معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 71

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
الحمد لله الذي تجلت آياته في جميع الكائنات، وإحتاج اليه من في الأرض والسماوات، ودل على بديع خلقه وعظيم قدرته عالم الممكنات، نحمده على نعمه المتصلة وآلائه المتعاقبة وآيات فضله على المسلمين الظاهرة منها والباطنة ونرجوه في المهمات، ونستعينه في دفع البأساء والضراء.
وصلى الله على رسوله الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نال شرف الإمامة العامة في أمور الدين والدنيا وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين.
ومن النعم الإلهية على الناس بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، ونزول القرآن عليه ليكون الميثاق السماوي الذي يقود الناس نحو السعادة الأبدية، وحبلاً ينجو من تمسك به في النشأتين، وربيعاً لأفئدة المؤمنين وشفاء للصدور، وعزاً للمسلمين، وكل آية منه روضة ناضرة يجتمع فيها العلم والحكم وأسباب الهداية.
ومن نعم الله علينا وعليكم ان جاء هذا الجزء من تفسير معالم الإيمان وهو السابع والستون في تفسير آية واحدة من سورة آل عمران وهي [وَاعْتَصِمُو بِحَبْلِ اللَّهِ] في فيض من التأويل والإستنباط وقوانين خاصة في مضامين الآية، لتكون تأسيساً لمدرسة علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً، وشاهداً على الذخائر العلمية والعقائدية في ثنايا آيات القرآن والتي تدعو أهل العلم والمعرفة الى السياحة في عالم الملكوت بتلاوة آياته والتدبر في معانيها، فهي الضياء الذي يشع من الصدور الى الجوانح والأفعال، والفيض السماوي الذي يجعل الدنيا مقدمة وطريقاً الى الجنة والسعادة الأبدية.
وتعتبر آية (وإعتصموا) مدرسة وكنزاً من المعارف الإلهية،وقانوناً يحكم أعمال المسلمين والمسلمات، وبرزخاً دون الفتن ومانعاً من الفرقة والشقاق، وهي علاج ووسيلة للتدارك في حال الفتنة، والشواهد التأريخية على منافع هذه الآية أكثر من أن تحصى، وهي حرز سماوي وصاحب كريم يلازم المسلمين في أمصارهم وأيامهم ولياليهم، وتكون لها موضوعية في إختيارهم وقرارهم وشؤونهم وصلاتهم بعضهم مع بعض، ومع غيرهم من أهل الكتاب والناس أجمعين.
ومضامين هذه الآية رحمة مزجاة خص الله بها المسلمين، وهي دليل على إصطفائهم من بين الأمم، وتأهيلهم بالعناية الإلهية لخلافة الأرض، ويأتي الجزء التالي في تفسير آية واحدة من آل عمران ايضاً بلطف إلهي متصل.
أسأل الله تعالى أن ينعم علينا بإتمام أجزاء هذا التفسير، وقد قمت بكتابة ومراجعة وتصحيح هذا الجزء بنفسي من غير مساعدة أحد، كدأبي في أجزاء التفسير الأخرى وكتبي الفقهية والأصولية، مع الحاجة الى الوقت والجهد لإنجاز هذا السفر الخالد، [رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا].

قوله تعالى [وَإعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] الآية 103.
الإعراب واللغة
وإعتصموا بحبل الله جميعاً: الواو: حرف عطف، إعتصموا: فعل أمر مبني على حذف النون، الواو: فاعل، بحبل الله: الباء حرف جر، حبل: اسم مجرور، وهو مضاف، واسم الجلالة مضاف اليه.
جميعاً: حال منصوب.
ولا تفرقوا: الواو: حرف عطف، لا: ناهية، تفرقوا: فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف النون، وأصله تتفرقوا، حذفت إحدى تائيه تخفيفاً.
واذكروا نعمة الله عليكم: الواو: حرف عطف، اذكروا: فعل أمر معطوف على إعتصموا، نعمة الله: مفعول به منصوب، وهو مضاف، واسم الجلالة مضاف اليه، عليكم: جار ومجرور متعلقان بنعمة.
اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم: اذ: ظرف زمان، كنتم: كان واسمها، أعداء: خبر كان منصوب بالفتحة، وجملة كنتم في محل جر بالإضافة اليها.
فألف بين قلوبكم: الفاء: حرف عطف، ألّف : فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر يعود الى الله تعالى.
بين: ظرف مكان متعلق بألف، قلوبكم: قلوب: مضاف اليه، وهو مضاف، والضمير الكاف مضاف اليه.
فأصبحتم بنعمته إخواناً: الفاء: حرف عطف.
أصبحتم: فعل ماض ناقص، والتاء: أسمها، والميم: علامة جمع الذكور.
بنعمته: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال.
إخواناً: خبر أصبحتم منصوب بالفتحة.
وكنتم على شفا حفرة من النار
كنتم: فعل ماضِ ناقص وأسمه.
على شفا: جار ومجرور في محل خبر كان، وشفا مضاف.
حفرة: مضاف اليه مجرور بالكسرة.
من النار: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لحفرة.
فأنقذكم: الفاء: حرف عطف، أنقذ: فعل ماض، وهل هو معطوف على ألفّ، أم على كنتم، الجواب هو الأخير، والفاعل: ضمير مستتر يعود الى الله، والضمير الكاف في محل مفعول به.
منها: جار ومجرور متعلقان بأنقذكم.
كذلك يبين الله لكم آياته: كذلك: الكاف حرف جر، ويجوز أن يكون إسماً بمعنى مثل، ذلك: اسم إشارة مجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف مفعول مطلق أو حال.
يبين الله: فعل مضارع وفاعل.
آياته: مفعول به مضاف، والضمير الهاء مضاف اليه.
تهتدون: فعل مضارع وفاعل، والجملة الفعلية خبر لعل، ولعل وأسمها وخبرها جملة رجاء جاءت في محل حال.
يقال عصمه يعصمه عصماً: حفظه ودنّاه، وأصل العصمة: المنع وأعتصم المسلم بالله اذا أمتنع به، وعصمه الطعام: منعه من الجوع.
ومنه شعر أبي طالب في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة الأرامل
أي انه ملجأ وغياث لهم، ويمنعهم من الضياع أو الحاجة.
والحبل: العهد والذمة والأمان، والحبل: الوصال والتواصل “وفي حديث الدعاء: يا ذا الحبل الشديد”( ).
وقال ابن منظور “ووصفه بالشدة لأنها من صفات الحبال”( ).
ولكن صفة الشدة لإمكان تمسك الناس جميعاً به من غير أن يرتخي او ينقطع، والفرق:خلاف الجمع، فرقه يفرقه فرقا: ويقال إنفرق الشيء وتفرق وإفترق أي إنشطر وإنقسم الى أقسام، وألفت الشيء: أنست به، وسكنت النفس اليه، وألفت بينهم تأليفاً: اذا جمعت بينهم بعد تفرق.
وأشفى على الهلاك: أشرف عليه، والشفى: حرف كل شيء.
ونقذته وأنقذته وإستنقذته: خلصته ونجيته.
في سياق الآيات
بعد تحذير المسلمين من طاعة أهل الكتاب وما يدل عليه من وجوب طاعة الله ورسوله، والتقيد بأحكام الشريعة لعدم إمكان اجتماع النقيضين، وبعد نفي طرو الكفر على المسلمين جماعات وأفراداً، ومجئ هذا النفي بفضل الله اذ انزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعل تلاوة الآيات واجباً يومياً في الصلاة، على كل مكلف ذكراً كان أو أنثى جاءت هذه الآية للاخبار عن الملازمة بين الإعتصام بالله وبين الهداية.
وبعد ان جاءت الآية السابقة بالأمر الإلهي لكل مسلم بتقوى الله وطاعته والخشية منه، واجتناب معصيته، جاءت هذه الآية بالأمر الإلهي بالإعتصام بحبله والإتحاد والإلتقاء في طاعته، وهذا الإعتصام من مصاديق وفروع التقوى، ومن الآيات ان يأتي الإعتصام بحبل الله بعد الأمر العام للمسلمين بتقوى الله، ليكون هذا الأمر عوناً للمسلمين على الإعتصام والتمسك بمبادئ الإسلام، وفيه وجوه:
الأول: انه دليل على الحاجة للتقوى في موضوع التمسك بالله.
الثاني: تقوى الله مقدمة للإعتصام بالله.
الثالث: جاء الخطاب بالإعتصام عاماً لجميع المسلمين، لذا فانه يستلزم تهذيب النفوس واصلاح الذات والجماعة ونزع رداء الكدورات الظلمانية.
الرابع: لما جاءت الآية السابقة بالأمر بالتقوى وطاعة الله، جاءت هذه الآية لتبين وجهاً آخر من وجوه طاعة الله وأسباب الثبات على التقوى وتغشي مفاهيمها لأعمال الفرد والمجتمع.
الخامس: ابتدأت الآية بحرف العطف الواو مما يعني ان الواجب متعدد ويتضمن:
الأول: تقوى الله، والتقيد العام باحكام الشريعة.
الثاني: الإعتصام بالقرآن والسنة العمل بمضامينهما.
السادس: تذكر الآية بتحقق الأخوة الإيمانية بين المسلمين بعد التفرق والعداوة بين قبائلهم في الجاهلية وتبين فضل الله على المسلمين ووجوب شكره على نعمة الأخوة وما يتفرع عنها من أسباب العز والظفر، ولزوم تجلي الشكر لله تعالى بالتقوى، أي ان تقدم الأمر الإلهي بتقوى الله على الإعتصام بحبله لا يعني انحصار الصلة بينهما باعتبار المتقدم اصلاً وسبباً والمتأخر فرعاً ونتيجة، بل هناك تداخل وتأثير متبادل بينهما بحسب القرائن والموضوع والحكم فالإعتصام بحبل الله من مصاديق التقوى، كما انه سبيل ومقدمة للتقوى وعون على طاعة الله، واجتناب معصيته، وبين تقوى الله الذي تأمر بها الآية السابقة وبين الإعتصام بحبله عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: اللجوء الى الله عز وجل والتقرب اليه زلفى ورجاء.
الثاني: كل من التقوى والإعتصام بحبل الله طاعة لله، سواء بالذات ام بلحاظ الأمر الوارد في المقام.
الثالث: كل منهما باب للأجر والثواب.
الرابع: التقوى والإعتصام بالله شاهدان على حسن امتثال العبد لمرضاة الله.
أما مادة الإفتراق فهي من وجوه:
الأول: التقوى أعم من الإعتصام وبينهما عموم وخصوص مطلق، فالإعتصام بالله من التقوى.
الثاني: جاء الأمر بتقوى الله حق تقاته، وورد الإعتصام بالله في الآية قبل السابقة وجاء هنا الإعتصام بحبل الله باعتبار ان الإعتصام بحبل الله هو إعتصام بالله بالواسطة ولجوء اليه.
الثالث: تأتي التقوى لطفاً وهبة من الله عز وجل وليس من ملائكته أو أنبيائه، وكل الناس مأمورون بتقوى الله، أما الإعتصام فجاء مرة بالله عز وجل وأخرى بحبله.
ولما بينت الآية قبل السابقة موضوعية التنزيل والنبوة وان الإعتصام بالله هداية ورشاد جاءت هذه الآية لتؤكد التمسك بهما، وعدم التفريط بأحكامهما، وهذا من إعجاز نظم الآيات، وأمرت الآية بالإعتصام بالله واللجوء اليه فلم تكتفِ الآيات بصيغة الشرط بل تبعتها لغة الأمر [وإعتصموا] وهو شاهد على تفضيل المسلمين، ولما أختتمت الآية السابقة بالموت على الإسلام جاءت هذه الآية للإعانة عليه وجعل المسلم يختار الموت على الإسلام بالإعتصام بحبل الله.
إعجاز الآية
جاءت الآية بخمسة أوامر، ونهي واحد، وثمانية أخبار، أما الأوامر فهي:
الأول: التمسك بحبل الله على نحو العموم الإستغراقي الشامل للمسلمين ويتجلى هذا العموم بقوله تعالى (وإعتصموا) الذي يفيد العموم والشمول، وقوله تعالى [ِ جَمِيعًا].
الثاني: الإتحاد والزجر عن الفرقة والإختلاف بين المسلمين، فالجمع بين الأمرين أعلاه آية إضافية وفيه مسائل:
الأولى: لا يكفي عدم الإختلاف، واجتناب الشقاق والتباين في الأقوال والمذاهب والأفعال، بل لابد أن يكون الإلتقاء على التمـــسك بمبادئ الإسلام، والإعتصام بسنن القرآن والنبوة.
الثانية: عدم التفرق أمر شامل للأفراد والجماعات والفرق والحكومات والقبائل والقوميات، فالآية خطاب وأمر ينحل الى وجوه:
الأول: لا تفترق أيها المسلم عن الجماعة.
الثاني: لا تفترقوا بعضكم عن بعض.
الثالث: لا تفترق القلة عن الكثرة، ولا الكثرة عن القلة.
الرابع: عدم الإفتراق مقيد بقيد إضافي وهو الإعتصام بحبل الله.
الثالثة: جاءت الآية بتقديم الإعتصام بحبل الله للنهي عن الإجتماع على الباطل.
الرابعة: في قوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] حذف والتقدير: لا تفرقوا عن الإعتصام بحبل الله بالإضافة الى النهي عن الفرقة والإختلاف مطلقاً، مما يدل على بيان المراد من (حبل الله) وانه معلوم عند المسلمين.
وجاءت الآية بنهي واحد، بقوله تعالى [ولا تفرقوا] لتوكيد التعارض والتضاد بين التمسك بالقرآن والسنة وبين الفرقة والتشتت، أي ان قوله تعالى [ولا تفرقوا] أمر بالإتحاد ونهي عن الفرقة.
الثالث: ذكر نعمة الله على المسلمين وفضله العظيم عليهم، ولم تدع الآية لذكر فضل الله على الناس كافة، وفيه وجوه:
الأول: إرادة النعم الخاصة على المسلمين بالإسلام ودخوله.
الثاني: تعدد المراد من الذكر وجهة الخطاب وانحلاله الى اقسام:
الأول: نعم الله على المسلمين بما هم من ذرية آدم.
الثاني: نعمه تعالى عليهم بصفتهم مسلمين.
الثالث: النعم الإلهية على كل واحد منهم.
الرابع: ذكر أفراد النعمة التي تذكرها هذه الآية.
والصحيح هو الرابع لذا قالت الآية [إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً] فبينت النعم التي على المسلمين ذكرها مع ورود نعم متعددة تدعو آيات أخرى لذكرها وهذا لايمنع من ذكر النعم الاخرى، لان ورود هذه النعم من باب المثال ومناسبة الآية وليس الحصر.
الرابع: ذكر نعمة الله، بأفرادها المتعددة الواردة في الآية، وجــــــاء الأمر بالذكر على نحو المتعدد وليس المتحد، لذا وردت في الآية أخبار متعلقة بالذكر والإستحضار الذهني لأفراد النعم الإلهية الخاصة بالمسلمين، وهي:
الأولى: التخلص من حال العداوة والخصومات المتجددة، والعداوة أشد من الفرقة والإنقسام، لذا جاءت النعمة بالتخلص منها لتكون النجاة منها مقدمة للوحدة والوفاق.
الثانية: الألفة والوئام وتغشي المحبة والود للصلات بين المسلمين أفراداً وجماعات.
الثالثة: نعمة الأخوة وشمولها للمسلمين كافة ومن النعم الإضافية في المقام ان هذه النعمة لم تأتِ مزاحمة لحال العداوة، بل جاءت بديلاً لها وحلت محلها، لتكون الأخوة بين المسلمين خالية من الغضاضة والحسد والأحقاد ونحوها من الكدورات وآثار الماضي، وحال الإقتتال والثأر التي كانت سائدة قبل الإسلام.
الرابعة: الإخبار على زحزحة كل مسلم من حال الإشراف على الهاوية، وإبعاده عن حر النار بعد ان كان قبل الإسلام يحس بلهيبها.
الخامسة: السلامة من النار والنجاة من شدتها وعذابها، ويدل إنقاذ المسلمين من النار على البشارة بدخولهم الجنة والخلود فيها.
السادسة: بيان الآيات وذكر النعم الإلهية، وإعانة المسلمين على الإرتقاء في سلم المعارف الإلهية.
السابعة: رجاء زيادة الهدى والتفقه في الدين والإستقامة على الصراط المستقيم والتقيد التام بأحكام هذه الآية الكريمة.
الخامس: الدلالة التضمنية بالأمر بالهداية في قوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] وفيه وجوه:
الاول: الإهتداء الى سبل الحق والرشاد واجب شرعي وعقلي على الإنسان.
الثاني: النعم الالهية مدد وعون للمسلم على الهداية والرشاد.
الثالث: إتخاذ النعم مقدمة ووسيلة للهداية من وجوه:
الاول: الانتفاع منها، وهو على اقسام:
الاول: القهري فلابد من تحقيق النفع من نعمة الاخوة.
الثاني: ترشح الإنتفاع من أحكام الشريعة الإسلامية فمثلاً الاجتماع العقائدي الروحي في زمان مخصوص في الحج وأداء الصلاة بإتحاد الأفعال والأوقات مناسبة للانتفاع من نعمة الإخوة وغيرها.
الثالث: النفع الإنطباقي الذي يتحقق بالتقيد بأحكام الشريعة.
الرابع: النفع الإختياري وفق قواعد المصالح والمفاسد.
الثاني: النعم الإلهية لطف وواقية وحجاب عن المعصية وأسباب الغواية، وقد لا يصلح الإنسان الا الصحة والغنى فينعم الله عليه بهما لينجو بنفسه ودينه،وقد يكون الفقر نعمة إلهية وبرزخ دون ارتكاب الذنوب فمن العصمة إمتناع المعصية.
الثالث: النعمة الإلهية باب للإرتقاء في المعارف الإلهية، وقرين مصاحب للإنسان يدعوه للإيمان، ويخفف عنه وطأة التكاليف، ويبعث في نفسه الشوق لأدائها، والبهجة عند الفراغ منها.
أما الأخبار فهي:
الاول: بيان النعم الإلهية على المسلمين، والإخبار الضمني عن علمهم بها بدليل مجيء الآية بالأمر بذكرها واستحضارها.
الثاني: حال العداوة التي كانت سائدة بين القبائل والجماعات والأفراد قبل الإسلام، وغلبة النفس الشهوية والغضبية، وإعطاء الأولوية آنذاك لحمية الجاهلية والعصبية القبلية.
الثالث: بعث مفاهيم الود والمحبة في نفوس المسلمين، وجعل المسلم يشفق ويرأف باخيه المسلم لصلة الأخوة بينهما، والألفة بين القلوب على وجوه:
الأول: تآلف قلوب المسلمين بأن يألف المسلمون بعضهم بعضاً، وتنتفي النفرة بينهم.
الثاني: رأفة المسلمين بالفرد منهم.
الثالث: شفقة وميل المسلم الى جماعة المسلمين.
الرابع: بلوغ المسلمين مرتبة الأخوة فيما بينهم، وهي أسمى درجة في تأريخ الإنسانية.
الخامس: الإخبار عما كانوا عليه قبل الإسلام من الإشراف على النار، فإن قلت أنهم لم يكونوا قبل الإسلام مسلمين، قلت: نعم، وصيغة الماضي في الآية (وكنتم) تدل على هذا المعنى فالمراد وصف حالهم وما فيه من القبح الذاتي قبل الإسلام، وتغيره الى الحسن والممدوح بعد الإسلام.
السادس: تفضل الله تعالى بإنقاذ المسلمين من النار، وما في نعمة الإنقاذ من معاني الأمن في الدنيا والنجاة في الآخرة.
السابع: لغة التشبيه في بيان الآيات (كذلك) والذي يفيد التعدد والكثرة في الآيات والدلالات التي تبين توالي النعم على المسلمين.
الثامن: بيان الآيات والبراهين الدالة على قدرة الله وعظيم فضله على المسلمين.
أخذ الميثاق على بني إسرائيل[وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ] ليكون من عمومات آية البحث تآزر المسلمين وإمتناعه عن طرد وتهجير بعضهم من أرضهم وديارهم وفي هذا الإمتناع قوة ومنعة.
ويمكن أن نسمي هذه الآية آية “وإعتصموا ” ولم يرد لفظ “وإعتصموا بحبل الله “الا في هذه الآية الكريمة، وورد لفظ “وإعتصموا بالله” في آية أخرى( ).
الآية سلاح
لقد جعل الله عز وجل إعتصام العبد به منعة وحرزاً له، وللجماعة، وتدعو الآية للتمسك بالتنزيل والنبوة ليكون هذا التمسك واقية من أسباب الريب والشك، وتدعو الآية الى نبذ الفرقة والتشتت وما فيهما من الضعف والإنشغال عن طاعة الله، وتبين الملازمة بين الإعتصام بحبل الله وبين الإتحاد سواء في الإلتقاء في سبل الإعتصام او باعتبار ان الإتحاد نتيجة للإعتصام والتمسك بمبادئ الإسلام، ولا تنحصر منافع الإعتصام بالحياة الدنيا بل تشمل عالم الآخرة.
والآية مناسبة للشكر لله تعالى على نعمه، وهذا الشكر وجه من وجوه الإعتصام بالله عز وجل.
وتعتبر الآية من آيات الجهاد والإستعداد له، فالإعتصام بالله مقدمة للجهاد وخوض معارك الدفاع عن الإسلام، كما انه وسيلة مباركة لبعث الخوف في نفوس الكفار وأهل الضلالة وتجعلهم يخشون المسلمين، لما في الإجتماع على العصمة من العز والقوة والمنعة.
وفي كل موضوع من مواضيع الآية سلاح للمسلمين ويتجلى على وجوه:
الأول: الإعتصام بحبل الله تثبيت للإيمان في نفوس المسلمين، وترسيخ لمبادئ الإسلام في الأرض.
الثاني: يبعث التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية القنوط في قلوب الكافرين، ويجعلهم ييأسون من إحتمال إرتداد المسلم عن دينه، فبعد ان أختتمت الآية السابقة بالأمر الإلهي بمغادرة الدنيا على الإسلام جاءت فاتحة هذه الآية بلزوم التمسك بالقرآن ومبادئ الإسلام، وهو سبيل لعدم مغادرة الدنيا الا على الإيمان وأداء الفرائض، فهذه الآية تهدي المسلمين الى الموت على الإسلام، وعدم ترك منازله ولما كان وجوب البقاء على الإسلام يتغشى أيام عمر المسلم كلها وأوان الموت مجهولاً ومحتملا في كل ساعة من ساعات العمر، فقد يموت السليم ويشفى العليل، لذا جاء الأمر بالإعتصام بالله مطلقاً يتغشى ساعات وأيام المسلمين ليكون حرزاً وسلاحاً للموت على الإسلام.
الثالث: في تمسك المسلمين كافة بحبل الله واقية من أهل الريب والشك، وسلاح لمواجهة الجدل وإثارة الشبهات.
الرابع: في الفرقة ضعف ووهن، فالآية سلاح لدفع الضعف وأسبابه، ومن الآيات الإعجازية في القرآن انه لم يترك الفرقة والخصومة تحصل بين المسلمين، ثم يحثهم على الصلح وترك الخلاف، بل جاء بالأمر باجتناب الفرقة من الأصل والزجر عن أسبابها.
الخامس: تضمنت الآية الكريمة الأمر الإلهي بذكر نعمة الله وهي على أقسام:
الأول: النعمة مطلقاً من غير تعيين لموضوعها، وكل ما في الوجود نعمة من الله تعالى.
الثاني: النعمة الخاصة لشخص ما، وهي متعددة من وجوه ثلاثة:
الأول: تعدد النعم الخاصة على الإنسان.
الثاني: ترشح النعم العامة على الفرد.
الثالث: مجيء نعم إضافية فضلاً من عند الله عز وجل على العبد.
الثالث: النعم الإلهية على المسلمين والتي ينتفعون منها كأمة وأفراد ومنها نعمة الأخوة، وهي سلاح مركب من وجوه:
الأول: في الأخوة قوة ومنعة للمسلمين.
الثاني: الأخوة سلاح للدفاع والهجوم في آن واحد، فهي واقية من التعدي على حرمات المسلمين وسلاح للغزو والظفر في المعارك.
الثالث: الأخوة دعوة للناس لدخول الإسلام، والتنعم بنعمة المحبة والألفة والعز والمنعة في ظلال الأخوة الإسلامية، وهي أكبر وأسمى أخوة في تأريخ الإنسانية، فلم يشهد التأريخ معشار هذه الأخوة ومنافعها وآثارها، وهي آية تترشح عنها آيات متعددة متصلة ومتداخلة في زمانها وموضوعها، فأصلها ثابت لأنها نعمة من عند الله، ومنافعها منبسطة على المسلمين في أحوالهم المختلفة.
الرابع: التخلص من الإشراف على النار، نزع لرداء الحزن والفزع، ونجاة من الخوف من عذاب النار، وتنفي الآية عن المسلمين الغفلة عما كانوا عليه من القعود على حافة النار، وتدعوهم لتذكرها كي يشكروا الله على نعمة النجاة منها فيكون الذكر والشكر معاً سلاحاً عقائدياً وموضوع قوة ومنعة.
الخامس: الإنقاذ من النار وسيلة كريمة لدعوة الناس لنيل هذه النعمة وينحصر طريق نيلها بدخول الإسلام، فهو ترغيب بالإسلام وحث على التخلص من الكفر والجحود.
السادس: بيان الآيات مدرسة علمية وزاد متصل من المعرفة، وكنز ينهل منه المسلمون ما يرسخ إيمانهم، ويثبت أقدامهم في سوح المعارك.

مفهوم الآية
تدعو الآية الى الإرتقاء في المعارف الإلهية، بالأمر بالتمسك بحبل الله، والحرص على دوام الصلة مع المعبود، وتحذر من الغفلة والجهالة التي تبعد الإنسان عن دروب الهداية والرشاد، ويستقرأ التحذير من صيغة الأمر الواردة في الآية (وإعتصموا) المانعة من الغفلة الشخصية والنوعية، وهذا التعدد والإستغراق في المنع مدد للإعانة على الإمتثال لأحكام الآية، والتدبر بما فيها من المنافع، فقوله تعالى [وَإعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ] يفيد في مفهومه أموراً:
الأول: لزوم التمسك بالإسلام وعدم التفريط بمبادئه.
الثاني: الحرص على أداء الفرائض في أوقاتها.
الثالث: دعوة المسلمين للإهتداء الى صراط مستقيم، فالآية إرشاد الى الفعل الواجب على المسلمين القيام به.
الرابع: في الآية توكيد على حاجة الإنسان الى الإرشاد والتعليم، وان الكتاب والنبوة ضرورة للإنسان في حياته اليومية وعباداته، وهو الذي يدل عليه الأمر الإلهي بوجوب الإعتصام بحبله، والإهتداء الى السبل التي تنجي من عذابه، ولولا التنزيل والنبوة لم يعرف الناس التفسير والتأويل الصحيح للآية لإحتمال حصول التباين في تفسير (حبل الله) بين العلماء والفقهاء وتعدد الأقوال وكثرة التفاصيل مع تقادم الأيام، فجاءت السنة الشريفة لبيان المطلوب من حبل الله بالإضافة الى المتبادر من منطوق الآية الكريمة.
ومع ان قوله تعالى (وإعتصموا بحبل الله) يجمع الأمر والشرط والبيان، ويمنع من الترديد واللبس، فان الآية جاءت بأوامر أخرى تؤكد على وجوب تعاهد الأخوة الإيمانية مما يدل على حاجة المسلمين لها، فقد جاءت الآية بأوامر هي:
الأول: التمسك بحبل الله تعالى.
الثاني: النهي عن الفرقة والتشتت، فقوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] يدل في مفهومه على الأمر بالإتحاد والتعاون وتبادل الود والمحبة، وهذا التبادل يحتمل وجوهاً:
الأول: الإعتصام بالله سبيل الى الإتحاد والوحدة.
الثاني: الوحدة وعدم التفرق وسيلة للإعتصام بحبل الله.
الثالث: كل من الإعتصام بالله والإتحاد يكون مقدمة للآخر، وعوناً عليه.
والصحيح هو الأخير، وهذا من الإعجاز في الأوامر الإلهية، فكل واحد منها يبعث على الإمتثال للأمر الآخر، ويزجر عن ترك العمل به، وقد يكون هذا الترك من الممتنع، وهذا إعجاز إضافي لها أي للأوامر الإلهية، فالأمر الإلهي بفعل مخصوص تعاهد للإمتثال للأمر الثاني، بالإضافة الى اعجاز آخر وهو ظهور التداخل والملازمة العقلية والفعلية بين الأوامر الإلهية، وعدم إمكان الإنفكاك بينها، ومن الإعجاز ان يكون النهي عوناً على الأداء والإمتثال للأمر، فالنهي عن الفرقة والتشتت الوارد بقوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] حرز وواقية للإمتثال لأوامر إلهية متعددة، ومنها الإعتصام بالله.
الثالث: ذكر نعمة الله الذي جاء في قوله تعالى [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ] باعتبار انه شكر لله تعالى، وهذا الشكر مناسبة للإعتصام بالله واجتناب الفرقة، فمتى ما إلتفت الإنسان الى ان الأمر يستلزم الشكر لله فانه يدرك لزوم تعاهده والحرص عليه باعتباره نعمة، وهل يمكن الإمتثال في الإعتصام بالله، وعدم الإمتثال في النهي عن الفرقة، أي هل يصدق على المسلم انه يتمسك بحبل الله مع انه يختلف ويختصم ويتقاتل مع اخيه المسلم الجواب لا، فمن الإعتصام بحبل الله اجتناب الخصومة والشقاق مع عموم المسلمين، ونبذ الفرقة، وهو فرع الخشية من الله، ومصداق التقوى الذي جاءت به الآية السابقة، ولعل في الآية دلالة بان الإعتصام بحبل الله لا يتم الا مع اجتناب الفرقة والشقاق والإمتناع عن الخلاف بين المسلمين، وتوكيد هذه الملازمة بالشكر لله تعالى على نعمة الإتحاد والوحدة.
وتدل الآية في مفهومها على أمور:
الأول: الحسن الذاتي للإعتصام بالله.
الثاني: الدعوة لمعرفة المراد بحبل الله.
الثالث: وجود حبل بين الله وبين عباده، يمكن لهم ان يتمسكوا به.
الرابع: وجوب الإتحاد وعدم الإختلاف، ونبذ تعدد المذاهب والأحزاب التي تفرق بين المسلمين.
الخامس: استحضار حال الفرقة بين المسلمين قبل الإسلام، وما كان عليه الأوس والخزرج مثلاً من حال الإقتتال وكيف ان الله أصلح بينهم كما تقدم ذكره في أسباب نزول قوله تعالى [إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ] ( ).
وقيام الني محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه بالمبادرة الى الحضور لمحل الإفتتان وتدخله المبارك لحل الخصومة والنزاع بالتوكيد على الأمر الأهم والواجب وهو الإشتراك والتعاون في مرضاة الله ويأتي الصراع بين الأوس والخزرج من باب المثال وليس الحصر، والا فقد كانت هناك خلافات أشد بين بعض القبائل العربية، ومنها حالات الغزو والثأر، ومن الآيات في الإسلام ان هذه الخلافات لم تظهر عند دخول افراد القبائل المختلفة الإسلام، فتراهم ينزعون رداء الثأر والبغضاء، ويقاتلون جنباً الى جنب في سبيل الله بشوق ورضا وعشق لمضامين الأخوة التي جاء بها القرآن.
الرابع: تعاهد المسلمين للأخوة الإيمانية التي أنعم الله بها عليهم، والتدبر في الحاجة اليها ومنافعها المتصلة.
ومن خصائص هذه الآية وأسرارها القدسية انها إنتشرت بين المسلمين، وصارت جزء من واقعهم اليومي في كل زمان ومن موارد تلاوتها وتكرارها:
الأول: قراءتها في الصلاة اليومية.
الثاني: الإتيان بها عند الخصومة والخلاف، والسعي لدرء الفتنة ومنع التمادي في الخصومة.
الثالث: تلاوتها باعتبارها واجباً وأمراً إلهياً.
الرابع: قراءتها على نحو الإستحباب لصفة القرآنية ورجحان تلاوة القرآن.
الرابع: تندب الآية المسلمين الى العمل في مرضاة الله، والسعي في أداء العبادات والفرائض.
الخامس: إدراك المسلمين لحاجتهم للوحدة والإتحاد، وهذا الإدراك فطري، ويمكن استنباط قاعدة كلية منه وهي ابتناء فطرة الإنسان على العمل بآيات القرآن، وهل يمكن اعتبار الآيات على مراتب متفاوتة من حيث الأهمية وتجلي هذا التفاوت في ظهور وشيوع آيات مخصوصة بين المسلمين كما في هذه الآية، الجواب لا دليل على هذا التباين، ولكن شيوع آية قرآنية يأتي بلحاظ الإبتلاء بموضوعها والحاجة اليها، وإدراك عظيم نفعها، مع الإقرار بقاعدة كلية وهي كل آية لها نفع عظيم ومتصل، وفي الآية أمور:
الأول: عطف موضوع الآية وما فيها من الأمر بالإعتصام بحبل الله على تقوى الله حق تقاته.
الثاني: مجيء الآية بصيغة النداء للمسلمين كافة بلحاظ العطف على الآية السابقة التي أفتتحت بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثالث: ورود لفظ حبل الله في هذه الآية وما يعنيه من التعدد المبارك الذي يتضمن في الوقت نفسه التداخل كما في تفسير السنة للقرآن ولحاظ الجامع بينهما من الوحي والأثر والنفع العظيم، مع إختصاص القرآن بالتنزيل بالنص وتقدم الرتبة والحجة، وتبيانه لكل شيء، وكونه كلام الله المعصوم من التحريف.
الرابع: إقتران الأمر بالتمسك بحبل الله بالإتحاد والتعاون ونبذ الخصومة، فالفرقة والشقاق بين المسلمين أمر محرم بنص هذه الآية، لأن النهي في قوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] يفيد الحرمة.
الخامس: جاء النهي عن التفرق مطلقاً فيشمل تعدد الفرق والمذاهب،وإنقسام المسلمين الى فرقتين أو أكثر
ألسادس: وجوب استحضار نعمة الله على المسلمين في الإتحاد والتنزه عن الفرقة والشقاق.
السابع: التوثيق التأريخي لحال المسلمين قبل إسلامهم سواء العرب او غيرهم، فالآية أعم في موضوعها من الخلاف والقتال بين الأوس والخزرج، بل ان موضوع العداوة في الآية أكبر اذ انه يشمل الحروب المتصلة والإقتتال بين القبائل.
ويحدث بين الأوس والخزرج خصومة وملاحاة وقتال، الا أنهم يعيشون في بلدة واحدة وهي يثرب ينتظرون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها.
الثامن: الأخوة والنجاة من الفرقة والإختلاف نعمة الهية تستحق الشكر والثناء على الله تعالى.
التاسع: من عظيم قدرة الله تعالى سلطانه على القلوب، وتقليبها وتوجيهها نحو الخير والإتحاد والصلاح.
العاشر: اقتران دخول الإسلام بالأخوة الإيمانية، فالإسلام يزيح الكدورات الظلمانية، ويمنع من غلبة النفس الشهوية والغضبية.
الحادي عشر: تعدد نعم الله على المسلمين وعدم وقوفها عند التأليف بين قلوبهم، بل تشمل تحقق الأخوة، والتي وردت مطلقة، وكأن صلة الإيمان كالنسب والرحم في الرحمة وتبادل الود والعون بين المسلم وأخيه المسلم، وبين الجماعة والقبيلة وغيرها بصلة الإسلام.
الثاني عشر: الإخبار عن حقيقة مستحدثة، وهي صيرورة المسلمين إخوة على نحو الإستدامة،لأن الله عز وجل اذا انعم على العبد والجماعة ينعم بالأوفى والأتم.
الثالث عشر: ذكر وبيان الآيات بالقرآن، وهذه الآية من البيان، وهي وثيقة سماوية لذكر شطر من النعم الإلهية على المسلمين.
الرابع عشر: بيان الآيات سبب ومادة للهداية الى الحق والطريق المستقيم.
الخامس عشر: وصف حال الهلكة والتشتت قبل الإسلام، وان العرب كانوا على الهاوية بتلبسهم بالكفر والجحود، ونجاتهم وسلامتهم بالبعثة النبوية الشريفة.
وانفردت هذه الآية من بين آيات القرآن بان جاءت بها الألفاظ التالية:
الاول: [وَإعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ]. الثاني: [حَبْلِ اللَّهِ].
الثالث: [وَلاَ تَفَرَّقُوا].
الرابع: [فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ].
الخامس: [حُفْرَة]. السادس: [فَأََنْقَذَكُمْ].
وهو إعجاز إضافي للآية يتجلى بوضوح بلحاظ قلة عدد كلماتها، وبدأت الآية بالأمر الإلهي بالتمسك بحبل الله، وفيه توكيد لمضامين الآيات السابقة، ولزوم الإنتفاع من نعمة القرآن وتلاوة آياته، ومن السنة النبوية، وفيه دعوة لإستنباط الدروس والآيات من التقيد بأحكام القرآن وسنن النبوة، ونهت الآية عن الفرقة وهذا النهي آية في قوة المسلمين ومنعتهم، ومن الإعجاز في هذا النهي امور:
الاول: الملازمة بين الاسلام واتحاد المسلمين، فلا تصح الفرقة بين المسلمين لاي سبب كان، وليس لاحد ان يعتذر للفرقة بالإجتهاد أو الولاية أو الانتساب لقبيلة او مذهب او دولة او جماعة او شخص غير شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاءت الآية قبل السابقة ببيان النفع العظيم واسباب الهداية في وجوده بين المسلمين بقوله تعالى [وَفِيكُمْ رَسُولُهُ] والانتساب له موضوع للوحدة، وبرزخ دون الفرقة والتشتت، وانتساب المسلمين له عنوان الاخوة والاتحاد، وهو سلاح ضد الفرقة والاختلاف.
الثاني: لو حصل التفرق فانه يتعدى في صوره وكيفياته ليصل الى الخصومة والتناحر وقلة الامتثال، لذا جاءت الآية بالنهي عن السبب والمسبب.
الثالث: الفرقة منهي عنها ذاتاً وموضوعاً واثراً، وهي مقدمة وسبب للضعف واصابة المسلمين بالاضرار الشخصية والنوعية، فالآية لطف بصيغة التحذير والتنبيه مع اقترانه بمنع اسباب الفرقة بان نزع الله عزوجل الغل والحسد من صدور المسلمين فيما بينهم.
الرابع: من الإعجاز في نواهي القرآن شمولها لمضامين وامور اعم من منطوقها وزمان تنزيلها.
الخامس: كانت الفرقة ملازمة لحال الجاهلية والوثنية، فلم تكن جزء من مبادئ واحكام الإسلام ثم جرى النسخ فيها، وتبدل الحكم من الفرقة الى الاتحاد، بل الفرقة معدومة في الإسلام من الاصل، فمع بداية الدعوة الاسلامية كانت الاخوة بين المؤمنين، وما ان يدخل الإنسان الإسلام حتى يصبح اخاً لكل مسلم بمن فيهم من كانت له معه عداوة وثار وتهديد.
ومن إعجاز الآية نسبتها الاخوة بين المسلمين الى الله عزوجل، وفيه بيان وتحد، فلا يمكن لشخص او جماعة القول بان المسلمين اهتدوا الى الاخوة الايمانية بالتجربة والوجدان او التجأوا اليها للحاجة والضرورة او بعد الدروس وتلقي الاذى والضرر من الفرقة والتشتت بل ان الآية تؤكد حقيقة وهي نسبة الاخوة بين المسلمين الى الله تعالى وفيه دعوة لاستنباط العلوم والدروس من كيفية هداية المسلمين للاتحاد والوسائل المباركة لاستدامة هذا الاتحاد ومنها الكتاب والسنة واداء العبادات والفرائض.
وتبين الآية مراتب الأخوة الإيمانية، وهي على وجوه :
الاول: كان العرب وغيرهم قبل الاسلام اعداء، والعداوة اعم من الفرقة، فكل عداوة فرقة وليس كل فرقة هي عداوة، وتعني العداوة الخصومة والاقتتال على نحو دائم او متقطع وعدم حصول صلح بين المتخاصمين.
الثاني: بعد العداوة جاء الصفاء والانسجام ونبذ البغضاء وأسباب العداوة.
الثالث: الأمر الالهي بعدم الفرقة، فهذا الامر جاء بعد بث روح الود والانسجام بين المسلمين، ويدل في مفهومه على وجوب استدامة حال الود، وتأسيس قواعد كلية ثابتة تمنع من حصول الفرقة مطلقاً واي شئ يسبب الكدورة والحزونة بين المسلمين.
الرابع: جاء ألتذكير بنعمة الله بخصوص التآلف ونبذ الكراهية بين المسلمين، ليكون هذا الذكروالاستحضار مناسبة ووسيلة لإجتناب الفرقة، وعوناً على استدامة الاتحاد والأخوة.
الخامس: لولا هذه الآية لم ينتبه المسلمون الى عظيم فضل الله تعالى في اتحادهم ونجاتهم من العداوات والثأر وحمية الجاهلية الاولى، وكيفية وشكر هذه النعمة، فالمسلم يزهو شرفاً ورفعة بالإسلام ولم يلتفت الى التباهي بآبائه ونسبه القبلي، لان نسبه الذي يفتخر ويعتز به هو الإسلام.
السادس: ذكرت الآية امرين من فضل الله تعالى على المسلمين:
الاول: انتفاء العداء والبغضاء بينهم.
الثاني: صيرورتهم إخواناً في ملة الاسلام.
السابع: من إعجاز الآية ان تصف المسلمين بانهم اخوان، وهذه هي الآية الاولى التي تسمي المسلمين اخواناً.
وبينت الآية موضوعية الوثوق بالله، ولزوم الثبات على الإيمان، باعتبار ان التمسك بمبادئ الإسلام فرع الإيمان ومصداق من مصاديقه وجاء وصف الحبل إستعارة للتوكل على الله، وفيه إشارة الى الإبتلاء في عالم الدنيا، وان الإنسان فيها عرضة للإمتحان والإختبار، وقد يصيب او يخطأ، وكأنه في بئر ويحتاج الى التمسك بحبل ينقذه من غيابت الجب، أو أنه يحتاج الهبوط من مكان شاهق ان لم يتمسك بحبل الله فانه يهوى الى النار.
وحبل الله ملازم للإنسان وهو ظاهر الآية الكريمة، لا تستطيع أي قوة قاهرة أن تمنعه منه، وصحيح ان الإعتصام لغة هو التمسك، الا انه في الإصطلاح الذي يظهر في المقام أعم في معناه ودلالاته فانه يعني اللجوء وحسن التوكل والفزع الى الله في السراء والضراء، والحرص على أداء الفرائض والواجبات وإجتناب النواهي والغفلة عن ذكر الله.
ومن إعجاز الآية انها لم تقل “وإعتصم بحبل الله” وهو خطاب للنبي وموجه الى الأمة أيضاً، بل جاء الخطاب الإلهي مباشرة الى المسلمين ليكون القرآن حاضراً مع المسلمين، وأوامره حية طرية وتبين حب الله لهم، ورأفته بهم جميعاً بأجيالهم المتعاقبة.
لذا ورد لفظ (جميعاً) في الآية للإشارة الى لزوم عدم الإختلاف مع تعاهد الإعتصام بحبل الله كما لو إدعت كل فرقة الإعتصام بحبل الله، ومع هذا تختلف وتختصم مع فرقة او فرق أخرى من المسلمين بدعوى عدم التعارض بين التقيد بأحكام الشريعة، والإختلاف، وان لكل فرقة أن تختار الطريق الذي تسلكه في الإعتصام بالله، فجاءت الآية لتخبر عن إنحصار الإعتصام بالله بطريق واحد يسعى فيه المسلمون جميعاً من غير إختلاف بينهم، لذا جاء التوكيد على التحذير من الخصومة والشقاق مكرراً من جهات:
الأولى: صيغة الخطاب ومجيؤها بلغة الجمع (إعتصموا).
الثانية: إكرام المسلمين جميعاً بهدايتهم الى سبل الأمن والسلامة.
الثالثة: لغة الشمول والإستيعاب المطلق (جميعاً) الذي يشمل الحكومات والقبائل والشعوب ذكوراً وإناثاً.
الرابعة: النهي عن الإختلاف والفرقة بصيغة الجمع والإطلاق، أما الجمع فهو ظاهر بواو الجماعة (تفرقوا)، وأما الإطلاق فظاهر بأمرين:
الأول: صيغة الجمع ولغة الخطاب الموجهة للمسلمين جميعا.
الثاني: النهي عن التفرق والإختلاف مطلقاً، فيشمل التفرق وجوهاً:
الأول: الأسماء، فالآية تمنع من أن ينقسم المسلمون الى فرق ومذاهب شتى كل فرقة تسمى باسم مخصوص، كل جماعة تسمى باسم وانتماء معين، ولها مساجدها وجماعتها، ومنتدياتها الخاصة بها، وهذا التعدد من وجوه التفرق، كما أنه تأسيس للفرقة والإختلاف.
الثاني: التفرق في أداء المناسك وكيفية العبادات.
الثالث: تعدد الإجتهاد بما يؤدي الى تأسيس فرق وجماعات يتبع كل منها منهجاً مخصوصاً.
الرابع: تأسيس أحزاب لها قواعدها الخاصة التي تحكم أفعال أفرادها بما يحصل معه تفريق وتمييز بين المسلمين ويصير الإنتماء لأي منها سببا للنفرة والشقاق.
الخامس: التفرق في الولاء والتقليد، وجعل موضوعية له في القول والفعل بما يؤدي الى الإختلاف والخصومة.
السادس: الخصومات الدولية والإقليمية، فحصول حالة تقسيم الأمصارالى دول مستقلة يجب ان لا يتعارض مع عمومات الآية، ولا يكون باباً للفرقة والشقاق،بل يكون وسيلة لدوام الأخوة، وسبباً للقوة والمنعة.
السابع: حصول الفرقة بسبب العرق والقومية، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “ليس لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى”.
الثامن: التفرقة والتمايز على أساس الإنتماء القبلي والعشائري.
التاسع: حصول أسباب وصيغ مستحدثة للفرقة والتشتت.
وجاءت نعمة الأخوة لتحارب ضروب التفرقة مطلقاً سواء التي ذكرناها أعلاه أو غيرها، وتمنع من تشتت المسلمين, ويجب أن تتجلى نعمة الأخوة بوحدة المسلمين حتى مع حصول المذاهب، وتعدد صيغ الولاء مما يعني عدم وصولها الى حال التأثير السلبي التام، كما أن الأخوة تأتي عليها، وتمنع من إتساع أسباب الفرقة والخصومة.
فمن الآيات ان يأتي النهي عن الفرقة في هذه الآية، ويسبقه الأمر الإلهي بالإعتصام بحبل الله، ويتبعه الإخبار عن نعمة الأخوة، ووجوب ذكرها وشكر الله عليها وتمثل هذه الثلاثة المنع من مقدمات الفرقة، وحصولها، وترتب الأثر عليها في حال حدوث المسمى وصرف الطبيعة منها.
الخامسة: الإخبار عن وظيفة الذكر والإستحضار، فعلى المسلمين أن يتذكروا أموراً، ويستحضروا الماضي بالإعتبار بقصص الأنبياء، ويتذكروا حالهم وشأنهم وما هم عليه من الإتحاد والتعاون والمحبة بنعمة الله عز وجل، وإلإقرار بأن نعمة الكثرة في النسل والزيادة في الرزق من رشحات نعمة الأخوة، والتخلص من العداوة والفرقة وما فيها من الإقتتال وهلاك النسل والحرث.
وهذا الذكر يفتح الباب أمام المسلمين لتذكر نعم الله اللامتناهية كما ان الذكر أعم من الإستحضار الذهني، وهو أمر يتفرع الى وجوه وصيغ متعددة بحسب الحال والشأن وآلات البيان، فقوله تعالى [وَاذْكُرُوا] دعوة سماوية لبيان هذه النعمة بصيغ متعددة منها:
الأول: الذكر الشخصي لنعمة الأخوة فكل مسلم يذكر هذه النعمة.
الثاني: الذكر النوعي بأن يقوم المسلمون بإستحضار حال الخلاف والنزاعات بين القبائل والشعوب في منطقة الجزيرة وما حولها قبل الإسلام، وما أصبح عليه المسلمون بعد البعثة النبوية المباركة من الوئام والأخوة والصلاح.
الثالث: تأليف الكتب الخاصة بنعمة الأخوة.
الرابع: إجراء دراسات مقارنة بين أيام ما قبل الإسلام وما بعده من النواحي الإجتماعية والعقائدية والأخلاقية.
الخامس: ذكر منافع الأخوة وأسباب القوة فيها.
السادس: إيجاد إختصاصات تأريخية في العلوم الخاصة في حال المسلمين قبل الإسلام، مع نعمة الأخوة وآثارها في كل زمان وواقعة.
السابع: أسباب التدارك بنعمة الأخوة.
الثامن: أثر نعمة الأخوة في تثبيت دعائم الإسلام، وأداء الفرائض والعبادات.
السادسة: تدل الآية في مفهومها على ما يمتاز به المسلمون عن غيرهم من الملل من النعم المتوالية التي تصلح حالهم، وتهذب أخلاقهم وتنزع الكدورات عنهم، وتمنع من حصول النفرة بينهم.
تتضمن الآية مسائل هي:
الأولى: إختصاص المسلمين بالخطاب الإلهي بالإعتصام بالقرآن والسنة.
الثانية: وجود “حبل الله” بين الناس وإمكان تمسك المسلمين به.
الثالثة: لا تنحصر الأحكام التكليفية بأهل الحل والعقد والعلماء بل تشمل كل مسلم ومسلمة، لذا جاءت الآية بسور الموجبة الكلية وهو لفظ “جميعاً”.
الرابعة: تحذير المسلمين من الفرقة والإختلاف، وحثهم على إجتناب الشقاق والخلط بين العمل الحسن والقبيح بإعتبار ان التمسك بالقرآن والسنة أمر حسن، والفرقة أمر قبيح ومكروه ذاتاً وعرضاً.
الخامسة: إكرام المسلمين بالنعم الإلهية، وجاءت الآية بذكر فرد منها تغشى أجيال المسلمين، وتعددت مواضيع الإنتفاع منه.
السادسة: تفضل الله تعالى بالتأليف بين قلوب المسلمين، ونشر المودة بينهم، وهو حرز من الفرقة والإختلاف، ومقدمة للجهاد في سبيل الله على نحو الإتحاد والإشتراك والإيثار والتضحية.
السابعة: بلوغ المسلمين مرتبة الأخوة الإيمانية، وهي درجة ارتقاء تؤهلهم لوراثة الأنبياء.
الثامنة: نجاة المسلمين من أسباب الضلالة والتهلكة.
التاسعة: تعدد وكثرة بيان الآيات والدلالات الواضحات التي تؤكد نعم الله وفضله المتصل على المسلمين.
العاشرة: بيان اللطف الإلهي في علة توالي النعم على المسلمين، وهي تقريبهم من الطاعة، وإزاحة الموانع دون هدايتهم ورشادهم وفوزهم بالنعيم الأخروي كما فازوا بالنعم الدنيوية.
الآية لطف
لقد انعم الله عزوجل على المسلمين بالقرآن كتاباً مباركاً تتجلى فيه معالم الشريعة وأحكام الحلال والحرام، وبَعث النبي محمداً ليكون رحمة للناس، وتجتمع مصاديق الرحمة الإلهية بالقرآن والسنة بهذه الآية الكريمة وما فيها من الامر الإلهي بالإعتصام بحبل الله، ويظهر هذا الاجتماع بان يكون كل من القرآن والسنة على وجوه:
الاول: سبب للإعتصام بالله.
الثاني: مادة وكيفية للتمسك بحبل الله.
الثالث: يكون اتباعهما غاية ونتيجة للإعتصام بالله.
ويدل هذا التعدد على إتصال اللطف الإلهي في مضامين هذه الآية، ومن اللطف فيها بيان حاجة المسلمين للإعتصام بالله، وهذه الحاجة اعم من ان تكون في الدنيا بل تشمل الآخرة ايضاً،كما تبين الآية عدم مجئ الامر بالإعتصام بحبل الله الا بعد ان انعم الله على المسلمين بالتنزه من العداوات، والتخلص من أسباب البغض والحسد، ومن اللطف أن الآية تخبر عن نيل المسلمين لمرتبة الاخوة في الدين، وهذا المرتبة لم ينلها احد غيرهم من الملل الأخرى، لذا قيدت الآية صيرورة المسلمين اخوة بانها بنعمة الله.
وجاءت هذه الآية بنعمة اخرى لتثبيت نعمة الاخوة مع انها تتضمن إستحداث نعمة الإعتصام بالله على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، فمن اللطف في هذه الآية ان الله عزوجل جعل المسلمين مؤهلين لتلقي هذه النعمة، وهيء لهم مقدماتها وأعانهم على الامتثال للأمر الإلهي بالإعتصام بحبله.
ومن معاني اللطف الإلهي في الآية تجلي العناية الإلهية بالمسلمين، وشمولهم بمراتب من الفضل لم يحصل عليها غيرهم من الملل السابقة، كما أنها ملازمة لهم، مما يعني عدم حصول أمم أخرى غيرهم عليها وهو سبحانه العالم بالنظام الأحسن، وما ينفع العباد، ويقربهم الى سبل الطاعة، فالنعم الخاصة بالمسلمين الواردة في هذه الآية لطف بالناس جميعاً من وجوه:
الأول: انها دعوة لهم للإسلام.
الثاني: فيها حث لهم على الإنتفاع من هذه النعم.
الثالث: تعلم الآداب والمعارف الإلهية من المسلمين عن طريق المحاكاة، ومنها نبذ البغض والكراهية للآخرين، وهو مقدمة لدخول الإسلام.
الرابع: فيها إتمام للحجة، وإيضاح للمحجة.

إفاضات الآية
الأمر بالإعتصام بالقرآن عنوان لحب الله للمسلمين، ووسيلة لجعلهم منقطعين اليه، وفي اتحادهم وجوه:
الاول: انه وسيلة استدامة عزهم.
الثاني: فيه فيض من عند الله، بالإضافة الى نزول البركات عليهم.
الثالث: الاتحاد والالتقاء في الإعتصام بالله مناسبة لأداء العبادات على نحو الاجتماع الزماني والمكاني كصلاة الجماعة، والمكاني كحج بيت الله الحرام، والزماني كصيام شهر رمضان.
الرابع: الإعتصام بالله سلاح لدعوة الناس للإسلام.
الخامس: ظهور الإسلام بمظهر القوة والمنعة، وهو برزخ دون طمع اهل الضلالة والكفر في ايذاء المسلمين والتعدي عليهم ومحاولات إرتداد بعضهم.
وتتصف هذه الآية بانها فيض محض، ويتصل ويتعدد فيها الفيض، فينتقل المسلمون من نعمة الى اخرى، ومن آية الى اختها لتؤكد جميعها العناية الإلهية بالمسلمين، وتعاهدهم في سبل الحياة الدنيا.
لقد اراد الله عزوجل بهذه الآية للمسلمين الغرق في حبه، والانجذاب الى عبوديته والإنقطاع اليه، والإنشغال بآياته عن الدنيا وما فيها من الإفتتان والإبتلاء، والآية سياحة في عالم النعم الإلهية اللامتناهي يحس معها الإنسان بحلاوة الإيمان وكثرة مناهله، وتعدد ينابيعه وروافده التي جعلها الله انهاراً جارية بالهداية والرشاد،ويتذوق من يشرب منها طعم الحياة، ويشعر بعذوبتها، ويدرك ان هبوط آدم الأرض سفر مبارك تتغشاه النعم الإلهية على الإنسان مطلقاً لينتفع منها المسلم بصورة شخصية، والمسلمون بصفة عامة.
وتجعل الآية نفوس المسلمين تنفر من الفرقة والتشتت، وهذه النفرة سلاح جمعي ضد من يقوم بالفرقة ويخرج على جماعة المسلمين، ومن مصاديق الفيض الإلهي في الآية ان الإجماع حجة ودليل وبرزخ دون الرأي الخاطئ والاجتهاد في مقابل النص.
والآية حفظ للوجود الانساني في الأرض فهي فيض على الناس جميعاً، ودعوة لهم للتدبر في فوز المسلمين بالاختصاص بنعمة الاتحاد في اللجوء اليه تعالى.
لقد اراد الله عزوجل للمسلمين بهذه الآية السياحة في انوار الجلال والاكرام، واستعمال لفظ الحبل في الآية له دلالات عرفانية عديدة، فكما يستعمل الحبل للنجاة من الهلكة والخروج من البئر، وللتسلق في الجبال ونحوها، والصعود الى مواقع لايمكن صعودها إلا بالحبل، فان اتخاذ القرآن و سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم امامين سبيل للنجاة وبلوغ منازل السلامة وتحقيق الأغراض الحميدة وكما يستعمل الحبل لاستخراج الماء من البئر وانحصار وسيلة الاخراج به مع الحاجة الشديدة، فان دخول الاسلام والعمل بأحكام القرآن والسنة وسيلة تلبية الحاجات، والأمن من الهلكة.
ويدل الأمر بالتمسك بحبل الله على الزجر عن التفريط في أحكام الشريعة، والتخلف عن أداء العبادات وأفعال القربات، ومتى ما إنشغل الإنسان بفعل فانه يبتعد عن نقيضه وضده، فكيف اذا كان الأمر الإلهي يتصف بالحسن الذاتي، ونقيضه يتصف بالقبح الذاتي.
وتبين الآية ان لله تعالى التأثير المطلق في حياة الناس الخاصة والعامة، ووصول العناية الإلهية الى مجتمعات المسلمين، وهو من آيات اصطفاء المسلمين، وتوالي النعم عليهم وإرشادهم الى سبل السلامة، ومن دلالات الإصطفاء إصلاحهم لنعمة الأخوة وإنفرادهم بها، لتكون مقدمة لإنقطاعهم الى الله وانجذابهم اليه تعالى ورسوخ أقدامهم في منازل العبودية المحضة، وآية في وراثة ألأنبياء والصالحين.والتخلية عن الرذائل، والتنزه عن الكدورات وأسباب النفرة وما يشغل النفس عن ذكر الله.
لقد جعل الله عز وجل عند الإنسان الذاكرة والنسيان، فمع أنهما من الضدين فأنهما لا يكونان من المتعارضين لإشتراط اتحاد الموضوع في التعارض، فجاءت الآية لتحث على الذكر الجميل الذي يأتي بالأجر والثواب ويكون واقية من المعاصي، وفيها منع من غلبة النسيان على النفس.
من غايات الآية
تبين هذه الآية لزوم أخذ الحائطة للدين، وان الدنيا دار ابتلاء وإختبار، وإذ حذرت الآيات السابقة المسلمين من أهل الريب والحسد الذين يسعون جاهدين لصدهم عن ذكر الله، وأمرتهم بالتقوى والخشية من عند الله عز وجل، جاءت هذه الآية لتدلهم على طريق النجاة وكيفية إحراز السلامة من الإفتتان والمكر الظاهر والخفي لأعداء الإسلام، فأمرتهم على نحو الوجوب بالتمسك بحبل الله، ومن سار في طريق ضيق أو نفق مظلم وتمسك بحبل متصل في طرفيه بسبل الأمان والسلامة فانه يبلغ قصده، فكيف وان الله عز وجل جعل الدنيا للمؤمن مضاءة بأنوار آيات القرآن، وإشراقات السنة النبوية الشريفة وجهاد الأنبياء، ومع هذا الضياء فان المسلمين يحتاجون أمة وأفراداً التمسك بحبل الله المتصل بين السماء والأرض، وفيه إشارة الى نبذ الغرور، ولزوم عدم الزهو او الإعتماد على النفس بل لابد من التوكل على الله تعالى، والتقيد الشخصي والجمعي بأحكام القرآن والسنة.
وقد أكرم الله عز وجل المسلمين بما في هذه الآية من الأمر والنهي لذا جاء قيد “جميعاً” ليكون مقدمة ووسيلة لمحافظة المسلمين على نعمة إختيارهم كأفضل ملة وامة من بين الناس كما سيأتي في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ومن إعجاز الآية بخصوص موضوع الغايات والمقاصد السامية فيها تعدد مواضيع الآية، وترشح عدة غايات عن كل موضوع فيها، فلم ينحصر مضمون الآية بالإعتصام بالله وبيان منافعه، بل جاءت الآية مع قلة كلماتها بتحريم الفرقة والنهي عن الإختلاف، وفي الجمع بين الأمر بالإعتصام والنهي عن الفرقة إخبار عن لزوم تعاهد جميع المسلمين للوحدة والإتحاد بينهم، لتأتي ثمار التمسك بحبل الله كاملة ومنافعه شاملة لأمور الدين والدنيا، ومن غايات الآية جعل المسلمين أقوياء قادرين على مواجهة الأعداء، والقتال في سبيل الله، بالإتحاد تحت راية الإسلام.
لقد أراد الله عز وجل إصلاح المسلمين وتهذيب نفوسهم بذكر الله، وإستدامة الذكر باستحضار نعمه عليهم، اذ ان ذكر الله المقرون بالنعم وسيلة لدوامها، وشاهد على الإرتقاء في المعارف الإلهية، ومقدمة لنيل المزيد منها، قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
وفيه تحذير من السهو عن نعم الله، لذا جاءت العبادات والفرائض اليومية لتكون فرداً من أفراد ذكر نعم الله ولو على نحو الإجمال.
ومن الآيات ان تأتي خاتمة الآية بياناً لغاياتها بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] والهداية في المقام من المتعدد والكلي الذي تقع تحته مصاديق متعددة من وجوه الرشاد والفلاح والصلاح التي تتغشى المسلمين جميعا،واسباب النجاة في الدنيا والآخرة.

التفسير
قوله تعالى [وَاعْتَصِمُو بِحَبْلِ اللَّهِ]
بعد الأمر بتقوى الله وخشيته الذي جاء في الآية السابقة، جاء الأمر الإلهي بالإعتصام بالله عزوجل والتمسك بحبله، ولابد من ملازمة بين الأمرين أي التقوى والتمسك بحبل الله، فهذا العطف والتعاقب بينهما آية اعجازية اضافية للقرآن، وشاهد على حسن نظم الآيات والحاجة اليه، فمما يبهر العقول اعجاز النظم وما فيه من المنافع العظيمة، فلماذا جاء الأمر الالهي بالتقوى قبل الأمر بالإعتصام والتمسك بحبل الله، فيه وجوه:
الاول: التقوى ملكة نفسية باعثة على الإرادة والفعل، ومنها الاعتصام بالله عز وجل.
الثاني: كأن العطف الوارد في الآية من عطف الخاص على العام، فالأصل هو خشية الله وطاعته وإبتغاء مرضاته، ومن مصاديق خشية الله التمسك بحبله واللجوء اليه لإنحصار القوة به تعالى.
الثالث: جاء موضوع التقوى في الآية السابقة مطلقاًَ ليتغشى حياة المسلم كلها، اما هذه الآية فذكرت الإعتصام بالله ولزوم عدم التفرق والإختلاف، والحث على شكر الله عز وجل على نعمة الإتحاد.
الرابع: بيان حقيقة وهي موضوعية المقاصد السامية في جميع أفعال المسلم، واللجوء الى الله في قوله وفعله، ويأتي الإعتصام بالله ليكون واقية للتقوى ومانعاً من التخلي عنها سواء عند الرخاء أو الشدة، فمن الناس من ينسى ذكر الله عند الرخاء وينشغل بمباهج الدنيا، ومنهم من لا يبادر الى ذكر الله عند الشدة والبلاء، وينظر للمصيبة بحال من الحزن والخوف، فتأتي هذه الآية لتدعوه الى ذكر الله مطلقاً، والتمسك بحبله، والتوكل عليه، ليحس بطعم النعمة والرخاء ويخفف عنه وطأة المصيبة وألمها.
ومع إتحاد جهة الخطاب في هذه الآية والتي سبقتها والآيتين المتتاليتين فقد جاءت واو العطف في الآية السابقة مرة واحدة، اما في هذه الآية فتكررت ثلاث مرات، وكلها في خطاب المسلمين والعطف على الوصف التشريفي في الآية السابقة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ويكون مضمون العطف كالآتي:
الأول: الأمر بتقوى الله.
الثاني: وجوب الثبات على الإسلام الى حين الأجل.
الثالث: التمسك بحبل الله.
الرابع: عدم الإختلاف والتفرق.
الخامس: إستحضار ذكر الموت من نعم الله، فجاء الأمر الإلهي بالتمسك بحبله بعد الأمر بالموت على الإسلام وعدم الإرتداد.
وقد يظن بان الأصل هو مجيء الأمر بالإعتصام بالله قبل الأمر الإلهي بالموت على الإسلام، ولكن الإعتصام بالله جاء متأخراً، وفيه مسائل:
الأولى: ورد الإعتصام بالله مستقلاً، وفي آية منفصلة.
الثانية: مع إتحاد جهة الموضوع فهناك عموم وخصوص من وجه بين موضوع هذه الآية والآية السابقة، والمراد هنا الإلتقاء والإجتماع عند التمسك بحبل الله، وبيان النعم الإلهية التي يجب ان تكون بالأصل سبباً لعدم الفرقة والإختلاف بين المسلمين.
الثالثة: ذكر الموت في الآية السابقة لا يدل على ارادة إنتهاء أعمال الإنسان في الدنيا، بل ورد قيداً في معرض أسباب مغادرة الدنيا، فتقدير خاتمة الآية السابقة هو “إثبتوا على الإسلام حتى مغادرة الدنيا بالموت” فلا يعني إرادة آخر أفعال الإنسان في الدنيا، بل ملازمة الإسلام وعدم مغادرته او الإرتداد عن مبادئه طرفة عين ابداً، خصوصاً وان الإنسان في حال تعرض للموت في أي لحظة من لحظات حياته، وقد يفاجئه الموت بما يتعذر معه مبادرته الى التوبة والإنابة.
الرابعة: تأخر الأمر بالإعتصام بالله لوجوه:
الأول: بيان أهمية الإعتصام بالله.
الثاني: ذكر النعم التي تكون سبباً لشكره تعالى، ودليلاً وحجة على لزوم الإعتصام بالله.
الثالث: ارادة الإجتماع والإشتراك بالإعتصام بالله.
الرابع: بيان ان الإعتصام لايكون الا بالوسائط التي جعلها الله بينه وبين العباد.
وأخرج ابن جرير والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: ان هذا الصراط محضر تحضره الشياطين وينادون يا عبد الله هلم هذا هو الطريق ليصدوا عن سبيل الله فإعتصموا بحبل الله فان حبل الله القرآن( ).
وفيه إشارة الى الملازمة بين خاتمة الآية السابقة وخاتمة هذه الآية.
وفي حين ذكرت الآية قبل السابقة الإعتصام بالله من غير ذكر واسطة له، وان التمسك يكون بالذات المقدسة، جاءت هذه الآية بالأمر
بالإعتصام بحبل الله، وفيه وجوه محتملة:
الأول: انه من المطلق والمقيد، فاذا تمسك المسلم بحبل الله فانه يعتبر متمسكاً بالله عز وجل.
الثاني: إرادة التعدد في الإعتصام فمرة يكون التمسك بالله، واخرى بحبله، بالإضافة الى انحلال حبل الله الى عدة معان قدسية مباركة، وهذا التعدد وسيلة لجذب الإنسان لمبادئ الإيمان وثباته عليها.
الثالث: تعدد الإعتصام فمرة يكون بالله عز وجل، وأخرى بالوسائل والوسائط المباركة التي جعلها بينه وبين عباده.
الرابع: التمسك بالقرآن والنبوة والإسلام هو تمسك بالله تعالى، كما في تنزيل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة جبرئيل عليه السلام، وهذه الواسطة الملكوتية لم تضر في صدق حصول التنزيل من عند الله، وكذا موضوع الإعتصام فان التمسك بالقرآن ً باعتباره حبل الله لا يضر في صدق التمسك بالله.
الخامس: هذه الآية تفسير للآية قبل السابقة في موضوع الإعتصام وان المراد بالإعتصام بالله هو الإعتصام والتمسك بحبله والتقيد بالأحكام الشرعية، وفيه بيان لإنتفاء الجسمية عن الله تعالى، فالتمسك به تعالى امر مركب من جهة المجاز، والمراد التقيد بأحكام الشريعة واللجوء الى آياته وعدم التفريط بما فيها من المضامين القدسية.
السادس: بيان أهمية حبل الله من وجوه:
الأول: حينما يأتي التمسك مرة بالله وأخرى بحبله فانه يعني وجود أسرار قدسية في آيات الله تستلزم العمل بها.
الثاني: التمسك بالأحكام الشرعية، هو تمسك وإعتصام بالله عزوجل.
الثالث: الآية دعوة لتعاهد القرآن ومبادئه وعدم التفريط بها.
الرابع: السعي في معرفة مصاديق حبل الله، والتقيد بأحكامها.
الخامس: المندوحة والسعة في التمسك بحبل الله عز وجل، وانه أمر واسع بامكان العبد بلوغه وتحقيقه في الواقع العملي من خلال الإمتثال لأوامر الله واتباع نبيه الكريم.
الخامس: لما جاءت الآية قبل السابقة بذكر موضوعية آيات الله ووجود الرسول الكريم بين المسلمين، جاءت هذه الآية لبيان التمسك بهما، فتلاوة الآيات ووجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته بين المسلمين أمران مانعان من حصول الإرتداد، أما نيل المراتب العالية فيكون بالتقيد باحكام الشريعة.
والحبل هو السبب الذي يوصل الى الغاية والمقصد، وأصل الحبل المفتول، وجاء استعماله هنا للإستعارة وبيان حاجة العبد للنجاة، وانها محصورة بالتمسك بوسيلة مخصوصة للتقرب الى الله ونيل السلامة.
وجاءت الآية بصيغة الجمع وفيها وجوه:
الأول: توجه الخطاب المتحد الى المسلمين على نحو العموم المجموعي وفيه مسائل:
الأولى: الأمر بان يتمسكوا جميعاً بالله عز وجل في أعمالهم وأمورهم كلها.
الثانية: الآية دعوة سماوية للصبر في جنب الله ومواجهة الأذى الذي يأتي من غير المسلمين.
الثالثة: إستحضار وجوب الإعتصام بالقرآن والسنة عند اختيار الفعل الجماعي العام، كالجهاد في سبيل الله، والتصدي للتعدي على الإسلام والمسلمين.
الرابعة: بعث اليأس والفزع في قلوب أعداء المسلمين من إتحاد المسلمين في التمسك بمبادئ الإسلام.
الخامسة: الثبات في منازل الإيمان بارادة التمسك بالله، فمتى ما أدرك المسلمون وجوب التمسك بالكتاب والسنة فانهم يجتهدون في الإمتثال للأوامر الإلهية ويكون هذا الإمتثال ثباتاً على الإيمان ومقدمة للثبات ايضاً، وهذا التعدد بلحاظ تعدد مراتب الإيمان.
السادسة: تهذيب وإصلاح المجتمعات الإسلامية من الكدورات والخصومات وأسباب الفتنة والفرقة، وحرص المسلمين على طلب مرضاة الله تعالى بالإعتصام بحبله.
السابعة: اعانة المسلمين بعضهم بعضاً للتمسك بالقرآن والسنة.
الثاني: انحلال الخطاب الى خطابات كثيرة، وتوجهه الى كل مسلم، ليكون عدد أفراده كثيراً لا يعلمه الا الله عز وجل، اذ ان الخطاب في هذه الصورة متجدد، ويزداد كل دقيقة مع عدد الذين يبلغون الحلم فيها، وفي هذا الوجه مسائل:
الأولى: اكرام المسلم بتوجه النداء والأمر الإلهي اليه على نحو الخصوص بين أهل الملل الأخرى.
الثانية: اخبار المسلم بوجود تكاليف عقائدية غير العبادات البدنية والمالية.
الثالثة: الإلتفات الى حقيقة وهي جعل التمسك بحبل الله مقدمة وعوناً للتوفيق والسلامة.
الرابعة: جذب المسلم الى الإتحاد والتعاون مع المسلمين، وهذا التعاون مشروط بان يكون وفق الشريعة وأحكامها.
الخامسة: المسلم جزء من الأمة الإسلامية، وفرد من الناس مطلقاً، والآية تلزمه بواجبات التمسك بمبادئ الإسلام كإنسان وفرد من المسلمين، وفيه تشريف واكرام له.
السادسة: تدعو الآية المسلم الى عدم التفريط في مبادئ وأحكام الإسلام.
السابعة: الأمر الإلهي بالإعتصام بحبل الله من آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس لأحد ان يمنع المسلم من الدعوة الى الله ومحاربته للحرام والمنكر.
الثامنة: موضوعية اعتصام المسلم بالله عز وجل في تحقيق مصاديق الآية الكريمة، فاذا تمسك كل مسلم بالقرآن والسنة يتحقق الإمتثال لما في الآية الكريمة من الاعتصام بحبل الله.
التاسعة: تمسك المسلم بالقرآن والسنة، وحرصه على عدم مغادرة مبادئ الاسلام في الحياة اليومية تركة كريمة يورثها لذريته، من بعده.
العاشرة: تقيد المسلم بأحكام هذه الآية دعوة للمسلمين جميعاً بالاعتصام بالله، وهذا الامر لايمنع من حصول العكس ايضاً فان تمسك المسلمين العام بالله عزوجل دعوة وحافز للمسلم لكي يتقيد بأحكامها، ولايستلزم الأمر الدور، وقد يشكل عليه بان الاعتصام النوعي العام لا يحصل الا بقيام كل فرد بالاعتصام بالله باعتبار ان الكل يتكون من الأجزاء، الجواب المراد هو التداخل في الإعتصام وانه اذا اعتصم جماعة من المسلمين بالله فان هذا الاعتصام يدفع افراداً للتقيد به، واذا تمسك اكثر المسلمين وغالبيتهم بالله فان المتخلف عن التمسك بالله يلتحق بهم.
الثالث: توجه الخطاب في معناه ودلالته الى الناس جميعاً من وجوه:
الاول: حثهم على دخول الإسلام.
الثاني: بيان حال المسلمين من الاتحاد والتعاون في أداء العبادات.
الثالث: الآية شاهد على صدق نزول القرآن من عند الله بان جاءت بالإعتصام بما يوصل الى مرضاة الله تعالى.
الرابع: بعث الخوف والرعب في قلوب أعداء الاسلام، فمتى ما ادرك الناس ان المسلمين متحدون في مرضاة الله فانهم يخشونهم ويتجنبون إيذاءهم.
الخامس: لما جاءت الآيات السابقة بنهي المسلمين عن طاعة أهل الكتاب جاءت هذه الآية لتمنع عن تلك الطاعة من الاصل.
السادس: الإعتصام بالقرآن والسنة واقية من أهل الجحود والعناد واغواء اهل الضلالة.
السابع: الإعتصام بالله دعوة للناس لدخول الإسلام، ومنع التعدي عليه، فالتمسك بالله دعوة للآخرين لدخول الإسلام.
الثامن: الآية ترغيب بالإسلام، وبيان لجانب مشرق من مبادئه وسننه، وحجة على الذين يريدون صد الناس عنه، وارتداد المسلمين.
ووردت الآية بلفظ (حبل الله) في استعارة للصلة بين المعبود والعبد وأسباب جذب الناس الى مرضاة الله، وفيه وجوه:
الأول: يتضمن اللفظ لغة الإجمال التفصيلي مع إحتمال انطباقه على مصاديق متعددة.
الثاني: في لفظ الحبل اشارة الى الأسباب التي توصل الى الله عزوجل ونيل محبته.
الثالث: امكان التعدد في مصداق حبل الله بما فيه الزيادة في الخير.
الرابع: تبعث الآية على التفقه في الدين لمعرفة السبل التي تؤهــــل
العبد الى مرضاة الله عزوجل.
وفي المرادبحبل الله وجوه:
الاول:انه القرآن، وهو المروي عن ابي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء الى الارض( ).
الثاني: حبل الله عهد الله وامره، عن قتادة.
الثالث: عن ابن مسعود في الآية قال: حبل الله الجماعة، وفي خطبة له: عليكم بالطاعة والجماعة فانها حبل الله الذين أمر به.
الرابع: هو إخلاص التوبة( ).
الخامس: انه دين الله الإسلام، عن ابن عباس وأبي زيد( ).
السادس: المراد العهد المذكور في قوله تعالى [وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ]( )، وقوله [إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ] عن ابن عباس( ).
السابع : ما رواه ابو سعيد الخدري عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: ايها الناس اني قد تركت فيكم حبلين، ان اخذتم بهما لن تضلوا بعدي، احدهما اكبر من الآخر، كتاب الله، حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، الا وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض( )، وفي رواية: اني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله تعالى حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي اهل بيتي.
والتعدد في معنى حبل الله آية إعجازية، لانتفاء التعارض بين افراده مع لزوم الإقرار بأولوية المعنى الذي جاءت به السنة النبوية بالإضافة الى قانون التفسير الذاتي للقرآن كما سيأتي في علم المناسبة، والتعدد في معناه فرع إرادة القرآن اذ انه يدعو للإسلام والجماعة، واتباع السنة النبوية، ومودة أهل البيت.
وروي عن الإمام علي عليه السلام عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: اما انها تكون فتنة، قيل: فما المخرج منها، قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل وليس بالهزل وهو حبل الله المتين( )، وفيه دلالة على ان الآية حرز سماوي مما سيقع من الفتن، وواقية تعصم المسلمين من شرور الفتنة، وتجعلهم يخرجون منها سالمين باللجوء الى القرآن والتمسك بأحكامه، وتدل الآية في مفهومها على بقاء القرآن معتصماً من التحريف، ونزيهاً عن سوء التأويل، لان وصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باللجوء اليه دليل على سلامته من التغيير والتحريف.
قانون الخليفة على الخليفة
من الآيات في خلق الإنسان ان الله عزوجل جعله خليفة في الأرض ولكن هذه الخلافة ليست مطلقة كما ان وظائف الإنسان في الأرض بآيات غير موجودة في عالم واصطلاحات الخلافة الدنيوية واختصاص خلافة الإنسان في الأرض بالمؤمن باعتباره وارثاً للأنبياء لاتمنع من وجود خليفة عليه، وضوابط تحكم عمله، وتلزمه بالتقيد بأحكام الخلافة الأصلية وهي خلافة الأنبياء اذ يمكن ان نقول بإحتمال التفصيل والتقسيم في الخلافة على أربعة وجوه:
الأول: الخلافة الشخصية وهي الخاصة بآدم عليه السلام، وتتصف هذه الخلافة بالنفخ من روح الله في آدم، فهو الإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه ولم يخرج من رحم.
الثاني: الخلافة الأصلية وهي خلافة الأنبياء لله عزوجل في الأرض.
وتتصف هذه الخلافة بحمل لواء النبوة وتلقي التنزيل.
الثالث: الخلافة الفرعية وهي خلافة الأولياء والمؤمنين وأتباع الأنبياء اذ انهم يتبعون نهج الأنبياء، ويعملون بالسنن التي جاءوا بها.
الرابع: الخلافة بالمعنى الأعم، وهي التي تشمل جنس الإنسان.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، ولكل وجه منها مرتبة من الخلافة والشأن بما ينفع في استدامة الوجود الإنساني في الأرض، وتعظيم شعائر الله، وأداء الفرائض والواجبات، ومن الآيات في قانون الخلافة انها مقيدة وتعيينية فقد جعل الله ضوابط وقواعد تحكم فعل الإنسان، وتبين ماهية الخلافة، كما جعل خليفة على الخليفة وتلك آية في الخلق، فلم يكن متعارفاً في سنن أهل الأرض وجود من هو فوق الخليفة الا الذي نصبه وإستوزره.
وأحكام السماء ذات خصوصيات وأسرار قدسية يعجز الناس عن بلوغ ما فيها من الغايات، وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني تارك فيكم خليفتين كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض( ).
وفي هذا الحديث شاهد على ان القرآن هو حبل الله وان وظيفته أعم من الصلة والوسيلة التي توصل الى الغاية بل انه خليفة على المؤمنين والناس جميعاً، وهل يمكن أن ينصرف اليه قول الله عز وجل [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، الجواب لا، لأن المراد في الآية هو آدم عليه السلام سواء بالمعنى الأخص والقضية الشخصية او الأعم والمراد جنس الانسان، ويدل مفهوم الحديث على ان القرآن خليفة على الناس عامة والمؤمنين خاصة.
وجاء التعدد في معنى الخليفة في الحديث ليشمل القرآن واهل البيت وهو آية في الفيض واللطف الإلهي لتيسير رجوع الانسان الى الخليفة وأخذ الاحكام والقواعد بالسمع والتلاوة والإقتداء والإتباع، وليكون عنوان الخلافة حاضراً مع المسلمين في الوجود الذهني والخارجي، وفي البيت والمسجد والسوق، وفي باب العبادات والمعاملات والأحكام، فينهل المسلم من الخلافة الدروس والعبر والمواعظ، ويزداد بالرجوع اليها ايماناً.
ومراتب الخلافة حصانة لموضوع الخلافة من التحريف والتبديل، ومانع من طرو التغيير عليه، وحاجب من تأثير الملوك والسلاطين من أهل الجحود والكفر في مضامينه، ومحاولات ابطاله، كما تبين حاجة الانسان المتصلة للطف الالهي، ولزوم منع الفساد في الارض بواقية سماوية تكون بعيدة عن التبديل ومنزهة عن التحريف، وهي منحصرة بالقرآن.
ومضامين هذا القانون تعضيد لخلافة الإنسان في الأرض، وعون له لانجاز وظائف الخلافة، وإبتغاء مرضاة الله عزوجل، وإجتناب سخطه وغضبه، وتبين موضوعية سنن الخلافة ووجوب تعاهد الإنسان لها، وعدم الصدور الا عنها في العبادات والمعاملات، والخلافة عون للانسان على استحضار ذكر الله في الرضا والشدة.
وجاءت هذه الآية لتثبيت معاني قوانين خلافة الإنسان في الأرض إلى يوم القيامة، بان يكون القرآن عليه خليفة يأتيه بالأمر والنهي، والبشارة والإنذار، ويقيه من أسباب الجحود والضلالة، ويحذر من الإعراض عن اشرف الوظائف التي تولاها الإنسان في الأرض، وهي خلافة الله التي لاتتقوم الا بالعبادة والصلاح، وهما امران مستقرأن من الكتاب والسنة.
قانون “إعتصموا”
جاءت الآية بصيغة الأمر الذي يحمل على الوجوب، ليكون التمسك بالقرآن والسنة قانوناً ثابتاً وجزء من أعمال المسلمين، لا ينفك عنها، وتدل صبغة الوجوب على موضوعية الإعتصام بحبل الله في حياة كل مسلم، وضرورة عدم تفريط الفرد أو الجماعة به، وفي هذا القانون نعمة مركبة من وجوه:
الأول: توجه الخطاب الإٌلهي الى المسلمين جميعاً، وعدم خروج بعضهم او استثناء واحد منهم.
الثاني: تدل لغة العموم على عدم وجود حواجز دون إعتصام المسلمين بالقرآن والسنة، فحينما يأمر الله تعالى بشيء فانه يهيء مقدماته ويزيل موانعه، ويمنع ما قد يستحدث منها، فضلاً منه تعالى، ولعمومات قواعد التخفيف عن المسلمين والناس جميعاً، فلم يجعل الله عز وجل المسلمين يجاهدون من أجل إزاحة موانع الإعتصام ثم يبدأوا رحلة الإعتصام والتقيد بالحكم الشرعي العام، والإعتصام نفسه برزخ ومانع من الحواجز التي تحول دونه بلحاظ وجوه:
الأول: إتصال أفراده الطولية، وعدم وجود هوة وفجوة عند طبقة أو جيل من المسلمين.
الثاني: الإعتصام بحبل الله عصمة من الفرقة والتشتت.
الثالث: الحسن الذاتي للتمسك بالقرآن والسنة وإدراك المسلمين للزوم تعاهده.
الرابع: ما جعله الله عز وجل في قلوب المسلمين من حب الإعتصام بالقرآن والسنة واللجوء اليه تعالى في الشدة والرخاء.
الخامس: قيام المسلمين بأداء الفرائض والعبادات.
الثالث: من نعم الله عز وجل على الناس أنه اذا أمر بشيء فلابد يوجد مصاديق للإمتثال، وقد مدح الله المسلمين في هذه الآيات، قال تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ]( )، وفيه بلحاظ الجمع بين الآيتين شهادة للمسلمين وتشريف وإكرام ومدح لهم من وجوه:
الأول: انهم أفضل وأحسن أمة.
الثاني: عدم إنحصار ترجيحهم على الأمم والقرون المتقدمة والمتأخرة بالحسن الذاتي للمسلمين، بل بجاهدهم وسعيهم لإنقاذ الناس من براثن الكفر والضلالة، ومنعهم من الإقامة على الذنوب، لذا ورد قوله تعالى في الآية أعلاه [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ].
الثالث: التداخل بين امتثال المسلمين في باب الإعتصام بحبل الله، وامتثالهم للأمر الإلهي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل واحد منهما يكون مقدمة وسبباً وجزء وثمرة من ثمار الآخرة من غير ان يستلزم الدور بينهما، لأنهما من عمومات الفضل الإلهي.
الرابع: تلقى المسلمون الأمر الإلهي بالإعتصام بحبله بعشق وشوق وخضوع وخضوع وليس من فترة او زمان فاصل بين الأمر الإلهي والإمتثال له ، اذ بادر المسلمون الى التقيد بأحكام العبادات والفرائض وهي من أهم مصاديق الإعتصام بحبل الله، وأخذ كل مسلم يقرأ كل يوم وعلى نحو الترديد والتكرار قوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]( ).
وتفيد الآية حصر العبادة والإستعانة بالله تعالى، وهو المستقرأ من تقديم المفعول ومن الآيات الأخرى، ومن الشواهد الواقعية لسيرة المسلمين التي تدل مجتمعة ومتفرقة على أنهم خير أمة، وهناك ملازمة بين الإعتصام بحبل الله وأداء الفرائض العبادية، ومن الآيات تغشي العبادات للمسلمين جميعاً.
كما جاء الخطاب الإلهي بالإعتصام بحبله عاماً شاملاً للمسلمين على نحو العموم الإستغراقي، فكذا وجوب العبادات فانه شامل للمسلمين كافة، بل للناس جميعاً ولكن الناس حجبوا عن أنفسهم هذه النعمة الدنيوية الأخروية، فان قلت من الناس من يستثنى من العبادة، كما في سقوط الصيام عن المريض، وفريضة الحج عن غير المستطيع،فالجواب ان هذا الإستثناء عرض زائل غير مستقر وليس ملازماً للمسلم اوالمسلمة، بالإضافة الى وجود فريضة ليس فيها استثناء وهي الصلاة التي لا تترك بحال، فيؤديها المسلم والمسلمة في حال الحضر والسفر، والصحة والمرض والرخاء والشدة، لذا ورد الحديث بتسميتها بانها “عمود الدين” وكأنها عنوان الإعتصام بالله، وثبوت قوانينه في الأرض الى يوم القيامة.
قانون حبل الله
اراد الله عزوجل للإنسان ان يبقى في منازل العبادة والخضوع له، لايغادرها إلا حين الوفاة، وهو امر لايتحصل الا بالإسلام ديناً وعقيدة وملة، فلا يكفي دخول الإسلام والنطق بالشهادتين، بل لابد من التقيد بأحكامه وسننه التي تتجلى بالقرآن والسنة النبوية الشريفة، فقد انعم الله على المسلمين بنعمة القرآن التي تدل على تفضيلهم على غيرهم من الأمم والملل، ليشع ضياؤه على النفوس المؤمنة والقلوب المنكسرة فتجعلها سائمة في عالم اليقينيات، ومبادرة الى أداء الواجبات من غير تلكأ او شك او تردد، لخلو القرآن من التعارض والإبهام، واللبس، ولاينحصر هذا التفضيل بالمسلمين بل هو سور جامع للناس من وجوه:
الاول: إعتناق الاسلام واجب على كل مكلف ومكلفة.
الثاني: عموم نفع القرآن.
الثالث: آيات القرآن رحمة للناس جميعاً.
الرابع: تضمن القرآن لمعاني الصلاح وتهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات.
الخامس: زجر القرآن عن الأخلاق المذمومة مثل التعدي والظلم والكذب والافتراء، والمسلمون اكثر الناس الذين تلقوا الأذى من تعدي الآخرين وافترائهم على الإسلام، ومع هذا فالقرآن رحمة وباب هداية وصلاح للناس جميعاً، وفي الأمر الإلهي امور هي:
الاول:الأمر بالإعتصام.
الثاني: تعيين المعتصم به وانه حبل الله، وفيه دلالة على ان الله عزوجل جعل صلة نافعة ومباركة يستطيع الإنسان ان يتمسك بها، وتبين الآية أموراً:
الأول: وجوب إستدامة حبل الله، وملازمته للوجود الإنساني في الأرض، وتستقرأ هذه الإستدامة من وجوه:
الأول: بقاء الآية القرآنية غضة حية الى يوم القيامة.
الثاني: مجيء الآية بصيغة الأمر (وإعتصموا).
الثالث: شمول الخطاب لجميع المسلمين الموجود منهم والمعدوم.
الثاني: إستدامة الحاجة لحبل الله والوسائل التي تقرب الإنسان من الله.
الثالث: أهلية المسلمين للتمسك بحبل الله.
الرابع: تشريف المسلمين بالآية الكريمة من وجوه:
الأول: توجه الخطاب الإلهي لهم.
الثاني: إختصاصهم بالإعتصام بحبل الله.
الثالث: إقتطافهم لثمار الإعتصام بالله.
الرابع: فوزهم بالسعادة الأخروية، إذ انها عاقبة حتمية لكل من يعتصم بالله ويحرص على طاعته.
الخامس: الأمر بالإعتصام بحبل الله برزخ دون المعصية، وترك الواجبات.
السادس: التمسك بالله عز وجل والحرص على العمل بأحكام الإسلام عنوان لوحدة المسلمين، وسبيل لمنع الإختلاف والفرقة بينهم.
الثالث: الخطاب الإلهي للمسلمين بالإعتصام بحبل الله يحتمل أموراً:
الأول: تعدد ذات الخطاب وشموله لأهل الكتاب ايضاً، لإن اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره.
الثاني: عدم شموله لأهل الكتاب إذا كانوا يجحدون بالقرآن، ويشككون في تنزيله، ولابد أن يكون الإيمان بحبل الله سابقاً للإعتصام به أو مقارناً له.
الثالث: إختصاص المسلمين بالأهلية للإعتصام.
الرابع: الأمر الإلهي بالإعتصام بحبله فضل ولطف منه تعالى، وعون على الهداية، وسبيل للفوز بالنعيم الدائم.
الخامس: جزاء عاجل للمسلمين على إيمانهم بالربوبية لله، وتصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والصحيح هو الثالث والرابع والخامس، فغير المسلم متخلف عن مقدمات وشروط الإعتصام، فيتعذر عليه بلوغ مرتبة الإعتصام بحبل الله لإنتفاء المشروط بانتفاء شرطه.
الرابع: دعوة المسلمين للنهل من نعمة التنزيل، والتمسك بأحكام الشريعة والتعيين السماوي لأسباب هدايتهم ورشادهم.
لقد جعل الله الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، ولم يجعل الإنسان في حيرة من أمره بل هداه للإسلام وأرشده إلى الصراط المستقيم وأمره بالإعتصام بالتنزيل وأحكام الحلال والحرام، وهذا الأمر قانون ثابت ملازم للإنسان في وجوده في الأرض وهو عنوان عز وفخر جامع للمسلمين.
وفيه حرز من طاعة أهل الكتاب،التي جاء التحذير منها قبل ثلاث آيات، ومن الآيات ان حبل الله ممدود وملازم لآيات الليل والنهار، على نحو الكلي المتواطئ المنبسط على أفراد الزمان والمكان الطولية والعرضية، فلا تحجب رؤيته ظلمة الليل ولا يمنع من قربه إبتعاد المسكن عن الحضر، او الوحشة والإنفراد عن الأهل والأصحاب، ولا الفقر والمسكنة فبإمكان كل انسان ان يتمسك به، ليأخذ بيده الى شاطئ الأمن والسلامة.
وتدلي حبل الله المستمردعوة متصلة للناس للهداية، واجتناب الكفر والضلالة، وهو حجة وتوكيد لصدق نزول القرآن من عندالله اذ انه يتضمن البشارة والإخبار عن عدم خلو الحياة الدنيا من صلة مع الله عزوجل، بل انه سبحانه هو الذي فتح باب الصلة معه وجعله مفتوحاً وقريباً من الناس جميعاً، فاختصاص المسلمين بمضامين هذا القانون وتفضيلهم به لايعني منع الآخرين منه، بل هم الذين حجبوا عن أنفسهم هذه النعمة، والإمتناع بالاختيار لاينافي الاختيار.
ومن الآيات في مضامين هذه القانون تعدد مصاديق الحبل ليكون بميسور الانسان الوصول الى البغية والمقاصد السامية،وجاء الأمر بالإعتصام بحبل الله باعتبار ان الحبل وسيلة للنجاة، ومانع من الضلالة، وهو عون وسلاح يؤدي الى البغية والمقصود من غير خطأ او اشتباه، كما يكون برزخاً دون الهلكة، فعندما ينزل الانسان في البئر يتمسك بحبل احترازاً من الوقوع فيها، ولابد ان يكون الحبل مثبتاً في الأرض وموضع النجاة، لذا فان نسبة واضافة الحبل الى الله في الآية الكريمة تدل على ان طرفه عند الله وان الإعتصام به وسيلة للسلامة والنجاة، ومن مفاهيم الآية وذكر الحبل فيها الإشارة الى امور:
الاول: بيان سبيل النجاة من الابتلاء والافتتان في الحياة الدنيا.
الثاني : حبل الله يشع ضياء ونوراً ويملأ القلوب بالسكينة.
الثالث : الحبل مشدود الطرفين، لابد ان يقود الى التوفيق والسلامة في الدنيا.
الرابع : حبل الله مبارك ذاتاً وعرضاً.
الخامس: التنبيه إلى أهوال الآخرة وما فيها من وجوه الحساب والحاجة للعبور على الصراط المستقيم، والتمسك بحبل الله واقية من السقوط في الجحيم، وسلاح مبارك لاجتياز عالم الحساب بسلام.
وجاءت الآية مطلقة بخصوص الإعتصام [وَاعْتَصِمُو بِحَبْلِ اللَّهِ] وفيه دلالة بان حبل الله قريب من كل مسلم، وليس من حاجز بينهما، ولا يحتاج الوصول اليه الى عناء وجهد واجتياز اختبار وإمتحان كما في ابراهيم عليه السلام وبلوغه مرتبة الإمامة قال تعالى [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا] ( )، فحبل الله قريب من كل مسلم ويدل عليه الأمر الإلهي (وإعتصموا) من غير تقييد او تعليق على شرط صريح او إرتكازي، وهو رحمة من عند الله خاصة بالمسلمين، ولطف الهي لاصلاحهم وتثبيت الإيمان في نفوسهم.

قانون الاعتصام بحبل الله
لقد اخبرت هذه الآية عن وجود حبل نازل من عند الله الى الناس، ويحتمل هذا الحبل وجوهاً:
الاول: الاتحاد وانه حبل واحد كما لو كان هو القرآن.
الثاني: التعدد بلحاظ مصاديقه المتعددة فيشمل القرآن والإسلام والفرائض ووجوه الطاعة.
الثالث: كثرة افراد حبل الله لتكون بعدد المسلمين، فكل مسلم له حبل مخصوص.
الرابع: استيعاب افراد حبل الله للناس جميعاً، وهذا الاستيعاب على اقسام:
الاول: اختصاص المسلم بحبل من الله، واشتراك غير المسلمين بحبل وصلة واحدة.
الثاني: تعدد حبل الله مطلقاً، فكل انسان يكون له حبل وصلة مع الله على نحو الاستقلال، ولكن الكافر يعطل وظائف هذا الحبل، ويمتنع عن الانتفاع عنه بخلاف المسلم.
الثالث: حبل الله نعمة عامة للناس، وهو متعدد في مصداقه، وفي افراده.
والصحيح هو القسم الثالث فالله عزوجل اذا اعطى يعطي بالأوفى والأتم، فحبل الله كالشجرة التي تتدلى اغصانها الى الارض ليكون بمقدور كل انسان التعلق بغصن او اكثر من اغصانها، وتتدلى الى الأرض للاشارة الى أمكان التعلق باغصانها حتى بالنسبة للذي على فراش المرض وفيه لطف إضافي وحجة على الناس.
فان قلت: جاء الخطاب والامر بالاعتصام بحبل الله الى المسلمين خاصة، قلت: ان وجود حبل الله امر، والاعتصام به امر آخر، وتوجه الخطاب للمسلمين بالاعتصام به تفضيل اضافي لهم، وفي الاعتصام بحبل الله طرفان:
الاول: حبل الله، والصلة التي جعلها بينه وبين عباده.
الثاني: قيام المسلمين بالتمسك بهذه الصلة، فالامر بالاعتصام بها يؤهل المسلمين مجتمعين ومتفرقين لتحصيله، وتلك آية اخرى في الخلق، ونعمة متجددة على المسلمين، وانذار للكافرين، وبعث لليأس في نفوسهم، وزجر عن تعديهم على الاسلام، وفيه اخبار باستدامة الصلاح والهداية الى الصراط المستقيم عند المسلمين، فالأمر بالتمسك بالصلة والحبل الإلهي متصل ودائم الى يوم القيامة، وكذا الامتثال والإستجابة له، اما الأول أي اتصال الأمر الالهي بالتمسك بحبله فمن وجوه:
الاول: اذا انعم الله عزوجل بنعمة على اهل الارض فانه لاير فعها بل تبقى تدعو الناس للنهل والإنتفاع منها.
الثاني: دلالة مجئ الآية بصيغة الأمر على استدامة وجود الصلة الإلهية.
الثالث: حبل الله من مصاديق الرحمة والرأفة الالهية بالعباد، ورحمته تعالى واسعة وذات وجوه ومصاديق يتعذر على الناس احصاؤها، والحبل والصلة الالهية من مصاديقها بدلالة هذه الآية الكريمة.
اما الثاني أي إستدامة الامتثال للأمر الإلهي بالإعتصام بحبله، ففيه وجوه:
الاول: الإمتثال في المقام حاجة خاصة وعامة للمسلمين، فكل مسلم محتاج الى التمسك بحبل الله، والمسلمون محتاجون كأمة وافراد للتمسك بالقرآن والسنة وعدم مغادرة الإسلام الى منازل الكفر والى حين الوفاة.
الثاني: إدراك المسلمين للمنافع العظيمة للتمسك بحبل الله، وهذا الإدراك حافز ذاتي لإتصال الإعتصام بالله، والحرص على التقيد بأحكام القرآن والسنة.
الثالث: اداء الفرائض والطاعات مصداق من مصاديق التمسك بحبل الله، لما فيها من التمسك بالصلة بين العبد والمعبود.
الرابع: على القول بأن الإسلام هو حبل الله، فمن دخل الإسلام ونطق بالشهادتين يصدق عليه انه تمسك بحبل الله، وابتدأ العمل بمضامين القرب اليه تعالى.
والظاهر وجود ملازمة بين نفخ الروح في آدم وبين كل من:
الاول: حبل الله بإعتبار ان الله خلق الإنسان، وابى ان يتركه وشأنه، فرزقه العقل وبعث له الأنبياء مبشرين ومنذرين وانزل الكتب السماوية لهدايته، وتفضل وجعل حبلاً ممدوداً من السماء الى الأرض، فهذا الحبل ملازم للإنسان ومصاحب له مادامت فيه الروح.
الثاني: لما تفضل الله ونفخ في آدم من روحه فانه جعله وذريته مؤهلين للتمسك بحبله وصلته التي جعلها قرينة له في حياته، ليكون الحبل كالظل الملازم للإنسان بل هو اعم من الظل، لان الظل لايظهر الا في النهار وعند التعرض للشمس، او الضياء المنعكس، اما حبل الله فهو ملازم للانسان في ليله ونهاره، ولايغادره حتى عند النوم بل يبقى قريباً منه ويأتيه في المنام بواسطة رؤيا البشارات والإنذارات، وملازمة حبل الله للانسان في منامه فيه وجوه :
الاول: الاعجاز في خلق الانسان.
الثاني: هذه الملازمة مصداق لقوله تعالى [خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ].
الثالث: إتصال رحمة الله بالعبد، فينام الإنسان وتتعطل عنده حركة الأعضاء، ولكن حبل الله عز وجل يبقى ممدوداً اليه، وفيه شاهد على ان رحمة الله تأتي للعبد ابتداء من عند الله.
الرابع: انتفاع الإنسان من النوم لدنياه وآخرته بالرؤيا الصالحة التي يراها، وتكون مناسبة للإعتبار والتدبر، وعوناً على الهداية، وطريقاً الى الرشاد سواء كانت رؤيا بشارة أو انذار.
لقد تفضل الله عز وجل ونسب الحبل الى نفسه، وفيه مسائل:
الأولى: دعوة المسلمين والناس جميعاً الى التمسك بسنن الشريعة.
الثانية: الإخبار عن إنتفاء الواسطة المتعددة بين الله وبين عباده، فالتمسك بالتنزيل يعني تمسكاً وإعتصاماً بالله عز وجل.
الثالثة: بيان وجوب الإعتصام بالقرآن والنبوة والإسلام وعدم التفريط بها.
الرابعة: البشارة بالتوفيق والظفر لمن تمسك وإعتصم بحبل الله.
الخامسة: الترغيب بأسباب الهداية والحث على طاعة الله.
السادسة: إخبار العبد بإمكان اللجوء الى الله تعالى من غير واسطة او تأخير، لأن الحبل والصلة التي بإمكانه التمسك بها قريبة منه، وهي منسوبة الى الله عز وجل.
السابعة: تأكيد عظيم فضل الله على المسلمين، ومد جسور الصلة بينه تعالى وبينهم كأمة وأفراد، فمع الإسلام تأتي الصلة الإلهية والدعوة الى التمسك بها.
ولو لم يتمسك المسلمون بحبل الله فماذا يحدث، فيه وجوه:
الأول: إرتفاع الحبل وعدم بقائه، لإنتفاء الحاجة له أو للإعراض عنه.
الثاني: بقاؤه يدعو المسلمين للتمسك به.
الثالث: نزول غيره من الصلات وأسباب اللجوء الى الله تعالى كبديل والله واسع كريم.
الرابع: بعث أمة أخرى تتمسك بحبل الله ولا تفرط بهذه النعمة.
الخامس: إكراه المسلمين على التمسك بحبل الله وابتلاؤهم بما يضطرون معه للجوء الى حبل الله، كما لو رماهم الله بالفقر والعوز، او بالضعف والإستضعاف، او بتوالي الآفات الأرضية او السماوية والجدب وقلة المزروعات.
السادس: عدم عزوف المسلمين عن حبل الله، فهم متمسكون به أمساً واليوم وغداً.
والصحيح هو الأخير من وجوه:
الأول: الإنتماء للإسلام وحده تمسك بحبل الله، ولو على نحو الموجبة الجزئية.
الثاني: أداء الفرائض والعبادات إمتثال للأمر الإلهي بالإعتصام بحبل الله.
الثالث: تلاوة آيات القرآن، ووجود سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الشريفة بين المسلمين من مصاديق الإعتصام بالله، وقد جاء قبل ثلاث آيات انهما واقية وبرزخ دون الكفر والضلالة.
الرابع: الآية شاهد على حصول الإمتثال للأمر الإلهي كما أنها تتضمن وجهين:
الأول: إرادة التمسك بحبل الله على نحو الإبتداء.
الثاني: الأمر بلزوم استدامة التمسك به، أي أن كل مسلم متمسك بحبل الله بدخول الإسلام ونطقه بالشهادتين، فجاءت الآية لتعاهد هذا التمسك، ولا تعارض بين الوجهين خصوصاً مع تعدد معنى حبل الله، وشمول مفهوم التمسك به مواضيع الحياة المختلفة، فكأن الآية تقول ايها المسلمون إستمروا بالتمسك بحبل الله.
ترى ما هي الغاية من حبل الله، فيه وجوه:
الأول: انه رحمة متصلة من عند الله.
الثاني: حبل الله وسيلة لتثبيت الإيمان في النفوس.
الثالث: انه شاهد على حاجة الإنسان، فمع دخول الإسلام يأتي المدد الإلهي للثبات على الهدى والإيمان.
الرابع: فيه حجة على الناس، وتوكيد حقيقة وهي ان الله عز وجل يهيء أسباب الهداية للعباد.
الخامس: فيه تخفيف عن الناس، وتيسير لحوائج الدنيا والآخرة.
السادس: حبل الله مانع من سلطان الشيطان على النفوس، لأنه أقرب اليهم من الشيطان وإغوائه، وحائل دون وسوسته وإضلاله.
السابع: ينفي حبل الله عن الإنسان الوحشة والإنفراد، ويمنع من التيه والضلالة وسوء الإختيار.
الثامن: أنه مصداق لقرب رحمة الله من العباد، وتدلي فضله عليهم، قال تعالى [إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
التاسع: حبل الله قانون ثابت في الأرض، وملازم للوجود الإنساني فيها، والآية أكدت وجوده، وأشارت الى الحاجة للإنتفاع منه، فهي إخبار عن كنز وذخائر جعلها الله مفتوحة للعباد ليأخذوا منها ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة.
وفي حبل الله بلحاظ السكون والحركة وجوه:
الأول: انه ساكن وثابت في مكانه وان كان متعدداً، وعلى الإنسان ان يقصده ليعتصم به.
الثاني: حبل الله متحرك بحسب حاجة الإنسان.
الثالث: انه يدعو للتمسك به، ويّذكره بما فيه من المنافع، ويكون حاضراً عند الإنسان في الرخاء والشدة.
والصحيح هو الثالث فحبل الله نعمة مزجاة وقريبة من العبد، وفيض يتغشى أهل الإيمان ووسيلة مباركة لجذب الناس الى الإسلام، ومنعهم من الإرتداد والنكوص عن مبادئه، وهذا المنع حاجة للإنسان خصوصاً مع قيام أهل العناد واللجاج ببث الشكوك وأسباب الريب، فيأتي الحبل والصلة من عند الله ليكون المسلم في حرز من الشك، وسلامة من الإرتداد والغواية، فحبل الله سلاح سماوي لإرتقاء المسلمين في سلم المعارف الإلهية، وسبيل لنيل المراتب العالية في النشأة الأخرى، فهو هبة الله المستديمة لأهل الأرض، والوسيلة التي لا يمكن الإستغناء عنها، وفيها تمام الدين.
وبلحاظ تقدير موضوع الإعتصام في الآية وجوه:
الأول: إعتصموا بحبل الله باداء العبادات.
الثاني: اللجوء إلى الله في حال الحرب ومواجهة الأعداء.
الثالث: في تعاهد الوحدة بين المسلمين، ونبذ الفرقة والتشتت.
الرابع: في الدعوة لله، ونشر مبادئ الإسلام.
الخامس: في شؤون الحكم وإقامة العدل في الأرض.
السادس: في إصلاح وتهذيب النفوس وقهر النفس الشهوية والغضبية، فان مجاهدة النفس تستلزم التقوى.
السابع: في مواطن الصبر وتحمل الأذى، وطرد اليأس والقنوط.
الثامن: في اللجوء الى الله، والإستعاذة، والإستجارة به.
التاسع: الإعتصام بالله حاجة مطلقة مصاحبة للإنسان في جميع نواحي الحياة.
العاشر: رجاء إحراز مرتبة التقوى فلما جاءت الآية السابقة بالأمر بتقوى الله حق تقاته، جاءت هذه الآية للإخبار عن بلوغ هذه المرتبة العظيمة بالتمسك بحبل الله وللإخبار بان نيلها لا يستلزم تعدد المراحل وكثرة المشاق، بل أنه يأتي بفعل بسيط غير مركب هو التمسك بحبل الله.
الحادي عشر: لقد أختتمت الآية السابقة بالأمر بمغادرة الدنيا بالبقاء على الإسلام والثبات على الإيمان باعتبار نفي النفي اثبات قال
تعالى [فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( ).
ولمنع الخطأ والخلل في التأويل جاءت هذه الآية لتخبر عن إمكان الإمتثال للأمر الإلهي في البقاء على الإسلام الى حين الوفاة بالتمسك بحبل الله، وتشير الى عدم اكراه الإنسان على ترك الإسلام، لأن حبل الله قريب منه، وبإمكانه الإعتصام به.
الثاني عشر: الإعتصام بالله باب للرزق والكسب.
الثالث عشر: بالتمسك بحبل الله دوام للإسلام وثبات للإيمان.
الرابع عشر: التمسك بحبل الله عنوان إضافي لمواجهة الأعداء ومدد سماوي وباب للنصر على الأعداء وهو كالسور الذي يحيط المدينة إذ انه واقية من الكيد والمكر.
علم المناسبة
وردت مادة (عصم) في القرآن ثلاث عشرة مرة، وهذه الآية هي الوحيدة في القرآن التي ورد فيها ذكر الإعتصام بحبل الله على نحو الأمر الإلهي والذي يفيد الوجوب، فليس في القرآن آية أخرى تفيد ذات الأمر سواء بصيغة المفرد أو الجمع، لذا فللآية خصوصية في مضمونها ودلالتها.
ترى ما هي النسبة بينها وبين قوله تعالى [وَإعتصموا بِاللَّهِ] ( )، فيه وجوه:
الأول: التساوي فان الإعتصام بحبل الله هو ذاته الإعتصام بالله.
الثاني: العموم والخصوص من وجه، أي هناك وجوه للإلتقاء بينهما، وأخرى للإفتراق.
الثالث: العموم والخصوص المطلق.
والصحيح هو الثالث، فالتمسك بحبل الله هو تمسك بالله عز وجل ولا يصح العكس، تنزيهاً لمقام الربوبية، ولأن التمسك بحبل الله وسيلة للتقرب اليه تعالى زلفى، وهو مثل قوله تعالى [ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]( )، ومجيء الإستعانة فيها بالله تعالى على نحو الحصر والتقييد، والذي يدل عليه تقديم المفعول به في إياك، وقوله تعالى [اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ]( ).
نعم جاءت آية أخرى تأمر بالإعتصام بالله بقوله تعالى [وَإعتصموا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ] ( )، فلم تخاطب الآية القرآنية النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص بالأمر (إعتصم)، وعدم توجه مثل هذا الأمر الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص فيه مسائل:
الأولى: شمول الأمر الإلهي (إعتصموا) للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ايضاً فهو إمام المسلمين، وخطابات القرآن شاملة له الا ان يرد دليل يخرجه بالتخصص او التخصيص، وهو معدوم في المقام.
الثانية: لو كان هناك أمر بالإعتصام بصيغة الإنفراد فانه يحمل ايضاً على إرادة المسلمين جميعاً.
الثالثة: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو من مصاديق حبل الله التي أمر الله بالتمسك بها، ويتعدد وجوب التمسك الخاص به من وجوه:
الأول: تصديق نبوته.
الثاني: الإقرار بان ما ينزل عليه وحي من عند الله.
الثالث: اتباعه فيما جاء به من أحكام الحلال والحرام.
الرابع: الإقتداء به في سنته.
الخامس: نصرته على أعدائه وعدم الإرتداد او الفرار من الزحف، ووردت مادة العصمة بمعنى المنع بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو المدح والثناء، قال تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ]( )، ومن الآيات الإعجازية في القرآن ان تأتي فيه أمور تتعلق بموضوع واحد وهي:
الأول: الأمر بالفعل الذي يتضمن الحسن الذاتي.
الثاني: الزجر عن إتيان ضده او التخلف عن الإمتثال.
الثالث: الإخبار عن حصول الإمتثال للأمر الإلهي من قبل المسلمين.
الرابع: بيان الثواب العظيم لمن يستجيب ويمتثل للأمر الإلهي.
الخامس: الإنذار والوعيد لمن يعصي الأمر الإلهي.
وتتجلى هذه الوجوه بخصوص الإعتصام بالله عز وجل في الآيات المعدودات التي جاءت بموضوعه.
فاما الأول أي الأمر فقد جاء في القرآن على قسمين:
الأول: المراد الإعتصام بالله.
الثاني: الإعتصام بحبل الله.
وأما الثاني فهو مفهوم الأمر بالإعتصام، كما يدل عليه قوله تعالى [قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ]( )، وأما الثالث فقد اخبرت الآية عن حصول الإمتثال بلغة البشارة، ونزول الرحمة الإلهية، قال تعالى [فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَإعتصموا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ]( )، بالإضافة الى لغة الترغيب والحث على الإعتصام الذي جاء قبل آيتين بقوله تعالى [وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم]( ).
وأما الرابع فتدل عليه الآية أعلاه من سورة النساء، وقوله تعالى [وَإعتصموا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ]( )، وفيها دلالة على تعدد الوظائف الشرعية للمسلم، فبالإضافة للإعتصام بالله لابد من التقيد بأحكام الفرائض وإخلاص العبادة وهو الذي يتجلى بقوله تعالى [فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَإعتصموا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ] ( ).
وأما الخامس فلغة الإنذار ظاهرة في مفهوم البشارة والوعد الكريم لمن يعتصم بالله، بل بذات الأمر الإلهي بالإعتصام، لان عدم التمسك بالله وكتبه وانبيائه من الكبائر التي يستحق فاعلها النار، كما يدل عليه مفهوم قوله تعالى [وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( )، أي من لم يعتصم بالله لا يهتدي الى الحق والصواب، وتكون عاقبته الخلود في النار، وفيه شاهد بان من يمتثل للأوامر الإلهية فانه سبحانه يهديه ويصلح حاله، ويقبل استجارته ولجوءه اليه، وقال تعالى [وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ]( ).

قانون الشهرة
من بين سور القرآن التي يبلغ عددها مائة واربع عشرة سورة، وآياته التي تبلغ ستة الآف ومائتين وست وثلاثين آية تجد سوراً وآيات مشهورة شهرة عظيمة بين عموم المسلمين في مختلف الازمنة والامكنة، وهذا سر من اسرار القرآن التي لم يقف عندها اهل العلم بالتحقيق والبحث، والحق ان سور وآيات القرآن كلها مشهورة عند المسلمين، الا ان شهرتها من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة، فمنها ماتكون اكثر شهرة من غيرها، وشهرة السور والآيات على اقسام:
الاول: مايترشح عن وجوب قراءتها، كما في سورة الفاتحة، ووجوب تكرار قراءتها في الصلاة اليومية.
الثاني: الشهرة التي تأتي بسبب موضوع الآية أو السورة كما في شهرة سورة يوسف عند كل المسلمين لما فيها من مسائل ابتلائية عامة، وصيغ المكر وأسباب النجاة منه.
الثالث: المنافع الظاهرة للسورة او الآية، كما في المعوذتين وما في قراءتهما من رفع الاذى وشر الحسد، و آية الكرسي وتعدد المواضع التي تقرأ فيها.
الرابع: الأحكام والسنن التي تتضمنها السورة او الآية كما في آيات الإرث.
الخامس: آيات الوعد والوعيد، وما فيها من البشارة بالجنة لأهل الإيمان، والوعيد بالنار لأهل الذنوب والمعاصي.
السادس: إدراك المسلم تعلق موضوع الآية به، وشموله بما فيها من الخطاب وما فيها من المضامين القدسية والحاجة المتصلة اليها، كما في هذه الآية الكريمة، فكل مسلم يعلم حاجته وحاجة الإسلام والمسلمين للاعتصام المتحد والمتعدد بحبل الله، لذا اشتهرت الآية بين المسلمين، ويعرفها أغلب المسلمين، كما انها تقرأ في الصلاة وفي المساجد والمنتديات وتكتب على الجدران في البيوت والأسواق، ويرددها طلبة المدارس في المناهج الدراسية والصفوف الاولى، ويدرك الجميع أن الآية وتلاوتها مدرسة عقائدية.
وتدل شهرة هذه الآية بين المسلمين على العناية التي يولونها للوحدة الاسلامية ونبذ الفرقة ولزوم الإتحاد في مواجهة الأخطار التي تواجه الأمة، كما تبرز أهمية الأية الكريمة والحاجة للعمل بمضامينها القدسية عند الفتنة والإفتتان، فهي واقية من الانجرار وراء الفتنة وطلابها، وهذا من إعجاز القرآن ان تكون الآية الواحدة من القرآن إماماً يقتدى به، وسبيلاً للنجاة من الفتنة، ومانعاً من حصول الفرقة والتشتت بين المسلمين، وهذه الشهرة ليست ذاتية فحسب بل تأتي بفيض من عند الله، لأنه سبحانه تفضل وجعل هذه الآية عند المسلمين سلاحاً وواقية من الفتن التي تمزق وحدة الأمة.
وفي حبل الله المذكور في الآية الكريمة بلحاظ ماهيته وجوه:
الأول: انه جسم مادي ملموس، وشيء مفتول يستطيع كل انسان التمسك به، وقبضه بيده.
الثاني: انه حبل نوراني غير ملموس.
الثالث: إطلاق وصف الحبل عليه نوع مجاز، فليس من حبل ممدود.
الرابع: الحبل أمر وهمي انما جاء اللفظ القرآني للإستعارة والتمثيل والدلالة على وجود صلة وسبب يوصل الى الله عز وجل.
الرابع: يتجلى معنى الحبل من مصاديقه، وهي القرآن والنبوة والإسلام، فوجوده حقيقة وان كان اللفظ مجازياً.
والصحيح هو الأخير اذ ان الحبل يعني التقيد بأحكام الشريعة ومن الآيات ان يكون الحبل معلوماً فالقرآن قريب من كل انسان وبإمكان المسلم ان يصل اليه ويتمسك بالعمل الصالح والسمت الحسن، والإخلاص في العبادة، فالآية رحمة بالمسلمين ومدخل للصلاح والتقوى ووسيلة لجذبهم لمنازل التقوى، اذ ان الحرص على التمسك بأحكام الشريعة وسيلة ذاتية للإجتهاد في العبادة والخشية من الله وإجتناب محارمه.
ولم يخاطب بالإعتصام بحبل الله الا المسلمين، وفيه دلالة على إتخاذ الإسلام منهجاً للعمل بأحكام التنزيل، وان التمسك بحبل الله نعمة إضافية لا ينالها الا المسلم فلذا خص الله المسلمين بالخطاب، مع حاجة كل انسان له وللتمسك به فيكون الكافر قد حرم نفسه من نعمة وجود حبل الله ومن التمسك به والعمل بالأسباب الموصلة الى السلامة والنجاة في الآخرة.
علم المناسبة
ورد لفظ (حبل) في القرآن خمس مرات بصيغة المفرد، كما ورد بخصوص السحرة في قوم فرعون مرتين بصيغة الجمع (حبالهم) وأريد بها الحبال على نحو الحقيقة، والأصل في الحبل، وهو المفتول، كما أستعمل مرة بهذا المعنى في صيغة المفرد في ذم امرأة أبي لهب، قال تعالى [ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ]( ).
وكما مد الله عز وجل حبلاً من عنده للناس فانه سبحانه أقرب الى الإنسان من ذاته قال تعالى [وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ] ( )، مما يدل على حاجة الإنسان لحبل الله والتمسك بمبادئ الإسلام، وعلم الله تعالى باستجابة العباد في موضوع التمسك بحبله، وعدم التفريط به كباب ووسيلة للهداية، وذكر حبل الله مرتين في القرآن، وكلاهما في سورة آل عمران، فبالإضافة الى هذه الآية ورد قوله تعالى [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ] ( )، ليكون عدد مرات ذكر لفظ (الحبل) في سورة آل عمران ثلاث مرات من بين خمسة في القرآن، والمراد من الحبل هنا العهد والميثاق لذا ورد موضوع العهد والميثاق من الناس، وورد بلفظ (حبل من الله) وحرف الجر (من) هنا لإبتداء الغاية.
أما الأمر بالإعتصام والتمسك فلم يرد الا بحبل الله وميثاقه وعهده ومصاديقه وهي القرآن والنبوة وأصول وفروع الدين وأحكام الحلال والحرام، ومع أهمية موضوع الإعتصام بحبل الله للفرد والجماعة في الحياة الدنيا والآخرة فانه لم يذكر في القرآن الا مرة واحدة، وهذا الإتحاد آية إعجازية تتجلى معانيها من خلال الحاجة للتمسك بحبل الله، فانه تعالى يعلم كفاية الأمر مرة واحدة في القرآن لإستجابة وحسن امتثال المسلمين في هذا الباب، وان كانت هذه المرة تتعدد بلحاظ تلاوة المسلمين للآية وكثرتها واللجوء النوعي العام لها عند الحاجة والإبتلاء.
بحث أصولي
جاء الأمر المولوي في الآية بصيغة الجمع والشمول، ويدل عليه الأصل و القرائن والأمارات، ويحتمل الخطاب في هذه الآية بلحاظ جهته وجوهاً:
الاول: ارادة المسلمين من الذكور دون الاناث.
الثاني: ارادة المسلمين رجالاً وذكوراً.
الثالث: خصوص الائمة والحكام من المسلمين.
الرابع: تتعلق الآية باهل الحل والعقد.
الخامس: تشمل الآية المسلمين جميعاً ولكن في حال الشدة والبأساء والضراء.
السادس: اختصاص الآية بحال الحرب والقتال.
والاصل هو الاطلاق، وهو الظاهر في قوله تعالى (وإعتصموا) والمراد التمسك بالقرآن والسنة في كل الأمور والأحوال، والعموم بتوجه الامر في الآية إلى المسلمين والمسلمات، بقرينة قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الوارد في الآية السابقة، وابتداء هذه الآية بحرف العطف (الواو).
ومن منافع الشمول اعانة المسلمين على نحو العموم الاستغراقي في الإمتثال للأمر الالهي في الآية، فلو اعتصم شطر منهم دون الآخر فان الاعتصام يكون على نحو الموجبة الجزئية، كماً وكيفاً، اما الكم فلتخلف شطر من المسلمين عن الاعتصام بحبل الله موضوعاً وحكماً،واما الكيف فللتأثير السلبي لتخلفهم على من يمتثل فتحصل مشاق وقصور عن اداء الوظائف العبادية، وبرزخ دون بلوغ اسمى مراتب الرفعة التي تأتي ثمرة لحسن الإستجابة للأوامر الإلهية، وفي الاعتصام بالله بلحاظ ماهية الواجب وجوه:
الاول: انه واجب تعبدي، يؤتى به بقصد القربة الى الله تعالى، والامتثال لما في مضامين الإعتصام بالله من الامر بفعل مخصوص على نحو التعيين، كما في الصلاة والصوم.
الثاني: انه توصلي يسقط امره بمجرد وجوده في الخارج، وان لم يقصد به قصد القربة، كما في رد السلام، وتطهير الثوب، وانقاذ الغريق.
الثالث: التفصيل بلحاظ المصداق من حبل الله، والموضوع، فتارة يكون تعبدياً واخرى توصلياً.
والصحيح هو الاول، فهو واجب تعبدي من وجوه:
الاول: موضوعية كل مصداق من مصاديق حبل الله، فلابد من التمسك بالقرآن والسنة والتقيد باحكامهما.
الثاني: اخذ قصد القربة في الاعتصام بحبل الله، ويكفي الإتيان بمصاديق الاعتصام بداعي امرها، وليس الوقوف عند قصد محبوبية الفعل المأمور به الذاتية.
الثالث: وجود قول بان الاصل في الواجب هو التعبدي.
الرابع: اصل الاشتغال، ولزوم الاتيان بالفعل مع القيد حتى في حال كونه مشكوكاً به، كي يحصل العلم بفراغ الذمة.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (الإستخدام) وهو من أشرف أنواعه وهو على قسمين:
الأول: المجيء بلفظ له معنيان فأكثر، ويراد منه أحد معانيه ثم يؤتى بضميره ليدل على المعنى الآخر، وبه قال السكاكي وجماعة.
الثاني: الإتيان بلفظ مشترك، ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين ومن الآخر المعنى الثاني وأستدل عليه بقوله تعالى [لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى]( )، فالصلاة تحتمل ان يراد بها فعلها وموضعها، وقوله تعالى [حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ] يخدم الأول، و[إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ] يخدم الثاني( ).
ولا دليل على هذا التفصيل بين الصلاة وموضعها، ولكنه إستثناء من وجوب الغسل عند السفر وتعذر الغسل وإنتقال الوظيفة الشرعية الى الطهارة الترابية، والمراد من الصلاة أفعالها وأداؤها في الحالتين الا انه لايخلو من نكتة ولو على نحو الموجبة الجزئية.
وقيل لم يقع في القرآن على طريقة السكاكي، والمراد من الحبل في الآية هو المفتول فجاءت إضافته لله تعالى لبيان ان المراد هو الصلة، والصراط القويم الذي جعله الله عز وجل هداية للمسلمين، وباباً لرحمتهم ونجاتهم في النشأتين.
وإضافة الحبل لله تعالى لطف منه سبحانه وفيه مسائل:
الأولى: فيه دلالة على إبتداء الصلة بين الله والعباد من الله، فهو الذي بدأ وشائج الإتصال مع المسلمين، وتقرب اليهم ومد اليهم حبلاً منه.
الثانية: جعل الله الحبل قريباً من المسلمين، وفي متناول كل واحد منهم، وسهل لهم التمسك به، فلا غرابة أن تجد القرآن إماماً حاضراً عند المسلمين وفيه تبيان لكل شيء.
الثالثة: في الآية عهد وضمان للمسلمين، بإمكان تمسكهم جميعاً بحبل الله، فليس من مزاحمة أو تعارض في تمسكهم جميعاً بحبل الله، من وجوه:
الأول: على فرض ان الحبل جسم مادي فانه يحتمل في جميع بقاع الأرض ويدخل كل بيت وفي مقدور كل مسلم التمسك به.
الثاني: على فرض انه نوراني فان ضياءه يملأ نفوس المسلمين ويشع عليها بالبهجة والغبطة والرضا بما أنعم الله به عليهم.
الثالث: بإعتبار ان حبل الله أمر حقيقي واقعي وهو القرآن فان الله عز وجل جعله عند المسلمين وندبهم للعمل بأحكامه، وأوجب عليهم قراءته في الصلاة اليومية كي لا يكون مهجوراً، ولتكون الصلاة مناسبة للتمسك بالقرآن والتقيد بأحكامه وسننه.

قوله تعالى [جَمِيعًا]
جميع سور محيط بأفراد الموضوع، وجاء الخطاب هنا ليشمل الأمر الإلهي المسلمين كافة من غير استثناء اذ انه يتعلق بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الوارد في الآية السابقة، ولم تقف الآية عند الأمر بالتمسك بحبل الله بقوله تعالى [وَإعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ] بل ذكرت لفظ [جَمِيعًا] وفيه مسائل:
الأولى: التوكيد على موضوع التمسك بحبل الله.
الثاني: التعدد في موضوع التمسك بحبل الله، بحيث يشمل كل مسلم.
الثالث: طرد وهم بكفاية تمسك المسلم بأحكام الشريعة على نحو مستقل بل جاءت الآية لتخبر بان الإعتصام بحبل الله مركب من أمرين:
الأول: ما يكون على نحو القضية الشخصية.
الثاني: إعتصام وتمسك بحبل الله باعتباره فرداً من الأمة، بمعنى ان وظيفة المسلم في المقام مركبة من تمسكه كمسلم بالقرآن والسنة، وتمسكه بهما كفرد وجزء من الأمة.
الثالث: توجه الخطاب التكليفي بالإعتصام بالله للمسلمين على نحو العموم المجموعي، وهو أمر تبدو الحاجة له في كل زمان وفيه منافع:
الأول: اتحاد عمل المســلمين جميعاً فتـراهم يســيرون باتجاه واحــد ومنهج مستقيم خالِ من الإعوجاج ولا يقبل التعدد، ولا يلتفتون الى غير القرآن وما أنزل الله من الأحكام.
الثاني: منع الفرقة والإنقسام وحرص كل فريق على بيان صحة ما يذهب اليه.
الثالث: التمسك العام بحبل الله عز وجل عنوان للقوة والمنعة وسبب لإستدامة العز والرفعة.
الرابع: توكيد حقيقة وهي ان خروج جماعة على مضامين التمسك بحبل الله، مخالف لمنطوق هذه الآية، سبب لإضعاف شوكة الإسلام.
الخامس: يبعث إعتصام المسلمين العام بالقرآن وأحكام الإسلام الخوف والرعب في قلوب اعدائهم.
السادس: جاء لفظ (جميعاً) قيداً في موضوع الإعتصام، فليس للمسلم ان يعتزل الجماعة ويشذ عنها، بل لابد من الإجتماع في مرضاة الله،والتوكل عليه.
السابع: أداء صلاة الجماعة والندب اليها، وبيان ما فيها من النفع والأجر والثواب شاهد على الحاجة الى قيد (جميعاً) في هذه الآية.
الثامن: تعدد التكليف في الآية بلحاظ لفظ (جميعاً) فيكون على ثلاثة وجوه:
الأول: تمسك كل مسلم بحبل الله وتقيده بأحكام الشريعة.
الثاني: إعتصامه بالقرآن وأحكام الشريعة باعتباره فرداً من الأمة.
الثالث: التزام المسلمين كأمة واحدة بالقرآن وأحكام الشريعة، وعدم خروجهم عن مضامينها.
التاسع: إدراك المسلم لحقيقة ثابتة وهي كونه جزء من الأمة، وفرداً من المسلمين.
العاشر: تساوي المسلمين في تلقي الخطاب التكليفي فلا ينحصر موضوع الإعتصام بالله بالعلماء والرؤساء وذوي العقد والحل بل هو شامل لكل مسلم.
الحادي عشر: في الآية دعوة للناس لدخول الإسلام، فما ان ينطق الإنسان بالشهادتين ويصبح مسلماً الا ويتوجه له ذات الخطاب الذي يتوجه للمسلمين بعرض واحد مثلهم، ويكون ملزماً بالإعتصام بحبل الله كفرد من الجماعة.
الثاني عشر: تبعث الآية على السعي في سبيل الله، وبذل الوسع في طلب مرضاته، بالإشتراك مع الجماعة والأمة.
الثالث عشر: في الآية إعجاز لما يدل عليه لفظ (جميعاً) من الإشارة الى موضوع الكثرة في الكم والكيف في أداء الجماعة وتقيد الأمة بأحكام الشريعة، فهناك فرق بين تمسك كل فرد بأحكام الشريعة على نحو مستقل، وبين التمسك بها على نحو مستقل ومتحد مع جميع المسلمين في آن واحد.
الرابع عشر: لفظ (جميعاً) لا يمنع من توجه الخطاب لكل مسلم بالتمسك بحبل الله على نحو مستقل وخاص وما فيه من المنافع الخاصة والعامة، فإعتصام المسلم بحبل الله واقية شخصية في النشأتين، وفيه منعة للإسلام والمسلمين، الا ان اشتراكه مع عامة المسلمين أكثر نفعاً بل هو حاجة شخصية له في دينه ودنياه، وحاجة للأمة فلذا ورد قيد (جميعاً) ولولم يرد هذا اللفظ في القرآن لقال بعض المسلمين يكفيني أداء الفرائض بمعزل عن الأمة، فجاءت هذه الآية لتؤكد اموراً:
الأول: لزوم إهتمام المسلم بأحوال المسلمين.
الثاني: قيامه بإعانة المسلمين الآخرين على الإعتصام بحبل الله، والإتحاد في مرضاته تعالى.
الثالث: شمول موضوع الآية بعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث المسلمين بعضهم بعضاً على الإتحاد في الإعتصام بحبل الله.
الرابع: إنتفاء مفاهيم الكفر عن المسلمين كافة ولا يستطيع أعداء الإسلام تحريف مبادئ ومناهج الإسلام.
الخامس: في الآية نجاة من النفاق والرياء، فالإتحاد والإلتقاء في الإعتصام بالله يعني تشابه أفعال المسلمين في مرضاة الله.
السادس: عدم طرو أسباب الريب والشك على نفوس المسلمين، لأن قيام الأمة بالإعتصام بالله متحدة ينفي الكدورات عن النفوس، ويجعلها ترتقي في سلم الكمالات.
وفي الجمع بين قوله تعالى “وإعتصموا” و”حبل الله” و”جميعا” وجوه:
الأول: تشريف المسلمين بعموم الخطاب القرآني وإستغراق الأمر الإلهي لهم جميعاً من غير إستثناء.
الثاني: توكيد حقيقة وهي تساوي المسلمين في العبودية لله تعالى فالسيد والعبد، والحاكم والمحكوم، والذكر والأنثى متساوون في تلقي التكليف، ومأمورون بالإمتثال كل بحسبه وشأنه.
الثالث: أن المسؤوليات العقائدية التي تقع على عاتق المسلمين تستلزم إشتراكهم جميعاً بالتمسك بالقرآن والسنة.
الرابع: أهلية كل مسلم للإعتصام بحبل الله وحاجته وحاجة الأمة لهذا التمسك، وأي فرد يخرج من هذا العموم يضر نفسه وغيره، ويتحمل وزر فعله، وأسباب الأضرار بالغير.
الخامس: دعوة المسلمين للتمسك بالقرآن والسنة.
السادس: هداية الله للمسلمين كافة.
السابع: حب الله للمسلمين، وحتى العاصي والمقصر تتوجه له الدعوة الإلهية في هذه الآية للإعتصام بالقرآن والسنة بإعتبار ان الإعتصام سبيل للتوبة والإنابة، وطريق للإصلاح والتدارك فكما ينفع الإعتصام المؤمن ويثبت اقدامه على الإيمان فانه يجعله لا يتخلف عن واجباته، والمقصر المذنب يتوب الى الله، ويرجع الى رشده.
الثامن: دعوة الناس لدخول الإسلام ليشملهم الخطاب القرآني في هذه الآية ويفوزوا بالتمسك بحبله ووسائل النجاة التي جعلها الله قريبة من المسلمين الى يوم القيامة.
علم المناسبة
ورد لفظ (جميعاً) في القرآن خمس وأربعين مرة، كما ورد فيه (أجمعون) بصيغة الرفع مرتين، و(أجمعين) ثلاث وعشرين مرة، ووردت صيغة النداء والأمر ثلاث مرات في لفظ أجمعين، فبالإضافة الى هذه الآية ورد قوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا] ( ).
فجاء فيها النداء الى الناس كافة من غير استثناء ولا إنحصار بالمسلمين دون غيرهم، وفيه حث لأهل الملل والنحل المختلفة على دخول الإسلام، كما ورد قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا]( )، لبيان الحاجة أحياناً الى النفير العام، والإتحاد والتعاون في مواجهة التحديات والتعديات التي تواجه المسلمين، وتوكيد حقيقة وهي ان التباين المكاني وتعدد الأمصار لا يكون برزخاً دون اشتراك المسلمين كافة في التوجه نحو الغايات والمقاصد السامية.
وكما دعت الآية السابقة المسلمين للحذر والحيطة، فان الآية محل البحث تدعوهم ايضاً الى أخذ الحائطة ولكن على نحو أعم ومطلق يشمل أمور الدين والدنيا، فلا ينحصر موضوعها بشؤون الحرب والقتال ومواجهة الكيد والمكر، بل يشمل الإخلاص في العبادة والإنقطاع الى الله تعالى.
بحث بلاغي
من وجوه الإطناب “الإستقصاء” وهو أن يتناول المتكلم موضوعاً فيستقصي معانيه، ويذكر ماهيته ولوازمه وأوصافه الذاتية والعرضية، وكل آية من آيات القرآن تبحث في موضوعاتها على نحو الإستقصاء، وهذه الآية شاهد سماوي كريم على استيفاء بحث موضوع الآية وهو الإتحاد بين المسلمين بقيد الإعتصام بالله عز وجل، ومجيء الإتحاد مشروطاً للإخبار عن تنزه المسلمين عن التعاون على الإثم والعدوان، اذ تأمر الآية بالتعاون على البر والتقوى والصلاح ونبذ الفرقة والخلاف، وبدأت الآية بالأمر الإلهي بالإعتصام وهو مطلق يشمل وجوه الإستعانة والتوكل والإستعاذة والإستجارة والإلتجاء في حال الشدة والرخاء.
ومن الآيات ان يأتي تشريف المسلمين بتوجه الخطاب المتحد لهم باعتبارهم أمة واحدة والذي يدل بالدلالة التضمنية على أهليتهم لتحمل مسؤوليات الإمتثال للأمر الإلهي لتتزين أيامهم بالتمسك بالقرآن والسنة ويعود عليهم إتحادهم بالنفع في الدارين، ويستطيعون مواجهة الأعداء بالإتحاد والمدد الإلهي الذي يأتي من الإعتصام بالقرآن ومبادئ الإسلام.
وهذا المدد على وجوه:
الأول: المدد الذاتي الذي يتمثل بالتمسك بحبل الله، وإظهار المسلمين حسن التوكل على الله عز وجل.
الثاني: مجئ المدد نتيجة لطاعة المسلمين لله تعالى ولجوئهم اليه في جميع الحالات.
الثالث: يعتبر المدد فضلاً من عند الله يمن به على المسلمين، ورحمة مزجاة منه.
الرابع: يأتي المدد جزاء للمسلمين على امتثالهم لأمر الله بالإعتصام بحبله، ومن الآيات ان يأمر الله المسلمين بأمر فيه نفعهم، ثم يأتي الجزاء الحسن عليه.
ويتجلى الإستقصاء بلفظ (جميعاً) وفيه توكيد بعدم استثناء فرد من المسلمين من الأمر الإلهي في الآية، فيتغشى الأمر بالإعتصام بحبل الله جميع المسلمين في أجيالهم المختلفة، وهذا الأمر كنز مدخر لكل مسلم، وللمسلمين مجتمعين، وهو من التركة السماوية التي تثبت بالسنن والأخلاق الحميدة.
قانون “جميعا”
لقد جعل الله الإنسان يميل نحو الجماعة، وهذا الميل من وجوه:
الأول: طبع وسنخية الإنسان، وذكر ان أسمه مشتق من الإنس والإلفة بغيره.
الثاني: الحاجة الى الجماعة، والتعاون معها.
الثالث: الشعور بزيادة وتعدد النفع من الجماعة، فيرى الإنسان ان كسبه ونفعه أكثر مع الجماعة منه مع الإنفراد.
وجاءت الأوامر الإلهية للمسلمين بالإتحاد والوحدة بأبهى معانيها في هذه الآية اذ انها تدعو للإعتصام بالله عز وجل والإلتقاء العام في التمسك بحبل الله وعدم جواز قيام الفرد منهم بالشذوذ والخروج عن الجماعة، اذ انها أكدت على الإتحاد والتعاون في موضوع التمسك بحبل الله، وهذا الإتحاد عنوان إضافي للألفة والأخوة وإنضمام الفرد الى الجماعة، كما انه وسيلة لتهذيب النفس ووقايتها من الكدورات الظلمانية ومانع من الضعف الناتج عن التشتت.
ومن البديهيات التي يدركها الناس جميعاً ان الوحدة سبب ومادة للقوة، والشقاق والإنفراد المتعدد سبب للضعف ومقدمة للهوان، وعلة لإغراء الأعداء وتعديهم، وهل كان تفرق وتشتت ملل أهل الكفر جزء علة في انتصار الإسلام الجواب نعم، اذ ان التشتت ملازم للكفر والضلالة،أما الإسلام فيلازمه الإتحاد والتعاون والقوة، وجاءت هذه الآية لتوكيد هذه الملازمة واستدامتها وبيان موضوعها وهو الإعتصام بحبل الله، ومن الآيات ان إتحاد المسلمين لم يكن عقلياً تجريبياً ونتيجة لأحوالهم وما واجههوه في الأيام الأولى للبعثة وفي الأزمنة التالية لها، بل هو نتيجة لأمر إلهي بالإتحاد والإجتماع في مصاديق الطاعة لله تعالى، فلا تصل النوبة الى حكم العقل والتجربة والمناجاة بالإجتماع والتعاون، بل يجب ان يمتثل المسلمون الى الأمر الوارد في هذه الآية.
ومع الإمتثال تتجلى المنافع من الإتحاد والوحدة للفرد والجماعة، فيزداد تمسك المسلمين بالوحدة، ويحرصون على إجتناب أسباب الفرقة والتشتت، كما يجعلون موضوع الوحدة غاية في أفعالهم.
لقد أراد الله عز وجل العز والقوة للمسلمين، ومن وجوه القوة والعز الإجتماع والإتحاد في القول والفعل، وجاءت هذه الآية دعوة للوحدة في كل مضامين الحياة من وجوه:
الأول: ورود الإعتصام بحبل الله من باب المثال في باب الإتحاد والإشتراك، وهو عنوان للإجتماع في أمور الدين والدنيا.
الثاني: الإعتصام بحبل الله عنوان للإتحاد ومصداق له، فالإعتصام العام هو اتحاد في كل شيء باعتبار ان القرآن هو حبل الله، وهو جامع للأحكام الشرعية.
الثالث: الآية تأديب للمسلمين، وحث على العمل المتحد في ميادين الحياة المختلفة.
الرابع: متى ما إعتاد المسلمون الإعتصام بالله عز وجل على نحو الإجتماع فان ملكة الإتحاد والإتفاق في الفعل تترسخ عندهم سواء في الوجود الذهني او الوجود الخارجي.
الخامس: تبين الآية ان الإتفاق والإتحاد يكون على إعتبارالملة والإنتماء للإسلام، مما يدل في مفهومه على أمور:
الأول: ترك العصبية القبلية.
الثاني: التنزه من الولاء للأحزاب والجماعات مما يتعارض مع أحكام الإسلام والإخلاص في العبادة، وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: عدم الإنحياز للمذاهب بما يفرق بين المسلمين.
الرابع: ترك العناية بالشؤون الشخصية الإهتمام بأمور المسلمين وفي الحديث “من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم”( ).
الخامس: اجتناب البدعة في الدين ومقدمات الفرقة بين المسلمين.
السادس: الإجتهاد في درء الإختلاف والتشتت بين المسلمين.
السابع: بذل الوسع في نشر مفاهيم الأخوة والمودة بين المسلمين، والسعي في إصلاح ذات البين بينهم، وطرد أسباب النفرة من نفوسهم.
السادس: إتخاذ الإتحاد سلاحاً لإبطال الشبهات، وطرد الريب والشك من النفوس.
السابع: الإجتماع والإتحاد حاجة في أداء العبادات، وتثبيت سنن الإسلام في الأرض، وتتجلى منافعه بآيات منها صلاة الجماعة، وأداء الحج ضمن مناسك متحدة في زمان مخصوص ليكون مثالاً ودرساً في إتحاد المسلمين في أفعالهم ومواجهتهم لأعدائهم.
الثامن: الوحدة في طاعة الله وسيلة للتخلص من الشيطان والوسوسة وغلبة النفس الشهوية والغضبية، ومانع من الغرور والإستكبار، ويتضمن لفظ (جميعاً) في قوله تعالى [وَاعْتَصِمُو بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا] امراً إضافياً للمسلمين، وهو أن يكون تمسكهم واعتصامهم بحبل الله على نحو العموم المجموعي، والإتحاد في القول والفعل، وهو من مصاديق التقوى التي أمر الله تعالى بها، واعطاء لفظ (جميعاً) صفة الأمر المستقل عنوان للعناية به والحرص على الوحدة بين المسلمين ولزوم إتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبارها من افضل مصاديق الوحدة الإسلامية.
قانون وجوب الإعتصام
الواجب هو كل فعل او ترك تعلق به البعث الأكيد، وينقسم الواجب بلحاظ زمانه الى قسمين:
الأول: واجب مؤقت، وهو الذي يؤتى به في زمان مخصوص، كأداء الصلاة والصيام والحج، باعتبارها فرائض لها وقتها المعلوم، و ينقسم الى قسمين:
الأول: الواجب الموسع، وهو الذي يكون أداؤه في وقت مخصوص، ولكن الوقت أعم من ألأداء مما يعني جواز الإتيان به في الآنات المتعددة ضمن الوقت المعين كوقت صلاة الصبح فانه يستمر من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، ولكن أداءها لا يستغرق الا عدة دقائق.
الثاني: الواجب المضيق، وهو الذي يكون بقدر الوقت المخصص لأدائه من غير زيادة او نقيصة، كالصوم في نهار شهر رمضان فانه محصور بين طلوع الفجر الى مغيب الشمس، وكالوقوف في عرفة من ظهر يوم التاسع من ذي الحجة الى غروبه.
الثاني: الواجب غير المؤقت وهو الذي لا تكون في أدائه موضوعية للزمان، فليس له زمان مخصوص.
كما ينقسم الواجب بلحاظ العموم والخصوص الى قسمين:
الأول: الواجب العيني: وهو الذي ينحل به الخطاب التكليفي بعدد المخاطبين، ويكون شاملاً لجميع المكلفين، ولا تصح نيابة بعضهم عن بعض، طوعا او كرها، ومن الوجوب العيني إقامة الصلاة، فكل مكلف مأمور بأدائها.
الثاني: الواجب الكفائي: وهو المطلوب بصرف الطبيعة ومسمى الوجود، فيكفي اتيان شخص واحد له ليسقط عن الباقين، ومنه رد السلام، فالرد واجب، ولكن يكفي رد شخص من الجماعة، وكغسل الميت فالخطاب فيه عام ولكن يجزي قيام فرد واحد به.
كما يقسم الواجب من جهة الإطلاق والتقييد الى الواجب المطلق والمقيد، ومن جهة الإنجاز والتعليق الى قسمين:
الأول: الواجب المنجز، وهو الذي لا يتوقف الإتيان به على أمر آخر لم يتحقق حصوله، او لم ياتِ أوانه، ولم تجتمع أسبابه، ومنه الصيام عند رؤية هلال شهر رمضان.
الثاني: الواجب المعلق، وهو الواجب الذي يتوقف وجوبه على أمر غير مقدور من جهة الزمان او المكان او غيرهما، فالحج واجب ولكن لابد من أداء مناسكه في مكة المكرمة.
وجاء الإعتصام بحبل الله في الآية بصيغة الأمر الذي يحمل على الوجوب ولزوم عدم الترك، وفيه وجوه:
الأول: انه واجب مؤقت وغير مؤقت، اذ ان التقسيم الأصولي للواجب الى قسمين مؤقت وغير مؤقت كما تقدم أعلاه هو تقسيم استقرائي، كما يكون مضيقا وموسعا بحسب الحال والموضوع والحكم، فالإعتصام بالقرآن والسنة لا ينحصر بزمان دون آخر، وتتعدد مواضيعه ومعه يتعدد الحكم بحسب اللحاظ ومناسبة الحكم والموضوع.
والإعتصام واجب عيني على كل مكلف، ولا يسقط بإتيان بعض المكلفين، بل يشمل المسلمين كافة لذا ورد لفظ “جميعاً” في الآية للبعث الأكيد لكل المسلمين للإعتصام بالكتاب والسنة، وهو واجب مطلق غير مقيد بشرط، لذا جاء الأمر في الآية بالإعتصام بالله من غير قيد أو شرط يتوقف عليه، وهو واجب منجز ملازم للمسلم في أيام حياته كلها، وفي العبادات والمعاملات والأحكام.
ويبين هذا الإطلاق والشمول في الأمر بالإعتصام بالله ولزوم الإمتثال له موضوعيته في سنن الشريعة، وتعاهد الإسلام وحفظ القرآن، والتقيد بأداء العبادات. وفي عالم الحساب ونيل المراتب العالية في دار الكرامة وجنة النعيم.
بحث بلاغي
من وجوه الإطناب “التأكيد الصناعي”، وهو على أقسام منها:
الأول: التوكيد المعنوي، ويأتي بصيغ الجمع التي تكون كالسور الذي تقع داخله كل الأفراد مثل كل، اجمع، ومنه قوله تعالى [ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ]( )، ومن فوائده دفع توهم الحصر والتقييد والمجاز وعدم الشمول، وجاء التوكيد المعنوي هنا بقوله تعالى [جَمِيعًا] في دلالة على إرادة الإعتصام الحقيقي، وعدم خروج أفراد أو طوائف من المسلمين من هذا الأمر ووجوب الإمتثال له، كما انه جاء بصيغ عديدة في الآية وهي:
الأول: واو الجماعة في [وَإعتصموا].
الثاني: واو الجماعة في [وَلاَ تَفَرَّقُوا].
الثالث: النهي عن الفرقة مطلقاً.
الرابع: الواو في [وَاذْكُرُوا] لإفادة الجمع ولزوم إشتراك المسلمين جميعاً بذكر نعمة الله، وان تباينت كيفية الذكر.
الخامس: صبغة الأخوة الشاملة للمسلمين، فلم يخرج منها واحد منهم لا بالتخصص ولا بالتخصيص.
السادس: العموم في تعرض الناس للوقوع في النار قبل الإسلام.
السابع: إطلاق الإنقاذ من النار الشامل للمسلمين جميعاً، والذي يدل بالدلالة التضمنية على البشارة بالجنة وإنحلالها لتستغرق كل مسلم ومسلمة الموجود منهم والمعدوم، وجاء الإنقاذ بصيغة الماضي وهو شاهد على موضوعية البعثة النبوية في نجاة كل مسلم من النار، وإتباع المسلمين للسنة النبوية الشريفة.
الثامن: شمول بيان الآيات للمسلمين جميعاً بقوله تعالى [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ] والإخبار الإلهي بان كل بيان لآية او آيات إعجازية شامل لكل المسلمين، فلا ينحصر موضوع الشمول بهذه الآية فقط بل يتعلق بكل الآيات بدليل قوله تعالى [كَذَلِكَ].
التاسع: رجاء الهداية لكل المسلمين، وعدم تخلف بعضهم.
الثاني: الحال المؤكدة التي تمنع من توهم الأمور الجزئية والمجاز، ويتجلى التوكيد في قوله تعالى [جَمِيعًا] ومن الآيات ان يأتي لفظ [بِحَبْلِ اللَّهِ]في الآية متحداً وليس متعدداًً مع كثرة أمم المسلمين وتعدد أمصارهم وإختلاف أزمنتهم، فليس من حبل لله الا واحدا وإن تعددت مصاديق، وعلى كل المسلمين رجالاً ونساءً أن يعتصموا به، وهذا الإتحاد عون على إجتناب الفرقة والخلاف.
قانون الدعاء إعتصام
جاءت الآية بالإعتصام بحبل الله، بما يفيد الإطلاق من غير تعيين لمصاديق الإعتصام، مما يدل على العموم وشمول الميادين العقائدية والإجتماعية والأخلاقية ومختلف أمور الحياة الدنيا، ويشمل الإعتصام بالله الإلتجاء اليه والإستغاثة والإستجارة والإستعاذة به والتوكل عليه، والمواظبة على ذكره تعالى في السراء والضراء والدعاء في قضاء الحوائج، وكلها من مصاديق الإعتصام بحبل الله، وكأنه أي الإعتصام بحبل الله وسيلة وواسطة وموضوع ومصداق للإعتصام بالله تعالى.
وجاءت الآيات القرآنية بالندب اليه والترغيب فيه، وقد يكون الدعاء عبادة والدعاء سلاح الأنبياء، والمسلمون ورثة الأنبياء لذا فانهم يقومون بالمواظبة على الدعاء ويحرصون على التقيد بآدابه وأحكامه، ومن آداب الدعاء المدحة ثم الثناء على الله تعالى، ولا بأس بأن يكون إعلان الإعتصام بالله وسؤاله من عند الله من مصاديق الدعاء، فمع ان الله عز وجل أمر المسلمين بالإعتصام بحبله، فانهم يتوجهون اليه تعالى لإعانتهم على الإعتصام بحبله ، وفي رجاء الإعتصام بالله مسألتان:
الأولى: هل يستلزم هذا الدعاء الدور وان الله يأمر المسلمين بشيء فيسألونه ذات الشيء الجواب انه ليس من الدور بل لجوء الى الله وإقرار بربوبيته وان مقاليد الأمور بيده سبحانه، فيأتي الدعاء للتوفيق للإمتثال بأسباب اللطف والرحمة والحصانة من المعصية.
الثانية: هل يسبب الدعاء تعطيل او تأخير الإمتثال لأحكام الآية الجواب لا، لأن الدعاء يأتي في عرض الإعتصام ومصاحباً له لذا فانه يشمل سؤال إستدامة الإعتصام بالله.
فمن خصائص وراثة الأرض الدعاء والإلحاح به، فكأن المسلمين يضجون الى الله ويقولون إلهنا أمرتنا بالإعتصام فإهدنا اليه، ومن أسمائه تعالى المجيب، وهو الذي يرزق من يشاء بغير حساب، فالدعاء سلاح للإمتثال وعون على الأداء الحسن، وواقية من الصدود والمعصية والإمتناع عن الطاعة.
وفي الدعاء أخبار عن حقيقة هي ان العبد يدرك ضعفه وعجزه ونقصه وإحتياجه الى واجب الوجود، وانه يخشى الفتنة والإفتتان فيريد أن يقضي أيامه بعز الإيمان وسلامة الإختيار وحسن السمت بالتوكل على الله في الشدة والرخاء ولا ينحصر سؤال الإعتصام بالمرة الواحدة بل يستحب سؤاله مرات متعددة والإلحاح فيه، والدعاء نفسه إعتصام بالله، فيكون سبباً للهداية والتوفيق، وحرزاً من الفرقة والضلالة.
ويأتي الدعاء رجاء الإعتصام بالقرآن وسننه على نحو القضية الشخصية والنوعية، فيجوز ان تأتي الجماعة المتعددة بالدعاء بالعصمة بالله، كما يشمل القوم المتحاربين والمتخاصمين من المسلمين، فكل فريق يسأل الله عز وجل الإعتصام به، ومن مصاديق الإعتصام نبذ الإنقسام والطائفية وإجتناب الإقتتال بين الأخوة.
والدعاء وسؤال الإعتصام بحبل وسيلة لتحقيق موضوعه خارجا، ولو على نحو الموجبة الجزئية ليسهل على المسلم تحقيق الإعتصام التام على نحو الموجبة الكلية والدعاء عبادة وفيه أجر وثواب، لذا فان سؤال الإعتصام بالله مناسبة للأجر والثواب، ووسيلة لتهذيب النفوس والفرار الى الله والغرق في أنوار الجلال والجمال، وسياحة في عالم الملكوت ويبعث الدعاء السكينة في النفس وينفي عنها الرياء والشك والريب.
قانون الإعتصام تفضيل
لقد خلق الله عز وجل آدم وحواء في الجنة، ثم أهبطهما الأرض فالأرض مع إتساعها وكثرت البراري والجبال والأنهار والبحار فيها ليس فيها من البشر سوى آدم وحواء، وتلك آية من آيات الخلق وهل تعتبر الارض ملكاً لآدم وحواء يومئذ الجواب لا، نعم لهم التصرف فيها على نحو الإباحة، والآية من مصاديق وعمومات قوله تعالى في الآية السابقة [لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ] فمع قلة او كثرة الناس فالارض ملك لله تعالى.
وما لبث الناس أن ازداد عددهم وكثرت شعوب الأرض بالنكاح والتناسل والناس متسالمون على هذه الحقيقة مع انه من الصعب التصديق بان هذه المليارات من البشر هم من أب وأم واحدة، وقد يقول قائل اذن لماذا هذه الحروب والخلافات والإقتتال.
فاذا كان الناس يلتقون بالأخوة النسبية، فالأصل هو إتحادهم وتقاربهم وشيوع الود بينهم، ولكنهم تفرقوا وإنقسموا مع ازدياد عددهم وتباعد أمصارهم وتعدد رغائبهم، وكثرة حاجاتهم قال تعالى [وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا]( ).
وقد بعث الله الأنبياء للناس جميعاً يدعونهم الى عبادة الله، ونبذ الفرقة والشقاق والخلاف ويحثونهم على الغلبة على النفس الشهوية والغضبية، ولكن الناس أصروا على إختيار الفرقة الا الأقل منهم ممن إختاروا إتباع الأنبياء، والإلتزام بأحكام الشريعة، فلم تكن الأخوة النسبية وحدها كافية لتعاهد الناس لمبادئ الود والتعاون والمحبة والتقيد بمبادئ وسنن التوحيد الى ان بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحق، وأمر المسلمين بالإعتصام بالقرآن والسنة، بقوله تعالى [وَإعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ].
أما القرآن فلأنه كتاب الله الذي تلاه بنفسه على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجامع لأحكام الحلال والحرام وكل ما يحتاجه الإنسان قال تعالى [تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ] ( )، ويحتمل الأمر الإلهي في الآية [وَإعتصموا] الوجوب وهو الأصل إلا مع القرينةالصارفة الى الإستحباب وهي معدومة في المقام، مما يدل على لزوم قيام المسلمين بالتمسك بأحكام القرآن وعدم التفريط بأي فرد منها ليكون هذا التمسك وسيلة الحفاظ على نعمة الأخوة بين المسلمين، وهي حجة على الناس جميعاً، ودعوة لهم للإيمان لأنها أكبر وأعظم وأحسن أخوة يشهدها التأريخ فكما سيأتي بعد سبع آيات قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ…] وأما السنة النبوية فلانها بيان للقرآن، ونوع من الوحي، وجاء القرآن بلزوم الاخذ بها قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
فمن مصاديق أفضلية المسلمين على غيرهم من الأمم هو قوله تعالى [وَإعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ] فان قلت ان الله عز وجل هو الذي أصلح المسلمين لهذه المرتبة ولم ينالوها بجهودهم الخاصة، الجواب نعم، فليس من نعمة عند المسلمين أو عند غيرهم الا من عند الله ولكنهم تلقوا الأوامر الإلهية بالقبول والرضا، وأحسنوا الإمتثال لها.
لقد أراد الله عز وجل للناس بالإسلام الرجوع الى الأصل وكونهم أمة واحدة متآخية، ليستحقوا التفضيل على الأمم بالأخوة الإيمانية والإعتصام بالله عز وجل والنسبة بينهما التساوي والتداخل وكل واحدة منها مقدمة للأخرى وتثبيت لها وفرع منها، لكي لا يتحسر الناس على الأخوة وعلى النعمة التي كان عليها الناس وكونهم أمة واحدة، فالأمة ذاتها موجودة وتتقوم بالإيمان بالله، والتمسك بكتاب الله والتقيد بأحكامه وسننه فمن خصائص النعمة الإلهية أنها لا تغادر الأرض، فالله أكرم من أن يرفع نعمة أنعم بها على الناس، ونعمة الأمة الواحدة موجودة متصلة بالإسلام دائمة بإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع زيادة من فضل الله على الناس وان هذه الأمة هي خير الأمم، ويكون الإنتماء لها طريقاً نحو الخلود في دار الكرامة والنعيم.
قانون الإعتصام والعولمة
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بان سخر له ما في الأرض جميعاً، وجعل الله الدنيا دار إمتحان وإختبار فرزقه العقل وبعث له الأنبياء وأمره بالصلاح والإصلاح مع بيان منافعها وثوابها، وحثه على إجتناب الظلم، وأطلعه على قبحه الذاتي والعرضي، وأخبره من علم الغيب بسوء عاقبة الظلم والتعدي.
وتفضل الله وبيّن آيات القرآن بتلاوة إلهية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعلها بين يدي المسلمين معصومة من التبديل والتحريف والتغيير لتكون ميثاق عمل سماوي في الأرض، ومصدراً متصلاً للخير والبركة والثواب.
ومن الآيات في الآية الإلهية مجيؤها علاجاً وحكماً حاضراً ووقاية، فتأتي لإصلاح الحال، وهجران الذنوب والمعاصي، وتهذيب النفوس وتنقيح المجتمعات، وبياناً لأحكام الحلال والحرام، وما ينفع الناس في دينهم ودنياهم.
وكل آية من آيات القرآن مدرسة في الموعظة ووقاية من الذنوب والضلالة والتعدي، وواقية من لهيب النار، وسلاح لمواجهة المسائل الإبتلائية المستديمة والمستحدثة، ومن الأخيرة نظام العولمة الذي أطل على الناس بسرعة تتناسب مع الإرتقاء الصناعي والتقني وما صاحبه من التقارب بين البلدان وتداخل الحضارات، وإنكشاف المفاهيم واليسر في الإطلاع على العقائد والأفكار والعادات والتقاليد، ولحاظها بحسب حكم العقل والشرع والمصالح والمفاسد.
وللعولمة آثار عديدة في الميادين العقائدية والإجتماعية والإقتصادية والأخلاقية، وتاتي آية “وإعتصموا” لتكون سلاحاً سماوياً لدخول هذا العالم الجديد وحرزاً من المقاصد الخبيثة التي تنتج عنه بالذات او بالعرض، ووثيقة سماوية يدخل بها المسلمون العولمة لتكون النتيجة على وجوه:
الأول: التصدي للآثار العرضية للعولمة، والشبهات التي يطرحها أهل الشك والريب عبر وسائل الإعلام التي أصبحت تدخل كل بيت.
الثاني: تعاهد الفرائض والعبادات والتقيد بأحكام الكتاب والسنة.
الثالث: إستحضار مضامين آية “وإعتصموا” والإمتثال لما فيها من الأوامر الإلهية، وإظهار الشكر العملي على نعمة الأخوة.
الرابع: إجتناب الفرقة والخلاف بين المسلمين، والإحتراز من لغة الفرق والطوائف والمذاهب وإتساعها،وجعلها عنواناً مستقلاً في الإنتماء، لأن الأصل هو الإنتماء للإسلام، وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بالقرآن فيصاحبهم في منع الفرقة أو إتساعها.
الخامس: الإنتفاع من العولمة وما فيها من الوسائل لنشر مبادئ الإسلام، والمفاهيم العقائدية والأخلاقية للشريعة الإسلامية.
السادس: جذب الناس للإسلام.
السابع: إظهار معاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين لتكون وسيلة للهداية والرشاد من وجوه:
الأول: زجر أعداء الدين عن الإساءة للإسلام.
الثاني: بعث الخوف والفزع في قلوب الكفار، فقد تدفعهم حاجات السوق وثروات بلاد المسلمين الى الهم بالتعدي عليها، فتكون الأخوة الإيمانية برزخاً دون حصول التعدي واقعاً.
الثالث: تجلي مضامين القوة والعز والرفعة بما يجعل المسلمين متحدين في مواجهة الكوارث الطبيعية، والإبتلاء النوعي الطارئ ومن الإعجاز في آيات القرآن مناسبة الوقائع والشواهد التأريخية لمضامينها، وتجدد الحاجة اليها مع طرو الحوادث فتبدو في زمن العولمة ضرورة عدم الفرقة بين المسلمين، وما في الإنقسام والتشتت من أسباب الضعف والوهن وتبدد الثروات فيدرك الناس في كل زمان طراوة مفاهيم الآية القرآنية، وكأنها نازلة في زمانهم ويبذل المؤمنون وسعهم في التقيد بأحكامها وجذب عموم المسلمين للعمل بها وتلمس بركاتها، لتكون وسيلة لتثبيت الإيمان في النفوس، ومرآة للكمال والصلاح، وحجة على الناس.

قانون الإعتصام صبر
الصبر مرتبة من مراتب الصلاح، وشاهد على ارتقاء النفس في سلم الكمالات، وهو حاجة للإنسان لمواجهة الإبتلاء والفتن والمحن، والإحتراز من الهوى وغلبة الطمع والشح والغضب ونحوه من الأخلاق المذمومة، وسمي الصوم صبراً لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب، ويصاحب الصبر الإيمان ويكون واقية له، وسلاحاً من أسلحته في نيل المراتب العالية والفوز بالثواب العظيم، والنجاة من العقاب الأليم، ومع ان الآية لم تذكر الصبر على نحو التعيين، الا ان الإعتصام بحبل الله وعدم الفرقة يستلزمان الصبر، لأن الإعتصام بحبل الله أمر مركب من وجوه:
الأول: السعي والقصد للتمسك بالقرآن والسنة.
الثاني: التفقه في الدين ومعرفة أحكام الحلال والحرام.
الثالث: أداء المسلمين للفرائض والعبادات، وهي من أهم وسائل التمسك بالقرآن والسنة وتثبيت أواصر الأخوة الإيمانية بين المسلمين، فكل فريضة من فرائض الإسلام مناسبة ووسيلة للإعتصام بالله والإمتثال لأحكام هذه الآية من وجوه:
الأول: التمسك بالقرآن والسنة وتقدير الآية: وإعتصموا بحبل الله بأداء الصلاة والزكاة والحج والصيام والخمس.
الثاني: أداء الفرائض سلاح ضد الفرقة، ووسيلة عبادية وأخلاقية ونفسية لإجتناب التشتت والإنقسام وتقدير الآية: ولا تفرقوا بالتفريط بأداء الفرائض، وتدل في مفهومها على أن أداء الفرائض ووسيلة للإتحاد.
الثالث: جاء في هذه الآية قوله تعالى [فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ] ومن مصاديق الإئتلاف أداء الفرائض فأداء الصلاة جماعة وفرادى والتقيد بأوقاتها من أسباب الألفة والوئام.
وأداء الصيام موضوع للإتحاد في الصبر وتحمل الجوع والعطش في مرضاة الله.
وحب الإمتثال للأمر الإلهي وأداء فريضة الحج في وقت مخصوص، ومجيء المسلمين من جميع أقطار الأرض الى البيت الحرام وأداء المناسك على نحو متحد ومشترك طاعة لله تعالى، ومن أهم مصاديق الإلفة أداء الزكاة، وقيام الغني بإعانة الفقير، ونشر مفاهيم الأخوة الإيمانية بينهم، وهو سبب لطرد أسباب الفرقة والتشتت، ووسيلة لدرء الخصومة ودفع الفتنة والمنع من حدوثها أو حدتها وإستمرارها.
الرابع: أداء الفرائض واقية من النار، وتقدير الآية: وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها بأداء الفرائض ومن خصائص العبادات ان المسلمين جميعاً يؤدونها بكيفية متحدة لتكون شاهداً على الإعتصام بالقرآن والسنة والصبر في جنب الله، وهو مصداق للقيد الوارد في الأمر بالإعتصام بحبل الله بان يقوم المسلمون جميعاً به.
الرابع: لقد أختتمت الآية الكريمة ببيان الآيات بقوله تعالى [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ] ومن الآيات الإعتصام بحبل الله، والتمسك بالقرآن والسنة أمر يستلزم الصبر المتصل في العبادات والمعاملات والتقيد بالأحكام.
الخامس: من مصاديق الإعتصام بالله والصبر معاً الجهاج في سبيل الله، فهو أرقى مفاهيم الصبر وأعلى درجات التحمل طاعة لله تعالى وإستجابة لأوامره سبحانه على نحو العموم الإستغراقي الشامل لهم جميعاً والصبر تركة كريمة يتركها جيل من أجيال المسلمين الى الجيل اللاحق لتكون عوناً على التقيد بأحكام هذه الآية، ومن الآيات ان اقتطاف ثمرات الصبر يكون عاجلاً وآجلاً وفي الدنيا والآخرة.

قوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا]
بعد الأمر بالإعتصام بحبل الله، وأن يكون هذا الإعتصام شاملاً مستوعباً للجميع في ذاته، وفي القصد والعزم العام للمسلمين جاء هذا الشطر من الآية الذي يتضمن الزجر والنهي عن الإختلاف والفرقة وتأخذ الآية معنيين أحدهما في طول الآخر وهما:
الأول: المعنى الذاتي المستقل باجتناب الفرقة بالإعتصام بحبل الله ولزوم الإتحاد في التمسك به، وعدم مغادرة الفرد لأحكام الشريعة والجماعة، فقد يحرص الإنسان على أداء الفرائض ولكنه لا يلتفت الى لزوم البقاء مع الجماعة، فجاءت هذه الآية لتبين موضوعيته وأضرار الإبتعاد عنها.
وفي الآية تأديب وإصلاح للذات والأمة، وبرزخ دون الإختلاف والإجتهاد في مقابل النص، والمنع من الإختلاف يدل بالأولوية على ضرورة إجتناب الخصومة بين المسلمين، وتنهى الآية عن الفرقة الإختيارية التي تأتي عن قصد وإرادة مما يدل على عدم حصول الإختلاف القهري بين المسلمين وفق أحكام الشريعة، لأن التمسك بحبل الله عنوان للوحدة، وبرزخ دون الإختلاف والتشتت.
وجاءت الآيات السابقة بالنهي عن طاعة اهل الكتاب لأن إطاعتهم تؤدي الى الضلالة والكفر، اما هذه الآية فجاءت بتحذير المسلمين من اختيار الفرقة والتشتت، ومن وجوه الفرقة اختيار طاعة اهل العناد والجحود، وإتباع أهل الكتاب فيما يقولونه بخصوص الأحكام الشرعية، فهذه الآية مطلقة في شمولها لمواضيع وأسباب الفرقة والإختلاف.
وتبين الآية الدرجة الرفيعة من الإتحاد التي وصل اليها المسلمون، ويدل النهي عن الفرقة على حال الوحدة وعدم وجود الإنقسام والفرقة بين المسلمين.
وفي الآية ثناء على الله عز وجل من وجوه:
الأول: تكامل الشريعة الإسلامية، وخلوها من أسباب الإختلاف والتنازع، فلا يمكن ان ينهى الله عز وجل عن الفرقة، مع وجود أسبابها أي ان سبحانه يتفضل بدفع مقدمات واسباب الفرقة والخلاف.
الثاني: انتفاء مقدمات الفرقة والإختلاف عند المسلمين.
الثالث: اللطف الإلهي بجعل المسلمين أمة واحدة، ثم نهيهم عن الإختلاف والفرقة.
وفي الآية مدح للمسلمين من وجوه:
الأول: توجه الخطاب الإلهي اليهم مباشرة بالتنزيل، وتلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، وقيامه بتبليغه المسلمين لا يمنع من صيغة المباشرة التي تستقرأ من قوله تعالى [ولاتفرقوا].
الثاني: اهلية المسلمين لتعاهد الوحدة والاتحاد.
الثالث: يدل النهي عن الفرقة على اجتناب المسلمين لمقدماتها، وهل تشمل مضامين الآية اصلاح ذات البين بين المسلمين، الجواب نعم باعتبار انه مانع من الفرقة، واستدامتها اذ ان النهي عن الفرقة مطلقاً يشمل إجتناب أمور ثلاثة:
الاول: مقدمات الفرقة والتشتت، التي تبدأ بخلاف بسيط ثم يتضاعف، او بخروج جماعة قليلة ثم تزداد وتجد لها اسباباً للخلاف، فجاءت الآية للزجر عن هذه المقدمات.
الثاني: ابتداء الفرقة، والمناجاة بوقوعها، وذهاب كل جماعة او طائفة بما عندهم، فجاءت الآية للتوكيد على لزوم الالتفات الى موضوعية الوحدة بين المسلمين.
الثالث: استدامة الفرقة والخلاف، وهي على اقسام:
الاول: بقاء حال الفرقة كماً وكيفاً على حالها من غير زيادة او نقيصة.
الثاني: ازدياد حال الفرقة والخلاف، والسعي في تثبيته وكأنه جزء من واقع المسلمين.
الثالث: طرو النقص على اسباب الفرقة مع قلة العناية بموضوعها.
ويشمل التحذير في الآية الكريمة الوجوه الثلاثة اعلاه، فهو ينهى عن اصل حدوث الفرقة كما انه يمنع من التمادي فيها عند حصولها، ويحث على التدارك والرجوع الى القرآن والسنة ليس فقط للاحتكام اليها بل للعمل المستمر بمعانيها القدسية، وتحتمل الفرقة في موضوعها وجوها:
الاول: الفرقة في العبادات كالصلاة ومناسك الحج، وحصول الانقسام في صلاة الجماعة، وامتناع جماعة من المسلمين من الصلاة بامامة من لايتفق معهم في بعض تفاصيل احكام الصلاة.
الثاني: الاختلاف في المسائل الكلامية بما يؤدي الى الفرقة والنفرة بين المسلمين.
اما الاجتهاد وتعدد الاقوال في مسألة غير ابتلائية من غير فرقة واختلاف فهو ليس من الفرقة، كما في الاختلاف بين جماعة من المتكلمين هل الجنة والنار مخلوقتان ام لا.إلا أن يكون سبباً في ضعف الصلات وأثراً ضاراً في وحدة المسلمين، وانشغالاً عن المسائل الابتلائية العامة.
الثالث: انقسام المسلمين الى مذاهب وشيع وطوائف، وهو اشد ما يواجه المسلمين.
الرابع: الفرقة والخلاف، والفتوى بما يبتنى على الاختلاف بالولاء، والتعدد في جهة القرار والفتوى بما يؤدي الى الصراع المذهبي، وكأن هذا الولاء جزء من الملة، مع حرص الفرد والجماعة على عدم مغادرته الى غيره، والظن بانحصار الصواب فيه، وان غيره من المذاهب الاسلامية على خطأ، قال تعالى في ذم بعض الأمم السابقة [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] ( ).
الخامس: الانقسام الى دول متناصرة، تقاتل بعضها بعضاً وقد تستعين بعضها بالكفار على المسلمين.
السادس: ظهور البدعة في الدين والميل اليها.
السابع: الاعراض عن اجماع المسلمين الذي هو فرع القرآن والسنة النبوية الشريفة.
الثامن: حصول الفرقة لاسباب دنيوية وهو على وجوه:
الاول: التعصب للقبيلة والقرية على حساب الملة والدين.
الثاني: الحمية للبلدة والملة، والنظر للامور من خلالها.
الثالث: اعطاء الأولوية في القرار والفعل الى الانتماء للدولة والبلد، والإعراض عما فيه مصلحة الاسلام والمسلمين.
الرابع: الفرقة والاختلاف في التجارات والمكاسب والزراعات بما يؤثر على وحدة المسلمين، كما لو أدى التنافس وحصول الاختلاف في البيع والربح والخسارة الى النفرة في النفوس والخصومة.
الخامس:طرو اسباب شخصية وخصومات فردية، وترتب اثار عرضية لها في باب الملة والدين.
التاسع: العمل بالعرف والعادات، وتقديمها على الأحكام الشرعية في المواضيع الاجتماعية والسياسية.
العاشر : غلبة النفس الشهوية والغضبية، وحب الرياسة والأمرة، والخروج بعدد قليل من الأمور الجامعة.
الحادي عشر: استئثار الملوك والحكام وذويهم بالاموال والجاه والشأن وقيامهم بمنع الحقوق.
الثاني عشر: الحكم بغير ما انزل الله، فيكون سبباً للفرقة وبعث اليأس والقنوط في النفوس.
الثالث عشر: الميل عن الحق واحكام الحلال والحرام في الشريعة الإسلامية.
الرابع عشر: التصدي للمذاهب والفرق الاخرى للمسلمين بالتجريح والتشويه وإنشغال الذات والأخوان بالنقض والإبرام، والطعن أو رده.
وجاءت الآية جامعة مانعة، جامعة للتحذير من جميع وجوه الفرقة، ومانعة من حصولها في كافة الميادين.
وعن ابي ثعلبة الخشني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلا، قال عمرو : كان الناس إذا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا، تفرقوا في الشعاب والاودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن تفرقكم في هذه الشعاب والاودية إنما ذلكم من الشيطان ” فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال : لو بسط عليهم ثوب لعمهم( ).

قانون عدم الفرقة
تضمن القرآن احكام الحلال والحرام وقواعد صلاح المسلمين، واسباب الهداية الى سواء السبيل، وفيه ما يحتاجه الانسان في دنياه وأخرته، وما يغنيه عن اللجوء الى كتاب غيره، وجاء بالدعوة الى الاتحاد ونبذ الفرقة، لعلم الله تعالى بان الفرقة سبب لضعف الدعوة الى الإسلام وانقسام المسلمين، وحصول التباين والاختلاف بينهم، وهذا الاختلاف مقدمة للضعف ودبيب الوهن الى صفوف المسلمين، لذا فان الاتحاد عنوان للعز، وموضوع لمواجهة التحديات التي تواجه المسلمين.
وتعتبر مضامين هذا القانون حاجة للمسلمين في كل زمان ومكان وتتجلى فيه الأولوية للجانب العقائدي، اذ ان أي اختلاف في قواعد الأحكام الشرعية وحصول انقسامات بين المسلمين سبب للوهن والضعف وهذا لايعني سكوت اصحاب الحق عن التمسك به والدعوة اليه، ومن الآيات عدم وجود اللبس في الأحكام الشرعية وهي خالية من اسباب الفرقة والشقاق، لوجود الآيات المحكمات وعدم طرو التحريف على القرآن، ولتغشي خزائن آياته والسنة النبوية الوقائع والاحداث.
والى جانب العقائد يشمل النهي عن الفرقة الاحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتجارات، فلابد ان تكون موضوعية واعتبار للأخوة الايمانية في كافة ميادين الحياة، بما يجعل مضامين وسنن الاسلام هي السائدة، ومتى ما كانت الاخوة الايمانية هي المقدمة في الصلات بين المسلمين فان روح التعاون والمحبة تظهر بينهم لتكون سبباً لتثبيت معالم الاسلام، وباعثاً للخوف والفزع في قلوب اعدائه، وفيه واقية للاخوة في الجانب العقائدي، فمتى ماساد الصفاء صلات المسلمين الاجتماعية والتجارية فانهم يحرصون على اجتناب الشقاق والخلاف في امور العقيدة والمبادئ العامة للإسلام، وقانون عدم الفرقة ليس جزء من قصد الوحدة والاتحاد، فحسب، بل هو عمل بقصد ونية من وجوه:
الاول: العزم على ارادة عدم الفرقة، واجتناب مواطن الخلاف والخروج عن الجماعة.
الثاني: الحرص على تعاهد الإخوة الإسلامية.
الثالث: المواظبة على أداء الفرائض وتعظيم شعائر الله.
الرابع: الحرص على وحدة المسلمين، والتصدي لمحاولات اثارة الفرقة بينهم.
الخامس: تدارك أسباب الخلاف والمنع من زيادتها وإستدامتها.
السادس: النهي عن الخلاف، وزجر الذين يقومون بايجاد مقدمات الفتنة بين المسلمين.
وهذه الوجوه من عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلابد من منع ما يضر المسلمين في وحدتهم، ويحول دون إستمرار معاني القوة التي تتفرع عن الاتحاد والتعاون والإخوة الإيمانية ولابد من رقابة ذاتية على الذات تمنع من الاشتراك في حصول الفرقة، وتجعل المسلم يحرص على أمرين:
الاول: بقاؤه مع الجماعة، وعدم الخروج عنها.
الثاني: التصدي لمحاولات الفرقة والشقاق، وكل واحد منهما يستلزم الإرتقاء في ميادين المعرفة الإلهية، وإدراك حقيقة ثابتة وهي ان وحدة المسلمين قوة لهم، والفرقة ضعف للاسلام وللأمة والافراد من المسلمين،لذا جاءت هذه الآية بوجوب اجتناب الفرقة والاحتراز منها.
ومن الآيات الإعجازية ان النهي عن الفرقة مطلق من غير تقييد بجانب او باب دون آخر للتداخل بين امور الحياة الدنيا وتعلقها بعالم الآخرة، ولان الوحدة حاجة في كافة الميادين وهي من اسباب القوة والمنعة.
علم المناسبة
الشريعة الاسلامية هي الملة والعقيدة الثابتة في الأرض الى يوم القيامة، وهي الناسخة للملل السماوية السابقة، ومن وجوه النسخ ان جاءت الآيات القرآنية بالتحذير من التفرق والتشتت الذي حصل للأمم السابقة، قال تعالى [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ]( )، وفيه لوم مركب من وجهين:
الاول: حصول التفرق والانقسام.
الثاني: وقوعه بعد مجئ الآيات الباهرات التي تدل على وجوب عبادة الصانع واتباع سنن النبوة وأحكام الشريعة، كما جاءت الآيات بوجوب التقيد بأحكام الاسلام، وعدم إطاعة اهل الكتاب، او اتباع الأهواء قال تعالى [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ]( )، واكدت الآيات القرآنية على لزوم اجتناب الاختلاف في احكام الاسلام على نحو الخصوص قال تعالى[أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ]( )، لبيان حقيقة ثابتة وهي خلو أحكام الإسلام من أسباب الأختلاف وتعدد المذاهب.
وكما تحذر الآيات من الفرقة فانها تنهى عن التفريق بين المسلمين، والتفريق بينهم اشد واكثر اذى من اختيار الفرقة، قال تعالى [وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ]( )، وتفيد الآية في مفهومها النهي والتنبيه والتحذير من وجوه:
الاول: نهي المسلمين كافة عن الفرقة والاختلاف.
الثاني: تحذيرهم من اهل النفاق ومحاولاتهم التفريق بين المسلمين.
الثالث: التنبيه عن احتمال اتخاذ المنافقين المسجد سبباً للتفريق بين المسلمين، فبعد أن حذرت الآيات السابقة من طاعة اهل الكتاب، تشير هذه الآية الى احتمال مجئ اسباب الفرقة ممن انتمى للإسلام ولكنه يخفي الحسد والعداء للمسلمين.
الرابع: انذار المنافقين وتخويفهم من بث روح الفرقة بين المسلمين، وزجرهم عن اتخاذ المنبر وسيلة للاختلاف واثارة مقدمات الفتنة.
الخامس: تحذير أهل الكتاب وغيرهم من السعي في فرقة واختلاف المسلمين، ومن آيات التكامل في الشريعة الإسلامية انها لم تكتف بالتحذير من الفرقة والاختلاف، بل تجمع أحكامها المسلمين تحت لواء التوحيد.
وكل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن إمامان للمسلمين في مختلف الأزمنة والامكنة لذا جاء قبل آيتين التوكيد على انتفاء الكفر عن المسلمين لوجود القرآن بآياته وأحكامه،والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته بين ظهرانيهم، كما انها تمنع من الإختلاف بخصوص نبوة الأنبياء السابقين.
وجاء الأمر الإلهي في القرآن بوجوب الإيمان بالأنبياء على نحو العموم الاستغراقي، وعدم التفريق بينهم، وفي التنزيل [لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ]( )، ليكون عدم الفرقة سجية ثابتة عند المسلمين، وتظهر بركاتها في المواضيع المختلفة، كما جاءت الآيات بالنفرة من اهل الملل الذين تفرقوا وتعددت مشاربهم ومذاهبهم، لان هذا التعدد خلاف الاصل وهو اتحاد سنخية واحكام الشريعة قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ]( ).
ولا ينحصر الإعتصام بالقرآن والسنة بالعموم الإستغراقي، بل يأتي على نحو العموم المجموعي، بان يتمسك المسلمون في المواضيع والأحكام التي فيها تثبيت دعائم الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد، ليكون التفرق منتفياً عنهم بالذات والعرض، فالوحدة والأخوة مطلوبان بالذات، وكذا في الموضوعات والغايات والأهداف المشتركة المرتكزة على مبادئ الشريعة.
وجاء القرآن بالنهي عن الخصومة والنزاع قال تعالى [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] وبين التفرق والنزاع عموم وخصوص مطلق، فكل نزاع هو تفرق وليس العكس، والتفرق يؤدي الى النزاع، فجاء الأمر بالتمسك بحبل الله لمنع الأدنى من الأذى والفتنة وهو التفرق، فيكون القرآن وأحكام الشريعة برزخاً دون النزاع وما يترتب عليه من ضعف دولة الاسلام، وحاجباً دون وهن المسلمين، فهذه الآية من الآيات الوقائية التي تجعل المسلمين يحافظون على قوتهم ويمنعون العدو من الإقتراب من ثغور بلدانهم.
وهل يشمل النهي عن الفرقة تعدد الآراء والأقوال في الوقائع والحوادث وكيفية ونوع الفعل وصيغ الحل للمسائل الإبتلائية، الجواب لا، فهذا ليس من الفرقة والتشتت، بل هو انتفاع من العقل الجماعي ومشاورة ونوع طريق لإختيار الفعل الأحسن والأنسب، كما انه لايعني غلق باب الإجتهاد، لان الإختلاف في استنباط الحكم والدليل والحجة ليس فرقة وشقاقاً، بل هو مبحث علمي محض، الغاية منه الرجوع السليم الى أحكام الشريعة.
واصل لاتفرقوا:لاتتفرقوا،فحذفت احدى التائيين،لثقل اجتماع المثلين، ومن مفاهيم النهي في الآية اتحاد طريق الهدى، وسبيل الإعتصام بالله.
واستدل بهذه الآية على نفي القياس بإعتبار ان الآية شاهد على وجود أدلة قطعية لاتصل معها النوبة الى القياس، ولو كانت الأدلة ظنية لحصل الإختلاف والإجتهاد وهو منهي عنه بهذه الآية، وقال الرازي: ولقائل ان يقول: الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله (ولا تفرقوا) ولعموم قوله (ولا تنازعوا) ( ).
ولكن لا دليل على التخصيص، والاصل العموم والإطلاق في النهي عن الافتراق والنزاع لقبحه الذاتي والعرضي.
ولو حصل قياس في مسألة، فالآية تمنع من الفرقة والتشتت بسببه او جعله باباً للفرقة والنزاع والخصومة، وهناك تباين بين القياس في حال حصوله، وبين النزاع والخصومة، واذا ادت الاقوال المتباينة بسبب القياس الى النزاع فانها تدخل ضمن عمومات الآية وما فيها من النهي، وفي الآية اشارة كريمة الى تضمن القرآن والسنة للأحكام الشرعية، وانتفاء أي سبب للخلاف بين المسلمين، وهو من إعجاز القرآن.
قانون الأمة المتحدة
جاءت الآية بالدعوة الصريحة لعدم التفرق وفيها مسائل:
الاولى: تدل الآية في مفهومها على لزوم الإتحاد، وهذا الاتحاد واجب لان النهي عن الفرقة يدل على الأمر بضدها وهو الإتحاد، ولورود مقدمة الآية بالأمر بالاعتصام بالله.
الثانية: القبح الذاتي للتفرق والإختلاف والإنقسام والتشتت.
الثالثة: حاجة المسلمين للإتحاد والوحدة.
الرابعة: من مصاديق الاتحاد التكامل بين المسلمين، كما ان الفرقة تؤدي الى ازدياد الحاجة وظهور النقص عند المسلمين وصعوبة التدارك.
الخامسة: تقترن بالاتحاد الاخلاق الحميدة مثل الإيثار والشجاعة وحب الخير لاخوة الايمان وتنعكس اثارها الايجابية على النفوس والمجتمعات لما فيها من مضامين الود والتهذيب ومعاني الايمان واسباب الصلاح، فالزجر عن الفرقة والاختلاف لاينحصر بموضوعه بل يشمل دفع الآثار والاضرار المترتبة على الفرقة، وجلب المنافع من الاتحاد والأخوة.
ومجئ الآية بصيغة الجمع تحذير اضافي من الفرقة، ومنع من اشتراك المسلمين جميعاً بالإختلاف وتعدد المذاهب، فلابد من وجود أمة تتسامى عن المذهبية والفرقة والإختلاف، أمة تنظر الى المسلمين جميعاً أنهم أخوة لها وأخوة فيما بينهم كي تبقى أسوة وقدوة للمسلمين جميعاً، وداعية الى الله، وممتثلة لمضامين هذه الآية وما فيها من الأمر بالإعتصام بالله واجتناب الفرقة والإختلاف، وقيد الإعتصام أعلاه لتوكيد شرط في ماهية الإتحاد وهو أن يكون مرتكزاً ومبنياً على التقيد بأحكام القرآن والسنة وعدم الخروج عن قواعد الحلال والحرام في الإسلام.
وهل وجود هذه الأمة في كل زمان أمر ممكن أم انه متعذر؟ الجواب هو الأول وهو الذي يدل عليه منطوق هذه الآية اذ انها تدعو اليه، ومع الدعوة القرآنية يأتي المدد والعون الإلهي لبقاء ونماء هذه الأمة وأسباب المنع من ضعفها مقابل التفرق وأعداء الإسلام.
ومن الآيات العقائدية أنها تكون واقية لعموم فرق ومذاهب المسلمين وحرزاً لها ومانعاً من التشتت وزيادة الإنقسام والإنشطار، بمعنى أن وجود أمة متحدة يكون مرآة للأخوة الإسلامية، ومنهجاً ولواء للموحدين، وحجة على أهل الإختلاف والفرقة، وشاهداً على عدم الحاجة الى التعدد في المذاهب الكلامية والفقهية.
وتتجلي معاني هذا الإتحاد في أفعال المسلمين كافة كالصلاة والصوم والحج لذا جاءت الآية التالية [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] لبيان حقيقة وهي عدم غياب هذه الأمة عن أي حقبة من الزمان او جيل من الناس بل هي موجودة في كل زمان تبين للناس الوجه المشرق للإسلام، وفيها إخبار عن صدق امتثال المسلمين للأوامر الإلهية، ومن الآيات في مضامين الإتحاد بين المسلمين التداخل والترابط بين الأجيال المتعاقبة من المسلمين، فاللاحق يرجع الى ما قاله السابق ويعتبر ويتعظ منه، ويدرك ضرورة الصلة معه، كما انه يعمل بوراثة مبادئ الإسلام لمن يأتي من بعده من الأجيال اللاحقة.
وقوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] فيه وجهان:
الأول: النهي عن الإفتراق والإنقسام الذاتي بأن يكون المسلمون فرقاً وطوائف.
الثاني : التفرق والإختلاف في موضوع مخصوص ومنه:
الأول: ولا تتفرقوا عن دين الله الذي أمركم فيه بلزوم الجماعة، والإئتلاف على الطاعة واثبتوا عليه، عن ابن مسعود وقتادة( ).
الثاني: لا تتفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قاله الحسن البصري.
الثالث: التفرق عن القرآن بترك العمل به، نسبه الطبرسي الى القيل.
الرابع: الإختلاف والشقاق بتعدد المذاهب الفقهية ذات الشأن المستقل.
الخامس: عدم أداء العبادات جماعة مع توكيد الأمر بها جماعة، وترك الجماعة يحتمل امرين:
الاول: الحاجة والضرورة والانشغال اوان الجماعة.
الثاني: اعتبار الولاء والانتماء المذهبي، وتعدد وجوه الاجتهاد.
والثاني هو المنهي عنه لامور:
الاول: انه منهج خاطئ.
الثاني: بطلان المبنى الذي يرتكز عليه.
الثالث: ما له من أثار سلبية واضرار على الفرد والجماعة والأمة.
السادس: حصول الخلافات والنزاعات القبلية، وحدوث النفرة بسببها بين المسلمين، والأصل هو تقديم الأخوة الإيمانية التي تلزم المسلمين بالمحبة والمودة فيما بينهم.
السابع: وقوع النزاع والصراع بين الدول الإسلامية، وما يؤدي الى الفرقة والشقاق بينها.
فصحيح ان الآية نزلت في زمان إتحاد الدولة الإسلامية بإمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإستمرت عليه سنوات كثيرة بعد إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى الا ان مضامينها أعم وتشمل هذا الزمان وإنشطار المسلمين الى دول متعددة، كل دولة لها كيان خاص مستقل.
الثامن: تقديم الولاء للعشيرة والقرية والمحلة والبلدة.
التاسع: تعدد جهات الجهاد، وكثرة المسؤوليات الجهادية، والتوجه الى الثغور بما يضعف قوة دولة المسلمين في المركز والداخل.
العاشر: إصرار كل جماعة وفرقة من المسلمين على الرجوع لجهة مخصوصة والإصرار والعناد في نبذ ما يقوله غيرها.
بحث بلاغي
ابتدأت الآية بالأمر الصريح الى المسلمين جميعاً للتمسك بحبل الله، واللجوء الى القرآن والسنة والصدور عنهما في الأمور كلها سواء العبادات او المعاملات او الأحكام، وأكدت على إستغراق الحكم للمسلمين جميعاً من غير إستثناء ليكون هذا الإستغراق وسيلة لطرد الخلاف ونبذ الفرقة والتشتت وإمارات الضعف، وبعد الأمر جاء النهي والزجر عن الفرقة، وهو يدخل ضمناً مع الأمر بالإعتصام العام بحبل الله، فلماذا جاء معه النهي عن الفرقة، فيه وجوه:
الأول: توكيد الإعتصام بحبل الله، وإصلاح المسلمين له، إذ انه مع الفرقة لا يتحقق التمسك بحبل الله.
الثاني: بيان أضرار الفرقة والإختلاف.
الثالث: الآية شاهد على ان القرآن تبيان لكل شيء وأنه مدرسة تأديبية للمسلمين، وخطاباته تتوجه لهم جميعاً على مختلف درجاتهم وتعدد مشاربهم، فلولا النهي عن الفرقة لقال بعضهم بإمكان تحقيق الإعتصام بالله مع الإختلاف والفرقة، ويستدل عليه بتعاهد الصلاة والصيام والحج، فجاءت الآية لتبين موضوعية نبذ الفرقة والإختلاف.
وقدمت الآية الأمر بالإعتصام بحبل الله على النهي عن الإختلاف والفرقة وفيه وجوه:
الأول: لقاعدة تقديم الأهم على المهم، وان الإعتصام بحبل الله هو الأهم بالنسبة للمسلمين.
الثاني: التخفيف عن المسلمين فان التمسك بمبادئ الإسلام حرز من الفرقة، ووسيلة للتخلص منها.
الثالث: لزوم التمسك التام بحبل الله، ومنع الإجتهاد المؤدي الى الفرقة والإختلاف.
الرابع: توكيد حقيقة وقاعدة كلية وهي ان التمسك بحبل الله يؤدي الى الوئام والوفاق والأخوة.
الخامس: انه من ذكر الخاص بعد العام، فبعد ذكر الإعتصام بحبل الله، جاء النهي عن الفرقة الذي يدل في مفهومه على الأمر بالإتحاد والأخوة.
السادس: الآية عون للمسلمين للنصر والغلبة على الأعداء، وبعث الفزع في نفوسهم من التعدي على الإسلام والمسلمين، فمتى ما كان المسلمون متحدين ومتمسكين بالقرآن فان الأعداء يتجنبون الإساءة اليهم او التعدي على حرماتهم وثغورهم.
بحث بلاغي آخر
من وجوه البديع “الطرد والعكس” وهو ان يؤتى بكلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني، ويقرر الثاني مفهوم الأول، وجاءت هذه الآية بأبهى مصاديق هذا الوجه من البديع والإطناب، اذ ان التمسك بحبل الله يؤدي الى عدم الفرقة ويمنع من التشتت وإستقلال كل فريق وطائفة منهم على جهة، كما ان عدم الفرقة يؤدي الى الإجتماع في التمسك بحبل الله، والإلتقاء في مرضاة الله، ومنطوق الأمر بالإعتصام بحبل الله يدل في مفهومه على النهي عن الإختلاف، وكذا منطوق قوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] و يدل مفهوم ما فيه من الزجر على الوحدة وتعاهد الأخوة والإعتصام بالقرآن والسنة.
ويؤدي الطرد والعكس في الآية الى تثبيت دعائم الدين، ونجاة المسلمين من الفتن وأسباب الضعف والوهن، وفوزهم بدار النعيم، ومن الآيات ان منافع وأسرار الطرد والعكس لا تنحصر بالجانب البلاغي بل تشمل الأمور النفسية والعقائدية، فيساهم مفهوم كل من طرفي الإعتصام وعدم الفرقة في تثبيت منطوق الآخر ويثبت أقدام المسلمين في مسالك التقوى والصلاح، ويبين لهم منافع لزوم التقيد بكلا المنطوقين، اذ ان الطرد والعكس وتعلقهما بمنطوق طرف ومفهوم الطرف الآخر، لا يمنع من الإلتقاء والتداخل والتأثير المتبادل بين المنطوقين فان الأمر بالإعتصام بالله يدل في منطوقه على الزجر عن الفرقة مثلما يدل عليه في مفهومه، وكذا العكس.
وتفيد الزيادة في هذه المعاني تعدد البيان، ووضوح المقاصد، وإقامة الحجة، وبلوغ الأوامر الى جميع المسلمين والمسلمات في الأزمنة المتعاقبة، وزوال الفوارق والمراتب في درجة فهم مضامين الآية بمعنى ان جميع المسلمين يعلمون ما فيها من المقاصد السامية، ويدركون وجوب العمل بمضامينها القدسية، ويحرصون على التقيد بها.
فلا غرابة ان تجد الآية راسخة في الوجود الذهني لعموم المسلمين، ويحرصون على ترديدها في صلاتهم ومدارسهم ومنتدياتهم، وتكون حاضرة عند حصول الفتنة والإختلاف، وهذا الحضور برزخ دون إستمرار الفتنة وباب للصلح والوئام، ودعوة للمسلمين للمشاركة في درء الفتنة والخصومة ومنع الإقتتال.

قوله تعالى [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ]
خطاب عام يشمل المسلمين من وجوه:
الأول: مجيء صيغة إفعل الى كل مسلم بلزوم ذكر نعمة الله عليه،فهو خطاب متعدد بعدد المسلمين الموجود والمعدوم منهم.
الثاني: توجه الخطاب الإلهي الى المسلمين جميعاً في أزمنتهم المتعاقبة، وهو على وجوه:
الأول: لزوم شكر كل جيل من المسلمين على نعمة الإتحاد في زمانهم.
الثاني: الشكر النوعي العام على إتحاد المسلمين في الأزمنة السابقة.
الثالث: الشكر على وراثة الملة والعقيدة من الأجيال السابقة خالصة من آثار الفرقة والشقاق.
الرابع: الإعانة والمدد الإلهي في تحقيق الوحدة بين المسلمين.
الخامس: الإقرار بفضل الله على المسلمين في التخلص من الفرقة، والتنزه من الحمية الجاهلية، والعصبية القبلية.
الرابع: إرادة الصحابة والأوس والخزرج خاصة في الآية وان الإسلام أنهى حروباً بينهم إستمرت نحو مائة وعشرين سنة وهي مدة طويلة، تعاقبت فيها اجيال متعددة، وانتهاؤها دفعة واحدة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية اعجازية، وشاهد على الاثار الغيبية والظاهرة للإسلام على القلوب والجوانح، ومصداق لهذه الآية بان الله ألًف بين قلوب المسلمين.
قال قيس بن الخطيم يصف حربا وقعت بين الأوس والخزرج، في يوم بعاث، وأن مقدم بني عوف وأميرهم لج في المحاربة، ونهى بني عوف عن السلم، حتى كان أول قتيل:
ويوم بعاث أسلمتنا سيوفنا إلى نشب
في حزم غسان، ثاقب
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم
عن السلم، حتى كان أول واجب
أي أول ميت( ).
الخامس: المقصود من الخطاب هو كل جماعة من المسلمين يجمعها مصر واحد، او مهنة مخصوصة، أو إنتماءات قبلية متعددة، اذ كانت الغارات والتعدي والظلم هي السائدة بينهم فجاء الإسلام لتكون الأخوة الإيمانية هي التي تحكم الصلة بينهم، مع تفويض الأمر الى الله والصدور عن القرآن والسنة.
لقد بينت الآية موضوعية الفضل الإلهي في صلاح حال المسلمين وكيف ان الله عز وجل ينزل نعمته عليهم، وهذه النعمة متعددة في الجهات التي تتوجه اليها، وفي موضوعاتها ومضامينها القدسية لأن الله عز وجل إذا أعطى يعطي بالأوفى والأتم، وأضاف الله عز وجل النعمة الى نفسه بقوله تعالى (بنعمته) وفيه وجوه:
الأول: النعمة فضل من عند الله عز وجل.
الثاني: تتضمن الآية الثناء على الله تعالى لأنه ينعم على المسلمين.
الثالث: إختصاص المسلمين بالنعمة، وهو عنوان تفضيل لهم على الملل الأخرى، وجاءت الآية بصيغة الأمر (اذكروا) ويحمل على الوجوب أي لابد من ذكر هذه النعمة، ولماذا هذا الوجوب فيه وجوه:
الأول: ذكر النعمة شكر لله تعالى، وشكره تعالى واجب.
الثاني: ذكر النعمة سبب للصلاح والإصلاح.
الثالث: في ذكر النعمة تهذيب للنفوس.
الرابع: ذكر نعمة الأخوة الإيمانية تعاهد لها، وبرزخ دون العودة الى العداوة والتناحر.
الخامس: بيان حاجة المسلمين لنعمة الله، وعدم إمكان الإستغناء عنها.
السادس: ذكر نعمة الله زجر عن الغرور والرياء ونسبة الوفاق والصلاح الى الذات.
السابع: انه باب للدعاء والتوسل الى الله، ورجاء رفده، فمتى ما أدرك المسلمون ان حسن حالهم نعمة منه تعالى فانهم يطمعون بالمزيد ويتوجهون اليه سبحانه لسؤال النعم الإضافية، فكأن تقدير الآية: أنعمت عليكم بالأخوة فإسألوا المزيد من النعم.
وجاءت الآية بالجار والمجرور (عليكم) الذي يفيد الدلالة على مجيء النعمة للمسلمين خاصة، ويحتمل أمرين:
الأول: انحصار النعمة بالمسلمين.
الثاني: حصول ذات النعمة لغيرهم باعتبار ان اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره.
والصحيح هو الأول بقرينة موضوع الآية وهو الأخوة والإتحاد بين المسلمين، وإجتناب أسباب الفرقة والشقاق، وفي هذا الحصر مسائل:
الأولى: بيان فضل الله على المسلمين على نحو الخصوص.
الثانية: تأهيل المسلمين لخلافة الأرض، فمن شرائط خلفاء الأرض أن لايكونوا متفرقين، بل تجمعهم عناوين الخلافة والأخوة.
الثالثة: زجر الناس عن بث روح الفرقة بين المسلمين، أوالعمل على بث أسباب الإختلاف والنزاع بينهم في الملك والحكم، او الفقه او التجارات والمكاسب وغيرها.
الرابعة: البشارة والغبطة للمسلمين، بانتفاء الفرقة والصراع بينهم، فلا يجتمع مع النعمة ما هو ضدها، لتعذر اجتماع الضدين، ولان الخير والصلاح يطرد الشر والفساد سواء من النفوس او المجتمعات.
الخامسة: تضمنت الآية حرف الجر (على) الذي يفيد الإستعلاء، وان النعمة نازلة من عند الله، ولها شأن وموضوعية وإعتبار، ولا يمكن ردها او عدم قبولها.
السادسة: جاءت الآية بصيغة الجمع التي تفيد الإنحلال والتعدد، ونفي الخلاف والفرقة بين المسلمين كأفراد وجماعات وقبائل، وفيها إعجاز لما يستقرأ من صيغة الإطلاق التي تدل عليها لغة الجمع.
ترى ما هي مصاديق وأفراد النعمة التي أصبح معها المسلمون إخواناً فيه وجوه:
الأول: أنه الإسلام، فبالإسلام أنتفت العداوة بينهم وزالت الضغائن.
الثاني: أداء العبادات والفرائض، لأن الأداء الجماعي لها مناسبة لإلتقاء وإجتماع المسلمين بفعل عبادي واحد يجعلهم يدركون أولويتها، ولزوم إجتناب ما هو ضدها ومنافِ لها.
الثالث: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته للإسلام، والتصديق بها سبب للأخوة وحصول المحبة مع كل مسلم سابق في إسلامه، او سيأتي لاحقاً، بمعنى وجود إستعداد نفسي لقبول أخوة من يلتحق بالإسلام، وان كانت في البين عداوة وشقاق.
الرابع: نزول فيض إلهي لبعث معاني المودة والمحبة بين المسلمين وإزاحة آثار النفس الشهوية والغضبية.
الخامس: إدراك المسلمين بالتجربة حاجتهم الى الأخوة والمحبة، وأن الفرقة ثغرة ينفذ منها العدو.
السادس: ظهور منافع الأخوة والمحبة في الحياة اليومية، وتجلي معاني القوة والعز بالإتحاد، وهو مناسبة لأخذ الحائطة وتهيئة العدة لمواجهة الأعداء.
السابع: تهذيب النفوس ونزع الأحقاد وإنتفاء قواعد الثأر والعصبية القبلية.
الثامن: يدل النهي عن التفرق على مجيء الأحكام الشرعية بما يفيد اليقين والقطع، وليس الظن والترجيح، فالنهي عن التفرق يؤكد إنتفاء علة الإختلاف والتشتت، وفيه آية إضافية ودعوة للتدبر في السنن والقواعد الشرعية وإجتناب الإجتهاد في مقابل النص.
التاسع: نعمة إطفاء الفتنة بين الأوس والخزرج بالأخوة الإيمانية، ومن الآيات الإعجازية للإسلام في ميدان السلوك وعلم الإجتماع ان بركاته وأثاره لا تنحصر بالقضاء على الفتنة، بل بإزالة أسبابها وموضوعها إلى يوم القيامة وهذا أمر لا يقدر عليه الا الله تعالى وهو نعمة عظيمة على المسلمين في دنياهم وآخرتهم، لذا جاءت هذه الآية لتوثيقها، والمراد بالضمير في (عليكم) جميع المسلمين الموجود منهم والمعدوم.
فالخلاف وان كان في أيام الجاهلية وبين الأوس والخزرج وهما أكبر فريقين من الأنصار الا ان منافع إزالة أسباب الفتنة تشمل المسلمين جميعاً لأنها مقدمة لقوة الإسلام وإنتصاره على أعدائه، وهو شاهد على الحاجة الى الإتحاد ووجوب الإعتصام بالله والتمسك بالتنزيل والنبوة، ودليل على منافع عدم الفرقة والتشتت، وتحذير من العصبية القبلية.
وتبين الآية حالتين مرّ بهما المسلمون إحداهما سابقة للأخرى وهما:
الأولى: العداوة والبغضاء.
الثانية: الأخوة والود والمحبة، وتقدم الأولى زماناً يحتمل وجوهاً:
الأول: انها قبل الإسلام، أي ان العداوة أمر حاصل قبل ان تأتي الدعوة الإسلامية، ودخول الصحابة في الإسلام.
الثاني: حصول العداوة في زمن الإسلام والبعثة النبوية.
الثالث: إستمرار العداوة في أيام الجاهلية وجاء الإسلام ليقضي عليها، ولو أسلم الناس جميعاً لما بقيت عداوة وبغضاء بينهم خصوصاً مع لحاظ إثارة أعداء الإسلام للفتنة بين المسلمين، وإنعدامها مع زوال أسبابها، فان قلت ان أسباب نزول الآية وقوع الفتنة بين الأوس والخزرج، وحصول مقدمات الإقتتال بينهم.
فالجواب من وجوه:
الأول: لم تحصل الفتنة بين الأوس والخزرج، والهم بالفعل غير الفعل.
الثاني: يعتبر تدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم من مصاديق نعمة الله عز وجل في درء الفتنة وإنهاء الإختلاف والفرقة بين المسلمين.
الثالث: التدخل النبوي المبارك تفسير وشاهد على قوله تعالى قبل آيتين [وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ] ( ).
الرابع: دلالة الآية على حصول نعمة الأخاء في الزمن الماضي لعمومات قوله تعالى [َاذْكُرُوا]والذي يفيد معاني متعددة منها:
الأول: استحضار الشيء من الحافظة، وجعله حاضراً في الذاكرة.
الثاني: ذكر تفاصيل الموضوع، والدروس المستنبطة منه.
الثالث: ذكر الله عز وجل والثناء عليه، والتسبيح بحمده.
الرابع: يأتي الذكر بعنوان الإحسان كما في قوله تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ] ( )، فذكر الناس لله هو عبادته وتسبيحه، وذكره تعالى للعباد نزول رحمته وفضله ولطفه.
قانون نعمة الله
لقد تفضل الله وخلق الإنسان ونفخ فيه من روحه، وهما نعمتان عظيمتان ملازمتان لكل إنسان في نهاره وليله، ولا يستطيع إنكارهما أحد، ومن الآيات انه ليس للإنسان الإستغناء عنهما، ولم يصبح كائناَ حياً الا بهما، ولا تنحصر نعم الله على الإنسان، بل أنها متصلة في ذاتها وما يستحدث منها، ومنها نعمة الكتاب والنبوة والإسلام، وكل واحدة منها نعمة على الناس جميعاً، وان كان المنتفع منها الموحدين بقيامهم بالإمتثال والعمل بأحكامها.
لقد جاءت الآية بذكر النعمة بصيغة المفرد، وهو نعمة إضافية لأن ذكر النعمة بصيغة المفرد مع عظمتها وتعددها فضل إلهي، وبيان لسعة رحمته تعالى، وانه يهب الكثير المتعدد ويحسبه على العبد كالمتحد لأن النعم تترى عليه، وليتوجه الى الله بالدعاء والمسألة في نزول النعم المستحدثة، وجاء لفظ النعمة كاسم جنس تنطوي تحته مفاهيم متعددة من النعم الإلهية من وجوه:
الأول: استدامة ذات النعمة.
الثاني: تعدد أفرادها بلحاظ أفراد الزمان الطولية.
الثالث: كثرة النعم الإلهية بعدد الناس.
الرابع: المنافع الذاتية والعرضية للنعمة الإلهية على المتلقي.
الخامس: ما يترشح من فوائد النعمة على غير المتلقي بصلة القربى او الجوار او المهنة.
السادس: انتفاع المناوئ والعدو من النعمة باعتبار انها حجة عليه وفيها عبرة وموعظة، فالنعمة على المسلم دعوة للكافر لدخول الإسلام وشاهد على صدق نزول القرآن، وسلامة إختيار المسلم.
وتصاحب نعم الله عز وجل الإنسان من حين اول الحمل وتلازمه من الولادة والى حين الوفاة، والنعم على أقسام:
الأول: النعم في الحياة الدنيا، وهي على شعبتين:
الأولى: النعم العامة التي ينال منها كل انسان وتتعلق بالخلق واستدامة الحياة والرزق والعافية في البدن وغيرها.
الثانية: النعم الخاصة بالمسلمين.
الثاني: النعم في عالم البرزخ وتختلف عن نعم الدنيا في الملزوم، فهي لا تلازم الإنسان مطلقاً، بل تلازم المسلم من بعد دخوله القبر والى حين النشور.
الثالث: النعم يوم القيامة، وهي عنوان الرحمة الإلهية والجزاء الحسن للمؤمنين، اذ تنحصر النعم الإلهية الدائمة بهم.
وتتعلق مضامين هذه الآية بالشعبة الثانية من القسم الأول، وجاءت في خطاب للمسلمين وتذكير لهم بالآيات والنعم التي تفضل الله تعالى بها، لتبين منزلة المسلمين وتفضيلهم على أهل الملل الأخرى، ومن الآيات عدم حجب أي نعمة من نعم الله الدنيوية والأخروية عن أي انسان ابتداء واستدامة، بمعنى ان الإنسان يولد وكل النعم متوجهة له وبإمكانه ان ينهل منها، كما ان ارتكابه للذنوب والمعاصي لا يمنع من اغترافه من النعم والإنتفاع من مضامينها القدسية، الا ان الإنسان هو الذي يحجب نفسه عن النعم.
ولا يؤدي هذا الحجب الى ابتعاد النعم عنه، بل تبقى قريبة منه تدعوه بكرة وعشياً للنهل منها، وتأتي هذه الدعوة بصورة مباشرة او بالواسطة ومن الوسائط تجليها بأبهى صورة بالمسلم وإنتفاعه منها، فهذا التجلي دعوة للناس للتدبر في أسرار الخلق، والحرص على عدم التفريط بالنعم الإلهية، نعم على الانسان ان يجتنب الابتعاد عن النعم ويحرص على عدم نفرتها التي تصاحب الاعراض عنها.
قانون إقتران النعم بالإسلام
الإسلام نعمة عظيمة على أهل الأرض، لا تنحصر منافعها بالمسلمين بل هي شاملة للناس جميعاً من وجوه:
الأول: تجلي معاني التوحيد في الأرض.
الثاني: ما يترشح على الناس من عمل المسلمين بمبادئ الإسلام، وتقيدهم بأحكام الحلال والحرام.
الثالث: الدعوة المتصلة والمستمرة للناس جميعاً، لدخول الإسلام فليس هناك وقت مخصوص لقبول الإنتماء الى الإسلام، ولا شروط عامة أو خاصة له.
الرابع: صيغ الترغيب بدخول الإسلام بظهور النعم الإلهية على المسلمين في السكينة والطمأنينة لحسن العاقبة في الآخرة بالإضافة الى الفرح والرضا بالتوفيق لأداء الفرائض والعبادات، ويمتاز المسلم عن غيره بأن النعم التي تأتيه مركبة من قسمين:
الأول: النعم التي تأتي لكل إنسان بصفة الإنسانية كالصحة في البدن، والرزق في المعاش والكسب.
الثاني: النعم الخاصة بالمسلم، التي تصاحبه بصفة الإسلام، وتأتيه بعناوين الهداية والإيمان.
وهذه النعم نوع جزاء عاجل كما انها وسيلة مباركة لتثبيته وتقيده بمبادئ الإسلام، وترسيخ الإيمان في نفسه وجعله سجية وملكة دائمة، وهذه الملكة نعمة أخرى على المسلم.
فمن الآيات في النعمة الإلهية على المسلم انها انحلالية تنشطر الى عدة نعم، وتتفرع عنها نعم أخرى، فملكة الإيمان ورسوخه في النفس نعمة توليدية، وهي فرع نعمة أخرى ومقدمة لنعم إضافية متعددة، وتمتلك تلك النعم الأهلية للإنشطار والتعدد، لذا جاءت الآية بالحث على ذكر النعمة الإلهية، وهذا الذكر مادة ومناسبة كريمة لدوام النعم، فلابد من تعاهد النعم بالمواظبة على أداء الفرائض وحسن الإمتثال والطاعة لله.
ومن وجوه الطاعة الإعتصام بالقرآن والتقيد بما فيه من أحكام الحلال والحرام، والحرص على العمل بالسنة النبوية الشريفة، واجتناب الفرقة والخلاف، وذكر النعم الإلهية وسيلة لإستدامة العمل بمنطوق هذه الآية بطرفيه وهما الإعتصام بحبل الله، وإجتناب الفرقة والشقاق.
ومن أفراد الإرادة التكوينية الملازمة بين الإسلام ونعم مخصوصة لا تصل الا لمن أسلم وأقر بالتوحيد والنبوة، ومنافع تلك النعم تشمل الحياة الدنيا والآخرة، وهي رحمة إضافية بالمسلم، ومن هذه النعم:
الأولى: الهداية والرشاد.
الثانية: الإستقامة في القول والفعل.
الثالثة: الإعتصام بحبل الله والتمسك بمبادئ الحق والهدى.
الرابعة: السلامة في الدين.
الخامسة: السعي للإتحاد مع المسلمين الآخرين،ودوام الأخوة معهم جماعات وأفراداً.
السادسة: نجاة المسلم من الأمراض والآفات التي تصيب الناس، وكذا أنواع الزلازل والفيضانات، فترى أمة المسلمين في مأمن منها في اكثرية امصارهم.
السابعة: امتلاء النفس بالسكينة والطمأنينة.
الثامنة: تلقي البشارات والوعد الكريم بالمقام الكريم في الآخرة.
التاسعة: الشعور بالسعادة للتوفيق لأداء الفرائض ووجوه الطاعات فيتحمل المسلم عناء الجوع والعطش في رمضان، ومشاق السفر والإنفاق في الحج، ومع هذا يحس بالغبطة والسعادة والأمل في النشأتين لبلوغه مرتبة أداء العبادات، والإستجابة للأوامر الإلهية.
العاشرة: الرزق الحلال، وما فيه من التنزه عن الحرام، وهو مقدمة لسلامة البدن من الأدران.
الحادية عشرة: التركة الكريمة، بوراثة الذرية لمبادئ الإسلام.
الثانية عشرة: المدد الإلهي للثبات على الإسلام، والإحتراز من أسباب الإرتداد، ومن مصاديق الثبات بداية هذه الآية بوجوب التمسك بالقرآن وأحكام الشريعة، ومن وجوه الإحتراز هذا الشطر منها باجتناب التفرق والإختلاف.
ان اقتران النعم بالإسلام دعوة للإنتماء اليه، وترغيب بالعبادات وحث على التقيد بأحكامه، وإنذار من التعدي عليه، فكما ان القرآن آية عقلية تدعو الناس للإسلام، فكذا مجيء النعم مع الإسلام آية عقلية وحسية لتوكيد سلامة الإنتماء له، وهذه النعم على أقسام:
الأول: النعم التي تأتي للمسلم كشخص مستقل.
الثاني: ما يرد على المسلم كفرد من الأمة.
الثالث: النعم التي تأتي للمسلمين عامة كأمة وأهل ملة سماوية، وبالإضافة الى كون هذه النعم فضلاً من الله فانها أسباب لترسيخ الإيمان في الأرض وبرزخ دون التهاون او الفتور في أداء العبادات والمناسك فمن اللطف الإلهي ان تكون تلك النعم وسيلة لإقبال المسلم على الإمتثال والطاعة لأمر الله، وحثاً للناس على اجتناب التعدي على الإسلام، ودعوة لهم للفوز والظفر بالإنتماء اليه.
قانون ذكر النعمة
يتألف هذا القانون كما هو ظاهر من عنوانه من أطراف:
الأول: ذكر واستحضار النعمة، وهو ينقسم الى قسمين:
الأول: الذكر والإستحضار النوعي للنعمة الإلهية.
الثاني: نعمة الله عز وجل على المسلمين، وهي على قسمين:
الأول: النعم الخاصة بأفراد المسلمين.
الثاني: النعم العامة التي تتغشى المسلمين جميعاً، ويتفرع عن أقسام الطرفين عند جمعهما امران:
الأول: الذكر الشخصي للنعم العامة.
الثاني: الذكر النوعي العام للنعم الخاصة.
الثاني: ذات النعمة التي تفضل الله بها، وكيفية تتابع مصاديقها.
الثالث: فضل الله على المسلمين كأمة وجماعات وأفراد وذكرها على وجوه:
الأول: ماهية النعمة.
الثاني: لقد جعل الله عز وجل عند الإنسان نعمة الذاكرة وإستحضار ما طرأ عليها من الأمور، ولابد من توظيف هذه النعمة في مرضاة الله، ومن مصاديق هذا التوظيف ذكر النعم الإلهية على العبد على نحو العموم الإستغراقي والقضية الشخصية، ويأتي الذكر على وجهين:
الأول: انه مطلوب بذاته، فلابد من حصول الذكر وتحقيق الإمتثال لأمر الله تعالى بالذكر أي انه واجب نفسي تعلق الأمر به بقوله تعالى [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ].
الثاني: أنه واجب غيري، ومقدمة لغيره من القول أو الفعل العبادي الواجب او المستحب.
الثالث: تعتبر نعم الله على المسلمين دعوة للناس لدخول الإسلام، وفيه حجة على الناس عامة والملل الأخرى خاصة.
وهذا من الآيات في مضامين الأوامر الإلهية اذ ان بركتها ومنافعها لا تنحصر بموضوعها فحالما يمتثل العبد لها، ويستجيب لما فيها من الأحكام والسنن تفتح امامه آفاق متعددة، وينال مصالح دنيوية وأخروية مستقلة ومتلازمة ومتداخلة، فمن منافع استحضار النعمة وجوه:
الأول: ذكر الله تعالى، باعتبار ان كل مصداق من مصاديق النعمة هبة ورحمة من عند الله.
الثاني: معرفة فضل الله على المسلم، وتوالي إحسانه عليه وعلى المسلمين.
الثالث: الإلتفات الى الإفاضات الإلهية التي تلازم الإسلام.
الرابع: ذكر النعمة مناسبة لشكر الله تعالى والثناء عليه، وهذا الشكر نعمة أخرى، ووسيلة وتوسل بالله عزوجل رجاء نعم أخرى.
الخامس: ذكر النعمة حرز وسبيل لتثبيت النعم ودوامها، وطريق تعبدي لزيادتها، قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
وصحيح ان هذه الآية جاءت بذكر خصوص نعمة الأخوة والإتحاد الا انها أعم وتتضمن الدعوة السماوية لذكر النعم مطلقاً، ومتى ما أدرك الإنسان وجوب ذكر نعمة مخصوصة فانه يلتفت الى موضوع النعم ولزوم ذكرها مع ادراك حقيقة وهي العجز عن إحصاء النعم والإحاطة بها، قال تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ).
الا ان هذا العجز لا يمنع من ذكر النعم الظاهرة والتي يمكن إستحضارها، ومنها نعمة الإتحاد والأخوة الإيمانية، ومع تقادم السنين والأيام قد يغفل أكثر المسلمين عن نعمة الإتحاد والتخلص من الفرقة والتشتت، فجاءت هذه الآية لطرد هذه الغفلة ولتوكيد موضوعية الإتحاد والحاجة اليه، وانه نعمة من عند الله وليس نتيجة الحاجة،وان كانت الحاجة من بين أسباب نزول النعمة لمناسبة المقام ومن باب المثال والا فان مضامين هذا القانون أعم وتشمل ذكر النعم كلها وتدعو الإنسان لتذكر واستحضار النعم، والتبادر الذهني في معرفة موضوعية الفضل الإلهي فيما عنده.
ويفيد التعدد في أقسام ذكر النعمة التي تقدم في أول الموضوع التكرار والكثرة في استحضار مصاديقها، وتكرار الإلتفات اليها، وعدم نسيانها فيأتي الذكر الشخصي للنعم الشخصية والنوعية جزء للذكر النوعي العام من قبل المسلمين لنعم الله عليهم وعوناً على مواجهة المسائل الإبتلائية في الدنيا بمفاهيم إسلامية ووفق قواعد الشريعة شكراً لله تعالى وهو نعمة إضافية.

علم المناسبة
ورد لفظ (نعمة الله) سبع عشرة مرة في القرآن كما ورد مرات عديدة بلفظ (نعمة ربي)، و(نعمة ربك)، و(نعمتي) ونحوها من الضمائر الدالة على نسبة النعمة الى الله في مواطن الشكر له تعالى، او التذكير او التوبيخ على الجحود بالنعمة.
وورد لفظ ذكر النعمة بصيغة المفرد مرة واحدة في خطاب إلهي الى عيسى بقوله تعالى [اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ]( )، وجاء قوله تعالى [اذْكُرُوا نِعْمَتِي] ثلاث مرات في خطاب الى بني اسرائيل وجاء بصيغة الجمع [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ] ثمان مرات في خطاب للمسلمين، ولأهل الكتاب والناس جميعاً وفيه دليل على موضوعية النعمة في حياة الناس والصدور عنها، ولزوم عدم الجحود بها، خصوصاً وان ذكر النعمة مناسبة لذكر الله تعالى.
لقد أراد الله عز وجل للناس أن يذكروا نعمه عليهم، ويكون هذا الذكر ملازماً للوجود الإنساني في الأرض، فتحمل المسلمون مسؤولياته، وتعاهدوا ذكر النعم الإلهية لتحفظ لكل نعمة ماهيتها بين الناس باعتبارها فضلاً من عند الله.
فذكر النعمة إقرار بالربوبية، وتسليم بعظيم قدرة الله، ومقدمة عقلية للدعاء وطلب الحوائج من عند الله، وهو واقية من الشرك والضلالة، وفيه تأديب للمسلمين والناس، فمن يذكر نعمة الله، ويعلم ان ما عنده هو فضل من الله يجتهد في الإخلاص في العبودية لله تعالى، كما ان ذكر النعمة مناسبة لعدها ذهنياً وفي الواقع الخارجي، وعلى نحو الإنفراد والجماعة، وعلى اللسان وكتابة، فقوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( )، يتضمن في مفهومه بذل الوسع في تعداد النعم الإلهية الظاهرة والباطنة.
قانون مصاديق ذكر النعمة
جاءت آيات القرآن بالحث على ذكر نعمة الله على الإنسان والذي يدل في مفهومه على أمور:
الأول: التدبر في مضامين ومعاني النعمة الإلهية.
الثاني: عدم ترك استحضار النعمة.
الثالث: إتخاذ ذكر النعمة وسيلة لإستدامتها.
الرابع: الإقرار بالحاجة الى النعمة الإلهية.
الخامس: ذكر النعمة من مصاديق الشكر لله تعالى.
والأمر الإلهي بذكر نعم الله على الإنسان مطلقاً والمسلم خاصة توكيد لحقيقة وهي توالي النعم الإلهية على الناس، وحتى النعمة الواحدة فهي متعددة وإنحلالية، كما في آية الإتحاد والنجاة من الفرقة والتشتت التي ذكرتها هذه الآية الكريمة فانها متعددة من وجوه:
الأول: عدد أفراد المسلمين، وهذا الوجه ينقسم الى جهتين:
الأولى: سعي كل مسلم للإتحاد ودوام الصلة مع المسلمين، وهو على وجوه:
الأول: سعي المسلم للصلة والود مع المسلمين كافة.
الثاني: دوام سعيه لإستدامة الود والمحبة مع كل مسلم.
الثالث: بذل الوسع في التقيد بأحكام الجماعة وعدم الخروج عنها.
الثانية: حرص المسلم على إجتناب الفرقة وأسباب النفرة مع المسلمين.
وأفراد كل جهة من الجهتين كثيرة ولا يمكن احصاؤها لأنها بعدد المسلمين على نحو مضاعف بلحاظ سعي كل مسلم للوفاق والألفة مع غيره من المسلمين، وكذا اجتهاده في طرد أسباب الخلاف والفرقة.
الثاني: الإتحاد بين الكيانات والجماعات والقبائل والمجتمعات والشعوب الإسلامية كما في قوله تعالى [وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا]( ).
الثالث: استدامة الود والمحبة بين المسلمين، فمن خصائص النعمة الإلهية إستدامتها، وتحتاج هذه الإستدامة الى فضل ولطف من عند الله، اذ ان النعمة الإلهية تحتمل بلحاظ استدامتها وجوهاً:
الأول: توجه الأمر الإلهي بالنية إبتداء وإستدامة.
الثاني: تجدد الأمر الإلهي بالنعمة وهذا التجدد على وجوه:
الأول: يتجدد الأمر في كل حين.
الثاني: يتعلق التجدد بكل فرد من المسلمين بأن يكون عاملاً في وحدة المسلمين ومتجنباً لأسباب الفرقة والخلاف.
الثالث: يأتي الأمر الإلهي بنعمة الأخوة عند الإفتتان والإبتلاء وإحتمال حصول الفرقة، وهو برزخ دون وقوع الخلاف والشقاق.
الثالث: التعدد في كيفية الأمر الإلهي باستدامة النعمة، فمرة يأتي الأمر مطلقاً وشاملاً للإبتداء والإستدامة وأخرى متجدداً في كل مناسبة ومع بلوغ كل مسلم.
الرابع: الأمر المركب من وجهين بان يكون مطلقاً يشمل مع إتحاده الإبتداء والإستدامة، ومتجدداً في كل مرة يستحدث سبب لتوكيده.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق استدامة النعم على الناس عامة والمسلمين خاصة، وهي دعوة لذكرها وعدم الغفلة عنها، وللنعمة الإلهية على الفرد والجماعة والأمة مصاديق متعددة، والإستدامة فيها تشمل أموراً:
الثاني: مصاديق النعم الإلهية.
الثالث: ما يترشح عنها من النفع العام والخاص.
فمن الآيات في المقام أن مصاديق وأفراد النعم الإلهية باقية مستديمة، والله عز وجل هو الكريم واذا أنزل نعمة على أهل الأرض، فانه لا يرفعها، وبقاء النعم الإلهية حاجة للناس وعلة لدوام الحياة الدنيا فلا يمكن أن تبقى الحياة الإنسانية من غير إتصال النعم الإلهية ومنها النعم على النفوس وإصلاحها وتهذيبها، وجاءت هذه الآية لتذكر نعمة إلهية تتعلق بصلاح نفوس المسلمين، وتخلصها من الكدورات الظلمانية وأسباب النفرة.
ومع الإقرار بإستدامة مصاديق النعمة الإلهية فلابد من دراستها وإستقراء الدروس وإقتباس المسائل منها بما يساهم في إستحضارها وذكرها والتوجه إلى الله تعالى بالشكر على كل نعمة منها.
وتبين مصاديق النعم حاجة الإنسان وانه ممكن يلازمه النقص والحاجة، ولا يمكن تدارك نقصه وسد حاجته الا بالنعم الإلهية فهو محتاج لها إبتداء وإستدامة، ومن فضل الله على الإنسان ان نعمه تعالى ملازمة ومصاحبة له لا تنفك عنه في يقظته ونومه، وحضره وسفره، وغناه وفقره، ويأتي الإبتلاء ليكون مناسبة لتذكير الإنسان بالنعم الإلهية عندما يقًصر في الشكر عليها، وقد خفف الله عن المسلمين إذ جعل لهم أداء الفرائض موضوعاً للشكر لله تعالى وإقراراً بالحاجة اليه، فيصوم المسلم ليعرف أثر الجوع، ونعمة الأكل والشرب فيحتسبه الله تعالى شكراً عليها إن شاء، ويثيبه على الصيام الخلود في السعادة الأبدية.
قانون إستدامة النعمة
بينما جاء فعل الأمر [وَإعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ] بإرادة التمسك بحبل الله بصيغة الزمن الحاضر والمستقبل، جاء الأمر بذكر النعمة مركباً من أمرين الذكر الحاضر والموضوع الحاصل في الزمن الماضي بنزول نعمة الأخوة والإتحاد، ولكن هذه النعمة هي الأخرى حاضرة ومستديمة، فمن الآيات ان النعمة الإلهية متصلة وباقية على نحو الإستدامة لا تعرف التعليق والإنقطاع، والإستدامة هنا أمر لا يقدر عليه الا الله، فمن صفات الله تعالى انه يجعل النعمة مستديمة باقية، لا تغادر الأرض، نعم قد يحجب العبد عن نفسه النعمة ويأتي هذا الحجب من وجوه:
الأول: الكفر والجحود.
الثاني: الكفر بالنعمة وعدم شكر الله عليها.
الثالث: ارتكاب الذنوب والمعاصي.
الرابع: نسيان النعم.
الخامس: نسبتها للذات والإنسان مطلقاً كقول الشخص لولا فلان لهلكت، أو لولا السبب كذا لما جاءني الرزق الفلاني، ومن اللطف الإلهي ان حجب الإنسان للنعمة ليس مطلقاً سواء بخصوص نعمة معينة او مطلق النعم، بل يأتي على نحو السالبة الجزئية وبفرد من النعم، كما ان الحجب الجزئي ليس مستمراً او مستديماً، وعدم استدامة الحجب نعمة أخرى إضافية اذ ان فعل الإنسان لا يمنع او يضر في قانون إستدامة النعم، فيكون الحجب جزئياً ومؤقتاً محصوراً بفترة محدودة، اذ يزول الحاجب بالتوبة والصلاح، ولاينبسط الحجب على مدته وان كانت قصيرة ومحدودة، بل ان أنوار النعمة تطل على البصر والبصيرة لتدعو الإنسان للنهل والإغتراف منها والإنابة الى سبل الإنتفاع منها.
ومن النعم الإلهية ما لا تغادر الإنسان الا عند وفاته وان قصر وأساء، وتلك آية أخرى في الخلق والرأفة الإلهية بالإنسان فترى الإنسان مع الجحود والذنوب في صحة وبحبوبة من العيش، وإستدامة النعمة رحمة للمسلم، وحجة على الكافر في النشأتين، فالله عز وجل غير محتاج للعبد وتوالي النعم عليه، ولكن إستدامة النعم فضل منه سبحانه، ودعوة للغرق في محبة الله، والشوق الى أداء الفرائض والعبادات، والنعم الإلهية من الكلي المشكك فهي على مراتب متعددة كثرة وقلة، الا انه لا ملازمة بين الإيمان والكفر، والكثرة والقلة، وهو من أسرار الخلق وحب الله للعباد وعلمه تعالى بما يصلحهم وينفعهم في دنياهم وآخرتهم.
وتبعث مضامين هذا القانون السكينة في نفوس المسلمين، وتطرد الفزع من نفوسهم وتجعلهم يحرصون على أداء الفرائض والعبادات لأنها سبيل لزيادة النعم، وطريق لتوالي الآلاء والفضل الإلهي.
وهل يعني ذكر النعمة بصيغة الماضي إنتهاء زمانها، الجواب لا، من وجوه:
الأول: بقاء أثر النعمة مع مرور الزمن.
الثاني: تجدد الخطاب الالهي للمسلمين، فكلما يأتي جيل من المسلمين يتوجه له الأمر الإلهي بذكر النعمة.
الثالث: اتصال النعمة الإلهية باستدامة الأخوة الإسلامية والإيمانية بين المسلمين.
الرابع: عمومات بقاء النعمة الإلهية وعدم ارتفاعها.
بحث أخلاقي
من خصائص الإنسان في خلقه ان جعل الله عنده نعم متعددة منها في المقام:
الأولى: ملكة خزن المعلومات.
الثانية: القدرة على استحضار الوقائع والأحداث منها.
الثالثة: قوة حافظة، ولا يستطيع أحد أن يزيل تلك الحافظة او أن يمنع استحضار تفاصيلها الا أن يشاء الله تعالى ويبتلي صاحبها بالنسيان، ومن منافع هذه النعم أمور:
الأول: الإنابة والتوبة والإستغفار عن الفعل القبيح.
الثاني: الموعظة والإعتبار من الذات والغير، واجتناب ما فيه الضرر الدنيوي او الأخروي او هما معاً.
الثالث: الإنتفاع من الأمر الحسن وإغتنام ما فيه.
الرابع: استحضار النعم الإلهية وشكر الله تعالى.
وجاءت الآية الكريمة لتتضمن الوجوه الأربعة أعلاه، وإتخاذ الإنسان الذكر مناسبة لتهذيب النفوس ونبذ الأخلاق المذمومة والتخلص من تركة الجاهلية والوثنية وما فيها من الأحقاد والضغائن.
لقد بعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لإصلاح المجتمعات والإرتقاء في المعارف الإلهية، والتزود من القيم السماوية والإخلاص في العبادة الذي يتجلى بذكر الله تعالى، وأنزل القرآن إماماً جامعاً للقيم الحميدة، وداعياً الى السنن الأخلاقية الرفيعة، وباعثاً على العادات الحسنة بالذات والعرض والأثر، ومنها ذكر النعم الإلهية وهو مدرسة متكاملة في الصلاح والإصلاح، ووسيلة للتخلص العام من الكدورات الظلمانية، ومانع من الإرتداد والنكوص، والرجوع الى العادات المذمومة التي كان عليها الناس قبل الإسلام.
وذكر النعمة مناسبة لشكره تعالى والإلتفات الى حقائق من الإرادة التكوينية وهي إتصال وتعدد نعم الله على المسلمين، من غير حاجة من الله الى الإنعام على العباد او ذكرهم للنعم الإلهية، ولكن النعمة وذكرها مناسبة لإصلاح الفرد وتوجهه الى ميادين العبادة بشوق ورغبة وإقرار بان الله أهل أن يعبد، وانه سبحانه هو الذي جعل العبد والمسلمين كافة قادرين على عبادته بتخليصهم من العداوة والبغضاء.
وتبين الآية ان الإسلام ورث عادات مذمومة وصراعات قبلية وان الجهاد لم ينحصر بالمفاهيم الوثنية وصيغ الشرك السائدة في المجتمعات انذاك، بل يشمل العادات وميادين الأخلاق والسجايا،
وجاءت هذه الآية لازاحة واسقاط القيم الوثنية والعادات القبلية، لتبدأ اشراقة الاسلام تطل على النفوس وتترشح منها دعوة الناس اليه بنبذ المسلمين لما هو متعارف من الولاء القبلي، وقيامهم باظهار الأخوة الإيمانية والإعتزاز بها واتخاذها وسيلة للاقبال على طاعة الله،وهذا الإقبال مناسبة لتثبيت القيم الإسلامية الجديدة وبرزخ دون الرجوع الى ذمائم العادات، ومكروه الطبائع، ان ذكر نعمة الله مناسبة للنفرة من الفرقة والخلاف.
وفي ذكر نعمة الله بالاتحاد والأخوة بين المسلمين وجوه ذات صبغة أخلاقية تتعلق بإمور:
الاول: الزمن الماضي. الثاني: الحال الحاضر.
الثالث: مستقبل الأيام وما فيها من الوقائع والاحداث.
اما الاول فذكر النعمة ينفع في إستحضار حال الاذى الذي يلازم الفرقة والتشتت، لذا سميت الأخوة والاتحاد نعمة لانها إحسان محض، وهو مناسبة لمعرفة مصاديق النعمة، وكيفية نقل المسلمين من حال النفرة والبغض المتبادل الى الود والمحبة التي تتغشى الجميع بغض النظر عن حال الثأر والكراهية السابقة للإسلام.
اما الثاني فهو الحاضر فتبين الآية أهلية المسلمين لخلافة الأرض ووراثة سنن الانبياء بتعاونهم على البر والتقوى وامرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وجعل الاصل هو حب الله وطاعته، والبغض لمن عصاه.
واما الثالث فان القرآن اسس مدرسة اخلاقية جامعة تتقوم بذكر النعم الإلهية على المسلمين وانتقالهم من العادات المذمومة ورذائل الأخلاق، الى الملكات والسجايا الحميدة، والسنن الأخلاقية الكريمة ومقدمات الإخلاص في العبادة.
علم المناسبة
ورد لفظ (اذكر) بصيغة الأمر للمفرد والمخاطب ست عشرة مرة، وكلها في ذكر الله عزوجل والنعم والدروس والإعتبار والمواعظ في قصص الأنبياء عليهم السلام، الا واحدة وردت في ذكر نعمة الله عزوجل على عيسى عليه السلام على نحو الخصوص في قوله تعالى [اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ] ( ).
وجاء لفظ (اذكروا) بصيغة الجمع المخاطب تسع وعشرين مرة، وردت احدى عشرة مرة منها في ذكر نعمة الله، خمس منها في تذكير بني اسرائيل بما انعم الله عليهم بلغة التحذير والوعيد واقامة الحجة عليهم، وواحدة في خطاب للناس جميعاً لعموم موضوعها قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ]( )، وفيها حجة ووسيلة للتذكير بوجوب عبادة الله.
ووردت خمس آيات منها هذه الآية في حث المسلمين على ذكر نعم الله عليهم لتكون مناسبة لشكره والثناء عليه سبحانه، وسبيلاً لدوامها واتصالها، ومع تعدد مواضيع النعم التي تذكرها الآيات الأربعة، فانها تؤكد مضمون هذه الآية، وتساعد على إستدامة الأخوة بين المسلمين كما في قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ]( )، وقوله تعالى [اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا]( )، لبيان فضل الله عز وجل على المسلمين في إتحادهم وصرف أذى الأعداء عنهم، وعدم إمكان النفاذ لهم من داخل الإسلام او توجيه المنافقين للإضرار بالإسلام والمسلمين، فحاول العدو مهاجمة الإسلام فلم يجد الا الخيبة والخسران ليبقى المسلمون على وحدتهم وتآلفهم.

قوله تعالى [إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً]
بعد ذكر النعمة الإلهية بالاسم والدلالة جاء ذكر حال المسلمين قبلها، لتعرف مضامين ومواضيع وأحكام النعمة الإلهية، ويمكن معرفة النعمة بذكرها والإشارة الى حال الأخوة والإتحاد بين المسلمين، ولكن ذكر حالهم قبل النعمة أمر إعجازي يثبت معانيها في النفوس، وفيه وجوه:
الأول: جعل المسلم يستحضر حال ما قبل النعمة وما بعدها، فيزداد إيماناً ويتوجه الى الله تعالى بالشكر.
الثاني: قد لا يعلم الناس شطراً من وجوه النعمة من دون معرفة الحال الخالية من أسباب وإفاضات النعمة الإلهية.
الثالث: التوثيق السماوي والتأريخي لحال المسلمين قبل وبعد النعمة الإلهية.
الرابع: الدراسة المقارنة للتباين في الحال مناسبة لشكره تعالى على النعمة، ووسيلة للحرص على التقيد بمضامين النعمة.
الخامس: بيان الحاجة لفضل الله تعالى، وعدم إمكان الإستغناء عن رحمته ونعمه على المسلمين والناس جميعاً.
السادس: الإخبار عن قاعدة كلية وهي الملازمة بين الإسلام والأخوة من جهة، وبين الكفر والعداوة الذاتية من جهة أخرى.
السابع: دعوة الناس لترك العداوة والبغضاء فيما بينهم، ويتحقق هذا الترك بدخول الإسلام، اذ ينتفع المسلم مما فيه من نعمة الأخوة فكل من ينطق بالشهادتين تترشح عليه نعمة الأخوة وأسباب المودة مع إخوانه المسلمين.
الثامن: إستحضار هذه النعمة عند ظهور أمارات الخلاف والفرقة، ليكون هذا الإستحضار برزخاً دون وقوعهما.
التاسع: تعاهد نعمة الأخوة ونبذ العداوة والخصومة بين المسلمين، فالله عز وجل ينزل النعمة على المسلمين وهم يشكرون الله عليها ويتعاهدونها في أقوالهم وأفعالهم.
ومن الإعجاز في القرآن ان تأتي الآيات في وصف حسن حال المسلمين بما يبين وجود نقيضه قبل الإسلام او بدونه، وجاءت هذه الآية بالبيان والتفصيل وذكر حال العداوة بينهم في الجاهلية، وان الإسلام ليس نطقاً بالشهادتين وحده أو أداء للعبادات فقط بل هو نظام عقائدي أخلاقي اجتماعي متكامل يصاحب الإنسان في سلوكه بإعتباره ذاتاً مستقلاً، وكونه جزء من الأمة الإسلامية، ويلازمه في معاشرة الناس على تباين مشاربهم، وتعدد مذاهبهم.
وجاءت الآية بصيغة الجمع (إذ كنتم) مما يفيد العموم وشمول العداوة لهم جميعاً وهي على وجوه:
الأول: العداوة بين القبائل.
الثاني: الخصومة والإقتتال بين اهل القرى والأمصار.
الثالث: وقوع المعارك بين الجهات المتحالفة، فكل قبيلة تفزع لنصرة حليفتها.
الرابع: العداوة والبغضاء بين أهل الكتاب والوثنيين، وأصبح الذين إختاروا الإسلام من الفريقين إخواناً فيما بعد.
الخامس: الخلافات الشخصية بين الأفراد، وظهور الحسد والبغضاء بينهم، فجاء الإسلام ليحارب الخصال المذمومة، فقبل الإسلام لم يسلم شخص من إضماره العداوة للغير، وعداوة الغير له، وجاء الإسلام ليقضي على العداوة الذاتية والغيرية، ويمنع من الفرقة والخصومة بين المسلمين.
ويعتبر هذا الشطر من الآية وثيقة إعجازية تبين حاجة الناس للإسلام وتعلق بقاء وديمومة الحياة الإنسانية بالبعثة النبوية الشريفة ونزول القرآن وسيادة الإسلام من وجوه:
الأول: شمول حال العداوة للناس قبل الإسلام، وظهورها حتى بين أهل الكتاب كما في قوله تعالى [وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ]( ).
الثاني: حاجة الإنسان الى أحكام سماوية تقيد فعله حاكماً كان أو محكوماً.
الثالث: الحاجة لمجيء شريعة خالية من التحريف تجعل الإنسان يسكن ويطمئن اليها.
الرابع: ضرورة وجود أمة قوية متحدة تمتلك مقومات البقاء الذاتية، وتستطيع الصمود وصد التحدي والتعدي الذي يأتي من الغير، فاذا كانت الأمة مختلفة وتتغشى العداوة أفرادها فانها لا تستطيع صد العدوان الخارجي، وتنقسم بذاتها او بأسباب خارجية الى جماعات ضعيفة قابلة للإنقسام أيضاً، فجاء الإسلام ليبني أمة قوية تتغشى الأخوة وقيم المودة والمحبة أفرادها، ومنافع هذه الأخوة على وجوه:
الأول: انها وسيلة إضافية لتعاهد الإسلام.
الثاني: الأخوة والإتحاد سبب للثبات النوعي والفردي على الإيمان.
الثالث: فيها دعوة لدخول الإسلام.
الرابع: الأخوة حال ومناسبة كريمة لترسيخ أحكام الشريعة ومسائل الحلال والحرام.
الخامس: الأخوة الإيمانية ضرورة للتصدي لأعداء الإسلام، ومحاولاتهم النيل من مبادئه.
السادس: أنها برزخ ومانع من حصول الإرتداد من قبل ضعفة الإيمان وبعض حديثي العهد بالإسلام، والعداوة من الكلي المشكك الذي تقع تحته مراتب متفاوتة شدة وضعفاً، فهي تشمل البغضاء والنفرة، في طرفها الأدنى، وتشمل الإقتتال في طرفها الأعلى، فجاءت الآية لتخبر عن إنتفاء العداوة بمختلف صيغها بين المسلمين فضلاً من عند الله.
ولا يمكن إنتفاء العداوة والبغضاء بين المسلمين الا بنعمة إلهية تتغشاهم جميعاً وقوانين وقواعد شرعية نافذة، فقد يكف المعتدي والظالم عمن ظلمه، فيقوم نفسه بالإعتداء والظلم على غيره سواء من كان يظلمه سابقاً بحجة الثأر والإنتقام او من لم يظلمه سابقاً لشعوره بالقوة والغلبة، فجاءت الآية مطلقة شاملة بنزع الميل الى العداوة من النفوس، وجعلها نزيهة من حب الإستحواذ على حق الغير.
قانون عموم النعمة
تلازم النعم الإلهية الإنسان في حياته، وهي ضرورة وحاجة له في بدنه وصحته ومعاشه ورزقه وسلامته من الآفات، والنعم الإلهية على وجوه منها:
الأول: ما تكون ظاهرة بينة على الفرد.
الثاني: النعمة النوعية التي تنفع الناس كحال الرخاء والأمن العام.
الثالث: نعمة حجب الأذى والشر، فقد لا يعلم الإنسان بالنعمة الا عند سلبها، كالعافية والسلامة من الأمراض، والنجاة من المعارك والحروب، يتناجى الناس للقتال ولكن بعد الدخول فيه تبدو لهم أضراره وما فيه من الخسائر التي تعم الأطراف كلها من غير استثناء، لذا فان وقف النزاع وتفادي الخصومة نعمة عظيمة لا يعلم قدرها وأثرها الا الله عز وجل.
ويوم القيامة يعلم الناس مصاديق هذه النعمة وكيف ان الله عز وجل يصرف عنهم أسباب الهلاك كالأوبئة والأمراض المستعصية والآفات والزلازل ونحوها، كما يدفع الله عنهم الإقتتال والحروب والخراب بزوال ملك او تغيير سلطان او إبتلاء بفقر وجوع، او إتيانهم سعة ومندوحة في العيش، او إصلاح النفوس وجعلها تميل للأخوة والوفاق.
فتكون النعمة الإلهية عامة تشمل الكبير والصغير، والغني والفقير، والرجل والمرأة، والسيد والعبد، فالصغير لا يشترك في الحرب ولكنه عرضة لليتم فيها، والشيخ الفاني يصاب فيها بفقد ولده او فراقه مدة الحرب وتتحمل المرأة فيها أعباء ومسؤوليات إضافية لا طاقة لها بها بدنياً ونفسياً بالاضافة الى خسائر الحرب، وتعطيل التجارات والصناعات ولو على نحو السالبة الجزئية، فتأتي النعمة الإلهية بصرف الحرب والعداوة لتعم الناس جميعاً وتتغشاهم البركة، ومن الآيات ان بعض النعم الإلهية تأتي لشخص او جماعة او أمة ولكن منافعها أعم موضوعاً وحكماً وزماناً ومكاناً.
أما الأول وهو الموضوع فان أفراد وفوائد النعمة تترشح على الآخرين سواء بالذات او بالعرض.
وأما الحكم فان النعمة الإلهية مدرسة وموعظة للناس جميعاً ومناسبة للتدبر والتفكر ودعوة للهداية والإيمان في ذاتها وأثرها وفي ذكرها وبيانها والإخبار عنها كما في قوله تعالى [فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
وأما الزمان فالنعمة الإلهية رحمة منه تعالى فهي باقية في الأرض سواء بذاتها أو أثرها او بهما جميعاً كما في نعمة رفع العداوة بين المسلمين، ففي كل يوم تتجدد خمس مرات الدعوة العبادية للوحدة والأخوة بينهم، ولزوم نبذ الفرقة، فتكون الصلاة اليومية جماعة أو فرادى حثاً إلهياً على الوحدة، وليس من وقت مخصوص لموضوع النعمة الإلهية بل هي باقية بين الناس، نعم قد يحجبها الفعل القبيح من الإنسان، ومع هذا فانها لا تبتعد عنه كثيراً ولا تغادر الأرض، بل تبقى قريبة منه ليكون بميسوره التنعم بها بالتوبة والإستغفار والتدبر.
وأما المكان فان الأرض كلها موضع للنعمة الإلهية لأنها جزء من ملك الله تعالى، والله يعطي بالأوفى والأتم، كما أن النعمة الإلهية تمتلك الأهلية للإنتشار المكاني والإنبساط في الأرض وبإمكان الناس أن ينهلوا منها ويمسكوا بأطرافها إذ أنها تتدلى كما تتدلى أغصان الشجرة بمساحة ودائرة أوسع وأكبر من قطر ساقها.
وكثرة وإتساع منافع النعمة الإلهية من مصاديق هذا القانون ونعمة إضافية على الذي تتغشاه بالذات على نحو الموجبة الكلية، وعلى الذي ينتفع منها بالعرض على نحو الموجبة الجزئية، وأطلقنا اسم عموم النعمة على هذا القانون للإشارة الى حقيقة وهي أن المنتفع من النعمة أعم من صاحبها وأهلها الذين نزلت عليهم، فنعمة إنتفاء العداوة مثلاً خاصة بالمســـلمين، ولكن عموماتها تشمل غيرهم من الأمم لما فيهـــا من بعث
السلم والأخاء في الأرض، وهذا الأخاء من وجوه:
الأول: تغشيه للمسلمين في جميع أقطار الأرض بلحاظ عددهم ودولهم وأمصارهم ونسبتهم من سكان العالم، فهذه النعمة تجعل شطراً من الناس ممتنعين عن العداوة فيما بينهم.
الثاني: العز والقوة للمسلمين والتي تبعث الفزع في قلوب الآخرين وتجعلهم يحرصون على الإمتناع عن التعدي على المسلمين وثغورهم.
الثالث: الأخاء بين المسلمين مرآة الأخلاق الفاضلة، وفيه دعوة للناس لدخول الإسلام، وحينما ينطقون بالشهادتين تشملهم إنطباقاً مضامين نعمة الأخوة والنعم الأخرى التي رزقها الله المسلمين.
الرابع: حث الناس على الإقتداء بالمسلمين في نبذ العداوة وأسباب الخصومة، لتكون حالة الأمن والإستقرار وسيلة للتدبر في الخلق، والإقرار بآيات النبوة والتنزيل.
الخامس: شيوع الأخلاق الحميدة وسنن الفضيلة، ونفرة النفوس من الأفعال المذمومة التي تتضمن التعدي على الغير وحقوقه، كما في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:”الناس مسلطون على أموالهم”( ) ففيه دعوة رسالية عامة لإجتناب التصرف باموال الغير مطلقاً من غير إذنه.
قانون إنتفاء العداوة
لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً إجتماعياً يعيش مع غيره من الناس، وتربطه معهم صلات متعددة من النسب والسبب والحرفة والعمل والصداقة والجوار والرفقة والملة، وتتداخل هذه الصلات في أثرها على الإنسان وسلوكه وأفعاله، فيغلب عليه بسببها الرضا أو الغضب، والسعادة أو الحزن، والعز أو الذل، وقد يقوم بفعل بسبب هذه الصلات وهو غير راض عنه، وتستحوذ عليه النفس الشهوية أو الغضبية، وأسباب الود أو النفرة بسبب هذه الصلات وليس من قاعدة ثابتة فيها، فقد يكون الود بين أبناء العمومة والناس المتباعدين الذين يربطهم حلف او عهد.
وقد تكون النفرة والخصومة بين الإخوان في النسب الذين يربطهم الإنتماء الى أب صلبي واحد، بحسب الحال والمصالح والمنافع والأقوال والأفعال، ولا تلبث أسباب الخصومة إذا حصلت بين طرفين ان تزداد وتتسع في موضوعها وأفرادها وأثرها، فجاء الإسلام ليمنع حصول العداوة بين أمة من أكبر أمم الأرض، ويجعل أسبابها منعدمة على نحو مستديم وثابت بدلالة هذه الآية التي تبين أموراً:
الأول: سبق وجود العداوة بين الذين دخلوا الإسلام.
الثاني: نزع العداوة والبغضاء من صدورهم.
الثالث: إمتلاء قلب المسلم بالود والمحبة لإخوانه المسلمين.
وجاءت الآية بقوله تعالى [إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً] في إشارة الى زمان ما قبل الإسلام، وبدخول الإسلام يدرك المسلم وجوب عدم بقاء حمية الجاهلية وأسباب الثأر في الإسلام بل لابد من نزع رداء العداوة وإرتداء لباس التقوى الذي يعني في دلالته التقيد بأحكام الشريعة الإسلامية وما فيها من الأمر بالأخوة بين المسلمين، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ].
ويحاول الشيطان دس الفرقة بين الناس، وجعلهم يلهثون وراء الحياة الدنيا وينشغلون بمباهجها ويتنافسون عليها بما يبعث على الخصومة والنزاع فيما بينهم، قال تعالى [إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ] ( )، فتفضل الله عز وجل وحجب عن المسلمين سلطان الشيطان، وصرف عنهم كيده، وزاد عليهم من فضله بانتفاء العداوة بينهم وعلى نحو مستديم، في آية تدل على صدق التنزيل، وتدعو لإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به من عند الله، ويتحقق إنعدام العداوة بوجوه:
الأول: طاعة الله ورسوله، لأنها ســـبيل للإتحاد في الفعل والقصد
والغاية، فلا يحصل تعارض بين أفعال المسلمين.
الثاني: إجتناب الظلم والتعدي فلا يشعر المسلم بالغبن من قبل أخيه.
الثالث: التقيد بأحكام الحلال والحرام، وفي هذه الآية نكتة وهي نزول المدد الإلهي للمسلمين للتقيد بأحكام الشريعة ونبذ الظلم كي يكون هذا التقيد سبباَ لإنتفاء العداوة، فمن الآيات ان الله عز وجل اذا رزق المسلمين نعمة فانه يرزقهم مقدماتها، ولا يمكن معرفة وإحصاء الأضرار التي تصيب الإسلام والمسلمين في حال بقاء العداوة بينهم، وإنتقالها معهم من الجاهلية الى الإسلام، لذا فان منافع هذه الآية مركبة من وجوه:
الأول: سيادة مفاهيم الأخوة بين المسلمين وأثرها الحسن عليهم في عباداتهم ومعاملاتهم.
الثاني: حجب أسباب البغضاء والخصومة، وإنعدام أثرها على المسلمين.
الثالث: عدم ظهور أسباب جديدة للعداوة خصوصاً مع وجود أحكام متكاملة للقضاء في الإسلام ابتداء من الأرش والعوض الى القصاص في حال الجناية العمد، وفق موازين العدل والإنصاف، وحكومة قواعد الصلح والتراضي بين الأطراف.
وتدل مضامين هذا القانون على الملازمة بين الإسلام والإرتقاء في المعاني الأخلاقية، وان البعثة النبوية الشريفة مناسبة لتهذيب النفوس والتخلص من الكدورات الظلمانية ومانع من غلبة النفس الشهوية والغضبية، وآلة مباركة لرجحان كفة العقل والحق في المعاملات والصلات الإجتماعية وشيوع مفاهيم الأخوة والمحبة بين المسلمين والنفرة من اسباب الظلم للذات والغير.
علم المناسبة
جاءت الآيات بتحذير المسلمين من أعدائهم، والإخبار عن الملازمة والتداخل بين أعداء الله وأعدائهم فمن كان عدواً لله فهو عدو للمسلمين، ومن كان عدواً للمسلمين فهو عدو لله تعالى، وورد في التنزيل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ] ( ).
وفيه بيان لتقسيم الناس على أساس المحبة والعداوة، وتحذير المسلمين بصيغة الجمع والإشتراك من الأعداء وكيدهم، مما يعني إنحلال التحذير وتوجهه الى كل مسلم مع الإتحاد في جهة العداوة، فأعداء المسلمين هم أنفسهم فلا يمكن ان يكون المسلم عدواً لأخيه المسلم ولا يصح توجه الخطاب المتحد للمسلم مرة بالتحذير من العدو، ومرة باعتباره هو العدو المحذر منه، كما بينت الآيات إبتناء عداوة الآخرين للمسلمين بلحاظ إنتمائهم للإسلام، قال تعالى [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ] ( ).
فمن يعادي المسلمين يعاديهم كأمة واحدة لا يميز بينهم في بغضه وعداوته، لذا تفضل الله عز وجل على المسلمين وخلصهم من آثار وبقايا العداوة بينهم، وجعلهم إخواناً متحابين، ومن الآيات ان باب الأخوة الإيمانية مفتوح للناس جميعاً لا يحجب عنه الفرد الا إختياره الكفر والتعدي، ويدخله بالتوبة والإنابة، قال تعالى [ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ]( ).
والأخوة في الدين عنوان نزع العداوة، ونبذ الخلاف والفرقة، ولا تنحصر مضامين الأخوة الإيمانية بانتفاء العداوة، بل تشمل طرد النفرة وأسباب الخلاف، فبين النفرة والعداوة عموم وخصوص مطلقاً، فكل عداوة هي نفرة وليس العكس، فجاءت الآية بنفي العداوة الا ان آيات أخرى تدعو الى السعي لمنع أسباب النفرة أو تجدد العداوة وتمنع من حصول الخصومة، وتحث على التدخل والشفاعة لمنع الخلاف بين المسلمين أفراداً وجماعات، قال تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ]( ).

قوله تعالى [فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ]
الفاعل في ألّف هو الله عز وجل، فهو الذي أصلح حال المسلمين بنزع البغضاء من صدورهم، وفي الآية ثناء على الله، وبيان لحقيقة وهي قدرته سبحانه على تغيير ما في القلوب من حال القبح الى حال الحسن والصلاح، وهو أمر لا يقدر عليه أحد غيره.
وهل بإمكان الإنسان ان يغير ما في قلبه من معاني الكراهية والبغض الى معاني الود والمحبة من غير سبب وعلة يكون التغيير معلولاً لها، الجواب لابد من سبب خارجي لهذا التغيير وان كان بالإيمان والتسليم بمفاهيم المحبة والود والتقرب الى الله تعالى بالعفو والصفح والمغفرة، وجاءت الآية بالإخبار عن حصول التغيير من القبيح الى الحسن،الشامل لكل المسلمين وعلى نحو الإستدامة الشخصية والنوعية، مما يعني ان التغيير من عند الله سواء أتى ويأتي بآية إعجازية ولا يعلم جنود ربك الا هو، او بجعل نفس الإنسان تمتلأ إيماناً وهداية ورشداً وحباً لله تعالى، وهو ايضاً إعجاز.
وهذا لا يتعارض مع قدرة الإنسان على الإختيار وتغيير ما في قلبه، لكنه لا يستطيع تغيير حال الألفة ذات صبغة الإيمان التي جعله الله عليها، فجاءت الآية بنسبة التآلف بين قلوب المسلمين الى الله تعالى، وقال سبحانه مخاطباً النبي صلى الله عليه وآله وسلم [لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ] ( ).
وفي الآية مسائل:
الأولى: جاءت الآية بصيغة الماضي وإفادته القطع والجزم بحصول التآلف بين قلوب المسلمين، وثبت في علم الفلسفة عدم إجتماع النقيضين.
الثانية: لا يمكن أن يجتمع التآلف والعداوة في قلوب المسلمين مع إتحاد الموضوع أي لا يمكن أن يتوجه الإنسان في محبته وعداوته الى جهة وموضوع واحد، فإخبار الآية الكريمة عن حصول الألفة في القلوب يدل في مفهومه على إنتفاء البغضاء والعداوة بين المسلمين.
الثالثة: هناك برزخ بين التآلف والعداوة، فقد لا يكنً الإنسان لشخص معين محبة ولا يضمر له عداوة، فجاءت الآية لنفي هذا البرزخ بين المسلمين، وأخبرت عن حال العداوة السابقة ثم حصول التآلف، والود والصفاء بين قلوبهم، فالنعمة الإلهية في المقام مركبة من أمور:
الأول: التخلص من حال العداوة.
الثاني: الإخبار بان الإسلام مانع من العداوة بقاء وإبتداء وإستدامة، أما الأول أي بقاء فان دخول الإسلام يمنع من إنتقال العداوة بين المسلمين اليه، فيلازم إسلام العبد خلع لباس العداوة مع إخوانه المسلمين ويكون مستعداً لتركها مع من يدخل الإسلام بعده.
وأما إبتداء فلا يصح ابتداء المسلم عداوة مع أخيه المسلم، فان قلت: أن العداوة موجودة فيما بين دول وجماعات وأفراد من المسلمين، مما يدل على ان القدر المتيقن من الآية هو أسباب وموضوع النزول وهو ما كان من عداء بين الأوس والخزرج.
والجواب ان الآية مطلقة سواء بلحاظ صيغة الخطاب العام فيها والذي يشمل المسلمين جميعاً، او بحسب مضامينها القدسية، او بحسب قواعد الإطلاق في فضل الله تعالى، وعمومات الأخوة بين المسلمين، بالإضافة الى شواهد التنزيل، ومواثيق الاخوة بين المهاجرين او الأنصار، وكان التألف بينهم حاجة للاسلام ولهم.
وإحتاج المهاجرون والأنصار الأخوة بينهم أكثر مما إحتاجها الأنصار من الآوس والخزرج فيما بينهم، وحتى المهاجرين فان العداوة بينهم قبل الإسلام موجودة وظاهرة بلحاظ الإنتماء القبلي وحصول الغارات والغزو بين القبائل، او الثأر بينهم او ما يترشح عن الكفر من العداوة والبغضاء، فحينما أسلموا إنتفت العداوة بينهم، وجمعتهم مبادئ الإسلام وأخوة الإيمان، ومواجهة عداوة كفار قريش وأهل الضلالة والعناد، تلك المواجهة التي تحتم عليهم ترك الخلافات، وتعطيل العداوة بينهم لحين التخلص من أذى الكفار ومحاولاتهم الإجهاز على الإسلام والمسلمين، فأنعم الله عز وجل على المسلمين بنزع العداوة من صدورهم وإنتفاء موضوعها، لتحل محلها الألفة والمحبة والمودة في الله، والإجتهاد في طلب مرضاته.
وأما إستدامة فان صفحة العداوة طويت الى الأبد بين المسلمين، لتبقى معاني الأخوة ثابتة بينهم، للملازمة بين الإسلام والتقيد بأحكامه والأخوة بين المسلمين.
الثالث: حصول التآلف والمحبة بين المسلمين، وبروز عنوان مستحدث للأخوة غير الأخوة النسبية وهو الأخوة الإيمانية.
الرابعة: جاءت الآية بصيغة الخطاب الشامل للمسلمين جميعاً، وهو عنوان للبشارة وباعث على السكينة والطمأنينة في النفوس.
الخامسة: الآية دعوة لتلمس بركات ومنافع التآلف بين المسلمين، وإصلاح قلوبهم.
السادسة: من مفاهيم الآية إنذار الكافرين، وتحذيرهم من التعدي على المسلمين، لما في التآلف بين المسلمين من معاني القوة والإتحاد.
ومن الآيات استدامة مضامين الآية بين المسلمين، فكل قوم او امة او فرقة دخلت وتدخل الاسلام كانت تعيش مع غيرها خلافات وحروباً، وتظهر بينهم اسباب العداوة سواء في بلدان الشرق او الغرب فصرفها الله عنهم بالاسلام، وهذه الشواهد من الدلائل على عموم الآية القرآنية وعدم انحصارها باسباب النزول.
قانون التآلف
قد يظن المرء ان الإسلام هو النطق بالشهادتين، ولكنه عندما ينتمي اليه يدرك انه نظام متكامل شامل للعبادات والمعاملات والمواضيع الإجتماعية والأخلاقية، فتلازم السنن والقواعد الإسلامية الإنسان في بيته وعمله، وليله ونهاره ولا تغادره الا عند دخوله القبر لتكون شاهداً له، وضياء يهديه الى سبل الأمان في عالم البرزخ، وأماماً يقوده الى الخلود في دار النعيم، ومنها التآلف والإنسجام بين المسلمين.
وجاءت الآية بذكر القلوب وحصول الود والألفة بينها بإعتبارها الأصل، فالقلب إمام الجوارح واذا صلح القلب إتصفت أفعال الإنسان بالإستقامة والرشاد، وأخبرت الآية بان الإسلام عنوان جامع يتغشى القلوب ويجعلها أسيرة الإيمان، لا تغادر قيوده وسننه، فتلتقي قلوب المسلمين في عالم المعرفة، وتكون الجوارح مرآة لها في عالم الاعمال والسنن فلا تجد تناقضاً واختلافاً في الأفعال.
والتآلف بين القلوب رحمة إلهية ونعمة متجددة منبسطة على كل الأيام وشاملة للأفراد، ومضامين هذا القانون عنوان لنزع الضغائن من القلوب، وخلوها من الأحقاد وآفة الحسد والبغضاء، ليحل محلها الصفاء والود والرأفة، وهي حاجة للمسلمين عامة وكل مسلم خاصة، وفي الآية دلالة على إستدامة حال الألفة والوئام بين المسلمين لتشمل وجوهاً هي:
الأول: الصلات الشخصية بين أفراد المسلمين ويتجلى تعاهدها عملياً بصلاة الجماعة والحج والصوم ونحوها، والندب اليها.
الثاني: التعاون وإعانة المسلمين بعضهم بعضاً كما في إستحباب القرض بينهم، وحرمة الربا والفائدة على القرض.
الثالث: الحرص على طاعة الله ورسوله ونبذ الثأر وترك الولاء القبلي.
الرابع: الحاجة الى الألفة والتعاون في ميادين الجهاد وسوح القتال لأن أي نفرة ذاتية بين المسلمين أفراداً وجماعات، تؤدي الى أضرار جسيمة بالمسلمين عامة، وقد تتعدى موضوعها وزمانها.
الخامس: التقيد بسنن الشريعة وأحكام الحلال والحرام.
السادس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعاون المسلمين في تثبيت دعائم الدين.
السابع: تلاوة آيات القرآن، وما فيها من الحث على الأخوة الإيمانية ونبذ الفرقة والإنقسام.
الثامن: إدراك المسلمين الحاجة الى التآلف لمواجهة التحديات وتعدي الآخرين.
الثامن: أثر آيات الوعد بالجزاء الحسن على التآلف، والوعيد بالعقاب على البغي والظلم.
التاسع: تفضل الله تعالى بتزيين الإيمان في صدور المسلمين، وإدراكهم للحسن الذاتي للتآلف، وقبح النفرة والفرقة والشقاق.
العاشر: السنة النبوية وحرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ظهور التآلف بين المسلمين، كما في أسباب نزول هذه الآية، اذ بادر الى المكان الذي تنازع فيه الآوس والخزرج وأصلح بينهم، بالإضافة الى النصوص والأخبار العديدة التي تحذر المسلمين من الفرقة والشقاق.
وجاءت الآية بصيغة الجمع في الخطاب والألفة بين القلوب مما يعني إنتفاء العداوة بين المسلمين، وهذه الألفة ركيزة وقاعدة تبتنى عليها الصلات بين المسلمين، ولو صار خلاف وخصومة بينهم، فان الألفة التي جعلها الله بين القلوب عون وموضوع لحصول الصلاح والإصلاح والتخلص من العداوة.
وإذا إستعرضت تأريخ الإسلام لما وجدت فتنة إستمرت طويلاً، اذ سرعان ما تنطفأ الفتن، ويظهر للمسلمين قبح الفرقة والنزاع بينهم، وإنتفاء وجود أسباب شرعية له، فالتآلف بين قلوب المسلمين رحمة، وبرزخ دون حصول إستدامة الفتن بينهم، وكم من فتنة كادت تحدث بين المسلمين، فدرأت بما جعله الله بينهم من الألفة والمحبة والأخوة، وصيغة الجمع في الآية إنحلالية وهي على وجوه:
الأول: التآلف بين المسلم وأخيه المسلم وإنتفاء النفرة بينهما.
الثاني: ميل المسلمين بعضهم لبعضهم الآخر.
الثالث: التآلف بين القلوب وسيلة ومادة لقضاء الحوائج، وظهور الإعانة فيما بين المسلمين، وهو سبب لإستدامة الأخوة بينهم.
الرابع: الألفة بين المتجاورين منهم، لذا وردت الآيات والنصوص بالحث على حسن الجوار، وبيان منزلة الجار ولزوم إكرامه والعناية به.
الخامس: الألفة بين الجماعات والقبائل تحت لواء الإسلام، وكانت القبائل قبل الإسلام تعيش الخصومة والنزاع فيما بينها، وتعقد هدنة أحياناً، فجاء الإسلام ليجعل الألفة والأخوة هي عنوان الصلة بينها، كما أنه لم يحصر الصلة بين الأفراد بالإنتماء القبلي، بل جعل الإنتساب للاسلام هو الأولى في الصلات والمعاملات، فيميل المؤمن الى أخيه المؤمن وإن كان من قبيلة أخرى، ويبغض الكافر والفاسق وان كان من أبناء قبيلته وعمومته، الا ان الألفة معه لم تنقطع بل تبرز بصورة السعي لهدايته وإصلاحه، وهو من عمومات قوله تعالى [وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ] ( ).
لقد أخبرت الآية عن تفضل الله تعالى بالتآلف بين قلوب المسلمين، وفيه وجوه:
الأول: التآلف أمر يقذفه الله في قلب كل مسلم، فيصبح بآية من الله يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويتجنب أسباب العداوة معه.
الثاني: مجيء آيات القرآن بالأخوة الإيمانية.
الثالث: تأديب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين بوجوب إظهار معاني الأخوة والود فيما بينهم.
الرابع: الشعور بالحاجة الى الألفة ونبذ الفرقة بالتجربة والبرهان الواقعي.
الخامس: الإرتقاء في المعارف الإلهية وإدراك حقيقة وهي ضرورة التآلف بين المسلمين.
السادس: الحاجة اليومية للتآلف، وتجليها في أداء العبادات والمعاملات والأحكام، وفي المسجد والسوق والبيت.
السابع: التآلف وسيلة لرد التعدي على الإسلام والمسلمين، وله موضوعية واعتبار في تحقيق النصر على الأعداء.
الثامن: السعي لنيل درجات الفوز والسعادة في الآخرة، بحصول التآلف والأخوة بين المسلمين.
التاسع: دخول الإسلام والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب لتآلف القلوب.
العاشر: الخشية من أسباب الفرقة والخلاف.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من أسباب بعث روح الألفة والمحبة بين المسلمين وهي برزخ دون التمادي في العداوة والشقاق، كما أنها وسيلة للصلح والوئام بينهم، وحث لأهل الإحسان للتدخل لدرء الفتنة والشقاق بين المسلمين، لذا وردت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالحث على الصلح والإصلاح بين المسلمين، فمن مصاديق الآية عدم إستدامة الخلاف أو توسعته، وهو أمر لا ينحصر بأطراف الخلاف ولزوم توجههم نحو الصلح،وهو وظيفة المسلمين جميعاً في التدخل لإصلاح ذات البين بإعتباره من الواجبات الكفائية التي يتوجه فيها الخطاب الى الجميع وان قام به بعضهم سقط عن الآخرين، وإن لم يقم به واحد أو جماعة منهم أثم الجميع.والنعم الواردة في الآية شاهد على عدم تخلف المسلمين عن هذا الواجب.
بحث أخلاقي
من أسباب القوة والعز شيوع مفاهيم الود والأخوة بين أفراد الجماعة والأمة، والعكس صحيح فمن أهم أسباب الذل والهوان التشتت والفرقة والخلاف بينها، لذا فان التآلف بين المسلمين حاجة لهم جميعاً كأمة وأفراد، وهو وسيلة للنصر والغلبة على الأعداء، ومن الآيات ان الله عز وجل لم يترك المسلمين وشأنهم الى حين إدراك هذه الحقيقة والمناجاة بلزوم الألفة والأخوة، بل تفضل ورزقهم الألفة وبعث في قلوبهم المحبة والود بعضهم لبعض.
وهي نعمة لم تنلها أمة غير المسلمين، لذا جاء ذكرها في الآية بإعتبارها نعمة من عند الله، اذ تكاملت أسباب الأخوة النفسية والشرعية والعملية بينهم، وهي شاهد على التكامل في الشريعة الإسلامية ودليل على التكافل بين المسلمين وإمتلاكهم أسباب القوة والمنعة.
لقد أصلح الله قلوب المسلمين للأخوة والمحبة وجعل مضامين الأخوة تتغشى الصلات بينهم، وهذه المضامين حاجة لكل من:
الأول: الفرد المسلم، اذ ان الشعور بالأخوة الإسلامية أمر ينفعه من وجوه:
الأول: إدراكه لحقيقة كونه جزء من الأمة والجماعة.
الثاني: بمفاهيم الأخوة يترسخ الإيمان في قلبه.
الثالث: الأخوة والألفة طرد للوحشة وأسباب الضعف من نفسه، الرابع: شعوره بالعز مع كثرة الأخوان، وتعددهم بعدد المسلمين في الأمصار المختلفة.
الخامس: اقتباس مضامين الهداية والرشاد من المسلمين، فمن منافع التآلف بين المسلمين شيوع مفاهيم الإيمان بينهم، وأخذ المسلم أحكام الشريعة من أخيه، والحث المتبادل على التقيد بمسائل الحلال والحرام.
الثاني: قادة وحكام المسلمين من وجوه:
الأول: إعانتهم على أداء وظائفهم.
الثاني: النصرة العامة ضد الأعداء.
الثالث: تثبيت أسس الدولة الإسلامية.
الرابع: الحكم بالعدل والإنصاف.
الخامس: الإستقرار وشيوع الأمن، وعدم تشتيت الأموال.
الثالث: الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وفيه وجوه:
الأول: التآلف وسيلة لإنعدام أو قلة التعدي بين المسلمين.
الثاني: الإنصاف ووجود إذن صاغية لمن يأمر بالمعروف فمن شرائط الأمر بالمعروف وجود السامع.
الثالث: حب المسلمين للمعروف، ونفرتهم من المنكر.
الرابع: كثرة عدد الذين يتصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن حب المسلم لأخيه المسلم يجعله يحرص على هدايته.
الخامس: علماء المسلمين وأداؤهم لوظائفهم من وجوه:
الأول: بيان الأحكام الشرعية.
الثاني: قيام المسلم بالتقيد بالأحكام الشرعية.
الثالث: لجوء المسلمين لهم لأخذ الأحكام الشرعية، ومسائل الحلال والحرام.
الرابع: نقل المسلم لما يسمعه ويقرأه من فتاوى العلماء الى الآخرين.
الخامس: إقبال المسلمين على الإنصات للعلماء في بيان الأحكام، لأن حال الود والصفاء سبب لإتحاد الجهة في الإصغاء والتلقي.
السادس: المسلمون كافة، وفيه وجوه:
الأول: المناجاة في التقيد بالفرائض.
الثاني: التوجه العام لأداء العبادات، وعدم تخلف شطر من المسلمين عنها، لأن التخلف عنها ضعف وإرباك للأمة.
الثالث: إدراك معاني الأخوة ووجوب التآلف.
الرابع: شيوع مفاهيم التراحم والود والرأفة بين المسلمين.
الخامس: تعاهد الصلاة والصوم والحج.
السادس: حرص المسلمين على إخراج الزكاة ودفعها الى مستحقيها لأنها من مصاديق التآلف بينهم.
السابع: التسالم بالرجوع للقرآن والسنة والصدور عنهما.
الثامن: الإقرار بحاجة المسلمين الى الوحدة.
التاسع: إفشاء النصيحة بين المسلمين، وإنتشار الأمن بينهم، والمبادرة الى قضاء الحوائج للرأفة والألفة بينهم وما فيه الثواب العظيم.
العاشر: التنزه عن العداوة وأسبابها، ونزع رداء البغضاء والإعراض عن مقدمات الفتنة، وترك الحسد والنميمة ونحوها من الأخلاق المذمومة والعادات المكروهة.
علم المناسبة
جاء لفظ (ألّف) ثلاث مرات في آيتين من القرآن، وكلها خاصة بالود والألفة بين المسلمين، ونسبتها الى الله تعالى، وفيه شاهد على ان الله يعلم ما في القلوب وقادر على تغييرها بما يحب ويرضى، فقد يقوم سلطان او جباربجعل الناس يعلنون الولاء له وينقادون لأوامره، ويخرجون في النفير لغزو أو نصرة من يريد، ولكنه لا يستطيع زرع حبه في قلوبهم، بل ان استحواذه وتوجيهه لأفعالهم يجعلهم ينفرون منه في قرارة نفوسهم، وان أظهروا له السمع والطاعة، ولكن القلوب تستجيب للخالق سبحانه، وتمتلأ حباً للصلاح وبغضاً للفساد بمشيئته تعالى، وقد زيًن لها الإيمان وكره لها الكفر والفسوق.
ومن مصاديق حب الإيمان الود والرأفة بالمسلمين، ووجوب الإستعداد النفسي لحب المسلم وإعانته ونصرته ونصيحته، وجاءت الآية الثانية في حصر تحقيق التآلف بين القلوب بالله تعالى، قال تعالى[لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ] ( )، فأخبرت الآية بان التآلف بين قلوب المسلمين نعمة وفضل محض من الله تعالى، وليس له طريق آخر غير فضله تعالى، وأكدت حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على بعث المودة بين المسلمين وإدراكهم للحاجة لها لتحقيق الظفر على الأعداء.
فأنعم الله عليه وعلى المسلمين بنعمة التآلف، وكثير من الأمور العسيرة والمسائل المستعصية تحل ببذل الأموال الكثيرة والإنفاق عليها وعلى مقدماتها وأسبابها أما الألفة والود في القلوب فهو من الإرادة التكوينية والتشريعية التي لا يقدر عليها الا الله تعالى.
وإذ أخبرت الآية محل البحث عن التآلف بين قلوب المسلمين، جاءت الآية اعلاه من سورة الأنفال للإخبار عن التآلف بين المسلمين بقوله تعالى [وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ] وفيه آية إعجازية أخرى، اذ ان التآلف بين المسلمين أعم ويتجلى في عالم الأفعال وليس فقط في الملكات والحالة النفسية، مما يدل على الملازمة بين التآلف بين القلوب، والانسجام في اداء الأعمال وصيرورة المسلمين بنعمة التآلف أمة واحدة في الأهداف والغايات، ومتحدة في مواجهة الأعداء، وهو الذي يشير اليه الشطر الثاني من الآية مع إفادة معنى الأخوة بينهم.

قوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ]
يتضمن هذا الشطر من الآية إعجازاً إضافياً من وجوه:
الأول: الإخبار عن الحال الجديدة التي صار عليها المسلمون.
الثاني: الحسن الذاتي لما أصبح عليه المسلمون.
الثالث: حصول الأخوة بين المسلمين.
الرابع: مفاهيم وقيم الأخوة الايمانية بينهم.
الخامس: الأخوة بين المسلمين نعمة من عند الله، وفضل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ويحتمل الأمر وجهين:
الأول: حصول الأخوة بالسعي والتجربة ونتيجة الحاجة، بإعتبار ان إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره فالتآلف بين قلوب المسلمين تم بنعمة من الله ويمكن أن يحصل عن طريق الكسب والسعي والتحصيل والإبتلاء في الدنيا.
الثاني: إنحصار القدرة على الألفة والود بين القلوب بالله تعالى.
والصحيح هو الثاني فالله عز وجل هو القادر على جعل قلوب الأمم تتآلف فيما بينها او تنفر بعضها من الآخر ولو بالأسباب، والتآلف والأخوة نعمة يهبها لمن يشاء من عباده، وقد انعم الله بها على المسلمين دون غيرهم من الأمم.
والأخوة حاجة للمسلمين، فمن أسباب تفضيل المسلمين، وأهليتهم لوراثة الأنبياء سيادة مفاهيم الأخوة بينهم، خصوصاً وأنهم يختلفون عن أهل الملل الأخرى، اذ ان الأنبياء يبعثون الى قراهم وقومهم وأمصارهم كما في موسى عليه السلام وبعثه الى بني اسرائيل، فبنو إسرائيل يجمعهم نسب واحد.
أما رسالة النبي محمد فللناس جميعاً، والمسلمون من أصول متعددة، ولا يجمعهم نسب واحد، وهم من قبائل وشعوب وأمم شتى حتى في أيام البعثة النبوية تجد فيهم اليهودي الذي أسلم، والصحابة من غير العرب، وكانوا من قادة المسلمين، ورواد الجهاد كسلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي، فلما كان التآلف والأخوة حاجة للمسلمين ولا يقدر عليها الا الله فانه سبحانه تفضل بها على المسلمين، ووصفها بأنها نعمة.
ولو قلنا بإمكان حصول الأخوة بين الناس بالتجربة والكسب فإنها تكون على نحو الموجبة الجزئية والقضية المؤقتة،لتتجلى بالمقارنة آيات نعمة الأخوة على المسلمين. وتدل الآية في مفهومها على حقيقة وهي لولا نعمة الله لما أصبح المسلمون إخواناً، فماذا يحدث لو حجب الله هذه النعمة عن المسلمين فيه وجوه:
الأول: إستدامة الفرقة والتشتت.
الثاني: إنتقال الخلافات والنزاعات القبلية الى الإسلام.
الثالث: قيام المسلم بمدح آبائه وذكر أمجادهم في الغــزو والتــعدي
وذكر الأشعار التي تتضمن مفاهيم الجاهلية.
الرابع: الإبطاء في إنتشار الأحكام الشرعية للإنشغال النسبي عنها.
الخامس: الخلط والتداخل في المفاهيم، وعدم تأديب الأولاد والذرية على مبادئ الإسلام.
السادس: عدم التقيد بالقواعد والأحكام الشرعية.
السابع: الضعف والهوان.
الثامن: قلة الإستعداد لمواجهة الأعداء.
التاسع: الظهور المستمر للفتن بين المسلمين.
العاشر: التواني والتقصير في أداء العبادات للإنشغال بالدنيا، وأسباب الخصومة والنزاع.
الحادي عشر: تفشي حال الشك والريب بين المسلمين، وإنتقالها معهم الى سوح القتال، لتكون برزخاً وحاجباً دون مشاركة العديد منهم في المعارك لأسباب شخصية وخشية الحسد أوالفتنة.
الثاني عشر: طمع العدو بالمسلمين وتعديه عليهم.
الثالث عشر: فقد بعض أسباب جذب الناس للإسلام، لأن الفرقة الداخلية تجعل النفس لا تميل الى أطرافها او تكون حذرة منها.
الرابع عشر: النقص في الموارد المالية بسبب الفرقة والتشتت، وهو عنوان ضعف.
الخامس عشر: الابطاء في نشر الاسلام، والفتور في اتساع رقعته.
ومن الآيات الإعجازية في الآية أنها وصفت المسلمين بالإخوان، وانهم تخلصوا من وجوه العداوة فيما بينهم وفيه وجوه محتملة وهي:
الأول: اقتران التخلص من العداوة بفترة البعثة النبوية ووجود النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين.
الثاني: حصر الأخوة في موضوع العقيدة وأداء الفرائض والعبادات كالصلاة والصيام وأداء الحج، لذا يأتي الحج في شهر حرام كي يؤدي المسلمون المناسك مجتمعين وبعيداً عن الخصومة، وللمنع من مقدمات النزاع، وجاء قوله تعالى [ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ] ( )، لتثبيت معاني الأخوة بين المسلمين اثناء اداء الحج وترشحها على مابعده من الأفعال والأيام.
الثالث: القدر المتيقن من بدايات الأخوة حصولها بين المهاجرين والأنصار، ومن منافعها تثبيت الدعوة الإسلامية، ووراثة القرآن والسنة الى التابعين بما يتعذر معه وقوع التحريف.
الرابع: اختصاص الأخوة بالذين كانت بينهم عداوة، سواء شخصية أو قبلية او بلدية.
الخامس: الأخوة في الإيمان، فكل مسلم هو أخو المسلم.
السادس: إستدامة الأخوة الى يوم القيامة.
والصحيح هو الخامس والسادس، فليس من زمان مخصوص لهذه الأخوة، بل هي متصلة وشاملة للمسلمين جميعاً ومترشحة عن الإيمان بالله والإقرار بالنبوة وتكون وفق القياس الإقتراني
الكبرى: الذين يؤمنون بالله ويقرون بنبوة محمد أخوة.
الصغرى: المسلمون مؤمنون بالله والنبوة.
النتيجة: المسلمون إخوة.
ويفيد لفظ “اصبحتم” معنى الصيرورة، لأنه يدل على الحال التي انتقل لها المسلمون لذا قيل: كل ما في القرآن من لفظ “اصبحتم” أي صرتم.
وفي الآية ثناء على المسلمين وإشارة سماوية مباركة الى عدم عودتهم الى حال العداوة والفرقة.
بحث أخلاقي
لم تعهد الأرض مبادئ وقواعد شرعية مثل مبادئ الإسلام، تجعل المسلمين بمرتبة ودرجة واحدة من جهة الحقوق والواجبات، وان تباينت أحوالهم وإنتماءاتهم لتشمل كل من يدخل الإسلام من حين نطقه بالشهادتين اذ انه يبادر الى الوقوف مع المسلمين بين يدي الله عز وجل في نفس اليوم الذي أسلم فيه، ولا يشترط وقوفه في الصفوف الخلفية في الصلاة مثلاً بإعتباره حديث عهد بالإسلام، بل له الحق ان يختار المكان الذي يريد بينهم، وتلك آية أخرى في موازين المساواة بين المسلمين.
وتحتاج المساواة الى قبول من قبل الملأ والأغنياء والرؤساء الذين دخلوا الإسلام فيرضى الغني أن يكون مأموراً للفقير، ويرضى السيد أن يكون جندياً تحت أمرة من كان بالأمس عبداً له، ويقبل الناس ولاية الموالي الذي لا يعرفونه سوى أنه يتصف بالتقوى والعدالة والصلاح، مع إكتفائهم وقبولهم له بهذه الصفة في مرضاة الله عز وجل، اذ تفضل الله عز وجل بنقل المسلمين الى حالة الأخوة فيما بينهم بلحاظ الإيمان، وجعلها مرتكزاً في العمل والمعاملة والصلات الإجتماعية، ووسيلة لتوثيق العلاقة، وتفرع المصاهرة والصلة السببية عنها، فصار المسلم كفؤ المسلمة، ولم يبق قيد القبلية والإنتماء العشائري هو الذي تتقوم به الصلة الزوجية، مما منع من وجود العزوبة بين المسلمين، وسهل أسباب الزواج عندهم وكثرة إنجاب الأولاد مع موضوعية الإسلام في نشأتهم، وهذه الموضوعية فرع لما تقومت به الصلة الزوجية.
وتعتبر الأخوة في الإسلام مدرسة أخلاقية لم ولن تصل اليها المدارس والنظريات الوضعية، ولا تستطيع دولة أو أمة الإرتقاء اليها، وهو مفهوم قوله تعالى [لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ]( )، فلا يستطيع حاكم أو دولة أو مدرسة إصلاح إجتماعي ان تجعل الأخوة هي الصبغة الدائمة بين أفرادها وان كان عددهم ليس كثيراً، أما الإسلام فجاء بالأخوة بين المسلمين مع كثرتهم وهو شاهد على إرتقائهم في المعارف الإلهية وبلوغهم مراتب عالية في التهذيب والصلاح، وقيامهم بنزع رداء العادات المذمومة، وتنحية الإنتماءات الأخرى مثل القبلية والبلدية.
قانون “أصبحتم”
أصبح فعل ماض له معانِ هي:
الأول: لغوي يستقرأ من اللفظ والمراد منه الحال عند الصباح قال تعالى [فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ]( ).
الثاني: الحال التي تلي الفعل، وما يترتب على أمر أو فعل، قد يكون متعقباً له في الحال كما في قوله تعالى [ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ]( ).
الثالث: يأتي أصبح بمعنى صار، قال تعالى [أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا] ( ) أي صار.
الرابع: العاقبة والنتيجة، والحال المستديمة، وهي على قسمين:
الأول: سوء الأثر كما في قوله تعالى [حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ]( )، فان إشتقاق لفظ أصبح من الصباح وما فيه من الإشراق والبهجة لم يمنع من وروده في الذم وبيان حالة السوء والهلكة لإرادة معنى العاقبة منه.
الثاني: بيان النفع والأثر الحسن والعاقبة الحميدة.
وتتعلق مضامين هذا القانون بالقسم الثاني من المعنى الرابع، أما القسم الأول فيشمله قانون (أصبحوا) الذي سيأتي بعد هذا القانون، وهذا التقسيم البياني.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين السلامة والنجاة في الدنيا والآخرة، وتثبيت مبادئ الإسلام في الأرض، ونشر مفاهيم التوحيد بين الناس، ومحاربة الكفر والضلالة، وهي أمور لا يستطيعون القيام بها الا بتوفيق من عند الله عز وجل، فأنعم عليهم بنعمة الأخوة وزاد عليهم من فضله وأخبرهم عن أثرها والحال التي أصبحوا عليهابعد هذه النعمة،وفيه وجوه:
الأول: ليعلم المسلمون بهذه النعمة العظيمة.
الثاني: الحرص على تعاهدها، والمحافظة على مضامينها القدسية.
الثالث: التفاخر بين الأمم بفضل الله.
الرابع: هذه النعمة شاهد على تفضيل الله للمسلمين على الأمم والملل الأخرى.
لقد أصبح المسلمون أمة متحدة قادرة على التصدي للتعديات، ومواجهة الأعداء في سوح القتال، ويستطيعون أداء الفرائض والعبادات، وأشرقت الأرض بنور الإيمان، وأصبح بمقدور الناس معرفة الحق والتمييز بينه وبين الباطل، وهو عون لهم على الهداية وإجتناب إيذاء المسلمين، او الإشتراك في التعدي عليهم، وكان وجود المسلمين سبباً في حسن المعاملة وضبط الموازين بين الناس، ليسود العدل والإنصاف بينهم، وتكون هناك موضوعية للإيمان، وحضور للنبوة في الأقوال والأفعال.
ومن مضامين هذا القانون حال الإرتقاء عند المسلمين، وإنتقالهم الى عالم مشرق، ونيلهم درجات السمو والرفعة، وقوله تعالى (أصبحتم) اخبار عن توالي النعم الإلهية ونيلها بدخول الإسلام، وهو بشارة للمسلمين وسكينة لهم وبرزخ دون الخوف من قادم الأيام عليهم او على ذراريهم من بعدهم، وتبعث مضامين هذا القانون الحسرة والندم في قلوب الكافرين، وتدعوهم في ذات الوقت للإسلام، ونيل الثناء الحسن، والفوز بحسن العاقبة التي جعلها الله عز وجل للمسلمين خاصة.
قانون أصبحوا
ورد لفظ “أصبحوا” في القرآن عشر مرات، كلها في ذم الكافرين وبيان سوء عاقبتهم بإستثناء واحدة في مدح المؤمنين بنبوة عيسى عليه السلام والإخبار عن ظهورهم على عدوهم، قال تعالى [فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ]( )، وظاهرها الاطلاق وجاءت مناسبة الموضوع والحكم للمثال البين، وفي الإخبار عن عقوبة الظالمين تكرر ثلاث مرات قوله تعالى [فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ]( )، وتكرر قوله تعالى [وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ] ( )، كما ورد قوله تعالى [حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ]( )، والمراد من هذا القانون هو ما يصيب الكافرين والظالمين من الخسارة والندامة على سوء فعلهم، ونزول الغضب الإلهي عليهم بما كسبت أيديهم وإقترافهم الذنوب وفعلهم.
ليتبين للناس والخلائق كافة المائز بين المسلمين وبينهم، اذ تتغشى نعم الله المسلمين في الدنيا، وتصاحبهم في عالم البرزخ والآخرة، بهيئة الثواب والجزاء الحسن، بخلاف الكافرين والجاحدين بالربوبية لله وبالنبوة فان الندم مصاحب لهم، ولا ينحصر أوانه بسوء العاقبة والعالم الآخر وبعد دخول القبر.
فيشعر الكافر بسوء فعله اثناء مزاولته له وقد يندم عليه في الحال، ويتأكد له هذا الندم في عواقب الأمور، والإخبار الإلهي عما ينتظره من العقاب الأليم، وما يصبح عليه من الحسرة والخسارة انذار وتحذير ودعوة للصلاح والرجوع الى أصل الفطرة التي خلق عليها الإنسان وهي الإسلام والإنقياد لأوامر الله تعالى، وفيها حث له للثبات على الإسلام ان دخله وتخويف من النكوص والإرتداد عنه، وهذا من إعجاز القرآن والمضامين القدسية في آياته، اذ لا ينحصر موضوع التخويف بالوعيد القرآني للكافر من الإقامة على الكفر، بل يدعوه في مفهومه الى الإسلام ويصاحبه كواقية وحرز من الإرتداد، ويساعده في جعل نفسه تنفر من الكفر وتبغض أهله.
ومن مفاهيم قانون (أصبحوا) حث المسلمين على البقاء على الإسلام والإفتخار بالإنتماء له، وإجتناب مواطن الشبهات وأسباب الريب والفزع من الكفر وإستحضار عاقبته المؤلمة، وما يناله صاحبه من العذاب الشديد، وإكرام المسلمين بإطلاعهم على جانب من علم الغيب وأسرار يوم القيامة وحال أعدائهم يومئذ، وحتمية الحساب الأخروي، وما يحتاجه الإنسان من المتاع والزاد في عالم القبر وما بعده من مواطن الحساب، وأسباب الوقاية من أهوال الآخرة.
ومن الآيات ان مضامين قانوني (أصبحتم) و(أصبحوا) تتوجه الى كل الناس مع التعارض في المفهوم، وكذا التعارض والتناقض بين الإسلام والكفر، وفي هذا العموم رأفة ورحمة بالناس لينهلوا من المعارف الإلهية وينتفعوا من لغة الوعد والوعيد في القرآن على قسمين:
الأول: إنتفاع المسلم منها، وهو على وجوه:
الأول: استثمار الحياة الدنيا بالعمل الصالح بإعتبارها مزرعة الآخرة.
الثاني: الغبطة بمضامين قانون (أصبحتم) وما فيها من الوعد الكريم الذي يشمل المسلم لإنتمائه للإسلام وتقيده بأحكامه وسننه.
الثالث: الإجتهاد في طاعة الله لنيل الثواب الحسن.
الرابع: النفرة من الكفار واجتنابهم والإبتعاد عنهم، وعدم الإنصات لهم.
الثاني: ما يناله الكافر من لغة الوعد والوعيد في القرآن، وهو على وجوه:
الأول: الكآبة لما يرتكبه من الذنوب والأفعال السيئة.
الثاني: الإنشغال بمساءلة النفس عن الإعراض عن جادة الهدى ولو على نحو عرضي غير مستقر.
الثالث: إقامة الحجة عليه في الدنيا قبل الآخرة.
الرابع: توبة وصلاح شطر من الكفار، ودخولهم الإسلام، فمضامين هذين القانونين رحمة بالناس جميعاً، ومن مصاديق الرحمة فيهما هداية جماعات وقبائل وأمم من الكفار الى الإسلام لإحراز الفوز في الدنيا والآخرة، وإتصال الحجة على الناس في لزوم التوحيد ونبذ مفاهيم الشرك والضلالة.

قوله تعالى [بِنِعْمَتِهِ]
الباء هنا للسببية، والهاء تعود لله تعالى، أي بسبب نعمة الله أصبحتم ايها المسلمون إخواناً، لقد جعلت الآية موضوعية لنعم الله على المسلمين، وورود لفظ النعمة دليل على ان الهبات تأتي من عند الله ابتداء، وليس عن إستحقاق.
وصحيح انها جاءت مقترنة ومتعقبة لدخول الإسلام، ولكن الإنتماء للإسلام وظيفة وواجب شرعي وعقلي على الإنسان، وهو الأصل في خلقه باعتباره مصداقاً ووعاء لعبادة الله، قال تعالى [ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ]( ).
وتحتمل النعمة وجوهاً:
الأول: التعدد في المصاديق وان المراد من لفظ النعمة هو الجنس.
الثاني: الإتحاد وأنها نعمة واحدة.
الثالث: النعمة من الكلي المشكك وهي على مراتب متفاوتة كثرة وقلة، وشدة وضعفاً، وان الله عز وجل ينعم على المسلمين كأفراد وجماعات وأمة بما يصلح حالهم ويجعلهم إخوة، وتكون النعمة متباينة في كمها وكيفيتها وأوانها، وعلى أقسام:
الأول: تأتي دفعياً لدرء الفتنة، ووأدها في مهدها.
الثاني: تكون سبباً للإصلاح للأخوة.
الثالث: نعمة إستدامة الأخوة وحال الوئام والود بين المسلمين.
الرابع: ما يتعلق بمقدمات الأخوة.
الخامس: نعمة درء أسباب الفرقة والشقاق بين المسلمين.
والصحيح هو الوجه الأول والثالث بأقسامه المتعددة، وليس من حد لنعمة الله وهي فضل إلهي يتغشى المسلمين، ومن الآيات ان النعمة الإلهية تأتي على نحو التمام والكمال بما يحقق الغايات السامية منها، ومع التعدد في وجوه ومضامين النعمة الإلهية فانها تكون في المقام على وجوه:
الأول: إصلاح نفوس المسلمين للأخوة.
الثاني: المصاهرة والزواج بين المسلمين، ومن أحكام الشريعة الإسلامية حرمة زواج المسلمة من غير المسلم، وكذا حرمة زواج المسلم من الكافرة الوثنية، مع الإختلاف في الإجتهاد بين علماء الإسلام بخصوص زواجه من الكتابية بين الحرمة والجواز، والأقوى صحته على كراهة ( ).
ومن الآيات في عقود الزواج جعل المسلم كفؤ المسلمة، وهو نعمة من نعم الله في باب الأخوة بين المسلمين، خصوصاً وان الأخوة عنوان وموضوع يشمل الذكور والإناث من المسلمين وجاء بلفظ التذكير (اخواناً) لغلبة التذكير وافادته العموم فنعمة الأخوة تشمل:
الاول: الأخوة بين المسلم واخيه المسلم.
الثاني: الأخوة بين المسلم والمسلمة.
الثالث: الأخوة بين المسلمة واختها المسلمة.
الرابع: نعمة أداء العبادات والفرائض وهي على أقسام:
الأول: ما يؤدى على نحو القضية الشخصية كصلاة النوافل.
الثاني: ما يكون الجامع فيه الوعاء الزماني كما في أداء فريضة الصيام في شهر رمضان على نحو الواجب العيني والمنجز والأصلي والنفسي والمضيق( )، فيجتمع المسلمون طوعاً وقهراً وإنطباقاً في أدائه، فلا ترى بعضهم ممسكاً عن الأكل والشرب وبعضهم محلاً لهما في زمان واحد، وهذا الإجتماع والإلتقاء في الإمتثال موضوع للأخوة، لما فيه من الفعل المشترك على نحو العموم الإستغراقي طاعة لله تعالى، والذي يتضمن في دلالته التضمنية الإقرار النوعي العام بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فان قلت: قد يحصل تباين في أوان رؤية الهلال وثبوتها بين الأمصار الإسلامية، والجواب ان هذا التباين لا يضر في أصل الفريضة، بل يدل على الإتحاد في أدائها ولكن بلحاظ الآيات الكونية التي جعل الله لها موضوعية في تعيين أول الشهر وآخره، كما ان هذا التباين نسبي وليس مطلقاً لقول فريق من الفقهاء بوحدة الحكم مع إختلاف وتعدد الآفاق، وهو المختار اذا كان يجمع المصرين الذي يرى فيه الهلال والذي يتبعه في الحكم ليل واحد، والإختلاف في الهلال عنوان لوحدة المسلمين لما فيه من التقيد بالحكم الشرعي وقواعد تعيين أوان الصوم ابتداء وإنتهاء مع الإجماع على كونه في شهر رمضان، والمعرفة العامة لهذا الشهر من بين شهور السنة في جميع الأمصار الإسلامية وعلى تعاقب السنين والأجيال.
الرابع: قذف مفاهيم الود والمحبة في قلب المسلم اتجاه إخوانه المسلمين.
الخامس: مجيء آيات القرآن بالدعوة الى الأخوة الإيمانية، والإخبار عما فيها من الثواب والجزاء الحسن.
السادس: حث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين على الأخوة فيما بينهم، وهذا الحــث جــزء من نعمة الله على المسلمين باعتبار ان ما يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو وحي ومن نعمة الله، قال تعالى [ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ]( ).
السابع: مصاحبة نعمة الأخوة للمسلمين في كل ميادين الحياة، والإعانة الإلهية لهم على الأخوة فيما بينهم.
الثامن: التقيد بأحكام الحلال والحرام التي جاء بها الإسلام.
التاسع: لزوم التقيد بسنن وآداب الأخوة في ميادين الجهاد في سبيل الله، لتكون وسيلة لشمولها لجميع أحوال المسلمين.
العاشر: إرشاد المسلمين للإرتقاء في المعارف الإلهية بما ينفعهم في تثبيت سنن الأخوة فيما بينهم، وإدراك ضرورتها.
الحادي عشر: التبصر العقائدي، ورؤية المسلمين لمنافع الأخوة الإيمانية، والأضرار التي تحصل في حال التفريط بسننها، والفتور في مضامينها.
الثاني عشر: وجوه وصيغ أخرى متعددة لنعمة الله في بث روح الأخوة بين المسلمين، قال تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
قانون فروع النعمة
ليس من شيء في الوجود الا وهو نعمة من عند الله، ورشحة من رشحات فضله وإحسانه، وخلق الإنسان نعمة من عنده سبحانه، نعمة على ذات الإنسان، وعلى الخلائق الأخرى، وموضوع لتثبيت عبادة الله في الأرض وإستدامة الحياة الدنيا بالعبادة والذكر، والإنسان كائن محتاج، والحاجة ملازمة له في أصل وجوده ونشأته وحياته ولا تغادره في دنياه وآخرته، وهو محتاج لرحمة الله في كل آن من حياته، وفي شؤونه كلها، لا يستطيع الإستغناء عنها طرفة عين، ومع الحاجة يأتي الفيض والرحمة الإلهية، بل ان النعم تترى على الإنسان قبل أن يكون محتاجاً لها فتكون حاضرة عنده.
وغالباً ما ينتفع منها من دون ان يحس بالحاجة اليها، والرحمة الالهية في حضورها عنده، وصيرورتها في متناوله، لذا يستلزم الشكر لله تعالى على النعم المخصوصة والمعلومة وعلى غير المعلومة عند العبد، وتعتبر الصلاة والفرائض الأخرى من مصاديق الشكر لله تعالى على نعمه كلها، وسؤالاً من العبد لإستدامتها وزيادتها، والنعم الإلهية أكثر من أن يحصيها الإنسان، كما تتفرع عن النعمة الإلهية نعم أخرى متعددة، وهذا التفرع هو مضمون هذا القانون، فتأتي النعمة الإلهية للعبد، فينهل منها، ثم تتفرع عنها نعم أخرى مغايرة لها في الماهية من غير أن تزول النعمة الأصلية، ومنها نعمة الأخوة، فان الله ينعم على المسلمين بالأخوة فيما بينهم، فتتفرع عنها نعم متعددة أخرى منها:
الأولى: استحداث صلات جديدة للقربى.
الثانية: إستدامة هذه الصلات لإرتكازها على أمر ثابت وهو الإنتماء للإسلام، وعدم الإرتداد عنه.
الثالثة: عموم الصلة فليس من أخوة أوسع وأعم منها، اذ انها تجعل كل مسلم أخاً للمسلمين جميعاً، وهم إخوة له.
الرابعة: إنتفاء الفوارق والحواجز بين المسلمين فيكون العبد أخاً للسيد.
الخامسة: شرف هذه الأخوة لأنها في الله ولله ومن الله، لذا فهي دائمة وباقية ومستديمة.
السادسة: ترشح التعاون وقضاء الحوائج بين المسلمين بسبب الأخوة الإيمانية.
السابعة: نزع روح البغضاء وأسباب الكره، وإشاعة معاني الود والمحبة بين المسلمين.
الثامنة: جاءت بداية الآية بالأمر بالإعتصام بحبل الله، وجاء هذا الشطر منها ببيان فضل الله على المسلمين بنعمة الأخوة، لتكون عوناً على الإمتثال لأمره تعالى بالإعتصام بالقرآن وتعاهد مبادئ الإسلام.
التاسعة: الإتحاد في مواجهة الأعداء، وحرص كل مسلم على أخيه المسلم اثناء المواجهة، وإنتفاء الخيانة فيما بينهم، ومن الآيات في تأريخ الجهاد الإسلامي، وما ينفرد به المسلمون من النعم هو عدم وجود خيانة او غدر فيما بينهم اثناء مواجهة الكفار.
العاشرة: لما جاءت الآية السابقة بالأمر للمسلمين جميعاً بتقوى الله جاءت هذه الآية لتؤكد على التداخل بين امرين:
الأول: تقوى الله طريق للأخوة بين المسلمين.
الثاني: الأخوة الإسلامية سبيل لتقوى الله.
الحادية عشرة: بعث السكينة في نفس المسلم، فكثرة الإخوان عنوان للعز وباعث على الطمأنينة.
الثانية عشرة: التخفيف عن المسلمين، فالأخوة بينهم باعث للخوف في قلوب أعدائهم، ومانع من تعديهم على المسلمين.
الثالثة عشرة: الأخوة مناسبة للإستغفار والدعاء، فالأخ يدعو لإخوانه ويغبطهم ويرجو لهم الخير، ويدعو لهم بإستدامة وزيادة النعم.
الرابعة عشرة: إنتفاع الإخوان مما عند الأخ من النعمة لذا شرعت الزكاة في الإسلام، ولزوم إخراج الأغنياء حق الفقراء من أموالهم.
الخامسة عشرة: الأخوة مقدمة ومناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ان تفرع النعم عن نعمة إلهية أخرى يبين عظيم فضل الله وسعة رحمته وكرمه وإحسانه، وفيه دعوة للناس لدخول الإسلام، وترغيب بالفرائض والتكاليف.
وتؤكد هذه الآية بألفاظها مضامين هذا القانون بقوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] من وجوه:
الأول: التباين بين حال المسلمين كأفراد وجماعات قبل الإسلام، وحالهم بعده.
الثاني: عدم حصول الرجوع عن هذه النعمة، فهي باقية وملازمة للإسلام والمسلمين الى يوم البعث، وهل تصاحبهم في الآخرة الجواب نعم من جهات:
الأولى: ثواب الأعمال التي تتضمن معاني الأخوة.
الثانية: الفوز بالشفاعة بين الإخوان.
الثالثة: الأثر الحسن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين.
الثالث: ذكر النعمة الإلهية بإعتبارها سبباً لحصول الأخوة بين المسلمين.
قانون النعمة والتنعم
يعيش الإنسان في بحبوبة من النعم وتتصف بالإستدامة الى جانب الإبتداء، فمن الآيات ان نعم الله عز وجل لا تنضب او تجف او تتأخر عن أوانها، نعم قد يحجب الإنسان عن نفسه بعض النعم جحوداً ومع هذا لا يكون الحجب مستديماً بل تكون النعمة معلقة الى حين الندم والتوبة، او قبل حصولهما فضلاً من عند الله تعالى، والناس في معرفة النعمة على وجوه ثلاثة:
الأول: من يعرف النعمة ويلتفت اليها، ولكنه لا يشكر النعم.
الثاني: من لا يلتفت الى النعمة مع أنها مصاحبة له أو تكون حاضرة عند الحاجة، ولا يشكر الله عليها.
الثالث: من يعرف النعمة والمنعم، ويتوجه الى الله بالشكر على النعمة وقال بعض أهل العرفان: عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون.
لقد جاءت هذه الآية لتبين ما يتعلق بالنعمة من وجوه:
الأول: ذكر النعمة الإلهية وتعددها لذا ورد لفظ النعمة في الآية مرتين.
الثاني: ذكر مضامين وتفاصيل النعمة في الواقع الخارجي وفيه دعوة للمسلمين لبيان الثمرات والنفع العظيم من كل نعمة أنعم الله بها عليهم سواء تلك التي ذكرت في هذه او الآيات القرآنية الأخرى، مع إعتبار إنشطار وتشعب كل نعمة الى نعم غير متناهية سواء بالكم او الكيفية او العدد او انبساطها على كل المسلمين في مختلف أجيالهم الموجودة والمتصورة.
الثالث: ذكر المنعم فقد تفضل الله تعالى وبين النعمة وذكر انها من عنده، ولم يقل الله سبحانه “واذكروا نعمتي عليكم” وان ورد لفظ (نعمتي) في القرآن ست مرات كلها تخبر عن نعمة الله عز وجل فقالت الآية نعمة الله، فذكرت اسم الجلالة ليكون فيه تأديب وإرشاد للمسلمين، ولأن أول الآية جاء بذكر حبل الله، فجاءت هذه الآية بإضافة النعمة الى الله ليس من باب المشاكلة بل للتوكيد على لزوم التمسك بالقرآن والسنة شكراً لله تعالى على نعمته، وكأن هناك ملازمة بين الأمرين، أحدهما نازل من الله عزوجل وهو نعمة الله، والآخر صاعد من العبد وهو الإعتصام بحبل الله.
والآية في مفهومها من آيات الشكر لله، خصوصاً وان الشكر في الإصطلاح هو الإعتراف بنعمة المنعم مع ضرب من التعظيم، وفيه تهذيب للنفس كما أنها تمتلأ بهجة ورضا بقسمه، وهذه البهجة لا تنحصر بالأفراد بل تشمل عموم المسلمين وهي سلاح لإزاحة ادناس علائق الدنيا، وحرز من الفرقة والتشتت لأن التقاء المسلمين في شكر الله تعالى عنوان للأخوة ووسيلة للمحبة وإستدامة المودة بينهم، ولم تذكر الآية الشكر لله ولزوم المبادرة اليه على هذه النعم ولكنه مستقرأ من مضامين الآيات، بالإضافة الى عمومات آيات الشكر، ومنها قوله تعالى [وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ]( ).
ان ذكر النعمة دعوة لمعرفة الله لأنه هو المنعم، وحث على الإقرار بربوبيته والإمتثال لأوامره، فمن نعمة الله على الناس ان يذكر نعمه عليهم، ويجعل هذا الذكر حياً غضا بالقرآن وتلاوة المسلمين له، وبالمصاديق الخارجية لتلك النعم، وتحلي المسلمين بآدابها والتقيد بأحكامها ومنها نعمة الأخوة وتعاهدها بين الأفراد والقبائل والأمصار، وهذا التعاهد نعمة أخرى من عند الله لأنه من رشحات نعمة الأخوة.
قانون (بنعمته)
تتغشى نعم الله الحياة الدنيا، وتتجلى بالآيات الكونية، وأسرار الخلق، وكنوز المعارف وخزائن الرزق وأسباب المعيشة وإستدامة الحياة ودفع البلاء عن الناس جماعات وأفراداً، ومنهم المسلمون إذ أراد الله تعالى لهم البقاء كأمة وعقيدة فتنزلت عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فترى القرآن محفوظاً من التحريف والتغيير، والفرائض الإسلامية تؤدى بيسر ومن غير خوف او فزع، والإقرار بالشهادتين لا يسبب النفرة عند أي ملة او فرقة من الناس كتابية كانت أو وثنية مع أنه يتضمن دعوتهم للإسلام كشريعة ناسخة.
وقوله تعالى “بنعمته” يفيد ان النعمة الإلهية فيض إلهي ينزل على العبد، وتترتب عليه آثار حسنة في ذاتها وعرضها، ومن أسرار النعم الإلهية عدم تخلف أثرها عنها، فاذا جاءت النعمة الإلهية يكون النفع وألأثر المترتب عليها كالمعلول المتعقب لعلته، والذي لا يتخلف عنها، وتلك نعمة أخرى لذا جاءت الآية بذكر النعمة على نحو السببية فلم تقل الآية “أنعم عليكم بالأخوة” بل أخبرت عن حصول الأخوة نتيجة النعمة الإلهية، وهذا لا ينفي كون الأخوة نعمة إلهية ايضاً، ولا تنحصر مضامين هذا القانون بنعمة الأخوة الإيمانية بين المسلمين بل أنها شاملة لآثار ومنافع النعم الإلهية عليهم وعلى الناس كافة، وهي دعوة للإسلام، وحث على نبذ الكفر والجحود بالربوبية.
ومما ثبت في علم الأصول ان شكر المنعم واجب، والله عز وجل أنعم على الناس جميعاً، وشكره تعالى يتجلى بالإيمان بالوحدانية والإقرار بالربوبية لله تعالى،
ويمكن إستقراء مضامين هذا القانون بالبرهان اللمي والرجوع من الأثر الى المؤثر، ومن الحال الحسنة التي عليها العبد الى السبب والنعمة الإلهية الكامنة وراءها، فهي مدرسة عقائدية كلامية تبعث على التحقيق لمعرفة النعم الإلهية، كما تبين إنحصار صدور النعم بالله تعالى، فهو المنعم على الناس.
واذا ما أحسن إنسان الى غيره فهو من نعمة الله على نحو مركب بهداية الناس بعضهم لبعض، وجعلهم قادرين على التراحم فيما بينهم، ويكون فيما يخص المسلمين من مصاديق أخوة الإيمان، لذا تراه يختلف عندهم بالنسبة لغيرهم، فالإحسان والتراحم والعطف ثابت بين المسلمين سواء بالزكاة الواجبة، او المستحبة، وما جاء فيها من النصوص، بالإضافة الى الأجر والثواب العظيم الذي يجعل المسلمين يسارعون في الخيرات وإعانة بعضهم بعضاً.
ومضامين هذا القانون تشمل في شطر من مصاديقها الناس جميعاً بالذات الى جانب ما يشمل غير المسلمين بالعرض من المصاديق والنعم الخاصة بالمسلمين، قال تعالى [أَلَمْ تَرَى أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ]( )، فجريان السفن في البحر وما فيه من المكاسب والتجارات والمنافع العامة برحمة وفضل إلهي على الناس جميعاً، ومناسبة للتدبر بالآيات ودعوة للإيمان بالله تعالى.
علم المناسبة
ورد لفظ (بنعمة) في القرآن تسع مرات، ولم يرد لفظ (بنعمته) الا في هذه الآية الكريمة مع ان الجميع منسوب ومضاف لله تعالى، ويكون المجموع عشرة، ثلاثة منها في هذه السورة، وتبين إحداها فرح وإستبشار المجاهدين الذين نالوا الشهادة، قال تعالى [يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ] ( )، وجاءت ثلاث آيات في توبيخ وذم الكافرين لجحودهم بنعمة الله، وعدم أدائهم ما يجب عليهم من الشكر لله، قال تعالى [أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ]( ).
كما جاءت الآية في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها حث له لبيان النعم الإلهية وإعلان الشكر عليها، وتنبيه المسلمين للزوم الإلتفات اليها والإتعاظ بها، ومقابلتها بالشكر والثناء على الله تعالى، قال تعالى [وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ]( ).
كما جاء اللفظ بصيغة الجمع في ذم الذين كفروا وإستحقاقهم العذاب الأليم قال تعالى [فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ]( )، وجاءت آية الإنذار بخصوص النعم في تحذير الناس من التفريط بها، قال تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]( ).
وهل يشمل هذا الإنذار المسلمين بخصوص نعمة الأخوة، الجواب لا من وجوه:
الأول: مجيء الآية أعلاه بخصوص قوم وليس ملة الإسلام.
الثاني: مجيء الآية محل البحث بصيغة الماضي التي تفيد الإمضاء والثبات.
الثالث: الاخوة بين المسلمين نعمة ثابتة من عندالله.
الرابع: لو قيل بإطلاق آية تغيير النعمة وشمولها للمقام فان المسلمين لم يغيروا ما بأنفسهم، وهم ماضون على أداء الفرائض وعبادة الله.وهم أعم من القوم لأنهم أمة مؤمنة أراد الله لها وراثة النبوة والأرض فهم خارجون يالتخصص من منطوق هذه الآية وإن جاءت بصيغة الشرط.
نعم فيها حث للمسلمين على تعاهد النعم الإلهية، واخبار آيات النعمة بإضافتها لله تعالى توكيد على لزوم هذا التعاهد، وتوثيق لحقيقة وهي ان النعم كلها من عند الله، وورد قوله تعالى [وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ] ( )، وهي خاصة في (زيد) لبيان ان الإحسان من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو بفضل ونعمة من عند الله لأنه فرع الوحي والتنزيل.

قوله تعالى [إِخْوَانًا]
أخبرت الآية الكريمة عن صيرورة المسلمين إخوة بنعمة وفضل من عند الله، وتحتمل الأخوة في مصاديقها وجوهاً:
الأول: الأخوة بين المهاجرين والأنصار، كما آخى النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، وجعل لكل صحابي أخاً منهم.
الثاني: الاخوة بين الأنصار انفسهم بلحاظ أسباب النزول، ودرء الفتنة بين الآوس والخزرج.
الثالث: الأخوة بين المسلمين أيام التنزيل والبعثة النبوية، وشمولها لأفراد القبائل العربية.
الرابع: الأخوة بين الصحابة بغض النظر عن الإنتماء القبلي والجنس، فالقرشي أخو الموالي، ومن كان يهودياً صار اخاً للأنصاري بعد ان كانت بينهما عداوة وخصومة.
الخامس: حصول الأخوة والمودة بين المسلمين الذين كانت بينهم خصومة وعداوة وثأر في الجاهلية، سواء كأفراد أو قبائل.
السادس: شمول الأخوة لجميع المسلمين في كل زمان مع إختلاف اممهم وشعوبهم وأمصارهم من بداية الإسلام والى يومنا هذا وحتى يوم القيامة.
والصحيح هو السادس لوجوه:
الأول: أصالة الإطلاق.
الثاني: بقاء أحكام الآية القرآنية وإستدامة حكمها.
الثالث: لايعطي الله عز وجل إلا بالأوفى والأتم.
الرابع: عموم الخطاب في الآية الكريمة (فأصبحتم) وهو يتوجه لكل المسلمين الموجود منهم والمعدوم.
الخامس: تجلي مصاديق الآية بالواقع العملي، وإحساس كل مسلم بشموله بمضامينها، وحرصه على التقيد بها، وغبطته بمضامينها.
ومن الآيات ان جاء الأمر بالإعتصام بحبل الله، وعدم التفرق والتشتت بعد مجيء نعمة الأخوة ونبذ العداوة والخصومة، بدليل ان الآية تأمر المسلمين بعدم التفرق [وَلاَ تَفَرَّقُوا] ثم أخبرت بان الله عز وجل أنعم على المسلمين وجعلهم أخوة متحابين فيما بينهم، مما يدل على ان نعمة الأخوة متقدمة زماناً، فلماذا جاء الأمر الإلهي في هذه الآية بعدم التفرق فهل الأخوة لا تمنع من التفرق والجواب انها مانعة من التفرق والتشتت وجاء الأمر الإلهي هنا للتوكيد على لزوم استدامة الأخوة وتعاهدها من قبل المسلمين جميعاً ونزع رداء البغضاء والكدورات.
وقد يقال بعدم التعارض بين الأخوة والتفرق، فيمكن أن يتفرق ويختلف الإخوان في الإجتهاد والرأي والقول والجماعة نسبياُ وفي الصغائر، فجاءت الآية للإخبار عن ترك التفرق مطلقاً، ولزوم عدم التشتت، ولدفع الوهم والظن بعد التعارض بين التفرق والأخوة، نعم يمكن ان يقال ان الإختلاف أدنى مرتبة من التفرق، فيجب حينئذ ان لا يؤدي الإختلاف الى الفرقة والشقاق.
فتنهى الآية عن التفرق وتدعو لإستحضار الأخوة وسننها، واذا نظرت الى مواضيع المصاديق العملية للإختلاف لظهر لك إنتفاء أسبابها لمجيء أحكام الشريعة جامعة مانعة، جامعة لأوامر الحلال والحرام، ومانعة من الإختلاف والفرقة.
ترى ما هي النسبة بين الإعتصام بالله ونعمة الأخوة، فيه وجوه:
الأول: الإعتصام بالله فرع الأخوة بين المسلمين، فمتى ما أصبحوا اخوة فانهم يتمسكون بالقرآن والسنة.
الثاني: نسبة العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي الإيمان، اما مادة الإفتراق فان الإعتصام بالله يكون على نحو القضية النوعية والشخصية، أما الأخوة فلابد من مفاعلة بين المسلمين بان يكون كل مسلم أخاً للمسلم الآخر.
الثالث: التباين الموضوعي فالإعتصام بالله أمر منفصل عن الأخوة، وجاء الإعتصام بالله على نحو الأمر الإلهي للمسلمين، أما الأخوة فهي نعمة أنعم الله بها عليهم.
الرابع: الأخوة فرع الإعتصام بالله، فبعد أن أمر الله المسلمين بالإعتصام بحبله وأظهروا الإمتثال لأمره، جاءتهم نعمة الأخوة، لأن الود والمحبة والتآخي أمور تترشح عن الإلتقاء في ذات الله والتوكل عليه، وعدم الخروج عن أوامره ونواهيه.
الخامس: الإعتصام بالله واللجوء اليه في السراء والضراء مقدمة لقوانين الأخوة بين المسلمين، وتوجيهها في الواقع العملي.
لذا ابتدأت الآية بالأمر الإلهي بالإعتصام بالله، ثم جاءت نعمة الأخوة والتنزه الإسلامي العام عن آفة العداوة وأضرار البغضاء.
السادس: العكس من الوجه أعلاه، وهو أن نعمة الأخوة مقدمة للإعتصام بالله، فالإنشغال بالعداوة والخصومة حاجز دون الإعتصام بالله والتقيد بأحكام الشريعة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق الآية وما فيها من النعم، وقد يرد إشكال بان تعلق أحد الطرفين على الآخر يستلزم الدور، فكيف يكون الإعتصام بالله مقدمة للأخوة، والأخوة مقدمة للإعتصام بالله.
ولكن الإعجاز والبيان في الآيات القرآنية أعم من أن تحيط به أوهام البشر، وقواعد عالم التصور، اذ ان مقدمة أحدهما للآخر ليس على نحو الموجبة الكلية فحسب بل هما متداخلان، وتعدد جهات الصلة والترابط بينهما، يؤثر احدهما في الآخر، ويقتبس منه مع إستقلاله في موضوعه وأحكامه، ومن الآيات ان نعمة الأخوة لم تكن معلقة على الإمتثال لأمر الله تعالى بالإعتصام بحبله والتمسك بالقرآن والسنة، بل جاءت إبتداء وفضلاً من عند الله تعالى على المسلمين لدخولهم الإسلام، فمع النطق بالشهادتين يشعر المسلم بالتخلص من أعباء العداوة والثأر والبغضاء ولو على نحو تدريجي، وما أن يعلم المسلمون بان شخصاً دخل الإسلام الا وإنتزعوا ما في قلوبهم من البغضاء والعداوة أزاءه.
ويحتمل الأمر الإلهي بذكر النعمة أموراً:
الأول: أنه منّ من الله عز وجل على العباد وهو أمر حسن لأنه بيان للنعمة، ويدل بالدلالة التضمنية على إستمرارها.
الثاني: التذكير بالنعمة الإلهية دعوة سماوية لعدم الغفلة عنها.
الثالث: الحث على الإنتفاع من النعمة.
الرابع: إدراك حقيقة وعلة التغيير وحال الصلاح في المجتمعات الإسلامية وأنها نعمة من الله.
الخامس: التذكير بالنعمة الإلهية نعمة إضافية وفضل إلهي على المسلمين، لما فيه من الدعوة لشكر الله، ونيل الثواب على الشكر، وهو باب لإستدامة النعمة.
وعن عمر ( سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله ، قالوا : يا رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم ، قال : هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ [لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ]( ) ( ).
أي أن نعمة الأخوة بين المسلمين وتعاهدهم لها، ورسوخها ملكة في نفوسهم باب للواب العظيم في الأخرة، وبذا يأتي الفضل الإلهي في الدنيا ليكون سبباً للسعادة والنعيم في الدنيا والأخرة.
مسائل
الأولى: يستحب السعي في قضاء حوائج الناس، خصوصاً ممن أنعم الله عليه بالشأن والجاه والمال، فكلما أزدادت نعم الله على العبد كثرت حاجة الناس له، وهو نوع إختبار وإمتحان وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: من أصبح لا يهتم بامور المسلمين فليس بمسلم، ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم( )، مما يدل على تضمن معاني الأخوة للتعاون ودرء الضرر، والمسارعة للنجدة بصفة الإسلام من غير لحاظ للقبيلة والقومية والمصر، وفيه نوع ملازمة بين الإسلام وتعاهد نعمة الأخوة.
الثانية: من مصاديق هذه الآية الكريمة إهتمام كل مسلم بشؤون المسلمين بحسب الإمكان والمقدرة، وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: الله في عون العبد، ما كان العبد في عون اخيه( )، والتعاون بين المسلمين من شعب الأخوة الإيمانية التي أنعم الله بهما على المسلمين.
الثالثة: ينبغي إكرام فاعل الخير، والدعوة للإقتداء به، وتحقير فاعل المعصية وإجتناب مخالطته مع الإمكان ولا يتعارض هذا الإجتناب مع مفاهيم الأخوة اذا كان فيه إصلاح له او لغيره ومنع من سراية المعصية، لقاعدة تقديم الأهم على المهم، ولأن الإجتناب نوع تأديب وتوكيد لمضامين الإيمان، ولزوم التقيد الشخصي والنوعي بهما.
الرابعة: إشاعة فعل المعروف والصلاح بين الناس، لذا جاءت الآية التالية بالدعوة الى الخير والأمر بالمعروف، وبيان ما فعله من تثبيت للإيمان في النفوس، وعظيم الثواب الذي ينتظر فاعل الخير مع إخوانه المسلمين، وعن الإمام الباقر عليه السلام عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صنايع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيةً تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر، وكل معروف صدقة( )، وعن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيةً تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر وكل معروف صدقة( ).
الخامسة: يستحب مكافأة المعروف بمثله او ضعفه، ولا يجوز جحود النعمة وكفران المعروف قال تعالى [ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ]( ).
ويتضمن الكتاب والسنة الحث على رد المعروف، وإستدامة الإحسان وهو من مصاديق حسن الخلق، وتعاهد السنن الحميدة وتثبيت معاني الأخوة ونشر مفاهيم المحبة والمودة.
قانون التمام في النعمة
من أبهى مفاهيم الوجود وعالم الإمكان النعم الإلهية وهي حاضرة في كل شيء منه، لا تنفك عن الموجودات ولا يمكن إحصاؤها بل ان أقسامها متعددة، منها ما يكون عاماً، ومنها ما يكون خاصاً وليس من فاصل بين القسمين، للتداخل بينهما وتأثر العامة بالنعمة الخاصة، وشمول الخاص بالنعمة العامة، وهذا التداخل من وجوه تمام النعمة، وآية من عند الله، وفضل إضافي على الناس عامة، والمسلمين خاصة.
وصحيح ان الآية جاءت بخصوص النعمة على المسلمين الا ان مضامين تمام النعمة أعم، ولم تقيد بالإسلام أي لا تكون النعمة على الناس ناقصة بسبب الكفر والجحود، بل هم الذين يحجبون عن أنفسهم تمامها وكمالها وشطراً من أفرادها وخصوصياتها، وهذا الحجب ليس مطلقاً او ثابتاً بل هو متزلزل ومعلق على الكفر، فمتى ما هجروا الكفر تأتيهم تلك الأفراد متدافعة ومتزاحمة لتثبت بالعقل والحس ضرورة الإيمان بالله عز وجل.
وتبين منافع الإيمان العاجلة في دلالة على المنافع الآجلة التي يصاحب الإقرار والطمع بها الإيمان ودخول الإسلام، فقد لا يلتفت الإنسان مع تلبسه بالكفر الى النعم الأخروية الا انه مع الإيمان يدرك موضوعيتها ويحس بقربها ويشعر بدنوه منها وزوال الحواجز والموانع التي تفصل بينه وبينها.
وفي النعمة الإلهية وجوه:
الأول: مجيؤها على نحو الموجبة الكلية.
الثاني: تعدد مصاديقها وأفرادها.
الثالث: إتصالها وإستمرار زمانها، وعدم إنحصارها بوقت مخصوص.
الرابع: الإنتفاع منها.
الخامس: ظهور بركاتها في الحال على الشخص والجماعة.
السادس: النعمة الإلهية فضل محض من عند الله، ومن خصائص الفضل الإلهي انه لا يتوقف على فعل وإستحقاق من العبد، ووجوه تمام النعمة الإلهية أعم من أن تحيط بها عقول البشر، لتعددها وشمولها للمحتمل في الوجود الذهني والواقعي وغيره من الإفاضات التي تقصر عنها مدارك الناس، خصوصاً وانها تأتي ابتداء من عند الله وليس جزاء على فعل من العبد، ولتمام النعمة منافع عرضية منها:
الاول: ما يتعلق بالمسلم وفيه وجوه:
الأول: النعمة إكرام وعز للمسلم.
الثاني: أنها دعوة للثبات على الإيمان.
الثالث: بيان عظيم فضل الله على المسلم.
الرابع: النعمة من مصاديق الخلافة في الأرض وأسباب إستدامة هذه الخلافة.
الخامس: شمول النعم الإلهية للمسلمين مطلقاً، الرجال والنساء، والصغار والكبار.
الثاني: انتفاع غير المسلم من تمام النعمة وفيه وجوه:
الأول: شمول كل انسان بفضل الله لأنه عبد من عباده.
الثاني: النعم الإلهية شاهد على ان الله لم يخلق الخلق ويتركهم وشأنهم بل أنه يمدهم بأسباب النعم.
الثالث: فيها حجة على الكافر، ودعوة له للإسلام.
الرابع: انها برزخ دون التعدي على المسلمين.
الخامس: النعمة مناسبة للإصغاء لآيات الوعد والوعيد.
الثالث: الجامع للناس جميعاً المسلم والكتابي والكافر والوثني، ففيه وجوه:
الأول: النعمة لطف إلهي عام، سواء كانت نعمة عامة أو خاصة، اذ ان النعمة الخاصة ينتفع منها الناس جميعاً، لذا فان الإسلام بركة على الناس، والمؤمنون أوتاد الأرض، ووجود الإسلام وأمة مسلمة برزخ دون زوالها وإندثارها، وهما معاً أي الإسلام ووجود المؤمنين نعمة من عند الله على الأرض وأهلها.
الثاني: النعمة سبب للأخوة بين الناس، ومن الآيات في هذا الباب أنهم جميعاً ولدوا لأبوين هما آدم وحواء، ومن النعم ان الناس يعلمون هذه الحقيقة وكل أمة تسمي آدم باسم خاص بلغتها أو بحسب ما دون في كتبها فليس من أمة تقول ان الناس لهم اكثر من أبوين، وتلك حجة بالغة.
الثالث: النعمة دعوة وحجة على الناس بوجوب الإقرار بالصانع، وانعدام الشريك.
الرابع: العبرة والموعظة العامة مع التباين في كيفية الموعظة فالمسلم يمتلأ غبطة وسروراً ويزداد ايماناً بما انعم الله عليه من نعمة الهداية، اما
الكافر فانه يشعر بسوء اختياره، وما ينتظره من العقاب الأليم.
الخامس: الإخبار عن حقيقة وهي ليس من منعم على الناس الا الله تعالى، والنعمة شاهد على الربوبية ولزوم اظهار العبودية المطلقة لله تعالى.
السادس: النعمة سلاح بيد المؤمنين لدعوة الكافرين للإسلام، ومادة للاحتجاج.
السابع: انها سلاح في المواجهة بين الإيمان والكفر، لان المسلم يقاتل بثقة وسكينة ومن اجل غاية سامية منها المحافظة على الإسلام، اما الكافر فانه يشعر بعدم وجود موضوع يقاتل من اجله.
الثامن: النعمة برزخ دون اشاعة مفاهيم الكفر والجحود.
ومن الآيات ان تمام النعمة عون على تحقيق هذه المنافع، ومن وجوه تمام الأخوة بين المسلمين التي جاءت بها هذه الآية كبشارة للناس جميعاً، وضياء مبارك لكل مسلم ينير له دروب الهداية والتوفيق والرشاد.
قانون أثر النعمة
تعتبر النعمة الإلهية اثراً مباركاً لفضل الله تعالى على الناس، كما ان لها اثاراً متعددة تشمل الميادين المختلفة، وتلك خصوصية تنفرد بها النعمة الإلهية، بالاضافة الى تعدد وجوهها، ومن صيغ التعدد اتصال واستدامة اثرها، وعدم انحصارها في الموضوع والجهة المقصودة بالنعمة، الأمر الذي يستلزم الشكر من الناس جميعاً على كل نعمة شخصية كانت او نوعية، والأخوة بين المسلمين نعمة عليهم مجتمعين ومتفرقين، وكل اثر من آثارها نعمة اضافية ومنها:
الأول: بعث روح المودة بين المسلمين.
الثاني: إستحداث صلة قربى عامة بين المسلمين، لم يشهد التأريخ مثلها من وجوه:
الاول: الكم. الثاني: الكيف. الثالث: الموضوع.
الرابع: استدامة نعمة الأخوة بين المسلمين.
الخامس: أحكام الإخوة.
اما الاول فمع كثرة عدد المسلمين فان رابطة وصلة الأخوًة في الملة والدين تجمعهم جميعاً، وليس من حبل للأخوة بين الملل والامم الاخرى يوصل بين معشار من عددهم.
اما الثاني وهو الكيف فان أخوة المسلمين قائمة على العقيدة والمبادئ، مما يدل على قوة الوشائج التي تربط بينهم.
واما الثالث وهو الموضوع فان مضامين الأخوة شاملة لاحكام العبادات والمعاملات، وحاضرة في ميادين الحياة المختلفة.
واما الرابع وهو الاستدامة فان الأخوة بين المسلمين باقية الى يوم القيامة، وهو من آثار نعمة الله عزوجل وشاهد على بقاء دوام منافع ورشحات النعمة الإلهية.
واما الخامس فإن أحكام الأخوة شاملة للميادين المتعددة، وتتضمن النصرة والإعانة والشفاعة والإقالة والإجارة والأمانة وحفظ المال والعرض والصدق والوفاء ونحوه من الأخلاق الحميدة , وتحتمل آثار النعمة الإلهية وجوهاً:
الأول: انها حسنة ذاتاً وعرضاً.
الثاني: انها حسنة بالذات دون العرض.
الثالث: تتصف آثار النعمة بالحسن العرضي دون الذاتي.
الرابع: التداخل فيها بين الحسن والقبح بحسب الحال والمتلقي.
الخامس: الآثار الحسنة على المسلمين خاصة.
السادس: عموم الحسن والنفع في النعمة الإلهية ذاتاً وأثراً.
والصحيح هو الأول والسادس، وتتصف آثار النعمة بالحسن الذاتي والعرضي، والشامل للناس جميعاً، والنعمة الإلهية كالمطر النازل من السماء اذ ينتفع منه الناس جميعاً، من ينزل في أرضه بالذات، ومن لم ينله منه شئ بالواسطة، فمع المطر تزداد الخيرات ويعم الخصب والريع، وترخص الحبوب وتكثر الفواكه، وتزد هر التجارات، وتصلح المراعي وما ينفرع عنها من الناتج الحيواني، وتعمر البلدان وتقل حوادث السرقة والسلب، وتكون مناسبة للعمل والكسب، والتوجه الى عبادة الله عزوجل والشكر له على النعمة، وما المطر الا نعمة من عنده تعالى، وهو مثال على تعدد وكثرة آثاره.
ومن الآيات ان جحود الإنسان لم يمنع من إتصال هذه النعمة المحسوسة، وكذا النعم الأخرى العقلية والحسية، وتعدد وإستدامة منافع النعمة الإلهية مدرسة كلامية وعقائدية تساهم في تهذيب النفوس وصلاح المجتمعات، وهي برزخ دون سيادة الكفر والجحود، ودعوة للإنتفاع الأمثل من النعمة الإلهية وعدم التفريط بها وبآثارها، وما يفيض عنها من البركة، وهذه الآثار من مصاديق الرحمة الإلهية الملازمة لجعل الإنسان خليفة في الأرض، وقد أنعم الله على المسلمين بتمام النعمة، قال سبحانه [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]( ).
قانون الانتفاع من النعمة
النعمة الإلهية رحمة نازلة تتغشى أهل الأرض وفضل إبتدائي من عندالله، وآية كونية تدل على عظيم قدرة الله، واقتران الرأفة بالقدرة، وليس من حد لنعم الله سواء في الكم اوالكيف، فكل نعمة الهية ذات ابعاد لا متناهية، كما ان عدد النعم غير محدود، ولا يستطيع الإنسان احصاءه فضلاً عن تصوره، لانه اكبر من عالم التصور.
ومن الآيات ان يأتي الواقع بما يفوق عالم التصور، سواء بالنعم الموجودة فعلاً والتي يصعب على الإنسان إدراكها، او التي تأتي دفعة او تدريجياً، عن سبب او حاجة، او ابتداء من فضل الله تعالى، او واقية وحرزاً، اوتداركاً او مقدمة لنعم أخرى، او وسيلة للإنتفاع من النعم، فقد يحتاج الناس في الإنتفاع من النعمة الى نعمة اخرى تكون مقدمة له، وتتغشى النعم الإلهية العوالم المختلفة، وهي حاضرة في كل شئ في الوجود، والإنتفاع منها نعمة أخرى، فمن التوفيق والرشاد ان يستفيد الإنسان من النعمة الإلهية، وهذه الفائدة والإنتفاع على وجوه:
الأول: الإنتفاع التام.
الثاني: الإنتفاع على نحو الموجبة الجزئية.
الثالث: عدم الإنتفاع من نعمة مخصوصة مع وجودها وكونها في مقدور الانسان.
الرابع: الجحود بالنعمة، والإعراض عنها.
الخامس: التوظيف السلبي للنعمة الإلهية.
واذ ينعم الله على الناس نعمة معينة فانه يبعث الناس إلى الانتفاع منها، ويهديهم الى كيفية الإستفادة منها، وتلك الإستفادة على أقسام ثلاثة:
الأول: في الحياة الدنيا. الثاني: في عالم الآخرة.
الثالث: النفع العام الشامل للحياة الدنيا والآخرة.
ولابد في كل نعمة من وجود المنتفع الأمثل منها أي الذي ينتفع الإنتفاع التام منها، بإجتماع الوجه الاول أي الإنتفاع التام، والقسم الثالث من الوجه الخامس اعلاه، وتلك نعمة اخرى، ويحتمل الإنتفاع الأمثل من النعمة وجوهاً:
الأول: العموم الإستغراقي الشامل لكل الناس.
الثاني: خصوص المسلمين وأهل ملة التوحيد.
الثالث: الشطر الأكبر من الناس.
الرابع: الفريق الأقل من الناس.
ولا تعارض بين هذه الوجوه الأربعة مع التباين بينها، لتعدد نعم الله ولكثرة مضامينها المباركة، فمن النعم ماينتفع منها الناس جميعاً، ومنها ماتكون بخصوص المسلمين الذين يؤدون حق النعمة بالشكر. قال تعالى [وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ]( )، باعتبار ان الشكر لله نعمة اخرى، وتترشح عنها نعم اضافية دنيوية واخروية، قال تعالى [إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ]( ).
وتارة يأتي نوع ومقدار الإنتفاع من النعمة فضلاً من الله، سواء كان الإنتفاع نوعياً او شخصياً، فترى الناس جميعاً ينتفعون من النعمة على نحو الإنطباق والواقع المحسوس، وأخرى ينتفع الفرد من النعمة، وهذا الإنتفاع بلحاظ علته وجهته على وجوه:
الأول: مبادرة العبد للأخذ والتزود من النعمة على نحو الإختيار.
الثاني: اللجوء الى النعمة الإلهية على نحو الإضطرار.
الثالث: ظهور الحاجة للنعمة الإلهية.
الرابع: موضوعية الطمع والخوف في الإلتجاء الى نعمة الله.
الخامس: الإبتلاء الشخصي او النوعي، و ظهور مقدمات وأمارات الإبتلاء فيستجير العبد بنعمة الله، كما لو شعر بالخوف في مصر، او وجود رزق كريم ومناسبة للعبادة في بلد آخر، قال تعالى [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ]( ).
السادس: قذف حب الانتفاع من النعمة في قلب العبد بفضل من الله تعالى، فالصلاة والصوم نعمة من عندالله مع مافيها من التكليف، ومن الناس من يبادر الى التوبة والصلاح، ويحرص على اجتناب ظلم الذات والغير من غير سبب ظاهر الا الفضل الإلهي، وهذا المبادرة من النعم الإلهية.
وليس من نعمة الا وينتفع منها الناس لخلو فعل الباري عزوجل من العبث، وكل فعل منه تعالى لطف محض، فلابد من موضوع ومستفيد من النعمة الإلهية، ووجود المستفيد منها حجة على غيره وشاهد على أهلية الإنسان للخلافة في الأرض وقبوله النعم وانتفاعه منها، نعم هذا الإنتفاع من الكلي المشكك، سواء في عدد أفراده، او في مقداره وعدد الذين ينتفعون من النعمة، وكيفية الانتفاع منها.
ومن الآيات ان الفرد الذي يأخذ شطراً وجزء من النعمة لايحجب عنه الشطر الآخر، بل له ان ينهل منه في أي وقت، وهو قريب منه لايغادره وان قصّر في عدم الإنتفاع منه، فمن خصائص الإنتفاع من النعمة انه ممكن ولايستلزم الوسائط، ومن وجوه الإنتفاع بالنعمة ومقدماته ذكرها لانه من مصاديق الشكر لله، والإقرار بالربوبية والقدرة المطلقة له تعالى، لذا جاءت الآيات القرآنية بالحث على ذكر النعمة وهو امر يحبه الله، قال تعالى في خطاب لبني اسرائيل [اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ]( )، باعتبار ان الذكر مقدمة للإنتفاع الأمثل من النعمة، وباب لدخول الإسلام والإقرار بالنبوة.
ومن الآيات ان النعمة الإلهية تأتي بالدعوة العامة للانتفاع منها اذ انها تتضمن الترغيب بما فيها من الحسن الذاتي والعرضي، وما يكتسبه العبد من المنافع بالأخذ منها، كما انها تساعد على الأخذ والانتفاع منها حال العزم والإرادة على النهل والاغتراف منها، وهو من الكرم والفضل الإلهي على الناس.
وجاء انتفاع المسلمين من نعمة الأخوة الإيمانية على نحو التمام لتتفرع عنه نعم متعددة، وتبقى هذه النعمة شاهداً على وراثة المسلمين للأنبياء، ومناسبة كريمة لتعاهدهم لمبادئ الإسلام، وامتناعهم عن القيام بتحريف الكتاب وأحكام الحلال والحرام، وهذا الإمتناع عنوان تفضيل للمسلمين.
قانون وجوه النعمة
يعيش الأنسان بنعمة الله، تتغشاه في يومه وليلته، وتصاحبه منذ ولادته ولاتغادره حين موته بل تدخل معه في القبر، وتحضره في عالم الحساب، مع تعدد صيغها وموضوعاتها، وكما ان النعمة الإلهية مستديمة وتامة وذات اثر واسع، فان لها وجوهاً متعددة، وتلك آية اخرى يمكن ان نسميها آية ( وجوه النعمة) والتعدد فيها يحتمل ضروباً:
الأول: تعدد وجوه النعمة بالنسبة للإنسان الواحد.
الثاني: كثرتها وتعددها للجماعة والملة والأمة.
الثالث: تعددها بلحاظ كثرة أفراد الزمان الطولية فتعني إستدامة النعمة تجددها في كل آن، وان كل مصداق منها غير المصداق والفرد الذي سبقه في زمانه وان إتحد معه في الماهية والمضمون.
الرابع: كثرة النعم بحسب موضوعات النعمة الواحدة والتباين في مقدارها وكيفيتها وحال المتلقي لها.
ومن النعم الإلهية ان النعمة الواحدة لها عدة وجوه، وكل وجه من وجوهها هو نعمة إضافية اخرى، وجاءت هذه الآية بذكر نعمة الأخوة، وفيها وجوه:
الأول: الأخوة في القربى الايمانية، اذ انها تشريع لصلة قربى شخصية مستحدثة بلحاظ الأخوة في الدين وان لم يكن فيها توارث بعد نزول قوله تعالى [وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ]( ).
الثاني: الأخوة في الجهاد بان يقاتل المسلمون كأنهم بنيان مرصوص، ويذب أحدهم عن الآخر.
الثالث: الحاجة الى النصرة بين المسلمين، والتي لا يمكن ان تتم لولا الأخوة، فان قلت: هناك اقوام وأهل ملل ونحل ينصرون بعضهم بعضاً من غير ان تكون اخوة بينهم، والجواب من وجوه:
الاول: إن التحديات والتعدي الذي يواجه المسلمين يجعلهم محتاجين الى الأخوة فيما بينهم.
الثاني: عظم الغايات السامية التي يسعى المسلمون لبلوغها، الأمر الذي لا يتم الا بالأخوة.
الثالث: الأخوة عنوان الإتحاد، والمسلمون بحاجة له في عباداتهم ومعاملاتهم ودفاعهم عن الإسلام.
الرابع: من وجوه نعمة الأخوة الأداء الجماعي للعبادات، وهو وسيلة لتثبيتها، وجعل ادائها سجية وملكة دائمة في النفس.
الخامس: النعمة واقية وسلاح للمسلم والإنسان مطلقاً.
ومن عظيم فضل الله تعالى بخصوص النعمة أنها ليست على كيفية ثابتة تستلزم من العبد حال معينة تناسب الأخذ والإنتفاع منها، بل تأتي واسعة تعكس الكرم واللطف الإلهي، وتكون ملائمة لكل أحوال العبد وله ان ينهل منها في الإختيار والإضطرار، وعند الرخاء والشدة، وفي الليل والنهار، وبمقدور الرجل والمرأة، والكبير والصغير أن يغترفوا منها بالكيفية والطريقة التي تلائم أحوالهم، وهذا التعدد في وجوه النعمة من عمومات مجيء عطاء الله بالأتم والأوفى.
بحث عقائدي
واجه المسلمون ومنذ بدايات الدعوة العداء والخصومة، وتلقوا صنوف الأذى والظلم ولم يصدر هذا التعدي من جهة مخصوصة، ولم يكن له حد معين، بل جاء من عدة جهات، وتضمنت وجوهه الإفراط في الإيذاء والظلم، ومن خصائصه انه ألتقى فيه المتضادان، وإجتمعا في إيذاء المسلمين، على وجوه:
الأول: مجيء الأذى من كفار قريش وغيرهم من الكفار.
الثاني: تلقي الأذى من اليهود في إنكارهم للبشارات الواردة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السابقة، فاليهود أصحاب كتاب سماوي وهو التوراة وهم على خلاف مع الكفار الوثنيين، وتقتضي الوظيفة العقائدية المترشحة عن الإنتماء للكتاب السماوي قيامهم بمؤازرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإلتقاء في التنزيل ولزوم إتباعهم للنبوة، ولكنهم أخذوا يحرضون قريشاً على النبي والصحابة في المدينة.
الثالث: ظهور ألأذى من المنافقين في بدايات الإسلام.
الرابع: قتال الكفار للمسلمين ومحاولاتهم الهجوم على المسلمين في ديارهم كما في معركة بدر وأحد والخندق، فكانت الأخوة بين المسلمين ضرورة عقائدية وأخلاقية، وحاجة مستديمة لحفظ الدماء والأموال والأعراض.
فأنعم الله عز وجل على المسلمين بنعمة الأخوة فيما بينهم، لتكون واقية من الأعداء، وسلاحاً للنصر عليهم، ووسيلة لتثبيت الإيمان في النفوس، وكما أنها حاجة ذاتية للمسلمين فهي وسيلة مباركة لإستقبال أفواج المسلمين من العرب والموالي، ومن الفقراء والمساكين، والعبيد فلولا فضل الله عز وجل لا يمكن أن يقف الحر بجانب العبد في الصلاة، فضلاً عن تقدم العبد، في الصفوف الأولى أو إمامته، وكانت نعمة الأخوة سبيلاً لبلاء المسلمين بلاء حسناً في العبادة وفي سوح القتال الأغنياء منهم والفقراء، أما الأغنياء فلزوال الفوارق من نفوسهم، وإحساسهم بالرأفة على إخوانهم الآخرين، وأما الفقراء فلما جاءهم من العز والمقام الإجتماعي المقارن للإسلام، ومن المنافع العامة لنعمة الأخوة أمور:
الأول: إدراك الجميع كثرة الإخوان.
الثاني: الأخوة باعث على التفاني في مرضاة الله، وبذل الوسع في الجهاد في سبيله.
الثالث: رفع حاجز الخوف او الخشية من الآخرين، فمثلاً كانت للملأ من قريش هيبة في نفوس الناس خصوصاً المستضعفين الذين إختاروا الإسلام، وبنعمة الأخوة زالت تلك الهيبة وأصبح الشأن والمنزلة بلحاظ الإسلام والإرتقاء في سلم المعارف الإلهية.
الرابع: بعث الفزع والخوف من المسلمين في قلوب الكافرين لإتحاد المسلمين وصلة الأخوة التي تربط بينهم.
الخامس: يأس الكافرين من نشر الخلاف والفرقة بين المسلمين، وإثارة النعرات القبلية أو المذهبية.
بحث كلامي
مما لا يخفى ان الإنسان كائن إجتماعي بطبعه، يأنس الى غيره من أبناء جنسه، ويحتاج للألفة معهم، ويقتبس من الآخرين ويسعى للتأثير بهم وان كان تأثره وأخذه منهم أكثر مما يعطيه الى الجماعة والأمة، نعم بخصوص الأنبياء يختلف الأمر لأن النبي يأتي برسالة سماوية، وهو واسطة الفيض الإلهي على الناس، ويتفضل الله بإصلاحه لوظائف ومسؤوليات النبوة، وأنعم الله عز وجل مرة أخرى على المسلمين وأصلحهم لوراثة الأنبياء فجعلهم إخوة، وفي هذه النعمة وجوه:
الأول: انها فرع نعمة النبوة فلما أنعم الله على الأنبياء بالنبوة جعل المسلمين إخوة، لبيان الخصوصية واللطف الذي أنعم الله به على المسلمين بإعتبارهم أتباعاً للأنبياء.
الثاني: جاءت هذه النعمة جزاء عاجلاً للمسلمين على إيمانهم وتصديقهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: الأخوة عون وسبيل للإرتقاء في سلم المعارف الإلهية.
الرابع: جاء الأنبياء بتثبيت سنن التوحيد، وأحكام الحلال والحرام في الأرض الى يوم القيامة وأختتمت النبوة بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن الآيات أنها لم تختتم الا برسول نبي بإعتبار ان الرسول أكبر درجة من النبي، وفيه شاهد على موضوعية الرسالة في ختم النبوة، وليكون المسلمون الأمة التي ورثت الأمم السابقة وتلقت الأحكام من سيد الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن خصائص هذا التلقي ان يكون المسلمون إخوة فيما بينهم فضلاً من عند الله، ولتبقى هذه الأخوة سلاحاً لتثبيت دعائم الإسلام في الأرض باعتباره حاجة للناس ولديمومة الحياة على الأرض.
الخامس: جاء القرآن جامعاً للأحكام الشرعية ولابد من تعاهد آياته وحفظه من التحريف والتغيير بالإضافة الى لزوم العمل بمضامينه وسننه، وهذا الأمر يستلزم الأخوة بين المسلمين، ومنع الفرقة بينهم، وما تؤدي اليه الفرقة من الإنقسام والتشتت، ومضامين الأخوة برزخ دون ما يترشح من الفرقة من التعدي على أحكام القرآن، وحرز لبقاء المسلمين مجتمعين على ضرورة تعاهد القرآن وإستدامة الإقرار بإمامته.
السادس: الأصل هو إجتماع الناس بالأخوة النسبية بآدم وحواء كأبوين للأمم كافة وإن تعدد الإنشطار بينهما، وجاءت هذه الآية بالأخوة الإيمانية من غير أن تتعارض او تتزاحم هذه الأخوة مع الأخوة النسبية.
وبين المسلمين وغيرهم في موضوع الإنتفاع من الأخوة عموم وخصوص من وجه، فمادة الالتقاء هي الأخوة النسبية فكل الناس ينتفعون من الأخوة النسبية ولو على مراتب متفاوتة، والمسلمون اكثرهم انتفاعاً منها، اما مادة الافتراق فهي على وجوه:
الاول: صلة الارحام، وتوظيف المسلمين لها في مصالح الدين والدنيا بالرأفة على ذوي الأرحام، واستدامة الصلة معهم، واكتناز الصالحات بسبب هذه الصلة.
الثاني: الأخوة الإيمانية التي جاءت هذه الآية بالإخبار عن فوز المسلمين بها الى يوم القيامة بقوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا].
الثالث: الود والوئام بين المسلمين وانتفاء الكدورات والبغضاء بينهم.
السابع: من اللطف والرحمة الإلهية جعل الله عز وجل وسائل لترغيب الكافرين بالإسلام، وأسباباً لهدايتهم للإيمان، ومنها حال الأخوة بين المسلمين، وكما يجوز لبس الحرير للمسلم في الحرب استثناء من تحريمه ليبدو المسلمون في قوة ومنعة ولدعوة الناس لدخول الإسلام، فان الأخوة بين المسلمين حال مستديمة وليست استثناء وتتعلق بعالم الأفعال والذات، وليس العروض، مما يدل على الحاجة لها في حال السلم والحرب، لأن فيها دعوة دائمة متجددة للناس لدخول الإسلام، ونبذ الشرك ومعاني الكفر والضلالة.
بحث أخلاقي
يتسامى الخلق الإنساني بمعاني الأخوة، وتتبدد فيها سحب البغضاء والكراهية، وتنتفي معها العداوات، وقد أنعم الله على الإنسان وجعله مؤهلاً للأخوة وقادراً على التقيد بسننها وآدابها، اذ انها لا تعني النسب وحده، فلأخوة الإيمان عناوين أخلاقية إعتبارية، ووشائج من الصلات ذات صبغة عقائدية تجعل الحياة أكثر بهاء وبهجة وأماناً، وتلازم الإنسان زماناً ومكاناً.
أما زماناَ فان الأخوة الإيمانية مصاحبة له في كل آن من آنات حياته، اذ انه يشعر بكثرة الإخوان من حوله، وهذا الشعور ليس أحادي الجانب، بل هو أمر متبادل، ومن منافع التبادل فيه التعاون في التدارك والمحافظة على سنن وقواعد الأخوة.
اذ ان المسلمين الآخرين يحسون بالأخوة أزاءه وتلك آية إعجازية في الصلات الإجتماعية بين المسلمين، وهذه الصلات لا تنفي موضوعية النسب ولا تنقص من شأنه في باب الأخوة والقربة إنما هي تثبيت له وترسيخ للإيمان في قلوب أهل القبيلة والبلدة والنسب الواحد، وتلك نعمة أخرى تتفرع عن نعمة الأخوة الإيمانية.
وهناك شواهد عديدة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تفيد التوكيد على صلة الرحم، وإعانة أولي الأرحام، وطرد النفرة بينهم، وما في صلتهم من الثواب والأجر العظيم، قال تعالى [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ]( ).
لقد بعث الله عزوجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في الجزيرة العربية، ومجتمعات قبلية تقوم بغزو بعضها بعضاً، وتنتقم من الخصم، وتسعى للثأر وتعد العدة للإنقضاض على الغير بسبب عداوة او خصومة واحياناً من غير عداوة اوسبب الا الطمع وحب الغلبة والإستحواذ على ملك الغير، بالإضافة الى حال الجوع والفقر، وما تفرع من العداوة والغزو بينهم من ظهور حال وأد البنات.
فتفضل الله تعالى واصلح بين هذه القبائل خلال أيام وأشهر قليلة، وما كان هذا الإصلاح والوفاق ان يتم الا بمعجزة إلهية فلا يمكن ازالة اسباب العداوة والبغضاء بين الأمم والجماعات الا خلال مدة مديدة واجيال متعددة، وحصول مصاهرة وتبادل تجاري وطي صفحة الماضي، ولاتتم تلك الإزالة الا على نحو تدريجي، والشواهد التأريخية القديمة والحديثة شاهدة عليه، ولكن الإسلام جاء بالأخوة بين المسلمين لتكون نعمة حاضرة، ولتتغير القلوب وتتبدل العداوة الى محبة، والبغض الى مودة، ويبيت المسلم الى جانب أخيه مع نسيان وهجران لأسباب العداوة، ويخرجان في السرايا والكتائب وكل واحد منهما يشعر انه أخو الآخر، وان المسلمين إخوة لهما، ليس هذا فقط بل يدعو كل مسلم الناس ليكونوا أخوة له بالإنتماء للإسلام.
ومن مضامين قانون أثر النعمة إمتلاء النفوس بالغبطة والسعادة من الأخوة الإيمانية، وإدراك منافعها العاجلة والآجلة وظهورها على النفوس بصيغ التهذيب وإشاعة روح المودة، والمبادرة الى قضاء الحوائج ودفع الضرر وهي عون على أداء العبادات، وشيوع الأخلاق الحميدة.
ومن منافع الأخوة وسبل دوامها، نبذ أسباب النفرة والكدورة بين المسلمين، ومنه حرمة الغيبة بينهم، وعدم جواز ذكر احدهم الآخر بسوء في غيبته وعند عدم حضوره قال تعالى [أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ] ( )، والتذكير بصفة الأخوة تغليظ في حرمة الأخوة، وزيادة في التحذير منها.
قانون الدفعة والتدريج
من المتسالم شرعاً وعقلاً ووجداناً تعدد وكثرة وإتصال النعم الإلهية، ومن الآيات أن كل إنسان يدرك هذه الحقائق، وان تباين الناس في الإقرار بها، فأهل الإيمان يقرون بها، ويقابلونها بالشكر والثناء على الله تعالى، وأهل الجحود والكفر قد يلجأون عند الحاجة الى الله، ويتطلعون الى نعمه وفضله لكشف الكروب ورفع البلاء ورجاء الخير والفضل.
وفي كيفية مجيء النعمة الإلهية وجهان:
الأول: الدفعة الواحدة.
الثاني: التدريج والتعاقب والمراتب.
وليس من حصر للنعم الإلهية في أحد الوجهين أعلاه، فقد تأتي النعمة الإلهية دفعة واحدة، وقد تأتي بالتدريج، وفي هذا التباين نعمة إلهية أخرى من وجوه:
الأول: التباين بحسب حاجة الإنسان.
الثاني: تأتي النعمة الإلهية بلحاظ النفع الأتم والأحسن منها، فاذا كان الأنفع للإنسان الدفعة تأتيه النعمة دفعة واحدة، واذا كان الأصلح في دينه ودنياه التدريج فتأتيه النعمة الإلهية على مراحل وليس من موضوع ينحصر به وجه واحد منهما، فقد تأتي النعمة دفعة لشخص، وتدريجياً لآخر، بل ذات الشخص تأتيه أفراد النعمة مرة دفعة وأخرى تدريجياً، كحال الغنى والسعة والثروة، فهو على وجوه:
الأول: من يأتيه الغنى دفعة واحدة كما في حال الأرث.
الثاني: الذي يحصل على الغنى والثروة من غير فترة تذكر بين تعاقب الدفعات من الأموال.
الثالث: من تنمو وتزكو أمواله في مدة مديدة، وسنوات عديدة، وكل من هذه الوجوه ينقسم الى أقسام وهي:
الأول: الذي يأتيه المال من غير تعب أو عناء بل بفضل من الله.
الثاني: الذي يبذل جهداً قليلاً في الكسب، ولكن الله يبارك له في القليل.
الثالث: من يلاقي العناء ويتعرض للأخطار والمهالك في سبيل جمع المال والثروة.
وجاءت نعمة الأخوة لتكون شاملة للوجوه أعلاه في موضوع توثيق الصلات الأخوية ومانعة من الأذى والهلكة وهي أعم من جمع المال والثروة، اذ انها تأسيس لقواعد عقائدية وإجتماعية وأخلاقية تكون مقدمة ووعاء لتثبيت دعائم الإسلام، ويأتي جمع الأموال أمراً عرضيا ورشحة من رشحات هذه النعمة والآية العظمى في الخلق، وتحتمل نعمة الأخوة في مجيئها وجوهاً:
الأول: مجيؤها على نحو الدفعة الواحدة، وهو على قسمين:
الأول: الدفعة في أخوة المسلم لبعض المسلمين.
الثاني: الدفعة في مدة الأخوة بين المسلمين كافة.
الثاني: التدريج والتعاقب وهو على أقسام:
الأول: التدريج في الفرد الواحد من الأخوة، أي ان المسلم يقيم صلته مع أخيه المسلم على مراحل متعددة.
الثاني: التدريج في أخوة المسلم مع المسلمين فهو يقيمها اولاً مع جاره وصديقه والقريب منه، ويتوجس خيفة من غيرهم ممن يعمل معه او ينافسه في مهنته، او يخرج معه في الكسب والتجارة، ثم يبدأ بالأخوة معهم ومع غيرهم الأقرب فالأقرب.
الثالث: التوالي والترتيب في مفاهيم الأخوة، فتبدأ الأخوة بالمسمى وصرف الطبيعة، ثم تتسع وتزداد لتشمل عناوين الإخلاص والبر والإيثار والمعونة والنصرة وستر الخلة.
الثالث: الجامع للدفعة والتدريج، وهو على أقسام:
الأول: مرة تأتي نعمة الأخوة دفعة واحدة، وأخرى على مراتب ودرجات متعاقبة.
الثاني: بعض مصاديق الأخوة تكون دفعة واحدة، وبعضها الآخر على نحو التدريج، فيصدق على المسلم أنه أخو المسلم بلحاظ ما جاء من مصاديقها ومعانيها دفعة واحدة.
الثالث: التداخل بين الدفعة والتدريج في معاني الأخوة، فترى المسلم يندفع في الأخوة، مع شخص، بينما يتأنى في أخوة شخص آخر.
والصحيح هو القسم الثاني من الوجه الأول، أي مجيء نعمة الأخوة دفعة واحدة بين المسلمين، وهو الذي يدل عليه منطوق الآية الكريمة التي جاءت بصيغة الماضي، والأمر بذكر النعمة بإعتبارها امراً حاصلاً يستلزم إستحضاره في الذهن.
قاعدة جديدة: ويمكن ان تؤسس قاعدة أصولية في المقام وهي لو دار الأمر بين مجيء النعمة دفعة أو تدريجياً فالأصل هو مجيؤها دفعة لعظيم فضل الله تعالى، ولأنه سبحانه يعطي بالأوفى والأتم، ولعمومات قوله تعالى [كُنْ فَيَكُونُ] ( )، والتدريج يأتي بحسب الأسباب كما انه يعرف بالقرائن والشواهد، وما فيه من المصالح ودرء المفاسد.
قانون الحاجة لذكر النعمة
قد تقدم قانون ذكر النعمة وأقسامه وأنه شخصي ونوعي، وجاءت الآية بصيغة ولغة الجمع (واذكروا) في دلالة على توجه الخطاب الى المسلمين جميعاً بان يذكر كل واحد منهم نعمة الأخوة، ويذكرونها جميعاً، وفي ذكر نعمة الأخوة وجوه:
الأول: انه مطلوب لذاته.
الثاني: علة ذكر النعمة لمنافع سامية تترشح عن النعمة وعن الذكر.
الثالث: إرادة العرض المصاحب لنعمة الأخوة.
الرابع: إستحضار حال المسلمين قبل الإسلام كما يدل عليه الشطر التالي من الآية [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ].
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وهي من مصاديق الآية، والغايات السامية من ذكر نعمة الأخوة والآثار الحميدة التي تترتب على ذكرها، وجاء الأمر الإلهي بذكر نعمة الأخوة لا لحاجة من الله لهذا الذكر، لأنه سبحانه غني عن العالمين، وغناه مطلق لا ينحصر بموضوع دون آخر، بل لحاجة الإنسان لذكر هذه النعمة، وهذه الحاجة على أقسام:
الأول: حاجة المسلم لذكر نعمة الأخوة.
الثاني: الإنشغال بطاعة الله.
الثالث: بعث الأمن والسكينة في النفس.
الرابع: تنمية ملكة الثقة في المسلمين، وإجتناب الشك والريبة منهم، وما يؤدي اليه الشك من تعطيل الأعمال، والإبطاء في تحقيق الغايات العقائدية والشخصية غير المحرمة والمنهي عنها، وهذه الثقة مطلقة وعلى وجوه:
الاول: ثقة المسلم بأخيه المسلم.
الثاني: إطمئنان الجماعة من المسلمين للفرد منهم.
الثالث: صلة الأخوة واتصال مفاهيم الصدق والأمن بين المسلمين جماعات وافراداًً.
الرابع: ثقة المسلم بإخوانه المسلمين والجماعات منهم.
الخامس: ثقة غير المسلمين بالمسلمين، وتكون هذه الثقة بلحاظ موضوعاتها على اقسام :
الاول: الثقة بالمسلمين في العهود والمواثيق، وهو الذي تؤكده آيات القرآن، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] ( ).
الثاني: الإطمئنان الى المسلمين في المعاملات التجارية والبيع والشراء وعقد الشركة والإجارة ونحوه.
الثالث: وجود شعور عام عند الناس بصدق عقيدة المسلمين واقرارهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: إطمئنان وتأكد الناس لحقيقة وهي ثبات المسلمين على مبادئ الإسلام، وعدم حصول إرتداد من أي واحد منهم.
الخامس: تتقوم النعمة بالشكر لله، ونعمة الأخوة حاجة للمسلمين، فجاءت الآية لإستدامة النعمة ونيل الثواب عليها.
الثاني: المنافع الأخروية ومنها:
الأول: الثواب على تلقي نعمة الأخوة.
الثاني: الأجر والثواب على الشكر على نعمة الأخوة.
الثالث: الأجر على ذكر النعمة، فمجرد ذكر النعمة حسنة لأنه يدل بالدلالة التضمنية على الإقرار بفضل الله تعالى وعظيم قدرته وسلطانه.
الرابع: الثواب الذي يأتي عما يترشح عرضاً من نعمة الأخوة بإعتبارها نظاماً متكاملاً يكون مقدمة لفعل الخيرات، وإفشاء الإحسان بين المسلمين.
الثالث: حاجة المسلمين لذكر نعمة الأخوة وهي على وجوه:
الأول: أداء الفرائض على نحو الجماعة والإشتراك.
الثاني: التعاون في تعلم أحكام الحلال والحرام، وسنن العبادات.
الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإنصات له.
الرابع: الأخوة في سوح المعارك، وملاقاة الأعداء.
الخامس: الوقاية من التعدي والهجوم على المسلمين.
السادس: العناية بأولاد من مات من المسلمين، سواء مات شهيداً او على فراش الموت.
السابع: الأخوة موضوع وحكم يصاحب المسلم حال بلوغه ودخوله معترك الحياة العملية.
الثامن: عدم إنحصار الأخوة بالقربى او المحلة او المصر، فأينما يذهب المسلم يجد له إخواناً كثيرين.
التاسع: تفشي حال النصرة والإعانة بين المسلمين.
العاشر: شيوع النصيحة بين المسلمين، والسعي النوعي العام لإصلاح ذات البين، ولمنع وقوع السيئات والذنوب.
الحادي عشر: تدارك حصول الخصومات والفتن، وحصول الصلح في حال وقوعها.
الرابع: حاجة الناس للأخوة بين المسلمين، وهي من الإعجاز واللطف الإلهي في هذا الباب، فالأخوة نعمة مخصوصة للمسلمين، الا ان الفيض المترشح عنها عام يشمل الناس جميعاً، وهو من بركة الإسلام، وهذه الحاجة على وجوه:
الأول: رؤية الناس لمفاهيم عقائدية تحكم سلوك المسلمين.
الثاني: إختصاص المسلمين بمضامين المحبة بينهم.
الثالث: الإنجذاب للإسلام والرغبة في جلب أخوة الملايين منهم.
الرابع: إقامة الحجة على الناس بآية إعجازية في باب الصلات الإجتماعية، ومعاني الود والمحبة.
الخامس: إجتناب التعدي على المسلمين وأموالهم وأعراضهم، لأن كثرة الإخوان زاجر للآخرين عن الإساءة والظلم لخشية إجتماع المسلمين على الدفع والرد.
السادس: إدراك الفارق والتناقض بين الإسلام والكفر، لما في الأخير من الفرقة والتشتت.
والنسبة بين العبادة وذكر النعمة هي العموم والخصوص المطلق، فكل ذكر للنعمة هو عبادة وشكر لله تعالى على تفضله بالإنعام والإحسان كما انه مقدمة لأداء الفرائض والعبادات، ترى متى يحتاج المسلمون ذكر نعمة الأخوة، الجواب ليس من حال او زمان مخصوص لوجوب ذكرها، والأصل الإطلاق وهو ظاهر الآية الكريمة، نعم هناك موارد ووجوه ابتلاء يحتاج فيها المسلمون ذكر هذه النعمة ليكون هذا الذكر عوناً على تجديدها، وجزء علة للتدارك والصلاح والإصلاح ودفع الأذى والشر.
قانون (اذكروا)
بالإضافة الى ورود هذا اللفظ في القرآن تسع وعشرين مرة، ورد لفظ (اذكروني) و(اذكروه) في حث على ذكر الله تعالى، وبصيغة المفرد (اذكر) ست عشرة مرة، في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمراد المسلمون كافة، والإنتفاع الأعم والإمتثال الحسن لمضامين الأمر الإلهي، وهذا الذكر مركب من قسمين:
الاول: حال الفرقة والخلاف بينهم.
الثاني: صيرورة المسلمين إخوة بفضل ونعمة من عند الله.
وتتعلق مضامين هذا القانون بالمسلمين كافة ولزوم إمتثالهم للأمر الإلهي في الذكر والإستحضار الذهني لأمور وردت في القرآن وهي:
الأول: ذكر نعمة الله عز وجل، وجاء في القرآن إحدى عشرة مرة، وهو على وجوه:
الأول: مخاطبة المسلمين على نحو التعيين، كما ورد في هذه الآية الذي جاء الحصر للدلالة على تفضيل المسلمين بنعمة الأخوة، ودعوتهم للشكر له سبحانه.
الثاني: مجيء الخطاب لبني اسرائيل بصيغة التبكيت وإقامة الحجة عليهم كما في قوله تعالى [يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي]( )، وجاء ذكر بني اسرائيل من باب المثال، والا فان الآيات أعم في دلالتها وتعلقها بالأمم السالفة، خصوصاً مع تغشي النعم الإلهية للناس جميعاً، وفي الأمر الإلهي الى بني اسرائيل بذكر النعم التي انعم الله بها عليهم آية إعجازية ووثيقة سماوية، ودعوة للشكر لله تعالى، وحث على دخول الإسلام.
الثالث: حكاية خطاب الرسل الى أممهم، ودعوتهم لذكر نعمة الله، وفي هذا الذكر وجوه:
الأول: الشكر لله تعالى على النعمة.
الثاني: دعاء ورجاء النبي إستدامة النعمة على أمته.
الثالث: ذكر الأمم السالفة للنعم الإلهية سبيل لإستحضارهم للبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والنعمة الإلهية ببعثته لتستنبط آية إعجازية في باب النعمة الإلهية في الإسلام، وان مضامين ذكر النعم لا تنحصر بما سبق من النعم بل بما هو آت منها، مما أخبر عنه الأنبياء وتكون فيه السعادة والغبطة في النشأتين، وهل البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة، الجواب نعم، كما أن التصديق بها موضوع للأجر والثواب، وكذا ذكرها لما فيه من الإقرار بالنبوة، وتعاهد بشاراتها وتركها إرثاً للأجيال اللاحقة لتكون عوناً لهم في دخول الإسلام وتعاهد مبادئه.
الرابع: إتخاذ النعمة مناسبة للثبات على الإيمان، وعدم الجحود في التنزيل[وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ]( ).
الرابع: الأمر الإلهي بذكر نعمته عليهم، ومن الآيات الإعجازية ان موضوع الخطاب العام للناس جاء بخصوص نعمة الخلق والرزق كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ]( ).
فجاء التذكير بالنعم العامة التي يتنعم بها كل إنسان، وبينها وبين نعمة الهداية نفس النسبة بين الناس والمسلمين، وهي العموم والخصوص مطلقاً، فكل مسلم هو إنسان وليس العكس.
ومن الآيات في مضامين هذا القانون الإطلاق والشمول في ذكر النعمة، كل بحسبه، للتوكيد على حقيقة وهي ما من مخلوق الا وهو يتلقى النعم من عند الله، لذا يجب ذكرها والتدبر فيها، ليكون هذا الذكر طريقاً للعبادة، ووسيلة لذكر نعم أخرى على الإنسان ظاهرة وباطنة، قال تعالى [وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً]( ).
الخامس: ذكر الله عز وجل، اذ جاءت الآيات بالحث على ذكر الله وعدم الغفلة منه، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا]( )، وهذا الوجه هو الأصل في موضوع الذكر الشخصي والملي الخاص بالمسلمين أو أهل الكتاب، والعام الشامل للناس جميعاً، وحتى ذكر النعمة مناسبة لذكر الله بل هو ذكر لله بالواسطة، ولا ينحصر الخطاب الخاص بالذكر لأمة مخصوصة بها دون غيرها، بل أنه يشمل غيرها بالمنطوق أو المفهوم، وفي الأول أي المنطوق وجوه:
الأول: شمول الخطاب بالذكر للأمم التي تلتقي مع الأمة التي يتوجه لها الخطاب كما في ذكر نعمة الميثاق وألعهد، ودعوة الأنبياء لقومهم لذكر آلاء الله.
الثاني: المنافع والأثر الحسن للذكر، ونزول البركة والخير به، قال تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ]( ).
الثالث: ذكر النعمة تعاهد وحفظ لها.
الرابع: المدح والثناء على الأمم التي تذكر الله عز وجل ونعمه.
أما الثاني وهو المفهوم، ففيه وجوه:
الأول: حث الناس على الإقتداء بالمسلمين في ذكر النعم.
الثاني: الإخبار بان ذكر النعمة من ضروب الشكر لله تعالى.
الثالث: دلالة الآيات التي تمدح المسلمين بذكرهم لله ونعمه على ذم الجاحدين، كما في قوله تعالى [وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ]( )، وتجلي هذا الذكر سنوياً في موسم الحج بأبهى معانيه، فيدل هذا الذكر في مفهومه على ذم الكافرين وتوبيخهم لإختيارهم الإعراض عن ذكر الله.
الرابع: شهادة الآيات التي تذم الكافرين لجحودهم بالنعم وعدم ذكرهم لها على مدح المسلمين لتعاهدهم لذكرها.
الخامس: الأمر الإلهي بذكر النعمة رحمة إضافية بالناس، وهداية الى سواء السبيل ويفيد التعدد في الذكر، خصوصاً وان التعدد واقية من الجحود، وبرزخ دون نسيان النعم، ومناسبة كريمة للأجر والثواب، وحجة على الكافرين، ودعوة لهم للاسلام والتفكر في نعم الله، والتدبر في فضله العظيم على الناس وكيف ان الكفر والجحود لا يمنعان من توالي النعم عليهم، وان الإيمان عنوان لنعم إضافية عديدة يحتاج اليها العبد في الدنيا، وهي ضرورية لإنقاذه في عالم الآخرة.
وهل ينحصر الأمر الإلهي بذكر النعم الظاهرة، أم يشمل الباطنة أيضاً الجواب هو الثاني، ومن الآيات ان الذكر يجعل من النعم الباطنة ظاهرة جلية، وما ذكر من النعم الإلهية في هذه الآية من النجاة من العداوة والهلكة والوقوع في النار، وفوز المسلمين بنعمة الأخوة والهداية فهو من النعم الظاهرة.
قانون إستدامة الأخوة
جاءت الآية الكريمة بالنص على تحقق الأخوة بين المسلمين، وقد تقدم قانون عموم النعمة، وقانون إستدامتها، للدلالة على دوام نعمة الأخوة بين المسلمين في الدنيا، ومن الآيات انها تصاحبهم في الآخرة بفضل من عند الله ولتكون الأخوة في الآخرة ثواباً على تعاهدهم لنعمة الأخوة الإيمانية في الدنيا ولم يرد لفظ (اخواناً) الا في آيتين.
الاولى: الآية محل البحث بقوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا].
الثانية: تتعلق بعالم الآخرة، قال سبحانه [ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ]( ).
وهذا الترتيب والحصر في موضوع لفظ (إخواناً) آية إعجازية في ألفاظ القرآن ودلالتها العقائدية، وما يحمله اللفظ القرآني متحداً ومتعدداً في مواضعه من القرآن من البشارات والمضامين القدسية شاهد على الإستدامة والإستمرار في معاني الأخوة التي تستغرق الحياة الدنيا والآخرة.
واذ ان الأولى دار عمل بلا حساب، والثانية دار حساب بلا عمل، فان الأخوة في الآخرة عنوان للثواب، وإخبار عن الجزاء الحسن للتقيد بمضامين الأخوة في الدنيا، وهذا التقيد هو الآخر نعمة من عند الله بدليل إخبار الآية عن كون الأخوة بين المسلمين نعمة من عند الله مما يدل على ترتب الثواب على النعم الإلهية بالواسطة.
فتتجلي مفاهيم الأخوة في أقوال وأفعال مناسبة تصدر من المسلمين لتكتب الملائكة الحسنات لهم، كما ان قوله تعالى [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ] ( )، دليل على عدم تأثير الغل والجفاء على معاني الأخوة بين المسلمين، أي ان الغل وحصول النفرة أحياناً لا يضر بأصل وإستدامة الأخوة بينهم، ولو حدثت فتنة او خلاف فهل ترتفع الأخوة بين المسلمين وتحل محلها العداوة سواء العداوة الإبتدائية، او السابقة التي نقضها الإسلام، وهل منها الغل المرفوع في الآية أعلاه، أو تبقى مضامين هذه الأخوة على حالها.
الجواب هو الأخير، من وجوه:
الأول: إستمرار وبقاء الأخوة بين عموم المسلمين الذين لم تحصل بينهم ضغائن، وهم الأكثرية الغالبة كما تدل عليه الشواهد في الأزمنة المختلفة.
الثاني: لو صار خلاف بين فرقتين من المسلمين، فان الأخوة باقية بين أفراد كل فرقة منهما، بوجهين:
الأول: فيما بين أفراد الفرقة ذاتها.
الثاني: بينها وبين عامة المسلمين.
الثالث: لا دليل على وجود ملازمة بين حصول الضغائن والخلاف وبين إنعدام الأخوة، فالأصل هو بقاء الأخوة، وهذه الآية دليل عليه، بمعنى ان حصول الخلاف لا يضر في بقاء الأخوة، ومن الشواهد على إستدامة الأخوة، في مثل هذه الحال قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] ( ).
الرابع : الجمع بين الآيات شاهد على بقاء الأخوة حتى مع حصول غل، كما أن هذا الغل لا يحدث إلا على نحو السالبة الجزئية والقضية الشخصية والمؤقتة.
فالأخوة ملازمة للإيمان والخصومة لا تتنافى معها، لذا جاءالقرآن بذكر أشد درجات النزاع وهو الإقتتال من غير أن تغادر صفة الإيمان الطرفين لقوله تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي]( )، ومن مضامين هذا القانون لزوم عودة المسلمين الى الأخوة والمحبة والصلح، ونسيان الضغائن، فإستدامة الأخوة فيض سماوي لنزع الكدورات الظلمانية، والتخلص من النفس الشهوية والغضبية.
قانون إطلاق النعمة
جاء الأمر الإلهي (إذكروا) موجهاً الى جميع المسلمين في مختلف الأزمنة والأمكنة، وموضوع الذكر متعدد وشامل لحال العداوة السابقة للإسلام، وحال الأخوة وتوالي النعم الإلهية بالبعثة النبوية الكريمة وتعاهد مبادئ الإيمان، ولكنه يتألف من طرفين أحدهما سابق وهو الأصغر، والآخر لاحق وهو الأكبر.
فالأول هو حال العداوة وهي محدودة في موضوعها وزمانها وأفرادها، اما الآخر فهو الأخوة وهي عامة وتستغرق المسلمين جميعاً وتتصف بالتعدد والتركيب اذ انه يشمل تآلف القلوب، ونشر مفاهيم المودة والمحبة والوئام بين المسلمين، وتحقق حال الأخوة.
وتحتمل النسبة بين تآلف القلوب وبين الأخوة وجوهاً:
الأول: التساوي بينهما وان إحدهما يساوي الآخر في الرتبة.
الثاني: العموم والخصوص المطلق، وهو على قسمين:
الأول : الألفة فرع وجزء من الأخوة.
الثاني : الأخوة فرع الألفة بين القلوب.
الثالث: العموم والخصوص من وجه، فهناك مادة للإلتقاء، وأخرى للإفتراق.
الرابع: الإتحاد بينهما.
الخامس: التداخل وان إحدى النعمتين تندك في الآخرى.
السادس: إستقلال كل نعمة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وعدم التعارض هذا نعمة أخرى وآية في إكرام المسلمين، فالألفة جزء من الأخوة ومقدمة لها وشاهد عليها، بإعتبار ان الأخوة أسمى وأرفع درجات الصلة بين أفراد الجنس البشري فشّرف الله عز وجل بها المسلمين، وفيه نكتة أخرى، وهي الإخبار عن النعمة التي أمر الله تعالى بذكرها في المقام بقوله سبحانه [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ] من وجوه:
الأول: حال القلوب، والإصلاح الذاتي والنفسي لكل مسلم، وبعث المودة بين المسلمين.
الثاني: تغشي مرتبة الأخوة للصلات بينهم وهو من مضامين العقيدة السماوية الناسخة والباقية الى يوم القيامة.
الثالث: ما يأتي في شطر الآية التالية من إنقاذ المسلمين من الضلالة وأسباب الهلكة، وهو آية في نعم الله وإفادتها الإطلاق والشمول، فبالإضافة الى شمول نعمة الأخوة للمسلمين جميعاً كما تقدم بيانه في قانون عموم النعمة( )، فان النعمة الإلهية تأتي مطلقة في مواضيعها وأحكامها، فلا تقف عند حد محدود.
ولا تنحصر النعمة برفع جزء من العداوة او الإكتفاء بتأجيل العداوة وحصول الهدنة المؤقتة بين المسلمين بل جاءت ناقضة وناسخة لكل مصاديق العداوة الباطنة والظاهرة، أما الباطنة فبنزع الكراهية وحب الإنتقام والثأر وأسباب العداوة من النفوس، وأما الظاهرة فبمنع حصول الخصومة والإقتتال أوإستمرار البغضاء بين المسلمين أفراداً وجماعات وقبائل وشعوباً.
قانون عموم الأخوة
جاء الخطاب في الآية إنحلالياً شاملاً لكل المسلمين، ويتضمن البشارة بحصول الأخوة بينهم على نحو العموم الا ان يرد دليل على الإستثناء المنقطع بعد إنعدام المتصل منه بحسب إطلاق الآية، والمنقطع أيضا معدوم خصوصاً مع القول بان الخصومة لا تنفي الأخوة، لذا ترى المبادرة إلى حلّ الخلاف حال حصوله بين بعض المسلمين بصيغ الأخوة، والعزم على التخلص منه ودفع أسبابه، ومنه أحكام القصاص والديات والأرش، التي جاءت مدرسة متكاملة شاملة للجنايات ومانعة من بقاء آثارها في الواقع الخارجي، كما ان نعمة الأخوة الملازمة للمسلمين تزيح البغضاء التي تترتب عليها في النفوس، ولكن لماذا لم تمنع نعمة الأخوة من حصول الخصومة اصلاً بين المسلمين، فيه وجوه:
الأول: جاءت أحكام القرآن والسنة متكاملة، وتتغشى العبادات والمعاملات والأحكام.
الثاني: عدم حاجة المسلمين لغير القرآن، والسنة في صلاتهم وصيغ المعاملة بينهم، وبينهم وبين غيرهم.
الثالث: ما جاء في القرآن والسنة من الأوامر بالحث على نبذ الفرقة والخلاف، والدعوة الى الرجوع الى الله ورسوله لمنع التعدي.
الرابع: تعتبر أيام النبوة شاهداً على نعمة الأخوة لعدم حصول خصومة أو فرقة بين المسلمين، مع حصول الهجرة، ودخول آلاف المهاجرين من قريش والقبائل والقرى الى المدينة وإقامتهم فيها، مع صعوبة إستيعاب المدينة للمهاجرين وإقامتهم فيها لم تحصل خلافات تذكر بين المهاجرين والأنصار، بل كانت الأخوة هي الحاكمة للصلات بينهم، نعم حاول المنافقون إثارة الفتنة ففضحهم الله.
الثاني: عند حصول خصومة فلابد من وجود تقصير وإبتعاد من أحد الطرفين أو كليهما عن مبادئ الإسلام، فتأتي هذه الآية لتتضمن أموراً:
الأول: دعوة الطرف المعتدي او الخاطئ الى التدارك.
الثاني: حث المظلوم على الصبر والتحمل وجواز لجوئه الى الشريعة والقضاء لنيل حقه كاملاً.
الثالث: دعوة المسلمين وأولي الأمر خاصة للتدخل للإصلاح والتدارك، ومنع إتساع الفرقة والنزاع او إستمراره.
الثالث: من وظائف هذه الآية المتصلة تهذيب النفوس ونزع الغل منها، وإصلاح المجتمعات ومنع التعدي بين المسلمين، وتثبيت مفاهيم الأخوة بينهم، وجعل إعتبار لها في حياتهم اليومية.
وهل تشمل هذه النعمة الأخوة النسبية من جهة إصلاح قلوبهم، ومنع العداوة بينهم أم لا تشملهم لأنهم أخوة في الأصل، وبلحاظ أسباب النزول وان الآية نزلت في الأوس والخزرج وما جرى بينهما من فتنة وهمً كل فرقة منهما بمحاربة الأخرى، والصحيح هو الأول لأصالة الإطلاق وشمول الآية لجميع المسلمين.
وقد يقال انه تحصيل لما هو حاصل، فالإخوة النسبيون لا يحتاجون الى أخوة أخرى والجواب ان الأخوة الإيمانية عنوان عقائدي إضافي يحتاجه كل مسلم، كما انها مانع من الفرقة والخلاف بين الأخوين لأبوين، أو للأب، او للأم وحدها.
وفي تأريخ الإنســانية خير مثال في المقام اذ قام قابيل ابن آدم بقتل أخيه هابيل، قال تعالى [ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ ]( ).
وتدل النعمة في إطلاقها على تفضيل المسلمين، وتنزههم عما حصل بين أولاد الأنبياء من الفرقة والإختلاف والقتل، وإنتقائهم للأخوة الحقيقية ذات صبغة الإيمان التي تشمل الإخوان والأقارب والأبعدين، نعم أخوة النسب عنوان إضافي وعون على تحقيق وحدة الإيمان وهو نور على نور في صلاح المسلمين، كما تمنع هذه النعمة في إطلاقها من إتخاذ الأخوة النسبية سبباً لنصرة الباطل والظالم، لذا ورد قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم “أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”( )، أي إمنعه من ان يقوم بظلم غيره، وإجعله يجتنب صفة الظالم، وكذا نصرته والذب عنه عند وقوع الظلم عليه،ممايدل على إعتبار العدل والإنصاف في مفاهيم الأخوة.
بحث إجتماعي
من الشواهد القرآنية على إطلاق وعمومات نعمة الأخوة شمولها للمسلمين كافة، من وجوه:
الأول: أخوة المسلمة للمسلمة.
الثاني: الأخوة بين المسلمة والمسلم.
الثالث: الأخوة بين المسلمين والمسلمات.
الرابع: اخوة المسلم للمسلم.
وان قلت: جاءت الآية بصيغة التذكير [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] وتعلقت أسباب النزول بالخصومة بين الأوس والخزرج، فكيف تشمل الآية النساء فالجواب من وجوه:
الأول: تأتي لغة التذكير للغالب والمراد الإطلاق وشمول النساء بأحكامها.
الثاني: شمول الأحكام الشرعية للمسلمين كافة،الا ما خرج بالدليل وإفادة الحصر بالرجال او النساء خاصة، وهو مفقود في المقام.
الثالث: عمومات النعمة الإلهية وإنها اذا جاءت تكون شاملة للجميع.
الرابع: حاجة المسلمين للأخوة بين النساء، وشمول معاني الأخوة للنساء، لأثرهن وتأثيرهن في تربية الناشئة، وعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحثهن الأبناء والأزواج والإخوان بل والآباء على الصلاح والأخوة الإيمانية والتذكير بها، ونبذ الفرقة والمنع من غلبة النفس الغضبية والشهوية.
وكما ان ذكر نعمة الأخوة وإستدامتها نعمتان إضافيتان لها، فان عموم الأخوة نعمة أخرى تترشح عنها، وفيها حث للمسلمين على شكر الله تعالى لما فيها من المنافع العامة، وجعل الأمة الإسلامية متحدة تتغشاها روح المحبة والوئام وحب التعاون.
ومن مضامين نعمة الأخوة إكرام المرأة، وجعلها أختاً للرجل، ومساوية له في باب الأخوة الإيمانية، وفيه طرد للتعالي على المرأة، ودعوة لإحترامها، والإنصات الى رأيها سواء فيما يخص أمور المنزل والأسرة، أوشؤون الإسلام ومضامين الأخوة بين المؤمنين، وشمولها بهذه النعمة دعوة لها للإرتقاء الى مسؤوليتها في منع حدوث الفتنة والفرقة، وحث لها لتكون من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وفق الإستطاعة، ومتى ما أدركت المرأة أنها أخت للمسلمين فانها تسعى لأداء وظائف الأخوة، فبينما كانت المرأة قبل الإسلام عرضة للوأد في الصغر، والسبي في الكبر، وحبيسة المنزل، نزلت عليها نعمة من السماء بان صارت أختاً لأولئك الذي كانوا يسبونها في الغزو، وما يترشح عن الأخوة من الود والألفة ومد يد الإعانة والنصرة.
قانون الأخوة النسبية
تعتبر الأخوة آية من آيات خلق الإنسان، بان يرتبط الفرد نسبياً مع غيره بصلات الرحم والأبوة الواحدة ووشائج القربى، وما يترشح عنها من المنافع، اذ يكون الأخ عوناً لأخيه في أمور الدين والدنيا، وقد تجلت موضوعية الأخوة في النبوة، فموسى عليه السلام نبي ورسول ومع هذا سأل الله عزوجل ان يتفضل عليه بمنح اخيه هارون درجة النبوة ليكون له عوناً وعضداً في دعوة بني اسرائيل الى الله، ومواجهة آل فرعون، كما ورد في التنزيل[وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي]( ).
ومع ان دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام عامة للناس مطلقاً فانه قام باعباء النبوة والرسالة بمفرده، وكان اهل بيته واصحابه من المهاجرين والأنصار عوناً له في نشر الرسالة وتثبيت دعائم الدين، واندفعوا في سوح القتال دفاعاً عن الإسلام، وطلباً للنصر او الشهادة والفوز بالجنة.
فكان كل فرد منهم أخاًً للآخر في الدين والإيمان، وفيه شاهد على تأسيس مفاهيم جديدة للأخوة تتصف بالصدق والإخلاص والإستدامة والأثر الحسن، ومن رحمة الله بالناس جميعاً ان جعل الأخوة النسبية جزء من أصل الخلق والتكوين الانساني، يتقيدون بسننها وقواعدها، وهذا التقيد من الكلي المشكك الذي هو على مراتب متفاوتة،قوة وضعفاً.
وجاء الاسلام ليبين الصورة المثالية والأثر الحميد للأخوة، بالتزام المسلمين بأحكام الأخوة وفق قواعد الإرادة التكوينية والتشريعية، وبما جعل الله عزوجل للأخ من الشأن والمنزلة والحق على اخيه، ولتكون مبادئ الشريعة حاكمة ومبينة لمضامين هذه الأخوة وسلاحاً لتثبيت مبادئ الاسلام في النفوس والمجتمعات، وتكون مانعاً من التعدي على المسلمين، فالمسلم يدعو أخاه الى فعل الصالحات كما تبينه الآية التالية في الحث على الدعوة الى الخير.
وبدأت الحياة الدنيا بزوجين هما آدم وحواء، ليولد لهم اولاد، ومن الآيات ان هؤلاء الاولاد قتل واحد منهم وهو قابيل اخاه هابيل، لتبدأ رحلة الاخوة في الارض بسفك الدم وليس المودة والمحبة، او الخصومة والخلاف، بل بدأت باشد انواع القتل والظلم والتعدي، وفيه شاهد على عدم كفاية النسب لحفظ الجنس البشري واستدامة عبادة الله على الارض.
وقد خلق الله عزوجل الانس والجن لطاعته وعبادته، والقتل حرام شرعاً وعقلاً، واذا حصل القتل بين الأخوان في بداية الخلق، فمن باب الأولوية ان يحصل بين الأجانب وابناء العمومة، مع اعتبار علة القتل الأول وانها تتعلق بقبول قربان، والله واسع كريم، فيمكن ان يعاود قابيل الكرة ويستشفع بابيه النبي آدم عليه السلام حتى يقبل قربانه، او يجعل الله له سبيلاً.
فكيف الحال بالنسبة للمتباعدين الذين يختلفون في المصالح والمنافع والأموال والأعيان خاصة عند غياب القانون وأحكام الشريعة وظن كل شخص او فريق ان الحق له وأن الطرف الآخر على الباطل، فجاءت أخوة الإسلام رحمة من عند الله بالمسلمين والناس جميعاً، وفيها تثبيت لمعاني الأخوة النسبية، ومانع دون تضييعها او التفريط بها، وتضمنت الأحاديث النبوية توكيد صلة الرحم ولزوم تعاهدها.
وجاءت حروب المسلمين مع اعدائهم لتبين الحاجة للاخ في نصرة أخيه والحفاظ على عرضه وأمواله عند توجهه لسوح القتال، وحرص قادة المسلمين على عدم خروج الإخوة لاب واحد في النفير كي يبقى منهم من يحفظ النسل ويرعى الحقوق ويتولى شؤون العيال.
ومن الآيات في مبادئ الشريعة الإسلامية التداخل والتأثير المتبادل بين النعم، ومصاديق اللطف الإلهي بالمسلمين، فالأخوة النسبية مدخل ودعوة لتثبيت الأخوة الإسلامية والإيمانية.
والأخوة في الدين توكيد للأخوة النسبية وجزء علة لتجلي مضامينها ووظائفها في الصلاح والإصلاح، وتعاهد لها ووسيلة لإستدامتها وطرد للنفرة بين الإخوة لأب واحد، وإرتقاء في صلات ابناء العمومة، لذا ورد في القرآن وصف العم بانه أب، كما ورد عن ابناء يعقوب في التنزيل[قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ]( )فوصفوا إسماعيل بأنه أب لأبيهم يعقوب وفيه دعوة لبني إسرائيل بإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
وكل أخوّة بين المسلمين من الأخوات الاربعة النسب، الرضاعة، الدين، الايمان، تثبت الاخرى، ويترشح عليها المدد والعون من الثلاثة الأخر بما يؤتي ثماراً ذاتية وغيرية.
اما الذاتية فتتعلق بذات الأخوة، كما في تثبيت الأخوة الايمانية للأخوة النسبية، فانه ينفع في تثبيت أواصر الرحم بين الإخوة لابوين، او لإب واحد، او لإم واحدة.
واما الغيرية فان تثبيت أخوة من الأخّوات اعلاه يفيد في ترسيخ القيم الحميدة التي جاءت بها الأخوة الأخرى، ولتعمل جميعا على دوام النعم الإلهية التي جاءت بها الأخوة الأخرى، ولتعمل جميعا على دوام النعم الإلهية التي جاءت بها هذه الآية.
وتكون الأخوة وسيلة مباركة للتمسك العام من المسلمين بالقرآن والسنة، وتحقيق الإمتثال الأمثل للأمر الإلهي الكريم الوارد في هذه الآية بالإعتصام بحبله باعتبار ان كل مصداق من مصاديق الأخوة يقوم على مبادئ الإسلام وتعاهد احكام الحلال والحرام ومفاهيم العدل والانصاف، والحفاظ على القيم الحميدة التي جاء بها الإنبياء، فإذ رأى آدم عليه السلام قتل ولده لأخيه، فان هذه الآية جاءت لتبين ثبوت معاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين، وتؤكد للملائكة الذين سألوا عند خلق آدم وجعله خليفة في الأرض سؤالاً انكارياً كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
لتكون أخوة المسلمين المتعددة والتي تؤازر كل واحدة منها اختها، مصداقاً لعلمه تعالى بحال الإرتقاء الإنساني بالإيمان،وتمسكه بالأخوة في الدين، وترشح هذا التمسك والخشية من الله على الأخوة النسبية، وتكون هذه الأخوة شاهداً على أهلية الانسان لخلافة الأرض، تلك الأهلية التي تمت بفضل الله ببعثة الأنبياء، وختم النبوة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبركات هذه الآية الكريمة وما فيها من النعم المتصلة والدائمة.
قانون الشكر على نعمة الأخوة
لا تتقوم الحياة الدنيا الا بالنعم الإلهية على الناس والخلائق، والى جانب النعم فان الشكر موضوع لقوامها وإستمرارها، وهو باب واسع شامل لكل ميادين الحياة، ومستوعب لجميع آنات الزمان، قانون ثابت ملازم للولوج الإنساني بلحاظ وجود أمة مسلمة في كل زمان، وحاجة الإنسان الى النعم الإلهية وإقراره بتلك النعم بالإضافة الى تجلي الشكر لله تعالى بمصاديق متعددة، وهي:
الأول: الشكر لله على نعمة الأخوة، بان تجري على اللسان كلمات الحمد والثناء على الله، لتفضله بجعل المسلمين إخوة.
الثاني: الشكر لله على نعمة التخلص من العداوة والبغضاء وأسباب المحاربة التي كانت بينهم في الجاهلية.
الثالث: أثر مفاهيم الأخوة في النجاة من الخصومة والعداوة، فنعمة الأخوة وسيلة ملكوتية لغلق أبواب المحاربة والفتنة بين المسلمين، فلا يعلم احد ما صرف الله عز وجل عن المسلمين من أسباب العداوة وصيغ الإقتتال بينهم، فيأتي الشكر على نعمة الأخوة عاماً وشاملاً لما فيها من المنافع، وما يدرء بسببها من الفتن وأبواب الخصومة.
الرابع: التقيد بمبادئ وأحكام الأخوة، وهو من مصاديق الشكر العملي وان كان هذا التقيد يأتي بتوفيق منه تعالى.
الخامس: أداء الفرائض والعبادات، وفيه وجوه:
الأول: انه من مضامين الشكر العملي على نعمة الأخوة.
الثاني: التشابه في أداء الفرائض، فكل مسلم يؤدي الصلاة والصيام والحج في وقت مخصوص.
الثالث: الأداء الجماعي للعبادات والمناسك، كما في صلاة الجماعة والحج، وحتى الصيام بلحاظ أدائه السنوي بتعيينه بشهر رمضان دون غيره من الشهور، واليومي بحصره بين طلوع الفجر الى مغيب الشمس.
الرابع: ملازمة الشكر لنعمة الأخوة لتجلي معانيها في واقع المسلمين.
الخامس: مجيء هذه الآية بالدعوة لتذكر هذه النعمة، وفيه وجوه:
الأول: ذكر النعمة شكر لله تعالى، لما فيه بالدلالة التضمنية والإلتزامية من الإقرار بفضل الله وإحسانه على المسلمين.
الثاني: قيام المسلمين بذكر هذه النعمة في المساجد والمنتديات والأسواق وسوح المعارك، وهو عنوان للشكر وباب للنصر.
الثالث: في الآية دعوة للإنتفاع من المنبر، ووسائل الإعلام الحديثة لبيان هذه النعمة.
الرابع: من صيغ الشكر لله تعالى بيان النعمة، ومعرفة منافعها، والغايات السامية منها، وحجبها لكثير من الأذى والضرر.
لقد تفضل الله تعالى على المسلمين بان دعاهم لذكر نعمة الأخوة ليكون هذا الذكر شكراً له تعالى مصاحباً لوجود النعمة، وإخباراً عن الإحساس بها وتلمس منافعها عقلاً وشرعاً وواقعاً، وكيف أنها غيرتّ معالم الحياة في الأرض، وجاءت بوجوه من الصلات الإجتماعية تتصف بالمحبة والود والتعاون لتؤسس مدرسة للشكر لله تعالى خاصة بنعمة الأخوة وتدعو المسلمين والناس جميعاً الى إستحداث صيغ جديدة في الشكر له سبحانه، بخصوص كل نعمة من نعم الله تعالى، وجذب الناس لمعرفتها والإقرار بها.
ومع ان الشكر على نعمة الأخوة واجب شرعي وعقلي فان الأمر الإلهي الى المسلمين والمسلمات جميعاً بذكر حال العداوة السابقة على الإسلام، والأخوة اللاحقة له دعوة أخرى للشكر له تعالى،والتدبر في آياته وعظيم آلائه، وحث على إكتساب الصالحات سواء بالشكر او بتعاهد هذه النعمة والحرص على إستدامتها، والمبادرة العامة لتجلي معانيها في أنماط السلوك المختلفة بين المسلمين أنفسهم وفي بلدانهم، وأمام الأمم الأخرى، وفي المنتديات العالمية، لتكون مرآة للقيم الأخلاقية الرفيعة، ودعوة للناس لدخول الإسلام وبعث الهيبة في نفوسهم منه، وجعلهم يجتنبون التعدي على الثغور الإسلامية وان كان سكانها قليلي العدد والعدة، للحضور الذهني العام بكثرة إخوانهم وإنتشارهم في عموم الأرض، فيكون هذا الموضوع باباً لإستحداث صيغة من صيغ الشكر لله تعالى على نعمة الأخوة ومقدماتها وغاياتها.
قانون الشكر
صاحب الشكر الإنسان منذ بداية خلقه، فأول كلمة نطق بها أدم عليه السلام عندما دبت فيه الحياة وعطس هي “الحمد لله” ومن الآيات ان يبدأ القرآن وهو الكتاب السماوي الخالد والجامع للأحكام الشرعية بقوله تعالى ” الْحَمْدُ لِلَّهِ ” في سورة الفاتحة.
وآخر دعاءلأهل الجنة هو الحمد والثناء على الله تعالى [وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )،بإعتبار ان الآخرة دار حساب وثواب بلا عمل، فكان دعاء أهل الجنة شكراً وحمداً لله تعالى، وإقراراً بعظيم نعمه سبحانه.
ويحتل الشكر لله موضعاً مهماً في ا لحياة الدنيا سواء في حياة الأفراد أم الجماعات أم الأمة كلها، وقد ورد الأمر بالشكر لله بصيغة الخطاب للمفرد والجمع، وقال تعالى [ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ]( )، وآيات الشكر تأسيس لمضامين هذا القانون التي تتقوم بها الحياة الدنيا، وتكون سلاحاً مباركاً في النشأتين اذ يحتاج الإنسان الشكر في الحياة الدنيا لتعاهد النعم، وزيادتها كماً وكيفاً، كما يحتاجه في الآخرة لأنه واقية من عذاب النار، وسبيل لبلوغ المراتب العالية في جنة النعيم، ويدل على حاجة الإنسان للشكر قوله تعالى [وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ] ( ).
ومن الآيات ان الشكر لله تعالى يحتاج الى نعمة الهداية والتوفيق اليه، ومع عظيم منزلة الأنبياء وبلوغهم أسمى مراتب الإيمان وإظهارهم لأصدق معاني العبودية لله تعالى فانهم يتوسلون الى الله تعالى بالهداية الى شكره على النعم، وفي سليمان عليه السلام نزل قوله تعالى [ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاه ]ُ( )، في دلالة على إدراك الأنبياء لضرورة الشكر لله تعالى، وإخبار عن إقرار سليمان بان وراثة النبوة من أبيه داود ليس كأرث المال وإنتقاله قهراً وإنطباقاً الى الوارث، بل هو فضل من عند الله، سواء في نيله مرتبة النبوة أو إنتقالها له عن أبيه، أو نيل أبيه داود لها، وجاء مضمون الآية أعلاه في بيان شكر الأنبياء والمؤمنين مطلقاً لله تعالى على ما آتاهم من النعم.
والشكر لله تعالى سياحة في عالم الملكوت وغرق في جلال الله، وتجلي عالم الغيب في الشهود بدلالة الآيات الباهرات على بديع صنعه، ولطيف خلقه والأسرار التي تأبى الا ان تتدافع امام الإنسان لتدعوه إلى الإيمان، ويحتمل أداء الشكر وجوهاً:
الأول: الإمتثال لأمر الله تعالى في الشكر له سبحانه.
الثاني: انه جزء من خلق وماهية الإنسان بالمبادرة الى الشكر على النعمة.
الثالث: يأتي الشكر من العبد إقراراً بالنعمة، وإعترافاً بالفضل الإلهي.
الرابع: رجاء دوام النعمة، بإعتبار أن الشكر تعاهد لها.
الخامس: سؤال الزيادة في النعمة ومصاديقها، لقوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
والشكر على النعم أقسام:
الأول: الشكر على النعمة الخاصة التي تأتي للإنسان بصفة شخصية، ويتميز بها عن غيره ممن حوله.
الثاني: الشكر والثناء على النعمة التي تصيب الجماعة، وينال منها العبد حصته الشخصية.
الثالث: الشكر على النعمة العامة التي تنزل على الأمة.
والنعمة في كل قسم من هذه الأقسام على وجوه:
الأول: ما يكون حالاً وعاجلاً.
الثاني: ما يأتي عن مقدمات وإمارات سابقة له.
الثالث: النعمة التي تأتي ابتداء من عند الله.
الرابع: البرزخ والحاجب دون نزول البلوى والفتنة والنزاع.
الخامس: النعمة المتصلة التي يعتادها الإنسان، وكأنها أمر ملازم له ولا ينفك عنه، وهذه النعمة يغفل عنها الكثير من الناس، وجاء القرآن بذم أكثر الناس على تركهم لشكره تعالى على النعم، قال سبحانه [وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ]( ).
ولا يعني هذا التقسيم إنحصار موضوع كل نعمة بقسم منها، بل ان أكثر النعم تستغرق وتشمل كل هذه الأقسام، ومنها نعمة الأخوة والشكر عليها اذ ان معانيها تتجلى في كل ميادين الحياة، كما انها تنفع الإنسان في النشأتين لذا تستلزم الشكر لله تعالى في كل واقعة ومناسبة تظهر فيها فوائد هذه النعمة على الفرد والجماعة والأمة.
ويتعدد الشكر في جهة صدوره على وجوه:
الأول: من الفرد على النعمة الشخصية التي تأتيه.
الثاني: من الفرد على النعمة التي تنال الجماعة والأسرة والقبيلة.
الثالث: من الفرد على النعم التي تتغشى الأمة.
الرابع: من الأخ على النعمة التي تصيب أخيه.
الخامس: من الجماعة على النعمة الشخصية التي ينالها الفرد منهم، ويكون هذا الشكر بلحاظ سعة أو ضيق النفع على قسمين:
الأول: النعمة التي ينتفع منها الفرد على نحو الخصوص.
الثاني: النعمة التي تأتي خاصة ولكن منافعها تترشح على الجماعة.
السادس: الشكر من الأمة على النعمة التي تتغشى الأفراد، كما في نعمة الإسلام وإنحلالها بعدد أفراد المسلمين وشكره تعالى على الهداية العامة والخاصة، وبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة والرسالة.
السابع: شكر الأمة على النعم التي تأتيها متحدة أو تنال أفرادها متفرقين.
ومن الآيات ان نعمة نبذ الخصومة والتنزه عن العداوة، ونعمة الأخوة شاملة لكل هذه المصاديق لما فيها من تهذيب النفس وإصلاح الذات والجماعة والأمة.
ولكن لماذا لم تأتِ الآية بالأمر بالشكر لله تعالى على هاتين النعمتين، ونعمة النجاة من الهلكة، بل جاءت الآية بالأمر الإلهي للمسلمين بذكر النعمة، فيه وجوه:
الأول: ذكر النعمة ذاته مصداق من مصاديق الشكر لله تعالى.
الثاني: ذكر النعمة مقدمة للشكر لله تعالى.
الثالث: تفضله تعالى بجعل ذكر النعمة شكراً له سبحانه.
فان قلت: جاء العطف في قوله تعالى [ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ]( )، والعطف يفيد التعدد أي ان ذكر الله غير شكره، قلت: الذكر الوارد في الآية أعلاه هو ذكر له سبحانه، وفيه دعوة لعبادته والإقرار بالنبوة، ولا ينحصر بذكر النعمة، لذا جاء الكفر بالنعمة نقيضاً للشكر، اما نقيض ذكره تعالى فهو النسيان والجحود، وترك العبادة وهو من عطف الخاص على العام.
وذكر نعمة الأخوة شكر لله تعالى، ومقدمة للشكر بالمعنى الأعم، وتثبيت لمضامين قانون الشكر، وروي عن الإمام علي عليه السلام انه رأى رجلاً يدعو بدعاء طويل في دفتر له: فقال: ياهذا ان الله يسمع الكثير يجيب عن القليل، فقال الرجل: ماذا تأمرني أن أصنع؟ قال: قل الحمد لله على كل نعمة، وأسأل الله من كل خير، واعوذ بالله من كل شر، وأستغفر الله من كل ذنب.
قانون مصاديق الأخوة
يتضمن القرآن النص الذي لا يقبل التعدد في التأويل، والظاهر الذي يترجح ويتبادر تأويل مخصوص من ظاهره، والمجمل الذي يحتمل وجوهاً عديدة محتملة في تأويله، وجاءت هذه الآية من النص الذي له تأويل واحد، وهو مركب من أمرين:
الأول: صيرورة المسلمين إخواناً.
الثاني: بلوغ المسلمين هذه الرتبة بنعمة من الله عز وجل، وتدل الآية في مفهومها على أمور:
الأول: عدم تحقيق مرتبة الأخوة، الا بفضل الله.
الثاني: الحسن الذاتي للأخوة بين المسلمين وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: كل نعمة من الله ذات حسن ذاتي.
والصغرى: الأخوة الإسلامية نعمة من الله.
النتيجة: الأخوة الإسلامية ذات حسن ذاتي.
الثالث: لزوم تعاهد هذه النعمة.
الرابع: الإكثار من الشكر لله على نعمة الأخوة، ومن الآيات ان نعمة الأخوة لها مصاديق عديدة منها:
الأول: ترشح الإيمان عن الأخوة بين المسلمين وقد تقدمت قوانين فروع النعمة وأثرها والإنتفاع منها، والأخوة وسيلة مباركة لتثبيت الإيمان في النفوس وهي ضابطة كلية تحكم عمل المسلمين بعضهم أزاء بعضهم الآخر، وهذا الأمر من أهم مصاديق الأخوة وفيه فخر للمسلمين بين الأمم، وعز ومنعة لهم.
الثاني: التواصل وإظهار أواشج الأخوة في الواقع اليومي للمسلمين.
الثالث: تفشي وشيوع معاني المحبة والود بين المسلمين.
الرابع: حلول الإيثار وإستمرار العون والمساعدة بين المسلمين بدل العداوة والخصومة.
الخامس: أصل الأخ من توخيت الشيء اذا بغيته وطلبته، والمراد في المقام سعي المسلم في حاجة أخيه، وفي الحديث: حب لأخيك ما تحب لنفسك.
السادس: انتفاء الحسد والبغضاء بين المسلمين.
السابع: النصح والصدق في المعاملة.
الثامن: الإعانة على أداء الفرائض والعبادات.
التاسع: الإتحاد في الغاية والقصد، والتقيد بأحكام الحلال والحرام.
العاشر: إعتصام عموم المسلمين بالقرآن والسنة، وتعاونهم في السعي للفوز في النشأتين.
والأخوة بين المسلمين وسيلة لتثبيت دعائم الإسلام، لذا تتجلى مصاديقها في حياة المسلمين، لتكون أكثر بهاء ويتنعم المسلمون بالغبطة والسعادة ويشعرون بما يتغشاهم من العز والألفة.
والأخوة للإسلامية مناسبة للإبداع واقتباس السنن الحميدة والعادات الحسنة، والتزود من المعارف الإلهية وهي أفضل وأكبر أخوة واتحاد بين الناس قديماً وحديثا، فلا يمكن ان ترقى أمة أو أمم تتحد فيما بينها الى ما عليه المسلمون من الإتحاد، لأن إتحادهم ذو صبغة أخوية، وجاء بنعمة إلهية جامعة مانعة، جامعة للمسلمين في جميع أجيالهم، ومانعة من التخلي عنها او التعدي عليها، أو بعث روح الضعف فيها، فهي آية متجددة في تكاملها وسلامتها ومصاديقها وضياء سماوي ينير دروب الهداية للمسلمين، وعون لهم للتمسك بحبل الله في الدنيا والعبور على الصراط يوم القيامة.
ومن مصاديق نعمة الأخوة إطفاء الإسلام لحروب بين الآوس والخزرج إستمرت مائة وعشرين سنة، ولم تصبح الصلات بين أفراد القبيلتين برزخاً بين العداء والتراحم، والبغض والمودة، بل أصبحت أخوة إيمانية راسخة، من غير ان تتعارض مع تعدد النسب بل أرجعتهم الى إتحاد النسب، وأنهم إخوان لأب واحد، كما منعت من حصول خلافات جديدة وإنقسامات على أساس الفروع والأفخاذ، وتلك آية أخرى “وقال ابو حاتم قال أهل البصرة اجمعون: الأخوة في النسب، والإخوان في الصداقة” قال: وهذا غلط ( ).
ونسبة هذا الحديث الى علماء أهل البصرة على نحو الإطلاق يحتاج الى دليل وعلى فرض صحته، فان الآيات القرآنية تدل على الإعجاز في باب الأخوة الإيمانية قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، وتخبر عن إستغراقها وشمولها لكل معاني الأخوة والود والصداقة، اذ ان هذه الآية وردت بلفظ الإخوان [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] ووردت الآية المتقدمة بلفظ “الأخوة” لتكون أخوة الإيمان جامعة لمعاني الأخوة النسبية، والصداقة والنصيحة والتضحية والنصرة والإيثار والمودة وقضاء الحوائج ونبذ الفرقة.
قانون أخوة الإيمان
يلتقي الناس بأخوة النسب على نحو القضية الشخصية بان يكون الإثنان أو أكثر من أب واحد، ولم يغفل الإسلام الأخوة من الأم، ويتجلى إعتبارها بعمومات صلة الرحم، وصدق عنوان ألأخوة عليها، وموضوعيتها في الميراث اذ يأخذ الأخ أو الإخوة من الأم الميراث من أخيهم مع غياب أفراد المرتبة الأولى من الأبوين والأولاد، ويلتقون مع الأخوة من الأبوين ومن الأب وحده بكونهم من المرتبة الثانية في الميراث، وقد يتقدمون على الأخوة من الأب في حال وجود الأخوة أو الأخ الواحد من الأبوين.
وجاء الإسلام ليحافظ على الأخوة النسبية ويجعلها وسيلة للهداية، وسبيلاً لتثبيت الإيمان في النفوس، وتوظيف النسب والولاء والرحم لمنفعة الإسلام والدفاع عن المسلمين، كما جاء بوجوه ثلاثة من الأخوة.
فتكون الأخوة بين المسلمين على وجوه أربعة:
الأول: الأخوة النسبية بين الإخوان لأب واحد.
الثاني: الأخوة بالرضاعة وفق أحكام وشروط خاصة.
الثالث: الأخوة الإسلامية، التي تجمع المسلمين بلحاظ الإنتماء للإسلام والنطق بالشهادتين، وهي موضوع قانون أخوة الإسلام الذي تقدم أعلاه.
الرابع: الأخوة الإيمانية، والتي تجمع المسلمين بقيد الإيمان بالله وبرسوله،والإقرار بالإسلام في الجوانح والأركان، فكما ان النسبة بين الإيمان والإسلام هي العموم والخصوص المطلق، فكل مؤمن هو مسلم، وليس كل مسلم هو مؤمن، فكذا النسبة بين وجوه أخوة المسلمين التي تكون كالآتي:
الأول: نسبة العموم والخصوص المطلق بين أخوة الإسلام وأخوة النسب، فكل أخ في النسب هو أخ في الإسلام لأخيه وليس العكس، فالأخ في الإسلام قد يكون أخاً في النسب لغيره أو من قبيلته او بلده او من بلد وقارة أخرى.
الثاني: كل أخ في الإيمان هو أخ لغيره من المسلمين جميعاً في الدين، وليس العكس، بإعتبار ان الأخوة الإيمانية أخص وتكون بقيد الإيمان، فتكون الأخوة في الإسلام هي الأعم والسور الجامع للمسلمين كافة، وهو الذي جاءت به هذه الآية التي تخاطب المسلمين بلحاظ إنتمائهم للإسلام وإيمانهم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقهم برسالته.
وهذا لا يمنع من التداخل بين الأخوة الإسلامية والإيمانية ليعملا معاً على تثبيت دعائم الإسلام، وإعانة المسلمين متحدين ومتفرقين على أمور الدين والدنيا، وجعل النفوس ترتقي في سلم الملكوت بعيداً عن مشاغل الدنيا وما فيها من المباهج، فيتعاون المسلمون على الإنجذاب الى حضرة القدس، والصعود في قوس الهداية والرشاد، وهو من رشحات نعمة الله تعالى في الأخوة وتوارث أجيال المسلمين لها، وتتجلى مصاديق الأخوة الإيمانية بقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ]( ) من وجوه:
الأول: إفادة (إنما) الحصر مما يدل على أن الأخوة صفة ثابتة ودائمة للمؤمنين، فكل مؤمن هو أخ للمؤمن الآخر، وأخ للمؤمنين والمؤمنات جميعاً، وكذا المؤمنة فانها أخت للمؤمنين جميعاً، وهذه الأخوة لا تتعارض مع الزوجية، فتكون الزوجة أخت لزوجها بالإيمان مما يزيد أواصر الصلة بينهما، ويجعل حياتهما الزوجية أكثر بهاء وبهجة، ويمنع من حصول الخلاف والفرقة وأسباب الطلاق بينهما وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عائشة مع أخوة الاسلام التي بينه وبين أبي بكر في درس وبيان للمسلمين بان الأخوة في الدين والصحبة لاتمنع من المصاهرة.
الثاني: في الآية ترغيب بالإيمان، وإخلاص الدين لله، والتقيد بأحكام الحلال والحرام، وعدم التفريط بالفرائض والواجبات.
الثالث: أخوة الإيمان تفسير لقوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] فمن نعمة الله عز وجل ان تلتقي أخوة الإيمان مع أخوة الإسلام عند المسلمين ليفوزوا بوجوه متعددة من الأخوة بالإضافة الى أخوة النسب، وهذا التعدد في الأخوة شاهد على تفضيلهم من بين الأمم وأهل الملل السماوية، ودعوة للناس لدخول الإسلام والنهل من نعمة الأخوة ومنافعها الظاهرة والباطنة، والدنيوية والأخروية، وتقدير الآية أعلاه يكون على وجهين:
الأول: فأصبحتم أيها المسلمون بنعمة الله إخواناً.
الثاني: فأصبحتم ايها المؤمنون بنعمة الله إخواناً.
ولا تعارض بين هذين الوجهين، وكل وجه منهما يساهم في تثبيت الوجه الآخر.
ويشمل المسلمات والمؤمنات مطلقاً، والتعدد في مصاديق الأخوة شاهد على كثرة أفراد نعمة الله، وأنها تأتي متحدة ومتفرقة ولكن منافعها من اللامنتهي وتكون أكثر من أن يحصيها الناس، فحينما تفضل الله تعالى بالأخوة بين المسلمين فانه سبحانه جعلها بعدة صيغ ووجوه رحمة وفضلاً منه، ودليلاً على عظيم قدرته وسعة عطائه وكرمه وإتصال إحسانه سبحانه.
والأخوة الإيمانية باب لنيل الصالحات وإكتناز الحسنات والفوز بدرجات القرب، اذ ان الأخوة وسيلة للتعاون على البر والتقوى، وإعلان لتعاهد المسلمين للإيمان ومحافظتهم على مبادئ الإسلام، وشاهد على ان الإسلام ليس دين عبادات فقط بل انه ينفذ الى جميع نواحي الحياة ويكون حاضراً في الصلات اليومية، والعلاقات الإجتماعية، ويشع على القلوب فيجعلها تحب في الله، وتميل الى أهل الإسلام، وتنفر من الشرك وأهله.
الرابع: بيان وظائف الأخوة الإيمانية، فتوجه الأمر الإلهي الى المؤمنين جميعاً للإصلاح بين المتخاصمين، مما يدل على لزوم تعاهد الأخوة بين المسلمين، وبذل الوسع لمنع الخلاف والإقتتال بين بعض الطوائف والفرق والأشخاص منهم، لذا قالت الآية الكريمة [فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] باعتبار ان الأكثرية من المسلمين وفي كل زمان منزهة عن الخصومة والإقتتال مع غيرها من المسلمين وللإشارة الى حقيقة عقائدية وإحدى خصائص الإيمان وهي عدم الوقوف عند التنزه عن حال الإقتتال مع الأخوة المسلمين، بل لابد من التصدي للإصلاح بينهم ودرء الفتنة ومنع إستمرارها، والحيلولة دون إتساعها، وهي وظيفة عقائدية عظيمة تشرف المسلمون بحملها، وجزء من نعمة الأخوة وأسباب تعاهدها وإستدامتها.
وتشير صيغة التثنية بلفظ(أَخَوَيْكُمْ) الى وجوب الحرص على لزوم دخول جميع المسلمين في قانون الأخوة الإيمانية وعدم خروج مؤمن عن معانيها ليكونوا درعاً واقية لمبادئ الإسلام، وأمة متآلفة منقطعة الى ذكر الله، تتنزل عليها البركات، وينتفي بين أفرادها الظلم والتعدي، ويخشاها العدو لحسن الصلة والأخوة بين أفرادها، اذ انه يعلم ان الأمة تهب كالرجل الواحد في الدفاع عن ثغورها ومصالحها ومبادئها، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يحرص على بيان معالم الاخوة الإيمانية في الجوار والمعاملة والصلات اليومية ، قال في معاني أخوة المسلم ” ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ، ثم قال : احفظوا ولا يحفظ منكم إلا قليل”( ).
ويبذل الناس الوسع للإصلاح بين المتخاصمين خصوصاً إذا كانوا ذوي رحم وتربطهم أخوة النسب، وأخوة الإيمان أعظم وأهم من أخوة النسب لأن فيها قوام الدين وصلاح الدنيا ، لذا ندب الله عز وجل جميع المسلمين الى المبادرة للإصلاح بين المؤمنين قال تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا]( )، لمنع الفرقة والخلاف بين المسلمين وحاجتهم الى الوحدة الإيمانية، وإنتفاع الناس جميعاً من هذه الوحدة لأنها دعوة يومية متجددة لدخول الإسلام وتثبيت الإيمان، وباعث على الصلاح والتحلي بالأخلاق الحميدة والتقيد بمضامين الصبر وسنن التقوى.

قوله تعالى [وَكُنْتُمْ]
الواو حرف عطف لإفادة عطف الجملة على قوله تعالى [إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً] ويفيد العطف التعدد والمغايرة في الحال والنعمة الإلهية، وهي على وجوه:
الأول: التخلص من حال العداوة السابقة.
الثاني: زوال الأحقاد والضغائن.
الثالث: إصلاح القلوب للمودة والأخوة.
الرابع: الإرتقاء الى مرتبة الأخوة.
الخامس: قيام أمة قوية قادرة على حفظ مبادئ الإيمان، وتمنع من تحريف الكتاب وتشويه الحقائق ونسخ الأحكام، وما تبعثه العداوة من العناد والإصرار.
السادس: في تكرار لفظ (كنتم) مسائل:
الأولى: التوكيد على حال الناس قبل الإسلام و اتصافها بالفرقة والعداوة.
الثانية: الدعوة للإلتفات الى الماضي للإعتبار والتذكرة.
الثالثة: الحرص على عدم الرجوع الى ما في أيام الجاهلية من مفاهيم الكفر والعادات المذمومة.
الرابعة: بيان منافع الإسلام الإجتماعية والأخلاقية.
الخامسة: ضرورة الأخوة بين المسلمين للدفاع عن الإسلام ، وترسيخ مبادئه.
السادسة: المقارنة بين حال المسلمين وغيرهم من الأمم التي لا زالت على الكفر والضلالة وما يتفرع عنهما من العداوة والخصومة.
السابعة: تنبيه المسلمين الى وجوب تعاهد حال الأخوة والهداية والسلامة من الهلكة.
وجاء تخصيص الخطاب بالمسلمين تشريفاً وإكراماً لهم، وفيه إخبار للناس بالمنزلة التي نالها المسلمون والنعم الإلهية المتوالية عليهم.
بحث عرفاني
الإيمان ملكة تملأ النفس ضياء، وتغسل عنها درن الأحقاد والضغائن وتجعل الإنسان ينظر بعين البصيرة من غير أن يعطل حاسة البصر والحواس الأخرى، فيرى النعيم الأخروي الخالد قريباً منه، سهل المنال ولكنه يدرك بالسعي والبذل والعطاء، فتكون التكاليف ذات لذة ونكهة ملكوتية خاصة، ويشعر بان كل أداء لفريضة يومية إنما هو خطوة نحو الجنة، لذا تراه يشتاق لها إشتياق الفطيم الى أمه، ويتطلع الى إطلالة شهر رمضان مثلاً برغبة ولهفة.
وجاء أداء العبادات جماعياً شاملاً لكل المسلمين ليكون السفر الى الجنة في الدنيا جماعياً، ويتجلى مثاله في الإفاضة من عرفات الى المشعر الحرام عند الحج، كما في قوله تعالى [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ…]( )، فلا يستوحش المسلم من الطريق ويشعر بالسعادة ويحب التعجيل والإكثار من الخطوات الى الجنة فيسري في الليل البهيم بقيامه وأداء النوافل.
وترى المسلم الذي لا تجب عليه زكاة المال لعدم إمتلاكه النصاب الا انه يبادر في النهار الى الصدقات المستحبة بالإضافة الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتقيد بأحكام العبادات والمستحبات الأخرى كي تكون آنات اليوم والليلة جرياً وهرولة الى الجنة خصوصا وأن رؤية نعيمها قريباً يجعله يبذل الوسع في السعي لها، من غير ان يصيبه يأس أو قنوط أو ملل.
وجاءت نعمة الأخوة للمسارعة في الخطوات والتعضيد بين المسلمين في السعي والتعاون بينهم في أداء العبادات والفرائض ليكون عملهم سفراً من الخلق الى الحق، في عزوف عن الدنيا وزينتها من غير تفريط بلزوم إتخاذها مزرعة للآخرة وإصلاح الناس للإنتفاع الأمثل منها، لتتغشي معاني العبودية الناس جميعاً.
ومن معاني الأخوة صفاء النوايا والإخلاص في طاعة الله، والنصح والأمر بصيغ الرفق والود البعيد عن التعنيف أو التعريض أو الإذلال او التعيير.
ومع أن الأخوة بين المسلمين صلة سماوية بينهم إلا انها من مصاديق الإرتباط العام بينهم وبين الله عز وجل بمفاهيم الخشوع والخضوع لله، وهي عشق لصفات الله ومظهر من مظاهر إفاضاته على العباد جميعاً الا ان المسلمين هم الفائزون بهذه النعمة والجائزة العظيمة ومنهاحبهم للإنسان مطلقاً بإعتباره عبداً لله وأخاً في الإنسانية، مع قيامهم بالدعوة الى الإسلام، وإجتهادهم في جذب الناس الى منازل الإيمان والنفرة من الكفر والضلالة، ومن مصاديق هذا الإجتهاد فرارهم من أهل الجحود، وأرباب الشك والريب، إلى جانب تمسكهم المطلق بالقرآن، وهو الخيمة الملكوتية التي تتسع لجمعهم، كما يتسع قلب كل واحد منهم لمعاني التوحيد.
قانون التفضيل
لقد شرف الله عز وجل الأنبياء بالإصطفاء بالنبوة، وأكرمهم بالرسالة، وجعلها عنواناً للتفضيل على الناس الى يوم القيامة قال تعالى بخصوص الأنبياء [وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ]( )، ولكن مضامين التفضيل لا تنحصر بمرتبة ودرجة واحدة لتعدد النعم الإلهية وشمولها لغير الأنبياء، وإستغراقها للميادين المختلفة، ومن مصاديق التفضيل الأخرى وجوه:
الأول: تفضيل بعض الأنبياء على بعض، قال تعالى [وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ]( ).
الثاني: تفضيل بني آدم على كثير مما خلق الله عز وجل، قال تعالى [وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً]( ).
الثالث: تفضيل بني إسرائيل على أهل زمانهم، بلحاظ بعثة بعض الرسل منهم واكرامهم بتعاقب الانبياء ونزول البركات، قال تعالى [ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ]( ).
الرابع: تفضيل شطر من الناس على غيرهم بالرزق والشأن والصحة ونحوها، قال تعالى [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ]( ).
الخامس: تفضيل المجاهدين من المؤمنين على غيرهم ممن جلس عن القتال ولو إضطراراً، قال تعالى [فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ]( )، في بيان لموضوعية الجهاد وما له من الأثر الحسن على المسلمين ٍوالناس جميعاً، فهو وسيلة الإصلاح، وسبب للهداية والزجر عن التعدي، وفيه حث للمسلمين للمبادرة الى الدفاع عن الإسلام، والنفير للجهاد في سبيل الله، وبيان لإعتبار الإنفاق في سبيل الله وكأنه جهاد بالذات، وليس بالعرض لأن الآية وصفت الذي يبذل من أمواله في سبيل الله بانه مجاهد، وجاءت آية أخرى بقوله تعالى [وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ]( ).
السادس: تغشي رحمة الله لفريق من عباده فضلاً من الله، قال سبحانه [وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ]( ).
السابع: تفضيل الرجال على النساء، قال تعالى [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ]( ).
الثامن: تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم، وهذا الوجه مصداق لإتصال فضله سبحانه على الناس جميعاً، وهو على وجوه:
الأول: الإقرار بالعبودية لله تعالى إلهاً واحداً أحداً.
الثاني: إتباع ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: وراثة الأنبياء في التقيد بالصلاة والصوم والحج والزكاة، كما في قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ]( ).
الرابع: إنفراد المسلمين بنعمة الأخوة الإيمانية، وما يترشح عنها من المضامين العقائدية والإجتماعية والأخلاقية.
الخامس: نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعاهد المسلمين له ألفاظاً وأحكاماً وسنناً، وإستمرار هذا التعاهد الى يوم القيامة، ومنع التحريف في التنزيل والتفسير والتأويل والإمتثال العملي.
ومن الآيات في الخلق ان النعمة الإلهية لا ترتفع من الأرض، وقد جاءت نعمة التفضيل عامة وخاصة، وتجلت بالإسلام عقيدة متكاملة، وملة سماوية جامعة للأحكام الشرعية، ليفوز الداخل فيه بمضامين التفضيل على غيره من الناس ويكون أسوة لهم، وداعية لجذبهم الى الإسلام، ولو دخل الناس كلهم في الإسلام فهل يبقى موضوع للتفضيل أم أنه ينتفي لإنتفاء وجود الطرف الثاني وهو المفضول، لتقوم التفضيل بطرفين أحدهما فاضل والآخر مفضول، الجواب هو الأول، فان التفضيل باقِ من وجوه:
الأول: الإختيار الحسن بدخول الإسلام.
الثاني: أهلية المسلمين لنيلها والفوز بها.
الثالث: سعة رحمة الله تعالى بالعباد، وبقاء نعمة التفضيل.
الرابع: عموم الدعوة الى الإسلام، وبعثة النبي محمد الى الناس جميعاً من غير تقييد لحال التفضيل بإسلام شطر من الناس، قال تعالى [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ]( ).
الخامس: أهلية الإنسان في تفضيله على كثير من الخلائق، بإختياره الإسلام.
قانون الأخوة إصطفاء
القرآن هو الوثيقة السماوية الجامعة للأحكام والمعاني القدسية التي تتغشى الحياة الدنيا، والنبأ العظيم عن مضامين الإرادة التكوينية والتشريعية، والكنز الملكوتي الذي يتضمن اسرار الخلق، والسفر الخالد الذي يخبر عن النعم التي تفضل الله عز وجل بها على الناس عامة، وعلى عباده الصالحين خاصة، ومنها نعمة الأخوة بين المسلمين التي جاءت بها هذه الآية بالإخبار بالنص والبيان الخالي من الإجمال او اللبس او الترديد وتقدم قانون الإصطفاء( ) وقانون الأخوة( ).
أما هذه القانون فيتعلق بالأخوة كونها اصطفاء وتشريفاً وإكراماً من عند الله لأهل الطاعة والإنقياد لأوامره تعالى، وتحتمل نعمة الأخوة وجوهاً:
الأول: انها فضل إلهي ابتدائي من عند الله.
الثاني: نعمة الأخوة جزاء عاجل على المبادرة الى الإسلام.
الثالث: العنوان الجامع للوجهين أعلاه لعدم التعارض بينهما.
الرابع: جاءت النعمة إستجابة لدعاء الأنبياء والمسلمين مطلقاً.
ولا تعارض بين هذه الوجوه فنعمة الأخوة لطف إلهي وعنوان لإصطفاء المسلمين بين أهل الأرض، كما انها وسيلة للإصطفاء والإجتباء، وتلك نعمة أخرى تترشح عن نعمة الأخوة، فالأخوة نعمة بالذات وهي شاهد على الإصطفاء الذي هو نعمة تترشح عنها نعم عديدة.
لقد أنعم الله على أهل الأرض بالكتب المنزلة من السماء وما فيها من النفع العظيم في باب الهداية والصلاح، وهي وسيلة سماوية لتثبيت دعائم الإسلام في الأرض، ولم يتلق الكتب السماوية الا الأنبياء والرسل، ولكن حفظها وتعاهدها لم ينحصر بهم، لأن حفظها أمر مركب من أمور:
الأول: جهاد الأنبياء وهو على وجوه في المقام:
الأول: حفظ التنزيل عن ظهر قلب.
الثاني: تدوين الآيات.
الثالث: تبليغ أصحابهم واتباعهم المسلمين بالآيات.
الرابع: تأديبهم على حفظها وصيانتها.
الخامس: الحث على توارثها والأمر بتعاهدها.
السادس: المبادرة الى العمل بها ودعوة الناس للإقتداء بهم في العمل بأحكامها، والعمل من أهم مصاديق الحفظ والتعاهد.
السابع: رد الشبهات والمقالات الباطلة.
الثاني: جهاد أصحاب وأنصار الأنبياء وفيه وجوه:
الأول: التصديق بالنبي في بعثته.
الثاني: التقيد بأحكام التنزيل.
الثالث: التصدي لأهل الضلالة والجحود.
الرابع: الذب والدفاع عن النبي، ومنعه في نفسه ورسالته من الكفار.
الخامس: الثبات على الإسلام.
السادس: دعوة الناس للإسلام والتصديق بالنبوة.
الثالث: سعي وجهاد أتباع النبي ممن يليه في زمانه في تثبيت الإسلام، ووراثة الكتاب والتبشير بالنبي التالي الى ان أختتمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يبشر المسلمون بنبي من بعده، وفيه تفضيل للمسلمين، فلقد أصطفاهم الله بأن جعلهم أتباع خاتم النبيين ورزقهم الأخوة فيما بينهم.
وهل الأخوة بين المسلمين سابقة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها ملازمة للإسلام منذ أيام أبينا آدم عليه السلام، أما أنها خاصة بالمسلمين الذي صدقوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الظاهر انها نعمة وهبة خاصة بالمسلمين، وان كانت موجودة عند المسلمين من الأمم السابقة ولكن ليس بالرتبة والملكة الثابتة، التي هي عند المسلمين.
ولا تنحصر الأخوة بين المسلمين بين أبناء كل جيل، بل تستغرق أجيالهم المتعاقبة فاللاحق أخو السابق وبالعكس، فمن مصاديق الإصطفاء والإجتباء تغشي نعمة الأخوة للمسلمين جميعاً على تعدد وتعاقب أجيالهم، وإختلاف أزمانهم، قال تعالى [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ]( ).
لقد أكرم الله المسلمين بوراثة التنزيل، فجاءت نعمة الأخوة إصطفاء وتأهيلاً لهم لتحمل أعباء ومسؤوليات هذه التركة العقائدية العظيمة التي عجزت عنها الأمم السابقة، قال تعالى [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا] ( )، وإطلاق هذه الآية الزماني إعجاز في علوم الكتاب وحفظه، ودليل على إستدامة الإسلام، وبقاء ورثة للأنبياء في الملة والعلم في كل جيل.
وتأتي الوراثة نعمة أخرى من عند الله عز وجل بدليل قوله تعالى [أَوْرَثْنَا] وهو ليس مثل أرث أهل الدنيا وما فيها من الملك والأموال ينتقل انطباقاً الى الوارث، بل ان وراثة الكتاب لا تنتقل الا للذين يختارهم ويصطفيهم الله تعالى، لقوله تعالى [الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا] وقيد من عبادنا يفيد التبعيض والإشارة الى شرط الإيمان في وراثة الكتاب، وتلك نعمة فاز بها المسلمون، وتتعاضد وتتداخل هي ونعمة الأخوة.
ومن الإصطفاء (نعمة الأخوة) فلا ينالها الا الذين إصطفاهم وإختارهم الله لحفظ الإسلام ومبادئ الشرائع السماوية وهم المسلمون، ومن خصائص الإصطفاء العناية الإلهية بالذي يختاره الله عز وجل، ومن مصاديقها نزول نعمة الأخوة وتغشيها للمسلمين كافة مع أن افرادها ليست مستقلة بذاتها، بل هي إرتباطية متداخلة لأن الأخوة نوع مفاعلة بين طرفين او أكثر، كل طرف يكون على وجوه:
الأول: أخ للطرف الآخر، فالمسلم أخو المسلم، لأن كل فرد من المسلمين طرف في الأخوة.
الثاني: يتلقى المسلم أخوة المسلم الآخر، وما تعنيه من المضامين والمفاهيم السامية.
الثالث: المسلمون كلهم أخوة للمسلم الواحد، وتلك آية لا تتم لولا نعمة الله، ومن المعاني السامية للإصطفاء هنا ان هذه النعمة تنبسط وتشمل المسلم العبد مثلما تشمل المسلم السيد من غير أن يكون هناك تعارض بين الرق والحرية، فيدرك العبد فضل الإسلام بأن يصبح حال نطقه بالشهادتين أخاً لسيده، كما يتجلى في الصلاة والفرائض الأخرى كالحج اذ يقفان جنباً الى جنب وهما يؤديان المناسك.
قانون النعمة الخاصة والعامة
النعمة هي الإحسان والفضل والمن، ومن خصائص الربوبية انفراد الله تعالى بتفضله الدائم المتصل وبكثرة اتصال الانعام على الخلائق عامة والناس خاصة، وجاء بيانه بصيغة الإعجاز والتحدي بقوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( )، في القرآن مرتين.
ولم يرد الأمر الإلهي لجماعة المخاطبين بالعد (تعدوا) ولا لفظ (تحصوها) الا في هاتين الآيتين، كما جاء لفظ (لا تحصوها) بصيغة النفي والتعجيز.
ومثلما تكون النعم الإلهية من اللامنتهي، فانه لا حصر لكيفياتها وصيغها وضروبها، وهذا التعدد نعمة إضافية أخرى على الناس جماعات وأفراداً، ولا ينحصر عدم الإحصاء بعدد النعم الإلهية بل يشمل وجوهاً كثيرة تتعلق بها بالذات او بالعرض أو بهما معاً، ومنها إنقسام النعمة الى قسمين:
الأول: النعمة الخاصة. الثاني: النعمة العامة.
وهناك أقسام عديدة تكون برزخاً بينهما، ويتوجه كلا القسمين الى كل إنسان في جميع آنات حياته، فليس من تعطيل مؤقت في أحدهما، ولا يمكن للإنسان الإستغناء عنهما، نعم هناك تباين فيما يناله كل إنسان وجماعة منهما من جهة الكم والكيف، وهذا التباين نعمة إضافية، ولطف إلهي بالمسلمين على نحو الخصوص، لإنفرادهم بنعم خاصة نالوها فضلاً من عند الله، بالإضافة الى الزيادة والضعف في النعم العامة.
ومن منافع هذا التباين أمور:
الأول: تثبيت المسلمين في مناهج الإيمان.
الثاني: العون والمدد الإلهي لكل مسلم ليؤدي وظائفه العبادية.
الثالث: الإرتقاء في المعارف الإلهية.
الرابع: التخفيف عن المسلمين في المسائل الإبتلائية.
الخامس: صرف الأذى والشر.
السادس: درء المفاسد والأضرار.
السابع: زجر أعداء الإسلام عن إيذاء المسلمين.
الثامن: التصدي للمقولات الباطلة.
التاسع: تأهيل المسلمين لوراثة الأرض وتعاهد أحكام الشريعة.
ومن نعم الله عز وجل تغشي أفراد النعمة الإنسان في كل أموره وآنات حياته، فلا تفارقه النعمة المتعددة، وهي تذكره بالله وتدعوه لعبادته، وشكره على النعم، ومع هذا جاءت هذه الآية بالتذكير بالنعمة [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ] ليكون التذكير بالنعمة من وجوه:
الأول: معرفة المنعم.
الثاني : الإقرار بالنعمة
الثالث : معرفة النفس متلبسة بالنعمة وما فيها من الإكرام بالنعمة
الرابع :ذات النعمة، موضوعاً وحكماً.
الخامس: آثار النعمة، الظاهرة والباطنة،والدنيوية والأخروية.
السادس: الأمر الإلهي بذكر النعمة.
السابع : شكر الله على النعمة.
ويأتي التعدد في النعم بلحاظ النعمة الخاصة والعامة، وهل يمكن ان ينحصر إنتفاع فرد أو جماعة بالنعم العامة دون الخاصة او بالعكس، الجواب لا فمن فضل الله عز وجل ان ينال العبد من كلا النعمتين.
قانون أمة متآخية
ينقسم الناس مع كثرتهم وتعدد أوطانهم ومساكنهم وتفرع أنسابهم الى أمم وقبائل وجماعات متعددة، تربط بينهم صلات نسبية او عقائدية او مذهبية تتباين قوة وضعفاً على نحو العموم والخصوص، أي التباين بين صلات أفراد كل أمة أو ملة، وبين أفراد الملة والأمة والفرقة الواحدة.
وليس من حال مستقرة في الأمم والمسمى لهذه الأمم، فترى أمة ذات اسم ونظام واحد تنقسم الى أمم وجماعات متعددة مع حفظ الاسم والإنتماء الجامع الأصلي، او مع عدمه، ويكون هذا الإنقسام عنواناً للضعف وسبباً لظهور الخلافات والخصومات وحصول تحالفات وصلات جديدة.
ومن الآيات ان الله عز وجل لم يجعل الناس يقيمون صلاتهم وجماعاتهم وفق إختيارهم المحض أو بحسب المنفعة الآنية، بل تفضل بالإنعام على المسلمين بالأخوة الإيمانية لتكون وشيجة عقائدية سماوية مباركة تربط بينهم الى يوم القيامة، وفيه مسائل:
الأولى: حاجة المسلمين الى الإتحاد والأخوة.
الثانية: أخوة المسلمين عنوان لبقائهم أمة واحدة.
الثالثة: ترشح منافع الأخوة الإيمانية على الناس جميعاً، وهذه الآيات في النعمة الإلهية عامة في بركاتها، وان كانت خاصة بالمسلمين الا ان منافعها تترشح على الناس جميعاً، فوجود أمة متحدة بقيد الإيمان فيه فوائد للناس من وجوه:
الأول: دعوتهم لدخول الإسلام.
الثاني: بيان آية من آيات الله تتجلى في وحدة المسلمين.
الثالث: نعمة الأخوة شاهد يدل على قوة ومنعة المسلمين.
الرابع: بعث الفزع والخوف في قلوب الكافرين من التعدي على المسلمين.
الخامس: إشاعة الأخلاق الحميدة بين الناس.
السادس: تثبيت دعائم الإيمان في الأرض.
السابع: تعاهد التنزيل وحفظ القرآن من التحريف.
ان وجود أمة متآخية حاجة للناس جميعاً وضرورة لبقاء مبادئ التوحيد في الأرض، لذا جاء هذا الوجود بنعمة وفضل من الله على العباد، وكأن في الآية إخباراً للمسلمين بانه لولا نعمة الأخوة، لأنشغلتم بالعداوة والفتن بينكم، ولما بقيتم على حال الإيمان، ولداهمكم الأعداء وإستغلوا الخصومة التي بينكم في محاولة الإنقضاض عليكم، ومضامين هذا القانون خاصة بالمسلمين من وجوه:
الأول: إنها نعمة من عند الله.
الثاني: تعدد ما فيها من المنافع على الأمة المتآخية.
الثالث: ديمومة وجود الأمة وإستمرار كيانها.
الرابع: تثبيت مفاهيم الأخوة في الأرض، وجعلها وسيلة لجذب الناس للإيمان.
الخامس: قدرة المسلمين على رد الشبهات، وفضح التحريف.
السادس: التعاون على البر والتقوى، وأداء الفرائض.
فمن الآيات في خلق الإنسان ان أداء الجماعة لفعل الخير يكون عوناً لغيرهم على الأداء، وحثاً على التقيد به والميل الى تعاهده.
السابع: من خصائص الأخ حرصه على أخيه، ونصيحته له، لذا فان الأخوة بين المسلمين آية تتجلى فيها معاني الصلاح العام بين المسلمين، وما يترشح عنه على أهل الأرض جميعاً، كما ان الأخوة الإيمانية وسيلة مباركة لحفظ الأخوة النسبية وصلة الأرحام بينهم، ودعوة للناس لتعاهد حقوق الأخوة.
علم المناسبة
ورد لفظ (كنتم) مائة وتسع وتسعين مرة في القرآن، في خطاب للمسلمين وأهل الكتاب والناس جميعاً، وجاء مكرراً في هذه الآية الكريمة التي يخاطب بها المسلمون بصيغة المدح وبيان فضل الله عليهم والإخبار عن لزوم شكره تعالى على نعمه المتعددة عليهم، كما جاء لفظ (كنتم) مكرراً في ست آيات أخرى هي:
الأولى: ذم الذين يشكّون في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن من عند الله من أهل الكتاب قال تعالى [ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا]( ).
الثانية: الخطاب النبوي للناس ولزوم طاعة الله ورسوله واجتناب الشك والريب والضلالة، قال تعالى [وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ]( ).
الثالثة: آية الوضوء، ووظيفة المكلف بالإنتقال الى التيمم عند تعذر الماء، قال تعالى [وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى]( ).
الرابعة: حث موسى عليه السلام لبني اسرائيل على التوكل على الله، والاخبار عن قاعدة كلية هي الملازمة بين الإيمان والتوكل على الله، قال تعالى [ وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ]( ).
الخامسة: توبيخ الكافرين يوم القيامة، وتذكيرهم بما كانوا عليه من الغرور والإسراف، قال تعالى [ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ]( ).
السادسة: خطاب تقبيح وتبكيت للكافرين في الآخرة عند عرضهم على النار، وتذكيرهم بسيئاتهم التي اصروا على إقترافها في الحياة الدنيا، قال تعالى [فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ]( ).
فجاءت آيتان منها في خطاب للمسلمين وبيان الأحكام الشرعية، وآيتان في ذم فريق من أهل الكتاب لتخلفهم عن وظائفهم الشرعية، وواحدة في التوحيد وتنزيه الأنبياء.
وآيتان في بيان ما ينتظر الكافرين من سوء العاقبة، مما يدل في مفهومه على ترشح الثواب والأجر للمسلمين لصلاحهم في الدنيا، ونيلهم النعم التي تساعدهم على الثبات على الإيمان وإكتناز الصالحات، وفعل الحسنات.
وهذه الآية وثيقة سماوية لبيان حال الناس قبل الإسلام وقبل البعثة النبوية فمع ان الخطاب للمسلمين الا انه يتضمن وصفاً لحالهم قبل أن يكونوا مسلمين، وحصول التغيير وأوان الإنتقال الى الأحسن والأفضل فيه وجوه:
الأول: نعمة البعثة النبوية وبدايات نزول القرآن.
الثاني: عند بيان الأحكام الشرعية وتمام نزول القرآن فالعداوة والأذى والصراع مستمر مدة التنزيل الى حين تمامه لعمومات قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]( ).
الثالث: عند الهجرة النبوية وظهور الإسلام وتأسيس دولته.
الرابع: الآية إنحلالية وتتعلق بكل مسلم عند إسلامه، فمتى ما دخل العبد الإسلام فانه ينتقل من حال الإشراف على الهاوية الى حال الأمن والسلامة.
والصحيح هو الأول، فالآية تخبر عن حال التردي وأسباب الهلكة التي كان عليها الناس قبل البعثة النبوية، وتبين أضرار الكفر والجحود على الناس وحاجتهم الى الإسلام لإنقاذهم من الضلالة والهلكة، ومع إطلالة الوحي والتنزيل وهبوط جبرئيل بالقرآن أشرق على الأرض عهد جديد ناسخ لحال العداوة والبغضاء بين الناس وان كان اتساع الاثر المبارك للبعثة على نحو التدريج.

قوله تعالى [عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ]
تتضمن الآية وصفاً لحال التردي والإشراف على الهلكة التي كان عليها المسلمون قبل الإسلام، أي حينما كانوا في عهد الجاهلية والجحود والشرك، وتبين عظمة الإسلام ومفاهيمه القدسية التي تنقل الأمة من حال الى نقيضها، من السوء والضلالة ذات القبح الذاتي، الى الهدى والإيمان ذي الحسن الذاتي.
وقد يستعصي على جماعة او دولة نقل إنسان من حال السوء ومواطن الردى الى حال الحسن والصلاح، فيأتي الإسلام لينقل الى الهدى والإيمان أمماً وشعوباً لا يعلم عددها الى الله سواء العداوة العرضية أي التي تكون في زمان واحد، او الطولية التي تشمل أفراد الزمان المتعددة وهي على أقسام:
الأول: الأجيال السابقة من المسلمين.
الثاني: الأجيال اللاحقة من المسلمين والتي لا يعلم عددها الا الله، فضلاً عن الأعداد المتزايدة للأفراد والجماعات فيها.
الثالث: أعداد المسلمين في هذا الزمان، وزيادتها في كل دقيقة وثانية، ويدل مفهوم وصف حال المسلمين السابقة بانهم على حافة الهاوية على أمور هي:
الأول: حال الهلكة والضرر التي كان الناس عليها، فمدح المسلمين وبيان فضل الله عليهم انذار وتوبيخ للكافرين، ودعوة لهم للتدبر في حالهم، والسعي للنجاة وانقاذ النفس والذرية من الهلكة، بل ان الذراري ذاتها تكون عرضة للأذى في الدنيا بالإضافة الى تناقصها وقلتها وهو جزء من الإبتلاء، وأثر من آثار الحرمان من بركة الإيمان التي تتجلى في بعض مصاديقها بكثرة النسل وزيادة الرزق.
الثاني: الآية موعظة وعبرة للناس، وبيان لمنافع الإيمان العاجلة.
الثالث: في الآية دعوة لدراسة وجوه التضاد والتنافي بين حال الكفر والضلالة، وحال الإيمان.
الرابع: فيها حث على نبذ الكفر والضلالة، ودعوة لدخول الإسلام.
الخامس: تخاطب الآية العــقول، وتدعــو الناس للتدبر في ماهــــية
الأشياء ومضامين العقائد، وتخبر عن وجوب الإسلام وحاجة الناس المركبة اليه، باعتبار حاجتهم الدنيوية والأخروية كأمم ومجتمعات وأفراد الى الهداية والايمان ونعمة الأخوة واسطة لتحققها.
السادس: تبين الآية ضرورة البعثة النبوية المباركة بلحاظ وقتها ومكانها وأثرها، وفيها دعوة لإستقصاء الأضرار التي تلحق الناس لو لم يبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو ان بعثته تأخرت عن أوانها.
السابع: الآية شاهد على سعة رحمة الله ورأفته بالعباد، وعدم إنحصارها بالمسلمين بلحاظ عالمية ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتوجه الخطاب النبوي الى الناس جميعا.
ومن الآيات ان الإنتماء الى الإسلام لم ولن يغلق بوجه أي انسان بالإضافة الى عدم وجود شروط وقيود أو حاجة الى اذن مخصوص للإنتساب اليه، فليس بين الإنسان والنجاة من الحفرة من النار والهاوية التي يشرف على الوقوع فيها الا النطق بالشهادتين، مما يدل على عظمة كلمة التوحيد وإنفرادها من بين الألفاظ كلها بأثر مبارك لا يحصي منافعه الا الله تعالى لذا جاء موضوع النجاة جزء من هذه الآية التي تذكر فيها نعمة الله مرتين من بين آيات الله، لتكون النجاة من الهاوية نعمة إضافية من وجوه:
الأول: دلالة سياق ونظم الآية.
الثاني: مضمون هذا الشطر وما فيه من الإخبار عن النجاة من الوقوع في الهلكة.
الثالث: معاني العطف والإلحاق بحرف العطف الوارد في قوله تعالى [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ].
الرابع: قيد الماضي في قوله تعالى [كُنْتُمْ]وبيان النعمة الإلهية في البعثة النبوية المباركة.
وتحتمل صيغة الخطاب في الآية وجوهاً:
الأول: المراد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما كانوا عليه من الخصومة والنزاعات القبلية.
الثاني: المهاجرون والأنصار ومجيء المهاجرين من مكة وقرى عديدة الى المدينة، وحصول نفرة بينهم وبين بعض المنافقين الذين ذم القرآن ما كانوا يقولون، كما ورد في قوله تعالى [يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]( ).
الثالث: المسلمون جميعاً.
والصحيح هو الثالث لأصالة الإطلاق، وعموم موضوع الآية فان قلت: أن لفظ (كنتم) شاهد على الزمن الماضي، مما يعني إرادة الحال السابقة للإسلام فيتعلق موضوع الآية بالصحابة حصراً دون التابعين ومن بعدهم قلت: ان توجه الخطاب الى الصحابة بالإضافة لا يمنع من شمول عموم المسلمين بمضامينه من وجوه:
الأول: وجود الخصومة والخلاف لولا الإسلام وما فيه من معاني الأخوة.
الثاني: عموم النجاة من النار بنعمة الأخوة التي أنعم الله بها على المسلمين فهي واقية من غلبة النفس الغضبية والشهوية والعصبية القبلية والإقتتال على حطام الدنيا.
الثالث: أثر التآلف بين قلوب المسلمين في إصلاحهم.
الرابع: إستدامة حال الأخوة بين الصحابة على أجيال المسلمين.
الخامس: نجاة ذراري المسلمين من آثار الثأر والإنتقام، فالإسلام برزخ دون التمادي في القتل ومانع من تجدد الغزو والنهب بين القبائل وهو من الإعجاز في منافع الإسلام وأثره في النفوس والمجتمعات، فليس من قوة أو سلطة لها التأثير على القبائل آنذاك ومنعها من الغزو والغارات المتبادلة، خصوصاً وأن أكثرها يحصل ثأراً وإنتقاماً وحسداً وطمعاً.
فجاء الإسلام ومنعها دفعة واحدة، وجعل أفراد القبائل المختلفة يلتقون بأخوة الإيمان يجمعهم التوجه اليومي المتكرر الى قبلة واحدة، والإقرار بوجوب عبادة الله والتصديق بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اذ تتبدد معه كل الخلافات والنزاعات بالإضافة الى إشتراكهم في الكتائب والسرايا التي تدعو إلى الهدى والصلاح، الأمر الذي ساعد في تثبيت معاني الأخوة بينهم.
ويفيد حرف الجر (على) في قوله تعالى [عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ] الإستعلاء المكاني بقرينة ذكر الحفرة، وجاء لفظ (شفا) ليبين مضمونه و أنه مقاربة من الهلكة وإشراف على الهاوية وإنعدام الحواجز بين أهل الضلالة وبينها، وصيغة الجمع (كنتم) تبين سعة الأضرار وكثرة الآفات في هذا الإشراف، وهي لا تعني زوال الإشراف على الهاوية والحفرة من النار الا للمسلمين خاصة لزوال السبب وهو الجهالة وتبدل الموضوع وإنتقالهم إلى منازل الإيمان التي تعتبر واقية وحرزاً من النار.
وتتضمن الآية التحدي وتوكيد الإعجاز فليس من أحد يستطيع إدراك حال التردي التي كان يعيشها العرب ومن حولهم من الشعوب والأمم، والتغير والإنقلاب النوعي نحو الأحسن ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نعم كانت هناك الدولة الرومانية في الغرب، والفارسية في الشرق، وهما عنوان لوجود النظام والسلطنة قبل الإسلام، الا انه نظام قابل للإنهيار والتداعي بالإضافة الى عدم نفاذه الى المجتمعات وتأثيره على الجماعات والأفراد.
فجاءت أحكام الإسلام وآيات القرآن لتنفذ الى شغاف القلوب وتزيح الأحقاد والضغائن وتنشر مفاهيم الأخوة والود والوئام بين الناس بغض النظر عن الجنس والقومية وتجعل المائز بالتقوى والصلاح، قال تعالى [وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( )، ومجيء الخطاب بصيغة الماضي (وكنتم) ليس علة تامة لصرف المعنى أو مانعاً من توجه الخطاب لأجيال المسلمين المتعاقبة فالخطاب في الآية مطلق
وشامل لافراد الزمان الطولية، من وجوه:
الأول: تجدد الخطاب في كل زمان.
الثاني: ان الهاوية تنتظركم لولا الإسلام والبعثة النبوية الشريفة.
الثالث: بيان فضل الله على آباء المسلمين، والمسلمين الأوائل من الصحابة، وترشح هذا الفضل على الأجيال المتعاقبة للمسلمين بل الناس جميعاً، إنها مدرسة القرآن التي تأتي فيها النعمة على شطر أو جيل من الناس فتبقى متداولة في الأبناء والذراري وأهل الملة والأتباع، لذا يصح إطلاق مضامين الآية وشمولها للمسلمين كافة.
الرابع: امكان مجئ الفعل بصيغة الماضي وارادة الحاضر والمستقبل لافادة الاستدامة والمضي، والدلالة على الحال، ومن معاني الاستقبال للفعل الناقص (كان) قوله تعالى [إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورً] ( )، وتأتي (كان) بمعنى صار قال تعالى [وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً]( ).
الخامس: إخبار المسلمين كأمة عن منافع نعمة الأخوة ونبذ الفرقة والخلاف بينهم.
ومن الآيات في المقام إتصال أثر أسباب نزول الآية الكريمة، وإستدامة نفعها على أجيال المسلمين المتعاقبة، فيحدث خلاف وخصومة بين جماعة من الآوس والخزرج، فينزل قرآن يخبر عن إنتقال المسلمين الى حال الأخوة بينهم التي لاتسمح بحصول الخلاف والشقاق المؤدي الى التهلكة والسوق الى النار، وتقدير الآية لولا نعمة الله لكنتم على شفا حفرة، فيكون موضوعها شاملاً لأجيال المسلمين المتعاقبة، وجاءت النعمة الإلهية في المقام مركبة من وجوه:
الأول: النجاة من حال الضلالة والهلكة.
الثاني: السلامة من الآثار المصاحبة للإشراف على الهاوية.
الثالث: الإنتقال الى حال الأمن والنجاة من المهالك.
الرابع: الوقاية من العودة الى حال الضلالة والغواية، فقوله تعالى (وكنتم) إخبار عن تغير حال المسلمين، والإنتقال من الإشراف على الهاوية الى السلامة والحصانة، والذي يدل في مفهومه على إجتناب السيئات الذنوب، وعلى العصمة من الشرك وعبادة الأوثان.
قانون الجامع للحقيقة والمجاز
الحقيقة في أصل اللغة هي وضع اللفظ لمعنى مخصوص، فيكون تعريفاً واسماً له على نحو الحقيقة، اما المجاز فهو اللفظ الذي يوضع لمعنى تابع للأصل، وما وضع له اللفظ في الحقيقة، وتمتاز الحقيقة في الألفاظ بعلامات وهي التبادر وعدم صحة السلب، والإطراد، وقد بيناه في علم الاصول ( ).
وجاءت الآية للإخبار عن النجاة من النار بعد الإقتراب منها، والإشراف عليها، ويحتمل هذا الإشراف وجوهاً:
الأول: المعنى الحقيقي، وان الناس أشرفوا فعلاً على النار.
الثاني: إرادة المعنى المجازي وان الإشراف على طرف النار انما هو على نحو التقدير بلحاظ قانون السببية، والعلة والمعلول.
الثالث: المعنى الجامع للحقيقة والمجاز، الذي أسسناه في هذا السفر المبارك، فيكون المعنى المجازي في طول الحقيقي،وهو من أسرار نضارة وتجدداللفظ القرآني، ومناسبته للوقائع والأحداث، وأهليته لإستيعاب العرف المتحرك، وإنتقال اللفظ إلى معاني مستحدثة،.
والصحيح هو الثالث، فالمراد هو المعنى الحقيقي والمجازي من غير تعارض بينهما، لتعدد معاني كلمات القرآن، وملائمتها للأزمنة المتعاقبة، وما يأتي به الحدثان وتداخل الحضارات وإتساع رقعة الإسلام وتغشيه بقاع الأرض المختلفة.
فيدرك الكافر وهو في الدنيا أنه مشرف على النار، وتطوي الأيام المسافة القصيرة التي تفصل بينه وبينها وهي البرزخ المؤقت دون وقوعه فيها، مع حتمية زوال هذا البرزخ والذي يكون إنقضاء كل يوم فيه إنذاراً حقيقياً بدنو الحساب، كما ان الشرك والضلالة وإقتراف السيئات هلكة وإشراف على الوقوع في الهاوية، ان التقسيم الى حقيقة ومجاز تقسيم إستقرائي بلحاظ نسبة اللفظ الى معناه بالأصالة او بالإنتقال والإستعارة.
ولكن معاني اللفظ القرآني أعم من أن تحيط بها القواعد التي أسسها الإنسان لتكون عوناً في الإرتقاء في المعارف سواء في الإلهيات او العقليات أو الأدب والبلاغة والعلوم الأخرى.
وجاءت هذه الآية ليحس المسلم بنعمة الوقاية من النار، ويرى الجنة وكأن أبوابها مفتوحة له لزوال عقبة الإشراف على النار، ان العنوان الجامع للحقيقة والمجاز وسيلة لإستقراء معاني الآية الكريمة الظاهرة والباطنة، ومناسبة لإستنباط القواعد والأحكام منها، ودعوة للعلماء للبحث والإستقصاء في علوم القرآن والغوص في بحور ألفاظه لإستخراج اللآلئ والدرر والإنتفاع الأعم منها في الحياة الدنيا وإتخاذها سلاحاً للنجاة من الفتن والإفتتان وعوناَ للسعي الحثيث نحو دار النعيم.
قانون السلامة من شفا النار
أختلف علماء الكلام في خلق الجنة والنار، وهل هما موجودتان الآن أم غير موجودتين، والمشهور والمختار انهما موجودتان ومخلوقتان، ولكنهما من علم الغيب المستور على الناس، وهذا الستر جزء من الإبتلاء في الحياة الدنيا، وان لم يكن الستر والحجب على نحو السالبة الكلية فهو على نحو السالبة الجزئية لمجيء آيات الوعد بالجنة والوعيد بالنار وما فيها من تقريب الحساب وجعله كالمحسوس من قبل الناس، ومن يحس بلذة النعيم الأخروي، ويفزع من شدة عذاب النار يبادر الى الإسلام، ويبتعد عن أسباب دخول النار، والتعرض لأشد أنواع العذاب.
ومن آيات اللطف الإلهي في عواقب الأمور، وعالم الجزاء إتصال وإستمرار التدارك، فبإمكان كل إنسان بلوغ سبل النجاة بما جعل الله عنده من العقل، والقدرة على التدبر في الآيات الكونية والدلائل التي تؤكد وجود الصانع ولزوم طاعته تعالى، وحتمية الحساب التي يترشح عنها وجوب الإستعداد له بالعمل الصالح لنيل الثواب والفوز بالجنة، ومن الآيات في عالم الجزاء أمران:
الأول: إنحصار الجزاء بأمرين متضادين فاما النعيم في الجنة، واما العذاب في النار.
الثاني: توقف الجزاء على العمل في الدنيا، فمن أصلح عمله في الدنيا دخل الجنة، ومن ساء عمله في الدنيا دخل النار، ولكن سوء العمل ليس ملكة مستقرة عند الإنسان.
فالآيات الكونية ومعجزات النبوة، وآيات الوعد والوعيد القرآنية تجعله متزلزلاً غير ثابت، اذ انها تحث الإنسان كل يوم على هجران المعاصي ونبذ الذنوب، لأنه يدرك حقيقة مصاحبة لفعل السيئات وهي إشرافه على الهاوية، والعقل الإنساني ينفر من هذا الإشراف لما فيه من الضرر والأذى، بالإضافة الى ما يسببه من القلق والفزع في النفس، ومن اللطف الإلهي عدم ترك صاحب الذنوب لحال القلق والفزع، فجاء الإسلام لنجاة الإنسان من تلك الصحبة القبيحة للذنوب، وما يلازمها من القلق والفزع وحال الإضطراب والإرتباك في العمل.
وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنوان وموضوع للسلامة من الإشراف على النار، فهي وسيلة النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي، وليس من حد للسلامة فيها سواء في العدد أو الكيف أو الزمان، وبها بدأت مرحلة جديدة في الحياة الإنسانية تتصف بالإشراق والبهاء وإتصال الحبل الذي يوصل الإنسان الى النجاة، ودوام ضياء الأمل، وزوال ظلام اليأس والقنوط، وزحزحة الكفر عن مراتب الصدارة في حياة الناس وتخلفه مقهوراً هزيلاً مع خوف وذل يشمل أقطابه وأهله، وإحساس بماينتظرهم من العذاب، فبالبعثة النبوية الشريفة أصبحت قوانين الوعد والوعيد معروفة عند الناس جميعاً، المسلمين وغيرهم، وكذا ملازمة الوعد بالنعيم للإيمان والعمل الصالح، وملازمة الوعيد بالعذاب للكفر والفسوق.
وإقترنت هذه القوانين بآيات التوبة، وحث الناس جميعاً على اللجوء الى الإنابة بإعتبارها وسيلة للنجاة وسبيلاً للسلامة من الوقوع في النار، ومن اللطف والفضل الإلهي ان التوبة ليست الوسيلة الوحيدة للسلامة من الهاوية، بل ان الإسلام والإنتماء اليه هو الأصل في النجاة من النار ومقدمات الهلاك والضلالة، فالتوبة لمن عصى وإرتكب الذنوب.
وبين الإسلام والتوبة عموم وخصوص مطلق فالتوبة جزء من الإسلام وهو أعم منها، والنجاة من الهاوية بالإسلام تشمل الذين لم يرتكبوا المعاصي والذين ولدوا على الإسلام من أجيال المسلمين السابقة واللاحقة إضافة الى باب التوبة والإنابة الذي يعني النطق بالشهادتين وأداء الفرائض والعبادات بالإضافة الى توبة أهل الذنوب مطلقاً واخلاصهم العبادة وتعدد أبواب الهداية والصلاح.
وسبل النجاة من النار قريبة من الإنسان ليس بينه وبينها الا النية وصدق العزيمة ليجد المدد الإلهي، والتخفيف فينتقل الى ضياء الإيمان وطرقه المعبدة التي توصل الإنسان الى بر الأمان.
ومن مفاهيم النجاة من النار وجود برزخ دون عودة العبد الى الضلالة والكفر، لمبغوضيتهما الذاتية وما فيهما من الأضرار الخاصة والعامة.
وجاءت هذه الآية بصيغة الماضي (كنتم) والتي تدل في مفهومها على نجاة المسلمين كافة من الإشراف على النار، فان قلت ليس كل المسلمين يؤدون الفرائض ويعملون الصالحات، قلت: جاءت الآية بالإنتقال الى حال جديدة تتجلى فيها أسباب النجاة من النار، وتكون مقدمة لدخول الجنة، أما الذي يصر على المعصية وإرتكاب الذنوب فهو يستحق العقاب بأمر عرضي شخصي مستحدث أي انه بعد ان نجا من الإشراف على النار إرتكب ما يستحق معه العقاب، ومع هذا فان باب التوبة يشمله وهذا الباب من مصاديق النجاة من الإشراف على النار لبقائه مفتوحاً وعدم انغلاقه على العبد الى حين مغادرة روحه الجسد، وقد تناله في الآخرة شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فبينما كان الموت بداية العذاب جاء الإسلام ليكون الموت للمسلمين بداية للنعيم لمن إختاره عقيدة، وتقيد بأحكامه وسننه التي تعتبر بذاتها آية في السلامة والنجاة،كما انها واقية من الذنوب وزاجر عن المعاصي وإرتكاب السيئات.
قانون كنتم
إن ورود لفظ (كنتم) مائة وتسع وتسعين مرة في القرآن آية إعجازية تتضمن إكرام بني آدم بصيغة الخطاب اذ تفضل الله على الناس وخاطبهم على لسان أنبيائه بصيغة مباشرة وبلغة بينة خالية من الإجمال واللبس والترديد، ومضامين هذا القانون متعددة كما انها على وجوه في جهة الخطاب، ومن الآيات ان الخطاب جاء بصيغة الجمع وهل يشمل آدم وحواء أم انه خاص بذريتهما وخصوص زمان ماقبل البعثة النبوية، الجواب انه خاص بذريتهما الا مع القرينة التي تدل على دخولهما في مصداق الآية كما في قوله تعالى [اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ] ( )، لتأتي الآية محل البحث لتخرج المسلمين بالتخصص من العداوة الواردة في الآية اعلاه، وتتعدد جهة الخطاب بلفظ (كنتم) وتشمل:
الأول: الملائكة اذ ان القرآن يحكي خطاب الله عز وجل للملائكة في مدرسة عقائدية تبين حكاية القرآن لخطاب الله عز وجل للملائكة في مدرسة عقائدية تبين إخلاصهم العبادة لله، وتفانيهم في طاعته وعدم وجود وسائط بينه تعالى وبينهم، كما توثق خلق آدم عليه السلام فلما سأل الملائكة عن علة خلق آدم وجعله خليفة في الأرض جاء الإختبار الإلهي لبيان تخلفهم عن الإحاطة بعلم الله المطلق قال تعالى [أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ]( ).
ولفظ (كنتم) هنا لا يعني إرادة الحال السابقة، وإنتقال الملائكة الى حال أخرى بالذات إنما جاء الفعل الماضي الناقص للشرطية أي إثبتوا صدقكم بالسؤال الإستنكاري ببيان أسماء تلك المخلوقات، ومع هذا فان الآية لا تنفي الإنتقال العرضي عند الملائكة، اذ جاء الإحتجاج حجة وبرهاناً جعل الملائكة يقرون بنعمة خلق آدم وأهليته للخلافة في الأرض، وعجزهم عن العلم بالآيات والأسرار القدسية في خلقه، كما جاء في قوله تعالى [ قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ]( ).
الثاني: الخطاب الإلهي لأهل الكتاب او لطائفة منهم بصيغة التوبيخ للإعراض عن نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ]( ).
الثالث: التذكير بحال الإيمان، وما يترتب عليه من لزوم التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من الدلالات الباهرات والدعوة السماوية لإظهار الآيات والبشارات التي تدل على نبوته وتبشر بها، قال تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ]( ).
الرابع: بيان نعم الله وفضله على الناس عامة.
الخامس: الخطاب الأخروي، وبيان ترتب الجزاء على العمل في الدنيا، وهو على قسمين:
الأول: إخبار المؤمنين بنيلهم الخلود في النعيم جزاء على حسن عملهم في الدنيا وطاعتهم لله ورسوله، قال تعالى [ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ] ( ).
الثاني: توبيخ الكافرين في الآخرة وإخبارهم عن إستحقاقهم العقاب، وهذا الإخبار عنوان عذاب إضافي، قال تعالى [الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ]( ).
ترى ما هي مصاديق ومفاهيم النعمة الإلهية التي أنعم الله بها على المسلمين فاصبحوا بها اخواناً، فيه وجوه:
الاول: النعمة فضل محض، وهي علة تامة لتغير حال المسلمين من العداوة الى الأخوة والمحبة.
الثاني: نعمة القرآن ومافيه من الأمر بالأخوة بين المسلمين والآيات التي تحث على نبذ الفرقة، كما في قوله تعالى [وَاعْتَصِمُو بِحَبْلِ اللَّهِ] في هذه الآية وقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( )، وان جاء بصيغة الجملة الخبرية الا انه يتضمن الدعوة للأخوة والتآلف وتثبيت صلات الإيمان بين المسلمين.
الثالث: النعمة الإلهية في المقام من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( ).
الرابع: نعمة الله هي الأسباب والوسائط التي جعلت المسلمين اخوة متحابين.
الخامس: يدل قوله تعالى [أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ]( ) على وجود مصاديق متعددة للنعمة والإخبار عنها، وان كان ذكر آثارها ومنافعها كافياً، والإقرار بان حال الحسن التي عليها الإنسان هي بنعمة وفضل من الله، لذا فان الباء في قوله تعالى [أَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] هي باء السببية أي بسبب نعمة الله سادت معاني الأخوة والمودة بين المسلمين.
السادس: النعمة هي قواعد التوحيد وأحكام الحلال والحرام التي يتضمنها القرآن والسنة النبوية الشريفة لانها عون على تثبيت الأخوة بين المسلمين وبرزخ دون الظلم والتعدي، ووسيلة لبعث الرأفة والرحمة في النفوس.
السابع: نعمة الإسلام وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اذ اصبح بها المسلمون أخوة.
الثامن: الأخوّة ذاتها هي النعمة، اذ تفضل الله عزوجل على المسلمين وجعلهم إخوة متحابين بعد ان كانوا اعداء متحاربين.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق النعمة الإلهية، وهي شاهد على عظيم قدرة الله وسعة فضله، وانه سبحانه يرزق الفرد والجماعة والأمة بغير حساب، وجاءت النعمة هنا لتشمل اجيال المسلمين المتعاقبة.
فالآية وان جاءت بصيغة الماضي (اصبحتم) الا انها تفيد الإطلاق واستيعاب اجيال المسلمين والى يوم القيامة باعتبار ان النعمة الإلهية لاتغادر الأرض، ولاترتفع عن اهل الايمان الذين لم يبدلوها كفراً، فقد ورد في القرآن ذم الذين يكفرون بالنعم قال تعالى [أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا] ( ).
وهل تتضمن آيات الإعتبار من الأمم الأخرى انذار المسلمين بان نعمة الأخوة تزول عنهم اذا تخلفوا عن اداء ماتستلزم من الشكر، الجواب لا، من وجوه:
الأول: جاءت الآية بمعاني الإمضاء والتقرير ولغة الماضي (أصبحتم) وفيه شاهد على حصول حال الأخوة بينهم.
الثاني:صيغة الخطاب العام للمسلمين (أصبحتم).
الثالث: فضل الله تعالى في إستدامة النعمة.
الرابع: تعاهد المسلمين للنعمة بالشكر لله تعالى.
الخامس: حسن إمتثال المسلمين في أداء العبادات والفرائض.
السادس: يقرأ المسلمون الآية كل يوم، وهم يحسون بمضامين الأخوة فيما بينهم، سواء ما يحمله الفرد منهم ازاء المسلمين الآخرين، او إدراك اخوتهم له، وهذه الأخوّة ليست أمراً قلبياً وميلاً نفسياً بل انها تترجل بالواقع الخارجي وفي انماط السلوك والافعال، وتتجلى في الميادين الإجتماعية والعقائدية والاقتصادية بصيغ التعاون واخراج الحقوق الشرعية وإعانة الفقراء، ونصرة المظلوم، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر”( ).
فمن مصاديق الأخوة بين المسلمين النصرة فيما بينهم، والتعاضد والتعاون لدفع الأذى والابتلاء، مما يعني تعدد وجوه الأخوة وعدم انحصارها بحال او باب دون آخر فهي تتغشى المسلمين في اوقاتهم كافة، وحضورها المتصل مانع من الفتنة والفرقة.
لقد بينت الآية سوء حال الناس قبل الإسلام، والآثار الضارة للضلالة والجحود، بان كانوا على طرف حفرة من النار، وهذه الحفرة تمثل وجوهاً:
الاول: حفرة من نار جهنم.
الثاني: مقدمة في الدنيا للوقوع في النار يوم القيامة.
الثالث:إرادة فعل الذنوب ذاته فانه سبب للعذاب الأخروي.
الرابع: في الآية تذكير بحال الجاهلية وعبادة الأوثان قبل الإسلام، وانها طريق الهاوية وعلة لدخول النار.
الخامس:المراد هو الهلاك في الدنيا، وانقراض اجيال من الناس، وإشراف الناس على الفناء لولا الإسلام، اذ ان الكفر والاقتتال والعداوة المتصلة سبب لتعرض الناس للفناء، فجاء الإسلام وحفظ النفوس والأموال والأعراض، وصار سبباً مباركاً لكثرة النسل، فالأخوّة والمحبة والأمن أسباب للإستقرار والألفة بين الناس، وجاء بتعدد الزوجات واكرام الزوجة، مع السعة ونزول البركة في الأرزاق، بالإضافة الى القواعد الجنائية وأحكام القصاص، ومنها قوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( )، الذي يعتبر رادعاً عن القتل والتعدي مطلقاً.
السادس: في الآية اخبار عن انعدام البرزخ والفاصل بين الناس وبين عالم الآخرة الا الموت، اذ ان الذي يموت على الكفر والضلالة يكون مأواه نار جهنم، فجاء الإسلام وخلص المسلمين من الكفر والضلالة، والذي يعني نجاتهم من النار والعذاب.
ولا تعارض بين الوجوه أعلاه، وفيه بيان للمنافع العظيمة للإسلام وحاجة الناس الدنيوية والأخروية له، فلولا البعثة النبوية لهلك الناس، وهذا مصداق من مصاديق البركة النوعية العامة فيها، فبالاسلام ثبتت أركان التوحيد في الأرض، وتعطلت لغة التحريف والتغيير في الأحكام السماوية، وبدأ زمان الإمتثال والتقيد التام بالاحكام والقواعد الشرعية، وتجلى باداء المسلمين الواجبات كالصلاة والصيام والحج كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤديها، وفي الآية تذكير بالنعم الإلهية بالإسلام، ودعوة لتذكر حال الجاهلية قبل البعثة النبوية وقبل ان يدخل المسلمون الاسلام، ومعرفة المنافع والمصالح المتعددة التي جاء بها الإسلام ومنها ما يتعلق بالمضامين الإجتماعية والأخلاقية.
علم المناسبة
ورد لفط (شفا) في القرآن مرتين، فقد ورد في سورة التوبة قوله تعالى [أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ] ( )، فلم يرد لفظ (شفا ) والمراد منه الطرف الا في لغة الذم والانذار، وفي الجمع بينهما اشارة الى إنعدام النفع في العمل وفق موازين الكفر والتيه والضلالة، وبطلان الفعل مع الجاهلية والوثنية وان بدت تلك المجتمعات على درجة من النظام والرقي بحسب الحال والزمان، وشفا الحفرة اشد خطورة واذى من شفا الجرف الهار لوجوه:
الاول: عدم وجود واسطة بين الحفرة وطرفها.
الثاني: نعت الحفرة بانها جزء من النار وهو عنوان للعذاب الشديد.
الثالث: معاني الهاوية والتردي التي يدل عليها لفظ الحفرة.
ولم يرد لفظ (حفرة ) في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة مما يدل على ما لهذه الآية من الخصوصية والإنفراد في معنى الحفرة، وذكر الأحوال قبل الاسلام، نعم ورد لفظ (الحافرة) وبيان سوء الأحوال قبل الاسلام، فقد ورد في التنزيل حكاية عن اهل النار[إئنا لمردودون في الحافرة] ( )، والحافرة غير الحفرة، ويراد منها الحالة الاولى، وهي الحياة او أرض القبر، والإستفهام الإنكاري عن البعث والنشور وكيف انهم ردوا الى الحياة بعد الموت وفناء البدن.
اما الآية محل البحث فقد اشارت بوضوح الى إشراف الناس على الهلكة وإستحقاقهم النار وعدم وجود فاصل بينهم وبين النار،الا الموت، فجاء الإسلام ليغير المفاهيم ويؤسس مدارس للصلاح، ويجذب الناس وينحيهم عن منازل الهاوية، ويطرد عنهم شبح الهلاك، ويزيل عن طريقهم حفر النيران ويجعله معبداً تضيئه الفرائض والعبادات.
قانون شفا حفرة
انعم الله على الانسان بان نفخ فيه من روحه، واحاطه بالآيات الحسية والعقلية، ثم بعث الأنبياء والمرسلين للدعوة الى عبادته وطاعته سبحانه، إلا أن زينة الحياة الدنيا والغرور وغلبة النفس الشهوية حجبت عن شطر من الناس أسباب الهداية والرشاد، وجعلتهم في غفلة عن ظائفهم العبادية.
فاصبحوا لايفقهون شيئاً من الخلق والتكوين وعلة الوجود الإنساني وعالم الآخرة وموازين الحساب فيه، ولزوم الإستعداد وحمل الزاد من الدنيا الى الآخرة بالإكثار من الصالحات، ولم يلتفتوا الى آيات الوعيد والإنذار فصاروا قاب قوسين او ادنى من النار فإنغمسوا في الذنوب وأعلنوا الكفر وتجاهروا بالمعاصي وكثر القتل والفتك بينهم، وغاب سلطان العقل عن افعال الجوارح، وقلّ ذكر الله عن الجريان على الألسن وجفت الروافد بين عالم الدنيا والآخرة، فلم يصل من أعمالهم الإ الأوزار والخطايا.
ومن رحمة الله عزوجل انه لايترك الناس يتيهون في الظلالة على نحو العموم الإستغراقي بل يمدهم بالآيات والبراهين التي تصاحبهم في ساعات أيامهم لمنعهم من الإستمرار في الضلالة، والإشراف على الهاوية، ومنهم من يصر على الذنوب، ويعرض عن الآيات ويبقى على شفا حفرة من النار، لايحجبه عنها إلا الموت، حينئذ ينكشف له الحجاب، فيرى ساعة دخوله القبر ماينتظره من العذاب الأليم.
ومن رحمة الله عزوجل بالناس ارسال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، ونجاة للصالحين، وانزل آيات القرآن عليه لتكون برزخاً دون الوقوع في النار، ولتقود الناس نحو دروب الهداية، ولتثبيت حقيقة في الواقع العقائدي واليومي للناس، وهي مصاحبة فضل الله للإنسان من أجل نجاته من هاوية الضلالة، فما دام على شفا حفرة من النار فإن أسباب الهداية تتوجه اليه، وضياء الأمن والسلامة يجذب بصره وبصيرته نحو الإسلام.
وتتوالى على الناس مطلقاً الآيات والبراهين الدالة على وجود الصانع، ولزوم عبادته. فالإنسان وان بقي على الضلالة والكفر، واشرف على الهلكة والوقوع في النار الا ان بقاءه هذا ليس مستقراً بل هو منزلزل غير ثابت، وعدم الثبوت فضل أضافي من الله، وفرصة للتدارك والإستبصار وطرد الغفلة، فمضامين قانون شفا حفرة خاص باهل الكفر والجحود لانهم على حافة الهاوية، يتعرضون للوقوع في النار من جهتين:
الاولى: تراكم الذنوب وزيادة الاوزار على ظهورهم.
الثانية: قرب الأجل من الإنسان، واحتمال طرو الموت في كل ساعة من ساعات العمر، فاذا حل بساحته وهو على الكفر والضلالة فانه يهوى الى نار جهنم.
ولكن هذه الحالة ليست مستقرة ومستديمة بل ان الدعوة الى التوبة وعمومات قبولها وسيلة مباركة للنجاة منها، ولاتنحصر هذه الوسيلة بانسان او امة دون اخرى، وجعل الله إلاسلام ودخوله الباب الذي ينجو منه العبد من شفا الحفرة، ويغادرمعه منازل الخطر واسباب الضرر الدنيوي والأخروي.

قوله تعالى [فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا]
بعد الإخبار عن حال الناس قبل البعثة النبوية، وما يستحقه الكفار من العذاب، وكيف انهم قريبون من النار يطلون عليها بافعالهم التي تقودهم قهراً وإنطباقاً الى سوء العاقبة جاء الإخبار الإلهي عن إنقاذ المسلمين من النار والإشراف عليها في دلالة على نعمة إضافية أخرى على المسلمين بعد نعمة النجاة من شفا الحفرة من النار، وفي الآية مسائل:
الأولى: الإخبار الإلهي عن استدامة النعمة، وعدم عودة المسلمين لحال الإشراف على النار او الدنو منها.
الثانية: ليس من برزخ بين الدنو من النار وبين الإبتعاد عنها، بل جاءت الآية بالإخبار عن النجاة من النار، وهو من مصاديق تمام النعمة.
الثالثة: بيان رأفة الله عزوجل بالمسلمين وإفرادهم بنعم خاصة.
الرابعة:جاء الإنقاذ من النار مطلقاً، ولم يأت بخصوص الإشراف عليها ومع أن الآية وردت بذكر(شفا) ومعناه الطرف الا ان الإنقاذ جاء بلفظ (منها).
وفي الضمير الهاء الوارد في قوله تعالى (فانقذكم منها) وجوه:
الأول: الفرقة والتشتت المذكور في قوله تعالى (ولاتفرقوا).
الثاني: حال الضلالة والكفر السابقة للبعثة النبوية المباركة.
الثالث: العداوة والخصومة بينهم كما في قوله تعالى (اذ كنتم اعداء).
الرابع: حال الإشراف على حفرة من النار بتقدير (وكنتم على حال شفا حفرة من النار).
الخامس: الإقامة على إرتكاب الذنوب والسيئات.
السادس: عذاب البرزخ لاهل الضلالة، باعتباره مقدمة لحسابهم وما ينتظرهم من سوء العقاب.
السابع:المراد حفرة من حفر النار.
الثامن: المراد (النار) وتقدير الآية وأنقذكم من النار.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وفيه آية اعجازية لأن إنقاذ المسلمين جاء شاملاً للنجاة من الضلالة،والنار، والإشراف على النار والوقوع فيها، ويدل بالدلالة التضمنية على عدم الوقوع في النار.
والإنقاذ من النار على وجوه:
الاول: زحزحة المسلمين عن منازل الإشراف عليها.
الثاني:جعل برزخ وحاجب بين المسلمين والحفرة من النار.
الثالث: طم الحفرة وجعلها ارضاً منبسطة، او روضة خضراء.
الرابع: دفع الحفرة، وازاحتها عن طريق المسلمين.
الخامس: التعدد والتباين، فمرة يكون الوجه الأول، ومرة الثاني، وهكذا، والتعدد من سعة رحمة الله.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الفضل الإلهي، وعظيم قدرته سبحانه.
وورد لفظ الإنقاذ بصيغة الجمع بدلالة ضمير جمع الذكور العقلاء وعلامة جمع الذكور (الميم) في انقذكم، ويتوجه الخطاب في الآية الى المسلمين كافة الموجود منهم والمعدوم بلحاظ أمور:
الاول: نظم الآية.
الثاني: عطف الجملة على قوله تعالى (وإعتصموا بحبل الله) والأمر فيها شامل للمسلمين جميعاً.
الثالث: الترابط وألعطف بين هذه الآية والآية السابقة التي جاء فيها الخطاب للمسلمين كافة بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ].
الرابع: إلانقاذ من النار رحمة ونعمة من الله على المسلمين بلحاظ إلاسلام والتقيد بأحكامه، لذا فانه نعمة عامة شاملة للمسلمين.
ويحتمل إنقاذ المسلمين من الإشراف على النار وجوهاً:
الأول: انه مطلوب بذاته.
الثاني: أنه سبب ومقدمة لغيره.
الثالث: الأمر الجامع للأمرين أعلاه.
والصحيح هو الوجه الثالث وإجتماع الأمرين معاً لوجوه:
الأول: عدم التعارض بينهما.
الثاني: إطلاق الآية، وإرادة المعنى الأعم.
الثالث: خصائص النعمة الإلهية، وإتصافها بالشمول وتغشيها الأفراد والجماعات كما تقدم في قانون عموم النعمة.
وورد لفظ الإنقاذ بلغة الماضي (أنقذكم) بالإضافة الى الأمر الإلهي بذكر نعمة الانقاذ مما يدل على حصولها وتنجزها، فان قلت اذا كانت نعمة إلانقاذ في الزمن الماضي فكيف تشمل الأجيال اللاحقة من المسلمين، فالجواب من وجوه:
الأول:تضمن الإخبار الإلهي في الآية إنقاذ المسلمين من النار.
الثاني:إستدامة النعمة وبقاؤها وشمولها للمسلمين كافة.
الثالث: تقدير الآية لولا نعمة الله بإنقاذكم لتعاقب إشراف الأجيال على النار.
الرابع: شمول أحكام النعمة والبشارة في هذه الآية لعالم الآخرة، والنجاة من النار.
الخامس: بيان عظيم فضل الله وسعة رحمته بأجيال المسلمين المتعاقبة بأن جعل حرز الإنقاذ من النار سابقاً وبشارة تطل عليهم حال وجودهم في الحياة الدنيا.وفيه دعوة للأمم لدخول الإسلام.
وفي كيفية نعمة إلانقاذ وجوه:
الاول:الإنقاذ هبة من عندالله من غير آلة وعلة مباشرة.
الثاني: إعانة المسلمين على النجاة من الحفرة من النار.
الثالث: إلانقاذ بأمره تعالى (كن فيكون).
الرابع: إتباع المسلمين الصراط المستقيم، وخلوه من مقدمات وأسباب الوقوع في النار او إلاشراف عليها.
الخامس: في الآية حذف، والتقدير فيه وجوه:
الاول: انقذكم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: أنقذكم بالقرآن وأحكام الحلال والحرام.
الثالث:انقذكم بإلاسلام.
الرابع:انقذكم بنعمته، فالنعمة علة تامة للإنقاذ والتغيير النوعي العام من حال الى حال.
الخامس: انقذكم بنعمة الأخوّة والإعتصام بحبل الله، ونبذ العداوة والفرقة.
قانون الإنقاذ
من آيات خلق الإنسان تغشى العناية الإلهية له في ساعات يومه وليله، فيدفع عنه الأجل ويصرف عند الأذى ويمحى عنه البلاء الى حين الأجل المحتوم، ومن الآيات انقاذه من براثن الكفر والجحود، وسلامته من درن الغواية والضلالة.
وهذه الآيات نعمة الهية متجددة تصيب أهل التوحيد، الذين يصدقون بالأنبياء ويتبعون ماجاءوا به من التنزيل، وهذا التصديق وسيلة للنجاة وإلانقاذ وحرز من الوقوع في الهاوية، فمع الإيمان تأتي سبل النجاة، لان الهلاك ملازم للكفر والجحود لاينفك عنه، فكلما إبتعد العبد عن الكفر إزدادت المسافة بينه وبين الهاوية وأصبح أكثر أمناً من الفزع والخوف من النار.
ومضامين قانون الإنقاذ مصاحبة للإسلام، فمع إشراقة شمس الإسلام بدأت مسيرة الإنقاذ من النار وعلى نحو دفعي فضلاً من الله عزوجل، لذا جاءت الآية بصيغة الماضي لطرد الخوف والحزن من نفوس المسلمين من النار والإشراف عليها، وليبدأوا حياتهم العقائدية والعامة بطمأنينة وإستبشار وفرح بفضل الله عزوجل، ويتوجهوا الى المساجد ويؤدوا الصلاة برضا وغبطة وهم يعلمون بنجاتهم من الهلاك، ويمارسوا اعمالهم اليومية في الأسواق والبيوت والسعادة تتغشاهم للطف الإلهي الذي يشملهم جميعاً.
وجاء ذكر النعمة في مقامين في الآية :
الأول: التآلف والود بين المسلمين، وطرد النفرة ونبذ العداوة بقوله تعالى [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ].
الثاني: حصول الأخوّة بين المسلمين بنعمة الله المذكورة في الآية الكريمة، وتقدير الآية (فانقذكم بنعمته منها) ففي الإنقاذ وجوه :
الأول : إنه نعمة من عندالله،
الثاني : الإنقاذ مقدمة للصلاح.
الثالث : انه باب لأداء العبادات، والمواظبة عليها
الرابع : مناسبة لشكر الله تعالى على النعم،
الخامس :وسيلة مباركة للتدبر في أمور الدين والدنيا،
السادس : فيه بيان لفضل الله على المسلمين،
السابع : اعتبارالمسلمين من غيرهم بالتنزه عن مواطن الهلكة وإجتناب أسباب التحريف ونحوه.
الثامن : إتعاظ المسلمين من أهل الملل السابقة.
التاسع: إتعاظ الأمم الأخرى من المسلمين بالاقتداء بهم، الإقتباس من الشريعة الإسلامية واختيار الطريق المؤدي الى السلامة والنجاة من الاشراف على الهاوية والوقوع فيها، وهذا الطريق ينحصر بالتوحيد والإيمان بالنبوة.
العاشر: تأهيل المسلمين لخلافة الأرض.
فقوله تعالى (فانقذكم منها) دعوة سماوية للناس جميعاً للالتحاق بالمسلمين وشمولهم بمضامين هذا القانون المبارك، لذا جاءت الآية بصيغة الجمع والإستغراق فكل من يدخل الإسلام تتغشاه نعمة الأنقاذ من الهاوية والوقوع في النار وكأن الإشراف عليها ملازم للكافر في حياته، وعند موته لايمكن له التوبة والإنابة فيهوى في نار جهنم، وكون الانسان على شفا حفرة من النار مادام حياً ومختاراً للكفر والجحود، فاذا اسلم وأحسن إسلامه فقد نجا من امرين معاً من الاشراف على النار في الدنيا، وعلى الوقوع فيها في الآخرة.
وظاهر قوله تعالى (كنتم على شفا حفرة) أي ليس بمقدوركم النجاة الا بفضل الله، وان الإنقاذ من القرب من النار نعمة إلهية شاملة للآباء والأبناء والرجال والنساء من المسلمين، ومن الآيات ان الإنقاذ جاء في الحياة الدنيا ومواضيعها والوقائع فيها بدلالة مجيئه بصيغة الماضي، الا ان أحكامه شاملة للحياة الدنيا والآخرة ويتضمن البشارة والوعد الكريم بالنجاة في الآخرة من حر النار.
وكما تدل هذه الآية في مفهومها على لغة الوعيد والتخويف للكفار وما ينتظرهم من عذاب الجحيم، لان التلبس بالكفر والضلالة إشراف على حفرة من حفر النار.
وقانون الإنقاذ نعمة وفضل إلهي متعدد الوجوه ولا ينحصر بحال الضلالة بل يشمل ماقبلها وصرفها ودفع مقدماتها، ومنع السبب والمسبب، والعلة والمعلول، كما يصرف الله العبد عن القاء نفسه بالتهلكة.
والإنقاذ تبدل نوعي وإنتقال من حال الأذى والخطر الى حال السلامة والأمن.
ويحتمل إلانقاذ بلحاظ الكيف والكم والزمان اموراً:
الأول: الإنقاذ من فعل معين من أفعال السوء.
الثاني: النجاة من حفرة مخصوصة من حفر النيران، مع بقاء إلاشراف على غيرها من الحفر، واسباب الفزع ومقدمات العذاب.
الثالث: يتعلق الإنقاذ بمدة مخصوصة من حياة المسلمين.
الرابع: الإنقاذ مطلق فيشمل النجاة من الضلالة والجهالة والغواية وأسباب العذاب والفزع الدنيوي والأخروي، كما انه عام يشمل المسلمين كافة.
والصحيح هو الأمر الرابع لأصالة الإطلاق ومجئ الآية بصيغة الجمع الإستغراقي الشامل للمسلمين كافة.
بحث كلامي
تدل نسبة الإنقاذ الى الله على حاجة الناس إليه تعالى، وهذه الحاجة شخصية ونوعية، فكل إنسان يحتاج النجاة والإنقاذ والناس جميعاً محتاجون له، ولايقدر على إنقاذهم من النار والعذاب الاليم الا الله تعالى، فما من شئ في الوجود الا وهو محتاج اليه، ولاتنحصر الحاجة بوجه او مورد دون آخر بل هي مطلقة وملازمة للأشياء والمخلوقات كلها.
وتظهر الآية حاجة الإنسان المركبة والمتعددة لله تعالى، فلم يستعن الإنسان بالعقل وحده للوصول الى وظائفه الشرعية والتقيد بأحكام الشرائع السماوية، فاصبح على شفا حفرة من النار ليحتاج مرة أخرى إلى فضل الله عزوجل في زحزحه عن الإشراف على الهاوية وانقاذه من النار.
والله عزوجل قادر على إخراج العبد من النار وان وقع فيها وإستحق عذابها، وهذه الآية من الشواهد، ولكنه سبحانه انعم على الناس مرة اخرى فانجاهم منها قبل الوقوع فيها مما يدل على إنفراده تعالى بتلبية الحاجات قبل حصولها، فلم يجعل الله الناس يقعون في النار ويغرقون في بحر الذنوب اللجي ثم يأتيهم المدد، بل يتفضل بالنعمة قبل اوان الحاجة اليها تخفيفاً ورحمة، ولتكون النعمة عوناً لهم على نيل المراتب في الجنة العالية، وفي الآية مسائل:
الأولى: حاجة الإنسان المستديمة الى الله تعالى.
الثانية: الإنسان بحاجة الى فضل الله إبتداء واستدامة.
الثالثة: تقصير الإنسان وتخلفه عن وظائفه لايغلق عنه باب الفضل الإلهي.
الرابعة: من نعم الله على العباد انه لايخلي بينهم وبين الذنوب والمعاصي ولايجعلهم يصلون الى الهاوية، بل تأتي الآيات والبراهين لتبين قبح الذنوب، وتمنع من جعل ركوب المعاصي ملكة عند الانسان.
الخامسة: في الآية دليل على حاجة الإنسان لله تعالى لزحزحته عن النار والوقوع فيها.
السادسة: ليس من قيود وشروط في الإنتفاع من نعمة الحجب عن النار والوقوع فيها، فكل انسان يشرف على النار قادر على الإنتفاع من نعمة التنحي والإبتعاد عنها بإختيار الإسلام طريقاً وعقيدة.
السابعة: لم تأت هذه النعم عن حاجة من الله للعباد، فالله عزوجل غني غير محتاج، وغناه مطلق ودائم، ولكنه ينعم على الناس رأفة بهم ولمنفعتهم في النشأتين، وتبين الآية ان الإنسان محتاج الى الإنقاذ ان لم ينتفع من الواقية الذاتية وهي العقل، والخارجية وهي النبوة والتنزيل والآيات الكونية، فتأتي النعمة الإلهية لتنجيه من الهلكة وتفتح له افاق المستقبل بالسعي من جديد نحو النور والفوز والسعادة الأبدية.
علم المناسبة
لم يرد لفظ[أَنْقَذَكُمْ] في القرآن الا في هذه الآية، مما يدل على موضوعيتها وإنفرادها بأسرار خاصة في الموضوع والحكم، وجاءت مادة (انقذ) خمس مرات في القرآن، اربعة منها في النصف الثاني من القرآن، وتنفرد هذه الآية بخصوص علم المناسبة بوجوه:
الأول: هي الآية الوحيدة من النصف الأول من القرآن التي وردت فيها مادة (انقذ).
الثاني: تختص هذه الآية بنسبة الإنقاذ الى الله تعالى.
الثالث: اختصاص مضامين الإنقاذ فيها بالمسلمين دون غيرهم.
الرابع: إنفرادها بموضوع النجاة من النار ومن الإشراف عليها.
وجاءت الآيات بذم الكفر والشرك والإخبار عن عجز الذين يتخذهم شطر من الناس أنداداً لله في الربوبية عن نصرتهم وانقاذهم بلغة المثال والنص المبين، اما المثال فقوله تعالى [وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ]( ) لبيان حال الوهن والضعف الذي يتصف به الكفار.
وجاء النص السماوي بتوكيد عدم انقاذ من في النار بالشفاعة، قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ] ( )، وفيه بيان لفضل الله على المسلمين بان أنقذهم من الإشراف عليها، وان النبي محمداً منقذ لهم من الوقوع فيها بإعتبار ان بعثته نعمة من عند الله، وجاءت آية في ذم عبادة الأوثان، والشرك بالله، وعجز من يتخذ شريكاً من دون الله عن النصرة والشفاعة كما ورد في التنزيل على لسان مؤمن آل فرعون [لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ]( ).
وجاءت آية بخصوص نعمة الفلك وجريانه في البحر بسلام قال تعالى [وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ] ( )، في بيان لإنحصار الإنقاذ به تعالى سواء في الدنيا أو الآخرة، فالإنقاذ من الغرق في البحر وأمواجه المتلاطمة خاص بالله عز وجل، ولو بالاسباب وكذا بالنسبة لنار الآخرة.
وورد ذكر نعمة الفلك من باب المثال الأمثل والظاهر للناس جميعاً وفي كل زمان، والا فإن المفاوز وموارد الهلكة في الدنيا أكثر من أن تحصى، وفيها شاهد على تعذر الإنقاذ الا بفضل من الله عند إنكسار الفلك والعجز عن دفع الغرق والهلاك في البحر، فكيف بمن يهوي في النار عقوبة وجزاء، فان قلت هناك وسائل وسبل عديدة للإنقاذ في الدنيا خصوصاً مع الإرتقاء العلمي والتطور في عالم الإتصال، قلت: هناك شواهد كثيرة تبين ضعف هذه الوسائل وعدم أهليتها لإنقاذ الذين يتعرضون للهلكة في البحر والبر بالإضافة الى الجور وكوارث الطائرات ليبقى الإنقاذ بيده تعالى، وفي الإنقاذ ثلاثة أطراف:
الأول: المنقذ. الثاني: الذي ينقذه غيره.
الثالث: موضوع الإنقاذ.
والمنقذ هو الله عز وجل وهو الذي ينقذ العباد من الذنوب وعواقبها.
ومن الآيات ان يأتي الإنقاذ متكاملاً وافياً، وهو من الفضل الإلهي وتمام النعمة، فلم يقف الإنقاذ عند التخلص من الذنوب والبقاء في حال حيرة وتردد، بل جاءبالإنتقال الى الإسلام وأداء الفرائض والعبادات، لأن الإنقاذ من النار يعني إجتناب الأفعال التي تؤدي بالعبد الى دخولها.
وتتجلى المندوحة في الدنيا وإعتبارها وعاء للتوبة بقوله تعالى [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ] فما دام الإنسان في الحياة الدنيا فانه لا يعتبر واقعاً في حفرة من حفر النار بل على طرفها ومشرفاً عليها، وليس بينه وبينها إلا فضل الله أو الموت فسبق فضله تعالى الأجل، وجذب الناس الى الإسلام لينجيهم من الحفرة والوقوع فيها.
وهل يمكن القول بعدم التعارض بين الإنقاذ من النار والبقاء على طرفها الجواب نعم، ولكن فضل الله عز وجل اعم وأشمل ليتضمن الإنقاذ أموراً:
الأول : التخلص من الفزع والخوف وحال القلق والتردد.
الثاني : توكيد حقيقة وهي ان النجاة من دخول النار في الآخرة سبب لنزع الخوف أو الفزع من النفس، ووسيلة للإستقرار والطمأنينة.
الثالث: توكيد حقيقة وهي أن الله إذا أعطى يعطي بالأوفى.
الرابع : متى ما أدرك الإنسان أنه لم يعد قاعداً على طرف حفرة من حفر النيران فانه ينظر الى الحياة الدنيا بعين البهجة والغبطة، ويقبل على أعماله بشوق ورغبة، ومن أهمها أداء العبادات وفعل الصالحات والإكثار من الحسنات.
فتصبح الدنيا روضة من رياض الجنة وتكون داراً لأهل التقوى ويسود الصلاح، وتعم البركات والإنقاذ من طرف الحفرة بشارة ومقدمة للبشارة بالنجاة من النار.
الخامس : في الآية دلالة على سعة رحمة الله، وإدراك إعانة الناس بالإسلام، قبل وقوعهم في الهاوية، اذ ان القعود على طرف النار لم يأتِ الا بإرتكاب المعاصي والإصرار عليها، فيكون فضل الله متعدداً من وجوه:
الأول: الإنذار السابق، وبعثة الأنبياء لدعوة الإنسان، فما من إنسان يولد ويبلغ الرشد الا وقد سبقته النبوة والتنزيل.
الثاني: الآيات الكونية والبراهين التي تدعو الى عبادة الله.
الثالث: الإمهال الإلهي لمن يفعل السيئات والذنوب، فمع أنه إستحق النار الا ان الله تعالى نعت أهل الكفر والجحود قبل الإسلام بأنهم على شفا حفرة من النار.
الرابع: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنجاة الناس من النار، والوقوف على طرفها.
قانون (بشارة الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم)
لقد كان نفخ الروح في آدم بداية الحياة الإنسانية، وهو عنوان الصلة بين الله عز وجل والعباد، ففيه إخبار بان الله عز وجل يتعاهد العباد ويصلح أحوالهم، ولن يتركهم وشأنهم، ومن الآيات ان التعاهد لم يقف عند حال الخلق او الصحة وإستدامة الحياة، بل يشمل العقيدة والمبدأ لأولويتها بإعتبار ان علة خلق الإنسان هي العبادة، وما دام الله عز وجل قد خلق الإنسان للعبادة فانه يقربه منها، ويجذبه لمنازلها بلطف ويمنعه من الجحود والإعراض.
ويتجلى هذا اللطف ببعثة الأنبياء وإنزال الكتب السماوية، وجعل الإنسان مطلقاً قادراً على التدبر في الآيات،وبالإضافة الى دعوة الأنبياء لله عز وجل فإنهم جاءوا بالبشارة بالجنة والإنذار من النار قال تعالى [فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( )، كما جاء الأنبياء بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدعوة لتصديقه ونصرته، وفيه وجوه:
الأول: ملازمة البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبعثة الأنبياء فكل نبي يبشر برسالته.
الثاني: الإقتران بين البشارة بالجنة والبشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فما من نبي الا ويبشر المؤمنين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويبشرهم بالجنة.
الثالث: إتحاد وظيفة الأنبياء فكل الأنبياء يجتهدون في التبشير بالجنة، وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويحذرون من النار، ومن الصدود عن نبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: الملازمة بين نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخول الجنة.
الخامس: الإشارة الى وراثة المسلمين الأرض، وتعدد الأحقاب والأجيال لما بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
واذا كان الأنبياء قد جاءوا ببشارتين معاً فهل جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببشارة واحدة هي دخول المسلمين الجنة، بإعتبار ان الفرد الآخر من البشارة سالبة بإنتفاء الموضوع لعدم وجود نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو خاتم النبيين، الجواب انه جاء ببشارات متعددة، وهو من وجوه تفضيله على الأنبياء الآخرين، ومن البشارات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم البشارة بالنجاة من النار، ومن الإشراف عليها، والقعود على طرفها والخشية المتصلة من الوقوع فيها، فالذي يكون على طرف الحفرة تصاحبه الخشية من الوقوع فيها ليلاً ونهاراً.
فجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للسلامة الذهنية والنفسية من الخشية والفزع من حر النار في الدنيا، والنجاة منها في الآخرة، وكأن الأنبياء السابقين يبشرون بذات البشارة بالواسطة، أي انهم يدعون الناس للنجاة من شفا الحفرة في الدنيا، والنار في الآخرة باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان اتباعه ينفع الإنسان في الدنيا بالنجاة من شفا الحفرة، وهذا لا يتعارض مع حقيقة وهي أن إتباع الأنبياء في زمانهم نجاة من النار، ومن الإشراف عليها بإعتبار ان إتباعهم نجاة من الكفر والجحود، وما يؤديان اليه من الوقوع في نار جهنم.
فجاء مع ختم النبوة أعظم نبأ وأبهى بشارة وهي السلامة والأمن من الفزع والخوف في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وبين بعثة الأنبياء وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي البشارة بالجنة، والإنذار والتحذير من النار، أما مادة الإفتراق فهي على وجوه:
الأول: بشارة الأنبياء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: بشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنجاة من الإشراف على النار.
الثالث: الإخبار عن حقيقة وهي الإنتقال الى حال الأمن والسلامة، فلم تأتِ هذه الآية بالبشارة بالجنة وحدها، ودعوة الناس للإنتفاع من البشارة والسعي لنيل المراتب العالية في الجنة بل جاءت بالبشارة بالنجاة من النار والإشراف عليها، وفيه شاهد بان دخول الإسلام والتقيد بأحكامه امن وسلامة في النشأتين وان إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واجب متصل على الأجيال المتعاقبة، فليس من نبي بعده يدعى الناس لإتباعه، لذا إختص صلى الله عليه وآله وسلم بآية وهي ان إتباعه أمن وسلامة من النار وأسباب الوقوع فيها وان ختم النبوات به رحمة للناس جميعاً وشاهد على دقة النظام في البناء العقائدي للناس.
قانون (عدم الإرتداد سلامة وأمن)
من أحكام الشريعة الإسلامية عدم جواز الإرتداد عن الإسلام، أو ترك مبادئه وإختيار ملة أخرى سواء كانت كتابية أو غير كتابية، وتلك آية في التشريع وهي من خصائص الملة الخاتمة للملل، وشاهد على تكامل أحكام الإسلام، وحجة على الناس في لزوم تعاهد مبادئ الإسلام طوعاً وكرهاً، بإعتبار وظيفة كل إنسان لأن علة خلقه هي عبادة الله التي تتجلى بالتقيد بالإسلام ديناً وعقيدة تتغشى الأقوال والأفعال، وتسيطر على الجوانح والجوارح وتمنع من الغفلة والجهالة والشطط، فمع إختتام النبوة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول الكتب السماوية بالقرآن كتاباً جامعاً للأحكام الشرعية، جاء الأمر الإلهي بوجوب دخول الإسلام وحرمة الخروج منه.
والإسلام هو الديانة الحقة التي أراد الله لها البقاء في الأرض، ومع وجود المقتضي وفقد المانع يجب عدم خروج المسلم عن دينه، وهذا الوجوب ذو نفع شخصي ونوعي.
فاذا إرتد المسلم أضر بنفسه في النشأتين، وخالف منطق العقل والحكمة وقواعد التكليف، مما يترتب عليه أحكام جنائية خاصة لزجره عن الإرتداد وعقابه في الدنيا قبل الآخرة،ودعوته للتوبة والإنابة إن كان مرتداً ملياً بمعنى انه إختار الإسلام اختياراً وكان في الأصل على ملة أخرى لأن الذي يرتد يعود الى حال الكفر والجهالة ويقعد على حافة النار ولأن الإسلام جاء لنجاة المسلمين من النار، والقعود على طرفها، والإشراف عليها، فإن الخروج منه محرم، والإرتداد عن مبادئه منهي عنه شرعاً، وتدل عليه مضامين اللطف الإلهي التي جاءت في هذه الآية الكريمة ولغة الجمع وصيغة الماضي بلفظ [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ] فالإنقاذ من النار عام وشامل لكل المسلمين.
ومن صيغ الإنقاذ قانون عدم جواز الإرتداد، وهذه الصلة بين الأحكام التكليفية والقواعد الجنائية عنوان للطف والرأفة الإلهية بالمسلمين، ووسيلة سماوية لتثبيت دعائم الإسلام في الأرض، ويكون الإنقاذ من القرب من النار جزاء عاجلاً في الدنيا، ورحمة عامة تتغشى كل المسلمين.
وليس للمسلم ان يخرج عنها بالإرتداد، فعدم الإرتداد سلامة وأمن لأنه يتضمن البقاء في رحمة الله، والإستدامة في إجتناب أسباب القرب من النار من ثمرات دخول الإسلام يفيد عدم جواز الخروج من الهدى الى الضلالة والأمن الى الفزع والخوف، فكأن المسلم حين دخول الاسلام ينعم عليه الله عز وجل بتعاهد بقائه بعيداً عن حر النار فلا يحس بلهيبها او يدنو خطوة للإقتراب منها، فمع دخوله الإسلام يبدأ إبتعاده عن النار، ويتذوق حلاوة الإنقاذ من النار والأمن من العقاب، فدخول الإسلام حاجب دون دخول النار، وبرزخ دون الإشراف عليها، ومرتبة سامية وواقية من النار.
فمن ينال هذه الواقية يعصمه الله عز وجل من الإرتداد وتأتي حرمة الإرتداد وعقوبته لإستدامة هذه النعمة ودوام الواقية من النار، وبقاء المسلم متقيداً بأحكام التنزيل، مجتنباً لأسباب الكفر والضلالة.
ويشترك جميع المسلمين في منع المسلم من الإرتداد، سواء بعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، او بمسؤوليات الحكم او وظائف أهل الحل والعقد، وهو من مصاديق قانون الأخوة الذي جاءت به هذه الآية كما في قوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] فمن الأخوة ان يشترك المسلمون في إستدامة بقاء المسلم على دينه وأدائه للفرائض والتكاليف ومنعه من الإرتداد، بالإضافة الى القبح الذاتي للإرتداد وأضراره الدنيوية والأخروية، وإقترانه بالفزع والخوف وعدم السلامة في النشأتين.
وتتقوم الأخوة الإيمانية بين المسلمين بالإبتعاد عن النار، فالمسلمون مجتمعين ومنفردين بعيدون عن النار والإشراف عليها، وهو من مصاديق الإنقاذ الذي أخبرت عنه الآية، بمعنى ان الإنقاذ جاء للمسلمين كإخوة متحابين وفيه نكتة ان الإنقاذ مطلق، فليس بعده دنو أو إقتراب من النار أوغلبة للفتن والخصومة والعداوة بينهم أو التقصير العمدي في أداء الفرائض.
وذكر ان ابن عباس قرأ [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا] وإعرابي يسمع، فقال: والله ما أنقذهم منها، وهو يريد أن يقحمهم فيها، فقال ابن عباس: اكتبوها من غير فقيه( ).
فمتى ما شمل العبد حكم الإنقاذ من النار فأنه يحرم عليه فعل ما يدنيه منها وهو الإرتداد، وليس له فعله وعلى المسلمين منعه، وهذا المنع ليس إختيارياً بل جاء بالقواعد الفقهية والقضائية والجنائية وهو شاهد على تكامل الشريعة الإسلامية، وعدم الحاجة الى الرجوع لحكم العقل وتسلل الهوى اليه وغلبة النفس الشهوية والغضبية.
مع ان الإرتداد منهي عنه عقلاً مثلما هو الحال بالنهي عنه شرعاً، فقوله تعالى [فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا] عام وشامل، وليس فيه استثناء لأحد من المسلمين، فلذا جاءت حرمة الإرتداد نوع هداية للإنتفاع الإستغراقي من نعمة الإنقاذ.
وفي الآية دلالة على ان نعمة الإنقاذ من النار غير نعمة الأخوة، والتقدير: وكنتم على شفا حفرة من النار، فانقذكم بنعمته منها، ويرد فيها ذكر صريح للنعمة لوجوه:
الأول: تكرر لفظ النعمة وفيه توكيد عليها موضوعاً وحكماً.
الثاني: الإشارة الى نعمة الله بنسبة الإنقاذ الى الله تعالى في قوله تعالى [فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا].
الثالث: مجيء النعمة مطلقة ووافية وتامة، فلم تنحصر مضامينها بالتنحية والإبعاد عن شفا الحفرة من النار، بل بالإنقاذ والنجاة منها.
وهل يحتمل تحقق الإنقاذ بطم الحفرة من النار فيكون المراد من الإنقاذ هو طم الحفرة بالإسلام وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يغادرا الذين آمنوا منازلهم ولكنه لم تعد أمامهم حفرة من النار او طرفها، الجواب أن المراد هو إبدال الكفر بالإيمان، والضلالة بالهداية واذا تغير الموضوع تبدل الحكم، ويلحق بهذا التبديل زوال الحفرة من النار وإنتفاء موضوعها، ومن الآيات أن يصبح طريق المسلمين نحو الجنة معبداً خالياً من أسباب الهلكة.
وتحتمل الصلة بين نعمة الأخوة والإنقاذ من النار وجوهاً:
الأول: التداخل بينهما.
الثاني: نعمة الإنقاذ فرع نعمة الأخوة.
الثالث: نعمة الإنقاذ من النار جزء من نعمة الأخوة ومترشحة عنها، وثمرة من ثمارها.
الرابع: نعمة الأخوة مقدمة لنعمة الإنقاذ من النار.
الخامس: إستقلال كل نعمة من النعمتين.
والصحيح هو الأخير من غير أن يتعارض مع الوجوه الأخرى التي تتداخل معه في بيان نعمة إضافية على المسلمين وهي تداخل النعم الإلهية، ومجيء كل واحدة منها في طول الأخرى لتساهم في تثبيتها، وتحتمل النسبة بين نعمة الأخوة والإنقاذ وجوهاً:
الأول: التساوي، فكل نعمة مساوية للأخرى.
الثاني: التباين بينهما.
الثالث: العموم والخصوص المطلق، وفيه قسمان:
الأول: نعمة الأخوة أعم من نعمة الإنقاذ، وكل إنقاذ من النار هو من نعمة الأخوة.
الثاني: نعمة الإنقاذ من النار هي الأعم، ونعمة الأخوة فرع منها.
الرابع: العموم والخصوص من وجه وبينهما وجوه للإلتقاء وأخرى للإفتراق.
والصحيح هو الرابع، مع الإقرار بمساهمة نعمة الأخوة بين المسلمين بإنقاذهم من النار.
وفي تقديم نعمة الأخوة على نعمة الإنقاذ وجوه:
الأول: الأخوة نعمة حاضرة، وجاءت للمسلمين بصورة دفعية.
الثاني: حاجة المسلمين الى نعمة الأخوة ونبذ العداوة.
الثالث: نعمة الأخوة مدخل لنعمة الإنقاذ من الإشراف على النار.
الرابع: تشمل منافع نعمة الأخوة الحياة الدنيا والآخرة، أما نعمة الإنقاذ فتدل على النجاة من عذاب النار وان كان موضوعها أعم، ويشمل التخلص من الأخلاق المذمومة وأسباب الظلم والأذى.
الخامس: بيان ان العداوة التي كانت سائدة بين الناس من أسباب الوقوع في الهاوية، ونعمة الأخوة من مصاديق الإنقاذ من النار والإشراف عليها.
السادس: تأخير ذكر نعمة الإنقاذ مدخل للدراسة والإستقراء والتحقيق في وجوه الإنقاذ من النار.

قوله تعالى [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ]
الكاف حرف جر، ويجوز ان يكون اسماً في موضع نصب بمعنى مثل، والتقدير مثل هذا البيان يبين الله لكم الآيات، ومع قلة كلمات هذا الشطر من الآية فانه يتضمن أموراً:
الأول: التشبيه.
الثاني: الربط وإظهار الملازمة والتداخل بين النعم الإلهية.
الثالث: البيان الإلهي، وتضمن القرآن للدلالات الباهرات.
الرابع: تعدد وكثرة الآيات والحجج.
الخامس: عدم خفاء الآيات الإلهية، بل أنها مبينة، وجلية ظاهرة، ويحتمل محل البيان وجوهاً:
الأول: القرآن الكريم، وأنه الجامع لبيان الآيات، ويتضمن ذكر الآيات بلغة الوضوح الخالية من الإجمال والترديد.
الثاني: عالم المخلوقات والآيات الكونية كالشمس والقمر والكواكب والسماء والأرض والجبال.
الثالث: الواقع العملي وما فيه من الآيات والبراهين الدالة على وجود الصانع وتعدد النعم الإلهية.
الرابع: ظهور أثر النعم الإلهية في حياة المسلمين متحدين ومنفردين، كالألفة بين القلوب وظهور المحبة والمودة بينهم، وتجلي معاني الأخوة في صلاتهم ومجتمعاتهم، ونجاتهم من أسباب إستحقاق العذاب الأخروي.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة وهي نعم إضافية تبين فضل الله على المسلمين خاصة والناس عامة، وفيها ترغيب بالإسلام وحث على دخوله، ودعوة للتمسك بحبل الله وإجتناب الفرقة والتشتت، ويدل التشبيه الوارد في الآية على حصول كشف وظهور الآيات في القرآن، وأنه الوعاء السماوي لبيان الآيات بالإضافة الى ان الآيات نفسها تتضمن بياناً ذاتياً بما فيها من الحجج والبراهين.
وجاءت هذه الآية الكريمة بالأمر الإلهي بالتمسك بحبل الله، والعمل بأحكام القرآن وسنن الشريعة، وهو آية مركبة من وجوه:
الأول: حصر موضوع الاعتصام وانه بحبل الله.
الثاني: توجه الخطاب الى المسلمين بالإعتصام بالقرآن ومبادئ الإسلام.
الثالث: تقييد التمسك بشموله لعموم المسلمين، الظاهر بصيغة الجمع في قوله تعالى [وَإعتصموا] التي تفيد العموم الإستغراقي وشمول الخطاب للجميع، افراداً، وقبائل وشعوباً الا ان الآية جاءت بلفظ (جميعاً) لوجوه:
الأول: إفادة التوكيد.
الثاني: بيان موضوعية وإعتبار الإعتصام بحبل الله.
الثالث: التفقه في الدين، والتدبر في معاني ومصاديق حبل الله.
الرابع: الدعوة لعدم طاعة الغير إذا كانت في غير مرضاة الله، وما فيه الفرقة بين المسلمين، لأن الخطاب يتوجه للمسلم بوجوب الإعتصام بحبل الله، ويأتيه على نحو متعدد في علته، ومن باب الأولوية لوظائفه العامة ولزوم توظيف مقامه وشأنه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بحث بلاغي إعجازي
التشبيه مدرسة عقلية وشرعية جامعة، وفيه تقريب للمعنى وبيان حسن، وتخفيف عن المخاطب، واعانة له في فهم المراد، ويجمع التشبيه بين أطراف ثلاثة المشبه، والمشبه به،وموضوع التشبيه، وتحتمل مضامين الآية وقوله تعالى (كذلك) أموراً:
الأول: أن تكون هي المشبه.
الثاني: هي المشبه به إذ يشبه بها غيرها من الآيات البينات.
الثالث: الأمر الجامع لهما، بان تكون مشبهاً ومشبهاً بها.
والصحيح هو الأخير، وفيه آية من آيات القرآن البلاغية، لذا جاءت الآية بصيغة الجمع (يبين الله لكم) مما يدل على تعدد وتجدد البيان الإلهي للآيات، والتقدير على وجهين:
الأول: كما بينت لكم الآيات تبين هنا هذه الآيات.
الثاني: مثل هذا البيان، سيبين الله لكم الآيات.
وهذا الجمع شاهد على التداخل والصلة بين الآيات القرآنية وما فيها من البيان المتعدد الوجوه، والأثر الرجعي والمتقدم في دلالة على انفراد البيان القرآني بمنافع كثيرة في موضوعها وأثرها وأحكامها، وفيه دعوة للتدبر بآيات الله، وحث على الإلتفات اليها والإعتبار منها، فالآية تذكير إضافي بالنعم الإلهية.
وبعد ان جاء قوله تعالى [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ] جاءت هذه الآية للتذكير بالنعم الإلهية، والحث على تذكر ما سيأتي من النعم سواء الذي سيذكر منها في القرآن او الذي يتجلى في الواقع العملي، ولتوكيد حقيقة وهي تتابع وإتصال النعم الإلهية بالإضافة الى إستدامة النعم السابقة، فلا النعم السابقة تنقطع، ولا يتوقف تتابع وتوالي النعم المستحدثة.
ولبيان النعم غايات سامية منها:
الأولى: بيان حقيقة وهي ان الحجة لله تعالى على العباد.
الثانية: توكيد النعمة على نحو مركب من وجوه:
الأول: الدلالة الذاتية للنعمة.
الثاني: بيانها وإظهارها العملي.
الثالث: الإخبار عنها في القرآن بإعتباره الوثيقة السماوية الخالدة.
الثالثة: تذكير العباد بالنعم ليكون تذكرها واقية من الجحود والإستكبار والغرور.
الرابعة: بيان النعم مناسبة لشكره تعالى عليها.
الخامسة: الإخبار عن النعم مناسبة لإستحضارها في الذهن، والإلتفات اليها.
السادسة: فيه توكيد لعظيم قدرة الله ورأفته بالعباد، وبالمسلمين خاصة.
السابعة: البيان وسيلة سماوية مباركة لتثبيت الإيمان في النفوس.
الثامنة: في الآية تحدِ، والبيان يدل على وجود شيء أو أشياء مبينة، التاسعة : جاءت الآية بصيغة الجمع (آياته) مما يدل على الكثرة والتعدد، وفيه فضح لأهل العناد والجحود، وحجة عليهم.
التاسعة: صحيح ان معنى الآيات هو الدلالات البينات، ولكنه يتضمن في المقام معاني الرحمة الإلهية بالمسلمين، ومصاديق النعم النازلة عليهم.
العاشرة: في الآية دلالة على ان كل نعمة من نعم الله هي آية من آياته عزوجل، تتجلى فيها معاني الربوبية وتوالي أفراد الفضل الإلهي على المسلمين.
الحادية عشرة: من اللطف الإلهي البيان المتعدد للآيات والبراهين الإلهية، وهو آلة لتثبيت الإيمان في النفوس، وبرزخ دون الجحود والإرتداد.
الثانية عشرة: بيان الآيات من معاني إنقاذ الله عز وجل للمسلمين من شفا الحفرة، بإعتبار ان بيانها مدرسة في العلوم تساهم في إرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية، وتساعدهم على التقيد بأحكام الشريعة الإسلامية.
قانون (البيان)
يقال بينه يبينه بياناً وتبياناً أي أظهره وجعله جلياً مدُركاً، والبيان على وجوه وهي:
الأول: البيان القولي، اذ يأتي الإظهار بصيغة الإجهار والإعلان للأمر.
الثاني: البيان الفعلي، وهو تبيان المعنى بإتيانه على نحو الفعل الواقعي الذي يراه الآخر فيتضح عنده الموضوع.
الثالث: التفصيل بعد الإجمال، فالمفصل يقابل المجمل، ولكن ليس من تقابل الضدين او النقيضين، بل ان المفصل في طول المجمل، ويتحد معه في الموضوع إلا أنه يتضمن التفصيل ويرفع الترديد، واللبس والوهم، وهو واقية من إفتراء وأقوال أهل الريب والشك.
الرابع: البيان الذاتي، بان تبين ذات الآيات ذاتها وموضوعها بفضل من الله عز وجل، ففي نعمة الألفة بين قلوب المسلمين، يدرك المسلم ان المودة حلت في قلبه للمسلم الآخر بصفة الإسلام الجامعة لهما، وأنه أخذ يدرك معاني الأخوة، وإنتفاء أسباب العداوة والبغضاء بينهما وكذا بالنسبة للقبائل التي كانت متناحرة، وأصبح المسلمون يرون الآيات في تخلصهم من الثأر والوأد والغزو والنهب فيما بينهم.
الخامس: مصاديق الآيات في الواقع اليومي وحياة المسلمين فانها بيان للآيات القرآنية، فيأتي أداء العبادات والفرائض عنواناً للنجاة من النار، وإخباراً عن إنقاذ المسلمين من القعود على حرفها، وبشارة النجاة منها في الآخرة، كما تتجلى نعمة الأخوة في سيرة المسلمين وتعاونهم في السراء والضراء، وفي حال السلم والحرب.
ويتجلى البيان في الآيات القرآنية، ففي كل آية قرآنية بيان وتفصيل ليشمل البيان العبادات والمعاملات والأحكام والسنن وقصص الأنبياء والأمم السالفة، واحكام الحلال والحرام، والواجبات والنواهي، فالبيان ملازم للآيات القرآنية.
ومن القواعد الأصولية قبح العقاب بلا بيان وقد ثبت أن الوعد والوعيد، وعذاب الكافرين في النار حق، فلابد أن البيان سابق للجزاء، ومقارن لأيام الحياة الدنيا بإعتبارها دار عمل، وكل آية هي ذاتها بينة قال تعالى في وصف القرآن [ُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ]( ).
ويصاحب البيان بعثة الأنبياء ودعوتهم الى الله عزوجل، فالتنزيل كله بينات ودلالات ظاهرات، بالإضافة الى المعجزات الحسية التي يأتون بها، وكل معجزة بيان وبما ان النبوة ملازمة للإنسان منذ هبوطه الأرض،فيمكن القول ان البيان ملازم للإنسان في وجوده وحياته، ليكون حجة عليه، وداعياً الى الله، ووسيلة سماوية لجذبه الى منازل الإيمان، فان قلت، لقد ارتفعت النبوة من الأرض بإنتقال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى.
قلت: نعم، ولكنها باقية بسننها وأحكامها، وبالقرآن الذي لا تصل اليه يد التحريف، ليبقى حجة عقلية وكتاباً جامعاً للبينات والدلائل الواضحات التي تنقذ الإنسان من النار، وتقوده نحو سبل السلامة والنجاة في الآخرة.
لذا فان مضامين البيان لا تختص بالمسلمين بل تشمل الناس جميعاً ولكن المسلمين هم الذين إنتفعوا منها سواء تلك التي نزلت على الأنبياء السابقين او التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، او التي تتجلى في الآيات الكونية، قال تعالى [ خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ]( )، في دلالة على تفضيل الإنسان على الخلائق بمعرفته العلوم وقدرته على التمييز بين الحق والباطل، ليكون مؤهلاً لخلافة الله في الأرض.
ومع كثرة ورود مادة (بيّن) في القرآن، الا ان لفظ (بيان) لم يرد الا في آيتين، الآية أعلاه، وقوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ* وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ] ( )، مما يدل على ان القرآن هو الهدى والحجة على الناس والسبيل الواضح.
وبين البيان والهدى عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي الإظهار والكشف، ومادة الإفتراق ان البيان إفهام وإعلام للغير، أما الهدى فانه إيضاح لسبل الرشاد وكيفية النجاة، لذا فمن البيان الوعد والوعيد، وأسباب دخول الجنة، والإحتراز من النار، ومن البيان أمور:
الأول: الآيات الحسية والشواهد العملية،
الثاني: البراهين والحجج التي تؤكد صدق الأنبياء وإكرام الله عز وجل لهم، ومنها:
الأول: القرآن الكريم وآية حفظه وتعاهده وسلامة كلماته والفاظه من التبديل والتغيير.
الثاني: الفرائض وكيفيتها وما فيها من المنافع الدنيوية والأخروية، وفي البيت الحرام جاء قوله تعالى [فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ…]( ).
الثالث: المعجزات التي جاء بها الأنبياء سواء الحسية أو العقلية.
الرابع: البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووقوع البشارة حقاً وصدقاً.
الثالث: يكون بيان الآيات بآيات أخرى بالإضافة إلى بيانها الذاتي، وهو حجة على الناس لأن الله عز وجل اذا أعطى يعطي بالأوفى والأتم، فالبيان الإلهي كافِ للناس جميعاً، ومانع من اللبس، وتتضمن الآية الثناء على الله تعالى من وجوه:
الأول: نسبة الآيات الى الله تعالى، بقوله تعالى [ آياته].
الثاني: إكرام المسلمين وتفضيلهم ببيان الآيات بالإضافة الى فوزهم بالآيات.
الثالث: صدور البينات من عند الله تعالى، فهو الذي يتفضل ببيانها وإظهار معانيها.
الرابع: كثرة وتعدد البيان، والذي يتجلى بأداة التشبيه (كذلك) وصيغة الجمع (آياته).
الخامس: مع ان القرآن نزل على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا ان بيان الآيات جاء للمسلمين جميعاً، وفيه وجوه:
الأول: أهلية المسلمين لتلقي الخطاب مباشرة ببيان الآيات.
الثاني: فيه دلالة على شمول أجيال المسلمين كافة بالخطاب القرآني.
الثالث: كفاية القرآن لإفادة الحجة والبرهان.
الرابع: إنتفاء الترديد واللبس في القرآن.
الخامس:. شمول البيان للآيات مع كثرتها.
السادس: مجيء البيان الإلهي إبتداء من الله تعالى، فان قلت وردت آيات قرآنية تفيد حصول السؤال من قبل المسلمين في قوله تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ..] ( )، وقوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ…..] ( )، والجواب من وجوه:
الأول: حصول السؤال طلباً للبيان الإضافي.
الثاني: ذكر السؤال وجوابه من وجوه البيان القرآني، وورود السؤال من المسلمين نحو تسع مرات في القرآن لا يمنع من صدق البيان الإبتدائي من عند الله، والله عز وجل يعلم بالسؤال وموضوعه.
الثالث: السؤال مناسبة وشاهد على البيان، ودليل على حقيقة وهي ان المسلمين يعلمون ان الله عز وجل يبين لهم الآيات وتفاصيلها.
السابع: الفضل الإلهي بذكر الغايات الحميدة لبيان الآيات، وما فيه من اللطف بالمسلمين وأنه سبب ومناسبة للإهتداء.
الثامن: يحتمل البيان في موضوعه وكمه وكيفه وجوهاً:
الأول: البيان التام والوافي.
الثاني: البيان الجزئي، ويترك للإنسان إستقراء الموضوع والحكم.
الثالث: إنحصار البيان بموارد الحاجة اليه.
والصحيح هو الأول، فان الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم، ومنه بيان الآيات، ويحتمل بيان الآيات بلحاظ الإعجاز وجوهاً:
الأول: بيان الآيات آية واحدة.
الثاني: كل بيان لآية آية قائمة بذاتها.
الثالث: بيان الآية آيات متعددة.
والصحيح هو الثالث فالبيان متعدد للآية الواحدة، وهو من مصاديق لغة التشبيه في الآية.
قانون( البيان بالسنة)
تدخل السنة النبوية الشريفة في بيان الآيات، فهي تفسير للآيات القرآنية، وفيها بيان للآيات الكونية وآيات الأحكام وهي من فضل الله تعالى على المسلمين.
لقد جعل الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق الا وحياً لتكون منافع البيان على وجوه :
الأول: إنه مصاحب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأهل البيت.
الثاني: بقاؤه شاهداً على صدق الرسالة.
الثالث: فيه حرز وواقية من اهل الريب والشك.
الرابع: توارث البيان كتركة عقائدية وعلمية للمسلمين والناس جميعاً.
وإشتراك السنة النبوية الشريفة مع القرآن في آيات البيان بلحاظ تفسير وترجمة للقرآن، شاهد يومي على الوقائع والحوادث، وحجة حاضرة، وعنوان تخفيف وتيسير.
وهل ينحصر البيان بالسنة القولية ام هو أعم، الجواب هو الثاني اذ يشمل البيان السنة الفعلية، والتدوينية فكل ما صدر من الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو بيان للآيات القرآنية والكونية وآية في الإرادة التكوينية والتشريعية، ويتجلى البيان النبوي الشريف بخصوص هذه الآية في وجوه:
الاول: أسباب نزولها. الثاني: موضوع الآية.
الثالث: حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى محل الإختلاف بين الأوس والخزرج والصلح بينهم.
الرابع: المنع من حصول فتنة بين المسلمين، وهذه الفتنة في حال حصولها تؤثر سلباً على حال المسلمين وجهادهم ولا ينجصر موضوعها بأوانها او بالأنصار دون المهاجرين بل هو أعم في زمانه ومكانه لذا كان حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى موضع الخلاف آية ومعجزة إنتفعت منها الأجيال المتعاقبة من المسلمين.
ويتجلى خلـق النبوة وعمومات قوله تعالى [ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ]( )، بكيفية الإصلاح والتدارك، فلم يوبخهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل أخذهم بالرأفة ودعاهم الى معاني الأخوة ونبذ الكدورة والنفرة لتكون منهجاً لقادة وعلماء المسلمين في كيفية معالجة وتدارك الخلافات والفتن.
وتجلى خلق النبوة مرة اخرى في ذات الموضوع بقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وجعل الانصاري أخاً لأحد المهاجرين على نحو التعيين، فاذا حصل الخلاف والنزاع بين الأوس والخزرج وهم اخوان وابناء بلدة واحدة ومن الانصار، فمن باب الأولوية ان يحدث نزاع وخصومة بينهم وبين المهاجرين.
فجاءت المؤاخاة حاجة وآية وتخفيفاً ورحمة، وإستمرت معاني ومنافع هذه الأخوة بينهم وصارت وثيقة عقائدية تبين أموراً:
الأول: إنها مصداق من مصاديق هذه الآية.
الثاني: المؤاخاة شاهد على بيان السنة النبوية لآيات التنزيل والتثبيت العملي المتصل لمضامين الآيات القرآنية.
الثالث: إكرام المسلمين وتعاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأحكام الآيات.
الرابع: جعلها تركة باقية بين المسلمين ينهلون مما فيها من البيان ووجوه الحكمة.
وكلما رأى الناس المسلمين متآخين متحابين فانهم يخشونهم ويخافون من التعدي عليهم، وهذا التآخي والمنعة مجتمعان دعوة للناس لدخول الإسلام، ومناسبة لأداء العبادات والفرائض، شاهد على الأفضلية من وجوه:
الأول: أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على غيره من الأنبياء، وجهاده في تثبيت مبادئ الدين وسنن الإيمان.
الثاني: تفضيل القرآن على غيره من الكتب السماوية الأخرى، وفيه دليل على ما يتضمنه من الآيات والكنوز والأسرار الملكوتية.
الثالث: تفضيل المسلمين على أهل الملل الأخرى، وتعاهدهم للأخوة فيما بينهم ونبذهم للفرقة والتشتت، وإكرامهم ببيان الآيات بالقرآن والسنة النبوية إضافة الى ما يترشح عنهما من الإرتقاء العلمي عند المسلمين وبلوغهم مراتب عالية في المعرفة الإلهية، مما يجعلهم مؤهلين للكشف والبيان المتصل.
وترى إتصال إستنباط العلوم والمعارف من القرآن، وظهور علوم مستحدثة مع القدرة على الإفتاء في المسائل المستحدثة مع تعددها وإنشطارها ومجيئها على نحو دفعي في الأزمنة المتأخرة، وإستيعاب التداخل الحضاري المفاجيء بين الأمم في زمن العولمة وهو إمارة على إمكان استيعاب التطورات اللاحقة في الصلات بين الملل والدول.
ليكون القرآن بين الناس حجة سماوية حاضرة في آياته وكشفه ودلالاته، وكذا السنة النبوية المباركة، وفيه حجة وتوكيد لإنعدام طرو التحريف على آيات القرآن، فموضوعية البيان في اللفظ القرآني مانع دون التبديل وتجعله أمراً متعذراً، وفيها أيضاً تثبيت للسنة النبوية عند المسلمين لإتصال البحث في مضامينها مصداقاً ومفهوماً عن البيان والكشف النبوي للآيات خصوصاً مع القطع بان السنة من أفراد الوحي، وادراك الحاجة اليها، وفي التنزيل [قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ]( ).
ويحتمل بيان الآيات بالنسبة للمسلمين أموراً:
الأول: انه حاجة وضرورة لهم.
الثاني: أنه من المندوحة والأمور الإضافية.
الثالث: امكان الاستغناء عنه والاكتفاء بظاهر اللفظ القرآني، وما يفهمه المسلم منه.
والصحيح هو الأول، والحاجة الى بيان الآيات من وجوه:
الأول: إعانة المسلمين على التمسك بمبادئ الإسلام وأحكام القرآن.
الثاني: بلوغ المسلمين المراتب العالية في المعارف الإلهية.
الثالث: الإحتراز النوعي العام من النكوص والإرتداد.
الرابع: أداء العبادات بشوق ورغبة.
الخامس: الإرتقاء في منازل الإيمان والتقوى.
السادس: بيان الآيات وسيلة لترسيخ الأخلاق الحميدة، وجعلها ملكة ثابتة عند المسلمين.
السابع: تعدد العلوم والمقاصد السامية في اللفظ القرآني.
الثامن:كل آية قرآنية خزينة عقائدية وعلمية تدعو العلماء لبيانها وكشفها.
ولا تنحصر مضامين ومنافع بيان الآيات بالمسلمين بل تشمل الناس جميعاً، فكما انه حجة للمسلمين، فانه حجة على الكافرين ودعوة لهم للتدبر في آيات الخلق والتنزيل، وهو شاهد على موضوعية القرآن في حياة الإنسان والأمم، وعدم إمكان الإستغناء عنه، وتظهر مصاديق البيان في هذه الآية وغيرها من آيات القرآن منافع البيان منها:
الأول: المصالح الدنيوية وتشمل الميادين المختلفة العقائدية والإجتماعية والسياسية والأخلاقية، وكشف الآيات وبيان ذخائر القرآن عون للمسلم في نهاره وليله، وحارس مصاحب له، ومعلم كريم يرشده الى سبل الهداية، ويساعده على التفقه في الدين، ومعرفة شطر من تفاصيل الآيات، والغرق في جلال الله لإدراك عظيم رحمته بالمسلمين وإختصاصهم بالبيان الذي هو ثروة وكنز وباب مفتوح على الذخائر السماوية والكنوز القرآنية.
الثاني: المنافع الأخروية لأن بيان الآيات طريق الى الجنة، ووسيلة للهداية، وهو مدرسة جامعة من العلوم والمعارف وسلاح لعدم التفريط بمضامين وأسرار الآيات خصوصاً وان كل آية قرآنية كنز وخزينة من العلوم، لا ينقصها ما يأخذه وينهله العلماء منها، وان قلت: ان بيان الآيات فضل إلهي فكيف يكون وسيلة للجنة.
قلت: لابد من ترتب الأثر على البيان وظهور مصاديقه عند المسلمين في أٌقوالهم وأفعالهم بصيغ الهداية والصلاح والإصلاح التي تكون سبباً لإكتناز الأجر والثواب وفيه آية، وهي ان الله عزوجل هيئ الوسائل للمسلمين لدخول الجنة.
قانون السنة بيان وكشف
لا بأس بتأسيس علم جديد أسمه “السنة النبوية بيان وكشف”، لتدرس السنة النبوية الشريفة القولية والفعلية والتدوينية، وما فيها من آيات البيان ومنها:
الأول: كشف علوم القرآن.
الثاني: ما تتضمنه آيات القرآن من أخبار الغيب.
الثالث: بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآيات الآفاق والآيات في ذات الإنسان وخلقه.
الرابع: أسباب إعانة المسلمين من الصحابة والتابعين والأجيال اللاحقة في شؤون حياتهم والغلبة على العدو.
الخامس: الطب النبوي وما فيه من القواعد العلمية وأسباب الشفاء، وإرشاد الناس للوقاية من الأمراض.
السادس: الجهاد بالنفس والمال والأهل لإعلاء كلمة التوحيد، وتثبيت دعائم الدين.
كما تجلى جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ظهور مبادئ الإسلام وإمتثال المسلمين للأمر الإلهي بالإعتصام بالله والتمسك بحبله ونبذ الفرقة، وتقيدهم بأحكام الأخوة فيما بينهم وإستجابتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التآلف وإظهار مضامين المحبة والمودة بينهم، وهذه المحبة مقدمة للظفر في ميادين القتال وواقية من تعدي أهل الضلالة والجحود على الإسلام وثغور المسلمين.
قانون (البيان الذاتي)
تعتبر الآية القرآنية كنزاَ من العلوم وتترشح عنها آيات من المعرفة، وفي بيان الآيات الوارد في الآية الكريمة وجهان:
الأول: بيان الآية لذاتها. الثاني: بيان الآية لغيرها.
ومضامين هذا القانون خاصة بالوجه الأول اذ ان الآية القرآنية تبين نفسها من وجوه:
الأول: بيان معاني ما فيها من الألفاظ، ويتصف هذا البيان بالوضوح والظهور والخلو من الإجمال والترديد، وترى البيان في هذه الآية بذكر النعم الإلهية التي تتغشى المسلمين على نحو التفصيل.
الثاني: تعدد وجوه الفضل الإلهي على المسلمين، فالنعم المذكورة في هذه الآية خاصة بموضوعها وتصاحبها نعم اضافية كما تترشح عنها نعم أخرى، والبيان شامل لها بالنص والتعيين والذكر أو الإشارة والتنبيه، أو الإستنباط وإستحضار الوسائط ، وكل آية بصيرة وموضوع للإستبصار والهداية.
الثالث: ذكر موضوع الآية وما فيه من الدلالات والدروس والعبر، كما في قوله تعالى [قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً]( ).
وقد جاء وصف الآيات القرآنية بانها بينات قال تعالى [وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ]( )، ومن إعجاز الآية القرآنية بيانها الذاتي، وإفادتها معاني كلماتها، وإمتناعها عن اللبس وإمتلاكها الإحتراز الذاتي من الريب والتحريف، والتأويل الخاطئ، وقدرتها على التوقي من أهل الجدل الذين في قلوبهم مرض.
فالآية القرآنية مبينة لذاتها، في حروفها وكلماتها وجزئيتها من القرآن وما فيها من الوضوح والكشف والإستبانة، ولا ينحصر البيان الذاتي في القرآن بخصوص الآية القرآنية بل هو شامل لآيات القرآن كلها، فتجد الآية القرآنية مبينة للآيات الأخرى، وهو من مصاديق البيان الذاتي للقرآن، وتثبيت معانيه، فتتضمن الآية بيان معنى غيرها من الآيات وعلى نحو متعدد، وفيه دعوة للناس للعمل بأحكامها، ثم تأتي الآيات القرآنية الأخرى لتبين الآية مرة أخرى ولكن ليس على نحو الإعادة بل التوكيد والمندوحة والسعة في البيان.
ومن أسماء القرآن البيان كما في قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ]( )، فجاء وصف القرآن بالبيان بلغة الإطلاق، مما يدل على شموله لبيان ذاته بذاته، ومن أسرار ومنافع البيان الذاتي للقرآن أمور:
الأول: إقامة الحجة والبرهان، قال تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ].
الثاني: البيان لطف إلهي وإعانة للناس على الإيمان.
الثالث: مخاطبة العقول والافهام.وأرباب المعرفة.
الرابع: البيان مصداق لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
الخامس: الزجر عن سوء التأويل في معاني القرآن فالى جانب خلو القرآن من التحريف، وإمتناعه الذاتي عن تغيير حروفه وكلماته، فان ما فيه من البيان حرز من اللبس والترديد والتفسير الخاطئ.
الرابع: من أسماء القرآن انه “هدى وموعظة” ولابد ان يأتي الهدى عن بيان، وتكون الموعظة بلسان مبين، يقتبس منه الناس أنوار الهداية.
الخامس: من خصائص البيان الذاتي للقرآن منع الخصومة والفتنة بين المسلمين في تأويله، وهو برزخ دون إستحواذ النفس الشهوية والغضبية وفيه تأديب للناس، ومنع للإجتهاد في مقابل النص، وإخبار بلزوم رجوع الناس الى القرآن.
السادس: في البيان القرآني غنى عن غير القرآن والسنة، فلا يحتاج المسلم في معرفة الواجبات والمحرمات الرجوع الى غيرهما، وقد تذكر أدلة أخرى في علم الأصول كالإجماع، ولكنه ليس بعرض واحد مع القرآن والسنة في البيان والدلالة والحجة بل هو فرع لهما ومترشح عنهما، ويدل تفرع الإجماع عنً القرآن على تضمن القرآن البيان الكافي للإستنباط وامتناع الترديد واللبس.
ومن الآيات في بيان القرآن ان خطاباته لا تنحصر بالعلماء بل هي عامة ويمكن لكل المسلمين أن يأخذوا الأحكام منه، لذا جاء الإطلاق في قوله تعالى[هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ]( ).
قانون البيان الغيري
كما تأتي الآية القرآنية بياناً لذاتها، والقرآن مبين لذاته في آياته وتداخلها وتفسير بعضها لبعض، فانه بيان لغيره وهذا البيان شامل للوقائع والأحداث ما تقدم منها وما تأخر، أي ما سبق في زمانه نزول القرآن، وما سيأتي فيما بعد، وتلك خصوصية ينفرد بها القرآن من بين الكتب السماوية المنزلة، وفيه تشريف وإكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فالبيان في القرآن جامع للفردين معاً للذات والغير، كما ان موضوع الغير واسع ومتعدد الوجوه ويشمل:
الأول: علم الغيب، وما خفي على الناس أمره، فمن الإعجاز في القرآن بيانه لأسرار الغيب التي لا يمكن الإطلاع عليها ومعرفتها إلا في آيات القرآن لذا فان ذكرها بلغة البيان الخالي من الإجمال والترديد ضرورة وحاجة.
الثاني: بيان النعم الإلهية على المسلمين، كما ورد في هذه الآية الكريمة، وهو باب للشكر لله تعالى، فمن منافع البيان إدراك العباد للنعم الإلهية، وتوجههم لمنازل الشكر والثناء ليكون من مصاديق البيان الغيري إظهار الناس الشكر والحمد لله تعالى، وحرصهم على ذكره تعالى.
الثالث: ذكر قصص الأنبياء بأعذب كلام وأسبك عبارة، وبلغة تليق بمقامات الأنبياء وتبين عظيم منزلتهم عند الله، ليكون هذا البيان دعوة للناس للإقتداء بهم وإتباع نهجهم،وورد في قصص الأنبياء خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبواسطته للمسلمين جميعاً، قوله تعالى [ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ] ( ).
الرابع: بيان الأوامر والنواهي، وأحكام الحلال والحرام.
الخامس: كشف الحقائق، وبيان ماهية الأشياء، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
السادس: بيان الأخلاق والسنن الحميدة، والوظائف الشرعية للمكلف، قال تعالى [قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ]( ).
السابع: الإخبار الإلهي عن عالم الآخرة وما فيه من النعيم والشقاء، ومن ينال يؤمئذ السعادة والغبطة والنعيم، ومن يستحق العذاب والعقاب الشديد.
الثامن: ذكر عالم الملائكة وعبادتهم وإمتثالهم المطلق لله تعالى، وفيه دعوة للإنسان للإقتداء بهم.
والبيان القرآني للأشياء من اللامنتهي، وهو أمر متجدد من وجهين:
الأول: ظهور التفصيل والتأويل بإستظهار الآيات القرآنية والجمع بينها.
الثاني: حدوث الوقائع في تعاقب الأيام والليالي ومن الآيات ان البيان القرآني سابق في زمان نزوله للوقائع التي جاءت بعد نزول القرآن، والإخبار القرآني عنها حاجة عقائدية وعلمية للناس، وحرز من الوقوع في الهلكة.
ومن أسرار الخلق والإرادة التكوينية ان يشمل البيان شطراً من الأشياء المبينة قبل وجودها وهو شاهد على علم الله تعالى بالأشياء والأحداث ماتقدم منها وما تأخر، وان القرآن تبيان لكل شيء.
وفي البيان القرآني ترغيب بالإيمان، ودعوة للجوء الى القرآن، عند الإبتلاء والإفتتان بل مطلقاً، ليكون اللجوء اليه سجية ثابتة فلا يغفل المسلم عنه في حال الأمن او الخوف والفزع، ومن الآيات الملازمة بين اللجوء للقرآن وبين حصول المعرفة وإنكشاف الغم وذهاب الخوف، لما في اللجوء الى القرآن والتزود مما فيه من البيان من إظهار للتوكل على الله والتفقه في الدين.
علم المناسبة
ورد التشبيه في بيان الآيات تسع مرات بألفاظ متقاربة [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ]، او لفظ الآيات، وأخرى يأتي بلفظ [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ]( )، في دلالة على إطلاق البيان وشموله للناس جميعاً، لينتفع المسلمون من البيان من جهات متعددة هي:
الأولى: البيان الموجه للمسلمين، كما في هذه الآية الكريمة.
الثانية: مضامين البيان التي تتغشى آيات القرآن كلها.
الثالثة: ما جاء به الأنبياء السابقون من البيان الى أممهم، فقد ورثه المسلمون وإتخذوه درساً وموعظة، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ]( )، وليس من نبي الا وجاء بالدلالات الواضحات على وجود الصانع ولزوم عبادته، قال تعالى [وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ]( ).
الرابعة: آيات البيان الموجهة للناس جميعاً، ومنها الآيات الكونية والخطابات القرآنية التي يراد منها الناس جميعاً كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] والمسلمون جزء من الناس، وإمتازوا بالتدبر بالآيات وتوظيفها في الإخلاص في عبادة الله.
وكما ان أصل خلق الإنسان لغرض عبادة الله فان بيان الآيات جاء لإستدامة عبادة الناس لله تعالى، وهو من مصاديق تعاهد الله عز وجل للناس في حياتهم الدنيا، فكما يبسط لهم رزقه ولا يتركهم يواجهون الموت جوعاً وعطشاً، يتفضل الله عليهم ببيان الآيات لكي لا ينحرفوا عن الصراط المستقيم، ويختاروا الكفر والضلالة، فيأتي بيان الآيات غذاء عقلياً وروحياً خاصاً وعاماً.
وبخلاف الاكل والشرب وما يحتاجان اليه من المقدمات والكسب والعناء، وما يسببه الافراط والاكثار منهما من الاذى وإلامراض، فان بيان الآيات يترى على المسلمين من غير كسب ولا عناء وفي النهل منه والانقطاع اليه خير الدنيا والآخرة كي ينتفع المسلمون من الخاص والعام دون ان يكون هذا الإنتفاع برزخاً دون إنتفاع غيرهم من عامة الناس من بيان الآيات، وان تباينت درجة الإستيعاب والشمول، فيمكن للناس ان ينتفعوا من البيان الموجه للمسلمين من وجوه:
الأول: انه خطاب للعقول.
الثاني: البيان كشف وتفصيل وعون على الفهم والفقاهة والمعرفة.
الثالث: ورد الذم في القرآن للذين لم يعتبروا من الآيات البينات التي جاءت للأنبياء السابقين من أهل زمانهم.
وجاء الإنذار والتحذير للذين يصدون ويعرضون عن القرآن، والآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ ] ( )، وتدل هذه الآية في مفهومها على مدح المسلمين لإيمانهم بالبينات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإقرارهم بها، وظهورها في حياتهم وتقيدهم بمضامينها وبنعمة الأخوة والتمسك بالإسلام ومبادئه.

قوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]
إعجاز إضافي في الآية الكريمة يبين المقاصد السامية للنعم الإلهية، وأثرها في حياة المسلمين ومنافعها الدنيوية والأخروية وكما جاءت خاتمة الآية بالخطاب العام للمسلمين، فان خاتمتها جاءت أيضاً بذات الصيغة من الخطاب وتوجهها للمسلمين جميعاً.
وبين فاتحة الآية وخاتمتها عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء صيغة الخطاب، ومادة الإفتراق ان فاتحة الآية أمر بالإعتصام، أما خاتمتها فتتعلق برجاء الإهتداء والرشاد، كما ان الإمتثال لأمره تعالى بالإعتصام بآيات القرآن ومبادئ الإسلام سبب للهداية والرشاد.
وتبين خاتمة الآية غنى الله تعالى عن الناس، وانه ينعم عليهم لما فيه نفعهم ورشدهم فهو غير محتاج لهم، فتتوالى النعم الإلهية على المسلمين ليهتدوا الى سبل الإيمان،، وتأتيهم النعم والآلاء إبتداء ليفوزوا بالخلود في دار النعيم، كما يظهر من هذه الآية، فجاء الأمر بالتمسك بالقرآن وأعقبه نزع العداوة من القلوب، ونزول نعمة الأخوة والإنقاذ من النار والإشراف عليها.
وهل تتعلق الجملة الخبرية من الحرف المشبه بالفعل وأسمها وخبرها [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] بما قبلها، وهو قوله تعالى [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ] ام أنها عامة وتتعلق بمضامين الآية الكريمة كلها، الجواب هو الثاني، فكل افراد الآية وما فيها من الأوامر والنعم سبل لتحقيق الهداية العامة، من وجوه:
الأول: التمسك بالقرآن وأحكام الشريعة وسيلة ومادة للهداية، فلا يمكن الفوز بدار النعيم من غير التمسك بمبادئ الإسلام والتقيد باحكام الحلال والحرام.
الثاني: الإتحاد والتعاون وعدم التفرق باب للهداية، ومناسبة لأداء العبادات والفرائض، اما التفرق فانه سبب للضعف ومدخل لطمع الآخرين بالتعدي على المسلمين في أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم، ومتى ما أتحد المسلمون فانهم يصبحون أقوياء ويستطيعون الجهر بعباداتهم ومناسكهم، ومواجهة الأعداء.
الثالث: نزول النعم الإلهية على المسلمين، وتغشيهم بفضل وإحسان الله دعوة للهداية والرشاد وباب للإرتقاء في منازل الإيمان.
الرابع: الأمر الإلهي بذكر النعم فضل من الله عز وجل، فمن الآيات ان يتبع النعمة الأمر الإلهي بتذكرها، والذي يدل في مفهومه على المنع من نسيانها أو الغفلة عنها، وذكر النعمة مناسبة للهداية وباب لنيل الثواب لأنه مقدمة للشكر لله تعالى، فكما ان النعمة الإلهية سبب وموضوع للهداية فان ذكرها سبب آخر للهداية والرشاد.
الخامس: نجاة المسلمين من حال العداوة والخصومة فيما بينهم، مناسبة للهداية، فالإنشغال بالعداوة والحيطة والحذر العام على نحو متبادل سبب للهم والحزن، والنفرة والتباعد.
السادس: نعمة الألفة بين القلوب وحال الوفاق بين المسلمين مناسبة للإشتراك العام في أداء العبادات.
ان صفاء القلوب وخلوها من الكدورات الظلمانية مدخل للهداية العامة، وسبب للتدبر بالآيات، وتذكر العبادات والواجبات والأمر المعروف والنهي عن المنكر، لأن المسلم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.
السابع: لقد أراد الله عز وجل زجر ومنع المسلمين من الإشراف على النار سواء على نحو القضية الشخصية أو النوعية، فبدل الإنحدار في هاوية الضلالة، جاء الإنقاذ من العذاب والدنو الزماني منه، فالذي يبقى على الكفر يزحف كل يوم نحو النار والعذاب الدائم، والذي يختار الإسلام يقترب كل يوم خطوة من الجنة.
الثامن: بيان الآيات وسيلة مباركة للهداية، وقد يهتدي جماعة عند قيام شخص أو جماعة او جهة ببيان الآيات، والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة فكيف اذا جاء البيان من عند الله خصوصاً وان البيان الإلهي ينفرد بأمور إعجازية منها:
الأول: مجيؤه متعقباً للآيات.
الثاني: البيان الإلهي للآيات لطف ورحمة بالمسلمين والناس جميعاً.
الثالث: ورد البيان الإلهي في القرآن وهو الوثيقة السماوية الخالدة ليكون توكيداً لذات الآيات والنعم الإلهية ويبقى عهداً مباركاً يغترف منه المسلمون العلوم والأحكام،ويكون عونا ومقدمة للإمتثال لقوله تعالى في أول الآية ( وإعتصموا بحبل الله).
الرابع: التعدد والكثرة في البيان الإلهي، وتدل عليه لغة التشبيه في الآية، (كذلك) وصيغة الجمع (آياته).
الخامس: إستدامة البيان الإلهي، فالذي يبلغ الناس ويدعو الى الله تنقضي أيامه، كما ان صوته لا يصل الا الى عدد معدود من الناس، وبصيغة معينة بحسب مقدرته المحدودة ويتصف البيان الإلهي بالإطلاق في الظهور والكشف وذكر الآيات ولغة الوضوح، وهو دائم ومتصل لا تنقضي أيامه، ومصاحب كريم للحياة الدنيا والناس في منتدياتهم، والأفراد في تفكيرهم وحواسهم.
ونزل البيان الإلهي من السماء لينفذ الى شغاف قلوب المسلمين، ويجعلهم يتوجهون الى الله تعالى بالشكر، ومن مصاديق الشكر أداء العبادات والفرائض.
السادس: توالي النعم الإلهية، وهو سبب للهداية ذاتاً وعرضاً.
السابع: تتابع الآيات بما يكفي لأن تكون سبباً لهداية الناس جميعاً، وحجة عقلية وحسية ظاهرة.
الثامن: بيان الآيات والذي يتجلى في هذه الآية، وكل آية من آيات القرآن، والدلالات والبراهين الكونية وأسرار خلق الإنسان.
و(لعل) من حروف الترجي وجاءت هنا على وجوه:
الأول: أي لكي تهتدوا الى سبل الحق، بإعتبار ان البيان وتعاقب الآيات علة تامة للهداية.
الثاني: إستعمال (لعل) ومعنى الترجي على نحو المجاز، والأصل هو إرادة الهداية بلغة القطع، لمجيء البيان والآيات للهداية العامة.
الثالث: التفصيل في هداية الناس على أقسام:
الأول:من الناس من يهتدي بالآيات والبراهين الدالة على وجودالصانع
الثاني: منهم من يحتاج في هدايته الى البيان والتفصيل في ذكر الآيات.
الثالث: من الناس من يجحد بالآيات، ويعرض عن البيان، ويصم إذنه عن الإنذارات، والمسلمون منزهون عن هذا القسم، لإنتفاء الجحود عنهم بإختيارهم الإسلام، ولكن لماذا لم تقل الآية “كذلك يبين الله لكم آياته لتهتدوا” بل جاءت على نحو الترجي والتعليق، فيه وجوه:
الأول: إرادة الإهتداء التام والأمثل، باعتبار ان الإنتماء للإسلام هداية ايضاً، وكأن الهداية من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة.
الثاني: رجاء الإهتداء وعسى ان ينتفع المسلمون من بيان الآيات.
الثالث: في الآية حذف، والتقدير على وجوه:
الأول: لعلكم تهتدون الى كيفية بيان الآيات للناس.
الثاني: لعلكم تهتدون الى الجنة.
الرابع: بيان فضل المسلمين والمائز بينهم وبين غيرهم من الأمم السابقة، فورد رجاء الهداية بخصوص بني اسرائيل قال تعالى [ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ]( ).
الخامس: الإخبار عن إستحقاق المسلمين للثواب بإختيارهم الهداية، وإنتفاعهم من الآيات والبينات، وان كانت هذه الهداية بأسباب ومقدمات وإعانة من عند الله تعالى.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من فضل الله والهداية وأسبابها من مصاديق البيان الذي تذكره الآية.
ومن اللطف الإلهي ان يجذب الله تعالى المسلمين الى منازل الهداية والرشاد، وينسب لهم الهداية، كما يدل عليه ورود الفعل بصيغة الفعل المبني للمعلوم (تهتدون) ثم يتفضل مرة أخرى ويثيب المسلمين على ما فعلوه من الصالحات.
والآية من عمومات اللطف الالهي، وتقريب العباد للطاعة من غير ان يصل الى درجة الالجاء لذا جاء حرف الترجي مع تعدد وكثرة النعم، ومجيء (لعل) لطف اضافي بالمسلمين.
قانون الهداية
يعتبر الإنسان من بديع خلق الله، وآية في الإرادة التكوينية والتشريعية، ومن الشواهد السماوية عليه أن الملائكة إنبهروا مع عظمتهم من خلقه، ووظائف الخلافة التي تشرف بنيل مراتبها والأمانة العظمى التي تحملها.
وليس من أحد أكثر رأفة بالإنسان من الله عز وجل فلم تعلم الخلائق ما يمد به الله الإنسان من أسباب الهداية واللطف مما يؤهله للخلافة، ومن أهمها مقدمات الهداية، والإعانة عليها، والأخذ بيده نحو دروبها، ولا تنحصر الهداية بانسان او أمة او جيل دون آخر، بل هي مطلقة وشاملة للناس جميعاً، ولكن التباين يحصل من كيفية إنتفاع الناس منها.
فالناس على مراتب متباينة فمنهم من يخضع فعله لموازين العقل والمنطق، ويرى ببصيرته ضرورة الهداية والحاجة الى طرقها، ومنهم من يجعل على بصره غشاوة تحجب عنه رؤية الآيات، فجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان الآيات وإنقاذ الناس من الضلالة، وقيادتهم نحو دار النعيم والخلود في الجنة.
ومن الكنوز التي حملها معه الى المسلمين آية [وَإعتصموا] اذ نزلت عليه من السماء لتكون وسيلة للهداية وعصمة للمسلمين من الضلالة والغواية، فالأمر الإلهي للمسلمين بالإعتصام به هو عصمة من الزلل، وحصن من الشرك الظاهر والخفي، والتقدير: عصمتكم فإعتصموا، وإعتصموا بحبل الله فاعصمكم.
ولا يستلزم الأمر الدور للتباين الموضوعي وتعدد مصاديق الإعتصام، وعظيم فضل الله على المسلمين، وتبدأ مراتب الهداية بالميل الى الإسلام وقبول أحكامه، والإنجذاب اليه، قال تعالى [فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ]( )، وكل آية هي هدى للناس وللمسلمين خاصة بل انها هدى للجن ايضاً كما في قوله تعالى [إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ]( ).
ومن فضل الله تعالى على الناس ملازمة أسباب الهداية لهم أفراداً وجماعات وتأتي الهداية على وجوه:
الأول: إبتداء ورحمة من عند الله قال تعالى [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
الثاني: الدعاء والتضرع وسؤال الهداية، وورد في سورة الفاتحة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ] ومن الآيات ان يأتي سؤال الهداية في هذه الآية مكرراً في الصلاة اليومية.
الثالث: الإهتداء بالتدبر بالآيات، والإتعاظ والإعتبار قال تعالى [مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ]( ).
الرابع: الإعتصام بالله طريق وعنوان للهداية فمن يمتثل لمضامين هذه الآية فقد إهتدى، لذا فان الأمر الإلهي بالتمسك بالقرآن والسنة هداية إلى الرشاد، قال تعالى [وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
ويفيد الجمع بين أول الآية محل البحث وخاتمتها تعلق الهداية على الإعتصام بحبل الله، وتقديره على وجوه:
الأول: إعتصموا بحبل الله كي تهتدوا.
الثاني: ان اعتصمتم بحبل الله فانكم مهتدون.
الثالث: من اعتصم بالله فهو مهتدِ.
الرابع: الإعتصام بحبل الله طريق ومقدمة للهداية.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وان ظهر الإنشاء في الأول، والشرط في الثاني والثالث، والخبر في الرابع، لعمومات الآية وشمول الخطاب لكل المسلمين ودخول المنافقين معهم، بالإضافة الى إمكان حمل المعنيين على الإخبار، وبضميمة اللطف الإلهي المصاحب للمسلمين فان الإيمان بالرسالة المحمدية عنوان للهداية قال تعالى [فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا…]( ) وهل يمكن اضافة وجه خامس وهو اذا اردتم الهداية فعليكم بالاعتصام بالله، الجواب في الجملة الشرطية صبغة الانشاء، واختيار الاسلام بذاته هداية ورشاد فجاءت الآية لتثبيت مضامين الهداية وليس لتأسيسها.
ومع الهدى تأتي زيادته والإرتقاء في سلم درجاته قال تعالى [إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى] ( )، لذا فان خاتمة الآية الكريمة ترغيب بالهدى ووعد كريم بزيادته، وإستدامة لرفعة المسلمين وبلوغهم اعلى المراتب في التقوى.
قانون الحاجة الى الآية القرآنية
يحتاج الإنسان في حياته أموراً كثيرة، وتكون بلحاظ الحاجة اليها على وجوه:
الأول: ما تكون الحاجة اليه دائمة ومستديمة كالمأكل والمشرب والملبس.
الثاني: الحاجة اليه مؤقتة وبحسب الأسباب والأحوال كالرواحل ووسائط النقل.
الثالث: عموم الحاجة اليه من جميع الناس، كاللباس والسكن.
الرابع: لا يحتاجه الا شطر من الناس مع إستغناء الشطر الآخر عنه، كما لو كان هناك شيء يحتاجه أهل الحضر دون البدو، أو بالعكس.
الخامس: ما تكون الحاجة اليه طارئة كالعلاج وأسباب الشفاء من الأدران.
كما يمكن تقسيم الحاجة تقسيماً إستقرائياً آخر الى جهات:
الأولى: الحاجة الدنيوية.
الثانية: الحاجة الأخروية.
الثالثة: الحاجة الدنيوية والأخروية.
ومن الآيات في عالم الخلق والتكوين ان الحاجة الى الآية القرآنية تنبسط على جميع الوجوه والجهات أعلاه، فلا يمكن للإنسان الإستغناء عن الآية القرآنية في يومه وليله، وكل آية قرآنية نعمة دائمة ومتصلة، وعنوان لتلبية حاجة الإنسان، وبرزخ دون تعرضه للتيه أو الضلالة في أمور الدين والدنيا، وهي ضياء ينير له دروب الهداية والرشاد، فما من إنسان الا ويحتاج الآية القرآنية لذا جعلها الله قريبة من الناس، ومعصومة من التحريف والتغيير الى يوم القيامة.
وتتجلى الحاجة لها لإتصافها بصبغة السماوية والتنزيل، ولان الإنسان ممكن يلازمه الإحتياج، فيحتاج الآية القرآنية في تهذيب نفسه وإصلاح بدنه، وفي عباداته ومعاملاته، وميادين العمل وأسباب السلامة في الدنيا والآخرة، والذين يحتاجون الآية القرآنية على وجوه:
الأول: المسلم والمسلمة لوجوب إمتثالهما للأوامر الإلهية.
الثاني: الذين بلغوا درجة الإيمان.
الثالث: حكام المسلمين والعلماء وأولوا الحل والعقد منهم.
الرابع: المسلمون جميعاً ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً.
الخامس: جميع الناس، في أجيالهم المتعاقبة.
والصحيح هو الأخير فان الحاجة للآية القرآنية عامة ومطلقة، وكل إنسان يحتاج اليها، فان قلت ان كثيراً من الناس معرضون عن الإسلام مما يعني إعراضهم عن الآية القرآنية بالأولوية لان الآية جزء من التنزيل، والجواب من وجوه:
الأول: ان إعراض الكافر عن الإسلام إضرار بنفسه وغيره.
الثاني: عدم المنافاة بين الإعراض والحاجة، فمن الناس من يعرض عن الشيء الذي فيه حاجته عن قصد أو غير قصد، وكثير ما يتضح له فيما بعد تفويته للفرصة على نفسه.
الثالث: تتدلى منافع الآية القرآنية على الناس جميعاً، وتدعوهم للأخذ منها والتزود من علومها، ومن الآيات ان إعراض الفرد عنها لا يمنع من توددها اليه وتقربها منه ودعوتها له بالإنتفاع الأمثل منها.
الرابع: عمومات القاعدة الأصولية الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار، وبإمكان أي فرد الإنابة والعودة الى الآية القرآنية والأخذ منها.
الخامس: الإنتفاع من الآية القرآنية أعم من القصد والإرادة الشخصية للأخذ منها فقد ينتفع الإنسان من الآية القرآنية بصورة عرضية ومن غير قصد منه، لذا ورد قوله تعالى [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) شاهداً على انتفاع الناس جميعاً من البعثة النبوية المباركة سواء كان الإنتفاع طوعاً او قهراً او انطباقاً.
وكل آية من آيات القرآن رحمة بالناس ومنها هذه الآية الكريمة التي تكون فيها الرحمة على وجوه:
الأول: الرحمة بالمسلمين بتفضله تعالى بقرب ودنو رحمته منهم.
الثاني: أمره تعالى للمسلمين بالإعتصام بحبله، والصدور عن القرآن، وعدم مغادرة منازل الإيمان.
الثالث: عموم الإعتصام بالله، فحينما جاءت الآية التالية بالأمر بقيام أمة من المسلمين بالدعوة الى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاءت هذه الآية بصيغة العموم والشمول لجميع المسلمين وعدم إستثناء فرد من المسلمين من وجوب التمسك بحبل الله واللجوء اليه سبحانه، ولا تنحصر منافع هذا التمسك بالمسلمين بل تشمل الناس جميعاً، لما فيها من أسباب الهداية والصلاح، وتثبيت دعائم التوحيد في الأرض وإنحسار أفكار الضلالة والغواية، والمنع من التعدي والظلم.
الرابع: التذكير بحال العداوة، وكيف ان الآيات القرآنية تقلب العداوة الى محبة، والشرك الى هداية وإيمان.
الخامس: الآية القرآنية سلاح رشاد، وعنوان توفيق اذ انها الفاظاً ومعاني تخترق شغاف القلوب، وكما انها ساهمت في تأليف قلوب المسلمين بإعتبارها من جنود الله عز وجل، فانها تدعو الناس للإسلام وتحثهم على الهداية وإجتناب الكفر والفسوق.
السادس: هذه الآية نعمة متصلة وفضل دائم على المسلمين، وواقية دون حصول الفرقة فقوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] يدل في مفهومه على عدم العودة الى العداوة بحال الكفر، و الثبات على الأخوة بحال الإسلام والهداية والإيمان.
السابع: تعتبر هذه الآية القرآنية برزخاً دون الوقوع في النار، وحرزاً عقائدياً وعملياً من مقدماته، يعني بالدلالة الإلتزامية إتخاذ الآية القرآنية وسيلة للتأديب ومادة للتعليم، فكان الناس في ضلالة، الى ان جاءت آيات القرآن لتأخذ بأيدي المؤمنين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى سبل النجاة.
بحث بلاغي
من وجوه الإطناب التعليل، وفيه بيان لغوي وعقائدي، ويحتاجه الأديب والقائد والزعيم وأهل الحل والعقد، وهو وسيلة عقلية وعلمية وحجة وشاهد على الصواب أو التفضيل أو غيرهما، وسلاح للتأييد وبعث السكينة في النفوس وجعلها تقبل الأمر ولا تنفر منه، ومن منافعه التقرير والإمضاء وإظهار البرهان وتوكيد القول أو الرأي أو الفعل.
وجاء التعليل في هذه الآية من وجوه:
الاول: الاتيان بالاسم (إذ) وهو كلمة تدل على الزمن الماضي لتكون مدخلاً لبيان التباين بينه وبين حاضر المسلمين، وعلة هذا التباين والتغيير الى الاحسن والاصلح، وذكر نعمة الله في الألفة بين قلوب المسلمين وصيرورتهم إخواناً.
الثاني: جاء حرف التشبيه (كذلك) وما فيه من تعدد الشبيه والمثال ولغة التقريب.
الثالث: اللام في [يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ] فمن معاني اللام التعليل كما في قوله تعالى [فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ] ( )، وجاءت اللام في قوله تعالى [بَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ] للاستحقاق، وفيه تشريف للمسلمين واخبار عن بلوغهم مرتبة الإختصاص بتلقي البيان، الا انه لايمنع من وجود شائبة للتعليل تدل على اهلية المسلمين لبيان الآيات بفضل من الله تعالى، في ذات البيان، واصلاحهم لتلقيه من السماء.
ومن الآيات ان تختتم الآية بالتعليل بلعل، ورجاء الهداية أعم من أن ينحصر ببيان الآيات، بل انه شامل لمضامين الآية وتقديره كالآتي:
الأول: وإعتصموا بحبل الله لعلكم تهتدون.
الثاني: ولا تفرقوا لعلكم تهتدون.
الثالث: وإذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء لعلكم تهتدون.
الرابع: فألف بين قلوبكم لعلكم تهتدون.
الخامس: فأصبحتم بنعمته إخواناً لعلكم تهتدون.
السادس: وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها لعلكم تهتدون.
السابع: [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ].
وتؤكد الآية بان بيان الآيات لطف من عند الله، واللطف في هذا الباب يحتمل وجوهاً:
الأول: أنه خاص بهذه الآية، وان كل فرد من أفرادها آية مستقلة، فيكون المراد من لفظ (آياته) آيات الله الواردة في هذه الآية وهي:
الاولى: لقد جعل الله صلة بينه وبين خلقه وهذه الصلة آية من عنده وهي مبادئ الإسلام والنبوة، واحكام الشريعة فصحيح ان الحبل لفظ مفرد الا ان مصاديقه متعددة وكأنه اسم جنس تقع تحته آيات متعددة، وكل آية إنحلالية تتفرع عنها آيات كثيرة.
الثانية: ما في الآية من الأوامر والنواهي.
الثالثة: أفراد نعمة الله على المسلمين المذكورة في هذه الآية.
الرابعة: كل نعمة آية من آيات الله، فمن الإعجاز في القرآن بيان عظيم قدرة الله في نعمه وآلائه فتأتي النعمة الالهية لتكون آية مستقلة وبياناً لذاتها.
الخامسة: بيان الآيات والنعم في هذه الآية الكريمة مقدمة للهداية، فمن الآيات ان تأتي الأية وما يتعقبها من الثواب بفضل الله.
الثاني: المراد آيات القرآن، ويتألف القرآن من مائة وأربع عشرة سورة، وتتكون من ستة الآف ومائتين وست وثلاثين آية قرآنية، وكل واحدة منها آية إسماً ومسمى، وموضوعاً وحكماً.
الثالث: المراد الآيات الكونية، والعقائدية، وما يظهر على المسلمين في صلاتهم واخوتهم.
الرابع: الآيات المستحدثة التي تخاطب العقول وتكون حجة على الناس.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكله من مصاديق البيان الذي ذكرته الآية لذا ورد بلفظ التشبيه كذلك.
وتفيد لعل معنى الترجي وبينه وبين التمني عموم وخصوص من وجه، ومن وجوه الإفتراق ان الترجي في القريب والممكن، والتمني في البعيد والمستحيل،لذا فان حرف الترجي هنا يفيد قرب طرق الهداية من المسلمين.
وجاءت هذه الآية الكريمة لتزيد من قرب المسلمين كأمة وأفراد من تلك الطرق، وتزيل الحواجز بينهم وبين الهداية، فلم تأتِ الآية بلفظ التمني (ليت) أو صيغة الإستفهام (فهل تهتدون )، بل جاءت بحرف الترجي (لعل) في بشارة لبلوغ المسلمين مراتب الهداية والتقوى.
بحث بلاغي عقائدي
يقسم الكلام الى قسمين:
الأول: الخبر وهو الذي يحتمل التصديق والتكذيب، ويتضمن الأنباء عن واقعة أو فعل أو أمر، ويخرج بالتخصيص من هذا التفصيل في التعريف كلام الله والسنة النبوية لعدم إحتمال طرو الكذب عليهما فالخبر في القرآن والسنة حق وصدق.
الثاني: الإنشاء، وهو الذي يفيد إنشاء القصد، وطلب الشيء والرغبة في تحصيله بصيغة الأمر، او الكف عنه بلغة النهي، وذكرت تعريفات عديدة لكل من الخبر والإنشاء، ومنهم من جعل أقسام الكلام عشرة هي:
النداء، المسألة، الأمر، التشفع، التعجب، القسم، الشرط، الوضع، الشك، الإستفهام.
ومنهم من جعل الطلب قسيماً للخبر والإنشاء بإعتبار ان الإنشاء يقترن معناه بلفظه، اما الطلب فان معناه يتخلف عن لفظه، ولكن هذا المائز لا يكفي للتفصيل لشمول تعريف الإنشاء للطلب أيضاً بإعتبار ان تحقق الفعل من الطلب هو متعلق الطلب وليس ذات الطلب، فقول الأم لولدها (صل) هو طلب الصلاة، وهو مقترن بلفظه، أما صلاة الولد فتأتي متأخرة عن الطلب وتابعة له، ومن الآيات الإعجازية في هذه الآية الكريمة انها بدأت بثلاثة أمور من الإنشاء:
الأول: الأمر بتحصيل التمسك بالقرآن ومبادئ الإسلام وبقيد ان يكون هذا التمسك عاماً شاملاً للمسلمين والمسلمات جميعاً.
الثاني: النهي عن الفرقة، والزجر عن التشتت والخلاف.
الثالث: لزوم إستحضار نعمة الله عز وجل بحصول التآلف بين المسلمين، ونشر المحبة والمودة بينهم، وينبسط قيد الشمول والعموم بلفظ (جميعاً) وطلب ذكر نعمة التآلف والمودة والنهي عن الفرقة، أي لا يقصد أحدكم او جماعة منكم الفرقة، ولا ينس أحدكم نعمة التآلف بين القلوب، لأن في إستحضار كل مسلم لها دوام لها كما ان ذكرها باب للشكر والثناء على الباري عز وجل.
ويتضمن كل وجه من الوجوه الإنشائية الثلاثة أعلاه خبراً أو أكثر سواء بمنطوقه او مفهومه، لتكون الآية مدرسة عقائدية وأخلاقية، ومن مصاديق الخبر في الآية:
الأول: في الأمر بالإعتصام بحبل الله وجوه:
الأول: حاجة المسلمين للتقيد بأحكام القرآن، وعدم الخروج عنها.
الثاني: الإخبار بان القرآن رحمة وصلة بين الله وبين عباده، وهل تعتبر قراءة القرآن في الصلاة من مصاديق الإعتصام بحبل الله الجواب نعم كما تدخل صلاة الجماعة فيه بإعتبارها فعلاً عبادياً متعدداً، يؤدى بماهية وكيفية واحدة تدل على إرادة الإعتصام بحبل الله وبصيغة الأخوة والتآلف.
الثالث: وجود حبل يتدلى من السماء الى الأرض يكون عوناً لهم في أمور الدين والدنيا.
الرابع: إكرام الله للمسلمين، وتفضيلهم بنعمة الحبل والصلة السماوية.
الثاني: تضمن مفهوم النهي عن الفرقة لدلالات منها:
الأولى: الإخبار عن حاجة المسلمين الى الوحدة والتعاون والأخوة، وهذه الحاجة مطلقة تشمل شؤون الدنيا والآخرة.
الثانية: يبعث هذا النهي في نفوس المسلمين الحيطة والحذر من مقدمات الفرقة.
الثالثة: توكيد حقيقة وهي إتحاد المسلمين أوان نزول الآية الكريمة، فقوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] يدل على أنهم متحدون ويتجلى هذا الإتحاد باتباعهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنقيادهم لما يأتي به من عند الله عز وجل وإنتفاء الفرق والمذاهب والطوائف بينهم أيام الرسالة لتكون هذه الوحدة وشمولها لأيام الخلافة الراشدة ايضاً حجة بالغة في لزوم الوحدة بين المسلمين، وعظيم نفعها وضرورة تعاهدها، وإنتفاء الحاجة الى التعدد والإنقسام والتشعب.
الثالث: الأمر بذكر حال العداوة بين قبائل العرب والفرس والروم قبل الإسلام، يتضمن في دلالته أخباراً منها:
الأول: توثيق حال الخصومة والعداوة بين الناس قبل الإسلام.
الثاني: الأثر الحسن للإسلام في تغيير الواقع الإجتماعي.
الثالث: إقتران البركة بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتهذيب النفوس ونبذ العداوة.
الرابع: الإخبار عن قدرة الآيات القرآنية على إصلاح المجتمعات، وإحلال الخير محل الشر، والألفة بدل العداوة.
الخامس: توكيد قاعدة كلية وهي عدم إستدامة حال العداوة والبغضاء، بعكس حال المودة والأخوة فانها باقية الى يوم القيامة، ومادة هذا البقاء هو الإسلام والتمسك بحبل الله.
وبعد الأمور الإنشائية الثلاثة التي جاءت في صدر الآية، إنتقلت الآية الى لغة الخبر وفيها:
الأول: الإخبار عن حال العداوة قبل الإسلام.
الثاني: تغشي حال العداوة للجميع قبل إسلامهم مما يعني عدم أهلية الأديان السابقة لإيجاد حال ألفة وأخوة بين أهل الملة الواحدة، اذ ان الآية الكريمة تخاطب المسلمين جميعاً ومنهم من كان على الشرك أو دين اليهودية او النصرانية، وقوله تعالى [إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً] إنحلالي يتوجه الى جميع المسلمين، والعداوة قبل الإسلام على أقسام:
الأول: العداوة والخصومة بين القبائل، وظهور حالات الغزو والنهب والثأر بينها.
الثاني: العداوة بين الملل والأديان، فكل أهل ملة يعادون اهل الملة الأخرى.
الثالث: الإختلاف والخصومة بين أهل الملة الواحدة.
الرابع: النفرة والعداوة بين الأفراد والجماعات.
الثالث: أشارت الآية الى حال العداوة على نحو مطلق، وأخبرت عن
زوالها ومحوها، ومن فضل الله عز وجل انه لم يجعل حال المسلمين برزخاً بين العداوة والتآلف، وبين الخصومة والمودة، بل إنقلبت الحال الى النقيض الأصلح الى المودة والمحبة والأخوة، لتكون هذه الأخوة ثمرة من ثمرات الإسلام، ونعمة عاجلة على المسلمين، ومقدمة لنشر وتثبيت مبادئ الإسلام، وتسهيلاً للإعتصام بحبل الله، والتمسك بالقرآن والسنة وعدم التفريط بالفرائض والمستحبات.
الرابع: الإخبار عن حصول الألفة بين المسلمين، وثبوت هذه الألفة والمودة بلحاظ جعل القلوب محلاً ووعاء لها، مما يعني خلوها من الغل والحسد.
الخامس: نسبة الألفة بين المسلمين الى الله تعالى،بإعتبارها آية إعجازية لا يقدر عليها غيره سبحانه.
السادس: تجلي حال الألفة والمودة على الجوارح، وظهورها في الأفعال بآية الأخوة والمحبة بين المسلمين.
وبين الألفة بين القلوب والأخوة عموم وخصوص مطلق، فالأخوة أعم من الألفة وتشمل عالم الأفعال وأداء العبادات والمعاملات ونشر مفاهيم التعاون وتعاهد الصلات ومضامين المحبة والشفقة وإقالة العثرة والصفح بين المسلمين.
ولم تأتِِ الأخوة فرعاً لنعمة التآلف بين القلوب بقانون السبب والمسبب الاختياري، والعلة والمعلول، بل انها نعمة أخرى إضافية أنعم الله بها على المسلمين، وآية في العالمين تدعو الناس للإسلام وتحبب الإيمان الى النفوس، وتبعث الأمل في الحياة الدنيا وتجعلها أكثر بهجة وجمالاً، وتطرد الكآبة والحزن عن الأفراد والمجتمعات، وهذا الاستقلال لايتنافى مع نعمة التآلف ومالها من الموضوعية في نعمة الاخوة.
السادس: الإخبار عن إشراف الناس على النار، والدنو منها لولا ان منّ الله عليهم بالبعثة النبوية الشريفة التي بدأت معها إشراقات الإيمان، وأنوار الهداية، وأسباب الغبطة في الدنيا، والسعادة في الآخرة، وجاء الإشراف على النار من وجوه:
الأول: إختيار الكفر والضلالة.
الثاني: تحريف الكتب المنزلة.
الثالث: الجحود بالنبوة والرسالة.
الرابع: إثارة أسباب العداوة بين الناس، وإشاعة الظلم والتعدي والإقتتال.
الخامس: ترك الفرائض والواجبات العبادية التي جاء بها الأنبياء كالصلاة والصوم والحج.
السابع: إخبار الآية الكريمة عن تفضل الله تعالى بتعدد بيان الآيات بقوله تعالى [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ]فالتشبيه جاء هنا للدلالة على كثرة وإتصال بيان الآيات والتذكير بها.
الثامن: التوكيد على الرحمة الإلهية في بيان الآيات ولزوم الإنتفاع منه، وعدم التفريط بمضامينه القدسية.
التاسع: ذكر علة بيان الآيات وهي رجاء هداية المسلمين الى سبل الفلاح والفوز بالجنة والنعيم الخالد.
قانون أخوّة الإسلام
الأخ هو الذي يشترك مع أخيه في النسب لأب واحد وقد ورد بهذا المعنى على نحو الإطلاق في القرآن قال تعالى [أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ] ( ).
كما جاء ذات اللفظ لإرادة الأخوة الإيمانية مع الدلالة عليها بالقرينة كما في قوله تعالى [فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ]( )، وفي ذكر الدين هنا مسائل بلحاظ قانون المؤاخاة منها:
الأولى: ذكر الدين قرينة على ان المراد الأخوة في الإسلام.
الثانية: بيان موضوعية الإنتماء للإسلام في الأخوة.
الثالثة: أخوة الإيمان تعضيد لأخوة النسب، فالإخوان لأب يلتقيان أيضاً في أخوة الإسلام، وكل أخوة تقوي الأخرى.
الرابعة: تزيد أخوة الدين من أواصر الصلة والمحبة بين المسلمين جميعاً، وبين الإخوان النسبيين على نحو الخصوص.
الخامسة: تشمل منافع أخوة الدين وجوهاً:
الأول: الأخوة النسبيون.
الثاني: ذوو الأرحام، والكلالة وأبناء العمومة، فيشعر المسلم انه قريب من ابن عمه بصلة النسب والدين، أي ان أخوة الدين توثق صلة القربى، وتثبتها وتمنع من التفريط بها.
الثالث: تأسيس أخوة عقائدية تتغشى المسلمين جميعاً، فبالنطق بالشهادتين ينتمي المسلم الى أكبر أسرة، ويصبح أخاً للمسلمين والمسلمات جميعاً، ومن خصائص هذه الأخوة أنها خالية من الضغائن والأحقاد، ومبنية على أصول عقائدية مستديمة تمنع من ضعفها أو زوالها.
ومن الآيات ان يأتي وصف المسلمين بأنهم إخوان من عند الله عز وجل، فلم يأتِ عن مناجاة وتجربة وإرتقاء في سلم الإيمان، وإختيار الله عز وجل للمسلمين مرتبة الأخوة تشريف لهم، وإكرام لم تنله أمة أو ملة من الملل السماوية السابقة، وهو شاهد على خلافة المسلمين للأرض، وتعاهدهم لمبادئ التوحيد، وعدم إمكان حصول الفرقة والإقتتال بينهم، ولا عبرة بالشاذ النادر من الإقتتال الذي يحصل على نحو السالبة الجزئية، ثم لا يلبث ان يضمحل ويزول، ويشير الى إبتعاد أحد الطرفين أو كلاهما عن مبادئ الإسلام والجماعة.
ومن المضامين القدسية لهذه الأخوة إنتفاء الشرط فيها الا شرط الإسلام، فهي شاملة للرجال والنساء، والإغنياء والفقراء، والكبار والصغار ومنهم اليتامى كما في قوله تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ]( )، وفيه موعظة للملوك والحكام بلزوم إكرام المسلمين جميعاً، وإعتبار موضوع الأخوة السماوية بينهم، إذ تقتبس الأخوة الإيمانية هذه الصفة بلحاظ نزولها من السماء، وتوكيد لعدم وجود فوارق ومراتب بين الحاكم والمحكوم منهم، وفي حين جاء التحذير من يعقوب النبي الى يوسف عليهما السلام كما ورد في قوله تعالى [لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا] ( )، فان الأخوة بين المسلمين نعمة من عند الله، مما يدل على ترشح معاني الود والوفاء منها، وخلوها من الكيد والمكر والأذى، بالإضافة الى بركتها على الأخوة النسبية وعدم وجود تعارض بين الأخوتين، وكل واحدة منهما في طول الثانية ومتممة لها، وتحتمل الأخوة في الدين وجوهاًَ:
الأول: الأخوة بين المسلمين من أبناء القبيلة الواحدة.
الثاني: الأخوة بين المسلمين في المصر الواحد، ليكونوا يداً واحدة في مقابل غير المسلمين.
الثالث: الأخوة بين الرجال خاصة.
الرابع: بين أهل العلم وأصحاب المعرفة.
الخامس: الأخوة بين المسلمين أهل الجيل والطبقة الواحدة.
السادس: الأخوة بين المسلمين والمسلمات جميعاً وان تباينت أمصارهم وأزمنتهم.
والصحيح هو الأخير، وتلك آية إعجازية إضافية في نعمة الأخوة، إذ انها لا تنحصر بالأخوة والصلة بين أهل كل زمان على حدة بل تشمل المسلمين في أجيالهم الطولية المتعاقبة.
فالصحابة إخوة للتابعين وتابعي التابعين الى يومنا هذا، وبالعكس، وهو آية في الإرادة التكوينية والوضعية ولتكون الأخوة من أعمدة الإسلام وباباً لنيل الثواب العظيم وترشحه على الأجيال السابقة من المسلمين، فتصل لهم رشحات الأجر والثواب لتقيد المتأخرين منهم بمضامين أخوة الدين.
وبين أخوة النسب و أخوة الدين عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء الصلة الوثيقة والتعاون والمحبة والإحتراز من العداوة والخصومة والإقتتال، وإنتفاء الحسد والبغضاء.ومادة الإفتراق أصل الأخوة
ان أخوة الدين آية إعجازية ظاهرة تبين قدرة الله على التحكم بقلوب الناس وتوجيهها نحو الألفة والصلاح، ونشر معاني الأخوة بين المسلمين وفيها رسوخ لمبادئ التوحيد ومنع لأستحواذ الشيطان على القلوب، وحجة دائمة على الناس، وترغيب بالإسلام وهي إعانة للمسلمين، وسبب لتيسير الحوائج ووسيلة للتخفيف والتصدي للأعداء وبعث الفزع والخوف في نفوسهم.
ان وصف الأخوة الإسلامية في القرآن بالأخوة في الدين كما في قوله تعالى ٍ[َإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ] ( )، والذي أقتبسنا منه هذا القانون، من مصاديق وتأويل قوله تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ] ( ).
فمن منافع وبركات الدين الذي إختاره الله للناس ان تكون الأخوة فيه شاملة لجميع أهله وكل من ينتمي اليه.
بحث بلاغي عقائدي
من وجوه الإطناب “الإستقصاء” وهو ذكر عوارض ولوازم الشيء المأتي به بما يفيد المنع من الترديد والتعدد، ويطرد الوهم واللبس، والإستقصاء آية إعجازية في القرآن وحجة بالغة، وبرهان على نزول القرآن من عند الله، وشاهد على التكامل العقائدي عند المسلمين اذ انه لا ينحصر بعالم الألفاظ بل يشمل العقائد والعبادات، والأوامر والنواهي، وجاء في الآية الكريمة على وجوه منها:
الأول: الأمر الإلهي بالإعتصام بحبله فلم تجعل الآية المعتصَم به نكرة أو أمراً إجمالياً بل قيدته بانه حبل الله، ومن الآيات تسالم المسلمين على معنى حبل الله وعدم إختلافهم على ما يدل عليه من المضامين القدسية.
الثاني: ورود سور (جميعاً) الشامل للمسلمين والمسلمات من غير إستثناء أو خروج جماعة او فريق منهم من وجوب الإعتصام والتمسك بحبل الله.
الثالث: الزجر عن الفرقة والإختلاف بقوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] ليكون التمسك بحبل الله متحداً وان صدر من المتعدد، وللإخبار عن الضرر في التمسك بحبل الله مع التفرق والإختلاف، كما لو كان المسلمون عدة فرق كل فرقة تقول بانها متمسكة بالقرآن والسنة ومع هذا تختلف وتتنازع مع إختها، فجاءت الآية الكريمة لتخبر عن حقيقة وهي وجوب كون الإعتصام بالله عز وجل متحداً، ويمنع من الفرقة والإنقسام وأسبابهما.
الرابع: توكيد نعمة الأخوة، ولزوم إستحضار المسلمين لها، ورؤية النعيم الدنيوي المترشح عن نعمة الأخوة، والتدبر في منافعها الأخروية، ومع وجود نعمة الأخوة وتحقق مصاديقها بدليل مجيئها بصيغة الماضي فلماذا تنهى الآية عن الفرقة والإختلاف، فيه أمور:
الأول: موضوع الزجر عن الفرقة أعم من الأخوة اذ انه يشمل وجوهاً:
الأول: التوكيد على الإعتصام بحبل الله على نحو العموم الإستغراقي لجميع المسلمين.
الثاني: النهي عن الإختلافات المذهبية وما تؤول اليه من النزاع او الشقاق ثم الخصومة.
الثالث: إعطاء الأولوية الى الإنتماء للإسلام، وعدم الإختلاف والتشتت بلحاظ الولاء والقومية والمصر.
الثاني: توكيد لزوم تعاهد نعمة الأخوة بعدم الفرقة والإختلاف.
الثالث: لدفع وهم، فقد يقال بعدم التعارض بين نعمة الأخوة والتفرق الى مذاهب وطوائف وأحزاب، فجاءت الآية لتخبر عن التداخل بين نعمة الأخوة وعدم التفرق والإختلاف.
الرابع: بيان أهمية الأخوة الإسلامية، فقد يتفرق الأخوة النسبيون من الأب الواحد مع قلة عددهم، بل ان قابيل قتل هابيل وكل واحد منهما ابن لآدم عليه السلام، فجاءت الأخوة الإسلامية لتنهى عن الفرقة، ويدل هذا النهي على حرمة قتل المسلم لأخيه المسلم بالأولوية القطعية.
الخامس: بيان حال المسلمين قبل الإسلام بلحاظ تفرقهم الى ملل وقبائل متعددة، فليس من مرتكز متحد يلتقي عنده الناس، فمنهم من لا يلتفت الا لإنتمائه القبلي، ومنهم من يعطي الأولوية لإنتمائه القومي أو للبلد الذي يسكنه، او للملة التي يعتقد بها.
فجاء الإسلام لينسخ الأديان السابقة والتعدد في الولاء، ويعطي الأولوية للإنتماء الى الإسلام، فلم يأتِ النسخ في موضوع الشرائع وحدها، بل جاء في الإنتماء والولاء، ومن ثمرات هذا النسخ صيرورة المسلمين إخوة تجمعهم ملة واحدة، ويجعلون الإنتماء لها هو المحور والأصل في الأقوال والأفعال والصلات والمعاملات، وفي التذكير بحال العداوة والخصومة بين المسلمين.
الثاني: التخلص من الأضرار الناتجة عن العداوة.
الثالث: وقف القتل والإقتتال بين القبائل والأمم التي إعتنقت الإسلام، والشواهد التأريخية تبين الإعجاز في هذا الباب، لزوال حال الثأر والنهب والسلب والغزو.
الرابع: مع إنتهاء حال العداوة تزدهر التجارات وتعمر البلدان ويتوجه الناس للزراعات والصناعات، وهو من بركات الإسلام ومنافعه العاجلة والمستديمة.
الخامس: إنتفاء العداوة بين المسلمين مناسبة كريمة للتفقه في الدين والتدبر في الآيات، وأداء العبادات وإتيان الصالحات، لذا جاءت الآية التالية بالأمر بالدعوة الى الخير والأمر المعروف والنهي عن المنكر وكأنها تقول للمسلمين: بعد سيادة مفاهيم الأخوة بينكم، وإنتفاء أسباب العداوة والبغضاء وإسقاط الأذى الذي يترتب عن العداوة بينكم، فقد أصبح بإمكانكم القيام بوظائفكم العقائدية في الصلاح والإصلاح وتثبيت دعائم الدين.
السادس: التخلص من العداوة الداخلية وسيلة دفاعية لمواجهة أعداء الإسلام، فالعدو يخشى الأمة المتحدة، ويسعى لمحاولة نشر الفرقة والخلاف في صفوف المسلمين، فجاءت هذه الآية للإخبار عن عجز الأعداء عن التفريق بين المسلمين والى يوم القيامة.
السابع: بعث روح اليقظة والحذر بين المسلمين من العودة الى حال العداوة والتي تعتبر ملازمة للجاهلية والوثنية، فالذين أنعم الله عليهم بنعمة الأخوة عليهم بذل الوسع في تعاهدها، وإستدامة النجاة من حال العداوة وما فيها من القبح الذاتي والعرضي.
الوجه السادس: توكيد حقيقة وهي ان الأخوة بين المسلمين لم تكن طارئة أو مبنية على منافع ومصالح مؤقتة بل جاءت عن إصلاح للذات، وتنقية للقلوب، وتلك آية لا يقدر عليها الا الله، وينفرد بها المسلمون الى يوم القيامة وهي دليل على بلوغ المسلمين لمراتب عالية في المعارف والقرب من ساحة القدس، وشاهد على وراثتهم للأنبياء.
ونعمة التآلف بين القلوب مركبة وعنوان للعطاء بالأوفى والأتم، فلو تفضل الله عز وجل بنعمة نزع الغل والأحقاد وأسباب الثأر بين المسلمين بخصوص ما حصل قبل الإسلام على نحو الحصر لكان نعمة عظيمة، ولكنه سبحانه تفضل وأنعم عليهم ايضاً بنعمة التآلف بين القلوب، وجعل بعضها تميل الى بعضها الآخر، ومن رشحات هذا التآلف نشر الود والمحبة بين المسلمين، وحرصهم على الإستشارة وقبول النصيحة، لذا جاءت الآية التالية بالدعوة الى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتقدير: ان التآلف بين قلوبكم جعل الآذان صاغية والنفوس مستجيبة للدعوة الى الخير والزجر عن المعصية، وأصبح الطريق الى الصلاح والإصلاح معبداً.
ان التآلف بين القلوب ونعمة الأخوة سبيل الى الجنة لذا إختتمت هذه الآية بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] والآية التالية بقوله تعالى [أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] فالتقيد بنعمة الأخوة باب للهداية، والعمل بمضامينها، وتسخير النفس والجهاد بالقول والفعل للدعوة الى الخير علة للفلاح والنجاح في الدنيا، والفوز في الآخرة.
السابع: توكيد السجايا الأخلاقية الحميدة الملازمة للشريعة الإسلامية، اذ جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأخوة بين المسلمين، وطرد الحسد والغل من قلوبهم، ليقودهم في مسالك العبادة والتقوى، وتبين مضامين هذه الأخوة والى الأبد الركائز الأخلاقية التي تمنع من الفتن وإستمرارها، وتنشر في ربوع العالم معاني المحبة والأمن والسلام، بالإضافة الى وضوح الأحكام الجنائية في الشريعة الإسلامية وزجرها للظالم والمعتدي، وإنصافها للمظلوم، وبيان منافع العدل والقصاص كما في قوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
الثامن: توكيد تعدد النعم الإلهية، وعدم شمولها للنشأتين في إشارة الى منافع نعمة الأخوة ونزع روح العداوة والبغضاء، اذ ان تغشي معاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين واقية من النار، وبرزخ دون التعدي ونجاة من الغزو والثأر والظلم والوأد، فمن الآيات التداخل بين نعمة الأخوة ونعمة الإنقاذ من النار، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فالإنقاذ من النار أعم في أسبابه من نعمة الأخوة ولكنها سبيل لتحقيقه بإعتبار ان نبذ العداوة وتعاهد الأخوة حرز من النار وطريق الى الجنة والر ضوان.
التاسع: التوكيد بحرف التشبيه “كذلك” مما يدل على تعدد بيان الآيات، وهذا التعدد رحمة متجددة، ورأفة متصلة، وكل بيان للآيات يؤكد سابقه وان تباين الموضوع لإتحادهما في السنخية والغاية.
العاشر: صحيح ان (لعل) حرف ترجي الا انه في المقام يفيد التنبيه والتوكيد على لزوم الحرص على التقيد بأحكام الآية والتمسك بالقرآن والسنة، والإنتفاع الأمثل من نعمة الأخوة والنجاة من العداوة، والحرص النوعي العام على عدم العودة الى حال العداوة والخصومة.
بحث بلاغي
من ضروب الإطناب “التتميم” وهو الإتيان بإضافة في الكلام، تبين أهمية الأمر أو الفعل، وتمنع من الترديد والوهم كما في قوله تعالى [وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( )، فقوله تعالى [وَهُمْ يَعْلَمُونَ] تتميم ونكتة عقائدية تؤكد أنهم لا يقولون الكذب عن جهل او غفلة وقصور، بل يأتون به عن علم وعمد وإصرار، والتتميم في القرآن كثير ومتشعب، وهو آية إعجازية في لغة القرآن، وشاهد على لغة الإحتجاج والبرهان فيه.
ومنه في هذه الآية قوله تعالى [جَمِيعًا] فالخطاب بالتمسك بحبل الله عام وشامل للمسلمين، وانه لا يحق لفرد او جماعة منهم ان تمتنع عن الإعتصام بحبل الله، او تختار طريقاً آخر، وليس لها العناد والجدال والإصرار على مخالفة أحكام التمسك بالقرآن والسنة، ويعتبر التتميم بلفظ [جَمِيعًا] حرزاً وواقية للمسلمين وعوناً على الإعتصام بحبل الله وتذكيراً لهم بوظائفهم العقائدية، وأمراً إضافياً لكل مسلم ومسلمة بلزوم عدم التفريط بالتمسك بحبل الله، كما يمنع هذا التتميم الأفراد من المسلمين من إتـباع البدع وأصحابها ومن يخالف الجماعة ويحاول الخروج عن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
والتوكيد بسور الموجبة الكلية [جَمِيعًا] شاهد على أهمية الإعتصام بالقرآن والسنة في حياة المسلمين مطلقاً، وكل مسلم على نحو الخصوص.
قانون المؤاخاة
من الآيات الإعجازية في القرآن مجيؤه بأخوة مطلقة شاملة للمسلمين جميعاً، بعد ان كانت الأخوة قبله منحصرة بالنسب والأبوة المتحدة وكان الأنبياء يدعون قومهم للإيمان رأفة بهم وشفقة عليهم كما في قوله تعالى [ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا] ( ).
فجاء القرآن ليجعل المسلمين كلهم أخوة وتكون اخوتهم الإسلامية والإيمانية وسيلة للدعوة الى الخير وفعل الصالحات التي جاءت بها الآية التالية، فالأخوة بين المسلمين باب لتثبيت الإيمان في النفوس ومناسبة كريمة لإجتناب الصدود والإعراض عن دعوة الحق، فمن آداب وسنن الأخوة الإنصات للأخ، ولا يلازم الإنصات الكبر والصغر بالضرورة فقد يصاحب قول الأصغر من الأخوين اذا كان داعياً للحق والهدى لذا جاءت الأخوة بصفة الإيمان.
ومن الثابت شرعاً وإجماعاً وتأريخياً ان السنة النبوية تفسير للقرآن، وتتجلى هذه الحقيقة بشواهد عديدة منها ما قام به الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وتدل هذه المؤاخاة على ان السنة النبوية وحي من عند الله لما فيها من مضامين الإرتقاء العلمي والفكري والأخذ بيد المسلمين نحو مراتب الرفعة والعز والمنعـــة، وتأسيس قواعد عقائدية تحكم العـمل اليومي للمســلمين، بما يؤدي الى الإمتثال للأوامر الإلهية الواردة في هذه الآية ومنها:
الأول: الإعتصام بالقرآن والسنة، اذ ان الأخوة عون ووسيلة للتمسك بمبادئ الإسلام.
الثاني: منع حصول الفرقة والإختلاف، لأن الأخوة برزخ دون التشتت والإنقسام، وبينما تتفرع الأخوة النسبية ويكون أولاد الأخوين ابناء عمومة، فان الأخوة الإيمانية تتجدد وتبقى حية غضة، فليس أبناء العم وحدهم اخوة في الإيمان، بل ان العربي أخو الأعجمي، والأبيض أخو الأسود، والرجل أخو المرأة، ومن في الشرق من المسلمين اخو من في الغرب منهم، تجمعهم الشهادتان ولواء الإسلام وإتحاد القبلة ووجوه العبادة وآيات القرآن، ومنها هذه الآية الكريمة وما فيها من النعم.
الثالث: العمل النوعي العام وفق مضامين نعمة الأخوة التي جاءت بها هذه الآية.
وكما ان السنة النبوية بيان وتفسير للقرآن، وما قام به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار تفسير ومصداق عملي لهذه الآية، فان الآية القرآنية تثبيت للسنة النبوية، وتوكيد لها، وهذا التثبيت من مصاديق نعمة الأخوة التي انعم الله بها على المسلمين، ولم ينحصر موضوع المؤاخاة بين المسلمين بالعنوان الإعتباري بل كانت له مصاديق واقعية ذات أثر عملي يومي، على وجوه:
الأول: بعد ان آخى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه، كان إذا بعث احدا منهم في كتيبة أو سرية، يدفع الرجل مفتاح بيته إلى اخيه في الدين ويقول خذ ما شئت وكل ما شئت وكانوا يمتنعون عن ذلك حتى ربما فسد الطعام في البيت، فانزل الله تعالى ليس عليكم جناح ان تأكلوا جميعا أو اشتاتا[لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا] ( )، يعنى حضر أو لم يحضر إذا ملكت مفاتحه.
الثاني: آخى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين أبي ذر وبين المنذر بن عمرو في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وتسمى أحياناً المؤاخاة الثانية وآخى بين سلمان وبين أبي الدرداء، جاء سلمان يزور أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مبتذلة فقال : ما شأنك ؟ فقالت : إن أخاك ليس له حاجة في شئ من الدنيا، فقال سلمان : يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا، ولاهلك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا، فصم وأفطر وقم ونم وائت أهلك أعط كل ذي حق حقه فذكر أبو الدرداء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله سلمان، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما قال سلمان( )، ويبين الحديث المنافع العقائدية للأخوة الإيمانية، وما فيها من تثبيت لأحكام الشريعة والتفقه في الدين وبيان مسائل الحلال والحرام للأجيال اللاحقة من المسلمين، ومنع التشديد على النفس.
الثالث: إستحضار الأخوة الإيمانية في فك الخصومة، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وعن ابن عباس: أن عليا وجعفر ابني أبى طالب وزيد بن حارثة تنازعوا في حضانة ابنة حمزة بن عبد المطلب، واختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال جعفر أنا أحق بها أنا ابن عمها وخالتها تحتي، وقال علي أنا أحق بها أنا ابن عمها وإبنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتي. وقال زيد أنا أحق بها لانها إبنة أخى، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال الخالة أم( )، فكانت الأخوة الإيمانية حجة ودليلاً الا انه وردت حجة أرجح منها تتعلق بقرب الخالة.
الرابع: صارت للأخوة الإيمانية موضوعية في الميراث، فكان الأنصاري يرث من المهاجر، ولا يرثه وارثه الذي بقي في مكة وان كان مسلماً لقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا]( )، كما يرث المهاجر أخاه الأنصاري الى ان نسخت هذه الآية بآية القرابة والرحم والنسب والأسباب بقوله تعالى [وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ]( ).
وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيان أحكام العبادات والفرائض وارشد المسلمين لفعلها ففي حج بيت الله الحرام مثلاً قال: خذوا عني مناسككم، وكذا بالنسبة لقانون المؤاخاة، فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام بنفسه بالتعيين الشخصي لأفراد الأخوة، وجعل أنصارياً أخاً لكل مهاجر، وكأن كلاً من المهاجرين والأنصار يحتاجون هذه الأخوة، اما المهاجرون فقد تركوا أملاكهم وأهليهم وأصحابهم وهاجروا الى المدينة طاعة لله، فتطرد عنهم أخوة الأنصار وحشة الغربة، وتبدد الم فراق الأحبة، وتجعلهم يشعرون بانهم بين إخوانهم وفي بلدهم الى جانب وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم وما يبعثه وجوده من معاني الألفة والمحبة.
وأما الأنصار فانهم واجهوا الأعداء وإختاروا الولاء للإسلام وأعرضوا عن أي و لاء سابق آخر، فجاءت أخوة المهاجرين لتقوية شوكتهم ومنع الشعور بالوحشة في بلدهم.
ومن الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاذ بن جبل بن عمر الأنصاري الخزرجي آخى النبي بينه وبين عبد الله بن مسعود.
وآخى بين سعد بن معاذ وعبيد الله بن الجراح الفهري القرشي، وآخى بين طلحة بن عبيد الله وأبي أيوب الأنصاري، وقيل ان النبي آخى بين طلحة والزبير في مكة، مما يدل على إقتران المؤاخاة للإسلام منذ السنين الأولى للدعوة وقبل الهجرة الى المدينة.
وآخى بين أبي طلحة الأنصاري الخزرجي أحد النقباء ليلة العقبة وبين أبي عبيدة الجراح، وبين ابي بكرة وابي برزة الأسلمي، وبين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وبين الأسلع بن شريك الذي كان رحال ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين ابي موسى، وعن الإمام علي عليه السلام انه قال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آخيت بين أصحابك وترتكتني فقال: انما تركتك لنفسي فأنت أخي وأنا أخوك )، مما يدل على شمول المؤاخاة لجميع المهاجرين والأنصار، وهذا الشمول شاهد على موضوعية المؤاخاة في حياة الصحابة والمسلمين مطلقاً.
وصحيح أن قانون الأخوة جاء على نحو القضية الشخصية إلا أنه أعم إذ تترشح عنه صلات عامة، فيكون المهاجر قريباً لإخوة وأبناء عمومة أخيه الأنصاري، وكذا العكس، وتلك آية أخرى في نعمة الأخوة وتفسيرها النبوي بالمؤاخاة.
ولا يتعارض قانون المؤاخاة والأخوة الشخصية بين كل فردين من الصحابة مع تغشي الأخوة لجميع المسلمين بل هي في طولها وتثبيت لمعاني الأخوة الإيمانية فالمهاجر أخ لكل المهاجرين والأنصار، وكذا الأنصاري فانه اخ لكل المهاجرين والأنصار ومن يدخل الإسلام بعد المؤاخاة لتتعدد مفاهيم الأخوة وإزدياد النفع منها.
وستبقى المؤاخاة قانوناً ثابتاً في حياة المسلمين يؤتي ثماره في الدنيا والآخرة، اما في الدنيا فانه عون على قضاء الحوائج وتيسير الأمور والإستحضار الذهني لنعم الله على المسلمين، والتعاون في أداء الواجبات العبادية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واما في الآخرة فانه باب لنيل الثواب، ووسيلة للإستغفار وعنوان للإمتثال وتحقيق مصاديق نعمة الأخوة، والتقيد بسننها وآدابها وشاهد على إعطاء الأولوية في الصلات والمعاملات للإسلام، ومانع من الفرقة والخصومة والخلاف، وعون على مواجهة الأعداء وطرد لأسباب النفرة والكدورة.
بحث عرفاني
تعتبر هذه الآية آية النعم الإلهية من وجوه:
الأول: انها الآية الوحيدة في القرآن التي يرد فيها لفظ النعمة مرتين، وفيه إشارة إلى موضوعية النعمة الإلهية في نظم هذه الآية ومعانيها السامية.
الثاني: تعدد وكثرة وجوه النعمة فيها، وهي:
الأول: نعمة الأمر الإلهي بالإعتصام بحبل الله عز وجل وفيه نعم متعددة:
الأولى: نعمة الأمر بالتمسك بحبل الله.
الثانية: إطلاق وعموم الأمر الإلهي بالإعتصام بحبله.
الثالثة: الإرشاد الى التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية ومجيؤه على نحو الوجوب.
الرابعة: نعمة القرآن والسنة، وأهلية المسلمين للتمسك بهما، والآية شاهد على عظيم منزلة القرآن وبقائه سالماً من التحريف والتغيير، بالإضافة الى أهلية العلماء والمسلمين لتفسيره وتأويله ولو على نحو الموجبة الجزئية.
الخامسة: نعمة تمسك المسلمين العام بحبل الله، وعدم إستثناء أحد من المسلمين من هذا الأمر الإلهي نعمة إضافية تلزم المسلمين جميعاً بالتقيد بها وتجعل كل فرد منهم رقيباً على نفسه وعلى غيره، والجماعة يشهد بعضها على بعض بما هو حسن، مع المؤازرة في الخيرات،والحث الذاتي والغيري على الإعتصام بحبل الله.
الثالث: نعمة التآلف بين المسلمين، ونزع الأحقاد ومنع حصول أسباب مستحدثة للخصومة والغل والكدورة بينهم.
الرابع: نعمة الأخوة بمصاديقها المتعددة وتثبيت نعمة الأخوة للأخوة النسبية وعدم حصول تعارض بينهما فلم يحدثنا التأريخ عن إنكار أو إشكال بعض أهل المدينة على حصول المودة والأخوة والميراث بين اخوانهم من الانصار وبين المهاجرين الذين إختارهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين أفراد الأخوة.
الخامس: نعمة الإنقاذ من الإشراف على النار، وما فيها من الدعوة الى الحث على الشروع بالصالحات، والإشارة الى حصول المغفرة بالإنتماء للإسلام وجبّ ما قبله.
الثالث: ما في النعم الواردة في هذه الآية من البشارات وصيغ التخفيف عن المسلمين، والإعانة في أمور الدين والدنيا.
وجاءت الآية التالية في الأمر بالدعوة الى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأنها تقول للمسلمين، ليدعو بعضكم بعضاً للتقيد بالإعتصام بالقرآن والسنة.
الثاني: نعمة الزجر عن الفرقة والإختلاف، وفيها قوة ومنعة للمسلمين وهي باب للإرتقاء في سلم المعارف الإلهية، وإمتلاء النفوس بالفضائل، والتدبر في الآيات الكونية، وأسرار الخلق، وتؤدي الفرقة الى الضعف والوهن ويتفرع عنه تشتت البال، والإشتغال بالإحتراز من الغير، وخشية مباغتته.
الرابع: ذكر نعمة الله عز وجل بزوال حال العداوة بالإسلام، وفيه تتصاغر النفوس أمام عظمة قدرة الباري، وتنجذب الى سبحات وجهه، وتتطلع الى المزيد من نعمه وإحسانه.
والأمر بذكر النعمة نعمة مستقلة وهو غير ذات النعمة بإعتبار ان النعمة فضل إلهي متجدد نازل الى المسلمين، والذكر حال وعلم وفعل يتضمن الشكر لله وهوباب للمزيد من النعم، والإمتثال له مصداق من مصاديق الشكر على النعم، ووسيلة مباركة لدوامها، وواقية من البلاء والإفتتان.
وتدل الآية على موضوعية ذكر النعم الإلهية في الواقع العقائدي للمسلمين وهو زينة لهم، وضياء يملأ قلوبهم ويحصنها من الرياء والشك والريب، فذكر النعم تأديب وإرشاد للمسلمين، ووسيلة لتعاهدها والحفاظ عليها، وحرز من الغرور والعتو.
الخامس: ذكر نعمة التأليف بين قلوب المسلمين مناسبة كريمة لمعرفة المسلم لحقيقة نفسه، وهذه المعرفة نوع فضيلة وسمو، وفيها تنمية لملكة التقوى والصلاح، وكلما إستحضر الإنسان نعمة الله عليه فانه يشعر بالرضا والإعتزاز، ويدرك ما يجب عليه من معاني الشكر لله على النعمة.
السادس: كما تفضل الله سبحانه بالجمع بين قلوب المسلمين على الهدى فانه سبحانهم يعلم ما يدور في قلب الإنسان وما يحدث به نفسه، ليكون المسلم على حذر وخشية دائمة من الباري عز وجل، وينفرد المسلم بهذه النعمة والخصوصية، وتنزيه الوجود التصوري من الكدورات ليبقى قلبه روضة ناضرة، وحديقة عامرة بذكر الله، وإستحضار آلائه.
السابع: بلوغ المسلمين مرتبة الأخوة بنعمة الله، وكأن هذه النعمة مدخرة للمسلمين، بإعتبارها عنوان وراثتهم للأرض، ومن الآيات ان الأخوة ظاهرية وباطنية، وشاملة للقلوب والجوارح، والأقوال والأفعال، وتعتبر نعمة الأخوة، جذباً من الباري عز وجل للمسلمين الى طاعته، والثبات على الإيمان، والتعاون لطرد الشرك من القلوب والمجتمعات، وفيها إشارة الى اهلية المسلمين في الصبر والزحف في سوح القتال، وتعاونهم على إلحاق الهزيمة بالعدو من غير طرو شك او تردد على قلوبهم.
ومن الآيات ان التأريخ الإسلامي خال من حصول أي فتنة بين المسلمين أثناء محاربتهم للكفار، وتلك آية من ثمرات نعمة الأخوة ونزاهة قلوبهم من الغل والعداوة وأسباب الحسد والبغض، ولولا هذه النعمة لوجدت المقاتلين يتخاصمون ويتنازعون ويتقاتلون على تقسيم غنائم الحرب، ولكن المجاهدين أعطوا الأولوية للنصر وإعلاء كلمة التوحيد في الأرض، وتثبيت أحكام الشريعة.
وتجلت آيات الإيثاروالمبادرة إلى المبارزة والتضحية بأبهى معانيها لتكون درساً خالداً للأجيال المتعاقبة من المسلمين،وسلاحاً يبعث على نحو مستديم الفزع والخوف في قلوب أعداء الدين.
الثامن: إستصحاب نعمة الأخوة في العبادات والمعاملات، والفزع الجماعي الى الله عند الإبتلاء رجاء توالي النعم الإلهية، والنفرة من التعدي والكذب والإفتراء،فمن خصائص نعمة الأخوة تنمية ملكة العدل والإنصاف في نفس المسلم وجعله يجتنب التعدي مطلقاً، سواء كان على أخيه المسلم او على غيره من الناس.
التاسع: الأخوة مرآة للتقوى والصلاح، وحصانة ضد النفس الشهوية والغضبية، وبرزخ دون العناد وإتباع الهوى، والعادات المذمومة، لأن الأخوة جاءت بقيد الإسلام، والهداية والإيمان.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين أن يفتخروا بنعمة الأخوة على الأمم الأخرى، ولا يحصل هذا الإفتخار الا بالشكر لله تعالى على هذه النعمة الذي يتجلى بذكرها ونسبتها الى الله تعالى، وهذا الإفتخار عنوان لدعوة الناس للإسلام وجذبهم للإيمان.
ومن الآيات إنعدام الوسائط بين الإنسان ودخوله الإسلام، فالمسلمون يدعون الناس الى الإسلام ولكن ليس لهم وضع قيود أو شروط في إنتماء الفرد والجماعة للإسلام، فيكفي النطق بالشهادتين كما نطقوا بها.
العاشر: تتفرع عن نعمة الأخوة نعم أخرى متعددة منها البهجة والغبطة في الدنيا، والأخوة عنوان للصفاء، وربيع للقلوب، ومناخ ملائم لحسن العشرة والمودة، وهي عون لكل مسلم ومسلمة في شؤون الدنيا، كما انها صراط وجسر يؤدي الى النعيم الدائم في الآخرة.
الحادي عشر: تتصف نعم الله بأنها من اللامنتهي، وتأتي على نحو بسيط أو مركب ومن غير إستعانة بالوسائط والمراحل فضلاً منه تعالى، وقد انعم الله على المسلمين بنقلهم من حال العداوة مباشرة الى نقيضها من الأخوة والمودة، ثم تفضل مرة أخرى وأمرهم بان يذكروا هذه النعمة ويتدبروا فيها لإستنباط المواعظ والحكم منها.
الثاني عشر: توثيق حال الناس قبل الإسلام وإشرافهم على الهاوية، وما يبعثه من الفزع في النفوس، لذا تجد المسلم اذا مرّ على آية فيها ذكر النار التجأ الى الله للنجاة منها، فجاءت هذه الآية لتبديد هذا الفزع وإبداله بالسكينة، ويفزع الذين كفروا يوم القيامة الى الذين عبدوهم وإتبعوهم بالباطل ليشفعوا لهم ويخلصوهم من العذاب، فيجدوهم في أشد العذاب عاجزين عن درء الأذى عن أنفسهم، بينما يتلقى المسلمون البشارة في الدنيا بالسلامة والأمن من حر النار والإشراف عليها.
الثالث عشر: الآية دعوة لشكر الله على نعمة الإنقاذ، وهي من إصطفاء الله للمسلمين، وفيها دعوة لهم للتفاني المحض في مرضاة الله، والإندفاع للتضحية في سبيله، وعشق عالم الآخرة، وما أعده الله للمسلم من الثواب العظيم والخلد في دار النعيم.
الرابع عشر: تعتبر نعم الله الواردة في هذه الآية واسطة وإرتباطاً بين عالم الشهادة وعالم الغيب، فكما بدأت الآية بالأمر الى المسلمين جميعاً بالتمسك بحبل الله، فانها جاءت لهم جميعاً بالبشارة بالإنقاذ من النار، وهذا من الآيات والملازمة الدائمة بين الأمر الإلهي والثواب الجميل، ولم تقيد الآية الإنقاذ من النار بلزوم الإمتثال لأمره تعالى بالإعتصام بحبله، وفيه وجوه:
الأول: عدم موضوعية الإمتثال، وتأتي نعمة الإنقاذ ملازمة للأمر الإلهي بالإعتصام بحبله.
الثاني: إستقلال نعمة الإنقاذ من الإشراف على النار، وعدم وجود ملازمة بينه وبين إعتصام المسلمين بحبل الله.
الثالث: يدل الأمر الإلهي على الإمتثال، وان الله عز وجل يقرب المسلمين الى مسالك الطاعة، ويساعدهم على الإعتصام بالقرآن والسنة.
الرابع: القدر المتيقن من الإنقاذ من طرف الحفرة من النار هو بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديق المسلمين بنبوته، وإستجابتهم لدعوته، ونجاتهم من الضلالة، لتكون مقدمة وبشارة النجاة من النار في الآخرة.
والصحيح هو الأخير، فالإنقاذ نعمة مستقلة وقائمة بذاتها الا انه لا يمنع من التداخل والإرتباط بين النعم الإلهية الواردة في هذه الآية، وان الأمر بالإعتصام مقدمة ومدخل للإنقاذ من النار، وكذا الإمتثال لأمر الله تعالى بالإعتصام بحبله، بالإضافة الى نعمة الأخوة وموضوعيتها في الإنقطاع الى الله ونبذ مفاهيم الشرك والكفر.
الخامس عشر: نعمة بيان الآيات وما فيها من التفقه في الدين، ومراتب المعراج، ومقامات القرب من عالم الملكوت، وحصول حال الإنكسار والخشوع لله تعالى.
السادس عشر: إكرام المسلمين بنعمة بيان الآيات، وفيه إرشاد لهم لدعوة الناس الى الإسلام بالحكمة والموعظة وبيان الحجة والبرهان، وذكر آلاء الله، وإظهار النعم الإلهية على المسلمين بما يجعل باقي الناس يرغبون في الفرار الى الله، ومشاركة المسلمين تلك النعم.
السابع عشر: تفضل الله تعالى بنعمة الغاية والمقصود من النعم الإلهية، وهو هداية المسلمين الى سبل الرشاد والصراط المستقيم.
الثامن عشر: توكيد حقيقة وهي ان الله عز وجل غني عن العالمين وانه لا يحتاج إلى الخلائق متفرقة ومجتمعة، ولكن المسلمين والناس جميعاً بحاجة دائمة الى نعمه الظاهرة والباطنة.
وهذه النعم جذبة من الخالق تعالى، وفيها بيان لمعاني الكمال والتأثير المطلق في نظام العالم، وهي وسيلة لتعلق الحب بالله تعالى ويترشح عن الحب كمال معرفة الله، كما ان المعرفة مدخل لتنمية ملكة الحب الإلهي ووسيلة لتحلي قلب المسلم بالفضائل، وتخليه عن الرذائل، وتطهيره عن كل ما يشغله عن ذكر الله تعالى.
والآية كنز من كنوز النعم الإلهية، وخزينة من الآلاء، وفيها دعوة لمعرفة المنعم وانه الله عزوجل الذي بيده مقاليد الأمور وهو وحده المؤثر في الوجود والذي ينزل البركات، وفيها حث على طاعته والإمتثال لأوامره التي هي خير محض، وسلامة في الدنيا والآخرة.
ومن مفاهيم الآية الكريمة دعوة المسلمين الى شكره تعالى بإعتبار ان الشكر من مقامات السالكين، ويتفرع عنه حال وعلم.
اما الحال فهو الغبطة التي يحس بها المسلمون في ظلال نعمة الأخوة والأمن من الوقوع في النار.
واما العلم فهو إدراك عظيم قدرة الله، والإقرار له بالعبودية، وظهور الشكر على اللسان والجوارح، وفيه إنعكاس لحال الألفة بين القلوب، وصفاؤها على الود والمحبة، وإعتراف المسلم بالنعم الإلهية على الذات والإخوان من المسلمين، فالنعمة الإلهية على المسلم نعمة على أخيه أيضاً بالواسطة لأمور:
الأول: الأخوة بين المسلمين، وترشح النعمة الشخصية على المسلم على اخوته وأهله ايضاً، والالتفات النوعي الى فضل الله على اخيهم واستبشارهم ورضاهم بما أنعم الله عليه، الا ترى اذا احسنت الى انسان ترى ظهور الرضا والإستبشارعلى اخوته وأسرته.
الثاني: إنتفاع المسلم من النعمة التي ترد على أخيه سواء كانت ظاهرة او باطنة.
الثالث: عموم النعمة الإلهية على المسلمين كأخوة، مما يدل على إنتفاع المسلم من توجه النعمة اليه بالذات، وإنتفاعه بالواسطة من نيل وأخذ أخ له في الدين منها.
الرابع: النعمة على الغير باب للدعاء والمسألة، ورجاء الاغتراف الذاتي منها، واستدامتها على الإخوة لوجوه:
الاول: ان المسلم يغبط ولايحسد، فهو يرجو لنفسه ما يرى عند غيره، خصوصاً وانه يدرك بان الله واسع كريم لا تنفد خزائنه.
الثاني: من مفاهيم قوانين الأخوة التي جعلها الله عزوجل متعددة عند المسلمين فتشمل اخوة النسب والرضاعة والدين والايمان أن تكون متفرقة ومجتمعة سبباً للإبتهال الى الله عزوجل باستدامة النعم وسؤال المزيد منها.
الثالث: توظيف سلاح الدعاء في الكسب والأخذ من نعم الله، بإعتبارها رزقاً كريماً للمسلمين.
الرابع: الدعاء بتوالي النعم من مصاديق الهداية، وعنوان الاقرار بالربوبية لله تعالى، ومن فضل الله على المسلمين جعل النعم وسيلة وعوناً لهم للإعتصام بحبله، والعصمة من نزغ الشيطان، وتثبيتهم في مقامات الهداية، والإرتقاء في منازل اليقين.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة