معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 75


بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي خلق الناس لعبادته، وهدى المؤمنين إلى طاعته وشرفهم بذكره وشكرهم له بألسنتهم وجوارحهم، وزاد عليهم من فضله بكثرتهم وتعاقب الأجيال منهم، وكل جيل هو أكثر من الذي قبله، ليكون عدد العباد وأهل الإيمان في إزدياد مطرد.
وجعل الله الخلائق تعجز عن إحصاء عددهم بما فيها الإنسان نفسه الذي يجهل تأريخ ابتداء وجوده في الأرض وكذا أوان نهايته مع وسائل العلم وأسباب الإكتشاف الحديثة، مع إقرار الناس جميعاً بخلقهم من العدم وإنقطاع الحياة بلحاظ الشواهد الذاتية اليومية المتكررة في الولادات والوفيات.
ومن الآيات ان تفضل الله سبحانه وسخر للناس أسباب ومقدمات العبادة والهداية والرشاد في الواقع اليومي المتكرر, سواء في أسرار الآفاق والآيات الكونية، أو في أبدانهم وأنفسهم، أو بعث الأنبياء والمرسلين ، ونزول الكتب من السماء ، والتفضيل بين الأمم والأفراد، وغيرها من الآيات العقلية والحسية غير المتناهية في كل ركن من أركانها من الموضوع والحكم والدلالة والأثر .
وجاءت هذه الآية للإخبار عن تفضيل المسلمين، وتوكيد كونهم خير أمة بين أهل الأرض، وهذا التفضيل شاهد على انقطاع النبوة والوحي بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبقاء الإسلام، وليس من أمة أفضل من المسلمين الى يوم القيامة، ولأن القرآن آخر الكتب السماوية فان الآية دليل على عدم خروج أمة أخرى غير المسلمين تنال المرتبة التي بلغوها بفضل الله ورحمته.
ومن إعجاز الآية ومضامينها القدسية بيان موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أصل التفضيل، بإعتبار انهما تعاهد بالذات والعرض لسنن التوحيد في الأرض، وحاجة للناس جميعاً في أداء وظائف العبادة والإنجذاب اليها.
وتدل الآية في مفهومها على أن أفضل أمة هي الأمة المتآخية التي تمتثل لأوامر الله، وتسعى لإصلاح الناس لوظائف العبادة، وهم المسلمون على نحو الحصر والتعيين وفيه إشارة الى حقيقة في خلق الإنسان وهي إستمرار الحياة الدنيا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن دونهما يتخلف الإنسان عن علة خلقه وهي العبادة، ووظائفه في أصل الخلق والواقع.
فمن اللطف الإلهي بالمسلمين والناس جميعاً، قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإستحقاقهم نعت خير أمة وما فيه من التشريف ونيل مقامات السمو والرفعة، ومن أسرار الآية العقائدية مجيء قيد الإيمان بالله باعتباره شرطاً واجباً في نيل مراتب التفضيل في الدنيا، والأجر والثواب في الآخرة.
وبينما جاء الخطاب والمدح للمسلمين بكونهم أمة واحدة “كنتم خير أمة” جاءت الآية بتقسيم أهل الكتاب الى قسمين بلحاظ الإيمان وتخلف أكثرهم عنه وعن مضامينه القدسية، وكأن في الآية توصية للمسلمين بدعوة أهل الكتاب لمنازل الإيمان، وأخذ الحائطة والحذر من الفاسقين منهم وهو الذي جاءت به الآيات التالية.
ومن معاني الآية توكيد حقيقة عقائدية في المضامين القدسية للعبادة وهي عدم إنحصار العبادة بالفعل الشخصي من الصلاة والصيام والحج ونحوها من العبادات، مع ان كل فرد منها ضرورة من ضرورات الدين، فتشمل العبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واصلاح الغير للعبادة، وهذا الإصلاح سبب لتعاهد الآمر الناهي ذاته لعبادته وصلاحه وتقواه، فمن أسرار خلق الإنسان التأثر والتأثير في الغير، وجاءت هذه الآية ليكون طرفا التأثر والتأثير في مرضاة الله، وتهذيب النفوس، وإصلاح المجتمعات وترسيخ معالم التوحيد.
جاء هذا الجزء بفضل الله في تفسير آية واحدة ايضاً، التي تؤكد تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم، ومن الحجج في هذا الجزء تضمنه لمصاديق كثيرة في تفضيل المسلمين وأهليتهم للإمامة وتعاهد العبادة في الأرض.
ومنهجية هذا السفر الخالد فيض ونعمة ، وصيغ مباركة قائمة على علوم مستحدثة مستنبطة من ذات الآية، ومضـامينها القدسـية، والإبداع في التفسـير والتأويل بتوفيق ولطف من الله تعالى علينا وعليكم، مع الجهد الشخصي الذي أبذله في قيامي بتأليف وتصحيح وتنقيح ومراجعة كتبي في علوم القرآن والفقه والأصول والكلام الى حين الطبع والصدور من غير إعانة من أحد الا من الله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ].

قوله تعالى [ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ ] الآية 110.
الإعراب واللغة
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ: كنتم: كان وأسمها.
خير: خبر كان منصوب بالفتحة، وهو مضاف، أمة: مضاف اليه مجرور بالكسرة , وقيل جاءت كان تامة أي وجدتم خير أمة، وخير بمعنى الحال، وهو مضاف، أمة: مضاف إليه.
أخرجت: فعل ماضِ مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي، للناس: جار ومجرور متعلقان بأخرجت، والجملة في محل نصب على الحال، وقيل في محل نصب خبر ثانِ لكنتم.
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ، تأمرون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، الواو: فاعل، بالمعروف: جار ومجرور.
وتنهون عن المنكر: معطوفة على تأمرون بالمعروف.
وتؤمنون بالله: الواو: حرف عطف، وقد تحمل معنى الحالية، تؤمنون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة.
الواو: فاعل، بالله: جار ومجرور.
ولو آمن أهل الكتاب
الواو: استئنافية، لو: حرف شرط غير جازم، آمن: فعل ماضِ مبني على الفتح، أهل: فاعل مرفوع بالضمة.
الكتاب: مضاف اليه، مجرور بالكسرة.
لكان خيراً لهم: لكان: اللام للصيرورة، وتسمى لام العاقبة والمآل. كان: فعل ماضِ ناقص، وأسمها ضمير مستتر، والمراد المصدر، وهو الإيمان.
خيراً: خبر كان، لهم: جار ومجرور متعلقان بـ”خيراً”، والجملة واقعة في جواب الشرط.
منهم المؤمنون: منهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، المؤمنون: مبتدأ مؤخر.
وأكثرهم الفاسقون: الواو: حرف عطف، أكثر: مبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف، الضمير (هم): مضاف اليه. الفاسقون: خبر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
ويرد لفظ الأمة في معان عديدة وهي:
الأول: الشرعة والطريقة، وإستدل بعضهم بما ورد في التنزيل [ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ]( )، وروي عن مجاهد وعمر بن عبد العزيز: على إمة -بكسر الهمزة.
الثاني: الدين، وأستدل عليه بقوله تعالى [فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( )، أي كانوا على دين واحد، وهو مصداق للأمة المتحدة، ولكن هذا لا يعني ان معنى الأمة هو الدين، نعم يقال فلان لا أمة له: أي لا دين له ولا نحلة له، قال الشاعر:
وهل يستوي ذو أمة وكفور
ويعرف هذا المعنى للأمة بالقرينة، وإضافة الأمة للمفرد.
وفي الآية قال الأخفش: يريد أهل أمة، أي خير أهل دين، وأنشد للنابغة:
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبة
وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع( )
ولكن الآية جاءت بمخاطبة المسلمين، وإرادة جمع المذكر السالم في معنى الأمة بقوله تعالى “كنتم”
الثالث: الأمة: الهيئة والحال والشأن.
الرابع: غضارة العيش والنعمة، عن ابن الإعرابي.
الخامس: القرن من الناس، قال تعالى [فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ] ( )، أي قرون، وأمة كل نبي من أرسل اليهم من مؤمن وكافر، وقيل: كل جيل من الناس هم أمة على حدة.
السادس: الجيل والجنس من كل حي، قال تعالى [وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ]( )، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: لولا ان الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها).
والأمة سور للموجبة الكلية يلتقي داخله أفراد الجنس، والمراد من الأمة في الآية الكريمة المسلمون عموماً في أجيالهم المتعاقبة، وما هو اعم من المعنى اللغوي الذي يعني الجيل من الناس بما يؤكد أنهم خير أمة فكأنهم في أجيالهم المتعاقبة قرن واحد من الناس وتتجلى هذه الحقيقة بأداء المتأخر منهم ذات العبادات والفرائض التي أداها السابق , ويؤدونها جميعاً وبنفس الكيفية التي أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

في سياق الآيات
في نظم الآيات والصلة بين هذه الآيات والآيات السابقة وجوه:
الاول: لما جاءت الآيات السابقة بمخاطبة المسلمين بصفة الايمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهو افضل خطاب تلقته امة من امم الأرض بعد الأنبياء, جاء وكأنه مقدمة وتفسير لتفضيلهم على الأمم الأخرى واقترن هذا الخطاب بدعوتهم الى تقوى الله، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ] ( ).
وقيدت الآية أعلاه طاعة الله والخشية منه بان تكون تامة وشاملة وجاءت هذه الآية لتخبر المسلمين عن وجه من وجوه هذا التكليف وهو ان المسلمين خير الأمم التي تعاقبت على الأرض باحرازهم مراتب التقوى المطلقة التي لا طاقة لغيرهم بها والتي تتجلى في عباداتهم وتلاوتهم لآيات القرآن والعمل باحكامها، وحفظهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمحاكاته والإقتداء به.
الثاني: جاءت الآية (103) من هذه السورة بالأمر بالاعتصام بالله [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعاً] ( )، ثم جاءت هذه الآية بتزكية عمل المسلمين ومدحهم باعتبارهم افضل الامم، والصلة الموضوعية بين الآيتين على وجوه:
الاول: يدل الجمع بين الآيتين على قيام المسلمين بالاعتصام والتمسك بالقرآن والسنة للملازمة بين إمتثال العباد متحدين ومتفرقين للأوامر الإلهية والثناء السماوي عليهم.
وتؤكد الآية على حقيقة ثابتة وهي: من صفات خير الأمم انها تعتصم بحبل الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
الثاني: جاء في الآية اعلاه نهي المسلمين عن الفرقة بقوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] وجاءت هذه الآية متضمنة الثناء على المسلمين وتكليفهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يدل على إختصاص خير أمة بوظائف عقائدية وعبادية تستلزم الاتحاد والتعاون ونبذ الفرقة والاختلاف، كما ان اجتناب الفرقة مقدمة لنيل لثواب والصلاح، والأهلية لمراتب خير أمة، وما فيها من معاني التفضيل.
الثالث: من خصائص خير أمة الألفة والوئام بين قلوب افرادها، ونزع الغل والحقد من صدورهم.
الرابع: لقد انعم الله عز وجل على المسلمين وجعلهم خير أمة يتجلى التفضيل بالأخوة والمحبة بين أفرادها، ولفظ (الأمة) سور جامع مانع، جامع لمعاني الحسن والتأزر والتعاضد، ومانع من الفرقة والضعف والتشتت.
الخامس: لما اراد الله عز وجل للمسلمين ان يكونوا خير أمة فانه انعم عليهم بالإنقاذ من النار قال سبحانه [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا] مما يدل على ان نعمة الأفضلية بين الأمم لم تأت مجردة، بل جاءت مع النعم العديدة الكثيرة.
السادس: اختتمت الآية اعلاه آية (واعتصموا) بقول الله سبحانه (لعلكم تهتدون)، ولابد ان تتصف خير أمة بالهداية والايمان والصلاح، فقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] دليل على قيام المسلمين بالتمسك بأحكام الشريعة الإسلامية وتقيدهم بالأخوة الايمانية وإجتنابهم الفرقة والإختلاف.
الثالث: جاء قبل ست آيات قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] ( )، وجاءت هذه الآية الكريمة لتخبر عن إصطفاء المسلمين وكونهم خير وافضل امة وبينت قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواظبتهم عليه، والجمع بين الآيتين آية اعجازية في علوم القرآن وفيه مسائل:
الأولى: في آية [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ] ندب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوة إلهية لتصدي فريق من المسلمين لوظائف الأمر والنهي وتهذيب الأفعال وإصلاح المجتمعات، اما هذه الآية فاخبرت بان المسلمين يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعملون بسنن المعروف، ويجتنبون المنكر والقبيح.
الثانية: في الجمع بين الآيتين ثناء على المسلمين فآية تأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واخرى تخبر عن قيامهم به واستقامتهم لأمر الله تعالى.
الثالثة: لقد امر الله عز وجل المسلمين بتصدي امة منهم للخير، وجاءت هذه الآية لتخبر عن قيام المسلمين بهذه الوظيفة التي هي من العبادات، ومن اسمى معاني التقوى والصلاح، وباب لنيل الأجر والثواب، وواقية من النار والعذاب فيها.
الرابعة: جاءت آية [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ] بثلاثة أوامر وهي:
الاول: الدعوة الى الخير.
الثاني: الأمر بالمعروف.
الثالث: النهي عن المنكر.
اما هذه الآية فجاءت بأمرين منها وهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع لحاظ العموم فيهما، فهل يعني هذا اشتراك كل المسلمين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واختصاص أمة منهم بالدعوة الى الخير الجواب لا، لان قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ] لايعني الحصر والتبعيض في الدعوة الى الخير فالخطاب موجه للأمة للنهوض بوظائف الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابع: تضمنت الآية (105) نهي المسلمين عن محاكاة الأمم السابقة التي اختارت الفرقة والتشتت بقوله تعالى [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ] وفيه وجوه:
الاول: لزوم تعاهد المسلمين لوظائف الخلافة في الأرض، واجتناب الأخطاء والذنوب التي وقعت فيها الأمم السابقة وحجبتها عن مراتب العز والرفعة.
الثاني: تدل الآية اعلاه على مجئ الآيات والدلالات الباهرات الى الامم السابقة، والتي تدعوهم الى الاتحاد المقيد بتصديق الأنبياء، مما يدل على ان البينات جاءت للمسلمين ومنها هذه الآية.
ويختلف المسلمون عن الأمم السابقة بالتقيد بأحكام الأخوة والاتحاد والتصديق بالنبوة.
الثالث: جاءت الآية اعلاه بالوعيد للكافرين، واخبار المسلمين بان العذاب الأليم ينتظر فرق الأمم السابقة التي إختارت الاختلاف والتشتت، مما يدل على امور:
الاول: اخبار خير أمة وهم المسلمون بما ينتظر بعض الأمم السابقة بصفاتهم من العذاب.
الثاني: نجاة المسلمين من العقاب والعذاب الذي أعده الله عز وجل لأهل الفرقة والاختلاف.
الثالث: دعوة الناس لدخول الإسلام للنجاة من العذاب الأليم، فمع الاسلام يكون الاتحاد والأخوة.
الخامس: جاءت الآية (106) بتقسيم الناس الى قسمين في الآخرة بلحاظ بياض الوجوه الذي يدل على الفوز والظفر والسعادة وحسن الثواب على الهداية والايمان، وسواد الوجوه الذي يعني الاقامة في العذاب عقوبة على الكفر والجحود وارتكاب المعاصي، قال تعالى [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ] وفيه مسائل:
الاولى: لابد ان خير أمة ممن تبيض وجوههم، ويتلقون البشارة، وينالون الغبطة والسعادة فحينما جاءت الآية أعلاه بالبشارة ببياض وجوههم ونضارتها واسفارها، والإنذار بسواد وحلكة وجوه اخرى، جاءت هذه الآية متعقبة لها لتطرد الخوف والحزن عن قلوب المسلمين وتؤكد لهم ان وجوههم مشرقة بيضاء يوم القيامة، لأنهم أفضل الأمم فلابد ان ينالوا الفوز بهذه البشارة من باب الأولوية من بين الأمم التي تستحق وتنال هذه النعمة العظيمة.
الثانية: جاءت الآية أعلاه بأكرام المسلمين والرأفة بهم بإخبارهم عما يصير اليه الكفار من العذاب.
الثالثة: اطلاع خير أمة على عاقبة الكفر بعد الايمان، لكي تجتمع في دعوة الناس الى الإسلام وإصلاح المجتمعات والثبات على الايمان وعدم ترك منازله.
السادس: جاءت الآية (107) بالإخبار عن الإقامة الدائمة لأهل الايمان في النعيم والجنة، وفيه بشارة للمسلمين وان خير أمة وهم المسلمون خالدون في النعيم تتغشاهم رحمة الله.
السابع: تضـمنت الآية الســابقة الإخبار عن الإطلاق في ملك الله عز وجل، فهو مالك لكل شئ في السماوات والأرض وكل الناس عباد له، وجاءت هذه الآية لتؤكد بان الله عز وجل إختار المسلمين من بين الناس ليكونوا افضل امة من بين أمم الأرض.
الثامن: تذكر الآيات السابقة أمماً أخرى، ومخالفتها للأوامر الإلهية التي جاء بها الأنبياء السابقون، وجاءت هذه الآية بالثناء على المسلمين وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
اما بخصوص الصلة بين هذه الآية والآية التي بعدها وهي [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] فمن وجوه:
الاول: جاءت الآية التالية بالإخبار الذي يبعث السكينة والغبطة في نفوس المسلمين، للأمن والسلامة من كيد الكفار.
الثاني: البشارة بالنصر للمسلمين، والظفر بالكفار اذا ارادوا قتال المسلمين.
الثالث: ومن غايات الجمع بين الآيتين انه لا تستطيع امة او ملة او فرقة ان تهزم افضل امة اخرجت للناس.
الرابع: لما جاءت هذه الآية بالإخبار عن كون المسلمين خير أمة اخرجت للناس، جاءت الآية التالية لتخبر بان خروجهم للناس كخير أمة فيه اذى وعناء ومشاق للمسلمين، ومواجهة بالسيف مع أعداء الإسلام وهذا الاذى والمواجهة لايخرج المسلمين من وصفهم خير أمة، بل هو جزء من مقوماتها لانه فرع يترشح عن الإمتثال للأمر الإلهي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومصداق إخلاص المسلمين في ايمانهم بالله.
ومضامين الآية التالية شاهد على تفضيل المسلمين ودليل تأريخي وعقائدي بانه لم تأت في التأريخ امة مثلهم في الإيمان والتقوى.
الرابع: يدل إخبار الآية التالية بتحقيق الظفر للمسلمين على تفضيلهم من وجهين:
الاول: منعة وقوة المسلمين، وقدرتهم على الغلبة والنصر على الأعداء، خصوصاً وان الآية جاءت بصيغة الجمع [وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ].
الثاني: المدد والعون الإلهي للمسلمين، في هزيمة الاعداء، وبعث الخوف والرعب في قلوبهم، ومن الإعجاز في نظم وسياق الآيات ان يأتي الإخبار عن نيل المسلمين مرتبة خير أمة بين آية الملك المطلق لله تعالى، وآية عجز أعداء الإسلام عن الإضراربهم، لتكون الآية السابقة واقية للمسلمين، والآية التالية شاهداً على دفاع الله عنهم والعناية بهم.
ومن الإعجاز في نظم الآيات ان تتضمن الآيتان التاليتان البشارة والإنذار المتعلقين بمضامين هذه الآية وما فيها من الإخبار بان المسلمين خير أمة.
وجاء في الآية التالية انذار للمسلمين بتلقيهم الأذى من الفاسقين والكفار، اما البشارة فهي الإخبار بلحوق الهزيمة بأعداء الإسلام إذا قاموا بقتال المسلمين.
ومن الآيات ان يأتي الإنذار بموضوع الأذى، اما البشارة فجاءت بموضوع القتال مع الكفار وهو الأهم والأكثر خطراً وضرراً وتتفرع عن نتائجه آثار وأحوال تشمل الميادين المختلفة.
كما جاءت الآية بعد التالية لتتمة البشارة مع بيانها وتفصيلها وذكر أسباب هزيمة الكفار والمشركين ليزداد المسلمون ايماناً، وتكون السكينة ملكة عندهم، ويتوجهون الى الله تعالى بالشكر والثناء.
إعجاز الآية
تتضمن الآية الإخبار عن حكم عقائدي ونص تشريفي ينفرد به المسلمون دون غيرهم، لتكون آية خالدة في العالمين، تبعث على السعادة والغبطة في نفس كل مسلم، وتدعو الناس جميعاً ليكونوا من خير أمة، ومن الاعجاز ان تقول الآية [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] وفيه تزيين سماوي للإنتماء للإسلام، ثم بينت خصائص وصفات المسلمين، ومايؤهلهم لنيل هذه المرتبة العظيمة.
وفي الآية تحد لغير المسلمين وإخبار سماوي عن نيل المسلمين أفضل الخصال، اذ ان الافضلية مطلقة وعامة في باب العبادات وغيرها، ومع ان الآية خطاب للمسلمين وبيان لعظيم منزلتهم، الا انها ذكرت اهل الكتاب بصيغة اللوم والتبكيت على تخلفهم عن الايمان بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وجاءت بتقسيمهم الى قسمين الأحسن منهما أقل من الأخس، اذ إختتمت بقوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ].
وأفتتحت الآية بصيغة الماضي [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] مما يدل على ثبات واستدامة هذه الصفة وانها فضل متصل من عند الله بالاضافة الى مافيه من الدلالة على الإستصحاب القهقري في افضلية المسلمين على الأمم السابقة ايضاً، وتبين الآية موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موازين التفضيل بين الأمم.
وتخبر عن لزوم إقتران الايمان بالعمل، والتقوى بالصلاح، والجهاد للثبات على الايمان، وهداية الناس وزجرهم عن المعاصي.
ومن الاعجاز مجئ الآية بلفظ [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] مع ان الناس يوجدون بالولادة والنشأة، وفيه حجة على الناس بعلمهم بما عليه المسلمون من الايمان بالله والتصديق بالنبوة والتقيد باداء الفرائض،والأخلاق الحميدة.
وفي الآية شهادة سماوية لفريق من اهل الكتاب، مع ذم الاكثرية منهم، ولم تكتف الآية بتقسيم اهل الكتاب الى قسمين بل ذكرت قبح ما إختاره الاكثر والأغلب منهم، وهو الخروج عن الطاعة.
وتبين الآية مسؤوليات المسلمين وجهادهم بين الناس والأمم المتباينة، فليس من حصر للأمم والأفراد الذين يقوم المسلمون بدعوتهم الى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتقدير الآية: كنتم خير أمة للناس) فوجود المسلمين رحمة للناس جميعاً لهدايتهم وإصلاحهم، ودعوتهم للنجاة من عذاب النار.
ومن اعجاز الآية ان المسلمين امة واحدة متحدة، لا تنفذ اليها الفرقة والتشتت والاختلاف، وفيها بيان لركن الاتحاد وهو الايمان، وافراد من اهم مواضيع الاتحاد وفروع الايمان وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن إعجاز الآية انها لم تكتفِ بالإخبار عن كون المسلمين خير أمة بل جاءت بأمور:
الأول: انهم أخرجوا للناس، أي عدم انحصار الحسن العقائدي والأخلاقي للمسلمين بالحسن الذاتي بل يشمل الغيري.
الثاني: الإطلاق في الآية.
الثالث: مدح المسلمين ونعتهم بالأمة، وما فيه من معاني الإتحاد والتآلف والتآخي.
الرابع: الذين أخرج لهم المسلمون، وهم الناس جميعاً، للألف واللام في “الناس” وعدم وجود استثناء او قرينة متصلة او منفصلة على الإستثناء، وجاء وصف الفريق الأقل من أهل الكتاب بانهم مؤمنون في ذات الآية شاهداً على الحاقهم بالناس وان المسلمين اخرجوا لهم ايضاً ليدعوهم الى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن لأنه فرع الإيمان بالله والإقرار بما أنزل من الكتب السماوية.
ويمكن ان نسمي هذه الآية آية (خير أمة) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية الكريمة، وهو إعجاز إضافي في الآية، وشاهد على موضوعيتها وما فيها من المضامين القدسية والدلالات على اكرام المسلمين , ودعوة للتدبر في معانيها، وإقتباس الدروس والعبر منها.
الآية سلاح
الانسان كائن ممكن محتاج، وتتجلى اشد وجوه حاجته بالإفتقار إلى رحمة الله تعالى التي تلازمه في كل آنات حياته، ومختلف ميادين العمل وعند اليقظة والنوم، ومن مصاديق الحاجة تلقي التأديب والتعليم الإلهي.
وقد جاءت هذه الآية بتأديب المسلمين المقترن باكرامهم، فحينما تقول الآية [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] فانه دعوة لتعاهد الإيمان، والتقيد بالسنن الحميدة، وتبعث الآية المسلمين على العمل الدؤوب لتثبيت كلمة التوحيد في الأرض، والحرص على أداء الفرائض والواجبات والتوكيد العملي لمنطوق الآية، وتخبر عن قيام المسلمين والمسلمات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يجعلهم دائبين في اصلاح الناس، من غير تلكأ او تردد.
والآية مدرسة في بيان الوظيفة العقائدية لاهل الكتاب، وما يجب عليهم فعله بلزوم اختيار الايمان وعدم ترك منازله، ومنها التصديق بنزول القرآن من عند الله.
وهي سلاح بوجه اعداء الاسلام يتضمن التوبيخ للذين يعتدون على حرمات الإسلام، وزجرهم عن إيذاء الذين جعلهم الله خير أمة وتزيد الآية في معارف المسلمين اذ تقسم اهل الكتاب الى قسمين لقوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] فلم تصفهم بالكفر والجحود، بل نعتت اكثرهم بالفسق والخروج عن الطاعة، لتحث المسلمين على تعاهد احكام وسنن الشريعة، واجتناب المعصية والفسق، لانهم أفضل الأمم وشريعتهم احسن الملل.
مفهوم الآية
تبين الآية حقيقة وهي ان المسلمين امة واحدة تنأى بنفسها عن الفرقة والإختلاف، وتؤكد اتصافهم بالأخلاق الحميدة، وقيامهم باداء السنن الرشيدة، ومن افضل وجوه الحسن عند الملل والنحل التقيد بأحكام الشريعة.
وهذا التقيد هو ملاك التفضيل والترجيح وكل الناس يدركون حقيقة ظاهرة للعيان وهي تعاهد المسلمين لمبادئ الشريعة، وبذلهم النفوس والأموال من أجل تثبيت كلمة التوحيد في الأرض، وحرصهم على حفظ التنزيل والتقيد بأحكامه، وعدم طرو التحريف والتبديل على آيات القرآن.
ولم تتكلم الآية عن الأمم الأخرى، بل اكتفت بمدح المسلمين والثناء عليهم، والإخبــار بتخــلف غيرهــم عن المرتبــة التي جعـل الله عز وجل المسلمين فيها، وتمنع الآية في مفهومها من ترك القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتبار انه من اسباب تأهيل المسلمين لمنازل السمو والرفعة بين الأمم، ومن الآيات الإشارة في الآية الى لزوم صدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقصد القربة الى الله.
وتبين الآية موضوعية الإيمان في التفضيل بين الأمم من وجهين:
الأول: تفضيل المسلمين بالتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وماجاء به من عند الله عز وجل.
الثاني: إخبار الآية بان إيمان أهل الكتاب خير واحسن لهم بقوله تعالى [وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ] ويدل في مفهومه على تخلفهم عن أهم منازل الإيمان.
وتتضمن الآية مسائل:
الاولى: الإخبار عن أفضلية المسلمين من بين الأمم.
الثانية: إستدامة تفضيل المسلمين في كل زمان.
الثالثة: جاءت الآية بلفظ الخروج [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] وفيه اشارة لإمكان إطلاع الناس على مبادئ الإسلام وانها قريبة منهم غير متعذرة عليهم، فليس لفرقة او أمة الإعتذار يوم القيامة بعدم معرفة أحكام الإسلام بل هي قريبة منهم.
الرابعة: قيام المسلمين بالوظيفة العقائدية التي تتقوم بها الحياة في الأرض وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يدل على عدم إنحصار الأمر بتفضيل المسلمين، بل انهم ذوو فضل على الناس بما انعم الله به عليهم من تعاهد الحياة الإنسانية بالتقوى والصلاح، فكما ان العبادات لا تقبل الا بقصد القربة، فكذا الحياة الدنيا فانها لا تستديم الا بقيام شطر من الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتنال الأمة التي تقوم به الأفضلية والتفضيل.
الخامسة: الملازمة بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم انفكاك احدهما عن الآخر، وشرطيتهما في التفضيل، واذا ارادت امة ان يشار لها بالبنان ويفوز أفرادها بالغبطة والسعادة، فلتأمر بالمعروف وتنهى عن منكر، ومن اهم مصاديقهما الإيمان بالله وملائكته وكتبه وانبيائه، ونبذ الكفر والجحود، والتنزه عن المعاصي، وقد فاز المسلمون بتلك الصفات بفضل الله فاستحقوا الثناء عليهم في هذه الآية وتفضيلهم على الأمم الأخرى من الأولين والآخرين.
السادسة: الايمان بالله واجب على كل انسان، وجاءت هذه الآية بالشهادة للمسلمين بالتقيد بأحكامه والتزامهم بالتوحيد وفيه دعوة للناس للهداية والايمان، وإخبار بلزوم إتباع المسلمين في الايمان بالله، فالأصل ان يكون الإيمان بالله سور الموجبة الكلية، باعتبار ان الناس جميعاً متقيدون به، ملتزمون بالإقرار بالتوحيد والربوبية لله تعالى.
السابعة: بيان الأفضل والأحسن للناس، وهو الايمان بالله، فاذا كان الإيمان هو الأحسن لأهل الكتاب فمن باب الأولوية القطعية ان يكون الأحسن لغيرهم من الناس.
الثامنة: تقسيم أهل الكتاب الى قسمين، والإخبار عن سوء إختيار الأكثر منهم، وفيه تحذير ابتدائي من أهل الكتاب، وإنذار لهم لإتصاف الأكثرية منهم بالفسق والخروج عن الطاعة وعدم تقيدهم بآداب العبودية لله.
ومن الآيات عدم إنحصار موضوع التفضيل بأيام البعثة النبوية ونزول القرآن بل جاء على نحو العموم الاستغراقي الشامل لافراد الزمان الطولية من أيام أبينا آدم عليه السلام والى يوم القيامة، وتلك آية تؤكد إتحاد تأريخ الأنسانية وبيان قواعد التفضيل المتحد بين الأمم.
وهل يمكن القول بانحصار الخروج للناس بالمسلمين لانهم خير أمة، وليس من أمة أخرجت للناس غيرهم، وان تفضيل المسلمين يترشح من خروججهم دون غيرهم للناس،الجواب لا، وان كان الخروج ذاته تشريف وتفضيل وفي اتصال اخراج افمم الصالحة رحمة بالناس وحجة عليهم.
ووردت في الآية كلمات لم ترد مجتمعة في آية اخرى من القرآن وهي:
اولاً: خير أمة.
ثانياً: أخرجت.
ثالثاً: تأمرون بالمعروف بصيغة الخطاب.
رابعاً: تنهون عن المنكر بصيغة الخطاب.
خامساً: ولو آمن.
سادساً: منهم المؤمنون واكثرهم الفاسقون.
ويبين هذا التعدد في انفراد الآية الكريمة بهذه الكلمات ما لها من الخصوصية والموضوعية، ولزوم العناية بأحكامها، والتدبر في معانيها القدسية.
وخير في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] أفعل تفضيل، وفيه إشارة الى خروج أمم أخرى قبل الإسلام على الناس، ولكن المسلمين أفضلهم، وهذه الأمم هم أنصار وأتباع الأنبياء الذين بادروا للإيمان، ودعوا الناس الى التوحيد.
وتقدير الآية: كنتم خير الأمم التي اخرجت للناس) وفيه دلالة على تمام النعمة بالإسلام، وانقطاع النبوة فليس من نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أمة أخرى غير المسلمين تدعو الناس للتوحيد وتدل عليه قرينة مجيء الآية بصيغة الفعل الماضي كنتم خير أمة، مع ما تتضمنه هذه الصيغة من معاني الإستمرار والثبات والدوام والتجدد بتعاقب أجيال المسلمين وتعاهدهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله عز وجل ورسله والكتب السماوية النازلة على الأنبياء وهل يمكن القول بانحصار الخروج للناس بالمسلمين لانهم خير أمة، وليس من أمة أخرجت للناس غيرهم، وأن تفضيل المسلمين يترشح من خروجهم دون غيرهم للناس، الجواب لا، وإثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره، وان كان الخروج ذاته تشريفاً، وفي اتصال اخراج الامم الصالحة رحمة بالناس وحجة عليهم.
وإفادة الألف واللام في “الناس” الإستغراق وإرادة الناس جميعاً،تشريف إضافي لهم وللمسلمين خاصة، وهو مظهر من مظاهر اللطف الإلهي بالعباد ودعوة متجددة للإيمان، ومناسبة لإقتناء المسلمين الأجر والثواب،وتوكيد مصاديق الآية الكريمة، وفيه شاهد على وصول الدعوة الإسلامية الى الناس كافة، وهذا العموم حجة عليهم، وآلة جذب لهم للإيمان، وفيه إشارة الى اختصاص المسلمين بدعوة الناس جميعاً الى الإسلام.
وكانت دعوة أتباع الأنبياء محدودة في أفرادها وطرقها، وجاء المسلمون ليشهروا السيف جهاداً في سبيل الله، ويحملوا الناس على الإيمان طوعاً او قهرا ويظهروا حسن اسلامهم وتقيدهم بآداب وسنن التوحيد، وهذا التقيد وحده أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ودعوة الى الإيمان، وصيغ التعدد هذه دليل على أهلية المسلمين للتفضيل على الناس جميعاً، وحث لهم لمواصلة السعي لبلوغ مراتب الكمال الإنساني.
إفاضات الآية
جاءت الآية بالإخبار عن إصطفاء المسلمين من بين الأمم، وجذب الخالق لهم بالتقريب إلى رحمته وإعانتهم على أداء وظائف العبودية، ولما جاء السؤال الإنكاري من الملائكة في خصوص جعل آدم خليفة في الأرض، تجلى رد الله عز وجل عليهم بقوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، لبيان قانون ثابت، وهو أن الله سبحانه اعلم بعواقب الأمور، وطبائع الناس، ومناهج الأمم.
وجاءت هذه الآية لتخبر عن وجود أمة تتجلى في أعمالها معاني الكمال الإنساني بفضل من الله تعالى، ليكون رداً عملياً، وبياناً لحال الانسان المؤمن في الأرض الذي يعمرها بالصلاة والصيام والتلبية في الحج، ويتعاهد كلمة التوحيد في كل يوم بالصلاة، وفي شهر مخصوص بالصيام، وفي ايام معدودات وموضع مخصوص بالحج، ويجدد المسلمون الصلة مع الله تعالى والانجذاب اليه باظهار العبودية المحضة والإنقطاع اليه سبحانه، ويباهي الله بهم الملائكة كما في خلقه تعالى لآدم وأمره لهم بالسجود له.
وفي الآية دعوة للمسلمين لبذل الوسع في طاعة الله، ويعطي كل مسلم من ذاته وماله مايظنه منتهاه، حباً لله وتعاهداً لمرتبة الأفضلية التي انعم الله عز وجل بها على المسلمين، ان الأفضلية في المقام شرف عظيم وشاهد على تفضيل المسلمين على الأمم الأخرى، وبما ان القرآن كتاب سماوي باق الى يوم القيامة فان تفضيل المسلمين متصل الى يوم القيامة.
وتجعل الآية المسلمين والمسلمات يرتقون في مراتب المعارف الالهية ويجتهدون في تعاهد اسباب التفضيل على الأمم ليكونوا ورثة الأنبياء وخلفاء الأرض حقاً على نحو الإستدامة،وينالوا شرف درجة التفضيل بالإخلاص والتفاني المحض في مرضاة المعبود الحقيقي الذي تفضل عليهم وجعلهم خير الأمم.
وترسخ الآية في قلوب المسلمين الحب لله وللنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بالاضافة الى تصديقهم بنبوته واقتران طاعته بطاعة الله تعالى فهو الواسطة النبوية المباركة التي جعلت المسلمين أفضل الأمم، وفي الآية دعوة للتفقه في سنته ومعرفة وجوه ومصاديق جهاده في سبيل الله والإقتداء به.
وتبعث الآية انواع البهجة والكرامة في نفوس المسلمين لما فيها من البشارة بالثواب العظيم يوم القيامة، وتجعل المسلم يشتاق للإستقرار في حضرة الملك القدوس ويسكن دار الجنان على نحو الدوام والخلود.
ومن الإفاضات الإلهية في هذه الآية انها حصانة للمسلم من الفسوق والفجور، وزاجر عن اتباع الهوى وكما ان مدح المسلمين توكيد لنزاهتهم من المعاصي، فانه واقية من السيئات والفواحش.
ويعتبر طول الملابسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حثاً ذاتياً على التقيد باحكامها، فما دام الانسان يأمر بالمعروف فانه يحرص على فعله واتيانه، ومع حثه الناس على اجتناب المنكر فانه يجتهد على ان يكون أسوة في الإبتعاد عن الفواحش والذنوب.
ومن افاضات الآية انقطاع المسلمين الى الله تعالى، وتوجههم له بالشكر والثناء على نعمة الإصطفاء والإجتباء والتفضيل، والاقرار بقدرة الله عز وجل على تفضيلهم وإكرامهم من بين الأمم، ولايقدر على التفضيل بين الناس والخلائق غير الله عز وجل.
لذا فان الآية مناسبة للثناء عليه تعالى والإجتهاد في عبادته، ومناسبة لدعوة الناس لنيل مراتب التفضيل لانه لم ينحصر بأفراد مخصوصين بل جاء بلحاظ الإنتماء لملة الاسلام وعقيدة التوحيد التي توارثها المسلمون وحافظوا على سننها.
الآية لطف
في الآية تقريب للعباد من فعل الطاعات، والتقيد بأحكام الدين ببيان وقوع التفضيل بين الأمم، ولم يأت هذا البيان على سبيل الإجمال او الإخبار عن إمكان حصوله وذكر صفات الامة التي تستحقه بل جاء بلغة التعيين والتسمية، فهو خاص بالمسلمين دون غيرهم من الأمم، ليكون اللطف مركباً من وجهين:
الأول: دعوة المسلمين لتعاهد هذه النعمة، وحثهم على الشكر لله تعالى.
الثاني: جذب الناس للإسلام، وهدايتهم الى سبل الرشاد.
والإخبار بتفضيل المسلمين لطف الهي بالناس جميعاً، لانه دعوة للناس من وجوه:
الأول: اكرام المسلمين.
الثاني: ادراك حقيقة وهي ان المسلمين على حق، وان نهجهم هو النهج المستقيم.
الثالث: تمنع الآية من التيه والترديد، وهي حرب على الغواية والضلالة.
الرابع: في الآية زجر للناس عن الإعتداء على المسلمين، وتحذير من محاربة المسلمين، وحشر الجيوش لمقاتلتهم او اخراجهم من ديارهم، فمن مضامين التفضيل الإلهي للمسلمين نصرتهم ومدهم باسباب الظفر والغلبة.
ومن اللطف الإلهي في الآية بعث السكينة والرضا في نفوس المسلمين، وشعورهم بالعز والرفعة، قال تعالى [لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] وفيها حرب على الكفر ومنع من إتساع رقعته أو زيادة أثره، وهي شاهد على رجحان كفة المسلمين في الاحتجاج والجدال لانهم يمتلكون سلاحاً لايمتلكه غيرهم.
فهم الأمة التي فضلها الله واختارها لوراثة الأنبياء، وما في هذا الإختيار من دعوة للناس للحاق بهم وعدم الإبطاء عن نصرة الإسلام والفوز بما فيه من النعم الدنيوية والأخروية.
لقد اراد الله عز وجل لكلمة التوحيد البقاء في الأرض، وعدم مغادرتها بني آدم الى يوم القيامة، فاختار أمة من الناس لتقوم بوظائف العبادة والنسك وتتعاهد أحكام التنزيل، ومن اللطف الإلهي ان تفضل الله سبحانه بشكر المسلمين على نيلهم هذه المرتبة، ليكون هذا الشكر شهادة وعوناً لهم في الدنيا والآخرة، مع أنهم لم يبلغوا هذه المرتبة إلا بعناية ومدد من الله تعالى.
من غايات الآية
في الآية وجوه:
الأول: الآية وثيقة لبيان تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم.
الثاني: الإخبار بان المسلمين أمة متحدة تجمعها خصال عقائدية وعبادية معينة وهي:
الأولى: الإيمان بالله عز وجل لقوله تعالى [تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ].
الثانية: التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المستقرأ من لغة الخطاب في الآية.
الثالثة: الأمر بالمعروف، ومن الآيات ان تأتي الآية بصيغة العموم الاستغراقي وقيام المسلمين جميعاً بالأمر بالمعروف.
الرابعة: النهي عن المنكر، وهو من مقومات الصلاح في الأرض، لذا جاء في اكثر الآيات ملازماً للأمر بالمعروف.
الخامسة: تعاهد العبادات والفرائض التي أمر الله تعالى بها.
الثالث: دعوة المسلمين للتفقه في الدين.
الرابع: حث الناس على إعتناق الاسلام والتقيد بمبادئه وأحكامه.
الخامس: بيان ضرورة الإيمان وحاجة الناس له.
السادس: اعطاء أهل الكتاب خصوصية بذكرهم في الآية وذكر ماينفعهم في الدنيا والآخرة وهو الايمان، وبيان الحجة عليهم وعلى الناس.
السابع: دعوة كل جيل من أجيال المسلمين الى تعاهد مبادئ الاسلام واحكام وسنن الشريعة الإسلامية، والتقيد بالفرائض والعبادات.
الثامن: بعث العز والمنعة في نفوس المسلمين الى يوم القيامة وجعلهم يدركون حقيقة أفضليتهم بالإسلام.
التاسع: المنع من الإرتداد والجحود بالنبوة.
العاشر: اجتناب الفسق الذي ورد في هذه الآية نعتاً لشطر من اهل الكتاب، والإخبار عن لزوم تحلي المسلمين بالإيمان والصلاح.
التفسير
قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ]
بدأت الآية السابقة بحرف العطف (الواو) بقوله تعالى ( ولله ما في السموات )، وجاءت هذه الآية من غير حرف عطف، وابتدأت بالفعل الماضي الناقص (كُنْتُمْ).
و لما جاءت الآية السابقة بالإخبار عن ملك الله تعالى للسموات والأرض وما فيهن من الخلائق والموجودات التي تعجز عقول واوهام وخطرات قلوب الناس عن الاحاطة بها وأكدت رجوع ألامور كلها لله تعالى،جاءت هذه الآية لتخبر عن حقيقة في الإرادة التكوينية تتعلق بأمر وحكم في السموات والأرض وإختصاص المسلمين بالأفضلية والتفضيل بين الناس، فتفضيل المسلمين جزء من ملك الله للسموات والأرض اذ يتفضل سبحانه بترجيح امة على الأمم الاخرى، والإخبار عن فوز المسلمين بهذه النعمة العظيمة.
واختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] وفيه اشارة الى حسن عاقبة المسلمين ونيلهم مراتب الثواب.
ووردت الآية بصيغة الخطاب والجمع (كنتم ) وفيه وجوه:
الاول: ارادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار انه امة في الخير، وهو سيد ولد آدم عليه السلام، وقد وصف القرآن ابراهيم عليه السلام بانه امة، قال سبحانه [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ] ( )، فمن باب الأولوية ان يكون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم امة.
الثاني: ارادة المهاجرين خاصة، عن ابن عباس والسدي.
الثالث: نزلت في عبدالله بن مسعود وابي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة، عن عكرمة.
الرابع: اراد بهم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة عن الضحاك ( ) من المهاجرين والانصار الذين عاصروا التنزيل وتلقوا خطابات القرآن بتلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها على اسماعهم.
الخامس: المقصود اهل بيت النبي، ومعدن الرسالة باعتبارهم امة في الخير والصلاح والتقوى ورشحة النبوة.
السادس: خصوص المؤمنين من المسلمين الذين يقرنون النطق بالشهادتين بأداء الفرائض والتقيد بأحكام الشريعة والصلاح والتقوى.
السابع: هو خطاب للصحابة ولكنه يعم سائر الأمة، عن الزجاج( )، ونسبه الطبرسي الى القيل( ).
الثامن: المسلمون جميعاً.
والصحيح هو الاخير فتشمل الآية المسلمين رجالاً ونساءاً وبمختلف طبقاتهم واجيالهم، والجامع بينهم هو النطق بالشهادتين والإعتصام بالقرآن والسنة، ويدخل فيهم اهل البيت والصحابة والتابعون والمؤمنون كافة لوجوه:
الأول: أصالة الاطلاق والعموم.
الثاني: إتصال الخطاب القرآني وشموله لأجيال المسلمين المتعاقبة كما في خطابات التكليف بالفرائض والعبادات فقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( )، موجه لكل المكلفين من المسلمين رجالاً ونساءً الى يوم القيامة.
الثالث: الآية فضل من عند الله، ومن خصائص الفضل الإلهي العموم والاطلاق الا مع وجود قرينة على التقييد والحصر، وهي معدومة في المقام.
الرابع: تعلق التفضيل بالإسلام والإنتماء له والتقيد بأحكامه.
الخامس: الآية ترغيب بدخول الناس للإسلام، وإشارة لما يتصف به الاسلام من التسهيل والتيسير.
السادس: تتضمن الآية البشارة للمسلمين وتدعوهم للمواظبة على الفرائض وسنن الايمان، فجاءت لغة العموم في التفضيل لطفاً منه تعالى بالمسلمين.
وجاءت الآية بصيغة الفعل الماضي والجمع (كنتم) فلم تقل(انكم خير امة) وفيه وجوه:
الاول: ان المسلمين خير الأمم في علم الله يوم خلق السماوات والأرض.
الثاني: لما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام وسألوا عن جعل الإنسان خليفة في الأرض أراهم الله عز وجل المسلمين في عبادتهم ونسكهم ليعلموا ان الأرض تتزين بهم وبذكرهم لله في ساعات الليل والنهار.
الثالث: الآية شاملة لأفراد الزمان الطولية، والأمم المتعاقبة على الأرض، فلا ينحصر موضوع الأفضلية بالأمم والفرق الموجودة بعد البعثة النبوية المباركة بل يشمل الأمم السابقة للإسلام، وهذا المعنى من اسرار اختيار لفظ (خير) وهو افعل تفضيل فليس المراد الأمم المصاحبة للمسلمين وحدها بلحاظ إتحاد الزمان، والتباين بينهم وبين غيرهم بل جاء بلغة العموم، وإرادة امم الأرض السالفة واللاحقة ويعلم المسلمون تفضيلهم على الامم المصاحبة لهم، فجاء لفظ (كنتم) لتوكيد تفضيلهم على الامم السالفة.
الرابع: ورود قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] وافادة العموم من لفظ الناس الشامل للأجيال المتعاقبة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة، لانها تتضمن الشهادة السماوية في تفضيل واكرام المسلمين ولا ينتمي اهل الأرض جميعاً الى أمم، فمنهم من يكون ضمن جماعة قليلة، ومنهم من لم يرتبط بجماعة ولا تجمعه مع غيره ملة او عقيدة، وإن كان في الحضر، فهل تشمل عمومات المفضولية والمرجوحية هؤلاء، الجواب نعم، فافضلية المسلمين عامة على الأمم والملل والفرق والجماعات والافراد، لوجوه:
الأول: أصالة العموم.
الثاني: إنحصار التفضيل بالمسلمين.
الثالث: إنقسام الناس الى قسمين لا ثالث لهما وهما فاضل ومفضول.
الرابع: للأولوية، فإذا كانت الأمم الأخرى مفضولة فمن باب الأولوية أن يكون الشخص المنفرد منها مفضولاً أيضاً.
ومع كثرة خطابات القرآن للمسلمين بلفظ [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] اذ ورد تسعاَ وثمانين مرة في الأحكام والمواعظ القرآنية، فان هذه الآية جاءت بلفظ ( كنتم خير أمة ) وفيه وجوه:
الاول: افضلية المسلمين كأمة متحدة متمسكة بالقرآن والسنة.
الثاني: المراد ان المسلمين أمة مجتمعة على الهدى.
الثالث: تصديق المسلمين بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وردت نصوص عديدة من السنة النبوية يذكر فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بلفظ أمة.
ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم (امتي لا تجتمع على ضلالة)( )، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: انكم وفيتم سبعين امة انتم آخرها واكرمها على الله)( ).
لقد جاءت الآية بتشريف المسلمين بنعتهم بالأمة وهو عنوان لاتحادهم، وشاهد سماوي على وحدتهم وابتعادهم عن اسباب الفرقة والضلالة والغواية.
وفيه دعوة للمسلمين للقيام بالمسؤوليات العقائدية على نحو الاتحاد والتآزرخصوصاً وان الوظائف التي تذكرها الآية تستلزم تعاونهم واشتراكهم في الأداء فيحتاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التعاون بين المسلمين لتثبيت أحكام الشريعة، ودعوة الناس للعمل بمضامينها، وتنحيتهم عن المنكر والقبيح.
وتتضمن الآية دلالات من عالم الغيب من وجوه:
الاول: ان افضلية المسلمين في علم الله يوم خلق السماوات والأرض، وانتقاؤهم في عالم الذر من بين الأمم، ولو تردد معنى لفظ (كنتم) في الآية القرآنية بين الماضي القريب والبعيد، فالأصل هو الثاني الا ان تدل قرينة او دليل على التقييد، وليس هو من الإستصحاب القهقري، بل من مصاديق أصالة الإطلاق والعموم.
الثاني: الإخبار السماوي عن استدامة تفضيل المسلمين، وانهم افضل الامم الى يوم القيامة، وفي الآية دليل على بقاء المسلمين على الصلاح والتقوى وعدم مغادرتهم منازل الايمان.
الثالث: عدم ارتقاء امة من الامم لما عليه المسلمون من الصلاح والتقوى، فقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] أي في كل زمان من الأزمنة السابقة واللاحقة.
الرابع: تبين الآية افضلية المسلمين على الامم السابقة من اصحاب واتباع الأنبياء، وتقدير الآية: أهل بيت وأصحاب وأتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من أصحاب وأتباع الأنبياء السابقين.
وفي الآية تزكية وثناء من عند الله على المسلمين اوان البعثة النبوية، وبعث للثقة في نفوسهم، وطرد للشك والريب الذي يحاول اعداء الاسلام ايجاده عندهم، كمقدمة لنشر الفرقة بينهم، ومحاولة لتحصيل الارتداد من قبل ضعيف الإيمان.
فجاءت الآية لتقوية ايمان المسلمين، وتثبيت اقدامهم وجعل نفوسهم تطمئن وتسكن لحقيقة وهي انهم على صواب وحق، وانهم اهل العز والرفعة.
وهل تحتمل ارادة الزمن المضارع واللاحق وحده دون الماضي ومجئ الفعل (كنتم) بصيغة الماضي مع ارادة المضارع منه فقط ومعنى الصيرورة أي صرتم خير أمة والتلبس بالصفة والتفضيل، كما في قوله تعالى [وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] ( )، باعتبار ان دخول الاسلام واداء الفرائض والعبادات يجعل المسلمين أفضل الأمم اللاحقة دون السابقة، الجواب لا، لوجوه:
الاول: ارادة المضارع وحده خلاف الأصل، ولاينتقل اليه الا مع القرينة الصارفة عن ارادة الزمن الماضي من الفعل.
الثاني: وجود قرينة تبين إرادة الماضي، وهي قوله تعالى [أُخْرِجَتْ].
الثالث: ارادة العموم من لفظ [لِلنَّاسِ].
الرابع: مجئ الآية في الثناء على المسلمين، الذي يحمل على أبهى واحسن وأعم معانيه.
وفي الآية اشارة الى ذكر المسلمين في الكتب المنزلة، وعند الأمم السابقة، وإخبار عن مجئ الأنبياء بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وامته، وتبعث هذه الآية البشارة السكينة والرضا في قلوب المسلمين من الامم السابقة، وتجعلهم يتحملون بصبر الأذى الذي يأتيهم من الكفار والظالمين بانتظار ظهور الحق، ورسوخ كلمة التوحيد ومجئ العدل، كما في قوله تعالى حكاية عن عيسى [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( )، وقوله تعالى [ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ]( ).
وذكرت في الآية اقوال:
الاول: كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بانكم خير أمة)عن الفراء والزجاج( ).
الثاني: كنتم في علم الله خير أمة( )، نسبه الزمخشري الى القيل.
الثالث: كنتم منذ آمنتم خير أمة اخرجت للناس.
الرابع: جاءت (كان) هنا تامة، وخير أمة منصوباً على الحال، ومعناه وجدتم خير أمة.
الخامس: وتأتي(كنت)بمعنى (أنتم) كما في قوله تعالى[فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ]( )، أي من هو مريض (روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنّه سمع النبي {صلى الله عليه وآله وسلم} يقول في قوله : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال : «إنكم تتمّون سبعين أُمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل.
وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «أهل الجنة عشرون ومئة صف، منها ثمانون من هذه الأُمة)( ).
السادس: ويأتي فعل متحد يصدر من المسلمين أو صفة يتصفون بها تجمع بين الأمرين اللذين تذكرهما الآية:
الأول: تفضيل المسلمين على أهل الملل الأخرى.
الثاني: خروج المسلمين للناس.
ومن الفعل قيام المسلمين بالجهاد في سبيل الله وتحمل الأذى والضرر وتلقي القتل والشهادة ليدخل الناس في الإسلام فليس في منهاج أمة القتل والموت من أجل إنقاذ الآخرين ومن الصفات تخلق المسلمين بالتقوى والخشية من الله، وفيه أمن وسلامة لهم وللناس، ودعوة لهم لدخول الإسلام.
السابع: قال ابو مسلم قوله (كنتم خير أمة) تابع لقوله [وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ] والتقدير: انه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم ما انتم في من الرحمة وبياض الوجه بسببه ويكون ما عرض بين اول القصة وآخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله) ( ).
ولكنه بعيد من وجوه:
الاول: جاء ذكر بياض الوجوه وسوادها في قصة مستقلة لبيان حال الآخرة.
الثاني: تفصل بين آيات بياض وسواد الوجوه آيتان تتضمنان ذكر آيات الله، وتلاوتها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله، وبيان عظيم وسعة ملك الله عز وجل وان كل ما في السموات وما في الأرض يعود له سبحانه.
الثالث:مجئ الآية بصيغة الماضي (كنتم) لايعني انها تتعلق من جهة اوان الخطاب بعالم الآخرة بل تفيد اكرام المسلمين والثناء عليهم، وحثهم على تعاهد منزلتهم التي شرفهم الله بها.
ومن الآيات ان احكام الآية شاملة للأزمنة الثلاثة فموضوع الإخبار سابق لأيام المسلمين من وجوه:
الاول: المسلمون في علم الله خير الأمم، وقد أحاط الله بكل شئ علماً، ويعلم ما يصير اليه الناس من العقائد والاعمال، وهو سبحانه يعلم بافضل امة من بين الامم، وحينما بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم اخبره سبحانه بانه وامته خير الأمم.
الثاني: جاءت الآية بالإخبار عما هو معروف عند اهل السماوات بخصوص اهل الأرض والامة التي ستكون افضل وأحسن الأمم، وهم اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين صدًقوه في رسالته وجاهدوا من اجل نشر وتثبيت كلمة التوحيد.
الثالث: ظهور الحقيقة التي تتضمنها هذه الآية عند دراسة احوال الأمم والمقارنة بينها، فليس من أمة تعاهدت الإسلام وسنن الشريعة ومبادئ النبوة، والأداء التام للفرائض كالمسلمين، وجاءت نبوة النبي محمد صلى الله عليله وآله وسلم حاجة للناس جميعاً، فالواقع والتأريخ والوجدان تشهد بافضلية المسلمين، وجاءت هذه الآية بالبشارة والإخبار عن علم الله تعالى بهذه الحقيقة قبل وقوعها وإستقرارها، وعلمه تعالى أزلي.
تتضمن الآية القرآنية الإعجاز بان الله عز وجل بعلم ما ستكون عليه الأمم والفرق، وان المسلمين احسن الأمم، ولما اخبرت الآية عن علمه تعالى بحال المسلمين فهل يحتمل ان يحصل انحراف وتحريف عندهم بما يجعلهم ادنى من غيرهم من الأمم السابقة أو بمرتبة واحدة مع بعضها الجواب لا، لان الإخبار الإلهي يفيد الاتصال والديمومة والإستمرار وهو من فروع عموم تفسير الآية وشمولها لجميع المسلمين، وعدم انحصارها بالمهاجرين او بصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار.
وعلى القول بان (كان) في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] فعل ماض ناقص فلا يعني هذا انقطاع الصفة عنهم او يتوهم بانهم لايبقون في مقامات الأحسن والأفضل، بل يفيد الوصف الإستمرار والإتصال، من وجوه:
الاول: جاءت الآية للبشارة، والإخبار عن منزلة المسلمين بين الأمم.
الثاني: قد تأتي (كان) ويراد منها الإستدامة واستغراق افراد الزمان الطولية الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، قال تعالى [وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] ( )، وهذه الآية من مصاديق إرادة الإستدامة في التفضيل.
الثالث: جاءت الآية بلغة البشارة وليس التوبيخ والإنذار، وجعلت المائز بين المسلمين والناس بلحاظ افضلية المسلمين وقيامهم بمسؤوليات الإمامة ووراثة سنن النبوة، فحتى مع اعتبار (كان) فعلاً ناقصاً فان معناه في الآية استمرار تفضيل المسلمين.
وجاءت الآية بلفظ (خير أمة) وخير افعل تفضيل فما هي الوجوه والمواضيع التي يكون فيها المسلمون افضل من غيرهم، فيه وجوه:
الاول: المسلمون أفضل الأمم لإختيارهم اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فان قلت ان هذا الموضوع انطباقي، اذ انه لم يبعث في الأمم السابقة، والجواب المراد تصديق المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته، وعدم ترددهم في دخول الإسلام والجهاد في سبيل الله، وبلحاظ تخلف الآخرين من الناس عن نيل شرف رداء الإسلام.
الثاني: اخبرت الآية قبل السابقة عن تلاوة الله عز وجل لآيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأمة التي تتلو آيات القرآن من الناس هي أفضل وأحسن الأمم لما تضفيه تلاوة القرآن عليهم من التشريف والإكرام، فما تلاه الله عز وجل على نبيه الأكرم، وما تلاه النبي على الصحابة، يقوم المسلمون في أجيالهم المتعاقبة بتلاوته ويقرأونه في الصلاة اليومية، ليكون وثيقة عهد للمحافظة على مبادئ التوحيد والتنزيل في الأرض.
الثالث: عبادة الناس لله تعالى هي علة خلقهم لقوله سبحانه [مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )، وقد جاءت كيفية العبادة، ووجوه الفرائض وسنن الشرائع على مراتب، فكان أسناها وأشرفها عبادة المسلمين لله تعالى.
الرابع: تعاهد المسلمون القرآن والتنزيل، فلم يفرطوا بكلمة أو آية واحدة منه، وقد نزلت كتب سماوية قبله ولم تسلم آياتها من الضياع.
الخامس:جهاد المسلمين للمحافظة على القرآن من التحريف، وامتاز القرآن من بين الكتب السماوية بعدم وصول يد التحريف اليه، وهو آية نال بها المسلمون مرتبة الأفضلية من بين الأمم لضرورة تعاهد التنزيل وعدم طرو التغيير عليه.
السادس: جاء الرسل من قبل بالشرائع والأحكام والسنن، واتصف المسلمون بالتقيد التام بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله.
السابع: تقيد المسلمين بسنن العبادة اليومية، واداؤهم فريضة الصلاة خمس مرات في اليوم كما كان يؤديها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة او نقيصة، واذا كان اداؤهم للعبادات خال من التحريف والتغيير، فمن باب الأولوية الاقرار بانهم حافظوا على التنزيل واجتهدوا في صيانته وحفظ آياته.
الثامن: يحتاج الناس الى من يرشدهم ويهديهم الى سواء السبيل، وخير الأمم التي تقوم بهداية الناس وإنقاذهم من الشرك والضلالة هم المسلمون، لذا جاءت الآية بقيد (أخرجت للناس).
التاسع: في الآية بشارة خلود المسلمين في النعيم الدائم، اذ ان الله عز وجل خلق الجنة للمؤمنين والنار للكافرين، وقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] شاهد على ان المسلمين هم الأولى بالجنة، واكثر استحقاقاً من غيرهم في دخولها.
العاشر: قال تعالى [إن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ] ( )، وقد اتبع المسلمون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وحرصوا على التقيد بسنته فنالوا مرتبة القرب من الله عز وجل، وهي عنوان التفضيل والتشريف.
الحادي عشر: جهاد المسلمين في سبيل الله، وحملهم الناس على الايمان، او لا أقل الكف عن إيذاء المؤمنين.
الثاني عشر: بلوغ المسلمين منازل التقوى والصلاح.
الثالث عشر: اعتبار الشريعة الناسخة، والتكامل في مبادئ الإسلام، فكل شريعة جاء بها الأنبياء السابقون تعرضت للنسخ بشريعة لاحقة، الا شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع عشر: تحلى المسلمين باسمى معاني الصبر في طاعة الله وإجتناب المعاصي
لقد ابتدأت الآية بوثيقة سماوية خالدة جاءت بسيطة مبينة خالية من اللبس او الترديد، تتضمن الشهادة بافضلية المسلمين على غيرهم من الامم،وهي دليل على وحدتهم، وإستدامة نعمة الأخوة بينهم اذ جاءت بلغةالخطاب وصيغة الجمع التي تتوجه لكل مسلم ومسلمة الى يوم القيامة.
وفي قوله تعالى [مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ] ( )، ورد عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب وعطا ” الآية نزلت في اليهود، وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإيمانهم به، واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به، وذلك أن قريظة والنضير وبني فينقاع، قدموا من الشام إلى يثرب حين انقطعت النبوة من بني إسرائيل، وأفضت إلى العرب، فدخلوا المدينة يشهدون لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، بالنبوة وأن أمته خير الأمم، وكان يغشاهم رجل من بني إسرائيل يقال له عبد الله بن هيبان، قبل أن يوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كل سنة، فيحضهم على طاعة الله عز وجل، وإقامة التوراة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول: إذا خرج فلا تفرقوا عليه وانصروه، وقد كنت أطمع أن أدركه. ثم مات قبل خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقبلوا منه. ثم لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كفروا به، فضرب الله لهم هذا المثل”( ).
فالأمم الأخرى كانت تعلم ان أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير الأمم، وهي الأمة التي ترث الأنبياء وتحفظ كلمة التوحيد في الأرض.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في حديث قال: فيما ناجى موسى ربه فيما وهب الله لمحمد وأمته حيث قرأ التوراة وأصاب فيها نعت النبي وأمته قال: يا رب من هذا النبي الذي جعلته وأمته أولاً وآخراً؟ قال: هذا محمد النبي الأمي العربي الحرمي التهامي من ولد قاذر بن اسمعيل، جعلته أوّلاً في المحشر ، وجعلته آخراً ختمت به الرسل ، يا موسى ختمت بشريعته الشرائع ، وبكتابه الكتب، وبسنته السنن، وبدينه الأديان قال: يا رب إنك اصطفيتني وكلمتني؟ قال: يا موسى إنك صفيّ وهو حبيبي أبعثه يوم القيامة على كوم أجعل حوضه أعرض الحياض وأكثرهم وارداً وأكثرهم تبعاً قال: رب لقد كرمته وشرفته، قال: يا موسى حق لي أن أكرمه وأفضله وأفضل أمته، لأنهم يؤمنون بي وبرسلي كلهم وكلمتي كلها وبغيبي كله ما كان فيهم شاهداً يعني النبي صلى لله عليه وسلم ومن بعد موته إلى يوم القيامة، قال : يا رب هذا نعتهم؟ قال : نعم، قال : يا رب وهبت لهم الجمعة أو لأمتي؟ قال: بل لهم الجمعة دون أمتك، قال: يا رب إني نظرت في التوراة إلى نعت قوم غير محجلين فمن هم ، أمن بني إسرائيل هم أمن من غيرهم؟ قال: تلك أمة أحمد الغر المحجلون من آثار الوضوء، قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يمرون على الصراط كالبرق والريح)( ).
وقال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم موسى أبي جذيفة( )، ولكن هذه الآية أعم في موضوعها ومضامينها وصيغة الخطاب، والخروج للناس جميعاً.
وتدخل شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين في الخصائص التي يتصفون به للإطلاق في صيغة التفضيل وإرادة النشأتين منها وإمكان التفكيك في الآية من جهات:
الأولى : كنتم خير أمة.
الثانية : كنتم خير أمة أخرجت للناس.
الثالثة : كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف.
الرابعة : كنتم خير أمة تنهون عن المنكر.
الخامسة : كنتم خير أمة تؤمنون بالله.
وتقدير موضوع الشفاعة في الآية هو: كنتم خير أمة بشفاعة.
وعن عبد الواحد النصري: من ولد عبد الله بن بسر حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال مررت بجدك عبد الواحد بن عبد الله بن بسر وأنا غاز وهو أمير على حمص فقال لي يا أبا عمرو آلا أحدثك بحديث يسرك فوالله ربما كتمته الولاة قلت بلى قال حدثني أبي عبد الله بن بسر قال بينما نحن بفناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلوس إذ خرج علينا مشرق الوجه يتهلل فقمنا في وجهه فقلنا يا رسول الله سرك الله إنه ليسرنا ما نرى من إشراق وجهك وتطلقه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن جبريل أتاني آنفا فبشرني أن الله قد أعطاني الشفاعة فقلنا يا رسول الله أفي بني هاشم خاصة قال لا قال فقلنا أفي قريش عامة قال لا فقلنا في أمتك فقال هي في أمتي للمذنبين المثقلين ( ).

قانون (خير أمة)
الدنيا دار امتحان وبلاء،وتتعدد فيها اسباب الهداية والغواية، والناس فيها على مراتب متباينة في انماط وصيغ ونوع العمل، وترى كل فريق او جماعة يتسابقون في المضمار الذي إختاروه لانفسهم، وهم على أقسام ثلاثة:
الاول: من يجعل موضوعية للشريعة في عمله وإختياره.
الثاني: الذي تشغله الدنيا، وزينتها عن وظائفه.
الثالث: من يخلط بين العمل الصالح والتقيد بأحكام الحلال والحرام، وبين اللهث وراء الدنيا ومباهجها.
وجاءت هذه الآية لتخبر في مفهومها عن أمور:
الاول: وجود أمة تعمل بمرضاة الله، وتمتثل لأوامره، وتتقيد بأحكام الحلال والحرام، ومن الآيات ان جاءت الآية بلفظ امة الذي يفيد الكثرة في أفرادها، في كل زمان.
الثاني: تعيين الأمة ذات الأفضلية على الأمم الأخرى.
الثالث: إستدامة تفضيل المسلمين على غيرهم، اذ تخبر الآية عن بلوغ المسلمين مراتب الشأن والرفعة والأهلية لنيل مقامات الترجيح والتفضيل على الأمم الأخرى.
واستدامة التفضيل نعمة ورحمة، وهي حاجة على وجوه:
الاول: حاجة للمسلمين للارتقاء في مراتب الكمالات، ونيل درجات الأجر والثواب.
الثاني: حاجة لأهل الكتاب للإقتداء بالمسلمين وتعاهد التنزيل.
الثالث: الناس جميعاً محتاجون لتفضيل أمة من بينهم.
والصحيح هو الأخير، فالتفضيل بين الأمم بلحاظ الايمان والتقوى حاجة للناس كافة الذين تتباين مناهجهم ومشاربهم، ليكون دعوة لهم للهداية، ومن الآيات عدم مجئ التفضيل على نحو اجمالي، بل ورد تعيين الأمة التي هي خير الأمم، مع بيان أسباب تفضيلها والتي تتعلق بالاعتقاد وعالم الافعال، والحرص النابع عن الإعتصام بحبل الله، وكأن الجمع بين الآيات يفيد:
الاول: الإعتصام بالقرآن والسنة وسيلة مباركة لنيل مرتبة الأفضلية بين الأمم.
الثاني: إجتناب الفرقة سبب من أسباب التفضيل.
الثالث: دخول الإسلام عنوان الإكرام والتفضيل على الناس، فمن شاء ان يترك المنزل المرجوح، ويرتقي الى المنزل الراجح فعليه بالمبادرة الى دخول الاسلام ليكون فرداً من الأمة التي جاءت هذه الآية بالثناء عليها، فان قلت: ظاهر الآية يفيد عدم كفاية الإنتماء للإسلام، فلابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأمر لاحق لدخول الاسلام، والجواب نعم، من وجوه:
الاول: يوجب النطق بالشهادتين على الإنسان أداء الفرائض، والتقيد بأحكام الاسلام.
الثاني: دخول الإسلام وحده آية في العمل الشخصي تتجلى فيها مضامين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث: بدخول الاسلام يكون العبد جزء وفرداً من الأمة التي جاءت هذه الآية بوصفها خير أمة، ولايعني هذا الاكتفاء بعمل الغير، بل لابد من الإمتثال لاحكام الشريعة على نحو دفعي وليس تدريجياًً فلو أسلم شخص قبل الزوال او بعد الظهر وجب عليه أداء فريضة الظهر والعصر لذات اليوم، ولو أسلم قبل طلوع الفجر في يوم من ايام شهر رمضان يجب عليه صوم أيام رمضان التي تليه ان لم يكن مريضاً او على سفر، ولا يجب عليه صوم ما قبله.
وصحيح ان الآية جاءت بمدح الأمة الإسلامية على نحو العموم الاستغراقي، الا انها تتضمن المعنى الإنحلالي، وتوجه المدح الى كل مسلم ومسلمة من خلال مايترشح عليهم من الإنتماء للاسلام، وما يؤدونه في حفظ مبادئه.
ولقانون (خير أمة) موضوعية في حياة الناس جميعاً أمماً وجماعات وافراداً، وتلك آية في تنمية ملكة الصلاح عند الناس على مختلف إنتماءاتهم، فتأتي الآية بالإخبار عن نيل أمة واحدة هذه المرتبة لتكون المنافع متعددة من وجوه:
الاول: إجتهاد المسلمين في تعاهد مرتبة (خير أمة) الذي يتجلى بالإمتثال لأحكام الشريعة.
الثاني: سعي الأمم الأخرى لمحاكاة المسلمين والإقتباس منهم، ولو على نحو الموجبة الجزئية.
الثالث: معرفة الأمم لوجوه وأسباب التفضيل والترجيح، ومن الآيات انها تعيينية لا تقبل الترديد والتعدد، تتقوم بتقوى الله واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإتيان بالفرائض والعبادات، وهذا التعيين تخفيف عن الناس كافة والمسلمين خاصة، ودعوة للناس جميعاً على إختلاف مداركهم لدخول الاسلام.
ومن الآيات في خلق الإنسان انه يميل الى ان ينال مرتبة الأفضل والأحسن، ويفوز بالمراتب العالية، وتتعلق هذه الأفضلية في القضايا الشخصية، وما يخص المهنة والصفة والقرية والبلدة والوطن، وتكون مؤقتة وجهتية.
فجاءت هذه الآية لتخبر عن تفضيل دائم متصل، لاينحصر بافراد بل يشمل أمة بكاملها، ومن خصائص هذا التفضيل امكان دخول الانسان فيها وان بعدت بلدته، وإختلف لسانه ولونه وكان غنياً او فقيراً، فمن نعم الله على كل انسان إمكان إنتمائه للأمة التي أنعم الله عليها بالتفضيل بنطقها الشهادتين مجتمعة ومتفرقة.
قانون التمايز بين الأمم
لقد سخر الله عز وجل ما في الأرض لبني آدم وجعلهم يسيحون فيها، ويتخذون مدناً وقرى متقاربة ومتباعدة وينتشرون في ربوعها، لتتكون منهم امم متعددة بلحاظ كل من:
الاول: الإنتماء العقائدي.
الثاني: الولاء للقبيلة والعشيرة.
الثالث: الإنتساب للشعب والوطن والبلدة.
والأصل هو الأول أي الإنتماء العقائدي، ومن الآيات ان الإنتماءات الأخرى لا تتعارض معه، وان ظهر تقديم وترجيح لبعضها كالإنتماء للقبيلة فانه موقت، ويتعلق بأحداث شخصية، ولاينفي الأثر والموضوعية للإنتماء العقائدي، وهذا الإنتماء سبب لدرء ومنع تأجيج الفتن والإختلاف الناتج عن الإنتماء للقبيلة والشعب والوطن، بلحاظ نوع الإنتماء العقائدي.
وينفرد الإنتماء للاسلام من بين الملل والمذاهب بانه سبب لدرء الفتن بين المسلمين، للنعم الإلهية التي تتغشى المسلمين، ومنها نعمة الأخوة بقوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] لتكون هذه النعمة عنواناً للتمييز بين الأمم، ووسيلة لتفضيل المسلمين، وتمييزهم عن سواهم من الأمم والملل وأهل النحل، وتتجلى العناية واللطف الإلهي بالمسلمين في ارتقائهم وافضليتهم على الأمم الأخرى.
اذ يعتبر قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] شهادة سماوية قاطعة بتفضيلهم وما تتصف به الشهادة القرآنية هو صدقها وثبوتها وإنتفاء المعارض لها، بالإضافة الى كونها بينة وحجة دائمة قائمة بذاتها، وهي وحدها عنوان للتفضيل، فمن يشهد له القرآن بخير وصلاح يفوز بالكرامة وينال البشارة والغبطة.
جاءت هذه الشهادة على وجوه منها:
الاول: الشهادة الشخصية كما في ثناء القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقيامه بتبليغ الرسالة، كاملة وجهاده في سبيل الله.
الثاني: الشهادة القرآنية للأنبياء على نحو العموم المجموعي، وأدائهم لوظائف النبوة.
الثالث: الشهادة للمجاهدين الذين يقاتلون في سبيل الله.
الرابع: الثناء على الذين صدًقوا الأنبياء، واتبعوهم في دعوتهم الى الله تعالى.
الخامس: مدح المسلمين الذين آمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واخلصوا العبادة لله تعالى، وهو الذي جاءت به هذه الآية، ومن الاعجاز فيها ان الله عز وجل لم ينتظر مدح الناس والأمم للمسلمين والثناء عليهم لاختيارهم الاسلام، او مدح المسلمين لانفسهم، بل تفضل الله تعالى ومدحهم بنفسه.
ومن الآيات مجئ هذا المدح بعنوان التفضيل والإكرام، بما يمنع من ادعاء أمة اخرى انها نالت مدحاً مثله، لقد جاءت هذه الآية بقانون التفضيل وجعلته خاصاً بالمسلمين دون غيرهم من الأمم الى يوم القيامة، وفيه دعوة للناس جميعاً لمعرفة مراتب الأمم والشعوب بلحاظ الافعال الكريمة التي ذكرتها هذه الآية الكريمة، وخصت بها المسلمين.
وعلة تفضيل المسلمين الإنتماء العقائدي والتقيد بأحكام الشريعة الاسلامية وما فيها من حفظ كلمة التوحيد في الأرض، والتصدي لاسباب الكفر والضلالة، ولا تستطيع امة ان تلحق بالمسلمين في مراتب التفضيل الى يوم القيامة، لانه يتقوم بشرائط مخصوصة محصورة عند المسلمين، نعم بامكان الناس دخول الإسلام جماعات وافراداً، ونيلهم مرتبة الفضل والتفضيل اذ انها متحدة النوع متسعة الأفراد، فاما النوع فأحكام الإسلام واحدة، وحلال محمد حلال، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة، ولا يمكن تفضيل غير المسلمين، واما اتساع الأفراد فبامكان كل انسان ان ينتمي للاسلام وينال التفضيل، من غير تعارض مع انتمائه القبلي والبلدي والوطني، ولا يؤثر سلباً انتماؤه السابق لملل الكفر والجحود، لان الاسلام يجّب ما قبله.
قانون “الأمة”
الأمة هي الطائفة التي تجتمع على أمر مخصوص، وتلتقي بنعت متحد، وقد تطلق على الفرد الواحد اذا كان ينفرد بصفات خاصة ذات شأن واعتبار، وتعرف ارادة الإتحاد بالقرينة الصارفة عن الجماعة،على نحو الخصوص وبلحاظ العمل الشخصي أو الشأن والأثر ذي الأهمية النوعية.
وقد وصفت الآية المسلمين بانهم خير الأمم، وفيه شاهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ابراهيم عليه السلام وعلى الأنبياء، وتحتمل لغة الخطاب في الآية امرين:
الاول: دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الخطاب.
الثاني: ارادة المسلمين الذين اتبعوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.
والصحيح هو الاول فالخطاب شامل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو افضل افراد الأمة الإسلامية وان كان هناك تباين بينه وبين المسلمين جميعاً بلحاظ كونه هو الرسول والإمام المتبوع، وهم الأتباع، وتتعدد الأمم وقد تنشطر الأمة الى امم متعددة، قال تعالى [وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ]( ).
ومن تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم اتحادهم على نحو الإستدامة وإتصافهم بكونهم امة واحدة، تتحلى بالصلاح، واراد الله عز وجل باتحادهم تعاهد الايمان، ومحاربة الكفر والفسوق وان يكون التباين بين المسلمين وبين غيرهم من الأمم في باب الإتحاد والانقسام فالمسلمون امة متحدة كما تؤكده هذه الآية، لاتصال الخطاب القرآني في توجهه نحو المسلمين عموماً في كل زمان، فهي من الكلي الطبيعي الذي ينبسط على كل فرد ينطق بالشهادتين ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، لذا ترى كل مسلم يفتخر بانه جزء من الأمة التي اكرمها الله عز وجل بالتفضيل والتشريف، ومن الآيات الإعجازية ان الآية القرآنية لم تخبر عن أفضلية المسلمين وحدها.
بل جاءت بوصفهم بصفة كريمة زائدة وهي إخراجهم للناس، لتكون امة متحدة في مقابل عامة الناس وأهل الملل الذين ينتمون الى أمم متفرقة.
واذ ذم الله قوماً لقيامهم باقتفاء آثار ابائهم واتباعهم من غير تفقه وادراك لوظائفهم العبادية، وفي التنزيل [إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ] ( )، فان الله عز وجل اثنى في هذه الآية على كل جيل من المسلمين والمسلمات لانهم يقومون بوظائفهم عن ايمان وهداية ورشاد، وهو من اعجاز آيات القرآن وبقائها غضة طرية في كل زمان، وتوجه الخطابات التكليفية فيها الى الأبناء من المسلمين مثلما تتوجه الى الآباء.
وعموم الخطاب القرآني والثناء على المسلمين الأحياء منهم والأموات من اسرار بقاء احكام الإسلام خالية من التحريف والتغيير، فكل جيل وطبقة من المسلمين تنهض بمسؤولياتها العقائدية والشرعية، ويحتمل لفظ الأمة الواردفي الآية وجوهاً:
الاول: كل جيل من أجيال المسلمين أمة بذاتها.
الثاني: المسلمون جميعاً امة واحدة، وان تباينت اجيالهم في تعاقبها.
الثالث: كل مذهب من مذاهب المسلمين الفقهية أمة مستقلة بذاتها.
الرابع: يكون التقسيم بلحاظ الانتماء الغالب على الأفعال، سواء كان الانتماء للوطن او القبيلة او غيرها.
والصحيح هو الثاني، فالمسلمون جميعاً أمة واحدة منذ بداية البعثة النبوية والى يوم القيامة، وتتغشاهم صفة (خير أمة) في كل زمان ومكان، ليطل هذا العنوان على الناس جميعاً يدعوهم للإيمان، ومعرفة أحوال المسلمين والأسباب التي جعلتهم يرتقون الى هذه المنزلة العظيمة، وكيفية نيلها وبلوغها الذي ينحصر بالايمان، وفيه شاهد على عدم تأثير وتسبيب المذاهب الكلامية والفقهية الفرقة بين المسلمين، وهو بشارة زوال أثر تلك المذاهب في الصلات اليومية للمسلمين،ومضامين الوحدة بينهم، كما في حصول زوال أثر تعدد المذاهب الكلامية، وتحتمل لغة الاكرام في الآية وجهين:
الاول: إنضمام الحسن والكمال في اعمال المسلمين من الأجيال السابقة الى أعمال الأجيال اللاحقة.
الثاني: إستقلال عمل كل جيل من المسلمين.
والصحيح هو الأول، فينال المسلم صفة خير أمة من وجوه:
الاول: ما يقوم بفعله من الصالحات.
الثاني: الخطاب العام في هذه الآية.
الثالث: الإنتماء للإسلام.
الرابع: مناقب المسلمين الأوائل وتصديقهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتوارثهم سنن الشريعة وأحكام الحلال والحرام، وتعاهدهم لآيات القرآن تلاوة ورسماً وحفظاً وعملاً.
قانون اتحاد الأمة
لقد انعم الله عز وجل على الناس بنعمة النبوة، وجعل الأنبياء قادة الى الهدى ومما ينفرد به الأنبياء عن غيرهم من المصلحين والسلاطين والقادة عموماً، ان قيادتهم للناس دائمة غير منقطعة، وينحصر موضوعها بالصلاح. وقد فاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنصيب الأوفر منها، كما ان نبوته سبب لتثبيت قيادة انبياء كثيرين، وهو من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين والشواهد على أن المسلمين خير أمة.
ومن الآيات في تأريخ الأنبياء انقطاعهم الى الله بالدعاء الى جانب جهادهم في سبيله سبحانه، فلم يتخلوا عن الدعاء طرفة عين ولاينحصر دعاؤهم باشخاصهم الطاهرة، ولا اصحابهم، بل يشمل الأجيال اللاحقة من اجل تثبيت كلمة التوحيد.
ومن الآيات ان يأتي دعاء ابراهيم واسماعيل عند أشرف بقعة في الأرض في السؤال لذريتهما بتعاهد الإسلام، والبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي التنزيل [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ] ( ).
وجاء وصف الأمة في الآية محل البحث شاملاً للمسلمين جميعاً ليتغشاهم التفضيل بالثبات على التوحيد وسنن الإيمان، والتنزه عن الشرك والضلالة وتحريف الكتاب، وقد ذكر الله امماً من الأرض اصابهم التقسيم ولو على نحو الانتماء الى السبط والقبيلة، وفي بني اسرائيل قال تعالى [وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا]( )، ولم ينته الأمر عند هذا التقسيم بل تفرعت عنه القسمة والإنفصال في الرزق، كما في عدد عيون الماء الذي كان يخرج من الحجر بآية من عند الله بضرب موسى له، وفي الخصومات كما في قصة ذبح البقرة بأمر الله لمعرفة الشخص الذي قام بقتل شخص من بني إسرائيل.
وجاءت هذه الآية لتمدح المسلمين باعتبارهم امة واحدة، فمع تعدد القبائل والشعوب التي إنتمت للإسلام، فانها تنضم الى أمة الاسلام لتطرد رداء الفرقة والولاء لغيره، ويكون المسلمون بعرض واحد من حيث التفضيل والتشريف الذي ينبسط على الحر والعبد، والعربي والأعجمي، والأبيض والأسود، والغني والفقير، والرجل والمرأة، وتلك حقيقة ثابتة يدركها كل مسلم،وتتجلى بهذه الآية، وقوله تعالى فيها[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ].
فكل مسلم يناله نصيبه من الثواب في هذه الآية من غير ان ينتقص من نصيب غيره شئ، في آية ودلالة على عظيم فضل الله تعالى على المسلمين كافة.
وجاءت هذه الآية لتثبيت وحدة المسلمين من وجوه:
الاول: نعت المسلمين بانهم أمة واحدة، ومن خصائص هذا النعت السماوي المنع من الفرقة والتشتت، وهو واقية دون الإنقسام الى أمم متعددة.
الثاني: ذكرت الآية صفات هذه الأمة التي تساعد على بقاء المسلمين متحدين الى يوم القيامة، فكل صفة منها لا تقبل التعدد، فالايمان بالله امر بسيط تترتب عليه افعال عبادية وأحكام شرعية متعددة.
الثالث: الثناء على المسلمين على نحو العموم الإستغراقي وسيلة مباركة لحثهم على تعاهد الوحدة بينهم.
الرابع: تدعو الآية المسلمين للنهوض بمسؤولياتهم العقائدية بين الأمم، والمحافظة على الأفضلية بالعمل الصالح.
وجاءت هذه الآية عوناً من عند الله لتعاهد المسلمين اسباب الوحدة فيما بينهم، وإخباراً عن المدد الالهي في جعلهم أفضل الأمم وإنحصار هذه الصفة بهم الى يوم القيامة بلطف من عند الله، وهي برزخ دون الإنقسام والتشتت اذ يحرص كل مسلم على البقاء ضمن الجماعة والأمة، وعدم الخروج عنها في القول والعمل.
قانون مصداق الآية
تعتبر هذه الآية نعمة على المسلمين، وفضلاً من عند الله على الأجيال المتعاقبة منهم، لقد اراد الله عز وجل بهذه النعمة إكرام المسلمين من بين أهل الأرض.
وتترشح عن هذا الإكرام منافع عظيمة على الناس جميعاً، فليس من أمة او أفراد الا وينتفعون من تفضيل المسلمين، وتدل الآية على إستمرار هذا التفضيل، وهو من مصاديق الإرادة التكوينية، لذا ورد قوله تعالى[أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] على البناء للمجهول أي ان الله عز وجل هو الذي اخرجها للناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنزال القرآن وتكامل الشريعة الإسلامية، وإعانة المسلمين بمضامين اللطف والرأفة على الامتثال المتصل والدائم للأوامر الإلهية وسنن النبوة، وتدل الآية الكريمة على إستدامة امور:
الاول: وجود الأمة الإسلامية في كل زمان الى يوم القيامة فلابد من وجود المصداق الخارجي للآية الكريمة، وتلك آية من آيات الخلق والتكوين وسر من اسرار القرآن الكريم، وشاهد على إعجازه، وتوكيد بانه لطف محض بالمسلمين خاصة والناس جميعاًُ.
الثاني: تفضيل المسلمين على غيرهم، ففي كل زمان هم خير الأمم واحسنها في العمل والصلاح، وهو من معاني مجئ الآية بصيغة الماضي (كنتم) الذي يفيد الدوام والإستدامة.
الثالث: دوام الأخوة بينهم لتكون هذه الأخوة مقدمة ومادة لبقاء المسلمين امة متحدة، لذا جاءت الأخوة نعمة ورحمة من عند الله، وليس اختياراً محضاً من عند المسلمين، قال تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا].
الرابع: تجلي معاني الحسن، ودلائل التفضيل في اعمال المسلمين، فكل امة وفرقة وجماعة، تعلم ان المسلمين اهل لنيل درجة التفضيل.
الخامس: حضور السنة النبوية في أعمال المسلمين، وكل جيل يتلاقفها بشوق وحرص من الجيل السابق، وعلى نحو الوراثة العلمية والتركة العملية.
السادس: إستمرار تلاوة آيات القرآن من قبل المسلمين، ففي كل يوم تسمع في امصارهم وبواديهم ومساجدهم ومنتدياتهم تلاوة آيات القرآن اثناء اداء الصلاة وفي حلقات الدرس والتعليم، والقراءة النافلة.
والتلاوة وحدها موضوع للتفضيل لا تستطيع أي أمة بلوغ مراتب المسلمين في بابها موضوعاً وحكماً، كما ان آثارها مادة للتفضيل في العبادات والمعاملات والأخلاق وتهذيب النفوس، اذ ان مصاديق الأحكام الشرعية الواردة في القرآن تتجلى في اعمال المسلمين في الأسواق والبيوت والمعاملات والصلات الدولية، لتكون إخباراً عملياً متصلاً على افضليتهم على الأمم الأخرى، وشاهداً على بقاء احكام القرآن غضة طرياً.
فليس من فاصلة زمانية بين نزول القرآن وبين أي جيل من اجيال المسلمين من جهة العمل بمضامين القرآن، والتقيد النوعي العام باحكامه، لقد اراد الله عز وجل لسيرة المسلمين ان تكون مصداقاً لأحكام هذه الآية في تفضيلهم، وفي تعاهدهم لمضامينها القدسية وما تتضمنه من أوامر وان جاءت بصيغة الخبر، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكـــر، والعمل باحكــامها على نحو العمــوم الإســتغراقي الشامل لأفـــراد الأمة المتحــدة، ومن وجوه تفضـيل المســلمين ان جعلهــم الله عز وجل شهداء على الناس، قال تعالى [جعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ]( ).
ومن خصائص المسلمين نيلهم مرتبة الأمة الوسط والعدل ، وفيه دلالة على عظيم منزلة المسلمين بين الامم، والمنافع العظيمة لوجودهم بين الناس، ووسط الطريق خير من أطرافه واسلم عاقبة.
وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي عن علي عليه السلام : إن الله تعالى إيانا عنى بقوله ( لتكونوا شهداء على الناس ) فرسول الله شاهد علينا ، ونحن شهداء الله على خلقه ، وحجته في أرضه ، ونحن الذين قال الله تعالى : ( كذلك جعلناكم أمة وسطا ) ( ) .
قانون بقاء الأمة
جاءت الآية بإخبار سماوي يتضمن البشارة والأمل ودوام النعمة، وتلك آية اعجازية، وبرهان من البراهين والحجج القاطعة التي تؤكد نزول القرآن من عند الله، فتفضيل المسلمين بشارة عظيمة لم تتلقها امة من الامم السابقة من اهل الايمان.
وتبعث الآية الأمل في نفوس المسلمين لنيل الثواب العظيم في الآخرة وتدعوهم للسياحة في عالم الجنان وما فيها من المقام الكريم، واما دوام النعمة فهو ظاهر من الآية الكريمة وما فيها من وجوه تفضيل واكرام المسلمين.
لقد جاءت الآية بالإخبار عن تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم، ويحتمل هذا التفضيل بلحاظ زمانه واتصال وإتحاد مصاديقه وجوهاً:
الاول: استمرار واستدامة التفضيل، ومصاحبته المسلمين في كل زمان ومكان، فكل جيل من المسلمين هو افضل ممن يعاصره من الأمم الأخرى.
الثاني: انحصار التفضيل بأيام التنزيل وتصديق الصحابة واهل البيت بالنبوة والرسالة، وجهادهم طاعة لله ورسوله لتثبيت دعائم الدين، وجذب الناس للإسلام.
الثالث: ترشح التفضيل على المسلمين بتفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، والتقدير: كنتم خير أمة لأن نبيكم خير الأنبياء.
الرابع: انقطاع التفضيل في حقبة مخصوصة من ايام المسلمين السابقة او اللاحقة بلحاظ نوع الحكم، او تعدد المذاهب الفقهية والكلامية، او حصول بعض الفتن بينهم.
والصحيح هو الاول، فالتفضيل مصاحب للمسلمين في جميع اجيالهم، ويتغشاهم بالذات، وليس بالعرض والترشح من المسلمين الاوائل، نعم يترشح التفضيل من النبوة واتباع سننها ومن سيرة الصحابة والمسلمين الأوائل ومبادرتهم للتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمر إضافي، وعون للمسلمين في أجيالهم اللاحقة لتعاهد التفضيل، واجتناب التفريط ببعض منازله.
وتطل هذه الآية على كل مسلم حين بلوغه بل وقبله، لتبلغه بان الله عز وجل إختاره ليكون من الأمة الأحسن والأفضل، كما انها تدعو كل انسان للسعي لنيل هذه المرتبة بالإيمان.
فالخطاب وان جاء فيها موجهاً الى المسلمين الا انه يشمل الناس جميعاً مع التباين في القصد والدلالة، ومن الآيات ان بقاء الأمة الأحسن والأفضل يتم بعناية ولطف من عند الله.
لذا ورد ذكرها بلغة (أخرجت للناس) مما يملي على المسلمين الإقرار بفضل الله تعالى، وأداء الشكر له سبحانه على هذه النعمة بتعاهدها والمحافظة عليها، ومن الآيات ان يأتي الشكر على هذه النعم بنعم اضافية في ذات الموضوع، اذ ان تعاهد نعمة التفضيل وسيلة لجذب الناس الى الإسلام، وترغيب لهم بالإنضمام الى الأمة التي فضلها الله تعالى على الأمم الاخرى.
ومضامين الإنتماء للإسلام عامة ومطلقة، وتشمل تعاهد نعمة التفضيل بالحرص على إتيان الفرائض والواجبات، وإجتناب النواهي والسيئات.
ان بقاء الأمة الأفضل والأحسن على مرً الزمان رحمة بالناس جميعاً، وآية تشهد على الفيض الإلهي على الناس، ووجود آثار رأفته ولطفه بهم، ودعوة يومية متجددة للإيمان، لذا جعل الله عز وجل الصلاة هوية يومية متجددة للمسلمين.
قانون ثواب الأمة العاجل
جعل الله عز وجل الآخرة دار ثواب وجزاء، وانعم على الانسان بإطالة الفرصة للعمل في الحياة الدنيا بطول العمر، ورزقه العقل، وبعث له الأنبياء مبشرين ومنذرين، وكان التنزيل نواة للايمان يجتمع حوله المسلمون ليكونوا الامة الأفضل والأحسن، ويصبح كل مسلم جزء من الأمة الأحسن، وداعية الى الله عز وجل، يحث الناس بالقول والعمل على الفوز بنيل مرتبة الأحسن والأتم، والفوز بالنعيم الدائم بالتقيد بسنن واحكام الشريعة لأن الحسن يترشح على المسلمين من الإيمان بالله واداء الفرائض والعبادات، وهو الذي تضمنته هذه الآية.
فمن الآيات أن الآية لم تذكر التفضيل الا مع بيان الافعال التي اهلًت المسلمين لبلوغ هذه المرتبة، خصوصاً وانها لا تختص بالابتداء بل تشمل الإستدامة، ودوام النعمة والصلاح لتلقيها والمحافظة عليها.
ومن وجوه الفضل الإلهي مجيء مقدمات الجزاء والثواب مصاحبة للنعمة والشكر عليها، وقد تكون ذات النعمة ثواباً عاجلاً، وأمارة على الثواب الأخروي، فقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] نعمة وثواب، ويأتي الثواب على شكر المسلمين لله تعالى على نعمة الهداية، وتقيدهم باحكام الحلال والحرام، فيكون الثواب العاجل من الشكر الإلهي للمسلمين على تلقيهم التنزيل بالتصديق، والأحكام الشرعية بالإمتثال ويأتي بصيغ متعددة منها:
الاول: الإخبار الإلهي عن فوز المسلمين بنعمة التفضيل بالنص والبيان.
الثاني: بيان مادة التفضيل، التي تتقوم بالايمان بالله عز وجل، والنبوة والتنزيل، واتيان الفرائض وإجتناب المحرمات.
الثالث: الشهادة السماوية للمسلمين بقيامهم بالوظائف العبادية التي تؤهلهم لنيل صفة ودرجة افضل أمة.
جاءت هذه الآية لتؤكد وجود أمة تعمر الأرض بالعبادة والتقوى ويمتنع افرادها عن الفواحش والمحرمات وسفك الدماء، فمن منافع الآية في المقام امور:
الاول: انها رد عملي على سؤال الملائكة يوم خلق الله آدم، وفيه آية من عند الله للملائكة أن يكون الجواب على سؤالهم مستمراً ما دامت السماوات والأرض، ومن عند آدم وذريته جيلاً بعد جيل، رجالاً ونساءً.
الثاني: تتضمن الآية الرد المستديم بالصلاح، وعدم مغادرة التقوى الأرض.
الثالث: الآية مصداق الرد الإلهي على الملائكة [قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، فمن علم الله تعالى أهلية الإنسان لخلافة الأرض، وتتجلى هذه الأهلية بالمسلمين امة وجماعات وافراداً.
الرابع: بقاء الباب مفتوحاً للناس جميعاً لدخول الاسلام فيأتي الثواب العاجل لاهل الايمان والصلاح ليكون دعوة متصلة لإنتفاع الناس جميعاً منها، وتلك آية من آيات الثواب الإلهي العاجل اذ انه لطف وخير محض لا تنحصر منافعه بالمسلمين بل تترشح منه البركة على الأمم والشعوب الأخرى، ويكون تذكيراً بالوظائف العبادية للمكلفين، ودعوة للإستعداد للآخرة، وتلمس طرق نيل النعيم الدائم فيها.
لقد اراد الله عز وجل للمسلمين العز والرفعة في الدنيا، وهو من الثواب العاجل على التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآية في العالمين، وشاهد يومي على حاجة الناس لرحمة الله تعالى وتوكيد لحقيقة تعاهد الله تعالى للخلق.
قانون وحدة السياق
من اعجاز القرآن ان تأتي الآيات المتعاقبات لتتضمن موضوعاً متحداً مع مواضيع أخرى تكون كالفرائد والجواهر المتناثرة في ثنايا التنزيل المبارك، وتتجلى مضامين وحدة السياق في آيات وسور القرآن من جهة الخطاب او الموضوع او الحكم والدلالة لتكون مدرسة في العلوم القرآنية، ومبادئ التشريع، واحكام الحلال والحرام، ومضامين قانون وحدة السياق شاهد على نزول القرآن من عند الله، فمع كثرة الآيات وتباينها في الموضوع وعدد الكلمات فانها تتداخل في المعنى، وتظهر الملازمة بينها، وكأن كل آية منه تشير الى الأخرى وما تربطها من الصلة الموضوعية معها.
وجاءت هذه الآيات بالتوالي لحث المسلمين على التقيد باحكام الشريعة الإسلامية من وجوه:
الاول: جاءت الآية المائة من هذه السورة بخطاب المسلمين بلغة الاكرام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] مع تحذيرهم من طاعة الذين يريدون الإضرار بهم وبالإسلام، قال تعالى [إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ] ( )، ومن خصائص خير أمة ان لا تطيع غيرها من الأمم.
الثاني: تذكير المسلمين بتلاوة آيات الله عليهم باعتبارها واقية من الكفر والجحود، وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم حاضر بينهم بشخصه ايام حياته الشريفة، وبسنته القولية والفعلية والتدوينية بعد إنتقاله الى الرفيق الاعلى، وهذا الحضور حرز من الإنسياق وراء الإغواء واسباب الضلالة.
ومن الإعجاز ان تأتي آية التلاوة بصيغة البناء للمجهول [وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ] ( )، في دلالة على استمرار واتصال التلاوة، وبلوغها للمسلمين وان تعاقبت الأجيال، وتعددت الأمصار، وتباعدت البلدان بلحاظ دوام الخطاب القرآني وشمول الأجيال المتعاقبة بمضامينه، ويمكن الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث بان تلاوة الآيات والانصات لها من المزايا التي تنفرد بها خير أمة، وهي وسيلة مباركة لتعاهد هذه الصفة والمنزلة، والتقدير: أنتم خير أمة لأنكم تتلون آيات الله.
الثالث: تجدد خطاب الاكرام القرآني للمسلمين، وما فيه من الحث على التقيد بأحكام وسنن الإيمان، الى جانب التوكيد على الخشية من الله في السر والعلانية، والحرص على طاعته والثبات على الايمان الى حلول الأجل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ).
الرابع: الأمر الإلهي بالتمسك بالقرآن والسنة [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ] ومن الآيات ان هذا الأمر لم يأت مستقلاً بذاته بل جاء النهي عن الفرقة متعقباً له، وملازماً له في إشارة الى عدم جواز التفكيك بين الأمر والنهي، الأمر بالتمسك بحبل الله، والنهي عن الفرقة والتشتت، مع تقييد الإمتثال بالعموم الإستغراقي ليكون الاعتصام بحبل الله مصداقاً من مصاديق التقوى، وحرزاً من اهل الشك والريب.
والفرقة باب ينفذ منه اعداء الاسلام، واول مايقدم عليه العدو محاولة تفريق وتشتت خصمه لتسهل الغلبة عليه، فجاء القرآن بالدعوة الى تعاهد الوحدة والاتحاد، لتكون الوحدة واقية من محاولات اعداء الإسلام التفريق بين المسلمين بأسباب لا أصل لها، وتبعث هذه الواقية الفزع في قلوب الكافرين مما يجعل المسلمين مستمرين في تقوى الله والاعتصام بحبله.
ومن الضرورات التي تتقيد بها خير أمة الاعتصام بحبل الله وحسن التوكل عليه، واجتناب الفرقة والاختلاف، كما ان نعت المسلمين بانهم خير أمة شاهد على امتثالهم للأمر الإلهي بالاعتصام بالقرآن والسنة، فجاء المدح والثناء للمسلمين كشهادة سماوية على حسن سمتهم وإمتثالهم للأوامر الإلهية.
الخامس: مجئ الأمر الإلهي بالتبعيض وقيام أمة من المسلمين بالوظائف العبادية التي تؤهل المسلمين مطلقاً لنيل مراتب التفضيل، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] ( ).
ومن الآيات ورود لفظ (الأمة) في الآية أعلاه بإرادة شطر من المسلمين بخطاب التكليف، وورودها في هذه الآية لافادة العموم في التفضيل، فمن يقوم بوظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امة وفرقة وجماعة وافراد من المسلمين على نحو الوجوب الكفائي، اما التفضيل فهو نعمة من عند الله تكون عامة وشاملة للمسلمين جميعاً مع التقائهم جميعاً بالوظائف العبادية العينية كالصلاة والصوم ومناسك الحج.
وجاءت الآيتان في سياق واحد لبيان الفضل الإلهي على المسلمين واخبارهم والناس جميعاً بان قيام نفر من المسلمين بالعمل الصالح والاصلاح يعود بالنفع الدنيوي والأخروي على جميع المسلمين، واختتمت الآية اعلاه بقوله تعالى [وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ومن الفلاح ان المسلمين هم خير الأمم في تأريخ الإنسانية بقيامهم بالوظائف العبادية، وتوارثهم الإيمان، وتعاهدهم التنزيل.
السادس: جاءت هذه الآيات بتحذير المسلمين على نحو الخصوص من الفرقة والإختلاف، قال تعالى [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ] ( )، وفيه حث للمسلمين لتعاهد نعمة تفضيلهم، وهو شاهد واقعي بان المسلمين يمتازون عن غيرهم من الأمم بالإتحاد والأخوة بالاضافة الى ماتتضمنه الآية محل البحث من البشارة بعدم حصول الفرقة بين المسلمين.
ويتضمن قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] الإخبار عن أن المسلمين أمة واحدة غير منقسمة الى فرق وطوائف، وان حصلت الفرقة فهي مؤقتة وعرض زائل، وهذه الآيات تطاردها وتلاحق أصحابها وتبعث النفرة منهم في نفوس المسلمين.
السابع: قال تعالى [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ]( )، ولم تذكر الآية على نحو التعيين افراد كل فريق، وجاءت الآية محل البحث لتخبر عن حقيقة وهي ان المسلمين هم الذين تبيض وجوههم لانهم خير أمة، فلابد ان يكونوا من الذين تبيض وجوههم يوم القيامة للأولوية القطعية باعتبارهم افضل واحسن الأمم بالشهادة السماوية، بالإضافة الى تجلي الحسن في افعالهم واعمالهم في البر والصلاح.
واذ اثنت هذه الآية على المسلمين واخبرت عن تفضيلهم، فان آيات أخرى مجاورة لها جاءت بذكر منزلتهم في الآخرة، قال تعالى [وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( )، وفيه إخبار عن الثواب العظيم الذي ينتظر [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ودعوة للمسلمين جميعاً للمواظبة على العبادات والصلاح والتقوى، لتبعث وحدة سياق الآيات البشارة والسكينة في قلوب المسلمين، وتجعلهم يبذلون الوسع في مرضاة الله، ويحرصون على القيام بالوظائف العبادية.
الثامن: أخبرت هذه الآيات بتلاوة الدلالات والبينات [تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ] فجاء الإخبار عن تفضيل المسلمين آية من عند الله، ورحمة بالناس تفضل سبحانه بتلاوتها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون ضياء ينير للمسلمين دروب العبادة، وعصمة من الزلل والخطأ.
التاسع: قال تعالى في الآية السابقة [وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ] فالناس من ملك الله، وكما انعم الله على الناس بالنبوة، والكتب السماوية المنزلة، فانه انعم على المسلمين ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعلهم خير الأمم، ليكون هذا الجعل وسيلة لتثبيت الايمان في الأرض.
ومن الآيات في الخلق ان النبوة انقطعت بانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى، ولكن الله سبحانه اراد لآثار نعمة النبوة البقاء في الأرض، فجعل المسلمين خير أمة اخرجت للناس لتكون وريثاً للأنبياء في الدعوة الى الله، وإقامة الشعائر، وحفظ السنن الإلهية، وهذا الحفظ ليس اجمالياً او على نحو الموجبة الجزئية بل يأتي وفق مبادئ الشريعة المتكاملة الناسخة للشرائع، قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( )، وفي الجمع بين الآية محل البحث والآية التي سبقتها إخبار عن احاطة الله تعالى علماً باحوال الأمم، وخصائص الحسن عند المسلمين وسعيهم في مرضاة الله تعالى.
العاشر: بعد ان أخبرت هذه الآية المسلمين عن نعمة عظيمة اختصهم الله تعالى بها، وهي التفضيل على الأمم الأخرى، وذكرت اسباب تخلف اهل الكتاب عن منازل المسلمين، جاءت الآية التالية ببعث السكينة في نفوس المسلمين من كيدهم وشرهم مع التحذير منهم، لتكون وحدة السياق بياناً لأحوال المسلمين، وإعانة لهم للمحافظة على التفضيل ومزايا التشريف واللطف الإلهي بهم دون غيرهم من الامم ليبقى هذا التشريف دعوة للناس جميعاًً لدخول الإسلام ونبذ الكفر والفسوق.
قانون تفضيل المسلمين في النشأتين
جاءت الكتب السماوية بذكر التفضيل بلحاظ العمل والصلاح وإجتناب الذنوب والآثام، وجاء تفضيل الأنبياء على غيرهم من الناس بما انعم الله عز وجل عليهم من الوحي وتلقيهم التنزيل، وقيادتهم الأمم نحو سبل الهداية، وعصمتهم من الذنوب وآفات الخطايا.
وجاءت هذه الآية لتبين قاعدة كلية في الإرادة التكوينية وهي تفضيل امة من الناس على الأمم الأخرى، ومن الآيات عدم ورود التفضيل على نحو الاجمال او الاشارة او الإكتفاء بالصفة والأعمال، بل جاء بصيغة التعيين ولغة الخطاب التي لا تحتمل الترديد او التخيير، ومن فضل الله ان تأتي نعمته عامة شاملة، لذا جاءت الآية بصيغة الاطلاق من وجوه:
الاول: شمول المسلمين جميعاً بنعمة التفضيل لصيغة العموم في قوله تعالى [كُنْتُمْ] والذي ينحل الى افراد كثيرة بعدد المسلمين، وتقدير المفرد منها: كنت من خير أمة اخرجت للناس.
الثاني: اطلاق معنى التفضيل وعدم تقييده بجهة مخصوصة، فلو تردد الأمر بين اعتبار تفضيل المسلمين مطلقاً، ام انه محصور بجهة معينة كاتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، او اداء العبادات ونحوها، فالاصل هو الإطلاق، وهو ظاهر الآية الكريمة.
الثالث: شمول جميع الناس بالمرجوحية، فتفضيل المسلمين عام على غيرهم من الأمم والنحل والمذاهب، ويحتمل تفضيل المسلمين في الآية وجوهاً:
الأول: انه خاص بالدنيا باعتبار انه القدر المتيقن من الآية، والتقدير: كنتم خير أمة اخرجت للناس في الحياة الدنيا.
الثاني: ارادة التفضيل في الآخرة وعالم الثواب وهو ظاهر البشارات التي جاءت بها آيات القرآن، وفيه إخبار عن المنزلة التي ينالها المسلمون يوم القيامة.
الثالث: شمول التفضيل للحياة الدنيا والأخرة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية، وترتب الثواب في الآخرة على الإيمان والأفعال الحسنة في الدنيا، وفوز المسلمين بمرتبة التفضيل في الدنيا وامتثالهم للأوامر الإلهية مقدمة وطريق لنيل الدرجات العالية في الأخرة.
ومن الآيات ان يأتي تفضيل المسلمين خاصاً بالحياة الدنيا، ولكن منافعه اعم، اذ يترشح عنه على نحو الانطباق والمشاكلة التفضيل في الآخرة، وليس كل مائز وترجيح في الدنيا يكون ذاته في الآخرة، فقد يكون سبباً للإفتتان والعذاب في الآخرة، كما لو كان الانسان ذا سعة في المال والجاه وصاحب شأن في الدنيا، ولكنه يستعمل سعته وشأنه في غير مرضاة الله، ولا يكف عن المعاصي والذنوب، فتكون وبالاً عليه في الآخرة، وقد يكون الانسان ضعيفاً ومستضعفاً وفقيراً ومظلوماً في الدنيا، ولكنه يفوز في الآخرة بالأجر والثواب لإيمانه وانقطاعه الى الصالحات، واجتنابه السيئات وابتعاده او ابتعادها عنه.
وجاء تفضيل المسلمين مطلقاً [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] من غير تقييد بجهة او موضوع معين، مما يعني حمله على التفضيل في الصالحات والهداية والرشاد، وهو الأمر الذي يؤهل المسلمين للمحافظة على ذات التفضيل في الآخرة، وفيه اشارة الى انحصار التفضيل بالايمان والعمل الصالح، فالمدار في الترجيح والمدح والثناء على التقوى والصلاح، اما غيره من متاع الدنيا فليس تفضيلاً بل هو امتحان واختبار ومتاع قد يفلح فيه الانسان ويوظفه لصالحه او لا.
وينحصر التوظيف الحسن والنافع لهذه الاسباب بدخول الاسلام وعمل الصالحات، وتلك آية في قوانين وأحكام الحياة الدنيا، واسرار ومنافع التفضيل فيها، لقد انعم الله عز وجل على المسلمين وجعلهم خير أمة، ومن الآيات ان النعم الإلهية متصلة ومستمرة، وتتجلى في المقام بتغشيها للحياة الدنيا والآخرة.
وقد وردت الآيات بتفضيل بني اسرائيل قال تعالى [يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( ).
وذكر التفضيل في مقام التذكير والذم لعدم الانتفاع من التفضيل في تصديق النبوة، اما تفضيل المسلمين فجاء في امور:
الاول: صيغة الوصف وانهم خير واحسن امة.
الثاني: ذكر المسلمين بصفة الأمة، وليس بعنوان النسب والإنتماء النسبي، وكل انسان مؤهل لان يكون منها بنطقه بالشهادتين.
الثالث: مجئ تفضيل المسلمين في آخر كتاب سماوي، وهو الناسخ لما قبله من الكتب، ولايطرأ عليه النسخ.
الرابع: تفضيل المسلمين رحمة من عند الله، قال تعالى [يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ).
الخامس: بقاء باب التفضيل مفتوحاً للناس جميعاً الى يوم القيامة، وعدم حجبه عن أي فرد او جماعة من الناس فمن شاء ان ينال التفضيل المركب الشامل ويفوز في الدارين، فليدخل الاسلام ويتقيد بأحكامه.
السادس: تفضيل المسلمين ناسخ لتفضيل بني إسرائيل، وفيه دعوة لهم لتعاهد التفضيل بالإنتقال الى الإسلام.
قانون تفرع البشارة
لقد جعل الله عز وجل القرآن تبياناً لكل شئ، وتضمن البشارة والإنذار، والوعد والوعيد، وجاءت هذه الآية لتتضمن اموراً:
الاول: الإخبار عن نيل المسلمين لأفضل درجات الترتيب بين الأمم بفضل ورحمة من عند الله.
الثاني:البشارة بإستدامة الفوز بمرتبة خير الأمم في الأرض، من غير تعارض بين الإخبار والبشارة في المقام.
الثالث: الوعد الكريم باستدامة بقاء أجيال المسلمين في مرتبة التفضيل، فكل من يولد من ابوين مسلمين تتلقاه هذه الآية بالبشارة وتفيض عليه بشآبيب السكينة والغبطة، وتدعوه للعمل الصالح، وتعاهد هذه المنزلة العظيمة.
الرابع: الوعد الكريم باحراز رضا الله تعالى في الآخرة، ونيل المراتب العالية في الدنيا والآخرة.
ومن قوانين البشارة الإلهية تفرعها الى بشارات عديدة، من وجوه:
الاول: عظيم فضل الله على الناس، وانه سبحانه إذا اعطى يعطي بالأوفى والأتم.
الثاني: تجلي منافع عملية للبشارة الإلهية تتصف بالتشعب والانحلالية، فكل منفعة تترشح عنها منافع عديدة.
الثالث: اصلاح الله عز وجل العبد لتلقي البشارة، فلا تأتي البشارة الا عن أهلية ووجود موضوع وعنوان لها.
الرابع: تتضمن البشارة التشريف والإكرام، الذي ينعكس على الجوارح والأركان بحسن السمت والأفعال.
الخامس: البشارة الإلهية خير محض، تتجلى منها آيات تبعث على الغبطة والسعادة، وتكون واقية من الشر والأذى.
وجاء القرآن بالبشارة الشخصية، والبشارة النوعية العامة، فتضمنت آيات القرآن البشارة للمسلمين والمسلمات على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا] ( ).
وفضل الله عز وجل شامل للدنيا والآخرة لذا جاءت الآيات بالبشارة بالجنة للمسلمين الذين يعملون الصالحات، وجاءت الآية محل البحث بالخطاب المباشر للمسلمين ولم تقل الآية (وكانت امتك خير أمة) او (بشر أمتك بانها خير أمة).
بل جاءت بالخطاب من عند الله عز وجل للمسلمين وفيه وجوه:
الاول: شمول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبشارة والتفضيل وعلى نحو مركب , وفيه وجوه:
الاول: انه نبي وامام خير أمة.
الثاني: محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الأنبياء فصارت امته خير الأمم.
الثالث: انه أفضل الأنبياء لان أمته خير الأمم.
والصحيح هو الأول والثاني، إذ يترشح التفضيل من النبي على الأمة.
ومع مجئ الآية بصيغة الجملة الخبرية الا انها تتضمن البشارة والوعد الكريم ونيل السعادة، والتأهيل لأداء الوظائف العقائدية والمحافظة على الرفعة والعلو بين الأمم،مع التعدد والإنشطار والتداخل الحضاري بينها،و ترشح البشارات الأخروية عنها والفوز بالنعيم الدائم في الآخرة، قال تعالى [وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ]( ).
قانون خروج الأمم
يطل الإنسان على الدنيا، ويدرك بالشواهد والتأريخ والوجدان وجود أجيال من البشر قبله عمرّت الأرض، وقضت وطرها، وعاشت ايامها، ويستطيع معرفة تأريخ شطر من الأمم الا انه لايستطيع الإحاطة بتأريخ الأمم والشعوب، ولم يستطع العلم الحديث سبر أغوار التأريخ، الا ان القرآن يتضمن وثائق سماوية لتأريخ الانسان العقائدي، وقصص الأنبياء والأمم التي يستقرأ منها معرفة احوال الناس في القرون الخالية.
وجاءت هذه الآية لتؤكد اموراً:
الاول: إن الله عز وجل يخرج على الناس أمماً، بان يجعل أمة من أمم الأرض تتصف بالصلاح والتقوى، تعمل على إصلاح الناس، فان قلت تخرج احياناً امة شريرة تنشر الفساد والضلالة، فهل هي مما يخرج الله، الجواب لا، بل يصاحب او يتعقب وجود هذه الامة فضل الله تعالى بوجود أمة مؤمنة صالحة، ويكون وجود أهل الشر والبغي مناسبة لتجلي مضامين الرحمة الإلهية بانبعاث امة مهتدية تعمل بالتقوى وتنشر الصلاح، وتزيح الشر وتكشف زيف الباطل، وتمنع من انتشاره وتفشي مفاهيمه.
الثاني: عدم التعارض بين بعثة الأنبياء وخروج الأمم، والثاني فرع الاول، فليس من امة تخرج على الناس الا وهي تابعة لاحد الرسل، وفيه شاهد على النفع العام من النبوة، وان الرسالات اعم من القضية الشخصية، ولاينحصر موضوع التفضيل والتشريع والأثر المبارك للرسالة بشخص الرسول بل يكون عاماً وشاملاً لأمته التي تتبعه في نهجه.
الثالث: تعدد الأمم الصالحة التي أخرجت للناس، اذ يتضمن قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] التفضيل والترجيح، وهذا التفضيل مركب من أقسام:
الاول: التفضيل بين الناس بان تكون منهم أمة أو أمم خيرة صالحة اخرجت للناس، وامم اخرى من عموم الناس تستقبل هذا الخروج المبارك.
الثاني: التفضيل والترجيح بين الأمم التي اخرجها الله عز وجل، للناس، وقد فاز المسلمون بشرف هذا التفضيل بنص هذه الآية المباركة، فقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] أي هناك أمم اخرى أخرجت للناس تتصف بالايمان والصلاح وانتم خيرها وأحسنها.
الثالث: الأمم التي اخرجت للناس من الكلي المشكك، فهي على مراتب متفاوتة.
الرابع:المسلمون في اسنى وارقى المراتب لا تنافسهم امة اخرى، فهذه الآية بشارة ورحمة ودعوة للمسلمين جميعاً لتعاهد هذه المرتبة، ووعد كريم من عند الله عز وجل لحفظ هذه المرتبة.
وتتضمن هذه الآية بيان جانب من تأريخ الأمم، مع تقسيم الناس الى قسمين:
الأول: الأمم التي تخرج للناس بالصلاح والتقوى.
الثاني: الأمم التي تتلقى هذا الخروج، وهذا التلقي على درجات وكيفيات متباينة قبولاً وعناداً.
ولم يجعل الله عز وجل المسلمين ممن يتلقى ويقتبس من الآخرين، بل انعم الله بالقرآن جامعاً للاحكام الشرعية، ومبيناً للسنن، فيحتاج الناس المسلمين ومبادئ الاسلام، ولايحتاجون فرقة او ملة، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في اخبار اهل الكتاب قوله (ما حدثكم اهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فان كان حقا لم تكذبوهم وان كان باطلا لم تصدقوهم)( ).
وفيه دلالة على عدم الحاجة لهم في باب الاحكام والسنن، ولزوم رجوع الناس جميعاً الى الاسلام والمسلمين لينهلوا من علوم القرآن غير المتناهية، ويتأدبوا بآداب الاسلام، وسنن النبوة.
قانون التأديب بمنزلة المسلمين
ابتدأت الآية بخطاب إكرام للمسلمين، ويتضمن الإخبار عن حال المسلمين ذات الحسن المحض والمستديم، ويبدو للوهلة الاولى ان المراد من لفظ (كنتم) إرادة حال في الزمن الماضي للمخاطب، ولكن سياق ومضمون الآية يدل على كشف علم من علوم الغيب، والإخبار عن الفضل الإلهي على المسلمين، وما اختصهم به الله عز وجل من الرحمة والرأفة، ومن خصائص هذه الرحمة ان موضوع التفضيل فيها لاينحصر بأيام التنزيل وحدها، بل يشمل الأزمنة المتعاقبة السابقة واللاحقة.
لتبقى الآية وثيقة سماوية، وشاهداً على اكرام المسلمين، وما انعم الله به عليهم من المنزلة الرفيعة بين الأمم، وان الناس كلهم في علم الله، ويعلم الله مراتبهم ودرجاتهم، امماً وشعوباً، ويدل الإخبار في هذه الآية عن منزلة المسلمين الرفيعة على أمور:
الأول: ترتب الأمم بمنازل خاصة بهم في موازين الاعمال.
الثاني: ان الله عز وجل أحاط بكل شئ علماً، ويعلم منازل تلك الأمم، وتفضل واخبر عن اسناها وارفعها
الثالث: هذا الإخبار من البشارة والإنذار، ومفاهيم الحياة الدنيا كدار للإبتلاء والإختبار.
الرابع: مع كثرة وتعاقب الأمم، ووجود فترات بينها، ومنها لا يعلمها إلا الله، فإن هذه الآية الكريمة جاءت بحقيقة وقانون جامع لها وهو تفضيل أمة محمد عليها جميعاً.
الخامس: إنتفاع الناس جميعاً من هذا الترتيب بالمبادرة الى الانتماء للامة الافضل والأحسن في علم الله.
وهل تعلم الأمم السابقة بمنزلة المسلمين الرفيعة بين الأمم المتعددة وفق افراد الزمان الطولية ابتداء من ايام أبينا آدم والى يوم القيامة ام لا، الصحيح هو الاول، ولكن على نحو الموجبة الجزئية اذ يقوم الأنبياء باخبار اممهم عن منزلة المسلمين والتوصية باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لذا ذكر ان معنى الآية: كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بانكم خير أمة.
وفيه تأديب إلهي للناس وحث لهم على إتباع الأنبياء في شرائعهم وبشاراتهم، والسعي للتباري في الصالحات، وأسباب التقوى، وسنن الترجيح.
وتدل هذه الآية على عموم التأديب الإلهي، وانه لاينحصر بشخص النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا الأنبياء وحدهم، بل يتفضل الله عز وجل بتأديب الناس جميعاً بواسطة التنزيل وبعثة وسنن الأنبياء، ومن التأديب العام هذه الآية واخبار المسلمين عن عظيم منزلتهم بين الأمم في علم الله، ومعرفة الأمم بهذه المنزلة، من وجوه:
الاول: تأديب المسلمين من وجوه:
الاول: معرفتهم لعظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانه سيد الأنبياء.
الثاني: ادراكهم لصيغة الكمال والتمام في الشريعة الاسلامية.
الثالث: لزوم بذل الوسع لتعاهد هذه المنزلة، وتوكيد إستحقاقهم لها.
الرابع: معرفة مراتب الأمم الأخرى من وجهين:
الأول: ماجاء في القرآن من القصص والعبر.
الثاني: سنن وسيرة الأمم الأخرى، ومدى تقيدهم بالأوامر والنواهي التي جاء بها الأنبياء والكتب المنزلة.
الخامس: التفقه في الدين، والإحاطة بتأريخ الأمم.
السادس: الإقرار بوجوب عبادة الله عز وجل وطاعته، وحاجة الناس جميعاً اليه تعالى في الدنيا والآخرة، ومنها الفوز بالمرتبة الكريمة في علم الله تعالى.
الثاني:تأديب اهل الكتاب من وجوه:
الاول: معرفة منزلة ومقام المسلمين السامي بين الأمم.
الثاني: لزوم إكرام المسلمين، واجتناب ايذائهم والتعدي عليهم.
الثالث: السعي لبلوغ المرتبة العالية بين الأمم بالتصديق بالنبوة.
الرابع: اجتناب الفسق الذي اشارت هذه الآية الى ارتكابه من قبل كثير منهم، بقوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ].
الثالث: تأديب الناس جميعاً من وجوه:
الاول: حثهم على دخول الاسلام.
الثاني: معرفة حقيقة، وهي تقسيم الناس الى مراتب على اساس الصلاح والتقوى.
الثالث: موضوعية الايمان في حياة الناس.
الرابع: علم الله تعالى باعمال العباد.
الخامس: الحسن الذاتي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتدل الآية على احصاء الله لاعمال العباد، وحضورها عنده، فمن خصائص الربوبية العلم الدائم بأعمال العباد، فتنقرض بعض الامم وتزول آثارها، ولكن اعمالها تبقى عند الله، وتدخل في المقارنة والتفضيل بين اعمال الأمم، ويؤكد الإخبار الإلهي بتفضيل المسلمين وجود ضوابط سماوية ثابتة للتفضيل يستطيع الناس استقراءها والاحاطة بها من خلال معرفة احكام الشريعة الاسلامية، وتقيد المسلمين بسننها.
ومن الآيات ان يأتي خطاب للمسلمين يتضمن الإخبار عن منزلتهم الرفيعة بين الأمم فيكون تأديباً للناس جميعاً، ودعوة للإرتقاء والسمو وتهذيب الأقوال والافعال.
قانون كنتم خير أمة
لقد امر الله المسلمين بتلاوة آيات القرآن على نحو الوجوب والاستحباب، وحفظها من التحريف والتبديل، ومن الآيات انهم يتلون إلى جانب الأوامر والنواهي مايتضمن مدحهم والثناء عليهم، فيكون هذا المدح وسيلة سماوية مباركة لتعاهد التنزيل،والتقيد بأحكام الشريعة، والرضا بفضل الله عز وجل العاجل الى جانب فضله تعالى في الوعد الكريم بالجنة سواء الوعد المترشح من موضوع واحكام هذه الآية او من الآيات الاخرى.
فقوله تعالى في الآية السابقة [تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ] دعوة للتدبر في دلالاتها وانها تتضمن اكرام وتزكية المسلمين، وعلو منزلتهم وشأنهم ومن مفاهيم هذا القانون ان المسلمين أمة لها شأن بين الأمم منذ خلق الله آدم عليه السلام.
وفيها تأكيد لبشارات الأنبياء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان تلك البشارات تشمل البشارة بالمسلمين بذكرهم عند الأمم السابقة على لسان الأنبياء والكتب المنزلة، قال تعالى [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ] ( ).
ويأتي الإخبار عن هذه الحقيقة ليكون حبلاً وصلة بين المسلمين والأمم السابقة، ودعوة للأمم اللاحقة للالتحاق بالمسلمين، واختيار طريق الهداية والصراط المستقيم، ومن مفاهيمها ان اسباب الهداية والتبليغ جاءت للأمم المتعاقبة اذ ان التفضيل يدل على عدم حجب اسبابه عن الأمم الأخرى، ولكنه يؤكد قيام المسلمين بالوظائف العبادية افضل من غيرهم.
وفي الآية عون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته وقد سأل موسى عليه السلام الله عز وجل ان يجعل هارون اخاه وزيراً يساعده في الدعوة والتبليغ، ومن الآيات ان تأتي كل آية لتكون عضداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعها مؤازرة اهل البيت والصحابة من المهاجرين والانصار له، وتفانيهم في الدعوة الى الله الى جانب المدد الإلهي، ونصرة الملائكة، وهو من وجوه تفضيله صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين.
وهذه الآية عضد ومؤازر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، اما بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي تزكية وشهادة سماوية، واخبار عن صدق نبوته، ودعوة للمسلمين والناس جميعاً لنصرته.
واما بالنسبة للمسلمين فالآية عضد لهم في انتمائهم للاسلام، ومتى ماعلم الناس ان المسلمين مذكورون في الكتب القديمة بانهم افضل واحسن الامم فانهم يكفّون عن ايذائهم، ويدركون حقيقة وهي تلقيهم اسباب العون والمدد من عند الله عز وجل، وتبين الآية ثبوت تفضيل المسلمين على الأمم الأخرى قبل البعثة النبوية واثناء نزول القرآن وبعده الى يوم القيامة.
وورد في تفسير الآية (كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بانكم خير امة) ( )، مما يعني عظيم منزلة المسلمين عند اهل السماوات، لذا استبشر الملائكة عندما علموا ليلة الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السماء انه بعث وحلّ اوان نبوته لما فيها من نزول شأبيب الرحمة على الناس، وتغشي الأرض بالبركة.
بحث نحوي
ابتدأت الآية بالفعل الماضي الناقص (كان) وأخواتها هي ظل، اصبح، اضحى، امسى، بات، صار، ليس، مابرح، مافتئ، انفك، مادام، وتعتبر (كان) اشهرها، حتى عرفت تلك الافعال باسم كان واخواتها، وهي ترفع الاول ويسمى إسمها،وتنصب الثاني ويسمى خبرها، في مقابل الحروف المشبهة بالفعل (ان واخواتها)، وسميت كان واخواتها افعالاً ناقصة لوجهين:
الاول: دلالتها على الزمن وحده، في حين تدل باقي الأفعال على الحدث والزمن، فهي ناقصة لانها لم تدل على الأمرين معاً بل جاءت مجردة من الحدث ,وهذا هو المشهور.
الثاني: عدم اكتفاء الأفعال الناقصة باسمها، فلابد ان يكون لها خبر، فهي تنقص عن الأفعال الأخرى بافتقارها الى مرفوعها ومنصوبها معاً، وقد تأتي (كان) تامة اذا كانت مكتفية بمرفوعها.
واذا قلت (قرأ) فان هذا الفعل يدل على امرين:
الاول: حصول معنى القراءة.
الثاني: وقوعها في الزمن الماضي.
اما (كان) فتدل على ما مضى من الزمن دون وجود معنى الفعل، ويأتي خبرها الى جانب مرفوعها ليكون الخبر كالعوض من الحدث.
وقيل انها تدل على الحدث ايضاً الذي هو معنى الكون لانه يشتق منها اسم الفاعل والمصدر وهو الحدث المجرد من الزمن، واستدل عليه بقول الشاعر:
وما كل من يبدي البشاشة كائناً اخاك إذا لم تلقه لك منجدا.
ومع ان (كان) فعل ماض ناقص الا انها لا تختص بالزمن الماضي فتأتي على وجوه عديدة منها:
الاول: الماضي المنقطع، أي الفعل الذي حصل في الزمن الماضي نحو قوله تعالى قبل بضع آيات [كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ] والماضي المنقطع على شعبتين:
الاولى: ما كان مستديماً على نحو الثبوت، ويأتي في الغالب خبر كان اسماً، كما في قوله تعالى في ابراهيم عليه السلام [وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا]( ).
الثانية: مايكون قضية في واقعة، ويحدث لمرة واحدة او مدة محدودة ويكون حينئذ خبرها فعلاً ماضياً في الغالب، كما في قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ]( ).
الثاني: الماضي المتجدد والمعتاد الذي تدل فيه (كان) على وقوع الفعل في الماضي مع استمراره او اعتياده، وحصوله كسنخية ثابتة، قال تعالى [إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا] ( ).
الثالث: الدوام والاستمرار، وهو الذي يأتي بمعنى (لم يزل) ومنه قوله تعالى [كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا]( )، ومنه مجيؤها في صفات الجلال والكرام، قال تعالى [وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] ( )، ومنه هذه الآية الكريمة (كنتم خير امة) والتقدير وجدتم خير امة فحال التفضيل للمسلمين موجود لهم منذ القدم وقبل البعثة النبوية والتفضيل في انتقائهم وإختيارهم.
الرابع:دلالة (كان) على الحال والتلبس بالفعل او الصفة، ومنه قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( )، كما جعلت منه هذه الآية، ومافيها من الدلالة على حال المسلمين بين الأمم وانهم خير الأمم لقيامهم بوظائفهم العقائدية والعبادية.
الخامس: تأتي (كان) بمعنى (صار) لما فيها من معاني الانقطاع والانتقال من حال الى حال وللتقارب بين معناهما، ومنه قوله تعالى [وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا] ( )، ومن الآيات ان صار تكون بدلاً عن (كان) ومنه هذه الآية الكريمة، فقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] أي صرتم خير امة باتباعكم سيد الأنبياء والرسل، وتكون كان على ثلاثة اقسام:
الاول: فعل ناقص، كما تقدم اعلاه.
الثاني: تأتي زائدة، ولا تعني الزيادة المحضة، وعدم وجود معنى لها، بل ان معناها التوكيد او الاسناد والدلالة على الماضي مثل: ماكان احسن كرمه، للاشارة الى الزمن الماضي.
الثالث: تأتي كان تامة بمعنى وجد، فلا تحتاج الى الخبر، بل تكتفي بمرفوعها: ومنه قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ] ( )، وقال الشاعر:
اذا كان الشتاء فادفئوني فان الشيخ يهدمه الشتاء.
وقال سيبويه: قد يكون لكان موضع آخر يقتصر على الفاعل فيه تقول: قد كان عبد الله أي قد خلق، وقد كان الأمر أي وقع الأمر( ).
وذهب جمع من المفسرين الى اعتبار (كان) في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] تامة، وخير امة بمعنى الحال.
ولا تعارض بين مجئ (كان) في الآية الكريمة بمعنى كان التامة او الناقصة وما يفيد الماضي المتجدد والمعتاد، والحال وبمعنى صار فكلها من مصاديق الآية وبيان فضل الله تعالى على المسلمين وعلى الناس جميعاً في اتصال تفضيلهم، وجعله هدفاً يسعى اليه المسلمون ويجاهدون في سبيل تعاهده، وإستدامة هذه المنزلة العظيمة، خصوصاً وأن تقسيم كان إلى تامة وناقصة تقسيم إستقرائي قال به النحاة بلحاظ الشواهد اللغوية، ومن إعجاز اللفظ القرآني العموم والشمول والإطلاق.
علم المناسبة
ورد قوله تعالى [كُنْتُمْ] مائة وتسعاَ وتسعين مرة في القرآن، واكثرها في ذم الذين كفروا والاحتجاج عليهم في الدنيا والآخرة، وورد لفظ خير في القرآن مائة وستاَ وسبعين مرة، وجاء اكثرها في البشارة والوعد الكريم، ويأتي تارة لبيان رجحان الإيمان ومنافعه الدنيوية والآخروية، قال تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( )، ويأتي بمعنى الفضل والرزق والأمر الحسن، قال تعالى [وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ]( ).
وقد احتج ابليس عندما امره الله بالسجود لآدم بالتباين في اصل الخلق، جاء في التنزيل حكاية عن ابليس [قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ] ( ).
وتتضمن الآية محل البحث في عموماتها الرد على ابليس والاخبار بان في الناس أمماً متعددة تتصف بالصلاح والخير، والمسلمون هم خير الامم، وان المدار في التفضيل ليس على اصل الخلقة والا فان الناس جميعاً خلقــوا من التراب، ولكــن التفضــيل بالايـمان والصــلاح وطاعـــة الله عز وجل، ومن الآيات ان المسلمين خير الأمم بما رزقهم الله، وهذه المنزلة باب لتلقي الفضل الإلهي ونزول الخير من عند الله عليهم وحفظهم بواقية منه سبحانه، وفي التنزيل [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
ومع وصف الآية الكريمة للمسلمين بانهم خير أمة، فان الله عز وجل يأمرهم بالعبادات ويحثهم عليها لانها خير لهم، قال تعالى [وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] ( )، فخير امة محتاجة الى رحمة الله تعالى، واداء العبادات ارتقاء في سلم الفضيلة والتفضيل، وشاهد على اهلية المسلمين لمقامات الرفعة.
ومع كثرة ورود لفظ أمة في القرآن، فانه لم يرد خطاباً ووصفاً للمسلمين إلا في هذه الآية وبعنوان خير أمة، وهو من وجوه إعجاز القرآن، والأسرار الملكوتية في هذه الآية، ومافيها من الشهادة على عظيم شأن المسلمين بين الأمم.
قانون الإسلام خير محض
خلق الله عز وجل الناس لعبادته وطاعته، وتتجلى مصاديق العبادة بالإسلام والإنقياد لله تعالى، وإطاعة اوامره، واجتناب مانهى عنه، واقترن الإسلام بأول وجود للإنسان في الأرض، فالأصل في الوجود الانساني في الأرض هو الاسلام، ولم يأت على سبيل الاتحاد والانفراد، بل جاء على سبيل التعدد فقد نزل آدم عليه السلام وحواء الى الأرض، وكلاهما مسلم، ولا تعرف الأرض الشرك او الضلالة، وتوارث اولاد آدم منه ومن امهم الاسلام والانقياد لله تعالى، ولايضر فيه قضية قتل قابيل لهابيل وان كانت نقطة انحراف في تأريخ الإنسانية.
وكان لآدم اولاد أخرون غير قابيل، منهم شيث وهو هبة الله، وورث عن آدم عليه السلام النبوة، والاسلام خير محض بالذات وتترشح عنه وجوه عديدة من الصلاح على الناس جميعاً، وهو من اشرف الوسائل لنزول الرزق، ونيل البركة.
وكان آدم وحواء عند نزولهما كل الناس فليس بين أهل الأرض مشرك او ضال، ووقع القتل بين ولدي آدم عليه السلام من طرف واحد، ليكون لأولاد آدم ولمن بعدهم من الاجيال شاهداً على قبح الخطيئة والظلم وقتل النفس بغير حق، ويرسخ في اذهان الناس الحسن الذاتي للإيمان، وتضئ مبادئه النفوس، وتشع اشراقة احكامه على القلوب المنكسرة، وتأخذ بايدي الناس في سبل الخير والصلاح.
واسس آدم عليه السلام للناس باب التوبة والإستغفار بهداية من الله ليكون سلاحاً للتخلص من أدران الذنوب، وآثار السيئات، وباباً للتدارك والصلاح، والانسان كائن محتاج، والحاجة ملازمة له في ايام حياته، ومن وجوه الحاجة الهداية الى الرشاد، واجتناب الضلالة التي تقود الى عذاب النار، فجاء الاسلام حاجة لكل انسان، وسفينة للنجاة، وشجرة مباركة يتفيئ الناس عموماً بضلالها، ومن تمسك باغصانها من الفرائض والعبادات نجا في النشأتين.
ومن آيات الخلق ان الأرض لم تخل في أي زمان وجيل من امة من المسلمين، ومن مصاديق هذه الحقيقة وجوه:
الاول: كثرة عدد الأنبياء والرسل اذ يبلغ عددهم مائة واربعة وعشرين الف نبي، وكل نبي بذل الوسع في اعلاء كلمة التوحيد، ولاقى الأذى في جنب الله.
الثاني: وجود انصار واتباع لكل نبي، يتصفون بالحرص على مواصلة الجهاد في سبيل الله، وتثبيت معالم النبوة في الأرض.
الثالث: تعضيد العقل للنبوة في تثبيت الاسلام في الأرض، اذ ان العقل رسول باطني، ويدرك سلامة اختيار منهج الاسلام، ولزوم طاعة الله، والتصديق بالأنبياء الذين جاءوا بالمعجزات والبراهين الباهرة الخارقة للعادة.
الرابع: استدامة الآيات الكونية التي تدعو الناس للإقرار بالعبودية لله تعالى.
ومن الآيات ان الإسلام خير محض، ونفع متصل ودائم لأهله وللناس جميعاً، اما لاهله فهو واقية وارتقاء وتوفيق، وفي علم الأصول مبحث وقول هو الأمر بالشئ نهي عن هذه، وكذا في باب العقائد، وهو ان الأسلام خير محض، وضده وهو الكفر شر محض، فالأمر بالإسلام دعوة للإبتعاد عن الكفر.
فمن رحمة الله تعالى بالناس ان هداهم للإسلام، وبقدرته جعل الاسلام باقياً متوارثاً في الارض الى ان بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليظهره على الدين كله، ويكون المسلمون امة قوية، يؤدون الفرائض ووجوه عبادة الله على نحو يومي علني متجدد، ويتلون آيات الله عز وجل في تثبيت لحضور ذكر الله بين الناس، ويجتهدون في الدعوة إلى الهدى والصلاح، والسعي في وجوه الخير والفلاح.
قانون المسلمات خير النساء
جاءت الآية بصيغة الخطاب للجمع المذكر (كنتم) بارادة معاشر المسلمين باجيالهم المتعاقبة، وفي شمول الخطاب للمسلمات وجوه:
الاول: شمول النساء بالخطاب والتقدير كنتم مسلمين ومسلمات خير امة اخرجت للناس.
الثاني: عدم شمول النساء بالخطاب، لتخلف المرأة عن الجهاد في سبيل الله ولان المدار على الذكور.
الثالث: إلحاق النساء بالرجال، لإعتبار القيمومة وحاجة المرأة للإذن من زوجها في كثير من المستحبات.
والصحيح هو الاول، فالآية شاملة للمسلمات ايضاً لأصالة الإطلاق، والاتحاد في التكاليف الا ماخرج بالدليل، ولمجئ لفظ المذكر في الخطاب لغلبة المذكر كما يقال (القمران) لارادة الشمس والقمر، وغلبة القمر لانه مذكر، ولا تضر القوامة في نيل المؤمنات أسنى المنازل، خصوصاً وأن المرأة المسلمة تساهم في ميادين العمل، على نحو الإشتراك والإستقلال.
وشمول النساء بمضامين واحكام الآية من وجوه:
الاول: المرأة جزء من مجتمع المسلمين وفرد من الامة.
الثاني: عدم امكان الاستغناء عن المسلمة في ميادين العمل المختلفة.
الثالث: اتصاف المرأة المسلمة بالتقوى والصلاح.
الرابع: توجه الخطاب التكليفي للمرأة بعرض واحد مع الرجل، فتجب عليها الصلاة والصوم والحج، ومن الآيات ان المرأة تحج البيت الحرام مع الاستطاعة وان لم يرض ألزوج.
الخامس: تعلق التفضيل بعموم المسلمين الشامل للرجال والنساء منهم، فالأمة الاسلامية بكيانها وافعالها خير الامم.
والآية شاهد سماوي على اكرام المرأة في الاسلام، ولزوم اجتناب ايذائها ومنعها حقوقها، وفيها دعوة للمسلمين لاحترام عمل المرأة، والاستماع الى رأيها وأخذ مشورتها، لانها جزء من خير امة، وتقدم في الجزء الثامن والأربعين، وفي قانون المرأة والأمر والنهي الإستشهاد بقوله تعالى [قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ] ( ).
وتتضمن الآية ترغيب النساء من الملل المختلفة في دخول الاسلام، واختيار السلامة والأمن في النشأتين لانفسهن واولادهن بالشهادتين، ولإسلام المرأة أثر في تربية الناشئة، ومنه إنطباع سلوك واعمال الأم في اذهان الأبناء خصوصاً في ايام الطفولة.
ومن الآيات في أحكام الإسلام ان الولد يتبع اشرف الأبوين في الحرية والرق، في بيان لموضوعية المرأة في تعيين منزلة ومقام ومستقبل الولد، وقد جاءت الآيات القرآنية بذكر المسلمات بلغة المدح والثناء قال تعالى [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ َ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ).
وفيه توكيد على إرتداء المسلمات لباس التقوى والصلاح، ووردت في السنة النبوية القولية نصوص عديدة تبين المنزلة الرفيعة للمرأة المسلمة ولزوم اكرامها، واظهرت السنة الفعلية إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه وإبنته فاطمة الزهراء التي وصفها في الحديث المشهور عند المسلمين بانها بضعة منه ، ورد بالإسناد عن المسور بن مخرمة قال: انه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: انما فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها ) وروي الحديث عن عبد الله بن الزبير نحوه( ).
وقد أعطى الله عز وجل أزواج النبي منزلة عظيمة، وشأنا رفيعا حاضراً في كل زمان إذ جعلهن الله تعالى أمهات المسلمين، فيلتقي الجد والأب والابن من المسلمين بصفة واحدة وهي بنوتهم لأزواج النبي قال تعالى [وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] ( ).
بالإضافة الى تسجيل المرأة لصفحات مشرقة في تأريخ الإسلام توثق جهادها في سبيل الله، ومن الآيات في المقام ان اول من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعضًده بالمال هي ام المؤمنين خديجة بنت خويلد، فان قيل انها كانت قريبة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعه في البيت وترى الآيات والمعجزات دون غيرها، او انها تراها اكثر من غيرها، الجواب نعم، ولكن هذا الأمر لايلغي موضوعية التصديق واختيارها الايمان برسالته ومبادرتها قبل الناس الى نصرته وانفاق جميع مالها في نشر دعوته والذب عنه.
وتملي هذه الآية على المرأة المسلمة وظائف عقائدية في البيت والمدرسة والعمل تتعلق بذاتها وأولادها وزوجها والأرحام والناس جميعاً، وتدعوها لتعاهد هذه المنزلة العظيمة من بين النساء، والعصمة من اتباع النفس الشهوية، والتنزه من الرذائل والقبائح والمنكر من القول والفعل، وإجتناب محاكاة اهل الفحشاء والفسوق، مما يدل على عظيم مسؤوليات المرأة المسلمة، وتعدد وظائفها العقائدية، ولزوم اعانتها للرجل زوجاً كان أو أخاً أو ولداً، خصوصاً في هذا الزمان لدرء أسباب الاغواء وزيغ الأهواء.
فمن خصائص (خير أمة) التعاون والتأزر بين افرادها رجالاً ونساءً لتعاهد المقامات الرفيعة، والمواظبة على الطاعات واداء الفرائض، فالمسلم يساعد المسلمة لبلوغ مراتب الايمان، وهي تساعده للثبات على الإسلام والإرتقاء في سلم التقوى، والسعي ومواصلة الجهاد لنشر كلمة التوحيد في ربوع الأرض.
ومن الآيات في المقام ان الله عز وجل اصلح الناس لنيل المرأة المسلمة هذه مرتبة الهداية بإكرامها من حين الولادة، وتحريم الوأد الذي كان شائعاً في ايام الجاهلية، لتنشأ المرأة المسلمة وسط عز الايمان، وقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باخذ البيعة من النساء، مثلما أخذها من الرجال في توكيد لمنزلة المرأة ، ولزوم العناية بها والإلتفات الى شأنها في ميادين السياسة، وبيان موضوعيتها وإعتبارها والحاجة إليها في مسالك الإيمان، وكونها رديفاً ومؤازراً للرجل في جهاده في سوح المعارك وميادين العمل.
قانون خير أمة أمانة
من اللطف الإلهي بالناس ان يأتي القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، وهو من الدلائل على كونه اخر الكتب السماوية، وان الله عز وجل سيحفظه، وانزل على امة تقوم بتعاهده والعناية به، ومنع وصول يد التحريف اليه، ويأتي تشريف واكرام وبشارة المسلمين في المقام من وجوه:
الأول: المسلمون امة النبي الذي انزل عليه افضل الكتب السماوية.
الثاني: تضمن القرآن لأحكام الحلال والحرام، وأهلية المسلمين للتقيد بها.
الثالث: القرآن هو الكتاب الناسخ للكتب السابقة والذي لايأتي من بعده كتاب من السماء فيكون المسلمون حفظة رسالة السماء في الأرض الى يوم القيامة، وليس من امة غيرهم تولت او تتولى هذه المسؤولية العظيمة.
لقد جعل الله عز وجل الكتب السماوية امانة بيد البشر، ينزل الملك بالكتاب فيبلغه الى النبي بأمانة، ويقوم النبي بتبليغه الى الناس كما انزل عليه، لتبقى مسؤولية تعاهده وتوارثه تركة واجبة على الناس، إختص ويختص بأعباء القيام بها المسلمون وإلى يوم القيامة، ومع ان القرآن يمتاز بخصائص عظيمة في المقام فان المسلمين تلقوه من الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يؤدي الى حفظه ومنع التحريف والتغيير عليه من وجوه:
الأول: القيام بالإنصات التام الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تلقي آيات القرآن بالتصديق.
الثالث: حفظ آيات القرآن، فمما انفرد به المسلمون حفظهم لآيات القرآن ولم تكن كثرتها برزخاً دون حفظهم لها، فمع بلوغ آيات القرآن ستة الآف ومائتين وستاً وثلاثين آية فان المسلمين حرصوا على حفظها، وهو شاهد على اهليتهم لنيل مرتبة أفضل وخير أمة من بين الأمم، وليس من أمة من أمم الأرض المتعاقبة أقبلت على كتابها بالحفظ عن ظهر قلب، والصيانة من التحريف مثل المسلمين، وللتداخل بين الحفظ والصيانة في المقام أثر ونفع عظيم ظاهر ومتصل.
الرابع: تدوين المسلمين لآيات القرآن فما ان تنزل الآية القرآنية على النبي حتى يقوم المسلمون بكتابتها في سعف النخيل والرقاع، وفي حديث الزهري انه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن في العسب والقضم والكرانيف( )، والعسب جريد النخل، واحدها عسيب وقال امرئ القيس:
لمن طلل أبصرته فشجاني كوحي الزبور في عسيب يماني
والقضم: جمع قضيم، وهي الجلود البيض، والكرانيف: اصول السعف الغلاظ، وعن زيد بن ثابت حين امره ابو بكر بجمع القرآن قال: فجعلت اتتبعه من الرقاع والعسب واللخاف) واللخاف: جمع لخفة وهي حجارة رقاق، وتبين هذه الاخبار حرص وجهاد الصحابة والمسلمين عامة لحفظ وصيانة أمانة التنزيل، مع قيامهم بالحفظ العملي لوديعة وكنز الفرائض بادائها والتفقه في الدين.
وقد جمع القرآن في ايام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي ايام الخلفاء الراشدين، ولم تمض سنوات معدودات على مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الاعلى حتى وزعت عدة نسخ متشابهة منه على الامصار، وكيفية جمع القرآن، وعدد الذين اشتركوا فيه آية تدل على امور:
الاول: الإرتقاء العلمي عند المسلمين.
الثاني: الحرص الشديد على حفظ وجمع القرآن.
الثالث: جمع القرآن شاهد على ان المسلمين خير امة اخرجت للناس، وليس من امة قامت بحفظ الكتاب النازل على نبيها كما فعل المسلمون، ولم ينحصر موضوع الأمانة عند المسلمين بالقرآن بل قاموا بحفظ الفرائض والعبادات، وتقيدوا بادائها كما أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعلوها اعظم تركة تتوارثها أمة من الأمم.
وإنفرد المسلمون بالقيام باعباء حفظ تركة عقائدية علمية بالقول والعمل، ويقوم كل جيل من المسلمين بتعاهد هذه التركة بحرص وتفان، ليتجدد عنوان تفضيلهم على الأمم مع كل جيل من أجيال المسلمين، اذ يقوم المسلمون بتلقي احكام الشريعة من الجيل الذي سبقهم، ويواظبون على اداء العبادات وحفظ القرآن والتقيد التام باحكام الحلال والحرام، ثم يقومون بتسليم الأمانة الى الجيل الذي يأتي بعدهم من غير تحريف او تبديل او اجتهاد يقابل النص.
الرابع: تعلم تفسير وتأويل آيات القرآن، فمن الآيات ان تعلم المسلمين لتفسير القرآن لم يتخلف عن زمان التنزيل، فكان الصحابة يتدارسون الآية القرآنية الى جانب حفظها، وتلك آية تدل على المرتبة السامية للمسلمين بين الأمم، وعشقهم للتنزيل وأخبار الوحي، وايمانهم بالله والنبوة.
لقد حمل المسلمون لواء الإسلام بين أمم الأرض، وتمسكوا بمبادئ التوحيد، وصبروا في جنب الله، وتحملوا المشاق والعناء في تثبيت احكام الشريعة، ولم ولن يغادروا صغيرة او كبيرة منها، وهو مصداق للأمانة والأفضلية بين الأمم، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا] ( )، مما يدل على وجود أمانات عند المسلمين، وأمانات الله أوامره ونواهيه، وأمانات عباده فيما يأتمن بعضهم بعضاً من المال وغيره، عن ابن عباس وأبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة، وهو المروي عن الأمام الباقر والصادق عليهما السلام.
قانون المقارنة بين الأمم
ابتدأت الآية بالشهادة السماوية للمسلمين بالأفضلية والتفضيل على أهل الأرض جميعاً باعتبار انها تدل في مفهومها على التفضيل على الأمم، فمن باب الأولوية شمول المرجوحية لغير الأمم من الافراد والجماعات.
وتمنع الآية من قيام القصاصين واصحاب الأخبار من المبالغة في حياة الأمم الأخرى، وذكر محاسن كثيرة لها لم تتصف بها، وحتى لو حصل هذا فانه لايؤثر في الحكم السماوي القاطع بأفضلية المسلمين، بالاضافة الى مجئ القرآن بقصص الأمم السابقة وإتباع الأنبياء، ومع مافيها من الثناء عليهم، وبيان وجود اتباع وانصار للأنبياء، فان الدراسة المقارنة تؤكد افضلية المسلمين على غيرهم من الأمم.
ومن منافع هذه الآية العقائدية انها تدعو الى مثل هذه المقارنة لبيان جهاد المسلمين، وما لاقوه في ذات الله، وسعيهم الحثيث لتثبيت كلمة التوحيد في الأرض.
وتبين الآية أهلية المسلمين لتلقي المدح والثناء، وتوظيفه في خدمة الدين وسنن الشريعة فلم يجعلهم المدح يركنون الى أمجاد الآباء، والاكتفاء بعمل السلف الصالح، بل يدفع التشريف والمدح في هذه الآية المسلمين في كل زمان الى بذل الوسع لتعاهد هذه المنزلة، والمحافظة عليها وهو عنوان إضافي لمعاني الحسن عند المسلمين وإختيارهم كأفضل أمة من بين اهل الأرض، فكل جيل من اجيال المسلمين هو أفضل أهل الأرض بالإيمان والتقوى والصلاح، واداء الفرائض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى [تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ] ( ).
لقد اقبل المسلمون بشوق على آيات النبوة، وانشغلوا بالتدبر بآياتها وماجاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزات، وبادروا الى الجهاد في سبيل الله، وحرصوا على التقيد التام بأداء العبادات،والإقتداء بالنبي محمد، و قال صلى الله عليه وآله وسلم: “صلوا كما رأيتموني اصلي”( ) فكان كل جيل وجماعة من المسلمين حريصين على اداء الصلاة بذات الكيفية التي اداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة او نقيصة.
ان امتثال المسلمين للأوامر الإلهية، ومحاكاتهم لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العبادات والمعاملات شاهد على نيلهم اسنى مراتب الرفعة بين الأمم، منها تعاهد القرآن في القول والعمل، وبهم وبجهادهم ظلت كلمة التوحيد شامخة في الأرض تجذب لها ارباب العقول، واهل البصائر ومن الشواهد على تفضيل المسلمين انهم يدعون الناس الى ملتهم، ولايجوز لهم الانتماء الى ملة أخرى، لحرمة الإرتداد قرآناً وسنة وإجماعاً، بالإضافة الى ادراك العقل لقبح ترك منازل التفضيل، والحرمان من منافعه في النشأتين.
لقد اراد الله عز وجل من الإخبار عن تفضيل المسلمين دعوة الناس للهداية والإيمان، وإصلاح المجتمعات، وإدراك موضوع التفضيل، والإنجذاب له، وهو الإنتماء للإسلام، واعطت الآية المسلمين صفة الأمة الواحدة، ويدل في مفهومه على عدم جواز إعطاء الأولوية في الإنتساب لغير الاسلام وحصول الفرقة والإنقسام بسبب تعدد الولاءات والمذهب والإنتماء.
فكل مسلم هو فرد من هذه الأمة، يحافظ على الاسلام ويمتلأ غبطة وسعادة لنيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المرتبة السامية والدرجة الرفيعة في النِشأتين، وقد ذكر القرآن شطراً من قصص الأمم الخاوية، وما لاقاه الأنبياء من قومهم قال تعالى [كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ]( ).
فتبين الآية عداوة تلك الأمم للرسل، وتحزبهم ضد الأنبياء كما في عاد وثمود وفرعون وغيرهم، وسعيهم للإيقاع بالأنبياء وإيذائهم ومحاولة تعذيبهم وقتلهم، وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنصره المسلمون وذبّوا عنه في حياته وبعد انتقاله الى الرفيق الأعلى وحفظوه ويحفظونه في سنته وشخصه الكريم، وهم يرددون في كل يوم خمس مرات الشهادة له بالرسالة الى جانب الشهادة بالربوبية والوحدانية لله تعالى ولم يجادل المسلمون في آيات القرآن بل اتخذوه إماماً وقائداً، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ان جدالاً في القرآن كفر “( ).
وقد ذم الله عز وجل اقواما جادلوا في آيات الله بالطعن بالباطل ولغة الشك قال تعالى [مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا] ( )، وتلقى المسلمون آيات القرآن ذات الصبغة العقلية بالقبول والإذعان والتسليم، وآمنوا بالمعجزات الحسية للأنبياء.
ومن وجوه تفضيل المسلمين على غيرهم، انهم انفردوا بالتصديق بالأنبياء جميعاً على نحو العموم المجموعي والعموم الاستغراقي من غير تفريق بينهم وليس من امة في الأرض مثلهم، ولهذا الايمان دلالات عقائدية تتعلق بالإقرار بالعبودية لله تعالى، وتصديق الأنبياء الذين أرسلهم الى الناس مبشرين ومنذرين.
قانون( المسلمون أسوة)
لقد انعم الله عز وجل على الناس بالنبوة، وجعلها مصاحبة للإنسان منذ أيام وجوده في الأرض، فضلاً منه تعالى على الناس، ولتكون صلة سماوية مباركة بين الله عز وجل وبين العباد، ويكون هبوط آدم عليه السلام من الجنة الى الأرض اشارة لعودته والصالحين من ذريته اليها بالإيمان والصلاح.
وبعث الله عز وجل أنبياء كثيرين بين آدم عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو رحمة إضافية بالناس، ومن الأنبياء من يبعث الى قريته وبلدته وقومه وليس للناس جميعاً ولم يعلم اكثر الناس بنبوته خصوصاً مع تباعد البلدان وصعوبة الانتقال والسفر بينها، وجاءت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً، ليكون المسلمون أسوة للناس، وقادة في ميادين الدين والدنيا، وحجة على الناس ودعاة الى الله عز وجل، فمن أراد اختيار طريق الإيمان لايستوحش منه، ولايظن قلة سالكيه، وما في تلك القلة من اسباب التردد والحذر، بل يجد أمة متأخية يعتصم افرادها بالقرآن والسنة ولايخافون في الله لومة لائم، فالمسلمون خير أمة لأنهم أسوة لعموم أهل الأرض في حسن سمتهم، قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ] ( ).
ومن معاني الآية ان المسلمين حجة على الناس، يقومون ببيان الأحكام وسنن الشريعة وهذا البيان بذاته جهاد وتضحية وسعي مبارك، وكانوا بعملهم أسوة وقادة للناس، ويقتدي المسلمون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتبعون سنته، وكثير من اهل الملل لم يطلعوا على سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويعلم الناس بها من سيرة وعمل المسلمين، ليصبح المسلمون واسطة في الخير.
ومن الناس من يظن صعوبة أداء التكاليف العبادية، ويرى فيها مشقة لايقدر على تحملها، فيكون المسلمون حجة عليه، ووسيلة لدفع ما عنده من الوهم، وأسوة يقتدي بهم، ويدرك من خلال حسن تقيدهم بالفرائض إمكان ادائها ومشاركة المسلمين في السعي الى الدار الآخرة والفوز بالنعيم الخالد.
ومن الآيات في عالم الدنيا ودار الإبتلاء ان تتعدد الأمم، وكل امة لها منسك و منهج، فانعم الله على الناس، ورفع اللبس وازال الإبهام بان بيّن لهم من هي خير امة، وذكر صفاتها، وما مذكور عنها في اللوح المحفوظ، ليكون الذكر ضابطة كلية لمعرفة الإعجاز والتوفيق في حال المسلمين بان يد الرحمة تتغشاهم دائماً فلا يزيغون عن صفاتهم العبادية، ولا يعدلون عن نهجهم العقائدي، وهذا الثبات من الشواهد الدائمية على كون المسلمين خير أمة.
قانون الأمة والعولمة
نزل القرآن قبل اكثر من اربعة عشر قرناً فاخبر بان المسلمين خير امة، وهل يظن المهاجرون والانصار انهم المقصودون دون غيرهم من أجيال المسلمين بالآية، بلحاظ مبادرتهم للتصديق بالنبوة ومجئ الناس تابعين لهم، الجواب لا، اذ يتبادر الى الأذهان إرادة المسلمين جميعاً وكل من ينتمي الى الإسلام هو من خير امة، ومن خصائص الخطاب القرآني الشمول والعموم وعدم انحصاره بجيل دون آخر، ومناسبة موضوعه لأحوال الناس في الأزمنة المتعاقبة.
لقد جعل الله عز وجل القرآن مدرسة جامعة لأحكام الشريعة بما يكفي لحاجة الناس في الميادين المختلفة، ومنها اختيار اهل ملة من الناس لتكون خير امة من بين الأمم، وتفضل سبحانه بتعيين هذه الأمة وهم المسلمون، وجعل مبادئ الإسلام ظاهرة قريبة من الناس وخالية من اللبس، تتقوم بالايمان بالله عز وجل وإتيان العبادات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولم يجعل سبحانه حاجزاً بين أي انسان وبين الإنتماء الى الإسلام، وصيرورته من افراد خير امة لتترشح عليه سمات العز والرفعة بحسن الإختيار، وتأتي انظمة العولمة في هذا الزمان ليتبادل الناس المعارف، وتطلع كل امة وجماعة على حضارة ومفاهيم الأمم الأخرى، وتتجلى المصاديق الواقعية لمضامين هذه الآية المباركة بأبهى صورة لها في وحدة المسلمين واعتصامهم بالله عز وجل وأدائهم الجماعي العام للفرائض والعبادات.
ومن الآيات في المقام العناية الإلهية بالمسلمين في دفع شرور الفتن عنهم وإعانتهم في أخذ الحائطة للدين وإجتناب الفرقة والتشتت، والتصدي لأسبابها التي تأتي لأسباب متعددة منها العولمة وآثارها العرضية والتداخل بين الأمم والشعوب، والتقارب بين الحضارات والحكومات وبروز أولويات في المصالح الإقتصادية والتجارية، وازدهار السياحة وكثرة التنقل ومحاولات التدخل في شؤون المسلمين لأغراض ومقاصد خاصة.
ومن خصائص خير أمة تحملها لأعباء ومسؤوليات تثبيت كلمة التوحيد في الأرض، ومحاربة الضلالة والكفر، مما يستلزم الانتفاع من التداخل والتقارب بين الامصار والحضارات لاظهار معاني الصلاح والرشاد، ونشر مفاهيم الفضيلة والود والمحبة الايمانية، واظهار الأخلاق الحميدة التي تؤكد للناس ان المسلمين هم خير امة، وتكون سيرتهم وسيلة لجذب الناس للإسلام، ووحدتهم مانعاً من التعدي على ثغور المسلمين، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر اصلاحاً للناس كافة.
وليس من برزخ بين الميادين العقائدية والإقتصادية والتجارية في ملاك التفضيل بين الأمم، اذ يظهر تقيد المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات حسن سمتهم وتفضيلهم وإبتعادهم عن الغش والظلم والسرقة ونحوها من الأخــلاق المذمومة ليبينوا خشــيتهم من الله عز وجل في السر والعلانية، وتأتي كنوز الأرض وثروة النفط آية في هذا الزمان تبين اللطف والرزق الإلهي للمسلمين، وتفضيلهم بالنعم الطبيعية، وتوظيفها في مرضاة الله والوقاية من الكدورات الظلمانية وجعلها عوناً لهم في دنياهم وآخرتهم، ووسيلة للعز والرفعة، ودعوة للناس لإستقراء الدروس والعبر من الإختصاص في هذه النعم، فمع المدح والثناء من عند الله تعالى للمسلمين، وتفضله بجعلهم خير أمة تأتي النعم وتنزل البركات لتكون سلاحاً لأداء الفرائض والعبادات وسبباً حسياً ظاهراً لترغيب الناس بالإسلام.
قانون خير أمة حاجة
تلازم الحاجة الإنسان في حياته كلها، لانه ممكن، وكل ممكن محتاج، وتحتمل الحاجة مع الجمع وتعدد الناس واتحادهم وجوهاً:
الاول: قلة الحاجة، والنقص فيها باعتبار ان الإتحاد والتعاون يخفف ويقلل من حاجة الناس الى الغير.
الثاني: حصول الاكتفاء الذاتي بين أفراد الأمة والجماعة، فصحيح ان بعضهم يحتاج بعضهم الآخر، الا ان حاجتهم للغير تنتفي وتزول إستغناء.
الثالث: إستعصاء افراد الجماعة على الحاجة الى الغير،مع بقاء حاجة الآخرين لهم من غير ان تنفي القاعدة الكلية لحاجة الإنسان لبقاء حاجته الى أفراد أمته وجماعته، ولكن الآخرين يحتاجون الأمة والجماعة المتحدة.
الرابع: بقاء ذات الحاجة الفردية والجماعية.
والصحيح هو الأخير فحاجة الإنسان مستمرة، ولايستطيع مع الإستعانة بالأمة والقبيلة والجماعة ألإستغناء عن الغير، وتلك آية في عالم الخلق والإرادة التكوينية، ولطف إلهي بالعباد، ودعوة لهم للإيمان والتقيد بسنن الشرائع، والتدبر في خلق الإنسان وماهية الدنيا وكونها دار مرور وعبور الى عالم الخلود، حيث تنحصر حاجة الخلائق بالله عز وجل، وان كانت ذات القاعدة الكلية هي التي تحكم عالم الدنيا ايضاً، ولكن مايظهر من حاجة الناس بعضهم لبعض انما هو من الوسائط في الحاجة وقوانين الإمتحان والإبتلاء في الدنيا.
ومن حاجة الناس فيها وجود أمة جامعة لشرائط العبودية والصلاح، لتكون برزخاً دون الإبتعاد عن مفاهيم التوحيد، والتمادي في الذنوب والمعاصي، وملجأ يرجع الناس اليه لمعرفة احكام وسنن العبودية لله تعالى، وقد جاء القرآن في حث المسلمين لتصدي فرقة منهم للتفقه في الدين، قال تعالى [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ] ( ).
ويأتي وجود أمة بين الناس هي خير أمة دعوة للتبصرة والتفكر في خلق الإنسان ونشأته وعالم الدنيا مع التباين فندب طائفة من المسلمين الى التفقه في الدين إجمالي من غير تحديد بصفات مخصوصة, بينما ذكرت هذه الآية خير الأمم على نحو التعيين وهم المسلمون، فان قلت ان التعيين جاء بصيغة الخطاب (كنتم خير أمة ) في القرآن وهو الكتاب النازل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكيف السبيل الى معرفة الأمم الأخرى بهذه الحقيقة.
والجواب ان القرآن كتاب سماوي يتضمن حقائق التنزيل واسرار التكوين ووظائف الناس في باب العبودية والطاعة لله تعالى، وتتوجه خطاباته للناس جميعاً ولكن شطراً من الناس إختاروا الكفر والجحود والصدود.
ومن رحمة الله تعالى بالناس بقاء توجه الخطابات القرآنية لهم، وارادتهم في الدعوة الى عبادته وطاعته، ومنها تجلي آيات القرآن ظاهرة قريبة من الناس، يستطيع أي إنسان الإنصات لها، ويتدبر في مضامينها القدسية وهي تتلى عليه، من وجوه:
الاول: كون الإنسان مقصوداً بالتلاوة، وارادة اسماعه تلاوة ا لآيات.
الثاني: مجئ التلاوة عرضاً، ووصولها الى سمعه من غير ان يكون مقصوداً بها، فضلاً من عند الله.
الثالث: ان يسعى الإنسان بنفسه لسماع الآيات، والتدبر في معانيها ومضامينها الإعجازية.
وتستلزم هذه الوجوه قيام المسلمين بتعاهد تلاوة القرآن، وتبليغ الناس مضامينها وإظهار البيان الفعلي لمعانيها بالتقيد بآدابها واتباع سننها، وكما جاءت الآيات السابقة بنعمة الأخوة الإيمانية بين المسلمين لتكون رحمة لهم وللناس جميعاً في الدنيا.
فكذا نعمة (خير امة) ونيل المسلمين لهذه المرتبة فهي رحمة بهم وبالناس جميعاً في الدنيا، ورحمة بالمسلمين خاصة في الآخرة.
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالإسلام ونزول القرآن ليبقى مائدة سماوية في الأرض تشع بضياء الهدى والإيمان، وتدعو الناس جميعاً للأخذ والتزود منها.
ومن اعجاز القرآن أن رجوع الناس الى آياته لم ينقص منها شيئاً،بل تتجدد معه علوم وكنوز القرآن ، وتؤكد الأيام سلامة أحكام القرآن، وحاجة الناس اليها في كل زمان ومكان للرجوع الى القرآن والصدور عنه على قسمين:
الأول: من يرجع الى القرآن في الأحكام التكليفية مطلقاً.
الثاني: الذي يعرض عن القرآن واحكامه.
والمسلمون هم الذين يرجعون الى القرآن, فجاءت الآية في مدحهم وحثهم على تعاهد مسالك الايمان، وحث الناس على الخير والصلاح، وإعانتهم على ترك الفواحش والذنوب، وتتجلى الحاجة الى خير أمة من وجوه:
الأول:إستدامة علو كلمة التوحيد في الأرض.
الثاني:تبليغ البشارات والإنذارات للناس.
الثالث: معرفة الناس بالنبوة، ولزوم التصديق بها.
الرابع: اقامة شعائر الله في الأرض.
لقد خلق الله عز وجل الناس لعبادته، وإختار شطر من الناس الكفر والجحود، فاحتاج الناس جميعاً امة تتعاهد عبادة الله عز وجل، من وجوه:
الأول: بقاء أهل الإيمان على إيمانهم.
الثاني: توارث الإيمان بين الناس.
الثالث: منع الناس من التأثر بمفاهيم الكفر.
الرابع: دعوة الكافرين الى الإسلام.
الخامس: بيان منافع الإيمان في الدنيا والآخرة.
السادس: توكيد قبح الكفر والضلالة.
السابع: توارث الإنتماء للاسلام، والإفتخار بهذا الإنتماء.
لقد تولى المسلمون مسؤولية حفظ كلمة التوحيد في الأرض وتحملوا من اجله العناء والمشقة، وقدموا مواكب الشهداء في سوح المعارك وغيرها، واختاروا احياناً الغزو والهجوم لنشر مبادئ الإسلام وإعانة الناس بالقوة لدخول الإسلام في آية اعجازية تبين للملائكة الذين سألوا عن علة خلافة الإنسان للأرض جهاد المسلمين، وطاعتهم لله تعالى وعمارتهم الأرض بالعبادة، فالمسلمون يضربون في الأرض جهاداً في سبيل الله، ويصبرون على إخراجهم من أرضهم، ليبنوا دولة الاسلام حيثما كانوا، ويكون الكافر محتاجاً لهم ولدعوتهم له بالقول والفعل الى الإسلام والهداية.
قانون أفراد الأمة
يأتي معنى الأمة للجيل والطائفة من الناس، وجاءت هذه الآية لتخاطب أجيال المسلمين بصفة متحدة هي:
الأول: الإنتماء الى امة واحدة، فمع تعدد وتباين أجيالهم فانهم جميعاً ينتمون الى أمة متحدة، يلتقي فيها السابق واللاحق في افراد الزمان الطولية، ويتفرع عنه إتحاد تأريخهم وعاقبتهم وصفتهم، فكل مسلم هو فرد من أمة محمد.
الثاني: إتصاف المسلمين بانهم خير أمة فمن فضل الله عز وجل على المسلم، ملازمة صفة الإنتماء الى خير امة له مدة حياته، وكثيراً مايتغير الحال والشأن بالنسبة للإنسان، ويغادر منازل الرياسة والجاه، اما صفة الإنتماء الى خير أمة فهي دائمة لا تفارق المسلم في الحضر والسفر، والصحة والسقم، والغنى والفقر.
وحدث في أيام الفتوحات ان اسر المسلمون جماعات ممن قاتلوا المسلمين من الكفار واسترقوهم، واصبحوا عبيداً، ولكنهم إختاروا الإسلام مع الرق فهل تشملهم عمومات الآية والإكرام، الجواب نعم فالحر والعبد من المسلمين بعرض واحد في العز والرفعة بالإنتماء للإسلام، وهذا الإنتماء من أسباب إقدام الناس على دخول الإسلام ومنهم العبيد، ولا تمر أيام او شهور او سنوات حتى تجد العبد قد أعتق، واصبح حراً ليبقى الفخر والغبطة بالاسلام هي المصاحبة له.
ومع مافي الآية من الثناء على المسلمين فانها تحث كل مسلم على تعاهد هذه المنزلة بين الأمم، وفي الآية دعوة مركبة من وجوه:
الأول: دعوة كل مسلم ومسلمة للقيام بوظائفهما العبادية، والتدبر في علة اختيار المسلمين لمنزلة خير امة، وكيفية تعاهد هذه المرتبة الرفيعة.
الثاني: دعوة الناس جميعاً لإكرام كل مسلم ومسلمة لانهما فردان من خير امة.
الثالث: تلمس الخصائص التي جعلت المسلمين خير امة.
وكل فرد من المسلمين مرآة للأمة في مبادئها وسننها وعليه تقع مسؤولية الظهور بما يليق بالإسلام من الشأن والعز والرفعة، مع الاقرار بالعناية واللطف الإلهي في إعانة المسلمين على هذه المسؤولية، وهدايتهم لتعاهد المنزلة الرفيعة لهم بين الأمم لذا جاءت هذه الآيات بالأمر بالإعتصام بالله والدعوة الى الخير ونبذ الفرقة والخلاف.
ومن الآيات ان افراد هذه الأمة هم أكثر اهل الأرض بلحاظ اتحادهم مع إختلاف الأجيال، ليتصف افراد كل الامم الأخرى بانهم جيل من الناس، ويحصل تباين واختلاف بين الأجيال المتعاقبة منهم.
بل يفترق ذات الجيل الواحد الى فرق وطوائف ومذاهب، اما المسلمون فان اجيالهم المتعاقبة كلها من امة واحدة، ويأتي شهر رمضان في كل سنة ليؤكد هذا الاتحاد، وانتفاء الفرقة بينهم بما يؤدونه من الصيام في اوان متحد، والافطار في وقت مخصوص وبلحاظ آية كونية ظاهرة، وهي رؤية الهلال، ثم يأتي بعده بشهرين وثمان او تسعة ايام، وقوف وفد الحاج على جبل عرفة في ساعة واحدة عند الزوال من ظهر يوم عرفة طاعة وعبادة لله تعالى.
بالإضافة الى الإتحاد في الفعل العبادي خمس مرات في اليوم في الصلاة اليومية التي لايجري عليها تغيير او اضافة او نقصان، وهذا الإمتناع عن التغيير من مصاديق خير امة.

قانون موضوعية القرآن في التفضيل
جاءت الآية الكريمة بالإخبار عن تفضيل المسلمين على اهل الأرض، وفيه مدح وثناء لم تحصل عليه أمة أخرى من الموحدين ولكنه في نفس الوقت مدح وثمرة لسعي وعمل الأنبياء وجميع اتباعهم من الموحدين من ايام ابينا آدم عليه السلام والى حين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء المدح الى المسلمين، ولكن الفخر اعم من وجوه:
الاول: شموله للمسلمين من الامم السابقة للاسلام.
الثاني: انه مدح وثناء على الأنبياء اذ تتوج جهادهم وحسن تبليغهم رسالة النبوة بان اخرج الله عز وجل للناس المسلمين.
الثالث: المدح والبشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان امته خير الأمم.
الرابع: بقاء الدعوة الى الاسلام متصلة ودائمة وموجهة للناس جميعاً، وهذه الآية وحدها راية خفاقة ترفرف فوق رؤوس العباد وتدعوهم للانضمام تحت لوائها ليفوزوا بالمدح والعز والفخر.
وجاء مدح المسلمين ووصفهم بانهم خير امة مقروناً بعلة التفضيل باطرافها الثلاثة وهي:
الأول: الأمر بالمعروف.
الثاني: النهي عن المنكر.
الثالث: الإيمان بالله.
وكل طرف منها تتفرع عنه مدارس عقائدية وعبادية وأخلاقية وإجتماعية، ويبعث الأنوار التي تجذب الناس للهداية والايمان، وينير الدرب لأجيال المسلمين المتعاقبة، ويكون عوناً لهم على توارث نعمة التفضيل.
ومن الآيات مجئ تفضيل المسلمين بفضل وعون من عند الله عز وجل وبآيات ظاهرة جلية، ومدد متصل لايعلم أفراده ومصاديقه كما وكيفاً الا الله تعالى، وهو من النعم التي يعجز الناس عن إحصائها.
ومنها آيات القرآن، فهي مادة وسبب لتفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم، وتحتمل موضوعيتها في التفضيل وجوهاً:
الأول: إتحاد أثر الآيات القرآنية مجتمعة في تفضيل المسلمين على الأمم الأخرى.
الثاني: موضوعية كل سورة قرآنية على نحو مستقل في تفضيل المسلمين.
الثالث: إعتبار الموضوع والحكم المذكور في آيات القرآن.
الرابع: لكل آية قرآنية موضوعية وأثر في نيل المسلمين مرتبة خير أمة.
والصحيح هو الأخير، وتلك آية من آيات الفضل الإلهي، وسر من أسرار القرآن، اذ ان كل آية مدرسة في المعارف الإلهية، ووسيلة للإرتقاء في سلم درجات التقوى، وتقدير الآية: كنتم خير امة أخرجت للناس بآيات القرآن.
فآيات البشارة والانذار مثلاً تنفع المسلمين والناس جميعاً، فاما المسلمون فانهم يتعاهدون الواجبات طاعة الله وطمعاً بنيل الثواب، ويقومون بالدعوة الى الله لانها واجب ذاتي وغيري، كما يتجلى في الأمر بالمعروف الذي ينحل الى القيام بالواجبات التعبدية واصلاح الآخرين وجذبهم الى سبل الهداية والإيمان، ولانها باب لنيل الأجر والثواب، واما غير المسلمين فان إستماعهم لآيات البشارة حث لهم لنيلها والفوز بها، ودعوة لازاحة الموانع التي وضعوها بايديهم بينهم وبين مضامين هذه البشارات.
وتبعث آيات الإنذار في نفوسهم الخوف والحسرة والحزن ، الخوف من اهوال يوم القيامة، والحسرة لانهم لم يستعدوا لها بالإيمان والعمل الصالح، والحزن على فاتهم وما فرطوا به واصرارهم وعنادهم وجحودهم بالنبوة والتنزيل، وتأتي آيات القرآن لتمنع من إستيلاء اليأس والقنوط على نفس الانسان وان كان كافراً.
وكل آية من آيات القرآن تدعو الإنسان مطلقاً للتدارك والإنابة والتوبة، ويكون المسلمون هم الواسطة الكريمة لتلاوة الآيات وايصال مضامينها للناس وهو من وجــوه تفـضيلهم على غيرهم، فاختارهم الله عز وجل لحمل رسالة تلاوة الآيات على الناس، وبعث الأمل في نفوسهم وبقاء كلمة الله هي العليا.
والدعوة الى الإسلام مستمرة لا تنقطع، وتلك خصوصية انفرد بها المسلمون إذ يقومون بدعوة الناس الى الإسلام، وما فيه من السلامة من أدران المعاصي في الدنيا، وأسباب النجاة في الآخرة من العذاب الأليم.
قانون أحسن الأمم
الناس جمع انسان من الإنس في دلالة على ميل الإنسان للألفة والإستئناس بغيره، لذا تجد الناس يجتمعون في قرى ومدن وأمصار كبيرة، ويجتنب الأنسان العيش وحده، وحتى الأسرة التي تعيش بمفردها كما في بعض المزارع فان الألفة والأنس موجودان من وجوه:
الاول: الألفة والمودة بين أفراد الأسرة ذاتها.
الثاني:الإتصال مع الناس الآخرين في السفر، ومعاملات البيع والشراء ونحوها.
الثالث: لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالكتاب المنزل ليكون أفضل صاحب وخير أنيس، ويتصف هذا الصاحب بأنه سماوي وكريم ولا يعطي إلا الخير والصلاح، ومن خصائص إتصافه بالسماوية عصمته، وتضمنه فصل الخطاب، وخلوه من الخطأ وتنزهه من الزلل.
الرابع: الإلتقاء والإشتراك في أداء العبادات فيؤدي العبد الصلاة وهو يعلم أن إخوانه المسلمين يؤدونها مثله، ويهل عليه شهر رمضان ويصوم أيامه وتملأه الغبطة بان المسلمين يشاركونه أداء الفريضة وأنه يرث المناسك من الأجيال السابقة منهم.
ويختص بهذا الوجــه المســلمون دون غيرهــم من الناس وأنعم الله عز وجل على الناس في هذا الزمان باسباب الإتصال السريعة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة لتخفف من عزلة الإنسان وتزيد من صلاته وعلاقاته مع غيره من الناس، وتوسع دائرة إطلاعه وتتعدد معها معارفه، ولكنها لا تجعل الإنسان غنياً بل يبقى محتاجاً فقيراً، لأنه ممكن والحاجة ملازمة للإمكان، ومن وجوه حاجة الإنسان حاجته الى غيره في إكتساب المعارف وإصلاح الذات.
فجاءت هذه الآية لتخبر عن تفضل الله تعالى بسد حاجة الناس بالمسلمين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولاينحصر هذا الأمر والنهي بالغير، بل يشمل الذات، فيقوم المسلمون بالأمر والنهي فيما بينهم، وتتقوم الحاجة النوعية العامة للناس بالمسلمين لذا إستحقوا الصفات المباركة هي:
الأولى: خير أمة.
الثانية: خروجهم للناس.
الثالثة: تفضل الله تعالى على الناس بخروج المسلمين لهم.
ولو كان خروج المسلمين من عند أنفسهم للاقوا ألأذى والنصب، ونكصوا وقل سعيهم مع تقادم الأيام أو عند الشدائد والمحن، فجاءت نسبة الإخراج الى الله عز وجل لتؤكد إستدامة عملهم وجهادهم في سبيل الله.
ولا يفعل الله سبحانه الا ما هو حق وصدق، وإخراج المسلمين للناس مظهر من مظاهر عظمة قدرة الله عز وجل، ومصداق من مصاديق لطفه سبحانه، فانه قهر الكفر والضلالة باخراج أمة الاسلام، لتكون حاضرة في كل اصقاع الأرض تحكي سنن النبوة، فبعد أن قامت أمم سابقة بقتل شطر من الأنبياء أخرج الله المسلمين لهم أمة كاملة، يتعدى الكفار والفاسقون عليهم ويقتلون افراداً منهم في سوح المعارك وغيرها فتزداد الأمة ثباتاً في مناهج الإيمان.
ومن خصائص المسلمين مواظبتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو كالنهر الجاري المستمر الذي لايتوقف الى يوم القيامة، ويدل عليه ورود الآية بصيغة المضارع والصبغة العبادية للأمر والنهي، وبيان حرص المسلمين على المواظبة عليهما، واكتناز الصالحات بالسعي في طرق الخير والصلاح والإصلاح.
ومن الإعجاز ان الآية لم تقل (كنتم خير أمة أخرجت للأمم) بل قالت ( للناس ) باعتبار ان المطلوب ليس محاكاة الأمم الأخرى للمسلمين بل لابد لكل إنسان من محاكاة المسلمين باعتباره مكلفاً، ولا تكون المحاكاة الا بالتصديق بالنبوة والإقرار بنزول القرآن من عند الله، اذ قسمت الآية أهل الأرض الى قسمين:
الاول: المسلمون.
الثاني: الناس من غير المسلمين.
وبينت الآية مادة الصلة بينهما وهي الخروج , أمة خرجت للناس جميعاً، وهذا الخروج ليس ذاتياً، بل هو بمشيئة وارادة وتوفيق من عند الله، ويستلزم المفاعلة بين الطرفين، أحدهما مؤثر وهم المسلمون والآخر متلقي ومتأثر وهم الناس جميعاً.
قانون خصائص خير أمة
من ذخائر القرآن وجود قواعد كلية فيه تتفرع عنها مسائل عقائدية وأحكام متعددة تتجدد مع الأيام ولا تقبل النسخ او التأويل الخاطئ، وأنى يأتي هذا التأويل، وكل آية من القرآن معضدة ومفسرة بآيات عديدة منّه الى جانب بيان وتفسير السنة النبوية المباركة وأثرها في تثبيت معاني القرآن وسننه وأحكامه، وجاءت هذه الآية الكريمة لتخبر عن حقيقة في الإرادة التكوينية تبين الفيض الإلهي على الناس وإتصال رحمة ورأفة الله، وتغشي مقدمات التوبة واسباب المغفرة الناس جميعاً.
ومن النعم الإلهية على الناس جميعاً بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ووجود المسلمين واخراجهم للناس من عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
فمن مصاديق الرحمة الإلهية في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمة الإسلام وخروج المسلمين للناس جميعاً، وتتصف خير أمة وهم المسلمون بخصائص وصفات حسنة عديدة منها:
الأولى: فتح باب الدخول الى هذه الأمة للناس جميعاً، من وجوه:
الأول: كفاية النطق بالشهادتين لثبوت إسلام الإنسان.
الثاني:تكون المرأة بعرض واحد مع الرجل في وجوب دخول الاسلام وحقها فيه، وليس لأب او زوج او أخ ان يحول بينها وبين دخوله، لتوجه الخطاب التكليفي للمرأة ايضاً ولعمومات لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن الآيات في بداية الإسلام مبادرة عدد غير قليل من النساء لدخول الإسلام قبل آبائهن وأزواجهن، وتلك مكرمة للمرأة مطلقاً والمرأة المسلمة خاصة.
الثاني: مصاحبة المعجزات لخير أمة بالقرآن وآياته التي تتجدد مضامينها ألقدسية وتتجلى منها في كل وزمان ومكان أبهى مصاديق العلم السماوية.
الثالث: مصاحبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخير أمة من أهل الأرض، وهو مانع من ألغواية والضلالة، وحينما يُذكر المسلمون يتبادر الى الأذهان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابع: دخول الناس إلى هذه الأمة، وعدم خروج أحد منها، وصحيح أنه لايجوز الإرتداد وترك الإسلام الا أن النوبة لا تصل اليه لان كل مسلم ومسلمة متمسكان بالإسلام.
الخامس: لايخشى على خير الأمم الإنقراض والزوال.
السادس: يتعاهد المسلمون الصلاة والصوم وسائر العبادات، فمن شرائط التفضيل بين الأمم، عدم ترك العبادات او التقصير فيها، وهذا سر من أسرار انتقاد المسلمين وتفضيلهم على الأمم الأخرى، فقد خرجت امم من الموحدين على الناس، ولكن التقصير والتخلف عن الواجبات والفرائض يظهر ويدب في نفوس وأفعال الأجيال اللاحقة منهم ويمتاز المسلمون بخصال حميدة في المقام منها تعاهد الفرائض و العبادات بذات الماهية والكيفية.
السادس: ينفرد أفراد خير الأمــم بتلاوة آيــات القرآن التي اراد الله عز وجل لها البقاء في الأرض دستوراً وإماماً وسبيل هدى ولاينحصر الأمر بالتلاوة بل ان المسلمين يتدبرون آيات القرآن ويعملون بسننها ومضامينها القدسية.
السابع: لقد كتب الله على الذين يعادون خير أمة الذلة والمسكنة والهوان، وفيه عون للمسلمين في تعاهد معالم الدين وسنن سيد المرسلين.
الثامن: تتولى خير أمة تثبيت دعائم الدين.
التاسع: تتعاهد خير أمة قصص الأنبياء، وسننهم العبادية وتعتني بسيرتهم، وسيرة أصحابهم وأنصارهم وتجعلها وثيقة تأريخية بيد المؤمنين، وفيه ذكر حسن لهم.
العاشر: لا تنحصر مصاديق الأمر بالمعروف بموضوع او كيفية مخصوصة، ويقوم المسلمون بكل الصيغ الممكنة للإصلاح، وتقديم الأحسن على الحسن، والأهم على المهم.
الحادي عشر: يستجيب المسلمون للأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتخلفون عنه، ويحرص كل جيل منهم على النهوض بمسؤوليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير كلل او ملل او ضجر.
الثاني عشر: من خصائص خير امة التمسك بالقرآن والسنة واجتناب الفرقة والإختلاف، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).
الثالث عشر: فوز خير أمة بنعم إلهية تعجز الخلائق عن إحصائها وتأتيهم النعم على وجوه متعددة.
الأول: النعم الدنيوية، وهي على أقسام:
الأول: مايشتركون به مع الناس كافة.
الثاني:مايكون خاصاً بينهم وبين أهل الكتاب.
الثالث: النعم التي ينفرد بها المسلمون من المدد الالهي، وإقالة العثرة، وقبول العمل الذي يتقوم بقصد القربة وفتح باب الإستغفار لهم، وقبول توبتهم.
الرابع عشر: تؤمن خير أمة بآيات الله على نحو العموم المجموعي والإستغراقي من الطرفين، فليس من فرد من المسلمين ينكر آية من آيات الله، سواء الآيات الكونية او الآيات في الأنفس او آيات القرآن والكتب السماوية المنزلة قبله.
الخامس عشر: يؤمن جميع افراد خير أمة بالله عز وجل، ويكفرون بالطاغوت.
السادس عشر: يقاتل المسلمون في سبيل الله، ويدافعون عن الإسلام، وليس من أمة قامت بوظائف الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة التوحيد في الأرض كما قام به المسلمون.
السابع عشر: المسلمون في حال عداوة متصلة مع الشيطان، وهم في جهاد متصل في دفعه عن انفسهم وعن الناس، وهو من مصاديق إخراجهم للناس، لوقاية أهل الأرض من إغواء الشيطان وإستحواذ النفس الشهوية والغضبية.
الثامن عشر: يحرص المسلمون على إخراج الزكاة والحقوق الشرعية ودفعها الى أهلها من الفقراء والمساكين، وهو من أفراد التكافل الإجتماعي بينهم، وعمومات الأخوة الإيمانية وعدم الفرقة، ومانع من الإختلاف والتشتت.
وإقرار المسلمين بوجوب الزكاة برزخ دون المّن والأذى عند دفعها للمحتاج.
التاسع عشر: ينقطع المسلمون الى الدعاء والسؤال من الله، كسلاح لقضاء حوائجهم، وفيه شهادة نوعية عامة منهم بان مقاليد الأمور كلها بيد الله عز وجل.
العشرون: من خصائص خير أمة إختيار الهجرة وترك الاوطان والعزوف عن العيال والأموال جهاداً في سبيل الله، ومما ينفرد به المسلمون، قيام الآلاف منهم في سنوات البعثة النبوية بالهجرة من مكة وغيرها الى المدينة، ومنهم اهل الصفة من فقراء المهاجرين الذين كانوا يقيمون في باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة الى هجرة فريق من المسلمين الى الحبشة والطائف، قال تعالى[لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ] ( )، ومن وجوه الإبتلاء في الدنيا، ان المسلمين هم احسن وافضل امة اخرجها الله للناس ومافيه نفعهم ومصلحتهم، وبدل مقابلة الناس لهم بالشكر ومحاكاتهم في الإعتقاد والأفعال العبادية، فانهم يخرجونهم بالقوة والقهر من ديارهم وبيوتهم، ويكرهونهم على ترك اموالهم.
الحادي والعشرون: الوعد الكريم من عند الله لخير أمة بالنصر والظفر على الأعداء، ومن الآيات ان مصاديق هذا الوعد مصاحبة للمسلمين في كل زمان، فلم يتخلف عنهم النصر سواء في سوح المعارك او في الاحتجاج واسباب العز المسلمين.
الثاني والعشرون: حب المسلم لأخيه المسلم مايحبه لنفسه، وسعيه في صلاحه ونصرته، وانتفاء الحسد والبغضاء بين المسلمين قال تعالى [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ]( ).
الثالث والعشرون: يتصف المسلمون بالمواظبة على ذكر الله وخشيتهم منه في السر والعلانية، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا] ( )، ويعمر المسلمون مساجد الله تعالى بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن.
الرابع والعشرون: يحرص المسلمون على افشاء السلام، وأداء تحية الملائكة والأنبياء (السلام عليكم) وما فيها من معاني الود ونشر الرحمة فيما بينهم، كما أنها مقدمة للألفة وتثبيت المحبة، ومناسبة لطرد النفرة من النفوس.
الخامس والعشرون: يتقيد المسلمون باحكام الجنايات، وما لها من العقوبات واسباب الزجر عنها ومنها القصاص اذ ينفرد المسلمون بالتقيد بأحكامه مع وجودها في الكتب السماوية السابقة كالتوراة، قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
السادس والعشرون: لقد توالى نزول الكتب السماوية على الأنبياء، وقام شطر من اتباعهم فيما بعد بإخفاء الآيات وكتمان البشارات، والاحكام، وقد انذر الله عز وجل في القرآن الذين يكتمون الآيات ووعدهم باللعنة والطرد من رحمته.
ومن صفات المسلمين انهم لايكتمون ما انزل الله، فالقرآن الذي يتعاهدونه هو نفسه الذين أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة او نقصان.
السابع والعشرون: يطيع المسلم والديه، ويسعى في إرضائهما ويتجنب إيذائها، ومن الآيات في الآداب الإسلامية ان قرن الله عز وجل الإحسان اليهما بعبادته وطاعته، قال سبحانه [لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] ( ).
وليس من أمة من أهل الأرض يعيش فيها الآباء والأمهات في حال الكبر والشيخوخة في عز وكنف الاولاد مثل المسلمين، ومن القواعد الفقهية الثابتة في الشريعة الاسلامية وجوب الإنفاق على الوالدين عند ظهور حاجتهما.
الثامن والعشرون: يتعاهد المسلمون صلة الرحم ويصلون الاقرباء،ويبذلون المال في إعانتهم، وقد جعل الله عز وجل على المسلم والمسلمة حقاً لذوي القربى، لتثبيت اواصر الصلة والرحم بين المسلمين الى جانب أخوة الايمان، قال تعالى [فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ]( ).
التاسع والعشرون: لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار ابتلاء، وتتجاذب الانسان فيها امواج الآمال، واسباب الخيبة والعجز عن بلوغ كثير منها، وامتاز المسلمون بحسن التوكل على الله تعالى، وسؤال الحوائج منه، والإقرار بان الرزق بيد الله عز وجل، ولايكون الا مايشاء سبحانه، فلم يحزنوا على مايفوتهم من حطام الدنيا، وحافظوا على اداء الفرائض والعبادات وجعلوها الأهم في حياتهم، قال سبحانه [وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ] ( ).
الثلاثون:مما يتصف به المسلمون الإرتقاء في المعارف الإلهية، واتخاذ الوقائع ومناسبات الفرح والحزن أسباباً للجوء الى الله، ويتحلى المسلمون بدرجات من الصبر لم تصل اليها امة من امم الأرض ولا تستطيع امة غيرهم بلوغها.
ومن الآيات ان صبر المسلمين مطلق، وشامل للميادين المختلفة، لقد اصبح الصبر ملكة عند المسلمين، ومن منافعه تحمل الاذى في جنب الله، والصبر في الجهاد والمرابطة، ومنع العدو من مباغتة ثغور المسلمين، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الحادي والثلاثون: من الآيات في خلق الانسان ان جعل الله عز وجل له الدنيا مزرعة للآخرة، فيسعى المؤمن لبلوغ مراتب الرفعة ومقامات النعيم الدائم في الآخرة، ويتصف المسلمون بالسعي اليومي الحثيث نحو الجنة، فيتقادم على الانسان الجديدان أي النهار والليل، والمسلم والمسلمة في صراع معهما، بانتزاع الوقت الكافي منهما للعبادة والنسك من غير ملل او كلل.
الثاني والثلاثون: يجتنب المسلمون الأخلاق المذمومة، والعادات القبيحة فيحرصون على التنزه من الغيبة والنميمة، والشح ونحوه.
الثالث والثلاثون: أنعم الله عز وجل على المسلمين بليلة القدر التي هي خير من الف شهر، فيصعد فيها دعاؤهم ومسألتهم، ويحيون الليلة بالصلاة، وتلاوة القرآن والتسبيح لتشهد الملائكة عمارتهم الأرض بالذكر.
الرابع والثلاثون: كما ان المسلمين لايرتدًون عن دينهم، فأنهم منزهون من الغلو في الدين والنبوة، وجعلهم الله ائمة للناس لهدايتهم الى التخلص من الغلو، وحثهم للإبتعاد عن اسباب الضلالة، قال تعالى [ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ] ( ).
و(قل) خطاب إلهي موجه الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبواسطته الى المسلمين جميعاً في مخاطبة اهل الكتاب في كل زمان ومكان لعدم الغلو في عيسى عليه السلام مثلاً، وتدل الآية في مفهومها على تنزه المسلمين من الغلو، وتشهد سيرتهم على اجتنابهم للغلو.
الخامس والثلاثون: يتصف المسلمون بالأخوة الإيمانية، وهذه الأخوة وسيلة للصلاح والإصلاح، والنجاة في النشأتين، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] ( ).
ومن خصائص المسلمين المنزلة الرفيعة يوم القيامة قيل أوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم: إنّ الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك( ).
قانون خشوع الأمة
وقراءة في التصوف
من خصائص خير امة خشوع افرادها لله تعالى، وتفانيهم في مرضاته، ومن عمومات اللطف الإلهي تقريب المسلمين الى منازل الخشوع بالعبادات البدنية والمالية، وتغشيها لأفراد الزمان فمنها اليومية وهي الصلاة ومنها التي تأتي شهراً كاملاً في السنة وهو الصيام، ومنها الذي يؤتي به مرة واحدة في السنة وهو الحج.
ومن الآيات إنفراد فريضة الصلاة اليومية بوجوب اتيانها على كل حال، وعدم حصول إستثناء فيها، لقد أراد الله عز وجل أن يباهي الملائكة بالإنسان كخليفة في الأرض يواظب على عبادته وطاعته، ولاينحصر الأمر ببعثة الأنبياء والمرسلين بل هو متصل الى يوم القيامة بالمسلمين وهو جزء علة لنيلهم مرتبة خير أمة.
وقد مدحهم الله عز وجل في القرآن ونعتهم بالخشوع قال تعالى [وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ]( ).
والخاشع المتذلل والمستكين، وأصله من اللين والسهولة، وفي خضوع وخشوع المسلمين والمسلمات دعوة للناس للإيمان، ودروس عقائدي يجذب الناس الى منازل التقوى، ويحثهم على التقيد بسنن الصلاح في الأرض.
وكثر الكلام عن التصوف والمتصوفة وفي اشتقاق كلمة التصوف وجوه:
الأول: من الصوف الذي غالباً ما يلبسه المتصوفون في رد منهم على الناس الذين يلبسون الثياب البهيجة الناعمة.
الثاني: نسبة الى (صوفة) جد قوم إنقطعوا الى العبادة والطواف حول الكعبة أيام ألجاهلية، ويرجع نسبهم الى الغوث بن مرة الذي سمته أمه صوفة، لأنها لم يعش لها أولاد فنذرت لئن رزقت ولداً لأجعلن برأسه صوفة وأهبه الى الكعبة فولدت الغوث، وظلت صفة (صوفة) لاصقة بأولاده من بعده.
الثالث: نسبة إلى زهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولبسه الصوف، لما ورد عن انس:” لبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصوف، واحتذى المخصوف. وقال: أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشعا ولبس خشنا”( ).
الرابع: نسبة إلى أهل الصفة من المهاجرين الذين كانوا يقيمون على باب المسجد النبوي.
الخامس: كلمة الصوفية مشتقة من (صوفيا) وتعني باليونانية الحكمة.
السادس: من الصفاء لان المتصوفة يجتهدون في صفاء قلوبهم، وتنقيحها من أدران الدنيا.
اما بالنسبة للوجه الثاني أعلاه فهو بعيد، وليس من أثر معتبر لغوث هذا في الإسلام، بالاضافة الى التباين الموضوعي، واما الثالث فإن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لبس الصوف والحسن والجيد من الثياب باعتبار ان اللباس فضل ورزق من الله عز وجل، وحث على لبس الثياب الحسنة مع الشكر لله تعالى عليها كنعمة، وفي اللباس الحسن ورد قوله تعالى [يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ] ( ).
واما بالنسبة لأهل الصفة فلم يثبت انهم كانوا يلبسون الصوف بل كانوا يلبسون اللباس الذي جاءوا به من مدنهم وقراهم بالأضافة الى مايجود به المهاجرون والأنصار من الثياب عليهم، ويسمى الذي ينسب الى الصفّة (الصفي) وليس الصوفي.
أما بالنسبة للوجه الخامس فهو بعيد لان موضوع التصوف هو الزهد في اللبس والمأكل والحس الروحاني، اما كلمة صوفيا فتعني توظيف العقل والمنطق.
والاقوى ان إشتقاق التسمية من الصوف، للبس الصوفية الصوف وهو المشهور، لأن الصوفية إمتازوا بلبس الصوف على الدوام فكان علامة لهم.
ولبس شطر من الصحابة الصوف، ورعاً وزهداً، (وعن الحسن البصري قال: والله لقد أدركت سبعين بدريا، أكثر لباسهم الصوف، لو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق)( )، ويلبس الصوف تارة عن حاجة وفقر، وأخرى ورعاً وزهداً بالدنيا، او تشبهاً بالزاهدين طلباً للدنيا.
واختلف في بداية التصوف وقيل ان ابا هاشم الصوفي والمتوفي عام (105) للهجرة أول من لقب صوفي، وقيل الأول هو عبدك الصوفي المتوفي 210، وتسمية صوفي في بدايتها أعم من مذهب الصوفية فقد يشتهر انسان بلبس الصوف، من غير ان يكون إختار مذهب الصوفية.
ودخل على قتيبة بن مسلم الباهلي عامل خراسان محمد بن واسع وعليه مدرعة صوف خشنة، فقال له قتيبة: أسألك فلا تجيبني؟ فاجاب في خشوع: أكره ان اقول زهداً فأزكي نفسي، أو اقول فقراً فأشكو ربي).
ويظهر من الحديث ان لبس الصوف لم يكن متعارفاً في الحجاز وبلاد الشام ولو كان متعارفاً هناك لما سأل قتيبة بن مسلم إستغراباً الا ان يقال ان قتيبة كره له إختيار التصوف وما يعنيه من القعود عن الجهاد، وبذل الوسع في سبيل الله، فاجابه بما ينفي عنه شبهة القعود والتخلف عن النفير اذا دعي له، وذكر ان المقاصد والاغراض في التصوف أربعة حسب ماذكره ابن خلدون وهي:
الأول: المجاهدات وتحصيل الأذواق التي تكون مقدمة للإرتقاء.
الثاني: الكشف والسياحة في عالم الغيب والصفات الربانية، والعرش والكرسي والملائكة والنبوة والوحي.
الثالث: التصرفات في العوالم والأكوان بالكرامة من الله.
الرابع: صدور الفاظ موهمة الظاهر من كبار الصوفية مما يفيد الإشكال واللبس، والتكلف في التأويل.
ويسعى المريد الى الوصول الى الحضرة الربانية بالتجرد من أدران الدنيا والإعراض عن زخرفها، وإجتناب زينتها لتحصل له على قولهم الخلوة بالله عز وجل وينكشف له الوجه الرباني، والله سبحانه قريب من عباده، ولا تحجب رحمته عنهم أسباب إنشغالهم بالدنيا، ولكي يصل المريد الى المعشوق يبذل وسعه في المجاهدات والرياضات ويجتهد في السفر في المعراج النوراني مع الصبر واكل الخشن ولبس الصوف واللباس البالي.
وقال ابن خلدون ان التصوف هو العكوف على العبادة والإنقطاع الى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والإنفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ) ( )، وقال ذو النون المصري: ان لايملك شيئاً ولايملكه شئ.
ولقد جعل الله عز وجل الدنيا دار امتحان للناس، وسخر لهم ما في الأرض فضلاً منه سبحانه، واغدق عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ومن الشكر لله تعالى الانتفاع من نعمه، وإتخاذها سبباً للإمتثال لأحكام الشريعة بإتيان الأوامر، وإجتناب مانهى الله عز وجل عنه.
ولاينحصر الإنتفاع من النعم بالذات، بل يشمل الغير أيضاً بدفع الزكاة وإعانة الفقراء والإحسان الى المحتاجين ونشر معاني الفضيلة، لتكون النعم والطيبات في الدنيا وسيلة لنيلها في الآخرة على نحو الجزاء من عند الله، وفي أهل الجنة ورد في التنزيل حكاية عنهم [هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا] ( ).
وقد ذم الله عز وجل بني إسرائيل على تشديدهم على انفسهم كما في قصة ذبح البقرة وترددهم ورجوعهم الى موسى في السؤال عن أوصاف ولون وماهية البقرة التي يجب عليهم ذبحها الى أن إنحصر الأمر في بقرة واحدة ليست بالكبيرة ولاالصغيرة، ولونها أصفر خالص تسر كل من ينظر اليها حتى قرنها وظلفها اصفرين ولم يكتفوا بهذا بل سألوا عن ماهيتها وهل هي من العوامل او السوائم فأجابهم الله تعالى بانه لم يذللها العمل بإثارة الأرض بأظلافها ولايستقى عليها الماء لسقي الزرع، وسليمة من آثار العمل.
وجاء الحصر في ذات البقرة المراد ذبحها بعد إدعائهم بان البقر تشابه عليهم مع ان التشابه بين البقر حجة عليهم ، وفيه تخفيف عنهم، لذا ورد عن ابن عباس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال.انهم أمروا بأدنى بقرة ولكنهم شددوا على نفسهم وشدد الله عليهم) ( ).
وجاءت الشريعة الإسلامية بالسعة والمندوحة في التنعم بالحياة الدنيا وأكل الطيبات ولبس الثياب البهيجة التي يكون حسنها سبباً للتوجه الى الله تعالى بالشكر والثناء ومقدمة لأداء الفرائض والطاعات بيسر، نعم قد يسيْ بعض الناس إستعمال النعم، ويتخذها وسيلة لإرتكاب الذنوب والمعاصي وليس لهؤلاء أثر أو ضرر لموضوعية قانون ثابت هو توظيف أهل الإيمان للنعم في طاعة الله عز وجل واثره في عمارة الأرض، وإذا أنعم الله عز وجل على عبد بنعمة أحب ان يرى أثرها عليه.
وقد ذكرت اسماء عدد من التابعين وتابعي التابعين والفقهاء بانهم من المتصوفة ولم يثبت مثل الحسن البصري والفضيل بن عياض والغزالي الذي سعي في ايجاد صلة بين العلوم الفقهية والعرفان، وظهور بعض الفقهاء والعلماء بمظهر الزهد والإعراض عن الدنيا او انه يقول بالتجلي والعرفان لايعني انه متصوف او اتخذ التصوف مذهباً، ولابد من التحقيق في صفة كل عالم أو شخص ذي شأن أدعى بانه كان صوفياً.
وانشأت ربيعة العدوية في الإنقطاع الى الله تعالى:
أحبك حبين حب الـــــــهوى وحباً لأنك أهل لذاكـــــــــــــــا
فاما الذي هو حب الهـــوى فشغل بذكرك عمن سواكـــــــــــا
واما الذي انت أهـــــــل له فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكــــــا
وروى القشيري في رسالته ان ربيعة العدوية قالت في مناجاتها:إلهي تحرق بالنار قلباً يحبك؟فهتف بها هاتف يقول: ماكنا نفعل هذا، فلا تظني بنا السوء.
ومناجاتها دراية، اما مسألة الهاتف فهي رواية تحتاج الى دليل، خصوصاً وان الهاتف يأتي وكأنه من عند الله، وألأصل عدم وجود مثل هذا القول.
ومن بين منابع الصوفية مذاهب غير إسلامية مثل اليونانية والبوذية والزرادشتية والرهبان المسيحيين الذين كانوا يلبسون الصوف ويعتكفون في الأديرة والكنائس.
ووضعت الصوفية مقامات وأحوالاً للمريد او العارف، والمقامات مكاسب يرتقي فيها لكي يبلغ مرتبة الإنكشاف الإلوهي والتجلي، ويسمى الذي يعبر تلك المقامات السالك، ويسمى الإجتهاد فيها بالسفر والحج، ومنهم من جعلها سبع مقامات، كل مقام أعلى من مقام وهي:
الأول: مقام التوبة بان يتوب السالك من ذنوبه، ويستغفر الله، ويقلع عن السيئات والذنوب فلا يرجع ليها.
الثاني: مقام الورع.
الثالث: مقام الزهد.
الرابع: مقام الفقر.
الخامس: مقام الصبر.
السادس: مقام التوكل.
السابع: مقام الرضا.
إما الاحوال فهي رياضة ومجاهدة تتضمن وجوهاً منها المحبة والرجاء والخوف والشوق والإنس والمشاهدة، وفي مقابل تقسيم الوجود الى قسمين واجب الوجود، وممكن الوجود قال نفر من الفلاسفة بوحدة الوجود، وأعتبر هذا القول نظرية صوفية وان مفادها فناء المحب في محبوبه ونظرية الفناء وهي فناء العاشق في حب المحبوب، ولكن هذا التفسير أخص منها، وحتى مع القول بالتقسيم بين واجب الوجود وعالم الممكــنات فالمراد من الفــنــاء المعنى المـجــازي وهو الانقطـاع الى الباري عز وجل والاستغناء عما سواه، ومنهم من تعدي وتمادي في خصوص الفناء وقال بنظرية الحلول وان الله عز وجل حل في روح الانسان ولا أصل لهذه النظرية.
وقيل ان فكرة الفناء أخذت من البوذية، وان ذا النون المصري أخذ من افلوطين، وأخذوا من بعض النصارى بان الطبيعة اللاهوتية اختلطت بالطبيعة الناسوتية، وقال السهروردي بنظرية الإشراق واكدت الصوفية على حاجة المريد الى القطب وهو الشيخ الذي يساعده ويرشده في سفره ويخفف عنه مؤونة السفر والحج الصوفي والإرتقاء في المقامات فلذا تعددت طرق الصوفية، وإشتهر عدد من الأقطاب، وصار لعدد منهم اتباع وسالكون على مسلكه، ثم تنتقل وراثته وسبحة الولاية الى احد أتباعه بالإجازة والوصية له، وإنتشرت طرق عديدة في بعض بلدان المسلمين.
وقيل أن الصوفية يعتمدون الحدس والوجدان والقلب، فيأتون بمصطلحات إجمالية ومبهمة وتثير الريبة، خصوصاً ان كثرة مدارس الصوفية وأقطابها أدت إلى إختلافهم في المفاهيم والإصطلاحات، وهذا الإختلاف تخفيف عن عموم المسلمين في منع وجود مدرسة خاصة بهم وقيل ان التصوف علم الباطن، والفقه علم الظاهر باعتبارأنه يتضمن أحكام العبادات، وأفعال الجوارح.
اما التصوف فهو عمل القلوب، باعتبار ان القلب هو الجارحة الباطنة، ولااصل لهذا التقسيم، والمدار على الأفعال ويعتبر الفقه سوراً شاملاً لأعمال القلوب والجوارح، وهي متداخلة ، ولا ترقى نظريات التصوف لأن تكون قسيماً له، والفقه أحكام سماوية نازلة من عند الله وجاء بيانها بالسنة النبوية.
والتصوف رياضات وشطحات لنفر قليل جداً من الناس، يعتبر فيه إنقطاعهم الى التصوف في القول والعمل، ووجود أقطاب له يستهون نفراً من الذين عجزوا عن بلوغ امالهم في الحياة الدنيا ومواجهة مافيها من الإبتلاء والمنافسة، في الجاه والسلطان وكسب الأموال وتحصيل العلوم المكتسبة والحياة الأسرية السعيدة، لم يكن عائقاً دون تفقه الناس، وإهتمامهم بأمور دينهم ودنياهم.
وليس لنظرية التصوف من أثر في الواقع اليومي والتأريخ الاسلامي، الا ان جماعة من المستشرقين أولوا عناية خاصة بالتصوف ونظرياته، وتعمدوا تسليط الأضواء على أقوال جماعة من المتصوفة وتناولها عدد من الباحثين محاكاة للمستشرقين، وكظاهرة روحانية وفلسفية، فأعطوها اكثر مما تستحق.
ومع هذا يبقى الواقع العقائدي والعملي للمسلمين منزهاً من نظريات المتصوفة، وهذا التنزه آية اعجازية في إصلاح أحوال المسلمين وإنقطاعهم الى الله وتعاهدهم لآيات القرآن وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتفسير النصوص على الظاهر لأصالته وللتبادر وأصالة الحقيقة، وعدم إلتفات عامة المسلمين الى التأويل الذي يسمى بالباطني وهولايرقى للتسمية بالتأويل الباطني من وجوه:
الأول: انتفاء الدليل بتقسيم التأويل الى ظاهري وباطني، انما هو تفسير وتأويل واحد ، وان كان متعدداً في معناه ودلالته ، ولكن هذا التعدد ليس بعنوان الظاهر والباطن.
الثاني: عدم وجود أصل للتأويل الباطني ثم تأويل الباطن الى الظاهر.
الثالث: إن الزهد والإنقطاع الى الله سنة قولية وفعلية وتقريرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان اصحابه ائمة في الزهد والورع ومعاني الفقر الى الله تعالى، ومع هذا فانهم يجتهدون في العبادة، ويقومون بوظائفهم في حفظ بيضة الإسلام والخروج في الغزو وقتال العدو، والصبر في الثغور.
الرابع: لزوم العمل بالسنة النبوية قال الله تعالى [مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( )، مما يدل على وجود أوامر ونواهي، وهي مبينة في القرآن والسنة وفيها تمام الإرتقاء الأخلاقي، والكمال الإنساني.
لقد أدب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اصحابه على الإستقامة في الدين والإخلاص في العبادة وإجتناب الإفراط والتفريط والغلو والتشديد على النفس وذكر (ان قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ترهبوا وحرموا أنفسهم من طيبات الدنيا، وحلفوا على ذلك أنهم لا يرجعون إلى ما كانوا عليه أبدا، ولا يدخلون فيه بعد وقتهم ذلك، منهم عثمان بن مظعون، وسلمان وتمام عشرة من المهاجرين والأنصار، فأما عثمان بن مظعون فحرم على نفسه النساء، والآخر حرم الافطار بالنهار إلى غير ذلك من مشاق التكليف فجاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى بيت ام سلمة فقالت لها: لم عطلت نفسك من الطيب والصبغ والخضاب وغيره؟ فقالت: لأن عثمان بن مظعون زوجي ما قربني مذ كذا وكذا، قالت ام سلمة: ولم ذا؟ قالت: لانه قد حرم على نفسه النساء وترهب.
فأخبرت ام سلمة رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، وخرج إلى أصحابه، وقال: أترغبون عن النساء؟ إني آتي النساء، وافطر بالنهار، وأنام الليل، فمن رغب عن سنتي فليس مني، وأنزل الله تعالى ” [وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ] ( )، فقالوا: يا رسول الله إنا قد حلفنا على ذلك، فأنزل الله عز وجل ” لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ..] الى قوله ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ( ).
قانون تفضيل المسلمين
جاءت الآية بالبشارة لكل الناس بانه تعالى جعل أمة معينة هي خير الأمم وبإمكان كل انسان ان يكون فرداً منها، وجاءت هذه الآية بعدة مواضيع، لكل واحد منها جملة مستقلة، ذات مضامين قدسية تتعلق بالتفضيل والإكرام، وإبتدأت بالفعل الماضي الناقص (كنتم) ويتضمن لغة الخطاب للمسلمين ضمن سياق هذه الآيات.
فبعد الأوامر والنواهي التي جاءت بها الآيات السابقة من الأمر بالإعتصام بحبل الله وإجتناب الفرقة والخلاف، وبيان ثواب المؤمنين ببياض الوجوه وعقاب الكافرين بسواد الوجوه يوم القيامة، وتوكيد ان الله عز وجل له ملك السماوات والأرض.
جاءت هذه الآية لتثبيت حقيقة وهي أن المسلمين أفضل الأمم واذ وردت الآيات بتفضيل بني إسرائيل على أهل زمانهم بقوله تعالى [اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ] ( ).
جاءت هذه الآية لتخبر عن تفضيل المسلمين من وجوه:
الأول:انهم خير امة من الأمم المتعاقبة على الأرض.
الثاني: تفضيل المسلمين ذاتي وغيري، بدليل قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] فذرية الأمم التي فضلت في القرون السابقة اخرج الله عز وجل لها المسلمين يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر.
ومن الآيات وجود جماعات عديدة من ذرية بني اسرائيل من المسلمين مما يدل على ان التفضيل السابق لبني إسرائيل تم وفق مضامين الإيمان والهداية، وأحرز المسلمون تلك المضامين، فمن الناس من كان آباؤهم من الأمة التي فضلها الله في زمانها، وهم من الأمة التي هي خير الأمم على الإطلاق ليورثوا لأبنائهم نعمة التفضيل بتعاهد أحكام الإسلام وتلاوة القرآن الواجبة التي تؤدى في الصلاة اليومية.
فالنسبة بين الأمم السالفة وبين المسلمين ليست التباين كي تتم المقارنة بين المسلمين الذي هم خير الأمم وبين الأمم التي فُضلت في القرون البالية، بل هي نسبة العموم والخصوص المطلق، فيعتبر المسلمون من تلك الأمم وورثتها، وورثة النبوة والرسالة، وحاملي أمانة التنزيل، فطوبى للذين حافظوا على نعمة التفضيل بالإنقياد لأوامر الله عز وجل واتباع الأنبياء.
وكما في قوله تعالى [مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا] ( )، فان النعم الإلهية ومضامين التفضيل متصلة وفي زيادة وإرتقاء، ويتجلى في هذه الآية رزق الله المسلمين من وجوه:
الأول: الأفضلية على الأمم الأخرى.
الثاني: جاء التفضيل للمسلمين على نحو العموم الإستغراقي إذ سماهم الله عز وجل (أمة) وجاء التنزيل حكاية عن إبراهيم في خطابه لقومه الذي يتضمن اللوم والذم [وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ]( ).
ولقد أذى الملأ من قريش النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أشد الأذى ثم مالبثوا ان دخلوا الإسلام، لينضموا الى إخوانهم الذين أسلموا من المهاجرين، ودخل نفر من علماء بني إسرائيل الإسلام ليكونوا الأسوة لليهود والحجة عليهم بلزوم اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود المقتضي وفقد المانع.
الثالث: تؤكد هذه الآية قانون عدم مغادرة النعمة الأرض، وان نعمة التفضيل باقية بشرائطها التي تتجلى بإتباع التنزيل، والتصديق بالنبوة.
الرابع: من كرم ولطف الله تعالى إنه لا يسلب النعمة عن أحد، فمن نال التفضيل من الأمم السابقة يستطيع تعاهد تلك النعمة والفوز بالنعم الإضافية التي جاءت عليها، فبدخول الاسلام يكون الإنسان من خير أمة أخرجت للناس.
قانون الإرتقاء الإخلاقي لخير أمة
لقد انعم الله عز وجل بالقرآن على الناس ليكون جامعة أخلاقية متكاملة، وكل آية منه درس يفيض بالآداب ومعلم في الأخلاق وسننها، ومن يريد التعلم أو تعليم الناس الآداب والأخلاق الحميدة يلجأ الى القرآن ليقتبس منه أنوار الهداية والرشاد.
ومن اسرار الحياة الدنيا أن الإنسان يكون متعلماً ثم معلماً، كما في الابن عندما يصبح أباً، ويلازم التعلم الإنسان مدى حياته فلا يستطيع الإستغناء عن تعلم دروس الأخلاق والحكمة، وهو من عمومات حاجة الانسان كممكن يفتقر الى غيره، فكلما ظن انه بلغ مراتب عالية من الآداب وانه اتقن الأخلاق والتصرف الحسن مع الناس، يفاجئ بمسائل إبتلائية تجعله يشعر بتلقي دروساً جديدة في الأخلاق.
وجاءت هذه الآية لتبين حاجة الناس للأخلاق الحميدة، ولمن يعلمهم إياها، ويهديهم إلى سبلها وتخبر في دلالتها عن رحمة الله عز وجل في تعليم الناس بالنبوة والكتاب المنزل والمسلمين، فليس لأحد ان يخاطب المسلم و المسلمة اللذين يأمران بالمعروف وينهيان عن المنكر بان هذا الأمر ليس من وظيفتهما، وعلى المرأة مثلاً القعود في الدار، وتولي شؤون المنزل فقد أمرها الله عز وجل بان تقوم بالأمر والنهي الى جانب أخيها المسلم.
ومن الآيات ان هذا الأمر والنهي ليسا مطلقين، بل هما مقيدان باحكام الكتاب والسنة، ولايجوز الإتيان بهما عن إجتهاد مقابل النص، او القيام بالغلو او التشديد على النفس لجذب الناس لسبل وأحكام ألمعروف، مما يدل على أن الذي يعلَم الناس المعروف ويهديهم الى سبله، هو نفسه يحتاج الى معلم وهو من عمومات ملازمة الحاجة للإنسان.
وقد جعل الله عز وجل القرآن كتاباً سماوياً جامعاً للأحكام، وعلماً للناس جميعاً، يقتبس منه المسلمون الآداب وصيغ المعاملة وحسن العشرة، ومعرفة حق الجوار، ومن نعم الله عز وجل على المسلمين إتخاذهم القرآن إماماً ليرتقوا في المعارف، فبعد أن كان عرب الجزيرة في جهل وضلالة ويرزح اغلبهم تحت نير الإحتلال، ويقع الغزو والحروب بينهم على نحو دائم، اصبحوا عند نزول آيات القرآن وإعتناقهم الإسلام أفضل الأمم وأكثرها رقياً وتنظيماً.
وتأتي هذه الآية فتخبر عن كونهم خير أمة، ولاينحصر هذا التفضيل بالعرب من المسلمين، بل هو شامل لكل مسلم ومسلمة الى يوم القيامة، خصوصاً وأن الإسلام ومافيه من الآداب والسنن الأخلاقية الحميدة نقل المسلمين في مجتمعاتهم وأمصارهم المتباينة الى مرتبة رفيعة في الأخلاق، وبعد ان كانت حالتهم متفاوتة في درجات التخلف، إرتقوا إلى حالة متساوية في الرفعة وحسن الخلق.
وهذا الإرتقاء والمساواة في المرتبة من خصائص خير أمة، فلم يقف المسلمون عند حال الإرتقاء الإجمالي في المعارف، بل إرتقوا جميعاً، ومن مصاديق علة الإرتقاء انتشار الأمر بالمعروف والنهي المنكر بينهم، فهو سلاح إيماني مبارك وسبب لنيل ملكة الأخلاق الحميدة، والتحلي بالخصال الكريمة، وهذه الملكة دعوة للناس جميعاً لدخول الإسلام، وهو من خصائص خير أمة.
لقد أراد الله عز وجل للمسلم أن يكون مظهراً للكمالات الإنسانية.
وشاهداً على الفضل الإلهي على أجيال الموحدين بالملازمة بين الايمان والإخلاق الحميدة، فما ان ينطق الانسان بالشهادتين، ويدخل الإيمان في قلبه حتى يرتقي دفعة واحدة في ميادين الأخلاق بفضل ورحمة من عند الله، فيشعر بانه جزء من أمة تتخلى عن الرذائل، وتبذل الوسع للتحلية بالفضائل، وتطهير القلوب مما يشغلها عن ذكر الله، ومن خصائص خير أمة إستجابتها للمة الملك، ونفرتها من لمة الشيطان.
وسيبقى المسلمون واسطة من وسائط الفيض الإلهي على الناس، في نشر الأخلاق الحميدة وإجتناب الكفر والضلالة والرذائل وقبيح القول والفعل، ويلاحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصادران من المسلمين الناس جميعاً لدفعهم عن منازل الردى، وجذبهم الى الصلاح والهداية والرشاد.
قانون خير أمة تقاتل في سبيل الله
لقد سعى أهل التوحيد من الأجيال المتعاقبة الى نشر كلمة التوحيد في الأرض، وهذا السعي من الكلي المشكك إذ انه على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً، بالإضافة الى إعتبار التباعد بين القرى والأمصار في قلة الأثر، موضوعاً وحكماً وإستدامة.
وكانت الدعوة فردية من أنصار الأنبياء الذين يلاقون في الغالب أشد صنوف الأذى، إذ كان الأنبياء يتعرضون للأذى والقتل، فمن باب الأولوية القطعية أن يتعرض أتباعهم في ذات الأمصار أو غيرها الى الاذى، فجاء الإسلام ليحصل تغيير نوعي في صيغ، وكيفية وماهية الدعوة الى الله، من وجوه:
الأول: أخذ الدعوة صبغة جماعية عامة فتدعو الجماعة والأمة متحدة الى الله عز وجل مع عدم انغلاق الدعوة الفردية.
الثاني: مصاحبة القرآن كمعجزة عقلية للمسلمين في دعوتهم الى الله، ليكون عوناً لهم في الدعوة، ووسيلة سماوية لجذب الناس لأسباب الهداية والإيمان، وحجة عليهم جميعاً، ومانعاً من نفرة الناس من المسلم الذي يدعوهم الى الله.
إن القرآن برهان صدق للدعوة للإسلام، فقد لايستجيب شخص اوجماعة للدعوة ولكنهم يشعرون بان المسلم يقوم بوظيفته، والقرآن رقيب على الجميع، وهو من الأسباب العقلية الكامنة وراء إجتناب الكفار والفاسقين البطش بالمسلم الذي يدعو الى الله، سواء كانت دعوته صريحة أو صامتة.
وتتجلى هيبة ووقار المسلم بإتيانه الفرائض وإنقطاعه الى الله تعالى، بالإضافة الى فضل الله تعالى والمدد المترشح من ضرب الذلة والمسكنة على الكفار كما تخبر عنه الآية التالية، لما في هذه الذلة من التخفيف عن المسلمين وتيسير سبل الصلاح. وتعدد طرق الحث على المعروف، والزجر عن المنكر من وجوه:
الأول: إنصات الناس لمضامين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: عدم وجود معارض لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
الثالث: ليس كل الناس اعداء للمسلمين والدعوة الى الخير، فجاء
ضرب المسكنة على أعداء الإسلام , وسيلة لقبولهم الأمر والنهي، ومنعهم من الحيلولة دون دخول الناس للإسلام.
الرابع: إن ضرب الذلة والمسكنة على أشد الكفار عتواً وفسقاً، تخفيف من مؤونة الجهاد والمواجهة مع الأعداء، وفرصة كريمة لتوجيه جهود المسلمين الى عامة الناس والمستضعفين والمترددين.
الخامس: ضرب الذلة وسيلة لإنصات ذات الذليل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد لايلتفت الذي يصاحبه الطغيان والغرور الى وظائفه العبادية ولاينصت الى صوت الحق، فتأتي الذلة لتكسر حاجز الغرور، وتفتح أذنه قهراً للمسلمين وهم يحثون الناس على الهدى، ويدعونهم الى ترك المعاصي والذنوب.
الثالث: مجئ الكتاب والسنة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدفع هذا الوجوب المسلمين والمسلمات في مسالك الدعوة ويزيح عنهم اسباب التردد والخوف، واذ جاءت الدعوة على لسان بعض الأنبياء والصالحين فردية، كما جاء حكاية عن لقمان في التنزيل [يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ] ( ).
فان القرآن جاء بدعوة المسلمين جميعاً للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آيات عديدة منها هذه الآية الكريمة، ولم يرد تخصيص او استثناء لأحد او جماعة منه، وفي هذا العموم وعدم الإستثناء مسائل:
الاولى: انه من خصائص خير أمة.
الثانية: فيه اكرام للمسلمين ولمن عاصرهم من الناس، فاهل آخر الزمان والذين صاحبوا في ايامهم بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعدهم فازوا بمعاصرة خير أمة من أمم الأرض، لذا ذكرت الآية قيد الإخراج في قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] للدلالة على النعم الإلهية على الأمم والجماعات والأفراد الذين عاصروا الإسلام والمسلمين.
الثالثة: الدلالة على حاجة الناس للمسلمين مجتمعين ومتفرقين في الجهاد في سبيل الله.
الرابعة: الأمر والنهي وسيلة لإقتناء المسلمين الحسنات، ورجحان ميزان كل فرد منهم يقوم بوظيفة الأمر، ومن خصائص خير أمة اللطف الإلهي بها لتهيئة أسباب الأجر والثواب.
الرابع: توجه الأمر الإلهي الى المسلمين بالقتال في سبيل الله، وهذا القتال من أصدق واعظم وجوه الأمر بالمعروف، قال تعالى [وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ]( ).
الخامس: دعوة المسلمين لقتال الأعداء مع كثرتهم حتى في حال ضعف المسلمين، فمن الآيات في باب جهاد المسلمين، وسعيهم في مسالك الأمر بالمعروف ,والنهي عن المنكر عدم سقوط القتال عنهم، وإن كانوا قلة في مقابل كثرة العدو، قال تعالى [وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ويتجلى النسخ في الآيتين أعلاه، وهما وإن جاءتا متعاقبتين الا ان هناك مدة بينهما في النزول، فبعد ان كان المقاتل من المسلمين يصبر ويقاتل عشرة من الكفار، نسخ الحكم بان يكون المسلم في مقابل ومواجهة اثنين من الكفار، والمراد من الضعف في المقام ليس ضعف اليقين والتقوى , بل هو على وجوه:
الأول: الإنشغال بالتفقه في الدين.
الثاني: الضعف بالبدن، المترشح عن كثرة المعارك التي خاضها المسلمون.
الثالث: إدارة شوون الحكم، وتنظيم أمور الدولة والمجتمع.
الرابع: جاء التخفيف فضلاً من عند الله تعالى، كما يتضح في الآية الكريمة وكيف أنه جاء في السياق قبل موضوع الضعف وحصوله.
الخامس: لم يؤثر التخفيف وحال الضعف عند المسلمين سلباً في بقاء مواجهتهم وإنتصارهم وهم قلة على الكفارمع كثرتهم.
السادس: إبتدأت الآية بوصف المسلمين بانهم مؤمنون ،قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال] ( ).
السابع: قيدت الآيات أعلاه نصر المسلمين بتحليهم بالصبر.
الثامن: الأية أعلاه إنذار للكافرين، وحجة عليهم , وفيه إعجاز تأريخي متجدد للقرآن.
التاسع: في الآية ومضامينها القدسية شاهد على كون المسلمين خير أمة، ودليل على العناية الإلهية المتصلة بهم.
العاشر: دلت الآية على عدم مغادرة الايمان للمسلمين في الحالتين، وبقاء انعدام تفقه الكافرين في أحكام الإرادة التكوينية ومشيئة الله بنصر المسلمين وهزيمة الكفر والكافرين.
لقد اراد الله عز وجل لأهل الأرض السعادة، وهيئ لهم اسباب
الهداية والرشاد، وسبل النجاة في النشأتين، ومنها وجود خير أمة وبقاؤها الى يوم القيامة لتنتزع مفاهيم التفضيل على الأمم الأخرى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعمل كل الصيغ الشرعية لإصلاح الذات والغير، وحمل الناس على السعي للفوز في الدارين بالإمتثال لأوامر الله طوعاً أو قهراً.
قانون خير أمة إصطفاء
لقد خلق الله عز وجل الناس جميعاً من آدم وحواء، ليملأوا الأمصار والبلدان، ويعمروا الأرض، ويجتهدوا في جذب المنافع، ودفع المفاسد، ولم يترك الله عز وجل الناس وشأنهم في الحياة، والتسابق في مصالح الدنيا، وجمع الأموال، والتنافس على الشأن والسلطان، بل جذبهم الى الإيمان ببعثة الأنبياء والكتب السماوية.
واذ يتقادم الزمان على النبوة واوان التنزيل، انعم الله عز وجل على الناس بأمة الإسلام، أمة تصاحب الناس في مجالسهم ومنتدياتهم ويتتجلى في ظهور صيغ عباداتها وأفعالها في وسائل الاعلام القديمة والحديثة، تدعوهم الى النبوة والكتاب، لتبقى النبوة حية غضة، ويدرك الناس حقيقة وهي مصاحبة التنزيل لهم في حياتهم، ولايستطيعون التجافي عنه، وان تجافوا عن وظائف العبودية،يأتيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المسلمين بمراتبه التي تتناسب مع كل الأحوال والأزمنة والأمكنة.
فمن الناس من يكفيه التنبيه بلغة الإشارة، ومنهم من يحتاج الى القتال، ومحاربته لصرفه عن المنكر والظلم والتعدي، وليس من أمة تتصدى للإصلاح وحمل الناس على ترك المنكر إلا المسلمين، وتلك آية ظاهرة بالوجدان، وتتجلى في مصاديق كثيرة في باب العقائد وعالم الأفعال، ومن الآيات ان المسلمين يجاهدون على نحو مركب من قسمين:
الأول: تقويم وإصلاح الذات، والأمر بالمعروف والنهي بينهم، بخصوص فروع الدين وسنن العبادات والمعاملات، وتعاهد الأحكام والقواعد الشرعية.
الثاني: إصلاح الأمم الأخرى، بانقاذها من براثن الضلالة والغواية وجذبها للإيمان.
وهل من تعارض بين القسمين الجواب لا، بل هما متداخلان، ويؤثر احدهما في الآخر، والسعي في أحدهما سعي في القسم الآخر في الدلالة والمفهوم، فاصلاح المسلمين انفسهم، وتعاهدهم للعبادات والصالحات، واخلاصهم في طاعة الله مظهر من مظاهر الكمال الإنساني، ومصداق لما يجب ان يكون عليه الناس من حسن السمت والصلاح، وحينما يدعو المسلم الناس الى الهدى فانه يحرص على ان يكون مرآة للصلاح والهداية والرشاد.
والإصطفاء هو الإختيار والإجتباء، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآل عمران عَلَى الْعَالَمِينَ]( )، وفيه دلالة على عدم انحصار الإصطفاء بالأنبياء بل يشمل ذريتهم.
وبين النبوة والإصطفاء عموم وخصوص مطلق , فكل نبوة هي إصطفاء وليس كل إصطفاء هو نبوة، وفي مريم ورد قوله تعالى[يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ]( )، وقد جاءت الآية محل البحث لتشير الى إنتقال الإصطفاء الى المسلمين، وفيه نكتة عقائدية وهي ان المسلمين نالوا مرتبة الإصطفاء من بين الأمم، وانهم خيرها واحسنها، وأخرجوا للناس جميعاً، مما يدل على ان الإصطفاء ليس ذاتياً محضاً، بل هو أمر متوجه الى الناس جميعاً بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، والجمع بين الآية اعلاه والآية محل البحث يؤيد إصطفاء المسلمين لقوله تعالى [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ] ( ).
فوصفت هذه الآية ابراهيم عليه السلام بانه اب المسلمين، وهم في الانتماء و العقيدة والعمل ملحقون بأهل بيت النبوة، وفيه تشريف للمسلمين، وشهادة على اصطفائهم واختيارهم لتثبيت سنن التوحيد ومعالم الدين في الأرض.
لقد جعل الله في كثير من أصناف الخلق والأجناس ما هوالأفضل والأحسن، كما في الأيام وأفضلية يوم الجمعة من بينها، والأشهر وأفضلية شهر رمضان، والليالي وشرف ليلة القدر، ولم يذكر في القرآن من الأشهر والليالي بالاسم إلا شهر رمضان وليلة القدر، وجاء تفضيل المسلمين من بين الأمم، وكل فرد من أفراد التفضيل رحمة من الله للناس جميعاً، ودعوة للإيمان وإستثمار وعمارة الدنيا بفعل الصالحات.
قانون خير أمة شاكرة لله
الشكر محمود شرعاً وعقلاً، ومرتبة من مراتب المعرفة، ومقام من مقام السالكين، واظهار للإمتنان والرضا، وهو في الاصل علم واقرار بنعمة الغير، وإدراك لموضوع الإنعام، ومقدار الإحسان، وهو مرآة لحال من السعادة تغمر الانسان بما يتناسب والنعمة ومقدارها، ويتفرع عنه شعور بالرضا والحب نحو المنعم.
وتتجلى اصدق مضامين الشكر لله تعالى على تفضله بنعمة الخلق والإيجاد، وتعاهد وجود الانسان وماله واولاده ومن يتعلق به، ودفع الآفات عنه، ويعجز الإنسان عن شكر هذه النعم من وجوه:
الأول: انها نعم غير متناهية.
الثاني: النعم الإلهية نعم توليدية، فتنشطر في كل دقيقة وثانية الى ملايين النعم وليس فيها نعمة صغيرة.
الثالث: كبر وعظمة كل نعمة من نعم الله، اما في باب الذنوب فاختلف الفقهاء على وجوه ثلاثة:
الأول: انها على مرتبة واحدة.
الثاني: تنقسم الذنوب الى كبائر وصغائر.
الثالث: ليس من صغائر في الذنوب، ولكن بعضها يكون صغيراً بالنسبة لغيره من الذنوب.
والصحيح هو الثاني للتباين بين الذنوب، وللبيان الوارد في قوله تعالى [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ] ولبعض النصوص من السنة التي تذكر بعض الذنوب على نحو التعيين بانها كبائر.
وفي استحضار النعم الإلهية زجر للانسان عن الذنوب باقسامها المتعددة.
الرابع: من الآيات عدم وجود إختلاف في النعم الإلهية فكل نعمة هي كبيرة عظيمة، وتتصف بخصوصية وهي انه لايقدر على أي نعمة، منها الا الله تعالى، لذا دعا الله الناس الى شكره.
ومن خصائص المسلمين وكونهم خير أمة انهم أفضل الامم في مواظبتهم على الشكر لله تعالى، ويتجلى هذا الشكر بوجوه:
الأول: التقيد باحكام الفرائض والعبادات، وهذا التقيد عنوان للإقرار بالعبودية لله تعالى، والتقرب اليه تعالى بالطاعة.
الثاني: تلاوة القرآن ومافيه من آيات الشكر والثناء على الله، ومن الآيات ان القرآن يفتتح بسورة الفاتحة التي تبدأ بقوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ويردد المسلمون هذه السورة كل يوم في الصلاة اليومية على نحو الوجوب، وفيه وجوه:
الأول: وجوب الصلاة اليومية عون للمسلم على عدم مغادرة منازل الشكر لله تعالى.
الثاني: إنبساط الصلاة على آنات الليل والنهار، فلا تحصل عند المسلم والمسلمة فترة انقطاع اثناء اليوم والليلة عن الشكر لله تعالى.
الثالث: يترشح عن قراءة الحمد في الصلاة تدبر في معاني الآية، ومافيها من المقاصد السامية.
الرابع: تفضل الله تعالى باحتساب قراءة المسلم لقوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] في الصلاة شكراً له، فمع ان المسلم يأتي بالقراءة على نحو الوجوب النفسي الا ان الله يتفضل عليه باحتسابه شكراً له على النعم التي انعم بها عليه، وهو من خصائص خير أمة، وما تفضل الله تعالى به على أفرادها.
الخامس: توارث المسلمين للصلاة وسننها وآدابها، ووصية بعضهم بعضاً بوجوب اتيانها، وهو من وجوه اجتماع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والايمان بالله في هذه الآية بالاضافة الى الاشارة فيها الى تخلف أهل الكتاب عن العبادات، اذ ان الصلاة امر معروف، وتركها والتفريط بها قبيح، وتعاهد الصلاة من أهم مظاهر الايمان بالله تعالى.
والشكر لله تعالى فرد من افراد عبادته، ومصداق من مصاديق الخشوع والخضوع لمشيئته وإرادته، والمواظبة عليه واجب على الفرد والجماعة، والشكر على اقسام:
الأول: الشكر القولي وهو الذي يجري على اللسان.
الثاني: الشكر الفعلي وهو الذي يظهر على الجوارح والأركان.
الثالث: الشكر المركب من القول والفعل ويتجلى بالطاعة والإمتثال للأوامر الإلهية، ومنه الصلاة اذ تتضمن شكر الله بالفعل والقول ومن شرائط خير أمة ان تكون أكثر الأمم شكراً لله تعالى، وتتقيد بآداب الشكر القولي والفعلي، وهذا التقيد شاهد على أفضليتهم على الأمم الأخرى من وجوه:
الأول: يدور التفضيل مدار الإمتثال لأوامر الله تعالى وطاعته.
الثاني: الشكر لله عنوان الإقرار بالعبودية لله تعالى، وهو واجب على كل مكلف ومكلفة.
الثالث: حرص المسلمين على عدم طرو التحريف على عباداتهم، فمن خصائص خير أمة وهم المسلمون انهم لم يكتفوا بتعاهد القرآن وسلامته من التحريف، بل جاهدوا من أجل حفظ العبادات وشرائطها وسننها وآدابها، وتلك خصوصية انفرد بها المسلمون واستحقوا عنوان خير أمة.
ومن الآيات انبعاث الاطمئنان بان المسلمين لم يغيروا من العبادات شيئاً الى يوم القيامة.
فذات الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي نفسها التي صلاها المسلمون في أيام حياته ومن بعده إلى يوم القيامة، فألتقت الأجيال السابقة واللاحقة من المسلمين بذات الكيفية والماهية والأوان اليومي , وكذا يصليها المسلمون في الأزمنة اللاحقة، لذا فان نعت (خير أمة) مصاحب للمسلمين في كل زمان ومكان لإتصال حرصهم على سلامة التنزيل والعبادات من التغيير والتحريف، ويتفرع عن هذا الحرص العزم على الإمتثال الدائم للأوامر الإلهية وعدم دبيب الكسل والضجر الى نفوس المسلمين، وهذا الحرص وبذل الوسع في العبادات، والإصرار على عدم التفريط بها من خصائص خير أمة واسباب تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم.
قانون تفضيل أمة تأديب للناس
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مدرسة للآداب العامة، يتلقى فيها الفرد والجماعة القيم الأخلاقية، ويقتبس العادات الحميدة او الذميمة، وتمر عليه الأيام والليالي، وفي كل فرد من افرادها وقائع وشواهد تساهم في تأديب وتعليم الانسان احكام السلوك والمعاملة، وتجعله يدرك وجوب عبادة الله تعالى.
ومن خصائص الإبتلاء في الحياة الدنيا انه تعليم وتأديب محض، يكتسب فيه الإنسان الدروس والعبر، ويأخذ مما يمر عليه في حياته، وما يحصل لغيره المواعظ فيزداد يقظة وفهماً للأمور، وتنمو عنده ملكة الصبر والتحمل، وينكشف له زيف الدنيا وزينتها، ويعلم عدم وجود نفع الا بالايمان والصلاح.
وجاء تفضيل أمة من الأمم تأديباً للناس جميعاً، فهذه الآية إرشاد وتعليم، فلا غرابة ان تذكر اهل الكتاب بصيغة مركبة من الذم الكلي للفاسقين منهم، والمدح النسبي للقلة منهم.
لان ذكرهم في الآية جاء على نحو العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء الذم العام لهم لتخلفهم عن الأيمان، واما مادة الافتراق فمدح القلة منهم بانهم مؤمنون، وذم الأكثر بانهم فاسقون، وفيه تأديب لهم، وزجر وتحذير للناس من الإنصات للفاسق واتباعه في افعاله.
ولقد جعل الله عز وجل الأصل في ميل النفس هو ميلها للصلاح لذا ترى اغلب الناس ينفرون من الفاسق، ويتجنبون الصلة معه، الا على نحو ظاهر وجزئي، وجاءت هذه الآية تأديباً عاماً من وجوه:
الأول: تأديب المسلمين: قد لايعلم فرد ما من المسلمين بمنزلته العقائدية بين الناس، والمرتبة السامية التي نالها بفضل الله كفرد من المسلمين، فجاءت هذه الآية لتؤكد حقيقة ثابتة الى يوم القيامة وهي أفضلية المسلمين على الأمم والمذاهب الأخرى، لتكون سلاحاً مصاحباً لكل مسلم ومسلمة، ومن منافعه:
الأول: معرفة المسلم لما له المنزلة الذاتية والشخصية بين الأفراد والأمم.
الثاني: احترام الذات، والشعور بالعز والرفعة، قال تعالى [لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الثالث: إكرام المسلمين والمسلمات جميعاً، لأن كل فرد منهم يستحق الإكرام لأنه فرد من خير أمة، فتسود معاني الود والوئام، ومفاهيم الأخوة بين المسلمين.
لقد اراد الله عز وجل أن تكون هذه الآية عوناً على الإمتثال لمضامين آية [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ] ونبذ المسلمين للفرقة والإختلاف فيما بينهم.
الرابع: بعث الرأفة والرحمة في نفس المسلم ازاء المسلمين والمسلمات جميعاً، ومنعه من الشك والريب وسوء الظن بالمسلمين، لذا ورد في احكام الفقه قواعد كلية تدل على اكرام المسلم والثقة به مثل:
الأولى: أصالة الصحة في عمل المسلم، وحمل عمله على الصحة عند الشك فيه.
فلو شككنا هل جاء المسلم بعمله صحيحاً أو غير صحيح، فالاصل هو الصحة الا ان يدل دليل او قرينة على الخلاف.
الثانية: أصالة البراءة وعدم انشغال الذمة الا مع العلم واليقين.
الثالثة: أصالة الإباحة وان كل شئ مباح للانسان الا مع العلم بالخلاف
الرابعة: قاعدة سوق المسلمين وحلية الذبح والمعاملة فيه الا مع العلم بالخلاف.
الخامسة: قاعدة اليد وان الذي يضع يده على شئ هو ملكه الا مع وجود مدع او بينة تنفي ملكه عنه.
وهناك قواعد كلية في العبادات تبين منزلة المسلم والتخفيف عنه بصيغ الإكرام والقبول منها قاعدة الطهارة وان كل شئ لك طاهر حتى تعلم نجاسته، وقاعدة الفراغ والتجاوز في العبادات، فلو فرغت من الصلاة مثلاً أو تجاوزت المحل ثم شككت فيه، فلا عبرة بهذا الشك.
الخامس: الآية برزخ دون انفعال وتأثر المسلم والمسلمة بما عند المذاهب والملل الأخرى من الأراء والمعتقدات المخالفة لقواعد وسنن الإسلام، وهي
دليل على حرمة الإرتداد، وترك العبادات.
السادس: تبين الآية الحسن الذاتي والعرضي لكل فعل عبادي وحكم وسنة من سنن المسلمين الواردة في القرآن والسيرة النبوية الشريفة، وفيه دعوة للمسلمين للتمسك بها وإجتناب الجدال والتردد فيها.
ومن الآيات ان معانيها ظاهرة، وممتنعة عن الخلاف في التأويل.
الثاني: الآية تأديب لأهل الكتاب: من إعجاز الآية إجتماع مدح المسلمين فيها، وبيان أفضليتهم على الأمم الأخرى، مع ذكر أهل الكتاب، ولهذا الجمع دلالات عقائدية وأخلاقية وتأديبية، فهو تنبيه لأهل الكتاب على نحو الخصوص وإخبار لهم بعظيم منزلة المسلمين، ويتجلى تأديب اهل الكتاب في المقام من وجوه:
الأول: دعوة اهل الكتاب للتقيد بما تمليه النسبة الى ألكتاب بإكرام المسلمين لانهم خير أمة.
الثاني: إرشادهم الى القرآن فهو كتاب خير أمة، ويدل بذاته وإعجازه على كونه خير كتاب سماوي، فقد نال المسلمون مرتبة التفضيل بأمور العبادات واحكام المعاملات، وأسرار التنزيل.
الثالث: الدلالة على مرتبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين الأنبياء فهو سيدهم وخاتمهم، وجاءت الدعوة السماوية الى التصديق بنبوته وإتباعه ونصرته.
الرابع: في الآية دعوة لأهل الكتاب للإطلاع الطوعي والإنطباقي على عبادات المسلمين، ومعرفة أسباب تفضيلهم على الأمم الأخرى، فصحيح أن الآية جاءت بصيغة الخطاب للمسلمين، إلا انها دعوة للناس جميعاً لمعرفة اسرار وعلل وأسباب التفضيل، والسعي لإقتفاء أثر المسلمين في الخصال الحميدة.
الخامس: حث أهل الكتاب على العمل بأحكام التوراة والإنجيل، وعرض ماعندهم منهما على القرآن، وسأل الحواريون عيسى عليه السلام يا روح الله من المخلص لله قال الذى يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس عليه) ( ) لقد ارتقى المسلمون في مراتب التقوى والصلاح، وإستطاعوا ان يبنوا صرح العبادة في الأرض لتكون الصلاة شعاراً يومياً ثابتاً ومناسبة للحمد والشكر لله تعالى، وبذا يعطي المسلمون لأهل الكتاب دروساً يومية في الحمد له تعالى والثناء عليه بإعلان التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار أسمى معاني الإخلاص في العبادة.
الثالث: الآية تأديب للناس جميعاً، فمع أن الآية ذكرت المسلمين، وأهل الكتاب فان الناس أعم، وفيهم الكفار الوثنيون، وجاء القرآن خطاباً ووثيقة سماوية للناس جميعاً وفي مختلف الأزمنة، فلم تنسَ هذه الآية ذكراً او أنثى من أهل الأرض الى يوم القيامة بل تضمنت دعوتهم للإسلام ببيان عظيم منزلة المسلمين، وهذا البيان إخبار وترغيب للناس بدخول الناس، ودعوة لهم لعدم الميل الى الملل الأخرى لان الإنسان بطبعه يميل الى الأحسن والأفضل ويتجلى تأديب الناس في هذه الآية على وجوه منها:
الأول: بيان قبح الكفر والضلالة، لأن متعلق التفضيل هو التلبس بالعبادة والصلاح.
الثاني: حث الكفار على ترك الإقامة على المعاصي.
الثالث: إدراك حقيقة وهي وجود صلة دائمة بين الله عز وجل والناس بالقرآن، فهو كلام الله الذي يتلوه المسلمون فيسمعه الآخرون، ويكون حجة عليهم، وتلاوة كلام الله وإسماع آياته للناس من أسباب تفضيل المسلمين، وأهليتهم لنيل هذه المنزلة العظيمة.
الرابع: بعث الشوق في نفوس الناس لإتيان ما يكون سبباً في التفضيل.
الخامس: زجر الكفار والمشركين عن التعدي على المسلمين.
السادس: جعل الكفار ينصتون إلى ما يقوله المسلمون.
السابع: بعث الفرقة والخلاف بين فرق ومذاهب الكفار، وبينهم كأفراد لإدراكهم حقيقة وهي أنهم ضد ونقيض الأفضل والأحسن من بين الأمم، فلم يختار الكفار لأي من مذاهب وأفعال خير الأمم بل إختاروا نقيضها.
الثامن: إدراك الكفار لخسارتهم في الآخرة عند الإصرار على الكفر والجحود.
التاسع: معرفة الناس جميعاً لإمكان دخول الاسلام ، والفوز بما فيه من النعم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
وهل قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] من الثواب أم لا، الجواب انه وصف ومدح إلهي وبشارة للثواب، وإخبار باكتناز المسلمين للصالحات، ومقدمة لنيلهم المراتب الرفيعة في الجنة.
وفيه تأديب وإرشاد ولطف بالناس جميعاً لتقربهم الى طاعة الله، وبيان عن حاجة الناس لرحمة الله ونزول القرآن، وقيام المسلمين بتبليغ آياته ومضامينه القدسية للناس.

قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]
من الإعجاز في الآية انها بدأت بالخطاب العام للمسلمين وبصيغة المدح والثناء، ثم جاء هذا الشطر من الآية بصيغة البناء للمجهول، فلم تقل الآية: اخرجتم للناس او خرجتم للناس في ذات السياق ولغة الخطاب بل جاءت بصيغة البناء للمجهول المتعدد، وفيه وجوه إعجازية منها:
الأول: الإشارة الى عظيم فضل الله عز وجل على المسلمين.
الثاني: تفضيل المسلمين نعمة من عند الله.
الثالث: تعدد أمم الموحدين التي اخرجت للناس، فليس للأمم السابقة ممن تقدم زمانهم على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان يحتجوا بانه ليس من أمة من المسلمين تدعوهم للإيمان بالله عز وجل، فمن رحمة الله بالناس وجود أمة مسلمة في كل زمان، بالإضافة الى تعاقب الأنبياء والرسل.
الرابع: توكيد حقيقة وهي رأفة الله عز وجل بالناس جميعاً، بوجود أمة من المسلمين تطل على الناس في كل زمان تدعوهم الى عبادة الله تعالى.
الخامس: يحتمل لفظ الناس في الآية وجوهاً:
الأول: أهل مكة والمدينة.
الثاني: سكان الجزيرة العربية.
الثالث: إضافة الشام واليمن والعراق ومصر الى جانب الجزيرة.
الرابع: بلاد الروم وفارس.
الخامس: اهل الأرض جميعاً.
والصحيح هو الاخير فقد اراد الله عز وجل لراية التوحيد ان تنبسط على ربوع الأرض، وتصل مبادئ الإسلام الى سكان المعمورة كافة.
السادس: ان الله عز وجل لايترك الناس من غير أسباب للهداية، ولايكلفهم مالاطاقة لهم به في السعي لمعرفة وجوب عبادته، بل يتلطف بهم، ويخرج لهم أمماً من المسلمين يدعونهم بالمباشرة او التسبيب الى الإسلام.
وقد قام المسلمون بهذا العمل الجهادي أفضل قيام، وإستحقوا معه صفة أحسن أمة، فاما المباشرة فمن وجوه:
الاول: دعوة الناس جماعات وافراداً الى دخول الإسلام.
الثاني: الإحتجاج على اهل الملل والنحل بلزوم إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: تلاوة آيات القرآن، وبيان مافيها من الإعجاز.
الرابع: إعانة الناس على دخول الإسلام.
الخامس: الجهاد في سبيل الله، وهو على قسمين:
الاول: الدفاع عن بيضة الإسلام.
الثاني: الغزو وخروج السرايا لإدخال الناس في الإسلام، وهو دفاع ايضاًً.
السابع: إرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية بادراك وجود أمم من المسلمين قبلهم ولزوم تعاهد سنن التوحيد والمحافظة عليها.
الثامن: معرفة المسلمين بوجود الكفر في أمم ممن تقدم الى جانب الموحدين، فلا يصل الشك الى المسلم بسبب جحود الكفار لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جحدوا بالنبوات من قبل.
التاسع: لم تقل الآية تخرج، -بفتح التاء-، بل جاءت بصيغة الماضي المبني للمجهول في دلالة على سبق الخروج، وعدم خروج أمة اخرى على الناس بعد المسلمين.
العاشر: ورد لفظ البعثة والرسالة للأنبياء خاصة، اما بالنسبة للأمم المسلمة فجاء لفظ (الإخراج) وفيه مسائل:
الاولى: بيان منزلة النبوة، وإختصاصها بالوحي والتنزيل.
الثانية: الإشارة الى عدم انحصار التبليغ ودعوة الناس للهداية والرشاد بالأنبياء، بل تسلم أتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله راية إصلاح الناس.
الثالثة: موضوعية النبوة في خروج أمم المسلمين الى الناس، فالأمة الإسلامية لم تخرج للناس لولا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلقيه القرآن من عند الله، وعمل المسلمين بأحكام القرآن والسنة النبوية الشريفة سواء القولية منها او الفعلية.
الحادي عشر: ليس للناس منع خروج أمة الإسلام، وقيامهم بالتبليغ والدعوة الى الله، قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ] ( ).
الثاني عشر: خروج المسلمين للناس أمر حتمي وقطعي لما فيه من النفع العظيم للمسلمين والناس جميعاً، فوجود المسلمين رحمة ونعمة على الناس جميعاً، ومناسبة كريمة للإقتداء بهم، واتباع نهجهم بتصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به من عند الله عز وجل.
ويحتمل مستقبل الأيام بهذا الخصوص وجوهاً:
الأول: خروج امة اخرى للناس، لإن إثبات شئ لشئ لايدل على نفيه عن غيره، وورود الفعل المبني للمجهول بصيغة الماضي لايعني عدم مجئ أمة أخرى للناس تتصف بالصلاح، ولم تنحصر أفضلية المسلمين بالأمم السابقة خاصة بل هي مطلقة، وكل حسن عند أمم الموحدين هو عند المسلمين، وينفرد المسلمون بوجوه من الحسن والنفع العام.
الثاني: انقطاع خروج المسلمين، وارادة زمن التنزيل والصحابة.
الثالث: استمرار خروج المسلمين على الناس في كل زمان.
والصحيح هو الثالث، فجاءت الآية بصيغة الماضي للامضاء والقطع بانبعاث المسلمين في اعمال البر والصلاح والدعوة الى الله، وهو من مصاديق (خير امة) وعظيم نعمة الله على الناس عامة والمسلمين خاصة، اما عامة الناس فلما في هذا الإستمرار من أسباب الهداية، واما المسلمون فلان إتصال الخروج على الناس مناسبة لنيل الثواب والأجر، واكتناز الحسنات، وفعل الصالحات واذا اعطى الله سبحانه فانه يعطي بالأتم والأكمل، والتمام في المقام من وجوه:
الأول: دوام وجود خير امة بين الناس.
الثاني: اتصال خروج المسلمين على الناس وانبعاثهم في سبيل الله، ولزوم عبادة الله.
الثالث: إستمرار تلقي الناس الدعوة الى الإسلام.
الرابع: تفقه المسلمين المتصل بأحكام الشريعة، ومزاولتهم للغة الإحتجاج، وإستحضار البرهان على وجود الصانع.
الخامس: عدم انقطاع نعمة التفضيل عن المسلمين، لان الله عز وجل اذا انعم على أمة فانه سبحانه لايسلبها عنهم فهو الواسع الكريم، ومقامات (خير امة) نعمة عظيمة تفضل سبحانه واخبر بها المسلمين باعتبارها فضلاً منه سبحانه عليهم وعلى الناس جميعاً، وآية يعلم الناس من خلالها العناية الإلهية بالمسلمين، وحضور نعمه وفضله تعالى في الواقع اليومي لبني آدم بتفضيل أهل الإيمان كمقدمة وبيان لتفضيلهم في مواطن الحساب والثواب يوم القيامة.
لقد اراد الله عز وجل للمسلمين ان يكونوا أمة متميزة بين الناس، والمائز عنوان تشريف وتفضيل، وفي الآية إشارة الى وقوع الإختلاف بين المسلمين وغيرهم، وأن النصر والبقاء سيكون للأحسن، وهم المسلمون.
فجاءت هذه الآية لطرد الشك واليأس من قلوب المسلمين، لان الإخبارالإلهي بانهم خير أمة واقية من الإنصات الى أهل الريب الذين يفترون على الإسلام والمسلمين.
والآية حرز من المنافقين ومحاولاتهم بعث الحزن والخوف في قلوب المسلمين، وسلاح ضد الدعوة الى القعود عن الجهاد في سبيل الله، وهذا السلاح من وجوه:
الأول: الثناء على المسلمين لإيمانهم.
الثاني:المسلمون أمة واحدة، تلتقي بطاعة الله ورسوله.
الثالث: توكيد إخراجهم للناس أي لإصلاح الناس، ومنع تفشي الكفر والظلم بينهم.
الرابع: لزوم تعاهد نعمة (خير امة).
الخامس: إدراك المسلمين لمنافع التفضيل والتشريف، ومن الدلائل الإعجازية في مضامين الآية القدسية انها لم تقف عند قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] بل إتصل بها الإخبار عن اخراجهم للناس، وفيه مسائل:
الاولى: الإشارة الى إشتراك الناس جميعاً بنعمة (خير امة) مع التباين في الإنتقاع منها، فالمسلمون ينتفعون منها بالذات، وغيرهم بالعرض، ومايترشح من المسلمين عليهم.
الثانية: دعوة المسلمين للعناية بدعوة الناس الى الإيمان، فلا تعني نعمة التفضيل الفصل والقطيعة بين المسلمين وغيرهم، او استكبار المسلمين على الناس، بل انها مناسبة كريمة لايجاد وسائل للصلات بين المسلمين وغيرهم تتقوم بالصلاح والإصلاح.
الثالثة: تحذير المسلمين من التداخل مع الأمم التي تسعى للإضرار بالمؤمنين، فلابد ان يبتنى التقارب بين المسلمين والأمم والشعوب الأخرى على الدعوة الى الله، والتذكير بالنعم الإلهية، وتجديد لغة البشارات والإنذارات.
الرابعة: صلة المسلمين بغيرهم وسيلة لجذب الناس للإيمان، لاطلاعهم على غبطة المسلمين بما عندهم وإستبشارهم بأداء العبادات، ورضاهم بفضل الله عليهم، وايمانهم بحتمية اليوم الآخر وسعيهم لنيل الدرجات العلا في الآخرة، والفوز برضاه تعالى لتكون خير أمة في الدنيا، أحسنهم مقاماً في الآخرة.
وفي الجمع بين الإخبار عن تفضيل المسلمين وانهم خير أمة، وبين موضوع خروجهم للناس وجوه:
الأول: لم ير الناس أمة أفضل وأحسن من المسلمين في سمتهم وعبادتهم وتقواهم.
الثاني: لن تكون هناك أمة في المستقبل أفضل من المسلمين، وهذا الأمر يحتمل وجوهاً:
الاول: لحاظ حال المسلمين أيام البعثة النبوية.
الثاني: استمرار تفضيل المسلمين وتعاهدهم لمقامات الأفضلية الى اجل معين.
الثالث:الاطلاق الزماني والمكاني في بقاء المسلمين خير أمة الى يوم القيامة.
والصحيح هو الأخير، فلا تنحصر المقارنة بين المسلمين وغيرهم من الأمم بسمت وتقوى المسلمين في مدة وزمان مخصوص، بل يحافظ المسلمون في كل زمان على أهليتهم في التفضيل على الأمم الأخرى، وعلى مراتب التقوى والصلاح ذاتها، فلا يأتي زمان على المسلمين يقال لهم: كان اسلافكم من المسلمين افضل منكم في العبادة والصلاح لأن المسلمين يحافطون على ذات المنهج الذي سار عليه المسلمون الأوائل في مناسك العبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأخرج أحمد بسند عن محمد بن علي انه سمع علي بن أبي طالب عليه السلام يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطيت ما لم يعط أحد من الانبياء فقلنا يا رسول الله ما هو قال نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الارض وسميت أحمد وجعل التراب لي طهورا وجعلت أمتي خير الامم( ).
وفيه شاهد على المرتبة السامية التي خص الله عز وجل بها النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأمته، وهذا النصر بالرعب خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ام انه يترشح على الغزاة من أمته من بعده، الجواب هو الثاني، وهو أمر ظاهر بالوقائع والوجدان ايام النبوة والكتائب التي كان يخرج بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه أو التي يبعثها الى الأمصار، وأيام الفتوحات الإسلامية، وهو من خصائص خير أمة أخرجت للناس لتبقى الدعوة الى الله عز وجل “وعن الإمام الصادق عليه السلام في الآية قال: يعني الأمة التي وجبت لها دعوة ابراهيم، وهم الأمة التي بعث الله فيها ومنها واليها، وهم الأمة الوسطى، وهم خير أمة اخرجت للناس( ).
ويتضمن قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ثلاثة أمور:
الأول: جهة الإخراج، وان المسلمين لم يخرجوا بأنفسهم للناس، بل أخرجوا، وفيه وجوه:
الاول: الله عز وجل هو الذي أخرج المسلمين للناس.
الثاني: كل نبي يخرج أمته للناس.
الثالث: الإنتقاء من بين الأمم والشعوب بلحاظ طاعة الله ورسوله.
الرابع: تقيد المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية، ودعوتهم الى الله بالقول والعمل، وتلاوتهم لآيات القرآن.
والصحيح هو الأول، فان الله عز وجل هو الذي أخرج المسلمين الى الناس، وفيه آية في إكرام بني آدم، ومسألة عقائدية وكلامية مستقلة، وهي خروج أمة على الناس، لتكون ظهيراً للنبوة، وآية على صدقها، ودعوة لتصديقها، وإتباع أحكام السماء في العبادات والحلال والحرام، فتكون الحجة وأسباب الهداية مركبة من:
الأول: بعث الأنبياء.
الثاني: خروج أمة مؤمنة تدعو الناس الى التصديق بالأنبياء، فمن الآيات ان يكون تعضيد النبوة بأمة، وليس بأفراد او جماعة.
ومن وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجئ تعضيد نبوته بأمة هي أحسن الأمم من بين الأنبياء والرسل كافة، ومنهم أولوا العزم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بالاضافة الى الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فنوح مثلاًعليه السلام شكى إلى الله من قومه، بعد ان اجتهد في دعوتهم الى طاعة الله عز وجل، وفي التنزيل حكاية عنه [فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا] ( ).
ولاقى إبراهيم أشد أنواع الأذى من نمرود وقومه، وأوذي موسى وعيسى عليهما السلام من قبل بني إسرائيل.
فتفضل الله سبحانه واخرج للناس امة منقادة للنبوة تدعو الناس في ميادين العمل والسوق والشارع والمنتدى والسكن، وتوجه ابراهيم عليه السلام هو واسماعيل بالدعاء والمسألة الى الله تعالى بان يبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لتكون بعثته تأسيساً لأحسن امة، وفي التنزيل [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ]( ).
لقد أطلت هذه الآية بنعمة إختص بها المسلمون بان يتفضل الله تعالى ويخاطبهم (خير امة) ثم يتفضل مرة اخرى ويخبرهم بانهم اخرجوا للناس وان وظائفهم العقائدية تشمل الناس جميعاً لان الألف واللام في قوله تعالى (اخرجت للناس) يفيدان الإستغراق والعموم، فليس من امة من امم الأرض الا ويتوجه لها المسلمون بالدعوة الى الله، والحث على التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتيان المعروف وإجتناب المنكر والسيئات، ومع كثرة ورود مادة (خرج) في القرآن، فلم يرد لفظ إلإخراج للناس الا بخصوص المسلمين وفيه وجوه:
الاول: خروج عدة أمم للناس وافضلها واسناها امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: حصول الإخراج للناس، ولكنه حصل بالنبوة، فالله عز وجل بعث الأنبياء للناس، واخرج المسلمين لهم.
الثالث: عدم إخراج أي امة للناس سوى المسلمين، وتعلق المقارنة والتفضيل بين المسلمين وغيرهم بلحاظ تفضيل المسلمين كأمة على الأمم الأخرى، أما الإخراج إلى الناس فهو أمر مستقل جاء للدلالة على أمرين:
الاول: الدلالة على كون المسلمين خير الأمم، فمن خصائص خير الأمم ان الله أخرجها للناس جميعاً، وانه ليس من أمة غيرهم أخرجت للناس خصوصاً مع لحاظ حقيقة وهي ان الآية تقسم الناس الى قسمين لاثالث لهما:
الاول: قسم اخرج للناس جميعاً،ومع تعدد الأجيال وتعاقب الآف السنين فأن هذا القسم ينحصر بالمسلمين، وهم الذين أخرجوا للناس، ولا تخرج امة للناس بفضل الله الا وهي خير الأمم.
الثاني: قسم أخرجت له خير امة، وهذا القسم شامل للناس جميعاً
عدا أفراد القسم الأول وهم المسلمون.
ففازت بمرتبة الخروج الأمة الإسلامية دون غيرها من الأمم، والدليل عليه من وجوه:
الاول: بيان الآ ية لحقيقة وهي ان المسلمين خير أمة في زمانها، أي منذ البعثة النبوية المباركة والى يوم القيامة.
الثاني: لقد بعث الله الأنبياء والمرسلين قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان اتباعهم في ايامهم على سبيل الأفراد والجماعات، وليس الأمم.
الثالث: إتصاف المسلمين بايمانهم بالله والأنبياء جميعاً وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
اما الاول، فصحيح، واما الثاني فان اتباع الأمم يصلح عليهم لفظ الأمة، ومن الأنبياء من كانت له أمة تتبعه، وقد بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس جميعاً مع وجود اتباع موسى وعيسى عليهما السلام.
الرابع: جاءت الآية بصيغة الخطاب للمسلمين (كنتم)، والمقصود هو جميع من آمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من حين بعثته والى يوم القيامة، ويتجلى بنظم الآيات، وورودها بخطاب التشريف [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] قبل ثمان آيات، واتصال الآيات حتى بذات الخطاب وان تعدد الموضوع.
ومن الآيات افادة تعدد موضوع هذه الآيات تعضيد وتوكيد بعضها لبعض، والمراد من الناس هو المعنى الأعم الشامل لجميع الأمم والشعوب المتعاقبة على الأرض، ومن لطف الله تعالى بالناس انه يخرج لهم أمة في كل زمان تتصف بالصلاح.
وتلك الأمم من أتباع الأنبياء، وقد يكون النبي وحده أمة يبعث للناس كما ورد في وصف إبراهيم عليه السلام، [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ] وقد اثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابي ذر بقوله: يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده) ( ).
ففي كل زمان تطل امة من الموحدين على الناس تدعوهم الى عبادة الله الى ان جاء المسلمون فاتصفوا بخصال تؤهلهم لمنزلة خير امة، وفيه شاهد على عظيم قدرة الله تعالى وانه أحاط باعمال العباد علماً، وتفضل وجعل أسباب الهداية ملازمة للناس في يومهم وليلتهم.
وفيه لطف من عند الله بالناس جميعاً، وشاهد على إستدامة منافع النبوة وبركة الرسالة، وتفضيل إضافي متجدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، فكل يوم يمر على الناس يشهد بان المسلمين أفضل الأمم في عملها وفي دعوتها لله تعالى وهناك أمم من أتباع الأنبياء مع المسلمين كاليهود والنصارى.
فجاءت الآية بذكر خصائص المسلمين التي تفضلهم على غيرهم من الأمم وهي إيمانهم بالله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالإضافة الى مايستقرأ من لغة الخطاب في الآية وهو شرط التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولم تقل الآية كنتم خير امة اخرجت على الناس، او اخرجت من الناس، بل جاءت الآية بالحرف اللام الذي يفيد الغاية والنفع العام للناس جميعـاً، وان المســلمين ليســوا متســلطــين على الناس، بل جعلهــم الله عز وجل رحمة وسبباً لهداية الناس بتقيدهم بأحكام الفرائض، وتصديقهم بالأنبياء جميعاً.
قانون أخرجت للناس
لقد جعل الله عز وجل في كل شئ في الوجود آيات متعددة تدل على وجوده، ووجوب عبادته، وملأ الكون بالآيات الباهرات التي تدعو الناس لطاعته بكــرة وعشــية، وتنفي الشــريك له بالربوبــيــة، وانعم الله عز وجل على الناس بالنبوة ومايصاحبها من المعجزات والدلالات على إنفراد الله تعالى بالربوبية.
وجاءت هذه الآية ببيان لطف إلهي بالناس كافة، وهو ان بعثة الأنبياء وإختتامها برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أدت الى نعمة عظيمة على أهل الأرض، وهي خروج خير الأمم على الناس، وتمتاز بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه دلالة على عدم مغادرة الإيمان بالله الأرض، ففي كل زمان هناك أمة مؤمنة، وهذه الأمة هي خير الأمم.
وقد لا تكون في ازمنة وقرون متعاقبة أكبر الأمم، ولكنها أكثر الأمم تأثيراً في الأرض، بالاضافة الى خصوصية تمتاز بها، وهي انها تؤثر ايجابياً بالناس، ولا تؤثر بها أمة او شعب آخر.
وما عند المسلمين يحتاجه الناس جميعاً، ولايحتاج المسلمون ماعند الأمم الأخرى، وهم أكــبر الأمم من جهــة إتحادهــم وإعتصــامهم بالله عز وجل وتغشيهم بنعمة الأخوة التي تستغرق المسلمين جميعاً، وتأتي هذه الآية لتكون بشارة صيرورة المسلمين اكبر الأمم الى جانب كونهم خيرها لما فيها من الإخبار عن قيام المسلمين المتصل بأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحصول إستجابة من الناس، ولو على نحو الموجبة الجزئية، مع تفرع تلك الإستجابة بتعاهد الأبناء لها، وانضمامهم الى خير امة وقيامهم بتوارث ذات الوظيفة الشرعية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ليكون وجود المسلمين بين أهل الأرض رحمة بهم جميعاً، ودعوة لأكرام المسلمين والإنصات لهم كما تملي الآية على علماء المسلمين مسؤوليات عديدة في توجيه الناس نحو سبل الهداية، وتعاهد منازل التفضيل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وان تضمنت الآية الإخبار عن نيل المسلمين لهذه المنزلة بفضل من عند الله عز وجل.
وجاءت هذه الآية بوصف كريم للمسلمين وهو [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] وانهم يتحملون رسالة عظيمة في الأرض، فهم ورثة الأنبياء، وقادة الأمم نحو سبل الخير والصلاح، وتتجدد دعوة الأنبياء بالمسلمين وجهادهم في سبيل الله، وبين الدعوتين عموم وخصوص من وجه، فمادة الإفتراق ان دعوة الأنبياء من الوحي والتنزيل، بالإضافة الى علو منزلة الأنبياء وكونهم أفضل الناس، وتأتي متحدة، اما دعوة المسلمين فهي عامة تصدر من أمة متعاقبة في أجيالها، يصل صوتها الى بقاع الأرض المترامية.
علم المناسبة
جاءت مادة (خرج) في القرآن في مواضع عديدة ، وتبين مسائل في الدنيا والآخرة، ومن مسائل الدنيا قيام الكفار بإخراج المسلمين من ديارهم تارة، وهمهم بإخراجهم تارة أخرى، قال تعالى [إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ] ( ).
وتأتي الآية محل البحث لتبين ان الله عز وجل أخرج المسلمين للناس جميعاً فمع قيام قوم باخراجهم من ديارهم فان المسلمين جاءوا لهم بالدعوة الى الله عز وجل، ولم يمنعهم التعدي عليهم من الإستمرار بالدعوة والإصلاح، والأمر بالمعروف.
وقد أخبر الله عز وجل عن بعث الأنبياء للناس، اما مسألة الإخراج فلم يرد بخصوص أشخاص او فرقة او امة الا أمة المسلمين، وهو تشريف إضافي للمسلمين، وبواسطة هذه الآية وما فيها من الإخبار عن إخراج المسلمين للناس أمور:
الاول: وجود أمم صالحة أخرجت للناس بلحاظ التفضيل ولفظ (خير امة)الوارد في هذه الآية.
الثاني: خروج هذه الأمم سابق على زمان المسلمين.
الثالث: المسلمون أفضل الأمم، ومع ورود مادة (خرج) ومشتقاتها نحو مائة وستاَ وثلاثين مرة في القرآن، فان هذه الآية تنفرد بأمرين في المقام وهما:
الاول: لم يرد لفظ (أخرجت) في القرآن إلا في هذه الآية.
الثاني: تعلق موضوع الخروج بأمة، فلم تذكر أي آية من آيات الخروج لفظ الأمة.
ويستفاد خروج أمم اخرى للناس من مضامين هذه الآية، ومع ان فريقاً من الناس يؤذون المسلمين ويعتدون عليهم، ويخرجونهم من ديارهم قال تعالى [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ] ( ).
فان الله عز وجل جعل المسلمين سبباً لهداية الناس وإرشادهم الى سبل الإيمان، وقد جاء في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن انهما سبيل لإنقاذ الناس من الضلالة، قال تعالى [وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
فبعد ان اخرج الله عز وجل المسلمين من الظلمة الى نور الإيمان، أخرجهم للناس لينقذوهم من الكفر والجحود، وهذا الإخراج وما فيه من السعي بين الناس مستمر الى يوم القيامة وهو رحمة من الله عز وجل، ورشحة من رشحات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الناس، وشاهد بأن اثار ومنافع النبوة باقية ومستمرة، ولقد انزل الله المطر من السماء فكان سبباً لخروج الحبوب والثمار، قال تعالى [وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ] ( ).
وقد انعم الله عز وجل على الناس وأنزل القرآن من السماء ليكون رزقاً روحياً، وغذاء عقائدياً، وأخرج به امة مسلمة تدعو الناس الى الجنة والإقامة في دار النعيم، ليكون خروجها عنواناً لشكر الله تعالى على نعمة نزول الماء من السماء ودوام الرزق والنماء فيه.
ومن مصاديق تفضيل المسلمين على الأمم الأخرى، ان الكافرين توعدوا الرسل والأنبياء بالإخراج من ديارهم، وجحدوا بنبوتهم، وقاموا بايذائهم وقتلهم قال تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا]( )، فجاء خروج المسلمين للناس رحمة بهم، فهم لايخرجون الناس من ديارهم ولكن يدعونهم الى الهدى والرشاد، ويخلصونهم من الكفر والجحود.
قانون خروج المسلمين للناس
لقد انعم عز وجل على الناس بالقرآن آية إعجازية في البلاغة والكلام والفقه والأخلاق وعلوم الغيب وغيرها، ومن الآيات انه جذب الأنظار والاسماع اليه، وصار من الأيام الأولى للتنزيل موضوع المنتديات والمجالس، وحديث الركبان والملأ من الناس، وينظر له كل قوم او جماعة او صنف بحسب حالهم وشأنهم وعلمهم وملتهم، فيجدونه آية في الإعجاز والتحدي، وكان حساب الجمل ، وحمل الحروف عليه امراً وفناً شائعاً في ايام النزول.
فجاءت هذه الآية لتبين الإطلاق والشمول في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته للإسلام بذات الفن، فليس من اجل مخصوص لها، وخروج المقام عن حساب الجمل وان كان هذا الحساب لايعين أجلاً للدعوة، فقد اراد الله عز وجل للإسلام الدوام والبقاء في الأرض ولايغادرها الى يوم القيامة.
ولما سمع جماعة من رؤساء اليهود النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يتلو قوله تعالى [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ] ( )، اخبروا قومهم، فجاء نفر منهم وقالوا الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم اربعون فهذه احدى وسبعون سنة، أتضلون في دين نبي مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعين سنة؟ وقال (حيي بن أخطب: يامحمد هل مع هذا غيره: قال: نعم، قال: ماذا؟ تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى [المص]و [الر] و[المر] واخذوا يعدون الحروف بحسب حساب الجمل، مع إدراكهم لإتصال التنزيل ونزول حروف مقطعة أخرى، كما في قوله تعالى [كهيعص] وطه، يس، قالوا: لقد تشابه علينا امره ونزل قوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ]( ).
ومن الآيات في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان الدعوة الى الإسلام لم تتوقف بعد إنتقاله الى الرفيق الأعلى، بل إستمرت بأشخاص المسلمين في كل جيل من اجيالهم، ولقد انعم الله عز وجل عليهم بالقرآن اماماً وهادياً في ميادين الدعوة الى الله، وقام المسلمون بوظائف الدعوة في أيام النبوة وقادوا الجيوش والسرايا في الغزو وفتحوا الأمصار، وأقاموا الصلاة في الحضر والسفر.
وأي وفد يأتي الى المدينة المنورة لا يرجع الى قومه إلأ وقد علم بوجوب الصلاة وأحسن اداءها ليكون اداؤها دعوة عملية للإسلام، ووسيلة لتهذيب المجتمعات من أدران الرذيلة، وحثاً للناس على التدبر في الخلق والآيات الكونية ولزوم عبادة الله عز وجل، والهدية التي يأتي بها الوفد إلى قومه وأهل بلدته أو قريته.
ولم تكن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضوعاً خاصاً بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وزمان نبوته فلم تنقطع آياتها الى يوم القيامة، والواقع اليومي المتجدد للمسلمين والناس جميعاً شاهد على صدق هذه النبوة.
فان قلت لم تنفرد بهذه الآية نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوجود الديانة اليهودية والنصرانية شاهد على صحة نبوة موسى وعيسى عليهما السلام، الجواب إن القرآن ثبّت هاتين النبوتين والنبوات مطلقاً، وهذا التثبيت من مصاديق خروج المسلمين للناس، لأن المسلمين إنفردوا بالجهاد في سبل تصديق الناس للأنبياء جميعاً، فلم تقم أمة أخرى بتصديق الأنبياء جميعاً، وفي هذا الإنفراد مسائل:
الأولى: أنه من الدلائل الظاهرة على تفضيل المسلمين على الأمم الأخرى.
الثانية: إستدامة آثار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين الناس، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( )، بإعتبار ان المراد من الناس صيغة الإطلاق، وإرادة الأجيال المتعاقبة، لتستمر الدعوة الإسلامية بالقرآن وأمة الإسلام التي أخرجها الله عز وجل للناس، وتقسم الآية الناس الى قسمين:
الأول: أمة أخرجت للناس، وهم المسلمون.
الثاني: الناس جميعاً من غير المسلمين.
ومن الآيات وجود تباين بين القسمين من وجوه:
الأول: الزيادة المستمرة في عدد المسلمين والنقص في ملل أخرى لإفتتاح باب الدعوة للإسلام، وعدم جواز الخروج منه.
الثاني: إعتصام المسلمين بالقرآن والسنة.
الثالث: تجلي نعمة الأخوة بين المسلمين، وظهور الفرقة عند ملل ومذاهب عديدة.
الرابع: تعاهد المسلمين للعبادات وسنن النبوة.
الخامس: حفظ المسلمين للقرآن رسماً وتلاوة وعملاً فما يتصف به المسلمون أنهم يتعاهدون القرآن بالعمل بأحكامه، وإجتياز مرحلة عدم التحريف.
فليس من أمة حفظت الكتاب المنزل على مدى أجيال متعاقبة من غير تحريف الا أمة المسلمين، وخلو القرآن من التحريف شاهد متجدد بين الملل على أهلية المسلمين للتفضيل، ومحافظتهم على هذه المنزلة بين الأمم الى يوم القيامة، بإعتبار ان المسلمين أحرزوا مرتبة تعاهد الكتاب السماوي، وأنهم كانوا ولا زالوا في أمن من طرو التحريف على الكتاب المنزل على نبيهم.
وأثبت تقادم الأيام عدم طرو التحريف على القرآن أبداً، فمنذ الأيام الأولى للإسلام إجتاز المسلمون هذه المسألة بتوفيق من عند الله، فاستطاعوا ان يحفظوا القرآن بحروفه وكلماته التي أنزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير تغيير أو تبديل، لتكون سلامته عنوان فخر وعز لهم، ومصداقاً من مصاديق إخراجهم للناس يدعونهم الى الصراط المستقيم.
وجاء إخراج المسلمين للناس ليكونوا ظهيراً وعضداً لنزول القرآن بتلاوته والعمل بأحكامه وسنن النبوة، قال تعالى [هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ( ).
وتدل الآية على عموم النفع من إخراج المسلمين بلحاظ الإطلاق المستقرأ من الألف واللام في الناس وإفادتها الإستغراق والشمول، فمع كل جيل من الناس، ومع كل فرقة ومذهب وملة هناك أمة أخرجها الله عز وجل تدعوها الى الهدى والإيمان ولا تنحصر هذه الأمة بالمسلمين من اهل زمان مخصوص ، والذين يعاصرون اهل جيلهم وطبقتهم من الناس، بل ان الصحابة واهل البيت والتابعين وباقي اجيال المسلمين تكون لهم موضوعية ومصاحبة واثر في حياة كل جيل من الناس، وهو من مصاديق اخراج المسلمين واسباب تفضيلهم لتجتمع اجيال المؤمنين على جيل واحد من الناس لهدايتهم وإصلاحهم وليكونوا عوناً لهم في سيرتهم وعلومهم وجهادهم للأحياء من المسلمين.
قانون مرتبة خير أمة
أخبرت هذه الآية بان المسلمين خير وأفضل أمة من بين أمم الأرض المتعاقبة عليها، وأحسن أتباع للأنبياء والنبوة، وتضمنت البشارة وبعث الغبطة والفرح في نفوس المسلمين،بإخراجهم للناس، بقيد افضليتهم وحسن سمتهم، وجعلهم أسوة حسنة للأمم والجماعات والأفراد، والذي يدل في مفهومه على دعوة الناس، للإنصات لهم والإقتداء بهم.
وتحتمل الآية وجوهاً:
الأول: بيان علة التفضيل، وترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة للحكم، فذكرت الآية ان إختيار المسلمين كأحسن وأفضل أمة بسبب قيامهم بالوظائف العبادية.
الثاني: تفضيل المسلمين أمر مستقل ولطف قائم بذاته.
الثالث: لأن المسلمين خير أمة فانهم يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على نحو الإشتراك والتعاون والإنفراد.
الرابع: إختيار المسلمين كأفضل أمة فضل محض، ورحمة إبتدائية من عند الله عز وجل لا صلة لها بعالم أفعالهم.
الخامس: نال المسلمون مرتبة خير أمة بتصديقهم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعهم له، فهم خير أمة لأنهم أمة أفضل الأنبياء والرسل.
السادس: وجود وجوه أخرى يعلمها الله، وجاءت آيات القرآن الأخرى تبين أهلية المسلمين لنيل مرتبة خير أمة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وهو من أسرار القرآن الإعجازية وعظيم فضل الله على المسلمين والناس جميعاً، خصوصاً وان الآية من آيات الرحمة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالآية رحمة عامة للمسلمين وأهل الكتاب والكفار، وأما في الآخرة فهي باب لإحراز المسلمين الأجر والثواب.
وتبين الآية قانوناً ثابتاً في الأرض وهو وجود مراتب لأهل الأرض ومن اعجاز الآية الكريمة ذكرها للناس على وجوه:
الأول: ذكر المسلمين بالمدح والثناء على نحو الإطلاق وبلحاظ أفعالهم العبادية.
الثاني: ذكر أهل الكتاب بالمدح والذم الجزئيين، فقد مدحت طائفة منهم ونعتتهم بالإيمان، وذمت اكثرهم ونعتتهم بالفسوق.
الثالث: لم تذكر الآية المشركين بالاسم والتعيين، ويستقرأ ذمهم من وجوه:
الأول: إخراج المسلمين للناس جميعاً.
الثاني: الأولوية القطعية المترسخة من ذم اهل الكتاب بلحاظ الفسق والخروج عن الطاعة.
الثالث: تنزيه مقامات خير أمة من ذكر الكفار على نحو التعيين، وقد ذمهم القرآن بقوله تعالى [ ان هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً]( ).
ومع هذا تحث الآية المسلمين للتوجه الى الكفار بالإنذار والوعيد، ولزوم التدارك وإجتناب الخسارة المطلقة في الدنيا والآخرة , وتظهر حاجتهم للإصلاح أكثر من غيرهم.
ومن مضامين هذه الآية عدم وجود مراتب بين المسلمين أنفسهم، فمع وجود تباين رتبي بين المسلم وأخيه المسلم من جهة العلم والتفقه في الدين والمواظبة على العبادة، والإنفاق قربة الى الله، وإستحضار ذكر الله في المعاملات، وكيفية الجهاد في سبيل الله تعالى، فان الآية جعلت المسلمين بمرتبة تشريفية واحدة، بإعتبار ان (خير امة) من الكلي الطبيعي الذي يكون كل مسلم فرداً منه، وتحتمل وجوهاً:
الاول: ترشح التفضيل من خيار المؤمنين على عموم المسلمين.
الثاني: التفضيل بلحاظ عمل المسلمين وطاعتهم لله واتيانهم العبادات.
الثالث: يشترك المسلمون بالإيمان بالله تعالى والتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء الآخرين وما انزل الله من الكتب، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الأمر يشترك فيه كل مسلم ومسلمة، وهو كاف لنيل شرف الإشتراك مع المسلمين الآخرين في نيل مرتبة خير أمة.
والصحيح هو الثاني والثالث، وتلك آية من الرحمة الإلهية بالمسلمين، فمع الإيمان بالله والنبوة يأتي التفضيل والتشريف، وفيه دعوة للناس لنيل هذه المرتبة بإتيان التكاليف العامة، اما الإجتهاد في النوافل والتفقه في الدين، والمبادرة الى الصالحات والإكثار من الحسنات فهي امور لنيل الرفعة والسمو في ذات الأمة، ويأتي أثر القضية الشخصية منها لعموم المسلمين.
قانون الخروج ظهور
لقد اخبرت الآية الكريمة عن إطلالة المسلمين على الناس بإعتبارهم خير أمة، ولم يكن خروجهم منحصراً بقضية أو موضوع بل هو مطلق وشامل للمواضيع والميادين المختلفة، وكما يتصف المسلمون بأنهم خير أمة، فان خروجهم إخبار عن ظهورهم إلى الناس بمعاني المحبة والود، من وجوه:
الأول: الإيمان عز ورفعة، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الثاني: إمتلاك المسلمين الحجة والبرهان.
الثالث: إختيار المسلمين سبل الحق والهداية.
الرابع: حاجة الناس للمسلمين لإرشادهم الى الصراط المستقيم.
الخامس: إتحاد المسلمين، وتعاهدهم لأحكام وسنن الأمة الواحدة.
السادس: حال الضعف والفرقة التي تتغشى الكفار والمشركين.
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بالإخراج للناس وهو شاهد على بقاء المسلمين أمة قوية، لا يستطيع العدو قهرها والإستيلاء المستديم على ثغورها وسيبقى قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) بشارة الرفعة والظهور على الأمم الأخرى، ودعوة للمسلمين للقيام بالتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم الخشية من الجهاد في سوح القتال، قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ] ( ).
ومن سبل إظهار رفعة الإسلام إخراج المسلمين على الناس، ويمكن إســتقراء مضــامين علــو ورفعة المســلمين على الناس من إخــراج الله عز وجل لهم، وظهور المسلمين للناس جميعاً، أما المسلمون فانهم بالظهور على الملل والفرق الأخرى يستطيعون نشر مبادئ الإسلام، وجعل الناس يصغون الى تلاوة الآيات والتدبر في معانيها، وكم من كلمة حق ورأي سديد يذهب أدراج الرياح لأنه لم يصدر من مقام ذي شأن عند الناس.
وقد تنتشر كلمة الباطل بين شطر من الناس، وتجد آذاناً صاغية لأنها تأتي من السلطان وصاحب الثروة والجاه، فجاء إخراج المسلمين لتكون كلمة الحق ظاهرة بينة، ولا يمكن لأحد التطاول على المفاهيم الإسلامية.
ويحتاج المسلمون تعاهد أحكام الشريعة، وظهور آيات القرآن وحفظها من التحريف والتغيير فأنعم الله عليهم بالخروج والظهور على الملل الأخرى، كما جعل خروج المسلمين وعلو شأنهم الناس ينظرون اليهم بإجلال وإكرام، ومنع من الإستهزاء بهم، أو بالمناسك التي يؤدونها خصوصاً وان الفرائض في الإسلام تستلزم بذل الجهد والصبر على الطاعة، وظهور المسلمين على الملل الأخرى تخفيف عن المسلمين، ومناسبة لإنقطاعهم الى العبادة وأعمال البر.
ان ظهور المسلمين بهيئة الأمة المتحدة حجة على الناس، فلا يمكن ان تتحقق الأخوة الإيمانية بين المسلمين من غير مدد وتوفيق إلهي، وفيها دليل على تجلي الآيات بأفعال المسلمين في اليوم والليلة وخشيتهم من الله عز وجل في السر والعلانية.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظهور ورفعة لأنه دعوة الى الحق، ونصيحة وإرشاد وتعليم ويدل بالدلالة الإلتزامية على قيام الأمر بذات الأمر وإجتنابه لما نهى عنه، ولا عبرة بالشاذ النادر الذي يأمر الناس بمعروف ولايأتيه، وهو على فرض وجوده لايضر بالصبغة العامة للمسلمين بأنهم خير أمة، كما ان باب التوبة له مفتوح، مع اللطف الإلهي لجذبه للتوبة والصلاح، وإحساسه بكونه فرداً من خير أمة يجعله يشعر على نحو مستمر بلزوم التدارك والتوبة والصلاح، فيتلقى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقبول والرضا، لينتقل الى وظيفته التي أنعم الله بها عليه فيشارك عموم المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويساهم في ظهور الإسلام.
قانون خروج المسلمين أخوّة
جاءت الآيات السابقة بالإخبار عن نيل المسلمين لمرتبة الأخوة الإيمانية بقوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا]( )، وأكدت لزوم إجتناب الفرقة والإنقسام والتشتت، فمن خصال خير أمة الإتحاد بين أفرادها، ليكون هذا الإتحاد دعوة للناس لدخول الإسلام، والإنضمام الى الأمة المتحدة المتمسكة بحبل الله، وجاءت هذه الآية لتخبر عن إخراج المسلمين للناس.
ومن الآيات الإعجازية في الآية أنها لم تنسب الخروج الى المسلمين، فلم تقل (كنتم خير امة خرجت للناس) مما يدل على حصول خروج المسلمين بفضل وتوفيق من عند الله، وأنه يستلزم الشكر والثناء منهم جميعاً، مع الحذر والإحتراز من الغرور والزهو، وتعيير الناس أو من يدخل للإسلام بان يمن عليه الذين سبقوه بالإيمان بانهم هم الذين أنقذوه من براثن الضلالة او ان تشريعات وقوانين خاصة تعطي الأولوية والإمتياز للمسلمين الذين سبقوا غيرهم في الإيمان وان جاءت الآيات القرآنية بمدحهم قال تعالى [ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ]( ).
وإخراج المسلمين رحمة بالناس جميعاً، وعنوان للأخوة الفعلية، وهذه الأخوة على وجوه:
الأول: الأخوة الإيمانية بين المسلمين من وجوه:
الأول: يستلزم الخروج الإتحاد والتعاون في السعي بين الناس.
الثاني: مجيء الآية بلفظ “أمة” وهو إخبار عن الأخوة بين المسلمين، اذ ينصرف المعنى الى الإتحاد بين أفراد الأمة، فلو دار الأمر بين القول باتحاد أفراد الأمة أم تفرقهم، فالأصل هو الإتحاد والأخوة بينهم.
الثالث: تدل الآية على لزوم إستعداد المسلمين لمواجهة التحديات، وكيفية التعامل مع مختلف المذاهب والمشارب، مما يستلزم التمسك بالأخوة الإيمانية لتحقيق أفضل النتائج.
الرابع: صحيح ان الآية تقسم الناس الى قسمين، مسلمين وغير مسلمين، الا انها تؤكد الأخوة الإنسانية بين القسمين من وجوه:
الأول: عدم ترك المسلمين الناس في ضياع وضلال، بل يتوجهون اليهم لإعانتهم في أمور دينهم ودنياهم.
الثاني: تعاهد المسلمين لمنازل الإيمان في حال الإختلاط والتداخل مع الأمم الأخرى، وهو الذي تدل عليه الآية بلحاظ وصف المسلمين بانهم أمة أخرجت للناس، فالخروج فعلي وامر حال وليس مستقبلياً، ومع هذا يبقى المسلمون أمة متحدة يشد بعضها عضد بعضها الآخر في السلم والحرب، ليكون هذا الإتحاد وسيلة لأداء وظائف ومصاديق الخروج على الناس.
الثالث: إخراج المسلمين رحمة بهم وبالناس، أما الرحمة بالمسلمين فمن وجوه:
الأول: إختيارهم لمقامات الخروج الى الناس.
الثاني: فضل الله عليهم بالتوفيق في عملهم.
الثالث: إنه سعي في طاعة الله ورسوله.
الثالث: إدراك سلامة إختيار الإسلام ، وحسن الثبات على الإيمان.
الرابع: إحراز الأجر والثواب، والفوز برضا الله تعالى.
الخامس: الآية من مصاديق الشهادة على الناس يوم القيامة.
السادس: تدل الآية بالدلالة التضمنية على قيام المسلمين بالتبليغ والدعوة الى الله تعالى.
السابع: المدد الإلهي للمسلمين في خروجهم ودعوتهم الناس الى الإسلام، وجاءت الآية بذكر الخروج مجرداً ولم تبين ماهيته وموضوعه، ولكن مضامين الآية أمارات وقرائن تؤكد مضامين الخروج، وهو جهاد المسلمين في دعوة الناس الى الإيمان بالقول والفعل، والحكمة وتلاوة الآيات، والإمتثال الأحسن للأوامر الإلهية، وحث الناس على الإيمان والأخلاق الحميدة، ونبذ الأفعال القبيحة والعادات المذمومة وأسباب الكفر والجحود.
فمن رحمة الله عز وجل بالمسلمين اللطف بهم وتوفيقهم وإعانتهم على أداء وظائف الخروج بما يعود عليهم وعلى الناس بالنفع العظيم، فذكرت الآية رداء الخروج المبارك وهو الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما الرحمة بالناس فان رحمة الله تتغشى الناس جميعاً في الدنيا بها يعيشون ويرزقون ويتكاثرون، وتصرف عنهم الآفات الأرضية والسماوية، ومن رحمته بهم خروج أمة مؤمنة تتوجه الى الناس بخطاب التوحيد والإنقياد للنبوة والتذكير بلزوم طاعة الله عز وجل والخضوع له بأداء الفرائض والعبادات، وإجتناب قبيح القول والفعل، ومن رحمته بالناس في المقام وجوه:
الأول: عدم تركهم في الضلالة، فمع انقطاع النبوة يبقى القرآن اماماً للناس فيقوم المسلمون بتلاوة آياته، وإبلاغ الناس مضامينها، ويظهرون الإمتثال العملي لأحكامها في دعوة يومية متصلة.
الثاني: زحزحة الكفار عن منازل الكفر، ومنع إنقطاعهم الى الذنوب والمعاصي، لان المسلمين يقومون بالدعوة الى الله بصورة دائمة.
الثالث: التذكير بلزوم عبادة الله، وهذا التذكير مركب يتجلى برؤية الناس للمسلمين يؤدون عباداتهم، والقيام بالدعوة الى الايمان وقد ثبت عقلاً ووجداناً ان تكرار الفعل يؤدي الى حصول الملكة، ويرسخ خروج المسلمين على الناس مفاهيم الايمان عندهم، ويجعل الناس يدركون وظائف العبودية لله تعالى.
قانون تجدد آيات القرآن
تلقى المسلمون معجزات النبوة بالتصديق، وآمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقيدوا بالأوامر الإلهية في أداء العبادات والفرائض، وايقنوا ان القرآن كتاب نازل من عند الله، وتكون الآيات بعد إسلامهم على وجوه:
الاول: تكرار ذات الآيات.
الثاني: الإكتفاء بالتفقه في الآيات النازلة، وتفسيرها وتوثيقها وبيانها للناس.
الثالث: الوقوف عند الآيات النازلة، ومعجزات النبوة في حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: توالي الآيات والمعجزات بعد انتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى.
والصحيح هو الرابع، فمن خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان معجزاتها لم تنقطع بمغادرته الدنيا، بل إستمرت بعده وهي في تجدد وتشعب وانحلال الى يوم القيامة، وهذا من وجوه تفضيله صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، وشاهد على حاجة الناس لبعثته ومصداق لحقيقة وهي ان المسلمين [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] من وجوه:
الأول: التصديق بالمعجزات والآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الإستدامة والثبات.
الثاني: تعاهد معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالحفظ والتوثيق والدراسة وتركها إرثاً للأبناء يفتخرون بها وبالتصديق بها.
الثالث: إستنباط الأحكام والمواعظ من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: إستخراج الدرر والكنوز العلمية من آيات القرآن.
لقد كانت معجزات الأنبياء السابقين حسية، أما معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي عقلية، فقد جاء بالقرآن كتاباً جامعاً للأحكام، وفيه تبيان كل شئ، ومن خصائصه ان آياته توليدية، وتفيض خزائنه بالعلوم والاسرار في كل حين في آية لم يشهد لها تأريخ الإنسانية مثيلاً.
والقرآن هو النعمة الكبرى المصاحبة للإنسان في حياته وبعد مماته، ونال المسلمون مرتبة الفوز بالإنتفاع الأمثل منه، وبذل الوسع لإستخراج العلوم منه وإتخاذ آياته إماماً وقائداً في ميادين الحياة المختلفة، وهذا من مصاديق كون المسلمين خير امة، ومن وجوه إخراجهم للناس ان عنايتهم وانتفاعهم من القرآن دعوة للناس لدخول الإسلام.
لقد جعل الله عز وجل كل آية من القرآن كنزاً بلحاظ إجتماعها مع آيات أخرى من القرآن لتكون معجزة متجددة تخاطب أولى الألباب، وتكون حجة ذاتية وغيرية، ووثيقة سماوية تؤكد آيات الأنبياء الآخرين الحسية، ليكون من وجوه تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم في المقام أمور:
الأول: تثبيت آيات الأنبياء السابقين.
الثاني: توكيد سلامة إختيار أتباع الأنبياء السابقين للإسلام، وتصديقهم بتلك الآيات، فلا تأتي فرقة او ملة تذم او تستخف بالذين اتبعوا موسى وعيسى عليهما السلام من اليهود والنصارى قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: ظهور الحجة على أهل الكتاب بلزوم تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه.
ان تجدد كنوز القرآن وتجلي آيات كل آية منه على نحو مستمر ومستديم دعوة للهداية والإيمان، ورحمة متصلة في متناول الناس في كل زمان، وزاجر عن التمادي في الكفر والضلالة لانها توكيد لحضور التنزيل والنبوة بين الناس بالإعجاز والإنذار والبشارة، ويتعاهد هذا الحضور المسلمون في عباداتهم ومعاملاتهم وسمتهم وأخلاقهم.
قانون الإخراج إتباع للأنبياء
من الآيات الاعجازية في الدلالة العقائدية لهذه الآية الكريمة ان موضوعها لم ينحصر بالإخبار عن كونها خير أمة، ولا الإخراج للناس، وحده مع ما له من المعاني القدسية التشريفية، فلم تقل الآية (كنتم أمة أخرجت للناس) بل أخبرت عن أمرين متلازمين، كل فرد منهما متمم للآخر، وتحتمل الصلة بينهما من جهة الإبتلاء وجوهاً:
الأول: الملازمة وانهما إبتدءا بعرض واحد.
الثاني: نال المسلمون مرتبة خير أمة قبل أن يخرجهم الله ا للناس.
الثالث: أخرج المسلمون للناس أولاً، ثم نالوا مرتبة خير أمة وهو على شعب:
الأولى: موضوعية الإخراج للناس في نيل مرتبة خير أمة، فلم يحصل المسلمون على هذه المرتبة إلا بعد ان أخرجوا للناس.
الثانية: طول ملابسة وعمل مع الناس والسعي في إصلاحهم، جزء علة في نيل المسلمين هذه المرتبة.
الثالثة: عدم موضوعية الإخراج للناس في نيل مرتبة خير الأمم، إلا ان الفارق زماني محض، فجاء اختيار المسلمين لمرتبة خير أمة متخلفاً زماناً عن اوان إخراجهم للناس.
والصحيح هوالأول والثاني، اما الأول فان المسلمين استحقوا منزلة أحسن الأمم بالبعثة النبوية الشريفة، واما الثاني فانهم خير الأمم في علم الله تعالى، لذا وردت الآية بلفظ (كنتم)، ان هذا الثناء والوصف المركب للمسلمين شاهد على كونهم اتباع الأنبياء، فهم الذين يحفظون سنن النبوة، كما انه أمارة على غلق باب النبوة وانتقال الأمر في الحياة الدنيا من بعث الأنبياء الى خروج أمة تعظم شعائر الله.
وبين بعث الأنبياء وخروج المسلمين للناس عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء هي:
الأول: كل منهما بأمر الله.
الثاني: البعثة والخروج فضل ورحمة من الله على الناس جميعاً.
الثالث: الإشتراك في تحقيق النفع العام للناس وجذبهم للإيمان.
الرابع: كل من النبوة والخروج حاجة للمسلمين والناس جميعاً.
أما مادة الإفتراق فهي من وجوه:
الأول: النبوة أشرف رتبة.
الثاني: بعث الأنبياء اعظم درجة واكثر أثراً.
الثالث: خروج المسلمين للناس فرع النبوة، فالنبوة والتنزيل هما الأصل.
الرابع: النبوة سابقة في زمانها لخروج المسلمين، لانها ملازمة لأول وجود للانسان على الأرض.
الخامس: انقطاع النبوة بانتقال الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى، اما المسلمون فباقون الى يوم القيامة وبذات الصفة الكريمة وهي خروجهم للناس.
السادس: عدد الأنبياء هو مائة واربعة وعشرون الف نبي، ولايعلم عدد المسلمين وكثرتهم الا الله تعالى.
السابع: لكل نبي انصار واتباع، اما المسلمون فهم أتباع الأنبياء، ولكل إنسان أن يلتحق بهم فيكون فرداً من خير امة، وتابعاً للأنبياء جميعاً.
فمن كان يؤمن بنبوة موسى عليه السلام او عيسى عليه السلام، فان دخوله الإسلام لايتعارض مع هذا الإيمان بل يثبته ويؤكده، وهو من خصائص خير أمة، ففي الإنتماء لها تعاهد للإيمان بالنبوات.
لقد مدح الله عز وجل الأنبياء واخبر عن نيلهم اسمى الدرجات وبلوغهم مرتبة الكمال الإنساني، قال سبحانه [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ] ( ).
لقد أراد الله عز وجل حفظ سنن النبوة في ألارض، فجعل ألمسلمين هم الذين يحفظونها ويتعاهدونها من وجوه:
ألاول: توارث حفظ القرآن من التحريف والتغيير.
الثاني: تلاوة آيات القرآن، والتدبر في قصص الأنبياء ومافيها من المواعظ والعبر ومضامين الحكمة.
الثالث: اتباع المسلمين الأنبياء في نهجهم وسعيهم وجهادهم في سبيل الله.
الرابع: التصديق بالأنبياء على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، وعدم الجحود بنبوة أي واحد منهم.
الخامس: العمل بمضامين البشارات التي جاء بها الأنبياء، واهمها واسماها البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم اتباعه، اذ انفرد المسلمون بالتصديق العملي بهذه البشارات، وهو من خصائص خير أمة.
فان قلت ان التصديق بالبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سابق لأوان بعثته باجيال متعددة، وفي كل جيل هناك أمة تصدق بنبوته، مما يعني انبساط التصديق على المسلمين وامم الموحدين قبل الاسلام، فهو ليس من خصائص المسلمين دون غيرهم، والجواب ان المسلمين نالوا شرف التصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم الى جانب اتباعه ونصرته.
وكان الموحدون من الأمم السابقة يتطلعون الى طلعته البهية، وينتظرون زمانه، ويتبعون علامات بعثته الكونية ووفق الحوادث والشواهد التأريخية، اما المسلمون فقد فازوا بصحبته واتباعه بعد انتقاله الى الرفيق الاعلى وعاشوا أيام نبوته وبادروا الى التصديق به واتباعه والعمل بسنته الشريفة.
ومن الناس من كان يؤمن بالبشارات التي وردت بصفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن حينما بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدق به ولم يتبعه واختار التحريف وتبديل الصفات مع ان الصفات المذكورة في التوراة عن نبي آخر الزمان تنطبق عليه، ، قال تعالى [وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا]( )،اما المسلمون فانهم تلقوا بعثته بالقبول ومنهم من كان على اليهودية او النصرانية.
ولم يأت للمسلمين وحي او تنزيل، بل إتبعوا ما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي وآيات القرآن، واخلصوا العمل في مرضاة الله تعالى.

قانون مصاحبة السكينة لخير أمة
من وجوه البيان في القرآن قصص وأحوال الأمم السالفة وهي على قسمين:
الأول: المؤمنون وأتباع الأنبياء.
الثاني: الكفار والمشركون.
وبحكم ماهية الإنسان، وإنفعاله بالغير وإنسه بالناس، تكون الصلات بين الفريقين مستمرة في المعاملات وغيرها مع مصاحبة النفرة لتلك الصلات وانعدام الود بين الفريقين لذا تحصل العداوة والخصومة وتقع الحروب بين الفريقين، فجاءت هذه الآية لتؤسس أموراً:
الأول: بيان تفضيل المسلمين، ولهذا البيان موضوعية في معرفة كل أمة وفرقة وأهل مذهب منزلتهم بلحاظ القرب او البعد من أمة الإسلام، وما تؤمن به من عقائد التوحيد والنبوة والمعاد، ويتجلى هذا الأمر في مضامين هذه الآية، بذكرها أهل الكتاب على نحو الخصوص بإعتبارهم أقرب الأمم والملل الى المسلمين مع بيان تخلفهم عن الإيمان وشرائطه، كي لا يكون هذا القرب سبباً للإقامة على الجحود بالنبوة او فعل المعاصي والسيئات.
الثاني: توكيد انقطاع الوحي والتنزيل، مع بقاء موضوعه متجدداً بأمة تتولى وظيفة تعاهده والعمل بأحكامه.
الثالث: وجوب تقيد المسلمين بأحكام وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلهما مادة الصلة مع الأمم الأخرى، او لا أقل تكون لهما موضوعية في تلك الصلات فلا تتقوم الا بهما، وتكون منافعهما مركبة على شعب:
الأولى: إحتراز المسلمين من عدوى الغفلة في الواجبات.
الثانية: معرفة الأمم الأخرى بعدم تلبس المسلمين بالمنكر، وان أرتكب شخص من المسلمين المنكر المنهي عنه فان الناس يدركون انه خالف وظيفته الشرعية.
ومن الآيات ان جعل الله باب التوبة مفتوحاً، فما يلبث هذا الشخص ان يتوب الى الله ويصلح شأنه، ويعود الى اولئك الذين رأوه او علموا بارتكابه الذنب ومخالفته لأحكام الشريعة ليدعوهم الى الهدى والإيمان، وتظهر معاني النفوس على لسانه وفي فعله.
الثالثة: تعاهد الإيمان، وصحيح ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمران يتوجهان الى الغير، الا انهما شاهدان على رسوخ الإيمان في النفس، ومرآة تحكي بلوغ مراتب من التقوى تؤهل الإنسان لدعوة غيره الى الإيمان، وهما مناسبة لمحاسبة الذات وعرض الأفعال على الأقوال، فينظر الإنسان ما اذا فعل ما أمر به، وهل اجتنب ما نهى عنه.
الرابع: بيان حقيقة وهي ملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمسلمين في حياتهم اليومية، فهما صفة كريمة ثابتة من صفاتهم، وهذا الثبوت حاجة لهم ولأهل الأرض جميعاً.
الخامس: بيان رحمة الله تعالى بالناس في إستدامة الأمر والنهي في الأرض، وعدم مغادرتهما لها الى يوم القيامة، مما يدل على ان النبوة لم ولن تغيب عن الأرض، فكما ان الشمس تطلع على الناس كل يوم فكذا الأمر والنهي يطلان بواسطة خير الأمم على الناس جميعاً.
وفي الليل اذ يملأ نور القمر آفاق الأرض فان تلاوة المسلمين لآيات الله وقيامهم بالليل ينير للناس دروب الهداية ويجعلهم يتدبرون في خلق السماوات والأرض وقصص الموحدين من الأمم السابقة، وكيف دبّ الضعف والتقصير بين الأجيال اللاحقة، وتخلفوا عن وظائفهم العبادية قال تعالى [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ]( ).
فأنعم الله عز وجل على الناس بالمسلمين الذين ينفردون بخصوصية وهي ان الخلف منهم كالسلف في العبادة والتقوى والصلاح وهو من وجوه تفضيلهم على الأمم الأخرى.
وقد يخشى المسلم من تخلف ذريته عن الفرائض والواجبات وان يلحق بالأجيال اللاحقة من المسلمين ما أصاب الموحدين وأتباع الأنبياء من الأمم الأخرى، فجاءت هذه الآية بشارة لكل مسلم ومسلمة بان الأجيال اللاحقة من المسلمين لا تسير الا على ذات النهج الذي سار عليه صحابة وأهل البيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي ساحة المعركة يحمل فارس متميز راية قومه، ويساعده من حوله في المحافظة عليها وبقائها مرفوعة، اما المسلمون فانهم يشتركون جميعاً ومعهم المسلمات في حمل لواء التوحيد والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والراية التي تشترك أمة كاملة في رفعها تبقى شامخة عالية يراها أهل الأرض جميعاً فيستنيرون بنورها، وينجذبون اليها، ويراها أهل السماء فيدركون علة خلق الله عز وجل للإنسان وأهليته بالإسلام لحفظ معالم التوحيد في الأرض.
ويغادر المسلم الحياة الدنيا ونفسه مطمئنة لتعاهد ذريته وأحفاده وسنن الشريعة وأحكام الحلال والحرام، وهو من خصائص خير أمة بأن تحضر السكينة الى الفرد منها اذا حضره الموت، ومن عمومات قوله تعالى [يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً] ( ).
وتترشح السكينة من المسلمين على الناس جميعاً بسيادة احكام العدل والإنصاف في الأرض، وزجر النفس الشهوية والغضبية ومنع الظالمين من الإسراف في التعدي، وهو من أسرار خروج المسلمين للناس جميعاً، وفيه بعث للأمل في النفوس، ومقدمة نوعية عامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجود إذن صاغية للمسلمين في كل زمان ومكان، وهو سبب من أسباب امتناع المسلمين عن اليأس والقنوط، وهذا الإمتناع من مصاديق السكينة، وسر من أسرار صيرورتها ملكة عند أجيال المسلمين المتعاقبة.
قوله تعالى [تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ]
بعد المدح والثناء على المسلمين، وتفضل الله تعالى باخبارهم عن عظيم منزلتهم بين الأمم، ونيلهم مرتبة لم ولن ينالها غيرهم، مرتبة أعدها الله تعالى لهم لتكون جزاء عاجلاً عن إتباعهم لأفضل الأنبياء وجهادهم في سبيل الله تعالى، وعشقهم للشهادة وتحقيق الفتح ونشر كلمة التوحيد، وكما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)( ) فانه ليس من امة تحملت الأذى وصبرت في جنب الله مثل المسلمين، مع الحرص على الوحدة والإلتزام بالأداء العام لأحكام الشريعة، وعدم التفريط بقيد او شرط من شروطها، ولم يتخلف المسلمون عن وظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومع ان الآية بدأت بصيغة الفعل الماضي (كنتم) و(اخرجت) فانها انتقلت الى صيغة المضارع (تأمرون) فلم تقل الآية كنتم خير امة اخرجت للناس أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر بل انتقلت عند وصف حال المسلمين الى صيغة المضارع.
وفيه آية إعجازية تؤكد ان الحكم في الآية اعم من ان يكون الوصف علة تامة له، لبيان حقيقة في الإرادة التكوينية وهي ان الاصل في نيل المسلمين لمراتب التفضيل لطف ورحمة من عند الله، فليس الناس في ميدان للتباري، انما الحياة الدنيا دار للإختبار والإمتحان، ولاينحصر الإختبار باجل وزمان مخصوص، بل يستغرق أيامها كلها، ويتعلق بعالم الأقوال والأفعال، ومضامين التكاليف.
فجاءت صيغة الفعل المضارع للدلالة على الإستمرار والإستدامة وفيه شاهد على مواظبة المسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قادم الآيام وتجدد افعال الصلاح منهم، لتتغشى مضامين الآية الكريمة الأزمنة الثلاثة من وجوه:
الأول: إرادة الزمن الماضي بنيل المسلمين مراتب التفضيل على نحو القطع والإمضاء.
الثاني: تحقق التفضيل على كل الناس في مختلف الأزمنة والأمصار، فليس لأمة غير المسلمين ان تأتي في آخر الزمان وتقول نحن أفضل الأمم، فابطال مثل هذا القول يتجلى بهذه الآية الكريمة مع المصداق العملي المتصل وهو تعاهد المسلمين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث: تجدد تفضيل المسلمين في كل يوم من أيام الحياة الدنيا بالوصف الخاص بهم الذي تضمنته هذه الآية.
وإبتدأت الآية بحكم سماوي يتضمن مدح المسلمين، ودلالات عقائدية تحث المسلمين على دوام الإرتقاء في المعارف إلالهية، والبقاء أسوة للناس، ومرآة للهداية والصلاح، فان وصفهم بانهم يأمرون بالمعروف مدح إضافي وشاهد على إستحقاقهم لمراتب التفضيل على نحو الإستدامة.
فمن الآيات ان يلتقي الحكم بان المسلمين خير الأمم، والوصف بانهم يأمرون بالمعروف بإمور:
الأول: المدح والثناء على المسلمين.
الثاني: تضمن الحكم [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] الوصف لتقومه بالأعمال، وتضمن الوصف [تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ] مضامين الحكم، فكأنهما مما اذا إجتمعا إفترقا، وإذا إفترقا إجتمعا.
الثالث: حث المسلمين على تعاهد مقامات التفضيل بالوصف باعتباره علة للحكم وحجة على الناس.
الرابع: الملازمة بين الحكم والوصف، وهي من القواعد الكلية في الدنيا باعتبارها دار امتحان وبلاء، ومن مفاهيم هذه الملازمة ماهو ضدها، وهو الملازمة بين التخلف عن المعروف والأمر به، وبين الذم والوعيد.
وجاءت لغة المدح في خطاب للمسلمين بلغة العموم الشاملة لجميع المسلمين، وهذه اللغة إنحلالية اذ يتوجه الخطاب لكل مسلم وتقديره، تأمر بالمعروف، كما يتوجه الى كل مسلمة وتقديره (تأمرين بالمعروف) وهو سور جامع وعنوان للوصف فكل مسلم ومسلمة يقومان بالأمر بالمعروف وينهيان عن المنكر، فبتحقق الوصف النوعي الحسن يتجلى شمول عموم الافراد به.
وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين الجهاد بالمعنى الأخص، عموم وخصوص مطلق، فكل جهاد هو امر بالمعروف وليس العكس، مع فضله تعالى في نيل الثواب على الأمر بالمعروف مطلقاً بالإضافة الى عمومات الأمر بالمعروف وشمولها للميادين المختلفة، وظهور الحاجة اليها في العمل والتجارة والمعاملة والعقود والسوق والبيت.
ومن مصاديق تفضيل المسلمين اتخاذهم الرفق وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبار الترتيب في كيفيته والإبتداء من الأدنى بان يبدأ بالاشارة والتلميح ومع عدم حصول الأثر والنفع، ينتقل الى التصريح باللسان وهو ايضاً على مراتب اذ يبدأ بالترغيب والنصح وإقامة الحجة ثم الإنذار والتبكيت والوعيد، وان لم ينفع استعمال اللسان المتكرر تأتي مرتبة اليد، وهي ايضاً على مراتب متعددة تبدأ من الأدنى والأخف في قوس الصعود مع الامكان وعدم إحتمال ترتب الضرر لأولوية حفظ النفس، وهل تضر هذه الأولوية وترك الأمر بالمعروف بسببها بان المسلمين خير امة، الجواب لا، من وجوه:
الأول: ترك الأمر بالمعروف هنا ليس تركاً تاماً وإعراضاً عن الأمر بالمعروف بل هو تعليق الى حين الأجل والمكان المناسب.
الثاني: تحصل الأولوية هذه في حالات خاصة وهي على نحو القضية في الواقعة وليس قاعدة كلية، فلا تضر في صدق إستمرار المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث: إجتناب المسلم الأمر بالمعروف في حالة مخصوصة بسبب راجح، لايكون برزخاً دون مواصلة السعي في ميادين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يكون سبباً لإستدامة جهاده في سبيل الله في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لانه اجتنب الضرر والبلاء المانع من اداء وظائفه.
الرابع: ترك فرد او جماعة من المسلمين الأمر بالمعروف تقية، لا يكون الا في موضوع وجهة مخصوصة مع إستمرار قيامه بوظيفة الأمر بالمعروف في جهات ومضامين أخرى متعددة.
الخامس: عدم قيام المسلم بالأمر بالمعروف لايكون الا مؤقتاً، ويزول بزوال أسبابه، وحينما مدح الله عز وجل المسلمين ووصفهم بانهم يأمرون بالمعروف فانه سبحانه يهيئ لهم مقدمات الأمر بالمعروف، ويصرف عنهم الموانع والأسباب التي تحول دونه.
السادس: تعليق فرد او جماعة من المسلمين قيامهم بالأمر بالمعروف لايمنع من قيام عامة المسلمين به، ممن لايخشى على نفسه وماله وعرضه.
قانون الأمر بالمعروف إختصاص
جاءت الآية بنعت المسلمين بما يفيد الصفة الدائمة والذي يتجلى بذكر الفعل على نحو التعيين، وهو قيامهم بأمر الآخرين بالطاعة والصلاح وترك الأفعال القبيحة، وبصيغة المضارع التي تفيد الإستدامة والتجدد، وصحيح ان الآية خطاب ووصف للمسلمين الا انها تتضمن في معانيها القدسية مدح مقام الربوبية والثناء على الباري عز وجل من وجوه:
الأول: ان الله عز وجل هو الذي هدى المسلمين لمنازل الأمر بالمعروف.
الثاني: الأمر بالمعروف كنز إدخره الله لهم ليكون الصبغة الظاهرة لأهل الأرض، وقوس الصعود الذي يرى الملائكة أنواره باعمال مباركة، وثواب مدخر.
الثالث: لايستطيع المسلمون القيام بالأمر بالمعروف لولا فضل الله، وإعانته لهم، وحجبه للموانع الذاتية والعرضية والغيرية، اما الذاتية فان الله عز وجل يزيح العوائق النفسية والحواجز التي تشغلهم عن الأمر بالمعروف من أمور الدنيا واللهث وراء زينتها.
وأما العرضية كاسباب الحيلولة دون التبليغ وبلوغ الأمر الى المأمورين، واما الغيرية فان الله عز وجل يمنع وجود أي سلطان لمن يريد منع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحتمل الأمر بالمعروف من حيث كثرة الجهات التي تقوم به اوقلتها وجوهاً:
الاول: إختصاص المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: مشاركة أهل الكتاب بالأمر بالمعروف.
الثالث: تولي الناس جميعاً الأمر بالمعروف.
الرابع: قيام فرقة من كل ملة بالأمر بالمعروف.
والصحيح هو الأول، فمن يأمر بالمعروف يأتيه، وأصل المعروف هو طاعة الله عز وجل وإتباع النبوة، لذا فان هذه الآية بيان وتثبيت لقانون إختصاص المسلمين بتولي مسؤوليات الأمر بالمعروف، وهي شهادة لحسن قيامهم بوظائفهم، اذ ان الآية تتضمن حكماً مركباً من امور:
الأول: الأمر الإلهي بالأمر بالمعروف.
الثاني: امتثال المسلمين للأمر الإلهي، وقيامهم بأمر الناس بالطاعة لله، وحثهم على الصلاح، وبذل الوسع في هدايتهم الى سواء السبيل.
الثالث: تلقي الناس للأمر بالمعروف من قبل المسلمين، وبلوغ صوت الحق اليهم، وجعلهم يعرفون حسن المعروف ووجوب إتيانه، وقبح المنكر ولزوم اجتنابه.
ولو لم يختص المسلمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكيف تكون الحال الجواب لا تستطيع ملة القيام بهذا العمل العبادي العظيم لتعذر اجتماع شرائطه عند غير المسلمين.
وتبين الآية حاجة الناس للأمر بالمعروف، ومن يكون محتاجاً للشئ لايستطيع اعطاءه لغيره الا كواسطة، كما لوقام الكافر بنقل معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى غيره فآمن بها الغير، او نقل ما يأمر به المسلم على سبيل الحكاية الى الآخرين فيسمعون القول ويتبعونه لانه حق وصدق.
وهل يثاب الكافر في هذه الصورة باعتباره ساعياً في بعض وجوه الخير الجواب لا، لان الكفر حاجب للثواب، ومن مصاديق اختصاص المسلمين انهم لاينتظرون غيرهم لينقل ما يأمرون ويوصون به من مصاديق المعروف الى الأخرين، بل يجاهدون باموالهم وانفسهم لحمل الناس على طاعة الله.
وجاءت الآية لتخبر عن استدامة اختصاص المسلمين باحسن مراتب الأمر بالمعروف، وعدم مشاركة غيرهم لهم، ولايأتي بديل عنهم في حقبة ما من الزمان، او في بقعة من بقاع الأرض، مما يدل على أن هذا الاختصاص مسؤولية عظيمة يتحمل اعباءها المسلمون، وشاهد على تلقيهم المدح والثناء وبشارة الثواب العظيم في الآخرة فضلاً من عند الله، وحسن إمتثالهم للأوامر الإلهية.
ويملي على المسلمين ضرورة التفقه في الدين ومعرفة احكام الحلال والحرام، كي لايأتي الأمر بما يخالف الوظيفة الشرعية، او مايتضمن التشديد على النفس والإفراط والتفريط، لموضوعية كيفية الأداء ومناسبة الحكم للموضوع، وقواعد التخفيف، وعمومات نفي الحرج، وقاعدة لاضرر ولاضرار.
قانون الأمر بالمعروف فقاهة
من خصائص خير امة السعي في ميادين العلم، ومعرفة أحكام الحلال والحرام فيأتون الحلال، ويجتنبون الحرام، ومن شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التفقه في الدين، ولايستلزم التفقه احاطة المكلف علماً بكل مصاديق المعروف، وافراد المنكر، بل يجب عليه معرفة ذات المصداق الذي يأمر به بانه من المعروف، والفرد الذي ينهى عنه بانه من المنكر، فمن يكون جاهلاً بالحكم في مسألة وموضوع ليس عليه القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بخصوصه، بل يتولاها غيره، ممايستلزم قيام المسلم والمسلمة بالتفقه في الدين لنيل الثواب والمبادرة الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقيل بوجوب تحصيل العلم بافراد كل منهما، ثم الإتيان بها، ولكن الأصل البراءة خصوصاً وان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي يسقط عن الجماعة اذا قام به واحد منهم.
ومن وجوه الحاجة إلى التفقه في هذا الباب التعدد في الأحكام التكليفية ولزوم التفريق بين الواجب والمستحب، ويكون الأمر بالمعروف بخصوص المندوبات بكمال الرفق حتى لا تحصل النفرة.
ان الأمر بالمعروف موضوع للتفقه في الأحكام الشرعية، ومسائل الحلال والحرام، وتلك آية ومصداق من مصاديق (خير امة) فمن منافع الأمر بالمعروف أمور:
الأول: الإرتقاء في المعارف الإلهية.
الثاني: السلامة من اللبس والجهالة والغرر.
الثالث: انه شاهد على أهلية المسلمين لنيل المراتب العالية.
الرابع: الأمر بالمعروف دليل على حاجة الناس للمسلمين، لان التفقه في الدين عنوان الرجحان في المنزلة والتدبير والإختيار.
الخامس: الأمر بالمعروف وسيلة للإحتراز من السيئات والمعاصي، فيساعد التفقه في الدين على معرفة مصاديق المعروف واتيانها، وأفراد المنكر واجتنابها.
السادس: يستلزم الأمر بالمعروف الرجوع الى القرآن والسنة، والصدور عنهما، فيكون وسيلة لتعاهد آيات القرآن ونيل الثواب، كما ان تلاوة القرآن وحدها امر بالمعروف ودعوة الى الله عز وجل، وحث على الصلاح والرشاد، وحرب على الشيطان، فيقرأ المكلف القرآن كي يتسلح بالمعارف الإلهية، ويزداد تفقهاً في أمور الدين فينصت اليه غيره فيحفظ منه ويأتي بالمعروف في غير مايدعى اليه، ويكون نفسه آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر.
وتدل الآية على تعاهد المسلمين لمنازلهم في الفقاهة ومعرفة أصول الدين والتمييز بين الحلال والحرام لضرورتها للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلزم وظيفة الأمر بالمعروف المسلمين تعلم الاحكام الشرعية وهذا التعلم من صفات (خير امة) والأسباب التي جعلت المسلمين تنال مرتبة أحسن الأمم بفضل من الله عز وجل.
بحث أصولي
جاءت الآية بمادة الأمر، ووصف المسلمين بأنهم آمرون بالمعروف، ويستلزم الأمر بالمعروف طرفين طرفاً آمراً بالشئ، وطرفاً مأموراً، وهل هو من الإيقاعات او العقود، الجواب انه امر مختلف لانه ليس من المعاملات بل امر عبادي ، واذا كان ولابد فيصدق عليه الأمران معاً، فهو إيقاع من طرف واحد، كما ينتج عنه استجابة وامتثال من الطرف الآخر، فعند تحقق تمام الغرض من الأمر بالمعروف يكون نوع مفاعلة بين الطرفين، وفيه أطراف ثلاثة هي:
الأول: السبب الفاعلي، بقيام المسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الثاني: الفعل وهو مطلق الطلب بالمعروف أو الزجر عن المنكر.
الثالث: المنفعل بالأمر، الذي يتلقى الأمر والنهي، مسلماً كان أو غير مسلم.
وبين الطلب والأمر عموم وخصوص مطلق، فكل أمر هو طلب وليس العكس لإشتراط العلو في الأمر بان يكون من العالي الى الداني، ومن الآيات ان يكون العلو في المقام بلحاظ المعرفة وتولي وظيفة الأمر بالطاعة والصلاح لما فيها من العز والفخر ورشحات المدح الإلهي في هذه الآية.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “افضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”( ) فكلمة العدل تكون امراً وان صدرت من الأدنى في المقامات الإجتماعية والشأن والسلطان.
ليشمل المعروف الواجب والمندوب، فيجب الأمر بالنسبة للواجب ويكون الأمر بفعل المندوب وما هو راجح شرعاً مستحباً، ويشمل المنكر المحرم والمكروه، فيجب النهي في المحرم، ويستحب في المكروه فهناك تقسيمان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الاول: التباين الذاتي بين وجوه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: التعدد في المرتبة بين مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويتعلق القسم الاول اعلاه بعالم الافعال، ومايقوم به المكلفون من الاعمال وما ينطقون به، وبلحاظ حكم الفعل وهل هو واجب او مندوب تكون صيغة الأمر بالمعروف ووجوبه أو إستحبابه، وهل يدل هذا على القول بان الأمر عنوان شامل للواجب والمستحب الذي ذهب اليه جمع من الأصوليين، الجواب لا، فيتعلق الوجوب والإستحباب هنا بالمكلف بالأمر، أي يكون الأمر على شعبتين:
الأول: وجوب الأمر باتيان الواجب كما لو كان الشخص كافراً، والايمان واجب عليه، ويكون الأمر ودعوته للايمان على المسلم واجباً الا ان يخشى على نفسه او ماله او غيره الضرر والأذى، وكذا لو رأيت تاركاً للصلاة او الصيام في شهر رمضان من غير عذر شرعي فيجب أمره بالصلاة والصيام لان فعلهما واجب.
الثاني: إستحباب الأمر بالمعروف على المكلف اذا كان الفعل المأمور به مستحباً في الأصل، كما في الصدقة المستحبة فهي ليست بواجب، فيستحب لك ان تأمر شخصاً آخر بفعلها وقيامه بالتصدق بعد أن أدى الزكاة الواجبة عليه، وهل يصدق على الأمر بالمستحب والمندوب بانه أمر بالمعروف الجواب نعم خصوصاً وان المعروف عنوان جامع للخيرات وأعمال البر.
ومع منزلة وموضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد أختلف المتكلمون في وجوبهما على أقوال:
الأول: أنهما واجب بالسمع لنزول الآيات ومجيء السنة بالندب اليها.
الثاني: وجوبهما عقلاً والسمع يؤكد الوجوب.
الثالث: “ليس في العقل ما يدل على وجوبه الا اذا كان على سبيل دفع الضرر”( ).
لقد جاءت الآيات القرآنية صريحة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن المنكر، ولا يكون العقل بعرض واحد مع السمع، بل هو تابع للسمع أي للتنزيل والسنة، ولا تصل النوبة الى القول بان العقل يحكم بما جاء به التنزيل فهو منقاد للتنزيل، ويدرك منافع الإمتثال للأوامر الإلهية وأضرار الأعراض عنها.
ومنهم من حصر الأمر بالمعروف بالواجب، والنهي عن المنكر بالمحرم، ولا دليل على هذا التقييد، والأصل هوالإطلاق، والسعي رجاء المطلوب خصوصاً وان المعروف عنوان جامع للخيرات ومصاديق البر والصلاح، فيشمل الواجب والمندوب وقد يأتي المعروف بترك المحرم الى المكروه لقاعدة الميسور او للتدريج بعد العجز عن الاصلاح دفعة واحدة، والانتقال من ارتكاب الحرام إلى الإتيان بالواجب.
قانون الأمر بالمعروف عز ورفعة
من الآيات تضمن هذه الآية اقتران تشريف المسلمين بقيامهم بالأمر بالمعروف، ومجئ الأمر بالمعروف بعد الإخبار عن إخراج المسلمين للناس مما يدل على شمول أمر المسلمين للناس جميعاً، وان امرهم بالمعروف لاينحصر فيما بينهم بل يشمل الناس جميعاً.
ومصاديقه مع الناس هي الأصل والأهم والأكثر بدلالة الآية الكريمة، وانحلال مضمونها بعدد افراد المسلمين فكل مسلم آمر بالمعروف، وكل انسان غير مسلم مأمور بالمعروف اذ ان الآية قسمت الناس الى قسمين مسلمين، وغير مسلمين اخرج الله عز وجل المسلمين ليقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدل بالدلالة التضمنية على ثبات المسلمين في منازل التقوى والصلاح وعدم مغادرة العلم والمعرفة لانهما سلاح الأمر بالمعروف، ووسيلة إقامة صرح الدين، وواقية من القبيح والمنكرات.
لقد اراد الله عز وجل بالأمر بالمعروف العز للمسلمين وتوكيد مراتب تفضيلهم على الناس، فمن لايعلم او يؤمن بتفضيل المسلمين على غيرهم، وينظر للناس بانهم متساوون في المنزلة، وكلهم بعرض واحد بلحاظ الخلقة والهيئة والإنسانية تأتي هذه الآية حجة عليه وعلى غيره لتبين تفضيل المسلمين حكماً وعملاً.
اما الحكم فالآية وثيقة سماوية تؤكد انهم خير أمة، واما العمل فان المسلمين ينهضون بأعباء الأمر بالمعروف ويتقيدون بأحكام العبادات، فالصلاة وان كانت عملاً ذاتياً يقوم به المسلم، وصلة خاصة بينه وبين ربه الا انها أمر بالمعروف لانها دعوة الى الله، وحث للناس للإقتداء به ومحاكاته، وبيان عملي لما ينتظر الناس من الثواب والعقاب كل بحسب عمله، الثواب الذي يشير اليه اداء الصلاة، والعقاب الذي يدل عليه مفهومه.
وكذا بالنسبة للعبادات والفرائض الأخرى فان كل فريضة يؤديها المسلم تكون امراً عملياً بالمعروف، ودعوة ذاتية للهداية والرشاد، وبرزخاً دوت تعدي الناس على المسلمين، ومقدمة لإنصات الناس للمسلم في أمره بالمعروف لانه تقيد باحكامه عملياً قبل ان يدعو الآخرين اليه، مما يجعلهم في شوق ولهفة لمعرفة الأسباب والغايات لأداء المسلم الفريضة، كما ان تحلي المسلمين بالأخلاق الحميدة إشاعة لها، وزجر عن الفواحش والسيئات.
ومن النعم المصاحبة للإمتثال للأمر الإلهي بالأمر بالمعروف العز والرفعة للمسلمين، فمن يأمر بالمعروف يكون عزيزاً في نفسه وبين الناس، لانه يدرك صلاح سريرته، وحسن صلته مع الخالق، ويشعر بالغبطة والسعادة لقيامه بأداء وظائفه العبادية، وتطمئن اليه النفوس لانه يريد النفع العام، وقيادة الناس للخير في الدنيا والآخرة.
والأمر بالمعروف إمام في الخير، يميل شطر من الناس الى اتباعه والإقتداء به، وكما تكون زلة العالم اكثر ضرراً من غيرها، فان تقيد الآمر بالمعروف وسيلة مباركة لجذب الناس للهداية ومنازل الإيمان، ومن اراد العز والرفعة والشأن فليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
ومن الآيات ان يساهم المسلم في بناء صرح من مقامات الرفعة والعز بين الناس له ولإخوانه من المسلمين بمدد وتوفيق من عند الله عز وجل وفي هذا العز نفع عام لاهل الأرض جميعاً، لانه برزخ دون التيه وغلبة الضلالة والكفر.
قانون الأمر بالمعروف حجة
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بالعقل، وجعله حجة باطنية على الإنسان، وتفضل عليه مر ة أخرى بالكتاب المنزل وبعثة الأنبياء لهدايته وارشاده لوظائفه العبادية وما فيه خير الدنيا والآخرة، وانعم الله عز وجل على الناس بنعمة أخرى وهي اخراج المسلمين لهم لتكون معالم النبوة باقية في الأرض وعلى نحو النوع والكثرة.
فالمسلمون ورثة الأنبياء وحملة رسالة الإسلام وائمة الناس في الهدى والصلاح، وبهم تكون آثار النبوة ظاهرة للناس جميعاً، وفي الوجود الإسلامي على الأرض حجة على الناس جميعاً، فلا غرابة ان يواجه المسلمون الأذى والعداوة من أهل الجحود والكفر، الأمر الذي يملي على المسلمين أعباء جهادية ومسؤوليات اضافية لذا جاءت الآيات السابقة بالأمر الإلهي بالإعتصام بحبل الله وإجتناب الفرقة والإنقسام والتشتت، لان الوحدة شاهد على الإيمان، وعنوان للعز والقوة، ووسيلة للقيام بمسؤوليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبب لإنصات الناس للمسلمين في دعوتهم الى الله.
فكما ان الصدق والأمانة من صفات الأنبياء وعون لهم على تصديق الناس بما يأتون به من عند الله عز وجل، فكذا خير أمة أخرجت للناس فانها تحتاج الوحدة لجذب الناس لمنازل الهداية والإستماع للأمر بالمعروف، وتؤدي الفرقة الى الضعف والفتور في الأمر بالمعروف وعزوف شطر من الناس عن مسائل الأمر بالمعروف ومصاديق الخير التي يدعون اليها، ولو قلنا بحصول الفرقة فانها لا تضر في حجة الأمر بالمعروف ولزوم الأخذ به وعدم التفريط بمصاديقه وأحكامه، ويستلزم الأمر بالمعروف أمرين:
الاول: الحصانة الذاتية عند المسلمين وهي على شعبتين:
الأولى: الإستقامة الشخصية، وحرص المسلم والمسلمة على إتيان الصالحات وافعال البر، ليكون امره بها إمتثالاً وإبتعاداً عن التلبس بما هو ضدها.
الثانية: السلامة النوعية لعموم المسلمين من الفرقة والخصومة والإقتتال فيما بينهم، ومن الحكمة الإلهية ان يأتي النهي عن الفرقة والتوكيد عليه في آيتين من الآيات السابقة تتوسطها آية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر( ).
الثاني: التوجه الى الناس لهدايتهم الى الإيمان، والإقرار بالعبودية لرب العالمين، وتهذيب النفوس والمجتمعات.
وجاءت هذه الآية جامعة للأمرين معاً، فهي شهادة سماوية خالدة بأهلية المسلمين للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحجة على الناس في لزوم اتباع المسلمين والإنصات لهم في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
واذا ما حصل تقصير وخلاف من بعض المسلمين في المقام فانه لايسقط وجوب الإنصات للأمر بالمعروف الشامل للناس جميعاً، وجاءت الآيات بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدل في مفهومه على وجوب إصغاء وتلقي الناس عموماً لأمر المسلمين بالمعروف والصلاح، ومن مصاديق إصطفاء المسلمين وجعلهم خير امة فضل الله عليهم في فتح باب مستمر للجهاد بالأمر والنهي مع تباين وتعدد مراتبه، وتغشي مصاديقه لميادين الحياة كلها، وشموله لأبواب العبادات والمعاملات والأحكام.
فيشمل القول والفعل بمراتبه المتعددة والجهاد بالسيف لجعل كلمة الله هي العليا مع عدم الحرج والغرر، كما انه جهاد ذاتي أي يكون فيما بين المسلمين لإعانة بعضهم بعضاً وإرشادهم إلى سبل الهداية والرشاد، ومن وجوه الإبتلاء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مواجهة الكفار للمسلمين بالجدال وإثارة الشبهات، والقيام بالمغالطات، وقيام المنافقين بمحاولة التأثير على الناس وصدهم عن سبل الهداية، قال تعالى [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ]( )، ويدل ذكر المنافقات على نحو التعيين على لزوم مشاركة المسلمات في الأمر بالمعروف، واخذ الحائطة بالتفقه في الدين والحذر من المنافقات في البيوت ومجالس النساء.
لان قيام المنافقة ببث السموم عند معاشر النساء يؤثر عليهن وعلى الرجال والأولاد سلباً لموضوعية المرأة في حياة الرجل، واعتبارها في اتخاذه القرار الذي يتعلق بالأسرة ورزقها وأمنها، بالاضافة الى لزوم تحصينها من الوقوع في المعصية، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] ( )، ليكون تحصين الأسرة حجة على الكفار والمنافقين، ورسالة للناس تتجلى فيها معاني التقوى والصلاح وتبين في مفهومها قبح الإصرار على الكفر والجدال بالباطل.
وفي الأمر بالمعروف تخفيف عن الناس واقامة للحجة عليهم، ومنع الكافر من الاحتجاج يوم القيامة بالجهالة وعدم العلم، قال تعالى [لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( )، وتفضل الله سبحانه واخرج المسلمين للناس ليكونوا حجة عليهم بصلاحهم وايمانهم وعبادتهم، وباجتهادهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قانون الأمر بالمعروف بالمفهوم
جاءت الآية شهادة سماوية للمسلمين بانهم يأمرون بالمعروف والجمع بين كونهم خير امة وبين أمرهم بالمعروف يدل على حقيقة وهي ان المسلمين ينفردون بصيغ واحكام خاصة في الأمر بالمعروف لا ترقى اليها أي امة وان سعت في أبواب الأمر بالمعروف خصوصاً وان أمر المسلمين بالمعروف مطلق وغير مقيد من جهة الموضوع إذ انه ينبسط على العبادات والمعاملات والاحكام.
مما يدل على حاجة الناس جميعاً للمسلمين، فحتى الذي يأمر بالمعروف بخصوص موضوع معين يحتاج المسلمين في المواضيع الاخرى، وفي باب الأحكام، والدنيا دار امتحان، فتتعدد فيها وجوه الإبتلاء وعلى نحو يومي متجدد.
وظاهر الآية ان الأمر بالمعروف يأتي بالقول والفعل فيقوم المسلم بالأمر بلسانه أو بيده وعلى نحو بين وبعيد عن الترديد واللبس، وقد يأتي الأمر بالمعروف بالمفهوم وفحوى الخطاب، بان يؤدي المسلم فعلاً واجباً او مستحباً عليه فيكون دعوة لغيره للالتحاق به، ومحاكاته في الإمتثال للاشتراك في تلقي الخطاب التكليفي.
فتكون المبادرة الى الفعل العبادي ترغيباً للآخرين به، وهو من مصاديق نعمة الأخوة بين المسلمين بقوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا]( )، فالمحاكاة والجذب وتمهيد المسلمين بعضهم لبعضهم الأخر مقدمات العبادات، والجذب اليها والى المستحبات دعوة بالمفهوم للناس جميعاً للهداية والإيمان، وهو من عمومات اللطف الإلهي ، وتقريب العباد للطاعة، فلما جعل الله الإنسان في طبعه يأنس بغيره تفضل سبحانه بالمسلمين ليخرجهم للناس جميعاً، فيكون موضوع الإستئناس طوعاً وقهراً وإنطباقاً من طرق ومقدمات الإيمان وأداء العبادات.
لقد جاء الأمر الإلهي في الآية الكريمة نصاً صريحاً في وجوب قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يستلزم الامتثال الفعلي ووجود المصداق الخارجي، ومن فضل الله على المسلمين واسباب التخفيف عنهم هو اتيان المسلم للمعروف فيكون داعية للمعروف وما هو حسن شرعاً ويجتنب المنكر والقبيح فيكون إجتنابه حثاً للناس على ترك المنكر والإبتعاد عنه وعن مقدماته.
ولو ارتكب فرد من المسلمين المعصية فهل يكون إرتكابه دعوة للأخرين لمحاكاته، الجواب لا، لان هذا الفعل مخالف للأوامر الإلهية، ومايجب ان يكون عليه المسلم، وتنفر منه النفوس، وتأباه العقول، ويتوجه اليه المسلمون بالنهي عن المعصية على نحو مركب من وجوه:
الأول: القيام بالنهي اللساني.
الثاني: زجره بالفعل واليد.
الثالث: صيغ الترغيب بالمعروف والصلاح وترك المعصية والفواحش.
الرابع: إعانة المرتكب على ترك المعصية، بالمال والإحسان وقضاء حوائجه ومنع مقدمات المنكر، والحيلولة دون ارتكابه للذنوب.
الخامس: بيان القبح الذاتي والغيري للمنكر، وتنبيه مرتكب المعصية الى اضرارها الشخصية والنوعية.
السادس: توكيد الآثام والأوزار التي يتحملها مرتكب المعاصي وما يلقاه من العذاب الأليم في الآخرة.
ومن الأمر بالمعروف بالمفهوم تحلي الآمر بالأخلاق الحميدة، وحسن السمت، ويعتبر حسن الخلق سوراً للموجبة الكلية في ميادين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو سلاح للتأثير والجذب، وتمهيد لانصات الناس للأمر بالمعروف وقبول مايأمر به، فاذا كان الآمر بالمعروف يفتقر للأخلاق الحميدة تنفر النفوس منه ولا تميل للاستماع اليه ويشعر الناس بانه محتاج الى إصلاح ذاته، وفي وصف المسلمين بانهم (خير امة) دعوة لتعاهدهم للأخلاق الحميدة والحرص على التقيد بسنن الصلاح والعادات الكريمة، وقهر النفس الشهوية والغضبية إتماماً للحجة، وايضاحاً للمحجة، فافشاء السلام مثلاً أمر حسن، ووسيلة لجذب الأسماع للأمر والنهي، وترك الغيبة والحسد من الأخلاق الحميدة التي هي ملكة ترسخ عند الانسان بطول الملابسة، ويجوز للمسلم السعي لها كمقدمة لانصات الناس لأوامره ونواهيه في مرضاة الله عز وجل، وقد تغني الأخلاق الحميدة عن ذات الأمر والنهي، باعتبار انها دعوة صامتة للاصلاح، ووسيلة لترغيب الطرف الآخر بحسن السمت ، والكف عن المعاصي والسيئات.
ومن الأمر والنهي بالمفهوم حسن تربية الأولاد ومدحهم وحثهم على اداء العبادات والتقيد بالاداب العامة.
فاذا رأى مرتكب المعصية الأولاد الصغار يتقيدون بالأحكام الشرعية، وتنفر نفوسهم من أسباب الغواية والذنوب، فانه يدرك واجبه ولزوم إقلاعه عن المعاصي بالأولوية القطعية، ويقول اذا كان هؤلاء الصيبة وحديثوا البلوغ معرضين عن الذنوب ومقدماتها، فيجب عليّ بالأولوية ان اعرض عنها.
ومن خصائص خير أمة التقاء الصغار والكبار في فعل الصالحات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتنشأ الصبية ذكوراً وأناثاً على القيم الاسلامية ويبادرون الى العبادات قبل سن البلوغ، لذا ورد استحباب تعليم الأولاد في سن السادسة والسابعة اداء الصلاة، وصيام جزء من النهار على نحو التمرين والترغيب في العبادات، وتهيئة مقدمات تنمية ملكة التقوى في نفوسهم لتنشأ معهم وتصاحبهم عند بلوغهم وفي حال الكبر والشيخوخة، ويحرصون على مصاحبتها مع الشكر لله تعالى عليها كنعمة عظيمة.
وهذا الشكر والحرص على عدم مغادرة مضامين التقوى من خصائص المسلمين الذين فازوا بنعت خير أمة فلابد لخير أمة ان تتعاهد التقوى في الأرض، وتجعلها مصاحبة للحياة الانسانية باعتبارها مظهراً من مظاهر الكمال الانساني، وباباً لنزول الرزق، ودفع الأفاق والشرور عنهم.

قوله تعالى [وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ]
لم يرد هذا اللفظ بصيغة الخطاب في القرآن الا في هذه الآية، فمع وجود احسن القصص في القرآن، وتضمنها لشطر من قصص الأنبياء واصحابهم واتباعهم، فان القرآن لم يأمر أمة او فرقة او أهل ملة بالنهي عن المنكر بصيغة الخطاب، بل جاء الأمر بهذه الصيغة خاصاً للمسلمين في الآية التي تقول إنكم أحسن وأفضل أمم الأرض.
ومع ان الجملة جاءت بصيغة الجملة الخبرية الا انها تتضمن ايضاً الإنشاء والتكليف وفيه مسائل:
الأولى: الخطاب كنز مدخر للمسلمين.
الثانية: فيه شهادة على إستدامة الإسلام وبقاء المسلمين أمة عابدة لله تعالى، فالمسلمون دائبون على النهي عن المنكر ، وهو مقتضى الآية ، وهم حريصون على إجتناب المنكرات والقبائح.
الثالثة: يبين انفراد المسلمين بالخطاب الإلهي المباشر بالنهي عن المنكر التكليف المباشر، وعجز الأمم السابقة عن القيام باعبائه والوفاء بمضامينه القدسية.
الرابعة: نزل الخطاب بآية من القرآن وهو الكتاب السماوي الجامع للأحكام الشرعية.
الخامسة: نزل هذا الخطاب للمسلمين على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقوم بتبليغه للمسلمين.
وهل يشمل الخطاب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم من باب الأولوية القطعية، فهو إمام الأمة، وقائدها في ميادين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقدير الآية كنت انت والمسلمون خير امة أخرجت للناس.
وجاءت الآية بصيغة الجمع وتقيد الإنحلال والإنشطار من وجوه:
الاول: قيام كل مسلم على نحو مستقل بالنهي عن المنكر.
الثاني: قيام كل مسلمة بالنهي عن المنكر.
الثالث: قيام المسلمين متحدين بالنهي عن المنكر، وهذا الوجه من الكلي المشكك.
فيشمل اشتراك الجماعة القليلة والكثيرة، وتعاون الأًسرة والأخوة وذوي الارحام والاصدقاء، وجماعة المسجد، والجيران وارباب المهنة والصفة واهل القرية والمحلة، وقد تشترك الأمة كلها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي موضوع واحد وقضية شخصية، وهو الذي تدل عليه هذه الآية وهو من خصائص أفضل أمة، وشمول الأفضلية لكل مسلم.
وفي التعاون والتعاضد النوعي العام والإشتراك في النهي عن المنكر تحقيق للغايات السامية، وإجتناب للافعال القبيحة والعادات المذمومة، ونفي للمذاهب الباطلة.
وجاء لفظ المعروف والمنكر بصيغة الإستغراق ولام الجنس، مما يدل على قيام المسلمين بكل مصاديق المعروف ووجوه طاعة الله من الواجبات والمستحبات، وزجر الناس عن كل المنكرات والقبائح، ما كان موجوداً ايام الرسالة وما ظهر منها مستحدثاً فيما بعد مما يدل على بلوغهم درجات عالية في الفقه والتحصيل يستطيعون معها إستنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، وإرجاع الفروع الى الإصول.
ولايشترط قيام المسلمين جميعاً بهذا العمل فيكفي قيام جماعة من العلماء بهذا الوظيفة وبيان الأحكام وفق الكتاب والسنة، قال تعالى [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ْ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ]( ).
وتعيين افراد المنكر والتصدي اليه من وجوه الرجوع الى الفقهاء لمنع الخلط واللبس، وطرد الغفلة والجهالة، فقد يظهر الربا بين الناس نوع ربا في معاملة ذات وسائط ولايعرف الناس حرمتها ويظنون انها من افراد القرض خصوصاً مع الحاجة اليها، ويستأنس بها الناس ويصعب فيما بعد التخلص منها للانغماس فيها وألفتها، ولكن المبادرة الى بيان حرمتها بالدليل، والافتاء باجتنابها نهي ابتدائي عنها، وانقاذ للناس من التلبس بالإثم وآثاره الضارة على الفرد والجماعة.
لقد اراد الله عز وجل للمسلمين بالنهي عن المنكر العز والسمو والسعادة في الحياة الدنيا لما في فعل المعاصي من الذل والحسرة والندامة، ومصاحبة أهل السوء من الأذى والضرر في الدنيا والآخرة.
ان النهي عن المنكر سعي وجهاد إدخره الله للمسلمين ليفوزوا بالمرتبة الرفيعة في الدنيا والآخرة، ولايعني هذا عدم قيام الأمم السابقة من الموحدين بهذه الوظيفة، ولكنهم لم يستطيعوا النهوض باعبائها كاملة والقيام بشرائطها ولوازمها، لظهور الكفر والفسوق في الأرض.
وجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن خلفه خير الأمم حاجة للناس جميعاً في أجيالهم المتعاقبة، وكان ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة بالناس وبداية عهد تسود فيه اعظم النبوات ، ويصان فيه أشرف الكتب السماوية من التحريف والتبديل والتغيير، وتكون نبوة سيد المرسلين حاضرة في كل زمان وبقعة من بقاع الأرض، ومن حضورها المبارك قيام المسلم بالنهي عن المنكر، ليكون الحضور حينئذ مركباً من وجوه:
الأول: تأكيد الهوية الإسلامية.
الثاني: بلوغ أحكام الشريعة الى محل النهي والأشخاص الذين يتوجه لهم خطاب النهي.
الثالث: معرفة الناس بالأحكام الشرعية، ومناسبة الحكم للموضوع.
الرابع: حصول الأهلية عند الناس عامة للتمييز بين الحق والباطل، ومصاديق المعروف والمنكر، وجعلهم يدركون حقيقة العبودية لله تعالى، وما تمليه على الناس من الواجبات، وما يجب عليهم ان يجتنبوه من المعاصي.
لقد شّرف الله عز وجل المسلمين بإنتهاج سنن الأنبياء والجهاد في سبيل الله باصلاح الأشخاص والمجتمعات، (وعن الامام الباقر عليه السلام: ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الاعداء، ويستقيم الأمر)( ).
لقد سمَى الله الطاعة والعمل الصالح بالمعروف لإشتهاره بين الناس وحسنه الذاتي، وفيه آية ودلالة على تزيينه في النفوس، وانجذاب الناس اليه، بينما سميت المعاصي والذنوب بالمنكر لإنكار الملائكة والناس لها بالذات ولفعلها.
قانون تزلزل المنكر
يعتبر النهي عن المنكر نعمة من نعم الله لما فيه من النفع والفائدة العظيمــة وهو آيــة من آيــات خلافــة الإنســان في الأرض، وقــد رد الله عز وجل على الملائكة الذين سألوا عن أهلية الإنسان لخلافة الأرض بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، ليأتي النهي عن المنكر من مصاديق علم الله تعالى بما يفعله المسلم اذ انه يعمر الأرض بالعبادة والإمتثال لأوامر الله تعالى ويجتنب ما نهى عنه، ومنها مضامين هذه الآية الكريمة ليكون المنكر متزلزلاً في الأرض من وجوه:
الأول: قيام المسلمين بوظيفة النهي عن المنكر الذي يقترن ببيان القبح الذاتي للمنكرات، واضرارها الدنيوية والأخروية، ويشمل هذا البيان المسلمين وغير المسلمين، فاما المسلمون فيتخذونه حصانة وواقية من السيئات، ويكون نعمة مصاحبة للنهي، وبشارة بحسن الإختيار والتوفيق الى مقامات النهي عن المنكر.
الثاني: أداء المسلمين للفرائض والطاعات، وتقيدهم بأحكام الشريعة وسنن المعروف، مما يبعث الشوق في نفوس الناس لمحاكاتهم والإتيان بالطاعات والقربات.
الثالث: إدراك العقل للقبح الذاتي للمنكر.
الرابع: إستهجان العرف العام للسيئات والمعاصي.
الخامس: سرعة إنقضاء الشهوة في المعصية، وبقاء تبعاتها وأضرارها.
السادس: تقادم الأيام وإنقضاء سن الشباب، وإدراك المكلف لوظائفه الإجتماعية والإقتصادية والإخلاقية.
فتكون هذه الأسباب مجتمعة ومتفرقة عوناً للمسلم في نهيه عن المنكر، وزاجراً إضافياً للإنسان، وتتجلى موضوعية العقل في اختياره، وتقل رغبته للمنكر، وتضعف همته في السيئات، وحينما امر الله عز وجل المسلمين بالنهي عن المنكر فانه سبحانه يسرَ لهم القيام به، وجعل النفوس تميل اليهم في دعوتهم، وحتى الذي يصر على الكفر والضلالة تجده يشعر بسوء فعله وعناءه، ويتوجه اليه اللوم حتى من قبل أصحابه لقبح الإصرار على الباطل باعتباره منكراً مركباً من وجوه:
الأول: التلبس بالذنوب والمعاصي.
الثاني: الإصرار على الذنوب والإقامة على الجحود.
الثالث: الإعراض عن دعوة الحق والهدى.
ومع هذا فان النهي لم يحجب عنه، بل تتوجه له رسائل النهي مباشرة او غير مباشرة، فحتى على القول بان المصر على الذنب يسقط وجوب نهيه، فان استحباب واباحة النهي لم يسقطا بالإضافة الى قيام مسلمين آخرين بنهيه عن فعله وهم لايعلمون اصراره، ويعملون بتكليفهم في وجوب نصحه وإرشاده ونهيه عن المنكر.
وتتضمن هذه الآية بشارة ضعف وهزيمة المنكر من وجوه:
الأول: الأمر الإلهي بالنهي عن المنكر ، فهذا الأمر قوة وعون لإنحساره وضعفه.
الثاني: توجه الأمر الإلهي الى خير أمة شهدها تأريخ الإنسانية، لتقوم بالنهي عن المنكر.
ومن خصائص خير أمة الظهور والعزة والنصر وهي تواجه افراد وجماعات يعملون مايخالف الحكم الشرعي وإدراك العقل[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
الثالث: الإخبار الإلهي بان المسلمين أخرجوا للناس بقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ] ومع الخروج فضلاً منه تعالى يكون المدد والتوفيق والهداية الى أفضل السبل في النهي عن المنكر، وتلك آية في الإرادة التكوينيةأن يترشح فضل إلهي عن فضل إلهي آخر.
الرابع: إقتران النهي عن المنكر بالإيمان بالله تعالى مما يدل على إتصاله وإستدامته، في الوقت الذي يكون فيه المنكر محاصراً مذموماً.
الخامس: إستدامة الأمر الإلهي بالأمر والنهي ما دامت السماوات والأرض.
السادس: عدم أهلية المنكر للمعارضة والبقاء، اذ انه لايستطيع مواجهة المعروف من وجوه:
الأول: شيوع المعروف بين أهل الأرض، وكلما اتسع المعروف ازاح المنكر من مواقعه، للتضاد بين المعروف والمنكر، وتعذر إجتماعهما في القلوب او الافعال او المكان او الزمان.
الثاني: مهاجمة النهي المستمرة للمنكر.
الثالث: تجلي الحسن الذاتي للمعروف في عالم الأفعال.
الرابع: ثبات أحكام الإسلام، وتحلي المسلمين بالصبر في الدعوة الى الله، ومحاربة الكفر والفسوق.
الخامس: دلالة وأثر الأمر بالمعروف في مفهومه على النهي عن المنكر.
قانون مقدمات النهي
تتضمن الآية بالنص والبيان الخالي من اللبس حث المسلمين على القيام بوظيفة النهي عن المنكر، باعتبار هذا النهي سبباً من أسباب تفضيلهم، وثمرة من ثمراته.
فمن الآيات ان يكون ذات الأمر سبباً ونتيجة، خلافاً لقواعد السبب والمسبب، والعلة والمعلول، لانه فضل محض من عند الله، وباب لنيل الثواب والأجر العظيم.
ولما جعل الله عز وجل الإنسان مركباً من العقل والشهوة، ويتصارع في اختياره الخير والشر، جاء بعث الأنبياء لهدايته وإصلاحه وغلبة العقل على الشهوة، ثم انعم الله عز وجل على الناس بالاسلام، ليكون شطر من الناس على الصراط المستقيم، ويقوم بدعوة الشطر الآخر الى الخير والهداية، ويمنع من إستحواذ النفس الشهوية على الناس، وشيوع الكفر والفساد في الأرض، ونال المسلمون مرتبة أفضل الامم، لان الله كتب لهم الجهاد المستمر في سبيله لقهر المنكر، ومنع إنتشاره، وطرد الأخلاق المذمومة ويأتي النهي عن المنكر عن طريقين:
الاول: التسبيب: وهو ما كان المسلم سبباً للنهي عن المنكر، ومنع إستمراره.
الثاني: المباشرة بان يباشر المسلم النهي باللسان او الفعل.
وجاءت الآية بخصوص الطريق الثاني أي مباشرة المسلمين للنهي عن المنكر الا انها لا تمنع من شمولها لصيغ التسبيب مثل ظهور المسلمين بلباس التقوى، والحرص على إجتناب المنكر والفحشاء، ومن أفراد التسبيب التحلي بفعل المعروف ومصاديق الطاعة والخشوع لله تعالى وخشيته بالسر والعلانية.
ويمكن إعتبار النهي بالقلب فرداً جامعاً للمباشرة والتسبيب فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (من رأى منكم منكرا فان استطاع أن يغيره بيده فليفعل وقال مرة فليغيره بيده فان لم يستطع بيده فبلسانه فان لم يستطع بلسانه فبقلبه وذلك أضعف الايمان)( ).
فالنهي باليد واللسان من المباشرة، والزجر الصريح عن المنكر، اما النهي بالقلب فيأتي من المباشرة والتسبيب، اذ ان اظهار عدم الرضا القلبي عن المنكر بصيغ الإعراض والأذى القلبي يجعل فاعل المنكر يلتفت الى ماهية فعله، ويدرك انه يأتي امراً مكروهاً مذموماً.
كما انه يكون نهياً عن المنكر، ومقدمة للنهي بمرتبة أرقى منه واكثر دلالة ووضوحاً، وكل مرتبة من النهي تكون مقدمة لغيرها، وهذا ليس من المقدمة الداخلية التي قال بها بعضهم في علم الأصول وتعني مقدمة الجزء للكل كترك عقد الربا للامتناع عنه واجتنابه، ولكن النهي عن مثل هذا العقد نهي مستقل قائم بذاته يستحق العبد عليه الأجر والثواب فمن فضل الله تعدد النواهي في الموضوع الواحد، وفيه تسهيل على الناهي والمنهي عن المعصية، وبيان لتعدد القبح والضرر واجتنابه في المنكر، وكثرة آثام الفرد الواحد،فمثلاً موضوع الربا تتعدد فيه النواهي من وجوه:
الأول: النهي عن عقد الربا.
الثاني: المنع من إجراء معاملة الربا.
الثالث: حرمة القرض الربوي، وقيا م صاحب المال بدفعه للغير بشرط الفائدة، والمنفعة الربوية مطلقاً.
الرابع: النهي عن إستدانة المال بالفائدة المحرمة.
الخامس: حرمة كتابة عقد الربا.
السادس: النهي عن الشهادة على عقد الربا.
وإجتناب المسلمين القبائح جزء من اسباب تفضيلهم، ومصداق من مصاديق عموم رحمة الله , وشمولها للناس جميعاً، وتعدد طرقها وأبوابها وكيفيتها، فلا يستطيع احد إحصاء طرق رحمة الله في مصداق واحد من مصاديقها، ومنه النهي عن المنكر فيما بين الناس، فيأتي بوسائل وأسباب عديدة منها:
الأول: بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين.
الثاني: نزول الكتب السماوية التي تتضمن الوعد والوعيد، والأمر بالطاعة ونبذ المعصية.
الثالث: ملازمة الآيات الكونية للإنسان في حياته وهي تدعوه للتدبر في اسرار الخلق والتفكر في آيات الله عز وجل.
الرابع: إدراك الإنسان ذاته بما رزقه الله من العقل قبح المنكر وأضراره الذاتية، ولزوم إجتنابه والإبتعاد عنه.
الخامس: قيام المسلمين بالنهي عن المنكر وإستدامة هذه الوظيفة وملازمتها للناس في جميع أفراد الزمان الطولية مع اتساعها وتغشيها لاقطار الأرض كافة، وهو من إعجاز ورود الآية بلفظ الناس في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ].
ولم تقل الآية (أخرجت للأمم او الشعوب) بل ذكرت الناس لإفادة قيام المسلمين بنهي الأمم والشعوب والمذاهب والفرق والجماعات والأفراد عن المنكر والقبيح، وعدم وجود قيود وحواجز دون جهاد وسعي المسلمين في ابواب النهي عن المنكر بالتسبيب والمباشرة، مع تعدد طرق وصيغ كل فرد منها، وهو من رحمة الله عز وجل بالعباد مسلمين وغير مسلمين، وباب لنيل الثواب واصلاح وعمارة الأرض بالتقوى، ليكون وسيلة لنزول الرزق وإستدامة البركة والفيض الإلهي.
وجاءت الآية بالإخبار عن قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يدل على حصول وتنجز مقدمات الفعل، ومقدمات النهي عن المنكر على أقسام منها:
الأول: المقدمة الذاتية: وهي الخاصة بالذي يقوم بالنهي عن الفعل القبيح وأهليته للأمر والنهي بالتفقه في الدين، والتمييز بين المعروف والمنكر، والحلال والحرام، ولايستلزم الأمر الإحاطة التامة بالمسائل الفقهية بل يكفي معرفة الحكم الذي يتعلق بالموضوع النهي عنه، فهو ينهى عن الربا لأنه يعلم حرمته، ويحذر من السرقة لنهي الشريعة عنها.
الثاني: المقدمات المالية: قد يستلزم النهي عن المنكر وتحقيق إجتناب المرتكب له بذل المال فيكون من الإنفاق في سبيل الله، ومن مصاديق وأهلية المسلمين لمرتبة خير امة أنهم ينفقون اموالهم في محاربة المنكر ومنع الناس من الإقامة عليه،ويسعون في تخليص المجتمعات من آفاته وأضراره.
الثالث: التحلي بالأخلاق الحميدة والنهي بصيغ الرفق والود، وعدم التسبيب بالمضرة وإستمرار العناد واللجاج.
الرابع: المواظبة على فعل المعروف، واتيان الصالحات، وهو درس وموعظة للناس، وحث لهم على التخلص من المعاصي وارتكاب السيئات، ومن وجوه إستحقاق المسلمين للفوز بمرتبة خير أمة، توارثهم الفرائض، واقامتهم شعائر الله، وحرصهم الدائم على الإبتعاد عن المعاصي والذنوب، الكبائر منها والصغائر.
الخامس: الأمر بالمعروف مقدمة للنهي عن المنكر، ووسيلة مباركة للإحتراز منه.
قانون النهي خير محض
يتضمن الأمر بالمعروف الهداية والصلاح من وجهين:
الأول: صيغة الأمر وما فيها من البعث على فعل الصالحات.
الثاني: الحسن الذاتي للمعروف، وميل النفوس له ولمصاديقه.
اما النهي عن المنكر فيتضمن أمرين:
الأول: الزجر والمنع، وطلب الإقلاع عن فعل مخصوص.
الثاني: القبح الذاتي والعرضي للمنكر.
ومع التباين بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كيفية الطلب ومتعلق الموضوع والماهية، فهما متحدان في الوجوب والغاية والمقاصد السامية، وكل واحد منهما دعوة الى الآخر ومدخل اليه، وليس من تعارض بينهما بل يسيران بعرض واحد لتهذيب النفوس واصلاح الناس لأمور الدين والدنيا.
وقد تحمل المسلمون مسؤولية النهوض بهما، ولبس ثوب الجهاد لتثبيت قواعدهما في الأرض، وحضور كل منهما عند الناس جميعاً، فليس من احد مستثنى من خطابات النهي الصادرة من المسلمين، وسعيهم في الزجر عن الكفر والجحود والمعاصي وهو من عمومات رحمة الله تعالى وتغشيها للناس جميعاً، لان النهي عن المنكر خير محض، وعنوان للصلاح والفلاح، وتنقيح للعادات، وتهذيب للأخلاق، ودعوة متصلة لطاعة الله عز وجل، ووسيلة لبلوغ أسمى المراتب في الآخرة.
ومن آيات الرحمة الالهية ان يأتي النهي عن المنكر عوناً للناس جميعاً، وسلاحاً ملازماً لهم لطرد الفواحش، كما انه سبب لنزع الغل من الصدور وازالة الكدورات الظلمانية التي تحصل بين الناس، ليكون قوام الصلات بين الأمم والأفراد حب الله تعالى، والتفاني في طاعته ومرضاته.
ولا ينحصر أثر النهي عن المنكر في موضوعه والفرد الذي يتوجه اليه النهي، وتلك آية في المعارف الإلهية، وأسرار خلق الإنسان، وما اودع الله فيه من الملكات وأسباب بعثه الى الصلاح، اذ يتعدى النهي موضوعه وشخصه، فيتوجه الى شخص لنهيه عن الغيبة فيجتنبها ويحرص على التنزه من الإفتراء من باب الأولوية القطعية، ويرى او يسمع باعتبار وإنزجار شخص آخر من النهي فيكون عبرة وموعظة له، ويرى نفسه اولى بالصلاح والانتفاع من النهي، وقد يبطئ ويتأخر الذي يتوجه له النهي عن التوبة، ويسمع آخر فيبادر اليها، ويكون عوناً للأول وحجة عليه في لزوم التدارك والصلاح.
واذ تتعدد فروع النهي عن المنكر، فان ارتكابه منحصر بموضوعه وشخص الفاعل، ومن الآيات موضوعية واعتبار نهي المسلمين عنه في هذا الحصر والتقييد، وهو من مصاديق نيلهم مرتبة خير امة، فهم في جهاد متصل ضد كل من:
الأول: المنكر والقبيح من الأفعال.
الثاني: فعل المنكر، وإرتكاب الذنب.
الثالث: فاعل المنكر، ومن يأتي المعصية، ويصر على الإقامة على الذنب.
الرابع: الآثار الضارة لفعل المعصية والمنكرات.
ومن الرحمة الإلهية والتخفيف عن المسلمين مواجهتهم للمنكر متحدين ومتفرقين، وترى المسلم وحده أمة في الخير يدعو الناس الى الصلاح، ويحذرهم من المنكر، ويبين لهم سوء عاقبته، ويبقى لسانه وفعله كالمطرقة على قلب وعقل ويد مرتكب الفاحشة حتى يجعله يقلع عنها، ويلتحق بركب الصالحين، ويكون داعية الى الله تعالى، لذا فان عدد الناهين عن المنكر بازدياد مطرد فضلاً من عند الله عز وجل على المسلمين والناس جميعاً، وهو شاهد على عظيم قدرة الله وسلطانه على النفوس والمجتمعات المتعاقبة، وفي الحديث: قلوب العباد بين اصبعي الرحمن انه اذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه) ( ).
وقد اراد الله عز وجل لافراد الفرائض والعبادات ان تكون زينة للأرض، وبهجة للنفوس، ومادة لدوام الحياة الإنسانية فتفضل سبحانه وجعل النهي عن المنكر عبادة وطاعة له سبحانه، وتترشح عنه موضوعاً وحكماً مصاديق الخير والفلاح ، ويتصف النهي عن المنكر بالحسن الذاتي والعرضي، وهو شفاء للصدور، ووسيلة للثبات على الإيمان، والإحتراز من الضلالة والغواية، وحفظ لتركة النبوة، وحرب على الفرقة والإختلاف ونزغ الشيطان.
قانون خلو النهي من الضرر
النهي عن المنكر فضل من الله تعالى على المسلمين والناس جميعاً، ونعمة متصلة تؤتي ثمارها على نحو دائم، وفيض سماوي تترشح عنه البركة وأسباب الهداية والصلاح.
لقد اراد الله عز وجل ان تكون الحياة الدنيا بالنهي عن المنكر حديقة غناء ممتلئة بالمعروف واعمال الخير، وينهل منها الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والغني والفقير،والبر والفاجر.
اما الصغير فانه يؤدب على الأخلاق الحميدة، ويمرن على العبادات وسنن الصلاح، واما الكبير فيتدارك ذنوبه، ويتوجه الى عبادة ربه، ويوظف نعمة العقل والعافية في طاعة الله، ونفع الذات والغير، ويشمل النهي عن المنكر المرأة مثلما يشمل اخاها الرجل، وهي تحتاج الى العناية والتربية والتعليم والحصانة من الآثام والإرشاد الى الواجبات والطاعات، والإبتعاد عن السيئات وحبائل الشيطان.
واما الغني فان المال والغنى عنوان إضافي للافتتان ونماء حب الدنيا في النفس، وموضوع ينفذ منه الشيطان الى النفس، فيأتي النهي ليكون واقية من غلبة النفس الشهوية، وحرزاً من الوقوع في المهالك، وسلاحاً يستولي به العقل على الجوارح والجوانح، ومادة للتبصر في حقيقة المال وانه رزق كريم وإمتحان للعبد، وسبيل لإكتناز الصالحات.
واما البر فان قيامه بالنهي عن المنكر من افضل القربات وهو سعي الى الجنة وباب للسعادة الدائمة فتحه الله للمسلمين جميعاً بدليل هذه الآية الكريمة، ونعت المسلمين بانهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويحتمل النهي عن المنكر بخصوص الضرر او عدمه اقساماً:
القسم الأول: مايخص الناهي عن المنكر، وفيه وجوه:
الأول: إنتفاء الضرر والأذى عنه حال قيامه بالنهي وبعده.
الثاني: إنتفاء الضرر عنه حال النهي عن الضرر دونما بعده، لبقاء عنوان النهي ملازماً له حتى بعد إنقضاء تلبس المبدأ بالحال.
الثالث: إحتمال الضرر حال التلبس بالنهي عن المنكر.
الرابع: وقوع الضرر بعد القيام بالنهي عن المنكر.
والضرر في المقام في حال حصوله يحتمل وجوهاً:
الاول: الأذى الذي لايحتمل.
الثاني: الضرر اليسير الذي يمكن تحمله والصبر عليه.
الثالث: الضرر الذي يأتي بالعرض.
ويحتمل الضرر من جهة متعلقه وجوهاً:
الأول: الضرر على الناهي في بدنه.
الثاني: إلحاق الضرر به في ماله.
الثالث: الإساءة والأذى له في عرضه وسمعته، بالإفتراء او الغيبة او القذف او الجرح والذم مطلقاً.
الرابع: الإضرار بمن يتعلق بالناهي من صلة قربى او صداقة وود.
الخامس: الإضرار بالناهي في عمله وكسبه واسباب رزقه.
القسم الثاني: وقوع الضرر على الذي ينتهي عن المنكر، وفيه وجوه:
الأول: المؤاخذة والأذى من اصحابه في المعصية.
الثاني:الخسارة المالية بسبب هجران مواقع الفاحشة،والإستماع الى النهي وبيان قبح المنكر الذاتي والعرضي، وهناك خسارة مالية هي ربح في الحقيقة لانها ترك للسحت من الحرام، كما في ترك الربا ومافيه من الفائدة المحرمة.
الثالث: حال العداوة من الظالمين.
القسم الثالث: حصول الأذى والضرر لغير الناهي والمنهي عن المنكر، وفيه وجوه:
الاول: الأذى والضرر الذي يلحق عيال المنهي عن المنكر.
الثاني: الضرر على اصحاب المنهي عن المنكر.
الثالث: الضرر النوعي العام على الآخرين.
وهذه الاقسام من باب الفرضية، فالاصل هو عدم وجود أي ضرر في النهي عن المنكر والانتهاء عنه، والاقلاع عن المعاصي، وعلى فرض حصول هذا الضرر فانه في الحقيقة نفع في آثاره وعواقبه.
وتأتي هذه الآية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويحتمل وجهين:
الاول: الإطلاق حتى في حال الظن المعتبر بحصول الضرر.
الثاني: التقييد بالأمن من الضرر.
والصحيح هو الثاني لعمومات قاعدة لاضرر ولاضرار، وقاعدة نفي الحرج، والمندوحة الزمانية للأمر بالمعروف، ويكفي فيه الظن المعتبر، والخوف المعتد به عند العقلاء، سواء كان الضرر المحتمل على شخص الناهي او غيره من المسلمين، الا ان يرى المسلم تحقق الضرر على الإسلام والمسلمين في حال السكوت وعدم النهي، وإحتمال إنصراف الأذى عنه، او ان الأذى الذي يخشى التعرض له عند النهي امر سهل ويسير ازاء الضرر من إستمرار فعل المنكر، فحينئذ يكون الضرر الذي يلحق بالمسلم عزاً في الدنيا، وتتجلى منافعه عليه لاحقاً وعلى ذريته بآيات بينة من العناية الإلهية، ويكون في الآخرة وسيلة للعبور على الصراط وبرزخاً دون لهيب النار، وتحتسب الأمور بخواتيمها.
ولا تعني خشية الضرر والخوف من الأذى ترك النهي عن المنكر مطلقاً أو في الحصة التي يخشى فيها الأذى فهناك أمور:
الاول: مواصلة النهي في غير الحصة التي يخاف منها، كما لوكان شخصان يقومان بالسرقة والظلم، وهو يخشى من نهي احدهما، فان وجوب النهي في الآخر باق على حاله.
الثاني: عدم سقوط نهي الذي يخاف منه، انما يكون النهي معلقاً، فيصبر المسلم الى حين زوال الخوف او إنحساره.
الثالث: تعاون المسلمين في النهي عن المنكر، فقد يزول سبب الخوف عند قيام الجماعة بالنهي عن المنكر.
قانون النهي المتحد والمتعدد
جاءت الآية الكريمة بصيغة الجمع [وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ] في دلالة على قيام المسلمين بالنهي عن المنكر، وعدم إنحصاره بأفراد مخصوصين بلحاظ الشأن والمقام كالعلماء والحكام واهل الحل والعقد، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امران ملازمان لكل مسلم ومسلمة، وهو من صفات خير أمة، فليس من أمة يلتقي افرادها ذكوراً وأناثاً في مسؤولية عقائدية بعرض واحد، يتساوى فيه الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والسيد والعبد مثل المسلمين، وهو من خصائص خير أمة، وقد ينهى العبد سيده عن المنكر والقبيح لعمومات هذه الآية الكريمة.
وينحل الأمر الإلهي الى المسلمين بالنهي عن المنكر بعددهم فيكون من أوسع الأوامر في الأرض، وهو شاهد على كون المسلمين خير امة لانها تتلقي الأمر الإلهي بصورة متحدة ومنفردة، ولا يسقط الأمر عن واحد منهم، وفيه آية من التخفيف والتكامل في الأحكام الشرعية، فقد يستلزم النهي عن المنكر قيام جماعة به، فيجب تحصيل العدد الكافي، ولو إجتمع عدد من المسلمين، ولم يكن هذا العدد كافياً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم ينضم اليهم غيرهم، يؤثم من تخلف عن الجماعة لوجوب تحصيل مقدمة الواجب سواء كان واجباً عينياً او كفائياً.
ان النهي عن المنكر باب فتحه الله عز وجل لخير وافضل أمة عرفها تأريخ الإنسانية وهم المسلمون، واذا أعطى الله عز وجل فانه سبحانه يعطي بالأوفى والأتم والأحسن.
ومن التمام في نعمة النهي عن المنكر تحقق الإمتثال فيه على نحو الإنفراد والإتحاد، وقد يكون هناك مورد للنهي يصلح شخص معين للقيام به، كما لو كان الناهي له شأن وتأثير وسلطان على مرتكب المنكر، ولايستطيع غيره القيام به الا مع الإتحاد والإنضمام إلى جماعة، فاذا قام الشخص القادر على النهي بالأمر، سقط عن الجماعة، واذا قامت الجماعة به سقط عنه، واذا لم يقم به احدهما أثم الجميع، فالإتحاد والإنفراد في النهي عن المنكر نعمة على المسلمين بلحاظ الإمتثال والأداء مع عدم جواز الترك أو التخلف.
ومن منافع التعدد في المقام أمور:
الأول: عدم الاكتفاء بالنهي لمرة واحدة فلو قام مسلم بالنهي عن المنكر، ولم تحصل إستجابة واقلاع عن المنكر من قبل مرتكبه، فيتجدد الوجوب على غيره بحسب الحال والشأن، وقد يتجدد عليه ايضاً لأن التكليف مادام المنكر موجوداً، وليس دائماً، فمع التوبة والكف عن الإثم لايبقى موضوع للنهي.
الثاني: تجدد التكليف بذات النهي رحمة بالمسلمين، ومناسبة لنيل الثواب والأجر، وتعاهد لمبادئ الإسلام وأحكام التنزيل وسنن الحلال والحرام.
الثالث: توكيد موضوعية الإمتثال للنهي عن المنكر فمن منافع التعاون بين المسلمين تحصيل الإمتثال، وجعل مرتكب المنكر يكف عنه، فقد لايلتفت الى الشخص المنفرد في نهيه، فيأتيه النهي من جماعة يدرك معها عدم تواطئهم على الباطل، فيجتنب مخالفتهم، ويميل إلى تحصيل رضاهم وكسب ودهم، والظهور امامهم بالرشاد والسداد، والتعاون هنا من مصاديق قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ].
وقد يؤدي تولي فرد واحد لمسؤوليات النهي عن المنكر الى العناء والإجهاد والأذى، فيأتي التعاون والإشتراك في النهي تخفيفاً ورحمة، وسبيلاً الى إستدامة النهي عن المنكر، وعدم طرو الملل والضجر على المسلمين متحدين ومتفرقين في سعيهم لإعلاء كلمة التوحيد، ودحض مفاهيم الشرك والضلالة.
قانون الحسبة
ومن وجوه تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الايمان بالله ومن معاني (الواو) في (وتؤمنون بالله) أنها حالية، تدل على صدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المسلمين حسبة وقربة الى الله، مع التقيد بالإيمان وأحكامه، فالأمر بالمعروف ليس إجتهاداً في مقابل النص، كما انه لا يشغلهم عن الإيمان والإقرار بوجوب الإخلاص في طاعة الله، والآية مطلقة وتشمل أحوال المسلمين عند الإختلاط مع الأمم الأخرى، وحصول الغزو لثغور المسلمين، وآثارالعولمة وتداخل العادات ونوع اللبس والمأكل، مما يستلزم السعي النوعي الدؤوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من منطلق الايمان، وظهر في الاسلام نظام الحسبة كنظام اداري يتقوم بالمساهمة العامة في إصلاح المجتمعات والأسواق، والنهي عن المنكر.
ويمكن اقتباس مفاهيم الحسبة من هذه الآيات من سورة آل عمران، ومن سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،فمرة مّر على صبرة من الطعام أي كومة منه معروضة للبيع، فمد يده فيها فاحس ببلل ورطوبة داخل الطعام فقال لصاحبه: ما هو؟ فقال: اصابته السماء يارسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم افلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: “من غشنا فليس منا”( ).
والأصل في الحسبة قيام المسلمين جميعاً به، ولكن إتساع الدولة الإسلامية، وتعدد مؤسساتها ووجوه الأعمال فيها، جعلهم يؤسسون مؤسسة خاصة للحسبة تكون لها انظمتها وادارتها ويتولى العمل فيها موظفون على نحو الإختصاص، وفي بلاد الأندلس أيام الإمارة الإسلامية جعلت قواعد وقوانين خاصة للحسبة، واصبحت تشمل الأسواق ، وأصبح نظام الحسبة عبارة عن الإشراف على جميع معاملات البيع والشراء.
وللحسبة أركان ثلاثة:
الأول: المحتسب بكسر السين: وهو القائم بوظيفة الحسبة، ويشترط فيه ان يكون مكلفاً مسلماً، قادراً، عارفاً بأحكام الحلال والحرام وبقيد التكليف يخرج المجنون والصبي، وبقيد الإسلام يخرج الكافر، والأصل في الإحتساب توجه الخطاب التكليفي لعموم المسلمين بدليل هذه الآية والآيات المشابهة الآخرى.
والحسبة عنوان إختصاص وتعيين، واذا لم يقم المحتسب بواجبه، فانه يؤثم ويؤثم الآخرون غيره ممن يستطيع النهوض بالأمر باعتبار ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي.
الثاني: موضوع الحسبة: وهو الزجر عن كل منكر بين وظاهر للمحتسب، من غير تجسس، ولا اجتهاد لا دليل له.
الثالث: المحتسب عليه: وهو الذي يتلقى النهي عن المنكر، ويمنع منه، ولا يشترط فيه قيد الإسلام والتكليف، بل يكفي فيه ان يكون إنساناً مميزاً.
والمحتسب على قسمين:
الأول: الذي يتم تعيينه بهذه الوظيفة من أولي الأمر، وتكون الحسبة عليه واجباً عينياً ولكن لو تخلف عن وظيفته فانها لا تسقط عن عموم المسلمين، لان التعيين أمر عرضي لايسقط أصالة الوجوب الكفائي ويقوم المحتسب بوظيفته حسب ما عين له سواء في المساجد او المنتديات او الاسواق والأماكن العامة، وملاحظة التجارات والصناعات والميزان والمكيال والشروط الصحية، وقواعد السلامة العامة وسنن الأخلاق والآداب العامة، واللباس.
ويشترط في المحتسب العدالة والنزاهة والتعفف عن أخذ الأموال وقبول الهدايا، ويتصف بالمواظبة على العبادات، والتفقه في الدين لا أقل في باب عمله وإختصاصه، ومراتب النهي عن المنكر، والإبتداء بالقول اللين واللطف والتنبيه العرضي، وعدم الإنتقال الى مرتبة أعلى من ذات الدرجة إلا بعد اليأس من الإصلاح بالأولى، فلا ينتقل الى التعنيف والغلظة في القول الا بعد عدم انتفاع المرتكب للمنكر من لين القول، وعدم الإنتقال الى إستعمال اليد الا بعد نفاد مراتب القول كلها.
الثاني: المتطوع بالحسبة: وهو الذي يبادر الى النهي عن المنكر لعمومات الخطاب التكليفي، وقوله تعالى [تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ] ويتعذر وجود محتسب على نحو التعيين والإختصاص في كل زمان ومكان، فيتطوع نفر من المؤمنين للقيام بالأمر والنهي، وكشف الأسواق وتفقد الحوانيت والأطعمة والخزن والزجر عن الإحتكار، والتعدي ومنه ما يرتكب مع الزوجة والتقصير في نفقتها، فيقدم المحتسب النصح بالرفق بها وانصافها، وكذا يأمر بعدم ضرب الصبي حتى من قبل المعلم، وملاحظة الأطباء والصيدلة، ومنع بيع الخمور وما يلحق بها من المسكرات.
وملاحظة سوق الجزارين والأسماك، ومنع بيع الميتة وما يحرم اكله، والتنبيه الى تنظيف الأسواق ومنع انتشار الأمراض والأوبئة خصوصاً الطارئة وإجتناب أسباب إنتقال العدوى، ومخالفة النظام التي تؤدي الى الإضرار بالمصالح العامة والأفراد.
ومن الآيات ان يكون النهي عن المنكر مسؤولية الأمة بأسرها، فتصبح وظيفة الفرد منهم مركبة من أمرين:
الأول: إجتناب المنكر في القول والفعل ومهنته.
الثاني: إلانصات للنهي عن المنكر إن جاءه من غيره.
الثالث: القيام بالنهي عن المنكر، ومنع الآخرين من التعدي والظلم.
ولو كان شخص يفعل فرداً من أفراد المنكر، ورآى غيره يفعله، فهل ينهاه عنه، الجواب يجب عليه ان ينهاه، لان ارتكابه له لايسقط عنه وجوب النهي عن المنكر، وفي هذه النهي مقدمة لإصلاح الذات والمساءلة مع النفس وزجرها عن المنكر مطلقاً.
قانون الأمر والنهي مقدمة للعبادة
لما جعل الله عز وجل المسلمين خير الأمم فانه سبحانه خصهم بأفضل النعم، ومنها أنهم أئمة في الخير، ودعاة الى الإصلاح وقادة في سبل الإيمان، وسادة يمنعون الناس من الإقامة على المعاصي والفواحش، ويشهرون السلاح في وجه الشيطان، ويصدونه عن أنفسهم وأهل الأرض بإقامة الصلاة وتلاوة القرآن وتعظيم شعائر الله.
وكما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة فانهما مقدمة للعبادة، ويأتي بالأمر والنهي فرد من المسلمين، ولكن الذين ينتفعون منه في عباداتهم متعددون وهم على أقسام:
الأول: الذي يتوجه له خطاب الأمر والنهي.
الثاني: الذي يستمع للأمر، ويعي مضمونه.
الثالث: الذي يسمع الأمر عرضاً من غير قصد الإستماع.
الرابع: الذي يتعظ من الذي يتلقى الأمر والنهي، وهو على قسمين:
الأول: من يقتدي بالمأمور بالمعروف عند توبته وصلاحه.
الثاني: الذي ينتفع من الأمر الموجه لغيره وإن لم يعمل به المأمور، وتلك آية في مضامين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسر من اسرار فوز المسلمين بمرتبة خير الأمم.
فيقوم أحدهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون كالشجرة ألمعمرة التي يتفيئ تحت ظلالها القريب والبعيد، والحاضر والمسافر، ومن خصائص الأمر والنهي عدم إنتهاء موضوعهما بزمانهما أو زمان ومكان الأشخاص الذين يأمرون وينهون، بل هو باق بين الناس، وينتقل بينهم، ويجد له آذاناً صاغية لانه موافق لحكم العقل كما تظهر منافعه مع تقادم الأيام وتوالي الحوادث.
وصحيح أن الخطابات التكليفية تتوجه الى الناس بعرض واحد، إلا أن المسلمين إمتازوا على غيرهم بان فتح الله لهم باب الثواب الإضافي في العبادات بالأمر والنهي وهداية الآخرين لمسالك العبادة مسلمين كانوا او غير مسلمين، لعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجهها إلى المسلم وغير المسلم.
لقد جعل الله المسلمين الأمة التي تتصدى للفسق والفجور وتمنع من تفشيهما وإنتشارهما في الأرض، وتحمل لواء التوحيد في الأرض، وتزجر الذين يغالون في الدين، والذين يفرطون بالأحكام الشرعية، ومن خصائص خير أمة أنها تقوم بهذه الأمور في آن واحد.
ويأتي زجرها للظالمين على نحو مركب من قيام المسلمين بالفرائض والعــبادات على أحســن وجـه، ودعوتهم الآخرين لها، فمن فضل الله عز وجل على المسلمين أن يترشح عليهم الثواب من عمل غيرهم إلى جانب مايأتيهم مما يقومون به من العبادات والمناسك.
ومن الناس من يحتاج العون والمدد من غيره في أدائه للعبادات، واجتنابه للمعاصي، فيتولى المسلمون قيادته نحو سبل الهداية ليصبح بين عشية وضحاها آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، ويكون الذي يبذل الجهد في هدايته وإصلاحه شخصاً واحداً، ولكنه يقوم بهداية المئات من الناس ويكون أسوة في الخيرات، ويترك له أثراً حسناً بين الناس.
أن هداية الناس بالمسلمين رحمة إلهية على المسلمين والناس جميعاً وشاهد على حاجة الناس لأسباب الهداية ومجيئها من عند أنفسهم،لتصبح مادة للأنس والألفة بينهم.
وكما خلق الله عز وجل الناس لعبادته وذكره، فان المسلمين والمسلمات هم الذين يمتثلون لمضامين وأحكام وسنن العبادة، ويجعلون غيرهم من الناس يمتثل للأوامر الإلهية لينجو بنفسه وذريته من العقاب الأخروي، ويأتيه الثواب طوعاً وقهراً، كما يأتي للمسلم على نحو مركب، ومضاعف، من وجوه:
الأول: تقيده بأحكام وسنن الأمر والنهي.
الثاني: قيامه بالأمر بالمعروف.
الثالث: تحمله العناء وبذله الجهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الرابع: سعيه في التفقه في الدين، بإعتباره سلاحاً ومادة للأمر والنهي.
الخامس: جذب الناس لمنازل الهداية.
قانون الأمر والنهي نصرة
يتبادر إلى الذهن عند سماع موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضوع الإصلاح وتقويم السلوك عند الغير، وهذا صحيح، الا ان موضوعها اعم واشمل ولاينحصر بالإصلاح مع انه أهم موارده، فيشمل أموراً:
الاول: تجلي وظهور معاني التعاون بين المسلمين، في أمور الدين والدنيا، فقد يكون الأمر والنهي مشورة او مساعدة لنيل مرتبة او مقام.
الثاني: الإعانة لصرف أذى، ودفع إبتلاء.
الثالث: اصلاح ذات البين باللسان واليد والمال، وفيه ثواب عظيم، وقد يجتمع فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بالإصلاح وإستدامة الأخوة بين المسلمين، والنهي عن الفرقة والشقاق، لأن الإصلاح من مصاديق الأخوة ونبذ الفرقة بينهم.
الرابع: منع مقدمات الفرقة والإختلاف، وتدارك أسباب الشقاق.
الخامس: اشاعة معاني الود والمحبة بين المسلمين،و بذل المال والجهد لإستدامة معاني الأخوة بينهم.
السادس: نصرة المظلوم من المسلمين، ودفع الإذى عنه، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: انصر اخاك ظالماً او مظلوما) ( )، وقد تقدم بيان نصرته ظالماً بحجبه عن الظلم، ونصرة المظلوم اعانته في دفع الظلم عنه، واشد ما يكون الانسان محتاجاً هو عندما يكون مظلوماً مقهوراً، فيأتيه العون والنصرة كالماء الفرات للعطشان.
السابع: الإهتمام بأحوال المسلمين في ذات البلد وعموم أقطار الأرض، وهو من مصاديق الاخوة بين المسلمين، لأن الأخ يهتم بشؤون أخيه، ويتفقد أحواله وتحل به الغبطة عندما يكون سعيداً، ويصيبه الحزن عندما يكون في ضيق ومصيبة ومحنة.
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: من يسمع رجلاًً ينادي ياللمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم)( ).
فنصرة المسلم من الأمر بالمعروف بالذات، وبالواسطة، من وجوه:
الأول: حاجة المسلم للعون.
الثاني: مّد المسلم بما يساعده على التغلب على اسباب القهر والاذى.
الثالث: إغاثة المسلم عند الشدائد، وهذه الإغاثة من القضية الكلية الموجبة وفق الإصطلاح المنطقي أي التي يتغشى الحكم فيها الأفراد جميعاً، وسورها كل، ونحوه.
فكل مسلم يجب ان ينصر أخاه المستغيث وان تعدد وفق الإستطاعة، وليس هو من القضية الموجبة الجزئية التي يكون الحكم فيها على بعض أفراد الموضوع، فلا يقال ان قيام المسلم بإغاثة ونصرة اخيه المسلم خاص بأهل بلدته أو وطنه، او بالذين ينتسبون الى ذات المذهب وهذا الإطلاق في القضية الكلية برزخ دون تثبيت مفاهيم الفرقة البلدية والمذهبية بين المسلمين، وتعاهد لمعاني الأخوة بين المسلمين، وهو من المقاصد السامية في الحديثين الشريفين المتقدمين خصوصاً وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مؤيد بالوحي والتنزيل[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
لقد جاءت الآيات القرآنية بحث الناس مطلقاً والمسلمين خاصة على نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتحمل النصرة على الإطلاق لأصالته، وعدم وجود مقيد في البين، ولانها خير محض في كل ميدان من ميادين الحياة.
ومن مصاديق النصرة القيام بالنهي عن المنكر من وجوه:
الأول: النهي إمتثال لأمر الله تعالى.
الثاني: فيه طاعة لله ورسوله.
الثالث: الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين والصالحين في الزجر عن المنكر.
الرابع: النهي عن المنكر مقدمة للأمر بالمعروف وفعل الصالحات.
الخامس: ثبت في الفلسفة عدم إجتماع النقيضين، فلا يصح الجمع بين الإيمان وفعل المنكر، فاراد الله عز وجل للمسلمين الخير والأمن والسلامة في النشأتين، والتنزه عن الظلم والفجور والفحشاء.
السادس: لاينحصر موضوع نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسوح القتال والجهاد في سبيل الله مع انه الفرد الأهم من مصاديق النصرة بل يكون النهي عن المنكر فرداً من افراد النصرة للنبي، فمن يقوم بالدعوة الى إتباع النبي وعدم الجحود بنبوته يفوز بثواب النصرة وان لم يقصدها على نحو التعيين.
السابع: النهي عن المنكر نصر وقهر للنفس الشهوية والغضبية ومقدمة للنصر على الاعداء.
الثامن: لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين باحكام الشريعة الإسلامية، وما فيها من مسائل الحلال والحرام، والإمتثال لأوامر الله تعالى وســيلة لجــلب المنفعة ومناســبة لنزول الـمدد والنصــر من عند الله عز وجل على المسلمين.
وتقوم جماعة وامة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] ( )، فتتغشى رحمة الله المسلمين جميعاً، وينزل عليهم النصر من عند الله عز وجل.
قوله تعالى [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ]
تفضل الله تعالى وشهد للمسلمين بتلاوة آية سماوية يسمعها اهل الأرض والسماء بان المسلمين نالوا مرتبة الإيمان، وتشمل الشهادة الموجود والمعدوم من المسلمين من مات منهم والحاضر ومن لم يولد بعد، فنزلت الآية الكريمة في عهد النبوة وأيام الصحابة، بينما تشهد بالإيمان لأجيال متعاقبة من المسلمين الى يوم القيامة، وهذا مدح لم تنله امة من اهل الأرض، وهو دليل على استحقاق المسلمين للقب (خير امة) بفضل وتشريف من عند الله.
فالأمة التي يصفــها الله عز وجل بأن جميع أفرادهــا يؤمنـون بالله عز وجل هي خير أمة، كما ان هذه الشهادة عون للمسلمين للثبات على الإيمان، وحجة لهم، ودعوة للناس للإقتداء بهم، ويصدق الإقتداء بمحاكاة المسلمين، وإتباعهم في الايمان بالله والتصديق بالنبوة والنطق بالشهادتين.
وهذه الآية نعمة إلهية على المسلمين والناس جميعاً من وجوه:
الأول: بعث السكينة في نفوس المسلمين.
الثاني: تنمية ملكة إلايمان والتقوى عند المسلمين.
الثالث: إبطال مغالطات أهل الريب والشك.
الرابع: إقامة الحجة على الناس.
الخامس: تحبيب الإيمان الى النفوس، وترغيب الناس بنيل مراتب المدح والثناء من عند الله.
وتبين الآية موضوعية الإيمان بالله، وعليه المدار في المدح والثناء ومعرفة منازل أي أمة أو أهل ملة وهو الأصل في التفضيل، ولكن الآية قدمت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إلايمان بالله، وهو ما انفردت به هذه الآية من بين آيات القرآن، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرع الإيمان بالله وسلاح لتثبيت الايمان في الأرض والنفوس، وفيه وجوه:
الاول: إيمان المسلمين بالله أمر ثابت وقطعي ومتسالم عليه.
الثاني: الإيمان بالله ضرورة وواجب على كل انسان.
الثالث: إشتراك ملل اخرى مع المسلمين في الإيمان بالله فارادت الآية بيان موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نيل المسلمين لمراتب التفضيل.
الرابع: توكيد قيد الايمان بالله، والإتيان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طاعة لله تعالى، فقد يظن شخص مجئ الأمر بالمعروف لحسنه الذاتي، والنهي عن المنكر لما فيه من القبح الذاتي كالظلم فانه مذموم، فجاءت الآية لتخبر بان المسلمين ينهون عن المنكر لانه معصية، ويتفرع عن هذه الحقيقة فصل وتمييز أفراد المنكر، لتشمل كل ذنب ومعصية لله وان لم يظهر للعيان قبحها، ولم يدرك الناس ضررها الدنيوي او الأخروي، فجاءت الآية لتخبر بان المدح على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقيد بقيد وهو الإيمان بالله تعالى.
الخامس: ضرورة اجتماع الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمة التي تريد الفضل والمدح عليها ان تجمع بين الإيمان والجهاد والسعي في سبيل الله.
السادس: في الآية تعريض بالذين يؤمنون بالله، ولايصدقون بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، و لا يأمرون الناس بالرجوع الى القرآن والسنة.
وجاءت الآية بصيغة الجمع والخطاب الشامل للمسلمين وفيه وجوه:
الاول: شمول المسلمين جميعاً ذكوراً وإناثاً في الوصف الكريم بالأيمان.
الثاني: انحصار الإخبار والوصف بالايمان بالذكور من المسلمين.
الثالث: إختصاص الآية بالصحابة من المسلمين بلحاظ زمان نزول الآية.
والصحيح هو الاول اذ يتوجه الخطاب في الآية الى المسلمين جميعاً في الأزمنة والأجيال المتعاقبة، لأصالة الإطلاق، وإستدامة الخطاب القرآني وتغشيه للمسلمين جميعاً، ليكون وثيقة سماوية تتضمن إكرام كل مسلم على وجوه:
الأول: إكرام كل مسلم ومسلمة على نحو مستقل.
الثاني: إكرام المسلم منضماً الى جماعته وأهل قريته وبلدته.
الثالث: اتحاد ابناء الجيل الواحد بلغة الإكرام في هذه الآية لتعاهدهم سنن الإيمان في الأرض في زمانهم.
الرابع: مدح المسلم لإلتقائه بصفة الإيمان مشتركاً مع عموم المسلمين في أجيالهم المتعاقبة، وجاء قوله تعالى [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] بصيغة الجملة الخبرية الا انه يتضمن الإنشاء الى جانب الإخبار، وفيه مسائل:
الأولى: وجوب الثبات في منازل الإيمان.
الثانية: القرآن كتاب سماوي خالد بامكان الناس الإنصات الى آياته، وجاء بلسان عربي مبين وخال من اللبس والإجمال والترديد، وفيه كشف للحقائق، ومنها ان المسلمين لم ولن يتخلوا عن الإيمان، فهذه الآية كشف دائم لهوية المسلمين، وتحد للكافرين والجاحدين، خصوصاً وان الوصف جاء بلغة المدح والثناء.
الثالثة: الآية مدرسة في المعرفة الإلهية، وبشارة للمسلمين وبعث للسكينة في قلوبهم ببقاء الاسلام قوياً عزيزاً في زمانهم، والأزمنة اللاحقة الى يوم القيامة.
الرابعة: الإيمان بالله فوز ونصر وغلبة على النفس الشهوية، وطرد وسوسة الشيطان من النفوس.
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بكلامه الكريم الذي يخاطبهم به جميعاً باعتبارهم عباده الذين خلقهم وبثهم في الأرض، وجعلهم خلفاء فيها، وسخر لهم ما في الأرض فضلاً منه تعالى، وباهى بهم الملائكة الذين هم دائبون على العبادة والطاعة، وأراد الله عز وجل من الناس أن يعمروا الأرض بالعبادة والصلاح، فتصدى المسلمون لهذه الوظيفة العظيمة.
ويحتمل هذا التصدي وجوهاً:
الأول: نيابة عن الناس.
الثاني: يقوم المسلمون بالعبادة لوجوبها العيني عليهم.
الثالث: يؤدي المسلمون العبادة أصالة عن أنفسهم، ونيابة عن غيرهم من الناس.
الرابع: كفاية قيام أمة من الناس بالعبادة.
والصحيح هو الثاني، فالمسلمون يؤدون واجباً عينياً، وفرائض ألزم الله المكلفين من الناس بها، ففاز المسلمون بالتقيد بها، والإمتثال لأوامره سبحانه، لذا شرفهم الله عز وجل وخصهم بهذه الآية وما فيها من المدح، وهي الآية الوحيدة التي ورد فيها قوله تعالى [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] بلحاظ إضافة حرف العطف الواو.
في دلالة على إكرام المسلمين وشكره تعالى لهم على ايمانهم وتقواهم، وحثهم على الثبات على الإيمان، ومن وجوه الثبات على الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان ليس جديداً في الأرض بل هو ملازم لوجود الإنسان في الأرض، واول المؤمنين من الناس آدم عليه السلام أبو البشر، ومن الآيات ان تفضل الله وجعله نبياً لتكون النبوة واقية من الإفتراء عليه وعلى الأمم السالفة من أهل التوحيد الذين عمروا الأرض بالإيمان والتقوى.
وبين المسلمين والأمم السابقة أهل التوحيد عموم وخصوص مطلق، فالجامع بينهم الإيمان ولكن المسلمين إمتازوا عليهم بانهم خير أمة أخرجت للناس.
لقد اراد الله عز وجل للإيمان ألا يغادر الأرض الى يوم القيامة فاعان المسلمين بهذه الآية لتكون مدداً، وجعل القرآن معصوماً من التحريف والتبديل والتغيير، ليكون لهم إماماً ومناراً، ويتضمن مدحهم والثناء عليهم بما يجعلهم يتعاهدون مناهج الإيمان في الأرض، ويحملون لواء الجهاد في الأرض.
ولم تذكر الآية الإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم والكتاب مع ورودهما في آيات أخرى، قال تعالى [تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] ( )، وجاء المدح والثناء بخصوص الإيمان بالله تعالى،باعتبار أن الإيمان بالرسالة فرع الإيمان بالله تعالى.
وهناك ملازمة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسول، لان الله عز وجل هو الذي بعثه، وأنزل معه الآيات البينات والمعجزات والبراهين الدالة على وجوب تصديقه في نبوته والذي يعني تثبيت عبادة الله في الأرض، اذ ان طريق عبادة الله وكيفية أداء العبادة انحصرت بإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فصدّق به المسلمون وإمتثلوا لأوامر الله تعالى في القرآن بعبادته بالفرائض والكيفية التي يريدها سبحانه، فاستحقوا مرتبة أفضل وأحسن أمة، بالإضافة الى فوزهم بالأفضلية بلحاظ أفراد الزمان الطولية، فليس من أمة إستطاعت إعمار الأرض بالإيمان معشار إعمار المسلمين لها، مع بقاء المسلمين على إيمانهم وتفضيلهم في افراد الزمان المقدرة الى يوم القيامة والتي لا يعلم عدد ايامها وسنيها الا الله تعالى، ويتجلى هذا البقاء من لغة الخطاب في الآية [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] التي تتضمن الدوام والتجدد والثبات، والتقدير: (كنتم خير أمة لطول زمانكم وإعماره بالتقوى).
وما من أمة الا وطرأ التحريف على كتابها وسنن الشريعة فيها، الا أمة الإسلام فان احكام القرآن باقية الى يوم القيامة من غير تبديل او تغيير، وهو من مصاديق تفضيل المسلمين، واذا ما أراد سلطان او ملك تغيير بعض الأحكام بسن تشريع وضعي مبتدع، فان مخالفته للشريعة تكون واضحة بينة،ويبقى أمره متزلزلاً لايلبث ان يزول اذ تتصدى له الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الملازم للايمان.
ولايستطيع شخص وان كان ذا شأن وسلطان ان يواجه أمة بأسرها تحرص على عدم التفريط بمبادئ وأحكام الإيمان، ومضامين هذا القانون ثابتة لكل المسلمين وصفة دائمة لهم، لا تغادرهم ابداً، يتوارثونها جيلاً عن جيل وهــي جــزء من وجودهم، ولا تتقوم افضليتهم الا بالإيمان بالله عز وجل، وقد وصفهم سبحانه بانهم خير أمة مما يدل على ملازمة الإيمان لهم، ومن الآيات أن يأتي هذا الإيمان بتوفيق وإعانة من عند الله تعالى وهو بذاته شكر لله تعالى، ويستلزم شكراً إضافياً له سبحانه.
قانون الأصول الثلاثة في التفضيل
تعتبر هذه الآية وثيقة سماوية، وقانوناً دائماً ينير دروب الهداية للناس جميعاً، وجاء التفضيل بخصوص أمة من أمم اهل الأرض المتعددة والمنتشرة في ربوعها، وعلى نحو التعيين وإرادة المسلمين دون غيرهم بلحاظ لغة الخطاب وصيغة الإيمان، وتعدد مضامين الآيات الواردة في المقام كالأمر بالتقوى والإعتصام بالقرآن والسنة، ومعاني الأخوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن إعجاز القرآن عدم إنحصار موضوع الآية بالإخبار عن كون المسلمين خير أمة، وان كان هذا الإخبار وحده مدرسة في المعرفة الإلهية، ويتضمن البيان والدلالة، فجاءت بذكر بعث الأمة لوراثة النبوة، وقيامها بالدعوة الى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة.
فاخبرت الآية ان المسلمين أخرجوا للناس فهم رحمة من عند الله، وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، يشمل في عموماته أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون على وجوه:
الأول: بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للمسلمين.
الثاني: بعثة صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً.
الثالث: بالبعثة النبوية نال المسلمون منزلة خير امة.
الرابع: اخرج الله عز وجل المسلمين للناس رحمة اضافية لهم، وهي في طول وامتداد رحمة الله تعالى ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكل آية في القرآن رحمة بالناس.
وجاءت هذه الآية لبيان خصائص أمة الاسلام، وعلة تفضيلهم على الناس، لتكون نبراساً وباباً للهداية ومانعاً من اللبس والوهم والترديد، وذكرت أصولاً ثلاثة لتفضيل المسلمين وما تقوم به خير الأمم وفيه توكيد لموضوعيتها في الشريعة الأسلامية، ودعوة للمسلمين للتقيد باحكامها وإجتناب التفريط بها، وحث الناس للإلتفات اليها وإعتبارها، وهذه الأصول هي:
الاول: الأمر بالمعروف،والدعوة الى الخير والصلاح،وما عرف في الشرع حسنه ونفعه،وهل هو معروف عند المسلمين وحدهم، الجواب لا، بل ان طاعة الله وفعل الصالحات أمور معروفة عند الناس جميعاً على وجوه:
الاول: انها معروفة عند المسلمين من وجوه:
الاول: حسنها الذاتي.
الثاني: معرفة الواجب منها والمستحب.
الثالث: يعرف المسلمون ما لها من الثواب العظيم يوم القيامة.
الثاني: معرفة غير المسلمين لمصاديق الطاعة التي يدعو لها المسلمون من وجوه:
الاول: يدرك الناس جميعاً وجوب طاعة الله، وهو من العهد الذي أخذه الله عز وجل على الناس في عالم الذر، وما تشهد عليه الآيات الكونية، ويؤيده العقل والحس والوجدان.
الثاني: طاعة الله عز وجل تركة الأنبياء لاممهم والناس جميعاً، تولى المسلمون التذكير بها والجذب اليها.
الثالث: معرفة الحسن الذاتي لطاعة الله، وأعمال البر والصلاح.
الثاني: النهي عن المنكر: وهو الأصل الثاني في مضامين التفضيل، لقد اراد الله عزجل من أهل الأرض عبادته، وبعد إنقضاء أيام النبوة أنعم على أهل الأرض بالمسلمين، وهم أمة سيد الأنبياء وأتباعه، والعاملون بطاعة الله عز وجل، ليتولوا أعباء تنزيه الأرض من أدران المعصية.
والنهي عن المنكر واجب نفسي وواجب غيري، في الواجبات، كما يكون مستحباً نفسياً وغيرياً في المستحبات، وتبين الآية حقيقة وهي عدم إمكان إستغناء أهل الأرض عن النهي عن المنكر، وانه سيبقى ملازماً للوجود الإنساني وعنواناً للتفضيل، وشاهداً على مواظبة المسلمين على الدعوة الى الله تعالى، وسعيهم لتعظيم شعائر الله، ومنع حصول سلطان للشيطان على افعال بني آدم.
الثالث: الإيمان بالله تعالى وهو أصل الأصول، وعنوان الهداية، ودليل الفوز والنجاة، ولابد لكل انسان من الايمان بالله تعالى ونبذ الكفر وطرد اسباب الشرك والضلالة.
وقد يقال لم تذكر الآية الإيمان بالنبوة والتنزيل، والجواب ان آيات عديدة جاءت بذكرهما قال تعالى [تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ]( )، وقال سبحانه[وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ]( ).
فالإيمان ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن فرع الإيمان بالله، وجاء ذكر الإيمان بالله لبيان موضوعيته ولزوم إيمان الناس جميعاً بالله عز وجل، وقد يحتاج غير المسلمين الى بيان الدليل والحجة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمعجزات التي جاء بها من عند الله، ولكن الايمان بالله امر واجب،ومتوارث بين الناس منذ ان خلق الله آدم عليه السلام،وفيه إقامة للحجة على الكفار والمشركين لتركهم أصل الواجب، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] ( ).
وذكرت الآية الأمر بالمعروف، ومن مصاديقه الدعوة الى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذكرت النهي عن المنكر، ومنه النهي عن تكذيبه ومحاربته وايذائه والمسلمين، فلا يصح ان تؤذى خير أمة جعلها الله وارثة للنبوة وداعية الى الصلاح والاصلاح.
وجاءت الآية بذكر الأصول الثلاثة بالعطف بينها بحرف العطف (الواو) الذي يفيد الجمع، ولا يدل على الترتيب في المقام، فلابد في خير أمة من إجتماع الأصول الثلاثة التي ذكرتها الآية، وعدم تخلي معاشر المسلمين عن مضامين أي واحد منها.
ومجئ الآية بصيغة المضارع توكيد لإجتماعها عند المسلمين على نحو الإستدامة التي تتغشى أفراد الزمان الطولية من أيام البعثة النبوية المباركة والى يوم القيامة.
وعن درة ابنة أبي لهب قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله ! من خير الناس؟ قال: ” آمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأرضاهم( ).
وفيه دلالة على أهلية المسلمين بحسن عملهم لنيل مرتبة خير الأمم، والخلافة في الأرض.
وقد إبتلى الله عز وجل أمماً سابقة بأشد أنواع الإبتلاء ومنها عذاب الإستئصال والمسخ كما في خصة القوم الذين حرم عليهم الصبر يوم السبت مقصود أمر الله عز وجل، ولم يمتنعوا عن الصبر قال تعالى [فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ] ( )، إذ صاروا ثلاثة فرق:
الأولى: تنهى عن المنكر.
الثانية: ساكتة عن المعصية.
الثالثة: ترتكب المعصية.
ومن خصائص المسلمين تعاهدهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم، ومع الناس، إذ يجاهدون في سبيل الله، ويدعون الناس إلى الإيمان والتنزه عن المعاصي والذنوب، ليبقى المسلمون في وأمن من عذاب الإستئصال وإلى يوم القيامة ولينعم الله عز وجل عليهم بالعز لأنهم يتعاهدون الأصول الثلاثة في التفضيل.
قانون إنعدام الفترة بين الأمر والإمتثال
نزل القرآن بالأحكام التكليفية والأوامر الشرعية بلسان عربي مبين، وخال من الإجمال والترديد، فجاء بالإيمان بالله ولزوم الإقرار بربوبيته، وأول الفرائض التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله هي الصلاة وفي السنة الثانية للهجرة فرض الله عز وجل الصيام والزكاة وجاء توكيد فريضة الحج.
ومن الآيات ان المسلمين بادروا الى الإستجابة والإمتثال من غير إبطاء او تأخير فنزل الأمر الإلهي بالصلاة في بداية البعثة النبوية في مكة فبادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته والصحابة الى أداء الصلاة في البيت الحرام، وبمرأى ومسمع من مشركي قريش.
لتكون الصلاة أول تحد يواجه الكفار والمشركين وإنذاراً يهدد كيانهم، ووسيلة عبادية مباركة لدعوتهم الى الإسلام، ونبذ عبادة الأوثان، وإقترن أداؤها بالأذى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والصحابة، فتحملوا الاذى بصبر.
روى عن عبد الله بن مسعود انه قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قائماً يصلي بمكة واناس من قريش في حلقة، فيهم ابو جهل بن هشام، فقال: ما يمنع احدكم ان يأتي الجزور التي نحرها آل فلان فيأخذ سلاها ثم يأتي به حتى اذا سجد وضعه على ظهره، قال عبد الله: فانبعث اشقى القوم وانا انظر اليه فجاء به حتى وضعه على ظهره، قال عبد الله: فلو كانت يومئذ منعة لمنعته، وجاءت فاطمة عليها السلام اليه وهي يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر ابيها ثم جاءت حتى قامت على رؤوسهم فاوسعتهم شتماً، قال: فوالله لقد رأيت بعضهم يضحك حتى انه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك، فلما سلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقبل على القوم فقال: اللهم عليك بفلان وفلان، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا عليهم اسقط في ايديهم، فوالله الذي لا اله غيره ما سمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ احداً الا وقد رأيته يوم بدر، وقد اخذ برجله يجر الى القليب مقتولاً( ).
وينقسم الواجب الى قسمين بلحاظ أوانه:
الأول: الواجب المنجز: وهو الذي يقترن فيه زمن الواجب بزمان
الوجوب، كالصلاة اليومية حين دخول وقتها، فاذا زالت الشمس وجب أداء صلاة الظهر.
الثاني: الواجب المعلق: وهو الذي تكون فيه فعلية الوجوب متقدمة زماناً على فعلية الواجب، كما في الحج عند تحقق الإستطاعة، فانه لايمكن الإتيان به الا في موسم الحج وان تقدم حصول الإستطاعة.
والأصل في الواجب ان يكون منجزاً إلا أن يدل دليل أو قرينة على الخلاف، وهو من الأدلة العبادية والعقائدية، وتدل أحكام الواجبات والفرائض في الشريعة الإسلامية على تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم، وأهليتهم لمرتبة خير أمة من وجوه:
الأول: المبادرة النوعية العامة للإمتثال لأوامر الله تعالى، فحالما ينزل الأمر الإلهي يتلقاه المسلمون بالطاعة والإمتثال الخالي من الأسئلة الإنكارية او التردد او الضجر.
الثاني: قبول النسخ في الأحكام والعمل بالناسخ حال نزوله.
الثالث: محاكاة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الفرائض والواجبات، والإتيان بها كما أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير تغيير أو تبديل أو نقص أو زيادة، ومما تتصف به خير أمة حرص أجيالها المتعاقبة على إتقان أداء العبادات،كما في افعال الصلاة ومناسك الحج وأوان الصيام إبتداء وإنتهاء.
الرابع: تفقه المسلمين في الدين، وعدم إنحصار وظيفتهم بأداء العبادات بل بمعرفة أحكام وكيفية الأداء وتدارك الخطأ والسهو والنسيان.
الخامس: دعوة المسلمين الناس جميعاً لدخول الإسلام، ومشاركتهم اداء الفرائض والواجبات، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ].
السادس: دفاع المسلمين عن الإسلام، وأداء الشعائر.
السابع: عدم ترك المسلمين للفرائض والواجبات باي حال من الأحوال.
الثامن: توارث أجيال المسلمين للواجبات والفرائض العبادية، والى يوم القيامة.
لقد أراد الله عز وجل حفظ كلمة التوحيد في الأرض، فحملها الأنبياء وأصحابهم وأنصارهم، ثم إنتقلت الراية الى المسلمين لتبقى عندهم الى يوم القيامة.
وهذا البقاء وإستمرار حمل المسلمين كلمة التوحيد من مصاديق تفضيل المسلمين على أمم الأرض، وسر من أسرار إخراجهم للناس جميعاً لما في حمل لواء التوحيد من الرأفة والرحمة بالناس بدعوتهم العملية المتجددة كل يوم الى الهداية والفوز بالنعيم الدائم. وما دام المسلمون هم خير أمة، وأخرجوا للناس فان الله عز وجل يهديهم للإمتثال الفوري لطاعته وطاعة رسوله.
قانون الملازمة بين الإيمان والأمر والنهي
لقد ندب القرآن الناس الى الإيمان بالله والتصديق بالنبوة، وكل آية من آياته دعوة الى الله تعالى، وإخبار سماوي بوجوب عبادته وعدم التفريط بالأوامر والنواهي الشرعية، وهي إمام يقود الناس الى سبل الصلاح والهداية والرشاد، وعون للمسلم على أداء وظائفه العبادية، وانعم الله عز وجل على الإنسان وبين له أهم وظيفة له وهي الإيمان بالله.
فمن أجلها خلق وبها يعيش وعليها يقف بين يدي الله للحساب يوم القيامة، والإيمان بالله تكليف وامتحان لابد للعبد من اجتيازه بالاقرار بالعبودية لله تعالى، ونبذ الأنداد، والاقرار بانتفاء الشريك، فالله عز وجل هو الرب لا اله الا هو، والخلائق جميعها منقادة له، ويمتاز الإنسان بان جعله الله عاقلاً ناطقاً، يأنس بغيره، يحتاج الى الناس ويحتاجون اليه فحمله الله تعالى امانة الخلافة في الأرض، وعهد اليه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكونا أثراً للإيمان، ومقدمة لتثبيته، وبرزخاً دون الكفر والشرك والضلالة، مما يدل على الملازمة بين أمور:
الاول: الإيمان بالله.
الثاني: الأمر بالمعروف.
الثالث: النهي عن المنكر.
الرابع: إصلاح الذات.
وهذه الملازمة دائمة مستديمة، وتؤكد تثبيت وبقاء الإيمان وعدم مغادرته الأرض الى يوم القيامة، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهما باقيان في الأرض ويساهمان في إعمارها وصلاحها، ونزول البركات على أهلها، ولا يقوم بمسؤليات بقائهما غير المسلمين لذا مدحهم الله تعالى في هذه الآية، ويمكن ايجاد النتيجة وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: الأمة المؤمنة التي تتعاهد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأرض هي خير أمة.
الصغرى: المسلمون هم الأمة المؤمنة التي تتعاهد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأرض.
النتيجة: المسلمون خير أمة.
والإيمان عقيدة ومبدأ، والأمر والنهي قول وفعل، فمن خصائص المسلمين إتصاف أقوالهم وأفعالهم بأمور:
الأول: صدورها عن عقيدة وإيمان.
الثاني: إتيانها بقصد القربة والطاعة.
الثالث: توارث مناهج وسنن وأحكام الشريعة من غير تفريط بفرد منها.
وصحيح ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لايشترط باتيانهما قصد القربة الا ان المسلم يأتي بهما طاعة لله تعالى، لذا تجده ينفق فيهما الأموال ويبذل الجهد ويتحمل الأذى من أجل إصلاح النفوس وتطهير الأرض من الرذائل، والفوز يوم القيامة بالثواب الجزيل.
وهل يصح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير قيد الايمان الجواب لا، وهو وان جاء فيأتي محدوداً بخصوص قضية شخصية، مع السكوت عما هو اهم منها ومن غير ان يترتب ثواب على الفعل، ولكن الإيمان هو الأصل الثابت الذي يستديم معه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويشمل ميادين الحياة المختلفة.
ومن أسماء الله تعالى (الحكيم) وهو الذي أحكم الأشياء كلها، وخلقها بأبهى هيئة، ولم ينحصر الحسن والبهاء في إلانسان بخلقه وهيئته بل يشمل وظائف اعضائه، وعمله الذي يتجلى حسنه بالعبادة والصلاح.
ومن بديع قدرة الله عز وجل في خلق إلانسان قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلايجلس في بيته ويقول يكفيني الايمان بالله واصلاح نفسي، ولاشأن لي بغيري الذي توجهت الخطابات التكليفية له مثلما توجهت لي، بل انه يجاهد في إصلاح الآخرين، وجعلهم ينقادون الى أوامر الله تعالى ويجتنبون مانهى عنه، فالناس على مراتب متعددة في الإستجابة لأمر الله.
وخيرهم من بادر الى الإيمان وإستجاب لأوامر الله وهذا العنوان ينطبق على كل مسلم ومسلمة لذا وصفهم الله بانهم خير أمة، وتفضل وبين علّة الوصف وهي تعاهدهم للملازمة بين الإيمان بالله والأمر والنهي، ومن مصاديق الملازمة في المقام وجوه:
الاول: إقتران الايمان بالله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: تفرع الأمر والنهي عن الإيمان بالله، فمن يمتلأ قلبه بالإيمان بالله يبذل الوسع في الأمر والنهي، ويحب للناس مايحب لنفسه، ويريد لهم النجاة من عذاب النار، لذا تجده حريصاً على تبليغ وإنذار اهله وأرحامه وجيرانه ومن يكون قريباً منه.
الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة مباركة لزيادة الايمان، وتترشح هذه الزيادة من وجوه:
الأول: على ذات الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر نفسه بتجديد الإيمان والثبات عليه.
الثاني: من الأمر بالمعروف على المأمور به.
الثالث: من الأمر بالمعروف على المستمع والسامع والشاهد والذي تبلغه مسألة وموضوع الأمر بالمعروف فيعتبر وينتفع منها.
الرابع: من المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر بإمتثاله للأمر، واستجابته له، فيكون موعظة وعبرة، وأسوة يقتدي بها أقرانه.
الخامس: من المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر الذي لايمتثل للأمر، ولايستجيب للدعوة، فتصيب الخيبة منه الآخرين، وان كانوا على شاكلته.
الرابع: مجئ هذه الآية التي تتضمن المدح والثناء على المسلمين لإجتماع الخصال الثلاثة عندهم.
ويحتمل المدح في الآية وإستحقاق المسلمين لوصف خير أمة وجوهاً:
الاول: المسلمون خير أمة لانهم يأمرون بالمعروف.
الثاني: لانهم ينهون عن المنكر.
الثالث: المسلمون خير أمة لانهم يؤمنون بالله، واقرب الأمم منهم اهل الكتاب وذم الله اكثرهم ونعتهم بانهم فاسقون، مع حثهم على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: الجمع بين الخصال الثلاثة الواردة في الآية الكريمة.
والصحيح هو الرابع،فقد نال المسلمون مرتبة خير أمة لانهم يجمعون بين الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو آية في العالمين، وموعظة للناس اجمعين،وبيان لشرائط التفضيل وخصال الترجيح بين الأمم.
قانون توارث الايمان
لقد مدح الله عز وجل الأنبياء لتوارثهم الإيمان، وتعاهدهم سننه، قال تعالى [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ] ( )، واتخذ داود وسليمان من الملك والحكم ووراثتهما وسيلة لتثبيت الإيمان في الأرض، ومنع غلبة الكفر والشرك، وجاء الإسلام ليحمل رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون راية التوحيد، ويقومون بتثبيت الإيمان في الأرض، وزيادة رقعته وعدد امصار اهله، ولم يتركوا الكفر والكفار وشأنهم.
فمن خصائص الملازمة بين الإيمان والأمر والنهي غزو الكفر والضلالة والذنوب والفواحش في عقر دارها، ومهاجمة المجتمعات والنفوس التي تعشعش فيها لطردها وإخراجها منها واعادة النفوس الى الاصل وهو ان تبقى حدائق ناضرة، يفوح منها شذا الايمان وعطر الهداية، ويحتاج هذا الغزو الى جهد وجهاد متصل باللسان واليد والمال والنفس، ولم ولن يتصدى له في الأزمنة المتعاقبة إلا المسلمون، وليس من أمة من الموحدين ممن قبلهم جاهدت في هذا الباب معشار جهادهم.
وجاء القرآن بقصص بني اسرائيل، وأخبر عن قيام الموحدين منهم بالقتال دفاعاً عن النفس والديار مع إختلاف وإمتناع الكثير منهم، وفي التنزيل [وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا]( ).
ويستلزم حفظ الإيمان في الأرض أموراً:
الأول: توارث المسلمين الإيمان، وعدم مغادرة منازله، ويحتمل هذا التوارث وجوهاً:
الأول: حرص الآباء والأمهات على بقاء الإيمان بالله ورسوله تركة للأبناء.
الثاني: تلقي كل جيل من المسلمين الإيمان من الجيل الذي سبقه.
الثالث: حصول التوارث بين أبناء الطبقة الواحدة من المسلمين، فلا يصل الصبي سن البلوغ إلا وأخذ من اهله، وممن حوله من المسلمين أحكام الإيمان.
الرابع: توارث الخطابات القرآنية لتغشيها المسلمين جميعاً، فكل مسلم ومسلمة يدركان توجه الخطاب القرآني لهما، ويحرصان على العمل بمضامينه.
الخامس: توارث المسلمين لسنن الجهاد، وهذا الجهاد حاجة لهم وللناس جميعاً، فاما بالنسبة للمسلمين فانه يأتي على وجوه:
الاول: دفاعاً عن النفس والمال والعرض.
الثاني: دفاعاً عن بيضة الإسلام، فقد يهاجم العدو العقيدة من غير تعرض لأشخاص المسلمين، خصوصاً مع التداخل بين الحضارات والتقارب بين الأمم والشعوب، وسهولة الإتصال فيما بينها.
الثالث: مهاجمة الكفر والكفار لحملهم على قبول الإسلام والإمتثال لأوامر الله تعالى، وهو من أشرف مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السادس: من الآيات ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قام بنفسه بالجهاد في سبيل الله، وخرج في الكتائب وقاد جيوش الفتح وشارك في المعارك الأولى للإسلام والجيوش بأمر من عند الله عز وجل لعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
فيكون الخروج فرع الوحي، لتعلق الوحي به من باب الأولوية القطعية، بالإضافة الى الآيات القرآنية التي تؤكد بلغة الإمضاء خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال، قال تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ).
وكما ورت الآية الكريمة بوراثة سليمان لداود، فان المسلمين جميعاً ورثوا من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سنن الجهاد في سبيل الله، وهو شاهد على تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم والشعوب، وهو اعظم واكبر وأفضل إرث في تأريخ الانسانية، وفيها دلالة على وراثة المسلمين للأنبياء بلحاظ وراثتهم لسنن النبوة باسمى معانيها، واشرف مضامينها.
فمع تقيد المسلمين باحكام العبادة والفرائض، فانهم يقومون باعباء الجهاد لانه ضرورة لتثبيت الإيمان في الأرض، فان قلت ان الايمان بالله لايستلزم الجهاد فليس من ملازمة بينهما،فيمكن ان تكون الأمة مؤمنة بالله ورسوله من غير ان تجاهد في سبيل الله.
قلت هذا صحيح ولكن هذه الآية تشهد باجتماع خصال الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المسلمين، وهو مادة تفضيلهم على الأمم الأخرى الى يوم القيامة.
ومن خصائص الملازمة وقيام المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحصين الذات والمجتمعات.
قانون تقديم الأهم في الحفظ
من وجوه تفضيل المسلمين ومنافع الملازمة بين الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظ انفسهم ودينهم وأموالهم واعراضهم، ومن اسمى منافعها الجهاد في سبيل الله، وفي الآية مسائل:
الاولى:يدل قوله تعالى [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] على إستدامة بقاء المسلمين في منازل الايمان، وعدم مغادرتهم له، ويدل في مفهومه على زجر الكفار والمنافقين عن التعدي على المسلمين وعباداتهم وثغورهم.
الثانية: بعث السكينة في قلوب المسلمين بعدم الخشية على دينهم ودين ابنائهم من بعدهم، فالمسلمون في كل زمان يتنعمون بالعز والأمن والسكينة والحفاظ على الإسلام، ولا عبرة بالأمور العرضية والأذى الطارئ الذي قد يتعرضون له لانه الى إضمحلال وزوال، فالخطاب في الآية الكريمة متجدد ومستمر.
الثالثة: جاءت الآية بصيغة المدح والثناء على المسلمين.
مما يدل على قيامهم بتعاهد الإيمان، وتوطين النفوس على اداء وظائف الإسلام، وهو من الشواهد على كونهم خير أمة، فنالوا التفضيل ببذل الوسع والصبر وتحمل الأذى من أجل تعاهد مراتب الإيمان والتقوى، فقوله تعالى [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] يعني في مفهومه الصبر على أداء الفرائض والطاعات، والصبر عن المعصية والذنوب.
لقد إختار المسلمون الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مصداق للتمسك بالإيمان، وباب واسع، له مراتب متعددة في كيفيته وموضوعه وأوانه، والإتحاد او التعاون في اتيانه، وأراده الله عز وجل ان يكون مقدمة دنيوية لاحراز دخول الجنة والوقاية من النار، والتقية والحذر من الكفار وأعداء الإسلام، والصبر على أذاهم، قال تعالى [إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] ( ).
وقد حفظ الله عز وجل الأنبياء والأولياء في كنف الطغاة والظالمين، قال تعالى [فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا]( )، وقد تأتي إعانة المسلمين من الفاجر والفاسق، تخفيفاً عنهم، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ان الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر( ).
وقد يستلزم حفظ الإيمان والمواظبة على الطاعات، ودفع الأذى البذل والإنفاق والتضحية، فيجب حينئذ مع الإمكان والإستطاعة، لان الأهم هو تعاهد الإيمان الشخصي والنوعي، فالمسلم يحفظ ايمانه ويدرء عن نفسه الأذى من غير مغادرة منازل التقوى، ويدفع عن الإسلام أسباب التعدي ولايفرط في عباداته ومناسكه.
وتدل الآية في مفهومها على إعطاء الأولوية للإيمان وحفظ أحكام الشريعة لقاعدة تقديم الأهم على المهم.
وهذه الأولوية مسؤولية المسلمين والمسلمات جميعاً ولا تنحصر بالعلماء او الحكام وحدهم، نعم هناك تباين في الوظائف والمسؤوليات والحفظ بحسب الشأن والمقام فكل بحسبه، ومع هذا فرب من هو ادنى ينفع الإسلام والمسلمين أكثر ممن هو اعلى منه، لذا جاءت الآية بصيغة العموم الشاملة لكل المسلمين، فكل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحفظ بيضة الإسلام ويدعو الناس للإسلام، ويفضح المنكر ويحث على ترك الذنوب والمعاصي.
ومتى ما ادرك اعداء الدين ان المسلمين يعطون الأولوية لحفظ الإسلام ويبذلون أموالهم وأنفسهم في سبيل الله وثبات أحكام الشريعة فانهم يتجنبون التعدي عليهم، وفيه تخفيف عن المسلمين والناس جميعاً، وهو مناسبة لبيان أحكام الإسلام وآيات الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأداء الفرائض، والتفقه في الدين وإزاحة الباطل، ونشر مفاهيم المودة والأخوة بين المسلمين.
قانون الإيمان والإعتصام
جاءت هذه الآيات بالأمر الإلهي بالتمسك بالقرآن والسنة، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ] في خطاب عام شامل للمسلمين والمسلمات جميعاً ليكون منهاجاً ثابتاً، ونظاماً يتغشى حياة المسلمين في الميادين المختلفة، وعوناً لهم على إقامة الشعائر وترسيخ دعائم الإسلام في الأرض.
وجــاءت هذه الآية بــمدح المســلمين، والإخــبار عن أيـمانهــم بالله عز وجل، والذي يعني في دلالته إبتعاد المسلمين عن مفاهيم الكفر والضلالة الى يوم القيامة، وفي الصلة بين الإيمان والإعتصام بحبل الله وجوه:
الأول: الملازمة بينهما، فمع الإيمان يكون الإعتصام بحبل الله، ولايغادر احدهما الثاني.
الثاني: الإعتصام بحبل الله فرع الإيمان والهداية، فاذا بلغ الإنسان مرتبة الإيمان فانه يتمسك بالقرآن والسنة بالضرورة.
الثالث: ترشح الإيمان عن الإعتصام بحبل الله، فاذا تمسك المسلم بالقرآن والسنة فانه يبلغ مرتبة الإيمان.
الرابع: التداخل والتأثير المتبادل بينهما، فالايمان يزيد من الإعتصام بحبل الله، والإعتصام بحبل الله يزيد الإيمان.
الخامس: عدم وجود تأثير بينهما، فكل فرد منهما عمل وجهاد قائم مستقل بذاته.
السادس: كلاهما بمعنى واحد، والإيمان هو نفسه إعتصام بحبل الله.
السابع:هما مما إذا إجتمعا إفترقا، واذا إفترقا إجتمعا.
والصحيح هو الاول والرابع، وهو آية من آيات الله تتجلى فيها النعم الإلهية المتعددة على المسلم، والتداخل بينهما بما يثبتها في الواقع العملي، وتترشح عنها نعم جديدة.
وجاءت آية الإعتصام بصيغة الأمر للمسلمين بان يعتصموا بالله بينما جاءت هذه الآية بصيغة الجملة الخبرية التي تفيد الإمضاء والقطع واليقين مما يدل في ظاهره على ترشح الإعتصام على الإيمان الا انه أعم ويدل على إمتثال المسلمين لقوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ].
ويدل التداخل بين الإيمان والإعتصام على أمور:
الأول: الإيمان عقيدة ومنهج وسنة ثابتة، وتصبغ آثاره ومنافعه فعل الإنسان بصبغة الهداية والرشاد.
الثاني: ترسيخ الإيمان في نفوس المسلمين، من جهتين:
الأولى: إعتصام كل مسلم بحبل الله.
الثانية: إعتصام المسلمين مجتمعين بحبل الله.
الثالث: الإلتفات العام لوظائف الفرد والجماعة العبادية.
الرابع: التفقه في الدين، والإرتقاء في المعارف الإلهية.
الخامس: تحصين النفس من الغواية والضلالة.
السادس: تجلي مضامين إتحاد المسلمين وتوكيد قوتهم، وقدرتهم على مواجهة الأعداء.
السابع: الإحتراز من الفرقة والتشتت وأسباب الضعف والوهن.
لقد اراد الله عز وجل للإيمان الثبات والرسوخ في الأرض، فتصدى المسلمون لهذه الوظيفة الجهادية بفضل وتوفيق من الله عز وجل لتأتي هذه الآية مدحاً لهم، وبشارة الفوز بنعم متعددة:
الأولى: الإيمان بالله.
الثانية: التصديق بنبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: الإقرار بان القرآن كتاب نازل من عند الله.
الرابعة: توارث نعمة الإيمان، وهذه النعمة متعددة من وجوه:
الأول: تعدد أجيال المسلمين، فتلقي كل جيل لنعمة الإيمان نعمة قائمة بذاتها.
الثاني: قذف الإيمان في قلب كل مسلم ومسلمة.
الثالث: صبغة الواقع العام للمسلمين بصبغة الإيمان، وتجلي معانيه ومفاهيمه في عالم الأقوال والأفعال.
الخامسة:إتصال دعوة المسلمين الناس للإسلام مفتوحة الى يوم القيامة، اذ تتجدد الدعوة الى الإسلام كل يوم، ويبقى ترجيح الإسلام وكفة المسلمين على الناس مستمراً، وهو مصداق يومي لتفضيل المسلمين وتوكيد لما تتضمنه هذه الآية بأنهم خير أمة.
وتبعث الملازمة بين الإيمان والإعتصام اليأس في قلوب الكفار من إرتداد بعض الأفراد من المسلمين.
ومن مصاديق قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ان المسلمين يدفعون صيغ الشك والريب التي يأتي بها الكفار بقوة الإيمان، والمواظبة على العبادات، ويواجهون التعدي بالصبر والجهاد، ليكون الجهاد رحمة بالكفار انفسهم بجذبهم الى الإسلام، وقهرهم على دخوله رأفة بهم وإعانة لهم.
قانون من مراتب التقوى والاعتصام
تعتبر هذه الآيات مدرسة عقائدية متكاملة، وتتداخل في مواضيعها وأحكامها لتكون ضياء يهدي المسلمين الى سبل الرشاد، وجاءت بصيغة الجمع، والخطاب لتختص بالمسلمين دون غيرهم من الناس، فيسمعها الكتابي والكافر فيعلم انه غير مخاطب بها، وتبعث في نفسه اليأس وقد يصاحبه الأمل.
ومع التناقض بين اليأس والأمل فانهما يجتمعان في نفس الكافر وفي وقت واحد مع التباين في موضوع كل واحد منهما، فاليأس بسبب الإعراض من هذه الآيات وتفويت الفرصة على النفس بعدم العمل بأحكامها، والأمل في إمكان التدارك ودخول الإسلام وتلاوة الآيات، ومشاركة المسلمين في الإمتثال لأحكامها وسننها، والإنتفاع منها، ومما فيها من الإفاضات وما يترشح عنها من البركة.
وجاءت هذه الآيات بالخطاب التشريفي [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ثم خاطبت هذه الآية المسلمين بلغة المدح والثناء [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] وفيه مسائل:
الأولى: توكيد إيمان المسلمين.
الثانية: الإيمان باب لتلقي الأوامر الإلهية.
الثالثة: الإخبار عن حقيقة، وهي ان الله عز وجل شاكر عليم، فانه سبحانه يشكر للمسلمين إيمانهم وصلاحهم.
الرابعة: عدم وقوف المسلمين عند الإيمان وحده بل انهم يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الخامسة: صدور الأمر بالمعروف والنهي عن إيمان بالله، وفيه الأجر والثواب، وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين وجعلهم أهلاً لتلقي الأمر بالإعتصام بحبله، ولولا بلوغ المسلمين مرتبة الإيمان لما إستطاعوا أن يتلقوا الأمر الإلهي بالإعتصام بحبله.
وكل من التلقي والمرتبة شرف عظيم فاز به المسلمون، والإعتصام بحبل الله وسيلة مباركة لإستدامة بقاء المسلمين والمسلمات بمنزلة خير أمة الى يوم القيامة.
وفيه درس وعبرة للأمم الأخرى، ومن يقول بأنه مؤمن من أهل الكتاب، إذ يشترط بالإيمان الإعتصام بحبل الله، والتصديق بالأنبياء على نحو العموم الإستغراقي، وعدم الكفر بنبوة بعضهم، ولزوم الإقرار بنزول جميع الكتب السماوية من عند الله، ومنها القرآن والذي تكون حجته دلالة على تنزيله أضعاف حجة وأدلة الكتب الأخرى، ويمكن تأسيس قاعدة وفق القياس الإقتراني.
الكبرى: المؤمنون هم الذين إعتصموا بحبل الله.
الصغرى: المسلمون هم المؤمنون بشهادة هذه الآية.
النتيجة: المسلمون هم الذين اعتصموا بحبل الله.
لقد جاءت هذه الآيات لتؤكد الحاجة من وجوه:
الأول: حاجة المسلمين الى الإيمان.
الثاني: حاجة أهل الكتاب والناس لإيمان المسلمين.
الثالث: حاجة المسلمين للإعتصام بحبل الله.
الرابع: حاجة أهل الكتاب والناس لإعتصام المسلمين بحبل الله.
الخامس: حاجة المسلمين للجمع بين الإيمان والإعتصام بحبل الله.
السادس: حاجة أهل الكتاب والناس لجمع المسلمين بين الايمان والإعتصام بحبل الله.
فهذه الآيات وما فيها من الأوامر من عمومات اللطف الالهي بالناس جميعاً، ويدل الجمع بينها على جهاد المسلمين المركب من وجوه:
الأول: جهاد النفس.
الثاني: الجهاد بالصبر في إقامة شعائر الله.
الثالث: جهاد المسلمين لقهر أعداء الدين.
قانون مدح المسلمين حاجة
لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً، وكل ممكن محتاج، وليس من حد لحاجة الإنسان فهي ملازمة له في جميع آنات حياته، وفي كل ميادين الحياة، وجاءت الطفرة الحضارية عند الناس لتزيد من حاجة الانسان في ملبسه ومأكله ومسكنه وحضره وسفره وتعليمه وصحته.
وتتقوم تلك الحاجات باللجوء الى الله تعالى والإستعانة به، لذا يردد المسلمون كل يوم في الصلاة الواجبة [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] لتكون العبادة والإستعانة معاً آلة مباركة لمواجهة الحاجات المتزايدة لبني آدم.
ومن الآيات ان الله عز وجل أخرج لهم كنوز الأرض في هذا الزمان، لتكون عوناً لهم على قضاء شطر من حوائج الدنيا والمواظبة على سنن العبادة والتقوى التي كان عليها أسلافهم.
ومن وجوه تفضيل المسلمين عدم انشغالهم بزينة ومباهج الدنيا وظلوا دائبين على القيام بوظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن الناس من يعتني بجمع المال وإقتناء الحاجات والاعيان والمحافظة عليها، وأراد الله للمسلمين القيام بوظائف العبادة.
وجاءت هذه الآية لتؤكد بقاء المسلمين على ذات المراتب من الإيمان في حال الشدة والرخاء، والسعة والضيق، والغنى والفقر، وتلك آية لم تشهدها أمة من أمم الأرض ولكن حاجة المسلمين الى رحمة الله تعالى باقية ومستمرة.
ومع تداخل الحضارات،وتقارب البلدان، وتعدد النعم على أهل الأرض في هذا الزمان، وإخراج الأرض كنوزها وتوظيف الناس العلم في الصناعات، وتعدد وسائل الراحة والرخاء، تزداد حاجة الناس لله تعالى في الإنتفاع منها وإجتناب أضرارها الصحية والإجتماعية والإقتصادية والأخلاقية والوقاية من الافتتان بها،وتلك آية في الإرادة التكوينية والتشريعية.
وتتجلى في هذا الزمان الصلة بين إخراج المسلمين للناس وإخراج الأرض كنوزها لهم من الثروات الطبيعية والمعادن ، ويمكن الربط بينهما وفق القياس الإقتراني كالآتي :
الكبرى: خير الأمم التي اخرجها الله عزوجل للناس تخرج لها الأرض كنوزها
الصغرى: المسلمون هم خير الأمم.
النتيجة: الأرض اخرجت كنوزها للمسلمين .
ويدخر المستقبل القريب الذي تظهر الدراسات العلمية والبيولوجية والمستقبل غير المنظورخيرات أخرى للمسلمين وفق هذه القاعدة وبما يعم بلادهم وأمصارهم، إذ تخرج ثروات أخرى في بلدان متعددة من بلدانهم والله هو الواسع الكريم، والذي يمن على المسلمين بتيسير أمورهم، ورزقهم بغير حساب فضلاً منه تعالى، وهذا الإخراج عنوان شكر منه تعالى للمسلمين، وأمارة ومقدمة للنعم الأخروية التي تتغشاهم ودعوة سماوية مباركة للناس للإنضمام لخير أمة .
وتتجلى آيات تفضيل المسلمين بالتجائهم الى الله تعالى، وتعاهدهم لسنن العبادة ذاتها التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم تنقص الصلاة اليومية ركعة واحدة، ولم يقل أحد من المسلمين بأن الإرتقاء العلمي يجعل صلاة النوافل اليومية مباحة وليس مستحبة مثلاً، ولم ينقص يوم من صيام شهر رمضان الى يوم القيامة، وهذا التعاهد لسنن العبادة مع الرخاء والسعة والثورة الصناعية آية في مدح المسلمين، وإعجاز متجدد لهذه الآية بتوكيد المصاديق العملية لمضامينها القدسية كل يوم على نحو متصل، فلا يأتي يوم يتخلف فيه المسلمون عن وصف خير أمة، والمدح القرآني للمسلمين الوارد في هذا الآية حاجة لهم وللناس جميعاً.
فمن الآيات ان الله عز وجل يعلم حاجة العباد، فيتفضل بقضائها، وإيجاد أسبابها ومقدماتها وموضوعها في آية في الخلق والإرادة التكوينية فمدح الله عز وجل المسلمين في هذه الآية بذكر خصال حميدة لهم، وفيه وجوه:
الأول: الإخبار عن كون المسلمين خير أمة إشارة سماوية لعالم الحساب، ووقوف الناس بين يدي الله عز وجل
الثاني: تدل الآية على ورود الثواب والعقاب يوم القيامة بلحاظ الإنتماء الى الأمة والملة الى جانب ورودها بحسب الأعمال الشخصية من خير وشر، فلما ذكرت الآية ان المسلمين خير أمة فلا بد ان تعلم الخلائق بمنزلة خير أمة، وما أعد الله لها من الثواب، ومنه المنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقبول شفاعته لأمته يوم القيامة.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بابراهيم فانه خليل الرحمن فيأتون ابراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فانه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فانه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني فاقول انا لها فاستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فاحمده بتلك المحامد واخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فاقول يا رب امتي امتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من ايمان فأنطلق فافعل ثم اعود فاحمده بتلك المحامد ثم اخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فاقول يا رب امتي امتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من ايمان فأنطلق فأفعل ثم اعود فاحمده بتلك المحامد ثم اخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب امتي امتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه ادنى مثقال حبة من خردل من ايمان فأخرجه من النار فانطلق فأفعل( ).
الثالث: مدح المسلمين في هذه الآية مناسبة كريمة لتعاهدهم منازل السمو والتفضيل بين الامم وإدراك حقيقة وهي ان الله عز وجل يمدهم بأسباب إستدامة التفضيل والترجيح، وييسر لهم مقدماتها، ومنها وجود القرآن بين ظهرانيهم، وخلوه من النقص والزيادة والتحريف، وتهيئة أسباب إقامة الفرائض والعبادات.
الرابع: تعاهد المسلمين لوجوه تفضيلهم على الأمم الأخرى، والتي هي أفعال ذات صبغة شرعية صحيحة ذكرتها الآية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
الخامس: من منافع المدح تفقه المسلمين في أحكام الحلال والحرام، ومعرفة الأصول والفروع والتقيد بسننها، فما ذكرته الآية الكريمة أصول لأحكام شرعية عديدة ومدخل لأداء المسلمين لوظائفهم أزاء أنفسهم وأزاء الناس عموماً وقيامهم بنشر مفاهيم الصلاح في الأرض.
السادس: كما تلازم الحاجة الإنسان في حياته فكذا تلازم الأمة والجماعة، وكون المسلمين خير أمة ليس سبباً لمغادرة الحاجة لهم، بل يجعلهم هذا التفضيل والتشريف أكثر حاجة لله عز وجل، وأشد حرصاً في أداء وظائفهم المركبة من وجوه:
الأول: القيام بأعمالهم العبادية، ومايجب عليهم كمكلفين.
الثاني: تعاهد منزلة خير أمة بين الناس.
الثالث: التحلي بمصاديق الإيمان، والمواظبة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابع: كثرة وتعدد حاجة المسلمين الى الله عزوجل نوع تفضيل لهم وكلما ازدادت حاجة العبد الى الله ازداد فضل الله عليه تعالى وهو الواسع الكريم.
لقد جاء مدح المسلمين في هذه الآية حاجة لهم، ورحمة بهم ووسيلة سماوية مباركة لبقائهم في منازل التفضيل، وهو من آيات اللطف الإلهي بهم وبالناس جميعاًُ، وبشارة الفوز بالمقام الكريم في الآخرة.
قانون حاجة الناس للمسلمين
لقد خلق الله عز وجل الناس ليعمروا الأرض بالعبادة والصلاح، وجعل الحياة الدنيا دار امتحان وإختبار، وتفضل سبحانه وبعث الأنبياء والمرسلين رحمة بالناس، والناس متساوون في الخلق، ولكن المائز والتفضيل حصلا بلحاظ الإيمان والتقوى.
وجاءت مدرسة النبوة لتقسم الناس الى قسمين فاما مؤمن واما كافر، وليس من قسيم ثالث لهما، وتنبسط هذه القسمة على كل زمان، وليس من تعيين مستقر ودائم للمصاديق الفردية لكل قسم، ففي كل مرة يبعث الله عز وجل لأهل الأرض رسولاً يؤمن برسالته قوم، ويكفر بها آخرون، وقد تجد شخصاً او جماعة يؤمنون بالرسول السابق ويجحدون بنبوة الرسول اللاحق فينتقلون بذلك من منازل الإيمان الى منازل الجحود والضلالة، الى ان بعث الله النبي محمداً للناس جميعاً، فاصبح الذين يؤمنون به في إزدياد مطرد.
وليس من نبي أو رسول يأتي من بعده قد يجحد بنبوته بعضهم، فمن دخل الاسلام يبقى على الإنتماء له ويتقيد بأحكامه، وتستقرأ من هذه النعمة أمور:
الأول:إنها من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ].
الثاني: فيها دلالة على تفضيل المسلمين وانهم خير أمة أخرجت للناس، لأن المسلمين يدعون الناس جميعاً للإسلام.
الثالث: عدم طرو النسخ والتبديل على مبادئ الإسلام وشريعة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: ليس من نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد جاءت الآية بمدح المسلمين وأخبرت عن كونهم خير أمة أخرجت للناس، وإجتماع التفضيل الخاص مع الإخراج للناس عامة بيان وتوكيد لحاجة الناس للمسلمين، وهذه الحاجة ملازمة للناس في كل زمان ومكان، وهي فرع حاجتهم لرحمة الله، ومن مصاديق عموم البشارة والإنذار في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( ).
ويأتي مدح المسلمين وواقعهم العملي بشارة لهم، وإنذاراً لأعدائهم، ودعوة للناس جميعاً للإيمان بالله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنصات والإصغاء والإمتثال لمضامينها وكما ان هذه الآية الكريمة حاجة للمسلمين، فانها حاجة لأهل الكتاب والناس جميعاً، اذ تبين لهم سبل الرشاد، ومن صيغ التأديب والتعليم ان يأتي المدح والثناء على فرد او جماعة مع بيان علة وموضوع المدح كي يقتدي به الآخرون ويلتفتوا الى موضوعية العمل الذي استحقوا عليه المدح.
ومن الآيات في خلق الإنسان ان جعله الله عز وجل يميل الى التنافس والسعي للإرتقاء ونيل الأفضل والأحسن، بحسب شأنه ومقامه وما هية عمله، وتأتي هذه الآية لتبين أن أشرف موارد السعي والتنافس التوفيق لبلوغ منازل الإيمان لما فيه من حسن العاقبة قال تعالى [خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ] ( ).
وجاء مدح المسلمين إخباراً عن واقع ملموس، وحالاً ظاهراً للناس جميعاً، وشكراً عاجلاً من عند الله عز وجل لهم على حسن طاعتهم وعبادتهم لله تعالى، وتدل الآية على حاجة الناس جميعاً للمسلمين، وعدم إمكان الإستغناء عنهم، وهذه الحاجة على أربعة وجوه:
الأول: حاجة الناس للمسلمين كأمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله عز وجل.
الثاني: حاجتهم للمسلمين والمسلمات كأفراد مؤمنين، فكل مسلم يتقيد بأحكام الإسلام، ويباشر واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاجه الناس.
الثالث: حاجة كل إنسان للمسلمين كأفضل أمة في نهجها وعملها وهذه الحاجة الشخصية المطلقة من الناس كأفراد ذكوراً وأناثاً من مصاديق تفضيل المسلمين على الامم الأخرى.
الرابع: حاجة كل انسان للمسلم الذي يعمل بأحكام الشريعة.
ومن الآيات ان الله عز وجل أنعم على المسلمين والناس بالقرآن كتاباً هادياً الى سواء السبيل، وبينت الآية شرائط تفضيل المسلمين والتي تدل في مفهومها على معرفة الناس لأسباب ومصاديق التفضيل والحاجة ايضاً، فالحاجة للمسلمين مقيدة بسنن الإيمان، ومضامين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الشعائر، وتثبيت سنن الطاعة لله في الأرض.
فجاءت الآية صريحة بينة في تعيين مضامين التفضيل لتكون نبراساً للهداية، وبرزخاً دون الضلالة والغواية، وطرداً للجهالة والغفلة والشك والريب.
وهل يمكن استغناء أمة من أهل الأرض عن المسلمين، الجواب لا، فكل أمة من الناس تحتاج المسلمين في الدعوة الى الله واعمار الأرض بالعبادة، وهذه الحاجة من وجوه تفضيل المسلمين على غيرهم، فليس من امة يحتاجها أهل الأرض كما يحتاجون المسلمين، ويختص المسلمون بحاجة الناس النوعية العامة إليهم بعالم الآخرة وما فيه من الحساب، ووجوه الثواب والعقاب، وهي من أهم مصاديق الحاجة الإنسانية قال تعالى [وإن الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ] ( ).
قانون حاجة المسلمين للأمر والنهي
جاءت الآية بالإخبار المتضمن للمدح والثناء بما يبعث الغبطة والسعادة في نفوس المسلمين، والبشارة الكريمة التي تتضمن تفضيلهم الى يوم القيامة، ومع اتفاق الاصوليين بعدم القول بالإستصحاب القهقري، والنظر لما ثبت وجوده هذا اليوم مثلاً بأنه موجود يوم امس، فإن الآية تتضمن الإستصحاب بمعنييه القهقري والتالي، وبيان من فاز ومن خسر من الأمم، وهو من إعجازها، وأخبرت الآية عن أمور:
الأول: تعيين أفضل الأمم وهم المسلمون.
الثاني: حاجة الناس للمسلمين.
الثالث: عدم تعيين الأمة الأدنى.
وتفيد الآية ان التفضيل والمدح على أمور مستديمة وافعال متصلة لم تنقض مادامت السماوات والأرض، فسجايا المسلمين باقية على حالها، ويتغشى المدح أشخاص المسلمين والمسلمات من أيام التنزيل والى يوم ينفخ في الصور.
ويملي ما تضمنته الآية من المدح مسؤوليات عقائدية إضافية على المسلمين منها المواظبة على العبادات، والتحلي بسنن النبوة واحكام الإنقياد للأنبياء، وهذه المسؤوليات الإضافية التي تترشح عن المدح من مصاديق تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم باعتبارها وسيلة مباركة لتثبيت مضامين وقواعد التفضيل وفعل الصالحات وإكتناز الحسنات ليوم الحساب، لذا فان مدح المسلمين مقدمة وباب للجهاد في سبيل الله، والسعي الحثيث لإقامة العدل في الأرض وإعمارها بالعبادة، وهو من مصاديق تفضيلهم على غيرهم من الأمم.
لقد اراد الله عز وجل للمسلمين العز والرفعة بالمدح والثناء، وان يكون هذا المدح حجة ذاتية لتهذيب نفوسهم، وإصلاح أمورهم لذا جاءت هذه الآيات بالأمر بالإعتصام بالقرآن والسنة وهما مصدر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباجتناب الفرقة والخلاف لما فيها من الإنشغال عن وظائف خير أمة بين الناس، وكما يحتاج الناس المسلمين في سبل الهداية، فان المسلمين يحتاج بعضهم بعضاً من جهات:
الأولى: حاجة المسلم للأمة الإسلامية.
الثانية: حاجة الأمة للمسلم والمسلمة في إتباع نهج الكتاب والسنة.
الثالثة: حاجة المسلمين بعضهم لبعض.
والحاجة في المقام على ثلاثة اقسام:
الأول: الحاجة في تثبيت الإيمان في الصدور.
الثاني: الحاجة في باب الأمر بالمعروف.
الثالث: الحاجة في باب النهي عن المنكر.
فيقوم المسلمون بأمر بعضهم بعضاً بالمعروف، ونهي بعضهم بعضاً عن المنكر، وهو من خصوصيات خير أمة بين الناس، وآية في العالمين، وباب رحمة للناس جميعاً، ورشحة من رشحات القرآن والتنزيل، وهبة من عند الله للأمة المفضلة المحمودة في سعيها لإقامة شعائر الله، وفيه تخفيف عن المسلمين وإعانة لهم على التدارك، وبرزخ دون التهاون المتحد والمتعدد في الواجبات.
ان قيام المسلمين بالأمر والنهي فيما بينهم تثبيت للإيمان، ومانع من الزيغ، وهو مدرسة وتأديب لهم وللناس جميعاً، فينصت الناس للمسلمين وهم يأمرونهم بالمعروف، ويرون كيف انهم يجعلون من مساجدهم ومنتدياتهم وبيوتهم محلاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإنشغال بإصلاح الذات وتعاهد مضامين المدح والحفاظ على منزلتهم بين الأمم وأهل الأرض كافة.
وليس من تعيين في طرف الأمر او طرف المأمور، فكل مسلم يكون آمراً بالمعروف وقد يكون مأموراً به، بذات الموضوع او في موضوع آخر، ويكون ناهياً عن المنكر، ومنهياً عنه ولو على سبيل التنزه والذكرى والإعتبار.
فليس من ملازمة بين النهي عن المنكر وبين إرتكابه في المقام، انما يأتي النهي بين المسلمين أحياناً لتنمية ملكة التقوى والوقاية من الذنوب والفواحش، والتذكير بالوظائف العقائدية للمسلمين، وبيان فضل الله عليهم، ولزوم شكره تعالى على نعمة الإسلام والهداية الى الصراط المستقيم الذي يتضرع المسلمون الى الله عز وجل كل يوم لنيله في صلاتهم وتلاوتهم لقوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] في سورة الفاتحة الواجب قراءتها في ركعات الصلاة.
لقد جاءت الآية بصيغة الجمع [تَأْمُرُونَ، وَتَنْهَوْنَ] فيأتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجوه:
الأول: قيام الأمة بأمر الفرد منها بالمعروف ونهيه عن المنكر.
الثاني: قيام الجماعة بأمر ونهي الفرد والجماعة.
الثالث: تولي الأمة مسؤولية نصح الجماعة ومنعها من ارتكاب المعصية، خصوصاً وان إقامة الجماعة على المعصية أشد ضرراً من إرتكاب الفرد لها، ومن خصائص خير أمة تعاونها لمنع البدعة والفرقة.
الرابع: قيام الجماعة بإصلاح نفسها، وتقويم أعمالها، ومراقبة الذات والأفراد مع الحرص على المواظبة على أفعال التقوى والهداية.
لقد اراد الله عز وجل للمسلمين إستدامة الإعتصام بحبله، والإتحاد والتعاون في مواجهة الأعداء، وفي جهاد النفس باعتباره سعياً متصلاً لبلوغ مقامات التفضيل.
ويلازم العلم والحكمة المسلمين في حياتهم اليومية، ويكون عالم الشهادة منكشفاً لهم، وتنقاد لهم الأمم في الدعوة الى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو على نحو الموجبة الجزئية، وأيهما أهم بالنسبة للمسلم أمره لأخيه بالمعروف ونهيه عن المنكر، أم أمره لغير المسلم، الجواب كل فرد منهما له نفع، ودرجة من الثواب، وله مرتبة عظيمة، وليس من تزاحم أو تعارض بينهما، والجمع بينهما ممكن، وهو من مصاديق وعمومات الآية الكريمة .
ومن وجوه تفضيل المسلمين كأمة تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذاتي وفيما بين أفرادها، وتقوم به بين الناس، وكل فرد منهما جهاد في سبيل الله، مع التباين في موضوعه وماهيته، اذ يؤمر غير المسلم بالأصول والإيمان، اما المسلم فيؤمر بالمواظبة على الصلاح والتقيد بالفرائض والمبادرة الى التوبة والإنابة.
قانون الواجب المستديم
قسم جديد للواجب
إختلف الأصوليون في دلالة صيغة الأمر على الفورية ولزوم المبادرة في الأداء والإمتثال، ام انها تفيد التراخي والإبطاء في الإمتثال، والسعة في وقت الأداء وجواز الإمتثال للأمر بالزمن الأول او الثاني او الثالث، كما قيل بان صيغة الأمر للمعنى الأعم من الفورية والتراخي.
وإستدل القائلون على الفورية، بقوله تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ] ( )، وبقوله تعالى [فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ]( ).
ولا يتعارض هذا المبحث مع مضامين هذا القانون، والذي يؤكد الفورية النوعية في الإستجابة، خصوصاً وان الواجبات تنقسم الى قسمين:
الأول: الواجب المؤقت: وهو الذي يكون له وقت مخصوص، و ينقسم الى قسمين:
الأول: الموسع الذي يكون وقته اعم من مدة أدائه، كما في صلاة الصبح التي يستمر وقتها من طلوع الفجر الى طلوع الشمس بينما لايستغرق أداء الصلاة إلا بضع دقائق.
الثاني: الواجب المضيق: وهو الذي يتساوى فيه طرفا الأداء والظرفية الزمانية لأدائه من غير زيادة في أحدهما كما في الوقوف في عرفة فهو من بين زوال الشمس الى غروبها من يوم التاسع من شهر ذي الحجة، وكما في صيام شهر رمضان.
الثاني: غير المؤقت: الذي لايكون له زمان مخصوص في أصل الشريعة، وينقسم الى قسمين:
الأول: الواجب الفوري: وهو الذي تجب المبادرة اليه، في الزمان الاول مع الإمكان ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاءت به هذه الآية الكريمة، فلا يجوز التأخير والإبطاء، وفيه شاهد على كون المسلمين خير أمة من وجوه:
الأول: الفورية في أداء العبادات وعدم التهاون او التفريط فيها او في اوقاتها، والفورية في المقام من خصائص خير أمة أخرجت للناس.
الثاني: الجهد الاضافي والعناء وبذل للوسع في أداء الفرائض.
الثالث: أهلية المسلمين للقيام بوظائف الصلاح والإصلاح.
الثاني: الواجب غير الفوري وهو الذي يجوز تأخيره عن اول زمان يتحقق فيه إمكان الأداء، ولكن هذا التأخير لايكون مطلقاً اذ يكون له ظرف زماني موسع.
والتقسيم الى فوري وغير فوري ووقوع الخلاف بين الاصوليين في الفورية وعدمها، والأعم منها انما هو خلاف صغروي، وكل الاقوال وتقسيمات الواجب تدل على تقيد الفعل العبادي بحدين لايخرج عنهما سواء كانت الأفراد الزمانية بينهما قليلة او كثيرة، مضيقة ام موسعة، مع انتفاء التسويف، وحرمة الترك.
فما من أمر الهي يصدر الى المسلمين الا وتلقفوه بالإستجابة والإمتثال المقترن بالشوق والغبطة والتفقه في مضامينه، ووجود أفراد يكون فيها الواجب متسعاً في زمانه فرع الإمتثال الفوري، ودليل التفضيل والإكرام، وأهلية المسلمين للإمتثال في الواجب الفوري وغير الفوري، أي ان الأداء في الواجب غير الفوري هو الآخر دليل على أفضلية المسلمين وترجيحهم على الأمم الأخرى، واستعدادهم لتلقي الأوامر والأحكام من عند الله عز وجل.
وتدل النصوص على حرص المسلمين على متابعة أخبار السماء وما ينزل به الوحي من عند الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الحرص دليل على إمتثالهم التام للأوامر الإلهية بقرينة الاستجابة الفورية للأمر الإلهي سواء الذي تأتي به الآية القرآنية، أو الذي يتضمنه الوحي بالمعنى الأعم والسنة النبوية المباركة.
ويمكن ان نضيف قسماً ثالثاً للواجب يكون قسيماً للواجب المؤقت وغير المؤقت وهو (الواجب المستديم) الذي يلازم المكلف في أيام حياته، كالايمان بالله والتصديق بالنبوة والتنزيل، وقد فاز المسلمون بأداء هذا الواجب العقائدي الذي هو أم الواجبات وأصلها.
وفيه دليل على أفضلية المسلمين على الأمم الأخرى، وحاجة الناس لهم لإستدامة الواجب الذي لا تتقوم الحياة الإنسانية إلا به، ولا يتعلق به تقسيم المرة والتكرار في الامتثال، وهو واجب عيني منجز ومطلق، ونفسي وغيري لشرطية قصد القربة في الافعال العبادية كالصلاة والزكاة والصوم وحج بيت الله الحرام.
وجاءت هذه الآية لمدح المسلمين بأداء أقسام الواجب الثلاثة المؤقت وغير المؤقت والمستديم، باعتبار ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون مضيقاً ويكون موسعاً بحسب الموضوع والحكم، والمستديم وهو الايمان بالله تعالى بالأنبياء جميعاً واليوم الآخر.
ومن خصائص خير أمة أخرجت للناس تقيدهم بأحكام الواجب المستديم على نحو عام ومطلق يتغشى المسلمين جميعاً بدلالة هذه الآية التي هي شهادة سماوية للمسلمين جميعاً الى يوم القيامة مما يدل على ملازمة هذا الواجب لأجيالهم المتعاقبة، وهذه الملازمة تشريف وإكرام ونور وضياء في النشأتين.
واظهر المسلمون حسن العبودية بإمتثالهم الفوري للواجب المستديم فبادروا الى النطق بالشهادتين وتعاهدوا الإيمان بالتصديق بالجوانح والجوارح، وأظهروا الاخلاص في أداء الوظائف العبادية، وكان كل فرد منهم موعظة وعبرة للناس جميعاً.
علم المناسبة
ورد لفظ [تُؤْمِنُونَ] بصيغة الخطاب والجمع ثمان مرات في القرآن، جاء مرة واحدة في سورة البقرة بصيغة الإستفهام الإنكاري في لوم بني إسرائيل لقيامهم بالتبعيض في الإيمان بالتنزيل، وبيان حقيقة عقائدية، وهي لزوم التصديق بالكتب السماوية المنزلة على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، قال تعالى [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] ( ).
وسورة آل عمران هي السورة الوحيدة التي تكرر فيها هذا اللفظ مرتين، وكلاهما خطاب للمسلمين، وجاءت الآية محل البحث في مدح المسلمين وبيان افضليتهم على الأمم الأخرى، وحاجة الناس عموماً لهم ولإيمانهم بالله تعالى باعتبارهم أسوة وقدوة تجب محاكاتهم، فلا تصل النوبة الى الاقتداء بهم، بل لابد من فعل كل مكلف ذات الفعل الذي يفعله المسلمون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والايمان بالله لانها واجبات عينية على المكلفين كافة، باعتبار ان الناس جميعاً مكلفون بالفروع كتكليفهم بالأصول، وجاءت الآية التالية في التحذير من غير المسلمين الذين لايريدون لهم خيراً ، ويسعون في الإضرار والكيد بهم، قال تعالى [هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ]( ).
فالمسلمون يريدون للآخرين الهداية والصلاح والنجاة في الأخرة، وهو أسمى مضامين الحب، وشاهد على أفضلية المسلمين وهم يريدون للمسلمين الضلالة والهلاك.
وجاءت آية في بيان موضوعية الإيمان بالله عز وجل في درء الفتنة وأسباب الخصومة والخلاف، وان وظائف الايمان تقتضي رد النزاع والخصومة الى الله تعالى والى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والرجوع الى القرآن والسنة وإستقراء الحكم الشرعي، وفيه دليل على أهمية الإيمان بالله في وحدة المسلمين وصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة، واذ يحصل الخلاف بين فرقتين من المسلمين فان المسلمين الآخرين يقومون بالأمر بالمعروف والدعوة للصدور عن القرآن والسنة، وينهون عن الفرقة والخلاف وعن التعدي وحدوث الظلم.
وتدل الآية على تفضيل المسلمين بايمانهم بالكتب المنزلة جميعاً اذ ان لفظ الكتاب اسم جنس، والمراد منه الكتب المنزلة، لذا وردت الآية بقيد الإطلاق وسور الموجبة الكلية [بِالْكِتَابِ كُلِّهِ].
وقد جاء قوله تعالى [تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]( )، في مدح المسلمين والثناء عليهم والدلالة على ايمان المسلمين بالله عز وجل، وتصديقهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من آيات الفضل الإلهي ومصاديق تفضيل المسلمين وحاجة الناس لهم في الدعوة الى الإسلام، ومصداق التفضيل هنا على وجهين:
الأول: إقتران الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان بالله تعالى، فهو سبحانه لم يقل تؤمنون بالله ورسالة الرسول، بل ذكرت الآية الإيمان بالرسول بعرض واحد مع الإيمان بالله تعالى، وتابعاً له.
الثاني: الشهادة للمسلمين بنيلهم مراتب الإيمان والتقوى بالتصديق بالله تعالى، والرسول الذي بعثه رحمة للعالمين.
فالجمــع بين الآيات أعــلاه يفيــد مـدح المســلمين على إيمانــهم بالله عز وجل ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والكتب السماوية المنزلة والذي يعني التصديق بنبوة الأنبياء الآخرين، ويتضمن ذم الذين يفرقون بين الكتب السماوية المنزلة ويؤمنون ببعضها ويكفرون ببعضها الآخر، والذي يدل في مفهومه على حاجة الناس جميعاً للمسلمين للبيان العملي لماهية الإيمان ولزوم التقيد بأحكام التنزيل، وهذه الحاجة عنوان للتفضيل لتعلقها بالدنيا والآخرة، ومنازل الناس فيها.

قوله تعالى[وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ]
إبتدأت الآية بصيغة الخطاب،ضمن نظم هذه الآيات وكلهاخطاب للمسلمين بلغة المدح والثناء والتعليم والتأديب والإرشاد الى سبل التقوى والإعتصام بالقرآن والسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وإجتناب الفرقة والخصومةوالتشتت مع بيان نعم الله عز وجل المتتالية والمتداخلة على المسلمين.
وذكرت الآيات المتقدمة من سورة آل عمران تقسيم الناس الى قسمين في الآخرة بلحاظ لون الوجه فيها، وما يدل عليه من الجزاء، قال تعالى [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ] ( )،في إخبار للمسلمين عن حال الغبطة والسعادة التي هم عليها يوم القيامة، وحال الشقاوة والعذاب التي يكون عليها الكفار وأعداء الإسلام.
وجاءت هذه الآية في بيان أفضلية المسلمين وما يتصفون به من السمو والرفعة، والصلاح، ورسوخ الإيمان في نفوسهم ومجتمعاتهم، وعمارة مساجدهم المتصلة، وتعاونهم في تعاهد سنن القرآن والسنة، وحفظ مناهج النبوة، وانتقلت في هذا الشطر من الآية الى بيان حال أهل الكتاب،وتخلفهم عن الإيمان مع وجوبه وضرورته، وفي الآية تقسيم للناس، فبعد ان جاء اول الآية بتقسيم الناس الى قسمين:
الأول: المسلمون، وهم الأمة التي أخرجت للناس.
الثاني: الناس جميعاً من غير المسلمين.
جاء هذا الشطر متعلقاً بأهل الكتاب ولكنه جزء من الخطاب الموجه للمسلمين، فالمقصود بالخطاب المسلمون، وموضوع الخطاب أهل الكتاب، وتلك آية اعجازية في لغة ومضامين القرآن، وشاهد على تفضيل المسلمين من وجوه:
الأول: اخبار الله عز وجل لهم بأحوال أهل الكتاب وما ينفعهم وما يضرهم.
الثاني: تضمن الآية الواحدة مدح المسلمين وبيان حسن سمتهم، وأداءهم ما يجب عليهم من واجبات العبودية لله تعالى، وبيان تخلف غيرهم عن منازل الإيمان.
الثالث: إشعار المسلمين بما يجب على أهل الكتاب ليكون موضوعاً لكيفية التعامل معهم.
الرابع: تعلق الآية بأهل الملل الأخرى والكفار من باب الأولوية القطعية، فاذا كانت الآية تتضمن بيان تخلف أهل الكتاب عن وظائف الإيمان والعبودية فمن باب أولى ان غيرهم متخلف أيضاً عنها، وفيه بيان لحقيقة وهي عدم جواز انتقال الانسان من ملة الى اخرى مثلها في التخلف عن مضامين الإيمان، لأن القرآن يتضمن بيان أفضلية وضرورة الإيمان لأهل الكتاب، فمن باب الأولوية ان يكون الأفضل للناس جميعاً، ومن الإعجاز ان تذكر الآية أهل الكتاب دون غيرهم وفيه وجوه:
الأول: إرادة الناس جميعاً بواسطة أهل الكتاب، والقرآن نزل بلغة اياك اعني واسمعي ياجارة.
الثاني: عدم ذكر الكفار المشركين في سياق المدح والثناء على المسلمين.
الثالث: الإشارة الى غضب الله تعالى على الكفار.
الرابع: توكيد لزوم وموضوعية الأمربالمعروف والنهي عن المنكر في دعوة اهل الكتاب للاسلام، والإحتجاج عليهم بالحكمة والموعظة والبرهان.
الخامس: بيان مراتب اهل الملل بلحاظ الإيمان وعدمه، وان اهل الكتاب اكثر الناس ادراكاً لوجوب الإيمان، لوجود البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم، ومجئ الأنبياء بالأمر بلزوم نصرته واتباعه، وفي هذا الشطر من الآية مسائل:
الاولى: ( لو ) حرف امتناع أي ان اهل الكتاب لن يؤمنوا، مما يدل على بقاء ملة اليهودية والنصرانية، فلذا جاء الاسلام بقوانين وأحكام أهل الذمة وحفظهم بأنفسهم وأموالهم مع لزوم تقيدهم بشرائط الذمة.
الثانية: إعانة المسلمين في مسالك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باخبارهم عن حال الأمم الأخرى، ويتفرع عنه اخذ المسلمين الحائطة للدين، والإعراض عن لغة الشك والجدال والخصومة، وعدم الافتتان بغيرهم.
الثالثة: عدم إستثناء احد من الناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه تفضيل اضافي للمسلمين، وتوكيد لقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع جميع الناس، وشاهد على حاجة اهل الملل والنحل كلها للمسلمين فحتى اهل الكتاب محتاجين دعوة المسلمين لهم للاسلام وحثهم على الطاعة واجتناب الجحود بالنبوة ونزول القرآن، فليس من برزخ او مانع دون سماع وقبول اهل ملة من الملل دعوة المسلمين للايمان بالله والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد وضعت هذه الآية قواعد ثابتة لجهاد المسلمين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتضمن لغة الشمول والإطلاق وعدم انحصارها بالكفار الوثنيين، وفي الآية مسائل:
الاولى: لم يرد لفظ (لو آمن) في القرآن الا في هذه الآية الكريمة، وهو شاهد على استقلال موضوع الآية وما لها من الدلالات، فمع مجئ لفظ آمن في القرآن ثلاثاَ وثلاثين مرة، فان هذه الآية هي الوحيدة التي تذكر الإيمان على نحو الترجي.
الثانية: الإيمان بالله وبرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير محض، وتخلف اكثر الناس عنه اضرار منهم بانفسهم، ولم تذكر هذه الآية غير المسلمين الا اهل الكتاب على نحو الخصوص.
الثالثة: المراد من أهل الكتاب في المقام هم اليهود والنصارى، وفي الآية دليل على بلوغ الدعوة لهم، والمراد أيام التنزيل اليهود الذين كانوا في المدينة المنورة وخيبر وفدك، ونصارى نجران وهرقل وأصحاب النجاشي ومن بلغتهم دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهم، امساً واليوم وغداً.
الرابعة: جاءت الآية بصيغة افعل التفضيل (خير) وفيه ترغيب بدخول الاسلام، ودلالة على تفضيل المسلمين من وجوه:
الأول: الإنتماء للإسلام خير لأهل الكتاب، ومن ورائهم الناس جميعاً.
الثاني: دعوة المسلمين الناس لدخول الإسلام من وجوه:
الأول: التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تلاوتهم آيات القرآن، ومنها هذه الآية.
الثالث: التقيد التام بأحكام الشريعة الإسلامية.
الرابع: الإعراض عما في ايدي الناس من الأخبار والأحكام باعتبار ان الجميع مدعوون لدخول الاسلام.
الخامس: ترغيب المسلمين لأهل الكتاب على دخول الإسلام ببيان النفع العظيم فيه والشامل للدنيا والآخرة.
الثالث: دعوة المسلمين لأهل الكتاب والناس جميعاً لمنازل التفضيل والرفعة.
الرابع: سعي المسلمين لإنقاذ الناس من الضلالة.
وبينما يريد أهل الكتاب من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين اتباعهم , جاءت هذه الآية بحثهم على الإيمان وبيان نفعه لهم، قال تعالى [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى] ( ).
ويدل هذا التباين على جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الصبر على الإيمان والسعي لجذب الآخرين للإسلام وإقامة الحجة على سلامة إختيار المسلمين.
ان مجئ الآية بصفة أهل الكتاب حجة على الناس جميعاً فاذا كان الايمان خيراً للذين يتبعون الكتاب السماوي فمن باب الأولوية ان يكون خيراً لغيرهم من الأمم.
وفي الآية دلالة على تفضيل المسلمين وحاجة الذين عندهم كتاب سماوي منزل لهم، ودعوتهم للاسلام واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تذكر الآية متعلق الايمان الذي هو خير لاهل الكتاب، وفيه وجوه:
الأول: الإيمان بالله بقرينة مجئ الآية في مدح المسلمين بقوله تعالى [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ].
الثاني: الإيمان والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما يدل عليه من الإيمان بالله، وما يتفرع عنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث: التصديق بالجوانح والجوارح.
الرابع: الإيمان بآيات الله ونزول القرآن، قال تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ]( ).
والصحيح هو الثاني، فالمراد التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير ان يتعارض هذا المعنى مع الوجهين الآخرين، لذا فان إضمار متعلق الإيمان، وعدم ذكره آية إعجازية في القرآن، وشاهد على اتحاد مضامين الإيمان، خصوصاً وان النبي محمداً جاء بالدعوة للإيمان بالله واليوم الآخر، قال تعالى [آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ] ( ).
قانون (لو آمن)
جاء القرآن بلغة الترغيب والتخويف، الترغيب بالثواب العظيم، والخلود في النعيم، بإختيار الإيمان والهداية، والتخويف من عذاب النار والإقامة على الكفر والضلالة، وكل آية من القرآن تدعو الى الجنة وتحذر من النار وسوء العاقبة، ومنها هذه الآية التي إبتدأت بذكر خصال المسلمين الحميدة وتجلي معاني العبودية المحضة في اقوالهم وأعمالهم، وقيامهم بالدعوة الى الله وإصلاح الذات وتهذيب النفوس والسعي الدائم في تنقيح الاعمال من درن السيئات.
لقد جعل الله عز وجل باب التوبة والإنابة مفتوحاً الى يوم القيامة ولم يجعل مانعاً بين الإنسان وبين الايمان، ومن الآيات ان أقطاب الكفر والضلالة لم ولن يستطيعوا وضع الحواجز دون اسلام أي انسان، وفيه شاهد على عظيم قدرة الله وتوكيد بكون مقاليد الأمور بيده سبحانه، بالاضافة الى البطش الإلهي بمن يحاول وضع مثل تلك الحواجز ولو على نحو محدود وبخصوص افراد معينين.
فالقانون الذي يحكم أهل الأرض هو قرب الإيمان من العبد، وانعدام الحواجز بينه وبين إختيار الإسلام والهداية، ووجود الحواجز الكثيفة بينه وبين الكفر، منها ما هو ذاتي كنعمة العقل، ومنها من هو خارجي مثل قبح الكفر، ومنها هذه الآية منطوقاً ومفهوماً، فاما المنطوق فان الآية تدل على النجاد في إختيار أهل الكتاب الإيمان وأفضليته لهم، وتبين سعة رحمة الله تعالى فقوله تعالى [لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ] يعني نيل الذي يختار الايمان الثواب العظيم وعدم إنحصار الثواب بعدد مخصوص من البشر بل انه يسع الناس جميعاً إختاروا الإيمان.
وجاءت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لدعوة الناس للفوز بالثواب وإحراز النجاة من النار يوم القيامة، وتلقى المسلمون دعوته بالقبول والتصديق وهو من مضامين واسرار تفضيلهم، بالاضافة الى تلاوتهم للآيات التي تحث الناس على الإيمان، ومنها هذه الآية الكريمة التي تتضمن ترغيب اهل الكتاب وغيرهم بالإيمان.
وتدل الآية على حب الله تعالى لعباده، ورحمته بهم في الدنيا، فكما أن الناس على قسمين مؤمن وكافر، فإن الجزاء في الآخرة على قسمين اما الثواب واما العقاب، مع التباين في الكم والكيف لسعة رحمة الله وشديد عقابه.
وجاءت الآية بأمرين:
الأول: مدح المسلمين والثناء عليهم لحسن إختيارهم.
الثاني: دعوة غير المسلمين لدخول الإسلام.
ومن مصاديق خروج المسلمين للناس جهادهم في الدعوة الى الله، وترغيب الناس بالإسلام، وبيان الآيات والمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يجعل الناس يبادرون الى وظائفهم العبادية، والفوز بالنعيم الدائم.
وذكرت الآية أهل الكتاب، ولم تذكر غيرهم، وفيه وجوه:
الأول: شمول أهل الملل الأخرى بمضامين الآية من باب الأولوية القطعية.
الثاني: الحكم على غير أهل الكتاب بالكفر والجحود، وصيروتهم الى العقاب الأليم الا مع التوبة.
الثالث: حاجة غير أهل الكتاب الى وسائط إضافية قبل ان يصلوا الى مراتب تؤهلهم للإيمان.
الرابع: إختصاص أهل الكتاب بنعمة رجاء الإيمان.
والصحيح هو الاول، لمضامين الآية، وشمول منافع الإيمان لأهل الملل والنحل كافة، ولا تنحصر باهل الكتاب ويحتاج اليها الكفار اكثر من غيرهم، وجاء ذكر اهل الكتاب على نحو الخصوص ليكون درساً للناس جميعاً من وجوه:
الأول: تفقه المسلمين في الدين، وإخبارهم بسلامة إختيارهم، ولزوم إتباع الناس لهم.
الثاني: التوكيد لأهل الكتاب بوجوب التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وانه لايعتبر مؤمناً حقاً الا من صدق بنزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: دعوة الناس جميعاً للإسلام،وإخبارهم بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودلالة الآيات والمعجزات على نبوته ولزوم إتباعه ونصرته.
وهذه الوجوه من الشواهد على تفضيل المسلمين بثباتهم على الإيمان، ومافيه من الدعوة الفعلية المتجددة للناس جميعاً للإيمان والصلاح.
علم المناسبة
جاءت آيات القرآن بحث أهل الكتاب على التصديق بالقرآن وتسميته في خطاب الدعوة الى الإيمان بوجوه:
الأول: التنزيل من عند الله كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا] ( ).
الثاني: وصف القرآن بانه مصدق لما مع أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، وفيه دليل على وحدة السنخية السماوية للكتب المنزلة قال تعالى [وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ]( )، وتفيد الآية وجوب التصديق بالكتب السماوية على نحو العموم المجموعي، وقد فاز المسلمون بهذه المرتبة، وهو من مصاديق تفضيلهم الذي جاءت به هذه الآية.
الثالث: ان القرآن حق وصدق [قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ] ( )، وجاءت الآية محل البحث بالإخبار عن كون الإيمان خيراً ونفعاً لأهل الكتاب، ولغيرهم من باب الأولوية،مما يدل على ارادة التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وماجاء به من عند الله من الآيات والوحي، ودلائل النبوة.
الرابع: وصف القرآن بانه نور، قال تعالى [فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا]( ).
وجاءت الآيات بالإخبار عن إعلان أهل الكتاب للإيمان بشطر من التنزيل دون الشطر الآخر، وانهم لم يؤمنوا الا بما انزل عليهم دون مابعده من التنزيل، قال تعالى [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ] ( ).
وفيه دلالة على وجوب الإيمان بنزول القرآن من عند الله تعالى وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول بعثه الله للناس، فالآيات القرآنية تؤكد ايمان اهل الكتاب بشطر من التنزيل وتكفر بالشطر الآخر، يؤمنون بالسابق ويكفرون باللاحق مع انه كاشف عن صدق السابق وناسخ له، اذ جاء القرآن جامعاً للأحكام الشرعية.
لقد جعل الله عز وجل المسلمين أسوة للأمم الأخرى في ضرورة الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من أسباب تفضيل المسلمين، وكذا ثباتهم على الإسلام وحرمة الإرتداد في الشريعة الاسلامية وتقيد المسلمين بتلك الحرمة.
وجاءت الآيات للإخبار عن النفع والخير الكثير في الإيمان والسعي لحسن العاقبة والفوز بدار الكرامة والخلود في النعيم، وفي التنزيل [وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا]( ).
وقد مدح الله عز وجل الذين يؤمنون بالكتب المنزلة كلها، قال تعالى [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ] ( )، لذا جاءت الآية لبيان ما ينفع اهل الكتاب، ولدفع وهم فقد يظن فريق منهم بسلامة وصحة تبعيض الإيمان بالتنزيل، وحصره بما انزل على موسى عليه السلام بالنسبة لليهود، وما انزل على موسى وعيسى عليهما السلام بالنسبة للنصارى، واكدت الآية تعدد التنزيل وسبقه وتأخره على أيام موسى وعيسى عليهما السلام.
بحث بلاغي
من ضروب البديع (الإلتفات) وهو انتقال المتكلم من صيغة الى أخرى في الخطاب فيأتي بألفاظ لإرادة السامع، وينتقل الى الغيبة وهكذا، ومن منافعه طراوة الكلام، ومنع طرو الملل على السامع، وتعدد المعاني بالإنتقال من إسلوب إلى أسلوب أخر، وفيه جذب للأسماع، وحث على التدبر في مضامين الكلام وما في الإنتقال في صيغة الخطاب من الدلائل والتنبيه الى مواضيعه.
وجاءت هذه الآية من الإلتفات في الموضوع وليس في جهة الخطاب، وتلك آية اعجازية في بلاغة القرآن، وأثره في النفوس، وكثرة منافعه، وتعدد صيغ التبليغ والبشارة والإنذار، فلا زال الخطاب موجهاً للمسلمين ولكن موضوعه إنتقل من المدح والثناء على المسلمين، وبيان عظيم منزلتهم في الدنيا والآخرة الى الإخبار عن تضييع أهل الكتاب، النعم الدنيوية والآخروية التي تترشح عن الإيمان، ولايعني توجه الخطاب للمسلمين إنحصار القصد والغاية بهم بشارة وتأديباً واطلاعاً على الغيب، بل يشمل الناس جميعاً من وجوه:
الأول: بشارة حسن منزلة المسلمين دعوة لأهل الكتاب والناس جميعاً للإلتحاق بهم.
الثاني: الإخبار بان المسلمين أفضل الأمم وانهم أخرجوا للناس حث للناس على الانصات لهم والأخذ منهم، وعدم الإعراض عن الدعوة الى الله عز وجل.
الثالث: في الإخبار عن أفضلية الإيمان لأهل الكتاب مسألتان:
الأولى: حث المسلمين على الشكر لله تعالى على نعمة الايمان ولزوم اقتفاء الناس لآثارهم.
الثانية: إنذار الكفار والمشركين لتفريطهم، وإصرارهم على الجحود والعناد.
الرابع: تفقه المسلمين واحاطتهم علماً بأحوال الناس، ومعرفة التفضيل في أحوال أهل الكتاب وان المؤمنين منهم أقرب الى المسلمين.
الخامس: إدراك حقيقة وهي وجوب الدعوة الى التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ
آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى] ( ).
ومن إعجاز القرآن أن يأتي الإلتفات لزيادة الموعظة، وجذب الناس للآية القرآنية، وبيان الحسن الذاتي للفظ القرآني، ونفاذ سلطانه الى القلوب، وجعل السامع يتدبر في معانيه ومضامينه القدسية ويدرك انها حق وصدق.
بحث بلاغي آخر
من وجوه الإطناب “الطباق” وهو الجمع بين متضادين في الكلام، ويكون على قسمين:
الأول: يكون التضاد فيه حقيقياً وظاهراً مثل قوله تعالى [هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثاني: المجازي: وهو الذي يكون فيه الوصف في طرفي التضاد على نحو المجاز مثل قوله تعالى [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ]( )، في إشارة الى التوبة وإنتقال الإنسان من الضلالة الى منازل الهدى والرشاد.
ومنه ما يسمى ترصيع الكلام، وهو إقتران الشيء بما يجتمع معه بلحاظ جهتي.
وتتضمن هذه الآية الإخبار عن أفضل أمة وهم المسلمون وبلوغهم أسمى مراتب الكمال الإنساني، واستحقاقهم بفضل ولطف من الله صفة “خير أمة” وتتجــلى في المقام قــاعدة كلــية في المعرفة الإلهـية وهي ان الله عز وجل اذا أنعم نعمة على العباد لا يرفعها، فجاءت الآية الكريمة لتؤكد هذه القاعدة لأن نعمة “خير أمة” باقية الى يوم القيامة بالمسلمين، فلا تغادر الأرض كما يمكن الإستدلال بالبرهان من المعلول على العلة، وهو المسمى بالبرهان الإني، بان إستدامة بقاء خير أمة نعمة إلهية على المسلمين وأهل الأرض جميعاً، وهي لن ترفع او تزول من الأرض، بل تبقى ببقاء المسلمين ما دامت السماوات والأرض.
ومع مجيء الآية بذكر خصال خير أمة، فانها ذكرت أهل الكتاب، وحثهم على إختيار الإيمان، وبيان ما فيه من النفع والخير لهم، لبيان درس ومصداق من مصاديق ما ذكرته الآية من النعمة المركبة وكون المسلمين خير أمة وانهم أخرجوا للناس جميعاً إبتداء من أقرب أهل الملل للمسلمين، وهم أهل الكتاب، بدعوة المسلمين لهم بهذه الآية للإيمان، وإخبارهم بان الإيمان خير محض وحاجة لهم، قال تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى]( ).
ومن خصائص خير أمة انها لم تعتمد في دعوتها الأهم ثم المهم، او دعوة الأقرب اولاً، او الأبعد والأشد كفراً، بل تأتي دعوتها للناس جميعاً بعرض واحد وعلى نحو الخطاب المتحد المتوجه لهم جميعاً، او الخطاب المتعدد لجذبهم للإيمان بلحاظ الخصائص المناسبة والحال، ويدل عليه قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] وحاجة الناس النوعية العامة لأسباب الهداية والرشاد، وللتباين بين الأشخاص في الإستجابة للحجة والبرهان، او الإصرار على العناد.
فقد تبذل مع شخص قريب تتوقع منه الإستجابة جهداً كبيراً، ولكنه يصر على الجحود ويأتي آخر بعيد ومكابر فيسمع الدعوة ويدرك البرهان ودلالته عرضاً فيستجيبب لدعوة الحق، ويصلح ذاته ويسعى في إصلاح الآخرين بجد وإخلاص، وسعيه هذا فرد من جهاد المسلمين في سبيل الله، وسر من أسرار اختصاصهم بصفة خير أمة.

قوله تعالى [َلكَانَ خَيْرًا لَهُمْ]
وبعد ان مدحت الآية المسلمين، وأخبرت عن كونهم خير أمة أخرجت للناس، وبينت صفات المسلمين، وما يؤهلهم لنيل أسمى المراتب، ودرجات القرب، وتوالي مصاديق الرحمة الإلهية، انتقلت الى ذكر أهل الكتاب على نحو الخصوص، وذكرهم ضمن بيان تفضيل المسلمين حجة وإحتجاجاً وبياناً للمائز الذي يميز المسلمين باللغة التي يعتمدها أهل الكتاب، وهي موضوع الإيمان.
فنفت الآية عن اهل الكتاب الإيمان، والمراد هو التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تقف الآية عند نفي الإيمان عن أهل الكتاب، بل ذكرت ما يترشح عليهم من النفع العظيم لو إختاروا الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويشمل الإيمان بنبوته التصديق بنزول القرآن من عند الله والعمل بأحكام الحلال والحرام، وأداء الفرائض والواجبات والإعتصام بالقرآن والسنة وإجتناب الفرقة، والنجاة من آثار قتال المسلمين الدنيوية والآخروية.
وتبين الآية الكريمة إطلاق رحمة الله وشمولها الناس جميعاً، وإختصاص أهل الكتاب بالذكر عنوان للرأفة بهم، والشكر لهم على إختيارهم اتباع موسى وعيسى عليهما السلام قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتوكيد لزوم التصديق بنبوة محمد.
ومع ان أكثر سكان الجزيرة أيام نزول القرآن من المشركين وتعم الوثنية والجهل القبائل العربية مع وجود اليهود في المدينة المنورة مع القبائل العربية كالآوس والخزرج، وكان سبب مجئ اليهود وسكنهم المدينة إنتظارهم بعثة نبي آخر الزمان بقصد نصرته ومؤازرته.
فان الآية خصت أهل الكتاب بالذكر وبينت ماينفعهم وما يصلح أحوالهم ألا وهو إختيار الايمان، وفيه إعجاز وهو الإشارة الى القضاء على حال الشرك في الجزيرة وتوجه الدعوة الى أهل الكتاب على نحو مستديم ودائم، وموضوع الآية أعم من ان ينحصر بالفعل الماضي بل يشمل الحاضر والمستقبل، وهو حجة مستديمة.
وجاءت الآية على نحو القاعدة الكلية ولا بد له من دلائل وبراهين قرآنية وعقائدية، ومنها ما يتعلق بالكتب السماوية السابقة التي بشرت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعت الى تصديقه وإتباعه ونصرته، بالإضافة الى التوكيد على إتباع أكثر الناس لأهل الكتاب عند إختيارهم الإسلام، فاذا رأى الناس أهل الكتاب يعلنون تصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسليمهم بموافقة صفاته لما جاء في الكتب السماوية السابقة فان شطراً من الناس يتبعونهم، ويصبح المسلمون اكثر قوة ومنعة، للزيادة في عددهم، والتخفيف عنهم، وعدم وقوع معارك وحروب مع اهل الكتاب الذين يصبحون مسلمين، فيتغير العنوان، ويزدادون ثقة في دينهم وتمتلأ نفوسهم سكينة، ويقبلون على العبادات بشوق ورغبة.
ويتوجهون الى سوح المعارك بلهفة وإندفاع، ولكن الآية لم تذكر النفع الذي يأتي للمسلمين من الاسلام لأهل الكتاب، وفيه وجوه:
الأول: موضوع الآية هو النفع الذي يأتي لأهل الكتاب.
الثاني: نال المسلمون مرتبة خير الأمم سواء أسلم أهل الكتاب او لم يسلموا.
الثالث: معرفة منافع إسلام أهل الكتاب بالوجدان والحس.
الرابع: لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار اختبار يتخذها المسلمون مزرعة للآخرة، وكل حال وشأن يمر عليهم، لهم فيه أجر وثواب ماداموا معتصمين بحبل الله، ومنقادين لاحكام الشريعة، فاذا دخل الناس الاسلام كان دخولهم قوة للمسلمين، وسبباً للأجر والثواب، واذا لم يدخلوا نال المسلمون الثواب ايضاً بالصبر والجهاد في سبيل الله، وعدم الاستيحاش في دروب الهداية والإيمان لأنها تشع ضياء، وتبعث البهجة في النفوس، وجاءت الآية بذكر أفضلية الإيمان لأهل الكتاب، وفيه وجوه:
الأول: ينال الإنسان بالإيمان مرتبة الإنتماء لخير امة، ويكون فرداً من أفرادها.
الثاني: الإيمان موافق لأمر الله ووظائف العبودية له سبحانه.
الثالث: مجئ الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: الإيمان خير للناس في حياتهم الدنيا، لما فيه من العز والرضا والغبطة ونزول البركة والفضل الإلهي، والنجاة من العداء للإسلام والمسلمين.
الخامس: لقد أراد الله عز وجل للإسلام النصر والظفر، ومن يؤمن بالله ورسوله ينجو من الخزي والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة.
السادس: لقد جعل الله الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، وبالإيمان يفوز الإنسان بالنعيم الخالد.
السابع: إيمان الفرد والجماعة عز للإسلام، فمى يؤمن ينفع نفسه وينفع الإسلام والمسلمين، وفي إختيار الإيمان خير عظيم في الدنيا والآخرة.
الثامن: جاءت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهداً على صدق نبوته، ودعوة للناس للإيمان برسالته ونصرته، فمع وجود المقتضي وفقد المانع فان الإيمان واجب، وأداء الواجب خير محض.
التاسع: في التصديق بالنبوة نفع لأهل الكتاب في ذريتهم وأولادهم، وفيه إصلاح للمجتمعات وتهذيب للنفوس.
ومن الآيات مبادرة مشركي العرب لدخول الإسلام، وتقيدهم بما فيه من العبادات والفرائض، وخروجهم الى سوح القتال بشوق طلباً للشهادة او النصر، وطمعاً في الجنة التي وعدهم الله عز وجل،فملأ الإسلام قلوبهم دفعة واحدة، وأخلصوا إيمانهم.
فمن باب الأولوية القطعية ان يقوم أهل الكتاب بتصديق النبوة والتنزيل والإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولفظ (خير) هنا أعم من إرادة التفضيل ويتضمن ترجيح المسلمين على امم الموحدين التي كانت قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والضمير في “لهم” في قوله تعالى ” لكان خيراً لهم ” يحتمل وجوهاً:
الأول: انه راجع لأهل الكتاب.
الثاني: يعود للمسلمين.
الثالث: يعود للمسلمين وأهل الكتاب.
الرابع: أنه راجع للكفار من غير أهل الكتاب.
الخامس: رجوعه لأهل الكتاب والكفار.
السادس: انه راجع للناس جميعاً.
والصحيح هو الأول، أي ان إيمان أهل الكتاب خير لهم، وهذا لا يمنع من ترشح النفع من إسلامهم على المسلمين والناس جميعاً ولكن لو لم يؤمنوا فإن الخير والنفع يأتي للمسلمين بالصبر على الإيمان وتحمل الأذى من الكفار.
وظاهر الآية الإطلاق في إرادة النفع من إيمان أهل الكتاب ، وهي إنحلالية وتكون على وجوه:
الأول: إسلام أي فرد من أهل الكتاب خير لهم جميعاً، لأنه سبيل للهداية ودعوة للآخرين للتدبر في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدق بعثته.
الثاني: عدم إسلام الأكثر منهم ليس مانعاً دون إسلام الأفراد والأقل منهم.
الثالث: ليس من ملازمة بين إسلام الأفراد والجماعات منهم، لتوجه الخطابات التكليفية بالإسلام اليهم والى الناس جميعاً على نحو العموم الإستغراقي.
الرابع: ان إسلام أي شخص ولو بمفرده هو قوة للإسلام وإضعاف للكفر، وفيه خير ونفع للناس جميعاً بدعوتهم للإسلام، ولما له من الموضوعية في منع إستحواذ مفاهيم الكفر والجحود على الناس.
وتأتي كان بمعنى لم يزل كقوله تعالى [وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا] ( )، لذا تفيد الآية تفضيل المسلمين وأنهم خير أمة في أفراد الزمان الطولية وعلى نحو الإطلاق إلى يوم القيامة، وان الأمم السابقة لم ترف إلى مرتبة المسلمين، كما كانت تقطع إلى زمان الإسلام، وقد جاء في دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ] ( ).
علم المناسبة
ورد لفظ (خيراً) منصوباً سبعاَ وثلاثين مرة في القرآن، تبين حال الحسن الذاتي للإيمان وفعل الصالحات، قال تعالى [وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ] ( )، وقال تعالى [فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ]( )، والتوبة طريق للإيمان، ووسيلة للتدارك والنجاة من الآثام والذنوب.
لقد اراد الكفار الإستهزاء بالمسلمين وحاولوا إنكار ما فيه من النفع العظيم فانزل الله قرآناً يحكي قولهم ويفضحهم، قال تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ] ( ).
وتبين الآية ان الإيمان خير محض للناس جميعاً، وعدم إنحصاره باهل الكتاب وحدهم، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ]( ).
وبين جهة الخطاب في الآية أعلاه وألآية محل البحث عموم وخصوص مطلق، فالناس اعم من أهل الكتاب، وكل كتابي هو من الناس وليس العكس، فمن الآيات ان يتكرر توجه الخطاب الى أهل الكتاب ودعوتهم الى الإيمان ببيان منافع الإيمان وانه نفع محض لهم، وفيه اشارة الى إتباع شطر من الناس لأهل الكتاب إذا إختاروا الإيمان، ولم تمنع دعوة أهل الكتاب الى الإيمان من دعوة الناس جميعاً ولزوم دخولهم الاسلام من غير واسطة أهل الكتاب أو غيرهم، لأن الإيمان بالله عز وجل وجميع الأنبياء خير محض، وموافق لإدراك العقل والوجدان والحس، كما حث الله عز وجل الناس على التزود من الصالحات، وإكتناز الحسنات ليوم القيامة، ولزوم السعي في مرضاة الله قال تعالى [وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا] ( ).
ولقد مدح الله عز وجل المؤمنين بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ]( )، وهو مصداق لخير أمة أخرجت للناس، وفي الايمان واقترانه بعمل الصالحات دعوة للناس للإقتداء بهم.
وجاءت الآية محل البحث لترغيب أهل الكتاب بالإيمان، وتذكيرهم بما يجب عليهم، وان الله عز وجل غني عن العالمين، فمن يختار الإيمان ينفع نفسه بالذات، وهذا النفع مطلق وشامل للحياة الدنيا والآخرة، ومن النفع والخير ان يكون الإنســـان داعية الى الخير، وســبباً في جذب الآخرين للإيمان، ويجعل عمله للصالحات تركة كريمة لأولاده وذريته من بعده.
قانون إتحاد التصديق بالتنزيل
لقد خلق الله عز وجل الإنسان لعبادته والإنقطاع اليه، وجعله خليفة في الأرض كي لايشغله أحد عن عبادته تعالى، ولايتسلط عليه من يمنعه من العبادة كلاً او جزء، ولايفتتن بما يشغله عن الله عز وجل، ولا يخالطه الشرك، والكفر لما يرى من سلطان حسي لمن يتسلط عليه، وتفضل الله وجعل الايمان إقراراً قلبياً،واعتقاداً ذاتياً لايطلع عليه إلا هو، ففي المعاملات والصلات مع الناس تكون موضوعية للكلام في التحليل والتحريم، وإظهار المودة او الخصومة.
اما بالنسبة للإيمان فإن الله تعالى يعلم السر وأخفى، وتلك حجة بالغة على الناس، وباب لرحمة الله، ومناسبة لنيل الإنسان الثواب العظيم في الآخرة.
لقد جعل الله عز وجل الانسان عالماً مستقلاً قائماً بذاته، وخصه بنعم لا تحصى في بدنه ورزقه وأسباب سعادته ليكون شاكراً مطيعاً لله تعالى، ثم تفضل سبحانه وبعث الأنبياء داعين الى الإيمان، ومن الآيات ان تأتي دعوتهم بلسان المعجزة والبينةالمقرونة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأنزل الكتب السماوية متضمنة الأوامر والنواهي والبشارة والإنذار.
ومن الآيات إختصاص الأنبياء بنزول الكتب السماوية، فليس من كتاب سماوي الإ وينزل على نبي من الأنبياء، فآمن شطر من الناس بالكتب السماوية والنبوات، ولكن هذا الإيمان على مراتب متباينة، فمنهم من آمن ببعض الكتب السماوية والنبوات، ووقف عند كتاب سماوي مخصوص وحينما ينزل كتاب على رسول مبعوث لايلتفت اليه.
ويبقى على ما تلقاه من آبائه من إتباع الرسول السابق، ولو كان آباؤه موجودين زمان الرسول اللاحق لآمنوا بدعوته واتبعوه في نبوته لوحدة سنخية التنزيل، وتلقيهم البشارة بالرسول اللاحق من الرسول الذي صدقوه واتبعوه، فمن حكمة الله عز وجل إتقان الأمور وبيان احكامها، ويحتمل الايمان بالنبوة وجوهاً:
الاول: الإتحاد والوحدة ولزوم الايمان بكل النبوات.
الثاني: جواز التجزئة بالإيمان بالنبوة وتصديق بعض الأنبياء دون بعضهم الأخر.
الثالث: انحصار التجزئة والتبعيض بالإيمان بالنبي السابق.
الرابع: كفاية الإيمان بالنبي اللاحق، وخاتم النبيين هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والصحيح هو الاول، فلابد من الايمان بالأنبياء على نحو العموم الاستغراقي والتصديق بنبوتهم جميعاً من غير تفرقة او تمييز بينهم، وهذا الايمان مصداق للإنقياد لأمر الله، وإظهار لطاعته، فكل ماجاء من عند الله تعالى هو حق وصدق ولايجوز تكذيبه، ومن يكذبه يبوء باثمه، ومن يتلقاه بالتصديق يفوز بالخير والفلاح.
لذا جاءت الآية بوجوب التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير ان تنفي او تمنع من الإيمان بالنبوات السابقة خصوصاً وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء مصدقاً للأنبياء السابقين ونزل عليه القرآن وفيه اخبار سماوي عن صدق نزول التوراة والإنجيل من عند الله، فليس لأحد من الناس الخيرة في ترك الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وان كان يؤمن بنزول التوراة والإنجيل، وهذا الإيمان حجة عليه لما فيهما من البشارة بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم، ولتجلى معاني وحدة السنخية في الكتب السماوية، وظهور افضلية القرآن وتجلي اسمى معاني الإعجاز البلاغي والموضوعي والحكمي فيه، بالإضافة الى ما يتضمنه من علوم الغيب والاسرار التي لايعلمها الا الله تعالى.
وتبدو موضوعية الاطلاق في تصديق التنزيل بلزوم الإيمان بالقرآن كتاباً نازلاً من عند الله، فهو ليس فرعاً لما سبقه من الكتب، بل هو ناسخ لها وجامع للأحكام وفيه غنى عن غيره، ومع انه مهيمن على الكتب كلها فانه يدعو الى تصديقها والإيمان بها.
وجاءت هذه الآية في الإخبار عن النفع العظيم الذي يلحق أهل الكتاب والناس جميعاً لو انهم آمنوا بنزول القرآن من عند الله، ومن الآيات ان يأتي هذا الإخبار مقترناً بالإعلان السماوي بان المسلمين خير امة أخرجت للناس ليكون هذا الإقتران دعوة اضافية للإيمان، وشاهداً على أهل الكتاب بين الناس جميعاً ويوم القيامة، ولطفاً متصلاً بهم وبالمسلمين اذ انه يدعو اهل الكتاب والناس جميعاً كل يوم للهداية والإيمان، ويتلوا المسلمون الآية فيزداد ايمانهم، ويتطلعون الى أهل الكتاب لبلوغ مراتب الإيمان التي تدعوهم لها هذه الآية.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (التنكيت)، وهو ان يذكر المتكلم امراً على نحو التعيين مع ان الموضوع اعم، وأفراده متعددة، فيذكر احدها لنكتة ومائز يميزه عن سواه، ويكون الموضوع او الحكم ظاهراً في سواه بلحاظ وجوه التشابه او الأولوية، ومنه هذه الآية الكريمة اذ انها ذكرت أهل الكتاب، وبينت ان الإيمان بالله اليوم الأخر ونبوة محمد هو الأحسن والأفضل لهم مع ان الإيمان ضروري للكفار أيضاً.
فهل يكون المراد ان اهل الكتاب عملوا بالمرجوح وتركوا الراجح لذا جاءت الآية بلفظ (خيراً لهم) وان الكفار لم يعملوا لا بالراجح ولا بالمرجوح فجاءت آيات اخرى بذمهم ونعتهم بالكفر والجهالة، وتضمنت الوعيد لهم بالخلود في النار، والجواب لادليل على هذا التفصيل لتوجه الخطاب التكليفي إلى الناس جميعاً بوجوب إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته.
ومن علة ذكر أهل الكتاب على نحو الخصوص هو قربهم من المسلمين لأنهم أتباع أنبياء فكأنهم أحرزوا مقدمات الدخول في الإسلام، لذا فان إسلام اهل الكتاب خير على نحو ذاتي وغيري، اما الذاتي ففيه سلامتهم ونجاتهم في النشأتين، واما الغيري فان شطراً من الكفار يتبعون اهل الكتاب اذا ما اسلموا، بل يسقط في إيدي الكفار، ويزول المانع دون دخولهم الاسلام.
بحث بلاغي آخر
من وجوه البديع (الإدماج) وهو ان يدمج المتكلم غرضاً في غرض، اوبديعاً في بديع، بحيث لايظهر في الكلام الا غرض او بديع واحد، ويأتي الإدماج في ذات اللفظ.
كما في قوله تعالى [لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالآخِرَةِ] في بيان إنفراده تعالى بالحمد في الدنيا والآخرة ولزوم التوجه اليه بالشكر، والتوكيد على عالم الآخرة وان مقاليد الأمور بيده تعالى.
والآية القرآنية مطلقاً متعددة الغرض والغاية والبديع، ومن الآيات انه في كل زمان يطل علينا علم جديد وتتجلى غايات مستحدثة للآية، مستقرأة من مضامينها القدسية، بالشواهد والمصاديق الواقعية، وفيه وجوه:
الأول: توكيد حقيقة وهي ان كل آية قرآنية كنز سماوي لا تنفد خزائنه.
الثاني: مناسبة الآية القرآنية للوقائع والأحداث وإطمئنان المسلمين لإستمرار إستغنائهم عن غير القرآن.
الثالث: حث الناس على الإيمان.
الرابع: دعوة المسلمين لتعاهد نعمة خير أمة بالصلاح والتقوى.
الخامس: الإخبار عن حقيقة وهي أن الناس على مراتب في التفضيل بلحاظ الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السادس: عدم ترك أهل الكتاب وشأنهم عند إعراضهم عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن من عند الله، فتأتي هذه الآية بذكرهم والتودد اليهم، وإرشادهم الى سبل الهداية والنجاة، فالإنتماء الى اليهودية والنصرانية لم يترك سدى، واعطى لاهله مرتبة في الفضل بأن ذكرتهم الآية على نحو الخصوص بلزوم المبادرة الى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق بنزول القرآن من عند الله.
قوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ]
يعود الضمير في (منهم) الى أهل الكتاب، وجاءت الآية بصيغة الإخبار عن الغائب لإرادة المسلمين في جهة الخطاب، وفيه تفضيل للمسلمين، وشاهد على انهم خير امة اذ يطلعهم الله عز وجل على أحوال الأمم الأخرى، وماهم عليه.
وفي الآية إعجاز من وجوه:
الأول: مجيؤها بالتفضيل في بيان حال أهل الكتاب.
الثاني:تتضمن الآية البيان الخالي من اللبس والجهالة.
الثالث:ذكر القلة والكثرة في الإخبار عن حال اهل الكتاب.
ويدل عدم التعيين على أمور:
الرابع: عدم تعيين المؤمنين من اهل الكتاب على نحو الخصوص، مع حاجة المسلمين لهذا التعيين ليختاروا الكيفية المناسبة في معاملتهم.
الأول: إرتقاء المسلمين في المعرفة، وقد رتهم على التمييز بين المؤمن وغير المؤمن من أهل الكتاب.
الثاني: لزوم أخذ المسلمين الحائطة للدين، والحذر من أهل الكتاب في الجدال والمعاملة الى ان تتبين ماهية وانتماء الفرد منهم.
الثالث: ظهور معاني الإيمان او الفسوق على الفرد والجماعة من أهل الكتاب سواء باللسان او الفعل.
وجاء الشطر السابق بالإخبار عن أفضلية الإيمان لأهل الكتاب بلفظ (لو آمن) و (لو) حرف يمتنع به الشي لإمتناع غيره، كما تقول لو جئتني
لأكرمتك،بمعنى أن إكرامي لك إمتنع لامتناع مجيئك.
ويدل معناه في الآية على بقاء أهل الكتاب بعيدين عن الإيمان، وجاء هذا الشطر من الآية بالإخبار عن وجود عدد قليل من المؤمنين بين أهل الكتاب، وليس من تعارض بين الأمرين، وفيه دلالة على المندوحة والسعة والتعددفي صفة الإيمان، وفي المراد من قوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ] للعهد وجهان:
الاول: المؤمنون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود، والنجاشي وأصحابه من النصارى، فتكون الالف واللام في قوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ] العهد وليس للجنس والاستغراق المقيد بحسب منطوق الآية الكريمة بكونهم القلة من اهل الكتاب.
الثاني: الإيمان بالله عز وجل، فجاءت الآية بأمرين:
الأول: خاص بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإخبار بأن أهل الكتاب غير مؤمنين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لو آمنوا بها لكان خيراً لهم.
الثاني: خاص بالإيمان بالله عز وجل، والإخبار عن إيمان شطر منهم بالله عز وجل، وتقدير الآية هو ولو آمن اهل الكتاب بنبوة محمد سواء المؤمنين منهم والفاسقين ، وايمان فريق او جماعة منهم خير للجميع لكان خيراً لهم.
وهذا التفصيل والمعنى على فرض مناسبته للآية ومضامينها القدسية مدرسة عقائدية مستقلة وهو من أسرار مجئ أفعل التفضيل وقوله تعالى (خير لهم) فان الإيمان بالله لابد وان يقترن به الإيمان بالنبوة والتصديق بما انزل الله سبحانه من الكتب السماوية، ومنها القرآن.
والظاهر ان كتب التفسير لم تذكر هذا التفصيل، بل ذكرت الوجه الأول المتقدم والايمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل عبدالله بن سلام والنجاشي ونحوهما، ولكن المراد من الآية هم اهل الكتاب عامة والذي ينتقل الى الاسلام يصبح مسلماً ويتغير الحكم والموضوع والعنوان حينئذ، الا ان يكون المراد هو الاخبار عن وقوع الايمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق بما جاء بخصوصه من البشارات في الكتب السابقة، مع البقاء على ملة اليهودية او النصرانية.
وجاء وصف الإيمان بلحاظ التصديق والتفصيل أعلاه للملازمة بين الايمان بالله والتصديق برسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء الآخرين، وجاء لفظ (المؤمنون) في القرآن بصيغة الرفع خمساَ وثلاثين مرة، كلها خاصة بالمسلمين إلا هذه الآية، مما يعني إرادة الذين صدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم إنتقلوا الى الإسلام، وجاء وصفهم بانهم من اهل الكتاب بلحاظ تصديقهم بنبوته حينما كانوا على ملة اليهودية والنصرانية.
لتبين الآية حقيقة وهي عدم إنكار جميع أهل الكتاب لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هناك أمة منهم كانت تنتظر بعثته، وتعلم بعلامات نبوته، فلما بعث رأوا أن صفاته مطابقة لما عندهم من الأخبار والبشارات التي توارثوها عن الأنبياء السابقين فآمنوا بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم عبدالله بن سلام والنجاشي وأصحابهما ليكونوا حجة على غيرهم من أهل الكتاب، فاصبحوا بانتمائهم الى الإسلام مؤمنين.
وجاء وصف الإيمان في الآية للتذكير بانهم أصلاً من أهل الكتاب وهذا التذكير حجة على أهل الكتاب والناس جميعاً، فليس لأحد ان يقول ان اهل الكتاب أعرضوا عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يصدقوا بها مع ماعندهم من الكتب والأخبار.
فجاءت هذه الآية لبيان حقيقة وهي وجود أمة من أهل الكتاب ولكنهم قلة منهم آمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه القلة لا تعني الإطلاق بالذات، أي ليسوا قلة في ذاتهم بدليل تسميتهم أمة التي تعني الجماعة وتفيد التعدد والكثرة، فالقلة بالنسبة الى مجموع أهل الكتاب وصف إعجازي يتصف بالدقة وتكون له دلالات عقائدية منه الحجة عليهم، وتحذير المسلمين، واعانتهم في الارتقاء، وقد جاءت الآية بتقييد وصف الإيمان بالتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ] ( ).
كما جاءت الآية بالعطف بين المؤمنين وأهل الكتاب، ويدل العطف على التعدد والغيرية قال تعالى [وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ]( ).
والمراد من المؤمنين اذا ذكروا على نحو الاطلاق هم المسلمون، كما في الآية اعلاه، لايمانهم بالله وملائكته ورسله وكتبه، ولكن قوله تعالى[مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ] يفيد التقييد وإرادة خصوص الإيمان بالله، ويحتمل ارادة غير المسلمين من وجوه:
الأول: قرينة ضمير الغائب الذي يتجلى في قوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ].
الثاني: اخبار الآية بان اهل الكتاب لم يؤمنوا، وفي قوله تعالى [وَلَوْ آمَنَ] اشارة الى إصرارهم على عدم الإيمان لأن (لو) حرف يدل على امتناع الشئ لإمتناع غيره.
الثالث: الجمع بين قوله تعالى[لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ] وقوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ] يفيد نقصان مرتبة إلايمان التي هم عليها، وانهم لم يصلوا الى درجة الكمال في الإيمان بدليل وجود الحرف (لو)، فان قلنا منهم من اسلم واحسن اسلامه، فكيف يكون معنى (لو) الإمتناع، والجواب ان الذين اسلموا خارجون بالتخصص من المقصود في الآية الكريمة لانهم انتقلوا الى الاسلام، واصبحوا مسلمين ولايشملهم ماورد في الآية الكريمة من الذم على التخلف عن الايمان.
وفي التبعيض في الآية [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ] اشارة الى التداخل بين المؤمنين والفاسقين من اهل الكتاب وأثر هذا التداخل على المؤمنين منهم بحجب ظلمانية تمنع من رؤيتهم للمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قانون منهم المؤمنون
لقد جعل الله الحياة الدنيا دار صراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر وتفضل بالمدد لأهل الإيمان، وأعان الناس جميعاً على معرفة قبح الظلم والتعدي والكفر وسوء عاقبتهما، كما جاء الأنبياء والكتب السماوية المتعاقبة بدعوة الناس الى الإيمان، ونبذ الكفر ولم يكن الإيمان والكفر بعرض واحد، إبتداء وإستدامة أما الإبتداء فان الأصل في الأرض هو الإيمان، بأسمى وأبهى معانيه، اذ كان أول إنسان على الأرض هو نبي الله آدم عليه السلام.
ولم يكن وحده على الإيمان بل كانت معه زوجه حواء مؤازراً له في الصلاح والتقوى والهداية بعد أن إمتازا بالإنفراد من بين الناس بالسكن في الجنة، ورؤية الآيات الحسية والعقلية، وتلقي الخطاب الإلهي من غير واسطة أحد من الملائكة، وهذا الأصل تأسيس مبارك لمناهج الإيمان.
واما الإستدامة فمن وجوه:
الأول:الوقاية والحصانة بالإيمان، ومصاحبته للناس ولو على نحو الموجبة الجزئية.
الثاني: الحسن الذاتي والعرضي للإيمان، والقبح الذاتي والعرضي للكفر.
الرابع: بعثة الأنبياء والمرسلين مبشرين ومنذرين، ونزول الكتب السماوية من عند الله لهداية الناس.
ومن الآيات في الإرادة التكوينية لزوم ايمان العبد بالتوحيد والنبوة، فلابد من تصديق الإنسان برسول زمانه وهو من أسرار النبوة والتخفيف عن أهل الإيمان، وقيام الحجة على الناس جميعاً، وفاز المسلمون بهذه النعمة ونالوا درجة الإيمان لإيمانهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويختلف المسلمون عن اهل التوحيد من الأمم السابقة بإتباعهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرتهم له، وهو من وجوه تفضيلهم وكونهم خير امة أخرجت للناس مع ان الموحدين من الأمم السابقة كانوا يتلقون البشارة بنبوته وإنحصر وصف الإيمان بعد البعثة النبوية المباركة بالمسلمين لذا جاءت الخطابات القرآنية لهم بنعت الإيمان.
ومن مصاديق تفضيل المسلمين شمول وإستغراق خطاب الإيمان لهم جميعاً فقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] يشمل الذكور والإناث من المسلمين الى يوم القيامة، ولم تقل الآيات( منكم المؤمنون)، او (اكثرهم المؤمنون)، بل وصفت المسلمين جميعاً بصفة الايمان، وهو تشريف دائم ومستمر يتغشى المسلمين في أجيالهم المتعاقبة، فلا غرابة ان تأتي هذه الآيات من سورة آل عمران بحثهم على التقوى بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( ).
وتفضل الله تعالى بأمرهم بالإعتصام بحبله وإجتناب الفرقة، وأمرهم بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتأتي هذه الآية مدحاً خاصاً بهم، ووثيقة تخبر عن تشرفهم بنيل مرتبة التفضيل بين الأمم وإلى يوم القيامة، بحسن الإيمان والتقيد باحكامه.
ويمكن تقسيم الناس بلحاظ الإيمان، وحسب منطوق ومفهوم هذه الآية الى أقسام:
الأول: الإيمان الإستغراقي الذي يشمل المسلمين جميعاً ذكوراً واناثاً، ويتصف بالاطلاق في مضامينه.
الثاني:التبعيض في الإيمان، ويشمل أمة وطائفة من أهل الكتاب الذين صدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود والنصارى، وأعلنوا انه الذي جاءت الكتب السماوية السابقة بعلاماته، وبشر الأنبياء بنبوته، ودعوا الى نصرته وإتباعه.
الثالث: أهل الكفر والجحود، وهم المشركون وعبدة الأوثان الذين لم يلتفتوا الى البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن الآيات مجئ الآيات بذكر الكم في تفصيل أحوال اهل الكتاب وإخبارها بان قلة منهم هم المؤمنون بلحاظ ذكر طرف الكثرة، وتعلقه بأهل الفسوق منهم، وتحتمل مضامين هذا القانون أمرين:
الأول: اختصاصه بايام التنزيل والبعثة النبوية المباركة.
الثاني: إرادة الايام السابقة للبعثة النبوية المباركة.
الثالث: الإطلاق الزماني، وبقاء أحكام هذه الآية متصلة وقائمة.
والصحيح هو الثالث، فالآية اعم من أسباب النزول وأيام البعثة النبوية، وفيها حجة للمسلمين لإقامة البرهان على اهل الكتاب بوجود أخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم، بالإضافة الى تجلي حقيقة الإعجاز المصاحب لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ومجيئه بالآيات العقلية والحسية التي تثنت وتؤكد صحة نبوته، وتدعو الناس جميعاً الى الإيمان برسالته.

قوله تعالى [وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ]
جاءت مضامين وأحكام هذه الآية الكريمة على قسمين:
الأول: ذكر المسلمين وحالهم ومدحهم من وجوه:
الأول:الإخبار عن كونهم أفضل الأمم.
الثاني: ان الله عز وجل أخرجهم للناس رحمة بهم وبالناس جميعاً.
الثالث: قيام المسلمين بالأمر بالمعروف.
الرابع: بذل المسلمين الوسع في النهي عن المنكر.
الخامس:إيمان المسلمين جميعاً بالله تعالى.
الثاني:ذكر أهل الكتاب من وجوه:
الأول: الإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحسن لهم، وهو نفع محض.
الثاني: توجيه اللوم لهم لتفويت نعمة الإيمان على أنفسهم.
الثالث: الإخبار بان عدم الإيمان ليس مطلقاً عند أهل الكتاب، ففيهم من هداه الله للإيمان، والتحق بركب الإسلام.
الرابع:ذم أكثر أهل الكتاب،ونعتهم بالفسق، والمراد منه الخروج عن طاعة الله تعالى، وعدم الإمتثال للأوامر الإلهية الواردة في الكتب السماوية السابقة اذ ان التوراة والإنجيل جاءا بصفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعا الى نصرته، فلا يجوز التخلف عما فيهما من الأوامر، ولم تقل الآية، (وفيهم المؤمنون والفاسقون).
وتبين الآية الكريمة حاجة الناس جميعاً للمسلمين كخير أمة أخرجت للناس، فمادام أكثر أهل الكتاب الذين يتبعون الأنبياء السابقين فاسقين وخارجين عن طاعة الله، فهم يحتاجون الإصلاح، على نحو ذاتي وغيري، أما الذاتي فهو بيان الأحكام الشرعية لهم وبذل الوسع لاعادتهم الى سبل الرشاد، وحملهم بالحجة والبرهان على التصديق بالتنزيل، وآيات النبوة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واما الغيري فهو على اقسام:
القسم الأول: منع افتتان الناس به، فالمشركون ينظرون إلى أهل الكتاب بإعتبارهم يمتلكون علوماً في صدورهم، كما كان مشركوا مكة يلجأون الى يهود المدينة ليسألوهم عن صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الآيات ان صدودهم لم يمنع شطراً من اهل مكة القبائل العربية التي حولها، وأهل المدينة وأطرافها من الإسلام، وهو شاهد على حجة الإعجاز الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والآيات الباهرات التي جعلت الناس يصدقون بها، وينتقلون من الشرك الى الإسلام.
القسم الثاني: ويتعلق بالمسلمين وهو على وجهين:
الأول: نهي المسلمين عن الإصغاء لأهل الكتاب فيما يثيرونه من الشك والريب، وعدم الإلتفات الى المعاصي التي يقترفها شطر منهم وما يظهرونه من الجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد خاطبت الآية المسلمين بأنهم خير أمة، فلابد ان يستغنوا عمافي أيدي غيرهم، خصوصاً من نعته الكتاب المنزل بانه خارج عن طاعة الله.
الثاني: قيام المسلمين بإصلاح الفاسقين، وحثهم على ترك المعاصي والآثام والتذكير بما في الكتب السماوية السابقة من وجوب طاعة الله، وقد جاءت الآيات الأولى من سورة البقرة ببيان صفات المتقين وانهم يؤمنون بالقرآن والكتب السماوية السابقة قال تعالى [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ] ( )، فيتجلى هنا وجه من وجوه إنتفاع المسلمين واهل الكتاب والناس جميعاً من ايمان وتصديق المسلمين بالكتب السماوية السابقة، وإفراد اهل الكتاب بعناية خاصة، وألاحتجاج عليهم بما في التوراة والإنجيل.
القسم الثالث: ما يخص المؤمنين من أهل الكتاب بعدم محاكاة الفاسقين او إتباعهم في أقوالهم وأفعالهم، فمع ان الآية خطاب للمسلمين الا انها تتضمن الإنذار والتحذير لأهل الكتاب عامة والمؤمنين معهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولزوم الإمتناع عن نصرة الضلالة والغواية، وإجتناب الأخذ بالتحريف، وتحتمل الكثرة المذكورة في الآية بلحاظ أفراد الزمان الطولية وجوهاً:
الأول: إنحصار موضوع كثرة الفاسقين بين أهل الكتاب بمن هم في المدينة المنورة وما حولها.
الثاني: إرادة أهل الكتاب أيام البعثة النبوية المباركة.
الثالث: الإطلاق الزماني وشمول أهل الكتاب في مختلف الأزمنة، لأصالة الإطلاق، ولغة الشمول في منطوق الآية القرآنية.
بحث بلاغي
من ضروب الإطناب (النزاهة) وهي خلو الهجاء من الفحش والوصف القبيح، وتضمن القرآن آيات البشارة والإنذار، والمدح والثناء بلحاظ عالم الأفعال.
وجاءت هذه الآية جامعة للأمور الأربعة البشارة والإنذار، والمدح والثناء، منطوقاً ومفهوماً، فتكون الصور ثمانية:
الأول: بشارة المسلمين بنيلهم مرتبة خير الأمم.
الثاني: مفهوم هذه البشارة بخسارة وندم من تخلف عن الإسلام.
الثالث: إنذار الفاسقين من أهل الكتاب.
الرابع: المدح والثناء للذين آمنوا من أهل الكتاب.
الخامس: مدح المسلمين، والثناء عليهم بانهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
السادس: مفهوم هذا المدح في لزوم إمتثال الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السابع: ذم الفاسقين من أهل الكتاب.
الثامن: مضامين مدح المؤمنين من أهل الكتاب.
ومن الآيات ان هجاء أكثر أهل الكتاب جاء مقيداً بأمرين:
الأول: عدم تعيين فرقة مخصوصة أو أمة معينة من اليهود أو النصارى.
الثاني: إقتران الذم بالمدح لفريق من أهل الكتاب.
فصحيح ان الذم جاء للأكثر من أهل الكتاب بنعتهم بالفسق الا ان لغة الإجمال في الآية تجعل الهجاء والذم خالياً من الفحش، ومنزهاً عن فضح هذا الفريق او ذاك من اليهود او النصارى، ليكون الإجمال دعوة للهداية والإيمان، والقيام بالتدبر والتبصر بالآيات البينات، وإصلاح الذات، وتنقيح الافعال، والتخلص من الذم، والفوز بنيل المدح والثناء السماوي بدخول الإسلام.
وكما كان المسلمون أفضل وأحسن الأمم، فان الكتاب الذي أنزله الله لهم هو أحسن الكتب، ومن حسنه نزاهته وخلوه من الفحش، ومجئ الذم فيه للإصلاح، وتثبيت معالم الدين في الأرض، فالإنسان كائن محتاج، والحاجة ملازمة للمؤمن والكافر، اما المؤمن فانه محتاج للثبات في منازل الإيمان، فتأتي صبغة الذم للكافر لتمتلأ نفس المؤمن بالغبطة والسعادة لنجاته من الذم، وإستحقاق عدوه للذم، واما الكافر فانه لايترك إقامته على المعاصي، وتعديه على المسلمين وسعيه للإضرار بهم، وإنكاره للضرورات، فيأتي الذم لزحزحته عن منازل الكفر والفسوق، وترغيبه بالإسلام، والإستقامة والصلاح.
علم المناسبة
ورد لفظ (الفاسقون) بصيغة جمع المذكر السالم سبع عشرة مرة في القرآن منها سبع مرات نسبت الفسق الى الكثير، وليس فيها نسبته الى الاقل، أي ليس من آية تقول (اقلهم الفاسقون) في بيان للغة الذم لمن يجحدون بآيات الله ومعجزات النبوة والتنزيل، وتأتي الآية مطلقة بإرادة أكثر الناس قال تعالى [وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ]( ).
وقد بينت الآيات بعث الأنبياء والرسل وبقاء شطر من ذرية الأنبياء على الهداية والصلاح، وخروج أكثر الناس عن الطاعة، قال تعالى [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] ( ).
وجاءت الآيات بالإنذار للفاسقين، والاخبار بان العذاب يحل بهم جميعاً، قال تعالى [بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ]( ).
فيدل وصف الفاسقين في الآية على التخويف والوعيد، ولو آمن هؤلاء الفاسقون فهل ينجون من الهلاك والعذاب، الجواب نعم، لأن الإسلام يجبَ ماقبله، ولتبدل الموضوع وتبعية الحكم له، وقيامهم بأداء الواجبات والفرائض.
وجاءت الآيات بوصف الذين يجحدون بآيات القرآن، ولايصدقون بنزوله من عند الله بانهم فاسقون، قال تعالى [وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ] ( ).
وقد جاءت الآيات بلعن الذين كفروا ممن ذمهم الأنبياء من بني اسرائيل وإتخاذهم الكفار أولياء قال تعالى [وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ]( ).
وجعلت الآية الفسق نقيض الإيمان، ويشمل الفسق سوء الإعتقاد وقبح الفعل، وإرتكاب المعصية الذي يترشح عن الكفر والجحود بالنبوة وأحكامها.
بحث بلاغي
من ضروب البديع والاطناب التفويف بان يأتي المتكلم بمعاني من المدح والثناء والوصف، وكل فرد منها جملة مستقلة، وتكون في الجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة.
وجاء هذا البديع جلياً في هذه الآية ومن الجمل المتوسطة متضمناً مدح المسلمين وجهادهم من وجوه:
الأول: قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] في مدح ذاتي، وذكر تشريفي للصفات التي يتحلى بها المسلمون.
ويحتمل لفظ خير في المقام وجوهاً:
الأول: خير الأمم في العلم.
الثاني: أكثرها جمعاً للأموال.
الثالث: الأفضل في أمور الدنيا.
الرابع: التدبير في التجارات والمكاسب.
الخامس: التعاون بين أفرادها.
السادس: القوة والبطش.
السابع: العفو والتسامح.
الثامن: الإحسان والكرم.
التاسع: صحة الأبدان وطول الأعمار.
العاشر: التقوى والصلاح.
والصحيح هو الأخير، فيكون التفضيل بلحاظ قواعد الهداية والتقيد بسنن الشريعة، وأحكام الحلال والحرام.
الثاني: قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] فهو مدح إضافي للمسلمين وبيان لوظائفهم العقائدية التي تشمل الذات والغير، وتقدير الآية: (كنتم خير امة لانفسكم وللناس)، فالمسلمون يؤدون الفرائض والواجبات، ويدعون الناس الى الله.
ومن وجوه التفضيل ان دعوتهم بصيغ ووسائل متعددة، منها الحكمة والموعظة الحسنة، ومنها ألسمت الحسن وأداء الفرائض وصدق الإيمان، ومنها إتخاذ السيف وسيلة للدفاع عن الإسلام، واتفق للمسلمين ما لم يتفق لغيرهم من الملل السابقة، اذ انهم تلقوا الصدود من أهل الكتاب الذين ورثوا البشارات النبوية والكتابية بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم إتباعه ونصرته، اما النبوية فقيام الأنبياء السابقين بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واما الكتابية فمجئ التوراة والإنجيل بالبشارة بنبوته.
ومن اللطف الإلهي إقتران نبوته صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات والبراهين القاطعة التي تؤكد صدق نبوته، وفاز المسلمون بالتصديق بها، ومن وجوه تفضيل المسلمين توارثهم لقيم وأحكام الإسلام من غير تغيير ولا تبديل.
الثالث: قوله تعالى [تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ] وهو جملة متوسطة تمثل مدرسة مستقلة في التفضيل، فكل أمة تأمر بالمعروف هي خير أمة وأخبرت الآية عن الإتحاد والحصر في التفضيل، لأن المسلمين وحدهم هم الذين يأمرون بالمعروف.
الرابع: قوله تعالى [وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ] جاء هذا الشطر من الآية على ذات الرنة، فمن وجوه تفضيل المسلمين إقتران أمرهم بالمعروف بنهيهم عن المنكر، الذي جاء متعقباً للأمر بالمعروف من غير فاصلة بينهما، او تعليق أحدهما على الآخر، أو أنهم ينهون عن المنكر أولاً وينتظرون إنزجار المرتكب عن المعصية ثم يقومون بأمره بالمعروف، فليس من واسطة بين الأمرين، فهم يقومون بنفس الوقت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينهون الإنسان عن الإقامة على الكفر، ويدعونه للإيمان واداء الصلاة، لذا فاذا أسلم الإنسان، ووقت فريضة الظهر مثلاً لم يخرج، فيجب عليه أداؤها، واذا أسلم قبل طلوع الفجر من شهر رمضان وجب عليه الإمساك عن الأكل والشرب، وصيام ذات اليوم.
الخامس: قوله تعالى [وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ] انتقلت الآية الى موضوع آخر يتعلق بأهل الكتاب من غير تغيير بتساوي الجمل في الرنة، والجمع بين الأخبار عن قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين إمتناع اهل الكتاب عن الإيمان بيان لبذل المسلمين الوسع في الدعوة الى الله، وانهم أقاموا الحجة على الناس.
السادس: قوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ] مع مجئ الآية في مدح المسلمين وبيان خصالهم الحسنة التي تؤهلهم لنيل مرتبة خير أمة، فإنها نعتت فرقة من اهل الكتاب بالإيمان، ووصفت هذه الآيات المسلمين جميعاً بالإيمان لقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وتوجه الخطاب للمسلمين فيها على نحو العموم الإستغراقي، بالإضافة الى إطلاق الإيمان بالنسبة للمسلمين، وإرادة ايمانهم بالله عز وجل والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى جانب تصديقهم بالأنبياء والرسل والكتب السماوية المنزلة.
السابع: [وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] أختتمت الآية الكريمة بصيغة الذم لأكثر أهل الكتاب، والإخبار عن خروجهم عن الطاعة، ان هذا الوصف دعوة للمسلمين للمواظبة على الطاعات، والإجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذا جاءت الآية بصيغة الفعل المضارع.
بحث بلاغي
من ضروب البديع “ائتلاف اللفظ مع اللفظ والمعنى” بان ترد الألفاظ متلائمة يتداخل بعضها مع بعضها الآخر، بلحاظ المناسبة والجوار.
أما ائتلاف اللفظ مع المعنى فيتجلى بفخامة اللفظ اذا كان المعنى ذا موضوعية وإعتبار، او تكون الفاظه غريبة اذا كان غريباً، او مجازية ومستعملة اذا كان متعارفاً.
وإبتدأت هذه الآية بذكر المسلمين بصفة خير أمة، وفيه تشريف وإكرام وهما عنوان الفخامة والموضوعية، ولم تبلغ أمة من الأولين والآخرين هذه المرتبة بدليل مجيء الآية بلفظ “كنتم” الذي يفيد الإستصحاب القهقري، وانبساط التفضيل على الأمم كلها، ومن وجوه التشريف الأخرى مجيء الآية بصيغة الخطاب “كنتم” لينال المسلمون درجة القرب من حضيرة القدس ويذكرون في الملأ الأعلى بصفة “خير أمة”.
ثم جاء التفخيم بالعموم في الجهة التي أخرج لها المسلمون وهم الناس جميعاً، فلم تستثن الآية ملة أو أمة أو فرقة من الناس مما يملي على الناس الإنصات للمسلمين وترك العناد والمراء.
وجاء خروج المسلمين كأمة متحدة وليس كأفراد، ومما لا يخفى ان أثر الأمة أبلغ من أثر الفرد، وفيه إنذار للكافرين والفاسقين من التعدي على المسلمين، وإعتبار المسلمين أمة أخرجت للناس من أسباب تبدد الضرر القادم اليهم من عدوهم، وانحصاره بمرتبة من الأذى القليل الذي لا يفرق او يضعف الأمة.
وابتدأ الشطر الثاني من الآية الخاص بأهل الكتاب بالحرف “لو” وهو حرف إمتناع لإمتناع، مما يدل على تخلفهم عن الإيمان وإستدامة هذا التخلف، ومع ان الآية جاءت بصيغة الذم الا انها من اللطف بأهل الكتاب وغيرهم من أهل النحل والملل، وشاهد على تقسيم القرآن للناس بحسب مراتب الإيمان، ويدل هذا الذم في مفهومه على ترغيب أهل الكتاب بالإسلام والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قانون مصداق خير أمة
إبتدأت هذه الآية بقانون سماوي، وقواعده ثابتة في الأرض، لم يأتِ في آية أخرى من آيات القرآن، وهو إرتقاء المسلمين إلى مرتبة خير أمة، نعم تتضمن آيات القرآن مصاديق وشواهد لهذا القانون الدائم، من وجوه:
الأول: مدح المسلمين في القرآن لتصديقهم وإتباعهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: بيان إخلاص المسلمين في العبادة ومواظبتهم على الفرائض.
الثالث: ما يدل على تقيد المسلمين بأحكام الحلال والحرام والفقه الجنائي.
الرابع: حرص المسلمين على تنظيم شؤون الأسرة وفق أحكام الشريعة وضبط سنن الزوجية وأحكام الأولاد.
الخامس: جهاد المسلمين في سبيل الله، فمن وجوه إخراج المسلمين للكفار مقاتلتهم ليعودوا الى رشدهم ويختاروا سبل الهداية.
وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه المسلمون ستاً وعشرين مرة وهم يقاتلون بين يديه، وليس من نبي قاتل وخرج بعدد خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس من أصحاب قاتلوا مع نبيهم كقتال المسلمين دفاعاً عن الإسلام وطاعة لله ورسوله، وهو من خصائص خير أمة ووجوه تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم، ومجموع السرايا التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستاً وثلاثين سرية.
السادس: مواظبة المسلمين على ذكر الله وعدم انشغالهم بالدنيا وزينتها، قال تعالى [رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ] ( ).
السابع: مبادرة المسلمين لفعل الصالحات قبل دعوة الناس اليها، وقد ذم الله عز وجل قوماً يدعون الى الخيرات ولا يأتونها قال سبحانه [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ]( ).
الثامن: انفراد المسلمين بالإيمان بالله وملائكته ورسله على نحو العموم الإستغراقي.
التاسع: طاعة المسلمين لله ورسوله.
العاشر: إقرار المسلمين بالمعاد، والبعث، والوقوف بين يدي الله للحساب، وهذا الإقرار واقية من السيئات، وسبب للسعي في مسالك التقوى والصلاح.
الحادي عشر: حرص المسلمين الدائم على دعوة الناس الى الإسلام.
الثاني عشر: قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم تخليهم عنه الى يوم القيامة، فهو رداء إيماني يفتخر به المسلمون، ويشع نوراً يراه أهل السماوات فيدركون بقاء وإستدامة الدعوة الى الله.
الثالث عشر: تقيد المسلمات بأحكام الحجاب والستر، وإمتناعهن عن الفواحش قال تعالى [وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى]( )، وفيه شاهد على الإرتقاء والتغيير في حياة النساء بالإسلام، وتتجلى موضوعية الحجاب وأحكامه في حياة المرأة المسلمة، وملاقاتها العناء في سبيل تعاهده.
الرابع عشر: إتقان المسلمين لأحكام الشكر لله تعالى على نعمه المتتالية وقد ذم القرآن أكثر الناس لتخلفهم عن منازل الشكر قال سبحانه [وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ]( )، ومن الآيات ان وظائف الشكر عامة وتشمل:
الأول: الإقرار بالنعمة، والإعتراف بفضل المنعم.
الثاني: أداء وظيفة عبادية، فشكر العبد لله تعالى غير شكره للناس، بإعتبار ان الناس واسطة في الخيرات وان وجب شكرهم، والملك كله لله تعالى، أما شكر العبد لله فهو عبادة وواجب.
الثالث: الشكر باب لإستدامة النعم، ونيل المزيد منها، قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( ).
الخامس عشر: إكتناز المسلمين للحسنات بتعاهدهم الفرائض والعبادات وحرصهم على النجاة في الآخرة، قال تعالى [وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ]( ).
السادس عشر: نيل المسلمين المراتب العالية في الجنة، فاذا كانوا في الدنيا خير الأمم فان مقامهم الآخروي الجنة بفضل ولطف من الله، قال تعالى [وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى]( ).
السابع عشر: تحلي المسلمين بالصبر في طاعة الله، وعند الشدائد
والمصائب والصبر عن المعاصي، لأنهم يرجون رحمة الله، والصبر من خصائص خير أمة وهو طريق للنصر، وقد فاز به المسلمون من بين الأمم.
الثامن عشر: إتصاف المسلم بطاعة الوالدين، وحرص المسلمين والمسلمات على تعاهد صلة الرحم، قال تعالى [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى]( ).
التاسع عشر: انفاق المسلمين في سبيل الله.
العشرون: تسليم المسلمين بآيات الله سواء آيات القرآن او الآيات الكونية او الآيات التي تتجلى في خلق الإنسان.
الحادي والعشرون: تصدي المسلمين لأفكار الضلالة والكفر، وبغضهم لمفاهيم الشرك.
الثاني والعشرون: لقد أعان الله عز وجل أهل الكتاب على دخول الإسلام، وبين لهم في التوراة والإنجيل صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفات خير أمة وهم أتباعه المسلمون والمسلمات فقال سبحانه [سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ]( ).
وكما كانت علامات النبوة المذكورة في التوراة والإنجيل تنطبق على شخص الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان صفات خير أمة تنطبق على المسلمين على نحو الخصوص والتعيين فليس من أمة تتجلى في جباه أفرادها علامة التقوى والصلاح وآثار السجود كالمسلمين، لتكون هذه العلامة جذباً للناس جميعاً للإيمان، وحجة عليهم، ودعوة للمسلمين للمواظبة على السجود.
وفي بيعة الرضوان في السنة السادسة للهجرة، وقبل أن يصل وفد قريش وإبرام صلح الحديبية بايع المسلمون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على أن لايفروا وقيل بايعوه أيضاً على الموت دونه كما عن ابن هشام( )، وكان عددهم الفاً وأربعمائة، وقيل كانوا ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين، (فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم اليوم خير أهل الأرض) ( ).
وفيه شاهد على أهلية المسلمين لنيل مرتبة خير أمة بالتضحية والجهاد في سبيل الله،والتفاني في طاعة الله ورسوله، ونزل قوله تعالى [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ]( ).
ومن أسرار القرآن رمي الكفار وأهل الريب بالعجز والسكوت عن الجدال فيه، فلم تعترض أمة من الأمم على نيل المسلمين مرتبة أحسن الأمم لأن القرآن والعقل والوجدان والشواهد اليومية تؤكد سلامة إختيار المسلمين وحسن سمتهم وصلاحهم، وإتصاف الشريعة الإسلامية بالكمال، قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]( ).
وأختتمت الآية بذكر الفاسقين من أهل الكتاب في دلالة على أهلية المسلمين لمواجهة الفسوق وأهله، والتحذير منهم فمن خصائص خير أمة فوزها بالتنبيه والتحذير السماوي من أعدائها، وأعداء التوحيد.
قانون حسن نسق
من وجوه البديع “حسن النسق” وهو الإتيان بكلمات متتاليات متتابعات، يتصل بعضها ببعض في اللفظ والمعنى مع امكان الفصل بينها، وإختصاص كل واحدة منها بمعنى ودلالة، ولا يخرجها هذا الإختصاص عن إتحاد الموضوع ومنه هذه الآية من وجوه:
الأول: ابتدأت الآية بصيغة الماضي (كنتم) وفيه إخبار إلهي عن حال المسلمين قبل ان يكونوا وقبل البعثة النبوية، وهو شاهد على سبق علم الله تعالى وانه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها، وأحوال الأمم كلها، مع قدرته سبحانه على التفضيل بينها ما وجد منها ومالم يوجد بعد، وفاز المسلمون بالافضلية على الجميع، وفيه دعوة للناس للإقرار بإحاطة الله عز وجل علماً بكل شئ وانه سبحانه أودع اسراراً من علمه في القرآن، فلابد من رجوع الناس جميعاً الى القرآن للنهل منه وإستنباط الدروس والمسائل والاحكام منه، واختيار الأمور التي يتقوم بها التفضيل اذ جاءت الآية الكريمة باحكام في التفضيل هي:
الأول: صدور التفضيل من عند الله عز وجل.
الثاني: انحصار التفضيل بالمسلمين، وعدم إخبار آيات القرآن عن وجود أمة تأتي بالمرتبة الثانية في التفضيل.
الثالث: بيان ما يتقوم به التفضيل، وفيه زجر للناس عن وضع أسس وقواعد أخرى للتفضيل كالتي تنبعث منها رائحة الميل الى الدنيا وزينتها، والإعتناء بمظاهر البهجة فيها، وان كان الأصل في موضوع البهجة في الدنيا هي العبادات والفرائض.
لقد أراد الله عز وجل في هذه الآية الإخبار عن انفراده تعالى بالقدرة على التفضيل بين الأمم، والنهي عن تجرأ مؤسسة او جماعة او أمة او استطلاع او إفتاء او إحصاء أصوات للاكثرية بخصوص التفضيل.
فغلقت هذه الآية والى يوم القيامة موضوع التفضيل بين الأمم، واخبرت انه حكم سماوي، وقد تم إختيار أفضل الأمم، وليس التفضيل امراً متغيراً يحصــل فيه التناوب والتبديل بل هــو ثابت من يوم خلق الله عز وجل آدم عليه السلام والى يوم القيامة، وليس من ملك او نبي أو امام او أمة من الموحدين الا ويقرون بهذا التفضيل، وهذا من وجوه تشريف وإكرام المسلمين وهو ان اهل السموات والأنبياء يعلمون بان المسلمين خير الأولين والآخرين من الناس.
الرابع: لله الحجة البالغة، ومنها في المقام ان الله سبحانه لم يذكر التفضيل على نحو مجرد، بل ذكر مضامينه وأسبابه لوجوه:
الأول: البيان والحجة والبرهان.
الثاني: دعوة الناس للإقتداء بالمسلمين.
الثالث: إكتساب المعارف، والتعلم من المسلمين.
الرابع: محاكاة المسلمين في الإعتقاد والأعمال.
الخامس: إدراك موضوعية كل فرد من أفراد الأمة المفضلة، وأثره في منزلة الفرد والأمة في الدنيا والآخرة.
السادس: الآية من مصاديق كون القرآن تبياناً لكل شيء، إذ بينت وجود أمة أفضل من كل أمم الأرض مع تعيينها وذكرها بالإسم.
السابع: فوز المسلمين بصاحب كريم وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تتم به إقالة العترة، واصلاح الحال، ودفع الفساد والافساد، ومن الآيات عدم انحصار وظيفة هذا الصحاب بالحياة الدنيا، بل يترشح الانتفاع منه الثواب العظيم في الآخرة.
الثامن: حلول الغضب الإلهي بالكفار والفاسقين، وما فيه من الأذى والبلاء المصاحب لهم في الدنيا والآخرة.
التاسع: إقامتهم على حال المسكنة والهوان بسبب قيامهم بالجحود بآيات الله، وإقدامهم على قتل الأنبياء بما هم أنبياء جاءوا بالمعجزات من عند الله ويجتهدون في دعوة الناس الى الهدى والإيمان.
ومن الآيات ان كل كلمتين أو ثلاثة في هذا الآية جملة مستقلة ذات دلالات عقائدية كالآتي:
الأول: (كنتم خير أمة) والتي دلت على التفضيل المطلق وفيه مسائل:
الأولى: عدم وجود أمة تنافس المسلمين في التفضيل، ومن الآيات ان هذا الثناء والوصف السماوي الكريم لم يسبب الحسد والبغضاء عند افراد الأمم الأخرى بل هو دعوة لهم لإختيار الأفضل والإنتماء للإسلام خصوصاً وان الحواجز والشرائط منعدمة في المقام، فيكفي الإنسان النطق بالشهادتين ليرتقي الى مرتبة التفضيل والتشريف.
الثانية: تقسيم أهل الأرض الى أمم، وبيان حاجة الناس الى أمة تعمل بمرضاة الله فاذا إستطاع اهل الشر والضلالة ان يتحدوا ويجتمعوا في أمة، فان هناك امة، تواجههم إقترن ظهورها مع البعثة النبوية المباركة، مما يدل على التفضيل العام لزمان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجود خير الأمم فيه، وبقائها الى يوم القيامة.
الثالثة: مجئ الآية بأفعل التفضيل، وفيه دعوة للمسلمين لتعاهد هذه المنزلة وتقدير الآية “كنتم خير أمة فحافظوا على هذه المنزلة العظيمة بالصفات المذكورة في الآية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والايمان بالله تعالى”.
الرابعة: يحتمل التفضيل أمرين:
الاول: كنتم خير أمة لإجتماع الخصال الحميدة عندكم.
الثاني: جاء التفضيل بلحاظ التباين النسبي بين الأمم فكل امة من الموحدين لها خصال حميدة، ومرتبة معينة في الصلاح، وليس من أمة كاملة وجامعة للشرائط، ولكن المسلمين أحسن تلك الأمم في منازل الهدى.
والصحيح هو الأول، لان التفضيل فضل من عند الله، ومرتبة ارادها الله للمسلمين، وعنوان لنيل اسمى مراتب الإيمان، وجاء التفضيل على نحو الإطلاق وفيه إخبار عن نيل المسلمين لتمام الحسن، ومصاديق الكمالات الإنسانية التي تؤهلهم لخلافة الأرض.
الخامسة: جاءت خطابات القرآن لبعض الأمم بصيغة الذم او الحث على الايمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الخطابات لبني اسرائيل وتذكيرهم بنعم الله عز وجل عليهم، وجاء للمسلمين متضمناً البشارة والمدح.
فمن إعجاز القرآن وصيغ تشريف المسلمين فيه اقتران المدح والبشارة للمسلمين في هذه الآية، وتغشي البشارة بحسن حال المسلمين أيام الحياة الدنيا والآخرة.
الثاني: قوله تعالى (أخرجت للناس) ويتألف هذا الشطر من الآية من طرفين:
الأول: خروج المسلمين، وبلوغهم مرتبة إصلاح الذات للخروج.
الثاني: خروجهم للناس جميعاً، وفيه مسائل:
الاولى: لولا هذه الآية لما علم الناس بخروج أمة اليهم، وظنوا انحصار الأمر بالنبوة والتنزيل، ولقال بعضهم بان فترة النبوة إنقطعت، او ان الله غضب على الأجيال اللاحقة وقطع عنهم بعث الأنبياء او تركهم وشأنهم، فجاءت هذه لتخبر عن خروج أمة كاملة من ورثة الأنبياء لتكون آثار النبوة في كل مكان من الأرض، وليبوء الذين قتلوا الأنبياء بالخيبة والخسران، ويدركوا إنبعاث ضياء النبوة من مختلف أقطار الأرض بالمسلمين والمسلمات.
الثانية: جاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية، وفيها معنى الإنشاء، وتوجه الخطاب التكليفي للمسلمين جميعاً بإمامة الناس في سبل الهدى ولاينقص هذا المعنى من دلالات الجملة الخبرية، ومضامين الثبوت والإستدامة المستقرأة من صيغة الفعل الماضي (كنتم).
الثالثة: الآية من مصاديق قوله تعالى [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
الرابعة: تتضمن الآية لغة البشارة والإنذار للناس جميعاً بأن دعوتهم للاسلام وعبادة الله مستمرة الى يوم القيامة، فلا يأتي يوم على الناس خال من الدعوة الى الله، ووجود أمة منقطعة الى عبادته تعالى.
الخامسة: نهي كل أمة من أمم الأرض عن الإستكبار على المسلمين، والإعراض عن دعوتهم الى الله.
السادسة: إخبار أهل الكتاب والناس جميعاً بالرجوع الى المسلمين في كل من الحالات التالية.
الأولى: عند الخصومة بين اليهود والنصارى:
الثانية: الإختلاف فيما بين علماء اليهود.
الثالثة: الإختلاف بين علماء النصارى.
الرابعة: القتال بين الأمم.
الخامسة: الخصومة والنفرة بين أهل الكتاب وغيرهم.
السادسة: مواطن التحريف في الكتب السماوية السابقة.
السابعة: أحوال المعاد ومنازل الناس يوم القيامة.
السابعة: رجاء النجاة والسلامة في النشأتين، فلا ينحصر الرجوع الى المسلمين بحال الخلاف والفرقة بل هو عام يشمل المسائل الإبتلائية، وحال الرضا والشدة، والحاجة النوعية لتفقه الناس في أمور الدين والدنيا.
الثامنة: تقدير الآية: ياأيها الناس قد أخرجت لكم خير الأمم فاتبعوها ولا تحاربوها فتخسروا النشأتين.
ويحتمل الخروج وجوهاً:
الأول: وجود حذف متعلق بمصدر الخروج والتقدير على وجوه:
الأول: أخرجت للناس من أصلاب الرجال.
الثاني: من ذراري الأنبياء.
الثالث: أخرجت من عند الله، اذ انه سبحانه هو الذي أصلح المسلمين للخروج الى الناس.
الرابع: أخرجت للناس بالصلاح والتقوى من بين مشركي قريش وأهل الضلالة، وجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسط شيوع المفاهيم الوثنية.
وتحقيق المسلمين النصر وإتساع رقعة الإسلام من خصائص خير أمة وأفضليتهم على الأمم الأخرى، فكان الأنبياء يتعاقبون في بني اسرائيل ومن يبعث يجد أمة موحدة من أتباع الكتاب ومع هذا تعرضوا للأذى والقتل، وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل في بيئة جاهلية، فنصره الله عز وجل بالآيات والمعجزات.
الخامس: الأمة الإسلامية ثمرة جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفرع نزول القرآن وكونها خير أمة شاهد على أفضلية القرآن على الكتب السماوية الأخرى لأن العاملين بأحكامه صاروا خير الأمم.
والصحيح هو الثالث، اذ ان الله عز وجل هو الذي أخرج المسلمين للناس لطفاً وفضلاً منه تعالى، وتكون الوجوه الأخرى أعلاه فروعاً له ولطفاً إضافياً وشاهداً على ان الله تعالى حكيم يتقن الأشياء.
الرابع: قوله تعالى [تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ] وفيه مسائل:
الأولى: بيان إستحقاق المسلمين لمنزلة خير أمة.
الثانية: إتصال جهاد المسلمين في سبيل الله.
الثالثة: عدم خلو الأرض من أمة تدعو الى الصلاح، وترشد الناس الى سبل الخير.
الرابعة: منع الناس من التمادي في الغي.
الخامسة: دعوة الناس للإنصات للمسلمين إذ تمر على الناس أيام وحالات تختلط فيها المفاهيم، ويصعب على كثير من الناس التمييز بين الحق والباطل، والواجب والمحرم، فتأتي هذه الآية لتعيين جهة ومصدر الخير، والأمة التي لا تدعو إلا الى الأمور الحسنة، والنفع العام في النشأتين، ومن الآيات إتصاف ما يدعو اليه المسلمون بالحسن الذاتي، والذي يتجلى بنعت (المعروف).
السادسة: إقتفاء المسلمين أثر الأنبياء في مناهج إصلاح أهل الأرض، وفيه رحمة للناس جميعاً، وبعث للسكينة في نفوسهم من أسباب الغواية، فمن شاء ان يهرب من الغواية والضلالة فليلجأ الى المسلمين، وينهل مما عندهم من العلوم، ويتلقى منهم الأوامر والنصائح التي تقود الى الأمن والسلامة في الدنيا والآخرة.
السابعة: يتكون هذا الشطر من كلمتين “تأمرون بالمعروف” ولكنه مدرسة جامعة لأجيال المسلمين، والأحقاب المتعاقبة من الناس يشع منها ضياء دائم يبعث الأمل في النفوس، ويفضح قبح المعاصي.
أما بالنسبة للمسلمين فان الآية أمانة عقائدية في أعناقهم الى يوم القيامة، وواقية من الأمر بالمنكر وما هو قبيح لأن مفهوم الشهادة الإلهية للمسلمين بأنهم يأمرون بالمعروف هو أنهم لا يأمرون بالمنكر.
وأما بالنسبة للناس جميعاً، فان الآية تبعث في نفوسهم الأمن والسكينة وتطرد عنها الشك والريب في ماهية دعوة المسلمين للخير والصلاح، ومتى ما شعر الإنسان بالأمن من الطرف الآخر فانه يميل اليه وينصت لكلامه، فأراد الله عز وجل من قيام المسلمين بالأمر بالمعروف إطمئنان الناس لهم وعدم النفرة منهم.
الرابع: قوله تعالى [وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ] بعد مدح المسلمين بوصفهم بالقيام بالأمر بالمعروف جاء وصفهم بخصلة حميدة أخرى وهي تولي مسؤولية النهي عن القبائح والسيئات، وفيه مسائل:
الأولى: القيام بالأمر والنهي في آن واحد وعلى نحو متداخل مسؤولية عقائدية، وفعل جهادي تصدى له المسلمون بفخر وعز وتفان.
الثانية: توكيد حقيقة وهي وجود من يرتكب المعصية ومصاحبة النهي والزجر لها، فالنهي يطارد المنكر وفاعله ولايجعل له قراراً، ويرفع المسلمون لواء النهي عن المنكر من بين الأمم.
ومن الآيات مجئ السنة ببيان مراتب النهي عن المنكر وعدم إنحصارها بكيفية مخصوصة، في دلالة على الإذن للمسلم بالتصرف بما هو مناسب لأن الغاية هي تنزيه الأرض من الفواحش والسيئات.
الثالثة: من خصائص الدنيا أنها دار إمتحان وإبتلاء، ويأتي النهي عن المنكر موضوعاً للمفاعلة والإنفعال بين طرفين أحدهما ينهي عن المنكر، والآخر ينُهي عنه، والمسلم دائماً هو الرائد والإمام، فالناهي هو المسلم، والمنهي عن المنكر سواء كان مسلماً او غير مسلم.
الخامس: قوله تعالى [وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] جاء هذا الشطر من كلمتين، وله دلالات خاصة، ومضامين قدسية مستقلة، فقد شهد الله عز وجل للمسلمين بالإيمان والإقرار بالتوحيد، وتشير الآية الى حقيقة وهي الملازمة بين الإسلام والإيمان، وان المسلمين هم المؤمنون حقاً، وفيه دعوة لأهل الكتاب لترك حال الكراهية والحسد للمسلمين، فمادام المسلمون يؤمنون بالله عز وجل فيجب على أهل الكتاب إكرامهم، والإستماع لما يأمرون به، واجتناب ماينهون عنه، وتدل هذه الآية على فوز المسلمين بمرتبة أفضل أمة لأنهم يؤمنون بالله ويقرنون بالإيمان القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السادس: قوله تعالى [وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ] وهو جملة مستقلة، ذات معنى مختلف اذ انتقلت الآية من الحديث عن المسلمين بصيغة الثناء والمدح، الى الاخبار عن حال أهل الكتاب وتخلفهم عن الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع انها حق وصدق من عند الله تعالى، ويدل لوم أهل الكتاب في مفهومه على المدح الإضافي للمسلمين الذي إختاروا ما هو خير لهم وهو الايمان بالله ورسوله.
وفي الآية لطف الهي خاص بأهل الكتاب، من وجوه:
الأول: وصفهم بانهم أهل كتاب سماوي، فمع وقوع التحريف في كتابهم فان الله عز وجل أكرمهم ونسبهم الى الكتاب السماوي لا عن حاجة لهم لانه سبحانه هو الغني غير المحتاج، ومن غناه انه دعاهم الى الإيمان لأن الإيمان خير وأحسن لهم في أنفسهم وأموالهم وذريتهم، وفي دنياهم وآخرتهم.
الثاني: ذكر أهل الكتاب على نحو الخصوص، وفيه تفضيل لهم عن المشركين والكفار، وجاءت الآية بأفعل التفضيل (خير) لتؤكد أن الإيمان خير للمشركين من باب الأولوية القطعية.
الثالث: تبين الآية لأهل الكتاب منزلة المسلمين، وترغيبهم بها، وتخبرهم عن عدم وجود برزخ دون إنتمائهم للإسلام.
السابع: قوله تعالى [لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ] وتقدير الآية لكان الإيمان خيراً لأهل الكتاب، لانهم يصبحون مؤمنين، وليس من شئ أفضل من الإيمان بالله ورسوله، ومع ان موضوع الشطر الأخير من الآية هو أهل الكتاب الا انه يشمل الكفار والمشركين وأهل الملل المختلفة من باب الأولوية القطعية، واذا آمن أهل الكتاب لاتبعهم فريق من الناس، وهذا الإتباع من عمومات قوله تعالى [خَيْرًا لَهُمْ]، وهذا الشطر من الآية قانون ثابت، ودليل على أن الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير محض، فمن تمنعه الرئاسة والجاه بين اصحابه من الاسلام، لأنه يخشى فقدها، جاءت هذه الآية لتؤكد له بان التسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير من الرئاسة والجاه والمال الذي يكسبه من منزلته بين أصحابه، لان الآية انحلالية تشمل كل فرد منهم كما تشملهم جميعاً.
وهل تتضمن الآية صيغة الإنذار الجواب نعم لان المقام ليس مقام تفضيل بل الآية دعوة للإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس لهذا الإيمان بديل، وفي الآية ترغيب وبشارة للذين يختارون الايمان وإن كانوا أمماً متعددة.
لقد أراد الله لأهل الكتاب النجاة من الخصومة فيما بينهم، ونزع الإختلاف بينهم بإختيار سبيل الهدى والإيمان، وتمنع الآية من إدعاء غير المسلم بان بقاءه على ملته أحسن وأفضل له سواء كان كتابياً أو غير كتابي، أما الكتابي فلنص هذه الآية، واما غير الكتابي فللأولوية القطعية.
الثامن: قوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ] يتكون هذا الشطر من الآية من كلمتين، وفيهما تأسيس لقانون، وكشف لحقيقة ثابتة، وهي وجود فريق من أهل الكتاب يؤمن بالله ويصدق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانها حق، سواء ترشح هذا التصديق عن البشارات التي جاءت بنبوته في الكتب السماوية السابقة، او عن المعجزات الحسية التي جرت على يديه او معجزة القرآن العقلية، وما فيها من الحجج الباهرة التي تخلو منها الكتب السماوية السابقة.
وفي الآية دليل على ان التحريف لم يحجب الحقائق كلها عن الناس عامة، وأهل الكتاب خاصة، فمنهم من كان يحرص على توارث البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبصفاته المذكورة في التوراة والإنجيل والتي تنطبق على شخصه وسمته، لذا بادر الى دخول الإسلام جماعة من علماء أهل الكتاب، وهجروا ماكان لهم من شأن وجاه بين اصحابهم، ليفوزوا بالخير والذكر الحسن مثل عبدالله بن سلام واصحابه، ومن الآيات أن الآية لم تبين عدد او نسبة المؤمنين من أهل الكتاب، ولكنها اشارت الى كونهم القل بلحاظ وصف الفاسقين منهم بانهم الكثرة، ولايعني كونهم الأقل انهم جماعة قليلة فلم تقل الآية (وقليل منهم مؤمنون) بل ذكرت طرف الكثرة وحده، مما يدل على ان المؤمنين هم الأقل من مجموع أهل الكتاب، ولكنهم كثرة أيضاً من وجوه:
الأول: هم كثرة بلحاظ عموم أمم أهل الكتاب.
الثاني: المؤمنون مع قلتهم كثرة لانهم على الحق والذي يكون على الحق له أثر وتأثير يفوق تأثير من يقيم على الباطل لموضوعية الحجة والبرهان في التأثير.
الثالث: تعضيد الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين من أهل الكتاب، بالإضافة الى البشارات بنبوته في التوراة والإنجيل على القول بان المراد من المؤمنين في الآية هم الذين آمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهم.
التاسع: قوله تعالى [وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] جاء لفظ الشكر خاتمة للآية الكريمة التي إبتدات بمدح المسلمين والثناء عليهم، والمنبسط على كل الافراد منهم رجالاً ونساءً، والذي يتغشى أفراد الزمان الطولية الى يوم القيامة، ومن خصائص أمة انها تواجه الخارجين عن طاعة الله ممن ينتسبون الى الكتاب السماوي، وكون اكثر أهل الكتاب من الفاسقين شاهد على حاجة اهل الأرض للمسلمين، فلولا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لاندثرت معالم الدين لأن الفسق منتشر حتى بين الذين يتبعون الكتاب السماوي، ويتعذر معه إصلاح أهل الكفر والضلالة، فبعث الله عز وجل النبي محمداً إماماً للناس جميعاً، وليكون المسلمون قادة الإصلاح في كل زمان، يجاهدون في تثبيت كلمة التوحيد، وفضح أهل الفسوق، مع دعوتهم للإيمان والصلاح، من غير تعارض بين الفضح والدعوة في المقام.
لقد جاء الأنبياء السابقون لمحاربة الفسق والشرك والضلالة، فكيف أصبح أكثر أتباعهم من الفاسقين، الجواب أنهم يتقيدوا بأحكام الكتب السماوية النازلة، وسنن الأنبياء السابقين، وأصبح ضررهم أكثر من نفعهم، فأنعم الله عز وجل على الناس بالمسلمين أمة تتعاهد الكتاب الذي أنزل على نبيها، وتعمل مجتمعة ومتفرقة في تثبيت دعائم الدين.
وتحارب التحريف والتغيير في الأحكام والسنن، وتمنع الناس من التمادي في الفسق، فشرفها لله عز وجل في هذه الآية بالإنفراد بالوصف الكريم [خَيْرَ أُمَّةٍ] ليعرف الفاسق فسقه وخروجه عن الطاعة، فلولا وجود أمة مسلمة تتقيد بأحكام الشريعة، لظل الفاسق مصراً على معصيته، وربما لم يلتفت الى حقيقة كونه فاسقاً، وأكتفى بالتباهي والفخر بالنسبة للكتاب وانه كتابي، فجاءت هذا الآية الكريمة وبينت موضوعية الإيمان، وقبح الفسق وفاعله.
وجاءت الآية بتسع جمل مستقلة، خمس منها في مدح المسلمين والثناء عليهم، وأربعة أهل الكتاب ثلاثة في ذمهم، وواحدة في الثناء على فريق منهم إختاروا الإيمان ليكون الذم وسيلة لجذب الفاسقين من أهل الكتاب والناس جميعاً الى الإيمان، وتكون هدايتهم من أسباب إنتفاء مجيء الضرر من جهتهم الذي وردت البشارة بإنعدامه وبقاء مسمى الأذى منه في قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى].
قانون المدح في القرآن
المدح هو الثناء والإطراء وبيان خصلة او خصال حميدة عند الفرد او الجماعة وله منافع عديدة منها:
الأول: تثبيت تلك الخصال عند صاحبها، وحثه على عدم هجرانها الى ضدها.
الثاني: انه نوع شكر لفاعل الخير والصلاح.
الثالث: فيه بيان للحسن الذاتي للخصال الحميدة التي تستحق المدح، وتوكيد لكونها من أفراد المعروف، التي تستلزم تعاهدها وإستدامتها.
الرابع: ذات المدح على أداء العبادات وفعل الصالحات والأخلاق الحميدة معروف محض، ودعوة الى الخير والصلاح، ويلحق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دلالته، كما لو أراد شخص التعريض بالمذنب ومرتكب المعصية، فيمدح أمامه من يمتنع عنها، ويحرص على اتيان ضدها من الصالحات.
الخامس: في المدح نصرة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وتعضيد لهم، وحث على الإنصات لهم.
السادس: يأتي المدح على الإنفاق في سبيل الله وتعظيم شعائر الله، وفيه طرد لإستحواذ النفس الشهوية والغضبية، ومنع من طرو الندم على الإنفاق والسعي في مصاديق الخير والمعروف، وفيه جذب للناس وحث على محاكاته، ومنع من توجيه اللوم له على فعل الخير والإنفاق.
وإذ جاءت الآية بالحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فان المدح والثناء على القائم بهذه الوظيفة والمستمع له مقدمة كريمة لتثبيت سنن الأمر.
ومن خصائص الإنسان انه كائن محتاج الى غيره، ومن الآيات في خلقه ان تفضل الله تعالى وكفى كل عبد من عباده مؤونته وحاجته، قال سبحانه [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
وكما تضمنت آيات القرآن البشارة والإنذار والوعد والوعيد، البشارة والوعد على فعل الصالحات، والإنذار والوعيد على إرتكاب الذنوب والمعاصي، فانه جاء بالمدح والذم، وتلك آية في القرآن تستلزم تأليف المصنفات الخاصة بأبواب ومدرسة المدح في القرآن ومضامينه ومواضيعه وغاياته، وكذا بالنسبة للذم والمقاصد السامية منه.
ويلازم المدح القرآني المسلمين والمسلمات في حياتهم اليومية ويطل على الناس جميعاً بضياء بديع يجذب الأبصار ويجعل الناس يتفكرون في أسرار البعثة النبوية، وإعجاز القرآن، وأهليته لتعاهد بقاء المسلمين في منازل خير أمة في ذات الآية التي تخبر عن نيل المسلمين لمرتبة خير أمة يأتي المدح والثناء عليهم بذكر الخصال الحميدة التي يتصفون بها والتي تؤهلهم لنيل هذه المرتبة.
ومن منافع المدح الإلهي للمسلمين إعانتهم على البقاء في منازل الأفضلية والمنع من ظهور الخلاف بينهم في مصاديق الخير والصلاح، ويطرد المدح الإلهي لفاعل الخير الشح والبخل والأخلاق الذميمة ويساهم في تهذيب النفوس وإصلاح الصلات بين المسلمين وبينهم وبين غيرهم من الناس، وهو نوع اكرام وتشريف، ودعوة لإظهار معاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين والحرص على إفشاء السلام بتحية الملائكة وهي “السلام عليكم” وتعاهد وتوارث المسلمين لهذه التحية الملكوتية من خصائص خير أمة، ومن منافع مدح الله عز وجل للمسلمين وجوه:
الأول: عدم حاجتهم الى مدح الناس، الا ان من يمدحهم يجلب المنفعة لنفسه ويساهم في نشر معاني الفضيلة.
الثاني: المواظبة على فعل الخير الذي مدحهم الله تعالى عليه، وطرد الشك ومواجهة أهل الريب والحسد والباطل.
الثالث: بعث السكينة في نفوس المسلمين.
الرابع: المدح الإلهي مادة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبرزخ دون تعطيلهما.
الخامس: جعل أفعال الخير ملكة نفسانية ثابتة عند المسلم، لتصدر عن النفس بيسر ومن غير فكر وروّية.
السادس: المدح الإلهي بشارة ومقدمة لنيل الثواب العظيم في الآخرة.
السابع: تثبيت حقيقة وهي ان القرآن جامعة الأخلاق، يمدح المسلمين ويدعو الناس جميعاً لإقتفاء آثارهم ولا تنحصر منافع المدح الإلهي للمسلمين في هذه الآية بهم على نحو الخصوص بل هي خطاب للناس جميعاً، ودعوة لغلبة القوة الناطقة والعاقلة على الأفعال، وحث على كبح جماح القوة الشهوانية والبهيمية والغضبية، وجذب للإنقياد لأحكام الشريعة، وإخبار بوجود أمة في كل زمان لا تصدر الا عنها.
وفي المدح الإلهي تجلية وتحلية وتخلية، اذ تتجلى فيه منزلة المسلمين بين الأمم وإرتقاؤهم في سلم المعارف الإلهية، وهو شهادة سماوية على تحلي المسلمين بالإمتثال الحسن للأوامر الإلهية، وإقتفائهم آثار الأنبياء والأولياء، وهو وسيلة للتخلي الدائم عن الأفعال القبيحة، ورذائل الأخلاق، وفي الحديث “تخلقوا بأخلاق الله”( ).
ومن الآيات العقائدية في الإسلام ان المسلمين لم يركنوا الى الراحة والسكون بعد إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى، ولم ينشغلوا بالخلافات والخصومات فيما بينهم، بل إستمروا على مواصلة الجهاد والفتح، وهو من وجوه تفضيلهم على الأمم الأخرى، وشاهد على بقائهم في مرتبة خير الأمم فأنعم الله عز وجل عليهم بالمدح في القرآن، ومن أسماء الله تعالى “الكريم” فهو سبحانه لا يقف عند حدود المدح، بل وعد المؤمنين بالجنة والسعادة الأبدية، وهذه الملازمة والإقتران بين المدح والوعد الكريم لا يقدر عليه الا الله تعالى.
بحث منطقي
من علوم الحياة العامة قسمة الأشياء والأعيان بلحاظ أمور:
الأول: غرض المقسم من القسمة.
الثاني: لحاظ جهة المنفعة التي تستلزم التقسيم.
الثالث: التباين والفصل بين الأفراد في الخصائص والأحكام.
ويحتاج كل علم حصر مواضيعه ثم إجراء القسمة فيها يساعد على تحصيل الفائدة، ومنع اللبس والخلط وتتعدد وجوه التقسيم في الموضوع الواحد بحسب الغرض، فالناس مثلاً يقسمون الى مؤمن وكافر، وذكر وأنثى، وغني وفقير، وعالم وجاهل، وكبير وصغير، وغيرها من وجوه التقسيم، وبذا تتعدد وتتشعب مصاديق التقسيم فنقول مثلاً مؤمن عالم غني.
ومن القواعد الكلية في القسمة أمور:
الأول: عدم صحة قسمة الشيء الى نفسه وغيره.
الثاني: لا يكون قسم الشيء قسيماً له، فلا يكون الفعل الماضي قسيماً للفعل عند ذكر تكوّن المفرد من اسم وفعل وحرف، لأن الفعل الماضي قسم من الفعل وليس قسيماً له، نعم لو ذكرت أقسام الفعل يقال بانها الفعل الماضي والمضارع والأمر.
الثالث: لا يجوز جعل قسيم الشيء قسماً منه، فلا يصح ان يكون الفعل مثلاً قسماً من الإسم.
الرابع: تعيين ضابطة للقسمة، وملاحظة جهة واحدة تكون أساساً للقسمة.فاذا قسمت الناس بلحاظ الإنتماء العقائدي، فلا يجوز خلط أساس آخر للتقسيم معه كمكان السكن وحال الغنى والفقر، الا أن تكون قسمة أخرى متفرعة عنها، ومعلومة بضابطة إضافية، تمنع من الخلط واللبس.
الخامس: من شرائط القسمة ان تكون جامعة مانعة، أي ان جميع أفراد القسم تدخل بالأقسام ولا يستثنى منها فرد، ومانعة من دخول غيرها معها.
وقد يقسم الشيء الى إجزائه بحسب التحليل العقلي فقسمة البستان بلحاظ نوع الأشجار التي فيه وقسمة الدار بلحاظ مواد بنائه، او قسمته بحسب خريطة بنائه وعدد الغرف والبيوت، والملحقات فيه، وتسمى هذه القسمة بالقسمة الطبيعية.
ويقسم الكلي الى جزيئاته مثل قسمة المفرد الى اسم وفعل وحرف، وتقسيم أهل الملة الواحدة الى طوائف ومذاهب، وتسمى هذا القسمة قسمة منطقية.
ومن وجوه الإختلاف بين القسمة الطبيعية والمنطقية إمكان حمل القسم على المقسم وكذا العكس في المنطقية بخلاف الطبيعة، فيصح مثلاً القول في الذي ينتمي الى مذهب بانه من أهل تلك الملة وتقع القسمة على طريقين:
الأول: القسمة الثنائية وهي الحصر في قسمين لا ثالث لهما، كما في تقسيم أفراد الزمان في اليوم والليلة والترديد بين النفي والإثبات، وتقسيم الحيوان الى ناطق وغير ناطق والإنسان الى بالغ وغير بالغ، وهذه القسمة جامعة مانعة، الا انها لا تعني عدم إمكان التقسيم في كل قسم من القسمين، اذ يمكن تقسيم كل قسم بلحاظ الجهة واللحاظ.
الثاني: القسمة التفصيلية وهي التي تشمل تقسيم الشيء الى أقسامه المتعددة وان كانت تستند أصلاً الى القسمة الثنائية، كتقسيم الأشجار الى مثمرة وغير مثمرة، ثم تقسم الأشجار المثمرة الى أقسام عديدة بحسب نوع الثمر، وهذه القسمة من نوعين:
الأول: العقلية، وهي التي ترتكز الى العقل والحساب في التقسيم بحسب الموجود الخارجي، مع المنع من وجود قسم آخر لها.
الثاني: الإستقرائية وهي القسمة التي تكون بحسب الإستقراء والمتابعة وملاحظة وجود الشبه والإختلاف بين الأفراد، ولا يمنع العقل من فرض قسيم لأقسامها.
وجاءت هذه الآية بمدح المسلمين والثناء عليهم وانهم خير أمة ثم ذكرت أهل الكتاب بأمرين:
الأول: تخلفهم عن الإيمان بقوله تعالى [وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ] مما يدل على انحصار بلوغ مراتب الكمال الإيماني بالمسلمين.
الثاني: تقسيم أهل الكتاب قسمة ثنائية الى قسمين:
الأول: وجود مؤمنين عندهم، وهم القلة.
الثاني: نعت أكثرهم بالفسق والخروج عن الطاعة.
وتحتمل هذه القسمة أمرين:
الأول: انها حاصرة جامعة مانعة تحصر أهل الكتاب بالفريقين، وجامعة لهم كلهم من غير إستثناء، ومانعة من دخول غيرهم معهم.
الثاني: انها من القسمة التفصيلية الإستقرائية التي لا تمنع من وجود فريق ثالث من أهل الكتاب، كما لو كانت هناك طائفتان منهم:
الأول: ليست بمؤمنة ولا فاسقة.
الثاني: طائفة منهم تجمع بين الإيمان والفسق.
والصحيح هو الأمر الأول، لإلحاق هاتين الطائفتين في حال وجودهما بالأكثر لتخلف الأولى عن الإيمان الذي هو أصل الطاعة، وتلبس الثانية بالفسق واقعاً.
فهذه القسمة ثنائية جامعة مانعة، وفيها إعجاز وبيان لحال أهل الكتاب ومرتبة من العلم يتفضل الله تعالى بها على المسلمين في معرفة أهل الملل والنحل، ومنع من الترديد واللبس، ودفع للوهم، وإنذار للناس بلزوم الإيمان ونزع رداء الفسق والزجر عن الخلط بين الإيمان والفسق.
بحث بلاغي
ومع قلة عدد كلمات هذه الآية فقد جاءت المطابقة والمقابلة بين متضادين في الجملة على وجوه:
الأول: بين (خير أمة ) و(أخرجت للناس)، فبينت الفاضل والمفضول من الملل والأمم، وتحلي المسلمين بخصال حميدة يحتاج اليها الناس، وتفضل الله وجعلها قريبة منهم بالمسلمين وجهادهم وسعيهم في سبيل الله وتعظيم شعائره.
الثاني: بين (تأمرون) و(تنهون)، وفيه شاهد على قيام المسلمين بوظائف جهادية متعددة، وهل يأتي الأمر والنهي في موضوع واحد او متعدد وعلى نحو عرضي وليس طولياً، الجواب نعم، ومن التخفيف الإلهي عن المسلمين في المقام، تعلق الأمر والنهي أحياناً في موضوع واحد، وليس من تزاحم او تعارض بين الأمر والنهي، وكل فرد منهما مدرسة في الصلاح والإصلاح.
الثالث: بين (المعروف) و(المنكر) وإختصاص الأمر بالأول، وإختصاص النهي بالثاني، مع المدد الإلهي بجعل المأمور به معروفاً بحسنه الذاتي، والمنهي عنه معروفاً بقبحه الذاتي وما يترتب عليه من الضرر.
وجاء في الآية بيان لقانون عمل وجهاد المسلمين، وموضوعه على سبيل الحصر في وجوه:
الأول: الأمر. الثاني: المعروف.
الثالث: النهي. الرابع: المنكر.
فحصرت الآية موضوع الأمر وهو المعروف وعدم التعدي الى غيره، مع التفصيل بالتفسير والسنة والقرائن بوجوب الأمر في الواجبات، وإستحبابه في المندوبات.
وأكدت الآية ضرورة عدم الوقوف عند الأمر بالمعروف والإختصاص به، وان من خصال خير أمة عدم الإكتفاء بالأمر بالمعروف وحده، بل لابد من النهي عن المنكر لإستئصال الباطل، ومنع الخلط في المفاهيم.
الرابع: بين (تؤمنون بالله) و(لو آمن أهل الكتاب)، لبيان المائز وعلة التفضيل والتشريف وهو الإيمان بالله تعالى والتصديق بالأنبياء الذين بعثهم للناس، والكتب السماوية التي انزلها معهم.
ومن الإعجاز مجيء الآية بلفظ “لو” الذي هو حرف إمتناع لإمتناع مما يؤكد بقاء الفارق وملاك تفضيل المسلمين في أصل الإيمان.
الخامس: بين [خَيْرَ أُمَّةٍ] و[لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ] وفيه دلالة على تخلف أهل الكتاب عما فيه رشدهم ونفعهم، بينما يبقى المسلمون في مراتب الإرتقاء والتفضيل، وترشح الخير والحسن منهم ومن سعيهم وجهادهم على غيرهم من الأمم والملل.
السادس: بين [الْمُؤْمِنين] و[الْفَاسِقينَ] دلالة على التضادبين الإيمان الذي يعني الإقرار بالعبودية لله، ويستلزم الطاعة والإمتثال له سبحانه،والتصديق بالأنبياء، بينما يعني الفسق العناد والإستكبار والخروج عن الطاعة.
السابع: لفظ [مِنْهُمْ] و[أَكْثَرُهُمْ] فبينت الآية النسبة والحكم لكل فريق من الضدين، مما يدل على لغة التفصيل والبيان في القرآن، وعدم وقوفه عند الإجمال.
الثامن: اتصاف المسلمين بانهم خير أمة، وتغشي هذا الوصف للمسلمين جميعاً على نحو العموم الإستغراقي، بينما جاءت الآية بتقسيم أهل الكتاب الى قسمين.
بحث أخلاقي
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضوع له أحكامه في باب الفقه والعقائد والأصول، وهو فرع من فروع الدين، وسنة الصالحين ويعتبر تعاهده واجباً شرعياً لما فيه من قوام الدين.
وهو من أخلاق الأنبياء، ومن أهم وظائفهم، وكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبباً لقتل جماعة منهم لذا جاء بعد آيتين ذم الذين قتلوهم، ووصف الله القتل بانه بغير حق اذ انهم تعدوا عليهم بما هم أنبياء يتلقون الوحي، ويدعون الى الله عز وجل قال تعالى [وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ] ( )، وفيه إشارة الى تعرض المسلمين للأذى بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من باب الأولوية القطعية فاذا كان الكفار والفاسقون لم يترددوا في إيذاء وقتل الأنبياء الذين جاءوا معهم بالمعجزات الدالة على صدق نبوتهم والتي كانت تتصف بكونها معجزات حسية ظاهرة للناس لإقامة الحجة عليهم، فمن باب أولى انهم يؤذون المسلمين الذين يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر.
وقد يأتي الأذى من غير التلبس والمبادرة بالأمر والنهي وما فيهما من المفاعلة ولغة الخطاب او الفعل، فيأتي الأذى والتعدي والظلم على المسلمين لأنهم يقولون لا إله الا الله، ويصدقون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويقيمون الصلاة ويعظمون شعائر الله، ومن القرائن في المقام ولغة الإعجاز في القرآن ان تأتي الآية لتتضمن البشارة مع الإنذار بقوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ]، أما الإنذار فيتجلى بوقوع الأذى بالمسلمين وجاء على نحو الإطلاق من غير تقييد بموضوع معين، مما يدل على إحتمال شموله للأبدان والعبادات والتجارات والزراعات، والأحوال الإجتماعية، وفيه دعوة للمسلمين للإحتراز وطرد الخوف والخشية من الكيد والمكر وآثارهما.
ومن خصائص خير أمة ان لا تخاف ولا تخشى الا الله تعالى، وقد أنعم الله عز وجل عليها وصرف عنها أسباب الخوف مما يأتي من الكفار والفاسقين، وما يطلقونه من الوعيد والإنذار والتهديد.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين أن يكونوا قادة الصلاح والإصلاح الإجتماعي والأخلاقي، ووصف الله عز وجل لهم بانهم خير امة دعوة للناس للأخذ منهم والإقتداء بهم في العبادات والأحكام والأخلاق، والمسلمون ورثة الأنبياء في سننهم الأخلاقية، وقد كانت اخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترجمة عملية للقرآن، وقد ورد عن عائشة انها قالت “كانت اخلاقه القرآن”.
ويقتفي المسلمون أثر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويقتدون بسنته ويهتدون بهديه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ليتولى المسلمون نشر معاني الفضيلة بوجوه:
الأول: التحلي بالأخلاق الحميدة.
الثاني: التقيد بأحكام الشريعة.
الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيهما إصلاح للنفوس، وتهذيب للسلوك، ودعوة للإيمان.
الرابع: محاربة الأخلاق المذمومة، وطرد الكدورات الظلمانية، وإجتناب الإفتراء والغيبة والحسد ونحوه.
الخامس: نشر العادات الحسنة المستقرأة من القرآن والسنة والتي تعود على الناس بالنفع المستديم ومحاربة العادات السيئة.
السادس: التمسك بالقرآن والسنة، والتحلي بالأخوة الإيمانية التي هي واقية من الفرقة والتشتت، ووحدة المسلمين جزء علة لإستقراء أحوال المجتمعات ومنع شيوع الفسق والفساد بين الناس، وبرزخ دون تفشي التعدي والظلم ، لذا جاء في الآيات السابقة قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ليكون عمل المسلمين مرآة لإعتقادهم السليم، وشاهداً على سجاياهم الحميدة، وطباعهم الكريمة التي تتغشاها روح الإيمان، ويكون حسن الخلق عندهم ملكة تقود الى فعل الخير من غير فكر ولا روية، ويترشح عن حسن الخلق الثواب الجزيل، ونيل الدرجات العالية في الآخرة.
وإرتقى المسلمون إلى مرتبة (خير أمة) بحسن سمتهم، وتهذيب أخلاقهم، وعن عبد الله بن يسر يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية ” والذين يؤذون المؤمنين المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا ( ).
قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]
ولم تقل الآية(أنتم خير أمة) وفيه مسائل:
الأولى : ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله).
الثانية : إن الله تعالى قد كان قدم البشارة لهم بأنهم خير أمة فقال(كنتم) يعني ما تقدم في البشارة وهذا قول الحسن البصري( ).
الثالثة : الإخبار عن كون المسلمين(خير أمة) في علم الله عز وجل وأن أي أمة وأهل ملة في زمانها تدرك حقيقة مجيء(خير أمة) وهم المسلمون.
الرابعة : إرادة إستمرار ودوام أفضلية المسلمين وبقائهم إلى يوم القيامة في مرتبة(خير أمة) إذ يأتي الفعل الماضي بمعنى الإستدامة مع إنعدام الدليل على الإنقطاع المؤقت والطارئ، وجاء الفعل الماضي بمعنى الإستمرار في مواضع عديدة في القرآن منها قوله تعالى[وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا]( )، أي لم يزل ولا يزال سبحانه يتصف بالقدرة المطلقة.
الخامسة : معناه أن الله عز وجل خلفكم(خير أمة) بلحاظ تعلق الفعل(كان) بأصل الخلق.
السادسة : كنتم(خير أمة) في اللوح المحفوظ.
السابعة : تجلي التباين والتفاضل بين الأمم، وثبوت حقيقة وهي أن المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثامنة : إتحاد موضوع(خير أمة) مع جعل خليفة في الأرض فلما إحتج الملائكة على أمر الخليفة كما ورد في التنزيل[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، فتفضل الله عز وجل وأقام عليهم الحجة بقوله[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، فلاذوا بالتسبيح إقراراً ببديع صنع الله وعظيم حكمته في جعل آدم خليفة في الأرض، ليكون من مصاديق علم الله في الآية أعلاه أن المسلمين(خير أمة) وأنه أمر ثابت من حين خلق آدم وجعله خليفة بلحاظ مسائل:
الأولى : وجود (خير أمة) دليل على إمتناع تفشي وإنتشار الفساد بين الناس.
الثانية : وجود شواهد ومصاديق في خلافة الأرض تدل على وجود أمة تتصف بالصلاح، ومن الإعجاز مجيء الخطاب للأمة وتعلقه بالأمة على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي، فلو كان الخطاب للأفراد لقيل بأن القلة الصالحة لا تؤثر في صبغة الفساد فذكرت الآية أمرين:
الأول : وجود أمة هي(خير أمة).
الثاني : خروج هذه الأمة للناس جميعاً، مما يدل على أن المسلمين أمة عظيمة قادرة على الخروج للناس كلهم على نحو الإجتماع والتفرق.
الثالث : بيان الصبغة التي يخرج بها المسلمون للناس وهي الإيمان بالله لقوله تعالى(وتؤمنون بالله).
الرابع : ذكر موضوع خروج المسلمين للناس وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة