معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 70

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
الحمد لله الذي جعل القرآن واسطة الفيض الإلهي، وعنوان الإرتباط بين عالم الغيب والشهود، والدنيا والآخرة، نزل به جبرئيل عليه السلام على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون شاهداً على تفضيله على الأنبياء وتشريفاً دائماً ومتجدداً للمسلمين وسفينة للنجاة في النشأتين، وبعد ان صدر الجزء السابق وهو يتضمن تفسير أربع آيات من سورة آل عمران.
جاء هذا الجزء من القرآن في خمس آيات منها (98-102) في آية ولطف إلهي وضياء ملكوتي ببركة القرآن، وتعدد علومه، وكثرة كنوزه التي لا تنفد.
ومن الآيات في هذه الآيات الخمس ان أربع منها ابتدأت بصيغة النداء جاءت اثنتان منها خطاباً ونداء الى أهل الكتاب بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكأنهما من المباهلة الأحمدية ولغة الإحتجاج الرسالية وما تتضمنه من صيغ الإنذار، وجاءت اثنتان خطاباً للمسلمين بنداء الإكرام والتشريف [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ليبقى ضياء مباركاً له وظائف مركبة منها تثبيت قيم وسنن النبوة في الأرض.
وفي هذه الآيات تثبيت للإيمان في قلوب المسلمين، وبرزخ دون محاولات السعي لبث روح الشك والريب في نفوسهم، فحينما يأتي التعدي على المسلمين من الغير، يأتي المدد الإلهي بآيات القرآن وكل آية منه خزينة من العلوم والمعارف ومصاديق علم الغيب وإشراقة سماوية تطل على أهل الأرض كل يوم تدعوهم الى المعرفة، وتقود من يستجيب لمضامينها الى السعادة الدائمة.
وتجعل المسلمين يرتقون في المعارف الإلهية، وهي دعوة للناس للحاق بهم في منازل الهداية والرشاد، وإختص هذا الجزء بآية “حق تقاته” التي تتضمن تحمل المسلمين أعباء مسؤوليات الخلافة في الأرض بالإستقامة وحسن السمت، والإعتصام بالله، ليختتم هذا الجزء بشهادة سماوية كريمة تتضمن الإكرام والتشريف بقوله تعالى [وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ].

قوله تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ] الآية 98 – آل عمران.

الإعراب واللغة
قل: فعل امر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره انت.
يا: حرف نداء للمتوسط، أهل: منادى مضاف.
الكتاب: مضاف اليه.
لم تكفرون: اللام: حرف جر، ما: اسم استفهام إنكاري في محل جر باللام وحذفت ألف (ما) لدخول حرف الجر عليها.
تكفرون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة.
بآيات: جار ومجرور متعلقان بتكفرون، وآيات مضاف، اسم الجلالة: مضاف اليه.
والله شهيد على ما تعملون
الواو: حالية، اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة، شهيد: خبر مرفوع.
على ما: جار ومجرور، و(ما) اسم موصول، جملة تعملون صلة الموصول.
ومن أسماء الله تعالى (الشهيد) وهو الذي لا يغيب عنه شيء، وجميع الأشياء حاضرة عنده، وشهيد من أبنية المبالغة ومن شهادته تعالى ان يبين علمه بالأشياء والأفعال لتكون شهادته حجة على الناس.
في سياق الآيات
لقد جاءت الآيات الست السابقة في مواضيع متعاقبة:
الأول: ذم الإفتراء على الله، وبيان ألقبح الذاتي للكذب، والزجر عن إدعاء أمور ليست من الشريعة كحرمة لحم الجزور.
الثاني: دعوة أهل الكتاب والناس لإتباع ملة ابراهيم، وفي هذا التعاقب إعجاز، فلم تترك الآيات الإنسان في حيرة من أمره، بل تضمنت ذم الكذب، والهداية الى الصدق والفعل الحسن وقد يكون هناك برزخ بين إجتناب الإفتراء والتحريف في التنزيل وبين التقيد بأحكام الإسلام، فجاءت الآيات لمنع هذا البرزخ بالدعوة الى اتباع إبراهيم في الحنيفية السمحاء ونبذ الشرك والضلالة.
الثالث: بيان نعمة في الأرض وهو البيت الحرام ولزوم النهل مما فيه من البركات والإفاضات.
الرابع: وجوب أداء الحج، وشمول الخطاب التكليفي به الناس جميعاً.
الخامس: الترغيب بالحج باقامة الحجة بوجود الآيات فيه، ودعوة الناس للتدبر في منافعها وبركاتها.
السادس: الزجر والتحذير من الكفر مطلقاً، ومن الصدود عن المسجد الحرام وحجه.
واذ أختتمت الآية السابقة بالنهي عن الجحود، وبالإخبار عن حقيقة ثابتة وهي ان الله غني عن الناس والخلائق وبعد ان تقدم ذكر البيت الحرام وما فيه من الآيات والدلالات، جاءت هذه الآية نداء وخطاباً الى اهل الكتاب بصيغة اللوم والذم لإعراضهم عن آيات الله وصدودهم عن المعجزات التي جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاءت الآية التالية بذات الصيغة مع التباين في موضوع الصدود والجحود اذ انها تتضمن التبكيت على صدهم عن سبل الإستقامة وطرق الهداية والفلاح، وتخبر عن علم الله تعالى بما يفعلون وانه سبحانه مطلع عليهم وشاهد على أعمالهم وهذه الشهادة تحذير اضافي، وتنبيه للزوم اجتناب الكفر والجحود.
ولما جاءت الآية السابقة بالإخبار بان البيت الحرام أمن لمن دخله، جاءت هذه الآية لتخبر باستثناء الذين يكفرون بآيات الله من الأمن فيه، وان التصديق بآيات الله مطلقاً وآيات البيت الحرام خاصة شرط لنيل الأمن والإلتجاء الى الله، وفيه دعوة للإيمان وأخبار عن الملازمة بين الإيمان والأمن والإنتفاع من البركة التي تترشح من البيت الحرام وآيات الله ومنها الكونية والأرضية، لذا أقترن وضع البيت بوظائف عبادية.
اعجاز الآية
ابتدأت الآية بالأمر الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمخاطبة أهل الكتاب بصيغة الذم وفيه مسائل:
الأولى: ورود النداء على نحو الإستفهام الإنكاري.
الثانية: انه إفحام للمخاطب وشاهد يجعله عاجزاً عن الرد والإجابة.
الثالثة: الأصل هو وجود ملازمة بين التصديق بالتنزيل والإيمان وعدم الكفر بآيات الله، فجاء الخطاب بصفة أهل الكتاب للتذكير بهذه الملازمة، اذ ان الكتاب يخبر عن هذه الآيات ومنها البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم الإيمان بنبوته والتصديق به.
الرابعة: الوعيد بذكر حقيقة وهي ان الله عز وجل حفيظ على الأعمال، وشاهد حاضر لصدودهم وعالم به، وهذه الشهادة تخويف لأهل الكتاب.
ومن الآيات ان يأتي القرآن بتحذير أهل الكتاب من الكفر بالآيات مع نسبة الآيات لله تعالى وانها آياته سبحانه، وفيه بيان لحاجة الناس لنزول القرآن فاذا كان أهل الكتاب يحتاجون القرآن وانه يتضمن ذماً لفعلهم، فمن باب أولى ان تحتاجه الملل والمذاهب الأخرى، فاللوم الموجه لأهل الكتاب، يتوجه مثله وأشد منه الى الكفار الذين لا يؤمنون بالتنزيل أصلاً.
ويمكن تسمية الآية بآية “لم تكفرون” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا مرتين، وفي سورة آل عمران.
الآية سلاح
تعتبر الآية سلاحاً بيد المسلمين من وجوه:
الأول: الإحتراز من الذين يجحدون بالآيات.
الثاني: العصمة من الكفر بالآيات.
الثالث: عدم الإلتفات الى الشبهات التي يثيرها اهل الجحود.
الرابع: الأهلية للإحتجاج على الكفار.
الخامس: القدرة على بيان ما في الآيات من الأسرار، والأمور الخارقة للعقل.
السادس: الإرتقاء في سلم المعارف الإلهية، لأن ذم الكفر دعوة للإيمان.
السابع: في الآية شفاء لصدور المسلمين.
وفي الآية تأديب للمسلمين لأنها تخبر عن علم الله بأفعال أهل الكتاب، وإحصائه لها، وهو من باب مناسبة الحكم للموضوع والا فان الله تعالى يعلم باعمال العباد جميعاً، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وتعطي الآية منعة للمسلمين وتنمي عندهم ملكة الإحتراز ممن يتربص بهم الدوائر، ويحاول الإيقاع بهم، وبث روح الشك في نفوسهم.
وتحذر الآية الناس مطلقاً من الإنصات لأهل اللجاج واللوم، وتدعوهم الى رؤية الآيات والتدبر في مضامينها الإعجازية.
مفهوم الآية
تدعو الآية الى التصديق بآيات الله، وجعل هذا التصديق من الأمور المتسالم عليها بين الناس، وتريد من أهل الكتاب ان يفوزوا بنيل مرتبة التصديق بالآيات، أي ان الذم والتوبيخ ليس مطلوباً بذاته بل هو زجر وردع، ويدل في مفهومه على النصح والرحمة بالتنبيه الى الخطأ والزلل وبيان قبح الكفر بالآيات، وأضراره على صاحبه في الدنيا والآخرة، وحينما لم تكن الكتب السماوية السابقة كافية لزجر الناس عن الجحود بالآيات جاء القرآن بتوكيدها ودعوة الناس للإيمان بها وتصديقها وذم الذين يكفرون بها، وذكر منهم على نحوالخصوص أهل الكتاب لأنهم أولى الناس بالإيمان بالآيات، وبينهم وبين الكفار في المقام عموم وخصوص مطلق.
أما مادة الإلتقاء فهي العقل اذ جعله الله رسولاً باطنياً عند كل انسان، وأما مادة الإفتراق فهي إيمان اليهود بالتوراة والنصارى بالإنجيل، وهذا الإيمان كافِ للتصديق بالآيات لذا توجه لهم اللوم، وهل يكون عدم إيمان الكفار بالنبوة والكتب المنزلة عذراً لهم، وسبباً لخروجهم بالتخصيص من الذم واللوم الوارد في هذه الآية، الجواب لا، بل ان اللوم يشملهم من باب الأولوية.
وتحتمل النسبة والرتبة بين اللوم الموجه الى الكفار والى اهل الكتاب وجوهاً ثلاثة:
الأول: اللوم والذم الموجه الى الكفار أشد من اللوم الموجه الى أهل الكتاب، باعتبار ان الكفار إختاروا الضلالة والكفر، وان الجحود بالآيات فرع الكفر.
الثاني: انه أدنى من اللوم الموجه لأهل الكتاب للمسؤوليات العقائدية لأهل الكتاب وضرورة تصديقهم بالآيات لأن الأنبياء أخبروا عنها، والكتب السماوية جاءت بها.
الثالث: التساوي في درجة اللوم بين أهل الكتاب والكفار، لوحدة الموضوع، وتبعية الحكم له، فالموضوع هو الكفر والجحود بالآيات.
والأقوى هو الأول، فان اللوم الموجه الى الكفار أشد، ولا صلة للموضوع بتكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالأصول او عدمه، بل لأن الكافر يؤخذ بأشد الأحوال، لذا فان اللوم الموجه لأهل الكتاب في الآية يشمل في مفهومه ألكفار والمشركين، وفيه دعوة مركبة لهم للإيمان بالله والإيمان بالتنزيل والتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارات التي أخبرت عنه، والآيات التي جاء بها.
وفي الآية مدح للمسلمين لإيمانهم بالآيات وعدم جحودهم بها، وتدعو اهل الكتاب للإقتداء بهم، كما تدعو الكفار الى نبذ الكفر والشرك وتحثهم على الإقتداء بالمسلمين وأهل الكتاب في الإيمان بالآيات.
ومتى ما اجتمع ايمان المسلمين وأهل الكتاب بالآيات فان الدعوة للكفار تكون أقوى والحجة عليهم أبين والدليل أظهر، وهل يؤثم أهل الكتاب بصدود الكفار وجحودهم بالآيات، الأصل ان يبوء الكفار بإثمهم وذنوبهم وهم لم يلتحقوا باهل الكتاب بالإيمان بالتوراة والإنجيل، الا ان يكون أهل الكتاب سبباً لضلالتهم، وصدهم عن الإسلام.
نعم إيمان وتصديق أهل الكتاب بالآيات دعوة للكفار للإيمان وسبيل هداية وارشاد لهم، وكانت قريش تنظر لأهل الكتاب وماذا يفعلون أزاء دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويسألونهم عن صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتحرف طائفة منهم صفاته التي جاءت بها التوراة والإنجيل، وتدل الآية على تعدد البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية السابقة، وكثرة الآيات التي جاء بها والتي جرت على يديه، وتتجلى هذه الكثرة بصيغة الجمع (آيات)، وانكار كفر اهل الكتاب بها، فلغة اللوم والإنكار تدل على ان الآيات بينات واضحات يراها أهل الكتاب قبل غيرهم.

الآية لطف
لقد إصطفى الله آل ابراهيم على العالمين، وجاءت هذه الآية لتكون توكيداً للإصطفاء، وورودها بصيغة الذم لم يخرجها من معاني الإصطفاء من وجوه:
الأول: ما تتضمنه الآية في مفهومها من الثناء على المسلمين الذين يصدقون بالآيات.
الثاني: تدل الآية بالدلالة التضمنية على وجود آيات بينات لله عز وجل في الأرض، وتدعو للإيمان والتصديق بها.
الثالث: من وجوه اللطف الإلهي في المقام ان الآيات حجة، ولا يمكن انكارها والجحود بها الا على نحو العناد والإستكبار فلذا جاءت الآية بالإستفهام الإنكاري من أهل الكتاب على الصدود عنه.
الرابع: تبين الآية كبرى كلية وهي ان أهل الكتاب اولى من غيرهم في التصديق بالآيات والبراهين التي جعلها الله في الحياة وهم احق بنيل السبق في تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته، فلقد انعم الله عليهم بالتنزيل، وأخبرهم بعلامات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمنع اللبس و الجهالة، ولنفي الغرر والشك.
الخامس: الآية لطف بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين اذ يأتي اللوم لأهل الكتاب خاصة من أجل هدايتهم وارشادهم، فبعد ان كانوا يفتخرون على الكفار بانهم اهل الديانة السماوية، جاءت اخبار السماء بذمهم لتخلفهم عن الإيمان بالآيات.
السادس: الآية دعوة لأهل الكتاب للتدارك والتدبر بالآيات والتصديق بها.
وفي الآية مسائل:
الأول:تتضمن الآية امراً الهياً الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الثانية: يتعلق الأمر الإلهي بصيغة القول، وليس الفعل فلم يأمر الله نبيه بقتال أهل الكتاب لكفرهم بالآيات بل جاءت بتوجيه اللوم والذم مع التذكير بالإنتساب للكتاب، وهذا التذكير وسيلة اضافية للتدارك والرجوع عن الكفر وفيه حجة بان الاسلام لم ينتشر بالسيف.
الثالثة: إنكار كفر أهل الكتاب بالآيات، خصوصاً وانهم أولى الناس بالإيمان بها.
الرابعة: نسبة الآيات الى الله عز وجل، لإقامة الحجة عليهم ودعوتهم للعناية بها، وطرد النفرة من نفوسهم.
الخامسة: ان الله عز وجل تفضل وانزل الآيات من عنده، وتكون هذه الآيات على قسمين:
الأول: الكشف والتجلي للأبصار وما تدركه الحواس من الآيات.
الثاني: الآيات العقلية كما في القرآن.
السادسة: تأتي الآيات لتعضيد نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والحث على التصديق به وهي تترى على يديه، وتنزل على صدره، ولكن عندما يكفر بها قوم فان الآيات تنسب الى الله عز وجل ويتوجه اللوم لهم بإعتبار انهم كفروا بآيات الله من غير اضافة أخرى، فلم تقل الآية “لم تكفرون بآيات الله الخاصة بالنبي محمد” بل جاءت مطلقة في نسبتها الى الله، وهو أبلغ في الحجة والبيان وفيه اكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السابعة: الإخبار عن شهادة وعلم الله بأفعال أهل الكتاب، وهذا الإخبار يدل في مفهومه على الإنذار من الحساب، والعذاب الشديد يوم القيامة بسبب الكفر بالآيات.

افاضات الآية
ارادت الآية ان تخلص الإنسان من لمة الشيطان وما جعله الجحود على بصره من الغشاوة التي قد تمنعه من رؤية الآيات الباهرات.
وتحثه على جعل الآيات والبراهين وسيلة مباركة للإيمان بالله ليتخذها حجة عقلية على وجود الصانع ولزوم عبادته والإمتثال لأوامره التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والآية دعوة سماوية لتنقيح قلوب العباد من دنس الشرك والضلالة وإفاضة تحول دون تفشي أسباب الكفر والجحود، وحث للناس جميعاً للبحث عن الآيات الأرضية والسماوية والنبوية والتدبر فيها, والغايات السامية منها.
وتربط الآية بين عالم المادة وعالم الشهادة بعلم الله تعالى بافعال الناس واطلاعه على أهل الجحود لأن الذم الوارد في الآية لم يأتِ الا عن علم الله تعالى بهم.
ولم يرجئ الله عز وجل الناس ليوم الحساب، بل بعث لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن ليبين لهم قبح الكفر ويحذرهم من الآثام التي تترتب عليه، ويخبرهم بوجود آيات ظاهرات عليهم الإيمان بها، ويحذر المسلمين من العدو الظاهر وهو الكفر والجحود والباطن وهو النفس الامارة بالسوء ، ليفوزوا بالإصطفاء ووراثة الأنبياء في الإنقطاع الى الله عز وجل وتمتلأ نفوسهم غبطة وسعادة لأنهم أقروا بالآيات واتخذوها حجة وسبيلاً لرسوخ الإيمان في النفوس.
التفسير
قوله تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ]
أمر مولوي وخطاب تكليفي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه مسائل:
الأولى: ورد الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين وهو ظاهر توجه الأمر للمخاطب.
الثانية: يحتمل الخطاب في جهته سعة وضيقاً وجوهاً:
الأول: الخطاب والتكليف موجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: شمول أئمة وحكام المسلمين بالخطاب.
الثالث: شمول المسلمين كافة بالخطاب.
الرابع: التكليف ملازم للحاجة لهذا القول وليس مطلقاً كما في حال الجدال والإحتجاج.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، الا ان الحاجة فرع عمومات التكليف، وألائمة والعلماء من المسلمين , الا ان مسؤولياتهم في المقام اكبر مع لحاظ اعتبار السلامة والأمن كما هو في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالثة: الآية تشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: تفضل الله عز وجل بتوجيه الخطاب له.
الثاني: توكيد المسؤوليات العظيمة التي يتولاها.
الثالث: الخطاب شاهد على أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على غيره من الأنبياء.
الرابع: الأمر تكليفي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو مصداق لقوله تعالى [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ]( )، فنداء النبي لأهل الكتاب وتوجيهه اللوم لهم رحمة بهم، وتذكير وموعظة لهم.
الرابعة: تدعو الآية أهل الكتاب للإصغاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتبين قبح الصدود عنه، فيدل الخطاب الوارد في الآية بدلالته الإلتزامية على لوم وذم اضافي لهم وهو اذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم داعية الى الله ورحمة لكم فكيف تصدون عنه، واذا كانت الآيات تترى على يديه فلم تكذبون بنبوته.
الخامسة: تدل الآية على وجود صلة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل الكتاب وأنه قادر على أسماعهم قوله وتبليغهم الإنذار وتخويفهم من العذاب.
السادسة: الخطاب عز للمسلمين، لأن الله عز وجل يأمر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بتوجيه الخطاب لأهل الكتاب وللناس.
السابعة: تبين الآية ثبات الإسلام وقوته، وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أستطاع ان يتوجه في خطابه لغير المسلمين ويدعوهم للهداية والإيمان.
الثامنة: حث المسلمين على اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في النصح والموعظة.
التاسعة: إقامة الحجة على أهل الكتاب بان صاحب الكمالات الإنسانية النبي الذي جاء بالمعجزة الخالدة وهي القرآن يخاطبهم بصيغة النداء التي تتضمن الإكرام [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ] فالآية تنبههم للكتاب المنزل من عند الله.
العاشرة: تحث الآية أهل الكتاب للإصغاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة السماء من وجوه:
الأول: ان الأمر بالقول جاء من عند الله عز وجل.
الثاني: قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتولي مسؤولية تحذير وانذار أهل الكتاب وهو عنوان حث اضافي لأهل الكتاب للإلتفات الى لزوم اجتناب الجحود بالآيات.
الثالث: تبين الآية وظائف أهل الكتاب في لزوم المبادرة الى التصديق بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الحادية عشرة: تؤكد الآية حاجة الناس الى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاذا جاء بتوجيه خطاب اللوم لأهل الكتاب، فمن باب أولى ان يتوجه خطاب الإنذار والوعيد الى الكفار والمشركين، واختصاص اهل الكتاب باللوم هنا من مصاديق فرض الجزية عليهم دون غيرهم من الملل الأخرى بلحاظ انتمائهم للتنزيل.
الثانية عشرة: في الآية تأديب وإرشاد للمسلمين في كيفية صيغ الإحتجاج وإقامة الحجة على الكافرين والمشركين مع وجود الدليل والبينة، فالخطاب وان جاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة الا انه عام ويشمل المسلمين، ويرشدهم الى هداية الناس، ونصحهم ودعوتهم للإيمان.
الثالثة عشرة: تبين الآية للمسلمين مسؤولياتهم في دعوة الناس للهداية والإيمان، ومحاربة الكفر والشرك بالموعظة والكلمة الحسنة.
الرابعة عشرة: لقد جاء الخطاب بصفة (أهل الكتاب) ولم تقل الآية “قل يا ايها اليهود والنصارى” بينما جاء الخطاب في القرآن [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] و[يَاأَيُّهَا النَّاسُ]، وفيه وجوه:
الأول: اختصاصه باليهود والنصارى لوجوه:
الأول: سبق اقرارهم بالتوحيد والنبوة.
الثاني: نعتهم بأنهم أهل كتاب يتضمن البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: شمولهم بالتكليف كغيرهم من الناس.
الرابع: من الآيات في القرآن توجه الخطاب للأمم والملل على نحو الاستقلال و الاتحاد، وفيه مسائل:
الأولى: تعدد جهة الخطاب وانحلاله بعدد المخاطبين.
الثانية: كثرة النفع، وزيادة الإعتبار.
الثالثة: جعل أفراد الجماعة والأمة يتساءلون فيما بينهم عن الأضرار الناتجة عن التخلف عن نصرة النبوة.
الرابعة: يبعث التوبيخ روح الفرقة والتشتت بين صفوفهم، لأنه مقرون بالبرهان.
الخامسة: سعة التحدي ومواجهة لغة الجدل.
السادسة: إقامة الحجة عليهم في مخاطبتهم بصيغة واحدة.
الخامس: انه جزء من تفضيل اليهود والنصارى على الكفار بتوجه اللوم لهم بما يعني انهم أولى من غيرهم بالمبادرة الى التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء، الأنبياء السابقون الا ليبشروا به ويمهدوا للإسلام، وكان الإيمان بهم امراً حسناً ولا يتم حسنه وكماله الا بالتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا التفضيل اشبه بقبول الجزية من أهل الكتاب دون غيرهم من الملل، لأن الجزية عنوان لجواز بقائهم على ملتهم.
السادس: يتعلق الخطاب بمضامين ابتلاء المسلمين بغيرهم من الملل من وجوه:
الأول: يتعلق بأهل الكتاب لانهم على معرفة بأمور الدين والشرائع واسلامهم باب لإسلام غيرهم.
الثاني: اصرار اهل الكتاب على الجحود بآيات النبوة، يجعل بعض الكفار يعرضون عن الإسلام من باب الأولوية، وقيد (بعض) لأنه لا يصلح ان يكون قاعدة كلية، فالله عز وجل يقذف الإيمان في قلب من يشاء، كما ان الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تخاطب العقول.
الثالث: يجاور اليهود المسلمين في المدينة المنورة وعلى صلة يومية مع أهلها، ويظهر بعضهم التهكم والإستخفاف والتشكيك بالرسالة فجاءت الآية لتوجيه اللوم له، ليعتبر الآخرون من اهل الكتاب والمشركين.
الرابع: بعث العز في نفوس المسلمين، وجعلهم يحترزون من الشبهات التي يأتي بها جماعة من أهل الكتاب.
الخامس: بيان فضل الله عز وجل في تعدد جهات الخطاب.
السادس: إخبار الناس جميعاً بصدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يتوجه الى أهل الكتاب ويقيم عليهم الحجة، ويعلن وجود الآيات وانها تمتلك الصدق الذاتي.
السابع: في توجه الخطاب الى أهل الكتاب آية اعجازية بلحاظ انتشار الإسلام وتداخل الحضارات، فاينما كان أهل الكتاب وفي أي زمان فان القرآن يتوجه اليهم بالخطاب وصيغة اللوم ويدعوهم في كل يوم الى التدبر بآيات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان بها.
الثامن: توجه اللوم وبصورة أشد الى الكفار والجاحدين من باب الأولوية، فتهاجم هذه الآية كل كافر وتدعوه للتصديق بالآيات.
الثاني: علماء أهل الكتاب وفيه وجوه:
الأول: لما توارثوه من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: هم أكثر اطلاعاً من غيرهم بالكتاب المنزل.
الثالث: منزلة العلماء بين أهل الكتاب، اذ ان اتباعهم يصدقونهم، فجاءت الآية لتدعوهم لإمامة اتباعهم نحو الإسلام.
الرابع: تنبيه عامة أهل الكتاب الى تقصير علمائهم ازاء الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتخلفهم عن الايمان بها, مع وجود المقتضي وفقد المانع عن الإيمان.
الخامس: دعوة أهل الكتاب لتكرار هذا اللوم على علمائهم ولو بصيغة السؤال والإحتجاج، فبدل ان يتوجه جدال اهل الكتاب الى المسلمين، بخصوص الآيات فانه يتوجه الى علمائهم، بصيغة الإنكار او السؤال المحض عن علة التخلف عن التصديق بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارات بنبوته التي وردت في التوراة والإنجيل.
السادس: توجه الخطاب الى علماء اهل الكتاب يدل بالدلالة الإلتزامية على ان الآيات عقلية وكلامية ونقلية يستطيع العلماء إدراكها ومعرفتها والتثبت من صحتها.
السابع: موضوعية العلماء بين الناس فاذا آمن علماء أهل الكتاب يتبعهم عامة اهل الكتاب، ويلحق بهم المشركون بالأولية القطعية.
الثامن: ايمان علماء أهل الكتاب او منعهم من ايذاء المسلمين سبب لتوجه المسلمين نحو الجهاد وتثبيت معالم الدين.
التاسع: العز والفخر للمسلمين، ففي الوقت الذي يلوم فيه القرآن علماء اهل الكتاب، على التأخر والتباطئ بل الإمتناع عن التصديق بالآيات، يبادر المسلمون الى التصديق بها واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به من عند الله، فالمسلم عالم لأنه اختار الإيمان بالآيات والبراهين.
العاشر: ارادة العلماء بلغة الخطاب وهو شاهد على ان القرآن يخاطب أولي الألباب ويدعوهم للإيمان وان الإسلام دين الحكمة والعقل.
الحادي عشر: في الآية دليل على أفضلية القرآن على غيره من الكتب لأنه يخاطب العلماء ويدعوهم للتدبر بالآيات، وهذه الدعوة ولغة اللوم صيغة من صيغ التحدي، وتوكيد لصدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث: الناس كافة من أهل الكتاب والمشركين، من وجوه:
الأول: صحيح ان لغة الخطاب بخصوص أهل الكتاب الا ان المراد جميع الملل والمذاهب، وورد ذكر اهل الكتاب من باب الفرد الأهم والأقرب، والا فان الخطاب شامل.
الثاني: وحدة الموضوع في تنقيح المناط، فموضوع الآية هو اللوم على الكفر بآيات الله، والكفار لا يقرون بوجود الصانع، ويجحدون بالنبوة.
الثالث: نزل القرآن بلغة إياك أعني وأسمعي يا جارة، فاللوم موجه الى كل من يكفر بالآيات، ومنهم الكفار بالأولوية.
الرابع: تأديب الكفار وزجرهم عن الرجوع الى اهل الكتاب في السؤال عن صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكانت قريش ترجع الى اليهود عند بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لسؤالهم عن علامات نبي آخر الزمان، وما إذا كانت تنطبق على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فاذا كان اللوم موجهاً الى علماء اهل الكتاب أنفسهم فكيف يرجعون الى اهل الكتاب لسؤالهم عن صدق النبوة.
الخامس: لو قالت الآية “يا أيها الكفار لم تكفرون بآيات الله” لقال اهل الكتاب انهم خارجون عن موضوع الآية، وما فيها من اللوم لأنها موجهة الى الكفار والمشركين، فجاءت الآية بذكر أهل الكتاب على نحو التعيين، كما ان الكفار لا يستطيعون الإدعاء انهم خارجون عن عمومات الخطاب في الآية.
السادس: اليهود خاصة ونسبه الطبرسي الى القيل( )، وفيه وجوه:
الأول: وجودهم في المدينة المنورة، فعند دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المدينة كان في المدينة من اليهود “بنو النضير وقريظة وقينقاع” يراجع كتاب شيخ نجاح عن الأسماء
الثاني: انكار اليهود البشارات التي جاءت بالإخبار عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإدعاؤهم انها لا تنطبق عليه.
الثالث: مقابلتهم دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام بالجحود والرفض.
الرابع: تعدد وجوه الجدل والإحتجاج مع اليهود، واثارتهم الشبهات.
الخامس: قيام جماعة من اليهود بالتعاون مع كفار قريش ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت الآية للومهم وتوبيخهم.
ولا تعارض بين الوجوه أعلاه، وهي شاهد على عمومات الخطابات القرآنية ومن الإعجاز ان أفرادها يشتركون في موضوع الآية الذي ورد فيه اللوم لأهل الكتاب، فقد جاء القرآن ليخبر الناس عن وجوب التصديق وانه كتاب سماوي نازل من عند الله، ويتضمن الآيات والبراهين الدالة على صحة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتجعل الآية النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في مواجهة أمم أهل الكتاب والكفار، فهو يخاطبهم بنفسه وبذاته ولا يمتلك من السلاح الا النبوة وهو أقوى سلاح شهده تأريخ الإنسانية، اذ يأتي معه المدد والنصرة من عند الله، فالآية بشارة انتصار وظهور الإسلام وبقاء نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض.
وجاءت البشارات به الى أهل الكتاب ليكونوا الموطئين لنبوته والداعين لها قبل بعثته، والسابقين في دخول الإسلام، فلما بعث جحدوا بها، فجاءت هذه الآية بشارة للمسلمين بظهور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقيامه بتبليغ أهل الكتاب ودعوتهم للتصديق بالآيات وهذه الدعوة تتضمن الحث على الرجوع الى البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصدور عنها، فمن تخلف عن التصديق بمصاديق البشارات جاءه اللوم في هذه الآية لطفاً ورحمة من الله ليرجع الى الهدى ويستحضر البشارات، ويطرد عن بصره غشاوة الحسد والإصرار فهذا اللوم من وجوه تفضيل بني اسرائيل اهل الكتاب على الكفار، لما فيه من التذكير بالحقائق التي بين أيديهم، والدعوة الى الإسلام.
وقال الطبرسي “وقال عز أسمه في هذا الموضع: ( قل يا أهل الكتاب ) وفي موضع آخر : ( يا أهل الكتاب ) ، لانه تعالى خاطبهم في موضع على جهة التلطف في استدعائهم إلى الإيمان ، وأعرض عن خطابهم في موضع آخر ، وأمر سبحانه نبيه استخفافاً بهم لصدهم عن الحق( ).
ولا دليل على التفصيل أعلاه فكل من الخطاب المباشر “يا أهل الكتاب” والخطاب بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلطف بأهل الكتاب ودعوة لهم للإيمان، ولوم لهم لصدوهم عن الحق، وجحودهم بالآيات كما يأتي آخر بلغة العموم وبصيغة الشرط، ومن غير لفظ نداء، كما في قوله تعالى [وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ]( ).
وفي الآية مواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فمع توالي الآيات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان المرجو من أهل الكتاب هو مبادرتهم للإسلام، وتصديقهم بلآيات، فحينما يرى المسلمون منهم الصدود فانهم يتألمون ويأسفون.
وجاءت هذه الآية لطرد الشك والريب من نفوسهم ولمنع تاثرهم بصدود أهل الكتاب، وهذا من إعجاز القرآن وأسرار آياته العقائدية والأخلاقية فمن منافع الآية عصمة المسلمين من التأثر بصدود الكافرين والمشركين والجاحدين واحترازهم من صيغ الشك والريب والجدال.
وتبين الآية ان نزول الكتب السماوية السابقة مقدمة لنزول القرآن وان الإنتساب الى الكتاب حجة على صاحبه في لزوم التصديق بالآيات والدلالات الإعجازية التي تدل على صدق نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وعندما يأتي الذم من شخص او جهة الى شخص او جماعة فانهم يشعرون بالأذى والحسرة، ويحاولون المبادرة للدفاع عن النفس ودفع الظنة والتهمة عن الذات، وقد يلجأون الى تنزيه أنفسهم من أسباب الذم وموضوعه، اما الذم واللوم من عند الله فهو تشريف للعبد وانذار ودعوة للتدارك والصلاح.
والمراد من أهل الكتاب الذين عندهم كتاب سماوي يرجعون اليه ويعملون به او يؤمنون به، فاليهود يؤمنون بنزول التوراة على موسى عليه السلام، والنصارى يؤمنون بنزول الإنجيل على عيسى فان قلت ان القرآن كتاب نازل من السماء فهل يشمل اسم (أهل الكتاب) المسلمين ايضاً، الجواب ان المسلمين يعملون بالقرآن وهو كتاب الله، ولكن القرآن يصفهم بالذين آمنوا والمسلمين والمؤمنين والمتقين، والمراد من أهل الكتاب نسبة اليهود والنصارى الى الكتاب السماوي، وليس في القرآن ما يدل على نسبة المسلمين الى القرآن.

قوله تعالى [لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ]
تتكون (لمَ) من حرفين:
الأول: حرف الجر اللام.
الثاني: (ما) اسم استفهام إنكاري، وحذفت منه الألف لدخول حرف جر عليه.
بعد تعيين جهة الخطاب وانهم أهل الكتاب جاء بيان موضوع النداء وبدأ باللوم والإستنكار، واللوم وان أتحد لفظه فانه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة شدة وضعفاً، ويأتي التباين في أفراده من وجوه:
الأول: جهة صدور اللوم.
الثاني: اللوم.
الثالث: أسباب اللوم.
الرابع: الطرف او الجهة التي يتوجه اليها اللوم.
الخامس: طريق ووسيلة اللوم.
السادس: الغايات والمقاصد من اللوم.
أما الأول فان اللوم صدر من عند الله عز وجل، وفيه غاية التوبيخ والتبكيت، وهو دعوة سماوية للهداية والصلاح.
أما الثاني فان موضوع اللوم في الآية هو الجحود والكفر بالآيات، وهو أقبح فعل يعمله الإنسان في حياته ونسبة الآيات الى الله تعالى توكيد لقبح الكفر بها، وإستحقاق الكافرين الذم والتوبيخ .
أما الثالث فان الحجة قائمة على أهل الكتاب على نحو الخصوص في لزوم المبادرة الى التصديق بآيات الله، وجعل الناس يقتدون بهم، بالإضافة الى انعدام أي سبب للكفر.
اما الرابع فان اللوم يتوجه الى أهل الكتاب خاصة من بين الناس ونسبتهم الى الكتاب جزء علة لهذا اللوم، أي ما دمتم أتباع كتاب سماوي فانكم اولى الناس بالتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما انزل الله عليه من المعجزات، وحصر اللوم بالآية باهل الكتاب شاهد على صدق الآيات وادراكهم لمضامينها.
أما الخامس فان اللوم جاء بوثيقة سماوية خالدة وباقية في الأرض الى يوم القيامة لا يطرأ عليها التحريف او التبديل وفيه دعوة للإعتبار والإٌتعاظ.
أما السادس ففيه وجوه:
الأول: اقامة الحجة على أهل الكتاب للتقصير الظاهر بالتخلف عن تصديق الآيات.
الثاني: بيان موضوعية التصديق بالآيات.
الثالث: الإنذار والوعيد على التكذيب بالآيات.
الرابع: توكيد حقيقة وهي ضرورة التصديق بآيات الله.
الخامس: الآية تذكير بعمومات قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )، فكل انسان يجب ان يعبد الله، ومن وجوه ومقدمات العبادة التصديق بآيات الله عز وجل، ومنها حج بيته الحرام الذي جاءت الآية السابقة بفرضه.
السادس: الآية لطف بأهل الكتاب لما فيها من التنبيه والتحذير والإرشاد الى سبل الهداية والإيمان.
السابع: في الآية دعوة الى الناس جميعاً للتصديق بالآيات، فصحيح ان الخطاب لأهل الكتاب ولكن قد يصد عن الدعوة كتابي، ويتلقاها بالقبول كافر وثني، اذ ان الزجر الوارد في الآية يدعو الى مسألة عقلية ظاهرة مركبة من امرين:
الأول: وجود آيات ودلالات قاطعات ظاهرة ويراها الإنسان ببصره وبصيرته.
الثاني: وجوب تصديق العقلاء بالآيات.
وجاءت الآية بصيغة اللوم والإستفهام الإستنكاري ويدل بالدلالة التضمنية على بقائهم على حال الكفر والجحود بالآيات، وفيه مسائل:
الأولى: ذم حال الكفر والمعصية والجحود.
الثانية: وجود أعداء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين يكفرون بالآيات.
الثالثة: ما يتحمله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأذى والعناء في الدعوة الى الله لوجود أمم تكفر بها.
الرابعة: الأصل هو مبادرة اهل الكتاب للتصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: ما عندهم من البشارات بنبوته.
الثاني: إمكان الربط والمقارنة بين الآيات التي جاء بها الأنبياء السابقون وبين ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: اجتماع أسباب الحجة والبرهان في الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: أهل الكتاب اولى من غيرهم في موضوع التصديق بالآيات.
الخامسة: اتباع شطر من الكفار لأهل الكتاب في الإيمان بالآيات، ككفار قريش، فهم لم يؤمنوا بما عند اهل الكتاب، ولكن حينما رأوا الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيقنوا انها حق وصدق، ومع هذا التجأوا الى اهل الكتاب لسماع قولهم في نبوته لأنهم أهل كتاب سماوي.
السادسة: لغة اللوم السماوية شاهد على مخالفة الكفر لأحكام التنزيل وادراك العقل، فلقد جعل الله عز وجل عند الإنسان العقل وجاءت الآيات لمخاطبته ودعوته للإيمان، فحينما يقابلها بالجحود والصدود يأتي اللوم والتوبيخ من عند الله، لعدم الإنتفاع من نعمة العقل.
السابعة: الآيات مقدمة وطريق للنجاة في الآخرة، فجاء اللوم رحمة بأهل الكتاب ودعوة لهم للتدارك.
الثامنة: لما جاءت خاتمة الآية السابقة بالإخبار عن عدم حاجة الله لغيره بقوله تعالى [فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] ابتدأت هذه الاية بصيغة اللوم للإخبار عن غناه تعالى وتوكيد حقيقة وهي ان الله عز وجل ينزل الآيات لهداية الناس ونجاتهم في النشأتين، فالكفر بها اضرار بالذات،فلذا جاء اللوم على اختيار ما فيه الاذى والضرر وهو قبيح.
التاسعة: في الآية دعوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بعدم التردد في توجيه اللوم والتوبيخ للجاحدين والذين يصدون عن الآيات.
العاشرة: تدل لغة العموم على ان المسلمين راضون بالآيات ومكتفون بها، ويقرون بلزوم التصديق بها، وفيها بيان لاعتصامهم من الكفر والشرك.
الحادية عشرة: في الآية تصد للشبهات التي يأتي بها اهل الجحود والضلالة، فمن يوجه اللوم على فعل لايقبل مايتفرع عنه لانه يستنكر الاصل ولايرضى به.
والفرع تابع للاصل في الحسن والقبح الا اذا تغير الموضوع والحكم.
وبلحاظ الاتحاد والتعدد في موضوع الخطاب هناك اطراف ثلاثة:
الاول: توجه الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الامر (قل) وهذا الخطاب وان كان متحداً في صيغته الا انه موجه الى المسلمين بالواسطة، والتقدير (ايها المسلمون قولوا).
الثاني: جهة توجه اللوم والمراد منها التعدد سواء في الملة وشمولها لليهود والنصارى، او في تعدد افراد كل طائفة وملة منهم.
الثالث: تعدد مضامين ومواضيع اللوم، وهو الكفر بآيات الله، فلم تذكر الآية آية واحدة تم الكفر بها، بل آيات متعددات، وهذا التعدد من اللطف الإلهي المركب من وجوه:
الاول: تعدد الآيات عون ووسيلة للتصديق والإيمان.
الثاني: قد يفوت الفرد او الجماعة التصديق بآية فتأتي آيات اخرى لدعوته للايمان.
الثالث: بيان فضل الله عزوجل بتعدد الآيات رحمة بأهل الكتاب والناس.
الرابع: كما انه سبحانه يعطي بالإوفى والأتم، فانه سبحانه ينعم على الناس بكثرة وتوالي الآيات لتكون تذكرة وعبرة وسبباً للهداية وتثبيت الايمان، فقد يؤمن شخص بآية واحدة، وتأتي الآيات الاخرى لتزيده ايماناً.
الخامس: بيان عظيم قدرة الله، فكثرة الآيات والمعجزات الباهرات تدل على ان الله عزوجل قادر على كل شئ وانه لا تستعصي عليه مسألة فجاء بالآيات المتعددة لتوكيد ان الأشياء كلها مستجيبة له وان الانسان اولى من الخلائق الاخرى بالإستجابة والإمتثال لأوامر الله ولإستجابته خصوصية تتمثل بغلبة العقل على الشهوة، وتوظـــيف
الجوارح والأركان لعبادة الله تعالى.
السادس: جاءت الآية للتذكير بحلم الله تعالى وامهاله للذي يكفرون بالآيات، خصوصاً من ينتسب الى كتاب سماوي، فلم ينتقم الله عزوجل من الكافرين بل انزل الآيات لتكون حجة عليهم، ولغة اللوم في الآية جزء من حلم الله تعالى على الناس، وكذا تعدد الآيات وتضمنها للدلالة والعبر.
قانون قبح التكذيب بالآيات
لقد جعل الله عزوجل عند الانسان العقل آلة للهداية والتدبر بالآيات، ووسيلة لنجاته في النشأتين، ولما كانت علة خلق الانسان هي عبادته لله تعالى فلابد ان الله عزوجل يرشده للتوجه للعبادة وتهيئة مقدماتها ويساعده على ادائها. كما يتبين في مضامين الآية السابقة ووضع البيت للناس وفرض حجه عليهم بقيد الإسلام وحصول الاستطاعة.
ومن وجوه العون الالهي للإنسان ان توالت عليه الآيات والعلامات التي تشهد بوجود الصانع، والدلالات والبراهين التي تؤكد وجوب عبادته تعالى، وتدعوه للتصديق بها وعدم تكذيبها، وهذا التصديق امر موافق لحكم وادراك العقل قبل ان تصل النوبة للواجب الشرعي، ومع وجود المقتضي وفقد المانع، يجب على الناس جميعاً التصديق بالآيات التي تتضمن اموراً:
الأول: لزوم الاقرار بوجود الصانع وعبادته.
الثاني: التصديق بالأنبياء، والإستجابة لأحكام النبوة، والعمل بما جاء به الأنبياء.
الثالث: تلقي البشارات ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق، وتوارثها من غير تحريف او تغيير.
الرابع: التصديق بالآيات الكونية والاقرار بانها من بديع صنع الله تعالى، وشاهد على ربوبيته ولزوم عبادته.
الخامس: اتخاذ الآيات سبباً ومناسبة للتقيد التام بعبادة الله واجتناب الضلالة والكفر.
وليس من شيء في الوجود الا ويذكر الإنسان بوجوب الطاعة والإمتثال لله تعالى، ويتجلى هذا الإمتثال بإتباع نهج الأنبياء والأخذ بالنسخ في الشرائع، بإعتبار ان الأصل هو الإيمان بالانبياء السابق منهم واللاحق، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء, فلابد من التصديق به وما جاء به من عند الله، وقد تجلت الآيات في نبوته من وجوه:
الأول: البشارات التي سبقت بعثته والتي اخبرت عن نبوته.
الثاني: المواثيق والعهود التي أخذت من الناس للتصديق به حين بعثته قال تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ]( ).
الثالث: توالي المعجزات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من مصاديق الآيات التي ذكرتها هذه الآية، فاللوم الموجه لأهل الكتاب يتضمن الذم على الكفر والجحود بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها القرآن باعتباره معجزة خالدة، وكل آية منه هي اعجاز مستقل، ومنه هذه الآية التي تتضمن اللوم على الكفر به أي الكفر بهذه الآية بالإصرار على الكفر والجحود، وهناك تباين في مرتبة الكفر بين مرحلة ما قبل اللوم والذم وما بعدها، فهذه الآية من آيات الله التي يجب التصديق بها، لأن ما فيها من البرهان
وذم الكفر آية أخرى من عند الله.
وتحتمل الآيات من جهة التصديق بها وجوهاً:
الأول: صدرها من عند الله، فهذا الصدور علة تامة للتسليم بصحتها وصدقها.
الثاني: الإعجاز الذاتي، فكل آية تثبت بنفسها أنها دليل على وجود الصانع وصدق النبوة.
الثالث: الإعجاز العرضي، أي تعرف الآية بما يترشح عنها من الأسرار القدسية.
الرابع: الشواهد الغيرية أي ان الآية تعرف باسباب خارجة عنها، كالحاجة واللجوء اليها، او بمقارنتها مع غيرها، وهذه المقارنة على أقسام:
الأول: المقارنة بين آيات القرآن وآيات التوراة والإنجيل، لتتجلى مضامين التشابه والمثلية بين الآيات الواردة في التوراة والإنجيل من والآيات التي في القرآن مع المائز الخاص للقرآن وما فيه من معاني الأفضلية خصوصاً وانه ينفرد بالإعجاز اللفظي والبلاغي وأسرار عقائدية وأمور غيبية.
الثاني: التشابه بين الآيات التي جاء بها الأنبياء السابقون، والآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه دليل على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: اتحاد سنخية التنزيل، وتكامل أحكام الشريعة بالقرآن.
الرابع: تضمن الكتب السابقة للبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومطابقة صفاته صلى الله عليه وآله وسلم لتلك البشارات.
الخامس: مصاديق الواقع العملي التي تثبت صدق الآيات وإعجازها وصدورها من عند الله، ولغة الذم والإستنكار الواردة في الآية دعوة لترك الكفر والجحود بالآيات، وحث على التصديق بها، اذ ان اللوم ليس مطلوباً بذاته بل مقدمة للتنزه عن الكفر وأسبابه.
والمراد من الأيات في هذه الآية وجوه:
الأول: آيات القرآن التي انزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ]( ).
الثاني: ماتضمنته التوراة والانجيل من الاخبار والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث: دعوة الانبياء السابقين لإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته حين بعثته.
الرابع: ظهور المعجزات العقلية والحسية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس: تسليم جماعات وامم من الناس بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقهم بالآيات
السادس : عدم امكان التواطئ على اخفاء نبوته معجزة اخرى وبرهان على صدقها وحتمية ظهورها.
السابع : آيات خلق السماوات والأرض وما بينهما فكل آية في الآفاق تدعو الناس الى الإيمان.
والتكذيب بالآيات قبيح ذاتاً وعرضاً وأثراً، ويدل النقل والعقل على لزوم اجتنابه،فالقبح ملازم له بالذات ولا يفارقه،والشرع والتنزيل يزجران الإنسان عنه،كما ان نتائجه ضارة بصاحبه وغيره،ولا ينحصر ضررها بالحياة الدنيا، بل يشمل الآخرة، ويؤدي بصاحبه الى لخلود في النار.

بحث أخلاقي
أشتق لفظ الأخلاق والخلق – برفع الخاء واللام- من الخَلْق بسكون اللام، وفيه دلالة على الإبداع والإنشاء، وفيه نكتة وهي انها ليست مجبولة بالفطرة والتكوين، بل سجايا وطباع وآداب، وآثار تربية وتعليم، كما انها ليست ملكة ثابتة بل هي متغيرة بحسب الحال والأسباب والمقاصد، فتتغير الاخلاق الرديئة الى الحسنة خصوصاً وان الإنسان مركب من صفات متعددة:
الأولى: صفات بهيمية مثل الشهوة، والشره والطمع.
الثانية: صفات سبعية، مثل الغضب والحسد، والفتك والبطش.
الثالثة: صفات تحمل معاني الشر مثل الكذب والتكذيب والمكر والحيلة والخداع.
الرابعة: صفات الصلاح مثل العدل والإنصاف، وفعل الخيرات.
الخامسة: الصفات الإيمانية مثل التواضع، كف الأذى، التقيد بالأحكام الشرعية، الأمانة الصدق، التصديق.
فجاءت هذه الآية لذم الصفات القبيحة، ومنها التكذيب بالايات الذي تترتب عليه أفعال قبيحة وشريرة أخرى، وتدعو الآيات للصلاح والإصلاح وترك التكذيب ، وفيها حث سماوي على التوجه المتعدد والجماعي الى التصديق بالآيات، وهذا التوجه من أسرار صيغة الجمع في الآية الكريمة.
لقد أراد الله عز وجل بالقرآن تهذيب أخلاق الناس، وتنمية ملكة الفضيلة في النفوس، وتجلي معانيها على الجوارج والأفعال لتسود أحكام التوحيد، ويعم العدل الأرض فتخرج بركاتها الى الناس.

وهذه الآية دعوة لتطهير النفس من الأخلاق الرذيلة وتنزيه الأرض وأهلها من الجحود بالآيات، وتوجهت بالخطاب لأهل الكتاب، ونادتهم بالنسبة الى الكتاب السماوي في تذكير لهم بوظائفهم الأخلاقية أزاء آيات الله، ومن سجايا النفس الإنسانية النفرة من الكاذب والذي يكذب بالآيات ويشهد شهادة الزور، وفي الآية مسائل:
الأولى: إخبار الناس جميعاً بقبح التكذيب بالآيات، والذي يدل بالدلالة التضمنية على علم الناس بالآيات ومعرفتهم بها واطلاعهم عليها.
الثانية: فضح الذي يكذب بالآيات سبيل لإصلاحه وإصلاح من يتبعه وينهج نهجه.
الثالثة: اشاعة النفرة من التكذيب بالآيات، وهل من صلة بين الكذب على الله والتكذيب بالآيات، الجواب نعم، وبينهما عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي الإفتراء والتجرأ ومخالفة الواجب والتكليف، أما مادة الإفتراق، فان الكذب على الله اختلاق أمور من الشريعة لا أصل لها، اما التكذيب فهو انكار الحقائق الدالة على وجوب عبادة الله وتصديق انبيائه.
فجاءت الآية للزجر عن التكذيب بالآيات باعتباره من الاخلاق المذمومة، والمنع من الإستمرار بركوب جادة المعصية، وفي الآية جذب لمنازل الهداية بالحث على التخلص من الغضب والعناد والإصرار، وهي حث على التنزه من الكدورات الظلمانية، ودعوة للتصديق بالإيمان وإعانة الكفار والمشركين بهدايتهم الى التدبر بالآيات، وتخلص اهل الكتاب من تبعات اتباعهم في التكذيب والجحود.
وقد رزق الله عزوجل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية القرآن الفعلية وفي كل منه اعجاز متعدد ومستديم ، وهو علامة صدق نبوته، ودلالة تخاطب العقول، وتطرد عن النفوس الشك والوهم والريب قي نبوته، وتدعو الناس جميعاً للايمان والتصديق بها، اما الآيات الحسية فهي على اقسام:
الاول: الآيات الشخصية منها آيات الولادة والنشأ وما فيها من الحفظ والعناية الإلهية والعصمة من الزلل، وولادته مختوناً.
ومن الآيات الشخصية انه كان يرى من خلفه كما يرى من قدامه، وتنام عينه ولاينام قلبه وكذا باقي الأنبياء، ولايقع ظله على الارض، ولايصل اليه الذباب، وكان بين كتفيه خاتم النبوة، وهو من علاماته عند أهل الكتاب.
الثاني: الآيات الحسية فقد رزق الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم آيات حسية عديدة لتكون عوناً للناس لهدايتهم ودخولهم الإسلام، ومنها انشقاق القمر وتكلم الحصى في يده.
الثالث: الآيات العقلية، وهي آيات القرآن وأحكام الشريعة.
الرابع: الشواهد التأريخية، والوقائع والأحداث، فيبعث الخوف في قلب عدوه مسيرة شهر، بالإضافة الى ظهور النصر لرايات الإسلام مع قلة عدد المسلمين.
الخامس: إخلاصه في عبادة الله، وزهده بالدنيا وإعراضه عنها فمع كثرة ما تصله من الغنائم فانه يبيت أحياناً طاوياً هو وأزواجه، وقد أنفق في الصباح المائتين والثلاثمائة ألف.
علم المناسبة
ورد لفظ (آيات) في القرآن مائتين وخمس وتسعين مرة وكلها تعود الى الله عزوجل، فليس من آية في الكون الا وهي لله عز وجل وفيض منه، و شاهد على التوحيد، وانفراده تعالى بالخلق والتكوين والإبداع.
وجاءت الآية السابقة بذكر آيات البيت الحرام، على نحو الإخبار والتوثيق السماوي لها والدعوة للحج واكرام الآيات.
اما هذه الآية فجاءت بذم أهل الجحود لكفرهم بآيات الله، وصدودهم عنها لبيان إستحقاق من يجحد بالحج للوم والذم، مع دعوته للتدبر بالآيات الكونية وآيات النبوة واكرام الله للإنسان فيما سخر له من النعم.
ولا يتوقف موضوع الكفر بالآيات عند لغة اللوم، بل ان أحكامه تتعدى عالم الدنيا وتشمل الإنذار والوعيد، الذي جاء في آيات عديدة تضمنت الإخبار عن شدة عذاب الذي يكفرون بآيات الله وانهم أصحاب الجحيم، صم بكم في ظلمات، ولاتفتح لهم ابواب السماوات وان الله يصليهم ناراً ولهم عذاب من رجس أليم( ).
كما جاءت الآيات بالتحذير من التكذيب بالآيات لأنه سبب لسرعة العذاب الى جانب شدته.
والكفر بالآيات سبب لنزول العقاب على غيره من الذنوب، بالإضافة إلى ما يترتب عليه من البلاء والعذاب , وهو سبيل لحجب الإمهال عن صاحبه لأنه ذنب عظيم يتضمن الجحود بالنعم، ويكون أصلاً لذنوب اخرى، وباباَ للإفساد في الأرض.
وتبين الآية ان الكفر بآيات الله سبب لإستئصال الجبارين الكفار من الأرض ونزول البلاء بهم كما في آل فرعون والذين من قبلهم قال تعالى [كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ]( ).
لقد أراد الله عز وجل بالآيات العديدة التي وردت في ذم الكفر بآيات الله اصلاح الناس وإعادتهم الى فطرة الإيمان، وتوجه الخطاب الى أهل الكتاب في الآية، الا ان الكفر بالآيات أعم ويتضمن ذم الكفار والمشركين وانذارهم.
ونعتتهم الآيات بانهم خارجون عن الإستقامة والطاعة قال تعالى [وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ]( )، وهذا الذم باب للهداية والإيمان، ويدفعهم لإختيار سبل النجاة التي تبدأ بالإيمان بالآيات.
وأكثر سورة ورد فيها ذكر الآيات هي هذه السورة أي سورة آل عمران وسورة الأنعام، اذ ورد لفظ الآيات في كل واحدة منهما خمس عشرة مرة وورد لفظ “آيات الله” وإضافتها الى اسم الجلالة في سورة آل عمران عشر مرات، ولم يرد في سورة الأنعام الا مرة واحدة، ويمكن أن نسمي هذه السورة تسمية ثانية وهي “سورة آيات الله” بالإضافة الى إسمها الأصلي والثابت لها الى يوم القيامة وهو سورة آل عمران.
وجاءت الآية بالذم على الكفر بآيات الله، وتحتمل الآية من جهة الإطلاق والتقييد وجوهاً:
الأول: الإطلاق وإرادة الكفر بجميع آيات الله.
الثاني: الحصر والتقييد، والمراد الكفر ببعض آيات الله فأطلق العام وأريد الجزء.
الثالث: إرادة آيات متعددة في موضوع واحد، كما في البشارات المتعددة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: المقصود في الآية هو آية واحدة، وجاء الذم والنعت بالكفر
بآيات الله لوجوب الإيمان بالآيات على نحو العموم الإستغراقي.
والصحيح هو الثاني، فالمراد أمور هي:
الأول: الكفر ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنكارها.
الثاني: الصدود عن آيات القرآن وما فيه من المضامين الإعجازية والأحكام الشرعية.
الثالث: انكار البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت في التوراة والإنجيل وعلى لسان الأنبياء السابقين، وتوارثها اصحابهم واتباعهم.
الرابع: الإعراض عن البيت الحرام مع ما فيه من آيات ودلالات تدل على الإعجاز وتدعو الى طاعة الله والإمتثال لأمره تعالى في حجه وعمارته والتدبر في آياته.
وفي ذكر الآيات التي تخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الجمع مسائل:
الأولى: مدح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والثناء عليه.
الثانية: بيان أفضليته على الأنبياء من وجوه:
الأول: تعدد الآيات التي رزقها الله عز وجل له.
الثاني: تشريف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة وتوالي الآيات، اذ ان الآية تدل في ظاهرها على حضور الآيات وان الكفر بها مستمر، فجاءت هذه الآية لوقف الكفر ودعوة أهل الكتاب للتصديق بها، وهذا من الآيات الباهرات، ويلازم الذم على الكفر وجود الآيات والبراهين وحضورها بين الناس.
الثالث: ان الله عز وجل هو الذي يلوم ويوبخ الذين يكفرون بالآيات، وهذا اللوم ورد بالواسطة وعلى لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى “قل” بصيغة الأمر الذي يحمل على الوجوب.
الرابع: بقاء الأمر والإمتثال والإستجابة له الى يوم القيامة اذ ان الأمر الإلهي “قل” يتوجه الى المسلمين ايضاً عن طريقين:
الأول: قل يا محمد للمسلمين ان يقولوا لأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله.
الثاني: توجه الأمر الإلهي الى المسلمين بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتقدير الآية: “ايها المسلمون قولوا يا اهل الكتاب” وفيه تفضيل إضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان يكرر قوله امتثالاً وجهاداً ملايين المسلمين، واتصال قوله في الأزمنة المتعاقبة.
ومن الآيات ان الله عز وجل نصب آيات ودلالات على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعا الناس الى الإيمان بها، ولم يقف الأمر عند الدعوة اليها بل وجه اللوم والإنذار والوعيد للذين يكفرون بها في آيات عديدة من القرآن، وحث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على لوم اهل الكتاب ليكون هذا اللوم دعوة جديدة للإيمان بالآيات، واخبار عن ثقة واطمئنان المسلمين للآيات التي عنده التي جاءت بنبوته.
وانه والمسلمين يقطعون بصدق نبوته، وليس من شك يتسرب الى نفوسهم بهذا الخصوص، مما يعني عدم تاثير الشك والريب الذي يظهره فريق من أهل الكتاب وانه لن يضر الا أهله وهل يكفي القول مرة واحدة ام لابد من التعدد، الجواب هو الأخير لوجوه:
الأول: الآية في مقام الإنذار والوعيد.
الثاني: انبساط توجيه الدعوة الى أهل الكتاب مما يستلزم تعدد التبليغ.
الثالث: انحلال التكليف وتوجيهه الى المسلمين في اجيالهم المتعددة.
الرابع: تتعدى الآية في مضامينها موضوع القول مع أهميته، اذ إنها مدرسة في الإحتجاج وإقامة البرهان.

قوله تعالى [وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ]
خاتمة الآية قاعدة كلية، وحقيقة ثابتة يدركها أهل الكتاب وغيرهم، وفي ذكرها هنا مسائل:
الأولى: الواو: حالية في قوله تعالى (والله) دخلت على الجملة الإسمية، وتتضمن معنى التوكيد لصفة او حال، والمعنى انكم حينما تكفرون بالآيات فان الله يشهد فعلكم.
الثانية: الإخبار عن حضور جميع الأفعال والأعمال عند الله عز وجل، وانه لا تغيب عليه غائبة في الأرض والسماء.
الثالثة: بيان كبر الذنب، وسوء الفعل بجحود الآيات.
الرابعة: لفت أنظار أهل الكتاب والناس الى موضوع وأحكام آيات الله ولزوم التصديق بها.
الخامسة: تجدد التنبيه والتحذير كل يوم، وهو المستقرأ من الأمر الإلهي “قل”
وورد قوله تعالى [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] في عدة مواضع من القرآن، وتأتي بحرف الجر (الباء) والآية محل البحث هي الوحيدة التي جاءت بالحرف (على) بقوله تعالى [عَلَى مَا تَعْمَلُونَ] مما يفيد الإستعلاء والإخبار عن الإحاطة الإلهية التامة بما يعمل اهل الكتاب، وجاءت الآية بخصوص إنكار وكفر أهل الكتاب بآيات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بينما جاءت خاتمة الآية بما هو أعم، اذ شملت أعمال اهل الكتاب، من وجوه:
الأول: العمل الشخصي لكل فرد من أهل الكتاب.
الثاني: العمل النوعي العام لهم الذي يقومون به كأهل كتاب.
الثالث: المصداق العملي لكفرهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما يظهرونه من الجحود بها.
الرابع: تحريف الكتب السماوية السابقة، بانكار البشارات التي وردت في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتغيير معانيها.
وظاهر الآية ان الكفر بالآيات المذكور في الآية أعم من الإنكار القلبي، وأنه يبرز في الواقع الخارجي على هيئة وعمل يتضمن ايذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، لأن الجحود صد عن سبيل الله، ومحاولة لمنع انتشار الإسلام بالإضافة الى ما يترشح عنه من تحريض المشركين والكفار على قتال المسلمين، فجاءت خاتمة الآية للإنذار والوعيد والزجر عن التعدي على المسلمين، ولكي يجتنب اهل الكتاب قتال المسلمين، ويتفرغ المسلمون لمقاتلة الكفار والمشركين.
لقد جاءت هذه الآية بالفصل بين أهل الكتاب والمشركين في صيغ الدعوة الى الإسلام بلحاظ المائز بينهم، وانتماء اليهود والنصارى الى الكتاب السماوي وتصديق اليهود بنبوة موسى، والنصارى بنبوة موسى وعيسى، بينما الكفار يجحدون بالربوبية ولا يؤمنون ببعثة الأنبياء، فجاءت هذه الآية لدعوة أهل الكتاب الى عدم إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، لأن هذا الإيذاء ينفع المشركين والكفار وهم أعداء الإسلام والكتاب والنبوة.
فتوجه الآية لهم اللوم لإشتراك فعلهم مع فعل الكفار في محاربة الإسلام، والأصل لزوم المغايرة بين فعلهم وفعل الكفار، وهذه المغايرة تعني الإتحاد في أفعال المسلمين وأهل الكتاب في الدعوة الى الله والتدبر في الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديق أهل الكتاب لها لأنها مطابقة لما عندهم من البشارات، وللمرتكز الذهني عندهم بصدق النبي الذي يأتي بالمعجزة الخارقة للعادة، المقرونة بالتحدي، السالمة من المعارضة، فمع وجود المقتضي وفقد المانع لابد من التسليم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وصحيح ان الخطاب جاء لأهل الكتاب الا انه موجه للناس كافة وفيه وجوه:
الأول: الآية انذار ووعيد للكفار بان الله عز وجل يعلم اصرارهم على الكفر وتعديهم على الإسلام والمسلمين.
الثاني: تحذير وإنذار علماء أهل الكتاب من إخفاء البشارات الخاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: تنبيه أهل الكتاب الى لزوم الكف عن إثارة الشكوك والشبهات ومحاولة اضلال بعض حديثي العهد بالإسلام.
الرابع: منع أهل الكتاب من التواطئ مع الكفار للتعدي على الإسلام.
الخامس: زجر أهل الكتاب عن انكار نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما يسألهم المشركون عنها.
السادس: الإشارة الى عدم موضوعية هذا الإنكار وانه لا يقف في طريق ميل الكفار الى الإسلام.
وهناك شواهد كثيرة في بداية الإسلام تبين انتقال الجماعات والقبائل من الكفر الى الإسلام مباشرة من غير التفات الى ما يقوله اليهود والموجفون في المدينة ومكة، مع أهمية قول كل منهما، فاليهود أهل كتاب ويؤمنون بالنبوة ويقولون ان عندهم علامات نبي آخر زمان، مما يجعل النفوس تميل اليهم في إستقراء تلك العلامات، اما مكة فهي ام القرى.
ويأتيها العرب من أماكن مختلفة ليؤموا البيت الحرام ويتزودوا بالمؤون والتجارات، وفيها قريش وهم أهل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعشيرته وقد اجتهدوا في محاولات صد الناس عن الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرجع عليهم هذا الفعل الا بالخزي، وما لبثوا ان أقروا بنبوته وآمنوا به، ليبقى الخطاب الى أهل الكتاب يدعوهم الى التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
بحث بلاغي
جاءت هذه الآية بالإيجاز الذي يتضمن إفادة تمام المعنى وبألفاظ عذبة تدل على الإعجاز، وتدعو الى التدبر في معانيها، ومع قلة كلمات الآية فانها تتضمن الأمر والنداء، والإثبات والنفي، والبشارة والإنذار، والوعد والوعيد، في المنطوق والمفهوم، من وجوه:
الأول: جاءت الآية بالأمر الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) مما يؤكد ان النبي يتلقى أوامره من عند الله عز وجل، وان ما يقوله ويفعله مع أهل الكتاب ليس من عنده بل بأمر الله تعالى، فلابد أن يكون ذا دلالات تكليفية وعقائدية، وفيه دعوة لأهل الكتاب للإلتفات الى مضامين قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار انهم مؤمنون بالتوحيد والربوبية لله تعالى، وهذا من أسرار اختصاصهم بالخطاب في الآية الكريمة من بين الناس.
الثاني: دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للتمييز والفصل بين أهل الكتاب والناس في النداء، مع اتحاد موضوع الآية والجحود بالآيات، فلا يعني اختصاص النداء بأهل الكتاب حصر موضوع الذم على التكذيب بهم، بل للتذكير بوظائفهم ولحث الكفار على الإمتناع عن الإصغاء والإستماع لهم.
الثالث: تعيين موضوع النداء، بما يمنع من الإجمال واللبس، اذ انه مركب من أمرين:
الأول: صيغة الذم.
الثاني: علة الذم وهي الكفر والجحود بآيات الله، فمع انتفاء الموضوع يتبدل الحكم ويزول الذم.
الرابع: اختتام الآية باسم من أسماء الله تعالى وهو (الشهيد) وذكر حقيقة من الإرادة التكوينية وهي علم الله تعالى.


قوله تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] الآية 99
الاعراب واللغة
قل يا أهل الكتاب: كلام مستأنف لتأكيد اللوم والتوبيخ وقد تقدم إعرابه في الآية السابقة.
لمَ: اللام حرف جر، ما: اسم استفهام انكاري في محل جر باللام.
تصدون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، الواو: فاعل، عن سبيل: جار ومجرور، سبيل: مضاف، اسم الجلالة مضاف اليه.
(من آمن) من: اسم موصول مفعول به لتصدون، آمن: فعل ماضِ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وجملة آمن لا محل لها من الإعراب لأنها صلة (من).
تبغونها عوجاً: الجملة حالية، تبغونها: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، الواو في (تبغون) فاعل، والضمير (ها) في محل مفعول به.
عوجاً: حال منصوب، وعن ابن جرير الطبري معناها: تبغون لها عوجاً.
وأنتم شهداء: الواو: حالية، أنتم: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
شهداء: خبر، والجملة الإسمية حالية.
وما الله بغافل عما تعملون: الواو: حالية، ما: نافية، وهي لنفي الحال، وقال السيوطي: مقتضى كلام سيبويه ان فيها معنى التأكيد، لأنه جعلها في النفي جواباً لقد في الإثبات( ).
اسم الجلالة: اسم (ما) مرفوع بالضمة، الباء حرف جر زائد.
غافل: اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً لأنه خبر (ما).
عما: عن: حرف جر.
ما: اسم موصول في محل جر.
تعملون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، الواو: فاعل، والجملة الفعلية صلة الاسم الموصول (ما).
والصد: الإعراض والصدوف، يقال: صد عنه يصد صدوداً، أي اعرض، ويقال صده عنه وأصده: صرفه ومنعه منه، وفي التنزيل [فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ]( )، فيتضمن الصد معنيين:
الأول: الصدود الذاتي والفعل فيه لا يتعدى الى الغير.
الثاني: الصد الغيري وهو الذي يتعدى الى مفعول به، والمعنى الثاني هو المقصود في الآية الكريمة.
والعوج هو الميل والإنعطاف لما كان في الأصل مستقيماً كالحائط والخط المستقيم، ويأتي العوج في الأرض بمعنى عدم الإستواء قال تعالى [ لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا ]( ).
ويأتي العوج بمعنى الفعل والاسم والمصدر، وفيه وجهان:
الأول: التفصيل فاذا كان بفتح العين فهو خاص بما يرى من الأجسام، اما اذا كان بالكسر فيخص غير المرئي من العروض والمفاهيم.
الثاني: استعمال (عوج) بكسر العين على نحو الإطلاق أي للأجسام المرئية وغيرها، والوجه الأول أظهر.
في سياق الآيات
بعد مجيء آيتين في البيت الحرام ووجوب حجه والإخبار بانه أول بيت وضع للناس، وما في هذا الوضع من تشريف للمسلمين بلحاظ تعاهدهم له وتعلق شطر من عبادتهم به حجاً وعمرة وطوافاً وإستقبالاً في الصلاة اليومية، ومجيء الآية السابقة في لوم أهل الكتاب على جحودهم بالآيات ونسبة الآيات الى الله وحثهم على الإيمان بها، والتخويف من الإعراض عنها، والإخبار بان الله عز وجل يحصي أفعال العباد وانه حاضر معهم، والدعوة للخشية منه واجتناب الكفر والجحود.
جاءت هذه الآية لتتناول موضوعاً آخر متفرعاً عن الكفر والجحود، ولكنه أشد منه وأكثر تعدياً اذ انها توجه اللوم لأهل الكتاب من جديد على جعلهم الآخرين يعرضون ويصدون عن الإسلام ودعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باثارة الشبه والبهت والإفتراء.
لتنتقل الآية التالية الى مخاطبة المسلمين بتحذيرهم من الإنقياد للذين يحاولون صدهم ومنعهم من التقيد بأحكام الإسلام من أهل الكتاب، فقسمت هذه الآيات الناس الى أقسام وهم:
الأول: الذين يكفرون بآيات الله من أهل الكتاب.
الثاني: الذين يصدون الناس عن سبيل الله، ويقومون بتحريف التنزيل والسنن السماوية.
الثالث: الكفار الذين يتعرضون للصد عن الإسلام من قبل فريق من أهل الكتاب.
الرابع: فريق من أهل الكتاب يسعون لردة شطر من المسلمين.
الخامس: المسلمون اذ ذكرتهم هذه الآية بلفظ [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
أما الأول فان الآيات جاءت لتوجيه اللوم والتوبيخ للذين يجحدون بآيات الله.
وأما الثاني فالآية تنبيه لسوء فعلهم، واخبار بان الله عز وجل يعلم ما يفعلون.
وأما الثالث فالآية تحذير لهم من الذين يكفرون بالآيات ويصدون عن المعجزات النبوية، وهي دعوة للتخلية بينهم وبين الآيات ليتدبروا في أسرارها وينصتوا الى آيات القرآن وما فيها من المضامين الإعجازية.
أما الرابع فالآية تحذرهم في مفهومها من التعدي على الإسلام والقيام بمحاولات بث روح الشك بين حديثي العهد بالإسلام، او الضعفة من المؤمنين.
أما الخامس فهذه الآية والآية السابقة والتالية تزيد إيمانهم لأن الله عز وجل يكشف لهم سنخية الناس الذين من حولهم، والكيد الذي يراد بهم ومحاولات الإضرار بهم بنشر صيغ التحريف والتبديل في مضامين الكتب السماوية والبشارات التي وردت بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وبلحاظ آيتي البيت الحرام المتقدمتين فان معاني هذه الآية والآية السابقة تتضمن زجراً عن الصدود عن البيت الحرام ودعوة لإكرامه والعناية به، وصيانته وحفظه وتيسير وصول الحجيج له، والتدبر في آياته الى جانب الحث على التصديق بالآيات النبوية.
ومن أسرار السياق ان تأتي هذه الآية ان تأتي هذه الآية بنفس خاتمة الآية السابقة، وهي مركبة من أمرين:
الأول: توجيه الأمر الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة إفعل ولفظ (قل).
الثاني: توجيه النداء النبوي الى أهل الكتاب، وبين موضوع هذه الآية والآية السابقة عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: توجيه الأمر الإلهي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: توجيه النداء لأهل الكتاب.
الثالث: لغة اللوم والذم.
الرابع: إختتام الآيتين بعلم الله تعالى بما يعمل اهل الكتاب، اما وجوه الإفتراق فهي:
الأول: تعلق موضوع الآية السابقة بكفر وجحود أهل الكتاب بآيات الله، اما هذه الآية فجاءت لغة الذم لقيامهم بالسعي لصد وإعراض الناس عن الإسلام.
الثاني: إختصت الآية السابقة بالإنكار القلبي واظهار الكفر بالآيات، اما هذه الآية فتشمل افعالاً خارجية وفيها لغة مفاعلة بينهم وبين غيرهم.
الثالث: بيان هذه الآية المقاصد الذميمة لمحاولات منع وصد الذي يريد الإيمان بقوله تعالى [تَبْغُونَهَا عِوَجًا].
الرابع: جاءت الآية السابقة بالإخبار عن شهادته تعالى على أفعال أهل الكتاب، أما هذه الآية فأخبرت عن شهادة أهل الكتاب أنفسهم على فعلهم وصدهم للناس عن الإسلام، وبين هذه الآية والآية التالية عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: توجيه الذم لأهل الكتاب.
الثاني: تحذير المسلمين من الذين يحاولون صدهم عن سواء السبيل، ويسعون في ارتدادهم عن الإسلام.
الثالث: الدعوة الى الإستقامة في الدين وتعاهد الإيمان، أما وجوه الإفتراق فهي:
الأول: مجيء هذه الآية بالأمر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يلوم أهل الكتاب، أما الآية التالية فجاءت بالخطاب مباشرة الى المسلمين [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثاني: صيغة اللوم الإلهي في هذه الآية أعم من التوبيخ فتشمل الإنذار والوعيد، أما الآية التالية فجاءت بصيغة التوقي والتنبيه، وفيه بيان لفضل الله عز وجل على المسلمين بان يأتيهم التحذير من عند الله من غير واسطة.
الثالث: تبين هذه الآية التعدي الذي يقوم به فريق من أهل الكتاب وما فيه من الآثام، أما الآية التالية فانها تخبر عن إستقرار حال الإيمان عند المسلمين وتدعوهم للحيطة والحذر.
اعجاز الاية
تفضل الله تعالى بتوجيه الأمر الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية الثانية على التوالي لمخاطبة أهل الكتاب بلغة اللوم والذم، وفيه مسائل:
الأولى: قدرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان يخاطب أهل الكتاب بلغة اللوم والتوبيخ على نحو متكرر في الموضوع والمضمون.
الثانية: قوة الإسلام وظهور المسلمين بحيث يواجهون الأمم الأخرى بلغة اللوم.
الثالثة: تناول أمور عقائدية ودعوة أهل الكتاب للإسلام، مما يعني توجه الدعوة الى الكفار والمشركين من باب الأولوية.
الرابعة: حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ثبات المسلمين على الإيمان وعدم رجوع بعضهم الى منازل الكفر.
الخامس: الكشف عن أمر وهو قيام أهل الكتاب بصد واعراض ضعفة المسلمين عن الإسلام، والغايات القبيحة من هذا الصد، وعلم الله تعالى بهذا الفعل.
السادس: إختتام الآية بلغة الإنذار والوعـــــيد، وإخبارها بان الله
عزوجل يحصي أفعال أهل الكتاب.
السابع: اجتماع شهادة أهل الكتاب وعلم الله تعالى بما يعملون، لتكون الحجة أظهر وأبين.
الثامن: تجلي مفاهيم الصبر عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على ما يلاقونه من الأذى، ومقابلة الأذى بالإمتثال لأمر الله في توجيه اللوم على الصدود وتحريض الناس على الجحود بالآيات، ومحاولات بعث الشك والريب في النفوس.
ومن الإعجاز في الآية لفظ (العوج) لأنه يعني ميل وانحراف ما كان مستقيماً، أي ان الأصل في أهل الكتاب هو ابتغاء الإستقامة، وعدم صد المسلمين عن سبيل الله، بل ان أهل الكتاب هم المسلمون في زمان نزول التوراة والإنجيل، وفي هذا اللفظ حجة على أهل الكتاب ومنع من احتجاجهم بانتمائهم للكتاب لأن هذا الإنتماء يقتضي البقاء على الإستقامة واجتناب الصدود والصد، وهذا اللفظ دعوة لهم للعودة الى الأصل وابتغاء الإستقامة.
ويمكن أن نسمي هذه الآية آية “لم تصدون” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية الكريمة.
الآية لطف
تنفرد هذه الآية القرآنية ومثيلاتها بآية من اللطف والرأفة الإلهية اذ ان النداء فيها يتضمن وجوهاً ثلاثة:
الأول:صدور الأمربالنداء من عند الله عز وجل،فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يوجه النداء الى أهل الكتاب من عنده إبتداء بل ان الله عزوجل هوالذي أمره بمخاطبةأهل الكتاب وعين لهم موضوع الخطاب.
الثاني: توجه اللوم من خاتم النبيين الذي ورد ذكره في الكتاب الذي ينتسبون اليه، والذي يأمرهم بتصديقه واتباعه ونصرته، وفيه جهد وجهاد اضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فبدل ان يرى النبي المؤمنين بنصرته يبادرون الى دخول الإسلام ويعلنون اتباعه ونصرته، ويظهرون غبطتهم ببعثته لمطابقة صفاته للعلامات المذكورة في كتبهم، فانه يفاجئ بإعراضهم وصدهم الناس عنه وعن بعثته ومع هذا يأتي الخطاب في الآية بصيغة اللوم وهو من مصاديق اللطف لما فيه من التذكير والإتعاظ، وهجران الجحود بالآيات.
ولم يقم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون بمحاربة اهل الكتاب ومقاتلتهم للصد والتعدي على الإسلام ومحاولات إرتداد بعض منهم، مع وجود عهود ومواثيق معهم، بل أتبع النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أمر الله عز وجل بتوجيه اللوم لهم لصدهم الناس عن الإسلام، وفي الآية لطف اضافي من جهات:
الأولى: اللطف والرأفة بأهل الكتاب من وجوه:
الأول: تحذيرهم من التمادي في التعدي على الإسلام.
الثاني: بيان اساءتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: دعوتهم للكف عن صد الناس عن الإسلام.
الرابع: إدراكهم موضوعية صدور التنبيه من عند الله عز وجل,
الخامس: الآية دعوة لأهل الكتاب للإيمان والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيها من الشهادة على صدق نبوته.
السادس: الآية دعوة لتخفيف تعدي أهل الكتاب على الإسلام.
الثانية: الآية لطف بالمسلمين من وجوه:
الأول: الحث على الصبر الجميل على ما يلاقونه من أهل الكتاب.
الثاني: معرفة حقيقة عقائدية وهي العناية الخاصة بأهل الكتاب فان صدر منهم تعدِ فهم ليسوا مثل الكفار بل لابد من الإجتهاد في وعظهم وتنبيههم وتحذيرهم وتذكيرهم بوظائفهم.
الثالث: ان الله عز وجل عز وجل كافل المسلمين، وهو الذي يدفع عنهم الكيد والشر.
الثالثة:في الآية لطف بالناس من غير المسلمين وأهل الكتاب من وجوه:
الأول: إزالة برزخ يضعه الآخرون دون انتمائهم للإسلام.
الثاني: التخلية بينهم وبين الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث:
حثهم على التدبر في آيات النبوة، وما في القرآن من الإعجاز.
الرابع: النظر بعين الريب والشك الى الذين يخفون الآيات ويحرفون البشارات التي جاءت بخصوص نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الخامس: تجعل هذه الآية الإحتراز والتدبر بالآيات يطرأ على مجتمعات الكفار فيزيح الجحود والضلالة عن شطر من مواقعه وهو من إعجاز الآية، فالخطاب فيها موجه الى أهل الكتاب، ولكن النفع منها عام وشامل للناس جميعاً، فلا غرابة ان تجد كتابياً يبقى على صدوده، وكافراً مجاوراً له ينتقل دفعة واحدة الى الإسلام ويحسن إسلامه.
الآية سلاح
يعتبر القرآن مائدة السماء وينهل منه الناس ما ينفعهم، وليس من حدود لهذا النفع انما التقيد يأتي من قبل الإنسان نفسه، فيحجب عن نفسه فيوضات القرآن، والضياء المبارك الذي يشع من آياته، ومنه مضامين هذه الآية وما فيها من اللوم لأهل الكتاب الذي هو عون للمسلمين، ودعوة سماوية لثباتهم على الإيمان، فاذا سمع مسلم حديث العهد بالإسلام الإفتراء والتحريف والتشويه فقد يدخل في نفسه الريب ويساوره الشك، فتأتي هذه الآية لتكون واقية وحرزاً له فلا يلتفت الى الغير وهو يبث شبهاته.
ويلوي لسانه بالكتاب ليحسبه المسلم انه من الكتاب، ويدرك ان وظيفته هي توجيه خطاب اللوم الى الذين يصدونه عن الإسلام وان كانوا جماعة ومن العلماء.
وتجعل هذه الآية المسلم في حال إرتقاء فقهي وعلمي، وهذه الحال لا تنحصر بالصحابة او أهل البيت او الفقهاء والعلماء منهم، بل عامة وشاملة لجميع المسلمين، ومن الآيات ان المسلم يستمع الى هذه الآية في الصلاة او غيرها، او يقوم بقراءتها بنفسه في الصلاة او عند تلاوة القرآن، ويدرك مضامينها فتكون سلاحاً ملازماَ له وواقية من التحريف والبهتان ومحاولات إضعاف ايمانه، كما انه يقوم بوراثتها لذريته نصاً ومضموناً ومفهوماً، وتتوجه الى الأجيال المتعاقبة بان يوجهوا اللوم الى من يصد الناس عن الإسلام.
والآية سلاح بيد الذي يبغي أهل الكتاب منعه من الإسلام سواء المنع من الإنتماء اليه او البقاء فيه، وفيها صد لمحاولات صد المسلمين عن أداء الفرائض العبادية التي نزل بها القرآن من عند الله.
مفهوم الآية
في الآية درس عقائدي للمسلمين، بمخاطبة القرآن لأهل الكتاب وتوجه النداء من عند الله الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلومهم وزجرهم عن محاولات صد المسلمين عن الإسلام، ومنع الذين يؤمنون بآيات النبوة عن اتباعها والإمتثال للأمر الإلهي بالتسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاءت الآية بالنداء “يا اهل الكتاب” لتكون حجة كتابية سماوية عليهم ففي ذات الكتاب السماوي يوجه لهم اللوم والذم بلحاظ انتسابهم للكتاب، وفيه دلالة على موضوعية الكتاب في الأعمال والمعاملة وان الذي ينتسب الى الكتاب السماوي يجب ان يتقيد بأحكامه التي تتقوم بتصديق الكتب النازلة، والمعجزات التي تأتي على أيدي الأنبياء.
وتبين الآية في مفهومها الأذى الذي تحمله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “ما أوذي نبي مثل ما أوذيت”، والشواهد التأريخية لإيذاء المشركين في المدينة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة ومتعددة، فهم لم يكتفوا بصد الناس عن الإسلام بل حاولوا اكراه المسلمين على ترك الإسلام، كما في عمار بن ياسر ووالديه اللذين ماتا تحت وطأة التعذيب.
وكان في هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة الى المدينة المنورة مندوحة وسعة ونجاة، ولكنها لم تخل من الأذى، فقد واجه فريق من يهود المدينة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصد الناس عن التصديق بنبوته، وجاءت هذه الآية لتوجيه اللوم لهم وهذا الزجر دعوة لأهل المدينة لعدم الإصغاء لهم.
وتنهى الآية عن التحريف وقصد الضلالة ومحاولات منع الناس عن طرق الإستقامة واتباع الحق وجاءت الآية بذكر سبيل الله الذي يتجلى بدخول الإسلام ووصفت ما عداه بأنه عوج في اشارة الى خيبة وخسارة من يبتغي الإعوجاج في الشرائع، وتبين الآية للناس ان منهج الإستقامة باختيار الإسلام، وتبعث الغبطة في نفوس المسلمين لإختيارهم سبيل الهداية وتجعلهم مستبشرين بدخول الإسلام، مستعدين للتضحية من أجل تعاهد الإنتماء اليه، حريصين على أداء الفرائض التي جاء بها، ومن مفاهيم الآية انها بشارة انتصار الإسلام لأن الله عز وجل يظهر دينه ويأبى الا ان تبقى معاني الإستقامة والهدى منتشرة في الأرض.
وفي الآية مسائل:
الأولى: توجه الأمر الإلهي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمخاطبة أهل الكتاب بصيغة اللوم.
الثانية: تعيين موضوع الخطاب والذم، ويتضمن وجوهاً:
الأول: اللوم على الإعراض عن الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: اثارة الفتن والحروب بين الأوس والخزرج لإشغالهم عن وظائفهم العقائدية والجهادية في الإسلام ببعث الفرقة بينهم.
الثالث: صد الناس عن دخول الإسلام، خصوصاً الذي يصدق بالآيات وينوي دخول الإسلام ويتلمس دروب الهداية.
الثالثة: اللوم على سعي أهل الكتاب في التحريف وقصد تغيير الحقائق والبشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابعة: عدم شمول أهل الكتاب برفع القلم في صدهم الناس عن الإسلام، لقيام الحجة عليهم بشهادتهم على صدق البشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة: التوكيد بان الله عز وجل يعلم مكرهم وكيدهم بالمسلمين، ويحصي عليهم محاربة الإسلام التي هي حرب على الكتاب الذي ينتسبون اليه، لأن المحاربة دعوة للإعوجاج والإنحراف عن جادة الحق والإستقامة.
وجاء اللوم والإنكار في الآية متعدداً وليس متحداً ويتضمن وجوهاً:
الأول: الصدود عن سبيل الله.
الثاني: منع المسلمين من البقاء في منازل الإيمان.
الثالث: محاولة ازاحة مفاهيم الإسلام عن منازلها بين الناس.
الرابع: وقف انتشار مبادئ الهداية والإيمان.
الخامس: التصدي القبيح لأهل الإيمان، وبذل الوسع لصدهم عن الإسلام وترغيبهم بالعزوف عنه، وتخويفهم وايذاؤهم.
السادس: طلب الإعوجاج والإنحراف في الدين.
السابع: الميل عن جادة الحق والإستقامة، ودعوة الناس للباطل وترغيبهم بأسباب الإنحراف والضلالة.
الثامن: الشهادة والعلم بسوء الفعل، أي ان التحريف والميل عن الحق لم يأتِ عن غفلة وجهالة، بل عن علم ودراية.
التاسع: الوعيد والتخويف بان الله عز وجل يعلم ما يفعلونه فالأفعال جميعها حاضرة عنده، كما انه مطلع على الخفايا والنوايا وما تضمره القلوب.
وجاءت الآية قبل السابقة بالإخبار عن آيات البيت الحرام والدعوة الى التدبر فيها كمقام ابراهيم، وأمن وسلامة من يدخله عائذاً او حاجاً او زائراً، والتوكيد على وجوب حجه وهو آية أخرى متجددة كل عام وفيها دعوة للإسلام، فجاءت هذه الآية بأمور:
الأول: تحذير أهل الكتاب من منع المسلمين عن أداء فريضة الحج او صدهم عن البيت الحرام.
الثاني: تنبيه المسلمين الى الكيد والمكر الذي يراد بهم وبمناسكهم، ودعوتهم الى التقيد بأحكام الحج وتعاهده.
الثالث: الحج من مصاديق سبيل الله، وفيه إعلاء لكلمة التوحيد في الأرض وتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويدل النهي عن الصد عن الإسلام، تصديق الناس بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومبادرتهم افراداً وجماعات الى دخول الإسلام وحسن إسلامهم وحرصهم على الفرائض والعبادات مما كان سبباً لبعث الحسد والبغضاء في قلوب بعضهم، فجاءت هذه الآية لتجعل المانع من دخول الناس الإسلام منعدماً، ومع وجود المقتضي وفقد المانع تكون كلمة الله هي العليا.
بحث في التنزيل
لقد تفضل الله عز وجل وأنزل الكتب السماوية على الأنبياء لتكون وسيلة ارتباط سماوية بين العبد والخالق، وسلاحاً لتثبيت دعائم الدين في الأرض، ومؤازراً للأنبياء وهذه المؤازرة متعددة الوجوه منها ما يأتي في الكتب السماوية وهو على وجوه:
الأول: الدعوة السماوية للإقرار بالتوحيد.
الثاني: اظهار مضامين العبودية لله بالإمتثال لما جاء في الكتب السماوية.
الثالث: توكيد النبوة وصدق الأنبياء.
الرابع: بيان الأحكام الشرعية.
الخامس: وجود مصاحب سماوي للناس في حياتهم اليومية يكون عوناً لهم في النشأتين وسبيل صلاح وهداية ورشاد في العبادات والمعاملات.
الخامس: الإستغناء عن الإجتهاد والرأي وما قد يرافقه من الزيغ والزلل.
السادس: البشارات بالأنبياء ولزوم إتباعهم، وقد جاءت البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية.
وأنزل الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وهو الكتاب الجامع للشرائع والسنن الى جانب الآيات والمعجزات التي جاءت على يديه، وهذا التعدد في الآيات من مصاديق تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، فقد جاءت الكتب السماوية والأنبياء السابقون بالبشارة بنبوته وهو لم يأتِ بالبشارة بأحد من بعده لأنه خاتم النبيين، نعم جاء بالتصديق بالنبوات والكتب المنزلة وهذا التصديق حجة إضافية على أهل الكتاب في لزوم اتباعه، لأن تصديق الكل تصديق للأجزاء التي يتركب منها الكل، ومن أفراد وآيات الكتب السابقة البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدعوة الى إتباعه ونصرته.
والأصل ان يولي المسلمون في كل الأزمنة أولوية خاصة لمسألة الإتباع والنصرة لأنها تحتاج الى الجهاد والبذل والتضحية، لذا فان اللوم الوارد في الآية متعدد الوجوه ويشمل فعل المحرم، ترك الواجب، فان واجب اهل الكتاب التقيد بأحكام الكتب السابقة، وعدم الجحود بها، اما المحرم فهو انكار الرسالة وتحريف البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لذا جاءت خاتمة الآية بالتخويف والوعيد والذي يتضمن في دلالته عدم ترتب الأذى على الإسلام بكفران أهل الكتاب بالآيات، وهو المستقرأ من مضمون الآية وصيغة النداء والإستنكار فيها والذي يدل على قوة الإسلام وتجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية.
افاضات الآية
لقد جعل الله الكتاب صلة وارتباطاً خاصاً بينه وبين عباده، وفيه تشريف واكرام للإنسان، وهو من مصاديق خلافته للأرض، كما يدل على معاني الإلوهية وصفات الكمال والجلال، فالكتاب مظهر لعظمته وقدرته، وشاهد على سلطانه وعلمه المطلق وحضور الأشياء جميعها عنده.
وقد نال الشرف فريق من الناس بانتسابهم للكتاب، وجاء القرآن ليوثق هذه النسبة، وفي هذا التوثيق دعوة للمسلمين للرفق بأهل الكتاب والتمييز بينهم وبين غيرهم من ملل الضلالة والشرك، وليكون هذا التمييز مناسبة لإستدامة الإنتساب للكتاب بالتسليم لما فيه من الآيات والأخبار والأحكام.
فأمضى لهم الإسلام بقاءهم على اليهودية او النصرانية، وكفل حمايتهم وجعلهم بذمة الإسلام، ليكون المسلمون وقاء وحفظاً لهم وعوناً على أعدائهم، ولكنهم قابلوا الآيات بما يخالف النسبة الى الكتاب، فجاءت هذه الآية لإرجاعهم الى الأصل، والى التقيد بأحكام وسنن الكتاب، وهي دعوة للسياحة في عالم الكتب السماوية والتدبر بما فيها من آيات النبوة والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليحصل تجاذب بين القرآن والكتابي يكون مقدمة لإنقاذ الناس من براثن الكفر والضلالة، بما يضيئه لهم من دروب الهداية ويزيحه من الكدورات الظلمانية التي قد تقف عائقاً في وجه إيمانهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتبعث الآية في النفوس العزم على السعي الحثيث لإزاحة موانع الحسد والبغضاء وآثار النفس الشهوية والغضبية، للوصول الى حقائق الأشياء ومقامات الإخلاص، ومراتب المعراج التي تتجلى بحال الإنكسار والخشوع لله تعالى، ورؤية آياته التي تترى على يد نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لينعم الناس بالإستقامة والأمن والسلامة في ربوع القرآن الناضرة، وكل آية منه بستان عامر بالكنوز والغذاء الذي يمنع من الجوع في الدنيا والآخرة.
التفسير :
قوله تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ]
من القليل النادر في القرآن ان تأتي فاتحتا آيتين متتاليتين في الفاظ وحروف متشابهة في أربع كلمات منها كما في هذه الآية والآية السابقة بقوله تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ] اذ انها تضمنت الأمر الإلهي وصيغة النداء وخطاب ملة وجهة مخصوصة، وتعيينها بالإنتساب الى الكتاب السماوي، ولهذا التكرار والتعدد أسرار عقائدية منها:
الأول: موضوعية أهل الكتاب في التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأذى الذي يلحق بالإسلام بسبب صدودهم وعنادهم، ولكن هذا الأذى لا يعني خسارة المسلمين بل انه دعوة للمسلمين لأخذ الحائطة لدينهم والإحتراز من المكائد والمكر، ليكون الإفتراء والشك وبالاً على أهله وضرراً على أصحابه لأن المسلمين يتوقون منه بهذه الآية، وأختص اليهود والنصارى بصفة أهل الكتاب، باعتبار انهم أتباع التوراة والإنجيل، ولكن القرآن ايضاُ كتاب الله والخطاب في الآية لا يشمل المسلمين، وفيه وجوه:
الأول: المراد من العنوان والوصف إتباع الكتب السماوية السابقة.
الثاني: جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام، ومن يصدق بنبوته يكون مسلماً، والإسلام أعلى مرتبة من الإنتساب للكتاب، باعتبار ان اتباع المكلف لأحكام الكتاب المنزل فرع إسلامه وشاهد على انقياده لأمر الله تعالى.
الثالث: يخاطب الله عز وجل المسلمين بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] كما في الآية التالية، وفيه تشريف للمسلمين واشارة الى حصول تمام الإيمان بالإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: لفظ أهل الكتاب أعم من التقيد به، والمراد الإنتساب له وليس العمل به، واليهود والنصارى ينتسبون للتوراة والإنجيل.
الخامس: النداء بالإنتماء الى الكتاب في مقام اللوم والذم أشد في التوبيخ لما فيه من التذكير بوظائفهم العقائدية أزاء الإسلام والرسالة المحمدية.
السادس: يتعلق مضمون الآية الكريمة بالكتاب الذين ينتسبون اليه لما فيه من البشارات ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي خاتمة الآية أطراف عديدة:
الأول: أمر نازل من عند الله الى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: صيغة ومفهوم الأمر هو (قول) لأهل الكتاب، ولا ينحصر هذا القول بالنداء بل يشمل موضوعاً عقائدياً عاماً يشمل الناس جميعاً.
الثالث: تحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمسؤوليات السماء في التبليغ والإنذار وما فيه من إثارة حفيظة الآخرين، فقد يؤدي لوم الطرف الآخر الى نفرته وصدور تعدِ إضافي منه ومع هذا جاء الأمر الإلهي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واضحاً صريحاً بتوجيه اللوم الى أهل الكتاب لدعوتهــــم المسلمـــين للصـــدود والعزوف عن
الإيمان، وهذا الأمر يحتمل وجوهاً:
الأول: ان الله عز وجل هو كافل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يحفظه ويقيه شر التعدي الإضافي وسوء الرد.
الثاني: للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حصانة ذاتية من الكيد والمكر.
الثالث: ليس في لغة اللوم والذم لأهل الكتاب ضرر أو شر محتمل.
الرابع: المسلمون حماة وحرس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يذبون عنه، ويمنعون من وصول الكيد اليه، والوجوه أعلاه كلها صحيحة الا الوجه الثالث اذ ان لغة التوبيخ والإنذار تؤدي الى وجوه محتملة:
الأول: كف أهل الكتاب عن صد المسلمين عن الجهاد في سبيل الله.
الثاني: انكارهم الذاتي ولومهم لأنفسهم لقيامهم بمنع المسلمين عن البقاء على الإسلام.
الثالث: إعتبار ما يقومون به من إثارة الشبهات والشكوك في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس صداً للمسلمين بل هو إخبار عن الكتاب الذي بين أيديهم من غير إعتراف بما طرأ عليه من التحريف في علامات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: التفصيل في رد فعل أهل الكتاب على مضامين اللوم الواردة في هذه الآية على وجوه:
الأول: يقبل فريق من أهل الكتاب اللوم الوارد في الآية الكريمة.
الثاني: وجود شطر من أهل الكتاب لم يعمل على صد المسلمين عن الإسلام.
الثالث: ظهور اللوم في منتديات أهل الكتاب، والدعوة لإجتناب
إثارة الشكوك والشبهات بوجه المسلمين.
الرابع: الإصرار على صد المسلمين عن سبيل الله.
الخامس: إقتران مواصلة صد المسلمين عن سبيل الله بالتعدي، وهذا التعدي وجه من وجوه صد المسلمين ايضاً، باعتبار ان الصد هنا من الكلي المشكك الذي تكون له مراتب متفاوتة شدة وضعفاً.
وهذه الوجوه محتملة وممكنة الوقوع، والشواهد التأريخية تؤكدها، لذا فان استنكار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأفعال أهل الكتاب جهاد في سبيل الله، ودفاع عن الإسلام، واحتراز من الشبهات ولو ان الآية لم تنزل والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يوجه اللوم الى اهل الكتاب على محاولاتهم منع المسلمين من النسك والعبادة فما هي النتيجة، فيه وجوه:
الأول: تمادي وافراط فريق من أهل الكتاب بصد المسلمين عن منازل الهدى.
الثاني: ازدياد عدد وفعل الذين يقومون بصد المسلمين عن الإسلام وإتخاذ منتدياتهم مناسبة لتوجيه الأذى للمسلمين.
الثالث: استمرار ذات الفعل والصد من غير زيادة فيه.
الرابع: كف أهل الكتاب عن ايذاء المسلمين.
الخامس: تسليم أهل الكتاب بصدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واقرارهم بالبشارات الواردة بنبوته في الكتب السماوية السابقة.
والصحيح هو الأول والثاني فلولا هذه الآية لاستمر التصدي للإسلام على وجوه:
الأول: منع الناس من دخول الإسلام.
الثاني: اثارة الفرقة والخصومة بين المسلمين بلحاظ العصبية القبلية ونحوها.
الثالث:تحريض المسلمين على الإرتداد عن منازل الإيمان واغراؤهم.
الرابع: زيادة أسباب الشك والريب والتكذيب بالآيات.
الخامس: التعدي على المسلمين خصوصاً من يظهر الثبات على الإيمان، ويدعو الناس الى الهدى.
السادس: بعث الخوف في نفوس المسلمين من الكفار ومن أهل الكتاب أنفسهم.
فجاءت هذه الآية للتصدي لهذه الوجوه، ومقابلة أسباب الضلالة بالهدى، وهي برزخ دون ارتداد ضعفة المسلمين وحديثي العهد بالإسلام، والذين يحتاجون أكثر من غيرهم الى الثبات على مبادئ الدين الجديد، وتنمية سجايا الإيمان في صدودهم، وملكة أداء العبادات بشوق ورغبة فإدراك وجوب أداء الصلاة والصوم مقدمة للإمتثال لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله.
وتوجه اللوم في الآية الى أهل الكتاب على نحو الخصوص ولم تذكر الآية غيرهم من الكفار والمشركين، كالكفار من أهل مكة وفيه وجوه:
الأول: تشمل الآية كل من يصد المسلمين عن الإيمان، ويسعى في التحريف والميل عن الإستقامة.
الثاني: لا يقدر الكفار على صد المسلمين عن عباداتهم، او ثنيهم عن البقاء على الإسلام لذا لم يرد ذكرهم في الآية الكريمة.
الثالث: الكفار اشد من اهل الكتاب في السعي لصد المسلمين عن الاسلام، وتشملهم مضامين الآية من باب الاولوية القطعية.
الرابع: موضوع اللوم خاص بأهل الكتاب بلحاظ انتسابهم الى الكتاب المنزل.
والصحيح هو الثالث، فالكفار اشد اذى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وفي التنزيل [قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ]( ).
وقد حارب الكفار الإسلام منذ بدايات البعثة النبوية، وارادوا الاجهاز عليه بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في فراشه فانجاه الله، وقامت قريش بتعذيب جماعة من المسلمين الأوائل لاكراههم على ترك الاسلام وتوجهوا القتال المسلمين في بدر ويأبي الله الا ان يتم نورة.

قوله تعالى [لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ]
مع اتحاد جهة الخطاب في هذه الآية والآية السابقة واشتراكهما في توجيه اللوم الى اهل الكتاب فان موضوع هذه الآية توجيه اللوم الى اهل الكتاب فان موضوع هذه الآية يختلف عن موضوع الآية السابقة، فبينما جاء اللوم في الآية السابقة على الجحود بآيات الله، فانه في هذه الآية جاء بخصوص منع أهل الكتاب للناس من دخول الإسلام، وسعيهم لبعث الشك والريب في نفوس المسلمين.
وأيهما اشد اثماً الكفر بالآيات ام صد الذين آمنوا عن الإسلام، الجواب كل واحد منهما فيه اثم شديد اذ ليس بعد الكفر من ذنب اشد، ولكن صد الآخرين عن الإسلام فرع الكفر والجحود واثم إضافي يتعدى الذات والإساءة اليها ليشمل الإساءة الى الآخرين وتحمل اوزارهم او شطر منها.
وفي الآية إعجاز يتجلى بإخبارها عن حال وفعل قبيح يقوم به إهل الكتاب اذ أن صد الآخرين عن الإسلام يحتمل بلحاظ ظهوره أو خفائه وجوهاً:
الأول: الإعلان وألتجاهر في منع الناس من دخول الإسلام.
الثاني: تقديم الأموال واغراء جماعة من المسلمين لحملهم على ترك الإسلام.
الثالث: محاربة الأفراد من المسلمين في أرزاقهم ومعايشهم والتضييق عليهم في دعوة لتركهم الإسلام.
الرابع: إثارة الشكوك وأسباب الريب بصورة علنية ومستمرة، وإقامة مجالس الجدل.
الخامس: نشر ماهو محرف في علامات نبي آخر الزمان، والإيحاء بانها لاتطابق شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس: الدعوة لإظهار الإسلام ثم الرجوع عنه كما جاء في قوله تعالى [وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ] ( ).
السابع: إعتماد الإيذاء والمكر الخفي مع ألمسلمين، وتحريض المشركين عليهم.
وهذه الوجوه من مصاديق الآية، والشواهد التأريخية تؤكدها، وتزيد في الحذر منها.
ويبين تعددها مدى الاذى الذي كان يلحق بالمسلمين من أهل الكتاب مع أنهم اقرب الناس الى المسلمين، للجامع المشترك بينهم وهو الكتاب النازل من السماء.
وجاء الصد بصيغة التعدي الى الغير أي منعه من الوصول الى غايته التي يبغيها ويطلبها مما يدل بالدلالة التضمنية على انهم يصدون انفسهم عن سبيل الله، فمن يمنع غيره لابد ان يكون ممتنعاً عن ذات الشئ، والمراد من سبيل الله في الآية وجوه:
الأول: الإسلام والإنتماء اليه.
الثاني:الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث: التصديق بالبشارات التي جاءت بالرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السابقة.
الرابع: الثبات على الإسلام، وأداء الفرائض كالصلاة والصوم.
الخامس: الجهاد في سبيل الله.
السادس: أداء فريضة الحج التي جاءت بها الآية قبل السابقة ، وكذا أداء الفرائض الآخرى خصوصاُ الملازمة بين مناسك الحج وأداء الصلاة في الحرم المكي.
السابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثامن: الإنفاق في سبيل الله وإعانة المسلمين، كما في حال المهاجرين الذين تركوا أموالهم وتوجهوا الى المدينة المنورة، فيأتي الصد بمنع المسلمين الآخرين من إعانتهم.
التاسع: المنع من إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومحاولة صد المسلمين عن الذب عنه ونصرته.
العاشر: إثارة الشكوك والشبهات سواء بخصوص نبوته صلى الله
عليه وآله وسلم او نزول آيات القرآن ومضامينها القدسية.
الحادي عشر: التصدي لآيات القرآن بالمغالطات والشبهات.
الثاني عشر: إثارة الفتنة بين الآوس والخزرج بإستحضار أخبار الحروب التي دارت بينهم أيام الجاهلية.
الثالث عشر: تحريض القبائل على ابنائها الذين اسلموا، وحثها على استرجاعهم وإعادتهم الى قراهم ومدنهم، فيكون هذا الإسترجاع نوع ارتداد لما فيه من الفصل بين المسلم وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأحكام الرسالة، فاعادة الفرد الى قبيلته يعني صداً له عن سبيل الله كما يكون مقدمة لمنع الآخرين من ترك القبيلة والذهاب الى المدينة للإنضمام الى المسلمين، لانه يخشى استرداده او تعيير قبيلته بفعله من قبل اهل الكتاب وغيرهم.
ولاتعارض بين هذه الوجوه، وكلها من صيغ الصد والمنع عن اقدام الناس على دخول الاسلام.
ولم يكن في المدينة من أهل الكتاب أيام التنزيل الا اليهود لذا قيل ان مضامين الآية تتعلق بهم خاصة.
ولكنها اعم بلحاظ موضوعها ومضمونها، الذي لاينحصر بزمان دون آخر ولاقضية في واقعة مخصوصة، والخطاب في الآية متصل في موضوعه وحكمه ويحث أهل الكتاب على الكف عن صد الناس عن الإسلام، ومحاولة منعهم من الإنتماء التام اليه والتقيد بأحكامه وفرائضه.
لقد امتاز الدين الاسلامي بتكامل شريعته، وعدم امكان الفصل بين فرائضه، فلا يجوز ان يأتي المكلف بالصلاة ويترك الصيام ، وكذا لا يجوز الأتيان بالصيام وترك الحج او الزكاة.
ومن أسرار هذا التكامل الملازمة بين الفرائض، وجعل أحكام الإسلام تتغشى نهار وليل المسلم، ويجعلها نصب عينيه في معاملاته وتفاصيل حياته اليومية فيشمل الصد عن سبيل الله محاولة جعل المسلم يعرض عن الفرائض، ولايتقيد بسنن الملازمة بينها، وتحريضه على التفريط بها على نحو السالبة الكلية او الجزئية سواء في شطر منها كما في حثه على عدم دفع الزكاة او الخمس، او بيان اهوال ومخاطر قصد بيت الله الحرام لأداء الحج، واثارة روح الحرص بالتذكير بما فيه من الإنفاق والبذل وتحمل المشاق.
فجاء اللوم في الآية ليشمل كل وجوه صد المسلمين عن الغايات والمقاصد السامية التي تتضمنها أحكام الإسلام، وهذا الصد يضر الطرفين في عالم الآخرة، من صد، ومن تعرض للصد وتأثر به.
والآية رحمة ولطف الهي للتدارك والكف عن الصد، والمنع من الإضرار بالذات والغير، كما أن الصد عن الإسلام إضعاف لملل أهل الكتاب، ولهم كافراد، لما فيه من تقوية شوكة المشركين، ومن الآيات ان الإسلام إنبعث في بلد المتناقضين، فهو يجمع بيت الله الحرام وهو أفضل بقعة على الأرض وآياته وآثار الحنيفية من جهة وهو الاصل، ومجتمع وجحود الكفار والمشركين من جهة اخرى وهو امر عارض، وجاء الإسلام ليشغل الكفار بأنفسهم ويمنعهم من أهل الكتاب كما حصل في المدينة المنورة فقد كان اليهود في يثرب يتعرضون لأذى الكفار، ويتطلعون الى بعثة نبي آخر زمان لينقذهم من الكفار وأذاهم كما في قوله تعالى[وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا] ( ).
ومن الآيات ان صدهم الناس عن الإسلام لم يمنع من نجاتهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام من الكفار والمشركين وهو من مصاديق قوله تعالى [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، والرحمة هنا متعددة الوجوه وتشمل الكفار ايضاً بكف أيديهم عن المسلمين وعن أهل الكتاب في وقت واحد، ليكون هذا الكف تحذيراً من حال الكفر وتنبيهاً الى لزوم التخلي عن مفاهيمه، والمبادرة لدخول الإسلام لذا كان اقبال الناس على دخول الإسلام كبيراً، وهو الذي يؤكده قوله تعالى [وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا]( )، فحمل الحسد فريقاً من أهل الكتاب على صد الناس عن الإسلام مع بركاته عليهم.
وجاءت الآية بذكر (سبيل الله) على نحو التعيين ليكون ابلغ في الحجة والارشاد، اذ ان أهل الكتاب مأمورون باتباع سبيل الله، فكيف يمنعون الناس منه، واللوم هنا من خصائص نعتهم بانهم أهل كتاب وتذكيرهم بالعقائد السماوية التي يؤمنون بها.
وتريد الآية ان تؤكد أموراً:
الأول: وجوب ابتغاء مرضاة الله، والسعي في سبيله، والذي يكون بالإنتماء للإسلام.
الثاني: ملازمة الإستقامة للتصديق بالنبوة، والتقيد بأحكام الإسلام وأداء العبادات والفرائض.
الثالث: حرمة الصد عن سبيل الله.
الرابع: من وظائف أهل الكتاب العقائدية الا يحولوا بين الناس وبين
الإسلام، وهو الذي تدل عليه صيغة اللوم والإنكار الواردة في الآية الكريمة.
وفي تعيين الصد وانه عن سبيل الله بيان للذنب العظيم في فعل الصد، ودعوة لأهل الكتاب للإلتفات الى سوء الفعل، فقد يظن الكتابي انه لم يفعل الا منع الناس من دخول دين الإسلام وان المسألة تتعلق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه.
فجاءت هذه الآية لتخبر بان دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وآله وسلم هو سبيل الله، وعدم امكان الإنفكاك بينهما، لتكون مدرسة في المعرفة الإلهية وسبيلاً للإنابة والتوبة، ووسيلة للكف عن صد الناس عن الإسلام، ومناسبة كريمة لدخول الإسلام، فيقرأ الذي يصد الناس عن الإسلام هذه الآية، فيبادر الى دخول الإسلام، فيراه ضعفة المسلمين الذين كان يحثهم ويغريهم على ترك الإسلام الى جانبهم في صلاة الجماعة فيزداد ايمانهم، وهذا من إعجاز القرآن ان تأتي الآية في لوم قوم، فتكون منافعها عامة وشاملة لغيرهم وبما يزيل آثار أسباب اللوم.
وفي الصد عن سبيل الله بلحاظ جهة وقوعه وجوه:
الأول: الصد موجه الى ذراري أهل الكتاب، أي أنهم يقومون بصد أبنائهم وأفراد أسرهم عن الإسلام والدخول فيه.
الثاني: المقصود ضعفة المسلمين الذين دخلوا الإسلام ولم تمتلأ جوانحهم من الإقرار والتصديق بأحكامه.
الثالث: المنافقون الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، فيأتي بعضهم ليحثهم على الرجوع العلني عن الإسلام، فان قلت جاءت الآية بخصوص صد الذين آمنوا فهل يدخل المنافقون معهم، الجواب نعم، لأن القدر المتيقن هنا هو النطق بالشهادتين والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الا ترى ان الصلاة والصوم فرض على كل من نطق بالشهادتين وانه يشمل المنافق ايضاً كما في قوله تعالى في وجوب الصوم [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ].
الرابع: محاولة صد المسلمين مطلقاً عن الإسلام، ممن يكون على صلة مع أهل الكتاب بسبب الجوار او المهنة، او الحاجة الى الإقتراض منهم ونحوه.
قانون الصد
تتصارع عند الإنسان قوتان، إحداهما تدعوه وتأمره لفعل الخير، لتقوده الى الجنة وهي النفس العاقلة، وأخرى تزين له الباطل لتسوقه الى النار، وهي النفس الشهوية والغضبية، فهناك فرق بين القوتين من جهة تأثيرهما، فالأولى تأمر الإنسان بفعل الخيرات، اما الثانية فلا تستطيع أمر الإنسان وتوجيهه، لأن مثل هذا الأمر مخالف لفطرة الإنسان وأصل خلقه، وهي قاصرة عن مزاحمة أصل سنخية الإنسان، وعاجزة عن منافسة النفس العاقلة المطمئنة، فحينما تصل معالم الإيمان الى الإنسان فان نفسه تميل اليها فيأتي الإفتتان من الخارج حسداً وغضباً، فتتحرك قوى الضلالة لصد الإنسان عن الإيمان، وهو إمتحان إضافي وابتلاء للإنسان في دروب الهداية، وليس هناك وجه وصيغة واحدة للصلة بل انه على وجوه متعددة منها:
الأول: الصد العقائدي وتحريف الحقائق وإخبار التنزيل.
الثاني: بعث روح الشك وأسباب الريب.
الثالث: الجدال بالباطل.
الرابع: نشر الخوف في قلوب المؤمنين.
الخامس: تعذيب المؤمنين وإكراههم على ترك الإيمان.
السادس: مقاتلة المسلمين ومحاربتهم ، ومد اعداءهم بالممؤون والسلاح.
السابع: الإغراء بالمال ونحوه من زينة الحياة الدنيا، وجعل الإنسان يترك منازل الإيمان طمعاً بالقليل من حطام الدنيا سواء نتيجة الحاجة او لضعف الإيمان.
الثامن: البهتان والكذب بخصوص التنزيل أو الآيات والمعجزات.
التاسع: تعدد الوسائل في آن واحد، كأن يمارس التخويف والتهديد مع الترغيب والبذل.
العاشر: الحصار الإقتصادي والمالي، والتضييق في أسباب الرزق والمعاش، بما يجعل المسلم وعياله يعيشون حالاً من الفقر والجوع.
الحادي عشر: سلطان القبيلة والعشيرة على الفرد خصوصاً مع حاجته لهما في الدفاع عن النفس وحفظ الحقوق بالإضافة الى العناوين الإعتبارية.
الثاني عشر:تأثير الأسرة سواء الوالدين او الأخوة او الزوجة او الزوج وصدهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف من الضرر.
ومع تعدد وجوه الصد فان الله عز وجل يجعل قوة في النفس تساعد المسلم على الصبر والتحمل، وتلقي أسباب الصد بروح الإيمان والتوكل الحسن على الله عز وجل فما تلبث تلك الغيوم أن تتبدد، وآثار الصد ان تزول وتذهب أدراج الرياح.
ومع ان قانون الصد أمر سلبي وضار فانه مستديم وتظهر مفاهيمه هنا وهناك، وجاءت هذه الآية للتحذير والوقاية منه، ولا يختص التحذير منه بأهل الكتاب، بل يشمل:
اولاً: الكفار وأهل الشرك، بان لا يمنعوا الناس من دخول الإسلام، ولا يحاولوا اغراء او اكراه المسلم على الإرتداد.
ثانياً: يشمل المسلمين، بان تحذرهم الآية من الكيد والمكر الذي يأتي من الآخرين لصرفهم عن عباداتهم وشعائرهم.
وهذا من إعجاز الآية ان تنزل في قوم فتشمل اطرافاً أخرى بينها تناقض وتنافِ مع التباين في وجوه التحذير فهي تشمل الكفار من باب الأولوية بان يجتنبوا محاولات صرف المسلمين عن الإسلام، وان كان تأثير الكفار في المقام أقل بكثير من تأثير أهل الكتاب الذين يدعون الإنتماء الى الكتاب السماوي.
لذا جاءت الآية بلومهم وزجرهم والتقدير: يا اهل الكتاب ان الكفار والمشركين يتعلمون منكم ما يؤذون به المسلم , فتتحملون اوزارهم ايضاً.
والآية تحذير للمسلمين الى يوم القيامة من محاولات الصد والصرف عن سبيل الله.
ولم يبدأ قانون الصد بالإسلام بل هو سابق له، كما ورد في لوم شعيب لقومه( )، على صدهم من آمن عن سبيل الله، ومن الآيات ان يبقى الصد عن الإيمان في الأرض، وتأتي هذه الآية لتمنع من سلطانه وتأثيره وتحول دون إضراره بالإسلام والمسلمين والفرد الواحد منهم، بل انها تتضمن إصلاح الناس وجعلهم يتنزهون عن صد المسلمين عن دينهم، ومن يصر على صدهم فلن يحصد الا الخيبة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
علم المناسبة
وردت مادة “صدَ” في القرآن إحدى وأربعين مرة، وهو عدد كثير خصوصاً بلحاظ موضوع الصد، وجاءت الآيات على وجوه:
الأول: الصدود الذاتي عن سبيل الله، بان يقابل الإنسان آيات الله، ومعجزات النبوة بالإعراض والجحود والصدود.
الثاني: الصد الغيري بحمل الآخرين على الصدود والإعراض عن الآيات.
وهذا الصد على وجوه:
الأول: الصد عن الإسلام ومنع الناس من دخوله.
الثاني: إيجاد مقدمات المنع بالإفتراء واثارة الشبهات.
الثالث: الإنفاق وبذل الأموال من اجل عزوف بعض المسلمين عن دينهم قال تعالى [يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ]( ).
الرابع: منع المسلمين من أداء بعض العبادات والمناسك، كما في صد المشركين للمسلمين عن البيت الحرام، قال تعالى [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ]( ).
الخامس: الإعراض عن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الله قال تعالى [رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا]( ).
الثالث: صد الشيطان للكفار عن ذكر الله، واغواؤه لهم، وتزيين
الباطل الذي يقيمون عليه، قال تعالى [وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ]( ).
وورد قوله تعالى [تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا] بصيغة الخطاب في آيتين من القرآن، الآية محل البحث والآية السادسة والثمانين من سورة آل عمران، وبينهما عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء هي:
الأول: اللوم والذم للذين يبذلون الجهد لجعل بعض المؤمنين يعرضون عن الإسلام والنبوة.
الثاني: اتحاد الكلمات والموضوع.
الثالث: مجيء الخاتمة بالإنذار والوعيد، اما مادة الإفتراق فهي من وجوه:
الأول: جاءت الآية في سورة الأعراف بنداء ولوم من شعيب الى قومه اما هذه الآية فتضمنت الأمر من عند الله الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوجيه اللوم الى أهل الكتاب.
الثاني: لوم شعيب يتوجه الى الكفار والجاحدين، اما لوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتوجه الى الذين يؤمنون بالتنزيل والكتاب.
الثالث: وجّه شعيب لومه الى قومه بقوله تعالى [وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا] أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه يوجه اللوم الى أهل الكتاب عامة ولم يوجه للمسلمين ذماً اولوماً.
الرابع: تعلق خطاب شعيب بزمانه وقومه، وجاء القرآن لتوثيقه وتثبيته لبيان جهاد الأنبياء في سبيل الله اما خطاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو باق ومتجدد الى يوم القيامة.
الخامس: وردت في الآية من سورة الأعراف إضافة حرف العطف الواو (وتبغونها) بلحاظ سياق الآية، ولم يرد حرف العطف في هذه الآية للتداخل بين الصد وابتغاء الميل عن جادة الإستقامة، وورود قوله تعالى (وتصدون) لبيان التعدد في سوء فعل الكفار وما يتفرع عنه من تعدد وجوه اللوم.
السادس: جاءت الآية من سورة الأعراف بصيغة النهي والزجر لأن قوم شعيب كفار، اما هذه الآية فتضمنت اللوم والإنكار لموضوعية الإنتساب للكتاب ولزوم إقرار أهل الكتاب بآيات الله ومعجزات النبوة.
ومن آيات القرآن ان يأتي عدم الرضا عن الصد على لسان الكفار ولكن مع الإفتراء وتغيير الحقائق وفي التنزيل، [مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ]( )، مما يدل على ان الكفار لا يعلمون ما ينفعهم وما يضرهم، فالصد عن عبادة الأوثان التي كان يعبد آباؤهم أنما هو رحمة بهم ووسيلة لإنقاذهم وسلامتهم في النشأتين، كما ورد لفظ [يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا] ثلاث مرات في القرآن.
وجاءت الآية بذكر (سبيل الله) على نحو الحصر والتعيين وفيه مسائل:
الأولى: الدلالة على ان اهل الكتاب يعرفون سبيل الله وان المسلمين على الهدى والإستقامة.
الثانية: ذكر سبيل الله هنا حجة اضافية عليهم، ودعوة للتخلي عن الكدورات الظلمانية وأسباب الحسد والغضب وتوكيد بأن الإسلام دين الإستقامة والصلاح.
الثالثة: ليس في مناهج الإسلام ما يضر أهل الكتاب او يؤذيهم.
الرابعة: جاءت البعثة النبوية لإنقاذ الناس من الضلالة ولمنع تعدد السبل واختلاف الناس في مناهجهم وانتماءاتهم وحصول الضلال والتيه.
الخامسة: تبين الآية ظهور ووضوح سبيل الله بجلاء في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته الى الله، والمدار في الإيمان والإستقامة على التصديق به واتباعه.
السادسة: لم يأتِ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا بما هو حق وصدق.
السابعة: تتضمن الآية تذكير أهل الكتاب وغيرهم بلزوم اتباع سبل الهداية والنجاة بمحاكاة المسلمين في انتهاج سبل الإيمان والكف عن ايذائهم وصدهم عن سبيل الله.
ووصفت الآية كل من نطق بالشهادتين بانه نال مرتبة الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق بنبوته، وصدق عليه انه من الذين آمنوا , وفي الآية مسائل:
الأولى: نيل شرف مرتبة من مراتب الإيمان بدخول الإسلام والنطق بالشهادتين.
الثانية: وجود صلات بين المسلمين وأهل الكتاب، وان دخول الإسلام لم يمنع المسلمين من تعاهد صلاتهم مع أهل الكتاب.
الثالثة: عدم ترتب الأثر على محاولات أهل الكتاب بصد المسلمين
عن الإسلام، وبقائهم على صفة الإيمان.
الرابعة: جاءت الآية بصيغة الماضي (من آمن) وفيه وجوه:
الأول: وجود أمة مسلمة وان عدد المسلمين ليس بالقليل بلحاظ توجه الخطاب في الآية الى أهل الكتاب فالكثرة في أهل الكتاب والمستقرأة من لغة الخطاب في الآية لا يمكن ان تجتمع على عدد قليل من المسلمين.
الثاني: ثبات الإيمان في صدور المسلمين مما يعني عدم نفع محاولات الصد فيهم، لذا جاء الصد بصيغة المضارع فلم تقل الآية (لم صددتم) بل (لم تصدون) والذي يعني التجدد والتكرار،واستمرار قيامهم بمحاولات منع المسلمين عن دينهم.
الثالث: ثبات المسلمين في منازل الإيمان دعوة لأهل الكتاب للهداية والإيمان قال تعالى [وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ]( ).
الرابع: تحث الآية المسلمين على الصبر والتحمل والثبات وتكشف لهم وجوه المكر بهم، وتحذرهم من الغواية والإستدراج، وهي حصانة لهم من الشبهات والإفتراء.

قوله تعالى [تَبْغُونَهَا عِوَجًا]
إعجاز إضافي في الآية يبين الغايات والمقاصد من صد المسلمين عن الإسلام، ويحتمل الضمير (الهاء) في تبغونها في عائديته وجوهاً:
الأول: انه يعود للسبيل اذ ان لفظ السبيل يذكر ويؤنث، وورد في القرآن بالصيغتين، فقد جاء بلفظ التذكير في قوله تعالى [وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً]( )، كما ورد بصيغة التأنيث في قوله تعالى [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ]( ).
الثاني: طرق العمل في الحياة الدنيا.
الثالث: الملة والعقيدة التي يجب على الإنسان ان يتخذها.
الرابع: سبيل الله، وليس السبيل وحده.
ولا تعارض بين الوجوه الثلاثة الأولى، أما سبيل الله فهو واحد يتصف بالإستقامة ولا يقبل الإعوجاج، الا ان يراد من الآية إقامة الحجة عليهم والزيادة في ذمهم وبيان سوء فعلهم.
ومن الإعوجاج المقصود في السبيل قوله تعالى [وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً]( )، وبعد ان جاء ذم أهل الكتاب بلغة الإستفهام الإستنكاري [لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] جاء هذا الشطر من الآية معطوفاً عليه لبيان ما هو أعم من صد الغير عن الإسلام، وكأنه من عطف العام على الخاص وتوكيد حقيقة هي ان السعي في إعراض الناس عن الإسلام هو جزء من المقاصد السيئة في نشر التحريف والتشويه للشرائع ومنع اقامة شعائر الله، ومحاولة الحيلولة دون إنتهاج الناس ما يوصلهم الى السعادة الأخروية التي لا تنال الا بالإستقامة في سبل الخير والفلاح والصلاح.
وهذه الشطر من الآية ذم اضافي للذين يكيدون للإسلام خصوصاً
وان الذي يقتضيه الإنتساب للكتاب هو ابتغاء سبيل الله، والسعي في دروب الصلاح وأعمال البر ونشر الفضيلة وما يقرب العبد الى الله تعالى، ومن أهم مصاديقه الإقرار بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأداء الفرائض والعبادات التي جاء بها، وإعانة المؤمنين وشد أزرهم، وتيسير خروجهم للجهاد في سبيل الله تعالى بدل محاولات بعث روح الشك والريب بينهم.
وجاءت الآية بصيغة الإبتغاء والمراد الطلب والسعي في تحصيل الغايات، مما يدل على ان أهل الكتاب ماضون وجادون في محاولات ثني المسلمين عن الإيمان والهدى، فجاءت هذه الآية ضرورة وحاجة للذب عن المسلمين ودفع الكيد والمكر عنهم، وللتفقه في الدين، وهي شاهد تأريخي بأن الإسلام لم يظلم أحداً، وان العداء والأذى يأتيه من الغير، فالآخرون يواصلون الحرب عليه بالتحريف والكيد وبذل الأموال ومحاولات صرف المسلمين عن دينهم، ومع هذا ليس من رد عليهم الا لغة اللوم والإنكار، لتكون سلاحاً أقوى من السيف في دلالة على صدق نزولها من السماء.
فهذه اللغة تبين السخط الإلهي على من يتعدى على الإسلام ويريد الإجهاز عليه سواء في بدايات البعثة النبوية أو في الأزمنة اللاحقة والى يومنا هذا، كما تؤكد للناس ان سبيل الهداية والفلاح في اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان الذي يبتغي إفشاء تحريف حقائق التنزيل في تيه وضلالة.
وتبين الآية وجهاً من وجوه جهاد المسلمين في تثبيت دعائم الدين، فالجهاد لا ينحصر بسوح المعارك وقصد الغزو والفتح، بل يشمل الثبات على الإيمان ودفاع المسلم عن اعتقاده الذاتي، وتعاهده لملكة الإيمان بوجه الذين يحاولون صرفه عن الإسلام، ويحتاج الجهاد الذاتي والشخصي الى عزيمة وإرادة وصبر، فلو كان الجهاد جماعياً فان المسلمين يشد بعضهم أزر بعض، ويتناجون بالتقوى ويظهرون حب الشهادة والعزم على ملاقاة الحتوف.
اما اذا توجهت سهام المكر والكسد الى فرد واحد منهم على نحو شخصي وبعيداً عن الجماعة واسباب المناجاة بين أفرادها، فان الأمر يختلف خصوصاً اذا كان هذا الكيد عقائدياً ويجري بصورة يومية او شبه يومية بالجدال والإفتراء والتحريف، وممارسة صيغ الحصار والتضييق,
فيلاقي المسلم الأذى والعناء ويصبر عليه.
وجاءت هذه الآية لتؤكد بأن الإستقامة في الإسلام وان أهل الكيد والمكر يريدون بالمسلم الإنحراف عن جادة الصواب والفلاح، وهي خطاب لفريق من أهل الكتاب الذي يبتغون صد المسلمين عن الإسلام كاليهود في المدينة أيام التنزيل، ولكنها مدرسة عقائدية للمسلمين ودعوة للثبات على الإيمان، ووسيلة مباركة لجذب الناس للإسلام، وهو من مصاديق الخسارة العاجلة التي لحقت بأهل الكيد والمكر.
وابتغاء العوج هنا مطلق لا ينحصر بصد المسلمين عن الإسلام ويشمل وجوهاً:
الأول: محاولة جعل المسلمين يعزفون عما في الإسلام من العبادات والمناسك، فلما لم يستطع اهل الكيد والمكر جعل المسلم يترك الإسلام ويرتد عنه، أخذوا يسعون في عزوفه عن أداء الفرائض ووجوه التقرب الى الله تعالى.
الثاني: جاءت الآية قبل السابقة بوجوب الحج على المستطيع من المسلمين، في إشارة الى لزوم عدم الإلتفات لأهل الزيغ والشبهات وان ينظر المسلم الى حاله من القدرة على الزاد والراحلة فيؤدي الحج، وفيه رد عملي على الكيد والتحريف.
الثالث: من العوج صيغ التحريف وتغيير مضامين البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واذ اخبرت الآية عن محاولات أهل الكتاب صرف المسلمين عن دينهم، فمن باب الأولوية القطعية انهم يسعون في صد الناس عن دخول الإسلام، وهذا السعي على وجوه:
الأول: تشويه حال المسلمين.
الثاني: التخويف من الجهاد الذي جاء به القرآن وبعث النفرة من القتال والإقتتال، بإضافة التحريف وتشويه الحقائق لحجب المقاصد السامية للجهاد والمنافع الأخروية العظيمة منه.
الثالث: دعوة الناس لليهودية او النصرانية، والقيام بالحملات التبشيرية، وبذل الأموال الطائلة لإستمالة الفرد الى جانبهم مع صيغ الترغيب والترهيب واستباق وصول الاسلام لبعض الامم والامصار والإشخاص.
الرابع: انكار مجيء الكتب السماوية السابقة بالبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع انهم ورثتها والقائمون على حفظها، فجاءت هذه الآية لتؤكد للناس صحة البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان الإستقامة والسلامة والنجاة في الإسلام.
الخامس: تحريض الكفار والمشركين على الإسلام واغراؤهم بالمسلمين، وحثهم لمحاربة الإسلام، وفيه دعوة لسيادة وطغيان الكفر، وبقاء الوثنية، مما يستلزم العناء والجهاد الإضافي من المسلمين.
السادس: عقد المواثيق مع الكفار والمشركين بما يجعل الطرفين يتوجهان لصد الإسلام والمنع من انتشاره.
الرابع:اثارة الريب ومواصلة الجدال في أحكام التنزيل وآيات القرآن.
الخامس: التصدي بالشك والشبهات لأحكام العبادات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الأمر الإلهي بإستقبال المسلمين البيت الحرام في صلاتهم.
السادس: بعث الفرقة والخصومة بين المسلمين، واثارة العصبية وأسباب الحمية والنعرات القبلية وأخبار الجاهلية وما كان يجري فيها من الإقتتال بينهم، فجاءت هذه الآية لتبين ان المدار على الإيمان، وهو وحده عنوان الإنتماء وعلة الولاء وموضوع الإلتقاء، وفي قوله تعالى [تَبْغُونَهَا عِوَجًا] وجهان:
الأول: انه جزء من أمر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يقوله الى أهل الكتاب.
الثاني: الآية جملة مستقلة، وكلام مستأنف وانه لوم وذم من الله عز وجل الى أهل الكتاب من غير واسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار ان موضوعه أعم ويشمل المقاصد والنوايا وعالم الأفعال.
والصحيح هو الأول، فهذا الشطر جزء من أمر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقوله لأهل الكتاب، وفيه مسائل:
الأولى: تنبيه المسلمين الى وجوه التعدي من أهل الكتاب، واضرار الإذعان اليهم.
الثانية: الإطلاق في تحذير أهل الكتاب، وعدم حصره بالصد عن سبيل الله.
الثالثة: دعوة المسلمين للإحتجاج على أهل الكتاب وإقامة البرهان على خطأ النهج الذي يتبعه فريق منهم بالتعدي على الإسلام، وان هذا التعدي يضر بهم، وبالناس جميعاً.
الرابعة: تحذير الناس من أهل المقاصد الكامنة وتحريف الحقائق وانكار البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويدل قوله تعالى “تبغونها عوجاً” في مفهومه وبلحاظ محاولاتهم صرف المسلمين عن الإسلام ان الإسلام هو الديانة الحقة، وتمثل مبادئه الإستقامة وتنتفي عنه أسباب الإعوجاج، وفي الآية تأديب لأهل الكتاب والناس جميعاً، وزجر عن الضلالة، واخبار بان ما يخالف مبادؤه الإسلام هو انحراف وميل عن جادة الصواب والصراط المستقيم، وابتغاء العوج مخالف لمضامين الإنتساب الى الكتاب المنزل، ويأتي العوج في المقام بمعنى الضلال والجحود، كما يأتي بمعنى الخسارة والهلاك لإطلاق السبب على المسبب، وفيه إشارة الى عاقبة التحريض على الميل عن الحق.
قانون بشارة الإسلام
الحمد لله الذي تفضل بانزال الكتب السماوية وجعلها مناسبة لمدارك الناس، بحيث يعلمون من خلالها معالم الدين وأحكام الشرائع، ولم تنزل الكتب السماوية الا على نفر من الأنبياء، ويأتي الأنبياء الآخرون لتوكيد نزولها من عند الله، وتثبيت أحكامها، والعمل بها ليكونوا أسوة للناس وشهوداً عليهم في التبليغ وحسن الإمتثال للأحكام، كما يقوم الأنبياء ومنهم الرسل أصحاب الشرائع بالتبشير بالرسول اللاحق ولم يجتمعوا في البشارة الا بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اذ بشر به جميع الأنبياء ابتداء من آدم سواء بنقل بشارة الكتاب المنزل او الرسول السابق او بتلقي الوحي بخصوصه، والبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعني البشارة بالإسلام وسيادة أحكامه في الأرض، وقد تقدم قانون البشارة ويتضمن الإخبار
المتقدم زماناً عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم( ).
ولا تنحصر البشارة بالإسلام بصيغة الإخبار عن علم الغيب بحصول البعثة النبوية والقطع، بل تتضمن الأمر الإلهي بأمور هي:
الأول: وجوب التسليم والإنقياد لأوامر الله.
الثاني: التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: العمل بمضامين الكتاب الذي ينزل عليه من عند الله.
الرابع: اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأتي به من أحكام الشريعة.
الخامس: أداء العبادات والفرائض التي يأمر بها، ومن الآيات انه أول المبادرين الى أدائها، وأكثر الناس حرصاً عليها بالذات والكيفية والوقت وتفاصيل الأحكام.
الخامس: نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعانته على أعدائه، والتصدي لأهل البغي والحسد والبغضاء، والدفاع عنه باليد واللسان، وعندما عرض كبار قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بداية البعثة عروضاً دنيوية كبيرة وأموالاً طائلة كي يترك الدعوة الى الإسلام، فأبى وأكد عزمه على تبليغ الرسالة السماوية، أخذت الأمور تتجه نحو الوضوح والتجلي، وبدأت تستبين معالم الدعوة الإسلامية، وإشارات ظهورها وغلبة الإسلام.
وأخذ الناس يدخلون فيه بإيمان مقرون بالصبر والتحمل مع العلم بحصول المواجهة والقتال مع الكفار والمشركين، أي ان الصحابة يتوقعون من الكفار المباغتة والتعدي والهجوم عليهم ومع هذا أقبلوا على العبادات وما يتقربون به الى الله مع افتقارهم للعدة والسلاح لمواجهة الكفار.
فكانت كلمة التوحيد هي السلاح، والصلاة هي الدرع الواقي والتوكل على الله سبيل النجاة والفوز، فبعد اليأس من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه الكفار الى المسلمين لمحاولة ثنيهم عن عقيدتهم وإيمانهم ولكنهم لم يفلحوا، وأنى لهم ذلك والتناقض ظاهر بين إستقامة الإسلام وقبح الكفر، وبين نعيم الجنة وعذاب النار، فأراد الكفار إستمرار العوج والإنحراف عن جادة الحق ولكن الله عز وجل أخزاهم وفضحهم، ومنعهم من التأثير على المسلمين، وكان واقع الكفر عوناً للناس لدخول الإسلام لقبح عبادة الأوثان ومخالفتها للحنيفية التي جاء بها ابراهيم الخليل والتي لم تغب مفاهيمها آنذاك عن الجزيرة وأهل مكة وما حولها على نحو الخصوص.
وعندما إنتقل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون الى المدينة كان اليهود يقطنونها الى جانب العرب من الأوس والخزرج، ففاجئهم اليهود بإنكار البشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهل أثر هذا في المسلمين الجواب لا، ومن أسباب حصانتهم من هذا الإنكار هذه الآية الكريمة وما فيها من المضامين القدسية وصيغ اللوم النبوي الى أهل الكتاب والتي تعتبر حرزاً وحصناً من إنكار البشارات ومن الإفتراء مطلقاً، وهذا الإطلاق في الوقاية من إعجاز آيات القرآن فأنها توجه اللوم لقوم أو فريق أو ملة على فعل ظاهر قبحه، ولكن منافعها أكثر من أن تحصى.
فإخفاء أهل الكتاب للبشارات الواردة في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جعل المسلمين في حذر منهم ولا يلتفتون الى ما يقولون خصوصاً وان صدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم لم ينحصر بالبشارات التي في أيدي اهل الكتاب، بل كانت المعجزات تترى على يديه ليؤمن الناس بنبوته، ويكون إخفاء وإنكار البشارات حجة على من ينكرها، بالإضافة الى بقاء مضامين البشارة بنبوته ثابتة الى يوم القيامة من وجوه:
الأول: تضمن التوراة والإنجيل للبشارة بالنبوة قبل ان تطالهما يد التحريف.
الثاني: تدبر معاني البشارة فيهما حتى مع التحريف ولو بالواسطة والكناية.
الثالث: إخبار القرآن بما تضمنته الكتب السماوية السابقة من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: ورود الآيات التي تدل على إخبار الأنبياء السابقين بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم، وفي عيسى ورد في التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
الخامس: انكار التنزيل لإخفاء البشارات بنبوته، فهذا الإنكار يدل في مفهومه على وجود البشارات، وان إنكار أهل الكتاب لها لا يخفيها او يسترها، ويعضد هذا المفهوم مصاديق الإعجاز التي تترى على يديه صلى الله عليه وآله وسلم.
قانون تدارك ابتغاء العوج
قال تعالى [ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ]( ) فمن الناس من يختار الإيمان والصلاح، ومنهم يختار الجحود والضلالة، وجاء الأنبياء لهداية الناس نحو سبل الهداية والرشاد، ومنع الكفار من التمادي في الكفر، والإجتهاد في دعوتهم للإسلام، ولكن شطراَ منهم يصرون على الكفر ويعملون على إيذاء المسلمين والتعدي على حرمات الإسلام، فجاءت هذه الآية للإنذار ودعوة للتدارك والكف عن صد المسلمين عن الإسلام، وقد يستمر الإنسان في فعل قبيح وهو لا يعلم مقدار قبحه واضراره العاجلة والآجلة عليه وعلى غيره على نحو الإتحاد والتعدد، فتأتي آيات الإنذار لتكون باباً للإنابة ومناسبة للتدارك وتهذيب النفوس، ومن مصاديق التدارك أمور:
الأول: نزول الكتب السماوية وتضمنها أحكاماً تتعلق بالتدارك منها:
الأول: الدعوة الى التوبة والإنابة.
الثاني: الإرشاد الى الإقرار بالربوبية، كضرورة للإنسان في دنياه وآخرته.
الثالث: وجوب اداء الفرائض والعبادات.
الرابع: بيان وجوه التقرب الى الله.
الخامس: الحث على إتباع الأنبياء وما جاؤا به من أحكام الشرائع.
السادس: البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وندب الناس الى اتباعه ونصرته.
السابع: آيات الوعد والبشارة بالجنة والنعيم الخالد.
الثامن: آيات الوعيد والتخويف والإنذار بالنار والعذاب الأليم.
التاسع: آيات الذم واللوم على ابتغاء العوج وركوب جادة الباطل كما في هذه الآية.
العاشر: جهاد الأنبياء لإصلاح الناس، ومحاربتهم للأخلاق الذميمة.
الحادي عشر: ثبات المسلمين في مسالك الهداية والإيمان.
الثاني عشر: دفاع الأنبياء واتباعهم عن الحق والهدى.
الثالث عشر: تصدي المسلمين لمحاولات ارتدادهم وإظهارهم الصبر والتحمل في جنب الله، واعلانهم التصديق بآيات النبوة.
الرابع عشر: القتال في سبيل الله، والدفاع عن الإسلام، وإكراه الكفار على ترك التعدي على الإسلام، وايذاء المسلمين.
الخامس عشر: شعور الكفار بالخيبة والخسران، فمتى ما أدرك الإنسان ان فعله لن يجدي نفعاً ولا يؤدي الا الى الإضرار به فانه يقلع عنه، وجاءت الآية بذكر وجوه للإعوجاج هي:
الأول: الصد عن سبيل الله.
الثاني: جاء قيد (عن سبيل الله) للإخبار بان المسلمين على الحق والهدى وانهم لم يختاروا الا ما فيه الفلاح والنجاح والفوز في الدارين، ومع ابتغاء العوج من شطر من الناس تأتي آيات ومضامين قانون التدارك لصرفهم عن طلب الميل عن الإستقامة، والإنعطاف عن سبل الإيمان.
ولا تنحصر مواضيع العوج والميل عن الإسلام بزجر ونهي اصحاب الميل والتحريف وأهل الشبهات والجدال بالباطل بل تتضمن دعوة المسلمين لفضح التحريف، وبيان وجوه وصيغ الميل عن الحق.
ومن خصائص قانون التدارك انه لا ينحصر بملة دون أخرى، أو قوم دون غيرهم، ولا يختص بالعلماء او العامة من الناس، بل الناس فيه شرع سواء، فالخطابات والآيات فيه تتوجه الى كل من طلب الميل عن الهدى، وتحذر من يريد ان يقتدي به وتدعوهما معاً الى الإسلام ونبذ الكفر والشرك، وهجران ما يبعث الشك والريب في النفوس، ويبين هذا القانون بقاء باب التوبة مفتوحاً، فالتدارك والإنابة ملازمان لأيام الحياة الدنيا لا يفارقانها ولا يغادران الإنسان الا عند زهوق الروح.

قوله تعالى [وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ]
لوم إضافي لأهل الكتاب مقرون بالإحتجاج عليهم من وجوه:
الأول: تشهدون حسن سمت المسلمين واستقامتهم على الهدى.
الثاني: تعلمون بان الإسلام هو دين الحق والصدق.
الثالث: تتوارثون البشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتتطلعون لأيام بعثته، وترقبون مقدماتها وعلاماتها.
الرابع: تدركون الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتشهدون المعجزات التي تترى على يديه.
الخامس: تشهدون في منتدياتكم ومجالسكم ان محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو نبي آخر الزمان.
السادس: عن ابن عباس: يعني انتم شهداء ان في التوراة ان دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام( ).
السابع: تشهدون ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الحق وجهاده في سبيل الله واعلاء كلمة التوحيد وتعظيم شعائر الله، وهو الأمر الذي يتضمنه الكتاب الذي تنتسبون اليه.
الثامن: أنتم شهداء عند أهل ملتكم الذين يرجعون اليكم للتمييز والفصل والإخبار عن صحة البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التاسع: يعتمد المشركون قولكم في النبوة والأنبياء باعتبار انكم أهل كتاب، فيطلبون منكم الشهادة على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
العاشر: الآية تذكير بعالم الحساب ودعوة اهل الكتاب للشهادة.
الحادي عشر: الآية ترغيب بالإيمان، ودعوة لأهل الكتاب لإستحضار أفعال المسلمين وثباتهم على الإيمان، وكأن الآية تخاطبهم بانكم تشهدون عدم امكان عدول المسلمين عن الحق والهدى، فلماذا تصرون على محاولات الصد عن سبيل الله، وطلب الباطل.
الثاني عشر: انتم شهداء على الكتاب وما أنزل الله من التوراة والإنجيل، قال تعالى [بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ]( ).
الثالث عشر: الآية تذكير بمنزلة أهل الكتاب بين الناس بالشهادة على الكتاب وأخبار السماء.
الرابع عشر: الآية وعد بانتصار الإسلام، واهل الكتاب يشهدون ظهور كلمة الحق.
الخامس عشر: في الآية انذار بما يحل بأهل الكتاب الذين يصرون على صد المسلمين عن الإيمان واداء الفرائض.
السادس عشر: تشهدون أضرار العوج والميل عن الإستقامة.
السابع عشر: تعلمون قبح إنكار الآيات، وتحريف البشارات.
ومجيء الآية بمعنى الشهادة والعلم فيه مسائل:
الأولى: توبيخ أهل الكتاب ودعوتهم للتدارك وترك العوج، والعمل على انحراف الناس عن الهداية.
الثانية: تبين الآية وظائف الشهداء ولزوم إخبارهم عن حقائق التنزيل وما تتضمنه الكتب السماوية السابقة من البشارات بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدعوة الى اتباعه ونصرته.
الثالثة: أراد الله عز وجل لأهل الكتاب المنزلة الرفيعة بين الناس باتباعهم التنزيل والنبوة، ولابد ان يكون هذا الإتباع والشهادة متصلة وعلى نحو الكلي المتواطئ أي المتساوي في درجته، فلا تصح الشهادة على نبوة موسى والجحود بنبوة عيسى، كما فعل اليهود ولا الشهادة على صدق نبوة موسى وعيسى والكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود البشارات في الكتب السماوية السابقة به، ومجيئه بالمعجزات الدالة على صدق نبوته، فالآية دعوة لإتصال الشهادة على النبوة وعمومها الإستغراقي والمجموعي الشامل لجميع الأنبياء.
الرابعة: في الآية حث لأهل الكتاب للإرتقاء الى مسؤولياتهم الشرعية وعدم نقض العهود والمواثيق، وهي دعوة لإجتناب شهادة الزور بتحريف الحقائق.
الخامسة: في الآية تبكيت لأهل الكتاب بانهم يشهدون ثبات المسلمين على الهدى والإيمان، ومع هذا فانهم يقومون بالسعي لدفع المسلمين عن جادة الحق.
السادسة: جاءت الآية بصيغة الجمع [وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ] وفيه مسائل:
الأولى: اشتراك أهل الكتاب في العلم بحقائق التنزيل.
الثانية: حصول الشهادة بصفة الإنتساب للكتاب السماوي، فلم يكونوا شهداء بصفتهم الشخصية بل لما هم أهل للكتاب.
الثالثة: على فرض ان فريقاً من أهل الكتاب هم الذين يصدون المسلمين عن دينهم، فقد تكون الشهادة أعم وشاملة للجميع.
الرابعة: انحلال الإنذار والتوبيخ في الآية ليشمل في توجهه الأفراد من أهل الكتاب، الموجود والمعدوم منهم.
السابعة: في الآية دعوة لأهل الكتاب لرؤية جهاد المسلمين في سبيل الله، وتضحيتهم بأنفسهم ابتغاء مرضاة الله، ومن يطلب الشهادة لا يمكن ان يتخلى عن الإسلام.
قوله تعالى [وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ]
خاتمة الآية من آيات التوبيخ والإنذار الا انها تتضمن في ثناياها دعوة أهل الكتاب للإنابة والرجوع الى الكتاب الذي ينتسبون اليه، وفي خاتمة الآية الكريمة مسائل:
الأول: بعث الخشية من الله في نفوس أهل الكتاب.
الثاني: التذكير بان الأعمال كلها حاضرة عند الله.
الثالث: الآية تخويف ووعيد وانذار من البطش الإلهي، وكما جاء النداء الى أهل الكتاب من عند الله على لسان نبيه، فالآية تحذر الفريق من أهل الكتاب الذي يصدون المسلمين عن سبيل الله، من نزول النقمة بهم على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين كما في قوله تعالى [وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ]( ).
وجاءت الآية بصيغة الجمع (تعملون) وهو أمر ينحل الى:
الأول: ما يعمله أهل الكتاب أزاء المسلمين.
الثاني: ما يقومون به بخصوص دينهم وملتهم.
الثالث: جحودهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: ما يعمله كل فرد وفريق من أهل الكتاب، وفيه اشارة الى
شطر وفريق من أهل الكتاب لم يصدوا المسلمين عن الإسلام، قال تعالى [مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ]( ).
الخامس: موضوع الآية هو محاولة صد أهل الكتاب المسلمين عن دينهم، أما خاتمة الآية فهي أعم اذ تتعلق بكل أفعال الكتاب، وفيه وجوه:
الأول: أخذهم بذنوبهم.
الثاني: احصاء أفعالهم وما يترتب عليها من الإثم.
الثالث: الإشارة الى مقدمات وأسباب الصد، وما فيه من الغايات والمقاصد.
السادس: ان الله عز وجل يعلم ما يفعل أهل الكتاب وغيرهم من المكر، وأصلح المسلمين لصد ودفع هذا المكر، وهذا الإصلاح متحد ومتعدد، أي ان كل مسلم مؤهل بفضل الله تعالى لطرد أسباب الشك والوهم، كما ان المسلمين أمة قادرة على التصدي للأعداء ودفع شرهم وكيدهم.
وفي الآية ثناء على الله تعالى لإحاطته علماً بالمكر والتعدي على المسلمين، وتفضله بالوعيد لأعدائهم، خصوصاً وان التعدي لم يأتِ على نحو القضية الشخصية أو لأمور دنيوية محضة بل أريد به الإسلام والملة والإضرار بالمسلمين لتصديقهم بالرسالة.
وفي الآية بشارة وسكينة للمسلمين فما دام الله يعلم بكيد أعدائهم فانه سبحانه يدفع هذا الكيد ويصرف عنهم الأذى مطلقاً، والآية وعد لهم بالنصر، وهذا الوعد دعوة لأهل الكتاب للتدبر بالآيات، والإقرار بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإنصراف عن الكيد للمسلمين.
بحث بلاغي عقائدي
من وجوه البديع (حسن النسق) وهو الإتيان بكلمات متتاليات، يتعقب بعضها بعضاً في إنسجام وترابط بديع، مع استقلال كل كلمة او جملة بمعناها، ومنه هذه الآية اذ انها بدأت بالأمر الى المخاطب المفرد (قل) وهذا اللفظ في القرآن ينصرف الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المتبادر الى الذهن، والظاهر من مضامينه القدسية، الا ان ترد أمارة في سياق الآيات بأن المراد غيره وهي معدومة في المقام.
وفيه إخبار لأهل الكتاب باختصاصهم في الخطاب الإلهي بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانه لم يفرط في الإمتثال لأمر الله فيما يخص أهل الكتاب ولم يخش أمرهم، او يخاف منهم او من غيرهم، بل أبلغ الآية وموضوعها الى المسلمين والناس جميعاً لتبقى ضياءً سماوياً في الأرض الى يوم القيامة.
ويستلزم الأمر الفورية في القول مما يعني عدم الإكتفاء بتبليغ الآية للمسلمين فلابد من الإتصال بأهل الكتاب ومخاطبتهم وتوجيه اللوم لهم، ويتجدد هذا الخطاب في كل مناسبة للقاء والإحتجاج مع أهل الكتاب كما يأتي إبتداء من عند النبي والمسلمين وعرضاً في التلاوة والصلاة.
وهل يعتبر من مصاديق هذه الآية الكريمة المباهلة مع نصارى نجران بقوله تعالى [فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا]( )، الجواب نعم وكون المباهلة، بخصوص عيسى عليه السلام وانه عبد الله، ومجيء المباهلة بعد الإحتجاج لا يضر في شمولها بعمومات الآية خصوصاً وان خاتمة الآية جاءت بذم ولعن الكاذبين، وإدعاء الربوبية لعيسى من أفراد صد الناس عن الإسلام، واعطاء الأنبياء السابقين رتبة هم بريئون منها، والغاية من هذا الغلو الإخبار والإيهام بان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليس عنده مثل هذه الصفة التي عند عيسى عليه السلام، وجعلها علة لبقائهم على ملتهم.
فجاءت الآيات القرآنية بتكذيبها ونفيها، وهذا النفي دعوة للناس للهداية والإيمان وبعد النداء جاء موضوع الآية وهو اللوم على الصدود والعزوف عن الآيات والبراهين التي تدل على وجوب المبادرة للتصديق ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن الإعجاز انعدام الرد والنفي، فلم يقل اهل الكتاب انهم لم يكذبوا بالآيات بل استمروا في تكذيبهم لها، ولكن هذا الإستمرار ليس مستوعباً لهم جميعاً، بل اختارت جماعات منهم الإسلام، واخذ بعضهم يؤمن ويعلن تصديقه بآيات ومعجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
واللوم الوارد في الآية تعضيد لنبوته، وتوكيد لها، وتحدِ جديد لأهل الكتاب، ومانع من التمادي في تكذيب الآيات، وباعث للحزن والخوف في نفوس المكذبين لأن الآية تمنع من تصديق الذات بالكذب والتكذيب، فاذا أقام الإنسان على ترديد موضوع لا أصل له فانه قد يصدق به، ويعتبره واقعاً، فتأتي هذه الآية لتمنع من هذا التصديق، وتزيح غشاوة الكدورة من النفس، وتدعو الإنسان الى توظيف عقله للتدبر في الآيات، واجتناب التحريف الذي لحق البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية السابقة.
وموضوع الذم في هذه الآية أعم من موضوع الذم في الآية السابقة التي جاءت بخصوص كفرهم بآيات الله، أما هذه الآيــــة فجاءت بالذم
على الصد عن سبيل الله وهذا الصد ينقسم الى قسمين:
الأول: قولي، وإستعمال وسائل الكلام من المنبر والجدال وإثارة الشبهات، وتسخير الإعلام والنشر.
الثاني: الفعلي، وهو القيام بأعمال تصد الناس عن الإسلام، وتمنع المسلمين من أداء مناسكهم، وجاءت الآية شاملة للقسمين معاً لإصالة الإطلاق، وصدق الصد على القول والفعل، ثم بينت الآية الجهة التي يقع عليها فعل الصد، ومحاولات العزوف عن الدين وهم الذين يبادرون للإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي اختيار لفظ (من آمن) إعجاز قرآني لإفادته المعنى الأعم وشموله لمن ينوي دخول الإسلام ايضاً.
فحالما تظهر على الإنسان كتابياً كان او وثنياً معاني الإيمان والتصديق بالنبوة، ويستقرأ عزمه على دخول الإسلام حتى يتوجه له أهل الكتاب بالإحتجاج والجدال وإثارة الشبهات، او التخويف والترهيب والترغيب، لذا جاءت الآية بذكر سبيل الله وهو عام يشمل أداء المسلمين لعباداتهم، والذين ينوون دخول الإسلام، ثم بينت الآية الغايات الذميمة من صد الذين يؤمنون بالرسالة عن الهدى وهو ابتغاء الضلال والإنحراف عن جادة الحق، وفيه ذم إضافي مركب لأهل الكتاب من وجوه:
الأول: الغاية الذميمة من صد الناس عن الإسلام.
الثاني: ترك الوظائف التي تترتب على انتسابهم للكتاب.
الثالث: الآثام المتعددة التي يبوءون بها، فهم يتحملون الى جانب ذنبهم ذنب من يطيعهم ويرتد عن الإيمان بالرسالة.
ثم جاءت الآية بجملة حالية وهي (وانتم شهداء)، وتتضمن صيغة الإجمال التفصيلي فيها اعجازاً بلاغياً وعقائدياً لما فيها من المعاني المتعددة بحسب نظم الآيات، ومناسبة الموضوع والحكم، فتتعلق الشهادة بأمور:
الأول: معرفتهم لحقيقة قيامهم بصد المؤمنين، ومنعهم الناس من الإيمان.
الثاني: علمهم بأنهم لا يطلبون الإستقامة والصلاح.
الثالث: إتيانهم الصد والصدود عن علم، وليس عن غفلة وجهالة.
الرابع: الإنتساب الى الكتاب السماوي يؤهلهم للتمييز بين الصدق والكذب، والحق والباطل في الآيات والمعجزات.
الخامس: شهداء على البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: أنهم يشهدون عدم ترتب الأثر على محاولاتهم صد الناس عن الإسلام، فمع ما يبذلونه من جهد في التشويه والإفتراء والتحريف فان الناس يدخلون الإسلام جماعات وأفواجاً.
ويبعث قوله تعالى [وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ] على تدبر أهل الكتاب في حالهم، وما يرتكبونه أزاء الإسلام والكتاب وأنفسهم، وفيه دعوة للتدارك والصلاح وإجتناب السعي لإبتعاد الناس عن التصديق بالرسالة.
وأختتمت الآية بالإخبار عن علم الله تعالى بما يفعل أهل الكتاب وجاء هذا الإخبار بلغة التوبيخ لتكون بداية وخاتمة الآية ذماً وتوبيخاً لأهل الكتاب، ودعوة لهم وللناس لدخول الإيمان.
فمع قلة كلمات الآية فانها تتضمن وجوهاًٍ من الخبر والإنشاء هي:
الأول: الأمر الإلهي الى النبي محمد وما يحمله من صيغة الوجوب، وامتياز الأمر الإلهي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن غيره من الأوامر الى الأنبياء والرسل، بان يكون امراً وواجباً على المسلمين ليفعلوا ذات الفعل بحسب الحال والشأن والإستطاعة، أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا تقييد او تخصيص في قوله فلابد ان يقول ليبقى قوله حاضراً متجدداً بين الناس وفيه تفضيل متعدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: تعدد الإمتثال للأمر الإلهي الموجه الى النبي بعدد المسلمين.
الثاني: بقاء قول النبي يتلى في الأزمنة المتعاقبة، والأماكن المختلفة.
ونزل الأمر على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، ولكنه يتجدد كل يوم في القرآن وعلى لسان المسلمين وهو شاهد على الحاجة لتعاهد آيات القرآن من غير نقص او تحريف.
الثالث: بلوغ النداء الإلهي الى أهل الكتاب والناس جميعاً، وهذا ايضاً من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين فالأمر الإلهي الموجه اليه وكذا نداؤه يسمعه ويعلمه الناس جميعاً، وهو آية اضافية تدعو أهل الكتاب للتصديق بنبوته.
الثاني: اختصاص النداء النبوي باهل الكتاب مع ان موضوعه أعم، فالصد عن سبيل الله لا ينحصر بأهل الكتاب بل يشمل الكفار والمشركين، ولعلهم أكثر تصدياً لأهل الإيمان ولكن الآية جاءت لبيان التنافي بين الإنتساب للكتاب السماوي وما فيه من التشريف، وبين صد المؤمن بالرسالة وما فيه من الإنعطاف عن سواء السبيل وتأتي لغة الإنذار والتوبيخ للكفار في القرآن بصيغة أشد.
الثالث: بيان موضوع النداء وتوكيد أهميته فانزال الله عز وجل من السماء امراً الى رسوله الكريم بمخاطبة أهل الكتاب على نحو الخصوص
مع انه أرسل للناس جميعاً يدل على أمور:
الأول: أهمية الموضوع الذي تتناوله الآية الكريمة.
الثاني: تعدد الآثار الضارة من الصد عن سبيل الله.
الثالث: رحمة الله تعالى بأهل الكتاب والمسلمين، ومن آمن بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونوى دخول الإسلام، اذ ان الآية تدفع عنه المقدمات العرضية الصرفة وعزوفه عن الإسلام.
الرابع: قبح صد الناس عن الإسلام وعن أداء الفرائض والعبادات،
فمن أخطأ وأختارالكفر عليه ان لا يزيد في آثامه ويسعى في منع الناس عن الإسلام.
الخامس: إقامة الحجة في بيان موضوع الصد والعزوف، فذكرت الآية ان الذي يصدون عنه هو سبيل الله، في إشارة الى عدم فلاح الذين يقومون بمنع الآخرين عن الإيمان، وجاءت الآية للنهي عن الصد الذاتي والغيري، فمن يمنع غيره عن الهداية لابد وأنه في ضلال وغواية فقوله تعالى [عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] قيد يمنع من دخول غيره معه، ويفيد توكيد الذم والتذكير بما يترتب على الإنتساب للكتاب من الأخذ بأيدي الناس للهداية والإيمان.
السادس: مجيء قيد آخر وهو من يقع عليه الصد وهو [مَنْ آمَنَ] وجاءت الآية باسم الشرط “من” ولم تقل “الذين آمنوا” في إشارة الى قلة تأثير أهل الكتاب على الناس في موضوع دخول الإسلام وفيه لوم وحسرة إضافية على أهل الكتاب وتوثيق لموضوع الصد واثره، وبيان حقيقة وهي عدم إمكان معارضة الصد للآيات والمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تأثيرها على النفوس وجذب الناس للإسلام والصراط المستقيم.
السابع: وصف الآية للغايات من الصد والإبتغاء، وهذا قيد ثالث في الفعل المذموم الذي تدعو الآية أهل الكتاب لإجتنابه والإبتعاد عنه، وبيان الخسارة وعدم النفع فيه فقد أراد الله عز وجل للناس بالإسلام الهداية والإستقامة والنجاة، ولا يؤدي العوج والإنعطاف عن الحق الا للخيبة والخسارة ودخول النار، فقوله تعالى [تَبْغُونَهَا عِوَجًا] جملة مستقلة، وذات دلالات عقائدية تدعو لدراسات في الصراط المستقيم وسواء السبيل وإرادة منع الناس عنه، وكيفية الوقاية والإحتراز من هذا المنع، ولم يرد حرف عطف في المقام، فلم تقل الآية “وتبغونها عوجاً” للإشارة الى ظهور المقاصد المذمومة للصد عن أهل الكتاب وغيرهم والإخبار عن علة هذا الصد وهي طلب الميل عن الهدى وجادة الحق وهو الذي يؤكده الشطر الثاني من الآية [وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ] فمن معانيه أنكم شهداء على انفسكم في ابتغاء العوج والميل عن الهدى والرشاد.
الثامن: مجيء كلمتين ايضاً في إفادة معنى مستقل وهما [وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ] وهذا المعنى من المتعدد الذي يراد منه وجوه عديدة منها ما يتعلق بالماضي ومنها بالحاضر والمستقبل، فأما الماضي فهو شهادتهم على التوراة والإنجيل وما فيهما من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق به وإتباعه، وأما الحاضر فهو الآيات والمعجزات التي تشهد بصدق نبوته، فهم شهداء على الشهادة، وحاضرون لها، وهذا الحضور لا ينحصر بمن كان منهم أيام التنزيل، وشاهد الآيات، بل شامل لهم جميعاً بلحاظ حقيقة كتابية وهي الإعجاز العقلي في القرآن وآياته.
وأما المستقبل فبيان آثار ابتغاء العوج والإشارة الى الإستمرار بذات النهج والتحذير من اتباع ذراري أهل الكتاب لفعل آبائهم وانطباق مصاديق الآية عليهم، ولا ينحصر موضوع شهادتهم هنا والحجة فيها عليهم بصدهم الناس عن الإسلام بل يشمل ابتغاء العوج والإنعطاف عن الإسلام والإنقياد لأمر الله تعالى.
الثامن: اختتام الآية بالوعيد على الصد عن سبيل الله، وإرادة الميل عن الحق والإستقامة، وهذه الإرادة أعم من الصد وشهادتهم على الصد وعلى الإبتغاء واخبارها بان الله عز وجل عالم بما يفعل العباد لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وتؤكد الآية للمسلمين بان الله عز وجل يحصي افعال الذين يريدون بهم سوء ويمكر للمسلمين ويرد كيد أعدائهم.



قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ] الآية 100

الاعراب واللغة
يا أيها الذين آمنوا: يا: حرف نداء للمتوسط.
أيها: أي: منادى نكرة مبني على الضم في محل نصب.
الهاء: للتنبيه: الذين: بدل.
آمنوا: فعل ماض، والواو: فاعل، وجملة آمنوا صلة الموصول.
أن تطيعوا فريقاً: أن: أداة شرط.
تطيعوا: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، الواو: فاعل، فريقاً: مفعول به منصوب بالفتحة.
(من الذين أوتوا الكتاب)
من الذين: جار ومجرور، أوتوا: فعل ماض مبني للمجهول، الواو: نائب فاعل، الكتاب: مفعول به، والجملة صلة الموصول.
الكتاب: مفعول به ثانِ لأوتوا، (يردوكم بعد إيمانكم كافرين): يردوا: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والأصل (يردونكم)، الواو: فاعل، الكاف: مفعول به اول.
بعد: ظرف متعلق بكافرين وهو مضاف، إيمانكم: مضاف اليه وهو مضاف، الكاف: مضاف اليه، كافرين: مفعول به ثانِ.
والفريق: الطائفة من الشيء المتعدد، والجماعة الكثيرة من الناس،
وبين الفريق والفرقة عموم وخصوص مطلق، فكل فريق هو فرقة، وليس العكس، باعتبار ان الفريق اكثر وإعم من الفرقة.
والرد: صرف الشيء ورجعه، يقال رده عن وجهه يرده رداً ومرداً: صرفه، والإرتداد عن الدين: الكفر بعد الإسلام، وفي التنزيل [وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ] ( ).
في سياق الآيات
بعد مجيء آيتين في البيت الحرام وما فيه من الآيات البينات، والإخبار الإلهي بوجوب حجه بقيد الإستطاعة، ومجيء آيتين تتضمنان الأمر الى النبي بمخاطبة أهل الكتاب بصيغة الذم واللوم على الجحود بالآيات، والدعوة للإعراض عن الإسلام وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنتقلت هذه الآية الكريمة الى مخاطبة المسلمين بصيغة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهو عنوان تشريف وإكرام، ولكن مضامين هذه الآية لا تنفصل عن الآيات الأربعة السابقة.
أما بخصوص آيتي البيت الحرام فان الآية تحث المسلمين على التقيد بأحكام الحج، وهذا التقيد واقية دون الإنصات للذين يريدون ارتداد المسلمين، فمتى ما كان المسلم مواظباً على طاعة الله فانه في أمن وسلامة من كيد الإرتداد ومحاولات ثنيه عن الهدى والإيمان، كما يرتبط موضوع هذه الآية بالآيتين السابقتين لما فيه من أسباب الإحتراز من الذين يريدون ان يصدوا المسلمين عن دينهم، ووحدة موضوع الآيات اعجاز في سياقها من وجوه:
الأول: تساهم هذه الآية في تثبيت الفرائض، بتنبيه المسلمين الى لزوم إجتناب الإستماع الى أهل الكتاب.
الثاني: تبين الآية جانباً من فلسفة التأديب الإلهي للمسلمين فلم تكتفِ الآيات بلوم أهل الكتاب مع أنه يدل بالدلالة الإلتزامية على تحذير المسلمين من شبهاتهم وجحودهم بالآيات، بل جاءت بالخطاب الصريح الى المسلمين بأخذ الحائطة من الذين يريدون بهم السوء من أهل الكتاب.
الثالث: تبعث الآية اليأس في قلوب أهل الكتاب والكفار من إغواء المسلمين، لما فيها من وجوه التفقه في الدين ومعرفة أحوال الناس.
الرابع: تتضمن هذه الآية تقييد الإطلاق الوارد في الآيتين السابقتين بخصوص أهل الكتاب اذ انها تحذر من فريق من أهل الكتاب، كما انها بينت صفته على نحو الإجمال بانه يسعى لردة المسلمين عن أحكام الشريعة والمناسك، وفيه تحذير من التفريط بحج البيت الحرام الذي ذكرته الآيات السابقة لعمومات قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] ( ) التي تتضمن الإنذار من الكفر والجحود بالبيت الحرام.
الخامسة: تتضمن الآية في دلالتها توكيد لوم أهل الكتاب، وإخبارهم بان المسلمين بلغوا مراتب الإيمان، وتدعوهم للحاق بهم وإعلان التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً وانهم يرثون البشارات بنبوته التي جاءت في الكتب السابقة.
السادسة: جاء الخطاب الى المسلمين مباشرة من غير واسطة فلم تقل الآية “قل يا ايها الذين آمنوا” بل جاء النداء من عند الله الى المسلمين، وفيه وجوه:
الأول: إكرام المسلمين وبيان عظيم منزلتهم عند الله.
الثاني: بلوغ المسلمين مراتب من الفقاهة تساعدهم على فهم مضامين الخطاب القرآني.
الثالث: توكيد تلبسهم بصفة الإيمان، ومجيء الآية للتنبيه والتحذير.
الرابع: تثبيت النفرة من الكفر في نفوسهم.
السابعة: جاءت الآية التالية باستبعاد حصول الكفر عند المسلمين، وفيه بعث للخيبة في نفوس أهل الكتاب الذين يسعون في ارتدادهم.
الثامنة: جاءت الآية التالية ببيان المدد الإلهي في تثبيت المسلمين في مقامات الإيمان، وامتناع الإرتداد عنهم الى يوم القيامة بتلاوة الآيات، واتباع السنة النبوية، واذ حذرت الآية السابقة أهل الكتاب من صد المسلمين عن سبيل الله، جاءت هذه الآية لتحذير المسلمين من الميل او الإنعطاف عن سبيل الله، ويتحقق هذا الميل باتباع اهل الكتاب.
ولم تأتِ آيات توبيخ أهل الكتاب بعد تحذير المسلمين بل جاء تبكيت وذم أهل الكتاب بعد آيات أحكام الحج وقبل تحذير المسلمين، وفيه وجوه:
الأول: تفقه المسلمين وتنمية ملكة معرفتهم بالأمم والملل الأخرى.
الثاني: بيان وتفصيل أسباب الحذر والإحتراز.
الثالث: تعيين الجهة التي يجب ان يتجنبها المسلمون، ويحذرون منها.
الرابع: بعث البشارة والسكينة في نفوس المسلمين بأنهم أصبحوا قادرين على مواجهة التحدي والتعدي من الغير.
الخامس: بيان المسؤوليات العقائدية التي يتحملها المسلمون وهي مركبة من وجوه:
الأول: إنتهاج السبيل القويم.
الثاني: التقيد بالفرائض والعبادات.
الثالث: تعاهد الإسلام وأحكامه والجهاد في سبيل الله.
السادس: الآية عبرة وموعظة للناس، وانذار لأهل الكتاب، فمع الذم في الآيتين السابقتين جاء الأمر للمسلمين بالإحتراز والحيطة، لكي يدرك غير المسلمين انعدام أثر الإضرار بالإسلام والمسلمين.
وتبين الآية التالية موضوع ونتائج طاعة المسلم لأهل الكتاب بانها تؤدي الى الكفر اذ انها تبدأ بقوله تعالى [كَيْفَ تَكْفُرُونَ] على نحو الإستفهام الإستنكاري وبيان أنه سالبة بانتفاء الموضوع، والتعاقب الموضوعي في الآيات من اعجاز نظمها وما فيها من الدلالات العقائدية.
وهذا المعنى ظاهر في خاتمة هذه الآية، ولكن الآية التالية جاءت لأمور:
الأول: توكيد معنى الصد والغاية منه.
الثاني: بعث النفرة في نفوس المسلمين من طاعة أهل الكتاب.
الثالث: أخذ الحائطة للدين، والحذر من طاعة الكفار والمشركين من باب الأولوية القطعية.
الثالث: بيان أسباب عصمة المسلمين من الكفر.
اعجاز الآية
تعتبر مضامين الآية تعاهداً للإيمان الشخصي والنوعي، اذ انها تزجر المسلمين من اتباع عدوهم ومن يمكر بهم، كما انها تبين أضرار هذا الإتباع، ومدى الخسارة الفادحة في اتباعهم، ولا ينحصر موضوع الخسارة بالأفراد بل يشمل المسلمين لأنه ارتداد فريق منهم يؤدي الى الضعف، كما ان الخسارة الأخروية أكبر من الخسارة الدنيوية.
والآية بيان عقائدي لما يجب ان يكون عليه المسلم من الثبات على الإيمان، وتتجلى موضوعيته على نحو الخصوص في بدايات الإسلام، وان كان موضوع الآية أعم، والخطاب فيها موجه الى المسلمين في كل زمان، وبين الطاعة والإجابة عموم وخصوص مطلق، فكل طاعة هي إجابة وليس العكس، لأن الطاعة امتثال وانقياد.
فجاءت الآية بذكر الطاعة لأنها فيصل وشاهد، وفيه تخفيف عن المسلمين لتعدد المنازل بين السماع والإستماع، والإنصات والإجابة والإستجابة ثم الطاعة، وتتعدد مصاديق الإتباع لأهل الكتاب المنهي عنها لتشمل الأمور العقائدية وهي الأهم، وتشمل النعرات القبلية وإثارة الضغائن، وتقطع الآية الطريق على من يكيد بالمسلمين، وتتضمن صيغة التنبيه والتحذير في الآية مدح المسلمين لأنهم لم يطيعوا غير الله ورسوله.
وتؤكد هذه الآية حاجة الناس لها، لأنها تدعو المسلمين لتعاهد الحياة الإنسانية على الأرض بالعبادة، وصبغة الإيمان وان غير المسلمين يريد للناس العوج والضلال والهلاك وخسارة الدارين، كما انها جاءت لتدعو الناس الى الإسلام، فاذا صبر المسلمون في منازل الإيمان فان عدوهم يعيد النظر في تعديه عليهم، وقد يتدبر بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويرجع عن انكاره للبشارات التي وردت بخصوصه، فمن إعجاز الآية انها لا تحافظ على منازل الإيمان فحسب، بل تدعو أعداء الإسلام للكف عن إيذاء المسلمين وللدخول في الإسلام، واختيار السلامة والنجاة بدل الضلالة والإضلال.
ويمكن أن نسمي هذه الآية آية “يردوكم بعد إيمانكم”
الآية سلاح
لقد جعل الله عز وجل القرآن إماماً وقائداُ للمسلمين، وكل آية من آياته مدرسة في الصلاح والهدى، وجاءت هذه الآية لإرشاد المسلمين الى التصدي لمحاولات الصدود عن الإسلام.
وهذا الإرشاد على وجوه:
الأول: صيغة النداء بصفة الإيمان.
الثاني: التحذير من الإستجابة للذين يريدون ان يصدوهم عن دينهم.
الثالث: لزوم أخذ الحائطة للدين.
الرابع: بيان العداء والتعدي الذي يتلقونه من الآخرين.
الخامس: تعيين من يريد بهم سوء في باب الملة والعقيدة، وهذا التعيين ينفع في تحديد الجهة التي يجب الإحتراز منها.
السادس: حصانة المسلمين من الإنصات والإطاعة لأهل الكتاب، وبيان حقيقة وهي ان طاعة المسلمين لغيرهم من الملل تؤدي الى الضلال.
الآية لطف
تتجلى حاجة المسلمين الى القرآن بنداءات الإحتراز وهذا النداءات آية في اللطف، لم يشهدها تأريخ الإنسان منذ هبوط آدم الأرض، فهي تهدي الإنسان الى تعاهد إنتمائه للإسلام باعتباره أفضل اختيار يقدم عليه، وقد خفف الله عن الناس فجاء تلقي الإسلام وراثة وتركة كريمة وهذا التخفيف لم يمنع من اتصال اللطف الإلهي في الإحتراز بالقرآن، وهو على وجوه , وكل واحد منها رحمة ورأفة من عند الله.
ومن وجوه الحاجة الى القرآن تحذير المسلمين من طاعة الذين يريدون لهم الضلالة والغواية، ومن اللطف التعيين الإجمالي لهم، وذكرهم بصفة فريق من اهل الكتاب، وهذا التعيين لا يفيد الحصر، لوجود جهات أشد عداوة للمسلمين وهم الكفار، فكأن الآية قالت بالتفصيل في أهل الكتاب وجعلتهم على فريقين:
الأول: الذي يريد بهم سوءً، ويسعى لغوايتهم.
الثاني: فريق لم تذكره الآية، والظاهر انه لا يريد بهم سوء، لأن الحصر والتقسيم الى فريقين يدل على التباين في الصفات والفعل.
أما الكفار فانهم يرغبون بشيوع الكفر، ويكرهون ظهور الإسلام فلابد من الإعراض عنهم، وعدم إطاعتهم، وتحبب الآية الإيمان الى نفوس المسلمين، لأنها تحثهم على الحفاظ عليه، والتوقي من الشكوك والشبهات.
مفهوم الآية
تتضمن الآية في مفهومها تحذيراً لأهل الكتاب وغيرهم من الملل بلزوم اجتناب اغواء المسلمين، ويتجلى هذا المعنى بانتقال الآيات الى خطاب المسلمين، وبلغة الإكرام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ويتضمن النداء بلحاظ سياق الآيات دعوة المسلمين الى تعاهد الإيمان والمحافظة على أحكامه وسننه، وتدعو الآية الى طاعة الله ورسوله، واتباع احكام القرآن، وتبين في مفهومها سنة من سنن الإيمان، وهي إجتناب طاعة الآخرين، كما ان القرآن لم يذكر طاعة المسلمين لإخوانهم من المسلمين بل ان الطاعة جاءت في القرآن لله ورسوله.
ولم يقف القرآن عند حث المسلمين على طاعة الله ورسوله بل حذرهم من طاعة أهل الكتاب مع بيان أضرار مثل هذه الطاعة في حال وقوعها، وهي انها تؤدي بالمسلم الى الردة والضلالة.
وتدل الآية في مفهومها على ان المسلمين لم يطيعوا أهل الكتاب ولم يتبعوهم فيما يقولون او يأمرون به، وتخبر الآية عن عدم حصول طاعة المسلمين لأهل الكتاب، لأنها جاءت بلغة التحذير من فعل مثل هذه الطاعة في المستقبل.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين التوجه الى طاعته، والإعتصام بقوته وسلطانه، والنهي عن طاعة غير المسلمين يعني طاعة الله ورسوله،كما تبين الآية في مفهومها لزوم تعاهد المسلمين للإيمان، وتحذرهم ممن يريد لهم الإرتداد،ولا ينحصر التحذير بإجتناب فريق من أهل الكتاب، ممن يحاولون صد المسلمين عن الإسلام بل يشمل غيرهم سواء من أهل الكتاب او الملل الأخرى،فالآية في مفهومها مدرسة عقائدية في تعيين جهة تلقي الأحكام والعلوم، وفيها فضح للذين يمكرون بالإسلام، ويحاربون الإيمان،كماانها تحبب الإيمان الى نفوس المسلمين بالتحذير من نقيضه وضده
وفي الآية مسائل:
الأولى: الإنتقال في لغة الخطاب الى المسلمين بصفة الإيمان.
الثانية: التنبيه والتحذير في الإنصات والإستماع الى الناس.
الثالثة: تعيين الجهة التي يجب الإحتراز منها وهي فريق من أهل الكتاب.
الرابعة: تحديد موضوع الإحتراز وهو عدم الطاعة والإمتثال لما يقولون.
الخامسة: نعت الفريق الذي تحذر الآية من طاعته بانه من الذين أوتوا الكتاب، أي ان اتيان الكتاب الى الأمم السابقة لم يمنع من التحذير من طاعتهم للتمييز بين إتيان الكتاب وبين الطاعة.
السادسة: ذم الذين يحاولون رد المسلمين عن دينهم، هو مركب من وجوه:
الأول: فضح سوء القصد، ونية ارتداد المسلم.
الثاني: الأصل هو تقيد الذين أوتوا الكتاب بأحكامه، فالكتب المنزلة مطلقاً لاتدعو الا الى الإسلام، فكيف يسعى هذا الفريق لإرتداد جماعة من المسلمين.
الثالث: اتباع الكتاب يقتضي نصرة المسلمين، وليس بث روح الشك والريب في نفوسهم.
السابعة: لزوم تعاهد الإيمان وامتلاء الجوانح والأركان بالإيمان.
الثامنة: ان دخول الإسلام واتيان الفرائض لا يعني انتهاء الإفتتان الشخصي بالنسبة للمسلم، فجاءت الآية للتوقي والتحذير، والحرص على الحفاظ على الإسلام.
التاسعة: تدعو الآية الى الحذر الشديد من الكفار.
العاشرة: تحث الآية المسلمين على عدم الإلتفات الى الشبهات والشكوك التي يأتي بها أهل العناد والجحود.
افاضات الآية
لقد أبى الله الا ان يكون الإنسان على صلة به وتبدأ هذه الصلة بالإسلام فهو عنوان الإنجذاب الى المعبود، ومظهر تجلى مفاهيم الطاعة والإنقياد لأوامره سبحانه، ومع الإسلام تأتي العبادات والفرائض ووجوه القربات وأعمال البر والصلاح ونحوها من الأمور الإيجابية، والإسلام فيض وفضل من عند الله، وكذا العبادات والمناسك، وتأتي هذه الآية لتكون واسطة الفيض الإلهي وواقية لإستدامته، وبرزخاً دون وصول آفات الشك والإرتياب.
فمن الآيات ان يأتي الفيض الإلهي وتأتي أسباب حفظه وتعاهده، وما يمنع من تصدع مصاديقه، والآية شاهد بان الله اذا أعطى يعطي بالأتم والأوفى، ولا ينحصر التمام بالوفاء بذات الشيء بل يشمل مقدماته وما يكفل استدامته وبقائه، كما في هذه الآية التي تخاطب المسلمين بلغة الإكرام والإيمان مع ان الإيمان فيض ولطف منه تعالى.
وتدعو الآية لتعاهد الإيمان وإعتباره عنوان الإنجذاب الضروري الى الله تعالى، ليكون الإعراض عن الذ ين يريدون غواية المسلمين باباً لنيل الأجر والثواب، وتدل الآية على أهلية المسلم لتلقي آيات الإنذار التي تحمل في ثناياها حب الله له، وتفضله بإحاطته بهالة من الوقاية السماوية مع إعانته على تنمية ملكة التقوى، والإعراض عن لمة الشيطان، وحسد أهل البغض والعناد، وتبين الآية ان الله عز وجل لن يتخلى عن المؤمن بل يصلحه لقبول الأوامر الإلهية، ويجعل قلبه روضة ناضرة، خالية من شائبة الشك والريب، ولا تصلها رائحة الكفر الكريهة، لينعم المسلمون عامة بأنواع البهجة والفلاح في الدنيا والآخرة.

مسائل في أسباب النزول
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال مرّ شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الاسلام بعد الذى كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار فامر فتى شابا معه من يهود فقال اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكر هم يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.
وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظى أحد بني حارثة من الأوس وجبار بن صخر أحد بنى سلمة من الخزرج فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه ان شئتم والله رددناها الآن جذعة وغضب الفريقان جميعا وقالوا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة، والظاهرة الحرة فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التى كانوا عليها في الجاهلية.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الاسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً.
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم لهم فالقوا السلاح وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس وأنزل الله في شان شاس بن قيس وما صنع [قُلْ ْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ الى قوله ُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] ( ) وأنزل في أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ….إلى قوله أولئك لهم عذاب عظيم].
ولم يرد هذا التأويل عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة أو اهل البيت، والآية أعم في موضوعها وأسباب نزولها وفيها وجوه:
الأول: مضمون الآية يتعلق بالإيمان والكفر، وليس فقط العصبية القبلية.
الثاني: الأغواء والإنصات أعم من الطاعة التي ذكرتها الآية.
الثالث: طاعة فريق من أهل الكتاب تؤدي الى الكفر بعد الإيمان، وفي أسباب النزول مدرسة للاعتبار والاتعاظ ولامانع من قبولها وان جاءت مرسلة للتسامح بادلة السنن والوقائع التأريخية، ولان هذه الاسباب لم تخرج عن عمومات ومصاديق الآية الكريمة,ولأنها جزء من ثروة علوم القرآن.
إشارة الى الخصومة والمشادة او النزاع بين المسلمين، وانه مقدمة للجحود، وسبب للإعراض عن الوظائف العقائدية، كالجهاد والذي يستلزم الإتحاد والتعاون، ونصرة المسلم لأخيه المسلم، بل حتى في الصلاة فان الخصومة تضر في صلاة الجماعة وأخذ المسلمين أحكام الدين بعضهم عن بعض.
الرابع: الخطاب الوارد في الآية أعم من ان ينحصر بالأوس والخزرج ولو بلحاظ زمان التنزيل لأنه موجه الى المهاجرين والأنصار مطلقاً، ولكن جاءت هذه الواقعة للإعتبار والإتعاظ وهي أحد مواضيع الآية وأسباب نزولها وهو مقال ومصداق عملي يبين الأضرار الناجمة من الإصغاء لليهود في موضوع الخلاف القبلي، فكيف إذا كان الأمر طاعة لهم فيما يثيرونه من الشبهات والشكوك، بالاضافة الى واصرارهم على انكار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونفي وجود علامات نبوته في الكتب السماوية السابقة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال كان جماع قبائل الانصار بطنين الأوس والخزرج وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن حتى منّ الله عليهم بالإسلام وبالنبى صلى الله عليه وسلم فطفا الله الحرب التى كانت بينهم وألف بينهم بالإسلام .
فبينما رجل من الاوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان ومعهما يهودى جالس فلم يزل يذكرهما بأيامهم والعداوة التى كانت بينهم حتى إستبا، ثم اقتتلا فنادى هذا قومه وهذا قومه فخرجوا بالسلاح وصف بعضهم لبعض فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يمشى بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا، فانزل الله هذه الآية [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ].
وتبين أسباب النزول وذكر الواقعة مضامين قدسية في السيرة النبوية منها:
الأول: قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الآيات للمسلمين حال نزولها.
الثاني: معرفة الصلة بين نزول الآية القرآنية وأسباب نزولها.
الثالث: مبادرته صلى الله عليه وآله وسلم الى الحضور في الواقعة والحدث، ومنع حصول الفتنة بين المسلمين.
الرابع: لا يكتفي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإطفاء الفتنة قبل وقوعها بل يقوم بالصلح بين الأطراف المتخاصمة من المسلمين، وهذا القيام مصداق من مصاديق تفسير السنة النبوية للقرآن.
وفيه تأديب وحث لحكام وعلماء المسلمين بلزوم المبادرة الى تدارك الخصومة والخلاف بين المسلمين جماعات وأفراداً، والإصلاح بينهم وإستحضار الآية الكريمة ومضامينها.
التفسير
قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]
خطاب ونداء إلهي كريم موجه الى المسلمين جميعاً، وهو على وجوه:
الأول: الذكور من الرجال البالغين.
الثاني: النساء المسلمات.
الثالث: الصحابة الموجودون أيام التنزيل من المهاجرين والأنصار ومن يلحق بهم.
الرابع: التابعون من المسلمين الذين أسلموا او ولدوا بعد مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرفيق الأعلى ولم يدركوا أيامه الشريفة.
الخامس: الأجيال المتعاقبة من المسلمين.
السادس: أئمة وعلماء المسلمين.
السابع: عامة المسلمين.
الثامن: أولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم، ويأتيهم النداء عن طريقين:
الأول: الأمر الى الآباء والأمهات بزجر الأولاد عن الإصغاء لمن يريد إغواءهم.
الثاني: المعنى الإجمالي الذي يستطيع الأولاد ان يستقرأوه من الأمر الإلهي بعدم إطاعة أهل الكتاب.
وصحيح ان القلم مرفوع عن الصبي حتى يبلغ الا ان صيغ التعليم والإرشاد ملازمة له في حياته سواء قبل البلوغ او بعده، وقد يكون قبل البلوغ أكثر حاجة الى مضامين الآية الكريمة خصوصاً اذا كان في معرض الإفتتان والإطلاع على الشبهات ووجوه الشك التي يثيرها أعداء الإسلام، كما في هذا الزمان وحدوث الثورة المعلوماتية وسهولة الإطلاع بواسطة الفضائيات والأنترنيت على مختلف الأقوال والآراء.
وتلك الظاهرة تجعل المسلمين جميعاً بحاجة متجددة الى المضامين القدسية لهذه الآية الكريمة، وما فيها من الزجر والنهي عن الإنصات لأعداء الإسلام، لذا لا ينحصر الخطاب في الآية بالعلماء من المسلمين او المتقين منهم او المؤمنين الذين صدقوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بقلوبهم وجوانحهم، بل يشمل المسلمين جميعاً ممن نطق بالشهادتين ومنهم المنافقون، وهذا من إعجاز القرآن في خطاباته لأن النفاق ليس ملكة ثابتة عند الإنسان بل هو أمر متزلزل.
فعدم ترك المنافق الإستماع الى أهل الشك والريب مع تعرضه للإغراء والأغواء يؤدي به الى التمادي في النفاق وترديد ما يقوله هؤلاء، اما اذا جاءه التحذير والتنبيه من عند الله عز وجل فانه يدرك المقاصد السيئة وأسباب الكيد والمكر التي يقوم بها أعداء الإسلام.
ومن أسرار الخطاب القرآني [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] انه مركب من وجوه:
الأول: انحلاله وتوجهه الى كل مسلم ومسلمة.
الثاني: الإنطباق والتوجه الفعلي الى المكلفين الحاضرين.
الثالث: انه في معرض التوجه الى الذين لم يبلغوا سن البلوغ وإدراك مضامين ومواضيع الآية، وكذا الذين لم يولدوا بعد.
الرابع: قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإعادة مضامين الخطاب في سنته باعتبار انها تفسير للقرآن.
الخامس: تنبيه المسلمين بعضهم بعضاً، بضرورة إجتناب الإصغاء الى أهل الكتاب وغيرهم من أصحاب الريب والشك.
وهذا من الإعجاز الإضافي للخطاب القرآني اذ ان مفاهيم الخطاب تتكرر وتتجدد بين المسلمين خصوصاً عند ظهور موضوع الآية في الواقع العملي.
وتبين الآية موضوعية وأهمية موضوع الآية الشريفة والتحذير من أهل الريب والجحود من وجوه:
الأول: نظم الآيات ومجيء هذه الآية بعد الخطاب لأهل الكتاب بصيغة الزجر والنهي عن الكفر بالآيات، والصد عن سبيل الله.
الثاني: شمول الخطاب لكل من صدق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونطق بالشهادتين مما يدل على حاجة كل مسلم للتقيد بأحكام هذه الآية وما فيها من المنع عن طاعة أهل الكتاب.
الثالث: مضمون الآية الشامل للمسلمين كافة بالإضافة الى المساجد والمنتديات والمجالس.
الرابع: تؤكد الآية ان المسلمين أمة مستقلة بذاتها وشأنها وانها مؤهلة لتلقي الخطاب الألهي.
الخامس: يبعث الخطاب بصفة الإيمان الفزع في قلوب الكافرين والمشركين، لأنه يدل على النظام والضبط عند المسلمين وإصلاحهم للإستجابة والإمتثال للأمر الإلهي.
السادس: صيغة الخطاب عون على الإستجابة لما في الآية من الحكم، وفيها من المدح والثناء على المسلمين وبيان علو المرتبة بالإسلام.
السابع: الآية دعوة للمسلمين للتعاون في مواجهة الذين يكيدون لهم ويثيرون الشبهات، وهذا التعاون متعدد الوجوه، ولا ينحصر بجماعة او طائفة او فئة مخصوصة، بل على كل مسلم ان يحترز بذاته، ويساعد أخاه في الإحتراز.
الثامن: في الآية تحذير من الطائفية وتقسيم المسلمين الى مذاهب وجماعات وأمم لأنها جاءت بالخطاب المتحد في صفته والموجه لكل مسلم، فهي تخاطب المسلم بصفة الإيمان بالله والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وبلحاظ أسباب النزول وان الآية نزلت فيما كان يقوم به يهود المدينة من الإغراء بين الأوس والخزرج من المسلمين فان هذا الموضوع متجدد بالإغراء بين مذاهب المسلمين في حال وجودها، وهو من إعجاز الآية وشواهد بقائها حية غضة في كل زمان وقد يحدث ما هو أشد بان يقوم غير المسلمين بتسهيل تمزيق المسلمين الى مذاهب وجماعات، او تعميق وتوسعة الهوة والفوارق بينهم.
واذ جاء الإسلام بالقضاء على القبلية والضغائن فلا يجوز ان تظهر مرة اخرى العصبية وغلبة النفس الشهوية والغضبية، لذا فان الآية حجة بلزوم اتحاد المسلمين واشتراكهم في العمل لمواجهة ما يهدد كياناتهم، والمكائد التي تريد لهم الإنحراف عن سبيل الله، ويتجلى التصدي لها بالعمل بصبغة الإسلام والحرص على الأخوة الإيمانية كسلاح في التصدي والجهاد قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
قوله تعالى [إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ]
جاءت الآية بصيغة الجمع من جهات:
الأولى: جهة الخطاب، وتوجه النداء في الآية الى المسلمين كافة.
الثانية: موضوع الآية وهو التحذير الموجه للمسلمين كافة، وهذا لا يمنع من انحلال الخطاب وتوجهه الى كل مسلم.
الثالثة: الفعل المنهي عنه، وهو طاعة فريق من أهل الكتاب فقد ذكر الفعل بصيغة الجمع [تُطِيعُوا]بمعنى ان الخطاب موجه لكل المسلمين في أجيالهم المتتالية، وفيه وجوه:
الأول: توجه الخطاب الى ضعفة المسلمين دون غيرهم.
الثاني: المراد علماء المسلمين، وتحذيرهم من طاعة أهل الكتاب، لأن الناس يقتدون بالعلماء.
الثالث: المقصود عامة المسلمين دون علمائهم، لأن العلماء فقهاء في أصول وفروع الدين، ولا يمكن أغواؤهم.
الرابع: توجه الخطاب الى المسلمين جميعاً وتحذيرهم من طاعة أهل الكتاب.
الخامس: المقصود في الخطاب المنافقون دون غيرهم، وهو من خطاب العام وإرادة الخاص.
السادس: إرادة حديثي العهد بالإسلام والذين لم يملأ الإيمان قلوبهم وجوانحهم.
الثامن: تعلق الآية بأيام النزول، وحال المسلمــــــين يومئذ، ولجوء
بعضهم الى أهل الكتاب لمحاولة الأخذ والتعلم منهم بإعتبار انهم سابقون في تلقي أحكام الكتاب.
التاسع: المراد المسلمون في آخر الزمان وأوان تداخل الحضارات، وتقارب الأمم، وتلاقح الأفكار واتحاد الإعلام ووصول المتناقض منه
الى الفرد الواحد مسلماً كان او غير مسلم، كما يحصل في هذا الزمان.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق الآية اذ انها موجهة لكل المسلمين في أجيالهم المتعاقبة وأمصارهم المختلفة لأصالة الإطلاق، وإفادة النداء العموم والشمول، وعدم وجود مقيد أو مخصص، ولمناسبة التحذير للموضوع والحكم ولتوجه الأذى للإسلام كملة وعقيدة، مما يعني توجهه لكل مسلم ومسلمة.
الرابعة: الجهة التي تحذر الآية منها وهي فريق وطائفة من أهل الكتاب، وفيه مسألتان من جهة الإجمال والتبيين:
الأولى: حددت الاية الجهة التي على المسلمين ان يتجنبوا الإستجابة لها، وهي فريق من اهل الكتاب من غير تعيين وتحديد لهذا الفريق وفيه وجوه:
الأول: اليهود دون النصارى.
الثاني: النصارى من اتباع عيسى دون اليهود.
الثالث: طائفة وفرقة من اليهود.
الرابع: يهود المدينة على نحو الخصوص.
الخامس: فريق من النصارى.
السادس: طائفة من اليهود وطائفة من النصارى وهذا الوجه على أقسام:
الأول: اتحاد فعل الطائفتين في صد المسلمين عن دينهم ومحاولات ارتداد جماعة منهم.
الثاني: عمل كل طائفة على نحو مستقل.
الثالث: التعدد في عمل طائفة منهم، فكل طائفة من اليهود او النصارى تنقسم الى عدة فرق كل فرقة تعمل بصورة مستقلة عن غيرها.
السابع: اليهود مع طائفة من النصارى.
الثامن: النصارى مع فريق من اليهود.
التاسع: التباين والتعدد بحسب الزمان والمكان، فمرة تكون الجهة التي تحذر منها الآية متحدة ومرة متعددة، وهذا التعدد من الكلي المشكك الذي يكون على صور وأقسام متباينة شدة وضعفاً وكثرة وقلة، ومرة تكون فريقاً من اليهود، وأخرى من النصارى، ومرى يجتمع الفريقان معاً وتراهم يختلفون بينهم ويكفّر بعضهم بعضاً، ولكنهم يتحدون في أغواء المسلمين، وإنكار البشارات التي تضمنتها الكتب السماوية السابقة، والتي تخبر عن نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كجزء من علم الغيب، ومصداق لنزولها من عند الله، والتحريف في تلك البشارات والأخبار يضر بتلك الكتب نفسها ولا يضر بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت الآيات مصاحبة لها، والمعجزات ملازمة لشخص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
والصحيح هو الإطلاق في إنتساب الفريق المذكور في الآية الى كل من اليهود والنصارى.
الثانية: ارادة طائفة معلومة بلحاظ الشواهد القرآنية والسنة النبوية والوقائع التأريخية والصحيح هي الاولى، وان المراد مجمل بعرف بالنوايا والافعال والمقاصد المذمومة وما فيها من ارادة صد المسلمين عن دينهم.
ومن الإعجاز ان تأتي الآية بالتبعيض ونسبته الى الذين أوتوا الكتاب مطلقاً وهو اسم يراد منه اليهود والنصارى معاً باعتبار ان اليهود اتباع التوراة، والنصارى اتباع الإنجيل ويتجلى الإطلاق في التبعيض وشموله للملتين معاً في الواقع العملي والمصاديق اليومية التي يلاقي فيها المسلمون الأذى من الفريقين.
وهذا الإطلاق مناسبة لحذر المسلمين من كلا الملتين وعدم الركون لإحداهما، ومن الآيات ان الله عز وجل لم يجعل المسلمين في حيرة من أمرهم، فقد جاءت هذه الآية بما يكون عوناً لهم في تعيين المقصود من الفريق في الآية اذ ذكرت علة التحذير وموضوع الحكم وهو سعيه لإرتداد المسلمين بمعنى انه يمكن معرفة وتعيين هذا الفريق بلحاظ سلوكه وفعله وغاياته ومقاصده الخبيثة إتجاه الإسلام والمسلمين، ومن منافع الإجمال بلفظ فريق وجوه:
الأول: ارتقاء المسلمين في المعارف الإلهية.
الثاني: عدم ركونهم لغير المسلمين.
الثالث: اجتناب الحاجة لأهل الكتاب وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم “إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فان كان حقا لم تكذبوهم وان كان باطلا لم تصدقوهم( )”.
الرابع: لفظ فريق من الكلي المشكك الذي يضيق ويتسع بحسب الحال والمكان والزمان، واختيار هذا اللفظ في المقام إعجاز قرآني لمطابقته الأحوال المختلفة، ولأنه عنوان للحذر والحيطة من أهل الكتاب وباعث على الإستعداد لإزدياد أفراد هذا الفريق بلحاظ ورود لفظ “اوتوا الكتاب” فان اجتماع اللفظين يبين احتمال تواطئ فرق وطوائف من ملل أهل الكتاب واشتراكهم في محاولات اغواء وصد المسلمين عن دينهم.
الخامس: التدبر والإحتراز من كل ما يقوله أهل الكتاب وعدم قبوله الا بعد الإطمئنان من خلوه من شائبة التعدي والتحريف والإضلال.
السادس: تنبيه المسلمين الى ضرورة الأخذ من القرآن والصدور عنه.
السابع: الإجمال في ذكر الذين يضلون المسلمين من أهل الكتاب ذم لأهل الكتاب جميعاً من وجوه:
الأول: لغة التبعيض وان الفريق من أهل الكتاب.
الثاني: جاء ذكر الفريق بصفة الإنتماء لأهل الكتاب.
الثالث: جعل أهل الكتاب مجتمعين ومتفرقين يدركون تحذير الآية القرآنية منهم، فكل فريق وطائفة تظن أنها المقصودة بالتحذير بلحاظ فعلها وعملها أزاء الإسلام والمسلمين خصوصاً اشتراك الأعم الغالب منهم بتحريف البشارات.
الثامن: مناسبة الآية للأزمنة المختلفة، والأحوال المتباينة، فاذا إختلفت مصاديق الموضوع تبقى الآية على حالها من جهة المضمون والحكم وانطباقها على ذات الجهة باعتبار ان لفظ فريق سيال ويصدق على الكثير والجماعة من الناس، والشطر من الفرقة والناس الذين يجمعهم امر واحد، وقد جمعهم في المقام إتيان الكتاب وانتسابهم الى الأنبياء السابقين، فمن إعجاز الآية انها موافقة لكل الأزمنة ولا يستطيع أهل الكتاب الجدال او الإشكال فيها، ويمكن ان تؤسس قاعدة أصولية في المقام وهي ان آيات التحذير من أهل الكتاب من أمهات الكتاب ولا يمكن الجدل فيها وليس هي من المتشابهات ، فقد يكون المسلم بين جماعة وأمة من اليهود، اوبين فريق من النصارى ويدرك قيامهم بالبهت والتحريف، فتأتي هذه الآية لتحذر من فريق من أهل الكتاب وتخبره بان الذين يسعون في ايذائه في دينه هم من الذين حذرت منهم هذه الآية فيكتسب قوة ومنعة ويزداد احترازاً منهم.
ومن الشواهد على هذا المعنى مجيء الآية بصيغة التوكيد والمضارع (أن تطيعوا) مما يعني استمرار وتجدد الحال والتحذير منه على نحو التوكيد، وفيه دعوة للعناية بالأمر وعدم الغفلة عنه، كما جاءت الآية بصيغة الجمع، ومن مصاديقها تعلق التحذير بالأمور العقائدية، ومجيؤه بلحاظ الإنتساب للإيمان، فالطاعة هنا ليست شخصية بل تخص أمور الدين والدنيا من الطرفين سواء من طرف المسلمين لأن الآية تخاطبهم بصفة الإيمان، او من طرف أهل الكتاب لأن الآية حذرت من طاعتهم بصفة (أوتوا الكتاب).
وفي الآية مسائل:
الأولى: ان الكتاب لم يؤت لليهود والنصارى، بل جاء لموسى وعيسى عليهما السلام والأنبياء السابقين.
الثانية: نزول التوراة والإنجيل سابق في زمانه على أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن.
الثالثة: التحريف في التوراة والإنجيل.
الرابعة: القرآن ايضاً كتاب من عند الله، ومع هذا فان اسم اهل الكتاب جاء خاصاً بالملل السماوية السابقة.
أما الأولى فصحيح ان التوراة والإنجيل انزلا على موسى وعيسى عليهما السلام الا ان الآية جاءت بلحاظ اتباع أهل الكتاب لهما، وبارادة المعنى المجازي للإتيان والمفهوم الأعم، وتقدير الآية فريقاً من الذين أتبعوا عيسى عليه السلام والإنجيل الذي أنزل عليه.
وفي نسبة اتيان الكتاب لليهود والنصارى وجوه:
الأول: التشريف وبيان الفضل الالهي على اهل الكتاب.
الثاني: الإخبار بالمائز بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار.
الثالث: اقامة الحجة عليهم.
الرابع: تذكير اهل الكتاب بوظائفهم العقائدية.
الخامس: تحذير اضافي للمسلمين بان اتيان الكتاب لأهل ملة لا يعني التسليم بما يقولون.
السادس: بيان التباين بين المسلمين وغــــيرهم، فالمسلمون يدعون
الناس الى الصراط المستقيم، ونجاتهم في النشأتين، أما الآخرون فانهم يدعون الى الميل والإنعطاف عن سواء السبيل.
السابع: الإخبار عن حقيقة وهي ان القرآن ليس أول الكتب السماوية النازلة، كما ان الكتب السابقة لها اتباعها.
الثامن: المدار على العمل بمضامين الكتب السماوية، وليس الإتباع وحده، ومن أهم مصاديق الإتباع تعاهد التنزيل وتصديق النبوات.
التاسع: الآية حجة عملية في حصول التحريف سواء في الكتاب المنزلة أو في التطبيق والعمل، لأن الكتب السماوية لا تدعو الا الى الإسلام والإيمان بالله والنبوة، فاذا سعى فريق من أهل الكتاب في رد المؤمنين الى منازل الكفر والجحود فانهم بالضرورة مخالفون لأحكام الكتاب.
أما الثانية فان تقدم زمان نزول التوراة والإنجيل يؤكد وجوب دعوة اهل الكتاب الى الإيمان، والأصل ان يكونوا مبشرين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وموطئين للتصديق بها، وفيه تخفيف كثير من الأذى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لأنه يبعث على امة تنتظر طلعته البهية، وبعثته المباركة، فنزول التوراة والإنجيل مقدمة لنزول القرآن، ومدد إلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين متقدم زماناُ على نزول القرآن، وفيه آية إعجازية وشاهد على وجود النصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل بعثته،و تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ سبقته النصرة في التنزيل والنبوة فقوله تعالى في عيسى [مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ] يتضمن في معناه حمل البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته حين بعثته ومن مصاديق العهد والميثاق الذي أخذ على أهل الكتاب قال تعالى [ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ] ( ).
واما الثالثة فصحيح ان التحذير الذي تتضمنه الآية موجه للمسلمين على نحو الحصر والتعيين، ويتجلى هذا الحصر بلغة الخطاب فيها [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الا ان مضامين الآية أعم وهي حجة على أهل الكتاب من وجوه:
الأول: مجيء الكتاب والتنزيل لهم.
الثاني: علمهم بحال الأنبياء والكتب، ومعرفتهم الإجمالية بمعجزات النبوة، فاذا طرأ التحريف على البشارات، فان المعجزات العقلية والحسية مصاحبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: نعت أهل الكتاب بتلقي آياته، واستحقاق وصف [الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ] يستلزم تعاهد التنزيل وإجتناب التحريف والتبديل.
الرابع: ظهور المعجزات والآيات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حجة ودليل لا يقوى التحريف في أخبار الكتب السابقة على معارضتها، فالمعجزات تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلابد أن الأخبار التي عند أهل الكتاب ايام التنزيل قد طالتها يد التحريف والتبديل، فالتحريف لا يصلح أن يكون عذراً، ولا يشمل الذي يتبعه ويتلقاه حديث رفع القلم او قاعدة نفي الجهالة والغرر، بل ان المعجزات فضحت التحريف وهي حجة ولها الأولوية.
ومن الآيات والبراهين في المقام ان معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية وتمثلت بالقرآن كتاباً جامعاً للأحكام، وخالِ من التعارض او التناقض مع كثرة آياته وتعدد وجوه تأويله بما يعجز الناس عن بلوغها او احصائها.
أما الرابعة فان الله عز وجل شرف المسلمين وخاطبهم بصفة الإيمان كما في هذه الآية وهو شاهد على ان المسلمين ملتزمون بأحكام التنزيل والكتاب، وخص اليهود والنصارى بانهم أهل كتاب للتمييز بينهم وبين المشركين، ولتذكيرهم بوظائفهم أزاء الإسلام، ولتحذير المسلمين منهم واخبارهم بان الإنتساب للكتاب المنزل وحده لا يكفي للوثوق.
كما سماهم الله عز وجل المسلمين وهو عنوان الإنقياد والإمتثال لأوامره تعالى، فنسبة وصفة الإسلام اعلى رتبة وأرفع درجة من صفة أهل الكتاب، والا فهم ايضاً أهل كتاب ولكن الله عز وجل شرفهم بما هو اسمى، ووصفهم بانهم مسلمون للإخبار عن كونهم خلفاء الارض والقائمون على أمور الدين، والمتعاهدون لكلمة التوحيد، والعبادة في الارض، ولو لم يبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وينزل عليه القرآن لما بقي الإيمان في الأرض لأن شطراً من اهل الكتاب يسعون في أغواء المسلمين، ويحاولون ارجاعهم كفاراً.
ترى ما هو حال هذا الفريق من أهل الكتاب مع غير المسلمين، فيه وجوه:
الأول: فعلهم مع الفريق او الفرق الأخرى من اهل الكتاب.
الثاني: صلتهم مع المشركين والكفار.
الثالث: تصرفهم أزاء من ينوي دخول الإسلام.
أما بالنسبة للأول فانهم يطلبون من إخوانهم المساهمة في اغواء المسلمين وتوكيد نفي البشارات بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يوجهون اللوم الى من يخبر عن موافقتها لصفات النبي، ويحرضونهم على العزوف عن الإسلام والإعراض عن الآيات، ويعادون من يبادر منهم الى دخول الإسلام، وهذا العداء من الغايات المذمومة لرد المسلمين عن دينهم .
فقد ساءهم قيام جماعات من أخوانهم من أهل الكتاب بدخول الإسلام، وهذا الدخول فضح للتحريف وتبديل البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحجة على أهل الكتاب جميعاً، فتصدى فريق منهم لمعاداة الإسلام، وخصوصاً وان جماعة من علمائهم أعلنوا اسلامهم واتباعهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ابن سلام، ولو تنزلنا وفرضنا انه لم يسلم أحد من اهل الكتاب فهل يكفّوا عن عدائهم للإسلام ومحاولات إرتداد المسلمين، الجواب لا، فقد أغاضتهم دعوة الحق والهدى وأصروا على العناد والباطل، فجاءت الآية لتحذير المسلمين من عداوتهم مع بيان مضامين ومقاصد هذه العداوة وهي أشد من القتل والبطش وتلك حجة أخرى على أهل الكتاب، لأن في محاربتهم لمعاني ومضامين التوحيد في الأرض لمنع لاقامة شعائر الله، وصد للناس عن وظائفهم بعبادة الله وفق سنن الشريعة الناسخة.
وأما بالنسبة للثاني فهو على وجوه:
الأول: لم يحارب اهل الكتاب الكفار والمشركين، وكانوا ولا زالوا على حال حسنة معهم، فصلات اليهود مع الأوس والخزرج في المدينة حسنة الى حين مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإسلام اهل المدينة فأظهروا لهم العداوة، وأمتنعوا عن بيعهم بالسلف الا ان يكفروا بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: إخبار الكفار والمشركين بعدم مطابقة البشارات التي عندهم لشخص وأوصاف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: صد الكفار عن دخول الإسلام، ومنعهم من التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فاذا كان أهل الكتاب يسعون في أغواء المسلمين وحملهم على هجران الإيمان، فمن باب الأولوية انهم يتصدون للكفار ويمنعونهم من دخول الإسلام.
الرابع: إشغالهم بالشبهات والشكوك التي يرمون بها نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: تحريضهم على محاربة الإسلام، والإجهاز على المسلمين.
السادس: مد الكفار بالسلاح والمؤون لإعانتهم على مقاتلة المسلمين، وفيه شواهد عديدة أيام التنزيل.
وأما الثالث فانهم يتوجهون الى الذي ينوي دخول الاسلام من جهات متعددة لمنعه من الدخول في الإسلام واتباع النية بالفعل، ويسعون
في عزوفه عن نيته وعزمه من وجوه:
الأول: إخباره بنفي وجود بشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل، او انها لا تنطبق عليه.
الثاني: إثارة الشبهات حول الإسلام.
الثالث: التشكيك بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: ذكر الوقائع والأخبار التأريخية التي تبعث في نفسه الريب، وتجعله يتأنى في قراره بدخول الإسلام، كما لو إدعوا بان أيام الإسلام ليست طويلة، او ان الفتن ستنشب بين المسلمين.
الخامس: اغراؤه بالمال والجاه إذا امتنع عن دخول الإسلام.
السادس: بعث الخوف في نفسه من دخول الإسلام وهو على وجوه:
الأول: اخباره بان الإسلام يقول بالجهاد والقتال وحب القتل والتضحية.
الثاني: تخويفه من الفقر والفاقة عند دخول الإسلام ومحاولة تصوير ملازمتهما للإنتماء اليه، مع ذكر بعض الشواهد من حياة الصحابة خصوصاً المهاجرين وما حل بهم من أسباب الحاجة.
الثالث: تهديد بالتضييق المالي والتجاري عليه كل بحسبه، فمن يحتاج الغرض لا يعطى له، ومن يتم التعامل معه في التجارة والبيع والشراء يقاطع في المعاملة.
الرابع: بيان المشقة والعناء في التكاليف في الإسلام، اذ انه يأمر بالصلاة والصيام وحج البيت ودفع الزكاة من خالص المال.
الخامس: التزيين والتحسين لما يحرمه الإسلام كشرب الخمر والزنا.ومخاطبة النفس الشهوية عند الإتيان بما يجعله يميل الى الموبقات ويحرص على عدم مغادرتها.
السادس: تصوير بغض القبيلة، وتخلي أفرادها عن إعانته ونصرته.
وهذا التخويف لا ينحصر بفريق من أهل الكتاب بل يشمل الملأ من الكفار وأهل الضلالة.
السابع: حثه على البقاء على دين آبائه، وعدم الصبا والإنخراط في الدين الجديد، وما قد يحمله من المجهول والعواقب غير المعروفة.
الثامن: إثارة العصبية الجاهلية وبعث الحمية في نفسه لمحاولة جعله يصر على البقاء على الكفر، ويتجنب التخلي عما إعتاده من العادات والأخلاق والآداب، ويكره مغادرة أهله وأصحابه ولو في العقيدة والإنتماء الديني وحده.
التاسع: الإفتراء على الإسلام ومناسكه كما في جدالهم في حين نزلت الآيات بتوجه النبي والمسلمين شطر المسجد الحرام في الصلاة.
الثانية: وردت الآية بلفظ الطاعة (أن تطيعوا) وبين الطاعة والإستجابة عموم وخصوص مطلق فكل طاعة إستجابة وليس العكس، مما يدل على ان الآية تحذير مراتب الإنقياد ولأهل الكتاب، وهذا المعنى يتجلى من علة النهي عن طاعتهم، وهي المنع من الإرتداد بعد الإيمان.
وجاءت الآيات بالحث على الإستجابة لله تعالى وطاعته وطاعة رسوله، ومن يطع الله عز وجل فانه يتبع الصراط المستقيم، ويفوز في الدارين، ولا تجتمع طاعة الله مع طاعة الذين يكفرون بالآيات، ويكذبون بالنبوة وما يلازمها من المعجزات، فكأن الآية تبين انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وان طاعة أهل الكتاب لا تكون في حال عدم طاعة الله، وكل مسلم هو مطيع لله تعالى ولرسوله، فاذن ليس من طاعة لأهل الكتاب.
وجاءت هذه الآية كوثيقة سماوية تفيد إنعدام مثل هذه الطاعة وتدعو المسلمين الى مواصلة إجتناب طاعة اهل الكتاب والإنصات لهم، كما تبين الكيد الذي يحاك ضد الإسلام والمسلمين، اذ ان كل مكر أزاء مسلم وسعي في إرتداده انما هو تعدِ على الإسلام، ومحاولة لإضعافه، وصد للمسلمين عن مواصلة الجهاد.
أي ان أغواء أحدهم يضر بهم كأمة وأفراد وبالإسلام كملة وعقيدة، لذا جاءت هذه الآية لتبعث الخوف في نفوس أهل الكتاب وتحذرهم من التعدي على الإسلام، وتبين لهم ان المكر بأحد المسلمين عدوان على الإسلام، وجاءت الآية بصيغة الجمع، وقد تقدم ذكر تسعة وجوه في بيان جهة الخطاب في الآية من غير تعارض بينهما، والأصل هو الإطلاق وشمول المسلمين جميعاً فيه.
فلم تقل الآية “يا علماء المسلمين” ومثل هذا النداء معدوم في القرآن، فجاءت الآية بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الشامل لكل المسلمين مع تباين مراتبهم ومنازلهم، ترى ما هي ماهية وكيفية الطاعة التي تحذر منها الآية، فيها وجوه:
الأول: طاعتهم في إثارتهم للعصبية والحمية، وأسباب الفرقة بين المسلمين، ومنها النعرات المذهبية.
الثاني: تصديق أهل الكتاب في إنكارهم للبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: إتباعهم في ملتهم ودينهم، والإنتقال الى اليهودية او النصرانية.
الرابع: الإنصات لهم في ترك العبادات والفرائض.
الخامس: تصديقهم في إنكارهم وجحودهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: إطاعة أهل الكتاب في عدم الجهاد في سبيل الله.
السابع: محاكاتهم فيما يأتون به من الأفعال، وما يصدرونه من الأوامر والخطابات التي تتضمن الكراهية والعداء للإسلام.
وتبين الآية اموراً:
الأول: إجتناب الإمتثال لأهل الكتاب مطلقاً بخصوص الملة والدين والنهي عن الإستجابة لهم.
الثاني: دفع وهم وظن بان أهل الكتاب لا يفعلون الا ما يأمرهم به الكتاب، فهذه الآية تبين الأضرار في طاعتهم، مما يعني انهم لا يأمرون المسلمين بما يوافق ما عندهم من الكتاب.
الثالث: توكيد وجوب طاعة الله ورسوله وعدم الإلتفات الى الناس وما في ايديهم وان كانوا اتباع كتاب سماوي وما خلا طاعة الله باطل.
الرابع: جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة الى الله عز وجل، والصدور عن القرآن كتاباً سماوياً جامعاً للأحكام، والعمل بأحكام الشريعة الإسلامية وهي ناسخة للشرائع، فلا يجوز العمل بالمنسوخ الذي يتحقق بالعمل بالشريعة المنسوخة، لذا جاء التحذير من طاعة أهل الكتاب.
الخامس: تقتضي الوظيفة الشرعية لأهل الكتاب التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فترك هذه الوظيفة يستلزم عدم إطاعتهم.
وترك طاعتهم دعوة لهم لطاعة الله ورسوله فاذا كان المسلم يطيع أهل الكتاب فانهم يصرون على البقاء في منازلهم فتكون الخسارة للإسلام مركبة بإقدام المسلم على طاعتهم بل عليه دعوتهم الى طاعة الله ورسوله بالثبات في منازل الإيمان، والتقيد بأحكام الفرائض، وهذه الدعوة متعددة وعلى وجوه منها:
الأول: إظهار الإيمان بالله ورسوله.
الثاني: التقيد بأحكام الفرائض والعبادات، وما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج، وجاء وجوبه على الناس قبل ثلاث آيات.
الثالث: عدم التصديق بما يقوله أهل الكتاب بخصوص انكارهم البشارات بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الواقع يصدق نبوته ويحصر بشارات التنزيل به، فلا عبرة بالتحريف والتبديل.
الرابع: الإنشغال بطاعة الله عز وجل، والصدور عن القرآن والسنة النبوية.
علم المناسبة
جاءت الآيات القرآنية بالحث على طاعة الله، وتوكيد حقيقة في الإرادة التكوينية وهي ان طاعة الله واجب على كل مكلف وان المسلمين ينفردون في كل زمان بالإمتثال لهذا الواجب للحياة الدنيوية، ويأتي الأمر بطاعته في القرآن على وجوه:
الأول: أمر الله تعالى الى الأنبياء بأن يأمروا الناس بطاعته، وقد ورد الأمر بطاعة الله ورسوله، لتوكيد موضوعية إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
الثاني: إقتران طاعة الله بخشيته والتقوى منه.
الثالث: مجيء الأمر بطاعته مباشرة الى الناس جميعاً.
الرابع: الأمر الإلهي الى المسلمين خاصة بطاعته قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ]( ).
الخامس: بلحاظ إقتران طاعة الرسول بطاعة الله، جاء القرآن بوجوه هي:
الأول: طاعة الرسول مع طاعته تعالى، كما في قوله تعالى [ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ]( )، فمع الأمر بطاعة الله تأتي طاعة الرسول.
الثاني: أداء الفرائض وطاعة الرسول على نحو الخصوص كما في قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ]( )، فجاء الأمر بإقامة الصلاة وإتيان الزكاة عنواناً لطاعة الله.
الثالث: دعوة الأنبياء لطاعتهم بإعتبار انها طاعة لله، وفي التنزيل [َإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي]( ).
فقدم النبي الإقرار بالربوبية ودعا الناس للتسليم بها ثم أمرهم بطاعته فيما جاء به من عند الله.
الرابع: أمر الأنبياء بتقوى الله وإطاعتهم، مع تقديم الإخبار بانهم رسل الله،كما جاء على لسان هود في التنزيل [ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ]( ).
الخامس: تحذير الأنبياء والرسل للناس من طاعة أهل الإسراف والضلالة، وفي التنزيل [ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ]( ).
وما من نبي الا وأمر قومه بطاعة الله عز وجل ويدل هذا الأمر في مفهومه على إجتناب طاعة الكافرين والجاحدين، ولما بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتلي المسلمون بمسألة جديدة وهي وجود أهل كتاب وأتباع تنزيل يريدون ان يصدوهم عن دينهم، وقد تعرض النصارى أحياناً لمثل هذا الأمر فالأولى بهم ان يعتبروا وان يبادروا الى نصرة المسلمين وإعانتهم في طاعة الله، فجاءت هذه الآية لتحذر من طاعة الذين يريدون لهم الضلالة بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان.
وذكرت الآية فريقاً من أهل الكتاب، ولم تذكر الفريق الآخر من أهل الكتاب، وفيه وجوه:
الأول: ان طاعة الفريق الآخر غير منهي عنها ولا تضر المسلم في دينه.
الثاني: لا يأمر الفريق الآخر بالكفر بعد الإيمان.
الثالث: يتصف هذا الفريق بانه يصدق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: لا يتقيد فريق من أهل الكتاب بأمور الدين والتعصب لملتهم.
الخامس: الفريق الآخر من أهل الكتاب لا يدعو المسلمين الى الكفر، الا انه لا تجب طاعته ايضاً.
والصحيح هو الخامس اذ ان الأوامر الإلهية تحصر الطاعة في أمور الدين والملة بالله تعالى ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي أرسله للناس لتبليغهم الأحكام، فلا تجوز طاعة غير الله، ولكن الآية تبين ان شطراً من أهل الكتاب لا يعملون على صد المسلمين عن دينهم، وفي تصرفهم أزاء الإسلام وجوه:
الأول: يحثون المسلمين على البقاء على دينهم لأنهم يرون الآيات والمعجزات، وان قصّروا عن دخول الإسلام لأسباب خاصة.
الثاني: يؤكدون صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارات التي جاءت به في التوراة والإنجيل ومنهم من يهم بدخول الإسلام.
الثالث: لا يصدقون بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنهم يمتنعون عن إيذاء المسلمين.
الرابع: يؤذون المسلمين بدرجة لا تضر في بقاء المسلمين على ملتهم ودينهم.
الخامس: يثيرون أسباب الجدال والخصومة ولكنهم لا يدعون المسلمين الى طاعتهم ولا يلحون في إيذاء المسلمين.
السادس: منهم أمم بعيدة عن المسلمين، ومنشغله عنهم.
السابع: هناك فريق من أهل الكتاب يتجنبون الخلاف والشقاق مع المسلمين.
وتعدد الوجوه هذا مدرسة فقهية وعقائدية للمسلمين، وبيان للزوم الجهاد في سبيل الله، والحرص على تعاهد الإسلام، والجمع بين الفريقين في فعلهم المتباين أزاء الإسلام دعوة للتمييز بين أفراد وجماعات أهل الكتاب، وعدم شمولهم بحكم واحد، مع لزوم اخذ الحذر والحيطة منهم، ويستقرأ هذا اللزوم من لغة الإجمال في الآية، وذكرها لفريق من أهل الكتاب من غير تعيين.
وقسمت الآية أهل الكتاب الى فريقين او أكثر، ويظهر هذا التقسيم بذكر الفريق الذي يؤذي المسلمين ويجب إجتناب طاعته وتصديق ما يقوله، وفيه مسائل:
الأولى: التقسيم عنوان الفرقة والإنقسام.
الثانية: تحث الآية المسلمين للتوجه الى أهل الكتاب ودعوتهم الى الإسلام.
الثالثة: تدعو الآية المسلمين الى معرفة أحوال أهل الكتاب وفعل اليهود والنصارى أزاء الإسلام وأخذ الحائطة منهم بلحاظ ماهية الفعل والغاية لكل فرقة منهم.
الرابعة: لا ينحصر التقسيم بحسب الملة والإنتماء الى اليهودية أو النصرانية، بل يحصل في أهل الملة الواحدة منهم، فقد تكون فرق بعض الملل منقسمة بخصوص العمل ازاء الإسلام والمسلمين، وصدور الإيذاء والتعدي على الإسلام ولو حصل رد من المسلمين على فريق من أهل الكتاب ممن يؤذون المسلمين فهل يسكت الفريق الآخر ام أنه يهب لنصرة المسلمين او نصرة الفريق الآخر من أهل الكتاب، والمعروف وجود خلاف بين أهل الكتاب أنفسهم، الا ان هذا الخلاف لا يمنع من إتحادهم في مواجهة الإسلام، ولكن مضامين الآية الكريمة لم تتصدَ لهذا الموضوع بل جاءت بتحذير المسلمين من طاعة فريق من أهل الكتاب لكي لا يردوهم عن الإسلام، ولو أطاع أهل الكتاب المسلمين فهل يردوهم عن دينهم، الجواب الأصل هو طاعة الناس جميعاً لله تعالى، وطاعة أهل الكتاب للمسلمين تقودهم للإيمان والهدى والنجاة في النشأتين.
والنهي عن طاعة أهل الكتاب يحتمل بلحاظ سعته وضيقه وجوهاً:
الأول: انه خاص بأمور الدين والملة.
الثاني: يشمل أمور الدنيا والصداقات والصلات السببية.
الثالث: خصوص التجارات والمعاملات اليومية والبيع والشراء وتلقي النصائح والإرشاد، فاذا كانت سلعة عند الكتابي وطلب سعراً لبيعها فعلى المسلم ان لا يطيعه ويستجيب له في ذات السعر، أو موضوع الشراء اصلاً.
الرابع: في الحكم والقضاء والفصل في الأمور.
الخامس: في التعليم والتدريس.
والصحيح هو الأول وهو القدر المتيقن من الآية ولصحة التجارات والمعاملات مع الكتابي وأدلة عمومات “تجارة عن تراضِ”، نعم يشمل النهي ما يتعلق بأمور الدين وان كان في المعاملات او في القضاء او في التعليم والتدريس فلا ينحصر الزجر بالفعل الذي يتضمن بذاته الصد عن الدين، بل يشمل ما يكون مقدمة وسبباً للإرتداد او ان القصد منه الإرتداد والنكوص عن الإسلام.
وإذ تنهى الآية عن طاعة فريق من أهل الكتاب فانها لا تترك المسلم وشأنه بل تدعوه الى طاعة الله ورسوله كما يتجلى في بداية الآية وصيغة النداء فيها اذ أنها تخاطب المسلمين بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وتذكرهم بالإيمان وتحثهم على تعاهده، وتبين لهم أنه شرف ومنزلة رفيعة يجب على الإنسان أن يتعاهدها ويحافظ عليها، وجاء الأمر بتعاهدها من عند الله لكي نشكره سبحانه على نعمة الثبات على الإيمان، وعدم حصول الإرتداد المتحد والمتعدد، فمن الآيات ان الآية جاءت بصيغة الجمع الا انها تحفظ لكل مسلم إيمانه، وتدعو الأمة للعمل على اجتناب الإرتداد الشخصي، وتجعل الفرد الواحد من المسلمين يتسلح بمضامينها للإمتناع عن الإرتداد.
قانون وجوب طاعة الله
لقد خلق الله الإنسان لعبادته والإمتثال لأوامره، فما من زمان الا وفيه تكاليف وأوامر إلهية للإنسان لكي يظهر إقراره بربوبيته تعالى، ويعلن خضوعه وخشوعه له على اللسان والجوارح، وتتباين صيغ وكيفيات العبادة بحسب الزمان الى ان تكاملت ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاستحق اتباعه وصف المسلمين وما فيه من المدح والرضا الإلهي، ولا يمنع هذا التباين من الإتحاد بين الأزمنة المتعاقبة في سنخية العبادة من الصلاة والزكاة والحج، والصيام الذي ورد وجوبه في قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ]( ).
وعبودية الإنسان لله عز وجل تحتمل وجوهاً:
الأول: اتيان العبد العبادة بكيفية يختارها بنفسه.
الثاني: أداء العبادات على نحو متباين كثرة وقلة، وشدة وضعفاً بحسب الشأن والحال، فمن كان غنياً تكون عبادته غير عبادة الفقير، بإعتبار ان الغنى يستلزم شكراً متجدداً لله تعالى ولابد ان تكون العبادة مناسبة له، وكذا بالنسبة للشاب فان عبادته أشد وأكثر من عبادة الشيخ، وعبادة الرجل أشد من عبادة المرأة بلحاظ الخلقة والقدرة على التحمل.
الثالث: الإتحاد والتساوي في العبادات بالنسبة للمكلفين.
الرابع: تعيين كيفية العبادات من عند الله عز وجل.
والصحيح هو الثالث، فان الله عز وجل تفضل على الناس وحدد لهم وجوه العبادة، وكيفية كل وجه منها على نحو يمنع من الترديد والإفراط والتفريط، ليرى سبحانه امتثال العبد وحسن طاعته، ويمنع التشديد على النفس، ولابد من صلة بين الله وعباده لبيان وجوه العبادة وهي على طريقين:
الأول: بعثة الأنبياء مبشرين ومنذرين، ومبلغين لأحكام العبادات، ومن الآيات انهم القادة في أداء العبادات والمناسك، لم يتخلفوا عن فرد من أفرادها، وتتجلى افضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأنبياء في هذا الباب من وجوه:
الأول: حرصه على أداء العبادات في أوقاتها وعلى نحو التمام.
الثاني: بيانه المتصل لكيفية وتفاصيل العبادات للصحابة والمسلمين عامة.
الثالث: إتباع المسلمين له في ضبط العبادات وأحكامها.
الرابع: تعدد وجوه العبادة التي يؤديها هو والمسلمون، لتشمل العبادات البدنية والمالية، والبدنية المالية.
الثاني: نزول الكتب السماوية وفيه وجوه:
الاول: دعوتها للتوحيد والاقرار بالربوبية لله تعالى .
الثاني: الكتب السماوية عنوان الصلة بين السماء والأرض وباب لهداية الناس.
الثالث: نزول الكتاب بأحكام الفرائض والعبادات.
الرابع: مجئ الكتب السماوية السابقة بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدعوة لنصرته، ودخول الإسلام .
الخامس: تضمن الكتب السماوية مطلقاً البشارة والوعد بالجنة للمؤمنين، والانذار والوعيد للكافرين والجاحدين.
السادس: نزول القرآن معجزة عقلية دائمة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهداً سماوياً عليها.
ومضامين قانون الطاعة ملازمة للإنسان في وجوده في الأرض من وجوه:
الأول: علة خلق الإنسان هي عبادته لله تعالى.
الثاني: مصاحبة النبوة للإنسان منذ هبوط آدم الأرض وبقاء أحكامها في الأرض، والأنبياء قادة الأمم في العبادة والمناسك.
الثالث: نزول الكتب السماوية، وتضمنها العبادات وأحكامها.
الرابع: جعل العقل عند الإنسان رسولاً باطنياً يدعو كل يوم الى العبادة والنسك.
الخامس: دلالة الآيات الكونية على وجوب طاعة الله والخشوع له.
السادس: ماهية الإنسان وكونه ممكناً محتاجاً، وإدراك الحاجة الى العبادة والخضوع لله عز وجل، وتعتبر طاعة الإنسان لله عز وجل عنوان كمال وتشريف للإنسان ذاته، وهو سر من أسرار توليه الخلافة في الأرض، فخلافة الله عز وجل تختلف عن غيرها، اذ انها تعني تعاهد العبادة والخضوع والطاعة لله تعالى، لذا جاءت هذه الآية لمنع المسلم من طاعة غير الله، وتحذيره من التفريط بها باعتبارها أعظم نعمة ينالها الإنسان، ويبتنى عليها أصل الخلق وإستدامة الحياة.
بحث بلاغي
من وجوه الإطناب “التعليل” ببيان علة الحكم أو سبب المدح والثناء او الإنذار والتوبيخ، ومن منافعه التقرير والإمضاء، وجعل النفوس تشتاق للفعل الحسن، وتنفر من الفعل القبيح، وفي التعليل توكيد لمضامين القرآن وهو عون للناس على قبول أحكامه وأوامره ونواهيه، فالتعليل في القرآن لطف إضافي عام بالناس، فقد يدرك الإنسان لزوم التقيد بالواجب لحسنه الذاتي، وإجتناب الحرام لقبحه الذاتي، ومع هذا يأتي التعليل لزيادة الإدراك، والإعانة على الإمتثال، وقد لا يدرك آخر منافع الواجب المتعددة او جانباً منها، واضرار الحرام او شطر من افراده، فيأتي التعليل لإعانته على معرفتها، ويأخذ بيده نحو الإمتثال الأتم والأحسن.
وحروف التعليل عديدة منها ان، واللام، وكي، ولعل، وقد تكون مادة التعليل اسماً او بياناً للغاية من الفعل او الترك.
وجاء التعليل في هذه الآية بالحرف (إن) بقوله تعالى “إن تطيعوا” ومن الآيات ان الآية القرآنية تبدأ به أي بحرف التعليل مما يدل على موضوعيته، وفيه تنبيه وتحذير للمسلمين من موضوعه وهو لطف ورأفة بهم وبأهل الكتاب والناس جميعاً، اما الأول أي اللطف بالمسلمين ففي التعليل نفع لهم من وجوه:
الأول: بيان أسباب الفعل او عدمه والآثار التي تترتب على كل منهم، سواء في المنطوق او المفهوم، اذ تبين الأضرار الفادحة في طاعتهم لأهل الكتاب.
الثاني: الإرتقاء في المعارف الإلهية ومعرفة العلل والأسباب للفعل.
الثالث: الإحاطة بالمسائل الإبتلائية في باب الملة والعقيدة، وانتفاء الجهالة والغرر.
الرابع: أخذ الحائطة للدين، ومعرفة كيفية التصرف ازاء الملل الأخرى، فجاء التحذير في الآية من أهل الكتاب، بما يجعل المسلم في حال من اليقظة والإنتباه.
الخامس: التعليل مدد سماوي للثبات على الإيمان.
وأما الثاني أي اللطف بأهل الكتاب فهو على وجوه:
الأول: دعوتهم للكف عن إيذاء المسلمين.
الثاني: توكيد الإعجاز القرآني ببيان منافع طاعة المسلم لله، ومنع طاعته لهم .
الثالث: منعهم من المكر والكيد، وهذا المنع باب للتدبر في آيات القرآن.
الرابع: التخفيف عنهم، بتحذير المسلمين منهم، وهذا التخفيف متعدد الجوانب وهو باب لعدم زيادة الآثام، والتمادي في التصدي لأهل الإيمان.
الخامس: دعوتهم الى الإسلام.
أما الثالث وهو اللطف والرأفة بالناس فهو على وجوه:
الأول: بيان العناية الإلهية بالمسلمين وفيه ترغيب بالإسلام.
الثاني: الزجر عن محاكاة أهل الكتاب في صد المسلمين عن دينهم.
الثالث: اخبارهم بمصداق من إعجاز القرآن، وموضوع لإصلاح الأمم والمجتمعات.

قوله تعالى [يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ]
ذكرت الآية نتيجة طاعة المسلمين لفريق من أهل الكتاب، ليتبين الضرر الفادح من طاعة المسلمين لأهل الكتاب، وفي هذا الضرر وجوه:
الأول: وقوع الضرر الشخصي على المسلم الذي يطيع أهل الكتاب.
الثاني: الإضرار بالملة والدين.
الثالث: الضرر العام بالمسلمين.
الرابع: لحوق الضرر بالناس جميعاً.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها صحيحة اذ ان ردة المسلم في حال حصولها لا تؤدي الى الإضرار بشخصه وبالمسلمين والشريعة وبالناس جميعاً، ومنهم أهل الكتاب أنفسهم، لأن الحياة الإنسانية مستديمة في الأرض بدوام كلمة التوحيد، التي يرفع لواءها المسلمون، فان قلت ان ردة شخص واحد لا تضر بالوجود العام للإسلام والمسلمين، قلت: هذا صحيح، ولايحصي عدد من يدخل الإسلام، ومن يولد من ذراري المسلمين الا الله تعالى، ولكن الردة الشخصية طعنة عقائدية يجب ان يتجنبها المسلمون عامة، وكل مسلم بصورة خاصة، لذا جاءت الأحكام الشرعية بحرمة الإرتداد، ووقوع أشد العقوبة على المرتد، مع قبول إنابته ورجوعه الى الإسلام وعدم غلق باب التوبة في وجهه، نعم المراد من الكفر في الآية أعم من الإرتداد إذ يشمل قلة الشكر، والتعقيد في أداء العبادات، والقعود عن الجهاد، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجوبهما.
وتحتمل الآية بلحاظ الإتحاد والتعدد وجوهاً:
الأول: إرادة القضية الشخصية، وحصول إرتداد الفرد الواحد من المسلمين، لو أطاع أهل الكتاب.
الثاني: التعدد المحصور بحصول إرتداد جماعة من المسلمين كالأسرة الواحدة.
الثالث: إرادة المنافقين والضلال الذين يشملهم خطاب [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الرابع: ارتداد جماعة مخصوصة أو أفراد قبيلة حديثة عهد بالإسلام، وحداثة العهد بالإسلام تستقرأ من قوله تعالى [بَعْدَ إِيمَانِكُمْ] وظاهره ان الآية لا تشمل من ولد بالفطرة على الإسلام، وان الإرتداد ممتنع عليهم، ويحمل معنى (بعد) على عدم وجود فترة وتعاقب أجيال على الإسلام وتوارثه، ولكن هذا لا يمنع من إطلاق التحذير في الاية الكريمة، ولا يتصور حدوث الردة العامة أبداً من وجوه:
الأول: نداء المسلمين بصفة الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثاني: ثبوت الإيمان في صدورهم بقوله تعالى [بَعْدَ إِيمَانِكُمْ]، والإيمان هنا أعلى رتبة من لفظ [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] فان قلت كيف يدخل المنافقون في نداء الآية مع ان الإيمان لم يدخل في صدورهم، وهم يظهرون الإيمان ويخفون ضده، الجواب من وجوه:
الأول: إرادة الإيمان العام للمسلمين فقوله تعالى [بَعْدَ إِيمَانِكُمْ] أي بعد التصديق النوعي العام للمسلمين بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن.
الثاني: إرادة المعنى الأعم في الإيمان وهو النطق بالشهادتين، واتيان الفرائض والعبادات.
الثالث: حصول مسمى الإيمان، وصرف الطبيعة من التصديق بمعجزات ونبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: حصول الإيمان الظاهري عند كل مسلم ينطق بالشهادتين، فلو أرتد منافق لا يقال انه ليس بمؤمن وانه مسلم لم يدخل الإيمان في قلبه وجوانحه، بل ان الناس يعلمون بخروجه بالإرتداد من الإسلام والإقرار بالنبوة ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فجاءت الآية بصفة الإطلاق.
الخامس: تبعث الآية الإيمان في نفس كل مسلم وان كان منافقاً، وتذكره بوظائفه العقائدية، وان المسلمين شرع سواء في وجوب تعاهد البقاء على الإسلام، والإحتراز من أهل الكتاب وعدم طاعتهم، وهذا ومن اعجاز القرآن ان يأتي الأغواء من اعداء الإسلام لنفر من المسلمين ضعيفي الإيمان، فتأتي الآية القرآنية لتجعلهم يرتقون في سلم الهداية وينتقلون الى مراتب الإيمان.
وتجعل الآية النفوس تنفر من الإرتداد وموضوعه من وجوه:
الأول: ورود الآية بلفظ (يردوكم) والرد هنا رجوع ونكوص بعد الإرتقاء.
الثاني: حب الثبات على الإيمان.
الثالث: تذوق حلاوة الإيمان لأنه يبتنى على التصديق بالحق والصدق.
الرابع: الإرتداد رجوع الى الجحود والكفر والتكذيب بالآيات العقلية والحسية، وهو أمر مبغوض ذاتاً وعرضاً.
الخامس: ارتكاز الإرتداد الى إغواء وشبهات لا أصل لها وهو أمر منافِ لحكم الشرع والعقل.
بحث بلاغي
من وجوه الإطناب (البديع) وهو الإتيان بعدة أصناف من البديع في الكلام الواحد، والقرآن كله من البديع سواء باللفظ او الدلالة او المعنى، وفي هذه الآية ضروب متعددة من البديع، اذ انها تبدأ بالمدح والثناء الذي يدل على رجاء صدور الحسن من المخاطب، فالنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] حث على إظهار مصاديق الإيمان في السلوك والفعل والمقاصد، ومن الآيات ان الإنتقال من الكفر الى الإيمان امر حسن ذاتاً وهو واجب، اما الإنتقال من الإيمان الى الكفر فهو ممتنع ومحرم.
ثم جاء الشرط، وإظهار الملازمة بين طاعة أهل الكتاب وبين الإرتداد عن الإيمان، ويدل الشرط في مفهومه على ان عدم طاعة اهل الكتاب سبب لتعاهد الإيمان، وحفظ معالم الدين، واثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فأسباب الإرتداد لا تنحصر بطاعة أهل الكتاب، فقد يرد بقيام الكفار بمقاتلة المسلمين قال تعالى [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا] ( ).
وبين هذه الآية والآية محل البحث عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء قصد الآخرين نكوص وإرتداد المسلمين، أما مادة الإفتراق فهي سعي أهل الكتاب لإرتداد المسلم بجعله مطيعاً لهم، اما الكفار فانهم يقاتلون المسلمين من أجل ردتهم، مما يدل على التمايز في معاملة ونظرة المسلمين لأهل الكتاب والمشركين وركون المسلم لليهود والنصارى في باب العقائد باعتبار انهم اهل كتاب، ولطرو التحريف عندهم، وحصول كفرهم بالآيات ورد التحذير في الآية من طاعتهم.
وجاء التبعيض في الآية بقوله تعالى [فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ] لبعث الحذر منهم جميعاً، وتعيين المقصود بلحاظ فعله ونواياه، وفي الآية إعجاز وهو دلالتها على عدم قطع الصلات مع أهل الكتاب وكذا لغة الإحتجاج والبيان لأنها تدل في مفهومها على ان الصلة مع فريق آخر منهم لا تؤدي الى الإرتداد، ولكنها تبقي المسلم في حذر من طاعتهم مطلقاً، وجاء التبعيض للإحتراس من عموم الحكم، لمخالفة العموم للواقع والحال، وفيه دلالة على إنتفاء الظلم في افعال المسلمين.
ونسبت الآية ارتداد المسلم الى أهل الكتاب، وفيه إعجاز اضافي اذ انها تؤكد تحملهم للإثم والذنب العظيم في ارتداد المسلم،وفيه اكرام اضافي للمسلمين وتنزيه لهم من الإرتداد وآثامه، وتوبيخ وإنذار لأهل الكتاب وزجر لهم عن التعدي على المسلمين في دينهم وعقيدتهم.
علم المناسبة
ورد لفظ (يردوكم) ثلاث مرات في القرآن، والرابعة وردت بلفظ (يردونكم) وفيه مسائل:
الأولى: وردت اثنتان منها في سورة البقرة واثنتان في سورة آل عمران.
الثانية: الخطاب في هذه الآية موجه للمسلمين، وفيه إكرام وعناية بهم.
الثالثة: التعدد في التحذير والزجر، وفيه مسائل:
الأولى: الأهمية الخاصة للموضوع.
الثانية: حب الله عز وجل للمسلمين ورأفته بهم، وإعانته لهم على البقاء في منازل الإيمان خصوصاً وان الله عز وجل غني عن العالمين.
الثالثة: الإحتراز من كيفية السعي لردة المسلم.
الرابعة: الإلتفات الى مقاصد الآخرين أزاء المسلمين.
الخامسة: التوجه بالدعاء الى الله تعالى وإجتناب الإرتداد للإحتراز من الأعداء.
الرابعة: بيان التباين في كيفية السعي لردة المسلم، فورد في سورة البقرة طرفا السعي لردة المسلم الأدنى وهو تمني كثير من أهل الكتاب ارتداد المسلم قال تعالى [وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا]( )، والأعلى وهو مواصلة محاربة الإسلام والتي نزلت في كفار مكة ومقاتلتهم المسلمين وان كان موضوع الآية أعم.
فبين الكفار وأهل الكتاب في كيفية السعي لردة المسلم عموم وخصوص من وجه هي قصد ردته وعزوفه عن الإيمان، ومادة الإفتراق ان وسيلة الكفار هي القتال وإعلان الحرب، ووسيلة أهل الكتاب هي الود ومحاولة جذب المسلم لطاعتهم.
الخامسة: كما جاءت هذه الآية بالتحذير من طاعة فريق من الذين أوتوا الكتاب، فقد جاءت الآية الأخرى من سورة آل عمران بالزجر والتحذير من طاعة الذين كفروا، قال تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ] ( )، وهي اعم في موضوعها وجهة صدور الأذى وتحذر من عواقب الإرتداد وما فيه من الخسارة في النشأتين.
وبهذه الآية تنبثق أضواء إيمانية جديدة وتأخذ الصلات العقائدية منحى جديداً فبعد دخول الإسلام، والتقيد بأحكامه، تأتي الآيات التي تنظم صلة المسلم مع غير المسلمين وينطلق هذا التنظيم من كيفية معاملة الآخرين للمسلم التي تتعلق بدينه وأدائه للعبادات، فلو تعارضت الصلة مع غير المسلم مع بقاء المسلم على ايمانه وأدائه العبادات، فالمقدم هو تعاهد الإيمان، واجتناب الصلات التي تؤدي الى الإبتعاد عنه.
والمراد من الكفر في الآية وجوه:
الأول: كفر الجحود، والعودة الى الوثنية والجاهلية.
الثاني: الصدود عن النبوة والإعراض عن المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: الإنصات للشبهات والشكوك التي يردها اهل الكتاب على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وقبولها، والتصديق بانكارهم للبشارات التي وردت بخصوصه.
الرابع: الجحود بآيات القرآن، وعدم التدبر في مضامينها القدسية.
الخامس: عدم إتيان الصلاة والصوم، وعدم أداء الحج مع حصول الإستطاعة.
السادس: الكفر بنعمة الإسلام وعدم التقيد بأحكامه.
السابع: الجحود بالنعم الإلهية على الإنسان في بدنه وصحته ورزقه واستدامة حياته.
الثامن: إنكار عالم البرزخ وعدم الإستعداد لليوم الآخر.
التاسع: الإرتداد بعد النطق بالشهادتين والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
العاشر: الكفر بالجهاد في سبيل الله واختيار الدعة والمهادعة مع غير المسلمين.
الحادي عشر: الكفر والجحود بالعز الذي جعله الله عزوجل للمؤمنين في الدنيا والآخرة، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )، ففي طاعة أهل الكتاب تخلِ عن أسباب العز والمنعة والقوة.
الثاني عشر: الكفر بآيات الله والنبوة، ومحاكاة فريق من أهل الكتاب في كفرهم بالآيات، كما ورد قبل قبل آيتين، [لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ].
الثالث عشر: تبعيض الإيمان والإقرار ببعض الآيات دون بعضها، وأداء شطر من الفرائض دون الشطر الآخر، او التهاون في أداء فرض مخصوص، كما في ترك الفرائض من الصلاة وقد ورد في بني اسرائيل قوله تعالى [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ]( ).
الرابع عشر: عدم جعل النعم الإلهية مادة ومناسبة لشكره تعالى، ومقابلتها بالصدود والجحود، قال تعالى [ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ]( ).
الخامس عشر: الجحود بعالم الآخرة، وعدم الإقرار بالنشور وعدم الإصغاء للآيات القرآنية التي تتضمن الوعد لأهل الإيمان بالجنة والوعيد لأهل الكفر والجحود بالنار قال تعالى [وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ]( ).
السادس عشر: اليأس والقنوط وعدم الصبر وتحمل العناء في سبيل الله، قال تعالى [لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ]( ).
السابع عشر: الإنتقال من منازل الإيمان والدفاع عن الإسلام والتضحية في سبيله، الى معاداته ومحاربته والإعانة عليه.
الثامن عشر: استحقاق السخط الإلهي، والحرمان من محبته تعالى قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ]( ).
وجاءت الآية لإنقاذ المسلمين من وجوه الكفر أعلاه، ومنع وصول أسبابه ومقدماته اليهم، وليواظبوا على العبادات ويكثروا من ذكره وشكره تعالى، ويحترزوا من أهل الكتاب وغيرهم، فقد يكون الأذى الذي يأتي من الكفار أشد من أذى أهل الكتاب، وجاءت الآية للتحذير من كل من يريد بالمسلم الإرتداد عن دينه.
والإرتداد الذي يريده أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين على وجوه:
الأول: انه من الكلي المتواطئ المتساوي في كيفيته وموضوعه.
الثاني: أنه من الكلي المشكك الذي تتباين أفراده وكيفياته.
الثالث: التباين بين مسلم وآخر، فمنهم من يرضون منه بوجه من وجوه الكفر كالتخلف عن الصلاة والصدود عن حج البيت، ومنهم لا يرضون منه الا الجحود بالنبوة.
الرابع: بذلهم الوسع، وإنفاق الأموال لتحصيل أقصى ما يمكن من وجوه الكفر والصدود.
الخامس: توجه الإغواء لضعفة المسلمين وحديثي العهد بالإسلام والمقصود الإساءة للرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام ومنع إنتشاره.
ومع ان الآية في مقام التنبيه والتحذير من أهل الكتاب الا انها تتضمن رضاه تعالى عن المسلمين، ويتجلى هذا الرضا في الآية بوجوه:
الأول: مخاطبة المسلمين بصفة الإيمان، وفيه ثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: مخاطبة الله عز وجل للمسلمين.
الثاني: بقاء النداء الإلهي موجهاً الى كل مسلم ومسلمة من الموجودين والمعدومين.
الثالث: تفضله تعالى بإرشاد المسلمين الى سبل النجاة والفلاح.
الرابع: أهلية المسلمين لتلقي الخطاب الإلهي.
الخامس: تحذير المسلمين من أهل الكتاب، فهذا التحذير مدح وإكرام للمسلمين، وشاهد على أنهم خلفاء الأرض.
السادس: قدرة المسلمين على الإمتثال للأمر الإلهي واجتناب ما نهى عنه الله عز وجل.
السابع: تفضله تعالى بتحذير المسلمين من كل خطر يهدد كيان الإسلام، وإنذارهم بالشرور التي ترد عليهم مع بيان تفصيلها بما يمنع من اللبس والترديد، وينفي الجهالة والغفلة عنهم وهذا التحذير شاهد على رضاه تعالى عن المسلمين، فالآية لم تأتِ بلغة التخويف والوعيد، ولكنها جاءت بالدعوة للتوقي وأخذ الحائطة للدين والسلامة من آفات الإرتداد.
وهي مدرسة تؤكد اصلاح الله المسلمين لخلافة الأرض فمن شرائط الخلافة النجاة من الإرتداد واجتناب التفريط في أحكام الشريعة، لذا ترى مجيء الآية بعد آية فرض الحج ولزوم تعاهده ووجوبه على الناس جميعاً، ولكن المسلمين وحدهم هم الذين حافظوا عليه وعلى مناسكه وأحكامه من غير تفريط ببعض أفرادها.
قانون الزجر عن الإرتداد
أشرقت الأرض ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء الخطاب التكليفي الى الناس بالتصديق بنبوته واتباعه، فبادر الصحابة واهل البيت الى دخول الإسلام وشاركوا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأذى والعناء في سبيل الله، وودخل الناس الإسلام أفواجاً، فيأتي وفد من قبيلة من قبائل العرب الى المدينة، ويرى النبي وما جاء به من الآيات فيؤمن ويرجع الى قبيلته ليدخل افرادها في الإسلام طواعية، وما لبث ان أنتشر الإسلام في الجزيرة وخارجها بالموعظة والحكمة الحسنة، والسيف الذي أستعمل بطريقين:
الأول: الدفاع عن الإسلام.
الثاني: الفتح ودعوة الناس الى الإسلام.
ويلازم دخول الإسلام حكم حرمة الإرتداد والزجر عنه اذ ان وجوب الإنتماء للإسلام ابتداء وإستدامة، وهذه الحرمة تكليفية ووضعية تترتب عليها أحكام شرعية، والمرتد على قسمين:
الأول: مرتد فطري وهو الذي كان أبواه أو احدهما مسلماً حال انعقاد نطفته، ثم أظهر الإسلام بعد بلوغه ثم خرج عنه.
الثاني: مرتد ملي: من كان أبواه كافرين حال انعقاد نطفته وورث الكفر منهما، وصار بعد البلوغ كافراً أصلياً، ثم أسلم بعد البلوغ ثم عاد الى الكفر.
وحكم الأول أشد من الثاني، وهو القتل اذا قامت عليه البينة ولم يتدارك أمره ويتوب الى الله ويرجع عن ردته، وتبين منه زوجته وتعتد عدة الوفاة وان يعلم بأحكام العدة عند الإرتداد، واذا رجع عن إرتداده وتاب الى الله، فتقبل توبته ظاهراً وباطناً وتصح عباداته، وترجع اليه زوجته مدة العدة، أي ان البينونة ما دامية، وليس دائمية، أي ما دام على الكفر والجحود،
وأما المرتد الملي فانه لا يقتل، ولكن يستتاب وتبين له حرمة الإرتداد وحكمه الشرعي ولزوم الرجوع الى الإسلام، فمن دخل الإسلام لا يغادره الى الموت لأنه الدين الحق، والإنتماء له أمر دائم ومتصل وملازم للإنسان في حياته، وليس أنفع للإنسان في آخرته من هذه الملازمة إبتداء من ساعة دخوله القبر وعالم البرزخ والى يوم الحساب والنشور، ليس أقبح للإنسان في الآخرة ان يرتد عن الإسلام، لأن الإرتداد حرب شخصية على الإسلام، وعداوة لله تعالى، والله هو القوي العزيز الذي أنعم على الإنسان بالنطق بالشهادتين وهداه الى سواء السبيل، وتأتي العبادات لتجعل المسلم على صلة يومية مباشرة مع ملته وأحكام الشريعة.
ومن أسرار العبادات انها تبعث في نفسه الشوق لأدائها، والحرص على إتمامه، والسكينة والرضا عن الذات عند التوفيق للإمتثال فيها وأدائها مع رجاء الأجر والثواب الذي أكدته الآيات القرآنية، والتي تضمنت بعث الفزع والخوف من المعصية والكفر والجحود، أما هذه الآية فتأتي لتبين أسباب تعاهد الإيمان، ومقدمات الإرتداد التي يجب اجتنابها لحرمتها بسبب حرمة ذيها.
وهي وفق القياس الإقتراني،
الكبرى: مقدمة الحرام حرام.
الصغرى: طاعة أهل الكتاب مقدمة للحرام وهو الإرتداد.
النتيجة: طاعة أهل الكتاب محرمة.
وجاءت الآية بالزجر والنهي عن مقدمات الإرتداد، مما يدل على قبحها الذاتي والغيري وما تؤدي اليه.
وهذا الزجر لطف إلهي بالمسلمين عموماً، وبكل مسلم على نحو الخصوص ففي ارتداد المسلم الواحد اذى للمسلمين جميعاً، لذا تحذر الآية منه ومن الآيات ان الإرتداد منافِ لحكم الشرع والعقل ورغائب النفس الإنسانية اذ انه يبعث الضيق والحسرة والألم في النفس، كما تنفر منه النفوس عامة، وهذه النفرة لا تخص المسلمين وحدهم بل تشمل غيرهم لذا وردت الآية بذكر طاعة فريق من أهل الكتاب وليس جميعهم فمن أهل الكتاب من يرى في الإسلام تثبيتاً لملته، وشاهداً على صدق نزول الكتاب الذي يتبعه، وتميل نفسه اليه، والى ما فيه من العبادات والمناسك، وليس من زمان الا وترى جماعات منهم تدخل الإسلام.
قانون الإستجابة للآية القرآنية
لم يتوجه الخطاب في الآية الى أهل الكتاب، وتنهاهم عن دعوة المسلمين الى طاعتهم، بل جاءت الآية السابقة بتحذيرهم عن صد المسلمين عن سبيل الله، والصد أعم من موضوع الطاعة لأنه يتضمن الإيذاء والتضييق والجدال بالباطل وتحريف الكتاب والإفتراء في باب النبوة، وتكذيب المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجحود بالايات والبراهين الدالة على نبوته ونقض المواثيق وبث الفرقة والخصومة بين المسلمين كما تشمل القتال والحرب والتهجير والطرد من الأرض.
ومن الإعجاز ان جاءت الآيات بمخاطبة أهل الكتاب بلغة الإنذار والتوبيخ، ثم توجهت الى المسلمين بالتحذير والتنبيه، ليكون موضوع التحذير والجهة المحذر منها معلومة ومعروفة، ومع ان لغة الإنذار جاءت مطلقة في توجهها الى أهل الكتاب الا ان صيغة التحذير أخص وتنحصر بفريق منهم، وكأن آيات التحذير حصلت لها استجابة ولو على نحو الموجبة الجزئية.
فالإنذار جاء عاماً لأهل الكتاب وعلى نحو متعدد يشمل اللوم والتوبيخ على الكفر بآيات الله كما في الآية قبل السابقة، وعلى صدهم عن سبيل الله كما في الآية السابقة، ولكن التحذير جاء بخصوص طاعة فريق منهم، مما يؤكد حقيقة قرآنية وهي لابد من وجود استجابة وأثر مبارك يترتب على الآية القرآنية وما فيها من الوعد والبشارة والإنذار والوعيد.
فيتلقى المسلمون آيات الوعد بالإقبال على العبادات، ويبذلون الوسع للفوز بالنعم الإلهية الدنيوية والأخروية، ويتلقون البشارة القرآنية بالبهجة والغبطة والتطلع الى أوان وقوع المبشر به على أنه أمر قطعي، ويستمع الكفار الى آيات الوعد فيشتاق بعضهم لمضامينها ونيل ما وعد الله به، وتلح عليه النفس العاقلة بالمبادرة الى الإسلام، اما آيات الإنذار والوعيد فان المسلم يفزع منها، وهذا الفزع مقدمة للتمسك بمبادئ الإسلام، كما أنها تبعث الفزع والخوف في نفس الكافر لضعفه الذاتي والعرضي.
أما الذاتي فلأصل الخلق قال تعالى [اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ]( )، وأما العرضي فلسوء إختياره وحال التيه والضلالة التي هو عليها، فتحصل عند فريق من الكفار استجابة للاية القرآنية سواء كانت في باب الوعد والمدح لأهل الإيمان، او الذم والوعيد لأهل الكفر وتحركهم عن الإقامة في منازل الكفر والجحود، وهذه الإستجابة من الكلي المشكك فقد لا تصل الى مرتبة التسليم والإنقياد لحكم الله عز وجل، ودرجة الإستجابة التامة، بل تكون على نحو الموجبة الجزئية وهي ايضاً على مراتب متفاوتة، فمن الكفار من يكف ايذاء المسلمين ويمتنع عن صدهم عن سبيل الله، ومنهم من يمتنع عن اثارة الشبهات والمشاركة في المكر بالإسلام.
لذا جاءت الآية بالتحذير من طاعة فريق من أهل الكتاب في الوقت الذي جاءت الآيتان السابقتان بذم وتبكيت أهل الكتاب مطلقاً، فمن إعجاز الآية القرآنية مطلقاً، أي كل آية من آيات القرآن ترتب الأثر على نزولها، وهذا الثر يتصف بوجوه:
الأول: انه مبارك وخير محض، وباب هداية وصلاح وارتقاء في المعارف.
الثاني: تعدد مصاديق وأفراد الأثر، وانه لا ينحصر بجانب دون آخر.
الثالث: اتصال أثر الآية، وشموله لأفراد الزمان الطولية المتعاقبة، والأمصار والأماكن المختلفة.
الرابع: شمول منافع الآية للمسلم وغير المسلم وان تباينت وجوه النفع.
الخامس: من اثر الآية ان تكون مقدمة او توكيداً او تعضيداً للآية القرآنية الأخرى، وهذا إعجاز اضافي للآية القرآنية ، فالآية لا تكون تفسيراً للآية الأخرى فحسب، بل تساهم في تثبيت مضامين الآية القرآنية الأخرى.
السادس: انطباع ألفاظ الآية في الوجود الذهني، وهو ايضاً نوع استجابة بلحاظ أنه من مقدمات الإختيار عند الإنسان، وهو فرد من أفراد الإرتكاز عند القصد والعزم، والإتيان بالفعل، فمن فضل الله عز وجل بقاء الآية القرآنية مصاحبة للإنسان في وجوده، ومن مصاديق وأسباب هذه المصاحبة وجوب قراءة القرآن في الصلاة خمس مرات في اليوم الواحد.




قوله تعالى [وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] الآية 101

الاعراب واللغة
كيف: اسم استفهام إنكاري مبني على الفتح في محل نصب على الحال.
تكفرون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة.
والواو: فاعل.
[وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ]
الواو: حالية، انتم: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، تتلى: فعل مضارع مبني للمجهول، عليكم: جار ومجرور متعلقان بتتلى.
آيات: نائب فاعل مرفوع بالضمة،وهو مضاف.
اسم الجلالة: مضاف اليه ،والجملة الفعلية خبر المبتدأ.
وفيكم رسوله، الواو: عاطفة، ويجوز أن تكون حالية.
فيكم: جار ومجرور، في محل خبر مقدم.
رسوله: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف، والهاء في محل جر مضاف.
[وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]
الواو: استئنافية، من: اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، يعتصم: فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وبالله: جار ومجرور متعلقان بيعتصم، فقد: الفاء: رابطة لجواب الشرط، قد: حرف تحقيق.
هدي: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
الى صراط: جار ومجرور متعلقان بهدي، مستقيم: صفة لصراط مجرورة بالكسرة، وجملة (فقد هدي) في محل جزم جواب الشرط.
وفعل الشرط وجوابه خبر اسم الشرط المبتدأ (من).
والتلاوة: القراءة والتكلم، كقولك (يتلو كتاب الله) أي يقرؤه ويتكلم به) ( ). وتأتي التلاوة بمعنى التتابع يقال تلوته تلواً: تبعته، وفيه اشارة الى تتابع قراءة الآيات على المسلمين وقراءتهم لها.
والعصمة: المنع والوقاية، واعتصم بالله، أي امتنع بقوته وعظمته ولطفه من المعصية والشر، ويقال: اعتصم به وأستعصم: أمتنع وأبى.
ويقال: أعصم بصاحبه إعصاماً أي لزمه، وفي التنزيل [وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ]( )، ويتعدى عصم بحرف الجر (من) فيقال: اعتصم من الشيطان أي استجار واحترس وتوقى منه والإستقامة اعتدال الشيء واستواؤه.
والمستقيم: المعتدل والمستوي الذي ليس فيه ميل او انعطاف.
في سياق الآيات
بعد آيتين في أمر الله عز وجل لنبيه بمخاطبة أهل الكتاب بصيغة اللوم للجحود بنبوته والآيات التي تفضل الله عز وجل وجعلها تترى على يديه، وجاءت هذه الآيات في تحذير المسلمين من الإنصياع والإستجابة لأهل الكتاب فيما يأمرونهم به من الصدود عن الإسلام.
ويأتي هذه الأمر بالنص الصريح او بالتلويح اوالتعريض او بتحريف حقائق التنزيل او اثارة الشبهات والشكوك، أو مزاولة صيغ التضييق والإكراه.
وبين هذه الآية والآية السابقة عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: الآيتان نداء وخطاب للمسلمين.
الثاني: فيهما تحذير من طاعة أهل الكتاب وبيان اضرارها الدنيوية والأخروية.
الثالث: عموم الخطاب للمسلمين وتوجهه بصيغة الجمع، مع ان الإبتلاء الشخصي فيه كثير ومتعدد.
الرابع: التحذير من الكفر والجحود، اما وجوه الإفتراق فهي:
الأول: افتتاح الآية السابقة بالنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وافتتاح هذه الآية بالإستفهام الإنكاري.
الثاني: الآية السابقة بداية الخطاب للمسلمين وهذه الآية تتمته وفيها بيان لموضوعه.
الثالث: جاءت الآية السابقة بلغة الشرط، اما هذه ألآية فجاءت بصيغة الإستفهام الإنكاري.
الرابع: تضمنت الآية السابقة التحذير والتخويف من الإرتداد، اما هذه الآية فجاءت باستبعاد وقوع الكفر من المسلمين، وهذا التعاقب آية إعجازية في نظم الآيات.
الخامس: جاءت الآية السابقة بخصوص أتباع أهل الكتاب وما يترتب عليه من الآثار، اما هذه الآية فجاءت بأسباب الوقاية من تلك الآثار وما فيها من الأضرار والآثام، وبين الآية التالية والسابقة عموم وخصوص من وجه ايضاً فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: إفتتاح الآيتين بنداء الإكرام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثاني: حصر موضوع الآية بالمسلمين.
الثالث: لزوم تعاهد الإسلام، وعدم مغادرة الدنيا الا على الإيمان.
أما مادة الإفتراق فهي من وجوه:
الأول: مجيء الآية السابقة بلغة الإنذار والتحذير اما هذه الآية فجاءت بصيغة الأمر.
الثاني: تزجر الآية السابقة عن إطاعة المسلمين لأهل الكتاب، اما هذه الآية فانها تحثهم على تقوى الله، والأول فرع أي عدم إطاعة اهل الكتاب من تقوى الله عز وجل.
الثالث: تدعو هذه الآية الى خشية الله والحرص على طاعته، وفيها اجتناب حث على طاعة أهل الكتاب وغيرهم من الناس.
الرابع: جاءت الآية السابقة بدفع الضرر، اما هذه الآية فأمرت بأسباب النجاة والفوز في النشأتين.
الخامس: جاءت الآية السابقة بالتحذير من الإرتداد الى منازل الكفر، اما هذه الآية فاكدت وجوب البقاء على الإسلام حتى زهوق الروح.
وبعد إستبعاد الآية السابقة جحود المسلم وطاعته لأهل الكتاب في هذه الآية تأتي الآية التالية لتحث كل مسلم على تقوى الله، وتبين جانباً من فلسفة الإيمان وعدم الوقوف عند العصمة من الكفر والجحود بل لابد من التلبس التام بمضامين الهداية والإيمان، فقد يأتي الميل والإنعطاف عن جادة الحق من غير سبيل طاعة الله، فجاءت هذه الآية لتبين وظائف المسلم ولزوم تعاهده للفرائض ومنها حج بيت الله الحرام الذي ذكرته الآيات السابقة واذ ذمت الآية قبل السابقة أهل الكتاب ونعتتهم بانهم يبغونها عوجاً جاءت هذه الآية لبيان طريقة الهداية والإستقامة وهو التمسك بآيات الله والتقيد بما انزله من الأحكام.
وبلحاظ المقارنة في موضوع الكتاب بين هذه الآية والآية السابقة فانها تفيد التعريض بأهل الكتاب اذ وصفتهم الآية السابقة بانهم [أُوتُوا الْكِتَابَ] ومع هذا فانهم يكفرون بالآيات، وتحذر منهم الآية السابقة المسلمين، اما هذه الآية فقد اثنت على المسلمين لأن الآيات وحدها عصمة لهم من الكفر وهؤلاء أوتوا الكتاب ومع هذا يجحدون بالآيات، وهذا التباين لا يعني ان المسلمين لم يؤتوا الكتاب، بل جاءهم أشرف وأعظم كتاب سماوي وهو القرآن، ولكن الوصف بالتلاوة ورد للمقارنة وبيان كفايته في هداية المسلمين، مما يدل بالأولوية القطعية على ان نزول القرآن واقية سماوية دائمة للمسلمين من الكفر الظاهر والخفي قال تعالى [قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ…] ( )، وفيه شاهد بان المسلمين أوتوا الكتب السابقة ايضاً سواء بالإيمان والتصديق بها او لأن القرآن جامع لأحكامها.
ولما جاءت هذه الآية بالحث على الإعتصام بالله وهو مفهوم الجملة الشرطية وبيان ان هذا الإعتصام واقية من الكفر والجحود، جاءت الآية التالية لتخبر بان تقوى الله من أفراد الإعتصام بالله عز وجل، ومن شاء النجاة من كيد أهل الجحود والضلالة، فعله أن يتقي الله حق تقاته ويتمسك بالإسلام عقيدة وأحكاماً حتى موافاة الأجل ومغادرة الجسد.
إعجاز الآية
جاءت الآية بنفي وقوع الكفر من المسلمين مع بيان علة هذا النفي، وفي هذه العلة وجوه:
الأول: نزول القرآن وتتابع آياته.
الثاني: توالي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: ظهور آيات النصر والفتح للمسلمين.
الرابع: بيان المنافع العظيمة والأسرار الملكوتية لبعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكونه مع المسلمين وبين ظهرانيهم.
الخامس: حاجة الناس للإعتصام والإمتناع بتقوى الله.
السادس: المسلمون هم الذين يعتصمون بالله عز وجل ويستجيرون به، وفيه تشريف لهم وشاهد على صلاحهم واهليتهم لخلافة الأرض.
السابع: العصمة مقدمة وطريق الى الهداية والإستقامة والفلاح وتؤكد الآية تنزيه المسلمين من مسالك الكفر والجحود، وهذا التنزيه بفضل وعون من عند الله، وكما انه علة للنجاة من العذاب فيجب ان يكون سبباً للتوجه الى الله تعالى بالشكر والثناء عليه سبحانه.
وخاتمة الآية إعجاز مستقل لأنها قاعدة كلية ثابتة ما دامت السماوات والأرض، وتدعو كل انسان الى الإغتراف منها، والتزود بما في مضامين الآية من أسباب النجاة من الكيد والمكر، وسبل السلامة والفوز في الدين والدنيا.
وتنفي الآية الكفر عن المسلمين، وجاء هذا النفي بصيغة الإستفهام بمعنى التعجب ولكن النفي يستقرأ من مضامين الآية القدسية، وبيان أسباب منعتهم واحترازهم، ومن إعجاز الآية انها تذكر حقيقة وهي ان الآية القرآنية واقية من الكفر والآثام وحرز من الكيد والمكر، والواقية من الكفر متعددة وليس متحدة، اذ انها تذكر وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين كحرز وفيه بيان لمقام النبوة، وعظيم بركاتها مطلقاً، وبركات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة على المسلمين والناس جميعاً.
فبعد الأمر الإلهي في الآيات السابقة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلوم أهل الكتاب على الجحود بالآيات، جاءت هذه الآية لتبين البركة والمنافع العقائدية للمسلمين في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان وجوده جزء عله لإستدامة بقاء المسلمين في مراتب الإيمان، ومن إعجاز الآية بيان منافع الإعتصام بالله عز وجل التي لا تنحصر بالوقاية من الكيد والمكر، بل انها باب للهداية والنجاة.
ويمكن أن نسمي هذه الآية آية “وكيف تكفرون” وبلحاظ إضافة حرف العطف الواو فان اللفظ لم يرد في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
تجعل الآية الكفر والجحود بعيدين عن المسلمين، ليدرك كل مسلم لزوم تمسكه بالإيمان، وحرصه على طرد الغواية والضلالة، والآية دعوة لكل مسلم لكي ينهل من الآيات التي أنعم الله عز وجل بها عليه وجعلها واقية وحرزاًٍ، ومن الأسرار الذاتية في آيات الله ان كثرة المسلمين ومن ينتفع ويقتبس منها لا تنقص منها، بل تزيد في أنوارها ومنافعها وأسباب جذب الناس لها، كما تدعو المسلمين للجوء الى القرآن وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإتخاذهما سلاحاً وواقية من الضلالة والكفر ، ولا تصل النوبة الى مثل هذه الدعوة ا ذ ان الكتاب والسنة نعمة وفضل من عند الله،
وتبين الآية موضوعية الإعتصام بالله عز وجل، والتمسك بمبادئ الإسلام للوقاية من المكر والكيد والأغواء.
وتلاوة الآية سلاح مركب من أمور:
الأول: ذات الإيمان وما فيها من المواعظ والمضامين القدسية.
الثاني: تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لآيات القرآن والتدبر في معانيها، واستنباط الدروس والعبر منها.
الثالث: موضوعية اعجاز الآية القرآنية في الحصانة من الكفر والضلالة والجحود، وتحث الآية على اتخاذ سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سلاحاً للتصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ودفع الشبهات، وفي الآية تأديب للمسلمين وإرشادهم الى وجوب العمل بآيات القرآن، وعدم الميل عن أحكام الشريعة وسنن النبوة.
مفهوم الآية
جاءت الآية لبيان ثبات الإيمان في نفوس المسلمين، ولكنها وردت بذكر الإنعطاف والإرتداد الى الكفر بصيغة التعجب والإستفهام الإنكاري لتوكيد عدم ميل المسلمين الى منازل الكفر والضلالة.
وجاءت الآية بصيغة الجمع وهي انحلالية تنحل بعدد المسلمين والتقدير “كيف يكفر احدكم” لإفادة امتناع وقوع الكفر بالنسبة للمسلم ونفي الكفر هنا مطلق وشامل أي ان جميع وجوه الكفر ممتنعة عن المسلمين، ومن مفاهيم الآية ان الله عز وجل لم يترك المسلمين وحالهم، فبعد ان ينطق المسلم الشهادتين ويدخل الإسلام لا يترك وشأنه بل يجب عليه أن يمتثل للأوامر الإلهية في العبادات والفرائض ووجوه القربات كما يأتيه الفضل الإلهي لتثبيته على الإيمان والهدى.
أي ان صيغ تثبيت الإيمان من وجوه:
الأول: ما ينزل من السماء من الآيات، ولا تنحصر موضوعية الآيات في تثبيت الإيمان بأيام التنزيل بل هي مستمرة ومصاحبة للمسلمين في كل زمان ومكان.
الثاني: وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين، وفي وجوده في المقام جهات:
الأولى: بدء البعثة النبوية.
الثانية: دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الإسلام في مكة.
الثالثة: الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابعة: هجرته الى المدينة المنورة.
الخامسة: جهاده في سبيل الله.
السادسة: تبليغه آيات القرآن.
السابعة: بيانه لأحكام الحلال والحرام.
الثامنة: اداؤه للفرائض وتعليم المسلمين احكامها وقواعدها، وتشير الآية الى استدامة وجود النبي بين المسلمين في سنته القولية والفعلية، وهو أمر ظاهر في الواقع والوجدان.
الثالث: الإعتصام بالله عز وجل والإلتجاء اليه، والإستجارة به.
الرابع: الهداية الى سواء السبيل، والفوز بالفلاح والنجاح، وجاءت الهداية هنا نتيجة للآيات والفضل الإلهي والتمسك بحبل الله الا انها تكون سبباً بلحاظ موضوع الآية، وذكرها لإنتفاء الكفر عن المسلمين وفي الآية مسائل:
الأولى: القطع السماوي بعدم حصول الكفر عند المسلمين، ويدل في مفهومه على بعث اليأس في قلوب الكافرين من ارتداد المسلمين، فالاية خطاب سكينة ورحمة للمسلمين، وهو تبكيت للكافرين، ودعوة لهم ليكفوا عن المسلمين، ويمتنعوا عن إثارة الشبهات.
الثانية: توجه تلاوة وقراءة الآيات للمسلمين، مما يدل على ان قراءة القرآن واستماعه نعمة اضافية يمن بها الله تعالى على العباد، وفيه إشارة الى اهل الكتاب بان قراءة القرآن لن تنقطع، وهذه القراءة جزء علة لحصانة القرآن من التحريف، وامتناعه على سوء التأويل، فالمسلمون يتعاهدون قراءته ويلازم القراءة توارث التفسير والتأويل الصحيح.
الثالثة: نسبة القراءة الى الله تعالى، وهذه النسبة مركبة من أمرين:
الأول: نعتها بانها آيات الله، للدلالة على الصيغة الإعجازية لكل آية منها.
الثاني: بلوغ آيات القرآن لكل المسلمين فلو تردد مفهوم قوله تعالى [تُتْلَى عَلَيْكُمْ] بين أمرين:
الأول: شموله لجميع المسلمين.
الثاني: اختصاص فريق من المسلمين بالتلاوة، فالصحيح هو الأول، لإصالة الإطلاق واستبانة الأمر بالواقع اليومي في تلاوة كل مسلم للقرآن في صلاته الواجبة.
الرابعة: الفيض الإلهي والمنافع العقائدية في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه حث للمسلمين على التقيد بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم التفريط بها.
الخامسة: حاجة الإنسان للجوء الى الله تعالى، وعدم الصدور الى عن أوامره ونواهيه، وتبين الآية للناس سبل النجاة في الدنيا والآخرة بالتقيد بأحكام الشريعة والإمتثال لما أمر الله تعالى به، ومن مفاهيم الآية نفي الكفر والجحود عن المسلمين بسبب الخصومة او الصراع فيما بينهم، اذ انها تخاطبهم كأمة متحدة متماسكة يجمعها اوان تلاوة الآيات ووجود الرسول بين ظهرانيهم جميعاً، وهذا الجمع حصانة ضد الفرقة والإنشقاق، لذا فان الآية تبعث اليأس في نفوس أهل الكتاب من ابتعاد المسلمين عن أحكام الشريعة بسبب النزاع والخصومة بينهم، فتلاوة الآيات ووجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته بينهم منعة وقوة وحرز دون الإصغاء لأهل الكتاب وغيرهم.
وتبين الآية ما ينفرد به المسلمون من بين الأمم من الكرامة والإكرام، وفي الآية إشارة الى آيات الأحكام وقواعد التشريع باعتبار انها سبب سماوي لتثبيت المسلمين في مسالك الإيمان وادراك الواجبات ومعرفتها والحرص على أدائها، والتفقه في الدين، وتدعو الآية المسلمين للرجوع الى القرآن في استنباط الأحكام الشرعية، كما تدعو علماء الأمة لجذب المسلمين للقرآن وإدامة صلاتهم معه لأنها تخبر عن حقيقة وهي ان تلاوة آيات القرآن والإستماع لها وقاء وحرز من الكفر.
الآية لطف
لقد تفضل الله عز وجل بتنزيه أعمال المسلمين من المعاصي، ببيان أحكام الشريعة، وتحبيب فعل الصالحات الى نفوسهم، ونفرتها من الذنوب والمعاصي، وهذا التنزيه تثبيت للإيمان في قلوبهم، وطرد للكفر والضلالة، ومجيء هذه البراءة من طرق مباركة هي:
الأول: نزول وتلاوة آيات القرآن.
الثاني: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: التمسك بحبل الله تعالى والخشية منه، واثنان منها فضل ولطف ابتدائي من عند الله، أما الثالث التمسك واللجوء الى الله فهو فعل من المسلم يدل على إيمانه وهو لطف إلهي ايضاً من وجوه:
الأول: إمكان تمسك العبد بالله عز وجل والإلتجاء اليه.
الثاني: تفضل الله عز وجل بدعوة المسلم للتمسك به، كما في مفهوم هذه الآية اذ انها تحث على اللجوء الى الله، والتوقي بأحكام الإسلام من الكفر والجحود.
الثالث: الإعتصام بالله طريق للهداية والرشاد، ومقدمة للفوز في الدنيا والآخرة، وتظهر الآية حقيقة وهي ملازمة اللطف الإلهي للمسلم، ليكون اللطف الإلهي الذي يناله مركباً من وجوه:
الأول: اللطف به كمخلوق لله عز وجل.
الثاني: تغشيه الرأفة كإنسان.
الثالث: فوزه بمراتب من اللطف عند انتمائه للإسلام، وهذا الوجه واقية من كيد الكفار، ومكر أهل الحسد.
افاضات الآية
تعتبر هذه الآية جذبة من جذبات الرحمن للمسلم ليتعاهد مناسكه وعباداته وينقطع اليه تعالى، ويتحصن بالتقوى والصلاح من الأغواء والشبهات وتبين وراثة المسلم لإصطفاء الله للأنبياء، وتتجلى معاني هذه الوراثة من وجوه:
الأول: الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته وفعله.
الثاني: تلقي آيات القرآن بالإستماع والإمتثال لما فيها من الأوامر، واجتناب ما تنهى عنه.
الثالث: الفرار الى الله عز وجل من أسباب الضلالة ولمة الشيطان.
لقد أراد الله عز وجل للمسلم التقرب منه تعالى، والإستقرار في حضرته ويتحقق هذا الإستقرار من ناحية العبد باظهاره معاني العبودية المحضة، ليتلقى البشارات بالفوز وتمتلأ نفسه بالسكينة ويكون في حصانة وعصمة من الكفر والجحود.
وتبين الآية ان رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيض على الوجود، وهو ايضاً واسطة الفيض إلى علماء المسلمين والناس جميعاً وهذا الفيض برزخ وواقية من الكفر ما ظهر منه وما بطن، وتدعو الآية الى التفاني المحض في مرضاة المعبود الذي لا إله سواه.
التفسير
قوله تعالى [وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ]
الآية خطاب للمسلمين مطلقاً، وهم:
الأول: الذين أمتلأت قلوبهم بالإيمان ويتعاهدون العبادات.
الثاني: حديثوا العهد بالإسلام.
الثالث: ذراري المسلمين.
فمن إعجاز الآية انها جاءت بصيغة المضارع الشاملة للموجود والمعدوم، وتنبسط على أيام المسلم في الحياة الدنيا، فالكفر منفي عن المسلم في كل يوم من أيام حياته، ومن الدلالات على هذه القاعدة الكلية فرض الصلاة خمس مرات في اليوم، اذ انها تنفي الشك والريب، ويكون أداؤها شاهداً على بذل المسلم من ذاته ما يظنه منتهاه، وهي من أهم مصاديق مباهاة الله الملائكة بخلق آدم.
الرابع: المنافقون والذين يعيرون اذناً صاغية لأسباب الشك والريب، لذا جاءت حرمة الإرتداد مطلقة وشاملة لكل من نطق بالشهادتين.
وبينما جاءت الآيتان السابقتان بذم أهل الكتاب على الجحود بالآيات وصدهم عن سبيل الله، جاءت هذه الآية لتؤكد انتفاء الكفر عن المسلمين مطلقاً صغيرهم وكبيرهم، لتخبر عن حقيقة ثابتة وهي استدامة الإيمان في الأرض، وان الكفر لا يمكن ان تكون له سيادة في الأرض، وما دام الإيمان ثابتاً وباقياً في الأرض فلابد انه يزيح الكفر عن منازله على نحو الموجبة الكلية والجزئية.
وفيه إشارة الى حقيقة أخرى وهي ان تعاقب الليل والنهار لا يؤدي الا الى اتساع رقعة الإسلام، وعلو كلمة التوحيد وتبين هذه الآيات اعلان الحرب العقائدية بين الإسلام والكفر، والإيمان والجحود وان النصر للإيمان لثبات المسلمين في منازله، وامتناعهم عن تركها مطلقاً، فلا يغادرون الإيمان وسنته ولو على نحو السالبة الجزئية او المؤقتة.
وفي الآية ثناء على المسلمين وهذا الثناء مقدمة وعنوان للجزاء الحسن وبشارة كريمة باستمرار اقتدائهم بالأنبياء ومحافظتهم على سنن النبوة وعناوين الإصطفاء، وهذه البشارة مقدمة للسعادة الأبدية، والغبطة الأخروية، وفيه اخبار ودعوة لأهل الكتاب من وجوه:
الأول: انعدام أثر الشك والريب عند المسلمين، فيما يثيرونه من الشبهات وقيامهم بعدم تصديق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس لها أي أثر عند المسلمين، بل بالعكس فانها تزيدهم تمسكاً بدينهم، لأن الشبهة والإفتراء يجعلان العاقل يتمسك بالحق والصدق.
الثاني: الظهور العملي بين الناس للسعي في الصراط المستقيم وسبل الحق، وهذا الظهور كاشف عن قبح الإعوجاج والميل عن جادة الهدى والإستقامة.
الثالث: الإخبار السماوي بان آيات القرآن من عند الله عز وجل، وأنها فيض متصل على المسلمين.
الرابع: بعث اليأس في نفوس أهل الكتاب من طاعة المسلم لهم، فالآية تنفي الكفر عن المسلمين، وتلك الطاعة علة للكفر، وانتفاء المعلول يعني بطلان وانعدام علته، لعدم تخلف المعلول عن علته.
وفي الآية اخبار عن ثبات المسلمين على مناهج التقوى والصلاح ولو لم تأتِ هذه الآية وأنحصر الموضوع والحكم بالآية السابقة ففيه وجوه:
الأول: الخوف والفزع عند المسلمين من الكفر واحتمال وقوعه وصدوره من نفر من المسلمين.
الثاني: ظهور الشك بارتداد جماعة منهم خصوصاً من تكون له صلات مع أهل الكتاب.
الثالث: طمع أهل الكتاب وغيرهم بالمسلمين، وهذا الطمع مقدمة ذاتية للإندفاع في صد المسلمين عن دينهم، ومحاولة ميلهم عن مبادئ وشرائع الإسلام.
الرابع: شماتة الكفار وغيرهم بالمسلمين وارادة سوء التاويل والوقوف عند الآية، والا فان آيات القرآن الأخرى تؤكد اجتناب المسلمين الكفر وعدم ميلهم عن الحق والهدى بل ان الآية السابقة تفيد عدم حصول طاعة المسلمين لاهل الكتاب لنفرة المسلمين من الكفر ومقدماته واسبابه.
وتوجه اللوم لأهل الكتاب قبل ثلاث آيات لكفرهم بآيات الله، وجاء هنا نفي الكفر عن المسلمين لأنهم تتلى عليهم آيات الله، مما يعني ان تلاوة الآيات تثبت الإيمان في النفوس، وفيه دعوة للناس للإنصات الى آيات القرآن والتدبر في معانيها ومضامينها القدسية واستقراء وجوه الإعجاز فيها، ومعنى كيف تكفرون أي لا سبيل الى حصول الكفر عندكم وان الله عز وجل جعله ممتنعاً عليكم وهو من مصاديق وراثة المسلمين للأرض، وان الإسلام هو الديانة الباقية الى يوم القيامة وعدم طرو النسخ على أحكامها.
قانون اعتصام المسلم من الكفر
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار تزاحم وصراع بين الإيمان والكفر، وتشمل ساحة الصراع النفوس والمجتمعات والأمصار وآنات الزمان المتعاقبة.
وليس من غلبة مطلقة لأحدهما، فلم تظهر الغلبة لأحدهما هنا وهناك، أما في النفوس فان الأمر مختلف، اذ ان الغلبة من طرف واحد وهو الإيمان فأما ان يغلب الإيمان ويزول الكفر من النفس او الفعل او المصر، واما ان يبقى الكفر في منازله، في عرضة للإزاحة والطرد، فالإيمان يمتلك الأهلية للهجوم على الكفر، أما الكفر فعاجز عن مهاجمة الإيمان، وليس له القدرة على الثبات في منازله فهو في حالة متزلزلة غير ثابتة.
ويتجلى هذا التباين في هذه الآيات الكريمة فقد جاءت بذم أهل الكتاب على الجحود بالآيات مع أنهم أولى الناس بالإيمان بها، وأقترن بالذم التخويف والوعيد والإخبار بان الله عز وجل شاهد على أفعالهم ويحصي أعمالهم، والإحصاء مقدمة للحساب وترتب العقاب.
وجاءت الآية بمدح المسلمين ونفي الكفر والجحود عنهم، والإخبار عن ثبات الإيمان في الأرض الذي يحصل بالمسلمين وتصديقهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على ان رسالته والإيمان بها حاجة للناس جميعاً، وباب رحمة ومغفرة.
ومع الإيمان جاءت الإنذارات للكافرين ودعوتهم للإقرار بالآيات والمعجزات مما يدل على حقيقة وهي عدم خلو الأرض من الإيمان وان دعوة الكافرين لنبذ الكفر لا تنحصر ببيان قبحه الذاتي والغيري، بل ببيان الحسن الذاتي والغيري للإيمان، ووجود أمة مؤمنة يمكن أن يلتحق بها الناس جميعاً، وتخبر الآيات عن قاعدة كلية بان الذي يدخل الإيمان لا يغادره، وان طريق الإيمان ليست موحشة او مظلمة بل أنها منارة بأضواء الآيات، وأنوار المعجزات التي تدعو الإنسان للتصديق بالنبوة لتأخذ بيده الى الجنة والنعيم الخالد.
وتدل هذه الآيات على ثبوت قانون في الأرض وهو التناقض وعدم الإلتقاء بين المسلم والكفر، فمن دخل الإسلام فقد أعتصم من الكفر، لذا جاءت الآية بذكر الإلتجاء والإستجارة بالله عز وجل بقوله تعالى [وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ].
والله عز وجل ليس بجسم وليس له مكان يحده، فالإعتصام به دخول الإسلام والإمتثال لأوامره تعالى، وهل يكفي النطق بالشهادتين للعصمة من الكفر، الجواب ان الإسلام لا يقف عند التلفظ بالشهادتين بل لابد من أداء الفرائض والطاعات، والتلفظ بهما ليس مقدمة لأداء العبادات بل هو جزء من العبادة وعنوان الإسلام وابتداء التقيد بأحكامه والا فان الأصل توجه الخطابات بالفروع الى الناس جميعاً، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ولكن قبولها لا يتقوم الا بالإسلام، فمع النطق بالشهادتين يبدأ صرح العصمة من الكفر وما يلحق به، ومن الإعجاز أن تأتي هذه الآية لتشمل في مضامينها:
الأول: حديث العهد بالإسلام، ومن نطق بالشهادتين وابتدء رحلة الإسلام المباركة.
الثاني: المسلم الذي يؤدي الفرائض والعبادات مطلقاً، فان الآية تخبره بسلامة اختياره وتبشره بالثبات في منازل الإيمان.
الثالث: المسلم الذي امتلأ قلبه ايماناً، فان هذه الآية تبعث السكينة في نفسه، وتساهم في ارتقائه في سلم المعارف الإلهية.
الرابع: الذي ينوي دخول الإسلام، وآمن بالمعجزات التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ يحدث نفسه بالإسلام، او يخبر الآخرين عن نيته، وينصت لآيات القرآن ويتدبر في معانيها، فجاءت هذه الآية لتحثه على المضي في دروب التبصر والهداية، وتمنعه من الإنصات لأهل العناد والشبهات، وتدعوه الى المبادرة الى الإسلام والتقيد بأحكامه، وفي الآية وعد كريم للمسلمين جميعاً بالسلامة والنجاة من براثن الكفر والضلالة والجحود.

قوله تعالى [وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ]
الآية بيان لجزء علة لإستبعاد حصول الكفر بين المسلمين، وتوكيد حقيقة وهي ان الإنصات للآيات القرآنية عن إيمان وتسليم حرز وواقية من الكفر وليس لآيات الله حد محدود يمكن احصاؤه سواء في جنسها او أفرادها، وهي على أقسام:
الأول: الآيات الكونية والمعجزات في الآفاق.
الثاني: آيات الله عز وجل في الإنسان وخلقه.
الثالث: بعثة الأنبياء وانزال الكتب السماوية.
الرابع: آيات الليل والنهار.
الخامس: خلق الشمس والقمر.
السادس: استدامة الحياة على الأرض.
السابع: خلق الملائكة وتجلي القدرة الإلهية في هيئاتها وفعلها وانقطاعها الى العبادة.
الثامن: خلق الجنة والنار وجعلهما محلاً للثواب والعقاب.
التاسع: الآيات التي يؤتيها الله الأنبياء كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ]( ).
العاشر: نزول المطر والمنافع التي تتفرع عنه، واخراج الأرض بركاتها، وتصريف الرياح قال تعالى [ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ] ( ).
الحادي عشر: آيات القرآن وعددها ستة الاف ومائتان وست وثلاثون آية. من هذه الآيات تنقسم الى أقسام ووجوه كل وجه منها هو آية مستقلة قائمة بذاتها، كما أنه آية في إتصالها وتداخلها مع غيرها من الآيات والوجوه في دعوتها الناس للإيمان وتثبيته في نفوسهم، ومنع النكوص والإرتداد الى منازل الكفر، وأظهرت هذه الآية ما لآيات القرآن من موضوعية في التصدي لدعوة الكفر والضلالة، والتصدي هنا على قسمين:
الأول: عام ونوعي يشمل المسلمين جميعاً، فتلاوة الآيات على المسلمين يجعلهم يتصدون للكفر والجحود كأمة.
الثاني: شخصي يتعلق بأفراد المسلمين، واحترازهم بالآيات وقراءتها والإنصات لها.
وفي الآية مسائل:
الأولى: الإخبار الإلهي عن ملازمة تلاوة المسلمين للآيات القرآنية.
الثانية: اذا تخلف المسلم عن قراءة القرآن فانها تتلى عليه ولابد له من سماعها طوعاً وانطباقاً وقهراً، فسماع وإستماع التلاوة فضل متصل من الله على المسلمين الى يوم القيامة.
الثالثة: عصمة القرآن من التحريف منذ أيام التنزيل الى يوم القيامة.
الرابعة: وراثة العلماء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تلاوة القرآن، وجعل المسلمين يتفقهون في الدين.
الخامسة: منع المسلمين من الشك بآيات القرآن او التصديق بأخبار طرو التحريف عليه التي قد تظهر في بعض الأزمنة بقصد المكر والكيد بالمسلمين، وجاءت الآية للتحذير من التصديق بما يقوله فريق من غير المسلمين، بتغيير كلمات القرآن او طرو التبديل على بعضها ويتجلى هذا التحذير في مفهوم الآية وإخبارها بان الذي يتلى على المسلمين هو الآيات النازلة من عند الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وان الرسول الكريم قام بتبليغ القرآن كما أنزل عليه.
وتكشف الآية عن حقيقة وهي ان آيات القرآن واقية من الكفر ومانع من دبيب مفاهيمه الى المسلم، ومجتمعات المسلمين، وفي هذا الكشف دعوة لتلمس الآيات الإعجازية في كل من:
الأول: آيات القرآن.
الثاني: كل آية من القرآن.
الثالث: نظم وسياق الآيات.
الرابع: الإستماع والإنصات للآيات القرآنية.
الخامس: التدبر بالآيات القرآنية وإتخاذها عبرة وموعظة، ليكون هذا التدبر والإتعاظ سلاحاً ضد الكفر والجحود.
السادس: التسليم بإعجاز الآيات القرآنية حرز إيماني مستديم ضد الريب والشبهات.
السابع: ينمي القرآن والإستماع لآياته ملكة الثبات على الإيمان.
وابتدأ هذا الشطر بقوله تعالى [وَأَنْتُمْ تُتْلَى] ولم تقل الآية [وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ] بل قدمت ضمير المخاطب لجماعة المسلمين أنتم، وفيه مسائل:
الأولى: إكرام اضافي للمسلمين، فبعد افتتاح الآية السابقة بهذا الإكرام والرضا والقبول [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] جاء هذا الشطر بتقديم ضمير المخاطبة أنتم في إشارة الى ان القصد من التلاوة هم المسلمون والمحافظة على إيمانهم وسلامة سرائرهم.
الثانية: الإخبار عن كون المسلمين أمة واحدة، والإتحاد عون على التصدي لدعوات الضلالة ووسيلة مباركة لدرء الشبهات.
الثالثة: مخاطبة المسلمين بصفة الإسلام والإيمان بلحاظ اتصال موضوع هذه الآية بالآية السابقة ولغة الخطاب فيها، ونداء المسلمين بصفة الإيمان.
وهل ينحصر موضوع الآيات هنا بسور وآيات القرآن لقيد (التلاوة) الوارد في الآية باعتبار أنه يشير الى القراءة والتلاوة، والقدر المتيقن منه تلاوة آيات القرآن، الجواب على وجهين:
الأول: معنى الآية أعم من وجوه:
الأول: إفادة التلاوة لغة معنى التتابع، أي ان آيات الله تتابع وتترى عليكم.
الثاني: المعنى الأعم لآيات الله، وإرادة الآيات الكونية، وانتصار الإسلام، وظهور الدلالات على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمعجزات التي جاء بها، لأن معجزات النبي اعم من آيات القرآن.
الثالث: إصالة الإطلاق، وحمل الآية على المعنى الأعم.
الثاني: المقصود هو آيات القرآن وقراءتها على المسلمين، من وجوه:
الأول: هو المتبادر الى الأذهان منه.
الثاني: إرادة تلاوة وقراءة آيات القرآن.
الثالث: جاءت الآية لبيان حال المسلمين وتلقيهم وسماعهم آيات القرآن.
والصحيح هو الثاني، وهو القدر المتيقن من الآية، بالإضافة الى مناسبة الآيات الأخرى، قال تعالى [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا] ( )، نعم تلاوة وقراءة الآيات مناسبة لإدراك الآيات الكونية وأسرار الخلق، ودلالته على عظمة قدرة الله.
لقد جاءت الآية بذكر تلاوة الآيات على المسلمين وأنها واقية من الكفر والجحود، ولم تذكر تلاوتهم أنفسهم للآيات القرآنية، وفيه وجوه:
الأول: المراد تنزيل الآيات، وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ المسلمين بالآيات القرآنية النازلة عليه بواسطة جبرئيل عليه السلام.
الثاني: صلاة الجماعة وقراءة الإمام، فانها تلاوة، ومن الآيات في أحكام الصلاة ومناسبتها للآيات القرآنية، ومنها هذه الآية الكريمة وما تشير اليه من تلاوة الآيات على المسلمين، ووجوب اصغاء المسلمين لإمام الجماعة في تلاوته وقراءته للسور والآيات القرآنية لتكون مصداقاً لهذه الآية الكريمة.
وتثبيت كبرى كلية وهي لابد من وجود مصاديق عملية متجددة للآية القرآنية، ومع زمن العولمة والإرتقاء العلمي، فان التلاوة تتسع وتتعدد وسائلها وطرقها، وتنتشر بأصوات عذبة جميلة تساعد في تلقي الأسماع لها، وهل تعتبر قراءة الشخص للقرآن من عمومات التلاوة عليه الجواب نعم، لصدق التلاوة وحصول التدبر في الآية وكأنه من الإصغاء الذاتي للقراءة وفي تلاوة المسلم للآية القرآنية تعاهد لها، وإقرار بنزولها، وتوارث للضبط في كلماتها وحروفها.

قانون عموم التلاوة
لقد أنعم الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بنزول القرآن كتاباً مباركاً جامعاً للأحكام الشرعية ولا يستطيع الناس احصاء بركات القرآن ومضامينه القدسية وأثرها في النفوس، والمجتمعات.
فتنزل الآية القرآنية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيتلوها على المسلمين ويقومون بكتابتها على جريد النخل وفي الطين والورق، وترسخ في الأذهان وكأنها تنقر في قلوبهم نقراً، ويتلوها بعضهم على بعض، ويدرسون مضامينها ومعانيها، ويقومون بتفسيرها ومن الآيات ان علم التفسير مصاحب لأيام التنزيل، وهو على وجوه:
الأول: تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن.
الثاني: ظهور التفسير اللغوي للآية القرآنية وما يتبادر من معناها.
الثالث: قيام الصحابة بتفسير الآيات القرآنية، وروي وعن عبد الرحمن السلمي قال إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الاخر حتى يعلموا ما فيهن فكنا نتعلم القرآن والعمل به وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز ها هنا ووضع يده على الحلق( ).
الرابع: قيام العلماء في الأجيال المتعاقبة للمسلمين بتفسير آيات القرآن، والتفسير من أسباب تعدد وكثرة تلاوة الآيات، كما ان التلاوة مقدمة للتفسير والتدبر في معاني الآيات ومضامينها وما فيها من الأسرار.
وقد تكون تلاوة الآية القرآنية حاجة للمسلم او للجماعة من المسلمين او للمسلمين جميعاً، لذا أنعم الله على المسلمين بتشريع القراءة في الصلاة لتكون مناسبة للتلاوة والتدبر بمعاني الآيات القرآنية، ووسيلة لحفظ القرآن، ونشر التلاوة بين المسلمين، وتعلم سننها وآدابها وأحكامها، ومضامين قانون عموم التلاوة من أسباب تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين من وجوه:
الأول: تعاهد المسلمين لتلاوة الآيات.
الثاني: عدم طرو التحريف على الآيات القرآنية.
وفي عصمة القرآن من التبديل والتغيير مسائل:
الأولى: الإنتفاع المتصل من الآيات القرآنية.
الثانية: نيل الثواب والأجر على قراءة القرآن على التنزيل.
الثالثة: بيان الأحكام الشرعية، وعدم حصول اللبس او الترديد فيها.
الرابعة: دوام البركة المصاحبة لآيات القرآن.
الخامسة: كشف الحقائق، ومعرفة علوم الغيب التي يتضمنها القرآن وقصص الأنبياء.
السادسة: عصمة القرآن من التحريف دليل على حسن سمت المسلمين، وحرصهم على حفظ أخبار السماء، وشاهد على أهليتهم لخلافة الأنبياء ووراثة الأرض.
السابعة: أداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرسالته، وتبليغه الأحكام، ويدل عليه قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]( )، وتنحصر معرفة الكتب السماوية السابقة بالعلماء من أتباع النبي الذي أنزل عليه الكتاب، وامتاز القرآن بآية اعجازية وهي وجوب تلاوته من قبل كل مسلم ومسلمة، وفيه مسائل:
الأولى: ساهمت هذه الخصوصية بحصانة القرآن من التحريف، وعدم تجرأ بعض الحكام والملأ وأرباب المنافع على تغيير كلمة واحدة فيه وعدم التحريف ليس هو العلة التامة لعموم التلاوة ولكن التلاوة المتصلة من عموم المسلمين برزخ دون طروها.
الثانية: من منافع عموم التلاوة الأجر والثواب، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال من قرأ حرفاً من القرآن، كتب له عشر حسنات بالباء والتاء والثاء.
الثالثة: الإرتقاء العلمي عند المسلمين والتحصيل في المعارف القرآنية، فكل آية مدرسة في العلوم.
الرابعة: تهذيب الأخلاق، وإكتساب العادات الحميدة، واجتناب الأخلاق المذمومة.
الخامسة: التفقه في الدين، وتعلم أحكام الحلال والحرام، وقد تقدم قبل أربع آيات فرض الحج والإستثناء منه ببضع كلمات في قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ليعمل بها المسلمون الى يوم القيامة.
السادسة: منع الإختلاف والشقاق بين المسلمين، فبيان الآيات وظهور الأحكام في القرآن برزخ دون تفرق المسلمين وانقسامهم الى فرق ومذاهب اذ ان النص القرآني يفضح كل اجتهاد يخالفه، وان قلت حال المسلمين هو تعدد المذاهب قلت: هذا التعدد صغريات المسائل، وليس من في أصول الدين او في فروعه، فلا خلاف في التوحيد والنبوة والمعاد ولا في الصلاة والزكاة والصوم والحج، ونحوها.
السابعة: دوام صلة الناس مع السماء، فالقرآن نازل من السماء وحبل ممدود بين السماء والأرض فيقرأه المسلم فتتجدد الصلة بين السماء والأرض.
الثامنة: قراءة القرآن اظهار للعبودية لله، وتعاهد لمضامين الإمتثال لأوامره، واقرار بالنبوة.
ومضامين عموم التلاوة حاجة لأهل الأرض، وليس هو أمراً مندوباً ومستحباً، لذا ترى وجوب القراءة في الصلاة وانقسامها الى قسمين:
الأول: القراءة التعيينية الثابتة، وهي قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة.
الثاني: القراءة التخييرية وهي من عموم سور وآيات القرآن، والتي تأتي بعد قراءة الفاتحة، فبينها وبين قراءة الفاتحة عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي وجوب قراءتهما في الصلاة، ومادة الإفتراق من وجوه:
الأول: يؤتى بسورة الفاتحة في كل صلاة اما القراءة الأخرى فهي على نحو التخيير بين سور وآيات القرآن.
الثاني: عدد كلمات وآيات الفاتحة ثابت، اما القراءة التخييرية بعدها فهو قابل للزيادة مما يعني الحث على قراءة القرآن في الصلاة واكتساب الأجر والثواب به الا ان يكون راجح على خلافه.
الثالث: سهولة قراءة الفاتحة مع الاعتياد والترديد، اما القراءة التي تعقبها فهي باب لحفظ القرآن وتلاوته كما ان حفظ الفاتحة هو حفظ لسورة من القرآن، وتترشح اهميته من تسمية الفاتحة (ام كتاب).
أما وجوه الإلتقاء فهي:
الأول: حث المسلمين على تلاوة القرآن.
الثاني: بيان أهمية التلاوة، ووجوب عدم تركها.
الثالث: تعاهد نسخ المصحف الشريف وحفظها وصيانتها.
الرابع: إشاعة تعلم القراءة والكتابة بين المسلمين، وهي مقدمة وباب للكسب العلمي.
الخامس: صدق قيام المسلمين بتلاوة القرآن فليس من مسلم الا ويقرأ القرآن كل يوم وهذه القراءة من وجوه تفصيل النبي محمد ورسالته وأمته على غيرهم، لأنهم ينفردون بالتعاهد اليومي للتنزيل على نحو العموم الإستغراقي والجمعي اليومي المتكرر، وفيه حفظ وإكرام للتنزيل ودعوة للإنصات له، والنهل مما فيه من العلوم والأسرار والكنوز التي تتصف بخصوصية وهي عدم نقصها مع كثرة الكشف في مضامينها.
بحث فقهي
تلازم وجوب القراءة في الصلاة أحكام ضبطها وإتقانها وسننها وما فيها من المستحبات والمحسنات الصوتية وهي علم مستقل قائم بذاته منها وجوب الجهر في صلاة الصبح والركعتين الأوليتين من صلاة المغرب والعشاء، بخلاف الظهر والعصر اذ يجب الإخفات فيها، مع الجهر في صلاة الجمعة، والجهر والإخفات آية توثق جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نشر وتلاوة آيات القرآن وإسماعها للمسلمين والمشركين.
اذ انه كان يصلي في البيت الحرام، وفيه المشركون من قريش وغيرهم، ولاقى بسبب القراءة الأذى حتى اثناء الصلاة من غير أن يقطع صلاته او يعدل عن كيفية أدائها مما يدل على ان الجهر فيها أمر واجب من عند الله، ليتعاهده المسلمون ويكون من مصاديق الآية الكريمة في التلاوة على لامسلمين، بل وعلى غيرهم في دعوة يومية متجددة للإسلام، وتحدِ للذين ذكرتهم الآية السابقة والذين يسعون في صد المسلمين عن الإيمان ومحاولة إرجاعهم كفاراً، وبعث لليأس في نفوسهم من المسلمين، والتلاوة في الصلاة شاهد على إستدامة بقاء المسلمين على الإسلام وعدم تخليهم عن أحكام ومستحبات فروع الدين مما يعني ثباتهم القطعي على أصول الدين.
والتقيد بفروعه من الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوها، وموضوع الصلاة يشمل المرأة ايضاً وهو من مصاديق عمومات هذه الآية وإفادتها تلاوة الآيات على المسلمين ذكوراً وإناثاً، فهي تشمل المرأة من وجوه:
الأول: حضور المرأة صلاة الجماعة بإمامة الرجل، وسماعها التلاوة.
الثاني: إمامة المرأة للنساء، اذ ان وظيفتها الجهر في مواطنه بقدر ما تسمع المأمومات تلاوتها
الثالث: قراءة المرأة في صلاتها الإنفرادية، وهي مخيرة بين الجهر والإخفات في الصلاة الجهرية اذا لم يسمعها أجنبي، اما في الصلاة الإخفاتية وهي صلاة الظهر والعصر فيجب عليها الإخفات كالرجل، وتعذر فيما يعذر به، ومناط الجهر في القراءة ظهور جوهر الصوت، ورفعه على نحو يسمعه نفسه، ومن كان بجانبه ولا يجوز الصياح، والصلاة ووجوبها وسيلة مباركة لتعلم القرآن وقراءة آياته، وفيها الأجر والثواب، وأسباب الصلاح.
وتعلم القرآن للصلاة من مصاديق الآية الكريمة ، وكذا التلقين، اذ يجوز للمصلي إتباع من يلقنه آية فآية عند تعذر الحفظ والإتقان، واجتناباً للحن والخطأ، كما يجوز القراءة في المصحف لمن لم يكن حافظاً للفاتحة او السورة، وتعلم القرآن للصلاة واجب، ولا يمنع أداء الصلاة جماعة بالإئتمام من تجدد وجوب التعلم لكل فريضة، وفيه توكيد على أهمية التلاوة وان المسلم لا يكتفي بالإصغاء، ونشر أحكام الصلاة وآيات القرآن، وما فيها من المضامين القدسية.
ومن أسرار تعلم القرآن ان الآيات تكون حاضرة عند الإنسان، يتلوها حيث يشاء ويقرأها في الصلاة، ويحتج بها لأنها حجة قاطعة، ويحترس بها من الشبهات وأسباب الريب ومحاولة السعي لإرتداده وايذائه.
ومن الدقة والضبط في الصلاة عدم جواز الإخلال بشيء من الكلمات والحروف، فلا يجوز ابدال حرف بدل حرف آخر، ووضع علماء التجويد قواعد للقراءة تساعد في تهذيبها وأدائها على الوجه الصحيح، ولكن المدار في إخراج الحروف على صدق التلفظ بها، فلا تجب معرفة مخارجها وفق ما ذكروه لأنه نوع طريق لإحراز صدق التلفظ بها وإفادة المعنى.
والقراءة في الصلاة مصداق لبقاء هذه الآية غضة طرية في كل زمان، وشاهد على عدم تعطيل أحكام الآية القرآنية، كما انها دليل على عدم حصر موضوعها بزمن التنزيل، فالخطاب في الآية [تُتْلَى عَلَيْكُمْ] موجه للمسلمين جميعاً ذكوراً وإناثاً، ويشمل الصلاة وغيرها من مواطن استحباب قراءة القرآن كما في شهر رمضان الذي يعتبر ربيع القرآن، وفي المساجد والمنتديات، وقاعات الدرس وأروقة المدارس والجامعات بمراحلها المختلفة، ومن صيغ التلاوة إعانة المسلمين بعضهم بعضاً على تعلم القرآن وضبط حروفه وكلماته، وتعاهد لغته العربية من جميع المسلمين مع التباين في ألسنتهم وقومياتهم.
وتراهم يعتزون بلغتهم المتوارثة، ولكنهم يميلون بشوق لغة القرآن ويدركون أنها الجامع بينهم وبين كافة المسلمين، وعنوان الأخوة المستديم الذي يربط فيما بينهم، ومصداق الإيمان الذي يجعل الصلة بين أجيال المسلمين مستمرة، فلغة القرآن تربط بين اجيال المسلمين التي مضت والجيل الحالي والأجيال اللاحقة، وهو من مضامين الآية الكريمة وما فيها من التوثيق لمعاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين بمضامين القرآن القدسية.
بحث أخلاقي
لقد أنعم الله على الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن الآيات ان هذه النعمة متعددة الوجوه والمضامين، ولا ينحصر موضوعها بباب دون آخر، كما انها انشطارية وانحلالية اذ ان كل فرد منها ينشطر الى أفراد عديدة، ومن الشواهد السماوية عليه قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ]( ).
فالرحمة الالهية برسالته صلى الله عليه وآله وسلم شاملة للناس وعامة في مواضيعها ومنها باب الأخلاق، اذ جاءت متممة لمكارم الأخلاق، وللآيات القرآنية موضوعية في تهذيب النفوس واصلاح الأخلاق، لتكون باباً للأجر والثواب، وقد جعل الله سجايا وأفعال الإنسان قابلة للحسن والقبح، والمدح والذم، فجاءت آيات القرآن لإرتقاء النفس الإنسانية وسياحتها في عالم الملكوت لتغمره الغبطة والسعادة في الدنيا.
وينال الثواب والنعيم الدائم في الآخرة، والقرآن جامعة الأخلاق الذميمة، ومدرسة الصلاح ومن يصدر عن القرآن ويتخذه دليلاً وحجة يكون محموداً بين الناس، ولا يأتي الا بما هو حسن وممدوح، وحينما تتلى الآيات على المسلمين فانها تدعوهم الى الأخلاق الحميدة والتقوى وجهاد النفس ومحاربة الهوى، وتنمي في النفس الإنسانية معاني الفضيلة وتجعل الأفعال وصيغ السلوك خاضعة للقواعد الشرعية والسنن السماوية.
ومن الأسرار الملكوتية في الآيات القرآنية انها مناسبة لكل الأمزجة والمجتمعات مع التباين في الزمان والمكان، وتبين موضوعية حسن الخلق في موازين الهداية والإيمان، كما تدعو أهل الكتاب وغيرهم الى حسن المعاملة مع المسلمين ونبذ التعدي عليهم، والإفتراء على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والأخلاق الفاضلة مناسبة لإصغاء الناس للآيات والتدبر في معانيها، كما ان قوله تعالى [وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ] يدل على بلوغ المسلمين لدرجة رفيعة من التهذيب والصلاح الأخلاقي، وغلبة القوة الناطقة والعاقلة جعلتهم مستعدين للإستماع للآيات والإنتفاع من مضامينها وما فيها من الكنوز ومنقادين لأحكام الشريعة.
علم المناسبة
وردت مادة (تلى) في القرآن نحو ستين مرة، وتبين مدارس التلاوة في القرآن وما فيها من المنافع والدلالات والمنافع العظيمة التي لا تنحصر بموضوع التلاوة والإنصات لها بل تشمل الأمور العقائدية والعبادية والإجتماعية والأخلاقية الى جانب المواعظ التي تستقرأ من قصص الأنبياء، وللآيات الكونية وغيرها.
وفي دعاء ابراهيم عليه السلام ورد قوله تعالى [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ]( )، مما يدل على ان الأنبياء السابقين كانوا يعلمون موضوعية ومنافع التلاوة في ثبات المسلمين على الإيمان، وان ابراهيم كان يدعو للمسلمين بعدم العزوف أو الميل عن التنزيل وأحكامه، او التأثر بمحاولات أهل الكتاب وغيرهم لترك الإسلام واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
كما تبين الآية ما يمتاز به القرآن عن غيره من الكتب السابقة وان تلاوته تثبت المسلمين في منازل الهدى، بينما يختصم أهل الملل الأخرى فيما بينهم قال تعالى [وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ] ( )، فمع تلاوتهم الكتاب فان بعضهم يطعن ببعض، اما القرآن فانه يتلى على المسلمين فيحصنهم من الكفر والجحود، ويجعلهم يقرون بنبوة موسى وعيسى ويحفظون لأهل الكتاب حقوقهم بأن يكونوا في ذمة الإسلام.
وجاءت هذه الآية بالإخبار عن التلاوة بصيغة الفعل المبني للمجهول، بينما جاءت آيات أخرى تؤكد ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يتلو الآيات قال تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ]( ).
وتشمل التلاوة بيان أحكام الشريعة وما له من الأثر والموضوعية في حفظ سنن الإسلام وتعاهد البقاء عليها قال تعالى [قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ] ( ).

قوله تعالى [وَفِيكُمْ رَسُولُهُ]
هذا الشطر معطوف على الشطر السابق وهو [وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ] وهذا العطف من الإعجاز القرآني ومدرسة في الإحتجاج والسنن السماوية، ومع لغة الإيجاز والإختصار في الآية فانها تذكر أموراً وهي:
الأول: ذكر فردي علة عدم صدور الكفر من المسلمين مجتمعين ومنفردين القرآن وسنة.
الثاني: الإخبار عن ثبات المسلمين على الإيمان رغم التعدي من أقرب الناس لهم وهم أهل الكتاب وتعيين جهة التعدي، ونعتهم بأنهم أهل كتاب يدل على التهديد والأذى الذي يتلقاه المسلمون وأنهم اذا صمدوا أمام هذا التعدي والتحدي العقائدي فانه لن يضرهم بعده أي اذى يأتي من الكفار والمشركين لأن الحجة قائمة عليهم أصلاً لجحودهم وكفرهم، وتخبر الآية في مفهومها عن عدم حصول الكفر والجحود بسبب نزاع او خصومة بين المسلمين.
الثالث: أفضلية المسلمين على الموحدين من الأمم السابقة لإجتماع أمرين عندهم لم يكن أي منهما عند الأمم الأخرى وهما القرآن وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: بيان موضوعية شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حصانة المسلمين من الكفر والجحود، وهذه الموضوعية من آيات الله عز وجل، فوجود النبي مانع من إرتداد أي مسلم في أي زمان او مكان، مما يدل على حاجة المسلمين له ولوجوده في أي زمان، لذا حفظت سنته والعمل بها الى يوم القيامة.
وظاهر الآية إرادة شخص النبي في قوله تعالى [وَفِيكُمْ رَسُولُهُ] لإفادة معنى الظرفية بحرف الجر (فيكم) ولكن المعنى أعم بلحاظ انحلاف الخطاب وتوجهه لكل مسلم من الأجيال السابقة لزماننا هذا واللاحقة كما ان الظرفية من الكلي المشكك في سعتها وضيقها، فتشمل الأمة الإسلامية والجماعات والأمصار والقرى، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موجود مع كل جماعة منهم بخصوص حصانتهم الإيمانية وإمتناعهم على الجحود والضلالة، وسنته غذاء ومدد يومي لمواجهة التحديات الفكرية، وشاهد على صدق اختيارهم وسلامة عقيدتهم وبطلان الشكوك والريب الذي يأتي به اعداؤهم.
وتؤكد الآية على حقيقة وهي عدم انحصار موضوعها بأيام التنزيل وما قبل انتقال الرسول الكريم الى الرفيق الأعلى، بلحاظ أمرين:
الأول: دوام تلاوة الآيات على المسلمين.
الثاني: استمرار التعدي والتحدي والإفتراء من الآخرين، وهو ظاهر في هذه الأزمنة وان تباينت صوره وكيفيته الا انه متحد في موضعه والمقاصد المذمومة منه.
والآية ثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: وصف الآية له بانه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه وجوه:
الأول: ما يأتي به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو من عند الله.
الثاني: حث الناس على إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم التفريط بوجوده بين ظهرانيهم.
الثالث: الرسول أعلى مرتبة في التبليغ، وكل رسول هو نبي وليس العكس.
الرابع: الآية دعوة لسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور الشريعة وأحكام الحلال والحرم.
الخامس: الذم والتعريض بالذين لم يصدقوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الآية شهادة على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: بيان منافع رسالته وأثر وجود شخصه الكريم.
الرابع: التوكيد على الأثر الحسن لصبر وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله.
الخامس: بيان أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، فمن منافع وجوده وجوه:
الأول: جذب الناس للإسلام، وجعلهم مسلمين يؤدون مناسكه ويتقيدون بأحكامه.
الثاني: تثبيت ايمان المسلمين.
الثالث: صد اذى الكفار.
الرابع: الوقاية النوعية العامة من محاولات أهل الكتاب ارتداد المسلمين.
السادس: الإشارة الى بقاء حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين في أقواله وأفعاله، فسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمتداد لوجوده صلى الله عليه وآله وسلم.
السابع: تبين الآية الحاجة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: حاجة الناس لها لجذبهم الى الإسلام ودعوتهم الى الهداية والرشاد.
الثاني: حاجة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي على وجوه:
الأول: الإنصات للقرآن بتلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأياته.
الثاني: تعليم المسلمين احكام الفرائض وكيفية أدائها.
الثالث: ثباتهم على الإسلام، كما تدل عليه هذ ه الآية.
الرابع: الوقاية من التعدي والظلم ومحاولات ارتدادهم عن دينهم.
الخامس: تلقي الفيض الإلهي بواسطة النبوة، وبركات الرسالة، وأفراد السنة النبوية التي هي كالقوانين التي تحكم عمل المسلم الى يوم القيامة.
الثامن: الآية بشارة النصر والظفر للإسلام فما دام الرسول مع المسلمين فلن يقهروا، ولن يستطيع الآخرون صدهم عن سبيل الله، فالتصدي لمحاولات الإرتداد يعني في مفهومه بقاء المسلمين على دينهم وأدائهم للفرائض وتعظيمهم لشعائر الله، وهذا وحده عز ونصر.
التاسع: وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانه رسول، والرسالة أعلى رتبة من النبوة، وفيه اشارة الى وظائف الرسالة في حفظ الدين والعقيدة.
العاشر: تبين الآية تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، وان وجوده حصانة للإيمان وواقية من الكفر والشرك.
وفي هذا الشطر من الآية ثلاثة أطراف:
الأول: رحمة الله عز وجل اذ جاء الضمير في (رسوله) للدلالة عليه تعالى.
الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي ورد ذكر بصفة الرسالة.
الثالث: المسلمون ورد ذكرهم بالضمير في (فيكم).
ويظهر التداخل في الآية، فهذا الشطر يتكون من كلمتين، ويضم ثلاثة أطراف اذ يدخل النبي مع ذكر المسلمين بلحاظ حرف الجر (في) الذي يفيد الظرفية، كما ان كلمة رسوله تتضمن مضافاً ومضافاً اليه، وهذا التداخل سر من أسرار القرآن لما فيه من الإشارات الى قرب المسلمين من الله بواسطة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم إمكان انقطاع صلتهم بالله.
وجاءت تلاوة الآيات قبل وجود الرسول بين المسلمين وفيه وجوه:
الأول: تقدم البعثة النبوية في زمانها على تلاوة الآيات أما الرسالة فجاءت بعد النبوة وتلاوة الآيات ولو جزء قليل منها.
الثاني: إفادة المعنى الأعم للآيات وشمولها الآيات الكونية، وآيات الكتب السماوية السابقة.
الثالث: التقدم والتأخر في فردي علة البقاء على الإيمان وهما تلاوة الآيات، ووجود الرسول لا صلة له بالإعتبار الزماني.
الرابع: الملازمة بين تلاوة الآيات والرسالة، وان الأخيرة تعرف من الأولى، أي التلاوة شاهد على ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسو ل من عند الله.
الخامس: جاءت الآية لبيان موضوعية القرآن والسنة في بقاء المسلمين على الإسلام.
والصحيح هو الأخير فالآية تؤكد موضوعية القرآن كما ان التلاوة دليل ومصداق للرسالة، لأن الآيات لا يتلوها على الناس الا رسول من عند الله، وجاء الفرد الثاني، وهو حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة الى تلاوته الآيات، وهذاالتعدد يؤكد ان وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعم من قيامه بتلاوة آيات القرآن، لذا ترى السنة مبينة للآيات ومقيدة لها، وتتضمن أحكام الشريعة وتفاصيل الأحكام بما يمنع من التردد والإجمال وينفي الترديد واللبس والجهالة والغرر.
قانون “فيكم الرسول”
لقد أراد ألله عز وجل للناس الهداية الى الإسلام، والبقاء في منازل العبودية، فبعث لهم الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل عليهم الكتب والآيات لتكون شاهداً على رسالتهم، وسبيلاً للهداية والصلاح، ووثيقة سماوية للعمل بأحكام الشريعة وسنن النبوة، وعدد الرسل هو ثلاثمائة وثلاثة عشر من بين الأنبياء الذين يبلغ عددهم مائة وأربعة وعشرين ألف نبي.
وبينما يتبع النبي شريعة الرسول الذي سبقه في زمانه، فان الرسول يأتي بشريعة مبتدأة وقد شرف الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين اذ جعله نبياً رسولاً فيجعلهم يتلقون الآيات من عند الله بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه غنى عن غيرهم من أهل الملل الأخرى وهذا الغنى واقية من شبهاتهم وما يصدر منهم من أسباب البغضاء والحسد.
والإنسان كائن محتاج وانتماؤه الى الإسلام لا يجعله ينفك عن الحاجة الى غيره، فالحاجة ملازمة للإمكان، ولكن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جعلت حاجة المسلمين لله عز وجل وما ينزله من الآيات وما يتجلى على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأقوال والأفعال، وكل واحد منهما مصاحب للمسلمين في أيام حياتهم، وقانون “فيكم الرسول” عبارة عن ملازمة الرسول وسنته للمسلمين في مختلف اجيالهم وأمصارهم، فان قلت ان شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتقل الى الرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة للهجرة.
فكيف يكون في المسلمين ومعهم، والجواب ان هذه الآية إعجاز يخبر عن وجود سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين وإفادتها لمعنى الحضور الشخصي في باب العقائد والعمل، فما دامت السنة النبوية موجودة فاذن النبي موجود خصوصاً بلحاظ انه حي عند الله لم يمت، قال تعالى [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ]( )، والسنة النبوية على أقسام هي:
الأول: السنة القولية وهي ما قاله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياته سواء في العبادات او المعاملات او الأحكام، فتشمل ما نطق به من آيات القرآن لأنها أعلى مرتبة من السنة النبوية، ولأن الرسول محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بالتبليغ والتلاوة كما أفادت هذه الآية.
الثاني: السنة الفعلية، وتتضمن أفعال وأعمال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنها أداؤه للصلاة والصيام والحج ليكون أسوة للمسلمين ومناراً يهتدى به ويمنع من الخلاف والشقاق، خصوصاً وان الخلاف بين المسلمين سبيل لبعث أهل الكتاب وغيرهم الريب والشبهات فيما بينهم، لذا فمن مصاديق هذا القانون وجود السنة القولية والفعلية التي تمنع مقدمات الكفر والجحود.
الثالث: السنة التقريرية: وهي امضاء الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأفعال الصحابة من غير التصدي لها، وردها او منعها، بل يراها ويسكت عنها فهو من فروع السنة النبوية الا مع وجود قرينة تدل على وجود راجح آخر للسكوت عن الفعل، ويخرج الواقعة من التقرير والإمضاء النبوي.
الرابع: السنة التدوينية: وهو قسيم لوجوه السنة الأخرى أسسناه ابتداء في هذا التفسير وفيه توثيق لرسائل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى عماله والملوك وغيرهم، وكل رسالة هي مدرسة وقانون مستقل في لغة الخطاب وتبليغ الأحكام، وصيغ الوعد والوعيد، وكيفية الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ان بقاء سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين حضور لشخصه الكريم في الأذهان وعند الإتيان بالأفعال، وهذه آية إعجازية تبين تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأنبياء، فلم تخاطب أمة من المليين بالقول بان رسولهم فيهم الا بلحاظ وجوده بشخصه وقبل انتقاله الى الرفيق الأعلى، اما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان الله عز وجل تفضل على المسلمين وجعله معهم دائماً والى يوم القيامة في سنته وسيرته وصبره وجهاده، وهي خصوصية لم ينلها أحد من قبل ولا ينالها أحد غيره ابداً، ورحمة ورأفة بالمسلمين وعون لهم على التصدي لمحاولات ردتهم ونكوصهم عن الإسلام.
علم المناسبة
ورد لفظ رسوله في القرآن أربع وثمانين مرة، كلها بالإضافة الى الله تعالى، فلم يأتِ في القرآن لفظ (رسوله) منسوباً الى ملك أو حاكم بل ولا الى نبي من أنبياء الله، وفيه مسائل:
الأولى: الدلالة على وجوب إكرام رسل الله عليهم السلام والتصديق بهم واتباعهم.
الثانية: للرسالة من عند الله خصوصية ومرتبة لا ترقى اليها رسالة أخرى، وهذا الأمر يستقرأ من المضامين العقائدية والمسؤولية العظيمة التي يتولاها الرسول في أمور الدين والدنيا.
الثالث: في هذا الإختصاص دعوة للناس للرجوع الى الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه ونصرته.
ولم يرد قوله تعالى [وَفِيكُمْ رَسُولُهُ] الا في هذه الآية الكريمة وفيه مسائل:
الأولى: في الآية اكرام للمسلمين بان جعل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم معهم وفيهم ومنهم.
الثانية: بيان فضل الله تعالى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان جعله مع أمته دائماً، وهو حاضر معهم في سنته وأقواله وجهاده.
الثالثة: في الآية إشارة الى حشر المسلمين مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جنات الخلد، وانه سيكون قائدهم الى الجنة.
الرابعة: الآية تنزيه للمسلمين في أفعالهم، فما دام النبي معهم فانهم على الصراط المستقيم.
الخامسة: في الآية دلالة على حصانة المسلمين من طاعة أهل الكتاب وغيرهم.
واذ جاءت هذه الآية بالتحذير من طاعة أهل الكتاب، فان جاءت بتوكيد وجوب طاعة الله ورسوله قال تعالى [أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ] ( )، وقوله تعالى [وَفِيكُمْ رَسُولُهُ] أعم من الحضور والظرفية، فيشمل طاعة الرسول وإتباعه والإقتداء به في الفرائض، والجهاد معه في سبيل الله، قال تعالى [وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ]( ).
وتدعو الآية المسلمين الى طلب رضا الله ورضا رسوله، والشعور بان الله ورسوله معهم في أعمالهم، قال تعالى [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ]( ).
وكما جاءت الآيات بطاعة الله ورسوله فانها نهت عن طاعة غيره، مما يعني عدم اجتماع طاعته مع طاعة غيره، وان طاعة اهل الكتاب معصية، وتؤدي بالمسلم الى الضلالة والهلاك قال تعالى [وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا]( ).
وتدعو الآية المسلمين الى معرفة مضامين السنة النبوية الشريفة والإطلاع على ما فيها من الأسرار والكنوز، واتخاذها منهجاً في الأقوال والأعمال، وإدراك حقيقة وهي ان الله عز وجل جعل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين في كل زمان، فقوله تعالى [وَفِيكُمْ رَسُولُهُ] يعني ان الله عز وجل أراد اكرام المسلمين في كل مكان وزمان بان يكون الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاضراً معهم في عباداتهم ومعاملاتهم، وهو تفضيل وتشريف لهما معاً أي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ولم يحصل على هذه المرتبة من الأنبياء غير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا من الأمم والملل غير المسلمين.

بحث بلاغي
من وجوه البديع “الفرائد” وهو الإتيان بلفظ يكون كالفريدة من العقد أي الجوهرة التي لا مثيل لها، ولا يمكن استبدالها بغيرها، للدلالة على الفصاحة وحسن اختيار الألفاظ، وجزالة الكلام وتبحر في المعاني والمفاهيم وأستدل عليه بقوله تعالى [الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ] ( )، والرفث في قوله تعالى [أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ]( ).
والحق ان القرآن يتصف بخصوصية وهي كل لفظ فيه فريدة لا نظير لها، وآية قائمة بذاتها، ذات معانِ متعددة، ووجوه انشطارية كثيرة بحسب اللحاظ والموضوع والزمان والمكان، من غير ان يكون هناك تناقض او اختلاف بين وجوه اللفظ الواحد، ولا بينها وبين الوجوه المتعددة لألفاظ القرآن الأخرى، ولم تقل هذه الآية “ومعكم رسوله” بل جاءت بصيغة الظرفية وليس المصاحبة مما يدل على إفاضات وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين جميعاً، وأنهم منهم ومعهم، لأن الظرفية تتضمن المصاحبة، ولم تقل الآية “فيكم نبيه” لأن النبوة تعني البعثة والتنبأ وتلقي الوحي، أما الرسالة فهي أعم وتعني المجيء بشريعة وأحكام ناسخة للملة السابقة، وفيه دعوة للمسلمين للإعراض عن الشك والريب وحث لأهل الكتاب على التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوصف الرسول يقطع الطريق بوجه من يدعي منهم لزوم اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لشريعة موسى او عيسى، بل انه صاحب شريعة مستقلة، وتتصف بالتكامل، ويبعث لفظ (الرسول) في نفوس المسلمين السكينة والطمأنينة لما فيه من الدلالة على حسن إختيارهم، وسلامة نهجهم والدعوة للتمسك بمبادئ الإسلام، والحرص على اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وورود لفظ الرسول هنا حاجة وضرورة لأن الآية في مقام ذكر علة وأسباب إنتفاء الكفر عن المسلمين، ومثلما تتلى على المسلمين آيات الله فان رسوله يقوم بتبليغها، وبيان أحكام الشريعة بسنته القولية والفعلية قال تعالى [ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ] ( ).

قوله تعالى [وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ]
إنتقلت الآية الى جملة شرطية تتعلق بالعصمة من الزلل، والوقاية من الكفر والجحود، والآية بلحاظ نظمها تحتمل وجوهاً:
الأول: الإعتصام بالله عز وجل برزخ من الكفر والضلالة.
الثاني: تلاوة الآيات ووجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين، وهما مصداق العصمة بالله، وتقدير الآية “من تتلى عليه آيات الله”، ويكون الرسول موجوداً معه فهو معتصم بالله.
الثالث: تلاوة الآيات ووجود الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين مقدمة للإعتصام بالله.
الرابع: الواو في [وَمَنْ يَعْتَصِمْ] استئنافية وهذا الشطر من الآية
مستقل في دلالته عن الشطر السابق، وهو موضوع منفصل يبين طريق الهداية والرشاد وسبيل السلامة والنجاة، ولا تعارض بين هذه الوجوه، وهي من مصاديق الآية وتأويلها بلحاظ وجوه:
الأول: نظم الآية وسياق الآيات والتداخل والإتحاد في موضوعها.
الثاني: قراءة الآية على نحو مستقل والتدبر في معناها ومضامينها القدسية مع قلة كلماتها.
الثالث: عطف هذا الشطر على ما سبقه.
الرابع: تأويله وفق قوانين السببية والعلة والمعلول، ولهذا التعدد في وجوه الآية ومضامينها دلالات عقائدية منها:
الأول: توكيد وجوب اللجوء الى الله، والتمسك به.
الثاني: الإعتصام بالقرآن والسنة النبوية.
الثالث: إخبار أهل الكتاب والكفار بان المسلمين على الهدى والإستقامة، ولن يضرهم ما يثيرونه من الشك والريب.
الرابع: التوكيد على حقيقة وهي ان الإسلام اعتصام بالله عز وجل.
الخامس: ثبوت الإيمان في الأرض، وعدم إمكان تخلي المسلمين عنه، لأن حقيقة الإسلام هي اعتصام بالله عز وجل.
السادس: بشارة النجاة والسلامة والفوز للمسلمين وفق القياس الإقتراني.
والكبرى: هي الإعتصام بالله هداية ونور.
والصغرى: المسلمون معتصمون بالله.
النتيجة: المسلمون مهتدون وفائزون.
وجاءت الآية بصيغة الجملة الشرطية التي تفيد العموم والقاعدة الكلية، ومن أسراره وجوه:
الأول: صيغة التنكير التي تفيد الإجمال وعدم التعيين الا بلحاظ الفعل والتمسك بالله تعالى.
الثاني: لغة الإطلاق والعموم، وعدم حصر الأمر بعدد محدود من الناس، فالمدار على الإعتصام بالله واللجوء اليه.
الثالث: في الآية إشارة الى الإسلام وانه سبيل الإعتصام بالله.
الرابع: يتجلى الإعتصام بالله بطاعته والإمتثال لأوامره.
الخامس: التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنوان الإعتصام بالله وباب لأداء الواجبات والفرائض.
السادس: دعوة الناس لتلمس أسباب ووجوه العصمة بالله وحثهم على الإقرار بالتوحيد والإيمان بالرسالة.
السابع: إرشاد المسلمين الى وجوب أداء الفرائض والعبادات وانها عصمة من الكفر والجحود.
الثامن: بيان الأذى والشر في محاولات أهل الكتاب لإرتداد المسلمين.
التاسع: بعث السكينة في نفوس المسلمين، وعدم الفزع من محاولات أهل الكتاب، وتقدير الآية من يريد النجاة من المكر والكيد ومحاولات الصد عن سبيل الله فليعتصم بالله عز وجل.
العاشر: بيان ما يحتاجه المسلم في حياته العقائدية من الجهاد في سبيل الله.
الحادي عشر: تحث الآية على حسن النية، وسلامة السريرة، والغاية منه مركبة من وجوه:
الأول: دعوة المسلمين الى أمور هي:
الأول: الإستمرار بصدق النوايا والإخلاص في العبادة.
الثاني: اظهار العبودية الى الله، والتقيد التام بأداء الفرائض والواجبات.
الثالث: النية الحسنة والعزم على الثبات على الإيمان واقية ذاتية من مفاهيم الكفر والشرك والإرتداد.
الثاني: حث أهل الكتاب على قهر النفس الشهوية والغضبية وترك الحسد والبغضاء والنوايا السيئة أزاء المسلمين.
الثالث: دعوة الناس جميعاً لإجتناب الكفر والإصرار عليه، وبعث العزم في نفوسهم على اصلاح الذات، وقصد النجاة في النشأتين.
وهذا التعدد مع التباين في الجهة وشمولها للمسلمين وغيرهم، والإتحاد في ماهية الموضوع وهي النية ولزوم تهذيبها وجعلها حسنة خالية من الشر والمكر والكيد من إعجاز الآية وحجة للمسلمين الذين يتصفون بالنوايا الحسنة والمقاصد الحميدة باختيارهم الإسلام والتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن إعجاز الآية انها تجعل حال المسلمين نبراساً للأمم، ودعوة للناس للإقتداء بهم وان طريق الإيمان قريب وظاهر في وضوحه وينفرد بخصوصية مباركة وهي الإستقامة والسلامة والإبتعاد عن الميل والإنعطاف عن جادة الحق والهدى، وتمنع الآية الناس من التيه والضلالة عن جادة الحق والهدى، وتجعل لهم المسلم قدوة وبرزخاً دون الإنصات لدعوات الكفر والضلالة.
ان صدور التضليل والغواية من أهل الكتاب مع انهم أصحاب ملة سماوية وينتسبون الى كتاب منزل ايذاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وحرب تستلزم العناء والجهد الإضافي والجهاد مع النفس والغير، وكانت سبباً مباشراً او غير مباشر وراء كثير من الحروب والمعارك، وتخلف جماعات من الناس عن الإسلام، الا ان الإسلام ظهر من حربه هذه منتصراً ظافراً ولا تنحصر معاني الظفر هنا بالتغلب على كيدهم ومكرهم، بل بثبات الإيمان في قلوب المسلمين وتنزههم عن دبيب الكفر الخفي فضلاً عن الظاهر، وارتقائهم في سلم المعارف الإلهية، وأهليتهم للإحتجاج والجدال وكشف نوايا السوء والمقاصد الذميمة، وهذا الكشف باب لهداية أهل الكتاب وغيرهم، وحجة عليهم.
لقد أراد الله عز وجل بهذه الآية الإخبار عن حقيقة وهي وجوب الإعتصام بالله عز وجل، وان المسلمين هم الذين أمتثلوا لأحكام هذا الوجوب.
والإعتصام بالله على وجوه متعددة هي:
الأول: النية والقصد وإرادة التوكل على الله.
الثاني: دخول الإسلام والنطق بالشهادتين.
الثالث: أداء الفرائض والعبادات والتقيد بأحكامها، واجتناب التفريط بها.
الرابع: الإبتعاد عن الشرك وأسباب الكفر والجحود.
الخامس: طاعة الله ورسوله، واجتناب الإذعان والتصديق بما يقوله أهل الكتاب وغيرهم من الإفتراء وما يثيرونه من الشك والريب.
السادس: العمل بالقرآن وعدم الصدور الا عنه.
السابع: المبادرة الى إعلان الإيمان بالرسالة والتصدي لدعوات الضلالة.
الثامن: الإستجارة بالله تعالى واللجوء اليه سبحانه.
التاسع: اظهار الإنقياد لله تعالى والتسليم لأوامره وما جاء به الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة والتمسك بالله عز وجل، وهل يعتبر أداء الفرائض غير الإعتصام لقوله تعالى [فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ] ( )، الجواب لا، انما هو من عطف العام على الخاص، والكل على الجزء.
والآية وان جاءت بصيغة الشرط الا انها تدل في مفهومها على الإنشاء ولغة الخطاب وفيها وجوه:
الأول: المدح والثناء على المسلمين لإعتصامهم وتمسكهم بمبادئ الإسلام وأدائهم للفرائض وضروب القربات.
الثاني: اللوم لأهل الكتاب على محاولات إضلال المسلمين وصدهم عن الإسلام.
الثالث: زجر الكفار عن إيذاء المسلمين وصدهم عن الإسلام، فاذا كانت الآيات القرآنية تلوم أهل الكتاب على صد المسلمين عن الإسلام باثارة الشكوك وانكار البشارات، فمن باب الأولوية القطعية ان يوجه اللوم والإنذار والوعيد الى الكافرين لمحاربتهم المسلمين.
وبحسب التفسير الذاتي للقرآن فقد ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ]( )، والطاعة نوع الولاية كما انها تكون مقدمة للولاية فجاءت الآية للتحذير من الأمرين معاً، فكما يؤدي تكرار الطاعة الى حصول الولاية، فكذا حصول الولاية يجعل المرء ينقاد الى من يتولاه، لذا جاءت الآية بالنهي عن ولاية وطاعة اهل الكتاب، في دلالة على عز المسلمين ومنعتهم بالقرآن والسنة النبوية، كما أدت هذه الآية بالإعتصام بالله عز وجل، فمن إعجاز القرآن الموضوعي ان ينهى عن فعل غير مناسب، ويأمر بفعل يتصف بالتقوى والصلاح.
قانون الإعتصام
الحياة الدنيا مزرعة الآخرة، وما يعمله الإنسان فيها يجده في عالم الآخرة فهو يوم الحصاد وأوان الجزاء، لذا فان الدنيا دار امتحان واختبار، وجعل الله عز وجل الكتب المنزلة طريقاً للإهتداء اليه، والإستجارة بكنفه وحصنه، لينال الإنسان الأمن في الدارين، ليكون الإلتجاء اليه جذباً من المعبود الى العبد، ورحمة مزجاة للناس جميعاً، وباب يستطيع ولوجه أي انسان مع ما فيه من النفع العظيم، وهو لا يغلق أبداً ولم يجعله الله مفتوحاً فحسب، بل ندب الناس الى ولوجه والإنتفاع منه.
ولا يستلزم الإعتصام بالله من الإنسان العوض والبدل، بل هو هبة ورأفة وليس مثله باب او أبواب تجعل الإنسان يشتبه او يتردد في اختياره فضياء الهداية الذي يشع من باب الإعتصام يملأ الخافقين، ويراه الإنسان ببصره وبصيرته، وهو من الأمور النادرة التي يراها ويحس بها الأعمى، لأن الإعتصام بالله تحس به الحواس الخمسة، ويدركه العقل الإنساني وتراه القلوب وهذا التعدد لطف اضافي من الله بالعباد جميعاً، وهو حجة عليهم.
وهل الإعتصام بالله واجب ام مندوب، الجواب هو الأول، فلابد للإنسان من التمسك بالله والإمتثال لأوامره لذا يرد بعد آيتين قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا]، بصيغة الأمر الذي يفيد الوجوب وعدم جواز الترك، ولا يمكن للإنسان ان يستغني عن الإعتصام بالله او يفرط فيه، لذا فانه قانون عام شامل للناس جميعاً كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وأنثاهم.
ومن الناس من ينشغل بزينة الحياة الدنيا ومباهجها فيبتلى فسرعان ما يلجأ الى الله ويلوذ بقوته وسلطانه، ويرجو منه الفرج ورفع البلاء والشدة في بقائهم على الإعتصام بالله والتوكيد للناس جميعاً بوجود أمة مسلمة تتمسك بأوامر الله عز وجل، وهذا التمسك دعوة لهم للإهتداء، وجذب لمنازل الإيمان، أي انه لا يستطيع ان يستغني عنه في يوم او حال من أحوال حياته وان بلغ مراتب الملك والسلطان والغنى والجاه.
والإبتلاء وظهور الحاجة الى الله عز وجل لا يعني انحصاره بأوانه بل هي متصلة ولكن فريقاً من الناس لا يدرك وجودها وضرورتها الا عند الإبتلاء لذا ورد في الحديث انه اذا كان الإنسان لا يدعو الله الا عند الشدة والعسر، فان الملائكة تؤخر الدعاء وتقول صوت غير مسموع بعكس من كان يواظب على الدعاء فانها تبادر الى رفعه وتقول: صوت مسموع، وان كان الله عز وجل يسمع دعاء العبد قبل ان يصل الى الملائكة بالإضافة الى علمه به منذ الأزل.
ومن أسرار غلبة المسلمين وظهور الإسلام هو اعتصامهم بالله، وعدم تفريطهم بالواجبات والفرائض.
وهل الإعتصام بالله متعدد ويصح بطرق والإنتماء لملل متعددة، ام انه متحد لا يصح الا عن طريق واحد، الجواب فيه تفصيل، فلابد من الإسلام طريقاً وموضوعاً ومادة للإعتصام بالله باعتبار ان الإعتصام هو الإمتثال لأوامر الله عز وجل، واتيان ما أمر به وتصديق رسله والعمل بما جاء بالكتب التي أنزلها عليهم.
علم المناسبة
وردت مادة (عصم) في القرآن ثلاث عشرة مرة، وتبين حاجة الإنسان الى غيره، باعتباره ممكناً، والحاجة ملازمة للإمكان، ومن آيات تعاهد خلق الإنسان ان الله عز وجل في المقام أمور:
الأول: هداية الله عز وجل للإعتصام، وبيان موضوعية الإعتصام والإستجارة في حياته.
الثاني: اخباره عن حاجته للجوء الى القوي، وتدارك ضعفه بالإعتصام.
الثالث: تعيين جهة الإعتصام وانه لا يكون الا بالله عز وجل.
الرابع: بالإعتصام بالله عز وجل النجاة والسلامة والفوز.
الخامس: حاجة الناس جميعاً الى الإعتصام بالله، بما فيهم الأنبياء وسيدهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى مخاطباً نبيه الكريم [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( )، وفيها وجوه:
الأول: تأديب المسلمين بعدم الغلو بنبيهم كما غالى غيرهم بأنبيائهم.
الثاني: بيان قاعدة كلية وهي الإعتصام بالله حرز وواقية من الشرور والأذى ووسيلة مباركة لصرف الكيد والمكر عنه.
الثالث: توكيد إستجابة الله تعالى للعبد في موضوع الإعتصام والعصمة، فما ان يتمسك العبد بالله عز وجل فانه سبحانه يجعله في مأمن وحصن.
وتبين هذه الآية وآيات الإعتصام الأخرى انه حاجة ملازمة للإنسان ولا ينحصر موضوعها بساعات الحرج والشدة ولا بالقضايا الشخصية بل ان المسلمين يحتاجون التمسك بالله عز وجل مجتمعين ومتفرقين، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( )، كما تدعو آيات الإعتصام الى اجتناب غضب الله وترك معصيته لأنه لا أحد ينجي من عذابه وسخطه.
ولم يرد لفظ (ومن يعتصم) في القرآن الا في هذه الآية، وورد لفظ (إعتصموا) بصيغة الأمر ولغة الجمع مرتين في القرآن في خطاب هداية للمسلمين، كما جاء مرتين بصيغة الفعل الماضي (اعتصموا) ويتضمن البشارة بالفوز والفلاح للذين آمنوا، والذين تابوا وأصلحوا.
كما جاءت الآيات بالإخبار عن انعدام العاصم من الله، فمن أسماء الله الحسنى “العاصم” وليس من عاصم سواه، وانحصار العصمة بالله تعالى دعوة لعبادته والإقرار بربوبيته، واللجوء اليه.
والإخبار عن هذا الحصر لطف من الله تعالى واشعار بانه لا يقدر على عصمة غيره الا الله عز وجل فحصر العصمة فرد من أفراد الإرادة التكوينية وسر من أسرار عالم الخلق والتكوين.
ويحتمل الإعتصام بالله من حيث الموضوع الذي يتعلق به وجوهاً:
الأول: تلاوة الآيات على المسلمين تجعلهم يعتصمون بالله على نحو القطع والجزم.
الثاني: يترشح الإعتصام بالله عن تلاوة آيات القرآن، ووجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته الشريفة.
الثالث: الإعتصام بالله عز وجل أمر مستقل، ولكن القرآن والسنة عون وسبيل اليه.
الرابع: جاءت الآية للحث على الإعتصام بالله والتذكير بانه ملازم لنزول الآيات ووجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيان لعظيم بركة كل منهما وتقدير الآية ما دام فيكم كتاب الله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانكم لابد وان تعتصموا بالله، وتهتدوا الى الصراط المستقيم، ولا تعارض بين هذه الأمور، وهي من وجوه الفيض الإلهي على المسلمين بالقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه شاهد على أمور:
الأول: تفضيل القرآن على الكتب السماوية الأخرى ودعوة للإنصات الى آياته والتدبر في معانيها.
الثاني: بيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتفضيل على الأنبياء الآخرين في النفع والبركة منه، وحضوره بسنته وأثرها على المسلمين حتى بعد رحيله ووفاته.
الثالث: تشريف المسلمين وإعانتهم بآيات عظيمة ملازمة لهم تأخذ بأيديهم نحو سبل الهداية والصلاح.
قوله تعالى [فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]
جاءت خاتمة الآية قاعدة كلية وجملة شرطية، تتضمن البشارة وتبعث على السكينة وتمنع من الحزن وتدفع الخوف، وتتضمن الإطلاق في الحكم، فكل من يتمسك بالله فهو مهتدِ، وعلى جادة الحق والصواب، وتبين الآية الحاجة الى اللجوء الى عز وجل والتمسك بأحكام الشريعة الإسلامية، وان الإسلام ليس انتماء فحسب، بل هو قول وعمل مصاحب للحياة الدنيا يتمثل بالتمسك بالله عز وجل، ويترجم هذا التمسك في الواقع اليومي للعبد بوجوه:
الأول: أداء الفرائض والعبادات، والتقيد بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تقوى الله والخشية منه في السر والعلانية.
الثالث: اللجوء الى الله تعالى عند الحاجة والشدة، فقد يكون المسلم محتاجاً لأهل الكتاب في أمور الدنيا والمعاشات او التجارات والمكاسب، فتكون باباً لطاعته لهم، والإنصات لهم ومطاوعتهم في بعض أمور الملة والعقيدة وما يثيرونه من اسباب الشك والريب، فجاءت هذه الآية لتجعل الأولوية في عمله لعدم طاعة اهل الكتاب، ونبذ الإنصياع لغير الله.
وفي الآية سر من أسرار الإرادة التكوينية وهو ان التمسك بالله يكفي المسلم، ويكون سبيلاً لقضاء حوائجه وفق الشريعة، وبما فيه الأمن والفلاح، أي ان موضوع الكفاية هنا لا ينحصر بقضاء الحوائج بل يشمل حسن العاقبة والسلامة في النشأتين.
الرابع: التمسك بمبادئ الإسلام لن يضر العبد في دنياه ولا آخرته، فقد يظن المسلم انه محتاج او مضطر لمهادنة غير المسلم في أمور العقيدة، فتأتي هذه الآية لتطرد هذا الظن وتؤكد له ان الحق بتعاهد الإقرار بالتوحيد ونبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: تدعو الآية المسلمين الى نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الخوف من الضرر او الخسارة التي قد تأتي عرضاً من أعداء الإسلام والعزوف والإعراض عنهم.
السادس: الآية منعة وحصن للمسلمين، وسبيل للهداية الى التمسك بالله عز وجل، وهذا من إعجاز القرآن، ففي الوقت الذي تخبر فيه الآية عن نيل الهداية بالإعتصام بالله عز وجل، فانها تهدي الى الإعتصام بالله والتمسك بالقرآن والسنة النبوية الشريفة، أي ان الآية دعت للإعتصام بالله ببيان حقيقة ومنافع وبركات الإعتصام بالله عز وجل.
السابع: العصمة من طاعة اهل الكتاب، واجتناب الإصغاء الى الشكوك والشبهات التي يثيرونها حول الإسلام، او محاكاة بعضهم في التفريط بالعبادات والطاعات التي جاءت بها الكتب السماوية.
لقد إمتاز الدين الإسلامي بأداء المسلم للعبادات والفرائض على نحو منتظم لا يقبل الترديد، وهذا الإنتظام لا ينحصر بالزمان والكليات والماهية بل يشمل أجزاء وتفاصيل العبادات مما يستلزم الإنقطاع الى طاعة الله.
الثامن: تدعو الآية المسلم الى التفرغ الى عبادة الله في حال الرخاء والشدة.
ومن الآيات ان الآية توصي بالعصمة بالله والتمسك بحبله المتين وتتضمن في ذات الوقت البشارة بالنجاح والفلاح لكل من يتمسك بالله عز وجل، وهل يأتي هذا التمسك عن طريق الإنتماء لملة أخرى غير الإسلام، الجواب لا، من وجوه:
الأول: النهي عن طاعة أهل الكتاب الواردة في الآية السابقة، وما يؤدي اليه من الضلالة والكفر.
الثاني: الإخبار الإلهي بتوالي تلاوة آيات القرآن على المسلمين جميعاً، وعدم انقطاع التلاوة الى يوم القيامة، وان التلاوة مقدمة وباب للإعتصام بالله.
الثالث: عدم قبول الأعمال الا بقيد الإسلام والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهل الإعتصام بالله واجب أم لا، واذا كان واجباً فهل هو واجب تعييني على نحو الحصر ام واجب تخييري يجوز إبداله بغيره، الجواب هو الأول، فالإعتصام بالله واجب تعييني ليس له بدل في طوله أو عرضه، لذا ورد قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا] لإفادة العموم في لزوم الإعتصام بالله عز وجل.
قانون الملازمة بين الإعتصام بالله والهداية
من الآيات في خلق الإنسان ان جعل الله عز وجل الهداية قريبة منه يستطيع الإهتداء لها، والعمل بسنتها، وليست مطلوبة بذاتها فحسب بل هي وسيلة للنجاة في النشأتين وسبيل للصلاح، وكما ان الهداية مقدمة للإستقامة والفوز في النشأتين فان الهداية تحتاج الى المقدمة وهي الإعتصام بالله تعالى والتمسك بالإسلام، وهذا الإعتصام هو نفسه هداية ايضاً، فالملازمة بين الإعتصام والهداية بالذات والعرض، ومن شاء النجاة في الدنيا والآخرة فيطلب الهداية ويسعى في مسالكها، وبابها الذي يؤتى منه هو الإعتصام والتمسك بالله عز وجل.
وجاءت هذه الآية لتنبيه المسلمين الى الملازمة بين الإعتصام بالله وبين الهداية، ودعوتهم لشكر الله تعالى على هذه النعمة المركبة، فمن الآيات في فضل الله ان الملازمة والتداخل بين النعم الإلهية نعمة اضافية تستحق الشكر والثناء على الله تعالى، كما ان الملازمة بين نعمتين او اكثر يجعل الإنتفاع من النعم متعدداً من وجوه:
الأول: النهل من كل نعمة على نحو مستقل.
الثاني: الإنتفاع من الملازمة بين النعم الإلهية، لأنها نعمة اضافية.
الثالث: الإستفادة من الإفاضات التي تترشح من الملازمة على كل نعمة من أطرافها، باعتبار ان هذه الإفاضات نعمة مستحدثة.
لقد أنعم الله على الإنسان بان خلقه ورزقه العقل ثم خاطبه بلغة يفهم معانيها، وأمره بوجوب الإعتصام به والتمسك بمبادئ التوحيد والربوبية، ثم تلطف به مرة أخرى وبين له جزاء الإعتصام به وهو الهداية الى سواء السبيل والفلاح في النشأتين، مع ان الله عز وجل غني عن العباد ليس محتاجاً لإعتصامهم به.
والهداية الى سواء السبيل حاجة للإنسان، وتفضل الله عز وجل بتأمينها وتيسيرها للناس بالإعتصام به، وجعل سلوك طريق الهداية ممكناً وسهلاً على كل انسان، فليس من حواجز أصلية او وضعية بين الإنسان وسبل الهداية وهو نعمة إضافية على الإنسان بان يرزقه الله النعمة ويمنع أسباب حجبها عنه، ومنه هذه الآية فقد أنعم الله عز وجل على الناس بالإسلام، ثم حذر المسلمين من إتباع أهل الكتاب باعتبار ان إتباعهم مقدمة للكفر والجحود، والمسلمون منزهون عنه الى يوم القيامة.
وأراد الله عز وجل للإنسان العز والصلاح والسعادة في الدنيا، لتكون مقدمة لدخول الجنة، وارشاده الى سبيل السعادة فيها وهو الإعتصام بالله عز وجل ويبين له مضامين الإعتصام وهي الإقرار بالوحدانية لله وتصديق رسوله الكريم والإمتثال لما جاء به من الأحكام والسنن.
ثم تفضل الله سبحانه واخبر في هذه الآية عن الملازمة بين التمسك بأوامر الله، وبين الهداية الى الرشاد والفلاح، ولا تنحصر هذه الملازمة بموضوع دون آخر، أو أمة دون غيرها بل هي قانون يحكم فعل أهل الأرض جميعاً، ومناسبة لإستدامة عبادة الله في الأرض، ودوام كلمة التوحيد، وتلاوة آيات القرآن وتكرار سماع الأذان يومياً ليكون دعوة لتعاهد الحياة الإنسانية في الأرض، ووثيقة كونية تملأ الآفاق تؤكد أهلية الإنسان لخلافة الله في الأرض، ووراثة المسلمين للأنبياء في الإعتصام بالله، والإهتداء الى الصراط المستقيم.
واذا كان الإعتصام يؤدي الى الهداية فهل ان الهداية الى صراط مستقيم تؤدي الى الإعتصام بالله، الجواب نعم، ولا يضر بها ان الإعتصام مقدمة للهداية، للتداخل والملازمة بينهما ولأن الإعتصام بالله، من مصاديق الهداية، فالى جانب كونها من أفراد العلة والمعلول فان هناك ملازمة وتداخل بينهما والهداية الى الصراط جزء من النظام الأحسن للكائنات، وهو من مضامين الشكر لله على نعمة تسخير الموجودات له، والإفاضات المتتالية عليه لذا ندب الله الناس اليها، وحببها الى النفوس وجعل الإعتصام بالله طريقاً اليها، وبين لهم الحاجة الى الإعتصام به وأضرار عدم الإعتصام به واللجوء الى غيره ثم تفضل وعصم المسلمين من التمسك بغيره.
والمراد من الصراط في المقام وجوه:
الأول: الإقرار بالعبودية لله تعالى، والتسليم بالربوبيه له سبحانه.
الثاني: أداء العبادات والفرائض.
الثالث: الصراط هو القرآن والعمل بأحكامه وسننه، وقد روي عن الحارث الأعور عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الصراط المستقيم كتاب الله”.
ولما جاء في سورة الفاتحة قوله تعالى [ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ] جاءت هذه الآية لتبين ان الصراط هو الإعتصام بالله، وان الآية التي يرددها المسلم في كل يوم عدة مرات في الصلاة أنما هي لطلب التمسك بالله مما يدل على موضوعية وإعتبار الإعتصام بالله، وانه حاجة للإنسان في دنياه وآخرته.
الرابع: الصراط هو الإسلام، وهو المروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله، مما يدل على ان الآية تحث الناس على دخول الإسلام، وفيها نكتة وهي ان نعت الكتاب بانهم يكفرون بآيات الله، كما في الآية قبل السابقة وتحذير المسلمين من طاعتهم كما في الآية السابقة، لم يمنع من دعوتهم للإسلام وبيان أسباب الهداية والفلاح لهم وإعانتهم على بلوغ المقاصد الحميدة، والتخلص من الكدورات الظلمانية.
الخامس: الصراط هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنهاجه وسيرته لذا فان الآية تدعو الى التصديق بنبوته واجتناب العناد والإصرار على إنكار البشارات بها، وهذا التصديق هو إعتصام بالله وتمسك بما انزله وما أمر به من الأحكام.
السادس: على القول بأن الصراط هو منهج الأنبياء والمرسلين، فان الآية تدعو الى الإقتداء بهم، وهذا الإقتداء على وجهين:
الأول: محاكاتهم في طاعة الله والإخلاص له في العبادة.
الثاني: التصديق بالبشارات التي جاءوا بها من عند الله عز وجل.
السابع: الصراط هو حب الله، والسبيل المؤدي الى الجنة، فالآية تدعو الى التمسك بحب الله، والإنقطاع اليه، واجتناب الهوى والنفرة من الضلالة والغواية.
الثامن: بلحاظ قيد الإستقامة في الطريق، فانه يعني الوسطية ونبذ الغلو او التقصير في أمور الدين أي ان الصراط تقيد بأحكام الشريعة واجتناب للإفراط والتفريط، وهذا الإجتناب يحصل بالتمسك بالله عز وجل والإخلاص في طاعته.
علم المناسبة
ورد ذكر الصراط في خمس وأربعين آية، جاءت ثلاث وثلاثون منها بقيد الإستقامة وهذا القيد رحمة اضافية بالناس، فالآية شاهد على ان الله عز وجل مكّن الناس من الإهتداء الى الصراط المستقيم والسبيل القويم، والنهج السليم الذي يوصل الى دار النعيم، والهداية الى الصراط فضل من عند الله تعالى قال سبحانه[وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
كما أكدت الآيات بان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الناس الى صراط مستقيم، وهذه الدعوة حجة على الذين يكذبون برسالته، ممن ينتسب الى كتاب سماوي، ويظن انه على الحق لعدم امكان حصول تعارض بين الدعوة الى الصراط والإقامة على الحق، قال تعالى [ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ]( ).
والدعوة للإعتصام بالله تحذير من الشيطان واغوائه للإنسان وصده عن الصراط المستقيم، وفي التنزيل حكاية عن ابليس [ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ] ( ).
فجاءت الآية للوقاية من قعود الشيطان في طريق الهداية، بان دعا الله الناس للإعتصام به والإستجارة بتلاوة الآيات، والإمتثال لأوامر الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ووصف الله عز وجل الصراط المستقيم بانه صراط الذين أنعم عليهم من غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وهذا الوصف ترغيب بالإعتصام بالله، وهو واجب عيني على كل مكلف ونفسي مطلوب بذاته كما انه واجب غيري لأنه مقدمة للهداية والرشاد، والنجاة في الدنيا والآخرة، اما الأولى أي النجاة في الدنيا بالإعتصام فلأنه وسيلة عقائدية مباركة لأداء الفرائض والعبادات، واما الثانية فلأنه حرز من الذنوب والمعاصي والآثام.


قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] الآية 102

الاعراب واللغة
يا ايها الذين آمنوا: تقدم اعرابها في الآيات السابقة.
اتقوا الله: اتقوا: فعل أمر، الواو: فاعل، اسم الجلالة: مفعول به،
حق تقاته: مفعول مطلق مضاف اليه.
ولا تموتن: الواو: حرف عطف، لا: أداة نهي، تموتن: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة.
والأصل تموتون وحذفت الواو لإلتقاء الساكنين وهو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والنون المشددة للتوكيد لا محل لها.
“الا وأنتم مسلمون”
الا: أداة حصر، الواو: حالية، أنتم: مبتدأ، مسلمون: خبر، والجملة الإسمية نصب على الحال.
في سياق الآيات
بعد أن نفت الآية السابقة الكفر عن المسلمين وأخبرت عما في تلاوة آيات القرآن ووجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته من النفع العظيم على المسلمين، وحثتهم والناس جميعاً على التقيد بسنن التوحيد وأداء النبوة، وبينت اشراقات الهداية وسبل النجاة في النشأتين، عادت هذه الآية لمخاطبة المسلمين بصفة التشريف والإكرام والنعت بالإيمان، الذي هو فرد من أفراد تقوى الله والخشية منه.
والتقوى حرز من طاعة اهل الكتاب ومن الكفر بالآيات، ومع الأمر بالتقوى في هذه الآية جاءت الآية السابقة بأمر المسلمين جميعاً بالإعتصام بحبل الله ونبذ الفرقة والتشتت والخلاف وبيان فضل الله تعالى عليهم في إصلاح أمورهم، وجمع شملهم، وتآلفهم واتحادهم.
واذ جاءت هذه الآية بالأمر بتقوى الله فان الآية التالية جاءت تتمة لها بالأمر بالإعتصام بحبل الله والتمسك بالإسلام، وهذا التمسك واقية من أسباب المكر والكيد الذي حذرت منه الآيات السابقة، لتتجلى وحدة سياق الآيات وموضوعيته في حفظ وصيانة المسلم من الخطأ والزلل.
واذ جاءت الآية قبل السابقة بتحذير المسلمين من إطاعة الكافرين، وان طاعتهم تؤدي بالمسلم الى الكفر والضلالة، جاءت هذه الآية لتكون واقية للمسلم من أسباب الكفر الى يوم القيامة، وحرزاً اضافياً من الضلالة وأسباب الكيد والخصومة، واذ جاءت الآية قبل السابقة بتحذير المسلمين من طاعتهم لأهل الكتاب، ونفت الآية السابقة طرو الكفر والجحود على المسلمين، جاءت هذه الآية بنداء الإيمان ذاته [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وأمرت المسلمين بتقوى الله، وبقاء كل مسلم على الإيمان الى حين الوفاة مما يدل على امتثالهم لما في الآيتين السابقتين من عدم طاعة اهل الكتاب ومن اتصال الإنصات الى آيات القرآن.
والإنتفاع من وجود الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بينهم في شخصه وسنته المباركة.
فتعتبر هذه الآية الكريمة بلحاظ النظم والسياق مدحاً وعزاً للمسلمين لتأتي الآيات التالية في بيان الوظائف العقائدية للمسلمين، وتحثهم على الإتحاد، وتبين الحاجة اليه.
وجاء النداء بصفة الإيمان في هذه الآية ليكون مقدمة مباركة لأوامر متعددة هي:
الأول: تقوى الله والخشية منه.
الثاني: تقييد التقوى بما يجب وينبغي ان تكون.
الثالث: لزوم الموت على الإسلام، وعدم مفارقته ابداً، وجاءت الآية التالية بأوامر اضافية هي:
الأول: وجوب التمسك بحبل الله، والإحتراز بالعبادات.
الثاني: الإتحاد والتعاون وعدم نشر أسباب الفرقة والخصومة، والإتحاد عون على التصدي للتعدي على المسلمين.
الثالث: استحضار نعم الله عز وجل عون وهداية للمسلمين بالأخوة الإيمانية، والتخلص من العصبية القبلية، والحمية الجاهلية.
الرابع: اقتباس الدروس والعبر من نعمة الإتحاد والأخوة، وعدم الرجوع الى الفرقة والشقاق.
الخامس: تعاهد نعمة الأخوة، وعدم التفريط بها.
كما جاءت الآية بعد التالية بالأمر الإلهي بالدعوة الى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتبارها واجباً عينياً، ثم اعقبتها آية التحذير من الفرقة والإختلاف والإنقسام الى طوائف ومذاهب، واجتمعت مواضيع أربع آيات في نداء واحد افتتحت به هذه الآية وهو قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
وبلحاظ نظم الآيات فان الأمر بأتم مراتب التقوى يدل على التهديد الذي يمثله فعل أهل الكتاب أزاء المسلمين ولزوم الإحتراس منهم، وهذا الإحتراس على وجوه:
الأول: بالسلاح والعتاد والإستعداد للدفاع عن النفس والمال والعقيدة.
الثاني: بالإحتجاج والجدال، والتصدي لضيغ الشك والريب.
الثالث: الإعراض عنهم في المعاملات.
الرابع: بالإجتهاد بالعبادة والإنقطاع الى الله.
وجاءت الآية لتؤكد الوجه الرابع، والتقيد بأحكام طاعة الله عز وجل ومن الآيات ان طاعة المسلم لله تتغشى يومه وليلته فلا يمكن أن ينفك عنها، وتأخذ بيده نحو الأمن والسلامة فلا يغادر الدنيا الا على الإيمان والهداية.
اعجاز الآية
جاءت الآية بالأمر الصريح بتقوى الله، وهو بسيط ليس بمركب الا ان مصاديقه متعددة، ويتجلى هذا التعدد بقوله تعالى [حَقَّ تُقَاتِهِ] وفيه اشارة الى ملازمة التقوى وعدم التخلي عنها وانحصار النجاة بها في الدارين، ومن أسرار القرآن حفظ المسلم من الوقوع في المعاصي والذنوب التي تؤدي به الى العذاب الأخروي.
والتقيد بأحكام التقوى كفيل بالإحتراس من الكيد والمكر، وفيه ابتعاد عن طاعة أهل الكتاب، ومن إعجاز الآية توكيدها على الموت على الإسلام، لتكون نفس المسلم ممتلئة خشية ورهبة من مغادرة الإسلام، وحريصة على ملازمته وتنحصر ملازمة الإسلام بالبقاء على تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته والتقيد التام بأداء الفرائض والعبادات.
وتبعث الآية السكينة في النفس بالنجاة من اهل الكفر والفسوق والجحود والذين يريدون سوء بالإسلام ببيان سبيل الفوز وهو تقوى الله، وهذا السبيل ليس اختيارياً بل واجباً لا يقبل التجزئة والترديد، لذا ذكرت الآية لزوم تمام التقوى، وعدم التفريط ببعض مصاديقها فقوله تعالى [حَقَّ تُقَاتِهِ] اشارة الى وجوب اجتناب المسلم لجميع المعاصي، وتوكيد لبلوغ المسلمين درجة رفيعة من التفقه في الدين والصلاح.
وتؤكد الآية وجوب تعاهد الإسلام ابتداء وبقاء، واستدامة الموت في جميع آنات وأيام الحياة الدنيا، وتدعو الآية الى استنباط الأحكام الخاصة بتقوى الله بما ينفع في تنمية ملكة الخشية منه تعالى، والرغبة فيما عنده.
ومن إعجاز الآية انها تنادي المسلمين بصفة الإيمان وتدعوهم معه الى التقوى، فهذا النداء وما فيه من صيغة المدح والإكرام عون للمسلم على التقوى وحافز له للإرتقاء في مراتبها.
ويمكن أن نسمي هذه الآية آية “حق تقاته” ولم يردهذا اللفظ يعتصم في القرآن الا في هذه الآية.
الآية سلاح
افتتاح الآية بنداء الإكرام وصفة الإيمان عون للمسلمين على تعاهد الإنتماء الفعلي للإسلام الى حين مغادرة الحياة الدنيا، كما تبين الآية الحاجة الى التسلح بالخشية من الله، وما فيها من المنافع في النشأتين، وتحث الآية على ملازمة ذكر الله، واستحضار الخوف منه وهذه الملازمة واقية من الذنوب، وعصمة من الزلل والخطأ، وجاءت الآية بصيغة الجمع لإرادة المتحد والمتعدد في أفعال المسلمين، وان تكون الخشية من الله هي الضابطة الكلية في أعمالهم واختياراتهم، وهي منعة وواقية دون الكفر والجحود.
وتدعو الآية المسلم الى الإستعداد للموت بالبقاء على الإسلام، وهذا البقاء ضروري للإنسان في دنياه وآخرته، وهو وسيلة النجاة من العذاب الأخروي، ومن أراد السلامة من الخلود بالنار فعليه بالإعتصام بالخشية من الله والخوف منه والرغبة فيما عنده من الثواب.
مفهوم الآية
جاء الخطاب في الآية للمسلمين، بالحث على تقوى الله وفيه تأديب لهم، وانذار لأهل الكتاب وإخبارهم بامتناع المسلمين بالإيمان، وفيه دعوة لهم للكف عن محاولات إضلال المسلمين، وتبين الآية حاجة المسلمين الى الوحدة والإتحاد، ومنع الفرقة والتشتت.
وتتحقق هذه الوحدة بأمور:
الأول: الإيمان بالله والتصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تقوى الله والإحتراز بالخوف والخشية منه، والتوقي من السيئات والذنوب.
الثالث: بلوغ أعلى مراتب التقوى والصلاح، للإحتراس من المعاصي وما يترتب عليها من العذاب الأخروي.
الرابع: تأديب أهل الكتاب باخبارهم عن وظائف من يقر بالتوحيد، ولزوم احترازه بالخشية من الله، ومن أفراد الخشية عدم دعوة المسلمين للكفر والجحود، خصوصاً وان تقوى الله لا تنحصر بأعمال الإنسان لنفسه من العبادات والصالحات، واجتناب السيئات، بل تشمل عمله وصلاته مع غيره من الناس.
الخامس: تؤكد الآية وجوب استدامة اجتناب الكفر الى حين الوفاة ومغادرة الدنيا، وفي الآية مسائل:
الأولى: مجيء الآية بالنداء الى المسلمين بصفة الإيمان.
الثانية: النداء دليل على رضا الله تعالى عن المسلمين، فيأتي الأمر الإلهي في الآية عنواناً للرضا، وسبيلاً لإصلاحهم لمراتب أرقى ودرجات عالية في الإيمان، وهذا الإرتقاء وسيلة نيل الثواب الأخروي.
الثالثة: حث المسلمين على تقوى الله، والتقيد بأحكام العبادات والإحتراز من السيئات، وهو شاهد على وقوع عالم الحساب والجزاء.
الرابعة: الإخبار عن حتمية الخوف وان الإنسان لا يترك بعد الموت، بل ينتقل الى عالم الحساب.
الخامسة: ضرورة مغادرة الدنيا بعقيدة الإسلام، وهي سلاح وحاجة في الآخرة.
السادسة: بيان عظيم نفع الإسلام، ودعوة أهل الكتاب وغيرهم لدخول الإسلام، بدل محاربته والمسلمين.
السابعة: تبعث الآية الفزع والخوف في نفوس أعداء الإسلام لأنها تخبر عن خشية المسلمين من الله في حال الرخاء والشدة، والأمن والخوف.
الآية لطف
لقد جاء القرآن معجزة سماوية تدعو الى الإسلام، وبعد دخول الإسلام تقود الآيات القرآنية المسلم في مسالك الطاعة والإيمان، وتجعله يرتقي في المعارف الإلهية ومنازل التقوى، وتملأ نفسه خشية من عند الله، وكل آية من الآيات القرآنية تدعو الإنسان للإسلام وتأخذ بيده في دروب الصلاح.
ويتجلى اللطف الإلهي في هذه الآية بنداء التشريف الذي تبدأ به الآية الكريمة، والذي يؤكد على قرب المسلمين من رحمته تعالى وحسن اختيارهم وسمتهم، وهو شاهد على رضا الله تعالى على المسلمين، وفيه اخبار للناس جميعاً بان الله عز وجل لن يرضى منهم الا الإيمان والتسليم له الربوبية، وان التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الإيمان، ويقول اهل الكتاب انهم مؤمنون.
فجاءت هذه الآية لتجعل التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جزء واجباً من الإيمان، وشرطاً في صحته، وصدق النعت به، ففي الآية لطف ببيانها باتحاد ماهية الإيمان، والشهادة للمسلمين بنيل مراتبه، والإيمان نطق بالشهادتين واعتقاد بالقلب، فجاءت هذه الآية لطفاً اضافياً في دعوتها المسلمين لتقوى الله والخشية منه في السر والعلانية، واجتناب الذنوب والمعاصي والسيئات.
ومن اللطف ان تبين الآية حاجة المسلمين الى الخشية من عند الله، والخوف من الحساب والعقاب، وتمنع من الزلل وأسباب العذاب.

افاضات الآية
يعتبر دخول الإسلام فراراً الى الله تعالى، فينعم الله عز وجل عليه بأداء الفرائض والعبادات ليصبح غريقاً في نور جلال الله، ويقتبس الأنوار من عزته، فيشعر بالسكينة والطمأنينة، لترتطم أمواج الضلالة التي ترده من أعداء الإسلام بساحل محبة الله، وليجد أهل الكتاب وغيرهم ان المسلمين محترزون بسور واقِ وهو الخشية من عند الله، وهذا الإحترازدعوة للناس للإقتداء بهم، اذ ان السور ليس مغلقاً بل له باب مفتوح دائماً لمن ينطق بالشهادتين، فهو سور يختلف عن أسوار الدنيا من وجوه:
الأول: انه منيع لا يمكن احداث ثغرة او فجوة فيه تؤدي بمن في داخله الى الكفر والضلالة.
الثاني: لا يصاب الذين في داخله بالجوع أو العطش، فغذاؤهم عبادة الله.
الثالث: مع كثرة الأعداء، واحاطتهم بالمسلمين من جهات متعددة فان هذا السور له باب مفتوح دائماً ويسع للمتحد والمتعدد، وبإمكان كل انسان ان يدخله ولكن لا يدخله الا بقيد الإسلام، وهذا من الفيض الإلهي والإعجاز في ملة الإسلام، فيحاول أهل الكتاب وغيرهم بث روح الشك في نفوس المسلمين فيعجزون عن ايصال الشبهات الى داخل سور الإسلام، بينما بابه مفتوح للناس جميعاً، ومع فتحه فانه يدعوهم كل يوم وتنطلق أصوات الدعوة من داخل السور وخارجه للناس جميعاً، اما من داخل السور فبالأذان وأداء العبادات والمناسك، ومعالم الخشية من الله، واما من خارج السور فان البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سابقة لزمانه والتوراة والإنجيل يدعوان للتصديق بنبوته.
الرابع: جاءت هذه الآية لتعاهد بناء السور والمحافظة عليه فقد أراد الله له الإستدامة والتجدد المتصل، ليبقى صرحاً عقائدياً بين الإيمان والكفر، ومع هذا السور الجامع للمسلمين، فقد جعل الله عز وجل قلب المسلم سوراً شخصياً احترازياً مملوء بالتقوى والخشية من عند الله ليحظى بلطف وعطاء الهي غير متناهِ ويرتقي في منازل العبودية المحضة لله عز وجل، وهي أشرف المنازل.
التفسير
قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]
تجدد الخطاب الإلهي الذي يتضمن التشريف والإكرام للمسلمين من وجوه:
الأول: تكرار النداء بصيغة المدح والثناء على الإيمان.
الثاني: زجر أهل الكتاب وغيرهم عن التعدي على المسلمين والطمع في ارتدادهم.
الثالث: التعريض بأهل الكتاب لأنهم يعلمون ان مرتبة الإيمان هي أسمى وأرقى المراتب، وهي السبيل الى الفوز في الآخرة، فجاءت الآية لتخبرهم بان المسلمين هم الذين فازوا بها.
الرابع: لابد من وجود أمة مؤمنة في الأرض، وجاء هذا النداء السماوي ليخبر بان هذه الأمة هي المسلمون.
الخامس: القرآن هو الكتاب السماوي الباقي الى يوم القيامة، لا يأتيه الباطل والنسخ وليس له بدل، ولا يطرأ عليه التحريف، فجاءت هذه الآية لتمنح صفة الإيمان للمسلمين الى يوم القيامة.
السادس: بعد آية تحذير المسلمين من الإنصات والإستجابة لأهل الكتاب في شبهاتهم وشكوكهم، جاءت هذه الآية لتأمر المسلمين بالخشية من الله وجاء الأمر بذات النداء الذي يترشح منه اللطف والمدد الإلهي، وهل في هذا النداء ونعت المسلمين بالإيمان إعانة على بلوغ مراتب التقوى، الجواب نعم، باعتبار ان الإيمان مادة ومقدمة للتقوى والصلاح، بل ان الإيمان بالله ورسوله هو تقوى وخشية من عند الله الى جانب كونه تصديقاً بالآيات.
السابع: تكرار النداء الإلهي للمسلمين بصفة الإيمان يدل على العناية الإلهية بالمسلمين، وفيه تحبيب للإيمان في نفوسهم ودعوة لهم للتقوى، فمن إعجاز الآية انها أمرت المسلمين بالتقوى بلغة الإيمان، وليس بين الإيمان والتقوى الا مرتبة واحدة.
الثامن: اطلاق الأمر بالتقوى وشموله لجميع المسلمين، فالآية تحث المؤمن الذي امتلأ قلبه بالإيمان على التقوى، وكذا المنافق الذي لم يدخل الإيمان في قلبه، وهذا إعجاز إضافي ان يأتي الأمر الإلهي بارتقاء المسلمين الى مراتب عالية في سلم الإيمان والتقوى وشمول كل مسلم بالأمر الإلهي، فكما جاء النداء بصيغة العموم الإستغراقي لهم، فقد جاء الأمر بالتقوى بذات الصيغة، مع اتحادهم بالإيمان بالله والنبوة، وتباينهم في مراتب الإيمان والتصديق بالقلب والجوانح.
التاسع: تبين الآية أهلية المسلمين لتحمل أعظم المسؤوليات في الأرض، وهي شاهد على خلافتهم للأنبياء.
العاشر: اختصاص المسلمين بالإيمان من بين الأمم، وبيان لزوم ارتقائهم وان التكليف لا يقف عند النطق بالشهادتين، بل لابد من تقوى الله واداء العبادات والفرائض.
الحادي عشر: لا تنحصر مضامين نداء الإكرام هذا بالأمر بتقوى الله بل بوجوه متعددة من الأحكام والسنن جاءت بها الآيات التالية.
بحث بلاغي
جاءت الآية بالنداء [يَاأَيُّهَا] ويستعمل (يا) لنداء البعيد، كما يستعمل للمتوسط، والقريب لغايات ودلالات منها:
الأول: إكرام المنادى، كما في هذه الآية ويستقرأ الإكرام ايضاً من صفة الإيمان التي يخاطبون بها.
الثاني: موضوعية إسماع المنادى وايصال المعنى الذي يتضمنه النداء له، وجعل صيغة النداء وسيلة لتوكيده قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ] ( ).
الثالث: بيان الإختصاص بالشيء، فلفظ [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الوارد هنا جاء للدلالة على اختصاص المسلمين بلفظ الإكرام.
الرابع: يرد النداء بيا للتنبيه كما في المقام فالآية تبين أهمية موضوع التقوى ولزوم العمل بها.
وقد ورد الخطاب [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في القرآن تسعين مرة، تتضمن بيان الأحكام والقواعد الشرعية للمسلمين وإرشادهم لسبل الإيمان، وتنمية ملكة التقوى عندهم، وجاء النداء في هذه الآية لإعانة المسلمين على التصدي لصيغ الخصومة والعداوة.

قوله تعالى [اتَّقُوا اللَّهَ]
أمر إلهي موجه الى المسلمين وينحل بعددهم فيشمل الذكور والإناث من المسلمين في جميع أجيالهم المتعاقبة، ومن هذا يبدو تعذر إحصاء أفراد هذا الخطاب لعدم إمكان احصاء المسلمين، فلا يعلم عددهم في الأزمنة المتقدمة واللاحقة الى الله تعالى، وهذا من أسرار الأمر القرآني وإعجاز القرآن ان يأتي أمر الهي فينحل الى أعداد وأرقام يعجز الناس عن إحصائها، وهذه الكثرة من وجوه:
الأول: شمول الأمر الإلهي لأفراد كل جيل من المسلمين، وكثرة عددهم وانتشارهم في الأمصار.
الثاني: تجدد الأمر بالتقوى مع كل جيل، بل مع بلوغ كل فرد من المسلمين.
الثالث: تعدد مضامين النفوس، وعدم انحصارها بموضوع واحد، ويتكرر الأمر الإلهي بعدد مواضيعها الكثيرة، وتقوى الله على معانِ متعددة هي:
الأول: ان يطاع الله فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وهو المروي عن ابن عباس وابن مسعود والإمام الصادق عليه السلام والحسن وقتادة.
الثاني: اتقاء جميع معاصيه عن ابي علي الجبائي.
الثالث: أنه المجاهدة في الله تعالى وان لا تأخذه فيه لومة لائم، وان يقام له بالقسط في الخوف والأمن، عن مجاهد( ).
ويمكن أن نضيف لها وجوهاً:
الرابع: الخوف من الله عز وجل، والخشية منه في السر والعلانية.
الخامس: الإخلاص في طاعة الله، والحرص على أداء العبادات، وعدم التفريط فيها، كيفية واجزاء وزماناً.
السادس: بذل الوسع في مرضاة الله عز وجل، وعدم التهاون في الواجبات.
السابع: استحضار ذكر الله تعالى في كل قول وفعل، وهذا الإستحضار واقية من الزلل والخطأ.
الثامن: اطاعة أمر الله الذي جاء في الآية السابقة باجتناب طاعة أهل الكتاب وما ورد في الآية السابقة من وجوب الإعتصام بالله، والإنتفاع من احكام القرآن والسنة النبوية، فالأمر بالتقوى حث على الأخذ بمضامين هذه الآيات، وتوكيد عليها، وإعانة للمسلمين للتقيد باحكامها وتقوى الله تجعل الإنسان في منعة من سلطان الغواية والضلالة.
التاسع: الوعد الكريم لنيل مراتب السعادة في الآخرة بالعمل الصالح، والإنذار والتخويف من المعاصي والذنوب التي يتعقبها عذاب النار.
العاشر: تقوى الله عنوان جامع للخير والطاعات ووجوه القربات والصلاح.
الحادي عشر: اجتناب الشرك والضلالة، والإعراض عن أهل الغواية، ومن يريد بالإسلام سوءاً، فكما جاءت الآية قبل السابقة بالنهي عن طاعة اهل الكتاب وانهم يسعون لرد المسلمين كفاراً او ان طاعتهم ستؤدي الى هذه النتيجة، وأمرت الآية السابقة بالإعتصام بالله وانه سبيل الهداية الى سواء السبيل.
جاءت هذه الآية لتأمر بالتقوى، وهي من مصاديق الإعتصام بالله عز وجل، لأن الخشية منه تعالى اقرار بربوبيته، ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق التقوى، ويؤكد تعددها موضوعية التقوى وانها حاجة للإنسان وعنوان لعبوديته لله وطاعته له، اذ ان طاعة الإنسان لله واجب، ولا تنحصر بموضوع دون آخر بل تتغشى جميع أفعال العبد في العبادات والمعاملات والأحكام.
وهل تقوى الله من الكلي المتواطئ وانه على مرتبة واحدة بالنسبة للناس جميعاً، ام انه على مراتب متفاوتة فالتقوى التي تجب على العالم اكبر وأكثر من المطلوبة من غير العالم من عامة المسلمين، الجواب ان الأمر بالتقوى واحد الا ان التباين في الموضوع وليس الحكم، فمن كان أعماله ووظائفه أكثر وأكبر فانه يحتاج التقوى أكثر من غيره، كما ان جميع المسلمين مأمورون بالإعتصام بطاعة الله وخشيته، وهي حاجة للفرد والأمة.
فالعبد محتاج للتقوى وكذا الجماعة والأمة، وبها تتقوم الحياة العقائدية للمسلمين، وتصلح أمورهم وتنتظم أمور المعاشات، والتجارات والمعاملات وتتنزه مجتمعاتهم وأسواقهم من الأخلاق المذمومة والرذائل الأخلاقية، لذا فان الأمر الإلهي بالتقوى خير محض، وصلاح دائم، وهو نعمة إلهية متجددة تشمل أمور الدين والدنيا، إرشاد لفعل الصالحات وسبيل للهداية، ودعوة للناس لدخول الإسلام ووسيلة لكف الكيد والأذى، فمتى ما رأى الناس المسلمين ملتزمين، وجاءت الآية بصيغة الجمع وتتضمن وجوهاً:
الأول: افعال الأمة على نحو العموم المجموعي الشامل لجميع المسلمين فهم مأمورون بالتقوى في أداء العبادات والإشتراك فيها كما في صلاة الجماعة وأداء مناسك الحج، والجهاد في سبيل الله، ونبذ الفرقة والشقاق.
الثاني: أفعال الفرد الواحد من المسلمين فهو مأمور بطاعة الله والخشية منه في السر والعلانية.
الثالث: العنوان الجامع فالمسلم مأمور بالتقوى على نحو مركب كمكلف مستقل ،
وكفرد من الجماعة والأمة، وتترشح منافع كل من الفردين على الآخر، وتساعد في تثبيته واستدامته وتدل الآية على الملازمة بين الإيمان والتقوى فمن مصاديق التقوى اداء الفرائض والعبادات، فجاءت الآية لتنقل المسلم الى عالم الإيمان، وافعال الصلاح والعبودية المحضة لله، ليندك في نور جلاله ويسبح في عالم الملكوت، ويعرج في مراتب الكمال فتتخلف عنه دعوات ومكر أهل الكتاب وغيرهم للإرتداد عن الإسلام ويكون داعية لهم للإسلام، وبرزخاً دون تفشي مقولات الضلالة، وفاضحاً بعمله وصلاحه لأهل العناد والإفتراء.
والتقوى سلاح ذاتي وغيري، فأما الأول وهو الذاتي ففيه وجوه:
الأول: التقوى واقية من دبيب الشك والريب الى النفس.
الثاني: انها مانع من الإنصات للمغالطات وأسباب الصد عن الإسلام.
الثالث: التقوى وسيلة مباركة لتعاهد الطاعات وأداء القربات.
الرابع: الزيادة في أعمال البر والخير والصلاح.
الخامس: النفرة من السيئات وأهلها. والتنزه عن الفواحش والمعاصي، واجتناب التقصير في العبادات، اذ ان هذا التقصير مادة وطريق لنفاذ الشيطان وأغوائه.
السادس: تنمية ملكة الإيمان والتقوى في النفس.
السابع: التقوى إعتصام بالله عز وجل.
وأما الثاني وهو ان التقوى سلاح غيري ففيه وجوه:
الأول: التقوى دعوة الى الإيمان والهداية، وهذه الدعوة على قسمين:
الأول: صامتة تتجلى بأفعال المسلم العبادية، وصلاحه وحسن سمته.
الثاني: قصد دعوة الآخرين وحثهم على العمل الصالح، وهو على جهتين:
الأولى: جذب الناس للإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمراتبه المتباينة ووفق الإمكان.
الثانية: حث المسلم ممن حوله على تعاهد العبادات، والإرتقاء في مسالك العبادة والصلاح والمساهمة في إشاعة مضامين التقوى في المجتمع.
الثاني: بالتقوى يسود الإسلام، وتنتشر أحكام الشريعة.
الثالث: التخفيف عن المسلمين، باعتبار ان التقوى وسيلة لفضح أهل الضلالة والجحود.
الرابع: التقوى سلاح لتهذيب المجتمعات من الفواحش والسيئات.
الخامس: انها عنوان الوحدة الإسلامية المقيدة بالإمتثال للأوامر الإلهية واجتناب النواهي، فالتقوى صبغة الهداية والصلاح.
السادس: تقوى المسلمين شاهد على أداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالته أفضل أداء، وفيها أي تقوى المسلمين شاهد ودليل على أفضلية المسلمين على غيرهم من الأنبياء والرسل.
السابع: التقوى شاهد على أهلية المسلمين لخلافة الأرض، وتعاهدهم للأحكام والسنن السماوية.
الثامن: انها وسيلة مباركة لحفظ القرآن وتلاوته، والعمل بمضامينه القدسية.
التاسع: بالتقوى استحضار لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واظهار للحرص على التقيد بأحكامها.

قوله تعالى [حَقَّ تُقَاتِهِ]
بعد الأمر الإلهي بالتقوى والموجه الى كل المسلمين، جاء هذا الشطر من الآية لبيان درجة التقوى، وإرادة الكمال فيها، وفي الآية مسائل:
الأول: الأمر الإلهي بتقوى الله كما يجب أن يتقى، من اللطف والعناية الإلهية بالمسلمين.
الثاني: بيان قدرة المسلمين على طاعة الله حق طاعته والتنزه عن جميع معاصيه فالأمر بتمام التقوى يدل في مفهومه على قدرة المسلمين على التقيد بأحكامه، ولأن التكليف بما لايطاق قبيح، والله عز وجل منزه عن القبيح، فلابد ان المسلمين قادرون على تمام التقوى.
الثالث: الآية حجة على أهل الكتاب اذ ان أمر المسلمين بالتقوى يدل على أهليتهم لتلقي هذا الأمر والإستجابة له.
الرابع: في الآية دعوة للجهاد في سبيل الله والإنقطاع اليه، واجتناب الشبهات، وفي الحديث” حسنات الأبرار سيئات المقربين”.
الخامس: أراد الله عز وجل للمسلمين الإجتهاد في العبادة والإحتراز من الذنوب والمعاصي.
السادس: في الآية حث على معرفة وجوب المبادرة لطاعة الله عز وجل.
السابع: تبين الآية حقيقة وهي ان تقوى الله حق له تعالى، وليس فضلاً او مبادرة من العباد، فالأصل في عمل الإنسان أن يتقي الله ويخشاه ويبذل الوسع في طاعته، ويدل هذا البيان على ان التخلف عن تقوى الله تقصير.
الثامن: تقوى الله باب مفتوح للأجر والثواب وبلوغ مراتب السمو والرفعة في المعارف الإلهية.
التاسع: في الآية انذار للكافرين والجاحدين، فاذا كان المسلمون يؤدون مع إسلامهم بتقوى الله، وتقييد التقوى بانها بحسب ما يجب له تعالى، فان الكفار والمعاندين يتحملون اوزاراً مضاعفة وذنوباً متعددى لتخلفهم عن الإسلام وتقوى الله.
العاشر: يأتي الأمر بالتقوى بعد الإسلام، كما يأتي مطلقاً وانذاراً موجهاً للناس قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ] ( )، وأختلف المسلمون بالأمر بالتقوى المطلقة التي تشمل أفعالكم كلها وهو مفهوم قوله تعالى [حَقَّ تُقَاتِهِ] وهذا الإختصاص تشريف لهم من بين الأمم، وهو كنز مدخر لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه حث لهم على فعل الصالحات، والمجاهدة في سبيل الله، والعصمة من الذنوب، وهو ثمرة من الفردين المباركين الذي جمعتهما الآية السابقة وهما تلاوة آيات القرآن ووجود الرسول مع المسلمين، فالآيات القرآنية تأمر بتمام التقوى وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي المصداق الأمثل للتقوى والصلاح، فحينما أمر الله المسلمين بان يتقوه حق تقاته لم يجعلهم في حيرة او لبس من أمرهم، بل هداهم الى سنن التقوى وارشدهم لها ودلهم على طرقها وآدابها، واعانهم على بلوغ أفضل وأحسن مراتبها.

بحث بلاغي
من وجوه البديع “التكميل” ويسمى ايضاً الإحتراس وهو أما ان يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود، فيأتي بتتمة وتكميل له يدفع الوهم وما يخال من الشبهة البدوية المتبادر الى الذهن، كما في قوله تعالى [يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا] ( )، فلم تقف الآية ذكر البرد ، بل جاءت لبيان اللطف وعدم الأذى في برد النار، وحينما أمرت هذه الآية بتقوى الله جاءت بقيد “حق تقاته” في المقام مسائل:
الأولى: لزوم تمام التقوى وانبساطها على كل أفعال المسلمين.
الثانية: تعلق وجوب التقوى بالذات المقدسة، وان الله يستحق أن يتقى.
الثالثة: نيل الملائكة درجة القرب بتقوى الله حق تقاته وخشيته.
الرابعة: إدراك المسلم لحقيقة وهي عدم انحصار الوجوب بالعبادات بل يشمل “تقوى الله” وهناك تداخل بين العبادات والتقوى، وإحداهما مرآة للأخرى.
الخامسة: الملازمة بين الإيمان والخشية من عند الله، فليس الإيمان النطق بالشهادتين والأداء الجوارحي للعبادات بل لابد من تفشي الخوف من الله عز وجل في نفس المؤمن ولا تنحصر التقوى بالخوف بل تشمل حب الله عز وجل والإنجذاب الى العبادات طلباً لمرضاته.
السادسة: لما أخبرت الآية السابقة بوجود واقيتين عند المسلمين تحول تحولان دون ارتدادهم وهما القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، جاءت هذه الآية لتحث للرجوع اليهما، والعمل بأحكامها وسننها واجتناب الإعراض والإبتعاد عنهما، فهذه الآية للإخبار بان وجود القرآن والرسول أمر مبارك وسبيل هداية ويحتاج معهما المسلم العمل بتقوى الله واتباع أحكام القرآن والإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالتقوى عنوان العمل بالتكاليف والسنن.
السابعة: لما أخبرت الآية السابقة بان الإعتصام بالله عز وجل سبيل للهداية، جاءت هذه الآية لبيان مصداق الإعتصام بالله وهو التقوى والخشية من الله، وإطاعته واجتناب معصيته، قال تعالى [ِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( ).
الثامنة: من الثابت في العلوم العقلية ان تكرار الفعل يؤدي الى حصول الملكات، فالأمر الإلهي بتمام التقوى وسيلة مباركة لجعل المسلم منقطعاً الى الله مواظباً على عبادته، لا ينشغل عنها بغيرها من أمور الدنيا.
التاسعة: منع الغرور والزهو في العبادة، ومتى ما أدرك العبد ان الله عز وجل أهل لأن يتقى منه فانه لا يتباهى او يرائي بعمله العبادي، ولا يقف عند حد يشعر معه انه أدى ما يجب عليه خصوصاً مع اعتبار المقارنة مع غيره من الناس ممن هو أدنى منه رتبة في التقيد بأحكام العبادات والسنن.
قانون “حق تقاته”
من الأمور الثابتة في الأرض تقوى الله وطاعته والخشية منه، فلابد أن يوجد في كل زمان من يتقي الله، وهو من المتعدد والمنتشر في أكثر من بقعة في الأرض، ليكون أهل التقوى في كل زمان أمة قادرة على تحمل مسؤوليات طاعة الله والصبر عليها، والتضحية من أجل استدامتها في الأرض، ووراثة التقوى للأجيال التي من بعدهم، ويدخل في هذه الأمة الأنبياء وهم قادتها وسادتها وقد تقدم قانون التقوى، اما هذا القانون فيتعلق بتمام التقوى والخشية من الله، ويعني الإجتهاد وبذل الوسع في تقوى الله، وتفشي التقوى لأعمال المسلم وانبساطها على جميع أموره ومختلف أحواله وعدم التفريط في بعض مصاديقها او التهاون في مضامينها.
وقد جاء ذكر التقوى في آيات عديدة من القرآن، وفيها ترغيب بالتقوى وبيان منافعها، قال تعالى [ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( )، كما انها باب لمغفرة الذنوب.
وجاءت الآيات القرآنية بالبشارة بالفوز الأخروي لمن أتقى الله، وتنفرد هذه الآية بالأمر بوجوب تقوى الله “حق تقاته” وهذا الأمر مقيد لإطلاقات التقوى الواردة في الآيات الأخرى، أي يجب أن تكون تقوى الله كما يجب وينبغي على العبد ان يخشى مولاه ويطيعه في أمور الدين والدنيا، بان تملأ جوانح العبد الخشية من الله، وحبه والإنجذاب اليه في آن واحد، فلا تعارض او تضاد بين الخشية من الله وحبه تعالى، لذا يمكن ان يجتمعا في قلب المسلم ليكون مرآة للكمال، وإماماً للجوارح في طاعة الله وفعل الخيرات، وهذا القانون عون لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممهد له فاذا كان الإنسان يتقي الله حق تقاته فان التفريط في العبادات معدوم عنده، كما انه يحرص على اجتناب السيئات والذنوب.
وجاءت الآية بصيغة الأمر الصريح [اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ] الخالي من الإجمال او الترديد مما يدل على اللزوم وموضوعية الأمر وقطع الطريق أمام الإختلاف في تأويل الآية أو اللبس في تفسيرها، كما يبين حاجة كل مسلم الى مضامين تقوى الله حق تقاته، وهي مركبة من وجوه:
الأول: انتفاعه من تقوى المسلمين كأمة، فالمسلم يحتاج تقوى الأمة وصلاحها كي تنبسط عليه معاني التقوى، ويشع في أركانه ضياؤها المبارك، ويحترس بها من الغواية والضلالة التي جاءت هذه الآيات بالتدبر فيها.
الثاني: حاجة المسلم للتقيد الذاتي بالتقوى، وعدم التهاون في أمور دينه.
الثالث: انتفاع الجماعة والامة من تقوى الفرد، عالماً كان أو غير عالم، لأنه عنوان الصلاح الفردي الذي هو جزء من الجماعة، ولصلاح الجزء أثر في صلاح الكل، كما انه مقدمة لصلاح الآخرين ومناسبة لشيوع التقوى بين الناس.
الرابع: التقوى سلاح لجذب الناس للإسلام والإندفاع في صيغ التقوى، ورب انسان حديث عهد بالإسلام يرتقي سريعاً في منازل التقوى والصلاح، ويكون أسوة لغيره في فعل الصالحات.
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالإسلام، وجاء قانون التقوى نعمة أخرى على الناس وعلى المسلمين خاصة، ثم جاء هذا القانون ليتمم النعم على الإنسان في باب قيادته نحو الصلاح وجعله اماماً في الخير والفلاح، ولينال المسلم بغيته في النشأتين بالسعادة والغبطة فمن الآيات ان تلازم السكينة والرضا التقوى في الدنيا، وتكون فرعاً من الثواب والآخرة.
وقانون التقوى عام يشمل الناس جميعاً، ويأتي بلغة الوعد والإرشاد الى العبادة واجتناب المعاصي، كما يأتي بلغة الإنذار والوعيد، و في لوط ورد في التنزيل[ قَالَ إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ *وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ ] ( ).
أما الأمر بتقوى الله حق تقاته فلم يتوجه الا للمسلمين، لذا ورد بلغة النداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] مما يدل على ان الأمر بلزوم بلوغ أرقى منازل التقوى، وأتم وجوه الطاعة لله خاص بالمسلمين وفيه تشريف وإكرام لهم ودرس وعبرة لأهل الكتاب وغيرهم، فمع إنشغال المسلمين بتقوى الله فعلى الآخرين اجتناب ايذائهم.
بحث في نسخ الآية
ورد في هذه الآية بخصوص النسخ قولان:
الأول: الآية منسوخة بقوله تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] ( )، وهو المروي عن ابن مسعود بالآية أعلاه( )، وعن ابن عباس: أنه لما أنزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين لأن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وان يشكر فلا يكفر وان يذكر فلا ينسى، والعباد لا طاقة لهم بذلك، فانزل الله تعالى بعده [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] ، ونسخت هذه الآية أولها، ولم تنسخ آخرها، وهو قوله تعالى [وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ) وأخرج ابن جرير عن الربيع عن أنس قال: لما نزلت [اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ] ثم نزل بعدها [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] نسخت هذه الآية التي في آل عمران وروي بخبر ضعيف سنداً عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير العياشي ان الآية منسوخة بقوله تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ].
الثاني: الآية غير منسوخة ونسب لابن عباس، وطاووس( ) وسيأتي في البحث الروائي.
والنسخ المراد في المقام يحتمل أمرين:
الأول: المعنى الإصطلاحي للنسخ وهو تبديل او رفع حكم كلي شرعاً يأتي به دليل معتبر، لولاه لبقي ثابتاً مع تراخيه عنه.
الثاني: اعتبار القدرة والإستطاعة في التقوى، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير هذه الآية نصوص وليس فيها إشارة للنسخ، كما يأتي في البحث الروائي وفيه بيان أمرين:
الأول: وجوب طاعة الله في السر والعلانية والرخاء والشدة، وغيرها من الأحوال المتباينة لأن التقوى فرع العبادة وهي علة خلق الله للإنسان.
الثاني: موضوعية قدرة الإنسان في اداء الفعل، وقبح التكليف بما لا يطاق، وبيان فضل الله تعالى على المسلمين في التخفيف عنهم فيما ينبغي ان يؤدى لمقام الربوبية والعزة.
ويحتمل قيد “حق تقاته” أمرين:
الأول: اختصاصه بموضوع الآيات، ولزوم الإعتصام بالله.
الثاني: الإطلاق وان الله عز وجل يأمر المسلمين بتمام التقوى، وشمولها لكل أعمالهم وحياتهم.
وفي الجمع بين الآيتين آية إعجازية من وجوه:
الأول: حث المسلمين على بلوغ أعلى مراتب التقوى.
الثاني: متى ما أدرك المسلم أنه يجب ان يطاع الله فلا يعصى، ويشكر فلا ينسى.
الثالث: ان التقوى بحسب الإستطاعة كافية للإعتصام بحبل الله، والنجاة من الكيد والمكر، وأسباب القولية والضلالة، وما يصدر عن المسلم عن طريق السهو لا يضر بهذه القاعدة الكلية خصوصاً وانه بين النسيان والسهو عموم وخصوص مطلق، فكل سهو هو نسيان وليس العكس، لأن النسيان غياب الصورة عن الحافظ والمدرك أما السهو فانه يعني زوالها عن المدرك على نحو التعيين.
فحديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان تقوى الله حق تقاته ان يذكر فلا ينسى لا يشمل حال السهو، بالإضافة الى إمكان التدارك بالإستغفار كما ان قيد الإستطاعة الوارد في سورة التغابن يمكن ان نقيده بهذه الآية من سورة آل عمران، باعتبار انها تزجر عن الأسباب المنافية للإستطاعة في التقوى، فقد يقدر العبد على فعل، ولكن مشاغل وأولويات أخرى يقدمها عليه، تجعله غير مستطيع له، وكأنه من الإمتناع بالإختيار الذي لا ينافي الإختيار.
فالجمع بين الآيتين يفد استطاعة الإنسان على تقوى الله حق تقاته وفيه حث على بذل الوسع في النفوس وعدم التفريط في مضامينها وسننها، وفيه حث على اجتناب ما يصد الإنسان عن بلوغ ارادته في التقوى من عوائق الحدثان الذاتية كالغفلة واللهو والنسيان، والتي ترد من الداخل كأسباب الشك والريب والغواية.
بحث روائي
أخرج الحاكم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتقوا الله حق تقاته، ان يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى( )، وورد مثله عن الإمام الصادق عليه السلام: وهذا التفسير للآية لا يتعارض مع قدرة الإنسان واستطاعته، أما ما يكره عليه الإنسان مثلاً فخارج بالتخصص من مضامين الآية الكريمة، واستدل قتادة على النسخ بان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بايع على السمع والطاعة فيما استطاعوا.
الثاني: اخرج الخطيب عن انس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يعلم ان ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه( )، وهو فرد من التقوى، وأمر يقدر عليه المسلم، مما يدل على عدم وجود تعارض بين هذه الآية والآية التي تقيد التقوى بحسب الإستطاعة.
الثالث: اخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآية ولو ان قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشهم، فكيف ممن ليس له طعام الا الزقوم( )، ويدل الحديث على ان معنى التقوى هو الخشية من الله، ولزوم الإجتهاد في طاعته والخوف من عذابه وعقابه.
وأخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية أتشداشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فانزل الله تخفيفاً على المسلمين [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] فنسخت الآية الأولى( )، وهذا المعنى لا يفيد النسخ بمعناه الإصطلاحي وهو أقرب الى التفسير والبيان أي ان الآية من سورة التغابن تبين المراد من هذه الآية.
وكما نقل عن ابن عباس ان الآية منسوخة فقد نقل عنه انها غير منسوخة، فاخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس في الآية قال: لم تنسخ ولكن حق تقاته ان يجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذهم فيالله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم( ).
وأخرج ابن ابي حاتم عن أنس قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، وليس فيه ما يدل على النسخ.
وعن عكرمة ان هذه الآية نزلت في الأوس والخزرج وكان بينهم قتال يوم بعاث قبيل مقدم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاصلح بينهم فانزل الله هذه الآيات، مما يدل على عدم وقوع تعارض بينها وبين تقييد التقوى بالإستطاعة وان المسلمين يقدرون على تقوى الله حق تقاته بنبذ الفرقة والشقاق، والإجتهاد في مرضاة الله.

قوله تعالى [وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]
خاتمة الآية آيةإعجازية تعلق بحال المسلمين، وجاء نفي النفي لإثبات قاعدة، وهي ملازمة الإسلام للمسلم في أيام حياته كلها بلحاظ حقيقة وهي إحتمال طرو الموت على الإنسان في أي ساعة مما يلزم على المسلم الحذر والتوقي من إحتمال الموت على الجحود والكفر.
وتبين الآية موضوعية الملة والعقيدة عن مغادرة الروج الجسد كل مسلم فهي تخاطب المسلم وتقول له “ولا تموتن الا وانت مسلم” وهذا الإنحلال هو المستقرأ من الآية ومعانيها الواقعية، ومع هذا فان الآية لم تقل “ولا يموتن أحدكم الا وهو مسلم” بل جاءت بصيغة الجمع، ولا يكفي القول مثلاً ان الجمع جاء بلحاظ نظم الآية ولأن النداء في اولها للمسلمين كافة فكذا خاتمتها فالله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة، والإعجاز لا يفارق كلمة من كلامه، فلابد اذن من دلات لصيغة الجمع في الآية ومنها: انه من عطف الخاص على العام، فمن وجوه التقوى:
الأول: ان يموت الإنسان على الإسلام.
الثاني: كفاية الموت على الإسلام في صدق تقوى الله حق تقاته.
الثالث: من مصاديق تقوى الله العزم على الموت على الإسلام، وعدم التفريط بوجوه العبادة في آن ما من الحياة.
الرابع: إجتناب المسلم الإرتداد.
الخامٍس: في الآية تخويف من طاعة أهل الكتاب وما يتفرع عنها من الإرتداد، فقد يحل الموت بالإنسان وهو على هذه الحال، لذا جاءت الآية انذاراً إضافياً من الإرتداد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طاووس [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ] وهو أن يطاع فلا يعصى، فان لم تفعلوا ولم تستطيعوا فلا تموتن الا وانتم مسلمون، قال: على الإسلام وعلى حرمة الإسلام( ).
ولكن لا دليل على هذا التعليق والشرطية في الآية، فكل من شطري الآية مستقل عن الآخر، وأمر إلهي قائم بذاته بدليل ان موضوعه يختلف وبينهما عموم وخصوص مطلق فمادة الإلتقاء هي تقوى الله، ومادة الإفتراق وهو “اتقوا الله” ملازمة التقوى لجميع أيام التكليف، أما الثاني وهو [وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] فخاص بحال الموت.
وهل يمكن القول ان في الآية تخفيفاً عن المسلمين بانه سبحانه يرضى من المسلم الموت على الإسلام ويجزى بإعتباره تقوى الله حق تقاته، الجواب لا دليل على هذا القول، خصوصاً وان حرف العطف في “ولا تموتن” يفيد التعدد والمغايرة وهذا التعدد لا يتعارض مع إفادة معنى الإقامة على الإسلام وعدم مغادرته في حال الشدة والرخاء، والعسر واليسر.
بحث كلامي
من الواجبات على المكلفين معرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته الثبوتية كالقدرة والإختيار والعلم والحياة والقوة والكلام وانه الأول والآخر، والسلبية انه ليس له شريك، وليس بجسم ولا جوهر، وليس بمركب، ولا تحده جهة او زمان قال تعالى [فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ]ويحمل الأمر هنا على الوجوب، والمراد بالخطاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا انه يشمل المسلمين جميعاً، كما انه يبين أهم حقيقة في الوجود وعلى الإنسان ادراكها، وهذا الإدراك مقدمة لدخول الإسلام، وبرزخ دون الكفر والجحود.
ويترتب على المعرفة وجوب الشكر لله، لأن شكر المنعم واجب، والله عز وجل هو المنعم على الناس بالخلق والرزق لذا فان شكره واجب، ومن وجوه المعرفة الإقرار بالمعاد والوقوف بين يدي الله للحساب وهو سبب للخوف، ودفع الخوف واجب ويتحقق الأمران الشكر لله ودفع الخوف من عذابه بالتقوى، وهو الذي تؤكده الدلالة العقلية بوجود ملازمة ذاتية بين الشكر والخوف، وملازمة طبعية بينهما باعتبار ان شكر المنعم يدفع الخوف من التقصير.
وشكر الله عز وجل على وجوه:
الأول: قولي بالحمد والثناء عليه تعالى باللسان.
الثاني: الشكر الفعلي، بإتيان الأفعال التي تفيد الشكر والثناء على الله تعالى، ولا يحدد الإنسان ماهية وكيفية هذه الأفعال بل بينها الله عز وجل للناس ليكونوا فيها شرعاً سواء ولمنع الإفراط أوالتفريط، ولترك التشديد على النفس، لذا جاءت العبادات والفرائض، وأداؤها من مصاديق تقوى الله حق تقاته.
الثالث: الشكر لله بإجتناب المحرمات والنواهي، وهو آية في خلق الإنسان وسبب في استدامة الحياة الدنيا.
لقد أراد الله عز وجل بهذه الآية ان يرتقي الناس الى مراتب الشكر الواجب فتوجه بالأمر الى المسلمين بتقواه كما يجب ان يتقى، وهذا الوجوب فرع المعرفة، وصحيح ان الخطاب موجه للمسلمين الا انه يشمل الناس جميعاً، لأن أصل الفطرة هو الإسلام.
وزيغ و إنحراف الناس عن جادة الحق لا يحجب توجه الخطاب التكليفي لهم بوجوب تقواه، وانحصاره بالمسلمين، بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] حجة على غيرهم ودعوة للإحتراز منهم، وكما ان المعرفة طريق للتقوى فكذا التقوى فانها طريق لزيادة وتثبيت المعرفة الإلهية، ولا يعني هذا الدور بل ان كل فرد من الفردين مقدمة للآخر ويتداخل معه ليكونا واقية مستمرة للمسلم من الضلالة والى حين وفاته، لذا جاءت خاتمة الآية بوجوب الموت على الإسلام.
بحث عرفاني
لقد أراد الله عز وجل للمسلم الإرتباط معه بالتقوى، وهي أشرف وأعظم رابطة فهي خير محض، وعنوان العبودية لله، وموضوع الإتصال بين عالم الشهادة وعالم الغيب ووسيلة مباركة لكسب السكينة وجعلها حال مستديمة عند الإنسان فهذا الإرتباط رحمة بالإنسان، وسبيل لسعادته في النشأتين، وتستلزم التقوى مجاهدة النفس، وقهر دواعي الشهوة والغضب فيها.
لقد أراد الله عز وجل بهذه الآية للمسلم التطهير من كل ما يشغل القلب، ويصده عن ذكر الله، وتعني في دلالتها الأمر بالإخلاص بالعبادة، والتحلية بالفضائل والتخلية عن الرذائل والأخلاق المذمومة، فالتقوى تجاذب تام بين العبد والرب، أما جذبة العبد فهي الإنقطاع اليه تعالى، الذي يتفرع عنه الإقبال على العبادة، والزهد في الدنيا وزينتها، وأما جذب المعبود فهو عطاء غير مجذوذ وفيض متصل يتغشى الدار الدنيا وعالم البرزخ ويوم القيامة من غير أن تتخلله فترة كفضل من عند الله وجزاء على فعل العبد الذي لم يغادر التقوى مدة حياته.
ان تأكيد الآية على ان تكون التقوى كما ينبغي ويجب لله تعالى دعوة للتفاني المحض في مرضاته، وباعث عل الشعور بالتقصير في الطاعات، ومناسبة للإستغفار والتوبة النصوح، و تدعو الآية الى اصلاح الذات لمراتب المعراج، ودرجات القرب منه تعالى.
والتقوى سفر روحي وعقائدي ومشاهدة حضورية، تجعل المسلم فخوراً بما عنده، حريصاً بما ناله من مراتب التشريف والعز مع إدراك ان هذا الشرف لم يأتِ الا بالإسلام، فيجتهد في عدم مغادرة منازله، وهو مضمون خاتمة الآية وكأنها تخبر المسلمين بان التقوى تؤدي بالإنسان الى الموت على الإسلام أي ان الجملة وأن جاءت انشائية وبصيغة الأمر بتعاهد الإسلام، والنهي عن مغادرة منازله الا انها تفيد ايضاً الإخبار عن الملازمة بين التقوى والموت على الإسلام.
ويساعد على هذه الملازمة ان التقوى في الآية وردت بصيغة الأمر والتقدير “الذي يتقي الله يموت وهو مسلم”.
وإختصاص المسلمين بالأمر بالتقوى فضل إضافي عليهم، ومرتبة لهم لم ينلها غيرهم ودعوة للتفاني المحض في مرضاة واجب الوجود، وشاهد على أهلية المسلمين لتحمل أعباء خلافة الأرض ومباهاة الملائكة في العبادة والإستقامة مع تخليهم عن مباهج الدنيا مع تدافعها صوبهم، والتقوى تنزيه للقلب من الكدورات الظلمانية، وفرار الى الله، في حضرة الملك الجبار.
لقد حبى الله المسلمين كنوزاً وثروات مستديمة تتجلى بالتقوى والخشية منه تعالى لأن التقوى نهر جارِ من الخير المحض.
بحث بلاغي
من وجوه الإطناب (الإيغال) وهو ختم الكلام بنكتة يتم المعنى بدونها، وقيل هو خاص بالشعر، ولكن القرآن جاء بصيغ البيان والتعليم والإرشاد ومن الإعجاز فيه تعدد معنى الفاظه الذاتي، بالإضافة الى حصول معاني كثيرة بلحاظ جزئيته من الآية، وتعضيده او تفسيره للألفاظ الأخرى، ليكون علم التفسير استخراجاً لكنوز لا متناهية، وعلوم متصلة وايذاناً بخزائن مستحدثة تتصف بعدم النفاد.
وتتكون هذه الآية من عشر كلمات الا انها تتضمن معاني عديدة، فقد بدأت بالخطاب للذين آمنوا على نحو الخصوص بلغة الماضي التي تفيد الإمضاء والتنجز فليس في القرآن “يا أيها الذين يؤمنون”.
ثم جاءت بالأمر الإلهي بتقوى الله وهو نص يفيد البيان والتعيين، وعدم الإجمال، نعم التقوى عالم رحب وواسع، تتجلى فيه معاني مجاهدة النفس والصبر في جنب الله، ثم أكرمت الآية المسلمين بان كشفت لهم سراً من عالم الغيب واخبرتهم بان التقوى يجب ان تكون كما ينبغي لله وما يليق بالذات المقدسة.
وبعده أختتمت الآية بتوكيد لزوم الموت على الإسلام، والأمر بالتقوى يؤدي بالضرورة الى مضمون الخاتمة، ومع هذا جاءت الخاتمة لتوكيده فالخاتمة ليست من الإيغال والإمعان فحسب بل هي توكيد لأول الآية، وإرشاد للمسلمين وبيان موضوعية ملة الإنسان عند الموت وأثرها في عالم الحساب والجزاء وتبعث الحسرة في نفوس الذين يخوفون وهم كفار، وهي قانون قائم بذاته، يهدي الى التقوى مثلما هو ثمرة من ثمارها.
بحث بلاغي
من وجوه البديع والإستقصاء وهو ان يذكر المتكلم موضوعاً فيستقصيه، فيأتي بمعانيه الذاتية، ويتناول عوارضه ولوازمه، ليتحصل البيان والفهم عند السامع، وفي القرآن يأخذ الإستقصاء ومضامين عقائدية الى جانب ضروب البلاغة، ويأتي الإستقصاء في القرآن بثلاثة وجوه:
الأول: الإستقصاء ضمن الآية الواحدة فيستوفى فيها الموضوع ذاتاً وعرضاً.
الثاني: الإستقصاء في آيتين متباعدتين من القرآن تربط بينهما وحدة الموضوع والحكم.
الثالث: حصول الإستقصاء في آيتين او عدة آيات متعاقبات، كما يظهر في هذه الآيات اذ تضمنت استقصاء موضوع انتفاء الكفر عن المسلمين، وانعدام موضوعه بينهم من وجوه:
الأول: مجيء الآيات بلوم أهل الكتاب على الكفر بآيات الله مع لغة الإنذار والوعيد( ).
الثاني: توبيخ وتبكيت أهل الكتاب لصدهم المسلمين عن سبيل الله( )، اذ ان الآية جاءت بلفظ الصد صريحاً، الا انه لا يعني ترتب الأثر عليه، وحدوث الصدود والعزوف عن المسلمين من الإسلام، ويدل على إنتفاء الأثر ان الآية التي بعدها جاءت بنداء المدح والتشريف للمسلمين [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثالث: تحذير المسلمين من الإنصات الى أهل الكتاب والإلتفات الى محاولات صدهم عن الإسلام.
الرابع: بيان قبح الأثر الذي يترتب على طاعة المسلم لأهل الكتاب، وهو الإرتداد ( ).
الخامس: البشارة والسكينة بانتفاء الكفر عن المسلمين.
السادس: بيان علة البقاء على الإيمان وهي مركبة من فردين القرآن والسنة النبوية.
السابع: أهلية المسلمين لتقوى الله والخشية منه كما جاء في الآية السابقة وقوله تعالى [وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ].
الثامن: الأمر الإلهي للمسلمين بطاعة الله واجتناب معصيته.
التاسع: التوكيد على ملازمةالإسلام انتماء وعقيدة ومنهاجاً.
العاشر: التمسك بالإسلام ومبادئه والإتحاد تحت لوائه، كما في الآية التالية وقوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا].
ومن خصائص الإستقصاء القرآني انه مدرسة عقائدية، وتأديب وتعليم وموضوع للهداية لذا فان الإستقصاء لطف إلهي لا ينحصر بالمسلمين بل يشمل الناس جميعاً وهو باب للدعوة للإسلام.
قانون الموت على الإسلام
لقد جعل الله الموت أمراً وجودياً وواقعاً حتمياً يرمي به الإنسان مطلقاً، لم ينج منه أحد، ومع ان أعمار الناس من الكلي المشكك فان الحد الأعلى فيه معلوم على نحو الإجمال لذا ترى الناس يذكرون اصطلاحاً هو متوسط عمر الإنسان، وهذا الإجمال لطف من عند الله بالإنسان لكي يستعد للموت عند دنو الأجل، بالإضافة الى لطف إضافي آخر مصاحب له في جميع أيام حياته وهو إحتمال طرو الموت في ساعة من ساعات نهاره أو ليله.
وبما ان الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان فان ساعة الموت من أفراد الحياة الدنيا ولها خصوصية تنفرد بها عن جميع آنات العمر، وهي موضوعية الإعتقاد ساعة الموت ولزوم ان يكون على الإسلام، فالله عز وجل لا يرضى من العبد الا ان يموت على الإسلام ويغادر الدنيا على التقيد بأحكام الشريعة.
ومن الآيات ان الله لم يجعل للعبد تمام الإختيار بين الإيمان والكفر والإهتداء بعقله وبصيرته الى الإسلام وهو الدين الحق ولكنه سبحانه تفضل ببيان وجوب ملازمة الإسلام للإنسان في حياته.
وليس من أجل او حد لهذه الملازمة او الحاجة اليها بل هي مستمر الى أجل الإنسان، ومغادرته الدنيا ومنافع هذه الملازمة خاصة وعامة، اما الخاصة فانها عنوان للصلاح والرشاد في الدنيا والآخرة، أما العامة فان التزام الإنسان بالعبادات وسبل الإستقامة سبيل لصلاح غيره من الناس.
والموت على الإسلام موضوع لتعظيم شعائر الله، وتثبيت معالم الدين في الأرض، ومن الآيات فيه ان موت المسلم يكون باب هداية للناس، من وجوه:
ألأول: وراثة ابنائه وذريته للإسلام.
الثاني: الإقرار الشخصي بعالم ما بعد الموت، وإعتراف المسلم بالحساب والجزاء، والإستعداد له بالموت.
الثالث: الموت على الإسلام من وجوه التقوى والخشية من الله.
الرابع: كتابة المسلم وصيته، وذكره لحقوق الناس فيها، وحرصه على أداء الديون وتحصيل براءة الذمة في العبادات والمعاملات.
الخامس: يكون المحتضر عبرة وموعظة لغيره، وحجة عليه.
وكما جاءت الآيات القرآنية بمدح الموت على الإسلام والترغيب فيه، فانها حذرت بصيغة الوعيد من الموت على الكفر قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ]( ).
قانون الملازمة بين التقوى والموت على الإسلام
لقد جعل الله الحياة الدنيا نظاماً بديعاً متكاملاً يقود الى الهداية والرشاد، فملأ الآفاق بالآيات الباهرات التي تدعو مجتمعات ومتفرقات الى تقوى الله وعشق طاعته لأنها مناسبة للعقل والشرع، وابتلاء الإنسان بالموت في آية من هذا النظام البديع وسر من أسرار الخلق والإرادة التكوينية ومن الآيات ان كل انسان يدرك حتمية طرو الموت عليه، وتظهر تباشيره واماراته بالشيب ووهن العظم والسلب التدريجي للعافية، ورؤية الأقران يرحلون ويغادرون الى العالم الآخر واشترك التنزيل والنبوة في أعظم بيان لماهية الحياة الدنيا بذكر لزوم الموت وتعقبه بالحساب والثواب والجزاء وجاهد في هذا السبيل الأنبياء واتباعهم وكان لهذا الجهاد أثر عظيم في تثبيت هذه الحقيقة في المرتكزات الذهنية بالإضافة الى استنتاج الإنسان لها بالدلالة العقلية والفعلية ومن منافع ادراك الإنسان والمجتمعات لحتمية ملاقاة الموت في اصلاح النفوس، وتهذيب المجتمعات وشيوع وسيادة افكار الهداية، كما كان هذا الإدراك عوناً على محاربة مفاهيم الضلالة والجحود، وعجزها عن الوقوف بمعارضة مبادئ الإيمان والصلاح وجاء الإسلام ليرتقي بالناس في سلم المعارف الإلهية، ويجعل المسلمين منقطعين الى الله تعالى.
ومن آيات الإسلام حصول الملازمة بين التقوى والموت على الإسلام، فمن أمتلأ قلبه بالتقوى وحب طاعة الله والإنقطاع الى عبادته، والخشية منه، والإحتراس من معصيته فانه لا يفارق الدنيا إلا على الإيمان والصلاح لأن التقوى ملكة نفسية تمنع من الكفر والجحود وواقية من الضلالة والغواية تتصف مع تقادم الأيام وطول الإقامة على العبادات والفرائض، ويساعد في ارتقائها دنو الأجل او الزحف القهري نحوه بتقدم الأيام والساعات، وازدياد سني العمر.
ليشعر المسلم بحاجته الى التقوى عند الموت وهذا الشعور، وظهور علامات تلك الحاجة في النفس والبدن يجعلان الإنسان حريصاً على التقوى وعدم مغادرة الدنيا الا بالتقوى، ومن التقوى اليقين بالمعاد ومعرفة انه حق وضرورة من ضرورات الدين ليكون هذا اليقين ذاته طريقاً الى الإخلاص في العبادة، ونيل وصف التقوى في القول والعمل.
ليكون المسلم وارثاً في عباداته للأنبياء وداعياً الى الله عز وجل عند وفاته، فمع ان الموت أمر قهري الا ان المنتفع يختار فيه البقاء على الموت فيكون مناسبة لنيل الثواب ومغفرة الذنوب.
ومن منافع إدراك الإنسان والمجتمعات لحتمية ملاقاة الموت على قسمين:
الأول: المنافع الدنيوية، فمع ان الموت خاتمة الحياة وبه يخرج الإنسان من الدنيا ويغادرها الى الأبد، فلا عودة للدنيا بعد الموت فان إدراك الإنسان لحتمية وقوع الموت يجعله يستعد له وهذا الإستعداد على وجوه:
الأول: ما يترتب من الأثر على إدراك الموت في عالم الأقوال والأفعال، وتهذيبها من القبيح والمنكر، وإجتناب الظلم وإيذاء الناس، وعدم اللهث وراء زينة الدنيا وزخرفها.
الثاني: الإستعداد للموت بالعمل الصالح والتدبر في ماهية الحياة الدنيا وكيف انها مزرعة للآخرة.
الثالث: النفع العام للناس بتثبيت مبادئ التوحيد، ونشر معالم الإسلام، وإنزجار الناس عن إيذاء المسلمين في عباداتهم ومناسكهم لأنها مقدمة للآخرة وإستعداد لما بعد الموت، فإدراك الناس لنزول الموت على نحو القطع واليقين وسيلة قهرية لحمل الناس على ترك المسلمين وشأنهم في صلتهم مع الله عز وجل، وإكتنازهم الصالحات.
القسم الثاني: المنافع الأخروية، ليس من شيء أفضل للإنسان من العمل للآخرة وحمل الزاد لها، وذكر الموت مصداق من مصاديق التقوى، ومقدمة له، وليس هو من باب المقدمة الداخلية التي قاد بها بعض الأصوليين بإعتبار ان الجزء مقدمة للكل بل انه مقدمة خارجية من غير أن يكون هناك تعارض بين المقدمة والمصداق في المقام.
ومن الآيات أن يأتي وصف محل الخلود بانه رحمة الله عز وجل، ليكون الموت سبيلاً للفرار الى الله، وحضوراً في حضرة القدس، وقرباً من المحبوب، ونجاة مما في الدنيا من الإفتتان والإبتلاء والإمتحان، فعندما يتعرض الإنسان للضيق والأذى في الدنيا يشتاق الى رحمة الله والخلود فيها، وتخفف هذه الآية عن المسلمين العناء والتعب الذي يواجههم في الدنيا، وتسهل لهم أداء التكاليف وما فيها من الجهد، لأن ثوابها من عظيم اللامنتهي، وتبعث الود ومعاني الرحمة فيما بينهم ، وتخفف من الخوف على فراق الأحبة لأنهم في رحمة الله ولأن اللقاء معهم قريب وليس له إنقطاع.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة