الحصر بل من باب مثال في نبذهم للضلالة وعصمتهم من التعدي على حرمات الله،
وتبين الآية فضله تعالى على الناس في بعثة الأنبياء وان الله عز وجل جعلهم امناء على الدعوة الى التوحيد، وتعاهد سبحانه حملهم للأمانة، فقد يضطر الإنسان الى التقية من الكفار، ويكره على أمر كما في قوله تعالى [إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان]( ).
ولكن الأنبياء لم تصل بهم النوبة الى التقية بالدعوة الى عبادتهم، بل ان الله عز وجل يعينهم بأمور:
الأول: عدم بلوغ امر التقية الى هذه النوبة، كما ان عدد اصحابهم يزداد باطراد.
الثاني: اختيار جماعة منهم القتل في سبيل الله.
الثالث: انشغال الناس بدعوة النبي الى الله عز وجل.
الرابع: ظهور معاني العبودية على شخص النبي نفسه في قوله وفعله.
الخامس: دعوة النبي الناس لطاعة الله والإمتثال لأوامره تدل بالدلالة المطابقية على عدم دعوته لنفسه، بل هو عبد لسيده ومولاه.
السادس: امتلاء نفس النبي بمضامين الإنقطاع له تعالى.
وتضمنت الآية مايقوله النبي للناس وما لا يقول لهم ، وهذا القول وعدمه من الاحكام التكليفية للنبي والناس، فما يقوله لهم وهو (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) يحمل صفة الوجوب، أي لابد وان يدعو الناس لعبادته تعالى، وهذا الوجوب على قسمين:
الأول: بسيط بالنسبة لدعوة الناس بعضهم بعضا للإيمان.
الثاني: مركب وهو دعوة النبي للناس لعبادة الله للتكليف الإضافي ولان الله عز وجل أتاه الكتاب والحكم والنبوة.
وموضوع الآتيان عام يتعلق بالأجيال المتعاقبة من الناس، وافراد هذه الآية متعددة منها.
الأول: إتيان نفر مخصوص من الناس النبوة.
الثاني: موضوعية التنزيل والكتاب في النبوة، وما في تلقيه من العصمة واليقين، فمن ينزل عليه الكتاب لا يدعو لنفسه، ولا يميل الى السكوت ولا يكون خاملاً، بل يجتهد في دعوة الناس للإيمان.
الثالث: ان الله عز وجل يمنح الحكم والأهلية له، ويجعله ملكة راسخة عند النبي .
الرابع: حاجة الناس للحاكم الذي يتلقى الحكم من عند الله، ويدل في مفهومه على قصور الإنسان عن الإحاطة بمضامين وتفاصيل الحكم بين الناس الا بمدد وعون الهي.
الخامس: مع النبوة تأتي العصمة من الزلل والضلالة ومعاني الشرك، فهذه الآية شاهد على نزاهة الأنبياء واخلاصهم في طاعة الله.
السادس: ان النبوة غير الكتاب والحكم، للمغايرة والتعدد ووجود حرف العطف الواو، فمع الكتاب يأتي الحكم وتأتي النبوة ،والله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم.
السابع: فناء شخص النبي في محبة الله، فبعد النبوة يبقى سائحاً في مرضاته لا يرتوي من عشق العبادة ، ويحب للناس مايحب لنفسه من الهداية والصلاح.
الثامن: لا يرضى النبي من الناس ان يختاروا امراً وسطاً بين الإيمان والكفر، بل ان هذا الوسط معدوم واقعاً، فلا يطلب منهم إلا ان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ.
التاسع: يمتلك النبي الحجة على الناس في دعوتهم الى عبادة الله بكونهم يعلمون الكتاب ويزاولون الدراسة، وهذا التعلم والدراسة حرز عام للناس جميعاً من أي دعوة لعبادة غير الله، فكأن النبي يقول لهم لا تصغوا لكل من يدعى الربوبية وقابلوه بتقبيح ورفض فعله، مع اعلان التمسك بسنن العبودية لله تعالى.
افاضات الآية
لا تنحصر دعوة النبي للناس بتسخير الذات للعبودية بل ببذل الوسع ليكون كل انسان قائداً واماماً في الدعوة الى الله ويقوم باصلاح الناس، ويدير شؤونهم بما يعينهم على أمور دينهم ودنياهم، لذا جاء قوله تعالى [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ].
ومن الآيات أن ترى اصحاب وأنصار النبي قادة للأمم، ورواد العمل الصالح، وهم ورثة علمه، والقائمون بتثبيت نبوته، كما يقومون بمسؤولية حفظ ونقل البشارات بالرسول اللاحق، ومن أهمها البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد بينت الآية التفاني المطلق للأنبياء في مرضاة المعبود، وغرقهم في انوار جلال الحق، ليكونوا الواسطة المباركة بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وعنوان التحلي بالفضائل، والطهارة الذاتية من دنس الرذائل، للملازمة بين العبودية والحب الإلهي، فمن أخلص العبودية لله تعلق قلبه بحبه تعالى وأنشغل عن الناس وهموم الدنيا.
ولكن الدعوة الى الله جزء من هذا الحب والإندكاك في مرضاته تعالى، وهذا من الآيات والإفاضات بان تكون الصلة مع الناس جزء من الإنقطاع له سبحانه ، ورشحة من رشحات حبه تعالى، فمن أحب الله عز وجل سعى في اشراك الناس في هذا الحب وهو من عناوين الإصطفاء وعلل مباهاة الملائكة بخلق آدم.
لقد اصطفى الله الأنبياء من بين البشر ليكونوا وسائط نزول الرحمة التي خص الله بها الإنسان، وهي الوحي والكتاب، ليكون مصاحباً للإنسان بعد ان فقد مقامه في الجنة وهبط الى الأرض.
فالكتاب من الموجودات العلوية التي تلازم الإنسان للنفخ فيه من روحه تعالى، وليبقى على صلة مع السماء، وبامكانه السعي من جديد للعودة الى مقاماته فيها من غير ان يخاف الطرد والإخراج واغواء الشيطان والرجوع الى دار الإبتلاء فالعودة الى الجنة ابدية.
والإصطفاء هنا تجاذب تام بين النبي والخالق، وجذبة النبي العبودية المحضة، والإجتهاد في الدعوة الى عبادة الله وامامة الناس في دروب المعرفة الإلهية، والتفقه في الدين، اما جذبة الخالق فهي اتصال الفيض الإلهي، وتوالي نزول الوحي والعروج في الكمالات الإنسانية.
وتجلي معاني التقوى واليقين في قول وفعل النبي، وظهور ثمار دعوته بوجود الأنصار والأتباع والأعوان، ولم يغادر النبي الدنيا الا بعد أن يرى اصحابه يعلمون الناس ما علمهم اياه وهو عنوان لجزائه في الدنيا وبعث السكينة في نفسه على سعيه وجهاده واخبار عن نمو بذرة الصلاح واشراقة ضياء الإيمان في النفوس، واتساع الجذب الى العبودية والإيمان والسفر في عالم التجلي والشهود.
اسباب النزول
الأول : أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال قال أبو رافع القرظى حين اجتمعت الاحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الاسلام أتريد يا محمد ان نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم فقال رجل من أهل نجران نصراني يقاله الرئيس أو ذاك تريده منا يا محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ الله ان نعبد غير الله أو نامر بعبادة غيره ما بذلك بعثنى ولا بذلك أمرنى فانزل الله في ذلك من قولهما [ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ.. إلى قوله بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ).
الثاني : وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن جريج قال كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله عن موضعه فقال الله [ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ] ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه( ).
الثالث : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال بلغني ان رجلا قال يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك قال لا ولكن اكرموا نبيكم واعرفوا الحق لاهله فانه لا ينبغي ان يسجد لاحد من دون الله فانزل الله ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب إلى قوله بعد إذ أنتم مسلمون( ).
الرابع : وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ربانيين قال فقهاء معلمين( ).
التفسير
قوله تعالى [َمَا كَانَ لِبَشَرٍ]
بدأت الآية بـ(ما) النافية، ومع انها جزء من الآية الكريمة الا انها مقدمة لتثبيت حقيقة عقائدية، ولا يعني هذا القول منا بالمقدمة الداخلية التي ذهب اليها جماعة من الأصوليين في هذا الزمان.
لقد جاءت الآية بالنفي المطلق، وفي متعلقه وجوه:
الأول: الناس جميعاً.
الثاني: الأنبياء.
الثالث: الأنبياء وأصحابهم والمؤمنون باعتبار ان المؤمنين يتلقون الكتاب بواسطة اخبار النبي لهم بما ينزل عليه.
الرابع: الرسل الذين هم اصحاب شرائع.
والصحيح هو الثاني فالمراد بالآية هم الأنبياء ويدخل معه الرابع لأن كل رسول نبي، وجاءت الآية بصفة البشر لتذكير الناس بوظائفهم في العبودية لله من باب الأولوية.
وحرف العطف الواو المكرر في قوله تعالى [الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ] يفيد الجمع أي ان الله عز وجل ينزل على النبي الكتاب، ويعلمه قواعد الحكم، ويؤتيه النبوة والوحي .
ولماذا خصت الآية الأنبياء بالذكر في المقام فيه وجوه:
الأول: ادعاء فريق من الناس بان عيسى عليه السلام دعى الى نفسه، ومصدر هذه الدعوى جهات محتملة هي:
الأول: أهل الغلو بعيسى، والذين قالوا بربوبيته.
الثاني: غير النصارى ممن أرادوا تشويه رسالته، وصد الناس عنه، فمن يدعي الربوبية لنفسه تنفر الناس منه ، واذا لم يكن حاكماً وملكاً مستبداً فان النفرة منه تكون عامة حتى من قبل أقرب الناس اليه، ولم يكن عيسى عليه السلام ملكاً بل لم يملك شيئاً من حطام الدنيا.
الثالث: الذين رأوا الآيات الباهرات التي جاء بها عيسى اذ انه أحيى الموتى، ونفخ في الطين فصار طيراً، وأبرء الأكمه والأبرص، الى جانب غيرها من الآيات( ).
أما الأول أعلاه فان القرآن جاء بذكرهم وذمهم، قال تعالى [وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ] ( ).
واما الثاني فهو امر غير مستبعد، وقد يحدث بعرض واحد مع الإفتراء عليه وعلى أمه، ووثق القرآن هذا الإفتراء بقوله تعالى [ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ]( ).
وأما الثالث فان عيسى عليه السلام اجتهد في الإعلان بان ما عنده من الآيات فضل منه تعالى وانه عبد الله ورسوله، بما يحول دون الغلو فيه، ومن الآيات في الإرادة التكوينية ان الله سبحانه لم يكتفِ بما قاله الأنبياء من عبوديتهم لله تعالى، بل جاءت آيات القرآن بنفي ادعائهم الربوبية لأنفسهم او لغيرهم من دون الله وتأكيدهم بلزوم العبودية لله تعالى والمستغرقة للناس جميعاً.
الثاني: ان الله أخذ على الأنبياء الميثاق بالعبودية المحضة له.
الثالث: الأنبياء قادة الأمم، وأئمة الهدى .
الرابع: تبعث الآية على الإزدراء من الذي يدعي الربوبية ، او يدعو لربوبية غير الله ،لقاعدة تتبادر الى الذهن ببركة هذه الآية وهي ان اشرف الناس وهم الأنبياء يعشقون عبادته تعالى ، فمن باب الأولوية ان يقوم الناس بعبادته تعالى.
وندب الأنبياء الناس للتفقه في الدين لأن الفقاهة واقية من الشرك ومضامينه، ولتوكيد الإطلاق في نفي دعوتهم لأنفسهم، واثبات حقيقة وهي ان كل واحد منهم معصوم عن الدعوة لنفسه، وهذه العصمة مترشحة عن الوحي والنبوة.
وتبين الآية بدلالتها التضمنية وجود انبياء من بين الناس، وان الله هو الذي أختارهم للنبوة ، وهي أعم من الوحي وتشمل الكتاب والحكم.
وقوله تعالى [مَا كَانَ لِبَشَرٍ] أي ليس له ان يدعي الربوبية،وقد ادعاها بعض الطواغيت كنمرود وفرعون، وفيه وجوه:
الأول: النفي المطلق خاص بالأنبياء، وان باقي الناس معرضون للوقوع بالضلالة.
الثاني: شمول مضامين الآية للأولياء والصالحين اذ ان اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره بالإضافة الى القواعد الكلية التي تبين اقتداء الصالحين بالأنبياء.
ومن أهم مصاديق الإقتداء الإنقياد التام لأحكام الشريعة وعدم الدعوة للنفس فحينما لا يدعو النبي لنفسه مع انه صاحب الآيات والمعجزات، فمن باب اولى ان لا يدعو اصحابه واتباعه الى انفسهم لأنهم آمنوا به وصدقوه بقيد معلوم وهو ما جاء به من عند الله.
الثالث: عصمة الناس جميعاً من الدعوة لأنفسهم لذا ورد النفي بصيغة (البشر) في اشارة الى جنس الإنسان، ونفي وجود انسان يدعو الناس لعبادته من مصاديق نفخ الروح في آدم وخلافة الإنسان في الأرض، فالخليفة لا يدعو الا لمن جعله خليفة ، اما موضوع نمرود وفرعون ونحوهما من الطواغيت فيحمل امرهم وفق هذا القانون عدم قيام الناس بعبادتهم واتخاذهم ارباباً وانهم لم يدعوا لأنفسهم بل أفتتن الناس بهم وبسلطانهم ولكنه معارض بقوله تعالى في فرعون [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ).
الرابع: العموم في نفي ادعاء الناس الربوبية باستثناء بعض الشواذ على مر التأريخ لا يضر بالعموم والقواعد الكلية، ومنها نمرود وفرعون فأراد الله عز وجل ان يكونا عبرة للناس.
والصحيح هو الرابع، وهو آية في الخلق واستدامة تعاهده تعالى للناس في عقائدهم ومبادئهم ومنع شيوع الزيغ والضلالة بينهم، بالإضافة الى حقيقة أخرى وهي ان ليس كل من ادعى الربوبية لنفسه وجد من يصدقه في دعواه بل بالعكس فقد تكون هذه الدعوة سبباً لتفرق الناس عنه والإعراض عنه او البطش به وقتله.
لقد جاءت الآية بخصوص الأنبياء دون غيرهم، وفيه مسائل:
الأولى: الإخبار عن وجود قادة للأمم أسسوا اركان العبودية لله في الأرض.
الثانية: حسن أداء الأنبياء لوظائفهم العبادية، وقيامهم بأداء الرسالة كاملة.
الثالثة: جعل الله الأنبياء حجة على الناس لإجتبائهم واختيارهم لمنصب النبوة وما فيه من الرفعة والسمو، فلابد ان يكونوا منزهين عن الدعوة للذات.
الرابعة: تبين الآية وجهاً من وجوه جهاد الأنبياء، فكما كانوا يحاربون الكفر واقطاب الضلالة، فانهم يتصدون لأهل الغلو باشخاصهم ويمنعونهم من عبادتهم، ويدعونهم الى عبادة الله.
الخامسة: لقد حرص الأنبياء على اظهار معاني العبودية لله في اقوالهم وافعالهم، وكان الخشوع والخضوع والمسكنة لله تعالى ظاهراً عليهم في السر والعلانية، وأراد الله عز وجل تنزيه ساحة الأنبياء والى يوم القيامة.
فجاءت هذه الآية وثيقة سماوية تشهد بتقوى الأنبياء واخلاصهم العبادة لله عز وجل، وارتقائهم في الكمالات الإنسانية، واظهارهم العبودية المحضة لله تعالى.
وأكدت الآية على صفة الآدمية لكل نبي وانه بشر وهو من الكلي الطبيعي الذي يلتقي الناس جميعاً فيه، فلم تقل الآية “ما كان لنبي” كما في قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ] ( )، بل جاءت بصفة البشر وهو اسميقع على المفرد والمثنى والجمع، والذكر والأنثى، والمراد هو الجمع، فالآية انحلالية تنبسط على جميع الأنبياء، وارادة الجمع هنا تشريف واكرام للأنبياء فيكون الجامع لهم عدم الدعوة لأنفسهم،ليكون هذا الجامع حقيقة ثابتة في الوجود الذهني والخارجي.
وتدل الآية على وجود اثر واتباع للنبي وان الناس يصغون له ويستمعون لقوله، فاذا كان الإنسان لا يسمعه احد لا يدعي قولاً، وان قال يذهب كلامه ادراج الرياح لعدم وجود المحل والمستمع.
ومع ان الآية الكريمة وردت بصيغة الخبر فانها تتضمن الإنشاء وصيغة الخطاب من وجوه:
الأول: الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الخطاب لا يتضمن النهي عن فعل، بل إكرام الأنبياء ، وإعانة النبي والمسلمين في صيغ الإحتجاج ، وفيه مسائل:
الأولى: تنزيه ساحة الأنبياء السابقين من الغلو الذي ذهب اليه بعض اتباعهم.
الثانية: اخباره عن احوال الأمم السابقة، وكيف قابل شطر من الناس النبوة والمعجزات بالإفتتان بشخص النبي.
الثالثة: لزوم جهاده والمسلمين لثتبيت دعائم التوحيد.
الرابعة: تأديب المسلمين باخلاص العبودية لله تعالى.
الخامسة: جعل الناس يقتدون بالمسلمين ، لذا وردت الآية بلفظ الناس [ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ].
الثاني: الخطاب للمسلمين خصوصاً وانهم الأمة التي تتولى مسؤوليات الخلافة في الأرض، وفيه مسائل:
الأولى: اخبارهم عن الدرجة الرفيعة للأنبياء، وما لهم من مقامات القرب.
الثانية: الإحتجاج على الأمم الأخرى، ممن يغالي باشخاص الأنبياء ويجعلهم ارباباً.
الثالثة: مدح المسلمين والثناء عليهم لأنهم لم يغالوا بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع انه سيد الرسل وخاتم النبيين.
الرابعة: اجتناب الغلو مطلقاً.
الخامسة: التفكيك بين قيام بعض الأمم بعبادة انبيائهم والغلو في اشخاصهم،وبين انقطاع الأنبياء لعبادة الله.
الثالث: توجه الخطاب الى اهل الكتاب باعتبارهم اتباع موسى وعيسى عليهما السلام، ويؤمنون بالتوراة والإنجيل ، وفيه مسائل:
الأولى: الغلو مانع من رؤية الأشياء بحقيقتها، لما يسببه من الغشاوة على البصيرة والبصر.
الثانية: هذه الآية حرب على التحريف وتشويه الكتب السماوية، لأنها تؤكد انفراده تعالى بالعبادة.
الثالثة: اهل الكتاب اولى من الكفار في النصيحة والزجر عن المعصية لأنهم اقرب للمسلمين من غيرهم بحكم انتسابهم للكتب السماوية.
الرابعة: موضوع النبوة خاص بالمسلمين واهل الكتاب في الغالب لأنهم اتباع الأنبياء، وقد خرج المسلمون بالتخصص من مسألة الغلو بالنبي، فليس من مسلم يغالي برسول الله ويجعله رباً، وبقي أهل الكتاب على الأصل في توجه الخطاب اليهم مع لزوم إعتبارهم واتعاظهم والمسلمين والناس أجمعين .
الرابع: الناس جميعاً لبيان الوظيفة العقائدية للأنبياء ووجوب اتباعهم، وعدم التصديق باهل الغلو من اتباعهم، فقد يظن الناس ان المنتسبين لدين يحكون واقعه ومبادئه ، فجاءت الآية لتبين حقيقة تكوينية ثابتة وهي ان الأنبياء لا يدعون الا الى عبادة الله، وما خالف هذه الحقيقة يجب طرحه وعدم الأخذ به.
وصحيح ان اكثر الناس على الضلالة والكفر والجحود بالنبوة سواء النبوة اللاحقة، ام مطلقاًَ، ولكن هذا لا يعني شمول خطابات القرآن لهم واخبارهم عن كنه النبوة والوظيفة الأساسية للنبي ، وهي الدعوة لله عز وجل وعدم طرو الشك او الوهم او الغرور على نفسه.
الخامس: الملوك والرؤساء لدعوتهم الى عبادة الله، واجتناب ادعاء الربوبية، فاذا لم يتسلح الملك والسلطان بالإيمان ومعرفة الصانع قد يميل الى الزهو وجعل نفسه بدرجة اعلى من الناس، وهذه الدرجة والفارق بينه وبين الناس يزداد اتساعاً مع اتساع ملكه وزيادة قوته وجبروته ووجود المال واهل الرياء الى ان يدعي الربوبية، فجاءت الآية لتخبره وأعوانه ان اشرف الناس لا يدعو الا لله تعالى.
السادس: الرؤساء في الدين والمذهب، ومنعهم من الغلو في الأنبياء من أجل تثبيت سلطان الدين في النفوس والمجتمعات، فقد يظن بعضهم ان الناس لا يقرون بالنبي الا بادعاء الربوبية له، او انهم يعتبرون المعجزات كافية لنيله هذه المرتبة، فجاءت الآية لزجرهم وفضحهم.
وفي قوله تعالى [مَا كَانَ لِبَشَرٍ] وجوه:
الأول: لا ينبغي له مع التباين في تفسير (لا ينبغي) وهل يراد منه الحرمة او الكراهة.والمراد هنا الحرمة.
الثاني: لا يجوز لبشر.
الثالث: لا يحل له للنهي الإلهي النازل عليه.
الرابع: ليس بمقدوره ان يفعل، أي ان الله عز وجل عصمه من الدعوة لنفسه بواقية سماوية، وانه لا يستطيع ابداً ان يدعو لنفسه.
قانون عبودية النبي لله عز وجل
يمتاز النبي عن غيره من البشر بالوحي والتنزيل، فهو الواسطة المباركة بين الله والناس، وتحمل النبي أكبر مسؤولية في تأريخ الإنسان عنوان فخر للبشرية جمعاء.
وتشريف النبي بالوحي لم يكن باختياره، بل جاء بفضل من الله عز وجل، فهو الذي أختاره وأصلحه للنبوة، وتتوقف على هذا الإختيار منافع العباد بهدايتهم الى سبل الرشاد، فاحاط سبحانه الأنبياء بحصانة واقية وهي ثباتهم في منازل العبودية واجتهادهم في سبل الخضوع والخشوع لله تعالى.
ومن آيات الخلق اعداد النبي لتلقي الوحي،وقوس الصعود في مراتبه . واصلاحه لمنزلة العبودية وما فيها من مقامات التقوى والخشوع لله تعالى، وهي من أعظم النعم على الإنسان، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم انه قال: (إتخذني الله عبداً قبل ان يتخذني نبياً)( ).
وفيه مسائل:
الأولى: ان العبودية لله مرتبة رفيعة ينالها الإنسان بفضله تعالى.
الثانية: لابد من ضوابط وقواعد يستحق معها الإنسان درجة العبودية.
الثالثة: في الحديث دعوة للناس لبذل الوسع لنيل درجة العبودية.
الرابعة: تحبيب العبودية للنفس، وجعلها تشتاق لمقامات الخشوع لله تعالى.
الخامسة: تأتي درجة العبودية بلطف منه تعالى لقوله صلى الله عليه وآله وسلم “اتخذني ربي” وهذا لا يعني الحصر بنيلها هبة بل يمكن اكتسابها بالعزم والسعي في سبل الصلاح والتقوى، وان كانت درجة الكسب لا ترقى الى الهبة، لما في الأخيرة من التكامل في مقامات العبودية والخشوع لله تعالى، لأنه تعالى اذا اعطى يعطي بالأوفى.
السادسة: منزلة العبودية مقدمة للنبوة.
السابعة: العبودية شاهد على الإرتقاء في المعرفة الإلهية، ومعرفة الأشياء كما هي، فيرى معها الإنسان نفسه ممكناً محتاجاً، متطلعاً للإفاضات الإلهية، وتسبح نفسه في سبحات الجلال والإكرام، وتملؤها الغبطة والسعادة مع كل قول وفعل فيه طاعة لله.
وبين العبودية والنبوة عموم وخصوص مطلق، فكل نبي هو عبد لله ولا عكس، وليس من مخلوق الا وهو عبد لله ، فالعبودية سمة ثابتة تتغشى الخلائق، ولكن قانون العبودية يتعلق باظهارالنبي لعبوديته لله تعالى في اقواله وافعاله، وهو المثال الذي يقتدى في مسالك العبودية فليس من قول أو فعل له الا ويكون مصداقاً للعبودية، وشاهداً على اهلية الإنسان لخلافة الأرض، والأسوة الذي يجذب الناس للهداية والإيمان.
وهذا الجذب لا ينحصر بزمان النبي ودويرته من الأهل والأصحاب والجيران بل هو باقِ الى يوم القيامة ، ومن مصاديقه حفظ سنن الأنبياء وتوثيقها في القرآن، بإعتباره الواسطة السماوية المباركة التي تبقى الصلة بين الأنبياء والناس حية دائمة ، قال تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ] ( ) وقال سبحانه [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
ولم يأتِ الكتاب والنبوة الا بعد نيل مرتبة العبودية والثبوت في مقاماتها، وظهور اثارها بجلاء على الجوانح والأركان، والإنقطاع الى الله تعالى، وتحصيل درجة الإستعداد للوحي، وحفظه وصيانته وتعاهده، لذا جاءت هذه الآية بصيغة القطع بنفي دعوة النبي لنفسه ولعبادته، ليكون هذا النفي حجة في لزوم تصديق النبي وعدم الإعراض عنه، او التشكيك في دعوته.
ومن خصائص هذا القانون المنع من الغلو بالأشخاص مطلقاً، والزجر عن عبادتهم، فاذا كان النبي وهو أشرف الناس لا يدعو الى عبادة نفسه، بل يدعو الى عبادة الله عز وجل ويظهر اسمى معاني العبودية والخشوع لله تعالى، فمن باب الأولوية القطعية عدم جواز عبادة غيره بالذات والعرض اما بالذات فلأن كل انسان او مخلوق مطلقاً هو عبد لله.
واما بالعرض فللقواعد الكلية الثابتة ببطلان التوجه لغير الله تعالى في قصد ومضامين العبادة.
والترتيب بين الكتاب والحكم والنبوة آية اعجازية تبين مراحل اصلاح النبي لمراتب النبوة وان تلقي الوحي يسبق الحكم بين الناس لحاجة القضاء الى ملكة فصل الخطاب والتمييز الدقيق بين الحق والباطل.
كما يحتاج الحكم الى العدل وبه تنتظم شؤون المعاشات والملك، والنظام والحرص النوعي العام على عدم التعدي والجور، وتبين الآية ان النبي يجتهد في الدعوة الى الله عز وجل واذا كان لا يدعو الى عبادة نفسه فمن باب الأولوية انه لا يدعو الى طاعة غيره من البشر في معصية الله.
فالآية تنزه الأنبياء من الركون للملوك والسلاطين، وانهم لا يدعون لأحد منهم وان كان عادلاً مؤمناً، بل يأخذون بيده الى سبل النجاة، ويحثونه على عبادة الله، وهذا الحث مطلق يقوم به النبي مع الملك العادل والجائر، وإن تباينت درجته وصيغته وكيفيته، وتحمل الأنبياء في هذا السبيل اشد صنوف الأذى، وأدى الى قتل نفر منهم، ليكون هذا القتل شهادة تأريخية ثابتة عند الأجيال المتعاقبة تؤكد صدق دعوة الأنبياء لله تعالى وطريقاً معبدة لعشاق منازل العبودية وما فيها من السمو والرفعة والأجر.
فمن الآيات في المقام وحدة سنخية عمل الأنبياء، في اخلاصهم العبودية لله وان ادى الأمر الى تعرضهم للقتل، والتضحية بالنفس في مرضاة الله لإنحصار الخيار على نحو التعيين بالثبات في منازل العبودية، وعدم مغادرتها وان كانت الطريق موحشة.
ولم يقف جهاد الأنبياء عند عدم الدعوة لأنفسهم، بل جاء على وجوه متعددة منها:
الأول: اظهار معاني العبودية في السلوك السيرة.
الثاني: دعوة الناس الى الإيمان والعبودية لله تعالى.
الثالث: تحمل الأذى في جنب الله، لتوكيد حقيقة تأريخية وهي ان التمسك بالعبودية ليس امراً سهلاً، بل هو طريق مليء بالأذى والعناء، ومع هذا صبروا عليه، وشعروا باللذة فيما يلاقونه من الأذى لأنه يتضمن حلاوة الشهادة على الهدى ودعوة الناس للإيمان.
الرابع: دعوة الناس لطاعة الله عز وجل، والسعي لنيل الجاه والشأن في الدنيا والآخرة بالهداية والإيمان، فالعبودية لله لا تعني الذل والضعف والقعود عن المنافع والمصالح الدنيوية و لا تعارض بينها وبين المنافع الأخروية ، لذا ورد عنه عليه السلام: “اعمل لدنياك كأنك تعيش ابداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً”.
والعمل هنا على أقسام:
الأول: العمل للدنيا ونيل الحاجات والرغائب فيها.
الثاني: السعي للآخرة بفعل الصالحات واتيان الطاعات ، واجتناب المعاصي والآثام.
الثالث: العمل للدنيا والآخرة، فمن الأعمال ما يكون النفع منه مركبا للدنيا والآخرة، ويتغشى هذا القسم اكثر أعمال المؤمن.
فيأتي الإنسان بعمل مباح في الدنيا ولكن نفعه في الآخرة عظيم، سواء بالذات او بالواسطة، كما لو تزوج الإنسان وكان في الزواج حفظ لفرجه وصيانة لدينه، ومن الواسطة في المقام ان يولد له ولد مؤمن يكثر من الصالحات وينال أبوه بسببه ثواباً اضافياً عظيماً فضلاً منه تعالى.
قانون النزاهة
لقد أراد الله عز وجل للدار الدنيا محلاً لعبادته وذكره واختار الإنسان لهذه الوظيفة العقائدية، ورزقه العقل وجعل عنده الهوى والشهوة والغضب، وترك للشيطان اغواءه ومحاولة اضلاله، وتفضل الله تعالى ببعثة الأنبياء مبشرين ومنذرين، ليدفعوا اذى الشيطان وتمنع دعوتهم وضعه الحواجز امام بني آدم في ذكره وعبادته تعالى ولكن التحريف والتشويه امتد لوظائف الأنبياء في الأرض، وقام بعض اهل الضلالة بالدعوة للنبي بعنوان الربوبية.
فنزلت شآبيب الرحمة بهذه الآية الكريمة اذ جاءت صريحة بتنزيه ساحة الأنبياء عن الدعوة لغير الله وهو مضمون قانون النزاهة وبينه وبين قانون عصمة الأنبياء عموم وخصوص مطلق، فالنزاهة فرع العصمة ووجه من وجوهها ومتعلق هذا القانون هو اخلاص الأنبياء في الدعوة الى الله، وهذا الإخلاص جزء من الإرادة التكوينية ومصداق من مصاديق حكمته تعالى فهو سبحانه منزه عن القبيح، ولا يفعل ما فيه العبث، وحينما اختار نفراً من البشر للنبوة والرسالة، فانهم قادة الأمم ورواد الناس لما فيه الخير والصلاح.
وهم الواسطة الكريمة بين الله عز وجل والناس، وحملة ميثاق السماء في الأرض، فلا يمكن ان يطرأ على نفوسهم الزيغ ولا تصل اليهم الغفلة، وتعددت اقوال علماء الإسلام في عصمة الأنبياء بخصوص اطلاقها او عدمه من جهتين:
الأولى: قبل النبوة وبعدها.
الثانية: من الكبائر والصغائر.
ولكنهم اجمعوا على نزاهة الأنبياء من دعوى الربوبية جملة وتفصيلاً وتصريحاً وكناية واشارة، وصاحب هذه الدعوى من ألد أعداء الأنبياء، ولقد جاءوا لمحاربته وحث الناس على نبذه وبغضه، فمن وظائفهم التصدي للغلو فيهم والذي يعني بالدلالة التضمنية المنع من الغلو بغيرهم من الرؤساء والقادة.
لقد تصدى الأنبياء للغلو باعتبارهم اشرف الناس، فجاهدوا في مسالك العبودية ليكونوا عبرة للناس من جهات:
الأولى: هم الأسوة والمثال الذي يحتذى، والناس يقتدون بهم في اقوالهم وافعالهم لأنهم وسائط السماء، وحملة اسرار التنزيل.
الثانية: اتصف الأنبياء بحسن الخلق، وسلامة السريرة، ومحاسن السيرة، وتخلقوا باخلاق الله، وتحلوا بارقى مضامين الصدق والأمانة والوفاء ونحوه من الأخلاق الحميدة، وابتعدوا عن الرذائل والأفعال الرديئة والعادات المذمومة، ليؤسسوا للأمم مناهج السلوك الحسن .
واذ طرأ التحريف على سننهم جاء القرآن بقصصهم بيضاء نقية وقام المسلمون بحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنعوا من التحريف والوضع فيها، فيبقى كل قول وفعل له ضياء ينير الدرب لهم وللناس جميعاً.
الثالثة: امامة الأنبياء للناس كافة مطلقة لا تنحصر في موضوع دون آخر، فتشمل العبادات والمعاملات والأحكام، واهم مسائل الإمامة العبودية لله تعالى، فهم رواد الدعوة الى الله، والأئمة في العصمة من الشرك والدعوة الى غيره تعالى.
الرابعة: لقد جاء الأنبياء بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه البشارة عنوان التقاء الأنبياء في العبودية لله وانتظار فضله تعالى ببعثة خاتم النبيين، كما ان سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرآة لسنن الأنبياء من قبله،وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
ومع ان موضوع (قانون النزاهة) هم الأنبياء اعتقاداً وسيرة فان آثاره لا تنحصر بهم، بل تترشح على اصحابهم واهل بيتهم وانصارهم واتباعهم.
وآثار ومنافع قانون النزاهة لم تنتهِ بحياة الأنبياء بل هي باقية الى يوم القيامة تتجدد في كل زمان ومكان وفيها دعوة للناس لنبذ الشرك مطلقاً.
لقد عصم الله الأنبياء من الدعوة لأنفسهم واخلصوا في عبادتهم لله تعالى، فكان اخلاصهم شجرة مثمرة [ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ]( ) وتتجلى مفاهيم النزاهة بابهى حللها ببعثة الأنبياء الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وامته اذ انهم تعاهدوها وتصدوا للغلو في الأنبياء وجاهدوا من اجل تنقية المبادئ ومنع الضلالة، وكما يلتقي الأنبياء في الدعوة الى الله تعالى فانهم يلتقون في النزاهة وعدم الدعوة لغير الله تعالى
وفي قانون النزاهة وجوه:
الأول: انه عصمة من عند الله ليس للنبي فيها شيء.
الثاني: ملكة ذاتية يبلغها النبي بالرياضة والمواظبة على العبادة.
الثالث: الأمر الجامع فهي فضل منه تعالى بالإضافة الى ملكة ذاتية عند النبي.
الرابع: منزلة ومقام رفيع يصله العبد بالعون والتوفيق الإلهي، ولا تعارض بين هذه الوجوه.
وعلة عدم دعوة النبي لنفسه وإطلاقها ،فيه وجوه:
الأول: ما آتاه الله عز وجل من الكتاب والحكم والنبوة، فانها واقية وحرز من الدعوة للنفس.
الثاني: لصفة الإنسانية وأنه بشر.
الثالث: اجتماع الآدمية مع النبوة، فالبشر قد يدعو لنفسه، ولكن عندما تأتيه النبوة فانه لا يدعو لنفسه ابداً.
الرابع: وجود المانع وهو العقوبة الإلهية ، قال تعالى [ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ *لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ] ( ).
الخامس: موضوعية الكتاب والنبوة في جعل الإنسان منجذباً الى الله عز وجل، معصوماً من الدعوة لغيره.
السابع: الدعوة لعبادة غير الله امر محرم على كل انسان، وانما ذكر الأنبياء لتنزيههم ونفي هذه الدعوة عنهم وليس التحريم، وللتصدي للذين يغالون في اشخاصهم بما يحجب ويزجر عن التوجه النوعي للإفتتان بهم .
الثامن: الصرفة من عند الله، أي ان الله عز وجل يصرف النبي عن الدعوة لنفسه، وهذه الصرفة على شعب:
الأولى: انها فرع النبوة ووجوب الدعوة الى الله.
الثانية: امر مستقل بذاته.
الثالثة: هي رحمة اضافية تأتي مع النبوة وتكون ملازمة لها.
الرابعة: انها مقدمة للنبوة والدعوة الى الله عز وجل فلكي ينال العبد مرتبة النبوة لابد ان يكون منزهاً من الدعوة الى نفسه، أي ان قانون النزاهة مقدمة واجبة للنبوة.
وهذه الآية من اصطفاء الأنبياء لما فيها من اكرامهم والذب عنهم، ونفي القبيح عنهم ليكونوا قادة للأجيال المتعاقبة من الناس للتسابق في طاعة الله ورجاء رضاه.

قوله تعالى [أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ]
لقد بدأت الآية بذكر صفة الآدمية ثم تعقبها موضوع الإتيان الإلهي، قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ]( )، فالنبي بشر ولكنه يختلف عن الناس بان آتاه الله النبوة لتوكيد حقيقة وهي ان المؤتي هو الله ،وان النبوة ليس إستحقاقا بل هي فضل ولطف إلهي محض.
وجاءت الآية بأمور ثلاثة للنبي:
الأولى: انه بشر مثل سائر الناس.
الثانية: جاءه الكتاب والحكم والنبوة.
الثالثة: ان هذا المجيء فضل واتيان محض منه تعالى.
ولم تأتِ الآية بصيغة الجمع “ان يؤتيهم” بل جاءت بصيغة المفرد وفيه مسائل:
الأولى: ارادة التوكيد والقطع بان كل نبي من الأنبياء هو امة داعية الى الله.
الثانية: بيان عظيم فضله تعالى على كل نبي من الأنبياء وعلى الناس.
الثالثة: ليس في قانون عبودية الأنبياء لله من شواذ، فكلهم بعرض واحد في الإستجابة والخضوع لله تعالى.
الرابعة: ارادة التفضيل بين الأنبياء فيما يؤتيهم الله، على وجوه:
الأول: من تكون نبوته وحياً واخباراً بواسطة الملك وهو على شعبتين:
الأولى: من يسمع الملك ولا يراه.
الثانية: من يسمع ويرى الملك.
الثاني: تكون نبوته تنزيلاً الى جانب الوحي.
الثالث: الذي جعله الله ملكاً وحاكماً.
الرابع: الذي لم يؤت السلطان والملك، وهو على اقسام:
الأول: العزيز في قومه وعشيرته وبلدته.
الثاني: المستضعف من قبل اهل الجور والطغيان.
الثالث: الذي يعرض عند اكثر الناس.
الرابع: الشهيد الذي يقتل في سبيل الله.
وهذا القتل مصداق للآية الكريمة، لأن النبي يبقى على دعوته الى الله عز وجل ويتحمل بسببها شتى صنوف الأذى ويرضى بالقتل صبراً وهو غارق في جلال الله.
ليكون اقدام الناس على قتله باباً للندم والتدارك، وحثاً لهم على التدبر في معاني الشهادة واسرار الثبات على الإيمان، وما فيه من مضامين الحق والصدق.
و(ان يؤتيه) في تأويل مصدر، والتقدير آتاه الله لتوكيد اختصاص النبي بنعم عديدة.
ويتجلى فضله تعالى في شواهد الكثرة في الآية من وجوه:
الأول: كثرة عدد الأنبياء اذ يبلغ عددهم مائة واربعة وعشرين الف نبي .
الثاني: تعاقب الأنبياء
الثالث: اتصال نزول الوحي عليهم .
الرابع: تعدد مصاديق المعجزة.
وجاء لفظ يؤتيه سبع مرات في القرآن، وتتعلق بفضله تعالى وعظيم إحسانه ، واحدة منها بلفظ الأجر العظيم، [وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا]( ).
والجمع بين الآيات يفيد الأخبار عن المنزلة العظيمة التي ينالها الأنبياء يوم القيامة، وما أعد الله لهم من الأجر والثواب، والنبوة فضل منه تعالى مما يدل على ان الله عز وجل يتفضل على العبد في الدنيا بنعم عظيمة ثم يرزقه الأجر والثواب على وفائه واخلاصه وأهليته لتحمل المسؤولية وشكر المنعم.
فهذه الآية وان جاءت بالإخبار عن الإمتناع المطلق للنبي عن الدعوة لنفسه، فانها تتضمن البشارة بالثواب العظيم والمقام الرفيع للأنبياء واتباعهم في اخلاص العبودية لله.

قوله تعالى [الْكِتَابَ]
لقد بدأت الآية باسمالكتاب من بين النعم الثلاثة التي رزقها الله النبي، وهذه النعم لا تفيد الحصر أي ان الله آتى النبي ما لا يحصى من النعم، وهي على أقسام:
الأول: ما يلتقي فيها النبي مع الناس بصفة الآدمية.
الثاني: الجامع المشترك بين النبي والمؤمنين من التوفيق للطاعات والهداية والإيمان.
الثالث: ما يجمع النبي والأنبياء الآخرين من الوحي والإخبار الملكوتي.
الرابع: ما يمتاز به كل نبي على نحو مخصوص لا سيما بالنسبة لأصحاب الشرائع من الرسل.
الخامس: ما يأتيه بصفة ومقام النبوة وما تدل عليه من النبأ والخبر السماوي، والشأن والرفعة.
وهذه الوجوه متفرقة ومجتمعة حصانة وواقية للنبي ومانع من الزلل والخطأ، وهي من أفراد ومقومات العصمة.
والبداية بالكتاب آية اعجازية تؤكد عظيم فضله تعالى بنزول الكتاب وانه من اعظم النعم التي يتلقاها فرد من الخلائق من الإنس والجن والملائكة، والكتاب عنوان الخلافة في الأرض، فان قلت انه دليل على حصر الخلافة بالأنبياء، قلت: ان النفع من الكتاب أعم من ان ينحصر بالأنبياء، فينزل الكتاب على النبي، فيبلّغ بمضامينه واحكامه اصحابه وانصاره وتتوارثه الأجيال، ويبقى قريباً من الناس جميعاً يدعوهم للنهل منه، مما يدل على ان نعمة الكتاب هبة السماء للناس جميعاً.
كما تتجلى أسمى معاني نعمة الكتاب بالقرآن وامتيازه عن غيره من الكتب السماوية بتعاهد المسلمين لكلماته وآياته وعدم طرو التحريف عليه.
فنزول الكتاب نعمة للناس جميعاً، وموضوع الخلافة اعم من الكتاب فليس من ملازمة بينهما، وهذا لا يتعارض مع الشرف والمنزلة العظيمة للنبي بنزول الكتاب عليه، ونيله اعلى المراتب، كما ان عموم النفع من الكتاب لا يعني ان النبي والناس بعرض واحد في موضوع تلقي الكتاب والإنتفاع منه، لوجود خصوصية للنبي من وجوه:
الأول: تلقي النبي للوحي.
الثاني: اخذه الوحي من الملك مباشرة مع علمه بان الملك رسول من عند الله.
الثالث: التأييد الإلهي للنبي لأدائه وظائف النبوة.
الرابع: تحمل النبي لأعباء اضافية في التبليغ والثبات على الإيمان.
الخامس: احراز النبي لمقدمات الوحي وتلقي التنزيل.
السادس: الإرتقاء في المعارف الإلهية الملازمة للنبوة.
السابع: تحمل النبي للأذى والعناء في سبيل التبليغ والذي يصل احياناً للقتل في سبيل الله.
الثامن: الهبات الإلهية الخاصة بالنبي، سواء التي تأتي فضلاً منه سبحانه او التي تأتي لتأهيله لمقامات الأمامة والحكم.
التاسع: درجة اليقين التي بلغها النبي.
العاشر: مضامين هذه الآية والإخبار الإلهي بان الله عز وجل آتاه الكتاب، لإرادة الحصر في اتيان الكتاب وانه خاص بالنبي لنزوله على صدره وتحمله لأعباء الوحي ووطأة الملك والتبليغ.
وهذه الوجوه تفيد بلوغ النبي اعلى مراتب الإيمان واليقين، ومع بلوغها يكون الإنسان منقطعاً الى الله تعالى، وروحه متعلقة بالسماء وغارقة في بحار انوار الملكوت، فتكون الدعوة لغير الله معدومة وسالبة بانتفاء الموضوع، ومع عظيم الجهد والسعي والجهاد للنبي في سبيل الله، فانه يشعر دائما بلزوم اداء المزيد طلباً لمرضاته تعالى وسعياً في الصالحات وشكراً للنعم العظيمة، ورجاء نيل الأجر الجزيل.
والأنبياء على مراتب بخصوص الكتاب وهي:
الأولى: من يأتيه الوحي والإخبار الملكوتي من غير ان يكون عنده كتاب، وهو على قسمين:
الأول: الوحي في المنام،وكانت الأشهر الستة الأولى من نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا منام صادقة.
الثاني: تلقي الوحي فرع كلام الملك باليقظة.
الثانية: من تكون عنده صحائف.
الثالثة: الرسول الذي يكون عنده كتاب محصور بين دفتين.
وجاء لفظ الكتاب بالتعريف بالألف واللام ويحتمل وجهين:
الأول: جاءت اللام للعهد، وخصوص كتاب معين.
فالمراد المعنى الإنحلالي أي كل نبي ينزل عليه كتاب، فالصحف مثلاً نزلت على ابراهيم والزبور على داود والتوراة على موسى والإنجيل على عيسى عليهم السلام، والقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: اللام للجنس والمراد الكتاب المنزل من اللوح المحفوظ، فكل ما ينزل على النبي يحمل صفة الكتاب، فالتنزيل وحي وكتاب فما قل منه يسمى كتاباً وكذا ما كثر منه، بل كل وحي هو كتاب بالمعنى الأعم.
ولا تعارض بين الوجهين لسعة فضله تعالى ولسمو موضوع الكتاب والتنزيل، وتوارث النفع منه، فكل نبي ينتفع مما نزل على الأنبياء الذين سبقوه، وهناك جامع يشترك به الكتاب الذي انزل عليه والكتب التي سبقته والكتب اللاحقة لكتابه، ويتصف القرآن بانه جامع لما نزل على الأنبياء ليكون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حفظة الكتاب بالمعنى الأعم وهم الأمة التي تتعاهده الى يوم القيامة نقياً خالياً من التحريف ومعصوماً من التبديل والتغيير.
ونعمة الكتاب المذكورة في هذه الآية مركبة من وجوه:
الأول: اختيار النبي لمنزلة النبوة من بين الناس.
الثاني: اصلاحه لتلقي الكتاب.
الثالث: نعمة صلة الملك مع النبي.
الرابع: بلوغ مرتبة الإطلاع على علم الغيب ورؤية الآيات.
الخامس: نيل ملكة الحفظ للميثاق وعلوم التنزيل.
السادس: القدرة على التمييز ومعرفة تحديث الملك، وعدم طرو الشك باحتمال ان يكون وسوسة شيطان.
وفضل الله في المقام ظاهر بالبون الشاسع بين لمة الملك ولمة الشيطان.
السابع: المبادرة الى تبليغ الوحي للناس وما في هذا التبليغ من العناء والأذى، ويقترن بالتبليغ العمل بمضامين الوحي.
ولم يأتٍ التعلم مطلقاً، بل جاء بقيد انه تعلم الكتاب في بيان للناس في منافع تعلم الكتاب، وفي الآية وجوه:
الأول: انحصار النفع بتعلم وتعليم الكتاب ودراسة أمور الشريعة.
الثاني: جاء ذكر الكتاب من باب المثال وليس الحصر، وان تعلم أي كتاب هو طريق وسبب لأن يكون الإنسان ربانياً.
الثالث: الجمع بين الكتاب المنزل وغيره من الكتب في العلوم المختلفة في التعلم.
والصحيح هو الأول، فالآية دعوة لتعلم الكتاب باعتبار هذا التعلم طريقاً للهداية والرشاد، والآية توكيد لقانون ثابت في الأرض وهو ضرورة تعلم الكتاب مع ما فيه من النفع الدنيوي والأخروي.
قانون بقاء الكتاب عند النبي
تؤكد الآية صدق اخبار الأنبياء عن نزول الكتاب عليهم من عند الله، وذكر قيد النبوة للزوم اقتران المعجزة مع الإخبار، اما بالنسبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهناك آية أخرى اضافية وهي الإعجاز الذاتي فيما أنزل اليه من عند الله، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم وما يمتاز به على الأنبياء السابقين، ولبيان المائز بين القرآن وغيره من الكتب السابقة، في دعوة للناس للصدور عنه.
كما يفيد لفظ الإتيان الإستدامة والبقاء أي ان الكتاب يأتي النبي فلا يغادره، وعدم المغادرة من وجوه:
الأول: عظمة وقدسية الكتاب.
الثاني: الإصلاح الإلهي للنبي بحيث يكون مؤهلاً لعدم التفريط بالتنزيل.
الثالث: عمومات قاعدة ان الله عز وجل اذا أنزل نعمة فانها لا ترفع من الأرض، وهو من كرمه واحسانه تعالى، فنعمة الكتاب لا تغادر الأرض وتبدأ بحفظ النبي لها.
الرابع: ان الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم، ومن التمام بقاء الكتاب عند النبي وتعاهده من قبله على نحو الدقة العقلية، وبالدقة او بالجملة بالنسبة لأتباعه.
الخامس: تتطلب وظائف الكتاب بقاءه عند النبي محفوظاً في صدره ومدوناً في الصحف.
السادس: صفة النبوة ملازمة لشخص النبي ولابد ان الكتاب حاضر معها.
السابع: من خصائص الكتاب انه بعد ان ينزل على النبي لا يغادره ابداً.
الثامن: الصبغة السماوية للتنزيل باعتبار ان كل سماوي لا يفارق المحل الذي ينزل عليه.
التاسع: مما شرّف الله به الملائكة، ان ما تنزل به على الإنسان لا يذهب عنه، والكتاب يأتي به الملائكة من عند الله.
العاشر: بقاء الكتاب عند النبي بعد تنزيله فضل من الله على:
الأول: النبي نفسه لمسؤوليات النبوة.
الثاني: أصحابه بان يرجعوا اليه في كل مرة يريدون التزود من الكتاب، او تحصل عندهم حاجة في ميادين العمل والتفسير.
الثالث: على الناس جميعاً، لأن بقاء الكتاب عند النبي باب للهداية وسلاح للإحتجاج مع تعدد وانشطار وجوه الفضل في كل قسم منها.
الحادي عشر: ما في الكتاب من المعارف الإلهية التي تترسخ في الوجود الذهني والمذاكرة خصوصاً عند النبي الذي أصلحه الله للكتاب.
الثاني عشر: وقائع وأسباب التنزيل تجعل تفاصيله راسخة وثابتة عند النبي.
الثالث عشر: المسؤوليات العقائدية والإجتماعية اليومية وشؤون الحكم التي يتحملها النبي تجعله يستحضر أحكام ومضامين الكتاب، ولا يفارقه موضوعاً وأحكاماً.
الرابع عشر: جهاد النبي المتصل لحفظ الكتاب الذي انزل عليه بالتوارث.
الخامس عشر: توارث الأنبياء للكتاب، فما ينزل على النبي السابق يحفظه النبي اللاحق، سواء يأتي ضمن كتابه او يرث عنه ذات الكتاب.
السادس عشر: النبي مأمور بان يسلم الكتاب الى من بعده من الأنبياء او الأوصياء او الأولياء فلابد ان يحفظه كي يقوم بتسليمه كتركة سماوية.
السابع عشر: الكتاب من مواثيق الأنبياء، بل هو من أهم مصاديق الميثاق النبوي.
ان بقاء الكتاب نصاً ومضموناً عند النبي الذي تلقاه من عند الله آية تؤكد قدرة الإنسان على حفظ الأمانة وصيانة شرائط الخلافة في الأرض، وتمنع من تسرب الكفروالضلالة الى النفوس والمجتمعات.
وهذا الحفظ عون على استدامة جهاد النبي في سبيل الله وعدم طرو الغفلة او الجهل او التقصير عليه ولو لطرفة عين، وعدم الغفلة شاهد على حفظه للكتاب.
الثامن عشر: لقد أراد الله عز وجل للكتاب البقاء، فالله عز وجل لم ينزل الكتاب كي يغادر الأرض، واهم مراتب البقاء حفظ النبي الذي انزل اليه، وهذا الحفظ عنوان لأمور هي:
الأول: صدق التنزيل، وما كان من عند الله لا يغادر محله.
الثاني: اهلية النبي لمسؤوليات النبوة، وحفظ الكتاب دليل نبوته.
الثالث: الكتاب رحمة للناس جميعاً وحجة عليهم، فلابد ان يكون محفوظاً مصاناً من التلف.
التاسع عشر: الكتاب حجة النبي والواسطة والمائز بينه وبين الناس، وبه يعرف الناس صدق نبوته ويتبعونه فيما جاء به من عند الله، فلو نسى النبي الكتاب لتفرق الناس عنه.
العشرون: الكتاب عنوان عز ورفعة وهيبة للنبي، ولقد أراد الله عز وجل لأنبيائه ارقى مراتب الرفعة والسمو بين الناس، فلابد ان يمدهم باسباب حفظ الكتاب.
وحفظ الكتاب على أقسام:
الأول: رسوخه في الذهن، وقراءته عن ظهر قلب، واستحضاره ومضامينه عند الحاجة.
الثاني: تدوينه في مصحف وجعله بين دفتين، والمنع من ضياعه او فقده.
الثالث: العمل باحكامه وسننه، وللعمل بالكتاب موضوعية في تنزيله وحفظه وبقائه، فالكتاب ينزل لهداية الناس، ويجعلهم ينتفعون من الحياة الدنيا كمزرعة للآخرة، والعمل هو وسيلة النجاة في النشأتين فجاء الكتاب لإرشاد الناس للعمل، وهم مكلفون بحفظه وتوارثه بالعمل باحكامه، وهل تدخل التلاوة بالعمل الجواب نعم، فهي من مصاديق العمل ومقدمة له.
وذكرت الآية النعم الثلاثة للنبي على نحو الترتيب وهي:
الأول: الكتاب.
الثاني: الحكم.
الثالث: النبوة.
وهذا الترتيب يحتمل أمرين:
الأول: سياق الآية وعدم وجود مدخلية في التمايز والترتيب في الرتبة بينها فلا الكتاب أفضل من النبوة، ولا النبوة أدنى مرتبة من الكتاب والحكم.
الثاني: جعل الأهمية للأخير منها بلحاظ ان النبوة هي الأصل.
الثالث: أفضلية الكتاب على الحكم والنبوة لأنه مصدر التشريع، وعنوان النبوة والدليل عليها.
الرابع: لا موضوعية للأفضل والأحسن بين هذه المصاديق وهي من عمومات إذا أجتمع أفترق، وإذا أفترق أجتمع.
الخامس: الترتيب الزماني في الإتيان والفضل الإلهي، فأول ما ينزل الكتاب على العبد ثم ينال مرتبة الحكم ثم النبوة.
والأصح هو الثالث مع ان كل فرد من الأفراد الثلاثة نعمة خاصة بالنبي ودرجة في المعرفة الإلهية لا تنال الا بفضله تعالى، وقد أنحصرت بالنبي في موضوعها وأحكامها ودلالاتها.

قانون المعنى الأعم للكتاب
الكتاب عنوان جامع تدخل تحته عناوين متعددة، وفي الإصطلاح العقائدي والكلامي ينصرف الى التنزيل المدون، فالقرآن مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ، والكتاب وثيقة سماوية ملازمة للنبي وان تباينت مراتبه وموضوعاته واحكامه وكثرته وقلته، مع ان كلاً من الكثرة والقلة في المقام نعمة عظيمة مباركة لإلتقائهما في السنخية والفضل الإلهي، وهل من ملازمة بين النبوة والكتاب الجواب نعم، والقدر المتيقن هو المعنى الأعم للكتاب.
والمراد من الكتاب في الآية وجوه:
الأول: الإيحاء الملكوتي وما يتعلق بالوقائع والأحداث.
الثاني: نزول الملك بالمعنى.
الثالث: الإخبار السماوي الذي يجمع في صحف كما في قوله تعالى [صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى]( ).
الرابع: الكتاب المجموع بين دفتين كالقرآن الذي آتاه الله النبي محمداً والتوراة التي انزلت على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي تلقاه عيسى عليه السلام.
كما يمكن تقسيم الكتاب الى قسمين:
الأول: ما يكون بالمعنى والمضمون.
الثاني: ما يكون باللفظ والنص كما في القرآن فالتنزيل جاء بالنص لذا يعتبر من اعجاز القرآن عدم امكان ابدال كلمة من كلماته ولو بالمرادف.
وهذه المراتب والأقسام كلها من مصاديق الكتاب الوارد في الآية ومن اعجاز القرآن، فليس المراد في الآية معنى اللوح المحفوظ، ولا خصوص الكتاب المجموع في مصحف بل المراد وجوه:
الأول: الوحي من عند الله.
الثاني: الكتاب الذي يجمع في مصحف.
الثالث: التنزيل مطلقاً، وان لم يجمع بين دفتين ولا يكتب في صحف واوراق مخصوصة معلومة بانها تنزيل.
وهذا الإطلاق هو الذي نسميه قانون (المعنى الأعم للكتاب).
والآية شاهد بان كل نبي آتاه الله الكتاب، وان حصل التفضيل والمائز بلحاظ مضامين الشرائع والسنن التي في الكتاب والرتبة بين الرسول والنبي، وكأن الوحي كله كتاب لما فيه من صبغة التنزيل.
وهذا القانون لا يمنع من وجود خصوصية لكل كتاب سماوي، وعلو الرتبة للقرآن باعتباره الجامع للكتاب والتنزيل، ولا يشمل هذا القانون غير الأنبياء من الأصحاب والأنصار والأتباع وان تلقوا الكتاب بالواسطة او كانوا محدثين لأنه يتعلق بنزول الملائكة بالوحي من عند الله، وتبليغهم للأنبياء احكام الحلال والحرام والأوامر والنواهي.
قانون تعاهد الكتاب
لقد تفضل الله تعالى ونفخ في آدم من روحه، وهذا النفخ وان كان شخصياً الا انه مستديم في الإنسان والمجتمعات الإنسانية يتجلى بالهداية للإيمان والتراحم بين الناس والتدبر في الخلق، وليس للروح وجود مادي أو خارجي، فتفضل سبحانه وأنزل من السماء ما يكون له وجود محسوس، وحضور خارجي في المجتمعات الى جانب معانقته للروح، ووجود العشق بينهما، وهل تحتاج النفس أم الكتاب أم هو يحتاجها، الجواب ان النفس تحتاج الكتاب لإعانتها على الهدى، وحجبها عن المعاصي، وإبقائها على الفطرة والإستقامة.
والكتاب من أسرار الحياة في الأرض وهناك ملازمة بينه وبين الوجود الإنسان وديمومته فيها وتعاهده مسؤولية الإنسان من وجوه:
الأول: لنفخ الروح فيه.
الثاني: بإعتباره خليفة الله في الأرض.
الثالث: قيام المؤمنين بتعاهد الكتاب وحفظه والعناية به.
الرابع: امتثالاً لأمره تعالى في حفظ الكتاب فكل أمة كتابية تحفظ كتابها وتتعاهده.
الخامس: توارث الأجيال له.
السادس: ما يجعل الله عز وجل عند الإنسان من الشوق والحرص على حفظ الكتاب.
وجاء وصف بالصفة الشخصية “وآتاه الكتاب” أي آتى الكتاب بلحاظ نزوله عليه شخصياً وفيه تشريف وإكرام للنبي وبيان لزوم الشكر له تعالى على نعمة الإتيان، فالكتاب لم يأتِ الا للنبي ويتلقاه الناس بالواسطة ورد إتيان الكتاب بصيغة الجمع كما في قوله تعالى [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ] ( )، والصلة بين صيغة المفرد الواردة في الآية محل البحث، وصيغة الجمع هذه من وجوه:
الأول: العموم والخصوص المطلق، فما يأتي النبي من النبوة يأتي أمته ولكنه بالواسطة.
الثاني: إتيان النبي مباشرة ومشافهة من الملك، أما الناس فيأخذون من النبي.
الثالث: يتحمل النبي أمانة السماء بتبليغ الناس، أما الأصحاب والأتباع فينقلون ما يأخذون منه، ومن هنا يأتي التحريف ويتصدى له، فهم على ثلاثة أقسام:
الأول: من يحرص على النقل الصحيح ويتجنب التحريف ممن أخذ من النبي وسمع منه، أو أخذ من الصحابي أو من الأنصار والأتباع من الأجيال اللاحقة.
الثاني: الذي يقوم بالتحريف عن قصد وعمد لمنفعة ومصلحة خاصة.
الثالث: الذي يحكي التحريف عن جهالة وقصور أما النبي فانه يتلقى الوحي من الملك ولا ينقل الا النص والإخبار الملكوتي من غير تحريف أو تغيير فهو يحكي ما موجود في اللوح المحفوظ وكأنه مرآة له، وموضوعية إتيان الكتاب للنبي كمانع وحاجز دون دعوته لنفسه أو لغيره من دون الله من وجوه:
الأول: درجة اليقين التي بلغها ونالها بمدد إلهي.
الثاني: رؤيته الآيات والدلائل على وجود الصانع.
الثالث: قربه من عالم الملكوت.
الرابع: رؤيته للملك أو سماعه وهو يأتي بالوحي، وما فيها من شواهد الغيب والأمور الخارقة التي لا يقدر عليها البشر.
الخامس: التشريف الإلهي بنيل مرتبة النبوة، ولزوم مقابلتها بالشكر لله تعالى.
السادس: حال الخشوع والخضوع التي تتغشى النبي لما يرى من الآيات.
السابع: إنقطاعه الى الله، وإنشغاله بالآيات والمعجزات عن غيره.
الثامن: الواقية والعصمة التي يتفضل الله بها على النبي، وهذه العصمة يحتاجها الناس في عباداتهم ومعاملاتهم.

قوله تعالى [وَالْحُكْمَ]
بعد بيان نعمة الكتاب وكيف انها تكون برزخاً دون دعوة النبي لنفسه، جاءت الآية بذكر نعمة اخرى بذات الغاية والمضمون وهي الحكم لذا لم يفصل بينهما حرف العطف الواو.
وصحيح ان الآية جاءت في مقام نزاهة النبي من الدعوة لغير الله، فانها اكدت بالدلالة التضمنية على حقيقة من الارادة التكوينية وهي كثرة النعم التي ينفرد بها النبي من بين الناس ، ومع ما فيها من المدح للأنبياء فانها تطرح بالدلالة الالتزامية مسألة كلامية، وهي اذا كان النبي معصوماً من الزلل واسباب الشرك باحاطته بالنعم الخاصة والتي تتوالى عليه من فوقه ومن بين يديه ومن امامه، فما هي منزلة المؤمن الذي يجتهد بالدعوة الى الله مع انه لم تأته النعم الكثيرة الخاصة بالنبي، فيه وجوه:
الأول: يستحق في المقام الشكر والثناء اكثر من النبي، وان كانت هذه الكثرة في الشكر لا تتعارض مع علو مرتبة النبي.
الثاني: إيمان وجهاد المؤمنين يعود الثواب فيه ايضاً للنبي لانه امامهم وقائدهم.
الثالث: التباين الموضوعي بين الثناء على النبي في المقام والثناء على المسلمين، فكل بحسبه، وليس من تزاحم في المقام.
الرابع: من وجوه علو منزلة النبي ان الشكر له اكثر من غيره.
الخامس: الترجيح في الشكر للنبي لان الناس تهتدي بدعوته الى الله عز وجل، اما لو لم يدع الى الله عز وجل فان الضلالة تزداد بين الناس.
السادس: يتطلع الناس الى النبي في قوله وفعله، ويريدون ان يروا آيات اثبات الصانع بما يفعله وما يأتي به من عندالله، ويرون صدق النبوة بما يجري على يديه من الآيات والبراهين.
السابع: هناك آيات اخرى جاءت لمدح المؤمنين في اخلاصهم بالدعوة الى الله.
الثامن: جاءت الآية في مقام نفي الشرك عن النبي اما المدح فهو يستقرأ من مفهوم الآية ومضامينها القدسية، فلا مقارنة في الموضوع والحكم بين النبي والمؤمنين.
وباستثناء الوجه الاول، فان الوجوه الاخرى كلها صحيحة وليس من تعارض بينها.
لقد اراد الله عز وجل للنبوة ان تكون رحمة للناس في النشأتين، وهي من اعظم النعم على الناس وتترشح منها على كل انسان نعم ظاهرة وباطنة توليدية عديدة، وصحيح ان الذين يستجيبون لها هم المؤمنون الذين يصدقون بالأنبياء على نحو العموم المجموعي والاستغراقي، الا ان منافع النبوة اعم من الإيمان بها ولا تنحصر بمن يتبع الأنبياء وهذا من الآيات في خلق الإنسان، واجتبائه للخلافة في الأرض، اذ الانتفاع من النبوة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة منها:
الأول: انتفاع النبي نفسه بتلقي النعم مباشرة من غير واسطة بينه وبين الملك وتلقيه العناية والفضل الالهي.
الثاني: النفع العظيم الذي يأتي بالنبوة للمؤمنين.
وهذا النفع وبلحاظ الموضوع والصدور مركب من:
الأول: الانتفاع من الأنبياء السابقين، فيكون المؤمنون اتباع نبي زمانهم، ولكنهم يستفيدون ايضاً من الأنبياء السابقين في القول والعمل.
الثاني: النفع العظيم من نبي زمانهم والرسول الذي يتبعون وهذا النفع على شعب:
الاولى: مايتلقاه من الوحي ويبلغ به اصحابه .
الثانية: سيرته وسنته القولية والفعلية والتدوينية.
الثالثة: جهاده في سبيل الله.
الرابعة: بذله الوسع في الدعوة الى الله، وعدم طرو الغفلة عليه.
وهذه الآية اخبرت عن اخلاصه في الدعوة لله، وترشح الاخلاص على اقوال وافعال اتباعه.
الثالث: انتفاعهم من الوحي والكتاب المنزل، وهذا الكتاب هو الوثيقة السماوية التي تجذبهم الى الله وتحثهم على الانقياد لما جاء به النبي من عند الله.
الرابع: الاقتباس من اصحاب واهل بيت النبي والتابعين والاجيال اللاحقة من اخوانهم المؤمنين، وموضوع هذا الاقتباس جزء من تراث النبوة وما تركه النبي للاجيال، ومن علل تعدد النعم على النبي هو بقاء تركة عظيمة تستفيد منها الأمم المتعاقبة، ومجئ الحكم معطوفاً على الكتاب يحتمل وجوهاًً:
الأول: التعاقب والتوالي الواقعي، فيرزق الله عز وجل النبي الكتاب والتنزيل، ثم يأتيه الحكم.
الثاني: الملازمة بينهما،انما ورد العطف لاحكام الالفاظ ومباني الكلمات.
الثالث: لا ملازمة بين العطف في افراد النعم في الآية،وبين موضوع
التوالي والتعاقب ومجئ النعم دفعة واحدة او على نحو التوالي أوالتراخي
فمجئ النعم ونزول الكتاب على وجوه:
الأول: ينزل الكتاب أحياناً دفعة واحدة، كما في نزول التوراة على موسى عليه السلام.
الثاني: ينزل نجوماًَ كما في نزول القرآن على نحو السور والآيات لاكثر من عشرين سنة، واثناء نزولها يأتي الحكم، بل ان الآيات ذاتها تتضمن قواعد الحكم ومنها آيات الاحكام وما فيها من الأوامر والنواهي، وهذا التداخل لا يمنع من شمولها باحكام التعاقب.
الثالث: التداخل بينهما بان يأتيه مرة جزء من الكتاب ثم يأتيه جزء من الحكم وهكذا، ليكون ايسر واسهل عليه في التلقي والقبول، وللمنع من النسيان والتضييع، ولبعث الشوق في نفسه ومنع طرو الملل والسأم عليها.
الرابع: الحكم فرع الكتاب ومن وظائفه، فالكتاب مادة واحكام سماوية ينهل منه النبي للحكم بين الناس.
ترى ما المراد من الحكم في الآية، فيه وجوه:
الأول: ارادة المعنى الظاهري للفظ، والمقصود هو الحكم بين الناس.
الثاني: العلم.
الثالث: الحكم في أمور التنزيل، والتمييز بينه وبين ما لحقه من التحريف بالذات او العرض بألألفاظ او التأويل.
الرابع: الحكمة لما فيها من معاني الحكم، ولورود آيات تدل على الملازمة بين تفضله تعالى بالكتاب وتفضله بالحكمة، قال تعالى [وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ]( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وهي من مصاديق الحكم الوارد في الآية من جهات:
الاولى: عظيم فضله واحسانه تعالى على الأنبياء.
الثانية: مايؤتي الله الأنبياء مما يؤهلهم لامامة الناس.
الثالثة: التداخل بين الوجوه اعلاه.
كما ان بعضها متفرع عن بعضها الآخر، وهذا التفرع لا يعني اتصاف كل واحد منها بصفة الاصل، او الفرع على نحو الدوام، بل ان الاصل بالنسبة لفرد يكون فرعاً لفرد ووجه آخر فالحكم فرع العلم، والحكمة فرع العلم، والوجهان منها يكون كل واحد أصلاً وفرعاً للآخر، فالحكم فرع العلم، والعلم فرع الحكم.
وفي الآية قال الامام الرازي ( فان اهل اللغة والتفسير اتفقوا على ان هذا الحكم هو العلم قال تعالى [وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا]( ) يعني العلم والفهم( ).
والقول بالاتفاق هنا يحتاج الى تحقيق وبيان، والآية اعم من موضوع العلم بل وردت الآيات بالمغايرة بين الحكم والعلم وبخصوص ما آتى الله الأنبياء قال تعالى في يوسف عليه السلام [وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا]( ) ، وقال سبحانه [وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا] ( )، وفي داود وسليمان قال سبحانه [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا]( ).
وهذا العطف يدل على التعدد والتباين بين الحكم والعلم، ويمكن ان يحمل على معنى عطف العام على الخاص او العكس بحسب نظم وموضوع الآية، ويمكن هذه المغايرة والتعدد لا يتعارض مع شمول ما ورد من الوجوه لتفسير معنى (الحكم) وشموله للعلم.
و(حرف العطف) المكرر في الآية ليس مقحماً بل يفيد التعدد في افراد المعطوف والمعطوف عليه، وهو عنوان السعة في فضله تعالى.
ويمكن تقسيم الحكم الى عدة أقسام وهي:
الأول: الحكم الذي يأتي من عند الله، كما في هذه الآية.
الثاني: الحكم بما أنزل الله، والذي عليه اتباع الأنبياء.
الثالث: الحكم بغير ما انزل الله وفي التنزيل [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ]( ).
وينفرد بالقسم الأول الأنبياء، اما الثاني فهو فرع منه، اما الثالث فهو ضرر واضرار بالناس مطلقاً بما فيهم ذات الحاكم الظالم، وجاءت الآية لتحذير الظالم وزجره عن الظلم والتعدي، وتأمره بلزوم الرجوع للأنبياء في الحكم والأحكام والعبادات والمعاملات.
قانون التعاقب
من الثابت سمعاً وعقلاَ ان نعم الله على الإنسان اكثر من ان تحصى، وتبين هذه الآية ان النبي بشر أتاه الله النبوة، مما يعني ان النعم التي تأتي النبي مركبة من امرين:
الأول: كونه بشراً وانساناً.
الثاني: النعم الخاصة بالنبي والتي لا ينالها الا من اختاره الله عز وجل للنبوة والرسالة وهذه النعم متعددة، وعلى مراتب متعاقبة منها:
الأولى: الاختيار في الأبوين والنكاح.
الثانية: تهيئة مقدمات النبوة .
الثالثة: الاصلاح للنبوة.
الرابعة: الاحاطة والوقاية والسلامة ودفع الأفات عنه لحين تلقيه الوحي.
الخامسة: مرتبة سماع الملك والوحي والإخبار السماوي.
السادسة: الإمامة في الناس وتهيئة الإذن الصاغية له، والنفوس المستجيبة للتبليغ.
وهذه النعم بلحاظ أمرين من التعاقب:
الأول: التوالي وعدم وجود فترة بين بعضها بعضاً.
الثاني: التراخي والإبطاء فيما بينها.
والصحيح هو الاول، ويدل عليه مضمون هذه الآية ومجئ صيغة العطف بالواو [الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ] يفيد عدم وجود مدة وفترة مابين كل نعمة واخرى فلم تقل الآية (الكتاب ثم الحكم ثم النبوة) او (الكتاب ثم الحكم والنبوة) او( الكتاب والحكم ثم النبوة) بل تكرر لفظ الواو بين افراد النعم الثلاثة الخاصة بالنبي، وهذا من اعجاز القرآن وشاهد على التعاقب بين آيات النبوة وما رزق الله عز وجل النبي من الآيات والبراهين والحجج، وهو الذي نسميه (قانون التعاقب) أي تعاقب النعم على النبي، وعدم التباطئ بين افرادها، وهذا التعاقب على قسمين:
الأول: التعاقب والتوالي بين افراد الآية والنعمة ذاتها باعتبار ان كل نعمة تتفرع بلحاظ الاتحاد والتعدد الى شعبتين:
الاولى: الافراد المستقلة بالذات .
الثانية: الافراد التوليدية التي يترشح بعضها عن بعض.
الثاني: التوالي بين النعم المتعددة التي يمن الله بها على النبي كما في الكتاب والحكم والنبوة.
وهل من تباين بين التعاقب والتراخي، الجواب نعم، ومن منافع التعاقب في المقام وجوه:
الأول: العصمة والحصانة للنبي.
الثاني: النفع الاتم للناس من النبوة، خصوصاً وان نعمة النبوة هبة إلهية للناس جميعاًََ.
الثالث: ان الله عز وجل هو الكريم الذي يعطي بالأوفى والأتم، والتوالي اتم وأوفى من التراخي الا ان يشاء الله.
الرابع: اقامة الحجة على الناس والمنع من الجدل والإفتتان، فقد يؤدي التراخي الى الشك واثارة الريب، او ليس من شك ولكن اهل الريب يحاولون من خلاله الفتنة.
الخامس: التوالي والتعاقب بالنعم افضل للنبي في نبوته، وليكون منقطعاً الى الله متطلعاً الى الوحي ينهل من كنوز السماء، فيكون ما ينزل عليه جزء من علوم وميراث النبوة وحرزاً وسلاحاً لأهل الإيمان، ولتكون بعض كنوز السماء اصلاً لما في الأرض من الحقائق والوقائع.
السادس: لقد انعم الله عز وجل على الناس بالنبوة لتكون مدرسة للأمم والاجيال وباباً للشكر والثناء عليه سبحانه فجاءت بابهى واجمل صيغها، ومنها التوالي.
ويمكن ان يبحث موضوع التوالي في النبوات، ولكنه امر منفصل عن قانون التعاقب الذي ينحصر موضوعه في توالي وتتابع النعم على النبي سواء كان نبياً او نبياًً رسولاًً، او من الرسل الخمسة اولي العزم.
وقد تجلى قانون التعاقب باسمى مضامينه بالنعم النازلة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى]( ).
السابع: التعاقب في النعم عون للنبي على نشر مبادئ الإيمان، واداء وظائفه في التبليغ والتصدي للمسائل الابتلائية، والامور الطارئة.
الثامن: توالي النعم على النبي نفي للحرج عنه وعن اصحابه وانصاره واتباعه من المؤمنين، وفيه تحد للكافرين واهل الضلالة والجحود.
قانون الحكم
لقد خلق الله الإنسان وانعم عليه بالعقل وملكة التمييز بين الحق والباطل وانزل الكتب السماوية تدعوه الى الهدى والإيمان ونبذ الظلم والتعدي، ولكن طغيان النفس الشهوية والغضبية عند شطر من الناس، وصدودهم عن الدعوة الى الإيمان، وحصول اللبس في المفاهيم أحياناً، وتقديم حب الذات والسلطان على التقيد بالاحكام يسبب الفرقة والخصومة، ويؤدي الى الحاجة للقضاء والفصل بين الناس، وفيه وجهان:
الأول: ان يترك الناس على نقصهم للقضاء، مع غياب قوانين العدل ومن يفصل في الخصومات، ليكون هذا الترك باباً للابتلاء والافتتان.
الثاني: قيام الناس بوضع وتنظيم قواعد الحكم بين الناس بكيفيات متعددة منها:
الأول: التجربة والحاجة الواقعية.
الثاني: القوة والقهر من قبل السلاطين.
الثالث: توارث انظمة القضاء.
الرابع: مجئ الأنبياء بقواعد الحكم بين الناس.
الخامس: وجود المصلحين وواضعي القوانين الوضعية.
والصحيح هو الرابع أي ان الأنبياء جاءوا بقواعد الحكم، وآيات التنزيل تأسيس لأنظمة الحكم، وتمتاز بصيغتها السماوية، ذات الدقة والضبط والاحاطة بالوقائع والأحداث اما القوانين الوضعية التي لم
تؤخذ من التنزيل والسنة النبوية فيظهر عليها القصور من وجوه:
الأول: النقص في المقدمات.
الثاني: قصور المباني التي تستند اليها .
الثالث: عدم احاطتها بالاحداث وتفاصيلها.
الرابع: تخلفها عن آنات الزمان وما يجري فيها من التغيير .
الخامس: عدم وجود مايكفي من الرجال، والمستلزمات لاستدامة العمل بمضامينها.
السادس: ظهور عيوب متعددة فيها في ميادين العمل والواقع.
السابع: امكان الاحتيال عليها سواء من عامة الناس او من القائمين على تنفيذها.
اما القانون السماوي ففيه الكفاية ولا يمكن التجاوز عليه الا بالتحريف والتغيير والتبديل، وهذا التحريف مدفوع من جهات صغرى وكبرى، اما الصغرى فهي امكان تعيينه ومعرفته.
واما الكبرى فهي نزول القرآن بما يحتاجه الناس من احكام الحلال والحرام الى يوم القيامة، وفضحه للتحريف.
وجاءت السنة النبوية لتثبيت أحكام الحلال والحرام وقيام الشواهد القولية والفعلية فيها على وقوع التحريف عند اهل الكتاب في باب الاحكام كما في حكم الرجم للزاني والزانية في التوراة، وحصول التغيير فيه على نحو التمايز والتفصيل عندهم، فاذا جاءهم الغني زانياً لا يرجم، واذا وجدوا الفقير زانياً رجموه فاقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحجة عليهم بوجود حكم الرجم في التوراة واطلاقه من غير فرق بين الغني والفقير.
واحتاج الإنسان منذ بدأ الخليقة قانون الحكم اذ قتل قابيل اخاه هابيل بن آدم، وولي الدم آدم وهو نبي والحاكم يومئذ ، واذ انعم الله على الإنسان بالخلافة في الأرض، فانه لا يتركه يتيه مرتبكاً بين القواعد والقوانين الوضعية، والاجتهاد الشخصي الذي قد يخطأ او يصيب ، وان اصاب مرة فقد لا يفلح في الثانية لتغير الاسباب والاضافات والاحوال، فلابد من قواعد كلية في الحكم تسبر اغوار النفس الإنسانية، وتمنع من التداعي وظهور الفتن في المجتمعات وبين القبائل والدول وعامة بني آدم، فلذا تفضل سبحانه بجعل نفر من الأنبياء حكاماً.
فان قلت من الأنبياء من لم يستلم الحكم ولم يتول تدبير شؤون الملك، وهذا صحيح بل اكثر الأنبياء لم يتولوا مقاليد الحكم، ولم تثن لهم الوسادة ولكنه لا يتعارض مع قانون الحكم لان القدر المتيقن منه نيل النبي لملكة الحكم، واهليته للحكم بين الناس بما انزل الله، ومن غير شطط او زلل او خطأ، لان الحكم من المصاديق التي تتغشاها العصمة النبوية، ولكن الناس أعرضوا عن منابع الحكم السماوية باختيارهم، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار، أما موضوع قانون الحكم فهو على وجوه:
الأول: انحصاره بالأنبياء دون غيرهم من الناس باعتبار انه جزء من الوحي، وهو امر خاص بالأنبياء.
الثاني: شموله للصحابة والأئمة والاولياء والصالحين، وهذا الشمول على شعب متعددة:
الاولى: وراثة عن الأنبياء.
الثانية: اقتباس منهم.
الثالثة: نزول قواعد كلية للحكم عليهم، وان لم تكن بصيغة الوحي، فيمكن القول ان بين الوحي وقواعد الحكم السماوية عموماً وخصوصاً من وجه، فمادة الإلتقاء نزولها من عند الله.
ومادة الافتراق ان النبي يتلقاها كوحي وتنزيل.
الرابعة: تأتي قواعد الحكم للنبي بالوحي والتنزيل، ويأخذها اصحابه وانصاره والصالحون بالنقل والمحاكاة.
الخامسة: قانون الحكم اعم من ان ينحصر بالوحي، فالآيات تنزل بالقواعد الكلية، ليكون بمقدور الفقهاء والقضاة الاستنباط والاستنتاج منها، وارجاع الفروع الى الاصول في الوقائع والاحداث، وأصل الحكم لله عز وجل، ومن اسمائه تعالى [الْحَاكِمِ] قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ] ( ).
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بنزول الحكم على الأنبياء، ليكون ثروة علمية وفقهية وخزينة نبوية دائمة ينهل منها العلماء والملوك والحكام بل وحتى اصحاب القوانين الوضعية فانهم يقتبسون من الوحي والتنزيل ويرجعون اليه.
والحكم في الدنيا بين الناس على اقسام:
الأول: الحكم بالباطل، وخلاف الحق وموازين العدل.
الثاني: الحكم بالظلم والجور، وهو اشد اذى من الحكم بالباطل.
الثالث: عدم الحكم وتضييع الحقوق بالتسويف والاهمال والتعقيد .
الرابع: غياب الحكم والقانون.
الخامس: الحكم بالحق، وهو على اقسام:
الاول: حكم الأنبياء وما يأتي بالتنزيل.
الثاني: مايأتي مطابقاًَ للشرع والواقع والقواعد العقلية العامة في الحسن الذاتي للعدل، وقبح الظلم والتعدي.
الثالث: الصدور عن الاحكام الشرعية وقواعد التنزيل وهذا الفرع جزء من قانون الحكم لأنه استقراء واستنباط منه، ولتوكيد حقيقة وهي بقاء النعم العقائدية التي تنزل على النبي الى مابعده من الاجيال فلا ينحصر زمان وموضوع قانون الحكم بايام الأنبياء بل يستمر في الأجيال المتعاقبة لأن الله عز وجل اذا انزل نعمة فانه أكرم من ان يرفعها.
وهذا من الاعجاز في الآيات الموضوعية وشاهد على ان النعم التي تنزل على الأنبياء وينتفع منها الناس لا تنحصر بالعبادات بل تشمل المعاملات والاحكام، ولها اعتبار وموضوعية في الميادين الاجتماعية وتنظيم معايش الناس واصلاح شؤون الحكم والسلطنة.
فيبعث النبي ويلاقي الاذى والبلاء لتنعم امته والناس بالآيات والنعم بصورة يومية متصلة، اما امته فانهم يحاكونه في سنته وينقادون له في اوامره.
واما الناس فتترشح عليهم بالإقتباس والمجاورة والإدراك العقلي منافع الشرائع وسلامة وصحة قواعد الحلال والحرام واحكام القضاء التي يأتي بها الأنبياء.
واذا اجريت دراسة مقارنة بين الاحكام السماوية والقوانين الوضعية المشهورة التي سادت في الأرض حقبة من الزمن، وجدت هذه القوانين مقتبسة ومأخوذة من الشرائع السماوية وبقاياها، ولو على نحو الموجبة الجزئية.
فقانون الحكم آية اعجازية مستديمة في الأرض يعمل به شطر من الناس، ويرجع اليه الشطر الآخر، وهو من مصاديق الرحمة الالهية في الدنيا والآخرة، اما في الدنيا فلما فيه من العدل والانصاف والحيلولة دون الظلم، بالاضافة الى كونه مقدمة للتوجه الشخصي والنوعي للعبادة واداء الفرائض، واما في الآخرة فانه سبب لقلة الحساب ونجاة فريق من الناس من العقاب للعصمة من الظلم والتعدي بسبب قانون الحكم، فقد يهم الإنسان بالتعدي على حقوق الغير، ولكنه يتذكر قواعد وانظمة قانون الحكم السائدة فيرجع عن الفعل، او انها ليست سائدة وبالامكان التخلص من التبعات الدنيوية ولكنه يتذكر الحساب الأخروي فيخشى الله عز وجل.
وباعتبار ان المراد من الحكم الوارد في الآية هو العلم ففيه مسائل:
الاولى: الآية شاهد على المرتبة الرفيعة للأنبياء وبلوغهم درجة من العلم لم يبلغها احد من الصالحين.
الثانية: تدعو الآية الناس الى الانقياد للأنبياء لوجوب اتباع الجاهل للعالم، نعم ليس كل انسان غير نبي هو جاهل،بل هناك من يبلغ درجة من العلم ويرتقى في مراتبه الا انه يبقى دون نيل مرتبة العلم كاملة وهذا الامر شاهد على حاجة الإنسان لله تعالى.
الثالثة: في الآية وجوه محتملة:
الأول: انحصار العلم بالأنبياء.
الثاني: حيازة الأنبياء لأعلى مراتب العلم.
الثالث: التباين بين العلم الذي يؤتيه الله عز وجل للأنبياء باعتباره علماً لدنياً، وبين العلوم التي عند الناس والتي ينالونها بالكسب والتحصيل، وهذا الأمر لا يمنع من نيل النبي للعلوم بواسطة الكسب بل هو افضل الناس في الاقتباس والتعلم بالكسب والتحصيل للتوفيق والعناية الالهية، وللانتفاع من العلم اللدني في العلم الكسبي.
الرابع: تدعو الآية الناس للرجوع الى الأنبياء، وعدم الصدور الا عنهم، فان قلت ان زمن النبوة قد انقضت آياته واختتم بالرسول الآكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،قلت: ان علوم الأنبياء باقية الى يوم القيامة بالقرآن، وهذا من الاسرار السماوية لحفظ القرآن من التحريف والتشويه والضياع ومن الوظائف التي ينفرد بها القرآن بقاء العلوم السماوية في الأرض، لتكون قريبة من الناس عامة، وهذا القرب له منافع منها:
الأول: الأمن والسلامة والصلاح للناس.
الثاني: انه من مصاديق الرحمة الالهية بالناس جميعاً، قال سبحانه [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
الثالث: لتكون العلوم السماوية شاهداً على وجود الصانع ووجوب عبادته، ولزوم عدم التخلف عن الإيمان بالأنبياء والتصديق بالرسالات.
الخامس: الآية دليل على موضوعية الحكم في موازين النبوة، فمن يؤتى الوحي والتنزيل لابد ان يكون قادراً على الحكم بين الناس وانه افضل اهل زمانه في معرفة احكام القضاء والفصل بين الناس.
السادس: تبين الآية حاجة الناس الى الحاكم، وان الله عز وجل يجعل النبي يحكم بما انزل اليه من سبل الحق والهدى.
السابع: في الآية عون على تحبيب النبي الى الناس وجعل افئدتهم تهوى اليه، والاقرار بأهليته للإمامة والزعامة.
وتحتل مضامين قانون الحكم في هذا الزمان موضوعية في حياة الناس اليومية بحكم نظام الحكومات والدول وتغشي قوانينها لأهل البلد والدولة، مما يعطي لهذا القانون اهمية واعتباراً خاصاً وأولوية على القوانين الوضعية.
قانون العلم
من اسمائه الله تعالى العالم والعليم والعلام وبه ينحصر العلم المطلق، فكل الأشياء حاضرة عنده، مستجيبة لامره، كما انه سبحانه يعلم الموجود والمعدوم، والأشياء والازمنة المقدرة وغير المقدرة، وتفضل سبحانه وآتى الإنسان علماً ليكون آلة لخلافته في الأرض، وعوناً على عبادته، ووسيلة لاستدامة الحياة والتكاثر والتراحم بين الناس، ومن الآيات في خلق الإنسان اقتران وتداخل امور ثلاث:
الأول : النفخ فيه من روح الله.
الثاني : بعث الحياة فيه وهو في الجنة.
الثالث : إتيانه العلم، بقوله تعالى [ وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَاثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ] ( ) فجاء بيان فضله تعالى على آدم وتوكيد رجحان عقله وعلمه بما رزقه الله من العلم مما يدل على موضوعيته في معرفة منزلة الإنسان بين الخلائق، ومعرفة المدد الالهي العظيم.
ومن الآيات ان آدم لم ينزل الى الأرض الا وهوعالم، وهذا العلم حجة مركبة، فهو حجة للانسان على الخلائق في منزلته وعلو شأنه، وحجة عليه في لزوم اخلاصه العبادة لله تعالى.
ومن خصائص العلم انه ملازم للانسان لم يفارقه وجعل الله عز وجل عنده العقل آلة ومحلاًًَ للعلم ووسيلة لتجليه في اقواله واعماله، وقد تلقاه الأنبياء من الملك مباشرة من غير واسطة بشر آخر، وهذا التلقي رحمة للناس لانه تغشاهم جميعاً.
وكل أمة وفريق نال منه بمقدار معين يتباين كثرة وقلة بلحاظ درجة الإيمان والاقتباس من الأنبياء وأتباعهم وانصارهم فالعلم كالشجر المثمر الذي ينبت في جميع انحاء الأرض، وبامكان كل انسان ان ينهل منه، مع توفر القدرة الذاتية على التزود منه، واسمى غاياته هي النجاة في النشأتين.
فبالعلم يحترز الإنسان من السيئات ومن الظلم والتعدي، ويفوز بالخلد في دار الجنان، لذا فان قانون العلم واستدامة ووجود مصاديقه عند الناس رحمة الهية عظيمة وآية في الخلق ومادة الخلافة في الأرض، فحينما اختار الله عز وجل الإنسان خليفة في الأرض أتاه العلم ليكون قادراًَ على اداء وظائف الخلافة، وهذا الاختيار لم يأت بعد امتحان وابتلاء وحصول منافسة وترديد بين الخلائق فيمن يفوز بالخلافة ويكون مؤهلاً لها بل جاء الاختيار ملازما لبدء خلق آدم، مع وجود الملائكة والجن وسبق خلقهم لخلق الإنسان في بيان سلطانه تعالى وعظيم قدرته.
لقد انعم الله عز وجل على الإنسان بالعلم وبما يكفي لتحقيق حاجاته ومنافعه الدنيوية والأخروية مع فضل وزيادة فيه، لذا تجد الإنسان يبلغ مراتب ارفع ممايحتاج اليه سواء في الكسب او التحصيل، ومنهم من يتخلف عن الانتفاع الادنى مما رزقه الله من العلم.
فيحصل فرق بين الفريقين، وهذا الفرق متعدد الميادين والموضوعات، فهو حاصل في ميادين الإيمان والإرتقاء العلمي والمهني والصناعات والتجارات والزراعات والمكاسب والشأن والوجاهة، واشرفها وارفعها موضوع الإيمان.
فمن ينتفع من قانون العلم في ميادين الإيمان ويجعله آلة للهداية والصلاح والاصلاح ووسيلة للاحتجاج وابطال الشبهات ينال شرف العلم، ويبلغ مراتب الشكر العملي لنعمة العلم، والأنبياء هم ائمة الناس في الانتفاع الامثل من نعمة العلم، والتزود من مفاهيمه ومن خصائص آية العلم انها لا تفارق الناس مع تباين امصارهم، واختلاف ازمنتهم.
ويبقى قانون العلم رحمة متصلة ودائمة في الأرض، وشاهداًَ على عظيم فضله تعالى على الإنسان، وتأهيله للخلافة في الأرض باسمى واعلى سلاح وهو العلم موضوعاً وحكماً، فالعلم مادة الحكم وصاحب كريم يلازم من يبغيه ويسعى لكسبه ونيله.
ومن الآيات انعدام وجود حاجب بين الإنسان ومضامين العلم، فصحيح ان العلم نعمة آتاها الله الأنبياء، الا انه سبحانه جعلها تركة كريمة للإنسانية، وبرزخاً دون التعدي والظلم.
والقول بان المراد من الحكم في الآية هو العلم لا يتعارض مع المعنى الظاهري للفظ من وجوه:
الأول: العلم موضوع وآلة الحكم، فمن يتصدى للقضاء لابد ان يكون عالماً ولو في خصوص مضامين موضوع الحكم.
الثاني: العلم مادة الحكم، ووسيلة الفصل بين الناس.
الثالث: العلم طريق للإهتداء الى الحق والتمييز بينه وبين الباطل، ومعرفة صيغ التعدي والظلم، وما تستحقه من العقوبة.
الرابع: من وجوه الحكم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو امر يستلزم معرفة مصاديق المعروف، وافراد المنكر.
الخامس: الملازمة بين الحكم بالعدل وبين العلم، فاذا ساد العدل بين الناس، عم الصلاح واستدام الوئام، وتوجه الناس للتدبر في الخلق وادركوا لزوم عبادة الله تعالى.
السادس: حكم النبي بالحق والعدل مع دعوته الى الله تعالى وعدم دعوته الى غيره، يجعل الناس ينقادون له في دعوته، شكراً له ووفاء واقراراً بحسن صنيعه، وللقياس والظاهر فمادام يحكم بالعدل ويظهر الصدق والنزاهة فلابد انه صادق في دعوته الى الله تعالى، وعالم بخواتيم الإمور، وما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته.
ومن علم النبي انه يخبر عن عالم الآخرة وحتمية المعاد ولزوم الاستعداد والتهيء له، ومن وجوه هذا الاستعداد الحكم بالعدل، وشموله للناس، فالافضل للانسان ان يكون محكوماً بالعدل وخاضعاً لموازينه من ان يكون حاكماً بالظلم والجور وسبباً لغواية اناس آخرين وحصول التعدي والظلم والتفريط،كما ان الخضوع لحكم النبي عنوان للفخر، وباعث للسكينة في النفس ومانع من الفزع والخوف من الظلم والجور.
لقد اتى الله عز وجل الأنبياء العلم والمعرفة والاحاطة بالكليات والجزئيات وفق قدرات الإنسان العقلية والبدنية وبما يفوق عالم الكسب والتحصيل لوجوه:
الأول: ليكون آية وحجة على الناس.
الثاني: الحيلولة دون الغرور والغي، وكي لا يقول الناس كما قال قارون غروراً [إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي] ( ).
الثالث: للدلالة على ضعف الإنسان وحاجته الى الله تعالى في ميادين العلم.
الرابع: منع الاعتماد التام على الكسب والتحصيل فقد يخطئ الإنسان في مقدماته ومبانيه، ولكن العلم اللدني لا يطرأ عليه الخطأ ولا يأتيه الباطل.
الخامس: انقاذ الناس من الافتتان والفتنة والزلل.
السادس: هداية الناس، ومنعهم من الضلالة باعتبار ان العلم واقية من الكفر ومقدماته، ان مجئ الكتاب للنبي من المسلمات والأمور المعروفة عند المليين وغيرهم.
وهو عنوان النبوة ولا يمكن ان يرقى الإنسان لمنزلة النبوة من غير وحي وتنزيل من السماء، اما الحكم فهو آية وفضل اضافي على النبي والناس جميعاً، وهذه الآية تفتح آفاق الدراسة من وجوه:
الأول: معرفة حاجة النبي للحكم.
الثاني: مدى توظيف النبي لنعمة الحكم في الواقع العملي وبين الناس,
الثالث: بقاء وامتداد نعمة الحكم النبوي الى ايام التابعين وتابعي التابعين.
الرابع: الآثار الإجتماعية العظيمة لآية الحكم النبوي على الناس، وفي الميادين الإجتماعية والأخلاقية.
الخامس: حال المجتمعات والناس على فرض عدم نزول الحكم من عندالله.
بحث بلاغي
من البديع باب (الإستقصاء) وهو تناول موضوع باستقصاء واستيفاء خصائصه كما في قوله تعالى [وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا]( ).
فجاءت الآية لإستقصاء موارد العجز والضرورة والمشقة والحرج، وقد جاءت هذه الآية باستقصاء الآيات التي رزقها الله النبي وجعله مؤهلاً لإمامة الناس بسلاح التنزيل، فبدأت الآية بذكر الكتاب ثم الحكم ثم النبوة.
وهذا التعدد في النعم دعوة للناس للجوء الى الأنبياء وسننهم واتباعهم والأخذ منهم لنزول قواعد الحكم عليهم تامة متكاملة.
وقد يقول قائل ان النبوة رزق وتشريف خاص بالنبي، وليس بالضرورة ان ينتفع الناس منها عند الفتن والخصومة فجاء اتيان الحكم للإخبار بان النبي مؤهل لحل الخصومات واطفاء نار الفتنة واصلاح المجتمعات وتنظيم المعايش باحكام سماوية ومن غير ظلم او تعدِ على أحد او جماعة.
وتحث الآية على تتبع سنن الأنبياء لأنها أشارت الى اتيانهم الحكم الى جانب الكتاب والتنزيل، مما يعني ان الحكم امر اضافي يتجلى بالسنة، لذا وردت قصص الأنبياء في القرآن لتكون موعظة ودرساً، ومناسبة للجوء الى السنة النبوية المباركة ومعرفة موازين الحكم بالعدل بين الناس.
واتيان النبي الحكم دعوة للناس لعدم الرد عليه، واثارة الشبهات والريب في حكمه وقوله، ومانع من التعدي عليه ويدل بالدلالة التضمنية على ان النبي لا يكون محكوماً بل هو الحاكم الذي أهله الله عز وجل للقضاء والإفتاء وفصل الخطاب.
ويأتي الكتاب منبعاً ومصدراً للحكم وحرزاً له، فلا تجد حكماً للنبي الا وترى دليله من الكتاب.
ويتجلى الإستقصاء هنا ببلوغ النبي الكمالات الإنسانية، واتصافه بخصائص تنعدم عند غيره، ليكون هذا الإستقصاء شاهداً على عبودية النبي لله واشتغاله بتوالي النعم السماوية، وعدم مغادرته مقامات الخضوع والخشوع لله تعالى.
ولا ينحصر الإستقصاء بما آتاه الله النبي، بل جاء في الأخبار بأسباب كون الناس ربانيين اذ ذكرت الآية تعلم الكتاب والدراسة.

قوله تعالى [وَالنُّبُوَّةَ]
بعد الكتاب والحكم جاء ذكر نعمة النبوة ذات القدسية الخاصة التي لم ينلها الا نفر من البشر إستحقوا معها الإمامة والرئاسة على الناس، والارتقاء في منازل الرفعة، وبلوغ اعلى مراتب الشرف بين الناس، والصيت الحسن والاكرام عند الأجيال المتعاقبة.
ومقامات النبوة وعلو شأن النبي لا تنحصر منافعه بالمؤمنين او باهل الأرض وحدهم دون غيرهم بل يشمل اهل السماوات فللنبي مكانة خاصة عند غيرهم لانه المثال الأفضل لموضوع الخلافة في الأرض، وبه وبسنته تستنير دروب الأرض، وبعثته مناسبة كريمة لاستغفار الملائكة للناس، والدعاء لهم بالاقتداء بالأنبياء ومن اهم مصاديق الاقتداء طاعة الله والإنقياد لاوامره وعدم الدعوة لغيره.
قانون نعمة النبوة
من الآيات في الخلق توالي النعم، وتزاحمها من غير تعارض بينها، وهذه النعم متعددة في موضوعاتها وافرادها كما انها ذات صفة شخصية ونوعية، وما يأتي للأنبياء منها تجمع الأمرين معاً، كما انها لا تنحصر بزمان النبي بل يمتد موضوعها الى يوم القيامة، ويتعلق هذا القانون بالنظر في حال الناس لو لم تأت تلك النعم.
وتصور الضرر العام في حال حجب النعم النبوية كلها، لإستحالة استدامة الحياة بدونها، ويبحث فيوضات النبوة على نحو الانفراد والموضوع وتأخذ كل نعمة على حدة ويدرس الامر من وجوه:
الاول: غياب هذه النعمة أو تلك، وعدم نزولها.
الثاني: انحصار النعمة بالنبي، وظهورها على قوله وفعله وانقطاعها بعده عن الأرض.
الثالث: مجئ النعم الى النبي بمفرده وعند الحاجة اليه في حفظ نفسه، وبيضة الاسلام وتبليغ احكام الحلال والحرام، وفك الخصومات التي تصل اليه، والوقاية من التعدي والظلم.
الرابع: حاجة النبي لآية الحكم لتكون حجة على الناس في الدقة والكمال ودراسة مفهوم التمايز بين النبي وغيره من الناس.
الخامس: ما لو لم يبعث الله الأنبياء فماذا يحصل على الأرض، وهل يستطيع الناس من غير النبوة الاستقامة والعيش بأمان وتحقيق النظام النوعي العام، الجواب لا، فان الناس عاجزون عن ضبط امورهم وتدبير شؤونهم من دون النبوة، وهو امر ظاهر جلي في كل زمان ومكان، وتراهم عند حصول الفتن يرجعون الى القيم الدينية ومضامين التنزيل، وتراث الأنبياء.
السادس: ضياع المؤمنين بدون النبوة، فمع ادراكهم لوجود الصانع فانهم لا يعلمون كيفية العبادة واحراز رضا الله، وتتعدد وجوه الإجتهاد بما يبعث على السأم والملل واسباب الريب واثارة الشبهات،فكانت النبوة نعمة احتاج لها اهل الإيمان لتنظيم امور العبادات.
السابع: لو لم يبعث الله الأنبياء لأقتتل الناس فيما بينهم، وأستمر القتال بينهم يتوارثونه ثاراً وانتقاماً فجاءت النبوة بقيم الود والصلاح والالتقاء في طاعة الله عز وجل وفي التنزيل [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
الثامن: لا يستطيع الناس معرفة علوم ووقائع الآخرة من دون النبوة، فيأتي الأنبياء بصيغ الوعد والوعيد، والبشارة والانذار، وبيان احوال الناس في عالم البرزخ ومواطن الحساب، والوصف الكامل لمنازل الآخرة بما جعل شطراًَ منهم يستعد للقاء الله، ويدرك الشطر الآخر أضرار اختياره العناد والاستكبار فيكون في عناء وارتباك متصل يحول دون بلوغه الامد في ايذاء المسلمين.
التاسع: دراسة المنافع العظيمة في تعدد وكثرة الأنبياء، وما هـي الاضرار او المنافع المحجوبة من نعمة النبوة لو كان عددهم بضعة انبياء، او نبياً واحداً.
تعرض شطر من الأنبياء للقتل ولاقوا اصناف الأذى ومع هذا يبعث الله عز وجل الأنبياء من بين الناس ليجذبوا الناس الى منازل الإيمان، ولاعانتهم على التوبة والانابة والتسليم بالربوبية لله تعالى.
ويمكن ايجاد نظرية مفهوم نعم النبوة وتعني دراسة ماهو خلاف الواقع في حال عدم وقوعه، فماذا يحصل لولم يبعث الله الأنبياء ثم دراسة بعثات بعض كبار الأنبياء، وكيف انها حاجة للناس في زمانهم وفي الأزمنة اللاحقة، وخير مثال على الحاجة النوعية العامة للنبوة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه الحاجة مركبة من وجوه:
الأول: البلد الذي بعث فيه وهو مكة المكرمة.
الثاني : اهل الكتاب وما حصل لفريق منهم من الغلو او التعدي على مقامات الأنبياء، وقد اجتمع الأمران في النظر الى عيسى عليه السلام، فقد غالى فيه قوم، وافترى اخرون عليه وعلى أمه.
الثالث: طرو التحريف على الكتب السماوية وازدياد الحاجة لبيان حقائق التنزيل واسرار التأويل، ووضع حد للتحريف والى يوم القيامة، وهو أمر لم يتحقق الا ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: التردي في الحالة الفكرية والإجتماعية للناس فعبادة الاوثان أردئ المراتب التي يمكن ان يصل اليها الإنسان، وفيها تعطيل للعقل ومنع من ادائه لوظائفه، ولولا البعثة النبوية المباركة لربما رأيت اموراً ادنى وأخس مما كان عليه الناس يومئذ.
الخامس: تتجلى آيات عديدة من نعمة النبوة في زمن العولمة والتداخل الحضاري،وتستبين امور عديدة في مفاهيمها، تؤكد الحاجة لها.
السادس: من مفاهيم نعمة النبوة موضوعية الوقت المعين لبعثة كل نبي، وخصائص واسرار البعثة من جهة الزمان، واحتمال حصول الاضرار العامة لو تأخرت عن زمانها.
السابع: الاعجاز الإلهي في مكان بعثة النبي، واختياره دون غيره، كما يتجلى في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة وصيرورة الاسلام قوياً في مأمن من الدولتين الفارسية والرومانية الى ان ترسخت دعائم التوحيد، ونفذت مبادؤه الى القلوب واستولت على الجوارح والجوانح، وعشق المسلمون الشهادة، واندفعوا في الفتوحات شوقا الى الجنة والنعيم الخالد، فاصبحت القلة منهم قادرة على الانتصار على الأمة الكثيرة من الكفار.
لقد جاءت الآية بثلاثة امور متعاقبة هي الكتاب والحكم والنبوة كعلة تامة لعدم دعوة النبي لغير الله، ولكن لو جاء فردان منها كالكتاب والحكم، او الكتاب والنبوة، اوالحكم والنبوة، فهل تبقى علة تامة لعدم الدعوة للذات، الجواب نعم، ولو جاء فرد واحد منها لكان الجواب ذاته، فمن أتاه الله الكتاب لا يدعو الا لله، وكذا من آتاه الله الحكم ورزقه العلم، والتفقه في الدين وعلمه التأويل ووجوه الحلال والحرام، فانه لا يدعو الا لله عز وجل.
وكذا النبوة فانها حرز من الشرك الظاهر والخفي ، وعون للناس على الهداية، يبعث الله النبي فتهتدي امة به، ويبقى نور النبوة في انصاره واتباعه فيكفي أي واحد من هذه الافراد الثلاثة الكتاب والحكم والنبوة للاخلاص في الدعوة الى الله تعالى وكل واحد منها آية مستقلة تدل على عظيم فضله على النبي والناس بالواسطة.
وقد يقول قائل ان الأنبياء لم يدعوا لأنفسهم لان الله أتاهم مايفيد القطع بالربوبية، ولزوم عبادته تعالى والخشية منه، واتقاء عقابه، وغيرهم من الناس لم يأتهم معشار ماجاء للأنبياء، وليس لهم واقية سماوية تحول دون الضلالة وتمنع من الدعوة لغير الله، والجواب من وجوه :
الأول: ان الآية في مقام الذب عن الأنبياء ونفي الغلو فيهم، وتوكيد انقيادهم لأوامر الله وتفانيهم في طاعته وهو عبرة وموعظة للناس.
الثاني: هذه العصمة رحمة للناس جميعاً وحجة على اولئك الذين يدعون لانفسهم كفرعون ونمرود، فان الأنبياء أعلم واحكم الناس ومع هذا لم يدعوا لانفسهم ولم ينقادوا لغير الله عز وجل، فمن باب الأولوية ان يقوم غيرهم باتباعهم في عدم الدعوة لأنفسهم.
الثالث: الأنبياء قدوة وأسوة للأمم، وأنزل الله عليهم آيات باهرات يستضئ بها أهل الأرض وتبقى دعوة سماوية مستديمة للتدبر في اسرارها القدسية، وهذا التدبر باب للهداية والانقطاع الى الله تعالى.
الرابع: الآية حجة على الناس، لان ما آتاه الله الأنبياء ظل تركة عندهم يتوارثونه جيلاً بعد جيل، واذ طرأ على الكتب السابقة التحريف وحصلت الشبهة نزل القرآن ليبقى نقياً خالياً من التحريف والتبديل في الفاظه وكلماته وتفسيره وتأويله، واذا ظهر تأويل خاطئ فسرعان مايفتضح امره ويعرض الناس عنه بما فيهم غير المسلمين، لان النفوس تنفر من القبيح وتبغض التحريف في حال العلم به، واذ يلتبس امر الكتب الأخرى على الناس فان التحريف متعذر في القرآن نصاً وتفسيراً، وهذا من صيغ الإعجاز التي ينفرد بها القرآن، والاسرار الملكوتية التي جعلها الله فيه.
وفي اشتقاق لفظ النبي وجوه:
الأول: انه انبأ وأخبر عن الله.
الثاني: من النبوة وهي المرتفع من الأرض، لما للنبي من الرفعة والشأن وعلو القدر.
الثالث: من النبوة وهي الإقامة باعتبار ان النبوة باقية في الأرض.
الرابع: العلم من اعلام الأرض التي يهتدى بها، “وقال بعضهم ومنه اشتقاق النبي لأنه أرفع خلق الله”( ).
ولا تعارض بينها، وهذا من اسرار الالفاظ القدسية واكرام الأنبياء بحيث يدور امر الاشتقاق بين معنيين أو أكثر، كل واحد منها ذو دلالات تشريفية، فيبعث النبي ليخبر عن الله، وكل واحد من البعث والاخبار يدعو الناس الى اكرام الأنبياء ويحث على اتباعهم والتسليم بما جاءوا به من عند الله.
وكل من الكتاب والحكم والنبوة آية اعجازية بين الناس، تدعوهم للتدبر في عظيم فضله تعالى على الناس، وتؤكد اكرام الإنسان في الإرادة التكوينية.
والنبوة من اسمى مصاديق قواعد اللطف الالهي، ومن خصائصها انها تتغشى الناس جميعاً، وكل أمة تنهل منها وتأخذ مقداراً من العلوم والمنافع تتسع اوتضيق بحسب اسباب الهداية، وقد فاز المسلمون بوراثتها أي انهم لم يقفوا عند حدود النهل المردد بين القلة والكثرة، بل تلقوا النبوة كتركة كريمة، وتوارثوا احكامها بعناية واحتراز، وعهد مجموعي واستغراقي على حفظها وتسليمها للاجيال المتعاقبة امانة ووديعة وعادة مباركة للعمل واجتياز العقبات وموارد الإبتلاء.
وهل في الآية منّ من الله على الأنبياء، الجواب ان المنّ منه تعالى محمود وهو تشريف لمن يمن عليه سبحانه، بمعنى ان الإنسان يزداد فخراً وعزا ان يكون ممن يمنّ الله عليهم.
وجاءت الآية لبيان فضله تعالى على الأنبياء، وهي للشكر اقرب اذ انها تبين ثبات الأنبياء على الدعوة الى الله عز وجل، وهذا الثبات مطلق وفي حال القوة والضعف، والنصر والهزيمة والغلبة والتقية، وعند تولى الحكم والتعرض للاذى ومحاولات الاكراه من قبل الطواغيت والظالمين.
وهذا من اعجاز القرآن واخباره عن حالة مستديمة منبسطة على امرين:
الاول: العدد الكثير من الأنبياء والمرسلين.
الثاني: الحالات المتباينة من السعة والضيق، والقوة والضعف التي يمر بها كل نبي من الأنبياء.
وتبين الآية ان النبوة ليست استحقاقاً من النبي او من الناس وليست هي واجباً على الله بل هي فضل محض منه سبحانه بدليل انها جاءت بلفظ الإتيان منه تعالى، نعم فيها اشارة الى تحمل النبي للامانة وحفظ العهد وعدم الدعوة لغير الله في أي حال من الاحوال.
وتخبر الآية عن وفاء الأنبياء بالعهد وادائهم للامانة واخلاصهم العبودية لله عز وجل ووجوب الإقتداء بهم.

بحث بلاغي
من وجوه البديع ان يؤتى بكلمات متتاليات معطوفات، يجتمع فيها تداخل المعنى مع جزالة اللفظ وجمال النظم، واهلية كل جملة لأن تكون ذات معنى مستقل، فلم يضرها العطف، وفي القرآن اعجاز آخر لحسن النسق وهو ان العطف باب للبحث بالعلوم المستقرأة على ثلاث أقسام:
الأول: كل جملة على حدة.
الثاني: تداخل هذه الجمل فيما بينها.
الثالث: العطف والجمع بينها، واذ يتعلق حسن النسق في علم البديع بالجمل وعطف بعضها على بعض، فان القرآن جاء به في باب الكلمات، لتكون لكل كلمة دلالات خاصة، منها العطف بين الكتاب والحكم والنبوة، فكل نعمة منها مدرسة عقائدية وأخلاقية تؤهل النبي لمقامات العبودية والثبات فيها، والإنجذاب الى عالم الغيب والبقاء في منازل القرب من كمال لطفه، ورحمته وجوده سبحانه، وليكون النبي واسطة الفيض الإلهي على الناس بالآيات التي تتفرع عن نعمة الكتاب والحكم والنبوة، ترى لماذا أخرت الآية لفظ النبوة والأصل انه لا ينزل الكتاب الا على نبي فيه وجوه:
الأول: ذكر لفظ النبوة في القرآن خمس مرات، وكل مرة جاء ملازماً للفظ الكتاب، مع كثرة ورود لفظ الكتاب في القرآن.
الثاني: جاء لفظ النبوة ثلاث مرات متقدماً على الكتاب، وجاء لفظ في آيتين متقدماً على لفظ النبوة.
الثالث: الآيتان اللتان ورد تقديم لفظ النبوة فيهما جاءا بخصوص الذرية كما في ذرية نوح وابراهيم قال تعالى [وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ]( ).
والآية الأخرى وردت في ذرية ابراهيم( )، فجاء تقديم الكتاب عند الجمع بينهما بخصوص الأنبياء، الا ان المراد من الذرية هنا الأنبياء ايضاً ولكن المعنى أعم في اشارة الى المؤمنين من ذراري الأنبياء.
الرابع: جاء تقديم الكتاب لتذكير الناس بان الذي يتعلمونه من الكتاب انما هو من الأنبياء، وعلموه من منازل النبوة، اي انهم اكثر الناس تقيداً بأحكام الكتاب، فالناس يعلم بعضهم بعضاً الكتاب، اما النبي فان الله عز وجل هو الذي علمه الكتاب واصلحه لتعليمه.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (التعديد) وهو ايقاع الألفاظ المفردة على سياق واحد، ويأتي في صفات الباري عز وجل، كما في قوله تعالى [الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ]( ).
وجاء هنا في بيان ما آتى الله الأنبياء من الفضل وفي هذا التعديد حسن نظم، يبعث الشوق في النفس على تتبع افراده.
فالتعديد اصطلاح بلاغي يتعلق بعالم الألفاظ، اما في القرآن فله مضامين عقائدية متعددة يعجز الإنسان عن ادراك كنهها، ومنها في المقام:
الأول: ان النعم الإلهية على الناس على أقسام: ؟؟
الأول: عامة.
الثاني: خاصة.
الثالث: الجامع للعامة والخاصة.
وليس من حد من طرف الكثرة لأي قسم من هذه الأقسام،والنبوة من القسم الثالث فهي عامة وخاصة لذا جاءت الآية بصفة الآدمية ولم تقل الآية (ما كان لعبد) كما في قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ]( )، بل جاءت بصفة البشرية كعنوان للخلق وما دام النبي خلق من خلق الله فانه لا يدعو لنفسه، بالإضافة الى حصانته بما آتاه الله، ومع ان كل نعمة مستقلة من هذه النعم الثلاثة آية مستقلة الا ان التعديد جاء للدلالة على الإمتناع الذاتي لإدعاء النبي الربوبية.
فصفة البشرية وحدها لا تأذن بهذه الدعوة لإرادة عنوان الخلق وان الإنسان مخلوق، وكل مخلوق ممكن محتاج انه تعداد للنعم الخاصة التي تترشح منافعها على الناس جميعاً، وكل نعمة تعضيد وتثبيت للنعمة الأخرى، وطريق للإنتفاع الأمثل منها.
والتعديد هنا سياحة ذهنية في عالم الملكوت والإفاضات الإلهية، ودعوة للإقرار بعظيم فضله تعالى على الأنبياء، وتوكيد حقيقة وهي ان الأنبياء سادة البشر، ويمتلكون ما لا يمتلكه غيرهم من الملكات والقدرات ومع هذا فهم لا يدعون الا لعبادة الله، لتكون دعوتهم حجة على الناس كافة.
ومن منافع التعديد هنا دعوة الناس لإكرام الأنبياء والإقرار بعلو شأنهم وعظيم منزلتهم ولزوم اتباعهم،وبلوغهم مراتب العصمة من الزلل.
كما يتجلى التعديد في خاتمة الآية وبيان علة وجوب صيرورة الناس ربانيين، وهي مركبة من أمرين:
الأول: تلقيهم التعليم وعلى نحو الجماعة والنوع.
الثاني: الدراسة.
علم المناسبة
ورد لفظ النبوة في القرآن خمس مرات، ثلاثة منها بلفظ الإتيان، واثنتين بلفظ الجعل، وجاء الجعل بخصوص ذرية ابراهيم وبني اسرائيل، فقال تعالى [وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ] ( ) ، وقال تعالى[وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ] ( ).
وهذا الجعل يحتمل امرين:
الأول: ذات النبوة، وان المراد اختيار نفر من الذرية للنبوة.
الثاني: مايترشح على الذرية من بركات وفيوضات النبوة.
ولا تعارض بين الأمرين، وكلاهما فضل ورحمة من الله عز وجل، كما ان الإتيان والجعل بمعنى، الا ان المراد من الإتيان الهبة والفضل الإلهي، والجعل التعيين والتثبيت، قال تعالى[ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ] ( )، فلفظ بني اسرائيل اعم من الأنبياء، ممايفيد معنيين:
الأول: ارادة المعنى الأعم من النبوة وميراثها.
الثاني: اختيار عدد من الأنبياء من بني اسرائيل، فيصدق ان النبوة عندهم وذرية ابراهيم اعم من بني اسرائيل فمن ذريته النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قوله تعالى [ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ]
(ثم يقول) بنصب اللام وهو المرسوم في المصاحف بتقدير (ان) مضمرة أي ثم ان يقول، وروى عن ابي عمرو برفع اللام ثم يقولُ على الإستئناف.
وجاءت(ثم) لإفادة العطف والتراخي مما يعني حصول التفكيك بين حالتين:
الاولى: مدة الإتيان الفعلي للكتاب وتوالي نزول الآيات وقواعد الحكم والنبوة.
الثانية: ما بعد نزول الآيات ومعاني الحكم واستقرار النبوة عند النبي، وبلوغه مراتب الكمال، وورود (ثم) يحتمل وجوهاً:
الأول: ارادة العموم وشمول الحالتين معاً، فاخلاص النبي في عبادة لله ملازم للتنزيل والنبوة منذ البداية.
الثاني: جاءت(ثم) للبيان اللفظي، وللاخبار عن استدامة حال الاخلاص عند النبي، فحتى لو أنقطع عنه التنزيل فانه باق على حفظ امانة التوحيد.
الثالث: افادة الأثر والنفع المترتب على التنزيل، وان اخلاص العبادة لله نتيجة حتمية لإتيان النبوة، ومانع من طرو الشك والريب، وعون على الصبر في جنب الله ومواجهة الشدائد، وكان تعرض الأنبياء للأذى والقتل بسبب ثباتهم على الإيمان.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة، فالعصمة من الشرك مطلقة بالنسبة للنبي.
وجاءت الآية بصيغة المضارع (يقول) مما يدل على استدامة الثبات على الهدى.
لقد اراد الله للأنبياء ان يكونوا ائمة الهدى وقادة الامم في عبادة الله واعلاء كلمة التوحيد فنزههم الله من الشرك، وذب عنهم، وتفضل بالاخبار عن عصمتهم من الدعوة لغير الله في مختلف الاحوال.
وجاءت الآية بلفظ (الناس) وفيه وجوه:
الأول: ارادة الاطلاق وشمول اهل بيته واصحابه وأهل بلده، والأجيال اللاحقة من الناس، خصوصاً وان الآية جاءت في نفي الغلو بعيسى وانه عليه السلام لم يدع الناس الى نفسه، واذا كانت هناك دعوة فهي صادرة من اهل الغلو من الاجيال اللاحقة لان الناس في زمان عيسى كانوا على فريقين:
الاول: فريق آمن برسالته وصدق بالآيات التي جاء بها، وقد ورد وصفهم في القرآن بالانصار في ثناء عليهم.
الثاني: الذين افتروا عليه وعلى امه مريم عليها السلام فلابد ان الذين غالوا به جاءوا فيما بعد، من جهة المبالغة في الآيات التي جاء بها كآية آحياء الموتى، وآية الطير، وآية ابراء الاكمه والابرص.
الثاني: الأجيال المتعاقبة ممن الناس ممن تصل اليهم اخبار عيسى والأنبياء الآخرين.
الثالث: الاصحاب والاتباع ممن يغالي باشخاص الأنبياء ، ويجعلهم بمنزلة الإله، ويفتري عليهم بان ينسب اليهم دعوتهم لانفسهم لتعلق تثبيت مفاهيم الغلو بهذه النسبة.
الرابع: الذين يتلقون اخبار الأنبياء وقصصهم والآيات التي جاءوا بها ويستمعون الى الغلو باشخاصهم الكريمة من اهل زمانهم، او من الأجيال اللاحقة.
لقد ثبتت نزاهة وعصمة النبي من الدعوة لغير الله من وجوه:
الأول: لم يقل النبي لهؤلاء اتخذوني الهاً.
الثاني: انه لم يأمر شخصاً او جماعة ان تدعوا الناس لنفسه.
الثالث: أي شخص ينسب هذه الدعوة الى النبي مفتر كاذب وان ادعى انه من الرهبان والعلماء.
الرابع: تدل الآية في دلالتها الالتزامية على تبرء النبي من أهل الغلو، وبطلان مايقولون، ومن الاعجاز القرآني ان احكام الآية باقية الى يوم القيامة فهي تخبر عن عصمة الأنبياء، وتنزههم من دعوة الشرك والضلالة وتبرأهم من اهل الغلو من اصحابهم الذين جاءت دعوتهم في جانب منها كرد فعل خاطئ لحملات التعدي والإفتراء على الأنبياء.
الخامس: بيان طهارة نفوس الأنبياء والنقاء الاخلاقي والعقائدي الذي يصبغ سنتهم، وبلوغهم مراتب الكمال ونيل ارقى درجات المعرفة، وانقطاعهم لطاعة الله، ليكون هذا الانقطاع حجة على الناس.
السادس: ليس في مقدور النبي الدعوة لغير الله، قال تعالى [وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ] ( ) ، ولو حرف امتناع أي ان النبي لا يقول ولا يبلغ عن الله الا الحق والصدق.
السابع: الدعوة للذات في حال حصولها تبطل دعوة النبوة، والرسالة ووظائفها بالحث على اتيان الصالحات واجتناب السيئات، فلو أمر النبي الناس باتخاذه الها، لأضر برسالته، وتنتفي صفة الصدق التي يعرف بها بين الناس.
الثامن: لا يصدق الناس الدعوة لعبادة الذات البشرية، مهما كانت جهة الصدور، ولو ادعاها النبي لنفرت منه النفوس، ولم تقبل منه وان كان النبي معصوماً منها.
ان كل آية من الآيات الثلاث الكتاب والحكم والنبوة حصانة فكرية وعقائدية واخلاقية للنبي تمنعه من الدعوة لنفسه لانه يرى فيها عظمة فضل الله عليه وتجعله يدرك عبوديته لله تعالى، لذا فان لفظ(يؤتيه) الوارد في الآية وما فيه من الإشارات عنوان للفيض واللطف منه تعالى، ومن مصاديق الشكر لله عز وجل على النبوة الدعوة اليه، وعدم التقصير في الجهاد في سبيله، كما ان نزول هذه الآيات على الإنسان يجعله في منزلة قريبة من منازل الملائكة ويتخلى معها من كل الكدورات الظلمانية والنفس الشهوية، ويحصل عنده الكشف للحقائق، فيشعر باللذة والعز في مقامات العبودية لله.
والنبي يتقن اولاً شرائط واحكام مرتبة العبودية كي تكون له واقية دائمة ضد الغرور والغي والشرك الظاهر والخفي، فتدل الآية بالدلالة الالتزامية على انه سبحانه يحصن النبي بمقامات العبودية بحيث لا ينال مرتبة الكتاب والحكم والنبوة الا وقد اخلص لله عز وجل الطاعة وحسن ألإنقياد، وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا]( ).
لقد جاءت الآية بالنفي المطلق لإدعاء النبي الربوبية وكيف يدعيها من لم ولن يغادر منازل العبودية، وهو مقيم فيها، متنعم بمفاهيمها ويدرك ان العبودية لله من أعظم النعم على الإنسان.
وبلوغ النبي مراتب الكمال الإنساني يجعله يحب للناس ما يحب لنفسه، بل انه يجتهد في دعوة الناس للعبودية لله عز وجل كي يفوزوا بمقامات العبودية ويشاركوه ما فيها من النعم واللذة الدنيوية والبشارات الأخروية، ومن خصائص مرتبة العبودية الشوق لله عز وجل والحرص على الإمتثال لأوامره، وكل نبي مواظب على دعوة الناس الى الله عز وجل.
وتظهر آثار هذه المواظبة في اقواله وافعاله وسننه، واذ طرأ التحريف على الكتب السابقة جاء القرآن ليكون وثيقة سماوية تؤكد عبودية الأنبياء لله تعالى، وتحملهم الأذى في حبه ومرضاته وعدم دعوتهم الا لعبادته وطاعته تعالى.
قانون عبودية الأنبياء
ليس من مخلوق الا وهو داخر لله تعالى، وهذه القاعدة من الكلي المتواطئ والمشكك معاً، أما من جهة المتواطئ فالخلائق كلها تحمل صبغة العبودية والانقياد لله تعالى، واما من جهة المشكك فانها على مراتب متفاوتة في اظهار صيغة العبودية، ويفوز بالمرتبة الاولى في الاخلاص في العبودية واظهار اسمى مفاهيمها واصدق عناوين الخضوع والخشوع لله فئتان.
الاولى: الملائكة، فهم هيئات نورانية، منقطعة الى عبادته تعالى، منشغلة بالتسبيح والذكر والتهليل.
الثانية: الأنبياء، وهم اشرف الناس، ونالوا مرتبة الشرف بالوحي والتنزيل، واصبحوا مؤهلين لها باخلاص العبودية لله، ويجمع الفئتين قوله تعالى [لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ]( ) .
فكما باهى الله عز وجل الملائكة بآدم حين خلقه وعلمه الأسماء، فكذا جاءت هذه الآية لتوكيد ذات الحقيقة وان الإنسان اهل لتولي وظائف الخلافة في الأرض والتي لا تتقوم الا باخلاص العبودية لله تعالى، مما يدل على تقدم رتبة العبودية وانها درجة عالية ذات شرف ورفعة، وهي مقدمة للنبوة ووسيلة لنيلها واكتساب المعارف الالهية، والثبات على العبادة والخضوع لله عز وجل والدعوة اليه.
وقانون العبودية يشمل الأنبياء جميعاً ولا يستثنى منه أحد، كما ان الأولياء والصالحين مخلصون لله عز وجل في منازل العبودية الا ان الأنبياء اعلى مرتبة منهم، واكثر انجذاباً لمنازل العبودية، لقد اراد الله للأنبياء ان يكونوا اسوة للناس جميعاً في صدق واخلاص العبودية، وماعليه الأولياء والصالحون من الإنقياد لله تعالى انما هو بفضله تعالى، وللأنبياء فيه اثر مبارك لانهم اسوة وقدوة للناس جميعاً في العبودية، واخذ منهم الأولياء والصالحون، فهم أتباع لهم في منازل العبودية.
ان قانون (عبودية الأنبياء) من مقومات الحياة الإنسانية وديمومتها في الأرض، وبه تنزل البركات وتدوم النعم، ويسعى الناس للحوق بالأنبياء في منازل الطاعة والامتثال لله تعالى، وتبقى سننهم ضياء مباركاً ينير دروب الهداية.
وبلحاظ مراتب العبودية لله هناك وجوه:
الأول: الأنبياء جميعاً بمرتبة واحدة في منازل العبودية.
الثاني: بعض الأنبياءارقى مرتبة من غيره فيها،وفي درجات الإخلاص.
الثالث: التباين بين الأنبياء في منازل العبودية بلحاظ أمور:
الأول: الإبتلاء والحال والشدة والرخاء، والسعة والضيق فعندما يشتد البلاء يظهر النبي اعلى درجات الاخلاص والثبات على العبودية.
الثاني: الآيات والحجج التي تأتي النبي، كماً وكيفاً، مع التباين بينها وشرف وعلو الآية العقلية رتبة على الحسية.
الثالث: الرسول أرقى رتبة من النبي في المنزلة، وكذا في مقامات العبودية بلحاظ الملازمة بينهما.
الرابع: اعتبار الوظائف الرسالية للنبي، فما كان مبعوثاً لأمة، ارسخ في منازل العبودية ممن كان مبعوثاً لأسرته وقبيلته، وقد بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس كافة، وهو عنوان تفضيل.
الخامس: موضوعية كثرة الأتباع وبقاء أحكام شريعة الرسول بين الناس، ومع التباين فان الأنبياء جميعاً نالوا أشرف وأسمى مراتب العبودية ليكون كل نبي آية في العالمين بالدعوة الى الله والاستعداد لتحمل الأذى، وبذل النفس، ليعلم الناس قدسية منازل العبودية، وان بلوغها شرف عظيم، والمحافظة عليها عنوان فخر وعز اضافي وقد نال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اعلى مراتب العبودية ومدحه الله تعالى بقوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى] ( ) .
وفيه اشارة الى تفضله تعالى بالشكر والجزاء على الإقامة في منازل العبودية، وانه سبحانه رزق النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الاسرار بصفة العبودية، للدلالة على ما فيها من الرفعة والعز وانها وسيلة للسياحة في عالم الملكوت، وعن الإمام علي عليه السلام: ( الهي كفى بي عزاً أن اكون لك عبدا، وكفى بي فخراً ان تكون لي ربا) ( ).
وقانون عبودية الأنبياء لله عنوان للنقاء وطهارة النفس من دنس الشرك وهو وسيلة لاصلاح المجتمعات ونبذ الفرقة والشقاق، وحرب على الوثنية في كل مكان وزمان، ودعوة للناس لتهذيب النفوس، واصلاح الألسن، واستحضار ذكره تعالى في القول والفعل، واجتناب التعدي والظلم والطغيان، فمتى ما ادرك الإنسان ان له سيداً ورباً فانه يخشاه ويمتنع عن معصيته ومخالفة اوامره، اما اذا ادرك ان سيده ينفرد بالعلم بالسر والعلانية، وما يظهره العبد وما يخفيه، وهو من خصائص الربوبية فانه يحرص ايضاً على الانقياد الى أوامره ويبادر الى طلب مرضاته، والأنبياء هم الأسوة والأئمة في طاعة الله.
لقد جاءت الآية بصيغة المفرد الا انها تفيد الإطلاق والشمول لجميع الأنبياء خصوصاً وانها جاءت بلغة التنكير ولم تقل الآية (ما كان للنبي) بل ذكرت صفة الآدمية واتيان النعم الثلاث المتعددة الكتاب والحكم والنبوة، لافادة المعنى الاعم وبيان الفضل الالهي على النبي، وهل يمكن القول على فرض ان النبي لم يدعُ لله، فان العقاب يسقط عن الناس الذين يحاكونه او الذين يدعون لغير الله او يدعون لانفسهم مثل نمرود وفرعون، وان كانت دعوتهما مخالفة لدعوة وانذار الانبياء، الجواب من وجهين:
الأول: لا يدعو النبي الا لله تعالى، وهذه الآية مصداق له، كما ان الواقع وسنن الأنبياء اخبار عملي عنه.
الثاني: لا يسقط العقاب عن كل من يدعو لغير الله وان كان مغررا به، او انه يحاكي السلطان او يطمع في نواله وجائزته او يخشاه ويخاف بطشه ، فلقد اراد الله للأنبياء ان يكونوا قادة الامم في الثورة على كل من يدعو لنفسه او يدعو لغير الله عز وجل مهما كان مقامه ومنزلته، فيجب ان يعلم الطواغيت ان الدعوة للنفس سبب وعلة زوال حكمهم، وانقضاء ايامهم، ومن الآيات ان الزوال يأتي على ملك الطاغوت بالكامل، فلا يستطيع حفظه وابقاءه لورثته من بعده،لتبقى مفاهيم العبودية لله تتغشى الأرض وتخالط النفوس، وتساهم في اصلاح احوال الناس، والإرتقاء في سلم المعارف الالهية، وهو من آثار النبوة التي هي لطف عام بالناس جميعا.
(وحكى الواحدي عن ابن عباس انه قال في قوله تعالى ( كونوا عبادا لي) إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عباداً) ( ) ، فيكون في الآية معنيان.
الأول: ان الأنبياء لا يدعون الربوبية، ولا يدعون الناس الى عبادتهم.
الثاني: لا يتخذ الأنبياء الناس عبيداً لهم.
وبين العباد والعبيد عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء الذل والخضوع اما مادة الإفتراق فالاول عنوان الإنقياد لمقام الربوبية والإمتثال المطلق لله في الاقوال والأفعال وهو غير قابل للانفكاك، لان صفة العبودية ملازمة للانسان في كل احوال وآنات زمانه، اما الثاني أي العبيد فهو موضوع الملكية، ويجري عليه العتق، وينال العبد الحرية كما انه لا يصح الا باسباب شرعية كحال المحارب الكافر.
والصحيح هو الأول، من وجوه:
الأول: لو دار الأمر في معنى اللفظ القرآني بين لغة قريش وما قاربها وبين لغة قبيلة اخرى فالاصل هو لغة قريش.
الثاني: مضامين الآية الكريمة تدل على المعنى الاول فقيد (من دون الله) الوارد في الآية يفيد ارادة العبودية خالصة لله، وجاءت الآية لتنزيه الأنبياء ونفي قيامهم بالدعوة لغير الله.
وهل الدعوة لغير الله من الشرك ام لا. الجواب انها من اشد وأبغض افراد الشرك، وفيه شاهد على ان الشرك له مراتب متعددة، واشهرها واكثرها قبحاً ان يدعو العبد الناس الى عبادته فلم يكتف بالتعدي في ترك وظائفه كعبد لله، بل سعى في اضلال الناس.
وهل كل من يقول للناس كونوا عباداً لي يستجيبون له، او انه يحقق مايريد، الجواب لا، لان الأمر لا ينحصر بقوله وطلبه، بل يتعلق بالناس ورضاهم اورفضهم لقوله، ويواجه القول بسلاح العقل الذي جعله الله عز وجل عند كل فرد من الناس ونعمة النفخ فيه من روحه ومنافع الكتب المنزلة وبعثة الأنبياء، كما ان الدعوة سالبة بانتفاء الموضوع، وفي حال وقوعها فانها لا تؤدي بالناس الا الى عبادة الله عز وجل لانها تثبت بالدلالة التضمنية وجوب العبادة، وان الذي يدعيها يلتقى بخصال العبودية مع المدعو، فكلاهما عبد داخر لله عز وجل.
والأنبياء منزهون عن القبيح والباطل، ويعلمون قبل غيرهم وجوب عبادة الله وسخروا انفسهم وابدانهم لعبادته، وجاهدوا في الدعوة اليه تعالى، فليس لاحد ان يظلمهم ويفتري عليهم ويغالي فيهم فكيف يدعو بعضهم الى النبي، والنبي لا يدعو الا لله عز وجل فالآية جاءت للرد على الغلاة والذين ادعوا الربوبية او قالوا ببنوة بعض الأنبياء لله تعالى كما في قوله تعالى [وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابن اللَّهِ]( ).
والنبي بلغ مراتب الكمال الإنساني، وموصوف بالحسن وسلامة البصيرة فلا يمكن ان يقدم على فعل يضر به وبالناس، اذا ان الذي يرضى بدعوة غيره من الناس لعبادته ويستجيب لامره يكون مشركاً ضالاً، وان كانت الدعوة من الطاغوت، فليس من تقية او مهادنة مع الذي يدعو لعبادة غير الله عز وجل، والأنبياء هم قادة الامم في الجهاد في هذا الباب، ولا يحق لاحد من الغلاة تشويه جهادهم او التعتيم على ما لاقوه من الأذى في جنب الله، فملاقاة النبي للأذى في سبيل الله شاهد على عبوديته لله، وانه بشر اخلص لله تعالى.
وعلة تحمل الأنبياء الأذى وتعرضهم للقتل هداية الناس، وتثبيت كلمة التوحيد وزجر الملوك والرؤساء عن الدعوة لانفسهم، والأصل تعذر هذه الدعوة عليهم، لذا فحينما تعذرت عليهم الدعوة الى انفسهم اتجهوا الى الدعوة الى عبادة الأنبياء، ومن اعجاز القرآن مجيء هذه الآية للتصدي لدعوة الملوك والرهبان الى انفسهم فعندما يشيعون بين الناس وهم دعوة النبي لنفسه بهتاناً وزوراً، ينتقلون الى الدعوة الى انفسهم مستغلين سلطانهم واموالهم وشأنهم، او انهم يقولون بانهم ورثة الأنبياء، وعبادة الوريث كعبادة الاصيل.
ومن منافع الآية وجوه:
اولاً: تنزيه ساحة الأنبياء، بالنفي النقلي والعقلي لما يفترى عليهم من الدعوة لانفسهم.
ثانياً: قطع الطريق امام دعوة الجبابرة الناس لعبادتهم، فمن يدعو الناس لعبادته يظلم الناس الذين اراد الله عز وجل لهم ان يكونوا عباداً له، يتنعمون بالحياة الدنيا بطاعته والإمتثال لاوامره.
ثالثاً: استمرار عبادة الله والتصديق بما جاء به الأنبياء من التكاليف، والافتراء على الأنبياء يمنع من اخذ التكاليف عنهم، لذا فان الآية ارادت بقاء الناس على اخذ التكاليف التي جاء بها الأنبياء والعمل بها.
رابعاً: في الآية نجاة لاصحاب واتباع الأنبياء، لانهم أمروا الناس بعبادة الله واتباع الأنبياء بطاعته سبحانه والإمتثال لاوامره، فاذا شاع بين الناس ان الأنبياء دعوا الى انفسهم، فانهم لا يلتفتون الى مايقوله انصار واتباع الأنبياء بانهم بشر مثلنا آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة وجعلهم أئمة لهم، وقد يتعرض اتباع الأنبياء حينئذ للقتل او يخفون ايمانهم في صدورهم، فتضعف الدعوة الى الله عز وجل.
فجاءت هذه الآية لتثبيتهم وشد عضدهم وفضح اعدائهم من اهل الغلو والجحود، فاذا كانت هناك فرقتان فرق تغالي بالنبي وتجعله رباً او ابن الله، واخرى تقر بعبوديته ودعوته الى الله، فان اهل الغلو ينتقمون من فرقة الحق اذا وجدوا عليهم سبيلاُ، كما لو كان السلطان والرهبان من اهل الغلو.
خامساً: دعوة الناس للإقتداء بالأنبياء، في الدعوة الى الله.
سادساًَ: منع الضلالة، وزجر اهل الريب.

قوله تعالى[ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ]
يمكن ان نسمي هذه الآية آية (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية الكريمة.
وهذا الشطر من الآية اعجاز آخر، اذا انها لم تقف عند حد تنزيه الأنبياء وعدم دعوتهم لانفسهم، بل قالت انهم دعوا الناس لعبادة الله تعالى، ففي الآية حذف والتقدير (ولكن النبي يقول للناس كُونُوا رَبَّانِيِّينَ).
وتتضمن الآية صفة العموم والشمول، فكل نبي يدعو الناس للتوحيد، وفي صيغة الجمع “كونوا” وجوه:
الأول: مخاطبة النبي لاصحابه واهل بيته.
الثاني: نداؤه لاهل بلده، ومن يلتقي بهم من الناس.
الثالث: دعوته للافراد على نحو القضية الشخصية ممن يجتمع به في الاسواق والمنتديات والمناسبات المختلفة.
الرابع: دعوة النبي قومه الى عبادة الله، وهي من ضروريات النبوة واهم وظائفها،وقد ورد في التنزيل [يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] على لسان نبي الله نوح وهود وشعيب وصالح( ).
الخامس: توجيه الدعوة للناس جميعاً من اهل زمانه وغيرهم بواسطة اصحابه وانصاره واتباعه، وفيه حجة على أهل الغلو لما يتضمنه من الدلالة على بلوغ دعوة النبي لهم بعبادة الله، سواء بواسطة اقواله وسنته او ما ينقله اتباعه، او بالقرآن الذي جاء شاهداً سماوياً يؤكد هذه الدعوة ففي عيسى عليه السلام ورد في التنزيل [قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ] ( )، والعبد لا يدعو لنفسه بل يدعو الى مولاه.
و(لكن) حرف استدراك جاء لنفي ماقبله وتوكيد مابعده، وفيه وجوه:
الأول: ان النبي لم يدع الى نفسه ابداً.
الثاني: كل نبي من الأنبياء لم يسكت، ولم يختر عدم الدعوة لله، بل لابد وان يتكلم، وكلامه في جذب الناس الى الإيمان، ودعوة الناس ليكُونُوا رَبَّانِيِّينَ.
الثالث: خاطب الأنبياء الناس بصيغة تدل على الإرتقاء الفكري عندهم جميعاً، ودعوهم ليتوجهوا الى الله في عباداتهم وطاعاتهم.
وهذا الخطاب وحده مدرسة كلامية وعقائدية تدل على حب الأنبياء للناس واكرامهم لهم من وجوه:
الأول: عدم ترك الناس في ضياع وضلال.
الثاني: دعوتهم للهداية والإيمان.
الثالث: مخاطبتهم بصيغ العلم وان يكونوا مخلصين لله تعالى.
الرابع: اعانتهم على محاربة الشرك والضلالة، فالدعوة الى الله تدل في مفهومها على نبذ الشرك والكفر.
الخامس: جاءت دعوة الأنبياء للناس في سبل الإيمان ليكونوا ائمة في الصلاح، وهذه الإمامة مقتبسة من سنن الأنبياء والاقتداء بهم واتباعهم ومحاكاتهم بأفعالهم.
[مِنْ دُونِ اللَّهِ] قيد اعجازي في الآية يرفع اللبس ويمنع من الترديد وسوء التأويل، والآية في موضع البيان والذب عن الأنبياء وتنزيه ساحتهم، وبراءة كل واحد منهم من الدعوة لغير الله، فلذا جاءت نصاً صريحاً واضحاً من غير لبس، فكل نبي مبرء من الدعوة لنفسه من دون الله عز وجل وقد يقول قائل: قد يدعو النبي لله ولنفسه، وان الآية جاءت بنفي الدعوة لعبادة الذات محضاً، والجواب ان الآية تنفي عن النبي الدعوة لنفسه مطلقاً سواء بالحصر والتقييد او بالاضافة والاشراك مع الدعوة الى الله عز وجل بدليل ماجاء في هذه الآية [وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ] فالآية جاءت لبيان نزاهة النبي من الدعوة لنفسه من دون الله، وانه لا يدعو الا لأن يكون الناس ربانيين مطيعين لله تعالى.
ومن الطواغيت من يدعو لله عز وجل ولنفسه او لله ولغير الله من الخلائق، وهو شرك، والدعوة الى النفس محضاً كفر وشرك، والأنبياء منزهون عن الشرك بكل اقسامه ومراتبه الظاهر منه والخفي، وفي الآية انذار لمن يدعو لنفسه، وجاء لفظ (دون) لبيان الفارق بين واجب الوجود والممكن وان كل شئ هودون الله عز وجل ومنهم الأنبياء وان كانوا سادة البشر، وجاءت الآية على لسان الأنبياء أي ان كل نبي يقر ويعترف بانه دون الله عز وجل، فمن معاني (دون) الادنى والاقل.
والإقرار بالعبودية عنوان فخر اضافي للأنبياء لاعترافهم بانهم دون الله ومن يعترف انه ادنى لا يدعو لنفسه بل يدعو للاعلى، ومن صفاته تعالى الاعلى.
وفي الآية نكتة اضافية وهي ان النبي عيسى يذكر الله في كل حال من الاحوال وانه لا يقول للناس اعبدوني من دون الله، فهو يذكر الله دائماً وهذا الذكر برزخ دون الدعوة للنفس، والذي يقول اعبدوني من دون الله يقيم الحجة على نفسه، لانه يعترف بانه ادنى من الله عز وجل، ويشهد بانه ليس نداً او شريكاً لله تعالى، وان الله عز وجل يستحق العبودية والطاعة ومادام الشريك والمساوي مفقوداً فان العبادة محصورة به تعالى، ومع ان الآية جاءت في تنزيه الأنبياء فانها اكدت قواعد كلية وهي:
الأولى: ليس من احد الا وهو دون الله عز وجل.
الثانية: لابد من الإقرار بان الله عز وجل هو الاعلى.
الثالثة: الأنبياء عبيد داخرون لله عز وجل.
وفي الآية مسائل:
الاولى: جاءت خطابات الأنبياءالى الناس جميعاً، وهي على قسمين:
الأول: ما هو شخصي، بأن يتوجه لشخص معين، للعبرة والأسوة.
الثاني: الخطاب النوعي، وهو على أقسام:
الأول: ما يكون لأهل البلد.
الثاني: ما هو اعم على نحو عرضي منبسط على اهل زمانه.
الثالث: تأتي الدعوة للأجيال المتعاقبةممن صاحب الدعوة وما بعدها.
وقد أتصفت الدعوة الإسلامية بالإطلاق الزماني والشمول المكاني.
وفي معنى (الناس) الوارد في الآية وجوه:
الأول: إرادة أهل زمان النبي ممن يصل لهم خطابه باعتبار انه القدر المتيقن من الخطاب.
الثاني: المعنى الأعم وان المراد منه الأجيال اللاحقة من الناس، ويصلهم خطاب النبي بالواسطة، وهو على شعب:
الاولى: بفضل الله عز وجل يصل كلام النبي الى الأجيال اللاحقة وان هذا الوصول من خصائص النبوة.
الثانية: ان الله هيء أسباب بقاء كلامه ووصوله للأجيال، والنبي يعلم بهذه الارادة ويسعى في مضامينها ويجتهد في ايصال كلامه الى الناس جميعاً.
الثالثة: اصحاب واتباع واهل بيت النبي هم الذين يقومون بنقل كلامه واوامره للناس لإيمانهم بنبوته.
الثالث: يأتي نقل كلامه ضمن عادة الناس من نقل القصص والأخبار التأريخية.
والصحيح هو الثاني بشعبه المتعددة فان الله عز وجل هو الذي يقيض الأسباب لنقل اخبار النبي كما انه سبحانه يوحي الى النبي بان كلامه يصل الى الأمم والأجيال اللاحقة، وفيه مسائل.
الاولى: يعلم النبي الثواب العظيم الذي يناله في دعوته.
الثانية: يدرك عظيم قدرة وسلطان الله تعالى، وشمولها لجميع الأزمنة.
الثالثة: النفع الكبير الذي يأتي للأجيال اللاحقة من خلال الإصغاء لخطابات النبي والإستجابة لها.
الرابعة: اهلية دعوة النبي للبقاء على مر الأيام فكثير من الأقوال والوقائع تتساقط وتنسى مع تقادم الأيام.
والأقوال اقرب الى النسيان من الوقائع والأحداث، وحتى الأقوال على مراتب في تساقطها، فالنثر اقرب الى النسيان من الشعر، وقول العامة اقرب الى الضياع والأهمال من قول الملوك والرؤساء، لكن أقوال الأنبياء باقية ومتوارثة من قبل الأجيال اللاحقة وفيه مسائل:
الاولى: كلام النبي افضل عند الناس من كلام الملوك ومن الشعر، ولابد من خصوصية فيه تؤهله للبقاء بما يفوق كلام الآخرين من ذوي الشأن والسلطان .
الثانية: المدد والعون الالهي في حفظ كلام الأنبياء.
الثالثة: ميل الناس الى الإيمان، وانجذابهم لمضامينه.
الرابعة: موافقة كلام الأنبياء للغة العقل والسجايا الإنسانية، فلذا يقوم الناس بنقله.
الخامسة: الأذى الشديد الذي يلاقيه الأنبياء، وتعرضهم للقتل في سبيل الله، مما يجعل الناس يدركون اهمية الموضوع الذي يضحي الأنبياء من اجله.
السادسة: اتصال رسالة النبي، وعدم انحصارها بزمان مخصوص، فعندما يبعث نبي يشاركه الأنبياء السابقون في الدعوة الى الله عن طريق بقاء كلامهم واخبار اخلاصهم العبادة لله، ويتجلى هذا الأمر في القرآن اذا انه يذكر قصص الأنبياء باحسن لغة واجمل بيان، وبما يجعل المسلمين يحرصون على الإقتداء بهم.
الواو في (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) يعود للناس، فالآية لم تخبر بان النبي قال لاصحابه كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، بل جاء قوله للناس جميعاً، وهو من عمومات قواعد اللطف الالهي في النبوة،وشاهد على ان النبي لم يبعث لاهل زمانه، وهذا العموم يوجب اصلاح النبي للدعوة الى الله والجهاد في سبيله، وامتناعه عن الدعوة لغير الله، لان مضامين جهاده وقيامه بتوجيه الناس الى عبادة الله باق الى يوم القيامة، وجاءت الآية لتوكيد هذه الحقيقة والانتفاع الاعم منها.
لقد جاءت الدعوة مركبة من امرين:
الأول: ذاتي، يتعلق بالمخاطب بفتح الطاء، ولزوم كونه عابداً لله تعالى منقطعاً اليه ومجاهداً في اصلاح النفس .
الثاني: غيري، بأن يقوم المخاطب بالدعوة الى الله، وهداية الناس الى مسالك الإيمان، وينقسم الى أقسام:
الأول: دعوة الرجل لأهل بيته، واصلاحهم وتعليمهم لزوم الإقرار بالصانع، ووجوب عبادته وطاعته.
الثاني: دعوة من حوله للإقتداء بسيرته وحسن سمته واظهاره لأفعال العبادة مع عدم الضرر على النفس، او بالتحدي للظالمين والكافرين.
الثالث: ابقاء تركة من الجهاد والسنة الكريمة التي تكون عوناً للأجيال اللاحقة للحوق بالأنبياء، في الإنقطاع الى الله (وقال ابو عبيدة: احسب ان هذه الكلمة – أي رباني – ليست عربية انما هي عبرانية، او سريانية، وقال الرازي معقباً: وسواء كانت عربية او عبرانية، فهي تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم، وأشتغل بتعليم طرق الخير) ( ).
ولكن الكلمة عربية من وجوه:
الأول: من الإشتقاق فهي مشتقة من لفظ الرب، ومضافة الى علم الرب، وجاء التشديد في الباء للتوكيد على النسبة واظهارها في القول والفعل، ويقال رب فلان امره ربابة وهو ربان: اذا اعده وهيأه وأصلحه، وهو على وزن فعلان.
الثاني: ورودها في القرآن، وكل كلمة فيه عربية الا ان يرد الدليل على انها ليست عربية، وهو مفقود في المقام.
الثالث: لو تنزلنا وقلنا انها عبرانية او سريانية، فان هذا لا يعني انتماءها لأحدى اللغتين او لهما معاً على نحو الأصالة، بل جاءت على لسان الأنبياء باعتبارها موضوعاً اسلامياً محضاً متوارثاً بين الأنبياء بلفظته العربية.
الرابع: فيه دلالة على منزلة العربية ووجود صبغة الإيمان فيها باعتبارها لغة القرآن او ان هذه الصبغة مقدمة لنزوله.
الخامس: انه بشارة لفظية على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبقاء شريعته الى يوم القيامة، فالأنبياء يقولون للناس كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، ومن مصاديقه الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله هو الذي بعثه خاتماً للنبيين، وهو لا يدعو الا لله تعالى، ومن أراد ان يعرف انطباق موضوع واحكام الآية على الأنبياء وانهم لم يدعوا الا لله تعالى.
لقد جاء هذا اللفظ ليحمل اسراراً من الكنوز النبوية من وجوه:
الأول: وحدة سنخية عمل الأنبياء، وهذه الوحدة شاهد على انهم مبعوثون من عند الله.
الثاني: يمكن تأسيس قاعدة كلية وهي ان كل نبي يقول للناس كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، فمن لم يقل للناس هذا القول فليس بنبي فان قلت: ماذا لو بعث النبي في زمن طاغوت ظالم يقتل كل من لا يقول بربوبيته، او يأخذ كل من يدعو الى عبادة الله، قلت: ان الآية جاءت مطلقة فلا يجوز للنبي ان يكتم هذا القول ويترك هذه الدعوة ولابد ان يجهر بها، وهل يجزي مسمى الجهر وصرف الطبيعة بحيث لو اكتفى بعياله وخصهم بالدعوة وقول (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) او قصر الدعوة على خاصة اصحابه أدى ما عليه، الجواب لا، فلابد من الجهر بها بما يصل الى اسماع اكثر الناس، لذا وردت الآيات بخطابات الأنبياء لقومهم [يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ] ( ).
الثالث: الآية أعم من لفظ (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) فتشمل اموراً:
الأول: الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
الثاني: احتجاجات الأنبياء، كما في احتجاج ابراهيم واقامته الحجة على الناس بوجوب عبادة الله تعالى.
الثالث: انقطاع النبي الى العبادة، ولكن هذا الإنقطاع ليس بديلاً عن دعوة الناس الى الله وحثهم على عبادته، وكأن اظهار النبي لمناسك العبادة دعوة فعلية ملازمة للدعوة اللفظية، واخبار عن امامة النبي للناس في طاعة الله.
الرابع: صبر النبي على الأذى في جنب الله، فانه دعوة للتدبر في لزوم عبادته تعالى.
الخامس: تحلي النبي بالأخلاق الحميدة، وتخليه عن العادات الرذيلة، وتنزهه عن زينة الدنيا وعدم لهثه وراء ملذاتها، وفي الحديث: “تخلقوا باخلاق الله”.
السادس: تبليغ احكام الحلال والحرام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانها دعوة الى الله لأنها تقود الى معرفته والتقيد بالأحكام التي جاء بها الأنبياء.
السابع: في الآية زجر للناس عن محاولات منع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الدعوة الى الله، وامر لهم بان يتفقهوا في الدين، ويعلموا احكام الحلال والحرام.
الثامن: تخبر الآية عن حقيقة وهي ان الأنبياء يدعون الناس الى اللجوء الى القرآن ويحثونهم على اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن الرباني الذي يتبع الأنبياء ويعمل ويتقيد بما انزل الله.
ومضمون الآية ان كل الأنبياء قالوا للناس كُونُوا رَبَّانِيِّينَ وهو حجة على الناس، لأن الدعوة جاءت على قسمين:
الأول: كل نبي من الأنبياء يدعو الناس الى طاعة وعبادة الله، ويبدو التعدد من جهات:
الأولى: كثرة عدد الأنبياء، فكل نبي يدعو الناس لأن يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ وعلماء وفقهاء.
الثانية: لا تنحصر دعوة النبي بمناسبة واوان مخصوص، او جماعة معينين من الأصحاب، بل هي مطلقة، فيقف النبي في الأسواق ليدعو الناس لعبادة الله، ويحضر الأعياد العامة ويأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقترن الأمر والنهي باخباره بانه نبي الله، وهما جزء من وظائف النبوة، ويأتي بالإيمان ويحارب الكفر، ويجتهد في ابطال عبادة غير الله.
الثالثة: قيام اصحاب وانصار النبي بالدعوة الى الله، وحث الناس على التفقه في الدين، وهذه الدعوة انحلالية مركبة تنحل الى افراد كثيرة يصعب احصاؤها، وهل تحسب من دعوة الأنبياء الواردة في الآية (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) او انها ليست منها، الجواب هو الأول.
فحث اصحاب واتباع النبي الناس على الإيمان، يرجع في اصله الى اخلاص النبي بدعوته لله، ولم يبلغ هؤلاء الأصحاب شرف الدعوة الى الله الا ببركة النبي وبعثته، كما انهم حجة وشاهد على اهل الغلو بالأنبياء، وعون على عبادة الله ويتولى اصحاب واتباع واهل بيت النبي الإخبار بالآيات التي جاء بها، وتدل هذه الدعوة بالمفهوم وفحوى الخطاب على ان النبي لم يدع لنفسه، بل انه كان يجتهد في دعوة الناس لعبادة الله، والأصحاب والأتباع شهود عدول على نزاهة وصدق النبي، وجاء الإسلام ليكون المسلمون شهوداً على الأمم السالفة، فيثنون على الأنبياء واصحابهم على جهادهم في سبيل الله.
الثاني: الإختصاص بالدعوة لبعض الأصحاب وأهل بيت النبي والأنصار، واصلاحهم لحمل أمانة النبوة، خصوصاً في ايام الطواغيت واعراض الناس عن النبوة، وهذا الإختصاص لا يلغي موضوعية الآيات والحجج التي يأتي بها النبي.
ودعوة النبي للناس ان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ أعم من ان تحصل لها الإستجابة والإمتثال عند الناس جميعاً، فالخطاب من النبي موجه للناس، ولكن تلقي الناس له على وجوه:
الأول: القبول والإستجابة.
الثاني: الإعراض.
الثالث: الغفلة والتقصير.
الرابع: الجحود والعناد.
الخامس: الرد بالتعدي والإيذاء.
ومع التباين في وجود الرد فان الأنبياء لا يكفون عن النداء والتبليغ وحث الناس على الإيمان، ومن الآيات في جهاد الأنبياء ان دعوتهم تأتي بعرض واحد للجميع، فاظهار فريق من الناس الجحود، لا يمنع الأنبياء من دعوتهم الى الهدى، مع علم النبي بان الإلحاح عليهم قد يؤدي بهم الى البطش والإنتقام استكباراً.
خصوصاً وان الإلحاح ليس مجرداً بل هو عنوان الآيات والبراهين والحجج الدامغة، ففي كل مرة يلح بها النبي على هؤلاء بالدعوة الى الله فانه يأتيهم بما يكفي للإقناع والحجة، لذا ترى افراداً منهم يؤمنون بدعوة النبي كما في مؤمن آل فرعون وايمانه بدعوة موسى ولزوم عبادة الله تعالى.
والإلحاح مبغوض الا في الدعوة الى الله، لأنه من مصاديق العبودية والإخلاص وحب الله الذي يتجلى في جذب الناس لمنازل الإيمان.
فالجحود من شطر من الناس لم يمنع النبي من مواصلة الخطاب لعموم الناس ومنهم الجاحدون، لأنه جزء من وظائف النبوة التي هي رحمة للعالمين فلا يحد وينقص منها اهل الضلالة، والتباين في الإستجابة للدعوة او الرد امر يتعلق به عالم الثواب والعقاب، اذ انها جزء من الإبتلاء في الحياة الدنيا، وعنوان للذكرى والإعتبار، وشاهد حاضر على الذكر الذي تتقوم به الحياة الإنسانية.
وتبين الآية ان النبوة لم تكن ايحاء وبعثة نبي وحدها، بل هي عالم متكامل في التوحيد والدعوة الى الله، وتشع انوارها على النفوس وتبعث الأمل في النفوس المنكسرة وتجعل الإنسان قريباً من ربه، فقيهاً في امور دينه ودنياه.
لقد دعى الأنبياء الناس لأن يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، وفيه وجوه:
الأول: قدرة الناس على بلوغ هذه المرتبة الرفيعة، ونيل ما لها من الشرف العظيم.
الثاني: بمقدور شطر من الناس ان ينالوها، فجاءت الدعوة للجميع ولكن المراد هو الخاص والمعين بالخطاب.
الثالث: جاءت الدعوة اصلاً للخاصة والذين عندهم الإستعداد للقبول والإستجابة ممن حبب الله الى نفسه الإيمان.
الرابع: ليس من طائفة او فريق مخصوص تتوجه له الدعوة، فالنبي يقوم باداء وظيفة رسالية، ويدعو الناس ليكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، ويكون التلقي والقبول او الجحود امراً آخر منفصلاً عن ذات الدعوة.
والصحيح هو الأول، فليس من حاجب قهري عن بلوغ الناس مراتب الإيمان، ولكن الكافرين والجاحدين حجبوا عن انفسهم الإرتقاء الى مراتب العز والشرف التي تكون ملازمة ومصاحبة للإيمان والتفقه في الدين ومعرفة احكام الحلال والحرام والتقيد بسننها ومضامينها القدسية.
ودعوة النبي لا تنحصر بالإختيار العقائدي والإقرار بالتوحيد، بل تتضمن العمل باحكام الحلال والحرام واتيان الطاعات، واجتناب المعاصي فقوله تعالى [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] فيه وجوه بلحاظ المصداق منها:
الأول: ربانيون بالقول والدعوة الى الله.
الثاني: الرجوع الى الكتب السماوية والصدور عنها.
الثالث: الإقتداء بالأنبياء في سننهم.
الرابع: اداء الصلاة والزكاة والصيام ونحوها من الفرائض التي امر الله بها.
الخامس: الحب في الله، والنفرة من اعداء الدين.
السادس: الجهاد في سبيل الله.
السابع: الثبات على الإيمان، وعدم مغادرة منازله.
قانون الربانيين
تعتبر الحياة الدنيا وما فيها ملكاً خالصاً لله عز وجل وهي جزء من سلطانه وملكيته للسموات والأرض وما فيهن وما بينهن، فالإنسان فرد من موجودات الأرض، وخلق من خلقه تعالى، ابتلاه بما لم يبتلِ به غيره من الخلائق، واعد له من الثواب والجزاء الحسن ما لم يحظَ به غيره.
فالمؤمن الذي يعمل الصالحات يفوز بدار النعيم والخلود فيها، اذ ان الخلود نعمة اخرى أعظم من ان يتصورها العقل الإنساني خصوصاً في عالم الحياة الدنيا وادراك الإنسان لحتمية الموت والمواراة في التراب.
وهذا الجزاء ليس ملازماً للخلق بل هو نتيجة وثواب للطاعات واتيان الصالحات، واداء التكاليف وتحمل المشاق في مرضاة الله، على نحو الإختيار وليس القهر، نعم تفضل الله سبحانه وملأ الآفاق بالبراهين والدلالات على ربوبيته، واحاط الإنسان بآيات اللطف والتقريب الى طاعته واعانه عليها، وجعل نفسه تنفر من المعاصي والذنوب لما فيها من القبح الذاتي، ومن آيات اللطف تفضله تعالى ببعثة الأنبياء، وقيام الأنبياء بالدعوة اليه تعالى وحث الناس على ان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، وقانون الربانيين يتضمن فروعاً وأقساماً:
الأول: قيام الأنبياء بدعوة الناس للتقيد باحكامه، وما يعنيه من الأوامر والنواهي.
الثاني: الإستجابة لهذه الدعوة.
الثالث: توارث الكتاب وآيات التنزيل.
الرابع: حفظ سنن الأنبياء والمرسلين في القول والعمل.
الخامس: التفقه في الدين.
السادس: الإنقطاع الى الله عز وجل في حال الشدة والرخاء.
السابع: اداء التكاليف العبادية.
الثامن: تأديب الذرية والأهل بحمل أمانةالتوحيد وصيانة أحكام الشريعة.
التاسع: توارث صفة الرباني بين الناس، وفي الأجيال المتعاقبة، فمن خصائص هذا القانون ان الأرض لا تخلو من افراده ومصاديقه، ففي كل زمان هناك ربانيون يتعاهدون ميراث النبوة، ويساهمون في صيانة كلمة التوحيد ومع انهم نالوا هذه الدرجة في دعوتهم الآخرين للإيمان، والسعي لحجبهم عن المعاصي وصدهم عن الظلم والعتو والفجور لا يفترون في ابواب الجهاد في اصلاح الذات والاهل، وقانون الربانيين عام يشمل:
الأول: الأنبياء، فهم أئمة الهدى وقادة اهل التقوى وارباب الإيمان، وهم الربانيون بالإصالة والأسوة الحسنة في سبل الهداية.
الثاني: الذين استجابوا للأنبياء من انصارهم واصحابهم وممن رآهم.
الثالث: ذراري الأنبياء وأهل بيتهم.
الرابع: التابعون واهل الإيمان من الأجيال اللاحقة ممن يتوارث الإيمان.
ووجود الربانيين واهل الإيمان في الأرض حاجة للانسان نفسه.
وتحتمل دعوة الأنبياء وجوهاً:
الأول: الإتحاد في اللفظ والمعنى،فكل نبي يقول للناس كُونُوا رَبَّانِيِّينَ.
الثاني: التباين في اللفظ مع الاتحاد في المعنى، وكل نبي يدعو قومه الى التقوى والإيمان وان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ بلفظ مخصوص، ففي شعيب ورد في التنزيل[قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ]( )، وفي نوح قال تعالى[إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ]( )، وفي صالح قال تعالى [وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ]( ).
الثالث: ان الأنبياء دعوا قومهم الى:
اولاً: عبادة الله واجتناب الشرك والجحود.
ثانياً: اتيان الصالحات واجتناب السيئات.
ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
رابعاً: التفقه في الدين وتعلم احكام الحلال والحرام.
خامساً: طاعة الله في السر والعلانية.
سادساً: نبذ الخصومة والإقتتال.
سابعاً: اتباع الأنبياء والتصديق بالتنزيل.
ثامناً: تعاهد البشارات بالأنبياء، خصوصاً نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه وطاعته عند بعثته.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة ومنها الوجه الأول فان الآية تحمل على معناها الظاهري الا ان يرد دليل او قرينة صارفة لمعنى آخر ولم تثبت في المقام، فكل نبي من الأنبياء دعى قومه بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، فان قلت ان النبي محمداً سيد الأنبياء والرسل ومع هذا لم يرد انه دعى قومه بان قال كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، والجواب انه صلى الله عليه وآله وسلم رائد هذه الدعوة باللفظ والمضمون الفعلي من وجوه:
الأول: شهادة القرآن بالدعوة ذاتها لأن الآية جاءت بصيغة الإطلاق الشاملة لجميع الأنبياء.
الثاني: يتلو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية كنبي،
وفي تلاوته للآية دعوة للمسلمين بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، وكلما قرأ المسلم الآية فانها تخبره بدعوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان يكون ربانياً، وكذا من يسمع الآية من الناس سواء من المسلمين او من أهل الكتاب او من غيرهم.
الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأنبياء دعوة للناس بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ وبه يثبت ويستبين ويرسخ في الأرض هذا القانون ومفاهيمه.
الرابع: دعوة القرآن للناس بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ.
الخامس: اخبار القرآن عن دعوة الأنبياء للناس بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، ولولا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما علم الناس بهذه الدعوة المباركة واطلاقها.
السادس: دعوة المسلمين الناس للهداية والتفقه في الدين.
السابع: تعاهد المسلمين لدعوة الأنبياء الذي يعني استدامة وبقاء الأثر لهذه الدعوة المباركة وانها لم تذهب سدى.
وجاء خطاب الأنبياء للناس عامة، وفيه اكرام لهم من وجوه:
الأول: مجيء الدعوة بأمر الله تعالى.
الثاني: الداعي هم الأنبياء باعتبارهم قادة الأمم وسادة البشر.
الثالث: موضوع الدعوة وانه خير محض.
الرابع: ملائمة الدعوة للفطرة واصل الخلقة وهي رحمة بالناس وعون على التوبة والإنابة.
الخامس: الغايات الكريمة من الدعوة سواء في الدنيا او في الآخرة.
ولماذا يخاطب الأنبياء الناس ليكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، فيه وجوه:
الأول: انه جزء من وظائف النبوة، فكل نبي يبعث لابد وان يأمر الناس بان يكونوا علماء فقهاء آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
الثاني: انه نتيجة لما يرى النبي من الآيات والبراهين الدالة على وجود الصانع.
الثالث: حب النبي لأن يشاركه الناس بنعمة الهداية والإيمان، وما لها من المنافع الدنيوية والأخروية.
الرابع: الأصل ان يكون كل انسان ربانياً عابداً لله عز وجل لعمومات قوله تعالى [ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ]( )، فالأنبياء ذكروا علة الخلق، واهتدوا لها بالبعثة والوحي وهم رسل الله الى الناس لإصلاحهم وتذكيرهم بوظائفهم العقائدية والعبادية.
الخامس: للتعليل الوارد في الآية [بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ] ( )، فكل من يتعلم الكتاب لابد وان يكون عالماً وتدل الآية على وجود نداءات عامة يطلقها الأنبياء، وتضمن القرآن قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ]، في مواضع عديدة وهو خطاب من الخالق الى المخلوقين، ونداء النبي [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] عام وشامل للناس، ولكنه من البشر الى البشر، فهو نداء انساني في طرفيه والفارق انه من النبي الى الناس جميعاً، وكم هو عظيم هذا الفارق الذي تترشح بركاته على الجميع لما فيه من صبغة الوحي والتنزيل.
قانون النداء
لقد أراد الله للأنبياء ان يكونوا قادة الأمم، والأئمة الذين يأخذون بأيدي الناس في دروب الفلاح والنجاح، ومن فضله تعالى ان تأتي النعم منه عامة وشاملة تصل الى الناس فينهلوا منها.
والنبوة من أعظم النعم فلا تنحصر منافعها بجماعة دون أخرى او امة دون غيرها، والعموم بوجوه ثلاث:
الأول: يصدر النداء من النبي الواحد فينتفع الناس جميعاً من نبوته كما في نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين لتكون نبوته مرآة للنبوات وكما كان القرآن جامعاً للكتب السماوية الأخرى، فان نبوته صلى الله عليه وآله وسلم جامعة للنبوات الأخرى، وشاهداً عليها، وما عند الأنبياء هو عند الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وما فعلوه وقالوه في الدعوة الى الله فعله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوة واكثر بياناً وبلاغاً واتساعاً.
فيصدر النداء من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر او في ساحة المعركة او في المسجد، وفي الحضر والسفر، فيتناقله اصحابه، ويتعاهده التابعون حتى يدوّن في كتب السنة والسيرة والتأريخ ليكون مدرسة للأجيال من الناس.
وجرى الإهتمام بالجانب الفقهي منها، مع وجود اشراقة ملكوتية وعلم مستقل في الميادين السياسية والعقائدية والأخلاقية والإجتماعية وتبين كلها قانون النداء النبوي الذي ملأ الآفاق واحاط بالناس في اقوالهم وافعالهم ومجتمعاتهم.
الثاني: النداء المجموعي الصادر من الأنبياء جميعاً بالجامع المشترك بينهم وهو صفة النبوة، فالدعوة للناس ان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ تصل الى الناس من عموم الأنبياء من غير تعيين لنبي دون آخر.
ويبلغ صوت النبوة الأسماع، ويعيه الناس باعتبار انه صادر من نبي او من الأنبياء كما هو ظاهر الآية اذ جاءت بصيغة التنكير الشاملة للجميع [ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي]( ).
الثالث: نداء النبي مخصوص لأمته وللناس بتقوى الله وعبادته، كما في نداءات نوح، وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وخطاب كل نبي منهم آية في الجهاد والصبر وجذب الناس الى الإيمان.
وتدل هذه الآية على أمور يجتمع عندها الأنبياء بخصوص النداء هي:
الأول: عدم دعوة النبي لنفسه.
الثاني: الأنبياء لا يدعون لعبادة وطاعة غير الله ابداً.
الثالث: جميع الأنبياء يدعون الناس الى عبادة الله والتفقه في الدين، وهذا التفقه عون على معرفة البشارات وتعاهدها وحفظها.
لقد أراد الأنبياء للناس ان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، ليتصدوا لدعوات اهل الريب والشك والتحريف، ويرتقوا في سلم المعارف ويتوارثوا الإيمان فتترسخ مفاهيم النبوة في الأرض، ويغادر الأنبياء باشخاصهم الى الرفيق الأعلى، وتبقى علومهم والوحي الذي تلقوا من عند الله ثابتاً في الأرض والنفوس، ظاهراً على الأفعال والجوانح، وقانون النداء يؤكد صبغة الصلة بين الأنبياء والناس وانها تتقوم بثلاثة اطراف:
الأول: نبي ينادي ويخاطب الناس.
الثاني: موضوع النداء هو الدعوة الى الله والتفقه في الدين.
الثالث: المنادى وهم الناس جميعاً وليس من نبي الا ويشمله قانون النداء، ويؤدي نصيبه فيه بان يحث الناس على التقوى والصلاح والسلامة، لأن الرباني يسعى للنجاة في الدين والدنيا ويتجنب ايذاء النفس او الغير.
ولا تنحصر موضوعات قانون النداء، بالإعلان والنداء المحض بل تشمل السعي الدؤوب لنشر معالم الدين وتثبيت اركان الشرائع السماوية والصبر في جنب الله وتحمل الأذى والجهاد في سبيله تعالى، وهو الذي يستقرأ من اطلاق الآية من وجوه:
الأول: شموله لجميع الأنبياء، فكل نبي يقول للناس [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] ليرتقوا الى درجة الأنبياء في الإيمان والطاعة.
الثاني: توجه النداء للناس جميعاً، وبصفة الإنسانية وفيه مسائل:
الأولى: لم تحصر الآية دعوة النبي بأنصاره وأهل بيته ومن آمن به، بل جاءت دعوته وقوله للناس كافة.
الثانية: ان يدعوهم لأن يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ قبل بلوغهم درجة الإيمان.
الثالثة: يأتي هذا النداء بعد ايمانهم واقرارهم بالربوبية وتصديقهم بنبوته.
الثالث: الإطلاق في النداء فيشمل المؤمنين وغيرهم وفيه ترسيخ للإيمان، ودعوة للناس للإنجذاب الى منازله، خصوصاً وان حث الناس على ان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ يعني الإرتقاء بمراتب الهدى والإيمان والكسب والتحصيل لبلوغ درجات التقوى والفوز بالآخرة.
بحث كلامي
تعتبر النبوة اسمى مراتب الشرف والرفعة، وهذا السمو يترشح في مضامين قدسية متعددة وتتجلى آثاره في الميادين المختلفة في شخص وجهاد النبي، وعند الناس، من وجوه:
الأول: ميدان العلم، والإرتقاء في المعرفة الإلهية.
الثاني: التفقه النوعي في الدين ومعرفة احكام الحلال والحرام.
الثالث: بعث السكينة في النفوس وطرد الكدورات الظلمانية، والإبتعاد عن استحواذ الشيطان، وسلطان النفس الشهوية والغضبية.
الرابع: نشر الود والإلفة بين الناس، ومنع الخصومة والتباغض.
الخامس: اجتناب اسباب الشك والريب، فمن يكون ربانياً ينقطع الى الله، ولا يخطر الشك على ذهنه.
السادس: جاءت النبوة لنشر المحبة بين الناس، وهذه المحبة مشروطة بان تكون في جنب الله فالحب والود والتقارب في الله.
والأنبياء سادة الأمم والقادة في ميادين المعرفة والفقه كما انهم يمتازون عن الناس بان علمهم هبة من الله وليس كسبياً، مما يجعل البون بينهم وبين غيرهم من الناس شاسعاً وكبيراً ولكن هذا الفارق لا يمنع من الإقتباس العام منهم في الميادين العقائدية والأخلاقية والإجتماعية، لأن الله عز وجل أراد للنبوة ان تكون ضياء مباركاً يشع على النفوس المنكسرة ويملأ اطراف الأرض بافاضات السماء.
لقد اجتهد الأنبياء في جعل الأمم تنجذب للباري عز وجل، وتدرك الحاجة الى رحمته، ولزوم طاعته، واجتناب معصيته، وسعوا في اصلاح النفوس وتربية الناس.
وعلى المعنى بان الرباني هو الذي يرب الناس، فان الآية تتضمن الإعجاز بأن يكون خطاب النبي انحلالياً لكل الناس، وكل انسان مأمور بان يربي ويصلح الناس.
وقد يقال انه في الفلسفة يستلزم الدور كما تقول ان الدجاجة خرجت من البيضة والبيضة خرجت من الدجاجة، ولابد ان احداهما خلقها الله اولاً، ولكنه في علم الكلام ليس من دور في الدعوة للهدى بين الناس، فكل انسان يربي ويصلح نفسه، و يسعى في تربية واصلاح غيره بالموعظة والحكمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالدعوة الصامتة.
والأنبياء اصحاب الكمالات الإنسانية، وحينما يدعون الناس لفعل شيء فلابد انهم الأسوة فيه، لذا فالآية تؤكد ان كل نبي هو عالم رباني يجتهد في طاعة الله، ومن يريد ان يعلم المراد من كلمة الرباني ودعوة الأنبياء فلينظر الى سيرة الأنبياء ويتدبر بها سواء على نحو العموم الإستغراقي او يتدبر في سيرة احدهم لوحدة السنخية التي تتجلى في الدعوة النبوية المتحدة والمتصلة للناس جميعاً.
ومن بركة وفيض القرآن ان دعى الأنبياء اهل بلدانهم وامصارهم في ايامهم ليأتي القرآن فيخلد هذه الدعوة لا بمعنى التوثيق وحده بل بتجديدها وتكرارها في ارجاء الأرض والى يوم القيامة، وهو من الشواهد والبراهين القاطعة على افضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين وجاءت دعوة النبي لتكون سفراً من الخلق الى الحق.
لقد ورد لفظ الرباني ليكون قيداً وموضوعاً للعلم، أي ان العلم يجب ان يكون في باب الفقه والاحكام الشرعية

قوله تعالى [بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ]
ان دعوة النبي للناس بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ موضوع متكامل مستقل لا يحتاج الى التعليل، بل يتعلق بوجوب عبادة الله على الخلق، ولزوم شكره تعالى بالصلاح والتقوى وهو من اهم افعال النبي ومصاديق رسالته الى الناس، وحينما يدعوهم الى الله لا يقول له احد لماذا تدعونا الى عبادة الله، او لم تريد منا أن نكون ربانيين، ولم يرد في الآية ما يدل على اعتراض الناس على دعوة النبي بما فيهم اهل الجحود والعناد، ولم يسألوه ما المراد من الربانيين، ويحتمل أمرين:
الأول: ان شطراً من الناس احتجوا وجادلوا ولكن الآية لم تذكر جدالهم لأن القرآن ذم في آيات أخرى الجحود والعناد.
الثاني: من الناس من سأل عن معنى (ربانيين)، وطلب البيان، ولكن الآية لم تذكر التفصيل، لأن القدر المتيقن منها تنزيه ساحة الأنبياء، وبيان جهادهم في سبيل الله، والتباين في رد الناس آية اعجازية، أخرى وشاهد على الأذى والعناء الذي كان يلاقيه الأنبياء في الدعوة الى الله.
وصيغة الإطلاق في دعوة الأنبياء للناس تبين مواظبتهم عليها حتى في حال الجحود والأذى، فمن يؤذي الأنبياء لا يمتنعون عن دعوته لأن يكون ربانياً لوجوه:
الأول: أنهم يعلمون بوظائفهم.
الثاني: ادراكهم عظيم فضله تعالى ونزول رحمته على أهل المعاصي فتنالهم الانابة والتوبة.
الثالث: لزوم عدم تخلف كل مكلف عن الإقرار بالصانع والأنقياد للأحكام الإلهية.
والتعليل من الأنبياء [بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ] من عمومات اللطف الإلهي، ولتوكيد حقيقة وهي ان الأنبياء ليسوا جبارين ولا يلجأون الى اكراه الناس على اداء وظائفهم، يقولون لهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ مع التحلي بالفضائل الحميدة والسجايا الكريمة وصفات التقوى ومعاني اليقين ثم يبينون لهم الحجة في وجوب كونهم ربانيين وآمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، وفي معنى الباء وجوه:
الأول: الإستعانة، أي انها دخلت على آلة الفعل، باعتبار ان التعلم والدراسة وسيلة ومناسبة يرتقي بها الإنسان في مراتب المعارف الإلهية.
الثاني: السببية: فالتعلم والدراسة سبب وعلة لأن يكون الناس ربانيين.
الثالث: المصاحبة والملازمة، فان التقوى والصلاح والمعرفة أمور تلازم التعلم والدراسة.
ومن الآيات الإعجازية ان هذا التعليل جاء مطلقاً، وفيه وجوه:
الأول: شموله لكل الأنبياء، فكل نبي يبين للناس اسباب وعلة صيرورتهم ربانيين.
الثاني: شطر من الأنبياء هم الذين ذكروا هذا التعليل، فنسب للكل لأنه جاء بصفة النبوة.
الثالث: نبي من الأنبياء ذكر هذا القول.
والصحيح هو الأول لصيغة الإطلاق وعدم وجود مقيد في البين، وذكر التعليل فيه وجوه:
الأول: مجيء صيغة الامر على نحو النص وبذات اللفظ من قبل الأنبياء كافة.
الثاني: انه وحي من عند الله وتعليم سماوي للأنبياء.
الثالث: تعدد اللفظ ولكن المعنى واحد.
الرابع: تعدد اللفظ والبيان عند النبي الواحد بحسب مدارك المخاطبين، فمنهم من يحتاج الى تفصيل وبيان والتقريب بالمثال، ومنهم من يدرك الأمر بجوامع الكلم والقواعد الكلية فجاء القرآن بصيغة الإجمال الشاملة للجميع.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من فضله تعالى وعمومات الرحمة الإلهية، ومصاديق تقريب العباد للطاعة وابتعادهم عن المعصية.
لقد جاءت الآية بما يدل على اكرام الناس وتوكيد خلافة الإنسان للأرض، وفيها وجوه:
الأول: الآية خاصة باهل الكتاب، لأنهم يتعلمون الكتاب ومضامين التنزيل.
الثاني: ينحصر موضوع الآية بالرهبان والعلماء، لأنها جاءت بخصوص من يتعلم الكتاب ويدرسه.
الثالث: الآية عامة، وهي خطاب موجه للناس جميعاً باعتبار ان التعليم والدرس من الكلي المشكك الذي له مراتب متعددة، فمسمى العلم يصدق عليه انه علم خصوصاً وان فيه الكفاية لإثبات وجود الصانع ولزوم عبادته.
لقد آتى الله الأنبياء الكتاب ليأخذوا بايدي الناس في سبل الهداية والإيمان، فالنبوة حجة على الناس جميعاً، ومن وجوه الإحتجاج فيها، ان الأنبياء لا يدعون الا لعبادة الله، وانهم لا ينفكون عن هذه الدعوة في حالات الشدة والرخاء والضعف والقوة، فكل دعوة نبي بذرة مباركة تنبت منها شجرة تتفرع الى اشجار عديدة لابد ان يأكل الناس من ثمرها او يشموا عطرها وكلها تحث على عبادته تعالى.
وتبين هذه الآية نوع صلة النبي مع الناس اذ انها تحتمل وجوهاً:
الأول: الصلات الشخصية المحدودة، وبث مضامين النبوة وأسباب الهداية من خلالها، وهؤلاء الأشخاص وسائط بينه وبين عامة الناس ونواة الدعوة، والمقدمة للرسول اللاحق، والحملة لأمانة البشارة العظمى وهي بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الإكتفاء بمن يأتيه من الناس يسأله عن أحكام الدين، وآيات النبوة وأسرار التنزيل.
الثالث: انتقاء من يراه صالحاً للإصغاء للدعوة والإنتفاع من التنزيل، ويدعوه الى الإيمان.
الرابع: التعدد والتباين بحسب الحال والسعة والضيق، فمرة يكتفي بالصلات الشخصية وأهل بيته والناس القريبين منه، ومرة يعلن دعوته.
الخامس: الإطلاق في الدعوة، بمن يخبر من يراه ويجتمع معه بلزوم الإيمان بالله والنبوة ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته، واقتران هذا الإخبار بالمعجزات والآيات الدالة على صدق نبوته.
والصحيح هو الأخير وهذا لا يتعارض مع الوجوه الأخرى لأنها في طول الدعوة وليس في عرضها، ولا مع التباين بين الأنبياء في سعة او محدودية دعوتهم، فمن الأنبياء من يبعث الى قبيلته او قريته، ولكنه مستعد للبيان وتبليغ غيرهم ويدل عليه في الآية أمران:
الأول: مجيء لفظ الناس [ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ] مما يفيد ان النبي يخاطب الناس ويتصل بهم ولا يحجب نفسه عنهم، وظهرت هذه الصلة بقيام عيسى عليه السلام بالسياحة بين قرى بني اسرائيل، وتجلت بصورة أعظم بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسائله الى الملوك والرؤساء، يدعوهم للإسلام وقيادته للجيوش والسرايا في الغزو، وهو عنوان تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي (تعلمون) قراءتان:
الأولى: بالتشديد من تعليم الجماعة لغيرها.
الثانية: تعلمون بالتخفيف من العلم، وبها قرأ ابن كثير، وابو عمرو، ونافع ولا تعارض بين القراءتين من جهة تعدد المعنى، وتحتمل أمرين:
الأول: نزول الآية بالقرائتين معاً.
الثاني: انها نزلت باحداهما.
وهذا التباين لا يؤثر في تفسير الآية من ثلاثة وجوه:
الأول: على المعنى الأول من تشديد اللام من (تعلّمون).
الثاني: التفسير على المعنى الثاني وهو التخفيف.
الثالث: التأويل بالمعنى الجامع لهما.
ويأتي التفسير بالقراءتين للتداخل العملي بينهما، فمن يعلّم الكتاب لابد وانه تعلمه بالكسب، الا النبي فانه تلقاه من عند الله، وهذا من اعجاز الآية الكريمة، لذا جاء الخطاب من النبي الى الناس، لأن النبي خارج بالتخصص من موضوع تعلم الناس الكتاب فيما بينهم، فهو لا يحتاج اليهم في منطوق آيات الكتاب ولا تفسيرها ولا تأويلها، لذا لم يرد ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سال احد الصحابة عن معنى كلمة او تأويل آية من القرآن، ولم يتخلف عن اجابة أي سؤال عن القرآن، وآياته، وموضوعاته، واحكامه.
وبخصوص القراءة الأولى “تعلمون” في الآية مسائل:
الأولى: الآية حجة بان النبي يعلم احراز الناس لدرجة من التفقه في الدين تجعلهم لا يقبلون دعوى البشر لعبادته وان كان ملكاً وحاكماً
او نبياً جاء بالآيات.
الثانية: الآية شاهد على التحصيل والكسب عند الناس بانهم كانوا يتعلمون التنزيل واحكام الوحي.
الثالثة: في الآية مدح وثناء على الناس لأنهم سعوا في ميادين المعرفة وطلب العلم.
الرابعة: ورود لفظ “الكتاب” يدل على انه متعارف بين الناس، فقد خاطبهم النبي بما يدل على انصراف الأذهان الى معنى التنزيل، وان المراد هو الكتاب المنزل، وهذه آية اعجازية في خلق الإنسان وشاهد على خلافته في الأرض اذ ان الناس يعلمون الكتاب المنزل ويتعلمونه، وبلحاظ ان الخطاب صادر من كل الأنبياء فان لفظ الكتاب اعم من ان ينحصر بكتاب مخصوص كالزبور والتوراة فكل زمان فيه كتاب منزل او اكثر، فالمراد الكتب المنزلة على الأنبياء والتي تدل على وجوب عبادة الله والتفقه في الدين وهو امر جامع تتضمنه كل الكتاب السماوية.
الخامسة: تدل الآية على توارث التعلم والتعليم، وان الكتاب ملازم للناس في اجيالهم المتعاقبة.
السادسة: الآية دعوة للسعي في الكسب والتحصيل.
السابعة: تحث الآية الكريمة الناس كافة على اللجوء الى العلماء وورثة العلم لإكتساب المعارف الإلهية، وتعلم الفرائض والآداب واحكام الحلال والحرام.
الثامنة: لقد جاءت الآية بصغة الجملة الخبرية، ولكنها مدرسة في الإنشاء والحث على العلوم.
التاسعة: الآية دعوة لدراسة احوال الأمم السالفة وسعيها في التحصيل ومعرفة منازل اتباع الأنبياء عندهم، فان قلت: ان الأنبياء انفسهم تعرضوا للقتل والأذى كما واجه شطر من انصارهم واتباعهمالابتلاء والاذلا والافتتان، قلت: لا معارضة بين تلقي الأذى والتعلم بل ان الأول شاهد وحجة على الناس، فقد جاء الأذى والقتل للأنبياء بعد بلوغهم اعلى مراتب العلم والكمال الإنساني، والثبات على الإيمان والهدى، فان قلت: وجود من يقتل اهل العلم واتباع الأنبياء يدل على عدم اطلاق تعلم الناس للكتاب، وان فريقاً من الناس حاربوا الكتاب واهله، قلت: الآية تبين اطلاق التعلم، وبلوغ تعليم الكتاب الى الناس كافة الا ان فريقاً من الناس لم ينتفع من التعلم في الواقع العملي، واستحوذ الشيطان على فعله وقوله وهو لا يتعارض مع التعلم خصوصاً وان الآية جاءت للحث على الإنتفاع من التعلم.
العاشرة: يكفي مسمى التعليم، ليصدق على المتعلم انه ممن تشمله الآية وعموماتها، وهل يرتقي الناس بهذه الآية وما فيها من التعليم الى درجة العلماء الذين مدحهم الله بقوله تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ] ( ) الجواب نعم، ولو على نحو الموجبة الجزئية، لأن التعلم تلبس بالكسب والتحصيل، والعالم مرتبة وصفة عالية يبلغها الإنسان ببذل الوسع في التعلم، فالآية الكريمة تحث الناس على لسان الأنبياء بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي علماء في المعارف الإلهية بسبب تحصيلهم وكسبهم ودراستهم.
الحادية عشرة: من الإعجاز في الآية ان ادنى درجات التعلم والكسب والدراسة تكفي لبلوغ درجة الرباني، وبلوغ هذه المرتبة يكون على وجوه:
الأول: صرف الطبيعة، ونيل مسمى الصفة والعنوان.
الثاني: الوصول الى درجة الرباني بالتعلم والكسب والدراسة.
الثالث: حالما يسعى الناس في دروب الكسب والتحصيل، يصدق عليهم عنوان الربانيين، باعتبار التلبس بطلب العلم.
الرابع: يكون الناس ربانيين بفضل الله، ولطف منه تعالى، فعندما يسعون في مسالك الهدى فان الله عز وجل يجعلهم يرتقون في مراتب المعرفة ويزدادون ايماناً، ويحرصون على طاعة الله عز وجل.
وفي قوله تعالى [تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ] مسائل:
الأولى: لم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية الكريمة.
الثانية: توارث الأجيال المتعاقبة للكتاب السماوي.
الثالثة: عدم انحصار معنى الكتاب في هذه الآية بكتاب مخصوص كالقرآن والتوراة والإنجيل، بل هو معنى جامع لما نزل على الأنبياء من الكتب السماوية والصحف.
الرابعة: بيان توارث الإيمان بين الناس وانهم يتعلمون الكتاب، واذا كان أهل الشك والريب يجادلون في التنزيل، ويقوم النبي واصحابه والمؤمنون بالإحتجاج عليهم ورد شبهاتهم، فهل يعتبر هذا الإحتجاج تعليماً لهم وحجة عليهم الجواب نعم، لأن احتجاج المسلمين حجة وبيان وتعليم، ولذا يمكن ان يقال ان تعليم الكتاب على أقسام:
الأول: بالإختيار والمبادرة من المكلف.
الثاني: الكسب الإتفاقي، كما في حال التعلم من غير قصد، وبه تتجلى مضامين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد يهتدي الإنسان من واقعة او حادثة تحصل له او امامه على نحو الإتفاق والصدفة، ويدرك مضامين الكتاب ويعترف بالنبوة والتنزيل.
الثالث: التوارث، وتعلم الكتاب من الآباء، وينفرد المسلمون بآيات في التعلم بالتوارث، لذا وردت السنة النبوية القولية والفعلية بالحث على تعليم الصبيان الصلاة قبل البلوغ كما وردت الأخبار بترغيبهم بالصيام ولو لشطر من النهار وعلى نحو التمرين.
الرابع: التعلم القهري بان يتعلم الإنسان الكتاب قهراً وانطباقاً، بلحاظ الحال والشأن، ومن الأمثلة عليه تعلم العبيد مبادئ الإسلام فان العبد يقع في الأسر عند محاربته الإسلام، ورفضه الإستجابة لشروط الغزاة، فيؤخذ اسيراً ويسترق وسرعان ما تملأ مبادئ الإسلام جوانحه ويكون الإسلام سبباً مباركاً للتعجيل بعتقه ونيله لحريته.
والنسبة بين مرتبة الربانيين وتعلم الكتاب تحتمل وجوهاً:
الأول: التساوي وان كل من تعلم الكتاب هو رباني.
الثاني: العموم والخصوص المطلق، وهو على شعبتين:
الأولى: كل رباني هو متعلم وليس العكس.
الثانية: كل متعلم هو رباني وليس العكس.
الثالث: العموم والخصوص من وجه، فهناك مادة للإفتراق ومادة للإلتقاء.
والأصح هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني، فلذا جاءت نداءات الأنبياء الى الناس بان ينتفعوا من العلم ويوظفوا ما درسوه من الكتاب للإرتقاء الى مرتبة الرباني، فالآية الكريمة فيها وجوه هي:
الأولى: مدح الذي يوظف العلم من اجل ان يكون ربانياً.
الثانية: ذم الذي يتخلف عن مرتبة الرباني، والذي لم ينتفع من تعلم الكتاب، وهل من برزخ بين التعلم ومرتبة الرباني، وهذا البرزخ على فرض وجوده يحتمل اموراً:
الأول: انه درجة حسنة، ولكن ليس الأحسن.
الثاني: انه دون مراتب الحسن.
الثالث: تعلم الكتاب وحده مرتبة ودرجة.
وجاءت الآية بحصر الحسن بمرتبة الرباني الذي يعترف بالربوبية لله تعالى، ويطيعه، ويمتثل لما جاء به الأنبياء من عنده تعالى.
وأراد الأنبياء في هذا النداء من الناس ان يتبعوهم، وورد النداء بعنوان التذكير والموعظة والمدح، فالأنبياء هنا يمدحون الناس ويخاطبونهم باجمل واعذب الألفاظ ومن معاني الجمال في الآية:
الأول: صدور الخطاب من النبي الى الناس نوع اكرام وتشريف لأنه لم يخاطبهم من ذاته ونفسه، بل لأنه مبعوث من عند الله.
الثاني: عدم ترك الناس في ضلالة وجهالة.
الثالث: شهادة النبي بان الناس تعلموا الكتاب ودرسوه.
الرابع: وجود نبي بين الناس يخاطبهم ويناديهم ويهديهم للتي هي أقوم، وهذا الوجود له بركات وافاضات خاصة.
الخامس: لولا دعاء النبي لأكتفى الناس بالتعليم وجعلوه وسيلة للصلاح والتقوى.
السادس: دعوة النبي للناس تمنع من تعطيل الكتاب وعدم تعلمه وتعليمه، لأن التعليم يتصل ويستديم اذا كانت له ثمرة ونفع، وأفضل الثمار ان يكون وسيلة لمعرفة اصول الدين، والتفقه في احكام الحلال والحرام.
السابع: يؤكد الأنبياء ان تعلم الكتاب نعمة عظيمة لا يجوز التفريط بها، ولا تركها من غير ان تبرز في الأقوال والأفعال، ولم يرضوا لها الا ان تكون في خدمة الشريعة.
الثامن: تعلم الكتاب امانة وعهد وجاءت الآيات السابقة بلزوم حفظ الأمانة وصيانة العهد والميثاق، فهناك ملازمة بين أمور:
الأول: حصول تعلم الكتاب من قبل الناس.
الثاني: وجوب الإنتفاع من تعلم الكتاب السماوي.
الثالث: انتفاء الجهالة بتعلم الكتاب.
الرابع: حب الأنبياء للناس في حثهم بالإرتقاء في منازل اليقين، وفي الآية حذف للمفعول به الثاني بحسب القراءة بالتشديد، وهو الأصح، فالتقدير على وجوه:
الأول: بما كنتم تعلّمون غيركم الكتاب.
الثاني: بما كنتم تعلّمون اولادكم الكتاب.
الثالث: يعلّم بعضكم بعضاً الكتاب.
الرابع: الآية انحلالية فكل من يتعلم الكتاب يعلمه غيره فيصدق عليه انه يعلمه ويتعلمه لذا تجتمع القراءتان بتشديد اللام في (يتعلمون) وتخفيفها من غير تعارض بينهما، لقد أراد الأنبياء ان يتوافق فعلهم وقولهم وما في الوجود الذهني من الحقائق وتوظيف نعمة العقل والعلم بالكتاب لطاعة الله.
وعلى القراءة الثانية للآية وتعلمون الكتاب، بالتخفيف ومن غير تشديد اللام فان الآية اعم في حجتها ومطابقتها لخطاب النبي للناس عامة وتتجلى آية في خطابات القرآن ومنها:
الأول: الخطابات الإلهية وتنقسم الى:
الأولى: الخطاب بصفة الإيمان بقوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثانية: الخطاب والنداء للناس جميعاً بقوله تعالى [ يَاأَيُّهَا النَّاسُ]، و[ يَابَنِي آدَمَ].
الثالثة: الخطابات الشخصية كما في خطاباته تعالى للأنبياء ومنها قوله تعالى [ قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً ]( ) في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: خطابات الأنبياء وهي نداءات الدعوة الى الإسلام، ونبذ الشرك ومفاهيم الكفر والضلالة، وهي على شعب:
الأولى: الخطابات الموجهة للناس جميعاً، الحاضر منهم والغائب، والموجود والمعدوم.
الثانية: الخطابات التي يوجهها النبي لقومه وامته فكل نبي يناشد قومه الإقرار بالعبودية لله تعالى واتباعه في طاعة الله كما في قول نبي الله نوح [إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ] ( ) مع ان نوحاً رسول من الخمسة اولي العزم وقد جاء في وصف الرسل انهم بعثوا للناس جميعاً، وينطبق الأمر على الأنبياء من باب الأولوية القطعية، ونستنبط منه قاعدة كلية بان بعثة الرسول الى الناس جميعاً لا تمنع من الخطابات الخاصة بامة او قبيلة او جماعة كثيرة او قليلة، لأمور:
الأول: وحدة سنخية الخطابات النبوية، فكل واحد منها دعوة الى الله عز وجل، وضياء ينير الدرب لأهل الإيمان، ونوراً جاء القرآن ليتعاهده والى يوم القيامة، والفارق في الخطاب يتعلق بالمتلقي من حيث الكثرة والقلة، والقرب والبعد، والإستجابة وعدمها.
الثاني: لا ينتظر النبي اجتماع الناس كي يوجه خطابه ويناشدهم الهداية والإيمان، بل انه يبث دعوته مع وجود المتعدد أو المتحد، وقد يكون الخطاب مع المتحد اكثر نفعاً من الخطاب مع الجماعة الكثيرة فربما تغلب على الجماعة النفس الغضبية والشهوية وينقضون على النبي، او ينفضون عنه خصوصاً اذا كانت دعوة النبي للإيمان تتعارض مع سلطان بعضهم او مع شهوات وملذات الملأ منهم، ولقد كانت دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في البداية سرية وعلى نحو التبليغ والتعليم الشخصي.
ولكن ما دارت الأيام الا واصبحت علنية وبلغت اروقة الدولة الرومانية والفارسية، والنبي لم يغادر بعد الأرض.
الثالث: يدعو النبي الناس مجتمعين متفرقين، على نحو متصل وهذا يحتمل اموراً:
الأول: انه ينتظر الوقت المناسب والحال الملائمة لكي يقوم بالتبليغ.
الثاني: يستثمر الفرصة المؤاتية ليؤدي رسالته.
الثالث: يسعى جاهداً للدعوة الى الله في كل وقت من غير توقف او تردد.
والصحيح هو الثالث فان النبي يبذل الوسع في الجهاد في سبيل الله، ولا ينتظر الوقت المناسب، بل انه يبادر الى الأماكن العامة والمنتديات، ويذهب الى الأشخاص ويدعوهم ايضاً للتبليغ والدعوة، وحينما نزل قوله تعالى [ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ]( ) قام النبي بدعوة قريش وابناء عمومته ودعاهم الى الإسلام، وهذه الدعوة وعدم انحصارها من خصائص من اختاره الله ليكون اماماً واسوة في مسالك العبادة والانقياد والخشوع له تعالى.
لقد اخبرت الآية عن احتجاج النبي على الناس من وجوه:
الأول: انهم يعلمون الكتاب.
الثاني: الكتاب نازل من عند الله.
الثالث: الملازمة بين نزول الكتاب من السماء، وعدم تلقيه الا من نبي.
فليس من كتاب ينزل من السماء الا على نبي من الأنبياء ويبلغه الناس ويقومون بتعلمه، فتكون النتيجة وفق القياس الإقتراني كالآتي:
الكبرى: الناس يتعلمون بالكتاب.
الصغرى: كل من يتعلم الكتاب يقر بالنبوة، النتيجة: الناس يقرون بالنبوة، وجاءت الآية التالية بخصوص ميثاق الأنبياء واقرار الناس بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: كل نبي يدعو الناس لأن (يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ) وان لا يعبدوه او يغالوا في شخصه او اشخاص الأنبياء الآخرين، أي ان النبي ينفي الألوهية عنه وعن جميع الأنبياء ويحرم الغلو في شخص أي نبي من الأنبياء لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، وتتجلى في هذه الآية حقيقة عقائدية وهي ان كل نبي يجاهد من اجل عدم الغلو في اشخاص الأنبياء مطلقاً.
بحث عقائدي
لقد جعل الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سيد الأنبياء والرسل، وخصه بكرامات ومعجزات كما انه جاهد في سبيل الله وتبعته امته على ذات النهج، وورث النبي تركة ثقيلة، فاقرب الملل الى الهداية والإيمان وهم اهل الكتاب دخل التحريف الى كتبهم.
وغالى فريق منهم بانبيائهم، قال تعالى [وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابن اللَّهِ]( ).
اما الأقوام الأخرى فمنهم من عبد الطاغوت ومنهم من عبد الحجارة والأصنام كما في الجاهلية، ومن وظائف النبي ان لا يدعو لنفسه، ويبدأ بابطال الغلو في شخصه الكريم لذا حينما عرض اليهود على النبي ان يسجدوا له أبى، وقال لهم انما السجود لله عز وجل وحده، سواء باعتبار ان السجود عنوان ومقدمة للعبادة، او لأنه بذاته عبادة، واجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العبادة يدل بالدلالة الإلتزامية على حرمة الغلو، فكان يقف مع عامة المسلمين بين يدي الله لأداء الصلاة، ويخاطب اجيالهم المتعاقبة بقوله “صلوا كما رأيتموني أصلي”.
وهذا الحديث يدل في مفهومه على ان النبي محمداً عبد داخر لله، تجمعه مع الناس الصلاة والعبادة لله تعالى، واراد ان يبين لهم حقيقة ان من كان عبدا لا تصح له الربوبية، والخلائق والناس كلهم عبيد لله.
وجاءت الآيات القرآنية بالبيان الصريح بنبذ الغلو وحرمته، وكل نبي يبعث يؤكد عبوديته لله لذا فان اول كلام لعيسى عليه السلام كما ورد في التنزيل [ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ] ( ).
لقد دعا الأنبياء الناس الى مقامات العبودية بالقول والعمل ويتجلى العمل بامتثالهم التام للأوامر الإلهية وظهورها عليهم في حال الخشوع والخضوع المتصل، وذكر ان ابراهيم عليه السلام كان تسمع دقات قلبه من بعد امتار من خشية الله.
والآية الكريمة شاهد على علم الناس بالكتاب والتنزيل وهذا العلم من عمومات اللطف الإلهي، وتقريب العباد للطاعة ومنعهم من الجحود والضلالة ولإقامة الحجة عليهم، فكل مكلف يعلم حقيقة نزول كتاب من السماء كما تدل الآية على وجود كتاب وتنزيل في كل زمان، ودعوة النبي للناس تتضمن وجوهاً:
الأول: الهداية الى سبل الإيمان وجعل العلم بالكتاب وسيلة لطاعة الله والإمتثال لأوامره.
الثاني: الإحتجاج عليهم، لأن العلم بالتنزيل يكفي للتسليم بالربوبية.
الثالث: التذكير والموعظة من وظائف النبوة، فالنبي يثبت حقيقة في
اذهان الناس وهي انهم يعلمون الكتاب، وهل يمكن القول بان الذي لا يعلم بالكتاب المنزل يعلمه بدعوة واخبار النبي هذه، الجواب ان العلم بالكتاب سابق لهذه الدعوة، وقد جاءت للتذكير واعتبارها مادة لإرتقاء الناس في مسالك المعارف الإلهية، وتبين الآية كفاية العلم بالكتاب لأمور:
الأول: عدم عبادة الأشخاص وان كانوا انبياء لأن تنزيل الكتاب توكيد لوجود الصانع، وان النبي يتلقى الكتاب فضلاً ورحمة من عند الله عز وجل.
الثاني: العلم بالكتاب مناسبة للتدبر في الخلق، وعون على معرفة مضامين الصلة مع السماء.
الثالث: هذا العلم باب لإدراك رحمته تعالى بالناس.
الرابع: علم الناس بالتنزيل يعني معرفتهم لحقيقة في الإرادة التكوينية وهي ان الله عز وجل لن يتركهم سدى، بل يقربهم الى الطاعة بالكتاب المنزل.
الخامس: هناك ملازمة بين الكتاب المنزل والنبوة، ولا يذكر احدهما الا ويتبادر الى الذهن الثاني، فاذا تذكر الإنسان الكتاب تذكر النبي لأن الكتاب لا ينزل الا على نبي، وكذا ان ذكر النبي يتبادر الى ذهنه الكتاب، وهذا التبادر على قسمين:
الأول: عام بان تتبادر النبوة والأنبياء مطلقاً عند ذكر الكتاب والتنزيل.
الثاني: خاص بان يتبادر ذكر النبي او الكتاب الخاص الذي انزل عليه، فاذا ورد ذكر القرآن تتبادر الى الذهن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واذا ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتبادر الى الذهن القرآن، وهكذا بالنسبة للأنبياء السابقين، فاذا ذكرت التوراة تتبادر الى الذهن نبوة موسى عليه السلام، واذا ذكر عيسى عليه السلام يتبادر الى الذهن كتاب الإنجيل.
انها مدرسة التنزيل وما فيها من معاني اللطف والرحمة الإلهية، وما هي الصلة بين العلم بالكتاب والدعوة لأن يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ الجواب ان الكتاب شاهد دائم على الربوبية من وجوه:
الأول: ما فيه من الإعجاز كما في اعجاز القرآن.
الثاني: يبين الكتاب حاجة الناس لرحمته تعالى.
الثالث: الكتاب عنوان للصلة بين السماء والأرض فهو موجود سماوي من عالم الأمر في الأرض، وعالم الأمر اشرف من عالم المادة.
ومن الإعجاز في الآية ان القراءتين في (تعلمون) لهما معنيان متقاربان ومتداخلان، واقعاً، فالذي يتعلم الكتاب لابد وان يعلم به، لأن التعلم شاهد على العلم بوجود الكتاب والتنزيل كما يحتمل ارادة العلم بالكتاب أي معرفة مضامينه واسراره ومفاهيمه ولكن المعنى الأول هو الأرجح، نعم يمكن ان يكون المعنى الأخير خاصاً بانصار واصحاب الأنبياء في تحذير لهم من الغلو بالأنبياء.
وتطرح الآية مسألة وهي ان العلم بالكتاب يكفي علة لأن يكون الإنسان ربانياً عابداً مطيعاً لله عز وجل، وهل هذا العلم من الكلي المشكك او المتواطئ، وعلى القول بانه من الكلي المشكك فهل يحصل تباين بين الناس في بلوغ مرتبة الرباني الجواب لا، لأن الآية جاءت مطلقة فالناس جميعاً عندهم درجة من العلم، يتساوون فيها جميعاً وتكفي لأن يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ ولا يعبدون الأنبياء وغيرهم، مع وجود مراتب اخرى من العلم بالكتاب تزيدهم فقهاً وطاعة وخشوعاَ لله تعالى، وتمنع من الإعتذار بعدم العلم بالكتاب سواء صدر هذا الإعتذار من الكفار والجاحدين او غيرهم، لأن الجميع يعلمون نزول الكتاب من عند الله وعليهم بالتدبر في معانيه ومضامينه وعدم الوقوف عند مرحلة العلم بنزوله، لابد من العلم به بمعنى التفقه ومعرفة ما فيه من الأوامر والنواهي والتقيد بها، وخطاب النبي للناس جميعاً يبين المسؤوليات النوعية العامة المركبة التي يتحملها الأنبياء من أجل انقاذ الناس واصلاحهم.

قوله تعالى [وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ]
آية اعجازية اخرى، يجدد فيها الأنبياء الحجة على الناس لا من اجل التوبيخ والوعيد بل من اجل غاية سامية كريمة وهي التوجه العام لعبادة الله، وعدم عبادة غيره او طاعة الغير في معصية الخالق، فمن صفات الرباني ان لا يطيع الا الله، ويحارب الدعوة لعبادة الأشخاص، فالرباني يكون مجاهداً في سبيل الله لتثبيت دعائم الإيمان، وتؤكد الآية ان الله عز وجل لا يرضى ان يعبد غيره، والنبي من صنع الله عز وجل فكيف يعبده فريق من الناس، فحمل الأنبياء لواء التنزه عن عبادة الناس لهم، من وجوه:
الأول: رفض عبادة الناس لهم.
الثاني: دعوتهم لعبادة الله.
الثالث: تبليغ الكتاب والتنزيل، وهذا التبليغ يدل في مفهومه على الدعوة لطاعة الله وانهم عبيد له سبحانه.
الرابع: تبين الآية جهاد الأنبياء، وجعل الناس يعلمون الكتاب والتنزيل، وهو شاهد على قيامهم بأمور هي:
الأول : التبليغ.
الثاني : اخبار الناس بالتنزيل.
الثالث : ادراك الناس بالحجة والبرهان بان الذي يخبرهم به النبي هو وحي من عند الله، وهذا الأمر من اهم وظائف النبوة واكثرها حاجة للجهد والعناء، فكل انسان او جماعة يريدون آية او برهاناً يثبت النبوة، وكانت آيات الأنبياء حسية، فتفضل سبحانه بجعل القرآن آية عقلية لتبقى حجة متصلة دائمة تخاطب المتحد والمتعدد، والجماعة والأمة، وتجعل اهل الريب في حيرة وذهول ومنهم من ينتقل الى صفوف المؤمنين وفي التأريخ شواهد كثيرة.
لقد ختم الله نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه لم يختم الآيات والمعجزات بل بقت متجددة وتوليدية وانحلالية، فآيات القرآن اعجاز دائم وبرهان قاطع يدل على صدق الوحي والتنزيل ويجعل الناس يعلمون الكتاب ليكون هذا العلم وسيلة ومقدمة للثبات على التوحيد، والتفقه في الدين، ومعرفة ان الأنبياء عبيد لله عز وجل اختارهم واصطفاهم بالنبوة والرسالة وادوا وظائفهم على اتم وأكمل وجه، وهذا الإختيار الإلهي لهم واداؤهم التام لوظائفهم يجب ألا يكون علة للإفتتان بهم.
والغلو بالأنبياء على مراتب متفاوتة بلحاظ الزمان وهي:
الأولى: الغلو بالأنبياء في ايام حياتهم اكثر منه بعد مماتهم وانتقالهم الى الرفيق الأعلى، لأن الناس يرون الآيات والمعجزات الخارقة للعادة، ومنهم من يفتتن بهم،ويظن عن جهالة بان الآية من عند النبي،كالصبي غير المميز الذي يأتيه الأب بالطعام فيظنه منه بل هو من القياس مع الفارق، فقد يلحظ الصبي سعي وجهد الأب وليس هو مكلفاً باصول الدين.
واكتفى الطبرسي بتفسير هذا الشطر من الآية بكلمة واحدة فقال (بما كنتم تعلمون الكتاب) أي القرآن( ).
ولكن الآية اعم ولا تنحصر بالقرآن لانها تفيد العموم وارادة الأنبياء جميعاً وما أنزل عليهم من الكتاب لاصالة الإطلاق، ووردت الآيات بتوكيد نزول الكتاب على موسى وعيسى عليهما السلام، وسمي اليهود والنصارى في القرآن باسماهل الكتاب، قال تعالى [ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
لقد جاءت الآية في ذم الذين يغالون بالأنبياء ويقومون بعبادتهم كآلهة اوانهم ابناء الله، وهو أمر جاء القرآن للقضاء عليه والى يوم القيامة.
والباء في (بما كنتم) تحتمل وجوهاً:
الأول: الاستعانة، وجعل تعلم الكتاب وسيلة للإيمان والثبات على الهدى.
الثاني: السببية كما تقول: صمت اليوم برؤية الهلال: أي بسبب رؤية الهلال، فيكون تعلم الكتاب سبباً للتفقه في الدين.
الثالث: المصاحبة كما تقول( تنجح بمشيئة الله ) أي مع مشيئة الله وهناك ملازمة بين الإيمان وتعلم الكتاب، فان قلت ان الآية وردت بلفظ [كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ] ولفظ كان يفيد الزمن الماضي.
فالجواب من وجوه:
الأول: قد يأتي لفظ (كان) لارادة الزمن الحاضر والمستقبل.
الثاني: منافع التعلم في الزمن الماضي تستمر الى الأزمنة اللاحقة، وهذا أمر ظاهر في ميادين العلم والإختصاصات المختلفة.
الثالث: اقامة الحجة على الناس بان التعلم في الزمن الماضي يجب ان يترشح عنه التفقه في الدين، والتنزه المستديم من الغلو بالأنبياء.
قانون منع الغلو
الغلو تجاوز ألحد، وفي الإصطلاح هو المبالغة في اشخاص الأنبياء، ورفعهم الى مراتب الالوهية أوالبنوة لله تعالى، وتلقي الاوامر وكأنها صادرة منهم، وهم واسطة للوحي والتنزيل الالهي.
وجاء القرآن تبياناً لكل شئ، وجامعاً للاحكام الشرعية، ونزل في فترة غالى فيها فريق من اهل الكتاب بأنبيائهم، فتصدى للغلو من وجوه.
الأول: وقف الغلو وكشفه .
الثاني: ذم وفضح الغلو وأهله.
الثالث: اثبات حقيقة تأريخية وهي وجود غلو في الأنبياء كما في المغالاة بعيسى عليه السلام.
وانحسار الغلو والحد منه انتصار عظيم للقرآن، وتوكيد عملي لحاجة الناس لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومنع الغلو قانون ثابت في الأرض لم ينحصر موضوعه واحكامه بالقرآن، وهذه الآية شاهد سماوي يثبت جهاد الأنبياء لمنع الغلو باشخاصهم، ويدل بالأولوية القطعية على محاربتهم للغلو باشخاص الملوك والطواغيت، خصوصا وان الغلو بالملوك يقود الى الجحود بالربوبية والكفر والشرك ، والغلو بالأنبياء وجعلهم بمرتبة الالوهية ايضاً كفر وشرك الا انه قد يتضمن الإقرار بالربوبية لله، ولكن من غير تقيد باحكام التوحيد، وهذا التقييد ضرورة من ضرورات الدين وواجب على كل مكلف لذا لا يصح الغلو مطلقاً.
ومنع الغلو ليس مطلوباً بذاته بل هو مقدمة لتثبيت كلمة التوحيد في الأرض، فمع الغلو يحصل الإرباك وتطغى مفاهيم الشك ويتطاول اهل الريب، لذا جعل الأنبياء وبوحي من الله من اهم وظائفهم العقائدية محاربة الغلو، وهو على وجوه:
الأول: الجهاد في منع عبادة الطواغيت والملوك.
الثاني: دعوة الناس الى عبادة الله، ونبذ الشرك موضوعاً وحكماً، وهذه الدعوة اهم عمل لكل نبي، وهي في مفهومها حرب على الغلو وبرزخ عقائدي دونه.
الثالث: لقد خاطب الأنبياء ارباب العقول، ووجهوا نداءات التوحيد الى جميع الناس وعلى مختلف مداركهم العقلية، ليستجيب لهم العالم وغير العالم وقد يستخف الناس بالمستضعفين وارباب المهن البسيطة، ولكن هؤلاء يبادرون الى الإستجابة لدعوة النبي لتخلصهم من غشاوة المنافع الدنيوية التي تسبب بارباك اهل الدنيا وارباب المنازل فيها.
الرابع: الحرص على الظهور الدائم بهيئة الخضوع والخشوع له تعالى، لزجر الناس عن عبادة غير الله.
الخامس: التوكيد على عبودية الناس جميعاً لله تعالى، وذكر شواهد على طاعة وعبودية الأنبياء لله تعالى، وتضحياتهم وبذلهم الأنفس في البقاء على العبودية لله تعالى، وتخليهم عن الدنيا والمنافع الخاصة حباً لله تعالى.
لقد ملأ الله عز وجل الحياة الدنيا بالآيات الكونية وبعث الأنبياء وأتى بعض الناس الملك والحكم والسلطان، وهذه الأمور شواهد على عظيم قدرته تعالى وسعة رحمته، ولطفه بالعباد، وجذبهم الى مقامات العبودية، ومن الناس من يفتتن بالآيات الكونية كالشمس والقمر ويتخذها آلهة، فجاء الأنبياء لإصلاح المجتمعات وارشاد الناس للهداية والإيمان، وقاموا باعظم واشرف عمل يقوم به بنو آدم في تأريخ الإنسانية، واسسوا بناء التوحيد وتعاهدوا اركانه، وتصدى لهم اهل الجحود والريب فقابلهم آخرون بالغلو في اشخاص الأنبياء، فجاء القرآن وهو آخر الكتب السماوية نزولا وسيدها بالزجر عن الغلو في اشخاص الأنبياء، ولم يكن الغلو بعيداً في زمانه بل كان موجوداً في ايام نزول القرآن، وحال الغلو يشمل وجوها ثلاثة:
الأول: البقاء على حده موضوعاً وكماً وكيفاًَ.
الثاني: الزيادة والإتساع والإنتشار بين الناس.
الثالث: الأنحسار والنقص في عدد القائلين به.
ومن اهم افراد الغلو هو الغلو بعيسى عليه السلام، ولولا نزول القرآن فان الغلو بعيسى وادعاء ربوبيته يزداد ويتسع خصوصاً مع بذل الأموال بهذا الخصوص، واستمرار الإفتراء عليه وعلى امه من قبل آخرين، كما يتعدى موضوع الغلو فيتوجه شطر من أهله للغلو بالملوك والرهبان والأولياء فكان نزول القرآن حاجة عقائدية لوقف الغلو بالأنبياء والقضاء عليه وجعل الناس يتوجهون الى عبادته تعالى، كما انه نفى الإفتراء على عيسى وامه واكد نبوته، فهو لم يختر الوسط من الأمور على نحو الإرادة والتعيين، بل جاء بالحقيقة من عند الله ، ونهى عن الإفراط والتفريط وما يؤدي الى الضلالة والكفر، ليثبت والى يوم القيامة قانون منع الغلو ويجعله مقدمة لعبادة الله وامتثال أوامره.
قانون التعلم السابق
تعتبر الحياة الدنيا مدرسة للكسب والتحصيل، وهذا الكسب على قسمين.
الأول: حسن، ويتعلق بالمعارف الإلهية والعلوم النافعة واقتباس السنن الحميدة وتوارث العادات الحسنة، ومكارم الأخلاق.
الثاني: الكسب السيء باتباع الأخلاق الذميمة والعادات السيئة.
والنسبة بينهما التنافي والمغايرة، الا انهما ليسا بعرض واحد من جهة الإتساع والقبول والأثر، بل ان التعلم الحسن هو الغالب والراجح والأقرب الى النفوس من وجوه:
الأول: الفطرة الإنسانية ذات صبغة الحسن والإستقامة.
الثاني: ادراك العقل للحسن الذاتي وما هو نافع، ومدحه لفاعل الحسن.
الثالث: ميل الناس النوعي لتعلم ماهو نافع ومدحهم لفاعل الحسن.
الرابع: مجئ الأنبياء باحكام الحلال والحرام ، وقيام المؤمنين في كل زمان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الخامس: توارث القيم الحميدة، والعادات الحسنة.
السادس: اثر الكتب السماوية النازلة والتي تؤدي الى اصلاح وهداية الناس وارشادهم الى سبل الخير.
ويبذل الأنبياء واتباعهم جهوداً متصلة في تعليم احكام الكتاب، ويتلقى شطر من الناس علوم الكتاب بالقبول والإستجابة، وتكون اللذة المصاحبة للامتثال عوناً على التعلم ورسوخ مفاهيم واحكام الكتاب في الذهن، والتعلم من جهة الزمان والحال على ثلاثة اقسام:
الأول: تعلم الإنسان في الزمن الماضي، وانقضاء تلبسه بالعلم، كمن ترك الدراسة او نال الشهادة وانقطع عن الكسب والتحصيل في اختصاصه ويعبر عنه في علم الاصول باب المشتق بتلبس الذات بالمبدأ قبل حال النسبة.
فاذا درس شخص القانون ثم تركه وانصرف الى التجارة، ووصفته بعدئذ بانه رجل قانون، فزمان النسبة الآن، اما اوان التلبس بالمبدأ وهو دراسة القانون فهو امس، وقد وقع الخلاف فيه بين الأصوليين هل هو حقيقة ام مجاز، ولكن حصل الإجماع على استعمال لفظ المشتق حقيقة في الذات المتلبسة بالمبدأ في الحال، كالطبيب الذي يزاول مهنة الطب، والمتعلم لعلوم واحكام القرآن، وعلى استعماله مجازاً في ذات لم تتلبس بعد بالمبدأ كما لو اطلقت اسمالمهندس على من يدرس الهندسة ولم يحصل على شهادة التخرج بعد.
وجاءت هذه الآية بلفظ (كان) وارادة التعلم السابق على الظاهر وان كان اللفظ اعم، ولكن المضمون واحد لما فيه من التأكيد على موضوعية وكفاية التعليم ألسابق، بغض النظر عن الخلاف فيه في علم الاصول وهل اطلاق الصفة عليه من الحقيقة او المجاز، وتؤكد الآية حجية التعلم السابق.
وهذه الحجة قانون ثابت، ومضمونه مادام الإنسان قد تعلم الكتاب في السابق فهو حجة عليه ودعوة سماوية لإرتقائه في سلم المعارف الالهية.
وفيه اعجاز وهو ان تعلم الاحكام الشرعية في أي حال من الأحوال التي يتقلب فيها الإنسان طيلة ايام حياته كاف لهدايته واخلاصه العبادة لله عز وجل واجتنابه اسباب الشرك والضلالة.
وهل قانون التعليم السابق شامل لكل الميادين والمفاهيم بحيث اذا تعلم الإنسان فرداً من الفجور والضلالة فانه ينطبع في ذهنه ويستمر في سلطانه وتأثيره عليه، الجواب لا، فهذه الخصوصية لتعلم الاحكام الشرعية وحدها، لتكون آية كونية وجزء من خلق الإنسان واصلاحه لخلافة الأرض ووراثة الكتاب والتنزيل وحفظ ميراث النبوة، ومن مصاديق هذا القانون ان يجدد الأنبياء التذكير بالتعلم السابق كوسيلة ومقدمة للاخلاص في عبادة الله، وعدم الشرك به.
وبذل الأنبياء جهدهم لجعل الخلق في سفر دائم الى الحق، وصرف الارواح للغرق في جلال المقدس، مما يدل بالضرورة على امتناع دعوتهم لانفسهم.
وهذه الخاتمة آية اعجازية من وجوه:
الأول: الحاقها بتعلم الكتاب.
الثاني: التباين بين التعليم والدراسة الذي يدل عليه العطف بالواو.
الثالث: الآية دليل على وجود دراسة وتدريس الكتاب في الأمم السابقة، مما يدل على حالة من الإرتقاء العلمي عند الأمم السالفة وبما يساعد على تثبيت دعائم التوحيد.
الرابع: لزوم الانتفاع من العلم والدراسة.
الخامس: دعوة النبي للناس بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ لانهم يدرسون، والتوكيد بان الدراسة نافعة عندما تكون في أحكام ومضامين التنزيل والوحي والنبوة.
السادس: في الآية حذف يتعلق بمفعول تدرسون وهو على شعب:
الاولى: تدرسون الفقه.
الثانية: تدرسون الكتاب المنزل كل بكتاب زمانه وشريعة الرسول المبعوث في امته وحسب تكليفه.
الثالثة: تدرسون العلوم الالهية والمعارف التي تنمي المدارك العقلية وتشير الى وجود الصانع.
الرابعة: دراسة الوحي والتدبر فيما ينزل على الأنبياء.
الخامسة: تدرسون فيما بينكم احكام الحلال والحرام.
السادسة: معرفة قواعد وشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السابعة: أتقان أحكام الفرائض وكيفية أدائها وشرائطها.
السابع: لزوم اتباع الأنبياء فيما جاءوا به من عند الله فمن يدرس طاعة النبي بصفة النبوة وتلقي الوحي من الله كيف يعبده ويسجد له ويتخذه رباً بل لابد ان يعبد الله الذي بعثه رسولاً.
الثامن: دراسة مساوئ الكفر والضلالة والقبح الذاتي للشرك واثاره، وهذه الدراسة تؤدي في مفهومها الى التقيد باحكام وسنن التوحيد.
التاسع: تدرسون منافع التوحيد واضرار الشرك.
العاشر: تدارس أحوال وجهاد الأنبياء في سبيل الله، فمن يجاهد في سبيل الله يأبى ان يُعبد، ولا يرضى الا عبادة الناس لله تعالى فتكون سنته وسيرته حجة في حرمة اتخاذه الهاً.
الحادي عشر: السنخية البشرية للأنبياء ايضاً من جنس الإنسان وانهم بشر مثلهم، ولكن الله فضلهم ويجب ان يكون هذا التشريف علة لمحاكاتهم بالعبودية لله وليس الغلو فيهم.

بحث بلاغي
من وجوه البديع “التذييل” وهو ان يؤتى بجملتين احداهما تتعقب الأخرى، وتكون بياناً او توكيداً لها سواء في منطوقها او مفهومها، ليستبين المعنى عند السامع، وللأمن من الشبهة، وأستدل عليه بقوله تعالى [وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ]( ).
وجاءت هذه الآية بما هو أعم من التذييل فكل شطر منها بيان وتتمة للشطر الآخر، فقد ابتدأت الآية بذكر المنزلة العظيمة للنبي، وما وهبه الله عز وجل من الفيض والعلم والهبات بصفة النبوة، وبعد هذه المقدمة المباركة وبيان فضله تعالى على النبي، جاء تنزيه ساحته وعلى نحو القطع والجزء من الشرك والدعوة لنفسه، لتبقى هذه الحقيقة راسخة في اذهان الناس.
ومما يساعد في رسوخها وجوه:
الأول: قبولها عقلاً وواقعاً، فالعقل يدرك ان الوحي والتنزيل ورؤية الآيات، والمدد الإلهي المتصل برزخ سماوي دون دبيب مفاهيم الضلالة.
الثاني: وجود المؤمنين في كل زمان شاهد بالأولوية على تقيد الأنبياء التام بالتوحيد ومضامينه فاذا كان المؤمنون واتباع الأنبياء الذين بلغتهم الآيات يلتزمون بأحكام التوحيد التزاماً تاماً ويتصدون لإقطاب الشرك والضلالة فمن باب اولى ان الأنبياء هم القادة في هذا الباب.
الثالث: توثيق القرآن لسنن الأنبياء بما يؤكد ارتباطهم بعالم الغيب ارتباطاً اختياراً وهو فرع الإصطفاء والإجتباء الإلهي لهم، وجاءت الآية بذكر شهادته تعالى [وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ]، وفيه توكيد لإنعقاد ميثاق الأنبياء، واقرار الناس على انفسهم بلزوم نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
علم المناسبة
لم يرد لفظ (تَدْرُسُونَ) بصيغة الخطاب الا في هذه الآية الكريمة.
وفي قوله تعالى [أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ] ( ) .
ووردت مادة (درس) في ست مواضع من القرآن ، ومن الاعجاز القرآني ان هذه المادة وردت بدراسة الكتاب والتنزيل.
كما وردت بصيغة الجمع [وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا]( ) ، مما يدل على ان الوظيفة العقائدية تقتضي دراسة الكتب المنزلة وليس العلم بها الإطلاع عليها او تلاوتها فقط، وهذه الوظيفة لا تنحصر باهل الإيمان وحدهم بل تشمل الناس جميعاً لان الإمتثال بالإختيار لا يسقط عن الإنسان التكليف، وفي حصر الفاظ ومضامين الدراسة بالقرآن والكتب المنزلة مدرسة كلامية مستقلة تبين ان لفظ الدراسة يطلق حقيقة على دراسة علوم التنزيل، اما غيرها ففيه وجوه:
الأول: لا يصدق عليه لفظ الدراسة.
الثاني: يطلق عليه لفظ الدراسة من باب المجاز.
الثالث: يطلق عليها لفظ الدراسة على نحو الحقيقة ايضاً لان عدم الإيجاد اعم من عدم الوجود، بمعنى ان عدم ذكر الدراسة فيما يتعلق بالعلوم الحياتية كالطب والرياضيات والهندسة ونحوها لا يعني أن طلب العلم ليس فيها دراسة حقيقة.
الرابع: حصر الدراسة في العلوم والمعارف الإلهية على نحو الحقيقة الشرعية والإصطلاح العقائدي.
الخامس: التقسيم الى حقيقة ومجاز ليس امراً قطعياً شاملاً لكل المواضيع بل هو تقسيم استقرائي توضيحي، وقد اضفنا لهما قسيماً ثالثاً هو الجامع للحقيقة والمجاز
السادس: شطر من العلوم يصدق على الكسب والبحث فيها الدراسة والكسب، وشطر منها لا يصدق عليه عنوان الدراسة.
ومن اجل تعيين الاصح والارجح لابد من ملاحظة متعلق ومعنون الدراسة، وهو على قسمين:
الأول: بلحاظ الفعل والقيام بالبحث والقراءة والبيان ومعرفة التفاصيل.
الثاني: باعتبار الغاية والقصد من الدراسة.
فعلى المعنى الاول تصدق الدراسة على الجميع لان التلبس بطلب العلوم الحياتية ايضاً دراسة.
اما على الثاني فان المعنى الحقيقي ينحصر بالعلوم الالهية، وما سواها يكون طلبها لحاجات الدنيا والبدن ولوازم الحياة اليومية، وان الدراسة ذات صيغة قدسية سامية تتعلق بامور الدين والدنيا.
وحصر الدراسة بالعلوم الالهية يدل على موضوعيتها وخصوصياتها وشرفها وان دراستها عن رفعة، وفيه دعوة وحث على تحصيلها والتزود منها، باعتبار ان هذه الدراسة واجب شرعي ذاتي وغيري، اما الذاتي فهي مطلوبة بذاتها، واما الغيري فلانها مقدمة للانقطاع الى الله عز وجل ولكي يصبح الإنسان ربانياً، وهو الذي جاهد وسعى على سنن الأنبياء، الذين اسسوا للاجيال قوانين الدراسة الالهية.
قانون الدراسة
لقد جعل الله الإنسان منجذباً الى غيره يأخذ منه ويعطيه، وهو في زيادة متصلة اما في الخير او الشر مع احتمال التغير والانتقال من حال الخير الى الشر وبالعكس، ومن الآيات في خلق الإنسان ان انتقاله الى منازل الخير اكثر من انتقاله الى منازل الشر والسوء على نحو الإتحاد والتعدد، وقد جعل الله عز وجل باب التوبة والإنابة مفتوحاً مادام النفس يجري في البدن، لطفاً وكرماً وحلماً منه تعالى، وتحتمل الدراسة بلحاظ الموضوع وجوهاً.
الأول: دراسة المعارف الالهية واحكام الحلال والحرام ومافيه نفع في الدين والدنيا.
الثاني: دراسة مفاهيم الشر والسوء.
الثالث: الخلط في مواضيع الدراسة بين مافيه نفع وما فيه اذى.
والأصح هو الاول، فان الدراسة تتعلق بما هو نافع ومفيد، فللموضوع الحسن والغاية الحميدة اعتبار في تحديد معنى الدراسة وتدل هذه الآية على انبساط قانون الدراسة على أيام الحياة الدنيا وانه جزء من الواقع العام للناس، وحجة في لزوم اصلاح الذات والمجتمعات، وجعل الدراسة مادة وسلاحاً وعوناً.
ولا ينحصر قانون الدراسة بأهل الإيمان بل هو عام يشمل الناس كلهم، ولكنه على مراتب تشكيكية متباينة، فشطر من الناس ينهلون من مضامينه اكثر من غيرهم، كماً وكيفاً.
وآخرون ينتفعون منه انتفاعاً كثيراً ويوظفونه في حياتهم العقائدية وتظهر معانيه على اقوالهم وافعالهم، وجاء الأنبياء لتثبيت هذه الحقيقة وتوكيدها، وجعل الدراسة والتحصيل وسيلة لاخلاص العبودية لله تعالى، وموضوع الدراسة اعم في متعلقه من حلقات الدرس في المساجد والمنتديات والاماكن الخاصة للدرس بل هو عام بحسب الشأن واللحاظ والحال العام والخاص، ومن العام وجود هيئات وكيفيات خاصة لتحصيل العلم.
وقد كان اصحاب النبي يتعلمون من القرآن عشر آيات ولا ينتقلون الى غيرها الا بعد حفظها وتعلمها وتدبر معانيها.
ومن الخاص ان الإنسان يقتبس في ليله ونهاره من الآخرين مايزيده ايماناً، فالناس يأخذون من النبي احكام العبادات والاوامر والنواهي بطرق متعددة منها:
الأول: من النبي مباشرة بالسماع منه او برؤيته عند أدائه في عباداته وافعاله.
الثاني: من اصحابه واهل بيته وهذا الطريق على شعب:
الأولى: روايتهم ونقلهم لسنته وافعاله.
الثانية: نقلهم لما نزل عليه من الوحي والكتاب.
الثالثة: اتباعهم ومحاكاتهم لهم في سنته وسيرته .
الثالث: انصاره واتباعه في الأجيال الملاحقة.
وكل من الشعبة الثاني والثالث اعلاه دراسة ايضاً وتعلم من سنة وسيرة النبي وتدبر في بديع صنعه تعالى، ومن خلالهم يخاطب النبي الناس بنبذ الشرك والكفر والضلالة ويعلن براءته من مفاهيمها، ان قانون الدراسة عز ورفعة للانسان ويبين اهليته للخلافة في الأرض وهو عنوان تحصيل العلوم، وكسب المعارف الالهية.
ولقد اجتمع في خطاب النبي امران:
الأول: تعلم الكتاب.
الثاني: الدراسة.
ولابد من اسرار ومواعظ في اجتماعهما منها:
الاول: توكيد فضله تعالى في تعدد طرق المعارف والكسب فكل فرد منهما تعضيد للآخر في تهذيب النفس الإنسانية وصدها عن مضامين الكفر والضلالة.
الثاني: بيان موضوعية المعارف الالهية في المجتمعات واثرها في النفوس.
الثالث: ملازمة التحصيل ونيل الانسان للمعارف في أيام حياته.
الرابع: جاء التعليم في الآية بخصوص الكتاب على نحو الحصر [تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ] اما بالنسبة للدراسة فجاء مطلقاً [وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] والقول بوجود حذف لا يمنع من العموم والتعدد في المضمون، وفيه مسائل:
الاولى: علو رتبة التعلم على الدراسة، وهو كسب وتحصيل لذا انحصر بالكتاب، أما الدراسة فهي أعم، ونوع فعل وتكون احياناً مقدمة ووسيلة للتعلم.
الثانية: جاء تقدم تعلم الكتاب في الآية على الدراسة لعمومات تقديم الأهم على المهم.
الثالثة: مايضفيه الكتاب من السمو والشرف على موضوع التعلم جزء وعلة لتقديم تعليم الكتاب.
الخامس: هل يكفي تعليم الكتاب من غير دراسة لأن يكون الإنسان ربانياً، وكذا بالنسبة للدراسة وحدها، ام لا بد من اجتماعهما، الجواب ان هذه المسألة على نحو الفرض، لأن الآية جاءت بصيغة الجمع ولو قلنا بالتفكيك بينهما فان كل واحد منهما يكفي لجعل الإنسان ربانياً ممتثلاً لاوامر الله عز وجل، وهما مما اذا اجتمعا افترقا، واذا افترقا اجتمعا.
وتحتمل الآية وجهين:
الأول: مخاطبة النبي الناس بالجمع بين الأمرين معاً.
الثاني: يخاطبهم مرة بالجمع بين الأمرين واخرى باحدهما، فمرة يقول [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ]، واخرى يقول لهم [بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ] وثالثة [وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ]بحسب الحال والشأن.
فمن يتعلم الكتاب يخاطبه ويقيم عليه الحجة بتعلمه للكتاب، والاقوى ان الواو في المقام تفيد الجمع وأن الناس يتعلمون الكتاب ويدرسون مضامينه، ومن الدراسة ادراك عبودية وخشوع الأنبياء لله تعالى.
وتدعو الآية الأجيال اللاحقة من الناس لاتباع الامم السابقة في تعلم الكتاب ودراسة أحكام الحلال والحرام والتزود بالمعارف الالهية.
واذا كان الكتاب في الأمم السابقة متعدداً كل بزمانه، ففي زمان موسى كانت التوراة، وفي زمان عيسى الإنجيل، فان القرآن هو كتاب العصر والشاهد السماوي الذي ينفي الربوبية عن الأنبياء وغيرهم من الخلق.
لقد ألقت الآية اليأس في قلوب قريش واهل الكفر والضلالة وادركوا ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم ولن يقصر في الدعوة الى الله، ولا تستهويه الدنيا وزينتها، ولن يستطيعوا منعه من زجرهم عن عبادة الملائكة والنبيين والاصنام.
وحينما يرى بعض الملل تتخذ من نبيها الهاً، فانه لن يسكت عن هذه الضلالة ولن يرضى بان تفعل به قريش وقومه مثل هؤلاء، بل انه دائب في الدعوة الى عبادة وطاعة الله.
ووردت نصوص عديدة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحث على طلب العلم، وتحتمل صيغة الامر والوجوب، ومنها قوله: “ما من مؤمن ولا مؤمنة ولاحر ولامملوك الا ولله عليه حق واجب ان يتعلم من العلم ويتفقه فيه”( ).
وتتضمن الآية مسائل:
الأولى: يتفضل الله على نفر من عباده ويؤتيهم ما لم يؤت أحداً غيرهم، فيرزقهم النعم على نحو الإنفراد والتعدد، أي انفرادهم بها من دون البشر والتعدد في النعم النبوية وهي:
الأول: نزول الكتاب.
الثاني: اتيان الحكم والحكمة.
الثالث: نيل مرتبة النبوة وهي أسمى وأشرف المراتب.
الرابع: عدم دعوته الناس الى الشرك، واسباب الضلالة.
الخامس: حث النبي الناس ليكونوا علماء فقهاء صالحين منقطعين الى الله تعالى.
السادس: الإخبار عن تعلم الناس للكتاب وانه غير مندرس في أي حقبة من حقب التأريخ.
السابع: دراسة الناس للكتاب والمعارف الإلهية والعلوم وما فيها من تنمية الملكات، وارتقاء المدارك وشحذ الأذهان وكلها اسباب للتدبر في الخلق والنشأة وصرف النبوة.
الثامن: مجيء التعلم والدراسة بصيغة الجمع والماضي وفيه حجة على الناس بان نتيجة تعلم الكتاب والدراسة هي الإقرار بدعوة الأنبياء لله وبراءة ساحتهم من الغلو والشرك والضلالة.
الثانية: النبوة رحمة مزجاة، ولطف الهي بالناس كافة.
الثالثة: عصمة الأنبياء من الدعوة لغير الله.
الرابعة: اجتهاد الأنبياء في الدعوة الى الله.
الخامسة: سعيهم لإرتقاء الناس في المعارف، فقولهم [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] يعني نشر مفاهيم النبوة بينهم، ودعوتهم لرؤية الآيات، واقامة الحجة عليهم.
السادسة: توارث الناس لتعلم الكتاب كثمرة من ثمار النبوة.


قوله تعالى [وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] الآية 80
القراءة والاعراب واللغة
قرأ عاصم وحمزة وعبد الله بن عامر (ولا يأمركم ) بنصب الراء وهو المرسوم في المصاحف، والباقون بالرفع، وروي عن عبد الله بن مسعود انه قرأ (ولن يأمركم).
وَلاَ يَأْمُرَكُمْ: الواو: عاطفة: لا: نافية، وفيها اقوال اخرى منها انه معطوف على يؤتيه فتكون (لا) زائدة مؤكدة لمعنى النفي السابق، ومعطوفه على (ثم يقول) والتقدير: “ولا له ان يأمركم”، كما قرئ الفعل المضارع بالرفع، باعتبار ان الواو للاستئناف وابتداء الكلام خصوصاً وانها بداية آية.
والفاعل ضمير مستتر يعود للبشر الذي يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة وهو النبي، والكاف: ضمير جمع الذكور العقلاء، مفعول به.
أَنْ تَتَّخِذُوا: الواو حرف عطف، تتخذوا: فعل مضارع منصوب بان، وعلامه نصبه حذف النون، الواو: فاعل، والمصدر المؤول منصوب بنزع الخافض والتقدير (ايأمركم باتخاذ).
الملائكة: مفعول به اول، النبيين: معطوف على الملائكة، منصوب بالياء لانه جمع مذكر سالم، ارباباً: مفعول به ثان.
أَيَأْمُرُكُمْ: كلام مستأنف لخطاب الناس، الهمزة للاستفهام الانكاري.
بالكفر: جار ومجرور متعلقان بيأمركم، بعد: ظرف زمان، اذ: اسمللزمن الماضي في محل جر.
انتم: خبر منفصل في محل رفع مبتدأ، مسلمون: خبره. والجملة الإسمية في محل جر باضافة الظرف إليها.
في سياق الآيات
بعد فضح الذين يقولون على الله الكذب ويحرفون التنزيل ونفي دعوة أي نبي الى نفسه ومجئ الآية السابقة بالقطع القرآني بان كل الأنبياء لا يدعون الا لعبادة الله، وبيان اجتهادهم في ارتقاء الناس العلمي لان هذا الإرتقاء يساعدهم على معرفة الحجة والبرهان على وجوب عبادة الله، جاءت هذه الآية في ذات موضوع الآية السابقة وتنزيه الأنبياء بصيغة الإحتجاج والإستنكار، وبعد ان نفت الآية السابقة عن الأنبياء الدعوة الى انفسهم، نفت هذه الآية عنهم تأليه الملائكة والأنبياء الآخرين.
ليكون هذا النفي مقدمة لذكر العلة والمقدمات التي أنعم الله بها على الأنبياء حتى عصموا من الدعوة لغيره، ليكون ذكرها في بداية الآية السابقة وفي الآية التالية، وهذا التعدد ومجيؤه في أول الآية مقدمة لبيان عصمة الأنبياء، وخاتمتها له شاهد اعجازي على نظم آيات القرآن ولزوم استنباط الدروس منه، وفيه تشريف واكرام وعناية إلهية بالأنبياء، وهذه العناية لم يقصد بها الأنبياء وحدهم بل تشمل حفظ كلمة التوحيد، وصلاح وهداية الناس.
والجمع بين هذه الآية والآية السابقة يفيد اموراً تتعلق بدعوة النبي وهي:
الأول: دعوته لعبادة الله عز وجل مع بيان الحجة والبرهان على وجوبها.
الثاني: عدم دعوته لعبادة نفسه.
الثالث: تنزهه عن الدعوة لعبادة الملائكة متحدين ومنفردين.
الرابع: عدم دعوته لعبادة الأنبياء الآخرين.
الخامس: ادراك كل نبي لحقيقة كلية وهي ان الدعوة لعبادة غير الله كفر وضلالة.
السادس: لقد جعل الله المسلمين على الفطرة، فالنبي لكم يأتِ ليخرجهم من الظلمات الى النور بل ليثبتهم في منازل النور والهداية التي جبل الناس عليها.
إعجاز الآية
جاءت الآية بالبيان والتفصيل الذي يؤدي الى طرد مفاهيم الشرك من النفوس، وابعاد الشبهات والريب عن الأنبياء، فالكفر موجود في الأرض، واربابه لا يتحرزون من الإفتراء، فاذا كانت الآية قبل السابقة تتضمن الإخبار عن كذبهم على الله ، فمن باب الأولوية ان يقوموا بالكذب والإفتراء على الأنبياء، لذا جاءت الآية لدفع الفرية عنهم.
وفوائد هذا الدفع لا تنحصر بالأنبياء بل تشمل الناس جميعاًٍ.
وهو مقدمة لتثبيت اصول الدين، لان الأنبياء هم الوسائط البشرية بين الله والخلق، فتأتي سهام الكفر موجهة لهذه الوسائط لقطع الصلة بين الله والناس، وبما ان الأنبياء يحتلون منزلة رفيعة في نفوس الناس وفي المجتمعات لا يمكن القضاء عليها، حاول أهل الكفر والريب تشويه رسالة الأنبياء.
ومثلما قام اهل الضلالة بتحريف الكتاب المنزل، فانهم يقومون بتحريف اقوال الأنبياء، والغاية هي منع سلطانهم على النفوس، لان بقاء هذا السلطان باب للهداية والإيمان، ودعوة للناس للرجوع الى اتباع الأنبياء، وهو مقدمة للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكما يضر تحريف الكتاب بموضوع البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان الكذب على الأنبياء برزخ دون انصات الناس لدعوته عند بعثته صلى الله عليه وآله وسلم.
وافتراء أهل الكفر بان الأنبياء يدعون لعبادة الملائكة، بعد تعلق الناس باشخاص الملائكة والنفوس العالية، محاولة لصد الناس عن الإيمان والتوجه الى الأنبياء واتباعهم في الدعوة الى الله فجاءت هذه الآية لإبطال فعلهم.
ومن الاعجاز في هذه الآيات انها تطرد مفاهيم الشرك، وتحارب الضلالة، وتثبت معالم التوحيد وتخبر عن استدامة الإسلام ووجوده في الأرض ولزوم تعاهده من قبل الناس جميعاً، ويبين التفصيل في تنزيه الأنبياء حب الله عز وجل لهم وشكره وجهادهم في سبيله بل وحبه ورحمته تعالى للناس جميعاً بنفي الوهم والضلالة والتحريف، وحثهم على الإيمان.
ويمكن تسمية هذه الآية بآية [ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ ] ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
في الآية تمهيد لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتوكيد لمضامينها ومنع من تحريفها فمما لا يخفى على احد وجود اعداء الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار ومن اهل الكتاب، وهذا العداء يظهر بصيغ متعددة، فأرادت الآية ان تغلق عليهم باب التحريف في ماهية الدعوة بتنزيه الرسول الأكرم وجميع الأنبياء السابقين من الدعوة الى عبادة غير الله .
والآية عون للناس على التفقه في الدين وادراك حقيقة عبودية الخلائق كافة لله تعالى، ومعرفة منازل الأنبياء، فالرفعة وعلو المنزلة لا يتجليان الا باظهار الخشوع والخضوع لله في القول والعمل، واخلاص الدعوة له تعالى.
والأنبياء هم سادة الأمم في هذا الميدان، وتحث الآية الناس على الإقتداء بهم في الدعوة الى الله ونبذ الكفر والتنزه عن الغواية والعتو والجحود، وفي الآية دعوة لتعاهد الإسلام، بالتقيد باحكامه وسننه.

الآية لطف
هذه الآية من آيات الإحتجاج، وجاءت بالبرهان لتحصيل المطلوب وافحام اهل الجحود والبرهان اقوى في الحجة والدليل من صناعة الجدل، وموضوع هذه الآية متصل بالآية السابقة في بيان نزاهة الأنبياء من الغلو بافراده التشكيكية المتعددة، الظاهرة منها والباطنة وفيها تحذير منه لأنه يؤدي الى الكفر والضلالة، لذا يمكن القول ان تحريم الغلو ذاتي وعرضي، فهو بذاته امر محرم، كما انه مقدمة للكفر والتمادي فيه.
فمن اللطف الإلهي في الآية اعطاء درس سماوي في تنزيه الأنبياء من كل مفاهيم الغلو والضلالة، وفيه دعوة الى الرجوع الى سنن الأنبياء والأخذ من علومهم والآية عون للناس في هدايتهم الى سواء السبيل والإقتداء بالأنبياء، وحرز من الإفتراء عليهم وما يؤدي اليه هذا الإفتراء من الصدود عنهم، اي ان الله عز وجل أراد للناس ان لا يصدوا عن الأنبياء والإعراض عما يفترى عليهم لذا وردت الآية بصيغة الأستفهام الإستنكاري، وجاءت الآية بصيغة المفرد، والمراد كل الأنبياء مما يعني التقاءهم على الدعوة الى الله وان كل نبي لا يأمر الا بعبادة الله وطاعته والإمتثال لأوامره.
ومجيء الآية بصيغة الأمر اشارة الى منزلة الأنبياء بين الناس وان الله يجعل لهم الإمامة، ويهيء لهم اسباب انصات الناس لهم، ومن الشكر لله على هذه المنزلة الإجتهاد في الدعوة الى عبادته، وبذل الوسع في اظهار النبي لمعاني العبودية في قوله وفعله.
مفهوم الآية
لقد جاءت الآية بموضوع الأمر النبوي للناس، اما مفهومه فيتضمن وجهين:
الأول: يأمر النبي الناس بعبادة الله، وكل ما هو خير محض.
الثاني: لا يأمرهم بشيء.
والصحيح هو الأول، فالآية نفت امر أي نبي من الأنبياء بعبادة غير الله عز وجل، واكدت هي والآية السابقة بانه يأمرهم بطاعة الله عز وجل في الحكاية عن كل نبي بقوله تعالى [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] بالإضافة الى بيان هذه الحقيقة في آيات القرآن الأخرى وما فيها من الإخبار عن قصص وحياة الأنبياء وجهادهم في سبيل الله فالآيات التي تذكر الأنبياء على أقسام:
الأول: مدح الأنبياء وتوكيد عظيم منزلتهم.
الثاني: بيان جهاد نفر من الأنبياء.
الثالث: الأخبار عن الوظائف العقائدية للأنبياء، وما ينفردون به في باب البذل والتضحية والسعي الدؤوب في سبيل الله.
الرابع: قيام الأنبياء بتلقي الوحي من عند الله.
الخامس: التقيد التام بتبليغ الناس ما انزل اليهم من الوحي والكتاب.
السادس: الأذى والعناء الذي كان يلاقيه الأنبياء في سبيل الله، وصبرهم على الأذى يدل في مفهومه على اخلاصهم في الدعوة الى الله، وحثهم على اتباعهم في اداء وجوه العبادة من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها.
وتبين الآية في مفهومها أموراً:
الأول: عظيم منزلة الملائكة بين الخلائق وعند الناس.
الثاني: عدم خروج الملائكة عن منازل العبودية لله تعالى.
الثالث: تدل الآية على جهاد الأنبياء لمنع الناس من الإفتتان بخلق ومنزلة الملائكة وعبادتهم، خصوصاً وان مسكنهم السماء وهم قادرون على فعل ما لا يقدر عليه الإنسان من الأعمال الشاقة، ويقومون تبديل هيئاتهم بصور متنوعة.
الرابع: زجر وتحذير عن عبادة الملائكة والتقرب اليهم بعنوان العبودية.
الخامس: النبي لا يدعو لعبادة نبي أو أنبياء آخرين، بل يتمم رسالتهم في جذب الناس الى سبل الهداية والإيمان.
السادس: تبين مراتب العلم التي عليها الأنبياء ومعرفتهم بعظمة خلق الملائكة وعبوديتهم لله وهو من فروع ما آتاهم الله من الكتاب والحكم والنبوة الذي بينته الآية السابقة.
الإسلام هو الأصل وان النبي يؤكد هذا الأصل، ويعمل بدأب على تثبيته وتجديد معالمه وترسيخ مفاهيمه.
لقد صار الناس مسلمين بفضله تعالى وبعثة الأنبياء منذرين ومبشرين، فلا يأتي نبي لاحق ليدعو الناس للكفر والجحود، لأن ماهية عمل الأنبياء واحدة متصلة مبنية على الدعوة الى الله ونبذ الكفر.
لقد جاءت الآية في مدح الأنبياء على نحو العموم المجموعي والإستغراقي لما فيها من التوحيد باتحاد القول والفعل في مرضاة الله، والتقائهم في اسباب العصمة من الزلل والدعوة الى الضلالة فالنبي يتلقى الوحي بواسطة الملك، ولكنه لا يفتتن به بل يعلم انه رسول من عند الله.
وفي الآية مسائل:
الأولى: كل نبي من الأنبياء يصدق النبي الذي سبقه ولكنه لا يدعو الى عبادته.
الثانية: دعوة الأنبياء الى التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، وهذه الدعوة يشترك فيها جميع الأنبياء، مما يعني انهم لا يدعون الى انفسهم، بل الى تصديق سيد الأنبياء الذي يعشق مقامات العبودية ودأب المسلمون على حبها، والسهر في تعاهدها، بالتهجد والإستغفار، وقيام الليل.
ويحتمل اموراً:
الأول: ارادة أصل الفطرة الإنسانية.
الثانية: نيل درجة الإسلام بالتعلم والدراسة.
الثالث: الجامع لهما، فالإسلام هو دين الفطرة، والتعلم يقود الى الإسلام والأصح هو الثالث، وهو من فضل الله على الناس.
افاضات الآية
لقد نال الأنبياء مراتب المعراج، وفازوا بدرجات القرب، وارتقوا في عالم الملكوت في مشاهدة حضورية وادراك راسخ للآيات الكونية والبراهين العقلية التي تلزم الإنسان بالإقرار بالعبودية له تعالى، وتعانقت نفوسهم مع تجليات الحق في عالم الشهادة ومنها التنزيل.
فأنقطعوا الى السماء بانتظار الوحي وحرصوا على ان تكون قلوبهم أشرف البقاع لتلقيه في عشق متصل بشوارق الجمال والجلال، وجاءت الآية بصيغة المفرد النكرة، وفيه وجوه:
الأول: للإخبار عن حقيقة وهي تفاني الأنبياء المحض في عشق المعبود الحقيقي بصفة النبوة.
الثاني: احراز مرتبة النبوة يجعل روح النبي مستقرة في حضرة الملك القدوس، ولا يدعو لغير الله، ولا يحب ولا يبغض الا في الله.
الثالث: الأنبياء بعرض واحد في النزاهة من الشرك الظاهر والخفي.
الرابع: في الآية مباهلة نبوية تتجلى فيها العناية اللطف الإلهي الخاص بكل نبي.
الخامس: كل نبي أمة في الثبات على مبادئ التوحيد.
السادس: خلو قلب النبي من حب غير الله، والحب لا يحصل مع تعلق القلب بحب غير المعبود.
التفسير
قوله تعالى [وَلاَ يَأْمُرَكُمْ]
لقد جاءت الآية السابقة بخصوص ما يقوله النبي للناس وما لا يقوله لهم، واجتهاده في تأديبهم بسنن العبودية لله تعالى، وكل نبي يبعث يقوم باتمام رسالة الأنبياء السابقين في تثبيت اركان عبادة الله تعالى والبشارة بالرسول الذي يأتي من بعده، الى ان جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن من عند الله، ليكون وثيقة سماوية تؤكد نزاهة الأنبياء وبراءتهم من الدعوة لغير الله، وتثبت فناءهم في طلب مرضاته تعالى.
وانتقلت هذه الآية الى وجه آخر من وجوه وظائف النبي متمم لما جاء في الآية السابقة، فتحدثت عن اوامر النبي وليس اقواله فقط، وبين الأمر والقول عموم وخصوص مطلق، فكل امر هو قول وليس العكس، وان تضمنت الآية السابقة الأمر ايضاً بقوله تعالى [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] مما يدل على ان اقوال كل نبي هي دعوة الى الله، وحث للناس على الإيمان وبيان وجوب طاعته سبحانه واجتناب معصيته.
وجاءت الآية السابقة بصيغة الخبر والغائب، اما هذه الآية فجاءت بلغة الخطاب “لا يأمركم” وفي المخاطب وجوه:
الأول: الناس جميعاً.
الثاني: المسلمون واهل الإيمان منهم بدليل خاتمة الآية ووصف المخاطبين بالإسلام.
الثالث: المشركون والكفار، لأن الآية في مقام الإحتجاج عليهم.
والصحيح هو الأول لإصالة الإطلاق، ونظم الآيات فموضوع الآية السابقة الناس جميعاً، ونداءات النبي موجهة لهم من غير حصر بفئة او جماعة او امة مخصوصة منهم.
وجاءت الآية بلغة الأمر، ومن لوازمه:
الأول: صفة العلو أي يكون من العالي الى الداني على اختلاف فيه، فمنهم من قال بعدم اعتبار العلو، فيصح الأمر اذا جاء الطلب من المساوي او من الداني الى العالي.
الثاني: اعتبار الإستعلاء فيظهر الأمر هيئة الإستعلاء، او انها تتجلى بالقرائن والمنزلة او التشديد والتوكيد ونحوها، باعتبار ان الأمر اذا افتقر لصيغة الإستعلاء يكون طلباً وسؤالاً، وقيل بعدم اعتبار الإستعلاء.
الثالث: كفاية احد الأمرين العلو او الإستعلاء، فاي فرد منهما كافِ لصدق حصول الأمر.
وليس من استعلاء في المقام، ولكن صيغة العلو ظاهرة بعظيم منزلة النبي وامامته للناس في طاعة الله.
وتدل الآية على اهلية النبي لأمر الناس وتوجيههم ووجود اتباع ومصدقين له، وهذه الأهلية من وجوه:
الأول: الرفعة والمنزلة العظيمة بنيل مرتبة النبوة.
الثاني: الإختصاص بالوحي والتنزيل.
الثالث: الشرف العظيم بتلقي الوحي من الملائكة.
الرابع: النبي واسطة بين الله والخلق، وهذه الوظيفة عنوان للفخر والعز.
الخامس: صبغة الكمال الإنساني المترشحة من تلقي الوحي.
السادس: تفضله تعالى باصلاح الرسول لإمامة الناس، ومن خصائص الإمامة قيادة الناس والتي تكون الأوامر والنواهي من مستلزماتها فلذا لا ينال النبوة الا بعد بلوغ مراتب الكمال والعصمة من الزلل واتباع الهوى.
السابع: يأتي النبي برسالة للناس لهدايتهم وهذه الرسالة لا تنحصر بالتبليغ والإخبار وحده، بل بالإنذار والتخويف من الكفر والجحود، وبالحث على الإيمان واخلاص العبودية لله تعالى.
ومع أهلية النبي لتوجيه الأوامر فانه لا يأمر الناس بالمنكر والقبيح واسباب الكفر بل يأمرهم بما هو حسن وممدوح وما يكون سبيلاً للنجاة في النشأتين، وتدعو الآية الى تتبع اوامر الأنبياء الى قومهم واستنباط الدروس والعبر منها، لتكون مدرسة للأجيال وسبيلاً للصلاح، وطريقاً يقتدي به الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وتوجه اوامر النبي الى الناس جميعاً يبين عظيم منزلته بينهم، والأثر الناتج عن دعوته، وهذه المنزلة ملازمة للنبوة كي تتحقق الفائدة والنفع الأمثل منها، لذا فان أوامره لا تتضمن الدعوة لعبادة غير الله عز وجل.
ولا تكون صلة النبي بالملائكة وتلقي الوحي منها، أو رؤيتها اثناء الوحي سبباً لإفتتانه بها كما انه يحرص على منع الناس من عبادتها، وجاءت الآية على نحو النفي المطلق لدعوة الباطل بمعنى ان النبي لا يأمر بعبادة غير الله مطلقاً في أي حال من الأحوال، في الشدة والرخاء، والإختيار والإكراه، فلو قام احد الملوك بمحاولة اجبار احد الأنبياء على الدعوة لعبادة الملائكة او ملك مخصوص فهل يحتمل ان يقبل تقية وحرصاً على سلامته وسلامة اتباعه، الجواب لا.
لذا جاءت الآية بالإطلاق للدلالة على اخلاص الأنبياء لوظائفهم العقائدية وانهم نالوا مراتب الكمال في الإيمان واليقين، فلا يتسرب الى نفوسهم الشرك ولا يدعون الناس اليه ولو على نحو الظاهر الذي يعرف الناس انه تقية وعن اكراه.
ولم تقل الآية [وَلاَ يَأْمُرَكُمْ] بل جاءت بصيغة المفرد المنبسطة على كل الأنبياء بلحاظ اتيان كل واحد منهم الكتاب والحكم والنبوة، ولكن لصيغة المفرد في المقام أدلة منها:
الأول: قدرة وأهلية كل نبي على الأمر والنهي.
الثاني: اوامر النبي لا تنحصر بأهل بيته او اتباعه او قبيلته بل تشمل الناس جميعاً، وهذا امر لا يتم لولا العناية والفضل الإلهي.
الثالث: اعتبار اوامر النبي عند الناس، واصغائهم لها، ولو على نحو الموجبة الجزئية، كما هو ظاهر جلي في وجود اصحاب وانصار واتباع لكل نبي، ولكن لو تنزلنا وعلى مقولة فرض المحال ليس بمحال انه لو دعا النبي الى عبادة الملائكة فهل يكون له اصحاب او اتباع الجواب لا، فليس من احد يتبعه ابداً، فان قلت من الناس والملوك من دعا الى عبادة الملائكة او عبادة نفسه فاتبعه الناس، فكذا النبي ان لم يكن من باب الأولوية والجواب انه قياس مع الفارق من وجوه:
الأول: ان الملوك يأخذون الناس بالقوة والإكراه في الدعوة الى عبادتهم، وهذه العبادة ليست تامة ولا مستقرة، بل تتعلق بالطاعة الشخصية في غير مرضاة الله، والناس يدركون بطلانها، وان الملك بشر مثلهم ويلتقي معهم في الفقر والحاجة الى غيره، وينتظره الموت والعدم.
الثاني: يعلم الناس ولو على نحو الإجمال وجود العالم الآخر، ووقوف الناس للحساب بين يدي الله، وهذا العلم برزخ دون التصديق بدعوى الملوك وان عمل بها ارباب المصالح والمنافع والملأ من الناس.
الثالث: قيام الأنبياء السابقين بالدعوة الى الله، وتوكيد عبودتهم والملائكة لله تعالى، والملازمة بين التوحيد والنبوة.
الرابع: منافع حجة العقل التي جعلها الله عز وجل عند الإنسان لنفي الربوبية عن غير الله.
والفاعل في قوله تعالى[وَلاَ يَأْمُرَكُمْ]ضمير مستتر تقديره هو، وفيه وجوه:
الأول: لا يأمركم الله، وبه قال الزجاج.
الثاني: لا يأمركم محمد، عن ابن جريج.
الثالث: لا يأمركم عيسى( ).
الرابع: لا يأمركم الأنبياء بان تتخذوا الملائكة ارباباً كما فعلته قريش، نسبه الرازي الى القيل ( ).
والصحيح ان المراد هو النبي مطلقاً والتقدير ولا يأمركم البشر الذي يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ان تتخذوا الملائكة والنبيين ارباباً، من وجوه:
الأول: ورود آيات تدل على دعوة الأنبياء لعبادة الله.
وفي قوم شعيب ورد قوله تعالى [قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا]( ).
الثاني: اعلان الأنبياء اخلاصهم العبادة لله تعالى في دعوة للناس للإقتداء بهم، قال تعالى [ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ]( ).
الثالث: صيغة الإطلاق لا تتعارض بارادة الزجر عن الغلو في عيسى عليه السلام.
الرابع: نظم الآية وان هذه الآية معطوفة على الآية السابقة موضوعاً وحكماً ولغة، بقرينة حرف العطف (الواو) الذي تبدأ به الآية.
قانون عموم الدعوة
لقد اعز الله الناس من بين الخلائق بالنبوة، فيختار من بينهم احدهم لتلقي الوحي فينبسط التفضيل والتشريف على الأجيال المتعاقبة من الرجال والنساء، وهل يشمل هذا التشريف أهل الجحود الجواب نعم، لأن موضوع النبوة مركب من امرين:
الأول: بعثة النبي وارادة شخص معين لنيل مرتبة النبوة.
الثاني: توجه دعوة ورسالة النبي للناس جميعاً، فهو من الكلي الطبيعي الذي تكون لكل انسان حصة فيه، فان قلت من الناس من يكذب بالنبي ويؤذيه ويجحد برسالته، قلت: هذا لا يتعارض مع شموله بخطابات النبوة الا ان الحجة عليه تكون اكبر في النشأتين.
وشمول الكافر بالدعوة الى الإيمان بواسطة الأنبياء آية في الرحمة الإلهية، وشاهد على عدم تقييد الرأفة الإلهية بشرط او قيد بخصوص توجهها للناس جميعاً، فهي خبر محض يحمل صبغة العموم وان كان انتفاع الناس منها على مراتب متفاوتة، ومع التباين بينها فكل مرتبة عز وفخر للإنسان وباب للمغفرة والتوبة، ولكن من الناس من يقابلها بالإعراض والجحود، ومع هذا فان مبادئ ومضامين النبوة لا تنقطع عنه، بل تتوجه اليه بعرض واحد مع اهل الإيمان، وان اختلفت الصيغة، ولا يكون جحوده علة تامة او جزء علة لإهماله وتركه وحجب الدعوة عنه، بل تستمر النبوة معه بخطاباتها بصيغ الوعد والوعيد، والجذب والتخويف، ومن يبلغ درجة الإيمان ومنازل اليقين فان دعوة النبوة لا تنقطع عنه، ولا يمكنه الإستغناء عنها بل يبقى محتاجاً اليها.
وتوجه الخطاب النبوي للناس من اسمى واعظم وظائف النبي، فهو ثمرة النبوة والواسطة الكريمة بينه وبينهم، نعم قد يبعث نبي لقومه او أمته او قبيلته ولكن هذا لا يمنع من القول بعموم دعوته، فهي عامة لقومه وامته وابناء قبيلته، ولا يعني خصوص البعثة للأمة والقبيلة حصر الدعوة الى الله بهم، فكل نبي آية وحجة على الناس جميعاً في الحث على طاعة الله.
ان قانون عموم دعوة النبوة من أعظم الآيات من وجوه:
الأول: تعلقه بخلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) الذي جاء في الرد على الملائكة حينما سألوا عن اختيار الإنسان خليفة في الأرض.
الثاني: بيان عظيم فضله تعالى، واتصال رحمته تعالى بالإنسان فمن مضامين هذا القانون دعوة الناس للصلاح والرشاد.
الثالث: حضور النبوة في المجتمعات مع تباين الأزمنة واختلاف الأمصار، لذا ترى كل امة تتبع نبياً من الأنبياء، وتعرف عدداً منهم.
الرابع: هذا القانون توطئة ومناسبة للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمتثال لما جاء به من الأحكام الشرعية.
الخامس: انه ذو صبغة مركبة من وجهين متضادين فهو باب للثواب والنفع العظيم على المؤمن وحجة في عقاب الجاحد والكافر بالنبوة.
السادس: ليس من حدود للغايات الحميدة للنبوة وهي تشمل الحياة الدنيا والآخرة.
وتجلت معاني هذا القانون والعموم الإطلاقي في الدعوة النبوية بنبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهي موجهة للناس جميعاً، وملائمة لكافة الأشخاص والمجتمعات والأزمنة والأمكنة والأمصار مع التباين فيما بينها.
ويمكن استقراء أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء وسائر الخلق من هذا القانون لأنه بعث الى الناس كافة وبشر به الأنبياء الآخرون، وجاءت رسالته في مساواة الناس، واعتبار الرجحان والتفضيل بلحاظ الإيمان والتقوى.
وجاء القرآن كتاباً جامعاً للأحكام الشرعية، محيطاً بالوقائع والحوادث.
قانون تعدد الغاية
تبلغ كلمات القرآن النازلة من عند الله (77430) متفرقة في (6236) آية قرآنية، وهذا العدد المحدود من الكلمات يحيط باللامحدود من الحوادث والوقائع، ومن الآيات في هذا الباب ان يأتي اللفظ القرآني الواحد في مواضيع وغايات متعددة كما ان هذه المواضيع توليدية، تتفرع الى مثلها او اضعافها في دلالاتها وغاياتها.
وهذا القانون منبسط على آيات القرآن، وهو سر من اسراره، ووجه من وجوه اعجازه، وتتنوع ذات الغايات بتباين الزمان والأمصار ليبقى القرآن ملائماً لجميع الأزمنة، واماماً للناس على مختلف اجيالهم.
ومع ان هذه الآية جاءت بخصوص عدم قيام الأنبياء بأمر الناس بعبادة الملائكة ولكنها تتضمن أموراً وغايات أخرى منها:
الأول: اهلية الأنبياء للقيام بامر الناس وتوجيههم، وهذه على شعب محتملة هي:
الأولى: الفضل الإلهي على الأنبياء في صلاحهم للإمامة والقدرة على توجيه الأوامر للناس.
الثانية: رفعة وعلو مقام الأنبياء باعتبار ان الأمر يشترط علو الآمر على المأمورين.
الثالثة: امتلاك النبي للحجة والبرهان في الدعوة الى الله.
الرابعة: انصات واصغاء الناس لما يقوله النبي لأنه يأتي بالآيات التي تدل على نبوته وانه مبعوث من عند الله ويمتلك ما لا يملكه غيره من البشر، الا ان هذه الملكية ليست ذاتية محضة، بل هي جزء من وظيفة الواسطة بين الله عز وجل وبين الناس.
الخامسة: عمومات الرحمة الإلهية في جعل افئدة الناس تميل الى ما يقوله النبي.
السادسة: ملائمة اقواله لإدراك العقل الإنساني.
السابعة: تحلي الأنبياء بالأخلاق الفاضلة والسجايا الحميدة.
الثامنة: موضوعية نفخ الروح في الإنسان في جعل النفوس تستجيب لدعوة المبعوث من السماء، فلابد من صلة بين نفخ الروح وبين النبوة وكلاهما نازلان من السماء، والأول عام، والثاني خاص، أي ان الأول عند الناس جميعاً، اما الثاني فينفرد به الأنبياء على نحو الخصوص وكل واحد منهما تعضيد للثاني وشاهد على سماويته.
الثاني: محاربة الأنبياء للشرك ومضامينه.
الثالث: وحدة عمل الأنبياء، فليس من تباين في عملهم، فإتيان النبوة يؤدي قطعاً الى اجتناب الكفر والضلالة.
الرابع: النبوة رحمة للناس جميعاً، فيجب ان لا يقوم فرق من الناس باتخاذ احكامها ومضامينها للشرك والضلالة.
الخامس: حرمة الغلو بالأنبياء.
السادس: توكيد حقيقة وهي ان النبي لا يدعو لربوبيته او ربوبية غيره من الأنبياء.
السابع: لزوم اتباع الأنبياء والرجوع اليهم في الأحكام سواء في العبادات او المعاملات، والإفتراء عليهم علة لصد الناس عنهم لذا جاء القرآن ببراءة ساحتهم.
الثامن: مجي الآية لتنزيه الأنبياء، وهذا التنزيه ضرورة لبقاء الناس على اتباع الأنبياء، فكما ان الإفتراء على الأنبياء محاولة لحجب الناس عن اتباعهم فكذا الغلو في اشخاصهم وجعلهم بمنزلة الربوبية.
التاسع: وجود أوامر وخطابات للنبي موجهة للناس جميعاً، فأراد قوم تحريف هذه الأوامر ونسبوا الى الأنبياء كلاً او بعضاً ما هو منافِ لرسالتهم.
العاشر: حث الناس على عدم الإصغاء لأهل التحريف، والذين يقومون بتشويه النبوة في غاياتها ومقاصدها.
الحادي عشر: عدم أهلية الملائكة والنبيين للربوبية، وهم عباد لله تعالى.
الثاني عشر: الأنبياء لا يأمرون الا بطاعة وعبادة الله وعدم الشرك به.
وقانون تعدد الغاية سر دائم من اسرار القرآن وباب من ابواب اعجازه.
ومن خصائص هذا القانون وجوه:
الأول: عدم امكان احصاء غايات الآية القرآنية.
الثاني: بقاء باب البحث والإستنباط والإستنتاج فيها مفتوحاً، يدعو أهل العلم والتحقيق لإستخراج الدرر البهية منه.
الثالث: غايات القرآن كنوز متعددة.
وجاء الغوص في خزائنه في تفسير هذه الآية من باب المثال والشاهد على الإنبساط على آيات القرآن الأخرى.
قانون الكنز
الكنز اسملما يجمع في وعاء، وما يدخر ويحرز، ويطلق على المال المدفون، وجمعه كنوز، يقال كنزه يكنزه كنزاً واكتنزه، وفي الحديث: اعطيت الكنزين، الأحمر والأبيض، واكتنز الشيء: اجتمع وامتلأ.
ولفظ الكنز اعم من المال المدخر، وفي الحديث: لا حول ولا قوة الا بالله كنز من كنوز الجنة( )، أي ان ثوابها مدخر بما يجعل قائلها ينتفع منها يوم القيامة، وفي قوله تعالى [وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا] ( )، قال ابن عباس: ما كان ذهباً ولا فضة ولكن كان علماً وصحفاً.
ولم تجتمع كنوز مثل التي اجتمعت في القرآن من جهة الكم والكيف والموضوع والحكم والنفع العظيم، وهذا من اعجاز القرآن، ودليل على عدم امكان الإستغناء عنه، وفيه ترغيب للناس باللجوء اليه في حال الإختيار والإضطرار، والرخاء والشدة.
تعتبر كل آية من آيات القرآن كنزاً علمياً وثروة فكرية لم ير التأريخ مثلها ابداً، وتتخذ الآية صفة الكنز من وجوه:
الأول: كل آية قرآنية كنز مستقل بذاته.
الثاني: تفرع وانشطار مضامين الآية الى كنوز متعددة.
الثالث: عدم انحصار كنوز الآية بموضوع او علم مخصوص بل هي متعددة ومتفرقة.
الرابع: الآية القرآنية كنز بلحاظ اجتماعها مع غيرها من الآيات القرآنية، وهذا الوجه على أقسام:
الأول: الآيات الأخرى تعضد ما في الآية الواحدة من الكنوز.
الثاني: تتشعب وتتعدد الكنوز باجتماع الآيات، فكل آيتين او أكثر تكون كنزاً وثروة علمية وعقائدية، وهذا القسم لا يتعارض مع القسم الأول أعلاه بمعنى ان الآية ذاتها تكون كنزاً مستقلاً معضداً بالآيات الأخرى، وتكون مع غيرها كنزاً او كنوزاً اخرى وهذا من اعجاز القرآن وبقائه حياً في كل زمان.
الثالث: موضوعية تقسيم القرآن الى آيات وسور في تتبع اسرار القرآن وما فيه من الدر والخزائن.
الرابع: عدم انحصار موضوع وحكم الآية بزمان مخصوص، بل ان حكمها مستديم ومتصل ودائم، وهذه الإستدامة كنز قائم بذاته وخزينة تدعو الناس للجوء للأخذ منها عند الحوادث والوقائع وموارد الإبتلاء.
الخامس: من خزائن القرآن ما في هذه الآية من تثبيت لحقيقة اخلاص الأنبياء في الدعوة الى الله، وقانون عدم اهلية الملائكة للألوهية.
السادس: هذه الآية كنز قائم بذاته لمنع الغلو بالأنبياء او الإفتراء عليهم، وهي حرز من التعدي على مقامات الأنبياء.
وبلحاظ زمان استخراج واستنباط كنوز القرآن هناك وجوه هي:
الأول: ما تم اكتشافه ومعرفته وهو على شعب:
الأولى: الإحاطة باسباب النزول.
الثانية: مجيء السنة النبوية بياناً وتفسيراً لآيات وخزائن القرآن.
الثالثة: الوقائع والحوادث التي تهدي الى كنوز القرآن ومضامينه القدسية.
الثاني: الكنز الذي ظهر وأستبان جزء او شطر منه، لتبقى الأجزاء الأخرى منه خزائن تنتظر الفتح والإستخراج منها سواء على نحو الكلية أو الجزئية.
الثالث: الكنوز المدخرة للقادم من الأيام، والمستحدثات من المسائل.
الرابع: الكنوز القرآنية المستحدثة التي تتضمنها الآيات القرآنية وتدل عليها الوقائع والأحداث.
وليس من آية قرآنية خالية من الدرر واللآلئ، وكل آية تدعو الناس لإستخراج كنوزها، وهذه الكنوز لا تنفد ولا تبلى بل هي تتجدد على اقسام:
الأول: ذات الكنز تظهر له فروع مستحدثة ومصاديق جديدة.
الثاني: انشطار الكنز الواحد الى كنوز كثيرة بلحاظ الموضوع والإعجاز والغايات الحميدة.
الثالث: تعدد الكنوز في الآية الواحدة.
ومن الكنوز في هذه الآية انها مدرسة لإستنباط الدروس والعبر من سيرة الأنبياء، وابطال الغلو فيهم واثبات انهم عبيد لله عز وجل اختارهم الله عز وجل للرسالة واسسوا قواعد الإيمان وتعاهدوها ومنعوا من التفريط بها.

قوله تعالى [أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ]
تنفي الآية عن الأنبياء دعوتهم لإتخاذ الملائكة ارباباً، وهذا أمر بسيط غير مركب ومفهوم من كل انسان عالماً كان او جاهلاً، ومن اعجاز القرآن ان تأتي اهم المسائل الكلامية فيه بسيطة واضحة، لا تحتاج الى وسائط لمعرفتها بل يحكم بها العقل لذاتها من غير سبب خارجي لتصور طرفيها.
وجاءت الآية بصيغة الجمع بخصوص الملائكة، والمراد المفرد والجمع فاي نبي لا يدعو الى عبادة ملك واحد، او عدة ملائكة، والملائكة اجسام لطيفة سكنها في السماء، خلقها الله عز وجل عقولاً بلا شهوة فهي دائبة على العبادة، مجبولة على الخير والصلاح وقيل انها عند الفلاسفة العقول المجردة والنفوس الفلكية.
وتفضل الله عز وجل وجعلها وسائط بينه وبين الإنسان فتنزل على النبي بالوحي، ويراها في صور متعددة لقدرة الملائكة على الظهور بصور مختلفة، ولكن هذا النزول والهيئات لا يكون سبباً لإفتتان النبي بها او دعوة الناس لعبادتها، فمع رؤية الرسول للملائكة وتلقي النبي الوحي منها يزداد يقيناً، ويدرك ان الملائكة رسل الله وجند من جنوده، كما ان الملائكة تعلم مقام النبي وتكرمه وتظهر معاني الخشوع لله تعالى ساعة النزول بالوحي والتنزيل مما يدفع اسباب الإفتتان جملة وتفصيلاً.
وجاءت الآية بصيغة الخطاب [وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا] وتحتمل وجوهاً:
الأول: ارادة الأمم السابقة.
الثاني: توجه الخطاب للكافرين والمشركين لإقامة الحجة عليهم.
الثالث: الخطاب للمسلمين لأنهم الذين تلقوا آيات القرآن بالقبول والتصديق.
الرابع: القرآن لم ينزل للمسلمين خاصة، بل نزل للناس جميعاً ولكن المسلمين هم الذين آمنوا به وانتفعوا منه، لذا فان الآية خطاب للأجيال المتعاقبة منذ نزول القرآن.
الخامس: توجه الخطاب للناس جميعاً، سواء الأمم السابقة او اللاحقة.
والصحيح هو الأخير وقد تقدمت الإشارة اليه، فالأنبياء لا يقولون للناس اتخذوا الملائكة ارباباً، بل يدعونهم لعبادة الله ويتحملون من اجل هذه الدعوة الأذى والعناء الكثير.
وينزل الملائكة على الأنبياء لتبليغهم بالوحي واعانتهم على بلوغ اعلى مراتب اليقين، ويصاحبونهم في الحياة الدنيا لطرد زيغ الشيطان، ودفع الشرور والمكر عنهم لحين اكمالهم أداء رسالتهم.
وهل تدل الآية على عظيم منزلة الملائكة الجواب نعم ولكنهم لا يتجاوزون حدود العبودية لله تعالى، فكل ملك هو عبد داخر لله عز وجل، وعظيم خلقه وبديع صنعه وقدرته الفائقة على الأعمال الشاقة لا ترقى به الى الربوبية، لإنحصار الربوبية بالله تعالى، ولأن الملائكة خلق من مخلوقاته تجلت فيها قدرته كما تجلت في الإنسان، ومثلما لا يجوز للإنسان ان يفتتن بالملك، فكذا لا يجوز للملك ان يفتتن بالإنسان لبديع صنعه وصلاحه وتقواه، خصوصاً وان الله امر الملك ان يسجد للإنسان.
فالملائكة سجدوا لآدم بأمر من الله عز وجل ومع هذا لم يفتتنوا بانسان ولم يتخذوه رباً، فما بال الإنسان الذي سجد له الملائكة يفتتن بهم ويتخذهم ارباباً، ولعل سجود الملائكة عن هذه الوظيفة للشأنية التي تكون للمرسل اليه، فحينما سجد الملائكة لآدم استعدوا لتولي شرف نقل الوحي والتنزيل له، كما ان الأصل هو طاعة الملائكة المطلقة لله تعالى، فقد خلقهم الله عز وجل ليكونوا مجبولين على طاعته، وفي الآية مسائل:
الأولى: تنزيه الأنبياء عن الدعوة لغير الله.
الثانية: علم الأنبياء بان الملائكة رسل من عند الله، وليس لهم صفة الربوبية او البنوة لله تعالى.
الثالثة: عدم دعوة الأنبياء الا لعبادة الله عز وجل.
الرابعة: حرمة اتخاذ الملائكة ارباباً.
الخامسة: نزول الملائكة بالوحي، ومعرفة الناس بهم وبعظيم خلقهم يجب ان يكون سبيلاً لزيادة الإيمان بالله تعالى، وليس الكفر والشرك والضلالة.
السادسة: امتناع دعوة النبي لغير الله، وهذا سر من اسرار النبوة، فحينما يأتي الله عبداً النبوة وينزل عليه الكتاب، ويصلحه للحكم بين الناس فانه يبلغ اعلى مراتب اليقين، ولا يدعو الا لله تعالى.
السابعة: في الآية حث للناس على الرجوع الى الأنبياء والأخذ منهم ومن اتباعهم، واذ انتهت فترة النبوة وبقت تركتهم من الكتاب والأتباع فيشترط عدم طرو التحريف على الكتاب، وعدم قيام الأتباع بالغلو بالأنبياء او الإفتراء عليهم، بمعنى ان الكتاب الذي لا يخبر عن دعوة النبي لعبادة الله وحده، ليس بكتاب منزل ولا يحكي سنة النبي، كما ان الأتباع والأنصار الذي يغالون بشخص النبي ويجعلونه بمرتبة الربوبية او يدعون ان النبي قال بتأليه الملائكة ليسوا باتباع للنبي بل هم اعداء للنبوة ولأنفسهم وللناس، وجاءت هذه الآية الكريمة للتحذير منهم، وفضحهم وابطال مقولتهم.
الثامنة: تبين هذه الآية اكرام القرآن للأنبياء وتأسيس قواعد كلامية ثابتة الى يوم القيامة تشهد باخلاصهم العبادة لله.
التاسع: لا أحد يستطيع الإحاطة بمنافع هذه الآية الكريمة في زجر الأمم والجماعات المختلفة عن أمور هي:
الأول: الإفتراء على الأنبياء.
الثاني: الغلو بالملائكة واتخاذهم ارباباً.
الثالث: الجهل بالملائكة وبديع خلقهم بمعنى ان الآية تدعو الى نظرية الوسط الإسلامي ومعرفة الأشياء كما هي، فالنهي عن اتخاذ الملائكة ارباباً، وتوكيد حقيقة عدم دعوة الأنبياء لعبادتهم لا يعني تجاهل امر الملائكة او انكار وجودهم او الجفاء معهم، فلابد للناس من الإقرار بوظائف الملائكة وانهم رسل الله والوسائط الكريمة بينه وبين الأنبياء، وهذه الوسائط تتصف بالأمانة والصدق والأداء التام لما يأمرون به.

قوله تعالى [وَالنَّبِيِّينَ]
النبيون جمع نبي، وهو الإنسان الذي اختاره الله عز وجل للإخبار عنه وتبليغ الأحكام الشرعية من غير واسطة انسان آخر، وهذا الإختيار تشريف للأنبياء، ومنزلة لا يرقى اليها احد غيرهم، والنبي عنوان جامع يشمل الرسول ايضاً، فكل رسول هو نبي وليس العكس، قال تعالى [وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا] ( )، ويلتقي النبي والرسول بالمعجزة الدالة على النبوة، ولكن الرسول ينزل عليه كتاب من عند الله، وقد يكون النبي داعياً الى كتاب الرسول الذي سبقه، ودعوة النبي هذه فيها وجوه:
الأول: اتمام رسالة الرسول السابق.
الثاني: تثبيت الكتاب الذي نزل به بين الناس.
الثالث: انها جهاد دنيوي دون تحريف مضامين الكتاب السماوي.
الرابع: تمنع هذه الدعوة من تضييع الكتاب المنزل او الإعراض عنه، لأنها دعوة سماوية لتجديد التمسك به.
الخامس: دعوة النبي الى كتاب الرسول الذي سبقه دعوة الى الله وحث على عبادته، وجذب الناس الى الكتاب المنزل وتوكيد لزوم العمل بمضامينه.
والمراد من لفظ (النبيين) في الآية الكريمة وجوه:
الأول: الأنبياء جميعاً فلا يتخذ أي نبي رباً.
الثاني: الأنبياء السابقون فلا يدعو النبي للأنبياء السابقين له في البعثة والرسالة.
الثالث: ذات النبي، فالنبي لا يدعو لربوبيته.
الرابع: النبي لا يدعو لربوبية الرسل، وان كان الرسل ارفع واسمى درجة من الأنبياء وان الرسول يعاين الملك ويسمع صوته، ويبعث بكتاب ينسخ شريعة من قبله.
الخامس: لا يدعو الأنبياء لربوبية سيد الأنبياء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل يبشرون برسالته.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، فكل واحد منها من مصاديق الآية الكريمة، ونفي دعوة الربوبية لغير الله مطلق، فالنبي واسطة بين الله والناس يتصف بالأمانة والصدق، جعله الله مؤهلاً لأداء الرسالة منزهاً عن الخيانة الظاهرة والخفية، ويدرك ان الأنبياء عبيد لله، اكرمهم تعالى بان آتاهم الكتاب والحكم والنبوة.
وتتضمن صيغة الإطلاق في الآية المدح والثناء على الأنبياء لإخلاصهم في الدعوة الى الله وعدم خيانة امانة السماء التي تحملوا اعباءها، وجاهدوا من اجل تثبيتها في الأرض وهي اعلاء كلمة التوحيد وجذب الناس الى الإسلام وجعلهم يتفقهوان في أمور دينهم.
وجمعت الآية بين الملائكة والنبيين وفيه مسائل:
الأولى: لعظيم منزلة كل فريق منهما، وتقدم ذكر عظيم خلق الملائكة، وما يأتون به من الأعمال الشاقة، وهيئاتهم العظيمة، فحينما امر الله جبرئيل ليدمر مدائن لوط بعد شيوع الفاحشة بينهم وقال مخبراً عن قوته لما سأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها حملت المدائن من الأرضين السفلى الى السماء حتى سمع اهل السماء صياح ديكتهم، بريشة واحدة من جناحي انتظر امر ربي الى الصبح) ومع هذا تراه عليه السلام يتخلف عن الموضع الذي بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السماء السابعة ولا يتقدمه في الصلاة , ويبالغ في اكرامه وفيه دعــوة للناس جميعـاً للإنقياد لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه.
وأما الأنبياء فلما يمتازون به من بين البشر من المعجزات الخارقة للعادة والمقرونة بالتحدي والسالمة عن المعارضة، فعيسى مثلاً يحيي الموتى ويبرء الأكمه والأبرص، ولكنه لا يدعو لنفسه ولا لغيره من الأنبياء ولا يدعو له الأنبياء الآخرون، وما عنده من الآيات الباهرات انما هو فضل من الله عليه وعلى الناس جميعاً، ورحمة ووسيلة لتقريب الناس الى الهدى والإيمان.
الثانية: جاء تقديم الملائكة على النبيين في الآية وفيه وجوه:
الأول: بين النبي والناس عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي الآدمية ووحدة السنخية البشرية، اما مادة الإفتراق فهي النبوة والوحي عند الأنبياء خاصة، اما الملائكة فان النسبة بينهم وبين الناس في الخلق هي التباين والتنافي.
الثاني: اختلف في افضلية الملائكة على الأنبياء او العكس، فمن المتكلمين من قال بافضلية الأنبياء لأن الله امر الملائكة بالسجود لآدم، وقال المعتزلة بافضلية الملائكة العلوية، ولكن تقديم الملائكة هنا لا يدل على افضليتها على الأنبياء، انما جاء التقديم لبيان اهمية الملائكة في باب الإفتتان وميل طائفة من الناس لأتخاذها ارباباً من دون الله.
الثالث: اتفق الناس على عظيم منزلة الملائكة، اما الأنبياء فالناس معهم على قسمين:
الأول: اهل الإيمان الذين يقرون بعظيم منزلة الأنبياء، وقاموا باتباعهم فيما جاءوا به من الأحكام.
الثاني: اهل الضلالة وينقسمون بخصوص الإيمان ببعثة الأنبياء الى أقسام:
الأول : الجحود والكفر برسالتهم.
الثاني : الغلو فيهم ونسبة الربوبية لهم.
الثالث : الإفتراء عليهم، وادعاء قول الأنبياء بالربوبية غلواً وافتراء عليهم في آن واحد، لذا جاءت الآية القرآنية بتنزيه الأنبياء.
لقد اراد عز وجل من الأنبياء ان يكونوا خلفاءه في الأرض والأئمة الهداة الى عبادته ودينه فلا يمكن ان يخرجوا عن احكام وشرائط وضوابط الخلافة فلا يكونوا دعاة لأنفسهم، ومن الآيات الإعجازية في النبوة ان جميع الأنبياء منزهون من الدعوة لغير الله فلذا جاءت الآيات لتزكيتهم ونفي الفرية عنهم، لقد ترك الأنبياء للناس تركة عقائدية تؤكد أهلية الإنسان للخلافة، وتكون باباً للشفاعة والمغفرة، اذ انهم جاهدوا في سبيل تثبيت كلمة التوحيد، وتحملوا العناء في جنب الله، وحاربوا الغلو فيهم، وعن صهيب ان معاذاً لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال: يا معاذ ما هذا؟
قال: ان اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها. ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت: ما هذا؟
قالوا: تحية الأنبياء.
فقال عليه السلام: كذبوا على انبيائهم( ).
ويبين الحديث شيوع حال الغلو بالأنبياء واتصاله ووصوله الى العلماء والعظماء عند اهل الكتاب، فجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاجة لإنقاذ الناس من الغلو والغي، فاذا كان اهل الكتاب يفعلون هذا، ويسجدون لعلمائهم فما بال الكفار والمشركين.
وفي رد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه:
الأول: فضح الكذب على الأنبياء.
الثاني: اثبات التحريف عند أهل الكتاب.
الثالث: تنزيه العقائد السماوية.
الرابع: اكرام الأنبياء والإخبار عن عدم سجود الناس لهم، وان تحيتهم ليست السجود لهم.
وهذا الحديث من مصاديق هذه الآية الكريمة، وهو تفسير بالسنة النبوية القولية والفعلية للآية القرآنية، أما القولية فلما يدل عليه في منطوقه ومفهومه من نفي سجود الناس للنبي بعنوان التحية او غيرها، واما الفعلية فهي رفضه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد الناس له، وتوكيده بان السجود لا يصلح الا لله تعالى.
قوله تعالى [أَرْبَابًا]
الرب هو الله عز وجل، وهو اله كل شيء، ومالك الخلائق كلها، وله الربوبية عليها جميعاً واذا ورد الرب بلفظ الإطلاق فيراد منه الله عز وجل، ولا يراد به غيره الا بالإضافة كما يقال رب الناقة، وربة البيت، ويرد الرب بمعنى المالك وصاحب الشيء، ويقال: فلان رب هذا الشيء أي ملكه له.
فالرب له معنيان:
الأول: الإله.
الثاني: المالك.
وكلاهما يصدقان على الله عز وجل لأنه اله ومالك كل شيء، الا ان الثاني يشمل غيره سبحانه لذا يرد بالإضافة للبيان، والمراد من الآية المعنى الأول، وهو ان النبي لا يأمر الناس باتخاذ الملائكة والنبيين آلهة، لذا جاء التوكيد على تنزيه ساحة الأنبياء من الشرك او الدعوة اليه، والناس في الحياة الدنيا على أقسام:
الأول: الداعية الى الله تعالى.
الثاني: المستجيب للدعوة الى الله.
الثالث: الذي يدعو الى الشرك والضلالة.
الرابع: من يصغي لأفكار الكفر ويهوى الضلالة ويتبع اغواء الشيطان.
الخامس: الذي لا يلتفت الى وظيفته الشرعية، وما يجب عليه من التكاليف، ويلحق باهل الضلالة.
والأنبياء هم من القسم الأول، بل هم قادته والى يوم القيامة، فان قلت ان النبوة قد ختمت بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكيف صاروا قادة الأجيال اللاحقة في الدعوة الى الله، قلت: ان الكتب والآيات التي جاءوا بها باقية بين الناس الى يوم القيامة، لذا وردت الآية بصيغة المضارع ومخاطبة الأجيال المتعاقبة من الناس لتكون حجة عليهم، فمن الإعجاز بقاء دعوة الأنبياء الى الله بين الناس، وهذا البقاء كاشف عن صدق ايمانهم واخلاصهم في سبيل الله.
وفي صيغة المضارع نفي متجدد ودائم للإفتراء على الأنبياء، ودعوة لطاعتهم والعكوف على دراسة الكتب التي انزلت عليهم وسننهم مع الإقتداء بهم واتباعهم.
ومن الآيات ان ينزل القرآن من عند الله عز وجل وفيه ذكر لموضوع الأرباب مع اختصاص الربوبية به تعالى، وذكر الأرباب جاء هنا للإحتجاج والمنع من الشرك والضلالة، وليس من رب سواه سبحانه ومع هذا ينزل القرآن بصيغ الجدل والإحتجاج التفصيلي وذم الأمر الموجود في الواقع العملي ان كان شاذاًَ ومخالفاً للشرع والعقل والأصل، وهذا الإحتجاج وما فيه من نفي الربوبية عن غير الله آية اعجازية وعون للناس على الهداية والإيمان، والنفي الوارد في الآية على وجوه:
الأول: ان النبي لا يدعو لربوبية ملك من الملائكة سواء كان جبرئيل او ميكائيل او اسرافيل او غيرهم.
الثاني: لا يدعو النبي لربوبية الملائكة مجتمعين فلا يقول ان كل ملك هو رب.
الثالث: لا يدعو النبي لعبادة نبي مثله او رسول من الرسل.
الرابع: لا يدعو الأنبياء لعبادة انفسهم.
الخامس: النبي منزه عن الدعوة لعبادة الملائكة والأنبياء.
السادس: لا يدعو النبي لعبادة ملك او نبي على نحو التعيين، او مطلقاً وبصيغة التنكير، وجاءت صيغة الجمع لإفادة الإطلاق في النفي ولبيان نزاهة الأنبياء التامة عن الدعوة لغير الله.
لقد أراد الله عز وجل من النبوة ان تكون آية في الأرض، وطريقاً للهداية، وسبيلاً لبيان الأحكام الشرعية، وعوناً للناس على معرفة واجبات العبودية، ولكن اهل الغواية والضلالة سعوا في تشويه وظائف النبوة، فجاءت هذه الآية لفضح هذا السعي والتصدي له ومنع تأثيره في الناس، وأراد الله عز وجل بالإحتجاج التفصيلي في هذه الآية تثبت دعائم الدين ومنع الناس من الإعراض عن النبوة، فهي خير محض، وسر سماوي، وآية ملكوتية، وجاء القرآن ليعيد لها نضارتها واشراقتها، ويدعو الناس لينهلوا منها مبادئ المعرفة وعلوم الشريعة وقواعد الأحكام.
علم المناسبة
ورد لفظ (ارباب) بصيغة الجمع في القرآن اربع مرات وهي:
الأولى: في يوسف واحتجاجه على صاحبيه في السجن كما ورد في التنزيل [ يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ]( )، وهي لغة احتجاج وابطال للشرك، ودعوة للتوحيد والإقرار بالربوبية لله عز وجل وحده فهو خالق كل شيء ويجب ان تتوجه الخلائق كلها له بالعبادة كل بحسبه، لذا ورد قوله تعالى [ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرض]( )، وممن يسجد لله الملائكة والأنبياء، فكيف يتخذهم الناس ارباباً وآلهة.
والآية أعلاه هي الوحيدة التي ورد فيها لفظ (ارباب) بصيغة الرفع، وبلحاظ الجمع بينها وبين الآية محل البحث يمكن القول ان المراد من قوله تعالى [وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا] أي التعدد، فلا نبي يدعو لعبادة ملك او نبي معين، وليس من نبي يدعو لغيره من الملائكة والأنبياء بما يفيد التعدد والكثرة في الآلهة والأرباب.
الثانية: امر الله تعالى الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعبادة الله وعدم الشرك به والإجماع الملي على عدم اتخاذ ارباب من دون الله كما ورد في التنزيل [وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ]( ).
الثالثة: ذم اهل الكتاب لإتخاذهم علماءهم ارباباً من دون الله قال تعالى [ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابن مَرْيَمَ]( )، وتبين هذه الآية ان اتخاذ فريق من الناس ارباباً لهم جاء عن غير طريق الأنبياء قطعاً لأن الأنبياء لا يعبدون ولا يدعون الا لله، وهم قادة الأمم فلا يمكن ان يدعو النبي الى عبادة الرهبان والأحبار بل هؤلاء اتباع النبي، مما يدل على ان الدعوة لغير الله جاءت بسبب الغواية الذاتية عند نفر وفريق من الناس وان نفوسهم جبلت على طاعة الأقوى والأعظم منهم، ممن يرون فيه خصالاً يتميز بها، ولم يلتفتوا الى حقيقة التباين بين الخالق والمخلوقين، والرب والمربوبين، والمعبود والعابدين وجاء في الآية اعلاه من سورة التوبة [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا]، أي لم يتوجه الى الناس امر بالعبادة الا بعبادة الله عز وجل، ولزوم عدم الشرك به، سواء الأمر الإلهي، او أوامر الأنبياء.
ووردت آيتان من الآيات الأربعة بقوله تعالى [أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ] أي بقيد من دون الله، ووردت الآية الثالثة [أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ] اما الآية محل البحث فوردت مطلقة وتحتمل أموراً:
الأول: ذات المعنى الذي ورد في الآيات المقيدة بقيد [مِنْ دُونِ اللَّهِ] لأن المدار على ادعاء الربوبية بالباطل.
الثاني: انها ادنى مرتبة من الآيات التي قيدت بقيد [مِنْ دُونِ اللَّهِ] لصيغة الإطلاق والإنكار التي تفيد الشرك، والإخبار بان الأنبياء لا يدعون الى عبادة غير الله مع عبادته تعالى بل شعارهم التوحيد وهم منقطعون الى التسبيح.
الثالث: الإطلاق في ادعاء الربوبية لغير الله اشد كفراً مما يرد مقيداً
ولا تعارض بين هذه الوجوه وهي قبيحة ذاتاً سواء على نحو الإجتماع او التفرق، الا ان صيغة الإطلاق الواردة في الآية محل البحث جاءت لتوكيد براءة الأنبياء من ادعاء الربوبية او الدعوة لغير الله عز وجل.
وتبين هذه الآيات جهاد الأنبياء في نبذ الشرك، ومحاربة الكفر والضلالة، وقال الرازي: انما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذي وصفوا من اهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم الا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير، فلهذا المعنى خصهما بالذكر( ).
ولكن القرآن ذكر اتخاذهم احبارهم ورهبانهم ارباباً من دون الله، أي اطاعوهم اذ احلوا ما حرم عليهم، وحرموا ما احل لهم، وروى الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال لي : يا عدي إطرح هذا الوثن من عنقك ! قال : فطرحته ، ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا) حتى فرغ منها، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم ! فقال : أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه ؟ قال : فقلت بلى قال: فتلك عبادتهم( ).
ولكن عدم ذكر الأحبار والرهبان في الآية للدلالة عليه من باب الأولوية القطعية ولأن الملائكة والأنبياء أكبر وأسمى درجة من العلماء والرهبان والعباد ومع هذا لم يدع لهم أي نبي من الأنبياء، كما ان الملائكة والأنبياء لا يأمرون الا بطاعة الله، فهم لم يأمروا باتيان المحرم، ولم يحرموا الحلال، بل قاموا بتبليغ التنزيل، وكانوا القادة والأسوة الكريمة في العمل بالأحكام والتكاليف الشرعية، وعملهم هذا يدل بالدلالة التضمنية والإلتزامية على عبوديتهم لله، وخضوعهم له، ودعوة الناس ومنهم العلماء والرهبان للإقتداء بهم، نعم وظيفة العلماء والرهبان اكبر واعظم من وظائف الناس الآخرين، من وجوه:
الأول: لزوم تجاهرهم بالعبادات والخضوع لله تعالى.
الثاني: دعوتهم المتصلة للناس للعمل باحكام الشريعة.
الثالث: نهيهم عن الشرك ومفاهيم الضلالة ومقدمات الكفر.
الرابع: قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الخامس: ضرورة اتباعهم للأنبياء في طاعة الله، والحرص على ان يكونوا ورثتهم في تبليغ الأحكام ومحاربة الكفر والشرك، ومنع الناس من عبادتهم والإفتتان بهم.
السادس: التقيد التام بالتنزيل وعدم القيام بتحريفه او الإغضاء عن محاولات التغيير او السكوت عنها، فالرهبان جمع راهب وهو الذي تظهر عليه سيماء الطاعة والخشية، واشتهر استعمال هذا اللفظ في متنسكي النصارى، والعابد يجب ان يجاهد من اجل ألا يكون معبوداً، كما جاهد الأنبياء ضد الغلو بأشخاصهم، وحرصوا على تأديب الناس على الخشوع والخضوع لله عز وجل الهاً واحداً.

قانون بطلان اتخاذ الأرباب
لم يخلق الله عز وجل الإنسان الا لعبادته، وكونه خليفته في الأرض، لا يخرجه عن احكام وشرائط العبودية لله تعالى، التي هي اهم صفة ملازمة لكل انسان، وهي الصبغة التي لا تغادره من حين ولادته الى الأبد، فتعدد العوالم التي يمر بها الإنسان، ووقوفه للحساب بين يدي الله ودخوله الجنة ثواباً، او النار عقاباً لا يخرجه عن العبودية لله، بل يكون بعد مغادرته الدنيا أكثر حاجة الى هذه الصفة واشد حرصاً واقوى ادراكاً لها.
ورزق الله عز وجل الإنسان العقل ليعقله ويحجزه عن عبادة غيره، ويجعله يتدبر في اصل خلقه والغايات منه، وما ينتظره في العوالم الأخرى من الحساب الذي يتقوم بموضوع العبودية وتتوقف النجاة في النشأة الأخرى عليها، والهلاك والعذاب على الجحود بها وبمضامينها ومناسكها، ولم تكن بعثة الأنبياء لبيان ضرورة عبادته تعالى وحدها، بل جاءت لنفي الأنداد، وتنزيه مقام الربوبية عن اسباب الشرك والضلالة، وتلك الأسباب التي كانت تتغشى بعض الأفراد والجماعات في المجتمعات والأمم، فحاربها الأنبياء بشدة ومن غير هوادة، مما ادى الى تعرض فريق منهم للقتل ولكنهم لم يفتروا في هذا الباب، ولم يرعبهم الموت في سبيل الله، وجاهدوا في فضح الشرك الظاهر منه والخفي.
ويعتبر قانون حرمة اتخاذ الأرباب من دون الله جزء من مقومات الحياة الدنيا، ومصداقاً للشكر لله تعالى على نعمة الخلق ومقدمة للنجاة يوم الحساب، وباباً لدخول الجنة والفوز بالنعيم الخالد، ان اتخاذ الأرباب من دون الله امر لا يضر الا اهله والداعين اليه، والله غني عن العالمين.
ومن خصائصه الإنحصار وعدم الإتساع وقلة الإنتشار فلا يمكن ان يتغشى زماناً ومكاناً على نحو السالبة الكلية كما انه يتصف بالتزلزل وعدم الإستقرار في ذات الموضوع والأشخاص لقبحه الذاتي، ولما جعل الله عز وجل عند الإنسان من نعمة العقل، وامتلاء الكون بالآيات الدالة على التوحيد، بالإضافة الى جهاد الأنبياء في تثبيت دعائم التوحيد.
لقد أراد اهل الغي والضلالة تعطيل منافع هذا الجهاد، فابى الله عز وجل الا توكيده واظهار معالمه وتثبيته اذ جاءت هذه الآية بفضح الإفتراء على الأنبياء، ولم تقف عنده بل اكدت ان الأصل هو الإسلام وان الله عز وجل جعل الفطرة الإنسانية على الإسلام ولا يمكن ان يعمل الأنبياء على مخالفة الفطرة.
ومن شرائط النبوة واتباع الأنبياء العمل على تثبيت هذا القانون والمنع من التفريط بحقائق التوحيد، ان اتخاذ الأرباب خلاف العقل والحكمة وباب لنزول النقمة والبلاء الإلهي، وهذا البلاء امر مركب فهو عقوبة عاجلة، وسبب للتدبر في أحكام العبودية ولزوم الرجوع عن اتخاذ الأرباب من دون الله، كما ان مبادئ الشرك لم ولن تسود في الأرض، فلابد من وجود موحدين يدعون الناس الى العودة الى الهدى والإيمان، ونبذ الشرك.
ومع ظهور امارات الشرك ترى اهل التوحيد يزيدون من جهادهم وصبرهم في ذات الله، لعشقهم للمعبود، ولأنهم يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم من الهداية والفلاح والفوز في الآخرة، ولإقامة الحجة عليهم وتكون آيات الخلق عوناً لهم في احتجاجهم وجذب الآخرين وتخليصهم من براثن الكفر والشرك، بالإضافة الى فضله تعالى بابتلاء اقطاب الكفر وانقراض دول الطواغيت الذين يدعون الناس الى الشرك والضلالة، وجاء الأنبياء بمحاربة الهوى وغلبة النفس الشهوية والغضبية لأن الهوى سبب لحصول غشاوة على البصر والبصيرة.
ومن وظائف كل انسان ان يدرك عدم وجود رب غير الله عز وجل وهو خالق كل شيء، وهذا الإدراك وجود ذهني يجب ان يترجل بوجود واقعي يتقوم بعبادته تعالى وعدم الشرك به.
قانون صبر الأنبياء
لقد جعل الله عز وجل الأنبياء سادة الأمم وشرفهم بالنبوة وجعلهم الوسائط بينه وبين الناس، ورزقهم الوحي وتلقيه من الملائكة مباشرة من غير ان يكون هناك وسيط بينهم، وفي رقبة كل انسان بيعة ووجوب انقياد واتباع للأنبياء فيما جاءوا به من عند الله.
لذا فان الأصل هو مقابلة الناس للأنبياء بالطاعة والشكر والثناء والإقرار بعظيم المنزلة من وجوه:
الأول: ما رزقهم الله من الوحي والكتاب والنبوة.
الثاني: ما حملوه من أمانة السماء وتلقي التنزيل.
الثالث: قيامهم بتبليغ الرسالة واحكام النبوة وفق ما أمرهم الله عز وجل من غير تحريف او تغيير.
الرابع: امامتهم للناس في الصالحات واداء العبادات، فهم لم يأمروا الناس بما لم يفعلوا، بل هم القادة في كل ما يأمرون الناس به، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال “صلوا كما رأيتموني أصلي” في اشارة الى الإقتداء به فيه العبادات، وعدم التغيير او التحريف فيها، وهذا الحديث من الآيات في منع التحريف في افعال الصلاة كما انه شاهد بان الأنبياء لم يدعوا لعبادة انفسهم، فان قلت ان هذا الفعل يدل على صدق عبادة النبي لله تعالى، وليس الأنبياء مطلقاً، قلت: ان فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهد ومصداق لأفعال الأنبياء جميعاً.
وكل الأنبياء على ذات السنخية لذا ورد عن عيسى عليه السلام وهو في المهد في التنزيل [ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ] ( ) في تحذير وزجر عن اتخاذه رباً.
ويعتبر الصبر في ذات الله قانوناً ثابتاً في حياة الأنبياء وهو سر من اسرار النبوة وانتصار مبادئها، وثبات الأحكام الشرعية وتوارث الكتب المنزلة، ومن وجوه صبر الأنبياء أمور:
الأول: حرصهم على اداء أفراد العبادة من الصلاة والصيام وغيرها باحسن أداء، والتقيد باوقاتها وعدم التفريط بها في أي حال من الأحوال.
الثاني: تعليم اصحابهم واهل بيتهم مبادئ التوحيد والمناسك ولزوم محاربة الشرك واجتناب الضلالة.
الثالث: التنزه عن لذات الدنيا، مع ما يتيسر لهم من النعم الكثيرة.
الرابع: الإنقطاع الى الله تعالى، والإنشغال بذكره وتسبيحه.
الخامس: عدم الميل الى الهوى، واجتناب الغضب والطمع والشح ونحوها من الأخلاق المذمومة.
السادس: التحلي بالأخلاق الحميدة واظهار الشجاعة في سبيل الله، وعدم الخوف او التردد في الدعوة الى التوحيد ومواجهة الكافرين ومفاهيم الشرك، فترى النبي يقف في باب الطاغوت اياماً وشهوراً ليدعوه الى التوحيد ويحذره مما هو عليه من الغواية والضلالة واضلاله لقومه.
السابع: تعرض الأنبياء للقتل، اذ قتل فريق منهم صبراً في الدعوة الى الله، ولو اكتفوا بعبادة الله لم يتعرض لهم احد، ولكنهم الحوا في دعوة الناس الى الإسلام، وجمع الأنصار والأتباع، واقامة الحجة، والبرهان على التوحيد وحرمة تعدد الأرباب، ان قانون صبر الأنبياء يتجلى باصدق معانيه بتعرضهم للقتل واذا كان فريق منهم قتل في سبيل الله فلا يعني ان الفريق الآخر نجى من التهديد والوعيد بالقتل ومحاولات الإجهاز عليه، والسيرة النبوية تتضمن اخباراً عن عزم قوم على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل ان هذه النوايا والمقاصد بدأت بُعيد ولادته حينما ادرك فريق منهم انه نبي آخر زمان، وليكون هذا القانون شاهداً على أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين في صبره وتعرضه للقتل وتلقيه الأذى، حتى ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال “ما اوذي نبي مثل ما اوذيت”( ).
وتفاصيل ومصاديق هذا القانون سياحة في عالم العقيدة والإرادة الإيمانية، وهو مدرسة للأجيال من المسلمين اذ يعطيهم الدروس والعبر في مواجهة الظالمين فلا يركن اليهم، ولا يقصر او يفتر في تعظيم شعائر الله وجذب الناس لمنازل الإيمان.
ولا ينحصر صبر الأنبياء بتحمل العناء والأذى بل يشمل وجوهاً أخرى هي:
الأول: الإجتهاد في دعوة الناس الى الإيمان والهداية وهذا الإجتهاد مركب وعلى عدة شعب منها:
الأولى: الإكثار من دعوة الناس الى التوحيد.
الثانية: تعدد مراجعة الأشخاص لجذبهم للإيمان.
الثالثة: الحضور الدائم في المنتديات والمناسبات والأسواق، فيكون النبي حاضراً بشخصه تلك المناسبات، فما يأتي على القوم عيد لهم مثلاً الا والنبي يدعوهم الى الإيمان.
الرابعة: جمع الأنصار والأعوان، بما يبعث الحسد وروح الإيذاء والإنتقام عند اهل الجحود والعناد.
الخامسة: ابطاله بالحجة والدليل الظاهر الشرك والضلالة، وعبادة غير الله.
السادسة: تبليغ الناس الوحي والتنزيل والذي يتضمن الأحكام وذم الكافرين والجاحدين، فبطشهم وسطوتهم لا تمنع النبي من تبليغ الوحي الذي يذمهم ويقبح ما يفعلون.
الثاني: تثبيت الشرائع السماوية في الأرض، باتيان العبادات وتعليمها الأصحاب والأتباع وهذا التعليم لا يأتي مجرداً واداء وفعلاً للعبادة فقط، بل يكون فرعاً لإمتلاء القلب والجوانح بالإيمان، لتبقى راسخة متوارثة في اجيالهم، وهو من اسرار اتباع الأنصار للأنبياء في الصبر ومصاديقه من التحمل والعناء والقتل في سبيل الله، ليكون هذا التحمل شاهداً على نزاهة ساحة الأنبياء وصدق دعوتهم لله، وعدم دعوتهم لأنفسهم او لعبادة الملائكة ونحوهم من المخلوقات، فصبر اهل الإيمان دليل عملي حاضر على مضامين هذه الآية، ومانع من الإفتراء عليهم، الى جانب ما يقومون به من حفظ سنة النبي وتعاهد سيرته.
واذ تداخلت الأمور وكثر الغلو والإفتراء جاء القرآن ليكون الوثيقة السماوية الثابتة التي تحكي بصدق وامانة لا يصل اليها الشك مضامين قانون صبر الأنبياء.
الثالث: اعراض الأنبياء عن زينة الدنيا وما يقدمه لهم الظالمون من المال والجاه، وقد يكون النبي مخيراً بين الشأن والجاه عند السلطان مع التوقف عن دعوته، وبين تحمل الأذى والقتل في حال استمراره في دعوته الى الله، وليس من نبي الا ويختار الثاني من غير تفريط او تهاون او تقصير، وهذا الإختيار عنوان آخر من عناوين الصبر عن الدنيا، والصبر على الأذى.

قوله تعالى [أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ]
سؤال استنكاري وحجة على الناس في بيان صدق النبي في دعوته لعبادة الله واخلاصه في اداء رسالته، فهو لا يدعو الى الكفر والضلالة ابداً، وفي الآية توكيد بان الدعوة لعبادة الملائكة والأنبياء كفر وضلالة، فلا يظن احد انهم لعظيم منزلتهم عند الله تجوز عبادتهم، او ان الآيات التي رزقهم الله عز وجل توجب الإكتفاء بالتقرب اليهم، اما طاعتهم فهي أمر آخر لا يتعارض مع طاعته تعالى، فطاعة الملك والنبي من طاعة الله لأنهم رسل الله عز وجل الى الناس وقد ورد قوله تعالى [أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ]( ).
وأمره تعالى بطاعة الرسول يدل في مفهومه على ان النبي لا يأمر بالكفر والضلالة، لذا جاءت هذه الآية حجة على اهل الغلو والإفتراء على الأنبياء فليس من نبي دعى لعبادة نفسه او لغيره من الخلائق، وفيها توكيد بان الدعوة لغير الله كفر وان كانت للملائكة والأنبياء مجتمعين أو متفرقين.
وضمير الجماعة الكاف في (أيأمركم) يعود للناس، وللذين أختاروا الغلو بالأنبياء على نحو الخصوص، فان قلت ان القرآن كتاب سماوي نزل للمسلمين، او ان المسلمين هم الذين يتلونه فلماذا جاءت الآية بصيغة الخطاب (أيأمركم) ولم تأتِ بصيغة الغائب (أيأمر بالكفر) الجواب من وجوه:
الأول: ان القرآن نزل للناس جميعاَ.
الثاني: هذا الإطلاق من خصائص الكتاب الجامع للشرائع والخاتم للكتب السماوية والممتنع ذاتاً من التحريف والتبديل.
الثالث: الآية حجة على اهل الغلو من اهل الكتاب وغيرهم، فمن الأمم من عبدت الملائكة ونظرت الى قدراتهم الفائقة التي علموا بها من خلال الوحي والتنزيل فافتتنوا بهم، مع ان التنزيل يتضمن قصة سجود الملائكة لآدم عليه السلام وما يعنيه من استجابتهم لأمره تعالى، ونفي الربوبية عنهم.
الرابع: القرآن هو الوثيقة السماوية الباقية في الأرض الى يوم القيامة والتي تحكي قصص الأمم السالفة، وتكون شاهداً للأنبياء في جهادهم في سبيل الله.
وجاء الإحتجاج في الآية وفق المذهب الكلامي باثبات نزاهة الأنبياء بالحجة والبرهان، لإفادة فساد وذم اللازم وهو الكفر، فاللزوم وهو الأمر بالكفر فاسد وباطل مثله، والأنبياء لا يدعون الا الى الصلاح واجتناب الفساد.
قانون نصرة النبي
لقد شرف الله عز وجل الأنبياء بالإختيار للنبوة وتلقي الوحي ولقاء الملائكة، ونالوا اعلى مراتب الرفعة والعز بين الناس، من وجوه:
الأول: اصطفاؤهم للنبوة واجتباؤهم لحمل أعظم أمانة في ألأرض.
الثاني: اداؤهم لوظائفهم احسن أداء وتقيدهم بالأحكام الشرعية، واظهارهم أبهى صورة لمفاهيم العبودية لله تعالى.
الثالث: المدد والتوفيق الإلهي في ايجاد اتباع وانصار لهم.
الرابع: الذكر الحسن بين الناس.
الخامس: سعي اهل الإيمان للإقتداء بهم.
ولكن فريقاً من الناس غلب عليه الهوى وتعدى على مقامات الأنبياء وهو على قسمين:
الأول: من غالى فيهم، ولم يلتفت الى اقرارهم بمنازل العبودية التي يفتخرون ويعتزون ويتباهون بها، فأفتتن بالآيات التي جاء بها الأنبياء وجعلهم في منزلة الإلوهية فضل سواء السبيل، وصار سبباً في ضلالة غيره لأن الأمور تبدأ صغيرة ثم تكبر وتتسع، فالإفتتان يبدأ على نحو القضية الشخصية ثم يجد له وسطاً ملائماً وتضفى عليه على نحو الوهم صبغة جدلية وقد يتفق ويكون هناك سلطان او باذل للمال ينشر تلك الشبهة مع ما فيها من الضلالة، فتتسع دائرتها ويكثر معها اهل الضلالة، ويكون التصدي لها واجباً شرعياً وحاجة عقائدية لمصلحة اهل الأرض جميعاً بما فيهم اهل الضلالة انفسهم وابناؤهم وذراريهم.
الثاني: الذي حسد النبي، وسعى في انكار الآيات التي جاء بها، ثم تجرأ وقام بالإفتراء عليه، واضرار هذا الإفتراء لا تنحصر بشخص النبي نفسه بل تتعدى الى:
الأول: موضوع وأحكام النبوة وحقيقة وجودها في الأرض.
الثاني: الأنبياء جميعاً فان التعدي على النبي بصفة النبوة اساءة وايذاء للأنبياء جميعاً.
الثالث: اصحاب وانصار النبي نفسه.
الرابع: احتمال حصول الغلو بشخصه.
السادس: دعوة الأنبياء الى عبادة الله عز وجل فهذه الدعوة وان لم تتعلق بنصرة النبي مباشرة الا انها ضابطة كلية تفيد بالدلالة التضمنية نصرة الأنبياء والتصدي للإفتراء عليهم، والنصرة هنا انحلالية تشمل نصرة كل نبي على نحو الخصوص، فدعوة المسلمين الى التوحيد نصرة للنبي عيسى عليه السلام ضد من غالى في شخصه الكريم، ومن أفترى عليه وعلى أمه مريم، وهكذا بالنسبة للأنبياء، وهذه النصرة غير وراثتهم عليهم السلام في تبليغ الكتاب والعمل بالأحكام الشرعية، بل هي أمر آخر مستقل، وفيه وجوه:
الأول: انه شاهد على أهلية المسلمين لخلافة الأرض.
الثاني: ضرورة الإسلام كعقيدة لأهل الأرض وفيها حفظ لمواثيق الأنبياء.
الثالث: حاجة الناس لمن يذب عن الأنبياء وينصرهم، ويدفع عنهم معاني الغلو والإفتراء.
الرابع: انه مصداق لسلامة عقيدة المسلمين وشاهد على وراثتهم للأنبياء.
الخامس: المسلمون يحفظون عهد الله في الأرض، وامانة الإيمان.
السادس: نصرة المسلمين للأنبياء من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، فالمسلمون رحمة لأهل الأرض لأن التالي يرجع اليهم، ويلحق بهم المتأخر، بمعنى ان الإسلام نجاة من الإفراط والتفريط.
السابع: وجود المسلمين برزخ دون انتشار الطعن بالأنبياء.
الثامن: تقيد المسلمين بالأحكام الشرعية حجة على الناس في لزوم اتباع الأنبياء.
التاسع: اخلاص المسلمين في العبودية لله تعالى، دليل على صدق واخلاص الأنبياء في دعوتهم لله واجتهادهم في عبادته من باب الأولوية القطعية، فاذا كان اتباع الأنبياء ملتزمين بعبادته تعالى، فمن باب الأولوية ان يكون الأنبياء هم الأسوة والقادة في حسن ادائهم لمضامين العبادة لله تعالى.
العاشر: الإسلام شاهد حاضر على وجود من ينصر الأنبياء، فقد انقضت ايامهم وأكثر الأنبياء لم يبق لهم اتباع بين اهل الأرض، او بقى لبعضهم اتباع ولكن هناك من يناوئه ويفتري عليه، فبعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليكون المسلمون انصار الأنبياء وحملة علومهم والحافظين لذكرهم الحسن.
الحادي عشر: في الإسلام ونزول القرآن جزاء عاجل للأنبياء بان يكون لهم شأن دائم بين اهل الأرض سواء على نحو الإجمال وبصفة النبوة والوحي، او بالذكر الشخصي لشطر من الأنبياء الذين وردت أسماؤهم في القرآن.
الثاني عشر: هذه الآية من مصاديق قانون نصرة النبي لأنها تنفي معاني الشرك والضلالة، وتبين الآيات التي رزقه الله اياها وكما ان قانون صبر الأنبياء مانع من الغلو او الإفتراء عليهم، فكذا هذا القانون فانه واقية للأنبياء وعز دائم لهم وحرب على اعدائهم.
بحث بلاغي
يأتي المتكلم بصفات مدح ووصف حسن للمخاطب او المقصود في الكلام، بجمل قصيرة او متوسطة او طويلة ويسمى “التفويف” وقد يؤكد المدح بما يشبه الذم وهو على قسمين:
الأول: ذكر البراءة من صفة ذم منفية عن الشيء او الجماعة او الشخص، ثم ذكر مدح مخصوص كأنه داخل في تلك الصفة، وهذا التشبيه يزول من اول وهلة كما في قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
الثاني: اثبات صفة حسن ومدح للشيء،ثم يؤتى باستثناء يليه مدح آخر:
ولا عيب فيهم سوى ان النزيل بهم
يسلوا عن الأهل والأوطان والحشم
ولكن القرآن جاء بصيغة من المدح وهي نزاهة الأنبياء من كل عيب على نحو الإطلاق، وخلو ساحتهم من الدعوة لغير الله، لتوكيد المدح وتثبيت الحقيقة العقائدية الثابتة وهي ان الأنبياء لا يدعون الا لله عز وجل، فبعد ان بينت الآية الثامنة والسبعون ان فريقاً من اهل الكتاب [يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ] وما فيه من الأضرار على المؤمنين واهل الكتاب والناس جميعاً، في اثارة الشبهة والريب، جاءت الآية السابقة وهذه الآية في مدح الأنبياء لطرد اسباب الشك والريب، وليكون هذا المدح سبباً لدعوة الناس للإيمان واكرام الأنبياء والتصدي لمن يتعدى عليهم بالغلو فيهم اوالإفتراء عليهم او الإنتقاص من شأنهم وجهادهم.
لقد اراد الله عز وجل اخذ الإقرار من الناس على التوحيد والإيمان بالنبوة ليبقى اكرام الأنبياء سجية ثابتة عند الناس، فجاء مدحهم في هاتين الآيتين بصيغة النفي، أي نفي الخصال المذمومة عنهم من وجوه:
الأول: ابتدأت الآية السابقة بـ(ما) النافية [مَا كَانَ لِبَشَرٍ].
الثاني: تنزيه الأنبياء من الدعوة الى انفسهم، وهذا التنزيه تكذيب لمن يغالي بهم ويدعي الإنتساب لهم، وهو من اعجاز القرآن ان يأتي المدح للنبي بصيغة نفي ما هو قبيح عقلاً او شرعاً عنهم ليكون بالدلالة الإلتزامية تعريضاً بمن يتعدى على التوحيد بنسبة امور للأنبياء هم بريئون منها.
الثالث: الإستثناء من صفة الذم، وبما يفيد الحصر في الدعوة الى الله، والجهاد في سبيله.
الرابع: نفي دعوة الأنبياء لإتخاذ الملائكة او الأنبياء ارباباً، كما في هذه الآية [وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا].
الخامس: الإستفهام الإنكاري وتوكيد حقيقة وهي ان النبي لا يدعو الى الكفر، وكل نبي يساهم في بناء صرح التوحيد، وتعاهد الإسلام.

قوله تعالى [بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]
الآية وثيقة سماوية على انتماء الناس للإسلام، وشهادة على انتشاره وتوارثه من قبل الأجيال المتلاحقة كما انها اخبرت بان الأصل والمستصحب هو الإسلام وان الكفر عنوان عرضي طارئ على الناس.
وقال الزمخشري: الآية دليل على ان المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوه ان يسجدوا له( )، أي استأذنوا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الآية أعم، وصفة الإسلام سابقة ومتقدمة زماناً، وفي كتاب سليمان الى بلقيس وقومها [ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ]( ).
ولم ترد الآية توبيخاً وتعريضاً للمسلمين، بل انها حجة لهم، وتتضمن الثناء عليهم لأنهم لم يعبدوا الا الله.
وموضوع الآية أعم في متعلقه ولا ينحصر بنبي او أمة من الأمم فالآية حجة قاطعة تخاطب الناس جميعاً وتدعو لتنزيه الأنبياء وتؤكد اخلاصهم العبادة لله تعالى، فليس من نبي يأمر بغير طاعة الله، خصوصاً وان الإسلام هو الأصل والذي عليه الفطرة الإنسانية ويحتمل لفظ الإسلام في الآية وجوهاً:
الأول: المعنى اللغوي وهو التسليم والإنقياد.
الثاني: المعنى الإصطلاحي الأعم وهو الإقرار بالتوحيد، والتصديق بما جاء به الأنبياء.
الثالث: المعنى الأخص وهو النطق بالشهادتين، والإقرار بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والمراد في المقام هو الثاني بلحاظ شمول الآية للأمم السالفة، اما ما بعد البعثة النبوية فان المسلمين خارجون بالتخصص من الخطاب وما فيه من صيغة الإستفهام الإنكاري لأن المسلمين يدركون ان الأنبياء لم يأمروا الا بعبادته تعالى.
قانون اصالة الإسلام
لقد خلق آدم عليه السلام في الجنة وكانت اول كلمة تلفظ بها هي الحمد لله بعد عطسه حين نفخ الله فيه من روحه، وتلقى الخطاب من الله مشافهة، لتكون بشارة تلقي المؤمنين الخطاب منه تعالى يوم القيامة مشافهة ثواباً لصبرهم وادائهم التكاليف في الحياة الدنيا.
وبعد ان أكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، نزلا الى دار التكليف فكان آدم اول انسان تطأ قدمه الأرض ونزلت معه النبوة فهو ابو البشر واول الأنبياء وتلك مفخرة وعز للناس جميعاً فمن حق كل انسان ان يفتخر بان اباه كان نبياً، وان النبوة سور مبارك يجمع الناس كلهم، فالأصل في الوجود الإنساني في الأرض هو الإسلام وهو سابق للكفر والشرك، والكفر ليس قسيماً للإسلام ولا يستطيع ان يكون معه بعرض واحد، بل هو أمر عرضي طارئ على الحياة الإنسانية جاء بسبب غلبة الهوى والنفس الشهوية واغواء الشيطان وجنوده.
وفي مضامين هذا القانون وجوه:
الأول: انها حجة على الناس في لزوم الرجوع الى الأصل والتمسك به، وعدم التفريط بقواعده واحكامه وسننه.
الثاني: فيها رحمة اضافية على الناس جميعاً، فلم يجعلهم الله في حيرة أو وهم، ولم يكلفهم بحصر التوصل الى الإسلام بالإستنباط والإستنتاج العقلي والبحث عن الدليل والوسائط بين المحكوم عليه والمحكوم به، بل تفضل سبحانه وجعل الإسلام هو الأصل ليفتح الإنسان عينيه على الإيمان وقواعده.
الثالث: اصالة الإسلام دعوة لإتيان التكاليف وتخفيف عن الناس.
الرابع: هذا القانون حجة على اهل الغي والضلالة بانهم اختاروا خلاف الأصل، وما يحكم به العقل.
الخامس: اراد الله للناس باصالة الإسلام ان يتوارثوا المعارف الإلهية، ويتفقهوا في الدين.
السادس: اصالة الإسلام عصمة من الشيطان واغوائه، وامتناع عن الضلالة والغي، واحتراز من الفواحش.
السابع: فيها تيسير لأحكام الشريعة وتخفيف عن الآباء والأبناء في تواث السنن والقواعد الشرعية.
الثامن: انها شاهد على واسع رحمته، وهو من عمومات قواعد اللطف الإلهي بان تبدأ الحياة الدنيا بالإسلام.
التاسع: فيها حرب على الكفر لأن الإنسان يميل بطبعه الى الأصل، ويترك العرض المغاير له.
العاشر: اصالة الإسلام في الأرض شاهد على عظيم قدرته تعالى، وسعة سلطانه وانه رب العالمين والمالك للنشأتين.
الحادي عشر: فيه حث للمسلمين على الجهاد في سبيله، ودعوة الناس للعودة الى الأصل الذي اراده الله عز وجل.
الثاني عشر: يدل هذا القانون على تعاهد الله للخلائق عامة والناس خاصة، فهو سبحانه لم يتركهم وشأنهم بل جعلهم على الإسلام، ثم حثهم على البقاء عليه وبعث النبيين لتثبيت دعائم الإسلام، وجذب الناس الى الهداية، فالأنبياء رسل الله عز وجل للبقاء على اصالة الإسلام والإمتناع عن الخروج عن قواعده وسننه.
وليس من نبي الا وهو يدعو الناس الى البقاء على اصالة الإسلام والعودة اليه واجتناب الكفر والضلالة، ومن الشكر لله ثم للأنبياء عدم الغلو فيهم او الإفتراء عليهم، وهو مضمون هذه الآية الكريمة، ومنه نعلم موضوعيتها المتجددة في الحياة العقائدية للناس، وما فيها من الإكرام والتنزيه للأنبياء جميعاً، وأفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحفظ النبوة وعظيم منزلة الأنبياء ومنع التعدي عليهم والى يوم القيامة.
بحث بلاغي
من وجوه البديع “الإستخدام” وهو انتقال المتكلم من الغرض الذي هو فيه الى غرض آخر لمناسبة بينهما، ثم يرجع الى الموضوع الأول واتمام غرضه وقصده منه، وهو غير معنى الإطراد في الإصطلاح الأصولي.
فقد جاءت الآية السابقة بتنزيه الأنبياء من الشرك والدعوة لعبادة أنفسهم، واستثنت قولاً واحداً لا يقول الأنبياء للناس غيره وهو “كونوا ربانيين” وبصيغة الأمر باعتبار ان الأنبياء هم القادة والأئمة والسادة لعموم البشر مع صيغ الإقناع والحجة والتذكير بانهم يعلمون الكتاب.
وهذا التعليم لم يتم لولا بعثة الأنبياء وتعاقبهم، وبلوغ الناس الى مرتبة من الإرتقاء في التحصيل يكون الرجوع معها الى الكفر امراً منعدماً، ثم رجعت هذه الآية الى الغرض الأول وهو تنزيه الأنبياء من الضلالة وامر الناس بالقبيح.
ومن الآيات في المقام التداخل بين الغرضين وكلاهما يعطي نتيجة واحدة وهي إمامة الأنبياء للناس في ميادين التوحيد، وكما تفضل الله سبحانه باجتباء الأنبياء، فانه ذب عنهم في هذه الآيات ومدحهم واثنى عليهم، وهو عنوان اجتباء وتشريف اضافي يؤكد قيام الأنبياء بوظائف النبوة احسن قيام.
وفيه تحذير ووعيد ممن يغالي فيهم، ويحاول سلخ صفة العبودية عنهم التي أكرمهم الله باتقان احكامها، ثم اختتمت هذه الآية بمخاطبة الناس بانهم مسلمون، وهذه المرتبة اعظم ما يصل اليه الإنسان ولم يبلغها الا ببعثة الأنبياء، وتعليم الكتاب ودراسة مضامينه، والسؤال الإستنكاري في آخر الآية يؤكد كفر المغالي الذي يتخذ من الملك او النبي رباً والهاً.
ومن وجوه تفضيل المسلمين واهليتهم لخلافة الأرض انهم لم يتخذوا من النبي او الملك رباً بل اقروا بالنبوة وشرفها ولزوم الإيمان ببعثة كل نبي والإقرار بعالم الملائكة وان الله شرفهم بعظيم الخلق والسكن في السماء، ونزولهم بالوحي وانهم عبيد الله.




قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ] الآية 81
القراءة الاعراب واللغة
قرأ حمزة (لما) بكسر اللام، خلافاً للقراء الآخرين، وقرأها سعيد بن جبير مشددة، ومعنى القراءة بالكسر التعليل أي لأجل ايتائي اياكم الكتاب والحكمة.
وروي ان اصحاب عبد الله بن مسعود يقرأون واذا اخذ الله ميثاق الذي اوتوا الكتاب وهو من باب البيان والتفسير بآية اخرى من القرآن.
واذ اخذ الله ميثاق: الواو استئنافية، اذ: ظرف لما مضى من الزمان، أخذ: فعل ماض، اسمالجلالة: فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بالإضافة.
ميثاق: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف.
النبيين: مضاف اليه مجرور بالياء، لأنه جمع مذكر سالم.
لما آتيتكم من كتاب وحكمة: اللام للإبتداء، ويجوز ان تكون مرادفة “لفي” أي فيما آتيتكم.
ما: اسمموصول مبتدأ، وقال سيبويه: سألت الخليل عن الآية، فقال: (ما) بمعنى الذي، وقال المبرد والزجاج والكسائي: ما: شرطية، دخلت عليها لام التحقيق كما تدخل على (ان).
آتيتكم: جملة من فعل وفاعل ومفعول به، ولا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول، من كتاب: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال.
حكمة: معطوف على كتاب.
ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم: ثم: حرف عطف للترتيب والتراخي، جاءكم: فعل ماضِ، والكاف: مفعول به، رسول: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة.
مصدق: صفة مرفوع، لما: اللام: حرف جر، ما: اسمموصول في محل جر.
معكم: مع: ظرف مكان، متعلق بمحذوف لا محل له لأنه صلة الموصول، وهو مضاف، وذكر ان (مع) منصوبة على الحال دائماً.
الكاف: مضاف اليه.
لتؤمن به ولتنصرنه: اللام: قيل واقعة في جواب قسم مقدر، ولكن معناها أعم لما فيها من صيغة الأمر والإخبار عما يؤول اليه الأمر.
تؤمنن: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والأصل لتؤمنونن، والواو فاعل، ولكنها حذفت لإلتقاء الساكنين، ودلت عليها الضمة، والجملة خبر، واحتمل ابو البقاء ان الخبر هو الجار والمجرور (من كتاب).
به: جار ومجرور، متعلقان بتؤمنن.
ولتنصرنه: عطف على تؤمنن، والهاء: مفعول به،
“قال اقررتم” واخذتم: قال: فعل ماضِ والفاعل ضمير تقديره هو، اقررتم: الهمزة للإستفهام التقريري.
أقررتم: فعل ماض، وفاعل، والجملة في محل نصب مقول القول.
وأخذتم: فعل وفاعل، على ذلكم: جار ومجرور متعلقان باخذتم.
اصري: مفعول به وهو مضاف، والياء: في محل جر بالإضافة.
قالوا اقررنا: قالوا: فعل ماضِ، الواو: فاعل.
قال فاشهدوا: قال: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
فاشهدوا: الفاء: فصيحة، اشهدوا: فعل أمر، الواو: فاعل.
وانا معكم من الشاهدين، وانا: الواو: حالية، وقيل استئنافية، انا: مبتدأ، معكم: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال، والضمير مفعول به.
من الشاهدين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر.
والوثيق: المحكم، والجمع الوثق، وهو عنوان الشد والربط، والوثيقة: الأحكام في الأمر، والميثاق: العهد، والمعاهدة.
والإقرار: الإذعان للحق والإعتراف به.
يقال أقر بالحق: أي اعترف به.
والأصر: العهد والميثاق، ويأتي بمعاني متعددة هي:
الأول: العهد الثقيل.
الثاني: إثم نقض العهد، وتضييع الميثاق.
الثالث: الثقل والشد، وهو أصل الإصر.
الرابع: ما عطفك على شيء، يقال: اصر الشيء يأصره اصراً: كسره وعطفه.
الخامس: الإلتزام باليمين والعهد.
السادس: الحبس والضيق، يقال: اصره يأصره، وقيل ان اصل الأصر هو الضيق والحبس.
في سياق الآيات
جاءت الآيتان السابقتان في صدق الأنبياء واخلاصهم الدعوة الى الله، وتنزيههم على نحو الإتحاد والتعدد عن الدعوة لأنفسهم او للملائكة، وتوكيد دعوتهم للناس بان يكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، وهذه الدعوة لابد لها من مصاديق في الخارج، وشواهد علمية تدل عليها، ومن الشواهد:
الأول: وجود أمة تتوارث التوحيد والإسلام في كل زمان.
الثاني: ذكر الحوادث والوقائع التي تؤكد عبودية الأنبياء لله عز وجل.
الثالث: عدم ثبوت التحريف والتشويه الذي اراد اهل الغي ادخاله في دعوات الأنبياء.
الرابع: نزول القرآن شاهداً سماوياً على صدق دعوة الأنبياء، وانهم أئمة الناس في اخلاص العبودية لله تعالى.
الخامس: وجود اتباع للأنبياء سائرين على منهجهم في اتيان العبادات.
السادس: سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تحكي سنن الأنبياء من قبله، وتثبت والى يوم القيامة تفانيهم في الدعوة الى الله.
السابع: قصص الأنبياء وما لاقوه من العناء في ذات الله وتعرضهم للأذى والقتل من غير ان يتخلوا عن مقامات العبودية التي يعتبرونها شرفاً وعزاً لهم.
الثامن: الشواهد النقلية والعقلية على إيتاء الأنبياء الكتاب وتلقيهم الوحي الذي يستلزم تعاهدهم له، فهم أمناء السماء في الأرض.
وبعد مجيء الآية السابقة بتنزيه الأنبياء عن الدعوة لعبادة الملائكة والنبيين، وإخبارها عن كفر من يقول بهذه الدعوة، وتثبيت حقيقة وهي ان الأنبياء قادة الأمم في مسالك الإيمان، وحفظة شرائع الإسلام بين الناس، جاءت هذه الآية الكريمة لتبين الوظائف العقائدية التي تحملها الأنبياء بما ينفي على نحو الإطلاق وجوه التقصير عنهم، فبدأت الآية بذكر الميثاق النبوي لتوكيد انه معاهدة سامية، وموثق سماوي أخذ من كل نبي من اجل اداء رسالته على اتم وأكمل وجه.
ان اتيان النبوة لأحدهم ونزول الوحي عليه لا يتعلق بشخصه الكريم وحده، بل هو واسطة بين الله وبين الناس، فوظيفة النبي عامة شاملة موجهة للناس جميعاً، فلا يمكن ان يطرأ عليها الخلل او الخيانة او التقصير، ومن وجوه تنزيه الأنبياء في هذه الآية ان الله عز وجل أيدهم بالكتاب والحكمة، ومن مصاديق الحكمة حسن اداء الرسالة، والوفاء بالعهود والمواثيق، وحفظ الأمانة خصوصاَ وان العهود والأمانة سماوية الصبغة يهم امرها الناس جميعا.
واذ بينت الآية السابقة ما آتاه الله عز وجل للأنبياء من الكتاب والحكم والنبوة فان هذه الآية جاءت بما اخذه الله من الميثاق على الأنبياء.
موضوع الآية
ورد عن ابن جرير الطبري في قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ] معناه وأذكروا يا أهل الكتاب اذ أخذ الله ميثاق النبيين، وقال الزجاج: واذكر يا محمد في القرآن( ).
اما بالنسبة للأول فالآية أعم، واما الثاني فان القرآن نازل من عنده تعالى وما يذكر فيه كلام الله، انما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مأمور بتبليغ التنزيل وتلاوته على الأمة وتعاهده وحفظه وبيانه.
وفي أول الآية وجوه:
الأول: جاءت الآية لبيان حقيقة عقائدية، وموضوع من الإرادة التكوينية.
الثاني: بيان حكم ثابت في الأرض.
الثالث: توكيد ملازمة الميثاق لأشرف نفر من بني آدم ليكون عنواناً للعهد والميثاق مع الناس جميعاً، خصوصاً وان الآيات والمعجزات تأتي مع الأنبياء، لتكون حجة على الأخذ بالميثاق.
الرابع: دعوة الناس من جديد للأخذ بالميثاق، وهذه الدعوة عنوان وشاهد على هيمنة القرآن على الكتب الأخرى ومجيئه بالاحكام، والقرآن كتاب الله الباقي في الأرض الى يوم القيامة، فلابد من تضمنه لأسرار وعلوم النبوة.
الخامس: الآية حجة على اتباع الأنبياء والناس جميعاً من باب الأولوية.
وقال الرازي واما قوله [مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ] فاعلم ان المصدر يجوز اضافته الى الفاعل والى المفعول، فيحتمل ان يكون الميثاق مأخوذاً منهم، ويحتمل ان يكون مأخوذاً لهم من غيرهم( ).
ولكن أخذ الميثاق للأنبياء من غيرهم جاء من عند الله فالفاعل في الحالتين هو الله تعالى، وفيه نكتة عقائدية وهي ان الأنبياء لم يكلفوا بأخذ الميثاق بل ان الله تعالى اخذ الميثاق منهم، وأخذ الميثاق لهم من أممهم، فيكون موضع النبيين وأممهم في محل مفعول اول ومفعول ثانِ، وأخذ الميثاق من أممهم بوجوه:
الأول: بواسطة الأنبياء انفسهم.
الثاني: بالكتب السماوية المنزلة.
الثالث: اخذ الله الميثاق على الناس في عالم الطينة والذر، ولكن هذا الأخذ لا يتعارض مع الميثاق في الحياة الدنيا بالوجهين أعلاه، والله عز وجل اكرم من ان يكتفي بميثاق عالم الذر والحساب على دار الإبتلاء والإمتحان وهي دار الدنيا، ويدل ظاهر الآية على اتصال مضامين الميثاق، والقرآن جاء لتوكيدها.
اعجاز الآية
في الآية مسائل اعجازية منها:
الأول: الإخبار الإلهي عن وجود ميثاق بين الله وبين الأنبياء.
الثاني: الإشارة الى موضوعية هذا الميثاق في سيرة الأنبياء وحياة الناس.
الثالث: لم يأتِ الميثاق مجرداً بل له مقدمات واسباب فهو سر حمل امانة السماء في الأرض.
الرابع: المنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين الأنبياء.
الخامس: دعوة الناس للإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته حجة عليهم الى يوم القيامة.
السادس: في الآية بشارة وسكينة وثناء على المسلمين لأنهم استجابوا للأمر الإلهي في اتباعه صلى الله عليه وآله وسلم.
السابع: من الإعجاز وصف الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانه رسول وفيه حث للناس على الإيمان به والإصغاء لما جاء به من عند الله، لأن الرسول يحمل رسالته ويؤدي وظيفته وليس من رسالة اشرف وأعظم من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثامن: مجيء الآية بلفظ (الرسول) على نحو التنكير وفيه وجوه:
الأول: بلحاظ نظم الآية وارادة الرسول من عند الله.
الثاني: تتعلق الآية بالبشارة، وان الرسول مصدق لما معهم من الكتاب.
الثالث: قرينة الإيمان به.
الرابع: الأمر بنصرته واعانته، ووظيفة الرسول بين الناس القيام بنقل رسالة، اما الرسول من عند الله فيأتي بالكتاب السماوي ويسعى جاهداً لجمع الأعوان والأنصار.
الخامس: يمكن استنباط قاعدة كلية من الآية وهي ان “الرسول” اذا ورد في القرآن على نحو الإطلاق فيفيد الرسول من عند الله كما في قوله تعالى [ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً ]( ).
والرسول الذي يبعثه شخص الى آخر لا يقال انه يطاع او يعصى لأن وظيفته تبليغ ما حمل.
السادس: بينما جاء نسبة الميثاق للنبيين، فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ذكر بصفة الرسالة، وهو اكرام خاص له واشارة الى علو مرتبة الرسول، وانه يأتي بشريعة جديدة، فالإيمان به هو العمل بأحكام الشريعة التي جاء بها من عند الله.
ووردت البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على لسان عيسى عليه السلام في القرآن [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] ( ).
التاسع: المراد في الآية هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] ( ) ومن رسالته تصديق النبوات السابقة، وهذا التصديق ليس مجرداً بل يعجز عنه كل انسان لأنه ذو صبغة سماوية، ولهذا التصديق خصوصية اعجازية وآيات ملازمة له تثبت صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحة ما يقول بتصديقه.
تقديم صفة الرسول على وظيفة التصديق ليكون التصديق أبلغ، والحجة أتم.
التاسع: تعدد معاني ووجوه اللفظ القرآني الواحد، كما بيناه في قانون “المعنى المتعدد”( ) والذي يتجلى بأبهى مفاهيمه في هذه الآية.
العاشر: تعددت أقوال النحويين في هذه الآية واجتهدوا في بيان اعراب كلماتها.
الحادي عشر: لتعدد وجوه الإعراب في هذه الآية اعتبرها الطبرسي “من مشكلات آيات القرآن” وليس من مشكل في آيات القرآن ولكن وجوه الإعجاز فيها متعددة، وهي دعوة للبحث والإستقصاء والإستنباط، ولتوكيد الصبغة الإعجازية للقرآن اذ تكون بعض آياته كنزاً مملوء بالدرر والجواهر، فلا مشكل في آيات القرآن من جهة المعاني والمضامين بل حتى في الإعراب بلحاظ امكان تعدد وجوه الإعراب.
الثاني عشر: تبين الآية صدق واخلاص الأنبياء في ادائهم لرسالتهم، وتعاهدهم النبوة بين اجيال الموحدين.
الثالث عشر: تبين الآية توارث سنن النبوة، وتعاهد الأنبياء للبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانها جزء من العهد الذي أخذه الله على الأنبياء، فجاء القرآن بالشكر والثناء عليهم لحفظهم العهد وتجديد البشارة به صلى الله عليه وآله وسلم واعداد الناس وتهيئة الأذهان لبعثته صلى الله عليه وآله وسلم.
ويمكن تسمية هذه الآية بآية [ أَقْرَرْنَا ] ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية.
قانون تعدد الإعراب القرآني
يقف النحويون عند آيات القرآن منبهرين بجمالها وسحرها وفق الصناعة النحوية، ويختلفون في اعراب شطر من كلماتها، وتجد بعضهم يخالف قول بعضهم الآخر من غير ان يأتي بحجة تبين سبب هذا الإختلاف والمغايرة، ولكن الموضوع الأهم هو تضمن القرآن لأسرار ملكوتية واعجازية لا يحيط بها كل من:
اولاً: عقول وأوهام الرجال، ويقصر عنها اهل المعرفة.
ثانياً: علوم النحو، وقواعد الإعراب، فالنحو صناعة جاءت ترجمة لبيان حال اللغة ومواضع الكلمات وحركتها بما يفيد ضبطها، فهو ليس تأسيساً لعلم مبتكر، بل يعكس حال اللغة ويتعاهدها ويضبط قواعدها ويمنع من تضييعها والتفريط بمضامينها واصولها، ولكن هذه الصناعة قاصرة عن الإحاطة التامة بعلوم القرآن، فلابد من الإقرار بحقيقة وهي ان الآية القرآنية أعم من أن تحيط بها صناعة النحو وقواعدها، وفيه وجهان:
الأول: تأسيس قواعد نحوية جديدة خاصة بآيات القرآن.
الثاني: التعدد في اعراب اللفظ القرآني من خلال ما يتضمنه من معانِ متعددة، فاذا كانت الواو في آية قرآنية جامعة لمعنى العطف والإستئناف فلا مانع من القول في الإعراب انها عاطفة واستئنافية، فتقسيم الواو في النحو الى عاطفة واستئنافية تقسيم استقرائي، والمضامين القرآنية أعم منه، وقد يختلف اثنان او أكثر من علماء النحو في اعراب كلمة من القرآن، ولكن قد يكون الجميع على صواب ، وكل ينظر من الجهة التي يراها مناسبة.
ولا تعارض بين الوجهين أعلاه، لأن علوم النحو بلغت بفيض وبركة القرآن مرتبة عالية من التهذيب والضبط والدقة والإحكام، ولكنها تبقى قاصرة عن الإحاطة باللفظ القرآني، وهذا سر آخر من اسرار القرآن، ففي كل ميدان اعجاز للقرآن تعجز عن الإحاطة به عقول البشر.
وكما تعجز مباحث علم البلاغة عن ادراك الكنوز البلاغية والسبك والفصاحة والبيان في القرآن، فكذا تتخلف صناعة النحو عن ادراك كنه واسرار اللفظ القرآني، ولابد من التدارك النسبي وانشاء مدارس نحوية جديدة خاصة باللفظ القرآني ترجع الى علوم التفسير والتأويل.
ومن الإعجاز في المقام ان كنوز التفسير لم ولن تستخرج كلها، وتبقى علومه المنتظرة أكثر من التي اظهرها علماء التفسير فلابد ان تكون هذه المدارس سيارة متجددة تحاول اللحاق باللفظ القرآني في حركته الإعرابية والتدقيق فيه، مع الإقرار ببقائها على حال التقصير والتخلف عن درك اعراب الكلمة القرآنية ولكن تأسيسها شاهد على السعي الدؤوب من العلماء في الغوص في بحار اللفظ القرآني، ومحاولة كريمة لإستظهار علوم جديدة من القرآن فكما ان النحو يقتبس من التفسير والتأويل، فانهما ينتفعان من علم النحو، وترى المعربين تشغلهم الآية القرآنية ويظهر الإختلاف بينهم، والتباين في اقوالهم ولكن الحق هو انعدام الإختلاف، لتعدد وجوه ومعاني اللفظ القرآني.
وقانون تعدد الإعراب القرآني آية متجددة فيها كنوز مستحدثة، وعلم مستقل من:
أولاً: صناعة النحو لما فيه من الكثرة المتعلقة بالذات الواحدة.
ثانياً: علوم اللغة، وما فيها من اللالئ البلاغية التي تشع من ثنايا القرآن.
ثالثاً: الأسرار الملكوتية للفظ القرآني، والكلمة الواحدة منه.
الآية سلاح
تبعث الآية في نفوس المسلمين الثقة بالأنبياء، وتدعو الناس الى رفض التعدي عليهم سواء بالإفتراء عليهم او الغلو فيهم، وما دام النبي اعطى موثقاً وعهداً لله عز وجل فلابد انه اوفى بما عاهد عليه الله عز وجل في نبوته وصدق عبوديته وخشوعه لله تعالى.
ولم يأمر الأنبياء الا بما جاء في الميثاق والعهد الإلهي، ولم يقصروا في الدعوة الى الله عز وجل واخذ الميثاق على الناس في لزوم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو خاتم النبيين وسيد المرسلين، واجتهدوا في اعداد انصارهم واتباعهم للإنقياد لنبوته، فليس المسلمون وحدهم الذين صدقوا برسالته صلى الله عليه وآله وسلم بل ان التصديق بها سابق لزمانها.
وهذا من الآيات والأسرار الملكوتية في رسالته صلى الله عليه وآله وسلم واذا كان الأنبياء السابقون يتعاهدون البشارة بنبوته باعتبارها جزء من العهد الذي أخذه الله عليهم فالواجب على الناس التصديق بها.
ومع هذا فمن اللطف الإلهي ان نبوته صلى الله عليه وآله وسلم جاءت مقرونة بالآيات العقلية والنقلية والشواهد الإعجازية التي تدل على صدق بعثته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم اتباعه، لقد أخذ الله العهد بتصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته، وهذا التصديق آية اعجازية في خلق الإنسان ولا يتم الا بالميثاق من وجوه:
الأول: لموضوعيته واهميته بالنسبة للناس جميعاً.
الثاني: توارث البشارة بين الأجيال المتعاقبة امر عظيم ليس بالسهل، لذا جاء بعنوان الميثاق والعهد، ومع هذا فان كثيراً من الناس زاغوا عن العهد وجحدوا بالميثاق.
الثالث : احكام الحياة الدنيا ، بإعتبارها دار إمتحان واختبار .
الرابع : مضامين الفضل الإلهي بأخذ الميثاق لوجوه:
الأول : الميثاق تشريف للإنسان بإعتباره طرفا فيه.
الثاني : فيه حث للإنسان على الإجتهاد وبذل الوسع في التقيد بمضامين الميثاق.
الثالث : إدراك موضوعية الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الإدراك مقدمة لتعاهد البشارة بنبوته والعزم على نصرته.
الآية لطف
في الآية لطف مركب من وجوه:
الأول: تفضل الله تعالى بأخذ الميثاق على الأنبياء وفيه توكيد لمضامين الآيتين السابقتين، وللإخبار بان سنن الأنبياء في الدعوة الى الله لطف ومدد الهي بهم وبالناس جميعاً.
الثاني: النعمة الإلهية باتيان الأنبياء الكتاب والحكمة ودلالته على حاجة الأنبياء والناس للتنزيل والتوفيق الإلهي.
الثالث: اصلاح الأنبياء للإمامة الناس بالحكمة ومصاديق الكمالات الإنسانية.
الرابع: التداخل بين الميثاق واتيان الأنبياء الكتاب والحكمة وتجلي قانون العلة والمعلول بينهما لإعانة الناس على الهداية والرشاد.
الخامس: الأمر الإلهي بالإيمان بالنبي ونصرته فالآية لم تأتِ باستحباب أو اباحة الإيمان بالبعثة النبوية، بل جاءت بوجوبه مع البرهان على لزومه، ومن وجوه البرهان وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانه رسول، وهذا الوصف يدل بالدلالة التضمنية على مجيء النبي بالآيات والمعجزات الدالة على صدق نبوته.
السادس: الإتحاد في موضوع النبوة وتفشي قانون التصديق لها، فكل نبي لاحق يصدق بالنبي السابق، وقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق بالأنبياء والمرسلين جميعاً، في آية على صدق نبوته ولطف اضافي لجذب الناس للإسلام وعدم التشديد على انفسهم، وحثهم على الإعراض عن الشك واهل الشبهات.
مفهوم الآية
لقد أكرم الله الأنبياء وخصهم بالوحي والتنزيل، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، ورفعهم درجة على الناس في النشأتين، وجعلهم رسلاً يدعون الناس الى الإيمان، ورأوا من الآيات ما لم يرها احد غيرهم، وفي الآية مسائل:
الأولى: توالي الآيات على الأنبياء بما زادهم يقيناً واصلحهم للنبوة.
الثانية: مع الآيات، فان الله اخذ عليهم الميثاق والعهد.
الثالثة: من الحجة ومدرسة البرهان في القرآن فان الميثاق لم يأتِ ابتداء بل جاء بعد ان رزقهم الله عز وجل الكتاب والتنزيل والحكمة.
الرابعة: انتقال الآية من صيغة الغائب الى لغة الخطاب بقوله تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ].
الخامسة: لزوم التصديق بالرسول الذي يأتي بالآيات الدالة على نبوته، وتنطبق عليه البشارات التي تركها الأنبياء ارثاً عند أممهم.
السادسة: هذه البشارات والعلامات تخص النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.
السابعة: لزوم الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لوجود المقتضي واجتماع الشرائط، وفقد المانع.
الثامنة: اقرار الأنبياء بما في الميثاق دليل على ان مضامينه وما فيه من الشرائط كلها حق وصدق.
التاسعة: عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلو شأنه، وافضليته على الأنبياء الآخرين، فكل نبي من الأنبياء يحمل امانة البشارة به.
العاشرة: كل نبي يشهد على قومه بوجوب عبادة الله تعالى والتصديق ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتعاهد التصديق به عند بعثته.
الحادية عشرة: لقد أراد الله عز وجل تهيئة مقدمات انتصار الإسلام، وهو من قواعد اللطف الإلهي، لأنه الديانة الباقية الى يوم القيامة، من يحاربه ينال جزاءه وعقابه في الدنيا والآخرة، وتكون النار مثوى له، فأراد الله عز وجل بالميثاق التخفيف عن الناس وحثهم على الإيمان بنبوته، وكأن مضمون الميثاق اياكم والعذاب الشديد الذي ينتج عن التكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بادروا الى التصديق بنبوته للنجاة يوم القيامة.
الثانية عشرة: ميثاق الأنبياء يعني في مفهومه ميثاق اممهم واتباعهم وانصارهم، وهو حجة عليهم لذا جاء ذكر شهادة الأنبياء.
الثالثة عشرة: امره تعالى [فَاشْهَدُوا] اكرام للأنبياء، ودليل على عدالتهم وأهليتهم للشهادة عند الله عز وجل.
الرابعة عشرة: في الأمر للأنبياء بالشهادة نوع انذار لمن يكذب بهم ولا يأخذ بما جاءوا به من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة عشرة: تفضله تعالى بان اضاف شهادته لشهادة الأنبياء دعوة للناس للمبادرة الى التصديق بالرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم الخروج عما جاء به من الأحكام الشرعية، فالتصديق بنبوته اعم من الإقرار بها، بل لابد من العمل بما جاء به من الفرائض والواجبات، والتقيد بمبادئ الإسلام واصول الدين وآيات القرآن لتبقى غضة طرية الى يوم القيامة من غير ان يطرأ على بعضها التغيير او التحريف او التبديل، ولقد نال المسلمون شرف تعاهد الرسالة وحفظ الأمانة واداء التكاليف والعبادات بشرائطها.
وتدل الآية في مفهومها على عدم جواز الوقوف عند نبوة احد الأنبياء السابقين من وجوه:
الأول: ان الله عز وجل اخذ الميثاق على الأنبياء بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: قيام الأنبياء بالبشارة دعوة في ذاتها للتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: موضوعية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهميتها بالنسبة للأنبياء والناس جميعاً، مما يلزم الأنبياء بالسعي لتثبيت البشارة ووجود أمة تتوارثها مع الإستعداد للتفاني في نصرته.
السادسة عشرة: تمنع الآية من تعدد الأديان وكثرة الفرق التي تتبع الأنبياء وما في هذه الكثرة من التعارض والإفتتان، فمن اللطف الإلهي ان يأمر الله الأنبياء بالتطلع والسعي للشريعة المتكاملة.
السابعة عشرة: الآية حجة في كثرة الشهود على البشارة والإخبار عن نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم تصديقه واتباعه، فالله خير شاهداً كما ان الشهادة في الآية تشمل غير الأنبياء ايضاً لأنه سبحانه لم يقل “وانا معكم شاهد” بل قال [مِنْ الشَّاهِدِينَ].
الثامنة عشرة: في الآية تشريف وثناء على الأنبياء، اذ بدأت بالميثاق واختتمت بالشهادة، وانهم شهود على النبوة.
التاسعة عشرة: من الميثاق والعهد أداء الأنبياء الشهادة بأمر منه تعالى.
العشرون: الشهادة أعم من ان تكون في الحياة الدنيا، فتشمل الآخرة، وفيه وعد ووعيد، وعد للذين يصدقون بالأنبياء وما جاءوا به من عند الله ووعيد لأهل الجحود بالنبوة وبشاراتها.
الحادية والعشرون: في الآية تتمة لموضوع تنزيه الأنبياء، وتوكيد عليه، وهذا شاهد على اكرامه تعالى للأنبياء، واذا كان الله عز وجل يتفضل باكرام الأنبياء فمن باب اولى ان يقوم الناس باكرامهم والإعتراف بجلال قدرهم، ومعرفة عظيم منزلتهم، والإقرار بفضلهم، ولابد ان يتجلى اكرام الناس للأنبياء بتصديقهم واتباعهم.
ومن مفاهيم الآية انها رحمة للإنسان وفيها ثناء ومدح له فقد يظن ان الآية تخويف ووعيد وتبكيت، ولكنها مدح واكرام للإنسان من وجوه:
الأول: تفضله تعالى بأخذ ميثاق النبيين، والميثاق لم يأتِ الا عن تأديب وتعليم وارشاد، واصلاح وفيه مسائل:
الأولى: الميثاق نعمة اضافية على الإنسان موضوعاً وحكماً، وهو عنوان تشريف له.
الثانية: فيه اخبار عن اختيار إلهي للإنسان من بين الخلائق لأخذ الميثاق منه.
الثالثة: تشريف الأنبياء من بين البشر.
الرابعة: اخبار الناس بان الأنبياء اعطوا الميثاق عنهم، والواجب يقتضي حفظ الميثاق.
الخامسة: الميثاق عهد ولابد ان له موضوعاً ومصاديق خارجية من معرفة الصانع وصفاته، والإقرار بربوبيته وعبادته، والتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
السادسة: عموم الميثاق وشموله للناس جميعاً، قال سبحانه [وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
السابعة: الميثاق هو العهد والإلتزام المؤكد الذي يجب العمل بمضمونه واجتناب التفريط به، وفيه اخبار للخلائق عن أهلية الإنسان لإعطاء الميثاق.
الثامنة: اذا قال قائل: المدار ليس على اخذ الميثاق وحده، بل على التقيد باحكام الميثاق، فالجواب ان الأنبياء مثال على التقيد التام بالميثاق وهم أسوة للناس.
وجاء القرآن ليثبت الميثاق الى يوم القيامة، من وجوه:
الأول: الأخبار عن الميثاق كما في هذه الآية وامثالها.
الثاني: تضمن القرآن لأحكام الميثاق لما فيه من اصول الدين ووجوب عبادة الله، واحكام الحلال والحرام وقصص الأنبياء.
الثالث: كل من الكتاب والحكمة نعمة جاءت من عند الله ابتداء من غير استحقاق من الإنسان، وشكر المنعم واجب، ويتجلى الشكر هنا باللسان والفعل، ومن الشكر الفعلي وجوب الإيمان بالله.
التاسعة: مجيء الآية بصيغة الجمع (اتيتكم) وهو دليل على اكرام الناس جميعاً بالكتاب والحكمة، وقيام شطر من الناس بالتقيد باحكامهما عنوان لبقاء هذه النعمة وتوارثها وأرسل الله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليتعاهد المسلمون احكام الميثاق وتتوارثه اجيالهم.
وفي الآية مسائل:
الأولى: ان الله عز وجل يأخذ الميثاق من أئمة الناس وقادة الأمم، بعد ان آتاهم النبوة وحملهم مسؤولية الأمانة والخلافة.
الثانية: لم يستثن نبي من الميثاق.
الثالثة: الميثاق عنوان المائز بين الأنبياء والناس، فان قلت قد وردت الآيات بأخذ الميثاق من غير الأنبياء كما في بني اسرائيل والنصارى فالجواب وبيان المائز من وجوه:
الأول: أخذ الميثاق من ألأنبياء بصفة النبوة.
الثاني: ميثاق الأنبياء عنهم وعن أنفسهم.
الثالث: يتصف الأنبياء بالإخلاص في مضامين الميثاق.
الرابع: ميثاق النبيين عز لهم وللناس جميعاً، وليس فيه الا الثناء على الأنبياء، والذي يدل بالدلالة الإلتزامية على دعوة الناس للإقتداء بهم في حفظ الميثاق.
الخامس: مدح المسلمين لتقيدهم باحكام مواثيق الأنبياء.
الرابعة: لم يأتِ الميثاق الا بعد ان جعل الله الأنبياء مؤهلين لمقامات الإمامة والإرتقاء في مراتب العلم والكمالات الإنسانية.
الخامسة: استقلال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر في الآية، لما ينفرد به من بين الأنبياء في موضوع وأحكام نبوته.
السادسة: قوله تعالى [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ] ميثاق اخذه الله على الناس كافة.
فالميثاق أعم من أن يذكر باللفظ اذ ان الأمر والفعل يدلان عليه فالله عز وجل امر الناس بالإيمان والنصرة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة وبعدها، وأخذ عليه العهد، وهو ميثاق ايضاً، فان قلت كيف تكون النصرة قبل نبوته، الجواب فيه وجوه:
الأول: التصديق ببعثته.
الثاني: حفظ وتوارث البشارات الواردة بنبوته، لأن ذكر البشارة ترسيخ لحقيقة البعثة في النفوس، ودعوة للناس للتطلع الى ايامه وما فيها من البركات واسباب الصلاح.
الثالث: تعاهد صفاته الواردة على لسان الأنبياء وفي الكتب السماوية السابقة.
الرابع: التصدي لمحاولات التحريف والتغيير في صفاته.
الخامس: محاربة اعدائه وأعداء الدين الذين لا يريدون ظهور الحق وسيادة مبادئه في الأرض.
السادس: نصرة واعانة المؤمنين برسالته.
السابع: اتباع الأمم السابقة للأنبياء، وتصديقهم والعمل بالشرائع النازلة، فانه نصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل بعثته.
السابعة: جاء الميثاق من الأنبياء، اما الناس فقد اخذ الله منهم الى جانب العهد الإقرار باعتبار انه لغة عامة يفهمها ويدرك مضامينها كل انسان، لأن الإقرار اعتراف بالحق.
ويشعر كل انسان بما له من الأهمية وما تترتب عليه من العهدة الأخلاقية من غير اعتبار للتباين في المدارك والفهم والمقام واختيار الإيمان، او الجحود.
الثامنة: اضافة الشهادة للإقرار، وفيه امور:
الأول: يتعلق بشهادة الإنسان على غيره، فاذا كان الشاهد جاحداً وغير عادل كيف يشهد على غيره، الجواب ان الشهادة عند الله تختلف عن الشهادة عند القاضي والحاكم وفي الخصومات.
الثاني: تؤخذ الشهادة من الحواس بما رأت وسمعت وأدركت.
الثالث: جاءت الآية بصيغة الأمر والوجوب [فاشهدوا] مما يدل على حتمية الإستجابة وانتزاع الجواب.
الرابع: ما يخص الشهادة على الذات فاذا كان الإنسان ناكثاً للعهد، غير وفي بمضامين الإقرار، فكيف يشهد على نفسه خصوصاً وانه يرى العذاب الأليم الذي ينتظره ، والشهادة إعم حتى في ذات الإنسان وتشمل الحواس والجلود ،وفي التنزيل [ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ]( )، وليس بمقدور الإنسان التخلف عن الشهادة، أو التردد في الإعتراف بما فعله.
التاسعة: جاءت الشهادة مطلقاً فأهل الإيمان ايضاً يشهدون على الأنبياء انهم أدوا ما عليهم، وحفظوا الميثاق وصانوا الأمانة وبشروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويشهدون ايضاً على أهل زمانهم.
ومن مفاهيم الاية انها رحمة للإنسان بلحاظ أصل الخلق، وفيها ثناء ومدح له، فقد يظن ان الآية تخويف ووعيد وتبكيت محض، ولكنها تتضمن مدح وإكرام عالم لجنس الإنسان بتفضله تعالى بأخذ ميثاق النبيين، والميثاق لم يأتِ الا عن تأديب وتعليم وإرشاد واصلاح وفيه مسائل:
الأولى: الميثاق نعمة إضافية على الإنسان موضوعاً وحكماً، وهو عنوان تشريف له.
الثانية: فيه اخبار عن اختيار الهي للإنسان من بين الخلائق لأخذ الميثاق منه.
الثالثة: تشريف الأنبياء من بين البشر.
الرابعة: الإخبار بان الأنبياء أعطوا الميثاق عنهم، والواجب يقتضي حفظ الميثاق.
الخامسة: الميثاق عهد ولابد ان له موضوعاً ومصاديق خارجية من معرفة الصانع وصفاته والإقرار بربوبيته وعبادته، والتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
السادسة: عموم الميثاق وشموله للناس جميعاً، قال سبحانه [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
السابعة: الميثاق هو العهد والإلتزام المؤكد الذي يجب العمل به واجتناب التفريط به، وفيه اخبار للخلائق باهلية الإنسان لإعطاء الميثاق، والوفاء به، وجاءت الآية لإعانة الناس على الوفاء والإمتثال.
الثامنة: اذا قال قائل ان المدار ليس على أخذ الميثاق وحده بل التقيد بأحكام الميثاق، فالجواب ان الأنبياء مثال للناس في التقيد التام بالميثاق وهم أسوة للناس.
وجاء القرآن ليثبت الميثاق الى يوم القيامة من وجوه:
الأول: الإخبار عن الميثاق كما في هذه الآية وأمثالها.
الثاني: تضمن القرآن لأحكام الميثاق لما فيه من أصول الدين ووجوب عبادة الله، وأحكام الحلال والحرام وقصص الأنبياء.
الثالث: توكيد الدلائل على الوحدانية.
الرابع: بيان الأحكام الشرعية والتكاليف والنواهي بما يمنع اللبس والإشتباه.
التاسعة: مدح الإنسان بإتيانه الكتاب والحكمة، من وجوه:
الأول: أنه فضل من الله عز وجل.
الثاني: تعدد وجوه الإحسان والإصلاح، فالكتاب مدرسة عقائدية متصلة ذات منافع متعددة، والحكمة ارتقاء بالإنسان الى عالم الملكوت،.
الثالث: كل من الكتاب والحكمة نعمة جاءت من عند الله ابتداء من غير استحقاق من الإنسان، وشكر المنعم واجب، ويتجلى الشكر هنا باللسان والفعل، ومن الشكر الفعلي وجوب الإيمان بالله.
العاشرة: مجيء الآية بصيغة الجمع(آتيتكم) وهو دليل على اكرام الناس جميعاً بالكتاب والحكمة، وقيام شطر من الناس، بالتقيد بأحكامها عنوان لبقاء هذه النعمة وتوارثها الا ان بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليتعاهد المسلمون احكام الميثاق وتتوارثه اجيالهم.
افاضات الآية
من صفات الجمال والجلال انه سبحانه أحاط بكل شيء علماً ووسعت قدرته كل شيء، ومع هذا تفضل وأخذ الميثاق على الأنبياء، بعد ان آتاهم النبوة واحرزوا مقامات القرب، وسافروا في عالم المادة وعالم الغيب، وكانوا الرابط البشري بينهما، والشاهد على وجوب عبادة الصانع بما ظهرت على ايديهم من الآيات والبراهين.
قادوا الناس في مسالك الفرار الى الله بشوارق الأخلاص في العبودية، والتحدي لمفاهيم الشرك والضلالة، واعطوا الميثاق والعهد من منازل الرق والعبودية وبصيغ الخشوع والخضوع والإقرار بالفضل الإلهي بأخذ الميثاق، فالإنسان عبد داخر لله عز وجل، ومع هذا يجعله الله عز وجل طرفاً معه في الميثاق ويقبله منه من دون رد او ابطاء تشريفاً واكراماً للنبوة التي لم تأتِ عن استحقاق بل باللطف الإلهي، ولتكون مظهراً من مظاهر الكمالات والتجليات يتباهى بها الإنسان في النشأتين بعد ان يبذل من ذاته ما يجزي من التكاليف مع الإقتداء بالأنبياء شكراً له تعالى على ما حظي به الإنسان من العطاء غير المتناهي الذي تجلى بالكتاب والحكمة والنبوة.
والميثاق من عالم الأمر وهو أشرف من عالم الخلق، كما ان الميثاق فيها طرفان اذ ان الله عز وجل هو الذي أخذ الميثاق على الأنبياء، وهو عنوان شرف اضافي على الميثاق ماهية وموضوعاً وحكماً، وفيه انذار وتحذير للناس للزوم الأخذ به، وليكون عهداً ثابتاً بين الحق والخلق.
التفسير
قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ]
بدأت الآية بذكر موضوع عقائدي عظيم وفيه مسائل:
الأولى: للميثاق دلالات كلامية وشرعية وأخلاقية لا تنحصر بالأنبياء بل تشمل الناس جميعاً والى يوم القيامة، اذ ان ميثاق الأنبياء لا يخصهم وحدهم بل هو سور جامع يشمل أنصارهم واتباعهم وأممهم واهل الأرض كافة.
الثانية: في الآية بيان لنوع الصلة بين الخالق والمخلوقين بوجود ميثاق يحكم تلك الصلة ويحدد معانيها.
الثالثة: يمنع الميثاق من التعدي والتجاوز في الأقوال والأعمال.
الرابعة: ليس المراد بالميثاق الأنبياء وحدهم بل من ورائهم من اتباعهم وأممهم، فالميثاق عهد الله في الأرض، لذا ورد الميثاق في بني اسرائيل قال تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ]( ).
الخامسة: يعتبر الميثاق رحمة من الله للأنبياء والناس جميعاً، ووسيلة سماوية لتثبيت مفاهيم الإيمان في الأرض، وهو حاجة عقائدية لأهل الأرض.
السادسة: الميثاق توكيد وتعاهد للأمانة التي جعلها الله عز وجل عند الأنبياء وما حملهم الله من النبوة والحكمة وما آتاهم من الكتاب.
السابعة: هو شاهد على عدم قيام الأنبياء بالتغيير والتبديل، او التقصير في التبليغ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ] ( ).
الثامنة: يحتمل الميثاق وجهين:
الأول: الإطلاق في موضوعه، وعدم انحصاره بأمر معين.
الثاني: التخصيص والتعيين الموضوعي، كما لو تعلق الميثاق بتبليغ الأحكام الشرعية.
وتشمل الآية الوجهين معاً، وهذا من اعجاز القرآن، وتعدد مضامينه، وفيه اشارة الى اكرام الأنبياء.
التاسعة: تطرد الآية الشك والريب عن الناس في موضوع اداء الأنبياء لوظائفهم، فالميثاق عنوان العصمة والمقدمة السماوية التي تكون عوناً لهم على الأداء الأمثل لأشرف عمل قام به بنو آدم وهو تلقي التنزيل وتبليغه بأمانة.
العاشرة: الآية شاهد على أهلية الأنبياء للميثاق وقبول الله عز وجل لعهدهم.
الحادية عشرة: الأصل في الميثاق ان يكون سابقاً للفعل وحفظاً له، ولكن ميثاق النبيين أعم فهو يتغشى ايام النبي كلها، ليكون مصاحباً له، وحصناً وعصمة من الزلل.
الثانية عشرة: في الآية رحمة اضافية بالأنبياء، لثقل الأمانة، وكثرة التحديات ووجود الأعداء والجاحدين، فجاء الميثاق لكي لا يفتر النبي عن الدعوة الى الله في أي حال من الأحوال، وفيه شاهد بان بعثة كل نبي ضرورة في زمانها، وهذه الضرورة ليست اجمالية بل تفصيلية تتعلق باداء النبي لتمام ما امر به وما جاء به من عند الله عز وجل، والميثاق فرع هذه الضرورة، وسبيل الى تحقيق الغايات السماوية.
الثالثة عشرة: الإخبار الإلهي عن الميثاق في هذه الآية بالذات رد على الذين يفترون عليهم او يغالون في اشخاصهم، واخبار عن براءتهم من الغلو، وانهم لن يشفعوا لأولئك الذين يغالون فيهم ويظنون ان هذا الغلو يقربهم من النبي او انه دليل على تبعيتهم له، وصلتهم معه، وهذا الغلو يتعارض مع الميثاق الذي أخذ على الأنبياء، ومن أهم مصاديقه البقاء في مقامات العبودية والخشوع لله تعالى.
الرابعة عشرة: تمنع الآية من التعدي على الأنبياء لما فيها من الإخبار بان جهاد الأنبياء وبذلهم الوسع في سبيل الله انما هو جزء من الميثاق.
والميثاق عنوان تشريف اضافي للأنبياء، ودعوة للناس للإقتداء بهم، والإطمئنان لما جاءوا به من عند الله، وجاءت الآية بصيغة الجمع وفيه وجوه:
الأول: اتحاد الميثاق موضوعاً وحكماً.
الثاني: الآية انحلالية، فكل نبي له ميثاق خاص به يتعلق بنبوته وما لها من الخصائص.
الثالث: الميثاق مركب من قسمين:
الأول: عام لجميع الأنبياء.
الثاني: خاص بكل نبي.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وتدل على موضوعية الميثاق في حياة الأنبياء، وعظيم نفعه، ولزوم اكرام الأنبياء لنيلهم مرتبة الميثاق والعهد مع الله عز وجل بصفة النبوة وما تعنيه من الإجتباء والإختيار الإلهي لهم لتحمل شرف الرسالة والوحي ولله ملك السماوات والأرض وهو خالق كل شيء، وطالت قدرته كل شيء.
وهو قادر على ان يجعل الأنبياء يفعلون ما يريد سبحانه على نحو الجبر، ويتنزه عن الميثاق بينه وبين عبيده باعتبار انهم جزء من خلقه وملكه، ولكنه سبحانه تفضل على الأنبياء بالميثاق والعهد معهم ليكون باباً لنيلهم الثواب، وعنواناً لإخلاصهم في عبادة الله واداء مسؤوليات النبوة.
وفي هذا الميثاق اصلاح للأمم والمجتمعات الإنسانية الى يوم القيامة، فان قلت ليس الناس جميعاً اتباع الأنبياء، قلت: ان الميثاق رحمة سماوية تتغشى اهل الأرض، وكل أمة وجماعة وافراد يأخذون منه بقدر قل او كثر، وهو كالمطر الذي ينزل على الأرض فيسيل فيها وينتفع منه من يسكن في أرض وبلاد غير التي نزل فيها المطر، بل الميثاق اعظم وأكثر نفعاً لأنه نعمة دائمة على أهل الأرض، ومنافعه متعددة لا تنحصر بالإنسان في بدنه، واحوال الدنيا بل تشمل الآخرة ومنازل الناس فيها، وفوز من يتبع احكام الميثاق.
والميثاق وان جاء خاصاً بالأنبياء الا انه موجه للناس كلهم، وكأنه عهد وعقد تم مع الناس جميعا، وعلى كل انسان السعي والبحث لمعرفة مضامين الميثاق وما فيه من الأحكام ولزوم أخذها وعدم التفريط بها، فميثاق الأنبياء عهد الله الدائم في الأرض، لذا جاء متضمناً البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون القرآن هو الوعاء السماوي الذي تتجلى فيه مفاهيم الميثاق وينال الأجر والثواب من عمل بما فيه من الأوامر، واجتنب ما نهى عنه خصوصاً وان القرآن فيه تبيان كل شيء.
وجاءت الآية بصيغة الماضي وان الله عز وجل قد أخذ ميثاق الأنبياء، وفيه مسائل:
الأولى: ان أمر الميثاق قد تم وحصل في الماضي بمعنى ترتب الأثر عليه.
الثانية: لم يتردد او يتخلف نبي من الأنبياء عن الميثاق.
الثالثة: كما يتبع الناس الأنبياء في الأحكام الشرعية فعليهم اتباعهم في الميثاق، فكأن الميثاق اخذ على الناس جميعاً.
الرابعة: الآية دعوة لدراسة منزلة واثر الميثاق عند الناس ومدى تقيدهم باحكامه.
الخامسة: في الآية حث للناس على التقيد باحكام الميثاق من باب الأولوية القطعية، فاذا كان الأنبياء ملتزمين بالميثاق مع عظيم منزلتهم عند الله، فلابد للناس ان يتقيدوا باحكامه ومضامينه خصوصاً وانه رحمة لأهل الأرض.
وبينما جاء ذكر الأنبياء على نحو التعدد والإطلاق الشامل للجميع، فان الميثاق جاء بصيغة المفرد والمتحد في إشارة الى وحدة الميثاق وقبول الأنبياء له، وتعهدهم بالإلتزام باحكامه، وهذا القبول عنوان تشريف لبني آدم وشاهد على أهلية الإنسان لخلافة الأرض، وكأن الميثاق شرط من شرائط الخلافة، فمن مقومات الخلافة قبول الإنسان للعهد والميثاق الإلهي، وتجلى هذا القبول باشخاص الأنبياء واعطائهم العهد له تعالى على بقاء كلمة التوحيد في الأرض.
ويحتمل الميثاق وجوهاً:
الأول: اخذ الله العهد والميثاق من الأنبياء أنفسهم.
الثاني: ميثاق اتباع الأنبياء، بحذف المضاف، كما في قوله تعالى[وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ]( ).
الثالث: ميثاق أمم الأنبياء[وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ]( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وهي من مصاديق الآية، والأول هو ظاهر الآية الكريمة ولا دليل لصرف المعنى عن الظاهر، كما ان اخذ الميثاق من الأنبياء شهادة فخر وعز لهم، وتوثيق وتزكية لأعمالهم، وتوكيد سماوي لإخلاصهم في اداء وظائفهم، ولإثبات ما جاءوا به من البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والدعوة للتصديق بنبوته واتباعه ونصرته.
وورد عن الإمام علي عليه السلام وابن عباس وقتادة: ان الله عز وجل أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ان يخبروا أممهم ببعثته ونعته ويبشروهم ويأمروهم بتصديقه، وفيه دلالة بان الميثاق تم على الأنبياء.
نعم يقوم الأنبياء بأخذ الميثاق من أممهم، والناس جميعاً، وهذا الأخذ يختلف عن ميثاق الأنبياء فميثاق الأنبياء عهد مباشر مقرون بالإلتزام التام، اما ميثاق الأنبياء مع الناس فهو تبليغ احكام الوحي، ودعوتهم الى التوحيد، واخبارهم بالبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فان قلت هل يكفي هذا في الميثاق الجواب انه كافِ لإقامة الحجة على الناس، كما انه مقرون بالآيات الكونية، والكتب المنزلة والبراهين والحجج القاطعة التي يأتي بها الأنبياء من عند الله، بالإضافة الى الميثاق الذي أخذه الله على الناس وهم في عالم الذر، “وقال طاووس أخذ الله الميثاق على الأنبياء عليهم السلام على الأول والآخر، فاخذ الله ميثاق الأول لتؤمنن بما جاء به الآخر”.
وعن الإمام الصادق تقديره واذ اخذ الله ميثاق امم النبيين بتصديق نبيها، والعمل بما جاء به وانهم خالفوهم فيما بعد، وما وفوا به وتركوا كثيراً من شريعته وحرفوا كثيراً منها( ).
وميثاق النبيين عهد الله عز وجل في الأرض وامان لهم لما فيه من تثبيت لدعائم التوحيد، وهو باب لنزول الفيض الإلهي، وسبيل للتوبة واذ أنزل الله عز وجل رحمة الى اهل الأرض فانه أكرم من ان يرفعها، فميثاق النبيين باقِ بين الناس يتوارثونه بأحكام النبوة وسنن الشرائع، الى ان نزل القرآن جامعاً له، ليكون ميثاق الله في الأرض، والآية السماوية العظمى، والصلة الدائمة بين الله وبين الخلق، فلا غرابة ان تجد القرآن خالياً من التحريف ممتنعاً عن الزيادة او النقصان، تنجذب له نفوس المسلمين حفظاً وتعاهداً بالتلاوة والفعل.
وموضوع الميثاق مع تعدد الأنبياء يحتمل وجوهاً:
الأول: انه خاص بكلمة التوحيد واصول الدين، والإخلاص في الدعوة الى الله.
الثاني: جاء في الأصول وخصائص كل شريعة، فالأصول تؤخذ من كل نبي، ثم يؤخذ من الرسل ميثاق العمل بشرائعهم.
الثالث: البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، والإختلاف في التفصيل بين الشرائع لا يتنافى مع ذكر الميثاق على نحو الإطلاق لمجيء ذكر النبيين.
علم المناسبة
ورد لفظ الميثاق في ثلاث وعشرين آية من القرآن، منها عشرون في الميثاق بين الله عز وجل وخلقه وثلاث في الميثاق والعقود بين الناس، سواء بين المسلمين وغيرهم، او فيما بينهم، او في المعاملات والعقود الشرعية الخاصة كما في عقد النكاح قال تعالى [وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا] ( )، وهذا الميثاق يتم بامانة الله ووفق احكام الكتاب فلذا ترشح عليه صفة الميثاق فكأن اسمالميثاق في القرآن يحمل خصوصية عقائدية، وفيه اشارة الى الأمانة وصيغ العهد الإلهي وان ذكره تعالى بين الناس وسيلة وسبب لحفظ العقود والتقيد بالشروط والعهد لذا جاء موضوع اليمين وما له من احكام خاصة كفرع من فروع الميثاق، ومع هذا فان أشرف وأسمى مصاديق الميثاق هي مواثيق الأنبياء لأن الله اخذها على خاصة وسادة البشر ومن غير واسطة احد من الناس.
ومما يدل على ارادة النبيين في الميثاق وان الله عز وجل أخذه منهم على نحو الخصوص قوله تعالى [ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ]( ).
ثم بينت الآية التي بعدها موضوع الميثاق وانه علة لمعلول وهو اقامة الحجة على الناس وتعاهد البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا أكدت الآية الميثاق على الأنبياء، واثابة الصالحين منهم بقوله تعالى [لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ]( ).
فجاءت الآيتان في موضوع الميثاق وانه أخذ من الأنبياء، والغاية هي لزوم تقيد الناس عامة بكلمة التوحيد، واقامة الشعائر وسنن النبوة.
كما ورد الميثاق بين الله وبين بني اسرائيل كما في قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ….]( )، فبينت الآية ان الميثاق هو الأحكام الشرعية في دلالة على ان الأحكام نزلت كي يعمل الناس بها، وليس لهم خيار الأخذ بها او تركها بل لابد من العمل الجماعي والفردي بها، ولا يجوز مخالفتها، لأن التنزيل ذاته ميثاق، وفي هذا المعنى اكرام للإنسان ونوع رأفة به، وتنبيه له بلزوم عدم التفريط بالأحكام الشرعية لأن التفريط يؤدي بصاحبه الى العذاب الأليم.
وفي الآية التالية لها ورد قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ]( )، للتغليظ في الأحكام الشرعية ذات الأهمية، وكان القتل عظيماً عند بني اسرائيل واجتنابه فرع الميثاق الذي أخذه الله عز وجل عليهم.
وقال ابو مسلم الأصفهاني: ظاهر الآية يدل على ان الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عند مبعثه، وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم من زمرة الأموات، والميت لا يكون مكلفاً فلما كان الذي اخذ الميثاق عليهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عند مبعثه ولا يمكن ايجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام، علمنا ان الذين اخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيين بل هم أمم النبيين( ).
ولكن الآية تحمل على ظاهرها والمراد من ميثاق النبيين أعم من موضوع التصديق الحضوري بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من النبيين الذين اخذ الله ميثاقهم ويدل عليه امور:
الأول: ارادة التصديق بالنبي من منازل النبوة وانه سيد الأنبياء، مع القيام بالبشارة برسالته.
الثاني: الألف واللام في النبيين تفيد الإستغراق.
الثالث: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أحد الأنبياء وسيدهم، واذا اخذ الله عز وجل الميثاق منهم فيشمله الحكم من باب الأولوية.
الرابع: قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ]( ) وهذا الذكر المستقل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجيء الآية بصيغة الخطاب توكيد وتشريف واكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
“وأجاب القفال على قول ابي مسلم الأصفهاني بقوله لم لا يجوز ان يكون المراد من الآية ان الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام والسلام”( )، ولكن موضوع الآية، والميثاق أعم، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: لقد جئتكم بها بيضاء نقية، اما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه الا اتباعي” وجاء ذكر موسى من باب المثال الأمثل، باعتباره كليم الله، ومن الرسل الخمسة اولي العزم، والمراد الأنبياء جميعاً والإتباع فرع الإقرار وشاهد عليه، و(لو) حرف تمن يأتي لامتناع الثاني من اجل امتناع الاول، أي لم يكن موسى حياً في ايام نبوته ، فلابد ان الميثاق له مصاديق واقعية، وتوارث للبشارة فيما يخص التصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم عند مجيئه وبعثته.
اذ ان الذين يؤمنون ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم على وجوه:
الأول: من تلقى البشارة من الأنبياء السابقين، وهو من مصاديق هذه الآية ومنها بشارة عيسى عليه السلام بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والآثار الكريمة لميثاق الأنبياء.
الثاني: الذي رأى الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: من قامت عليه الحجة والبرهان.
الرابع: الذي درس القرآن وادرك ما فيه من الإعجاز.
وتنبسط أحكام ميثاق النبيين على الوجود الإنساني في الأرض منذ هبوط آدم ويتضمن اعلاء كلمة التوحيد والإقرار بالربوبية لله تعالى، ومحاربة الشرك والضلالة، واداء وظائف النبوة ومنها البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والوصية بالتصديق بنبوته، لكي تحفظ اممهم الوصية والعهد ويتعاهد الناس الميثاق والبشارة حتى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قانون الميثاق
لقد جعل الله عز وجل الإنسان خليفته في الأرض بعد ان خلقه، واكرمه على نحو الخصوص من بين الخلائق ونفخ فيه من روحه، وهذا النفخ لم يذكره شطر من علماء الكلام عندما يقارنون بين الملك والإنسان وايهما اشرف واكثر فضلاً مع موضوعيته واهميته، ومع النفخ جاء الميثاق والعهد بين الله والإنسان ليكون عنوان تشريف اضافي له وحائطة وسلاحاً للتغلب على الهوى والإحتراز من الشيطان، وليكون عوناً على اداء التكاليف وحفظ الأمانة التي تحملها الإنسان من بين الخلائق.
فالميثاق قانون ثابت ملازم للإنسان في خلقه، ووجوده في الأرض، وهو من مصاديق رده تعالى على الملائكة عندما سألوا عن اختيار الإنسان خليفة في الأرض بقوله سبحانه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ). فان الله عز وجل يعلم انه سيأخذ من الأنبياء الميثاق، وبواسطتهم يؤخذ من الناس الميثاق وان شطراً منهم يعملون بالميثاق، ويتعاهدون احكامه، ترى ما هي مضامين هذا القانون، وهل هو على مرتبة واحدة وقواعد ثابتة، ام انه يختلف قوة وضعفاً في مضامينه.
الجواب فيه تفصيل وهو على قسمين:
الأول: اتحاد ميثاق الأنبياء، وانه واحد فلذا جاءت الآية بصيغة الفرد بالنسبة للميثاق، والتعدد بالنسبة للأنبياء، قال تعالى [مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ] فهو من الكلي المتواطئ، للإلتقاء في صفة النبوة وما فيها من الإكرام والتشريف، وحفظ الأمانة السماوية في الأرض، وللمسؤوليات العظيمة التي يقوم بها الأنبياء بين الناس.
الثاني: ميثاق الله عز وجل مع أهل الكتاب والمسلمين والناس كافة، وهو على شعبتين:
الأولى: مضامين ثابتة وقواعد كلية مستديمة تتقوم بكلمة التوحيد وتعاهدها وتوارثها، ليكون الناس على منهج الأنبياء في صدق العبودية لله تعالى.
الثانية: الأحكام الشرعية، والتكاليف العبادية، وهذه الشعبة على مراتب متباينة، بلحاظ التفاوت في التكاليف، وتجلت اسمى معاني الميثاق في هذا الباب في التكاليف التي جاء بها القرآن والسنة النبوية، لتكون الشريعة الإسلامية هي المصداق المتكامل للميثاق ، ومضامينها افراداً للعهد الإلهي وما جعله الله عز وجل عند الأنبياء.
لقد أقام الله عز وجل بالقرآن وأحكام الشريعة الإسلامية على الناس الحجة في لزوم التقيد بقانون الميثاق، وهو توليدي ينشطر الى عدة قوانين ولا تنحصر موضوعات قانون الميثاق بمضامينه وما اخذه الله من العهود على الأنبياء او الناس، بل يشمل الوعيد وصيغ الإنذار عند مخالفة احكامه، قال تعالى [وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ]( )، وقال تعالى [ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ]( ).
وكما أخذ الله عز وجل الميثاق على الأنبياء، فانه سبحانه جعلهم وسائط بينه وبين خلقه ويتلقى اتباعهم الميثاق منهم، لذا جاءت الآيات في تحذير اهل الكتاب من نقض الميثاق، ويعتبر قانون الميثاق قوام الحياة الدنيا، وموضوع الحساب في الآخرة وشاهداً بان الله لم يخلق الإنسان عبثاً، بل حمّله الميثاق ومضامينه القدسية وعهد اليه التقيد باحكامه وانذره من مخالفته، والتفريط به.
وهذا القانون مما يفتخر به الإنسان على الخلائق لدلالته على تحمل الإنسان لمسؤولياته، والتي تتجلى باخلاص الأنبياء العبودية لله، ووفائهم بالميثاق، وجهادهم في حث الناس على الإلتزام بمضامينه، وملازمته للإنسان عون على التوبة والإنابة وتذكير للناس بوظائفهم العقائدية، لذا جاءت الآيات بصيغة التذكير بالميثاق قال تعالى [ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ]( ).
فالميثاق رحمة إضافية وفضل منه تعالى على الناس جميعاً ونعمة متجددة، تطل على الإنسان في كل ساعة، وتدعوه الى التقيد بمضامينه وهو لطف يجذبه الى منازل الصلاح والإيمان.
واذ فاز الأنبياء بالأداء الأكمل لمضامين قوانين الميثاق ولم يغادروا أحكامه طرفة عين، فان المسلمين نالوا السبق بعدهم في تعاهد الميثاق بقسميه الذي اخذه الله على الأنبياء والذي أخذ على ا لناس كافة، ليبقى الميثاق قانوناً يتعاهده أهل الأرض ولو من أمة منهم، ويكون هذا التعاهد علة لدوام النعم وسبباً لدفع البلاء من عامة الناس، وحجة على اهل الجحود واشراقة ايمانية مباركة، وضياء ينير دروب الهدى، ونوراً يصعد الى السماء يعلم معه الملائكة اهلية الإنسان لخلافة الأرض بتعاهده لقانون الميثاق، لقد أعطى الأنبياء الميثاق والعهد لله عز وجل كما هو صريح الآية الكريمة، ليكون هذا الإعطاء عنوان فخر دائم لبني آدم.
وجاء أول الآية بصيغة الخبر، وان الله عز وجل تفضل على الأنبياء بالميثاق والزمهم به ، وتعاهد الميثاق من قبل الأنبياء فيه وجوه:
الأول: انه عنوان الشكر لله تعالى على نعمة النبوة.
الثاني: كما انه مطلوب بذاته فانه نوع طريق لتثبيت كلمة التوحيد في الأرض، لأن عدد الأنبياء ليس كثيراً بلحاظ مجموع الناس، كما ان زمان النبوة منقطع بانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى، فجاء الميثاق ليكون موضوعاً وحكماً ثابتاً في الأرض.
الثالث: انه شكر على تفضله تعالى بالميثاق، باعتباره رحمة ومصداقاً من مصاديق قاعدة اللطف الإلهي واعانته تعالى للناس على الهداية وفعل الصالحات.
الرابع: الإلتزام بالميثاق من عمومات قاعدة العلة والمعلول، والسبب والمسبب، فان الله عز وجل لا يفعل فعلاً الا وله اثر، ومن آثار الميثاق قيام الأنبياء بوظائف الرسالة احسن قيام أو تجلي مفاهيم الصلاح والتقوى على العباد ولو على نحو الموجبة الجزئية، بمعنى يكفي في الأثر وجود أمة تتوارث الإسلام من حين هبوط آدم الأرض والى يوم القيامة.

قوله تعالى [لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ]
جاء هذا الشطر من الآية لبيان علة وموضوع الميثاق، فبعد ان ذكرت الآية ميثاق الأنبياء، وتمامه وثبوته، ذكرت الآية اسباب الإصلاح والتأهيل للميثاق ومصاديق الفضل الإلهي التي يترتب عليها الميثاق.
جاءت الآية بصيغة التبعيض [مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ] وفيه مسائل:
الأولى: تعلق التبعيض بالكتاب والحكمة.
الثانية: اختصاصه بالكتاب.
الثالثة: التبعيض هنا يتعلق بالموضوع وجهة الخطاب وهم الأنبياء وأممهم، فهو من الكلي المشكك باعتبار ان مصاديق الكتاب والحكمة التي جاءت للأنبياء أكثر من التي آتاها الله للأمم، كما انها عند الأمم والأفراد على مراتب تشكيكية متعددة، فلقد أتى الله الأنبياء الكتاب والحكمة، واقتبست منهم أممهم، وفيه دلالة على الإشتراك في الخطاب في هذه الآية [لَمَا آتَيْتُكُمْ] وشموله للأنبياء، والناس كل بحسبه وبقدره بصيغة اللف والنشر البلاغية.
الرابعة: تبعيض الكتاب بالنسبة للأنبياء، وشاهد على نزول القرآن تبياناً لكل شيء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتوكيد فضله وعلو مرتبته.
الخامسة: تمام الحكمة للأنبياء وتبعيضها بالنسبة لأممهم، وقد ورد في داود [وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ]( ).
لقد جاءت الآية بصيغتين في موضوع واحد، فابتدأت الآية بقوله تعالى [ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ]، بصيغة الخبر والغائب، ثم انتقلت في ذات الموضوع الى لغة الخطاب [لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ] وفيه دلالات كلامية وعقائدية منها:
الأولى: الإخبار عن حقيقة تكوينية وتحقق الميثاق فعلاً.
الثانية: بيان علة اخذ الميثاق.
الثالثة: توكيد فضله تعالى وانه سبحانه لم يجعل الميثاق شرطاً لإتيان الكتاب والحكمة، ومن أسمائه تعالى الحليم والكريم، فانه سبحانه تفضل بالكتاب والحكمة ثم اخذ الميثاق من الأنبياء.
الرابعة: الأخذ لا يعني ان الميثاق امر انتزاعي من الأنبياء، بل انهم بلغوا مراتب الكمال الإنساني، واعطوا الميثاق كسفر من الخلق الى الحق شكراً لله على الكتاب والحكمة وهما رحمة من الحق الى الخلق.
قانون العطاء والأخذ
تبين الآية عظيم عطائه سبحانه على الأنبياء، وعطاؤه تعالى بلحاظ ما يقابله على قسمين:
الأول: ما يأتي من غير عوض، او مقابل من العبد، بل هو فضل الهي محض.
الثاني: ما يكون ازاءه عوض من العبد، وهذا العوض على أقسام ثلاثة محتملة من جهة الكثرة والقلة هي:
الأول: العطاء الإلهي أكبر وأكثر من العوض الذي يبذله الإنسان.
الثاني: التساوي بين العطاء الإلهي والعوض.
الثالث: العوض أكبر من العطاء.
اما الثاني والثالث فممتنعان عقلاً وواقعاً فلا يستطيع العبد ان يقدم عوضاً الا ويكون كأقل من القطرة ازاء ماء البحر كما ان العوض لا ينفع الا صاحبه، والله عز وجل غني عنه.
فالله عز وجل أخذ من الأنبياء ميثاقهم ليس لحاجة منه تعالى للميثاق، وهو سبحانه منزه عن الحاجة، انما يحتاج الممكن كالإنسان ولكنه تفضل واخذ الميثاق من الأنبياء لما فيه نفعهم ونفع أممهم وأهل الأرض جميعاً، فقانون “العطاء والأخذ” آية في الإرادة التكوينية تؤكد ان الله عز وجل يهب الكثير الذي يتعذر على الخلائق احصاؤه كما ورد في قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
ويأخذ الله من العبد ماينفعه وينفع غيره ، كما في قوله تعالى [هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ] ( )، فالأخذ هنا عنوان لقبول الصدقات والاثابة عليها، والله هو الغني الذي لا يحتاج الى احد.
والله سبحانه لا يأخذ من العباد الا القليل والذي ينفعهم في النشأتين، وهو الذي يمنح الحياة ويمد الإنسان بالرزق ويديم عليه العافية واسباب الأمان، ولا يأمره الا بالفرائض العبادية التي لا تستغرق من وقته الا القليل كالصلاة، ومن ماله الا الجزء اليسير كالزكاة، مع ما في الصلاة من درء الشرور ودفع البلاء، وفي الزكاة من النماء والبركة، وفي الصيام من الصحة بالإضافة الى الثواب العظيم.
وهذا القانون شاهد على سعة رحمته تعالى وعظيم فضله على الناس وفيه ترغيب بالعبادة، وحث على الطاعات، وحجة بالغة لله تعالى على الناس، للبون الشاسع بين العطاء الإلهي والعوض الصادر من العبد والذي يكون متاعاً له في دنياه وآخرته، والعطاء الإلهي حقيقة ونعمة متصلة ودائمة، اما العوض فهو أمر مجازي لا أصل له.
انما جاء للبيان والذكر، فليس من عوض يقدمه العبد، ويكن ما يأخذه الله منه هو فضل الهي آخر، كما في قوله تعالى [ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا] ( )، فالله عز وجل غير محتاج للقرض، ولكنه تعالى يحث الناس على الإحسان والصدقة الواجبة والمستحبة بصيغ الإكرام والتحريض على فعل الصالحات.
وكما ان العطاء الإلهي آية كبرى ورحمة الهية، فكذا ما يأخذه تعالى آية ورحمة اضافية منه تعالى فلا يأخذ من العبد الا ما يدخر له، انه لا يبقى على حاله من جهة الكم والكيف، بل ان الله عز وجل يتفضل بنمائه وزيادته في عالم الأجر والثواب.
واجتمع في الآية الكتاب مع الحكمة، والعطف عنوان للتغاير بينهما، ولابد لهذا الإجتماع من مضامين قدسية وغايات عقائدية منها:
الأولى: الملازمة بين الكتاب والحكمة، فالحكمة تترشح عن الكتاب، كما تكون مقدمة للكتاب ومن فضله تعالى انه لم يعطِ الأنبياء والناس أحدهما، بل رزقهم كليهما معاً.
الثانية: بيان عظيم احسانه وفضله تعالى على الأنبياء واصلاحهم للنبوة، واقامة الحجة على الناس، وجذبهم للإيمان بهم، فمع عظيم قدرته وسلطانه تعالى، وانه قادر بان يجعل الناس يصدقون بالأنبياء بدعوتهم النبوة وعدم تجرأ غيرهم على مثل هذه الدعوة، فانه سبحانه يتفضل بانزال الكتاب على نحو التعدد، ومنح الحكمة للناس بما يجعلهم مؤهلين لأسباب الهداية والصلاح.
علم المناسبة
ورد لفظ الكتاب في القرآن (260) مرة ويبين هذا العدد موضوعية الكتاب وأهميته، اما لفظ الحكمة فقد ورد في القرآن عشرين مرة، منها عشر مرات مقرونة بالكتاب، ومرة مع الملك فيما آتاه الله داود عليه السلام، ومنها أربع مرات في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بقوله تعالى [يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( )، كما ورد في نساء النبي بقوله تعالى [وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ]( ).
مما يدل على ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يعلم ازواجه واهل بيته والمسلمين القرآن والمعارف الإلهية واتقان الأمور وكان يجتهد في تثبيت مفاهيم وسنن الإيمان في نفوسهم، ويحرص على تقيدهم باداء الفرائض في حياته وبعد انتقاله الى الرفيق الأعلى.
وفي الآية تنبيه وتذكير بالنعم العظيمة التي آتاها الله للأنبياء مجتمعين ومتفرقين، وقد ذكرت الآية نعمتين:
الأولى: تفضله تعالى على الأنبياء بالوحي والكتاب.
الثانية: نعمة الحكمة، ووجود واو العطف يفيد المغايرة بينهما، وكل واحد من الكتاب والحكمة يختلف عن الآخر الا ان هذا الإختلاف ليس تاماً بل جاء لبيان التعدد في وجوه فضله تعالى وان الله عز وجل لم يأتِ النبي الكتاب وحده، بل رزقه معه الحكمة وهذا الجمع بينهما فيه دلالات منها:
الأولى: الإنتفاع الأمثل من الكتاب، فمع الحكمة يكون النبي قادراً على دعوة الناس لدروب الهدى وسبل النجاة.
الثانية: نيل النبي لمراتب الكمالات الإنسانية.
الثالثة: الآية شاهد بان النبي أفضل من سائر البشر، لما يتصف به من الحكمة، وقد يقال بان من الناس من بلغ درجات الحكمة والمعرفة والجواب ان حكمة النبي جاءت هبة من عند الله وليس كسباً، كما انه يستطيع الكسب والتحصيل، ويمتاز كسبه عن كسب غيره للتباين في القدرة والمنزلة والأهلية والتوفيق الإلهي الذي خص الله به النبي.
الرابعة: قال تعالى [وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا] ( )، وجاء التنكير في لفظ الخير واقترانه بالكثرة للدلالة على بلوغ ارقى مراتب العلم والعمل به.
الخامسة: من الحكمة طاعة الله واتيان الفرائض واجتناب النواهي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السادسة: من الحكمة الأهلية لإمامة الناس، ونيل درجات العلم والمعرفة الإلهية.
السابعة: لقد رزق الله عز وجل الأنبياء اتقان الأمور واقامة البرهان والإحتجاج واجتناب الغضب وغلبة الشهوة، وفي قصص الأنبياء شواهد كثيرة تدل على اتصافهم بحسن السمت والأخلاق الحميدة والصبر على الأذى مع انهم اصحاب الحق، والدعاة الى الهدى والفلاح.
الثامنة: الحكمة مانع من السفه والجهل، وهذا المانع مقدمة لتبليغ الكتاب واداء الرسالة السماوية.
التاسعة: مع الكتاب تأتي الإمامة والحكم، مما يجعل الحكمة ضرورة لمنع التعدي والزيغ والضرر والإضرار.
العاشرة: في الآية بيان لفضله تعالى وهو ان الله عز وجل لم يكلف الأنبياء باكثر مما يطيقون، ولم يأخذ عليهم الميثاق الا بعد ان اصبحوا اهلاً لحفظ الأمانة واداء الرسالة، ورزقهم الحكمة التي يستطيعون معها اداء افضل وأكمل الأعمال، فالميثاق حجة له عز وجل لأنه لم يأتِ الا بعد جعل الله الأنبياء مؤهلين له، وقادرين على التقيد بمضامينه القدسية.
الحادية عشرة: بالكتاب والحكمة يستطيع الأنبياء القضاء بين الناس بالعدل، وتأسيس مدارس للقضاء والحكم بين الناس يعمل بها أصحابهم وانصارهم من بعدهم.
الثانية عشرة: من اسمائه تعالى “الحكيم” فعيل بمعنى فاعل وهو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، لذا تفضل بجعل النبيين مؤهلين لإمامة الناس، فرزقهم الكتاب السماوي مع الحكمة ومعرفة افضل الأشياء، وصيغ المعاملة وسبل الحكم.
الثالثة عشرة: بالكتاب والحكمة يمنع الله الناس من الخصومة والنزاع، ويرشدهم الى مسالك الهداية والإنصاف ويجعلهم ينفرون من الظلم والتعدي خصوصاً وانه يخبرهم عما ينتظر الظالم من العذاب يوم القيامة.
وتبين الآية حب الله عز وجل للعباد، وانه يدفع عنهم الأذى واسباب الزلل، واختيار نفر من عباده للنبوة لا يعني التفويض المطلق لهم في شؤون الخلق، بل انه سبحانه يأخذ عليهم الميثاق فيما يتعلق بقولهم وفعلهم لكي يكون وفق ما يأمرهم به من غير زيادة او نقصان، ومنه تعاهد البشارة، وعدم الدعوة لأنفسهم او لعبادة غير الله عز وجل، مما يؤكد نزاهة الأنبياء مما ينسب اليهم من الغلو، وبراءتهم من الإفتراء عليهم.
الرابعة عشرة: تدعو الآية للأخذ والتلقي من الأنبياء، من غير تردد او شك، لقد أراد الله عز وجل للأنبياء المحافظة على منزلتهم بامامة الناس وعدم مجيء فريق من الملوك والسلاطين والمصلحين يستطيع ان يحل بديلاً عنهم سواء في الوجود الذهني للناس، او الواقع الخارجي للتباين بين العلوم التي عند الأنبياء ذات صبغة التكامل، وبين ما يسعى الرواد من الناس لتحقيقه من وجوه الحسن والصلاح، فعلم الأنبياء من لدنه تعالى، وفعلهم بتوفيق وحكمة رزقهم الله اياها و[اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ] ( ).
فالميثاق فضل الهي على الأنبياء وأممهم والناس جميعاً، وهو ميزان للصلاح وموثق يتعاهد به المؤمنون أحكام الشرائع، وبلحاظ الميثاق يكون اتيان الكتاب والحكمة على وجوه:
الأول: الميثاق سابق لإتيان الكتاب والحكمة.
الثاني: انه سابق للكتاب دون الحكمة.
الثالث: سابق للحكمة دون الكتاب.
الرابع: الإقتران والملازمة بين الميثاق واتيان الكتاب والحكمة.
الخامس: تأخر الميثاق زماناً على اتيان الكتاب والحكمة.
السادس: تقدم نزول الكتاب على الميثاق.
السابع: تقدم اتيان الحكمة على الميثاق.
الثامن: تقدم نزول الكتاب واتيان الحكمة على الميثاق.
والصحيح هو الأخير من وجوه:
الأول: ان الله عز وجل ذو الفضل العظيم ويعطي بالأوفى.
الثاني: الله عز وجل اكرم من أن يأخذ الميثاق قبل ان يتفضل على العبد باسبابه ومقدماته.
الثالث: الميثاق بعد نزول الكتاب واتيان الحكمة اتم وأوثق منه قبله، لأن النبي يعطيه بعد ان يرى الآيات ويمتلأ علماً وفقهاً.
الرابع: ميثاق النبيين يتقوم بالتنزيل وبصفة النبوة، فهو لم يؤخذ منهم الا بصفتهم انبياء، ولا يتلبسون بهذه الصفة الا بعد نزول الوحي عليهم.
الخامس: بالكتاب والحكمة يعلم الأنبياء المسؤوليات العظيمة التي يتحملونها ازاء الأجيال المتعاقبة من بني آدم، فيأتي الميثاق متضمناً توارث احكام النبوة، والجهاد لوجود الأنصار واقرار شطر من الناس بالعبودية لله بما يؤدي الى انتشار احكام الشريعة.
وفي الآية توكيد لتأهيل الناس للصلاح في الأرض بنزول الكتاب والحكمة أحدهما يشد عضد الآخر، وكل منهما نعمة مستقلة بذاته كما انه جزء من نعمة التنزيل فالكتاب بمفرده نعمة متجددة في هداية وصلاح الناس، والحكمة نعمة أخرى، والذي لا يأخذ من الكتاب يتزود من منهل الحكمة ومضامينها القدسية، كي تتغشى الرحمة الإلهية الإنسان في ايام حياته ومختلف احواله ويعلم ما عليه من التكاليف وما ينتظره من الحساب الأخروي.
وجاءت الآية بصيغة التنكير في الكتاب والحكمة فلم تقل الآية “لأني اتيتكم الكتاب والحكمة” وهذا التنكير دلالة على التعدد وشمول الآية للأنبياء وأممهم وان الخطاب عام فيشمل الأنبياء بالأولوية، وأممهم والناس بالواسطة والحجة.
قانون الحكمة
تدل الآية على شمول الأنبياء جميعاً بالحكمة من عنده تعالى فليس من نبي الا واتاه الله الحكمة، بمعنى ان ما عند كل نبي من الحكمة هو فيض وفضل منه تعالى، والمراد بهذا الفضل ليس النبي وحده، بل اتباعه وامته والناس جميعاً.
ففي الآية بيان لحقيقة ثابتة وهي وجود الحكمة الإلهية بين الناس وان الناس لا يتوارثون الحكمة المكتسبة وحدها، بل يتوارثون الحكمةالتي انزلها الله عز وجل على الأنبياء، واخذوها منهم بالإقتباس والتعلم، فيمكن ايجاد قاعدة جديدة في الحكمة وهي ان شطراً من الحكمة التي بين الناس ويعملون بها هي من الحكمة الإلهية لتكون ضياء ينير للناس دروب الحياة، ووسيلة للإهتداء الى سبل الإيمان.
والمراد من قانون الحكمة هو الحكمة التي منحها الله عز وجل للأنبياء، وليس ما يكتسبه الإنسان بالعلم والمعرفة والتحصيل، الا ان يكون هذا الكسب فرع الحكمة الإلهية مما يدل على عموم منافع الحكمة الإلهية.
ومضامين هذا القانون ثابتة في الأرض من وجوه:
الأول: انها نعمة على الأنبياء والناس جميعاً.
الثاني: عمومات قاعدة ان الله عز وجل اذا انعم على العباد بنعمة فهو أكرم من ان يرفعها.
الثالث: الحكمة من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض، وأراد الله عز وجل بها، إصلاح الإنسان لمسؤوليات الخلافة وشؤون الحكم والتدبير.
الرابع: بالحكمة تستديم الحياة الدنيا ويتم القضاء ين الناس بالعدل وتصريف الأمور.
الخامس: الحكمة توظيف سليم للعقل الإنساني، وتوجيه للأعمال الفردية والجماعية بما يمنع من حصول واستمرار الفتن بين الناس، وهذا المنع مقدمة لعبادته تعالى والإرتقاء في المعارف الإلهية.
السادس: الحكمة عنوان التدبر في الخلق، ومعرفة الصانع والرجاء في الجزاء الأخروي، والخوف من العذاب الأخروي.
لقد أكدت هذه الآية رحمته تعالى بالناس، وانه رزقهم الى جانب العقل الحكمة لتكون عوناً لهم في الحياة الدنيا وتلمس دروب النجاة فيها.
وهل ترتفع الحكمة من الأرض الجواب لا، فهي ملازمة للإنسان ومصاحبة لأهل الإيمان، لذا فهي قانون ثابت وتتجلى معانيها بوجوه:
الأول: القرآن باعتباره الكتاب الجامع للأحكام الشرعية.
الثاني: قصص القرآن التي جاء بها القرآن وما فيها من الدروس والعبر، ومنها قصص الأنبياء وأممهم.
الثالث: السنة النبوية المباركة، وما علمه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين قال تعالى [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ]( ).
الرابع: ما رزقه الله للأنبياء من الحكمة وعلموه الى اصحابهم واتباعهم، وفي عيسى ورد قوله تعالى [ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ]( ).
واتيان الحكمة يحتمل وجوهاً:
الأول: انها شطر من الكتاب والتنزيل.
الثاني: الحكمة وحي مستقل بذاته يدرك النبي انه من الحكمة وليس من الكتاب.
الثالث: ليس الحكمة وحياً ولكنها ملكة يجمعها الله عند النبي.
الرابع: اعانة وتوفيق الهي في القول والعمل.
الخامس: الأثر المبارك للتنزيل، وتجليه في قول وعمل النبي واصحابه، ولا تعارض بين هذه الوجوه لتعدد فضله تعالى، قال تعالى [يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ] ( ).
وهذه الآية دلالة على اتصال احكام هذا القانون ودوامه في الأرض، وبوسع كل انسان ان ينهل منه بل ان مضامينه ومصاديقه تأتي للإنسان احياناً على نحو الإنطباق وهذا القانون شاهد على فضل الأنبياء على الناس، وعلو شأنهم، وحاجة الأرض للنبوة.
علم المناسبة
من اسمائه تعالى “الحكيم” وهو الذي أتقن صنع كل شيء، ويمنح الحكمة وينزل الكتب على الإنسان بعد ان جعله قادراً بنعمة العقل على تلقي هذه النعمة والإنتفاع الأمثل منها.
وقد جاءت هذه الآية بالإطلاق في اتيان الحكمة للأنبياء جميعاً، وان الحكمة جزء علة لأخذ الميثاق على الأنبياء، ومن مصاديق الميثاق قيام الأنبياء بتبليغ احكام النبوة، ودعوة الناس للإيمان، وقد ورد التنزيل في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يعلم المسلمين الحكمة وفيه تفضيل وتشريف له قال تعالى [وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( ).
فالأنبياء يعلمهم الله الحكمة، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعلم المسلمين الحكمة وهذه الحكمة التي يعلمها مما آتاه الله عز وجل، وفيه مدح وثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من وجوه:
الأول: في الآية دلالة على قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باداء وظائف النبوة والوفاء بالعهد والميثاق.
الثاني: يتلقى المسلمون الحكمة كما يتلقاها الأنبياء مع التباين الجهتي من وجوه:
الأول: يتلقى الأنبياء الحكمة من عند الله من غير واسطة بشر، بينما يتلقاها المسلمون من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: اخذ الله عز وجل الميثاق على الأنبياء بعد اتيانهم النبوة والحكمة، وقام المسلمون بتعاهد ميثاق الأنبياء فهم ورثة النبوة وحفظة الشريعة السماوية الى يوم القيامة.
الثالث: لم يرد الميثاق في القرآن حصراً بالأنبياء، وقد ورد في بني اسرائيل، وفي النصارى، قال تعالى [وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ]( )، وقد ورد قوله تعالى [يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ]( )، وبلحاظ الآية فيه وجوه:
الأول: ان الآية واتيان الحكمة خاص بالأنبياء.
الثاني: اتيان الحكمة أعم من الأنبياء، ولم يقيد بالأنبياء وحدهم ولكنه قيد بالمشيئة الإلهية ورحمته تعالى وسعت كل شيء، قال تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ]( ).
الثالث: قيام الأنبياء بتعليم اصحابهم واتباعهم الحكمة، والى جانب اتيان الحكمة للإنبياء فضلاً منه تعالى، فان الحكمة وسيلة مباركة للدعوة الى الله قال سبحانه [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ).
وفي الآية مدح للنبي وتحقيق للبشارة ووقوعها في العالم الخارجي اذ انها تصف النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسول وانه لم يأتِ للناس الا بوظائف الرسالة من عند الله وفيه توكيد لبشارات الأنبياء وسكينة لنفوس المؤمنين ودعوة للناس للجوء اليه، ورؤية الآيات التي جاء بها والتدبر بمضامينها وفي الآية توكيد لقاعدة ثابتة وهي ان ما يبشر به الأنبياء لابد من وقوعه، وبشارة الأنبياء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليست مجردة بل هي مقدمة ودعوة للتصديق به ونصرته.

قوله تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ]
بعد اخبار الآية عن الميثاق الذي أخذه الله على النبيين وما فيه من معاني التوكيد والتغليظ، وتحمل الأنبياء لمسؤوليات امامة الناس وشهادتهم عليهم يوم القيامة، وبيان علة الميثاق وما رزقهم سبحانه من التنزيل والوحي والحكمة والعلم، جاء هذا الشطر من الآية ليبين حقيقة اخرى بخطاب تكليفي للقارئ والسامع وينصرف الى وجوه:
الأول: المسلمون باعتبار ان القرآن نزل لهم.
الثاني: اهل الكتاب بقرينة تصديق النبي لما معهم.
الثالث: الكفار كحجة عليهم.
الرابع: الناس جميعاً، لأن رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عالمية الصبغة.
الخامس: صيغة الخطاب في هذه الآية مشابهة في جهتها للخطاب في الآية السابقة [وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ]( ).
والآية تشمل الوجوه جميعاً لإصالة الإطلاق وجاءت بلغة الإحتجاج على اهل الكتاب، وتشمل الكفار من باب الأولوية القطعية، وكما ان الله عز وجل اخذ الميثاق على الأنبياء فانه سبحانه منح النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية نفسها وثيقة وشهادة سماوية تبين عظيم منزلته بين الأنبياء، وتحمله لمسؤوليات مواثيق الأنبياء في الأرض، فقد بعث صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل والناس منقسمون في موضوع النبوة، بين مؤمن بها وكافر، والمؤمنون بها على أقسام منها:
الأول: الإيمان بالرسول الذي بعث اليهم دون غيره ممن جاء بعده من الرسل.
الثاني: من يغالي ببعض الرسل.
الثالث: من يفتري على بعض الأنبياء، أي انه يؤمن بحقيقة النبوة وبعث الأنبياء ولكنه لا يصدق بنبوة بعض الأنبياء ويطعن بهم.
الرابع: من قام بتحريف الكتاب الذي انزل على نبيهم وغير ما فيه من البشارات.
الخامس: امة موحدة تؤمن بالنبوة وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتصدق بالأنبياء على نحو العموم الإستغراقي.
فجاءت هذه الآية الكريمة لتدعو الناس جميعاً باقسامهم المتباينة الى الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: ان الله اخذ الميثاق عليه كباقي الأنبياء، فهو ماضِ في دعوته الى الله.
الثاني: مجيء الأنبياء السابقين بالبشارة بنبوته والدعوة الى تصديقه.
الثالث: جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يصدق بعثة الأنبياء السابقين والكتب التي نزلت عليهم، فنفى الإفتراء عنهم، ومنع الغلو فيهم.
الرابع: مجيء الآيات الباهرات مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي تؤكد نبوته سواء كانت الآيات العقلية التي تتجلى بالقرآن او الآيات الحسية العديدة الظاهرة للعيان والمانعة من الشك.
الخامس: البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي أخبر بها الأنبياء والرسل السابقون وتعاهدها فريق من انصارهم واتباعهم، ووردت في كتبهم.
السادس: الحاجة الإنسانية العامة لبعثته صلى الله عليه وآله وسلم بعد طرو التحريف على الكتب المنزلة، والإرباك الحاصل في مضامين البشارات، مما يجعل غشاوة على الابصار، ويسبب في بث الشك والريب بين الناس، فجاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيضاء خالية من كل شائبة، ودعوة صادقة الى الله بتنزيل لا تصل اليه يد التحريف لتقوم الحجة على الناس.
السابع: تثبيت الكتب السماوية التي أنزلت قبل الإسلام، وفضح التحريف الذي طرأ عليها.
ولم يأتِ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق بالتنزيل السابق فقط، ولو وقفت رسالته عنده لقالوا انه تابع لأنبيائنا، بل ان التصديق بالنبوات السابقة جزء من رسالته الشاملة لكل الميادين والمتضمنة العبادات والمعاملات والأحكام بما يستوفي حاجات الناس الى يوم القيامة، ويجعلهم في غنى عن اللجوء لغير القرآن والسنة كالقوانين الوضعية المتغيرة بحسب الأشخاص والأحوال وتقلبات الزمان وانتقال الملك والسلطان.
قانون الفترة
لقد جاء الحرف (ثم) في قوله تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ] لإفادة العطف والتراخي، وكل منهما له دلالات عقائدية:
الأول: وهو العطف، وفيه مسائل:
الأولى: التعاقب في النبوة وعدم انقطاعها او اثرها عن الناس، وان الله عز وجل يبعث النبي اللاحق ليقوم باتمام الوظيفة العقائدية التي قام بها الأنبياء السابقون سواء في باب الفرائض والمستحبات وبيان المحرمات او في نظام الحكم والأخلاق، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
الثانية: في الآية بيان لفضله تعالى على الناس في النبوة كموضوع، وفي تعدد بعثة الأنبياء، فالعطف اصطلاح في صناعة النحو، و لكنه ذو مضامين قدسية في المقام تبين سعة رحمته تعالى على الناس بتعاقب بعث الأنبياء، لتدارك ما يطرأ على الرسالة السابقة من التحريف والتشويه مع تقادم الأيام، ولتجديد جذب الناس الى الهدى والإيمان، خصوصاً وان كل نبي يأتي بآيات تدل على صدق نبوته.
الثالثة: الشأنية الخاصة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذكرها في الآية على نحو الإستقلال، ومجيؤها بعد الإخبار عن أخذ الميثاق على الأنبياء، وسعيهم لتفقه الناس في الدين وبلوغهم درجة من المعرفة الإلهية يدركون معها صدق نبوته ولزوم نصرته.
الثاني: وهو التراخي وفيه مسائل:
الأولى: بيان خصوصية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما تمتاز به بين النبوات، فكثير من الأنبياء يأتون متعاقبين.
الثانية: قد يأتي انبياء متعددون في زمان واحد، وفيه وجوه:
الأول: احد الأنبياء يعضد الآخر ممن يكون في زمانه.
الثاني: النبي يدعو الى الرسول منهم.
الثالث: فضله تعالى في توارث النبوة كما في ابراهيم وآل ابراهيم ومنهم اسماعيل واسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام والخاتم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: احد الأنبياء يبشر بالآخر، ثم يصدق به عند بعثته كما في يحيى وتصديقه برسالة عيسى عليهما السلام.
الخامس: بعثة كل نبي في مصر ومكان غير الذي بعث فيه الآخر، لوجوه:
الأول: صعوبة المواصلات انذاك.
الثاني: قلة الصلات بين الأمم، والبلدان.
الثالث: في حال حصول تنقل وانتقال لأتباع النبي فليس من السهل عليهم ايجاد انصار ومؤيدين باعداد كافية في الأمم الأخرى خصوصاً وان آيات الأنبياء السابقين حسية، يراها الناس فيصدقون بها، فيحتاج التصديق بالوسائط والأتباع الى جهة اضافي وتوفيق الهي.
الرابع: عظيم فضله تعالى على الناس وسعة كرمه ببعثة الأنبياء وبلوغ آيات التنزيل الى الناس، فبلد فيه نبي، وآخر فيه اصحاب نبي يخبرون عن الآيات التي جاء بها وغيره فيه من التابعين وهكذا.
الخامس: من الأنبياء من عمر كثيراً بحيث استطاع تبليغ اجيال من الناس، وشاع امره في الأمصار وكثرة أيام عمره وحدها آية عقلية وحسية على صدق النبوة والإعجاز في خلقه واصلاحه للرسالة كما في آدم ابي البشر الذي عاش تسعمائة وثلاثين سنة، ونوح عليه السلام الذي عاش ألفين واربعمائة سنة، وابراهيم عليه السلام الذي عاش مائة وخمساً وسبعين سنة، وسليمان عليه السلام الذي عاش سبعمائة واثنتي عشرة سنة.
السادس: عدد الأنبياء بلحاظ حضورهم في الأزمنة المتعاقبة والبلدان المتعددة، وذكر ان عددهم كان اربعة وعشرين ومائة الف نبي، ومع هذا العدد الجم ترى ان نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتصفت بخصائص:
الأولى: ليس من نبي مصاحب لأيام نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: لقد ختم الله برسالته النبوات، وهو آية في الإكرام والتفضيل على الأنبياء الآخرين.
الثالثة: تصديقه صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوات السابقة، والشهادة السماوية على صدق نبوتهم، وتأخذ شهادته صفة السماوية لعمومات قوله تعالى [ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ] ( )، بالإضافة الى مجيء التصديق في التنزيل ومنه هذه الآية.
الرابعة: بعثة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل فليس من رسول سبق أيامه، بسنة او سنوات معدودات بل كانت هناك فترة بينه وبين آخر الأنبياء والرسل وهو عيسى عليه السلام تمتد الى اكثر من خمسمائة عام، وهذه الفترة تختص وتنفرد بها نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وهي آية اضافية ذات دلالات عقائدية وتأريخية واعجازية وفيها وجوه:
الأول: بقاء اثر النبوات السابقة طيلة تلك الفترة.
الثاني: وجود انصار واتباع للنبوات السابقة يعملون بدأب لتوارث التنزيل وأحكام النبوة.
الثالث: تلقي شطر من الناس في كل جيل مضامين التوحيد بالقبول، واقدامهم على اداء الفرائض والمستحبات، وحفظهم لمضامين البشارة بسيد المرسلين، ليكونوا من الشهداء على صدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: حصول فراغ عند الناس، وظهور حاجة الى نبوة جديدة، وطرو التحريف على الكتب السابقة والتحريف لا يعني التغيير والتبديل المطلق.
الخامس: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في زمان وأمة تتهيء معها أسباب حفظ رسالته وأحكامها.
لقد أراد الله عز وجل ان يبين عظيم سلطانه على النفوس وعالم الإنسان ببعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل، فتأتي مع انفرادها للناس كافة.
وتبقى أحكام نبوته بين الناس، يعملون بها، وينهلون منها، ويلجأون اليها عند الشدة والحاجة، ويتعاهدها المسلمون في كل الأحوال والأزمنة، ويدفعون عنها يد التحريف والتعدي.
المسألة الثالثة في التراخي: اختصاص نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالفترة بين النبوات كعنوان تشريف وشاهد على تفضيل نبوته من بين النبوات.
الرابعة: بيان فضله تعالى في حفظ النبوة في مختلف الأحوال.
الخامسة: الإعجاز الإلهي في حفظ نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود الفترة وطرو التحريف، وانفراده بالنبوة، في زمانه، وعدم وجود نبي بعده وجاءت ولادته يتيماً، شاهداً على وحدته وان ناصره هو الله عز وجل في نبوته واحواله الشخصية.
وجاء الأنبياء على قسمين بلحاظ الزمان:
الأول: تعاقب الأنبياء وتعددهم في ذات الزمان.
الثاني: وجود فترة بين الأنبياء تمتد لمئات السنين تكون خالية من النبي او الرسول.
والأنبياء جميعاً من القسم الأول، الا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فانه يستقل بالقسم الثاني، وهذا عنوان تفضيل اضافي له صلى الله عليه وآله وسلم والإستقلال ليس امراً مجرداً، بل هو آية لتثبيت دعائم الدين بنبوته وحاجة النبوات الأخرى لها [قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ]( ).
لقد أراد الله عز وجل بيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء، ففي حين جعل الله عز وجل هارون وزيراً لموسى بسؤال من موسى كما في التنزيل [ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ]( )، وكان يحيى يبشر برسالة عيسى الى ان بعث فصدقه ودعا الناس لتصديقه.
اما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاء على حين فترة من الرسل، وتخلل هذه الفترة تحريف وتغيير في صفات رسول آخر زمان، وكان بين عيسى والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من خمسمائة عام ليس فيها نبي، ومع هذا استطاع النبي ان يبني دعائم الإسلام بعون ومدد الهي.
كما يدل هذا القانون على جهاد الصحابة واهل البيت لتثبيت دعائم الدين، والوقائع التأريخية تؤكد بذلهم الوسع واندفاعهم في سوح المعارك جهاداً في سبيل الله وتثبيتاً لكلمة التوحيد، والإقرار بالنبوة فطول الفترة بين بعثة عيسى والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تؤثر على رسالته صلى الله عليه وآله وسلم، بل كانت موضوعاً لإقامة الحجة على الناس، وهي عنوان الفيض الإلهي في نصرة الإسلام، وشاهد تأريخي على بقاء احكامه الى يوم القيامة.
قانون ختم النبوة
مما أكرم الله به الإنسان ملازمة النبوة له منذ هبوطه الى الأرض لتكون عنوان تشريف، وصلة دائمة له مع السماء، فلا ينقطع عنه الوحي وان أعرض شطر من الناس عنه، وهذا من الآيات في خلق الإنسان واعداده لخلافة الأرض.
وهو باب من أبواب التوبة ودعوة للإنابة واللجوء الى الإيمان كملاذ آمن، وسبب للفوز في الدارين، واذ بدأت النبوة مع الإنسان في اعماره للأرض، فان نهايتها على وجهين:
الأول: ختم النبوة في زمن خاص من الأزمنة.
الثاني: استمرار النبوة وبعثة الأنبياء مع دوام الحياة في الأرض.
الثالث: وجود فترات متعاقبات في النبوة وبعثة الأنبياء.
والصحيح هو الأول، فقد ختمت النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الختم له دلالات اعجازية منها:
الأول: اهلية الخاتم لتثبيت النبوة في الأرض، والتصديق بنبوته والنبوات السابقة.
الثاني: اجتماع شرائط الختم في نبوته خصوصاً مع طرو التعدي على مقامات بعض الأنبياء السابقين سواء بالغلو فيهم اوالإفتراء عليهم.
الثالث: مجيؤه بالآيات التي تدل على صدق نبوته والتي تبقى حية غضة طرية مع تقادم الأيام.
الرابع: امتلاك رسالته لأسباب المنع من ظهور مدعِ للنبوة من بعده، وان ادعى بعضهم النبوة فانه سرعان ما يفتضح ويكون عند الناس مستحقاً للعقاب، وهذا الفضح عنوان اضافي لتثبيت نبوة الخاتم.
ويمكن تقسيم الزمان بلحاظ النبوة وبعثة الأنبياء الى قسمين:
الأول: الزمان الذي يكون فيه بين الناس نبي او رسول وهو على شعب:
الأولى: الزمان الذي فيه عدد من الأنبياء.
الثانية: الزمان والجيل الذي ليس فيه الا نبي واحد يعمل بشريعة الرسول الذي سبقه، ويدعو الى الرسول اللاحق.
الثالثة: الزمان الذي فيه رسول ذو شريعة.
الرابعة: الوقت والزمان الذي فيه رسول ونبي او انبياء معه يعضدون رسالته، ويدعون الناس لها، مع اثبات كل واحد منهم لنبوته بالآيات الخاصة به.
الثاني: الزمان الذي ليس فيه نبي من الأنبياء.
والترتيب التأريخي بين القسم الأول والثاني ظاهر وبين، فالقسم الأول ابتدأ بآدم عليه السلام وأختتم بانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى ولا يضر به وجود فترة بينه وبين النبي عيسى بلحاظ الإجمال في التقسيم وما جاء بها موسى وعيسى من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واشراقة بعثته على الأرض.
اما القسم الثاني فيبدأ من حين انتهاء الأحقاب التي عاش فيها الأنبياء، وبركات وجودهم في الأرض، مما يعني ان ختم النبوة سر من أسرار الحياة، ومصداق من مصاديق الإرادة التكوينية وبيان لعظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خلق الإنسان والحياة الإنسانية مطلقاً.
فاراد الله عز وجل لنبوته ان تكون خاتمة للنصف الأول من تأريخ النبوة وبداية للنصف الثاني منه، وهو جزء من مسؤولياته صلى الله عليه وآله وسلم العظيمة في تثبيت دعائم الإيمان ومحاربة الكفر والضلالة في الأرض.
ونصرة الأنبياء السابقين وسلامة أممهم كما يحصل مع اهل الذمة من اليهود والنصارى وحفظهم في انفسهم واعراضهم وأموالهم في ظل الإسلام، وهو شاهد على أفضليته على الأنبياء جميعاً، ولابد ان يترشح عن هذه المسؤولية والتفضيل اكرام واصلاح الهي لشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته من بعده.
فجاء القرآن مدرسة جامعة في الأحكام والآداب والأخلاق، وشاهداً على اهلية المسلمين لوراثة الأنبياء لما فيه من الآيات المتجددة، والحجج القاطعات فالنبوة ختمت بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنها متصلة بالقرآن وآياته وجهاد المسلمين في تعظيم الشعائر واقامة الفرائض.
وتنزههم عن الأخلاق الذميمة وما نهى عنه الشارع المقدس وهذا الإتصال واقية من التنكر للنبوة او محاولات تشويهها، وحرز دائم من ادعاء النبوة.
ويدل على عظيم منزلة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين النبوات وفي الحياة الإنسانية مطلقاً نظم هذه الآية، فبعد ذكر ميثاق النبيين أخبرت الآية عن مجيء رسول مصدق لما معهم في دلالة على موضوعية نبوته ودعوة للرجوع اليها في معرفة اسرار النبوات السابقة، والحقائق الخاصة بها، وذكر الأنبياء جميعاً في موضوع الميثاق ثم اقرار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص، وانه جاء للناس كافة فيه اشارة الى ختم النبوات به.
نظرية نحوية
تضمنت الآية صيغتين للخطاب عطفت احداهما على الأخرى بالحرف (ثم) بقوله تعالى [لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ] وفيه وجوه:
الأول: الإتحاد في ذات المخاطب في (اتيتكم) و(جاءكم) واذا حملنا فيهما الخطاب على الأنبياء فالمراد جاء الى أممكم واتباعكم فالأنبياء بشروا وبلغوا أممهم برسالته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: المغايرة والتعدد بين الجهة المقصودة في الخطاب الأول (اتيتكم) والجهة المقصودة في الخطاب الثاني (جاءكم).
الثالث: الإتحاد والتعدد في آن واحد، فالمراد ذات الجهة، وجهة او جهات أخرى.
الرابع: الإشتراك في لفظ (آتيتكم) والمراد منه الأنبياء لأن الله اخذ ميثاقهم لما آتاهم من الكتاب والحكمة، واممهم والناس جميعاً، وهو الأرجح فبواسطة الأنبياء آتى الله أممهم والناس جميعاً الكتاب والحكمة، فيكون في الآية اعجاز بلاغي يتضمن دلالات عقائدية وهذا الإشتراك لا يمنع من التفكيك بين الأنبياء والناس من جهة كيفية ومقدار ونوع التلقي ومضامين الميثاق، لكن الآية تلقي الحجة على الناس وتخبر بالدلالة الإلتزامية عن تبليغ الأنبياء ما أنزل اليهم، فيتحصل في الآية أمور:
الأول: اختصاص الأنبياء بالميثاق مباشرة، وان الله اخذه منهم مما يدل على عظيم مسؤولياتهم العقائدية والجهادية.
الثاني: الإشتراك بينهم وبين الناس في تلقي الكتاب والحكمة.
الثالث: التباين بين الأنبياء والناس في الميثاق مع اشتراكهم بتلقي الكتاب والحكمة، للتباين في كيفية التلقي واختصاص الأنبياء بالوحي، وسماع الملك بالتنزيل.
الرابع: اختصاص اهل الكتاب والناس في ايام البعثة النبوية المباركة بقوله تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ].
والصحيح هو الثاني، فالمراد من الخطاب الأول (اتيتكم) هم الأنبياء والرسل ثم الناس بالواسطة، اما الثاني وهو (جاءكم) فالمراد منه أهل الكتاب ومن بعدهم الناس جميعاً، وهو ظاهر في نظم الآية والمعاني المستقرأة منها وصيغة الخطاب، واعتبار الخطاب الأول اخباراً عن علة اخذ ميثاق الأنبياء وتشريفهم به واصلاحهم لدعوته وهذا التباين في جهة الخطاب سر من اسرار القرآن ومن الإعجاز فيه، وعلى القول بان الخطاب للأنبياء، والإتحاد في جهته، فيمكن تقريب المعنى بان الأنبياء مبشَرون ويبشرون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانهم يتوقعون بعثته في كل زمان ومنه أزمنتهم وايامهم فالتقدير يكون “ثم اذا جاءكم رسول” أي باضافة اسمالشرط اذا، ولكن حذفه على فرضه وتقديره نوع اعجاز، لأن المراد أمم الأنبياء، والإشارة الى فترة اكثر من خمسمائة عام سبقت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ان التفكيك بين جهات الخطاب ليس من المشكلات مما يدل على ان وظيفة (ثم) في العطف اعم من (الواو) خصوصاً وانها تفيد التراخي، ومع التراخي قد تبرز أمور اضافية في التباين في العطف ودلالته تعرف من سياق الكلام، فمن معاني التراخي هنا الإشارة الى قانون الفترة، وقانون ختم النبوة، والتباين في الزمان من جهة تعدد وتعاقب الأنبياء في الأجيال المتعاقبة.
وفي رفع الإشكال في لغة الخطاب وان قوله تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ] انه لا يأتي للأنبياء قيل ان المراد من قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ] أي اخذ ميثاق أممهم، ولكن ظاهر الآية وآيات أخرى ان الله أخذ على الأنبياء الميثاق، مما يعني ان أممهم تبع لهم.
والمعروف ان (ثم) تفيد:
أولاً: التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه.
ثانياً: الترتيب بينهما.
ثالثاً: التراخي بينهما، وقد تفقد معنى التراخي كما لو قلت: أقمت ثم صليت لورود الأخبار بعدم وجود مدة بين الإقامة والصلاة.
ولكن لو قلت: اذن المؤذن ثم صليت، فانه يحتمل التراخي للمندوحة والسعة في وقت الفريضة والإنشغال عن أدائها بعد الأذان مباشرة.
وجاءت (ثم) هنا لتنفي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه واذ اختلف النحاة في دلالة الواو على الترتيب او عدمها، فان (ثم) تفيد الترتيب لذا جاءت في هذه الآية الا ان الترتيب هنا أعم في دلالته، فلا ينحصر بالمعنى اللغوي بل له مضامين عقائدية وقدسية تؤكد أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحاجة الإنسانية الى نبوته، وتحقيقه ما لم يحققه غيره من الأنبياء والرسل.
وكأن ورود (ثم) يفيد الإشارة الى ختم النبوات برسالته صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة أهل الكتاب الى الإنتفاع منها والتحذير من الجحود بها.
وأخبرت الآية عن مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الكتاب والناس وهذا المجيء فيه وجوه:
الأول: انه دعوة للإسلام.
الثاني: حث على الرجوع اليه في الأحكام.
الثالث: النهي عن الإعراض عنه وعن نبوته.
الرابع: المنع من تضييع النعمة الإلهية في بعثته.
الخامس: التدبر في أحكام النبوة والرسالة، والتخلص من اسباب الغلو والإفتراء على الأنبياء.
السادس: معرفة احكام الحلال والحرام بعيداً عن التحريف الذي طرأ على ما جاء به الأنبياء السابقون.
السابع: في الآية نوع تحدِ لأولئك الذي يحاربون النبوة والأنبياء.
الثامن: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسيلة سماوية مباركة للتصديق بالنبوات السابقة، ومانع من انكارها.
التاسع: تتضمن الآية البشارة الى الناس جميعاً بمجيء الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ففيها اخبار عن حلول ايامه ونزول الكتاب عليه ومجيئه بشريعة جديدة، وهذا النزول ومجيء الشريعة مستقرءان من لفظ الرسول.
فمن خصائص الرسول انه يأتي بكتاب ينسخ شريعة من قبله، الى جانب المعجزة التي تؤكد نبوته، وهذه البشارة تخص اهل الكتاب على نحو التوكيد لأنهم اتباع الأنبياء، وينتظرون بعثته صلى الله عليه وآله وسلم ويتطلعون الى تصديقه واتباعه.
العاشر: في الآية انذار وتحذير من الإعراض والتجافي عن نبوته والأحكام التي جاء بها من عند الله، فالله عزو جل يقول لأهل الكتاب والناس ان الذي بعثته لكم رسولاً يجب نصرته واعانته والصدور عنه.
قانون عموم رسالة النبي محمد “ص”
لقد أختار الله الأنبياء والرسل ليتولوا مسؤوليات الأخبار عنه وتبليغ الناس أحكام الحلال والحرام، وفضلهم الله على سائر خلقه ومدهم باسباب التوفيق والعون والنصرة، وشمول صفة النبوة للأنبياء وذكرهم على نحو العموم لا يعني انهم على مرتبة واحدة من وجوه:
الأول: تلقي الوحي والتنزيل ورؤية الملك في المنام او اليقظة.
الثاني: رؤية الملك في اليقظة والإستماع له، او الإستماع له بالوحي من غير رؤيته.
الثالث: من جمع له النبوة والرسالة كما في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: الذين شرفهم الله وكانوا اولي العزم من الرسل، وهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
كما يحصل التعدد والتباين بلحاظ الطائفة أو الأمة التي تتوجه لها دعوة النبي وهي على أقسام:
الأول: نبي بعث الى نفسه، وهذا الحصر لا يعني انه لا يقوم بوظائف التبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مكلف بمواجهة التحديات.
الثاني: نبي يبعث الى قومه او أمة مخصوصة وهو على ثلاث شعب:
الأولى: الجماعة القليلة كما لو كانت من أهل بيته ومن هم في دويرته ممن يظن به خيراً.
الثانية: من يبعث الى أهل قريته.
الثالثة: من يبعث الى طائفة ليست بالقليلة كما في يونس اذ قال تعالى [ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ]( )، وهل يعتبر آدم عليه السلام قد بعث الى اهل بيته لأنه ليس على الأرض غيرهم، ام انه بعث الى الناس جميعاً، الأصح هو الثاني باعتبار انهم جميع الموجود من الناس، ولكن مع التباين بينه وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اذ ان النبي محمد بعث الى أمم أهل الأرض جميعاً، وجاءت البشارات بنبوته.
الثالث: الرسول الذي يبعث الى أمة، كما في بعثة موسى عليه السلام الى بني اسرائيل قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ]( ).
الرابع: الرسول الذي يبعث الى الناس جميعاً كما في رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا العموم من مصاديق تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء وعظيم منزلته في الأرض والسماء من وجوه:
الأول: بعثته في أمته والمسلمين، قال تعالى [إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ]( ).
الثالث: بعثته لأهل الكتاب كما في قوله تعالى [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ]( ).
الرابع: رسالته الى الناس كافة، قال تعالى [وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً]( )، ولفظ الناس يحتمل أمرين:
الأول: أهل زمان النبي.
الثاني: الأجيال المتعاقبة من الناس.
والصحيح هو الثاني لإصالة الإطلاق وصدق لفظ الناس على أهل كل زمان، فكل جيل وكل طائفة في كل زمان تطل عليهم رسالته صلى الله عليه وآله وسلم ومبادؤها وأحكامها، وتدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة الى الإسلام، ولأن نبوته هي الخاتمة للنبوات وشريعته ناسخة للشرائع.
ان عموم الرسالة المحمدية عنوان تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه ثناء ومدح للمسلمين لأهليتهم لتحمل أمانة الميثاق وتعاهدهم رسالته، ومن خصائص واسباب العموم نزول القرآن كتاباً جامعاً، وكافياً للناس على اختلاف مشاربهم، وفي تلاوته والعمل بأحكامه النفع والأجر والثواب، وهو شاهد على اطلاق عموم الرسالة.
وجاء وصف الرسول مطلقاً والمراد ان النبي محمداًصلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله الى اهل الكتاب والناس جميعاً يدعوهم الى الله ونعته بالرسول عنوان تشريف وثناء ويدل بالدلالة التضمنية على صدق نبوته وقيامه بمسؤوليات الرسالة خير قيام.
وورد الفعل (جاءكم) بصيغة الماضي، مع ان القرآن نزل أيام مدته وانبساط الآية على أفراد الزمان الطولية فلم تقل الآية (ثم يأتيكم)، مما يدل على اقامة الحجة على الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانها بلغتهم مع ما صاحبها من الآيات فان قلت ان اخبار بعثته صلى الله عليه وآله وسلم لم تصل الى الناس جميعاً خصوصاً في أيام التنزيل.
والجواب من وجوه:
الأول: جاءت الآية بصيغة الخطاب لمن بلغته رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي الآية نكتة عقائدية وهي لزوم قيام المسلمين بنشر الدعوة والتبليغ وهو من وجوه نصرته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: مجيء الآية بصيغة الماضي عنوان الثبات والإمضاء والوقوع القطعي.
الثالث: في الآية دعوة للموجود والمعدوم من الناس فصيغة الماضي تدل على بقاء رسالته والدعوة اليها حية مستديمة.
الرابع: الإخبار الإلهي بان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بلغ مرتبة الرسالة وهي أعلى وأسمى من درجة النبوة، وفيه حجة على الذين وقفوا عند بعض الرسل السابقين، لأن الذي جاءهم ايضاً رسول، وهم مأمورون بالإيمان به ونصرته.

قوله تعالى [مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ ]
الآية ثناء ووصف حميد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: نعته بانه صادق مصدق بالكتب المنزلة وهذا التصديق له ثلاث أطراف:
الأول: المصدق به، وهو على شعبتين:
الأولى: الأنبياء السابقون.
الثانية: ما جاءوا به من الكتب السماوية كالتوراة التي جاء بها موسى، والإنجيل الذي نزل على عيسى.
الثاني: موضوع التصديق والإمضاء، وهو دلالة على التزكية.
الثالث: المصدق وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا التصديق لم يكن قضية شخصية، بل ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم صدق بالكتب السابقة المنزلة على الأنبياء بصفته رسولاً من عند الله وخاتم النبيين.
وهو عنوان شرف لأهل الكتاب لأنه سيد المرسلين وصدق بالكتب المنزلة عليهم.
وجاء لفظ (معكم) للدلالة على تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالكتب السماوية ليكون تصديقه جامعاً مانعاً، أي شهادة على نزول الكتب السماوية كلها، ومانعاً من لصوق التحريف والتغيير بها، وبلحاظ مضامين التصديق فانه يحتمل وجوهاً:
الأول: التصديق التفصيلي لكل ما في ايدي اهل الكتاب.
الثاني: التصديق الإجمالي لمواضيع الكتاب، بالإضافة الى صدق التنزيل.
الثالث: التصديق المتعلق بالاسمفقط، أي بنزول التوراة والإنجيل.
والصحيح هو الثاني، فان الله عز وجل أنعم على أهل الكتاب والناس جميعاً بتصديق القرآن لنزول الكتب السابقة وانها ليست من قول البشر بل وحي من عند الله عز وجل، وما طرأ عليها من التحريف تبطله الآيات الأخرى بالإضافة الى السنة النبوية الشريفة، قال تعالى [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ]( ).
وقد جاء قبل ثلاث آيات ذم للذين يحرفون الكتاب قال تعالى [وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ]( ).
فصار نزول القرآن حاجة للناس للحق والتنزيل الخالي من التحريف، كما يفضح القرآن الذين يكتمون الكتاب ويمتنعون عن الإخبار عما في الكتب السابقة من البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالتصديق لا يتعلق بفعل الكتمان، بل بما يقومون بكتمانه ويحاولون اخفاءه من الكتاب، والقرآن يفسر بعضه بعضاً فالتصديق يقع على ما بين يدي القرآن من التنزيل أي الخالي من التحريف قال تعالى [نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ]( ).
وقد مدح الله طائفة من أهل الكتاب لإستبشارهم بنزول القرآن، قال تعالى [وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بما أنزل اليك]( ) ليكون هؤلاء حجة على قومهم.
ووصفت الآية القرآن بالمجيء وانه أتى للناس وكأنه ذو شأن وجسم مادي، وفيه اكرام للقرآن وبيان موضوعيته بين الناس، ومن الأسرار في الآية مضامين قانون التصديق، والمنع من التبعيض في الإيمان في الكتب السماوية، قال تعالى [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ]( ).
فجاء القرآن ليؤكد لزوم التصديق بالكتب السماوية كافة من غير تبعيض وتمييز بينها، ومن وجوه التصديق:
الأول: التصديق ببعثة الأنبياء السابقين.
الثاني: نزول الكتب السماوية من عند الله.
الثالث: تصديق القرآن بالكتب السابقة، مقدمة للإيمان به والإقرار بنزوله من عند الله قال تعالى [وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ]( )، فالى جانب الأمر الإلهي بالإيمان بالقرآن فانه سبحانه جعل الأهلية الذاتية في القرآن للإيمان به لما فيه من الإعجاز والبراهين الدالة على نزوله من عند الله.
و(مع) اسمموضوع لمعنى المصاحبة، وهو شاهد على وجود التوراة والإنجيل، وفيه اشارة الى امكان فرز وطرح ما طرأ عليها من التحريف والتبديل وكيفية هذا الطرح تحتمل وجوهاً:
الأول: علم نفر من علماء اليهود والنصارى بالتوراة والإنجيل كما انزلا قال تعالى [مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ]( ).
الثاني: تصديق القرآن يتضمن توثيق التنزيل، وبيان اصله ومصاديقه وكشف التحريف.
الثالث: معرفة التنزيل وفضح التحريف من خلال عرض الكتب الأخرى على القرآن.
الرابع: التباين الموضوعي بين التنزيل وغيره، فما يطرأ على الكتاب السماوي من التحريف يكون بيناً مفضوحاً، يدركه اولوا الألباب، واهل المعرفة بأدنى تأمل.
وبعثة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن رحمة اضافية على بني اسرائيل ويمكن اعتبارها جزء من تفضيل الله تعالى لهم بان رسالته صلى الله عليه وآله وسلم دعوة سماوية لهم للإسلام، واجتناب الغلو بالأنبياء والإفتراء عليهم، وان نزول القرآن انقاذ لهم من الغي والضلالة، وهذا التفضيل في طول تفضيل المسلمين ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم فلا تعارض بينهما، باعتبار ان رسالته رحمة للعالمين.
بمعنى ان عموم الدعوة لا يمنع من اعتبارها خاصة بالنسبة لكل أمة لا سيما مع حاجتها لهذه الدعوة.
وفي الآية دعوة لليهود والنصارى لإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم ايذائه او الإساءة اليه لأنها وصفته (بالرسول) وفيه حجة عليهم وزجر عن الوقوف عند رسولهم، فلابد من الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد جاء الشطر السابق من الآية بلغة (ما آتيتكم) اما هذا الشطر فجاء بصيغة (مصدق لما معكم) فهل من صلة بين كل من:
الأول: ما آتاهم الله، وما معهم لإرادة امم الأنبياء في الآية بواسطة الأنبياء وما نزل عليهم
الثاني: جهة الخطاب، مع لحاظ اتحاد وجهة الخطاب او تعددها.
الجواب نعم، فلا تباين او مغايرة بين ما آتاهم الله وبين ما معهم، بقيد طرح التحريف، وفي الآية جوه:
الأول: ما آتاهم الله هو ذاته الذي معهم ايام البعثة النبوية، أي ما آتى الله الأنبياء من الكتاب والحكمة هو ذاته الذي مع أهل الكتاب، او ما آتى الله أهل الكتاب بواسطة الأنبياء ذاته معهم.
الثاني: ان الذي معهم أيام البعثة النبوية، هو أقل مما آتاهم من الكتاب والحكمة.
الثالث: ان الله آتى الأنبياء الكتاب والحكمة وعليه شواهد عديدة من القرآن، وان التبعيض الوارد في قوله تعالى [مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ] يراد منه الخطاب لأهل الكتاب ويحتمل أمرين:
الأول: ما عند أتباع الأنبياء بعض ما عند الأنبياء، وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتصديق ما آتاهم الله.
الثاني: ما معهم تركة ما آتاهم الله من كتاب وحكمة بما يكون حجة عليهم وعلى الناس في تثبيت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه الوجوه كلها ممكنة وكل أمة أخذت من التنزيل وتركة الأنبياء بما يكفي لأن يكون حجة عليهم بلزوم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفيه دلالة على فضله تعالى على أهل الكتاب ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتصديق ما معهم، ولا يمكن معرفة عظيم فضله تعالى هذا الا بلحاظ حقيقة وهي انه لولا هذا التصديق لجاء أهل الكفر والضلالة والتحريف على ما عند اهل الكتاب من التنزيل خصوصاً وان الغلو والإفتراء على الأنبياء دب بينهم، وصار علنياً وله مدارس خاصة، كل يحاول توكيد مقولته بالجدل والأخبار وهذا أحد أسباب التحريف.
فالتصديق هنا يعني تثبيت ما معهم، لأنه تصديق من مقامات الرسالة والنبوة، أي انه شهادة سماوية على مامعهم بالإضافة الى كونه واقية دون التمادي في التحريف والتغيير والتبديل سواء في النصوص او التفسير والتأويل للكتب السابقة، وهذا من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين، للحاجة الى بعثته في تصديق وتثبيت ما انزل قبله، وهذا التثبيت يتجلى بتضمن القرآن لجميع ما يحتاجه الإنسان في عباداته ومعاملاته، وكشفه لما في قصص الأنبياء من الوقائع والحوادث والمعارف الإلهية.
ولو حصل تعارض بين ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعض الأحكام والتفصيلات مما في ايدي اهل الكتاب، فلابد من اخذ الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطرح ما خالفه، وهذا الأخذ من مصاديق الإقرار بنبوته ونصرته والتسليم بما جاء به من عند الله.
قانون التصديق
التصديق هو الشهادة على صدق الأمر والحديث، ويقال صدقه أي قبل قوله وصدقه الحديث: أنبأه بالصدق، وهو في الإصطلاح تصديق الرسول اللاحق للرسول السابق، فما من رسول الا ويشهد بصدق رسالة من قبله ويبشر بالرسول الذي يأتي من بعده وفيه مسائل:
الأولى: اثبات رسالة الرسول السابق.
الثانية: الإخبار عن توالي بعثة الأنبياء، الى حين الختم.
الثالثة: توكيد نزول الكتب السابقة، والحث على عدم تحريف مضامينها.
الرابعة: تبكيت الذين كفروا بالنبوات السابقة.
الخامسة: دعوة الناس للتدارك والإيمان بالنبوات، فمن لم يصدق بالرسالات السابقة جاء الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبر عن صدقها وانها حق ومن عند الله، وهذا الإخبار مقرون بالآيات الدالة على نبوته وانه رسول مبلغ من عند الله.
السادسة: قانون التصديق شاهد على عدم التعارض بين النبوات، وان كل نبي متمم لرسالة النبي الذي سبقه.
السابعة: استحالة التفكيك في موضوع النبوة، او وجود أمر ينفذ منه اهل الريب والشك، فالذين يحاربون ويعادون نبي زمانهم، لا يلبثون حتى يأتيهم نبي آخر يصدقه ويكون تصديقه له فضحاً لهم وتبكيتاً لسوء فعلهم وعدم انتفاعهم من رسالته.
الثامنة: لقانون التصديق موضوعية في تثبيت دعائم التوحيد في الأرض، وهداية الناس الى الإيمان، واجتناب اسباب الكفر والضلالة.
التاسعة: انه رحمة اضافية للناس فمع النبوة وآياتها والكتاب المنزل، يأتي التصديق متعقباً لها بالدليل والبرهان والآية السماوية.
العاشرة: قانون التصديق حجة للأنبياء ولأتباعهم، وهو حجة على الكافرين والجاحدين.
الحادية عشرة: فيه تخفيف عن المؤمنين، وزيادة لإيمانهم وبشارة تملأ نفوسهم في حسن العاقبة.
الثانية عشرة: قانون التصديق شاهد على حسن اختيار المؤمنين، ومبادرتهم لأتباع الأنبياء.
الثالثة عشرة: التداخل والترابط بين قانون التصديق وقانون البشارة بالرسول اللاحق، وكل منهما تعضيد للآخر.
ويمكن تقسيم هذا القانون بلحاظ الزمان الى قسمين:
الأول: التصديق بالرسول السابق مع انتظار الرسول اللاحق الذي يأتي مصدقاً للإثنين معاً فالرسول يصدق من سبقه، وهو يحتاج او ينتظر من يقوم بتصديقه وتوكيد رسالته، ونفي الريب عنها، كما في عيسى عليه السلام فانه صدق برسالة موسى، قال تعالى [وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ]( ).
الثاني: الرسول الذي يصدق ما قبله، ولا ينتظر من يأتي من بعده ليصدقه، وهذا القسم خاص برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنوان تفضيل ومرتبة سامية من الشرف والرفعة والعلو بين الخلائق وله دلالات عقائدية تؤكد أفضليته على باقي الرسل والأنبياء، فبرسالته ثبتت الرسالات الأخرى، فان قلت: اذا أنتهى التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهل أنتهت موضوعية وأحكام هذا القانون الجواب لا، لأن هذا التصديق باقِ الى يوم القيامة بالقرآن وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لذا فان تعاهد وحفظ القرآن من النقص او التحريف حاجة للمسلمين وللأنبياء والرسل السابقين وكتبهم.
كما يمكن تقسيم قانون التصديق بلحاظ موضوعه الى قسمين:
الأول: التصديق بالأنبياء السابقين وصدق رسالاتهم.
الثاني: التصديق بالكتب التي أنزلت عليهم وتصديق الرسول بخصوص هذا الموضوع على وجوه:
الأول: تصديق الرسل والكتب المنزلة معاً.
الثاني: تصديق بعض الرسل بالرسل السابقين، وبعضهم الآخر بالكتب المنزلة.
الثالث: الشهادة والإقرار بصدق الرسل، فيترشح عنه قهراً وانطباقاً التصديق بالكتب التي جاءوا بها، باعتبار انهم لا يقولون الا الصدق والحق.
الرابع: التصديق بالكتب المنزلة، فان التصديق بها يؤدي الى الإقرار بنبوة الرسل الذين تلقوا التنزيل والوحي وأخبروا عن الله بآيات الكتاب.
والصحيح هو الأول، فان الرسل يصدقون بالرسل والكتب المنزلة معهم في آن واحد، ليكون قانون التصديق أعم في موضوعه وشموله وأكثر نفعاً، وفيه اعانة للناس على الإيمان ومانع من الشك والإفتراء على الأنبياء.
وفي تصديق يحيى لعيسى ورد قوله تعالى لزكريا [أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ]( ).
وفي السنة النبوية الشريفة نصوص عديدة تدل على تصديق الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنبوة ابراهيم واسحاق واسماعيل وداود وسليمان، وموسى وعيسى عليهم السلام وغيرهم من الأنبياء، ففي حديث أبي ذر بعد ان سأل النبي عن الصلاة قال: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء قال: مائة والف واربعة وعشرون ألفاً.
قلت: يا رسول الله، كم المرسل من ذلك؟
قال: : ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً. يعني كثيراً طيباً.
قلت يا رسول الله، من كان أولهم؟
قال: آدم.
قلت: يا رسول الله وآدم نبي مرسل؟
قال: نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم سواه قُبُلاً( ).
كما يمكن تقسيم قانون التصديق بلحاظ المصدق نفسه الى قسمين:
الأول: ان يكون النبي هو المصدق، وهذا القسم على شعبتين:
الأولى: تصديق النبي للرسول السابق، وعمله بشريعته، كما في اتباع شطر من أنبياء بني اسرائيل رسالة موسى عليهما السلام، وعملهم بالتوراة.
الثانية: تصديق الرسول اللاحق للرسول السابق كما في تصديق عيسى لموسى عليهما السلام، وتتصف رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانها مصدقة للرسل السابقين جميعاً.
الثاني: الكتاب المنزل هو المصدق وهو على شعبتين:
الأولى: تصديقه بالكتب السابقة كما في تصديق الإنجيل بالتوراة، والقرآن بهما معاً.
الثانية: تصديقه وشهادته بنبوة الأنبياء السابقين، كما في شهادة وتصديق القرآن لنزول التوراة والإنجيل.
وايهما أفضل المصدق ام المصدق به، الجواب هو الأول، لذا يشترط بالشاهد العدالة لما تستلزمه من الوثاقة، فقانون التصديق عنوان تفضيل مركب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن، فكل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن صدقاً بالنبوات والكتب السابقة على نحو الإتحاد والتعدد.
قانون المهيمن على الكتب
من أسماء الله تعالى (المهيمن) وهو الشاهد، والآمن غيره من الخوف، ويعني ايضاً القائم بأمور الخلق، والمتولي لشؤونهم.
وقد ورد لفظ المهيمن في القرآن مرتين، مرة في اسماء الله وعلى نحو الإطلاق قال تعالى [السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ]( )، فهو سبحانه المهيمن على كل شيء، وورد وصفاً للقرآن ولكن على نحو التقييد قال تعالى [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ]( ).
وفي الآية بيان لعظيم النعم التي وهب الله النبي، وتشريفه بالكتاب وتفضيله على الأنبياء بما انزل عليه من وجوه:
الأول: ان الله أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وهو الكتاب وليس جزء او شطراً من الكتاب، سواء كان المراد من الألف واللام العهد وارادة القرآن باعتباره الكتاب الجامع للأحكام الشرعية، أو المراد الجنس وان الكتاب الجامع هو الذي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تفضيل القرآن على الكتب المنزلة من وجوه:
الأول: مضامين التصديق وانه مصدق بالكتب الأخرى وما في التصديق من التفضيل وحاجة الكتب الأخرى له، خصوصاً بعد ان طرأ التحريف على بعضها.
الثاني: وصف القرآن بمفرده بانه الكتاب، بينما جاء ذكر الكتب الأخرى مجتمعة بصيغة التبعيض [لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ]( )، ولما ورد في هذه الآية [لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ].
والتبعيض هنا يحتمل وجهين:
الأول: ان الكتب السابقة لم تستوفِ مضامين الكتاب وما في اللوح المحفوظ، بينما جاء القرآن جامع للأحكام وتبياناً لكل شيء لذا فهو المهيمن عليها.
الثاني: سقوط جزء من الكتاب ونسيان مضامين بعض الكتب والصحف التي أنزلت على الأنبياء والرسل الأقدمين كآدم ونوح عليهما السلام، ولم يقع التصديق الا على الموجود من الكتب السماوية، فلذا جاء التبعيض.
ولا تعارض بين الوجهين خصوصاً وانهما يدلان على عظيم منزلة القرآن.
الثالث: نعت القرآن بانه مهيمن على الكتب السابقة وهو تشريف للقرآن وللنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ودعوة للناس باللجوء اليه والنهل منه، والصدور عنه، سواء كان المراد من معنى، “المؤتمن كما ورد عن ابن عباس”( ) او الشاهد أو الرقيب، أي المانع مما طرأ عليها من التحريف والتغيير.
وهل الهيمنة على الكتب حاجة نوعية للإنسان أم أنه أمر مندوب وفضل اضافي يمكن لها ان تستغني عنه، الجواب انه حاجة نوعية من وجوه:
الأول: للكتب السماوية السابقة، وحاجتها للقرآن على شعب:
الأولى: تثبيته لنزولها من عند الله، اذ ان القرِآن شاهد على التنزيل.
الثانية: تنزيهها من يد التحريف التي أمتدت اليها.
الثالثة: التوكيد على أصل الأحكام الشرعية التي جاءت بها.
الثاني: للأنبياء السابقين بتصديقهم فيما جاءوا به من عند الله، ومنع الغلو اوالتعدي والإفتراء عليهم.
الثالث: الإخبار عن الإجزاء وصحة عمل الأمم السابقة ممن أخلص في اتباع الأنبياء.
الرابع: وحدة التنزيل، والملازمة والتعاقب في تنزيل الكتب السماوية بما يمنع من تضييعها.
لقد أراد الله عز وجل بيان منزلة القرآن بان جعله مهيمناً وشاهداً ورقيباً على الكتب الأخرى ولابد للكتاب المهيمن من خصائص تميزه عما يهيمن عليه، ومن خصائص القرآن في المقام أمور:
الأول: القرآن تبيان لكل شيء.
الثاني: انه جامع لأحكام الحلال والحرام.
الثالث: نزوله على سيد الأنبياء والمرسلين.
الرابع: خلوه من الزيادة او النقيصة.
الخامس: تعاهد المسلمين له بالتدوين والتلاوة في الصلاة وغيرها، والحفظ عن ظهر قلب.
السادس: الإعجاز في آياته وسوره وكلماته ومضامينه القدسية.
السابع: تعدد وكثرة علومه، وشمولها للميادين المختلفة.
الثامن: امتناعه عن التحريف والتبديل والتغيير.
التاسع: بقاؤه الى يوم القيامة اماماً ودليلاً وميثاقاً.
ومن خصائص المهيمن وجوه:
الأول: تعرض عليه الكتب الأخرى، ليعرف ما طرأ عليها من التحريف والتغيير، وتنقيحها مما ليس بتنزيل.
الثاني: لابد من بقاء القرآن خالياً من التحريف والتغيير، وصالحاً لعرض الكتب والوقائع ومستحدثات الأمور عليه، فتفضل سبحانه تعالى بتسخير اسباب حفظه وتعاهده والعناية به.
الثالث: عدم وجود كتاب آخر أعلى منه، ومنه ان القرآن خاتم الكتب السماوية وليس من كتاب بعده.
الرابع: تحتاج اليه الكتب الأخرى و لا يحتاج اليها.
وهل شهادة القرآن في الدنيا ام في الدنيا والآخرة الجواب هو الأخير، وهذا من الشرف الإضافي الذي أضفاه الله على القرآن وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهليتها للبشارة المستديمة بها في الأزمنة السابقة.

قوله تعالى [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ]
جاء الأمر الإلهي بالإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم لوجود المقتضي وفقد المانع بعد مقدمات وبيان وحجة من وجوه:
الأول: الإخبار الإلهي عن ميثاق النبيين، وترشح الميثاق على الأمم والناس جميعاً، فكما يتلقى الأنبياء الوحي ويأمرون بتبليغه للناس كافة، فانهم يعطون الميثاق ليكون حجة عليهم، وجذبة نحو عالم الملكوت، والتقيد بمضامين الميثاق.
الثاني: شمول جميع الأنبياء بالميثاق، ولزوم اتباع الناس لهم، فحتى من يقف عند نبي او رسول ولا يؤمن بمن بعده فان احكام الميثاق تشمله ويجب عليه الإيمان والتصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن أنبياءهم بشروا به.
الثالث: مجيء الميثاق بعد تفضله تعالى بالكتاب والحكمة.
الرابع: في الآية مقدمتان وموضوعان وأمران اما المقدمتان فهما:
الأولى: اخذ الله ميثاق الأنبياء واشتراك أممهم به بالواسطة.
الثانية: اتيان الأنبياء الكتاب والحكمة وترشح العلوم والإستقامة واتقان الأمور على أممهم، ولو على نحو الموجبة الجزئية، اما الموضوعان فهما:
الأول: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: انه مصدق لما معه.
اما الأمران فهما:
الأول: الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: نصرته والإعانة في نشر أحكام الإسلام.
والضمير الهاء في (به) يحتمل وجوهاً:
الأول: المراد الإيمان والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الذي مع اهل الكتاب من التنزيل.
الثالث: ميثاق النبيين.
الرابع: ما آتاهم الله في قوله [لَمَا آتَيْتُكُمْ].
الخامس: الكتاب، لقوله تعالى (من كتاب) وجاء لفظ الكتاب في الآية بصيغة التبعيض والتنكير وفيه اشارة الى التعدد في مضامين النزول ولبيان فضل القرآن واختصاصه بصيغة الإطلاق.
السادس: تصديق الرسول لما آتاهم الله من كتاب وحكمة.
والصحيح هو الأول، لبيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهل يحتمل ارادة التعاقب في الآية، بمعنى ارادة كل رسول يبعث الى أمة ويأتي بشريعة ناسخة للتي قبلها، فيكون الخطاب في الآية للأجيال السابقة للبعثة النبوية واللاحقة لها ليشمل قوله تعالى [رَسُولٌ مُصَدِّقٌ] الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسل السابقين، الجواب لا، فالقدر المتيقن من الآية هو ارادة اهل الكتاب والناس في زمن البعثة النبوية المباركة ونزول القرآن.
وتصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن للتوراة والإنجيل وما آتى الله الأنبياء من الكتاب والحكمة، ويأتي بمعنى التصديق وضده التكذيب وهو ظاهر لتعديه بحرف الجر الباء، “وآمن بالشيء: صدق”( ).
واللام في لتؤمنن تحتمل أمرين:
الأول: وجوب الإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: استحباب الإيمان به.
والصحيح هو الأول، لذا أعربت بانها لام القسم كأن معناها، والله لتؤمنن به، ولكن معنى اللام لا يقف عند القسم بل هو أعم، وفيه دلالات عقائدية منها:
الأول: ان الله عز وجل يهيء اسباب الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: ليس للناس الإعراض عن رسالته ونبوته.
الثالث: كما اخبرت الآية عن مجيء النبوة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فانها تضمنت هنا الإخبار عن حقيقة في الإرادة التكوينية وهي ان الله عز وجل يمن على الناس بالإيمان به والتصديق برسالته وان كان هذا الإيمان على نحو الموجبة الجزئية بدلالة الآية التالية التي جاءت في ذم من تولى وأعرض عن رسالته.
الرابع: الآية من عمومات قواعد اللطف الإلهي وتخبر عن تفضله تعالى باعانة الناس لسبل الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: المراد من قوله تعالى [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ] هو دخول الإسلام والنطق بالشهادتين، والتقيد بالأحكام الشرعية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: الآية بشارة وفضل من الله عز وجل على الناس على نحو مركب:
الأول: بعثته صلى الله عليه وآله وسلم للناس كافة.
الثاني: اتيان الكتاب والحكمة للأنبياء السابقين وترشح علومها على أممهم مقدمة لرسالته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: البشارة بحصول الإيمان به وبرسالته.
السابع: للإيمان في اسبابه ومقدماته وجوه:
الأول: اجباره تعالى للناس على الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واعتناقه الإسلام، فلا يسلم منهم الا من أجبره الله.
الثاني: تقريب الناس الى الإيمان، بفضل ولطف وفيض منه تعالى.
الثالث: اقتران رسالته صلى الله عليه وآله وسلم بالآيات والبراهين التي تكون حجة على الناس.
الرابع: اشارت هذه الآية الى البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت في الكتب السابقة، وهي عون للناس على دخول الإسلام.
الخامس: موضوعية الحكمة التي آتاها الله الأنبياء وتركوا آثارها ومصاديقها في أممهم لتكون طريقاً للإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: اعتبار ميثاق الأنبياء في بقاء كلمة التوحيد في الأرض والتي تتجلى بالتصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
السابع: جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بث الدعوة بين اهل بيته واهل مكة والمدينة وما حولهما.
الثامن: جهاد الصحابة في نشر راية الإسلام.
التاسع: الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله الذي يجعل الناس يتدبرون اسراره واسبابه وغاياته التي تكون فوق الأهواء.
العاشر: الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
الحادي عشر: نزول القرآن وما يتضمنه من الإعجاز الخالد.
الثاني عشر: أسباب النزول وكيفية تلقي النبي للوحي اذ يتفصد عرقاً في الشتاء البارد ساعة هبوط جبرئيل بآيات القرآن.
الثالث عشر: تجلي بركات ومنافع الإسلام.
الرابع عشر: ما يقذفه الله عز وجل في القلوب من أسباب الهداية والرشاد.
وكل هذه الوجوه صحيحة الا الوجه الأول وان كان الله قادراً على اجبار الناس على الإيمان، الا انه أراد للدنيا ان تكون دار بلاء وامتحان واختبار، وجاءت الآية في خطابها بصيغة الجمع ويحتمل وجوهاً:
الأول: ارادة الناس جميعاً.
الثاني: توجه الخطاب لأهل الكتاب.
الثالث: المقصود هم المسلمون الذين صدقوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإنطباقه على الواقع العملي.
الرابع: صحابة النبي وأهل بيته.
والأصح هو الأول بدليل ان رسالته صلى الله عليه وآله وسلم للناس كافة فان قلت ان أكثر الناس لم يؤمنوا به ومنهم من واجه بعثته بالتكذيب، وتصدى لها بالعداوة، والخصومة والمكر واشهار السيف.
قلت: ان قوله تعالى [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ] يتضمن أموراً:
الأول: تحقق مصاديق للإيمان، ووجود أمة تؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكأن الآية من اطلاق الكل وارادة الجزء.
الثاني: بقاء الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووجود أمة مسلمة تؤدي الفرائض التي جاء بها وتتعاهد والى يوم القيامة القرآن الذي نزل على صدره.
الثالث: جاءت الآية على نحو الأمر والتكليف للناس.
الرابع: تتضمن الآية الوعد والوعيد، الوعد لمن أطاع وآمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والوعيد لمن عصى وأستكبر وكفر بها.
الخامس: الآية حث للناس على الإيمان، وتحذير من التفريط والجحود بالنبوة.
السادس: من الإعجاز ان الدعوة للإيمان لم تأتِ مجردة، بل جاءت ضمن نظم اعجازي للآية، فقد قدمت الآية ذكر ميثاق الأنبياء، وما انعم الله به عليهم وعلى الناس من الكتاب والحكمة، ثم أفردت موضوعاً خاصاً لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالأنبياء أخذ منهم الميثاق، اما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فذكرته بأمور:
الأول: مجيؤه بصفة الرسول، والمراد بعثته ونزول الوحي عليه.
الثاني: الإخبار بان النبي بعث ليدعو الناس للإيمان وليس له أن يسكت، وليس للناس معاداته ومحاربته.
الثالث: اقامة الحجة على الناس بلزوم الإنتفاع من مقدمات بعثته صلى الله عليه وآله وسلم من الميثاق، واتيان الكتاب والحكمة والبشارات بنبوته، فأكدت الآية ان الدعوة الى الإيمان به جاءت بعد تهيئة أسبابها، وازالة الموانع عنها، والأمر الإلهي بالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس من وجوه:
الأول: وجوب عبادته تعالى، وهذا الوجوب لا يتقوم الا بالإيمان برسالته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: منع إستحواذ الفتن والإفتتان على الناس.
الثالث: التصدي لأسباب الكفر والجحود.
لقد اراد الله عز وجل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خسارة ويأس ابليس الى يوم القيامة بوجود أمة موحدة مخلصة لله عز وجل وفي التنزيل [ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ]( )، فأراد الله عز وجل للناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان يكونوا من عباده المخلصين.
الرابع: تعاهد ميثاق النبيين بقسميه وهما:
الأول: ما أخذه الله عليهم.
الثاني: ما تحملته أممهم من احكام الشرائع التي جاءوا بها، ووراثتهم لحفظها.
ترى ما المراد من الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجواب فيه وجوه:
الأول: التصديق بنبوته وانه مبعوث من عند الله.
الثاني: قبول ما ينزل عليه من الآيات واجتناب الشك والريب
الثالث: اتيان الفرائض التي جاء بها من عند الله كالصلاة والصوم والزكاة والحج.
الرابع: عدم الغلو فيه، لأن الآية قيدت الإيمان به بصفة الرسالة.
الخامس: انه الذي بشر به الأنبياء السابقون، وقد تفضل الله سبحانه ببعثته وارساله الى الناس بالقرآن ومبادئ الإسلام، وما المراد من الإيمان في الآية، فيه وجوه:
الأول: التلفظ بالشهادتين والإقرار بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم والإتيان بالفرائض.
الثاني: الإعتقاد بالجنان وامتلاء القلب بالإيمان.
الثالث: بذل الوسع في دعوة الناس للإيمان به، باعتبار ان الآية جاءت بصيغة الجمع.
والصحيح هو الأول، وهو القدر المتيقن من الإيمان في الآية الكريمة.

قانون الإيمان بالنبوة
من قواعد اللطف الإلهي انه سبحانه ابى الا ان تكون واسطة بينه وبين الناس وهذه الواسطة على قسمين:
الأول: متحدة.
الثاني: متعددة.
والله عز وجل لا يعطي الا بالأوفى والأتم، فالوسائط بينه وبين الناس متعددة، وهذا التعدد انحلالي متفرع بلحاظ الزمان والمرتبة والأثر، فقد بعث الأنبياء ليكونوا رسله الى الناس جميعاً، من غير مائز او فارق بينهم لذا يأتي النبي بدعوته، ويرجو ان يبادر الملأ والرؤساء والأغنياء للإيمان به ونصرته، ولكنه يفاجئ بصدود أكثرهم، ويقبل المستضعفون عليه مصدقين مؤمنين مع استعدادهم للجهاد في سبيله تعالى.
والإيمان بالنبوة على وجوه:
الأول: الإيمان بالنبوة كموضوع، دون التقيد بتعيين الأنبياء.
الثاني: ايمان كل جيل من الأمم السابقة بنبي زمانهم دون غيره.
الثالث: التصديق بالنبي الذي يكون من ذات الأمة والقوم، فاذا كان من غير قومهم فلا يؤمنون به.
الرابع: الإيمان بالأنبياء السابقين دون اللاحقين.
الخامس: الإيمان بالرسل دون الأنبياء باعتبار ان الرسول صاحب شريعة.
السادس: حصرالإيمان بمن يرون الآيات والمعجزات على يديه، اما من يسمعون عن نبوته فلا يلتفتون اليه.
السابع: الإيمان بالرسول الذي يأتي بشريعة ميسرة، والإعراض عن الرسول الذي يأتي بتكاليف شاقة ويدعو الى الجهاد والقتال في سبيل الله.
الثامن: الإيمان بالأنبياء والرسل جميعاً على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، والتصديق بالسابق منهم واللاحق الى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والواجب هو الأخير ولا يشترط معرفة اسمائهم كلهم بل يكفي التصديق بهم والتسليم بنبوتهم، وهذا الحكم يشمل الناس جميعاً بأجيالهم المتعاقبة، فمن كان من الأولين او المتأخرين عليه ان يؤمن بنبوة آدم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وما بينهما من النبوات والرسالات.
وهذه الآية حجة وشاهد على الأمر لأن الله أخذ من الأنبياء ميثاقهم، وأمرهم بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال ” لما اذنب آدم الذنب الذي اذنبه رفع رأسه الى السماء، فقال: اسألك بحق محمد الا غفرت لي، واوحى الله اليه ومن محمد؟ قال: تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي الى عرشك فاذا فيه مكتوب لا اله الا الله محمد رسول الله، فعلمت انه ليس احد عندك اعظم قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك، فاوحى الله اليه: يا آدم انه اخر النبيين من ذريتك و لولاه ما خلقتك”( ).
وكان الأنبياء كلهم يبشرون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآخرهم عيسى اذ ورد عنه في التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] ( )، كما جاء في التوراة والإنجيل ما يدل على موضوع هذه البشارة ليكون دليلاً نقلياً ملازماً للإنسان في لزوم الإيمان بالنبوة، الى جانب الأدلة العقلية بل ان النقل ذاته دليل عقلي لما يصاحب النبوة من الآيات والمعجزات فتكون شاهداً على صدق البشارات، وتتعاقب الأيام لتؤكد صحتها، وكل هذه الآيات والمواثيق والبشارات من عمومات قواعد اللطف الإلهي لتكون متفرقة ومجتمعة وسيلة لجذب الإنسان لدروب الهدى، ودعوته الى الإسلام وأدائه لوظائفه العقائدية والأخلاقية.
والإيمان بالنبوة فرع الإيمان بالله تعالى، ويأتي الإيمان بالله على نحو الإطلاق فيقال الإيمان، وينصرف معناه الى الإقرار بالتوحيد وهو ضد الكفر، اما الإيمان بالأنبياء والنبوة فيأتي مقيداً للإشارة الى تبعيته للإيمان المطلق، فالإيمان بالنبوة ضرورة من ضرورة الدين، ووظيفة عقائدية، ويشترك النقل والعقل في توكيد النبوة لتكون طريقاً لتوكيد وجود الصانع ولزوم عبادته تعالى، مع وجود الطرق النقلية والعقلية الأخرى التي تحث الناس على العبادة.
ومن خصائص النبوة تلقي الشرائع والتمييز بين الحسن والقبيح واختيار الحسن والإعراض عن القبيح مما لا يستطيع العقل الإستقلال باستنباطه وبلوغ الغاية فيه، ولم تكن مسألة الإيمان بالنبوة والأنبياء صعبة على الناس، او انها تحتاج الى مقدمات ووسائط للتوصل اليها، بل ان الله عز وجل رزق النبي المعجزة وهي الإتيان بالخارق للعادة والمتعذر على الناس متحدين ومتفرقين ومما يكون فيه نفع مع خلوه من الأذى، وهو عنوان تخفيف عن الناس، ومانع من تأثير أهل الحسد والجحود عليهم ومحاولات صدهم عن الإيمان، خصوصاً بالنسبة للسلاطين وارباب المصالح الذي يظنون تضررهم من ظهور الإسلام واتباع الناس للنبي في الوقت الذي تكون فيه النبوة رحمة وفيضاً وخيراً محضاً.
لقد أراد الله عز وجل تشريف واكرام الناس ببعثة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: أخذ ميثاق الأنبياء، ومن ضمن مصاديق الميثاق اخبار اتباعهم وانصارهم عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق به.
الثاني: تفضله تعالى بتضمن الكتب المنزلة الإخبار عن نبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: قيام الأنبياء بتهيئة اذهان اتباعهم والناس جميعاً الى بعثته والتطلع الى زمانها.
الرابع: ارتقاء الناس في المعارف الإلهية، بما يجعلهم يدركون أهمية بعثته صلى الله عليه وآله وسلم في اصلاح المجتمعات ومنع الخصومة والفتن بين الناس، وكان اليهود اذا تلقوا الأذى من أهل المدينة يتوعدونهم بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
وأيهما أكثر تأثيراً في الناس، وتوجههم للتصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
الأول: الأمر الإلهي بالإيمان به تعالى.
الثاني: الأسباب والمقدمات التي هيأها الله عز وجل للتصديق بنبوته.
الثالث: دعوة وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإيمان برسالته صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: سعي وجهاد المسلمين بجذب الناس للإيمان.
الجواب لا تعارض بين هذه الوجوه، وليست بعرض واحد، بل هي كالأصل والفرع، فالأصل هو الأول فحينما امر الله عز وجل بالإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان هذا يعني ميل قلوب الناس او شطر منهم اليه وتصديقهم برسالته فلا يذهب أمره تعالى سدى.
وهذا سر من أسرار الإرادة التكوينية فكما أخذ الله عز وجل الميثاق على الأنبياء وأمرهم بالبشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فانه سبحانه بشرهم بايمان الناس به حين بعثته فيجعل الله عز وجل عند الأنبياء السابقين مع البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم البشارة بايمان فريق من الناس به ونصرتهم له لتطمئن قلوبهم ويعلموا ان سعيهم وجهادهم تظهر ثمراته، أوان بعثته صلى الله عليه وآله وسلم وبعدها، وانه سيجزيهم على قيامهم بالبشارة به بتثبيت صدقهم ونزاهتهم وعفتهم الى يوم القيامة، لذا تجد المسلمين يسخرون انفسهم للذب عن الأنبياء والتصدي لأعدائهم مع اقرارهم وتصديقهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
علم المناسبة
مع كثرة ورود مادة (آمن) في القرآن فان كلمة (لتؤمنن) لم ترد الا في هذه الآية وبخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون الأنبياء الآخرين، وفيه مسائل:
الأولى: انه عنوان تفضيل اضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على جميع الأنبياء.
الثانية: اراد الله عز وجل جعل اتباع الأنبياء يولون عناية خاصة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتطلع الى أيامه.
الثالثة: توكيد ما يتعلق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم في مواثيق الأنبياء، وانهم كانوا يبشرون ويدعون الى الإيمان بنبوته.
الرابعة: أفراده صلى الله عليه وآله وسلم بالأمر بالإيمان به، حث للناس على التوبة، والإنتفاع من نبوته والتصديق به واتباعه.
الخامسة: الآية شاهد على بقاء الدعوة الى نبوته حتى بعد بعثته، اذ ان البشارات به لا تنقطع ببعثته، فقد أراد الله عز وجل ان يبقى الأمر الإلهي للإيمان والتصديق بنبوته الى يوم القيامة.
السادسة: الآية حجة دائمة على الناس في لزوم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلذا جاء القرآن آية اعجازية عقلية، لإثبات رسالته، ودعوة الناس للإيمان بها.
السابعة: في الآية مدح للصحابة والتابعين والمسلمين الذين صدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآمنوا بها استجابة لأمر الله تعالى، وهذا المدح من وجوه:
الأول: انفراده بالأمر للإيمان برسالته ونصرته.
الثاني: تقيدهم باحكام الإسلام، واجتنابهم المعصية والضلالة.
الثالث: ورد قوله تعالى في آل فرعون ومخاطبتهم لموسى [لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ]( ).
بينما جاء أمره تعالى في هذه الآية للناس جميعاً بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكأنه انذار وتحذير من الرجز والعذاب لمن يتخلف عن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبشارة بان الإيمان بنبوته يدفع الرجز والعذاب عن المسلمين.

قوله تعالى [وَلَتَنْصُرُنَّهُ]
جاءت الآية بثلاث أمور تخص بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين وهي:
ألأول: مجيؤه صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة من عند الله.
الثاني: الأمر الإلهي بالإيمان بنبوته.
الثالث: نصرته واعانته، وقد قدمت الآية الإيمان على النصرة، وفيه مسائل:
الأولى: الإيمان هو الأصل، لأنه عنوان التصديق بالنبوة، ويتجلى هذا الإيمان ظاهراً بالتلفظ بالشهادتين واتبان الفرائض والواجبات.
الثانية: النصرة فرع الإيمان، وانها تأتي بعد الإيمان.
الثالثة: الإيمان استجابة واقرار بالبشارات التي جاء بها الأنبياء السابقون.
الرابعة: مع الإيمان تكون النصرة تامة، وتتصف بالإخلاص.
الخامسة: تعقب النصر للإيمان باب لنيل الثواب على الأعمال التي يشترط فيها قصد القربة، كالصلاة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتبارها من مصاديق النصرة.
السادسة: الإيمان سبب لبذل الوسع في نصرة النبي، لأن النصرة على وجوه:
الأول: دفع الأذى والظلم عن الآخر.
الثاني: النصرة والإعانة في مختلف الأحوال، ومنها حال القيام بظلم الآخرين، فقد ينصر الإنسان صاحبه مع علمه بانه ظالم، او مع عدم التفاته لقيد لزوم عدم نصرته واعانته على ظلمه، والتأكد من أمره، فجاءت الآية بذكر النبي بصفة الرسول أي نصرته بما هو رسول مع الإيمان برسالته، كي تكون النصرة سفراً من الخلق الى الحق، وفي الحديث “انصر أخاك ظالماً او مظلوماً”( )، ومعناه ان نصرته وهو ظالم منعه وزجره من الظلم وهذا الزجر من الكلي المشكك، الذي تتباين مراتبه بحسب الحال والمقام وان كان مظلوماً فنصرته اعانته على ظالمه.
الثالث: النصرة العقائدية، وهي المطلوبة في المقام فمتى ما علم المكلف ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله، فانه ينصره لتثبيت دعائم الدين.
السابعة: الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجعل المكلف يتلقى بالقبول الأمر بنصرته الوارد في القرآن، فاذا آمن المسلم بان هذا القرآن نازل من عند الله، بادر الى نصرته واعانته.
الثامنة: الإيمان سبب لبعث السكينة والطمأنينة في قلب المؤمن عند اقدامه على نصرة النبي.
لقد أمر الله عز وجل اهل الكتاب والناس بنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الأمر جاء واضحاً صريحاً لا يقبل التأويل لغير معناه الظاهر، ومن الآيات ان لفظ النصرة في اللغة والعرف واحد، يعلم المراد منه كل انسان وان اختلف لسانه وبلده، والنصرة حسن المعونة، وتقييد المعونة بانها حسنة له دلالات عقائدية في المقام، فمن حسن معونة المظلوم دفع الظلم عنه، وزجر الظالم ومنعه من التعدي عليه، اما نصرة النبي فقد جاءت بقيد انه رسول ولابد له من خصوصيات، وفيه مسائل:
الأولى: الإمتثال لما جاء به من الفرائض والعبادات، فاداء الصلاة نصرة للنبي ودفع الزكاة نصرة له وهكذا باقي العبادات.
الثانية: الذب والذود عن النبي، والدفاع عنه، وهذا الدفاع على وجوه:
الأول: حراسة شخصه الكريم، والمنع من التعدي عليه.
الثاني: المنع من الإفتراء عليه.
الثالث: التصدي للغلو فيه ومن صيغ ومصاديق هذا التصدي نعته بالرسول، باعتبار ان الرسالة وظيفة سماوية، والرسول لا يفعل الا ما يأمره الله.
الثالثة: توكيد الإيمان بالفعل والعمل، وهو عنوان للنصرة وشاهد على وجود الإيمان وترسخه في النفس، ومن مصاديقه الإنصات للرسول، والحرص على تتبع ما يأتي به من عند الله وما يأمر به وما يقوم بتبليغه.
الرابعة: محاكاته في سنته وأفعاله العبادية.
الخامسة: الجهاد من أجل تحقيق الغايات التي بعث من أجلها، وهذا أهم وجوه النصرة، وهو المتبادر الى الذهن منها، والله تعالى هو الناصر قال سبحانه [ِنعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ] ( ).
فلما بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فانه سبحانه يمده بأسباب النصر ومنها المؤمنون برسالته، والمصدقون بنبوته، فلذا جاء الأمر بنصرته وأختيار الإنسان للإيمان ونصرة الرسول، أمر ينفعه في دنياه وآخرته، والله عز وجل غني عنه، وقادر على ان يكون وحده هو الناصر لنبيه الكريم، ولكنه أراد للناس الأجر والثواب والفوز بالجنان.
وجاءت الآية بصيغة الجمع، والمراد نصرة أهل الكتاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه النصرة على أقسام:
الأول: النصرة الفردية، بان يقوم كل مكلف بنصرته واعانته.
الثاني: النصرة النوعية العامة، بان يجتمع الناس على نصرته.
الثالث: نصرة أهل الكتاب له، بالإخبار عن البشارات التي عندهم الخاصة ببعثته ونبوته.
الرابع: نصرة المؤمنين له.
قانون نصرة النبوة
يقال نصره ينصره نصراً أي أعانه، وقد تقدم قانون النصرة( )، وقانون نصرة النبي( )، والنصرة فرع اتحاد السنخية الإنسانية، والنصرة لها أسباب ووجوه هي:
الأول: ما جعله الله عند الإنسان من الميل الى غيره، وظهور هذا الميل بمراتب متفاوتة منها النصرة والمعونة.
الثاني: لحمة النسب، وصلة القربى، وما فيها من العمل على الإعانة والنصرة.
الثالث: صلة الجوار والصداقة والمحبة.
الرابع: الغيرة والحمية، واندفاع الإنسان في الذب عمن تربطه معه صلة مخصوصة.
الخامس: غلبة النفس الغضبية والشهوية، وارادة الإستحواذ على الشيء، او دفع استحواذ الغير عنه.
السادس: المصلحة والمنفعة التي يرجوها الإنسان من قيامه بالنصرة، وما يظنه من الكسب والفائدة بالنصرة، او الضرر الذي يلحقه عند التخلف عنها.
السابع: النصرة الإيمانية: وهي أهم وجوه النصرة، والتي لا تنحصر عند المعونة الشخصية او صلة القربى او المودة، بل انها فعل عقائدي لازم للإنسان لما تحمله من امانة الإيمان، وما فيها من العهد والميثاق، وهذا القانون ثابت في الأرض وهو من أسباب دوام بقاء كلمة التوحيد في الأرض، ومحاربة الباطل ودفع الظلم عن الناس.
لقد أراد الله عز وجل للحياة الإنسانية الإستدامة وفق نظم ثابتة في المعاش والكسب والمعاملة، لتكون هذه النظم عوناً على التدبر في الخلق ونشأة الإنسان، وباباً للإيمان والإقرار بالتوحيد والنبوة والمعاد، وقانون النصرة ملازم للنبوة فلابد من وجود انصار واعوان للنبي في دعوته لأنه لا يأتي الا بالحق وقصد الإصلاح بالإضافة الى موضوعية المعجزة في اقناع الناس واقامة الحجة عليهم بضرورة نصرته واعانته.
وهذه النصرة متفاوتة في الكم والكيف والأثر، فليس انصار الأنبياء على مرتبة واحدة في عددهم وصيغ نصرتهم، بل هم على مراتب متفاوتة، واكثر الأنبياء انصاراً واعواناً النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت هذه الآية بالأمر الإلهي بنصرته (لتنصرنه) وهذا الأمر وهو لطف ومدد الهي وسبب دائم في الأرض لإيجاد الأنصار والأعوان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومصاديق ووجوه قانون النصرة متعددة وهي:
الأول: نصرة الله عز وجل للنبي، قال تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ]( )، وأفراد وكيفية هذه النصرة اكثر من أن تحصى منها:
الأول: اصلاح النبي للنبوة والذي يبدأ من اختيار والديه واعداده في صباه.
الثاني: تحليه بالأخلاق الحميدة وعدم ميله للهو او اللعب، وكان النبي محمداًصلى الله عليه وآله وسلم يسمى عند اهل مكة قبل البعثة بـ(الصادق الأمين).
الثالث: تفضله تعالى باختياره للنبوة والوحي ونزول الكتاب عليه.
الرابع: دفع الأذى والكيد عنه، ومنع الظالمين من قتله الى ان يتم رسالته ويبلغ ما أمره الله به.
الخامس: جعل أفئدة الناس تهوى اليه، وايجاد الأعوان والأنصار والذين يستجيبون لدعوته ويمتثلون لأوامره.
السادس: بشارة الأنبياء السابقين بالنبي لتكون هذه البشارة مقدمة لنصرة اتباع الأنبياء له.
السابع: الأمر الإلهي للناس بنصرته واعانته كما ورد في هذه الآية فهي من مصاديق قانون النصرة لورود قوله تعالى [وَلَتَنْصُرُنَّهُ] فيها.
الثامن: بعث الخوف والرعب في قلوب الكافرين من النبي واصحابه وانصاره، وهذا الخوف مقدمة لتحقيق النصرة.
التاسع: مجيء النبي بالآيات الباهرات لتكون له سلاحاً وعوناً.
الثاني: نصرة المؤمنين، وهذا الوجه ليس مستقلاً عن الأول، بل هو فرع له، وهو مصداق الإمتثال للأمر الإلهي في هذه الآية بخصوص نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما انه امر ثابت في النبوات فلكل نبي انصار واعوان يكونون دعاة لشريعته.
الثالث: نصرة الأنبياء للنبي، وهي من افراد الميثاق الذي أخذه الله عليهم كما ورد في هذه الآية [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ]، ونصرة الأنبياء بعضهم لبعض متبادلة، فالسابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق.
الرابع: نصرة المعجزة للنبي، اذ ان الله ينعم عليه بالمعجزة لتكون له واقية وحرزاً، وحجة على الناس وسبباً لجذبهم الى الإيمان والتصديق بنبوته.
الخامس: موضوع النبوة، فالنبي لا يريد من الناس الا الصلاح والإستقامة، والسعي للنجاة في عالم الآخرة.
ولم ينافسهم في دنياهم ولم يشاركهم في اموالهم وقد تكرر في سورة الشعراء خمس مرات قوله تعالى [ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ] ( ).
وجاءت على لسان كل من نبي الله نوح، هود، صالح، لوط، شعيب، في آية اعجازية تدل على انقطاع الأنبياء لله تعالى، وبذلهم الوسع لإنقاذ الناس من الضلالة من دون أن يأخذوا منهم عوضاً او اجراً.
وقانون النصر فضل من الله على الأنبياء وعلى اتباعهم وعلى الناس كافة، في تثبيت دعائم الدين، والغلبة على الكافرين.
وفيه تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء من وجوه:
الأول: قيامهم بنصرته والبشارة بنبوته، وقيامه هو بنصرتهم جميعاً.
الثاني: تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بنبواتهم، وتعاهدهم لمضامين النبوة، والإيمان بنبوتهم جميعاً على نحو العموم المجموعي.
الثالث: منع التعدي على الأنبياء السابقين او الإفتراء عليهم.
وقانون النصرة بشارة الظفر والظهور على الكافرين [ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ]( ).
وجاءت الآية بصيغة الجمع وفيه دعوة للناس كافة بلزوم عدم التخلف عن نصرته لعموم الخطاب التكليفي الذي يشمل الموجود والمعدوم، والناس في زمن النزول وما بعده من الأزمنة والى يوم القيامة، وليس لأحد او أمة التخلف عن نصرته فلا يجوز ان يقول اهل الكتاب مثلاً اننا نكتفي بما عندنا من الكتاب او اننا ننصره باختيار اتباع موسى وعيسى بل لابد من القيام بنصرته في دعوته والنصرة لاحقة وتابعة للإيمان بنبوته.
لقد أراد الله عز وجل تهيئة أسباب النصر والظفر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واعداد الناس ليكونوا جنوداً له حين بعثته، فأمر الأنبياء بنصرته واعانته باخبار أممهم ببعثته ولزوم اتباعه، وهذا تشريف عظيم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعون له وللمسلمين ان العون للمسلمين بالأمر بنصرته، اذ انه يمنع الشك والريب بنبوته، ويجعل الناس يبادرون الى الإيمان به ونصرته خصوصاً مع رؤية الآيات تترى على يديه.
والنصرة غير النصر، قال تعالى [قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ]( )، ولكن النصرة طريق وسبب للنصر والظفر، فكلما كثر الأعوان والأتباع المؤمنين بالرسالة قوت شوكتهم وصار النصر قريباً منهم.
وفي الآية مدح للمسلمين واخبار عن أهليتهم للنصرة والإعانة وقال تعالى في الذين يدعون من دون الله [لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ]( )، ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا باب للنجاة والفوز في الآخرة، فالله عز وجل لا يحتاج من الناس نصرة نبيه، وهو قادر على اظهاره على الدين كله من غير نصرة أحد له.
ولكنه اراد للناس الأجر والثواب، وليعلم الملائكة وغيرهم من الخلائق اهلية الإنسان لخلافة الأرض بنصرته لخاتم النبيين ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قسمين:
الأول: نصرة الأنبياء واتباعهم قبل بعثته بالبشارة به والدعوة لتصديقه واتباعه، وتوارث ما جاء بخصوص نبوته في الكتب السماوية السابقة.
الثاني: نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد بعثته، والتي تتجلى باتباعه والإمتثال لما جاء به والجهاد في سبيل الله تحت لوائه.
وتظهر الآية الملازمة بين ثلاثة أمور:
الأول: ميثاق النبيين.
الثاني: الإيمان بالنبوة.
الثالث: نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن خصائص هذه الملازمة تقريب الناس الى الهداية والصلاح، والمنع من غلبة الكفر واستحواذ الشيطان على النفوس، وهذه الملازمة لا تعني انها بعرض واحد، فالميثاق عهد لازم، والإيمان اقرار وتصديق اما النصرة فهي فعل خارجي، وقد يكون فيها بذل للنفس والمال وتحمل المشاق، لذات جاءت الآية مطلقة من غير تقييد لمقدار وكيفية النصرة.
وهل تكفي النصرة بالقلب والنية الجواب لا، فلابد من ظهورها في عالم الأفعال نعم لا تنحصر النصرة بسوح القتال او مقدماته، بل تشمل الإمتثال في أداء العبادات والفرائض، واجتناب النواهي، فاداء الصلاة وكذا الزكاة نصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والنصرة في الفعل العبادي والجهادي الواحد متعددة، فاداء الصلاة مثلاً نصرة مركبة للنبي من وجوه:
الأول: انها عنوان عملي للتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: دعوة للآخرين لأدائها فالمسلم يكون قدوة لغيره في فعل الصالحات.
الثالث: الصلاة مناسبة لتلاوة القرآن، وعدم تضييع آياته وسوره.
الرابع: الصلاة عنوان طاعة الله في الأرض وخشوع وخضوع لمقام الربوبية، فنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعني طاعة الله.
الخامس: تعاهد الصلاة شاهد على الإستعداد للجهاد والتضحية في سبيل الله.
السادس: في الصلاة اخبار عن البذل في سبيل الله، لأن فيها جهداً وحبساً عن اعمال الدنيا اثناء ادائها وعند تهيئة مقدماتها.
السابع: الصلاة مصداق لصيغة الجمع الواردة في الآية الكريمة [وَلَتَنْصُرُنَّهُ] لأنها تدل على وحدة المسلمين وتفشي الأمن والأمان وصبغة الأخوة بينهم، قال تعالى [فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ]( ).
الثامن: تمنع الصلاة من الفرقة والخصومة والتشتت، ومن مقومات نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في زمان بعثته وفي كل زمان الإتحاد والتعاون وعدم التناحر بين المسلمين.
التاسع: تتعاهد الصلاة روح الإيمان وتمنع من النفاق والغي والشرك، وهذا التعاهد تثبيت عملي للإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعنوان لنصرته.
هذا فيما يخص الصلاة، وكذا العبادات الأخرى وما لها من الخصوصيات فالزكاة مثلاً نصرة مالية واعانة على الجهاد، وسبيل لتحلي فقراء المسلمين بالصبر وطرد الجزع عنهم، ومنع غلبة النفس الشهوية، وشاهد على استعداد المسلمين للتضحية والبذل وهو نصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته، الى جانب الموضوع الأهم في النصرة وهو الإعانة باليد والبذل والجهاد اذا استلزم الأمر.
بحث اعجازي في النحو
قوله تعالى [وَلَتَنْصُرُنَّهُ] يتكون من سبعة أفراد بحسب النحو واللغة وقانون تعدد الإعراب القرآني والمضمون وكل واحد منها له دلالاته:
الأول: حرف العطف (الواو) وهو شاهد بان المطلوب نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المقترنة بالإيمان، فلا يرضى الله للإنسان ان يكون على كفره او ديانته السابقة ويقوم بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، او يجاهد دفاعاً عنه وعن الإسلام ويقول اني أحارب مع عدم ايماني بالنبوة، فلابد اولاً من الإيمان باعتبار انه من مقومات النصرة كما انه واجب لظهور الآيات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه في دعوته، والعطف على الإيمان اشارة الى تآخي المسلمين في النصرة وصدورهم عن الإقرار بنبوته وامامته، وصحة ما جاء به من عند الله.
وكذا من يؤمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان الآية تحتم عليه عدم الوقوف عند الإيمان به بل تدعوه بحرف العطف (الواو) الى نصرته واعانته، والواو هنا دليل على الملازمة بين الإيمان ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم او نصرته، ووجوب عدم التفكيك بينهما.
الثاني: اللام: قيل واقعة في جواب قسم مقدر، والتقدير والله لتنصرنه، ولكن معنى الآية اعم ويتضمن الأمر الإلهي للناس بلزوم نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه بشارة حصول نصرته واخبار للأنبياء وأممهم عن تحقق البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووجود انصار واعوان له، ولن يتخلف عنها الا اهل الضلالة، فاذا جاء الخطاب مطلقاً للناس بفعل شيء، فلابد انهم يفعلونه، ومن يتخلف عنه لن يضر في اصل الأمر واستدامة اثره في الخارج، وروي عن الإمام علي عليه السلام انه قال: “لم يبعث الله له نبيا آدم فمن بعده الا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم ، لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه) ( ).
ويدل هذا الحديث على ان الأنبياء وأممهم يتوقعون بعثة وظهور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل زمان،وهم مستعدون لنصرته والإنضواء تحت لوائه سواء كانوا انبياء او رسلاً، او انصاراً واتباعاً للرسل.
وهو عنوان تفضيل اضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واخبار عن علم الأنبياء بتفضيله وعلو منزلته، فلا غرابة ان ينعم الله عز وجل عليه بالإسراء والمعراج في السماء عند بعثته والتقائه بالأنبياء والصلاة بهم جماعة ليكون فيه مصداقاً من مصاديق البشارة وتحققها.
الثالث: تنصرن، فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وفيه اخبار عن تكليف الناس في الحياة الدنيا بنصرة الأنبياء واعانتهم في تثبيت دعائم الدين، لأن تقيبد النصرة بصفة الرسالة شاهد على انها ليست نصرة في أمور الدنيا والمصالح الخاصة، بل نصرة النبي في رسالته ودعوته الى الله عز وجل، وتبين الآية وجهاً آخر من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء وهو ان الأمر بنصرته منبسط على أيام الدنيا وحياة الأنبياء واتباعهم.
وهذه الرتبة والفضل لم ينله أحد من الخلائق، وهو عنوان تشريف واكرام للنبي وللمسلمين الذي أتبعوه ويتبعونه.
الرابع: جاء الفعل بنون التوكيد المشددة للقطع بلزوم نصرته وانها امر واجب وليس مستحباً، أي ان معناها اللغوي أعم من أن تحيط به قواعد النحو فلذا ظهر الإختلاف بين النحويين في اعرابها هي ولتؤمنن مع اعتبار العطف بينهما.
الخامس: الفاعل بحسب الصناعة النحوية في تنصرن هو المخاطب وتقديره انتم، وتدل عليه واو الجماعة التي حذفت لإلتقاء الساكنين، وبقيت الضمة دليلاً عليها، ولكن الضمة تتضمن صيغة الأمر الإلهي الى الناس، وانهم لم ينصروا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء.
السادس: تضمن الآية أمره تعالى بالإيمان بنبوته واعانته ونصرته سواء على ان اللام تشبه لام التعليل بلحاظ ان الله عز وجل اخذ من الأنبياء الميثاق وآتاهم الكتاب والحكمة، وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم للإيمان والتصديق به ونصرته، او انها تشبه لام الصيرورة والعاقبة باعتبار ما يؤول اليه الأمر الإيمان بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته او انها للقسم، فمع أهمية جهة صدور ألأمر بل هو الأهم في الآية، الا ان صناعة الإعراب لم تذكرها، وقد تفيد لام القسم الإشارة اليها.
السابع: الهاء في (لتنصرنه) ضمير يعود للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين، فبعد اخذ الميثاق على الأنبياء واتيانهم الكتاب والحكمة، وعدم تقيد أكثر الناس بأحكامها وسننها، قال تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ] ليكون المراد هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير لبس او ظن بارادة غيره من الأنبياء.
وفي الآية اشارة الى الفترة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآخر الرسل من قبله وهو عيسى عليه السلام باعتبارها سبباً اضافياً لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمبادرة الى الجهاد لتثبيت كلمة التوحيد.
وما يتخذه الناس أزاء دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه:
الأول: التصديق بنبوته ونصرته باليد واللسان واطاعة اوامره.
الثاني: الوقوف عند الإيمان به والتصديق برسالته من غير القيام بنصرته.
الثالث: السكوت وعدم اعلان الإيمان برسالته او عدمه.
الرابع: نصرته من غير الإيمان برسالته.
الخامس: الصدود والإعراض عن النبوة.
السادس: الجحود بنبوته وانكار رسالته.
السابع: معاداته ومحاربته، وهذه المعاداة والمحاربة على مراتب متفاوتة منها:
الأولى: التعدي باللسان، والإفتراء.
الثانية: المحاربة ببذل المال، والإنفاق عداوة للإسلام والنبوة.
الثالثة: المحاربة بالسيف عداوة للإسلام.
الرابعة: محاولة رجوع بعض المسلمين عن دينهم.
الخامسة: الإحتجاج والجدل بالباطل، لإشغال المسلمين.
السادسة: محاولة اثارة الفتن بين المسلمين، بين المسلمين وغيرهم، وتحريض الآخرين على النبي محمد، وصدهم عن الرجوع اليه والإيمان برسالته ونصرته، والمراد من النصرة في الآية هو الوجه الأول ومنه بذل النفس ونيل الشهادة والقتل في سبيل الله.
ونصرة النبي هنا تحتمل أمرين:
الأول: الفعل (لتنصرن) فعل لازم.
الثاني: ارادة الفعل المتعدي في الأمر الإلهي للناس بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن الآيات اجتماع المعنيين في قوله تعالى [وَلَتَنْصُرُنَّهُ] من غير تعارض بينهما.
اما المعنى الأول فالمراد تأييد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمتثال لما يأمر به من الطاعات.
أما المعنى الثاني فهو الأعم وتتجلى فيه أبهى مضامين النصرة والمعونة منها:
الأول: نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على اعدائه.
الثاني: اظهار كلمة التوحيد والإيمان بنبوته.
الثالث: التصدي لأهل الغي والضلالة والعناد، باقامة الحجة والبرهان عليهم.
الرابع: الجهاد في سبيل الله لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته.

قوله تعالى [قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ]
الهمزة للإستفهام والتقرير، ومعناه حمل المخاطب على الإعتراف بما هو واقع فعلاً وهو عالم به، والقائل هو الله عز وجل فهو الذي سأل واستفهم على نحو التقرير من المخاطبين ومن مضامين الرحمة الإلهية ان جاء السؤال الإلهي بعد أخذ الميثاق من النبيين واتيانهم من الكتاب والحكمة وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأمر بالإيمان برسالته ونصرته على أعدائه.
وقوله تعالى [قَالَ] فيه وجوه:
الأول: القائل هو الله تعالى.
الثاني: كل نبي قال لأمته [أَأَقْرَرْتُمْ].
الثالث: الأنبياء قالوه لأممهم واتباعهم، ولكن الله عز وجل اضافه الى نفسه، في اشارة بان الأنبياء ما اكدوا على الميثاق والعهد الا بالوحي وامر منه تعالى.
الرابع: القائل هو الله عز وجل، والمراد من الخطاب هم الأنبياء، فبعد ان أخذ منهم الميثاق قال لهم من باب التوكيد [أَأَقْرَرْتُمْ] ليكون اعترافهم بالميثاق حجة على قومهم وامانة عندهم عليهم بتعاهده وحفظه واجتناب التفريط به.
الخامس: القائل هو الله مع تعدد جهة الخطاب في الآية، وشمولها للأنبياء واهل الكتاب والناس جميعاً.
والصحيح هو الأخير، وفيه تفضيل عظيم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأخذ الإقرار بالإيمان بنبوته ونصرته من الأنبياء واتباعهم والناس جميعاً، وتخلف شطر منهم باختيارهم الكفر والجحود، لا يضر بذات الإقرار وشمولهم به، وهذا لا يمنع من الوجوه الأخرى أعلاه ولا يتعارض معها، فكلها صحيحة، اذ ان الله عز وجل جعل الأنبياء وسائط مباركة بينه وبين الناس، فاذا اخذ النبي العهد والميثاق على الناس تصح اضافته الى الله، وكذا اذا قاموا بتثبيته وتوكيده.
لقد أراد الله عز وجل ان تكون نبوته حقيقة واقعة يقر بها الناس جميعاً فينتظرها ويتطلع اليها ويتشوق للإيمان بها الذي سبقت أيامه زمانها وهذا السبق لا يضره في عالم الأجر والثواب فما دام عازماً على التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند خروجه فان نيته واخلاصه واعلانه عزمه على الإيمان بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته ونصرته والجهاد تحت لوائه باب لنيل الأجر والثواب.
وهذا ايضاً تفضيل اضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحيث يكون موضوع رسالته سبباً لنيل الأمم التي سبقته الأجر والثواب بسبب الإيمان برسالته ونقل البشارات بها، وهذا الإيمان له منافع أخرى عند اتباع الأنبياء منها الصبر وتحمل الأذى بانتظار النبي الموعود.
ولماذا طلب الإقرار فيه وجوه:
الأول: من وجوه التصديق في قوله تعالى [مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ] البشارة بنبوته، وذكر صفات وأحوال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل.
الثاني: تعلق الأمر بحدث مستقبلي يقع في قادم الأيام والسنين، استلزم التوكيد لمنع الإفراط والتفريط.
الثالث: لموضوعية بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياة الناس وعباداتهم سواء الأمم السابقة أو اللاحقة.
الرابع: الإقرار بميثاق الأنبياء وشمول الناس به، فكما ان الأنبياء وسائط الوحي والتنزيل، فان الميثاق الذي أعطوه الله جاء عن الناس ايضاً بوجوب معرفة وعبادة الصانع.
الخامس: لقد اخذ الله الميثاق من الأنبياء، اما موضوع الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فشامل لأتباع الأنبياء خصوصاً وان بعثته تأتي على فترة من الرسل فلابد ان يقوم الناس بحفظ الميثاق وتعاهد الأحكام والبشارات التي جاء بها الأنبياء.
السادس: الإقرار للتوكيد، وهذا التوكيد له منافع منها:
الأولى: تثبيت البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: تقيد الناس بأحكام الشرائع.
الثالثة: حفظ وتوارث التنزيل.
الرابعة: الإقرار والإعتراف حجة على اهل الكتاب والناس، وهذه الحجة مركبة من قسمين:
الأول: في الحياة الدنيا سواء قبل البعثة او بعدها.
الثاني: في عالم الآخرة باعتبار ان الإقرار دليل دامغ واعتراف بالحق.
الخامسة: الإلتفات الى توارث علوم الكتاب وما فيه من البشارات، اذ ان الإقرار لا ينحصر بزمان دون آخر بل دائم ومتصل ويتغشى الأزمنة المتباينة.
السادسة: الإقرار عون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته، ومقدمة للإيمان به ونصرته، ومانع من الجحود بها.
قانون الإقرار
تعتبر بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أعظم النعم على الإنسان في دنياه وآخرته، فهي عنوان الصلاح والهداية، وباب للثواب ونيل المراتب العالية في الآخرة، ومسؤولية تعاهدها لا تنحصر بجماعة او أمة دون أخرى بل هي عامة وشاملة للناس جميعاً فلذا جاءت مصداقاً من مصاديق مواثيق الأنبياء، واحد مواضيع الكتب السابقة، وفرداً من أفراد الحكمة التي آتاها الله الأنبياء وتوارثها انصارهم واتباعهم، وهي من مضامين قانون الإقرار.
والإقرار هو الإعتراف، وقد جعله الله عنواناً للحجة على الناس وتثبيتاً للإيمان في نفوسهم، وبرزخاً دون النسيان والتفريط، فصحيح ان النسيان قد يطرأ على الإنسان قهراً.
ولكن الإقرار برزخ دون النسيان من وجوه:
الأول: الإقرار والإعتراف لغة في التوكيد والتشديد.
الثاني: فيه اخبار عن الإذعان بالحق، وان الإقرار بموضوع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء عن ايمان بالبشارات به، فلابد من استصحاب هذا الإيمان عند بعثته صلى الله عليه وآله وسلم فقد ينوي الإنسان فعل شيء ويطلبه بلهفة ولكنه حين يبدأ بالعمل ينعدم طلبه، ويتبدل رأيه، وكذا بالنسبة للإيمان بالبشارات، فهو يصدق بها وبما جاء به الأنبياء، ولكن عند بعثة النبي ومجيئه بالتكاليف والجهاد في سبيل الله لمواجهة الأعداء فانه قد يجحد بالنبوة ويعرض عنها باعتبار انه آمن بالبشارات بلحاظ كثرة عدد المؤمنين عند البعثة وعدم ملاقاة الشدائد، اما وان اكثر الناس كافرون بها، ومنهم من حاول استئصال الإسلام وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة في بداية الإسلام فان الإنسان قد يتراجع ولا يبقى على ايمانه او عزمه على دخول الإسلام لجزعه مما يحتمل مواجهته مع الإيمان.
فجاء الإقرار لدعوة اهل الإيمان الى الصبر والتحمل والبقاء على الإيمان ولزوم نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحصر النجاة والفوز الأخروي بها، كما ان البشارات تضمنت نصره وظهوره على اعدائه، وبه جاء القرآن والواقع العملي يطابقه، وقانون الإقرار أعم من ان ينحصر بموضوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد ورد في بني اسرائيل قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ] ( ).
فتضمنت الآية اخذ الميثاق من بني اسرائيل واقرارهم على أنفسهم بالتقيد بأحكام وسنن الشريعة، وعدم التعدي على الذات والغير.
والإقرار بنبوته رحمة اضافية بالناس، لما فيه من الحرص النوعي التقيد بموضوعها والإستعداد للعمل بأحكامها عند بعثته صلى الله عليه وآله وسلم، وانبساط موضوعها على ايام الحياة الدنيا يستلزم تعاهدها وحفظها لحاجة الناس لها بقسميها:
الأول: البشارة بنبوته قبل بعثته.
الثاني: التصديق به ونصرته بعد بعثته.
فجاء قانون الإقرار في فرد من أهم افراده وهو الإقرار بنبوته وتوكيد العزم على التصديق بها، وهل يشمل الإقرار الأمم اللاحقة لبعثته من القسم الثاني اعلاه ام انه خاص بالأول، الجواب هو الأول، فان الإقرار عام، ولكنه حين البعثة وبعدها يكون مقدمة وحجة للإيمان بنبوته وبعثته صلى الله عليه وآله وسلم.
وأيهما أكثر اهمية في الإقرار القسم الأول أم الثاني أعلاه الجواب هو الثاني، لأن الأول يتعاهد البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووظيفته منع انكارها او تحريف مضامينها او تبديل صفات ونعوت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاء بها الأنبياء السابقون.
ويبين قانون الإقرار اهلية الإنسان للعهد وقدرته على الضبط والإحتراز من نسيان الوعد وما فيه من المضامين، وفيه نكتة وهي من خصائص الخليفة في الأرض الأهلية للإقرار والقدرة على التقيد بمضامينه، وقانون الإقرار لا يتعلق الا بالحق والصدق والإعتراف به، ولا يسأل الله عز وجل الناس الإقرار الا في أمور ومصاديق الحق والتنزيل وما فيه نفع الإنسان في النشأتين.
ان قانون الإقرار لا يتعلق بعالم المفاهيم وحدها بل يشمل عالم المصاديق الخارجية، والإمتحان والإختيار يكون في الثاني أي عالم المصاديق، والوجود التصوري، والوجود الحقيقي، ولمنع التشابه والإشتباه في المصداق تأتي الآيات العقلية مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبراهين القطعية التي تؤكد انه الرسول الذي جعل الله عز وجل الإقرار به قانوناً عاماً، كما ان الإقرار نفسه يمنع من الإشتباه لأنه عبارة عن ترجمة وتفسير لحال الوثوق والتأكد من الميثاق ومضامينه، والإستعداد النوعي العام للإيمان به ونصرته وعدم الجحود بنبوته، وقانون الإقرار شاهد على تعاقب الحقائق الخارجية للمعارف الإلهية والإقرار بكلمة التوحيد، وتوارثها والإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإذعان لما يأتي به من عند الله.
ولم يأتِ الأمر بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية وأخذ الإعتراف من الناس بلزوم التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا بعد ان تلقى الناس التنزيل بواسطة الأنبياء واحاطوا بتأويله ولو على نحو الموجبة الجزئية، وأصبحوا على درجة من الحكمة واكتساب المعارف.
فجاء الإقرار عن ادراك ووعي وتسليم وشوق ليوم بعثته لما فيها من الصلاح، ولكن التحريف وغلبة النفس الشهوية والغضبية واستحواذ الطواغيت على السلطان احياناً، ووسوسة الشيطان أمور تجعل شطراً من الناس يغفلون عن الميثاق.
علم المناسبة
لم ترد مادة (قرر) الا ثلاث مرات في القرآن مرتين في هذه الآية بلفظ (أقررتم) و(اقررنا) ومرة في خطاب لبني اسرائيل [ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ]( ).
فهذا اللفظ ورد في هذه الآية مرتين من أصل ثلاثة في مجموع آيات القرآن، مع أهمية الإقرار والإعتراف في العبادات والمعاملات، الأمر الذي يؤكد ايلاء عناية خاصة لمضامين الإقرار في هذه الآية واستنباط الدروس والعبر واستخراج العلوم منه.
وفيه مسائل:
الأولى: قلة عدد المرات التي ذكر فيها لفظ (قرر) في القرآن.
الثانية: جاءت مضامين الإقرار بين الله عز وجل وبين خلقه، ولم ترد بين الناس في معاملاتهم او في القصص والوقائع المذكورة فيه.
الثالثة: في سورة البقرة جاء الإقرار بصيغة الإخبار عن الإعتراف الصادر من بني اسرائيل، اما هذه الآية فتضمنت سؤاله تعالى عن الإقرار مع أخذ الجواب بالإيجاب عليه.
الرابعة: جاء اللفظ في سورة البقرة خاصاً ببني اسرائيل، اما في هذه السورة فجاء اللفظ في الأنبياء واتباعهم والناس جميعاً.
الخامسة: في بني اسرائيل جاء اللفظ بصيغة الإعتراف والتذكير بارتكاب الذنب قال تعالى [َإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ]( ). اما هذه الآية فجاءت بالإعتراف بالميثاق والعهد الذي أعطاه الأنبياء والناس لله تعالى في حفظ كلمة التوحيد واقامة الشرائع، والإيمان ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
السادسة: ورد اللفظ في سورة البقرة في خصوص أزمنة ووقائع وأفعال، اما في هذه الآية فورد على نحو الإطلاق لأن الأصل هو ان يؤمن الناس جميعاً بالتوحيد ونبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السابعة: مع التقيد بأحكام الإقرار الواردة في هذه الآية لا تصل النوبة الى توجيه الذم واللوم على سوء الفعل، وقيام الأمة والجماعة بالإقرار على أنفسهم بالذنب.
الثامنة: الجمع بين الآيتين يدل على ان الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً.
ويمكن الجمع والتفكيك بين كل من:
الأول: الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: البشارة ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم وانتظار أيام اشراقتها على الأرض وأهلها.
الثالث: التصديق به صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته ونصرته والمساهمة في انتشار الإسلام.
وكل فرد من هذه الأفراد الثلاثة رحمة الهية للناس، ويكون عوناً للتقيد باحكامه وأحكام الفردين الآخرين.
والإقرار وحده حرز وواقية للفرد والجماعة، ومانع من التعدي من وجوه:
الأول: باعتباره من مصاديق الإقرار العام الذي أخذه الله على الناس.
الثاني: هو مادة وسبب للصلاح والإصلاح.
الثالث: الإقرار بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنوان للوحدة الإنسانية بصفة الإقرار بالحق المتعلق بموضوع عقائدي مخصوص، فكما ذكرت الآية النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسول، وهو موضوع وحكم جامع للناس ومادة لوحدتهم فكذا الإقرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه عنوان للوحدة بين الناس جميعاً بصفة الإيمان والنصرة للحق التي ينتفي عندها التمييز على أسباب وقواعد وضعية كالقومية والقبلية، بل تشملها عمومات قوله تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ( ).
وآيات القرآن الكريم وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصداق كريم على اعتبار التقوى، كما ان الإقرار بنبوته شاهد على أهلية المسلمين للتفضيل، لأن الإقرار لابد وان يترجل بمصداق خارجي في عالم الفعل، وهو الأمر الذي أنفرد به كل من:
الأول: الأنبياء لبشارتهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحث اتباعهم على تصديقه ونصرته.
الثاني: اتباع الأنبياء من الأمم الأخرى الذين تعاهدوا البشارات بنبوته من غير تحريف او تبديل.
الثالث: المسلمون الذين صدقوا بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأتبعوه ونصروه وحفظوا شريعته واحكامها والذين يتعاهدونها منهم الى يوم القيامة.
بحث اصولي
للواجب تقسيمات عديدة منها انه يقسم بلحاظ موضوع الطلب الى قسمين:
الأول: الواجب النفسي.
الثاني: الواجب الغيري،
والأول ما يطلب لذاته وليس من أجل شيء آخر كما في الصلاة، فانها مطلوبة بذاتها كفعل عبادي، اما الغيري فهو ما يؤمر به لأجل غيره ويمكن تقسيمه الى قسمين:
الأول: ما يكون مقدمة وواجباً لفعل واجب آخر كالوضوء بالنسبة للصلاة على القول بانه مستحب نفسي وواجب غيري.
الثاني: ما يكون مقدمة عقلية من غير ان يأتي الأمر بها كما في قطع المسافة لأداء الحج، فقد جاء الفرض باداء مناسك الحج في مكة المكرمة، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ).
أما قطع المسافة وركوب الراحلة او السيارة او الطائرة فليس واجباً، ولكن الواجب لا يتم الا به، وأشكل على هذا التقسيم بان الواجب النفسي في حقيقته لم يطلب بذاته بل يطلب من اجل غايات أخرى بحسب الملاك والمصلحة منها الصلاح والنفع الشخصي العام، والثواب والجزاء، والإمتثال لأمر الله تعالى، مع قصد القربة فيكون ضمن الواجب الغيري، ولكن المدار ليس على الغايات البعيدة بل يكفي وجود تباين جهتي بين أفراد المأمور به لتعذر القدرة على الغايات او الإحاطة بها، او معرفة الملاك والمصلحة خصوصاً وانها ليست افعالاً كما في الحديث “الصلاة معراج المؤمن” فالثواب والعروج امران ليس مقدوراً عليهما، ولكن الصلاة واجب نفسي بذاته.
والقسمان بلحاظ التشريع ومضامينه والملاكات والغايات لا تكون متعلقاً للتكليف بل يمكن النظر بحسب الموضوع والمضمون والتعدد الجهتي، فالواجب ذاته يكون نفسياً اذا نظرنا اليه بحسب مقدماته، وتوجه الخطاب لأدائه على نحو الخصوص فجاء الخطاب التكليفي لأداء الصلاة بالذات، اما الوضوع فانه واجب ولكن المراد منه أداء الصلاة بشرط الطهارة، اما الغايات والمصالح فان المكلف يجهلها او انه يعجز عن الإحاطة بكنهها او انها غائبة عن الوجود الذهني خصوصاً عند الأداء.
فاطلاق صفة النفسي على الواجب لا يتعارض مع وجود غايات للواجب، كما ان هذه الغايات والثواب أعظم من ان يدركها المكلف بذاتها وما يلحقها من المضاعفة والزيادة، وما يتبعها من الفيض الإلهي في الآخرة.
وهل الإقرار الوارد في هذه الآية مطلوب لذاته كواجب نفسي، ام انه واجب غيري والأمر به من اجل التوصل الى واجب غيري، فيه وجوه:
الأول: الإقرار واجب نفسي.
الثاني: انه واجب غيري.
الثالث: لو شككنا من أي القسمين هو فالأصل هو الوجوب النفسي، لأن الغيرية تحتاج الى مؤونة زائدة.
الرابع: الجمع بين الأمرين.
والصحيح هو الأخير، فالإقرار واجب نفسي وغيري في آن واحد، والتقسيم بينهما استقرائي ولا يمنع من الشركة بلحاظ تعدد معاني ومضامين اللفظ القرآني، فاراد الله عز وجل ان يأخذ من الناس الإقرار ويكون هذا الإقرار حجة بذاته كما انه فعل عبادي مطلوب من المكلفين بعد اقامة الحجة عليهم من اخذ ميثاق النبيين واتيان الكتاب والحكمة.

بحث بلاغي
الإستفهام من أقسام الإنشاء ويأتي لإرادة الفهم والبيان وطلب رد المخاطب وادواته عديدة أهمها الهمزة، ومنها هل، وما، ومن، وكم، وكيف.
ويقسم الإستفهام الى عدة أقسام على نحو الإستقراء، ومن أقسامه ان يأتي للتقرير وجعل المخاطب يعترف بالموضوع او الحكم او الحال الذي ثبت عنده، ويتضمن استفهام التقرير صيغة الإنكار، لذا فانه يشبه نفي النفي الذي هو اثبات كما في قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ]( ).
نعم قد يبتنى هذا الإستفهام على مقدمة غير تامة لغرض الإيهام كما في قول فرعون [أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي]( )، وكلامه باطل، لأن ملك السماوات والأرض لله عز وجل والإقرار الوارد في هذه الآية حجة لنقض وتكذيب استفهام فرعون، لما فيه من اقرار الناس بمضامين العبودية لله عز وجل، فالإقرار بالنبوة وتصديق البشارات التي جاءت بخصوص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجعل الإنسان منجذباً لله عز وجل، تغمره السكينة بالإنقطاع له سبحانه، لقد أراد الله عز وجل للناس باستفهام التقرير النجاة في النشأتين واجتناب الغرور والتكبر وادعاء الربوبية، وبعث الأنبياء ليكونوا قادة الأمم والأسوة في مسالك الإيمان.
بحث بلاغي
من وجوه البديع ان يؤتى بكلمات متتاليات معطوفات، يجتمع فيها تداخل المعنى مع جزالة اللفظ وجمال النظم، وأهلية كل جملة لأن تكون ذات معنى مستقل، فلم يضرها العطف، وفي القرآن اعجاز آخر لحسن النسق وهو ان العطف باب للبحث بالعلوم المستقرأة على ثلاث أقسام:
الأول: كل جملة على حدة.
الثاني: تداخل هذه الجمل فيما بينها.
الثالث: العطف والجمع بينها، واذ يتعلق حسن النسق في علم البديع بالجمل وعطف بعضها على بعض، فان القرآن جاء به في باب الكلمات، لتكون لكل كلمة دلالات خاصة، منها العطف بين الكتاب والحكم والنبوة، فكل نعمة منها مدرسة عقائدية واخلاقية تؤهل النبي لمقامات العبودية والثبات فيها، والإنجذاب الى عالم الغيب والبقاء في منازل القرب من كمال لطفه ورحمته وجوده سبحانه، ليكون النبي واسطة الفيض الإلهي على الناس بالآيات التي تتفرع عن نعمة الكتاب والحكم والنبوة، ترى لماذا اخرت الآية لفظ النبوة والأصل انه لا ينزل الكتاب الا على نبي فيه وجوه:
الأول: ذكر لفظ النبوة في القرآن خمس مرات، وكل مرة جاء ملازماً للفظ الكتاب، مع كثرة ورود لفظ الكتاب في القرآن.
الثاني: جاء لفظ النبوة ثلاث مرات متقدماً على الكتاب، وجاء لفظ الكتاب في آيتين متقدماً على لفظ النبوة.
الثالث: الآيتان اللتان ورد تقديم لفظ النبوة فيها جاءا بخصوص الذرية كما في ذرية نوح وابراهيم، قال تعالى[وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ]( )، والآية الأخرى وردت في ذرية ابراهيم( )، فجاء تقديم الكتاب عند الجمع بينهما بخصوص الأنبياء الا ان المراد من الذرية هنا الأنبياء ايضاً ولكن المعنى أعم في اشارة الى المؤمنين من ذراري الأنبياء.
الرابع: جاء تقديم الكتاب لتذكير الناس بان الذي يتعلمونه من الكتاب انما هو من الأنبياء، وعلموه من منازل النبوة أي انهم أكثر الناس تقيداً بأحكام الكتاب، فالناس يعلم بعضهم بعضاً الكتاب، اما النبي فان الله عز وجل هو الذي علمه الكتاب وأصلحه لتعليمه.

قوله تعالى [وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي]
لم يأت أخذ العهد الا بعد البيان والحجة من وجوه:
الأول: بعثة الأنبياء.
الثاني: اتيانهم الكتاب والحكمة والتنزيل.
الثالث: جعل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة في الوجود الذهني عند الناس، من وجوه:
الأول: بشارات الأنبياء برسالته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: مجيء الكتب السماوية بالإخبار عن بعثته.
الثالث: اخذ الله الميثاق على الأنبياء بتهيئة الناس للإيمان به ونصرته، لأن في بعثته تثبيتاً للدين.
الرابع: الإخبار الإلهي للناس بالإيمان به ونصرته، بدليل صيغة الخطاب (ثم جاءكم).
الخامس: الأمر المولوي باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: سؤال الإقرار من الناس “أأقررتم” وهو لا يأتي الا بعد ثبوت الحق عند من أقيم عليه.
السابع: قبول الناس العهد والميثاق، فان قال شخص اني ومذ بلغت وأدركت لم اعط اقراراً واعترافاً بوجوب نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والجواب من وجوه:
الأول: اقرار ميثاق الأنبياء حجة على الناس، لأنهم يعطون الميثاق عنهم من الناس باعتبارهم ائمة وقادة الناس.
الثاني: قيام الأنبياء بالتبليغ بوجوب الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: مجيء الآيات والمعجزات الدالة على صدق نبوته.
الرابع: وجود القرآن الذي يخبر عن الإقرار واعطاء العهد من الناس على نحو العموم الإستغراقي.
الخامس: مخاطبة الآيات السماوية للنفوس والعقول.
السادس: من الآيات يوم القيامة حصول الشهادة من جوارح وحواس كل انسان بما يدل على التصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم وانه لابد وان بلغته رسالته وادرك اعجاز القرآن، كما ان التصديق بالأنبياء السابقين واتباعهم هو تصديق واقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالواسطة، باعتبار ان كل الأنبياء بشروا برسالته.
وهذا الشطر من الآية اعجاز مستقل من وجوه:
الأول: عطفه على الإقرار.
الثاني: مضمونه ودلالاته.
الثالث: مفهومه ومقاصده.
كما ان الإقرار واجب غيري لأنه عهد ووعد بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته عند بعثته، وهو مقدمة للإمتثال لأوامر الله سواء في مضامين الإقرار ذاته، أو ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الواجبات والطاعات، وهذا من الآيات الإعجازية في التكاليف والأوامر الإلهية ان تأتي جامعة مانعة، جامعة لوجوه الحسن سواء في الأداء او الثواب، ومانعة من التخلف عن الوظائف العبادية.
وأخذ العهد والميثاق معطوف في الآية على الإقرار، وهذا العطف يفيد المغايرة والتعدد وفيه وجوه:
الأول: اللطف الإلهي في التوكيد على الناس بموضوع الميثاق ولزوم التقيد بأحكامه.
الثاني: دعوة الناس الى الإلتفات لوظائفهم العقائدية.
الثالث: التعدد هنا لبيان أهمية وضرورة التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: التعدد في الإقرار وأخذ العهد يدل على موضوعية البعثة النبوية الشريفة في حياة الناس.
الخامس: في الآية اشارة الى قبول الناس بامره تعالى بوجوب الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واعانته ونصرته، وهو الظاهر من لفظ الأخذ في المقام الذي يفيد القبول، ويحتمل أمرين:
الأول: القبول الطوعي.
الثاني: القبول القهري.
والأصح هو الأول من وجوه:
الأول: وجوب الإمتثال لأمره تعالى.
الثاني: قبول العهد والميثاق فيه نفع للناس أنفسهم وهذا النفع مركب وعلى شعب منها:
الأولى: اجتناب الخصومة والإختلاف العقائدي بين الناس.
الثانية: الإمتناع عن الإفتراء على الأنبياء.
الثالثة: اخذ العهد عنوان للصلاح والفلاح.
الرابعة: التحاق الناس بالنبيين في حال التقيد بأحكام الميثاق والإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكونوا ورثتهم وحملة علومهم.
الثالث: القبول الطوعي مناسبة لترتب الثواب وحسن الجزاء.
الرابع: هذا القبول وأخذ العهد والميثاق تشريف واكرام للإنسان، فلذا يبادر الى قبوله واخذه طواعية.
الخامس: لا يكره الله عز وجل العبيد على أمر، كي لا تكون لهم الحجة، بل يرون بانفسهم الآيات والبراهين ويدركون لزوم الإيمان بالنبوة ونصرتها.
السادس: لا تصل النوبة الى اكراه الإنسان على الميثاق وقبول العهد، لأنه يدرك حاجته للإيمان بالنبوة ونصرتها لما فيها من اقامة العدل، وضبط المعاشات ومنع الفتن والإفتتان بين الناس، اما الجحود فيأتي لاحقاً ممن تغلب عليه النفس الشهوية والغضبية وحب الدنيا.
السابع: تمنع الآية من الإعتذار يوم القيامة، ومن أسباب امتناع الإعتذار اخذ العهد عن رضا وقبول.
الثامن: الإختيار في قبول العهد عون للإنسان على التقيد بما فيه، فمتى ما كان الإنسان مختاراً في أداء الفعل فانه يبذل الوسع في العمل بمضامينه.
التاسع: قبول الميثاق عن رضا يدل على قدرة الإنسان على الفعل او الترك، وهو عنوان تشريف اضافي للإنسان، وباب لنيل درجات الأجر والثواب.
ولو قال سبحانه (أأقررتم) لكفى في الحجة على الناس، لأن الإقرار شهادة بالحق وتعهد بالتقيد باحكامه، ومع هذا جاء مع الإقرار اخذ العهد ووجوب حفظ الميثاق، وفيه وجوه:
الأول: التعدد في الإقرار وأخذ العهد من عمومات اللطف الإلهي على العباد.
الثاني: انه عون للناس على أداء الوظائف العقائدية.
الثالث: يتعلق الإقرار بالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم،
اما أخذ الإصر فيخص نصرته واعانته.
الرابع: اخذ العهد متعقب للإقرار وهو نوع توكيد له كالميثاق واليمين الذي يحلفه الإنسان على الوعد والعهد.
الخامس: موضوع الإقرار هو بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه لما معهم، اما اخذ العهد فيتعلق بالإيمان به ونصرته، ولا تعارض بين هذه الوجوه، وهي من عمومات الآية، وفي التعدد بيان لفضله تعالى على الناس في ابرام وتوثيق الإقرار للمنع من التفريط به وهو لغة في التخويف والتحذير الى جانب ما فيه من المنافع العظيمة على ذات الإنسان في النشأتين.
وبلحاظ المقارنة بين ميثاق الأنبياء وعهد الناس، جاءت الآية بأمور:
الأول: ان الله عز وجل هو الذي اخذ من الأنبياء الميثاق، بينما الناس هم الذين أخذوا الأصر والعهد.
الثاني: جاء ميثاق الأنبياء مطلقاً، أما الإصر فجاء مقيداً بخصوص الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق برسالته ونصرته، وهذا المائز بين المطلق والمقيد فيه تخفيف عن الناس، واعانة لهم على قبول العهد.
الثالث: لقد أعطى الأنبياء الميثاق لأنهم بلغوا ارقى درجات العلم والكمالات الإنسانية، وأيقنوا بوجوب الإقرار بالعبودية للصانع ورأوا الآيات، اما الناس فان التكليف شديد عليهم، لتزاحم أسباب الخير والشر عندهم، فلذا جاء وصفه بانه إصر، ومن التخفيف ان جاء بخصوص نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان النبي جاء بالآيات وتصديق ما في ايديهم، لتكون الآيات عوناً لهم على تعاهد العهد والميثاق.
الرابع: جاء ذكر ميثاق الأنبياء من غير مقدمات أي ان الآية ابتدأت باخذ الله الميثاق منهم، ولكنه لا يعني عدم وجود مقدمات واسباب لأخذه، فصفة النبوة تعني ان الله عز وجل قد أعانهم وارشدهم وهداهم للميثاق، لما في النبوة من الأسرار والإصلاح الذاتي الذي تقترن معه انطباقاً وقهراً مضامين الإيمان واليقين.
الخامس: لقد علم الله عز وجل ما في نصرة النبي من الجهد وما تستلزمه من العناء ومحاربة الكفار والجاحدين فجاء التوكيد عليها.
السادس: للأنبياء صفحات مشرقة في الجهاد في سبيل الله وبذل النفس والمال والتضحية لتثبيت كلمة والتوحيد واعانة الناس على الهداية.
السابع: اخذ الميثاق من الأنبياء يعني اخذه من اصحابهم واتباعهم وأممهم، اما اخذ الناس للعهد، فجاء على نحو القضية الإنحلالية، فكل انسان يأخذ العهد ويؤمر بالتمسك به، وهذه الصيغة أتم للحجة وانفع للعباد.
الثامن: في الآية توكيد لنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانه رسول من عند الله، واعانة له في رسالته، وتفضله تعالى بجعل الناس يتعهدون بالإيمان برسالته ونصرته، فما نراه من قوة الإسلام انما هو بفضل الله، وكذا ما انعم به على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأصحاب والأنصار والأتباع.
التاسع: الآية شاهد بان المسلمين لم يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا بعد أن أخذوا العهد والميثاق على الإيمان به ونصرته، فالآية تبين بالدلالة التضمنية فضل الله على المسلمين بحسن اختيارهم.
العاشر: في الآية حجة على الكافرين والجاحدين، من وجهين:
الأول: مخالفتهم لما قبلوه من العهد والميثاق بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: رؤيتهم للمسلمين وقد تقيدوا بأحكام العهد، ووفوا بما أقروا به وقبلوه من العهد.
الحادي عشر: الميثاق أشد وثوقاً في العهد والإلزام من الإقرار فلذا أخذه الله من الأنبياء، لما آتاهم من الوحي والكتاب، ولأنه جامع لهم ولأممهم، اما الناس فقد خفف الله عنهم وأخذ منهم الإقرار، وهذا لا يعني ان الإقرار فيه تسامح فهو نوع من أنواع العهد.
الثاني عشر: اكتفى الله عز وجل من الأنبياء بالميثاق، اما غيرهم من الناس فجاء العهد على وجوه:
الأول: ما يترشح عليهم من ميثاق النبيين باعتبار انه سور جامع شامل لأممهم.
الثاني: تفضله تعالى ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالآيات وتصديق ما معهم.
الثالث: سؤاله لهم تعالى عن اقرارهم، ولم يأتِ الإعتراف بالحق الا بعد البينة الشاملة لجميع الناس على مختلف مشاربهم.
الرابع: اقتران الإقرار بقبولهم العهد بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: تفضله تعالى بقبول اقرارهم، وهم يعلم ان فريقاً منهم لا يتقيدون بمضامين هذا الإقرار.
السادس: اخذ الله الميثاق من الأنبياء وهذا الأمر يعني انهم يجب ان يعطوه، ولا يحق لأحدهم ان يتردد او يتأخر في اعطائه بعد ان اصلحه الله للنبوة وشرائطها ومنها الميثاق.
وجاءت الكاف في (ذلكم) لبيان بعد المشار اليه من المخاطب- بفتح الطاء- واضيفت لها اللام لمنع اللبس واحتمال الإضافة، فلم تقل الآية “واخذتم على ذا” ولم تضف لها (ها) التنبيه فتقول (هذا اصري) بل جاءت بما يفيد البعد، وفيه مسائل:
الأولى: بيان طول المدة والفترة، وفيه وجوه:
الأول: اخذ العهد في عالم الذر.
الثاني: اعطاء العهد من قبل الناس قبل البعثة النبوية.
الثالث: اعطاء العهد مع تعدد احقاب الزمان بين بعثته صلى الله عليه وآله وسلم وبين الأجيال المتعاقبة.
والصحيح هو الثالث لأن الآية بصيغة الإخبار عن مجيء الرسول بصيغة الإطلاق والفعل الماضي “ثم جاءكم”، وهذه الصيغة لا تعني انحصار العهد بالزمن الماضي، لبقاء رسالته قائمة في الدعوة الى الله.
الثانية: في الآية بيان لإبتعاد الناس عن الرسالة وما فيها من المنافع، صحيح ان هذا الإبتعاد ليس استغراقياً للناس جميعاً، ولا على نحو السالبة الكلية.
الثالثة: يأتي البعد للتفخيم والتعظيم في اشارة بان الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته عنوان للرفعة والإرتقاء والثواب العظيم فلذا جاءت الإشارة اليه بمضامين البعد.
الرابعة: الآية دعوة لعدم نسيان العهد والميثاق.
الخامسة: وطأة التكليف بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من الجهد والعناء وما تستلزمه من الصبر والتحمل.
السادسة: في الآية لطف منه تعالى بتذكير الذي يغلب عليه النسيان، وحثه على الرجوع الى العهد والإصر.
وجاءت الآية بصيغة الجمع (واخذتم) وفيه وجوه:
الأول: لغة العموم والجمع.
الثاني: عدم تخلف فريق من الناس عن العهد والإصر.
الثالث: قيام الناس بتلقي وقبول العهد فضل ورحمة الهية لهم، لأن التقيد النوعي العام يسهل على الأفراد الإنقياد لأحكام ومضامين العهد.

قوله تعالى [قَالُوا أَقْرَرْنَا]
جاء الجواب عاماً من الناس كافة من غير تردد او شك او سؤال عن تفاصيل الإصر، وهو حجة اضافية على الناس، لما فيها من الفهم والإدراك وحصول المعرفة بمضامين الإصر، وعدم الممانعة في قبوله.
لقد تضمنت الآية اقرار كل انسان على نفسه بالإعتراف بالتبليغ الإلهي له بوجوب الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته في دعوته.
ومع ان قوله تعالى تضمن أمرين وهما:
الأول: اقرار الناس بلزوم نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: انعقاد العهد مع الله بوجوب نصرة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الا ان الجواب جاء بخصوص الأمر الأول وهو الإقرار وفيه وجوه:
الأول: ارادة الشمول للأمرين اعلاه بالإقرار، فحينما يأتي الجواب بالإيجاب على الأمرين معاً فانه شاهد على جمعهما بالإقرار، والتقدير: “اقررنا بلزوم الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته واقررنا بانا قبلنا العهد الإلهي بذلك”.
الثاني: التقدير نعم اقررنا، واعترفنا بأنا اخذنا العهد على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
الثالث: اخذهم للإصر والعهد عنوان للقبول، وهو فرع الإقرار.
الثالث: المدار على الإقرار، اما الإصر فهو جزء من الميثاق الذي أخذه الله على النبيين.
الرابع: جاء اخذهم للإصر بعنوان التذكير، والمدار على اقرارهم بوجوب نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ودعوته الى الله عز وجل.
الخامس: اخذ العهد على الإقرار ومضامينه باعتبار انه توكيد للإعتراف بالحق.
السادس: الإعتراف بتلقي الأمر الإلهي بلزوم الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، واخذ العهد عليه.
السابع: في الآية تفصيل، وهو على شعب:
الأولى: الإقرار بميثاق النبيين، واخذ العهد على الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
الثانية: التسليم بان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء مصدقاً لما معهم، والشهادة بان الله عز وجل اخذ عليهم العهد بالإيمان به ونصرته.
الثالثة: اتحاد موضوع الإقرار واخذ العهد، وهو الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
الرابعة: تعدد مواضيع الإقرار ومواضيع اخذهم للعهد فيشمل الإقرار:
اولاً: الإقرار بالنبوة.
ثانياً: الإعتراف بميثاق الأنبياء.
ثالثاً: لزوم التقيد باحكام ميثاق الأنبياء.
رابعاً: الإعتراف بان الله عز وجل تفضل عليهم بالكتاب والحكمة للإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
خامساً: اقرار الناس كافة بان الأنبياء اخذوا عليهم الميثاق.
سادساً: التسليم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
سابعاً: ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء مصدقاً لما معهم من الكتب واخبار النبوة.
ثامناً: الإعتراف بلزوم الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن الآية الكريمة جاءت بصيغة”لتؤمنن به” وهو أمر من عنده تعالى، وجاء الإقرار بتلقي الأمر الإلهي، واخذ العهد لتوكيده والتعهد بعدم انكاره او تركه.
تاسعاً: الإقرار بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ العهد عليها.
عاشراً: الإعتراف باخذهم الإصر والعهد على الإقرار.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وما ورد في الوجه السابع وهو الأخير بشعبه المتعددة، هو الأعم والأظهر، وفيه بيان لموضوعية الإقرار وتعدد أفراده ومضامينه، وأخذهم الإصر والعهد على نحو الإختيار يدل على حال اليقين عند الإقرار، والإمضاء لمضامينه، وجاء اطلاق الإقرار ليكون توكيداً لذات الإقرار.
ترى من هم الذين قالوا “اقررنا” الجواب فيه وجوه:
الأول: الأنبياء السابقون لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: أمم الأنبياء السابقين، كاليهود والنصارى.
الثالث: الناس أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: اهل الكتاب ايام نزول القرآن.
الخامس: الناس جميعاً بتقدير: ثم اذا جاءكم، فيشمل:
اولاً: الأمم السابقة من وجوه:
الأول: تكون مستعدة ومتهيئة للإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: هذا التهيء مقدمة للتصديق به واتباعه من قبل الأجيال اللاحقة ان لم يخرج في زمانهم.
الثالث: توارث الإقرار بمواثيق الأنبياء ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من التصديق بأنبياء السابقين، وتوصية الناس بعضهم بعضاً بلزوم التصديق به ونصرته واعانته.
الرابع: لقد أخذ الأنبياء على الناس الميثاق بالإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته وبذا يكون هذا الإيمان ميثاقاًً وعهداً اخذه الأنبياء على الناس، ليبقى عند الله عز وجل وهو جزء من اسرار النبوة وبعثة الأنبياء، وفيه اشارة الى ملازمة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للوجود الإنساني على الأرض بالبشارة به والإستعداد لنصرته الى حين خروجه فتنتقل وظيفة الناس الى الإيمان به ونصرته في دعوته ونبوته لذا روي بان الميثاق مختص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: تقدير الآية “واذ اخذ الله ميثاق النبيين” أي ميثاقهم على قومهم وأممهم واتباعهم، فالله عز وجل هو ولي الميثاق فبعد ان اخذ الأنبياء الميثاق على الناس، قبله الله عز وجل منهم ومن الناس بلزوم الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المروي عن الإمام علي عليه السلام وابن عباس.
السادس: الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جزء من وظائف الناس في الحياة الدنيا كل بحسبه أي سواء بتلقي البشارة والإقرار بها او تصديقه ونصرته عند بعثته.
ثانياً: أهل الزمان الذي بعث فيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه تخفيف عنهم يتناسب وأهميتهم في وجوب النصرة، وبينهم وبين الذين سبقوهم في المقام عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء تلقي خطاب التكليف بالإيمان والنصرة، ومادة الإفتراق قيام الأمم السابقة بحفظ وتعاهد البشارة، اما المعاصرون لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيجب عليهم الإيمان به ونصرته.
ثالثاً: الأجيال اللاحقة بعد البعثة النبوية الى يوم القيامة ولزوم الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، اذ ان نصرته لا تنحصر بأيام حياته بل هي باقية متصلة.
وللإيمان بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم قبل بعثته ولو بآلاف السنين منافع عديدة منها:
الأول: اتحاد الوظائف الإنسانية في باب الإيمان.
الثاني: وحدة سنخية النبوة والتصديق بالأنبياء.
الثالث: تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء باستغراق نبوته وشمولها للأجيال المتعاقبة.
الرابع: موضوعية وأهمية نبوته صلى الله عليه وآله وسلم في حياة الناس وصلاحهم وهو على قسمين:
الأول: ما قبل نبوته بتطلع الناس الى نبوته وما فيها من اسباب الهداية والصلاح.
الثاني: حاجة الناس الى الإيمان به ونصرته عند بعثته، ولزوم انتصاره وظهوره على الدين كله، الأمر الذي يستلزم اتباع الناس له،
ومن خصائص هذا الإتباع تنقية عالم الأفعال مما هو قبيح ومذموم.
الخامس: الأصل هو الإخبار عن نبوته صلى الله عليه وآله وسلم منذ ابينا آدم، وان نبوته سابقة لخلق آدم، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “كنت نبياً وآدم بين الماء والطين”( ).
بحث كلامي
ومن صفات الله تعالى الثبوتية انه عالم، وعلمه مطلق فهو عالم بكل شيء ويعلم الحوادث والجزئيات قبل حدوثها بعلمه الأزلي، والأشياء جميعها حاضرة عنده، وتخلفها ممتنع بالذات، وهي مستبينة له،ومن صفاته تعالى انه فاعل مختار، ومن خصائص الإختيار العلم، وتغير المعلومات والوقائع تغير في الإضافات وهي أمور اعتبارية لا اثر لها بالعلم الذاتي.
ومن علمه تعالى ان خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وأهلية الإنسان لهذه الخلافة، لذا كان سؤال الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
فسألوا عما يفعله الإنسان وليس في أصل الخلافة، ولكنهم نظروا الى الجانب السلبي من فعل الإنسان، فأراد الله عز وجل بيان الجانب المشرق للإنسان في الأرض، وانه يبدأ مع آدم عليه السلام وأخذ الميثاق منه، وهذا الميثاق يتضمن الصلاح والعهد وتوارث النبوة والإيمان بها.
ومن علمه تعالى ان توارث مواثيق الأنبياء يؤدي الى وجود أمة تؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ينتصر على أعدائه فأراد الله دعوة الناس ليكونوا الى جانب المنصور والحامل لراية الحق، وهذا النصر لا ينحصر بأيام الدنيا بل يشمل الآخرة ولكن بصيغة الثواب والجزاء الحسن، بتقريب ان دخول الجنة شاهد على قهر الشيطان والنفس الشهوية، ودخول النار عنوان للخسارة والله تعالى فاعل مختار، وكل فاعل مختار عالم.
وعلمه تعالى مطلق لا تستعصي عليه مسألة، ومن علمه تعالى ما في التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من النفع العظيم واستدامة الحياة الإنسانية على الأرض وفق مضامين الخلافة ومفاهيم الصلاح، ومن علمه تعالى ان تكون هذه الآية مدداً الهياً لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان الله عز وجل نصره قبل ان ينصره الناس واراد للناس النجاة والفوز باعانته ونصرته.
وهل يشمل الإقرار الأنبياء، فيه وجهان:
الوجه الأول: انهم خارجون بالتخصص من موضوع الإقرار وهذا الخروج من وجوه:
الأول: اعطاؤهم الميثاق لله تعالى، فتفضله تعالى بأخذ الميثاق يدل على قيامهم باعطائه والتعهد بمضامينه.
الثاني: كفاية اخذ الميثاق منهم فلا تصل النوبة للإقرار.
الثالث: النبوة ايمان محض، وهي لا تحتاج الى الإقرار لذا شرف الله الأنبياء باخذ الميثاق.
الرابع: ان الله عز وجل يعلم بان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأتي على فترة من الرسل وخاتمة للنبوات، فلذا لم يسألهم الإقرار.
الخامس: موضوع الإقرار خاص بغير الأنبياء وقد ورد مرتين في القرآن، مرة في بني اسرائيل[ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ] والثانية في هذه الآية.
السادس: نظم الآية، اذ جاء ذكر ميثاق النبيين بصيغة الخبر، اما الإقرار فجاء بلغة الخطاب مما يدل على ارادة الناس.
السابع: كما أكرم الله الأنبياء بالوحي والتنزيل فانه اكرمهم هنا بان ذكر عهدهم بصفة الميثاق، اما الناس فجاء ذكر عهدهم بصفتين وهما الإقرار والإصر، في توكيد وتغليظ ووعيد من النكوص وعدم الوفاء بالعهد.
الثامن: كفاية الميثاق بالنسبة للأنبياء، ويكون الإقرار تحصيل لما هو حاصل.
أما الأول وهو اعطاؤهم الميثاق فانه لا يتعارض مع اشتراكهم مع الناس بالإقرار، لذا جاء قبل آيتين قوله تعالى [مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ] بصفة النبوة مما يدل على اعطائهم الميثاق، باعتبار كونهم افراداً من البشر شاركوا في الإقرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
اما الثاني فان الميثاق أعم، والإقرار خاص برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكأنه من عطف الخاص على العام بالإضافة الى صيغ التوكيد.
اما الثالث فان الإقرار بالنسبة للمؤمن مدح وتشريف له، خصوصاً وانه أهل للوفاء بمضامين الإقرار.
اما الرابع فان التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تنحصر بايام بعثته وما بعدها، بل تشمل افراد الزمان الطولية مذ خلق الله آدم عليه السلام.
اما الخامس فلا دليل على الحصر بغير الأنبياء، ولو تردد الأمر بين الإطلاق والتقييد فالأصل الإطلاق، ويشمل الإطلاق هنا الأنبياء والناس جميعاً.
اما السادس فان نظم الآية متعدد الوجوه في تفسيره وتأويله، ولا يدل على خروج الأنبياء من الإقرار.
أما السابع فان ذكر الإقرار تشريف ايضاً للناس ودعوة للصلاح، ولا مانع من شمول الأنبياء به.
أما الثامن فان الإقرار وجمعه او تعقبه للميثاق ليس تحصيلاً لما هو حاصل بل للتوكيد وتعدد مضامين الميثاق.
الوجه الثاني: شمول الأنبياء بقوله تعالى [قَالُوا أَقْرَرْنَا] من جهات:
الأولى: الأنبياء قدوة وأسوة للناس وهم أئمة الهدى.
الثانية: أراد الله عز وجل تأديب الناس، وتعليمهم اتباع الأنبياء في أمور الدين والدنيا، فيأتي اقرار الأنبياء ليكون الإقرار طريقاً معبداً للناس.
الثالثة: في اقرار الأنبياء جهاد وسعي مبارك.
الرابعة: اقرارهم شهادة على أهليتهم للنبوة، وتحمل أعباء الإمامة.
الخامسة: ليرى الملائكة والخلائق صلاح واصلاح الإنسان للخلافة في الأرض، ووجود أمة من الناس تفي بالإقرار وتعمل بمضامينه.
السادسة: ذكر النبيين في الآية وتداخل مضامينها، وكأن الميثاق مع أهميته مقدمة للإقرار.
السابعة: اقرار الأنبياء حجة على الناس في اقرارهم ومانع من التردد في الإقرار او نسيانه او الجحود بمضامينه.
الثامنة: ليعلم الناس ان الأنبياء مع عظيم منزلتهم عند الله فانهم اقروا بلزوم الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه.
التاسعة: اقرار الأنبياء دعوة لأممهم للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار انهم مأمورون باتباع انبيائهم، فلا يأتي فريق ويقول ان نبينا لم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس علينا الا اتباع انبيائنا، فجاء الإقرار عاماً من الأنبياء ومن الناس ليس للحجة فقط، بل لإعانتهم على الإيمان والتصديق بخاتم النبيين.
العاشرة: النصرة امر ليس بالهين موضوعاً وحكماً، خصوصاً عند وجود العدوالظالم واستحواذ الكفر على النفوس، لذا جاء اقرار الأنبياء لحث الناس على الإقرار والوفاء به في الواقع العملي.
الحادية عشرة: اقرار الأنبياء بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم حرز وشاهد على تحقيق الإستجابة والتقيد بأحكام الإقرار للقطع بان الأنبياء لابد وان يعملوا بمضامين الإقرار.
الثانية عشرة: من أعظم النعم الإلهية في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقرار الأنبياء بوجوب تصديقه ونصرته، اذ جعل الله ذكر النبي وأوصافه وانتظار ايامه وبعثته موضوعاً ومتوارثاً بين المليين.
الثالثة عشرة: اعتراف الأنبياء بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووجوب نصرته دليل على اقرارهم بأفضليته عليهم وان شريعته هي الباقية الى يوم القيامة، وكما قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم “أدبني ربي فأحسن تأديبي” فان الله عز وجل أدب الأنبياء وجعلهم
قادة الأمم في منازل الإيمان والصلاح.
الرابعة عشرة: اتصال الإقرار ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم سبب لعدم طرو النسيان على أكثر الناس لموضوعها واحكامها.
الخامسة عشرة: هذا الإتصال تحدِ عظيم للملوك والطواغيت لأنهم عاجزون عن التصور بصفاته، وادعاء الإمامة، وأنى لهم هذا فان الرسول محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو البشارة المطلقة التي تتغشى الأزمنة كلها فلابد ان الله عز وجل قد جعل التشبه به أمراً ممتنعاً للآيات التي يأتي بها والتي اشارت البشارات لها.
وهل جاء الإقرار مجرداً ام انه تم بعد معرفة الناس بعلامات النبي، الجواب هو الأخير من وجوه:
الأول: ان الله عز وجل أخذ الميثاق من الأنبياء، وصلة السماء معهم بواسطة الملائكة والوحي مما يعني ان علامات النبي مستبينة عند الأنبياء ومن غير تحريف او تبديل.
الثاني: ميثاق الأنبياء أخذه الله عز وجل عنهم وعن أممهم.
الثالث: من علامات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه مصدق لما معهم من الكتب السماوية والبشارات، ومن خصائص البشارة ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يأتي بالمعجزة العقلية الخالدة وهو القرآن ليكون حجة دائمة والى يوم القيامة.
الرابع: لا يأتي الإقرار على أمر مجمل بل لابد ان يكون على أمر مبين لا يقبل التعدد والترديد، لذا لابد وان الناس احيطوا علماً بصفاته صلى الله عليه وآله وسلم قبل اخذ اقرارهم.
الخامس: من صفات الله تعالى انه عالم وقد تقدم في البحث الكلامي، وعلمه شامل للموجود والمعدوم، والكلي والجزئي، وهو تعالى يعلم ان الناس على درجات متباينة في المعرفة.
فجاء البيان يدفع ويرفع اللبس عن الجميع ليكون الإقرار الشخصي والنوعي حجة على كل واحد منهم.
السادس: يتضمن الإقرار الإعتراف بثبوت الشيء على النفس واعلان لزوم التقيد بموضوعاته وأحكامه، ويدل بالدلالة الإلتزامية على ثبوت صفات النبي في اذهان الناس سواء بواسطة الكتب المنزلة او الإخبار الصحيحة او قصص الأنبياء.
السابع: الإقرار تخفيف وعون للناس، فلا يتضمن التخفيف اجمالاً فيه تشديد عليهم، فلابد ان يأتي الإقرار على موضوع خالِ من اللبس.
وهذا الإقرار رحمة اضافية منه تعالى على:
الأول: الأنبياء: فالإقرار بالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته وان جاء من الناس كافة الا انه فضل الهي على الأنبياء من وجوه:
الأول: انه عون وسلاح لهم في جهادهم.
الثاني: الإقرار مقدمة ذاتية عند الناس لقبول ما يأتي به الأنبياء.
الثالث: الإعتراف بنصرة النبي واقية للأنبياء جميعاً لما فيه من التأييد لموضوع النبوة مطلقاً، فالتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهد على وجود انبياء يتلقون الوحي من عند الله.
الرابع: الإقرار مناسبة لجذب الناس الى دروب الهدى والإيمان.
الثاني: الإقرار رحمة لأهل الكتاب قبل البعثة من وجوه:
الأول: فيه اخبار عن صحة اختيارهم باتباع الأنبياء.
الثاني: الإعتراف حرز من اهل الجحود والكفر، ومنع من التعدي على المؤمنين.
الثالث: الإقرار عون على التمسك بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته.
الرابع: الإقرار برزخ دون العناد والإستكبار حين البعثة.
الخامس: انه مناسبة ووسيلة لحفظ وتوثيق صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: التقيد بمضامين الإقرار سبب لنيل الثواب في الآخرة.
الثالث: الإقرار رحمة بالناس كافة، من وجوه:
الأول: الإقرار دافع ذاتي نحو الإيمان والهدى.
الثاني: انه مانع من التجاوز في درجات الجحود والكفر، وواعز نفسي يطارد من يختار الكفر ليكون من مصاديق النفس اللوامة.
الثالث: الإقرار باب للتوبة والندم لأنه حجة على الإنسان من ذاته ومن غيره، من ذاته لأنه اعطى الإقرار بالإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، واما من غيره فلإختيار شطر من الناس الإيمان بنبوته، فهم أسوة له وحجة عليه.
الرابع: الإقرار توكيد للإمتثال لأمره تعالى بقوله [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ] وهذا التوكيد دعوة متجددة ودائمة للناس للرجوع الى العمل بمضامينه، فقد لا يفي الإنسان بالوعد الذي يقوله لغيره، ولكن اذا جاء الوعد مؤكداً باليمين والإقرار فانه يحرص على الوفاء به واجتناب التفريط بمضامينه.
الخامس: بعثته صلى الله عليه وآله وسلم صلاح وهداية للناس وباب نجاة في الآخرة، فالإقرار طريق لنيل الدرجات في الآخرة، وهو وسيلة لمخاطبة العقول باختيار ما فيه السلامة وهو الإيمان بالنبي ونصرته.
السادس: لو تقيد الناس بمضامين الإقرار لجاءت النصرة عامة وسهلة، ولا تنفى وجود العدو وموضوع العداوة للنبي والأنبياء، وليتغشى اهل الأرض الوئام والصلاح ومفاهيم الأخوة في مرضاة الله.
السابع: الإقرار من عمومات قواعد اللطف الإلهي، فبعد الإخبار عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبيان والأمر بنصرته جاء أخذ العهد والإقرار من كل انسان ليكون عوناً له على اختيار دروب الهداية والإبتعاد عن الغواية والضلالة.
الرابع: الإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، رحمة اضافية للمسلمين من وجوه:
الأول: شهادة عملية لصحة اختيارهم.
الثاني: تلقيهم مواريث الأنبياء بالتزام وحرص.
الثالث: امتناعهم عن التحريف والتغيير الذي طرأ على صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السابقة، وهذا الإمتناع رحمة بأهل الكتاب لما فيه من فضح للتحريف.
الرابع: تلقيهم البشارة بالسعادة الأخروية لحسن الإمتثال للأوامر الإلهية.
الخامس: انبعاث السكينة في نفوسهم لحسن طاعتهم لله ومحاكاتهم الأنبياء في عملهم وانقيادهم لما جاءوا به من عند الله.
السادس: المنزلة العظيمة التي ينالها المسلمون بسبب التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه المنزلة مطلقة بين اهل السماوات وأهل الأرض، فان قلت اما اهل السماوات فنعم، واما اهل الأرض فانهم يحاربونهم، والجواب من وجوه:
الأول: ان المحاربة شيء والمنزلة شيء آخر، لما يترشح من الإقرار بالعهد والميثاق من الإعتراف الضمني بما عليه المسلمون من الحق وسبل الصواب بحسن تقيدهم بمضامين الإقرار.
الثاني: المسلمون من أهل الأرض ايضاً، والإيمان عز لهم وأخوة فيما بينهم.
الثالث: اختيار المسلمين الإيمان بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم يجعل لهم في قلوب غيرهم الهيبة وينظر لهم الناس بعين الإكرام.
السابع: الإقرار والعهد الذي أخذه الله على الناس رحمة وفضل الهي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: وجود الأصحاب والأنصار والأعوان.
الثاني: اتصال البشارة بنبوته في الأجيال السابقة لطف منه تعالى به
وبالمسلمين، لما فيه من التخفيف والعون.
الثالث: دفع الأذى والكيد، والمكر.
الرابع: بعث الخوف في قلوب اعدائه لما في عداوتهم له من مخالفة لإقرارهم وعهدهم، وهذه المخالفة تبعث في نفوسهم الخوف والشعور بالتقصير والخطأ.
الخامس: اقرار الناس بنبوته مقدمة للتصديق به.
السادس: في الإقرار دليل على ان الله عز وجل هو الذي نصر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأمره بأسباب المنعة وهيئ جنوداً وانصاراً لرسالته.
السابع: الآية بشارة ظهور الإسلام، وانتصار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أعدائه، ففيها تخفيف عن المسلمين، لأن الأصل حين بعثته يحتمل أربعة وجوه:
الأول: نصرة الناس له.
الثاني: جحودهم برسالته.
الثالث: انقسامهم وتفرقهم بين ناصر وعدو.
الرابع: الإعراض والسكوت أزاء رسالته.
فجاءت هذه الآية لتخبر بان الأصل هو نصرته صلى الله عليه وآله وسلم واعانته.
الثامن: ليس لأحد الجحود بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والإصرار على الوقوف عند رسالة غيره، او اظهار العداوة له.

قوله تعالى [قَالَ فَاشْهَدُوا]
بعد الإقرار جاء الأمر الإلهي بالشهادة وليس من فترة بينهما، وكأنهما من أفراد قانون السببية وان الإقرار سبب للشهادة، وان كان الأصل في الشهادة ان تأتي ابتداء من غير اقرار لإقامة الحجة على الناس، وتعدد الدلائل الآيات الباهرات التي تدل على وجوب عبادة الصانع، والبراهين التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل.
والقائل [فَاشْهَدُوا] هو الله عز وجل ولم يفوض الأمر الى نبي أو واسطة بينه وبين الناس، وفيه توكيد لموضوعية الشهادة.
ترى لماذا هذا التعاقب وعدم وجود ما يدل على التراخي بين الإقرار والشهادة، فيه وجوه:
الأول: وجود المقتضي وفقد المانع.
الثاني: اتمام الحجة على الناس بالإقرار.
الثالث: الحيلولة دون طرو النسيان على الناس.
الرابع: بعث الخوف في النفوس من التعدي والتفريط في الميثاق والعهد.
الخامس: تثبيت لزوم تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ونصرته حين بعثته، بل وقبل بعثته بحفظ البشارة فيه ومنع التحريف في صفاته التي وردت في الكتب السابقة.
السادس: تعلق الإقرار بعالم الحساب والثواب والعقاب، فمن يؤمن بالنبوة وينصرها له الأجر والجزاء الحسن، ومن يجحد يلاقي العذاب.
السابع: هذا التعاقب من قواعد اللطف الإلهي لما فيه من التوكيد، وما يدل عليه التوكيد من الإعانة على التقيد النوعي العام بأحكام الإقرار.
الثامن: فيه حجة للمسلمين، وبعث للسكينة في نفوسهم.
التاسع: يطرأ على الإنسان النسيان فجاءت الآية لتذكيره، ونافلة في في توثيق الإقرار، قال تعالى [ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ
نَجِدْ لَهُ عَزْمًا] ( ).
ولم تقل الآية “تشهدون” او لتشهدوا، بل جاءت بصيغة الأمر العام [فَاشْهَدُوا] بلحاظ موضوع الخطاب فيه وجوه:
الأول: الإقرار اعتراف تام بالحق.
الثاني: مجيء الشهادة على الإقرار تثبيت وتوكيد له.
الثالث: الشهادة امر متعارف، ومانع من الإنكار والجحود.
الرابع: فيها عون على تثبيت الإقرار خصوصاً اذا كان المقر نفسه شاهداً على نفسه، وهذا أمر لا يحصل بين الناس فكيف يكون المقر شاهداً على نفسه، ولكنه ممكن بين الخالق والمخلوق لأن الله عز وجل يعلم السرائر، والأشياء جميعها حاضرة عنده ولا يستطيع الإنسان كتمان الشهادة على الله.
وبلحاظ جهة الخطاب يحتمل قوله تعالى [فَاشْهَدُوا] وجوهاً:
الأول: الملائكة وان الخطاب لهم ليكونوا شهداء على الناس، قال تعالى [أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ]( ).
الثاني: الأنبياء فهم شهداء على أممهم، قال تعالى [إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ]( ).
الثالث: الخطاب للأنبياء والمراد أممهم، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ]( ).
الرابع: شهادة الناس على انفسهم في حجة عليهم بعد اعترافهم بالعهد والميثاق، وعزمهم على نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته، وهذا الوجه على أقسام متعددة:
الأول: يشهد المكلف على نفسه.
الثاني: كل فرد يشهد على الآخر.
الثالث: اللاحق يشهد على السابق بانه يعلم بالعهد والميثاق، والسابق يشهد على اللاحق بانه سلمه الأمانة، وهي ضرورة الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، وهذه الأمانة جاءت بالإقرار العام، لمنع طرو الشك على النفوس.
الرابع: فاشهدوا بالعلم بالإقرار الذاتي وعدم انكاره.
الخامس: شهادة المؤمنين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المكذبين والجاحدين بها من الأولين والآخرين.
السادس: شهادة المسلمين على غيرهم ممن يجحد النبوة، قال تعالى [لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] ( ).
السابع: شهادة الحواس والجوانح والجوارح بحصول الإقرار قال تعالى [ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ]( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من الشهادة بمعنى توثيق الخبر على نحو القطع واليقين، والآية حجة على الناس لأنهم شهدوا على أنفسهم بالإقرار وأخذ العهد بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الآية وجوه:
الأول: بيان موضوعية نبوة ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله
وسلم للناس جميعاً، بحيث ان شهادتهم أخذت منهم بعد اقرارهم بلزوم قيامهم بالإيمان به ونصرته.
الثاني: اكرام الناس بان جعلهم شهداء على انفسهم، لما يشترط في الشاهد من الخصال الحميدة، الا ان يقال باختلاف المقام وان الشهادة جاءت هنا لإتمام الحجة على الناس، ولكن هذا الأمر لا يتعارض مع دلالة الشهادة على الإكرام، ولم يقل سبحانه “فاشهدوا عليهم” بل جاءت الآية على نحو الإطلاق لتشمل أصحاب الإقرار والإعتراف بان يشهدوا على انفسهم.
الثالث: اهمية الإقرار بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه بين الخلائق بحيث تكون الملائكة حاضرة اعتراف الناس بها.
الرابع: في الآية اخبار للملائكة وغيرهم عن أهلية الإنسان للشهادة على نفسه، ووجود أمة تتوارث الإيمان والتصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: في الآية حث للناس على التمسك بالعهد والحرص على الوفاء بمضامينه، وبذل الوسع في نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ]( ).
السادس: تأتي الشهادة بمعنى الحضور، وصيغة الأمر تدل على حضور الإقرار، وانه لم يتم بصورة فردية، بل أخذ من الناس جميعاَ ليكون أمراً متعارفاً عندهم.
ترى ما هو موضوع الشهادة، فيه وجوه:
الأول: الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم نصرته، واعطاء الناس العهد والميثاق على التصديق به.
الثاني: الإعتراف بوجوب الإيمان بالله ولزوم عبادته.
الثالث: الشهادة بعظيم فضل الله على الناس من وجوه:
الأول: نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: توثيق لزوم التصديق النوعي العام بنبوته.
الثالث: وجوب نصرته وما فيها من المنافع الدنيوية والأخروية.
الرابع: الشهادة بصفات النبي التي جاءت بها الكتب السابقة، وعدم جواز اخفاء الشهادة عند بعثته، وفيه اشارة الى موضوعية الشهادة في نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: بيان واسع رحمته تعالى على الناس بخصوص هذا الإقرار، وهو على وجوه:
الأول: زيادة ايمان المسلمين والذين يصدقون بالتنزيل، ويؤمنون ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويقومون بنصرته.
الثاني: هداية الناس لسنن البقاء على العهد والميثاق وما اقروا به على أنفسهم من التصديق به ونصرته.
الثالث: توالي بعثة الأنبياء لتقريب الناس للطاعة، وجعلهم ينفرون من المعصية.
الرابع: الإمهال لأهل الجحود، ودعوتهم للتوبة والإنابة.
الخامس: تعدد الآيات الباهرات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: اتصال البشارة بنبوته الى ان نزل القرآن فكان البرهان العقلي الشاهد عليها.
السادس: الإنذار والتحذير من ايذاء الأنبياء والمؤمنين بالنبوة ولزوم نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [ وَهُمْ عَلَى مَا
يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ]( ).
السابع: التذكير بيوم القيامة وان الناس والخلائق ستشهد مواطن الحساب، وموضوعية التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ، قال تعالى [ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ] ( )، أي يشهده ويحضره اهل السماء والأرض.
وبعد حصول الإقرار والإعتراف وكفايته في الحجة والتوثيق جاء الإشهاد، فما هي الغاية منه، فيه وجوه:
الأول: التوكيد على ان الله عز وجل عالم بالإقرار.
الثاني: حث الناس على التقيد بمضامين الإقرار.
الثالث: الرأفة بالناس واعانتهم على الإمتثال للأوامر الإلهية والتصديق بالنبوات.
الرابع: التحذير من التحريف وتشويه الحقائق.
الخامس: الشهادة مقدمة للحساب يوم القيامة، بالتنبيه واقامة الحجة.
السادس: اصلاح الناس للشهادة، وتعلم شرائطها وأحكامها.
السابع: منع الإستخفاف بالعهود والزجر عن نقضها وعدم التقيد بها.
الثامن: من أسمائه تعالى “الحكيم” وهو الذي يتقن الأشياء، فتأتي الشهادة بعد الإقرار لإتمامه وتوثيقه، وجعله جزء من الواقع اليومي للناس، فلا يجوز للإنسان أن يقضي نهاره بالإنشغال بأمور وهموم الدنيا، بل لابد ان يجعل وقتاً للعبادة والتدبر في الخلق، ومنه تذكر الميثاق ووجوب نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الأمر شامل لمن سبقت أيامه البعثة النبوية المباركة او تأخرت عنها.
التاسع: من سنن السماء اخذ الشهادة بعد الإقرار لزيادة التوثيق.
العاشر: اهل الشهادة أعم من أصحاب الإقرار والإعتراف، فالإقرار خاص بالناس اما الشهادة فتشمل الملائكة وغيرهم، لذا جاءت الشهادة بعد الإقرار.
الحادي عشر: فيه تعليم واكرام للملائكة بحضورهم اقرار الناس على أنفسهم بالإيمان بالنبوة وتصديقها ونصرتها.
ومن وجوه الأمر بالشهادة قول “اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمداً رسول الله” أي اعلم واخبر عن اقراري بالتوحيد ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاءت الآية بصيغة الأمر (فاشهدوا) ولكنها لم تتضمن وقوع الشهادة، بينما جاء اخبار الناس عن اقرارهم حينما سألهم أقررتم، فجاء الجواب من الناس كافة (اقررنا)، فلماذا اكتفت الآية بالأمر بالشهادة، فيه وجوه:
الأول: موضوعية الأمر الإلهي بالشهادة في ثبوتها وتحققها.
الثاني: في الآية حذف والتقدير “قال فاشهدوا قالوا شهدنا”.
الثالث: لم تذكر شهادتهم على أنفسهم، وفيه تخفيف ونوع رحمة، ليس لأن الشهادة لم تتم، بل لأن الله عز وجل عفو غفور، فستر الناس ولم يذكر شهادتهم على أنفسهم.
الرابع: ضمن قانون التفسير الذاتي فان المراد فاشهدوا بوجود أمة مسلمة في كل زمان تتوارث التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]( ).
الخامس: خاتمة الآية تدل على حصول الشهادة، فقوله تعالى [وَأَنَا
مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ] يعني ضرورة حصول الشهادة وانها عامة.
السادس: وقوع الشهادة قهراً وانطباقاً.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها تدل على أهمية وموضوعية الشهادة.
لقد أراد الله للناس الشهادة على انفسهم بالحق، وهذه الشهادة طريق للصلاح والفلاح وهي عنوان للحجة عليهم.
السابع: في الآية انذار وتحذير، والمراد شهادة عقاب من يخالف مضامين الإقرار ويجحد به، باعتبار ان الحضور من معاني الشهادة.
الثامن: بيان فضل الله على الناس بتقريبهم للطاعة بالإقرار والبيان.
التاسع: شهادة الآيات التي يأتي بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي تدل على ضرورة ألإيمان به ونصرته، لما في بعثته من صيغ الرحمة الإلهية على الناس كافة.
وتأتي الشهادة لبيان حق المدعي، اما اذا قام المدعي عليه بالإقرار عند المطالبة واقامة الدعوى، وتنتهي مع انتهاء موضوعها، اما الشهادة الواردة في هذه الآية فهي باقية ومصاحبة للإنسان في حياته وبعد مماته، وهذا من الإعجاز في خلق الإنسان وأسباب فلاحه،وتعدد طرق هدايته.
وبلحاظ الجهة المشهود عليها في هذه الآية وجوه:
الأول: شهد الإنسان على نفسه انه أقر وأعترف بوجوب الإيمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
الثاني: يشهد الأنبياء على أممهم بلزوم نصرته.
الثالث: شهادة الإنسان على عشيرته وأهل دويرته.
الرابع: شهادة كل انسان لما رآه في الحياة الدنيا من الناس ممن حوله، ومن هو الذي وفى بمضامين الإقرار وآمن بالنبي محمد صلى الله عليـــه
وآله وسلم ومن خالفها وجحد بنبوته.
الخامس: ان يقوم المسلمون الذين تقيدوا بأحكام الإقرار بالشهادة على غيرهم من المنكرين والجاحدين له، قال تعالى [شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ]( ).
السادس: شهادة الملائكة على الناس بخصوص العمل بأحكام الإقرار، قال تعالى [أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ]( ).
السابع: جاءت الآية للإخبار عن حصول الشهادة على الحق، وعدم امكان وقوع الزور، بل ان شهادة الناس على الأقوال وعالم الأفعال تأتي مطابقة للواقع.
قانون الشهادة
من أسماء الله تعالى (الشهيد) وهو الذي لا يغيب عن علمه شيء، والأشياء جميعها حاضرة عنده، ويأتي لفظ الشهيد بمعنى العليم والحاضر، وهذا القانون يتعلق بالمعنى اللغوي العام للشهادة وهو الإخبار القاطع كما يقال “شهد الرجل على كذا” وفي التنزيل [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ]( ).
وبدأت الشهادة مع الإنسان من عالم الذر وهي ملازمة له في الدنيا وألاخرة، وهذه الملازمة من نعم الله عز وجل على الإنسان فكما لازمته النبوة والصلة مع الله عز وجل بالوحي فان الشهادة جاءت قرينة لها وعوناً للإنسان على الإيمان بالنبوات.
والشهادة نظام قائم بذاته، له أحكامه وقوانينه وقواعده الكلية، وهو حاجة انسانية تبرز في حالات كثيرة متباينة منها:
الأول: وقوع الخلاف والخصومة في حقوق الناس ومنها الديون.
الثاني: حقوق الله عز وجل.
الثالث: العقود والمواثيق لمنع ظهور الإختلاف فيما بعد، فأحياناً تكون الشهادة مستحبة.
ومن خصائص الشهادة انها برزخ دون الضرر والإضرار واضاعة الحق والمال، وفيها تأديب للناس من وجوه:
الأول: لصاحب الحق في عدم التجاوز في مقدار الحق وعدم ضياع حقه.
الثاني: لمن عليه الحق، وزجره عن التعدي والإنكار.
الثالث: للشاهد بان لا يقول الا ما رآه وسمعه، وقد سئل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الشهادة فقال: “هل ترى الشمس، على مثلها فاشهد أو دع”( ).
الرابع: للناس جميعاً بادراك قواعد الشهادة ولزوم الصدق فيها، لذا ترى الناس يبغضون من يشهد شهادة زور كاذبة.
والشهادة يأخذها الناس فيما بينهم، ويطلبها القاضي في الدعوى اذا استلزم الأمر، ويُعتبر فيها اليقين والعلم القطعي، قال تعالى [إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( ).
وللشهادة موضوعية في تنظيم المعاشات، ونصرة المظلوم بل ومنع الظلم، ودرء المفاسد، واختلال النظام، ومن معاني الشهادة هو الحضور، فيشهد الإنسان على ما حضره، وان مداركه الحسية الظاهرية
حاضرة عنده ساعة تحمل الشهادة، وساعة أدائها.
وكما جعل الله عز وجل اليمين توثيقاً وعهداً بين الناس، جاءت الشهادة
للتوثيق، وبين اليمين والشهادة عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء التوكيد والتوثيق، ومادة الإفتراق في اليمين يكون التوثيق ذاتياً وعهداً شخصياً يقطعه الإنسان بالحلف بالله، اما في الشهادة فانها توثيق خارجي يشترك فيه الآخرون بحضورهم وشهادتهم للفعل، والشهادة مقدمة على اليمين في الدعوى والخصومة، وفيها اشراك للآخرين في احقاق الحق، وتأديب للناس، فهي مدرسة كاملة في الصلاح والإصلاح ومدرسة في اجتناب الكذب والقول من غير علم.
وقد يستحب ترك اقامة الشهادة مطلقاً، حينما يكون في الترك ستر للمؤمن مع عدم وجود ضرر واضرار، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله “لو سترته بثوبك لكان خيراً لك”( ).
بالإضافة الى صيغ التوبة وقبول ادعائها قبل ثبوت بعض الذنوب، وقانون الشهادة لا ينحصر بالمسلمين او بالمليين بل هو ملازم للإنسان ولكن لكل أمة سنتها وطريقتها في قبول الشهادة، وقد جاء الإسلام بالبينة وهي شاهدان عدلان قال تعالى [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ] ( ).
ولكن الشهادة التي جاءت بها هذه الآية أعظم وأكبر ولا ينحصر موضوعها بحق شخصي او عقد او ايقاع او معاملة بل تشمل مواضيعها وأحكامها امور الدين والدنيا، كما انها اخذت من الناس جميعاً فهي أكبر شهادة في حياة بني آدم.
وهذه الكثرة عنوان لإكرام الإنسان، ودعوة له للهداية والتصديق بنبوة سيد المرسلين.

قوله تعالى [وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ]
بعد اخذ الإقرار من الناس وامرهم بالشهادة تفضل الله سبحانه واخبر بانه يكون مع الشاهدين، ولم تقل الآية “وانا شاهد معكم” بل [مَعَ الشَّاهِدِينَ] ويحتمل أمرين:
الأول: المراد من الشاهدين هم المخاطبون بالآية.
الثاني: المعنى الأعم وان لفظ الشاهدين يشمل غير المخاطبين من الناس، فيشمل الملائكة والخلائق الأخرى.
والأرجح هو الثاني، وصيغة الإطلاق وانتقال اللفظ من الخطاب الى لغة جمع المذكر السالم، وهذا من مضامين خلافة الإنسان في الأرض بان تشهد الخلائق اقراره، ومدى التزامه بعهده وميثاقه، فترى الأنبياء واتباعهم من المؤمنين كي يتقيدون باحكام الميثاق، ويجتهدون في مرضاة الله ويتعاهدون مقامات العبودية لله بشوق وحب وانقطاع تام.
وتتضمن الآية اخباراً عن وجود الشهادة والشهود فعلاً، فلابد من حصول الشهادة، وانها تقع على نحو التعدد والكثرة لورود لفظ “الشاهدين” وفي خاتمة الآية مسائل:
الأولى: في شهادته تعالى الكفاية والقطع، قال تعالى [وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا] ( )، فلماذا ضم شهادته سبحانه الى شهادة الناس، الجواب لتوكيد شهادة الناس ولحثهم على الشهادة، وهذا الحث يحتمل أمرين:
الأول: في الدنيا.
الثاني: في الآخرة.
وموضوع الحث في الدنيا، لأن الشهادة في الآخرة تكــــــــون قهرية،
وليس بمقدور الإنسان ان يتخلف عنها وأراد الله عز وجل للناس ان يشهدوا في الدنيا على أنفسهم، ويعترفوا بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون الشهادة وسيلة للعبور على الصراط يوم القيامة.
الثانية: اذا كان الناس يشهدون على أنفسهم، ويشهد بعضهم على بعض فان الله عز وجل والملائكة يشهدون على الناس جميعاً.
الثالثة: قد يتوقع المكلف تخلف بعضهم عن الشهادة عليه، رأفة به، او لطرو النسيان، او بظنه انهم لم يلتفتوا الى فعله، فجاءت شهادة الله عز وجل لتثبيت الشهادة وعدم سقوط بعض مواضيعها لأن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية.
الرابعة: في الآية اخبار عن علمه تعالى بأفعال الإنسان وهي حاضرة عنده، ويعلم بها قبل وبعد خلق الإنسان لا يغيب منها شيء، فجاءت الآية ليدرك الإنسان هذه الحقيقة، وهذا الإدراك عون له في التمسك باحكام وآداب الإقرار، فمتى ما علم الإنسان ان الله شاهد عليه، ويرى اعماله ويسمع أقواله، فانه يحرص على الوفاء بما أقر به وشهد عليه.
الخامسة: تفيد الآية القطع ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحقق نصرته واعانته.
السادسة: ان الله عز وجل والناس يشهدون ما يكون عليه المؤمنون من الرفعة وعلو الشأن ويشهدون مايكون عليه الكفار والجاحدون من العقاب.
السابعة: في الآية مدد وعون لأهل الشهادة، ودعوة للناس لعدم كتمان الشهادة بالحق وبيان صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت بها الكتب السابقة وبشر بها الأنبياء وتوارثها أهل الإيمان من غير تحريف او تغيير.
الثامنة: في الآية اخبار عن تحقق الشهادة، لأن الآية جاءت بصيغة الجملة الخبرية وان الله عز وجل مع الشاهدين، وهذا الإخبار زجر عن
التخلف عن الإيمان ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
التاسعة: تبين الآية جانباً من التكليف في الحياة الدنيا.
العاشرة: جاءت (من) في قوله تعالى [مِنْ الشَّاهِدِينَ] للتبعيض، وهو من اللطف الإلهي ان يكون الله عز وجل شاهداً على الناس في اقرارهم، ومع عدم الحاجة لشهادة غيره مع شهادته الا انه سبحانه اراد للناس الهداية والصلاح بصيغ التوكيد والتوثيق، ومنها شهادتهم على أنفسهم ومعرفتهم بان الله يشهد معهم.
الحادية عشرة: الآية من شواهد التوحيد، وان علم الله مطلق فاذا كان الإنسان لا يشهد الا على ما يراه ويسمعه فان الله يشهد ويعلم كل شيء، وفيه انذار وتحذير للناس، فمن يظن ان الناس لم يروا ما فعل او انهم لم يسمعوا ما قال، او رأوه وسمعوه ولكنهم نسوه، فان الله عز وجل لا تخفى عليه خافية.
الثانية عشرة: من الشاهدين الأنبياء، فمع ان الأمر الإلهي (فاشهدوا) يشملهم باعتبارهم من الناس، فان النبوة عنوان اضافي في احكام الشهادة قال تعالى [إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا]( ) من وجوه:
الأول: ان النبي يشهد بصفة النبوة.
الثاني: يمتاز النبي عن الناس بانه بلغ ما انزل الله اليه الى الناس، وجاء بالبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيضاء جلـــــية
خالية من التحريف.
الثالث: شهادة النبي مركبة من شعبتين:
الأولى: شهادته لمن آمن به وصدق بنبوته، والبشارات التي جاء بها.
الثانية: شهادته على من جحد بنبوته وانكر الآيات البينات التي جاء بها، وامتنع عن التصديق بالبشارات.
الثالثة عشرة: تمتاز شهادته تعالى عن شهادة الناس والخلائق، بانه سبحانه يعلم النوايا والمقاصد، قال تعالى [ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ]( )، وفيه انذار وتحذير للناس من نوايا السوء والكيد بالمؤمنين، والإخبار بان موضوع شهادته تعالى أعلم من ان ينحصر بالظاهر وعالم الأقوال والأفعال.
وفيه دعوة وحث على التدبر في آيات الخلق والتصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابعة عشرة: من فضله تعالى ان يجعل نفسه شاهداً بموضوع الإقرار برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه مسائل:
الأولى: امضاء رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: تأكيد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى جانب التأكيد بالآيات والبراهين العقلية والحسية.
الثالثة: الإخبار بان الله عز وجل يتعاهد رسالته صلى الله عليه وآله وسلم بالشهادة عليها، وعلى تصديق الناس بها.
ومن شهادته تعالى انزال القرآن آية عقلية ملازمة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودليل على صدق بعثته فشهادته تعالى اعظم من شهادة الخلائق، ومنها انه سبحانه يتفضل بالآيات والمعجزات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون باباً لهداية الناس للإيمان وبرزخاً دون التولي والجحود.
وشهادته تعالى تحتمل أمرين:
الأول: انها بعرض واحد مع شهادة الناس، وموضوعها الإخبار وان كان اوثق وأوسع من شهادة الناس.
الثاني: شهادته تعالى أعم من الإخبار موضوعاً وحكماً من وجوه:
الأول: ان الناس تشهد عنده تعالى إذ أمرهم بالشهادة، اما شهادته تعالى فعنوان للحساب، واخبار عن فوز المؤمن بالثواب، ونزول العقاب بالكافر.
الثاني: انه تعالى عالم وحاضر في جميع أفراد الزمان الطولية.
الثالث: تأتي الشهادة بمعنى القضاء والحكم وفي قوله تعالى [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ]( ) أي قضى وحكم وعلم انه لا اله الا هو سبحانه، فجاء قوله تعالى [مِنْ الشَّاهِدِينَ].
الرابع: من خصائص شهادته تعالى الصدق المطبق للواقع والأمانة المطلقة، فالمعية جاءت للإخبار بوجود شهود عدول يشهدون على الناس ومنهم الأنبياء، وفيه تأديب للناس.
وهل موضوع شهادته تعالى على الإقرار حصراً ام انها أعم الجواب هو الأخير، فالله عز وجل محيط بالأشياء وبيده مقاليد الأمور، وأراد للناس للإكرام والتشريف بان يكونوا معه شهداء، وهذه الشهادة مقيدة بالإيمان والصدق لأن لفظ الشاهدين ورد مطلقاً فيشمل الذين امرهم الله تعالى بالشهادة، فخاتمة الآية ترغيب لكل انسان بان يكون مع الله عز وجل شاهداً على نفسه وعلى غيره، لتكون هذه الشهادة والسعي لها حرزاً في النشأتين.
(ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)( ).

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة