معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 68

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد الله الذي خلق الجنة والنار جزاء للعباد، ومدرسة للصلاح، وعبرة لأولى الألباب، ووسيلة للزجر عن المعاصي، وترغيباً بالمحافظة على الفطرة، وسنن الخلافة في الأرض، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
لقد تفضل الله وانزل القرآن ليبين بحكمة وتفصيل وصيغ سماوية إعجازية صفات الجنة والنار، ويأخذ بأيدي الناس نحو السلامة والأمن في النشأتين، فيتلو المؤمن الآيات الخاصة بالجنة فيشتاق اليها، ولا يلتفت الى الموت وشدة النزع، ويتلو الآيات التي فيها ذكر النار فترتعد فرائصه، ويحس بلهيبها، ومن اللطف الإلهي ان خفف الله عن المؤمنين في هذه الآيات اذ جاءت بصيغة الإخبار عن حال الكفار في النار، ويدل في مفهومه على نجاة المسلمين وسلامتهم من أذى وحر النار في الآخرة.
ويتضمن هذا الجزء وهو الثامن والستون تفسير الآيات (87-93) من سورة آل عمران، جاءت أربعة منها في ذم الكافرين وبيان ما ينتظرهم من العذاب الأليم جزاء وعقوبة، لتكون هذه الآيات حجة للناس وباباً للإقلاع عن الكفر، وسبيلاً لإجتناب الضلالة، كما اخبرت عن عدم قبول الفدية من الكافر وان كبرت وتعددت افرادها.
وجعل الله عز وجل كل آية خزينة وكنزاً جامعاً ينهل منه الناس العلوم والمعارف والمكاسب الدنيوية والأخروية، ففي الوعيد للكافرين الذي جاءت به هذه الآيات تهذيب للنفوس وإصلاح للمجتمعات، ومدخل لنشر الود والمحبة بين الناس.
ومن الإعجاز أن تأتي بعدها آية تحث المسلمين على الإنفاق من الطيبات وتجعله مقدمة لنيل الثواب والجزاء الحسن في الآخرة، ليؤكد القرآن حقيقة إمامته في الخيرات، ودعوته الناس الى الهداية والصلاح، وان يعم الناس جميعاً في خطاباته وان تباينت أفعالهم ومنازلهم، فالوعد بشارة للمؤمن ودعوة له للبقاء على الايمان، وتبكيت للكافر ووسيلة سماوية لجذبه لمنازل التوبة التي جاءت الآية التاسعة والثمانون بالترغيب بها.
وكالأجزاء السابقة يتصف هذا الجزء بقلة عدد الآيات التي يتناولها تفسيراً وتأويلاً في مدرسة علمية وعقائدية منّ الله تعالى بها علينا وعليكم وعلى الاجيال اللاحقة من المسلمين رجالاً ونساءً.
وارجو قراءة سورة الفاتحة الى روح ولدي الشهيد الشيخ علي الذي قتلته يد الارهاب والإجرام، قبل بضعة شهور قرب جوازات المنصور اثناء إجرائه مقدمات الحج لبعض المؤمنين ، [رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ].

قوله تعالى [أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] الآية 87 – آل عمران.
الإعراب واللغة
اولئك: اسما شارة في محل رفع مبتدأ اول.
جزاؤهم: مبتدأ ثانِ، وهو مضاف، والضمير (هم) مضاف اليه، والجملة الإسمية خبر اسمالإشارة، و(ان) وما في حيزها خبر جزاء.
عليهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ان) المقدم.
لعنة: اسمان المؤخر، وهو مضاف.
اسمالجلالة: مضاف اليه.
والملائكة: الواو: حرف عطف، الملائكة: معطوف على اسمالجلالة، وكذا الناس معطوف.
اللعن هو الإبعاد والطرد من الخير ومما فيه النفع، ولا يكون الا مع الذنب والمعصية الكبيرة التي تستحق سؤال الطرد، اما اللعن من الخلق فهو الدعاء بالعذاب والسخط الإلهي، واللعين: الذي يناله الشتم والطرد.
والجزاء: المكافأة على القول والفعل، يقال: جزاه به وعليه جزاء ومجازاة، ويستعمل الجزاء في الثواب ويعرف بالقرائن، ولكنه لا يعتبر من الأضداد لاتحاده في الترتب على الفعل، يقال: جزيته بما صنع، وجازيته بمعنى، والتباين في الموضوع الذي يحصل عليه الجزاء، وليس في ذات الجزاء، نعم الجزاء على قسمين:
الأول: هو الثواب والمكافأة على الخير.
الثاني: العقاب والمكافأة على القبيح.
وجاء الجزاء في الآية بالمعنى الثاني.
في سياق الآيات
بعد الإخبار عن عدم هداية القوم الكافرين، وبيان الحجة المركبة في توالي اسباب الهداية والرشاد عليهم وإصرارهم على الإعراض عنها وابدال نعمة الإيمان، بظلم الذات والغير، جاءت هذه الآية لتخبر عن الجزاء والعقاب الذي ينتظر الكافرين على سوء اختيارهم وبقائهم على الجحود.
لتستقرأ من الآيات قاعدة كلية وهي ان الكفر قبيح ذاتاً وهو ذنب عظيم يستحق العقاب الشديد، وجاءت هذه الآية والآية التالية لبيان وجوه العقاب وشدة وطأته، ولكن لماذا جاءت صيغ التوبيخ والعقاب في آيتين متعاقبتين، ولم تجتمع في آية واحدة، فيه وجوه:
الأول: بيان الإثم والذنب العظيم لمن يختار الكفر.
الثاني: توكيد غضب الله عز وجل على الكافرين.
الثالث: تعدد الآيات في المقام درس وعبرة، وزجر عن الكفر والظلم.
الرابع: بيان هذه الآية لعموم مضامين اللعنة لتشمل عالم الدنيا والبرزخ والآخرة، بينما جاءت الآية التالية بخصوص دخولهم النار وخلودهم في العذاب.
ومن الإعجاز في نظم وسياق الآيات ان يرد الإستثناء من العذاب بقوله تعالى[ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، ليكون دعوة للتوبة والإنابة، ومانعاً من اليأس والقنوط، ومن مضامين هذه الآية انها بيان لحرمان الذين كفروا من الهداية، واذ جاءت الآية السابقة بخصوص حجب الهداية عن الكافرين بعد الإيمان، جاءت هذه الآية لبيان ما يستحقونه من العقاب.
قانون التعاقب الموضوعي
من اسرار القرآن التداخل الموضوعي بين آياته بحيث تشترك كل آية مع التي سبقتها والتي تأتي بعدها في وجوه:
الأول: الاتحاد في الموضوع.
الثاني: الاشتراك في الحكم.
الثالث: التداخل في الموضوع والحكم.
الرابع: الالتقاء في الدلالة والمعاني المرادة منها.
الخامس: التشابه في الغرض والغاية.
السادس: الاتحاد في المفهوم وان لم يظهر الاتحاد في اللفظ والمضمون.
وهذا التداخل والاشتراك من الإعجاز، وسر من الاسرار التي ينفرد بها القرآن، وفيه مسائل:
الأولى: التوكيد في كل زمان على نزوله من عند الله عز وجل.
الثانية: انه شاهد على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق به ونصرته.
الثالثة: نظم الآيات مدرسة عقائدية يحتاجها في كل زمان الناس عامة، والمسلمون خاصة.
الرابعة: استنباط العبر والمواعظ من نظم الآيات.
الخامسة: قيام الحجة على الكافرين.
السادسة: البشارة والوعد للمؤمنين.
السابعة: جزئية نظم الآيات من قوانين اللطف الإلهي، فلا ينحصر اللطف واسباب التقريب الى الطاعة والخروج عن المعصية بذات ومضامين الآية القرآنية بل يشمل سياق الآيات.
ويتجلى التعاقب الموضوعي في الآيات محل البحث بوجوه:
الأول: مجيء آية (قل آمنا) في اعلان المسلمين الإيمان بالله، والتصديق بالتنزيل والنبوة مطلقاً( ).
الثاني: سلامة نهج المسلمين وفوزهم بالوفاء بالمواثيق والعهود.
الثالث: التوبيخ والإنذار والوعيد لمن يسعى ويروم اختيار عقيدة ودين غير الإسلام.
الرابع: الاخبار عن خسارة أهل الجحود والكفر.
الخامس: بيان العلة الذاتية لتخلف الكافرين عن اسباب الهداية.
السادس: قيام الحجة ومضاعفة العذاب على الذين يكفرون بعد الإيمان.
السابع: موضوعية الهداية، والحاجة الى الله تعالى من أجل نيل مرتبة وصفة الهداية، والسعي لنيلها، وتتجلى مضامين هذا السعي باختيار الإسلام ديناً.
الثامن: نزول اللعنة والذم والطرد من رحمة الله على القوم الكافرين.
ولم تأت هذه اللعنة الا جزاء وعقوبة وفيه مسائل:
الأولى: بعث السكينة في نفوس المسلمين بان اللعنة لا تصل اليهم.
الثانية: الإحتراز من اللعنة والطرد من رحمة الله تعالى، فمتى ما أدرك الإنسان ان اللعنة لا تأتي الا جزاء وهذا الجزاء مقيد بالكفر والجحود فانه يحرص على الإبتعاد عن الكفر.
الثالثة: تعدد وجوه اللعن والذم للكافرين وان كان عددهم كثيراً، فتتوجه اللعنة المركبة الى كل كافر عقوبة ومقدمة للعقوبة.
الرابعة: الزجر عن الكفر والجحود، والدعوة للاقتداء بالمسلمين ومحاكاتهم في الإيمان والتصديق بالنبوة والتنزيل.

إعجاز الآية
في الآية وجوه إعجازية منها:
الأول: قدمت الآية اسمالإشارة بما يفيد الحصر، والتبكيت.
الثاني: بيان حقيقة جزائية وهي مجيء العقاب عن استحقاق.
الثالث: لم تكتفِ الآية بذكر لعنة الله مع ما تتضمنه من الإبعاد عن الرحمة الإلهية، بل جاءت بذكر لعنة الملائكة والناس، وكل واحدة منها موضوع للإعتبار والإتعاظ.
الرابع: تبين الآية كراهة الكفر وبغض الخلائق له، وان الكافر يلعن نفسه بالذات وبالواسطة والإخبار عن هذا الأمر نوع إعجاز، وشاهد على كشف الآية لأغوار النفس الإنسانية، ومعرفة حال الكفار في منتدياتهم وخلواتهم.
الخامس: في الآية دعوة للتوجه الى الكفار بخطابات الإنذار والتحذير والموعظة والإحتجاج، بالإضافة الى ما في اللعنة من الإضعاف وأسباب الخذلان لمن تتوجه اليه، لحتمية ترتب الآثار والأضرار على اللعنة.
السادس: من الإعجاز في الآية تعدد أفراد اللعنة، وتعذر احصائها.
السابع: تؤكد الآية ان لعنة الملائكة والناس من الجزاء على الكفر والجحود، وفيها وجوه:
الأول: تقع اللعنة بالاختيار، أي ان الملائكة والناس هم الذين يبادرون الى لعنة الكفار.
الثاني: لعنة الملائكة بالأمر الإلهي باللعن على نحو التعيين، أما لعنة الناس فتأتي بالاختيار.
الثالث: العكس من الوجه أعلاه.
الرابع: تأتي لعنة الملائكة والناس بالأمر الإلهي لهم بلحاظ انه جزاء على الكفر والجحود، أي ان الله عز وجل يقول للملائكة والناس العنوا الكافرين جزاء على كفرهم.
والصحيح هو الأول، وهو آية في الخلق وعالم التكليف واسرار الجزاء في الدنيا والآخرة، ودليل على ان الإسلام هو دين الفطرة.
الثامن: ان الخلائق تشهد بان الكافر يستحق العذاب الأليم، فمن يلعن الكفار لا يحتج ولا يستغرب تعرضهم للعذاب والعقاب الأليم، فكأن الآية تقول بانعدام الناصر للكفار حتى من أنفسهم، وهو تحذير من الكفر والجحود.
التاسع: توسع الآية عالم الحساب والجزاء ولا تبقيه محصوراً في ثواب المؤمنين الذين يعملون الصالحات بدخول الجنة، وعقاب الكافرين بدخول النار، بل يتجلى باب آخــر من الجزاء هو نزول اللعنة بالكفار وما فيها من الطرد عن الخير والرحمة والحرمان من النفع الدنيوي والأخروي.
العاشر:: تبين الآية وجود صلة وتأثير بين العالم العلوي والملائكة والعالم السفلي وسكان الأرض، وتتقوم هذه الصلة بالسخط على الجاحد والمعاند والكافر.
الحادي عشر: صـدور اللعنة من الناس على نحــو العمـــوم ومـــن غير إستثناء بدليل صفة الشمول والجمع بقوله تعالى [وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ]، ولو لم تذكر الآية الناس بصفة (أجمعين) لقيل ان المراد من الناس المسلمون، وان الكافر لا يلعن نفسه، فجاء وصف العموم والشمول للاخبار عن التعدد والاتحاد في جهة صدور ومحل نزول اللعنة، أما التعدد فان المســلم يلعــن الكافر، وأما الاتحــاد فان الكافر يلعن نفسه.
ومن الإعجاز في نظم هذه الآية ورود اسمالجلالة فيها ثلاث مرات، كما ورد فيها لفظ الكتاب ثلاث مرات أخرى , وإبتدأت الآية بذكر ألفاظ الكتاب , وأختتمت بذكر لفظ الجلالة مكرراً.
ويمكن ان نسمي هذه الآية بآية (اولئك جزاؤهم) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا مرتين، وفي سورة آل عمران، ومن الإعجاز ان ترد الثانية في المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويبادرون الى الاستغفار والاخبار عن نيلهم الثواب العظيم بالفوز بالجنة( ).
الآية سلاح
تعطي الآية المسلمين درساً من عالم الجزاء، وتبين وجوه العذاب التي ينالها الكفار، واختيارهم الحرمان من الرأفة والرحمة الإلهية وأسباب الهداية، وهي عون للمسلمين وموضوع للبرهان والحجة على الكفار والظالمين، وتبعث السرور في نفس المسلم للتوفيق في اختيار الإسلام، والطمع بنيل أسباب الهداية والرشاد.
وتمنع من الإفتتان بالكفار، وما هم عليه احياناً من مظاهر البهجة في الدنيا، فاذا ادرك المسلم ان الكافر مشمول باللعنة والطرد من رحمة الله يعلم ضآلة تلك المظاهر، وقرب زوالها، ويحرص على إجتناب اسباب اللعنة.
والآية مدرسة في المعارف الإلهية فتجعل المسلم يعرف منازل الناس لأن المدار على الإيمان، ويزدري الكافر وفعله، والنفوس مجبولة على النفرة ممن تقع عليه اللعنة.
وتلاحق هذه الآية الكافر قبل ان تلاحقه اللعنة وتأتي عليه، فهذه الآية إنذار وتخويف وتحذير من اللعنة، ومقدمة للطرد من رحمة الله، واشعار للناس جميعاً على ما ينتظر الكافرين من الأذى والبلاء، وتقسم الآية الناس الى قسمين:
الأول: من يقوم بلعنة الكافرين ويفوز بقيامه بتوجيه اللعنة للكافرين تبعاً للعنة الله عز وجل عليهم، كما يشارك الملائكة في الدعاء على الكافرين بالطرد من رحمة الله.
الثاني: الذي يتلقى اللعن ويقوم ايضاً بلعن نفسه.
وبين القسمين عموم وخصوص من وجه، فمادة الالتقاء القيام بتوجيه اللعن للكفار، ومادة الافتراق ان القسم الأول وهم المسلمون يقومون بتوجيه اللعن لغيرهم، أما القسم الثاني وهم الكفار فانهم يلعنون انفسهم.
الآية لطف
في الآية لطف بالناس من وجوه:
الأول: لغة الإنذار التي يتضمنها الوعيد على الكفر.
الثاني: قرب العقاب من الكفار، فان قلت: ان هذا القرب إنذار وتخويف واخبار عن دنو العذاب، قلت: لقد بينت الآية الحكم الذي يستحقه الكافر، وحثت الناس جميعاً على الإيمان والتوبة، وجاءت لتخبر عن حقيقة وهي عدم الثبات في منازل الكفر، وان البقاء فيها متزلزل لأنه خلاف الأصل وحكم العقل، وادلة البرهان.
الثالث: امكان إجتناب هذه اللعنة وما فيها من الأذى الدائم، وانحصار هذا الإجتناب بالتوبة والإنابة.
الرابع: تطلع المسلمين للرأفة الإلهية لإختيارهم الإيمان، ومن اللطف الإلهي بعث السكينة في نفس المسلم لعدم نزول اللعنة الإلهية عليه، فالآية تحصر اللعنة بالكفار الذين اختاروا الجحود والمعصية.
الخامس: توجه اللعنة من الكفار الى الكافر، ومن ذات الكافر لنفسه بيان لأشد صور القبح، ووسيلة سماوية لجعل النفس تنفر من الضلالة والشرك، وتحترز من الكفر.
السادس: الجزاء أعم من ان ينحصر بالحياة الآخرة فيشمل الدنيا فتتوجه اللعنة وصيغ الطرد للكافر عند تلبسه بالكفر، وهذا الإطلاق والاخبار عنه دعوة للتوبة والإنابة والفرار من اللعنة وما فيها من الأذى وهو على وجوه:
الأول: انها مطلوبة بذاتها.
الثاني: هي مقدمة لأذى وضرر إضافي.
الثالث: العنوان الجامع للأمرين اعلاه معاً.
والصحيح هو الثالث، فنزول اللعنة بساحة الكافر أذى وضرر بالذات، ومقدمة وسبب لأذى إضافي، أما الأول فالكفر عنوان للغضب والسخط والازدراء، وأما الثاني الطرد من رحمة الله والدعاء على الكافر سببان لحجب الرأفة ومقدمات الهداية عن الكافر لاختياره الكفر والضلالة.
وهذا التعدد في وجوه الأذى الذي يتلقاه الكافر توكيد لعلمه تعالى بما يفعله العباد، وان الجزاء مصاحب للأفعال وان كان هذا الجزاء بصورة ابتدائية وتتضمن الطرد من رحمة الله.
مفهوم الآية
تبين الآية حقيقة في الإرادة التكوينية وهي ثبوت العقاب على من يتعدى على حرمات الله، وينقض العهود، ولا يفي بما إلتزم وأقر به من الإيمان بالنبوة مع توالي الآيات واقامة الحجة عليه.
لقد بدأت الآية بالإشارة الى الذين اختاروا الكفر بعد الإيمان، والعذاب بعد السكينة والأمل، والكدورة بعد اللذة بنعيم العبودية.
ومن مفاهيم الآية البشارة للمسلمين بحسن الجزاء، اذ انها تخبر عن عالم الجزاء وهو مركب يتضمن الثواب والعقاب، الثواب لأهل الإيمان، والعقاب لأهل الكفر والجحود، فالإخبار عن احدهما يدل بالدلالة الإلتزامية على الآخر ومن يستحقه، فلما جاء العقاب للكافرين فان مفهومه يدل على نيل المؤمنين للثواب ونزول الرحمة والرأفة من عند الله، والفوز بدعاء الملائكة والصالحين، وقيام الملائكة بلعن الذين كفروا يدل على عدم غيابها وانفصالها عن الناس في الحياة الدنيا والآخرة، وفي الآية مسائل:
الأولى: ذم الكفار على نحو التعيين.
الثانية: الوعيد والتخويف لهم لسوء اختيارهم.
الثالثة: شمول الكفار باللعنة وعدم انحصارها بالوجهاء والملأ منهم.
الرابعة: تحث الآية على التدبر والاتعاظ والاعتبار من الأضرار والأذى الذي يلحق من تقع عليه لعنة الله.
الخامسة: تبعية لعنة الملائكة والناس للعنة الله، فحيثما تقع لعنته تعالى فان لعنة الملائكة والناس تقع ايضاً سواء كان المحل متحداً او متعدداً.
السادسة: مجيء الآية بذكر الناس وعلى نحو العموم وفيه اشارة الى منافاة الكفر للفطرة الإنسانية وانه غريب عن خلق وسنخية الإنسان.
السابعة: تبين الآية عظيم منزلة الملائكة والناس، فمع وجود الكفار بين الناس فانهم يتبرأون من الكفر ويبغضون أهله، وهذا البغض لم ينحصر بأهل الإيمان بل هو شامل يتجلى باللعنة والدعوة للطرد من رحمة الله.
لقد أراد الله عز وجل من الإخبار القرآني عن نزول اللعنة على الكافرين دعوة الناس جميعاً لإجتناب الكفر والجحود رأفة بهم، وفيه دلالة على ان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن رحمة ورأفة بالناس جميعاً.
ومن مفاهيم اشتراك الكافرين بتلقي اللعنة على نحو متساو، فاللعنة من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة، وهو بسيط في دلالاته، فتصيب التابع والمتبوع من الكفر ذات اللعنة، وهل يحتمل التعدد في رؤوس الكفر، وأكثر الكفار جحوداً وعناداً، والاتحاد في الاتباع، الجواب: لقد جاءت الآية مطلقة وتفيد حصول اللعنة بالكفار، ويمكن القول بالتفصيل فان لعنة الله متحدة لأنها تتضمن الابعاد عن الخير والنفع، أما لعنة الملائكة والناس فلا يبعد ان تكون متعددة، وان تكون لعنتهم للملأ ورؤساء الكفر أكثر عدداً من لعنتهم للاتباع الا انها لا تعني الاتحاد في لعنة الاتباع، لأن هذه اللعنة تصدر على نحو الدعاء وتأتي نتيجة الغضب والسخط الذاتي الصادر من الملائكة والناس.
وفي الآية مسائل:
الأولى: التنبيه باسمالاشارة على الكافرين وبما يفيد ذمهم وتقبيح فعلهم واختصاصهم بالعقوبة جزاء على كفرهم بقوله تعالى [أولئك جزاؤهم].
الثانية: مجيء اللعنة بسبب سوء فعلهم.
الثالثة: شمول الكافرين والظالمين باللعنة الإلهية والطرد من رحمة الله.
الرابعة: قيام الملائكة بلعن الكافرين لانهم فعلوا خلاف ما أمروا به من وجوب الإيمان والتصديق بالنبوة، ولم يتخذوا البينات والبراهين القاطعة على وجود الصانع وسيلة عقلية وشرعية لعبادته تعالى والتسليم له بالربوبية.
الخامسة: اشتراك الناس جميعاً بلعنة الكافرين، فلا يأتي زمان على الناس يخلو من الدعاء على الكافرين، وشتمهم وسؤال حجب الرحمة الإلهية عنهم.
إفاضات الآية
تفضل الله عز وجل بالقرآن ليكون اماماً للناس يقودهم نحو النعيم في جنة الخلد التي لا تنقضي أيامها، ولا تنفد ثمارها، ولا تجف انهارها، ومن وجوه إمامته ان يأتي بآيات الإنذار والوعيد لما فيها من الإخبار عما ينتظر الكفار من الجزاء لتتجلى مفاهيم الربوبية وصفات الجلال والعظمة والقدرة في الدنيا والآخرة، ومنها لغة الوعيد والتخويف وإصغاء الكفار لها طوعاً وقهراً.
فالكافر مع جحوده يسمع او يستمع لهذه الآيات، وهذا الإستماع من عظيم سلطان الله في الأرض، ومن لطفه بالعباد لما فيه من الحجة والبرهان والتخفيف والإخبار عن بقاء باب الإنابة والتوبة مفتوحاً، والإعلان السماوي عما فيه من الغنائم والمكاسب التي يصعب احصاؤها، والتي تتبادر الى الذهن بمعرفة اسباب نزول اللعنة والطرد من رحمة الله والتي تتمثل بالكفر والجحود وانكار النبوة، وتبين لغة الوعيد والذم في الآية اجماع الخلائق على القبح الذاتي للكفر ولزوم التخلي عنه كأصل للرذائل والعادات الذميمة.
وفي الآية شفاء لصدور المؤمنين، وهي برزخ دون الافتتان بالكفار او الميل اليهم، فمتى ما أدرك المسلم ان الكافر ملعون ومطرود من رحمة الله ولن يناله الخيروالنفع فانه يجتنبه وينفر منه ويزدري ما يأتي به من الأفعال، ولا تغره أمواله وشأنه في الدنيا لأنها جزء من الابتلاء ومضامين الاستدراج.
ومن الإفاضات ان تكون لعنة الكافر رحمة للمسلم وباباً لمواظبته على العبادات والخشية من اللعن، اذ ان اللعن لم يتوجه لاشخاص معينين بالذات، بل جاء بالعرض وبسبب اختيار الكفر، فهو يدور مع الجحود، وينجو منه الإنسان اذا تاب واجتنب الكفر والجحود، لذا يحرص المسلم على الاقامة على الصالحات والابتعاد عن اسباب ومقدمات اللعن، وتراه يستغرب اختيار فريق من الناس الضلالة وشراءهم اللعن بأيديهم مع ان الآية جاءت لتخبر عن امكان النجاة منه بالتوبة النصوح.

التفسير
قوله تعالى [أُوْلَئِكَ]
جاء اسمالإشارة للبعيد، لوجوه:
الأول: بيان ابتعاد الكفار عن منازل الرحمة ومهبط الوحي والتنزيل.
الثاني: عدم إنتفاعهم من نزول الآيات وما فيها من المواعظ والعبر.
الثالث: افادة المعنى الأعم وشمول أهل التولي ومن ابتغى غير الإسلام ديناً والذين كفروا والظالمين بمضامين الآية الكريمة، وهو من إعجاز القرآن وتعدد معاني اللفظ القرآني.
فمع ان الآية تتعلق بالكفار وبسوء اختيارهم الكفر والجحود فانها جاءت بصيغة الجملة الخبرية التي تتضمن قاعدة كلية في عاقبة الكافرين، فلماذا لم تخاطب الآية الكفار خصوصاً وان لغتها لغة وعيد وتخويف، وفيه وجوه:
الأول: جاءت الآية لبيان حكم سماوي ثابت.
الثاني: افادة الجملة الخبرية معنى الإنشاء والإنذار.
الثالث: لحاظ سياق الآيات ومجيؤها بصيغة الإخبار.
الرابع: اكرام المسلمين باعتبار ان القرآن خطاب لهم، وليعلموا ما ينتظر الكفار من العذاب.
الخامس: غلق باب الرد والإستكبار عن الكفار، فلغة الخبر تمنعهم من الترفع واظهار الإعراض عنها، فهي لم تأتٍ لهم خاصة مع ان أحكامها تعلقت بهم كتبكيت وعقوبة، ولكنها جاءت لبيان حقيقة في الإرادة التكوينية.
السادس: من معاني الآية تثبيت الإيمان في نفوس المسلمين، وبعث النفرة من الكفار لما ينزل بهم من الطرد من رحمة الله وحجب اسباب العفو والرأفة عنهم، اذ ان موضوع العفو عنوان للإفتراق والتباعد بين المسلمين والكفار، فالمسلم الذي يعلم بحجب الرحمة الإلهية عن الكفار يبتعد عنهم ويحذر منهم.
ومع مجيء الآية السابقة وهذه الآية بصيغة الجمع ودلالتها على الكثرة والتعدد فان اسمالإشارة للبعيد يدل على ضعف تأثيرهم، وعدم وجود سلطان لهم، وفيه دلالة على البعد الذاتي للكفار قبل ان تصل النوبة الى اللعنة والطرد من رحمة الله، فكما انهم اختاروا عدم الهداية وغلقوا عن انفسهم اسباب اللطف والعناية الإلهية بالجذب الى سبل الإيمان والرشاد، فان الآية جاءت بذكر مقدمة اللعنة والطرد، وهذه المقدمة ذاتية اختيارية وفيها حجة عليهم، فالكفر ذاته بعد وابتعاد عن الرحمة، وبرزخ دون نزول الرأفة واسباب المغفرة، وقد يأتي اسمالإشارة (اولئك) للمدح والثناء بلحاظ القرائن، كما في قوله تعالى [أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ]( ).
لقد استحق الكفار الذم بصفات البعد ونزول اللعنة لإختيارهم الكفر ونقضهم العهود ومخالفتهم لإدراك العقل، واتباعهم للشهوات واعراضهم عن البراهين القاطعة التي تؤكد وجوب عبادة الله تعالى وطاعة انبيائه، ولأن هذا الكفر لم يأتِ ابتداء بل جاء بعد الإيمان، وان كان اختياره ابتداء يستحق الذم والعقاب هو الآخر، ولكن تعقبه للإيمان اثم إضافي، وسبب آخر لشدة العقاب واستحقاق الذم باسمالإشارة (اولئك).
ومن مفاهيم الآية الدعوة الى بغض الكفر وإجتناب أهله، وهذا البغض من مقدمات الثبات في منازل الإيمان وعدم تزلزله في النفس والمجتمعات، فمن إعجاز القرآن ان تأتي الآية في ذم قوم ولكنها تنفع في إصلاح المجتمعات والأمم، وتعاهد الإيمان وهو من مصـاديق قانون “تعدد الغاية”( ).
وفي عائدية اسمالإشارة (اولئك) وجوه:
الأول: إرادة القوم الذين كفروا بعد ايمانهم.
الثاني: الذين تولوا عن الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعن الدعوة الى الإسلام.
الثالث: القوم الظالمون الذين ذكروا في خاتمة الآية السابقة بلحاظ نظم واتصال الآيات ووفق قانون التفسير الذاتي، قال تعالى [ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ]( ).
الرابع: الوجوه الثلاثة أعلاه مجتمعة ومتفرقة.
والصحيح هو الأول ويلحق به الوجهان الآخران من غير تعارض بينها، وهذا العموم حجة على القوم الكافرين، ودعوة لهم لنبذ الكفر وترك مقدماته.

قوله تعالى [جَزَاؤُهُمْ]
في الآية اخبار عن الجزاء، وفيها مسائل:
الأولى: لم تذكر الآية الجزاء مطلقاً بل اختصت بذكر عقاب الكافرين والظالمين.
الثانية: هذا الإختصاص لا يمنع من وجود جزاء مغاير له بلحاظ المغايرة والتعدد في عالم الأفعال، فجزاء المؤمنين نزول الرحمة والبركة عليهم ودعاء الملائكة والصالحين لهم.
الثالثة: حتمية الجزاء وما فيه من الثواب اوالعقاب بلحاظ العمل في الحياة الدنيا.
الرابعة: عدم ترك الكافرين وشأنهم، فيرى الإنسان الكفار وهم يفعلون ما يشاءون، ويقيمون على المعاصي والذنوب، فتأتي هذه الآية لتنقله الى عالم الجزاء وتخبره بان الكافرين لن يتركوا سدى.
الخامسة: في الآية شفاء لصدور المؤمنين، لما فيها من الإخبار عن عقاب الكافرين.
وجاء لفظ الجزاء لبيان حقيقة ودفع وهم، والإخبار عن استحقاق الكفار للعنة والطرد من رحمة الله، ودوام مكثهم في النار، ولكي يعلم الناس ان العقاب يترتب على عالم الأفعال، وان الإنسان لا يدخل النار الا بسوء فعله وعمله، وظلمه لنفسه وغيره.
وجاءت الآية بصيغة الجمع وهي انحلالية تؤكد قيام الحجة على كل كافر، فلم تأت اللعنة ابتداءً ولم يتركوا وشأنهم في اختيار الإيمان او الكفر، بل جاءتهم البينات، وآمنوا بالله وأقروا بالنبوة ثم جحدوا وأصروا على الكفر، فجاء الإنذار بالجزاء، أي هناك فترة إمهال وإنظار بين الكفر والجزاء وهي مدة أيام الإنسان في الحياة الدنيا اذ تتجدد له فرص التوبة بعدد آنات الليل والنهار، حتى اذا مات على الكفر جاء الجزاء الذي تتضمن الوعيد به هذه الآية والآية التالية.
قانون الجزاء
وردت مادة جزى في القرآن نحو مائة وسبع مرات وكلها في باب الجزاء وعالم الحساب واستحقاق الثواب اوالعقاب، وفيه آية من آيات وأسرار الفاظ وكلمات القرآن وشاهد على حصر الجزاء به تعالى، وعدم أهلية القوانين الوضعية للجزاء الا اذا كانت مستنبطة ومقتبسة من الحكم السماوي النازل على الأنبياء، وهو من الدلائل على وجوب الإيمان بالكتب المنزلة لأنه عنوان حفظ النظام والمعايش، ومقدمة للإمتثال للأوامر الإلهية، كما في قوله تعالى [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا]( ).
فبينت الآية وجهاً من وجوه الجزاء والعقاب في الدنيا، ليكون زاجراً عن الظلم والتعدي، لما في الظلم من اذى وضرر على الظالم والمظلوم، وكذا بالنسبة للسرقة فانها اذى وشر للسارق والمسروق، وهذا الأذى ذاتي وعرضي، ولا ينحصر بذات الفعل بل بأسبابه ومقدماته ونتائجه وآثاره لذا جاء الجزاء العاجل عليه بالمنع منه.
اما بالنسبة للكفر فان الجزاء عليه عام وشامل للحياة الدنيا والآخرة كما تدل عليه هذه الآية والآية التالية، ولكن جزاء الآخرة اشد واكبر، وهي دار الحساب والجزاء، وحصر الجزاء به تعالى يدل على موضوعية وأهمية قانون الجزاء، وهو مصداق من مصاديق ملكية الله للسموات والأرض، وعبودية الناس له سبحانه، وشاهد على ان الدنيا دار ابتلاء وامتحان وان الحساب أمر حتمي وقطعي.
وهل تؤثر مضامين هذا القانون على الحياة الدنيا وماهية اعمال الناس ام انه أمر خاص بالآخرة الجواب هو الأول، فلا تنحصر مواضيع وآثار عالم الجزاء بالآخرة، ولا بذات الجزاء موضوعاً وحكماً بل تؤثر بنوع وكيفية واعمال الناس في الحياة الدنيا، وهذا ليس من الإستصحاب القهقري واعتبار سريان اليقين الحالي على الشك السابق، والإجماع على عدم القول به في علم الأصول، ولكن مضامين قانون الجزاء جزء من الواقع اليومي للناس من وجوه:
الأول: الإخبار الإلهي عن تعقب الجزاء للأفعال.
الثاني: التباين والتضاد بين جزاء الإيمان وجزاء الكفر.
الثالث: وجود ملازمة بين الفعل والجزاء، وهذه الملازمة مركبة من جهتين:
الأولى: الوجود الذهني وعالم التصور، فيدرك الإنسان ان كل عمل يعمله يترتب عليه جزاء يناسبه.
الثانية: الوجود الخارجي، فعالم الأفعال ليس مجرداً بل يتعلق به الحساب والجزاء.
الرابع: بيان أحكام الجزاء لطف إلهي بالناس جميعاً لما فيه من الوعد والوعيد، خصوصاً وانه أمر واقع على نحو الحتم والقطع، فتأتي هذه الآيات دعوة للإصلاح، والتحذير والإنذار، ووسيلة للزجر عن الكفر والمنع من الظلم والتعدي، فمتى ما ادرك الإنسان ان وراءه حساباً وجزاء فانه يحرص على اداء ما فيه الثواب والجزاء الحسن، ويتجنب ما فيه العقوبة والأذى.
لقد أراد الله عز وجل للدار الآخرة محلاً واواناً للثواب والعقاب لذا فان أحكامها متعلقة بالحياة الدنيا وان اختلفت في الماهية من وجوه:
الأول: الدنيا دار عمل، والآخرة دار حساب.
الثاني: قصر أيام الحياة الدنيا، ودوام أيام الآخرة.
الثالث: عدم انحصار الجزاء في الآخرة بفعل محدود زماناً ومكاناً.
الرابع: تتعاقب اجيال الناس في الدنيا، اما في الآخرة فيحشر الناس جميعاً، ويلتقي الجد والابن وان تعددت وكثرت سلسلة الآباء فيما بينهما.
وهل تشمل الآية الكفار الذين انابوا وتابوا الى الله، اما انها تخص الذين اصروا على الكفر ولم يتوبوا الى ان ماتوا، الجواب هو الأخير، فمن تاب يخرج عن مضامين الوعيد في الآية بلحاظ آيات منها:
الأولى: قوله تعالى [الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ]( ).
الثانية: ما يأتي بعد آية من إستثناء لأهل التوبة والإنابة بقوله تعالى [ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ]( ).
فاسمالإشارة (اولئك) يفيد الحصر بالذين يصرون على الإقامة على الكفر من غير ان يكون هناك تعارض بين منطوق ومفهوم ومضامين الآية الكريمة، فمن إعجاز القرآن تضمن اسمالإشارة في الآية لأمور منها:
الأول: التوبيخ والذم لأهل الكفر والجحود.
الثاني: الإخبار عن بعدهم عن رحمة الله، وهذا البعد بلحاظ التلبس بصفة الكفر، فمتى ما تخلى الإنسان عن الكفر تخلص من مضامين الذم والتقبيح الواردة فيها.
الثالث: المدح والثناء على المسلمين الذين تعاهدوا الإيمان، واجتنبوا مفاهيم الكفر.
الرابع: التخويف والتحذير من الكفر والكفار.
الخامس: بيان سوء عاقبة الكفر، ويساهم هذا البيان في انحسار الكفر، وإجتناب شطر من الناس له، فالآية تخاطب اولي الألباب وتتضمن النصح والإرشاد بلزوم الإبتعاد عن الكفر.
السادس: جاءت الآية بصيغة الجمع مما يفيد توجه العذاب والعقاب الى القوم الكافرين وان كثر عددهم، فالكثرة ليست سبباً في تخفيف العذاب، او علة في عدم توجيه اللوم والذم لهم، بل بالعكس فان كثرة عدد الكفار واممهم ومللهم تجعل التنبيه والتحذير من الكفر حاجة للناس جميعاً سواء المؤمنين أو الكفار انفسهم.
اما المؤمنون فان الآية تقوي عزائمهم، وتجعلهم يفرحون بحسن اختيارهم، ونجاتهم من الطرد من رحمة الله، واما الكفار فان الآية حجة عليهم، ووسيلة سماوية لجذبهم لمنازل الإيمان، بالإضافة الى اخبارها عن حقيقة واقعة والذي سيأتي في قانون بيان الجزاء في تفسير الآية التالية.
علم المناسبة
ورد منطوق هذه الآية في القرآن مرتين فورد في الآية الحادية والستين بعد المائة من سورة البقرة، مع تباين بينها وبين الآية محل البحث من سورة آل عمران من وجوه:
الأول: في سورة البقرة جاءت هذه الكلمات جزء من الآية، أما في سورة آل عمران، فجاءت آية مستقلة بذاتها.
الثاني: في سورة البقرة لم يذكر لفظ (جزاؤهم) الذي ذكر في هذه الآية خبراً لـ(أولئك)، مما يدل على افادة الجزاء وان موضوع اللعنة في سورة البقرة انما هو الجزاء والعقاب على الكفر.
الثالث: في سورة البقرة ذكر كفر القوم وموتهم على الكفر، أما في هذه الآيات فجاء ذكر الكفر بعد الإيمان والإقرار بصدق نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مما يدل على ان المراد من الكفار الذين جزاؤهم جهنم هم الذين يغادرون الدنيا وهم متلبسون بالكفر، ولم ينتفعوا من فرص الحياة الدنيا للتوبة، هذه الفرص المتجددة كل ساعة من ساعات الليل والنهار، فليس من شئ أكثر مندوحة وفرصة في الحياة الدنيا مثل فرص التوبة وتعددها خصوصاً وان التوبة لا تحتاج الى سعي ومقدمات، بل تستلزم النية والقصد وحسن السريرة ثم التقيد بالأوامر والنواهي الإلهية.
بالاضافة الى خصوصية في التوبة وهي تغشي منافعها للحياة الدنيا والآخرة، واذا كان الإنسان يستطيع الاجتهاد في احصاء منافع التوبة الدنيوية فانه يعجز عن احصاء منافعها الأخروية.
وورد لفظ (جزاؤهم) بصيغة ضمير الجمع للغائبين خمس مرات، ثلاثة في بيان عقوبة الكفار، واثنتين في ثواب المؤمنين، وقد جاءت اثنتان منها باسمالاشارة (ذلك) للدلالة على مضمون الجزاء والعقاب، أي ان اسمالاشارة ورد مرتين في الاشارة الى ذات الكفار بلفظ (أولئك) ومرتين للاشارة الى ذات الجزاء بلفظ (ذلك)، وللجمع بينهما دلالات تبين حصر مضمون العقاب الأليم بالكفار على نحو الخصوص لأنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم بجحودهم بالربوبية واعراضهم عن النبوة ونكوصهم وعدم التفاتهم الى الآيات والبراهين القاطعة التي تدل على وجوب الإيمان، ومعصيتهم وعدم إمتثالهم للأوامر الإلهية.
وفي المرة الخامسة جاء لفظ (جزاؤهم) مبتدأ يتضمن البشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بعد وصفهم بانهم خير البرية، قال تعالى [جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ…] ( ).

قوله تعالى [أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ]
جاءت الآية بحرف الجر (على) والذي يفيد الإستعلاء، ولم تقل ان لهم لعنة الله، وقد جاء ذات اللفظ القرآني الآية بحرف الجر (على) في القرآن سبع مرات، وجاء مرتين بالتعدي بالحرف (الى) حينما يرد لفظ (اللعنة) على نحو التنكير ومن غير اضافة، اما اذا ذكرت اللعنة بالإضافة وان لعنة الله تصيب الكافرين فانها تأتي بحرف الإستعلاء لبيان شدتها وعظيم وقعها وأثرها كما جاءت باتحاد المحل كما في قوله تعالى [ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ]( ).
وتنفي الآية احتمال نجاة الكافر من اللعنة بلحاظ الحرف (ان)، وما فيها من معاني التأكيد والتحقيق وتدل على حصول اللعنة ودوام أثرها، وهذه اللعنة من اسباب حجب الهداية عن الكفار، فمن يكون ملعوناً لا يستحق الهداية، ومن آيات التكليف في الحياة الدنيا ان اللعنة لم تأتِ الا بعد ان اختار هؤلاء القوم الكفر ،واستبدلوا الإيمان بالجحود ، وهذا الإختيار لم يحصل ابتداء، ومن فضل الله تعالى انه لم يجعل الإنسان يختار الكفر ابتداء لأن أصل الفطرة هو الإسلام، بالإضافة الى مجيء البينات والبراهين التي تقود الى الإيمان والتصديق بالرسالة والتنزيل، فأعرض عنها القوم واختاروا الكفر، ومع هذا فان الله عز وجل يلطف بهم مرة اخرى، اذ جعل حسن اختيار المسلمين وسيلة لجذبهم الى الهدى وسبل الرشاد، وشاهداً على وجود من يبقى في منازل الإيمان، ويتعاهد التنزيل بفرح وبهجة.
وتضمنت الآيات القرآنية الإخبار عن نزول رحمته تعالى على المؤمنين وجاءت هذه الآية لتخبر عن التباين بين المسلمين والكفار، وأكدت طرد الكافرين من رحمته تعالى وابعادهم عن مواطن الرأفة مما يبعث على الحسرة والندم في نفوسهم، فمن أسرار خلق الإنسان انه يسعى لجلب المنفعة لنفسه، ويحرص على إجتناب الأذى وما فيه من الضرر.
وتؤكد هذه الآية حقيقة وهي ان الكفر مجلبة للأذى الشديد، وسبب للحرمان من النفع العظيم، مما يعني لزوم إجتنابه والإبتعاد عنه فلماذا يصر الكافرون على البقاء على الكفر، الجواب من وجوه:
الأول: الإصرار ليس مطلقاً ولم يكن من الكفار كافة، بل ان هذه الآيات باب للإنابة والتوبة، وكم من شخص استبان له قبح الكفر وعواقبه الوخيمة، فهجره واغتسل في نهر التوبة الجاري.
الثاني: هذه الآية دعوة لنبذ الكفر، والنجاة من براثنه، والتخلص من تلقيه وراثة وتركة ضارة، فالآية خطاب انحلالي موجه لكل إنسان، وفيها اخبار لكل كافر انه محروم من رحمة الله، ومطرود من مواطن الرأفة الإلهية، وهذا الإخبار يؤلم الإنسان في روحه ودمه لأنه يشتاق الى رحمة الله بحكم النفخ فيه من روحه سبحانه، ويحتاج القرب من رأفته تعالى ونزول فضله تعالى، لأن الإنسان كائن ممكن، وكل ممكن محتاج، لذا فان الكافر يبقى في حال من اللوم الذاتي ومراجعة النفس، ومنهم من تغلب عنده موازين الحكمة والعقل ويترك الكفر، ويتجه صوب الإيمان وقد يكون بالأمس من اكثر الناس عناداً وإصراراً على الكفر.
الثالث: هناك الكثير من الكفار الذين يشعرون بالحسرة والأسف على بقائهم في مواطن الكفر، وقد يميل بعضهم الى العادة والوراثة بالاضافة الى خشية الإنتقال الى عالم جديد، فتأتي هذه الآية لتزيد من حسرته وتبين له سبل التخلص منها الى الأبد باختيار الإسلام.
كما تمنع الإصرار على الكفر، وتجعل الكفار يدركون قبح الإقامة عليه، وتلقي عليهم الحجة بان ما يرد عليهم من الأذى انما هو بما كسبت ايديهم، فالمراد من لعنة الله وجوه:
الأول: الطرد والإبعاد من رحمته تعالى.
الثاني: مجازاتهم ومعاقبتهم على كفرهم وصدودهم وجحودهم بعد الإيمان، قال تعالى [نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ]( ).
الثالث: غضب الله عز وجل على الذي يكفر بعد الإيمان، وينقض العهود وينكر الإقرار بالنبوة او ينكر النبوة بعد الإقرار بها.
الرابع: من مصاديق اللعنة الإلهية العقاب الشديد، لذا ترد اللعنة في القرآن متعقبة للإثم العظيم، وليس من اثم وذنب اكبر وأقبح من الكفر.
وتدعو الآية الناس الى التدبر بمعاني اللعنة ومفاهيم الطرد من رحمته تعالى، وتحثهم على لزوم إجتناب كل ما يعرضهم لأسباب اللعنة والإبتعاد عن مواطن وأسباب الرأفة، والناس بخصوص القرب من رحمته تعالى على قسمين:
الأول: من يكون قريباً من رحمة الله، وفي التنزيل [إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
الثاني: الذي يكون بعيداً عن رحمة الله باختياره الكفر والجحود، وهل من برزخ بينهما او عنوان جامع للقرب والبعد، الجواب لا، لأنه ليس من منزلة وسط او قسيم ثالث للإيمان والكفر، فاما الإيمان والإقرار بالربوبية والتصديق بالنبوة، واما الكفر والجحود.
قانون التقسيم
يعتبر التقسيم وقسمة الشيء الى اجزاء أمراً متعارفاً عند الناس سواء كان بالقسمة الطبيعية او القسمة المنطقية وما من إنسان ذكراً او انثى، الا ويحتاج ويزاول القسمة في ليله ونهاره بحسب حاله وشأنه، ولكن قانون التقسيم لا يتعلق بما يقوم به الإنسان في الواقع اليومي بل يكون الإنسان ذاته فيه مصداقاً وفرداً من أفراد أحد الأقسام، ليدرك انه مخلوق، ووراءه حساب وجزاء، وتتعدد وجوه القسمة بحسب اللحاظ والموضوع والحكم، وقانون التقسيم يتعلق بأهم موضوع وحكم في الحياة اذ انه يخص الإعتقاد والمبدأ والملة، وهو شاهد على جعل الحياة الدنيا دار امتحان وبلاء.
وينقسم الناس الى اقسام:
الأول: الذين يؤمنون بالله تعالى ويقرون بربوبيته، ويصدقون بانبيائه كافة ويتلقون ما انزل عليهم بالعمل والإمتثال.
الثاني: الذين يقرون بالربوبية ولكنهم لا يصدقون بالأنبياء.
الثالث: من يؤمن بالله عز وجل، ويصدق بجماعة من الأنبياء دون غيرهم.
الرابع: الذي يجحد بالربوبية ويختار الكفر والمعصية.
ولكن التقسيم الذي عليه الحساب يتضمن قسمين لا ثالث لهما وهما:
الأول: الإيمان.
الثاني: الكفر.
فليس من قسيم ثالث لهما، مما يعني تداخل بعض الأقسام اعلاه ببعضها الآخر، وانفرد بالقسم الأول المسلمون الذين يؤمنون بالله والأنبياء على نحو العموم الإستغراقي، والكتب السماوية التي انزلها الله عليهم، لتؤدى العبادات والفرائض على نحو متحد ووفق ما أمر الله به، ولهذا التقسيم العقائدي موضوعية في النشأتين على وجهين:
الأول: في الدنيا، اذ يجري التمييز بين الناس في اختياراتهم وتوظيفهم للعقل كرسول باطني، ومدى اقرارهم بالعهود، واستجابتهم لدعوة الأنبياء واعتبارهم بالآيات، وإنتفاعهـم من البينات، وتنزل الرحمة على أهل الإيمان، وتحجب أهم مصاديقها عن الكفار لسوء اختيارهم.
الثاني: في الآخرة، اذ يتجلى هذا التقسيم بوضوح فيفرق بينهما تفريقاً نهائياً من غير ان يحصل خطأ او يجري غش او شراء او رشوة او اعتبار لصلة القربى والنسب، فالمدار على العمل والتقوى.
ومن الآيات ان أهل النار ومع التقائهم ووحدة البلاء والأذى فان الخصومة قائمة بينهم، وتتجلى بذم وتقبيح ولعن بعضهم بعضاً، قال تعالى [كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا…]( ).
ومن الآيات عدم مباغتة أحكام هذا التقسيم للناس او جهلهم به، كما ان إدراكه ومعرفة قواعده وضوابطه لا تحتاج كثير تفكير واستنباط، فهو تقسيم بسيط يتقوم بموضوع واحد هو الإيمان، فمن كان مؤمناً فاز بحسن العاقبة ونجى من اللعنة وسوء العقاب، ومن اختار الكفر جرّ على نفسه العذاب وباء بغضب من الله.
وهذه الآية وان جاءت بذكر ما يناله الكفار الذين حجبوا عن انفسهم نعمة الهداية واستحقوا العقاب الا انها تدل في مفهومها على قانون التقسيم، وتشير الى القسم الآخر الذي تذكره آيات عديدة ببشارة المؤمنين بالجنة، قال تعالى [ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ الْمُجْرِمِينَ ] ( ).
وقانون التقسيم جزء من الحياة العامة للناس، وهو موجود دائماً وان ظهر الناس في تداخل وتجاوز في العمل والسكن، فبامكان كل واحد منهم ان يعرف نفسه في اي القسمين كما يحصل التجاذب والتنافر بلحاظ هذا التقسيم.
وجاءت الآية صريحة في اشتراك جميع الناس في لعن الكفار والدعاء عليهم بالبعد والطرد عن رحمة الله، وتدل بالدلالة التضمنية على اشتراك الكفار انفسهم باللعن، وهذا المعنى من إعجاز القرآن اذ يخبر بان الكفار يلعنون انفسهم فكيف يكون هذا اللعن، فيه وجوه:
الأول: يلعن الكافر صاحبه وقرينه من الكفار لأنه سبب في اغوائه، وهذه السببية على أقسام:
أولاً: ان يكون علة وقوعه في هاوية الضلالة.
ثانياً: الإشتراك معه في أفعال الكفر.
ثالثاً: الإستئناس بالكفر ودفع النفرة منه.
رابعاًَ: الإستجابة للآخر في موارد الكفر، بمعنى ان التابع يكون سبباً لبقاء المتبوع على الكفر، وان كان تأثير المتبوع على التابع في هذا الباب أكثر.
الثاني: يلعن الكافر الكافرين الآخرين لإقتباسه منهم مفاهيم الكفر والجحود، وهو على أقسام:
أولاً: لعنة من يكون معه من أقرانه.
ثانياً: لعنته لآبائه اذا ادرك انه ورث الكفر منهم.
ثالثاً: لعنته لمن سبقه من الكفار لإتباعه لهم في الكفر.
رابعاً: ان يلعن الكفار مطلقاً لسوء اختيارهم وأفعالهم ومحاكاته لهم.
الثالث: اجتماع لعنة الكافر لغيره ولنفسه، فكل كافر يلعن نفسه وتأتيه اللعنة من غيره من الكفار، بالإضافة الى لعنة المؤمنين له فتصدق لعنة الناس اجمعين له.
الرابع: اللعن الإجمالي من الكفار من غير حصر بالذات او الغير.
الخامس: من الكفار من يظن انه ليس بكافر ويعتقد ان نهجه قويم، ويقوم بلعن الكفار ولا يدري انه يلعن نفسه وامثاله.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها تؤكد قبح الكفر ذاتاً وعرضاً، وبقاء إدراك الناس للحق بما فيهم الكافر وان غلبت عليه النفس الشهوية والغضبية فهذه الغلبة لا تمنع من علمه الذاتي بذنبه وسوء ما يقترفه.
وقد وردت مادة (أجمعين) في القرآن، ثلاث وعشرين مرة، كلها تؤكد إرادة الشمول والعموم، الا ما خرج بالدليل وهو قليل مثل [وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] ( )، ويمكن تأويله وتخصيصه.

قوله تعالى [وَالْمَلاَئِكَةِ]
بعد نزول لعنة الله على الكافرين جاءت لعنة الملائكة لبيان قبح الكفر والجحود خصوصاً وانه لم يأتِ الا بعد الإيمان واقامة الحجة على الناس، ولفظ الملائكة من جهة القلة والكثرة يحتمل وجوهاً:
الأول: المراد الملائكة الذين يتولون ايصال اخبار الوحي وآيات التنزيل الى الأنبياء.
الثاني: المقصود ملك معين كجبرئيل، ولكن الآية جاءت بصيغة الجمع بلحاظ جنس ووظائف الملائكة.
الثالث: جاءت اللعنة من عدد مخصوص من الملائكة.
الرابع: ورود اللعنة من ملائكة ذوي وظيفة معلومة تتعلق بأهل الأرض كملائكة السماء الدنيا ممن يطلع على أفعال أهل الأرض.
الخامس: تأتي اللعنة من الملائكة الذين يكتبون اعمال بني آدم، قال تعالى [ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ]( ).
السادس: المقصود الملائكة الذين تكلموا سائلين حين خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
السابع: المراد من الآية الملائكة جميعاً، والألف واللام في قوله تعالى [وَالْمَلاَئِكَةِ] يفيد الجنس.
والصحيح هو الأخير، وهو المتبادر بالإضافة الى اصالة الإطلاق فليس من تحديد او حصر لعدد الملائكة الذين يلعنون الكفار بل تشمل الآية جميع الملائكة والذين لا يعلم عددهم الا الله مما يدل على عظيم أثر اللعنة وضرورة إجتنابها بالرجوع الى الإيمان والإنقياد لأوامر الله تعالى، وتحتمل اللعنة من الملائكة وجوهاً:
الأول: من وظيفة الملائكة لعن الكافرين.
الثاني: ان الله عز وجل يأمر الملائكة بلعن الكافرين.
الثالث: نفرة الملائكة من الكفر تؤدي الى لعنتهم للكافرين.
الرابع: اطلاع الملائكة على أفعال بني آدم وما يرتكبه الكفار، والصحيح هو الأخير فان الله عز وجل يطلع الملائكة على أفعال الناس، فيدعون للمؤمنين ويلعنون الكافرين.
وتأتي اللعنة من الملائكة بلحاظ وجهتها على وجوه:
الأول: لعن الكفار على نحو التعيين فترى فعل وجحود الكافر وإرتداده عن الإيمان فتلعنه بالذات.
الثاني: توجه الخطاب التكليفي للملائكة بلعن الكفار على نحو الإجمال ومن غير تعيين.
الثالث: تعلق اللعن بموضوع الكفر.
الرابع: الإذن الإلهي للملائكة بلعن الإنسان الذي يتخلف عن وظائف الخلافة في الأرض.
الخامس: تأتي اللعنة عند اطلاع الناس على صحائف الأعمال، ورؤية صدور المنكر من الكافر.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وتدل متفرقة ومجتمعة على علم الملائكة بان فريقاً من الناس يختار الكفر فتأتي اللعنة للتبرء من الكفر وأهله، وهذه اللعنة ومجيؤها بصيغة الإطلاق وصدورها من الملائكة جميعاً شاهد على تنزه الملائكة من الكفر وأهله، وتوكيد لإخلاصهم في طاعة الله.
وتبين الآية الصلة بين عالم السماء وعالم الأرض، وتقوم هذه الصلة بتقوى الله والنفرة من الكفر وأهله، وما في الآية من اللعنة مقدمة لشدة عذاب الكافرين في الآخرة فلا تتردد الملائكة في تولي عذاب من تلعنه.
ومن جهة أوان اللعنة تحتمل الآية وجوهاً:
الأول: وقوع اللعنة في الحياة الدنيا.
الثاني: صدورها من الملائكة في أيام الكافر في الدنيا، فبعد موته ينقطع لعن الملائكة له.
الثالث: حصول لعنة الملائكة عند رؤيتها للإنسان متلبساً بالكفر، وجاحداً وعاصياً للأوامر الإلهية.
الرابع: انبساط اللعنة على أيام الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى [وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ]( ).
والصحيح هو الأخير، فالملائكة تدعو لأهل الإيمان وتسأل الله لهم الجنة، وتلعن الكافرين وتقول باستحقاقهم للعذاب الشديد بما كسبت ايديهم.

قوله تعالى [وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ]
في خاتمة الآية اخبار عن اشتراك جميع الناس بلعنة الكفار لإختيارهم التولي والإدبار عن النبوة وفيه دلالة على ابتناء الفطرة الإنسانية على نبذ الكفر، وجاءت الآية بصيغتين:
الأولى: لفظ (الناس) وافادة العموم، فلم ترد الآية بلفظ (الذين آمنوا) ولم تأتِ بلفظ بني آدم، لأن هذا اللفظ يخرج آدم وحواء من اللاعنين للكفر فآدم نبي، وحواء سكنت معه الجنة وعلمت ضرورة الإيمان واضرار الكفر والمعاصي، فجاءت الآية بلفظ الناس وهو نوع إعجاز باختيار اللفظ الجامع للبشر، والمانع من إستثناء بعضهم.
الثانية: ورود لفظ (اجمعين) والمراد منه توكيد اشتراك الناس كافة باللعن، وجاء هذا التوكيد لوجوه:
الأول: الإخبار عن عدم خروج او امتناع الكفار عن اللعن.
الثاني: دفع وهم تعذر لعن الكافر لنفسه، خصوصاً من يظن انه على الحق، فجاءت الآية لتنفي امتناع اشتراك الكافر مع الناس في لعن الكفر وأهله.
الثالث: التوبيخ والذم للكفار وانهم يقومون بلعن انفسهم بسبب تلبسهم بالكفر وإصرارهم على الجحود.
الرابع: القبح الذاتي للكفر بحيث يدفع بصاحبه الى لعن وذم نفسه لسوء اختياره، وماجلبه عليها من العذاب الأليم.
الخامس: تضمن اللعنة الإقرار بسوء الفعل وارتكاب اعظم الإثم بالكفر.
السادس: قيام الأنبياء بلعن الكافرين، والأنبياء أئمة وقادة الناس، قال تعالى [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسرائيل عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ]( ).
(وعن قتادة والربيع: ان المراد من الناس هم المؤمنون، لعدم الإعتداد بغيرهم، كما يقال المؤمنون هم الناس) ( ).
ولكن ظاهر الآية يدل على عموم الإشتراك باللعن بالإضافة الى اصالة الإطلاق، ولا دليل او قرينة لصرف الكلام عن ظاهره، والآية بيان لإقامة الحجة على الكفار بانهم يشتركون بصفة الإنسانية بلعن انفسهم لركوبهم جادة الكفر والجحود، وهذه الصفة جزء من عمومات خلافة الإنسان في الأرض، ويمكن ان نؤسس منها قاعدة كلية وهي لابد للإنسان من لعن الكفار وان كان نفسه كافراً.
(وقال الرازي: كأن الناس هم المؤمنون، والكفار ليسوا من الناس)( ).
ولكن الآية تحمل على ظاهرها ولا دليل او قرينة على صرفها عن الظاهر، وان جاء قوله بصيغة التشبيه، خصوصاً وان الكفار يؤخذون بأشد الأحوال، ولعنتهم لأنفسهم ليس أمراً متعذراً، واختيارهم الكفر دليل على التعرض للعذاب الشديد واتيان المقدمات التي تؤدي الى النار وارتكاب الحرام، وعدم اكرام النفس.
وبلحاظ أوان لعنة الناس للكفار تحتمل الآية وجوهاً:
الأول: صدور اللعنة منهم أيام الحياة الدنيا.
الثاني: وقوعها من المؤمنين في الدنيا والآخرة واما الكفار فانهم يلعنون انفسهم في الآخرة دون الدنيا، قال تعالى [ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا]( ).
الثالث: صدور اللعنة من الناس جميعاً في الدنيا والآخرة، والصحيح هو الأخير لإصالة الإطلاق وانعدام المخصص، ولعموم صيغة العطف على لعنة الله للكافرين والشاملة لأيام الحياة الدنيا والآخرة ولإستحقاق الكافرين للعن في النشأتين، ترى ما المراد من لعنة الناس للكفار، فيه وجوه:
الأول: الدعاء عليهم بالإستئصال والأذى في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة.
الثاني: النبذ والإبعاد عن الرحمة وعن مواطن الرضا والعفو.
الثالث: إجتناب الصلة والمعاشرة معهم.
الرابع: فضحهم والإحتجاج عليهم.
الخامس: تعدد وجوه اللعن كل بحسبه، وبين لعن المؤمن والكافر للكافرين وجوه:
الأول: التساوي في صيغ اللعن، كما لو كان الكل يذم الكفار بمرتبة واحدة.
الثاني: العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء الذم، ومادة الإفتراق الإحتجاج من المؤمنين، والإصرار من الكفار، وهذا الإصرار نوع لعنة ايضاً لما فيه من الطرد عن رحمة الله، فالتباين الجهتي لا يمنع من صدق عنوان اللعن.
الثالث: تنزه المسلمين من الكفر باظهار لعن الكافر، اما الكافر فيذم نفسه على سوء اختيار.
وهل اللعن الذي يصدر من الملائكة والناس من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة، ام انه من الكلي المشكك وعلى مراتب متفاوتة، الجواب هو الأخير فكل يلعن بالكيفية المناسبة، وهل في هذا التباين أذى إضافي على الكفار ام تخفيف، الجواب هو الأول، لتعدد صيغ اللعن، وكثرة الدعاء بالإضافة الى النبذ والذم والتقبيح على اختيار الكفر وترك منازل الإيمان.
وهل الألف واللام في الملائكة للعهد، كما لو كانوا الملائكةَ الذين يكتبون اعمال بني آدم، او الملائكةَ الذين قالوا يوم خلق آدم عليه السلام كما ورد في التنزيل حكاية عنهم [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) ام انها للإستغراق وتشمل جميع الملائكة الجواب هو الثاني، فالصيغة عامة وشاملة للملائكة كلهم، لإصالة الإطلاق وبغض الملائكة للكفر وأهله.
واذا قيل لماذا قالت الآية [الناس اجمعين] ولم تكتفِ بالألف واللام ودلالتها على الإستغراق مثلما هو الحال بالنسبة للملائكة على القول بإ رادة الناس من لفظ الشمول، قلت: للتباين بين الملائكة والناس، فالملائكة عباد سجيتهم الطاعة، لا يفعلون الا ما يأمرهم الله به، اما الناس فمنهم المؤمن، ومنهم الكافر الذي يستحق اللعنة، فجاء سور الموجبة الكلية (اجمعين) لإفادة ان الكفار يلعنون انفسهم على سوء اختيارهم.
وتحتمل اللعنة من جهة الاتحاد والتعدد في صدور اللعنة وجوهاً:
الأول: انها لعنة واحدة تشمل الكافرين جميعاً.
الثاني: التعدد في اللعنة بحسب ملل ونحل أهل الكفر والجحود، فكل ملة تنزل عليها لعنة واحدة.
الثالث: توجه اللعنة الى كل كافر على نحو الاستقلال.
الرابع: اللعنة انحلالية فهي واحدة ولكنها تنحل بعدد مذاهب الكفر والكافرين.
والصحيح هو الثالث، فكل كافر تأتيه اللعنة على نحو الاستقلال جزاء على قبيح فعله، أما من جهة نزول اللعنة وتوجهها للكافرين ففيه وجوه:
الأول: الكثرة في لعنة الله للكافرين والاتحاد في لعنة الملائكة والناس.
الثاني: التعدد في لعنة الله والملائكة، والاتحاد في لعنة الناس.
الثالث: الكثرة والتعدد في لعنة الله والملائكة والناس، فكل كافر تأتيه اللعنة من عند الله ومن عند كل ملك من الملائكة وكل إنسان.
والصحيح هو الثالث، فاللعنة متعددة وتنزل بكل كافر:
اولاً: لعنة الله عز وجل.
ثانياً: لعنة كل ملك من الملائكة، مع الالتفات الى كثرة عدد الملائكة اذ لا يحصي عددهم الا الله تعالى.
ثالثاً: لعنة كل إنسان.
ويبين هذا التعدد شدة الضرر والأذى الذي يلحق الكافر، لذا جاءت الآية السابقة بحجب الهداية عنه، والآية التالية بخلوده في النار.
وفي لعن الملائكة والناس للكافرين مسألتان:
الأولى: يأتي اللعن بأمر من عند الله أو يصدر منهم ابتداء، وفيه وجوه:
الأول: يتم اللعن بأمر الله تعالى فهو سبحانه يأمر الملائكة والناس ان يلعنوا الكافرين والظالمين مطلقاً.
الثاني: يرد الأمر الإلهي في خصوص الآخرة بالنسبة للناس دون الدنيا التي زمان التكليف.
الثالث: يتوجه الأمر الإلهي الى الملائكة بلعن الكافرين لانهم لا يفعلون الا ما يأمرهم الله عز وجل.
الرابع: يأتي اللعن من الملائكة والناس ابتداء لنفرتهم من الكفر وبغضهم للكافرين.
الخامس: يصدر اللعن من الملائكة والانبياء بأمر الله، فالله عز وجل يأمر الملائكة ويوحي الى الانبياء بلعن الظالمين، اما الناس فمنهم من يلعن الكافرين محاكاة واتباعاً للانبياء وتاتي اللعنة من الملائكة بأمر الله وابتداء، وتصدر عن الناس لما يرون من القبح الذاتي للكفر وما له من الضرر الكبير.
الثانية: اتباع لعنة الملائكة والناس للسخط الإلهي على الكافر، لذا جاء الإستثناء بالتوبة شاهداً على انقطاع اللعنة مطلقاً عند حصول التوبة، لتغير الموضوع وحصانة المؤمن من اللعن لأنه قريب من رحمة الله غير مطرود عنها.
لماذا يلعن الملائكة والناس الكفار، الجواب من وجوه:
الأول: يخالف الكافر التكليف وما أمر به، وتغلب على أفعاله النفس الشهوية فيكون عاصياً لمولاه ويجلب الضرر على نفسه فيستحق اللعن والشتم.
الثاني: لا ينحصر ضرر الكفر باصحابه بل يضر الناس جميعاً ولو بدرجات متفاوتة.
فان قلت: كيف يضر الكفر واصحابه أهل الإيمان الذين يعملون الصالحات، الجواب من جهات:
الأولى: شعورهم بالاذى من وجود الكفر بين الناس وميل بعضهم لمفاهيمه.
الثانية: ابتعاد الكافر عن الإيمان موضوع لافتتان الغير به، مما يؤلم المسلم، ويكون برزخاً دون هداية الناس جميعاً واتباعهم للمسلمين في مناهج الصلاح.
الثالثة: انشغال المسلمين بجهاد الكافرين ومحاربتهم، والدفاع عن بيضة الإسلام، فصحيح ان هذا الجهاد فيه ثواب عظيم لانه يتضمن المشقة والعناد وبذل المال والانفس، فالشهيد ينال أعلى المراتب في الآخرة ويفوز بالنعيم الخالد، الا انه لولا وجود الكفر لما اضطر المسلمون لحمل السلاح ومواجهة الظالمين ولانقطع الجميع الى عبادة الله يؤازر ويعضد بعضهم بعضاً في مرضاة الله تعالى.
الرابعة: الكفر سبب للفقر والأمراض التي تصيب النفس والبدن وحاجز دون التنعم بالطيبات ودخول الناس جميعاً الى الجنة، فتأتي اللعنة للكافر لانه اختار ما أدى به الى العوز والفاقة في الدنيا والآخرة، وما تحمله بسبب الكفر من الأوزار الذاتية والعرضية، أي التي ترد عليه لسوء فعله وما اقترفه من الذنوب ولما كان فيه سبباً لاقدام الغير على محاكاته واتباعه في الحجود والظلم.

بحث بلاغي
من وجوه البديع (التفويف) وهو الإتيان بمعان متعددة سواء في المدح او الذم او الوصف، في جمل مستقلة في مضمونها ودلالتها سواء كانت الجملة طويلة او متوسطة او قصيرة.
وجاءت هذه الآية لبيان التعدد في اللعنة، فلعنة الله عز وجل غير لعنة الملائكة، والأخيرة غير لعنة الناس، ومع ان علتها واحدة وموضوعها واحد وهو الطرد من رحمة الله، فان شدتها وأثرها وكيفيتها تتباين، اذ ان لعنة الله هي الأشد، ولعنة الملائكة والناس تابعة لها.
ولو ان إنساناً تاب الى الله توبة نصوحاً بينه وبين الله عز وجل وأصلح سريرته، فان لعنة الناس لا تصل اليه سواء علموا بتوبته او لم يعلموا، وكذا العكس، فلو ان إنساناً أظهر الإيمان ولكنه يضمر الكفر ويأتي السيئات فان لعنة الناس تصله تبعاً للعنة الله، ولأن اللعنة مطلقاً متوجهة الى الكفار بلحاظ التلبس بالكفر والجحود وارتكاب المعاصي، وفي تبعية اللعنة للموضوع وإستثناء التائب حال حصول التوبة شاهد على إحاطة الله علماً بكل شيء.
بحث منطقي
تعتبر أفراد الموضوع من الكلي المشكك الذي له مصاديق متعددة، قلة وكثرة، ويسمى اللفظ الدال على عدد وكمية افراد الموضوع “سور القضية” وتسمى القضية وهي الخبر اي المركب التام الذي يصح ان نصفه بالصدق او الكذب باعتبار انهما من عوارض الخبر وتنقسم القضية بحسب عدد ومقدار الأفراد الى:
الأول: القضية الكلية: وهي التي يتغشى الحكم فيها جميع الأفراد مثل: كل مؤمن مسلم، وتنقسم الى قسمين:
أولاً: الكلية الموجبة وسورها كل، كافة، اجمعين، وتسمى هذه الألفاظ سور الموجبة الكلية.
ثانياً: الكلية السالبة وهي التي تفيد سلب المحمول مطلقاً من أفراد الموضوع ويدل عليه لفظ، لا شيء، لا أحد، ليس كما في قوله تعالى [لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُم] ( )، والنكرة في سياق النفي كما في قولك “لا رجل في الدار” وتسمى هذه الألفاظ الدالة عليها سور السالبة الكلية.
الثاني: القضية الجزئية: وهي التي ينطبق فيها الحكم على بعض الأفراد، كما في قوله تعالى [وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ]( )، وتنقسم الجزئية الى قسمين:
أولاً: الموجبة الجزئية: وهي التي يكون الحكم فيها على بعض افراد الموضوع وثبوت المحمول لها، ولا يشمل الحكم فيها الشطر الآخر من أفراد الموضوع كما في قولك “شطر من الناس مسلمون” والألفاظ التي تدل عليه تسمى سور الموجبة الجزئية مثل بعض جزء، كثير، قليل، شطر ونحوها.
ثانياً: السالبة الجزئية: وهي التي تنفي المحمول عن بعض أفراد الموضوع.
وقد جاءت هذه الآية بالعموم في لفظ الناس وذكرت له سور الموجبة الكلية (اجمعين) لإفادة إرادة الناس جميعاً وهل تتوجه اللعنة للكافر من أهل زمانه دون غيرهم من الأجيال السابقة واللاحقة له، ام انها مطلقة، الجواب هو الأخير وتدل عليه صيغة العموم والجمع.

بحث كلامي
من أشد ما يصيب الإنسان ان يكون محلاً للعنة الله، ومن أهم وظائفه ان يتجنب مواطن اللعنة، ويصلح حاله ويسعى في دروب الصلاح التي يأمن معها من اللعنة، ويحترز من العقاب الأخروي، وقد جاء القرآن ببيان اســباب ونتائــج اللعن، اما الأســـباب فهي على وجوه:
الأول: الكفر والجحود، كما تدل عليه هذه الآية وآيات أخرى.
الثاني: الظلم والتعدي لقبح الظلم، وتقدم النهي عنه، قال تعالى [أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ]( ).
الثالث: الفساد والإفساد في الأرض، والأضرار بالعباد والبلاد، قال تعالى [وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ]( ).
الرابع: الكذب والبهتان والإفتراء وانكار النبوة مع اقترانها بالآيات، قال تعالى [ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ]( ).
الخامس: اتباع الطاغوت واعانته في ظلمه كما في قوم فرعون، قال تعالى [وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ]( ).
السادس: الجحود بآيات الله والإصرار على اتباع الجبارين ومعصية الرسول كما في عاد( ).
السابع: كتمان الآيات والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ ]( ).
الثامن: نقض الميثاق والعهود [ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ]( ).
التاسع: معصية الأوامــر الإلهية، وعدم الإمتثال لما جاء به الأنبياء قال تعالى [ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ]( ).
ومع تعدد وجوه استحقاق اللعنة فانها تلتقي في عدم الإيمان والإعراض عن البينات، والإصرار على معصية الأنبياء وما جاءوا به من الأحكام والبشارات، ترى ما هي النتائج التي تترتب على اللعنة، والأذى الذي يلحق بمن تقع عليه اللعنة، فيه وجوه:
الأول: العذاب الأخروي الشديد.
الثاني: اجتماع الأمم الملعونة في النار، مع حال الكراهية والبغض بينها، قال تعالى [كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا]( ).
الثالث: الحرمان من النصير والشفيع قال تعالى [وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ]( ).
الرابع: اصابة الملعون بالصم والبكم والعجز عن رؤية سبل الحق والسلامة، قال تعالى [ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ]( ).
الخامس: من يلعنه الله يبوء بالغضب الإلهي ويحرم نفسه من اسباب الرحمة التي هي حاجة له في النشأتين.
قانون اللعن
وردت مادة (لعن) في اربعين آية من القرآن، وهي مدرسة عقائدية وفقهية وكلامية تبين السخط الإلهي على الكافرين، وما يستحقونه من العذاب الأليم بسبب سوء اختيارهم ومعصيتهم واعراضهم عن دعوة الانبياء للهداية، وجحودهم بالبينات والبراهين.
وتؤكد هذه الآيات مجتمعة ومتفرقة أن قانون اللعن أمر ثابت لا يمكن التبديل والتغيير فيه، وأحكامه جلية وتبين التقسيم والتباين والتناقض بين الناس في الآخرة، فمن يلعنه الله عز وجل يكــون مأواه النار، لذا فإن اللعن عنوان التحذير والزجر عن المعاصي، وإنذار من عذاب النار باعتبار انه مقدمة للعذاب وشاهد على الطرد عن رحمة الله، وهو من الملائكة والناس دعاء على الكافر بالعذاب.
وهل من ملازمة بين اللعن والعذاب الاخروي، الجواب فيه تفصيل لورود الإستثناء في المقام ويختص الإستثناء بأهل التوبة والإنابة، فلا يشملهم اللعن، مما يدل على حقيقة عقائدية ورحمة إضافية من الله وهي ان اللعن ليس سبباً لحجب التوبة والإنابة كما انه ليس ملازماً للكفار بالذات ومصاحباً لاشخاصهم بل انه ملازم للكفر, والكفر عرض متزلزل ليس بثابت الى حين مغادرة الروح الجسد، لذا ورد قيد الموت على الكفر بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ]( ).
وهذا القيد لا يفيد الحصر والتعيين بمعنى ان اللعن لا يتوجه الا للذين يموتون على الكفر بل يقع اللعن على الكافر حال تلبسه بالكفر، قال تعالى [ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا] ( )، مما يدل على نزول اللعنة والطرد من رحمة الله على الكافر قبل دخوله النار، أما في الحياة الدنيا فإذا تاب الإنسان فلا يصدق عليه انه من الكافرين ولا تشمله اللعنة لتغير الاسموالمسمى، والموضوع والحكم، فلم يعد كافراً، كما وقع اللعن في أيام الانبياء، قال تعالى [ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ…. ] ( ).
وفي اللعن اخبار بنزول العذاب بالكافرين كما انه نوع عذاب فليس اشد على الإنسان من الطرد من رحمة الله والحرمان من الرأفة الإلهية، خصوصاً وان هذا الطرد لم يحصل الا نتيجة لسوء فعل الكافر.
وفي قانون اللعن زجر عن الكفر والجحود، ومن الآيات عدم توجه اللعن وحده الى الكفار بل تتوجه اليهم معه مضامين الرأفة بالدعوة الى الإيمان والحث على اتباع الانبياء، وقانون اللعن ذاته زاجر عن الاقامة على الكفر والظلم، وكم من إنسان وجماعة تابوا الى الله هروباً من اللعن واسبابه ونتائجه، فهذا القانون وآثاره من مصاديق الربوبية المطلقة لله تعالى من وجوه:
الأول: الاخبار عن السخط الإلهي على الكفار بــاب للتوبة والإنابة.
الثاني: انه سبيل لتثبيت أهل الإيمان والإسلام وبذلهم الوسع في الاخلاص في عبادة الله.
الثالث: يبعث هذا القانون الخوف في النفوس من العذاب الأليم الذي يتعقب اللعن، وهذا الخوف شامل للناس جميعاً ولكن ممدوح لأنه عون ومادة للتدبر والاعتبار.
الرابع: يدل قانون اللعن على علم الله تعالى بما يفعله الناس، وانه سبحانه يحصي عليهم أفعالهم.
الخامس: اللعن شاهد على فضله تعالى في تنحية الكفار عن الريادة والرياسة في الأرض، فمن يطرد من رحمة الله لن يكون قادراً على المنافسة والمزاحمة في الرياسات وان استطاع نيل بغيته فلن يطول اجله بل انه الى زوال لان مطاردة اللعنة له تزيحه عن المنازلة، وتجعله مرتبكاً خائفاً عاجزاً عن الاحتفاظ بما في يديه، وقد تتعلق اللعنة بخصوص أيام الحياة الدنيا لتكون مقدمة واخباراً عن العذاب في الآخرة كما في ابليس وسخط الله عليه، قال تعالى [وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ]( ).
وقد تكون اللعنة مطلقة وشاملة للدارين كما في عاد قوم هود، قال تعالى [وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ] ( ).
ويبين هذا القانون المائز بين أهل الإيمان وأهــل الضلالة والكفر، فمع التولي عن النبوة وآياتها تأتي اللعنة لتكون مصاحبة للتولي والاعراض.

بحث بلاغي
من البديع (التقسيم) وهو استيفاء أقسام الشيء الموجودة لا الممكنة عقلاً، كما في قوله تعالى [ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ…] ( )، اذ جمعت الآية كل هيئات الذاكرين.
وجاءت هذه الآية بذكر لعنة الملائكة والناس الى جانب لعنة الله، ولم تذكر لعنة غيرهم من الخلائق مثل الجن والسماوات والأرض والجبال والنجوم والأشجار، وذكر الملائكة والناس في اللعنة يفيد وجوهاً:
الأول: حصر صدور اللعنة على الكافر بهم من بين الخلائق.
الثاني: جاء ذكرهم من باب المثال الأمثل، والا فان الخلائق كلها تلعن الكافر.
الثالث: عدم موضوعية او اعتبار لعنة الخلائق الأخرى.
الرابع: تبعية لعنة الموجودات والكائنات الأخرى للعنة الصادرة من الملائكة والناس.
وجاءت الآية بالإخبار عن صدور اللعنة من الملائكة والناس على نحو الحصر والتعيين، وفيه تشريف وإكرام لهم من بين الخلائق، فالآية تستوفي الأفراد المؤهلين لذم الكافر والدعاء عليه بالطرد من رحمة الله.
علم المناسبة
تكررت الآيات التي وردت بخصوص اللعنة وجاءت على وجوه:
الأول: توجه اللعنة للذين يكذبون بالنبوة وآياتها.
الثاني: شمول الذين يرتكبون المعاصي ويصرون على الجحود باللعنة في الدنيا والآخرة، قال تعالى [ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ…] ( ).
الثالث: الذين يكتمون الآيات ويخفون البشارات التي تدل على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لما في هذا الكتمان من الضرر والاضرار، قال تعالى [[ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ….. ] ( ).
الرابع: الذين يفترون الكذب، ويقذفون المؤمنين والمؤمنات ويجادلونهم محاولة للإنتقاص من منزلتهم الاجتماعية بغية الإساءة الى الإسلام والمسلمين ولبعث الشك والريب، قال تعالى [[ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ… ] ( ).
الخامس: الذين يصرون على الكفر ولا يغادرون الدنيا الا والكفر ملازم لهم، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ… ] ( ) مما يدل على ان اللعنة والطرد من رحمة الله عز وجل تتبعهم في الدنيا والآخرة.
السادس: شمول الظالمين باللعنة والطرد في الدنيا والآخرة، لقبح الظلم وما فيه من التعدي والايذاء للذات والغير، ومن الإعجاز ان يأتي القرآن بالاخبار عن غلق باب الاعتذار عن الظالمين، قال تعالى [يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ]( ).
وجاءت اللعنة شاملة مطلقة من جهة الصدور في الآية محل البحث، اذ تأتي مع لعنة الله لعنة الملائكة والناس جميعاً.
ووردت اللعنة في آية اخرى على نحو الاجمال بلفظ اللاعنين كما في قوله تعالى [ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ] ( ) مما يدل على مجيء الآية بالتفصيل والبيان بخصوص اللاعنين، وتدل في مفهومها على صدور اللعنة من جهة الخلائق من الملائكة والناس على نحو التعيين، فلم يرد صدور اللعنة من الجن والسماوات والأرض وما فيهن، وفيه وجوه:
الأول: عدم الايجاد أعم من عدم الوجود، أي أن عدم ذكر الانواع الاخرى من المخلوقات لا يعني عدم اشتراكها باللعن، خصوصاً وانها اقرت بالربوبية لله تعالى.
الثاني: القدر المتيقن هو انحصار اللعنة بالملائكة والناس دون غيرهم من الخلائق.
الثالث: ان حصر اللعنة بالملائكة والناس فيه إكرام إضافي للإنسان بلحاظ انه خليفة الله في الأرض، فالموجودات الأخرى ليس لها اللعن وان كانت تنفر من الكافر.
والأخير هو الأرجح وفيه آية في منزلة الإنسان بين الخلائق لأن الله نفخ فيه من روحه، ودعوة للكافر للتوبة والإنابة، وفيها زجر عن الكفر والجحود، وباعث على التدبر في حياة التكاليف والواجبات، وايها اشد من افراد اللعنة الثلاثة:
الأول: لعنة الله.
الثاني: لعنة الملائكة.
الثالث: لعنة الناس اجمعين.
الجواب هو الأول فلعنته تعالى أشد لأنها عنوان الغضب الإلهي، وشاهد على استحقاق العقاب ومقـــدمة له، والإنسان بحاجة الى رحــمة الله في الدنيا والآخرة، واللعنة خسـارة وفقدان لأسباب الرحمة.


قوله تعالى [خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ] الآية 88

الإعراب واللغة
خالدين: حال من الضمير في (عليهم) وهو منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، فيها: جار ومجرور.
لا يخفف عنهم العذاب: لا: نافية، يخفف: فعل مضارع مبني للمجهول، عنهم: جار ومجرور متعلقان بيخفف.
العذاب: نائب فاعل مرفوع بالضمة.
ولا هم ينظرون: الواو: عاطفة، لا: نافية، هم: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، ينظرون: فعل مضارع مبني للمجهول.
الواو: نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر (هم).
جاءت الآية جملة إسمية، ويدل الاسمعلى الثبوت والفعل على التجدد والحدوث، وهو مشهور أهل البيان، مما يدل على استدامة العذاب على الكافرين وعدم تخفيفه.
ويقال خلد يخلد خلداً وخلوداً: بقي وأقام، والخلد استدامة المكث والتأبيد، ودار الخلد: الآخرة لدوام بقاء أهلها فيها، وعدم وقوع الموت بينهم.
وبين الخلود والدوام عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي الإستدامة، أما مادة الإفتراق فالخلود يتضمن الإقامة وطول المكث كما يقال خلد فلان في السجن، أما الدوام فأنه يتعلق بالذات ولا يقتضي طول الإقامة، ومن الآيات ان الله عز وجل يوصف بالدوام ولا يوصف بالخلود.
والإنظار: التأخير، والصبر على الغير قليلاً، ويقول الشخص لمن يعجله: انظرني أبتلع ريقي، وبين الإنظار والإمهال عموم وخصوص مطلق، فكل إنظار هو إمهال وليس العكس.
قال عمرو بن كلثوم:

أبا هند فلا تعجل علينا

فأنظرنا نخبرك اليقينا

في سياق الآيات
بعد ذم الكفار والإخبار عن حجب اسباب الهداية والألطاف الإلهية عنهم، واخبار الآية السابقة عن نزول الغضب الإلهي عليهم وما ينتظرهم من العذاب الشديد، جاءت هذه الآية لتخبر عن حقيقة تكوينية ثابتة وهي خلودهم في النار مع انعدام فرص الإنابة عليهم في الآخرة، لتأتي الآية التالية بضياء ملكوتي مبارك يتضمن الإستثناء والتخفيف الذي ينال اصحاب التوبة، لتكون هذه الآيات مجتمعة آية إعجازية في التشريع وسنن الحساب والجزاء وتتضمن بعث الأمل واليأس في آن واحد، الأمل في نفوس المؤمنين والتوابين الذين ينتقلون الى منازل الإيمان, واليأس في نفوس الكافرين.
ولو وقفت الآيات عند اللعن وموضوعه لصارت كالبرزخ لأن اللعنة تتضمن الطرد من رحمة الله، ولكن لانحصار الجزاء في الآخرة بالثواب والعقاب وعدم إستثناء أحد من الحساب، جاءت هذه الآية لتبين أموراً:
الأول: عاقبة الكفر والضلالة.
الثاني: أثر اللعنة والطرد من رحمة الله.
الثالث: الملازمة بين الكفر واللعن والخلود في العذاب.
الرابع: الخلود في النار جزء من الجزاء على الكفر الذي جاء في الآية السابقة (أولئك جزاؤهم).
وتبين الآيات مجتمعة مضامين العقاب، ومن الآيات ان جاءت الآية قبل السابقة بذم الكافرين وإقامة الحجة عليهم وذكر جحودهم بعد الإقرار، ثم جاءت الآية السابقة ببيان نزول اللعنة عليهم كوجه من وجوه الجزاء على فعل السيئة.
وجاءت هذه الآية لذكر مثوى الكافرين وسوء عاقبتهم، أما الآية التالية فهي إعجاز إضافي في سياق الآيات لأنها تضمنت الإخبار عن إستثناء أهل التوبة والصلاح من العقاب، ولا يختص هذا الإستثناء بما بعد التوبة، بل انه شامل لما قبلها، لأن العفو الإلهي يأتي على الذنوب السابقة فيمحوها، وهل يأتي على اللعنة التي كانت تلازم الذنوب أوان التلبس بها، الجواب: نعم لعموم نفع التوبة، ومجيئها على الذنوب وتبعاتها.
ومع ان قوله تعالى (خالدين) جاء حالاً الا انه متصل بالآية السابقة وهو فرد من أفراد الجزاء الذي ذكرته الآية السابقة للذين كفروا بعد إيمانهم، مع تثبيت حقيقة حصول الإيمان عندهم، فلم تقل الآيات (كفروا بعد الإيمان) لاحتمال حصول الإيمان عند غيرهم ممن معهم او قبلهم من الأمم والأجيال، بل ان الإيمان والإقرار حصلا عند الكفار ثم اختاروا الضلالة والكفر فاستحقوا الجزاء الأليم.
وأفراد الجزاء على الكفر والجحود التي تتضمنها هذه الآية والآية السابقة هي:
الأول: غضب الله على الكافر وابعاده عن أسباب الرحمة.
الثاني: دعاء الملائكة على الكافر.
الثالث: نفرة ودعاء الناس عليه.
الرابع: الخلود الدائم في النار.
الخامس: شدة العذاب الأخروي على الكافر.
السادس: عدم الإمهال او الإنظار.
لتأتي الآية التالية وتبين نجاة الإنسان من هذه الأفراد الستة الأليمة دفعة واحدة باختيار التوبة والصلاح.
إعجاز الآية
جاءت الآية لوصف شدة عذاب الكافرين من عدة جهات، كما تبين انعدام التخفيف والتسهيل في شــدة العذاب، وخلوه من الفترة مع الحاجة لها، وتمنيها من قبل أهل النار، ومن إعجاز الآية انها تتضمن صيغ الإنذار والوعيد، وهذا الوعيد يبعث في نفوس الكافرين الفزع ويضيف شقاء الى شقائهم وبؤسهم الذي يترشح عن الكفر لمخالفته للواجب الشرعي والعقلي، ومن إعجازها تعدد المعنى في وعاء الخلود وهل هو اللعنة ام النار ام كلاهما وهذا الترديد وترجيح النار تخويف إضافي.
وابتداء الآية بالخلود في النار يبعث في النفس الإنسانية الفزع والخوف، وهذا الفزع ليس خاصاً بالكفار والجاحدين بل هو عام يشمل الناس جميعاً، ولكن أثره متباين في كيفيته، متحد في غايته ونتائجه، ينشر مفاهيم الإيمان والتوبة، والحذر والتوقي من النار والخلود فيها.
وتظهر الآية شدة العذاب باشتراك أفرادها الثلاثة الخلود في النار، وشدة العذاب، وعدم الإمهال، في صفة الجمع وشمولها لجميع الكفار والجاحدين، وفيه تغليظ وتشديد وتوكيد للغة الإنذار والوعيد.
ويمكن ان تسمى هذه الآية آية خالدين فيها.
الآية سلاح
مع ان الآية جاءت لبيان تأبيد عذاب الكافرين، وخلودهم في النار، فانها تبعث في نفوس المسلمين العز والفخر والسكينة، العز لحسن اختيارهم الإسلام والتوفيق الى الرشاد،والفخر لنجاتهم من دخول النار واصناف العذاب، والسكينة لهدايتهم الى الصراط المستقيم.
والآية عون على الإحتجاج على الكفار، وسلاح لتحذيرهم وإنذارهم وشاهد سماوي على ما ينتظرهم من العذاب الأليم، وإنذار ينفذ الى منتدياتهم، ويبعث الحيرة في نفوسهم، وبدل ان يلقوا بالشبهات، ويقوموا بالجدل تراهم ينشغلون بانفسهم.
والآية سلاح مركب من وجوه:
الأول: خلود الكافرين في النار، وإقامتهم المؤبدة ومكثهم فيها.
الثاني: إستدامة العذاب في النار.
الثالث: عدم التخفيف في العذاب، وهل عذاب النار من الكلي المتواطئ او المشكك المقيد، الجواب هو الأخير، أي ان العذاب شديد وليس فيه تخفيف، ولكن الشدة ذاتها متباينة وعلى درجات متعددة تتصف جميعاً بالشدة.
الرابع: انعدام الفترة بين أفراد العذاب، فهي أفراد ارتباطية متعاقبة يتصل بعضها ببعض، وأجزاء متداخلة ، وهذا التداخل من مصاديق العذاب الإضافية، ووسيلة لدفع الكفار عن منازل الكفر، ودعوتهم لنبذه، وحثهم على الإيمان والصلاح.
الآية لطف
تتجلى الألطاف الإلهية في كل آية قرآنية مع التباين في موضوعات وأحكام الآيات، وهذا من إعجاز القرآن في باب اللطف والرأفة الإلهية فالآية حث على التخلي عن مبادئ الكفر، ونبذ الضلالة لما فيها من الشر المحض والضرر الذاتي والعرضي، والقبح الملازم لها، ودعوة للتحلي بالإيمان في صفات الجلال والجمال، ومن اللطف في الآية القرآنية إرادة الزجر عن الكفر وتوجهها للناس جميعاً بما فيهم الكفار بالإضافة الى الإعانة الإلهية بالمغفرة لمن تاب.
لقد أخبرت الآية عن حقيقة واقعة في عالم الآخرة على نحو القطع والجزم، تتعلق بالكفار وما ينتظرهم من العذاب الأليم، ولم ينحصر الخطاب والبيان في الآية بالمسلمين واطلاعهم على حال الكافرين في الآخرة، بل جاء الإنذار للكفار أنفسهم لإقامة الحجة عليهم ودفعهم عن منازل الكفر والضلالة، وهذا مطلوب بذاته كما انه مقدمة لدخول الإسلام ونشر مبادئ التقوى والصلاح.
ومن اللطف الإلهي ان تأتي الآية القرآنية ببيان عالم الآخرة وما يتعرض له الكفار من الأهوال، وكشف الوجوه التي تتضمن شدة عذاب الكفار، وانفراد الكفار دون غيرهم بالعذاب، أي ليس هناك من يتعرض لعذاب يتصف بالتخفيف ومنقطع او يتضمن الفترة والمندوحة، بل هو عذاب متصل خال من أسباب التخفيف، وهذا البيان والحصر آية من اللطف الإلهي.
مفهوم الآية
بدأت الآية بلفظ الخلود، والأصل فيه البهاء والغبطة والإستبشار اذ ان الإنسان يحب بطبعه الخلود وطول المكث والبقاء، ولكن موضوع الآية يجعل الخلود بالنسبة للكفار مادة للحزن المتصل، واستحواذ الكآبة على نفس الكافر واقترانها بالتلبس بالكفر، وذم الذات على هذا التلبس العرضي الإختياري المخالف لإدراك العقل والوظيفة الشرعية، وتأتي هذه الآية لتلح على الإنسان بضرورة الإنقياد للأوامر الإلهية والتصديق بالنبوة، ويتصل موضوع الآية بما سبقها بذكر الخلود في العذاب وما يترشح عن اللعنة الإلهية وما يتبعها من لعنة الملائكة والناس.
وفي الآية مسائل:
الأولى: ابتداؤها بلغة الوعيد والتخويف.
الثانية: انحصار موضوع الوعيد بالكافرين الذين وقعت عليهم اللعنة.
الثالثة: بيان الأثار المادية المحسوسة للعن والطرد عن رحمة الله.
الرابعة: الخلود وطول المكث في العذاب.
الخامسة: انتفاء تخفيف العذاب كيفية وكماً.
السادسة: مجئ العذاب للكفار جميعاً وعدم احتمال نجاة بعضهم.
السابعة: انعدام الامهال والابطاء والتأخير في العذاب، وغياب فرصة الامهال تذكير بلزوم الاتعاظ والإنتفاع من الدنيا كفرصة للتوبة ومن مفاهيم الآية المدح والثناء على المسلمين لحسن اختيارهم، ونجاتهم من ولوج ظلمات الظلالة والجحود، لقد أراد الله لناس الهداية والإيمان وزينة في نفوسهم، واخذ عليهم العهود بلزوم الاقرار بالنبوة.
وجاءت هذه الآيات لبيان قبح الكفر والجحود وعظيم ضرره، كما تدعو الآية المسلمين الى التعوذ من اسباب العذاب وتسأل الله الإحتراز من اللعنة ومقدماتها، خصوصاً وانها لم تقع على الإنسان الا بعد قصده الكفر والضلالة والجحود، ومن مفاهيمها ان عدم الامهال ليس مطلقاً وشاملاً للناس جميعاً، ولكنه خاص بالكافرين بلحاظ ذكره من باب العقاب وشدة العذاب.
ومن مفاهيم الآية:
الأول: عدم وجود أمد معين لمكث الكافرين في النار.
الثاني: الخلود في النار لا ينحصر بشطر من الكافرين دون غيرهم، فلا يخص المتبوعين دون أتباعهم بل هو حكم عام.
الثالث: مع ذكر اللعنة في الآية السابقة، واحتمال انصراف الضمير في (فيها) اليها، فان الآيات لم تذكر النار بل هو مستقرأ من لفظ (الخلود) ومجيء آيات عديدة في القرآن تخبر بحصول خلود الكافرين في النار.
الرابع: شدة العذاب في النار، فقوله تعالى [لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ] أي ان عذاب جهنم شديد وأليم، ومع هذا فلا تخفيف فيه.
الخامس: انعدام الشفيع للكافرين فليس من شفيع لهم، وهو ظاهر بمكوثهم في النار من غير تخفيف عنهم.
السادس: بيان حال النار، وما فيها من العذاب الشديد.
السابع: طرد الغفلة عن الناس، والإخبار القرآني عن شدة عذاب النار لمنع الجهالة والغرر، فيكون كل إنسان على بينة من أمره يعلم ما يؤدي اليه فعل السيئة.
إفاضات الآية
لقد أراد الله عز وجل للناس جميعاً الهداية والرشاد فجاءت بعثة الانبياء لإبقاء الناس على دين الفطرة والإستقامة، ولتعاهد مبادئ الصلاح والتقوى، وبلغت وظائف النبوة ارقى مراتبها ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لتكون عنوانا لجذب الناس لمقامات الإيمان ومناسبة لنزول شآبيب الرحمة عليهم، وتجعلهم يحترسون من الكفر الظاهر والخفي، ويفرون من شدة العذاب وعدم الامهال الى النعيم الدائم، والسعادة في الدنيا والآخرة.
وتبين الآية جانباً من معالم الآخرة وانتفاء المهلة والمندوحة فيها للكفار، مع حاجة الإنسان يومئذ لأسباب الإمهال والإنظار والتخفيف، وتبين آيات اخرى خلود المؤمنين في النعيم والجنات، ليكــون عند الإنسان مادة للتدبر والدراسة المقارنة التي تقود وبحكم العقل والحسن الى اختيار النفع الخالص من الضرر والذي يتمثل بالثبات على طريق الإيمان وإجتناب الاذى المحـض الذي يكون نتيجة حتمية للكفر والجحود.
وتبعث الآية أسباب الكآبة في نفس الكافر بما يجعله ينفر من الكفر والضلالة، خصوصاً وان الإنسان حريص على جلب المنفعة ودفع المفسدة.

التفسير
قوله تعالى [خَالِدِينَ فِيهَا]
جاء لفظ (خالدين) بصيغة الحال والنصب لبيان مسألة كلامية في نظم الآيات وهي ان الآية متصلة في موضوعها بما سبقها من الآيات، وليست آية مستقلة في بابها او ان الجملة فيها استئنافية مبتدأة، ولهذا الاتصال والتداخل دلالات عقائدية تهدف الى إصلاح الناس، وبيان الصفة الثابتة للكتاب السماوي، وهي هداية الناس وابعادهم بلطف عن منازل الجحود والوقوع في هاوية العذاب، وهو شاهد على سماوية القرآن ونزوله من عند الله، وجاءت الآية بصيغة سور الموجبة، والجمع الخالي من الإستثناء والتخصيص، مما يدل على شمول الكفار جميعاً بالحكم ونزول العذاب الاخروي بهم، والخلود عنوان للتأبيد والدوام.
وعائدية الضمير في (فيها) تحتمل وجوهاً:
الأول: النار، وهو المتبادر الى الذهن.
الثاني: اللعنة بلحاظ نظم الآيات وتعلق موضوع الآية السابقة باللعنة المطلقة بالكافرين وطردهم من رحمة الله.
الثالث: العنوان الجامع للنار واللعنة بلحاظ وحدة الموضوع في تنقيح المناط، وزيادة التخويف والوعيد.
والصحيح هو الأول فالمقصود هو النار والخلود فيها، ولكن هذا لا يتعارض مع شمول الآية لموضوع اللعنة من غير تعارض بينهما، وقد روي عن ابن عباس المراد (خالدين) في النار، وإرادة النار في الآية من وجوه:
الأول: ورود لفظ [خَالِدِينَ فِيهَا] في آيات عديدة والمراد على قسمين أحدهما بخصوص ثواب المؤمنين الجنة، والآخر بخصوص عقاب الكافرين النار.
الثاني: جاءت الآية لبيان شدة وطأة العذاب على الكافرين، وإقامتهم الدائمة في النار من غير ان يطرأ عليهم الموت والفناء.
الثالث: الملازمة بين النار والعقاب الأليم.
الرابع: الخلود عنوان للمقام في منازل الآخرة سواء كان بالثواب في الجنة، أو العقاب في النار، مع إدراك التناقض بينهما وانعدام التداخل او التعاقب، فمن يكون في الجنة لا تصل له شرارة من النار، ومن يلقى في النار يحرم من ريح الجنة، فحينما يذكر الخلود يتبادر الى الذهن عالم الآخرة، ومن الآيات ان الخلود لم يذكر على نحو الإطلاق وقد ورد لفظ [خَالِدِينَ فِيهَا] اكثر من اربعين مرة، تتضمن خلود أهل الإيمان في الجنة، وخلود الكفار في النار، وهو امارة على الحاق معنى الخلود هنا في ذات الموضوع.
الخامس: من اهم معاني حـرف الجر (في) الظرفية، وهو على اقسام:
الأول: الظرفية الزمانية كما في قوله تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ] ( ).
الثاني: المكانية كما في هذه الآية.
الثالث: المجازية كما في قوله تعالى [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا]( )، وإرادة النار اظهر في الظرفية من اللعنة، ويمكن ان نؤسس قاعدة وهي لو تعارض معنى المكان والمجاز في الظرفية، فيقدم معنى المكان خصوصاً مع القرائن التي تشير الى إرادة النار.
الرابع: ورود الآية السابقة باستعلاء اللعنة على الكفار (عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) اما هذه الآية فجاءت بصيغة الظرفية والوعاء[خَالِدِينَ فِيهَا] والنار مكان ومثوى الكافرين.
وجاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية وهي أوكد في الوعيد والوقوع، وصيغة التوكيد عنوان لتحذير الناس من الكفر، وحث للكفار على هجران منازله، وإجتناب مفاهيمه ومقدماته، لان الأذى الذي ينتج عن الكفر والجحود أليم، ويجب على العقلاء الحرص الشديد على إجتنابه جملة وتفصيلاً، وهذا الإجتناب لا يجعل الإنسان في برزخ بين الإيمان والكفر، بل ان الابتعاد عن الكفر وسيلة وطريق لا يؤدي الا الى الإيمان والإقرار بالربوبية لله والتصديق بالنبوة.
وفي الخلود في النار مسائل:
الأولى: الدخول في النار عقاباً.
الثانية: التوكيد الواقعي للوعيد الذي ورد في القرآن، فتأتي آيات الإنذار في القرآن بالتخويف والوعيد بالنار، حتى اذا قامت القيامة وأحضرت الخلائق كلها تحقق مصداق الوعيد واقعاً.
الثالثة: دخول النار لا يثبت الخلود فيها باعتبار ان الخلود أمر ينحل الى افراد زمانية طولية غير متناهية، فاذا دخل الكافر النار يتحقق فرد من موضوع الآية، اما الخلود فهو أمر إضافي آخر لا يتحقق عملياً بالدخول في النار او مرور سنوات او احقاب معدودة عليه، ولكن هذه الآيات تدل عليه لانها إخبار إلهي، بالإضافة الى اعلان الملائكة يوم القيامة هذا الخلود، وتوبيخ وتبكيت الكفار به.
الرابعة: من الآيات ومضامين الزجر عن الكفر في القرآن ان تأتي صور لحال الكافرين في النار وإدراكهم لحقيقة الخلود فيها، والاخبار عن خلود الكافرين في النار ملازم للحياة الدنيا بالكتب السماوية وإنذارات الانبياء، وفي التنزيل [قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا] ( ).
قانون الخلود السلبي
من الآيات في خلق الانسان ان الله عز وجل خلقه ليبقى، وهذا البقاء من أسرار النفخ فيه من روح الله والخلافة في الأرض ومفاهيم الابتلاء والاختبار في الحياة الدنيا، ولا يكون هذا البقاء على كيفية واحدة، بل بين مراحله تباين واختلاف وهو شاهد إضافي على السر المكنون في خلق الانسان، فســنن وقوانــين الحياة الدنيا غير ســـنن وقوانين عالمم الآخرة لان النشأة الأولى دار عمل بلا حساب، والنشأة الآخرة دار حساب بلا عمل، وبما ان الناس في الحياة ليسوا على كيفية وسنخية واحدة في اعمالهم بل انهم يختلفون فيما بينهم لدرجة التناقض، وتصل الأمور احياناً الى الاقتتال والقتل بسبب العقيدة ونوع العمل، ليضاف الى عالم الاعمال، وينسب لكل عمله بلحاظ النية والقصد والمضمون.
فالخصومة والتناحر بين المؤمن والكافر سبب لثواب المؤمن، وباب لنزول العقاب بالكافر الا ان تدركه التوبة، فالخلود أمر ثابت للناس باعتبار عد وجود برزخ ووسط بين الإيمان والكفر، والإنسان اما الى الثواب والفوز بالجنة، واما الى العقاب الشديد في النار.
وقانون الخلود السلبي خاص بالكفار االذين تكون النار مثوى لهم، وفي مضامينه حث على الإيمان والصلاح، ومن الآيات تعدد الإنذارات وتبليغ الانبياء الناس بمقدمات دخول النار، والتي تخص عالم الاعمال التي تكون على وجهين:
الأول: اعمال الصلاح والفلاح.
الثاني: اعمال الجحود وافراد الكفر.
وهذا القانون خاص بالثاني، ومن الآيات تعدد وجوه البيان والتحذير من النار لقبح العقاب بلا بيان، والتعدد هنا مصداق للرأفة والرحمة الإلهية لللناس كافة وعدم انحصارها بالمؤمنين، فلا غرابة ان تذكر الآية السابقة صدور اللعنة على الكافرين من الناس اجمعين.
ومن الدلالات الباهرات ان يأتي بيان قوانين واحكام الآخرة في القرآن بما يمنع من اللبس والخلط والوهم، ويكون حجة على الناس، وهذا البيان لا ينحصر بالقرآن بل ان الكتب السماوية كلها جاءت بمضامينه، وأكدت على حتمية الجزاء وأنذرت من العقاب الذي يترشح عن الكفر والجحود وارتكاب المعاصي، ولكنها تجلت في القرآن بصيغ البيان والوعيد والتوكيد بالاضافة الى اعتبار القطع بنزول القرآن من عند الله وعدم طرو التحريف عليه، مما يجعل قبول ما فيه من البشارات والإنذارات أمراً عاماً، وفيه تخفيف عن الناس بتهيئة مقدمات القبول، وازاحة الموانع وطرد الشبهات، واقامة الحجة على الكفار.
ومن الآيات ان الحجة ليست مستقلة ومحضة بل تقترن معها على نحو الملازمة دعوة الإنسان للهداية والإيمان والبشارة بالجنة والنجاة من النار، دام المقام في الآخرة محصور بين الجنة والنار، ودخول الجنة أمر مركب بتضمن الفوز بإجتناب النار وما فيها من العذاب الشديد، لذا فان الجزاء السلبي أمراً حتمياً للفرد وان كان متلبساً بالمعصية، لامكان التدارك والتوبة، ولعدم انحصار التوبة بأجل وعمر معين، فبابها مفتوح ما دام الإنسان حياً في الحياة الدنيا.
ولكن هذا القانون ثابت بخصوص أهل الكفر ومغادرة الانسان للحياة الدنيا وهو متلبس بالكفر والجحود، وتتجلى فيه معاني جانب من الجزاء على نحو التفصيل، وهذا التفصيل توكيد للوقوع، وتذكير وإنذار إضافي، ووسيلة لطرد الغفلة والنسيان عن الإنسان.

قانون بيان الجزاء
لقد اختار الله عز وجل الإنسان ليكون خليفته في الأرض، وهذا الاختيار تشريف واكرام خاص له من بين الخلائق، واقتران هذا الاكرام بالابتلاء والاختبار في الحياة الدنيا، ترى ما هي النسبة بين الاكرام بالخلافة، والابتلاء بعالم العمل والحساب عليه، انها نسبة العموم والخصوص من وجه، بتقريب، فهناك وجوه للالتقاء في الاكرام تتجلى بإمتثال العبد للأوامر الإلهية، وأداء وظائف الخلافة والشكر لله تعالى على هذه النعمة العظيمة..
اما مادة الافتراق فهي مخالفة الإنسان للأوامر الإلهية وماجاء به الانبياء، وهذه المخالفة لم تصدر من الإنسان ابتداء، بل جاءت بعد بيان الجزاء وشدة عقاب المعصية، ومن الآيات ان الحياة الدنيا كلها مدرسة وبيان، وهذا البيان متعدد من وجوه:
الأول: دلالة الآيات الكونية على الربوبية ووجود الصانع.
الثاني: اسرار خلق الإنسان والحاحها عليه بلزوم التدبر في الخلق.
الثالث: بعثة الانبياء مبشرين ومنذرين.
الرابع: نزول الكتب السماوية وما فيها من وجوب عبادته تعالى، والإقرار بالنبوة، والاخبار عن عالم الآخرة وما فيها من الجزاء.
ومن الآيات ان بيان الجزاء لم يأت بذكر الجنة ومضامين الثواب وحدها، او ذكر النار وشدة عذاب الكافر فيها، بل جاء بذكر الأمرين معاً على نحو التفصيل وهذا التفصيل فضل إضافي ونعمة اخرى ينتفع منها الناس جميعاً مع اختلاف وتباين مداركهم وتعدد لغاتهم واجتاسهم، لذا جاءت خطابات القرآن بلفظ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ) و (يَابَنِي آدَمَ) لتوكيد عموم نداء البشارة والتحذير من العقوبة ويتألف هذا القانون من قسمين:
الأول: بيان ثواب الصالحات وتفاصيل الحياة في الجنة، فيصورها القرآن بأبهى صورة حتى تصبح وكأنها قريبة من الإنسان، ويرى اشجارها ويشم طيبها وعطرها، وينبهر من جمال انهارها وكثرة قصورها، ويكون البيان على وجوه:
أولاً: كيفية احراز دخول الجنة.
ثانياً: تعلق الثواب بعالم الدنيا، وترشحه عن فعل الصالحات.
ثالثاً: انتفاء الحرج والمشقة في اختيار سبل الجنة، فلا غرابة ان تسمى معالم الإيمان بالصراط المستقيم والاستقامة أبين وأيسر على الإنسان من الاعوجاج.
رابعاً: قصص الانبياء وما فيها من الترغيب بالجنة.
خامساً: بعثة النبي بيان واخبار عن الجزاء، لانه يأمر بالصالحات، ويدعو الناس لإجتناب السيئات، ويبشر المؤمنين بالجنة.
سادساً: لغة البشارة في التنزيل، ومضامين الترغيب السماوية بالثواب.
الثاني: بيان عقوبة الكفر والجحود، ومن فلسفة الجزاء عدم انحصارها بذكر مضامين الثواب، بل تشمل العقاب والعذاب بالنار وخطابات العقاب ودخول النار لم تتوجه الى الكفار وحدهم، بل تشمل الناس جميعاً بما فيهم المؤمنون، لعموم إنذارات القرآن، فينتفع منها المؤمن وتتغشاه الغبطة والسعادة لحسن الاختيار، وتتجدد عنده إرادة الثبات على الإيمان، ويصيبه الاسف بسبب اتجاه فريق من الناس صوب الضلالة وما ينتظرهم من العذاب، وجاء بيان جزاء فعل السوء والمنكر على وجوه:
الأول: ارسال الرسل من البشر، وبذلهم الوسع في الإنذار والتحذير من عذاب النار.
الثاني: حجة العقل الذي جعله الله عز وجل جزء من الإنسان ليكون الإنذار ذاتياً وعرضياً.
الثالث: آيات التنزيل التي تخبر عن النار وانها مثوى للكافرين، وهذا الوجه من وجوه تفضيل القرآن وبيان فضله على الكتب السماوية الأخرى، اذ انه يبين بالحجة والدليل بما لا يقبل الشك وجود النار في الآخرة وحتمية دخول الكافر فيها، ويخاطب العقول بما يجعل النفوس تنفر من الكفر والضلالة لإدراك سوء عاقبتهما.
وقد اختلف علماء الكلام هل الجنة والنار مخلوقتان ام لا، وهو من الاجماع المركب من أمرين، والذي يعني في علم الاصول عدم وجود قول ثالث، ويدلان في المقام على حتمية وجود النار في الآخرة، لأن الإختلاف على خلقهما في الدنيا مع التســالم على وجـودهما في الآخرة، وكل فريق يستدل بالحجة والبرهان، والمختار هــو انهما مخلوقتان الآن.
الرابع: ابتلاء الناس بالموت، ومغادرة الأحبة لنا في الدنيا مناسبة للتدبر فيما بعد الموت.
الخامس: تعرض الإنسان الى وقائع خاصة يشعر فيها بضعفه وانه ممكن محتاج.
ومن خصائص هذا القانون أمور:
الأول: انه ملازم للحياة الدنيا فكل إنســان تصله بعض مضامين هذا القانون، وهل تحجب عمن أصــر على الكفر لعمومات قوله تعالى [ِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( )، الجواب: لا، لان بيان الجزاء اعم من مسألة الهداية، ومن رأفته تعالى ان يكون البيان متصلاً مصاحباً للناس في حياتهم الا ان الكافر لا يريد الإنتفاع منه.
الثاني: بيان كل قسم من قسمي الجزاء يدل في مفهومه على القسم الثاني بحسب اللحاظ والفارق، فالبشارة بالنعيم الأخروي تدل في مفهومها على التحذير من النار، والإنذار من النار ترغيب بالعمل الصالح الذي يدخل الإنسان الجنة.
الثالث: لا تقف اللعنة عائقاً دون إنتفاع الإنسان من مضامين هذا القانون، وهذا من الإعجاز في المعرفة الإلهية، وفلسفة بلوغ البشارات والإنذارات للناس جميعاً على اختلاف مشاربهم وألسنتهم، ويأتي عموم التبليغ اللغوي من جهات:
الأولى: الآيات الكونية التي يراها الناس جميعاً وتدركها الحواس.
الثانية: ترجمة التنزيل والكتب السماوية الى مختلف اللغات.
الثالثة: نقل الناس لقصص الانبياء كل بحسب لغته.
الرابعة: جهاد الانبياء واصحابهم واتباعهم من المسلمين في التذكير بيوم القيامة، واهوال الآخرة.
علم المناسبة
ورد لفظ (خالدين) بصيغة الرفع والنصب تسع وستين مرة، ولم تنحصر بأهل النار ومكثهم في العذاب، بل شملت أهل الجنة وبقاءهم المؤبد والدائم في الجنة.
ومع إتحاد اللفظ والمعنى، فان الموضوع متناقض ويبين التباين بين أهل الإيمان والكفر في عالم الآخرة، فالمؤمنون الذين يعملون الصالحات يكون خلودهم في النعيم والجنة العالية، أما الكفار فمثواهم النار.
وتكررت كلمات هذه الآية في ذات اللفظ مرتين في القرآن( )، وتعلقت هذه الآية بالذين كفروا بعد إيمانهم، أما الآية من سورة البقرة فجاءت بخصوص الذين ماتوا على الكفر بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ…] ( )، ووفق التفسير الذاتي للقرآن فان الآية من سورة البقرة مبينة لهذه الآية بخصوص أوان الكفر وان المدار على الموت عليه، لذا جاءت الآية بإستثناء الذين تابوا وأصلحوا.
لقد وصف القرآن الكفار بانهم أصحاب النار، وجاء هذا الوصف مقترناً بالإخبار عن حقيقة خلودهم في النار، ان ذكر خلود أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار دعوة للتدبر ولحاظ نسبة العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي الخلود والدوام كل في مقامه، ومادة الإفتراق هي دوام مكث أهل الإيمان في الجنة، واستدامة بقاء أهل الكفر والمعاصي في النار.

قوله تعالى [لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ]
بدأ هذا الجزء من الآية بحرف (لا) وهي نافية عاطفة سبقها اثبات حقيقة تأبيد الكافرين في النار، وهذا المعنى لا يمنع من شائبة نفي الجنس ونفيها الحكم عن جميع افراد جنسها، لانها تنفي مطلق التخفيف، لان التخفيف من الكلي المشكك الذي هو على مراتب متفاوتة، فقد يكون التخفيف كثيراً بحيث يسقط من العذاب نصفه او اكثر، وقد يكون قليلاً، فجاءت الآية لنفي التخفيف مطلقاً، قليله وكثيره.
واخبار الآية عن عدم التخفيف فيه وجوه:
الأول: الآية بيان لحال الكفار في الآخرة، وما يلقونه من العذاب، فهي تخبر عن واقع وحقيقة ثابتة.
الثاني: الآية لطف بالناس، لما فيها من التحذير والتنبيه على شدة العذاب وعدم حصول التخفيف، ومن الآيات ان يأتي اللطف في الدنيا، وموضوعه يتعلق بالآخرة.
الثالث: الآية شاهد على إعجاز القرآن من جهات:
الأولى: اخباره عن تفاصيل عالم الآخرة.
الثانية: القطع بعدم حصول التخفيف مطلقاً.
الثالثة: توكيد تبيان القرآن لكل شئ.
الرابع: دفع وهم وامل قد يحصل عند الكفار بظن التخفيف من العذاب باعتباره مصداقاً من مصاديق رأفته تعالى، فجاءت الآية بمنع هذا الظن، وهذا المنع من رحمته ولطفه تعالى، اذ ان التخلص من الوهم ومواجهة الحقائق والاشياء كما هي رحمة بالإنسان ودعوة للاستعداد واخذ الحائطة لها.
وجاءت الآية بصيغة الجمع بلحاظ الضمير في (عنهم) وفيه مسائل:
الأولى: موضوع الآية انحلالي، والمراد ان العذاب لا يخفف عن أي واحد من الكافرين.
الثانية: العذاب مركب من وجهين:
الأول:العذاب العام وهو المتوجه لجميع أهل النار.
الثاني: العذاب الخاص الذي يتعرض له الفرد الواحد منهم، وكلا الوجهين ينعدم فيهما التخفيف.
الثالثة: يكثر تبادل الذم بين أهل النار مع اظهار سوء الحال، ويدعو بعضهم على بعض وهم في النار، وورد في دعاء الاتباع على سادتهم[رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا] ( ).
الرابعة:انتفاء التخفيف شاهد على شدة العذاب، اذ ان العذاب من الكلي المشكك الذي له مراتب متفاوتة، وحصول التخفيف فيه لا يغير عنوانه لبقاء صدق العذاب عليه، ومع هذا فان التخفيف لم يحصل.
وجاءت الآية بصيغة المبني للمجهول (يخفف) وفيه وجوه:
الأول: ان الله عز وجل لا يخفف عنهم العذاب.
الثاني: تدل الآية بالدلالة التضمنية على انعدام الشفاعة لأهل النار في الآخرة.
الثالث: الملائكة مأمورون بعدم تخفيف العذاب عن الكفار، ولا يفعل الملائكة الا ما يؤمرون به.
الرابع: عدم إنتفاع أهل النار من الدعاء، ويتصورالدعاء هنا على وجوه:
الأول: دعاء الكافر لنفسه وهو في النار بتخفيف العذاب.
الثاني: سؤال الكافر التخفيف عن غيره من أهل النار.
الثالث: دعاء أصحاب النار لأنفسهم على نحو الجمع والتعدد.
الرابع: توجه أهل الجنة بالدعاء للذين في النار، وهو على وجوه:
الأول: دعاء أهل الجنة لأهل النار على نحو الجمع.
الثاني: دعاء أهل الجنة لشخص من أهل النار.
الثالث: دعاء جماعة مخصوصة من أهل الجنة لشخص في النار كما في دعاء المؤمن لابيه الكافر.
الرابع: دعاء فرد من أهل الجنة لفرد من أهل النار.
ولكن أهل الجنة لا يدعون لأهل النار، نعم ورد سؤال أهل النار الملائكة التخفيف [وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ]( )، وجاء رد الملائكة بالزجر والتوبيخ ومن دون إبطاء.
ويتصور التخفيف على وجوه:
الأول: قلة العذاب والنقص فيه
الثاني: ارتفاع العذاب في يوم وأيام كما جاء في الآية أعلاه على نحو التمني.
الثالث: التخفيف من شدة العذاب.
الرابع: الانتقال الى درجة ومرتبة أخف من العذاب كما لو كان الكافر في الدرك أسفل من النار, فسأل ان يكون في طبقة اعلى.
الخامس: الابتعاد عن قرناء السوء.
السادس: إسقاط بعض الذنوب بما يؤدي الى التخفيف من العذاب.
السابع: قصر مدة العذاب، وعدم الخلود في النار.
ومع تعدد الوجوه أعلاه الا انها تحيط بمضامين التخفيف وكثرة مراتبه, ولكن الله عز وجل حجب عن الكفار وجوه التخفيف مطلقاَ، ومن الآيات ان يأتي القرآن بالإخبار عن هذا الحجب للإحتراز والتوقي بالعمل الصالح وإجتناب دخول النار.

قوله تعالى [وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ]
جاءت خاتمة الآية للاخبار عن وجه اخر من وجوه شدة العذاب فكما ان العذاب لا يخفف عنهم فكذا بالنسبة لمدة واستدامة العذاب فانه دائم، وعدم الإنظار على وجوه:
الأول: انعدام الفترة في العذاب.
الثاني: لا تأجيل في العذاب.
الثالث: لا إمهال في العذاب, وعدم الإمهال يتصور على وجوه:
الأول: في بداية العذاب, فليس من أمهال او تأخير فيه بل يبدأ حال انتهاء الحساب والدخول في النار.
الثاني: انعدام اعادة الحساب الأخروي لاتصافه بالعدل وخلوه من الظلم.
الثالث: لا يمهلون رجاء التوبة.
ومن الإعجاز في الآية الترابط بين مضامينها وهي:
الأول: الخلود في النار.
الثاني: عدم تخفيف العذاب.
الثالث: انتفاء الامهال والتأخير في العذاب.
مما يدل على اجتماع صيغ شدة العذاب, وان الكفار يكونون في الآخـــرة بأخس حال ويأتيهم العقاب الأليم دفعــة وليس تــدريجياً, وجاء الفعل بصيغة البناء للمجهول (ينظرون) مما يدل على انعدام الإرادة عندهم, وخروج الأمر من أيديهم وخضوعهم التام للحساب والعقاب.
بحث بلاغي
جاءت الآية بثلاثة أحكام الأول خلود الكافرين في النار، والثاني عدم تخفيف العذاب عنهم، والثالث عدم إنظارهم والذي يعنى بالضرورة عدم إمهالهم، باعتبار تعلق الإنظار بقلة الوقت، اما الإمهال فيشمل قلة الوقت وطوله والفترة التي قد تتسع او تضيق.
فمن الاعجاز مجئ الآية بلفظ الإنظار، وهو شاهد على عدم الإمهال من باب الأولوية وكل حكم من الأحكام الثلاثة في الآية شامل لجميع الكفار، فبينما جاءت الآيات بإستثناء أهل التوبة، فانها لم تستثن احداً من أحكام العذابً وشدته، فالآية انحلالية، بمعنى ان كل كافر خالد في النار ولا يخفف عنه العذاب، ويؤجل حسابه وعقابه.
وفي الآية حث على التدبر في الإنذارات والإنتفاع من مدرسة القرآن في إصلاح النفوس ونبذ الكفر والابتعاد عن المعاصي، وكأن الآية من عطف الخاص على العام، فبعد ان أخبرت الآية عن استدامة مكث الكفار في النار ذكرت عدم تخفيف العذاب عنهم مدة خلودهم في النار، اما عدم الإنظار والإمهال فيحتمل:
الأول: ساعة الحساب واخذهم بشدة نحو النار، وعدم الاذن لهم بالجدال والدعوى.
الثاني: إطلاق عدم الإمهال وشموله لآنات العذاب، فلا أمل عند الكفار بحصــول الإنظــار والإمهال في العذاب وتخفيفــه ولو لفترة قصـيرة.
وهل هذا البيا ن والتعدد من وضع الظاهر موضع المضمر، الجواب: لا، وان جاء لزيادة التقرير وقصد اهانة وتوبيخ الكافرين فكل حكم من أحكام الآية ظاهر بذاته ويفيد ادخال الروعوالفزع في قلب الكافر، وجاء التعدد لبيان عدم دخول حكم في الآخر، وان كل فرد من الأفرادالثلاثة عقوبة مستقلة بذاتها وان تداخلت في موضوعها.
قانون عدم الإمهال
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار اختبار وابتلاء, ومن وجوه الابتلاء فيها السعة والمندوحة في الأفعال, والتوبة وامكان التدارك، وصحيح انه لا يجوز التسويف والإبطاء في التوبة بل تجب المبادرة اليها الا انها تصح وان جاءت متأخرة، وامكان التأخر والإبطاء فضل من عند الله تعالى ولكنه خاص بأيام الحياة الدنيا، اما بعد الموت فينغلق باب التوبة ويشمل الكافر عدم الامهال في العذاب وكأن عدم الامهال هذا عقوبة للكافر لانه لم ينتفع من الإمهال والإنظار في الدنيا.
فعمر الإنسان كله انظار ومناسبة للإنابة والتوبة، ولكن الإصرار على المعصية في أيام الدنيا يؤدي الى عدم الإنظار في الآخرة وهو من بديع النظام الكوني وأســرار التداخل والترابط بين الحياة الدنيا والآخرة.
ويمكن اعتبارقانون الإمهال في الدنيا، وقانون عدم الإنظار في الآخرة من وجوه التكامل في خلق الإنسان ومضامين الإمتثال في الخلق ولزوم الشكر له تعالى على نعمة الخلق والخلافة، والعقوبة لمن جحد بهذه النعمة.
ومن الدلائل على ان القرآن نعمة عظيمة ولها خصائص مباركة ينفرد بها ان تأتي الآيات صريحة بتفاصيل وكيفية العذاب الاخروي والذين يستحقونه، وانغلاق باب الامهال فيه، لتكون إنذاراً وتحذيراً واخباراً عن عالم الآخرة، وصياغة للقواعد الفعلية الكلية بأمور محسوسة وقريبة من الاذهان، ومن المؤمنين من يقرأ هذه الآيات فيحس بحر النار وكأنها تلامس بدنه، فيفزع منها الى ما يطفئ لهيبها، ويحجب اذاها عنه ويقوم بالمواظــبة على اداء العــبادات، وإجتناب المعاصــي، اما الكافر فان الآية ومضامينها تبلغه بالسماع والاستماع والانصات وتكون حجة عليه.
وهذه الآيات اخبار سابق عن قانون عدم الامهال، والاخبار ليس عقوبة عاجلة، ولم يأت للتوبيخ والتقبيح فحسب، بل جاء للتنبيه والتحذير والحث على الإنابة والتوبة، وهذا الحث لا ينحصر بالمؤمنين بل يشمل الناس كافة، لذا فان قانون عدم الانظار ليس خفياً او أمراً مستوراً، او انه خاص بفريق دون فريق من الناس، وهو حاجة لكل مكلف مهما كانت الملة التي ينتحلها، لذا جاء الاخبار عن هذا القانون عاماً وهو فضل إلهي مستمر ملازم للحياة الدنيا، وهذا الفضل يتجلى بالقرآن وسيلة سماوية دائمة لبيان أمرين مختلفين:
الأول: الامهال في الدنيا.
الثاني: عدم الامهال في الآخرة.
ومع التباين الموضوعي والزماني بينهما وان احدهما خاص بايام الحياة الدنيا، والثاني يتعلق بالاخرة، فان الترابط ظاهر بينهما، فكل منهما يتصل بالآخر ويتأثر به، وهو من مصاديق القاعدة الكلية (الدنيا مزرعة الآخرة) وبيان ان هذه الزراعة لم تأت من الإنسان مجردة من الفضل الإلهي، بل ان الله عز وجل يمنّ على الناس بالهداية الى كيفية العمل مع تهيئة مستلزماته بالرشاد والإعانة والتوفيق فيه.
ومن وجوه الإعانة التحذير والوعيد من العذاب الاخروي، ونزول القرآن بقانون عدم الامهال وانتفاء الانظار للكافرين في الآخرة، وهذا القانون شاهد على انتفاء الإرادة عند الكافرين يوم القيامة، وانهم مرهونون باعمالهم، لا يستطيعون دفع العذاب عن انفسهم، وان سألوا الامهال فلا اعتبار او أثر لسؤالهم بل هو لغو، فقد امهلوا في الدنيا واذن لهم بسؤال العفو والمغفرة ولكنهم استكبروا وجحدوا.
علم المناسبة
قد وردت كلمات هذه الآية مرتين على نحو متشابه فقد جاءت الآية الواحدة والستين بعد المائة من سورة البقرة بذات الالفاظ، وهذا التكرار يتضمن منافع عديدة منها:
الأول: التوكيد على ما في الآية من الحقائق والقوانين.
الثاني: التباين بلحاظ نظم الآيات، ففي سورة البقرة ورد قيد الموت على الكفر، وفي هذه الآيات من سورة آل عمران لم يرد هذا القيد بخصوص الخلود في النار، فهل من تعارض، الجواب لا، ولكنه من التفسير الذاتي للقرآن، فاحدى الآيتين بيان للاخرى للزوم الاخذ بالمقيد، وهو نعمة إضافية وتوكيد لما يأتي في الآية التالية من التوكيد على إستثناء أهل الإنابة والتوبة من الخلود في النار.
وورد لفظ (ينظرون) ست مرات في القرآن كلها بصيغة النفي (لا ينظرون) مما يدل على لغة الإنذار والوعيد فيه، وتعلق بعض افراده بالحياة الدنيا، والآخر بالآخرة، مع التداخل بينهما، والأول طريق الثاني، قال تعالى [ْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ] ( ).
وفي لفظ (لا ينظرون) في القرآن مسائل:
الأولى: انه لم يرد بصيغة المفرد، فمع وجود جبارين وطواغيت في الدنيا لم يرد بخصوصه لفظ (لا ينظر) بل جاء اللفظ عاماً شاملاً، للتساوي في صفة أهل النار بين التابع والمتبوع من الكفار، وهذا التساوي العرضي بين أهل النار عنوان إضافي لتوبيخ وذم الطواغيت واتباعه على حد سواء، فيرى الطاغوت نفسه في ذات العذاب مع من كان يعبده ويطيعه في غير مرضاة الله، ويرى التابع كيف ان سيده الذي غرره واغتر به معه لا يستطيع دفع العذاب عنه، وكلاهما لا يستطيعان الامهال والانظار او تخفيف العذاب وهو سبب إضافي للشقاء واثارة الخصومة بينهما وهما في النار.
الثانية: لم يرد اللفظ بصيغة الخطاب (لا تنظرون) بل جاء في القرآن بصيغة البناء للمجهول، وهو عنوان لذم الكفار، وعدم اكرامهم بصيغة الخطاب، كما ان الجملة الخبرية بصيغة المجهول تأديب وإنذار لهم وهو اوثق وانفع في الزجر عن الباطل والكفر وفعل السيئات.
الثالثة: سلب الإرادة والتأثير من الكفار في الآخرة وهم عاجزون عن الذب عن انفسهم، ولا يقدر احدهم ان يدفع عن غيره وليس في مقدوره ان يقول انه مسؤول عما فعله غيره، فلا يستطيع المتبوع ان يقول ان التابع برئ وغير مسؤول لانه فعل القبيح بأمري، ولو تنزلنا وقلنا انه يقدر على هذا القول فما هو الحكم، الجواب من وجوه:
الأول: انه لا يقوله وان اذن له بالكلام لانه لا يريد ان يأتيه عقاب إضافي، خصوصاً وانه يدرك عدم تخفيف العذاب عنه.
الثاني: يدرك الناس في الآخرة مضامين التكليف وان التابع كان في ميسوره التخلص من محاكاة غيره في الكفر والجحود.
الثالث: عدم اصغاء الملائكة الى مثل هذا القول بعد قيام الحجة على الكفار، لذا جاءت الآية بصيغة الجمع.
الرابع: ظاهر قوله تعالى (لا ينظرون) هو عدم وجود مندوحة للقول وسماعه لاتصال العذاب، فكأن الآية تخبر عن غلق باب الاعتذار والإحتجاج والرجاء.
بحث بلاغي
البديع فعيل بمعنى مفعول وهو المخترع على غير مثال يحتذى، وهو مشتق من قولهم: بدع الشيء وابدعه اي اخترعه من غير سابق له، كما في قوله تعالى [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأرض] اي مبدعهما وخالقهما من غير مثال وصورة سابقة مشابهة لهما، وهو في الإصطلاح علم خاص بصيغ التحسين التي تزيد الكلام طلاوة وحسناً، وتجذب السامع، وهو غير علم المعاني والبيان لأنهما ذاتيان.
وعلم المعاني هو الإتيان باللفظ الموافق للتصور الذهني للدلالة ومعرفة القواعد والأصول التي يكون معها المعنى مطابقاً لما يقتضيه الحال.
والحال هو الأمر الداعي للمتكلم لذكر خصوصية في الكلام، كما لو كان المخاطب ذكياً يعلم بصيغ الكناية فيكتفى بها، او ان الأمـر يحتاج الى التورية، او التشبيه والتقريب، او ان المخاطب لا يدرك الأمور بالوجود الذهني مع الإختصار بل يحتاج الى الإطناب والإطالة فيؤتى بالكلام بما يوافق الحال، حينئذ يكون بليغاً سواء في الإختصار مع مناسبته للحال، او مع الإطناب مع الحاجة اليه، ومنافعه معرفة إعجاز القرآن، وما فيه من الكنوز اللغوية، وحسن السبك، ودقة المعنى، وسهولة التركيب، وبهاء الألفاظ ويسر الفهم والإدراك وغيرها من المحاسن التي لا يمكن احصاؤها والتي أعجزت العرب وكانت علة او جزء علةً في اسلام شطر منهم وشاهداً على صدق التنزيل.
ومن منافع علم المعاني معرفة اسرار البلاغة والفصاحة في كلام العرب سواء الشعر او النثر، والتمييز بين الحسن منه والأحسن والردئ، وذكرت بعض اسماء العلماء مثل الشيخ عبد القادر الجرجاني المتوفى سنة 471 هجرية، وقيل انهم وضعوا هذا العلم، الا انه اعم من ان ينحصر بواضع معين فهو تراث امة وعلم يتعاهده الفصحاء والشعراء، وضع اركانه وثبته القرآن باسراره وكنوزه اللغوية والبلاغية، ويمكن القول ان العرب كانت تتعاطاه قبل الإسلام، ومن الشواهد التأريخية ما كان يحصل في سوق عكاظ وغيره اذ تجري مباراة شعرية وتتم مناقشة القصائد وما فيها من المعاني والبديع.
اما علم البيان فهو الإتيان بالكلام واضحاً بيناً خالياً من التعقيد المعنوي، وعدم جعله ممتنعاً على الوجود الذهــني للمعاني، وهما يتعلقان بفصاحة الكلام، لأن الفصاحة تتعلق باللفظ وهــو آلة البيان دون المعنى، وبين البلاغة والفصاحة عموم وخصوص مطلق فكل فصاحة هي بلاغة وليس العكس، لأن البلاغة تشــمل اللفظ والمعنى معاً، لذا قد يسمى الببغاء فصيحاً ولكنه لا يسمى بليغاً، وهذا التقسيم ارشاد لتنقيح اللغة ومعرفة أســرارها، ومحافظة على علومها وجمالها، اما البديع فانه علم يتعلق بعروض تحســـين ألفاظ اللغة وهي على قسمين:
الأول: البديع المعنوي: الذي يتعلق برعاية المعنى دون اللفظ فيبقى ذات المعنى وان تغير اللفظ مثل التورية والإستخدام والطباق والمقابلة، وغيرها.
الثاني: البديع اللفظي: وهو الذي يتعلق بتحســـين اللفظ دون المعنى، فاذا تغير اللفظ تبدل المعنى، مع تعاهد الوضوح والبيان ودلالة الكلام، ومن المحسنات اللفظية الجناس وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانســـان في الحروف ونحوها مع اختـلاف المعنى والترجيح وهو توازن الألفاظ، وائتلاف اللفظ مع اللفظ وغيرها، وقد جاءت هذه الآيات وكل آيات القرآن بالعلوم الثلاث المعاني والبيان والبديع، فبينت هذه الآية ما يلاقيه الكفارمن العذاب بصــيغ متعددة تكفي لإدراك الناس لها وان تباينت افهامهم ودرجات إدراكهم واختلفت مراتبهم في العلم والجهل، خصوصاً وانها ذكرت علة العذاب وهو اختيارهم الكفر وعدم حصول الكفر الا بعد الإيمان واقامة الحجة عليهم.
وجاءت الفاظ هذه الآيات سهلة المعنى وظاهرة بينة، ومتبادرة الى الفهم خالية من التعقيد ومن الألفاظ الغريبة في معناها، ومن خصائصها ان معناها تدركه كل الأمم عند ترجمته الى اللغات المختلفة ولو على نحو الموجبة الجزئية، لأن المقام مقام الإنذار والتخويف والوعيد، لكي تقوم الحجة على الناس، وتكون هذه الآيات باباً للتوبة والإنابة، فاختصاص القرآن باسرار البلاغة العربية واعتبار عربيته جزء من إعجازه لا يعني تباين المعاني في حال ترجمته، فمن إعجازه ان تحتفظ مضامينه بمعانيها عند ترجمتها سواء في باب البشارة والوعد او الإنذار والوعيد، الا ان مضامين الاعجاز تتجلى بالعربية دون غيرها.
وتظهر وحدة موضوع وأحكام هذه الآيات باخبارها مجتمعة ومتفرقة عن القبح الذاتي للكفر، وانه ظلم وتعد ليكون قوله تعالى [وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] مقدمة شرعية وعقلية لاستحقاق الكافرين العقوبة والعذاب الأليم، اذ ابتدأت الآية التي بعدها بقوله تعالى [ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ] وتبين تعدد أفراد العذاب جزاء لهم، ويختتم بعدم الإمهال والإنظار، وتأخره عن عدم تخفيف يدل على انبساط عدم الإنظار مدة الخلود في النار.
وتنقل الآية التالية القارئ والسامع الى رحاب التوبة والإنابة، وتبين أسباب النجاة من العذاب الأليم وكيفية الإحتراز منه والوقاية من اللعن بإظهار التوبة واللجوء الى الإستغفار.


قوله تعالى [إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] الآية 89

الإعراب واللغة
الا: أداة إستثناء، الذين: مستثنى، تابوا: فعل ماض، الواو: فاعل، جملة تابوا لا محل لها لأنها صلة الموصول.
من بعد ذلك: من بعد: جار ومجرور متعلقان بتابوا، ذلك: اسماشارة في محل جر بالإضافة.
واصلحوا: الواو: حرف عطف، اصلحوا: فعل ماضِ، الواو فاعل.
فان الله غفور رحيم: الفاء: فصيحة، ان الله: ان واسمها، غفور: خبر ان الأول، رحيم خبرها الثاني.
و(الا) حرف إستثناء، ويأتي حرف جزاء أصله ان لا، ويستثنى بإلا بعد الإيجاب وبعد النفي متصلاً ومنقطعاً، وتكون بمعنى غير، وسوى، ولكن، ويكون الإستثناء بإلا بعد الإيجاب فينتصب ما بعدها كما في قوله تعالى [فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ…]( ).
أما اذا جاء الإستثناء بعد الجحد فيرفع ما بعد (الا)، قال تعالى [مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ…]( ).
والصلاح: الاستقامة وفعل الخير، يقال: صلح يصلح صلاحاً وهو صالح ومصلح، والإصلاح نقيض الافساد.
في سياق الآيات
تعتبر الآيات السابقة من آيات الوعيد والتخويف والإنذار وبيان حال الكافرين في الآخرة بما يملأ النفس فزعاً وخشية من يوم القيامة وما فيه من الاحوال.
وهذا الفزع لا ينحصر بالكافرين لذا جاءت الآيات ببعث الثقة والسكينة في نفوس المسلمين كما في قوله تعالى[الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ) لتبقى لغة الوعيد القرآنية متوجهة الى الكافرين وهي تحذرهم وتدعوهم للإيمان في ذات الوقت كجزء من رحمته تعالى بالناس عامة.
وجاءت هذه الآية للإخبار عن الإستثناء من الإطلاق في الذم ، وانحصار الإستثناء بأهل التوبة من الذين تخلوا عن الكفر، ومن الإعجاز في نظم الآيات ان ذكر التوبة ومنافعها لم يأت الا بعد بيان قبائح الكفر وعقوبته، ومجموع الآيات يبين ضرر الكفر وما فيه من شرور وسوء عاقبته، ولم تجعل الآيات الإنسان في حيرة بل تبين له طريق النجاة الذي ينحصر بالإيمان، وكل آية من هذه الآيات لها دلالات خاصة بلحاظ النظم.
ومن الآيات في المقام ان تتوسط آية التوبة والحث على الصلاح والإصلاح آيات الإنذار والوعيد وتخويف الكفار.
فجاءت هذه الآية لإستثناء الذين تابوا من حجب الهداية عن الذين كفروا، والإخبار عن فوز التائبين بأسباب الهداية ونزول الرحمة الإلهية وان سبق منهم الكفر المتعقب للإيمان، وإنكار الإقرار بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتتنزل على التائبين شآبيب الرحمة واسباب الهداية، وتكون التوبة والصلاح برزخاً دون دخولهم النار او تعرضهم للعنة والطرد من رحمة الله.
ويحتمل الإستثناء وترتب الأثر على التوبة وجوهاً:
الأول: انه خاص بالنجاة من الخلود في العذاب.
الثاني: يشمل الإستثناء نجاة أهل التوبة من اللعنة وهو على شعب:
الأولى: السلامة والنجاة من لعنة الله.
الثانية: التوبة برزخ دون نزول لعنة الملائكة.
الثالثة: التوبة واقية من لعنة الناس، فلا يضر التائب دعاء الناس.
الرابعة: العنوان الجامع للشعب الثلاثة اعلاه، فالتوبة ماحية للعنة وحاجب دون أثرها في الدنيا والآخرة.
ومن الآيات في سياق ونظم الآيات ان جاءت بعد آية (الذين تابوا) آيتان في ذم الكافرين الذين يصرون على البقاء على الكفر والجحود، والإخبار عن عدم قبول التوبة او الفدية منهم.
الثالث: السلامة والغبطة والسكينة في الدنيا، وعدم الفزع من الذنوب في الدنيا والآخرة.
الرابع: النفع المركب ونجاة التائب في الآخرة في آن واحد من أمرين:
أولاً: العذاب الأخروي.
ثانياً: انتفاء موضوع الإمهال وعدمه لتعلقه بالعذاب فاذا انتفى الأصل انتفى الفرع.
إعجاز الآية
بهذه الآية اشراقة قرآنية تتضمن آيات العفو والرحمة، وتطرد اليأس من النفوس، وتبعد شبح الخوف عنها، وآثاره في السلوك على الذات والأسرة، فكلما ابتعد اليأس اقترب الأمل ومن إعجاز الآية وجوه:
الأول: انها دعوة للتوبة، لان فيها نجاة من النار ومغفرة للذنوب.
الثاني: الحث على عدم الاقامة على الذنوب، والمنع من القنوط.
الثالث: عدم انحصار موضوعها بالتوبة والإنابة بل اكدت على موضوعية الإصلاح وندبت اليه، بقوله تعالى [وَأَصْلَحُوا] لتفتح الباب امام الدراسات الكلامية في موضوع وأحكام الإصلاح.
الرابع: خاتمة الآية إعجاز إضافي من وجوه:
الأول: اختتام الآية بالصفات الإلهية التي تدل على الرحمة والمغفرة.
الثاني: عدم ترك الإستثناء بالتوبة مجرداً، بل جاءت معه الآية بالبشارة، والإخبار عن محو الذنوب.
الثالث: خاتمة الآية بيان لمنافع التوبة الدنيوية والاخروية.
الرابع: إستثناء التائبين من العقاب رحمة من عند الله وليس استحقاقاً.
ويمكن ان نسمي هذه الآية آية (تابوا من بعد ذلك) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا مرتين.
الآية سلاح
من الآيات العقائدية في الحياة الدنيا تيسير دعوة المسلمين الناس للإيمان، والسعي لجذبهم الى سبل الهداية والإقرار بالنبوة وتهيئة مواضيع الإحتجاج على الكافرين، وحثهم على ترك منازل الجحود والكفر، وتتجلى هذه الآيات بمضامين التوبة التي تبينها هذه الآية بوضوح وبيان من خلال الإطلاق في الإستثناء، وامكان نيل كل إنسان التوبة ووضع قدمه في اول الطريق المستقيم المؤدي الى النجاة من العذاب الشديد الذي تبينه الآيات السابقة.
والآية عون لبني آدم في التخلص من الكفر ومفاهيمه، ومانع من اليأس والإصرارعلى الذنب والمعصية، وحجة على الكفار في الدنيا والآخرة.
لقد جاءت الآية بأمرين وهما التوبة والإصلاح، فالأول اقلاع عن الذنوب، وكف عن المعاصي، أما الثاني فهو إتيان الصالحات وفعل الحسنات، مما يدل على التكامل في عالم الأعمال، وعدم كفاية إجتناب السيئات بل لابد من الانتقال الى منازل الإيمان والتقوى.
الآية لطف
لقد أخذ الله عز وجل الميثاق على الناس بالإيمان بربوبيته والإقرار بما جاء به الأنبياء من الأوامر والنواهي، والبشارات والإنذارات، وجعل الآيات الكونية شاهداً على الربوبية، وحجة تصاحب الحياة الدنيا ليستعين بها العبد في اختيار الهداية، والنفرة من مفاهيم الكفر والضلالة، ثم تفضل مرة أخرى وفتح باب التدارك لمن عصى واستكبر وأصر على الجحود واتباع الهوى، واستحوذ عليه الشيطان.
فهذه الآية لطف إضافي بالكافرين يحثهم على التوبة والإنابة ويزجرهم عن الإقامة على الجحود فان قلت: لا يستحق الكافرون اللطف والرأفة بعد قيام الحجة عليهم، قلت: ان رحمة الله وسعت كل شيء.
وجاءت خاتمة هذه الآية مطلقة في بيان صفات الجلال والكمال والعفو، لتشمل الدعوة الى التوبة، بمعنى ان رحمته ومغفرته تعالى لا تنحصر بالتائبين، بل تشمل الكفار انفسهم ولكن مع الفارق، فأهل التوبة يغفر الله لهم ذنوبهم، اما الكفار فان هذه الآية لطف خاص بهم بدعوتهم للإنابة والهداية وهذه الدعـوة نوع من انواع المغفرة، ولكن ليس على نحو الموجبة الكلية، فهي دعــوة للمغفرة، ومقدمــة للعــفو عنهم اذا انسلخوا عن مفاهيم الكفر والضلالة، واختاروا الهداية والإيمان.
ولا ينحصر نفع مضامين هذه الآية بالتائبين، بل يشمل الناس جميعاً، فهي عز وفخر للمسلمين الذين اجتنبوا الكفر والجحود وتنزهوا عن المعاصي، وفيها إنذار للكافرين الذين يصرون على الإستكبار، والتعدد في مضامين وجهات الخطاب في الآية مع التباين بينها من اللطف الإلهي الذي يعجز العقل الإنساني عن درك عظمته وسعته.
مفهوم الآية
بعد الوعيد والتخويف جاءت هذه الآية لتبتسم الحياة مرة أخرى للإنسان بدعوته للإيمان، وفيها اخبار بأن ابواب الجنة مفتوحة للناس وان الكفر وإصرارالإنسان على استدامة تلبسه بمفاهيمه مانع عنها، لذا جاءت الآية بلفظ (بعد ذلك) في إشارة الى علمه تعالى بحال الكفر وتفضله بجب وترك ما قبل الإسلام، ولو القى السلطان او الحاكم القبض على خصم له، فأعلن الخصم توبته وندمه وقال اني اهجر محاربتي لك واترك اسباب الخصومة معك وادخل في طاعتك، فانه قد لا يقبل منه، ولا يرضى عليه، ولا يترك مؤاخذته.
اما الصلة بين الله والعبد فانها تختلف تماماَ، فالإنسان في قبضة الباري عز وجل في كل آن من آنات حياته، ومع هذا فان الله عز وجل يرأف به ويمهله ويرزقه الطيبات، ويتفضل عليه مرة أخرى ويدعوه للتوبة ونبذ الكفر.
وتأتي هذه الدعوة بأشرف الكتب السماوية وتنزل بواسطة الملك جبرئيل وعلى صدر صاحب الكمالات الإنسانية محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون عهداً ووثيقة سماوية تبعث الثقة في النفوس وتبين اتصال فضله تعالى على العباد، وعدم حجبها عن اي فرد منهم، وتأتي الرحمة كل بحسبه فالأصل ان ينال المؤمن السهم الأكبر من الرحمة، ولكنك ترى هذه الآية وهي تفيض بمفاهيم العفو والرحمة على الكفار وهذا الخصوص لا يتعارض مع حقيقة نيل المؤمنين للسهم الأكبر منها والله واسع عليم، لا تنقضي خزائن رحمته وليس من حد لفضله وإحسانه.
لقد جاء الإستثناء في الآية صريحاً واضحاً، وهو وسيلة كريمة للتوبة والإقلاع عن الكفر، فقد يكون الإنسان منغمساً في المعاصي والذنوب، وهو يشعر باليأس والإحباط، وعدم بلوغ السبيل لنجاته وسلامته في الآخرة، فتأتي هذه الآية وتطرد عنه مفاهيم الإحباط، وتبين له عظيم فضل الله عز وجل بالتوبة، وتؤكد له حقيقة انتفاء الحواجز الخارجية بينه وبين السلامة والنجاة في النشأتين اذا ارادها وسعى لها، وهذا السعي ينحصر بالتوبة والإقلاع عن المعاصي والذنوب.
ومن مفاهيم الآية توكيد نزول العذاب الشديد بالكفار، فالإستثناء الوارد في هذه الآية يدل على عدم حصول العفو والمغفرة لغير المؤمنين وأهل التوبة مطلقاً، وتبين الآية عدم كفاية اعلان التوبة فلابد من ترجمتها بالواقع العملي بالصلاح والإصلاح، وهذا القيد مدرسة عقائدية متكاملة تبين جانباً من اسرار الدعوة الإسلامية وكيفية الأخذ بيد الناس نحو الهداية والسلامة، وإجتناب الظلم للعذاب والغير.
وتعطي الآية المسلمين سلاحاً في الإحتجاج، وتهديهم الى حث الكفار على الإيمان وترغيبهم بالتوبة لأنها سبيل العفو والمغفرة، وما تبعثه الآيات السابقة من الفزع والخوف تبدده هذه الآية بقيد التوبة والصلاح، وتتضمن الآية أموراً:
الأول: الإستثناء من أسباب وجهات حجب الهداية عن الكفار، وخروج التائبين منه بالتخصيص.
الثاني: لم تذكر الآية المؤمنين وفيه وجوه:
أولاً: تعلق الآيات بالكفار.
ثانياً: جاءت الآيات للإنذار والوعيد، ولا يشمل موضوعها المؤمنين.
ثالثاً: تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على نجاة المؤمنين من النار التي هي عقاب خاص بالكافرين.
والصحيح هو الثالث، لأن الآية تدل بالأولوية على نجاة المؤمنين الذين تقيدوا بأحكام الإسلام واجتنبوا الشرك والكفر والضلالة.
الثالث: التوكيد على الصلاح والإصلاح.
الرابع: مجيء لفظ (واصلحوا) على نحو الإطلاق من غير تقييد بأمر مخصوص من العبادات او المعاملات والشأن الخاص او العام لتكون الآية موضوعاً للإستنباط والتدبر واستخراج الدرر القرآنية والمسائل المتعلقة بالتوبة وأحكامها.
الخامس: اختتام الآية بذكر صفتين من صفات الله واسمائه الحسنى، لبيان قبول التوبة.
إفاضات الآية
جاءت هذه الآية لنشر معالم الفضيلة، وتهذيب النفوس، والتخلي عن الرذائل وذمائم الأخلاق، بهجران الكفر، والمبادرة الى التوبة، لتتفتح أمامهم أبواب المغفرة والعفو، وتحاصر الآية الكفر في الأرض وتمنعه من التفشي والإنتشار بين الناس، ويتجلى هذا الحصار ببيان القبح الذاتي للكفر، والترغيب بالتوبة والصلاح وهما عنوان لأداء العبادات وبلوغ مراتب التقوى، ومناسبة للرياضات التي تؤدى بشوق ورضا، وهذا الرضا مركب من وجوه:
الأول: الرضا على النفس للنجاة من براثن الكفر والجحود.
الثاني: اختيار التوبة وهو نعمة إضافية من عند الله، وتعتبر هذه الآية وسيلة سماوية مباركة لنيل هذه النعمة والثبات عليها، اذ ان نية التوبة والعزم عليها ليس كافياً فلابد أن تتجلى في عالم الأفعال، ويكون الصلاح دليلاً عليها، لذا جاء عطفه على التوبة، وهذا العطف شاهد على المغايرة والتعدد، ودعوة للملازمة بين التوبة والصلاح، وجاء الصلاح متعقباً للتوبة في اشارة الى التقسيم بين العزم والفعل اللذين يلتقيان في موضـــوع واحــد مبارك فيه تحلية وقدســية وهو الإيمان بالله عز وجل والتصديق بانبيائه وما انزل من الكتب المقدسة.
وتبين الآية حب الله للناس جميعاً لما فيها من الزجر عن البقاء في مستنقع المعاصي، وترغيبها بالكف عنها في عزم وحسن قصد، وبيانها لما ينتظر التائبين من العفو والرحمة ومحو الذنوب.
التفسير
قوله تعالى [إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا]
بعد آيات الوعيد والإنذار جاءت آية الأمل واقالة العثرة، الآية التي تبتســم معها الأيام والليالي وتصطبغ ساعاتها بالبهجة والغبطة من وجوه:
الأول: النجاة من الكفر وواقع الضلالة بالتوبة.
الثاني: التوبة والإنابة سبيل لمحو الذنوب.
الثالث: إدراك الناس لحقيقة وهي ان التوبة برزخ يستر الذنوب، بل انها اكبر من الستر لأنها تتضمن معاني المحو والإزالة بفضله تعالى، والمدار فيها انها مانع من العذاب الأخروي الأليم.
الرابع: ليس بين الإنسان والإنضمام الى صفوف المسلمين الا التوبة واداء مثل الذي يؤديه غيره من المسلمين من العبادة، وهو عنوان تشريف مصاحب للتوبة وباعث على الهداية والصلاح.
وجاءت الآية بصيغة الجمع وفيه توكيد لحصول التوبة والإنابة من الكفار على نحو التعدد وليس الإتحاد مما يعني ان التوبة أمر متعارف بين الناس وان الكفار يفقدون الكثير من اصحابهم الذين يتجهون صوب الإيمان، ويكون كل واحد منهم حجة على الكفار، وداعية الى محاكاته في الإنابة وإصلاح الذات، وهذا من الإعجاز في فلسفة التوبة، فكما ان الكافر يضر نفســه وغيره، فالعكس صـحيح فان التائب ينفع نفسه وغيره.
والمعروف لغة ان المستثنى اقل من المستثنى منه، ولكنه لا يكون قاعدة كلية في العقائد والمعارف خصوصاً بلحاظ عظيم فضله تعالى ورأفته بالناس، فالإستثناء هنا لبيان الانتقال من منازل الكفر الى منازل الإيمان ولا يخضع بالضــرورة للقاعدة اللغوية وان كان هو الظاهر في اكثر الأوقات، وقد يتجه الناس للتوبة والإصلاح على نحو جماعي متعدد، ويدل عليه قوله تعالى [وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( ).
والتعدد في التوبة من رشحات هذه الآية وشاهد على موضوعية واعتبار آيات القرآن في حياة الناس عامة، والواقع العقائدي وسبل الهداية، والتوبة من قوانين استدامة الصلة بين الباري عز وجل وبين الناس، فلا تنحصر هذه الصلة بنفخ الروح في آدم وجعل الإنسان خليفة في الأرض بل انها مستمرة دائمة يفوح منها طيب الهداية والمدد الإلهي للاعانة على الإنابة والتوبة، والتنزه من مفاهيم الضلالة التي تؤدي الى الخسارة في النشأتين.
والخطاب في هذه الآية انحلالي ينقسم الى وجوه:
الأول: مخاطبة المسلمين، وتتضمن النفع من جهات متعددة:
الأولى: الحث على اكرام التائبين.
الثانية: إدراك حقيقة وهي نيل التائب لشرف مرتبة الإسلام.
الثالثة: استحضار القاعدة الكلية (الإسلام يجب ما قبله).
الرابعة: عدم النفرة من التائب.
الخامسة: اعانة التائب على التفقه في الدين، ومعرفة أحكام الحلال والحرام.
السادسة: حث الناس على التوبة، وترغيبهم بها، ودعوتهم لولوج ابوابها.
السابعة: الارتقاء في المعارف الإلهية، وإدراك حقيقة تساوي المسلمين في الواجبات والحقوق.
الثامنة: الحاق التائب بمن سبقه من المؤمنين في الاكرام.
التاسعة: الغبطة والسعادة بدخوله الناس في الإسلام، وكثرة عدد التائبين وانعدام الشحة في المعاملة معهم، لذا ترى التائب ينبهر من حسن الخلق الذي يبديه له المسلمون، وهو عون إضافي للثبات على الإيمان واستدامة التنزه من مفاهيم الضلالة، ومقدمة ومدد للصلاح والإصلاح الذي يؤكده قوله تعالى [وَأَصْلَحُوا].
الثاني: التائبون الذين هجروا الكفر والضلالة وفزعوا من النار، فلجأوا الى بر الامان والأمن، الى الإسلام والسلام.
وهل تبقى صفة التائب ملازمة لمن يتوب ويدخل في الإسلام مدى حياته، الجواب لا، فهو ينخرط في صفوف المسلمين ويصبح في مقام من يستقبل التائبين ويساعدهم على التفقه في أمور الدين وأحكام الشريعة، ومن منافع الخطاب في الآية للتائب أمور:
الأول: بيان عظيم النفع بالتوبة.
الثاني: الاستبشار والغبطة بالتوبة والنجاة من الكفر، وفي هذا الاستبشار مسائل:
الأولى: انه حاجب دون الإرتداد.
الثانية: فيه حث على التقيد بالتوبة وأحكامها.
الثالثة: امتلاء النفس بالغبطة والسعادة.
الرابعة: اظهار عزة ورفعة المؤمنين.
الخامسة: دعوة الكفار للتوبة والإنابة، فكما ان لبس المسلمين الحرير في الحرب وساحة القتال جائز لما فيه من دلالة على السعة والغنى في الإسلام، فكذا بالنسبة للاستبشار بالتوبة، فانه يدل على الرضا القلبي والاستقرار النفسي بالتوبة، وهو شاهد على عدم الندم على الانتقال من منازل الكفر، بل انه يدل دلالة اكيدة على الندم لفوات الأيام بالتلبس بالكفر والمعصية.
السادسة: انه حجة على الكفار وأهل الغواية، وازدراء لهم ولما هم عليه من الضلالة التي يشعر بالسعادة من ينجو منها ويتخلص من براثنها.
بحث بلاغي
من علوم اللغة (الإستثناء) كما يكون من علوم البديع اذا تضمن نكتة بلاغية، وزيادة في الحسن، وبياناً إضافياً، والإستثناء في هذه الآية من البديع، فلو اقتصرت الآية على ذكر الكفر وعاقبته وما ينتظر أهله من الخلود في النار، وشدة واتصال العذاب، وعدم وجود فترة فيه، فان الإنسان يفزع ويجزع ويعجز عن إيجاد حل لحاله، ويرتبك في عمله وكسبه، ويضر نفسه وعياله لإستحواذ معصيته عليه، فجاء الإستثناء ليكون إشراقة أمل وباباً مفتوحاً لمحو الذنوب، وشاهداً على رحمة الله الواسعة، ودعوة لجذب الناس للإسلام.
ولو اكتفت الآية بذكر التوبة لظن بعضهم كفاية إجتناب السيئات والمعاصي، فجاءت بقيد الإصلاح كشرط للنجاة من النار وعذابها، وهل هذا الشرط خاص بالتائبين من الكفر والمعصية، أم أنه عام وشامل، الجواب هو الأخير، فان كل مكلف مأمور بأداء الفرائض وفعل الصالحات، فالإستثناء في المقام آية ودعوة للناس لدخول الإسلام والنجاة من الذنوب والمعصية، وحث على السعي المبارك للعاقبة الحسنة والسلامة في الآخرة.

قانون التوبة
التوبة هي الرجوع عن الذنب، والكف عن الخطيئة، والعزم على إجتناب السـيئات، ويقال رجل تواب: أي راجع عن المعصية الى الطاعة.
ومن أسماء الله تعالى (التواب) أي أنه يتوب على عباده ويغفر ذنوبهم، ويتوب عليهم.
ومن بديع خلق الإنسان وخلافته في الأرض (قانون التوبة) وهو حلة بهية تزيّن الحياة الدنيا، وعون للإنسان لتأهيله للخلافة في الأرض، وطريق سالكة للعودة الى الهداية عند مغادرتها بارتكاب الذنوب، وسيد التائبين هو أبو البشر آدم عليه السلام.
ومن الآيات ان جاء القرآن والكتب السماوية المنزلة بقصة توبته بعد أكله من الشجرة وهو في السماء، ليهبط الى الأرض متسلحاً بالعصمة والتوبة، وليكون أسوة حسنة للأجيال المتعاقبة من ذريته في سلوك طريق التوبة وطرح الإستحياء من اللجوء اليها، لأن الله عز وجل يغفر الذنوب ويمحو السيئات.
ومن مضامين الرحمة الإلهية في قانون التوبة وجوه:
الأول: تغشي قانون التوبة لجميع أيام الإنسان في الدنيا، فما دام حياً فان باب التوبة مفتوح.
الثاني: تغشي أسباب التوبة جميع نواحي الحياة، فاحوال الناس والمجتمع أمور تدعو الإنسان الى التوبة.
الثالث: وجود شـواخص مباركة تذكر الإنسان بالتوبة كالبيت الحرام والمساجد ودور العبادة مطلقاً، وقيام المسلمين بأداء العبادات وحرصهم على ذكره تعالى.
الرابع: تعدد وكثرة الآيات الكونية التي تدل على وجود الصانع ولزوم عبادته، والتي تحث الإنسان في دلالتها واستدامتها على لزوم الطاعة.
الخامس: إدراك الإنسان للتناقض بين الطاعة والمعصية، والخير والشر، وعدم إمكان الجمع بينهما، مما يكون مقدمة للتوبة بإجتناب الخلط بين الخير والشر، والحق والباطل.
السادس: بعثة الأنبياء ودعوتهم الناس الى التوبة والإنابة الى الله تعالى، وتعرضهم للأذى والفتن من اجل إصلاح الناس، وتنزيه المجتمعات من المفاسد وما يمنع من التوبة.
السابع: عصمة الأنبياء وما فيها من الترغيب للإقتداء بهم في إجتناب السيئات.
الثامن: سيرة المؤمنين في كل أمة وجيل، وما تدل عليه من أهلية الإنسان للصلاح والتوبة والإحتراز من الذنوب.
التاسع: القبح الذاتي للذنوب، ونفرة النفس الإنسانية منها، فترى من يقدم عليها يشعر بقبحها وضررها القريب والبعيد.
العاشر:: نعمة العقل عند الإنسان، وقدرته على التمييز بين الصحيح والخطأ، ومعرفته لمنافاة الذنوب لحكم العقل بالاضافة الى حرمتها شرعاً.
الحادي عشر: قــوانين الوعد والوعيــد الأخـــروية، اذ جــعـل الله عز وجل الجنة مثوى للصالحين، والجحيم منزلاً لأهل الذنوب والمعاصي.
والتوبة من القوانين التي تجعل الإنسان يحافظ على خلافته في الأرض، ويتوارث معها أسباب الصلاح والتقوى، وهي مدخل للتنعم ببشارات الجنة ومقدمة لدخولها والفوز بالخلود فيها، وهو باب لدرء الفتن والبلاء عن الناس، فمنافع التوبة لا تنحصر بصاحبها، بل تشمل الناس جميعاً، يتوب العبد فينتفع من توبته أهله وذريته بصلاحهم والتخفيف عنهم، وإجتنابه إيذائهم والإساءة اليهم.
وجاءت الآية بصيغة الجمع (الا الذين تابوا) ولم تأت بلغة المفرد، مما يدل على فضل الله تعالى في أمور:
الأول: الدعوة الى التوبة ومجيؤها عامة شاملة لأهل المعاصي.
الثاني: الإخبار بحصول التوبة على نحو متعدد وجماعي.
الثالث: البشارة للمسلمين بدخول إناس كثيرين في الإسلام، واهتداؤهم لمسالك الإيمان.
الرابع: حث الناس على التوبة، ومنع أسباب القنوط واليأس منهم.
قانون دار الإنذار
لقد خلق الله عز وجل الإنســان للحياة الدنيا والآخرة، مع التباين في مقاماته في كل منهما، وتجد في الدنيا الابتلاء والاختــبار، اما في الآخرة فينتظره الجزاء لذا سميت دار الجزاء، ومن مفاهـيم الدنيا انها دار الإنذار، والنسبة بين الإنذار والابتلاء، عموم وخصوص مطلق، فكل إنذار هو ابتلاء وليس العكس، والإنذار رحمة الدنيا مليئة بالإنذارات وهي على اقسام:
الأول: الإنذار السماوي الذي ينزل بواسطة الكتب السماوية وما فيها من الدلالات والمواعظ والعبر، لذا فان التصديق بالنبوة عون على إدراك مضامين الإنذارات.
الثاني: بعثة الانبياء مبشرين ومنذرين، اذ ان النبي يأتي بالوحي، ويقوم بالبيان، وفي السنة النبوية الشريفة آيات من الإنذار تتلقاها اجيال المسلمين بالتدبر والاتعاظ، وتقتبس منها الأمم ما يكفي للحجة والاستبصار.
الثالث: الآيات الكونية كالكسوف والخســوف والزلــزلة والفيضانات والبراكين.
الرابع: مبادرة العبد الى التوبة إنذار للناس، وتحذير من الكفر، ومناسبة للاقتداء به في توبته.
الخامس: اقتطاف الموت للقريب والصديق دعوة للتدبر في معنى الحياة وخاتمتها وحتمية انقضاء أيامها.
السادس: معرفة الإنسان لحقيقة مغادرته الدنيا مع الاقرار النوعي العام بالانتقال الى عالم آخر، والرجوع الى الحساب، ويأتي هذا الاقرار من وجوه:
الأول: جهاد الانبياء.
الثاني: سعي الصالحين.
الثالث: الكتب السماوية.
الرابع: نعمة العقل عند الإنسان.
الخامس: توارث المعارف الإلهية.
السادس: مفاهيم عدم ترك الإنسان سدىً، وإدراك الإنسان لها وأثرها في سلوكه.
وما من إنسان الا وينتفع من الإنذارات ولغة التحذير والوعيد، ولكن هذا الإنتفاع من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة، وللايمان أثر عظيم في كيفية ونوع هذا الإنتفاع، فالمؤمن ينتفع اكثر من غيره من لغة الإنذار، ويتخذها مدرسة للصلاح، وينتفع منها التائب باعتباره مؤمناً ناجياً من الضلالة.
فلغة الإنذار لا تنحصر بالكفار، بل تشمل الناس جميعاً، كل واحد ينهل منها بقدر، وهي من مقدمات تثبيت مفاهيم الإيمان في المجتمعات والنفوس، وســبب للارتقاء في المعرفةالإلهية، وباب لهداية لأهل الإيمان، ولطف إضافي بالناس في اجيالهم المتعاقبة والى يوم القيامة، فمن لطفه تعالى ان الإنذار الإلهي يصاحب الحياة الدنيا، ويدرك معانيه ومقاصده الناس.
وهذه الآية وان جاءت بخصوص أهل التوبة ونجاتهم من العذاب والعقاب الا انه يمكن اعتبارها من آيات الإنذار لدلالة مفهومها على الزجر عن الكفر والنهي عن الاقامة على الضلالة، فالمراد من قانون دار الإنذار ان الدنيا دار إنذار وتحذير مثلما هي دار ابتلاء، وملازمة الإنذار للحياة الدنيا عون للإنسان على اجتياز الاختبار والابتلاء فيها، ومن الآيات ان مصاديق هذا القانون تأتي مستقلة مجردة عن مصاديق البشارات بالنجاة من العذاب، وجعل الحياة الدنيا دار سعادة وغبطة، وتكون الإنذارات للمسلم مادة ووسيلة للثبات على الإيمان.

قوله تعالى [مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ]
جاء اسمالإشارة للدلالة على مجيء التوبة بعد أمور:
الأول: فعل السيئات.
الثاني: الكفر والجحود.
الثالث: الظلم والتعدي.
الرابع: نزول اللعنة على العبد.
الخامس: الخلود في النار، وعدم تخفيف العذاب الا بعد التوبة.
والصحيح هو الأول والثاني والثالث، فان المراد من اسمالإشارة (ذلك) هو الكفر وما يقترفه العبد من الذنوب، وعالم الدنيا هو الوعاء الزماني للتوبة، فلا توبة بعد الموت وحصول الجزاء.
فان قلت: لم تشر الآيات الا للكفر والجحود، مع ان التوبة تمحو الذنوب والمعاصي.
قلت: ان الكفر هو أصل المعصية، كما ان الآيات جاءت بذكر الظلم وبقوله تعالى [وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ( )، والظلم متعدد الوجوه ويشمل ظلم الإنسان لنفسه ولغيره، وتخلفه عن أداء العبادات والفرائض، لذا فان الآية لم تقل (الا الذين تابوا من كفرهم) بل جاءت باسمالإشارة للبعيد ليشمل الظلم والتعدي وما اقترفه الإنسان من الذنوب والمعاصي.

قوله تعالى [وَأَصْلَحُوا]
تعتبر هذا الكلمة من الآية آية إعجازية مستقلة، فهي وان كانت كلمة واحدة الا انها مدرسة عقائدية واخلاقية تبعث على الهداية وفعل الصالحات, وتدعو الى التكامل في الإنابة والتوبة, وتقدم لفظ التوبة على الإصلاح وفيه وجوه:
الأول: عدم قبول الصالحات الا مع التوبة.
الثاني: التوبة مقدمة وطريق للصالحات.
الثالث: التوبة عون على أداء الصالحات، وهل المراد ان التائب يسـعى لتعويض ما فاته وعليه ان يفعل اضعاف ما يفعله غيره من المؤمنين للتدارك ونيل المغفرة، الجواب: لا, فلا يتوجه له الا ذات الخطاب التكليفي الذي يتوجه لغيره من المسلمين، وهذا من اللطف الإضــافي فالله عز وجل يدعو الكفار ليتوبوا من غير ان يأمرهم بقضاء ما فات من العبادات وتدارك الذنوب التي اقترفوها باداء ضعف ما يؤديه الفرد الواحد من المسلمين.
الرابع: أولوية التوبة، وتقدمها رتبة وهي اعم من الاقلاع عن المعاصي، بل تتضمن الاقرار بالعبودية لله تعالى والاعتراف بربوبيته، والتصديق بانبيائه.
الخامس: التوكيد على التناقض بين المعصية وعمل الصالحات، وان التنزه عن الفعل القبيح لا يتم الا بالتوبة والإيمان لموضوعية الإسلام كشرط في قبول العمل.
وجاء لفظ [وَأَصْلَحُوا] على نحو الإطلاق من غير تقييد بموضوع مخصوص، وفيه وجوه:
الأول: إرادة الإطلاق رحمة إضافية بالناس وإعانة لهم على التوبة وعمل الصالحات.
الثاني: حث الناس على اللجوء الى الانبياء وأحكام التنزيل لمعرفة مصاديق الإصلاح.
الثالث: إدراك حقيقة كلية وهي ملازمة عمل الصالحات للتوبة فمن يختار التوبة يدرك ما عليه من التكاليف وما ندب اليه الشرع من المستحبات.
الرابع: التوبة تأهيل عقائدي واخلاقي للإصلاح، وباعث على السعي في ميادينه والبذل في مسالكه.
الخامس: يريد الله عز وجل من الناس عامة الإصلاح، وجاءت الآية للتذكير بالتشابه في الوظيفة بين عامة المؤمنين وبين التوابين.
ولم تذكر الآية الإصلاح الذاتي بل ذكرت الإصلاح في نوع الفعل وعموم المجتمع، وفيه وجوه:
الأول: تعتبر التوبة ذاتها صلاحاً للنفس والنية.
الثاني: يدخل الصلاح ضمناً في الإصلاح، وهذا الدخول على وجوه:
أولاً: الصلاح من مصاديق الإصلاح، فهو فرد من الإصلاح باعتبار انه إصلاح للنفس وضياء وعون لهداية الآخرين.
ثانياً: الصلاح الذاتي مقدمة للإصلاح فلا يستطيع الإنسان ان يكون مصلحاً من غير ان يكون صالحاً في ذاته.
ثالثاً: أولوية إصلاح الذات، فمن يريد ان يكون مصلحاً عليه ان يبدأ بإصلاح نفســـه، كي يكون هذا الإصلاح مقدمة وأســاساً للإصــلاح العام، في عالم الاعمال ومراتب الإرتقاء النوعي في المعارف الإلهية.
رابعاً: جزئية الصلاح الذاتي من الإصلاح، فهو كالجزء من الكلي المركب الذي لا يتم الا بتمام اجزائه، وبين الصلاح والإصلاح عموم وخصوص مطلق، فكل صلاح هو إصلاح وليس العكس.
الثالث: من الإصلاح دعوة الاخرين للتوبة، اذ يكون التائب قدوة وأسوة للكفار، وداعية يطل عليهم كل يوم لنبذ الكفر ومضامينه، وهذا من اسرار عالم الخلق وخصائص اللطف فيه، فمع الآيات التي تجذب الإنسان لمنازل التوبة يأتي الإنسان ليشارك فيها وهذه المشاركة مركبة من وجوه:
الأول: يدعو المؤمن الناس للإيمان.
الثاني: يحث التائب غيره للاقتداء به والحذو حذوه في التوبة.
الثالث: فعل الصالحات مناسبة كريمة لترغيب الناس بالتوبة.
الرابع: حال اللوم النفسي عند الكافر على تلبسه بالكفر، وإدراكه لقبحه الذاتي، ويبدو هذا القبح جلياً واضحاً عندما يغادره الأفراد والجماعات الى التوبة، ويظهرون الصلاح والتقوى.
الخامس: الحسن الذاتي للصلاح، وميل الإنسان بالفطرة له باعتبار ان الكفر عرض طارئ لا يقدر على مواجهة الأصل الحسن.
السادس: موضوعية لغة الوعد والوعيد في تخلص الناس من الكفر، ونفرتهم من مفاهيمه، ومع تعلق هذه الآية بالوعد والإستثناء من العقاب الا انها تتضمن في مفهومها الوعيد لمن لا ينتفع من فرص التوبة والتدارك.
ولم تأت الآية بالتوبة وحدها، بل جاءت بالإصلاح معها وفيه مسائل:
الأولى: يثبت الإصلاح مفاهيم التوبة في النفس، وهو توكيد عملي لها.
الثانية: الإصلاح مرآة واقعية للتوبة.
الثالثة: يمنع الإصلاح من الإرتداد، والتردد، والتقصير في مضامين التوبة.
الرابعة: الإصلاح رجحان لكفة الخير في ميزان الاعمال، وواقية من النار.
الخامسة: الذي يعمل الصالحات يكون سعيداً في الدنيا، مستبشراً بالتوبة وما اهتدى اليه من طرق الفلاح.
السادسة: تبين الآية موضوعية فعل الصالحات في تهذيب النفوس والتخلص من الكدورات الظلمانية.
السابعة: يؤكد الإصلاح أهلية الإنسان للخلافة في الأرض فيبادر الإنسان الى التوبة ويعمل الصالحات ويكون امة في الخير، ويجذب معه امة من الناس ومن أهل بيته وممن حوله، بالاضافة الى مسألة اخرى، وهي النقص الحاصل في ملة الكفر عند مغادرته له، وهجرته لمفاهيمه، فتوبة العبد تحدث تغييراً في موازين العدة والعدد بين مجتمع الهداية ومجتمع الجحود، لذا فان الآية وان جاءت بصيغة الجمع الا انها تنحل الى صيغ خطابية متعددة تشمل أهل التوبة والمسلمين وتدعو الناس للمبادرة الى عمل الصالحات.
وهل يشمل قوله تعالى [وَأَصْلَحُوا]الكفار في الدعوة الى الإصلاح أم انهم خارجون عنه بالتخصص او التخصيص، الجواب انه يشملهم من وجوه:
الأول: عمومات الخطاب القرآني.
الثاني: لغة الوعد فيه التي هي ترغيب بالتوبة وفعل الصالحات.
الثالث: تعلق الآية بالتوبة من الكفر، وهو أمر تعليقي فليس بين الكافر والتوبة الا النية والقصد.
الرابع: عمومات تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالأصول، والآية وان جاءت بصيغة الخبر الا انها تفيد الإنشاء ايضاً وحث الناس على التوبة، وترغيبهم بفعل الصالحات.
وهل يمكن ان يأتي الإصلاح قبل التوبة، بمعنى ان يفعل الإنسان الصالحات قبل ان يتوب، وللاجابة على هذا السؤال لابد من تحديد المراد من الإصلاح في الآية الكريمة، وفيه وجوه:
الأول: اداء الفرائض والعبادات، وهو اهم وجوه الإصلاح، فان قلت: ان المراد من الإصلاح فعل له مبرز خارجي ينتفع منه الغير، واداء العبادات أمر خاص بالعبد وصـــلة بينه وبين ربه، قلت: في اداء الفرائض والعبادات إصلاح للذات والغير، وهو مدرسة عقائدية واخلاقية تجتمع فيها اسباب للصلاح لاتجتمع في غيرها، بالاضافة الى انها إصلاح للذات، وتعاهد للتوبة، واداء لواجب ثابت على المكلف، فمن خصائص التوبة اداء الواجبات والإيفاء بالعهود، والتصديق بالنبوة، والاقرار بما في التنزيل، ومن الفرائض العبادية ما فيه خير للناس كالزكاة اذ انها عبادة مالية تتضمن اعانة الفقراء والمساكين.
الثاني: فعل الخيرات، ونشر الفضيلة، واتيان المندوبات، فاعانة الفقراء لا تقف عند الزكاة الواجبة، بل يستحب ان يبادر الإنسان لعمل الصالحات والإنفاق في سبيله تعالى.
الثالث: الثبات على التوبة وحده إصلاح، ولا يعتبر الإصلاح هنا أمراً عدمياً، بل هو أمر وجودي لتجدد آنات وزمان التوبة كل يوم، والكف عن فعل السيئات والامساك عن المعاصي إصلاح وباب للهداية، وتنزيه لصحيفة الاعمال.
الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من مصاديق الإصلاح، ولا يصحان الا ممن يتقيد بهما، فلا ينصت أو يستجيب الناس لمن يفعل خلاف ما يقول، ويأتي ما ينهى الناس عنه، ويمتنع عن فعل ما يأمرهم به، لذا جاء الإصلاح في الآية متعقباً للتوبة لكي يبدأ الإنسان من نفسه، وعلى فعله وإصلاحه لذاته يكون الحساب مع تراكم الحسنات بالسعي في نشر مفاهيم الاحسان وقيم الصلاح وتعظيم شعائر الله، فلابد للإنسان من التوبة أولا فهي صلاح ذاتي ومقدمة للصلاح.
قانون الاقتران
تعتبر التوبة من اجمل أفعال الإنسان في الحياة الدنيا لما فيها من الانتقال من الظلام الى النور ومن الكآبة الى السعادة، ومن اليأس الى الامل، ومن الشر الى الخير المتصل، ولا تنحصر آثارها بعالم دون آخر، بل تترشح منافعها على عالم الدنيا والبرزخ والآخرة.
والتوبة إرادة وعزم وتخل عن واقع مذموم الى حال ممدوحة ومندوبة، اذ يدرك الإنسان خطأ الإقامة على المعاصي، فيتجه صوب الإيمان ليصبح من التائبين الذين يلحقون بالمؤمنين في الاسموالأجر والثواب.
ومن معاني التوبة التقيد بأحكام الحلال والحرام، وهو عنوان الصلاح والإصلاح بذاته كما يكون مقدمة لغيره من فعل الصالحات، وجاءت هذه الآية للإخبار عن عدم فصل التوبة عن الإصلاح، وأنهما متلازمان يتعقب احدهما الآخر، فاينما تحل التوبة يحل معها الإصلاح، والتوبة من الكلي المتواطئ الذي له مرتبة واحدة هي الكف عن الذنوب والمعاصي، اما الإصلاح فانه من الكلي المشكك الذي له مراتب متفاوتة ولكنه ينقسم الى قسمين:
الأول: ما هو ثابت في صيغته وكيفيته كأداء الفرائض.
الثاني: ما هو متفاوت وفيه مندوحة وسعة بإتيان المستحبات وفعل الخيرات، وهو أمر متصل بالتوبة.
ويصدق عنوان الإصلاح على القسمين معاً والله واسع كريم، ولا يتقدم الإصلاح على التوبة بل يأتي ملازماًًً ومتعقباً لها. فإن قلت: من الناس من يحسن لغيره، ويصلح ذات البين، مع إقامته على الكفر، وفي زمان قبل التوبة، قلت: المدار على التوبة والإيمان، والضرر من الكفر أكبر بكثير من النفع المحدود لفعله.
وهذه الآية دعوة لإقتران الإصلاح بالتوبة، وتنبيه على لزوم عدم الوقوف عند التوبة بل لابد من فعل الصالحات، والمسارعة في الخيرات لتكون شاهداً على صدق التوبة وحثاً للناس على ترك المعاصي.
والتوبة ذاتها إصلاح، إصلاح للذات وإصلاح للغير، متحداً او متعدداً، فلماذا جاءت هذه الآية بقانون الاقتران، الجواب: جاءت لتوكيد حقيقة وهي وجوب الإمتثال لأوامره تعالى، واداء الفرائض وفعل الصالحات ولبيان ان التوبة لا تعني الكف عن المعاصي وحده، وان كان صلاحاً بل لابد من اشاعة الاحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالاقتران بين التوبة والإصلاح في الآية لطف إضافي بالناس واخبار بعدم كفاية الوقوف عند إجتناب المعاصي، بل لابد من اتيان الصالحات، والاقتران يفيد التعدد، وهذا التعدد باب للاجتهاد في اداء الواجبات، وبذل الوسع في الخيرات، وفيه اشارة الى السعي لإصلاح الآخرين وترغيبهم بالتوبة ونبذ الكفر والضلالة.
ومن خصائص هذا الاقتران التفقه في الدين، اذا انه يستقبل التائب من اول ساعة من توبته، لما فيه من الاخبار بلزوم الصلاح كوسيلة للنجاة من آفات الهلكة، ليتجه صوب الصلاح، وتكون التوبة مادة للتعلم والكسب والارتقاء في سلم المعارف الإلهية.

قوله تعالى [فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ]
خاتمة كريمة للآية تشع منها درر العفو وتبعث في القلوب المنكسرة السكينة وتنفض عنها غبار الذنوب وآثار المعاصي، وفيها اخبار بعدم بقاء الغضب على العبد التائب وانه بدء حياة تشع بانوار الإيمان.
وبعد آيات الإنذار والوعيد للكافرين، جاءت هذه الآية بصفات الجلال والرحمة والعفو، للاخبار بان أهل التوبة في مأمن وحرز، وهذا الحرز يحتمل وجوهاً ثلاثة:
الأول: كون الحياة الدنيا وعاء له.
الثاني: انه خاص بعالم الآخرة ويوم الحساب ونشر الصحائف.
الثالث: العنوان الجامع للحياة الدنيا والآخرة.
والصحيح هو الأخير، لأن الله عز وجل واسع كريم، يعطي بالأوفى، ولإطلاق الآية.
وجاءت الآية بصيغة الخبر وبما يفوق الإنشاء في الأثر والتأثير، اذ تتضمن الآية دلالات تساهم في ايجاد الشخصية القادرة على التخلص من اغواء الشيطان وسلطان النفس الشهوية الغضبية، ويجعل العبد هذا الشطر من الآية حجة ودليلاً ومناراً يهتدي به، اذ انه يتضمن قاعدة كلية في الرحمة والمغفرة الإلهية ولا ينحصر حكمها بمصداق معين او بموضوع الآية، بل يشمل وجوهاً:
الأول: التائبون من الذنوب والمعاصي، باعتبار أن الآية بشارة وسكينة لهم.
الثاني: الكفار، فالآية دعوة لهم للإنابة والتوبة.
الثالث: ذراري الكفار، فخاتمة الآية حث لهم على عدم الاقتداء بآبائهم، ودعوة لهم للإنتفاع مما في الآية من مضامين الرحمة والمغفرة، واتخاذ التائبين اسوة لهم، فالآية تقرب في صلات الرحم بين أهل الإيمان، وتباعد بين الكفار مع مايربطهم من الرحم، لانها تجعل الملاك والمدار على الإنتفاع الأمثل من الرحمة والمغفرة الإلهية.
الرابع: المؤمنون الذين يعملون الصالحات ويرجون رحمة الله.
ومن الشواهد الإعجازية ومعاني اللطف الإلهي في القرآن ان تأتي الآية في موضوع مخصوص، ولكن مضامين الفيض تكون عامة ومطلقة ولا تنحصر بذات الموضوع الذي جاءت به، فمع ان الآية جاءت في إستثناء أهل الإنابة والتوبة من العقاب الشديد، الا ان خاتمتها تبعث الطمأنينة في نفوس المسلمين، وتدعوهم للثبات على الإيمان، وتمنع من اليأس والقنوط ان يدب في الصدور.
وهل يشمل هذا المنع الكفار، الجواب: لا، فما في الآية من البشارات خاص بأهل التوبة والإيمان الذين اجتنبوا الكفر والضلالة، وهي حسرة على الكافرين في النشأتين لانهم لم يستثمروا أيام الحياة الدنيا للنهل من رحمته تعالى والاستفادة مما في هذه الآية من الوعد والعهد واسباب الامان، فهو خارجون بالتخصص مما فيها من معاني الرحمة والمغفرة، نعم الآية حث على الإنتفاع منها مع حصر هذا الإنتفاع بولوج ابواب الإنابة والتوبة.
والتوبة فعل من العبد، واقلاع عن المعاصي الا انها تتعلق بالآتي من الأيام وما فيها من الأفعال، اما ما فات من الذنوب والمعاصي فلا تأتي عليه التوبة لحدوثها فعلاً، وجعل الله تأثيراً رجعياً و استصحاباً قهقرياً للتوبة، فتحتاج الذنوب في صحيفة الاعمال الى المغفرة والعفو عما سلف من الذنوب والمعاصي، فجاءت الآية فضلاً منه تعالى وبشارة محو الذنوب، وكأنها عهد ووعد بالمغفرة.
ولا تنحصر موضوعات صفة الغفور بما تقدم من الذنوب بل تشمل القادم من الأيام مع التباين في الفعل، فما سلف من كبائر الذنوب والفواحش اما مع التوبة فقد يقصر الإنسان ويذنب ذنباً صغيراً وتأتي صفة الغفور لتشمل عموم ذنوب العبد التائب، وهذا من بركات التوبة ان تأتي على ما تقدم وما تأخر من الذنوب، وشمولها لما يصاحب العمل من الذنوب لا يعني استدراجاً او اغراء بالذنوب، بل هي اخبار سماوي عن قاعدة كلية في الرحمة الإلهية، وشاهد على أهلية التائب على تلقي البشارة والإنتفاع الأمثل منها.
فمعرفة التائب بقبح الذنب، وعلمه بمغفرته تعالى ومحوه للذنوب تجعله شاكراً لأنعمه، ويتجلى هذا الشكر بإجتناب المعاصي والذنوب والتخلص من الإنشغال بما سبق من ذنوبه، والفرح بالمغفرة عن الهم بالذنوب من جديد، فالتوبة والمغفرة أمران يجعلان العبد يتنزه عن الرذيلة والفواحش وهما متباينان من جهة الصدور مع اتحادهما في الغاية، فالله عز وجل لا يحتاج التوبة ولكنها ضرورة للعبد، وتأتي المغفرة لنجاته من الحساب والعذاب.
قانون تبعية الحكم للموضوع
مع هبوط الإنسان الى الأرض صاحبته الأحكام التكليفية الخمسة من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة، ولا يخرج فعل من الأفعال من هذه الأحكام وقد يكون الفعل ذاته ينطبق عليه اكثر من حكم منها كما في الزواج مثلاً فقد يكون واجباً او مستحباً او مباحاً او مكروهاً، وتتعدد المواضيع والأحكام من غير تنافر بينها.
ولا يتخلف الحكم عن الموضوع بل هو تابع له، واذا تغير الموضوع تبدل الحكم، فلا يبقى الحكم ذاته لموضوع مختلف، فحينما يتغير فعل العبد من المعصية الى الطاعة يتبدل الحكم ويأتي الثناء بدل الذم، والثواب بدل العقاب، فمع التباين في الفعل يتباين الحكم، من غير ان يتخلف الحكم الجديد او يتأخر عنه، فاذا حصل الإمهال عندما يفعل المعصية لطفاً وفضلاً من الله، فان الأجر والثواب لا يتأخر عن الفعل الحسن.
لذا جاءت هذه الآية بالبشارة للتائبين على نحو الإطلاق وفيه دلالة على الملازمة بين التوبة وبين الفوز بالنجــاة من العذاب، فمتـــى ما صدق عنوان التوبة ينزل الفضل الإلهي بقبول العمل وتأتي اسباب الهداية سواء على نحو دفعي او تدريجي، وكل منهما رحمة إضافية وشاهد على المغفرة واللطف الإلهي.
وهذا القانون قاعدة عقلية، ولكن المائز للحكم السماوي فيه هو الأثر الرجعي للحكم او عدمه، فاذا تاب الإنسان رجع الحكم على ما فات من الأفعال بمحو الذنوب والمعاصي، فالتوبة نية وقصد وفعل تحصل معه مغايرة بين ما سبقها من الأفعال وما جاء مصاحباً لها وبعدها.
ولكن أحكامها وما لها من النفع اعم من ان ينحصر بمصاديق التوبة بل يشمل الأيام السابقة لها، وهذا من اعظم النعم، وفيه حث على التوبة وعون على دخول مسالكها، ومانع من التردد في ولوجها، وسبب لتذوق حلاوتها وعذوبة أفعال الإيمان فيها، ومن اللطف الإلهي ان لا يبقى الإنسان رهينة لذنوبه ومعصيته.
وقد فسر الطبرسي الآية بهذه الكلمات:
(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا ) أي تابوا من الكفر ورجعوا الى الإيمان واصلحوا ضمائرهم وعزموا على ان يثبتوا على الإسلام وهذا احسن من قول من قال واصلحوا أعمالهم بعد التوبة وصلوا وصاموا فإن ذلك ليس بشرط في صحة التوبة إذ لو مات قبل فعل الصالحات مات مؤمناً بالاجماع”( ).
ولكن الصحيح هو الذي اعتبره مرجوحاً، فالمراد من الإصلاح في الآية إصلاح الاعمال والتقيد بالفرائض والواجبات واظهار الإمتثال للأوامر الإلهية، اما ما ذكره للإحتجاج في تأييد قوله بمن مات قبل فعل الصالحات، فالجواب عليه من وجوه:
الأول: انها حالة نادرة لا يبتنى عليها الحكم العام لمضامين التوبة.
الثاني: المراد إصلاح النفوس وعالم الأفعال والمجتمعات.
الثالث: جاء عطف الإصلاح على التوبة بحرف العطف (الواو) وهو يفيد المغايرة والتعدد، فالإصلاح غير التوبة، وهذه الغيرية اعم من انحصارها بالنية والعزم وهما من مصاديق التوبة، وتشمل عالم الفعل وما فيه الجزاء الحسن.
الرابع: جاء ذكر الإصلاح على نحو الإطلاق [وَأَصْلَحُوا] ويحمل على إرادة إصلاح الأفعال وتهذيب الاعمال، وهل يمكن حمل اللفظ على المعنى الاعم وان المراد منه ايضاً إصلاح الضمائر، الجواب: لا مانع منه، وان كانت التوبة إصلاحاً للذات والنوايا.

قوله تعالى [رَحِيمٌ]
جمعت الآية بين صفة “الغفور” وصفة “الرحيم” فذكر كل واحدة منهما في المقام فضل عظيم، لأنها شاهد على نعم الله عز وجل على التوابين والذين يهجرون المعاصي والذنوب، ولهذا الجمع ثلاثة وجوه:
الأول: ان الله عز وجل غافر الذنوب.
الثاني: سعة رحمة الله عز وجل وانها تشمل أهل التوبة.
الثالث: العنوان الجامع من المغفرة والرحمة، فصحيح ان لكل صفة منهما خصوصية وفيض على العباد الا ان الجمع بينهما لا يخلو من دلالات عقائدية ومنافع إضافية، وبين المغفرة والرحمة عموم وخصوص مطلق، فكل مغفرة هي رحمة وليس العكس فموضوع المغفرة محو الذنوب، اما الرحمة فهي اعم وتكون مقدمة للمغفرة وملازمة لها ومتأخرة عنها.
ومجيء صفة الرحيم متعقبة للغفور لا تعني تأخر الرحمة وعدم نيل العبد لمصاديقها الا بعد المغفرة، بل ان الرحمة عامة وشاملة وملازمة للإنسان كعبد ومخلوق لله تعالى، وحادث ممكن محتاج، نعم تتضاعف وجوه الرحمة مع التوبة ونيل درجة المغفرة والعفو عن الذنوب وتنفتح امام التائب ابواب من الهداية ليرتقي في مراتب العلم والمعرفة.
وجاءت الآية في باب الثناء على الله عز وجل وبيان عظيم قدرته، فلا أحد يستطيع انزال الرحمة غيره، ويهبها للعبد التائب مع تقدم الذنوب والمعاصي منه، وهل من موضوعية لرحمته تعالى في توبة العبد ام ان توبة العبد جاءت بارادته محضاً، الجواب: هو الأول، فمن رحمته تعالى ان يمد العبد باسباب التوبة ويهيء له مقدماتها، ويقربه منها ويجعل نفسه تنفر من المعاصي والذنوب وتميل الى فعل الصالحات.
ومن مصاديق رحمته تعالى في المقام هذه الآية التي جاءت للوعد بالمغفرة، ولكنها تتضمن الترغيب بالتوبة، ومنها اعانة العبد على البقاء في منازل التوبة بل ان الموضوع يتغير فلا تبقى صفة التائب ملازمة له، بل تحل محلها صفة الإيمان والإصلاح، وهو من الرشحات العاجلة للمغفرة الإلهية، وكأنه العبد لم يرتكب الذنوب والمعاصي، وفيه دلالة على ملائمة الهداية للفطرة الإنسانية، وفي الآية اشارة الى ان المغفرة والعفو عن التائب فضل ولطف من الله وليس استحقاقاً من العبد.
علم المناسبة
جاءت كلمات هذه الآية ذاتها مرة أخرى وفي سورة النور( )، وبين موضوعيهما عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء مجيء الآية عقب ذكر الذنوب والمعاصي، اما مادة الإفتراق فان الآية محل البحث تتعلق بالتائبين من الكفر والجحود، اما الآية من سورة النور فتخص الذين يرمون المحصنات وعدم قبول شهادتهم الا بعد التوبة وهو فعل مخصوص الا انه يدل على حال التعدي على الفرد والجماعة ولبيان ضرر القذف والإفتراء ولزوم التنزه منه، وفي الجمع بين موضوعي الآيتين مسائل:
الأولى: عدم غلق باب التدارك والتوبة والصلاح.
الثانية: التوبة أعم من أن تنحصر بالكفار، فتشمل التوبة عن الذنوب الكبائر منها والصغائر.
الثالثة: تكامل قوانين التوبة في الإسلام، ومعرفة المسلمين بمضامينها وكيفية الإنتفاع منها.
الرابعة: الحث على المبادرة الى التوبة من كل ذنب.
الخامسة: ترك الإصرار على صغائر الذنوب فلا صغيرة مع الإصرار والعناد.
السادسة: تهذيب النفوس والمجتمعات باللجوء الى التوبة.
السابعة: التنبيه والحث على الإستغفار والإكثار منه.
والذين يرمون المحصنات كما في سورة النور قد يكونوا من المسلمين الذين ينطقون بالشهادتين وربما أخبروا بما رأوا ولكنهم عجزوا عن الإتيان بالشهود فجاءت الآية بحثهم على التوبة لإنتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وتعذر مقدمات الشهادة الضرورية والإخبار بان باب التوبة مفتوح.
وأيهما أولى بالتوبة التائب من الكفر ام المسلم الذي يفعل المعصية والذنب، الجواب: ان الآيات جاءت بالإخبار عن إطلاق مغفرته تعالى، وشمولها للإنابة والإقلاع عن الذنب والمعصية، وان كان موضوعها التوبة من الكفر ، والمسلم أولى بنيل التوبة وهي أقرب اليه من غيره سواء بلحاظ الذنب وانه أدنى وأصغر، او لصيغة الإسلام والسبق فيه، ومن الآيات ان ينتقل التائب الى الإسلام وتكون المغفرة ملازمـة له لا تفارقه، مما يعني ان المغفرة مصـــاحبة للمسلم في حياته لذا وردت الآيات والنصوص بالتوكيد على الإستغفار واعلان التوبة.


قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ] الآية 90

الإعراب واللغة
ان الذين كفروا: ان واسمها، جملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الموصول، بعد: ظرف زمان، متعلق بكفروا.
ايمانهم: ايمان: مضاف اليه وهو مضاف، والضمير هم مضاف اليه.
ثم ازدادوا كفراً: ثم: حرف عطف، للترتيب مع التراخي.
ازدادوا: فعل ماض، الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل.
كفراً: تمييز محول عن الفاعل، والتقدير ازداد كفرهم.
لن تقبل توبتهم: لن: حرف نصب، تقبل: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بلن، توبتهم: توبة: نائب فاعل مرفوع، وهو مضاف، والضمير هم مفعول به، والجملة خبر (ان).
واولئك هم الضالون: الواو: حرف عطف، ويجوز ان تكون استئنافية، وتحتاج الى تقدير لعطف الجملة الإسمية على الفعلية، ويجوز ان تكون حالية، اولئك: اسماشارة، هم: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ثانِ، الضالون: خبر (هم).
و(ثم) تأتي لأمور ثلاثة هي التشريك في الحكم، والترتيب، والتراخي، وجاءت هنا لتوكيد اعتبار الزمان وتقادم الأيام في ازدياد الكفر والجحود، باعتبار ان الإقامة على الكفر مع العبرة والموعظة وتجدد الآيات هو ذاته زيادة في الكفر، من جهة الكيف والأثر، الى جانب الزيادة في الكم والتمادي في الغي.
والضالون جمع ضال وضده المهتدي، ويقال ضل يضل ضلالاً وضلالة، والضلالة خلاف الفطرة وحكم العقل.
في سياق الآيات
بعد التخويف والوعيد وبيان قواعد نزول اللعنة على الكافرين والجاحدين، ومجيء الآية السابقة بإستثناء أهل التوبة وأصحاب الإنابة من العذاب لتغير الموضوع وانتقالهم الى الإيمان والصلاح، رجعت هذه الآية لبيان عذاب الكفار وغلق باب التوبة عليهم ونعتهم بصفات القبح والذم والشهادة عليهم بانهم ظلموا انفسهم، ومن الآيات في نظم القرآن ان تأتي الآية في ذات الموضوع وتبدأ بنفس الكلمات [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا] للتوكيد على سوء اختيار الكفر وزجر الكفار عن مفاهيمه، وتخويفهم من شدة العذاب، واقامة الحجة عليهم.
وبينت هذه الآية قبح الإصرار على الكفر والتمادي فيه، بينما جاءت الآية التالية ببيان شدة العذاب لمن يموت على الكفر، وتذكر الآيات مجتمعة ومتفرقة بالعذاب الأليم الذي ينتظر الكفار عقوبة وجزاء، واذ جاءت الآية السابقة بإستثناء أهل التوبة من العذاب جاءت هذه الآية بالعكس منها، اذ انها تتضــمن إستثناء فريــق من الكفار من قبول التوبة.
وتبين الآيات وجوه الكفر مع ذمها والحث على هجرانها والتنزه عنها ونعت أهلها بالضلالة من غير نسيان لموضوع التوبة الذي يمنع من اليأس والقنوط.
ولان الآية السابقة جاءت بالحث على التوبة ومدح أهلها، فانها ابتدأت بالإستثناء من العذاب والعقاب، أما هذه الآية ولتعلقها بعدم قبول التوبة من أهل الإصرار على الكفر، فانها بدأت بذكر صفة الكفر والجحود بعد الإيمان، فجاءت فاتحة الآية إنذاراً وإشارة الى الحكم الذي تتضمنه بعدم قبول توبة الذين ازدادوا كفراً وجحوداً.
واذ اختتمت الآية السابقة بذكر صفات الله تعالى وانه غفور رحيم في ترغيب بالتوبة وثناء على التائبين الذين يعملون الصالحات، جاءت خاتمة هذه الآية بذم الذين يصرون على الكفر والجحود، ويمتنعون عن التوبة.
ومع ان هذه الآية والآية التالية جاءتا لبيان سوء حال الكافرين وما ينتظرهم من العذاب الأليم، فانهما عون على التوبة التي تضمنتها الآية السابقة، ويدل مفهومهما على الحاجة اليها، والإنتفاع من مدة الحياة الدنيا للمبادرة الى التوبة والإنابة.
إعجاز الآية
تتضمن الآية حكماً ثابتاً يتعلق بعقوبة قسم من الكفار بما يمنع من التهاون والتمادي في الكفر، ويغلق الباب امام أهل الجدل في الحياة الدنيا والآخرة، فالتوبة ومضامين الرحمة والعفو الإلهي ليست سببا للبقاء على الجحود وزيادة المعاصي ومواصلة ارتكاب السيئات، وتبين الآية موضوعية الإيمان كبرزخ دون زيادة الكفر حتى بالنسبة للكفار انفسهم، فهو واقية من العناد والإصرار لما يتضمنه من مفاهيم الإقرار والعهد والتصديق بالأنبياء وما جاءوا به من عند الله.
والمعروف ان قبول التوبة مطلق لا ينحصر بحال دون حال آخر، ولكن هذه الآية جاءت لتستثني التمادي والإصرار على زيادة الكفر، والأصل ان يكون الإيمان حرزاً وواقية من الكفر، وفي الآية مدرسة عقائدية وهي بيان الأضرار الجسيمة للزيادة في الكفر لتكون هذه المدرسة تحذيراً من الكفر مطلقاً، والآية وان جاءت في موضوع الإستثناء الا انها تدل على عدم الملازمة بين التوبة والقبول او تبعية القبول للتوبة، بل ان قبولها فعل إلهي إضافي، وفي الآية دلالة على ان الله عز وجل يحصي على الناس أفعالهم.

ويمكن ان نسمي هذه الآية آية “لن تقبل توبتهم” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
الآية حجة على الكفار والجاحدين، وزيادة في فقاهة المسلمين، ومعرفتهم باحوال الناس وأحكام الجزاء، وهي لسان إحتجاج على الكفار، ومناسبة لتحذيرهم وتخويفهم من العذاب الذي يترشح عن زيادة الكفر، وجاء الوعيد في الآية على نحو القانون والقاعدة الكلية ليكون مدرسة في الإصلاح والتأديب والزجر عن الكفر، واسقاط ما في أيدي الكافرين، فينشغلوا بأنفسهم وسوء فعلهم
وتبعث الآية على التدبر في مراتب الكفر، وتجعل الكافر مع كفره يحرص على عدم زيادة الكفر والإصرار على المعاصي، وتحذر من المبالغة والذهاب فيه بعيداً.
وتبين الآية ان الأصل هو الإيمان، وهذا البيان شاهد على أمور:
الأول: الإسلام هو دين الفطرة.
الثاني: الكفر أمر عرضي، وخلاف وظيفــة الإنســان وما يجــب عليه.
الثالث: غلق باب التوبة بوجه الذين تمادوا في الكفر، وهذا الغلق عقوبة إضافية جاءت بسبب الإصرار على الكفر، وبينت الآية التالية شرطاً فيه وهو موتهم على الكفر والجحود.
الآية لطف
جاءت هذه الآية لفضح الكافرين وبيان عظيم ذنبهم بالتمادي في المعاصي وركوب جادة الضلالة، وتوالت الآيات بذم الكفار وبيان استحقاقهم العقاب لاختيارهم الكفر، وما يلحقه عرضاً ومنه الزيادة في الكفر والجحود، وهذا البيان من اللطف الإلهي لما فيه من اسباب الزجر عن الكفر، والإخبار عن قبحه الذاتي وضرره على الفرد والجماعة، ومن اللطف الإلهي في هذه الآية أمور:
الأول: تحذير الكفار من الزيادة والتعدي في الكفر.
الثاني: المنع من التسويف والتأجيل في التوبة.
الثالث: لزوم تعاهد نعمة التوبة وإجتناب اسباب عدم قبولها.
الرابع: اللطف بالتائبين ممن غادر منازل الكفر ولم يتمادِ فيه.
الخامس: الحث على الاستماع للآيات، سواء آيات البشارة او الإنذار.
السادس: التحذير من الكفر بآيات النبوة والقرآن.
السابع: توكيد حقيقة وهي الملازمة بين الكفر والضلالة، وفيه ذم للكافرين لسوء اختيارهم، وتقبيح لفعلهم.
مفهوم الآية
في الآية بشرى وسكينة للمسلمين وانهم في مأمن من لغة التحذير والإنذار، وفيها حجة على الكافرين لإختيارهم الجحود بعد الإيمان، وتوكيد لفضله تعالى على الناس بان يكون الإيمان سابقاً للكفر في النفوس والمجتمعات، وتقسم الآية في مفهومها الكفر الى اقسام:
الأول: الذي يهجر الإيمان ويتجه صوب الكفر.
الثاني: من يزداد كفراً ولم يقف عند الحدود الدنيا للكفر والجحود.
الثالث: الذي يتوب من الكفر قبل ان يصر عليه ويتمادى في مصاديقه، وقبل ان يدركه الموت.
الرابع: الكافر الذي يزداد كفراً وجحوداً.
الخامس: الذي لم يبادر الى التوبة.
السادس: من يموت على الكفر والضلالة.
والكفر قبيح ومذموم ذاتاً، ولا ينجو من الأقسام أعلاه الا القسم الثالث، وجاءت الآيات السابقة بالإنذار والوعيد لغير أهل هذا القسم، اما هذه الآية فخصت الذين يمعنون في الكفر بعدم قبول توبتهم، وتدعو الآية الناس الى أمور:
الأول: الثبات على الإيمان، وعدم مغادرة منازله.
الثاني: إجتناب الكفر ما ظهر منه وما بطن.
الثالث: الحيطة والحذر من التمادي في الكفر، لأنه يؤدي الى التهلكة ويكون حاجباً دون الإنتفاع الأمثل من التدارك.
الرابع: إستثناء الذي يصر على الكفر ويزداد في الظلم والتعدي من قوانين التوبة، وما فيها من آيات اللطف والفضل الإلهي.
لقد نزل القرآن لهداية الناس، وتضمن الخطابات التكليفية وأحكام الحلال والحرام، وفيه تشريف واكرام للمسلمين ووعد لهم بالثواب الجزيل، ولكنه لم يخل من لغة الإنذار والتحذير، وهذا من البراهين الدالة على صدق نزوله من عند الله، وفي جهة هذه اللغة وجوه:
الأول: انها تتوجه للمسلمين في بيان الأحكام الشرعية وقواعد وسنن التوبة والتفقه في احوال الناس.
الثاني: المراد أهل التوبة من الكفار الذين لم يزدادوا كفراً.
الثالث: الكفار مطلقاً في تحذيرهم من الكفر موضوعاً وحكماً.
الرابع: الذين يتمادون في الكفر والجحود واسباب الغواية، فالمراد الناس جميعاً واطلاعهم على أحكام الجزاء، ومفاهيم الثواب والعقاب وحدود قبول التوبة، ومدى الإنتفاع منها باعتبارها نعمة عظيمة تترشح منافعها على الدنيا والآخرة، وفيها تحذير من محاربة الإسلام والعداوة للمسلمين.
وهذه الآية منع من استدامة مفاهيم الكفر في الأرض، فجاء القرآن ليزحزحها وينقص من أثرها ويمنع من سلطانها على النفوس، اذ ان التحذير والزجر عن زيادة الكفر واشاعته مناسبة لإنحسار الكفر، وهذا الإنحسار مقدمة لإنتشار المعارف الإلهية، وتعظيم شعائر الله، وفي الآية مسائل:
الأولى: تعلق الآية بذم أهل الكفر والجحود.
الثانية: قبح الكفر خصوصاً اذا جاء بعد الإيمان.
الثالثة: ذكر العقاب الشديد لمن يزداد كفراً.
الرابعة: بيان حقيقة وهي عدم وجوب قبول التوبة مطلقاً، فليس كل من يتوب تقبل توبته، ولكن هذا الإستثناء في عدم قبول التوبة ليس مجملاً او مبهماً، بل جاء بيان افراده وهم الذين يتمادون في الكفر ويصرون عليه.
أسباب النزول
ذكرت أسباب لنزول الآية على وجوه:
الأول: “نزلت في أحد عشر من أصحاب الحرث بن سويد لما رجع الحرث قالوا نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في الحرث، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته، فنزلت الآية فيمن مات منهم كافراً”( ).
الثاني: في شطر من أهل الكتاب (آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم كفروا به بعد مبعثه)، عن الحسن.
الثالث: نزلت فيمن كفر بعيسى والإنجيل بعد الإيمان بالأنبياء، ثم ازدادوا كفراً بالكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن، عن قتادة وعطا.
الرابع: (نزلت الآية في الذين ارتدوا وذهبوا الى مكة، وازديادهم كفراً انهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ريب المنون).
الخامس: فرقة ارتدت، ثم عزموا على الرجوع الى الإسلام على سبيل النفاق، فسمى الله تعالى ذلك النفاق كفراً) ( ).
السادس: قوم جحدوا، فكلما نزلت آية كفروا بها.
بحث كلامي
جاءت الآية بذكر الذين يزدادون كفراً، وفي حرمانهم من قبول التوبة من جهة التعدد والسعة او الضيق وجوه:
الأول: ورد ذكرهم من باب المثال، للدلالة على تعدد المصاديق التي يشملها عدم قبول التوبة.
الثاني: موضوع الآية من باب الحصر والتعيين، وان عدم قبول التوبة خاص بالذين يزدادون كفراً ولا يشمل غيرهم.
الثالث: لزوم معرفة الذين تشملهم أحكام عدم قبول التوبة، بلحاظ آيات القرآن والسنة النبوية القولية، ومنهم الذين يزدادون كفراً بعد إيمانهم.
والصحيح هو الثالث، ولكن لو دار الأمر بين المثال والحصر، من غير قرينة صارفة تدل على احدهما، فماذا يكون الأصل هل يعتبر ذكر الشيء للمثال ام انه للحصر والتعيين، الجواب هو الثاني فيعتبر ذكر الشيء للحصر ما لم تأتِ قرينة صارفة للمثال ويمكن ان يكون هناك تقسيم فاذا ذكر الشيء في باب الثواب فانه يعتبر من باب المثال الأمثل للترغيب به وبشبهه، واذا ذكر في باب العقاب يكون من باب الحصر والتعيين الا مع القرينة، للإنذار والتحذير منه، وبعث الأمل في النفوس وعدم اليأس.
لقد أراد الله عز وجل بهذه الآية أموراً:
الأول: الترغيب بالتوبة.
الثاني: المبادرة اليها وعدم الإبطاء والتسويف فيها.
الثالث: التحذير من التمادي في الكفر والجحود.
الرابع: الإخبار عن حقيقة وهي ازدياد الكفر الشخصي.
الخامس: الآية دليل على تعدد مراتب الكفر، وان اشدها واكثرها قبحاً سبب لحجب التوبة.
السادس: تحتاج توبة العبد الى قبولها من عند الله، وتفضله بمحو الذنوب.
السابع: دعوة الناس للحرص على اتيان مقدمات قبول التوبة، وإجتناب ما يحجبها.
الثامن: نعت أئمة الكفر والذين يتمادون فيه بالضلالة، وهذا النعت لا يجتمع مع التوبة، وفيه مسائل:
الأولى: انهم ضالون قبل التوبة لركوبهم جادة الكفر والإصرار عليه.
الثاني: استحقاقهم نعت الضلالة وكل من يستحق هذا النعت يحجب عنه قبول التوبة.
الثالث: الحث على العناية بموضوع التوبة، والرجوع اليها.
التفسير
قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ]
جاء ذكر موضوع الآية في الآيات السابقة وما يستحقونه من العذاب وحجب الهداية عنهم لقبح اختيار الكفر بعد الإيمان.
وتقدم قبل أربع آيات قوله تعالى [كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ] ونعتوا فيها بانهم قوم ظالمون، وترشح الظلم من الكفر بعد الإيمان والإقرار بالنبوة واقامة الحجة والبينات عليهم، واستثنت الآيات الذين تابوا منهم، بان تكون التوبة واقية من اللعنة، وحرزاً من العذاب ونجاة من العقاب بفضله ولطفه تعالى، اما هذه الآية فجاءت إستثناء من الإستثناء مع التباين في موضوع وحكم الإستثنائين.
فجاءت الآية لإقامة الحجة عليهم، والإخبار عن قاعدة كلية وهي الملازمة بين زيادة الكفر وحجب قبول التوبة، ولقد جاء وصف الذين كفروا بعد ايمانهم قبل أربع آيات بانهم قوم ظالمون.
وجاء هنا الوصف بالضلالة، مع التباين في الرتبة بين موضوع الآيتين، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فالذين ازدادوا كفراً من الذين كفروا بعد ايمانهم، ولكنهم أكثر منهم كفراً، وأيهما أشد نعتاً وقبحاً وذماً، الوصف بالظلم، الوارد قبل أربع آيات ام الوصف بالضلالة المذكور في هذه الآية، الجواب هو الثاني، فالضلالة أعم وهي ظلم وتعدِ وتخلِ عن الواجبات لذا ذم الله الذين ازدادوا كفراً ونعتهم بانهم (هم الضالون) في اشارة الى التحذير منهم، وبيان علة عدم رضاه تعالى عليهم.
وتحتمل الآية وجهين:
الأول: وجود قوم كافرين بالأصل، وهؤلاء أقل عقوبة لقاعدة نفي الجهالة والغرر.
الثاني: ليس من إنسان الا ودخل الإيمان في قلبه بالآيات الكونية وبعثة الأنبياء، ونزول الكتب السماوية وما فيها من البشارة والتوكيد على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والصحيح هو الثاني، فالكفر أصل او متأصل عند الناس، لذا جاءت الآيات بذمه وهذا الذم عــون وتحريــض على نبـــذه والتخلي عنه.

قوله تعالى [ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا]
جاءت هذه الآية لبيان تقسيم الكفار الى قسمين:
الأول: الذين اختاروا الكفر على نحو ابتدائي بعد الإيمان.
الثاني: الذين ازدادوا كفراً وجحوداً، واصروا على الكفر.
ومن إعجاز القرآن وامامته للمسلمين انه لولا هذا التقسيم لما علم الناس بوجود تباين في درجات الكفر، وتعلق أحكام التوبة بهذا التباين، فقد يكون هناك اخوان كافران ثم يتوبان الى الله فتقبل توبة احدهما، ولا تقبل توبة الآخر الذي ازداد كفراً وجحوداً.
وفي هذا التباين ومعلوله وأثره عبرة وموعظة للناس جميعاً، وباعث على النفرة من الكفر مطلقاً، فالعذاب الأليم على زيادة الكفر لا ترفع حتى مع العزم على التوبة وهو أشد وعيد وإنذار يوجه للإنسان، اذ ان التوبة ملاذ آمن وساتر عقائدي، وباب رحمة فتحه الله عز وجل لعامة الناس وليس لخاصة عباده، فمجيء الإستثناء من هذه النعمة العامة أمر مخيف، وتوبيخ وتبكيت لأهل الكفر والضلالة.
ومن الإعجاز في الآية أمور:
الأول: ابتداء الآية بذكر الكفر بعد الإيمان.
الثاني: التوكيد في هذه الآيات على عدم حصول الكفر الا بعد الإيمان.
الثالث: بيان حقيقة وهي حاجة التوبة الى القبول.
الرابع: عدم إطلاق قبول التوبة، ولم يرد عدم قبول التوبة في القرآن الا في هذه الآية وبخصوص الذين ازدادوا كفراً، نعم ورد قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( )، كما جاءت آيات في ذم المنافقين وعدم قبول الإستغفار لهم، ولكن المقام يختلف فهذه الآية جاءت بخصوص فريق ممن يتوب الى الله، وتقدير الآية ان الله لا يقبل توبة الذين ازدادوا كفراً.
وجاءت الآية بذكر الزيادة في الكفر كعلة لحجب التوبة وردها وعدم قبولها، وفيها وجوه:
الأول: المراد من الزيادة الإصرار على الكفر.
الثاني: الزيادة هي تكرار أفعال الكفر والضلالة، وعدم الإنزجار عنها مع مجيء آيات التخويف والوعيد.
الثالث: تعدد وجوه الكفر والجحود.
الرابع: ايقاع آخرين في هاوية الكفر السحيقة واغواؤهم واعانتهم على الكفر بتهيئة مقدماته ونحوها.
الخامس: المراد الإرتداد بعد الإسلام والإصرار على الردة، والطعن بمبادئ الإسلام.
السادس: تتعلق الآية بالذين كانوا ينتظرون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويبشرون بها، وبعد بعثته صلى الله عليه وآله وسلم كفروا به واعرضوا عن الإقرار بنبوته ونصرته.
السابع: لقد أخذ الله على الناس العهد بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم من جحد بنبوته عند بعثته، ولم يكتفِ بالجحود بل ازداد كفراً.
الثامن: اللجــوء الى التــوبة عند رؤيـة البأس والعذاب، قال تعالى [ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ…]( ).
التاسع: الإعراض عن التوبة رغم الإنذار والتحذير، ورؤية الآيات، وعدم اللجوء اليها الا عند حضور الموت وظهور أماراته ومقدماته القريبة.
العاشر:: الموت على الكفر والجحود، وعدم مغادرة منازله الى حين مغادرة الدنيا، ومفارقة الروح الجسد.
وزيادة الكفر في المقام على وجوه:
الأول: تحريف البشارات بالنبي.
الثاني: ذكر صفات للنبي غير الصفات المذكورة في التوراة والإنجيل، وبما يجعلها لا تنطبق على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: عقد العهود مع النبي والمسلمين ثم نقض العهود والمواثيق، ومحاولة الغدر بالمسلمين والإيقاع بهم.
الرابع: السعي وبذل الحال في محاولات صد الناس عن الإيمان.
الخامس: العمل على فتنة المؤمنين.
السادس: نشر أسباب الريب والشك.
السابع: النفاق في الدين ومواصلة النفاق والحيلة والمكر في سبل الضلالة والغواية.
الثامن: من وجوه الزيادة في الكفر مقاتلة المسلمين ومحاربة الإسلام.
التاسع: الإشتراك في قتل مؤمن بسبب ايمانه قال تعالى [وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا] ( ).
العاشر:: يعتبر البقاء على الكفر زيادة في الكفر بلحاظ تعدد آنات الكفر ومدته مع قبحه شرعاً وعقلاً.
الحادي عشر: الكفر من الكلي المشكك فبعض مراتبه أشد من الأخرى وفيها زيادة في الكفر والضلالة.
الثاني عشر: خيانة الأمانة وعدم حفظ وديعة المسلم ايذاء له كمسلم.
الثالث عشر: بذل الجهد مع الأهل والذرية للبقاء والجحود.
الرابع عشر: تعدد التوبة والإرتداد، فمن ازدياد الكفر الرجوع الى الجحود والمعصية بعد التوبة، كما ان التوبة ذاتها إيمان أي ان الذي يتوب ثم يرتد يصدق عليه انه من الذين كفروا بعد إيمانهم.
الخامس عشر: التقسيم بلحاظ الفعل الشخصي والغيري، فاذا كان الكافر يقود غيره للكفر فهو من الزيادة في الكفر.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، الا انها لا تعني بالضرورة شمولها بأحكام الآية فمن الإعجاز ان الآية لم تعين مقدار وكم وكيفية الزيادة، والإجمال في الزيادة وعدم بيان حدودها في المقام وفيه وجوه:
الأول: انه من قواعد اللطف والرحمة الإلهية.
الثاني: الإجمال هنا مناسبة للإستغفار، والإنابة والتدارك.
الثالث: تبعث الآية الفزع في قلوب الكفار وتحذرهم من الإمعان والزيادة في الكفر.
الرابع: الآية دعوة لإجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر.
الخامس: في الآية لغة خطاب مركب من قسمين:
أولاً: مخاطبة المسلمين ودعوتهم لمعرفة حال الكفار، ومراتبهم في الكفر.
ثانياً: إنذار الكفار وتحذيرهم، فكل كافر يلحظ اقواله وأفعاله، ويدرك ان الإصرار عليها من الزيادة في الكفر.
وهل يجعل هذا الإدراك الكافر في حال من اليأس والقنوط، ويتمادى في كفره لعمومات قوله تعالى [ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ]( )، الجواب ان اليأس ملازم لحال الكفر والضلالة، اما اذا نوى العبد التخلص من براثن الكفر والنجاة من العذاب فعليه ان يبادر الى التوبة والإكثار والإستغفار، وإصلاح شأنه وفعله والله واسع كريم، والآية السابقة ترغيب بالتوبة وخطاب موجه للناس جميعاً.
ومن الدروس الإعجازية في الآية ان يأتي بين الكفر وزيادته الحرف (ثم) الذي يفيد التشريك والترتيب والتراخي، وفيه مسائل:
الأولى: التباين والترتيب بين الكفر وزيادته.
الثانية: تخلف زيادة الكفر رتبة عنه.
الثالثة: عدم مجيء الكفر الكثير دفعة واحدة بل انه على درجات متعددة، فيبدأ بسيطاً ثم تكون حال صاحبه على أقسام:
الأول: يبقى على حاله من الكفر من غير زيادة فيه.
الثاني: ينتقص من حال الكفر، فتراه ينصت للإحتجاج بالحق، ولا يصر على الإقامة على الكفر، ويأمل المؤمنون بفراستهم جذبه لسبل الإيمان.
الثالث: من يصر على الكفر ويمعن فيه، ويتردى في هاويته، ويزداد ضلالة، وهذا القسم على وجوه:
الأول: من يتدلى في درجات الكفر ويهوى درجة بعد درجة من غير إحتراز.
الثاني: من يبقى على مرتبة من مراتب الكفر.
الثالث: من يرجع الى الكفر البسيط، ويندم على الزيادة في الكفر.
الرابع: الذي يندم وينتقل الى منازل التوبة والإنابة.
الرابع: وجود فترة اثناء التلبس بالكفر يمكن للكافر فيها ان يتدارك أمره ويتوب الى الله قبل التمادي في الكفر ومراتبه.
الخامس: التعدد والمغايرة بين الكفر وبين التلبس في الزائل منه.
ولم تأتِ الآية بصيغة المفرد بل جاءت بصيغة الجمع مما يدل على تعدد وكثرة الذين يزدادون كفراً، وان هذه الكثرة لم تمنع من رد وعدم قبول توبتهم.
وتحذر الآية في مفهومها من الكفر مطلقاً، وتدعو الناس لإجتناب جميع افراده الظاهرة والخفية، ويتحصل هذا الإجتناب بالإقرار الدائم بالربوبية والتصديق بالنبوة وبشاراتها، والعمل بالشريعة السماوية، فالإنذار والوعيد الذي جاء في الآية تأديب للناس، وباب لتهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات، وتتضمن الرأفة والرحمة بالمسلمين وحثهم على الشكر لله تعالى على التوفيق للهداية والوفاء بالعهود وعدم نقضها والنجاة من الكفر ومن اسباب عدم قبول التوبة.
كما يحتمل أموراً:
الأول: حال التلبس بالكفر وقبل حصول التوبة.
الثاني: عند التوبة.
الثالث: حال التنزه من أفعال الكفر، والقيام باداء الفرائض والواجبات وإصلاح الأفعال.
الرابع: الأمر الجامع للأول والثاني أعلاه، بإستثناء حال الإمتثال والإستجابة للأوامر الإلهية في زمان ما بعد التوبة.
الخامس: مطلق احوالهم سواء قبل التوبة او اثناءها او بعدها والى حين وفاتهم.
السادس: تخص الآية حال مبالغتهم في الكفر والزيادة فيه بلحاظ ان عدم قبول التوبة يأتي في الزمن المستقبل لدلالة (لن) عليه ومجيئه بصيغة الفعل المضارع.
والصحيح هو الأخير، فلا صلة للآية بحـال ما بعد التوبة وتقدير الآية هو ان الذين كفروا بعد ايمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم ان ارادوا التوبة، واولئك هم الضــالون، لأنهم لا زالوا مصرين على الكفر.
فجاءت الآية للتقبيح والتبكيت والوعيد، ووصفهم بالضالين إشارة الى عدم صدق توبتهم، وغلبت النفس الشهوية والغضبية عليهم، وان الكفر ملأ قلوبهم، فيكون عدم قبول التوبة بسوء فعلهم وإصرارهم على الكفر وعدم اخلاص التوبة، اما من أصدق التوبة منهم وأخلص الطاعة لله عز وجل وتغير عنوانه ولم يعد من القوم الضالين، فانه يختلف موضوعاً وحكماً لأن صفة الضلالة لم تكن عالقة به.
وان كان ممن ازداد كفراً وبالغ في الكفر، باعتبار ان علة عدم القبول مركبة من أمرين وهما ازدياد الكفر والضلالة، فمن يخرج من ذل المعصية والضلالة الى الطاعة والتقوى والصلاح لا ينطبق عليه النعت بالضلالة فلذا جاءت خاتمة الآية إعجازاً إضافياً وبياناً وقيداً في تعيين من يحرم من قبول التوبة وفيه دعوة للناس للتنزه من الكفر بمراتبه المختلفة وحث على الإجتهاد في التخلص من وصف الضلالة، وما ينتظر الكفار من العذاب الأليم.
وهل عدم قبول التوبة من العذاب أم من مقدماته، الجواب انه منهما معاً، ومن لطفه تعالى بالناس ان جاءت الآية بذكره والتحذير منه،وهذا التحذير دعوة للتوبة النصوح، قبل حلول المنية والموت على الكفر وهو موضوع الآية التالية.
وتدل الآيات القرآنية والسنة النبوية على قبول التوبة مع اجتماع شرائطها وتحقق حصولها، ولكن لماذا عدم قبول التوبة هنا، الجواب من وجوه:
الأول: جاءت الآية صريحة بخصوص الذين ازدادوا كفراً من بين الكفار الذين يتوبون مما يعني اشتراط عدم ازدياد الكفر في قبول التوبة، وقيام الحجة وحصول التبليغ، وانتفاء الجهالة والغرر.
الثاني: قال الحسن البصري وقتادة وعطاء: السبب انهم لا يتوبون الا عند حضور الموت والله تعالى يقول [وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ]( ).
والجمع بين الآيتين يحتمل وجوهاً:
الأول: انه من عمومات التفسير الذاتي للقرآن، فالآية اعلاه تفسير الآية محل البحث.
الثاني: بين الآيتين عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء عدم قبول التوبة في الحالتين، ومادة الإفتراق تتعلق بعلة عدم القبول.
الثالث: تنفي الآية اعلاه صدق التوبة عن الذين يتوبون عند الموت، وليس حكم قبولها وحده، وهذا النفي اشد من عدم القبول وحده.
الرابع: التباين الموضوعي في الآيتين، فموضوع الآية محل البحث هو ازدياد الكفر وعدم قبول التوبة بسببه، اما الآية اعلاه فتتعلق بالذين يتوبون عند الموت وظاهرها اعم من حال ازدياد الكفر، وبإستثناء الوجه الأول فان الوجوه الأخرى صحيحة ولا تعارض بينها، وتبين لغة الإنذار في تقييد أحكام التوبة وتحث على لزوم المبادرة اليها وعدم التهاون والتسويف فيها الى حين حلول الأجل والتأكد من دنو الموت، فلا تكون التوبة للإقلاع عن المعاصي، والكف عن السيئات فحسب، بل لقصد النجاة في الآخرة من تبعات الذنوب، فالحجة حينئذ على العبد مركبة من وجوه:
الأول: اقراره بانه كان يرتكب السيئات والذنوب.
الثاني: علمه بالحاجة الى التوبة والإقلاع عن المعاصي.
الثالث: اليقين بحقيقة المعاد والعالم الآخر، وما فيه من الحساب والثواب والعقاب، فالآية من سورة الشورى ليست تفسيراً للآية محل البحث ولكنها تؤكد وجهاً آخر لعدم قبول التوبة بل هو أشد اذ تنفي صدق التوبة في هذه الصورة.
الرابع: قال الرازي: “ان يحمل هذا على ما اذا تابوا باللسان ولم يحصل في قلوبهم اخلاص”( )، ولكن الآية لا تتعلق بكيفية التوبة، بل تخص الذين يزدادون كفراً، والزيادة في الكفر أعم من البقاء على الكفر مع اعلان التوبة.
الخامس: قال القاضي والقفال وابن الانباري: “انه تعالى لما قدم ذكر من كفر بعد الإيمان، وبين انه أهل اللعنة، الا ان يتوب، ذكر في هذه الآية انه لو كفر مرة اخرى بعد تلك التوبة فان التوبة الأولى تصير غير مقبولة كأنها لم تكن”( )، ويمكن ان يكون هذا الأمر من وجوه الزيادة في الكفر والا فقد يكون الذي يستمر في كفره من غير توبة أشد ذنباً ممن يتوب ثم يرجع عن توبته من وجوه:
أولاً: كثرة الذنوب والسيئات.
ثانياً: اتصال الإقامة على الذنوب.
ثالثاً: الإصرار على المعصية.
رابعاً: عدم الإلتفات الى التوبة ووجودها مدة إتيان المعاصي.
واعتبار التوبة الأولى كأنها لم تكن لا يعني عدم قبول التوبة الثانية، نعم قد يكون الرجوع الى الكفر بعد التوبة من الزيادة في الكفر.
السادس: قال الزمخشري في الآية “جعل كناية عن الموت على الكفر، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر”( ).
ولكن الموت على الكفر أمر مغاير للتوبة مع ازدياد الكفر، وبينهما تباين فموضوع الآية مركب من أمور أربعة:
الأول: الكفر بعد الإيمان.
الثاني: ازدياد الكفر.
الثالث: التوبة بعد ازدياد الكفر.
الرابع: عدم قبول هذه التوبة.
قانون رد توبة الكافر
من الآيات في الإرادة التكوينية توالي نعم الله، فما يأتي منها ابتداء لا يمنع او ينقص مما يأتي استدامة، ومما لا يختلف فيه العقلاء عجزهم عن احصاء النعم الإلهية، بل ان كيفية وموضوعات النعم ذاتها اكثر من ان تحصى، فمواضيعها شتى وكل نعمة تأتي بكيفيات متعددة، وهذا التعدد عنوان لنعمة إضافية اذ انه ليس مجرداً بل ان التعدد في الكيفية باب للإنتفاع الأمثل من النعم، وتنبيه للإنسان بلزوم شكره تعالى على تلك النعم وكثرتها، وتعدد كيفياتها.
ومن النعم الإلهية على بني آدم فتح باب التوبة واعانتهم على الإنابة والتوبة، ولقد بدأت الحياة الإنسانية على الأرض بالتوبة، فمع ان آدم عليه السلام نبي فانه تاب الى الله عز وجل من اكله من الشجرة ليكون اسوة وقدوة للناس في اللجوء الى التوبة وعدم الإستحياء عنها او الترفع من اللجوء اليها، قال تعالى [فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ]( ).
ومن اسمائه تعالى التواب والغفور والعفو، فهو الذي يتوب على عباده ويغفر ذنوبهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وفي باب التوبة وجوه متعددة من الفضل الإلهي منها:
الأول: سبق الإيمان وابتناء فطرة الإنسان على الإقرار بالتوحيد.
الثاني: اخذ العهد بالتصديق بالنبوة، وهذا العهد عون وتخفيف ورحمة.
الثالث: جعل العقل رسولاً باطنياً عند الإنسان، يقوده نحو فعل الخيرات، ويعقله عن فعل المعاصي، ويرشده الى سبل التوبة.
الرابع: فتح باب التوبة والإنابة، وعدم جعل الإنسان متحيراُ يائساً، فالتوبة دعوة من الله تعالى، وهذه الدعوة من اللطف الإلهي في هذا الباب.
وتحتاج التوبة الى القبول منه تعالى وهذا ما يؤكد قانون رد توبة الكافر، فهذه الآية تؤسس قاعدة وهي وجود إستثناء من مطلق قبول التوبة، ويدل هذا القانون على ظلم الكافرين لأنفسهم ولغيرهم واستحقاقهم اشد العذاب، ويتعلق موضوعه بالإستثناء من قوانين التوبة وما فيها من المندوحة والسعة، ليكون شاهداً على عظيم فضله تعالى على الناس بقبول توبتهم، فمن سعادة الإنسان ان يكون ممن تقبل توبته، وموضوعية قبول التوبة في ترتب الأثر عليها، وعدم قبول التوبة على وجوه:
الأول: عدم صحة التوبة الا بعد قبولها.
الثاني: شرطية القبول في تحقق موضوع وحكم التوبة.
الثالث: المدار على صدور التوبة من العبد، والقبول أمر منجز فضلاً منه تعالى.
الرابع: التعدد والتغاير بين موضوع التوبة وبين القبول وهذا التغاير في جهة الصدور والموضوع والأثر فلا ملازمة بين التوبة وقبولها.
وما يظهر من اقتران القبول بالتوبة انما هو فضل إلهي إضافي على الناس جميعاً من وجوه:
الأول: انه فضل على التائبين في قبول توبتهم وعدم حجبها.
الثاني: لطف إلهي بالكفار انفسهم لتقريبهم الى منازل التوبة، وزجرهم عن السيئات، فيتوب العبد ويقبل الله توبته، فتكون التوبة وقبولها دعوة للكفار للإقتداء به.
الثالث: رحمة بالمسلمين من جهات:
الأولى: إدراكهم بقاء باب التوبة مفتوحاً.
الثانية: زيادة عددهم باخوانهم من أهل التوبة الذين يلحقون بهم.
الثالثة: التوبة باب سلاح لإقدامهم على حث الناس على ولوج ابوابها.
الرابع: ليس من إنسان الا ويحتاج التوبة، وورود موضوعها بخصوص الأنبياء مع عصمتهم ونزاهة ساحتهم شاهد على حاجة غيرهم من الناس للتوبة بالأولوية.
اما الأول فلا ملازمة بين صحة التوبة وبين القبول، فتصح التوبة لغة وشرعاً بالكف عن المعاصي، والإنتقال الى عالم الإيمان، واما الثاني فان القبول موضوع يتعلق بالجزاء والثواب والعقاب، فمع القبول تمحى الذنوب ويرفع العقاب عنها.
اما الثالث فليس مطلقاً بدليل ورود هذه الآية التي جاءت في الإستثناء من القبول، ويجوز التضرع والدعاء بقبول التوبة بل يستحب وفيه اقرار بان القبول فضـل إلهي إضافي يجتهد العبد في السعي اليه ونيله، اما الرابع فصحيح وهو الذي يدل عليه مفهوم الآية الكريمة.
وهل يمكن الفصل والتقسيم في الحكم فنقول ان القبول ملازم للتوبة من الكفر البسيط ولكنه معدوم مع الكفر المركب والزيادة في الكفر الجواب لا مانع منه، وتستقرأ الملازمة في المقام من الوعد الإلهي بقبول التوبة، وهل من تعارض بين مضامين هذه الآية وقوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ]( )، الجواب لا، ولكن الآيتين من المطلق والمقيد، فالآية محل البحث تفيد الإطلاق الوارد في الآية اعلاه، وفي هذا التقييد لطف إلهي إضافي بالناس، وتحذير سماوي من الوقوع في الهاوية، وخسارة نعمة من أعظم النعم الإلهية وهي قبول التوبة.
بحث بلاغي عقائدي
جاءت الآية بالحرف (لن) وهو يفيد صيغة الإستقبال في النفي، فلم تقل الآية لم تقبل توبتهم، وفيه اشارة الى لطف الله تعالى حتى في حال الغضب الإلهي، فعدم القبول لم يكن في الحال، فالناس في حال التوبة على سواء في عدم رفض ورد توبة اي واحد منهم، وهو الظاهر في الواقع العملي.
ومن الإعجاز في مجيء الحرف (لن) دعوة جميع الكفار الى التوبة وعدم اليأس من رحمة الله عند التوبة، وحث على السعي في دروب الخير، وفيه مندوحة للإستغفار والتضرع والسعي الحثيث في دروب البر، والتقيد بالفرائض والواجبات وهذا الفعل لا يتعارض مع الوعيد في الآية الكريمة، ولا يعني تغير مضامينها وأحكامها ولكنها لا تمنع العبد من العمل بتكليفه وان كان ممن ازداد كفراً قبل توبته.
وعدم المنع هذا من مفاهيم وجود (لن) في الآية الكريمة نعم من دلالات ورود (لن) في المقام ان القبول وعدمه أمر متعلق بعالم الجزاء والآية تفيد الإخبار عن حال الذين يسعون بجد في دروب الكفر والضلالة.
وقد جاء فيما قدم ولدا آدم عليه السلام بالإخبار عن حصول عدم القبول من احدهما بقوله تعالى [فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ]( )، فجاء الإخبار عن عدم حصول قبول صدقته لأن (لم) يختص بالفعل المضارع ويقلبه ماضياً، كما جاءت الآية ببيان العلة والسبب بقوله تعالى [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ] ( ).
ومن وجوه مجيء (لن) في الآية إشــارة الى من يتــوب في المستقبل ممن يصر على الكفر ويتمادى فيه، والإخبار بان أحكام الآية باقية الى يوم القيامة، وفيها عز للمسلمين وسلامة لهم في دنياهم وآخرتهم لنجاتهم مما في هذه الآية من الوعيد المتصل، فلا يمكن حصر موضوع هذه الآية بأسباب النزول او زمن النبوة، او خصوص ملة مخصوصة من أهل الكفر، فهي مطلقة من جهة الزمان والمكان الا ان متعلقها خاص وهو خصوص الذين ازدادوا كفراً والذين يمعنون ويبالغون ويبعدون فيه.
وتأتي (لن) لتوكيد النفي، وهي أبلغ في الإخبار عن النفي من (لا) على المشهور، لذا ذكر ان (لن) لنفي المظنون، اما المشكوك فينفى (بلا) ذكره الزملكاني في التبيان ولكنه لا يصلح قاعدة كلية، وبين (لن) و(لا) عموم وخصوص مطلق في الغالب، لأن (لا) للنفي على نحو الإطلاق اما (لن) فتختص بالمستقبل.
وقال الزمخشري انها تفيد تأبيد النفي ولكنه ليس مطلقاً، وللقرائن المقالية والحالية موضوعية في المعنى وإطلاقه او تقييده الزماني فما ورد حكاية عن مريم في التنزيل [فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا] ( ) يفيد الحق والإطلاق في يوم واحد.
وتبين الآية في مفهومها ان العلة المادية لقبول التوبة هي بساطة الكفر وعدم الغلو فيه، وفيها حجة على الكافر الذي اتخذ الكفر حرفة ومهنة بانه لم يقف عند حد معين من الكفر، ولم يعزم بصدق على إصلاح الذات والفعل.

قوله تعالى [وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ]
جاءت خاتمة الآية لتوكيد توبيخ الذين يبالغون في الكفر، ومن الإعجاز في الآية وخاتمتها انها لم تأتِ بالحكم الشرعي لتوبة هؤلاء وردها وعدم قبولها، بل جاءت بوصفهم بما يفيد الذم والتقبيح، والوصف بالضلال يفيد معاني الغواية واختيار الجحود عن قصد وعمد، وهو ضد الرشاد.
ومن مضامين خاتمة الآية وجوه:
الأول: الآية حجة عليهم في التمادي في الضلال والإصرار على اقتراف الذنوب والسيئات.
الثاني: بيان علة عدم قبول التوبة وهو بلوغ مراتب الضلالة.
الثالث: هل الضلالة من الكلي المتواطئ ذي الأفراد المتساوية، أم انها من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة متباينة قوة وضعفاً.
الجواب هو الثاني، وهو المناسب للفظ الزيادة في الكفر باعتبارها على درجات متعددة بكثر المبالغة والغلو فيه او قلته، وكلها يصدق عليها انها زيادة في الكفر والجحود.
وهل تنحصر الضلالة بأهل هذه الآية ام انها اعم، الجواب هو الثاني، ولكن يمكن اعتبارها قاعدة كلية في معرفة الزيادة في الكفر وأهل الضلالة، للتساوي بينهما، فكل ضال هو من الذين يبالغون في الكفر ويبتعدون فيه، ومن يزداد كفراً هو ضال الا ما دل الدليل من القرآن والسنة النبوية على خلافه.
وتبين الآية أثر الزيادة في الكفر من وجوه:
الأول: استحقاق العقاب على الكفر.
الثاني: عدم قبول توبتهم بسبب مبالغتهم في الكفر.
الثالث: نعتهم بالضلالة والتيه وخلاف الرشد، وفي هذا النعت مسائل:
الأولى: تحذير المسلمين منهم.
الثانية: جعل المسلمين يعلمون بحقيقة واضرار الكفر وما له من العواقب الوخيمة.
الثالثة: بيان علة حجب قبول التوبة وهي مركبة من أمرين:
الأول: الزيادة في الكفر.
الثاني: نعتهم بالضلالة والغواية، وهذا لا يمنع من التداخل بينهما اذ ان الزيادة في الكفر ضلالة، لذا ذكرنا في باب اعراب الآية جواز اعتبار الواو حالية خصوصاً وانها دخلت على جملة إسمية جاءت متعقبة لجملة فعلية، لذا فان التداخل الموضوعي في الآية لا يمنع من التعدد، فهم يزدادون كفراً لأنهم في حال الضلالة، وكل ضال هو مبالغ في الكفر.
ويحتمل نعتهم بالضلالة وجوهاً:
الأول: اختيارهم الكفر بعد الإيمان بالله والإقرار بالنبوة والتعهد بنصرتها.
الثاني: مبالغتهم في الكفر وغلوهم فيه.
الثالث: الجامع بين الأمرين أعلاه، وكل واحد منهما ضلالة.
الرابع: وصفهم بالضلالة لسوء فعلهم وارتكابهم الذنوب والمعاصي.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق الآية وجاءت خاتمة الآية لبيان حالهم وعدم استحقاقهم قبول التوبة.
والآية انحلالية أي ان كل واحد من الذين ذكرتهم الآية ضال غير مهتد، ومن الزيادة في الكفر اليأس والقنوط من رحمة الله وعفوه ومغفرته، وعدم المبادرة الى التوبة، قال تعالى [ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ]( ).


قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرض ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ] الآية 91

القراءة والإعراب واللغة
قرأ الأعمش (ذهب) بالرفع رداً على ملء كما يقال عندي عشرون نفساً رجال) ( )، والمرسوم في المصاحف هو الصحيح لانه تمييز، والذهب هنا كالحال في المحل.
(وقرأ (فلن يقبل منه) ( )، على المبني للمعلوم باعتبار ان الله عز وجل هو الفاعل، فيقرأ حينئذ ملء منصوباً، والصحيح هو المرسوم في المصاحف لإفادته المعنى الأعم، فان الملائكة يردون الفدية لو عرضها الكافر عليهم لأنهم مأمورون بعذاب الكافر وعدم قبول فدية منه.
ان الذين كفروا: ان وإسمها: جملة كفروا صلة الموصول.
وماتوا: عطف على كفروا.
وهم كفار: الواو: حالية، هم: ضمير منفصل في محل مبتدأ.
كفار: خبر مرفوع، والجملة في محل نصب على الحال.
فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً: الفاء: رابطـة للجواب لما في الاسمالموصول من شائبة الشرط، لن: حرف نفي، ينصب المضارع ويخلصه للإستقبال.
يقبل: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بلن، والجملة خبر ان.
من أحدهم: جار ومجرور متعلقان بيقبل.
ملء: نائب فاعل مرفوع، الأرض: مضاف اليه، ذهباً: تمييز.
ولو أفتدى به: الواو: حرف عطف على محذوف، لو: أداة شرط غير جازمة، افتدى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل ضمير تقديره هو، به: جار ومجرور متعلقان بافتدى.
اولئك لهم عذاب اليم: اولئك: اسماشارة مبتدأ.
لهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
عذاب: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية خبر اسمالإشارة.
أليم: صفة، وما لهم من ناصرين: الواو: عاطفة، ما: نافية.
لهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
من: حرف جر زائد، ناصرين: اسممجرور (بمن) لفظاً، مرفوع محلاً على انه خبر مؤخر.
ملء الشيء يملؤه ملأ: فهو مملوء اي استوعب قدره وانعدم الفراغ فيه والذهب التبر وهو معدن معروف عند الناس في جميع أزمنتهم، والقطعة منه ذهبة، لذا فان يذكر ويؤنث، والتذكير هو الغالب لأنه الأنسب للجمع، (قال ابن منظور: أهل الحجاز يقولون (هي الذهب) وسائر العرب يقولون هو الذهب وقال الزهري: الذهب مذكر عند العرب ولا يجوز تأنيثه الا ان تجعله جمعاً لذهبة) ( ).
والفدية: البدل والعوض يقال: فديته بمالي فداء، وقال ابن منظور (الفداء: ان تشتريه) ( )، ولكن الفداء أعم من الشراء فالحر يفتدى ويخلص من الأسر ونحوه، ولكنه لا يشترى.
في سياق الآيات
بعد الأمر الإلهي للمسلمين بإعلان ايمانهم بالله وما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين والإقرار بنبوتهم جميعاً، كما في الآية الرابعة والثمانين من هذه السورة، ثم الإخبار عن عدم قبول ملة يدان بها غير الإسلام، جاءت الآيات التي بعدها في ذم الكافرين على وجوه:
الأول: السؤال الإستنكاري بما يفيد حجب الهداية عن الذين كفروا بعد ايمانهم واقرارهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقامت عليهم الحجة بلزوم الإيمان.
الثاني: نعت الكفر بانه ظلم وفعل قبيح، وحاجب دون الهداية.
الثالث: بيان وتوكيد ما ينتظر الكفار من العذاب الأليم.
الرابع: إستثناء أهل التوبة النصوح من اللعنة والعذاب الدائم الذي ينال الكفار، وهذا الإستثناء إشراقة أمل، وحث على النجاة والسلامة من العقاب الشديد.
الخامس: ذم وتوبيخ الذي يبالغون في الكفر ويتمادون في المعاصي، وإنذارهم بعدم قبول توبتهم لبلوغهم مرتبة الضلالة والجحود، وجاءت هذه الآية بخصوص الذين يصرون على الكفر ولم يبادروا الى التوبة الى ان يأتيهم الموت ويتركون الدنيا وهم كفار فأخبرت الآية عن عدم قبول الفدية منهم مهما بلغت كثرتها، مع عجزهم عن مثل هذه الفدية لترجع الآية التالية الى مخاطبة المؤمنين وحثهم على الإنفاق في سبيل الله، وجاءت الآية التالية لتحث المسلمين على الإنفاق والإحسان واعمال البر لدفع وهم، والإخبار بان عدم قبول الفدية خاص بالكفار وحدهم، ولكي لا يفتر المؤمنون في سبل الإحسان ودفع الزكاة وأعمال البر.
إعجاز الآية
جاءت الآية في تعيين موضوعها وما يترتب عليه من الحكم من غير ترديد او لبس لتعلقها بالذين يأتيهم الموت وهم كفار ولم يختاروا التوبة الى ان يغادروا الدنيا الى عالم القبر وما فيه من العذاب على الكافر لان القبر يكون له خاصة حفرة من حفر النيران الى حين النشور، وجاءت الآية بأمور تترتب على الموت على الكفر، مما يدل على سوءه وقبحه وهي:
الأول: ذكر الفداء على نحو الإجمال التفصيلي المانع من الترديد.
الثاني: كثرة الفداء بما يعجز الإنسان عن جمعه او تصور جمع شطر يسير منه، وبينت الآية لزوم استثمار الحياة الدنيا كدار للعمل الصالح، وحذرت من مباغتة الموت على حال الكفر وما يسببه من العذاب الأخروي الأليم.
الثالث: ظن الفداء في الآخرة، كالذي يتعلق أمله بالسراب والوهم.
ومن إعجاز الآية انها جاءت بذكر الكافرين بصيغة الجمع والاستغراق وبلغة الذم وما يبعث اليأس في نفوسهم، ثم انتقلت في موضوع الفدية الى صيغة المفرد لتبين ان أموال الدنيا مجتمعة لا تقبل فدية عن واحد منهم، وعلى فرض جمع أموالهم للفدية فانها لا تكفي لواحد منهم.
ولم تقل الآية (ولو اُفتدي) على البناء للمجهول لانه ليس من أحد من الكفار يفدي صاحبه وان كان أقرب الناس له نسباً او سبباً، كما انه ليس من أحد يأتي ليعلن عزمه على اعطاء فدية عن الكافر لما تقدم من توجه لعنة الملائكة والناس على الكافر، فهذه اللعنة برزخ دون دعائهم وشفاعتهم له.
ويمكن ان تسمي هذه الآية بآية (ملء الأرض ذهباً) ولم يرد هذا اللفظ الا في هذه الآية الكريمة، وكذا قوله تعالى [ ولو افتدى به].
بحث إعجازي
لقد أراد الله عز وجل ان تكون الآية القرآنية باباً للهداية وواقية من الكفر وحرزاً من الضلالة، ودعوة للناس لإجتناب الكفر والتدارك بالتوبة قبل فوات الأوان، ومن صيغ الوعد والوعيد في القرآن لغة المثل ومع ان الكتب السماوية الأخرى تتضمن الأمثلة، ولغة معروفة عند مختلف الأمم والجماعات وتحتفظ كل أمة بتراث ضخم من الأمثلة الا ان المثل في القرآن جاء على نحو الإعجاز، وهذه خصوصية إضافية للقرآن، لما فيه من الدلالة على المائز بينه وبين الكتب السماوية الأخرى في باب المثال، وكذا الأمر في الأبواب العقائدية والكلامية واللغوية الأخرى، مما يستلزم استنباط الدروس والعبر واستخراج الدرر والمعارف من المثل القرآني، وتوكيد هذه الحقيقة، وجعل الأجيال المتعاقبة تنتفع من المثل القرآني لأنه مدرسة جامعة.
ومن دلالات المثل القرآني مجيؤه بالمواضيع التي يعجز العقل الإنساني عن تصورها ولكنها ليست بعيدة عنه، بلحاظ جهة الخطاب على نحو عقائدي الى المثال الموجه للمسلمين، والمثال الموجه للكافرين ونحوه، او على نحو القدرة الذهنية الى الأذكياء أو غيرهم، او بلحاظ العلم الى العلماء وغير العلماء.
فمن خصائص المثل القرآني انه قريب من كل إنسان، حاضر في الوجود الذهني، ويحث الإنسان على التدبر والتأمل فيه، بينما تأتي الأمثلة الأخرى كشواهد، ومن الإعجاز فيه انه حجة على الناس، وبرهان قاطع وضياء ينير دروب الهداية للناس، فجاء المثل في هذه الآية تحدياً للكافرين، وهو باب من أبواب المعرفة، وجامع لأحوال الإنسان في الدنيا والآخرة عندما يختار الكفر والضلالة ويصر على البقاء عليهما.
واذ تأتي أمثلة الأمم والشعوب عن تجربة واخبار عن واقعة شخصية تحمل دلالات تنطبق على وقائع أخرى، فان المثل يأتي بأمور مستحدثة، كما يترشح عليه الإعجاز من صبغة القرآنية، فهو آية او جزء آية من القرآن ولم تأتِ الآية القرآنية بعنوان المثل وحده بل تضمنت حكماً جزائياً ثابتاً فالآية ليست مثلاً بل هي حكمة وحكم ثابت في آية وتشبيه يقرب الكليات العقلية الى الأذهان باشياء محسوسة.
الآية سلاح
تبين الآية اضرار الكفر والجحود، والعقاب الذي يترتب عليه، وتدعو الناس للتدارك والإنابة، والكافر في سباق مع الكفر والتخلص منه، فاذا تلبس بالكفر ولازمه حتى الموت خسر النشأتين وعجز يوم القيامة عن افتداء نفسه وانقاذه من العذاب، ولم ينفعه ما انفقه في الدنيا، والآية حجة على الكفار، وتتضمن ابطالاً لحجتهم وشبهاتهم، فاذا قالوا ان عملهم ينفعهم او ان آباءهم يشفعون لهم، تأتي هذه الآية لتخبرهم بان اختيارهم الكفر برزخ دون إنتفاعهم من الشفاعة، وهو حاجب دون أسباب العفو والرحمة، والآية سلاح عند المسلمين لدعوة الناس للإسلام والتخلص من الكفر.
وعدم قبول الفدية والعوض من الكافر يحتمل وجوهاً:
الأول: الإنفاق الذي يبذله الكافر في الدنيا لإعانة ومساعدة الآخرين.
الثاني: الفدية والبدل في الآخرة.
الثالث: العنوان الجامع لهما.
وجاءت الآية بصيغة الإطلاق الشاملة لهذه الوجوه مع التباين بين الدنيا والآخرة بلحاظ الموضوع، فالدنيا دار عمل ولا يقبل فيها شيء مع الكفر والجحود لأن الإسلام شرط في القبول، وأما في الآخرة فان الملك لله عز وجل وليس من فدية يوم القيامة، نعم رجحان كفة الحسنات على السيئات أمر معتبر يومئذ، ولكن عمل الكافر مردود، فهذه الآية حث على دخول الإسلام، ودعوة للتمسك بمبادئ التوحيد.
الآية لطف
جاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية وتتحدث عن حال الذين يموتون وهم كفار، ولم يغادروا الكفر حتى رمت بهم الدنيا الى حفرة القبر، تصاحبهم اللعنة والذم من الملائكة والناس، وان فكر أحدهم بدفع الفدية او استحضار ما عمله في الدنيا يجد انه لن ينفعه فلا عمل يقبل مع الكفر لأن الصالحات لا تتقوم الا بالإسلام، وهذا البيان ولغةالإنذار لطف إلهي بالناس ومنهم الكفار، فالآية تحذير لهم من الموت على الكفر وترغيب لهم بالتوبة والإنابة ليكون الموت مناسبة لنزول الرحمة الإلهية وتغشيهم بالرأفة والعفو والمغفرة، بدل ان يتلقاهم الملائكة بالعذاب، وهي لطف إلهي بأهل الدنيا مطلقاً البر والفاجر منهم، ومن وجوه اللطف بالكفار في الآية أمور:
الأول: التوكيد على الرجوع الى الله والوقوف بين يديه للحساب.
الثاني: دفع وهم بان الموت نهاية للإنسان، فالآية تخبر عن عالم ما بعد الموت وانه قائم على الحساب والجزاء.
الثالث: التحذير من الموت على الكفر والجحود.
الرابع: تعذر التدارك الأخروي مع الكفر، فمن يموت كافراً لا يستطيع الدفع عن نفسه.
الخامس: بيان التباين بين عالم الدنيا والآخرة، ففي الدنيا والقوانين الوضعية والأعراف الإجتماعية يحصل الفداء في الغالب، وجاءت الآية لتخبر عن عدم امكان الفداء مع الكفر مهما بلغت قيمة الفدية.
السادس: الإخبار عن عدم قبول الفدية لطف إلهي، ليأخذ الناس حذرهم من السيئات، ويعلموا انغلاق باب الفداء، وانحصار النجاة بالتوبة والهداية.

مفهوم الآية
تبدأ الآية بذكر الذين كفروا بصيغة الإنذار، مما يعني في فحوى الخطاب نجاة المؤمنين من معاني الإنذار والوعيد التي تتضمنها الآية، وجاء موضوع الآية في القرآن وبلحاظ عموم خطاباته فان الآية تتوجه لخطاب المسلمين ولا تنحصر أحكامها بنجاتهم من صيغة الإنذار فيها بل تشمل:
الأول: اخبارهم عن حال الكفار يوم القيامة.
الثاني: حال اليأس والقنوط التي يصيبهم عند الحساب.
الثالث: عدم إنتفاعهم من اموالهم واعمالهم في الدنيا، فاموال الإنسان مطلقاً براً او فاجراً لا تنتقل معه الى الآخرة، واعمال الكافر خاصة لا ينتفع منها وان كانت تتضمن الإنفاق.
الرابع: الآية موضوع للإحتجاج وجذب الناس للإيمان.
الخامس: تبعث الآية السكينة في نفوس المسلمين، وتجعلهم يصبرون على الأذى الذي يأتيهم من الكفار لأن الله عز وجل ينتقم لهم يوم القيامة بعدم قبول الفدية من الكفار.
السادس: تحث الآية المسلمين على تعاهد الإيمان وعدم مغادرة منازله، لموضوعية الموت على الإسلام وعدم التفريط في الفرائض والواجبات.
السابع: تجعل الآية موضوعية لحال الإنسان عند الموت ويكون لها موضوعية في منازل الآخرة.
الثامن: لزوم ادخار الإنسان لما يقيه من العذاب، وهذا الإدخار يتمثل بالإيمان والعمل الصالح، ونبذ الكفر ومفاهيم الضلالة.
التاسع: هل تظهر الآية قبول الفدية من المسلمين، وفي حال قبولها ما هي تلك الفدية، والنقاش في الكبرى وهي هل يحتاج المسلم ان يفتدي نفسه في الآخرة، أو يقدم ما يكون واقية له، الجواب ان الآية اعم من الفدية وتشير الى موضوع القبول وعدمه، وهو أمر لا يخص الفدية بل يشمل عمل الصالحات وما فيه الثواب فلا تصل النوبة الى افتداء المسلم نفسه، بل يقبل الله منه ما ينال فيه الثواب والجزاء الحسن.
العاشر:: جاءت الآية باسمالإشارة (اولئك) وفيه دلالة على توجه الخطاب للمسلمين، ويتضمن ذم وتوبيخ الكافرين.
الحادي عشر: تبعث الآية الأمل في نفوس المسلمين في الشفاعة والنصرة والإعانة في الدنيا والآخرة.
وفي الآية مسائل:
الأولى: موضوع الآية الذين كفروا وحالهم في الآخرة.
الثانية: جعلت الآية موضوعية لحال الإنسان عند الموت وما يترتب على الموت على الكفر من الخسارة والأذى.
الثالثة: عدم قبول الأموال من الكافر وان قام بإنفاقها في الدنيا.
الرابعة: لا تقبل الفدية من الكافر في الآخرة مهما كان كبرها وغلاء ثمنها.
الخامسة: العذاب الشديد للكافرين في الآخرة.
السادسة: عدم وجود من ينصرهم او يشفع لهم، وابتدأت الآية بصيغة الجمع بذكر الكفار ثم انتقلت الى صيغة المفرد وجاء هذا الإنتقال للتشديد والتغليظ والإخبار بانه لن يقبل من احدهم ما تعجز عنه جماعتهم، ثم رجعت الى لغة الجمع في بيان اشتراكهم بالعذاب وانعدام الناصر والشفيع.
إفاضات الآية
تجعل الآية النفوس تنفر من أمرين:
الأول: الكفر والضلالة.
الثاني: مغادرة الدنيا على حال الكفر كما تبعث في نفوس الكفار خاصة الخشية من الموت وطروه لأنها تنبأ عن حتمية الحساب في الآخرة وخسارة الكافر يوم القيامة، وهذه الخسارة شاملة للكفار جميعاً غنيهم وفقيرهم، وتؤكد عدم إعتبار الغنى يومئذ لعدم امكان الفدية، كما تحث الآية على دخول الإسلام وهجران الكفر ومنازله.
لقد أراد الله عز وجل للناس في هذه الآية ان يتدبروا في أمور دنياهم ويحتاطوا لأحوالهم في الآخرة، وبينت الآية قبح سوء الإختيار بإرادة الكفر، وكما جاءت الآية السابقة بذم الذين يزدادون كفراً، جاءت هذه الآية في بيان زيادة أخرى اكثر قبحاً وهي الموت على الكفر، وعدم المبادرة الى التوبة.
وتدعو الآية الى الفرار من الكفر والضلالة والنفرة من مصاحبتهما، ولا يقود الفرار من الكفر الا الى الغرق في نور جلال الحق والسفر في عالم الغيب والحرص على الموت على الإيمان، وعدم مغادرة الدنيا الا على الإسلام لأن الفرار من الكفر يزيح ما على البصر والبصيرة من الغشاوة المركبة، أي تلك التي تحجب الآيات الدنيوية ومنها الكونية، والتي تحجب عن عالم التصور يوم الحساب وما فيه من الأهوال وما يستلزمه دفعها والوقاية منها من السلامة في الإختيار.
وتبين الآية ضآلة قيمة المال الكثير أزاء الإعتقاد السليم، وعدم امكان الإنتفاع الأخروي من المال مطلقاً مع الموت على الكفر والشرك.
التفسير
قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ]
جاءت الآية السابقة بخصوص الكفــار الذين يزدادون كفـراً، فتشمل في موضوعها الأحياء من الكفار اما موضوع هذه الآية فيتعلق بالذين يموتون ويغادرون الدنيا من غير ان يفارقوا الكفر والضلال، فما هي النســبة بينهما، الجــواب العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء أمور:
الأول: تذم الآيتان الذين يتصفون بالكفر.
الثاني: توجه لغة الوعيد والتخويف لهم.
الثالث: مجيء الكفر بعد الإيمان فهذه الآية وان لم تذكره ولكن إطلاقات الأدلة وأخذ العهد على الناس حجة بالإضافة الى عموم مجيء البينات وعدم اختصارها على أمة دون أمة، ومنها الآيات الكونية ومعجزات الأنبياء والكتب النازلة من السماء.
أما مادة الإفتراق فهي على وجوه:
الأول: جاءت الآية السابقة بخصوص الذين يزدادون كفراً، اما هذه الآية فجاءت شاملة للكفار مطلقاً.
الثاني: وردت الآية السابقة في موضوع عدم قبول التوبة، اما هذه الآية فذكرت حكم الذين يموتون على الكفر والجحود.
الثالث: جاءت هذه الآية في عدم قبول الفداء والعمل من الذين يموتون على الكفر.
الرابع: ذكرت الآية السابقة عدم قبول التوبة وأشارت اليها والى احتمال صدورها من الكفار، اما هذه الآية فذكرت عدم قبول الفدية والعوض وأخبرت عن قبح الموت على الكفر والجحود.
الخامس: لم تذكر الآية السابقة العقاب على المبالغة في الكفر، ولكنها اشارت اليه بأمرين:
ألأول: عدم قبول توبتهم.
الثاني: نعتهم بانهم ضالون، اما هذه الآية فجاءت صريحة بذكر العذاب الأليم عقوبة للذين يموتون على الكفر.
السادس: ذكرت هذه الآية عدم وجود شفيع للذين يموتون على الكفر، وما تنفرد به هذه الآية من الإخبار عن العذاب وسوء المصير لمن يموت على الكفر، لا يعني الحصر وعدم شمول أهل الآية السابقة به، فاثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره بالإضافة الى وحدة الموضوع في تنقيح المناط، فعدم قبول الفدية من الكفار شاملة لهم، وكذا ما ينتظرهم من العذاب وحرمانهم من الشفاعة والنصرة.
وجاءت الآية بصيغة الجمع وفيها اشارة الى إرادة المذاهب والملل التي لا تقر بالوحدانية لله تعالى، ودلالة على شمول الكفار بالعذاب وان كانوا كثيرين، كما تؤكد الآية استغراق الحكم وشموله للكفار من غير إستثناء، فالمدار على موتهم على الكفر ومغادرتهم الحياة من غير توبة وندم على المعاصي.
وجعلت الآية للموت مو ضوعية في الحكم، واعتبرته فاصلاً وحداً، وهذا من إعجاز الآية ودقة الأحكام الشرعية، والضــوابط في العقائد وبما يمنع من اللبس ويسقط عذر الكافر ويبطل حجته، ويزجره عن الجدال، سواء في الحياة الدنيا او في الآخرة، فهذه الآية مصداق موضوعي وحكمي للتباين بين الحياة الدنيا والآخرة، باعتبار ان الأولى دار عمل، والأخرى دار حساب بلا عمل، والفدية من العمل، فلا تصح في الآخرة.
والآية مدرسة عقائدية متكاملة لما فيها من بيان حقيقة الموت وموضــوعيته في تعيين منازل الناس في الآخرة، والأبواب التي تغلق معه، فيغادر الإنسان الدنيا وليس معه الا عمله، وهذا العمل لا يأتي مجرداً بل يأتي مرتكزاً على العقيدة والمبدأ، ويتقوم فعل الصالحات بالتوبة والإسلام، ومن فاتته التوبة في الدنيا يحرم منها في الآخرة، ولا ينفعه المال والنسب.
وتدعو هذه الآية الإنسان لأخذ الحائطة للأجل المحتوم والإستعداد للموت وما بعده، ومن الآيات في خلق الإنسان ان جعل الله عز وجل أجل الإنسان مجهولاً عنده، لا يقدر على معرفته وليس له حد مخصوص يرتبط بسن معلومة، فالموت يأتي على الكبير والصغير، والسالم والعليل، والرجل والمرأة، وتارة تأتي أسباب عرضية كالحروب والأوبئة فتخترم أعداداً من الشباب من مختلف الأعمار، وتكون شاهداً على حضور الموت الجماعي بالإضافة الى الحوادث الشخصية، وفي الآية مسائل:
الأولى: جاءت الآية للتذكير بالموت، وهذا التذكـير لا ينحصر بملة دون أخرى بل يشمل المسلمين والكفار، فهو تحذير وإنذار للكافرين وعون لهم على التدارك والتوبة وحجة عليهم، وبشارة للمسلمين وسكينة لهم.
الثانية: تحث الآية على الإستعداد المبكر للموت، فما دام الإنسان يعلم حتمية اجله وموته، ولا يعرف أوانه، فان عقله يقوده الى لزوم التهيء له.
الثالثة: تؤكد الآية حقيقة الحساب بعد الموت.
الرابعة: تبين الآية موضوعية حال الإنسان عند الموت من جهة الإيمان او الكفر، فمع الإيمان يكون العفو والنصرة والشفاعة، ومع الموت على الكفر تحجب الشفاعة ويستحق الكافر العذاب لمصاحبة الكفر له عند خروجه من دار العمل.
الخامسة: الآية عون للإرتقاء في سلم المعارف الإلهية والتفقه في الدين، وترغيب الناس بالتسلح بالإيمان عند الموت لأنه واقية من العذاب.
السادسة: تبعث الآية الفزع في قلوب الكفار، وتمنعهم من التلذذ بنعم الدنيا لأنها تبين لهم ما ينتظرهم في الآخرة من العذاب.
قانون الحال عند الموت
جعل الله الحياة الدنيا مزرعة للآخرة وطريقاً اليها، ولابـد لكل إنسان ان ينتقل من الأولى الى الثانية منهما، فليس من إستثناء او اعفاء، وتملي هذه الحقيقة على الإنســان التدبر في حالـه ومنزله في الآخرة، فبعث الله الأنبياء ومعهم الكتب السماوية لبيان سبل النجاة في الآخرة، والإخبار عن وجود الجنة والنار، وجعل الله عز وجل الجنة سكناً دائماً للمؤمنين، والنار مثوى للكافرين، وجاءت هذه الآية لإعلام الناس عن موضوعية حالهم عند الموت، وهذه الحال لا تتعلق بالغنى والفقر، او الجاه والشأن.
فقد يتعذر على الإنسان ان يكون غنياً او ذا شأن ومنصب وان بذل الوسع لهذه الغايات، بل انها تتعلق بالعقيدة والمبدأ الذي يكون في ميسور كل إنسان اختيار ما يرى فيه منفعته وصلاحه ونجاته، والتي تكون حصراً بأهل الإيمان والإقرار بالنبوة، وهل يمكن إهمال حال الإنسان عند الموت، الجواب لقد أبى الله الا ان تكون موضوعية لهذه الحال في عالم الحساب، وفيه تخفيف ورحمة بالناس من وجوه:
الأول: جعل المدار في الأعمال على خواتيمها وتحتمل الخاتمة في المقام أمرين:
أولاً: وجود مندوحة وسعة وتستغرق السنة او السنوات الأخيرة من العمر.
ثانياً: حصرها في زمان مخصوص.
وجاءت هذه الآية لإفادة حصرها بحال الموت وهو ساعة مغادرة الدنيا، وأيهما اكثر نفعاً للإنسان الأول ام الثاني أعلاه، الجواب هو الثاني لما فيه من تعدد وتجدد الفرص للتوبة الى حين الموت.
الثاني: اعتبار ملة ودين الإنسان عند الموت وحضوره باعث على التوبة.
الثالث: الآية اخبار عن قوانين وأحكام ثابتة في عالم الآخرة، وهذا الإخبار كاشف عن أمور حتمية لابد وان يواجهها الإنسان، فهو فضل إلهي ونعمة اخرى على الناس بان يعلموا بما يلاقون من الحساب والجزاء.
الرابع: اعطاء اعتبار وأهمية خاصة لحال الموت في عالم العقائد والأعمال، فقد لا يلتفت الإنسان الى ضرورة التوبة والحاجة اليها، ولكن حينما يستحضر الموت وما بعده ينتبه ويدرك موضوعية التوبة ولزوم التعجيل بها، وهذا اللزوم يكون وفق القياس الإقتراني.
الكبرى: احتمال طرو الموت في أي ساعة من العمر.
والصغرى: الحاجة للتوبة عند الموت،
والنتيجة: الحاجة للتوبة في أي ساعة من العمر.
فمن فضل الله عز وجل على العبد ان يمد في عمره ويمهله في اجله ويجعله يدرك حضور منيته، وظهور أمارات الموت وزحفه اليه ببطئ، لتكون مناسبة للتهيئ للإنتقال القريب الى عالم الآخرة بالتوبة والإقلاع عن المعاصي.
وتأتي توبة العبد في هذه الصورة متأخرة وفي حال العجز عن الذنوب، وعند القطع بدنو الموت ولكن الأمر لا يؤخذ بحكم العقل الإنساني، بل يكون الملاك فضل الله ورحمته وعفوه، فمن واسع رحمته ان جعل باب التوبة مفتوحاً الى حين الأجل والإنتقال من عالم الدنيا، فالأصل ان تؤخذ حال الإنســان منذ بدأ التكليف عنـد اتمام سن الخامسة عشرة من العمر للذكر، والتاسعة للأنثى، ولكن الله عز وجل تفضل على الناس برأفته ورحمته وجعل موضوعية واعتباراً لحال الإنسان عند الموت.
ويدل الإنذار الوارد في هذه الآية على ما يجلبه العبد لنفسه عند اختيار الإيمان عند الموت، والمبادرة الى النطق بالشهادتين والإستغفار من الذنوب سواء على نحو التفصيل أو الإجمال بحسب الشأن والقدرة والحال، وقد ينعم الله عز وجل على الإنسان بان يصرف عنه الموت بعد ان يسلم بوقوعه وهناك شواهد كثيرة سواء في حال المرض او الحوادث او غيرها، ويؤجل في اوان مغادرته الدنيا، ليكون هذا التأجيل مناسبة للتدارك وسلاحاً إضافياً للتنزه من الذنوب والمعاصي.
وجاءت هذه الآية لتثبيت معالم قانون الحال عند الموت، والإخبار عن إطلاقه، فصحيح ان منطوق الآية جاء بخصوص الكفار وما يلاقونه من العذاب بسبب موتهم على الكفر، الا انها تدل بالدلالة الإلتزامية على اكرام الذين لا يغادرون الدنيا الا وهم مؤمنون، وان تباينت درجة الإكرام فيما بينهم بلحاظ أمور اخرى في الإيمان والتقوى.
علم المناسبة
ورد قوله تعالى [وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ] ثلاث مرات في القرآن وهذا العدد يدل على موضوعية حال الإنسان عند موته، وملته التي غادر بها الدنيا وقد تقدم في سورة البقرة قوله تعالى[ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ] ( ), مما يدل على شدة العذاب الإلهي على من يفارق الدنيا وهو مصر على الكفر والجحود.
كما جاء في سورة محمد قوله تعالى [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ] ( )، مما يدل على عدم قبول الفدية وحتمية العذاب الأليم الذي ينتظرهم، وجاءت الآيات ببيان مضامين الكفر وانه كفر بالله ورسوله، وجحود بالنبوة، مع نعت الكافرين بالفسق والخروج عن الطاعة قال تعالى [إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ]( ).
وتحذر الآيات الناس من تلقي آيات القرآن بالصدود والإعراض، وتدعوهم لتهذيب النفوس ومنع غلبة النفس الشهوية والغضبية وما يؤدي الى الإصرار على الكفر والجحود، فنزول كل سورة من القرآن رحمة للناس جميعاً ولكن أهل العناد يصمون آذانهم عن سماعها وتدبر معانيها القدسية قال تعالى [ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ]( ).

قوله تعالى [فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرض ذَهَبًا]
مع ان الآيات جاءت بصيغة الجمع، فان هذا الشطر من الآية جاء بصيغة المفرد، وهو نوع إعجاز في المقام، وشــاهد علـى التغليـظ والتشديد على الكفار، فلو قالت الآية “فلن يقبل منهم ملئ الأرض” لأورد بعضهم شبهة تجمع اموال الكفار في الدنيا على مر الأزمنة للفداء فجاءة الآبة لدفع الوهم والشبهة وبيان حال الكافر في العذاب بجلاء من غير لبس.
ووضوح الحكم الجزائي في الآية زجر عن الكفر والمعاصي، لما فيه من لغة التشديد والتغليظ بالإضافة الى حقيقة وهي ثبوت الحكم الشرعي، وجاءت الآية بذكر مقــدار ما يفتدي به الكافر يوم القيامة نفسه وانه ملأ الأرض ذهباً، وهذا الفداء ودفع المال متعذر على الكافر من وجوه:
الأول: عدم امكان جمعه في الحياة الدنيا وراثة وكسباً.
الثاني: لا يصاحب الإنسان في آخرته الا عمله، فليس معه مال او تركة تمكنه من الفداء.
الثالث: من صفات الله عز وجل انه غني فهو لا يحتاج الفدية والمال.
الرابع: لا يقبل من الناس يؤمئذ الا العمل الصالح المترشح عن الإيمان، فلابد من الإقرار بالتوحيد والتصديق بالنبوة بالذات والعرض، اما بالذات فلأنه ضرورة، وأما بالعرض فلما يترتب عليه من الفوائد التي لا تحصى، ومنها قبول الأعمال.
لقد جاءت الآية من باب الإستعارة وتقريب البعيد، وكشف جانب من اسرار الآخرة بوضوح وتحدِ وحقائق تبدو وكأنها من الخيال، لتؤكد شدة عذاب الكافر، وهل تعتبر الآية من القياس الجواب لا، فالقياس له اركان اربعة هي الأصل والفرع والجامع والحكم، وهذه الآية جاءت بالمثل والحكم مجتمعين في آية واحدة من غير تعارض بينهما، بل هي للحكم المحض أقرب فهي تخاطب العقول على اختلاف مداركها، وتتضمن الإحتجاج المتعدد الوجوه، وتجعل عالم الآخرة قريباً من الأذهان بتفاصيله وأسراره.
فهذه الآية تبين عدم قبول الفدية من الكافر، وتحرمه من الشفاعة وهذا البيان إنذار يتضمن التأديب والزجر عن ارتكاب السيئات والمعاصي، وذكر هذا المقــدار الكــثير الذي لا يخــطر على بال احـــد يدل بالأولوية عدم قبول ما هو أدنى منه، مما يمكن ان يتصور ملكية إنسان له.
لقد جاءت الآية بذكر الذهب وهو أغلى المعادن المتداولة بين الناس، كما انه معروف عندهم جميعاً، من يدخره، ومن لم يملكه في حياته، وظاهر للناس جميعاً بواسطة إتخاذه زينة ومالاً في المعاملات والبيع والشراء، فجاءت الآية بذكره لغلاء ثمنه وصعوبة اقتنائه، والحرص على ادخاره وعدم التعجل في إنفاقه وبذله، ومع هذا فان عذاب الآخرة يجعل الكافر ينفق هذا المال الكثير من اجل النجاة من العذاب، ويحتمل لفظ (ملأ الأرض) وجوهاً:
الأول: انبساط الذهب على الأرض بما يغطيها وهو على أقسام :
الأول: المراد سطح الأرض وكسوته بالذهب وهو على فروع :
الأول: تغطية جميع سطح الأرض بابعادها الدنيوية.
الثاني: تقدير ما يغطيها بالوزن، ويوم القيامة يوم الميزان وكل شيء يمكن تقدير وزنه.
الثالث: المراد الأرض التي يراها الإنسان على مد بصره وليس كل الأرض.
القسم الثاني: نثر الذهب على الأرض بحيث يصدق عليه عرفاً انه ملأ الأرض.
الثالث: إحضار مقادير كثيرة منه تملأ الناظر وتنتشر اكوام منه على الأرض.
الوجه الثاني: جاءت الآية بذكر الأرض والمراد عمقها لأن اللفظ لم يرد بالتغطية بل جاء بالملأ من امتلاء الأناء والوعاء بالماء، فان قلت ان الكافر يحتاج الى اناء من الماء يوم العطش الأكبر فكيف يفدي نفسه بهذا المقدار الكبير من الذهب، والجواب ان الآية جاءت من باب التحدي وتوكيد حتمية العقاب على الكفار، ولرد شبهة فقد يقال قد يملك الإنسان الذهب الكثير ولكنه لا يملك الماء، وهو مستعد ان يبدل الذهب بالماء لينقذ حياته، فجاءت الآية للإخبار عن انغلاق باب القبول وعدم أخذ الفدية وان كانت كبيرة جداً ومتعذرة على الإنسان في حياته.
الثالث: المــراد خــزائن الأرض بحـذف المضــاف، وتقــدير الآية “ولن يقبل من احدهم ملء خزائن الأرض” كما جاء حكــاية عن يوســف في التنزيل: [ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرض إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ]( ).
وبالنسبة للفرع الأول من القسم الأول من الوجه الأول اعلاه فهو جائز، لإصالة الإطلاق ولأنه المراد من الأرض اذا لم ترد قرينة على التقييد، وهي معدومة في المقام بالإضافة الى إرادة الكثرة في الفداء، ويراد من ذكر الأرض يوم القيامة مطلق الأرض وليس جزء منها، ولكن المتبادر الى الأذهان غيره، اما بالنسبة للفرع الثاني فانه لا يتعأرض مع الأول، وقد يقال ان الوزن واعتباره هو الأصح فقد لا تكون هناك أرض، او ان تغطيتها بالذهب أمر يحتاج الى مدة مديدة.
والجواب انه لا مدة وزمان في مثل هذا الفعل يوم القيامة، ولكنه متعذر لأن الكافر لا يملك شيئاً يومئذ.
أما الفرع الثالث فلا دليل عليه، ويحتاج الى امارة خصوصاً وانه خلاف الإطلاق، أما القسم الثاني والثالث فهما قريبان من المعنى ولكنهما خلاف الظاهر بالإضافة الى كونهما من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة، اما الوجه الثاني فهو اجمالي ولا دليل عليه، كما ان المتعارف عند ذكر الأرض هو سطحها وليس عمقها الا مع القرينة الصارفة.
اما الثالث فخزائن الأرض اعم من الذهب، لأن يوسف عليه السلام تولى الوزارة وجمع الزراعات وضبطها وقام بتوزيعها، اما هذه الآية فجاءت بذكر الذهب على نحو التعيين والحصر، ولم يرد لفظ (ملء الأرض) الا في هذه الآية، كما ورد مرة واحدة بخصوص السماء بقوله تعالى [فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا]( )، والحرس لا يغطي أفق السماء كله، بل يكون منتشراً فيها، لا يستطيع الجن ان يخترقه، فكذا بالنسبة للذهب فالمراد ليس تغطية جميع اجزاء سطح الأرض، بل يؤخذ اللفظ بلحاظ انصرافه والمتبادر وهو كثرة الذهب بما يملأ العين ويشغل المكان ويغطي مساحة ممتدة من الأرض يصدق عليها عرفاً انها الأرض سواء على مد البصر او أدنى او أكثر منه، وهو ايضاً أمر متعذر على المتعدد من الناس تحقيقه في الحياة الدنيا.
ويحتمل لفظ الذهب الوارد في الآية وجوهاً:
الأول: التبر، والذهب الخالص من الشوائب وما يخلط معه.
الثاني: الذهب المخلوط بغيره من المعادن كالنحاس.
الثالث: المراد الذهب والفضة، وذكر الذهب وحده لأنه الفرد الأهم والأغلى، ولأن الإنسان يحرص على تملكه ويتجنب التفريط به.
الرابع: إرادة الدينار الذهبي.
الخامس: الشيء المطلي بالذهب ويسمى المذهب.
والمراد في الآية هو الأول، ويدخل معه الرابع بشرط عدم خلط الذهب فيه بمعادن اخرى كما يجري في بعض أنواع العملة الذهبية، لحمل الكلام على ظاهره، وللتباين النوعي بين الذهب من جهة، والفضة والمعادن الأخرى من جهة أخرى.
وانحصار موضوع الآية بالذهب إعجاز إضافي وتعجيز للكافرين وتحد لهم، وبيان ما يترتب على الكفر من الخسارة والعجز عن التدارك، فالعجز جاء مركباً من وجوه:
الأول: عدم قبول المال الكثير.
الثاني: رد الفدية.
الثالث: العجز عن إحضار مقدار الفدية التي لا تقبل، ولم تذكر الآية العمل الذي يرجو الإنسان ان يقبل منه يومئذ، بل جاءت بذكر الذهب والمال، مما يدل على حبط عمل الكافر وعدم قبوله لإشتراط الإسلام في قبول البر، ووردت الآية بذكر الذهب ولم تذكر الأعمال وانها لا تقبل منهم، والجواب من وجوه:
الأول: ان فعل الكافر قبيح وعمله مردود، والكفر يأتي على أفعاله فلا يبقي له في ميزان الأعمال شيئاً.
الثاني: تتضمن الآية في شطر منها موضوع الفداء، وهو عادة يكون بالمال.
الثالث: جاءت الآية للتحدي والتعجيز والتبكيت.
الرابع: فيها دلالة على عدم وجود عمل عند الكافر يحتمل ان يكون مقبولاً.
الخامس: موضوعية المال عند الكافر ونظره له وانشغاله بجمعه من غير إلتفات للوظيفة الشرعية، وأحكام الحلال والحرام، فجاءت الآية لبيان انعدام النفع الأخروي من المال وان كان اضعاف ما يتصور ويود جمعه، وما يحبه ويتمناه الإنسان أكبر بمراتب من حاله وشأنه.
وكثرة الذهب في الآية اشارة الى حصول حالات غنى عند الناس، واخبار بان من الكافرين من يكون غنياً كثير الأموال يمتلك القناطير المقنطرة من الذهب، ومع هذا فان هذه الأمــوال لا تنفعــه في الآخرة، وفيه تأديب للناس جميعاً، وبعث لروح العز والرضا عند المسلمين، لأنهم يملكون الإيمان ويأتون عالم الآخرة من غير حاجة الى فدية وعوض مالي بل عندهم عملهم المقــبول والذي ينالــون عليه الجزاء، فمتى ما ادرك المسلم ان الكافر الغني يلاقي العذاب الأليم ولا ينتفع من امواله في الآخرة ، فانه يزهد في تلك الأموال، ويشكر الله عز وجل على نعمة الهداية.
ويمكن حمل معنى عدم القبول هنا على الحياة الدنيا، ومضمونه انه لو قام الكافر بإنفاق الأموال والذهب والفضة فلن يقبل منه لأن المدار على الإيمان والإقرار بالوحدانية لله تعالى، وفيه حجة على الكافر وابطال لظنه بان الإنفاق ينفعه مع الكفر والجحود ولا تعارض بين الوجهين من الإنفاق في الدنيا وبين عدم قبول الفداء منهم في الآخرة، والمدار في القبول على الآخرة، لذا جاء قوله تعالى (فلن يقبل) بصيغة الإستقبال وبقرينة مجيء الآية في موضوع الموت على الكفر، اي انه لن يقبل منهم بعد ان يموتوا على الكفر والجحود.

قوله تعالى [وَلَوْ افْتَدَى بِهِ]
جاءت الواو في (ولو) للعطف وتفيد المغايرة والتعدد بين المعطوف والمعطوف عليه، ففي الآية موضوعان:
الأول: عدم قبول المال الكثير من الكافر الذي يموت من غير رجوع عن الكفر والصدود.
الثاني: عدم أخذ الفدية منه وان كانت اموال الدنيا، فلو جمع الكفار من الأجيال المتعاقبة جميع أموالهم ودفعوها فدية لواحد منهم تواطؤاً او شفقة او للحجة وبيان الأثر فلن تقبل هذه الأموال فدية عنه، اما لو جاء المؤمن بفعل صالح فانه يقيه حر النار ويكون باباً للإذن بالشفاعة للغير، والفداء هنا يحتمل وجوهاً:
الأول: جعل المال الكثير فداء لنفسه وبدنه من العذاب الأليم.
الثاني: ما يفتدي به حال موته على الكفر كي يدفع عنه العذاب الأليم الخاص بمن يموت كافراً.
الثالث: جعله فدية لغيره من اولاده وآبائه واحبائه، سواء على نحو الإتحاد اوالتعدد.
الرابع: جعل المال المذكور حاجباً وبدلاً عن يوم او ساعة واحدة من العذاب الأليم في الآخرة.
والصحيح هــو الأول ويدخــل معه في طــوله الرابــع اذ ان الكــافر لا يهمه في يوم القيامة الا نجاته بنفســه، ويرغــب بالفــداء بأعـــز الناس عنده وهم أولاده، قال تعالى [يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ]( ).
وجاءت الآية بلفظ (لو) وهو حرف امتناع لإمتناع، اي امتناع الجواب لإمتناع الشرط وهو المشهور، (وأخرج ابن ابي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن، “لو” فانه لا يكون ابداً”( ).
وموضوع “لو” هو الفدية والبدل، فجاءت الآية للإخبار عن غلق باب الفدية في الآخرة، وانها من أحكام الدنيا سواء في العبادات كما في الكفارات المالية والصيام وعتق الرقبة، او في المعاملات والجنايات وعمومات أحكام الصلح، فورود (لو) يفيد عدم حصول الفدية في الآخرة وانها سالبة بانتفاء الموضوع، ويجوز ان تكون “لو” هنا مصدرية، وهي التي يصلح ان يأتي بدلها “أن” المفتوحة، كما في قوله تعالى [يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ]( ).
والجمع بين المعطوف والمعطوف عليه فيه وجوه:
الأول: لن يقبل منه هذا المال لو انفقه في الدنيا، وكذا لو افتدى به في الآخرة وليس من أحد ينفق هذا المال في الدنيا من ماله الخاص وعلى فرض إنفاقه فلن يقبل من الكافر.
الثاني: المراد لو افتدى بمثله.
الثالث: تعلق عدم القبول ورد الفدية بعالم الحساب الأخروي فلا يقبل منه عوض وبدل عن كفره وجحوده، ولا تؤخذ منه فدية لدفع العذاب الأليم عنه فعدم القبول يتعلق بموضوع غير الموضوع الذي تتعلق به الفدية وان كانا من عمومات السبب والمسبب.
الرابع: لن يقبل في الآخرة من الكــافر ملئ الأرض ذهــباً لو تصـــدق به في الدنيا، وكذا لا يقبل منه لو افتدى به من العذاب، مما يعني الملازمة بين الموت على الكفر وبين العذاب الأليم وانعدام الفدية ونحوها.
علم المناسبة
جاءت الآية بخصوص الفدية في الآخرة، وهذا الموضوع مركب من أمرين:
الأول: اختصاص الفدية بالكفار والظالمين.
الثاني: ليس من فدية في الحقيقة، ولكنها جاءت من باب المثال والإخبار عن حال اليأس والعجز التي تصيب الكفار يومئذ.
الثالث: تعذر مقدار الفدية، وهذا من صيغ إحتجاج القرآن، وتوكيد لوجه من وجوه العذاب الأليم للكفار، وفيه زجر عن المعاصي ودعوة للرجوع الى الإيمان والإقرار بالتوحيد والنبوة.
الرابع: تدل الآية في مفهومها على سلامة وأمن المؤمنين من موضوع الفدية قليلة كانت او كثيرة، فعدم قبول الفدية من الكفار لا يعني قبولها من المؤمنين، بل ان المؤمن يأتي عمله معه ليكون له وقاء من النار وحرزاً من العذاب، وورد قوله تعالى [وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ]( )، وبين الآيتين عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: موضوع الفدية في الآخرة.
الثاني: مجئ (لو) وهو حرف امتناع لإمتناع، وشاهد على عدم حصول موضوع الفدية.
الثالث: عظم وكبر الفدية وتعذر جمعها.
الرابع: تعلق الفدية بالفرد الواحد.
اما وجوه الإفتراق فهي:
الأول: جاءت الآية محل البحث بخصوص الذين كفروا وماتوا وهم كفار، اما الآية من سورة يونس فموضوعها الظالمون، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل كافر ظالم وليس العكس.
الثاني: الظلم متعدد فيشمل الظلم للنفس والغير، ويشمل الإعتقاد والفعل.
الثالث: ذكرت الآية محل البحث الفدية على نحو التقدير،اما الآية من سورة يونس فجاءت بإطلاق الملك، وهل من ملازمة وجمع بين المقدار في الآيتين بحيث انهما يخبران عن حقيقة وهي ان مقدار ما يمتلكه الناس من الذهب وما يستخرج منه يكون بمقدار تغطيته وملئه لها، الجواب لا دليل عليه، انما وردت كل آية منهما على نحو الإحتجاج وذكر المقادير الكثيرة لبيان تعذر الفدية وعدم قبولها، وغلق أبواب النجاة عن الكافر في الآخرة.
الرابع: جاءت الآية محل البحث بصيغة المذكر وإرادة الشخص، اما الآية من سورة يونس فذكرت النفس، وفي الجمع بين الآيتين دلالة على وقوع العذاب على الروح والبدن وان الإنسان يبعث يوم القيامة ببدنه وروحه، وقد ورد ذكر مضاعفة الفدية من دون نفع، وهذا الضعف جاء لعموم الكفار وليس للفرد منهم، قال تعالى [وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرض جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ]( ) لبيان رغبة الكفار في النجاة من النار وتعذر أسبابها ومقدماتها عليهم.
وقد ذكرت الآية أمرين كقيد مركب لعدم قبول الفدية وهما:
الأول: التلبس بالكفر والشرك.
الثاني: الموت على الكفر.
ومن الإعجاز في المقام أمور:
الأول: لم تكتفِ الآية بذكر اختيار الكفر ليخرج من الإنذار والوعيد في الآية الذين يتركون الكفر الى منازل التوبة والصلاح، فلو قالت الآية “ان الذين كفروا لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً” لأدعى بعضهم شمول التوبيخ والوعيد فيها لكل من تلبس بالكفر والضلالة وانتاب وأناب.
الثاني: قيد الموت على الكفر رحمة بالناس، ودعوة للتوبة والإنابة.
الثالث: في الوقت أخرج هذا القيد أهل التوبة من الوعيد بالعذاب، فانه أدخل فيه الذين آمنوا ثم كفروا ولم يتوبوا الى أن غادروا الدنيا، فمن تاب ثم أرتد عن الإيمان وبقى على ارتداده تشمله احكام هذه الآية، فمع الإجمال الظاهري للآية الا انها جاءت بحصر أهل العذاب.
بحث بلاغي
من بدائع اللغة ان تكون لـ(الواو) معانِ عديدة كما يكثر استعمالها في الكلام واكثر ما تستعمل بالعطف، فتعطف ما بعدها على ما يأتي قبلها، وتمتاز عن حروف العطف الأخرى باقترانها بـ(ما) كما في قوله تعالى [فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً]( )، وتقترن بـ(لكن) كما في قوله تعالى [وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ]( )، ومن ثبوت العذاب عليهم ان لا تقبل الفدية منهم وان كبرت، وتأتي للقسم وتكون جارة كما في التنزيل [وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ]( ).
وتأتي للإستئناف كما في قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ] ( )، وغيرها من المعاني، وفي قوله تعالى [وَلَوْ افْتَدَى بِهِ] جاءت عاطفة على محذوف ويقال عطف على توهم، والمراد من التوهم هو عطف على المعنى ولفظ محذوف، وقال السيوطي: كان الأدب ان يقول في مثل ذلك في القرآن: انه عطف على المعنى.
فالآية انحلالية وهي ان المال الكثير لا يقبل من الكافر في مختلف الحالات ولو كان فدية، ليشمل المعنى الحياة الدنيا والآخرة، وفيه إشارة الى اعطاء المال دفعة او نجوماً، والفدية تأتي غالباً دفعة واحدة، ومع تعذر جمع هذا المال، وعدم امكان حصول الفدية، فانه لا يقبل وتحتمل الآية وجهين:
الأول: التعدد والتباين بين مرحلة القبول ومرحلة العفو والمغفرة، أي ان القبول لا يعني المغفرة.
الثاني: القبول طريق المغفرة، وباب الثواب ونزول الرحمة قال تعالى [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرض جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( )، مما يدل على شمول الحياة الدنيا بموضوع الفدية وعدم قبولها أي لو قام الكافر بإنفاق ما عنده رجاء القبول، فلا يقبل منه لشرط الإسلام والإنقياد لأوامر الله تعالى في قبول الأعمال.
قانون زمان التنزيل
لقد جعل الله عز وجل أفراد الزمان مرتبة ترتيباً طولياً ليس بينها تعارض او تزاحم، فلا يتداخل بعضها مع بعضها الآخر، ولا يسبق أحدها الآخر مع آية اتحادها الإجمالي في الفاصل وهو طلوع الشمس وغروبها، والماهية وهي انقسامها الى نهار وليل متعاقبين في آية كونية تكون حجة على الناس بعرض واحد وعلى نحو متساوِ وهي رحمة متصلة ملازمة للإنسان في كل آن وساعة من ساعات عمره.
والتشابه بين أفراد الزمان الطولية لا يمنع من تعيينها وتشخيصها والفصل بينها، بضبط التواريخ والحساب، وهذا الحساب يظهر حاجة الإنســان كممكــن لله عز وجل حتـى في موضوع حساب الأيام والسنين، باللجوء الى سير الشمس والقمر كميزان وضابطة لمعرفة التواريخ، ومن الآيات وعظيم فضل الله تعالى على الإنسان في ضابطة الحساب أمور:
الأول: التعدد، فحساب الشمس غير حساب القمر.
الثاني: دقة ومعرفة النسبة بين الشمس والقمر، ودوام هذه النسبة بحيث يكون الفارق بينهما احد عشر يوماً وبعض يوم في كل سنة.
الثالث: ثبوت هذه النسبة في الأحقاب والأزمنة المتعاقبة من غير اختلاف او تباين بينها.
الرابع: ظهور وانكشاف ضابطة الحساب للناس جميعاً وتغشيها لجميع بقاع الأرض، فحيثما كان الإنسان فان الشمس والقمر يطلان عليه ويجعلانه قادراً على معرفة التأريخ، مع التباين الإعجازي بينهما في بيان الحساب، فمطالع الشمس إجمالية لا يتبين الفرق بينها الا لذوي الإختصاص بعلم الهيئة والفلك والحساب.
أما القمر فانه آية ظاهرة يومية لكل الناس اذ يبدأ هلالاً، ثم يتسع القسم المنير منه حتى يخرج القمر بدرا في الليلة الرابعة عشر والخامسة عشر من كل شهر قمري لأن الجانب المنير منه مواجه لنا، وفي الليالي التالية يأخذ القمر في التأخر في الطلوع عن أوان المغرب شيئاً فشيئاً وتقل تدريجياً سعة نوره الى ان يكون الجانب المظلم منه مواجهاً لنا وهو الذي يسمى المحاق وتحت الشعاع ثم بعد ذلك يخرج الهلال من تحت الشعاع ضعيفاً من جهة المغرب وهو الذي يعتبر ولادة لتبدأ امكانية رؤيته.
(وكانت العرب اذا نظرت الى الهلال قالت: لا مرحباً بمحل الدين، مقرب الأجل) ( ).
فجاء الإسلام فجعل النفوس تشتاق للهلال والأعناق تشرأب الى حسنه، والأبصار تطلع الى إهلاله استبشاراً به، لإقترانه بأوان العبادات كالصوم في شهر رمضان، والحج في ذي الحجة، والحاجة الى معرفة اوانهما يجعل المسلمين يحصون الأشهر ويتابعون سير الهلال.
ويأخذ كل انسان بغيته من الهلال بخصوص المكاسب والعقود والآجال والديون والحل والترحال وليدرك الناس جميعاً ما يحصل في الأفلاك ومسارها من التبدل والتقيد، وفيه دعوة للتدبر والتذكر والإعتبار والإستعداد للأجل، والإنسان يغادر الدنيا ولكن هذه الأفلاك مستمرة في سيرها كما انها تعلن خضوعها لله عز وجل بما يظهر عليها بقهرها بالزيادة والنقصان في القمر وهما عنوان الإمكان والحاجة، كما ابتلى الله الشمس والقمر بآية الكسوف والخسوف وهما علامة النقص والتغير، وكل متغير حادث وفيه درس للناس ودعوة للتفكر بالسماوات والأرض، وأسرار التشابه بين أفراد الزمان الطولية وحث على إجتناب الشرك.
وقد تجلى اعتبار التقدم والتأخر في أفراد الزمان في باب العقائد في هذه الآية بان جعل أوان نزول التوراة شاهداً على عدم تحريم ابراهيم اكل الجزور على النفس والغير باعتبار انها لم تنزل الا بعد انقضاء أيامه، ولتكون الآية حجة في باب ترتيب الزمان وضبط التواريخ ومنع اللبس والجهالة فيها.
قانون عدم الفدية
من وجوه الإبتلاء والإفتتان في الدنيا حالات الخصومة والنزاع وكيفية تداركها، والتدارك مسألة سيالة وقانون مطلق يشمل ميادين الحياة المختلفة، ومنه الفدية في باب المعاملات والديات وحوادث الخطأ بل والعمد مع التراضي وغيرها، وجاءت هذه الآية لتبين موضوع الفدية في الآخرة ولكنها اكدت على قانون عدم قبولها مطلقاً من الكافر، وعدم القبول هذا جاء من وجوه:
الأول: النص القرآني بعدم قبول الفدية من الكفار فعدم القبول مقيد بانه من الكفار.
الثاني: الكفر حاجب دون القبول، سواء قبول العمل او الفدية.
الثالث: استحالة إحضار الفدية من جهات:
الأولى: عظم مقدار الفدية.
الثانية: عجز الإنسان عن جمعها.
الثالثة: عدم امكان إحضار الإنسان للمال معه، فحتى امواله في الدنيا وزعت تركة على ورثته ولم تصل معه الى الآخرة، نعم تكون وبالاً عليه من جهة جمعها وكيفية الحصول عليها، وصيغ الباطل التي اتبعها لإقتناء وادخار الأموال اعياناً او عروضاً.
الرابع: من صفات الله عز وجل انه الغني، وقد سأل الناس الإيمان والإحسان في الدنيا، اما الآخرة فهي دار الحساب، فان قلت اذا كانت الفدية معدومة في الآخرة فهل هي ممكنة في الدنيا، والجواب لا فدية في الضروريات واليقينيات والخطابات التكليفية، فلابد للعبد من الإقرار بالربوبية لله تعالى، والتصديق بالنبوة، وأداء الصلاة والزكاة والصيام وحج بيت الله الحرام، فالفدية عن العبادات لا تجوز في الدنيا والآخرة، وكما لا ينفع مع الكفر صدقة فكذا لا ينفع معه فدية في الآخرة.
وقد يفتدي الإنسان نفسه من الأسر، ومن القصاص بدفع الدية والتراضي مع المجني عليه أو أهله، اما في الآخرة فالقانون يومئذ هو عدم الفدية وجاءت هذه الآية لبيانه وتوكيد هذه الجقيقة، وهل هذا القانون رحمة ام نقمة الجواب الإثنان معاً فهو رحمة بأهل الأرض جميعاً في الحياة الدنيا لما فيه من لغة الإنذار والتحذير، لذا جاءت الآيات القرآنية بتوكيده وكشف جانب من صيغ الحساب في الآخرة، وهو نقمة في الآخرة على الكافرين خاصة.
فمضامين ومنافع الآية لا تنحصر بالحساب الأخروي او بالكفار وحدهم بل تشمل الناس جميعاً في الحياة الدنيا، فيتلقاه المسلم بالشكر لله على نعمة الهداية مع التدبر والإعتبار، ويسمعها الكافر فتكون حجة عليه ومناسبة للتدارك والإتعاظ، ومن الآيات في الخلق التي تتجلى بينة في القرآن ان يكون القانون الأخــروي معــروفاً عند النــاس على نحو خال من اللبس والإيهام ويكون درســاً وموعظة وباب هداية، ويبين هذا القانـــون ســراً من أســرار عالم الآخــرة وهـو عــدم قبول الفـداء من الكافر.
لقد جاءت الآيات القرآنية ببيان التنافي التام بين أهل الجنة وأهل النار، بلحاظ العمل والإنتماء في الدنيا، فأصحاب الإيمان هم أهل الجنة، والذين أصروا على الكفر والجحود هم أهل النار، والتباين بين الفريقين يستغرق جميع الأحوال من غير استثناء، واذا كانت هناك وجوه للإلتقاء بينهما في الدنيا، فانها معدومة في الآخرة، ومن وجوه التباين في الآخرة موضوع الذهب، وهو المعدن المعروف عند الأمم المتعاقبة، وعنوان المال والثراء والسعة، وأكثر وجوده منفرداً عن المعادن الأخرى، سواء في عروق او صخور خاصة او في الرمال الراسبة على هيئة ذرات وحبوب صغيرة وقد يوجد مختلطاً بالفضة والرصاص والحديد، ويتخذ الناس الذهب زينة وعملة متداولة وجاءت الآية لتبين كثرة الذهب وفيه اشارة الى استمرار استخراجه من الأرض وجمعه وادخاره، فمثلاً ثروة النفط لم تمض عليها عشرات السنين، حتى جرى الحديث عن نضوبها وقلتها، اما الذهب فاستخراجه مستمر كما انه معدن لا يتأثر بالهواء وان تقادمت عليه السنين.
ومع ان الآية جاءت في بيان عدم نفع الفدية مهما كانت كبيرة وغالية الثمن، فانها تخبر عن كثرة الذهب عند الناس، وبقاء قيمته وماليته وان تباينت في مراتبها الا انه يحافظ على ما له من القيمة بالنسبة للأعيان والمعادن الأخرى.
واذ تبين الآية عدم قبول الفداء من الكفار، فان القرآن جاء ببيان النعم على أهل الجنان قال تعالى [يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ]( )، وقال تعالى [يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ]( )، وهذاالتباين في الآخرة بين اهل الجنان وأهل النار، تحذير وتوبيخ للكفار، فبدل رد ورفض الفدية الكبيرة والمتعذرة وغير المقبولة ممن مات على الكفر يكون الفضل الإلهي على أهل الإيمان والصلاح.

قوله تعالى [أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]
جاء اسمالإشارة (اولئك) لبيان التبكيت والإزدراء للكافرين، واشارة الى بعدهم عن رحمة الله عز وجل، ومن الإعجاز في الآية القرآنية انها لم تخبر عن عدم قبول التوبة وحده بل جاءت بالإخبار عما ينتظرهم من العذاب، وفيه مسائل:
الأولى: لو أكتفت الآية بذكر عدم قبول الفدية لقيل قد لا يحتاج الكافر لها لأن الله رؤوف رحيم.
الثاني: ذكرت الآية العقاب الذي يستحقه من يموت على الكفر.
الثالثة: لم تكتفِ الآية بذكر العذاب الذي سيلاقيه الكفار بل وصفته بانه أليم.
ويحتمل أوان العذاب وجوهاً:
الأول: العذاب في الدنيا.
الثاني: العذاب الأليم في الآخرة.
الثالث: العنوان الجامع للدنيا والآخرة، والصحيح هو الثاني، فالآية جاءت لبيان ما يلحق الكفار من الأذى عقوبة في الآخرة بعد موتهم على الكفر وهذا لا يمنع من ترشح العذاب وظهور اماراته في الدنيا.
ولما جاءت الآيات السابقة بذم الذين كفروا بعد الإيمان والإقرار بالتوحيد والنبوة، جاءت هذه الآية لتخبر بان المدار على وقوع العذاب وعدم قبول التوبة هو على الموت على الكفر، لتكون هذه الآية دعوة للناس لإجتناب الكفر وعدم البقاء في منازله، وضرورة الفرار منه الى سعة رحمة الله وعظيم فضله، وقد جاءت الآية وقد جاء قبل ثلاث آيات استثناء اهل التوبة والإنابة من العذاب.
واذ جاءت هذه الآية بذكر العذاب الأليم فانه جاء قبل ثلاث آيات بيان وجوه من شدة العذاب وهي:
الأول: الخلود في النار.
الثاني: عدم تخفيف العذاب.
الثالث: عدم امهال الكافرين بما يمنع من الترديد أو الخلط، خصوصاً في هذا الموضوع ذي الأهمية اذ ان آيات القرآن تتضمن الوعد الكريم للأهل التوبة والإنابة، وجاءت هذه الآية لمنع اللبس وايراد الشبهة والريب بخصوصهم فأخرجت اهل التوبة من مضامينها، وأدخلت باعجاز الذين يرتدون على اعقابهم بعد التوبة والإيمان واخبرت عن عدم قبول الفداء منهم.
ووردت الآية بصيغة الجملة الخبرية وفيه اكرام للمسلمين لتضمن هذه الصيغة اطلاع المسلمين على حال الجاحدين، وسكينة وطمأنينة للمسلمين، ومعرفة لحال الكفار في الآخرة، وعدم شمولهم بالعفو واسقاط الذنوب، قال تعالى [ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( ).
ولا ينحصر العذاب الأليم بأهل هــذه الآية ممن يموت على الكفر بل هو أعم لظاهر الآية وللآيات الأخرى، فالكافرون مطلقاً لهم عذاب اليم، ويشمل العذاب الظالمين وكذا أهل البغي والتعدي قال تعالى [إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( )، والمراد من العذاب هنا هو دخول النار، ورجعت الآية الى لغة الجمع في اشارة الى اشتراك الكافرين بالعذاب وعدم إستثناء بعضهم.

قوله تعالى [وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ]
بعد الإخبار عن عدم قبول الفدية من الكفار وما ينتظرهم من العقاب الشديد والخلود في النار جاءت خاتمة الآية لتخبر عن انعدام الناصر لهم، وفيه وجوه:
الأول: المراد الشفاعة، فليس للكافرين من يشفع لهم من الأنبياء والأولياء والصالحين.
الثاني: اباؤهم من الصالحين فلا يشفع للكافر أبوه المؤمن من الأجيال السابقة.
الثالث: لا ينصر الملائكة الكافرين، فالملائكة على أقسام يومئذ، منهم من يقوم بالإشراف على عذاب الكافرين، ومنهم من يتركهم وشأنهم، ومنهم من ينقطع الى وظيفته العبادية وما هو مأمور به، والملك ممنوع وممتنع عن نصرة الكافر.
الرابع: لا يستطيع الكفار النصرة بينهم وتتصور على وجوه:
الأول: عدم نصرة الكافر لأبيه او أمه او أحد افراد أسرته، ان مات مثله على الكفر، فيرى احدهما الآخر في العذاب ولا يقدر ان يدفع عنه منه شيئاً.
الثاني: تعذر نصرة الكفار مجتمعين للكافر الواحد.
الثالث: عدم امكان نصرة الكافر لغيره متحداً كان او متعدداً.
وجاءت الآية بصيغة الجمع بطرفيها، فالكافرون جميعاً ليس لهم من ناصر سواء كان متحداً او متعدداً، وكذا الكفار ليس لأحدهم ناصر او جماعة ينصرونه، مما يبعث على اليأس والقنوط في قلوب الكافرين جميعاً، وعدم وجود الناصر هل هو من العذاب الأليم، ام انه أمر إضافي، الجواب هو الأخير فهو يزيد من العذاب الأليم الأصلي، لأن العذاب ما يتوجه الى الكافر من حر النار والمكث الطويل فيها، وهذه الزيادة على وجوه:
الأول: بعث اليأس في قلوب الكافرين.
الثاني: ثبوت عدم صحة ظنهم بوجود الشفعاء، فلا شفيع مع الكفر، وهذه الحقيقة من القواعد الكلية في الآخرة، فجاءت هذه الآية للإخبار عنها، ومنع الجهالة والغرر، ويعتبر الناس ويتعاونوا على التخلص من الكفر، ويعملوا على احراز الشفيع في الآخرة باختيار طريق الإيمان والهداية.
الثالث: ازدياد الأعم من العذاب، فمع ان كيفية العذاب ذاتها الا انها مع الشعور بالحرمان من النصير والشفيع تكون أشد ألماً.
وورد لفظ (ناصرين) ثمان مرات في القرآن، سبعة منها بذات اللفظ الوارد في هذه الآية لإنذار وتخويف ووعيد الكافرين، وواحدة في بيان عظيم فضل واحسان الله عز وجل في نصرة أهل الإيمان، قال تعالى[ بَلْ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ] ( ) في بيان التباين الكبير بين المســلمين والكافرين، فالنصرة في الآخرة لم تنعدم ولكنها خاصة بالمسلمين ويكون الله عز وجل هو وليهم وناصرهم فلا يحتاجون الى نصرة غيره، أما الكافرون فانهم لا يحصلون على النصرة في الآخرة مطلقاً، وتتصور نصرة الكافر يومئذ على وجوه:
الأول: تخفيف العذاب.
الثاني: الشفاعة عند الله.
الثالث: تقليل مدة العذاب.
الرابع: وجود فترة بين أيام وآنات العذاب.
الخامس: الإخراج من النار ولو على نحو مؤقت.
السادس: ستر الذنوب والمعاصي.
السابع: الشهادة لهم وبما ينفعهم.
الثامن: تبرئة ساحتهم من بعض الذنوب والمعاصي.
ولا يحصل من هذه الوجوه شيء بل يؤخذ الكفار بأشد الأحوال، وعلة عدم نصرة الخلائق للكافرين يوم القيامة فيه وجوه:
الأول: نفرتها من موضوع الكفر.
الثاني: بغضها للذين كفروا.
الثالث: الخوف من الله عز وجل.
الرابع: إجتناب نصرة اعداء الله.
الخامس: سخط الملائكة والأنبياء والمؤمنين على الجاحدين والكافرين.
السادس: قيام الحجة على الكافرين لكفرهم بعد ايمانهم واقرارهم بالنبوة والتنزيل، وهل يمكن ان يكون انشغال الناس بانفسهم هو المانع من وجود نصير للكافرين الجواب لا من وجوه:
الأول: لا تنحصر النصرة بالناس عامة بل تشمل الملائكة.
الثاني: جاءت الآية بنفي النصرة مطلقاً، وتستغرق افراد الزمان الطولية ومقام الكافرين في النار وموضوع النصرة أعم من ساعات الحساب، وهذا الإطلاق تغليظ وعذاب إضافي للكافرين.
الثالث: لا تصل النوبة الى موضوع الإنشغال بالنفس أو عدمه، بل ان النصرة محجوبة عن الكافرين، ولا يقدم أحد على نصرتهم.
بحث بلاغي
بعد اخبار الآية عما يصيب وينتظر الكافرين من العذاب الأليم والعقاب الشديد ذكرت إنعدام الناصر لهم، وهل هو جزء من العذاب ويكون من عطف الخاص على العام، والجزء على الكل، أم انه أمر مســتقل بذاته، الجــواب: انه عقـوبة إضافية، لأن العذاب ما يلاقيه الكافر من الأذى وحر النار، أما إنعدام الناصر فهو حجب لمجيء عون خارجي.
وجاءت الآية بلفظ النصرة، ولم تقل [ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ] ( )، لأن النصرة أعم في معناها، وجاءت بصيغة الجمع، وتحتمل وجوهاً:
الأول: عدم وجود المتحد والمتعدد من الناصرين.
الثاني: تبعث الآية اليأس في قلوب الكافرين لما فيها من الإخبار عن عدم مجيء عون او مدد او نصرة من أحد.
الثالث: تدل الآية في مفهومها على انحصار الحكم والأمر والملك بيد الله تعالى يوم القيامة.



قوله تعالى [لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] الآية 92

الإعراب واللغة
لن تنالوا البر: لن: حرف نفي ونصب واستقبال.
تنالوا: فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، الواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل، البر: مفعول به منصوب بالفتحة.
حتى: حرف غاية وجر، تنفقوا: فعل مضارع منصوب بان مضمرة وجوباً بعد حتى، الواو: فاعل.
مما: جار ومجرور متعلقان بتنفقوا.
تحبون: جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لأنها صلة (ما) الموصولة.
وقيل: وردت هذه الآية على نظم الشعر وانها بيت كامل من مجزوء الرمل، وتقرأ الآية هكذا:
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون
ولكن اذا تأملت فيه وجدت انه ليس شعراً وان الآية أسمى وأرفع من ان تكون على وزن بيت الشعر ولا تعد شــعراً لإشـــتراط إرادة الشعر حين الإلقاء والنطق به، وهذا القصــد مفقود في القرآن لأنه لم يأتِ شعراً وجاءت كلمات الآية متصلة والفصل بينهما على وزن الشعر تصرف غير مناسب وتعد.
وما تنفقوا من شيء: الواو: استئنافية، ما: اسمشرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم لتنفقوا.
تنفقوا: فعل الشرط مجزوم، الواو: فاعل.
من شيء: جار ومجرور متعلقان بتنفقوا.
فان الله به عليم: الفاء: رابطة لجواب الشرط المحذوف.
ان الله: ان واسمها، به: جار ومجرور متعلقان بعليم.
عليم: خبر (ان) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
يقال نال ينال نيلاً: اذا أصاب، فهو نائل، ويقال نالني من فلان معروف أي وصل الي منه معروف، فيتعلق الأمر بالوصول وتلقي الآخذ، وفي التنزيل [لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ] ( ) أي لن يصل اليه الا ما فيه الثواب والأجر.
وفي الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليكم بالصدق فانه يهدي الى البر، وفي الآية قال الزجاج عن بعضهم: كل ما تقرب به الى الله عز وجل، من عمل خير، فهو إنفاق( ).
للبر معانِ متعددة هي:
الأول : الخير.
الثاني : الطاعة.
الثالث : الصلاح.
الرابع : الصدق.
الخامس : الثواب والأجر.
السادس : المعنى الأعم وهو خير الدنيا والآخرة.
ويقال بر رحمه يبره اذا وصله، وبر في يمينه اذا صدقه، ومن صفات الله عز وجل البرُّ اي العطـوف اللطيف الذي يتفضل على الخلائق بالخير والإحسان، وفي التنزيل [إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ] ( ).
وبين البر والخير عموم وخصوص مطلق، فكل بر هو خير، وليس العكس، فالبر هو ايصال الخير الى الغير والإحسان اليه مع القصد والنية، اما الخير فيأتي مع القصد او عدمه، وبالذات او بالعرض، ويقال نلت الشــيء نيلاً ونالاً: اذا اصبته، ويقال نالني من فلان معروف اي وصلني.
في سياق الآيات
بعد آيات ذم وتبكيت الكافرين وبيان ما ينتظرهم من العذاب الأليم، بصيغة الخبر والقواعد الكلية جاءت هذه الآية وفيها مسائل:
الأولى: صيغة الخطاب وانتقالها الى لغة المخاطبة لجهة غير الجهة التي تتحدث عنها الآيات السابقة.
الثانية: مخاطبة المسلمين.
الثالثة: ذكر موضوع السعة والخير ونيل المنازل الرفيعة بالإنفاق في سبيل الله.
الرابعة: مع ان الآية جعلت قيداً وشرطاً لنيل البر الا انه جاء في باب المدح والثناء للمسلمين، لإمكان امتثال المسلمين لمضامين الآية، والقيد الوارد في الآية مركب من أقسام:
الأول: شرط الإسلام، والذي يستقرأ من لغة الخطاب في الآية، وما فيها من عناوين الهداية لفعل الأحسن والأمثل.
الثاني: الإنفاق والبذل في سبيل الله، وتدخل فيه الزكاة الواجبة.
الثالث: قيد الحب المتعلق بالمال، وهذا الحب لا يخص المال المنفق بل مجموع المال الذي تخرج منه الأعيان التي تنفق وتعطي طلباً لرضا الله تعالى.
وقد يبدو للوهلة الأولى عدم وجود صلة بين هذه الآية والآية التالية، ولكن جهات الصلة بينهما متعددة منها:
اولاً: الإنفاق من الطعام جائز صحيح، واذا كان المسلم يحب طعام الجزور، فلا يلتفت الى دعوى تحريمه من قبل ابراهيم، لعدم ثبوت هذه الدعوى، فاطعام لحم الجزور ولحم الناقة من مصاديق هذه الآية الكريمة.
ثانياًُ: ورد ذكر لحم الجزور من باب المثال والحال الموجود واقعاً، اما مضامين واحكام الآية فهي أعم، اذ تتعلق بالإنفاق من كل ما يحب المسلمون وان كان غير محبوب عند غيرهم.
ثالثاً: دوران الحب والكراهية على الحلية والحرمة، فما كان حلالاً فهو محبوب، ولكن ذلك الحب ليس على مرتبة واحدة فهو من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة من غير أن يخرج عن عمومات الآية.
رابعاً: اطلاق حلية الأطعمة والطيبات، باب ومقدمة للإنفاق منها، وقبول هذا الإنفاق من الآخذ، والقول بحرمة بعضها من التشديد على النفس، فلذا جاءت الآية التالية بالإخبار عن حلية كل الطعام على بني اسرائيل مما يعني جواز الإنفاق من الطيبات مطلقاً، ومن وجوه الملازمة بين الآيتين الزجر عن التحريم من غير دليل كي لا يحصل فتور في الإنفاق، او امتناع من الفقير والمحتاج من قبوله بظن الحرمة او الكراهة، فجاءت الآية التالية لتمنع من وضع برزخ دون الإنفاق وقبوله.
وهل يمكن ان يكون الكافرون من مصاديق جهة الخطاب التي تشملها الآية وان الآية تحثهم على إنفاق المال، الجواب لا فهم خارجون بالتخصص من منطوق وخطاب الآية لموضوعية الإيمان في قبول الإنفاق، ومن الإعجاز في نظم وسياق الآيات ان تأتي الآية السابقة في توكيد حقيقة عدم قبول ملئ الأرض ذهباً من الكافر، للتنافي والتناقض بين القبول والجحود فمن يكون جاحداً بالربوبية والنبوة لا يقبل عمله.
وجاءت هذه الآية لتحث المسلمين على الصدقة وفعل الصالحات وعدم القنــوط او اليأس وفيهــا دلالة على اختصـاص الكفار بقانون عدم قبول الفدية ولبيان حقيقة وهي ان النوبة لا تصل بالمسلمين الى الفدية، بل ان الإنفاق منهم مقبول وفيه الأجر والسعة، ونيل منازل الجنة.
وتفضل الله عز وجل ببيان التباين والمغايرة بين المؤمنين والكفار، فاذا كان الكافر لا يقبل منه ملأ الأرض ذهباً، فان المؤمن يبشر بالفوز بالثواب والجزاء الحسن عند الإنفاق من الطيب الحسن، وهذا من آيات الحساب الأخروي ففريق الكفار لا تقبل منهم الفدية، وأهل الإيمان يدعون الى الإنفاق كي ينالوا البر.
إعجاز الآية
من وجوه الإعجاز في القرآن هذا الإنتقال المبارك من آية الوعيد والتخويف الى آية الوعد الكريم وبذات الموضوع وهو الإنفاق والفدية ووجوه الطاعة، فجاءت الآيات السابقة صريحة بعدم قبول الفدية من الكافر وان كانت ملأ الأرض ذهباً باعتبار ان الذهب اغلى المعادن المعروفة عند الناس والى يومنا هذا.
بينما تحث هذه الآية المسلمين على الإنفاق مما يحبون ليكون لهم سبيلاً الى الجنة والرضوان فمن إعجاز الآية انها تعلم المسلمين كيفية الإنفاق، وتمنع من تسرب روح اليأس والقنوط الى نفوسهم بسبب صيغة الوعيد في الآية السابقة.
وجمعت الآية بين الخاص والعام، وبين الأهم والمهم، فمع انها جاءت صريحة باشتراط الإنفاق مما يحب المسلم من خاصة مقتنياته الا انها عادت وأكدت علمه تعالى بالإنفاق مطلقاً سواء كان مما يحبه صاحبه او من غيره، والعلم هنا كناية عن الثواب والجزاء الحسن، ومن الإعجاز ايضاً ان جاء هذا البيان والتعدد في الموضوع والحكم في كلمات معدودات هي مجموع هذه الآية ذات الصيغة الأخلاقية والتشريعية والقانونية.
وتدعو الآية الى الإنفاق مع قصده وارادته، لأنها تجمع بين أمرين وهما الإنفاق وقيد انه من المحبوب كي تتحقق الطاعة بابهى معانيها، ويترتب عليها الثواب والجزاء الحسن، وتحتمل الآية وجوهاً:
الأول: مجيء الخطاب في الآية بصيغة الأفراد، وان المراد هو توجه الخطاب لكل مسلم بان ينفق مما يحب.
الثاني: أن يكون الإنفاق مما يحبه المسلمون، بلحاظ كونهم مسلمين.
الثالث: ما يحبه الذي ينفق نفسه.
الرابع: تعلق الحب بالأعيان من الأمور المتغيرة غير الثابتة، وبحسب الشأن والزمان والعرف.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق الآية الكريمة.
الخامس: المراد من البر هنا بر الله عز وجل بأهل الإيمان، وهو منزلة وفيض خاص لا يناله الا من قام بالإنفاق والبذل مما يحب.
ووجوه الإنفاق بلحاظ الحسن وهي:
الأول: انفاق الأحسن.
الثاني: الإنفاق من الأحسن.
الثالث: البذل والعطاء من متوسط المال.
الرابع: الإعطاء من الخبيث والردئ.
الخامس: الإنفاق من الحسن والخبيث والخلط بينهما.
السادس: العنوان الجامع للإنفاق من الأحسن والحسن والمتوسط.
وجاءت الآية بالوجه السادس، لما فيه من الحسن الذاتي لأفراد الإنفاق ولأنها مما يحب الإنسان، والأحسن أرقى مرتبة من الحسن، ولكنهما يدخلان معاً فيما يحب الإنسان لذا جاءت الآية بالمعنى الأعم وهو الحب والميل الى الإقتناء والإدخار والتملك.
وقد يكون المتوسط والبرزخ بين الحسن والخبيث، ما يحبه المرء سواء للشأن او لمقدار الرزق والمال، أو لأحوال الناس والسوق وقلة الزراعات وأرباح التجارات لذا فان ذكر الحب في الآية من الإعجاز لوقوعه على مراتب متفاوتة وانواع متعددة كما انه من المتغير بحسب اللحاظ والحال، فما يكون محبوباً في زمان قد لا يكون محبوباً في غيره بسبب الضيق والسعة في العيش، وكذا الحال بالنسبة للأفراد، فالشعير مثلاً يكون محبوباً عند شخص او قوم ويصدق على الإنفاق منه عنوان الإمتثال لأحكام هذه الآية، ويكون مرغوباً عنه عند اولئك الذين توالت عليهم النعم الإلهية، فيكون مصداق الآية انفاقهم لغيره، فمن الإعجاز ان أحكام الآية سيالة بالنسبة للزمان والأفراد، ومناسبة للجميع وكل وشأنه وحاله، وتنطبق عليها قاعدة لا ضرر ولا ضرار، ومنع الحرج في الدين.
والتبعيض الوارد في الآية في قوله تعالى [مِمَّا تُحِبُّونَ] مانع من الإسراف في الإنفاق، والزيادة فيه بما يجلب الضرر على النفس والأهل، وهذا التبعيض لا يتعارض مع حسن الظن بالله تعالى، فالإنفاق قل او كثر او شاهد على الإيمان ورجاء الفضل من عند الله، ولكن الله تعالى هو الذي يأمر بالتبعيض وعدم انفاق كل ما في يد الإنسان قال تعالى [وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] ( ).
ويمكن تسمية الآية بآية “مما تحبون” ولم يرد هذا اللفظ الا في هذه الآية، وكذا لفظ “تنالوا”.
الآية سلاح
يعتبر التباين بين مضامين هذه الآية والآيات السابقة سلاحاً بيد المسلم، وشاهداً على تفضيله في الدنيا والآخرة بفتح باب الإنفاق واذ يتحسر الكافر على عدم قبول عمله وإنفاقه وان كثر تأتي هذه الآية لتؤكد قبول عمل المسلم وان كان قليلاً، والآية مناسبة كريمة لحث المسلمين بعضهم بعضاً على المبادرة في اعمال الخير، والمسارعة في الإنفاق والإحسان، وإكرام المنفقين واعانتهم في إنفاقهم.
لقد جاءت الآيات السابقة بذم الذين كفروا وبينت أموراً:
الأول: عدم قبول دين غير الإسلام، ومن يعتنق غيره لا يجد في الآخرة الا الخسارة والعقاب.
الثاني: حجب الهداية عن الذين جحدوا وكفروا بعد الايمان وإقرارهم بان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق.
الثالث: توجيه الإنذار والوعيد والتخويف للكافرين، والإخبار عن استحقاقهم اللعنة والطرد من رحمة الله.
الرابع: الخلود في الجحيم.
الخامس: غلق باب التوبة عن الكفار الذين يزدادون كفراً.
السادس: عدم قبول الفدية وان كثرت من الذين ماتوا على الكفر والجحود.
ومن الإعجاز في نظم الآيات ان جاءت الآيات السابقة بصيغة الجملة الخبرية، وجاءت هذه الآية لتخاطب المسلمين بالبشرى والجزاء الحسن، وفيه دعوة لهم للثبات على الايمان، وتحذير للكافرين وحث لهم على المبادرة الى الإسلام ونبذ الكفر والضلالة.
وذكرت الآية مسألتين:
الأولى: الوسيلة الى نيل البر والخير والثواب.
الثانية: علم الله تعالى بما ينفقه المسلمون قلّ او كثر، بينما جاءت الآية السابقة بعدم قبــول ملأ الأرض ذهباً من الكافر، وتعذر قبول فدية، خصوصاً وان الفدية لا تأتي الا عن ذنب، بينما المسلمون يقبل منهم العمل في باب الجزاء والثواب وليس الفدية، وهذا تباين ظاهر بينهما.
الآية لطف
تنشر الآية شآبيب الرحمة بين المسلمين والناس جميعاً، وتزرع الميل الى الاحسان في النفوس ويدرك الناس موضوعية الإنفاق في مسالك التقرب الى الله تعالى، وبعد ذم الذين كفروا وبيان ماينتظرهم من العذاب الاليم جاءت هذه الآية بالملازمة بين نيل الجنة وبين إنفاق الطيبات لتؤكد على حقيقة وهي عدم كفاية الإيمان بالقلب، واعلان اللسان بل لابد من اتيان الصالحات وافشاء معاني المحبة والرأفة بين الناس.
وفي الآية دعوة للناس لدخول الإسلام لانه يقهر النفس وينتزع من الإنسان ما يحب باختياره ورضاه لان الغاية والنفع من الإنفاق اعظم كثيراً من الأعيان، فيشتري الإنسان مرضاة الخالق عز وجل ويؤكد استجابته العملية للمضامين القدسية الواردة في هذه الآية، وهل جاء الإنفاق لاختيار الإيمان، الجواب: الآية اعم فان الإنفاق باب الثواب والارتقاء في منازل التقوى والصلاح، لذا جاءت الآية صريحة بان البر لاينال الا بالإنفاق، ومن صفاته تعالى انه عالم بالنظام الأحسن وما فيه مصالح العباد، فالآية لطف بالناس من جهتين:
الأولى: اللطف الخاص بالمسلمين، وهو على وجوه:
الأول: تنمية ملكة الإيثار في نفوس المسلمين.
الثاني: توكيد الإقرار بعالم الآخرة.
الثالث: الإيمان بأولوية الثواب والنفع الذي يرد من الإنفاق.
الرابع: بعث العز والقوة في صفوف المسلمين قال تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ].
الثانية: اللطف العام ويشمل غير المسلمين من وجوه:
الأول: بيان حسن ورفعة القيم الإسلامية.
الثاني: حث الناس على دخول الإسلام والإنتفاع مما فيه من الأحكام.
الثالث: تلقي الاعانة من المسلمين لقضاء حاجاتهم.
الرابع: رؤية اخلاص المسلمين في الإستجابة لأوامر الله عز وجل وفيه شاهد على صدق النبوة.
الخامس: الآية حجة على الكفار لانهم أغلقوا عن انفسهم ابواب المغفرة، بينما يندفع المسلمون بشوق ولهفة في مرضاة الله.
مع التباين بين جهتي اللطف موضوعاً وعلة وحكماً وأثراً، فالمسلمون يشاركون غيرهم في مضامين اللطف العامة ولا يشاركهم غيرهم
مفهوم الآية
ذكرت الآية الكريمة طريق اصابة مراتب الخير والصلاح وسبيلاً من سبل الفلاح واقتناء الصالحات، وفيها مسائل:
الأولى: فضل الله  على المسلمين في هدايتهم الى مسالك الطاعة والرشاد، وأسباب النجاة يوم القيامة.
الثانية: تدل الآية في مفهومها على الحث على الإنفاق وفعل الصالحات.
الثالثة: موضوعية الإنفاق في اصلاح الذات، وبعث النفس على اتيان الفرائض البدنية، فالزكاة طريق لأداء الصلاة، وكذا العكس، لذا جاءتا متلازمتين في مواضع عديدة من القرآن.
الرابعة: مضامين الآية من وجوه إفتخار المسلمين، وأهليتهم لخلافة الأرض، بالتسابق في الخيرات والبذل والعطاء في سبيل الله.
الخامسة: في الآية اخبار قطعي عن الجزاء، فمفهوم الآية هو: “تنالون البر حين تنفقون مما تحبون” وفيه بشارة للمسلمين ووعد كريم.
السادسة: في الآية تخفيف عن المسلمين بلغة التبعيض الواردة في قوله تعالى (مما) فهي لم تشترط انفاق شطر أو نصف او ثلث او ربع ما يحبون من أموالهم ومقتنياتهم بل جاءت بكفاية القليل بشرط ان لا يكون من الخبيث والردئ والذي تعافه نفوسهم لذا تجد مقدار الزكاة قليلاً في نسبته من المال اذ انه يكون ربع العشر أي 2.5% من المال.
السابعة: تبين الآية القبح الذاتي للشح والبخل.
الثامنة: تبعث الآية النفرة في النفوس من البخل.
التاسعة: موضوعية الإنفاق في سبيل الله في عواقب الأوامر.
العاشرة: أهلية المسلمين لتلقي خطاب الإنفاق والبذل في سبيل الله.
الحادية عشرة: توكيد حقيقة وهي أن الإيمان القلبي والإقرار باللسان بالتوحيد والنبوة يجب ان يلازمهما إنفاق في سبيل الله.
الثانية عشرة: لم تكتف الآية بذكر الإنفاق بل قيدته بانه مما يحب المسلم ويترشح عن هذا الحب طوعاً وانطباقاً الحرص على اقتناء ذات الشئ وتعاهد تملكه وعدم التفريط به واخراجه من يده الا لضرورة أو حاجة او أمر راجح، فتأتي هذه الآية لتجعل الرجحان لاخراجه من الملكية من غير عوض او بدل مادي.
الثالثة عشرة: تدل الآية في مفهومها على قدرة المسلمين على الإنفاق لتعلق نيل الثواب بالإنفاق.
الرابعة عشرة: في الآية وعد كريم للمسلمين لحيازتهم ما يحبون، ثم قدرتهم على الإنفاق منه.
الخامسة عشرة: صيغة التبعيض الواردة في الآية امارة على السـعة والمندوحة عند المسلمين، وانفتاح ابواب الرزق عليهم، ولم تمنع الآية من وجود الفقراء والمحتاجين بين صفوفهم، لذا جاءت بالإنفاق واعانة المحتاجين.
السادسة عشرة: تدل الآية على اكرام المسلم وان كان فقيراً محتاجاً، لانه ينال الطيبات وما هو حسن ومحبوب على نحو الهدية والصدقة.
السابعة عشرة: بيان علم الله تعالى بدقائق الأمور وقبوله للنفقة قليلة كانت او كثيرة.
الثامنة عشرة: موضوعية إنفاق الطيبات في ثبوت صفة الإيمان ونيل الخيرات والارتقاء في منازل التقوى والصلاح، ولو جاءت الآية بالإنفاق من غير تقييده بالأحسن والأطيب مما يحبه الإنسان لكانت آية في التأديب وأصلاح النفوس فكيف وقد جاءت مقيدة للإنفاق بانه مما يحبه صاحبه ويفضله على غيره، وتدل لغة التبعيض في الآية (مما) على ابقاء شئ للنفس والالتفات الى الذات وحاجتها.
ولو كان المسلم يملك المتعدد مما يحب فهل ينبسط الأمر المولوي في الآية على كل الأفراد التي يحبها بحيث يجب عليه ان ينفق من كل فرد منها، ام يجزيه الإنفاق من بعضها، الجواب ان لغة التبعيض شاملة للكم والجنس، فيكفي الإنفاق من بعضها الا ان لغة الترغيب والوعيد الكريم في الآية تفيد ان انفاق المتعدد أفضل وأكثر أجراً من المتحد.
إفاضات الآية
لقد أراد الله عز وجل ان يكون الإيمان ارتباطاً بين عالم الشهادة وعالم الغيب، ويتجلى هذا الارتباط بوجوه من التجاذب التام بين العبد والخالق، وتظهر هذه الوجوه من طرف العبد بالاخلاص في العبودية واداء الفرائض والإنفاق في سبيل الله الذي يأتي في هذه الآية بأبهى صوره من وجوه:
الأول: الإرشاد الى سبل الخير والطاعة.
الثاني:اظهار الكمالات الإنسانية بإنفاق الطيب والأحسن.
الثالث: توكيد الصفات الجمالية والأخلاقية للإنتماء للإسلام.
الرابع: تبين الآية صفاء قلب المؤمن وانه من اشرف البقاع وروضة ناضــرة تشــع منها معاني الود والكرم والاحسـان طاعــة لله تعالى، وهــذه الآية عنوان للحب بين الخالق والمخلوقين، فلقد أراد الله عز وجل للناس الإسلام والإنقياد لأوامره، وبعد الإسلام جاء الأمر في هذه الآية بالإنفاق من الطيبات ليترشح عن الحب الإلهي حب المؤمنين بعضهم لبعض واظهار معاني الاخوة بينهم، وإمتلاء قلوبهم بالرأفة والشفقة.
ومضامين الآية واقية للمسلمين، من ذوي الحاجة، ووسيلة لسد حاجات المجاهدين والصابرين منهم وتوفير لمؤونتهم ومستلزمات المرابطة، وفيها دعوة لطرد الفقر وآثاره عن المسلمين واعانة المحتاج منهم، وهذه الإعانة مقيدة بان تكون بالمحبوب الذي تميل اليه النفس، والآية وسيلة لفوز اغنياء المسلمين بدعاء فقرائهم، وفيها تنفيس عن كروبات المكروبين، ومنع للحسد ودفع الكدورات الظلمانية، فانفاق الأحسن تطهير للقلب وبرزخ دون انشغالهم بغير ذكر الله سواء من قبل الدافع او الآخذ فكل يرجو ان يصيبه النوال من عند الله.
لقد أراد الله عز وجل تهذيب نفوس المسلمين والناس جميعاً بهذه الآية وإصلاح أحوالهم وبيان الصورة المشرقة للإسلام وما في أحكامه من المضامين الأخلاقية والإنسانية، وفي الإنفاق في سبيل الله إنقطاع اليه تعالى وإخبار عن تعلق القلب بحب العوض الاخروي، ورؤية الاعيان المنفقة وقد جاءت بصورة الثواب والأجر والحلة البهية التي تكون واقية عن عذاب الجحيم فتغبط الخلائق المنفق على حسن صفقته، وربحه العظيم من تلك التجارة.
موضوع الآية
أخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبى حاتم عن أنس قال: “كان أبو طلحة أكثر النصارى بالمدينة نخلا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان النبي صلى عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قال أبو طلحة يا رسول الله ان الله يقول لن تنالوا البرحتى تنفقوا مما تحبون وان أحب أموالي إلي بيرحاء وانها صدقة الله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ ذاك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وانى أرى أن تجعلها في الاقربين فقال أبو طلحة افعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه”( ).
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير عن أنس قال: “لما نزلت هذه الآية (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قال أبو طلحة يا رسول الله ان الله يسألنا من أموالنا اشهد انى قد جعلت أرضى بيرحاء لله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلها في قرابتك فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب” ( ).
روي ان زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسـامة، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام “ان الله قد قبلها” وأشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له: “لم أعتقتها ولم تصب منها؟ فقال [ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ].
وعن الإمام الصادق عليه السلام: “انه كان يتصــدق بالسكر فقيل له: أيتصدق بالسكر، فقال: نعم، انه ليس شيء أحب إليّ منه، فانا أحب ان أتصدق بأحب الأشياء إليّ”.
التفسير
قوله تعالى [ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ ]
جاءت الآية بصيغة الخطاب متعقبة لآيات الإنذار والوعيد للكافرين، ولم تأت في مدح الإيمان في مقابل ذم الكفر في الآيات السابقة، بل انتقلت من رأس الى الإنفاق في سبيل الله وهذا من اسرار نظم آيات القرآن وما فيه من الدلالات التضمنية والإلتزامية، فلم تنتقل الآية الى ذكر الإيمان وبيان من يموت على الإسلام بل جاءت بذكر الإنفاق باعتباره شرطاً لنيل مراتب الثواب مما يدل على قبول أعمال المسلمين، والرضا عن المؤمنين، ويتجلى هذا الرضا بهدايتهم الى سبل الطاعة وقبول الأعمال، واصابة الثواب والأجر لتبين الآية حاجة المسلمين الى الله  في الهداية الى سبل الخير، وتخبر عن الوظائف الأساسية لهم في جهاد النفس، ومنع إستحواذ الشح والبخل عليها، وجعل المسلمين يرتقون في سلم المعرفة، ومراتب القرب بالإنبعاث نحو الإنفاق واخراج الزكاة من أحسن المال وأطيب الكسب، وإعانة الفقراء، ومنع اتساع الهوة والفارق بين الأغنياء والفقراء.
وهل في الآية صد للكفار عن دخول الإسلام باعتبار ان خطاب التكليف لاينحصر بالإيمان واداء الفرائض بل انه يشمل الإنفاق، ولم يرد الإنفاق على نحو الإطلاق وكفاية المسمى وصرف الطبيعة منه بل جاء بقيود تدل على اللطف والوعد الإلهي الكريم.
الجواب ان الخطاب موجه للمسلمين، ويبين ضوابط وقواعد ثابتة في المعارف الإلهية وسنن الصلاح والفوز في الدارين، وانفاق الأحسن سبب وجزء علة لعلو كلمة الله ورفعة الإسلام وعز المؤمنين، وفيه جذب للناس لدخول الإسلام وترغيب بالثواب في الآخرة فمن الإعجاز ان يأتي الأمر بانفاق الأحسن بوجوه:
الأول: صيغة الجملة الخبرية وما فيها من البيان.
الثاني: الإخبار عن كون انفاق الأحسن وسيلة لما هو أعظم وأكثر نفعاً، فالإنفاق من المال المحبوب، يورث الخلود في النعيم وهو أحب شيء الى قلب المسلم.
الثالث: لغة التبعيض، وكفاية انفاق القليل والمسمى من المال والأعيان الطيبة، والكسب الحلال بقوله تعالى [ مِمَّا تُحِبُّونَ].
الرابع: مجيء الآية بصيغة الجمع، ليكون الفعل الشخصي مجزياً وباباً للثواب، ووسيلة لحث الآخرين وترغيبهم بالبذل والعطاء في سبيل الله.
ومن الآيات في العقائد ان الآية لا تسبب نفرة النفوس من الإسلام لما فيه من الإنفاق بل بالعكس فانها تحثهم للحاق بركب الإبرار المحسنين لان الإنفاق يأتي مع الإيمان والاقرار بالاخرة وما فيها من الجزاء والثواب والعقاب فمن ينتقل الى الإسلام يسعى لشراء سلامته في الآخرة بالإنفاق الحسن.
وهناك حقيقة في الواقع الإنساني وهي ليس كل الكفار اغنياء ومطالبين بالإنفاق من اموالهم بل ان شطراً منهم فقراء ويكون إنفاق الطيب والحسن وسيلة لجذبهم للإسلام، وحجة عليهم في إقامتهم على الكفر مع الفقر، وقد يكون الفقر معلولاً للكفر والضلالة لما يسببه من غشاوة على البصيرة تحول دون جلب النفع للذات.
والبر عنوان جامع ويحتمل وجهين:
الأول: خير الدنيا والآخرة ويعرف المراد منه بحسب القرائن واللحاظ.
الثاني: افادته معنى الخير، ولا تعارض بين الوجهين، والثاني هو الغالب في استعماله وقد ورد لفظ “البر” في القرآن بإستثناء هذه الآية سبع مرات جاءت بمعنى الخير كما في قوله تعالى [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ]( )، [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
فهل يحمل معنى البر في هذه الآية على ذات المعنى الذي جاءت به الآيات الأخرى، الجواب انه اعم بحسب الدلالة وقرينة (تنالوا) اي تصيبوا، فالبر هنا أمر يسعى اليه المسلمون ويطلبونه وليس هو فعلاً وعملاً يؤدونه، وهذا التعدد في المعنى لا يخرجه من مفهوم الخير، فتارة يفعل الإنسان الخير وأخرى يطلبه ويقصـده ويرجوه، نعم مصاديقه متباينة فالطاعة من وجوه الخير التي يفعلها الإنسان، اما الثواب فهو من الوجوه التي يقصدها ويبغيها المؤمن ويرجوها في دنياه وآخرته.
ولكن هذا التباين لا يمنع من شـمول البر الوارد في الآية لمعاني القبول والطاعة، فمن مفاهيم الآية ان الطاعة لا تصدق الا مع الإنفاق وقد ورد لفظ “الزكاة” في القرآن اثنتين وثلاثين مرة، جاء مقترناً مع الصلاة في نحو سبع وعشرين مرة منها، مما يؤكد على موضوعية الإنفاق والإحسان واخراج الحقوق الشرعية وجزئية الإنفاق في سبيل الله من العبادات.
ويشمل البر في الآية الثواب الأخروي ونيل المراتب العالية في الجنة ولابد فيه من أداء الفرائض ومنها الزكاة، وقد جاءت الآيات القرآنية واخبار السنة النبوية بالتوكيد على الإنفاق وبيان الضرر الكبير في الإمتناع عنه، قال تعالى [وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]( ).
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين ثواب الدنيا والآخرة ودلهم على طرقه ومقدماته وكيفية احرازه، وأهم أسباب نيله واصابته، وجاءت هذه الآية المباركة لتخبر عن احراز المسلمين الخير والثواب بعمل الصالحات والإنفاق من طيبات اموالهم.
ويحتمل قيد الإنفاق في الآية وجوهاً:
الأول: حجب الثواب الا مع الإنفاق.
الثاني: كما جاء تقييد الحج بالإستطاعة كما في الآية السابعة والتسعين من هذه السورة وكذا الإنفاق فانه مقيد بكونه من الأحسن والطيب.
الثالث: المراد من (البر) الوارد في الآية ودرجة عالية من الثواب ومنزلة في الجنة لا تنال الا بالإنفاق من الأحسن، وهي عنوان تشريف اضافي خاص بالمنفقين من أحسن ما يملكون.
الرابع: هناك فضل ونعم الهية لا يصيبها المسلم الا بالإنفاق من الأحسن، وهذه النعم تحتمل وجوهاً ثلاثة:
الأول: نعم يتلقاها المسلم في الحياة الدنيا.
الثاني: نعم تأتيه في الآخرة.
الثالث: العنوان الجامع لهما، وان البر فضل وثواب على العبد في الدارين، والصحيح هو الثالث.
الخامس:إنفاق الأحسن باب للصلاح والرشاد، ومانع من الفساد والتعدي وهتك الحرمات.
السادس: التوكيد على الزكاة ووجوبها، واخراج الزكاة ضرورة من ضرورات الدين، ويقترن بها الأجر والثواب.
السابع: ارادة المعنى الأعم للإنفاق، وشموله لأداء الصلاة، والصبر على الصيام وبذل الجهد والمال وتحمل العناء في اداء الحج ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما الأول فان الله  يثيب المسلم على كل فعل صالح يفعله سواء في باب انفاق المال او اداء العبادات او الصالحات مطلقاً، واما الثاني فانه قياس مع الفارق خصوصاً وان الإنفاق أعم، كما ان الآية تخرج المسلم الفقير من أحكامها بالتخصص، فقيد (مما تحبون) اخبار عن توجه الخطاب في الآية الى الذين يملكون الأموال والمكاسب والتجارات ويدخرون او يملكون اموالاً واعياناً يحبونها، فمن ليس عنده مال يحبه لا تشمله احكام الآية، لأنها سالبة بانتفاء الموضوع، واما الوجوه الأخرى فتشملها عمومات الآية الكريمة، وتبين ما فيها من الأسرار والمنافع وأسباب الصلاح والثواب.
قانون نيل البر
يتعلق موضوع هذه الآية بكيفية إحراز الصالحات، والفــوز بالثواب، فالآية لم تأتِ لحصر الثواب بالإنفاق، لوجوب اداء الفرائض ونيل الثواب عليها، وعن علي عليه السلام قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن عمــود الدين الصلاة: وهــي أول ما ينظـر فيه من عمل ابن آدم فإن صحت نظر في عمله وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله”( ).
وجاءت الآية لبيان موضوعية الإنفاق في سبيل الله وكيفية الإنفاق والحث عليه والإشارة الى عظيم فضل الله، وكأن ثواب الصالحات يتوقف على الإنفاق والمعنى: “لن تنالوا ثواب اعمالكم حتى تنفقوا مما تحبون”
فجاءت هذه الآية لتشريع قانون للثواب تترشح منافعه في الدارين، اما في الدنيا فالمنتفع منه اعم من صاحبه او من يقع عليه الإحسان، فان قلت: كيف ينتفع الإنسان وقد اخرج من ملكه ما يحب من غير عوض او بدل مادي، قلت: صحيح ان البدل والثواب في الآخرة، الا انه لا يمنع من نيل النفع في الدنيا بالسعة وزيادة الرزق ودفع البلاء، والهداية الى محاسن الأخلاق والتخفيف في اداء الفرائض.
كما ان النفع والأجر في الآخرة هو أعظم النفع لما فيه من صفةالخلود وبقاء الأثر، وانفاق الأحسن من التجارة التي لا تبور.
وترى الزكاة نماء وزيادة في مال الذي يدفعها، مع انها في الظاهر اخراج ونقص في المال، والإنفاق الشخصي ينفع الآخرين بتحريضهم على الإحسان والعناية بجنس ومادة الإنفاق، وفيه اكرام، للفقير ومصداق لعمومات قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( )، لأن فيه قضاء حاجة المسلم الفقير من غير ان يصيبه ذل او هوان.
ومن خصائص مضامين هذا القانون حث المسلمين على الإنفاق المشروط بان يكون مما يحبون من نفائس اموالهم والطيبات والأعيان التي يملكون لتؤسس ببركة هذه الآية اشرف وأعظم مدرسة إنسانية واخلاقية تعجز القوانين الوضعية والمؤسسات الإجتماعية عن بلوغ معشارها وان تعاونت وسخرت وسائل الإعلام لأغراضها، فآية قرآنية من بضع كلمات تبني صرحاً خالداً على مر الأجيال، وهذا الخلود ليس في باب التصور والوجود الذهني، بل انه خالد في عالم الأعمال والأفعال، وهو معين لا ينقطع وباب متجدد تتجلى فيه أبهى آيات الإحسان والكرم والإنفاق.
لقد جعل الله عز وجل الإنفاق وسيلة ومقدمة واجبة لنيل الثواب والفوز بالجنة وجاءت هذه الآية لمنع استحواذ الشح على النفس، ولا تنحصر منافع هذه الآية بأهل زمان دون آخر، بل هي باقية الى يوم القيامة، لأنها مدرسة في تهذيب الأخلاق، وباب للإرتقاء ونيل الكمالات الإنسانية ودعوة سماوية للتنافس في سبل الخير، ومن خصائص مضامين قانون “نيل البر” الذي جاءت به هذه الآية أمور:
الأول: تعاهد شعائر الإسلام والتقيد بأحكام الشريعة.
الثاني: حفظ الوحدة والأخوة بين المسلمين.
الثالث: طرد النفرة بينهم، واعانتهم على أمور حياتهم، والتنزه عن الحسد وأسباب البغضاء.
الرابع: تساهم في تقليل الفوارق بين الأفراد والجماعات في المأكل والملبس ونحوهما.
وفي معنى البر في الآية وجوه:
الأول: البر هو الجنة، عن ابن عباس (واخرجه ابن المنذر عن ابن مسعود) ( ).
الثاني: الطاعة والتقوى، عن مقاتل وعطا.
الثالث: لن تكونوا ابراراً أي صالحين اتقياء.
ذكر الوجوه الثلاثة الطبرسي( )، ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية كما تحتمل الآية وجوهاً اخرى:
الأول: لن تصيبوا فضل واحسان الله عز وجل.
الثاني: لن تتمكنوا من الخير والسعة والإنفاق في سبيل الله الا ان تنفقوا مما تحبون، فالإنفاق مقدمة للغنى.
الثالث: لن ينتشر الإسلام بين الناس الا بالإنفاق واخراج الحقوق الشرعية ، سواء لانه مادة لمواصلة الجهاد وتوفير العدة والعتاد ومستلزمات القتال في سوح المعارك، او مقومات الحياة اليومية وسد حاجة المسلمين والمسلمات، ومنع اليأس والقنوط من التسرب الى النفوس.
الرابع: إصلاح الذات ونيل الكمالات الإنسانية وتهذيب النفوس.
الخامس: الإرتقاء في المعارف والتفقه في الدين.
السادس: إصلاح المجتمعات الإسلامية، وتعميق اواصر الاخوة الايمانية.
السابع: رسوخ الإيمان في النفوس، ونشر مضامين الود والمحبة وسنن فعل الخير بين الناس.
الثامن: توكيد صدق الايمان ونيل مرضاة الله عز وجل.
التاسع: استجابة الدعاء والصيت الحسن وغفران الذنوب.
وجاءت الآية بلفظ البر وليس الخير لحث المسلمين على قصد الإنفاق من الجيد وألأحسن مما في ايديهم، وبذل الوسع في السعي اليه وعدم التردد فيه، والله عز وجل يعلم ميل الإنسان لحب الذات والتملك والاستئثار بماله، فجاءت هذه الآية ليبقى على حب الذات نفسه، ولكنها تدل الإنسان على الموارد التي يأتي منها النفع الحقيقي للإنسان ويحرز قبسها وأثرها في دنياه وآخرته، وهذا من القيم الإسلامية والفلسفة الاخلاقية والتأديبية التي لايستطيع الإنسان ان يدركها بعقله، وان حصل فعلى نحو القضية الشـخصية والجزئية مع التباين في الغرض، فقد ينفـق الإنســان مما يحب لأغراض الشهرة، والمدح والثناء من الناس، فجاءت هذه الآية لتبين الغاية والغرض من إنفاق الطيبات وهو رضــا الله عز وجل والفوز بالثواب.

قوله تعالى [حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ]
يقال أنفق الرجل مالاً أي أخرجه من ملكه الى ملك غيره، وجاءت الآيات القرآنية بمدح المنفقين والثناء عليهم قال تعالى [وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ] ( ) وجاءت هذه الآية لتؤكد موضوعية الإنفاق وتبين خصائصه ونظرية الوسط الإسلامية فيه التي تتجلى بكلمتين [تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] فلا افراط ولا تفريط، فتنفي الآية الإسراف بقيد التبعيض (من) وتمنع من الشح والبخل بالحث على الإنفاق من المحبوب.
بعد ذم الكافرين والإخبار عن احباط عملهم، جاءت هذه الآية لتخاطب المسلمين وتخبرهم بلزوم الإنفاق مما يحبون وجعلته شرطاً لنيل المراتب العالية في الدنيا والآخرة، فافادت الآية عدة معان هي:
الأول: عدم كفاية النطق بالشهادتين.
الثاني: لاتنحصر الطاعات بالصلاة وحدها بل لابد من الإنفاق في سبيل الله.
الثالث: جاء الإنفاق في الآية مقيداً بان يكون مما يحب وهل فيه اسراف الجواب لا، بل انه يؤكد لزوم الجهاد وقهر النفس وعدم الركون الى الدنيا وزينتها او الانشغال بالمباهج المباحة والحلال من الملك الشخصي، فالإنفاق مناسبة للتنزه عن حب الدنيا.
وهل كل ما يحب الإنسان من المال يجب تملكه وان النسبة بينهما التساوي أم ان النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، الجواب هو الأخير، فما يحب الإنسان أعم مما يجب تملكه، لذا تشمل الآية الشراء لغرض الإنفاق.
وهذا التنزه مقدمة للإخلاص في طاعة الله، والانقطاع اليه، لقد أراد الله عز وجل للمسلمين في هذه الآية المسابقة في الخيرات لتكون وسيلة لرسوخ الإيمان ومقدمة للجهاد في سبيل الله في الميادين المختلفة، فمتى ما انشـغل الانسان بدخله ومقتنياته ومدخراته تكاسل عن الوظائف العقائدية التي يتحملها.
فجاءت هذه الآية للتخفيف عنه وإعانته على الجهاد واداء الطاعات، وقد يقول قائل هل ينحصر البر والثواب بالإنفاق، الجواب: لا، لوجوب الإيمان واداء الفرائض لانها من اليقينيات والضروريات فموضوع هذه الآية ليس معارضاً لمواضيع الأحكام بل هو في طولها وجزء منها، بالإضافة الى دلالة صيغة الخطاب في الآية اذ انها تخاطب المسلمين مما يعني ان الإنفاق يأتي إتماماً لأداء الفرائض وحرزاً من آثار صغائر الذنوب.
وتأتي (حتى) لانتهاء الغاية مثل (الى) أي ان نيل البر والثواب لا يتم الا بإنفاق المسلمين مما يحبون، فلو قام غيرهم بالعمل بمضامين الآية لن ينال البر لعدم دخوله في جهة الخطاب، ولأنه ترك أصل الإيمان بالله عز وجل والتصديق بالنبوة، فهذه الآية تجعل المسلم خارج بالتخصص من صيغة الخطاب ومضامين هذه الآية، وهذا الخروج اختياري، أي ان الكافر هو الذي حرم نفسه من لذة هذا الخطاب وما فيه من الدعوة الكريمة والبشارة العظيمة، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار.
وتأتي (حتى) مرادفة لـ(إلا) في الإستثناء، لتوكيد حقيقة عدم تمام نيل مرتبة الابرار الا بالإنفاق من الطيب ولكن لماذا هذا التوكيد والموضوعية على الإنفاق، فيه وجوه:
الأول: من الإنفاق ما هو واجب، ولايصدق الإيمان الا به كما في الزكاة، وقد جاءت السنة النبوية بالتاكيد عليها ولزوم التقيد بأحكامها وإخراج الزكاة الواجبة من المال، وفي التنزيل حكاية عن عيسى عليه السلام [وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ) كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم ما يبين منافع الزكاة للإنسان في دنياه وآخرته منها قوله (خير مال المرء وذخائره الصدقة).
الثاني:الإنفاق في سبيل الله وفيه حفظ لبيضة الإسلام ودماء واعراض ا لمسلمين .
الثالث: ضرورة إعانة المجاهدين في سبيل الله بالمال والمدد.
الرابع: المبادرة الى الإنفاق لدرء المفاسد، ودفع الفقر وحد الكفاف، وما فيه التهلكة والأذى.
الخامس: يبعث الإنفاق على المحبة والود، ويجعل المسلم يشعر بانتمائه الى أمته، فالمنفق يدرك ان سبب إنفاقه هو التقرب الى الله، وهذه العلة تجعل الفقير يصبر على فقره، ويجتنب السيئات ويحذر من الفواحش ويتجنبها قربة الى الله عز وجل.
السادس: في الإنفاق تغلب على النفس الشهوية عند الغني والفقير فالغني ينتزع مقداراً من الصدقة من خيرة امواله ليدفعه للغير طاعة واستجابة لله عز وجل ولنيل مرتبة الابرار، اما الفقير فانه يعتبر بالغني، ويرى وجوب التنزه من الاخلاق الذميمة من باب الأولوية، فلا يراد منه الإنفاق مما يحب من الاموال بل الإمساك عن السيئات، والصبر عن المحرمات.
السابع: تهذيب الأخلاق، وجبر القلوب المنكسرة، والرضا بقضاء الله وقدره، وافشاء الخصال المحمودة بين الناس عامة، فمبادرة المسلم للإنفاق مما يحب دعوة للتخلي عن رذيلة البخل والأقذار المعنوية.
الثامن: الإنفاق تطهير للاموال الخاصة، وتنقية للملكية وهذا التطهير باب لزيادة الرزق.
التاسع: حينما يقدم المسلم باختياره على الإنفاق فانه يبقى حريصاُ على الكسب الحلال، وإجتناب الحرام.
العاشر: في الإنفاق منع للتنافر والتباغض بين الناس، ونشر لمفاهيم المودة.
الحادي عشر: الإحسان عنوان للإلفة، ومقدمة ومادة للتناصر.
الثاني عشر: فيه حث وترغيب للناس بدخول الإسلام.
وجاء الإنفاق في الآية بصيغة الإطلاق والتنكير من غير تعيين لموضوعه، وفيه وجوه:
الأول: المراد الزكاة الواجبة، وبه قال ابن عباس.
الثاني: الصدقة الواجبة والمستحبة.
الثالث: الإنفاق الذي يراد به وجه الله.
الرابع: المراد الماعون والإعانة الشخصية.
الخامس: دفع ما على الأرض من الخراج، وهل تدخل فيه الجزية، الجواب: لا، لانها تؤخذ من الكتابي بينما جاء الخطاب في الآية الى المسلمين خاصة.
السادس: الجهاد في سبيل الله وبذل الأنفس والمال دفاعاً عن الإسلام.
السابع: اطعام الطعام واكرام الضيف.
الثامن: صلة الرحم، وإيتاء ذي القربى مايحتاجون اليه.
وهل يعتبر أداء العبادات والفرائض من الإنفاق المذكور في الآية الجواب لا، وان كان بذلاً للجهد واجهاداً للبدن، فالقدر المتيقن من الآية هو إنفاق المال وإخراجه قربة الى الله تعالى وفي سبل الخير والصلاح.
وهل المراد ان يصبح الذي يمتثل لأحكامها من الأبرار، الجواب ان الآية جاءت في نيل البر والخير والثواب، وروي عن ابن عمر انه قال : انما سماهم الله ابراراً لانهم أبروا الآباء والأبناء.
وجاءت الآية بصيغة الجمع وفيها حث للمسلمين جميعاً، ودعوة للإرتقاء في سبل الخير ويكونون حجة على الناس ومثالاً يقتدى به.
وجاءت الآية مطلقة وتشمل كل مكلف من المسلمين ذكراُ او انثى، مع ان شطراً من المسلمين غير قادرين على الإنفاق فضلاً عن الإنفاق مما يحبون، ومنهم من يكون محتاجاً لما يحب، وما هو ادنى منه لقضاء حاجته، والجواب من وجوه:
الأول: الإطلاق عنوان الترغيب في الفعل والحرص على الإنفاق.
الثاني: توكيد موضوعية إنفاق الأحسن في سلم ومراتب الإيمان.
الثالث: ما يحبه الانسان أعم من الغنى والفقر، فقد يكون الإنسان فقيراً ولكنه يستطيع ان ينفق مما يحب كما لو كان له شأن وجاه.
الرابع: امكان التوسط في الإنفاق ونيل الثواب.
الخامس: يشمل موضوع الحب في الآية ما يحبه الآخذ للنفقة والصدقة، فيرجو ان يتملك ما يحب، وهذا الرجاء نابع من ايمانه بالله وعظيم فضله، فتأتي هذه الآية لتقرب البعيد وتجعل للفقير حقاً في اموال الاغنياء.
السادس: جاءت الآية للحث على الإنفاق، وهي مقيدة بالإمكان والقدرة عليه، اذ ان التكليف بما لايطاق قبيح.
السابع: الفقر من الأمور المتزلزلة غير المستقرة، فمن يكون فقيراً قد يصبح غنياً قادراً على الإنفاق، لذا جاءت الآية بصيغة الإطلاق.
الثامن: بإمكان الفقير ان يتحلى بخصال أهل هذه الآية بحسن النية والسعي ليكون من اهلها، ويعلم وجوب الإنفاق وتقييده بان يكون من الحسن الذي يحبه الانسان.
التاسع: للآية وظائف أخلاقية متعددة، منها أصلاح النفوس وتهذيب المجتمعات، وهو أمر لا ينحصر بالأغنياء بل يشمل الفقراء.
وهل الأمر في الآية مولوي ام ارشادي استحبابي ، الجواب هو الاول، فالجملة وان جاءت بصيغة الخبر الا انها تتضمن الإنشاء والحث على الإنفاق وتعليق الثواب على الإنفاق من المحبوب الذي يمكن انفاقه وبذله طاعة وقربة لله عز وجل.
وجاءت الآية بلفظ (مما تحبون) والمراد التبعيض فلا يقع الإنفاق على كل ما يحب العبد، لموضوعية تقديم الحاجة الذاتية ولان ما أقتناه العبد مما يحبه لم يتم الا بفضله تعالى، فأراد الله عز وجل امتحانه ومعرفة الخلائق لدرجة ايمانه، والتبعيض اجمالي يقع على الكثير والقليل وبإرادة الزكاة فان الإنفاق قليل، اما المعنى الأعم من الزكاة الواجبة فان التبعيض يقع على القليل والكثير، والأظهر في الآية هو الثاني أي المعنى الاعم وهو من مصاديق الاعجاز في مجئ التبعيض، وتمنع الآية الحرج في الإنفاق، وتأذن للمسلم بالإنفاق بالمعنى الأعم الذي يشمل ما يحب وما لا يحب.
ولو كان المسلم يملك المتعدد مما يحب، فهل ينبسط الأمر المولوي في الآية الكريمة على كل الأفراد التي يحبها بحيث يجب عليه ان ينفق من كل فرد منها، ام يجزيه الإنفاق من شــطر منها، الجـواب: هو الاخير لأن الآية جاءت بالتبعيض الإجمالي ويجزي فيه وقوع الإنفاق في المحبوب المادي، ليكون عنوان الشــوق الى المحبــوب الأخـروي واحراز رضا الله عز وجل.
ولو كان العبد لايملك الا فرداً واحداً يحبه ولكنه ذو مالية كما لو كانت مركبة فارهة او معملاً ومصنعاً بحيث لايمكن تبعيضه الا بالقسمة في ملكيته، الجواب ان الآية مطلقة، ومن الإعجاز فيها ان الإنفاق يقع على كل شئ، فيمكن للعبد ان يوقف شطراً او جزء من ماله او ارباحه او يوصي به، الا ان لغة التبعيض الواردة في الآية تتضمن التخفيف والتيسير والإجزاء بالقليل، وعناوين الثواب والأجر تجعل المسلمين يتنافسون في الإنفاق.
وقرأ عبدالله بن مسعود (حتى تنفقوا بعض ما تحبون) وفيه ان هذه القراءة بيانية وتفسيرية، واشارة الى عدم إنفاق الإنسان لكل ما ينفق وبيان حقه وحق عياله على نفسه، قال تعالى [ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ] ( ).
قانون الإنفاق
لقد أراد الله عز وجل للدين ان يكون ظاهراً في الأرض، وهذا الظهور على وجهين:
الأول: ان يكون بلا اسباب بل بآية من عند الله وبأمره [كُنْ فَيَكُونُ].
الثاني: وقوعه بالأسباب والعلل وهي على، قسمين:
الأول: ما يكون فضلاً من عند الله.
الثاني: ما يكون من عمل الانسان، وهذا العمل ليس انسانياً محضاً، بل انه بأمر ولطف وإعانة من عند الله عز وجل.
ولا تعارض بين الوجهين فاحدهما متمم للآخر، وأراد لهما الله ان يكون باباً لنيل المؤمن الثواب والأجر، والكافر العقاب، والإنفاق قانون ثابت في الأرض باعتباره مدداً وسلاحاً مالياً لبقاء كلمة التوحيد في الأرض، وهذه الآية من مصاديق تثبيت مضامينه وفيها بيان لنوع مادة الإنفاق، فحينما يهم الإنسان بالإنفاق يستحضر الآية ويستعرض امواله، ويرى ماذا يحب منها ليكون الإنفاق منه، فجاءت هذه الآية لتهذيب افراد ومصاديق الإنفاق منه وفيه عز للمنفق والمحسن من وجوه:
الأول: انتزاع خالص المال دلالة على صدق الإيمان، لانه لم يأت الا عن إمتثال للأمر الالهي.
الثاني: في إنفاق الطيبات شاهد على مكارم الاخلاق وحسن السريرة.
الثالث: الإنفاق دليل وامارة على السعة والغنى.
الرابع: انه عنوان الإقرار باليوم الآخر والمعاد.
وصحيح ان الإنفاق في ظاهره اخراج للمال من الملكية بدون عوض بعد سعي وكسب في تحصيله، الا انه بذاته كسب ونفع على نحو مركب:
الأول: الكسب الدنيوي بالإنفاق، ويحتمل وجهين:
أولاً: الكسب المادي.
ثانياً: الكسب المعنوي.
وكلاهما من ضمن منافع الإنفاق، وورد عن الامام علي عليه السلام انه قال: “اذا املقتم فتأجروا الله بالصدقة”.
الثاني: النفع الاخروي للإنفاق، وهذا اعظم من ان يحصى او يحيط به العقل الإنساني، لذا فان الآية جاءت لمنفعة الإنسان في الدارين، كما ان النفع من الإنفاق على قسمين:
أولاً: السلبي، وهو الذي يتعلق برفع البلاء ورد الاذى سواء في الدنيا او الاخرة، (وعن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة)( ).
ثانياً: الايجابي، وهو جلب النفع واكتناز الصالحات ونيل الثواب، وفيه مسائل :
الأولى: من تجليات الإنفاق انه قربة الى الله تعالى، فلم يؤت به رياء أو شهرة بل إمتثالاً لأمر الله عز وجل وإرادة رضاه، وهو تجارة رابحة في الدنيا والآخرة.
الثانية: من خصائص الإنفاق نيل البدل، فالله عز وجل يعوض العبد على ما انفقه وهذا التعويض لاينحصر بمقدار وكم وزمان الإنفاق، بل هو متصل دائم واللاحق منه اعظم واكثر نفعاً من السابق، فمنافع الإنفاق في الآخرة اعظم واكبر من منافعه في الدنيا.
الثالثة: من الآيات في الإنفاق انه نتيجة للخصال الحميدة ومقدمة لها، ويلتزم الأمر الدور للتباين الموضوعي بين افراد المقدمة والنتيجة، فالإنفاق مرتبة رفيعة في الأخلاق وهو مدخل للكمالات الإنسانية.
الرابعة: الإنفاق باب للرزق، وسبب لصرف البلاء، ووسيلة لكثرة الاصدقاء، وباب للإرتقاء في المقامات الاجتماعية.
الخامسة: في الإنفاق استجابة لامر الله تعالى سواء الواجب منه او المستحب.
ومضامين هذا القانون ثابتة في كل زمان، وتارة يأتي الإنفاق عن ميل الإنسان للعطف على الآخرين، وما يسمى بالعناوين الإنسانية واخرى يأتي إمتثالاً لامر الله، وموضوع هذا القانون هو الثاني، أي الإنفاق الذي يأتي استجابة لامر الله تعالى لان غيره لا يمتلك صفة الدوام، ويخضع لسلطان النفس الشهوية اوالغضبية، أما الإنفاق في سبيل الله فهو امر ثابت لانه عبادة وفيه تصديق بالنبوة، ولذا يشترط في الزكاة قصد القربة باعتبارها عبادة، ويكفي قصد اخراج المال بغرض الزكاة، بقيد عدم الرياء ونحوه.
وتعلق الحب بالأعيان في المقام فيه وجوه:
الأول: ما يدخره المرء ليوم فاقته.
الثاني: ما يسر صاحبه اذا نظر اليه.
الثالث: الذي جمعه بالجهد والعناء.
الرابع: الأموال التي جاءته تركة وإرثاً عن آبائه.
الخامس: المال الذي يكون سبباً للجاه والشأن.
السادس: الكسب الحلال الذي ليس فيه شائبة الحرام، او شبهة الباطل.
السابع: ما يظن ان إنفاقه يسبب نقصاً في امواله يصعب تداركه وتلافيه.
الثامن:حب الاستثمار واكتناز الاموال.
التاسع: ما يحب المالك ان يبقى ارثاً لاولاده وعوناً لهم في حياتهم.
العاشر: ما يحرص عليه الإنسان لأيام كبره وشيخوخته وعجزه عن العمل.
وجاءت الآية جامعة مانعة ، جامعة لوجوه وأسباب حب الأعيان والأموال الخاصة، ومانعة من الحصر والتقييد بنوع منها.
قانون إنفاق الحسن
جعل الله عز وجل حب الذات عند الإنسان ورزقه العقل، وجاءت الشرائع السماوية لتهذيب هذا الحب، وتقديم النفع الأخروي وعدم جعل المال غاية بذاته، بل اتخاذه وسيلة لنيل حب الله عز وجل واحراز مرضانه، فجاء الإسلام بالزكاة فريضة واجبة على المسلم وهي ما يجب في اموال خاصة بشروط مخصوصة، ومعناها اللغوي هو الطهارة والنمو، في اشارة الى النماء بسبب الزكاة، وهذا النماء اعم من ان يكون بذات المال فيشمل الجاه والشأن والعافية، ودفع البلاء، كما انه لاينحصر بالحدوث بل يشمل الإستدامة والتجدد، لذا فان تقييد الإنفاق بان يكون مما أحب الإنسان فيه وجوه :
الأول: انه مقدمة لجلب النفع، وتحصيل العوض، ونيل الثواب الأخروي.
الثاني: تطهير النفس من رذيلة الشح والبخل.
الثالث: توكيد حب العبد لله عز وجل، وتقديم طاعته على حب المال خصوصاً وانه ينفق المال من غير عوض مادي ظاهر، ولكنه يرجوه من عالم الغيب.
الرابع: الإنفاق تقرب الى الله تعالى، ولا يتقرب اليه سبحانه بالخبيث.
الخامس: إنفاق الحسن تركة إيمانية وأخلاقية للأبناء في لزوم تعاهد الزكاة.
السادس: إنفاق مايحبه العبد لا ينحصر بالكم او الكيف وحده، بل يشمل الكم والكيف بحسب القدرة والميسرة.
السابع: الإنفاق فيه ثلاثة أطراف المعطي والآخذ، والمال المدفوع.
ومضامين هذه الآية تؤكد على إكرام الآخذ، وبذل الوسع لإدخال السرور في نفسه ويتجلى هذا السرور بتعاهده للإيمان وطرد اليأس والقنوط من نفسه، وتقييد نيل البر بالإنفاق مما يحب المسلم دليل على تضحية المسلمين بأموالهم في سبيل الله، وجهادهم لأصلاح المعايش، وتعاهد النظام الأحسن وما هي النسبة بين الإنفاق والصدقة الجواب العموم والخصوص المطلق، فكل صدقة هي إنفاق وليس العكس.
وإنفاق الحسن ضرورة وحاجة للمسلمين، وتقوية صفوفهم، وصد العدو، وبعث الخوف في نفسه ومنعه من التعدي على حرمات المسلمين، مما يهيئ الفرص لإعادة المسلمين لكسب ما انفقوه، ولو تخلفوا عن الإنفاق لتعرضوا الى خسارة المال من الأصل، وعدم امكان تعويضه، فالإنفاق حرز وواقية لذات المال وباب للعوض والبدل، بالإضافة الى العوض الأخروي الذي يتجلى بالثواب العظيم.
فمن وجوه البر التي تذكرها الآية الكريمة نيل المراتب العالية في الدنيا، وإجتناب الذل والهوان وغلبة الاعداء، فلو داهم المسلمون عدو او أصابهم وباء ومجاعة، فان الإنفاق وسيلة لدفع الضرر والمشقة الزائدة، اذ انهم مأمورون بالإنفاق مطلقاً من غير تقييد بالحسن الذي يؤكده قوله تعالى (مما تحبون) فينفقون ما يستغنون عنه ممايكفي لصد العدو، او دفع المجاعة او أصلاح الحال، ولقال الاغنياء قد قمنا بالإنفاق، فتحصل أضرار اجتماعية واقتصادية ترجع حتى على الأغنياء وعلى كيفية اداء المسلمين للعبادات.
فجاءت هذه الآية بقانون (مما تحبون) وقيدت الإنفاق بان يكون حسناً ينتزعه الإنسان من خالص ماله كي يكون عوناً للدافع والآخذ وغيرهما في الدنيا والآخرة، فان قلت كيف يكون عوناً للآخذ وغيره الجواب: ان إنفاق الحسن والطيب من المال إعانة للفقير في قضاء حوائجه وسد رمقه ومناسبة لتقييده بأحكام الفرائض والعبادات، خصوصاً وانه يرى الغني يقوم بالإنفاق مما يحب من المال مع تقيده بالصلاة والصوم والحج، فيشعر الفقير بلزوم تقيده بها من باب الأولوية القطعية وانها جزء علة مما ورده، لان الذي دفعه لم يدفعه الا قربة الى الله تعالى، ورجاء ثوابه، وبإمكان الفقير احراز الثواب بالإمتثال في الفرائض وإجتناب المحرمات.
وأما غير الدافع والآخذ فانه يتأسى بالمنفق ان كان غنياً، ويقوم بمحاكاته وان لم يكن غنياً فانه يرجو الغني كي يتنافس في الإنفاق من الحسن والطيب، وان كان فقيراً فانه يرجو ان ينال من الحقوق الشرعية ويتوجه الى الله تعالى بالدعاء، لأن الدافع لم يدفع الا قربة الى الله تعالى.
وورد عن ابي الطفيل قال: اشترى علي ثوبا فأعجبه فتصدق به وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من أثر على نفسه أثره الله يوم القيامة بالجنة ومن أحب شيئا فجعله لله قال الله يوم القيامة قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف وانا أكافيك اليوم بالجنة( ).
لقد جاءت هذه الآية بامور:
الأول: توكيد قاعدة كلية وهي لزوم الإنفاق.
الثاني: الإنفاق طاعة لله تعالى.
الثالث: منع الفتور في الصدقة، وعدم جعلها تابعة لإدراك العبد للحاجة اليها، فقد يخطأ أو يصيب، او تغلب عليه النفس الشهوية والشح وتقديم الذات، والظن بالحاجة الشخصية المستقبلية.
وورد عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن هذه الآية فقال: (ان ينفق العبد المال وهو شحيح يأمل الدنيا ويخاف الفقر)( ).
الرابع: تقييد نوع الإنفاق بلزوم كونه محبوباً، وهذا الحب على اقسام:
الأول: ما يحبه المالك الذي يريد الإنفاق.
الثاني: ما يحبه المسلمون، وان لم يكن المالك يحب اقتنائه، وحينئذ يكون موضوع الإنفاق من الكلي المشكك وعلى مراتب متفاوتة، وبحسب الحاجة فقد يأتي قحط ومجاعة فتجعل الحنطة والشعير مما يحبه المسلمون ويتعلق الإنفاق الحسن بهما، باعتبار ان حب الأعيان يتولد عن الحاجة اليها.
وقد تحدث معارك مع الاعداء فيكون تهيئة السلاح للمقاتلين هو الحسن، وهكذا.
الثالث: العنوان الجامع للحب الشخصي والنوعي العام، والمندوحة في الإنفاق فمن ينفق مما يحبه يكون قد امتثل لمضامين هذه الآية، وكذا من انفق وفق ما يحبه المسلمون ويحتاجون اليه، والمال من الكلي الطبيعي الذي يصلح للوجهين بحيث يمكن توفير الحاجة به كماً وكيفاً ، وقد يحب المسلمون المؤون او السلاح، فيأتي من يتبرع بها فيبعث الغبطة والسعادة في نفوسهم ويزيدهم قوة ومنعة.
وجاء القرآن بالنهي عن إنفاق الخبيث قال تعالى [وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ] ( )، فما هي النسبة بيين الآيتين، الجواب: هي العموم والخصوص المطلق، فما يحبه الانسان لا يكون خبيثاً، ولكن الحب يتعلق بكل ما ليس بخييث للوسطية بين الخبيث والطيب المحبوب، فجاءت الآية بخصوص الطيب الحسن الذي يحرص المسلم على اقتنائه ابتداء واستدامة، فيتخلى عنه طاعة لله تعالى والفوز ببره في النشأتين لبره بإخوانه وأقاربه وأهل الحاجة والمسكنة، وليكون مساهمة في تقليص الهوة والفارق بين الأغنياء والفقراء، وهل ينحصر موضوع هذه الآية بالمال أم يشمل الجاه والشأن واكرام الضيف، الجواب: هو الثاني، فالآية مطلقة في باب الإنفاق وتدعو لبذل الجهد في إعانة المسلمين.
وصحيح ان الآية جاءت بالإنفاق مما يحب الإنسان وهو أعم من الحسن والأحسن كما تقدم في بحث اعجاز الآية الا انه لا يمنع من وجود ملازمة بين الحسن وتعلق الحب بالشيء، فلا يتعلق الحب الا بالشيء الحسن وان كان حسنه مؤقتاً وفرع العرف والحال والحاجة.
وهذا القانون وسيلة للنماء والبركة وسبيل لزيادة الخير وأسباب الرزق عند المسلمين سواء لما فيه من الإرتقاء ودفع الفاقة عن الفقراء، او في نزول الفضل الإلهي على المسلمين، لمعاني الصلاح التي تترشح عنه، ومفاهيم التهذيب وأسباب نشر الود والمحبة بينهم، وهل من صلة بين اسم(المحسن) وبين انفاق الحسن، الجواب نعم ولو بالواسطة فالمحسن اسممقتبس من الإحسان وفعل الخير، ويصدق الإحسان على انفاق الحسن وبعث السرور والبهجة في قلب الفقير.
بحث بلاغي
من وجوه البديع الإدماج وهو ان يقوم المتكلم بدمج غرض في غرض بحيث لا يظهر الى احدهما، او يدمج بديعاً في بديع للإشارة الى وحدة الموضوع او بيان المعنى، او ثبوت الحقائق فيحصل التبادر والتفصيل في الوجود الذهني، ويأتي الإدماج في الآية القرآنية على نحو التعدد، فصـحيح ان الآية جعلــت شــرطاً لنيل البر والثــواب الا انها تدل بالدلالة الإلتزامـية على قربه من المسلمين وفي مقدورهم، من وجوه:
الأول: ان الأصل هو الإسلام، والإنفاق فرع منه.
الثاني: في الآية بشارة السعة والغنى عند المسلمين، وامتلاك المسلم لما يحب، او انه يحرص على إستدامة اقتنائه، فتأتي الآية لتجعل الحرص والنفع في إخراجه نفقة في سبيل الله.
الثالث: أهلية المسلمين للإمتثال في باب الإنفاق وقهر حب الدنيا.
الرابع: بعث الفزع والخوف في قلوب اعداء الإسلام، فحينما يرون ايثار المسلم لأخيه على نفسه طاعة لله، ومبادرته للتصدق بأجود أمواله فانهم يدركون قوة الإسلام، ويترددون في التعدي عليه.
الخامس: اعطاء دليل عملي على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إستجابة اصحابه والمسلمين عامة لما جاء به من عند الله.
السادس: في الآية شــهادة بان دخــول الناس في الإسلام لم يكن للدنيا واحراز المصالح فيها، بل لنيل البر والإرتقاء في منازل التقوى والفلاح.
السابع: تنمي الآية في قلوب المسلمين حب لقاء الله عز وجل، وعدم الخشية من عالم القبر، لأن البر والإحسان واقية وحرز في النشأتين.
الثامن: جاءت الآية بصيغة المضارع الذي يفيد التكرر، والوقوع مرة بعد أخرى، واستدل عليه الزمخشري بقوله تعالى [اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ]( )، مما يعني عدم كفاية صرف الطبيعة ومسمى الإنفاق، بل انه أمر متجدد بحسب القدرة والميسرة، وحال الحاجة عند المسلمين وتعلق النفع بالإنفاق الشخصي او النوعي، فمن وجوه صيغة الجمع الإشارة الى احتمال الحاجة الى الإنفاق العام ومساهمة المسلمين جميعاً بالإنفاق وجمع الأموال كل بحسب قدرته.
بحث بلاغي آخر
(حتى) حرف لإنتهاء الغاية كالحرف (الى) ويقع بعدها فعل مضارع منصوب بـ(أن) مقدرة وهما معاً في تأويل مصدر والتقدير” لن تنالوا البر الا بالإنفاق مما تحبون” ولـ(حتى) معانِ متعددة فالى جانب مرادفتها لـ(الى) فانها ترادف (كي) التعليلية، و(الا) الإستثنائية، وبخصوص الغاية تحتمل وجهين:
الأول: دخول الغاية بعد (حتى) في حكم ما قبلها من المغيى كما في قوله تعالى [إِلَى الْمَرَافِقِ]( )، فقد جاءت السنة النبوية بلزوم دخول المرافق في غسل اليدين في الوضوء.
الثاني: عدم دخول الغاية في حكم المغيى كما في قوله تعالى [ وَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ]( )، فانها تدل على عدم دخول ما بعدها في حكم ما قبلها لعمومات قوله تعالى [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ]( ) وللسنة النبوية القولية منها والعقلية، وللنهي النبوي عن صوم الوصال وهو صيام يومين مع الليلة التي بينهما، او ثلاثة أيام مع الليلتين اللتين بينهما، وجاءت هذه الآية لتوكيد دخول الإنفاق في البر والتداخل بينهما، ومفهوم الآية هو تنالون البر والخير حين تنفقون مما تحبون.
وجاءت الآية لحث المسلمين على السعي لنيل المراتب العالية بالإنفاق والجود.

قوله تعالى [وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ]
بعد الحث والترغيب بالإنفاق وتقييده بالحسن وما يحبه صاحبه والمسلمون، جاءت خاتمة الآية بالاطلاق في الإنفاق، وعدم تقييده بما يكون محبوباً، ولكن هذا الاطلاق جهتي فهو خاص بعلمه تعالى، وقد أحاط سبحانه علماً بكل شيء فيبقى اصل الأمر التكليفي في إنفاق الحسن على حاله، فلا تعارض بين التقييد بالإنفاق الحسن في الآية وما جاء من الإطلاق في خاتمتها، للتباين الموضوعي والجهتي، فجاءت خاتمة الآية بخصوص علمه تعالى بما ينفق المسلمون، وفيه وجوه:
الأول: جاءت الآية بالأمر بالإنفاق، واكدت خاتمتها علمه تعالى بمدى امتثال المسلمين لمضامينها، وفيه حث وترغيب على المبادرة الى الاستجابة لما فيها من المضامين القدسية.
الثاني: عدم قيام الإنسان بالإنفاق مما يحب، لا يمنع من الإنفاق من غيره، والله واسع كريم، فجاءت الآية لرفع الحرج ودفع الضرر والإضرار بالذات، وهو سبحانه يقبل اليسير، ويعطي الكثير.
الثالث: جاءت (من) في قوله تعالى (من شيء) للتبيين والإخبار عن التعدد والكثرة في مصاديق الإنفاق، وما تشمل :
الأول : ما يحبه المسلم من الأشياء.
الثاني : الطيب والحسن مطلقاً.
الثالث : الوسط من المأكول والملبوس ونحوهما، كما ورد في قوله تعالى [إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ] ( ).
الرابع : إنفاق ما هو ادنى من الوسط وما لا يحبه الإنسان.
الخامس : مايحتاج اليه المؤمنون عامة والفقراء خاصة.
السادس : الكثير الوافي.
السابع : القليل والناقص والذي لايسد الحاجة، ومن صفات الله تعالى الثبوتية انه عالم وتتبين له الاشياء جميعاً، وتكون حاضرة عنده، ويتعذر عليها الغياب عنه، وعلمه تعالى حضوري وليس انطباعياً كما انه سابق لأوان الإنفاق ومقارن ولاحق له وهذا العلم ينفرد به الله سبحانه، وفيه لطف بالعباد فالله عزوجل ينعم عليهم بمضاعفة الأجر والثواب وزيادة الحسنات والهداية الى المزيد من الإنفاق.
ومن الإعجاز أن ترد الآية بلفظ (شيء) وهو سور جامع يقع على الأعيان والأموال والعناوين الإعتبارية، وافادته العموم والشمول، ويتعلق بقواعد فقهية هي:
الأولى: قاعدة نفي الحرج في الدين، فالآية تمنع من التردد في انفاق وبذل بعض الأعيان والأموال خشية ان لا تكون مما يتعلق بها الحب العام او الخاص، بل تحث على الإنفاق مطلقاً.
الثانية: قاعدة لا ضرر ولا ضرار، فقد يحرص المسلم على قيد الحب في الإنفاق بما يجعله يضر بنفسه ويعطي ما يحتاج اليه، ولا يبقى عنده الا ما لا يتقوم به، لأنه يتجنب انفاق ما لا يكون محبوباًَ عند الناس، فجاءت الآية للإذن بالإنفاق مطلقاً لرفع الحرج ودفع الضرر بالذات والغير.
الثالثة: حسن الإنفاق في سبيل الله مطلقاً، وأفضل وجوه الإنفاق هو بذل ما يتعلق به الحب.
وفي الآية اكرام للمسلمين وحث على دفع الزكاة والصدقات المستحبة، والالتفات الى نوعية وجنس الشيء الذي ينفقه والعناية به، فمتى ما ادرك العبد ان مولاه يرقب ويتابع عمله ويثيبه عليه فانه يحرص على اتيانه على اتم واحسن وجه، لقد اراد الله عزوجل للمسلم بهذه الآية ان يكون مستحقاً للخلافة في الأرض بالإمتثال لأوامره تعالى في باب العبادات البدنية والمالية، ومن خصائص الخلافة إنفاق الحسن والجيد وعدم اختيار الأردئ في الإنفاق.
لقد جاء القرآن بالإخبار عن حقيقة في الإرادة التكوينية هي ان الله عزوجل هو الذي يأخذ الصدقات قال سبحانه [أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ] ( )، وفي بعض الاخبار ورد استحباب تقبيل الإنسان يده عندما يقوم بالإنفاق لان الله عزوجل يأخذ الصدقة قبل ان تصل الى يد الفقير.
واخبرت هذه الآية عن علمه تعالى بالإنفاق مطلقاً وفيه ثناء على الله عزوجل لعلمه المطلق، وحث على المبادرة الى الإنفاق والإيثار، وزجر عن الإمتناع عنه وحبس الطيبات، واشارة الى الحساب والجزاء الأخروي، وهل في الآية انذار وتخويف من فقدان المال وما يحبه المسلم ان لم ينفق منه، الجواب لا يبعد ان يبتلى الإنسان بفقد بعض ما يملكه ان حبس ما يجب فيه من الزكاة والحق الشرعي وهو ظاهر مجموع الآية وتعلق نيل البر والخير بالإنفاق من الأحسن والأجود، كما ان الإنفاق باب لدفع البلاء والخسارة في المال، وعن الإمام الصادق عليه السلام: (ما من طير يصاد الا بتركه التسبيح، وما من مال يصاب الا بترك الزكاة) ، ومن الثابت في كل الملل السماوية ان الله عزوجل عليم بكل شئ لاتخفى عليه خافية في الازمنة المتعاقبة والأمكنة المتباينة وهو خالق الاشياء جميعاً قال تعالى [وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] ( ). فلماذا ذكرت هذه الآية علمه تعالى بإنفاق المسلمين على نحو الخصوص الجواب من وجوه:
الأول: لاتعارض بين ذكر علمه تعالى المطلق ، وعلمه في بعض الأمور والأشياء، لأن الخاص في طول العام وليس في عرضه.
الثاني: ذكر علمه تعالى بالشئ توكيد لأهميته ولزوم الإلتفات اليه، وهو على قسمين:
الأول: ذكر ما فيه نفع وأجر وحث على نيل مراتبه كما في قوله تعالى [وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ] ( ).
الثاني: الإخبار عن علمه تعالى بما فيه تغليظ وانذار وتخويف، كما في قوله تعالى [وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ] ( ).
وجاءت هذه الآية في منطوقها من الوجه الاول لما فيه من البشارة للمسلمين، واخبارهم عن رضاه تعالى بما تنفقون، وهذا لايمنع ان تكون في مفهومها من القسم الثاني، لأنها تقذف الندم والحسرة في قلوب الكافرين، لان عملهم في باب الإنفاق يذهب سدىَ.
وتبعث الآية الأمل في نفوس المسلمين بالعوض العاجل والآجل، فمادام الله عزوجل يعلم بالإنفاق فان حقائق مشرقة تتجلى امام بصر المسلم وفي الوجود الذهني وهي:
الأول: ان الله عزوجل ينظر مدى استجابة العبد لأمر الله على نحو القضية الشخصية، وإستجابة المسلمين متفرقين ومجتمعين لمضامين هذه الآية.
الثاني: تحث الآية على تعاون المسلمين فيما بينهم بالإنفاق في سبيله تعالى.
الثالث: خاتمة الآية توكيد لتقييد الإنفاق بان يكون مما يحبه المنفق ومن خالص امواله ليقدم شهادة مادية محسوسة على إيمانه واستعداده للتضحية في سبيل الله والمساهمة في تثبيت دعائم الدين.
واراد الله عزوجل لخاتمة الآية ان تكون عوناً للمسلم والمسلمة للتخلص من الكدورات الظلمانية وفيها طرد للتردد والخوف من الفاقة، لان الذي يعلم الإنفاق يعلم الحاجة وهو الذي يخلف على المنفق خيراً.
فتوكيد الآية على علم الله تعالى بالإنفاق اخبار عن الجزاء والثواب والنماء والبركة قال تعالى [وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ] ( )، فيتعلق الوفاء والجزاء بمطلق الإنفاق وليس بخصوص ما هو محبوب منه، لعظيم فضله الله وواسع رحمته، والإيفاء والجزاء فرع العلم الإلهي بالإنفاق.
ومن صفات الله تعالى الثبوتية أنه عالم، وجميع الأشياء متبينة له، حاضرة عنده لا تخفى عليه خافية، والعلم قسمان، علم حضوري، وعلم انطباعي، والثاني ممتنع عليه تعالى والإخبار عن علم الله تعالى بالإنفاق مدح وثناء عليه سبحانه، ولا ينحصر علمه تعالى بأوان ومقدار الإنفاق، بل انه يعلم به قبل وعند وبعد وقوعه، فحضور الأشياء عنده سبحانه دائم ومتصل، لذا فان الإنفاق تجارة وادخار لأيام الدنيا وعالم البرزخ ويوم القيامة، فالحث على الإنفاق مطلقاً، في طول تقييده بما تعلق به الحب، شاهد على حب الله للمسلمين، وهدايتهم الى ما يتقربون به الى رحمته.
بحث بلاغي
من أنواع الإطناب والزيادة “التكميل” ويسمى الإحتراس، وهو تتمة الكلام بما يدفع الوهم والترديد الظاهر في أوله، كما في قوله تعالى [يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا] ( )، فلو وقفت الآية عند برداً لتوهم انها تكون باردة بما يسبب الإنجماد او يفقدها اسمالنار وما فيها من اللهيب، ومنه قوله تعالى [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ]( )، فلم تقتصر الآية على وصف المؤمنين بالشدة على الكفار لأن مثل هذا الإقتصار يوهم باتصافهم بالغلظة، واستدامة حال الشدة عندهم، فجاء الإحتراس والتكميل بوصف حالهم فيما بينهم، وتغشي الرحمة والمودة بينهم، ومن الآيات ان الإحتراس لا يمنع من المعنى المستقل للتكميل بالإنفاق من الأحسن بالحث على الإنفاق مطلقاً، ويتجلى الحث والترغيب بالإخبار عن علمه تعالى بالإنفاق مطلقاً، في اشارة الى قبول الأعمال من المؤمنين، وان تعذر انفاق المحبوب او الإمتناع عن انفاقه بسبب الحاجة اليه او احتمال طروها لا يمنع من الإنفاق مطلقاً وقبول هذا الإنفاق، فضلاً من عند الله قال تعالى [وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ]( ).
فتكون وجوه الإنفاق هي:
الأول: الكثير مما يحبون.
الثاني: القليل مما يحبون.
الثالث: الكثير مما لا يحبون.
الرابع: القليل مما لا يحبون، وجاءت الآية بالحث على الوجه الأول والثاني، وتؤكد خاتمتها على قبول القليل مما يحبون وان الله يحتسبه وان كانت تحث على الأول، فقوله تعالى [وَمَا تُنْفِقُوا] أي سواء كان قليلاًً او كثيراً فان الله يعلمه ويثيب عليه.
والإطلاق في خاتمة الآية مقيد ببدايتها وان نيل البر لا يكون الا بانفاق الأحسن، واجتناب انفاق الخبيث وما هو حرام او يكون مقدمة للحرام قال تعالى [وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ] لمنع قصد الردئ من المال وانفاقه، لما فيه من الغضاضة وقلة الإنتفاع منه قال تعالى [وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ].



قوله تعالى [كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسرائيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] الآية 93.

الإعراب واللغة
كل: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، الطعام، مضاف اليه.
كان: فعل ماضِ ناقص، وأسمها ضمير تقديره هو.
حلاً: خبر كان منصوب بالفتحة، وجملة (كان حلاً) خبر المبتدأ.
لبني: جار ومجرور، متعلقان بقوله تعالى (حلاً).
اسرائيل: مضاف اليه مجرور بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف.
(الا ما حرم اسرائيل على نفسه)
الا: اداة استثناء، ما: اسمموصول في محل نصب على الإستثناء من اسمكان المستتر.
حرم: فعل ماضِ، اسرائيل: فاعل مرفوع بالضمة.
وجملة حرم لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول.
على نفسه: جار ومجرور متعلقان بحرم، ونفس: مضاف اليه، والهاء ضمير في محل مضاف اليه، وجملة الإستثناء حالية.
من قبل ان تنزل التوراة: من قبل: جار ومجرور.
وان وما في حيزها في تأويل مصدر مضاف لقيل، والتقدير، “من قبل تنزيل التوراة” التوراة: نائب فاعل مرفوع بالضمة.
قل فأتو بالتوراة فاتلوها
قل: فعل أمر مبني على السكون.
فاتوا: الفاء: فصيحة لأنها افصحت عن شرط مقدر أي ان كان حقاً ما تقولون فأتوا بالتوراة، أتوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل، بالتوراة: جار ومجرور متعلقان بأتوا، والجملة مقول القول.
فأتلوها: الفاء: حرف عطف، اتلوها: اتلوا: فعل أمر مبني على حذف النون، الواو: فاعل، الهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
ان كنتم صادقين: ان: أداة شرط، كنتم: فعل ماضِ ناقص في محل جزم فعل الشرط، التاء: اسمكان منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه (فأتوا بالتوراة).
الحل والحلال أي المباح من الأشياء الذي أجاز الله عز وجل للناس اكله وتناوله وتملكه، وهو ضد الحرام الذي نهى الله عنه، ومنع الناس من تناوله واخذه سواء ورد النهي في الكتب السماوية أو على لسان الأنبياء بالنص على ذات الشئ بالاسمأو بالصفة أو الجنس أو مصاديق القواعد الكلية في الحلية والحرمة.
والطعام اسمجامع لكل ما يؤكل، يقال طعم يطعم طعماً فهو طاعم ، اذا اكل أو ذاق، نعم قد يراد من الطعام عنوان خاص، فاهل الحجاز اذا أطلقوا لفظ الطعام أرادوا منه البر خاصة، كما ورد في حديث ابي سعيد الخدري: كنا نخرج صدقة الفطرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، صاعاً من الطعام أو صاعاً من شعير) ( ).
والصاع ثلاث كيلوات تقريباً ويراد بالطعام أحيانا التمر، خصوصاً اذا كان هو القوت الغالب في البلد، وقال الخليل: العالي في كلام العرب ان الطعام هو البر خاصة ويقال رجل طاعم أي يحسن الإطعام واكرام الضيف قال الحطيئة:
دع المكارم لاترحل لبغيتها واقصر فانك انت الطاعم الكاسي
في سياق الآيات
بعد مجئ الآية السابقة بالحث على إنفاق الطيب والحسن والأجود، جاءت هذه الآية لبيان منع الحرج في انواع الطعام، وحلية أكل الطيبات ، وفيه دعوة لدفع وقبول الصدقات، فصاحب المال والسعة اذا احس ان الفقير يمتنع عن اكل لحم أو طعام مخصوص فانه يتجنب دفعه له، فجاءت هذه الآية لترفع هذا الحرج وتخبر عن حلية لحوم الإبل من باب المثال الأمثل، بالإضافة الى ما فيها من لغة الإحتجاج بخصوص إبراهيم عليه السلام واثبات حقيقة عدم كونه يهودياً أو نصرانياً، فبعد الإحتجاج في ملة إبراهيم  جاءت هذه الآية لرد الشبهات بخصوص طعامه وما كان يحله وما يحرمه، وأكدت بان إبراهيم لم يحرم على نفسه لحم الإبل، وما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من تحليل لحم الإبل موافق لما احله إبراهيم لنفسه، لتأتي الآية التالية في الزجر عن الكذب باعتبار ان هذه الآية حجة بذاتها وموضوعها واحتجاجها، وتحث الآية التي بعدها على اتباع ملة إبراهيم واستقامته وجهاده من اجل كلمة التوحيد، وهناك تباين بين القول بانه كان يهودياً أو نصرانياً وبين الدعوة لإتباعه والدعوة بأنه من الرسل الخمسة اولي العزم.
اعجاز الآية
انتقلت هذه الآية الى البحث في أحكام الحلال والحرام عند بني اسرائيل وما يخص مأكلهم ومشربهم وبينت بلغة الإحتجاج والتوثيق السماوي التباين بين مايقولونه وما هو واقع تأريخياً في خصوص قصص الانبياء، وجاء الإستدلال بالتوراة آية اخرى، فمن افضل وجوه الإحتجاج ما يأتي على لسان الخصم او وفق مبناه ومرتكزه، والتوراة هو الكتاب السماوي الذي نزل على موسى عليه السلام، وتدل الآية على عدم التعارض بين القرآن والتوراة، وعدمه في التنزيل مطلقاً، وان آيات القرآن لو قارنتها بآيات ومضامين التوراة والانجيل لما وجدت هناك تبايناً أو اختلافاً.
ومن إعجاز الآية مجيؤها بلغة الإطلاق في حلية الطعام على بني اسرائيل، وعدم استثناء نوع مخصوص منه، وجاءت أسباب النزول بذكرلحم الإبل ودعوى تحريمه، ولكن الآية لم تذكره بالاسمبل جاءت مطلقة لوجوه:
الأول: عدم الحاجة الى التقييد .
الثاني:تمنع الآية من ادعاء تحريم نوع آخر من الطعام.
الثالث: جاءت الآية للاحتجاج ومنع الجدل واثارة الشبهات.
الرابع: في الآية تحد يتجلى بالدعوة لإخراج التوراة، ومسائلها متعددة، وهي أعم من موضوع حلية او حرمة طعام مخصوص فتشمل أحكام الحلال والحرام، والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والدعوة الى نصرته.
الخامس: طلبت الآية من بني اسرائيل ان يقوموا بتلاوة التوراة، ولاتعني التلاوة البحث عن موضوع مخصوص لقراءة ماجاء بصدده، ومعرفة حكمه كطعام الإبل وحليته، بل تعني قراءة التوراة بكاملها، ومن غاياتها معرفة مافيها من الأحكام ومن وجوه التحدي فيها العلم بتصديقها لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الخشية من إحتمال عدم ذكره فيها.
السادس: الآية مدرسة عقائدية تقوم على التخفيف والتنعم بالطيبات، مع ذكر الإستثناء على نحو القضية الشخصية بخصوص اسرائيل وهو يعقوب .
السابع: جعلت الآية التوراة حكماً وفيصلاً، ولم تكتف بحجتها القرآنية بل دعت الى ما في ايدي بني اسرائيل.
الثامن: شهادة القرآن على صدق نزول الأحكام الواردة في التوراة، ولا تتعارض الدعوة لإحضار التوراة مع الدعوة للإسلام، لأنها جاءت للإحتجاج ولتوكيد صدق وصحة أحكام الإسلام والمعنى فأتوا بالتوراة واتلوها ليتبين لكم صدق نزول القرآن من عند الله.
وهذه الآية حرز من التعدي على الإسلام، ومانع من اثارة الشبهات والشكوك في أحكامه، فابطال دعوى تحريم لحم الجزور زجر عن ادعاء غيرها، وتحذير للملل الأخرى من مثلها سواء في باب العبادات او المعاملات او الأحكام.
ويمكن نسمي هذه الآية بآية (كل الطعام) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
الآية حجة وبرهان في باب حلية الأطعمة ومانع من الإجتهاد المخالف للنص السماوي، والدعوة الى تحريم بعض الطيبات من غير دليل شرعي، وقد جاء الدليل باكرام بني آدم في حلية الأطعمة، والآية مادة للإحتجاج على بني اسرائيل، وحث لهم على الرجوع الى التوراة، ولاينحصر موضوع هذا الرجوع بالبحث عما حرم على بني اسرائيل بل هو سبب وعلة لمعرفة أحكام التوراة، والبشارات التي جاءت بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاءت الآية بصيغة الترغيب والحجة خصوصاً مع خاتمة الآية التي جاءت على نحو الجملة الشرطية في توكيد واثبات مايقولون،وترفع الآية الحرج عن المسلمين في المأكول والمشروب وهو من أهم المسائل الإبتلائية اليومية للإنسان في كل زمان ومكان، كما تمنع من وقوع الفتنة والخصومة فيه.
ومع ان موضوعها جاء بخصوص طعام معين وحلية أكله، فانه جاء من باب المثال من وجوه:
الأول: الدعوة للرجوع الى الكتب السماوية السابقة ولغرض الإحتجاج واثبات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: جاء ذكر التوراة من باب المثال، ويمكن ان يحتج المسلمون بالإنجيل والزبور على نزول القرآن من عند الله.
الثالث: تتعلق الآية بطعام الجزور، ولكن معناها أعم ويمكن ان تستنتج قواعد كلية في المقام وهي:
الأولى: الإتحاد في أحكام الحلية والحرمة في الأطعمة في الكتب السماوية المنزلة.
الثانية: ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق.
الثالثة: لزوم اجتناب أهل الكتاب للإحتجاج والجدال وإدعاء ما يخالف أحكام الإسلام، لأن التوراة والإنجيل خاليان من مضامين التعارض مع أحكام الإسلام.
ونفي التعارض بين القرآن والتوراة لا يعني اقتباس اللاحق من السابق، بل يدل على اتحاد التنزيل، لذا جاء ذكر التوراة كشاهد على بطلان دعوى حرمة لحم الجزور والذي يدل في مفهومه على صدق سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانها وحي وحق.

الآية لطف
تدعو الآية بني اسرائيل للجوء الى القرآن طوعاً وكرهاً والأخذ منه، وتتضمن التحدي والإحتجاج والدعوة للرجوع الى التوراة لبيان الحق واستظهار الحكم الشرعي وكشف الحقائق، وفيه آية على وحدة التنزيل وعدم الانقطاع والتنافي والتعارض بين الكتب السماوية، وكما بشر السابق باللاحق منها، فقد جاء آخر الكتب السماوية بالاستشهاد بها والحث على الرجوع اليها، وهذا الرجوع ليس على سبيل الوقوف عند احكامها أو الأخذ منها، بل اتخاذها عوناً وعضداً لتصديق احكام القرآن ومافيه من المواثيق والعهود والدعوة الى اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولاينحصر موضوع اللطف في الآية بالمسلمين بل هو عام وشامل للناس جميعاً، فمع انكار اليهود لنبوة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فان القرآن جاء باللطف بهم والتخفيف عنهم، وتنقيح اقوالهم وحثهم على الرجوع الى التوراة في باب الطعام، وهذا الحث لطف اضافي باليهود، وترغيب برجعوهم الى القرآن والإصغاء له في لغة الاحتجاج، كما ان الأمر في هذه الآية بالرجوع الى التوراة دعوة سماوية لهم ولغيرهم للتنزه من الإصرار على عدم الاستماع للقرآن، وهو لطف بالمسلمين من وجوه:
الأول: زيادة معارف المسلمين وإحاطتهم بسنن الانبياء وأحوال الأمم السالفة.
الثاني: الزجر عن التشديد على النفس وتحريم بعض ما احل الله، وما يؤدي اليه هذا التحريم من ظهور الخلاف بين المسلمين، فهو في حال وقوعه لادليل عليه، فيؤدي الى النفرة، ويجتهد كل فريق في بيان حجته ورد قول الفريق الآخر، فيكون باباً مستحدثاً للابتلاء والانشغال عن الوظائف ذات الأولوية.
الثالث:الإعتبار والإتعاظ من الأمم السابقة .
الرابع: الأهلية للاحتجاج والجدال، وجاء الإحتجاج هنا في مضامين الشرائع السابقة مما يدل على استحقاق المسلمين لخلافة الأرض، وسيادة الإسلام على الشرائع والمذاهب الاخرى.
مفهوم الآية
تدل الآية على تلقي بني اسرائيل حلية الطعام من عند الله عزوجل، وهذا التلقي يحتمل وجوهاً:
الأول: مجئ احكام حلية الطعام بالتوراة.
الثاني: ورودها في الكتب السماوية السابقة للتوراة.
الثالث: اخذها من سنة موسى عليه السلام القولية والفعلية.
الرابع: انها جزء من الحنيفية التي جاء بها إبراهيم عليه السلام.
الخامس:حلية الطعام سنة ثابتة عند الانبياء من أيام أبينا آدم عليه السلام، وتوارثتها امم الموحدين من بعدهم.
السادس: إصالة الإباحة والحلية، وعمومات كل شئ لك حلال حتى تعلم حرمته.
ولاتعارض بين هذه الوجوه، الا ان الآية اكدت على الوجه الاول منها، ولايعني هذا حصر الدليل به، ولكنه حجة قاطعة على بني اسرائيل من وجوه:
الأول:التوراة شاهد سماوي.
الثاني: يرجع اليهود الى التوراة ولا يعملون بما بعدها، فجاءت هذه الآية بذات المطلب، وعدم إثارة أسباب العناء عندهم.
الثالث: تدل الآية في مفهومها على تضمن التوراة لأحكام الحلال والحرام ولو على نحو الموجبة الجزئية.
الرابع: مجئ الآية بصيغة الماضي بقرينة الفعل الماضي (كان) شاهد على ان القول بحرمة بعض المأكولات أمر مستحدث.
الخامس: بيان فضل الله عزوجل على بني اسرائيل في حلية الأطعمة وعدم تحريم بعضها عليهم.
السادس: وحدة وتشابه الأحكام في الشرائع السماوية فيما يخص حلية الأطعمة ولو في الجملة، وتدل الآية على عدم الإفتاء بالتحريم من غير حجة ودليل، كما تؤكد على الرجوع الى التوراة باعتبارها عوناً وتعضيداً للقرآن .
ودعوة الرجوع الى التوراة ليست مطلقة في كل شئ بل جاءت للاحتجاج على بني اسرائيل والتخفيف عنهم.
إفاضات الآية
جاء القرآن بالاخبار عن إصطفاء بني اسرائيل من بين الأمم السالفة، وحلية الطيبات من الطعام من مصاديق هذا الاصطفاء، فالقول المستحدث بتحريمها انما هو تشديد على النفس، وخلاف الأصل والتنعم الواقعي بالإصطفاء على نحو يومي، وما فيه من معاني الشكر لله تعالى لذا جاء تحريم إسرائيل على نفسه لحم الإبل على نحو القضية الشخصية والأمر الخاص بواقعة وحال بدنية ومرضية، وهذه الآية دعوة للفرار الى الله عزوجل وحث على لزوم الرجوع الى الكتب السماوية في موضوع التحليل والتحريم، وعدم التجرأ في هذا الباب العقائدي ذي الشأن العظيم، ومع جحود اليهود برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فان القرآن يدعوهم في هذه الآية الى تعاهد معاني الإصطفاء في باب الأطعمة والتلذذ بالطيبات منها.
ولم يتركهم يشددون على انفسهم ويحرمون عوائلهم مما لذ من الطعام بدعوى التحريم، بل جاء بنفي التحريم ولو إكتفت الآية بذكر أصالة عدم الحرمة ربما لم يلتفت اليها اليهود، فجاءت بصيغة الإحتجاج الكريم النافع باللجوء الى التوراة وفيه درس في صناعة الجدل، ليبقى القرآن واسطة الفيض الالهي على الخلق، والرحمة المزجاة للناس جميعاً.
ان الله تعالى هو مظهر الكمالات والتجليات وتتجلى في هذه الآية من وجوه:
الأول: حلية الطيبات للأنبياء، وهو عنوان اكرام لهم.
الثاني: إطلاق حلية الأطعمة مناسبة للتوجه بالشكر والثناء على الله تعالى.
الثالث: دعوة الناس للإقتداء بالأنبياء في العبادات والمباحات وبيان عدم التفكيك بينهما.
الرابع: جذب الناس الى أحكام السماء بعدم تركهم يجتهدون في باب الحلية والحرمة، وبيان بطلان الإجتهاد في مقابل النص السماوي وتبين الآية سراً من أسرار الخلق وهو التأثير المطلق لله تعالى في نظام العالم.
اسباب النزول
في الآية أقوال:
الأول: عن ابن عباس قال:حرم اسرائيل على نفسه العروق وذلك انه كان يشتكى عرق النسا فكان لا ينام الليل فقال والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد وليس مكتوبا في التوراة، وسأل محمد صلى الله عليه وسلم نفرا من أهل الكتاب فقال ماشان هذا حراما فقالوا هو حرام علينا من قبل الكتاب فقال الله كل الطعام كان حلا لبن اسرائيل إلى ان كنتم صادقين) ( ).
الثاني: وعن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كل الطعام كان حلاً لبني اسرائيل الاما حرم اسرائيل على نفسه قال العرق أخذه عرق النسا فكان يبيت له زقاء يعني صياح فجعل الله عليه ان شفاه ان لا يأكل لحما فيه عروق فحرمته اليهود) ( ).
الثالث: أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال هل تدرى ما حرم إسرائيل على نفسه ان اسرائيل أخذته الانساء فاضنته فجعل الله عليه ان عافاه ان
لا ياكل عرقا أبدا فلذلك تسل اليهود العروق فلا يأكلونها( ).
وقال الطبرسي: أنكر اليهود تحليل النبي لحوم الإبل، فقال: كل ذلك كان حلا لإبراهيم فقالت اليهود: كل شي تحرمه فإنه محرم على نوح وإبراهيم وهلم جرا، حتى انتهى إلينا فنزلت الآية، عن الكلبي وأبي روق)( ).
وقالت اليهود للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،اذا كنت على ملة إبراهيم فكيف تأكل لحوم الإبل والبانها، مع انه حرام في دين إبراهيم، فجاء الرد الإلهي على شبهتهم وابطالها بهذه الآية بمعنى اعم من ابطال الشبهة، واكدت الآية ان الطعام كله كان حلالاً لبني اسرائيل وان لحم الإبل حرمه اسرائيل وحده على نفسه، وزمان إبراهيم سابق لزمان اسرائيل، كما ان تلك الحرمة لا تتعدى الى زمان غير زمان اسرائيل وكانت التوراة فيصلاً وحجة في المقام، لذا جاء التحدي بإحضار التوراة وبيان مافيها وموافقتها للقرآن.
التفسير
قوله تعالى [كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ]
بدأت الآية بإطلاق مبارك خال من التشديد، والحرج وهو من مصاديق تفضيل بني اسرائيل إذ احل الله عزوجل لهم الطيبات ولم يستثنِ بعضها، وهو مناسبة للشكر له تعالى بالقول والعمل، ومن أهم وجوه الشكر التصديق بالانبياء والتقيد بالأوامر الإلهية ومن مضامين فاتحة الآية الكريمة وجوه:
الأول: التوثيق السماوي لحقيقة من الإرادة التكوينية وهي أصالة حلية الطعام.
الثاني: الإخبار عن رجوع الأجيال السابقة من بني اسرائيل الى الأوامر الإلهية في الحلال والحرام.
الثالث: تصديق نبوة إسحاق ويعقوب عليهما السلام كما تقدم ذكرهما وذكر ما انزل عليهما وعلى الأسباط.
الرابع: جاءت الآية للإحتجاج، وهذا الاحتجاج على شعب:
الأولى: منع الإفتراء في باب الحلية والحرمة .
الثانية: التصدي لصيغ التحريف في باب حلية الطعام او حرمته.
الثالثة: تذكير بني اسرائيل بالنعم الإلهية المتتالية عليهم.
الرابعة: تلقين المسلمين الحجة على بني اسرائيل.
الخامسة: تعليم وتأديب وإرشاد المسلمين الى إجتناب الاجتهاد في تحريم بعض الأطعمة والتشديد على النفس.
السادس: حث المسلمين والناس على اللجوء الى القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معرفة ما هو حلال من الأطعمة وما هو حرام.
السابع: تأسيس قاعدة كلية في الأطعمة وهي أصالة الحلية، وهذه الأصالة تأريخية ثابتة منبسطة على الشرائع السماوية الا ما خرج من انواع الأطعمة بالدليل.
الثامن: لم تقل الآية (حلاً لليهود) بل ذكرت بني اسرائيل وبينهم وبين اليهود عموم وخصوص مطلق فمادة الإلتقاء النسبة الى اسرائيل وهو يعقوب بن اسحاق بن ايراهيم عليهم السلام، اما مادة الافتراق فهي من وجوه:
الأول: من بني اسرائيل من كان على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً، واليهود اسميطلق على اتباع موسى عليه السلام من الهود وهو التوبة، يقال هاد هوداً اذا تاب ورجع، ومقتبس من قوله تعالى [إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ] وقيل نسبة الى يهودا بن يعقوب.
الثاني: تقدم زمان بني اسرائيل على اليهود ومصاحبته لهم، فمن بني اسرائيل من لم يكن يهودياً لان اليهودية متأخرة زماناً عن زمان يعقوب واولاده الصلبيين واجيال من أحفادهم.
التاسع: الإعجاز في الإحتجاج بان يشمل الأزمنة والأجيال المتقدمة من بني اسرائيل، بما يدفع الشبهة ويقيم الحجة، ويفحم الخصم، مع ان الآية لم تأت للافحام اصلاً، بل جاءت للهداية والإرشاد، والدعوة الى الإسلام والتفقه في الدين والتخفيف عن النفس، ومنع الافتراء.
العاشر: ذكرت الآية بني اسرائيل، ولم تذكر الأمم السالفة قبلهم، كقوم نوح وهود بل وايام إبراهيم عليه السلام الذي هو جد اسرائيل مع انه كان على الحنيفية السمحاء، والعلة هي اقامة الحجة بالقدر المتيقن من الدليل ولان ادعاء التحريم تعلق بهم وبشريعتهم، ولم ينسبوه الى الأمم السالفة.
قانون اصالة الحلية
لقد أنعم الله عزوجل على الإنسان ان هيئ له الأطعمة والأشربة ليتغذى بها وتكون سبباً للنمو والتوالد والتكاثر بين الناس، وهي من مقومات استدامة الخلافة في الأرض، وبها يدفع شبح الموت عن الإنسان، فهي شاهد على استدامة العناية الإلهية بالإنسان وانه سبحانه لم يخلقه ويتركه سدى، بل جعل في الأرض اسباب دوام حياته، لذا فان الطعام والشراب من ابهى واعظم آيات الله في كل زمان، ومن بديع النظام التكويني الأحسن الذي انعم الله به على الناس ولا يمكن ان يتصور أفضل واحسن منه، ومن الآيات ان ترى في كل زمان ومصر نباتات تخرج من غير جهد للإنسان في زراعتها وسقيها بل تخرج بواسطة المطر وطيب التربة، كما تجد الطيور والاسماك وبعض الحيوانات البرية قريبة من الإنسان وجزء من رزقه لتكون موضوعاً لاشباع حاجات النفس الشهوية وتدارك النقص في القوى البدنية، وسببا لدفع العلل والأمراض، ومانعاً من الأوبئة في آيات لاتعد ولا تحصى تبدو جلية في زمن الثورة العلمية والصناعية ومدى انتفاعها من الزراعات.
ثم أنعم الله عزوجل مرة اخرى على الناس فجعل الأصل في الأشياء الإباحة والحلية الا ان يرد دليل شرعي خاص على الحرمة في المطعوم او المأكول وما حرم منها محدود وقليل، ولم يحرم الا لأنه يضر بالأبدان وحال النفس والتكاثر والتناسل والوجود الإنساني في الأرض، كما في الخمر والميتة والدم مثلاً، والدراسات الطبية قديماً وحديثاً اكدت هذه الحقيقة واثبتت ان الحرمة في بعض الأشياء حاجة للناس، وجزء من قوام مصلحتهم في الأرض، لذا فان المحرمات تخرج عن الطيبات بالتخصص لعدم انطباق الاسمعليها واقعاً وشرعاً وعقلاً، ولا عبرة بتلذذ جماعة او افراد بها، ممن غلبت عليهم النفس الشهوية واتبعوا الباطل وأصروا على العناد، والنهي الشرعي كاشف عن قبحها ولزوم الإمتناع عنها، خصوصاً وان الله جعل الطيبات متيسرة للإنسان، وكافية لحاجته في كل زمان، اما الضرورة فلها أحكامها الخاصة لانها تقدر بقدرها من جهة الجواز بما يكفي لسد الرمق، وقانون أصالة الحلية مطلق لإباحة الأشياء ولقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وجاءت هذه الآية الكريمة لتؤكد هذا القانون وتدعو لأن يكون متعارفاً عند الأمم ومانعاً من الاجتهاد في منع الطيبات أي ان الله عزوجل تفضل على الناس مرة أخرى ومنع الناس من حجب نعمه تعالى وحرمان انفسهم وغيرهم من الطيبات في الأكل والملبس والمشرب، وهذه الآية مصداق لهذا الفضل الالهي وحجة للناس في التمتع بأصالة الإباحة في الأشياء وانحصار الحرمة في الخبائث، وقد تنعمت الأجيال السالفة من ذرية إسرائيل ما قبل اليهودية بأصالة الحلية، وجاءت هذه الآية توكيداً للرحمة الالهية ومصداقاً عملياً لعظيم فضله سبحانه وارادته الخير والسعادة لبني آدم عامة، والمليين منهم خاصة.
وهذا القانون وسيلة مباركة لجذب الإنسان لأحكام الشريعة وجعله منقاداً لاحكام الحلال والحرام مطلقاً وليس في الأطعمة فقط ولكن هذا الجذب لم يأت لإرهاق المكلف في الميادين الأخرى، لان أصالة الإباحة مطلقة في الأشياء الا ان يرد دليل خاص.
وهذه الآية وان جاءت بصيغة الخبر الا انها تكشف عن قوانين ثابتة في الأرض وتبين الصلة بين الأنبياء السابقين وذراريهم من جهة وبين المسلمين من جهة اخرى باتحاد الماكول والمشروب، وأكل الطيبات وهي من فضل الله عزوجل على اليهود حتى مابعد نزول القرآن بحثهم على الرجوع الى مناهج آبائهم في الأطعمة والأشربة، فالأصل ان يتبع الناس النبي محمداً في سنن احكام الحلال والحرام واكل الطيبات وإجتناب الخبائث ولكن هذا لا يمنع من التذكير بحياة الأنبياء والأجداد من الصالحين للاقتداء بهم، فالآية ليست للحجة على اليهود فحسب بل هي دعوة لهم ولغيرهم لتهذيب الأحكام وعدم القول بحرمة الأشياء من غير حجة شرعية.
لقد غاصت هذه الآية في أعـماق مجتمـعات المـليين وجذبــــــتهم الى
قوانين السماء وجعلتهم امام حقيقة كونية يدرك الإنسان فيها غبطته وسعادته الا وهي أصالة حلية الأطعمة والأشربة و عدم جواز تحريم بعضها من غير دليل شرعي كما تؤكد هذه الآية ان الحلية والحرمة امران يرجعان للشارع المقدس ولايخضعان لإجتهاد ومزاج الإنسان، وبين الفقه والطب في المقام عموم وخصوص من وجه اذ ان الفقه يبين الحلال والحرام من الأطعمة ومصاديق كل واحد منهما، فيشمل الحلال ما هو واجب ومستحب ومباح ومكروه، اما المحرم فيختص بفرد واحد من الأحكام التكليفية الخمسة وهو الحرمة التي تعني ان الشئ منهي عنه شرعاً ويؤثم من يأتيه.
اما علم الطب فانه يبين المنافع والمضار في تناول الاشياء وخواص كل منها، ومع التحقيق تجد توافقاً بين الشرع والطب في آية اعجازية تدل على الحكمة الإلهية المتعالية وتعاهد الله عزوجل للإنسان في وجوده في الأرض بالشرائع السماوية، وجذب الإنسان، والمراد من الطعام في الآية هو المأكولات مطلقاً، ولاتدخل فيه الخبائث التي توارثت أمم المليين حرمتها وإجتنابها، ولا يتعارض هذا الاستثناء مع عدم اطلاق الحلية الوارد في الآية الكريمة للتسالم عليه لغة وشرعاً وعقلاً.
وتخرج الخبائث من معنى الطعام لأن القدر المتيقن منه هو الإطعام اي الأكل والتناول والإدخال في الفم والحلقوم، والخبائث منهي عنها، واما شرعاً فللأحكام المتوارثة بين الأمم التي تزجر عنها، وهذا لا يمنع من الكثرة والقلة في جنس المحرمات عند الملل والشرائع ولا يعني هذا الإختلاف في الكم التباين، للتسالم على إجتناب الخبائث، وهل يمكن إرادة الحنطة من لفظ الطعام الوارد في الآية باعتبار انه ينصرف الى هذا المعنى في لغة الحجاز، الجواب: لا، من وجوه:
الأول: افادة إطلاق الطعام بلفظ (كل) الوارد في أول الآية وهو سور جامع وعنوان للموجبة الكلية.
الثاني: جاءت الآية بخصوص بني إسرائيل والأمم السالفة وليس الألفاظ المتعارفة في لغة الحجاز.
الثالث: الآية في مقام بيان الحلال وإطلاقه.
الرابع: من الثابت واليقيني عند جميع الأمم ان الحنطة حلال ومباحة.
الخامس: جاءت الآية للإحتجاج على بني إسرائيل وادعائهم حرمة بعض الأطعمة وامتداد هذه الحرمة بالإستصحاب القهقري وشمولها للأنبياء من بني إسرائيل وآباء اليهود قبل أيام موسى عليه السلام ونزول التوراة عليه.
فالمراد من الآية كل الأطعمة من الطيبات سواء من الزراعات او من صيد البر او صيد البحر الا ما دل الدليل انذاك على حرمته.
ووردت الآية بذكر بني إسرائيل على نحو الخصوص، وهو اعم من الأنبياء من ذرية اسحاق ويعقوب، فيشمل الأسباط وابناءهم وهم كالقبائل في ولد إسماعيل، وجاء الفصل والتمييز في الاسمبين ابناء يعقوب وابناء إسماعيل، والحجة في هذا الذكر هي تثبيت أصل الإباحة والحلية، وتوكيد حقيقة تفضيل بني إسرائيل في زمانهم لا يعني تحريم المباحات، ولا حلية المحرمات، بل المباحات والمحرمات على حالها، فلا يصح الخلط بينهما في المصاديق، أو الإتحاد في الحكم.
وورود الآية بلفظ (كل الطعام) شاهد آخر على اكرام بني إسرائيل من وجوه:
الأول: صيغة الإطلاق في الحلية وعدم الحرمة.
الثاني: لم يرد لفظ (كل الطعام) الا في هذه الآية وفي حليته لبني إسرائيل.
الثالث: تلقي بني إسرائيل أحكام الطعام والزاد وحليته من عند الله عز وجل، وتبين الآية ان آباء بني إسرائيل كانوا ملتزمين بهذه الأحكام والتقيد بها عنوان للشكر، وإنتفاع من النعمة، وعدم التقيد بسنن الإباحة والحلية تشديد على النفس، وتجرأ في الحكم.
فجاءت الآية لإرشاد بني إسرائيل الى هذه النعمة والرجوع الى عمل الآباء في الإنتفاع من النعم، وفيه دعوة للمسلمين بأخذ أحكام حلية الطعام او حرمته من القرآن والسنة النبوية، لذا تجد الإبتلاء في هذا الباب قليلاً عند المسلمين، وحتى الأمور المستحدثة والمترشحة عن تقارب البلدان والإرتقاء الصناعي يمكن ارجاعها إلى الأصول الثابتة بخصوص الحلية والتذكية.
وفي الآية حصانة للمسلمين دون التعدي عليهم في حلية الطعام فلولا هذه الآية لجادلهم اليهود مثلاً بان ما حرم عند موسى عليه السلام وانبياء بني إسرائيل مما يتقيد به اليهود يجب ان يكون محرماً عند المسلمين لوحدة أصل الشرائع، فجاءت هذه الآية حجة لإسكات الخصم واقامة الدليل بان الأصل هو حلية الأطعمة وان المسلمين على الأصل الذي كان عليه الأنبياء والأولياء والصالحون.
وتدل الآية على تعدد انواع الطيبات التي رزقها الله بني إسرائيل، ومن الطعام ما كان يأتيهم من السماء كالمن وطائر السلوى.
وجاء قيد ووصف بني إسرائيل للاشارة الى ان أحكام التوراة خاصة بهم، لذا ورد الإحتجاج بها فهي حجة عليهم، وليس لهم ان يحتجوا بها على المسلمين، مع انها خالية من التعارض مع القرآن وللإشارة الى الحنيفية والإسلام الذي يتغشى الأزمنة بأفرادها الطولية المتعددة.

قوله تعالى [إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل عَلَى نَفْسِهِ]
هذا الشطر من الآية إستثناء من إطلاق حلية الأطعمة، وجاء الإستثناء مقيداً بوجهين:
الأول: وقوع التحريم من إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام.
الثاني: حصر الحرمة بالنفس والذات دون الغير.
وفي جهة صدور الحرمة وجهان:
الأول: صدور الحرمة من عند الله عز وجل بخصوص إسرائيل.
الثاني: صدورها من إسرائيل نفسه، فهو الذي حرم على نفسه بعض الأطعمة، والصحيح هو الثاني، وهو ظاهر الآية الكريمة لأنها جاءت بصيغة الفاعل فلم تقل الآية “الا ما حرم على إسرائيل” وفيه وجوه:
الأول: ان إسرائيل حرم على نفسه بعض الأطعمة ابتداء من عنده.
الثاني: حرمها إسرائيل ابتداء من عنده، والله عز وجل أمضى له هذا التحريم ولكن ابقاه خاصاً به.
الثالث: لم يحرم إسرائيل بعض الأطعمة الا باذن الله ابتداء واستدامة، وهذا الوجه لم يثبت، وظاهر الآية بخلافه، ولكن هل يحل للإنسان ان يحرم شيئاً على نفسه الجواب اذا كان المراد الحرمة التكليفية فالجواب لا، ولكن الحرمة هنا فيها وجوه:
الأول: ان الذي قام بالتحريم على نفسه هو نبي، وهو منزه عن الخطأ والذنب.
الثاني: هذه الحرمة عرضية وليس أصلية اي انها جاءت بالعرض كالنذر او اليمين والوفاء به وهما من الواجب بالعرض وليس بالذات والأصل.
الثالث: عدم تعدي الحرمة الى غير إسرائيل فمع انه نبي، فان الحرمة انحصرت به بالذات.
لقد أخبرت الآية عن إطلاق حلية الطعام لعموم بني إسرائيل، ثم عادت لتستثني من العموم شخصاً واحداً وهو نبي الله يعقوب عليه السلام وهذا الإستثناء يترشح منه إستثناء في إطلاق الطعام، اذ لابد ان يكون للتحريم مصداق مخصوص من الأطعمة ويحتمل وجهين:
الأول: المتعدد في المصداق بان يكون الذي حرمه يعقوب على نفسه اكثر من فرد واحد من الطعام.
الثاني: اتحاد الفرد الذي حرمه يعقوب على نفسه.
والصحيح هو الثاني من وجوه:
الأول: اصالة الإتحاد في باب التحريم، فيمكن تأسيس قاعدة وهي لو دار الأمر بين المتحد والمتعدد في التحريم الشخصي، فالأصل هو المتحد.
الثاني: قاعدة نفي الحرج، وإجتناب التشديد على النفس، خصوصاً وان يعقوب نبي من الأنبياء.
الثالث: ورود الأخبار والنصوص التي تدل على تعلق التحريم بفرد مخصوص وتقدمت الإشارة اليها في باب اسباب النزول وهي:
اولاً: روي عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ” أن يعقوب مرض مرضا شديدا فنذر لله نذرا أن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه البانها”( ).
ثانياً: اخذ يعقوب وجع العرق الذي يقال له عرق النسا، فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق، ولحوم الإبل، وهو أحب الطعام إليه، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة( ).
ثالثاً: حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبداً لله تعالى وسأل الله ان يجيز له فحرم الله ذلك على ولده، عن الحسن، ولكن الآية لم تخبر عن شمول غيره بالتحريم.
رابعاً: حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم الا ما حملته الحوايا والظهور، عن عكرمة.
خامساً: ان الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم الا ما على الظهر، ونقل القفال عن ترجمة التوراة: ان يعقوب لما خرج منحران الى كنعان بعث برداً الى عيصو اخيه الى أرض ساعير، فانصرف الرسول اليه، وقال: ان عيصو هو ذا يتلقاك ومعه اربعمائة رجل، فذعر يعقوب وحزن جداً وصلى ودعا وقدم هدايا لأخيه وذكر القصة الى ان ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل فدنا ذلك الرجل ووضع اصبعه على موضع عرق النسا، فخدرت تلك العصبة وجفت فمن اجل ذلك لا يأكل بنو إسرائيل العروق، نسبه الرازي الى بعض الروايات( ).
سادساً: قيل العروق، وكان به عرق النسا، فنذر ان شفى ان يحرم على نفسه أحب الطعام اليه وكان ذلك احب اليه فحرمه ونسبه الزمخشري الى القيل( ).
سابعاً: اشار عليه الإطباء بإجتنابه ففعل ذلك باذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء) وهذا التشبيه لم يثبت، فصحيح ان إسرائيل لم يحرمه الا باذن الله الا انه لا يعني الحرمة الإبتدائية، فنسبة التحريم الى الله عز وجل لم تثبت لذا جاءت الآية بدقة عقلية يشم منها عطر الإعجاز بان نسبت التحريم الى إسرائيل عليه السلام، واخبرت بانه قام بتحريم الطعام على نفسه.
ثامناً: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “كان إسرائيل اذا اكل لحم الإبل هيج عليه وجع الخاصرة، فحرم على نفسه لحم الإبل”.
تاسعاً: حرمه إسرائيل بنص ورد عليه.
عاشراً: حرمه كما يحرمه المستظهر في دينه من الزهاد للذة على نفسه( ).
وفي سبب وعلة تحريم إسرائيل لحم الجزور على نفسه، وجوه:
الأول: النذر والوفاء والتقيد به.
الثاني: الزهد في الدنيا.
الثالث: الانشغال بالانقطاع الى العبادة.
الرابع: المرض ووجع الخاصرة، والإصابة بعرق النساء، وحصول الألم عند اكل لحم الجزور.
الخامس: الحزن على يوسف اذ غاب عنه نحو عشرين سنة، قال تعالى [وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ] ( ).
السادس: شدة ما اصابهم من القحط كما يتجلى في بعث اولاده الى مصر ليمتاروا، واظهاره الحرص على الاحتفاظ بالناقة وعدم ذبحها لانها تتحمل العطش والجوع .
السابع: اليمين وبره بالحلف.
والمشهور هو الوجه الرابع، ولا يمنع من الإشتراك بين الوجوه أعلاه كلاً او بعضاً.
وهل يحتمل إرادة بني إسرائيل في قوله تعالى [إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل عَلَى نَفْسِهِ] كما يقال بكر ونزار ويراد بنو بكر وبنو نزار، الجواب: لا، من وجوه:
الأول: ورود حلية الطعام مطلقاً ثم ذكر الإستثناء وعلى نحو القضية الشخصية.
الثاني: قرينة صدور الحرمة من إسرائيل وليس من عند الله، وفيها نكتة عقائدية وهي ليس للنبي ان يحرم من عنده أمراً على اتباعه والناس مطلقاً، فالحلية والحرمة أمران من الإرادة التشريعية هما بيد الله .
الثالث: ورود القيد [عَلَى نَفْسِهِ] أي ان التحريم خاص لا يتعدى ذات يعقوب وما يأكله.
وتحتمل هذه الحرمة وجهين:
الأول: انها من التشريع لوجوه:
أولاً: ان إسرائيل نبي وما يحرمه يعتبر تشريعاً وان جاء بخصوصه بالذات دون غيره.
ثانياً: ذكر التحريم في القرآن على نحو الإمضاء، فلو كان أمراً عارضاً طارئاً لما ذكر في القرآن.
ثالثاً: مجيء الآية بصيغة التحريم وليس الإمتناع او الإجتناب.
الثاني: تحريم إسرائيل على نفسه طعام الجزور ليس من التشريع من وجوه:
أولاً: اختصاص أصل الحرمة والحلية بالله تعالى.
ثانياً: انحصار التحريم به نفسه، فيحمل على اليمين او النذر، فتكون الحرمة بالعرض وليس بالذات.
ثالثاً: بيان الإذن الإلهي ليعقوب لكي يحرم على نفسه بعض الأطعمة لا على نحو التشريع.
رابعاً: إفادة التحريم لذات يعقوب دون غيره دليل على علمه بحلية ما حرمه، وان الأصل في لحم الجزور هو الحلية وليس الحرمة.
خامساً: قيد [عَلَى نَفْسِهِ] يفيد دعوة الأبناء او الإتباع لعدم محاكاته وجاء توكيد هذا المعنى في لغة الذم التي تضمنتها هذه الآية للذين قالوا بعموم حرمة لحم الجزور.
وتحريم اسرائيل للحم الجزور قضية شخصية، وليس من التشريع بل جاء بالعرض خصوصاً وانه يتعلق بأمر مباح وهو الأكل من الطيبات.

بحث نحوي
يرد في اللغة الإستثناء وهو اخراج شيء من حكم شيء آخر، وتدل عليه احدى ادوات الإستثناء كما في قوله تعالى [وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ]( ).
وأدوات الإستثناء عديدة وأهمها (إلا) التي تتضمن معنى التنافي بين المستثنى والمستثنى منه، والإستثناء على أقسام:
الأول: الإستثناء المتصل: وهو الذي يكون فيه المستثنى والمستثنى منه من جنس واحد كما في الآية الكريمة أعلاه، وهو أهم وجوه الإستثناء وأبينها لأنه عبارة عن خروج جزء من الكل.
الثاني: الإستثناء المنقطع، وهو الذي يكون فيه المستثنى من غير جنس المستثنى منه كما لو قلت: صليت الفرائض اليومية الا النوافل، فالنوافل ليست من جنس الفريضة، وهو للإستدراك أقرب إلا انه من الإستثناء بالصناعة النحوية، لذا يصلح ان تأتي فيه (لكن) بدل (الا) ويدل على الصلة ووجود وجوه التقاء بين المستثنى والمستثنى منه وبين طرفي الإستثناء عموم وخصوص من وجه ويكون الإستثناء في مادة الإلتقاء.
الثالث: الإستثناء المفرغ: وهو الذي يكون فارغاً من المستثنى منه، كما لو قلت: ما صمت الا رمضان، وسمي هذا الإستثناء بالمفرغ لأن العامل قبل (الا) تفرغ لأخذ ما بعدها وهو قريب من الحصر، وقد يكون الكلام قبل (الا) غير مفيد، كما لو قلت ما نجح الا زيد.
ومن خصائص (الا) انها تصلح لأقسام الإستثناء الثلاثة المتصل والمنقطع والمفرغ، وقد جاءت الآية بذات الأداة (الا ما حرم إسرائيل).
ومن شرائط الإستثناء اتحاد الموضوع ولكن الآية اخبرت عن حلية الطعام مطلقاً لعموم بني إسرائيل ثم استثنت ما حرمه إسرائيل على نفسه، وإسرائيل ليس من بني إسرائيل كما لو قلت بني آدم فان آدم وحواء عليهما السلام يخرجان من هذا العموم، اما لو قلت الناس فانهما يدخلان في اللفظ، فكيف تستثني الآية ما حرم إسرائيل على نفسه وهو ليس من بني إسرائيل بل انهم يرجعون اليه في النسب سواء كان اليهود او المعنى الأعم الشامل لمن قبلهم من آبائهم، وفيه وجوه:
الأول: ان إسرائيل حرمه على نفسه فسرى التحريم الى ابنائه، وصار سنة جارية في عقبه.
الثاني: المراد من بني إسرائيل المعنى الأعم فيشمل إسرائيل، وهو ابوهم وينتسبون اليه.
الثالث: الآية في مقام الإحتجاج على بني إسرائيل، ومعناها انه ليس من طعام محرم على بني إسرائيل، وان هناك قضية في واقعة تخص أباهم إسرائيل لا صلة لها بشريعة موسى عليه السلام فيبقى الحكم على اصله.
الرابع: جاءت الآية لتثبيت حقيقة عقائدية وهي عدم مجيء موسى عليه السلام بتحريم شيء، وان التحريم كالإستثناء المنقطع، فبنو إسرائيل ابتداء من يوسف عليه السلام واخوته من الأسباط والى نزول القرآن لم يحرم عليهم من الطيبات شيء، وفي الآية تذكير بفضل الله على بني إسرائيل، وتعدد النعم الإلهية عليهم، وعدم التشديد عليهم في باب الأطعمة والأشربة كي يكون عدم التشديد سبباً للعبادة والصلاح، وقيد “على نفسه” للإخبار بان الأنبياء لم يستطيعوا ان يحرموا على بني إسرائيل شيئاً من الأطعمة فجاء تحريم إسرائيل لحم الإبل على نفسه خاصاً ولابد أنه بين هذا الخصوص، كما بينه الأنبياء من بعده سواء بالسنة القولية وأخبارهم عن حلية طعام الجزور، او الفعلية بعدم التقيد بحرمته.
ومع ان الآية للإحتجاج على بني إسرائيل بان الله عز وجل لم يجعل برزخاً شرعياً، ومانعاً بينهم وبين الطيبات، فان الآية تتضمن تزكية إسرائيل عليه السلام وامضاء تحريمه على نفسه نوعاً من الطعام وانه يختلف عن الذين ذمهم الله بقوله تعالى [وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ إفتراء عَلَى اللَّهِ] ( )، فالآية تشريف وإكرام إضافي للأنبياء، كما انها تؤكد أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته على الأمم، فهو لم يحرم على نفسه من الطيبات شيئاً ولم تشدد امته على نفسها، ولو كانت هناك خصوصية وحال أدت الى قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم او إجتناب طعام خاص فان المسلمين يستطيعون التمييز بين مختصات النبي وبين مصاديق التكليف التي تجب عليهم.
ولكن لماذا حرم إسرائيل على نفسه لحم الإبل، الجواب من وجوه:
الأول: إرادة صلاح بدنه ودفع العلل والأسقام.
الثاني: إجتناب الدرن وآلام عرق النسا.
الثالث: لأنه نذر ان لا يأكل فجاء التحريم بالعرض بواسطة النذر بعد ان مرض مرضاً شديداً، وهو المروي عن ابن عباس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ووردت مادة حرم نحو خمس واربعين مرة في القرآن تبين ان التحريم تشريع من عند الله بإستثناء الآية اعلاه من سورة الأنعام، وهي تدل على ان الحلية والحرمة أمران خاصان بالله عز وجل لأنها نعتت الذين حرموا ما رزقهم الله بانهم افتروا وكذبوا على الله، مما يعني ان الذي يريد ان يحرم شيئاً لا يستطيع التحريم الا ان ينسبه الى الله عز وجل، وهذا يدل على ان تحريم إسرائيل تم باذن من الله عز وجل بالإضافة الى مجيء هذه الآية التي تؤكده بالدلالة التضمنية الا انها تحصر التحريم بشخص إسرائيل.
واستدل الرازي بوجوه أربعة باعتبارها من جواب المفسرين فنذكرها هنا مع الإشكال عليها قال: “فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سبباً لحصول الحرمة، أجاب المفسرون عنه من وجوه:
الأول: انه لا يبعد ان الإنسان اذا حرم شيئاً على نفسه فان الله يحرمه عليه ألا ترى ان الإنسان يحرم امرأته على نفسه بالطلاق، ويحرم جاريته بالعتق، فكذلك جائز ان يقول تعالى إن حرمت شيئاً على نفسك فأنا ايضاً أحرمه عليك.
الثاني: انه عليه الصلاة والسلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده الى التحريم، فقال بحرمته وانما قلنا: ان الاجتهاد جائز من الانبياء لوجوه:
(الاول) قوله تعالى [فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ]، ولا شك ان الانبياء عليهم الصلاة والسلام رؤساء أولي الابصار، (والثاني) قال [الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ] مدح المستنبطين والانبياء أولى بهذا المدح، (والثالث) قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام [عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ] فلو كان ذلك الإذن بالنص، لم يقل: لم اذنت، فدل على انه كان بالإجتهاد، (الرابع) أنه لا طاعة الا لله وللانبياء عليهم الصلاة والسلام فيها أعظم نصيب ولا شك ان استنباط أحكام الله تعالى بطريق الإجتهاد طاعة عظيمة شاقة، فوجب ان يكون للانبياء عليهم الصلاة والسلام فيها نصيب لاسيما ومعارفهم أكثر وعقولهم أنور وأذهانهم اصفى وتوفيق الله وتسديده معهم أكثر، ثم اذا حكموا بحكم بسبب الإجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم، كما ان الإجماع اذا انعقد على الاجتهاد فانه يحرم مخالفته، والاظهر الاقوى ان إسرائيل صلوات الله عليه انما حرم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد، اذ لو كان ذلك بالنص لقال الا ما حرم الله على إسرائيل فلما أضاف التحريم الى إسرائيل دل هذا على ان ذلك كان بالاجتهاد وهو كما يقال. الشافعي يحلل لحم الخيل وابو حنيفة يحرمه بمعنى ان أدى اليه فكذا ههنا”( ).
اما إشكالنا عليها، فبالنسبة للوجه الأول أعلاه ففيه انه لا دليل على تحريم الله على الإنسان ما يحرمه على نفسه، والآية جاءت للإحتجاج على بني إسرائيل، والحلال ما احله الله، والحرام ما حرمه الله فليس للعبد ان يجعل الحلال حراماً بالنسبة له، وهو باب من ابواب نسخ الشرائع، وفيه تهاون في الدين، وتجرأ على الأحكام، وما ذكره من حرمة المرأة بالطلاق قياس مع الفارق لأن الطلاق تشريع، وايقاع يأتي متعقباً لعقد، وهو غير موضوع حلية او حرمة الأطعمة.
ولا دليل على ان الله يقول للإنسان ان حرمت شيئاً على نفسك فانا ايضاً أحرمه عليه وعلى إثبات الحرمة الإلهية بسبب الحرمة الشخصية، وظاهر كلامه الإطلاق وانه شامل للناس جميعاً ، وهو خلاف واسع رحمته تعالى بالعباد، “، قال الإمام الصادق عليه السلام: “حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره” ( ).
مما يدل على عدم جواز قيام الإنسان بالتشريع في باب الحلية والحرمة، ثم لو حرم الإنسان شيئاً على نفسه وحرمه الله عليه ثم عاد الإنسان عن الحرمة يعود الله عليه، لقد جعل الله عز وجل أحكاماً وسنناً ثابتة في أصل الشريعة تمنع الإنسان من مخالفتها.
اما الثاني فيما يخص اجتهاد النبي يعقوب عليه السلام وذكر الرازي عن المفسرين في جواز هذا الإجتهاد وجوهاً فأقول: أما الأول فان قوله تعالى [فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ] ( )، لا يدل على الإذن في الإجتهاد في الحلية والحرمة.
وجاء هذا الشطر من آية أول الحشر والآية نزلت بخصوص بني النضير وجلائهم من جزيرة العرب الى الشام، ليتعظ الناس ويدركوا حتمية ظهور الإسلام وانتصار راياته، اما الوجه الثاني الذي ذكره وان الله مدح المستنبطين والأنبياء اولى بهذا المدح.
فأحكام الحلال والحرام تستلزم الإنقياد والإمتثال، وان كان فيها استنباط فيتعلق ببيان هذه الأحكام وتثبيتها والإستدلال عليها، انما الآية جاءت للإحتجاج على بني إسرائيل، والإخبار عن تحريم إسرائيل على نفسه نوعاً من الطعام واخبار الله تعالى عن هذا التحريم.
أما الثالث في قوله تعالى [عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ ] فخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في درس وتعليم للمسلمين، ولا صلة له بموضوع حرمة بعض الأطعمة واستدامة هذه الحرمة على الذات.
أما الرابع وان الإجتهاد طاعة عظيمة، فلو تعارض الأمر بين الإجتهاد واتباع الأحكام الشرعية، فان الثاني هو الصحيح للفرار من الإجتهاد في مقابل النص والدليل، والتقيد بأحكام الحلال والحرام، وقوله: الشافعي يحلل لحم الخيل وابو حنيفة يحرمه فانه قياس مع الفارق، فان هذا الإجتهاد راجع الى النصوص بلحاظ التأويل والتفسير لمعانيها.
وقال الرازي “ظاهر هذه الآية يدل على ان الذي حرمه إسرائيل على نفسه فقد حرمه الله على بني إسرائيل، وذلك لأنه تعالى قال [كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ] فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني إسرائيل، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه، فوجب بحكم الإستثناء ان يكون ذلك حراماً على بني إسرائيل والله اعلم “( ).
ولكن ظاهر الآية هو حصر التحريم الشخصي بإسرائيل دون غيره وبلغة الإخبار عنه وليس التشريع السماوي بلحاظ قيد “على نفسه” فكأن إسرائيل يقول لهم انما التحريم خاص بي ولأسباب شخصية بدنية او عبادية، للمنع من أن تصبح مسألة ابتلائية لبني إسرائيل واشارة الى عدم وجوب التقيد بالأحكام الشرعية التي لا تفيد العموم، او اتباع المسألة والحكم الشخصي، والقدر المتيقن من الآية هو صحة التحريم بالنسبة لإسرائيل دون غيره، وان الطيبات كلها حل لبني إسرائيل.
ومن الإعجاز في المقام ان إسرائيل ليس من بني إسرائيل بل هو ابوهم، وهو نبي، ليكون فضل الله على بني إسرائيل متصلاً ابتداء واستدامة من غير ان يكون فيه تحريم لشيء من الطيبات الى ان نزلت التوراة.

قوله تعالى [مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ]
بعد تعيين مورد الإستثناء وهو خاص بشخص يعقوب عليه السلام جاء هذا الشطر من الآية للإخبار عن تحديد زماني لهذا التحريم وانه خاص بزمان قبل نزول التوراة، ولكنه أمر معلوم بلحاظ ان التوراة لم تنزل الا بعد أيام يعقوب، وفيه مسائل:
الأولى: تعلق الآية بالنسخ وجوازه، فقد كان بنو إسرائيل ينكرون حصول النسخ في الشرائع ويقولون ان شريعة موسى لا تنسخ فجاءت هذه الآية للإستدلال على حدوث النسخ بان إسرائيل حرم على نفسه طعاماً كان حلالاً فصار حراماً عليه وعلى اولاده فقد حصل النسخ( ).
الثانية: يدل قوله تعالى [فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ] ( ) على ان الحرمة لاحقة، وجاءت بعد زمان نزول التوراة وهي نوع عقوبة وتأديب، والأصل الإباحة، فانكر اليهود كون الحرمة حادثة ومتجددة، وقالوا انها محرمة على الأنبياء ومنهم إبراهيم عليه السلام، فجاءت الآية تتضمن الإستدلال بالتوراة والدعوة الى الرجوع اليها.
الثالثة: بينت الآية حلية الطعام قبل نزول التوراة مطلقاً في الزمان والشرائع، فليس من شريعة جاء فيها تحريم الطيبات، بما فيها الشريعة التي يعمل بها إسرائيل النبي، فلم يحرم عليه ابتداء شيء من الطيبات ولكنه ولأمر عارض حرم على نفسه طعاماً خاصاً، وفيه مدح للنبي بجواز ان يحرم على نفسه نوعاً من الطعام بالنذر او اليمين اوالعهد ونحوه، فتعلق الآية بالزمان خاص بما قبل نزول التوراة وليس أوانها او بعدها.
الرابعة: جاء توثيق تحريم إسرائيل لنوع من الطعام في القرآن في موضوع الإحتجاج على بني إسرائيل، وهو نوع تشريف واكرام له ودعوة للرجوع الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مضامين الحلية والحرمة موضوعاً وحكماً.
الخامسة: أكدت الآية بان التوراة كتاب نازل من السماء يتضمن الأحكام الشرعية، وهو كافِ للإستدلال على بني إسرائيل في باب الحلال والحرام من الطعام.
السادسة: كما جاء القرآن برد إدعاء اليهود بان إبراهيم كان تابعاً لملتهم في قوله تعالى [يَاأهل الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإنجيل إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ]، فكذا جاءت هذه الآية لتخبر بان التوراة انزلت بعد إسرائيل وليس في زمانه وانه لا يجوز العمل بحرمة طعام مخصوص لنبي من الأنبياء في زمان ما قبل نزول التوراة، فالمدار على التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، وهي لا تتعارض مع القرآن، والسنة النبوية في حلية الطيبات وجواز اكل لحم الإبل والبانها.
لقد جعلت الآية موضوعية لنزول التوراة , وتتعلق هذه الموضوعية ببني إسرائيل عامة في حجة عليهم، وهل تشمل الذين انتقلوا منهم الى الإسلام, الجواب: لا, لان الآية جاءت للإحتجاج على اليهود, فلا تشمل الذي اصبح مسلماً من بني إسرائيل, فهو يتقيد بأحكام الحلال والحرام وفق الشريعة الإسلامية، كما تجعل الآية اعتباراً لأوان نزول التوراة من وجوه:
الأول: عدم جواز الاستصحاب القهقري لأحكامها.
الثاني: من اسرار الآية انها تمنع من القول باتحاد الحكم بين زمان ما قبل نزول التوراة وما بعدها, على نحو الإطلاق اذ ورد إستثناء إسرائيل.
الثالث: عدم وجود التوراة قبل موسى وان شطراً من بني إسرائيل كانوا على حنيفية إبراهيم وهي التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه دعوة لبني إسرائيل لدخول الإسلام.
الرابع: في الآية تشريف واكرام لموسى عليه السلام بنزول التوراة عليه وما لها من الاعتبار والشأن في تأريخ العقائد.
الخامس: في الآية توكيد بأن إبراهيم ليس يهودياً أو نصرانياً, فإذا كان إسرائيل وهو حفيد إبراهيم سابقاً في زمانه على التوراة فمن باب أولى ان يكون إبراهيم سابقاً لها, ولم يعمل بأحكامها.
السادس: في الآية اشارة الى عدم جواز خروج بني إسرائيل على ما في التوراة من الأحكام والقواعد الشرعية, فمع ان إسرائيل نبي فانه حرم على نفسه طعاماً مخصوصاً في زمان قبل التوراة, وعلى فرض أن زمانه كان بعد نزول التوراة فهل يحرم على نفسه شيئاً ام لا؟ الأقوى لا, لان بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام يتبعون شريعته ويعملون بسننها.
فإن قلت: ان إسرائيل نبي وليس من عامة بني إسرائيل، قلت: ان الأنبياء بعد موسى عليه السلام عملوا بشريعته وما جاء في التوراة الى حين نزول الإنجيل.
فإن قلت: ان كان إسرائيل نبياً رسولاً فهل يشمل حكم الانبياء، قلت: من الثوابت العقائدية انه ليس من رسول بين موسى وعيسى عليهما السلام.
ولو قالت الآية بحلية كل الأطعمة لبني إسرائيل, ولم تذكر إستثناء إسرائيل وتحريمه لبعض الأطعمة على نفسه لكان كافياً، خصوصاً وانه ليس من بني إسرائيل والتوراة انزلت من بعده.

قوله تعالى [قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا]
انتقلت الآية الى صيغة اخرى من الخطاب بالأمر الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهل هذا الأمر خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ام انه عام يشمل المسلمين، الجواب: هو الثاني، فالخطاب انحلالي و موجه للمسلمين أيضاً بواسطة الرسول الأكرم للإحتجاج على بني إسرائيل ولا تنحصر فوائده بلغة الإحتجاج والجدل، فمن منافعه للمسلمين أمور:
الأول: الإرتقاء في المعارف الإلهية.
الثاني: الإحاطة والمعرفة والعلم بسنن الانبياء.
الثالث: الإحتراز من البدعة في الدين، والفرار من القيام بتحريم الحلال وتحليل الحرام.
الرابع: بيان فضل الله على المسلمين في وضوح أحكام الشريعة الإسلامية وتعاهد المسلمين لها.
الخامس: الآية من مصاديق العز والرفعة عند المسلمين لانهم يستطيعون إقامة الحجة على أهل الملل الاخرى ومن كتبهم، فالقرآن حجة، وكل آية منه حجة قائمة بذاتها، ومع هذا اشارت الآية على المسلمين ان يحتجوا على اليهود من كتبهم.
وجاءت الآية بخصوص زمان ما قبل نزول التوراة، ولكنها جعلت التوراة مادة ووسيلة للإحتجاج ومرجعاً للاستدلال وهذا تشريف إضافي للتوراة واقرار بنزولها من عند الله عز وجل، وشهادة على صحة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه للنبوات والكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء.
وتضمن هذا التصديق اسراراُ وعلوماً متعددة منها:
الأول: اعتبار هذه الكتب فيصلاً وحجة وبرهاناً في الجدل والإحتجاج.
الثاني: من مصاديق صحة نزول القرآن من عند الله انه يدعو للرجوع للكتب السماوية السابقة.
الثالث: القرآن حجة على أولئك الذين يتبعون تلك الكتب، اذ كيف يرجع القرآن الى تلك الكتب لتوكيد ما فيه من الأحكام والقواعد، وأتباعها يصرون على انكار نزوله من السماء، ومع هذا الانكار فان القرآن لم يقابلهم بالمثل بل جاء بكشف الحقائق وابطال الشبهات، ولو كانت الشبهات آتية من عند الكفار وأهل الضلالة لكان الأمر هيناً، ولكنها جاءت من أهل الكتاب والذين بشروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على لسان انبيائهم، الذين دعوا ايضاً لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته.
الرابع: فضح التحريف الذي طرأ على الكتب السماوية، فالقرآن يصدق ما هو حق.
وبشارة الانبياء برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوتهم لنصرته زجر وتحذير من محاربة النبي ومقاتلة المسلمين، وهل للآية والدعوة لإحضار التوراة دلائل خاصة بموضوع القتال، الجواب: نعم، لان إحضار التوراة مناسبة كريمة لتوكيد البشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويمكن ان تكون الآية تحدياً خاصاً وتعجيزياً، لان اليهود لا يستطيعون إحضار التوراة، ولأن إحضار التوراة أمر ممكن والآية شاهد عليه، فتثبت الآية وجود التوراة بيد اليهود وانها عندهم أيام نزول القرآن.
فإن قلت: ان يد التحريف طالت التوراة التي عند اليهود فكيف يتم الإحتجاج بها، والجواب على وجوه محتملة:
الأول: إرادة التوراة الأصلية التي لم تطلها يد التحريف.
الثاني: كفاية التوراة الموجودة عند اليهود زمن التنزيل للحجة واقامة البرهان.
الثالث: التوراة الموجودة زمن نزول الآية على شعبتين:
الأولى: التوراة الأصلية التي لم تحرف وهي عند بعض علماء بني إسرائيل.
الثانية: التوراة المحرفة.
ونزلت الآية بخصوص الاولى التي لم تحرف.
الرابع: إرادة المعنى الأعم للتوراة، فسواء كانت التوراة الاصلية او المحرفة فانها كافية للاستدلال بالمقام خصوصاً وان موضوع حلية الطعام ليس من المواضيع الراجح وصول التحريف لها،، ومن أهم مواضيع التحريف نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارات التي وردت فيه على لسان الأنبياء السابقين.
الخامس: جاءت الآية للتحدي، ويكفي اخراج أي نسخة من التوراة لاقامة البرهان.
والصحيح هو الثاني والرابع، والدليل أصالة الإطلاق، وموضوعية منع مواجهة التحدي بالجدل، فاذا طلبت التوراة الاصلية ادعوا ان التي بأيديهم هي التوراة، فجاءت الآية للمعنى الاعم، وكفاية التوراة التي في ايدي اليهود لاقامة الحجة عليهم وفيه وجوه:
الوجه الأول: وجود الحجة في اكثر من موضوع في التوراة مما لم تصل اليه يد التحريف.
الوجه الثاني: ان الله عز وجل حفظ موضع الاستدلال في التوراة من التحريف، وفي هذا الحفظ وجوه:
الأول: انه حجة على بني إسرائيل.
الثاني: فيه إعجاز للقرآن بأن تحفظ آيات ومضامين الكتب السابقة التي يأتي القرآن ليحتج بها، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن بان تكون آياته ظاهرة في مضامين الكتب السابقة.
الثالث: في الآية دليل على حاجة الكتب السماوية السابقة للقرآن.
والحاجة في المقام من وجوه:
الأول: تثبيت صدق نزولها من عند الله.
الثاني: توثيق ذكرها واسمائها الى يوم القيامة باعتبار ان القرآن هو الكتاب الباقي الى يوم القيامة.
الثالث: جعل هذه الكتب دليلاً وحجة وشاهداً على التأريخ.
فإن قلت: الا يعتبر استدلال القرآن بالكتب السابقة عنواناً لحاجته اليها، الجواب: لا، من وجوه:
الأول: ذكرت الآية التوراة كشاهد بعد بيان القرآن بذاته للحجة.
الثاني: ورد ذكر التوراة للإحتجاج على اليهود ومن صيغ الإحتجاج ان يأتي النقض والابرام بشهادة الخصم بما عنده.
الثالث: جاءت الآية لتوكيد صدق القرآن وأحكامه ومضامينه والإتيان بالشاهد وذكره لا يعني الحاجة الذاتية له، بل لكشف حقائق خاصة في مسألة شرعية وتأريخية، اما المسلمون والذين يصدقون بالتنزيل ويتعاهدون الإقرار والإعتراف بالنبوة فانهم لا يحتاجون الرجوع الى التوراة، لاكتفائهم بما في القرآن من الأحكام وأوامر الحلال والحرام.
الرابع: فيه توكيد لصدق اخبار القرآن في الأمم السابقة، وهو من مصاديق تبيان القرآن لكل شيء.
الوجه الثالث: الإشارة بالدلالة الالتزامية الى تعلق التحريف بموضوع النبوة والبشارات بالنبي محمدصلى الله عليه وآله وسلم، وهذا لا يعني حصر التحريف به.
الوجه الرابع: قاعدة نفي الحرج فلم يطلب القرآن منهم الاستدلال بما يشق عليهم تحصيله، او يتعذر عليهم الاستدلال به لغيابه عنهم, وفي الجهة التي يتوجه لها الإحتجاج وجوه:
الأول: انه خاص بالعلماء من بني إسرائيل.
الثاني: الإحتجاج عام فيشمل العلماء وغيرهم من عامة بني إسرائيل.
الثالث: الدعوة الواردة في الآية خاصة بأهل الجدل واللجاج والذين يحرمون بعض الأطعمة من غير دليل شرعي سواء من القرآن او التوراة.
الرابع: الخطاب موجه للمسلمين، أي ان المسلمين مطالبون بإحضار التوراة لتلاوتها.
والصحيح هو الثاني فالإحتجاج عام لا ينحصر بالعلماء من بني إسرائيل، نعم الحجة على العلماء اكبر، والخطاب ليس من الكلي المتواطيء بل هو من الكلي المشكك في جهته وقصده، فالعالم مقصود بالخطاب اكثر من غيره، والحجة عليه اكبر، خصوصاً وانه قرأ التوراة واطلع عليها.
فإن قلت: ان القرآن ذم قوماً منهم واخبر عن عدم تلاوتهم للتوراة كما في قوله تعالى [ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ…. ] ( )، فهل يستثنى هؤلاء من الآية، الجواب: لا، فإن مضامين التحدي فيها تشملهم، وفيها حجة عليهم، فالجمع بين الآيتين يدل على عدم العلم بالكتاب المنزل واسراره وهو سبب وجزء علة لدعوى تحريم بعض الأطعمة التي لا أصل لها.
ومن اللطف الإلهي ان جاءت هذه الآية القرآنية بصيغة المثل القريب والحجة الواضحة، اذ استدلت بآنات الزمان المتباينة ولما للسابق والمتأخر من أفراده الطولية من موضوعية في معرفة أوان تشريع الأحكام والعمل بها.
ومن جهة مقاصد الأمر بالاتيان بالتوراة أمور:
الأول: إرادة التحدي وان الله عز وجل يعلم ان التوراة التي انزلت غير موجودة بين ايديهم.
الثاني: الآية حث على السعي للحصول على التوراة والبحث عنها، وهذا الحث فيه اقسام:
الأول: علمه تعالى بانهم لن يجدوا التوراة.
الثاني: تحث الآية بني إسرائيل على الرجوع الى علمائهم ومعرفة أحكام التوراة.
الثالث: تدل الآية بالمفهوم على الرجوع الى القرآن باعتبار انه الجامع للكتب السماوية، فحينما تقول الآية (فأتوا بالتوراة) أي فارجعوا الى القرآن الكريم.
الرابع: جعل الرجوع الى التوراة في هذه المسألة مقدمة للرجوع اليها في البشارات الخاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
اما الاول اعلاه فان التحدي جاء على سبيل الواقع، وان الآية تؤكد وجود التوراة عند اليهود لانها تضمنت نفي تحريم بعض الأطعمة فيها، والاستدلال على هذا النفي بإحضار التوراة، فإحضار التوراة وقراءتها هنا رحمة ببني إسرائيل وهو شاهد على فضل الله عليهم بنزول التوراة ونزول القرآن أي ان الفضل مركب ومتصل، فبالقرآن تبقى النعم الإلهية، وهذا الإحتجاج عنوان للطف الإلهي ببني إسرائيل ودعوة لهم للايمان.
اما الأمر الثاني فهو صحيح لأن تجديد البحث والسعي لمعرفة ما في التوراة من القصص والوقائع والأحكام، يؤدي الى التصديق بالقرآن، والتخلص من الجدل واثارة الشك وبالنسبة للقسم الأول فان إرادة عدم ايجاد التوراة أمر بعيد عن المقاصد الشريفة في الآية، والعكس هو الصحيح، اما الثاني فالآية لا تحث بني إسرائيل على الرجوع الى علمائهم، انما هي تطلب من بني إسرائيل كافة الرجوع الى التوراة، والظاهر ان هذا الرجوع من غير واسطة العلماء او غيرهم، لان الآية جاءت في مقام الإحتجاج ومنع التحريف، ودفع الحرج، والاخبار عن عمل كل مكلف من بني إسرائيل ولزوم بذل الوسع في التحقيق ومعرفة الحقيقة بنفسه.
ولكن هذا لا يمنع من جواز الرجوع الى العلماء لسؤالهم وطلب الحقيقة، بمعنى ان انكار العالم لما ورد في هذه الآية من المضامين حجة عليه وكاشف عن إصراره على التحريف والتغيير، ويتم هذا الكشف بالرجوع الى التوراة وتلاوتها وعدم الاكتفاء بسؤال العالم، وكل عالم يعلم ان الناس يبحثون عن الكتاب الذي فيه أصل التشريع فانه يحذر اعلان مخالفته له لان هذه المخالفة تجعله يخسر منزلته عند الناس ودرجته في مقامات العلم ورجوع الناس اليه.
اما القسم الثالث فهو صحيح ولكنه لا يتعارض مع ظاهر الآية، لأن الأمر الوارد في الآية يدل على الرجوع الى التوراة للإحتجاج واقامة البرهان.
أما القسم الرابع فهو صحيح، وهو احد الغايات السامية في نزول الآية، لان الرجوع الى التوراة يفتح الباب امام تداولها من جديد، لذا جاءت دعوة الانبياء الناس لان يكونوا ربانيين وأهليتهم لهذه المنزلة بما عندهم من التحصيل وسعيهم في منازل الكسب كما في قوله تعالى [كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ] ( ).
لقد جاء الخطاب في الآية الى بني إسرائيل عامة ويتضمن الأمر بإحضار التوراة، فان قلت: ليس كل فرد من بني إسرائيل يحتفظ بالتوراة ويستطيع إحضار نسخة منها، قلت: لا يشترط في الإمتثال للأمر إمتلاك نسخة من التوراة بل يكفي البحث عنها وإحضارها، والرجوع اليها للإحتجاج، ويكون الناس ازاء هذا الأمر على اقسام:
الأول: من يبادر الى إحضار التوراة.
الثاني: من يجد موضوع الخلاف في التوراة، وهو على شعبتين:
الأولى: الذي يقوم بإعلان ما قرأه وعلمه.
الثانية: الذي يسكت ويكتم الأمر ولا يبوح به.
الثالث: هل يكون منهم من لا يعلم ما تدل عليه التوراة في المقام وهل تحرم بعض الأطعمة او او تقول باباحتها، الجواب من إعجاز الآية انها تدل على امكان معرفة الجميع لما في التوراة بهذا الخصوص مما يعني ان أحكامها في هذا الباب واضحة وظاهرة، كما ان عدم معرفة جماعة منهم بالحكم الشرعي في المقام بأنفسهم وحاجتهم للاستعانة بغيرهم لمعرفة الأحكام الشرعية لا يضر بأصالة الإطلاق، ولزوم احاطة الجميع بالأحكام ولو على نحو الاجمال.
لقد جاءت الآية بأمرين هما:
الأول: إحضار التوراة، أي نسخة خطية منها.
الثاني: تلاوتها وقراءتها، وفيه مسائل:
الأولى: كلا الأمرين متوجهان الى بني إسرائيل، علماء وعامة الناس منهم.
الثانية: انحلال الخطاب الى صيغتين:
الأولى: القضية الشخصية، بان كل واحد منهم مأمور بالإحضار والتلاوة.
الثانية: النوعية العامة الشاملة لهم جميعاً.
الثالثة: ما هي النسبة بين الإحضار والتلاوة، الجواب انها العموم والخصوص المطلق، فكل واحد منهم يستطيع إحضار التوراة، اما التلاوة فلا يستطيعها كل واحد منهم، وقد يقال ان النسبة هي التساوي باعتبار انه لا يستطيع إحضار التوراة الا العلماء منهم، والجواب من وجوه:
الأول: حمل الأمر على الإطلاق.
الثاني: جاءت الآية على نحو التحدي التأديبي فتحمل على صيغة العموم.
الثالث: لا دليل لانحصار إحضار التوراة بالعلماء من بني إسرائيل، فقد تكون موجودة عند عامتهم، وهذا الوجود من جهات:
الأول: الإقتناء الشخصي بالشراء ونحوه.
الثانية: استنساخ التوراة والاحتفاظ بها.
الثالثة: تلقي التوراة تركة وارثاً عن الآباء خصوصاً وان الكتب السماوية تلقى عناية خاصة في الاحتفاظ بها وهو سر من أسرار الإرادة التكوينية، ووسيلة مباركة لتعاهد الكتاب، وحفظ التوراة والإنجيل مقدمة لاعتناء المسلمين بحفظ القرآن ودعوة الناس لاكرامه.
الرابعة: من الإعجاز القرآني اجتماع الإحضار والتلاوة في هذه الآية، فلو قالت الآية (فأتوا بالتوراة) ولم تذكر التلاوة، لاحضرت التوراة من غير تلاوة فلا تقوم الحجة عليهم بانعدام الأمر بتحريم بعض الأطعمة فيها، ولو قالت الآية (فاتلوا التوراة) لقالوا ان التوراة ليست بين ايدينا، فجاءت الآية بالجمع بين الأمرين لتكتمل الحجة والبرهان، ويكون النفع تاماً.
الخامسة: تحث الآية بني إسرائيل على الإحتفاظ بالتوراة لانه مقدمة لإحضارها ويدل على أمور:
الأول: صدق نزول القرآن وانه لا يدعو الى اتلاف الكتب السماوية الاخرى والاعراض عنها.
الثاني: الحاجة الى الرجوع للتوراة، وهذه الحاجة ليست مستديمة انما تأتي لأسباب هي:
الأول: اثبات الحق.
الثاني: الإقرار بصدق نزول القر آن من عند الله.
الثالث: منع العناد والجحود.
الرابع: اقامة الحجة على أهل الجدل وأصحاب الشبهات.
الخامس: توكيد وحدة موضوع التنزيل، وعدم التعارض بين ما في التوراة والإنجيل والقرآن.
السادس: إدراك حقيقة عقائدية وهي عدم اعتبار النسخ بين الشرائع من التعارض، ومع هذا فان الآية لم تأت في باب النسخ، انما جاءت في تثبيت اتصال واستدامة خصوص اكل الطيبات، وهذه الإستدامة نعمة على المسلمين منذ أيام ابينا آدم والى يوم القيامة.
السادسة: امكان وصحة الإمتثال بالاشتراك في الفعل، كأن يقوم بعض بني إسرائيل بإحضار التوراة ويقوم آخر او آخرون منهم بتلاوتها، فيصدق الإمتثال لمضامين الآية.
السابعة: الاشارة الى عدم صحة الإستدلال بتلاوة التوراة من غير إحضارها، فلا بد من إحضارها وتلاوتها امام الملأ وبحضرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، او بحضور المسلمين من بعده.
الثامنة: تمنع الآية من الإدعاء بأن تحريم بعض الطيبات موجود في التوراة او ان يقول بعضهم انه قرأ في التوراة ما يثبت دعوى التحريم، فمن يدعيه لابد وان يحضر التوراة أمام الملأ.
التاسعة: تدعو الآية المسلمين الى عدم النفرة من التوراة والإنجيل وتبين انهما سبيل سماوي للإستدلال على صحة وصدق آيات القرآن الكريم، بالإضافة الى ان الرجوع اليها مناسبة لبيان رجحان القرآن وأحكامه وما ينفرد به من الإعجاز.
وجاء الأمر الإلهي لبني إسرائيل بإحضار وتلاوة التوراة، وفيه نكت عقائدية وهي:
الأولى: شمول أوامر وخطابات القرآن للناس جميعاً.
الثانية: وجود خطابات خاصة فيه لبعض الملل.
الثالثة: جواز الإطلاع على الكتب السماوية الاخرى، وهل هذا الجواز مطلق ام انه خاص بالإحتجاج والحاجة والإستدلال، الجواب هو الثاني لإكتفاء المسلمين بالقرآن كتاباً سماوياً جامعاً للأحكام الشرعية.
الرابعة: الأمر في هذه الآية خاص ببني إسرائيل في الخطاب والفعل، ولم تقل الآية للمسلمين:احضروا التوراة واتلوها للإحتجاج، وفيه مسائل:
الأولى: اجماع المسلمين على ما ورد في القرآن من حلية الطعام مطلقاً على بني إسرائيل الا ما حرم يعقوب على نفسه لوجوب انقيادهم لمنطوق هذه الآية.
الثانية: جاءت الآية للإحتجاج واقامة الدليل على صحة فعل المسلمين، فمن الإعجاز ان الإحتجاج للدفاع والتوقي ودفع الشبهات.
الثالثة: لو احضر المسلمون التوراة لقال بعض بني إسرائيل ان التي أحضرت اليه ليس التوراة، او هي ناقصة فدعوة بني اسرائيل لإحضار التوراة حجة كريمة، ودليل على الرفعة والعز عند المسلمين، وفيه دعوة للدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
الرابعة: تدعو الآية الى اليقين في منطوق الآية بان يقوم الخصم بإحضار ما يستدل عليه.
فان قلت: لماذا لم تأمر الآية بني إسرائيل للرجوع الى القرآن في اثبات حقيقة حلية الطيبات والاكتفاء بنفي إدعاء تحريم شطر من الطيبات على بني إسرائيل من غير حاجة الى اللجوء الى التوراة، والجواب ان الإحتجاج باب واسع يتضمن الإستدلال بالبديهيات والمشهورات والوقائع والأحداث لافحام الخصم، وبما ان اليهود يرجعون الى التوراة في التحليل والتحريم، جاءت الآية لإقامة الحجة عليهم فيما يرجعون اليه.
وفي الأمر بإحضار التوراة وتلاوتها وجوه من جهة الحكم التكليفي وهي:
الأول: الوجوب المركب، أي وجوب الإحضار، ووجوب التلاوة.
الثاني: وجوب الإحضار دون التلاوة.
الثالث: استحباب الإحضار ووجوب التلاوة، فاذا أحضرت التوراة فلابد من قراءتها.
الرابع: وجوب الإحضار اما التلاوة فهي أمر مستحب ومتعلق بالدعوة.
الخامس: استحباب الإحضار والتلاوة.
والصحيح هو الاخير لوجوه:
الأول: الأمر وان كان يحمل على الوجوب، الا انه في المقام أمر مستحب ومتعلق بالدعوى جاء لغرض الاستشهاد واثبات الحق، فالأصل هو عدم إدعاء ونسبة أحكام للشريعة ليست منها.
الثاني: جاءت الآية للإحتجاج وإحضار وتلاوة التوراة لإقامة البرهان وتثبيت نعمة إلهية عظيمة على بني إسرائيل وهي حلية أكل الطيبات لهم، فمع الإقرار بهذه النعمة تنتفي الحاجة للإحتجاج.
الثالث: التخلف عن إحضار التوراة يسقط حجة الخصم ويمنعه من الجدل.
وهل يعني إرادة الإستحباب لان الأمر لم يوجه للمسلمين بل جاء لغيرهم، الجواب: لا، لان طاعة الله ورسوله واجب في باب العبادات واليقينيات، ولكن الأمر جاء للإحتجاج والإستدلال على صحة ما في القرآن من إفاضة النعم على بني إسرائيل وعدم تقييدها وإستثناء بعض منها.
وتؤكد الآية أهمية موضوع اكل الطيبات بالنسبة للمسلمين، وهو فضل إضافي ونعمة عظيمة دائمة وهبة للمسلمين في كل زمان، واتمامُ للنعمة، وجاءت للإحتجاج على بني إسرائيل، ويراد من هذا الإحتجاج أمور:
الأول: تعاهد التوراة للرجوع اليها في تثبيت الحقائق التي جاء بها القرآن.
الثاني: توكيد عدم التعارض بين الكتب السماوية.
الثالث: تجديد التصديق بالتنزيل السابق على القرآن.
الرابع: النسخ بين الشرائع لا يدل على النسخ بين الكتب السماوية.
الخامس: شهادة الكتب السماوية على صدق نزول القرآن من عند الله، وصحة مضامينه القدسية ومافيه من قصص الانبياء وتأريخ الامم، كما تقدم بيانه في علم القصص وعلم تأريخ الأنبياء( ).
وفي الآية مسائل:
الأولى: جاء التحدي في هذه الآية بخصوص حلية الطيبات لبني إسرائيل.
الثانية: معنى الآية اعم ويتعدى موضوعها باعتبار انه جاء من باب المثال وليس الحصر.
الثالثة: الآية دعوة للمسلمين للإحتجاج بإحضار التوراة وما تتضمنه من الأحكام.
الرابعة: جاءت السنة النبوية الشريفة بعدم تصديق وتكذيب أهل الكتاب، فهل تتعارض هذه الاحاديث مع هذه الآية التي جاءت بالدعوة لإحضار التوراة وتلاوتها بمحضر من المسلمين، الجواب: لا, من وجوه:
الأول: لم تطلب التوراة بالذات والأصالة، بل جاءت لتصديق آيات القرآن وللإحتجاج على بني إسرائيل.
الثاني: لا يتعلق موضوع الآية بما يقوله أهل الكتاب، بل بما في التوراة من تنزيل وأحكام الحلال والحرام.
الثالث: جاءت الآية بالأمر بإحضار التوراة فلابد ان النصوص التي تتضمن النهي عن الانصات لهم لا يشمل موضوع الآية لأولوية تقديم الآية القرآنية ولزوم تفسير النهي بما لا يفيد نسخ الحديث للقرآن وان ادعى بعض العلماء الاجماع على حصول هذا النسخ.
وقد جاءت الآية بالأمر بتلاوة التوراة وفيه مسائل:
الأولى: الذين يتلون التوراة هم اليهود، خصوصاً أهل الجدال والذين يدعون الى حرمة بعض الطيبات.
الثانية: يحتمل مقدار التلاوة أموراً:
الأول: جميع ما في التوراة.
الثاني: ما يخص موضوع الآية.
الثالث: باب او سفر خاص يثبت عدم صحة الدعوى.
لقد جاءت الآية مطلقة، والإطلاق يناسب التحدي فقد ترك لليهود قراءة التوراة كلها من غير تقييد بباب دون آخر، فلهم أن يقرأوا التوراة كلها بحثاً عما يؤيد قولهم، ولهم ان يكتفوا بالمقدار الذي يجعلهم يدركون صحة ما جاء في القرآن، وهذا الإدراك لم يأت للجدل والإحتجاج وحده، بل للرجوع الى التنعم بالطيبات، وإجتناب التحريم من غير دليل شرعي، فهذه الآية وما فيها من كشف للحقائق فضل ورحمة إلهية لبني إسرائيل، وحث لهم على ترك ما يضرهم، وتحذير من التشديد على النفس ودفع للوهم بوجود تعارض بين التوراة والإنجيل والقرآن، وتوكيد بان القرآن يتضمن تنقيح سنن الأمم السالفة، والزجر عن الإبتعاد عن الكتاب السماوي.
الثالثة: تدفع الآية عامة بني إسرائيل الى الإستفهام الإنكاري من علمائهم عن دعوى التحريم، وعدم اكتفائهم بالاخبار الشفوي منهم، بل انهم يطالبون بالتوراة وقراءة نصوصها والإنصات لمضامينها، وهو باب للإرتقاء العلمي عند عامة بني إسرائيل وهذا من إعجاز القرآن ان يقود أهل الكتاب في منازل المعرفة ويأخذ بأيديهم الى التفقه في الدين، مما يدل على صدق دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لان هذا التفقه باب لدخول الإسلام وإدراك الحقائق ومنع تشويه ما في الشرائع من الأحكام بالإضافة الى التباين بين التوراة وبين قولهم.
الرابعة: تمنع الآية من تفشي التحريف لأحكام التوراة والإنجيل فاذا جاء التحدي بخصوص مسألة اكل الطيبات، وعجز الآخرون عن رد التحدي والإجابة عليه، فانهم يمتنعون عن التحريف وتشويه الحقائق في الأحكام والمسائل الاخرى، والتحدي بتلاوة التوراة يؤكد ان المصدر الوحيد للتشريع في اليهودية هو التوراة، وامتياز الإسلام بآية إعجازية عقائدية وهي اعتبار السنن النبوية المصدر الثاني في التشريع، وفيه تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الانبياء ومنهم موسى عليه السلام وهو من الأنبياء أولي العزم.
وتبين الآية فضل الله تعالى والمندوحة في إقالة العثرة، ودفع آثار الجهالة والغرر بل وحتى الإصرار على الجدل والتعدي، وفيها ضياء وإشراقة تجذب أهل الكتاب الى الحق، وتدعوهم للتدبر والتأمل فيما يقولون، ومضامين الآية من المصاديق الجلية لقوله تعالى [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…]( ).
وجاءت هذه الآية بصيغة الإحتجاج وإقامة البرهان، ومن الحسن في الجدال ان دعت اليهود للرجوع الى التوراة للتأكد من بطلان قولهم، وليس من احد من بني إسرائيل يتردد في قبول هذه الدعوة كما ان مادة جداله حجة عليه، وهل هي حجة على المسلمين لو كان فيها تصديق لدعواهم بتحريم بعض الأطعمة، الجواب: لا، لان مدار وموضوع الحجة عند المسلمين هو القرآن والسنن النبوية وقد جاء بحلية الطيبات مطلقاً، ومع هذا فان الله عز وجل أمر النبي بدعوة بني إسرائيل للرجوع الى التوراة، وفيه آية تصديق لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
علم المناسبة
ورد لفظ (ائتوا) في القرآن اثنتي عشرة مرة، ولم يرد بخصوص إحضار التوراة او كتاب سماوي آخر الا في هذه الآية كما ورد لفظ (التوراة) في القرآن ثمان عشرة مرة، وفيها بيان وتوكيد لتصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للتوراة، قال تعالى [ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ…]( )، لذا جاءت الآية محل البحث لنفي تحريم بعض الأطعمة على بني إسرائيل، والتحدي الوارد فيها لتوكيد هذه الحقيقة، وعدم تلقي اخبار التحريم وكأنه أمر يقيني وقطعي.
كما جاءت الآية بدعوة أهل الكتاب للعمل بمضامين التوراة والإنجيل ومنها حلية الأطعمة، وقبول البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم نصرته واعانته، قال تعالى [وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ….] ( )، لذا جاءت الآية لدعوتهم لاقامة التوراة بخصوص اكل الطيبات والتنعم بالمباحات وإجتناب حرمان النفس من بعض الأطعمة من غير مسوغ شرعي او عقلي.
وفي الآيات القرآنية إخبار بان الرجوع الى التوراة وسيلة للاطلاع على البشارات الخاصة بالنبي محمد في التوراة، فتراهم يبحثون عن حلية او حرمة الطيبات فيفاجئون بالبشارات والدلائل التي تثبت نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لذا جاءت الآية بالأمر بتلاوة التوراة لان التلاوة باب لاستماع المسلمين لما في التوراة من الأحكام الموافقة لأحكام القرآن، والاطلاع على ما فيها من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيرها من صيغ ومضامين الإحتجاج على بني إسرائيل، قال تعالى [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجيل…] ( ) فتلاوة التوراة مناسبة لمعرفة البشارات بالنبي محمد ولزوم اتباعه، وما في هذا الاتباع من المنافع.
وفي الآية حث لبني إسرائيل على الإستفادة من التوراة، وعدم الإعراض عن مضامينها التي تعتبر نصرة للقرآن، وشهادة على صدق تنزيله من عند الله، فمن يرجع الى كتاب سماوي له أن يتقيد بأحكامه وينتفع مما فيه من القواعد والسنن، قال تعالى [ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا… ]( ).
لقد أراد الله عز وجل لليهود بأمرهم بتلاوة التوراة و استحضار أحكامها والصدور عنها تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الاخذ بالاخبار والاقوال التي لا تستند الى حجة ودليل شرعي، بخصوص ما قبل البعثة النبوية الشريفة.
وهل يعتبر نزول التوراة وخلوها من تحريم الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه نسخاً لما قام به إسرائيل ام انه أمر مستقل، الجواب لا تصل النوبة للنسخ لان التحريم مسألة مركبة من وجهين، كل واحد منها شخصي وهما:
الأول: من قام بالتحريم وهو نبي الله يعقوب عليه السلام.
الثاني: موضوع التحريم وهو لحم الإبل، فزمان هذا التحريم محصور بيعقوب عليه السلام كما انه انقضى وزال بانقضاء أيامه، فالآية تتضمن العتاب واللوم لبني إسرائيل، لانهم تمسكوا بتحريم شخصي متقدم زماناً على شريعة موسى عليه السلام التي يعملون بها، والتي هي خالية منه موضوعاً وحكماً.
وجاءت الآية بلفظ التلاوة مما يعني القراءة والضمير (ها) يعود للتوراة وقراءتها لتكون تلاوتها وقراءتها كلها مناسبة للتدبر والإعتبار، واستقراء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتأكد من صدق نبوته وحلية الطيبات وخلوها من حرمة أكل لحم الجزور.

قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]
جاءت خاتمة الآية لتوكيد التحدي وبيان صيغة الإنذار والتحذير، ومن الإعجاز في الآية انها جاءت بصيغة الجملة الخبرية والقاعدة الكلية، وبيان حقيقة من الإرادة التشريعية وهي حلية الطعام للانبياء ولبني إسرائيل بإستثناء قضية شخصية وهي تحريم إسرائيل على نفسه لحم الإبل مخصوصاً، وبعد هذا البيان انتقلت الآية الى صيغة الجملة الانشائية، وتوجيه الأمر بقوله تعالى (قل)، وخاتمة الآية اعلاه جزء من الأمر الموجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من بعده، والجهة المقصودة في الخطاب هم اليهود، وموضوع لفظ الصادقين فيه وجوه:
الأول: دعوى حرمة بعض الأطعمة في التوراة.
الثاني: تحريم طعام مخصوص على الانبياء.
الثالث: اتصال حرمة بعض الأطعمة منذ أيام ابينا آدم والى حين نزول القرآن، أي ان اليهود قالوا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان بعض الأطعمة كلحم الإبل هي حرام على آدم والانبياء الآخرين فكيف تأتي بحليتها، فجاءت الآية لطلب الدليل والبرهان الذي يؤيد هذا القول.
الرابع: إرادة المعنى الأعم في الآية، وعدم انحصاره بموضوع تحريم بعض الأطعمة ومن مصاديق المعنى الاعم:
الأول: تلاوتهم للتوراة واطلاعهم عليها، فكأن الآية تقول لهم ان كنتم صادقين باتباعكم للتوراة وتلاوتكم لها فاقرؤا الفصول والآيات التي تدل على دعواكم، من غير حاجة للبحث في جميع أسفار التوراة.
الثاني: ان كنتم صادقين في قولكم بعدم النسخ بين الشرائع وبقائكم على شريعة موسى عليه السلام.
الثالث: دعوى التباين والتعارض بين الكتب السماوية ولو في مسألة واحدة وهي حلية او حرمة بعض الأطعمة، اذ ان الآية الكريمة تؤكد انتفاء التعارض وهذا التأكيد يتجلى بمتابعة المسائل الفرعية و المصاديق, وهو من إعجاز القرآن والشواهد التشريعية على التكامل في الشريعة الإسلامية وخلوها من التناقض الذاتي، او التناقض والتعارض مع الشرائع الاخرى.
الرابع: ان كنتم صادقين في العلم بأحكام الشرائع.
لقد بينت الآية حقيقة وهي إعتبار التوراة في صدق ودعوى الحكم الشرعي في حلية بعض الأطعمة، ولو صار التحدي في موضوع آخر وأراد الخصم الإحتكام الى التوراة لإثبات قوله فهل يصح هذا، بمعنى ان جعل القرآن التوراة شاهداً في هذه الآية، هل يجعل إحضارالتوراة في المسائل مطلقاً صحيحاً وان كان الطلب من قبل الخصم، الجواب لا، لان الأصل هو الرجوع الى القرآن ولطرو التحريف على التوراة فان قلت: لماذا الإحتجاج بالتوراة، قلت لأنها الكتاب الذي يرجع اليه اليهود الذين يدعون حرمة لحم الجزور.
وجاءت هذه الآية لابطال دعوى في قضية شخصية، فلا يعني الأمر الرجوع الى التوراة والإنجيل في كل المسائل، ووجوه الاختلاف، فليس من حق الطرف الاخر الإحتجاج والاستشهاد بكتاب آخر غير القرآن خصوصاً مع اعتبار ما طرأ على الكتب الاخرى من التحريف كماً وكيفاً, وموضوعاً وحكماً، لقد أراد الله عز وجل من هذا الاستدلال أموراً:
الأول: توكيد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: جواز اتخاد التوراة شاهداً حتى مع القول بطرو التحريف عليها، ومنع الصدود والإعراض عنها على نحو السالبة الكلية.
الثالث: تعليم المسلمين بان نزول القرآن كتاباً جامعاً للأحكام الشرعية لا يعني منع أهل الكتاب من تلاوة كتبهم، او حرمتها عليهم، فيجوز ان يتلو اليهود التوراة، والنصارى الإنجيل على نحو الاتحاد والتعدد، والانفراد والاجتماع، مع ترغيب المسلمين بإطلاعهم على حقيقة وهي ان تلك التلاوة مناسبة لإثبات صدق القرآن وما فيه من الأحكام الشرعية وان قراءتها نوع طريقية للإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل في خاتمة الآية تقبيح وتبكيت لهم، الجواب نعم ولكنها للتحدي وتوكيده اقرب لانها في مقام الجدل والإحتجاج وطلب البرهان، فاذا عجز الخصم عن الإتيان بالبرهان والدليل ثبت المطلوب وبطلت حجته.
وفي الآية بيان لفضل الله تعالى على بني إسرائيل اذ انها تطلب منهم الدليل مما في ايديهم من التوراة، فلم تقل لهم اتلوا القرآن، واثبتوا ما تقولون من الكتب السابقة وصحف الانبياء، او ايجاد العلة الذاتية للمنع والحرمة في ذات الطعام الذي قلتم بتحريمه، كما لو كان سبباً لبعض الأمراض والعلل، بل جاءت بالدعوة لإحضار الذي يقدسه اليهود ويؤمنون بنزوله من عند الله.
ان إحضار التوراة وتلاوتها لا يعني الصدق ووصف من يأتي بها بنعت الصادق، بل ان المدار في الصدق على تصديق التوراة كما يدعون من حرمة بعض الأطعمة على الانبياء بما فيهم موسى عليه السلام، ففي الآية حذف والتقدير: فاخرجوا الآيات والكلام الذي يثبت دعواكم، فالصدق يتعلق بدعوى التحريم ويكون المدار في اثبات الصدق او بيان وفضح الكذب بإحضار التوراة وتلاوتها فتكون الوجوه الدالة على كذبهم ثلاثة:
الأول: عدم إحضار التوراة.
الثاني: إمتناعهم عن تلاوة التوراة.
الثالث: عدم وجود ما يدعون من التحريم في التوراة.
أما مورد الصدق الذي اشترطته الآية الكريمة فهو متحد، ولا يتقوم الا بثلاثة أمور وهي إحضار التوراة وتلاوتها وقراءة ما تتضمنه من النصوص التي تخبر عن حرمة بعض الأطعمة على الأنبياء، وعند التخلف عن أحد هذه الوجوه الثلاثة او تعذره فلا يصدق عليهم انهم من الصادقين.
وجاء وصف (الصادقين) على نحو الإطلاق من غير تقييده بموضوع الدعوى، ويتضمن التوبيخ والتقبيح والتحذير، وفيه دعوة للتدارك والحرص على الصدق وإجتناب الكذب، ولا ينحصر موضوع هذه الدعوة بمضامين الآية الكريمة بل هو أعم اذ انها تجعل أهل الكتاب يتجنبون الدعوى الخالية من الدليل.
وتدفع هذه الآيات الحرج عن المسلمين في باب الإستدلال والإحتجاج بالتوراة والإنجيل، فلولا هذه الآيات لتصدى بعض المؤمنين لمن يستشهد بالتوراة والإنجيل لاثبات صدق آيات القرآن وما فيها من الأحكام، بالقول بعدم الحاجة للجوء الى الكتب الاخرى، ولزوم الإكتفاء بالقرآن فتأتي هاتان الآيتان لتخبرا عن صحة مثل هذا الاستشهاد، وما فيه من عظيم النفع والدلائل والحجج.
وبلحاظ أسباب النزول لم يأت ما في الآية من الإحتجاج والتوبيخ الا بعد التعدي بالانكار لسنن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ورميها بمخالفة الأنبياء الآخرين، فلم يكن الأمر خاصاً بأفعال بني إسرائيل بل جاء التعدي والجدال فيما يخص الحلية والحرمة عند المسلمين، وهذا القول قد يبعث الريب والشك عند بعض المسلمين، فتصدى له القرآن بالإحتجاج على الخصم بما يؤمن ويقر به هو نفسه، فليس من يهودي الا ويؤمن بالتوراة، فجاء الإحتجاج على نحو العموم الإستغراقي ليشمل الجميع ويكون وسيلة لكف الأذى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن المسلمين في مسألة ابتلائية يومية جاءت الشرائع بتحليلها واباحتها.
لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحلية طعام الجزور فلابد من اتباعه ومحاكاته، وعلى فرض وجود دعوى بتحريم هذا الطعام على الأنبياء السابقين يكون فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ناسخاً له، ولابد من العمل بالناسخ وترك المنسوخ، ولكن النوبة لا تصل للنسخ في المقام، فليس من نسخ بل ان حلية هذا الطعام مستديمة وعمل بها الأنبياء جميعاً بإستثناء شخص يعقوب عليه السلام.
وعدم وجود تحريم في التوراة لطعام الجزور دلالة على حصر التحريم بيعقوب دون غيره، وان التحريم لم يكن تشريعاً بل أمراً خاصاً جاء بالعرض على نحو النذر او اليمين او لاسباب تتعلق بصحة البدن أو لسني القحط التي اصابتهم، وارساله اولاده الى مصر ليمتاروا، او لفقد يعقوب وما أصابه من الحزن عليه قال تعالى [وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ]( ).
ولا ينحصر موضوع الآية بلحم الجزور وحليته او حرمته، بل هي أعم ويشمل موضوعها حرمة بعض الأطعمة على بني إسرائيل بعد التوراة، فقد جاء التحريم بالعرض وبعد نزول التوراة، قال تعالى [فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ…] ( ) ، فجاءت هذه الآية لتبين تأريخ التحريم وأنه على أقسام:
الأول: قبل نزول التوراة ويتعلق بقضية شخصية هي تحريم إسرائيل على نفسه لحم الإبل، ويدل بالدلالة التضمنية على ان التحريم لم يكن موجوداً قبل إسرائيل وكذا بعده.
الثاني: أيام نبوة موسى عليه السلام ونزول التوراة وخلوها من التحريم، وهو حجة دامغة على بني إسرائيل.
الثالث: ما بعد التوراة واستمرار حلية الأطعمة الا ما جاء بخصوص بعض الأطعمة والتي لم تكن مقصودة بالذات أصلاً بل جاء تحريمها نتيجة التعدي والظلم من بني إسرائيل.
ويمكن اعتبار الآية من عمومات قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ…] ( ) ففيها ظفر عقائدي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من وجوه:
الأول: سبل الإحتجاج والجدال.
الثاني: بيان الحقائق.
الثالث: قيام الدليل بأن ضبط تأريخ الملل وأحكام الحلال والحرام عند المسلمين.
الرابع: رد الأذى ومنع الحرج وطرد أسباب الشك والريب.
الخامس: التنعم بالطيبات من غير أثر لإدعاء حرمة بعضها.
السادس: تثبيت أحكام الإسلام الى يوم القيامة، وبيان حاجة أهل الكتاب للقرآن والمسلمين في كشف الحقائق وبيان الأحكام.
قانون شهادة الكتاب السابق
من المعجزات الباهرات في مضامين آيات القرآن الكريم تصديقه بالكتب السماوية السابقة اذ تعجز العقول عن درك منافع هذا التصديق العقائدية والتشريعية والإجتماعية والأخلاقية، فقد أراد الله عز وجل ابقاء صلة وخصوصية بين المسلمين وأهل الكتاب، واستدامة انفتاح ابواب التفاهم بينهم، مع امكان التلاقي والإتفاق على بعض الأحكام والسنن، ويطرد هذا التصديق النفرة من التنزيل ويمنع من الشك والريب.
فعندما يعلم الإنسان ان القرآن ليس اول كتاب نزل من السماء فانه يطمئن لحقيقة التنزيل، ويتلقى آيات القرآن بانها أمر معهود من جهة الصدور والنزول مع مائز تنفرد به لا ينحصر بوجه او موضوع واحد لما في القرآن من الإعجاز ولغة الشمول والتكامل في الأحكام والإمتناع الذاتي لآياته وكلماته عن التحريف والتبديل.
ويتجلى في هذه الآية سر ملكوتي من اسرار الإقرار بالتنزيل السابق وهو الرجوع اليه للاستدلال على صحة وسلامة الأحكام القرآنية، وتوكيد حقيقة في الإرادة التشريعية وهي ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى وان حلاله حلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم القيامة، ولا ينحصر حكم الحلال والحرام الذي جاء به بالمسلمين وحدهم بل هو عام لعمومات التكليف بالفروع وشمولها للناس جميعاً، بالاضافة الى سر آخر وهو شهادة الكتاب السابق كالتوراة والإنجيل على الأمم والملل السالفة، واتخاذه وثيقة سماوية لمعرفة قصص وسنن الانبياء مما يدل على بعث الشوق في النفوس لتتبع آيات ودلائل الشهادة في الكتب الاخرى.
لقد جعلت هذه الآية المسلمين يتطلعون الى رد بني إسرائيل على هذا التحدي خصوصاً وان خاتمتها جاءت بصيغة التقبيح، وجعلت المدار في الصدق والكذب على موضوع هذه الآية وهو حلية الطيبات في شريعة موسى، فبعد ان أمرت الآية بني إسرائيل بإحضار التوراة التي في ايديهم وتلاوتها وان كانت قد طالتها يد التحريف، تحدتهم مرة اخرى بان طالبتهم باظهار صدقهم باثبات ما يقولون من التوراة، والمسلمون لا يحتاجون هذه الشهادة سواء في باب الاعتقاد او في ميدان العمل لتقيدهم بأحكام القرآن وحلية الأطعمة واصالة الإباحة.
نعم تلك الشهادة تزيد في إيمانهم وتكون سلاحاً في ايديهم لرفع الشبهات والإحتجاج على الخصم، وتوكيد صدق القرآن في اخباره عن الغيب وقصص الأنبياء، وهذه الشهادة وسيلة لتوثيق سنن الانبياء وجعلها حاضرة في الواقع اليومي للمسلمين ولأهل الكتاب، وتترشح منها البركة وتدعو الناس للاقتداء بالانبياء، وهذه الدعوة مركبة من اقسام:
الأول: الإقتباس من سيرة وقصص الانبياء.
الثاني: الأخذ من سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: العنوان الجامع باعتبار وحدة الموضوع في تنقيح المناط، واتحاد سنن الانبياء في باب العبادة وأحكام الحلال والحرام، ومنها مضامين هذه الآية، وذكر فرد مخصوص في الحرمة لا يضر في اتحادها لان هذا الفرد جاء بخصوص إسرائيل دون غيره من الانبياء.
وهذا القانون لا يتعارض مع تصديق القرآن للكتب السماوية السابقة كما انه لا يستلزم الدور أي ان شهادة الكتب السماوية السابقة لا تتوقف على تصديق القرآن لها، وكذا تصديق القرآن لها لا يتوقف على شهادتها على صدق نزولها من عند الله، بل كل فرد من الفردين مستقل في ذاته، ويمتلك مقومات مضامينه ودلالته، ويترشح عنه الشهادة والتصديق فيكونا من الخصائص الذاتية، مع ان القرآن ايضاً يشهد للكتب السماوية السابقة بصدق النزول من عند الله وهذه الكتب تصدق القرآن في نزوله من السماء وهو ليس من الدور، بل من التوكيد والتصديق المتبادل والاخبار عن الحق، وهذا التبادل والتداخل آية إعجازية ووسيلة للتخفيف عن الناس، واعانتهم على الهداية، ومنعهم من الضلالة وزجرهم عن الاقامة عليها.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة