معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 67

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي جعل كنوز القرآن مباحة لا يصل اليها النفاد، وعلومه مطلقة غير مقيدة، والجمع بين الأمرين آية اعجازية اضافية، مع دعوة الناس للأخذ من ذخائره،والغرق في جلال الله، فان اسرارالقرآن المكنونة ليس لها حد تنتهي عنده مع جزالة كلماته وعذوبة الفاظه وجودة سبك كلماته، تطل علينا كل آية بعلوم مستحدثة وتعتبر مفتاحاً لعلوم أخرى، وتقود الى خزائن كامنة في الآيات الأخرى وفي نظم الآيات، فلا نفرة او تعارض بين آيتين من آياته مع كثرتها وتعددها اذ تزيد على مائتين وستة آلاف آية، وتلك معجزة مستديمة ومشهودة للقرآن، وتعتبر تحدياً ليس لأهل البلاغة وحدهم، بل للعلماء في مختلف العلوم، بالإضافة الى الإعجاز الإضافي المترشح من مناسبتها للمستحدث من الوقائع والحوادث ودوام انتفاء التعارض.
وتعتبر تلاوة القرآن بذاتها سياحة في عالم الملكوت، وتهذيباً للنفس وتنزهاً عن الكدورات الظلمانية، وتقترن بالتلاوة علوم تأتي انطباقاً وقهراً، ينهل منها الإنسان ما يجعله يرتقي في المعارف الإلهية، والقيم السماوية، ويشعر بتحسن وإرتقاء في مداركه وتنمو عنده ملكة التمييز بين الأشياء، والقدرة على الفصل بين الحق والباطل، والأهلية لإختيار ما ينفعه وترك ما يضره في دنياه وآخرته.
وهذا هو الجزء السابع والستون من تفسيرنا ولا زلنا والحمد لله في بدايات القرآن ويتضمن تفسير الآيات (82- 86) من سورة آل عمران في آية اعجازية تستلزم منا ومنكم الشكر لله تعالى على هذه النعمة فكله تأويل واستنباط واغتراف من مناهل هذه الآيات التي جاءت في انذار وتخويف الكافرين واقامة الحجة عليهم، اذ بدأت بذكر قبح التولي والإعراض عن النبوة في آية (فمن تولى).
وجاءت بين هذه الآيات آية (قل آمنا) وهي كالشمس المضيئة التي تدعو الكفار الى النجاة والأمان باختيار سبل الإيمان، من غير ان تتعارض هذه الدعوة مع ذمهم في الآيات الاخـرى السابقة واللاحقة لها، وهو وجه من وجوه اعجاز القرآن، لبيان اللطف الإلهي في صيّغ الانذار والتقبيح لأنها زاجر عن الإقـامة على الكفر، ومدخل للإيمان والصلاح، ويتجــلى فيها جــهــاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لاصلاح المفاهيم، وتوكيد ضرورة اكرام الأنبياء جميعاً والإقرار بنبوتهم، واعانة الناس على اختيار سبل الهدى والرشــاد، قال تعالى[ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ].

قوله تعالى [فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] الآية 82-آل عمران.

الإعراب واللغة
فمن تولى: الفاء استئنافية، من: اسم شرط في محل رفع مبتدأ.
تولى: فعل ماضِ في محل جزم فعل الشرط.
بعد ذلك: بعد: ظرف زمان لا يفهم معناه الا بالإضافة، ويفيد التراخي الزماني والفترة بين السابق واللاحق، واذا تقارب ولم تكن هناك فترة بينهما يعتد بها يقال بُعيداً بالتصغير.
ذلك: اسم اشارة في محل جر بالإضافة.
فاولئك هم الفاسقون: الفاء: رابطة لجواب الشرط.
اولئك: اسم اشارة مبتدأ، هم: ضمير فصل لا محل له.
الفاسقون: خبر مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
ويقال تولى الشيء اذا ذهب مدبراً، وتولى عنه أي اعرض عنه، قال تعالى [وَلَوْ قَاتَلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ] ( )، وقال ابن منظور: والتولي يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الإتباع، وأستدل على معنى الإتباع بقوله تعالى [وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ]( ) ( ).
ولكن التولي بمعنى الإتباع لا يأتي الا بالإضافة، والقرينة الدالة على معنى النصرة والتأييد ونحوه، اما اذا جاء التولي بصيغة الإطلاق او التنكير فانه يفيد معنى الإعراض.

في سياق الآيات
لقد جاءت الآيات الثلاثة السابقة في بيان طاعة الأنبياء المطلقة لله، ودعوتهم الناس لعبادته والتفقه في الدين، لما فيه من الإحتراز من اسباب الضلالة والكفر، واختتمت الآية السابقة في تنزيه الأنبياء على نحو العموم الإستغراقي واكرام كل نبي بصفة النبوة، ولكن بصيغة الخطاب للناس ولغة الإستفهام الإستنكاري [أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ].
جاءت هذه الآية في ذم الذين يعرضون عن دعوة الأنبياء الى طاعة الله ويمتنعون عن نصـرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته، لتأتي الآية التالية لتوكيد الذم واقامة الحجة على الذي يصر على الكفر مع ان الأنبياء جاءوا للناس بالإسلام وأصول الدين، وليبلغوا مـرتبة تعلم الكتاب والتحصيل والكسب في ميادين المعارف الإلهية ببركات النبوة.
وجاء اسم الإشارة في الآية (ذلك) لربط لغة الانذار في هذه الآية، بمضامين الجذب الى الايمان في الآيات السابقة، وفيه دعوة لأولي الألباب للتحقيق والتدبر ومعرفة الوجوه والمضامين المرادة منه لإعتبارها وحجتها في بلوغ الإنسان مراتب الإيمان،كما يتبين الترابط والاتصال في معظم الآيات، مع التباين في لغة الوعد والوعيد، بالاضافة الى صيغة الخطاب، فقد جاءت الآيات السابقة بصيغة المخاطب وارادة السامع كما في قوله تعالى [وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا]( ) [أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ) [مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ]( ) [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ]( ).
وجاءت هذه الآية بصيغة القاعدة الكلية والحكم المتعلق بالقضية الشرطية وليس الحملية، [فَمَنْ تَوَلَّى ..]، وفي الصيغتين اكرام للانسان.
أما الأولى فان الله عز وجل يتفضل ويخاطب الناس ليتضمن الخطاب الحجة والترغيب بالاسلام، ثم يتعقب الترغيب الوعيد الذي يأتي بصيغة الشرط والتنكير لتتعقبها آية اللوم والذم للفاسقين الذين يختارون الاعراض عن النبوة والتنزيل، وهذا اللوم لم يستمر كثيراً في نظم الآيات، بل جاء في بداية الآية التالية بقوله تعالى [ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ..]، ثم انتقلت الى بيان عظيم قدرة وملك الله تعالى وانقياد المخلوقات جميعاً له، ليكون سياق الآيات اعجازاً متصلاً ومتجدداً وعوناً للناس على الهداية والرشاد.
ومن اعجاز القرآن في سياق الآيات ان تأتي الآية ببيان الإقرار بالعهد والإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانها حق، ثم تأتي الآية التالية بصيغة الإنذار والوعيد لمن ينقض العهد ولا يتقيد بأحكامه، كما تتضــمن الأخبار عن فســقه وخروجـه من قواعد الشريعة.
اعجاز الآية
يتجلى في الآية الإعجاز المركب من وجوه:
الأول: نظم الآيات وما فيها من الاصلاح المتحد والمتعدد، أي اصلاح الذات والغير والمجتمع، بالزجر عن الاعراض عن مفاهيم الايمان.
الثاني: تثبيــت نــزاهــة الأنبيــاء وبــذلهــم الوســع في الــدعــوة الى الله عز وجل.
الثالث: صيغة الإنذار والوعيد لمن يعرض عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصدقه في رسالته.
الرابع: لغة التعدد المستقرأة من اسم الإشارة (ذلك) وما فيها من الدعوة للتحقيق والاعتبار في افراده، وهو ينطبق على المتحد والمتعدد، وجاء هنا لإفادة المتعدد من وجوه الهداية والصلاح، والزجر عن الشرك ومفاهيمه، والحث على اجتناب الصدود والاعراض عن النبوة ونصرتها، وتشمل مفاهيم اسم الاشارة (ذلك) الآيات السابقة وما فيها من الاخبار عن المواثيق والعهود ولزوم التقيد بها.
الخامس: بيان ثبوت الحجة على الناس لما ورد في الآيات الثلاث السابقة من المضامين القدسية والبراهين القاطعة.
السادس: ورود لفظ (اولئك) وما يفيده من معاني البعد والإزدراء بسبب العناد والإستكبار وما يترشح عنه التولي والصدود.
السابع: ما تدل عليه الآية بالدلالة التضمنية من توكيد ميثاق الأنبياء، والعهد الذي اخذه الله على الناس، ومن منافع هذا التوكيد جذب الناس الى الاسلام، ودعوتهم بلطف الى التقيد باحكام الميثاق، وتقريبهم من سبل الطاعة، واعانتهم على مضامين العهد التي تتجلى بعنوان بسيط هو اتباع ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثامن: ذم أهل الجحود والشرك والضلالة.
التاسع: الملازمة بين التولي عن الإيمان بالنبوة والخروج عن الدين.
العاشر: انتفاء الوسطية والبرزخية بين الإيمان والكفر، وفيه تحذير وزاجر اضافي من الضلالة، والجحود بالنبوة، فأما الإيمان واما التولي، والتولي فسق وضلالة.
الحادي عشر: نعت الذي يقوم بالفسق وما فيه من فساد العقيدة وسوء السريرة وقبح الفعل.
ويمكن أن نسمي هذه الآية آية “فمن تولى” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية، مع ورود لفظ (تولى) فيه عشرين مرة.
بحث اعجازي
جاءت هذه الآية بنعت الذين يتولون عن الايمان والدعوة الى الاسلام بالفاسقين، واكتفت بهذا الوصف ولكن معانيه متعددة تتعلق بأمور:
الاول: ذات الفسق وقبحه. الثاني: اسباب الفسق.
الثالث: نتائج وآثار الفسق. الرابع: عقاب الفسق.
أما الأول فان الآية اثبتت ماهية الفسق وكراهته لانه صفة للعناد والجحود، واما الثاني فان الآية تدل على سوء اختيار التولي وان الفسق لم يأت للانسان قهراً او بالذات بل بالاعراض عن الحق ليبدأ قوس النزول نحو الهاوية بالعمى العرضي عن واجب التصديق بالنبوة بعد التخفيف والتيسير واللطف الإلهي بالتقريب الى الطاعة والايمان بأخذ العهد والميثاق على الناس، واشهادهم على انفسهم واخبارهم بان الله عز وجل حاضر وشهيد.
أما نتائج واثارالفسق فهي أعم من ان تحصرها قاعدة مخصوصة، لتعددها ومصاديقها وميادينها، كما انها لا تخص الفاسق وحده بل تشمل غيره ممن يؤثر الناس به ويبث سمومه له، بل انه يؤثر سلباً على المسلم بايذائه في الجدال والخصومة والاصرار على العناد، نعم هذا الأذى سبب في ثواب اضافي للمسلم ودعوة له للصبر والتحمل ومواصلة الدعوة الى الله تعالى.
وأما الرابع فان الآيات القرآنية جاءت بالاخبار عن سوء عاقبة الفاسقين وما ينتظرهم من عذاب النار، بل ان الفسق باب لتعجيل العقاب الإلهي، قال تعالى [ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ]( ).
كما جاءت الآيات بغلق باب الهداية عن الفاسقين، وتكرر خمس مرات في القرآن قوله تعالى [ َاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ] ( )، وهي لغة انذار ووعيد من التولي والاعراض عن النبوة، ومن الاعجاز في هذا الانذار والوعيد دلالة مفهومه على تحذير المسلمين من أهل التولي، ودعوة كل مسلم لليقظة والاحتراز منهم.
الآية سلاح
تبعث الآية السكينة والطمأنينة في نفوس المسلمين على سلامة الإختيار، وتدعوهم للشكر لله تعالى على التوفيق لإتباع الأنبياء فيما جاءوا به من البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه، والتقيد العملي بأحكام الشريعة الإسلامية.
فان قلت: ان المسلمين آمنوا بالله ورسوله والأنبياء جميعاً وما انزل عليهم، وتقيدوا باحكام الميثاق والعهد، وقد يأتي بعضهم باشكالات وهي:
الأول: لماذا نزلت هذه الآية. الثاني: ما هو نفع المسلمين منها.
الثالث: هل يمكن اعتبارها خاصة بأهل التولي، وان المسلمين لا حاجة لهم بها.
والجواب على الأول: ان القرآن تبيان لكل شيء، وهو خطاب للناس جميعاً.
وأما الثاني فالجواب على وجوه:
أولاً: الآية مناسبة ليشكر المسلمون الله عز وجل على نعمة الهداية.
ثانياً: يعرف المسلمون قبح ماهية الكفر والجحود بالعهود.
ثالثاً: يدرك المسلمون جميعاً الذم الإلهي لأهل التولي والجحود.
رابعاً: في الآية عون للمسلمين في الجدال والاحتجاج وهي واقية واحتراز من أهل الجحود وما يثيرونه من الشبهات واسباب الشك.
واما الثالث فالجواب على وجوه:
أولاً: المسلمون ورثة الأنبياء، وفي الآية ارتقاء لهم في المعارف الإلهية.
ثانياً: يصبح المسلم قادرا على التمييز والفصل بين الناس على اساس عقائدي، ويكون المدار في الصلات والود والقربى على الايمان.
ثالثاً: تثبت الآية حاجة المسلمين لله تعالى وفضله في بيان الاحكام والعقائد ومعرفة احوال الناس في الدنيا والآخرة.
وتعطي الآية للمسلمين درساً في معرفة منازل الناس وتقسيمهم بلحاظ الإيمان بالنبوة والجحود بها، كما انها تغني عن الجدال، باعتبارها حجة وسلاحاً في الإحتجاج.
ومصاديق الإنتفاع من الآية لا تنحصر بها بالذات وان كانت برهاناً وحجة، فهي تشمل مضامين الآية السابقة، ويدل عليه ما ورد في الآية من اسم الإشارة (بعد ذلك) مما يدل على كفاية ميثاق الأنبياء، والإقرار النوعي وانحلاله الى اقرار الأفراد جميعاً بالنبوة والشهادة العامة على لزوم الإيمان وعدم الإعراض عن الحق.
والتغليظ الوارد في الآية السابقة مصداق لرحمته تعالى في الحياة الدنيا بالناس جميعاً، ودليل على ان افراد الرحمة الإلهية لا تنحصر بالرزق والكسب بل تشمل العقائد والهداية الى الإيمان فكيف ينتفع الإنسان من الرزق والعافية في الدنيا ولا ينتفع من الرحمة الأهم الخاصة بالهداية والمواثيق التي تدعوه للنجاة في الدنيا والآخرة.
وتحث الآية الناس على التدبر في الآيات وعدم اختيار الإعراض والصدود، ومن اعرض فان الآية تلاحقه بالزجر والتأديب وتسعى لجذبه واعادته الى منازل الإقرار والشهادة بالحق.
الآية لطف
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان اذ جعله خليفته في الأرض، ومن اهم وظائف الخلافة التقيد بمضامينها والحرص عليها والإقرار بمواثيقها، وفي المقام يعتبر الإقرار بالربوبية لله تعالى أهم مقوماتها وهو ضرورة في استدامتها وحاجة للإنسان في دنياه وآخرته، وجاءت هذه الآية وما فيها من لغة الإنذار الذي تتضمنه صيغة الشرط، والتوبيخ والتقبيح الذي تدل عليه مفاهيم الآية الكريمة لطفاً بالناس، واعانة لهم على الهداية، وزجراً عن الإعراض والجحود.
ومن مصاديق اللطف في الآية انها تبين كبر المعصية والذنب في الإعراض عن النبوة، فقد لا يعلم الإنسان مدى الخسارة في بعض الأفعال الى ان يأتيها ويشعر باضرارها فجاءت هذه الآية لتنقذ الإنسان من خسارة الدارين.
ومن مضامين اللطف فيها مجيؤها بصيغة الشرط (فَمَنْ تَوَلَّى) في دعوة الناس للإيمان، وللإخبار عن بقاء باب التوبة مفتوحا، فمن تاب ورجع الى الإقرار والوفاء بالعهود هل يصدق عليه انه ممن تولى الجواب لا، لتبدل الحكم بتغير الموضوع.
ومن وجوه اللطف في الآية:
الأول: مجيء الآية بصيغة المضارع للاخبار عن حقيقة وهي ان دين الفطرة هو الاسلام والتصديق بالنبوات وتعاهد مواثيق النبوة، وان التولي يأتي على نحو عرضي لغلبة النفس الشهوية واغواء الشيطان.
الثاني: تدل الآية بالدلالة الالتزامية على كفاية الحجج والبراهين التي تضمنتها الآيات.
الثالث: جاء التذكير بميثاق الانبياء واقرار الناس على انفسهم بنصرة النبي، وتأتي هذه الآية لتوكيد هذا اللطف والحث على الانتفاع منه، وطرد الغفلة عن المواثيق والعهود.
الرابع: وصف الذي يعرض عن المواثيق بالفسق والخروج عن الطاعة ومفاهيم الاستقامة.
مفهوم الآية
بعد صيغ الخطاب جاءت هذه الآية لتكون قاعدة كلية في علم الكلام، من وجوه:
الأول: الإخبار السماوي بانه ليس بعد الإيمان الا الكفر.
الثاني: اطلاق صفة التولي على الجحود والكفر.
الثالث: موضوعية الإيمان ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عالم الثواب والعقاب.
الرابع: حرمة الإعراض عن رسالته صلى الله عليه وآله وسلم بعد اقامة الأدلة على وجوب التصديق بها لأنها من عند الله.
الخامس: اعتبار العدالة بلحاظ الإيمان، وعدم الإعراض والجحود.
السادس: تعدد الدلائل والحجج لذا جاءت الإشارة اليها بـ(ذلك).
السابع: مجي الآية بصيغة الشرط والجزاء لتكون من آيات الوعيد والتخويف.
الثامن: لم يأتِ الوعيد الا بعد البيان وأخذ الميثاق من الأنبياء، والعهد والإقرار من الناس.
التاسع: لغة الذم والتقبيح لمن يتولى عن التصديق بالنبوة.
العاشر: التحذير ممن تولى، وأخذ الحائطة منه ومن مكره.
الحادي عشر: تبين الآية في مفهومها كثرة اهل الإيمان، من وجوه:
الأول: بيان وقوع الإقرار من الناس كما في الآية السابقة.
الثاني: شهادته تعالى على الناس التي هي عون على حصول الوفاء بالعهد والذي أختتمت به الآية السابقة [وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ].
الثالث: تعدد الدلائل والمدد الإلهي علة لهداية اكثر الناس الى الإيمان بالنبوة.
الرابع: وصف الجاحدين بالتولي، وفيه اشارة الى اعراضهم عن الحق بعد ثبوته ومجيء الإقرار لتوكيده.
وكثرة المؤمنين لا يعني قلة عدد الكافرين بالنبوة لذا جاءت الآية بذمهم على نحو الجمع والتعدد ووصفتهم بانهم (الْفَاسِقُونَ).
الخامس: افادة حصر الفسق والخروج عن الدين بالتولي عن النبوة لأنه جاء بعد الإقرار وأخذ العهد، بالإضافة الى الآيات المصاحبة لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي جاء بها، وهي شاهد سماوي على صدقه، وتدل الآية على ان خطابات القرآن للناس جميعاً.
فهذه الآية تتضمن أموراً هي:
الأول: تثبيت اهل الإيمان، وحثهم على مؤازرة ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: عدم السكوت عمن يعرض عن رسالته، ولا يلتزم بمضامين الإعتراف والإخبار بانه يتلقى العقاب الشديد، لأن الآية أشارت الى صفة الفسق بصيغة الذم.
ان وصف الذين يعرضون عن دعوة النبي بالفاسقين يدل في مفهومه على مدح الذين يتعاهدون ميثاق النبوة ويحرصون على التقيد بسنن ومضامين الإقرار، ولزوم نصرته صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا من اعجاز القرآن ان تأتي الآية خاصة بمن تولى عن الإيمان بالنبوة ونصرتها، فلم تأتِ بالتصريح في مدح المؤمنين وبيان كثرتهم ليكون هذا البيان عزاً لهم وتقوية لقلوبهم، بل جاءت في ذم اهل الأدبار والجحود ونعتهم بالفسوق والخروج عن الدين، لأنهم خالفوا مفاهيم ومضامين ميثاق الأنبياء، وهذا الذم يتضمن في مفهومه الاخبار عن ضعف ووهن أهل التولي وخيبتهم وعجزهم عن تحقيق غاياتهم الخبيثة.
وما خالفوه هل هو ميثاق واحد أم متعدد، فيه شعبتان:
الأولى: هو واحد بلحاظ لفظ الميثاق.
الثانية: الميثاق متعدد وهذا التعدد يحتمل وجوهاً:
الأول: كل نبي له ميثاق.
الثاني: المواثيق خاصة بالرسل، والأنبياء تابعون لهم.
الثالث: مواثيق الأنبياء على شعب:
الأولى: مواثيق مرتبة النبوة دون الرسالة.
الثانية: مواثيق الرسل، أي هناك تباين بين الموثق والعهد الذي يعطيه النبي، والموثق الذي يعطيه الرسول، وموثق الرسول أكبر وأكثر في موضوعه وأهم في حكمه وأحكامه لموضوعية الشريعة التي يأتي بها الرسول.
الثالثة: كل رسول له موثق، ويتبعه فيه الأنبياء الذي يعملون بشريعته من بعده، واذا جاء رسول آخر فله ميثاق مستقل.
الرابعة: اختصاص الميثاق بالرسل الخمسة اولي العزم، والأنبياء الآخرون يتبعونهم في مواثيقهم.
والصحيح هو الأول من الشعبة الثانية، فكل نبي له ميثاق، وكل نبي مأمور باعلاء كلمة التوحيد والتبشير ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدعوة الى الإيمان به ونصرته، وهذه البشارة لا تمنع من وجود بشارات أخرى يخبر عنها النبي فهو يبشر بالرسول الذي يأتي من بعده، كما بشر موسى عليه السلام ومن بعده من الأنبياء بعيسى عليه السلام، وهذا التعدد حجة على من تولى وأدبر، لما فيه من التوكيد والتغليظ والبرهان القاطع في صدق النبوة، وما يأتي به الأنبياء من عند الله.
وفي الآية مسائل:
الأولى: الآية تتمة لأحكام الآية السابقة ولكنها تختص بمن تخلف عن العهود والمواثيق.
الثانية: قوله تعالى [فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ] يفيد اقامة الحجة على الناس، وكفاية البراهين التي جاءت بها الآية السابقة في لزوم تعاهد الإيمان وعدم الإعراض والجحود.
الثالثة: استغراق التكليف للناس جميعاً، وعدم استثناء فريق منهم.
الرابعة: عدم جواز التسويف والإمهال والفترة، فيجب على كل مكلف التقيد بأحكام الميثاق والعهد.
الخامسة: بيان حكم تشريفي عام، يتعلق بالجاحدين خاصة، وفيه اكرام للمسلمين وتنزيه لهم عن الفسق.
السادسة: تأديبهم بعدم نعت بعضهم بعضاً بالفسق، لأن ظاهر الآية اختصاص الفسق بالجاحدين الذين يعرضون عن النبوة، وعلى فرض وجود معنى لمفهوم الفاسق اعم فان المسلم لا يجتمع في الخصال مع الجاحد.
السابعة: ارشاد المسلمين لإكرام بعضهم بعضاً وعدم التعدي فيما بينهم، فيكون اجتناب القتال بينهم من باب الأولوية القطعية، قال تعالى [ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ ]( ).
الثامنة: الذم للذين يتولون عن دعوة النبوة خصوصاً وان النبي يأتي بالآيات والبراهين الدالة على صدق نبوته، فمن لم تصله البشارات او انه يجحد بها او تصل اليه محرفة، فان الآيات المصاحبة للنبوة تخاطب العقل الإنساني وتدعوه، على نحو مستقل للإقرار بالنبوة.
إفاضات الآية
لقد أراد الله للإيمان ان يكون صلة تربط العبد بالله تعالى، وملكة تضفي على صاحبها معاني الشرف والعز، وتبعث في قلبه السكينة والطمأنينة، وتجعله يرى بادراك البصيرة ما ينتظره من النعيم والسعادة الأبدية باعتبار ان الإيمان موضوع للإرتباط والتداخل بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وجاءت هذه الآية للزجر عن الغفلة وانشغال القلب عن الإقرار والإعتراف الذي اعطاه الإنسان بايمانه بالنبوة.
وجاءت الآية لتجعل النفوس تنفر من التولي عن الميثاق، وتتجنب انكار الإعتراف، لمبغوضيته الذاتية ولما ينتظر الجاحد، ومن أعرض عن الحق والهداية الذي نعت بالفاسق لبيان صورته القاتمة وما ينتظره من سوء العاقبة، وللإخبار بانه اختار الظلمة على عالم النور، والشقاوة على السعادة باصراره على الجحود بعد الإقرار، والإعراض بعد أخذ العهد، والخروج عن أمر الله.
ومع ما في هذه الآيــة من الـذم والإنذار فانها تدل على حـــب الله عز وجل للعباد كافة ورأفته بهم في هدايتهم للإيمان وتحذيرهم من التردي في الضلالة ومخالفة العهود.
ومن الآيات في باب الفيض الإلهي في القرآن ان آيات البشارة والوعد، وآيات الانذار والوعيد تلتقي في تهيئة مقدمات الايمان، وتقريب العبد الى سبل الطاعة، وهدايته لها، واعانته على النجاة من الجحود والكفر والضلالة.
فما في هذه الآية من بيان لقبح الاعراض وأهله يجعل الانسان حريصاً على اجتناب الذم والنعت بالفسق والضلالة فهي تخاطب العقول وأولي الألباب، وتدعو الانسان لأن يكون حريصاً على تعاهد الايمان ومواثيق النبوة، وبلحاظ طبائع الانسان الاجتماعية وحبه للغير خصوصاً الرحم القريب فان الآية دعوة لحث الآخرين على اجتناب التولي والاعراض عن النبوة، فالناس على أقسام:
الأول: من يدرك وجوب حفظ المواثيق وتعاهد البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه ونصرته.
الثاني: من يحتاج الى من يهديه ويعينه الى سبل الايمان، وهذه الآية من اسباب الهداية بالاضافة الى تعضيدها بقيام المؤمنين بحث الأقربين على الايمان، وزجرهم عن الاعراض، ومنهم من يصر على الجحود والمعصية.
الثالث: يتعظ فريق من الناس بالانذار ولغة التخويف والوعيد، فجاءت هذه الآية فيضاً إلهياً ودعوتهم لجذبه للايمان، وعدم مؤاخذتهم على الحاجة لتعدد الوسائط للهداية والصلاح.
التفسير
قوله تعالى [فَمَنْ تَوَلَّى]
جاءت الآية بصيغة الشرط وتتضمن التحذير والوعيد، وهذا الشرط جامع لأفراد الزمان الطولية، فهو شامل للزمن الماضي والمضارع والمستقبل، ولا يضر به مجيؤه بصيغة المضارع، لأنه فعل شرط، وان كان الفعل الماضي يقع شرطاً او جواب الشرط كما في قولك “ان صام المكلف فاز” فجاء صام مبنياً على الفتح في محل جزم، باعتبار ان الفعل الماضي لا محل له من الإعراب أي ان عوامل النصب والرفع والجزم لا تؤثر فيه.
واستيعاب صيغة الفعل للأزمنة الثلاث دعوة للناس لإجتناب التولي عن النصرة من وجوه:
الأول: اخذ الميثاق على الأنبياء واقرار الناس بوجوب الإيمان بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته والذي يدل على التوكيد والتشديد في لزوم نصرته وعدم التفريط بالأمر الإلهي.
الثاني: مجيء هذه الآية بصيغة الإنذار لإجتناب الإعراض عن النبوة.
الثالث: التولي عن نصرة النبوة قبيح ذاتاً.
الرابع: إجتمع في المقام أمران:
الأول: مفهوم الآية السابقة الذي يدل على الزجر عن الإعراض عن كل من:
أولاً: مضامين هذه الآية.
ثانياً: الإقرار الشخصي والنوعي الذي اعطاه الناس بوجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
الثاني: الشهادة العامة على الإقرار بالنبوة والنصرة.
الخامس: تفضله تعالى بالشهادة ولزوم الخشية من الله عز وجل واجتناب مخالفة شهادته وان يرى العبد في حال من الجحود منافية ومغايرة لما أقر وأعترف به من المواثيق والعهود.
السادس: عموم الشهادة واطلاقها، وحضور الناس والخلائق في الآخرة للشهادة على الإنسان هل وفى بمضامين الإقرار، أم خالفها وأعرض عنها.
السابع: الغبطة والسعادة في الآخرة لمن اخلص واوفى بمضامين الإقرار وآمن بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والخسارة والعذاب لمن يتولى جاحداً ويعرض معانداً.
الثامن: تتضمن الآية عظيم فضل الله تعالى على الناس، فلم يأت الانذار الا بعد اقامة الحجة وحصول الاقرار، واعتراف الناس بالبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التاسع: وجود المقتضي للايمان بخاتم النبيين وانعدام المانع، فلغة الانذار والوعيد في هذه الآية كاشفة عن عدم وجود عذر لاي انسان بالتخلف عن الايمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، وهذا من اعجاز القرآن والمدد والتوفيق الالهي لمن يختار سبل الايمان والرشاد، فالتولي في حال وقوعه يحتمل اموراً:
الاول: اختيار الاعراض، عن دعوة الحق واحكام العهود.
الثاني: اتباع الهوى واغواء الشيطان واصحاب السوء.
الثالث: اثر التحريف والتغيير والتبديل في البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومضامين الكتب السماوية.
وجاء ذكر التولي بصيغة الذم من وجوه:
الاول: لما فيه من مضامين الصدور عن الهوى وعدم الرشاد.
الثاني: قيام الحجة على الانسان بلزوم الوفاء بالعهد والتقيد باحكام الاقرار.
الثالث: التولي مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها من الاقرار بالحق والوفاء بالعهود والتقيد بالمواثيق.
الرابع: التولي الشخصي يضر الذات والغير فتشمله عمومات قاعدة لاضرر ولاضرار، لقبح الاضرار بالذات ولزوم اجتناب ايذاء الأخرين، والتولي يضر صاحبه في الدنيا والآخرة لذا جاءت خاتمة الآية بوصفه بالفاسق، ويتضمن هذا الوصف التبكيت والتقبيح.
الخامس: التولي اعم من الاعراض لانه عبارة عن الانكار والعناد والاصرار على عدم التقيد باحكام الميثاق ومنها البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تتجلى اهميتها وموضوعيتها باداء الفرائض والطاعات التي جاء بها القرآن النازل من السماء.
وجاءت الآية بذكر التولي على نحو الحصر والتعيين، ويحتمل امرين:
الاول: وجود برزخ وسط بين الوفاء بالعهد وبين التولي.
الثاني: عدم وجود واسطة بينهما، فكل مكلف ليس له الا ان يختار احد أمرين، اما الوفاء بالعهد، واما التولي والاعراض.
والصحيح هو الثاني، لذا جاءت الآية بالزجر عن التولي بوصف صاحبه بالفسق والتحذير منه، وفيه اشارة الى حسن التقيد باحكام الاقرار لانه اعتراف بالحق وسبيل للنجاة في الدارين.
وتبين الآية حب الله للعباد بان دعاهم الى الايمان باوثق واغلط المواثيق كي يخلصوا في طاعته، ويبذلوا الوسع في سبل الهداية والإيمان، ومن حبه تعالى تعدد وجوه الضمان للتقيد بالإيمان والتصديق بالبشارات، وتفضله بأخذ ميثاق الانبياء ليكون عوناً للناس جميعاً لاختيار الإيمان بكلمة التوحيد والتصديق بالنبوات.
وجاء لفظ الآية صريحاً بذكر صيغة التولي وما يعنيه من الادبار والاعراض وفيه وجوه:
الاول: جاء الإدبار بعد اقامة الحجة على الناس.
الثاني: التولي هنا كالاستثناء من ذات الشئ، والمستثنى أقل من المستثنى منه، وفيه وجوه:
أولاً: اعتبار ان الاصل هو قيام اكثر الناس بالوفاء بالعهد والاقرار بالنبوة.
ثانياً: كثرة الكافرين في بعض الأزمنة لا يدل على كثرتهم وغلبتهم في الناس واجيالهم المتعاقبة.
ثالثاً: الآية بشارة على سيادة الإسلام وكثرة اهل الإيمان، واخبار عن كثرتهم ورجحان كفتهم في شطر وأفراد من الأزمنة السابقة ايضاً.
رابعاً: ليس المدار على الكثرة والقلة، بل ان اختيار الحق والإهتداء للإيمان هو الأرجح والأقوى.
خامساً: لم تأتِ الآية وفق قواعد الإستثناء كون الكثرة في طرف المستثنى منه دون المستثنى.
والوجوه الأربعة الأولى صحيحة، والخامس لا دليل عليه، فالإستثناء في الآية من اعجازها وهو بشارة وسكينة للمسلمين.
الثالث: جاءت الآية بصيغة الشرط، وفيه لطف من الله وتحذير لما في الشرط من الترديد بين الوقوع واللاوقوع، لان التولي خلاف الأصل بقرينة ما فيه من الذم والتقبيح، والله يحب للناس جميعاً الايمان.
ترى ما يعنيه التولي في الآية، فيه وجوه:
الاول: عدم الالتفات الى ميثاق الأنبياء، ودعوتهم لطاعة الله.
الثاني: الجحود بالاقرار وانكار الاعتراف بلزوم الايمان ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووجوب نصرته.
الثالث: الاعراض عن البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم تعاهدها.
الرابع: عدم الانتفاع من الآيات التي جاء بها الانبياء ومضامين الكتاب والحكمة النازلة من عند الله.
الخامس: التولي عن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للاسلام حين بعثته وهو من اهم مصاديق التولي في الآية الكريمة، وكأن التولي قبله من مقدمات واسباب الحرام، اما التولي ايام بعثته صلى الله عليه وآله وسلم فهو عنوان الجحود والاستكبار ومخالفة العهود.
السادس: الادبار عن دعوة الحق وخطابات الأنبياء وسعيهم لاقامة صرح الدين.
السابع: عدم نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والانبياء الأخرين في جهادهم.
الثامن: الاعراض عن ذكر الله، واختيار الجحود والصدود.
التاسع: محاربة الانبياء وهم يجاهدون في سبيل الله ويدعون لطاعته.
العاشر: الاعراض عن المسلمين في دعوتهم الى الاسلام واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعمل باحكام الشريعة.
ولا تنحصر مضامين الآية وما فيها من صيغ الانذار بفترة ماقبل الاسلام وبعثته صلى الله عليه وآله وسلم بل هي متصلة باقية الى يوم القيامة وهو من اعجاز القرآن وبقاء كل آية من آياته حية غضة طرية.
وعلى فرض عدم وجود من يتولى عن التصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم فهل تبقى موضوعية لمضامين هذه الآية، الجواب نعم من وجوه:
الاول: التحذير والوعيد امر ملازم للحياة الدنيا باعتباره رحمة ووسيلة للصلاح والاصلاح.
الثاني: يدل ذكر التولي وعقابه على النفع العظيم لمن آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصّدقه واعانه.
الثالث: جاء الحكم متكاملاً في الآية ومفهومها بفرعين:
أولاً: الجزاء الحسن على الايمان وما ينتظر اهله من الثواب.
ثانياً: الانذار والوعيد للكافرين
وهذا الحكم من مصاديق وآثار الابتلاء والاختيار في الحياة الدنيا، والوعيد عون للانسان لاختيار ما فيه البشارة والسعادة الابدية وهو الايمان بالنبوة.

قوله تعالى[بَعْدَ ذَلِكَ]
بعد تعيين موضوع التولي والاعراض جاء ذكر القيد وهو (بَعْدَ ذَلِكَ) فلم تأت الآية بلغة الاطلاق بل جاءت بذكر القيد لوجوه:
الاول: بيان فضله تعالى على الناس في هدايتهم للايمان.
الثاني: اقامة الحجة على من ادبر عن دعوة الحق، فالاعراض لم يحصل الا بعد ان جاءت البينات التي تدل على وجوب الايمان بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: قبح العقاب بلا بيان، والآية لتوكيد البيان والاخبار عن وقوعه واجزائه للهداية والمنع من الضلالة.
الرابع: الآية لغة في الاحتجاج، واقامة الدليل على تمام الحجة على الناس بلزوم الايمان والتصديق بالنبوة.
الخامس: في الآية دعوة للتدبر بمضامين الآية السابقة، لان كل فرد منها سلاح ووسيلة مباركة للايمان واجتناب التولي والادبار.
ومن الآيات في المقام ان الايمان جاء بوجوه احدها يعضد ويؤكد الآخر وهي:
الاول: الميثاق والعهد، وبيان قدسية الميثاق بنسبته للانبياء.
الثاني: اتيان الكتاب والحكمة.
الثالث: مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالآيات الباهرات.
الرابع: تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للانبياء السابقين والكتب المنزلة.
الخامس: العهد الالهي بلزوم الايمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
السادس: تفضله تعالى بسؤال الناس عن اقرارهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سؤالاً تقريرياً.
السابع: مجئ الجواب منهم من غير ابطاء او تلكأ او تردد او تأخير بانهم اقروا بوجوب نصرته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثامن: امره تعالى للناس بالشهادة على انفسهم بالاقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشهادتهم ورؤيتهم لآيات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحتمية انتصاره.
التاسع: تفضله تعالى بالشهادة وحضور الإقرار، والله سبحانه حاضر في كل مكان وزمان، يسمع ويرى، فجعل نفسه شاهداً على الإقرار وبلحاظ الآية وموضوع التولي فيه وجوه:
الأول: شهادته تعالى زجر عن التولي، وهذا الزجر آية من آيات الرحمة والرأفة الإلهية بالناس.
الثاني: التخــويف والوعيــد عن الإعراض والتولي، فاذا كان الله عز وجل هو الشاهد فلابد ان الحجة قائمة على الإنسان في النشأتين.
الثالث: تصاحب شهادته تعالى الإنسان في ليله ونهاره، وتكون حاضرة في الوجود الذهني، وتدعوه الى الوفاء بمضامين الإقرار واجتناب التولي والإدبار.
الرابع: بعث الإنسان على الوفاء بالإقرار الذي شهد عليه الله تعالى.
فجاءت الآيات متتابعة تمنع من الجحود والضلالة، ومتعددة في الكيفية والموضوع، كل واحدة منها آية مستقلة تصلح ان تكون برزخاً دون التولي والإعراض لتعدد مضامين الحجة والبرهان وهي على وجوه:
الأول: ميثاق النبيين باعتباره عهدا لأئمة الناس وأممهم المختلفة واجيالهم المتعددة، ولانهم لا يعطون الميثاق عن انفسهم فحسب بل عن اممهم ومن يتبعهم في مللهم السماوية، ومن يجحد به لا عبرة بجحوده لأن الاصل هو الايمان وعدم الصدود، والجحود يأتي عرضاً بعد الاقرار بالميثاق.
الثاني: اتيان الأنبياء الكتاب، ونزول الملائكة بالوحي ومضامين واحكام الشرائع كما ورد في الآية السابقة [لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ]، وفيه اكرام مركب من جهات:
الأولى: تشريف اشخاص الأنبياء بمرتبة النبوة.
الثانية: الثناء على اصحاب واتباع الأنبياء لتصديقهم بالكتاب، وتعاهدهم الامتثال لما فيه من الأوامر والنواهي، وترشح افاضات الحكمة النازلة عليهم في القول والفعل سواء بالأخذ من الكتاب او الاقتباس من النبي، وقد فاز المسلمون بحسن الامتثال والانتفاع من الكتاب والسنة النبوية، وتوثيق السنة القولية والفعلية والتدوينية آية تدل على حرص المسلمين على الاقتداء بالنبي في سبل الحكمة.
الثالثة: النبوة تشريف للناس جميعاً، وشاهد على الفضل واللطف بهم، ومن حلمه تعالى ان علمه بجحود فريق من الناس بالنبوة لم يمنع من نيل نفر من البشر مرتبة النبوة وارسالهم للناس كافة بما فيهم الكفار والمشركين، بدلالة هذه الآية التي تحذر من التولي والاعراض عن النبوة، والمراد من خطاب التحذير هم الكفار، باعتبار ان المسلم لا يجوز له الارتداد والاعراض بعد النطق بالشهادتين.
الثالث: الاقرار العام لبني آدم بالايمان ونصرة النبوة واعطاء العهد والوعد على الوفاء به والتقيد باحكامه، وفيه تخفيف عن الأنبياء وعون لهم بالدعوة الى الله، لأن نيل الأنبياء شرف النبوة وتحملهم لاعبائها لا يسقط التكليف عن أي انسان بالغ عاقل مختار.
الرابع: الشهادة على النفس بوجوب الإيمان بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتغليظ في الشهادة بان الله عز وجل يشهد معهم، ومع كفاية شهادته تعالى فانه تفضل وضم شهادته الى شهادتهم لتكون موضوعية واعتبار لشهادتهم، وفيه دعوة لهم للحرص عليها والخشية من التفريط بها وانكارها، بالاضافة الى لزوم الاستحياء من الله واجتناب الاعراض عن النبوة.
الخامس: التحذير من التولي والصدود عن النبوة، والاصرار على انكار الميثاق والعهد، ويتجلى هذا التحذير في لغة الشرط التي جاءت بها هذه الآية، وما تبعها من الذم والتقبيح والوصف بالفسق الذي لم يأت مجرداً بل يتضمن الانذار بلحاظ الآيات التي تتضمن الوعيد للفاسقين والاخبار عما ينتظرهم من العذاب، قال تعالى [وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ …]( ).
ويكفي وجه من الوجوه اعلاه للحجة في المقام والزجر عن الاعراض الشخصي والنوعي، أي اعراض الافراد، والجماعات والملل، ويتحقق اعراض الملل بانكار اسرار التنزيل، واثارة الجدل والريب، وتغيير مضامين البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله، وما ذكر من اوصافه في الكتب السماوية السابقة.
فلماذا اجتمعت هذه الوجوه في هاتين الآيتين، الجواب من وجوه:
الأول: تفضل الله سبحانه باتيانها مجتمعة متفرقة لتكون عوناً لنجاة الإنسان من التولي عن الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: القبح الذاتي للتولي والاعراض بالاضافة الى كونه سبباً لاستحقاق العقاب الأليم بعد إقامة الحجة والبينة.
الثالث: التعدد لطف إلهي لأنه سبب اضافي للمنع من الاعراض والتولي.
الرابع: تعدد وجوه الحجة الواقع والحق والصدق، فمع وجود المقتضي وفقد المانع جاء ذكر الوجوه المتعددة للحجة والبرهان.
الخامس: تحذير الانسان من الوقوع في الهلكة والضلالة، واعانة أهل الجحود على التخلص من العناد والاصرار، وجذبهم الى منازل الايمان.
وصحيح ان الآية جاءت في التخويف من التولي والتحذير من الجحود الا انها وسيلة لتثبيت الإيمان في النفوس وجعله امراً متوارثاً في مجتمعات المليين، وهذا من الإعجاز القرآني ان يأتي التخويف لتوكيد حقائق التنزيل، وتصديق الآيات والبراهين، واثبات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واعداد اهل الإعانة والنصرة.
وجاء اسم الإشارة (ذلك) لبيان البعد، وفيه وجوه:
الأول: ارادة التفخيم والتعظيم لآيات التوثيق والعهد التي اخذها الله على الناس للإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: بيان التعدد في الحجج لأنه لو كانت حجة واحدة لإشارت لها الآية على نحو التعيين، اما وقد تعددت البراهين والحجج جاء اسم الإشارة (ذلك) للدلالة عليها.
الثالث: الآية دعوة للتدبر بالمواثيق التي أخذها الله على الناس، واعتبار تعددها، وموضوعية كل فرد منها واثره في اصلاح الذات الإنسانية وتهيئة العبد لتلقي البشارات وتعاهد الإيمان بالنبوات الذي هو طريق للإقرار بالعبودية لله تعالى، ومانع من الغلو في اشخاص الأنبياء او الإفتراء عليهم، فمتى ما أدرك العبد ان بينه وبين الله واسطة كريمة فانه يكرم هذه الواسطة، ويحرص على التقيد بما جاء به الأنبياء من عند الله من الشرائع والأوامر والنواهي، ومن الآيات في المقام ان اسباب الإختيار التي جعلها عند العبد ليست متساوية بل ان المدد والعون الإلهي لإختيار الإيمان بالنبوة ظاهر في هذه الآيات.
الرابع: في الآية حث على التفقه في الدين، ولا يخرج صدور الحجة والبرهان عن الأنبياء من مضامين اللطف والفضل الإلهي، لأنهم لم يتكلموا الا بالوحي والتنزيل والتوفيق الإلهي، كما انهم الأسوة في اعطاء الميثاق والعهد، ومن اللطف مجيء هذه الآية الكريمة لتثبيت اهل الإيمان، وبعث الخوف والفزع في قلوب الكاذبين والجاحدين.
وجاءت الآية بذكر التولي والإعراض بصيغة الذم، لإجتنابه وجعل النفوس تنفر منه، وهذه النفرة على وجوه:
الأول: نفرة المؤمنين من التولي والإعراض، وتكون على شعب:
الأولى: بغض التولي والإعراض لأنه خلاف حكم الشرع والعقل، وفيه عناد واصرار على الكفر والجحود.
الثانية: النفرة ممن يتولى لأنه يخالف تكليفه الشرعي، بعد ان قامت عليه الحجة والبرهان بلزوم الايمان بالله عز وجل ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: ذم التحريف واسباب التولي والاعراض، وكراهية ما يمنع من الايمان بالنبوة.
الثاني: حرص الناس على اجتناب التولي والاعراض لانه خلاف الفطرة الانسانية والدلائل والبراهين.
الثالث: كراهية اهل الجحود لموضوع التولي، فتراهم يعرضون عن الآيات ولكنهم يشعرون بالتقصير والذنب عند اقتراف الأعراض باعتباره أمرا وجوديا، وفرع القصد المذموم .
الرابع: البغض وكثرة اللوم بين اهل التولي أنفسهم، فكل واحد يلوم صاحبه من وجوه:
الاول: سوء الاختيار وترك جادة الحق والاستقامة والايمان.
الثاني: اعانة احدهم الاخر على التولي او الاقامة في منازله.
الثالث: كل فرد منهم يظن ان الاخرين سبب ومــانع من رؤيتـه لما في التولي من القبح والأذى واعتباره حاجزاً دون الانابة والتوبة، لا اقل ان وجود الجماعة معه على الضلالة مانع من التدبر في الآيات والبشارات.
ولم تقل الآية (مع ذلك) بل جاءت بلفظ (بعد ذلك) ويأتي للدلالة على الشيء الاخير، كما تقول هذا بعد هذا، ومجئ البراهين والحجج والمواثيق والإخبار عن الإقرار والايمان بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم، وصيغ الانذار والتحذير من الاعراض عنها، دعوة للناس للتقيد بالمواثيق، ولفظ (بعد) يفيد تمام الحجة على الناس وعدم امكان الاعتذار بالجهل وعدم العلم، خصوصاً وان الحجج جاءت بصيغة الاطلاق كما في الاقرار واخذ العهد والشهادة.
بحث عقائدي
الإنسان كائن قائم بذاته، يستطيع ان يؤدي افعاله أو شطر منها على نحو الإستقلال من غير سلطان او تأثير لغيره عليه، فالأبوة والإجارة ونحوها امور لا تمنع من اختيار الإنسان لنوع الفعل الذي يريده، وحتى دخول السجن لا يأتي على جميع آنات الإنسان، ويمنع من اختصاصه بجانب من افعاله، لذا جاءت الفرائض العبادية حجة على كل انسان لأنها ضمن مقدوره واستطاعته.
وهذا الشأن والاستقلال فرع اكرام الله للانسان، ومصداق من مصاديق الخلافة في الارض، فحينما جعل الله الانسان خليفته في الارض تفضل بجعله قادراً على الاختيار والفعل عن نية وقصد، وجعل الثواب والعقاب مترتبين على الفعل الذي يأتي عن اختيار، ليكون التزام الانسان بعبادة الله شاهداً على أهليته لخلافة الارض بلحاظ غلبته على النفس الشهوية وحب الدنيا، ووسوسة الشيطان.
وقوله تعالى [فمن تولى] توكيد لقدرة الانسان على الاختيار، وحجة على من يقوم بالاعراض والتولي عن الايمان والاقرار بالتوحيد والنبوة، وهي مدرسة في المعرفة الإلهية تتضمن الاخبار عن قبح اختيار الكافرين للتولي والاعراض، وانه لم يتم عن غفلة وجهالة، بل عن اصرار وعناد، وبعد ان جاءت الآيات والبراهين التي تكفي لجذب الناس الى الهداية والايمان، بالاضافة الى المقدمات الذاتية والعامة التي تساعد الناس على اختيار منازل الايمان.
وهذه الآية ليس من الإستثناء، وما فيه من الدلائل والمعاني، ولا من الإستدراك، بل تشمل التقسيم العقائدي للناس ولكن فردي هذا التقسيم ليسا بعرض واحد، لذا جاء ذكر الميثاق والإقرار والشهادة في الآية السابقة، ثم ذكرت هذه الآية الذين يقرون بالحق والصدق ثم يعرضون عما اقروا واعترفوا به، وجاءت بصيغة الشرط ولغة المضارع، وفيه نوع تحذير وانذار، كما انه مناسبة للتدارك والرجوع الى مضامين المواثيق والعهود.
ومن البديع والإعجاز في الآية ان تأتي بصيغة المضارع وفيها اشارة الى أصل الإيمان وانه دين الفطرة والى ما اخذ على الناس من المواثيق والعهود في عالم الذر واعتبار ان الأصل في الإنسان ان يلتزم بالمواثيق والعهود، ويتقيد بما امره الله عز وجل، ومن الإعجاز في لغة الشرط في المقام دلالتها على ولادة الإنسان على عدم التولي والإعراض، وانهما امران عرضيان يأتيان خلاف الأصل والمعهود من الإنسان.
والفطرة ليست أمراً عرضياً، بل هي نعمة اضافية، وتخفيف عن الانسان وحجة عليه، وحاجب دون رســوخ مفاهيــم الشرك والضلالة في النفس او المجتمع، لأنها ليست عرضاً زائلاً يغادر الانســان في زمــان او حال مخصوصة، بل ان آثارها ثابتة عند الانسان لا تغادره حتى عند اختياره التولي والاعراض، اذ ان فطرة الهدى والايمان باقية، تدفع الانسان عن صحــراء التولي والجحــود لاعادته لمنازل الايمان، وتنفي عنه النفرة منه او الوحشة في سبله، والعودة الى الاصل اسهل على الانسان من اختيار الجديد المجهول، فكيف اذا كان الاصل موافقاً لاحكام التكليف وادراك العقل، والجديد منافياً للفطرة ودلالة الآيات والبراهين.
بحث بلاغي
جاءت الآية بقوله تعالى [فَمَنْ تَوَلَّى] و(من) لا تأتي الا اسماً، وفيها وجوه:
الأول: تكون موصولة بمعنى (الذي) كقوله تعالى [إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] ( ).
الثاني: ترد (من) للإستفهام كما في قوله تعالى [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ]( ).
الثالث: تأتي نكرة موصوفة كما في قوله تعالى [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ]( )، اي ان جماعة او فريق من الناس يطلب ويقصد لهو الحديث.
الرابع: تأتي (من) اسماً للشرط، كما في هذه الآية ومن اسرار اللفظ القرآني انه اعم من التقسيم الإستقرائي الذي اعتمده النحويون واعتبر قاعدة كلية، فمن في المقام يحمل شائبة ومعاني الاسم الموصول والنكرة الموصوفة والإستفهام ولو على نحو الموجبة الجزئية إلى جانب الشرطية ليكون معناه ومضامينه القدسية متعددة.
وتختص (من) بالعاقل في مقابل (ما) التي تأتي غالباً لغير العاقل، ومن اسرار هذا التقسيم اللغوي كثرة مجيء (ما) في الكلام واستعمال الألفاظ في معاني غير العاقل اكثر منه في العاقل فلذا جاءت الآية بالاسم (مَن) لتوكيد حقيقة وهي ان اختيار التولي لا يكون الا مع العقل وفيه نكتة وهي قيام الحجة على من تولى عن النبوة عن رضا وعدم اكراه مع انقياد جميع الخلائق لله تعالى كما سيأتي في الآية التالية، ولا يخلو من توبيخ لأن الله عز وجل مدح الخلائق على الانقياد له ومدح ذات السماوات والأرض بقوله تعالى [ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ]( ).
وتذكر الآية الإنسان بنعمــة العقل والقــدرة على التميــيز التـي جعلها الله عنده، ولزوم توظيفها في اختيار الإسلام وعدم الإعراض والجحود.
وتستوي (من) في المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، وهو من اسرار استعمالها في المقام، فلغة التوبيخ والتبكيت الواردة في الآية لا تنحصر بالذكور من المكلفين بل تشمل الناس جميعاً، رجالاً ونساء، وفيه تحذير للنساء واخبار لهن بان عليهن مثل ما على الرجال من التكاليف الا ما خرج بالدليل، وهو مفقود في المقام، فعلى النساء التقيد باحكام المواثيق والعهود التي قطعنها على انفسهن وشهادتهن بصدق النبوة.
وهو من اسرار تضمن خاتمة الآية لغة الانذار والتحذير ومجيئها بصيغة الجمع (فاولئك هم الفاسقون) ومع ان لفظ الفاسقين جمع مذكر سالم الا انه يشمل النساء ايضاً لإصالة اطلاق التكليف، ولغلبة التذكير عند ارادة المذكر والمؤنث معاً.
مصطلح بلاغي جديد
من وجوه البديع في القرآن ان يأتي الذم والتوبيخ لأهل الجحود والمعاصي، بما يفيد المدح والثناء للمؤمنين ويمكن ان نطلق على هذا الوجه من البديع “المدح بالمفهوم” فالآية لا تدل في منطوقها على مدح المؤمنين لأن موضوعها يتعلق بمن أعرض وتولى عن الإيمان، ولكنها تدل في مفهومها على مدح كل من تقيد باحكام الميثاق وحرص على الوفاء بما عاهد الله عليه، وحافظ على أحكام الإقرار بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم نصرته واعانته.
ومن الآيات الإضافية في هذا الباب ان الآية لم تذكر قوماً او ملة على نحو الخصوص، فجاءت بصيغة الشرط وافادة التعليق في الحكم، وفيه دلالة على رجاء دخول الناس في الإيمان واجتنابهم الإعراض، والفسق والخروج عن الدين.
فتجتمع هذه الآية والآية السابقة في مدح المسلمين الذين ينقادون لأحكام الشريعة، الأولى في منطوقها والأخرى في مفهومها، كما يشتركان في ذم الكافرين والمعاندين ولكن بالعكس، فالأولى في مفهومها، والآية محل البحث في منطوقها، ولكن دلالة مفهوم هذه الآية على مدح المؤمنين ابين وأوضح، والعلة فيه دلالة مفهوم الآية السابقة على ذم الكافرين، لأنها جاءت على الأصل وبلحاظ الخطاب التكليفي وهداية الناس للإيمان وتغليظ المواثيق عليهم بما يمنع من توليهم واعراضهم وموضوعات هذا الباب متعددة، منها مدح الكرم بذم الشح، والشجاعة بذم الجبن، وحسن الخلق ببيان قبح ذمائم الأخلاق.
مصطلح بلاغي جديد آخر
من وجوه البديع الإلتفات وهو الإنتقال من اسلوب الى آخر في صيغة الكلام وجهة الخطاب، فينتقل المتكلم من لغة الخطاب الى الغائب او بالعكس، ومن منافعه دفع الضجر، وطرد السأم وجذب السامع وجعله ينصت بتدبر، ومن أسرار آيات القرآن ان يأتي فيها الى جانب الإلتفات اسلوب الإنتقال من صيغ الوعد الى الوعيد، او بالعكس، ويمكن ان نسميه اصطلاحاً (الإنتقال) وفيه تأديب وارشاد وتعليم وزجر عن المعاصي، وهداية لفعل الصالحات من غير خروج عن صيغ البلاغة وسنن البديع، والنسبة بين الإنتقال والإلتفات العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: الإنتقال من صيغة الى أخرى.
الثاني: صيانة السمع من الملل والضجر.
الثالث: الحث على الإنصات والإستماع، اما مادة الإفتراق فهي على وجهين:
الأول: يختص الإلتفات بالبلاغة، اما الإنتقال فهو أعم ويشمل الى جانب البلاغة العقائد والأخلاق وغيرها بحسب الموضوع والدلائل، فالنسبة بينهما هنا العموم والخصوص المطلق.
الثاني: الإلتفات انتقال في صيغة الخطاب من المخاطب الى الغائب او بالعكس، اما الإنتقال فيتضمن الإنتقال مثلاً من الوعد الى الوعيد، ومن البشارة الى الإنذار او بالعكس.
وتبقى موضوعات الإنتقال عالقة في الذهن ومن منافع الإنتقال دعوة الإنسان للتدبر والإعتبار والقيام بالمقارنة بين المنتقل منه والمنتقل اليه.
علم المناسبة
ورد ذكر التولي في آيات عديدة من القرآن تتضمن بيان قبحه، ولزوم الحذر منه، وعدم وجود أي سبب للاعراض والتولي الا العناد والاستكبار واتباع النفس الشهوية والغضبية، وقد جاء التولي بصيغة الفرد كما في فرعون حينما جاءه موسى عليه السلام بالحجة الباهرة، قال تعالى [ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ]( ) وبلحاظ معنى الركن وانه الجنود يكون الحاصل هو التولي المتعدد، وصيغة الجمع هي الأكثر في ورود موضوع التولي في القرآن، كما في قوله تعالى [فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ).
وجاءت آيات التولي بذم اهله الا انه لم يرد فيها ماورد في هذه الآية من وصفهم بالفسق وما يدل عليه من مضامين التوبيخ والتبكيت والتقبيح، ليكون المؤمن على حذر منهم، قال تعالى [فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا]( ).
ومن الآيات ان كلاً من لفظ (تولى) و(تولوا) ورد عشرين مرة في القرآن، ولكن اللفظ لم يرد دائماً بمعنى الاعراض والجحود، بل ورد التولي في بضع آيات منها بمعنى اجتناب الباطل، وترك أهل الجحود، وهذا الترك مقدمة وجزء من الانقطاع الى الله تعالى، كما في شعيب واعراضه عن المكذبين بعد قيامه بالتبليغ والانذار، قال تعالى [فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي …]( ).
كما جاءت الآيات بالوعيد والاخبار عن العذاب الاليم الذي ينتظر من تولى، قال تعالى[لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى *الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى] ( ).
مما يدل على اقتران التولي بالتكذيب وانه لم يأت عرضاً او عن جهالة، وهذا من آيات الحجة في القرآن، اذ انه يقيم على اهل التولي الحجة والبرهان بانهم تعمدوا التكذيب واختاروا التولي عن قصد لذا جاءت الآية بذمهم ووصفهم بالفاسقين، فليس هناك من يتولى عن غفلة ونسيان، واسباب الغفلة والجهالة معدومة، لأن الآية السابقة جاءت بتوكيد الاقرار على الايمان بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
كما تدعو الآية المسلمين الى اليقظة والحذر من الذي يتولى خصوصاً اذا كان له سلطان وشأن، ففي فرعون قال تعالى [فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى]( )، بالاضافة الى التحذير الذي تدل عليه الآية محل البحث بنعت الذين يتولون عن دعوة الانبياء والبشارات بالفسق وما فيه من اسباب قيامهم بالتعدي.
وتبين الآيات شطراً من العقاب العاجل لمن يعرض عن الآيات والبراهين والمواثيق الإلهية بنزول ذمه في آيات القرآن، ليكون هذا الذم عنواناً وعلامة سماوية تدل على استحقاقه العذاب الأليم يوم القيامة.
بحث عقائدي بلاغي في (ذلك)
يتكون (ذلك) من ثلاثة حروف، كل واحد منها له معنى، وهي:
الأول: اسم الاشارة (ذا) وهو الاصل في الكلمة.
الثاني: اللام للدلالة على البعيد.
الثالث: الكاف التي تتضمن مفهوم الخطاب.
وقيل ان (ذا) للمفرد المذكر، ولكن معناه أعم ويأتي للمتعدد بلحاظ القرائن، ويمكن التقريب في المعنى والجمع بين الأمرين بارادة الاجمال في اسم الاشارة مع بيان التفصيل في المضمون ولحاظ الوجوه والمواضيع التي يشير لها اسم الاشارة خصوصاً في الآية القرانية وما فيها من المعاني المتعددة وما يتفرع عنها من العلوم، فلاسم الاشارة في القرآن دلالات عديدة وهو دعوة للبحث والتحقيق والاستقصاء، والمراد من اسم الاشارة (ذلك) الوارد في الآية أمور:
الأول: تفضل الله تعالى باتيان نفر معدود من الناس النبوة لما تقدم من قوله تعالى [مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ …]( ).
الثاني: امتناع النبي مطلقاً عن الدعوة لغير الله.
الثالث: اجتهاد الأنبياء في عبادة الله، وفيه دعوة للناس للاقتداء بهم وتأديب لهم.
الرابع: يجتهد كل نبي في زجر الناس عن الافتتان به وعبادته، وهذا الإجتهاد مركب يتجلى بأمور:
الأول: اظهار النبي أسمى معاني العبودية لله بالقول والعمل، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم في عبادة الله واقام الصلاة كما نزل قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ …] ( ).
الثاني: حث الناس على الاقتداء به.
الثالث: منع الناس من الافتتان به، وتوكيد دعوته لعبادة الله تعالى، لذا ورد قبل ثلاث آيات قوله تعالى [وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ] ( ).
الرابع: التذكير المتصل بالتفقه في الدين، ودراسة الكتب السماوية، ومخاطبة العقول بلزوم الامتثال لأوامر الله تعالى.
الخامس: عدم دعوة النبي لاتخاذ الملائكة أرباباً.
السادس: أخذ الله مواثيق الأنبياء عليهم وعلى أممهم.
السابع: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه لما في أيدي أهل الكتاب.
الثامن: أمر الله عز وجل بالايمان به ونصرته، ولم يأت هذا الأمر الا بعد اقامة الحجة عليهم بتصديقه للكتب السماوية.
التاسع: أخذ الاقرار من الناس على نبوته.
العاشر: تعهد الناس لله عز وجل بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته في دعوته الى الله.
الحادي عشر: الالتفات الى حقيقة وهي دلالة الاقرار في تثبيت الاقرار.
الثاني عشر: أمر الله تعالى الناس بالشهادة على أنفسهم.
الثالث عشر: شهادة الله تعالى على الناس في اقرارهم وشهادتهم.
وهذا التعدد حجة اضافية وهو من اللطف الإلهي لكي يعتبر الناس، فمن لا يتعظ بآية وحجة واحدة تأتيه ثانية وثالثة لتذكره بلزوم اجتناب التولي والاعراض.

قوله تعالى [ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ]
جاء الوصف بالذم متعقباً للفعل من غير فاصلة بينهما مما يدل على وضوح واستبانة الحكم وما يستحقه من يتولى من التوبيخ والعقاب، وفيه مسائل:
الاولى: شمول صفة الفسق لكل من اعرض عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتخلف عن نصرته.
الثانية: الملازمة بين الإعراض عن العهد والاقرار بالنبوة وبين الفسق.
الثالثة: شمول الآية لمن اعرض عن سبل الايمان خوفاً من سطوة الكفار، او طمعاً في الدنيا وملذاتها، خصوصاً وان النصرة لها مراتب كلية مشككة وهي على درجات متفاوتة، فيكفي للمعذور ادنى وجوه النصرة، ولا يشترط التشديد في مفاهيم العذر، فيجزي مسماه، كما ان النصرة لم تأتِ بمفردها بل هي مطلوبة مع الإيمان، اما التولي ففيه وجوه:
الأول: الجحود والكفر والصدود.
الثاني: التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن مع التخلي عن نصرته.
الثالث: الإدبار والإعراض عن الدعوة للإيمان بنبوته، ونصرته.
وتترتب على التصديق النصرة والعون، وهل يعتبر التصديق نصرة ذاتية في قرارة نفس الإنسان، الجواب نعم، ولكنه ليس من مصاديق النصرة المطلوبة في الآية المتقدمة وتصدق النصرة على اداء العبادات والفرائض لما في هذا الأداء من تثبيت لدعائم الدين.
الرابعة: تدل الآية على الضرر النوعي للتولي وان جاء على نحو القضية الشخصية، فمن يتولى يخرج عن طريق الحق، ويضر نفسه وغيره من ذريته، ومن هم حوله، واهل الفسق انفسهم لأنه يحثهم ضمناً على البقاء على الإدبار والإعراض عن الآيات.
كما يأتي الفسوق بمعنى الفجور (فسق يفسق فسقاً وفسوقا: أي فجر)( )، والفاسقون جمع فاسق، ووصفت الآية الذي يعرض عن الإقرار والشهادة على الإيمان ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانه فاسق وفيه وجوه:
الأول: التولي عن الإيمان بنبوته خروج عن الدين.
الثاني: التولي والإدبار عن مبادئ الإيمان، وترك أمر الله عز وجل الذي جاء في الآية السابقة، بقوله تعالى [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ].
الثالث: الجحود بالبشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم معصية.
الرابع: ذكر ان أصل الفسق الخروج عن الإستقامة والحق، فالتولي عن النبوة ميل عن الحق، وخروج عن الأصل.
الخامس: يأتي الفاسق بمعنى الفاجر، لذا يقال للفواسق من النساء، الفواجر، مما يدل على ان التولي فجور، وهذا الفجور على وجهين:
الأول: ذات التولي عن الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق بها فجور.
الثاني: التولي مقدمة الى الفجور والوقوع في المعصية.
ولا تعارض بين الوجهين، وكلاهما من مصاديق الآية الكريمة، وهذا التعدد يدل على الضرر والأذى من التولي.
واستحق أهل التولي والإدبار عنوان الفسق والخروج عن طاعة الله من وجوه:
الأول: مخالفتهم مضامين ميثاق الأنبياء.
الثاني: نقضهم للعهد الذي قطعوه على أنفسهم، قال تعالى [وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي] ( ).
الثالث: مجيء الإدبار والإعراض بعد الإقرار، وتوكيده، والشهادة على النفس بوجوب نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته هو الطريق المستقيم، وسبيل الصلاح.
الخامس: التولي عن النبوة افساد في الأرض، وتضييع لأحكامها، وتفريط بما جاءت به من البشارات.
علم المناسبة
لقد ورد لفظ الفاسقين بصيغة الجمع في القرآن (35) مرة تتضمن الذم والتقبيح لأهل الكفر والضلالة، وتبين سوء عاقبتهم وما ينتظرهم من العذاب، ويمكن استقراء معنى الجحود والكفر للتولي بلحاظ الجمع بين الآيات، قال تعالى [ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ]( )، كما تحذر الآيات من الإنصات لشبهات من تولى عن آيات النبوة وجحد بها، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا]( ).
وجاءت الآيات بالإعراض عن اهل التولي والإدبار وعدم الحزن عليهم لأنهم اختاروا الضلالة بعد اقامة الحجة عليهم، قال تعالى [فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ]( ).
كما تحذر الآية ممن يتولى ويدبر، ومن كان منافقاً ويظهر غير الذي يخفيه، قال تعالى [يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ]( )،
ان وصف الإنسان بالفسق عنوان للذم والحذر منه، وفي الآية وجوه:
الأول: بين التولي عن النبوة والفسق عموم وخصوص مطلق، فكل من تولى هو فاسق، وليس العكس فقد يصدق وصف الفاسق على غير الذي تولى عن المواثيق والعهود والنبوة.
الثاني: ذات النسبة اعلاه مع التباين في طرفي القياس، فكل فسق هو تولي وليس العكس، فقد يكون هناك متول عن النبوة ومواثيقها ولكنه لا يعتبر فاسقاً، وكل من يصدق عليه انه فاسق فلابد انه متول وجاحد بالنبوة.
الثالث: النسبة بينهما هي التساوي، فالتولي هو الفسق.
الثالث: بينهما عموم وخصوص من وجه، فهناك مادة للإلتقاء بين التولي والفسوق، ومادة للإفتراق.
والأصح هو الأول، فكل من تولى عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأعرض عنها بعد المواثيق والعهود والإقرار هو فاسق، ولكن لفظ الفسق تدخل تحته مصاديق أخرى.
فلا يعني حصر الفسق بالتولي والإعراض عن الآيات، ولكنه دليل على سوء السريرة، وقبح الفعل الذي يقوم به اهل الإدبار والجحود.
ويدل نعت الآية وموضوعها لمن تولى عن النبوة بالفسق في مفهومه على لزوم التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى وما جاء به الأنبياء، وفيه اشارة الى اجتماع اهل النفاق والإدبار والكفر في منازل الفجور وقيامهم بايذاء المسلمين، وان الإعراض عن نصرة النبوة بعد العهد والإقرار مذموم بذاته، كما انه سبب لفعل المعاصي والسيئات.
وجاء الإنذار والوعيد لمن تولى كي ترى الملائكة تفضله تعالى بتأهيل الإنسان لخلافة الأرض، وانه سبحانه لم يخلقه ويتركه سدى، بل بعث له الأنبياء مبشرين ومنذرين، ومن وجوه البشارة ان بعضهم يبشر ببعض، ويجتمع الكل في البشارة بسيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون الإيمان برسالته طريقاً لنيل السعادة الأخروية، فترى الملائكة والخلائق كيف ان الله سبحانه ينذر الناس من الإدبار والإعراض عن نبوته، ولم يأتِ هذا الإنذار الا بعد المواثيق والعهود والإقرار المتكرر كي تدرك ان التولي لا يغلب على عموم اهل الأرض، فلابد من وجود امة مؤمنة تتقيد بأحكام المواثيق والعهود، وتتحمل الأذى والمشقة من غير ان تتخلى عن مضامينها.
وهل التولي أمر وجودي ام عدمي، الجواب انه أمر وجودي يتم عن نية وقصد، لأن الإدبار لم يأتٍ الا نكولاً وتعدياً ونقضاً للميثاق والإقرار.
لذا فان الآية لا تقف عند حدود الوصف بالفسق، بل انها دعوة للبحث والتحقيق عن مضامين الفسق وما يؤدي اليه من سوء القصد وقبح الغاية.
وورد قوله تعالى [ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] خمس مرات في القرآن، ومثل هذا العدد ورد في قوله تعالى [ َاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ]، وهذا التوافق العددي آية اعجازية، وشاهد على استحقاق الفاسق عدم الهداية، وشمول الفاسقين بهذا العقاب لسوء اختيارهم الا من تاب وأناب ورجع الى مضامين الميثاق والعهد فانه لا يبقى من زمرة الفاسقين ولا تشمله أحكام الآية والتي جاءت لانقاذ الناس من براثن التولي، وما يؤدي اليه من الاضرار الدنيوية والاخروية على الذات والغير وفي الميادين المختلفة، وتدل الآيات التي ورد فيها [ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] على سوء فعلهم وذميم اخلاقهم وما ينتظرهم من العقاب الأليم.
قانون عقاب التولي
كما جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار فانه سبحانه جعل الآخرة دار حساب وجزاء فيثيب فيها المؤمنين ويعاقب الكافرين، ومن الآيات ان الله لم يجعل الإنسان يختار بنفسه الإيمان او الكفر بل اعانه وهداه الى طرق الإيمان وسبل الخير.
وجاءت الإعانة بصيغ يختص بها الخالق عز وجل ولا يقدر عليها احد غيره، فاعانته تعالى تتمثل في زجر العبد عن اسباب العقاب، كما تجلت في هذه الآية، اذ ان الله عز وجل اخذ عليه العهود والمواثيق بوجوب الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته،واعلان الاستعداد لنصرته واعانته وعدم خذلانه واشهده على نفسه، كل هذا التوكيد والتغليظ في المواثيق من اجل منفعة العبد نفسه، لكي يعتبر ويتعظ، ويخشى التولي والادبار من وجوه:
الاول: اعطاؤه العهد والميثاق.
الثاني: التولي مخالف لحكم الشرع وادراك العقل لزوم الايمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته بعد مجيئه بالآيات الباهرات.
الثالث: صيغ الاقرار والعهد التي قطعها المكلف على نفسه.
الرابع: الخوف من العذاب الاليم الذي يأتي عقوبة على اختيار التولي، وهل من مغفرة تدرك المتولي عن الايمان بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم الجواب لادليل عليه بل جاءت الآيات بالاخبار عما ينتظره من العذاب بطريقين:
الاول: الآيات التي تدل على عقاب الذي يتولى ويدبر، قال تعالى [َكلاَّ إِنَّهَا لَظَى *نَزَّاعَةً لِلشَّوَى *تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى] ( ).
الثاني: الاخبار القرآني عن عذاب الذي تولى عن الايمان بالله والنبوة بالواسطة، وهي نعته بالفاسق، ومجئ الآيات بعقاب الفاسق.
ويكون وفق القياس الاقتراني: من تولى عن النبوة فهو فاسق، ويلقى الفاسق في الآخرة العذاب الاليم.
النتيجة: الذي يتولى يلقى في الآخرة العذاب الاليم.
وقد جاءت آيات عديدة في عذاب الفاسق، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمْ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ]( ).
وهذه الآية من القسم الثاني اذ جاءت بصيغة الانذار والوعيد من وجوه:
الاول: وصف (التولي) وما يدل عليه من الإدبار والإنكار والإستكبار.
الثاني: مجئ اسم الشرط لمن تخلف عن الميثاق واحكام الاقرار، ويتضمن صيغة التحذير والوعيد.
ومع ان هذا القانون خاص بالعقوبة والعذاب لمن تخلف عن وظائفه العبادية، فانه دعوة للايمان بالنبوة، وحث على عدم التفريط بالإقرار والعهد، وترغيب بالثواب على الإيمان، فكما انه لا برزخ بين الإيمان والكفر، فكذا لا برزخ بين الثواب والعقاب في الآخرة.
ومن الآيات ان جعل الله عز وجل الأحكام جلية وجاءت بصيغة النص الذي لا يقبل تأويلاً وتفسيراً آخر غير الذي ينصرف اليه اللفظ حقيقة، ويتبادر الى اذهان الناس كافة، بمعنى ان الأحكام لم تأتِ ليفهمها اهل العلم والدراية فقط، بل جاءت ليدركها كل انسان فالعبادات كالصلاة والصوم من الضروريات، والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته من اليقينيات التي هي عبارة عن اعتقاد جازم ثابت مطابق للواقع.
وهل يشمل التولي الوارد في الآية، التولي عن الزحف، الذي ورد في قوله تعالى [ إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ] ( )، الجواب لا، وان كان التولي من الزحف من الكبائر ووعد الله عليه العذاب، الا ان الموضوع يختلف لأن التولي عن الإيمان بالنبوة كفر وجحود، لذا جاءت الآية التالية بذم أهل الاعراض والجحود وتقبيح فعلهم بالإستفهام الإنكاري الذي يدل على افادة التولي لمعنى الكفر وعدم الإقرار بالتوحيد.


قوله تعالى [ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ] الآية 83

الاعراب واللغة
أفغير دين الله يبغون: أفغير: الهمزة، للإستفهام الإنكاري، الفاء حرف عطف جملة على جملة، والتقدير: أيتولون ليبغوا غير دين الله.
غير: مفعول به مقدم ليبغون، دين: مضاف اليه، وهو مضاف، اسم الجلالة: مضاف اليه، والمعنى “ايبغون غير دين الله”
يبغون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، الواو: فاعل.
وله أسلم من في السموات والأرض: الواو: حالية، له: جار ومجرور متعلقان بأسلم، أسلم: فعل ماض، والجملة في محل نصب فاعل.
من: اسم موصول، فاعل أسلم، في السماوات: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، طوعاً: حال منصوب، وهو مصدر بمعنى طائعين، كرهاً: معطوف على طوعاً، وهو مصدر بمعنى كارهين.
واليه ترجعون: الواو: حرف عطف، اليه: جار ومجرور،متعلقان بيرجعون، يرجعون: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، الواو: نائب فاعل.
البغية: الحاجة، يقال بغى الرجل حاجته او ضالته بغاء وبغية أي طلبها وسعى للحصول عليها. والباغي: الذي يطلب الشيء الضال ( ).
والبغية: هي الشئ المطلوب، والحاجة نفسها، وتأتي مادة بغي في طلب الخير والشر، وجاءت هنا من الثاني.
والطوع: الانقياد للامر وهو نقيض الكره، ويقال طاعه يطوعه طواعة وطواعية، والكره: عدم القبول وخلاف الرضا.
واختلف في معنى الكره بفتح او ضم الكاف، وقال الفراء: ان الكُره ما اكرهت نفسك عليه، والكَره ما اكرهك غيرك عليه، كما تقول جئتك كُرهاً – بالضم، وادخلتني كًرها – بالفتح، والتفصيل الذي ذهب اليه الفراء حسن اذا ثبت بالدليل، والصحيح ان الكره بالضم والفتح لغتان كل واحدة منهم صحيحة، وباي لغة وقع جاز.
وجاءت كرهاً في الآية بالفتح، قال ابن منظور( ولم يقرأ احد بضم الكاف) ( ).
في سياق الآيات
بعد اية (أقررنا) التي جاء فيها الميثاق والعهد مطلقاَ عاماً شاملاََ للناس جميعاً بلزوم الايمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واعانته ونصرته على اعدائه، وتعاهد البشارة به الى حين بعثته، وثبوتها حينئذ واقعاً بالآيات والدلائل، ومجيء الآية السابقة [فَمَنْ تَوَلَّى] وما فيها من لغة التحذير والانذار والزجر عن الاعراض عن آيات النبوة والجحود بها، جاءت هذه الآية في ذات موضوع التولي وذمه، وبيان مافيه من القبح، ولكنها تتعلق بالفعل المترشح عن التولي والاعراض الذي ذكرته الآية السابقة، واشارت بصيغة الانكار الى الضلالة والغشاوة التي يسببها التولي والتي تكون سبباً ومقدمة له وبينت التعدي الذي يتضمنه التولي.
ليكون هذا البيان توكيداً على لزوم اخذ الناس بالميثاق، وتقيدهم باحكام العهد، وما اقروا به على انفسهم، مع الاحتجاج عليهم بما يفيد عجزهم عن تحقيق مايبغونه ويسعون اليه من وراء التولي.
وبعد مجيء الآية السابقة بلفظ الشرط (فمن تولى) جاءت هذه الآية بالإستفهام الإستنكاري وتوجيه الذم واللوم لأهل الإعراض، وصيغة الإستنكار هذه لا تثبت طلب الدين موضوعاً وحكماً وقصداً، بالإضافة الى مجيء (غير) وما فيها من الإبهام.
ومن الإعجاز ان ترى تعدد مذاهب اهل التولي والجحود وعدم اتفاقهم على دين او مبدأ مخصوص في الوقت الذي ذكرت الآية دين الله على نحو التعيين كما ان اضافته الى الله عز وجل نحو تشريف وعز لمن ينتمي اليه.
وجاءت الآية السابقة لتوكيد هذا التشريف بالأمر الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعلان الإيمان بالله تعالى نيابة عن نفسه وعن اجيال المسلمين الى يوم القيامة، مما يدل على خسارة وضلالة من يطلب غير الإسلام ديناً وملة وعقيدة.
وبلحاظ نظم الآيات جاءت الآية التالية بالأمر الالهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الرد على اهل الجحود باظهار الايمان والتمسك بالشعائر وتعاهد التنزيل.
ويتضمن هذا الرد اموراً:
الأول: التذكير بالميثاق والاخبار بان أمر الله عز وجل لا يذهب سدى، فلا بد له من إمتثال .
الثاني: التوكيد على حقيقة تكوينية وهي لزوم وجود أمة مستجيبة وممتثلة لأوامر الله تعالى.
الثالث: من أقر بالميثاق ونصر النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم حجة على الذي تولى واعرض.
الرابع: يفيد الجمع بين الآيات الحث الفعلي عن الاعراض والتولي، بمعنى ان المؤمن يدعو غيره الى التدارك والانابة والرجوع عن التولي والاعراض.
الخامس: الاشارة الى وراثة المسلمين للأنبياء بخصوص تعاهد الميثاق، والاخبار بان مضامين وسنن الميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء باق في الاسلام ويتعاهده المسلمون الى يوم القيامة، وان أهل التولي لا يضرون الا أنفسهم.
السادس: بيان ما يترشح عن التولي من معاني الكفر والشرك.
فارادت هذه الآية بيان حقيقة وهي بالاضافة الى القبح الذاتي للتولي، هناك اضرار عديدة تتفرع عنه، وهذه الاضرار على وجوه:
الأول: الاضرار الدنيوية في محاولة تغيير افعال الانسان وجعلها مخالفة للسنخية والخلق ووظائف العبادة.
الثاني: محاولة اغراء الغير للحاق بهم في التولي، واختيار دين آخر غير دين الله عن ضلالة وجحود.
الثالث: نعتهم بالفسق وما يترشح عن الفسق من فساد العقيدة وسوء السريرة.
الرابع: الاضرار الاخروية وما أعد الله من العذاب الأليم لأهل التولي والاعراض.
وأيهما أكبر الاضرار الدنيوية أم الاخروية الناجمة عن التولي والاعراض، الجواب هو الثاني لان العذاب الاخروي شديد ومستديم ويتضمن الخلود في النار، لذا فان الآية من اللطف الإلهي لما فيها من زجر عن التولي والاعراض، ليكون الاعراض عن التولي مقدمة للنجاة من عذاب النار.
ومن الآيات ان الآية تضمنت الذم والمدح، الذم لأهل الاعراض والمدح للناس والخلائق الذين انقادوا لله تعالى اقراراً بربوبيته، وهذا المدح ذم اضافي لأهل التولي الذين ذكرتهم الآية السابقة.
وجاء ذم أهل التولي والاعراض متعدداً في المقام من وجوه:
الأول: ذكر اقرار الناس على انفسهم بالتصديق بالنبوة الذي ذكرته الآية السابقة، وسبق ذكر الاقرار على التولي المذكور في هذه الآية اعجاز اضافي في سياق الآيات لانه يرسخ في الوجود الذهني لزوم الايمان والاذعان لما جاء به الأنبياء، فاذا جاءت بعدها آية التولي ينفر القارئ والسامع من الاعراض والجحود وأهله، ويتساءل الانسان كيف يحصل التولي والاعراض بعد الحجج والبراهين القاطعة، لذا ترى الآية التالية جاءت بصيغة السؤال الاستنكاري [أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ…].
الثاني: الاصل في خلق وفطرة الانسان عدم التولي، بل الانصات والاصغاء والاستماع والتلقي رجاء النفع والكسب، نعم اذا خلا الأمر من النفع او كان الضرر أكثر فقد يكون التولي هو الأفضل والأحسن كما في التولي عن أهل الجحود والجدال، ولكن التولي الذي ذكرته الآية لم يحصل الا صدوداً وعناداً واعراضاً عن الحق والهدى.
الثالث: نعت الذي يتولى بالفسق، ومجيء الوصف بصيغة الجمع، مما ينفي الاستثناء ورفع القلم عن شطر منهم، فليس من عذر لمن تولى واعرض باختياره عن النبوة وما أقر به على نفسه من صدقها، خصوصاً ان صدق النبوة لا ينحصر بالاقرار بل يتجلى بالآيات والمعجزات التي تصاحبها، كتلك التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي بلغت أرقى مصاديق المعجزة بالقرآن باعتباره كتاباً نازلاً من السماء وحجة عقلية الى يوم القيامة، ومن اعجازه ان يذم التولي والاعراض عن النبوة، ويصف أهل التولي بالفسق والخروج عن الطاعة.
الرابع: مجيء الآية التالية بانكار التولي وبيان التيه والضلالة التي يؤدي اليها، والاخبار بانه عداوة للاسلام، والواجب هو التقيد باحكام الاسلام.
الخامس: الاخبار عن اسلام سكان السماوات والارض وانقيادهم للربوبية على نحو التكوين والخلق باستدامة ومن غير تردد او اعراض.
اعجاز الآية
في الآية مضامين قدسية تفيد الاعجاز منها:
الأول: تتضمن صيغة الاستنكار في الآية اعجازاًِ مستقلاً قائماً بذاته لان الله عز وجل يتفضل فيحتج على اهل التولي بما يفضحهم ويخزيهم، لتكون نتيجته عدم وجود دين آخر غير دين الله يبلغ به الإنسان السعادة الأخروية.
الثاني: لغة الاحتجاج جاءت للزجر عن التولي باعتباره أمراً شاذاً مفرداً، ليس له موضوع ولا مادة.
الثالث: تتجلى عظمة الاحتجاج بان يذكر الله عز وجل الاتحاد في التزام جميع الخلائق بسنن التوحيد بحيث لم يبق الا الانسان الذي يختار التولي، فلا يضر الا نفسه ولن يجد له ناصراً او عوناً، وليكون انقياد الخلائق لله عز وجل دعوة اضافية للانسان مطلقاً بان يعرض عن التولي وينفر منه موضوعاً وحكماً.
الرابع: مع ان الله عز وجل خلق الانسان خليفة له في الارض وأمر الملائكة بالسجود لآدم، ورزق الله الانسان العقل، وبعث من بين أفراد الجنس الانساني الأنبياء تصحبهم الآيات والمعجزات، فان هذه الآية جاءت بحث الانسان على الاقتداء بما في السماوات والارض من الخلائق في انقيادها وخضوعها لله تعالى، وفي الآية تحد لأهل التولي واخبار بان التوحيد باق ومتوارث في الارض.
الخامس: مجيء الآية بصيغة الماضي [وَلَهُ أَسْلَمَ] يؤكد ان الاصل في الخلائق هو الاسلام، والتولي والجحود أمر عرضي محصور بأهله ومخالف للاصل بالاضافة الى عدم استدامته لحتمية الرجوع الى الله، فعندئذ يسلم أهل التولي لله تعالى طوعاً او كرهاً ولكن بعد استحقاقهم للعذاب الشديد، أي ان خروج أهل التولي عن الاطلاق في اسلام الخلائق ليس دائماً بل أمر مرهون في أيام الفاسق في الحياة الدنيا ليعود بعدها الى عالم الحساب.
السادس: التقسيم الوارد في الآية لوجهي كيفية الاسلام وانها تارة تكون طوعاً، واخرى كرهاً دعوة للانسان للاختيار وفق قواعد الابتلاء والامتحان في الدنيا وبيان للمندوحة والسعة، فاما ان يسلم طوعاً في الحياة الدنيا ويقر بالربوبية لله تعالى ويتبع النبوة، واما ان يضطر للاسلام كرهاً في الآخرة، مع التباين بينهما في الدنيا ومنازل الآخرة.
السابع: من اعجاز الآية ما فيها من اللطف والرأفة بالناس جميعاً اذ تدعوهم الى الهدى والرشاد، واجتناب التولي بتوجيه اللوم لأهله وبيان قبحه، والاضرار التي تترتب عليه.
الثامن: تؤكــد الآية حقيقــة عقائديــة وهــي وجــود دين يضـاف الى الله عز وجل، ويسمى دين الله، وهو الإسلام بقرينة الآيتين السابقتين وقوله تعالى[وَلَهُ أَسْلَمَ]وآيات عديدة، منها قوله تعالى[إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]( )، فهذه الآية تشريف للإسلام،ودعوة للإنتماء اليه وتعاهد مبادئه والعمل بأحكامه.
ويمكن ان نسمي هذه الآية آية (وله اسلم) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في الآية.

الآية لطف
لم تبدأ الآية (بقل) وارادة القول بلسان النبي والمسلمين للإحتجاج على الجاحدين، بل جاء الإستفهام الإستنكاري من عند الله عز وجل لتتضمن الآية الإنذار والوعيد لمن يعرض عن النبوة، ويكون هذا الوعيد لطفاً بالناس في زجرهم وصدهم عن الكفر والأخذ بايديهم الى الإيمان ووعداً لأهل الإيمان منهم، وبما ان الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يأنس بغيره، ويميل الى المحاكاة، جاءت الآية للإخبار عن اسلام الخلائق ودعوة الإنسان لمحاكاتهم والتشبه بهم، وتفضل الله تعالى وجعل الآية تذكيراً بالرجوع الى عالم الثواب والعقاب، وحصول الإقرار العام بالتوحيد والنبوة، مع التباين في الأقرار فورد أول الآية باستنكار الإعراض ودلالته على التيه والضلالة، وتضمن وسطها ذكر حقيقة كونية في قوانين التوحيد واقرار الكائنات به، وجاءت الخاتمة بالإخبار عن حتمية المعاد وضرورته، وكل فرد من هذه الأفراد الثلاثة لطف بالناس، وحث على اخلاص العبادة لله تعالى.
واللطف في الآية على وجوه:
الأول: لطف بأهل التولي والجحود، بعدم تركهم مقيمين على الغي والضلالة، وهذا اللطف شاهد على اعجاز القرآن، ولو كان الأمر عائداً للبشر لترك الخصم وشأنه اذا كان يعلم خسارته وسوء عاقبته وما ينتظره من البلاء، ولكن الآية جاءت لتلاحقه وتمد يد الرأفة له لإنقاذه من براثن التولي والاعراض بالحجة والاحتجاج، والاخبار عن انحصار الهداية والسلامة بالاسلام واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الآية لطف بالمسلمين، وهذا اللطف من وجوه:
أولاً: الثناء عليهم لاتباعهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانياً: اعلان حقيقة تكوينية وهي ضرورة الاسلام كواجب تكليفي.
ثالثاً: بعث السرور في نفوسهم بالاخبار عن رجوعهم الى الله تعالى وما فيه من الثواب وحسن الجزاء.
رابعاً: التقاء المسلمين في اختيارهم السليم مع الفطرة وما عليه الخلائق من الاقرار والتسليم بالربوبية لله تعالى.
الثالث: اللطف بالناس مجتمعين ومتفرقين، فآيات انذار الكافرين تجعل المسلمين يحرصون على الثبات في منازل الايمان، وآيات بشارة المؤمنين تجعل الكافرين يشعرون بالندم وتقرب لأعينهم الخسارة التي تنتظرهم.
الرابع: في الآية اخبار عن اللطف الإلهي بالخلائق جميعاً بان جعلها الله على المحجة البيضاء ومنقادة الى الاسلام، وتظهر العبودية والخضوع لله تعالى سواء بالاختيار او بالاكراه والاجبار.
ومن اللطف الإلهي في الآية التذكير بالآخرة وعالم الحساب، وهذا اللطف يشمل الكفار وان جاء بصيغة الانذار والوعيد، وكم من انسان خاف من منازل الآخرة وما فيها من الأهوال فهجر التولي وعاد الى مسالك الايمان.
مفهوم الآية
جاءت الآية في مفهومها بقاعدة كلية تتجلى فيها معاني التوحيد العملي بين الخلائق، فليس من دين في الأرض الا دين الله، وفيها تحذير للذين يتولون عن الدعوة الى الإيمان بالنبوة ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعث لليأس في نفوسهم، فاذا كان الإنسان منفرداً شاذاً في فعله، فانه يتفكر في فعله، ويتدبر في أمره، فتأتي هذه الآية لتؤكد له خطأه وذنبه ومخالفته لوظائفه العقائدية كفرد من الخلائق، وتدعوه بلطف للعودة الى مضامين العبادة.
وتحث الآية المسلمين على تعاهد مبادئ الإسلام، ومنع الكفار من التمادي في الجحود بالربوبية وانكار النبوة وتدعوهم للثبات في دروب الإيمان، ومن مفاهيم الآية عدم كفر او تولي او ادبار من قبل المخلوقات الأخرى عدا ما ظهر من بعض الفرق من الجن والإنس، وجاءت هذه الآية لزجرهم ونصحهم.
فكل الخلائق مستجيبة لأمر الله تعالى، ومنقادة ومذعنة له، ومنها الملائكة لذا جاء اللفظ بالاسم الموصول (من) للدلالة على لزوم عبادة الإنسان لله بالأولوية من وجوه:
الأول: جعل الله الإنسان خليفة في الأرض، ولابد ان يكون الإنسان عالماً بفضله تعالى عليه، مدركاً بما يجب عليه من الواجبات ازاء الخالق.
الثاني: المواثيق والعهود التي أخذها الله على الإنسان.
الثالث: فضله تعالى ببعثة الأنبياء مبشرين ومنذرين.
الرابع: ملازمة الآيات الكونية للإنسان في ليله ونهاره، وكلها تدعو للإيمان ونصرة النبي وعدم التولي والإدبار.
الخامس: حجة العقل التي جعلها الله عند الإنسان، ومن وظائفها في المقام:
الأول: تعاهد الإقرار بالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: ادراك حقيقة وهي ان الإيمان بالنبوة سعادة وفوز في النشأتين.
الثالث: النفرة من التولي والإدبار لما فيه من مخالفة للعهود والإقرار بالنبوة.
الرابع: الحسن الذاتي للوفاء بالعهد والتقيد بمضامين الحق التي أقر بها الإنسان على نفسه.
الخامس: الشعور بالغبطة والرضا عند الوفاء بالعهد.
السادس: استيلاء الحزن على النفس عند التلبس الذاتي بالتولي والجحود والإنكار.
السابع: الخوف من العذاب الذي ينتظر من يتولى، وان ظهر بمظهر المكابر والمعاند والمتجاهل للعواقب الوخيمة التي تنتظره عقوبة على توليه واعراضه.
الثامن: العقل مانع من نسيان المواثيق، التي تعتبر برزخاً دون النسيان، فكل من العقل والنبوة والكتاب والميثاق أحدهم يعضد الآخر في التذكير بالإقرار والعهد، والمنع من نسيانه والتفريط به.
واذا كان الذي يتولى هو فاسق بحسب منطوق الآية السابقة، والفسوق خروج عن طاعة الله، فلماذا جاءت هذه الآية بلغة الإستنكار، الجواب انها تؤكد على انحصار الدين الحق بالإسلام ففي الإعراض والتولي أمور:
الأول: تأسيس دين جديد.
الثاني: وجود دين آخر يرجعون اليه.
الثالث: عدم وجود أي دين، انما ينهزم الجاحد فاراً على وجهه في تيه وضلالة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه للجمع بين التولي وبين الابتغاء المذموم، لذا جاءت الآية بالإستفهام الإستنكاري، لأن الذي يتولى يخرج عن طاعة الله، وليس من أحد مطاع غيره سبحانه.
وفي الآية مسائل:
الأولى: بقاء دين الله في الأرض، ولا يضره اعراض اهل الجحود.
الثانية: البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من دين الله، لأن الإعراض عن الإقرار بها فسق وخروج عن الدين.
الثالثة: الملازمة بين الدين والبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالدين يعني تعاهد البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقول والعمل، وهذا التعاهد متعدد الوجوه والصيغ كما انه يختلف كماً وكيفاً في زمن ما قبل البعثة، وزمن ما بعدها.
الرابعة: تدعو الآية المسلمين لتعاهد كلمة التوحيد، وحفظ الإيمان، والذب عن الإسلام، ومنع أهل الإعراض والجحود من جمع صفوفهم.
الخامسة: الإخبار عن انقياد اهل السماوات والأرض لله عز وجل ولم يبق عاصِ جاحد الا فريقاً من الناس وهم الذين اختاروا الإعراض عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع انهم قطعوا على انفسهم العهود والمواثيق ان يؤمنوا برسالته، وينصروه عند بعثته.
السادسة: تدل الآية على وجود من يعقل ويعي في السماوات والأرض، ومنهم الإنسان الذي صدق بالنبوات وآمن بالبشارات التي جاء بها الأنبياء والرسل.
السابعة: تدعو الآية الإنسان لأن يكون من المؤمنين بطريقين:
الأول: الإختيار، وهو ليس اختياراً محضاً بل وفاء لعهود ومواثيق قطعها الإنسان على نفسه، فأسباب التقيد بالإسلام والتصديق بالبشارات متعددة وملازمة لوجود الإنسان، وتدخل فيها صيغ الوعيد والتخويف لمن ينقض العهود.
الثاني: الإكراه والإجبار سواء باكراه النفس او بالإضطرار، او لمواجهة الشدة والعسر في الحياة الدنيا.
الثامنة: القطع والجزم بان الناس جميعاً يرجعون الى الله، وفيه تذكير بعالم الآخرة ولزوم الإستعداد لها، ومن وجوه الإستعداد الحذر واليقظة من الإدبار عن الآيات والبشارات.
التاسعة: البشارة وبعث السكينة في قلوب المسلمين وأهل التوحيد عامة لقبول عملهم الذي جاءوا به امتثالاً لأوامره تعالى.
العاشرة: افتتاح الآية بصيغة الإستفهام الإستنكاري، وفيه لفت نظر لما في التولي عن دعوة الحق من التعدي والضلالة.
الحادية عشرة: اتحاد الملة والدين الذي يريده الله للناس، ويريده منهم.
الثانية عشرة: ذم الإبتعاد الشخصي للملة، ولزوم الرجوع الى ما يأمر به الله عز وجل في اختيار الدين والشريعة.
الثالثة عشرة: ان الله عز وجل لم يترك الناس سدى، بل جعل لهم ديناً ونسبته الى الله تدل على تكامل الشريعة، وسلامة النهج عند اختيار الإسلام.
الرابعة عشرة: بيان ما في الإبتعاد عن دين الله من البغي والتكليف بالإضافة الى الضلالة والخسارة.
الخامسة عشرة: توكيد اسلام وخشوع الخلائق لله تعالى، وفي الآية تفسير لقوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ] ( ).
السادسة عشرة: اختصاص الإنسان باختيار الملة والدين، فاجناس الخلائق انقادوا الى الله عز وجل طائعين وكارهين ليس لهم التولي والجحود، اما الإنسان فجعل الله له الحياة الدنيا دار امتحان واختبار، ثم تأتي الآخرة ليلحــق بالخلائــق الأخــرى فيكــون الناس جميعاً مسـلمين لله عز وجل طوعاً وكرهاً.
السابعة عشرة: تدل الآية بالدلالة التضمنية على ان الاسلام عصمة وحصانة وأمن في النشأتين، وان الأنبياء بعثوا لتوكيد ضرورة الانقياد الى الله تعالى والتقيد باحكام الاسلام.
فان قلت: ان الأنبياء السابقين جاءوا بكتب متعددة فموسى مثلاً جاء بالتوراة واتباعه اليهود، وعيسى اتباعه النصارى، فما هو حال الناس أيام بعثة الأنبياء المتعاقبة، فيه وجوه:
أولاً: اليهودية. ثانياً: النصرانية.
ثالثاً: الحنيفية. رابعاً: الاسلام.
والجواب ان الأنبياء جميعاً جاءوا بالاسلام والحنيفية وان تعددت الشرائع وحصول الناسخ والمنسوخ بينها.
فلم يأت موسى باسم اليهودية او عيسى بالنصرانية، ولا يكفي قول عيسى عليه السلام [مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ] في التسمية، بينما جاء الاسلام والمسلمين في آيات عديدة في القرآن والوف شامل للأنبياء والمؤمنين قبل البعثة النبوية وبعدها، وفي التنزيل ورد حكاية عن الحواريين [نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]( ) ، ولكن الذين اتبعوا موسى سموا اليهود، والذين اتبعوا عيسى سموا النصارى.
وقد تقدم معنى كل من الاسمين واصلهما، مع التسليم بان كل واحد منهما جاء بشريعة جديدة، ولكن هذه الشريعة لا تخرج عن الاسلام والحنيفية، لذا سيأتي بعد آيات قوله تعالى [ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا]( )، ومما جاء به موسى وعيسى عليهما السلام البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولزوم تصديقه واتباعه ونصرته لتوافق شريعتهم مضامين الاقرار والعهد الذي تقدم ذكره قبل آيتين.
الثامنة عشرة: في الآية اخبار عن الاتحاد في دين الله، ودلالة على حصره بالاسلام، وزجر عن الترديد والاختيار الذي يتعارض مع الواجب، وان غير الاسلام كالسراب بالاضافة الى ان الاعراض عن الاسلام يجلب الضرر والأذى.
فخاتمة الآية جاءت لتوكيد التقاء الناس مع الخلائق الأخرى في وجوب الإسلام فيكون اهل الجنة ممن آمن طوعاً واختياراً.

إفاضات الآية
لقد أراد الله عز وجل دوام الصلة بينه وبين العباد على نحو الإتحاد والتعدد، فالناس جميعاً ينجذبون اليه، وكل انسان له ارتباط بعالم الغيب، مع التباين في درجات الصلة والإرتباط، ومنه تتجلى موضوعية الإصطفاء ليكون برزخاً دون التولي والإعراض عن النبوة، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ]( )، وتبدو منافع الإصطفاء في المقام بان الأنبياء كلهم يبشرون برسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليكون الإصطفاء وحدة متكاملة يعضد بعضها بعضاً، ويمنع الناس عامة من الخروج عن أحكام الميثاق وحجة الإقرار.
وبدل ان يفر الناس مما عاهدوا عليه الله عز وجل، أراد لهم ان يفروا اليه، وينشغلوا بآيات خلقه وعظيم تدبيره، ومنها ان الخلائق كلها تسلم لله بالربوبية فمن باب الأولوية ان يكون الذي أختاره خليفة في الأرض الأسوة والمثال الذي يقتدى به في منازل الإيمان واخلاص العبودية لله عز وجل.
وفي نسبة دين الاسلام الى الله عز وجل فيض إلهي على المسلمين، وبعث للعز والفخر في نفوسهم، وهي وسيلة سماوية مباركة لتثبيت قلوبهم، وترغيب للناس بالاسلام، وجعل النفوس تنفر من التولي والصدود عن الاسلام، وهذه النفرة مقدمة للميل الى الحق وحب الاستقامة والحنيفية، والاستقرار في منازل الايمان وما يلائم الفطرة الانسانية وما جبلت عليه النفوس، ويوافق ادراك العقل.
لقد اصطفى الله عز وجل الانسان من بين الخلائق فلابد من شكره تعالى والثناء عليه على نعمة الاصطفاء، ويتجلى الشكر هنا بأبهى معانيه بارتداء لباس الاسلام وامتلاء النفس والجوارح بالايمان، واظهار الصدق في اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأداء الفرائض والواجبات واللجوء الى الله تعالى في الدنيا قبل الرجوع اليه في الآخرة، لكي لا تكون طرق الآخرة موحشة مظلمة، اذ أنها تضاء بالايمان وتعاهد المواثيق والعهود.
أسباب النزول
عن ابن عباس قال: اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله ” صلى الله عليه وآله وسلم ” فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم، كل فرقة زعمت أنهم أولى بدينه، فقال النبي ” صلى الله عليه وآله وسلم ” كلا الفريقين برئ من دين إبراهيم ! فغضبوا وقالوا: والله مانرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله ( أفغير دين الله يبغون) ( ).
وفي الخبر ان هذه الآية تقرأ عند الخوف والخشية على النفس في البراري وحالات السفر والوحشة.
واخرج الطبراني في الأوسط عن انس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرؤا في اذنه (افغير دين الله يبغون)( ).
والصلة بين الآية الكريمة وموضوع سوء الخلق واصلاحه بقراءتها شاهد على عمومات الآية القرآنية وتعدد وجوه منافعها وانها لا تنحصر بهداية الناس الى سبل الإيمان، بل تشمل تهذيب النفوس واصلاح الأخلاق، كما تترشح منافعها على الحيوانات وكيفية تسخيرها لخدمة المسلم على نحو الخصوص.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: ان الله تبارك وتعالى أوحى الله إلى مالك خازن النار: أن مر النار تشهق، ثم تخرج عنقا منها فخرجت لهم، ثم قال الله لهم: ادخلوها طائعين، فقالوا: لا ندخلها طائعين! ثم قال: ادخلوها طبائعين، أو لاعذبنكم بها كارهين، قالوا: إنا هربنا إليك منها، وحاججناك فيها حيث أوجبتها علينا، وصيرتنا من أصحاب الشمال، فكيف ندخلها طائعين؟ ولكن أبدأ أصحاب اليمين في دخولها، كي تكون قد عدلت فينا وفيهم.
فأمر أصحابَ اليمين وهم ذر بين يديه فقال: ادخلوا هذه النار طائعين قال: فطفقوا يتبادرون في دخولها فولجوا فيها جميعا فصيرها الله عليهم بردا وسلاما، ثم أخرجهم منها.
ثم إن الله تبارك وتعالى نادى في أصحاب اليمين وأصحاب الشمال: ألست بربكم؟ فقال أصحاب اليمين: بلى يا ربنا نحن بريتك وخلقك مقرين طائعين، وقال أصحاب الشمال: بلى يا ربنا نحن بريتك وخلقك كارهين! وذلك قول الله: ” وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها وإليه ترجعون” قال: توحيدهم لله ( ).
وهذا التقسيم في عالم الذر لا يتعارض مع موازين الأعمال في عالم الدنيا وقوانين الحساب في الآخرة.
التفسير
قوله تعالى [أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ]
تتضمن الآية في مفهومها وجود جماعة او طائفة تتولى وتدبر عن الإيمان بالنبوة وتأبى نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في زمان بعثته او قبلها او بعدها، فالآية ليست على سبيل الفرض وحده، بل لها مصداق خارجي وهذا ما يدركه الإنسان في الواقع العملي في كل زمان الا ان يشاء الله.
وفي الآية اشارة الى ان التولي عن النبوة عداوة للإسلام، واعراض عن الدين، وتحريض للآخرين على الصدود عن مضامين التنزيل وترك للبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان الله عز وجل لا يرضى للناس ان يتركوا البشارات بنبوته لما فيها من أسباب الصلاح وتعاهد انقياد الإنسان لمقامات الربوبية وعدم خروجه عن نهج الخلائق الأخرى.
والإستفهام الإستنكاري هنا الذي ورد بالهمزة (أفغير) يتضمن التحذير من الوعيد، وهو على وجوه:
الأول: التحذير من التولي والإعراض عن احكام التوحيد.
الثاني: التخويف والإنذار من ترك نهج الخلائق في الإنقياد الى الله.
الثالث: الإخبار الإلهي بان التولي عداوة وحرب ضد الإسلام ومبادئ التوحيد، وهذه الحرب ليست على نحو القضية الشخصية، بل هي مسألة نوعية يشترك فيها جماعة واطراف، وان اهل التولي لا يكتفون بالإدبار عن دعوة الحق بل انهم ينظمون صفوفهم، ففي التولي عن البشارات بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم وجوه:
الأول: الإكتفاء بالإعراض والتولي الشخصي، فالجاحد حينما يعرض عن النبوة، لا يعلم ما يختاره غيره، ولا يكون سبباً لجحود الآخرين.
الثاني: اختيار التولي والإدبار، وتحريض الآخرين على اختياره، ومحاولة صد الناس عن الإيمان.
الثالث: صيرورة التولي مقدمة للإلتقاء والإجتماع في عداوة الإسلام، وتأسيس مناهج للكفر والجحود، وهذه المناهج على شعب متعددة:
الأولى: بعث الشك والريب في بشارات النبوة.
الثانية: حث الناس على التولي، ومحاكاة الذي يتولى في الإدبار عن دعوة الحق وأحكام التنزيل.
الثالثة: تحريف البشارات والأخبار الخاصة بالنبوة.
الرابعة: الجحود باليوم الآخر وما فيه من مواطن الحساب والعقاب.
والصحيح هو الثاني والثالث بشعبه المتعددة، فالتولي فعل فردي ولكن اضراره نوعية عامة، يجحد الانسان بالنبوة وبشاراتها فيتأثر به غيره وهذا التأثر يظهر على اقسام:
الاول: من يحاكي المدبر في ادباره واعراضه.
الثاني: الذي يرى المتولي والمدبر، ولكنه لا يتأثر به ولا يقلده في فعله.
الثالث: من يأخذ من المدبر ويتعلم منه، ثم يكون اشد منه في الادبار فيجادل اهل الايمان ويحاول بالمغالطة دحض دليل البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: الاثر السئ للادبار في الذرية.
الخامس: الضرر الذي يصيب الاهل والجيران من مظاهر التولي والادبار الشخصية.
السادس: صبغ منتديات اهل الكفر والجحود بصيغ العناد، والاصل أن يتوجه الناس الى التدبر في آيات الله، ومعرفة احكام التنزيل، وسنن النبوة، والبشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وافتتحت الآية بهمزة الاستنكار، لجذب الانظار والاسماع لمضامين الآية القدسية من وجوه:
الأول: ما في الآية من التساؤل عن الغاية من اختيار الجحود والادبار.
الثاني: الاخبار الالهي بعدم وجود أي سبب او راجح لاختيار التولي بعد اقامة الحجة على الناس بلزوم الايمان بالنبوة، وبيان منافعه الدنيوية والاخروية من جهات:
الاولى: الايمان واجب نفسي على كل مكلف.
الثانية: ترشح عدم التولي، واجتناب الادبار من الاقرار والعهد الذي اخذ على الإنسان بنصرة النبوة.
الثالثة: النبوة خير وصلاح محض.
الرابعة: الايمان بالنبوة وسيلة النجاة في النشأتين.
الثالث: تثبيت اهل الايمان في منازلهم، وتقوية قلوبهم، وجعل بعضهم يشد ازر بعضهم الآخر، من جهات:
الاولى: توثيق البشارات الخاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعاهدها، والمنع من تضييعها.
الثانية: ادراك كل فرد منهم حسن اختياره.
الثالثة: النفرة والبغض لاهل الجحود والعناد، ولا يزيدهم ادبار الكافرين الا تمسكاً بالميثاق والعهود، ووفاء بمضامين الاقرار بالنبوة.
الرابعة: الحذر والحيطة من الفاسقين الذين اختاروا التولي، والتصدي لمفاهيم الضلالة والجحود والعناد.
الخامسة: ادراك حقيقة عقائدية وهي ان وظيفة المسلمين لا تنحصر بالاستعداد والتأهيل الذاتي للايمان، بل يجب عليهم منع شيوع أفكار الضلالة، واسباب التحريف والتبديل للآيات والبشارات التي جاءت بها الكتب السماوية.
و(غير) اسم يفيد معنى مخالف لما يضاف اليه، كما في قوله تعالى [غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ] أي ان المسلم يسأل الهداية الى سبل النجاة واجتناب افعال السوء التي تؤدي الى غضب الله عز وجل على فاعليها.
والاضافة تلازم (غير) في الجملة، فلا يأتي هذا الاسم الا مضافاً، نعم قد تكون الاضافة في المعنى كما تقول صليت الفريضة ليس غير.
و(غير) اسم مبهم وملازمة الاضافة له لا ترفع عنه ابهامه فاذا قلت صليت غير الفريضة لم يعرف ما هي الصلاة، وهل هي نافلة ام نذر ام غيره، فالقدر المتيقن ان ما أديته ليس الفريضة، ولكن المعنى مختلف اذا جاء اللفظ في القرآن، لامكان الحصر والتعيين من خلال علم التفسير، ولا يعني هذا الحصر اختيار فرد واحد او حصة مخصوصة، فيأتي معنى (غير) متعدداً.
ولكنه لا يبقى مبهماً، لعمومات القواعد الكلية القرآنية وهي خلو القرآن من الابهام وكل ماهو مشكل فيمكن معرفة مضامين (غير) من خلال تتبع آيات القرآن، كما ان مجيئها في المقام يبين حصر الدين الذي يريده الله والطريقة والنهج الذي يجب على العباد اتخاذه، والدين له معان عديدة هي:
الاول: الملة والعقيدة.
الثاني: الجزاء والمكافأة، يقال دنته بفعله دينا: جزيته.
الثالث: الحساب بالحق.
الرابع: الطاعة يقال: دنته ودنت له أي اعتنقته.
الخامس: الاسلام، ودنت الاسلام أي دخلت فيه وآمنت بمبادئه.
السادس: السلطان.
السابع: القهر.
والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وجاء معنى الدين واضحاً ظاهراً في القرآن قال تعالى[إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ] ( )، فحصرت الآية معنى اللازم، والملزوم والموضوع والمحمول، ليكون معنى الدين من المحكمات التي لا تقبل الترديد والتعدد، فالدين هو الملة والمبدأ والعقيدة، وموضوع الطاعة والانقياد ويجب على الانسان ان يكون عنده دين، وهذا الدين هو الاسلام والانقياد، وطاعة الله عز وجل والعمل بما جاء به الانبياء فاخبرت الآية الكريمة بان اهل التولي والادبار أضلوا الطريق وخالفوا السنة والمنهج القويم.
ومن الآيات في المقام ان الآية لم تخبر عن قيام اهل الادبار عن البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بابتغاء دين آخر، او تأسيسهم لمثل هذا الدين، فلم تقل الآية (يبغون غير دين الله)، بل جاءت بصيغة السؤال الاستنكاري وفيه وجوه:
الأول: انهم طلبوا ديناً غير دين الله فلن يجدوه بدليل خاتمة الآية.
الثاني: الاخبار عن مفاهيم الزلل والانحراف عن طريق الصواب عند التولي والادبار.
الثالث: توكيد مواثيق الانبياء، والعهود التي قطعها الناس، وصيغ الاقرار التي جاءت اعترافاً وشهادة بان الايمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته حق.
الثالث: ليس في الاعراض عن دين الله الا الخسارة والضلالة.
الرابع: لم يجد أهل التولي لهم انصاراً او اعواناً من سكان السماوات والارض.
ولم تتضمن الآية الاستفهام الاستنكاري وحده، بل جاءت بتوكيد الاستنكار، ويستقرأ التوكيد من حرف العطف (الفاء) أي بعد المواثيق والعهود والاقرار والشهادة عليه يعرضون عن الاسلام والانقياد لامر الله تعالى، فصحيح ان الالف تفيد بحسب الصناعة النحوية الاستفهام الانكاري الا انها في المقام اعم بقرينتين:
الاولى: تعلق الآية بما قبلها من الحجج والبراهين، وهذا التعلق يجعل الآية تتضمن معاني اعم واكبر من الاستنكار، منها:
الاول: الانذار والتخويف.
الثاني: الحث على الالتفات الى الآيات والبراهين التي تدعو الانسان الى الانقياد الى حكم الله.
الثالث: مخاطبة العقل الانساني وجعله يدرك بان التولي والاعراض خلاف موازين العقل.
الرابع: بعث حال التدبر والتأمل عند الانسان مطلقاً، المؤمن الذي التزم باحكام الاقرار، والجاحد الذي أعرض عن العهود التي قطعها على نفسه.
الثانية: مجئ الفاء في [أَفَغَيْرَ] لعطف جملة على جملة والتقدير فاولئك هم الفاسقون، أيبغون غير دين الله، ولو قالت الآية ( اغير دين الله) لصح وبقيت صبغة السؤال الاستنكاري على حالها، ولكن جاءت الفاء في المقام فلابد لها من دلالات ومنها.
الأول: توكيد الاستنكار.
الثاني: التذكير الاضافي بالبراهين التي تفيد وجوب الاقرار بالبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: جذب الناس الى الاسلام، وحثهم على الاقرار بالنبوة وبشاراتها.
ويحتمل (الواو) في (يبغون) وجوهاً:
الأول: الذين تولوا واعرضوا بعد اعطائهم العهود واقرارهم بلزوم التصديق بالنبوة ونصرتها.
الثاني: الفاسقون بلحاظ أنهم أعم من الذين تولوا، وان ابتغاء غير دين الله قد يأتي مقدمة للتولي او مصاحباً له، وهذا التعدد علة لزيادة الاثم ونزول العذاب بالفاسقين.
الثالث: الكفار مطلقاً الذين يصدون عن الاسلام، قال تعالى [وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ]( )، وكأن الآية احتجاج عليهم ودعوة للتفكر ومسائلة الذات، فأنتم اذا أبيتم دخول الاسلام ماذا تريدون وأي شيء تطلبون وليس من دين غيره، مما يعني خسارة من فوت على نفسه فرصة دخوله، وفرط بنعمة الوفاء بالعهد والاقرار بالنبوة واتيان الفرائض.
الرابع: ارادة المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يخفون من الكفر واسباب التولي والاعراض، قال تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ]( ).
الخامس: الذين لم يختاروا الاسلام والايمان لقوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] ( )، باعتبار انتفاء الواسطة بين الايمان والفسق وهو الذي تدل عليه الآية محل البحث اذ نعتت الذي يتولى عن الاقرار بالنبوة بانه فاسق.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق الآية الكريمة، وهذا التعدد في المصداق يبين لزوم التصدي لأهل التولي والاعراض بالحكمة والموعظة الحسنة والحيطة والحذر منهم، وتذكيرهم بالاقرار والاحتجاج عليهم بالآيات والبراهين النقلية والعقلية التي تدعو العبد للايمان وتحثه على الصلاح والرشاد.
بحث بلاغي
ابتدأت الآية بقوله تعالى (افغير) وهي خمسة حروف تتضمن ثلاث كلمات، كل كلمة لها معنى مستقل ودلالة خاصة في المقام من وجوه:
الأول: الهمزة للإستفهام الإنكاري وفيه ذم للذين يعرضون عن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنها دعوة الى دين الله فيجب عدم الصدود والإعراض عنها، فبعد وصف اهل التولي بالفسق والخروج عن طاعة الله، تأتي هذه الآية لتؤكد ذمهم على نحو الإستكبار والإستغراب، مما يدل على اقامة الحجة على الناس جميعاً بلزوم الإيمان والتصديق بالنبوة، وفي لغة الإستنكار نهي عن التولي وتنبيه الى مخالفته لحكم وادراك العقل.
الثاني: جاءت الفاء للعطف ولربط موضوع هذه الآية بالآية السابقة والإخبار عن وحدة المقصود في الذم الوارد في الآية، والفاء هنا جاءت للترتيب، فبعد الشرط في الجملة السابقة وانتقالها للجملة الخبرية بوصف من يتولى بالفسق جاءت هذه الآية لتبين علة اضافية لإستحقاقهم النعت بالفسق، وهذه العلة تتضمن الإشارة الى ضلالتهم وخيبتهم وسوء اختيارهم.
الثالث: (غير) اسم مبهم وتلازمه الإضافة ليكون معرفة ومعلوماً، وتأتي وصفاً للنكرة وهو الأصل كما في المقام (غير دين الله) فلم تذكر الآية اسم الدين والملة التي يبغيها اهل التولي، ولكنها دلت على الملازمة الحتمية بين التولي وبين طلب دين آخر غير مأمور به ويكون صاحبه آثماً عاصياً، وجاءت (غير) لإفادة ذات متعدد ومبهم ويدل بالدلالة الإلتزامية على ذم اي دين يختاره اهل التولي والجحود.
فكل واحدة من هذه الكلمات الثلاث التي تتكون منها (افغير) حجة على الكافرين، وزاجر عن الإعراض عن الحق.
قانون دين الله
خلق الله عز وجل الانسان وآتاه العقل ليكون قوة للتمييز بين الأشياء والمفاهيم، وآلة لاختيار سبل الهداية والرشاد، ومحلاً وموضعاً لتلقي الخطابات التكليفية.
ووظيفة العقل لا تنحصر بذات الانسان بل انه يؤثر في غيره مع التباين في مقدار التأثير، وعالمه رحب ومتسع، ليس في الاوهام والاماني ووجوه التنكير، وما يستحضره من المسائل والامور فحسب، بل ما تظهر له من الآثار في عالم الاقوال والافعال لذا فان الله عز وجل لم يترك العقل وشأنه بل قيده بقواعد واحكام وجعله يسعى للالتزام بها وعدم الخروج عنها او تجاوزها الى غيرها.
وتتجلى هذه القواعد بابهى معانيها في وجوب الانقياد لله تعالى وطاعته واتباع انبيائه وهو الذي نسميه هنا قانون (دين الله ) وهل دين الله خاص بزمان دون آخر أو أمة دون غيرها، الجواب لا، فهو قانون عام من وجوه:
الاول: شموله لجميع الازمنة والامكنة.
الثاني: عدم اختصاصه بامة دون غيرها، وما ورد في تفضيل بعض الامم فهو بلحاظ احكام دين الله والتقيد بها وهذا التفضيل لا يسقط عن الامم الاخرى وجوب الالتزام التام باحكام وسنن الدين الإلهي.
الثالث: يشمل هذا القانون الانبياء واممهم وهو على وجوه:
الاول: شمول الانبياء واممهم بعرض ومرتبة واحدة.
الثاني: مايخص الانبياء من احكام هذا القانون اكثر واهم مما يخص افراد اممهم واتباعهم، فالتكاليف الموجهة للنبي اكثر من التي يتلقاها غيره من الناس.
والاصح ان الناس بعرض واحد في احكام دين الله لثبوت احكامه وقواعده، نعم للانبياء المرتبة المتقدمة والدرجة الرفيعة في التقيد باحكام ومضامين الدين والالتزام بالعبادات والطاعات وهم الأسوة والقدوة، وهذه الدرجة من عمومات الاصطفاء الالهي للانبياء واختصاصهم بالنبوة والاكرام.
ومضامين هذا القانون من قواعد اللطف الالهي بالناس، للتخفيف عنهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة، ومن فضله تعالى اخذ المواثيق على الانبياء، والعهود على الناس، وتبيان وجوه الحق والصدق حتى اقروا على انفسهم باختيارهم، وشهدوا على اقرارهم، والزموا انفسهم بالايمان بالنبوة، والتصديق ببشاراتها والاستعداد والتهئ لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته باعتبار ان بعثته صلى الله عليه وآله وسلم تثبيت لدعائم دين الله في الارض، وبرزخ دون التفريط بالعبادات والسنن الالهية ولكن شطراً من الناس اختار الادبار والتولي عن البشارات، والصدود عن البعثة ونزول جبرئيل بالقرآن، فجاءت هذه الآية لذمه وتقبيح مافعل من التولي والادبار الذي يعني انكار ما أقر به من الحق.
ودين الله عز وجل هو الاسلام قال تعالى [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ] ( )، وهو الديانة الباقية الى يوم القيامة، فيبدو قبح التولي لما فيه من الخروج عن احكام دين الله.
وجاءت الآية بنسبة الدين الى الله فلم تقل دين محمد، ودين موسى وعيسى، بل دين الله، وهذه النسبة اعجاز اضافي في الآية من وجوه:
الاول: ما فيها من التثبيت لمعالم الدين، وترسيخ لمبادئ الاسلام.
الثاني: المقام هنا في الحكم والفصل بين الناس بلحاظ الاعمال.
الثالث: الاخبار عن انقسام الناس الى أهل الطاعة والتصديق بالنبوة ممن وفى بالعهود والتزم بمضامين الاقرار، وأهل التولي والجحود.
الرابع: الإشارة الى احكام النسخ في الشرائع.
الخامس: التوكيد الالهي على التقيد بسنن النبوة والتصديق بالبشارات الواردة في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وما هي معاني هذه النسبة, فيه وجوه:
الاول: انه الدين والمنهج والطريقة التي شرعها الله للناس.
الثاني: المراد عبادة وطاعة الله عز وجل.
الثالث: التوكيد بان التصديق بالنبوة من مضامين عبادة الله عز وجل من جهات:
الاولى: النبي واسطة مباركة بين الله والناس.
الثانية: النبي امام للناس في الدعوة الى عبادة الله.
الثالثة: يهدي النبي الناس الى العبادات واحكامها وكيفية ادائها كما في الصلاة والحج والزكاة، لذا ابتدأت الآية قبل السابقة بذكر ميثاق الانبياء.
الرابع: ليس من دين غير الاسلام، فما كان لله باقي ومستديم، وما كان مناوئاً ومحارباَ له يتضمن الخزي والخسران.
الخامس: هذه النسبة عنوان تشريف واكرام للاسلام وتوكيد بانه الدين الحق.
السادس: تشريف من ينتمي للاسلام من الافراد والامم، واخبار عن حسن اختيارهم.
السابع: دعوة الناس جميعاَ للانتماء للاسلام، والتقرب الى الله عز وجل بحسن الاختيار.
الثامن: البشارة للمسلمين بتحقيق الغلبة على اعدائهم، ونيل المراتب العالية في الآخرة.

علم المناسبة
من الحقائق الظاهرة ان القرآن يفسر بعضه بعضا ويأتي بعد آيتين قوله تعالى[وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ]( )، ومن الآيات في التفسير الذاتي اتحاد الموضوع وعدم الابتعاد بين الآية اعلاه، والآية محل البحث ولم تفصل بينهما الا آية الاخبار عن المنهج الحق، وجاءت الآيات لتحث المؤمنين على قتال الكفار ليكون الدين لله قال تعالى[وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] ( ).
ويأتي اسم الدين احياناً ليشمل غير الاسلام كما في قوله تعالى [َلكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ]( )، فيحمل في وجه منه على ارادة معنى الجزاء من لفظ الدين وحذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه، والتقدير ولكم جزاء دينكم، وجاء الكلام بالجملة الخبرية والإباحة ظاهراَ، ولكنه يتضمن الامهال والزجر والوعيد والتهديد.
ولابد من التصديق بالدين، والايمان بالجزاء، وهذا الجزاء مترتب على التسليم بانحصار الدين بالاسلام، ووجوب الانقياد لامره تعالى، وجعل الله الاسلام ديناً قيماَ للناس وارتضاه لهم، وفيه صلاحهم ونجاتهم، قال تعالى [وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]( ).
وجاءت الآيات بالبشارة بانتصار الإسلام وثباته في الأرض، وتحقيق البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت بها الكتب السماوية السابقة للقرآن، ولم يضرها التحريف والتشويه والتولي والإدبار عن الإقرار، قال تعالى [لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ] ( ).
والبغية هي الحاجة التي يطلبها الإنسان ويسعى من أجل بلوغها والحصول عليها، ووردت الآية بصيغة الإستفهام الإنكاري وتتضمن التخويف والوعيد، وتبعث اليأس في قلوب الكافرين بالنبوة، فلا دين غير دين الله، وجاء تأخير الفعل (يبغون) والأصل تقديمه للإشارة الى الخيبة التي تلحق الذين يتولون عن مبادئ وأحكام النبوة.
وتعلقت البغية والطلب هنا بالدين وليس بالربوبية، باعتبار انه لا اله الا الله، وليس من رب سواه، وان الذين يدبرون ويعرضون عن النبوة يظلون في عطش وهيام وضياع، ومن الإعجاز ان جاءت الآية بصيغة الإبهام بلفظ (غير) الموغلة في الاجمال، والفعل (بغى) وفيه مسائل:
الأولى: الإخبار بان الكافرين والجاحدين يسعون لطريقة ومنهج عمل.
الثانية: لا تنفي الآية وجود دين آخر غير الإسلام، وهذا من اعجاز القرآن ومطابقة آياته للواقع العملي المتصل الى يوم القيامة، ولكنها تشير الى خسارة وضلالة من يختار غير دين الله، لأن المدار على الوفاء بالعهود وما تم الإقرار به، الذي يتجلى بالتصديق بالأنبياء واتباعهم في سبل الطاعة والإنقياد لأحكام الشريعة.
الثالثة: تجعل لغة التنكير في الآية أهل الجحود والإدبار يتساءلون ماذا يبغون؟ لما فيها من الإشارة الى عدم حصول التعيين في القصد والغاية عندهم.
الرابعة: في الآية اعجاز، وهو الإشارة والإخبار بان الكافرين يتعذر عليهم الإتفاق على وجهة متحدة ومخصوصة في الطلب والسعي.
الخامسة: تدعو الآية في مفهومها الناس الى ابتغاء الإسلام ديناً وطريقاً ومنهاجاً، لما فيه من الصلاح وأسباب الفلاح والنجاة ومرضاة الله تعالى، أما من اختار التولي والإعراض عن النبوة وبشاراتها فانه خارج عن الفطرة، ويبغي الفساد، والإخلال بالنظام العام.
لقد حجبت الكدورات الظلمانية والحجب الجسمانية شطراً من الناس عن عالم الميثاق ومضامين الإقرار، مما يحول دون ادراكهم لمشارق العهود التي أخذها الله عليهم في نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما في نبوته من المنافع والإعتراف بالعبودية الخالصة لله تعالى.
وجاء إستنكار ما يبغون دعوة للناس للإيمان، واخباراً عن وجوب عبادة الله، وتوكيداً لصدق النبوة ولزوم اتباع الأنبياء في طاعة الله، وفي التنزيل [قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ]( ).
وتبين الآية جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في تثبيت دعائم الدين، ومنع الناس من التولي والإدبار عن دعوة الحق، فمع البشارات التي جاءت بالنبي، والإقرار الذي أخذه الله عز وجل على الناس بالتصديق به، والذي تؤكده الآيات الباهرات التي جرت على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فان كثيراً من الناس تلقوا نبوته بالإعراض والإدبار، وأخلوا بالعهود.

قوله تعالى [وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]
جاءت الآية في بيان عبودية الخلائق مطلقاً لله تعالى، وهو عنوان مدح لها، وثناء على الله عز وجل في ربوبيته المطلقة، واخبار بانه سبحانه لا يرضى لها مجتمعة ومتفرقة الا ان تكون منقادة لله مستجيبة لأمره، ومن مفاهيم هذا المدح انه ذم لأهل الجحود والعناد، وفيه مسائل:
الأولى: ان كثرة الجاحدين بالنبوة قلة ازاء الخلائق كلها.
الثانية: بعث السكينة والطمأنينة في قلوب المسلمين، وتخليصهم من الفزع، فحينما يرون كثرة الجاحدين يخشونهم ويحزنون لإختيار الكثرة الإدبار عن العهود، فتأتي هذه الآية لتبين لهم ان الخلائق كلها على الإيمان والتسليم لله تعالى.
الثالثة: الآية لغة في الإحتجاج على الكافرين والجاحدين، وبرزخ دون شعورهم بالزهو بسبب كثرتهم من وجوه:
الأول: عدم ثبوت الكثرة، بل هم قلة.
الثاني: انقياد الخلائق لله عز وجل، ومنها ما لا يحتاج في انقياده الى عهد واقرار بوجوب العبادة بل هو مجبول على الخضوع لله عز وجل.
الثالث: اجتماع والتقاء الكافرين والجاحدين على الباطل.
الرابعة: الإخبار عن وقوع العبادة والخضوع من غير الإنسان، فليس الإنسان وحده مكلفاً بالعبادة، بل ان الخلائق جميعاً مأمورة بالتسليم والخضوع لله عز وجل كل بحسبه.
الخامسة: الإخبار عن قاعدة كلية وهي خضوع وخشوع أهل السماوات لله وثباتهم على الإيمان.
وجاءت الآية بصيغة الاسم الموصول (من) ويستغنى به عن الكلام الطويل والتفصيل وذكر الأفراد كما في المقام، فبدل ان تذكر أسماء سكان السماوات والأرض جاءت الإشارة اليهم بالاسم الموصول (من) بالإضافة الى افادتها الإطلاق، وفيه وجوه:
الأول: الإطلاق هو المطلوب هنا للإحتجاج على من تولى وأدبر.
الثاني: الإخبار الإلهي عن ثبوت صفة الإسلام والإنقياد عند سكان السماوات والأرض.
الثالث: الترغيب بالإسلام والتمسك بالعهود.
الرابع: تقبيح فعل اهل التولي والجحود بالقياس مع غيرهم من أهل السماوات والأرض.
الخامس: ليس هناك جاحد ومعاند الا شطراً من الناس، وتدل الآيات القرآنية والدلائل العقلية على ايمان الملائكة المحض، وانقياد الخلائق لله عز وجل.
فان قلت: ان الجن من مصاديق الآية ويسكنون الأرض وهم على قسمين، كما ورد في التنزيل [وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ]( ).
قلتُ: ان وجود نفر قليل من جنس لا يضر بالإطلاق في الآية، وهؤلاء يخرجون بالتخصص، وقد جاء القرآن بالإخبار عنهم وذمهم، كما وردت الآيات بذم ابليس لإستكباره، ومن دلالات الآية ان الذي يجحد ويتولى لن يضر الا نفسه.
السادس: الآية دعوة للإعتبار والتدبر في بديع خلق الله تعالى، وكيف ان اهل السماوات والأرض ينقادون لأوامره تعالى فمن باب الأولوية ان ينقاد الإنسان لأوامره تعالى ويظهر الخشوع والخضوع لله سبحانه من وجوه:
الأول: تفضله تعالى على الإنسان بالخلق.
الثاني: جعله الإنسان خليفة في الأرض، والخليفة أولى من غيره باظهار مضامين الخضوع والخشوع لله تعالى.
الثالث: مجيء الأنبياء والمرسلين مبشرين ومنذرين، وتوالي الآيات التي تدل على صدق نبوتهم، ولزوم اتباعهم في طاعة الله.
الرابع: تعدد العهود والمواثيق التي قطعها الإنسان على نفسه بالتقيد بأحكام العبادة، واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاءت الآية بلفظ أسلم بصيغة الماضي وفيه وجوه:
الأول: اسلام وانقياد الناس لله عز وجل عند حصول الميثاق والعهد، فيدخل فيه اهل التولي والجحود، باعتبار انهم اقروا بالحق قبل النكوص فتتضمن الآية لومهم لجحودهم وتوليهم بعد الإسلام والإنقياد لله تعالى، باعتبار ان الإقرار اعتراف بالحق.
الثاني: انقياد وخضوع أهل السماء والأرض لله عز وجل، ومنهم الناس جميعاً، فيدخل فيه اهل التولي والإدبار من وجوه:
الأول: خضوعهم لله عز وجل قهراً وكرهاً.
الثاني: مشاركة الناس في الإسلام والخشوع لله عز وجل.
الثالث: تحقق الإسلام والانقياد واقعاً من الناس، وبضمنهم الذين تولوا وادبروا، ويكون الادبار هنا على اقسام ثلاثة:
الاول: الادبار والاعراض عن البشارات الخاصة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والامر ووجوب نصرته.
الثاني: الخلط والجمع بين الاستسلام والانقياد لله تعالى، والادبار والاعراض.
الثالث: امر الاسلام والإنقياد أجنبي عن حال التولي والإدبار، لان الانقياد حاصل طوعاَ او كرهاَ كما جاء في الآية الكريمة، فالذي يدبر هو ايضاً مستسلم لله لا يستطيع الخروج عن سلطانه وحكمه وملكه، والصحيح القسم الأول والثالث.
الرابع: الاسلام والانقياد ملازمان للممكن، فكل ممكن مخلوق وهو محتاج لله تعالى، وهذه الحاجة تتجلى في بعض وجوهها بالتسليم لله تعالى بالربوبية.
الخامس: يصدق التسليم والخضوع والانقياد له عز وجل ولو في زمان مخصوص وعند الحاجة كما في حال الخوف وتعذر سبل النجاة فان الانسان يلجأ الى الله تعالى.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وتحمل الآية على اصالة الاطلاق وارادة العموم، فكل سكان السماوات والارض منقادون لله تعالى طوعاَ او كرهاَ، واهل التولي يناقضون انفسهم، قال تعالى [وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا]( ).
وجاءت الآية بلفظ الاسم الموصول (من) وفيه وجوه:
الأول: انحصار موضوع الآية والتسليم بالعقلاء من سكان السموات والارض.
الثاني: تعلق الآية بالخلائق الموجودة في السماء والارض.
الثالث: شمول الآية للسماوات والارض وما فيهن.
والصحيح هو الثالث، فمع ان (من) تستعمل في الغالب للعاقل الا انه لا يمنع من التعدد وشمولها للعاقل وغير العاقل، خصوصاً مع قرينة الاطلاق في التسليم من الخلائق كافة، قال تعالى [فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ]( ).
ولم تأت الآية بذكر اهل السماء وحدهم، ولا اهل الارض وحدهم بل جاءت جامعة مانعة، جامعة للخلائق، مانعة من خروج احد الافراد من الاستسلام والانقياد لامره تعالى فان قلت: ان التولي والادبار مباين ومغاير للتسليم والخضوع، قلت: المراد في الآية الانقياد والخضوع لامره تعالى والحاجة اليه في الشدة والرخاء، فالذي يتولى عن البشارات عبد لله لا يمكنه الاستغناء عن رحمته ورأفته، ومن لم يطع الله طوعاً فانه ينقاد كرهاً وقهراً.
وجاءت الآية للاخبار عن عدم وجود ناصر لاهل التولي، ويستمر الانسان في عمله ونهجه اذا رأى غيره على شاكلته ومثله، ويجد فيهم عوناً وانساً ومواساة، اما اذا لم يجد غيره يعمل مثل عمله فانه يشعر بالوحدة والغربة ويتدبر في اصل الفعل الذي يفعله، وينظر في اسباب الامتناع والاقلاع عنه،والرجوع الى الجماعة ومحاكاة الآخرين، لذا تضمنت الآية مسائل:
الاولى: اخبار اهل التولي بانفرادهم بالادبار والجحود.
الثانية: تعذر ايجاد من يشاركهم في فعلهم فليس من سكان السموات والارض الا وهو يتبرأ من الادبار واهله خصوصا بعد اخذ الميثاق والعهود عليهم.
الثالثة: عز وقوة المسلمين لانهم اختاروا الصراط المستقيم واشتركوا مع الخلائق في خصال التوحيد، وكانوا مرآة الخلافة في الأرض.
ووردت مادة (سلم) في القرآن احدى وعشرين مرة، وكلها تتعلق بالانسان واسلامه وانقياده لله تعالى منها خمس مرات بلفظ (اسلم)، جاءت في مدح العبد الذي يحسن اسلامه ويقصد التوجه الى الله تعالى، باستثناء هذه الآية التي جاءت مطلقة لاهل السماوات والارض، لانها في مقام الاحتجاج على الكافرين وعدم وجود دين آخر عند الخلائق غير الخضوع والخشوع لله تعالى.
قانون الانقياد
من اسمائه تعالى الخالق والخلاق، وهو الذي خلق الاشياء كلها، وحفظها في ذاتها وبقائها، وتكاثرها وانشطارها وفق نظام دقيق، وعالم منسجم الاجزاء، ليس فيه تزاحم وتعارض يؤدي الى فناء بعضها او تعارضه مع بعضها الآخر.
ومع التباين بين الخلائق في الهيئة والكيفية فمنها ماهو جسم، ومنها ماهو روح ونفس، وعقل محض فانها جميعا منقادة لله عز وجل، وهذا الانقياد يحتمل في علته وجوهاَ:
الاول: انه شكر لله تعالى على نعمة الخلق.
الثاني: توسل وتضرع من اجل البقاء وديمومة الذات، والنوع.
الثالث: الانقياد والخضوع لله سبحانه، جزء من ماهية وتكوين الخلائق.
الرابع: الخوف والخشية من الله.
الخامس: الانقياد وسيلة لنيل الثواب والجزاء الحسن.
السادس: الاقرار باستحقاقه تعالى بان تخضع وتستسلم له الخلائق.
السابع: ادراك وجوب الانقياد والخشوع والخضوع لله.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وتدل متفرقة ومجتمعة على عظمة الله تعالى، وقوته، وقهره للخلائق، وجعلها منقادة له، مستجيبة لامره، وهو الذي نسميه (قانون الانقياد)، لتكون الموجودات كلها طائعة خاضعة له سبحانه، وهذا الخضوع فرع الخلق، فالنسبة بينه تعالى وبين الخلائق على وجوه منها:
الاول: الخالق والمخلوقون.
الثاني: الرب والمربوبون.
الثالث: السيد والعبد.
الرابع: الحافظ والمحفظون، لان حاجة الخلائق لله عز وجل لا تنحصر بالخلق والايجاد بل تشمل الحفظ والتعاهد واسباب البقاء.
الخامس: الرازق والمرزوقون، وما في الرزق من التعاهد ومضامين حاجة المرزوق الى الرازق.
والانقياد ملازم للبقاء وهو حاجة للخلائق ذاتها واقرار منها بعظمة الباري عز وجل وان كل ما سواه هو من بديع خلقه.
وهذا القانون واطلاقه حجة على الانسان في لزوم عدم الخروج عن فعل أمثاله من الخلائق من جهة وجوب الانقياد لله تعالى، وبعثة الأنبياء عون للانسان على البقاء في منازل الانقياد، وعدم مخالفة الواجب وما عليه اهل السماوات والارض من التسليم والخشوع والانقياد لله تعالى، وجاءت هذه الآية والآية التالية للاخبار عن تقيد شطر من الناس بمفاهيم الانقياد والخضوع لله تعالى، وتصديقهم بالأنبياء.
أما الآية السابقة فتضمنت ذم اهل الجحود بالنبوة وما فيه من محاولة الخروج عن قواعد الاستسلام والانقياد لله تعالى ولكن ليس لهم الخروج لانهم منقادون قهراً وهذا القانون ثابت في الأرض والسماء، لن يرتفع او يغادر الخلائق وهو فرار ولجوء الى الله عز وجل.

قوله تعالى[طَوْعًا وَكَرْهًا]
جاءت الآية لبيان كيفية انقياد اهل السماوات والأرض لله، وتتضمن وجهين:
الاول: الاختيار وان شطراَ منهم ينقاد لله تعالى برضا وقبول من غير تردد او تلكأ.
الثاني: الاكراه والاجبار في استسلام وانقياد فريق من الخلائق لله تعالى واقرارهم بالربوبية وفيه مسائل:
الاولى: هل يحتمل وجود برزخ وقسيم ثالث بينهما يكون حكمه الوسطية بين الاختيار والاكراه، الجواب لا، فاما ان يكون الانقياد عن رضا وقبول، واما ان يكون عن قهر وكره.
الثانية: هل يأتي الاكراه بعد الامتناع مدة عن الاستسلام، والتردد فيه، أم يتم في ذات الزمان الذي يحصل فيه انقياد واستسلام الخلائق الاخرى التي تقصده اختياراً، الجواب فيه تفصيل، فليس من فترة تترك فيها الخلائق في حال عدم انقياد الا في الانس والجن، وجاءت هذه الآية لدعوة الناس جميعاً الى الايمان طوعاً.
الثالثة: يحتمل الطوع والكره في المقام وجوهاً:
الاول: كل منهما على مراتب متفاوتة ومتباينة.
الثاني: الطوع من الكلي المتواطئ ذي المرتبة المتساوية في كيفية التسليم والانقياد، اما الكره فهو من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة.
الثالث: الانقياد طوعاً من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متباينة، اما الكره فهو كيفية ذات صيغة واحدة متساوية الافراد.
ولا دليل على التباين في احد الفردين من الطوع والكره، فيحمل على المتواطئ، الا ان هذا لا يمنع من التباين في كيفية الانقياد والخضوع كل بحسبه، وهذا التباين شاهد على عظيم قدرة الله وانه تعالى لا تستعصي عليه مسألة.
لقد اراد الله عز وجل تجلي ملكه وسلطانه في عباده وخلقه بانقيادهم واستسلامهم لارادته واستجابتهم لمشيئته، وفي مصاديق الاختيار والاكراه في الآية وجوه:
الاول: انقياد المؤمن طوعاً، اما الكافر فانه يستسلم قهراً وكرهاً، وبه قال قتادة.
الثاني: معناه اكره اقوام على الاسلام، وجاء اقوام طائعين، عن الحسن، وهو المروي عن الامام الصادق عليه السلام قال كرهاً أي فرقاً من السيف ( ).
الثالث: اسلم المسلمون طوعاً، والكافرون عند موتهم كرهاً ( ).
الرابع: الطوع لاهل السموات خاصة، واما اهل الارض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره، عن الحسن ( ).
ترى هل موضوع الطوع والكره واحد، ام انه متعدد، فيه وجوه:
الاول: الطوع في أصل التسليم بالربوبية لله، اما الطوع فبخصوص التكاليف وعالم الافعال، والناس في مقدمات انقيادهم على وجوه:
الأول: كفاية الدعوة والتنبيه.
الثاني: الترغيب والبشارات.
الثالث: التحذير والتخويف والوعيد.
الرابع: الإكراه الفعلي.
الخامس: اجتماع بعض الوجوه أعلاه.
الثاني: اتحاد موضوع الطوع والكره، باعتبار ان الانقياد والاستسلام بسيط ومتحد، وجاء الخطاب التكليفي للخلائق جميعاً، فمنهم من آمن طوعاًًًًَ، ومنهم من آمن كرهاً.
ولمعرفة مضامين الطوع والكره في المقام، لابد من تحديد معنى قوله تعالى [اسلم] وفيه وجوه:
الاول: المراد من الاسلام الخضوع والسجود، قال تعالى [وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا]( ).
الثاني: الانقياد والاذعان لله تعالى.
الثالث: النطق بكلمة التوحيد.
الرابع: الاقرار بانه (لا إله الا الله) والشهادة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: تسليم كل مخلوق لأمره لله تعالى.
السادس: الاستسلام لقضاء وقدر الله سبحانه.
السابع: التقيد باحكام الشريعة واتيان ماجاء به الأنبياء والرسل من الله، سواء كان الرسل من البشر او من الملائكة.
الثامن: الاذعان لله عز وجل وطاعته فيما يأمر به.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، فكل مخلوق اسلم ويسلم بالكيفية التي تناسبه في خلقه وهيئته وشأنه من غير ابطاء او تقصير، واذا كان التولي والادبار متعلقاً بلزوم الايمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، فلماذا جاء الاحتجاج بالاخبار عن استسلام وانقياد الخلائق لله تعالى، الجواب ان الآية السابقة وصفت الذين يجحدون بالنبوة بالفاسقين الخارجين عن طاعة الله.
وجاءت هذه الآية لذمهم بصيغة التساؤل والاستفهام الاستنكاري وبيان عجزهم عن ايجاد دين وطريقة غير دين الله، ثم بينت علة هذا العجز وهي انقياد من في السماوات والارض من الملائكة والجن والانس لله تعالى واقرارهم بالعبودية له سبحانه، مما يعني ان اهل التولي لا يضرون الا انفسهم، وان الله عز وجل قد اخذ منهم اقرارهم بوجوب الايمان بالنبوة ونصرتها، واشهدهم على انفسهم، فأصبحوا ممن نقض العهد بنصرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخالف الميثاق الذي قطعه على نفسه.
فجاءت الآية الكريمة للاخبار بانهم منقادون ومستسلمون لله تعالى قهراً وكرهاً، وليس بمقدورهم الامتناع عن الانقياد له تعالى، بل ان الاستسلام والانقياد امر حاصل سواء كان المراد حصوله في الزمن الماضي، او انه جاء على نحو القطع والجزم لكل الخلائق، ما موجود منها وما هو كائن فيما بعد باعتباره جزء من قانون الانقياد.
وتؤكد الآية حقيقة ثابتة وهي ان الله عز وجل هو الباقي الدائم، وانه على كل شئ قدير، وان الخلائق ليس لها الا الاستسلام والانقياد لامره سبحانه، قال تعالى [أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( ) ومن قوته ان تستجيب الخلائق له، وانعدام القوة عند غيره عند دعوتها لطاعته والانقياد لاوامره سبحانه لذا لا ترى منها الا الإمتثال واظهارها حسن العبودية كل بحسبه.
وفي موضوع كيفية الاسلام والانقياد هنا وجوه:
الأول: الاتحاد في صيغة الاختيار والاكراه فكلاهما يتعلقان في موضوع واحد هو الاقرار بالربوبية لله تعالى والتسليم والانقياد له.
الثاني: الاتحاد الموضوعي في الاختيار، والتعدد في الاكراه، كما لو كان الاكراه في التسليم بالربوبية والاقرار بالعهد، والسجود لله تعالى.
الثالث: الطواعية والاختيار في الدنيا، والاكراه في الآخرة.
الرابع: التعدد في الاختيار وكذا في الاكراه، فالذين اسلموا جاء اسلامهم طوعاً في عدة مضامين وهي: الانقياد لله، والاقرار بالربوبية، والاعتراف بالمواثيق والعهود، واداء الفرائض والتكاليف.
والتباين عند أهل الكره فهم يستجيبون لبعض الأوامر ويقرون ببعض العهود، ولكنهم لا يقرون ببعضها الآخر الا بالاكراه.
والصحيح هو الأول باعتبار ان التسليم المراد في الآية أمر بسيط، جعله الله قريباً من العباد.
بحث بلاغي
من اقسام البديع “الإستقصاء” وهو ان يتناول المتكلم موضوعاً فيستقصي معانيه، ويقوم ببيان احكامه واوصافه ولوازمه بما يجعله ممتنعاً عن اشتراك غيره معه في ذات الأوصاف، وجاءت هذه الآيات في استقصاء موضوع الإعراض عن الإسلام والدعوة الى الله عز وجل، ولو اقتصر الذم على ما جاء في الآية السابقة لكان كافياً لما فيها من الذم والتبكيت، ولكن القرآن جاء بياناً لكل شيء وهدى للعالمين، فوردت هذه الآية بلغة الإحتجاج والإخبار عن الغاية المحتملة من التولي والإعراض بصيغة الإستفهام والإستنكار مع توكيد حقيقة وهي انقياد وخشوع سكان السماوات والأرض.
وجاءت الآية بلفظ اسم الموصول (من) وهو يستعمل للعاقل، كما يجمع معه غير العاقل، في دلالة على ان العقل يقود للإيمان، ولمنع الغرور عند اهل التولي والإدعاء بان من اسلم ادنى واقل منهم رتبة وشأناً.
ويتجلى الاستقصاء من وجوه:
الأول: لوم أهل التولي والاعراض مطلقاً لسوء اختيارهم، وسعيهم عن قصد وعمد في طلب دين آخر غير الاسلام، وما في هذا الطلب وغاياته من الضلالة.
الثاني: استقصاء الملل الاخرى غير الاسلام والانقياد والخضوع الى الله تعالى، وذكرها بلغة الذم والتقبيح.
الثالث: الاشارة الى المواثيق والبراهين والعهود بقوله تعالى (ذلك).
الرابع: الاستقصاء باسم الاشارة (اولئك) وارادته عموم أهل التولي والاعراض منه.
الخامس: اطلاق وصف (الفاسقين) على جميع أهل التولي من غير تمييز واستثناء بعضهم.
وهل لفظ (الفاسقين) هنا من الكلي المتواطئ الذي له مراتب متساوية، أم انه من الكلي المشكك الذي له مراتب متفاوتة في شدة وضعف الفسق والخروج عن الطاعة، الجواب: على وجهين:
الأول: كل من تولى عن مواثيق النبوة ونصرتها تصدق عليه صفة الفاسق.
الثاني: حصول التباين فيما يترشح عن التولي والفسق من الاقرار والافعال والاضرار، بالاضافة الى امكان تعيين بعض موارد الاستقصاء من مفهوم منها:
الأول: اطلاق صيغة الانذار والوعيد لأهل التولي جميعاً.
الثاني: مدح المسلمين والثناء عليهم لاجتنابهم سبل التولي والاعراض.
الثالث: تحذير المسلمين من الفاسقين مطلقاً.
الرابع: دعوة الناس لنبذ التولي وعدم الانصات لأهله.
فلا مانع من التعدد في جهة الخطاب للذات المتحدة، أي ان الآية تتوجه الى الفاسق بأمور هي:
الأول: اخباره بصفته التي تقترن وتترشح عن التولي والاعراض.
الثاني: بيان قبح التولي.
الثالث: زجره عن التولي والاعراض.
الرابع: امكان نجاته وتخلصه من صفة الفسق وما فيها من القبح الذاتي، وانتقاله الى منازل العز بالانقياد لأوامر الله تعالى.
ومن خصائص الاستفهام الانكاري في الآية تنبيه الكافرين الى خطأ سوء القصد والسعي والغاية، فقد يعتمد الانسان مبنىً خاطئاً يظن صحته ويدافع عنه ويحاول ايجاد اسباب تقنعه وغيره للبقاء عليه فيحتاج الى البيان واثبات خطئه، فجاء الاستفهام الاستنكاري هنا للزجر عن الضلال، والاخبار عن الوهم في اختيار التولي والاعراض وما فيه من الاضرار بالذات والغير، ومحاولة التحريف والتغيير والسعي بخلاف الحق والنهج القويم، وإشعار أهل الإدبار والإعراض بما يسببه سوء فعلهم، ويلفت انظارهم الى المخاطر الجسيمة التي تترتب عليه.
ودخول غير العاقل في معاني الاسم الموصول حجة على الإنسان فاذا كان الأدنى منه رتبة ومن لا يملك عقلاً وحواساً مثل الإنسان، يتقيد باحكام الإيمان ويسلم لله تعالى بالربوبية، فمن باب الأولوية القطعية ان يكون الأعلى منه شأناً منقاداً باختياره الى طاعة الله عز وجل.

قوله تعالى [وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ]
الضمير الهاء في اليه يعود لله تعالى، والله عز وجل حاضر في كل مكان لا تخفى عليه خافية، والانسان في قدرة الله وتحت سلطانه منذ خلقه والى مماته وما بعد مماته فلماذا جاءت الآية بصيغة الرجوع، الجواب: للانذار والتحذير والتذكير بيوم القيامة وعالم الحساب وجاءت الآية بصيغة الجمع والغائب [ِ يُرْجَعُونَ] وفيه وجوه:
الاول: ارادة الناس جميعاً، لان كل انسان يبعث يوم القيامة ويقف بين يدي الله للحساب.
الثاني: الآية انذار موجه لاهل التولي والادبار، ممن اعرض عن النبوة بعد الاقرار ويطلبون غير دين الله.
الثالث: المقصود في الخطاب المسلمون دون غيرهم وتحمل الآية على البشارة.
الرابع: من تقيد باحكام العهد والميثاق ووفى بما أقر به.
الخامس: اهل السماوات والارض الذين جاءت الآية بذكرهم والاخبار عن انقيادهم لله عز وجل.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية ومن اعجازها ان اهل التولي مقصودون في الآية من وجهين:
الاول: انهم جزء من اهل السماوات والارض.
الثاني: ارادتهم على نحو الخصوص لامكان انصراف اللفظ لهم خاصة مع شمولهم بالخطاب العام والقاعدة الكلية في رجوع الناس الى الله عز وجل.
ومن منافع هذا التعدد في الخطاب اجتماع صيغة الوعد والوعيد، والامل والتخويف، ويتجلى الوعد والامل بباب التوبة وامكان التدارك والرجوع عن التولي والادبار الى منازل الاقرار والشهود والوفاء بالعهد، فتكون الآية على وجوه.
الاول: الوعد للذين اقروا بالنبوة، واخلصوا في الوفاء بالعهد.
الثاني: الوعيد للذين جحدوا النبوة وتنكروا لاقرارهم.
الثالث: الوعد بالتوبة لمن رجع الى الهدى والوفاء بالعهد، والوعيد لمن اصر على الجحود والصدود.
وبينت الآية قاعدة كلية ثابتة تتغشى الناس جميعاً وهي وقوفهم بين يدي الله للحساب، فيثاب المؤمن، ويعاقب الكافر، وهذا البيان من عمومات اللطف الالهي، اذ ان الله عز وجل يدعو الناس جميعاً في هذه الآية للالتفات الى حتمية العودة اليه والرجوع للحساب.
وجاءت خاتمة الآية لتؤكد وجوب اسلام جميع الناس لله تعالى طوعاً وكرهاً يوم القيامة حيث يكون الملك له وحده، وفيها حث على استثمار الحياة الدنيا للتسليم والإنقياد لأوامره تعالى طوعاً والفوز بالثواب بدل الخسران بالضلالة في الدنيا والإضطرار الى الإسلام في الآخرة طوعاً او كرهاً.
ومن النكت العقائدية في المقام ان هذا الرجوع لا رجوع او عودة منه، فليس من عالم دنيا للانسان بعد الممات.
بحث بلاغي
من وجوه البديع “الإلتفات” والإنتقال من صيغة الخطاب الى الغيبة او بالعكس لجذب الأسماع وتحلية الكلام ودفع الملل والسأم، ويأتي في القرآن بابهى معانيه ويتضمن دلالات عقائدية فقد جاءت الآية بثلاث صيغ:
الأولى: ابتدأت هذه الآية بصيغة الغائب والإستفهام التوبيخي من غير تعيين لجهة الخطاب في حث للناس على اجتناب مضامين الذم الذي يأتي بسبب الإعراض والجحود عن دعوة الحق.
الثانية: الإخبار عن حقيقة تتفرع عن الإرادة التكوينية وتدل على عظمة وجبروت الخالق، وانقياد الخلائق له، مما يدل على انفراد أهل التولي والجحود بحال الإستكبار والعناد والجحود.
الثالثة: انتقال الآية الى صيغة الخطاب، بقوله تعالى [اليه ترجعون] وكل صيغة من هذه الصيغ الثلاث فيها ذكر الله عز وجل، ففي الأولى ذكر اسم الجلالة، وبالضمير الهاء في الثانية ذكر له بقوله تعالى “وله أسلم” وفي الثالثة “اليه ترجعون”.
والإلتفات الى صيغة الخطاب آية اعجازية واخبار بان المؤمنين والكافرين يحشرون يوم القيامة جميعاً الى الله عز وجل، وتتضمن هذه الصيغة البشارة للمسلمين بالجنة، وهل يمكن حصر الخطاب في الآية بالمسلمين، باعتبار القدر المتيقن من الخطاب وان المراد هم المسلمون الجواب: لا، لاصالة الإطلاق وحقيقة رجوع الناس جميعاً الى الله والوقوف بين يديه للحساب، ولو دار الأمر بين تضمن الآية لغة البشارة، او البشارة والإنذار، فالثاني هو الأرجح لعموم اللفظ القرآني.
بحث روائي
اخرج الطبراني بسند ضعيف عن عطاء بن أبي رباح عن النبي صلى الله عليه وسلم [ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا] أما من في السموات فالملائكة وأما من في الارض فمن ولد على الاسلام وأما كرها فمن أتى به من سبايا الامم في السلاسل والاغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون( ).
ويدل الحديث على ان النسبة بين الطوع والكره هي نسبة الاكثر الى الاقل، فالملائكة والمسلمون هم الاكثر ويؤمنون طوعاً، اما الكره فيتعلق بالذين اخذوا قهراً وكان هــذا الأخذ ســبباً في اســلامهم، وفيه اشارة الى الأسر والعبودية في الإسلام وانها باب لإنتفـاع العبد في الآخرة وفوزه بالجنة، والمراد من “يقادون الى الجنة” الوارد في الحديث اعلاه وجوه:
الأول: الجنة هنا هي الإسلام، لأن مقدمات اسلامهم جاءت كرهاً عليهم، فلولا الأسر والرق لما اسلموا فيكون اطلاق لفظ الجنة مجازياً ولكن فيه دلالة بان الإنتماء الى الإسلام يقودهم الى الجنة.
الثاني: المراد الجنة والسعادة في عالم الآخرة، ولكن الكره يتعلق بدخولهم للإسلام في الدنيا وهم كارهون ليكونوا حجة على اخوانهم واهليهم الكفار الذين اصروا على الكفر فدخلوا النار.
الثالث: التباين في دخول الجنة وان سبايا الأمم يأتون تقودهم الملائكة الى الجنة، وحال الكراهية التي كانوا عليها عند دخولهم في الإسلام، فتظهر عليهم في الآخرة بهذا القود، فتعرف الخلائق ان هؤلاء هم السبايا الذين اسروا واسترقوا فدخلوا الإسلام بعدها.
والصحيح هو الثالث، وهو آية في عالم الآخرة، فالمسلم لا يحرم من الجنة، ولكن طريقة دخول السبايا الذين اسلموا الى الجنة تختلف عن دخول المسلمين الذين اسلموا وذراريهم طوعاً، وهذا القود خاص باشــخاص السبايا ولا يشــمل اولادهم الذين اســلموا طـــوعاً، فان قلت من السبايا من احسن اسلامه فهل يشملهم الحكم المذكور في الحديث الجواب نعم لأن المدار على دخــوله الإسلام بالإكراه الا ان يشاء الله.


قوله تعالى [ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] الآية 84

الإعراب واللغة
قل آمنا بالله: قل: فعل أمر، والفاعل ضمير تقديره أنت.
آمنا: فعل ماض وفاعل، وجملة آمنا مقول القول.
بالله: جار ومجرور متعلقان بآمنا.
(وما أنزل علينا): الواو: عاطفة، ما: اسم موصول معطوف على اسم الجلالة.
أنزل: فعل ماض مبني للمجهول، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وجملة انزل صلة الموصول.
علينا: جار ومجرور، وما انزل على ابراهيم: عطف على ما تقدم.
وما أوتي موسى: الواو: حرف عطف، اوتي: فعل ماض مبني للمجهول، موسى: نائب فاعل، عيسى والنبيون: عطف على موسى.
لا نفرق بين أحد منهم: لا: نافية، نفرق: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن، بين: ظرف مكان.
أحد: مضاف اليه، منهم: جار ومجرور.
ونحن له مسلمون: الواو: حالية، ويجوز ان تكون استئنافية.
نحن: مبتدأ، له: جار ومجرور متعلقان بـ(مسلمون) مسلمون: خبر نحن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
والأسباط: جميع سبط _ بكسر السين_ وهو ولد الولد وقيل يغلب على ولد البنت مقابل الحفيد الذي هو ولد الإبن، ولكن الآية القرآنية لا تثبت هذا التقسيم وتعطي للسبط معنى أعم.
في سياق الآيات
جاءت الآية السابقة بذم الذين تولوا وأدبروا عن النبوة، وأخذ العهود عليهم واقرارهم بها، واستنكار فعلهم وتحديهم، والإخبار عن عجزهم عن الهروب عن سلطان الله الذي تفضل وجعل الإسلام ديناً لأهل الأرض.
ومن الآيات وعمومات قبح العقاب بلا بيان مجيء الذم بعد الاخبار السماوي عن ميثاق الأنبياء والعهود التي قطعها الناس على انفسهم بما يفيد ثباتها ولزوم تعاهدها، بالاضافة الى سر اضافي وهو ان هذا التعاهد يعود على صاحبه بالنفع في النشأتين، وبالعكس فان الجحود وانكار المواثيق يضر المكلف في دنياه وآخرته.
فالتولي والاعراض والسعي بالافساد العقائدي بين الناس وبث روح الشك والريب تؤدي بصاحبها الى العذاب الأليم في النار، والله عز وجل غني عن العالمين أنزل آيات الانذار والوعيد ومنها الآيتان السابقتان لنجاة الناس من الكفر والضلالة، ثم تفضل سبحانه فأنزل هذه الآية وتتضمن الاعجاز في سياق الآيات من وجوه:
الأول: مجيؤها بعد آيات الانذار والوعيد.
الثاني: اراءة أهل الكفر والجحود سلامة نهج المسلمين.
الثالث: حث الناس على اجتناب التولي والاعراض وبيان قبحه.
الرابع: جعل الكفار يلتفتون الى خطئهم وسوء فعلهم، ووجوب التدارك ولزوم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في اعلان الايمان.
الخامس: زجر الناس عن جدال المسلمين او الاحتجاج عليهم لأنهم على الحق ولم يختاروا الايمان والهدى.
السادس: حث الناس على الفوز برضا الله واختيار النهج الذي يرضى الله عليه ويكون موافقاً للمواثيق والعهود التي تتضمنه، وهذا الفوز يتجلى بالأمر للنبي بلفظ (قل آمنا) الذي يعني قبول العمل، وإذ جاءت الآية التالية بعدم قبول اعمال الذين نعتتهم الآية السابقة بالفاسقين، فان هذه الآية تتضمن في مفهومها مدح المسلمين والثناء عليهم والاخبار بقبول عملهم لإعتبار قيد الايمان في قبول الأعمال.
السابع: بعث الفرقة والخلاف بين أهل التولي والاعراض لادراكهم انتفاء العلة العقلية لما هم عليه من الجحود، فايمان شطر من الناس بالنبوة فضح للكفر والشرك، ودعوة للناس للايمان.
الثامن: الاتحاد في موضوع الآية السابقة واللاحقة، اذ ان الآية التالية ترجع الى ذات موضوع الآية السابقة في ذم الذي يبتغي ديناً آخر غير دين الله، ولكنها تتضمن البيان والتفصيل وتعيين دين الله وانه الاسلام.
التاسع: من الكنوز المدخرة في سياق الآيات ان تأتي آية الشهادة الذاتية النوعية بالايمان والتصديق بالنبوات بين آيتين في ذم التولي والاعراض عن المواثيق والعهود، والاخبار عن اضرار التولي وفيه وجوه:
الأول: بشارة المسلمين بقبول الأعمال للملازمة بين التولي عن المواثيق وبين عدم القبول، والذي يدل في مفهومه على قبول الاعمال مع الاسلام.
الثاني: تيسير طرق الهداية على الناس وجذبهم الى الاسلام وتحبيبه الى نفوسهم
الثالث: اعانة الناس مطلقاً، المسلمين وغيرهم على التفقه في الدين ومعرفة مضامين وسنن الايمان وضرورة عدم التفريق بين الأنبياء.
الرابع: الاخبار عن ثبات المسلمين على الايمان والتسليم بالنبوات، وان تولي واعراض شطر من الناس عن المواثيق لم يؤثر فيهم بل يزيدهم ايماناً وهدى، فاذا كان المسلمون متمسكين بمبادئ الايمان ومتعاهدين للمواثيق والعهود، وأهل التولي ليس عندهم شيء يتمسكون به، وهو ظاهر من معنى التولي وانه يتضمن الإعراض والإدبار عن الشيء وليس قصد شيء نافع آخر.
الخامس: فوز المسلمين في الآخرة لأن الخسارة ملازمة للتولي والاعراض والجحود.
العاشر: جاء قبل آيتين الاخبار عن شهادة الله تعالى على الاقرار والعهد الذي أُخذ من الناس في لزوم الايمان بالنبوة ونصرتها، ثم تضمنت الآيتان السابقتان ذم أهل التولي والاعراض الذين نقضوا ما عاهدوا الله عليه، وجاءت هذه الآية للاخبار عن تعاهد المسلمين لما شهدوا به على انفسهم من الاقرار بالنبوة ونصرتها ووفائهم بالمواثيق، كما انها تخبر عن رضاه تعالى عليهم وانهم التزموا وتقيدوا بما شهد الله عز وجل عليه.
الحادي عشر: لم تكتف الآيات بذم أهل التولي والإدبار وبيان سوء فعلهم بل جاءت بذكر النهج السليم، وفوز المسلمين باتباعه.
الثاني عشر: بينت هذه الآية سنخية الإيمان، ومواجهة المسلمين للجاحدين والمدبرين بالإقرار بالنبوات وعدم التفريق بين الأنبياء، في حجة عليهم واخبار عن ثبات مبادئ الإسلام في الأرض.
لقد جاء الرد على اهل الجحود بلفظ (قل آمنا) في دلالة على لزوم الإحتجاج عليهم وفضحهم، والتنبيه الى دعوة الحق ولزوم التقيد بأحكام الشريعة.
وجاء لفظ (قل) امراً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمخاطبة الجاحدين واقامة الحجة عليهم، وبلحاظ موضوع الآية السابقة وهو ابتغاء الكافرين غير دين الإسلام، تكون الآية دعوة لصدهم عن هذا الإبتغاء، وإنذار واخبارلهم بقبح البغية والغاية التي يقصدونها، وفيها تبرأ وتنزه عن دعوات الشرك والضلالة، واشعار للملائكة والخلائق الأخرى بأهلية المسلمين لخلافة الأرض.
الثالث عشر: ومن الإعجاز في نظم الآيات ان تعود الآية التالية في موضوع ذم الكافرين والجاحدين، ولكن بصورة أبين وأتم في الحجة اذ انها جاءت بلفظ [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ] لتترشح افاضات الآية محل البحث على موضوع الآية السابقة واللاحقة في الحجة والبرهان، ولتكون دعوة للناس جميعاً للهداية والإيمان.
الرابع عشر: بلحاظ خاتمة الآية التالية بالاخبار عن عاقبة الذي يبتغي ديناً آخر غير الاسلام بانه (من الخاسرين)، فان خاتمة هذه الآية (ونحن له مسلمون) تفيد الفوز والظفر للمسلمين، وصيغة الجمع فيها تؤكد العموم الاستغراقي لهذا الظفر وانه ملازم للايمان بالله والتصديق بالنبوات وما انزل على الأنبياء من الوحي.

اعجاز الآية
تتضمن الآية تأديباً لأهل الجحود والتولي، وبياناً لما عليه المسلمون من مناهج الحق وسلامة المبدأ التي تتجلى بالإقرار بكلمة التوحيد وعدم التفريط بها، ومن اعجاز الآية:
الأول: مجيء الأمر الإلهي للنبي ليخبر عن حاله وحال أمته في آن واحد معاً، فيكون متكلماً من مقام النبوة والإمامة.
الثاني: تثبيت حقيقة وهي ان المسلمين اوفوا بما عاهدوا عليه الله، وتمسكوا بمضامين الإقرار بالنبوة واتبعوا الرسول محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الذي دعاهم للإيمان بالله والنبوات.
الثالث: ما تدل عليه بالمفهوم من حسن استجابة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واطلاق هذه الإستجابة وعدم تقييدها بشرط او التردد فيها.
الرابع: مجيء الآية بلفظ (قل آمنا) مما يعني قبول ايمان المسلمين ودعوة الناس للاقتداء بهم.
لذا جاءت الآية بذكر عدد من أسماء الأنبياء من باب المثال الأمثل، وليس الحصر والتعيين بدليل ذكر لفظ (النبيين) وكما ابتدأت الآية بالإيمان بالله فانها اختتمت بالتسليم والإنقياد له سبحانه.
وتؤكد الآية تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأنبياء السابقين، واكرامهم وجزاءهم على تحملهم اعباء البشارة بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم بان جاء خاتم النبيين بالتصديق بنبواتهم بلسانه ولسان أمته، ليكون هذا التصديق وثيقة قرآنية ثابتة الى يوم القيامة، ودعوة الى الرجوع الى الأنبياء السابقين في اخبارهم عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم نصرته، وفيه تعريض بمن وقف على بعض الأنبياء السابقين مع انهم جاءوا بالبشارة بخاتم النبيين.
ومن الدلائل الإعجازية في الآية انها تبدأ بالإيمان بالله، وتختتم بالتســليم والإنقياد له ســبحانه وما بينهما تفاصـيل تتعلق بالإيمان بالتنزيل الإلهي على الأنبياء، فلماذا هذه البداية وهذا الختم، الجواب من وجوه:
الأول: تأديب المسلمين وحثهم على استحضار الإيمان بالله في كل موضوع عقائدي.
الثاني: توكيد حقيقة وهي ان التنزيل فرع الإيمان بالله والتسليم له بالربوبية.
الثالث: لم يأتِ التنزيل من الملائكة او سكان السماوات مطلقاً، بل جاء من عند الله عز وجل وهو رب السماوات والأرض، وفي حصر موضوع ومصدر التنزيل تشريف للأنبياء ولبني آدم مطلقاً.
الرابع: الإخبار بان الإقرار بالتنزيل مقدمة ومدخل للإيمان بالله تعالى، وتثبيت لمعالم الإيمان في النفوس والمجتمعات.
الخامس: بيان منافع الإيمان بالتنزيل، وانه يؤدي الى التسليم والإنقياد لأوامره تعالى.
ومن اعجاز الآية ذكر الأنبياء وعلى ثلاثة أقسام:
الأول: ذكر بعض الأنبياء بالاسم المعلوم على نحو الخصوص كما في ابراهيم واسماعيل وغيرهما.
الثاني: ذكر الأسباط بصيغة الجمع.
الثالث: مجيء صفة النبوة الشاملة لجميع الأنبياء والمرسلين بقوله تعالى [والنبيون] ولو جاءت الآية بلفظ النبيين وحده لكان كافياً عن ذكر اسماء الأنبياء ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب وموسى وعيسى، وفيه مسألتان:
الأولى: لماذا هذا الذكر الشخصي لنفر من الأنبياء ثم مجيء صفة النبوة التي تستغرق وتشمل الجميع.
الثانية: وجود خصوصية لكل نبي ورد ذكره في الآية بالإسم.
أما الأولى فجاءت الآية للبيان وتوكيد نبوة من ذكرت اسمه للزجر عن اعتباره تابعاً للديانة اليهودية او النصرانية فلم تذكر الآية نوحاً عليه السلام مع انه من الرسل الخمسة اولي العزم عليهم السلام، وقد جاءت آيات عديدة تبين نزول الوحي على نوح وارساله الى قومه، قال تعالى [لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ] ( ).
أما الثانية فان ذكر ابراهيم وانبياء آخرين من ذريته تشريف لهم وهو من باب المثال الأمثل وليس دعوة لحصر الإيمان بما انزل عليهم فيقتضي الواجب الإيمان بالأنبياء جميعاً وما انزل عليهم، بالإضافة الى نكتة اضافية وهي رد شبهة من يقول بان ابراهيم كان يهودياً ونصرانياً، فالآية توكيد للتصديق بنبوته وما انزل عليه.
وبلحاظ الزمان تبين الآية وجهاً من وجوه الإعجاز وهو ايمان النبي والمسلمين بما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأنبياء السابقين الأمر الذي يعني عدم وجود تنزيل من بعده، بينما جاء الأنبياء السابقون بالبشارة ببعثته ولزوم اتباعه.
كما بينت الآية عدم حصول التنزيل بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن الفعل جاء بصيغة الماضي المبني للمجهول (انزل علينا) ولم تقل ما ينزل علينا، لذا لم يدع أحد من الصحابة او اهل البيت او التابعين او عامة المسلمين حصول تنزيل عليه، فالآية فخر وثناء على المسلمين لما فيه من العهد بالتصديق بالتنزيل على الأنبياء حصراً، وعدم الإفتراء او الغلو او ادعاء حصول تنزيل عليهم، وهذا العهد مانع من تحريف الكتاب، لذا تجدهم يتعاهدون القرآن بآياته وكلماته وحروفه جيلاً بعد جيل.
فمن أبهى مصاديق الاقرار ان تقول الآية [وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا] بصيغة الجمع، ويقر ويعترف المسلمون باجيالهم المتعاقبة والى يوم القيامة انه ليس من تنزيل الا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويمكن ان نسمي هذه الآية آية “قل آمنا” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية مع ان لفظ آمنا ورد فيه ثلاث وثلاثين مرة.
الآية سلاح
تعتبر هذه الآية سلاحاً للمسلمين من وجوه:
الأول: الإحتراز من شبهات أهل الجحود والتولي.
الثاني: الإحتجاج عليهم واقامة الدليل على وجوب الإيمان بالنبوات.
الثالث: اثبات حقيقة وهي ان الإيمان بالنبوات طريق للإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: الوقاية الذاتية لمعاشر المسلمين من آثار التولي والإدبار الذي اختاره اهل الجحود.
الخامس: تجديد الإيمان مع قراءة الآية في كل زمان ومكان الى يوم القيامة.
السادس: الآية ارتقاء عقائدي للمسلمين في ميادين المعرفة الإلهية.
السابع: دعوة المسلمين للثبات على الإيمان بالنبوة مطلقاً.
الثامن: نيل المسلمين شرف الإخبار الإلهي عن ايمانهم.
التاسع: خلو ساحة المسلمين من الشوائب والعقائد الفاسدة والشبهات التي يمكن ان ينفذ منها الخصم.
العاشر: الإذن الإلهي للمسلمين باعلان الإيمان بالله والنبوة والتنزيل من غير تردد او شك.
الحادي عشر: التوكيد بان ابراهيم عليه السلام ليس يهودياً او نصرانياً من وجوه:
أولاً: اعلان الايمان بما انزل عليه.
ثانياً: تثبيت حقيقة عقائدية وهي عدم حصول التنزيل الا على نبي.
ثالثاً: تقدم اسم ابراهيم على اسم موسى وعيسى بل وتقدم اسماء أنبياء آخرين من أبائهما عليهما.
رابعاً: بيان فضل ابراهيم عليه السلام بالابتداء بذكره وما انزل عليه، قبل ذكر اسماء الأنبياء الآخرين.
خامساً: كل اسماء الأنبياء الذين ذكرت في الآية من أبناء ابراهيم.
سادساً: تنبيه المسلمين الى حقيقة قرآنية وهي عدم الملازمة بين النبوة وذكر موسى، فلا ينحصر عدد الأنبياء بالذين ذكرت أسماؤهم في القرآن، لذا ورد قوله تعالى (والنبيون) للاخبار عن ان عدد الأنبياء أكثر من الذين ذكروا في الآية، ويدل عليه ورود اسماء أنبياء آخرين في آيات اخرى.
الثاني عشر: الإنتقال من الإيمان بالقرآن وبعثة النبي محمد إلى الإيمان بما أنزل على إبراهيم مع التسالم على وجود أنبياء كثيرين قبله .
الثالث عشر: تبعث الآية العز في نفوس المسلمين لاجتماع خصال الايمان عندهم وتعاهدهم لمضامينه.
الرابع عشر: في الآية دعوة للناس للرجوع الى المسلمين، والأخذ منهم، والاغتراف من علومهم لما تدل عليه الآية من ارتقائهم في سلم المعارف الإلهية.
الآية لطف
تبين الآية جهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإعلاء كلمة الحق، وقيامه بالتبليغ ودعوة الناس للإيمان بالإقتداء بالمسلمين في اتباعهم له باخلاص في مسالك الهداية والرشاد، وفيها عون للمسلمين للإرتقاء في منازل المعارف الإلهية، والتفاني المحض في مرضاة المعبود، فالمسلمون يعرفون الأنبياء وهذه المعرفة على أقسام:
الأول: من يعرفه المسلمون باسمه.
الثاني: من يعرفونه بكنيته وصفته بالإضافة الى الإقرار بنبوة الأنبياء جميعاً.
الثالث: من ورد ذكره في القرآن لم يرد اسمه فيه.
وفي لفظ (النبيين) الوارد في الآية لطف بالمسلمين ودفع للحرج فلا يشترط معرفة اسم كل نبي بل يجزي التسليم بما انزل على الأنبياء جميعاً، وهذا الإجزاء لا يتعارض مع معرفة اسماء شطر من الأنبياء، ولكل قسم من أقسام المعرفة هنا منافع متعددة، فلغة الإجمال دعوة للتصديق باخبار الأنبياء التي ترد في السنة وعنوان لكثرة الأنبياء، وهذه الكثرة فضل ولطف منه تعالى.
ومعرفة بعض الأنبياء بالأسماء، مناسبة للتدبر في قصصهم ومعرفة ما لاقوه في سبيل الله، ومواجهتهم لأهل العناد والجحود، وجاء المسلمون ليحاكوهم ويقتدوا بهم في سبل المعرفة والجهاد، ويعلنوا ايمانهم بالله والتنزيل، وهذا الإيمان شاهد على التقيد بوظائف العبودية واحكام التنزيل.
والآية لطف بالمسلمين اذ ان الأمر بالإيمان جاء من عند الله وجرى على لسان رسوله الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتبين في كتابه المنزل ولا يعني هذا عدم تكليف المسلمين بذات القول، بل يكون كل مسلم ومسلمة مكلفين بمحاكاة الرسول واعلان الإيمان بالله والتنزيل وعدم التبعيض في الإيمان بنبوة الأنبياء، فقد امتاز المسلمون بخصوصية وهي الإيمان بجميع الأنبياء من غير انكار او جحود بعضهم النبوة، وهذا الإيمان من الشواهد على أهلية المسلمين لخلافة الأرض، وباب لتلقي اللطف الإلهي.
يتفضل الله سبحانه ويلقن النبي ما يقوله نيابة عن نفسه وعن المسلمين، وهذا القول والأمر الإلهي (قل آمنا) لطف الهي من جهات:
الأولى: لطف بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه ارشاد له وأمر بالتصريح بالإيمان واخلاص المسلمين العبادة لله عز وجل.
الثاني: التكلم على لسان أمته بما يفيد الثناء على الأجيال المتعاقبة من المسلمين الى يوم القيامة، ومن اللطف ان يكون الثناء سابقاً للذي لم يولد منهم مما يعني سبق العناية الإلهية وبشارة نزول شآبيب الرحمة وملازمتها له منذ ولادته والى ما بعد مماته.
الثالث: البشارة له في الدنيا بحسن حال امته أيام حياته وبعد مماته وتقدير الآية (قل آمنا انا والأجيال المتعاقبة من المسلمين رجالاً ونساء الى يوم القيامة).
الثانية: الآية لطف بالمسلمين من وجوه:
الأول: ادراكهم لحقيقة قدسية وهي ان الله عز وجل يأمر نبيه في كتابه المنزل ان يتكلم نيابة عنهم بحسن الإسلام وصدق الإيمان، والآية تزكية سماوية لهم وتطهير لمجتمعاتهم من دنس الشرك والشك والريب والضلالة، وهي شهادة من عند الله عز وجل خالدة متصلة تبعث ضياء الأمل في القلوب المنكسرة، وتكون عوناً للمسلمين في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ]( ).
الثاني: الآية مقدمة للإيمان وعون على انتهاج مسالكه فحينما يخبر النبي عن ايمان المسلمين بالله وبالتنزيل وهم يرون الآيات التي جاء بها والمعجزات التي تجري على يديه فانهم يحرصون على التقيد باحكام ومضامين الآية الكريمة.
الثالث: في الآية طرد للرياء او ظنه، فبعد هذه الآية لا يخشى المسلم اذا اعلن ايمانه نعته بانه يحب التظاهر.
الرابع: تدل الآية في مفهومها على نيل المسلم الأجر والثواب في اعلانه الايمان، وهذا الاعلان أعم من ان يأتي بقراءة ذات الآية او نص مخصوص، بل يشمل القول والفعل الذي يدل على الايمان، ومن أهم مصاديقه اداء الصلاة فرادى وجماعة، واتيان العبادات وفعل المستحبات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب المحرمات، ومواطن الشبهة .
والأمر باظهار مصاديق الإيمان في الخارج من اللطف الإلهي بالمسلمين والناس من وجوه:
أولاً: تثبيت مضامين هذه الآية في الواقع اليومي.
ثانياً: حث المسلمين على التقيد بالايمان قولاً وفعلاً.
ثالثاً: جذب الناس لمنازل الايمان.
رابعاً: الاخبار الإلهي عن تحقق المصداق الخارجي للتمسك بالميثاق والوفاء بالعهود، وان هذا المصداق دائم ومتصل وملازم لاعمار الانسان الارض.
الخامس: في الآية تخفيف عن المسلمين، وافحام لخصمهم لما فيها من الزجر عن التشكيك واثارة الشبهات في ايمانهم.
السادس: الآية تأديب واعانة للمسلمين في باب المبادئ والعلوم الضرورية واليقينية.
الثالثة: هذه الآية لطف بالناس جميعاً من وجوه:
الأول: الآية مدرسة في الإحتجاج واقامة البرهان.
الثاني: فيها بيان لمصاديق الإيمان ولزوم الإقرار بالنبوات.
الثالث: دعوة اهل الكتاب الى الإيمان بما آمن به المسلمون.
الرابع: الزجر عن التعدي على المسلمين، والإخبار السماوي عن لزوم الإقتداء بهم ومحاكاتهم في الإيمان.
الرابعة: الآية من عمومات التأديب الإلهي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أدبني ربي فأحسن تأديبي” واعلان النبي الايمان بالتنزيل تأديب اضافي للمسلمين ودعوة للاقتداء به.
مفهوم الآية
لقد أراد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمرسلين ان يكونوا دعاة الى التوحيد والإيمان بالنبوة باعلانهم الدائم مضامين الإيمان وتصديهم لأهل الجحود والضلالة، ومن دلائل عمومات اللفط القرآني ان الله عز وجل لم يترك اهل التولي والإدبار وشأنهم الى يوم البعث، فينالون جزاءهم بل بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليوفوا بعهودهم في تصديقه ونصرته، ولما أعرضوا عن نبوته، امره الله ان يتوجه اليهم بلغة الإحتجاج والبيان، وصيغ الترغيب بالإسلام والإعلان الدائم عن الثبات على طاعة الله، وفيه تعريض وذم للكافرين وأهل الضلالة من وجوه:
الأول: انهم جحدوا بالربوبية ولم يؤمنوا بالله.
الثاني: عدم مبادرتهم الى الإسلام، مع تقدم أسباب الدعوة له، واقامة الحجة والبرهان على وجوب نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: نقضهم للعهود التي قطعوها على أنفسهم.
الرابع: اعراضهم عن الآيات والبراهين التي تؤكد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: الأمر الإلهي للنبي باعلان الإيمان.
السادس: الإخبار عن عبودية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل، وفيه تعريض بمن يغالي بالأنبياء، لأن الغلو ببعض الأنبياء الى جانب ما فيه من الجحود مانع من التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه.
السابع: اخبار هذه الآية عن عدم غلو المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتوكيد لاتباعهم له في الإيمان بالله والإقرار بالوحدانية، وفيه ذم لأولئك الذين أدبروا عن النبوة فليس فيها الا الفلاح والصلاح والهداية.
الثامن: يتكلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه وعن المسلمين بلفظ (آمنا) وما فيه من صيغة الجمع وكذا خاتمة الآية، وفيه تشريف للنبي والمسلمين من وجوه:
أولاً: اتحاد صفة الإيمان بين النبي والمسلمين.
ثانياً: اتباع المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإيمان بالله، وعدم تخلفهم عن الحق.
ثالثاً: استحقاق المسلمين لمرتبة الخلافة في الأرض.
التاسع: حفظ مواثيق النبوة ومقامات الأنبياء الى يوم القيامة، وفيه دلالة على ان تولي وإدبار شطر من الناس عن بشارات النبوة ومغالاة بعضهم، وافتراء قوم على عيسى عليه السلام لم يضر في حقيقة اكرام الأنبياء في الأرض، والإقرار بعظيم منزلتهم.
وفي الآية تصدِ لأهل الضلالة، ومنع من تجرأهم على الإسلام واخبار عن اقرار المسلمين بان ما عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو وحي وتنزيل، كما تخبر الآية عن وجود تنزيل سماوي على الأنبياء السابقين وتؤكد ايمان المسلمين به، في اشارة الى اهل الكتاب ولزوم الإيمان بالأنبياء على نحو العموم المجموعي والإستغراقي وان الجحود بنبوة بعضهم تقصير وتفريط.
ومن مفاهيم الآية انها تبعث اليأس والقنوط في قلوب الكافرين لما فيها من التوكيد على استسلام وانقياد وخضوع المسلمين لله تعالى، واخلاصهم في نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن وجوه النصرة ان الله يأمر النبي بان يتكلم نيابة عنهم ويخبر عن ايمان الحاضر والغائب، والموجود والمعدوم منهم.
وجاء ذكر بعض كبار الأنبياء في الآية لمعرفة اهل الكتاب بهم، ولمنع الغلو والإفتراء عليهم في آن واحد، اذ ان هذا الذكر برزخ دون التعدي على الأنبياء، وشاهد على وجوب الإقرار بنبوتهم، ومن مفاهيمها الدعوة للبحث والتحقيق فيما انزل على الأنبياء السابقين بعيداً عن التحريف والتغيير والتبديل.
لقد جاء الخلاف والشقاق من التفريق والتمييز بين الأنبياء من جهة الإيمان والتسليم بالنبوة، فنزل القرآن بتأكيد ضرورة التسليم ببعثة الأنبياء جميعاً من غير فرق بينهم.
وجاءت الآية بأمور:
الأول: الإعلان عن ايمان المسلمين بالله عز وجل الهاً ورباً وخالقاً.
الثاني: تشريف المسلمين بتكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن لسانهم ونيابة عنهم، والنبي لا يكذب، مما يدل على صدق قضية اخلاص المسلمين في إيمانهم بالله تعالى.
الثالث: الأمر الإلهي باعلان ايمان المسلمين بالله مما يدل على رضاه تعالى عن النبي والمسلمين، ورضا وغبطة النبي بالمسلمين.
الرابع: وجود أمة مؤمنة والإخبار بان الإيمان لن يغادر الأرض.
الخامس: دلالة الآية على أهلية المسلمين لخلافة الأرض.
السادس: اظهار واعلان الإسلام، وهذا الإظهار له اسباب وغايات، منها:
الأول: دعوة الناس للإسلام.
الثاني: وجود أمة مؤمنة دلالة على صدق النبوة وانجذاب شطر من الناس اليها.
الثالث: الإخبار عن حقيقة عقائدية وهي ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع لنفسه بل كان يدعو لله تعالى والإيمان به.
الرابع: هذا الإعـلان مصــداق من مصــاديق الجهــاد في سبيل الله عز وجل من وجوه:
الأول: الإخبار عن الإيمان الشخصي بذاته جهاد فكيف بالإخبار عن ايمان أمة من أجيال متعاقبة.
الثاني: اعلان الإيمان تحدِ لأهل الكفر والضلالة.
الثالث: في اعلان الإيمان استعداد لمواجهة الأذى والمشاق، وهناك شواهد كثيرة تبين مقاتلة الناس للمسلمين، لأنهم اختاروا الإسلام والإيمان بالله.
الرابع: الإعلان كشف لحقيقة واقعة، واخبار عن حال الإيمان، وهذا قول يكشف عن الواقع.
الخامس: في الإخبار الذي تتضمنه الآية حجة للمسلمين يوم القيامة، ومنع لإحتجاج غيرهم لما سيناله المسلمون من الرفعة والدرجة السامية يوم القيامة.
فتفضيلهم يومئذ يأتي جزاء لإيمانهم، وفيه بيان لعلة التفضيل في الآخرة وان المدار على الإيمان بالله والنبيين، فان قالت بعض الأمم كبني اسرائيل ان القرآن خصنا بالتفضيل كما في قوله تعالى[ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( ).
فالجواب ان موضوع تفضيلهم متعلق بزمان بعثة موسى عليه السلام وتوالي الآيات والنعم عليهم، وهذا التفضيل يتجلى ايام البعثة النبوية باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الحق والآيات الباهرات.
الأمر السابع: في الآية ثناء على الله عز وجل، لأنه اختار آدم لخلافة الأرض، وهي درس وموعظة للملائكة حينما قالوا [ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
الثامن: هذا الإعلان اعمار للأرض بالتقوى، واصلاح لها بذكر الله وطاعته.
التاسع: قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإعلان عن ايمان أمته على نحو القطع وفيه وجوه:
الأول: تفويض المسلمين الإعلان عن حالهم الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تأديب المسلمين بان يتكلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نيابة عنهم.
الثالث: لزوم ارتقاء المسلمين لما يخبر عنه النبي من حال الإيمان، ويتجلى هذا الإرتقاء بالإمتثال للأوامر الإلهية واجتناب ما ينزل من النواهي، ومحاكاة واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أداء الفرائض وكيفية هذا الأداء فعلاً وماهية وزماناً، فلا ترى مسلماً يقول باوان للصوم الواجب غير شهر رمضان، ولا الصلاة الوسطى في غير اوانها على التباين في تعيين المراد من الصلاة الوسطى، وهل هي صلاة الظهر ام العصر ام الجمعة ام غيرها، مع ان كل صلاة لها وقتها المخصوص الذي لا يختلف فيه اثنان، وعدم الإختلاف في الكبرى والصغرى من جهات:
الأولى: وقت ابتداء الفريضة فالأذان للصلاة في جميع بقاع العالم ثابت بلحاظ موضع الشمس وطلوع الفجر او الزوال او الغروب وهذا التحديد آية اعجازية تقصر عنها عقول البشر.
الثانية: المندوحة والسعة في وقت الفريضة باعتباره من الوقت الموسع فصلاة الصبح مثلاً يمتد وقتها من طلوع الفجر الصادق الى طلوع الشمس.
الثالثة: الإتحاد في زمن انتهاء وقت الفريضة، وهذا الإنتهاء مقدمة للإستعداد للفريضة الجديدة، لتكون الصلاة امراً ينبض بالحياة والتجدد.
الرابعة: تشريع الأذان كوسيلة للإشعار والإعلام، ومن منافعه توارث ضبط وقت الصلاة، واتقان فصوله، وهو من مصاديق اعلان الإيمان في هذه الآية الكريمة، لأنه اخبار علني عام عن ايمان المسلمين.
العاشر: الإيمان بالقرآن كتاباً نازلاً من عند الله عز وجل، لقوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا] وفيه مسائل:
الأولى: انه شهادة عامة بان القرآن تنزيل من عند الله.
الثانية: حث الناس على التصديق بالقرآن.
الثالثة: الإلتفات الى ما فيه من العلوم.
الرابعة: الأخذ بالأحكام الواردة فيه.
الخامسة: استظهار كنوزه وذخائره وما في الآيات القرآنية من الأسرار.
السادسة: من مفاهيم الآية ان المسلمين يعملون بشريعة سماوية، وفيه مسائل:
الأولى: انهم لم يعملوا بالشرائع السابقة، بل يعملون بشريعة ناسخة غير منسوخة.
الثانية: الآية حجة على الكفار الذين لا يتبعون التنزيل.
الثالثة: في الآية تحدِ لأهل الكتاب وغيرهم بخصوص عمل ومنهاج المسلمين وما يتصف به من الدقة والضبط والإنقياد لأوامره تعالى لذا جاءت الآية السابقة بالإخبار عن اسلام من في السموات والأرض بصيغة الإطلاق ومضامين التسليم والإنقياد.
الرابعة: في القرآن تصديق ببعثة الأنبياء السابقين، وتوثيق للآيات والبراهين التي جاءوا بها والتي تؤكد صدق نبوتهم.
الحادي عشر: الإقرار بوجود وحي وتنزيل على ابراهيم وفيه مسائل:
الأولى: نبوة ابراهيم عليه السلام.
الثانية: اكرام ابراهيم عليه السلام على نحو الخصوص من وجوه:
الأول: افراده بالذكر.
الثاني: الانذار بصيغة التذكير والاخبار بان ابراهيم نبي والذي يدل في مفهومه انه ليس يهودياً ولا نصرانياً.
الثالث: مجيء التنزيل عليه بعد الإيمان بنزول القرآن، وتقدم ذكره على ما أنزل على موسى وعيسى وفيه مسائل:
الأولى: ابراهيم ابو الأنبياء.
الثانية: تقدم زمان ابراهيم على زمان الأنبياء الآخرين الذين ذكرت اسماؤهم في هذه الآية.
الثالثة: موضوعية واعتبار ما انزل على ابراهيم في الديانات السماوية.
الرابعة: اولوية الإيمان بما انزل على ابراهيم بالقياس مع ما انزل على غيره من الأنبياء كموسى وعيسى.
الخامسة: الإشارة الى اعتبار الزمان في الإيمان بالتنزيل.
وكل هذه المسائل صحيحة باستثناء الرابعة منها لأن الإيمان بما أنزل على الأنبياء بعرض واحد، وهو من الكلي المتواطئ الذي تتساوى أفراده.
الثالثة: جاءت الآية في مقام الإحتجاج، وهي دعوة للإقرار بما انزل على ابراهيم وعدم الوقوف عند الإيمان بنبوته بل لابد من الإعتراف والتسليم بوجود وحي وتنزيل عليه.
الرابعة: حث اهل الكتاب والناس على البحث عما انزل على ابراهيم من الصحف في التنزيل والسنة، وقد تتعذر معرفة ما انزل على ابراهيم الا من خلال القرآن والسنة النبوية ومع هذا جاء ذكره متعقباًَ للإيمان بالقرآن.
الثاني عشر: الإخبار بان اسماعيل نبي رسول، تلقى الوحي والتنزيل من عند الله، وان التصديق بنبوته لا ينحصر بالمسلمين، بل هو واجب على الناس كافة، وفيه تنبيه لبني اسرائيل بعدم الوقوف على انبيائهم، فالقرآن يذم وقوفهم على موسى وعدم الإيمان بنبوة عيسى عليه السلام، ثم رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذه الآية تذم في مفهومها الذين لا يؤمنون بنبوة اسماعيل، ويحصرون ايمانهم بالأنبياء السابقين لموسى من بني اسرائيل انفسهم.
الثالث عشر: الإقرار بان اسحق نبي نزل عليه الوحي والكتاب، وقد ورد في القرآن ذكر اخوين بالاسم نالا مرتبة النبوة وهما اسماعيل واسحق ولدي ابراهيم عليهم السلام، وكذا موسى وهارون.
الرابع عشر: الإعتراف بان يعقوب بن اسحاق نبي نزل عليه الكتاب مما يدل على ان المسلمين يؤمنون بالتنزيل مطلقاً ولم يحصروا ايمانهم بنزول القرآن مع انه جامع مانع، وفيه الكفاية لدخول الجنة، والنجاة من النار.
الخامس عشر: من الأسرار الكريمة في الآية انها تجمع بين الجد والابن والحفيد كما في ابراهيم واسحق ويعقوب، وهذا الجمع ليس مجرداً بل يأتي ضمن الإعلان العام للمسلمين عن الإيمان بما انزل لهم، فالإيمان بلحاظ التشريف الإلهي بالنبوة، وهو على أقسام:
الأول: التشابه والإتحاد في النازل اليهم والمتلقي.
الثاني: الإتحاد فيما انزل اليهم مع التعدد في المتلقي.
الثالث: التعدد في النازل اليهم وفي المتلقي.
والصحيح هو الثالث فالذي انزل الى ابراهيم غير الذي انزل على اسحق، وهو غير الذي نزل على يعقوب ولذا جاء الإقرار بالإيمان على نحو التعدد، وهو لا يلغي اتحاد مواضيع التنزيل وفيه دلالة على ارتقاء المسلمين في المعارف الإلهية، وبلوغهم مرتبة لم تبلغها امة من المليين قبلهم.
السادس عشر: اعلان الإيمان بما انزل على الأسباط وجاءت الآية بصيغتين:
الأولى: المفرد كما في ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأنبياء الآخرين.
الثانية: مجيء الآية بصيغة الجمع وتكررت فيها مرتين:
الأولى: ما أنزل على الأسباط.
الثانية: ما انزل على النبيين.
وفيه مسائل:
الأولى: اذا كان الأسباط من النبيين، فلماذا هذا التعدد.
الثانية: لماذا تم تقديم الأسباط على موسى وعيسى.
الثالثة: هل داود وسليمان وايوب فعلاً من الأسباط ام ضمن لفظ النبيين.
اما بالنسبة للأولى فلا مانع من الذكر المتعدد وان اتحدت صفة النبوة، لوجود مائز جهتي في البين، واما الثانية فالمراد من الأسباط هم أسباط بني اسرائيل الذين يبدأ موضوعهم من اولاد يعقوب الصلبيين، واما الثالثة فانهم يخرجون بالتخصص من لفظ النبيين لورود اسمائهم، ومع هذا فان ذكر (النبيين) بصيغة الجمع سور جامع لتوكيد الإيمان بما انزل على الأنبياء جميعاً ومنهم من ذكر اسمه في هذه الآية.
السابع عشر: جاءت الآية بلفظ الإيتاء فيما يخص موسى وعيسى عليهما السلام، بينما ذكرت مادة انزل فيما يخص النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وابراهيم، وفيه وجهان:
الأول: اتحاد المعنى وان تباين اللفظ لأن ما أوتي موسى وعيسى انما هو انزال.
الثاني: لفظ الإيتاء يفيد معنى أعم من التنزيل، فيشمل الآيات والمعجزات التي جاء بها موسى وعيسى باعتبار انها مذكورة في القرآن كعصا موسى، واحياء عيسى للموتى وابرائه للأكمه والأبرص.
والأصح هو الثاني وفيه اعجاز قرآني، ودلالة على حرص المسلمين على الإيمان بالآيات والبراهين التي تؤكد صدق النبوة وهو عنوان للإلتقاء مع أهل الكتاب فيما يخص ما جاء بهم انبياؤهم، وحجة عليهم في توليهم وادبارهم عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع ظهور الآيات التي جاء بها من عند الله، واقامة الحجة على الناس بلزوم الإقرار بنبوته.
الثامن عشر: مجيء لفظ النبيين على نحو الإطلاق لأن الألف واللام فيه تفيد الإستغراق والعموم، وهذا التسليم من الشواهد على أهلية المسلمين لخلافة الأرض، وتثبيتهم للحقائق العقائدية التي يجب ان تكون معلماً من معالم الحياة على الأرض، لأن الإخبار عن النبوة وبعثة النبيين وحده جزء علة لطرد الشيطان وحجب تأثيره على النفوس.
وهل في الآية تكرار لذكر ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب بلحاظ لام الجنس الواردة في النبيين ام لا، الجواب هو الثاني، فقد جاء ذكر الأنبياء بالأسماء على نحو الخصوص ثم ورد لفظ الأسباط من بني اسرائيل، ثم جاء العموم في لفظ النبيين لبيان عدم التفريط بما انزل على اي نبي من الأنبياء ويكون على قسمين:
الأول: من ذكر أسمه في الآية من الأنبياء وتكون الآية من التوكيد على الإيمان بما انزل عليه.
الثاني: الذي لم يذكر أسمه، وتضمنت الآية الاخبار عن الإيمان بنبوته.
التاسع عشر: اعلان عدم التفريق بين الأنبياء في الإيمان والتصديق بنبوتهم، وهذا الإيمان لا يتعارض مع التباين في الرتبة بين النبي والرسول، لأن كل رسول هو نبي، والإيمان يأتي على الأدنى ليشمل الأعلى فلم تقل الآية، (والرسل) بل قالت (والنبيون) ليشمل الأنبياء والرسل، من ذكر اسمه في القرآن ومن لم يذكر اسمه.
العشرون: اختتام الآية بالتسليم والإنقياد لله تعالى، لتوكيد عدم الغلو او الإفتتان بالأنبياء، وللإخبار بان الإيمان بالتنزيل فرع الإقرار بالربوبية لله، فمن يتنزل عليه الوحي لابد انه محتاج الى الفيض الإلهي ولبيان حقيقة وهي ان ما عند الأنبياء من المعجزات فيض ورحمة منه تعالى.
لقد جاء الإيمان متعدداً وهو على قسمين:
الأول: الإيمان بالله عز وجل الهاً ورباً ومالكاً ورازقاً.
الثاني: الإيمان بالنبوة والتنزيل، اذ ان الإيمان بالتنزيل يدل بالدلالات الثلاث المطابقية والتضمنية والإلتزامية على الإيمان بنبوة من نزل عليه الكتاب، وهذا القسم على وجوه:
الأول: الإيمان والتصديق بالقرآن.
الثاني: التصديق بالوحي والصحف التي انزلت على ابراهيم.
الثالث: الإيمان بالوحي والتنزيل على اسماعيل.
الرابع: التصديق بما انزل على اسماعيل.
الخامس: الإقرار بما انزل على اسحاق وهو أخو اسماعيل لأبيه.
السادس: الإيمان بما انزل على يعقوب وهو اسرائيل، واسحق عليه السلام أبوه.
السابع: الإيمان بما انزل على الأسباط، وهذا الوجه يحتمل أمرين:
أولاً: مضامين التنزيل متعددة بعدد الأسباط الذين انزل عليهم الوحي والكتاب.
ثانياً: الاتحاد في التنزيل على الاسباط.
والصحيح هو الأول، فكل سبط ينزل عليه الوحي على نحو الاستقلال.
الثامن: التصديق بالتوراة التي انزلت على موسى عليه السلام، والإقرار بالآيات التي انزلت عليه.
التاسع: الإيمان بالإنجيل الذي انزل على عيسى والمعجزات التي جاءت على يديه كإحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص وآية الطير.
العاشر: ختم الإيمان بالتنزيل بالإطلاق والإقرار بكل ما انزل على الأنبياء جميعاً من غير استثناء، وهذا العموم فيه اعجاز يتجلى بشمول جميــع الأنبياء بالذكــر سواء الذين وردت اســماؤهم في القرآن او الذين لم ترد اسماؤهم فيه، من غير تفريق بينهم في أصل الإيمان والإقرار بنزول الوحي والكتاب عليه، وهل كل الأنبياء الذين ذكروا في الآية انزلت عليهم كتب بين دفتين كالتوراة والإنجيل والقرآن، ام ان التنزيل متباين، ومنهم من انزلت عليه صحف متعددة، الأرجح هوالثاني، فالقدر المتيقن نزول احكام الحلال والحرام وبيان ضرويات الإيمان وسنن الشرائع السماوية، وما يكفي الناس في زمانهم في عباداتهم ومعاملاتهم.
وتتجلى مضامين التنزيل مطلقاً بالقرآن فهو الكتاب الجامع للوحي والتنزيل، ولكن الإيمان جاء بالتنزيل مطلقاً في شهادة على وراثة المسلمين للأنبياء وارتقائهم في ميادين الحكمة.

إفاضات الآية
من معاني الإيمان القدسية انه ارتباط بين العبد والخالق، واقرار بالعبودية بشوق ولذة وعشق لصفات الباري الجمالية والجلالية، وأراد الله عز وجل للقرآن ان يكون مظهراً لتلك المعاني، فجاءت هذه الآية لبيان غرق المسلمين في نور جلال الله، وفرارهم من اهل الجحود والتولي، فاذا تولى فريق من الناس عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، تأتي هذه الآية لتؤكد فرار المسلمين من اهل التولي، ولكن هذا الفرار ليس سلبياً بل يتضمن الحجة والبيان ولغة الإحتجاج، وتوكيد الإقرار بالربوبية لله تعالى، وقرنت الآية بين الإيمان بالله والإيمان بالتنزيل، في دلالة على موضوعية التنزيل وانه مقدمة وعون للإقرار بالربوبية لله تعالى، وذكر الأنبياء بالأسماء جذبة لمقامات القرب الى لطف الله عز وجل، وسياحة في عالم النبوة.
والأمر الإلهي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعلان الإيمان بالله وبالتنزيل على لسانه ونيابة عن المسلمين دليل على عدم وجود اختلاف بين المسلمين في باب العقائد والى يوم القيامة، واتباعهم المطلق للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشاهد على حفظ النبي للإمانة وقيامه بالتبليغ على الوجه الأحسن، واكرامه للأنبياء السابقين واقراره بنبوتهم، وهذا الإقرار ارتباط بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وتأكيد بان الذي يأتي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحي وتنزيل، وتجليات تبعث البهجة والغبطة في النفوس وتدعوها للسياحة في عالم الملكوت بتلاوة آيات القرآن والتدبر في معانيها.
لقد خص الله عز وجل الأنبياء بالإصطفاء مع اكرامهم وذرياتهم، وجاءت هذه الآية متضمنة الإكرام المركب من وجوه:
الأول: اكرام الأنبياء باقرار المسلمين بنبواتهم.
الثاني: عدم التفريق بينهم لأن شرف النبوة يتغشاهم على نحو العموم الإستغراقي، فليس من نبي الا ورزقه الله الوحي والتنزيل، وجاء ايمان المسلمين بنبوتهم شهادة على اصطفائهم، ودليلاً على ان مضامين الإصطفاء تتضمن اكرام الناس لهم، وهذا الإكرام فيه وجوه:
الأول: طاعة المسلمين للأوامر الإلهية في التصديق بالأنبياء.
الثاني: مبادرة المسلمين لإكرام من اصطفاه الله.
الثالث: ترشح اسباب الإكرام قهراً وانطباقاً، فمن اصطفاه الله لابد وان يكرمه الناس، وتتجلى مصاديق هذا الإكرام على المسلمين في كل زمان، ومن منافع الإصطفاء محاكاة الناس للأنبياء في طاعتهم لله وانقيادهم لأوامره، ولكن أهل الجحود والضلالة ارادوا صد الناس وصرفهم عن هذه المحاكاة فجاءت هذه الآية لتخبر عن ثبات المسلمين على الإيمان بالنبوات.
وقدمت الآية الإيمان بالله عز وجل وهو من وجوه الإعجاز فيها، لإرادة منع الإفتــتان والغلــو بالأنبياء، ولأن الأصــل هــو الإيمـان بالله عز وجل، وفيه رحمة بمن تولى وأدبر، بان يلتقي مع المسلمين بكلمة التوحيد ولا يدفعه التولي عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الشرك والكفر، والإيمان بالله عز وجل مطلوب بذاته وهو أهم ضرورة في الحياة، كما ان الإيمان بالنبوة ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرع الإيمان بالله لأن من خصائص الإقرار بالوحدانية التسليم بما جاء به الأنبياء من عند الله، وهو جزء من الإنقياد لله عز وجل ومفاهيم الإسلام لذا اختممت الآية بقوله تعالى [وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ].
وجاء قوله تعالى [قُلْ] من عالم الأمر وهو أعظم العوالم الربوبية، وهو شهود كله، وفيه تشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وهذا التشريف حث للناس على اللحوق بالمسلمين.
قانون تقسيم الإصطفاء
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بقانون الإصطفاء، واجتباء نفر منهم ليكونوا انبياء وأئمة وقادة في سبل الخير، وتتجلى في الإصطفاء آيات خاصة في اصلاح الناس وارتقائهم في سلم المعارف وهو وسيلة مباركة لثبات دين الله في الأرض، وبرزخ دون غلبة الكفر والضلالة، ومانع من تعطيل الأحكام الشرعية او نسيان الناس لمضامين التوحيد وقد تقدم بيان قانون الإصطفاء، وأدلته ظاهرة بالنص القرآني ومبينة بالسنة النبوية الشريفة، يعضدها التأريخ والوقائع والحوادث وما جاءت به الأيام من الشرف والعز للمصطفين وأثرهم في تثبيت الأنظمة العامة للناس في مجتمعاتهم ومعايشهم، والإصطفاء بلحاظ التعاقب والتوارث والتوالي على قسمين:
الأول: ما يكون على فترة ومدة بين اصطفائين كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا] ( )، وبينهما مئات من السنين، وذكر ان نوحاً هو ابو البشر الثاني مما يدل على وجود اعتبار للأبوة العامة في الإصطفاء، ليكون الأصل في الحياة الإنسانية هو الإسلام والإصطفاء والنبوة على نحو الإجتماع والتعدد بالإضافة الى ما في تجديد الأبوة على مبادئ الإيمان من الإصلاح والرأفة.
الثاني: التعاقب في الإصطفاء، بان ينال الابن مرتبة الإصطفاء التي كانت عند ابيه، وهذا النيل فيه وجوه:
الأول: التوارث، فالابن يرث الإصطفاء من ابيه كتركة.
الثاني: الملازمة بين الإصطفاء والنبوة.
الثالث: الإصطفاء فرع النبوة، فمتى ما بعث الله نبياً فان الإصطفاء فرع لاحق وتابع للنبوة.
الرابع: وراثة الإصطفاء ملحق بوراثة النبوة، فمن يرث النبوة يرث الإصطفاء.
الخامس: الإختيار للنبوة هو اصطفاء، فالوراثة اعم من النبوة وان اتفق وجود النبوة عند الأب والابن كما في ابراهيم واسماعيل، او في الأب والابن والحفيد المتكرر كما في ابراهيم واسحق ويعقوب ويوسف، وقد جاءت الآيات في سؤال زكريا بطلب ولد يرثه كما ورد في التنزيل [يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ]( ).
اما الثاني والثالث فانه لا ملازمة بين الإصطفاء والنبوة، والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل نبي هو مصطفى، وليس كل مصطفى هو نبي، فمريم مثلاً من المصطفين ولكنها ليست نبية، واما الخامس فان الإختيار للنبوة اصطفاء واجتباء واختيار لتلقي الوحي، ومقام النبوة اعظم رتبة من الإصطفاء لذا أختص الأنبياء بمرتبة سامية لم ينلها أحد غيرهم.
ترى أيهما أفضل للناس من قسمي الإصطفاء المتعاقب والمتوالي، الجواب كلاهما حسن، وكل واحد منهما في أوانه هو الأفضل، وتلك قراءة في فلسفة عالم الملكوت فما يختاره الله للناس هو الأحسن والأتم والأكمل، وان كان الظاهر يدل على أفضلية القسم الثاني لما فيه من التوالي واتصال الإصطفاء، والله عز وجل يعلم بالمصالح والمفاسد وتعلق الأحكام بهما، والأصل هو الترجيح لكل قسم بحسب اوانه.
ان اعلان النبي الإيمان بما انزل قبله على الأنبياء ينفي اسباب الغلو بشخصه الكريم من وجوه:
الأول: انه مؤمن بالتنزيل على الأنبياء الآخرين.
الثاني: التقاء الأنبياء بالتنزيل وما يعنيه من الحاجة الى الله تعالى، ونيل مراتب الرفعة والكمالات الإنسانية بالتنزيل.
الثالث: اتحاد صفة الإيمان بالتنزيل الجامعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فكما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقف مع المسلمين بين يدي الله خمس مرات في اليوم فانه إمامهم في الإيمان بما انزل على الأنبياء السابقين.
وتبين الآية المعنى الأعم لقوله تعالى في وصف محمد صلى الله عليه وآله وسلم [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ]( ).
ولا ينحصر التصديق هنا بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل يشمل أمته، فانها تصدق بالكتب السماوية السابقة لتكون حرزاً للتنزيل، وواقية للنبوة وتتصدى للذين يبعضون الإيمان، وهذا الأمر عنوان تفضيل اضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين، فحينما يصدق النبي بالتنزيل تصدق معه أمته وتتبعه على نهجه الى يوم القيامة، فلم يكن حلال محمد وحرامه وحدهما باقيين الى يوم القيامة بل تصديق محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتنزيل والنبوات السابقة باقِ في الأرض الى يوم القيامة، ولما جاء قبل ثلاث آيات وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانه مصدق لما مع اهل الكتاب ودعوتهم الى الإيمان به ونصرته قال تعالى [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ] ( ).
جاءت هذه الآية لتبين صدق انطباق صفة الإيمان بالتنزيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانه هو النبي الموعود والمبشر به في آخر الزمان، فعلى اهل الكتاب والناس القيام بما عليهم من الإيمان بنبوته ونصرته واعانته.
وجاءت خاتمة الآية لتدل على نجاة المسلمين من الضلالة وأسباب الهلكة، والاخبار بان الإسلام برزخ دون الخسارة في النشأتين، والآية في مفهومها ترغيب بالإسلام وتحذير من الجحود والكفر.
قانون منافع الإصطفاء
مما شرف الله به الإنسان قانون الإصطفاء وهو نعمة اضافية غير نعمة النبوة وان اجتمعتا في أشخاص الرسل والأنبياء، وهذا الإجتماع لا يعني اندكاك احداهما بالأخرى، وان الإصطفاء أمر تابع وملحق بالنبوة، بل هو قانون له احكامه وقواعده، ورحمة لم تنلها الخلائق بل اختص الإنسان بالفوز بها.
واختلف علماء الكلام في أفضلية الأنبياء ام الملائكة، والإصطفاء موضوع للتفضيل، خصوصاً وان القدر المتيقن من الإصطفاء هو الإختيار والإجتباء من بين الناس كما في اختيار النبي للرسالة، وان جاء الإصطفاء مطلقاً بالنسبة للنبي كما في ابراهيم قال تعالى [وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا] ( )، وورد إصطفاء الملائكة مقيداً بخصوص الرسالة والنزول بالوحي للأنبياء، قال تعالى [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ]( ) ولكنه لا ينفي مضامين اخرى للاصطفاء.
لقد أراد الله عز وجل للناس الهداية والرشاد، وجعل الإصطفاء وسيلة سماوية مباركة لإعانتهم وتقريبهم من سبل الطاعة، فهو لطف وفضل الهي، ومن جهة الأثر فيه وجوه:
الأول: انحصار اثره بالمصطفى نفسه من الأنبياء وغيرهم.
الثاني: شمول النفع لأهل المصطفى ومن هو في دويرته.
الثالث: شمول منافع الإصطفاء لأتباع المصطفى.
الرابع: تفشي بركات الإصطفاء لأهل زمان المصطفى.
الخامس: عموم نفع الإصطفاء، فيتغشى الناس جميعاً.
والصحيح هو الأخير، فلا تنحصر منافع الإصطفاء بشخص دون آخر، او جيل دون غيره من الأمم بل هي شاملة للناس جميعاً، وهذا الشمول يتصور على وجهين:
الأول: شمول منافع أصل وموضوع الإصطفاء الناس جميعاً.
الثاني: تغشي بركات وافاضات الإصطفاء الشخصي للناس جميعاً.
ولا تعارض بين الوجهين، واصطفاء آدم عليه السلام ينتفع منه الناس، وكذا اصطفاء نوح ينتفع منه الناس كلهم، وهكذا في اصطفاء الأنبياء الآخرين وغير الأنبياء، كما في اصطفاء مريم عليها السلام فانها قدوة واسوة للنساء في التقوى والإنقطاع الى الله، وحفظ الفرج، وصيانة النفس والعرض، والأهلية للولد الصالح.
وهذا العموم في منافع الإصطفاء رحمة اضافية، ودليل على سعة فضل الله تعالى، وبرزخ دون الحسد والأسى على ما فات الإنسان من الإصطفاء، لأن آثار وبركات الإصطفاء مصاحبة للإنسان وهي عون ومدد له.
قانون النفع الأخروي للإصطفاء
يعتبر الإصطفاء من آيات الحياة الدنيا ومعالمها التي تبعث اسباب الصلاح والفلاح بين الناس، وتضيء دروب التقوى لهم، وهل تنحصر منافع الإصطفاء بالحياة الدنيا ام انها تشمل الآخرة، الجواب هو الأخير، من وجوه:
الأول: ان الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم، والأوفى أعم من أن ينحصر بالحياة الدنيا.
الثاني: ترشح الإصطفاء على عالم الحساب باعتباره جزاء لواقع الأعمال في الحياة الدنيا.
الثالث: افاضات الإصطفاء عامة وشاملة للنشأتين.
الرابع: في عموم النفع من الإصطفاء حجة للمؤمن، ومن أقر بالنبوة، وتعاهد قواعد الإصطفاء ونصر الأنبياء، وحجة على الذي يتولى ويجحد.
ولكن الإنتفاع منه يوم القيامة يختلف في ماهيته، وان كان فرع الإصطفاء في الدنيا، ويكون النفع منه في الآخرة بمقدار الإستفادة منه في الدنيا مع فارق كبير في الكم والكيف، وهذا الفارق متعلق بفضله تعالى في مضاعفة الأجر والثواب، بمعنى ان العبد ينتفع من الإصطفاء في الدنيا بالإهتداء الى سواء السبيل، ومحاكاة واتباع المصطفين في اقوالهم وأعمالهم، فيأتي الثواب الأخروي على عمل الصالحات، ولكن هذا الثواب ليس بقدر الإستحقاق بل هو مضاعف اضعافاً كثيرة فضلاً منه تعالى لتتجلى منافع لا تحصى من قانون الإصطفاء، ومن فضله تعالى ان الإنتفاع من الإصطفاء مركب بالأخذ والإقتباس منه على نحو التعدد والإتحاد من وجوه:
الأول: الإستفادة من اصطفاء كل نبي على نحو الإستقلال.
الثاني: الإنتفاع من اجتباء الأنبياء على نحو العموم المجموعي.
الثالث: الأخذ من سيرة وسنن المصطفين الأخيار من غير الأنبياء كمريم عليها السلام، وطالوت الذي أختاره الله ملكاً على بني اسرائيل، وذكر انه اول ملوك بني اسرائيل واسمه عندهم شاؤل، ثم داود وبعده سليمان.
ووجوه منافع الإصطفاء في الآخرة متعددة منها:
الأول: الأثر العملي للإصطفاء في المجتمعات والنفوس، وتجليه في الأفعال ذات صبغة الصلاح والرشاد.
الثاني: شفاعة المصطفين في الآخرة لإتباعهم وانصارهم ممن يأذن الله لهم بالشفاعة لهم.
الثالث: أجر الإقتداء بالمصطفين والتصديق بما جاءوا به، ومتابعتهم في الدعوة الى الله عز وجل.
الرابع: مفاهيم الإصطفاء والإقرار بالنبوات من اجتناب فعل السيئات، فالإصطفاء واقية عامة من المعاصي تشرق بركاتها يوم القيامة باحتراز أهل الإيمان من الذنوب.
قانون الصلة
من آيات خلق الإنسان دوام الصلة بين الله عز وجل وبين العبد، فليس من انقطاع لهذه الصلة منذ خلق الله آدم، وتلك نعمة عظيمة تبين عظيم فضل الله على الإنسان وحبه له، ورحمته تعالى في جذبه الى مواطن الإيمان والتقوى، ومن الآيات تعدد مصاديق الصلة وتباين مراتبها، والتنزيل من أفضل مصاديق الصلة بين الله عز وجل وبين عباده، وصحيح ان الوحي يأتي للأنبياء، والملائكة لا يراهم الا الرسل، الا ان احكام التنزيل ينتفع منها الناس جميعاً كل ينهل منها بقدر زاد او نقص، والصلة على قسمين:
الأول: ما ينزل من الله الى العباد وهو على وجوه متعددة منها ما هو روحاني ومنها ما هو مادي، ومن اسباب الرزق والرحمة الإلهية وأهم مصاديق الصلة السماوية الكتاب النازل من عند الله، وقد تجلى في القرآن كتاباً جامعاً للأحكام الشرعية وأمور الحلال والحرام.
الثاني: ما يصعد من الإنسان الى السماء، ويتمثل بالدعاء والعمل الصالح واتيان الفرائض.
والثاني فرع الأول وتابع له وان تباينت جهة الصدور، وهو من ثمرات ما ينزل من السماء، ومن الآيات ان الصلة مع الباري عز وجل لم ولن تنقطع، قال تعالى [وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] ( ).
وقانون الصلة يتغشى الناس جميعاً بما فيهم الكفار والذين تولوا وأدبروا عن النبوة ونقضوا العهود، وخالفوا المواثيق وجحدوا بالآيات، واتصال الصلة منه تعالى غاية اللطف الإلهي والكرم، وموضوع للحجة على الناس، ولكنه ليس حجة مجردة بذاتها بل هو وسيلة للتوبة والإنابة والهداية، وحث على الشكر له تعالى على توالي النعم لذا يأتي شطر منها ظاهراً تدركه الحواس ولا يحتاج للحدس واستحضار الوسائط، وتشرق تلك النعم على النفس الإنسانية لتقربها من مسالك الطاعة.
واما صلة العبد مع الله فهي عنوان للشكر له تعالى على عظيم النعم وتوالي الإحسان واتصال الصلة وعدم انقطاعها وان كان التباين عظيماً بين القسم الأول والثاني من أقسام الصلة، فلا يكون الصاعد منها بالنسبة للنازل من عند الله الا كأقل من قطرة في البحر، ومع هذا فان الله عز وجل يضاعف الأجر والثواب، لتكون صلة العبد ذات اعتبار في عالم الآخرة، وليتباهى الإنسان يوم القيامة على الخلائق بسبب نزول الفيض والبركة من الله عز وجل عليه، ومن خصائص القسم النازل من طرفي قانون الصلة وجوه:
الأول: عدم امكان احصاء مصاديقه وافراده، قال تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
الثاني: توالي وتعدد الأفراد النازلة بخلاف الصاعد من العبد، فاذا نظرت الى اوقات الصلاة وجدتها لا تأخذ الا جزء يسيراً من النهار والليلة، اما النعم النازلة فهي متصلة دائمة.
الثالث: تأتي الصلة الإلهية ابتداء ومن غير استحقاق من العبد.
الرابع: الطرف النازل هو الأعظم والأهم، وكل نعمة منه مدرسة عقائدية مستقلة.
الخامس: لا تحجب معصية وجحود العبد النعم النازلة، وهل تؤثر فيها كماً وكيفاً، بمعنى انها تقل في مقدارها، وتنقص في ذاتها وموضوعها عند المعصية، الجواب: قد تنقص ليتدبر العبد في ذاته وفعله والإنابة او للإمتناع عن المعاصي اضطراراً عند تعذرها.
وقد تزداد للتدبر او الإستدراج واقامة الحجة، او للتوبة والإنابة وتلمس وجوه الشكر والإعتبار، وهذا من الآيات في الإرادة التكوينية وعالم الخلق، ان يكون المتناقضان طريقاً لنتيجة واحدة، وهذه النتيجة ذات حسن ذاتي وتتضمن الشكر لله والتوبة والإنابة، واستدامة قانون الصلة بطرفها الصاعد من الناس بعد القطع باتصال ودوام الطرف النازل منها، وجاءت هذه الآية لتؤكد قانون الصلة بطرفيه بالإخبار عن التنزيل وعن الإيمان.
قانون تصديق التنزيل
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالتنزيل، وفيه وجوه:
الأول: الوحي من عند الله.
الثاني: نزول الكتاب وهو أخص من الوحي، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل كتاب هو وحي، وليس كل وحي هو كتاب.
الثالث: النعم النازلة من السماء.
الرابع: الماء والمطر الذي ينعم به الله عز وجل على الناس ويحيي به الأرض.
الخامس: نزول الملائكة الى الأرض مرسـلين بوظائف خاصة، والمراد من التنزيل في الإصطلاح هو الأول والثاني لتعلقه بالآيات والإخبار الإلهي وموضوعه الأنبياء فلا ينزل الوحي والكتاب الا على نبي او نبي رسول، لذا استحق الأنبياء منزلة خاصة في العلو والرفعة والشرف، ووجب على الناس طاعتهم والإنقياد لهم في مرضاة الله، والإقرار بعظيم شأنهم، والتصديق بهم مقدمة عقلية وشرعية للتصديق بالتنزيل.
وهذا التصديق بالتنزيل واجب على المكلف ذكراً كان أو انثى، او انه أمر مستحب الجواب هو الأول فلابد من الإقرار بالتنزيل وهو على وجوه:
الأول: الإكتفاء بالتصديق الإجمالي بان الله عز وجل انزل كتاباً وأوحى الى انبيائه من غير عناية خاصة والتفات الى موضوع الوحي والتنزيل.
الثاني: الإجزاء بالتصديق بكتاب سماوي واحد دون الكتب الأخرى كما في الإقرار والتصديق بالتوراة دون ما بعدها، او الانجيل دون غيره من الكتب.
الثالث: حصول التصديق بالتنزيل بالتسليم بشطر من الكتب السماوية والإعراض عن الشطر الآخر منها، كما في تصديق اليهود بتوراة موسى وما عند اليهود منها وهي سفر الخليقة، وسفر الخروج، وسفر الإحياء، وسفر العدد، وسفر الإستثناء، وكتاب أيوب، وزبور داود، وكتب سليمان الثلاثة الأمثال، الجامعة، تسبيح التسابيح، وكتب النبوات وهي سبعة عشر كتاباً منها كتاب نبوة اشعيا، ونبوة ارميا، وكتاب حزقيال، وكتاب نبوة دانيال، وكتاب نبوة زكريا وغيرها، وكتب المؤرخين اثنا عشر كتاباً منها كتاب يوشع، وكتاب قضاة بني اسرائيل، وعدم التصديق بما بعدها.
ولم يرد في القرآن منها الا التوراة والزبور، ولكن القرآن جاء بالإخبار عن حصول الوحي للأنبياء، ومن هذا الوجه التصديق بالتوراة والإنجيل دون القرآن.
الرابع: التصديق بالكتب السماوية كافة، على نحو التعيين والإجمال، اي ما نعرفه باسمه نصدق به، وما لا نعرفه باسمه نصدق ايضاً بنزوله من عند الله.
والصحيح هو الوجه الرابع، فيجب على كل مكلف التصديق بجميع الكتب النازلة من السماء، وفي المقام آيات ودلالات منها:
الأولى: جاء القرآن جامعاُ لمضامين التنزيل والأحكام الشرعية وفيه دعوة وبيان للتصديق بالتنزيل مطلقاً، ولزوم عدم انكار نزول شطر من الكتب السماوية.
الثانية: طرو التحريف على بعض الكتب السماوية لم يمنع من الحث على التصديق بها، لأن الأصل هو التصديق بحصول التنزيل واقعاً، وما يطرأ على الكتب من أمر عرضي طارئ خلاف الأصل يجب ألا يكون سبباً لإنكار التنزيل او اثارة أسباب الشك والريب فيه.
الثالثة: الملازمة بين التصديق بالتنزيل والتصديق بالنبوات، وثبوت النبوة يتحقق بالوحي والمعجزة.
الرابعة: التنزيل من مواضيع الطرف الأهم في الصلة بين الله والعباد.
الخامسة: استدامة البركة ودوام الحياة على الأرض بقانون تصديق التنزيل فضلاً منه تعالى.
السادسة: لقد فاز المسلمون بنعمة التصديق، وهو قانون بسيط ليس مركباً، اذ انه لا يقبل التجزئة مع كون أفراده متعددة.
السابعة: ملازمة التنزيل لوجود الإنسان في الأرض، فآدم ابو البشر تلقى الوحي والتنزيل من عند الله، والملازمة هنا حجة على الإنسان في لزوم تلقي التنزيل بالتصديق، وهذا القانون على وجوه:
الأول: التصديق مطلوب بذاته.
الثاني: انه مقدمة للإمتثال لأوامر الله، وفعل الطاعات واجتناب السيئات.
الثالث: الجامع للأمرين أعلاه، فهو مطلوب بذاته ومقدمة لفعل الصالحات واتيان الفرائض.
والصحيح هو الثالث من غير تعارض بين الأمرين، وفيه دلالة على الأجر والثواب بالتصديق بالتنزيل، فايمان الإنسان بالتنزيل باب لنيل الثواب والأجر لأنه يدل بالدلالة التضمنية على أمور:
الأول: الإقرار بالربوبية لله تعالى.
الثاني: بعثة أنبياء من بين البشر.
الثالث: حاجة الإنسان للتنزيل.
الرابع: اكرام الإنسان بنزول الكتب من عند الله.
الخامس: عدم انقطاع الصلة بين السماء والأرض، فالكتاب عنوان مبارك لإستدامة هذه الصلة.
وقانون تصديق التنزيل يتكون من قسمين:
الأول: التنزيل وهو فضل من الله، وامر ليس للإنسان فيه تأثير، نعم يقوم النبي بتلقيه من الملك واخبار الناس بامانة عن مضامينه.
الثاني: التصديق والإيمان بما ينزل من عند الله عز وجل، وجاءت الآية لتتضمن القسمين معاً اذ انها اخبرت عن الإيمان بالتنزيل والتسليم بانه من عند الله، مع ذكر اسماء نفر من الأنبياء الذين انزلت عليهم الكتب من عند الله.

التفسير
قوله تعالى [قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ]
الخطاب في الآية موجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصيغة الخطاب تشريف واكرام له وللمسلمين من وجوه:
الأول: تفضل الله تعالى بأمر النبي، وتلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأوامر من عند الله فخر للمسلمين جميعاً.
الثاني: لا يقول النبي الا ما يأمره الله عز وجل في مواجهة اهل الجحود والإدبار.
الثالث: في الآية تعليم وارشاد للمسلمين، وارتقاء في المعارف الإلهية، لأنهم يتلقون الأوامر من عند الله.
الرابع: امره تعالى بان ينطق ويتكلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإصالة عن نفسه وعن المسلمين.
الخامس: تشريف المسلمين بان النبي يتكلم نيابة عنهم، وهذه النيابة تمت بأمر من عند الله عز وجل.
السادس: جاء قوله تعالى [قُلْ] من عالم الأمر، وفيه درس للخلائق في ثبوت أهلية الإنسان لخلافة الأرض، وتجلت هذه الخلافة بالمسلمين الذين لم يعرضوا أو يولوا الإدبار من وجهين:
الأول: الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، موضوع عقائدي فيه تعاهد لميثاق الأنبياء والبشارات التي جاءوا بها.
الثاني: لم يتولوا عن نصرته في ميادين القتال وسوح المعارك، بل تحملوا شتى صنوف الأذى في بناء صرح الإسلام ومواجهة أعداء الدين.
وجاءت الآية بصيغة الأمر [قُلْ] وفيه وجوه:
الأول: انحصار الأمر بقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واعلانه الإيمان بالله.
الثاني: شمول القول للمسلمين بالواسطة، فالمسلمون يقولون آمنا بالله ويعلنون ايمانهم بما ورد في الآية الكريمة.
الثالث: ارادة كل مسلم ومسلمة على نحو الإستقلال.
الرابع: شمول الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في كل الأزمنة والأمكنة المختلفة والى يوم القيامة.
وهذا من اعجاز اللفظ القرآني ومضامين قانون المعنى المتعدد، وأجل ومدة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يحتمل أموراً:
الأول: انتهاء الخطاب الخاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين انتقاله الى الرفيق الأعلى.
الثاني: بقاء الخطاب الى ما بعده مع وجود الصحابة والذين يرددون وينقلون أحاديثه واقواله.
الثالث: اتصال وبقاء الخطاب الى النبي واثره الى يوم القيامة.
والصحيح هو الثالث، فان الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم ينقطع بانتقاله الى الرفيق الأعلى بل هو باقِ، وتتجلى مضامينه بوجوه:
الأول: وجود القرآن بين الناس اماماً وهادياً.
الثاني: تلاوة المسلمين لهذه الآية في كل زمان ومكان.
الثالث: اقوال وافعال المسلمين بصفتهم مسلمين واتباعاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: شهادة من جرى تبليغهم، وقامت عليهم الحجة من اهل الكتاب وغيرهم.
الخامس: السنة النبوية الشريفة، فهي حاضرة بين المسلمين والناس كافة، وتصلح شاهداً في الإحتجاج واقامة البينة.
وتبين الآية موضوعية الإحتجاج وزجر الذين كفروا باعلان الإيمان، والإفتخار والإعتزاز به، واذا كان النبي يعلن ايمانه بالله فمن باب اولى ان يعلن الناس الآخرون ايمانهم وان يحاكونه في قوله وفعله.
وتمنع الآية الغلو بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن الإيمان بالله يصدر من النبي والمسلمين بعرض واحد، فكل واحد منهم مؤمن، نعم يمتاز النبي عن الناس في المقام بوجوه:
الأول: انه الواسطة الكريمة الى الله.
الثاني: النبي إمام الناس في الدعوة الى الله.
الثالث: النبي يرى ويسمع الملك ويتلقى الوحي، ومنقطع الى الله وغارق في جماله وجلاله.
ومن جهة عدد مرات القول واعلان الإيمان فيه وجوه:
الأول: كفاية المرة الواحدة من قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: ان يعلن النبي الإيمان مرات متعددة.
الثالث: اعلان النبي وكل مسلم الإيمان عدة مرات.
الرابع: اعتبار تلاوة هذه الآية من الإمتثال للأمر الإلهي في اعلان الإيمان.
الخامس: عدم كفاية القول بل لابد من العمل الذي يؤكد هذا القول.
وقد نوقش في علم الأصول موضوع طلب ايجاد ذات الفعل المأمور به في الخارج وهل تجزي المرة الواحدة ام لابد من التكرار او اشتراك الصيغة بينهما، او انها لا تدل على ارادة أحدهما باعتبار ان المادة وهي المصدر، والهيئة وهي الصيغة لا تدلان على المرة والتكرار وهما امران خارجان عن الماهية، والمرة يكفي لها صرف الوجود ليسقط التكليف، اما التكرار فيستلزم الوجود الساري، وتعدد ايجاد الطبيعة، وهذا التعدد لا يستظهر من صيغة (قل) الواردة في الآية بل من تركيب القضية الكلية، وتعدد مصاديقها، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جهاد متصل، وهو دائب في الدعوة الى الله عز وجل، ولا تكفي في المقام المرة الواحدة بل لابد من التكرار والتعدد، ومن فضله تعالى ان هذا التكرار يتجلى في خلود القرآن وآياته وما فيها من البشارات والإنذارات.
والتعدد عز وفخر وعنوان للإمتثال الحسن، والنبي لا يفعل الا الأحسن، وهو هنا في التكرار وكثرة اعلان الإيمان بالله عز وجل، والمسلم يبذل من ذاته ما يظنه منتهاه ليحظى بعطاء الله اللامتناهي ويتصدى لأهل التولي والإدبار ويجتنب أذاهم، ويجعلهم يراجعون انفسهم وما هم عليه من الجحود والعناد ومخالفة الوظيفة العقائدية.
ولإعلان الإيمان منافع ذاتية متعددة من وجوه:
الأول: تثبيت روح الإيمان.
الثاني: بعث السكينة في النفس.
الثالث: تقوية صفوف المسلمين، وزيادة ايمانهم.
الرابع: التخلص من الكدورات الظلمانية.
الخامس: النجاة من سلطان الحجب الجسمانية.
السادس: اعلان الإيمان اقرار بحاجة الخلق الى الله الغني القادر على كل شيء.
السابع: هذا القول مقدمة ذاتية للتقيد باحكام الفرائض وادائها.
وقال الزمخشري “امر رسول الله بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان فلذلك وحد الضمير في (قل) وجمع في (ءامنا)، ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالا من الله لقدر نبيه”( ).
ولكن هذا الجواز لم يثبت فاكرام الملوك يحصل مجازاً من قبل الرعية والتابعين، وقد جاء اكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ (قل) بصيغة المفرد.
ان الأمر الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو غاية التشريف والإكرام لما فيه من مضامين العناية الإلهية، بالإضافة الى تفويض الكلام له نيابة عن المسلمين عامة، ويدل بالدلالة الإلتزامية على احراز صحة هذا القول، وصدق ايمان المسلمين وفيه بشارة انقياد المسلمين للنبي محمد في طاعة عز وجل ونصرته في نبوته ولا دليل في الآية على ان الله عز وجل اذن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان يتكلم كما يتكلم الملوك، بل فيها آية بان يتكلم الملوك بكلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة صــيغة المفرد واظهار الخشـــوع لله عز وجل.
وهل تجيز الآية للملوك التكلم عن أممهم واتباعهم الجواب لا، فهذه الآية خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان يتكلم نيابة عن المسلمين وهي من مصاديق تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين.
وجاء القرآن بشواهد عديدة تتضمن شكوى الأنبياء من أممهم، وما لاقوه من الأذى منهم، اما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه مأمور من عند الله باعلان ايمان المسلمين، وهذا الإيمان لا ينحصر بما انزل عليه من القرآن والوحي مطلقاً، بل يشمل ما انزل على الأنبياء السابقين ليكون هذا الإيمان واقية للناس من العذاب، وشهادة أمام اهل السماء بان أهل الأرض يتعاهدون التنزيل بالإيمان والتصديق.
ومع ان الخطاب في الآية جاء بصيغة المفرد (قل) الا ان مضمون القول ورد بصيغة الجمع، فلم تقل الآية [َقُلْ آمَنْتُ] او “قولوا آمنا” بل جمعت بين المتحد والمتعدد في لفظ آمنا، وفيه وجوه:
الأول: ارادة النبي محمد بصيغة الجمع من جهات:
الأولى: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمة في الخير.
الثانية: اكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الجمع، أي ان الأصل هو “قل آمنت” ولكن جاء لفظ الجمع (آمنا) للإكرام والإجلال.
الثالثة: الأثر العظيم لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في النفوس والمجتمعات.
الرابعة: درجة العلو والرفعة لإعلان الإيمان، وانه يصلح على الفرد المتكلم بصيغة الجمع.
الثاني: ارادة المسلمين بصيغة الجمع من جهات:
الأولى: الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الأمر التكليفي موجه للمسلمين.
الثانية: انصراف صيغة الجمع للمتعدد، وهو الأصل، فينطبق على المسلمين.
الثالثة: الإخبار السماوي بان النبي يتكلم نيابة عن المسلمين.
الثالث: ارادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من جهات:
الأولى: هذا التعدد هو مضمون صيغة الجمع، والتقدير “قل يا محمد اني والمسلمين آمنا بالله وما انزل علينا…”.
الثانية: دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإخبار عن الإيمان فهو الإمام في الإيمان.
الثالثة: بيان بلوغ المسلمين درجة ألإيمان، وهو أرقى رتبة من الإسلام، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل مؤمن هو مسلم وليس العكس.
والصحيح هو الثالث فالضمير في (آمنا) شامل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ويحتمل وجوهاً:
الأول: ارادة صحابة النبي وأهل بيته اوان نزول الآية.
الثاني: مجموع الصحابة الذين غادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا وهم موجودون.
الثالث: الصحابة والتابعون.
الرابع: المسلمون الى يوم القيامة.
والصحيح هو الرابع فيحمل الأمر على الإطلاق، وصيغة العموم، وفيه اعجاز من وجوه:
الأول: الإخبار بان المسلمين كلهم مؤمنون بالله وما انزل على الأنبياء وهذا الإيمان يحتمل وجهين:
الأول: انه على درجات متفاوتة فمن المسلمين من يكون ايمانه تاماً، ومنهم من يكون ايمانه ناقصا.
الثاني: ايمان المسلمين على مرتبة واحدة وهو من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة.
الثالث: انه على مراتب متفاوتة، وكل واحدة منها يصدق عليها اسم الإيمان وتكون مجزية.
وبينت الآية ايمان كل مسلم بالله عز وجل بما يكفي في صدق التسليم والإنقياد لأمره تعالى وطاعته والإقرار بالنبوات، وان كان الإيمان على مراتب متفاوتة ومنها ما يصل الى درجة اليقين، وجاءت الآية في الإحتجاج على الكفار ودعوتهم للإيمان ولابد ان تكون هذه الدعوة بسيطة، وتتضمن الترغيب، وخالية من التشديد والتغليظ.
وورد الأمر الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان يتكلم عن نفسه وعن المسلمين، ولم يحتج عليه احد من أهل الكتاب او أهل الجحود والكفر بانه كيف يتكلم نيابة عن المسلمين من اصحابه ومن لم يولد بعد، وهذا من آيات النبوة، وما فيها من الإعجاز وتحدي العدو بما يجعله عاجزاً عن الرد او اثارة الريب.
وفي الآية بشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: التكلم والإخبار نيابة عن الأجيال المتعاقبة من أمته.
الثاني: أهلية المسلمين لتعاهد سنن الإيمان.
الثالث: بلوغ المسلمين مراتب الإيمان والتقوى.
الرابع: بقاء أجيال المسلمين على ذات العهد والقول الذي اعلنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: الضمير (نا) في آمنا يعود للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وفيه تشريف واكرام للمسلمين بان صاروا في درجته في منازل الإيمان بالنبوة ولا يعني هذا اتحاد المرتبة، ولكن الآية دليل على ايمان المسلمين بما يؤهلهم لأمرين:
الأول: امر الله تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعلان بلوغ المسلمين مرتبة الايمان، وكل مؤمن هو مسلم، لذا فالآية مدح وثناء على المسلمين.
الثاني: قيام النبي باعلان الإيمان بصيغة العموم الشاملة للمسلمين جميعاً، ففي الآية سر ملكوتي يبين عظيم منزلة المسلمين عند الله عز وجل، ورضاه سبحانه عنهم، وهي شاهد الهي على حسن ايمان المسلمين، وليس من شهادة أعظم وأفضل منها، ولم ينل اهل اي ملة مثل الذي ناله المسلمون من الفخر والعز بهذه الشهادة، ولأن الآية شاملة للمسلمين الموجود والمعدوم فانها تستقبل المسلم عند ولادته بالبشارة والإخبار عن توارث أجيالهم للإيمان.
وجاءت الآية بصيغة الماضي (آمنا) للدلالة على الثبوت والتقرير وانه لا رجعة للمسلمين عن الإيمان وسبله وأحكامه، فكل مسلم متمسك بالإيمان بالله تعالى وما انزل على الأنبياء، وهو تحدِ اضافي للكفار وبعث لليأس في نفوسهم ودعوة لهم للإنابة والرجوع عن حال التولي والإدبار، واخبار بان الله هيئ جنوداً لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وان اهل التولي لم يضروا الا انفسهم، واذا كانوا يخافون ان يلحق بهم الأذى بسبب نصرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالذين نصروه باقون على الإيمان لا يخشون الا الله تعالى، وكل مسلم هو دعوة للإيمان وحجة على اهل التولي.
وجاء الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الأمر (قل آمنا) اي قل يا محمد، اما المسلمون فماذا يقول كل واحد منهم فيه وجوه:
الأول: ان يقول (آمنت) فيخبر عن نفسه وايمانه.
الثاني: لا يقول شيئاً، من وجوه ثلاثة:
الأول: توجه الخطاب في الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره من المسلمين.
الثاني: الإكتفاء بما قاله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: يظهر المسلمون ايمانهم بالقول والفعل بطاعة الله واتيان الفرائض، واجتناب السيئات.
الثالث: مجيء الخطاب للنبي لانه متبوع، اما الإتباع فلا يشملهم الخطاب.
الرابع: يحق لكل مسلم ان يقول (آمنا) بصيغة الجمع، والخطاب موجه للنبي والمسلمين معه.
والصحيح هو الرابع اعلاه، من وجوه:
الأول: تضمن لغة الأمر في القرآن (قل آمنا) توكيد وثبوت لحال الإيمان، فالمسلم يخبر عن واقع خارجي عام بشهادة سماوية.
الثاني: تدعو الآية المسلم لأن يتكلم عن نفسه وعن غيره لأن لفظ (قل) وان جاء لإرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالخطاب في الآية ليس من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي ينفرد بها، مثل الزواج باكثر من أربع، او قيام الليل، بل الخطاب عام للمسلمين وفيه اخبار عن حالهم وما بلغوه من مراتب الكمال العقائدي التي تبدو معالمها القدسية واستغراقها وشمولها للمسلمين كافة.
الثالث: تعدد المنافع في قول المسلم (آمنا) من جهات:
الأولى: هذا القول حجة على الكافرين والجاحدين.
الثانية: فيه تثبيت لمفاهيم الإيمان في النفس.
الثالثة: انه عون للمسلمين في البقاء في منازل الإيمان، وهو سبيل مبارك لإستقراره في المجتمعات.
الرابعة: قول المسلم (آمنا) برزخ دون تعدي أهل الجحود والضلالة.
الخامسة: من فضله تعالى ان يتكلم المسلم نيابة عن نفسه وعن الآخرين، وفيه عز له، وهذا العز مركب فهو شخصي، ويأتي بلحاظ الإنتساب للإسلام، وهو ثمرة من ثمار الإيمان بان يتكلم المسلم نيابة عن المسلمين في وقت ترى اهل التولي والجحود في تيه وضلالة عاجزين عن الإجتماع والإتحاد، وان اجتمعوا فان كل واحد منهم لا يستطيع ان يتكلم نيابة عن غيره منهم خصوصاً وان روح الفرقة والخلاف تدب دائماً بينهم.
الرابع: قرينة قوله تعالى في الآية [لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ] فصيغة الجمع (لا نفرق) تدل على ارادة المسلمين مع النبي في الآية، وهو نوع اعجاز مستقل وموضوع للإيمان، وجاءت الآية بلفظ الإيمان ويحتمل وجوهاً:
الأول: النطق بالشهادتين.
الثاني: الإيمان بالقلب والجوانح الى جانب النطق بالشهادتين.
الثالث: التصديق بالربوبية لله تعالى.
الرابع: الإقرار بالعبودية والخشوع لله تعالى.
الخامس: طاعة وأمر الله، واتيان الفرائض واجتناب النواهي.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة ومضامين الإيمان.
لقد أنعم الله على المسلمين بنعمة الإسلام، وجعل الإيمان مدرسة جامعة يلتقي في مضامينها المسلمون جميعاً.
ومن خصائص الإيمان في الآية انه يبعث على الإتحاد والتعاون بين المسلمين، ونشر روح المودة والرأفة بينهم ويجعلهم يشعرون بالطمأنينة من جهات:
الأولى: الإختيار السليم للإيمان والنجاة من المعصية.
الثانية: تجلي الوفاء بالعهد والإقرار بالنبوة فمن يصدق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يؤمن بالله عز وجل لأن النبوة دعوة الى الله وطاعته.
الثالثة: بعث روح الجماعة والأخوة والتعاون في منازل الإيمان، فيشد المسلمون عضد بعضهم بعضاً، والإيمان من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] فمع الإيمان تأتي الأخوة في الله ولله.
الرابعة: الإلتقاء في الوفاء بالعهود، وهو عنوان فخر وعز، اذ يتشرف الإنسان بان يكون من اهل الوفاء بالعهد والإقرار بالمواثيق والتصديق بالنبوات.

قوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا]
بعد الإخبار عن الإيمان بالله والذي يكون مستوعباً ومستغرقاً للمسلمين جميعاً، جاء هذا الشطر من الآية للإخبار عن ايمان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بما انزل عليهم، ترى ما المراد بما انزل عليهم في وجوه:
الأول: القرآن باعتباره هو التنزيل.
الثاني: الوحي والإخبار الملكوتي، والوحي أعم من القرآن، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فالقرآن كله وحي، اما الوحي فيشمل حديث واخبارالملائكة للنبي كما يشمل الحديث القدسي.
الثالث: الأحكام والفرائض والأوامر والنواهي التي جاء بها القرآن والسنة النبوية الشريفة.
الرابع: نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبارها امراً نازلاً من عند الله، والمعجزات التي جرت على يديه.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق التنزيل الا انها على مرتبتين:
الأولى: القرآن، فهو الأصل في التنزيل.
الثانية: الوحي واحكام الشريعة والسنة النبوية، ومن الإعجاز ان تأتي الآية للإخبار عن الإيمان بصيغة الإطلاق لكل ما انزله الله على المسلمين.
ووردت الآية بلفظ الجمع (انزل علينا) ولم تقل وما انزل على الرسول كما في قوله تعالى [آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ] ( )، وجاء الإيمان هنا بقيد مو ضوعي وهو ما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رد على الذين يقولون انهم مؤمنون ويجحدون بما انزل الله عليه، ولتوكيد اعتبار الإقرار بالقرآن كتاباً نازلاً من عند الله.
فلماذا جاءت الآية بصيغة ضمير الجمع للمتكلم (علينا) فيه وجوه:
الأول: المماثلة والمحاكاة مع قوله تعالى [آمنا] الذي ورد بصيغة الجمع، وجاء هنا الضمير بذات الصيغة.
الثاني: المراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اي وما انزل عليه ولكن الآية جاءت بصيغة الجمع لجهات:
الأولى: النبي أمة في الخير وأسوة في الكمالات الإنسانية، والمؤمن وحده امة فكيف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ورد في ابراهيم انه امة في التقوى، قال تعالى [ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا]( )، فيشمل موضوع الآية النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من باب الأولوية.
الثانية: جواز اطلاق صيغة الجمع على المفرد لخصوص التفخيم والإكرام في بيان سمو درجة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، يتكلم عن نفسه وعن أمته وهذه الجهة على قسمين:
الأول: ان الوحي ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى غيره من ائمة وعلماء المسلمين.
الثاني: المراد ما ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره نازلاً عليه بالإصالة، وعلى المسلمين بالواسطة.
الوجه الثالث: ارادة المعنى الأعم من لفظ (علينا) والمراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما عند اهل الكتاب من التنزيل السماوي.
الرابع: ما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء الآخرين ممن لم يذكروا في الآية ابتداء من آدم عليه السلام.
وبالنسبة للوجه الأول فلا يبتنى اللفظ القرآني على المحاكاة، وان كان امراً جائزاً في اللغة والتخاطب بين الناس، فكل حرف قرآني له دلالاته العقائدية على نحو الإستقلال والتداخل، اي استقلاله بالذات، وتداخله مع غيره من الألفاظ، وهذا التداخل على أقسام:
الأول: تداخله مع الألفاظ في ذات الجملة القرآنية.
الثاني: التداخل مع الفاظ ونظم ذات الآية الكريمة.
الثالث: الملازمة والترابط مع الآيات المجاورة مما سبقه او جاء لاحقاً من الألفاظ.
الرابع: الملازمة والترابط والبيان بين اللفظ القرآني والآيات الأخرى في ذات السورة.
الخامس: البيان والتداخل بين اللفظ القرآني وما في سور القرآن الأخرى، اما الثالث فلا دليل على الجمع بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل الكتاب، اما الرابع فان ذكر النبيين عام ويشمل الأنبياء الآخرين.
اما بالنسبة للجهة الأولى من الوجه الثاني فصحيح ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أمة في الخير الا ان الأمر جاء له ليتكلم من مقامات العبودية والنبوة، وهو إمام البشر جميعاً في هذا الباب لما اظهره من الخضوع لله تعالى.
اما الجهة الثانية والتي ذهب اليها بعض المفسرين، فالآية جاءت لإعلان الإيمان والتصديق والخشوع لله تعالى، وهذا الإعلان ذاته تفخيم واكرام ولكن بصيغة العبودية لله وصيغة الجمع للكلام عن الذات والنيابة عن المسلمين وليس للتفخيم.
والصحيح هو القسم الثاني من الجهة الثالثة من الوجه الثاني اي المراد ما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، باعتبار ان الكتاب نازل عليه بالإصالة، ويكون نازلاَ على أمته بالواسطة والتبعية، وصيغة الجمع لها دلالات في المقام منها:
الأولى: حث المسلمين على التمسك بالقرآن وتعاهده.
الثانية: دعوة الناس للإسلام فدخوله يعني الإشتراك في شرف تلقي القرآن.
الثالثة: حب الله عز وجل للمسلمين واكرامهم بان نسب تنزيله عليهم.
الرابعة: التجاذب والحب بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، بحيث يشاركونه في التنزيل.
والخطابات للنبي محمد على قسمين:
الأول: الخطاب الشخصي.
الثاني: ارادة النبي والأمة بواسطته.
وهذا الخطاب من القسم الثاني لأن اعلان الإيمان بالله وظيفة كل مسلم ومسلمة، لذا جاء لفظ الإنزال بصيغة الجمع لإخبار كل جيل من المسلمين بان القرآن نازل عليهم مما يعني طراوة وغضارة التنزيل، وكأنه نازل الآن.
فمع ان الآية جاءت ليعلن النبي ايمانه وايمان المسلمين بالله عز وجل فانها موضوع وحكم يجري على لسان كل مسلم في تلاوته للقرآن حجة حاضرة عند الإحتجاج والجدال، ومفهوم ثابت في الوجود الذهني كما يظهر على عالم الأعمال.
بحث بلاغي
من وجوه البديع “اللف والنشر” وهو ذكر موضوع متحد او متعدد، ويقابله محمول او عرض اجمالي او متعدد، ويقوم السامع بتفكيك العبارة وارجاع كل عرض الى ذاته اومحمول الى موضوعه بحسب الحال، كما في قوله تعالى [ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى]( ).
اي ان الخطاب موجه لليهود فيما ادعوه ان ابراهيم والأنبياء الآخرين من اليهود، وموجه للنصارى فيما يخص عدم نصرانية هؤلاء الأنبياء بل ان زمانهم سابق على زمان اليهودية والنصرانية، فالإجمال جاء في اللف، ذكرت اسماء الأنبياء ثم جاء النشر ببيان التفصيل بين اليهود والنصارى لينحل الخطاب الإلهي “أم تقولون” الى متعدد والمراد منه اليهود والنصارى، وقد يكون الإجمال في النشر بان يؤتى بمتعدد ثم بلفظ مجمل ينحل بعدد افراد الموضوع.
ومن الآيات ان يأتي في القرآن ما هو اخص من اللف والنشر فقد جاء في هذه الآية قوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا] ولفظ علينا متحد ليس فيه لف ونشر، ومع هذا فانه ينحل بذاته الى قسمين:
الأول: ارادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.
الثاني: ارادة المسلمين واجيالهم المتعاقبة ولا تصل النوبة الى التفويض الى عقل السامع بل تسبقه الشواهد القرآنية التي تفيد حصول التنزيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون المسلمين، وقد يقول قائل لماذا لم تأتِ الآية بذكر الإيمان بما انزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتقول، “قل آمنا بالله وما انزل على الرسول وما انزل على ابراهيم..” الجواب من وجوه:
الأول: جاءت الآية لمنع اللبس والوهم، وطرد الشك والريب، والألف واللام في الرسول للعهد والمراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه منع لاثارة الريب بتأويله الى غيره من الأنبياء خصوصاً مع لحاظ الترتيب الزماني بين الأنبياء في الآية والقول بارادة نوح او غيره من الرسل السابقين لإبراهيم عليه السلام.
الثاني: جاءت الآية لتشريف المسلمين في التنزيل لتكون شاهداً على قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ كل ما انزل اليه من ربه، وتثبيته وتوثيقه عند المسلمين عموماً وان القرآن باقِ لا يطرأ عليه التحريف والتغيير.
الثالث: اكرام ابراهيم بان جاء تقديم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليها بالتنزيل، ليبدأ ذكر الأسماء بابراهيم عليه السلام.
الرابع: اولوية الايمان بما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ]
بعد اعلان الإيمان بالله والإقرار بالتوحيد، والإخبار عن نزول الآيات في ذات السياق والحكم مع التباين في الموضوع، فاحكام هذا الشطر من الآية تتعلق بالإيمان بالتنزيل وهو فرع الإيمان بالله، ولا احد يستطيع انزال الكتاب من السماء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا الله، وان ما يأتي به هو من عند الله عز وجل، وفي الآية مسائل:
الأولى: تعاقب التنزيل وعدم انحصاره بالقرآن، مع ان القرآن جامع للكتب، وفيه أحكام الشريعة المتكاملة.
الثانية: يؤمن المسلمون بالتنزيل السابق لشريعة الإسلام، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمسلمون لم يروا ابراهيم عليه السلام وبينه وبينهم اكثر من الفي عام، ومع هذا يعلنون ايمانهم بما انزل عليه من الآيات، وهذا الإعلان هداية ولطف الهي انفرد به المسلمون، وبعض الملل يقولون ان ابراهيم منهم، لذا فان هذه الآية رد وتأديب للناس فيما يخص ابراهيم عليه السلام وحث على الإقرار بنبوته.
الثالثة: يدل هذا الإيمان في مفهومه على وجود تنزيل على ابراهيم عليه السلام، وان التنزيل ليس امراً مستحدثاً.
الرابعة: تبين الآية عظيم منزلة ابراهيم من وجوه:
الأول: ذكر القرآن لما انزل عليه متعقباً لما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الإقرار بان ابراهيم عليه السلام له كتاب خاص انزل عليه من عند الله.
الثالث: بقاء موضوع التنزيل على ابراهيم خالداَ الى يوم القيامة بالقرآن وتلاوة المسلمين له.
الخامسة: بيان عظمة منزلة ابراهيم عليه السلام في هذه الآية من وجوه:
الأول: توثيق ما انزل على ابراهيم بالقرآن وفيه تثبيت لمنزلته ورفعة درجته بين الأمم الى يوم القيامة.
الثاني: مجيء الآية بتقديم الإيمان بما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الإيمان بالله تعالى وقبل الإيمان بما انزل على ابراهيم.
الثالث: بقاء القرآن بين الناس كاملاً غير منقوص، وعدم بقاء ما انزل على ابراهيم الا بعض الأحكام الحنيفية التي جاء الإسلام بتثبيتها وامضائها، وهذا الإمضاء ليس امراً مستقلاً، بل هو جزء من الشريعة الإسلامية.
الرابع: بينت آيات القرآن ادعية ابراهيم وسؤال بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورفعه القواعد من البيت، وتفضله تعالى بجعله اماماً للناس، وسؤال الإمامة لذريته، كما جاء القرآن بذكر مقام ابراهيم في البيت الحرام ليبقى معلماَ خالداً الى يوم القيامة، وعلة هذا الخلود هو القرآن وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنوان تفضيل وتشريف له ولأمته من بعده.
الخامس: حفظ المسلمين لسنن ابراهيم وهم اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل الديانة الباقية الى يوم القيامة.
السادسة: منع الناس من انكار التنزيل على الأنبياء السابقين.
السابعة: من مضامين الآية الكريمة الرد على من أدعى ان ابراهيم كان يهودياً او نصرانياً، كما في قوله تعالى [مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا] ( ).
الثامنة: في الآية تأديب لأهل الكتاب وغيرهم بلزوم الإيمان بالتنزيل على الأنبياء السابقين والإقرار بعظيم شأنهم والإعتراف بجهادهم في سبيل الله.
التاسعة: تبعث الآية السكينة في قلوب المسلمين، وتدفع عنهم أسباب الريب والشك، فالتنزيل ليس امراً مستحدثاً، بل هو معهود عند الأنبياء.
العاشرة: في الآية شكر ومواساة للأنبياء السابقين في الحياة الدنيا، بان يبعث الله نبياً في آخر الزمان، يصون ويحفظ هو وأمته عموم التنزيل على الأنبياء.
الحادية عشرة: مع اثبات الآية لنبوة ابراهيم وانه رسول انزل الله عليه الوحي والكتاب، تدعو الآية المسلمين الى التدبر فيما انزل اليه من الأحكام، واستقرائها من القرآن والسنة النبوية.
الثانية عشرة: جعل ما انزل الى ابراهيم شهادة سماوية على صدق نزول القرآن من عند الله.
الثالثة عشرة: بيان حاجة النبوات السابقة الى القرآن لتوثيقها وتنزيه الأنبياء ومنع التعدي او الإفتراء عليهم.
الرابعة عشرة: لقد أخبر القرآن عن نزول الملائكة على ابراهيم، كما أخبر عن وجود صحف عند ابراهيم قال تعالى [إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى* صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى] ( ). وفيه دلالة على وجود موضوعات في صحف ابراهيم وموسى في القرآن سواء على نحو الكلي او الجزئي.
وجاءت الآية بلغة الإجمال والماضي (وما انزل) وفيه وجوه:
الأول: الإيمان بما انزل على ابراهيم على نحو التفصيل.
الثاني: معرفة كل ما انزل على ابراهيم، وهو موجود عند المسلمين بصفته تنزيلاً مستقلاً خاصاً بابراهيم.
الثالث: العلم الإجمالي بالذي انزل على ابراهيم، وابتناء الإيمان عليه فيكفي الإقرار والتسليم بنزول الكتاب على ابراهيم من عند الله.
الرابع: المراد من الإيمان هنا هو الإعتقاد والعمل، اي العمل بما انزل على ابراهيم.
الخامس: الإيمان بالذي انزل على ابراهيم مما تضمنه القرآن في خطاباته التكليفية من الأحكام والسنن.
والصحيح هو الثالث والخامس، وهذه الآية تأسيس للعلم الإجمالي بما انزل على ابراهيم والأنبياء الآخرين لأنها جاءت بصيغة فعل الأمر (قل).
ومن الآيات ان الإعتقاد والفعل لا يتخلفان عن الأمر الإلهي بالقول بالإيمان، فحينما يأمر الله تعالى النبي والمسلمين بلفظ (قل) او (قولوا) لا يحتاج الإثبات وتوكيد الإمتثال الى متابعة أقوال المسلمين، وهل جرى على السنتهم هذا القول والإعلان ام تكفي الآية للشهادة على الوقوع والإعلام بالإيمان، الجواب: ان الآية اخبار وأمر من الله عز وجل عن حال النبي محمد صـلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الايمان باعتباره اقراراً بالجوانح والاركان، وهذا من الإعجاز الذي ينفـرد به القرآن فيأتي الأمر الإلهي فيه، ويكون دالاً في الوقت نفســه على امتثال المسلمين للأمر الإلهي، فلن تجد في غير القرآن دلالة ذات الأمر على الإمتثال اذ ان الأمر يأتي من العالي الى الداني، ويحتاج الى الإمتثال والفعل من المأمور كي يتحقق في الواقع العملي، وهو أمر ظاهر في العبادات والمعاملات.
فجاء القرآن بالأمر بالصلاة والزكاة ومدح من يستجيب للأمر الإلهي، اما في باب العقائد والتنزيل فجاءت الآيات ومنها هذه الآية بالأمر المتضمن للإمتثال وفيه مسائل:
الأولى: الآية من عمومات اللطف الإلهي.
الثانية: تتضمن الآية المدح والثناء على المسلمين.
الثالثة: فيها عون للمسلمين وفرصة لمواصلة الجهاد في ميادين القتال من غير تضييع لسنن الإيمان.
الرابعة: الآية مدرسة في المعرفة الإلهية ودرس عقائدي يتعلم منه المسلمون موازين الإيمان، ويتجنبون معه العناد والجحود.
الخامسة: في الآية دعوة للناس للايمان بالله عز وجل والأنبياء على نحو العموم المجموعي والاستغراقي من غير تفريق بينهم.
السادسة: الآية حجة للمسلمين الى يوم القيامة، فلا يستطيع احد ان يقدح بايمانهم بالتنزيل مطلقاً.
السابعة: الآية حصانة للمسلمين من مناهج اهل الكتاب بخصوص الإيمان بشطر من التنزيل دون الشطر الآخر.
الثامنة: بعد ان جاءت الآيات بنفي صبغة اليهودية او النصرانية عن ابراهيم، جاءت هذه الآية لتؤكد وجود تنزيل خاص بابراهيم عليه السلام، وان المسلمين يؤمنون ويعترفون بهذا التنزيل، مما يعني التثبيت العملي لحنيفية ابراهيم، وفي الآية حجة اضافية على اهل الكتاب بان ابراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً.
التاسعة: في الآية تلقين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بمبادئ الإيمان بالله وما انزله من الكتب، وهل هي من الجبر والإكراه الجواب لا، لأن المسلمين اختاروا الإسلام طواعية، وجاءت هذه الآية للإرشاد الى سنن الإسلام وقواعد أحكامه، والتداخل بين الأمر والإمتثال لا يمنع من بقاء سمة الإختيار على الإمتثال والتي تتجلى بتلاوة المسلمين للآية، واعلانهم طواعية التسليم بكل ما انزل الله.
ان ذكر ابراهيم والأخبار بانه نبي انزل عليه الكتاب اكرام خاص له في القرآن، ودعوة للكف عن اعتباره تابعاً لملة غيره من الأنبياء، وتفتح الآية الباب أمام الدراسات النبوية الخاصة بالوحي والتنزيل وتتبع مضامين ما انزل على ابراهيم من خلال القرآن والسنة، ترى ماذا يراد بالتنزيل، فيه وجوه:
الأول: الإيحاء بواسطة الملك قال تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ]( ).
الثاني: العهد والميثاق، قال تعالى [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي]( ).
الثالث: الإصطفاء والإجتباء والإختيار، قال تعالى [ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ]( ).
الرابع: الملة والشريعة الخاصة بكل رسول، قال تعالى [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ]( ).
الخامس: أخذ الميثاق والعهد من النبي، وصحيح ان التنزيل غير الأخذ، الا ان الميثاق في احد طرفيه اوامر وأحكام من عنده تعالى يقبل ويعترف ويعمل بها النبي على نحو الإلتزام والإمتثال الأتم.
السادس: الخلة والصلة والمنزلة القريبة، قال تعالى [وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً]( ).
السابع: ايتاء الكتاب وتنزيل الآيات على ابراهيم، وقد جاءت الآية بذكر آل ابراهيم، كما في قوله تعالى [فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا] ( ).
الثامن: نيل ابراهيم لمرتبة الرشد وبلوغ درجات الحكمة، قال تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ]( ).
التاسع: نزول الملائكة على ابراهيم كما في الإخبار عن ضيافته لهم، ونزولهم عليه بالبشرى والإخبار عن الوقائع، قال تعالى [وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ]( ).
العاشر: النداء الإلهي وما فيه من مضامين الأمر والإيحاء، قال تعالى [وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ] ( ).
الحادي عشر: السلام والأمن والسكينة والرضا، قال تعالى [سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ]( ).
الثاني عشر: الوصية والأمر الإلهي باقامة احكام الشريعة، قال تعالى [وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ]( ).
الثالث عشر: البعثة النبوية والرسالة الى الناس ودعوتهم الى طاعة الله، قال تعالى [ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ]( ).
الرابع عشر: نزول الصحف والآيات والكتب السماوية، قال تعالى [صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ]( ).
ومن الإعجاز في القرآن عدم وجود تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق التنزيل والوحي والإكرام الإلهي لإبراهيم، والقدر المتيقن من التنزيل هو الوحي والكتاب الذي يتضمن الأحكام الشرعية والهداية وهو أمر خاص بالأنبياء، ولكن النفع منه عام وشامل، ولا ينحصر باهل زمانهم، وجاءت هذه الآية لتوكيد هذه الحقيقة والإخبار عن لزوم اتباع الناس للمسلمين في اعتقادهم وافعالهم لأنهم ورثة الأنبياء.

قوله تعالى [وَإِسْمَاعِيلَ]
جاء ذكر اسماعيل في القرآن اثنتي عشرة مرة وهو عدد غير قليل، وفيه وجوه:
الأول: هذا العدد دليل على عظيم منزلة اسماعيل عند الله.
الثاني: حث المسلمين على اكرام اسماعيل ومعرفة منزلته الرفيعة، خصوصاً وانه جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: التدبر في الموضوعات التي ذكر فيها ابراهيم واسماعيل واحكام ومضامين كل واحد منها والمسائل المستنبطة منه، على وجوه:
الأول: نزول العهد الإلهي الى اسماعيل بالإشتراك مع ابيه ابراهيم عليه السلام في تطهير البيت واعداده لوفد الحاج( ).
الثاني: قيام اسماعيل مع ابيه ابراهيم برفع قواعد البيت الحرام، قال تعالى [ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَاسماعيل] ( )، وظاهر الآية ان اسماعيل آزر اباه وساعده في بناء البيت الحرام، وفيه اشارة الى مساهمته في ترسيخ فريضة الحج وتعاهدها، واعداد اسباب أدائها للمسلمين.
الثالث: اقرار ابناء يعقوب عليه السلام بأمور:
الأول: نبوة اسماعيل، ونزول الكتاب عليه.
الثاني: اعترافهم بان اسماعيل هو ابن ابراهيم عليه السلام ولم يتنكروا له مع بعد المسافة بينهم، والإختلاف في الإمهات، فاسماعيل عاش في الحرم المكي، وابناء يعقوب في الشام، وأمه هاجر، اما ام جدهم اسحاق اخي اسماعيل فهي سارة.
الثالث: اعلان ابناء يعقوب بان اسماعيل هو ابوهم قال تعالى [قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَاسماعيل وَإِسْحَاقَ] ( )، وفيه غاية التشريف لإبراهيم، والآية عنوان للصلة النسبية بين المسلمين وبني اسرائيل وتؤكد هذه الصلة ابوة ابراهيم لبني اسرائيل والمسلمين، كما في قوله تعالى [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ]( ).
الرابع: اتخاذ بني اسرائيل واسماعيل قدوة وأسوة لهم في مبادئ التوحيد ومضامين الهداية والإيمان.
الخامس: اتخاذ الإلوهية مع تعدد وتعاقب الآباء مما يدل على توارث التوحيد في ذرية ابراهيم وانتفاء الشرك عندهم.
الرابع: تلقي اسماعيل الوحي من عند الله، كما تلقاه ابراهيم عليه السلام قال تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَاسماعيل وَإِسْحَاقَ] ( ).
وهل كان اسماعيل يتلقى التنزيل والوحي في ذات الوقت الذي يتلقاه ابراهيم، ام انه أصبح نبياً بعد انتقال ابراهيم الى الملأ الأعلى.
الظاهر انه كان يتلقاه ايام ابراهيم عليه السلام في بشارة ورحمة بابراهيم بان يكون ابنه نبياً في حياته، ويدل عليه قوله تعالى [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَاسماعيل أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي] ( )، وان كان يحتمل ان العهد لإبراهيم بالإصالة، ولإسماعيل بالواسطة او بالتعاقب خصوصاً وان الله رزق ابراهيم اسماعيل على الكبر والشيخوخة.
ويمكن ان نؤسس قاعدة في المقام وهي لو دار الأمر بان العهد والميثاق متوجه للذات من غير واسطة بشر، ام انه يأتي مع الواسطة، فالأصل هو الأول، اما ما ورد في قوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا] فهو انحلالي ينحل الى امرين:
الأول: المراد ما ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإصالة من غير واسطة أحد من البشر.
الثاني: ما يتلقاه المسلمون بواسطة النبي وتبليغه لهم ما ينزل عليه من الوحي.
الخامس: توكيد تفضيل اسماعيل عليه السلام مع الأنبياء الآخرين على العالمين( ).
السادس: الثناء على اسماعيل ومدحه في القرآن قال تعالى [وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ] ( )، على فرض ارادة اسماعيل بن ابراهيم في هذا المدح.
وقد وصفه القرآن بانه من الصابرين، ومن الأخيار، في اشارة الى الأخلاق الرفيعة للأنبياء، والحث على الإقتداء بهم ولبيان منافع التنزيل على شخص النبي واصلاحه لتولي مسؤوليات الإمامة بين الناس.
ان ذكر اسماعيل في القرآن من بين اسماء الأنبياء فخر وعز للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين باعتباره جد النبي، وفيه دلالة على ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من سلاسة الأنبياء وان النبوة لم تنحصر بانبياء بني اسرائيل وعمود نسبهم، بل يشترك اسماعيل معهم، مع لزوم اقرارهم بما انزل عليه، وهذا الإقرار عون ومقدمة للتصديق بما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الوقت الذي يحثهم فيه القرآن على التصديق بنبوة اسماعيل فانه جاء بالإخبار عن تصديق المسلمين بانبياء بني اسرائيل، لأن المدار على التنزيل والبعثة النبوية وليس على النسب ولحاظ القربى، فكل نبي نزل عليه الوحي من السماء نؤمن به ونصدقه وكذا يجب ان يكون حال الناس في ايمانهم، ولا يجوز التخلف عن نهج المسلمين في الإيمان بالأنبياء جميعاً، لما في هذا الإيمان من حفظ لمبادئ السماء في الأرض ومنع من التعدي والتفريط، والتفريط على وجوه:
الأول: انكار النبوة والرسالة.
الثاني: عدم الإقرار بنبوة النبي اللاحق للشريعة التي عليها أمة من المليين.
الثالث: التفريط بنبوة بعض الأنبياء السابقين.
فجاء القرآن بلزوم التصديق بالأنبياء كافة، من ذكر اسمه في القرآن ومن لم يذكر اسمه، وقلة عدد الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن عون للمسلمين على الإيمان بهم وحفظ اسمائهم، وادراك حقيقة وهي ان ذكرهم جاء من باب المثال الأمثل لما ثبت في الآيات القرآنية والسنة النبوية من كثرة عدد الأنبياء، وان المذكورين في القرآن نفر قليل منهم، وهذا الذكر يدل على اتحاد معالم قصص الأنبياء واخلاصهم في الجهاد في سبيل الله، وما لاقوه من الأذى والتعدي من الكفار وجاء الإسلام ليبدد آثار هذا الأذى، ويعيد ذكر الأنبياء بفخر واكرام، وهذه الآية دعوة للناس للإقتداء بالأنبياء في جهادهم وصبرهم في جنب الله والإيمان بما انزل اليهم.

قوله تعالى [وَإِسْحَاقَ]
ذكر نبي الله اسحاق في القرآن سبع عشرة مرة وهو أكثر من عدد المرات التي ذكر فيها اسماعيل، وفي بيان المقارنة والتفضيل بين اسماعيل واسحاق وجوه وهي:
الأول: أفضلية اسحاق من جهات:
الأولى: كثرة عدد المرات التي ورد فيها أسمه في القرآن.
الثانية: بقاء النبوة في ولده يعقوب ومن بعده يوسف.
الثالثة: مجيء اسحاق عن بشارة ملكوتية كما في قوله تعالى [ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ ] ( ).
اما الأولى فان كثرة عدد المرات التي ذكر فيها اسحاق بالقياس مع المرات التي ذكر فيها اسماعيل لا تدل على التفضيل، وبقاء النبوة في ذريته أمر منفصل عن التفضيل بينه وبين اسماعيل وموضوع تعدد وكثرة الآيات التي ذكر فيها اسحاق هو فضل الله تعالى على ابراهيم في رزقه اياه على نحو المعجزة وليس في القرآن ما يدل على وجود نبوة في ابناء اسماعيل الصلبيين، وهذا لا يدل على عدم وجود انبياء من ذرية اسماعيل من آباء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً وان الغالبية العظمى للأنبياء لم تذكر في القرآن.
وكذا البشارة فانها لا تدل على التفضيل، وقد وهب الله عز وجل اسماعيل واسحاق لابراهيم على الكبر وفي أيام الشيخوخة.
الثاني: أفضلية اسماعيل على اسحاق من جهات:
الأولى: اسماعيل هو الولد الأكبر لإبراهيم عليه السلام، وهو نبي ايضاً.
الثانية: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذرية اسماعيل عليه السلام.
الثالثة: ورود مدح خاص لإسماعيل في القرآن.
الرابعة: مشاركة اسماعيل في رفع قواعد البيت الحرام.
وبينما يعلن اليهود ايمانهم بما انزل على موسى عليه السلام، والنصارى بما انزل على عيسى عليه السلام، يأتي القرآن ليدعو المسلمين للإيمان بما انزل على انبياء بني اسرائيل وبصيغة الإحتجاج على أهل الكتاب ومن تولى عن الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على ان المقام ليس من عمومات قوله تعالى [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ] ( )، من وجوه:
الأول: من يجحد بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يضر نفسه، لذا ورد وصفه بالآية السابقة بالفسق والخروج عن الطاعة.
الثاني: التولي عن الإيمان بنبوة محمد ونصرته.
الثالث: يمكن استظهار نتيجة وفق القياس الإقتراني كالآتي:
الكبرى: نبوة أنبياء بني اسرائيل حق وصدق،
والصغرى: المسلمون يؤمنون بجميع النبوات،
النتيجة: تسليم المسلمين بنبوة أنبياء بني اسرائيل.
الرابع: اسحاق هو ابو يعقوب، ويعقوب هو اسرائيل، اي ان زمان اسحاق متقدم على زمان بني اسرائيل.
الخامس: من فضل الله تعالى وجود أمة تحفظ النبوة وتتعاهد أحكامها فجاءت هذه الآية الكريمة لتعليم المسلمين صيغ الإيمان بان قدمت الإيمان بالله عز وجل، ثم الإيمان بما انزل على الأنبياء، وهو ايمان بالله بالواسطة، لأن الإقرار بالتنزيل تسليم بالربوبية لله تعالى واقرار بفضله تعالى في بعثة الأنبياء وتعضيد نبوتهم بالتنزيل.
الخامسة: مجيء اسم اسماعيل قبل اسحاق في هذه الآية والآيات الأخرى.
لقد ورد اسم اسماعيل واسحاق مجتمعين في ست آيات من القرآن، يتقدم اسم اسماعيل في كل آية منها، مع التوكيد على علو منزلتهما وما لهما من الشأن، وجاءت الآية بخصوص الإقرار والإعتراف بنزول الكتاب عليهما، ويكون التصديق بنبوتهما بعرض واحد من غير تفضيل او تمييز بينهما، لذا قالت الآية [لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ].
قانون الإيمان الإستغراقي
من أهم مفاخر الحياة الإنسانية الحضور الدائم للنبوة في جنباتها فتنبعث اشراقاتها في الأرض، وتشع انوارها على النفوس وتجعلها سابحة في عالم الملكوت وتجذب قواعدها الناس الى أحكام الشرائع السماوية ليبقى اتيان الحلال ونبذ الحرام واقعاً يومياً في المجتمعات والصلات والمعاملات وليس من آية جاءت بالنفع على الإنسان مثل النبوة وما لها من الموازين وماتتضمنه من السنن المباركة التي ينتفي عنها الخطأ والزلل بقسميه العمدي والسهوي، وجاء الأنبياء والرسل على نحو التعاقب والتوالي بحقب زمانية متفرقة ابتداء من آدم عليه السلام وختامه مسك اذ اختتمت النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والناس عند بعثة الرسول على وجوه:
الأول: من يؤمن به ويصدقه مع التصديق بالأنبياء السابقين.
الثاني: الإكتفاء بالتصديق برسول واحد دون غيره.
الثالث: من يبقى على شريعة الرسول السابق ويصر على عدم اتباع الرسول اللاحق.
الرابع: الجاحد بالرسالة، ممن لا يؤمن بالنبوة موضوعاً وحكماً كالكافر الوثني.
الخامس: الذي يؤمن برسول مخصوص، فلا يؤمن باللاحق والسابق، بل يبقى على احكام شريعة واحدة ولا يلتفت الى النسخ الواقع في أحكام الشرائع.
السادس: الإيمان بنبوة شطر من الأنبياء دون غيرهم.
ويقتضي الحكم التكليفي الوضعي الوجه الأول اعلاه، وهو الإيمان بالرسول اللاحق، مع التصديق بنبوة جميع الأنبياء، وهذا الأمر اختص به المسلمون وهو من مضامين خلافتهم في الأرض، وقد جاءت الآيتان السابقتان في لزوم التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته والزجر عن الإعراض والإدبار عن دعوته، ومن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإقرار بالنبوات جميعاً من غير استثناء وهو مضمون هذا القانون، وكما انه مطلوب بذاته كتكليف فان له منافع عديدة منها:
الأول: هذا الإيمان والتصديق من مصاديق الشكر لله تعالى على نعمة النبوة.
الثاني: الإقرار بجهاد الأنبياء في سبيل الله والشكر لهم على تفانيهم في مرضاته.
الثالث: الإمتثال لأمره تعالى في التصديق بالأنبياء كافة، وعدم التفريط والتقصير بترك الإيمان بأحدهم.
الرابع: التصــديق بالنبي يتضــمن الإيمان بما انزل اليه من عند الله عز وجل وهو الذي جاءت به هذه الآية، اذ انها تدل بالدلالة التضمنية على التصديق بنبوة من انزل عليه الكتاب.
الخامس: دعوة الناس جميعاً للإقتداء بالمسلمين، واتباعهم في مناهج التصديق بالأنبياء على نحو العموم الإستغراقي.
السادس: النجاة والفوز في الآخرة، فمن موارد الحساب يوم القيامة الإيمان بنبوة الأنبياء جميعاً، فان قلت: ان الإنسان لا يستطيع الإحاطة باسماء الأنبياء كافة، وليس من كتاب يتضمن جميع أسمائهم، الجواب: يكفي الإيمان الإجمالي لذا جاءت هذه الآية بذكر نفر من كبار الأنبياء، وبما يفيد التعدد، والتعريض بالملل التي تؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر، وحثها على الرجوع للأصل، ان التصديق بالأنبياء كافة مناسبة لمعرفة الواجبات والنواهي، وفيه انقياد وتسليم لأوامره تعالى فلقد بعث الله الأنبياء، واراد من الناس الإيمان بهم والإقرار بنبواتهم.
فليس لجماعة أو أمة ان تتخلف عن أمره تعالى، وهذا التخلف يحرم أهله من فوائد دنيوية وأخروية، وأما سبل الإيمان فكل سبيل منها له خصوصيته ومنافعه، كما انه امتثال لأمره تعالى الذي تجلى في هذه الآية، فان قلت: ان الآية لم تذكر جميع الأنبياء بل جاءت بأمرين:
الأول: ذكر نفر محدود من الأنبياء.
الثاني: قيد الإيمان بالتنزيل.
قلت: اما الأول فان الآية ذكرت الأنبياء جميعاً ولكن بصيغة الإتحاد والتعدد، فجاءت بذكر اسماء عدد محدود من الأنبياء ثم جاءت بالأمر بالإيمان بما انزل للأنبياء جميعاً بقوله تعالى [النَّبِيُّونَ] واما الثاني فان الآية تدل على نيل الذي وردت اسماؤهم بها مرتبة النبوة، لأن تنزيل الكتاب لا يتم الا على نبي.
لقد أراد الله عز وجل للناس ان لا يفرقوا بين الأنبياء في التصديق والإيمان بنبوتهم، لأن كل نبوة جاءت لمنفعة الإنسان سواء من الأولين او المتأخرين او من المعدومين الذين لم يولدوا بعد، فالتصديق بها مقدمة للإنتفاع الأعم منها اي الشامل لأحوال الدنيا والآخرة، ومن مبادئ رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة الناس للإقرار بالنبوات وهو مصداق لقوله تعالى [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ] ( )، فمن رحمته تعالى ان جاءت خاتمة النبوات تدعو الناس جميعاً للتصديق بالرسالات والنبوات.
قانون أسماء الأنبياء
لقد أنعم الله عز وجل على الناس جميعاً ببعثة الأنبياء من ابناء جنسهم فلم يبعث لهم أنبياء من الملائكة مثلاً مع رفعة شأن الملائكة، ولو بعث الملائكة رسلاً فانهم يأتون بهيئة البشر كما في جبرئيل حينما يأتي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهيئة دحية الكلبي وهو أحد الصحابة، ومع ان بعض الأنبياء يبعث الى الإنس والجن كما في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فان الناس لم يبعث لهم نبي من الجن.
وهذا تفضيل اضافي للناس بان يبعث نبي منهم لجنس آخر من المخلوقات ولم يبعث لهم من الجنس الآخر، وكل نبي من الأنبياء له اسم يعرف به، والاسم غير المسمى، ويمكن ان يتحد الاسم بين نبيين او اكثر، ولكنك لا تجد هذا الإتحاد في أسماء الأنبياء، وهذه معجزة اضافية في اسماء الأنبياء خصوصاً بلحاظ التعاقب الزماني بينهم، واحتمال ان يسمى بعضهم باسم من سبق من الأنبياء اقتداء وتبركاً وتفاؤلاً ولكن الله خفف عن الناس وجعل أسماء الأنبياء متباينة، من وجوه:
الأول: اعانة الآباء على اختيار اسم للنبي حين ولادته مغاير لأسماء الأنبياء السابقين، وهذه الإعانة من جهات:
الأولى: هداية الآباء الى اسم جديد مناسب لمقام النبوة.
الثانية: الرؤيا الصالحة يراها الأب والأم في اختيار الاسم اوان الحمل او قبله.
الثالثة: الوحي والإخبار الملكوتي، اذا كان الأب نبياً.
الرابعة: الإيحاء والتحديث، للأولياء الذي نالوا هذه المرتبة ذكوراً كانوا اواناثاً كما في مريم وأم موسى، قال تعالى [ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ] ( )، فالوحي أعم من النبوة.
الثاني: الإخبار السابق من الأنبياء باسم المولود كما لو قال النبي يولد لفلان ولد اسمه كذا، ويكون نبياً، او يعين اسمه ولكنه لا يخبر بنبوته، لحين تلقيه الوحي وظهور المعجزة على يده.
الثالث: تعيين الاسم من عند الله، كما في يحيى [ يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ]( ).
وقد نفت الآية وجود اسم مثله من قبل، وفيه اشارة الى موضوعية حداثة الاسم بالنسبة للإنبياء، وانه تعالى حينما يختار الاسم لا يكون قد شاركه فيه غيره، وجرى على لسان احد مع ان تلك التسمية قريبة من الناس ليكون الإختيار الإلهي لاسم النبي معجزة اضافية بالذات والعرض، اما بالذات فمن وجوه:
الأول: تفضله تعالى باختيار الاسم وهو رب السماوات والأرض.
الثاني: اختيار الاسم القريب الممتنع.
الثالث: تغشي رحمته تعالى الأنبياء حتى في الأسماء.
اما بالعرض فمن وجوه:
الأول: دعوة الناس لإكرام من أختار الله اسمه.
الثاني: حثهم على اختيار اسماء لأبنائهم مشابهة لأسماء الأنبياء وما يدل على توكيد العبودية لله تعالى.
الثالث: استحباب الاسم الحسن.
الرابع: جواز تسمية المولود قبل ولادته، ذكراً كان او انثى.
الخامس: اختيار الاسم قبل الولادة دلالة على العناية بالمولود، وشكر لله تعالى على نعمة الولد.
وقد جاءت هذه الآية الكريمة بأسماء نفر من كبار الأنبياء وفيه مسائل:
الأولى: تثبيت أسماء الأنبياء في الوجود الذهني.
الثانية: جعل اسماء الأنبياء جزء من الواقع اليومي للمسلمين.
الثالثة: اعانة المسلمين على اختيار أسماء لأبنائهم مشابهة ومقتبسة من اسماء الأنبياء، لأن ذكرها في القرآن سبب لتذكير المسلمين بها، وجعلها قريبة منهم، محبوبة عندهم ولا تنفر النفوس منها.
الرابعة: هذا الإختيار لأسماء الأبناء عون على استحضار اسماء الأنبياء في الحياة اليومية، والإستحضار مطلوب بذاته، كما انه وسيلة لبعث روح الصلاح والفلاح في المجتمعات، وهو من الإعجاز في عالم الأسماء بان يكون النفع مركباً ومتصلاً وذكر ابراهيم عليه السلام وأولاده دعوة لتسمية الأولاد بالتعاقب باسماء الأنبياء فكما يسمي الأب ابنه باسم نبي، فكذا الابن يسمي ابنه باسم نبي، فان قلت قد ورد في الحديث: خير الأسماء ما حمد وعبد، وليس في اسماء الأنبياء في هذه الآية اسم محمد فالجواب على وجوه:
الأول: وردت الإشارة الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما انزل عليه قبل ذكر اسماء الأنبياء ابراهيم واسماعيل واسحاق عليهم السلام.
الثاني: بدأت الآية بالخطاب الموجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: الحديث اعلاه دعوة لتقديم اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تسمية الأبناء.
الرابع:ورد اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن، كما جاء بالفاظ اخرى منها أحمد كما ورد حكاية عن عيسى عليه السلام في قوله تعالى [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
الخامس: لفظ (انزل علينا) تكريم اضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وبيان الإتحاد في التلقي، وعظيم منزلة المسلمين في باب التنزيل اذ جمعتهم الآية ببركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الأنبياء.
السادس: جاءت اسماء الأنبياء في غير هذه الآية وسورة آل عمران، وفيه دعوة لإحصاء اسماء الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن ودراسة ما فيها من المفاهيم، واستحباب تسمية المولود باسم أحدهم.
ولا تنحصر التسمية في الولادة فيمكن للوالدين واولي الأمر اختيار اسم حسن للمولود بعد الولادة، سواء على نحو الإبتداء او تبديل الاسم غير المناسب وتغييره باسم احد الأنبياء تبركاً وتفاؤلاً كما يحق للإنسان نفسه ان يبدل اسمه نحو الحسن والأحسن وما فيه تعظيم شعائر الله، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتبديل اسم عدد من الصحابة رجالاً ونساء، وفي تعدد اسماء الأنبياء في القرآن رحمة للمسلمين، وعنوان للتخفيف وتيسير لإختيار الإسم.
وهل يؤثر اختيار الاسم على الإنسان في عمله وسلوكه، الجواب نعم، فهو باب للهداية والسعي للإقتداء بمن سمي الإنسان على أسمه، وان كان هذا الأثر من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب كلية متفاوتة شدة وضعفاً لكن بركات الاسم النبوي موجودة وظاهرة بذاتها وتتصف بأنها ذات صبغة قرآنية.
واختيار المسلمين أسماء لأبنائهم على أسماء الأنبياء شاهد على أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، وان اسماءهم وذكراهم في المجتمعات ترسخت وأتصلت ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأغلب الأنبياء ليس لهم أمم تتبعهم بل دخلت مبادئ شرائعهم ضمن شريعة الإسلام، وحفظ لهم القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكرهم وعظيم شأنهم بين الناس، وليرى المسلمون منزلتهم الرفيعة يوم القيامة، ولا غرابة ان يكون الأنبياء مشغولين بانفسهم يوم الحساب ويشيرون على الناس باللجوء الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنيل الشفاعة.
وروي عن الضحاك انه قال: علموا أولادكم وأهاليكم وخدمكم أسماء الأنبياء الذين ذكرهم الله في كتابه، حتى يؤمنوا بهم، ويصدقوا بما جاؤوا به، فإن الله تعالى يقول ( قولوا آمنا بالله ) الآية ( ).
والقرآن يعلم المسلمين اسماء الأنبياء بهذه الآيات، وتطل عليهم بالنهار والليل لتملأ نفوسهم بهجة وتجعلهم يسعون للإقتداء بهم، ويدركون فضل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن في تعاهد الصلات بين الأنبياء وبين المسلمين في الأسماء وعالم الأفعال ذات صبغة الصلاح والتقوى.

قوله تعالى [وَيَعْقُوبَ]
جاء حرف العطف (الواو) للدلالة على الإيمان بما انزل على يعقوب عليه السلام بعد الإقرار بنزول الكتاب على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وابراهيم واسماعيل واسحاق، ويعقوب هو ابن اسحاق، وقد ورد ذكره في القرآن ثمان عشرة مرة، منها اثنتان باسم اسرائيل( )، وتبعث الآية على اكرام يعقوب واجلاله لعظيم منزلته التي تتجلى في الآية من وجوه:
الأول: ذكره بالاسم في الآية.
الثاني: مجيء هذا الذكر مع الإيمان بالله وما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: شمول الخطاب والأمر الإلهي في الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمع انه سيد ولد آدم فانه يؤمن بما انزل على يعقوب.
الرابع: اخبار الآية عن وجود كتاب أنزل على يعقوب، وهذا التنزيل يحتمل وجوهاً:
الأول: كتاب محصور بين دفتين كما في التوراة والإنجيل والقرآن.
الثاني: صحف مطهرة كصحف ابراهيم.
الثالث: احكام شرعية تكتب في الواح او تحفظ عن ظهر قلب.
الرابع: مطلق الوحي والإخبار الإلهي.
والأرجح انه صحف مطهرة كصحف ابراهيم الا انها لا ترقى الى منزلة التوراة والإنجيل، اما القرآن فلا يصل كتاب اليه لأنه ينفرد بخصوصيات اعجازية وشمول واستغراق في المواضيع والأحكام غير موجود في كتاب غيره، ومع ان تبيان كل شيء جاء في القرآن فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يعلن ايمانه بما انزل على يعقوب، في شهادة على ان الإيمان تكليف من عند الله تعاهده المسلمون، ليعطوا لبني اسرائيل درساً عقائدياً يتجلى بالإيمان بالتنزيل مطلقاً وعدم الوقوف على ما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع انه جامع مانع، فمن باب الأولوية ان يكون اهل الكتاب الذين ليس عندهم شريعة متكاملة كالإسلام ان يؤمنوا بالتنزيل مطلقاً ايضاً.
لقد وردت الآية بذكر التنزيل، ولو دار معناه بين الإيحاء ونزول الأحكام والآيات، فالصحيح هو الثاني لأن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم.
فان قلت: ان القرآن يفسر بعضه بعضاً والتنزيل هو الوحي، وقد قال تعالى [ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ] ( ).
قلت: بين التنزيل والوحي عموم وخصوص مطلق، فكل تنزيل هو وحي وليس العكس، لذا جاءت الآية بذكر الفرد الأهم والذي يضفي شرفاً اضافياً على التنزيل، ويدعو المسلمين لدراسة التنزيل، ومع تعدد مواضيع هذه الدراسة الا انها تبين علو رتبة القرآن، بالإضافة الى حضور آياته وعدم طرو التحريف عليها من قريب او بعيد.
وبينما جاء ذكر يعقوب في أربع آيات من سورة البقرة، جاء ذكره مرتين في سورة آل عمران واحداهما باسم اسرائيل، والإخبار عن الإيمان بما انزل على يعقوب والأنبياء من بني اسرائيل في سورة آل عمران يؤكد وراثة المسلمين للأنبياء واقرارهم بانبياء بني اسرائيل واصطفاء الله لهم من بين الناس وان سورة آل عمران تدل على درجة الإيمان عند المسلمين، وأهليتهم لحفظ ما انزل على الأنبياء.
فايمان المسلمين واقية مباركة للتنزيل وشهادة عامة بصدق النبوة، وهذه الشهادة لم تتم لولا فضله تعالى، فالله عز وجل هو الذي هدى المسلمين اليها، ودلهم على موضوعاتها واحكامها، وجعلهم شهوداً على الأمم وحجة على الناس، وبينما تتباين أقوال الملل الأخرى في نبوة بعض أنبياء بني اسرائيل، جاء القرآن صريحاً في توكيد نبوتهم ونزول الوحي والكتاب عليهم.
وجاء القرآن بذكر الأنبياء بصفة العبودية،وما فيها من الإكرام، قال تعالى [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ] ( )، كما ذكرتهم هذه الآية لتوكيد موضوع النبوة، ولزوم الإقرار بما انزل اليهم من الوحي والكتاب.
و هذه الآية دعوة لأهل الكتاب لنبذ الخلاف بخصوص نبوة بعض الأنبياء السابقين، وحث للناس على لزوم الإيمان بهم على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، وبعد ان تخلفوا عن الوفاء بالعهود بالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، جاءت هذه الآية لتكون كالميثاق العام للمسلمين في تصديق جميع الأنبياء السابقين وبيان المائز الذي يستحق معه المسلمون خلافة الأرض،
وكان الأنبياء السابقون يؤمنون بما انزل من قبلهم ويبشرون بالرسل من بعدهم ولكن أممهم تخلفت عن اتباعهم في مناهج الإيمان، بينما حرص المسلمون على اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإيمان بالتنزيل والنبوة.

قوله تعالى [وَالأَسْبَاطِ]
بعد ذكر الأنبياء بالاسم وعلى نحو الإنفراد ابتداء من ابراهيم، جاء ذكر الأسباط بصيغة الجمع، وقد تقدم الكلام عنه في الآية السادسة والثلاثين بعد المائة من سورة البقرة، ومن الإعجاز ان تأتي الآية بصيغة المفرد والجمع لبيان حال الإرتقاء العقائدي عند المسلمين، وبلوغهم مراتب الإيمان بالتنزيل المتحد والمتعدد من غير مشقة وعسر، وهو حجة على الأمم الأخرى، ودليل على عدم التعارض بين وجوه الإيمان ما دام يعكس المصداق الخارجي الواقعي، ويحتمل لفظ الأسباط اموراً:
الأول: المراد أولاد يعقوب عليه السلام، ويطلق السبط على من هو أمة في الخير وعلى الحفيد، (وقال الزجاج: السبط: الجماعة الذين يرجعون الى أب واحد، والسبط: الذين هم من شجرة واحدة) ( )، وفي الحديث: “حسين سبط من الأسباط” ( ).
الثاني: المراد بعض اولاد يعقوب ممن نزل عليه الوحي، واطلاق اللفظ على الكل مع ارادة الجزء، فقد كان يوسف عليه السلام نبياً.
الثالث: المراد ما اوتي ذراري الأسباط ممن كان قبل موسى عليه السلام وقال اكثر المفسرين بان الأسباط كانوا انبياء وقد ورد ذكر الأسباط خمس مرات، اربع منها بصيغة الرفع أسباطُ، وكلها تتعلق بموضوع الإيحاء والتنزيل على الأسباط مما يدل على لزوم الإقرار بما انزل اليهم، والخامسة وردت بصيغة النصب بقوله تعالى [وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا] ( )، وقرائن الفصل والتقطيع، والوصف بالأمم تفيد ارادة موضوع آخر غير التنزيل والأسباط في بني اسرائيل، كالقبائل في ولد اسماعيل.
ومن الإعجاز ان يأتي لفظ الرفع المتعدد للأسباط كله في موضوع التنزيل، بينما يأتي النصب بخصوص الأمم من بني اسرائيل، ولابد من صلة بين الأمرين، وان النبوة تتفرع عنها أمم على نحو الإستقلال، ولكنها يجب ان تلتقي بالإيمان بالتنزيل مطلقاً، وفي الأسباط قال قتادة: هم يوسف واخوته بنو يعقوب، ولد كل واحد منهم امة من الناس، فسموا الأسباط، وبه قال السدي والربيع ومحمد بن إسحاق . وذكروا أسماء الإثني عشر: يوسف وبنيامين وزابالون ويهوذا وشمعون ولاوي ودان وقهاب ويشجر ونفتالي وجاذ وأشر، على اختلاف في بعض اسمائهم.
وقال الفخر الرازي: “اختلفت العلماء في ان الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين تقدموا ونسخت شرائعهم كيف يكون؟ وحقيقة الخلاف، ان شرعه لما صار منسوخاً فهل تصير نبوته منسوخة؟ فمن قال انها تصير منسوخة قال: نؤمن انهم كانوا انبياء ورسلاً، ولا نؤمن بانهم الآن انبياء ورسل، ومن قال ان نسخ الشريعة لا يقتضى نسخ النبوة قال: نؤمن انهم انبياء ورسل في الحال فتنبه لهذا الموضع”( ).
ولكن الآية لم تأتِ بالإيمان بالأنبياء، بل بالإيمان بما انزل عليهم من عند الله وانه وحي، وتدل على الإقرار بالنبوة بالواسطة فجاءت الآية للإقرار باتصال التنزيل على الأنبياء وانه ملازم للنبوة، والنزاع لفظي بين من قال كانوا انبياء والذي قال هم انبياء في الحال، وهو أشبه بالخلاف في المشتق في علم الأصول بعد انقضاء تلبس المبدأ بالحال، وهل اطلاق الاسم حينئذ من باب الحقيقة ام المجاز، ولكنه يختلف عنه موضوعاً لأن صفة النبوة لا تغادر النبي الى حين انتقاله الى الرفيق الأعلى، وتبين الآية بقاء الإيمان بالتنزيل الى يوم القيامة، وهذا الإيمان توكيد للتصديق بالقرآن، واقرار بنزوله من عند الله.
ويحتمل الإنزال على الأسباط وجوهاً:
الأول: حصول التنزيل والوحي لكل سبط من اولاد يعقوب.
الثاني: وقوع التنزيل على النبي منهم كما في يوسف عليه السلام وهو ابن يعقوب ولكن اضيف التنزيل لهم على نحو الجمع والإطلاق، ويبين قوله تعالى [ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى]( )، ان المراد من الأســباط ليس الأنبياء وذراريهم ممن جاء بعد موسى عليه السلام وكان على دين اليهـودية بل هم جيل ســابق لبعثة موسى عليه السلام وتمنع الآية من الخلاف بخصوص الأسباط والمراد من اللفظ وتأويله، فالإيمان يتعلق بالتنزيل عليهم، وسواء كان التنزيل على بعضهم او على الكل او الذراري فان المسلمين يؤمنون به ويصدقونه بلا خلاف بينهم.
ولموضوعية الإيمان بالتنزيل ولزوم الإتحاد فيه وعدم ظهور التناقض او الخلاف في مصاديقه، جاء الأمر من عند الله بالإيمان بالتنزيل، ورائد الإيمان هو صاحب الكمالات الإنسانية وسيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتبقى اجيال المسلمين على نهجه وسنته، ومن الآيات في المقام:
الأولى: ان صيغ الإيمان بالتنزيل موضوع للوحدة الإسلامية ومانع دون الخلاف والشقاق بين المسلمين في اجيالهم المتعاقبة.
الثانية: يرسخ القرآن حقائق التنزيل وانه امر سابق لنزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: فيه شاهد على وجود أمم مسلمة واتباع للأنبياء.
الرابعة: الآية دعوة للمقارنة بين المسلمين والأمم السالفة، واسباب انفراد المسلمين بحفظ التنزيل والإقرار به على نحو العموم الإستغراقي.
الخامسة: التنزيل سر الله في الأرض ونعمة متصلة، ومادة ديمومة الحياة فيها، وأبى الله الا اقرار عباده بنعمه النازلة فلا يمكن للناس ان يتنكروا لنعمة عظيمة مثل التنزيل، وتجلى التصديق والإيمان به بالإسلام ديناً وعقيدة.
السادسة: في الإيمان والهدى دفع للبلاء والأذى عن الناس جميعاً، وهذا من بركات الإسلام على اهل الأرض، يؤمن المسلمون بما يجب على العباد الإقرار به، فيندفع البلاء والعذاب عن الناس ويمهلهم الله في الدنيا، لما في هذا الإيمان من تحقق الإمتثال، ولأنه مناسبة لدعوة الناس للتدارك والإنابة والإيمان بالتنزيل، باعتبار ان القرآن يدعو الناس جميعاً للإسلام وليس بين الفرد وتحقق الإيمان بالتنزيل الا النطق بالشهادتين، وجاءت الآية بحرف العطف (الواو) واكتفت بحرف الأستعلاء بقوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ]، وفي الآية وجهان:
الأول: اتحاد التنزيل، فالذي انزل على ابراهيم هو نفسه الذي انزل على اسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط.
الثاني: التعدد وان كل نبي من الأنبياء نزل عليه الوحي والكتاب.
والصحيح هو الثاني، والتقدير وما انزل على اسماعيل، وما انزل على اسحاق.
بحث بلاغي
من وجوه البديع “الإطراد” وهو اتيان المتكلم باسماء آباء الممدوح ونحوه بالتوالي بحسب تسلسل الولادة، والمتعارف ان يبتدأ باسم الأب ثم الجد ثم الجد الأعلى، وجاءت هنا الآية بالإبتداء بالجد الأعلى وهو ابراهيم وفيه وجوه:
الأول: لم تأتِ الآية لذكر الأنبياء بصفة الأبوة، بل جاءت بصفة النبوة وبيان مقاماتها.
الثاني: في الآية درس في تعاقب الأنبياء، وفضل الله تعالى على الناس وعلى بني اسرائيل خاصة في هذا التعاقب، والآية شاهد على تفضيل بني اسرائيل اذ جعل الله الأنبياء تترى عليهم، والنبوة في آبائهم، مما يستلزم الشكر لله تعالى على هذه النعمة باتباع الأنبياء وتصديق ما انزل عليهم، ففاز المسلمون بهذا التوفيق والهداية.
الثالث: يمكن ان تستنبط قاعدة كلية من ذكر الأب والابن والحفيد من الأنبياء، كما في ابراهيم واسحاق ويعقوب وهي اتصال النبوة، وهذا الإتصال على أقسام:
الأول: اتصالها في الآباء والأبناء فلا يغادر الأب النبي الا ويخلفه الابن النبي.
الثاني: اتصالها الزماني، من غير تقييد بالأبوة والبنوة، فما يذهب نبي الا ويحل محله نبي آخر.
الثالث: قد يكون نبيان او أكثر في زمان واحد وبلد واحد.
الرابع: العنوان الجامع للقسمين أعلاه، وهو اجتماع النبوة والبنوة وتعاقب الأنبياء من غير صلة البنوة والأبوة.
الخامس: المعنى الأعم في صلة القربى بين الأنبياء، كما في ابراهيم ولوط، وكما في هذه الآية لورود اسم اسماعيل فيها وهو عم يعقوب، ولذكر التنزيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والصحيح هو الثالث والرابع والخامس أعلاه، وعدم ذكر انبياء آخرين من غير ذرية ابراهيم لا يعني خلو الأرض من الأنبياء مدة تعاقب ذريتهم في النبوة، لأن اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره.
بحث بلاغي آخر
من المحسنات المعنوية ” الأسلوب الحكيم” بان يأتي الكلام بغير ما يتوقعه او ينتظره المخاطب فيكون حجة عليه، سواء تعلق الأمر بالسؤال والجواب، او بالحال والشأن، وبينما ينشغل الناس في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدخل شطر منهم الإسلام، ويفترى فريق من الناس الأقاويل ويحرف الحقائق والبشارات التي وردت بخصوص نبوته صلى الله عليه وآله وسلم، يأتي القرآن ليخبر عن الإيمان بالنبوات والتنزيل مطلقاً، وعدم التفريق بين الأنبياء وهو باب مستحدث للجهاد في سبيل الله، وتحدِ للكفار والذين يفرقون بين الأنبياء ويصدقون ببعضهم دون بعضهم الآخر.
ومع جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لتثبيت دعائم الإسلام جاءت هذه الآية لتوسع موضوع الجهاد وتجعله يشمل النبوات الأخرى، وتجعل الحيرة تستولي على اهل التولي والجحود الذين ذمهم الله عز وجل بقوله “افغير دين الله يبغون” وتبين لهم معالم الإيمان وانها لا تنحصر بالتصديق بالقرآن بل تشمل الإيمان بكل الكتب المنزلة على الأنبياء وعدم جواز تبعيض الإيمان بالنبوة.

قوله تعالى [وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى]
جاءت الآية بلفظ آخر وهو الإيتاء اي الإعطاء، وبين الإيتاء والإنزال عموم وخصوص مطلق، فكل انزال للكتاب هو ايتاء، وليس كل ايتاء هو انزال للكتاب، في اشارة الى الآيات الباهرات التي كانت تجري على يد موسى وعيسى عليهما السلام وما عندهما هو عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما ان تنزيل القرآن آية اعجازية مستقلة وهو ذاته من أفراد الإتيان، فالقرآن تنزيل واتيان، وهو آية عقلية متجددة على نحو الدوام.
وتبديل اللفظ ليس للبلاغة وجذب الإنتباه ودفع السأم وان كانت هذه الأمور من العناوين الإضافية له، ففيه دلالات على التعدد في الآيات وما يقابله من الإيمان المطلق من قبل المسلمين والإخبار عن عدم حصر ايمانهم بما انزل على الأنبياء بل يشمل ما جاءوا به من الآيات والحجج، وفيه تحدِ عظيم لأهل الكتاب، فكما يقر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون بالآيات التي جاء بها موسى وعيسى والأنبياء الآخرون، فلابد ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عنده مثل تلك الآيات والبراهين او ما هو أحسن منها، قال تعالى [ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا] ( ).
فمجيء لفظ (اوتي) شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان القرآن يحفظ الآيات والتنزيل ويحث المسلمين على التصديق وعدم الجحود بها وفي لفظ (اوتي) تعريض بمن يجحد برسالة عيسى او يغالي فيه، وتحتمل الآية وجوهاً:
الأول: الإتحاد فيما آتى الله موسى وعيسى عليهما السلام.
الثاني: التعدد، فالمراد من الآية ما اوتي موسى، وما اوتي عيسى.
الثالث: العنوان الجامع لهما وهو وجود آيات مشتركة بين موسى وعيسى عليهما السلام، ووجود آيات يستقل بها كل واحد منهما كما في نزول التوراة على موسى عليه السلام والانجيل على عيسى عليه السلام.
والصحيح هو الثالث وفيه دلالة على الإتحاد والإلتقاء في شطر من أحكام شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، ومع كثرة عدد المرات التي ورد فيها اسما موسى وعيسى عليهما السلام في القرآن، فانه لم يقترن اسماهما الا في أربع آيات من القرآن وكلها تتعلق بالتنزيل والوحي مما يؤكد على التقاء الأنبياء في تلقي الوحي والتنزيل، لذا جاء اقرار المسلمين بالتنزيل على عموم الأنبياء.
وذكر موسى وعيسى عليهما السلام على نحو الخصوص تشريف واكرام لهما ولكن لماذا جاء اسماهما متأخرين عن اسماء اسماعيل واسحاق ويعقوب مع انهما من الرسل الخمسة اولي العزم والترتيب على اساس منزلة الرسل يلزم مجيء اسماهما بعد اسم ابراهيم عليه السلام لأنه من الرسل الخمسة اولي العزم.
والجواب ان الآية جاءت بخصوص الإيمان بالتنزيل وبلحاظ الترتيب الزماني والأبوة والبنوة، وموسى وعيسى من ذرية يعقوب لذا ورد اسماهما متأخرين، وفيه تعليم وارشاد للمسلمين وتثبيت لحقائق النسب واعتبارها حتى في معرفة منازل الأنبياء، ومنع الخلط او الإرباك او الجدال فيهم من هذه الجهة، خصوصاً وان القرآن جاء بذكر ابراهيم والإحتجاج على اليهود والنصارى الذين ادعوا انه يهودي ونصراني، فذكره في الآيات القرآنية قبل موسـى وعيسى توكيد على سبق زمانه على اليهودية والنصرانية، وهذا من الإعجاز الإضافي في آيات القرآن ان تأتي في موضوع ولكن منافعها تتغشى مواضيع أخرى وتكون تعضيداً لغيرها.
كما تدعو الآية الى اعتبار موضوع الأبوة وان كان في باب النبوة والرسالة، لذا ورد في الأثر بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه اذا جاء ذكر الأنبياء يصلى عليه ثم على الأنبياء الآخرين، الا في ابراهيم فانه يصلى عليه اولاً ثم يصلى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في دلالة على اكرام ابوة ابراهيم عليه السلام للنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجلى هذا الإكرام في القرآن والسنة النبوية ايضاً بشواهد كثيرة تتضمن اكرام ابراهيم عليه السلام.
ومن الآيات الإعجازية بقاء الموضوعية لاسم موسى وعيسى عليهما السلام وان جاءا متأخرين عن اسماء الأنبياء الآخرين، لأن لكل منهما شأناً ومنزلة في الشرائع السماوية، خصوصاً وان الملل الباقية في الأرض هي اليهودية والنصرانية بالإضافة الى الإسلام، ويرجع اليهود الى موسى عليه السلام، والنصارى الى عيسى، كما يظهر الإكرام الإضافي لهما في المقام بان ورد ذكرهما بلفظ (اوتي) وقد تقدم انه أعم من الوحي والتنزيل، فكان عند موسى العصا آية توليدية ملازمة له، تتفرع عنها الآيات، وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى ويبرء الأكمه والأبرص وهذه أمهات آيات تترشح عنها آيات شخصية متعددة في اليوم والليلة، وايمان المسلمين لا ينحصر بما انزل اليهما بل يشمل هذه الآيات، وفيه احتجاج من وجوه:
الأول: الإحتجاج على اليهود الذين أنكروا الآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام، فان قلت ان آيات أخرى ذكرت المعجزات وليس من دليل على ذكرها في هذه الآية فالجواب لقد أشارت الآية الى المعجزات التي جاء بها موسى وعيسى بلفظ الإتيان، بل حتى التنزيل يشمل الآيات الحسية لأنها لم تتم الا باذن الله ومشيئته وأمره.
الثاني: ورود آيات قرآنية صريحة بذكر الآيات لا يمنع من وجود آيات أخرى تستنبط منها تلك الآيات وهو من كنوز ودرر القرآن التي تستقرأ من اشراقات كلماته وحروفه ليكون شاهداً على سماوية التنزيل، فمن خصائص التنزيل انه خزائن متداخلة ومتصلة.
الثالث: الإحتجاج على النصارى الذين غالوا بعيسى ونسبوه الى البنوة تارة والربوبية تارة أخرى، فجاءت الآية لتخبر بان ما جاء به عيسى رشحة من فضله تعالى.
الرابع: الإحتجاج المركب على اليهود والنصارى معاً، اذ ان اخبار الآية عن اتيان موسى وعيسى الآيات دليل على ان ما عندهما من الله فلابد من التسليم والتصديق به، وهذا التصديق مقدمة للإيمان بالله ووسيلة للهداية وباب للتفقه في الدين، ومعرفة عظيم منزلة الأنبياء.
الخامس: اقامة الحجة على الكفار واهل الضلالة الذين جحدوا بالنبوة، واستكبروا واصروا على العناد، فما دام الذي عند الأنبياء من الله فلابد من اتباعهم وتصديقهم.
السادس: ارتقاء المسلمين في سلم المعرفة الإلهية، وبقاؤهم في ذات المرتبة الرفيعة من التصديق بالآيات التي جاء بها موسى وعيسى وعدم تأثرهم بالشبهات وأمواج الغلو والإفتراء العاتية التي تتبدد على صخرة الإيمان الذي بنى صرحه القرآن بهذه الآيات الكريمة.
السادس: دعوة الناس للإسلام لمجيئه بحقائق التنزيل كاملة وخلوه من التحريف والشوائب والتناقض والتعارض في الأخبار والأحكام وهو شاهد على ملائمته للنفس الإنسانية التي تسعى للنجاة والكسب والفوز.
وفي الآية اكرام لليهود والنصارى من وجوه:
الأول: ذكر موسى وعيسى على نحو الخصوص.
الثاني: ذكرهما بلفظ الأيتاء وهو عنوان تشريف اضافي لهما.
الثالث: هل ذكر اي نبي يعني بالدلالة الإلتزامية اكرام اتباعه وأنصاره، الجواب نعم ولكن ليس على نحو الإطلاق وهو خاص بزمان ما قبل الشريعة الناسخة وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والآية تذب عن موسى وعيسى مقالات الإفتراء والغلو التي جاء بها فريق من اهل الكتاب.
علم المناسبة
جاءت هذه الآية بذكر اسماء عدد من اسماء الأنبياء، مع تباين عدد المرات التي ذكر فيها كل واحد منهم في القرآن وهم على التوالي:
أولاَ : ابراهيم عليه السلام (69) مرة.
ثانياَ : اسماعيل عليه السلام (12) مرة.
ثالثاَ : اسحاق عليه السلام (17) مرة.
رابعاَ : يعقوب عليه السلام (18) مرة، منها مرتين باسم اسرائيل( ).
خامساَ : الأسباط (4) مرات.
سادساَ : موسى عليه السلام (137) مرة.
سابعاَ : عيسى عليه السلام (25) مرة.
ثامناَ : النبيون (16) مرة.
تاسعاَ : يوسف عليه السلام (27) مرة.
وقد ورد ذكر (ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب) مجتمعين في خمس آيات من القرآن، ثلاثة منها في سورة البقرة، وواحدة في سورة آل عمران وواحدة في سورة النساء، وهذا العدد اشارة الى توارث النبوة في ابراهيم وولديه الصلبيين اسماعيل واسحاق، وحفيده يعقوب عليهم السلام، وموضوعية هذا التوارث في تثبيت دعائم التوحيد في الأرض.
وأكدت آية اخرى نزول الوحي عليهم بقوله تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ] ( )، كما وردت الآيات بنفي كونهم يهوداً او نصارى، وبينت ان بني اسرائيل يعرفون ان هؤلاء الأنبياء من آبائهم، وانهم ماتوا على التوحيد وصدق العبودية لله تعالى.
ولم تكتفِ الآية بذكر الأنبياء على نحو الإجمال فلم تقل “قل آمنا بالله وما انزل علينا وما انزل على النبيين” بل ذكرت انبياء مخصوصين بالاسم في الآية، فلابد من وجود اسرار خاصة بذكرهم على نحو التعدد، وذكر كل نبي منهم بصورة خاصة.
بحث عقائدي بلاغي
من وجوه البديع (حسن النسق) وهو الإتيان بكلمات متتاليات معطوف بعضها على بعض يظهر التناسق والتقارب في المعنى بينها، وكل واحدة منها لها معنى مستقل خاص بها، وغالباً ما يأتي حسن النسق في الجمل المتعددة، ومن اعجاز القرآن ان يأتي فيه بالجمل والكلمات، وفي الآية وجوه:
الأول: بدأت الآية “قل آمنا بالله” وفي صيغة الأمر اخبار عن اعانة ٍالله تعالى للمسلمين على الإيمان، كما انها جاءت بصيغة الماضي التي تدل على الإمضاء والثبات والإجزاء، ومن وجوهه قبول الله تعالى لإيمان النبي والمسلمين، وهذا الإمضاء حجة على الناس في لزوم اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم التردد او الشك وكأن الآية تقول ان اردتم الإيمان فآمنوا كما آمن الرسول والمسلمون.
الثاني: انتقلت الآية الى اعلان الإيمان بالقرآن، وتدل بالدلالة الإلتزامية على ايمان المسلمين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار انه يتلقى الكتاب النازل من عند الله، وفي الآية نكتة وهي الوثاقة السماوية بالمسلمين، فلم يقل احد منهم انزل عليه، مع ان هذه الآية جاءت بصيغة الجمع “انزل علينا” فهم مسلمون بوقوع التنزيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويعتزون بما نالهم من الفخر من وجوه:
الأول: جاء الأمر الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعلان ايمانهم.
الثاني: شمول اعلان الإيمان للموجود والمعدوم منهم.
الثالث: الآية بشارة للمسلمين في حسن ايمان اولادهم.
الرابع: اهلية المسلمين لتلقي التنزيل بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: الآية دليل على معرفة المسلمين لمضامين التنزيل فمن ينزل عليه الكتاب يعلمه ويعلم آياته، واخبار الآية عن تلقي المسلمين للتنزيل يعني انهم وعووا كلماته وآياته، وفيه بشارة ارتقاء علم التفسير والتأويل عند المسلمين واستظهارهم لكنوز من خزائن القرآن.
الثالث: انتقلت الآية الى ما انزل على ابراهيم عليه السلام، والتقديم والتأخير هنا من الآيات، فمع سبق زمان ابراهيم عليه السلام وهو جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانبياء بني اسرائيل، فان الآية جاءت بمسائل:
الأولى: تقديم الإيمان بما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ما انزل على ابراهيم.
الثانية: اولوية ايمان المسلمين بالقرآن قبل الإنتقال الى الإيمان بماانزل على الأنبياء الآخرين.
الثالثة: الإيمان بالقرآن وهو كتاب موجود بين ايديهم في كل زمان، أما ما انزل على ابراهيم فيستقرأ من القرآن ومن هذه الآية ومن السنة النبوية الشريفة.
الرابعة: كأن الآية تقول ان الإيمان بما انزل الينا مقدمة واجبة للإيمان بما انزل على الأنبياء السابقين، وفيه دعوة للناس لأتباع هذا السبيل السليم.
الخامسة: المدار في أحكام الحلال والحرام على ما انزل في القرآن والسنة النبوية، فلذا تعتبر السنة من مصاديق التنزيل لأنها وحي من عند الله.
الرابع: في الآية اشارة الى ما انزل على الأنبياء السابقين من البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم اتباعه ونصرته، ولكن هذا لا يعني حصر الإيمان بخصوص التنزيل بهذه البشارة، بل يتضمن التصديق بالنبوات وتلقي الأنبياء السابقين الوحي والتنزيل، ومن أهم أفراده البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: بعد ابراهيم ذكرت الآية اسماعيل واسحاق، وكلاهما ولد لإبراهيم وهذا تشريف اضافي لإبراهيم عليه السلام، وللنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار انه من ذرية اسماعيل، فأراد الله عز وجل في هذه الآية ان يؤمن بنو اسرائيل بما انزل على اسماعيل مع انه ليس من آباء بني اسرائيل النسبيين ولكن القرآن جاء بالإخبار عن ابوته لهم كما في قوله تعالى [قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ] ( )، في اشارة الى لزوم اتباع اليهود لآبائهم في الإيمان بنبوة اسماعيل، وهذا الإيمان مقدمة وطريق لمنع استحواذ النفس الشهوية والنفرة، وحث على الإيمان بالنبي وان كان من خارج بني اسرائيل، وفيها اشارة الى صلة القربى بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم، وهذه الصلة تترشح بتصديقهم بنبوته وما جاء به من الآيات.

قوله تعالى [وَالنَّبِيُّونَ]
الآية سور جامع وشامل للأنبياء الذين بعثهم الله عز وجل لهداية البشر ابتداء من آدم عليه السلام ويشمل اللفظ الرسل الذين بعثوا بشرائع خاصة، لأن كل رسول هو نبي وهذا من اعجاز الآية ان تأتي بالعنوان التشريفي الجامع الذي يفتخر به النبي والرسول في آن واحد، فمع علو رتبة الرسول على النبي فانه يعتز ويفتخر برتبة النبوة بل ورتبة العبودية لله عز وجل، بالإضافة الى ورود الآية بلفظ الإيتاء في اشارة الى السعة في موضوع الإتيان وشموله للآيات الحسية والمعجزات الباهرات التي تؤكد النبوة الى جانب الوحي والتنزيل، وهذا من لطائف القرآن ان يأتي اللفظ جامعاً شاملاً وافياً.
لقد جعل الله الأنبياء قادة الأمم في مسالك التقوى والصلاح، وأمر الناس باتباعهم، وخفف عن الطرفين التابع والمتبوع بالآيات والمعجزات التي جاء بها الأنبياء لتكون تصديقاً للنبوة والبعثة من عند الله، وعوناً للناس في التصديق بالأنبياء واتباعهم في احكام الحلال والحرام، ومن وجوه الإتباع احياناً بذل النفس والمال في سبيل الله، وهذا البذل يحتاج الى ملكة الإيمان وامتلاء النفس بحب الله، فتأتي الآيات لتكون مادة وسلاحاً لتثبيت الإيمان في النفس الإنسانية، وسبباً في بعث الأخوة ومضامين التعاون في مرضاة الله بين المسلمين، ولكن تبعيض الإيمان باشخاص الأنبياء والتصديق بنبوة بعضهم دون بعضهم الآخر، وطرو التحريف على الكتب السماوية السابقة، وانتشار مفاهيم الغلو بالأنبياء او الإفتراء عليهم، جعل اسباب الأخوة شبه متعذرة، وحلت محلها النفرة والخصومة والشقاق.
وقد يصل الأمر احياناً الى الإقتتال بين المليين، فجاء الإسلام بقوانين التصديق بالأنبياء على نحو الإستغراق، والتصديق بالتنزيل، فمن أهل الكتاب من يؤمن برسالة نبي والآيات التي انزلت عليه، ويجحد بنبوة آخر مع انه جاء بالبينات من عند الله، فجاء القرآن ليدعو المسلمين الى التصديق بالأنبياء بعرض واحد من غير تمييز بينهم، ليكونوا قدوة للناس وحجة عليهم، وهذه الدعوة جاءت في الآية بوجوه محتملة:
الأول: الترغيب بالإيمان بالنبوة.
الثاني: الندب واستحباب التصديق بالأنبياء كافة.
الثالث: الوعد بالثواب لمن يؤمن بالأنبياء.
الرابع: التخويف والوعيد لمن يكذب بالأنبياء.
الخامس: الأمر وصيغة الوجوب.
والصحيح هو الأخير، لذا جاءت الآية بلفظ [ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا]، ولا يتعارض هذا الوجه مع الوجوه الأخرى المتقدمة لأنها تتفرع عنه، وهل الإيمان بما آتى الله الأنبياء خاص بالمسلمين ام يشمل الناس جميعاً، الجواب هو الأخير، لأنه واجب تكليفي عبادي، لذا فان الأمر يتضمن صيغة الإحتجاج والبرهان، وحث الناس على الهداية والإيمان، وجاء عطف النبيين على نبي الله موسى وعيسى، ولم يعطف على يعقوب فلم تقل الآية “ويعقوب والأسباط والنبيين وما اوتي موسى وعيسى” وفيه مسائل:
الأولى: ورد ذكر النبيين بعد اسماء نفر من كبار الأنبياء باعتبار انه خاتمة اجمالية تشمل جميع الأنبياء ممن لم تذكر اسماؤهم في الآية.
الثانية: هل لفظ النبيين معطوف على موسى وعيسى اما على ابراهيم وما انزل عليه، الجواب هو الأول والتقدير “وما اوتي النبيون من ربهم”.
الثالثة: شمول الأنبياء بلفظ الإتيان إشارة للآيات والمعجزات التي جاءوا بها من عند الله، وهذا لا يعني ان ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب لم يؤتوا الآيات، لقد ذكر لفظ (أوتى) لوجود اتباع لموسى وعيسى، وعطف عليهما لفظ (النبيين) على نحو العموم لتشمل الآية معجزات الأنبياء جميعاً، وتخبر عن تصديق المسلمين بها باعتبارها تنزيلاً ورحمة من عند الله.
الرابعة: ورد ذكر (النبيين) بصيغة جمع المذكر السالم ست عشرة مرة، وجاء لفظ جمع التكسير خمس مرات (الأنبياء) وفي هذا التعدد نوع اكرام للأنبياء بلحاظ مفاهيم اللغة الى جانب الكثرة التي تبين فوزهم بمرتبة الوحي ونزول النعم، وتحمل الأذى والمشاق في جنب الله، وتعرض شطر منهم للقتل ظلماً وبغير حق، ونيلهم المراتب العالية يوم القيامة.
الخامسة: جاء قيد من ربهم لدفع وهم وظن اجمال جهة الإيتاء، وللقطع بان الإيتاء من عند الله عز وجل، وفيه شهادة على عظيم منزلة الأنبياء والنعم والتفضيل الذي رزقهم الله.
السادسة: لم تقل الآية من عند الله، ولم تقل “من ربكم” بل جاءت بالاشارة الى الأنبياء بالضمير (هم) وفيه ثناء اضافي على الأنبياء وتسليم بصدق عبوديتهم لله تعالى.

قوله تعالى [لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ]
بعد الأمر الإلهي (قل) جاء هذا الشطر من الآية بصيغة جماعة المتكلمين فهل هو من الإلتفات والإنتقال من صيغة الأمر الى التكلم عن الذات، الجواب انه ليس من الإلتفات بل هو في ذات سياق الأمر وجزء منه، نعم بدأت الآية بصيغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل)، وجاءت هنا بصيغة الجمع (لا نفرق) لتعلقها بلفظ (آمنا) وفيه اعجاز من وجوه:
الأول: توكيد ارادة المسلمين في الخطاب وان التكليف بمضامين الآية والتصديق بالأنبياء لا ينحصر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل يشمل المسلمين كافة.
الثاني: الإخبار عن ثبوت هذا التصديق في الأرض الى يوم القيامة.
الثالث: تعاهد المسلمين للأوامر الإلهية النازلة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: ما في الآية من الأمر جزء من التنزيل الذي جاءت الآية بوجوب الإيمان والتصديق به، وهذا من الإعجاز في هذه الآية ان يدخل مضمونها في موضوعها وحكمها، فان قلت جاءت الآية بصيغة الماضي (أنزل) فهل يشمل نزول هذه الآية، الجواب نعم، ويشمل نزول القرآن كله ما سبق هذه الآية وما تأخر عنها من وجوه:
الأول: المتأخر من التنزيل من هذه الآية في معرض التنزيل، وهو أمر واقع وحاصل.
الثاني: جاء الإيمان شاملاً لأجيال المسلمين المتعاقبة، فيصدق عليها تلقي التنزيل بصيغة الماضي.
الثالث: المنع من ادعاء التنزيل بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبانتقاله الى الرفيق الأعلى غلق باب التنزيل، وفي الإخبار عن عدم التمييز والتفرقة بين الأنبياء مسائل:
الأولى: الآية دليل على بلوغ المسلمين مراتب من العلم تؤهلهم لحفظ مواثيق الأنبياء.
الثانية: في الآية تعريض بالذين يفرقون بين الأنبياء ويؤمنون ببعضهم ويكفرون ببعضهم الآخر.
الثالثة: جاء هذا الشطر من الآية بالإخبار عن عدم التفرقة بين الأنبياء، من وجوه:
الأول: اتحاد درجة النبوة، فهم على مرتبة واحدة من جهة تلقي الوحي وصفة النبوة.
الثاني: عدم التفرقة بينهم من جهة التنزيل، فيعترف المسلمون بنزول الوحي على كل نبي من الأنبياء، فالكبرى: كل نبي ينزل عليه الوحي، والصغرى: كل من ينزل عليه الوحي نصدق بنبوته، والنتيجة: التصديق بنبوة الأنبياء جميعاً.
الثالث: اجتناب الغلو في اشخاص الأنبياء، فكل واحد منهم بشر شرفه الله بمرتبة النبوة.
الرابع: الايمان بنبوة كل نبي من الأنبياء.
الرابعة: عدم التفريق بين الأنبياء عقيدة ثابتة عند المسلمين، لا يتخلف عنها احد او جماعة منهم، ومن الآيات ان يبقى هذا المبدأ حياً غضاً طرياً الى يوم القيامة ليكون حجة وشاهداً على سلامة العقيدة الإسلامية، وخلوها من الخلل او العيب فالتكامل فيها لم ينحصر باحكام الحلال والحرام وسنن العبادات والمعاملات مع اهميتها وقدسيتها، والآيات والدقة فيها، بل تشمل مضامين العقيدة والمعرفة الإلهية وبما لا يتخلف عنه أحد منهم، فما عليه الأول يكون عليه الأوسط والأخير.
وتتوارث اجيال المسلمين المبادئ لتبقى معاني تقديس الأنبياء مشرقة تضيء للمؤمنين سبل الهداية، فان قلت: من لم يقرأ القرآن هل تشمله مضامين الإقرار بها، الجواب ليس هناك مسلم لم يقرأ القرآن، وجعل الله القراءة واجباً في الصلاة ، وكل مسلم من اهل هذه الآية، وهو من اسرار مجيء الآية بصيغة الأمر الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقوله (آمنا) ليأتي اقراره نيابة عن نفسه وعن أمته مع ترديد الأمة واجيالها لذات الإقرار.
فالأصل ان كل مسلم يتلو آيات القرآن سواء بطلب التلاوة لذاتها او للدراسة او في الصلاة، لذا يمكن ان نضيف امراً لمنافع القراءة في الصلاة وهو توكيد الإقرار والشهادة بالتوحيد واعلان مضامين الإيمان، ولو قرأ الإمام الآية فهل يعتبر المأموم قارئاً لها، الجواب نعم، لأن الأمام يقرأ عن نفسه ونيابة عن المأمومين، والقراءة في الصلاة واجب.
ولو أنصت المسلم لمن يقرأ الآية مباشرة او عبر الواسطة والحاكي واجهزة الإعلام السمعية والبصرية فهل تعتبر تلاوة له الجواب انه اقرار وامضاء فيكفي الإنصات في صدق الإقرار لأن الآية جاءت حكماً عاماً يجب على كل مسلم ومسلمة قبوله والقول به، وان لم يتلٌ المسلم الآية ولم يسمعها فانه يعتبر ايضاً من اهلها من يوم نزلت وتلاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن تلاوة النبي للآية لا تتخلف ولا تتأخر عن الأمر الإلهي.
ومن الإعجاز في باب المصاديق العملية لآيات القرآن ان تجد المسلمين ملتزمين بعدم التفريق والتمايز بين الأنبياء.
الخامسة: في الآية تأديب للمسلمين وزجر عن محاكاة بعض الأمم السالفة بما هو خطأ، ودعوة للثبات على صيغ التنزه عن مفاهيم الضلالة.
السادسة: في الآية اخبار عن موضوعية عدم التفريق بين الأنبياء في تعاهد اكرامهم، فالذي يكرم الأنبياء ويقر بالنبوة لابد ان يتجنب التمييز بينهم جملة وتفصيلاً، وهل يدخل الغلو والإفتراء في التفريق بين الأنبياء الجواب نعم وهو من أخس مفاهيم التفريق بينهم، فجاءت الآية بالحق والإخبار عن عالم النبوة بما هو، ولا تصل النوبة في المقام الى نظرية الوسط الإسلامية الخالية من الإفراط والتفريط، بل جاءت بحكم وقضاء قاطع لابد من الأخذ العام به ولا يقبل الترديد، وهو من الكلي المتواطئ الذي تكون مصاديقه على مرتبة واحدة.
والإقرار بعدم التفريق بين الأنبياء امر بسيط ليس مركباً، يتقوم بالإيمان بنبوتهم بعرض واحد ودرجة واحدة وهو الأمر الذي انفرد به المسلمون ونالوا شرف بلوغه بفضل الله تعالى وافاضات القرآن، وبركات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالله عز وجل ينزل الأمر الإلهي في القرآن الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيمتثل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون جميعاً، وتتجدد معالم النبوة في الأرض وتكون النبوات من آدم عليه السلام حاضرة في اذهان المسلمين وواقعهم اليومي، ليتخذوا الأنبياء قدوة واسوة ويتعلموا منهم سبل الرشاد ودروس الصبر والتحمل في سبيل الله.
ولم تقل الآية (لا نفرق بينهم) لأن اصل التفريق ان يكون بين اثنين او اكثر، بما يظهر التمايز والتفاضل بين الأطراف بل قالت [لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ] وفيه مسائل:
الأولى: ارادة التساوي في الإقرار بالأنبياء وعدم خروج اي واحد منهم من مضامين هذا الإقرار.
الثانية: الاشارة الى نكتة عقائدية وهي ان التفضيل بالرسالة لا يعني عدم الايمان بغير الرسول، بل يشمل كل الأنبياء.
الثالثة: قيام أهل بعض الملل بالايمان بشطر من الأنبياء دون الشطر الآخر لا يؤثر سلباً على المسلمين.
الرابعة: تبين الآية جهاد المسلمين لتثبيت حقيقة الاقرار بنبوة كل الأنبياء.
الخامسة: عدم التفريق يتضمن أمرين:
الأول: عدم الغلو باحدهم.
الثاني: حرمة الإفتراء على اي نبي من الأنبياء، فقد تؤمن بعض الملل بالأنبياء جميعاً ولكن عندما تصل الى احدهم فانها تجعله فوق الأنبياء، كما في قول النصارى في عيسى عليه السلام فجاءت الآية للزجر عن التفريق والتمييز لأحد الأنبياء بما يخرجه عن قواعد الإيمان بالنبوة التي يلتقي فيها جميع الأنبياء، وقد يقوم فريق من اليهود بالإفتراء على عيسى فجاءت الآية لتخبر بان عيسى شأنه شأن موسى والأنبياء الآخرين من جهة الإيمان بنبوته والتصديق بها ولزوم اجتناب الإفتراء عليه.
الثالثة: مع كثرة عدد الأنبياء وبلوغ عددهم نحو مائة واربعة وعشرين الف نبي فان المسلمين لم يشكوا في التساوي بينهم في النبوة وتلقي كل واحد منهم الوحي والتنزيل من عند الله عز وجل، وفي عائدية الضمير في (منهم) وجوه:
الأول: المقصود الأنبياء الذين ذكروا في قوله تعالى [وَالنَّبِيُّونَ].
الثاني: الأنبياء الذين ذكرت اسماؤهم في الآية بالإضافة الى المراد من لفظ (النبيين) الوارد في الآية.
الثالث: جميع الأنبياء من أيام ابينا آدم عليه السلام.
والصحيح هو الثالث، فالآية جاءت مطلقة تشمل الأنبياء وعدم التفريق بينهم، فصفة النبوة وتلقيهم الوحي علة وزاجر عن التفريق بينهم، وفيه تشريف واكرام وثناء من الله على الأنبياء بان حفظ لهم الذكر الحسن في الدنيا، وهل يدخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضمن الآية الجواب نعم من وجهين:
الأول: صدق نبوته ونزول الوحي والكتاب عليه.
الثاني: في الآية تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه وامته الذين يثبتون معالم النبوة في الأرض الى يوم القيامة، ويحفظون للأنبياء منزلتهم.
ولا تعارض بين الوجهين، وكلاهما من مفاهيم الآية الكريمة فعدم التفريق بين الأنبياء لا يتعارض مع افضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا جاءت الآية بالجار والمجرور (منهم) بعد ان ابتدأت بالإخبار عن الإيمان بما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ [آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا] بصيغة الجمع للدلالة على ان المسلمين يتذوقون حلاوة التنزيل، ويتحسسون نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكأنها نازلة عليهم، وفعلاً فانك حينما تقرأ الآية الكريمة تحس بتلاوة وطراوة التنزيل وتشعر وكأنك تعيش أيام النبوة والتنزيل، فالإيمان بما انزل على النبي آية اعجازية من آيات القرآن وسر من اسرار الخلق والتنزيل.
ومع مجيء الآية بصيغة العموم الاستغراقي، وعدم التفريق بين الأنبياء الا انها انحلالية من وجوه:
الأول: عدم التفريق بين أي نبي وغيره من الأنبياء.
الثاني: عدم التفريق بين النبي والرسول، مع ان الرسول صاحب شريعة فلابد ان القدر المتيقن هو الاقرار بالنبوة والوحي من عند الله تعالى، فليس من رسول الا وهو نبي، فلذا جاءت الآية بالصفة الشخصية ولفظ (احد) والمراد جميع الأنبياء لأن الآية أكدت على الايمان بالتنزيل على (النبيين)، ولم تقل الآية (ولم نفرق بين رسول منهم).
الثالث: تحدي من يفرق بين الأنبياء ويؤمن بنبوة بعضهم دون بعضهم الآخر، ودعوة المسلمين لعدم التفريط بوجوب الايمان بكل نبوة.
ومع ان الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل آمنا) فان الاقرار بنبوة الأنبياء يشمل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه مسائل:
الأولى: ان النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يؤمن بما أنزل اليه من عند الله عز وجل، ويشهد على صدق نبوته، ويعلم ان الذي يأتيه وحي وتنزيل من عند الله.
الثانية: في وقت قام اليهود بتثبيت نبوة نبيهم فانهم جحدوا في الذي بعده، بل ولم يؤمنوا بنبوة بعض الأنبياء من قبله مثل ابراهيم الذي قالوا انه يهودي، فجاءت هذه الآية لتبين عودة الحنيفية والاسلام بالمسلمين اذ انهم يؤمنون بنبوة جميع الأنبياء ولم يقصروا ايمانهم بالنبوة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: الآية أمر إلهي ودعوة سماوية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليؤدب المسلمين على وجوب الايمان بالتنزيل مطلقاً، والايمان هنا أعم من التصديق القلبي بل يشمل القبول والرضا بالتنزيل واحكامه، ولا يتعارض هذا القبول مع النسخ بين الشرائع، واعتبار الشرائع السابقة منسوخة بالاسلام.
ومن الاعجاز في مضامين الآية الموضوعية أمور:
الأول: افتتاحها بالايمان بالله عز وجل.
الثاني: حث المسلمين على الابتداء باعلان الايمان بالله عز وجل وان كان الموضوع هو التنزيل، باعتبار انه فرع الاقرار بالربوبية لله تعالى، ودليل على فضله ولطفه تعالى بالناس.
الثالث: اعلانها ايمان المسلمين بالتنزيل، وابتداؤه بالايمان بالقرآن وما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكل الأنبياء الذين ذكروا في الآية تعاقبت اسماؤهم بلحاظ الأبوة والبنوة، فجاء اسم الأب متقدما على اسم الابن، الا فيما نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه جاء متقدماً على ما انزل على الأنبياء السابقين، وفيه مسائل:
الأولى: الدلالة على افضلية القرآن وانه جامع للكتب السماوية ومهيمن عليها.
الثانية: توكيد شكر المسلمين لله تعالى على نعمة نزول القرآن.
الثالثة: تدل الآية بالدلالة الالتزامية على تعاهد المسلمين للقرآن وحرصهم على عدم التفريط بأي كلمة من كلماته، فمع الايمان يكون التعاهد والمنع من الزيادة والنقص في التنزيل.
الرابعة: الانتقال من الايمان بالتنزيل الى الاقرار بالأنبياء وعدم التفريق بينهم، والذي يدل في مفهومه على ذم من يفرق بين الأنبياء.
الخامسة: الاقرار النوعي العام بالتسليم والانقياد لأمر الله تعالى، والشهادة بان الايمان بالتنزيل فرع الايمان بالله عز وجل.
السادسة: توكيد المسلمين لعبوديتهم وخشوعهم لله تعالى، وما فيه من الدروس والعبر، واسباب الهداية للناس جميعا.
علم المناسبة
ورد قوله تعالى [لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ] مرتين في القرآن فقد جاء في سورة البقرة( )، وفي هذه الآية، كما ورد في سورة البقرة ايضاً قوله تعالى [لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ] ( ) مما يعني ارادة الرسل والأنبياء في كل من اللفظين وفيه مسائل:
الأولى: التقسيم الإستقرائي بين النبي والرسول لا يعني انحصار لفظ الرسل بخصوص الأنبياء الذين لهم شرائع خاصة، بل قد يأتي لفظ الرسل شاملاً لجميع الأنبياء لأن الله عز وجل ارسلهم الى الناس لدعوتهم الى الإيمان.
الثانية: لزوم واكرام الأنبياء جميعاً وعدم الإنشغال باسباب الفرق بينهم في درجة الرسالة، لأن هذا الإكرام وسيلة للهداية والإيمان.
الثالثة: مجيء عدم التفريق بصفة النبوة مرتين، وبصفة الرسالة مرة يؤكد اهمية النبوة كسور تشريف مانع، وان الأصل هو نيل مرتبة النبوة والوحي كموضوع لعدم التفريق بين الأنبياء والرسل، وان ورد لفظ الرسول في القرآن اكثر من لفظ النبي.
وهل يتعارض عدم التفريق بين الأنبياء مع قوله تعالى [وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ] ( ) الجواب لا، للتباين الجهتي، فالمسلمون مكلفون بعدم التفريق بين الأنبياء لأن الله فضلهم جميعاً على سائر البشر بمرتبة النبوة، اما التفضيل الإلهي فهو درجات من الرفعة والمنزلة من عنده تعالى لبعض الأنبياء يؤكد التكليف بوجوب اكرام المسلمين للأنبياء خصوصاً وان التفضيل يأتي لبعضهم بصفة النبوة والرسالة.
ان تكرار عدم التفرقة بين الأنبياء بصفة النبوة والرسالة تنبيه وارشاد للمسلمين بعدم جعل مائز بين الأنبياء في التصديق بهم، وهو من مصاديق العهد والميثاق والإقرار بالنبوات، وفيه تعريض بالذين يفرقون بين الأنبياء وذم للذين يؤذونهم ومقدمة لدعوتهم للاسلام.
قانون عدم التفريق بين الأنبياء
لقد جعل الله النبوة حبلاً مباركاً ممدوداً ين السماء والأرض، مادته الوحي والتنزيل واختار الله عز وجل أشرف عباده لمسؤوليات النبوة لأنها عنوان الرسالة والأمانة والميثاق وتفضل سبحانه وعصم الأنبياء من الخطأ والزلل وأسباب الغفلة والجهالة، وينتزع الأنبياء مقاماتهم في الإمامة بالآيات والمعجزات التي رزقهم الله وجعلها سلاحاً عندهم لجذب الناس، والوقاية من الشر والأذى، وان كان فريق منهم لم يسلم من الكيد والبطش مع ظهور الآيات والبراهين، والأذى الذي يتعرض له الأنبياء على مراتب متباينة.
وفي التفريق بين الأنبياء اذى مركب يضر بالأنبياء والذات والغير، فمن يفرق بين الأنبياء يسيء الى منازل النبوة، ويؤذي نفسه لما في التفريق من التعدي والمخالفة للأوامر الإلهية، ويضر غيره لدعوته للتمايز بين الأنبياء.
فجاء القرآن بقانون عدم التفريق بين الأنبياء لتهذيب النفوس واصلاح المجتمعات بالإرتقاء في المعارف الإلهية، والإقتباس من مشكاة النبوة، وتعاهد الميثاق والإقرار بالنبوة، واجتناب الإدبار والتولي عن رسالةالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمتى ما تقيد الناس بقواعد التساوي في اكرام الأنبياء، فانهم يبصرون ما عندهم من الإفاضات ويسعون للإقتداء بهم في طاعة الله.
وقد يؤدي التفريق بين الأنبياء الى الغلو بشخص أحدهم ومقابلة طائفة أخرى هذا الغلو بالإفتراء على ذات النبي، او يحصل العكس بان يفترى قوم على نبي فيقابله اتباعه بالغلو فيه، او يبخس فريق حق نبي من الأنبياء، فيقوم الفريق الآخر بالرد بالمثل والتعدي على نبي الفريق الأول، فجاء قانون الاطلاق بالإيمان بما انزل على الأنبياء جميعاً والإقرار بنبوتهم وتصديقهم فيما جاءوا به من عند الله، والإعتراف بعدم وجود تعارض في النبوات ووظائف الأنبياء، مع توكيد قانون عدم التفريق بين الأنبياء.
ويدل التزام المسلمين بأحكام هذا القانون على اهليتهم لوراثة الأنبياء وتلقي الأحكام الشرعية، والتقيد بمضامينها، ومن فضله تعالى على المسلمين ان تأتي هذه الآية لتلقين المسلمين ما يجب عليهم من لزوم عدم التفريق بين الأنبياء، ليكونوا عند الله ممتثلين لأوامره في النبوة، ويجاهدوا لحفظ سننها بين الناس، ويمنعوا من التعدي على اشخاص الأنبياء، وفي تقيد المسلمين بهذا القانون حجة على الناس جميعاً، ودعوة للتنزه من الإفراط والتفريط في موضوع الأنبياء، فلا تجوز غلبة النفس الشهوية والغضبية في هذا الباب العقائدي بل لابد من الإلتزام بالقواعد الكلية الخاصة باكرام الأنبياء بلحاظ البعثة النبوية واختيار الله عز وجل لهم ليكونوا رسله الى الناس جميعاً، ومن شكره تعالى على نعمة النبوة عدم التفريق بين الأنبياء، والتفريق بينهم يتصور على وجوه:
الأول: الإقرار بنبوة بعضهم دون بعضهم الآخر.
الثاني: الغلو في بعض الأنبياء.
الثالث: الإفتراء على بعضهم الآخر.
الرابع: الغلو والإفتراء على الأنبياء في آن واحد، فتجد فريقاً او جماعة يغالون بنبي من الأنبياء، ويفترون على غيره.
الخامس: الإعراض عن الأنبياء وعدم الإقرار بالنبوة وهو على وجوه:
الأول: المغالي الذي يجعل النبي في مقام الألوهية.
الثاني: المفتري على النبي.
الثالث: من يجحد بالنبوة وينكرها وهو على أقسام ثلاث:
الأول: الذي ينكر نبوة أحد الأنبياء.
الثاني: الجاحد بنبوة شطر من الأنبياء.
الثالث: من ينفي النبوة وهو على شعبتين:
الأولى: منكر النبوة كفرع لكفره وشركه وجحوده.
الثانية: الذي يقر بالألوهية لله تعالى، ولكنه يقول بانتفاء الحاجة لبعثة الأنبياء.
وهذه الوجوه كلها من الكبائر، ومن مفاهيم الكفر والجحود، فجاءت هذه الآية ليبقى المسلمون في حرز وواقية منها ومن اصحابها، وفيه دلالة على عظيم فضله تعالى على المسلمين وعلى الناس بما فيهم اهل الغلو والكفر لأن الآية تمنع من الإقامة على مفاهيم الكفر، وتجعلها متزلزلة في النفوس والمجتمعات، ومحصورة لا تستقر بل هي كالشبهات البدوية التي تزول بادنى تأمل، وهذا المنع مقدمة لطرد تلك المفاهيم، وترغيب للناس بالرجوع الى التمسك باحكام النبوة وقواعد التصديق بالأنبياء جميعاً.

قوله تعالى [وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ]
خاتمة كريمة للآية يتجلى فيها ثبات المسلمين في مسالك الطاعة والإنقياد لله تعالى، ومن فضله تعالى ان يأتي القرآن على لسان المسلمين بما يجعلهم يباهون الملائكة في الطاعة، فالملائكة الذين سألوا الله يوم خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا] ( ) يرون الآيات القرآنية تترى وتتضمن شهادة الله عز وجل بحسن انقياد وامتثال المسلمين لله تعالى، والإسلام هنا على وجوه:
الأول: الإيمان بالله تعالى والإقرار له بالربوبية، لتكون خاتمة الآية توكيداً لفاتحتها وقوله تعالى [قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ] مع بيان حقيقة يطلع عليها اهل السماوات والأرض وهي ان الذين يقرون بالإذعان والخشوع لله تعالى هم المسلمون جميعا، وكأن الآية تشبيه للأيام الأولى للدعوة الإسلامية التي بدأت ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتشع انوارها وتملأ نفوس الملايين من المسلمين في كل زمان، وافتتحت الآية بأمره تعالى الى النبي [قُلْ آمَنَّا] الذي يحمل صفة البشارة باتساع الإسلام واختتمت بالشهادة والتوكيد على بقاء أمة مسلمة.
الثاني: طاعة الله عز وجل، والإنقياد لأوامره باعتبار ان المراد من الإسلام هنا هو الإنقياد والخضوع بقرينة حرف الجر في (نحن له) فلم تقل الآية (نحن مسلمون) بل قالت [وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] اي منقادون ومستجيبون بتسليم لله تعالى،وأوامره ونواهيه.
الثالث: مطيعون لله عز وجل بالإيمان به والإقرار بالتنزيل وتصديق الأنبياء كافة من غير فرق بينهم، لتبعث الآية اليأس في قلوب الذين يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعضهم الآخر، وتظهر المسلمين والى يوم القيامة معترفين بنبوة الأنبياء لتكون ثناء على المتقدم والمتأخر منهم.
الرابع: تعاهد لفظ الإسلام والنطق بالشهادتين واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به من عند الله.
الخامس: استدامة الخضوع والإذعان لله تعالى الى يوم القيامة.
السادس: التقيد التام باحكام الحلال والحرام.
السابع: التسليم بما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأنبياء، اسماً وموضوعاً وحكماً.
الثامن: الإخبار عن وراثة المسلمين للموحدين من الملل السابقة.
التاسع: دعوة الناس للإسلام باعتباره سبيل النجاة.
وقوله تعالى [وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] يحتمل وجوهاً:
الأول: انه تتمة لمضامين الآية التي تبدأ بامره تعالى للنبي محمد (قل)، وخاتمة الآية من القول الذي امر به النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: خاتمة الآية امر مستقل، وهو قول وحكاية عن المسلمين.
الثالث: الأمر الإلهي للمسلمين بان يعلنوا اسلامهم كنتيجة للإيمان بالله والتنزيل والنبوة.
والصحيح هو الأول، فموضوع الآية واحد، وصيغة الخطاب والأمر الإلهي تتغشى مضامينها كافة، والوجهان الثاني والثالث لا يتعارضان معه بل هما في طوله وجزء منه، مما يدل على ما في الآية من معاني التعليم والإرشاد والتأديب، وفيها درس وعبرة للناس في وحدة المسلمين في مرضاة الله.
ولم تقل الآية “ونحن له مؤمنون” لأن الإيمان اقرار بالقلب والجوانح، ولأن بعض الملل تقول بالإيمان وتدعيه، فجاءت الآية بلفظ الإسلام الذي يعني الإنقياد والتسليم لأمر الله، والإمتثال لأمره تعالى في التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، وهو صفة فاز وأختص بها المسلمون دون غيرهم.
اعجاز في علم المناسبة
من الآيات القرآنية ان كلمات هذه الآية تكرار للآية السادسة والثلاثين بعد المائة من سورة البقرة مع فارق في مقامات:
الأول: ابتداء هذه الآية بالخطاب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة المفرد (قل آمنا) وجاءت الآية من سورة البقرة (قولوا آمنا) مع اتحاد الآيتين في موضوع الإحتجاج على اهل الكتاب.
الثاني: مجيء هذه الآية بحرف الإستعلاء (على) بقوله تعالى [وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ]، ومجيء سورة البقرة بحرف انتهــاء الغـايةالمكانية (الى) بقوله تعالى [وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ]( ) وفيه دلالة على تعدد المعنى وصــدق الإنتهاء، وكذا الإســتعلاء، وفيه نكتـة اعجازية وهي ان الآية في ســورة البقــرة ابتــدأت بقوله تعالى [قولوا]، لذا جاءت بحرف الإنتهاء للدلالــة على ان المســلمين يشهدون بان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بلغ جـميع ما انزل اليه وان كل جيل من المســلمين يعترف بان الــذي بين يديه هــو القرآن الــذي انـزل من عند الله.
اما في هذه السورة فان الآية بدأت بالأمر والخطاب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلذا جاءت بحرف الإستعلاء الحقيقي لأن القرآن نزل على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والنبي على يقين بان القرآن كتاب نازل عليه من عند الله، والمسلمون يشهدون بان القرآن كتاب نازل من عند الله، ويفتخرون بترشح التنزيل عليهم بالواسطة وهذا لا يتعارض مع ورود بعض الآيات بلفظ [أَنزَلْنَا إِلَيْكَ]( )، في خطاب النبي، لأن المقارنة بخصوص الآيتين، بالإضافة الى التعدد في الفاظ التنزيل على النبي سواء جاء بحرف الجر (على) او (الى) ليس لجواز مجيء حروف الجر بعضها في محل بعضها الآخر بل لتعدد المعاني وانطباقها على واقع التنزيل بما يدل على عظيم فضله تعالى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين مجيء ذكر النبيين معطوفاً في هذه الآية بحرف العطف الواو (والنبيون).
أما في الآية من سورة البقرة فجاء ذكرهم على نحو الإستقلال في الإيتاء [وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ] والمعنى واحد، الا انه يفيد تعدد الآيات التي رزقها الله النبيين، وفيه اشارة الى ان ايمان اليهود بنبوة موسى، والنصارى بنبوة عيسى يجب ان لا يجعلهم يجحدون بنبوة الأنبياء الآخرين، وعليهم بالإقتداء بالمسلمين في التسليم والتصديق بالتنزيل والأنبياء كافة، وتعاهدهم للعهد والإقرار بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ] ( ).


قوله تعالى [ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ] الآية 85

الاعراب واللغة
الواو: استئنافية، من: اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ.
يبتغِ: فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، غير: مفعول به، وهو مضاف، الإسلام: مضاف اليه.
ديناً: تمييز منصوب، ويجوز ان يكون (غير) بحسب الصناعة النحوية حالاً، لأنه صفة لدين تقدمت عليه، ويكون ديناً مفعولاً به.
فلن يقبل منه: الفاء: رابطة لجواب الشرط، لن: حرف نفي ونصب واستقبال.
وعائدية نائب الفاعل فيها وجوه:
الأول: (غير).
الثاني: الدين.
الثالث: ما يبتغى غير الاسلام.
يقبل: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بلن.
منه: جار ومجرور متعلقان بيقبل، وجملة (لن يقبل منه) في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر اسم الشرط (من).
وهو في الآخرة من الخاسرين: الواو: للعطف، هو: مبتدأ.
في الآخرة: جار ومجرور متعلقان بالخاسرين.
من الخاسرين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر هو، والجملة عطف على جواب الشرط، ويجوز ان تكون الواو استئنافية لبيان حال الذي يعرض عن الإسلام في الآخرة.
في سياق الآيات
لقد جاءت الآيتان السابقتان بحقيقتين متغايرتين، كل واحدة منهما تتعلق بامة غير الأخرى، وهما:
الأولى: انكار التولي والإدبار عن الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته، وذم اهل الإدبار وبيان قبح انكار ما يبغون من الضلالة وانذارهم بقوله تعالى [أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ].
الثانية: الإخبار عن ايمان المسلمين بالله وما انزل على الأنبياء بصيغة المدح والثناء على الإيمان والإقرار بالتنزيل.
فجاءت هذه الآية لبيان قاعدة كلية وهي خسارة من يختار غير الإسلام، ولما اختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] جاءت هذه الآية للإخبار عن حصر الدين بالإسلام وصحة اختيار المسلمين، ومن الإعجاز في سياق الآيات ان تأتي هذه الآية لتؤكد مضامين الآيات السابقة بتثبيت الحق وفضح الباطل، لذا وردت بذات اللفظ ومادة (بغى) فقالت “ومن يبتغِ” للإشارة الى ان دين الله هو الإسلام ولزوم الإحتراز من الدعوة الى غيره.
فقوله تعالى [أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ] يتضمن الإجمال في ذكر دين الله، وجاءت هذه الآية لبيانه وحصره بالإسلام، لتمنع من التحريف في معنى وتأويل الآية، وجاءت قبل ثلاث آيات صيغة الشرط ذاتها بالتحذير من التولي والإدبار عن النبوة ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الإقرار بانها حق، ثم تفضل الله سبحانه بذات صيغة الشرط، للتحذير والتخويف، والإخبار عن التقاء المسلمين مع اهل السماوات في الإقرار بالعبودية لله تعالى طواعية من غير اكراه.
وجاءت خاتمة الآية قبل السابقة بالإخبار عن حتمية الوقوف بين يدي الله للحساب بقوله تعالى [وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ] وبينت هذه الآية مضامين الرجوع وانه ليس رجوعاً مجرداً بل هو مناسبة لعرض الأعمال في موازين يوم القيامة وخسارة الذين يختارون غير الإسلام ديناً، وستأتي الآية بعد التالية لتبين معنى الخسران وانه مبين ويتضمن اللعنة الدائمة والخلود في العذاب.
ومن مضامين نظم الآيات ان تأتي هذه الآية بياناً وتفسيراً للآية قبل السابقة من وجوه:
الأول: تعيين دين الله وهو الاسلام، وان المراد بغير دين أي غير الاسلام، فبعد ان ذكرت الآية قبل السابقة استنكار العزم على اختيار دين آخر غير دين الله، جاءت هذه الآية لتفصيل المجمل وبيان المراد من دين الله وانه الاسلام، وبما يؤدي الى الفصل بين الاسلام وغيره.
الثاني: الملازمة والاقتران بين الاسلام والاعراض عن المواثيق والحجج.
الثالث: بيان اضرار وآثار ابتغاء غير الاسلام.
وبلحاظ صيغة الاستفهام الاستنكاري في الآية قبل السابقة يكون التقدير هنا: ان حصل عند التولي والاعراض ابتغاؤهم دين آخر غير دين الله، فانه لن يقبل منهم، وفيه طرد للغفلة ودفع للوهم، وبيان للاخطار التي تترتب على التولي والاعراض، كما يمكن الجمع بين هذه الآية وآية (فمن تولى) ويكون التقدير: فمن تولى فلن يقبل منه عمله (وهو في الآخرة من الخاسرين).
وجاءت الآيات الخمس التالية في ذم الكافرين وبيان ما أعد الله لهم من العذاب الأليم في اخبار عن الخسارة العظيمة التي أشارت اليها خاتمة هذه الآية، واسرار التبعيض فيها (من الخاسرين) واستحقاق الكفار للعقاب لنقضهم للميثاق وانكارهم للاقرار، وجحودهم بعد الايمان.
اعجاز الآية
جاءت الآية بصيغة القطع والتوكيد بان الدين الذي يرضاه الله لعباده هو الإسلام دون غيره، وورد هذا الحصر مع تعدد الملل في الأرض، ومنها شرائع سماوية، ومن اعجازها ترتب الأثر في الآخرة على الإنتماء العقائدي في الدنيا، والإخبار عن كونه هو الأصل الذي به تقبل الأعمال او ترد على الإنسان، فيأتي شخصان بفعل عبادي واجباً كان او مندوباً، فيقبل من احدهما، ولا يقبل من الآخر، لأن المدار على الإسلام وبه تتقوم الأعمال فمن اختار الإسلام نال الثواب الأخروي على فعله، ومن ابتغى غير الإسلام فقد ابتعد وادبر عن دين الله، فيحبط عمله وتكون عاقبته الى الخسران.
وتبين الآية موضوعية اختيار الإسلام والانقياد الى أمر الله، وانه ضرورة للإنسان في دنياه وآخرته، وفي الآية اشارة الى الآثار الدنيوية العاجلة لقبول الأعمال بدلالة عطف الخسارة في الآخرة على عدم قبول عمل من يبتغِ ديناً غير الإسلام، ومن إعجاز ألآية تثبيتها لقلوب المسلمين، والشهادة على سلامة اختيارهم وصحة اعمالهم.
ومع انها جاءت بصيغة الخبر الا انها تتضمن الأمر الإلهي الى كل انسان لإختيار الإسلام عقيدة وديناً، وحثه على الحرص والسعي لقبول اعماله وما يقوم به من الصالحات، والإسلام شرط لقبولها والنجاة في الآخرة.
ومن اسرار الآية مجيؤها بصيغة الشرط والمضارع (ومن يبتغ)، وفيها تحذير وانذار للانسان ووسيلة لمنعه من الضلالة، فالآية السابقة تضمنت الترغيب بالاسلام وبيان ضرورة الانتماء اليه، وجاءت هذه الآية للتحذير من اختيار الكفر والجحود، وكل فرد منهما وجه من وجوه اللطف الإلهي، أي ان الترغيب بالاسلام لطف، والتحذير من الكفر والضلالة لطف ايضاً لما فيه من الدفع عن منازل الفجور والغواية، كما انه دعوة للايمان لعدم الواسطة بين الاسلام والكفر، وتجلى انعدام الواسطة في المقام بالاخبار عن خسارة من يختار او يسعى لاختيار ملة وعقيدة غير الاسلام.
ومن الاعجاز في الآية مجيؤها بصيغة المفرد (فلن يقبل منه)، وصيغة المفرد هذه لا تمنع من ارادة الجماعة والفرقة والطائفة الا انها تتضمن نكتة عقائدية وهي مخاطبة المكلف وحثه على اختيار السلامة والاسلام، وترك الانقياد الأعمى للملأ والكهنة والعادات المذمومة.
ويمكن تسمية هذه الآية بآية (ومن يبتغِ) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
تعتبر هذه الآية عوناً للإنسان على اختيار سبل الهدى، وبرزخاً دون التردد والضلالة فقد يتعذر على الإنسان تعيين الفعل والطريق الذي ينفعه، ويصعب عليه اتخاذ القرار وسط تعدد الأقوال والخيارات، والجهل بعالم الغيب وما تخفيه الأيام من الوقائع واسباب التأثير فقد يسهل عليه اختيار السكن والشراء والبيع والأمور التجارية واحوال البدن والصلات الإجتماعية، والدراسة والإختصاص فيها وماهية الوظيفة الأحسن والحال والنسب، ولكنه في باب العقائد والملل لن يكون متردداً او متحيراً، فقد جاء الأمر الإلهي باختيار الإسلام على نحو التعيين والحصر.
وفي الآية تعضيد لكل مسلم وتقوية لشوكة الإسلام، وهي موضوع كريم لدرء الشبهات ورد الكيد ودفع أسباب الجدل والإحتجاج بالباطل، وتجعل الآية الإنسان يختار الإسلام من غير تردد، وتنفر نفسه من دعوات الإرتداد التي يقوم بها اهل الشك والكفر والجحود، فهي حصن وحرز عقائدي.
وتحث الآية الناس على العمل للفوز في الآخرة، والنجاة من أسباب الخسارة فيها، وجاء ذكر الخاسرين في الآية للإشارة الى اصحاب النار، وان الذي لا يبتغي الإسلام ديناً ولا يقوم باداء الفرائض والواجبات يكون في الآخرة من اهل النار.
الآية لطف
لقد جاءت الآية بلغة الذم والتقبيح لمن يختار ملة غير الإسلام لما في هذا الإختيار من الضلالة والغفلة والجهالة المتعمدة، واللطف الإلهي في المقام على وجوه:
الأول: التحذير والإنذار في هذه الآية من ابتغاء غير الإسلام ديناً.
الثاني: تحبيب الإسلام الى النفوس، وترغيب الناس في التكاليف وفروع الدين.
الثالث: الزجر عن اختيار ملة ضلالة.
الرابع: وجود الآيات والبراهين التي تجعل اختيار الإنسان الكفر امراً صعباً، فتكون حجة اضافية خارجية، حسية كانت تلك الآيات او عقلية.
الخامس: بعث الشوق في النفس الإنسانية الى الإسلام.
السادس: اثر النفس اللوامة في النفرة من مفاهيم الكفر والجحود.
السابع: رؤية الإنسان للآثار السلبية الضارة لإبتغاء ملة أخرى غير الإسلام، وشعوره بالضيق والحرج من سوء الإختيار وان حاول التظاهر بخلافه، وجاءت هذه الآية للتنبيه على ما يتعرض له أهل الضلالة من المشاق والأذى.
الثامن: لوم الكفار بصيغة الإستنكار، فكيف يبتغون ما يضرهم ويؤدي بهم الى الهاوية، فترى احدهم يحرص على اختيار السبيل الأحسن للربح المالي والكسب في الدنيا ويجتنب اسباب الخسارة والضرر، ولكنه لا يحرص على درء اكبر خسارة وهي الحرمان من النعيم الدائم في الآخرة، ومن الآيات الاعجازية ان يأتي اللوم للزجر عن الضلالة والكفر، فاذا نظرت الى خاتمة الآية فانها لطف بالمسلمين والناس جميعاً لما فيها من الدعوة الى نبذ الكفر والضلالة، والحث على دخول الإسلام وطاعة الله ورسوله.
وفي الآية تنبيه للمسلمين واخبار عن ضلالة وخسارة الذين يعرضون عن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويصرون على الإستكبار وعدم الإيمان مع توالي الآيات والمعجزات على يديه.
وجاءت الآية بصيغة الشرط الذي يجمع بين معنى الإنشاء والخبر، خصوصاً وانه اختلف في الشرط هل هو من الإنشاء او الخبر، وتقسيم الجملة الى خبرية وانشائية تقسيم استقرائي، لا يستوفي معاني اللفظ القرآني، لذا فان الآية أعم من الخبر وحده او الإنشاء وحده، فهي مدرسة عقائدية ووثيقة سماوية تتضمن الإنذار والوعيد، والإخبار عن الضلالة والغواية في طلب غير الإسلام، سواء كان الطالب فرداً واحداً ام جماعة متعددين.
والآية كلها لطف سواء في موضوعها او حكمها وغاياتها، فمن اللطف فيها أمور:
الأول: الإخبار عن قبح اختيار غير الإسلام.
الثاني: ذكرها لموضوع الإبتغاء والطلب، لإفادة الزجر عن ارادة قصد غير الإسلام ديناً وعقيدة.
الثالث: التذكير بعالم الآخرة وما فيه من الحساب، وهذا التذكير دعوة لكل انسان ليراجع ذاته ويرى حاله ومنزلته وصحة او خطأ اختياره.
الرابع: التقسيم الشرعي والعقلي والإستقرائي للناس يوم القيامة الى فائزين وخاسرين.
السادس: يكون مدار الخسارة على العمل في الدنيا ليعتبر الإنسان ويحرص على حسن الإختيار وفعل ما ينجيه من صحبة الخاسرين في الآخرة.
وتبين الآية قانون القبول في العقيدة وعالم الأعمال، فمنها ما يقبل ومنها ما لا يقبل، ومن اللطف الإلهي ان تأتي هذه الآية بالبيان الإجمالي الكاشف عن جميع ما لا يقبل بضابطة كلية بسيطة تدل في مفهومها على حصر القبول بدين الإسلام.
مفهوم الآية
تحث الآية الناس على اختيار الإسلام ديناً وعقيدة، لأنه الدين الذي اراده الله لهم وهو سبيل النجاة والسلامة والفوز في النشأتين، ولم يكره الناس على دخول الإسلام، لأن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء ليكون الإختيار علة للأجر والثواب، والتولي والإدبار سبباً للعقاب، وجاءت الآية لزجر الناس عن الإعراض عن الإسلام ديناً واحكاماً وعبادات.
وفي الآية تحذير لمن اصر على البقاء على ملة اخرى غير الإسلام، ولغة الشرط تتضمن التخويف والإنذار لمن يبتغي ديناً غير دين الله، وتبين الآية عظمة الإسلام وحاجة الناس اليه، وضرورة حرصهم على الإنتماء اليه، وفيها دلالة على التغاير والتباين بين الإسلام وغيره من الملل، واكدت على موضوعية (الدين) في الحياة الإنسانية، وتحتمل الآية وجوهاً:
الأول: اختيار الإسلام ديناً.
الثاني: عدم اختيار ملة او دين.
الثالث: الجمع بين الإسلام وملة أخرى.
الرابع: اختيار غير الإسلام ديناً، وهذا الوجه ينقسم الى قسمين:
الأول: اختيار ملة سماوية سابقة كاليهودية او النصرانية.
الثاني: اختيار ملة كفر ووثنية.
وجاءت الآية بحصر الوظيفة العقائدية للإنسان ذكراً او انثى بالإنتماء للإسلام، وهل هذه الوظيفة على نحو الوجوب ام الإستحباب، الجواب هو الأول، فلابد من الإنتماء للإسلام، وفي الآية أمور:
الأول: الإشارة الى وجود ملل أخرى، لذا جاء التحذير والتخويف في الآية بصيغة الإستفهام الإستنكاري.
الثاني: لا تكون العقيدة والإنتماء لغير الإسلام بالإكراه والإضطرار، والمدار على الإختيار، وهو من شرائط التكليف ولفظ (من يبتغِ) يدل على اعتبار القصد والإرادة في اختيار الدين والملة.
الثالث: الإسلام هو الدين المقبول عند الله عز وجل.
الرابع: بعث النفرة من الملل الأخرى.
الخامس: جعلت الآية الإسلام في كفة، والملل الأخرى في كفة أخرى واشارت اليها بلفظ (غير)، كما اكدت رجحان كفة الإسلام.
السادس: اخبار الآية عن خسارة وخذلان الذي لا يؤمن بالله ولا يفي بالعهود ومضامين الحق التي اقر بها من الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
السابع: موضوعية قبول الأعمال.
الثامن: دعوة الإنسان للتدبر والتفكر في عمله وهل يقبل منه او لا يقبل، ولزوم حرصه على الإتيان بما يقبله الله عز وجل.
التاسع: في الآية تخفيف عن المكلف باخباره بحصر قبول الاعمال ونيل مرضاة الله بالإسلام، وجاء هذا الحصر على نحو النص الصريح الذي لا يقبل الترديد والتأويل المتعدد.
العاشر: التذكير بعالم الآخرة وما فيه من الحساب والثواب والعقاب، وحتمية مواجهة العقاب عند الصدود والجحود عن الإسلام، وتدل الآية على ان الذي يختار الإسلام ملة وعقيدة يكون في الآخرة من الفائزين، والغايات الحميدة في الآية متعددة منها:
الأولى: بيان قبح الإعراض عن الإسلام.
الثانية: توكيد ذم الذين يختارون ديناً غير الإسلام.
الثالثة: بيان وتفصيل الرجوع الى الله تعالى وانه على وجهين:
الأول: الثواب والفوز لأتباع سنن الإسلام واحكام شريعته.
الثاني: العقاب والعذاب لإختيار الضلالة والكفر.
الرابعة: ادراك كل انسان حقيقة قبول الأعمال او عدمه، وان القبول لا يتقوم الا باختيار الإسلام.
الخامسة: التحذير من التفريط بالجانب العقائدي ومفاهيم الإيمان.
السادسة: نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتوكيد صدق نبوته.
السابعة: البشارة للمسلمين بسلامة النهج وحسن العاقبة وخسارة اعدائهم.
الثامنة: بيان حقيقة وهي ان المدار على الآخرة والمنزلة فيها.
التاسعة: حث الناس على الإستعداد ليوم الحساب.
العاشرة: الدعوة للإنقياد لله تعالى و نفي قبول العمل على دين غير الإسلام، يعني قبول العمل مع الإسلام والإقرار بالربوبية لله تعالى، ومع ان الآية جاءت في ذم اهل التولي والجحود الا انها تدل في مفهومها على عظمة الإسلام، والعز والفخر الذي ينال من ينتمي اليه ويعمل باحكامه.
إفاضات الآية
تعتبر مضامين الآية من عمومات قاعدة اللطف اذ انها تأخذ بأيدي الناس نحو شاطئ الأمان بالإنذار والوعيد، وتحذرهم من الأمواج العاتية لأفكار الضلالة والجحود وتبعث البهجة والغبطة في نفوس المسلمين على نحو الخصوص لعدم وقوعهم باسباب التهلكة، واجتنابهم لمقدمات الخسارة الأخروية، وتدعوهم للتوجه اليه تعالى بالشكر والثناء على نعمة الهداية.
والآية عنوان للوحدة ضمن خيمة الإسلام ذات الأبعاد الواضحة وعمودها الذي تقوم به هو شهادة ان لا اله الا الله، محمد رسول الله، وتحيط بها من جهاتها الأربع فرائض الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلا يدخل لها الا المسلم، لذا جاءت الآية برفض وعدم قبول عمل من يرغب بملة غير الإسلام.
كما تدعو الإنسان الى التغلب على النفس الشهوية والغضبية، وهجران الإصرار والعناد، وتحثه على استثمار ايام الحياة الدنيا للسعي الى النعيم الأخروي الذي تجعله هذه الآية قريباً كالثمار التي تتدلى اوان قطافها، ولا يستلزم نيلها الا النية الصادقة في طاعة الله تعالى، والوفاء بالعهود والمواثيق في الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ووردت الآية في ذم الكفر وسوء الاختيار، ولكنها تبين اشراقات الايمان وما يبعثه من إشعاعات لجذب النفوس، وما فيه من تجارة رابحة في النشأتين والتي تتجلى في حصول الخسارة في النقيض وهو ابتغاء الضلالة والكفر.
لقد جاء الاسلام ليكون الوسيلة الملكوتية المباركة للفوز بالجنة والنجاة من النار، ويدرك معه المسلم بلوغ مراتب الاخلاص في العبودية، وجاءت هذه الآية لتبين انحصار الفعل في الدنيا بطريقين، أما الربح وأما الخسارة، فلا واسطة بينهما، وورد لفظ (الخسارة) مطلقاً، وصحيح ان المتبادر الى الذهن هو حصول الخسارة في الآخرة، وتتمثل بدخول من يختار الكفر والجحود النار، الا انها أعم وتشمل الدارين، لتدل في مفهومها على الظفر لمن اختار الاسلام، فتغمره السعادة والغبطة وتملأ نفسه السكينة في الدنيا، وفي الآخرة يكون من الفائزين.
التفسير
قوله تعالى [وَمَنْ يَبْتَغِ]
تبين الآية أهلية الإنسان للطلب واختيار الملة التي يريد، وهذا البيان حجة من وجهين متغايرين:
الأول: انه حجة على الذين يسعون في دروب الضلالة، ويصرون على البقاء على ملة الكفر والجحود.
الثاني: عز وفخر لمن بادر الى دخول الإسلام، واقر بالتوحيد واعترف بالنبوة وصدق الأنبياء جميعاً وآمن بما انزل عليهم كما جاءت الآية السابقة بالأمر به.
فان قلت: ان الله عز وجل قادر ان يحول بين المرء وبين ابتغاء الكفر وما فيه الجحود والضلالة، الجواب: نعم ولكنه تعالى اراد للإنسان ان يختار بنفسه طريق النجاة ويؤدي وظائفه العقائدية، وما عليه من التكاليف، وتلطف ورأف به اذ حذره وانذره في هذه الآية الكريمة واغلق عليه باب الإعتذار بان أخبره عن قدرته على الإختيار وانه لا يقع في الضلالة الا بسوء اختياره، وجاءت الآية مجملة من جهة عدد الناس الذين قد يبتغون ملة غير الإسلام، وفيه وجوه:
الأول: كثرة عددهم في كل زمان.
الثاني: كثرتهم في زمان، وقلتهم في زمان آخر.
الثالث: قلة عددهم في افراد الزمان الطولية المتعاقبة.
الرابع: ضعف أهل الكفر وان كانوا كثيري العدد.
الخامس: توليهم للحكم والسلطان.
ولم تشر الآية الى اي قسم من هذه الأقسام الا انها جاءت قاعدة كلية في الحكم لأن الله غني عن العالمين، والذي يختار الضلالة لا يلوم الا نفسه لذا جاءت خاتمة الآية بالإخبار بانه من الخاسرين، نعم قد يضر غيره بان يكون سبباً في ضلالته وغوايته، وهذه السببية جزء علة لخسارته في الآخرة التي تأتي جزاء على ذنوبه وانكاره للنبوة واضلاله الآخرين، وهل يدخل الأبناء مثلاً فيمن يظلمهم، اي اذا نشأ الولد على ملة الكفر التي طلبها وسعى اليها ابوه، فهل يؤثم الأب ويتحمل قسطاً من سوء فعل الإبن، الجواب نعم الا ان تنعدم موضوعية الوراثة في المقام وأسباب التأثير، ويكون اختيار الابن للضلالة ابتداء من عنده.
والآية مدرسة عقائدية ووثيقة سماوية تتضمن الإنذار والوعيد، والإخبار عن الضلالة والغواية في طلب غير الإسلام، سواء كان الطالب فرداً واحداً ام جماعة متعددين او امة باسرها، فالكثرة في المقام لا تضفي شرعية على الإختيار، ولا تكون سبباً لتخفيف الأحكام والقواعد وهل تجعل برزخاً بين الفوز بالجنة باختيار الإسلام، والخسارة باختيار غيره،.
الجواب لا، فليس من برزخ او وسط بين الإسلام والملل الأخرى، فأما الإقرار بالربوبية لله تعالى واتباع انبيائه، والتصديق بما انزل عليهم جميعاً من غير فرق بينهم، واما الكفر والضلالة والخسارة الدائمة، وصيغة الشرط باب للتوبة والإنابة، فلم تقل الآية (الذين ابتغوا غير الإسلام دينا) بالاسم الموصول (الذين) بل جاء باسم الشرط على نحو التعليق في دعوة شخصية لكل انسان لإجتناب الغواية والضلالة.
ويأتي الابتغاء تارة بخصوص الملة والدين، واخرى بموضوع الربوبية ولزوم الانقياد لأمر الله تعالى واظهار الخضوع والخشوع له سبحانه، قال تعالى ]ٍ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ]( )، وفيه دلالة على اتحاد طريق الهداية وسبيل السلامة، ومن جهة الوجود العقائدي المتصل للاسلام تحتمل الآية وجوهاً:
الأول: الدلالة على ملازمة الاسلام للانسان في الارض.
الثاني: لا دليل في الآية على الملازمة اعلاه لاحتمال قيام أمم متعددة باختيار غير الاسلام.
الثالث: التباين في درجة ظهور وقوة الاسلام، بحيث يصل احياناً الى الانحسار فلا يستطيع الناس ابتغاؤه وطلبه.
والصحيح هو الأول، ومجيء الآية بصيغة الشرط والانذار والانكار تدل على قرب الاسلام من الناس وقدرة كل انسان على طلبه وابتغائه، نعم هذا الابتغاء والطلب متباين في كيفيته، فالطريق الى الاسلام على وجوه:
الأول: السهولة واليسر في طلب الاسلام.
الثاني: الحاجة الى مقدمات الانتماء الى الاسلام ومعرفة احكامه.
الثالث: اذا استلزم الأمر تحصيل مقدمات التكاليف، فلابد من السعي لها وابتغاؤها، وهل تنطبق في المقام القاعدة الاصولية بان تحصيل مقدمات الواجب ليس بواجب؟ الجواب: لا، لخروج الموضوع بالتخصص فهو ليس من الفروع بل يتعلق المقام بالاصول والواجب التكليفي بالاضافة الى القدرة الذاتية عليها.
ولا غرابة ان تأتي هذه الآية للاخبار عن خسارة من يتركها ويبتغي غير الاسلام ديناً، وطلب المقدمات لا يتنافى وحقيقة ثابتة وهي قرب الاسلام من الناس وامكان ابتغائه، والوصول الى معرفة احكامه.

قوله تعالى [غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا]
جاءت الآية لذم الذي يطلب غير الإسلام ملة وعقيدة، وتدل على ان الأصل هو الإسلام، فهو دين الفطرة ومن الآيات ان الإسلام هو الدين الواجب على الناس في كل زمان اعتناقه، والتوكيد على الإسلام نبذ لغيره، وبعث النفرة في النفوس من ملل الشرك والكفر، وهذه النفرة ليست مجردة بل تتضح من القبح الذاتي للشرك، وفي حين ذكرت الآية اسم الإسلام على نحو الخصوص، فانها لم تذكر اسم ملة أخرى بل جاءت الآية بلفظ (غير) وهو اسم مبهم لا تخرجه الإضافة من الإجمال، واضافة (غير) في الآية للإسلام تبقي الغير المبتغى مبهماً على نحو الموجبة الجزئية ويحتمل الإتحاد والتعدد، والمراد منه في المقام التعدد بدليل قرينة الإنكار في لفظ (ديناً)، وهذا التعدد حجة على الناس من وجوه:
الأول: قرب مبادئ الإسلام من النفوس.
الثاني: وضوح مبادئه وعدم المشقة في الوصول اليها.
الثالث: تدل الآية على معرفة الناس بالإسلام، فلا يمكن ان تأتي الآية بالتوبيخ والذم لمن يعرض عن الإسلام، من غير ان يكون الناس قد اطلعوا على مبادئه وعرفوا انه حق، لقبح التكليف بلا بيان.
الرابع: وجود المسلمين واداؤهم للعبادات دعوة للناس لإجتناب الكفر وانكار الرسالات السماوية كلاً او بعضاً.
لقد وصفت الآية غير الإسلام بانه دين، والمراد المنهج والطريقة، ولكن هذه الطريقة عقيدة ومذهب مغاير للإسلام، فلذا جاءت الآية بالزجر والنهي عنه وبيان بطلانه، ومن الإعجاز في لغة القرآن وما فيه من الأسماء تسمية الأشياء باسمائها عند اهلها، فغير المسلم يظن انه على دين معين، فجاء القرآن بذات الاسم ليبين انعدام المسمى والنفع فيه، ويظهر الفارق بين الإسلام وغيره.
وقال الطبرسي من مجموع اربعة اسطر فسر بها هذه الآية “وفي هذه الآية دلالة على أن من ابتغى الإسلام دينا، يقبل منه. فدل ذلك على أن الدين والإسلام والإيمان واحد، وهي عبارات من معبر واحد”( ).
وقال الرازي من مجموع عشرة اسطر فسر بها الآية “واعلم ان ظاهر هذه الآية يدل على ان الإيمان هو الإسلام اذ لو كان الإيمان غير الإسلام لوجب ان لا يكون الإيمان مقبولاً لقوله تعالى [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ] الا ان ظاهر قوله تعالى [قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا] ( ) يقتضي كون الإسلام مغايراً للإيمان ووجه التوفيق بينهما ان تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي، والآية الثانية على الوضع اللغوي( )، وترد عليهما أمور:
الأول: بالنسبة لقول الدين وإلإسلام واحد، فان الآية تظهر انه بين الدين والإسلام عموم وخصوص مطلق، فالإسلام دين، ولكن ليس كل دين هو إسلام، اذ انها وصفت المذهب المغاير للإسلام بانه دين، نعم الدين الحق هو الإسلام.
الثاني: بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق، فكل مؤمن هو مسلم وليس العكس، لأن الإيمان أخص، وبالإسلام تعصم الدماء وتحل المناكح، وتقسم التركات.
الثالث: ليس من تباين ومغايرة بين الإسلام والإيمان، والآية لم تجعل الإيمان امراً منفصلاً عن الإسلام وفي عرضه، بل هو في طوله وامتداده اذ ان الإيمان ليس ديناً مستقلاً عن الإسلام، بل هو فرع منه وارتقاء في مضامين الإسلام بالإقرار بالجوانح والأركان والتقيد بالطاعات والعبادات، وليس من تعارض بين الآيتين اعلاه، وليس كل من يدعي الإيمان يكون صادقاً فيه، لذا جاءت الآية بذكر الإسلام الذي يعني الإنقياد والتسليم لأمره تعالى، ومن افراد التسليم التصديق بالنبوات، وما انزل الله على الأنبياء من غير فرق بينهم.
وبعد مجيء الآية السابقة ببيان مضامين الإيمان وضرورة الإقرار بالتوحيد والتصديق بما انزل على الأنبياء كافة، جاءت هذه الآية لحصر الدين الحق والنهج القويم بالإسلام، واشارت الى الأديان الأخرى بلفظ (غير الإٍسلام) مما يدل على التقائها في عنوان جامع وهو مغايرة الإسلام، ولا تعني الغيرية هنا المقابلة بصفة التعدد بل التناقض والتنافي وان تباينت وجوه التناقض، ومنها ما جاء من جهة او جهات محصورة ومنها ما كان من جهات كثيرة، فالتباين بين الإسلام وسنن الكفر والشرك كثيرة، وتشمل أهم موضوع في الحياة الدنيا وهو التوحيد، ومع هذا التباين بين الملل المغايرة للإسلام فان القرآن جعلها جميعاً في كفة بقوله تعالى (غير الإسلام) وجعل الإسلام في كفة، لبيان ان الإسلام امر بسيط لا يقبل التعدد والتركيب لذا عرف بانه الإنقياد.
ومن الآيات ان اسمه يدل على معاني التسليم والإستجابة والإمتثال، وهذا التسليم ليس موجوداً في غيره من الأديان، فمن مصاديق التسليم التصديق بكل ما انزل على الأنبياء وعدم التفريق بينهم، وذكرت الآية الذين يختارون غير الإسلام ديناً، ولم تذكر المسلمين، ولكنها تشير اليهم في مفهومها بالإضافة الى الآية السابقة التي أكدت ثبات المسلمين على الإيمان بالله والتنزيل الى يوم القيامة، وهل من فريق ثالث يكون برزخاً بين الإسلام والديانات الأخرى التي تطلب دونه، الجواب ان الآية تنفي وجود برزخ او وسط بين الإنقياد لأمر الله عز وجل والإمتثال لأوامره وبين الجحود والصدود والتولي، وهذا النفي من اسرار الآية الإعجازية لما يدل عليه من البيان واقامة الحجة، ودفع الوهم ومنع اللبس، ودرء الشبهات.
وجاءت الآية بقيدين للابتغاء الخاطئ وهي:
الأول: غير الاسلام. الثاني: قصد الدين.
ولو ذكرت الآية القيد الأول لكفى لأن المتبادر هو ارادة الدين والنهج والطريقة بلحاظ المغايرة مع الاسلام، ولكن لماذا جاء القيد الثاني وهو وصف هذا الغير، بكونه (ديناً) فيه مسائل:
الأولى: منع الترديد ودفع الوهم، فقد يظن ان المراد أمر آخر غير العقيدة والدين، فجاءت الآية لتخبر عن تعلق موضوع الآية بالدين.
الثانية: المدار في الحساب الاخروي على الدين والعقيدة، وان الخسارة ملازمة لاختيار دين آخر غير الاسلام.
الثالثة: لزوم اختيار الانسان لدين وعقيدة، وهل يعتبر اللادين ديناً، الجواب: نعم، وهو من مصاديق (غير الاسلام) الوارد في الآية.

قانون الإسلام
لقد كان خلق آدم عليه السلام مناسبة لبدء وتأسيس نظام جديد لا تنحصر موضوعاته بالأرض مع انها سكن الإنسان بل تتعلق بالعوالم الأخرى من خارج الأرض، وهذا التعدد والإتساع في تأثير وتأثر الإنسان من مصاديق خلافته في الأرض وأهليته للتصرف بحكمة وتدبير، ولم تأتِ الخلافة حقاً مجرداً ومنحة مطلقة بل جاءت مقيدة بلزوم عبادته تعالى باعتبار ان العبادة عنوان الشكر لله تعالى على نعمة الخلافة، وضابطة عقائدية واخلاقية للجوارح ووسيلة لتهذيب الأقوال والأفعال، وبرزخ دون التعدي والإعتداء، وهي ضرورة للإنسان فرداً او جماعة او أمة، وتتجلى العبادة بالإسلام مبدأ وعقيدة وسنناً وافعالاً، فلابد ان تكون العبادة ذات مضامين وقواعد معلومة كي لا يحصل اللبس او الإشتباه، فكان الإسلام عقيدة وديناً ملازماً للإنسان منذ خلقه، وهذه آية اعجازية تدل على التكامل في خلقه.
فاي بناء او تأسيس او تنظيم وضعي تكثر فيه الأخطاء، وتظهر النواقص عند التطبيق والشروع بالعمل، وقد تؤدي الى هدمه وتفكيكه، اما المجتمعات الإنسانية فانها قائمة على نظام دقيق ثابت يحفظ الوجود الإنساني وأسباب التكاثر ومن مصاديقه اتخاذ الإسلام ديناً، فهو سر دوام الحياة سواء باعتباره سبباً ذا تأثير وأثر مادي، او لأنه نعمة تتغشى اهل الأرض وواقية سماوية لحفظ الإنسان الى الأجل المسمى عند الله.
وجعل الله الإسلام قريباً من الإنسان، وهذا القرب من وجوه:
الأول: معرفة مبادئه واحكامه.
الثاني: قيام الحجة على الناس بلزوم دخوله والإنتماء اليه.
الثالث: يتقوم الإسلام بالإقرار بالتوحيد والتسليم بالربوبية لله، الأمر الذي تتفرع عنه طاعته تعالى وتصديق الأنبياء والكتب المنزلة.
الرابع: عدم مغادرة الإسلام الأرض فلابد من وجود امة في كل زمان تعتنق الإسلام ديناً وشريعة، وجيل يتوارث مبادئه ويتعاهد احكامه.
الخامس: التوالي والتعاقب في بعثة الأنبياء.
السادس: مجيء الأنبياء بالمعجزات التي تكون تعضيداً وشاهداً على نبوتهم، ووسيلة مباركة لحث الناس على دخول الإسلام، والإعتراف بالربوبية لله، ونبذ الشرك والضلالة.
السابع: تفضله تعالى باخذ العهود على الناس بالإقرار بالعبودية لله، والإيمان بانبيائه، ومن الآيات في مضامين هذا القانون امور:
الأول: اتصاله الى يوم القيامة، ليفوز المسلمون بحفظه وتوارثه.
الثاني: عدم طرو التغيير، فصحيح ان الشرائع فيها الناسخة والمنسوخة، وانفردت شريعة الإسلام منها بانها ناسخة غير منسوخة الا ان الإسلام بمعناه اللغوي والشرعي ثابت، وهو الإنقياد والخضوع لله تعالى واتباع انبيائه.
الثالث: سهولة الإنتماء للإسلام.
الرابع: انتفاء الجهالة والغرر في مبادئه، فهي ظاهرة وبينة للناس كافة، وبالإمكان معرفتها من غير لبس او اشكال.
الخامس: وجود اسوة للناس يقتدى بهم في كل زمان، ففي كل زمان توجد امة مؤمنة تتقيد باحكام الشريعة وتتبع نبي زمانها وتتطلع الى الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم اذ جاءت بشارة الأنبياء به وبظهوره على الدين كله.
السادس: نزول الكتب السماوية وتضمنها لوجوب الإسلام والإنقياد لله تعالى.
السابع: عدم ارتفاع هذه الكتب السماوية، فالكتاب والوحي واحكام التنزيل مصاحبة للانسان، وفي كل زمان تجد موضوعاً وحكماً وأثراً للتنزيل.
الثامن: حصانة الكتاب السماوي الناسخ من التحريف.
فان قلت: ان التحريف طرأ على بعض الكتب السماوية، الجواب: ما ان يطرأ التحريف على الكتاب المنزل حتى ينزل كتاب سماوي جديد، الى ان نزل الكتاب الذي لم ولن يطرأ عليه التغيير او التبديل وهو القرآن.
والإسلام لطف من عند الله، تتغشى منافعه النشأتين فهو صلاح وخير لا تشوبه مفاهيم الشر، يدعو الناس في كل يوم الى قيم الحق والعدل والإنصاف ويمنع من التعدي والظلم، وهو مادة الإرتقاء في مراتب الكمالات الإنسانية، لذا تجد تشريع الصلاة خمس مرات في اليوم لتكون مناسبة لذكره تعالى واستحضار اعمال اليوم والليلة والمبادرة الى الإستغفار من الذنوب بين الفرائض.
ومن الآيات ان تجد المندوحة والسعة في اوقاتها، والتعدد في كيفية ادائها، بالإضافة الى آيات اضافية منها الإعلان بالأذان والوقت المخصوص لبدأ الفريضة، وهذا الوقت معروف عند المسلمين وغيرهم وفيه دعوة للإسلام وتلقين الشهادتين، فمن يغفل عنهما يأتي الأذان ليدعوه بلطف ويطرق سمعه بكلمة التوحيد، اما المسلم فيثبت سماعها في نفسه الإيمان والإخلاص لمبادئ الإسلام، والحرص على بقائه تركة كريمة متوارثة تضفي معاني الشرف والعز والفخر على الأباء والأبناء في ذات الوقت.
قانون انتفاء القيد
جاء الأمر الإلهي بالإسلام خطاباً تكليفياً للناس ذكوراً واناثاً، لا يستثنى منه احد، وما دام الوجوب مستغرقاً للجميع فان الخطاب والأمر بالإسلام خال من القيود، فمن الآيات الإعجازية عدم التشديد والتعقيد في الإنتماء للإسلام، فلا يحتاج الإذن من النبي او من الحكام او الفقهاء، ولا يشترط نيل درجة (المسلم) اخذ دروس خاصة واجتياز اختبار عقائدي، واتقان الصلاة ومعرفة الفرائض، وتلاوة سورة الفاتحة بالعربية مع ان قراءتها واجب في الصلاة اليومية، بل يكفي النطق بالشهادتين وباي لغة كانت ليكون للشخص ما للمسلمين من الحقوق، وعليه ما عليهم من الواجبات والفرائض، فترى اشرف واسمى اسم في التأريخ ينال ويكتسب بكلمتين وهما الشهادتان، لتفتح له ابواب الجنان، وينتقل من حال العسر والضيق النفسي والحرج الى بحبوحة الجنة والسكينة بما تبعثه كلمة التوحيد من اشراقات على النفس، وتشعه من الضياء الذي ينير دروب الهدى والصلاح.
وجعل الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم واسطة بينه وبين الناس في الرسالة والتنزيل والدخول الى الإسلام لا يحتاج اللجوء الى وسائط وبحث عنها، ولا يستلزم التريث والإنتظار لحين صدور موافقة او علم جهة دينية مخصوصة، بل يصح بالتلفظ بالشهادتين، وهل تكفي النية والإخطار في القلب، الجواب لا، اذ لابد من المبادرة بالنطق بالشهادتين لإعتبار الكلام في التحليل والتحريم، وتعيين الهوية العقائدية، وعدم وجود قيد او شرط لدخول الإسلام هو الذي نطلق عليه قانون انتفاء القيد.
وعدم الإذن هذا ملازم للإنسان منذ اعماره الأرض، باعتبار ان الخطاب التكليفي بالإسلام ملازم للإنسان من ساعة هبوطه الأرض واعماره لها، والإنتماء للإسلام عنوان الشكر لله عز وجل على نعمة نفخ الروح فيه والذي جاء من غير واسطة أحد، بل تفضل سبحانه بالنفخ في الإنسان من روحه، وصبغة روح الإنسان هي الخضوع والإنقياد لله تعالى الذي يتجلى بالإسلام عقيدة وديناً ومبدأ.
ويبين هذا القانون لغة التخفيف في الإمتثال للأوامر الإلهية، وعدم وجود التشديد وأسباب المنع، ومع القول في علم الأصول بعدم ثبوت الإستصحاب القهقري، فان هذا القانون يشمل الإستصحاب القهقري الجهتي اذ ان الدخول في الإسلام لا يتقيد بسلامة السيرة وعدم الإعتداء على الإسلام قبل دخوله ولا يؤاخذ الإنسان بسبب تعديه، فالإسلام يجبّ ما قبله.
وعندما أسلم وحشي قاتل حمزة عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتص منه النبي ولم يرد اسلامه، بل قبل اسلامه واكتفى بان طلب منه ان يغيب وجهه عنه، وفيه دعوة لأئمة وقادة المسلمين بالكف عن العدو حينما يعلن الإسلام وعدم الإنتقام منه لأن الموضوع اذا تغير يتبدل الحكم، فالتعامل معه بعد اعلان الإسلام على اساس الأخوة والمحبة، وليس العداوة والنفرة، قال تعالى [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
وفي هذا القانون حجة على الناس جميعاً، وتوكيد لقواعد اللطف الإلهي التي تحكم ايام الحياة الدنيا باعتبار ان الإسلام رحمة ملازمة للوجود الإنساني، وعلة لديمومة الحياة على الأرض، وهل يحق لأحد وضع قواعد وشروط لدخول الإسلام، الجواب لا، وهذا من الإعجاز في عالم التشريع السماوي، فقد جعل القرآن والسنة باب الإسلام مفتوحاً لكل انسان، ومن الآيات ان الدخول اليه سهل وممكن لكل انسان، ولكن الخروج منه امر متعذر وممنوع شرعاً وعقلاً.
ولا تنحصر احكام هذا القانون بايام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل هي متصلة وسابقة لأيام البعثة ومتأخرة عليها، لأن الإسلام ملازم للوجود الإنساني ومصاحب للإنسان في الدنيا، وله الموضوعية يوم القيامة في الزفاف الى الجنة او السوق الى الجحيم، وهذه الموضوعية من اسباب انتفاء القيد في دخوله وليعلم الإنسان انعدام الحاجب بينه وبين طاعة الله والإمتثال لأحكامه.
فان قلت: قد يأتي سلطان او جبار يضع القيود والحواجز دون دخول الإسلام والجواب من وجوه:
الأول: لا أحد يستطيع الحيلولة بين الإنسان والخالق عز وجل.
الثاني: جواز الإسلام مع كتمان الإيمان والتظاهر بالتقية من الكفار قال تعالى [إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] ( ).
الثالث: عدم دوام ايام مثل هذا السلطان فسرعان ما يبتلى بزوال ملكه وهلاكه.
الرابع: سعة الأرض، وتعدد البلدان، قال تعالى[ يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ].
الخامس: ان ظهور حالة شاذة ونادرة في بلد مخصوص، ووقت محدود لا يضر باحكام القوانين والقواعد، كما ان الظهور لا يؤثر على الناس في معتقداتهم ولا يستطيع السلطان او غيره الإستحواذ على جميع اوقات الإنسان ومطلق ما يتلفظ به، ومنه الشهادتان، بل لابد ان تكون عند المكلف مندوحة وسعة في الوقت يستطيع ان يختلي فيها مع ربه ويناجيه ويؤدي ما عليه من الصلاة والعبادات الأخرى.
السادس: عدم امكان حصول تناقض او تزاحم بين ما يأمر به الله عز وجل وما يأمر به غيره، فالغلبة لأمره تعالى دائماً واذا جاء أمر العباد في طول امر الله وطاعته فهو امر حسن، اما اذا جاء معارضاً فهو لغو وباطل وفاقد للأثر والتأثير الا رجوعه على صاحبه بالخزي في النشأتين، ولا يصح ان يكون قيداً مؤقتاً او شبه قيد على دخول الإسلام واداء العبادات.

قوله تعالى [فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ]
(لن) حرف نفي يدخل على الفعل المضارع، ويخلصه للإستقبال، لذا فان عدم القبول في الآية يحتمل وجوهاً:
الأول: ارادة عدم القبول يوم القيامة، عندما تعرض الأعمال ويقف الناس للحساب.
الثاني: المراد الحياة الدنيا وما فيها من التكاليف، وضرورة اداء كل انسان ما يجب عليه من العبادات.
الثالث: في الآية حذف والتقدير: لا يقبل منه عمله على دين غير الإسلام، فما يأتي به من العمل يكون باطلاً مردوداً، سواء كان واجباً او مندوباً وفق دينه المغاير للتسليم بالربوبية لله تعالى والإمتثال لأوامره.
الرابع: الكفر والجحود مانع من قبول قصد وطريقة وسنة الكافر، والكبرى كلية وهي عدم قبول عمل مع الكفر.
الخامس: الاطلاق في عدم القبول فيشمل الحياة الدنيا والآخرة.
فان قلت: ان الآية جاءت بصيغة المضارع وانها لا تشمل ما مضى من الاجيال والاعمال مما يدل على تعلق موضوعها بعالم الآخرة والحساب، اذ لا يعقل ان ترد اعمال الاجيال اللاحقة، ولم ترد اعمال الاجيال السابقة.
قلت: لا تتعارض لغة المضارع والاستقبال مع شمول الآية لما تقدم من الأيام وما فيها من الأعمال لوجوه:
أولاً: مجيء الآية بصيغة الشرط والمضارع.
ثانياً: يتعلق موضوع عدم القبول بالاعمال، فحينما يصدر الفعل من الكافر لن يقبل منه.
ثالثاً: وردت الآية بصيغة الانذار والوعيد.
رابعاً: اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فاخبار الآية بعدم قبول عمل الذي يختار غير الاسلام بصيغة المضارع لا يعني قبول عمل الكافر في الأزمنة المتقدمة، بل الحكم متحد ولا تباين فيهن وسيأتي بعد بضع آيات قوله تعالى [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ]( ).
الخامس: المراد العقاب الأخروي، وقال الطبرسي في تفسير الآية [فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ] بل يعاقب عليه ويدل عليه قوله تعالى [وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ] اي الهالكين( )، ولكن واو العطف في (وهو في الآخرة) تفيد المغايرة والتعدد بين موضوع عدم القبول وموضوع الخسارة في الآخرة، لذا جاء قيد (في الآخرة) نعم يمكن اعتبار عدم القبول من مقدمات العذاب الأخروي والحرمان من الثواب.
لقد أكدت الآية على حقيقة تكوينية مركبة من قسمين:
الأول: قبول العمل مع الاسلام.
الثاني: عدم قبول العمل مع غير الاسلام.
ولم تجعل وسائط لمعرفة موازين القبول وعدمه، بل ذكرت قاعدة كلية وهي الرد والإحباط وعدم القبول مع طلب دين آخر غير الإسلام واختيار ملة لا تتضمن التسليم والإنقياد التام لأوامر الله عز وجل، كما تبين تعلق القبول وعدمه بالدين والملة التي يطلبها ويختارها الإنسان، وان كان الإبتغاء اعم من الإختيار والإستقرار على ذات الفعل، وتدعو الآية في مفهومها الى الإسلام، وترغب الناس في طاعة الله والتصديق بالأنبياء، وعدم التولي والإدبار عن النبوة واحكامها.
وجاءت الآية بحرف النفي والإستقبال (لن) وفيه دلالة على ارادة الزمن المستقبل، وهذه الدلالة حجة في ارادة الإسلام بعد النبوة بمعناه الإصطلاحي، ودعوة للإنتماء للإسلام والتصديق بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من الإعجاز في استعمال الحروف وما يتفرع عنه من الدلالات والحجج والمضامين العقائدية.
وقيل: تستعمل العرب (لن) لنفي المظنون اما المشكوك فينفى بـ(لا) ولكنه لا يصلح ان يكون قاعدة كلية فلذا جاءت الآية لدفع وهم، واخبار الذين يظنون الإنتفاع الأخروي من انتمائهم لغير الإسلام بخطأ ظنهم وضرورة التدارك في الحياة الدنيا باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه فيما انزل عليه من عند الله.
وكما جاء قوله تعالى [وَمَنْ يَبْتَغِ] في هذه الآية من القرآن دون غيرها، فان قوله تعالى [فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ] لم يرد الا في هذه الآية بلحاظ الضمير (الهاء) في منه، وفي موضوع عدم القبول في الآية وجوه:
الأول: عدم قبول الملة والدين اذا كان غير الإسلام، ويدل عليه اشارة الفعل المبني للمجهول والتقدير: فلن يقبل غير الإسلام.
الثاني: حبط الأعمال وغيابها يوم القيامة.
الثالث: ما يطلبه ويبغيه الكافر والجاحد في حياته من الأعمال والغايات.
الرابع: النوايا والمقاصد.
الخامس: السعي في حاجات الدنيا وألآخرة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، فكلها من مصاديق الآية الكريمة، وهو من باب التوكيد والتغليظ والتشديد على الكافرين والجاحدين، ومن لطفه تعالى بالناس كافة تفضله بالإخبار بان عدم قبول الأعمال فرع الضلالة واختيار غير الإسلام والإصرار على الجحود والتولي والإدبار، اما زمان عدم القبول فيحتمل وجوهاً:
الأول: الحياة الدنيا، فيرد العمل ولا يقبل من صاحبه وهو بعد في الحياة الدنيا لم يغادرها.
الثاني: في الآخرة وعالم الحساب، فحينما يأتي كل انسان ومعه عمله يرد عمل غير المسلم ولا يقبل منه مع ان فيه وجوهاً في الخير وأفراداً من الإحسان للآخرين.
الثالث: العنوان الجامع فعدم القبول لا ينحصر باحدى النشأتين، بل يشمل الحياة الدنيا وألاخرة.
الرابع: يكون الرد وعدم القبول ساعة الفعل، فما ان يصدر منه فانه لن يقبل منه الفعل وان كان في الصالحات.
الخامس: بلحاظ تعلق الأمر بالدين فان عدم القبول يأتي على الأعمال كلها، اذا كان الإنسان يدين بغير الإسلام.
ولا تعارض بين هذه الوجوه لأن عدم القبول عام ولإصالة الإطلاق، ومن الآيات في الإرادة التشريعية ان الله عز وجل لم يبق الإنسان في حيرة وشك وتردد، فجاءت هذه الآية دعوة صريحة للإسلام بصيغة الذم والتقبيح لغيره من الأديان التي تتضمن الشرك بالله وعدم الإنقياد لأوامره وما جاء به الأنبياء من الشرائع السماوية، والآية وعيد ووعد، وعيد للكافرين على نحو مركب من وجهين:
الأول: عدم قبول سعيهم وملتهم.
الثاني: خسارتهم في الآخرة.
ووعد للمسلمين من وجوه:
الأول: الثناء عليهم لإختيارهم الإسلام، وما يعنيه الثناء في عالم الجزاء، ونزول الفضل الإلهي.
الثاني: قبول الأعمال مع الإسلام.
الثالث: الفوز برضاه تعالى للإنقياد لأوامره والتسليم لإرادته.
الرابع: النجاة والثواب في الآخرة.
وجاءت الآية بالإخبار عن عدم قبول دين واعمال الجاحد بالنبوة على نحو التأبيد والدوام، فما دام على ملة الكفر فان عمله مردود، وهذا الرد بسبب توليه عن النبوة، اي ان الأصل ليس رده وعدم قبول عمله، بل توليه وادباره فعدم القبول نتيجة لصدوده واعراضه عن الإسلام، وهو اول النتائج الضارة بالشخص اثر توليه، فلا ينحصر سوء عاقبة التولي بعالم الآخرة بل يبدأ من ساعة طلب الإنسان لمنهج وطريقة غير الإسلام.
قانون عدم القبول
للحياة الدنيا انظمة دقيقة وضوابط وأحكام منها ما تدركه الحواس، ومنها ما تكون خفية على الناس لا تدرك الا بالعقل والتدبر والتبصر، والقبول وعدمه امر مبني على قواعد عقائدية وتكاليف ومعارف لا يصل اليها الإنسان الا بفضله تعالى، فجاءت هذه الآية عوناً للمسلمين خاصة وللناس عامة ليعلموا وجود موضوع قبول الأعمال او عدمه، وما هو تاثيره في النشأتين، ويحرصوا على قبول اعمالهم ويتجنبوا الجحود والتولي والإدبار، فهذا القانون حث للناس على الإلتفات الى موضوع القبول وعدمه، وان الأفعال لا تذهب سدى، ولا تلحظ بذاتها، بل تؤخذ مع النية والقصد والإنتماء الديني، فلو تصدق اثنان على فقير، وكان احدهما مسلماً والآخر على دين آخر، فان قبول العمل وعدمه بحسب الإنتماء الى الإسلام والإقرار بالربوبية والتصديق بالأنبياء.
لذا فان الآية تبصرة وتفقه في العقائد وتأهيل لمعرفة الصحيح من السقيم، ومناسبة لمنع التفريط في الأعمال، ففيها تخويف من ضياع الأعمال، وهذا التخويف يدل على أهمية وموضوعية أمرين:
الأول: الدين والملة.
الثاني: قبول الأعمال.
وقانون عدم القبول امر ثابت وخاص بما خالف الإسلام، وهو ملازم لإبتغاء غير الإسلام ديناً، وهذه الملازمة مستديمة وثابتة منذ هبوط الإنسان الأرض والى يومنا هذا، وهي متصلة ومستمرة الى يوم القيامة، لذا تستحق صفة القانون وليس من تغيير في مضامين هذا القانون، او استثناء لقوم او جماعة، ان عدم قبول الإنتماء والعمل طرد للغفلة، ودعوة للتدبر في عالم الإختيار، وضرورة اصلاح الذات والمبنى في تعيين الدين بما يمنع من خسارة الأعمال، وضياع السعي والكسب.
والنسبة بين الدين والعمل نسبة الاصل والفرع، فالدين هو الاصل والعمل هو الفرع، وجاءت الآية بالاخبار عن عدم قبول الاصل والفرع معاً اذا كان الدين هو غير الاسلام، وهو من مضامين التكليف في الدنيا، واسرار الجزاء في الآخرة، فجاءت هذه الآية بالاخبار عن سخط الله تعالى على الذين يختارون غير الاسلام ديناً.
ولابد ان عدم قبول الملة والدين المغاير للاسلام يترشح عنه عدم قبول الاعمال التي لا ترتكز الى الاسلام، وهل عدم القبول من الجزاء والعقاب أم هو أعم، الجواب: انه أعم لأنه قانون ثابت وحكم وتشريع سابق للفعل، وابتدأ التباين في القبول وعدمه من اولاد آدم الصلبيين، قال تعالى [إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ]( )، في دعوة لبني آدم للالتفات الى موضوع القبول والحرص عليه عند الشروع بالعمل، واجتناب ما يؤدي الى رد العمل، فمن أقسى الأمور على الانسان ان يرد عمله مع جهده وبذله، ولكن هذا الرد لا يحصل الا بسبب سوء اختياره وارادته لان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
وقانون عدم القبول باب لحث الناس للتوجه الى ما يتم معه قبول اعمالهم، وفيه زجر عن اختيار الضلالة والكفر، فلذا ترى الآية أعلاه ذكرت الامرين معاً مع التناقض بينهما، فذكرت القبول وعدمه، لكي يكون التحذير من عدم القبول باباً للايمان وقبول الاعمال التي تأتي معه ومتفرعة عنه.
قانون القبول
لقد جعل الله عز وجل الإسلام الدين الواجب، وليس من دين غيره تقبل معه الأعمال، وبعث الله عز وجل الأنبياء وانزل الكتب السماوية وكلها تدعو الى الإسلام وتحذر من اختيار غيره.
وجاءت هذه الآية لتبين ان اختيار الإسلام مطلوب بذاته، وهو وسيلة لقبول الأعمال، فمثلما توجد ملازمة بين اختيار دين مغاير للإسلام وعدم قبول الأعمال مع الكفر، فان هناك ملازمة ثابتة بين الإسلام وقبول الأعمال، وهذه الملازمة عنوان شرف وفخر للمسلم، وهي بشارة مصاحبة له في يومه وليلته وتكون سبباً لإقدامه على فعل الخيرات واتيان الصالحات لرسوخ مضامين قانون القبول في الوجود الذهني.
وهذه الآية الكريمة من الشواهد على تضمن القرآن للأحكام ودليل على انه تبيان لكل شيء، وهي من منافع التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإقرار بنبوته كما جاء قبل ثلاث آيات، واخبار بان التولي عن نبوته يفوت على الإنسان حاجة ضرورية له في حياته وآخرته، وهي احراز قبول أعماله، وعدم ردها وحبطها، والقبول لا يأتي الا بالإسلام، وقد تقدم قانون انتفاء القيد وعدم وجود شرط لدخول الإسلام.
وليس من احد يستطيع ان يقهر الإنسان ويحول دون دخوله الإسلام ويمنعه من النطق بالشهادتين، ومن منافع التلفظ بهما انتقال الإنسان من مصاديق قانون عدم القبول الى مصاديق قانون القبول، ويصبح مطمئناً لأعماله ولا يخشى عليها من الضياع، ويندم على ما ضيع من حياته واعماله فيما فاته في سالف الإيام وقبل الإنتقال الى الإسلام.
والقبول بشارة عاجلة لمن ينقاد لأمر الله تعالى، ويؤمن بالنبوة، وهي من اعظم البشارات في تأريخ الإنسانية، فترى الناس في الحياة الدنيا يقدمون على البناء والكسب والشروع بعمل يبتغون من ورائه الربح والكسب، ولو علم الإنسان ان بناءه ينهدم قبل اتمامه وانه لا ينتفع منه لما أقدم على البناء، ولو علم انه لا يجني من الزراعة شيئاً لا يقدم على حراثة الأرض وبذر الحب وسقي وتعاهد الزرع، لأنه لا يريد ان يخسر جهده ويضيع ماله من دون فائدة.
فجاءت هذه الآية لتخبر الناس جميعاً بان قبول الأعمال والنفع من البناء والزرع لا يكون الا بالإسلام، فالدنيا مزرعة الآخرة، فمن يعمل ويبني ويزرع وهو طالب مختار لملة أخرى غير الإسلام فالآية تخبره بخراب بنائه وهلاك زرعه، ومن يبني ويعمل مع الإسلام بنية قصد القربة لله تعالى فالعمل الصالح يلازمه ويكون واقية له في الدنيا والآخرة، ويبعث قانون القبول الشوق في النفوس للكسب والعمل الصالح، والسكينة في نفس المسلم لحسن اختياره.
وقد مدح الله المسلمين الذين يتوبون الى الله ويعملون الصالحات، قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا]( )، والنسبة بين قانون القبول وعدم القبول التنافي في السبب والمسبب، ولكن الحال والرتبة بينهما على وجوه:
الأول: كلاهما بعرض واحد.
الثاني: الاصل قبول الاعمال، وعدم القبول ياتي عرضاً طارئاً.
الثالث: الاصل هو عدم القبول، ولا يكون قبول الاعمال الا بعد الصلاح والتقوى وقصد القربة.
والصحيح هو الثاني من وجوه:
الأول: اعتبار الاسلام في موازين الاعمال.
الثاني: الاسلام هو دين الفطرة والقبول وملائم للفطرة الانسانية.
الثالث: يقود العقل الانسان للهداية الى اسباب القبول واختيار ما يوافق الامتثال، وينفر من القبيح الذي لا يكون مقبولاً.
وقانون القبول عام يتغشى الحياة الدنيا والآخرة ويشمل الواجبات كالصلاة والصوم، والواجب العرضي بالنذر، والمستحبات كالصدقات المندوبة، كما يشمل الدعاء والطاعات الاخرى التي يؤتى بها بقصد القربة، وفي قانون القبول حث على الطاعات وترغيب بالصالحات وسكينة للنفوس وبشارة الثواب العظيم في الآخرة.

قوله تعالى [وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ]
خاتمة الآية قاعدة كلية فيها وجوه:
الأول: حتمية عالم الآخرة، وحصول البعث والنشور، ووقوف الناس للحساب بين يدي الله عز وجل.
الثاني: وجود ربح وخسارة في عالم الآخرة.
الثالث: بيان اسباب وعلة الخسارة والتي تدل في مفهومها على امكان السعي لإجتنابها، ولابد من وقوع الإجتناب والإحتراز من الخسارة الأخروية في الدنيا، وهذا سر من اسرار الخلق، فالحياة الدنيا دار عمل بلا حساب، والآخرة دار حساب بلا عمل، ولكن الحساب الأخروي متعلق موضوعاً وحكماً بعالم الدنيا، وتذكر الآية بوضوح جلي سبب الخسارة في الآخرة، ومن المضامين القدسية ان الآية ومع قلة كلماتها تذكر السبب والمسبب.
الرابع: تجمع الآية بين عوالم ثلاثة:
الأول: عالم الدنيا وما فيها من العمل والقدرة على الإختيار.
الثاني: عالم الحساب وموازين الأعمال.
الثالث: عالم الجزاء وما فيه من الثواب والعقاب، ولم تكتفِ الآية بذكر العوالم بل بينت منازل الناس فيها لمنع اللبس ودفع الجهالة وطرد الغفلة.
وبعد اخبار الآية عن عدم قبول العمل من الجاحد بسبب اختياره غير الإسلام، أخبرت عن خسارته في الآخرة، فما هي النسبة بين عدم القبول والخسارة في الآخرة، فيه وجوه:
الأول: التساوي، فعدم القبول هو نفسه الخسارة.
الثاني: نسبة العلة والمعلول، فالرد وعدم القبول علة وسبب لحصول الخسارة في الآخرة.
الثالث: عدم القبول أمر منفصل ومستقل عن الخسارة الأخروية.
الرابع: عدم القبول جزء علة للخسارة، ولابد من وجود أسباب اخرى بالإضافة اليه لتقع الخسارة.
الخامس: عدم القبول أمر مركب، فهو سبب للخسارة الأخروية، كما انه بذاته خسارة في الآخرة.
السادس: كل من عدم القبول والخسارة في الآخرة معلول ونتيجة لطلب غير الإسلام ديناً.
والصحيح هو السادس، فحينما يختار الإنسان غير الإسلام عقيدة وملة فانه يواجه رد العمل والخسارة في الآخرة، وهذا لا يمنع من صحة وجوه أخرى، كالوجه الثاني والرابع والخامس اعلاه، لقبح الإختيار وسوء الفعل والإعراض عن النبوة بعد العهد والإقرار بها.
وهل تنحصر علة الخسارة في الآخرة بابتغاء غير الإسلام ديناً ام هي اعم الجواب هو الثاني لتعلق الحساب بجميع أعمال الإنسان في الحياة الدنيا، ولكن اختيار ملة غير الإسلام هو الأصل والسبب الأم في الخسارة الأخروية.

علم المناسبة
ورد لفظ الخاسرين في القرآن اربع عشرة مرة بصيغة الرفع (الخاسرون) وبصيغة النصب والجر (الخاسرين) ثمان عشرة مرة، وهو عدد كثير يدل على لغة الإنذار والوعيد في القرآن، وهذه اللغة رحمة ورأفة بالناس جميعاً لما تتضمنه من معاني التنبيه والتحذير، وضرورة استثمار الحياة الدنيا بعمل الصالحات والنجاة من الخسارة الأخروية.
ومن الآيات انه لم يرد لفظ (الخاسر) بصيغة المفرد، بل جاء دائماً بصيغة الجمع للتنبيه على تعدد أسباب الخسارة وكثرة الخاسرين واجتماعهم في موطن واحد وهو النار عقوبة، وهذا الإجتماع ذاته خسارة من جهة موضعه وما فيه من العذاب الشديد، والإقتران الدائم بأهل الذنوب والمعاصي، وأول شخص من جهة بدأ الخلق وصفه القرآن بانه من الخاسرين هو قابيل ابن آدم[ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ ] ( ) واقترن هذا الوصف ببيان قبح الفعل.
وبلحاظ بدء خلق الانسان بآدم عليه السلام هناك وجوه في المقارنة بين الربح والخسارة:
الأول: تقدم الفوز زماناً لأن آدم عليه السلام من الفائزين.
الثاني: آدم نبي فالفوز ملازم للنبوة، ويلحق بالأنبياء أتباعهم.
الثالث: مع حصول الخسارة لفرد ما فان باب الفوز والربح مفتوح للناس وهو ملازم للشرائع وفرع منها، بل ان اطلاقات التوبة تمنع من حرمان الخاسر نفسه من التدارك.
وقد ذكرت الآيات اسباب الخسارة ولكنها ترجع الى امر واحد وهو الكفر والجحود والشرك [حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ]( ).
فحبط العمل يعني رده وعدم قبوله، ليصير الحبط خسارة ومقدمة للخسارة في الآخرة، كما جاءت الخسارة نتيجة التكذيب بآيات الله، قال تعالى [الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ ]( ).
لذا جاءت هذه الآية بالحث على دخول الإسلام لما فيه من الإنقياد لله تعالى والإمتثال لأوامره، والتصديق بانبيائه والوفاء بالعهود التي قطعها الإنسان على نفسه ازاء النبوة ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته.
وتبين الآية موضوع الخسارة في الآخرة وعدم انحصاره بفقدان وحبط الأعمال، قال تعالى [قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]( )، وخسارة النفس بعدم قبول العمل، والحرمان من الثواب والنعيم الدائم، وخسارة الأهل تعريضهم للأذى والعذاب بسبب ما اكتسبوا وورثوا من مضامين الكفر والجحود، ومن خسارته لهم عدم انتفاعه من اعمالهم، سواء لإجتماعهم معه في النار ان كانوا كفاراً او لعدم ترشح الثواب عليه من عملهم اذا كانوا من الصالحين.
قانون الخسارة
يعتبر الربح والخسارة من الأمور التي تصاحب الإنسان في حياته اليومية والإجتماعية، كما تلازمه معاملات البيع والشراء والكسب لقضاء الحوائج الآنية واغراض الضمان في المستقبل، وهناك ربح وخسارة اكبر يرتبطان بعالم الغيب والشهادة يكون الفعل فيها روحياً ومادياً، اما الأثر فيحمل صفة الخلود والدوام بطرفيه، ومن الآيات في المقام ان الخسارة في المعاملات والمكاسب يمكن تداركها وتعويض ما فات من الأموال، وقد يجد الإنسان في محنته من يساعده ويخفف عنه خسارته او يسقط عنه دينه، اما في الآخرة فتتصف الخسارة فيها بامور:
الأول: لا تنال الشفاعة ومحو الذنوب الخاسرين الذين اختاروا الكفر والضلالة.
الثاني: دوام بقاء الحسرة والندامة.
الثالث: عدم تعلق الخسارة على فعل في الدار الآخرة بل هي اثر اخروي لعمل حصل في الدنيا.
الرابع: استدامة الخسارة، وعدم امكان التخلص منها، فلا عمل في الآخرة ينجي الإنسان من العذاب الذي يأتي عقوبة وجزاء.
الخامس: يدرك الكافر حينئذ انه اختار الخسارة والأذى مع ظهور الدلائل على ان الفوز والربح خلاف ما فعله، فجاءت هذه الآية لهدايته لطريق الصواب والأمن من العذاب.
السادس: عدم تعلق الخسارة بالذات، ففي الدنيا تعود الخسارة على الشخص نفسه، اما في الآخرة فانها تشمل الأهل والأتباع لذا يجري تبادل الذم بين اهل النار، وفي التنزيل حكاية عن الأتباع من اهل النار [رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّارِ]( ).
السابع: تختص الخسارة في المعاملات والكسب في الدنيا بالمال والأملاك وكساد التجارات، اما في الآخرة فانها تعني الخلود في النار، وملاقاة العذاب الشديد، لذا فليس من خسارة أكبر واكثر هولاً من خسارة الآخرة، وقواعد قانون الخسارة ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، انما المطلوب من صاحب الإختيار الخاطئ ان يبدل اختياره ويجتنب الخسارة واحكامها.
وهل يشمل قانون الخسارة عالم البرزخ ام انه خاص بيوم القيامة، الجواب هو الأول باعتبار ان البرزخ من عالم الآخرة بمعناه الأعم، فحالما يدخل غير المسلم القبر فانه يندم على اختياره الضلالة والكفر وتركه لكلمة التوحيد.
وهذا القانون مدرسة عقائدية واخلاقية لتهذيب الأعمال واصلاح النفوس، وعون للتغلب على النفس الشهوية والغضبية ومن الآيات ان احكام وقواعد الخسارة أمر جعله الله عز وجل معروفاً عند الناس، وهذه الآية من اسباب المعرفة والبيان وهي حجة عليهم، ودعوة للتولي والإعراض عن الملل الأخرى غير الإسلام.
وجاءت الآية بأمور:
الأول: ورود لفظ الخاسرين بصيغة الجمع لإفادة الكثرة في اصحاب جهنم واهل الخسارة والضلالة، وهذه الكثرة تحتمل في تأثيرها وجوهاً:
الأول: انسياق الإنسان مع الكثرة وان كانت على ضلالة والإكتفاء بها عن التدبر والتبصر باعتبار ان الكثرة والشهرة شاهد على صحة الفعل، او لا أقل ابتعاده عن الخطأ.
الثاني: الحيطة والحذر من الإندفاع وراء الكثرة لإحتمال انها اجتمعت على اتباع النفس الشهوية وحب الدنيا.
الثالث: ادراك العقل لقبح الفعل الذي اجتمعت عليه تلك الكثرة.
الرابع: وجود كثرة أخرى تلتقي بالإهتداء للإسلام، ومع التعارض في الكثرة في الطرفين يرجع الى مرجحات اخرى، والراجح هو الإنتماء للإسلام والإمتثال لأمر الله تعالى والوفاء بالعهود والإقرار بالتوحيد والنبوة.
الخامس: اعتبار الوعد والوعيد في الإختيار.
والوجوه كلها من المقاصد السامية في الآية باستثناء الوجه الأول اذ جاءت الآية بالتحذير من الانسياق مع الباطل.
الثاني: جاءت الآية بالتبعيض بالحرف (من) بقوله تعالى (من الخاسرين) فلم يرد الوصف لذات الباغي والطالب ديناً وملة غير الإسلام، بل جاء باعتباره من الخاسرين في الآخرة للدلالة على تعدد اسباب الخسارة في الآخرة.
الثالث: تقييد الخسارة في الدار الآخرة، وهذا التقييد لا يعني الحصر وانه في الدنيا ليس خاسراً، بل لبيان هول الخسارة الأخروية وان المدار على الربح او الخسارة في الآخرة، ولزوم الإستعداد للحساب فيها، والا فان قوله تعالى [فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ] يدل على الخسارة في الدنيا ايضاً، وان عدم القبول مقدمة للخسارة الأخروية.
وجاءت الآية لبعث اليأس في قلب الذي يتخذ ملة غير التي امر الله عز وجل بها، ودعا لها الأنبياء على نحو السعي والجهاد والبشارة، فقد يظن الإنسان صحة فعله وفق سنن دين آخر غير الإسلام والإنقياد لله تعالى والتصديق بالنبوة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ليبين له ضياع عمله في الآخرة وعدم انتفاعه منه.
لقد تفضل الله عز وجل وخلق الانسان وجعل الحياة الدنيا دار امتحان وبلاء، ولان الدنيا دار مرور وزوال فان هذا الامتحان ليس مطلوباً بذاته، بل هو وسيلة وسبيل للجزاء يوم القيامة، يدرك كل انسان هذه الحقيقة من وجوه:
الاول: البشارات والانذارات التي جاء بها الأنبياء.
الثاني: مضامين التنزيل القدسية التي تدعو الانسان للايمان وتأمره بالتصديق بالنبوة، وتحذره من الخسارة في الآخرة.
الثالث: آلة العقل التي تجعل الانسان يتدبر في خلق نفسه، ويحرص على طلب السلامة في النشأتين.
الرابع: الآيات الكونية التي تثبت وجود الصانع.
الخامس: رمي بني آدم بآفة الموت ومغادرة الروح الجسد ليعتبر الأحياء من ذات الموت وكونه نهاية حتمية للانسان، ويستحضروا ساعتها الآيات التي جاء بها الأنبياء واخبارهم والكتب السماوية عن عالم الجزاء وما فيه من الثواب والعقاب.
والجزاء في الآخرة يكون على قسمين متضادين متباينيين:
الأول: الفوز بالجنة ثواباً على الايمان وفعل الصالحات.
الثاني: القاء الكافر في النار عقاباً على الكفر والجحود وابتغائه غير الاسلام ديناً ليخسر آخرته ويبوء بغضب الله.
وهل تنحصر مضامين قانون الخسارة بالآخرة أم تشمل الحياة الدنيا، الجواب: انها تشمل الحياة الدنيا ايضاً من وجوه:
الأول: يرد على الكافر عمله ولا يقبل منه.
الثاني: ضياع ايام حياته هباء اذا ان مصاحبة الكفر تطرد الغبطة والسعادة عن الانسان وتجعله في ضيق مستمر.
الثالث: ملازمة الحسرة له لتخلفه عن وظائفه الشرعية والاخلاقية، قال تعالى في ذم الكافر [خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ]( )، وهذه الآية شاهد على صيغة الاطلاق في خسارة الكافر، لأن عدم قبول المنهج والطريقة التي يتخذها ديناً هو خسارة عظيمة ومقدمة للخسارة الاخروية.
وفي ابني آدم قال تعالى [فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ]( )، فمع انه أول الخاسرين من بني آدم الا ان الآية جعلته في زمرة الخاسرين، ولعل فيه اشارة الى الخاسرين من الاجناس الاخرى كالجن.
وقد يرد لفظ (الخاسرين) في القرآن على لسان الكفار في تحريفهم للحقائق واصرارهم على الباطل، ومحاولة تحريض اصحابهم على عدم اتباع الأنبياء.
وفي التنزيل [وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ]( )، والحق ان اتباع الأنبياء هم الفائزون وان الخسارة لن تصيبهم في الدنيا او الآخرة، ومن الآيات وضوح وبيان قواعد ومقدمات قانون الخسارة.
وجاءت بعثة الأنبياء والبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول الكتب السماوية لنفي الجهالة وطرد الغفلة عن الناس في هذا الباب، وليكونوا حذرين من الخسارة الاخروية وحريصين على السعي في دروب الفوز.
فالقصد من الفوز الربح والنجاة من الخسارة، وان اتحد او تعدد الفعل ذو صبغة الصلاح، واذ يسعى الانسان للكسب والربح في التجارة والحرف والمهن، فان الربح آني ينحصر بيومه او سنته او أيام عمره وينفعه وعياله، ولو تعرض للخسارة في عمله فان جهده يذهب سدى وقد يتحمل الديون، ولكن التدارك والربح ممكن إن اصلح عمله واجتهد في المكاسب، أما بالنسبة لقانون الخسارة فانه يتعلق بعالم الاعمال العقائدية والعبادية، وهو علة خلق الانسان وموضوع الامتحان في الحياة الدنيا.

بحث بلاغي
من وجوه البديع “التفويف” وهو اتيان المتكلم بصيغ متعددة من الوصف الحسن او الذم او الإنذار والطلب، وكل واحدة منها بجملة منفصلة عن غيرها، مع تساوي الجمل في الرنة، ويأتي في الجمل القصيرة والمتوسطة والطويلة، (وقيل لم يأتٍ المركب من القصيرة في القرآن)( ).
وجاء هنا في المتوسطة، وجاءت الآية بثلاث جمل، اذ بدأت بالإخبار عمن يقصد ويطلب ديناً آخر غير دين الإسلام، ثم أخبرت بان هذا الدين ان اختاره ودخل فيه فلن يقبل منه.
وجاء الرد على نحو الإطلاق وشموله لأي دين عدا الإسلام، وفيه جذب للناس الى الإسلام، وجعلهم ينفرون عن غيره، ثم اختتمت الآية بذكر حال الذي يختار غير الإسلام وشأنه في الآخرة بانه سيكون من جماعة الخاسرين الذين تكون أعمالهم باطلة، فجمعت الآية في الوصف سوء الإختيار وسوء العاقبة وبينت الملازمة بينهما وهذا البيان انذار اضافي، ووسيلة لإستحضار قهري لحال الإنسان في الآخرة، وادراكه لزوم الإستعداد لها بحسن الإختيار والعمل الصالح.
بحث بلاغي آخر
من البديع والمحسنات المعنوية الإقتدار وهو اتيان المعنى الواحد بعدة صيغ وصور، بما يكون شاهداً على قدرته على نظم الكلام، اما في القرآن فالمعنى أكثر ارتقاء لأنه يتضمن الإعجاز في الإقتدار، ويدل على التباين بين كلام الخالق والمخلوق، وتتجلى هذه الأسرار في قصص القرآن وجميع آياته وما لها من دلالات.
وقد ابتدأت هذه الآية بصيغة الشرط (من) من غير تعيين طائفة او مذهب، لتوكيد ان المسألة قضية شخصية تتعلق بقيام الجاحد باختيار ما يضره في دنياه وآخرته، وابتغاء غير الإسلام ديناً وعقيدة والإشارة بالشرط والقضية الشخصية عنوان الضعف والإنفراد.
وورود ذكر الإسلام في الآية دليل على ان المكلفين يعلمون به ويستطيعون اختياره، فلا غرابة ان تجد التخفيف في دخوله والإنتساب اليه، وسهولة تعلم الفرائض بالإضافة الى العون والمدد في احكام التشريع كما في صلاة الجماعة واستحبابها المؤكد وما فيها من الثواب ومضاعفة الأجر للمصلي، وهي بذاتها عون على اتقان الصلاة وتعلم احكام التلاوة، ومناسبة للتفقه في الدين والإجتماع بالمؤمنين.
وجاء موضوع الزجر عن الشرك والضلالة بصيغ أخرى منها توكيد النبي على عدم ابتغاء غير الإسلام، وحث الناس على عدم الشرك بالله، قال تعالى [قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ]( ).
وقد تقدم قبل آيتين ذم الذين يبغون شريعة ومنهاجاً غير الإسلام قال تعالى [أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ] ويفيد هذا التعدد في صور البغي والطلب تنبيه الإنسان وجعله ينفر من الإختيار السيء، ويحرص على التدبر في الإختيار ويخاف الله عز وجل ويعتبر دخول الاسلام تكليفاً ووظيفة عقائدية يتعلق بها قبول عمله في الدنيا، وحاله في الآخرة.
علم المناسبة
ورد لفظ الإسلام في سبع آيات من القرآن، اثنتين منها في سورة آل عمران وجاءتا مختلفتين في المنطوق متحدتين في المعنى، فالأولى ذكرت [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ] فحصرت الدين القويم بالإسلام وأخبرت عن عدم رضاه تعالى عن اي دين غيره لأن الإسلام يعني الإنقياد والإمتثال لأوامر الله تعالى، اما هذه الآية فجاءت بذات المعنى والمفهوم ولكن بصيغة الإنذار والتحذير والتخويف، وهذه الصيغة مترشحة عن قاعدة كلية في الإرادة التكوينية والتشريعية وهي انحصار الدين والعقيدة السليمة المقبولة عند الله بالإسلام، كما جاء في سورة الأنعام.
ان الميل الى الإسلام وقبول أحكامه مقدمة للهداية والرشاد، قال تعالى [فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ]( )، وجاءت الآية محل البحث في ذات السبيل اي لشرح صدر الإنسان للإسلام وانجذابه له، لأن لغة الإنذار والتحذير السماوي من الشيء تدل على قبحه، فمجيء الآية بذم الملل الأخرى غير الإسلام دعوة لدخول الإسلام وقد اقترنت في القرآن النعمة الإلهية على المسلمين مع دين الإسلام، وهذه الملازمة دعوة اخرى للناس لدخول الإسلام، ومناسبة لبيان المنافع العظيمة التي ينالها من ينتقل الى منازل الهداية والإيمان.
بحث بلاغي
جاءت الآية بحرف النفي والنصب (لن) فلم تقل الآية لا يقبل منه، وفيه وجوه:
الأول: (لن) ابلغ في النفي من (لا).
الثاني: تأتي (لن) لتوكيد النفي، وهذا التوكيد لغة في التحذير، وزيادة في التوبيخ.
الثالث: في الآية اشارة الى استدامة عدم القبول في اختيار غير الإسلام.
الرابع: انبساط عدم القبول على الأفعال التي تأتي مع الإنتماء لغير الإسلام عقيدة وملة، ويتجلى هذا المعنى بتعلق (لن) بالمستقبل واقترانها بالفعل المضارع دون الماضي.
الخامس: الإشارة الى ان الحكم الوارد في الآية قاعدة كلية ثابتة لا تقبل التغيير اوالتبديل.
السادس: جاء عدم القبول بخصوص ما يختاره العبد من الملة والدين المغاير والمخالف للإسلام، ولكن مضمونها اعم فهو يشمل ما يتفرع عنه من الأعمال، فاذا رد الأصل رد ما يتفرع عنه.
السابع: ارادة الانذار والوعيد، ومن اعجاز الآية ان مضامينها مصاحبة للانسان مسلماً كان او غير مسلم، أما المسلم فانه يخاف الوعيد ويشكر الله على نعمة الهداية، وأما الكافر فان الانذار يلازمه ويساهم في دفعه عن منازل الجحود.


قوله تعالى [كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] الآية 86
الإعراب واللغة
كيف: اسم استفهام جاء هنا بصيغة الجحد والتقدير (لا يهدي)، وعن سيبويه ان (كيف) ظرف، ومنصوبة على الظرفية، ولكنه كباقي ادوات الإستفهام يقع في مواقع اعرابية متعددة بحسب موقعه في الجملة، نعم يكون ظرفاً اذا كان جوابه جاراً ومجروراً كما لو قلت “اني على خير” يهدي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء.
الله: فاعل، قوماً: مفعول به.
كفروا: فعل ماضِ، الواو: فاعل، وجملة كفروا صفة لـ(قوما)، بعد: ظرف زمان متعلق بكفروا.
ايمانهم: مضاف اليه، وهو مضاف، والضمير (هم): مضاف اليه.
وشهدوا: الواو: حرف عطف، شهدوا: فعل ماض، الواو: فاعل، وهل هو معطوف على كفروا، ام انه معطوف على الإيمان بارادة معنى الفعل، الأصح هو الثاني، ويمكن اضمار (قد) بعد واو العطف، والتقدير: وقد شهدوا، فتكون الواو حالية.
ان الرسول حق: ان: حرف مشبه بالفعل، الرسول: اسم (ان) منصوب، حق: خبر (ان) مرفوع، وهي في محل نصب بنزع الخافض.
والتقدير: بان الرسول حق.
وجاءهم البينات: الواو: عاطفة، جاءهم: فعل ماض، ومفعول به، البينات: فاعل، والجملة عطف على جملة شهدوا.
والله لا يهدي القوم الظالمين: الواو: استئنافية،الله: مبتدأ، جملة لا يهدي خبر، القوم: مفعول به، الظالمين: صفة القوم.

في سياق الآيات
بعد مجيء الآيات السابقة ببيان قواعد الإسلام، ولزوم محاكاة واتباع المسلمين في الإيمان بالتنزيل مطلقاً، والتقيد باحكامه لأن الإيمان ليس قولاً فقط، بل يتضمن التقيد بأحكام وسنن التنزيل والتي تتجلى بالفرائض والعبادات التي جاء بها القرآن باعتباره الكتاب الجامع للتنزيل، وبعد ان تضمنت الآية السابقة ذم الذي يطلب ديناً آخر غير الإسلام، وبينت سوء عاقبته في الآخرة، جاءت هذه الآية للإخبار عن علة حرمانه من اللطف الإلهي وعدم هداية اهل التولي والجحود، وهي اختيارهم الكفر بعد الإيمان، وتضمنت الآية التالية الإخبار عن طردهم عن رحمة الله، وهذا الطرد اعم من ان ينحصر بعالم الآخرة، فيشمل الدنيا والحجب عن النعم الإلهية.
وفي حرمان الكافر من اللطف الإلهي وجوه:
الأول: الاطلاق والشمول، وان اللطف الإلهي محجوب عنه لكفره.
الثاني: الجهتية، والحرمان منه على نحو السالبة الجزئية.
الثالث: الاستدامة والدوام في الدنيا والآخرة.
الرابع: الحرمان خاص بحال التلبس بالكفر والجحود، بالاضافة الى العقاب الاخروي ان لم يتب.
والصحيح هو الثاني والرابع، فاسباب الجذب الى الايمان مستمرة ومتصلة ومنها هذه الآيات وبقاؤها تدعو الناس الى الهدى واجتناب ابتغاء دين آخر غير الاسلام.
ومن الإعجاز في سياق الآيات أمور:
الأول: ورود الإستثناء من اللعنة والطرد من الرحمة الإلهية، ويشمل الإستثناء اهل الإنابة والتوبة الذين يهجرون الكفر ويرجعون الى الإيمان والصلاح.
الثاني: في الآية تفسير وبيان لموضوع الآية السابقة، وتوكيد حقيقة وهي ان اختيار غير الإسلام، وعدم الإنقياد لأمر الله كفر وضلالة.
ويظهر في هذه الآيات اتحاد الموضوع، لذا ذكر القفال ان الآيات [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ] الى قوله تعالى[ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ] ( )، نزلت في قصة واحدة، اي بلحاظ اسباب النزول، ولكن الآيات اعم كما انها تتعلق بما قبلها والتي تتضمن اعلان المسلمين ايمانهم، وتتصل بما بعدها في دلالة على الإعجاز في نظم القرآن وتداخل معاني آياته، وتعدد الذخائر العقائدية والعلمية التي يتضمنها السياق والجمع بين الآيات المتجاورة وهو علم يستلزم البحث الدقيق عن مفاتيحه، وبينما جاءت الآية السابقة بصيغة الشرط والجامع للمفرد والجمع، جاءت هذه الآية بصيغة الإستفهام والجمع في للاخبار عن وجود قوم اختاروا الكفر والجحود.
الثالث: لم تتكلم الآية السابقة عن هداية الله للناس والتساؤل عن عدم أهلية الكفار للهداية، بل جاءت ابتداء مما يدل على ان الاصل هو الهداية، وتقريب الناس من وجوه الطاعة وتخفيف او ازالة الموانع التي تحول دون الايمان والامتثال للأوامر الإلهية، بل جاء الاستفهام بـ(كيف) ابتداء مما يدل على مجيء الآية لبيان حقيقة في الإرادة التكوينية تؤكد ان الكفار هم الذين يحجبون عن أنفسهم الهداية.
الرابع: بعد ختم الآية بالاخبار عن عدم هداية الظالمين، جاءت الآية التالية بالاخبار عن استحقاقهم اللعنة والطرد من رحمة الله، وهذا الطرد جزاء وعقاب إلهي بسبب الجحود والاعراض والتولي.
الخامس: بعد بيان اللعنة واطلاقها جاءت الآية بعد التالية بالاخبار عن خلود الكفار في الجحيم لتوكيد حقيقة بان من يهتدي ينجو من العذاب، ومن يبقى على الكفر تنزل عليه اللعنة ويكون خالداً في النار.
اعجاز الآية
لقد بينت الآية قاعدة في الإرادة التكوينية وهي هداية الله عز وجل للإنسان في مسالك الإيمان والصلاح والتقوى، وهذه الهداية ليست عامة ومطلقة بل يستثنى منها اهل الكفر والجحود، لتفتح الباب للدراسات الكلامية في بيان عظيم فضله تعالى بهداية الناس وتيسير سبل الإيمان والثبات عليه.
ومن إعجاز الآية انها تتضمن في مفهومها الإخبار عن وقوع الإنكار لنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيها دعوة للإستعداد للذب عن الإسلام ومواجهة التعدي والظلم، واجتناب التهاون وعدم اخذ الحائطة للدين والذب عن النبوة والإسلام بظن هداية الكفار، فقد اخبرت الآية عن بقائهم على الكفر واصرارهم على الظلم.
وبدأت الآية باسم الإستفهام (كيف) لإرادة النفي، ودعوة الناس للتدبر في الموضوع والحكم، مع الإقرار بقدرته تعالى على هداية الناس جميعاً، ولكن الذين كفروا حجبوا عن انفسهم نعمة الهداية عند اختيارهم الجحود وعدم الإقرار بالربوبية لله تعالى، وتوليهم عن النبوة واحكامها، واظهرت الآية الحجة التامة عليهم لأنهم لم يكفروا الا بعد ان جاءهم الأنبياء بالآيات الباهرات والتي تجعل الإنسان يدرك وجوب عبادته تعالى.
وتدعو الآية الى بيان النسبة بين الذين كفروا بعد ايمانهم وبين الظالمين وهي العموم والخصوص المطلق، فكل كافر هو ظالم وليس العكس باعتبار ان الهداية محجوبة عن الظالمين، والذين كفروا ظالمون لأنفسهم، ومع ان البينات جمع مؤنث سالم فان الآية وردت بصيغة التذكير (جاءهم البينات) ولم تقل جاءتهم البينات كما في قوله تعالى [ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ] ( ).
وصيغة التذكير تدل على موضوعية الآيات واهليتها للحجة وكفايتها للإستدلال على وجوب عبادة الصانع وتصديق الأنبياء، وتبين الآية سبق الايمان والاقرار بالتوحيد، وان الكفر أمر عارض يطرأ بسبب غلبة النفس الشهوية والاعراض عن الآيات.
ويمكن ان نسمي هذه الآية بآية (كيف يهدي) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية.

الآية سلاح
في الآية ارتقاء للمسلمين في المعارف الإلهية لأنها تبين جانباً من احكام الهداية وعلة حجبها عمن لا يستحقها، وكيف يأتي هذا الحجب ورجوعه في اسبابه الى ذات المكلف الذي اختار الكفر والضلالة واعرض عن:
اولاً: العهد والإقرار الذي قطعه على نفسه بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
ثانياً: الآيات والمعجزات التي جاء بها الأنبياء والتي تؤكد صدق نبوتهم وتدعو الناس للإيمان بالله، والإبتعاد عن الكفر والجحود.
ثالثاً: بعثة الأنبياء وحثهم الناس على الإيمان بالله ونبذ الكفر والضلالة.
رابعاً: الوحي والتنزيل، اذ تفضل الله سبحانه بانزال الكتب لتكون سبباً للإيمان، ودعاء سماوياً يتضمن الأحكام الشرعية، وسنن الحلال والحرام.
والآية حجة وبرهان في الإحتجاج على غير المسلمين، وفيها تخفيف عن المسلمين من وجوه:
الأول: الإحتجاج على الذين اختاروا الكفر بعد الإيمان، وما في هذا الإختيار من القصور والغفلة والجهالة.
الثاني: ترتب الأثر العاجل على الجحود.
الثالث: وجوب الثبات على الإيمان، وعدم تركه وهجرانه.
الرابع: ذم وتقبيح انكار الشهادة بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الإقرار بها.
ومجيء الآية بصيغة الجمع بعث للقوة وعدم اليأس في نفوس المسلمين ومنع من خشية الكفار وكثرة عددهم، وهذا المنع لا يتعارض مع ما تدل عليه صيغة الجمع ذاتها من لزوم اليقظة والحذر وأخذ الحائطة من الذين كفروا، وفيها تعضيد للمسلمين بان اعداءهم شهدوا بصدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومنع من خشية الكفار وكثرة عددهم، وتوكيد بان الأعداء شهدوا بصدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم خالفوا الشهادة، ونقضوا عهودهم.
الآية لطف
في الآية زجر عن الكفر، وهذا الزجر لطف مركب من وجوه:
الأول: لطف بالمسلمين من جهات:
الأولى: ما فيه من التفقه في الدين ومعرفة قواعد كلية من الإرادة التكوينية.
الثانية: معرفة اسباب حجب الهداية عن الكافرين.
الثالثة: معرفة عدم استعصاء أي مسألة على الله عز وجل.
الرابعة: العلم بحال الكافرين وانهم لم يختاروا الكفر الا بعد قيام الحجة عليهم.
الخامسة: عدم انحصار الشهادة على صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين بل هي عامة وشاملة لغيرهم.
السادسة: النفرة من الظلم واهله لأنه برزخ دون الهداية.
السابعة: العلم بادراك الكفار للمعجزات والآيات التي تؤكد صدق النبوة، وهو أمر يساعد المسلمين في الإحتجاج، ولغة البرهان.
الثاني: لطف بالكافرين والجاحدين من جهات:
الأولى: الإخبار القرآني عن حرمان الكافرين من الهداية.
الثانية: نفرة النفوس من الكفر، فالذي يصر على الجحود يبغض الجحود ذاته لأنه مانع من الهداية.
الثالثة: تذكير الكافرين بشهادتهم على صدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واقرارهم بنبوته.
الرابعة: حثهم على استحضار المعجزات والبينات.
الخامسة: تلقي الإنذار والوعيد والتخويف من الكفر.
الثالث: في الآية لطف عام بالناس من جهات:
الأولى: الإقرار بحقيقة وهي ان الكفر ظلم.
الثانية: ادراك ضرورة تعاهد الشهادة والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واجتناب الجحود بها.
الثالثة: اجتناب شهادة الزور والبهتان وانكار الحقائق.
الرابعة: ادراك الحسن الذاتي للإيمان وتفضله تعالى باعانة الناس عليه، فالإيمان لطف وفضل منه تعالى، ويناله من يبتعد عن مواطن الجحود والشرك، ومن اللطف في الآية انها تبين حجب الألطاف الإلهية عن الذين اختاروا الكفر، ليكون هذا البيان دعوة للناس جميعاً ووسيلة للحرص على نيل الألطاف بحسن الإنقياد لأوامر الله عز وجل.
مفهوم الآية
من صفاته تعالى انه (الهادي) فهو الذي يهدي الناس لدروب الإيمان، ويأخذ بايديهم في مسالك الطاعة ويعينهم على اداء العبادات والواجبات، وهذه الحقيقة يؤكدها مفهوم الآية باعتبار ان حجب الهداية عن قوم مخصوصين يتعلق بعلة ونقص ذاتي عن اللحوق باسباب الهداية، فجاءت الآية لتحث المسلمين على البقاء في منازل الإيمان وحرمة الإنتقال عنها، وتبشرهم بزيادة الهداية والرشاد.
وحينما تخبر الآية عن غلق باب الهداية بوجه الذي جحدوا وكفروا فانها تدل في مفهومها بان الباب مفتوح لمن لم يكفر بالله ولا يجحد بالآيات، ومن مفاهيم الحجة على الناس ان الإيمان والكفر ليسا بعرض واحد كي يشتبه الإنسان او يتردد في الإختيار او يلتبس عليه الأمر، بل ان كفة رجحان الإيمان ظاهرة وجلية لكل ذي عينين قبل ان تصل النوبة الى توظيف العقل، وادراكه للكليات واليقينيات التي تؤكد وجود الصانع وضرورة عبادته وطاعته.
وتحذر الآية من انكار الشهادة بالنبوة، والتخلي عن مضامينها لأنها عهد وميثاق عقائدي تتقوم به الحياة الدنيا، وله موضوعية في عالم الحساب، وجاءت هذه الآية لتوكيد اثره في الهداية باعتبار ان التقيد بالشهادة والإقرار بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبيل للإيمان واجتناب دروب الضلالة والغواية، وحجب الهداية عن الظالمين يؤكد في مفهومه قبح الظلم، والدعوة الى اجتنابه باعتباره برزخاً دون الهداية، وليس من نعمة احسن من نعمة الهداية والإيمان، وفي الآية مسائل:
الأولى: الإنذار والتخويف من الكفر.
الثانية: الكفر حاجب دون تلقي الهداية.
الثالثة: كثرة الكفار لا تدل على صحة فعلهم.
الرابعة: الكفر اختيار فاسد يضر باهله.
الخامس: التناقض والتنافي بين الهداية والكفر.
السادس: القبح الذاتي للكفر، وازدياد هذا القبح حينما يأتي متعقباً للإيمان.
السابع: في الآية اخبار عن حصول الكفر والفسوق بعد تحقق ثلاثة امور وهي:
الأول: الإيمان والتسليم بالربوبية لله تعالى.
الثاني: الإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانه النبي الذي بشر به الأنبياء السابقون.
الثالث: مجيء الآيات البينات التي تدل على نبوته، وتؤكد صدق رسالته، ولزوم الإعتراف بها، وكل واحد من هذه الأمور حجة في لزوم اجتناب الكفر والإنزجار عن مفاهيمه، فكيف وقد جاءت مجتمعة، وهذا الإجتماع دليل على عظيم فضل الله على الإنسان، وتعدد اسباب الهداية والإيمان.
وتبين الآية في مفهومها انتفاء وجود اي سبب يدعو الإنسان للكفر والضلالة، فمع وجود المقتضي للإيمان، وانتفاء المانع منه يجب على الإنسان تعاهد الإقرار بالنبوة، فكيف بمن يخالف الواقع وموازين العقل، وينقض العهود ويتبع الهوى، ويركب جادة العناد والغواية.
وتدل خاتمة الآية على ان الكفر بعد الإيمان ظلم، وهذا الظلم متعدد الجوانب في موضوعه وحكمه.
ومع قلة عدد كلمات الآية فانها تضمنت وجوهاً عديدة لذم الكفار وهي:
الأول: صيغة الإستفهام والإنكار في عدم هداية الكافرين.
الثاني: الهداية العامة للناس بيد الله عز وجل، وهي محجوبة عن الكفار، وهل هذا الحجب دائم ام متعلق بالكفر الجواب هو الثاني، فالحجب ملازم للتلبس بالكفر والجحود.
وحجب الهداية ذم وتقبيح لبيان الحرمان من اعظم النعم والتي لا ينحصر اثرها في الدنيا بل هي مدخل ومقدمة للنعيم الدائم في الآخرة.
الثالث: حصول الكفر بعد الإيمان عند أهل الجحود، مما يعني انعدام عذرهم في الدنيا والآخرة، فالأصل والواجب الشرعي والعقلي هو استدامة الإيمان وعدم ترك منازله.
الرابع: مجيء الكفر بعد الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلقي البشارات بها ورؤية الآيات الدالة على صدق نبوته.
الخامس: توجه البينات والآيات للناس عامة، وللكفار خاصة في لزوم الإيمان واجتناب الكفر وما فيه الضلالة والخسران.
السادس: بيان قاعدة كلية وهي حرمان الظالمين من الهداية، والكفر اشد وجوه الظلم واكثرها قبحاً.
ويمكن ذكر مضامين الآية على نحو التفصيل في وجوه:
الأول: الاخبار بصيغة الاستفهام عن عدم أهلية الكفار للهداية ليس لعدم وجود المقتضي بل لوجود المانع، وهذا المانع يحتمل وجوهاً:
اولاً: يتعلق المانع بقوانين الهداية العامة.
ثانياً: المانع خارجي بما حول الكافر وما له من الشأن.
ثالثاً: المانع الذاتي الخاص بشخص الكافر.
والصحيح هو الأول والثالث، فالله عز وجل لا يهدي الكافرين بالمانع الذاتي واختيار الكافر للضلالة والجحود.
الثاني: بدأت الآية بذم وانذار الكفار وانتهت بالمعنى الأعم وهم الظالمون، لذا ورد قوله تعالى [كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ] وفيه أمور:
اولاً: مجيء الكفر بالاختيار.
ثانياً: الكفر علة عدم الهداية.
ثالثاً: قيام الحجة عليهم لبلوغهم مراتب الايمان ثم نكوصهم عنها.
الثالث: مجيء الآية بصيغة الجمع مما يدل على سبق الايمان وعدم تخلفه عند كل انسان، وفيه حرز وواقية للمسلمين، واخبار بضلالة الكفار وقيام الحجة عليهم.
الرابع: موضوعية واعتبار نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الناس جميعاً وتعدد اسبابها ومجيؤها بالميثاق والعهود، وبعد البعثة جاءت الآيات العقلية والنقلية التي تؤكد ان نبوته حق وصدق وهي حجة ودعوة للزوم الايمان بنبوته.
الخامس: يمكن تأسيس قاعدة ونتيجة من الآية وفق القياس الاقتراني:
الكبرى: الله لا يهدي القوم الظالمين.
الصغرى: الذين كفروا بعد ايمانهم من القوم الظالمين.
النتيجة: الله لا يهدي الذين كفروا بعد ايمانهم.
وجاءت الآية بثلاثة اسباب لحجب الهداية:
الأول: الكفر بعد الايمان.
الثاني: الشهادة بان الرسول حق قبل اختيارهم الكفر.
الثالث: مجيء البينات والحجج.
ويكفي لاقامة الحجة على الكافرين اختيارهم الكفر، ومع هذا جاءت الآية بذكر حقيقة وهي عدم حصول الكفر الا بعد أمور:
الأول: الايمان بالله والاقرار بالصانع.
الثاني: الاعتراف بوجوب النبوة، والتصديق بالرسول وما جاء به من الآيات.
الثالث: مجيء الآيات والبراهين التي تدل على التوحيد وصدق النبوة.
ومن منافع البينات هنا وجوه:
الأول: تثبيت الايمان وبعث السكينة في النفوس.
الثاني: طرو الشك والريب ليكون الكفر أمراً بعيداً ولا يحصل الا مع ارادة ظلم الذات والغير.
الثالث: توكيد صحة النبوة وصدق الأنبياء، ومن اللطف الإلهي بالنبي والناس ان تكون المعجزة مصاحبة له.
الرابع: البينات والآيات لطف إلهي ورحمة بالناس جميعاً.
ومن الآيات صيغة التتابع والتقديم والتأخير في الحجج والبراهين ومراتب الايمان، وقدمت الآية الايمان بقوله تعالى [بَعْدَ إِيمَانِهِمْ]، وفيه حجة بان الاصل هو الايمان بالله تعالى والاقرار بالتوحيد ولزوم طاعة الله تعالى.
ولم تأت الشهادة بالنبوة الا بعد الايمان بالله عز وجل باعتبار ان النبوة والرسالة فرع التوحيد، وجاءت الشهادة بالنبوة بصيغة الجمع، وفيه دلالة على ان الاصل هو عدم وجود منكر بين الناس للتوحيد والنبوة، وليس من استثناء في تأريخ الانسانية يخرج من الايمان والاقرار بالنبوة، ومن اللطف الإلهي ان يكون الاصل هو ايمان جميع الناس بالله والنبوة، واختيار شطر من الناس الكفر فيما بعد ظلم للذات والغير.
وبعد الاقرار بالتوحيد والرسالة جاء ذكر البينات مما يدل على تقدم الايمان والاقرار بالنبوة على البينات، والدلائل القاطعة بوجــوب الاقــرار بالعبودية لله تعالى والتصديق بالنبوة، فالبينات ليست علة تامة للايمان ولم يتعلق عليها كتوقف المعلول على العلة، والمسبب على السبب، بل جاءت البينات اتماماً للحجة وتثبيتاً للناس في مسالك الايمان لاجتناب الكفر، وبرهاناً عقلياً للنفرة من الضلالة والظلم العقائدي للنفس والغير.
إفاضات الآية
تبين الآية ما للإيمان من الإشراقة والإضاءة على القلوب المنكسرة، وتجعل النفوس تميل الى الإسلام وتحرص على التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا التصديق ليس ابتدائياً بل هو استمرار للإقرار والعهد الذي اخذه الله على الناس بلزوم الإيمان بنبوته ونصرته كما تقدم في تفسير الآية الواحدة والثمانين من هذه الآية.
وتبين الآية وجود قواعد كلية للهداية وضوابط يجب ان تتوفر بمن يهديه الله عز وجل للإيمان، وهل الأصل وجودها عند الإنسان ام لابد من اكتسابها، الجواب هو الأول، لأن اختيار الكفر امر عرضي يأتي بسبب مقدمات خاطئة او مباني غير سليمة، وتحذر الآية من الكدورات التي تمنع وصول الفيض الإلهي، وتحول دون رؤية التجليات وتلمس دروب الصلة بين عالم الشهود وعالم الغيب.
لقد أراد الله عز وجل ان يسافر الناس بالإيمان الى عالم الملكوت ويكونوا في حضرة الغفور الرحيم، ويرتقوا في سلم الكمالات، وهذا السمو لا يستحقه الكافر الذي اصر على العناد وتخلف في منازل النفس البهيمية وغلبت شهوته على عقله، وطلب غشاوة تكون على بصره وأدار ظهره للآيات والبينات، فجاءت هذه الآية بذمه ليحذره المسلمون، ويعلموا ما ينتظره من العقاب الأليم.
والهداية عنوان لحب الله للعبد، وتقريبه من طاعته، والكافر اختار الإبتعاد عن هذه المحبة بالتولي والإدبار عن البينات ومعجزات النبوة، وظلم نفسه بحرمانها من درجات القرب، واختار الغياب عن عالم الشفاعة وما فيه من الآيات، لأن تكذيب المعجزات، وجحود الشهادة بالنبوة يحجب الشفاعة، فيحرم الكفر صاحبه من نعمة الهداية في الدنيا، ونعمة الشفاعة في الآخرة، ومجيء هذه الآية بذم الكفر والظلم دعوة للفرار الى الله والإقامة في منازل الخشوع والخضوع لله تعالى، وتجديد الإقرار بالنبوة.
أسباب النزول
في سبب نزول هذه الآيات أقوال:
الأول: نزلت في رجل من الأنصار يقال له: حارث بن سويد بن الصامت. وكان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا، وهرب وارتد عن الإسلام، ولحق بمكة ثم ندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل لي من توبة ؟ فسألوا. فنزلت الآية إلى قوله ( إلا الذين تابوا ) فحملها إليه رجل من قومه، فقال: إني لأعلم أنك لصدوق، ورسول الله أصدق منك، وأن الله أصدق الثلاثة. ورجع إلى المدينة، وتاب، وحسن إسلامه، عن مجاهد والسدي( )، وهو المروي عن الإمام الصادق عليه السلام.
الثاني: نزلت فيمن كان يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من اهل الكتاب قبل بعثته، ثم جحدوا بها بعد البعثة، حسداً وبغياً، عن الحسن والجبائي.
الثالث: اخرج النسائي وابن حبان وابن أبى حاتم والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجل من الانصار فاسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين ثم ندم فارسل إلى قومه أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة فنزلت كيف يهدى الله قوما كفروا بعد ايمانهم إلى قوله فان الله غفور رحيم فارسل إليه قومه فاسلم( ).
وتتضمن الآيات قواعد كلية فهي اعم من اسباب النزول، وتدعو الى نبذ الكفر والجحود وتبين اضرار الكفر على صاحبه في الدنيا، وما يلحقه من الخسارة بسبب البغي والاصرار على الجحود والتعدي.
التفسير
قوله تعالى [كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا]
تأتي كيف على وجهين:
الأول: الإستفهام، وهو اصل استعمالها ويكون اعرابها بلحاظ موضعها من الجملة، فقد تكون مبتدأ او خبراً او حالاً او مفعولاَ مطلقاً، وقد تكون ظرفاً.
الثاني: الشرط، اذا تضمنت معناه، وقيل لا يكون شرطها وجوابها الا فعلين متحدين لفظاً ومعنى، كما في قولك “كيف تصلي اصلي” ولكن قد يكون جواب الشرط محذوفاً كما في قوله تعالى [هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ] ( ).
وهذا التقسيم استقرائي الا انه لا يعني الفصل التام بين المعنيين، صحيح انه تصح قسمة لفظ (كيف) وفق الصناعة النحوية الى اسم استفهام، واسم شرط بلحاظ موقعه في الجملة الا ان معناه أعم فيتداخل معنى الإستفهام والشرط في لفظ (كيف) عندما يرد في الآية بحسب الدلائل القرآنية والمعاني القدسية والمضامين الإعجازية التي تستنبط وتقبس منه، وهذا سر من أسرار اللفظ القرآني، وفيه دعوة للغوص في بحار انواره واستخراج شطر من كنوزه لتضاء دروب الفلاح، وتنال رحمته تعالى بالهداية الى الإيمان واختيار الإسلام والإنقياد والخشوع لله تعالى.
والقول باعراب لفظ (كيف) بانه اسم استفهام لا يمنع من وجود شائبة الشرط فيه، فيكون معنى الآية على وجوه:
الوجه الأول: بلحاظ ان كيف اسم استفهام يكون المعنى على اقسام:
الأول: بيان انعدام مادة وموضوع الهداية، وان الذين كفروا حرموا انفسهم من اسباب الهداية، لأن المكلف في المقام يكون على شعب:
الأولى: من آمن بالله وصدق بالأنبياء وتعاهد الأقرار والعهد بتصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
الثانية: الذي آمن بالله والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان يتطلع الى بعثته ولكنه حينما بعث جحد بنبوته.
الثالثة: الذي اختار الكفر والجحود بالربوبية، وانكر النبوات.
الرابعة: الكافر الذي هجر مواطن الكفر عند بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورؤيته الآيات التي جاء بها، فبادر الى الإسلام، واخلص في ايمانه.
الخامسة: الإنسان الذي ظل متردداً لم يختر الإيمان او الكفر، وكذا الذي لم تصله دعوة الإيمان مع بقائه مجتنباً للكفر.
الثاني: الإخبار عن الملازمة بين عدم قبول اعمال الذي يطلب ويختار ديناً غير الإسلام ويجحد بالإقرار بالله والربوبية، وبين عدم الهداية.
الثالث: دعوة الناس للتدبر في الأسباب التي تحرم الإنسان من الهداية.
الرابع: الإخبار عن عدم قبول المحل للهداية، فقد اغلق الكافر قلبه عن دعوة الإيمان، ونقض العهود وانكر الآيات، فحجب عن نفسه تلقي مقدمات الهداية، ولا يتعارض هذا الأمر مع قدرة الله تعالى على هدايته، فالله عز وجل قادر على كل شيء فلو شاء لهداه للإيمان لأنه سبحانه لا تستعصي عليه مسألة، ولكن الأمر جزء من موازين الإبتلاء في الدنيا، وقواعد الإمتحان فيها، بان يكون بمقدور الإنسان نيل شآبيب الرحمة بوجوه الهداية وسبل الإعانة على الإيمان، فجاء السؤال بـ(كيف) لمعرفة بعض قوانين الإرادة التكوينية في المقام.
الوجه الثاني: تضمن الإستفهام (بكيف) معنى الإنكار، وتعلق الإنكار بذات الكفار بما يدل على التوبيخ والتقبيح لإختيارهم الكفر والجحود، وهذا التقبيح مركب من اقسام وهي:
الأول: اختيار القوم للكفر والجحود.
الثاني: تركهم للإيمان مع موافقته للعقل والنقل وادراك الحواس.
الثالث: مجيء اختيارهم الكفر بعد الإيمان، والإقرار بصدق نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورؤية الآيات.
الوجه الثالث: اعتبار (كيف) اسم شرط، والنسبة بين الإستفهام والشرط ليس التنافي والتضاد كي يمتنع اجتماعهما بل هناك تداخل بينهما في المقام، والأصل والظاهر في معنى كيف في المقام هو الإستفهام الا انه يتضمن معنى الشرط ايضاً بلحاظ انتفاء اسباب الهداية عند الكفار والتي تكون شرطاً في نيل العبد لها وقرب آيات اللطف والفيض الإلهي منه، ان صيغة الشرطية في المقام تدعو الناس للتدبر بأسباب الهداية والفصل بين الإيمان والكفر، وتعيين القدر المتيقن الذي تحجب معه الإعانة والمدد لنفاذ الإيمان الى القلب والجوانح.
فمن الآيات في المقام ان التوفيق والإقتراب من رحمة الله ومقدمات الهداية لا تحتاج من الإنسان السعي والكسب المتضمن للمشقة والحرج، بل انه يستلزم عدم اختيار الكفر والضلالة، لأن هذا الإختيار برزخ دون الإيمان وسبب لإبتعاد الذات عن مواطن الفضل الإلهي، وفعلاً فانك ترى الكافر يبادر الى الصدود والجدل واثارة الشبهات الأمر الذي يحول دون تدبره بالآيات واستحضاره للإقرار بالنبوة والعهود التي اخذت عليه وعلى آبائه بلزوم التصديق بالأنبياء جميعاً وما جاءوا به من عند الله.
وفي ورود (كيف) في المقام اسرار عقائدية واخلاقية بلحاظ المعنى المتحد والمتعدد من وجوه:
الأول: المفاهيم المستنبطة من افادة (كيف) معنى الإستفهام.
الثاني: دلالات الإنكار بلغة الإستفهام في الآية، وهذا الإنكار مركب في جهة الخطاب فالآية وان جاءت بصيغة الإنشاء الا انها تتضمن الخبر وتوكيد حقيقة وهي حجب الهداية عن الكفار لسوء اختيارهم، وهذا الحجب لم يقصد به ذات الأشخاص بل موضوع الكفر، فهناك ملازمة بين الكفر وامتناع ورود اسباب الهداية، للتناقض الثابت بين الكفر والإيمان فانهما لا يجتمعان في موضع واحد، ولا يرتفعان فلابد من اختيار احدهما، لذا فانه لا برزخ بين الإيمان والكفر، ومجيء الآيات وبعثة الأنبياء من مصاديق انتفاء البرزخ بينهما، وهذا الإنتفاء لطف الهي بالناس، لأنه عنوان التذكير بان الحياة الدنيا دار امتحان وبلاء ولابد للإنسان ان يختار مقامه في الآخرة اما في الجنة او في النار.
الثالث: مضامين الإستفهام الإنكاري، وما يدل عليه من عدم وجود علة لإنتفاء اسباب الهداية.
الرابع: دلالة الشرط على لزوم التخلي عن الكفر، ليكون هذا التخلي مقدمة لنيل اللطف الإلهي، وباباً لتلقي اسباب الهداية.
الخامس: اجتماع الإستفهام والإنكار، ومن مفاهيم حث الإنسان على التدبر في الأمر، وهذا الحث يشمل:
اولاً: الكافر ولزوم معرفته بعظيم ذنبه وخطئه ودعوته للتدارك باعتباره وسيلة لإكتساب المعارف ونزول الرحمة الإلهية.
السادس: اجتماع الإستفهام مع الشرط وفيه وجوه:
الأول: بيان القواعد الكلية والضوابط العامة في الهداية.
الثاني: الإشهاد على تخلف الكفار عن وظائفهم، وما يلحق بهم من الأضرار بسبب سوء اختيارهم وظلمهم لأنفسهم.
الثالث: عدم تلقي اسباب الهداية مع البقاء في منازل الضلالة والغواية، والذي يدل في مفهومه على نيل مراتب الهداية والرشاد الى سبل الإيمان بالتخلص من الكفر واجتناب الجحود لقاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وهي قاعدة عقلية وشرعية.
فالكفر مانع من تلقي اسباب الهداية، فاذا انتفى وزال هذا المانع تتنزل الرحمة على العبد لأنه يصبح مؤهلاً لتلقي مضامين اللطف، وقادراً على التدبر بالآيات ومعرفة ما يجب عليه فعله وضرورة الإمتثال للأوامر الإلهية، وما يلزمه تركه من النواهي والمحرمات.
السابع: اجتماع الإنكار مع الشرط، وهو عنوان للزجر عن الكفر وحث على اجتنابه، لأن الإنكار يدل على القبح الذاتي للكفر، والشرطية تبين ما يسببه الكفر من حجب مصاديق عديدة من الفضل الإلهي تكون حاجة للإنسان في الدنيا والآخرة.
ان معاني (كيف) المتعددة تعطي درساً للناس جميعاً سواء باخذ كل معنى على نحو الإستقلال او في حال الجمع بينها، وهذه الدروس لا تنحصر بالكفار والجاحدين بل تشمل المسلمين واهل الكتاب والناس جميعاً، كل فريق يتلقى تلك الدروس بنحو يختلف نسبياً عن تلقي الفريق الآخر والنسبة بين تلقي كل اهل ملة والملة الأخرى عموم وخصوص من وجه.
وجاءت الآية بصيغة الجمع (قوماً) وهو جمع لا مفرد له من لفظه وفيه وجوه:
الأول: فيه دلالة على التعدد والإتحاد في الكفر، التعدد في افراد الذين ابتغوا ديناً غير الإسلام، والإتحاد فيما بينهم على نحو الملة والمذهب والجماعة.
الثاني: حجب الهداية عنهم بلحاظ الجماعة، فتراهم يفرحون بما عندهم ويظنون انه يقربهم الى الله مع انهم تركوا الواجب ونقضوا العهود.
الثالث: الإنذار من اهل الجحود والكفر، والتنبيه عن ضررهم وسوء اثرهم، ولزوم الحذر والحيطة منهم، فان الضرر الذي يصدر من الجماعة المناوئة اكثر من الضرر الذي يأتي من الفرد، فلم تقل الآية (كيف يهدي الله من كفر بعد ايمانه) بل جاءت بصيغة الجمع على نحو واضح وظاهر.
الرابع: ان الله عز وجل لا يحتاج احداً، وكثرة اهل الكفر والجحود تضر انفسهم، وجاءت الآية لوقاية المسلمين من كيدهم وأذاهم.
الخامس: جاء الإستفهام الإنكاري في الآية لبعث اليأس في قلوب الكافرين، واقامة الحجة عليهم والمراد بكيف هنا اي لا تكون الهداية من الله للكفار.
السادس: الآية عون للمسلمين للثبات في منازل الإيمان، وسلاح للإحتجاج على الكفار وبيان وجود النقص فيهم.
والكفر لا يغلب الإيمان، والله قادر على ان يطرد الكفر ليحل الإيمان محله، ولكنه اراد من العباد ألا يتجهوا صوب الكفر ويعرضوا عن الآيات والمعجزات، وحينما يختار شطر منهم الكفر تأتي هذه الآيات لتقبيح فعله وانذاره بالعذاب الشديد في الآخرة، وبيان استحقاقه للعذاب.
وتبين الآيـة بعض القــوانين الســماوية والإرادة التكــوينية بان الله عز وجل لا يهدي الكافر الذي اختار الكفر والجحود بعد الإيمان ورؤية الآيات والمعجزات، وتدل في مفهومها على ان الهداية فضل الهي نازل للناس كافة الا الذين حجبوا عن انفسهم هذه النعمة، وبخصوص مدة وزمان هذا الحجب وجوه:
الأول: استقرار واستدامة الحجب والحرمان من الهداية بالنسبة لمن اختار الكفر، وان رجع عن كفره.
الثاني: اتصاف الحرمان من الهداية بالتزلزل وعدم الإستدامة فهو أمر مرهون وملازم للكفر.
الثالث: مجيء الهداية حتى في حال الكفر فضلاً منه تعالى، وهذه الهداية على وجوه:
الأول: عامة وشاملة للقوم الكافرين مع تباين مللهم، فيصبح الناس جميعاً في ساعة واحدة مؤمنين.
الثاني: خاصة بجماعة معينة او أهل قرية او بلدة، او اتباع ملة مخصوصة.
الثالث: الهداية الفردية لشخص بذاته، تأتيه لتنقله من منازل الكفر والجحود الى الإسلام واشراقاته المباركة.
وكل هذه الوجوه ممكنة، والله تعالى لا تستعصي عليه مسألة، ولكنه سبحانه اخبر في محكم كتابه بانه [ُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( )، لتتجلى مفاهيم غناه وقوته تعالى، وعظيم قدرته وسلطانه، وفي الآية ترغيب بالهداية الى صراط مستقيم والتطلع الى رحمته تعالى، وادراك حقيقة وهي موضوعية فضله تعالى على العبد المهتدي، وهذا الإدراك باب للتنزه عن الغرور والظن بان الإنسان اهتدى الى سبيل الرشاد بذاته بل ان الله عز وجل هو الذي هداه بالآيات والبراهين الكونية والشخصية وبعثة الأنبياء ونزول الكتب عليهم، ومصاحبة المعجزات لهم وكأنها ظل لهم في الليل والنهار.
ومن صفة المعجزة ان تكون كالظل في وقت ومكان يغيب فيهما الظل والفيء ليبعث ظلها الضياء في المكان ويملأ الخافقين بآيات التوحيد، فان قلت ان المعجزات والآيات هداية للناس ومنهم الكفار، فكيف تنفي الآيات هداية الله للكافرين، والجواب المراد بالكافرين الذين رأوا الآيات وجحدوا بها لذا اكدت هذه الآية على مجيء البينات والدلالات الباهرات.
وهل تنفي نسبة الهداية الى الله وظيفة العقل، الجواب لا، ولكن العقل رزق منه تعالى، من وجوه:
الأول: ذات العقل نعمة من عند الله.
الثاني: الإنتفاع من العقل نعمة اضافية، فقد يجعل الإنسان عقله تابعاً لشهوته، ويغلب عليه حب الدنيا واللهث وراء لذاتها، ومن الهداية الإلهية ان يكون العقل متغلباَ على الشهوة.
الثالث: توظيف الآيات والإلتفات الى المعجزات وجعلها مادة لعمل العقل، ووسيلة للهداية والرشاد.
الرابع: تعاهد الربط والصلة بين الحواس والعقل، فمن الآيات ما هو حسي، ولكنه شاهد على التوحيد ولا يخلو من صبغة عقلية كدليل وحجة، فالعقل رسول باطني يدعو الإنسان الى الإيمان ونبذ الكفر والشرك والضلالة.
بحث بلاغي
الإنشاء لغة هو الإبتداء والإيجاد، يقال انشأ السحاب يمطر اي بدأ، وانشأ فلان داراً للأيتام: اي بنى وأسس، واستعمل لفظ الإنشاء في الكلام على نحو المجاز لأن الكلام عرض يقال “فلان ينشيء الأحاديث اي يضعها”( ).
وقسم الكلام الى قسمين:
الأول: الخبر. الثاني: الإنشاء.
والأول يحتمل الصدق والكذب لذاته، فالكلام بنفسه يدل على صدقه او كذبه بغض النظر عن شخص القائل، ومن مصاديقه اليقينيات والضروريات والبديهيات والوقائع والأحداث، اما الإنشاء فهو كلام لا يفيد الصدق او الكذب، ويفيد معناه بتلفظه والنطق به، وهو على وجوه فيشمل الإستفهام والتمني والأمر والطلب بصيغة أفعل والنهي مثل لا تفعل، والمدح والذم والنداء ونحوها، وينقسم الإنشاء الى قسمين:
الأول: الإنشاء الطلبي، الذي يتضمن الأمر والنهي ونحوهما.
الثاني: الإنشاء غير الطلبي، وهو لا يفيد ارادة مطلوب غير موجود اوان الإنشاء بغية ايجاده بل يأتي لبيان انشاء حال مثل صيغة العقود والقسم والتعجب والرجاء ويؤتى للدلالة عليه بكم الخبرية، ولعل، ورب وغيرها، ومنه هذه الاية اذ جاءت بصيغة الإستفهام الإنكاري لتوجيه الذم والتوبيخ الى الذين كفروا وبيان الأسباب التي تحجب الهداية عنهم وتعرضهم للعذاب الشديد، كما اكدت بان هذه الأسباب ذاتية محضة، تتعلق بسوء اختيارهم.
وتذكر الآية حرمانهم من الهداية ولم تجعلها اجمالية، وحصرتها باختيارهم الكفر بعد الإيمان، والإقرار بصحة نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي علم المنطق ينقسم المركب الى قسمين تام وناقص، والتام ما يصح السكوت عليه اي يفيد معرفة السامع بمضمونه ومعناه، والنسبة بين اجزائه تسمى النسبة التامة، وهي على قسمين:
الأول: المركب الخبري وهو حقيقة ثابتة في ذاته، ويأتي اللفظ كاشفاً عنها وهو الجملة الخبرية كقولك اذن المؤذن، ويسمى ايضاً (القضية) و(القول)، ولا يشترط فيه ان يكون مطابقاً للواقع، وعلم المنطق يبحث في متعلق التصديق.
الثاني: المركب الإنشائي، وهو الذي يحقق النسبة بقصد المتكلم فيترشح المعنى عن المركب اللفظي، وهو ذات المعنى اللغوي بان المعاني تنشأ بالتلفظ بها.

قوله تعالى [كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ]
جاءت الآيات بوصف دقيق مركب من أمور:
الأول: بيان حال الكفر والجحود التي عليها القوم.
الثاني: الكفر مذموم وقبيح ذاتاً، وهو سبب لحجب الهداية عن صاحبه، متحداً كان او متعدداً.
الثالث: الكفر امر عرضي طارئ، وليس اصلاً ثابتاً، فلم يأتِ الا بعد الإيمان.
الرابع: ترك منازل الإيمان أمر مخالف لما يجب على المكلف، ان هجران الإنسان للإيمان وتركه لمنازله امر يسوقه الى الهاوية والضلالة من وجوه:
الأول: تنافي وتعارض اختيار الكفر مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
الثاني: قيام الحجة على الكفار بارادتهم الجحود والضلالة عن نية وقصد.
الثالث: حصول الكفر بعد الإيمان، فهذا التعاقب اثم اضافي، فليس من سبب عقلاني يؤدي بالإنسان لهجر منازل الإيمان بل بالعكس اذ ان الأصل هو الثبات والإرتقاء في منازل الإيمان والهداية، لأن الإيمان لم يأتٍ الا عن ادراك واقرار بالآيات وتصديق بالمعجزات، فالتولي والجحود نقض للمواثيق والعهود.
ولم تقل الآية “كفروا بعد الإيمان” لأن فيه احتمال ارادة الإيمان بالمعنى الأعم، وقصد حصول الإيمان عند غير الذين كفروا من الآباء والأهل وشيوع مفاهيم الإيمان، فجاءت الآية بالنص الصريح بان المقصود هو تحقق ايمان هؤلاء الكفار قبل ان ينتقلوا الى منازل الكفر والجحود، لذا جاءت الآية بالذم المركب لهم، والمراد من الآية وجوه:
الأول: من يكون كافراًَ منذ نعومة اظفاره.
الثاني: خصوص فريق من الكفار يصدق عليهم انهم كانوا مؤمنين ثم ارتدوا على ادبارهم.
الثالث: من اختار الجحود مع رؤية الآيات وبلوغ دعوة الأنبياء له.
الرابع: الإطلاق في ارادة الكفار فتشمل الآية كل كافر.
الخامس: الذين كانوا يؤمنون ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارات التي جاءت بخصوصه، فلما بعث كفروا بنبوته.
والصحيح هو الرابع ويلحق به الخامس بلحاظ اسباب النزول والشهادة بصدق النبوة، فالمقصود في الآية عموم الكفار وان تعددت مشاربهم ومذاهبهم، فان قلت هناك اقوام وجماعات من الكفار لم يؤمنوا بالنبوة، وورثوا الكفر عن آبائهم وامهاتهم، فكيف يشملهم موضوع الآية، قلت: ان الإيمان اعم من ان ينحصر بأمور:
الأول: القضية الشخصية.
الثاني: الأسباب المادية الظاهرة.
الثالث: ايام الحياة الدنيا.
فقد اخذ الله الميثاق على الناس وهم في عالم الذر، وبواسطة الأنبياء جميعاً ليؤمنوا ويصدقوا به ويتعاهدوه، وجاءت الآيات والمعجزات في الدنيا لتكون توكيداً دنيوياً للميثاق، وخطاباً تكليفياً موجهاً للناس جميعاً، فالآيات لها لسان تخاطب به العقول، وتذكر الناس بوظائفهم العبادية.
وهذا الإطلاق في معنى الآية وشمولها للكفار مطلقاً يحتمل وجوهاً:
الأول: ارادة الفريق والأشخاص الذين نزلت فيهم الآية بالإصالة، وشمولها لجميع الكفار بالتبعية.
الثاني: المقصود الذين اعلنوا ايمانهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم انكروا اقرارهم واعترافهم بنبوته ولكن الخطاب شامل لكل كافر.
الثالث: المراد جميع الكفار باعتبار انهم آمنوا ثم كفروا.
الرابع: ارادة الكفار كافة مع ان شطراً منهم لم يؤمنوا ويكفروا، بل هم كفار من الأصل، ولكن ذكر الكفر بعد الإيمان يتعلق بفريق وشطر منهم.
لقد اخذ الله الميثاق على الأنبياء بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته حين بعثته، وهذا الميثاق عام وشامل للناس، وفيه وجوه:
الأول: وجوب تصديق الناس بالأنبياء.
الثاني: من الوظائف العبادية ومعاني التصديق بالأنبياء ان يأخذ الناس بما جاء به الأنبياء، وقد جاءوا بوجــوب الإقرار بنبوة محمد واتباعه عند بعثته، وما جاء به الأنبياء يعتبر حجة على الناس، ويصدق معه ان الناس مؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصدقون برسالته.
الثالث: يتلقى الناس ما جاء به الأنبياء باعتبارها اسباباً ومقدمات وسبلاً للهداية، باعتبار ان الهداية فضل الهي يأتي لمن يستحقه والا فان اسباب الهداية متعددة ومنها ما هو ثابت وملازم للإنسان ويدعوه للصلاح والتقوى، مثل الآيات الكونية، والآيات الشخصية في خلق وهيئة الإنسان قال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] ( ).
قانون الطاعة
لقد اراد الله عز وجل للمسلمين العز والرفعة وعلو الشأن بين الأمم، وتتجلى هذه الصفات باداء الفرائض والعبادات والتقيد باحكام الشــريعة التي هــي وان كانت تكالــيف الا انها تؤكــد الصــلة بين الله عز وجل وبين المسلمين واستجابتهم له فيما امرهم به سواء بالقرآن او على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن خصائص هذه الصلة ان تكون الطاعة عزاً، والخشوع سمواً، والإمتثال فخراً وبهاء فينظر غير المسلم الى المسلم في تقيده باحكام الصلاة والصيام وعشقه للتكاليف وقد يتظاهـر بالتجاهل، ولكنه في قرارة نفسه يأســف لما فاته من وجــوه الطاعة لله تعالى، فلا تـظن ان الذي لا يؤدي الصلاة لا يلتفت الى موضــوعها بل انه يتشـــوق لها وتأتي عليه الحسرة والندم في كل فرض وان حاول سترهما بالإستكبار والعناد.
ومن الآيات ان مصاديق الطاعة ثابتة في الأرض لا تمحى ولا تزول، ففي كل زمان امة طائعة لله عز وجل مستجيبة لأوامره، متقيدة باحكام الناسخ والمنسوخ من الشرائع، فكل شريعة تشرق على الأرض يتلقاها بالقبول فريق من اهل الشرائع السابقة وفريق من غيرهم ممن لم يعمل بشريعة سماوية، وهو عنوان صدق الشريعة الجديدة وعظيم نفعها بحيث تجذب لها من كان جاحداً ضالاً، وشاهد على عدم مغادرة قانون الطاعة الأرض وكيف يغادرها وهو من اهم مقومات ديمومة الحياة فيها، وتتجلى مفاهيم الطاعة في زماننا بالإسلام والتقيد باحكامه.
لذا جاءت الآية بعدم قبول غير الإسلام ديناً، وجاءت بلفظ (من يبتغِ) مما يعني تضمن الآية للإنذار، والتحذير من طلب وقصد ملة أخرى، فالتحذير لم يرد لخصوص الذين يدينون بغير الإسلام.
بل جاءت بمن يطلب ملة اخرى، فيشمل الذي يدين بغير الإنقياد لأوامر الله عز وجل من باب الأولى، ومن الآيات في مضامين الطاعة واحكامها ما فيها من الترغيب وبيان منافع اختيار الإسلام عقيدة والتي تبدأ من هذه الآية التي تؤكد القبول والرضا الإلهي عمن يدخل الإسلام، وهذا الرضا باب للتوفيق في النشأتين، وعون على تيسير الأمور وقضاء الحوائج.
فتؤكد الآية ان قبول مصاديق الطاعة مشروط بقبول الإنتماء والصبغة والعقيدة، فيأتي اثنان من المكلفين بذات الفعل من الطاعة فيقبل من الأول ويرد على الآخر، لأن الأول اختار الإسلام عقيدة، ومن تقبل عقيدته يقبل عمله ومن لا يقبل الله عقيدته يرد عمله.
فان قلت: وان جاء الآخر بوجوه من الطاعة اضعاف ما جاء به الأول فهل تقبل منه كلاً او جزء، الجواب: لا تقبل، لعدم قبول الأصل، وكأن قانون الطاعة يتكون من قسمين:
الأول: الأصل: وهو العقيدة والإنتماء، وجاء بالإسلام حصراً وتعييناً.
الثاني: الفرع: ويتضمن اداء الفرائض والمستحبات، فما كان عن أصل صحيح تم قبوله وان كان مخالفاً للأصل المأمور به ذهب سدى، والإنسان كائن ممكن مخلوق وهو محتاج دائماً، والطاعة عنوان وتوكيد لهذه الحاجة، فاراد الله عز وجل للإنسان ان يجعل طاعته في موضعها وموضوعها الصحيح، باختيار الإسلام والتقيد باحكامه وسننه طاعة لله تعالى ومن الناس من تغلب عليه النفس الشهوية والغضبية ويفرط في سنن هذا القانون، ويبتعد عن طاعة الله مع حاجته لها في الدنيا والآخرة، فجاءت هذه الآية لإنذاره واخباره بما ينتظره من الخسران المبين، ومن مفاهيم لغة الإنذار هذه الوعد الكريم للمسلمين لتقيدهم باصل وفروع الطاعة والإمتثال لله تعالى.
قانون الثبات
لقد اراد الله عز وجل للإنسان العز والسعادة في الحياة الدنيا والآخرة، وبين له اسباب نيل العز وتعاهده والمحافظة عليه، وحصره بطريق واحد هو طريق الإيمان، والإقرار بالربوبية لله تعالى والتصديق بالنبوات، وهذا التصديق مقدمة واجبة نفسية وغيرية، فهي نفسية لأن الله عز وجل امر بتصديق الأنبياء في بعثتهم، وكأنه من المقدمة الداخلية وان لم نقل بها، وهو جزء من الإيمان وباب للإمتثال لأوامره تعالى.
مع انه بذاته امتثال والإيمان اخص من الإسلام، ويراد منه الإقرار بالجنان والجوانح والتقيد باحكام الشريعة وفي بيان المائز بينه وبين الإسلام ورد قوله تعالى [قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا]( )، وفيه حث للناس جميعاً على ابتغاء منازل الإيمان، ودرجات التقوى، وهذا الإبتغاء على وجوه محتملة:
الأول: الإكتفاء بالنية والقصد لإرادة مرتبة الإيمان.
الثاني: الأجزاء بمرحلة دخول الإسلام، وحصول المسمى، وصرف الطبيعة.
الثالث: الثبات على الإيمان وملازمته للفرد في اسلامه.
والصحيح هو الثالث، وهو واجب عقائدي واخلاقي وشرعي، لذا اطلقنا عليه صفة القانون، فلابد للمسلم ذكراً كان او انثى ان يكون مؤمناً مخلصاً لله تعالى في عمله، متوجهاً اليه بقلبه وجوارحه، لا يخشى غيره سبحانه، ومع ان التصديق بالأنبياء جزء من الإيمان، فان الخطاب التكليفي بالإيمان متوجه ايضاً الى الأنبياء انفسهم، فيجب عليهم الإيمان، بل هم قادته وسادة الأمم في سبل الإيمان، قال تعالى [ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ] ( )، فيدخل النبي ضمن اهل الإيمان بالله والتنزيل، مع ان الناس ملزمون بالإيمان به كنبي انزل الله عز وجل عليه الكتاب، ولكن ايمان النبي نفسه دعوة للناس للثبات على الإيمان وعدم التخلي عنه، واستدامة الإيمان واجب من وجوه:
الأول: الايمان امتثال لأمر الله تعالى.
الثاني: فيه توكيد للتوفيق في دار الإمتحان والإبتلاء.
الثالث: موافقة الايمان للحق والواجب الشرعي وموازين العقل.
الرابع: تعلق الثواب في الآخرة بالإيمان، والعقاب بالتولي والإدبار عن سنن وأحكام الشريعة.
لقد أراد الله عز وجل للإسلام البقاء في الأرض، ديناً قيماً ملازماً للإنسان منذ ساعة هبوطه الأرض، ونهى عن هجر مبادئه او التولي عن احكامه، وهذا البقاء لا يتم الا بالإيمان مع ان الإيمان اخص من الإسلام، لأن أحكام وسنن الإسلام لا تتم الا بالإيمان والإعتقاد القلبي بالربوبية لله تعالى، وجاءت هذه الآية في ذم الذين يختارون الكفر بعد الإيمان، وحجب اسباب الهداية عنهم لتوكيد لزوم البقاء على الإيمان، وهذا البقاء لا يكون على مرتبة واحدة، فالذي يبقى في منازله يكون في ارتقاء وسمو وزيادة في الثبات فضلاً منه تعالى وفي التنزيل [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا] ( ).
وهذه الزيادة لطف الهي وعون على الثبات الذاتي والنفسي على الإيمان، ليكون كل مؤمن اسوة لغيره، وداعية الى الله والإستجابة لأوامره، والتصديق بانبيائه، والسكينة هنا سلاح لمواجهة الإبتلاء والإفتتان ومحاولات زلزلة الإيمان، وشاهد على حاجة الناس للثبات على الإيمان، وفضل الله تعالى في اعانتهم على الإخلاص في طاعته سبحانه وكما يكون قانون الثبات مطلوباً بذاته، فانه مقدمة لبلوغ مراتب التقوى، ونيل مراتب السعادة والغبطة في الجنة، والنجاة من عذاب النار.
ومن اعجاز القرآن انه لم يقف عند موضــوع الحــث على الإيمان، بل بشــر المؤمنين في آيات عديدة، والبشارة فيه اعم من ان تنحصر بالحياة الاخرة وعالم الحساب، بل تشمل الحياة الدنيا قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ]( ).
بحث كلامي
ترى ما هي النسبة بين الهداية والإيمان، وفي مراد الآية في قوله تعالى [كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ]( )، وجوه:
الأول: الهداية هنا هي الرجوع الى الإيمان وهجران منازل الإرتداد، والعودة بعد الإدبار.
الثاني: الهداية أمر آخر غير الإيمان، وفيه وجوه:
الأول: مرتبة الهداية اعلى وأسمى من الإيمان.
الثاني: التساوي بين الهداية والإيمان.
الثالث: الإيمان ارقى درجة من الهداية.
الرابع: النسبة بين الهداية والإيمان العموم والخصوص المطلق، وهو على أقسام:
الأول: كل هداية هي ايمان وليس العكس.
الثاني: كل ايمان هو هداية وليس العكس.
الثالث: احدهما جزء من الآخر وفي طوله وليس في عرضه.
الرابع: النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، فتلتقي الهداية مع الإيمان في جهة او جهات، وهناك مادة للإفتراق بينهما.
الخامس: الإيمان مقدمة للهداية.
السادس: الهداية مقدمة للإيمان.
السابع: كل واحد منهما مقدمة للآخر وتثبيت له.
الثامن: الإيمان والهداية من عمومات اذا اجتمعا افترقا، واذا افترقا اجتمعا.
ولا تعارض بين هذه الوجوه مع تعددها وتؤكد متفرقة ومجتمعة عظيم فضل الله على الإنسان وتعدد صيغه وكيفياته، وانه سبحانه يعطي الكثير بالقليل، ويمد العبد باسباب التوفيق وبلوغ مراتب اليقين والهداية، فالهداية فضل محض منه تعالى، وفي التنزيل [وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ] ( )، والإيمان لطف منه تعالى، ومصداق للهداية قال تعالى [بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ]( ).
وتارة تكون الهداية مقدمة ومدخلاً للإيمان، واخرى يكون الإيمان مقدمة للهداية قال تعالى [ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ]( )، فــيــكــون مــراد الآيــــة ان الله عز وجل يحجب اسباب الإيمان والهداية عن الذين هجروا منازل الايمان عن عمد واستكبار، وهذا الحجب يحرمهم من منازل الإيمان والهداية والرشاد، ومن اسرار تعدد ابواب الهداية والإيمان اسماَ ومسمى ان يأتي حجب الهداية عن الذين كفروا بعد ايمانهم، لأنه جحود بالنعم، واصرار على المعصية، وفي كثرة مقدمات ووجوه الهداية والإيمان ترغيب بكل منهما.

قوله تعالى [وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ]
هذا الشطر معطوف على ما قبله، وفيه وجوه:
الأول: انه معطوف على قوله تعالى [ كفروا ] فتكون هذه الشهادة معطوفة على الكفر والمعنى انهم مع جحودهم فانهم يشهدون بالرسالة، وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: عطف الشهادة على الإيمان ويكون المعنى كفروا بعد ايمانهم وشهادتهم ان الرسول حق.
الثالث: الواو في (وشهدوا) لا تفيد الترتيب والمعية، وانها جاءت لمطلق الجمع، وهو الذي ذهب اليه اكثر النحويين في معنى الواو.
الرابع: مجيء الواو للإستئناف، لأن السياق والمعنى يمنع من عطف الشهادة على الكفر، مع مجيء كل واحد منهما بصيغة الماضي المقرون بواو الجماعة.
الخامس: جاءت الواو في (وشهدوا) للمعية والعطف والتقدير انهم شهدوا بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حال ايمانهم وكفرهم، فالإعراض عن الإيمان، وقيامهم باختيار الكفر، لم يؤثر في موضوع الشهادة لأنه امر ثابت وميثاق دائم.
والصحيح هو الثاني، فجاء هذا الشطر من الآية لتوكيد حقيقة وهي سبق شهادتهم بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الكفر والجحود، ولكن لماذا جاءت الآية بصيغة الماضي ولم تقل (وشهادتهم) باعتبار ان الشهادة معطوفة على الإيمان خصوصاً وان الآية لم تقل (كفروا بعد ان آمنوا وشهدوا ان الرسول حق) فيه وجوه:
الأول: جاءت الآية بذكر الإيمان للقطع بثبوته في نفوسهم، وللدلالة على اقرارهم بالربوبية لله تعالى.
الثاني: الإيمان اعتقاد بالقلب وعمل بالجوانح، اما الشهادة فهي لفظ ونطق واقرار لساني.
الثالث: اكدت الآية حصول الشهادة في الزمن الماضي من جهات:
الأولى: عطفها على الإيمان.
الثانية: مجيء (بعد) والذي يعني تأخر الأول عن الثاني وان كان متعدداً كما في المقام، فالكفر متأخر زماناً على الإيمان والشهادة.
الثالثة: صيغة الماضي في الفعل (شهدوا).
الرابع: للمشاكلة بين قوله تعالى (كفروا) و(شهدوا)، ولبيان الإثم الذي يرتكبه الكفار وتوكيد الحجة عليهم.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وفي الآية تذكير بمضمون الآية الحادية والثمانين من هذه السورة وقوله تعالى فيها [قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ] ولا ينحصر موضوع الشهادة هنا بالتذكير بالآية اعلاه، بل يشمل وجوهاً اخرى منها:
الأول: الإقرار العلني بصدق النبوة.
الثاني: رؤية المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: الشهادة بالواسطة، بالإعتراف بان القرآن كتاب معجز نازل من عند الله عز وجل.
الرابع: الإقرار بوجوب بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا المعنى مستقرأ من لفظ الحق الوارد في الآية، والإقرار في المقام على أقسام:
الأول: تواتر البشارات على لسان الأنبياء السابقين ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: حاجة الناس لبعثة النبي واصلاح المجتمعات.
الثالث: طرو التحريف على الكتب السابقة، وضرورة وجود كتاب سماوي خالِ من التحريف.
الرابع: الحاجة الى شريعة متكاملة وكتاب جامع لأحكام الحلال والحرام.
الخامس: ضرورة وقف الغلو والإفتراء على الأنبياء، ولا يتم هذا الوقف والمنع من التعدي على مقام النبوة الا ببعثة نبي يأخذ بايدي الناس الى الوسط القويم الخالي من الإفراط والتفريط اي من الغلو والإفتراء.
الوجه الخامس: اخذ الشهادة على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأنبياء السابقين فما من نبي من الأنبياء والا ويبشر ببعثته، وهذه البشارة حجة على الناس.
السادس: التداخل بين الإيمان والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالإيمان يشمل التسليم بكلمة التوحيد والإقرار ببعثة الأنبياء، وتصديق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جزء من الإقرار بالأنبياء من وجوه:
الأول: الشهادة بالواسطة وهي الإيمان ببعثة الأنبياء السابقين، وكل نبي يدعو للتصديق بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته حين بعثته.
الثاني: الشهادة بالذات، وهوالتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته، ورؤية الآيات التي تترى على يديه.
الثالث: الجمع بين البشارات بنبي آخر الزمان وانطباقها حصراً على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره.
وجاءت الآية بصيغة الجمع (وشهدوا) مما يدل على حصول شهادة الكفار العامة والعلنية بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكل واحد منهم حجة وشاهد على غيره بانه اقر واعترف بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الأمر كافِ لبعث الإرباك والخذلان في صفوفهم، فهم يعرفون خطأ اختيار الكفر والجحود ويدركون اعراضهم عن الحق الذي سبق وان اقروا به، واذعنوا له، وهذا من آيات التخفيف واللطف الإلهي، بان تلازم الكافر حال الشعور بالإثم ومخالفة الحق، ومن خصائص صيغة الجمع هنا انحلالها الى صيغ الأفراد، فكل فرد من الكفار شهد على صدق النبوة.
ومن المعروف ان يأتي الشاهد ليشهد بالحق على المدعي عليه، او يشهد له ويبين خلو ساحته مما نسب اليه، اما الشهادة في هذه الآية فهي مركبة من وجوه:
الأول: الإقرار على الذات، فيدرك الكافر انه شهد على نفسه بصدق النبوة وان محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله.
الثاني: الشهادة على الغير من اهل الكفر والجحود بانهم شهدوا بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانه الرسول الذي جاءت به البشارات النبوية.
الثالث: الشهادة للمسلمين بانهم على النهج القويم والصراط المستقيم، وانهم لم يخرجوا عن مضامين الشهادة النوعية العامة التي تطابق الواقع.
وجاءت هذه الآية لبعث القوة في نفوس المسلمين، وحثهم على الثبات في منازل الإيمان، وعدم الإلتفات الى اهل الشك والريب، كما تخبر عن حصول الشهادة عن اعتراف واقرار بالنبوة واذعان للحق من غير اكراه او لبس او جهالة، وفيه مسائل:
الأولى: الآية حجة دامغة على الكفار.
الثانية: تتضمن الآية دعوة الكفار للرجوع الى شهادتهم بصدق النبوة.
الثالثة: تبعث الآية روح الفرقة والتشتت بين الكفار.
الرابعة: الآية وثيقة سماوية تبين ســبق الإيمان على الكـفر، ومضامين اللطف الإلهي بالناس، وعدم تركهم في جهالة وضلالة، فالأصل هو الإيمان، وعندما يبتعد ويتخلى عنه الإنسان تأتي الآيات بالحجة واقامة البرهان الذي يعتبر زاجراً عن الكفر والجحود، ودعوة للإقامة والإنابة.
الخامسة: تلقين المسلمين موضوع الإحتجاج على الكفار وافحام الخصم بسبق شهادته بصدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة: تدل الآية في مفهومها على قبح التخلي عن الشهادة وتركها.
السابعة: من الإعجاز في الآية انها لم تتضمن انكارهم لشهادتهم، وجحودهم لما اقروا به من صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل اخبرت عن سبق الشهادة مما يعني وجودها حاضرة في اذهانهم.
الثامنة: جاءت هذه الآية للتذكير بالشهادة والدعوة الى الرجوع اليها، وما هي منافع العودة والإنابة الجواب مع العودة تكون الهداية لأن الآية لم تخبر عن غلق باب التوبة، وحرمان الكفار كاشخاص من الهداية، بل ان هذا الحرمان متعلق بالكفر ومقترن به، فمتى ما تخلى الإنسان عن الكفر وعاد الى رشده، جاءته الهداية، وكل من التخلي عن الكفر، والعودة الى الرشد هداية.
قانون الرسول حق
لقد أراد الله عز وجل للناس الصلاح والرشاد ومعرفة ما عليهم من الواجبات وما لهم من الحقوق، وهذه الواجبات لا يمكن تعيينها وضبطها وحصرها الا بوحي سماوي واخبار من عند الله، ويحتمل الوحي وجوهاً:
الأول: مجيء ملك ليخبر الناس بصوت من السماء بالأحكام الشرعية.
الثاني: وجود ملك او ملائكة في الأرض يخبرون اهلها بالفرائض والواجبات ويقومون بفك الخصومة والقضاء بين الناس بالحق والعدل والإنصاف.
الثالث: بعثة الأنبياء، وانزال الكتب السماوية.
والأخير هو الذي اراده الله عز وجل لإصلاح الناس، فان قلت: ان كلاً من الوجه الأول والثاني اعلاه اكثر نفعاً في اصلاح الناس لأنه آية حاضرة وبرهان قاطع على الإعجاز والتحدي الدائم، فالجواب: لقد جعل الله الحياة الدنيا دار امتحان وبلاء، ومن مصاديق الإبتلاء ان لا تكون الحجة بالملائكة الظاهرين بل ببعثة الأنبياء بآيات التنزيل التي تثبت وجود واسطة ملكوتية.
وفي بعثة الأنبياء قهر للنفس الشهوية والغضبية لأنها تحث الناس على الإنقياد لهم، واجتناب الإستقلال في القرار وحب الأمرة والسلطنة بالذات، نعم قد يحب الإنسان الأمرة في سبل الإيمان ومن غير الخروج عن احكام التنزيل، فتكون هذه الأمرة حينئذ باباً للأجر والثواب لأنها وسيلة للتقيد العام باحكام الحلال والحرام، وما جاء به الأنبياء، كما انها ليست امرة وسلطنة محضة اذ انها تتضمن طاعة النبي فيما امره الله تعالى به، سواء كانت هذه الطاعة ايام حياة النبي كما في قادة السرايا والغزوات، او بعد انتقاله الى الرفيق الأعلى، ولما كان النبي هو الواسطة بين الله عز وجل وبين الناس فانه يأتي بالمعجزات التي تؤكد نبوته وتنبأ عن صدق رسالته، وهذه المعجزات على قسمين:
الأول: المعجزات الحسية.
الثاني: المعجزات العقلية.
والثاني اشرف من الأول لما فيه من البقاء والثبات والدليل القاطع وادراك العقل للمعجزة، وفي حين جاء الأنبياء بالآيات الحسية فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالآيات العقلية والحسية وهو عنوان تفضيل اضافي له على باقي الأنبياء.
ولم ينحصر التعدد في معجزاته بالنوع بل يشمل العدد والكثرة في كل نوع منها وهو آية ومعجزة اضافية تدعو الناس للإقرار بنبوته، والثبات على الشهادة بصدق نبوته، وهذه المعجزات مصداق من مصاديق قوله تعالى [الرسول حق] وآية في استنباط هذا القانون من مضامين هذه الآية الكريمة.
ولا تتعلق مفاهيم هذا القانون بالمسلمين وحدهم او بأيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هي دائمة ومتصلة وسابقة لزمان النبي ومتأخرة عنها، لذا جاءت الآية بالإخبار عن شهادة الكفار بصدق نبوته، وهذه الشهادة عامة تشمل الذين تلقوا البشارة من الأنبياء ببعثته ولزوم نصرته، والذين رأوا الآيات والمعجزات التي جاء بها، والذين سمعوا بها وبلغتهم اخبار البعثة، وعرضت عليهم آيات القرآن وما فيها من الدلالات والآيات الباهرات التي تؤكد صدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم اتباعه.
وهل يضر جحود الكفار بشهادتهم واعراضهم عنها بصدق نبوته وانها حق، الجواب لا، لإمتناعها عن التغيير او التبديل، ولكن الآية جاءت لإقامة الحجة وتوكيد قيامهم بالشهادة على صدق النبوة، وفضله تعالى في شهادتهم على النبوة وهدايتهم الى سبل الإيمان ابتداء وفضلاً منه تعالى بالشهادة والإقرار، واعادة الكرة عليهم للإنابة من وجوه:
الأول: مجيء هذه الآية وما فيها من الذم للإعراض عن الشهادة.
الثاني: التذكير بالشهادة، والمنع من انكارها مع تقادم الأيام.
الثالث: طرد الغفلة والجهالة، والدعوة للتدبر في الآيات والمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: حث المؤمنين على الثبات على الإيمان والتماس دروب الهداية والإرتقاء في سلم الكمالات.
وجاءت الآية بذكر النبي بصفة الرسالة فلم تقل النبي ولم تذكر النبي باسمه، بل ذكرته بقوله تعالى [الرَّسُولَ] والألف واللام فيه للعهد وليس للجنس، والمراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الأمثلة على ورود الرسول بلام العهد قوله تعالى [ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ]( ) والمراد موسى عليه السلام.
اما هذه الآية فذكرت النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بعنوان المشهود له بالرسالة، وان كفر القوم جاء بعد الإيمان به ولم يذكر في فرعون وقومه انهم آمنوا بموسى ثم كفروا به، مما يدل على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعموم رسالته وتوجه الخطاب التكليفي بالتصديق به الى الناس كافة مع اشهادهم على بعثته واخذ العهد منهم على لزوم نصرته واعانته واتباعه.
والحق نقيض الباطل، ووصف الرسول بانه حق آية اعجازية من وجهين:
الأول: بالذات لدلالة الآية على عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: بالعرض وافادة الحاجة الى نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وخلوها من الباطل والخطأ.
لقد جاءت الشهادة عنواناً لليقين بصحة نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وسلامتها من وجود الزلل والخطأ، وان الناس جميعاً اطمأنوا لها واقروا بصدقها على نحو القطع الخالي من الشك والريب، فيكون الكفر الحادث خطأ ومعصية وممنوعاً عقلاً وشرعاً.
ولم تأتِ الآية بذكر الرسالة فلم تقل الآية “وشهدوا ان رسالة النبي حق” بل جاء الحق شهادة ووصفاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسالة، ليشمل المدح شخصه الكريم الى جانب بعثته ورسالته، والعفة الشخصية واجتماع الكمالات الإنسانية بشخصه وانه يأتي للناس بما يحتاجون اليه من الأحكام والشرائع والسنن، ومن معاني الحق في المقام الثبات والدوام، ويتعلق الثبات بوجوه:
الأول: الرسالة وان احكامها باقية والعمل بها مستديم.
الثاني: النبي وان ذكره باقِ.
الثالث: الرسول والرسالة.
والمراد في الآية هو الثالث لذا جاءت الآية بذكر الرسول وصفة الرسالة من عند الله تعالى.

قوله تعالى [وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ]
جاء هذا الشطر من الآية لبيان حقيقة اخرى، وهي ان اختيار فريق من الناس الكفر لم يأتِ الا بعد امور هي:
الأول: الإيمان والإقرار بالتوحيد.
الثاني: الشهادة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة والرسالة على نحو القطع واليقين وعدم طرو الشك اثناء الشهادة.
الثالث: مجيء البينات والشواهد الدالة على النهي عن الكفر ولزوم الإمتناع عنه، وهذه الأمور مجتمعة ومتفرقة حجة على الإنسان في وجوب تمسكه بالإيمان واقراره بالربوبية ولزوم عدم تخليه عن التصديق بالنبوة لأن الشهادة على الرسالة ملازمة له في ذاتها، وفي آثارها وآياتها، والمراد من البينات في الآية:
الأول: القرآن، من جهات:
الأولى: الإعجاز الذاتي للقرآن.
الثانية: ما فيه من الدلائل والإعجاز الغيري.
الثالثة: تتضمن كل سورة من القرآن آيات بينات، قال تعالى [سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ]( ).
الثاني: الآيات الكونية فان قلت انها موجودة قبل خلق الإنسان كما في الشمس والقمر مثلاً، قلت: ان وجودها السابق للإنسان لا يتعارض مع ارادة المجيء، فالبينة تطل على الناس كل يوم تذكرهم بوجوب عبادة الله تعالى.
الثالث: البينات غير القرآن، وهي الآيات والمعجزات التي تؤكد صدق رسالة النبي قال تعالى [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ]( ).
الرابع: مجيء الآيات الكونية والنوعية والشخصية التي تبين عظيم قدرته تعالى.
وفي الآية اعلاه دلالة على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنزول القرآن عليه وما ينفرد به من الخصوصية بالإضافة الى البينات، والتباين الكلي والنوعي فيها، وكثرة ما جرى على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من البراهين والحجج.
الخامس: ما في السنة النبوية من البينات والدلالات على النبوة والوحي.
السادس: البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تضمنتها الكتب السماوية السابقة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق البينات التي ذكرتها الآية، ومن فضله تعالى ان تأتي الآيات متعددة ومتشعبة وشاملة للميادين المختلفة، لتكون متفرقة ومجتمعة عوناً للإنسان في اختيار الهداية والثبات على الإيمان، وذكر الآية للبينات فيه مسائل:
الأولى: ورود الفعل بالتذكير (جاءهم) مع ان لفظ البينات مؤنث في مفرده وجمعه.
الثانية: ذكر البينات بصيغة الفاعل، فهي التي جاءت لهم، وقد وردت بصيغة المفعول في آيات عديدة وان الرسول هو الذي جاء بها.
الثالثة: مجيء البينات لهؤلاء الكفار، وفيه وجوه:
الأول: حصول الآيات عنوان الإكرام العام.
الثاني: اختصاصهم بالآيات دون غيرهم.
الثالث: عموم مجيء الآيات للناس.
الرابع: مجيء الآيات حجة عليهم، ودعوة لهم للإيمان.
والصحيح الأخيران اي الثالث والرابع، فذكرهم على نحو التعيين لا يعني اختصاصهم بالآيات بل هي عامة وشاملة، نعم قد تأتي آيات مخصوصة لقوم ما اتماماً للحجة، ونافلة منه تعالى، وهذا الخصوص لا يمنع من عموم الإنتفاع من الآيات والبينات وان كانت خاصة، وذكرت الآية مجيء الآيات البينات على نحو الإطلاق من غير تفصيل، فما هي كيفية مجيء البينات، فيه وجوه:
الأول: مجيء الآيات بواسطة الأنبياء.
الثاني: توالي البينات من غير واسطة، فلذا ورد ذكرها بصيغة الفاعل.
الثالث: تأتي البينات بالذات من غير ان يكون المقصود بها الناس على نحو العموم والخصوص، وهي من بديع صنع الله تعالى.
الرابع: من البينات ما هو ثابت ودائم كما في الآيات الكونية ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق البينات، وهي دعوة للناس للتدبر في الخلق، وورود لفظ المجيء يحتمل اموراً:
الأول: مجيء شطر من الآيات والبينات، واطلاق المجيء على الكل.
الثاني: ذكر المجيء من باب المجاز، والأصل هو وجود الآيات ثابتة.
الثالث: صدق المجيء على البينات جميعها، لحمل الكلام على الإطلاق ولإصالة الظهور.
الرابع: مجيء الأنبياء بالبينات، قال تعالى [وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ]( ).
الخامس: نزول البينات على الأنبياء، قال تعالى [وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ]( ).
والصحيح هو الثلاثة الأخيرة اعلاه، فمن الآيات ما نزل على الأنبياء ومنها ما تأتي آية للناس، ومنها ما يكون ثابتاً كالآيات الكونية، مثل الشمس والقمر وحركتهما، وهذا الثبوت لا يتعارض مع المجيء لأنها تلح على الإنسان بالتدبر في الخلق، وتدعوه للإقرار بالعبودية لله تعالى وتمنعه من الإفتتان بغير الله.
وبلحاظ الكثرة والقلة تحتمل البينات وجوهاً:
الأول: تعدد وكثرة البينات.
الثاني: قلة البينات وانها اقل الجمع.
الثالث: الكثرة عند قوم، والقلة عند آخرين، والصحيح هو الأول، والكثرة في المقام من فضله تعالى، وهذه الكثرة تحتمل في موضوعها وجوهاً:
الأول: انحصار البينات في موضوع واحد.
الثاني: تعدد مواضيع البينات.
الثالث: توجه البينات ذات الموضوع الواحد الى قوم، والبينات في مواضيع متعددة الى قوم آخرين.
والصحيح هو الثاني، فالتعدد والكثرة في موضوع البينات موجهة للناس جميعاً، وهذا لطف منه تعالى.
ومن جهة العموم والخصوص في الغايات المقصودة للبينات وجوه:
الأول: الآيات الخاصة التي تأتي لفريق مخصوص.
الثاني: مجيء البينات للناس كافة المؤمنين والكافرين، فينتفع منها المؤمن دون الكافر.
الثالث: لا تأتي البينات الا الى الكفار لتكون حجة عليهم.
والصحيح هو الأول والثاني فان البينات عامة وتتوجه للناس كافة، لتكون عبرة وموعظة وباباً للهداية والإيمان، ولكن الكافرين يختارون بعناد الجحود والصدود، كما تكون الآيات التي تأتي لقوم او اهل ملة مخصوصين تكون عبرة للناس جميعاً.
قانون البينات
لقد انعم الله عز وجل على الناس بالآيات والدلالات الواضحات، وجعلها شواهد على بديع صنعه، وعظيم قدرته، وواسع سلطانه وجبروته، ودعوة للناس لِلإقرار بربوبيته من وجوه:
الأول: ما فيها من صفة الإعجاز والتحدي.
الثاني: عدم قدرة الخلائق على واحدة منها ولو اجتمعت.
الثالث: البينات امور خارقة للعادة، ويعجز العقل البشري عن ادراكها.
الرابع: ادراك الكفار لتسليم المسلمين بالآيات والبينات وجعلها علة لإتباع ونصرة الرسول، وهذا التسليم حجة على الناس لأنه قائم على اليقين.
الخامس: ادراك المسلمين لتخلف الكافرين عن وظائفهم العبودية والإيمان بالبينات الدالة على وجوب طاعة الله ورسله، والتصديق بالتنزيل وما فيه من الأحكام، ويؤكد اسم ولفظ البينات ما فيه من الدلالة على الوضوح والإستبانة، وانتفاء الغرر بالجهل بها، وقد يأتي اللفظ بصيغة المفرد ولكنه يدل على الكثرة كما في قوله تعالى [سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ]( ).
ومن الآيات في هذا القانون امور:
الأول: البينات انحلالية وانشطارية، فترى الدلالة تتعدد في ذات الآية الواحدة.
الثاني: عدم انحصارها بزمان او موضوع معين.
الثالث: مجيء كل نبي بالبينات، وهذا تشريف عظيم لبني آدم مطلقاً وللأنبياء خاصة، والنبي الذي تجري البينات على يديه خصوصا، لذا يمكن اعتبار ماهية ومقدار البينات من وجوه تفضيل النبي، وفيها دلالة على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اذ آتاه الله عز وجل القرآن كتاباً جامعاً للآيات والبينات الباهرات.
لقد جعل الله عز وجل العقل عند الإنسان ليكون اماماً للجوارح، ودليلاً للهداية فتأتي البينات لتخاطب العقل وتجذبه وما يتبعه من الجوارح الى سبل الإيمان، وهذا الخطاب يأتي على وجهين:
الأول: صيغة الخطاب المباشر للعقل كما في البديهيات واليقينيات التي لا تحتاج الى وسط لإدراكها.
الثاني: ما يأتي بواسطة الحواس الخمسة، ليدرك العقل موضوعية البينة الإعجازية، ولزوم الإعتبار منها، واتخاذها طريقاً وعلة او جزء علة للإنقياد للأوامر الإلهية.
والبينات رحمة اضافية بالإنسان، وتذكير متصل له ولكن الكفار اصروا على العناد ولم يتخذوا من البينات مع كثرتها برزخاً دون الجحود والصدود، فحجبوا عن انفسهم نعمة الهداية، ولكن هل حجب الله عنهم البينات الجواب لا، فالآية وان جاءت بصيغة الماضي (جاءهم البينات) الا انها لا تعني انحصار اوان البينات بالزمن الماضي والمنصرم، بل هي ملازمة للناس تحثهم على تقوى الله، وتدعو الكفار لنبذ الكفر والرجوع الى الإيمان.
ويأتي ذكر البينات في القرآن على وجوه:
الأول: الاستقلال في الذكر، كما ورد في هذه الآية فمن الاعجاز ان تذكر الآية الآيات بصيغة الفاعل وانها التي جاءت للناس لبيان أهميتها وأثرها.
الثاني: مجيء الأنبياء بالبينات، كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ]( )، فالنبي هو الذي يأتي بالبينات لتكون حجة ووسيلة ملكوتية للتصديق بنبوته وجذب الناس لاتباعه.
الثالث: نزول البينات من عند الله فضلاً ورحمة بالناس وآية لتعضيد النبوة، قال تعالى [وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ]( ).
الرابع: وجود البينات في الآفاق والموجودات الكونية لتكون آية وحجة ودعوة للناس للتدبر، قال تعالى [فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ]( ).
وهذا التعدد في مضامين البينات والدلالات الباهرات على وجوب عبادة الصانع والتصديق بالرسل آية اخرى تدعو الانسان الى المبادرة الى الايمان، وحجة على الكفار، لذا جاءت هذه الآية بذمهم والاخبار عن عدم وجود سبب لجحودهم، وهذا الاخبار من معاني افتتاح الآية باسم الاستفهام (كيف).
قانون حياة البينة
من الآيات في الإرادة التكوينية امتلاء عالم الدنيا بالبينات والعلامات التي تؤكد التوحيد، وتبين المائز بين واجب الوجود والممكنات، وكل بينة تحث الناس على الإقرار بالصانع، والإعتراف ببديع صنعه، ولزوم طاعته وطاعة انبيائه، وبلحاظ عمر البينة هناك وجوه:
الأول: قصر عمر البينة، وقلة مدتها.
الثاني: أمد البينة اطول قليلاً من وجودها.
الثالث: الملازمة بين البينة وبين وجودها، فحالما تنقضي في الخارج، تنعدم حجتها والإستدلال بها.
الرابع: عمر واثر البينة اقصر من وجودها، فترى البينة لا زالت موجودة ولكن اثرها معدوم.
الخامس: طول عمر البينة وعدم انحصاره بزمان مخصوص، فتنقضي ايامها ولكن اثرها ودلالاتها باقية.
والصحيح هو الأخير، فمن الآيات ان زمن البينة واثرها العقائدي منبسط على آنات الزمان المتعاقبة، ولا ينحصر بزمان وجودها، ولا زمان دون آخر، كما في عصا موسى، فاثرها الفعلي اقترن بأيام موسى ولكن اثرها العقائدي وحجيتها ودلالالتها ظلت باقية الى يومنا هذا وستظل حية غضة طرية الى يوم القيامة، فان قلت ما هو سر هذا البقاء الجواب: انه آيات القرآن، فمن الإعجاز ان تكون آيات القرآن علة ووعاء سماوياً لحفظ بينات ومعجزات الأنبياء، بالإضافة الى ثبات البينات الكونية ودوامها لتكون حجة على الناس في كل زمان ومكان.
وتأتي البينة لقوم ولكنها تبقى ملكاً للناس جميعاً ليأخذوا منها الدروس والعبر، ويتعلموا منها مضامين الحكمة، واستدامة حضور البينة بينة اخرى تضاف الى ذات البينة ليكون هذا الحضور حجة ومدرسة جامعة تلتقي عندها الملل والنحل، فمن اعجاز القرآن وما يتصف به عن غيره من الكتب السماوية انه آية عقلية دائمة وهو حرز وحصن وشهادة ملكوتية للآيات الأخرى.
ومن الوظائف التي ينفرد بها القرآن من بين الكتب السماوية وتجعله يمتاز عنها ويسمو عليها انه تعاهد البينات التي جاء بها الأنبياء والرسل، وجاء ليكون وثيقة سماوية تحفظ تلك البينات من الضياع، فكما طرأ التحريف على الكتب السماوية السابقة فانه يطرأ على بينات الأنبياء، بالإضافة الى احتمال غلبة لغة التكذيب والإنكار لها خصوصاً ايام الطاغوت وشيوع الكفر والجحود عند الملأ.
فمنع القرآن والى يوم القيامة تحريف البينات والآيات التي جاء الأنبياء بها وأكد على خلق الله تعالى للآيات الكونية، ونهى عن الإفتتان بها، وكان هناك من يعبد الشمس او القمر قبل الإسلام، فجاء القرآن واكد انهما من خلق الله يجريان بامره وبديع صنعه، وان الله عز وجل سخرهما للإنسان، فكل بينة حية باقية غضة طرية الى يوم القيامة وان انقضت ايامها.
ورزق الله عز وجل عيسى احياء الموتى، لتبقى هذه الآية حية في الوجود الذهني، يحس كل انسان بان الآية قريبة منه وكأنها واقعة في زمانه، وهذه الحياة للبينة فرع الحياة والطراوة التي تتصف بها الآية القرآنية، فحينما تقرأ الآية القرآنية تشعر وكأنها نزلت الآن وانك تسمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلقى الوحي من جبرئيل عن الله عز وجل، وهو اعجاز اضافي مركب للقرآن، اذ ان حياة البينة تترشح من حياة الآية فليس من عمر مخصوص للأثر العقائدي والمنافع المتعددة للآية، وهو من اللطف والفضل الإلهي المتصل، وفي دوام حياة البينة امور هي:
الأول: زيادة ايمان المسلمين وتمسكهم بمبادئ التوحيد.
الثاني: بعث الإستعداد في نفوسهم على نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: تنزيه الأنبياء من مقالات الغلو والإفتراء.
الرابع: ارتقاء المسلمين في مراتب المعرفة الإلهية.
الخامس: التزود بالبرهان، والتسلح بموضوع الإحتجاج والجدال النافع.
السادس: فضح الكافرين في كل زمان واقامة الحجة عليهم، ومن وجوه الحجة ان البينة تأتي للنبي وتشمل في خطابها الناس جميعاً، وتطل الآية الكونية عليهم لتكون حجة دائمة وترغيباً باللجوء الى الله، والتنزه عن الكفر واسباب الشك والريب.
والبينات بلحاظ المكان على اقسام هي:
الأول: البينة ذات المكان المحدود كالآيات الحسية للأنبياء فناقة صالح، وعصا موسى، تكون في مكان معين، ولم يرها الا الذين حضروا في مكان الآية وان كان السمع بها أعم من رؤيتها.
الثاني: الآية التي تتعدى مكانها بلحاظ اثرها المباشر المتصل بها، فالميت الذي احياه عيسى، والأبرص وكذا الأكمه الذي ابرأه باذن الله، يبقى شاهداً وبينة مدة حياته ليؤكد صدق المعجزة، وان تغير مكانه وسافر من بلدته.
الثالث: البينة التي لا يحدها مكان او زمان وهي على اقسام:
الأول: الآيات الكونية.
الثاني: آيات القرآن.
الثالث: الآيات المتجددة والمستحدثة فضلاً من الله عز وجل، فليس من حد او عدد محصور للبينات لذا ورد قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] ( ) بصيغة الإستقبال التي تدل على التجدد والإستدامة، وقوله تعالى [وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ] وان ورد بصيغة الماضي الا انه لا يتعارض مع التجدد في الآيات، وبقاء كل آية حية، لتكون حياة البينة والآية حجة على الناس، ودعوة للإيمان.
لقد أراد الله للبينات ان تكون دلائل منصوبة امام الناظرين، فان لم تأتِ هداية اضافية من الله للكافرين بسبب جحودهم، فان البينات اسباب دائمة للهداية، والطاف قريبة تدعو الناس للتفكر في معانيها والتدبر في مضامينها وتكون باباً للمعرفة، فان قلت: هذا يعني ان البينات نوع هداية، وجاء اول الآية بانكار هداية الله للكافرين، قلت: من فضل الله تعالى ان تكون آيات بينات ثابتة لا تفارق الحياة الدنيا وتدعو الناس ليتدبروا فيها، وهي حجة على الإنسان في دار التكليف، والكافر يعرض عنها ويمتنع عن الإهتداء بها وبدلالتها فلذا تضمنت الآية معنى التوبيخ والتقبيح له لأنه امتنع عن المعارف الإلهية والتي تتجلى في جانب منها ببقاء البينة حية غضة في كل زمان ومكان.

قوله تعالى [وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]
جاءت خاتمة الآية قاعدة كلية في الإرادة التكوينية لبيان حجب الهداية الإلهية عن فريق من الناس، وهذا الحجب يحتمل وجوهاً:
الأول: يأتي هذا الحجب عقوبة عاجلة في الدنيا.
الثاني: إبتداء من عند الله عز وجل.
الثالث: حجب معلول لإختيار الظلم والتعدي.
والصحيح هو الثالث، فان اختيار المكلف الظلم برزخ دون مجيء الهداية والألطاف الإلهية الإضافية له التي تعيده الى منازل الإيمان، وتبين الآية في مفهومها ان الهداية فضل عظيم يستلزم محلاً مستحقاً له، نعم هذا الإستحقاق لا يحتاج الكثير من السعي والجهد، ولكنه مشروط بعدم اختيار الظلم والإنغماس في افراده، فمن اجل نيل الهداية وتلقي المعارف لابد من اجتناب الظلم والتعدي، فلا يستطيع الظالمون ان يسلكوا طريق الجنة بسبب القصور الذاتي، وسوء الفعل ومخالفة الأوامر الإلهية.
وفي النسبة بين الكفر والظلم بلحاظ الآية وجوه:
الأول: التساوي، فالكفر هو الظلم، قال تعالى [وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
الثاني: العموم والخصوص المطلق، ويحتمل أمرين:
الأول: كل كفر هو ظلم، وليس العكس.
الثاني: كل ظلم هو كفر وليس العكس.
الثالث: العموم والخصوص من وجه، فهناك وجوه يلتقي فيها الكفر والظلم، ووجوه يفترقان بها.
والصحيح هو الأمر الأول من الوجه الثاني فالكفر اعم من الظلم، ويعتبر الكفر وجهاً قبيحاً من وجوه الظلم، لذا جاءت خاتمة الآية بذكر القاعدة الكلية التي يدخل فيها الكفر كمصداق من مصاديق الظلم وفيه اعجاز يتجلى بوجود موانع ذاتية امام الكافر تحول دون نيله اسباب الهداية، والطاف المعرفة، ومع ان الآية تتعلق بالكفار والجاحدين الا انها اختتمت بذم الظالمين، وفيه مسائل:
الأولى: وجود صلة وملازمة بين الكفر والظلم فمن يختار الكفر يكون ظالماً.
الثانية: دلالة خاتمة الآية على شمول عدم الهداية للكافرين من باب الأولوية القطعية، فما دام الظالم لا ينال الهداية فلابد ان الكافر لا ينالها.
الثالثة: زيادة توبيخ الكفار، ولتكون خاتمة الآية كبدايتها في ذم الكفار، وتقبيح افعالهم وسوء اختيارهم.
الرابعة: بيان حقيقة، وهي ان الكفر اشد قبحاً من الظلم.
الخامسة: دعوة المسلمين لأخذ الحائطة والحذر من الكافرين لأنهم ظالمون لا يترددون في التعدي وايذاء الآخرين، والظلم في الآية يتصور على وجوه:
الأول: الظلم الشخصي وان الكافر هو الظالم.
الثاني: الظلم النوعي، وقيام الكافرين بالظلم مجتمعين، وبصفة الكفر، ولم يأتِ هذا الظلم ابتداء، بل جاء بعد ان بين الله عز وجل للناس لزوم الإيمان وترك الكفر، واجتناب الظلم والتعدي ولكن شطراً من الناس اصروا على العناد، والإقامة على الظلم، فحجبوا عن انفسهم نعمة الهداية.
الثالث: العنوان الجامع، فكل واحد من الكافرين ظالم بشخصه ومع الجماعة، والظلم في المقام على وجوه:
الأول: ظلم الكافر لنفسه باختياره الجحود والكفر.
الثاني: تعدي الكافر وتركه لوظيفته الشرعية.
الثالث: ايذاء الكافر للناس باختياره الجحود، ومحاولة صد الناس عن الإيمان.
الرابع: ظلم الكافر لأصحابه من الكفار لما في فعله من الدعوة الى الكفر، والإصرار على التخلي عن الإيمان، ومن مضامين اللطف في الآية وجوه:
الأول: بيان القبح الذاتي للظلم، والآية تحذر منه وتدعو الناس لإجتنابه، ان هجران الظلم مقدمة لترك الكفر والجحود، فمتى ما حرص الإنسان على التنزه عن الظلم فانه يدرك ان الكفر قبيح ويتضمن الظلم للذات والغير، بالإضافة الى أضراره الأخروية، لأنه سبب للحرمان من الهداية والطريق الى الجنة.
الثاني: دعوة الناس كافة لتهذيب النفوس وتنقيح الاعمال وجعلها خالية من الظلم والتعدي.
الثالث: بعث السكينة في نفوس المسلمين لما في اختيار التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من اجتنابٍ لظلم النفس.
الرابع: استدامة فتح باب الهداية والصلاح لما في مفهومها من الحث على وجوب تعاهد الايمان والتصديق بالنبوة.
الخامس: في الآية وعيد يشمل الكافرين والظالمين مطلقاً، وهو الذي تبينه الآيتان الآتيتان على نحو التفصيل.
علم المناسبة
ورد قوله تعالى [اللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] عشر مرات في القرآن جاءت كلها بدلالات ومضامين مشتركة في اللفظ والمعنى:
الأول: جاءت بصيغة الجملة الاسمية وتقديم اسم الجلالة على الفعل مما يدل على ان الحكم قاعدة كلية ثابتة.
الثاني: جاءت خواتيم للآيات مما يدل على أمرين:
اولاً: تعلقها بموضوع الآية.
ثانياً: الاشارة الى كون مضمون الآية من مصاديق هذه القاعدة الكلية.
الثالث: بيان استحقاق الظالمين لعدم الهداية.
الرابع: قبح الظلم وبيان ما فيه من الاضرار الجسيمة على صاحبه، فهو يسعى في التعدي على القيم والمبادئ والناس، فيحول هذا السعي المذموم دون هدايته، وما في الهداية من النفع العظيم في الدنيا والآخرة.
الخامس: مع ورود آيات عديدة في المقام ترد بذكر الظالمين كاسم كما في قوله تعالى [وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ] و[اللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]، فان الآيات العشرة التي تتضمن حجب الهداية عن الظالمين لم ترد الا باسم القوم، وفيه آية اعجازية تدل على اشتراك الظالمين في الفعل والتعدي، وهذا الاشتراك فيه وجوه:
الأول: اشتراك جماعة في الظلم وهو على شعب:
الأولى: الالتقاء في ظلم يتعلق بموضوع معين.
الثانية: التعاون على الإثم والعدوان.
الثالثة: المناجاة والشركة في الحث على الشرك والكفر والضلالة.
الرابعة: الاشتراك في ظلم مخصوص يأتي على نحو القضية الشخصية.
الثاني: الاتحاد النوعي في الصفة بين الظالمين، وهذا الاتحاد يحتمل وجوهاً:
اولاً: التشابه بين الظالمين مطلقاً وان تباينت الأزمنة والأمكنة.
ثانياً: وجوه الاتحاد بين الظالمين على نحو جهتي.
ثالثاً: التشابه في الصفة بينهم بخصوص موضوع الظلم كما في المقام باختيارهم الكفر بعد الايمان.
رابعاً: الاشتراك في الظلم والتعدي المخصوص.
الثالث: بيان الاتحاد في سوء العاقبة بحشر الظالمين في النار باعتبارهم قوماً اشتركوا في الظلم والتعدي.
وبلحاظ خاتمة الآية هل ينحصر عدم الهداية بالدنيا أم يشمل الآخرة، الجواب: هو الأخير لاصالة الاطلاق ولا يقيده تعلق موضوع الهداية في الدنيا، ولان الدنيا مزرعة الآخرة، وابتغاء الصراط المستقيم وسبيل الجنة يحتاج الى هداية ورشاد.


مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة