معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 87

المقدمة
الحمد لله الذي جعل القرآن مائدة السماء المنبسطة في أقطار الأرض، فمع أن نزول القرآن كان في الجزيرة وفي أيام نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن القرآن نعمة حاضرة في كل زمان ومكان، ومنع الله وجود البرزخ والمانع بين آياته وبين الناس جميعاً، فلايستطيع الإنسان أن يمنع غيره من التزود من كنوز القرآن لحاجته كممكن الوجود يلازمه الإحتياج، وفيه ما يكفي لإثبات وجود الصانع، ووجوب عبادته، وبيان مضامين وأحكام الحلال والحرام.
ولايستطيع الإنسان أن يمنع نفسه من النهل من علوم القرآن طوعاً أو قهراً، وتلك من الشواهد على كون القرآن معجزة عقلية، وآية متجددة في كل زمان، يستخرج منها العلماء الذخائر والدرر من غير أن ينقص من تلك خزائنه شئ.
وكل آية من آيات القرآن كنز ومدرسة في العلوم والمواضيع المختلفة من غير أن يكون هناك تزاحم أو تعارض وفيوضاته التوليدية تلك العلوم والمواضيع وهو من مصاديق إعجاز القرآن وعلومه المتجددة والتي يتجلى جزء يسير منها في علم التفسير ، ومنها هذا السفر المبارك.
وقد جاء هذا الجزء وهو الجزء السابع والثمانون في تفسير آيتين من سورة آل عمران في إشراقة علمية لم يشهدها التأريخ، وكله تأويل وإستنباط من مضامين الآيتين المباركتين بفيض من الله عز وجل.
والآيتان وثيقة سماوية تحكي قصة معركة أحد، وتمنع من التحريف في أخبار المسلمين وجهادهم في سبيل الله، وهو من الإعجاز الذاتي والغيري للقرآن .
اما الذاتي فان كل آية من الآيتين تتضمن أسراراً وخزائن ومقاصد سامية، وهي معصومة من التحريف.
وأما الغيري فان هاتين الآيتين برزخ دون التغيير والتبديل في وقائع معركة أحد، ومانع من الغفلة والجهالة، ودعوة سماوية متصلة موجهة لكل مسلم ومسلمة لإستنباط الدروس، وإقتباس المعارف من معركة أحد.
إن مجئ جزء كامل بهاتين الآيتين سياحة في عالم الجهاد، وتأكيد لصدق إيمان المسلمين الأوائل الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم دون رسول الله، وإجتهدوا في الدفاع عن الإسلام، وتثبيت أحكام الشريعة الإسلامية في الأرض، وكانوا عوناً للمسلمين في كل زمان ببعث الخوف والفزع في نفوس الكفار منهم.
ويبدأ هذا الجزء بتفسير قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] وفيه رحلة مباركة في عالم السنة النبوية القتالية، وكيف أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان إماماً وقائداً في المعارك، ليقتبس المسلمون من سنته هذه الدروس والمواعظ والعبر.
وليس في الآية الكريمة إلا عدة كلمات تتضمن الإخبار السماوي عن إستعداد المؤمنين للقتال، مع بيان بركات وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بينهم إذ أنه يضعهم في أماكنهم للقتال بوحي من الله عز وجل وهو شرف إضافي للذين خرجوا لنصرته في الحرب، إلى جانب ما في الآية من التشريف العظيم والإكرام لهم بتسميتهم بالمؤمنين ، وفيه تنزيه لسرائرهم وشهادة سماوية لإخلاصهم.
وجاءت الآية الثانية ببيان حال المؤمنين من الصبر في ميدان القتال والعزم على مواجهة الحتوف وعدم الخشية من الكفار مع كثرة جنودهم وكونهم ثلاثة أضعاف المسلمين ويتفوقون في العدة والسلاح وآلات الحرب والمؤون.
ويتجلى هذا العزم بإخبار الآية عن هم طائفتين من المؤمنين بالفشل أي أن الهم بالفشل محصور بهما، كما أنهما لم يبلغها مرتبة الفشل والجبن والضعف.
ومن البديع العقائدي إختتام هذا الجزء بتفسير قوله تعالى[وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ].

قوله تعالى [ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] الآية 121.

الإعراب واللغة
الواو: للإستئناف، ويجوز أن تكون للعطف.
إِذ: ظرف لما مضى من الزمن، غَدَوْتَ: فعل ماض والتاء فاعل، والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها.
ويأتي غدا بمعنى صار فيكون فعلاً ناقصاً يرفع الاسم وينصب الخبر، فيكون التاء حينئذ اسم صار والأرجح الأول، وفي الحديث “لو توكلتم على الله حق توكله لأتاكم بالرزق كما يأتي الطير رزقه في جو السماء تغدو خماصاً وتروح بطاناً”( )، أي تطير في الصباح وهي جائعة فلا ترجع في المساء إلا وقد إمتلأت حواصلها.
مِنْ أَهْلِكَ: جار ومجرور متعلقان بغدوت، وأهل: مضاف، والضمير الكاف مضاف إليه.
تُبَوِّئُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
مَقَاعِدَ: مفعول به منصوب بالفتحة.
لِلْقِتَالِ:جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمقاعد.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: الواو: إستئنافية، اسم الجلالة: مبتدأ، سميع عليم: خبراه.
يقال غدا عليه غدواً وإغتدى: بكر، وغاداه: باكره، والغدوة بالضم البكرة ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، ويقال تبوأ فلان منزلاً، إذا نظر إلى أسهل ما يرى وأشده إستواء وأمكنه لمبيته فاتخذه، وتبوأ: نزل وأقام، والتبوؤ، أن يُعلم الرجل غيره المكان الذي ينزل به لحسنه ونفعه ( وقال ابن منظور: أصلحه وهيأه) ( ).
(وبوأهم منزلاً: نزل بهم إلى سند جبل) (1).
وكأن هذا اللفظ جاء في الآية للإشارة إلى أن أوان تبوء المؤمنين مقاعدهم وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإصلاحهم لها إنما هو في ميدان المعركة وليس في المدينة، وفيه نكتة إعجازية، وهي خروج المنافقين بالتخصص من لفظ المؤمنين، لأن المنافقين إنسحب بهم عبدالله بن أبي بن سلول في الطريق إلى أحد.
في سياق الآيات
في نظم الآية وجهان:
الوجه الأول: الصلة بين هذه الآية والآيات السابقة وفيها مسائل:
الأولى: الصلة بين هذه الآية وآية [خَيْرَ أُمَّةٍ]( )، وفيها وجوه:
الأول: خير أمة تجاهد في سبيل الله، وتخرج للقتال.
الثاني: تمتثل خير أمة لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين موضع كل واحد منهم للقتال.
الثالث: تقوم خير أمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدفاع بالنفس والمال عن الإسلام وتبذل الوسع لصد تعدي وهجوم الكفار.
الرابع: خير أمة هم المؤمنون إذ جاءت تسمية الصحابة بالمؤمنين، وفيه شاهد على أن المجاهدين من الأجيال المتعاقبة من المسلمين هم المؤمنون.
الثانية: الصلة بين هذه الآية وآية [لَنْ يَضُرُّوكُمْ]( )، وفيها وجوه:
الأول: البشارة بعدم وصول الضرر للمسلمين من الكفار وإن جاءوا بجيوشهم ومؤنهم.
الثاني: الإخبار عن نتيجة المعركة إن وقعت بين المسلمين والكفار بإن الكفار سيهزمون [يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ].
الثالث: الوعد الإلهي الكريم بغلق باب النصر عن الذين يقاتلون المسلمين ويعتدون عليهم.
الثالثة: الصلة بين هذه الآية وآية [لَنْ تُغْنِيَ]( )، وفيها وجوه:
الأول: تخبر هذه الآية عن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لمقاتلة الكفار.
وفي الجمع بينهما بشارة النصر والغلبة على الكفار لما في إستمرار القتال من لحوق الضعف والوهن بالكفار بسبب تلف وضياع أسباب النصرة والمدد منهم لأن أموالهم وأولادهم لايغنون عنهم من الله شيئاً.
الثاني: بيان التضاد والتنافي بين الصحابة الذين وصفتهم هذه الآية بالمؤمنين وبين الكفار.
الثالث: في الآية دعوة للكفار لإجتناب قتال المسلمين، لأن الخسارة عاقبة الكفار في الدنيا والآخرة.
الرابع: يبعث الجمع بين الآيتين المسلمين على القتال، ويطرد الشك والتردد في قتالهم.
الخامس: الإنذار والوعيد للكفار عن قتال المسلمين إذ جاءت خاتمة آية [لَنْ تُغْنِيَ] بالإخبار عن الإقامة الدائمة للكفار في النار.
الرابعة: الصلة بين هذه الآية وآية [رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ]( )، وفيها وجوه:
الأول: البشارة للمسلمين بعدم ترتب الأثر على ما ينفقه الكفار في قتال المسلمين.
الثاني: الإنذار للكفار بأن ما ينفقونه في القتال يذهب أدراج الرياح.
الثالث: هذه الآية من مصاديق آية [رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ] إذ أن عاقبة إنفاق الكفار الأموال هي الخسارة، ولأن إنفاق الأموال في مقاتلة المسلمين هدر وتضييع لها، وتجلى هذا الأمر في الخارج بضياع ما أنفقه المشركون في معركة بدر وأحد والخندق، إذ أنها لم تؤد إلا الى قوة المسلمين وإنجذاب الناس للإسلام.
الرابع: طرد الخوف والفزع من نفوس المسلمين وعدم الخشية من كثرة أموال ومؤون وأولاد الكفار والمشركين لأنها سبب لضرر الكفار أنفسهم لظلمهم أنفسهم بتعديهم على الإسلام والمسلمين.
الخامس: أخبرت خاتمة آية [لَنْ تُغْنِيَ] عن ظلم الكفار لأنفسهم، وتنزه الله عز وجل عن الظلم، وجاءت هذه الآية لتبين مصداقاً لظلم الكفار لأنفسهم وهو قتالهم المسلمين، ومجيؤهم من مكة إلى المدينة المنورة للتعدي، مما جعل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يخرج من بيته ومعه الصحابة من المهاجرين والأنصار لقتال الكفار.
السادس: الآية بشارة النصر والغلبة على الكفار لأن هزيمتهم في المعركة من مصاديق قوله تعالى [وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ].
الخامسة: الصلة بين آية البطانة( )، وهذه الآية، وفيها وجوه:
الأول: توكيد النهي عن إتخاذ بطانة من الكفار، لأن من يقاتل المسلمين لا يجوز أن يكون خاصة وبطانة للمسلمين.
الثاني: تجهيز الكفار الجيوش والقبائل لقتال المسلمين من المصاديق الخارجية التي تتفرع عما تخفيه صدور الكفار من البغضاء للمسلمين لقوله تعالى [وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] ( ).
الثالث: لو كانت عند المسلمين بطانة من الكفار او المنافقين لنقلت أخبار المسلمين إلى الكفار.
الرابع: تؤكد هذه الآية تقيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والصحابة بأحكام آية البطانة، لما تدل عليه في ظاهرها من خفاء أمر تهيئ المسلمين للقتال عن الكفار، ولخاتمة الآية [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ].
الخامس: جاء نهي المسلمين عن البطانة من غيرهم حاجة وضرورة وتدل عليه حال القتال بين المسلمين وغيرهم، فمن يحتمل أن يهجم عليك وتقع بينك وبينه الحروب لا يجوز أن تتخذ بعض أفراده بطانة وخاصة.
السادس: يدل الجمع بين الآيتين على أن عدم إتخاذ الكفار والمنافقين بطانة مقدمة لخوض المسلمين القتال مع الكفار، وحرز من الخسارة في المعركة.
السادسة: الصلة بين هذه الآية وآية [هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ]( )، وفيها وجوه:
الأول: تبين هذه الآية وما فيها من صيغة الدفاع لصد الكفار درجة البغض والغيظ الذي يكنه الكفار للمسلمين، إذ يقومون بالهجوم على المسلمين، وفيه تنبيه للمسلمين وتحذير من حبهم للكفار بلزوم عدم الركون إليهم.
الثاني: يفيد الجمع بين الآيتين خزي الكفار، والبشارة بهزيمتهم بالقتال لقوله تعالى [قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] وهذه الآية من مصاديق ووجوه موت الكفار بغيظهم، بقتل فريق وأسر فريق منهم، وصيرورة الخسارة سبباً لإمتلاء نفوس الباقين منهم حسرة وأسى.
الثالث: الإشارة إلى هزيمة الكفار مع حال الغيظ.
الرابع: تفقه المسلمين في شؤون القتال، والإحتراس من العدو، إذ أن شدة البغض عند الكفار تجعلهم يتمادون في التعدي على المسلمين.
الخامس: هذه الآية مصداق للتباين والتضاد بين إدعاء الكفار أمام المسلمين الإيمان وبين سوء فعلهم بالهجوم على المسلمين في المدينة المنورة.
السابعة: الصلة بين هذه الآية والآية السابقة، وفيها وجوه:
الأول: إن قدرة المسلمين على المواجهة والقتال أمر يسوء الكفار، إذ جاءت الآية السابقة بالإشارة الى مساس وقرب النعمة والحسنة من المسلمين، وتدل هذه الآية على أن المسلمين لم يترددوا في القتال، ولم يطلبوا الصلح المذل، بل عمدوا إلى المواجهة والإستعداد للقتال وأظهروا الطاعة لله والرسول، ولابد أن بعض رؤوس الضلالة والكفر من قريش قاموا بترغيب العامة منهم بالقتال، وإدعوا عدم قدرة المسلمين على القتال والمواجهة، وأعلنوا قلة عدد المسلمين، فجاءت هذه الآية لتؤكد أن التهيئ للقتال وحده حسنة.
وتبعث الآية الفزع في قلوب الكفار إلى يوم القيامة لما فيها من مبادرة المسلمين للقتال، وذكرت قضية في واقعة وما جرى في معركة أحد وتهيء المسلمين لها، إلا أنه قانون ثابت يحث الصحابة على أن يتهيؤوا للقتال دفاعاً عن الإسلام، ويؤكد للناس جميعاً أن المسلمين لن يتخلفوا عن نصرة الإسلام، ولن يستسلموا للذي يغزو بلادهم بل يبادرون إلى القتال متحدين.
الثاني: إدراك المسلمين لحقيقة وهي أن إنتصارهم في المعركة يبعث الحزن والأسى في قلوب الكفار والمنافقين جميعاً، ولاينحصر الحزن بالذين يقاتلون المسلمين بل يشمل عموم الكفار والمنافقين، الذين لايريدون الحسنة والنعمة للمسلمين.
الثالث: هذه الآية من مفاهيم قوله تعالى [إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ] من وجوه:
الأول: إستعداد المسلمين للمعركة حسنة.
الثاني: خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه للقتال حسنة نالها المسلمون في أجيالهم المتعاقبة إلى يوم القيامة، لأنه باب من أبواب النصر والظفر على الأعداء، ودعوة للملوك والرؤساء بالجهاد بالنفس في سبيل الله وتوجيه الجنود والكتائب.
الرابع: تحذير المسلمين من الخسارة والهزيمة لأنها تفرح الكفار والمنافقين، وتجعلهم يطمعون في المسلمين وما عندهم من النعم والحسنات.
الخامس: التهيء للقتال من أهم مصاديق الصبر والتقوى اللذين جاءت بهما الآية السابقة [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا]، وتهيء المسلمين للقتال إمتثال لما جاء في الآية السابقة.
السادس: صبر المسلمين في القتال شاهد على تقيدهم النوعي العام بأحكام الصبر والتقوى وعدم تخلفهم عنها، وهو مقدمة للنصر وتحقيق الظفر على الأعداء.
السابع: يفيد الجمع بين الآيتين البشارة بصرف كيد الكفار والمنافقين لأن تبوء المؤمنين مقاعد القتال مصداق للصبر والتقوى اللذين دعت لهما الآية السابقة، والتي تضمنت أيضاً الوعد بصرف ضرر الكفار بقوله تعالى [لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] وتقدير الجمع بين الآيتين: ما دمتم تتبوءون مقاعد للقتال فلن يضركم كيدهم.
الثامن: خاتمة الآية السابقة مدد للمسلمين، وتبعث السكينة في نفوسهم عند الإستعداد لقتال الأعداء.
الوجه الثاني: الصلة بين هذه الآية والآيات القليلة التالية، وفيها مسائل:
الأولى: الصلة بين هذه الآية والآية التالية وفيها وجوه:
الأول: في الجمع بين هذه الآية والآية التالية حث للمسلمين على الصبر والتقوى.
الثاني: بيان ما كان يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تعليم المسلمين، وتهيئتهم للجهاد في سبيل الله.
الثالث: تجلي منافع الصبر والتقوى وما فيهما من معاني الطاعة لله ورسوله.
الرابع: بيان فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في إصلاح الصحابة للقتال، وإتخاذهم مواضع لقتال الكفار،فالله عز وجل هو ولي وناصر المسلمين وهو الذي يمدهم بأسباب مواصلة الجهاد، ويدفع عنهم الجبن والتخاذل.
الخامس: إقتران البشارة بالنصر للمسلمين عند التهيء للقتال، لأنهم يعلمون أن الله وليهم، ومن يكن الله وليه فان النصر حليفه.
السادس: في الجمع بين الآيتين توكيد بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس أصحابه في أماكنهم للقتال بأمر من الله تعالى لأنه سبحانه وليه وولي المؤمنين، ولعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثانية: الصلة بين هذه الآية وآية [بِبَدْرٍ] ( )، وفيها وجوه:
الأول: بعث السكينة في قلوب المسلمين عند التهيئ للقتال، بتحقق الظفر والنصر في معركة بدر، بلحاظ ذات الآية محل البحث ونزولها بخصوص معركة أحد.
الثاني: تجلي معاني إجتماع المعجزة مع السعي والجهاد وصدق العزيمة وبذل النفس والمال في سبيل الله، فتحقق النصر في معركة بدر بفضل من عندالله [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ].
وجاءت الآية محل البحث لتخبر عن إستعداد المسلمين للقتال، وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإشراف وقيادة المعركة لمواجهة الأعداء، وكذا فعلوا في معركة أحد مما يفيد البشارة بالنصر من عند الله لوحدة الموضوع في تنقيح المناط.
الثالث: بيان العز والقوة التي صار عليها المسلمون بعد الظفر والنصر في بدر، فقد ذكرت آية [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ] أن المسلمين كانوا أذلة وأنعم الله عز وجل عليهم بالنصر والغلبة، مما يدل على البشارة بالنصر والظفر في القادم من المعارك من باب الأولوية القطعية، فان قلت قد خسر المسلمون في معركة أحد، والجواب أنه لم تتحقق خسارة تامة للمسلمين، كما أن الخطأ جاء من الرماة المسلمين الذين غادروا مكانهم طمعاً بالغنائم عندما رأوا هزيمة الكفار، بالإضافة إلى أن النبي خرج بعد إنتهاء المعركة في طلب المشركين، وتلك آية وشاهد فيما صار عليه المسلمون من العز والقوة والمنعة.
الرابع: لزوم إستحضار الخشية من الله عز وجل عند التهيئ للقتال، لقوله تعالى في آية (بدر) بالأمر بتقوى الله، قال تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ].
الخامس: إخبار هذه الآية عن نصرة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهليتهم للقتال في بدايات الإسلام مع شدة بطش الكفار وقصدهم غزو المسلمين في عقر دارهم، وهو مناسبة لشكر المسلمين لله عز وجل على نعمة مقاومة العدو.
الثالثة: الصلة بين هذه الآية وآية [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) وفيها وجوه:
الأول: بيان الفضل الإلهي العظيم على المسلمين بنصر الله تعالى لهم بالمدد بالملائكة.
الثاني: ذكرت كل من الآيتين الصحابة الذين خرجوا للقتال بلفظ المؤمنين، وفيه مدح وثناء عليهم.
الثالث: بشارة المسلمين بالمدد السماوي، ونزول الملائكة لنصرتهم.
الرابع: لقد كفى الله عز وجل المسلمين في مواطن القتال بمدد من الملائكة، وهذه المواطن من أهم المواطن التي تحتاج فيها الأمة المدد والنصرة، وإتصف المسلمون بأن مددهم من الملائكة.
الخامس: مع تعليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين لمواضعهم في القتال فانه يذكر لهم فضل الله عز وجل بما أمرهم ونصرهم به من الملائكة.
الرابعة: الصلة بين هذه الآية وآية [[ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا]( ):
الأول: دعوة المسلمين الذين يجلسون في مواضع القتال ويرابطون في الثغور إلى التحلي بالصبر وخشية الله عز وجل.
الثاني: بشارة المسلمين بعدم تأخر أو إبطاء الملائكة عن نصرتهم.
الثالث: الوعد الإلهي بإتصال وتكرار المدد الملكوتي.
إعجاز الآية
جاءت الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتعلق بشؤون القتال والحرب، لتبين الآية العناية الإلهية بالمسلمين، وتحكي ما قام به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إصلاح أصحابه للقتال، ويحتمل هذا الإصلاح أموراً:
الأول: أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يُجلس أصحابه في مواضعهم بالوحي وهو من السنة الفعلية.
الثاني: يمضي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جلوس أصحابه في مواضعهم في القتال، فهو من السنة التقريرية.
الثالث: يتشاور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه في تعيين مواضعهم متحدين ومتفرقين، وهو من عمومات ومصاديق آية البطانة.
والصحيح هو الأول والثالث، إذ جاءت الآية بنسبة الفعل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه هو الذي يقعدهم في مواضعهم للقتال، وفيه شاهد على إمامة النبي للمؤمنين وقيادته شؤون القتال ومحاربة الأعداء.
وذكرت الآية مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهله وزوجاته مبكراً إلى سوح القتال وهو شاهد على صدق النبوة، وأنه لم يختر الراحة والدعة، بل بادر بعد صلاة الصبح إلى سوح المعارك دفاعاً عن الإسلام، وفيه دعوة لأولي الأمر، وقادة المسلمين بالتوجه إلى القتال ليكونوا أسوة وأئمة لعموم المقاتلين، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إماماً للمسلمين جميعاً قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( )، إلا مع وجود الراجح الشرعي أو العقلي على التخلف والإنابة ويجب ألا يكون هذا التخلف سبباً للإعراض والترفع عن مباشرة شؤون المعركة، ومتابعة أخبارها وسير الأحداث.
وتبين الآية أن قتال المسلمين كان دفاعاً عن النفس والمبادئ، وهي وثيقة سماوية تدل على أن الكفار هم الذين يهجمون على المسلمين في بلدهم بغير حق.
والآية حجة بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان عند أهله وخرج للقتال إبتداء أي أن المسلمين فوجئوا بالعدو وهجومه، وهو شاهد على أن الإسلام لم ينتصر بالسيف وإكراه الناس لدخول الإسلام، بل كان المسلمون يدافعون عن أنفسهم، ويأتيهم العدو على حين غرة، ولم يعتذروا أو يجبنوا بل يهّبوا للقتال مجتمعين ومتحدين مع أن الإسلام حديث عهد، مما يدل على صدق الإيمان وإستقراره في نفوسهم .
فمن إعجاز الآية تسمية الصحابة في الآية بـ(المؤمنين) فلا يستطيع أن يبادر إلى القتال وإلى طاعة الله ورسوله والإمتثال في تعيين مواضعهم في القتال إلا المؤمنون ، فجاءت الآية لمدح الصحابة الذين قاتلوا في أحد، ودعوة المسلمين للإقتداء بهم، والتماس النصر بالصبر والتقوى.
وجاءت خاتمة الآية لبيان العناية الإلهية بالمسلمين، وحفظ بيضة الإسلام، وفيه دعوة للمسلمين للجوء إلى الله عز وجل في الدعاء والمسألة.
لقد جاءت الآية في مدح الأحديين، ومن إعجازها أنها نعتت الذين تبوؤا مقاعد القتال بالمؤمنين، وفيه إعجاز من وجوه :
الأول : خروج المنافقين بالتخصيص من المدح والثناء في هذه الآية لأنهم إنسحبوا في الطريق إلى المعركة.
الثاني : طاعة المسلمين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإستعداد للمعركة .
الثالث :الإشارة إلى رجوع من هّم بالضعف والعجز عن هذا الهم , كما تبينه الآية التالية .
ويمكن أن نسمي هذه الآية آية “وإذ غدوت” ولم يرد لفظ (غدوت) في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
تبين الآية موضوعية الجهاد في البعثة النبوية الشريفة، وأن الصحابة الذين أسلموا كانوا يجاهدون في سبيل الله بالأنفس والأموال دفاعاً عن بيضة الإسلام، وفيه تثبيت لسنن الجهاد عند المسلمين إلى يوم القيامة، وبرزخ دون القعود والتخاذل.
وإبتدأت الآية بظرف يتعلق بما مضى من الزمان (إذ) لتكون الآية مدرسة جهادية لأجيال المسلمين يقتبسون منها المواعظ والعبر، وتبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار، وتزجرهم عن التعدي على المسلمين، ومحاولات غزو بلادهم، إذ تندب الآية المسلمين للجهاد، وتمنع من التهاون والتخاذل والجبن، وتدعو للمناجاة للدفاع عن الإسلام، وترك الإهتمام بأمور الدنيا والعيال ساعة الجهاد والذي يدل عليه قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ].
وتتجلى في هذه الآية معاني الصبر، ورسوخ ملكته عند المسلمين بفضل الله عز وجل فمع أن الآية تتحدث عن وقائع في بدايات الإسلام إلا أنها تتضمن الإخبار عن بلوغ المسلمين أرقى مراتب الصبر بإختيار المبادرة إلى مواضع القتال دفاعاً عن الإسلام، مما يدل بالأولوية القطعية على لزوم قيام المسلمين بالدفاع بعد توالي الآيات وتعدد معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وثبوت الإيمان في النفوس، وكثرة عدد وأمصار المسلمين، والمصاديق الواقعية التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وظهور الضعف والوهن في صفوف الكفار.
وتدعو الآية المسلمين إلى تعلم فنون القتال، والتهيئ للنفير العام الذي تشير اليه بمبادرة المسلمين إلى إتخاذ مواضع القتال، وتؤكد على الحاجة الى حسن الطاعة والإنقياد للنبوة في المعركة، ليكون هذا الإنقياد سلاحاً ضد الأعداء، وسبباً لإلقاء الفزع في نفوسهم.
مفهوم الآية
تبين الآية أن النبوة جهاد في سبيل الله، وسعي لتثبيت معالم الدين في الأرض، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد بذل الوسع وجاهد بنفسه لتثبيت ونشر مبادئ الإسلام، فحينما بلغ المسلمين مجئ الكفار للقتال لم يظهر الخوف أو الوجل عليهم، ولم يدع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المبادرة لإرضاء الكفار أو الفرار أمامهم، بل خرج في الصباح الباكر من بيته مودعاً أهله للقاء العدو، ليهب المسلمون جميعاً إلى سوح القتال من غير إبطاء.
وتدل الآية على تسليم المسلمين بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والإنقياد التام لأوامره إقراراً منهم بأنه لا يأمر إلا بما يوحى إليه، وتدعو الآية المسلمين إلى طاعة الأوامر التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب العبادات والمعاملات من باب الأولوية.
إذ أن طاعة أصحابه له في القتال وبذل النفس ومواجهة جيوش الكفار مع كثرة عددها وعدتها شاهد على إقرارهم بصدق نبوته، ورؤيتهم المعجزات التي جاء بها، ثم جاء النصر والظفر ليكون حجة قائمة إلى يوم القيامة تحث المسلمين على لزوم طاعة الله ورسوله في الميادين المختلفة.
ومع أن الإسلام لا زال في سنيه الأولى، فقد نزلت الآية للحث على القتال في سبيل الله، والإخبار بوجود أعداء للإسلام لا يترددون في الهجوم على المسلمين في بلدهم لا لشئ إلا لأنهم إختاروا الإسلام، فلم يسبب نزول الآية وموضوعها صدود الناس عن الإسلام إجتناباً للقتل،، بل بادروا لدخول الإسلام والدفاع عنه مما يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتجلي المعجزات التي جاء بها.
ولا عبرة بعدد من المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر، ووجود هؤلاء يدل على قوة الإسلام، وصدق إيمان المسلمين بحيث يخافهم الذي في قلبه مرض، ويعجز عن إظهار مخالفته لهم، فيتظاهر بالإيمان.
وتتضمن الآية البشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة، إذ أنها تصفهم بالمؤمنين مما يدل على خلو قلوبهم من النفاق والضلالة، وفي هذا الوصف إخبار عن إستعداد المسلمين للجهاد والدفاع عن الإسلام، وفي الآية مسائل:
الأولى: بيان مبادرة المسلمين إلى الخروج إلى الجهاد.
الثانية: عدم التردد في الإستعداد والتهيئ للقتال.
الثالثة: تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على وجود قدرة عند المسلمين على الدفاع، ولاينحصر موضوع هذه القدرة بالعدة والعدد بل بقوة العزيمة، وإخلاص العبادة وصدق الإيمان، وعشق الشهادة، وما وعد الله عز وجل المسلمين من الظفر والغلبة.
الرابعة: في الآية إمضاء لفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإخبار عن صدق توجهه للقتال، وهي مقدمة لمنع القيام بلوم النبي على على الخروج عندما حصلت الخسارة في أحد، فلو شاء الله عز وجل لنهى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عن الخروج للقتال بآية قرآنية أو بمطلق الوحي.
ولكن الآية تبين صحة فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكثرة المنافع الدنيوية والأخروية لخروج المسلمين، وتلك مسألة تعرف بالوجدان، والنتائج العامة لمعارك الإسلام الأولى، إذ إزاح قتال المسلمين دفاعاً عن الإسلام الخوف من نفوس الكثير من الناس من سطوة رؤساء الضلالة والشرك فأخذوا يدخلون الإسلام جماعات وأفواجاً، مما بعث الفزع والخوف في قلوب المشركين، وأضطروا لطلب الصلح والهدنة، ولم تمر سنوات معدودات، حتى دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة فاتحين.
الخامسة: في الآية دعوة للمؤمنين للجهاد ونصرة الدين فلا ينحصر الإيمان بأداء الصلاة والصوم والزكاة، بل أن الجهاد فرد من أفراده، وضرورة لدوام كلمة التوحيد في الأرض، وسلامة المسلمين في أنفسهم وأموالهم وذراريهم.
لقد جاءت قصة بني إسرائيل وقيام آل فرعون بظلمهم وإستحياء نسائهم عبرة وموعظة للمسلمين، قال تعالى [يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ]( ).
لذا فان قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] شاهد على بلوغ أهل الإيمان مرتبة الجهاد والدفاع عن الإسلام، وعدم الخضوع للظالمين أو الهروب منهم للنجاة بالنفس بل إختاروا الثبات في المواضع وقتال العدو مع أن الإسلام في بداياته، وهو من الشواهد على تفضيل المسلمين على الأمم الأخرى، وأنهم خير أمة أخرجت للناس.
السادسة: المدح والثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لوجود أمة من المؤمنين يتبعونه في نبوته، ويأتمرون بأمره في ميادين الجهاد، وهي أشد وأصعب الأحوال لما فيها من بذل النفس، فان قلت إن الأنبياء الآخرين معهم أيضاً أصحاب ومؤمنون يبذلون أنفسهم في سبيل الله، والجواب نعم وتلك آية في النبوة، وأثر المعجزات في إيجاد أمة مؤمنة مخلصة في طاعتها لله عز وجل، ولكن فضل المسلمين في مقام الجهاد ظاهر ومتجدد إلى يوم القيامة.
السابعة: يعلم المسلمون أثناء تهيئة المواقع أنهم مقبلون على قتال العدو، وأن الإسلام بدأ بالنطق بالشهادتين ثم أداء التكاليف العبادية ثم جاء الجهاد بالسيف دفاعاً عن الشريعة والمبادئ السماوية.
الثامنة: في الآية توكيد لحقيقة الدفاع، وأن المعركة ليست للهجوم والغزو بدليل عدم وجود فاصلة بين خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته وبين تنظيم صفوف المسلمين،، وإجلاس كل واحد منهم في موضعه للجهاد والقتال.
التاسعة: تدل الآية في ظاهرها على قبول المؤمنين لكيفية توزيع المسلمين، ونشرهم في مواضع القتال، وتلقيهم أوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرضا مما يدل على أمرين:
الأول: كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوزع المسلمين في مواضعهم بالوحي.
الثاني:صدق إيمان المسلمين، وإستعدادهم للقتال والتضحية والشهادة في سبيل الله.
العاشرة: تدل الآية على شجاعة المسلمين، وإنعدام الجبن والتردد عندهم، لسرعة إتخاذهم مواضع القتال دفاعاً عن الإسلام.
الحادية عشرة: دقة الضبط والنظام عند المسلمين بالإمتثال لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الإمام في أمور الدين والدنيا.
الثانية عشر: الكفار الذين هجموا على المسلمين وأرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هم من عشيرته وأبناء عمومته، فلم يمنع هذا الأمر الأنصار والمهاجرين عن محاربتهم وقتالهم، ولم يكن سبباً للشك بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل تجلت في معركة بدر وأحد معجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وأدراك الصحابة وجوب إتباعه ونصرته، وضلالة من حاربه، ومن الآيات وجود أهل بيته وشطر من عمومته مهاجرين ومجاهدين معه، ومن الآيات في صدق نبوته، وإخلاص أهل البيت له، عندما طلب نفر من قريش البراز وسألوا الأكفاء من قريش فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ابن عمه عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، وكان عمره سبعين سنة، فقال: قم يا عبيدة، وهو أول من إختاره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نظر إلى حمزة، فقال: قم يا عم، ثم نظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: قم يا علي، وكان أصغر القوم فلم يخرج لهم إلا أقرب أهل البيت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة عشرة: إختتام الآية ببيان عظيم قدرة الله عز وجل وسعة رحمته بالمسلمين، والإخبار عن سماع دعائهم، وعلمه بحالهم، ونصره تعالى لهم.
ومن إعجاز الآية في باب المفهوم أنها زجر للكفار عن التعدي على المسلمين بلحاظ أن قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه بتعيين موضع القتال لكل فرد من الصحابة هو بوحي من الله عز وجل، ليكون هذا التعيين حرزاً وواقية لهم، وبرهاناً عملياً على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومع قلة كلمات الآية فقد وردت فيها كلمات لم ترد في غيرها من آيات القرآن وهي:
الأولى: غدوت.
الثانية: تبوئ.
الثالثة: مقاعد القتال.
إفاضات الآية
جاءت الآيات السابقة في الثناء على المسلمين والإخبار السماوي عن كونهم خير أمة أخرجت للناس، وبيان سوء حال الكفار، بالوصف والإنذار ولغة المثل، وتوكيد إصرارهم على الجحود، وجاءت هذه الآية لتبعث الشوق في نفوس المسلمين لمحاربتهم وقتالهم ومنع تعديهم على الإسلام.
لقد أراد الكفار وأد الإسلام في أيامه الأولى، ولكن الله أبى إلا أن ينبعث ضياء الإيمان إلى أصقاع الأرض، ويندفع الكيد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يتم نزول آيات القرآن، وتترسخ مبادئ الإسلام في الأرض.
لقد جاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أجل تفقه المسلمين في أحكام الشريعة الإسلامية فجاء زحف الكفار محاولة لمنع هذا التفقه، وبث روح الفرقة والخلاف وأسباب الضعف بين المسلمين، ولكن الله تفضل على المسلمين بالمدد والنصر لتكون الآية شاهداً على حضور الفيض الإلهي على المسلمين في حال السلم والحرب.
إن خاتمة الآية الكريمة شاهد على المدد الإلهي للمسلمين، ودعوة لهم للجوء إلى الله عز وجل والتوكل عليه في أشد الأحوال وهي حال القتال التي طرأت على المسلمين بإختيار وتعيين الكفار لها، والمفاجأة بقدوم العدو غازياً سبب لحصول الخوف والإرباك في المجتمع وبين الأسر والأفراد.
ولكن المسلمين وبفيض من الله عز وجل واجهوا الأمر بالإستعداد للقتال وسؤال النصرة والمدد من عند الله عز وجل، وإن وجود الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين في مواقع القتال من أسمى وجوه الفيض، وأسباب النصر والغلبة، فهو لم يترك المسلمين، ولم يرسلهم ويبقى في المدينة، وعندما حصلت الهزيمة في أحد لم ينسحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل بقى ثابتاً في مكانه إلى أن إجتمع المسلمون عليه، وإشتد وطيس القتال، وإنهزم الكفار.
وفي الخبر المشهور عن علي عليه السلام، وهو اشجع البشر ( كنا إذا اشتد البأس ، وحمى الوطيس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله ولذنا به( ).
ولا تنحصر منافع النبوة في المقام بهذه الآية وموضوعها وزمانها، فهي باقية إلى يوم القيامة ينهل منها المسلمون دروس الجهاد، والمواعظ والعبر، ويدركون لزوم التحلي بآداب المسلمين الأوائل، وإخلاصهم في الذب عن الإسلام.
وهذه الآية علاج للقلوب وإزالة للكدورات الظلمانية لما فيها من الإنذار للكفار من التعدي على المسلمين، وبيان مبادرة المسلمين للقتال والدفاع عن الإسلام.
الآية لطف
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً، رجالاً ونساء في أجيالهم المتعاقبة، قال سبحانه [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
وجاءت هذه الآية لتبين صفحة مشرقة من صفحات البعثة النبوية تتعلق بالقتال والدفاع بالرجال والخيل والسيف وهو سلاح العصر أنذاك، فهل هذا القتال من عمومات الرحمة الإلهية المذكورة في الآية أعلاه، الجواب نعم من وجوه:
الأول: تدل الآية على أن المسلمين في حال دفاع عن النفس والدين.
الثاني: بيان قوة الإسلام وعز المؤمنين.
الثالث: الآية رحمة بالصحابة وأجيال المسلمين لما فيها من بيان الحاجة إلى القتال ونصرة الإسلام بالنفس.
الرابع: في الآية ذم وتبكيت للكفار وهي وثيقة سماوية تدل على ظلم الكفار لأنفسهم وللمسلمين وللناس جميعاً.
الخامس: في الآية تحذير من التعدي على المسلمين، والسعي لقتالهم، وهذا التحذير لطف بالناس جميعاً ودعوة لهم لإصلاح أنفسهم.
السادس: في الآية شهادة على جهاد المسلمين الأوائل في سبيل الله، وهو لطف بهم ودعوة للمسلمين جميعاً لإكرامهم والإقرار بحقهم وجهادهم في سبيل الله، والذب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدفاع عن مبادئ الإسلام بالأنفس والأموال والأهل.
السابع: في الآية مدح للصحابة الذين شاركوا في القتال يوم أحد بنعتهم بالمؤمنين، وإخبار بان التهيئ لقتال الكفار يستلزم الإيمان، كما أنه من أفضل مصاديق الإيمان، وفيه منع للفرقة والخلاف والحسد والتباهي بين المسلمين عند الخروج للقتال، إذ يجمعهم سور جامع مبارك هو الإيمان.
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدات الآية الكريمة بالخطاب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاءت بصيغة المفرد مع بيان صفات الإمامة والزعامة في الفعل، ولتكون وثيقة ليوم عظيم من أيام الإسلام ساهم في تغيير مجرى التأريخ بما بذله المسلمون الأوائل من دمائهم وأنفسهم، ودفاعهم عن الإسلام.
والفيض الإلهي بوجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم وقيادته للقتال، وتوليه مسؤوليات الزعامة من أول ساعة، فلم يترك النبي توزيع المواضع وكيفية المواجهة للصحابة أنفسهم، ولم يعين قيادة من بينهم فلم تكن قيادة للمهاجرين وأخرى للأنصار، بل كان الجميع بعرض واحد جنوداً مؤمنين يتزاحمون في خدمة الإسلام وتحت أمرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لينالوا شرف الدنيا والآخرة.
فليس من شئ أفضل وأسمى من أن يتلقى الإنسان الأوامر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتنطبق عليه صفة الإيمان وهو يدافع عن الإسلام بنفسه وماله وعياله.
وأفتتحت الآية بذكر زمان وموضوع الآية، وما تذكره من الحدث بأنه غدوة أي في الصباح المبكر، وليس من ثمة فترة ومدة بين صلاة الصبح وخروج النبي من بيته وقيامه بتوزيع المسلمين في مواضعهم، وتلك آية إعجازية تبين لزوم المبادرة إلى الدفاع، وعدم الإمهال والتراخي في التهيئ للقتال.
وتبين الآية مجتمع المدينة أيام البعثة النبوية الشريفة، وكيف أنهم أمة مؤمنة متحدة، منقادة لأوامر الله ورسوله، ويفيد الجمع بين خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته وبين مقاعد القتال بعث الفزع والخوف في قلوب الكفار من المسلمين الذين يقضون ليلهم في تهجد وذكر لله وإستقرار مع أهلهم، ولكنهم حالما يشعرون بأن الخطر يداهمهم يبادرون إلى القتال من الصباح الباكر، مما يدل على شوقهم للقاء الله وصدق إيمانهم، وإدراكهم للحاجة للدفاع عن الإسلام وإستعدادهم للتضحية من أجله وجاء ذكر الأهل في الآية لبيان أنهم لم يكونوا سبباً لبعث التردد والوهن في نفس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
وليس من أسرة من أسر المؤمنين أشارت على الأب أو الأخ أو الابن بعدم الخروج أو التأخر لساعات الضحى، وتعرف الزهراء وأزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه خارج للقتال وأن الكفار يطلبونه بشخصه ونبوته، ولم يصدر منهن إلا ما يقوي العزيمة ويشد العضد للمعرفة العامة والتسالم على عظيم منزلة النبوة وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يفعل مايأمره الله تعالى به، ولصدق الإيمان.
ويدل وصف الصحابة بالمؤمنين على نيل أهل البيت وعموم الصحابيات من المهاجرات والأنصار صفة الإيمان، وهذه الصفة عون للمجاهدين من وجوه:
الأول: إنه نصرة ومدد وتعضيد لهم.
الثاني: إنعدام النهي والمنع من القتال، واسباب بعث روح التردد والخوف في نفوس المجاهدين.
الثالث: خلو قلوب المؤمنين والمؤمنات من حب الدنيا وزينتها.
خصوصاً وأن هذه المعركة دفاعية وليس فيها غزو ونهب وسلب، ويدل عليه عدم وجود فترة بين خروج النبي من أهله وبين تهيئة الصحابة لقتال العدو،وهل هو من المسارعة في الخيرات، الجواب نعم لما في المبادرة للقاء العدو من الدفاع عن الإسلام .
وفي الآية إشارة إلى وجود عيون عند المسلمين يرصدون حركة العدو، وما يجري حول المدينة، إذ أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خرج مبكراً من بيته، وكذا عامة الصحابة، وأخذوا بالإستعداد للمعركة، وخوض القتال مع الكفار.
وأختتمت الآية ببشارة ووعد بقوله تعالى [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] في دلالة على أن الله عز وجل يسمع دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والمسلمات وأهل البيت رجاء النصر والغلبة، ويعلم صدق إيمان المسلمين، وتفانيهم في الدفاع عن الإسلام، وفيه بعث للسكينة في نفوس المؤمنين والمؤمنات، ودعوة للتوكل عليه والإجتهاد في الجهاد وطاعة الله ورسوله، وبشارة الثواب العظيم الذي ينتظر المؤمنين على جهادهم ودفاعهم عن الإسلام.
وجاء حرف العطف (الواو) مرتين في الآية، إذ إبتدأت الآية به في إشارة الى عطفها على ما قبلها من الآيات، وهذا العطف بشارة النصر على الكفار بالصبر والتقوى.
وجاء حرف العطف في خاتمة الآية بقوله تعالى [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] للإخبار عن نيل المؤمنين الثواب على صبرهم وقتالهم في سبيل الله، ولبيان أن القرآن يوثق ما قام به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تعبئة وتنظيم صفوف الصحابة للجهاد.
إن الله عز وجل يسمع ما يقوله المسلمون، والإختلاف في الإجتهاد الذي حصل قبل الخروج إلى المعركة، ورأي فريق منهم بالبقاء في المدينة ورأي آخرين بالخروج اليهم لقتالهم، وفي الجمع بين أول وآخر الآية إشارة إلى فوز المسلمين في الحالتين فضلاً من عند الله عز وجل.
وتفيد الصلة بين قوله تعالى [مِنْ أَهْلِكَ] وبين خاتمة الآية، أن الله عز وجل يعلم تعدي الكفار وإيذائهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فهم لم يتركوا المسلمين وشأنهم، ولم يكرموا مقام النبوة، والحياة الخاصة للنبي مع أهله وأزواجه، بل جعلوه يخرج مبكراً إذ يؤدي المسلمون صلاة الصبح ويرجعون إلى بيوتهم وأسرهم، ومنهم من يذهب إلى عمله، فجاء الكفار بجيوشهم ليجعلوا النبي يغادر من الصباح الباكر إلى القتال في سبيل الله.
وتأتي خاتمة الآية وكأنها بشارة بأن النبي يرجع إلى أهله كما خرج منهم في الصباح لأن قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] وعد كريم وإخبار عن أن مقاليد الأمور بيد الله عز وجل.
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى: بيان جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة في سبيل الله.
الثانية: توبيخ وإنذار المنافقين الذين يتخلفون عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في التنزيل حكاية عن المنافقين [ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ ] ( ).
الثالثة: منع القول بأن النبي محمداً لم يقاتل، وأنه ترك للمسلمين الدفاع عن المدينة أو عن أنفسهم، وربما يأتي من يقول أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان مشغولاً بأزواجه وما يحصل بينهن لا سيما وأنه من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الزواج بأكثر من أربعة.
فجاءت هذه الآية لتمنع هذا القول وتؤكد حقيقة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يبادر إلى الجهاد بنفسه من غير توان أو تردد أو تأخر، وفيه دعوة لأمراء المسلمين بالجهاد والبذل في سبيل الله وحتى مع وجود الراجح بالغياب عن ميدان المعركة فان وظائف القيادة أعم لذا ذكرت الآية تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توزيع مواضع القتال مع أنه في وسط الميدان من أول المعركة إلى نهايتها ولم تمنعه الإصابات البليغة التي تعرض لها من قيادته المعركة وثباته في موضعه.
الخامسة: مدح الصحابة الذين خرجوا إلى الجهاد والدفاع عن الإسلام وبيان فضلهم في تثبيت دعائم الدين، ومواجهة الكفر والكافرين .
السادسة: جاءت آيات القرآن بلزوم الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [ولَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ( )، وجاءت هذه الآية ببيان أبهى مصداق عملي لهذا الإقتداء وهو الجهاد بالسيف والتضحية بالنفس.
السابعة: بيان حقيقة عن الإرادة التشريعية وهي أنه مع الإيمان يأتي الجهاد في سبيل الله، وكأن هناك ملازمة بينهما، فان قلت كثير من المؤمنين في الأزمنة اللاحقة لأيام النبوة لم يجاهدوا بالسيف في سبيل الله، ولم تكن أسباب طارئة لهذا الجهاد، فهل هو عنوان للنقص في إيمانهم، الجواب لا، فالملازمة لاتعني بالضرورة الفعل والمباشرة ويكفي الإستعداد للجهاد والتأسي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين الأوائل.
الثامنة: جاءت آيات القرآن بقصص الأنبياء والأمم السابقة لتكون عبرة وموعظة للمسلمين، ولكنها لم تترك قصص المسلمين الأوائل إذ ذكرتها بوجه مشرق يتضمن حبهم لله عز وجل ولرسوله وجهادهم وإخلاصهم في طاعة الله عز وجل، ولتكون شاهداً على أن المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
التاسعة: ذكرت الآية الصحابة الذين جاهدوا في سبيل الله بصفة الإيمان ليخرج بالتخصص المنافقون الذين يخفون الكفر ولا يرجون للمسلمين النصر.
العاشرة: مع تهيئ المسلمين للقتال وبعد إنتهاء المعركة تكون العناية الإلهية مصاحبة للمسلمين.
وجاءت خاتمة الآية الكريمة بالإخبار عن أن الله عز وجل يسمع ما يقوله المسلمون وفيه حث لهم على الدعاء وعدم الإنشغال عنه ساعة الشدة ومواجهة العدو، لأنه سلاح الأنبياء، كما تحث الخاتمة على أداء المسلمين الصلاة والصيام والزكاة.
وفي الآية إخبار بأن الله عز وجل يعلم ما يلاقيه المؤمنون من العناء والمشقة في سبيل الله، وهذا الإخبار بشارة الجزاء بالخلود في النعيم في الآخرة.
أسباب النزول
دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المدينة المنورة بعد معركة أحد وقد فقدوا سبعين شهيداً من الأنصار وخمسة من المهاجرين فأخذت نساء الأنصار يندبن قتلاهن.
قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بدار بنى عبد الاشهل، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ” لكن حمزة لا بواكي له “.
فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير إلى دار بنى عبد الاشهل أمرا نساءهن أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن بعض رجال بنى عبد الاشهل قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن في باب المسجد يبكين فقال: ” ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن)( ).
قال موسى بن عقبة: وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحزين المسلمين، وظهر غش اليهود، وفارت المدينة بالنفاق فور المرجل.
وقالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه ولا أصيب منه ما أصيب، ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه.
وقال المنافقون مثل قولهم، وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم.
فأنزل الله القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين، يعنى فيمن قتل منهم فقال: ” وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم “)( ).
التفسير
قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ]
جاءت الآيات الثلاثة السابقة خطاباً تشريفياً للمسلمين، إذ ابتدأت آية البطانة بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ( ) وجاءت هذه الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم عادت الآية التالية خطاباً للمسلمين ومن غير أن تتبدل صيغة الخطاب في اللفظ إلا بلحاظ الإفراد والجمع، ولم تبدأ الآية السابقة بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] أو بحرف عطف بل إبتدأت بقوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ] وفيه آية إعجازية تبين أن الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو خطاب للمسلمين جميعاً، يتخذون منه درساً وموعظة وعبرة.
وجاءت الآيات السابقة خطاباً للمسلمين، وتتضمن تحذيرهم من إتخاذ الكفار وليجة وخاصة، وتبين علة هذا النهي يما يفيد قبح نوايا وفعل الكفار أزاء المسلمين، ولزوم تحلي المسلمين بالصبر والتقوى كوسيلة وسلاح للنجاة من كيد الكفار والمنافقين ودفع ضررهم.
وإنتقلت هذه الآية إلى الخطاب على نحو القضية الشخصية وإرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتذكيره بما فعله هو والمسلمون في صبيحة يوم جهاد مبارك، بأن خرج مبكراً من أهله للقتال، وفيه إشارة إلى أن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تم بأمر الله عز وجل، وأنه لم يخرج إلا بالوحي.
ترى لماذا إنتقلت الآيات من صيغة الخطاب العام الى لغة الخطاب الشخصي، فيه وجوه:
الأول: بيان إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتفضل الله عز وجل بإختصاصه بالخطاب فمع أن الخطاب العام للمسلمين في الآيات السابقة يشمل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالأولوية، فان الخطاب في هذه الآية خاص به، وفيه إكرام وتشريف له ، وتقدير الآية: وإذ غدوت يامحمد.
الثاني: دعوة المسلمين إلى معرفة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوقائع والأحداث، وما فيها من الصفحات الجهادية المشرقة.
فلم تكن حياة رغيدة يحيطها الأمن والسلامة، بل كانت جهاداً في مواجهة الأعداء في ميادين القتال، إذ يهب منذ الصباح الباكر إلى القتال دفاعاً عن الإسلام والمسلمين وفيه دعوة لأهل الحل والعقد والأمراء وعامة المسلمين ان يبادروا إلى الدفاع عن الإسلام وبلدانهم عند مداهمة الخطر.
وبلحاظ صلة هذه الآية وخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهله مبكراً للقتال وبين الآية السابقة وجوه:
الأول: خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته ومن المدينة مبكراً للقتال حسنة ونعمة تحزن الكفار، إذ أنهم يبغون قتال المسلمين بمفردهم وليس معهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما في حضوره من شد العزائم وتفاني المسلمين في القتال، وأسباب النصر والظفر للمسلمين، وهو مانع من قيام الكفار بإثارة أسباب الشك والريب بالنبوة، والقول للمسلمين إنكم تقتلون أنفسكم ومحمد جالس عند أهله وأزواجه، ومع خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى القتال وقيادته للمعركة فقد قال نفر من المنافقين: علام نقتل أنفسنا، وهو لا يتعارض مع إرادة الكفار قتل النبي محمد، لأنهم يريدون الإجهاز على الإسلام على نحو دفعي أو تدريجي.
الثاني: يحول خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى القتال دون حدوث الهزيمة للمسلمين، وفرح الكفار بها، وتلك آية في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن تكون سنته العملية والقولية برزخاً دون هزيمة المسلمين وإستباحة كفار قريش للمدينة، ولطال الضرر اليهود أيضاً وتعرضت أموالهم للنهب من الكفار.
وفي الأمن والسلامة من الكفار، ودفع ضررهم عن المدينة مصداق من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
ومن وجوه الرحمة في المقام تأديب الكفار وزجرهم عن التعدي على المسلمين وبلادهم، لقد منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخروجه إلى القتال الكفار من الفرح والبهجة إلى يوم القيامة، وحال دون غلبة الكفار مع أنهم جاءوا من مكة للإنتقام بعد أن أصابتهم الهزيمة وقتل سبعين وأَسر سبعين منهم في معركة بدر.
الثالث: تقدير الجمع بين الآيتين، وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال، لاتصيبكم سيئة) فإن قلت أن المسلمين تعرضوا للهزيمة في أحد مع وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معهم، والجواب أن وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين في المعركة وقيادته للمعركة حال دون الهزيمة، إذ إنهزم المسلمون بسبب خطأ فادح إرتكبه الرماة منهم، فثبت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكانه وجاهد بنفسه مع عدد قليل معه من الصحابة إلى أن رجع له الباقون، وتلك آية لم يشهدها التأريخ، ودليل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه أفضل الأنبياء لتفوت الفرصة على الكفار، ويعمهم الحزن ويدركوا من يومها عجزهم عن قهر الإسلام والتعدي على حرماته.
الرابع: جاءت الآية السابقة بالحث على الصبر والتحمل في مرضاة الله عز وجل [وَإِنْ تَصْبِرُوا] فبادر المسلمون إلى الإستجابة وإظهار أسمى معاني الصبر بالتوجه للقتال دفاعاً عن الإسلام، وليس ثمة مسافة وفترة بين الحث على الصبر وبين تلبس المسلمين بالصبر ومعانيه والخروج إلى القتال دفاعاً عن الإسلام.
وإذا كان الصبر علة لدفع كيد الكفار ومنع ضررهم فان القتال ضرر وأذى، لأن المقاتل يترك أهله وعياله، ويخاطر بنفسه وهو معرض للقتل وقد يقتل في المعركة، وليس من ضرر أشد منه، ولكن الجمع بين الآيتين يفيد حقيقة وهي أن ما يدفع بالقتال من شر الكفار أكبر وأخطر من الخروج للقتال.
لقد جعل الكفار المسلمين بين خيارين لا ثالث لهما، اما القتال وأما الهزيمة والخسارة والذل، فإختار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون القتال وهم فئة قليلة تواجه الكفار الذين جاءوا ونفوسهم تمتلأ غيظاً على المسلمين لأنهم أظهروا الطاعة التامة لله ورسوله، وهزموا الكفار في بدر وكبدوهم الخسائر في الأرواح والأموال.
إن قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] إشراقة جهادية أطلت على الأرض، وضياء إيماني مبارك تبقى أنواره إلى يوم القيامة، لتشع على القلوب المنكسرة فتزيح عنها عبأ الخوف والفزع، وترسم لها مستقبلاً زاهراً تحت ظلال الهداية والإيمان، وإقتداء المسلمين النوعي العام بسنة وجهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان يوماً من أعظم أيام الصبر التي حددت للأجيال الصراط المستقيم الذي يكون واقية من العذاب الأليم في الآخرة، إنه الصبر الذي يدفع الضرر القادم من الكفار في مستقبل الأيام والسنين.
وأشد الضرر ما يهدد الإسلام في أيامه الأولى وبداية الدعوة والتبليغ وأيام نزول القرآن، فصرفه الله عز وجل بحفظ وسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن الكفار كانوا يطلبونه ويريدون قتله،ويوم أحد فشا بين المسلمين أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قتل فانكفأ فريق منهم.
فبادر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصخرة وفيه تحد إضافي للكفار،”قال ابن إسحاق : وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم – بعد الهزيمة، وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر لى ابن شهاب الزهري كعب بن مالك، قال : عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أنصت.”( ).
وكان هذا الرجوع من مصاديق تسميتهم في هذا الآية بالمؤمنين لأنهم تداركوا أمرهم ورجعوا مع شدة الوطيس والقتال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتركوه وحيداً في المعركة.
وهو من الوجوه التي تؤكد موضوعية خروجه صلى الله عليه وآله وسلم للمعركة ومباشرته القتال بنفسه وحاجة المسلمين إلى يوم القيامة لهذا الخروج المبارك، لما فيه من الدروس والمواعظ والحجة والبرهان، إنه تأسيس لمدرسة نبوية خالدة، وصفحة تبين ما كان يلاقيه النبي من الأذى من الكفار والمشركين، ومصداق لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم” ما أوذي نبي مثل ما أوذيت”( )، وشاهد صدق على ما جاء في قصص الأنبياء من بيان الأذى الذي كان يلاقيه الأنبياء من قومهم ورؤساء الضلالة والظالمين في زمانهم، مع أن كل نبي يأتي معه بمعجزة متحدة أو متعددة.
وكانت مضامين هذه الآية وما تخبر عنه من الوقائع معجزة حسية وعقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهد صدق على نبوته، واللطف والمدد الإلهي به وبالمسلمين بإنزال الملائكة لنصرتهم.
ترى ماهي الصلة بين هذه الآية وآية البطانة والنهي عن إتخاذها من الكفار، الجواب على وجوه محتملة:
الأول: عدم وجود صلة بين موضوع الآيتين.
الثاني: بيان الخطأ في إتخاذ المنافقين بطانة وأنه السبب فيما لحق المسلمين من الضرر يوم أحد، وذكر الإمام الرازي على نحو الوجه المرجوح قولاً : وفيه وجه آخر وهو أن الإنكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبدالله بن أبي سلول المنافق.
الثالث: صحة فعل المسلمين بعدم إتخاذ بطانة من الكفار، وتجلي حاجة التقيد بأحكام البطانة في أبهى معانيها في موضوع الحرب والقتال.
والصحيح هو الوجه الثالث .
أما الوجه الأول أعلاه فان موضوع الآيتين متصل، وليس من تباين أو تنافر بينهما.
أما الوجه الثاني فإن المسلمين لم يتخذوا المنافقين بطانة، وفيه وجوه:
الأول: إن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لم يتخذوا المنافقين بطانة ولم ينصح هؤلاء المنافقون بما هو خلاف، وإن نصحوا به فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لم يأخذوا به.
الثاني: لقد إستشار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فاشار عليه بذات مشورة كثير من الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم والله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخل عدو علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا”( )، ويمكن إستقراء مسألة منه وهو أن إستشارة النبي لابن أبي سلول فيها وجوه:
الأول: تفضل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستشارة عبدالله بن أبي سلول حجة عليه وعلى المنافقين، وهل يمكن القول بأن النبي أراد إظهار نفاقه، وكشف بغضه وحسده للمسلمين الجواب نعم بلحاظ الجمع بين إكرامه في المشورة وسوء فعله في المعركة.
الثاني: في الإستشارة دعوة لعبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه للتوبة والإنابة وتقريبهم من الإيمان.
الثالث: أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان حقيقة وهي أن قيام الكفار والمشركين بالهجوم على المدينة تعد عليها وعلى جميع سكانها من المؤمنين والمنافقين واليهود الساكنين فيها، وإن وظيفة الجميع الدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، ولكن الآية أكدت أن المسلمين وحدهم هم الذين تولوا مسوؤلية الدفاع عن الجميع لبيان وظائف الإمامة التي يقوم بها المسلمون وحدهم من بين الناس فهم دعاة الصلاح والذابون عن الناس والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بأنفسهم وأموالهم.
الرابع: كانت الإستشارة عامة تستحضر معها الدروس والعبر، فلذا ذكر له الأنصار وكذا عبدالله بن أبي بن سلول أمراً تأريخياً، وهو دفعهم للعدو الذي يهجم عليهم إلى المدينة، وخذلانه.
الخامس: في الآية إشارة إلى إمكان توبة المنافق وصلاحه، وأنه حتى مع تلبسه بحال النفاق المبغوض قد يصدر منه ما يكون فيه نفع، وهو من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والآثار المباركة لنزول القرآن.
السادس: في إستشارة عبدالله بن أبي حجة في إكرامه بلحاظ منزلته في قومه , وإظهار لما عنده من النفاق لأنه إنهزم قبل المعركة بقصد بث الخوف والفزع في صفوف المسلمين، وهو من مصاديق الآية السابقة من وجوه:
الأول: لايريد المنافقون النصر والحسنة للمسلمين.
الثاني: إبتدأت الآية السابقة بقوله تعالى [إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ] ويدل فعل المنافقين ومبادرتهم إلى الهزيمة عند بدأ القتال حين إنسل عبد الله بن أبي ومعه ثلاثمائة من جيش المسلمين على إعجاز الآية السابقة، ومجيئها بلفظ (إن تمسسكم) أي أنهم لا يريدون إقتراب الحسنة والنصر والغلبة من المسلمين، فما أن بدأت المعركة وظهرت بوادر النصر للمسلمين حتى قام المنافقون بالإنسحاب من المعركة، مع إغراء قوم من المسلمين من ضعيفي الإيمان الذين يرتبطون معهم بصلات قبلية وعهود ونحوها.
الثالث: يفيد الجمع بين الآيتين في المقام أن المنافقين لايريدون وصول الحسنة للمسلمين فحالما تمسس المسلمين النعمة وأسباب النصر والظفر فانهم يعملون على عدم تحققها ووصولها للمسلمين فلما تجلت معاني النصر للمسلمين بقوة عزيمتهم وصدق إيمانهم، قام المنافقون بالإنسحاب .
الرابع: تعاون الكفار والمنافقين من أجل عدم وصول الحسنة والنعمة للمسلمين فالكفار يهجمون على المسلمين في بلدهم وديارهم والمنافقون يساعدونهم بالإنهزام امامهم.
الخامس: أراد المنافقون أن يروا الخسارة تحل بالمسلمين في المعركة ليفرحوا بها فقاموا بالإنسحاب منها، وفيه إعانة للكفار وإغراء لهم بالمسلمين.
السادس: مع صبر المسلمين في القتال فان قيام الكفار بالإنسحاب لن يضر المسلمين، وهو من المصاديق العملية والشواهد التأريخية على ما ورد في الآية السابقة [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] ( ).
السابع: بعث السكينة في نفوس المسلمين من كيد ومكر المنافقين بما في خاتمة الآية السابقة من إحاطة الله تعالى بالمنافقين وفضح كيدهم، ومنعهم من الإضرار بالمسلمين.
الثامن: يفيد الجمع بين الآيتين حث المسلمين على بذل الوسع في الجهاد في سبيل الله ودفع جيوش الغزاة الكافرين، ومنع المنافقين من الإضرار بالمسلمين، والكفار من الشماتة بالمسلمين.
التاسع: إن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبكراً من أهله للقتال، وخروج المسلمين معه مصداق عملي لدفع الضرر والكيد القادم من الكفار عن المسلمين بقوله تعالى في الآية السابقة [لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا].
العاشر: لقد جاء القرآن تبياناً لكل شئ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
ومن إعجاز القرآن تعدد وجوه البيان فيه ، بحيث تصل مضامين الآية إلى الناس جميعاً على إختلاف مداركهم العقلية، ومشاربهم ويأتي البيان أحياناً بالجمع بين آيتين أو أكثر متجاورات أو متقاربات أو متباعدات.
وقد جاءت هذه الآيات بالبيان العملي في التحذير من إتخاذ بطانة وخاصة من الكفار والمنافقين، وبيان ما يتصفون به من القبح الذاتي والذي هو مانع من إستبطانهم وغدرهم في ساعة الشدة والضيق، ليكون عدم خروجهم للقتال أفضل وأحسن من خروجهم.
والصلة بين هذه الآية والآية السابقة بخصوص الكافرين من وجوه:
الأول: لقد رأى الكفار ظهور دولة الإسلام في المدينة المنورة، وتنامي قوة المسلمين، ومجئ الأفراد والجماعات إلى المدينة المنورة لدخول الإسلام، وتلك حسنة تصيب المسلمين، ويضاف إليها ما يحزن الكفار أكثر وهو رجوع هؤلاء الأفراد إلى قبائلهم بعد التشرف بلقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسماع آيات القرآن، وتعلم الصلاة وجملة من آداب الشريعة ليعودوا إلى المدينة بقبائلهم وأخبار دخولها في الإسلام طواعية.
وهو شاهد على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف بل بالحجة والبرهان وأن رؤساء الكفر والضلالة هم الذين لم يستطيعوا قبول هذه الحقيقة ويرضوا للناس حسن إختيارهم، ويعترفوا لهم بحق الإختيار السليم، بل جندوا الجيوش للإجهاز على الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة من المهاجرين والأنصار.
فأخبرت الآية السابقة بأن الكفار يسوءهم إقتراب الحسنة من المسلمين، ودنو النعمة منهم، فجاء دخول الناس الإسلام أفواجاً وبناء صرح الدولة الإسلامية في المدينة ليصاب الكفار بالحزن الشديد ولايقفون عند الحزن والأسى على ما وقع بل خافوا من إتساع دولة الإسلام خصوصاً وأن أمارات هذا الإتساع ظاهرة للعيان، ومدركة بالعقل والوجدان لتجلي الآيات الباهرات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنجذاب النفوس والحواس لها، فقاموا بتجهيز الجيوش لغزو المسلمين ومحاولة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتدل الآية محل البحث على لزوم الحذر الشديد من الكفار وتخبر عن حقيقة وهي أن حزن الكفار عند النعمة التي تصل إلى المسلمين مقدمة وسبب لإظهار عداوتهم بأقسى وجه وصيغة.
الثاني: هل من صلة بين المنافقين في المدينة والكفار في مكة المكرمة بلحاظ هذه الآيات، الجواب نعم، من وجوه:
الأول: ما يصيب المسلمين من الخير والنعم يحزن الكفار والمنافقين معاً.
الثاني: ما يحل بساحة المسلمين من السوء يجعل الكفار والمنافقين يفرحون.
الثالث: إخبار المنافقين بما يصيب المسلمين لتحريضهم على المسلمين، وجعل نفوسهم تمتلأ غيظاً، ورغبة في البطش والجور.
وإلا فان المدينة المنورة تبعد أكثر من أربعمائة كيلو متراً عن مكة المكرمة وليس من وسائل إتصال بينهما آنذاك ، فالأصل أن الأخبار شبه منقطعة إلا بخصوص خروج أفراد وجماعات من مكة للإلتحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين، ولكن قيام المنافقين بإرسال الرسل إلى كفار مكة وبعث روح الإنتقام عندهم، ونقل الأخبار التي تدل على علو شأن الإسلام والتلميح والتصريح لهم بمساعدتهم إذا قدموا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى المدينة أغرى الكفار وجعلهم يجهزون الجيوش للتعدي على المسلمين، وقيام أفراد القبائل الذين يأتون مكة أم القرى بنقل أخبار ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملأ قلوب أقطاب قريش غيظاً.
وهذا الجمع من أسرار صيغة الجمع في الآية السابقة في طرفيها، طرف الكفار وكيدهم، وطرف المسلمين وصبرهم وتقواهم لحاجة المسلمين لمواجهة عداوة الكفار والمنافقين، كما تجلى بهذه الآية وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتولي مسؤوليات قيادة المسلمين بنفسه لمواجهة الكفار في المعركة والذين جاءوا من مكة.
الرابع: لقد أراد الله عز وجل أن تكون مكة مصدر إشعاع إيماني يبلغ أطراف الأرض، وجعلها حاضنة البيت الحرام وهو أول بيت أنشئ في الأرض ليكون محلاً لعبادة الله، ومصداقاً مكانياً وفعلياً وزمانياً لتقوى الله لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) فوضع الله البيت الحرام لتكون علة خلق الإنسان موضوع وضع أول بيت فيها لبيان الملازمة بين السكن في الأرض وبين العبادة، قال تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا]( ).
ولكن المشركين وضعوا الأصنام حول البيت وجحدوا بالربوبية، وحاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الأوائل عند البعثة النبوية مما جعل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يهاجر إلى الطائف ثم إلى المدينة فلم يجعل المشركون للبيت حرمة، ولم يكتفوا بالجحود بالنبوة وهم في مكة بل إتخذوا مكة وهي أشرف بقعة منطلقاً للهجوم على خاتم النبيين وأصحابه الميامين لتكون النتيجة هزيمة الكفار للجحود بنعمة جوار البيت الحرام، وإتخاذه مكاناً لتجهيز الجيوش ضد المسلمين والهتك المتعدد لحرمة البيت، فلا غرابة إذن أن يستعد المسلمون للقتال.
وهذا الوجه من أسباب وعلة نزول الملائكة وقتالهم إلى جانب المسلمين في معركة بدر، ونزولهم مدداً في معركة أحد.
الخامس: أخبرت الآية السابقة عن حزن الكفار إذا قاربت النعمة المسلمين، وتبين هذه الآية تجهيز الكفار الجيوش إذا نزلت بالمسلمين النعم المتعددة.
لقد ظن المشركون أن أهل يثرب يتعاملون مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجفاء كما فعلت قريش معه في مكة بل من باب الأولوية، وقريش أهل وعشيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد آذوه وشردوه، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لاقى الإكرام بفضل الله في يثرب، وأظهر أهلها الإنقياد له نبياً ورسولاً أي أنهم لم يتبعوه ويخضعوا له كأمير وملك ورئيس، بل كنبي يأتيه الوحي، وتلك خصوصية إنفرد بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ونال شرفها إلى يوم القيامة أهل المدينة، فاثنى الله عليهم، وسماهم (الأنصار) لقد نال صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شرف التسمية المتعددة التي تدل على الإكرام والمدح والثناء فسماهم الله عز وجل المهاجرين والأنصار وقرن ذكرهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع التوبة والرضا عنهم، قال تعالى [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ]( ).
ومن الآيات أن كلاً من اسم المهاجرين واسم الأنصار باب فتحه الله مرة واحدة ثم غلقه إلى يوم القيامة، وهو رشحة من رشحات زمن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإعتبارها خاتمة النبوات، وأرفعها وأسناها لأن فيها تكامل الشريعة، وثبات سنن التوحيد الى يوم القيامة.
وجاءت هذه الآية المباركة لبيان صفحة مشرقة من جهاد المهاجرين والأنصار وإستحقاقهم لنيل هذا الشرف العظيم في الاسم والمسمى، ودعوة المسلمين لإكرامهم والإقتداء بهم، وإقتباس الدروس من سيرتهم، وتلقيهم الأحكام من التنزيل والسنة بالقبول والرضا، والأوامر بالإمتثال، والنواهي بالإجتناب.
وكان الأنبياء السابقون يلقون من قومهم، الأذى والبطش إن فروا منهم إلى بلد آخر، أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنفرد بآية إعجازية وهي الهجرة، وبناء دولة الإسلام في بلد الهجرة، وهجرة أهل بيته وأصحابه إليه، وإيواء الأنصار لهم، ثم إجتماع المهاجرين والأنصار في الجهاد بالسيف دفاعاً عن الإسلام.
السادس: يفيد الجمع بين هذه الآية والآية السابقة بعث معاني الأخوة في نفوس المسلمين، ونزع الغل وأسباب الفرقة والعصبية من قلوبهم، وجعلهم يتوجهون إلى القتال كالبنيان المرصوص يشد بعضهم أزر بعض، إذ تخاطبهم الآية السابقة كأمة واحدة متحدة وتخبرهم بأن الخير يأتيهم كأمة، والنعمة تنزل على المسلم منهم فينتفع منها جميع المسلمين، وتأتي لهم كمسلمين فيترشح النفع منها على الأفراد منهم، وهو ما يحزن الكفار ويزيد من غيظهم وحنقهم.
إن لغة الخطاب المتحد في الآية السابقة عون للمسلمين لمواجهة الكفار، إذ قسمت هذه الآيات الناس بحسب العقيدة والمبدأ إلى:
الأول: مسـلمـون.
الثاني: أهل كتاب.
الثالث: منافقون.
الرابع: كفــار.
وجاءت هذه الآيات للإخبار عن ماهية العداوة بين المسلمين، والكفار، وأن الكفار هم الذين يعادون المسلمين حسداً وبغضاً فلا يجوز إتخاذهم بطانة وخاصة، ويجب التوقي منهم بالصبر والتقوى، ومواجهتهم بالقتال في المعارك دفاعاً عن الإسلام.
السابع: لقد جرت معركة بدر وأحد بين المسلمين الأوائل من جهة وبين كفار قريش من جهة أخرى، ولكن مضامين الآية السابقة أعم، وتخبر بأن الكفار عموماً في مكة وغيرها يتطلعون إلى المعركة ونتائجها، وفعلاً فان جماعة منهم لم يأتوا لقتال المسلمين ولكنهم شاركوا بالمال والسلاح، لذا كانت المعارك الأولى للإسلام مواجهة بين الإسلام والكفر كله بملله المختلفة.
الثامن: مع قلة عدد المسلمين بالنسبة لجيوش الكفار فان المسلمين أبتليوا بالمنافقين، وهم الذين اعلنوا الإسلام ظاهراً ولكنهم يخفون الكفر، وتتجلى الخشية منهم ومن خيانتهم وغدرهم في سوح المعارك أكثر من غيرها.
فجاء الحث في الآية السابقة على الصبر والتقوى لبعث السكينة في نفوس المسلمين من الضرر الخارجي القادم من الكفار، والداخلي الذي يأتي من المنافقين، وفيه شاهد على جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم و الصحابة، وما لاقوه من الأذى المتعدد من الكفار والمنافقين، ودليل على تقيدهم بأحكام الصبر والتقوى وصدق إيمانهم وإخلاصهم العبادة لله عز وجل.
وإرادة المعنى الأعم في الآية القرآنية، وشمول الخطاب فيها للأجيال المتعاقبة من المسلمين لايمنع من بيان هذه الخصوصية للصحابة، وما نالوه من الشرف العظيم بنزول هذه الآيات وما تتضمنه من الثناء عليهم، ودعوة المسلمين لإكرامهم والإقرار بفضلهم.
فان قلت أن الصبر والتقوى جاء في الآية السابقة بلغة الشرط، وليس الخبر والإمضاء، فالجواب إن إنتصار المسلمين في معركة بدر وأحد شاهد وبرهان على تقيد المسلمين بآداب الصبر والتقوى.
التاسع: من إعجاز القرآن نظم وترتيب الآيات، إذ جاءت آية [إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ] ( ) قبل هذه الآية، ليستحضر المسلمون مضامينها عند التهيئ للقتال وفي ساحة المعركة، ويحرصون على تفويت الفرصة على الأعداء ومنعهم من الشماتة بالمسلمين، ويتحقق هذا المنع بتحلي المسلمين بالصبر والتقوى، وخروجهم منتصرين في معركة بدر وقتل سبعين وأسر سبعين من المشركين مع أن عدد المشركين ثلاثة أضعاف عدد المسلمين إلى جانب رجحان الفارق في العدة لصالح المشركين.
إن إستحضار معاني الآية السابقة وحزن الكفار للحسنة التي تصيب المسلمين وفرحهم لما يحل بالمسلمين من الهزيمة وآثارها المؤلمة يجعل المسلمين يرتقون في المعارف الإلهية، ويحسنون التقيد بآداب الصبر والتحمل، ويدركون أن الخشية من الله ضرورة، وسبيل للظفر بالأعداء.
العاشر: بيان فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي سنته القولية والفعلية لبلوغ المسلمين مراتب الصبر والتقوى كشرط لازم لتحقيق النصر على الأعداء، وتلك آية إعجازية في أسرار تفضيل المسلمين بالمدد الذي أنعم الله تعالى به بوجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم إماماً وقائداً.
فقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] حسنة على المسلمين تحزن الكافرين لذا كان قصد المشركين قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحجب أعظم النعم عن الصحابة والأجيال المتعاقبة للمسلمين.
الحادي عشر: لما جاءت الآية السابقة بصيغة الخطاب والتحذير من الكفار، جاءت هذه الآية بوصف المسلمين بأنهم المؤمنون، وفيه تقديم للإنتماء للإسلام وصفة الإيمان على الصلات النسبية والسببية والقبلية، وتلك آية في علم الإجتماع بتأسيس أمة متكاملة بالوحي والنبوة، وهي أكبر أمة على وجه الأرض لتصاحبهم هذه الكثرة يوم القيامة بين أهل الجنان.
وتأتي هذه الآية للشهادة على إستحقاق المسلمين لهذه المنزلة يوم القيامة، وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبلوغ المسلمين لهذه المنزلة بإمامته وقيادته للمعركة.
الثاني عشر: أخبرت الآية السابقة عن فرح وسرور الكفار إذا أصابت المسلمين مصيبة وسيئة وخسارة، وليس من مصيبة أشد من الهزيمة في المعركة وما يترتب عليها من الآثار العسكرية والعقائدية والإجتماعية وحال النهب والسلب، وبث روح الفزع والخوف بين المسلمين، خصوصاً حديثي العهد بالإسلام منهم، ونسبتهم لمجموع المسلمين آنذاك ليست قليلة، وإنتهاز المنافقين للمعركة، فرصة ومناسبة لبث سمومهم.
وإبتدأت هذه الآية بما يدفع هذا الفرح والسرور، ويمنع من تحققه بإخبارها أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يتولى بنفسه تهيئة المسلمين للقتال، وفيه زجر للكفار عن قتال المسلمين.
ولقد جاء وفد نصارى نجران إلى المدينة وحينما طلب منهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المباهلة في صبيحة اليوم التالي من يومهم، قال الأسقف لأصحابه: أنظروا محمداً في غد فان غدا بولده وأهله فأحذروا مباهلته، وأن غدا بأصحابه فانه على غير شئ، فلما كان الغد وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أخذاً بيد علي بن أبي طالب عليه السلام والحسن والحسين بين يديه يمشيان، وفاطمة تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم.
( ورآهم الأسقف قال: يا أبا القاسم ! إنا لا نباهلك ، ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به . فصالحهم رسول الله ” صلى الله عليه وآله وسلم ” على ألفي حلة من حلل الأواقي ، قسمة كل حلة أربعون درهما ، فما زاد أو نقص ، فعلى حساب ذلك ، وعلى عارية ثلاثين درعا ، وثلاثين رمحا، ثلاثين فرسا، إن كان باليمن كيد، ورسول الله ضامن حتى يؤديها، وكتب لهم بذلك كتاباً( ).
وآية المباهلة متأخرة زماناً عن واقعة بدر وأحد وجرت مع وفد من أهل الكتاب.
أما الآية محل البحث فأخبرت بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خرج بنفسه وأهله وأصحابه وأهليهم جميعاً، وليس للمباهلة بل للحرب والقتال، إذ كانت المعركة حوالي المدينة المنورة، ولم يطلب من الكفار الصلح أو الهدنة ولم يرسل لهم الوفود يناشدهم الرحم ويعرض عليهم تقديم الشروط، نعم الله عز وجل هو الذي شرط على المسلمين الصبر والتقوى كي ينالوا النصر في المعركة.
ويتضمن قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] تحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسؤوليات القتال ومواجهة الأعداء، ليكون هذا التحمل ونتائج المعركة وظفر المسلمين في بدر، وتداركهم الخسارة شاهداً على صدق نبوته ودعوة إعجازية من ميادين القتال لدخول الإسلام.
إن إنتصار المسلمين في معركة بدر آية إعجازية حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو دليل على أن المعجزات أعم من أن تجري على يد النبي، فقد تكون عامة ومن خلال واقعة وحادثة، ويمكن أن يؤلف مجلد خاص عن الإعجاز في قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتتجلى للناس جميعاً أفضليته على الأنبياء الأخرين في باب المعجزة، وهي في المقام على وجوه منها:
الأول: معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وإنتصار المسلمين مع قلة عددهم وعدتهم وإستضعاف قريش لهم.
الثاني: معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد، وكيف إستطاع المسلمون هزيمة قريش من بداية المعركة مع كثرة جنود وعدة قريش، وعندما ترك الرماة مواقعهم وتعرض المسلمون للخسارة لم يبرح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكانه، بل بقي يقاتل إلى أن عاد المسلمون إليه، وحمى الوطيس من جديد، وأدركت قريش عجزها عن هزيمة المسلمين.
الثالث: معركة الخندق وما فيها من التخفيف عن المسلمين، وفي كل معركة من معارك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسرار ومعجزات متعددة تدل على أنه كان ينطق عن الوحي والتنزيل، وأنه مؤيد من عند الله.
وساعة الغداة ساعة عبادة وطلب للرزق، فتجب صلاة الصبح مع الخيوط الأولى للفجر ويؤذن المؤذن معلناً بدأ يوم عبادي جديد، ليكون بعد الصلاة الدعاء والسعي والكسب، وكأنه فرع العبادة، ورشحة من رشحات التقوى وصدق الإيمان وجاء النفير والخروج الى القتال ليمتزج ويتداخل مع العبادة في ساعة طلوع الفجر ليكون شاهداً على عزم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة على مواجهة الأعداء من غير تردد أو تكاسل أو خوف، إذ تدل الآية في مفهومها على إنعدام حال الخوف عند المسلمين وعزمهم على ملاقاة الكفار.
وجاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية ولكنها تتضمن الإنشاء، إذ تبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار، وتؤكد لهم أن المسلمين دائماً على أهبة الإستعداد للقتال والدفاع عن الإسلام، لم يشغلهم الأهل والعيال وزينة الدنيا.
ويدل قوله تعالى [ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] في مفهومه على أن أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنعن من القتال، ولم يظهر عليهن الفزع وأسباب الجبن والخوف من القوم الكافرين مما يدل على إرتقائهن ونساء المهاجرين والأنصار في مراتب المعرفة الإلهية، ووثوقهن بالمدد الألهي.
ولو تردد الأمر بين علمهن بأمر القتال أو عدمه فان ظاهر الآية يدل على الأول لأن الآية جاءت بالإخبار عن إتصال خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته متوجهاً الى القتال مباشرة من غير فاصلة أو فترة، ويدل ظاهر الآية على أن موضوع والغرض من الخروج هو القتال، وعليه النصوص إذ دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته ، ولبس لأمة القتال.
وتدل الآية وخروج النبي مبكراً في ساعة الفجر إلى القتال، ومباشرته توزيع وظائف الصحابة، على مبادرتهم للخروج، وعدم ترددهم في لقاء العدو، ومن الشواهد ما جاء في قتل حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة إذ أنه التقى في المعركة بأبي سفيان، فاعتلاه حنظلة فرآه شداد بن الأسود وهو من المشركين، وأدرك أن أبا سفيان مقتول حينئذ، فضرب شداد حنظلة فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن صاحبكم يعني حنظلة لتغسله الملائكة، فسألوا أهله ما شأنه، فقالت زوجته خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، أي سمع النداء للحرب .
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم “خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة( )، طار إليها”( ).
علم المناسبة
لم يرد لفظ “غدوت” في القرآن إلا في هذه الآية، ويتضمن مدح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتفضيله على الأنبياء السابقين بالتبكير للقتال حباً للجهاد في سبيل الله.
وجاء قوله تعالى [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ]( )، في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحبس نفسه مع المؤمنين الذين يتعاهدون الصلاة والدعاء في الصباح والمساء، فيبدأون يومهم بذكر الله والتوسل إليه ويختمون يومهم بالذكر والإستغفار والدعاء.
وجاءت هذه الآية لتبين منافع صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومداومة الصحابة على الذكر بان يخرجوا للقتال في الغداة لتكون صلاتهم ودعاؤهم في كل يوم من أيام السلم والرخاء واقية لهم يوم القتال، وصبر النبي معهم وسيلة مباركة لإخلاصهم في الدفاع عن الإٍسلام، وطرد الملل والتكاسل عنهم وأسباب الرياء والسمعة.
وقيل نزلت الآية أعلاه في “سلمان وأبي ذر، وصهيب، وعمار، وحباب، وغيرهم من فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم : عيينة بن الحصين، والاقرع بن حابس، وذووهم، فقالوا : يا رسول الله ! إن جلست في صدر المجلس، ونحيت عنا هؤلاء روائح صنانهم( ) وكانت عليهم جبات الصوف، جلسنا نحن إليك، وأخذنا عنك، فلا يمنعنا من الدخول عليك إلا هؤلاء.
فلما نزلت الآية قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلتمسهم، فأصابهم في مؤخر المسجد، يذكرون الله عزوجل، فقال : الحمدلله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا، ومعكم الممات ( )”.
وحينما جاء أوان القتال والدفاع عن الإسلام أظهر هؤلاء الصحابة أعلى معاني الإيمان والتفاني والصدق في الجهاد في سبيل الله، مما يدل على ان الله عز وجل يتفضل ويهيئ مقدمات القتال عند المسلمين بهداية النبي لأسباب جذب المسلمين لمنازل الإيمان، وجعلهم منقطعين إلى الله عز وجل، ويسعون في التقرب إليه، ويتنزهون عن زينة الدنيا.
لقد أراد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون قريباً من فقراء الصحابة، مصاحباً لهم، طيلة أيام سكنهم في المدينة، مما جعلهم يفنون في مرضاة الله، ويحبون الله ورسوله، ويدركون صدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم، ويبذلون أنفسهم في سبيل الله، وبذات المعنى والموضوع، ورد قوله تعالى [وَلاَ تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ] وقال سلمان وحباب: فينا نزلت، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ] فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.
وهذه الوقائع من الشواهد على الخلق العظيم الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه كان يحرص على مصاحبة عموم المسلمين قبل واقعة أحد وبعدها.
وجاء لفظ (أهلك) بصيغة الخطاب تسع مرات في القرآن، وبإستثناء آية واحدة جاءت بخصوص زوجة عزيز مصر، فان الآيات الثمانية الأخرى جاءت خطاباً للأنبياء منها ثلاثة في سورة هود وحدها.
إذ ورد لفظ (أهلك) خطاباً لنوح عليه السلام، وهو على قسمين:
الأول:توجه الأمر الإلهي الى نوح بمن يحمله معه في السفينة، قال تعالى [احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ] ( )، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم”( ). الى جانب من كان معهم من المؤمنين، ونجا نوح وأهله من الغرق بما أوحى الله اليه من بناء السفينة، وقيل جميع من كان مع نوح ثمانية وسبعون ونصفهم رجال ونصفهم نساء.
وأما بالنسبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد جاء الكفار والمشركون ليقضوا على الإٍسلام ويقتلوا النبي محمداً، فخرج من أهله ليرجع إليهم بهزيمة المشركين، ورجوعهم خائبين.
وجاء في لوط قوله تعالى [فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ]( )، ونزل قوله تعالى [وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا] ( )، خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لينقطع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أهله إلى عبادة الله والإستعانة بالصلاة على الخصاصة، ولاينشغل بأسباب الرزق، فقد كفل الله عز وجل رزقه وعياله، لتكون الصلاة وسيلة لتأديب الأهل وزيادة إيمانهم، وليكونوا عوناً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجهاد في سبيل الله، وقدوة لأزواج وبنات الصحابة في التقيد بأداء الصلاة في أوقاتها.
فجاء لفظ (أهلك) خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرتين في القرآن.
الأولى: الآية محل البحث وما فيها من الإخبار بأنه غادر أهله من الصباح الباكر للجهاد.
الثانية: الآية التي تتضمن الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمر أهله بالصلاة والصبر عليها لأنها طريق النصر على الأعداء.
ولم يرد لفظ (من أهلك) في القرآن إلا مرتين، أحداهما في هذه الآية، والآخر بخصوص نوح عليه السلام بقوله تعالى [قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ] ( )، في بيان لما لاقاه نوح عليه السلام من إبنه من الأذى والعقوق والإمتناع عن الركوب معه في السفينة.
وكان أهل البيت مؤازرين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جهاده منذ بداية الدعوة، وفي الهجرة وعند التوجه الى سوح المعارك، قال تعالى [[ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ]( ).
وجاءت هذه الآية مصداقاً لإمتثال المؤمنين لهذه الآية، وسلامتهم وأهليهم من النار، باخلاص العزيمة، والجهاد في سبيل الله، ووقاية الأهل من تعدي وجور الكفار.
قانون الصحابة
الصحابة، بفتح الصاد وكسرها، جمع صاحب، وهو المعاشر، ويجمع على أصحاب مثل نهر وأنهار، وصحب مثل راكب وركب كما يجمع على صحاب مثل جائع وجياع، وفي حديث قيلة: خرجت أبتغي الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
وإنحصر معنى الصحابة في الإصطلاح بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيه تشريف وإكرام لهم، ولم يذكر في القرآن لفظ (الصحابة) بصيغة الجمع ولكنه ورد في السنة والأحاديث النبوية، لقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمة مجاهدة صابرة تتصف بأسمى صفات الإيمان والتقوى من وجوه:
الأول: لم يرثوا الإيمان من آبائهم، بل إختاروه إبتداء، وفيه فضل ومرتبة لم ينلها جيل من أجيال المسلمين غيرهم مع أن تلقي الإسلام وراثة فضل عظيم أيضاً.
الثاني: المسلمون أمة متحدة متماسكة في مواجهة الكفار، ليس في صدور بعضهم غل أو حسد لبعضهم الآخر، بل جاءت الآية قبل السابقة بالإخبار عن حبهم لأهل الكتاب والكفار، بقوله تعالى [هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ]( ).
الثالث: الفوز بشرف صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الآيات أن هذه الصحبة ليست سبباً للسلم والرخاء دائماً بل فيها القتال والحرب والعوز، ومع هذا فقد كان الصحابة يشعرون باللذة والرضا لنعمة الله تعالى عليهم بصحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع: حضور زمان نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعاينة كيفية نزول الوحي على النبي وما فيه من الآيات والشواهد التي تدل على صدق التنزيل والنبوة “وقد كان النبي إذ ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد فيفصم وان جبينه ليتفصد عرقا”( ).
الخامس: لقد جاءت آيات القرآن بمدح أصحاب وأنصار الأنبياء، وذكرت الآيات أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً بالمدح والثناء ومنه هذه الآية التي تتضمن قصة جهادهم وصبرهم في مرضاة الله ولم يذكر لفظ (الصحابة) في القرآن، ولكنهم ذكروا باسم المهاجرين والإنصار قال تعالى [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ]( ) .
وفيه آية إعجازية للإجمال والتعدد في مفهوم الصحابي، بينما يكون مفهوم وتعريف المهاجر والأنصاري واضحاً.
وهل يعني هذا التمييز والتباين بينهم في الرتبة الجواب لا، لأنهم جميعاً بمنزلة واحدة في الصحبة والجهاد، ولكن التقسيم للبيان والمدح وإستقراء الدروس والعبر، وفيه وجوه:
الأول: بيان ما تنفرد به نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من آيات الجهاد في سبيل الله، وتعدد أصحاب النبي والتباين بينهم في الإنتماء والنسب والبلد.
الثاني: موضوعية كل من الهجرة والنصرة في نصر نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكأنها لا تتقوم إلا بهما معاً وعلى نحو الإجتماع.
الثالث: بيان إشراقات الصبر والتقوى والجهاد في كل من الهجرة والنصرة وكيف ترك المهاجرون بلدانهم وقبائلهم وأحوالهم، وكيف رحب بهم الأنصار وتقاسموا معهم لقمة العيش من غير ملل أو سأم.
الرابع: التعدد في صفة الصحابة فضل من الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوة الى الله، وفيه منعة وقوة للإسلام.
الخامس: إنه شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن كثرة الصحابة، والتباين والتعدد في إنتمائهم ونسبهم وسكنهم دليل على عدم تواطئهم على الكذب.
وفي معنى وحد الصحابي وجوه:
الأول: الذي طالت مجالسته مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق التتبع له والأخذ منه، ليخرج بالتخصيص من وفد اليه وإنصرف إلى بلده أو قبيلته من غير مجالسة ومتابعة.
ورد هذا القول بأنه خلاف المعنى اللغوي للصحبة، والذي لم يقيد بقدر معين منها، بل يشمل من يصحب غيره قليلاً أو كثيراً يقال صحبت فلاناً سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة.
الثاني: الصحابي الذي أقام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة أو سنتين، وغزى معه غزوة أو غزوتين، وهو المروي عن سعيد بن المسيب وهو من أقطاب التابعين.
وعندما سار خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني خديجة من كنانة، وقتل خالد رجالهم خطأ وإنكار عبد الرحمن بن عوف لفعله إذ قال(فقال له عبدالرحمن: عملت بأمر الجاهلية في الاسلام ؟ فقال: إنما ثأرت بأبيك.
فقال عبدالرحمن: كذبت قد قتلت قاتل أبى، ولكنك ثأرت لعمك الفاكه بن المغيرة.
حتى كان بينهما شر.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ” مهلا يا خالد دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته “)( ) فهل يمكن القول أن القدر المتيقن من أصحاب النبي هم المهاجرون والأنصار دون غيرهم، وأن باب الصحبة للنبي إنغلق بفتح مكة الجواب لا، وخالد أسلم قبل الفتح، ودخل على رأس جيش إلى مكة وقاتل جماعة فتغلب عليهم، ولكن اسم وإصطلاح الصحابي يقبل السعة بلحاظ وجود المقتفي وفقد المانع، وصار الدخول فيه من الممتنع بعد إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.

والمراد من التابعي هو الذي لقى الصحابي مؤمناً ومات على الإيمان، ومنهم من إشترط في صدق عنوان الصحابي طول الملازمة أو صحة السماع، أو التمييز أي ليس في سن الطفولة .
ووجه هذا التعريف موضوعية صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومايترتب عليها، وأنها لا ترد إلا بالملازمة وإستدامة الصحبة عرفاً وإقتباس العلوم والمسائل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يظهر في الخلق والطباع والسجايا، ومنه صحبة السنة الكاملة التي تشتمل على فصول أربعة يختلف فيها المزاج، والحضر السفر وما فيه من العناء، ورد هذا الكلام نقضاً وحلاً على شعبتين:
الأولى: أي النقض خروج بعض الصحابة من مفهوم الصحبة، مثل جرير بن عبدالله البجلي، ووائل بن حجر، مع الإتفاق على كونهما من الصحابة.
الثانية: عدم ورود الدليل على هذا المعنى لغة وعقلاً ونقلاً.
الثالث: كل من رأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أن يكون الرائي في سن البلوغ ولكن لايشترط البلوغ للإجماع على عد الحسن والحسين وعبدالله بن الزبير ونحوه من الصحابة.
الرابع: الذي طالت صحبته للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس: إشتراط الإسلام في الصحبة فكل من أسلم في أيام التنزيل والبعثة النبوية فهو صحابي وإن لم ير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إختاره ابن عبد البر وابن منده.
السادس: من إختص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإختص به النبي.
السابع: كل مسلم رأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولايخرج الأعمى كابن أم مكتوم لأن المراد الأعم من رؤية العين، ورؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم له وتحقق الصحبة لغة.
وهو أعم من المجالسة والمماشاة، وقيد الإسلام في الصحبة ليخرج عنها الكافر الذي لقى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أسلم فيما بعد ومن رأه بعد وفاته قبل تخلل الردة في حياته كالأشعث بن قيس، ليخرج من إرتد ومات كعبد الله بن جحش وابن حنظل.
وقد يكون عدد من الأخوة كلهم صحابة منهم أولاد الحرث بن قيس السهمي وهم سبعة أو تسعة كلهم هاجروا وصحبوا وهم، بشر، وتميم، والحرث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس، ، وقيل هم أشرف نسباً في الجاهلية والإسلام من بني مقرن ، فقد إستشهد من أولاد الحرث سبعة في سبيل الله.
وبنو مقرن المزني وهم سبعة، النعمان، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبدالرحمن، وعبد الله، وقال جمع منهم ابن عبد البر أنه لم يشارك أولاد مقرن أحد في هذه المكرمة، أي كلهم صحابة مهاجرون، وقيل كانوا عشرة .
وتثبت الصحبة بالتواتر والشياع المفيد للإطمئنان، والبينة، والرواية التي ينقلها التابعون وتابعوا التابعين على أنها ليست مرسلة، ويكفي خبر الواحد الثقة في المقام، وتتعلق الصحبة بالناس وعالم الشهود والعيان، فلا تطلق على من رأى النبي من الملائكة أو الجن، ولا على المسلم الذي يرى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في رؤيا المنام، فبانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى إنتهى موضوع الصحبة، وبقى شرفها الى يوم القيامة، بالإضافة لما فيها من الثواب العظيم إلا أنها شاهد على السبق في الإسلام والمساهمة في بناء صرح الإسلام وتلقي التنزيل بالقبول إختياراً مع الإستعداد للتضحية والفداء.
إن كل صحابي شاهد على صدق المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا فمن الحجج الباهرات في المقام كثرة صحابته صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة للأنبياء الآخرين، فمن الأنبياء من يبعث لأسرته أو قريته.
وحكي عن أبي زرعة الرازي أنه قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن مائة واربعة عشر ألف صحابي، من روى عنه وسمع منه)
وتدل على كثرة عدد الصحابة أخبار حجة الوداع ومن شهدها مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين، وسمع منه في عرفة الى جانب أهل المدينة ومكة وما بينهما والأعراب، وآخر الصحابة موتاً على الإطلاق هو أبو الطفيل عامر بن واثلة مات سنة مائة من الهجرة .
أما بالإضافة إلى النواحي والأمصار فهم :

  • آخرهم في المدينة المنورة جابر بن عبد الله الأنصاري أو سهل بن سعد، أو السائب بن يزيد.
  • في مكة عبدالله بن عمر أو جابر.
  • في البصرة أنس بن مالك.
  • في الكوفة عبد الله بن أبي أوفى.
  • في مصر عبد الله بن الحرث بن جزء الزبيدي.
  • في فلسطين أبو أبّي بن أم خزام.
  • في دمشق واثلة بن الأسقع.
  • في حمص عبد الله بن بسر.
  • في اليمامة الهرماس بن زياد.
  • في الجزيرة الفرس بن عميرة.
  • في أفريقية رويفح بن ثابت.
  • في البادية سلمة بن الأكوع.
    ويدل هذا التعدد على إنتشار وإنتقال الصحابة إلى الأمصار وهو آية أخرى مباركة في صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكل صحابي هو رسول للنبوة في المصر الذي حل به، وشاهد على إتصال أخبار السماء وتكرارها وتجددها وبقائها حية غضة طرية حتى بعد إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى بعشرات السنوات إذ يروي الصحابي أخبار التنزيل والنبوة ليسمعها الناس وكأنهم حاضرون ومعاينون لها، مما يزيدهم إيماناً، وتصديقاً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً وأن معاني الصلاح والتقوى تتجلى على الصحابة في زهدهم وعبادتهم وولائهم للنبوة.
    كما يبين الصحابي تأريخ الصحابة الآخرين ومنهم الذين قتلوا في سبيل الله، وتفانيهم وإخلاصهم في الدفاع عن الإسلام مما جعل التابعين وتابعي التابعين ينظرون الى الصحابة بقدسية وإكرام ويسعون لمحاكاتهم في القول والعمل، فكأن الصحابي مرآة للسنة النبوية القولية والفعلية، وشاهد على صدق النبوة إذ أن جميع الصحابة يحرصون على إقتباس الأخلاق والسنن من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من الشواهد والمصاديق على قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (إنما بعثت لأتم مكارم الأخلاق( ).
    فما من صحابي إلا ونهل من معين أخلاق النبوة لتبقى راسخة في أجيال المسلمين، وتكون سيرة الصحابة أسوة وقدوة ودعوة للإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    لقد كانت سيرتهم سلاحاً إيمانياً ساهم بإنتشار وإستقرار الإسلام في النواحي والأمصار ومنها المدينة ومكة المكرمة، وحال دون سعة وإستدامة الردة والهزيمة والإنكسار.
    ومن الشواهد أخبار الردة، وسرعان قضاء الصحابة عليها بالتقوى والثبات على الإيمان، وحسن سمت وإيمان الصحابة من الدلائل على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، بل إنتشر بالصبر والتقوى، وسيرتهم من مصاديق قوله تعالى في الآية السابقة [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا].
    فالآية أعم من زمان التنزيل، وتشمل ما بعد إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وتقدير الآية في المقام “إن تصبروا وتتقوا بعد محمد رسول الله فلم يضركم كيد الكفار والمنافقين والمرتدين شيئاً” وهو الذي تحقق بفضل الله سبحانه.
    والصحابي داعية الى الله والى رسوله، وكان إيمان الصحابة وتفانيهم في الدفاع عن الإسلام بعد رحيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبباً في إسلام الكثير من الناس طواعية في القتال، وواقية من الشك والريب، فإذا كان الكفار يثيرون أسباب الشك والريب بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أيام حياته والمعجزات تترى على يديه، فانهم ينشطون في بث سمومهم بعد وفاته، ولكن الله عز وجل تفضل بالأمن من كيدهم، فكان الصحابي أمة في الخير وواقية من أسباب الشك والريب، وضياء يقتدي به الناس إلى يوم القيامة ليقودهم إلى التصديق الجازم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم عبادة الله عز وجل.
    وجاءت هذه الآية دعوة للمسلمين لإكرام الصحابة من المهاجرين والأنصار لما فيها من البيان عن صبرهم وجهادهم، ونصرتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنفسهم وأهليهم، وقد خرج المنافقون بالتخصص إذ جاءت الرواية بانسحابهم من معركة أحد غدراً وحيلة، وهذا الإنسحاب شرف إضافي للصحابة الذين وصفتهم الآية بالمؤمنين، إذ أنهم واصلوا الجهاد حتى مع إنهزام المنافقين ولم يحاكوهم في هزيمتهم، ولم يتسرب الخوف والجبن إلى نفوسهم.
    ان النقاش في حد الصحابي صغروي ويجب أن لا يحول دون إظهار المعاني السامية لصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي تتغشى كل صحابي، والأولى ان تؤخذ بالمعنى الأعم في مفهوم الصحابي ليشمل كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتلك الرؤية عنوان الصحبة والإقتباس من السنة الفعلية والقولية.
    وقد ورد معنى الصحبة في موسى والخضر بقوله تعالى [قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي]( ).
    أي ان الصحبة تصدق على المرة الواحدة من اللقاء والمماشاة، وفيه نكتة وهي ان الخضر مع عظيم منزلته وان موسى عليه السلام كان هو الذي يسأله، فهو لم يقل “فلا أصاحبك” بل ان الخضر هو الذي يصاحب موسى أي ان النفع العظيم للخضر في صحبته لموسى عليه السلام، مع علو منزلة الخضر، لذا لا يقال ان النبي صاحب فلان، بل فلان صاحب النبي، نعم ورد في القرآن نسبة صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى المسلمين كما في قوله تعالى [وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ] ( ).
    وفيه وجوه:
    الأول: إرادة الصحابة أيام التنزيل.
    الثاني: المراد أجيال المسلمين اللاحقة.
    الثالث: عموم الصحابة وأجيال المسلمين.
    والصحيح هو الثالث، وفيه آية إعجازية وهي ان النبي محمداً صلى الله
    عليه وآله وسلم صاحب لكل مسلم، وهو مصاحب لهم في سنته وقوله وفعله، كما ورد بصيغة المفرد وإضافة الصاحب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في قصة الغار ودخوله وأبي بكر الصديق فيه، قال تعالى [إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا]( ).
    والغار نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة
    مكثا فيه ثلاثة أيام، وقيل لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “اللهم إعم أبصارهم .
    وعن علي بن إبراهيم قال حدثني أبي عن بعض رجاله عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار قال لأبي بكر أنظر إلى سفينة جعفر وأصحابه تعوم في البحر، وأنظر إلى الأنصار مخبتين في أفنيتهم فقال أبو بكر: وتراهم يارسول الله، قال نعم، قال: فارينهم فمسح على عينه فرآهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انت الصديق”( ).
    وقد ورد مدح الصحابة بقوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ]( ).
    وذكرت فيه وجوه منها:
    الأول: الذين شهدوا بدراً.
    الثاني: الذين صلوا الى القبلتين.
    الثالث: من بايع بالحديبية وهي بيعة الرضوان ما بين الهجرتين.
    وعن الخليفة عمر بن الخطاب أنه كان يرى أن قوله – والذين اتبعوهم بإحسان – بغير واو صفة للأنصار حتى قال زيد إنه بالواو فقال : ائتوني بأبُي، فجاء وقال : تصديق ذلك في أول الجمعة – وآخرين منهم – وأوسط الحشر – والذين جاءوا من بعدهم – وآخر الأنفال – والذين آمنوا من بعد – وروى أنه سمع رجلا يقرؤه بالواو فقال من أقرأك ؟ قال أبُى : فدعاه فقال : أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( ).
    وقرأ يعقوب “والأنصار” بالرفع عطفاً على (السابقون) وقيل هي قراءة الحسن وقتادة ولكن الأصح ما هو مرسوم في المصاحف أي بالجر عطفاً على الأنصار، وهو المشهور.
    وبلحاظ الآية السابقة تحتمل وجوه:
    الأول: تقسيم الصحابة الى أقسام:
    الأول: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار بإفادة “من” في الآية التبعيض.
    وذكر الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده مرفوعاً الى عبد الرحمن بن عوف في قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ] ( ).
    قال: هم عشرة من قريش أولهم إسلاماً علي بن أبي طالب( ).
    الثاني: المهاجرون والأنصار الذين إلتحقوا بالسابقين الأولين منهم، كما لو جاءوا وأسلموا بعد معركة الخندق.
    الثالث: الأصحاب الذين أسلموا بعد فتح مكة، ليكونوا على هذا التقسيم هم المذكورون بقوله تعالى في الآية أعلاه [وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ]( ).
    الوجه الثاني: شمول الآية أعلاه كل الصحابة بالأصالة أو الإلحاق ونيلهم صفة الهجرة أو النصرة لأنهم نصروا النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامهم في حياته.
    الوجه الثالث: جاءت الآية أعلاه لخصوص فريق من الصحابة نالوا مرتبة السبق والشرف العظيم، وإثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره.
    وبين السابقين الأولين وبين الصحابة عموم وخصوص مطلق، فكل سابق هو صحابي وليس العكس، وهو الذي يتجلى في عدد من وجوه تعريف الصحابي عند عموم المسلمين، ومعنى الصاحب لغة وعقلاً وعرفاً.
    وموضوع صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأشخاص صحابته المكرمين وما في هذه الصحبة من أخبار السنة النبوية الشريفة، وأقوال وأفعال الصحابة أمور تصلح أن تكون مرآة للسنة النبوية.
    وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم “النجوم أمنة السماء فاذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فاذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى الأمة ما توعد”( ).
    ومما ينفرد به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة أصحابه وحكايتهم لسنته بالقول والفعل من وجوه:
    الأول: يحكون في أقوالهم سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية.
    الثاني: تأتي أفعالهم مصداقاَ عملياً على سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية.
    الثالث: أفعال الصحابة مرآة للسنة الفعلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    الرابع: تحكي أفعال الصحابة السنة الفعلية.
    لقد كانت الصحبة واسطة مباركة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعموم أجيال المسلمين في الصلاح والتقوى، ونشر الأخلاق الفاضلة والتنزه من الرذائل.
    ومن الآيات ان عنوان الصحابة لا ينحصر بالرجال بل يشمل النساء الصحابيات، ووراء إسلام كل واحدة منهن قصة تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما لاقاه الصحابة في جنب الله، كما تشمل أهل بيت النبوة رجالاً ونساء، في صفحة جهادية مشرقة.
    لقد جاءت هذه الآية لجعل الصحابة أمة واحدة في مواجهة الكفار وهي تحذير لهم من النفاق وأهله، وتبعث في نفوسهم العزيمة على قهر الشهوة والغضب وأسباب الفرقة، إذ تجعل الأولوية لمواجهة الكفار ومنع شماتتهم بالمسلمين.
    لذا جاءت الآية السابقة بمبادرتهم من خيوط الفجر الأولى الى ساحة المعركة دفاعاً عن الإسلام تحت إمامة وقيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسيأتي في عدد لاحق ان شاء الله قانون “موضوعية الصحابة في علم التفسير”.
    لقد أجلس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين في مواضع القتال في المعركة كما ورد في الآية السابقة[تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( )، وهو من مقدمات القتال،لأن المقاتل يكون عرضة للسيوف والرماح والنبال، خصوصاً مع كثرة عدد الكفار وعدتهم، وبذلهم الوسع في الإستعداد للمعركة.
    وكأن تبوء المؤمنين للقتال جلوس في عروش للحكم والسلطنة إلى يوم القيامة، لقد نال المجاهدون الأوائل من الصحابة مقاعد الإمارة والرفعة والشأن بين عموم المسلمين في أجيالهم المتعاقبة والناس جميعاً، وصاروا أئمة في الصبر والتقوى .
    وكل واحد منهم آية عظمى في الجهاد في سبيل الله، وداعية للمسلمين والمسلمات للدفاع عن الإسلام وتعاهد مبادئه، خصوصاً وأنه كانت بعض الصحابيات يقاتلن دون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة بالسيف والرمي بالقوس كما في أم عمارة التي أصيبت بجروح بليغة ظل أثرها بعد المعركة شاهداً على حقيقة تفزع الكفار والأعداء جميعاً وهي مبادرة المؤمنات للقتال في سبيل الله ودفاعاً عن النبوة.
    وتحتمل مشاركة أم عمارة في القتال أمرين:
    الأول: إنفرادها في القتال من بين المؤمنات.
    الثاني: إشتراك مؤمنات معها في القتال، وجاء ذكرها على نحو المثال وليس الحصر.
    والصحيح هو الثاني وهناك شواهد تأريخية تؤكد إشتراك غيرها من المؤمنات في القتال كما في صفية بنت عبد المطلب في معركة الخندق” قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال : كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت : وكان حسان بن ثابت معنا فيه، مع النساء والصبيان . قالت صفية : فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن .
    وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، قالت : فقلت : يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فاقتله، قال : يغفر الله لك يابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت : فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده شيئا، احتجزت ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته . قالت : فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت : يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل، قال : ما لي بسلبه من حاجة يابنة عبد المطلب”( ).
    وإذ كانت هناك مشاركة للنساء فقوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] يحتمل وجهين:
    الأول: انه خاص بالرجال من الصحابة الذين خرجوا للقتال دون النساء.
    الثاني: جاء جمع المذكر السالم في قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] لتغليب جنس المذكر، فيشمل المؤمنات اللائي قاتلن بالإلحاق وشواهد الحال.
    والصحيح هو الأول، إذ أن الجهاد ساقط عن النساء، فلم يقم النبي بتعيين مواضع قتال للمؤمنات اللائي خرجن الى أحد، ولكن بعض المؤمنات بادرن إلى الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه دعوة للمسلمات الى يوم القيامة للذب عن الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    لقد كان إخلاص وتضحية الصحابة والصحابيات في سبيل الله كالسدرة التي يتفيأ في ضلالها كل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، فليس من أصحاب نبي من الأنبياء جاهدوا وقاتلوا كما قاتل المؤمنون من الصحابة، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، في الرد من الله على الملائكة الذين قالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )، إذ أن المؤمنين تصدوا للمفسدين والظالمين، وحالوا دون إشاعتهم الفساد والقتل وسفك الدماء.
    ومنعوا أياديهم من الوصول إلى شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو إلى القرآن رسماً ونصاً ومضموناً، ليكون في جهاد أهل بدر وأحد موضوعية في حفظ القرآن من التحريف.
    لقد وصفت هذه الآية الصحابة الذين خرجوا للقتال في أحد بأنهم مؤمنون بقوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] وفي هذا الاسم بلحاظ موضوعه وأوانه وجوه:
    الأول: نيل الصحابة هذا الاسم عندما كانوا في المدينة، لتصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا موضوعية فيه للخروج للقتال.
    الثاني: الخروج الى القتال فرع الإيمان فلا يخرج للقاء الكفار إلا المؤمنين وهذا الخروج شاهد على صدق الإيمان.
    الثالث: نال الصحابة مرتبة الإيمان بالخروج الى أحد وتلقي الأوامر بالجلوس في مواضع القتال، لأنه أصبح حقيقة وأمراً واقعاً لايصبر فيه إلا المؤمنين.
    ولاتعارض بين هذه الوجوه في الجملة لإمكان رد بعضها إلى بعض، والتداخل فيما بينها.
    ولكن عندما نشب القتال وإنهزم أكثر الصحابة من مواقعهم وترك الرماة مواضعهم، فهل فقد الذين إنهزموا صفة الإيمان فيه وجهان:
    الأول: ثبوت صفة الإيمان لهم حتى في حال الهزيمة.
    الثاني: فقد صفة الإيمان بالهزيمة وهو على شعب:
    الأولى: رجوع الصفة لهم بعودتهم الى ميدان المعركة.
    الثانية: عدم رجوعها إليهم بعد الهزيمة.
    الثالثة: التفصيل برجوعها إلى من عاد الى موضعه والى الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره ممن لم يعد.
    الرابعة: عودة صفة الإيمان بالتوبة والإستغفار لجميع الذين خرجوا للقتال في أحد وساهموا فيه دفاعاً عن الإسلام والمسلمين وإن إنهزموا آنا ما.
    والصحيح هو الوجه الأول، فان صفة الإيمان ثابتة للذين نالوا شرف الخروج الى ميدان المعركة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، ولا موضوعية للهزيمة لأنها مؤقتة، وسرعان ما قاموا بالتدارك والرجوع الى القتال وهي حجة على الكفار ،وتتضمن ذمهم لإصرارهم على الإنتقام والبطش بالمؤمنين.
    فحينما إنهزم فريق من المسلمين لم يتخلوا عن الإيمان، بل إنسحبوا مؤقتاً وهم مؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيصدق عليهم اسم (المؤمنين) عند إبتداء وإستدامة وإنتهاء المعركة، بخلاف المنافقين الذين إنسحبوا في الطريق الى أحد، وعادوا إلى المدينة ليكشف هذا الإنسحاب عن خلو قلوبهم من الإيمان، ويدل في مفهومه على إيمان الذين لم ينسحبوا معهم ولم يغادروا إلى ان وقعت المعركة وشاركوا فيها بتفان وإخلاص.
    ولم تقل الآية (تبوئ للصحابة) أو تبوئ للمهاجرين والأنصار مقاعد للقتال، بل ذكرتهم بصفة الإيمان وفيه وجوه:
    الأول: بين الصحابة عموماً والذين خرجوا من المدينة للقتال عموم وخصوص مطلقاً، وكثير من الصحابة دخلوا الإسلام بعد المعركة بدر وأحد ،وعن أبي زرعة الرازي : قبض رسول الله عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي.
    الثاني: لم يخرج كل المهاجرين والأنصار إلى المعركة، بل تخلف نفر قليل منهم حالت أسباب خاصة عرضية دون خروجه.
    الثالث: بيان نكتة عقائدية، وهي إستحقاق الذين خرجوا للقتال وخاضوا المعركة صفة الإيمان، ليكون نعتهم بالمؤمنين مدحاً وثناء عليهم.
    الرابع: حث الصحابة جميعاً بما فيهم الذي دخل الإسلام رحقاً بالخروج إلى الجهاد لأنه مصداق الإيمان.
    الخامس: دعوة المسلمين لإكرام البدريين والأحديين بصفة الإيمان.
    السادس: إنحصار الإيمان من بين أهل الأرض بالذين خرجوا للقتال مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    السابع: المؤمن هو الذي يتبع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مواطن القتال والدفاع عن الإسلام.
    الثامن: وصف البدريين والأحديين بصفة الإيمان حجة على الكفار الذي قاتلوهم.
    التاسع: بشارة إنتصار المسملين في المعركة قال تعالى [[ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]( ).
    العاشر: إفادة الألف واللام في (المؤمنين) العهد، فليس على وجه الأرض مؤمنين غيرهم، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم النبيين ، وأبى الله عز وجل إلا أن تعمر الأرض بالإيمان والعبادة، لذا فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين هم المنتصرون قال تعالى [فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ]( ).
    قانون “غدوت من أهلك”
    لقد جعل الله عز وجل الأرض سكناً للناس في أجيالهم المتعاقبة، ثم تفضل وجعل المرأة سكناً للزوج، قال سبحانه [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا]( )، وجعل لكل مسلم بيتاً ليسكن هو وعياله فيه، والأنبياء من عموم الناس في هذه النعمة مع التشريف والإكرام بخصوصية النبوة، وما يترشح عنها من البركات والأخلاق الحميدة التي تكون نبراساً، وسبباً للهداية الذاتية والغيرية، قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ]( ).
    وإبتدأت هذه الآية الكريمة بالإخبار عن كون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم له عيال وأهل وبيت، وأنه يتعاهد أسرته ويحرص على أن يبيت في بيته وبه جاءت الأخبار والنصوص وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم”خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لاهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم”( ).
    وتبين الآية أولوية الجهاد على حب العيال من وجوه:
    الأول: الجهاد حب لله تعالى، ومن يحب الله عز وجل يمتنع قلبه عن حب غيره إلا في مرضاة الله.
    الثاني: الجهاد سبب ووسيلة لإستدامة بقاء المسلم مع أهله وعياله وتقدير الآية على هذا المعنى”وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال لترجع الى أهلك”.
    الثالث: الدفاع عن الإسلام ضرورة وحاجة لحفظ الأهل والمال.
    الرابع: تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيادة المسلمين في الدفاع وصد الكفار والمشركين، لتبقى أزواج وأبناء المسلمين في مأمن وسلامة من السبي والقتل، وجاء القرآن بقصة بني إسرائيل وما لاقوه من آل فرعون من العذاب بما يكون عبرة وموعظة للمسلمين، قال سبحانه [وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ]( ).
    وجاءت هذه الآية لتدفع اللوم تأريخياً عن المسلمين، فلا يأتي أحد ويقول لماذا يقاتل المسلمون، ولايبقون مع أهلهم في سكن والجواب من وجوه:
    الأول: يقاتل المسلمون كيلا يأتي قوم ظالمون وكفار مثل آل فرعون ويسومونهم وأهليهم العذاب.
    الثاني: جاء قتال المسلمين دفاعاً عن أنفسهم وبلدهم وأهليهم.
    الثالث: قتال المسلمين مقدمة وسبب لإستدامة الأمن والسلامة، وحرز من تعدي الكفار والظالمين.
    الرابع: في قتال المسلمين رحمة بالناس جميعاً ومنهم الكفار، لما فيه من الزجر من مواصلة التعدي على المسلمين، لقد جاء خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهله مبكراً للقتال دعوة لأجيال المسلمين المتعاقبة للتهيئ للقتال والدافع عن الإسلام.
    وتبين الآية أن الله عز وجل يعلم بحال النبي وأهله والصحابة وأهليهم، ويفيد الجمع بين خاتمة الآية السابقة [إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] وبين بداية هذه الآية تغشي الرحمة الإلهية للمسلمين، ونزول النقمة والعذاب بالكافرين الذين يريدون التعدي عليهم وإستباحة المدينة المنورة التي هي المصر الإسلامي الوحيد آنذاك لذلك ورد في دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر”اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة، لا تعبد في الأرض”( ).
    لقد فتح الله عز وجل للمسلمين باب الجهاد والدفاع عن النفس ليرزقوا الأجر والثواب وينالوا الشهادة، وتكون العاقبة لهم ولأسرهم وأبنائهم اللبث الدائم في الجنة، وهل حصلت مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهله للقتال على نحو القضية في واقعة، ومرة واحدة، أم أنه فعل متكرر، الجواب هو الثاني.
    وتلك آية في وظائف النبوة، ومصاديق الجهاد في تأريخ الإسلام، وهي برهان على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يترك العيال في أحلى ساعات السكينة لينطلق إلى سوح المعارك في مقدمة المؤمنين وإماماً في المعركة، وهذه الإمامة سر إنتصار المسلمين على قلتهم على الأعداء الذين يكونون أضعاف المسلمين وهي عون للمسلمين بين عوائلهم وأبنائهم.
    فلم يرد في تأريخ الصحابة من المهاجرين والأنصار أن أبدت بعض الأزواج رغبتهن في تخلف ازواجهن، وبعد إتساع رقعة الإسلام، وكثرة عدد المسلمين وكثرة أموالهم تخلف نفر قليل منهم عن الخروج إلى تبوك كما في تفسير قوله تعالى [اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ]( )، أي لم يأتوا بأعذار كاذبة، بل أظهروا ندمهم على التخلف وحينما علموا بما نزل في المتخلفين عن القتال أيقنوا بالهلاك والعذاب فاوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، وهم ثلاثة، أبو لبابة مروان بن عبدالمنذر، واوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام،، وقيل كانوا عشرة، وان الذين اوثقوا أنفسهم منهم كانوا سبعة.
    ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد فصلى ركعتين، وهي عادته كلما قدم من سفر، فرآهم موثقين فسأل عنهم، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يحلهم، فقال :” وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم، فنزلت فأطلقهم وعذرهم، فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فنزلت – خذ من أموالهم”( ).
    أما الثلاثة الذين بقوا على الإصرار ولم يتوبوا فهم ثلاثة: كعب بن مالك، هلال بن أمية، مرارة بن الربيع، وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى [وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ]( ).
    وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أن لايسلموا عليهم ولايكلموهم، فلما رأوا الإعراض والإزدراء من المسلمين، ندموا وأصلحوا سرائرهم وتابوا الى الله توبة نصوحاً فرحمهم الله عز وجل.
    وطيلة أيام النبوة ليس من امرأةتنهى زوجها أو إبنها عن القتال، بل كانت هناك شواهد عديدة تبين أن من النساء من كانت تقاتل مع إبنها وزوجها دفاعاً عن الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    وهل يحتمل المراد من الأهل في الآية المدينة المنورة بإعتبار أنها مهاجره وسكنه، وفي هذا المعنى إشارة إلى دفاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل المدينة جميعاً، وأنهم عيال النبي، قال تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ]( )، لإرادة معركة بدرالكبرى.
    الجواب أن الكلام العربي يحمل على ظاهره إلا مع القرينة الصارفة الى خلاف الظاهر، لذا يحمل الكلام هنا على معنى الأهل والبيت وليس المدينة كلها، فالإستعداد والتعبأة للقتال بدأت بعد صلاة الصبح والمؤمنون في المدينة ليصلوا إلى أحد وقد أصبحوا قادرين على مواجهة العدو ومكره.

قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]
ليس من فاصلة بين خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهله وبين مباشرته تعيين مقاعد ومواضع المجاهدين للقتال.
نعم تدل الآية على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد صلى والمسلمون صلاة الغداة لوجوبها وتعاهده لها في أول وقتها، وهل يحتمل أنه خرج من بيته وصلى صلاة الصبح ثم ذهب إلى القتال، الجواب لا، لأنه دخل إلى بيته ولبس لأمة الحرب.
فالمعنى الأول هو الأقرب كما لوصل صلاة الغداة ثم دخل بيته ليخرج ويلبس لأمته ويخرج للقتال، وكأن خروجه إيذان ببدء الإستعداد للمعركة، ودعوة لجميع الصحابة للمبادرة للقتال والإستعداد للشهادة أو نيل الظفر مع أنه ليس من تعارض بينهما، فقد يستشهد جماعة من المسلمين وتكون نتيجة المعركة النصر والغلبة للإسلام والمسلمين، وهو الذي وقع في أغلب معارك المسلمين.
ومن الشواهد التأريخية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أن النصر يأتيهم أحياناً بمدد من الملائكة وفضل من عند الله ظاهر، وخفي، والذي يعلمه الناس من النبوة هو تبليغ الرسالة، والإخبار عن الوحي والتنزيل، والمجئ بالبشارات والإنذارات، والوعد والوعيد.
وجاءت هذه الآية لتخبر عن صفحة مشرقة ووظيفة من وظائف النبوة وهي إمامة المجاهدين، وتدل بالدلالة التضمنية على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج إلى القتال إلا بأمر من الله تعالى، وتدل عليه أيضاً خاتمة هذه الآية [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] لما فيها من إمضاء وتزكية لفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتدل الآية على تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه وظائف توزيع المقاتلين وانهم بعرض واحد إذ يخضعون جميعاً للأوامر التي تصدر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه تشريف إضافي للصحابة من وجوه:
الأول: يأتي تعيين مواضعهم في القتال بأمر من الله عز وجل بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثاني: بشارة النصر لأن النبي يتولى بنفسه توزيع وتعيين المواضع على المقاتلين.
الثالث: دلالة الآية على نصرة الصحابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنفوس وحسن طاعتهم له.
الرابع: عدم حدوث خلاف ونزاع بين المؤمنين في تعيين مواضع القتال.
الخامس: إتحاد المهاجرين والأنصار وإجتماعهم في مواضع القتال، وإختلاط دمائهم في المعركة ليكون درساً لأجيال المسلمين بضرورة نزع الفوارق فيما بينهم، وتقديم الولاء للإسلام على الإنتساب للقبيلة والبلد والجنس، ودعوة لهم للتدبر في سيرة وحسن أخلاق المسلمين الأوائل، وأنها كانت من أسباب إنتصار المسلمين على أعدائهم، فلو كانت بينهم فرقة وخلاف، وإنشغال بالتفاخر بالآباء والقبائل لوجدوا صعوبة ومشقة في التغلب على الكفار ولطمع فيهم عدوهم، خصوصاً وأنه أكثر عدداً، وعدة.
وتدل الآية على إنقياد الصحابة التام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول:يتولى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعيين منازلهم في القتال.
الثاني: رضا الصحابة عن النبي في تعيين مواضعهم للقتال، فلم يعترض أحدهم على وضعه في الميمنة أو الميسرة، ولم يصر أحدهم على أن يكون في القلب أو المؤخرة.
الثالث: مواضع القتال من أشق وأشد وجوه الإمتحان إذ أظهر الصحابة فيها أصدق معاني الطاعة، والإنقياد لينالوا شرف الدنيا والآخرة، ويكون فعلهم هذا سبباً لأمور:
الأول: تمسكهم بمعاني الأخوة الإيمانية.
الثاني: تجلي صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما تبعثه في النفوس من معاني التضحية والفداء في سبيل الله.
الثالث: نشر الفزع والخوف في قلوب الكفار.
الرابع: معرفة الناس بحقيقة وهي أن المسلمين يبذلون أنفسهم دفاعاً عن الإسلام.
الخامس: دعوة الناس للإسلام، وترغيبهم بالإيمان، وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس: زيادة الإيمان في قلوب المسلمين، فكل واحد منهم يعلم صدق إيمان الصحابة الآخرين، فيزداد حباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولهم، وتلك آية في فلسفة الجهاد بأن يهاجم الكفار المسلمين، فيترشح الإيمان في نفوس المسلمين ، وينعكس هذا الرسوخ بالتفاني في الجهاد في سوح المعارك طاعة لله ورسوله.
السابع: تنمية ملكة حب الشهادة في نفوس المسلمين، وجعلها قريبة منهم، يحسون بها، ويسعون إليها، فقد يرغب المسلم بالشهادة ولكن حينما يأتي أوان القتال تظهر عليه علامات التردد.
وقد ورد في خطاب أحد أنبياء بني إسرائيل لقومه [هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا]( )، إذ كان الملك هو الذي يسير بالجنود، أما النبي فيتلقى الوحي ويوجه الملك وجنوده ويصلح له حاله.
وقد فضل الله تعالى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأن جعله هو النبي والإمام والقائد، وفيه تأسيس لتولي الخلفاء وأئمة المسلمين وظائف قيادة الجيوش، وعدم حصول رد وإعتراض من عموم المسلمين بلزوم فصل السلطان، وإختصاص الخلافة بشؤون الملك، وجعل قيادة الجيش خاصة بالملوك والقادة العسكريين، وحجة عليهم بأن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولايعطلوا أمور الجهاد، أو يتركوها لأعوانهم وأتباعهم ومتى ماكان الإمام هو الذي يتولى شؤون القيادة في ميدان المعركة إذ يقوم بالإشراف والمتابعة يستبسل المؤمنون في القتال، ويتفانون في الذب عن مبادئ الشريعة وثغور المسلمين.
لقد فرّ المهاجرون بدينهم والتحقوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنصار في المدينة المنورة بعد ما لاقوه من الأذى من الكفار قال تعالى [وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ]( )، ولم يكتف الكفار بإخراجهم بل قطعوا مئات الأميال بخيلهم وخيلائهم للتعدي عليهم وإكراههم على الإرتداد [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ] ( ).
فأكد المهاجرون أنهم يقيمون على الإسلام ولن يغادروا مبادئه، وأظهر أهل المدينة أبهى مصاديق النصرة في التأريخ بالدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن جنباً إلى جنب مع المهاجرين لتتجلى معاني الأخوة الإيمانية ويكون درساً عملياً للأجيال المتعاقبة من المسلمين، وتلك مدرسة أسسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله عز وجل.
وجاءت هذه الآية وثيقة سماوية، لما فيها من الإخبار عن قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوزيع الصحابة على مواضع القتال.
وجاءت الآية بذكر مواضع القتال مع أن وظائف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أكبر وأكثر إذ تشمل مقدمات القتال، لوجوب المقدمة لوجوب ذيها، وتحتمل الآية وجوهاً:
الأول: جاءت الآية من باب المثال، وليس الحصر والتعيين بواقعة ومعركة مخصوصة.
الثاني: في الآية إخبار عن حال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل معركة وغزوة يخرج بها.
الثالث: الآية أعم من خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمعركة فقد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ثم لا يخرج معهم.
الرابع: إرادة واقعة مخصوصة.
والصحيح هو الثاني والرابع، فالمراد واقعة مخصوصة، كما أنه بيان لجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته في القتال، وفيه شاهد على صدق نبوته وإنتفاع المسلمين من الوحي في أشد الأحوال من وجوه:
الأول: ما ينزل من آيات القرآن بخصوص المعركة والإستعداد لها.
الثاني: الآيات ذات المضامين العامة التي ينتفع منها المسلمون، في حال الحرب والسلم، ومنها آية البطانة [لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ]( ).
الثالث: ما يوحى الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يجب عليه قوله أو فعله، وما ينهى عنه، وفي تعيين النبي مواضع الصحابة في القتال وجوه:
الأول: تعيين المواضع بوحي من الله عز وجل.
الثاني: إجلاس المؤمنين بالإجتهاد من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث: ما يراه الصحابة أنفسهم في إختيار مواضعهم، ويقوم النبي بالإشراف والإمضاء لفعلهم.
الرابع: التشاور بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين فلا يفعل النبي إلا ما يأمره الله عز وجل، لذا فان تعيين مواقعهم يأتي من عند الله، وفيه بشارة للنصر والظفر، وهو مناسبة لنيل الثواب والأجر العظيم.
لقد جمع النبي الأنصار والمهاجرين للشورى، قبل معركة بدر وقال لهم ” أشيروا على فلما راى سعد بن معاذ كثرة استشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فيشيرون فيرجع إلى المشورة ظن سعد انه يستنطق الانصار شفقا ان لا يستحوذوا معه على ما يريد من أمره فقال سعد بن معاذ لعلك يا رسول الله تخشى ان لا تكون الانصار يريدون مواساتك ولا يرونها حقا عليهم الا بان يروا عدوا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم وانى أقول عن الانصار وأجيب عنهم يا رسول الله فاظعن حيث شئت وخذ من أموالنا ما شئت ثم أعطنا ما شئت وما أخذته منا أحب الينا مما تركت وما ائتمرت من أمر فأمرنا بامرك فيه تبع فوالله لو سرت حتى تبلغ البركة من ذى يمن لسرنا معك فلما قال ذلك سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيروا على اسم الله فانى قد رأيت مصارع القوم”( ).
وجمعهم مرة أخرى صباح يوم الجمعة عند الخروج إلى أحد وسألهم الخروج أم البقاء لأنهم عاهدوه أن يكون في ذمامهم فأراد منهم الأذن والرضا بالخروج لقتال العدو.
لقد خص الله عز وجل المسلمين بلطف ورحمة منه إذ جعل قيادة المسلمين بالوحي والنبوة والتنزيل ومدد من الملائكة ليفوز الصحابة بتعضيد ومؤازرة لم يشهد مثلها التأريخ، وهو شاهد على تفضيل المسلمين على الأمم الأخرى ومصداق لقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
واختلف في متعلق وأوان الآية على وجوه:
الأول: نزلت الآية بخصوص واقعة أحد، وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد والسدي والربيع، وعن الإمام الباقر عليه السلام.
الثاني: المراد يوم الأحزاب، عن مقاتل.
الثالث: أنه يوم بدر، عن الحسن.
والأصح هو الأول لوجوه:
الأول: ذهاب علماء المغازي الى القول به، وأن الآية نزلت بخصوص يوم أحد.
الثاني: مجئ قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ( )، بعد آيتين، والظاهر هو العطف والتعدد.
الثالث: أنه القول المشهور عند علماء المسلمين.
وأشكل على القول بأنه يوم الأحزاب بأن مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تحصل يوم الأحزاب بل حصلت يوم أحد، لقوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ] ( )،نعم ظاهر الآية مباشرة توزيع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين في مواضعهم عند خروجه من أهله وكأن الواقعة داخل المدينة، والتي تنطبق على واقعة الأحزاب، ولكن الآية أعم لأن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته وهو يريد القتال شاهد على بدء توزيع المؤمنين في مواضع القتال، وهو يحتمل وجوهاً:
الأول: مباشرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتوزيع الصحابة في ذات المواضع حال خروجه من أهله.
الثاني: المراد تعيين مواضع المجاهدين حين وصول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة إلى أحد.
الثالث: بيان حقيقة جغرافية وعسكرية، وهي ليس من فاصلة وبعد مكاني بين المدينة وأحد، فمن إعجاز الآية إتصال العمران كي تصل محلات وأحياء المدينة إلى أحد.
الرابع: توزيع المواضع أعم من أن يكون عند الوصول إليها، إذ يبدأ من خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته، ويجوز أن يكون في المسجد وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عند خروجه من البيت باشر توزيع الوظائف والمهمات.
ومن الآيات أن النبي خرج من بيته ماشياً على قدميه إلى أحد وموضع المعركة، ليكون الطريق مناسبة للتدارس والتشاور بخصوص المعركة.
الخامس: إرادة المعنى الأعم في قوله تعالى[تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]مسائل منها:
الأولى: الإعداد للمعركة.
الثانية: جمع المؤون.
الثالثة: تهيئة العدة.
الرابعة: تقديم الرايات.
الخامسة: تعيين الأمراء.
السادسة: ضبط الأعداد.
السابعة: تفقد المؤمنين.
والصحيح هو الثالث والرابع والخامس، خصوصاً وأن الكفار وصلوا الى أحد قبل المسلمين، فالإنشغال الزائد بتوزيع المواضع فرصة للعدو للإجهاز على المسلمين، ومناسبة لكشف مواضعهم وحركات الجنود، مما يدل على وجود إعجاز عسكري في الآية من وجوه:
الأول: إنه دليل على أن توزيع المواضع على الصحابة كان بالوحي في كيفيته وفي أوانه وموضوعه.
الثاني: من منافعه تهيئة أذهان المسلمين للمعركة.
الثالث: قطع سبيل المباغتة على العدو، فلا يستطيع معها أن يفاجئ المسلمين.
الرابع: يفيد الإستعداد للقتال قبل الخروج من المدينة معرفة حوائج المقاتلين، وبذل الوسع لتوفيرها .
الخامس: بيان صيغ وكيفية توزيع المسلمين، وحاجة كل موضع.
السادس: منع إندساس عيون العدو بين صفوف المسلمين، لأن توزيع المواضع في المدينة وقبل الوصول الى ميدان المعركة يجعل كل مسلم يعرف صاحبه.
السابع: تعيين القيادات الميدانية في المعركة.
الثامن: من فضل الله تعالى على المسلمين أن المعركة تجري حوالي المدينة، وفي أرض في المدينة، ولا تبعد عنها إلا أميالاً معدوات، لذا فان الصحابة يعرفون ميدان المعركة خصوصاً الأنصار منهم، وكأن التوزيع حينئذ يكون على الخريطة.
التاسع: تدل الآية على إرتقاء المسلمين في العلوم العسكرية، ومعرفتهم لوظائفهم في الميدان ببيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها وهم في المدينة المنورة.
العاشر: في الآية واقية من المنافقين ومكرهم وغدرهم، إذ أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بتعيين مواضع المسلمين وهو في المدينة لكي لا يكون المنافقون في جبهة من القتال يسهل على العدو إختراقها، كما لو كانوا في الميمنة أو الميسرة أو هم الرماة، لذا لما قام رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول بالإنهزام ومعه ثلاثمائة وهم نحو ثلث المسلمين لم يسبب بهزيمة المسلمين.
الحادي عشر: لقد نزل الكفار بأحد يوم الأربعاء أي قبل يومين من خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يستلزم التوقي والحذر منهم لأنهم إختاروا المواضع المناسبة لهم خصوصاً وأن المنطقة فيها هضاب وجيال وأودية، ولازالت معالمها على حالها إلى يومنا هذا.
الثاني عشر: ان توزيع النبي للمجاهدين في مواضعهم وهم في المدينة مانع من التمرد والتردد والإعتذار في ميدان المعركة.
الثالث عشر: تهيئة المؤمنين للقتال، وجعلهم يستعدون لها.
الرابع عشر : التوجه بالدعاء الى الله بالنصر ما بين التبوء وبداية المعركة.
الخامس عشر : لقد أخبرت الآية عن تعقب قيام النبي بتوزيع المسلمين في مواضع القتال عند خروجه من أهله ويفيد إبتداء التوزيع وإجلاس الصحابة في مواضعهم، إستمرار هذا التوزيع والتوجيه وأوامر التوزيع النبوية في حالات تالية أخرى وهي:
الأول: في الطريق إلى أحد.
الثاني: عند الوصول إلى ميدان المعركة.
الثالث:قبل بداية المعركة إذ كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يمشي على رجليه يصف أصحابه للقتال.
الرابع: أثناء المعركة، إذ يتولى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسؤوليات القيادة بنفسه، وهي أعم من تعيين مواضع القتال وتشمل الإشراف والمباشرة في المعركة.
الخامس: عندما تعرض المسلمون للهزيمة ثبت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعا أصحابه للرجوع إليه، وهو من مصاديق تهيئتهم للقتال.
السادس: لقد قاتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه في المعركة، ومنه تعيينه لمواضع المجاهدين في المعركة سواء لمن كان معه، أو الذي تصله أوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو الذي يتحرك ويعمل بما يناسب موضع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان خصوصاً وأنه كان وسط الميدان.
لقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتعيين مواضع المؤمنين في القتال، لتكون منابر من نور في الدنيا والآخرة، وتدل على آية في قوانين الجزاء الإلهي، إذ ينجذب المسلمون إلى هذه الآية وما فيها من الثناء والمدح للمؤمنين المقاتلين من الصحابة، ويتخذون من وقائع تلك المعارك نبراساً وسبيل هداية، وأصبحت تلك المواضع من القتال ومع ما فيها من الضرر الفادح والخطر الشديد ودنو الموت والخشية على الإسلام وشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مناسبة لإقرار المسلمين بفضل وعلوا رتبة الصحابة المجاهدين ليصبحوا ملوكاً من غير تيجان، وأمراء على القلوب، وأعلاماً للتقوى يقتدي بهم المؤمنون في كل زمان.
وإذ جاءت الآية بالإخبار عن قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإجلاس المؤمنين في مقاعدهم ولكنها لم تذكر تبوئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقعده في القتال، وفيه وجوه:
الأول: ليس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضع معين في القتال، وهو الذي يدل عليه ظاهر الآية لأنه يتولى متابعة جلوس المؤمنين في مواضعهم، وتقدير الآية تبوئ نفسك والمؤمنين مقاعد القتال.
الثاني: موضع النبي في القتال، هو إجلاس وتبويئ المؤمنين في مقاعدهم، قال الواقدي : وجعل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يمشي على رجليه يسوي تلك الصفوف، و”يبوء المؤمنين مقاعد للقتال ” يقول: تقدم يا فلان، وتأخر يا فلان، حتى إنه ليرى منكب الرجل خارجا فيؤخره، ثم قام رسول الله فخطب الناس( ).
الثالث: تدل الآية بالدلالة التضمنية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة ويتولى القيادة، وهو كاف في بيان موضعه.
الرابع: تبين الآية الكريمة أن القائد في المعركة لا يأخذ ذات عمل المقاتلين بل يكون في حال يتمكن معها من الإشراف والتوجيه وإدارة شؤون القتال.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية.
لقد أراد الله عز وجل للمؤمنين الإنتفاع من الوحي في المعركة وتجلت أول مصاديق هذا النفع بتعيين مواضع المؤمنين، ويدرك المؤمنون موضوعية الوحي في تبوئهم مقاعد القتال فبادروا إلى الإمتثال وطردوا من أنفسهم الهم بالفشل وحديث النفس بالإنهزام.
ترى لماذا وصفت الآية الذين يستعدون للقتال يوم أحد وهم في المدينة بالمؤمنين بينما إنسلخ ثلاثمائة منهم في الطريق إلى أحد بتحريض رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول.
الجواب من وجوه مذكورة في الجزء 107ص24 الجزء الأول من تفسير قوله تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ]( ).
الوقائع بين بدر وأحد
لقد كان إنتصار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في معركة بدر آية في العالمين, وإتخذها المسلمون مناسبة لتثبيت دعائم الدين، فجرت بعدها وقائع عديدة منها :
الأولى: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من معركة بدر لم يقم في المدينة إلا سبع ليال ليخرج للغزو بنفسه يريد بني سليم، بضم السين، وإستعمل على المدينة ابن أم مكتوم أو شياع الغفاري وبلغ ماء من مياهم يقال له: الكدر، فاقام عليه ثلاث ليال، ولم يلق كيداً، ثم رجع وأقام في المدينة بقية شوال وأفدى أكثر الأسرى من قريش.
وكأن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد واقعة بدر من غير فاصلة تذكر من مصاديق قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ).
بمعنى أن المراد من الآية ليس الإخبار عن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته في الصباح الباكر للقتال فقط، بل هم أعم فيشمل المبادرة والخروج للغزو، وعدم الإقامة واللبث الطويل في المدينة وهو شاهد على ترسيخ مبادئ الإسلام في المدينة وقوة دولة الإسلام، وعدم إمكان حدوث خرق وغدر من داخل المدينة.
الثانية: حينما رجعت قريش منهزمة إلى مكة بعد معركة بدر، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج في مئتي راكب من قريش ليبر يمينه( ).
وقلة هذا العدد من الجنود للدلالة على أنه لم يخرج لقتال، إذ جاءت آلاف من قريش فهزمهم المسلمون، ويدل هذا الخروج على إرتباك رؤوس قريش، وشعورهم بالذنب والخزي أمام الناس، وأتوا ناحية من المدينة يقال لها العريض، فحرقوا فيها عدداً من النخيل، وقتلوا رجلين كانا في حرث لهما، ثم نصرفوا راجعين فعلم بهم أهل المدينة وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلبهم، وإستعمل على المدينة بشير بن عبدالمنذر، وهو أبو لبابة، وسار إلى موضع يقال له فرقرة الكدر بينه وبين المدينة نحو ثمانية برد، ولكن أبا سفيان وأصحابه إنهزموا فارين، وتركوا بعض متاعهم للتخفيف عنهم في الهروب وطلب النجاة، وقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يارسول الله: اتطمع لنا أن تكون غزوة، قال: نعم، وسميت غزوة السويق لأن المسلمين أخذوه، وهو شاهد على خوف وفزع الكفار، وحرصهم على الفرار بأنفسهم.
لقد بادر المسلمون الى الخروج الى الكفار ومواجهتهم وفيه مسائل:
الأولى:إنها آية في تنظيم جيوش الصحابة، وقدرتهم على مواجهة أسباب المباغتة والغدر.
الثانية: إستعمال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأحد الصحابة على المدينة عند مغاردته لها دليل على إستقرار النظام، وقواعد الحكم في المدينة، والإرتقاء في الفقه وشؤون الحكم عند المسلمين، ورضا الصحابة بمن ينصبه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتولي تصريف شؤون الحكم أيام غيبته.
الثالثة: إدراك المسلمين لحاجة هذا التعيين لتصريف الأعمال، ولمواجهة مباغتة العدو للمدينة عند غياب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنها.
الثالثة : رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غزوة السويق، بعد أن إنهزم العدو فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها، ثم غزا نجدا، يريد غطفان، وهي غزوة ذي أمر، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، قاله ابن هشام( ).
وأقام في نجد شهر صفر كله أو قريباً منه، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، وفي هذا الغزو آية في نبوته صلى الله عليه وآله وسلم فقد كانت قريش في تلك الأيام تطلبه وتريد قتله، وإذا هو يغزو البلدان والقبائل، ويعود من غير أن يلقى كيداً، وفيه مسائل:
الأولى: فزع الكفار من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وعجزهم عن مجاراتهم.
الثانية: فيه آية أخرى وهي أن المسلمين لم يعتدوا على الأعراب ومن هو في طريقهم، ولم ينهبوا الأموال والمواشي، بل خرجوا في طلب قوم مخصوصين من الكفار.
الثالثة: عودة المسلمين بأمن وسلام من خروجهم للقتال.
الرابعة: توكيد حقيقة وهي ظهور دولة الإسلام، وإتساع رقعتها، وقدرة جيوش المسلمين على بسط نفوذهم وسيطرتهم في مواضع عديدة حول المدينة.
الخامسة: إنها رسالة تبعث الفزع والخوف في قلوب المشركين وكفار قريش خاصة.
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجيش من أصحابه يريد قريشاً، وإستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، قال ابن إسحاق: (حتى إذا بلغ بحران، معدناً بالحجاز من ناحية الفرع( )، فاقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً) ( )، وتلك آية في ظهور الإسلام، وبناء جيش المسلمين، وتنمية ملكة المواجهة والجهاد في نفوسهم، ولم ينحصر جهاد المسلمين بعد بدر بخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة إلى ما حول المدينة، بل قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمر عظيم، وهو إصلاح حال المدينة لمواجهة الأعداء، وتحذير فريق من اليهود ممن أخلوا بالعهود والعقود.
لقد سعى الكفار للإنتفاع من وجود اليهود والمنافقين في المدينة، قبل وأثناء المعركة، فعقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون العقود والمواثيق مع اليهود، وتلك آية في النبوة، ومصداق على صحة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لايفعل إلا ما يأتي به الوحي من عند الله عز وجل، إذ أنه يفرق في العاملة بين أهل الكتاب والكفار، فذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني فينقاع وجمعهم في سوقهم وقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً، فقالوا له : يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراَ من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس”( ).
قال ابن إسحاق: ان بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، وحدث أن امرأةمن العرب قدمت بجلب لها فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست الى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، وقام الصائغ بعقد طرف ثوبها إلى ظهرها، وحينما قامت إنكشفت سوءتها فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين فقتل الصائغ فقتل اليهود المسلم فإستصرخ أهله المسلمين، وحصلت فتنة وشر .
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمحاصرتهم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي سلول، وقال: يامحمد أحسن في موالي وألح على النبي وقال أنهم أربعمائة حاسر أي لادرع له، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، أني والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم لك( ).
لقد أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يبين مصداق النبوة بالعفو العام العاجل عن أهل الكتاب، وفيه دعوة لهم للإتعاظ والإعتبار والكف عن إيذاء المسلمين، وإجتناب إعانة الكفار عليهم، وفيه درس لعبدالله بن أبي سلول وأصحابه المناقين ليروا تنامي قوة الإسلام يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، وأنهم لاخوف ولا خشية عليهم مع الإنتماء للإسلام والتحلي بالصبر والتقوى، والحرص على أداء صلاة الجماعة والفرائض الأخرى.
بحث بلاغي
لقد جاءت الآية بذكر مقاعد للقتال من غير بيان إضافي في تعيين الواقعة،بينما جاء بعد آيتين ذكر لمعركة بدر بقوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ]( )، فلم تذكر الآية واقعة أحد بالذات، وليس من دليل ظاهر في لفظ الآية على إرادة معركة أحد مما يدل على موضوعية السنة النبوية وأخبار الصحابة في تعيين الوقائع.
وخالف بعضهم المشهور وقال أن المراد في الآية غير واقعة أحد، فقال مقاتل المراد يوم الأحزاب، وقال الحسن أنه يوم بدر.
ولا يضر قول مقاتل والحسن البصري بالمشهور والوارد عن ابن عباس والإمام الباقر عليه السلام، ولايقوى قول الحسن على معارضته بالإضافة الى بعض القرائن التي تدل على نزولها بخصوص معركة أحد وهي على قسمين:
الأول:القرائن القرآنية ومنها:
الأولى: دلالة مفهوم الآية على خروج النبي مبكراً للقتال، وسماع خبر قدوم العدو قريباً من المدينة المنورة.
الثانية: توزيع موضع القتال في المعركة.
الثالثة: مجئ الآية التالية بالإخبار عن هّم جناحين من الأنصار بالجبن لضراوة المعركة، وكثرة العدو وعدته.
الرابعة: مجئ الآية التالية بخصوص معركة بدر، وذكرها بالإسم.
الثاني: القرائن التأريخية الواردة في أخبار الصحابة عن المعركة وذكر الذين همّوا بالفشل وافتخارهم بنزول الآية التالية بخصوصهم والتي تدل على العناية واللطف الإلهي بهم.
والتنكير في الآية بخصوص الواقعة نوع إعجاز قرآني، وفيه مسائل:
الأولى: مجئ الآية بصيغة الماضي وإخبارها عن حادثة وواقعة غير بعيدة في زمانها.
الثانية: جاء ذكر معركة بدر بخصوص النتيجة والظفر في المعركة، أما هذه الآية فذكرت مقدمات معركة أخرى.
الثالثة: في الآية إشارة إلى وظيفة الصحابة والتابعين في توثيق أسباب نزول الآيات، وبيان الوقائع التي نزلت فيها.
الرابعة: جاءت هذه الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإخباراً عن جهاده في سبيل الله ونصرة الصحابة من المهاجرين والأنصار له، وإنعدام الخوف في نفوسهم من العدو مع كثرته، ودنوه من المدينة.
الخامسة: جاءت الآية بخصوص واقعة معينة إلا أن المعنى أعم إذ تبين الآية موضوع الجهاد في الإسلام وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يعبأ أصحابه للقتال دفاعاً عن بيضة الإسلام، وفيه دعوة للمسلمين لتوثيق الكتائب التي خرج بها رسول الله، والسرايا التي بعثها.
فمن الآيات أن الغزوة والسرية تلتقيان بقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإعدادها وتهيئة مستلزماتها.
السادسة: جاء التنكير في اسم الواقعة للإشارة إلى المعنى الأعم من حيث التهيئ المستمر للقتال، وحتى وأن لم تكن هناك معركة وقتال، أي أن الآية تخبر عن حقيقة في واقعة أحد، وهي إستعداد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الدائم للقتال لتنمية ملكة التهيئ للقتال عند المسلمين، وترك الغفلة والركون إلى الراحة , وبعث الفزع والخوف في نفوس الكفار من التعدي على المسلمين.
السابعة: يتخذ المهاجمون ساعة الفجر غالباً بداية الهجوم على المدن والمواقع والحصون آنذاك، بل وفي كل زمان وإلى يومنا هذا، فجاءت هذه الآية لتحذير المسلمين في تلك الساعة وإخبار الكفار أن المسلمين يقظون وقادرون على الدفاع عن بلادهم والخروج لعدوهم في الصباح الباكر، ومنعهم من الوصول إلى المدينة وإفزاع أهلها ومنهم آل بيت النبوة.
الثامنة: جاء وصف المؤمنين من غير تعيين وذكر أسماء من الصحابة، كما ذكرت الآية الذين قاتلوا بالمدح والثناء،بلحاظ خروجهم للقتال، ولم تحصر الآية صفة الإيمان بالذين بقوا يقاتلون دون النبي ولم يفروا من مواضعهم، بل أطلقت صفة الإيمان على كل صحابي خرج للقتال، ووقف في مواجهة الكفار.
وهل تشمل صفة الإيمان الرماة الذين تركوا مواضعهم طلباً للغنيمة خلافاً لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا سبب الخسارة الفادحة في صفوف المسلمين، الجواب نعم، لأن صفة الإيمان جاءت بلحاظ مقدمات القتال والإستعداد له ومسمى المشاركة الصادقة فيه، ومواجهة العدو في ميدان المعركة، وهو من اللطف الإلهي، وإكرام الله عز وجل للمقاتلين في سبيل الله زمن النبوة، وفي كل زمان.
في واقعة أحد
لقد إمتلأت صدور الكفار من قريش وغيرها بغضاً وحسداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وتمادوا في إيذاء المسلمين، وجاءت معركة بدر لتهدم ما لقريش من شأن بين القبائل، وتزيدهم غيظاً على المسلمين، خصوصاً وأن أمر الإسلام أخذ يهدد طرق تجارتهم من الشام، وأخذ أبناؤهم وعبيدهم يعلنون الإسلام، ويتمردون عليهم، لم يتفكروا بما أحدثت النبوة والقرآن من الأثر والتأثير، وتغيير مقامات الناس.
لقد أصبح الصحابة الذين كانوا مستضعفين من قريش قادة وأئمة في دولة الإسلام في المدينة المنورة، وأظهر الأنصار قوة العزيمة في تحدي قريش، والإستخفاف بما كانوا يحيطون به أنفسهم من الهالة والسمعة والشأن، وفيه شاهد بأن السمعة مع الكفر فضفاضة وخاوية ولا أصل لها.
لقد كانت وقائع معركة بدر آية إعجازية، وشاهداً على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة عامة للناس للمبادرة إلى دخول الإسلام، وإنذار للكفار للكف عن التعدي على المسلمين، ولكن قريشاً أصرت على الكفر والعناد وخشيت على مصالحها وأدركت بالحس والوجدان أن الإسلام يزحف على ما لها من الشأن والمنزلة فكانوا كفرعون الذي أبى التصديق بنبوة موسى عليه السلام، ولو أنه إتبع موسى لبقى في ملكه وسلطانه، وكذا قريش لو أنها آمنت بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبقت فيما لها من الشأن والرياسة بين القبائل العربية، مع العز الذي يترشح عن الإيمان، وكان الأولى بهم أن يبادروا إلى الإسلام لوجوه:
الأول: بداية البعثة النبوية في مكة المكرمة.
الثاني:تجاور قريش البيت الحرام، وما في مجاورته من أسباب الهداية وتجلي آيات النبوة، ويعلم الجميع أن البيت هو بيت الله، ويعرفون موضع مقام إبراهيم، ويرون آثار قدميه على الصخرة الصماء.
الثالث: الإقرار العام بإعجاز آيات القرآن، وما فيها من البلاغة والأسرار القدسية.
الرابع: رؤية أرباب العقول يدخلون الإسلام.
الخامس: توالي الآيات التي تتضمن المدد والعون الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: الآيات الحسية التي جاء بها النبي محمد إلى جانب الآيات العقلية.
ولقد كانت معركة بدر آية حسية لما فيها من رجحان أسباب القوة والعدد للكفار، لولا الرحمة الإلهية في نصر المسلمين، لقد أخطأت قريش في تجهيز الجيوش لمقاتلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وجاءت وقائع المعركة وعاقبتها وخسارة قريش الكثير من الرجال بين قتيل وأسير لتكون درساً وموعظة لها ولعموم الكفار والفاسقين للكف عن التعدي عن المسلمين، وللإقرار بالنصر والتأييد الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنهم أصروا على التعدي، وحاولوا الثأر والإنتقام خصوصاً وأن هناك من يحرضهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وينشر أسباب الشك والريب بالنبوة.
وهناك من تضرر من البعثة النبوية، وإقبال الشباب على دخول الإسلام وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهجر الأصنام وما كان يعبد المشركون من دون الله فزحفت قريش بجيش كبير أضعاف عددهم في بدر بمكر ودهاء بلحاظ أن عدد المسلمين في بدر كان نحو ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً وأنهم لم يزدادوا كثيراً في المدة القصيرة بين بدر وأحد، فأراد الكفار الإجهاز على المسلمين بهذه القوة الهائلة.
وإذ أن عدد الألف ليس قليلاً في تلك الأزمنة وله موضوعية في نتائج القتال، فكيف وقد جاءوا بثلاثة آلاف قاصدين المدينة، وبلحاظ طول المدة التي قطعوا فيها المسافة بين مكة والمدينة وما يتم إنفاقه لإطعام الجيوش ودوابهم.
ولكن المعجزة أكبر من السبب في الأثر والتأثير، وتتلاشى موضوعية السبب أمامها، لتكون النتيجة معجزة أخرى متولدة عن معجزة النبوة والمدد الإلهي للمسلمين، وإبتدأت المعجزة بخصوص المعركة بتولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه توجيه وإرشاد الصحابة إلى وظائفهم الجهادية بوحي من الله عز وجل، لتكون لهذا الإرشاد لذة خاصة تبعث على الشوق للقاء الله عز وجل وتخفف من أهوال المعركة، وهو من مقدمات وأسباب قوله تعالى [لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ]( ).
ولاينحصر إنتفاء الخوف في المقام بعالم الآخرة وما ينتظره البدريون والمؤمنون الذين خرجوا إلى أحد من الثواب العظيم بل يشمل الحياة الدنيا، ونتائج المعارك، وكان قوله تعالى [غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] من الشواهد التأريخية على إنتفاء الخوف من صدور المسلمين من الكفار وجيوشهم وعدتهم وأسلحتهم.
ولقى كثير من المسلمين الأوائل التعذيب من قريش في مكة، ولكنهم لم يخافوا أو يفزعوا منهم لذا حينما جاءت جيوشهم إلى المدينة خرج المهاجرون لقتالهم وصدهم ليصبح سادات قريش أذلة لأن الذل ملازم للكفر، وإن لم تستبن هذه الملازمة أيام سطوة ودولة الكفار.
وتدل الآية في مفهومها على إستعداد الصحابة للقتال والدفاع عن الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإذ ورد اسم معركة بدر بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]، فانه لم يرد ذكر اسم معركة (أحد) ولكن هذه الآية جاءت لبيان وقائع معركة أحد، وجاءت كتب السيرة والتفسير والمغازي لتوثيقها، وتوكيد مضامينها وتفاصيلها والمنع من إغفال أو إسقاط بعض منها.
وجاءت هذه الآية الكريمة للدلالة على المعركة ووقائعها، والمنع من التفريط بها ويدل ذكر الموضوع والمسمى على الإسم، ويدعو إليه، لقد كانت معركة بدر ونتائجها مفاجئة للمشركين، ومصدر حزن وقلق لهم جميعاً إذ رجعوا إلى مكة وقد قتل منهم سبعون رجلاً،وأسر منهم سبعون، فأدركوا أن المسلمين أصبحوا قادرين على الثبات على الإسلام، وصاروا جيشاً ذا قوة وعدة.
لقد خشيت قريش من أمر عظيم، وهو أن إنتصار المسلمين في معركة بدر فيه مسائل:
الأولى: إنه شهادة على الإعجاز والمدد الإلهي في تحقيق النصر والغلبة للمسلمين.
الثانية: تأسيس المسلمين قوة مؤثرة في الجزيرة العربية، تستطيع التأثير في الوقائع والأحداث.
الثالثة: إنجذاب الناس الى الإسلام، ودخولهم رجالاً ونساء الى الإسلام وإقبال الشباب على الإنخراط في صفوف المقاتلين حيث الأخوّة الإيمانية والسجايا الحميدة والمدد الإلهي.
الرابعة: لحوق الخزي والعار بقريش في مكة وبين القبائل العربية.
الخامسة: نقص أموال قريش، وقلة تجارتها وإغراء القبائل للإغارة على قوافلها، وتردد التجار في التعامل معها وتسليفها لما لحقها من الضعف والخسارة.
السادسة: موضوعية الثأر في الأعراف القبلية، وسعي قريش للإنتقام لرجالها الذين قتلوا في معركة بدر.
السابعة: إطمئنان قريش لقلة عدد المقاتلين من المسلمين بالقياس الى قريش ومن يناصرها من القبائل.
الثامنة: وجود من يحرض قريشاً على محاربة المسلمين، ويمدهم بالمال والسلاح، وإثارة أسباب الشك والريب في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في فريق من يهود المدينة.
التاسعة: حال الحسرة والألم في مجتمعات قريش والشعور بالذنب أمام النساء والصبيان والعبيد، وتظهر الوقائع سعة الصلات التي عليها قريش، وعظيم شأنها في الجزيرة وخارجها، وكثرة الأموال التي عندها، وقدرتها على الحركة والتأثير، فمن الصعب عليها أن تتقبل الحال الجديدة المتمثلة بظهور قوة عظيمة في المدينة هم جند الإسلام، ولحوق الخسارة والهزيمة بقريش، وفقدانها منزلتها الإجتماعية والإقتصادية بين القبائل.
لقد كانت قريش تتباهى بأمجادها على سائر العرب، لأنها من ذرية إبراهيم، وأهل البيت الحرام، وتلك حجة عليهم في لزوم المبادرة إلى نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحينما تخلفوا عن وظائفهم كانت العقوبة سريعة وقاسية ولم تكن في حسبانهم، إذ هزمهم المسلمون في بدر شر هزيمة، فأرادوا الثأر وإستعادة جزء مما فقدوه من الشأن والمنزلة، فجاءوا بجيش كبير ، وبلحاظ كثرة الجيش، وما عنده من روح الثأر فان قريشاً جاءت لتنتقم وتبطش أشد البطش، تنتقم لقتلاها وسمعتها، وتبطش بالمسلمين بما يمنع من عودة أسباب التهديد مجدداً، مما يعني أنهم أخذوا عدتهم للقتال، وإجتهدوا في الإستعداد للمعركة، وكأنهم علموا بالمدد الإلهي للمسلمين، فجاءوا مصرين معاندين.
فان قلت مع هذا العلم كيف يكون القتال والتحدي من قبل قريش، والجواب من وجوه:
الأول: تفيد (كأن ) التشبيه.
الثاني: وسوسة وإغواء شياطين الإنس والجن لقريش بمحاربة المسلمين.
الثالث: غلبة الظن عند كبراء قريش بالنصر على المسلمين بلحاظ أسباب العدة والعدد، وأن قريشاً في أحد ليس هي ذاتها في بدر من جهة مضاعفة العدة والعدد.
وحينما عادت قريش من بدر خاسرة تجر أذيال الهزيمة بادروا إلى رفع المعنويات ومنع الإحباط واليأس ” قال أبو سفيان : يا معشر قريش ! لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم، فان الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمد “( ).
وفيه مسائل:
الأولى: هذا القول محاولة لرد الإعتبار.
الثانية: فيه إشارة إلى العزم على الثأر والإنتقام.
الثالثة: دعوة النساء للمشاركة في إعداد الجيش بتحريض الزوج والولد للخروج، وحثها على الخروج مع الجيش، تضرب على الدف وتبعث الحماس، ومنعها من حصر إهتمامها بالبكاء والنوح.
الرابعة: الحيلولة دون غلبة الحسرة والألم والحزن على قلوب الرجال حينما يسمعون بكاء النساء المتكرر.
الخامسة: منع غلبة روح الهزيمة وأسباب الحزن والخوف في نفوس قريش والقبائل المتحالفة معها لأن كثرة البكاء على قتلاهم في بدر علة لإستحضار الواقعة، وما أظهره المسلمون من القوة ورباطة الجأش والتحلي بالصبر والخشية من الله عز وجل.
ترى لماذا لم تكتف قريش بما وقع في بدر، ولم تخرج إلى أحد، الجواب من وجوه:
الأول: إزدياد دخول الناس إلى الإسلام.
الثاني: لحوق الذل بقريش، وضعف منزلتها بين القبائل.
الثالث: تلقي قريش التعيير والسخرية بسبب الهزيمة.
الرابع: ضعف تجارة قريش، وتعرض قوافلها للنهب والسلب.
الخامس: فضح قبح الكفر والشرك، وسفاهة عقول قريش لإقامتهم على الوثنية وعبادة الأصنام.
ولكن الخروج الى أحد كان أكثر سفاهة، ولم يأت عن حكمة وتعقل بل عن غفلة وغلبة النفس الغضبية وحمية الجاهلية الأولى، وصحيح أن المسلمين تعرضوا في أحد إلى خسارة إلا أن النسبة بينها وبين خسارة قريش هي التباين من وجوه:
الأول: خسارة المسلمين درس وموعظة، وسبب للجوء الى الله عز وجل، وخسارة الكفار تبعث عندهم الخوف واليأس وأسباب الإنتقام.
الثاني: ينال المسلمون الثواب والأجر، أما الكفار فيزداد إثمهم.
الثالث: في الخسارة التي قد تصيب المسلمين شاهد على تفاني المسلمين في الدفاع عن الإسلام، وإعلان عن صدق الإيمان، أما الكفار فلا موضوع لقتالهم.
الرابع: لقد بقى جهاد المسلمين فخراً وعزاً لكل المسلمين في أجيالهم المتعاقبة وفي تضحيتهم ندب للجهاد، ودعوة لعموم المسلمين للتحلي بالصبر والتقوى.
الخامس: شهادة بعض الصحابة سبب لإكرام أجيال المسلمين المتعاقبة لهم.
ولو إكتفت قريش بما وقع في بدر لكان موعظة، ومناسبة للإتعاظ والإعتبار، ومعرفة حقائق التنزيل، لقد أرادت قريش ومن معها، ومن خلفها بخروجها إلى أحد حجب الناس عن دخول الإسلام، بأحد أمور :
الأول: قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويدل عليه ما أشاعوه في المعركة بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل.
الثاني: الإجهاز على دولة الإسلام وإستباحة المدينة المنورة، وهو الذي جاءوا من أجله، وأعدوا الجيش العرمرم له.
الثالث: إلحاق الهزيمة والخسارة بالمسلمين، ودفع الشماتة والعار الذي لحق بالمشركين، لذا قاموا بالإنسحاب من المعركة من غير حسم لها فزعاً وخوفاً.
الرابع: إجبار المسلمين لطلب الهدنة والصلح، والرضا بشروط قريش.
ومن الآيات الإعجازية أنه لم يتحقق واحد من هذه المقاصد الخبيثة، وجاءت النتائج وعواقب الأمور بخلاف ما أراده المشركون، وفيه عبرة ودرس للكفار بأن التمادي في التعدي على الإسلام لم يضر الإسلام، ولا يزيد المسلمين الا ثباتاً على الإيمان، وحرصاً على تعاهد الفرائض والواجبات، كما أنه سبب للحوق الأذى والضرر بالكفار، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ]( ).
ومن وجوه تفضيل المسلمين وكونهم خير أمة أخرجت للناس، أنهم يتجهزون لملاقاة العدو وهم يرون النصر قريباً وأمراً واقعاً، فلا غرابة أن يتحدثوا في الغنائم.
وهل من مصاديق هذا الحديث وآثاره نزول الرماة من الجبل حينما رأوا هزيمة الكفار طمعاً بالغنائم، الجواب لا، لأنه قياس مع الفارق، ولزوم تقديم الأهم، وهو طاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي نهاهم عن مغادرة مكانهم حتى في حال هزيمة العدو، وأن قيل كيف ترك الرماة مواضعهم وهم من خير أمة أخرجت للناس، الجواب من وجوه:
الأول: إنهم جماعة ونفر من الأمة كان عددهم خمسين رجلاً، وكان الأكثر من المسلمين منشغلاً في القتال، وهزم العدو مع كثرته.
الثاني: ظن الرماة أن المعركة إنتهت.
الثالث: لم يغادر كل الرماة، إذ بقى أميرهم عبدالله بن جبير في عدد من أصحابه، قتلهم المشركون.
الرابع : من خصائص خير أمة الإستغفار، ومن بقى من الرماة شارك في معارك الإسلام اللاحقة.
حينما رجعت قريش منهزمة من بدر، مشى جماعة ممن فقدوا آبائهم أو أبنائهم في رؤساء قريش، يحثونهم على الرجوع والمكر لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وهم:
الأول: عبدالله بن أبي ربيعة.
الثاني: عكرمة بن أبي جهل.
الثالث: صفوان بن أمية.
ولم يكن هؤلاء الثلاثة وحدهم بل كان معهم رجال من قريش ولعل هذه الكثرة فيمن يطوف على كبراء قريش، ويدعون للقتال من الأسباب التي منعت من علو معاني النصحية والحكمة ولزوم إجتناب محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فتحصل مثل هذه النجوى في مجتمعات كثيرة خصوصاً بعد إنتهاء معركة، والرغبة بالثأر والإنتقام ولكنها تواجه أحياناً بالزجر والتأديب من نفر من الملأ يظهرون التريث ويدعون إلى الصبر، ويبدو أنه معدوم أو ضعيف عند كفار قريش، وهو فرع الإصرار على الكفر والجحود.
أما بالنسبة للمسلمين فان الأمر مختلف تماماً، إذ أنهم يتنعمون بالوحي الذي ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذي لا يقبل الترديد أو الخطأ، لذا كان المسلمون منقادين الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأمر به، ولا تجد في أنفسهم شكاً أو وهماً.
لقد طاف بعض المشركين على رؤساء قريش خصوصاً من كانت له تجارة في العير التي جاءت في بدر، وقالوا: يا معشر قريش: إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فاعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، فإستجاب لهم هؤلاء، وأخذوا يعدون العدة للخروج، وفيه خطر عظيم على المسلمين، من وجوه:
الأول: يأتي خروج قريش طلباً للثأر، ورد الإعتبار.
الثاني: مساهمة أصحاب الأموال والتجارات في الخروج، وإنفاقهم الأموال على الجيوش.
الثالث: مشاركة قبائل عديدة في القتال ممن يتبع قريشاً، ويتحالف معها من قبائل كنانة، وأهل تهامة، والعبيد ومن إنضم الى قريش.
الرابع: قيام الشعراء بالندب إلى القتال، والطواف على القبائل وإنشاد الشعر بلغة التحريض، فمثلاً كان أبو عزة عمرو بن عبدالله الجمحي ممن منّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، فاطلقه من الأسر من غير فداء، إذ قال إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فأمنن علي صلى الله عليك وسلم .
فمنّ عليه رسول الله وعندما عاد إلى مكة وبدأ الكفار الإستعداد لمعركة أحد قال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة إنك إمرؤ شاعر، فأعنا بلسانك فأخرج معنا، فقال: إن محمداً قد منّ علي، فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: بلى، فإعنا بنفسك، فلك الله علي إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، فإستجاب له أبو عزّة وخرج في تهامة، وأخذ يدعو بني كنانة، يحثهم بشعره على الخروج في أبيات ، وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب إلى بني مالك بن كنانة، يحرضهم ويدعوهم الى حرب رسول الله فقال:
يا مال، مال الحسب المقدم أنشد ذا القربى وذا التذمم.
من كان ذا رحم ومن لم يرحم الحليف وسط البلد المحرم.
وإستعانت قريش بالعبيد، فمثلاً دعا جبير بن مطعم غلاماً له حبشياً يقال له وحشي، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها، فقال له: إخرج مع الناس فان أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فانت عتيق.
الخامس: خروج النساء مع قريش، إذ قام كبراؤهم بإخراج أزواجهم معهم كما مثبت في كتب السيرة وبالإسماء، فمثلاً خرج أبو سفيان بن حرب، وهو قائدهم بهند بنت عتبة، وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته، وكذا صفوان بن أبي وعمرو بن العاص، وطلحة بن أبي طلحة وغيرهم، من أجل ألا يفروا من المعركة، ولبعث الحمية، وكن يضربن الدفوف، وخرجوا من مكة في ثلاثة ألاف، وقيل خمسة آلاف وهو عدد كبير جداً في ذلك الزمان ومقارنة بعدد المسلمين وعدتهم فمثلاً لم يكن في معركة بدر عند المسلمين إلا فرسين.
فنزل جيش الكفار مقابل المدينة، بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي، وحينما علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون بقدومهم إستشار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، وتلك آية في النبوة فقد بادر المسلمون للخروج إلى بدر، ومع النصر الذي حققه المسلمون في بدر فانهم لم يعجلوا في الخروج إلى العدو حينما جاء من جديد، بل جمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين واستشارهم، وكانت المشورة بين أمرين:
الأول: الإقامة في المدينة، والدفاع عنها إذا حاول الكفار دخولها.
الثاني: الخروج للعدو، وقتاله حيث أقام.
وهذه القسمة الثنائية كالإجماع المركب المردد بين أمرين في مسائل علم الأصول، والذي يدل على حقيقة وهي عدم وجود قول ثالث خارج الإجماعين، كما لو كان إجماع على وجوب غسل الجمعة، وإجماع على إستحبابه، وفيه دلالة على عدم وجود قول بإباحة او كراهة غسل الجمعة.
فإنحصار المشورة بين أمرين يدل على أن المسلمين عازمون على الجهاد والدفاع، وليس عندهم نية لطلب الهدنة أو الضعف والوهن أمام العدو، وهو شاهد تأريخي على إخلاص نية الصحابة، وعدم تسرب الخوف والذعر من قريش وجنودها، وفيه مسائل:
الأولى: دلالة إستشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة على إكرامه لهم.
الثانية: في الإستشارة بيان لقانون ثابت وهو أن وجود الوحي والإستعانة به لا تعطل المشورة، وإبداء الرأي وتبادل المعارف، والإنتفاع من الخبرة والتجربة.
الثالثة: الغاية هي تحقيق النصر على العدو، وإلتقاء نية وقصد الصحابة مع مضامين الوحي.
الرابعة: جمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة من أجل المشورة وغيرها من أمور الحرب .
الخامسة : دعوة وإحضارالنبي للصحابة من مصاديق الآية الكريمة، وإجلاس المؤمنين في مواضعهم .
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، جمع أصحابه، وحثهم على الجهاد، فقال عبد الله بن أبي بن سلول : يا رسول الله ! لا نخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والأمة، على أفواه السكك، وعلى السطوح . فما أرادها قوم قط فظفروا بنا، ونحن في حصوننا، ودروبنا، وما خرجنا الى عدو لنا قط، الا كان الظفر لهم علينا . فقام سعد بن معاذ وغيره من الأوس فقالوا : يارسول الله ! ما طمع فينا أحد من العرب، ونحن مشركون نعبد الاصنام، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم، فمن قتل منا كان شهيداً، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله، فقبل رسول الله رأيه، وخرج مع نفر من أصحابه يتبوأون موضع القتال، كما قال تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ]( )، وقعد عنه عبد الله بن أبي سلول، وجماعة من الخزرج إتبعوا رأيه( ).
ويكشف كلام سعد بن معاذ وغيره من الأوس والخزرج، وإمضاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال أن الغاية ليس النصر وحده بل جاء ترجيح الخروج لأمور:
الأول: طلب الشهادة، والإخبار العملي عن مواجهة الأعداء، وتحدي الكفار.
الثاني: عشق الصحابة للجهاد في سبيل الله.
الثالث: حصانة المدينة، ودفع إحتمال تدنيسها من قبل الكفار.
ومن الآيات أنها بقت عزيزة منيعة لم يعتد عليها أحد، لقد أصيب
المسلمون في أحد، ولكن هذا لا يعني أن فكرة الخروج كانت غير صحيحة بل كانت صحيحة وتامة، وآية في فنون القتال، والتخطيط له من وجوه:
الأول: أخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بها، وهذا الأخذ من السنة الفعلية والتقريرية، والله عز وجل لايريد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلا الخير.
الثاني: لايعلم أحد بالأضرار التي تحدث لو جاء الكفار للمدينة وحاولوا دخولها، خصوصاً مع وجود اليهود فيها، وكان بعضهم راسل قريشاً يحثهم على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والحرب على الإسلام .
وقد ذهب كعب بن الأشرف بعد واقعة بدر إلى قريش، وأخذ يحرضهم على قتال المسلمين، ويقول شعراً في هجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويبكي أصحاب القليب من قريش، ومن يأتي من خارج البلد نادباً لاطماً يكون أثره أكبر، وهو أمر ظاهر في كل زمان ولما رجع الى المدينة أخذ يتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لي بابن الأشرف( )، فقتله محمد بن مسلمة وجماعة من المسلمين في قصة تذكر كتب التفسير والسير تفاصيلها.
الثالث: لقد إعتزل عبدالله بن أبي سلول بثلاثمائة رجل عن القتال بحجة أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأخذ برأيه، وكان النبي قد دعاه وإستشاره ولم يدعه من قبل.
لقد كان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد، وتجنيب المدينة القتال وحرب الشوارع آية ورحمة وفضلاً من عند الله عز وجل على المسلمين، وشاهداً على حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة وأهلها، وجاء كبراء قريش بنسائهم في معركة لا تعرف عواقبها ونتائجها خصوصاً وان معركة بدر وهزيمة الكفار فيها ماثلة للعيان، اما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه إختار الخروج من المدينة بالمقاتلين، والذب عن نساء المهاجرين والأنصار، والمنع من إستباحة المدينة، وفيه غاية الشجاعة والكرم.
لقد خسر المسلمون في المعركة عدداً من الصحابة، ولكن الإسلام بقى عزيزاً والمدينة آمنة مباركة، ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليها من أحد ، وكان سرور أهل المدينة رجالاً ونساءً برجوع رسول الله عظيماً رغم الجراحات والنكبات التي أصابتهم، فبالإسناد عن سعد بن أبي وقاص قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأةمن بنى دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها، قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت : أرونيه حتى أنظر إليه ؟ قال : فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل،تريد صغيرة( ).
عن ابن إسحاق : حدثنى حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن بعض رجال بنى عبد الأشهل، قال : لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال : ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن بأنفسكن ( ).
كان خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى أحد، ومواجهة الكفار خارج مكة آية في الصبر والجهاد والذب عن دولة الإسلام، فقد قال له فريق من الأنصار “ولا دخلها علينا عدو إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم”( ).
ولكنهم قياس مع الفارق، إذ أن العدو الذي جاء هذه المرة يختلف في كثرة عدده وقوة شوكته وإصراره على القتال، كما أن رؤساءه موتورون في إخوانهم وآبائهم، وفي إعتبارهم وشأنهم بين القبائل.
لقد جاءت قريش لمعركة حاسمة تكون بالنسبة لهم فاصلة بين الحياة والموت، أما المسلمون فكانوا في بداية الطريق لتأسيس دولة الإسلام، وآيات القرآن تنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تبين الأحكام الشرعية وأصول العبادات والمعاملات، وتسري أخبار النبوة بين القبائل، وتأتي الوفود للإنصات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخول الإسلام.
فأرادت قريش الإجهاز على دولة الإسلام، وليس من أثر كبير لحجارة النساء والصبيان مع كثرة عدد الكفار، ووجود المنافقين واليهود في المدينة، بل قد تأتي الحجارة الى صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتتوجه للمؤمنين في جهادهم، فكان الخروج حاجة لحفظ المسلمين والمدينة، وتم بالوحي من عند الله، لأنه إذا تردد الفعل بين أمرين فان الوحي لا يأتي إلا بما هو أصلح وأحسن وأولى، وتلك آية في النبوة، وقانون ثابت من قوانين السماء قال الله سبحانه [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى]( ).
ومن منافع الوحي في الخروج الى المعركة مزاولة المؤمنين القتال، وإصلاحهم للغزو، وتدارك الأخطاء .
وعن الإمام الصادق عليه السلام ” ان الكفار في غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يغيروا على المدينة، وهموا بالرجوع، فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع اليهم( )”، مما يدل على إدراك الكفار موضوعية وأهمية المدينة، وبقاء الإسلام ببقائها سالمة آمنة، ولايعلمون أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خرج بالوحي ومعه ملائكة ينصرونه والمسلمين.
ومن الآيات في المقام أنه لم يسمع لوم أو عتاب من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الذين الحوا عليه بالخروج عند الخروج واثناء المعركة، وحتى حينما لاموا أنفسهم على إستكراه النبي للخروج وقالوا له: إن شئت فاقعد، فانه لم يوجه لهم لوماً عندئذ، بل أخبرهم بلزوم قتاله بعد لبس لأمته.
ومن الآيات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بادر الى الخروج من الصباح الباكر لمنع الفتنة في الخروج أو عدمه، وبعد أن فرغ النبي من صلاة الصبح، وكان اليوم جمعة، وقد مات فيه رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النجار، وكان قد ألح عليه بالخروج شطر من الصحابة الذين كانوا يحبون لقاء العدو، ويريدون الإنتقام لقتلاهم في بدر، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيته، ولبس لأمته، ثم خرج عليهم، فندموا على مافعلوا ” قالوا : يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه”( ).
و حينما سمع والمسلمون بنزول العدو حيث نزل قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة( ).
وفيه بشارة سلامة وآمن المدينة، وتوكيد موضوعية أمنها وحاجة المسلمين له لأنها فئة، والمركز الذي تشع منه أنوار الإيمان إلى بقاع الأرض، ورؤيا الأنبياء حق وصدق، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرؤيا بأنها خير، كما أنه تفضل بتأويلها، وفيه أمارة على صحة خروج المسلمين الى لقاء العدو، فلإن كانت خسارة المسلمين بالخروج كبيرة، فان بقاءهم في المدينة الى حين غزو العدو لها فيه أخطار أكبر وأشق، كما أنه ليس بمقدور المسلمين حفر خندق حولها يومئذ، لأن العدو قريب منهم.
وقال ابن إسحاق: “وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج”( )، وفيه مسائل:
الأولى: لابد من دليل أو أمارة تؤكد هذه الكراهة ، نعم قال المسلمون له استكرهناك، ولكنه أعم من تفضيل الإقامة، وقتال العدو في المدينة.
الثانية: لو علم المسلمون كراهة النبي للخروج لما ألح عليه فريق منهم بالخروج، ومازالوا به حتى دخل البيت ولبس لأمته.
الثالثة : لا يفعل النبي أمراً إلا بأمر ووحي من الله عز وجل
الرابعة :لم يخرج المسلمون في معركة الأحزاب، ولكنهم قاموا بحفر خندق حول المدينة، وفي أحد يختلف الأمر من وجوه منها:
الأول:عدم وجود متسع من الوقت لحفر الخندق.
الثاني: إلحاح نفر من الصحابة بالخروج لقتال العدو.
الثالث: كانت الخسارة التي لحقت المسلمين في أحد مقدمة ومناسبة لقبول الصحابة بخطة حفر خندق حول المدينة.
الرابع: كثرة عدد الكفار الذين جاءوا في معركة الأحزاب، إذ أنه أكثر من ثلاثة أضعاف الكفار الذين جاءوا في معركة أحد، وكذا الذين حضروا في معركة أحد ثلاثة أضعاف الذين زحفوا على المدينة يوم بدر مما يدل على موضوعية المدد من الملائكة لنصرة المسلمين، ودفع شر الكافرين.
الخامس: بيان السعة والمندوحة في خيارات المسلين ، وقدرتهم على إنهاك العدو.
السادس: معركة الخندق من مصاديق قوله تعالى في هذه الآية [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] لما فيها من الصبر والتحمل في جنب الله وعدم الشكوى أو الضجر من الحصار الى حين إنكشاف العدو.
الخامسة : على فرض وجود الكراهة فانها تحتمل أمرين:
الأول: مرجوحية الخروج.
الثاني: كراهة الخروج بذاته من غير مقارنة بالبقاء، لما فيه من أسباب الخسارة.
وكأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مخير بين أمرين كل واحد منهما مكروه ذاتاً، فاختار الخروج، لأن فيه بقاء الإسلام ودولته، فان لم يبق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في المدينة أيام القتال، فقد بقوا فيها إلى الأبد بعز وكرامة.
لقد جاءت إستجابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الخروج وما لحقهم من الخسارة، مقدمة لإستجابتهم لموضوع حفر خندق حول المدينة في معركة الأحزاب، وبذلهم الوسع في حفره وإتخاذه، ومن غير أن يكون عنوان ضعف أو وهن.
لقد سار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بألف من المقاتلين الى المعركة، ولكنهم لم يصلوا جميعاً إليها، فقد وقع أمر خطير فلما كان وسط الطريق بين المدينة وأحد إنسل عبد الله بن أبي سلول وقال: أطاعهم و عصاني) أي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بمشورة من قال بالخروج، ولم يسمع كلامه في البقاء في المدينة، وقال عبد الله بن أبي : ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع معه فريق من قومه وأهل النفاق، وعددهم ثلاثمائة رجل.
ولكن المسلمين لم يتركوهم، بل رجع بعضهم خلفهم لنصحهم ووعظهم وتذكيرهم بلزوم نصرة النبي، فأتبعهم عبدالله بن عمر بن حزام أخو بني سلمة وقال: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم، عندما حضر عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، قال: فلما إستعصوا عليه وأبوا إلا الإنصراف عنهم، قال أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
لقد خذل المنافقون المسلمين قبل وقوع المعركة، وفيه ضرر كبير، وكأنه مقدمة لإيقاع الهزيمة بالمسلمين، ويبدو أنه فعل مقصود وإذا كان المسلمون في معركة بدر ثلث عدد العدو، وحققوا النصر والظفر عليه، فان إنسحاب المنافقين جعل المسلمين بنسبة السبع من عدد الكفار بإعتبار أن عدد الصحابة المقاتلين سبعمائة، وعدد الكفار خمسة آلاف رجل، أما على القول بأن مجموع الكفار هو ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس، وهو الذي يذهب إليه ابن أسحاق وذكره ابن هشام وهو الأنسب فتكون نسبة عدد المسلمين أقل من الربع قليلاً، وهذا الإختلاف في عدد المشركين مردد بين عددين وكلاهما كثير.
ولم يحصل خلاف بين الرواة في عدد المسلمين مما يدل على الضبط في النقل وما يتفوق به الكفار من العدة والسلاح والخيل والمؤون.
وتبين هذه الحادثة موضوعية التحذير والذم الوارد في القرآن للمنافقين، وكيف أنهم في الدرك الأسفل من النار، فقد أرادوا فتح طريق المدينة للكفار، وخرج منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حفظاً لها.
وفي الحديث: المدينة كالكير تنفي خبثها وتنضح طيبها”( )، وأبى الله عز وجل إلا أن يجعل المقاصد الحميدة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة هي الباقية، بدفع ضرر الكفار.
لقد وعد الله عز وجل المسلمين بقوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( )، لتكون هذه الآية بشارة عدم إستحداث خسارة فادحة جديدة للمسلمين بسبب إنسحاب المنافقين، وكان عبد الله بن أبي بن سلول قبل أن يصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة ينتظر تتويجه ملكاً على المدينة كما قال اسيد بن الخضير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، وإنه ليرى أنك قد إستلبته ملكا( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعفو عنه ويهب له من يسأل العفو عنه لذا عندما إقتتل رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار على الماء وإشتد الخلاف، قال عبدالله بن أبي ” قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل ! يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام، لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم، ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم”( ).
وبلغ كلامه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنكره عبدالله بن أبي، وجاء إبنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بعدما بلغه من كلام أبيه وقبل أن ينزل قوله تعالى[يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]( )، فقال لرسول الله ” إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي أن يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار، فقال : بل ترفق به، وتحسن صحبته، ما بقي معنا”( ).
ولم يكتف المنافقون بالإنخزال عن النبي والمؤمنين، فحينما قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة من رجل يخرج بنا على القوم من كثب، أي من قرب، من طريق لا يمر عليهم، فقال أبو خيثمة ” أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرة بنى حارثة، وبين أموالهم، حتى سلك في مال لمربع بن قيظي، وكان رجلا منافقاً ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب، ويقول:
إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي . وقد ذكر أنه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك . فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر . وقد بدر إليه سعد بن زيد، أخو بنى عبد الأشهل، قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فضربه بالقوس في رأسه، فشجه”( ).
وإلى جانب ما في هذا الحديث من أذى المنافقين، وسعيهم لبث الضعف وأسباب الشك والريب بين المسلمين، فانه يدل على أنه من عمومات قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] في موضوعه، إذ يشمل إختيار الطريق المناسب الذي يجنب المسلمين الضرر، ويفاجئون به العدو، فلعل العدو قد وضع كمائن في الطريق العام لمباغتة المسلمين.
وعن الزهري: أن الأنصار يوم أحد، قالوا: لرسول الله: يارسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود، فقال: لاحاجة لنا فيهم.
ويدل الحديث على حاجة المسلمين إلى الرجال، والسواد مطلقاً، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( )، إختار ما يمنع من نشر أسباب الضعف بين المسلمين، ولم يرض بسؤال النصرة من غيرهم، ومافيه من المنّ وكان قول النبي”لاحاجة لنا فيهم” شاهداً على كفاية المسلمين في الجهاد، نعم من اليهود من جاء طواعية للقتال مع المسلمين لإقراره بان نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم صدق وحق، وهي التي بشرت بها التوراة والإنجيل.
وقال ابن اسحاق: لما كان يوم أحد قال مخيريق: ” يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا : إن اليوم يوم السبت، قال : لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه : إن قتلت هذا اليوم، فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما أراه الله، فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يقول: مخيريق خير يهود”( ).
ومن وجوه إجلاس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين في مقاعد القتال في معركة أحد أمور:
الأول: تهيئة المسلمين للمعركة.
الثاني: حفظ المؤن التي أخذها المسلمون معهم.
الثالث: تأمين طريق المؤون الإضافية، وإخلاء الجرحى.
الرابع: تعيين الطريق الذي إتخذه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للوصول إلى موضع القتال، وإجتناب مباغتة العدو.
الخامس: إختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النزول في الشعب من أحد مع أنه لا يعلم معالم المنطقة، ولم يرد إعتراض من الأنصار على ما فعل مما يدل على الصواب، وصحة الإختيار.
السادس: جعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ظهر عسكره إلى جبل أحد، ليكون مانعاً لهم من الخلف.
السابع: توجيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأمر للمسلمين قال صلى الله عليه وآله وسلم “لايقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال”( )، وفيه آية جهادية وشاهد على حسن إنقياد المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسليمهم بإمامته.
الثامن: تعبئة المؤمنين ساعة القتال.
التاسع: وضع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمسين رجلاً رماة على الجبل، ولم يتركهم بلا آمر ورئيس بل أمر عليهم عبد الله بن جبير وهو من الأنصار، وتلك آية تدل على وجود قادة ميدانيين يتولون تنفيذ الأوامر، وقيادة أصحابهم والتعاون مع المقاتلين الآخرين، ولم يترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرماة من غير أوامر تفصيلية وإختار أميرهم من الأنصار لأنه يعلم معالم المنطقة والمنافذ التي قد يأتي منها العدو، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك “( ).
لكي لا يخدع العدو الرماة، فاذا كان هناك مدد للمسلمين فليأت من الأمام أو من جهة معلومة وليس من الخلف.
وتوجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرماة جميعاً وقال لهم” لا تبرحوا هذا المكان، فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم”( )، وفيه بيان وحجة وشاهد على عدم وجود ثغرة في تعبئة المؤمنين، وتوكيد عملي لصفة الكمال والتمام لقوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ].
أي أرموهم بالنشاب، يقال نضحناهم بالنبل نضحاً، أي رميناهم ورشقناهم.
العاشر: إجازة رسول الله للصبيان الذين بلغوا، فمثلاً قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برد رافع بن خديج، وسمرة بن جندب وهما ابنا خمس عشرة سنة، فقيل له يارسول الله إن رافعاً رام، فأجازه فقيل: فان سمرة يصرع رافعاً، فأجازه، ورد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب وغيرهم ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة، ومع كثرة مسؤوليات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووظائف النبوة فانه لم يفوض إجازة البالغين من الصبيان إلى أحد الصحابة، بل كان يتولى بنفسه إجازتهم، وفيه وجوه:
الأول: تأتي الإجازة والتعيين بالوحي.
الثاني: بعث الثقة في نفس من يختاره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال.
الثالث: علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأفراد الجيش، ومن يدخلون من الصبيان وغيرهم، وتلك من أهم خصائص القائد ونجاحه في الميدان بأن يعرف جنوده لتكون هذه المعرفة وسيلة لتوجيه الجنود والعناية بهم، ومانعاً من الخسارة الكبيرة.
الرابع: تدل الآية على عدم إلزام الذين بلغوا على القتال، بل يترك للمؤمنين المبادرة إلى النفير والقتال، ويخضع من يأتي منهم للإختبار الذي يتقوم بالسن.
الحادي عشر: أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرد على رؤساء المشركين في أثناء المعركة وبعدها، مما يدل على العناية النبوية بالإعلام وإدراك أثره في النفوس والتأريخ.
لقد أراد الكفار الإنصراف من معركة أحد، وهذا الإنصراف هزيمة لهم لأنهم لم يحققوا نصراً على المسلمين، فإنسحبوا من غير حسم واقعي للمعركة، فقام أبو سفيان وأشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته فقال : أنعمت فعال، وإن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل، أي أظهر دينك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا عمر فأجبه، فقل : الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار .
فلما أجاب عمر أبا سفيان، قال له أبو سفيان : هلم إلي يا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : ائته فانظر ما شأنه، فجاءه، فقال له أبو سفيان : أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمداً ؟ قال عمر : اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال : أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر، لقول ابن قمئة لهم : إني قد قتلت محمداً( ).
فجاء الرد فيه تحدِ وإعلاء لكلمة التوحيد، فإنصرف أبو سفيان ومن معه ونادى: ان موعدكم بدر للعام القابل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل من أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد( )، فلما كان الأمر قراراً ووعداً وتحدياً، تفضل النبي وأعطى الموعدة ولقن أحد أصحابه الجواب، وكان بالإمكان الإعراض عن كلام أبي سفيان، ولكن النبي أجابه وفيه أمور:
الأول: بيان حقيقة وهي نصر الله عز وجل له وللمسلمين.
الثاني: توكيد عدم خسارة المسلمين في المعركة.
الثالث: خروج المسلمين من المعركة أقوى مما كانوا.
الرابع: ثقة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإتباع المهاجرين والأنصار له.
الخامس: دعوة عامة المشركين والمستضعفين لدخول الإسلام.
الثاني عشر: حث وترغيب الصحابة بالقتال، وإنتقاء الذين يتصفون بالشجاعة ويعشقون الشهادة للتقدم في القتال .
وكان بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد سيف، وقال: من يأخذ هذا السيف ؟ فأخذه قوم فجعلوا ينظرون إليه، فقال : من يأخذه بحقه ؟ فأحجم القوم، فقال أبو دجانة سماك : أنا آخذه بحقه . فأخذه ففلق به هام المشركين.
قال ابن إسحاق : وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها، فيعلم أنه سيقاتل . قال : فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها، ثم جعل يتبختر بين الصفين( ).
وأخذ أبو دجانة يمشي بتبختر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
وترس أبو دجانة نفسه دون النبي يقع النبل في ظهره، وهو منحنِ عليه، حتى كثر فيه النبل.
وعن الزبير بن العوام قال: ” وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت : أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته إياه قبله، فأعطاه إياه وتركني، والله لأنظرن ما يصنع، فاتبعته، فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها . فخرج وهو يقول :
أنا الذي عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيــــــــــــــول * أضرب بسيف الله والرسول”( ).
إن إختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأبي دجانة وإعطائه السيف مدرسة في النبوة، إذ تطلع المهاجرون والأنصار الى ما يفعله أبو دجانة فأبلى بلاء حسناً وذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسيفه ونفسه، وأدخل الرعب والفزع في قلوب الكفار “قال ابن إسحاق : فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله . وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحاً إلا ذفّف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه . فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها . قال الزبير : فقلت : الله ورسوله أعلم”( ).
ولم ينس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي دجانة حسن بلائه، ودفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ابن إسحاق: فلما إنتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال : اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني اليوم، وناولها علي ابن أبي طالب سيفه، فقال : وهذا أيضا، فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقني اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم : لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة”( ).
مما يدل على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قاتل بنفسه وفيه بيان لجهاد فاطمة الزهراء وان النبي خصها بغسل سيفه من الدم، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بوظائف متعددة فالى جانب تعبئة الصحابة في مواقع القتال، يرمي بالسهم، ويساعد الرماة كما في سعد بن أبي وقاص وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل بسيفه حتى عند الإنصراف من المعركة.
وقال الطبرسي نقلاً عن أهل التفسير ” فلما انصرف رسول الله ” صلى الله عليه وآله وسلم ” أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول : لا نجوت إن نجوت . فقال القوم : يا رسول الله ! ألا يعطف عليه أحد منا ؟ فقال : دعوه حتى إذا دنا منه، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله، فيقول : عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها . فقال رسول الله : بل أنا أقتلك إن شاء الله . فلما كان يوم أحد، ودنا منه، تناول رسول الله الحربة من الحرث بن الصمة، ثم استقبله فطعنه في عنقه، وخدشه خدشة، فتدهده عن فرسه، وهو يخور كما يخور الثور، وهو يقول : قتلني محمد ! فاحتمله أصحابه وقالوا : ليس عليك بأس . قال : بلى، لو كانت هذه بربيعة ومضر لقتلتهم . أليس قال لي : أقتلك . فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني . فلم يلبث إلا يوما حتى مات”( ).
الثالث عشر: تعيين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مواضع القتال، وعدم الإبطاء والتخلف عنه، عن الإمام الصادق عليه السلام فكان المشركون نزلوا بأحد يوم الأربعاء، في شوال، سنة ثلاث من الهجرة . وخرج رسول الله إليهم يوم الجمعة . وكان القتال يوم السبت، للنصف من الشهر( ).
الرابع عشر: ان قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] إنحلالي ويكون على وجوه:
الأول: تعيين منازل جميع الصحابة في القتال والحرب.
الثاني: توجيه الجماعة والسرية،كما في أوامره صلى الله عليه وآله وسلم الى الرماة وتوكيده على عدم مغادرتهم مكانهم حتى مع تحقق النصر.
الثالث: تولي توجيه الرايات، ومواضعها في القتال ” فلما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه : أن قدم الراية، فتقدم علي، فقال : أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، وهو صاحب لواء المشركين : أن هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة ؟ قال : نعم، فبرزا بين الصفين، فاختلفا ضربتين، فضربه على فصرعه، ثم انصرف عنه ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه : أفلا أجهزت عليه ؟ فقال : إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عنه الرحم، وعرفت أن الله عز وجل قد قتله”( ).
الرابع: حث المؤمنين للدفاع عن شخصه الكريم والنبوة، فلما غشيه الكفار قال: من رجل يشري لنا نفسه، فقام خمسة من الأنصار يقاتلون دونه رجلاً ثم رجلاً يقتلون دونه.
الخامس: مؤازرة وإعانة النبي لبعض الصحابة في قتالهم، فقد كان سعد ابن أبي وقاص يرمي السهام دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال سعد : فلقد رأيته يناولني النبل وهو يقول : إرم فداك أبي وأمي، حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل، فيقول : إرم به .
السادس: كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رمى عن قوسه حتى إندقت سيتها، أي طرفها، فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته . قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدهما .”( ).
الخامس عشر: إجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء للنصرة والغلبة على الكفار، فالدعاء سلاح الأنبياء، ولم ينسه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل كان يدعو جهرة، ويسمع الصحابة دعاءه وفيه منافع عظيمة من وجوه:
الأول: بيان موضوعية الدعاء في القتال وسير المعارك ونتيجتها.
الثاني: توكيد التضاد بين المسلمين والكفار، إذ قال بعض المسلمين لم نقاتل القوم، ويأتي الدعاء أمارة ودلالة على موضوع وغاية القتال وهي إعلاء كلمة التوحيد، ونبذ الشرك والضلالة.
الثالث: حث الصحابة على عدم الغفلة عن سلاح الدعاء، ودعوتهم للجوء اليه للغلبة والنصر على الأعداء.
الرابع: إجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء ساعة المحنة والشدة من مصاديق صحة نبوته، وإنقطاعه الى الله، وعدم خشيته من الكفار وجيوشهم.
الخامس: بعث الخوف والفزع في قلوب الكفار، لأن الدعاء سلاح إضافي ينحصر بيد المسلمين، إذ قال الله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ).
ولا يلتفت الكفار الى الدعاء، وان ذكروه ولجؤوا إليه فانه لا ينفعهم، قال تعالى [وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ] ( ).
السادس عشر: مداواة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لجراح الصحابة بالإعجاز وإفاضات النبوة، قال أنس بن مالك: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلي عليه السلام يومئذ، وفيه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسحها، وهي تلتئم بإذن الله، كأن لم تكن”( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفزع الى الله بالشكوى من الكفار وإتخذ الصحابة دعاء النبي منهاجاً ودليل عمل، فحينما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشعب، ومعه نفر من أصحابه الذين إجتمعوا اليه بعد ان علموا انه حي لم يقتل، علت خيل من قريش عليهم الجبل، وكان عليها خالد بن الوليد “قال ابن إسحاق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا ! فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل”( ).
قانون تبوئ المؤمنين
بعث الله عز وجل الأنبياء مبشرين ومنذرين، وكانت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم المصداق العملي الشامل الذي يتجلى فيها هذا المعنى، إذ تأتي البشارة والإنذار في نبوته بآيات القرآن والسنة النبوية، وفي حال السلم والقتال.
وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجوب أداء الفرائض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما جاء بالجهاد لجذب الناس للإسلام وللدفاع عن أحكام الشريعة.
وجاءت آيات القرآن بالإخبار عن قتل الكافرين للأنبياء [قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
فانعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بأسباب الوقاية من الكفار بحمل المسلمين السلاح دفاعاً عنه وعن النفس والمال والعرض، كما تدل عليه الآية محل البحث التي هي حجة من وجوه:
الأول: جاء قتال المسلمين دفاعاً عن النفس والبلد، فلم يذهب المسلمون إلى مكة، ولم يقاتلوا أهلها وما حولها، مع أنها أم القرى وفيها البيت الحرام، والأصل أن تتنزه من الكفر والضلالة.
ولكن أهل مكة جاءوا لمحاربة المسلمين في المدينة لتكون هذه الوقائع شاهداً على موضوعية المدينة في حفظ الإسلام، ومنزلة الأنصار والمهاجرين في الدفاع عن الإسلام.
وفي الآية درس للمسلمين بأن الكفار لم يتركوكم وشأنكم، ولم يخلوا بينكم وبين التنعم بنعمة الإستقرار والسكينة مع العيال، ومن تلك السكينة ساعات الفجر الأولى، وهي من أبهى الساعات التي يقضيها الإنسان مع أسرته وأولاده، ويشعر بفقدانها عند السفر، ويشعر بحلاوتها عند عودته منه، ورجوعه إلى حياته اليومية الإعتيادية، لقد أهاج الكفار المسلمين، وبعثوا الفزع في نفوسهم ونفوس أسرهم، وسعوا الى تعطيل أعمالهم.
وكان الأنصار أصحاب زرع مما يستلزم السقي والتعاهد اليومي، فخرجوا من بيوتهم فجراً مع خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكأنهم رجل واحد ليكونوا مرآة للنبوة، ويظهروا صدق الإيمان، والإخلاص في العبادة وإتباع ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الآية أطراف أربعة:
الأول: قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوزيع مهمات القتال على الصحابة.
الثاني: موضوع تبوئ المؤمنين مقاعدهم.
الثالث: مقاعد القتال وما لتعيينها من موضوعية في سير المعركة ونتائجها.
الرابع: موضوع القتال مع العدو.
وإذا قيل أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يوصي أمراء السرايا بوعظ وتحذير العدو قبل المعركة، وليس في الآية ما يدل عليه، والجواب لابد من وقوع الوعظ والإنذار قبل حدوث المعركة، ولكن النهي عن إبتداء القتال أعم من بدايته ومحل وقوعه.
وتشمل الآية ساعة النفير والإجتماع للخروج للقتال، ليتهيئ المسلمون ويستعدوا للمواجهة والقتال، وفيه طرد للخوف من نفوسهم، ومنع من التردد، وغلق لباب الفتنة والخلاف في الخروج خصوصاً وأن فريقاً من الأنصار أشاروا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء في المدينة ومقاتلة العدو فيها، وكان منهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، والذي ما لبث أن إنسحب بنحو ثلث الجيش مع قلة عدد المسلمين في مواجهة عدد الكفار والأصل أن تكون هذه القلة باعثاً للرحمة والشفقة في نفوسهم على إخوانهم من الأنصار والمهاجرين، وسبباً لنصرتهم وعدم إطماع العدو فيهم.
إن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العدو للإسلام، وإنذاره وتحذيره مستمرة حتى أثناء المعركة فمع أن قريشاً قوم كفار وظالمون، أرادوا القضاء على الإسلام في بدايات الدعوة، إلا أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يرجو إسلامهم وتوبتهم وصلاحهم وهو من الشواهد على صدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجزيرة العربية التي كانت تقطنها القبائل ويكثر بينها الغزو والقتال، فتنشب المعركة الكبيرة على مسألة شخصية صغيرة، ويباغت بعضهم بعضاً للنهب والسلب، مما يتولد عنه وجود فرسان شجعان، ومهارة في فن القتال وصيغ الهجوم والدفاع، ودخل فريق منهم الإسلام، وبقى شطر منهم على الكفر والجحود وإستمالة الكفار لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، مما يستلزم وجود قيادة قادرة على توجيه المسلمين ووضع كل واحد منهم في المكان المناسب في القتال، وتدبير الخطط التي تكفل رد الكفار وشجعان العرب على وجوههم خائبين.
فجاءت هذه الآية لتدل بالدلالة التضمنية على رضا المسلمين بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتسليم والإمتثال لأوامره لوجوه:
الأول: إدراك المسلمين أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر إلا بالوحي والتنزيل.
الثاني: صحة ودقة الأوامر والإرشادات التي يوجهها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين في ميدان المعركة.
الرابع: تجلي منافع توزيع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوظائف القتالية على الصحابة أثناء المعركة وبعدها.
الخامس: إنتفاء الحيف والجور في توزيع المهام القتالية على المسلمين.
السادس: شوق المسلمين لقتال الكفار، وطلبهم الشهادة، وحبهم للقاء الله عز وجل.
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بالنصر والظفر على الكفار، ومن أسباب النصر قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتولي مسؤوليات قيادة الجيوش بنفسه، ليكون ميدان المعركة شاهداً على صدق نبوته، وتجلي المعجزات الحسية والعقلية فيها، ولتبقى سنته القتالية كنزاً تستخرج منه الدرر العسكرية والعلمية والأخلاقية، ويقتبس منه الحكام والقادة العسكريون فنون الحرب.
ومن الآيات أن تأتي معجزات النبوة في ميدان القتال بمعارك دفاعية وهجومية، وفي حالات عدم التكافئ بين المسلمين والكفار، وتفوق الكفار بالرجال والعدة والسلاح، لتتبين للناس خصلة كريمة من خصال النبوة وهي الزحف بالعدد القليل من المؤمنين لمواجهة العدد الكبير من الكفار توكلاً على الله، وثقة بالنصر، وموضوعاً لزيادة إيمان المسلمين، ودعوة للناس لدخول الإسلام، وزجراً للكفار عن مواصلة التعدي على الإسلام والمسلمين، وهو من عمومات [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( ).
قانون اسم المؤمنين في الآية
مع تعلق موضوع الآية بالحرب والقتال، فان الآية أطلقت اسم المؤمنين على المسلمين، فلم تقل الآية (تبوئ للمجاهدين) ولا (تبوئ للمقاتلين) ولا (تبوئ للصحابة) بل ذكرت الصحابة الذين هم في ميادين القتال بصفة الإيمان، وفيه مسائل:
الأولى: الإخبار عن ثبات المؤمنين في مقاعد القتال ومواجهة الأعداء.
الثانية: نيل المقاتلين الأجر والثواب لصدق إيمانهم.
الثالثة: بيان حقيقة وهي أن الصحابة لم يخرجوا للقتال طمعاً بالغنائم والمنافع الدنيوية، وإشارة الى أن ترك الرماة لمواضعهم في القتال طلباً للغنائم جاء بعد خروجهم للجهاد وسعيهم لتحقيق النصر على الأعداء أو نيل درجة الشهادة في سبيل الله.
الرابعة: تثبيت ماهية وموضوع القتال، وأنه وقع بين الإيمان والكفر.
الخامسة: في تسمية المسلمين المقاتلين بالمؤمنين بشارة النصر والظفر على الأعداء، لأن الله عز وجل أراد للإيمان أن يبقى في الأرض، وأراد للمؤمنين العز والغلبة والظفر، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
السادسة: تأكيد إنخزال المنافقين قبل بدء المعركة، وبيان المائز بين المؤمنين والمنافقين، وإن أهل أحد هم مؤمنون.
السابعة: مدح وثناء الله عز وجل على أهل أحد وشكره لهم بتسميتهم بالمؤمنون.
الثامنة: الإشارة إلى الهم بالفشل المذكور في الآية السابقة بأنه من منازل الإيمان والتقوى.
التاسعة : عدم مفارقة صفة الإيمان الصحابة حتى في ميادين القتال، وما فيها من أسباب الأذى.
العاشرة : أولوية الإيمان ولزوم التقيد بمفاهيمه في كل الأحوال .
لقد نال أهل أحد شرفاً إضافياً بتولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وظائف إجلاسهم في مواضعهم من القتال، ولم ينل هذه المرتبة غير صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين خرجوا معه في بدر وأحد وغزواته الأخرى وهو من وجوه تسميتهم في الآية الكريمة بالمؤمنين.
فمن خصائص الإيمان في المقام التصديق بقياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة وعدم الرد عليه فيما يأمر به.
وهل يعتبر ترك الرماة لمواضعهم من رد أوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجواب لا، لأن النية كانت المشاركة في الغنائم وخشية إستحواذ من يستولي عليها، ومن الآيات ظهور خطئهم في الحال، ليبقى وثيقة تأريخية وحجة تدل على معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب القتال والمعركة.
وتفيد الألف واللام في(المؤمنين) الجنس وإرادة الحصر بلحاظ الواقعة، وكأن الآية تخبر عن حقيقة وهي عدم وجود مؤمنين في تلك الأيام إلا أولئك الذين خرجوا لملاقاة الكفار في أحد.
فقد برز الإيمان كله لمواجهة جيش من جيوش الكفر والضلالة، ويدل هذا المعنى على بشارة النصر والغلبة للمسلمين، لأن الله عز وجل أراد للإيمان البقاء في الأرض.
وجعل العزة للمؤمنين، قال تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )، وقد برز الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون لقتال العدو، والنصر والغلبة من أبهى مصاديق العز.
قانون “نجاة النبي في أحد معجزة”
جاءت المعجزة مصاحبة وملازمة للنبوة، فما من نبي إلا وعنده معجزة يظهرها للناس لتكون حجة، وشاهداً على صدق نبوته، وهي فضل من الله عز وجل على النبي والناس جميعاً، ينتفع منها الذين إختاروا الهداية، ويجحد بها الكفار والمعاندون، من غير أن يضر هذا الجحود بصدقها وتواتر أخبارها، وتناقل الناس لها.
وقد أنعم الله عز وجل على الناس ببعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من المعحزات العقلية والحسية، وهذا التعدد وسيلة لترغيب الناس بالإسلام، وتخفيف عنهم لأن كثرة الآيات عون للناس للإقرار بها، وواقية من غلبة أسباب الشك والريب.
ومن الإعجاز في معجزات النبوة أنها لا تنحصر في موضوع وحال مخصوصة بل تشمل المواضيع المختلفة ، فتأتي في حال الحضر والسفر، والسلم والقتال، وكانت معركة أحد مناسبة لتجلي آيات ومعجزات كثيرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون سبباً لزيادة إيمان المسلمين، وإسلام كثير من الناس بعد إنقضاء المعركة، وأثناء فترة النبوة وبعدها.
ومن هذه المعجزات نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخروجه سالماً من المعركة.
لقد ذم الله عز وجل بعض الأمم السالفة لقتلهم الأنبياء، وفيه إنذار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، بأن الكفار لن يترددوا في قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يستلزم الحذر المتصل .
وجاءت الآية السابقة بالإخبار عن كيد الكفار مع بيان كيفية دفع ورد الكيد بالتسلح بسلاح الصبر والخشية من الله عز وجل لقوله تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] ( ).
وأظهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون أبهى معاني الصبر والخشية من الله عز وجل في معركة أحد لتكون سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعظم ثمرة صبرهم، ودليلاً على أن الكفار لم يربحوا المعركة وأن المسلمين لم يخسروها.
فكانت عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالماً من المعركة فوزاً كبيراً بعث الغبطة والسرور في قلوب المسلمين رجالاً ونساءاً، ويدخل بعض الأمراء والقواد المعركة ولكنهم يكونون في القلب أو المؤخرة، ويقدمون الجنود أمامهم، ويضعون التدابير للإنسحاب والهزيمة، أما النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم فكان في وسط الميدان يقاتل، وعرضة لأن يصله سهم أو يتقدم إليه أحد الكفار أو جماعة منهم بسيوفهم.
ووردت عليه ساعة ليس معه من أهل بيته وأصحابه إلا إثنين أو ثلاثة، ولكنه صبر وقاتل ولم يسلم من الجراح بل أصابته جراج كثيرة.
والله عز وجل هو الذي حفظه ونجاه وسلمه” قال ابن إسحاق : وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدث بالحجارة حتى وقع لشقه “( ).
أي رماه الكفار بالحجارة حتى التوى بعض جسده ووقع على جانبه، وبالإسناد “عن أنس بن مالك، قال : كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم ! فأنزل الله عزوجل في ذلك لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ، والرباعية، أحدى الأسنان الأربع التي تلي الثنايا وقبل الناب.
وقال الاصمعي: للإنسان من فوق ثنيتان ورباعيتان بعدهما، ونابان وضاحكان وستة أرحاء من كل جانب وناجذان.
ولما جرحت وجنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، والمغفر شبيه بحلق الدرع يجعل على الرأس يتقى به في الحرب، “عن أبى بكر الصديق : أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين “( ).
وجاء بالإسناد بيان لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يدل على أنه كان عرضة للقتل، ولكن الله عز وجل صرفه عنه بمعجزة خصوصاً وأن الكفار أحاطوا به مع قلة من حوله من المسلمين.
عن أبى سعيد الخدرى : أن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون، فأخذ على بن أبى طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى إستوى قائما( ).
وقد دافعت المؤمنات عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً في آية إعجازية تدل على تسخير الأسباب لنجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحب المسلمين والمسلمات له، وبذلهم أنفسهم دونه وعن بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة، فقلت لها : يا خالة، أخبريني خبرك، فقالت : خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين .
فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي، قالت : فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت : من أصابك بهذا ؟ قالت : ابن قمئة، أقمأه الله ! لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول :
دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان( ).
وفي الحديث مسائل:
الأولى: ان دفاع وقتال المرأة دون النبي وسط المعركة، وخارج المدينة آية إعجازية تتجلى فيها العناية الإلهية بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: الواقعة مرآة لجهاد المرأة في الإسلام، ويمكن أن تزاول المرأة القتال عند الضرورة والحفاظ على بيضة الإسلام فلم ينه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم عمارة، ولم يقل لها إن الجهاد ساقط عن المرأة، وكأنه صار واجباً عينياً عليها بعد أن رأت ما حل بالنبي محمد صلى الله عيه وآله وسلم.
الثالثة: عندما تفرق أكثر أصحاب النبي عنه، طمع الكفار والمشركون فيه، وقصدوه لقتله.
الرابعة: كان المسلم يقوم بأكثر من وظيفة قتالية في المعركة، وهذا من المدد الخفي، ودليل على صدق الإيمان، فأم عمارة كانت تقاتل بالسيف، وترمي بالقوس، وكأنها كانت مدربة على القتال وذات خبرة فيه ولكنه المدد الإلهي.
وكانت بعض نساء المشركين تقاتل أيضاً، ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيفه لأبي دجانة قاتل قتالاً عظيماً، ولايلقى أحداً من المشركين إلا قتله يقول” رأيت إنساناً يخمش الناس خمشا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة”( ).
وعن الزبير بن العوام: إن أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها( ).
الخامسة: يظهر الحديث أن أكثر أصحاب رسول الله تفرقوا عنه، ولكن هناك جماعة من الصحابة بقوا يقاتلون دونه ويذبون عنه، ومنهم من قتل في تلك الساعة، إذ أنها ذكرت مصعب بن عمير بالإسم( )، وقد استشهد وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد.
لقد إعتزل كثير من الصحابة المعركة ولو على نحو مؤقت عند سماعهم نبأ قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يعني ضعف جبهة المقاومة والدفاع عن النبي، ولكن النبي صبر في الميدان ودافع وقاتل مع قلة من معه من الصحابة، وماسببته إشاعة قتله من الآثار، مما يدل على أن نجاته كانت معجزة، وأن الله عز وجل حفظه بواقية من عنده تعالى، وتلك النجاة وما فيها من الدروس والعبر من منافع ومحاسن خروج المسلمين من المدينة، ومواجهة الكفار والقتال خارجها.
فبعد أن سمع المسلمون بأن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم حي وفي المعركة يقاتل هبوا لنجدته، وإجتمعوا حوله، وهو أمر قد يكون متعذراً داخل المدينة، وتفرق الصحابة في الأزقة الضيقة وحول وفي البيوت، وصعوبة الإتصال والتبليغ بينهم، وأثر العيال وحضورهم في إضعاف الهمة وقلة النجدة وكشف العدو.
ومن الآيات أن وقائع وحوادث معركة أحد متواترة وموثقة، ليس في كتب المغازي وحدها، بل في كتب التفسير لأن آيات قرآنية عديدة جاءت بها وببيان تفاصيلها، فالآية محل البحث جاءت بخصوص بداية القتال، وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتعيين مواضع الصحابة في القتال.
وعن ابن أسحاق: ” فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك، ومعاتبة من عاتب منهم “( ).
لذا يمكن تسمية سورة آل عمران بسورة أحد .
قانون “قتال النبي”
يبين قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] موضوعية وضرورة وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين، وحاجة الصحابة له في إرادة وتصريف شؤون المعركة، ويدل بالدلالة التضمنية على أن جبهة المسلمين لا تتقوم إلا به.
مما يدل على أن معارك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانت لبقاء كلمة التوحيد في الأرض، وفيها ملازمة بين إستدامة الإيمان وسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة وخارج المعركة.
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متواضعاً، يستطيع أي إنسان أن يصل اليه من غير أن ينزع الصحابة سلاحه، كما كان من غير حراسة شخصية دائمة، وإن وجدت هذه الحراسة فهي على نحو الإتحاد والقلة، فتجد واحداً أو إثنين من الصحابة يحرسون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وتارة يبادر أحدهم لحراسته، فيلتفت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو ينهض من نومه ليلاً ليرى أحد الصحابة قد تطوع لحراسته وحمايته وقد يقوم النبي بصرفه.
وتبين الآية في ظاهرها حقيقة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يبق جماعة من المؤمنين خاصة لحمايته والذب عنه في المعركة، فقد أوصى الرماة وغيرهم بلزوم القيام بوظائفهم، وليس هناك ما يدل على أنه عين جماعة خاصة ليبقوا حوله، يدفعون عنه العدو، ويسمعون منه أمر الإنسحاب.
ويدل ظاهر الآية [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام بإجلاس المؤمنين في مواضعهم ولم يترك له حراسة خاصة، ولم يطلب من بعض أهل بيته الرجوع اليه والبقاء عنده، ففي رواية وحشي عن قتله للحمزة قال”فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق، يهد الناس بسيفه هدا، ما يقوم له شئ “( ).
وكان علي بن أبي طالب حاملاً للواء، ويخرج للبراز خصوصاً عند التحدي، ولما خرج أبا سعد بن أبى طلحة خرج بين الصفين، فنادى : أنا قاصم من يبارز برازا، فلم يخرج إليه أحد . فقال : يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة، وأن قتلانا في النار، كذبتم واللات ! لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلي بعضكم، فخرج إليه على بن أبى طالب، فاختلفا ضربتين، فضربه علي فقتله( ).
وإذا ذكر القادة العسكريون في هذا الزمان يتبادر إلى الذهن إنحصار وظائفهم في التخطيط للمعركة، وتوجيه العساكر من غرفة عمليات تكون خلف المعركة وبعيدة عن ميادين القتال، بذرائع متعددة منها طلب سلامة القيادة، والحرص على الإستمرار بالمعركة، لأن تعرض القيادة للقتل والهلاك يعني إصابة الجيش بالشلل، وتعرضه للفشل والإنهيار.
هذا والقيادات العسكرية متعددة، وهي فرع القيادة السياسية والبعيدة عن القتال وميادينه، والتي تمتلك سلطة تبديل وعزل القادة العسكريين، وقرار الحرب والسلم، ووقف القتال، ولو حضر هؤلاء القادة المعركة لجزعوا ورأوا الدمار الذي يصيب الطرفين، والخسائر التي لا تعوض، وقد لا يكون في البين ما يبررها، لأن الحرب أمر قبيح وضار بالطرفين، إلا أن تكون حرباً بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر فحينئذ تكون خيراً ونفعاً للمؤمنين، وعذاباً وسيئة على الكافرين، وكانت معارك الإسلام الأولى مدرسة في الجهاد، وأصناف القتال تقتبس منها الدروس والعبر.
فجاءت هذه الآية بالإخبار عن توزيع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين في مقاعد القتال، ولم يتركهم وحدهم في المعركة، ولو لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الصحابة في معركة أحد ماذا يحصل، سؤال يعرف الجميع إجابته، فهم مع وجود النبي معهم قائداً وإماماً ومقاتلاً إنهزم أكثرهم أمام الكفار.
قال ابن إسحاق : وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه حتى انتهى بعضهم إلى المنقّى، دون الأعوص ( )، والأعوص موضع قرب المدينة المنورة.
لقد إستشهد عدد من الصحابة في أحد، وأصابت الجراحات عدداً آخر منهم، وكان يوماً شاقاً لاقى فيه الجميع الأذى، ليتعقبه الثواب العظيم، ولكن وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان سر الظفر، أو قل سر الأمن من كيد وبطش العدو، وسبب الرجوع من أحد ببقاء دولة الإسلام، وسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكيد والقتل، وإستدامة نزول آيات القرآن.
فهذا القرآن الذي ينتفع الناس جميعاً منه كان نزول تمام آياته ثمرة من ثمار خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد، وقتال الصحابة فيها، وذبهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصبرهم وصمودهم أمام جيوش المشركين، التي جاءت لتثأر لقتلاها في بدر، وسمعتها وشأنها، وتجارتها التي أصبحت عرضة للخطر والنهب، وأصنامها في مكة التي كشف الإسلام زيفها، وبطلان إتخاذها من دون الله، ولزوم تنزيه البيت الحرام منها.
لقد كانت مشاركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القتال سنة فعلية، ودعوة نبوية للصحابة والقادة المسلمين، والمؤمنين للجهاد والقتال في سبيل الله، وهو من أسرار قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ].
وكأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يُعبأ المسلمين في أجيالهم المتعاقبة للقتال، وفيه بعث للفزع والخوف في قلوب الكفار من المسلمين وتحذير من التعدي عليهم، فقادة المسلمين مع المقاتلين في الميدان، إقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعشقاً للشهادة، وشوقاً للقاء الله عز وجل، ولليقين بلزوم الدفاع عن الإسلام والنفرة من الكفر ودفع الذين يعتدون على الإسلام بغير حق.
لقد كانت حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلها إنقطاعاً إلى الله تعالى، وإجتهاداً في بلوغ المراتب العالية والكمالات الإنسانية، وقد عمل في رعي الأغنام في صباه، ثم تجارة خديجة، ثم إنقطع الى غار حراء لتلقي الوحي والتنزيل، وتحمل هو وأهل بيته وأصحابه الأذى الشديد من المشركين، ولم يرد عليهم، بل أمر بعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة كما هاجر هو إلى الطائف، ثم الى المدينة المنورة صابراً محتسباً، حريصاً على حفظ النبوة والصحابة، ولكن عندما جاء المشركون إلى المدينة خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه للقتال، وعبأ المؤمنين وقادهم في الطريق إلى المعركة، وتولى إصدار أوامر القتال، وتلك آية في النبوة.
فلقد إستصحب الكفار إستضعافهم للمسلمين الأوائل في مكة، والظن بأن أهل المدينة لايثبتون على نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينما يرون قوة شوكة المشركين، وقام بعض المنافقين والفاسقين بايصال رسائل الى الكفار ترغبهم في قتال المسلمين، وتبين لهم الثغرات التي يستطيعون النفاذ منها، والتي تسهل لهم الظفر كما في أبي عامر.
قال ابن إسحاق:” وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة : أن أبا عامر، عبد عمرو ابن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة – وقد كان خرج حين خرج إلى مكة مباعداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، معه خمسون غلاماً من الأوس، وبعض الناس كان يقول : كانوا خمسة عشر رجلاً، وكان يعد قريشاً أن لو قد لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان .
فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى : يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، قالوا : فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق – وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية : الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق – فلما سمع ردهم عليه قال : لقد أصاب قومي بعدى شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم بالحجارة( ).
فقد كان أبو عامر يعد قريشاً بالظفر والغلبة، ويقول لهم إن الأنصار لايقاتلونكم، وأصابت الكفار غفلة وصدّقوا بقوله، وهو من مصاديق تسميتهم بالجهلة والجاهلية، لأن غشاوة الكفر والضلالة برزخ دون معرفة حقائق الأمور، وحاجز دون رؤية المدد والعون الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد بعثه الله عز وجل خاتماً للنبيين لتثبيت معالم الإيمان في الأرض إلى يوم القيامة.
ومن وجوه هذا التثبيت إجتماع تلقي الوحي مع القتال في سبيل الله، لكي لايتجرأ الكفار في الإعتداء على بلاد المسلمين، وإحتلال أراضيهم وبعث اليأس والقنوط في نفوسهم، وإكراههم على الإرتداد ونشر الشك والريب في آثار التنزيل والسنة.
وقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق تفضيله على الأنبياء السابقين ومنهم الرسل الخمسة أولي العزم لأمور:
الأول: تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيادة الجيش، وتوزيع المسلمين في مواضعهم القتالية.
الثاني: تلقي المؤمنين الأوامر النبوية قبل وأثناء وبعد المعركة بالقبول والرضا والإستجابة.
الثالث: صيرورة حب الشهادة ملكة راسخة عند المسلمين.
الرابع: تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجيه المسلمين في المعركة وإعانتهم باللسان واليد والدعاء.
الخامس: قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه.
السادس: عدم فرار النبي من المعركة، وتلك آية وشاهد على صدق نبوته، وأمارة على أن النبي لايفر من المعركة لأن الله عز وجل ناصره، ودليل على الحكمة والصواب في خروج النبي إلى أحد وعدم بقائه في المدينة، فهو لم ينهزم ويحمل الذين ألحوا عليه في الخروج مسؤولية ما حدث، ولم يصدر منه أي لوم لهم، وحينما لبس لأمته قال كلمته المتواترة في كتب التفسير والحديث والمغازي (ما ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل( ), وفيه دعوة متقدمة لهم بلزوم الصبر في الميدان، وعدم الهزيمة
وتلقى المسلمون هذا القول بالقبول والنصرة، والخروج إلى القتال، فمن كان يرى البقاء في المدينة بادر الى الخروج، وفي الحديث أمور :
الأول: الدلالة على أن الأنبياء يقاتلون بأنفسهم .
الثاني: قتال الأنبياء في الله ولله .
الثالث: لا يتردد الأنبياء في مواجهة الكفر والكافرين .
الرابع: تذكير المسلمين بالمائز الذي يميزهم وهو أنهم يقاتلون مع نبي مبعوث من عند الله .
الخامس: نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واجبة.
السادس: الظفر والنصر حليف خاتم النبيين بإذن الله، فقد قتل الكفار والفاسقون شطراً من الأنبياء، فبعث الله النبي محمداً ليتم رسالته، ويبقى الإسلام إلى يوم القيامة .
السابع: المنع من الإحتجاج على قتال النبي، أو القول بأن النبي رحمة للناس ولايصح إشتراكه في القتال، بل جاء الحديث أعلاه للإخبار بأن الأنبياء يقاتلون، وجاءت آيات من القرآن تدل على قتالهم، قال تعالى [وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ]( ).
وتعرض الأنبياء للأذى الشديد من قومهم، ولكن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان متكرراً وفي غزوات عديدة، ولم يتعرض للأذى ويقترب منه القتل كما في معركة أحد، وهذه الواقعة من المصاديق العملية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ماأوذي نبي قط مثل ما أوذيت( ).
وقال فريق من الصحابة قبل الخروج إلى أحد، ممن كان فاته بدر “يارسول الله، أخرج بنا الى أعدائنا”( )، ولم يقل أحد منهم نخرج اليهم ويبقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، فكان خروج وقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاجة ووسيلة لتثبيت مبادئ ودولة الإسلام الى يوم القيامة.
قانون “خير أمة في أحد”
لقد إحتج الأنبياء عند خلق آدم وإخبار الله عز وجل لهم بأنه جاعل خليفة في الأرض، [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
وجاءت هذه الآية مرآة لقول الملائكة ورد الله عز وجل عليهم[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، إذ التقى الإيمان والكفر، والصلاح والفساد، ليرى الملائكة لمن تكون الغلبة، ويحضروا موضوعاً لإحتجاجهم، وكيف أن الله عز وجل يمنع الفساد من السريان والطغيان في الأرض، فقد أفسد المشركون في مكة المكرمة، وإتخذوا الأصنام، وأعرضوا عن الحنيفية.
ولم يبقوا حرمة لبيت الله، فبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) في التغيير والصلاح الذي تؤدي اليه هذه البعثة، فقامت قريش بإيذاء النبي وأهل بيته والمسلمين الأوائل، ومنهم من مات تحت التعذيب.
فهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة، وهذه الهجرة آية في صدق النبوة، لإيمان فريق بها إتصفوا برجحان العقل، والتدبر في الآيات والإنسلاخ من واقع الكفر والجحود، لقبحه الذاتي والعرضي، فكما فروا من الكفر إلى الإيمان فانهم هاجروا من بلادهم إلى موطن يطلبون فيه السلامة في دينهم، لتكون الهجرة شاهداً على تقديمهم الإسلام على أنفسهم وأموالهم ومساكنهم ومواضع صباهم، فيأتي خروجهم إلى أحد إستمراراً لهذا التقديم، أما الأنصار فقد بايعوا رسول الله وأحسنوا البيعة لأنها قائمة على صدق الإيمان، وإخلاص النية والتسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم نصرته.
وهو من خصائص خير أمة، إذ يجتمع المهاجرون والأنصار من قبائل شتى في موضوع واحد ليس عندهم مثله في مرتبته من الأهمية والأولوية وهو حفظ الإسلام وشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما من قوة وجهة تستطيع أن تعطل الخصومات القبلية والشخصية التي كانت بينهم في الجاهلية إلا الفضل والرحمة من الله عز وجل الذي أنعم عليهم بالإسلام فزالت معه الضغائن والأحقاد وأسباب الثأر.
لتبرز خصومة أخرى أشد وأعم ليس فيها صلح عاجل أو آجل مع التباين في الأطراف، إنها خصومة العقيدة والتضاد بين الإيمان والكفر، ورجحت كفة الإيمان في معركة بدر، لتبدأ مرحلة تأسيس دولة الإيمان، فأظهر الكفار الدهاء والمكر والإصرار على الإنتقام، وليس الثأر وحده، لأن الخصومة ليست قبلية، يكون الثأر علاجاً وحداً لها.
فقد أدركوا أن الإسلام جاء لإستئصال مفاهيم الكفر من الأرض، فغبلت عليهم النفس الغضبية والشهوية، وخافوا على منازلهم وما لهم من الشأن المتوارث في دولة الكفر والجحود، فزحفت قريش ومن معها، ليكون زحفها وما فيه من معاني التعدي درساً وموعظة للأجيال المتعاقبة من المسلمين من وجوه:
الأول: عدم الإستغراب من قيام الكفار بطي المسافات للوصول الى دولة الإسلام، ومحاربة المسلمين.
الثاني: منع اليأس والقنوط من التسرب إلى نفوس وصفوف المسلمين.
الثالث: لزوم الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج الى المعركة، والمبادرة إلى الجهاد، فمتى ما أدرك الكفار في كل زمان أن المسلمين على ذات النهج الذي عليه الصحابة في أحد في إمتثالهم لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يعين لهم مواضع القتال، ويسوي صفوفهم، فإنهم يتجنبون الإعتداء عليهم .
فقوله تعالى[تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] دعوة للمسلمين بأن يهبوا لنصرة الإسلام عند مداهمة خطر الكفار لبلاد ومبادئ الإسلام، ولزوم أخذ الحائطة والحذر للدين دائماً، ومنه إجتناب البطانة من الكفار التي قد تقوم بتحريض الكفار على التعدي على المسلمين، وتساهم في إغواء الكفار في بلاد الإسلام، أو تكون سبباً لكشف عورات المسلمين.
لقد جاءت معركة أحد لتؤكد عملياً وتأريخياً ان المسلمين هم [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) من وجوه:
الأول: تسمية المسلمين بأنهم المؤمنون بقوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] وفيه دلالة على إخلاصهم النية في القتال، وأنهم لم يقاتلوا طمعاً وثاراً، بل إيماناً وصدقاً.
الثاني: مواجهة المسلمين للكفار والفاسقين الذين جاءوا للقضاء على دولة الإسلام.
الثالث: عدم تردد المسلمين في مواجهة الكفار، مع أن الكفار أكثر من ثلاثة أضعاف المسلمين، مع فارق كبير في العدة والسلاح.
الرابع: كانت النبوة والإسلام كله في معركة أحد، فقام المؤمنون بالدفاع عن بيضة الإسلام وعن النبوة، ومنعوا الكفار من الوصول إلى المدينة وإستباحتها، وكانوا يبذلون الوسع في دفع الأذى والشر والكيد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولما إتجه المسلمون عند إنتهاء المعركة لقتلاهم ودفنهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ؟ أفى الاحياء هو أم في الاموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق . قال : فقلت له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أنظر، أفى الأحياء أنت أم في الأموات ؟ قال : أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى السلام، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم منكم عين تطرف، قال : ثم لم أبرح حتى مات، قال : فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره . “( ).
الخامس: أسس الصحابة للأجيال المتعاقبة من المسلمين قوانين الدفاع عن الإسلام ولزوم تعاهد الجهاد في سبيل الله.
لقد إستشار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في كيفية مواجهة العدو، فكانوا على قولين:
الأول: البقاء في المدينة، وإنتظار دخول العدو لها، ومقاتلته فيها.
الثاني: الخروج للكفار، وقتالهم خارج المدينة.
وفيه شاهد على إجماع المسلمين على مواجهة الكفار، وإدراكهم للتضاد والتناقض بين الإيمان والكفر، ولزوم إستئصال الكفر من الأرض، لقد دلت معركة أحد على أن المسلمين بلغوا مراتب عالية في المعرفة الإلهية واصبحوا يعلمون بلزوم تنزيه الأرض من الكفار الذي يقصدون المسلمين في أرضهم لقتلهم وتشريدهم وأكراههم على الإرتداد، فلم يفكروا بالصلح والهدنة حتى عندما تعرضوا للهزيمة، بل عادوا للإجتماع حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليشتد وطيس المعركة من جديد، وتلك آية في الجهاد، ودرس للغزاة من المسلمين إذ تعلموا من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل أحد مسألة وهي الصبر والثبات في المعركة، وعدم الإنهزام أمام الأعداء، وعدم طلب الهدنة والعفو من الكفار.
لقد زحف الكفار للقضاء على الإسلام فكانت معركة أحد مناسبة لإستئصال الكفر من الجزيرة، وبيان قبحه الذاتي والعرضي، ومقدمة لطرده من النفوس، وجعل المسلمون الكفار يدركون أنه لا خير في الكفر ولا يأتي منه إلا الأذى والضرر.
السادس: ثقة المسلمين بالنصر والظفر على الأعداء لعلمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم وهو قائدهم.
السابع: حب المسلمين للشهادة، وعدم خوفهم من الموت ومفارقة الدنيا.
الثامن: قيام المسلمات بمؤازرة الرجال في المعركة، وتلقي اللائي أصبن منهن بفقد الأحبة الخبر بالصبر والرضا بأمر الله، وغبطتهن لسلامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونجاته وعودته سالماً من المعركة.
وإذ هجمت قريش وأهل مكة وهم من أهل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذوي قرباه ليقتلوه ويقضوا على الإسلام في مهده، قامت نسوة من الأنصار بالتضحية بالولد والنفس والمال من أجل سلامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنهن من كانت تقول الشعر وترد على هند التي فرحت بقتل حمزة وإشترك حسان بن ثابت في الرد عليها مما يدل على ما لشعرها من الأثر والتأثير.
لقد نال المسلمون الأوائل صفة الإيمان، في ساعة الجهاد والدفاع عن الإسلام لتجتمع لهم بقوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] خصال:
الأولى: الإيمان، والمراد الإيمان بالله ورسوله وما أنزل الله من الكتب ومنها القرآن، والإقرار باليوم الآخر.
الثانية: الجهاد في سبيل الله عز وجل بالنفس دفاعاً عن الإسلام والنبوة.
الثالثة: صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلقي الأوامر منه مباشرة، من غير واسطة بشر.
الرابعة: رضا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، وفوزهم بدعائه لهم.
الخامسة: إقتداء المسلمين بهم في سوح المعارك، والدفاع عن الإسلام وإفتخار المسلمين جميعاً بهم وبجهادهم.
وبينت هذه الآية المصداق العملي لما جاء في الآية السابقة [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] لما في معركة أحد من معاني الصبر والخشية من الله التي تجلت في قول وفعل الصحابة ودفاعهم عن الإسلام، وتحقق المشروط لوجود شرطه، بانتفاء الضرر وصرف شرط وكيد الكفار، لأن خروج المسلمين كان صبراً وتقوى وإحتساباً عند الله عز وجل.
وصحيح أن المسلمين كانوا أقل بكثير من عدد المشركين الذين زحفوا على المدينة، إلا أن عدد المسلمين ليس قليلاً، فقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بآلاف من المقاتلين وهو عدد كبير ووقعت معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة أي إستطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكّون جيشاً بهذا العدد في أقل من ثلاث سنوات من بداية وصوله للمدينة، وهو آية في صدق نبوته خصوصاً وأن الأعداء كانوا يصدون الناس عن الإسلام.
وما هجوم قريش إلا لبعث الرعب والفزع في قلوب الناس، ومنعهم من دخول الإسلام وإيصال رسالة إليهم بأنا نقتل من يدخل الإسلام، وإنسحب المنافقون ومن تبعهم من المعركة في الطريق وعددهم ثلاثمائة، فلم ينثن المؤمنون عن الجهاد وتلك آية أخرى تدل على تفضيلهم وعلو منزلتهم فكان قتال الصحابة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للناس لدخول الإسلام، وعدم الإلتفات الى تهديد وتخويف قريش ومن حالفها وعضّدها.
وكانت معركة أحد مناسبة ليتابع الناس آيات ومعجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويدخلوا الإسلام أفواجاً، وكأنه من العلة والمعلول.
لقد كانت القبائل العربية يغزو بعضها بعضاً، وقريش في مأمن في الجملة لأنهم أهل بيت الله، وأرباب تجارة، وما أن بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى تغيرت الأمور فأصبحت قريش تقود الأحابيش، وتتحالف مع القبائل للهجوم على المدينة والسعي للقضاء على الإسلام.
وثبت المسلمون في معركة أحد، فتطلع الناس إلى هذا التغيير وإنتقال الأمر من الغزو السريع بين القبائل إلى معركة يحضر ميدانها الآلاف من الرجال، ويشتد القتال من غير رحمة ولا هدنة، وليس من طرف ثالث يتدخل للصلح بين الفريقين، لأنه سالبة بإنتفاء الموضوع، فكانت معركة حياة أو موت، كل فريق يعلم بالتضاد بينه وبين الطرف الآخر، وانهما لا يجتمعان في محل واحد.
قانون “المؤمنون مقاتلون”
لقد تحدثت الآية السابقة عن الصبر والتقوى، ويتبادر إلى الذهن عند الجمع بينهما الصبر على تحمل أداء العبادات، وتلقي الأذى القليل، إذ لا يتصور المسلم أن الناس يريدون قتله لإختياره ما يجب عليه فعله كإنسان بالتصديق بالنبوة، وإظهار العبودية لله عز وجل وهي وظيفة الفرد والجماعة والأمة، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
فمن يتخلف عن الإيمان والتصديق بمعجزات النبوة يجب إلا يعتدي على المؤمنين، بل يتركهم وشأنهم ليؤدوا العبادات، ويكونوا سبباً لنزول البركات على الناس جميعاً، ولكن المهاجرين والأنصار فوجئوا بجيوش تقف على مشارف يثرب لا عهد لهم بها، ولم يشهدها تأريخ الجزيرة العربية في تلك الطبقة من الناس ، وما بين أيديهم من أخبار القبائل، تريد إقتحام ودخول المدينة، فهبوا للقتال حالما إنفتلوا من صلاة الصبح لبيان حقيقة وهي أن الخطر لا يكون مانعاً من أداء الفريضة ، وصلاة الجماعة في وقتها بإمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك هو الفوز العظيم.
وقد مدحت هذه الآية الصحابة بتسميتهم بالمؤمنين، وتدل هذه التسمية في مفهومها على ذم الكفار الذين جاءوا لمحاربة المسلمين.
وفيه إنذار للكفار مما يلقونه في النشأتين، أما في الدنيا فان الله عز وجل ينصر المؤمنين قال تعالى [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ]( )، وأما في الآخرة فان مصير الكفار الى النار.
ومن الإعجاز في الآية أنها ذكرت تعبئة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين للمعركة والبراز، مع ذكر علة تهيئة النبي للمسلمين وهي القتال، لأن اللام في (للقتال) تفيد التعليل، لينال المسلمون في معركة أحد مراتب عالية هي:
الأولى: بلوغ مرتبة الإيمان، وبين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق، وكل مؤمن هو مسلم، وليس كل مسلم هو مؤمن، ليخرج من المدح والثناء في الآية الذين إنسلوا في الطريق إلى أحد، وأبوا المشاركة في القتال تحت ذريعة أن النبي محمداً لم يأخذ بمشورتهم بالبقاء في المدينة المنورة.
الثانية: نيل صفة المقاتلين، وبلوغ الصحابة درجة المجاهدين، وما لها من الشأن في الدنيا، وما أعد الله عز وجل للمجاهدين في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم من المنزلة الرفيعة في الآخرة.
الثالثة: إمامة المسلمين في ميادين القتال، وهذه الإمامة على أقسام:
الأول: كان الصحابة قادة في السرايا التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعدد السرايا ست وثلاثون سرية، كما في كتب المغازي وكان أهل أحد فيها أمراء و بوظائف قيادية.
الثاني: قيادة الصحابة للتابعين من المسلمين، فلم تقف سرايا الجهاد بعد إنتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، بل إستمر المسلمون في الغزو والهجوم والدفاع عن الإسلام والثغور، خصوصاً وأنه حصلت ردة من بعض القبائل العربية، وظهر مدعون للنبوة مثل مسيلمة الكذاب وسجاح، وإنضم لكل واحد منهما أفراد قبيلته وجماعة من الأعراب، لتكون إمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد وغيرهما من الغزوات مدرسة جهادية أتقن خلالها الصحابة فنون القتال وأحكامه الشرعية، لاسيما وأن حروب المسلمين تختلف عن المعارك التي تجري بين القبائل في الجاهلية.
فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الروم في تبوك، وزحفت جيوش المسلمين بإتجاه الشرق والغرب والشمال والجنوب في آية إعجازية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً، الأمر الذي إستلزم مهارة وخبرة وقدرة قتالية عالية بالإضافة إلى أن كل فرد من أفراد وجيش المسلمين رسول للإسلام، وداعية إلى الله عز وجل .
الثالث: توجه التابعين إلى الصحابة للأخذ من علومهم، والإنتفاع من حضورهم كتيبة أحد، وإقتباس الدروس والعبر من قيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمعركة، وما فيها من المصاديق العملية التي تدل على صدق نبوته.
الرابعة: تعاهد أجيال المسلمين لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الغزو، والإمتناع عن التفريط والتهاون وتعطيل باب الجهاد، والحرص على تلقي أخبار السنة النبوية من الصحابة، وبدأ هذا التلقي في ساعة المعركة وعودة الصحابة إلى المدينة المنورة، وذكرهم لأخبارها وتفاصيلها.
الخامسة: قصة جهاد الصحابة في المعركة، وإستبسالهم في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قاتل الصحابة، ومنهم من لم يبرح مكانه، وبقي يقاتل دون رسول الله كالإمام على وأبي دجانة، ومصعب بن عمير غيرهم.
في آية تدل على معاني الولاء وصدق الإيمان، وهي إسوة ودعوة للصحابة الآخرين للرجوع إلى مواضعهم في القتال إذ إجتمع الصحابة وأعادوا الكرة على الكفار، وهزموهم بآية ومدد من عند الله عز وجل.
لقد نسبت الآية فعل تبوء المؤمنين مواضعهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه هو الذي يبوئ المؤمنين في مقاعدهم، ولكنه لا يعني عدم وجود فعل للصحابة إذ أن الآية تدل بالدلالة التضمنية على قيام الصحابة بالقتال لأن الآية ذكرت علة وموضوع التبوئ وهو القتال بقوله تعالى[تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] .
فجاءت الآية بنسبة الفعل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه أمور:
الأول: بيان إفاضات الوحي في المقام.
الثاني: توكيد ما يترشح من بركات النبوة على الصحابة.
الثالث: الإخبار بأن الصحابة في حفظ الله عز وجل لأنهم يتخذون مواضعهم بأوامر من الله بالوحي.
الرابع: بيان عزم الصحابة على القتال، وإنتفاء الخوف والجبن في نفوسهم.
الخامس: الإشارة إلى موضوع القتال وهو الجهاد في سبيل الله، ودفع الكفار وصدهم عن بلد المسلمين، فكان من المهاجرين من جاء أخوه أو عمه أو أبوه مع الكفار ولكنه خرج لقتالهم، وفيه دليل وشاهد على إستحقاق الصحابة الذين خرجوا للقتال صفة الإيمان التي ذكرتهم بها هذه الآية، ويحاول بعضهم إشاعة مسألة، وهي أن المؤمن مسالم ويصبر على الأذى، ويتحلى بالصبر والعفو والمغفرة.
فجاءت هذه الآية وما تخبر عنه من واقعة أحد أن المؤمنين مقاتلون، وأن مبادرتهم للقتال ليست إجتهاداً منهم، بل جاءت بأمر وإمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي يتلقى الأوامر من عند الله، لتبعث صفة الجهاد والتسابق للبراز والشهادة عند المؤمنين الفزع والخوف في قلوب الكفار، وتمنعهم من التعدي على الإسلام والمسلمين.
لقد بوأ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة في منازل القتال، لتكون واقية للصحابة أنفسهم والأجيال اللاحقة من المسلمين، ومدرسة في القتال والجهاد بالسلاح في سبيل الله عز وجل تجذب المسلمين في كل زمان وإلى يوم القيامة، وتمنع من تعدي الكفار.
وجاءت هذه الآية لتبين أن الجهاد في سبيل الله وجه من وجوه الإيمان وفرع منه، وشاهد عليه، ومصداق له، قال تعالى [حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ]( ).
قانون”دلائل النبوة في أحد”
لقد بعث الله عز وجل الأنبياء الى الناس مبشرين ومنذرين ورزقهم المعجزات التي تكون شاهداً على نبوتهم، وحجة على الناس في لزوم إتباعهم، فلا يقدر على المعجزة إلا الله تعالى، وهي أمر خارق للعادة.
وليس من نبي إلا ومعه معجزة خاصة به، وقد بعث الله عز وجل النبي محمداً إلى الناس جميعاً فجاءت معجزة القرآن ملائمة لجميع أهل الملل والنحل، كل أمة تجد فيها حاجتها، وما يناسب مداركها ومناهج عملها، ومع معجزة القرآن العقلية جاءت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية، وتحتمل الصلة بينهما وجوهاً:
الأول: المعجزة الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرع المعجزة العقلية التي جاء بها وهو القرآن.
الثاني: إستقلال المعجزة الحسية عن المعجزة العقلية.
الثالث: المعجزة الحسية فرع المعجزة العقلية.
الرابع: المعجزة الحسية مصداق للمعجزة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولاتعارض بين هذه الوجوه بلحاظ الجهة، وكأن المعجزتين مما إذا إجتمعا إفترقا وإذا إفترقا إجتمعا.
وجاءت هذه الآية الكريمة معجزة عقلية من معجزات القرآن لتخبر عن معجزة حسية، وتكون مرآة لها، ووثيقة سماوية لتثبيتها في أخبار التأريخ، والوجود الذهني للمسلمين وعامة الناس.
ويصلح عنوان هذا القانون وكتاب مستقل يتضمن مصاديق ومفاهيم ومعجزات النبوة التي تجلت في معركة أحد وما فيها من التأكيد على صدق نبوة محمد، ودعوة الأجيال المتعاقبة من الناس للتدبر في أسرار معركة أحد وحث المختصين في شؤون الجيش والعسكر على إقتباس الدروس والعبر منها، وبيان جانب من الأسرار الغيبية في معركة أحد، وكيفية خروج المسلمين سالمين من المعركة من غير هزيمة وإنكسار، ورجوع الكفار خائبين من حملتهم التي سخرّوا لها كل ما عندهم من الأسلحة والمؤون، ومن دلائل النبوة في معركة أحد أمور:
الأول: إمتلاك المسلمين زمام المبادرة في المعركة، فحينما سمعوا بمجئ الكفار، بادروا إلى الخروج للقائهم.
الثاني: تعيين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين موضع المعركة،الذي له موضوعية كبيرة في سير المعركة وتحديد نتيجتها، وتلك آية من آيات النبوة، ورحمة من عند الله عز وجل بالمؤمنين.
الثالث: عدم خطورطلب المهلة أو الهدنة على أذهان الصحابة، ولم يصدر منهم ما يدل على المهادنة والتخاذل، لقد قالوا للنبي قبل المعركة : أخرج بنا، ولما دارت الكرة على المؤمنين لم يقولوا له إطلب لنا الهدنة الصلح .
الرابع: قلة عدد المسلمين في مواجهة العدد الكثير للكفار، ولم يسبب هذا التباين الخوف في نفوس المسلمين، ولم يظهروا الشكوى والتراجع.
الخامس: إمتثال المسلمين لأوامر وتعليم وإرشاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل وأثناء المعركة، فيدل قوله تعالى[تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] على تلقي جميع الصحابة أوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والرضا من جهتين:
الأولى: إفادة الآية الكريمة جلوس الصحابة في مواضعهم التي حددها لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان يمشي في الصف فيرجع المتقدم، ويقدم المتأخر وتقدير الآية(تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال فتبوؤها).
الثانية: نعت الصحابة بصفة المؤمنين، والذي يدل على إيمانهم بالله وإخلاصهم في الجهاد في سبيله، وإيمانهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسليمهم بأنه يعّين لهم مواضعهم بوحي من عند الله.
الخامس: ثبات المسلمين في المعركة، وعدم إنهزامهم منها،ببركة وصبر وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إذ ترك كثير من الصحابة مواضعهم من شدة هجوم الكفار، وبعد الخطأ الذي إرتكبه الرماة بالنزول من الجبل طمعاً بالغنائم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبرح مكانه، وكان هذا الفعل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سر إنتصار المسلمين، والسبب وراء بقاء الإسلام قوياً منيعاً إلى يومنا هذا.
موقف واحد من النبي في ساعة من نهار يوم أحد غيّر مجرى التأريخ ووضع الأسس الجهادية لصرح الإسلام وأكد حقيقة وهي أن الإسلام يقوم على التضحية والفداء، ولابد أن يبذل المؤمنون أنفسهم في سبيل الله، ودفاعاً عن الإسلام .
وقد يستغرب الإنسان أموراً :
الأول : مجئ هذه الجموع الغفيرة من الكفار لقتال المسلمين .
الثاني : غفلة وعدم إتعاض الكفار من نتائج معركة بدر والتعرض لتجارة قريش.
الثالث : عدم خروج الكفار من معركة أحد بفائدة تذكر.
وكما أن المسلمين لم يفكروا بالصلح، فكذا الكفار في حينه، ويدل عليه مجيؤهم بجيوش لم تعهدها الجزيرة والحجاز في تلك الأيام ومعهم النساء اللائي قمن بتشجيع المقاتلين.
وفيه شاهد على أن الكفار أرادوا أن تكون المعركة حاسمة، وقصدوا القضاء على الإسلام فشاهدوا آيات النبوة ظاهرة للحواس بصبر وتقوى المؤمنين، وإستبسالهم في القتال، وتضحيتهم بأنفسهم دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعودة المسلمين سالمين إلى المدينة المنورة ليعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى صلاة الفريضة يؤم الصحابة فيها، كما بوأهم أماكنهم في القتال.
لقد نزل القرآن في عتاب الذين فروا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه يدعوهم للعودة والقتال قال تعالى[إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] ( )، وفيه شاهد على ثبوت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة، ومناداته ودعوته للمسلمين للعودة، وموضوعية الوحي في تدارك المسلمين وإصلاحهم مما لهم في المعركة، لأن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم من الوحي، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم بوظائف متعددة في وقت واحد وهي:
الأول: قيادة المعركة.
الثاني: الصبر والثبات في موضعه.
الثالث: القتال بسيفه.
الرابع: إعانة الرماة.
الخامس: توزيع الوظائف القتالية على الصحابة، لأن قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] شامل لمقدمات وإبتداء وإستدامة المعركة.
السادس: نزول آيات القرآن التي تخص المعركة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبلها وأثناءها وبعدها وفيه مسائل:
الأولى: أراد الله عز وجل أن تكون آيات القرآن إماماً للمسلمين في القتال، وهذه الإمامة لا تتعارض مع إمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل فرد منهما فضل عظيم لم تنله أمة من الأمم، وهو شاهد على تفضيل المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ].
الثانية: في نزول الآيات أثناء المعركة دليل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لم يخرج إلى المعركة إلا بأمر الله عز وجل.
الثالثة: تأتي الآيات مدداً وعوناً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وهذا المدد ليس معنوياً فقط، بل هو مادي ومعنوي.
الرابعة: من منافع نزول الآيات تأديب وتفقه ومواساة المسلمين، قال سبحانه[قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ] ( )، أي لو لم تخرجوا إلى القتال، ولم يكن هناك عدو يزحف عليكم لخرج الذين قتلوا إلى مصرعهم لحلول أوان الأجل، ولما فيه من الإبتلاء والإمتحان.
الخامسة: بعث السكينة في نفوس المسلمين، وعدم الحزن على فوات النصر بعد حصول هزيمة العدو، وما أصاب المسلمين من الخسارة.
السادسة: التخفيف عن المسلمين بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفضح كذب الهزيمة التي أشاعها الكفار وإدعائهم أنه قتل.
السابعة: بعث الحزن والندم والأسى في نفوس المنافقين، الذين تخلفوا عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الثامنة: الآية القرآنية مؤازر وعضد للمؤمن في قتاله، ونزولها دعوة له للإصغاء لها، والعمل بأحكامها، والإلتفات إلى المائز الذي يتصف به المسلمون وهو أنهم يقاتلون في سبيل الله، وهذا الإصغاء والعمل من مصاديق تسمية الصحابة المقاتلين في الآية الكريمة بالمؤمنين.
علم المناسبة
جاءت مادة(باء) في مواضع عديدة من القرآن منها ما يتضمن المدح للأنصار منها قوله تعالى[َالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ] ( ).
وفيه أيضاً تشريف للمدينة المنورة بوصفها دار الهجرة والإيمان، ليكون موضوع الهجرة وما فيه من الشرف شاملاً لأطراف ثلاثة:
الأول: المهاجرون الذين جاءوا من مكة وما حولها.
الثاني: المدينة المنورة لأنها دار الهجرة.
الثالث: الأنصار الذين إستقبلوا المهاجرين في دار الهجرة.
وبذا فان موضوع الهجرة ليس خاصاً بالمهاجرين، بل ينال الأنصار منه الشرف العظيم خصوصاً وأنهم تقاسموا أموالهم مع المهاجرين، وعندما نكث بنو النضير بالعهد الذي بينهم وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسار إليهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفتح الحصن، وقسّم الغنائم بين المهاجرين.
ولم يعط منها الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بين حنيف والحرش بين الصمة، وقال لهم: أن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شئ من الغنيمة، فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها، فنزلت الآية أعلاه.
ليكون جلوس الأنصار في مواقعهم في معركة أحد منقبة أخرى لهم، فهم ثبتوا في المدينة بصفة الإيمان وواجهوا فيها الكفار واليهود والكفار، وإستقبلوا المهاجرين، وفتحوا لهم بيوتهم وقلوبهم، وشاركوهم أموالهم، ثم خرجوا لمواطن القتال دفاعاً عن الإسلام فتأتي كلمة[تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] مدحاً وثناء على الأنصار، ومدحاً للمهاجرين، وشهادة على حسن إسلامهم، وصدق إيمانهم.
وإذ يتبوأ المؤمنون مواضعهم في المعركة دفاعاً عن الإسلام فإن الكفار يتخذون منازلهم في جهنم ويرمون أنفسهم في الهلاك، ويختارون الغضب الإلهي، قال تعالى[فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ] ( ).
لقد تبوء الصحابة مواضع القتال والجهاد في سبيل الله طلباً لمرضاة الله وليفوزوا بالثواب والخلود في النعيم، قال سبحانه[أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ] ( ).
وجاء في موسى وهارون عليهما السلام قوله تعالى[وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً] ( )، أي أمر الله عز وجل موسى وهارون بأن يسكن بنو إسرائيل في بيوت خاصة بهم في مصر يعبدون الله فيها، وعن الحسن كانت قبلتهم الكعبة وقيل أن فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة، فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم يصلون فيها خوفاً من فرعون.
ويفيد الجمع بين الآيتين أموراً:
الأول: يبوء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين مقاعد للقتال بالوحي وفيه رحمة بالمسلمين ليس الصحابة وحدهم بل جميع الأجيال المتعاقبة من المسلمين بلحاظ ترشح منافع معركة أحد على جميع المسلمين لما فيها من تثبيت دولة الإسلام برجوع الكفار خائبين، بعد أن حشدوا أكبر قوة وعدة للإجهازعلى الإسلام والمسلمين.
الثاني: لقد لاقى بنو إسرائيل العذاب المستديم من فرعون إلى أن نجاهم الله عز وجل، أما المسلمون فكانوا مع قلتهم في دولتهم في المدينة المنورة، ولم يتركهم الكفار وشأنهم في عبادة الله وزحفوا عليهم لقتلهم والقضاء على الإسلام، فتصدى لهم المؤمنون وتبوءوا مقاعدهم للقتال، دفاعاً عن الإسلام والنبوة والكتاب.
الثالث: بيان تفضيل المؤمنين من الصحابة فهم لم يتبوءوا البيوت بل تبوءوا مقاعد القتال، وحملوا السيوف جهاداً في سبيل الله، وواجهوا أعتى قوة حواليهم من قريش والمتحالفين معها، وليس من مدد يأتي للمسلمين إلا من عند الله عز وجل[وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا] ( ).
وورد لفظ(المؤمنين) في القرآن مائة وتسعاً وسبعين مرة بصيغة الرفع والنصب والجر، وفيه مدرسة في المعرفة الإلهية تتضمن المدح والثناء على الذين أنعم الله عز وجل عليه بالهداية، وحثهم على التوكل على الله، وتعاهد صدق السرائر، وإخلاص العبادة لله، وبشارتهم بنيل المراتب العالية في الجنة، قال تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ]( ).
وجاء وصف الصحابة الذين نفروا للجهاد بالمؤمنين في الآية محل البحث سكينة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإشارة إلى كفاية عددهم لتحقيق النصر بثبات الإيمان، وبشارة الغلبة على الكفار، قال سبحانه [ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ]( ) .
وفيه دعوة للمسلمين للقتال والدفاع عن الإسلام، وثناء على الصحابة الذين خرجوا للقتال، وشهادة لهم بأنهم إتبعوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في خروجهم وإمتثالهم للأوامر التي يوجهها لهم في القتال، كما جاءت آيات القرآن بالبشارة للمؤمنين بالجنة، قال سبحانه[وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ] ( ).

قوله تعالى [وَاللَّهُ سَمِيعٌ]
جاءت خاتمة الآية بشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وفي متعلق الآية وجوه:
الأول: إرادة معركة أحد، وتعبئة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة في مواضعهم.
الثاني: يسمع الله المسلمين أوان المعركة، والإشارة إلى من خرج منهم للجهاد، وذم المنافقين الذين نكصوا وتخلفوا.
الثالث: المعنى الأعم وأن الله عز وجل يسمع ويعلم أحوال المسلمين والناس جميعاً.
والصحيح هو الأخير لذا جاءت الآية بصيغة الإطلاق في طرفيها من سمعه وعلمه تعالى بالأمور، إلا أنه لا يتعارض مع الوجه الأول والثاني، بل هما شاهدان على الإطلاق وإحاطة علم الله عز وجل بكل شئ.
ويسمع الله سبحانه كل ما يقوله الناس من غير آلة سامعة، وفي خاتمة الآية بشارة وإنذار، بشارة للمؤمنين وإنذار للكافرين، وفيها وجوه:
الأول : ما قبل معركة أحد، وفيه مسائل:
الأولى: ان الله عز وجل يسمع أقوال الكفار، وطلبهم الثأر والإنتقام بعد معركة أحد.
الثانية: لايعلم المسلمون بما يقوله ويعده كفار قريش، ولكن الله عز وجل يعلم ما يفعلون، وتحريض بعضهم بعضاً على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
فجاءت خاتمة هذه الآية لبعث السكينة في قلوب المسلمين، والإخبار عن أن كل ما أعده وقاله الكفار في علم الله عز وجل، وهو القائل [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
الثالثة: حال الإستعداد لمعركة أحد من أهم مواضع الصبر والتحمل إذ علم المسلمون بزحف قريش بجيوش كبيرة وعدة وسلاح، وعزمهم على الإنتقام، فبادروا إلى الخروج للقتال من غير تردد أو وهن،
ولم يُسمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمة تدل على الضعف والوهن، ومن الآيات أن إختلاف المسلمين في الخروج وعدمه صغروي لإلتقائهما في عزمهم على الجهاد .
الرابعة: ذكرت الآية خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته وتعبئته المسلمين للجهاد، وجاءت خاتمتها لتوكيد ان الله عز وجل سمع ما قاله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون أثناء التهيئ للقتال وإختيار مواضعه، وفيه مدح للمسلمين، وبشارة الثواب والأجر العظيم.
الثاني: وقائع معركة أحد، وفيه مسائل:
الأولى: إن الله عز وجل يسمع ويرى ما يقوم به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من تهيئة الصحابة للقتال.
الثانية: أن الله عز وجل هو الرؤوف الرحيم، ولا يريد للمؤمنين إلا الأمن والسلامة، ولكنهم برزوا للقتال دفاعاً عن الإسلام، وهو سبحانه يسمع ما يقولون في نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والعزم على محاربة الكفار ليكون جزاؤهم الجنة خالدين فيها.
الثالثة: يسمع الله أقوال المسلمين في الخروج إلى الكفار، أو البقاء في المدينة وقتالهم فيها.
الرابعة: إن الله عز وجل يسمع ما يقوله الكفار من الشتم والسب وأسباب الشك والريب بالنبوة قبل أن يسمعه المسلمون.
الرابعة: يسمع الله عز وجل لغة التخويف والتهديد التي يستعملها الكفار قبل وأثناء المعركة، والله عز وجل هو ناصر المسلمين، وفيه بعث للسكينة في نفوس المسلمين وإشارة إلى البرزخ بين الكفار وبين النصر، ومن الآيات أن الكفار لم يحققوا النصر في معركة من المعارك التي وقعت بينهم وبين المسلمين ومنها معركة أحد وأن حصل فيها كر وفر من الطرفين، إلا أن الكفار إنهزموا خائبين.
الخامسة: دفع الهزيمة عن المسلمين، بعد إنسحاب أكثرهم، وبقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جماعة قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليدين شاهد على أن الله عز وجل يسمع دعاء الصحابة ويمدهم بأسباب النصر والتوفيق من عنده.
السادسة: لقد سمع الله عز وجل ما قاله المنافقون وإنخزال عبد الله بن أبي سلول بثلث الناس وقوله(أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس ) ( ) أي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إستمع إلى الذين قالوا بالخروج لقتال قريش، ولم يسمع قول عبدالله بن أبي بالبقاء في المدينة، هذا قبل حدوث القتال، وترى المكر في قول ابن أبي سلول أعلاه وكيف أنه يوجه خطابه إلى المسلمين جميعاً بلفظ وصفة الناس، في تحريض لهم على ترك القتال.
السابعة: أن الله عز وجل يسمع دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نصرة المسلمين ودحر الكفر والكافرين.
الثامنة: يسمع الله عز وجل ما يبثه الكفار من قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيه من أسباب الضرر على المسلمين.
التاسعة:يسمع الله عز وجل تلاوة المسلمين للقرآن، ومعاني الصبر والتقوى التي ينطقون بها.
لقد قال الشعراء من الطرفين المتحاربين أشعاراً كثيرة في المعركة،
والله عز وجل يسمعها، وهو الذي يثيب المؤمنين على شعرهم، ويجعل الكرة والعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، ويعاقب الكفار، ويلحق بهم الهزيمة والخسران في الدنيا والآخرة.
العاشر: يسمع الله عز وجل أقوال المسلمين وسعادتهم وغبطتهم عند علمهم بكذب إشاعة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه ما زال في المعركة يقاتل الكفار.
الثالث: ما بعد المعركة، إذ جاءت الآية بلفظ الماضي[وَإِذْ غَدَوْتَ] مما يدل على أن الآية نزلت بعد الواقعة، وفيه مسائل:
الأولى: إن الله عز وجل يسمع ما يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين أثناء التهيئة للمعركة، وإستعدادهم لها, وتحريضهم على القتال في سبيل الله، وبيان الأجر والثواب العظيم في الجهاد.
الثانية: مايقوله المؤمنون في نصح المنافقين، ومنعهم من الإنخزال عن القتال.
الثالثة: يسمع الله عز وجل كلام المنافقين، فبعد أن كانوا يخفون النفاق ويظهرون الإيمان، جاءت معركة أحد لتفضحهم، وتبين حقيقة نفاقهم، وحاولوا الإعتذار ولكن المسلمين لم يقبلوا منهم .
” قال ابن إسحاق : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان عبد الله بن أبى سلول – كما حدثنى ابن شهاب الزهري – له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر، شرفا له في نفسه وفى قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام فقال : أيها الناس، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظ هركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا له، ثم يجلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، ورجع بالناس، قام ففعل ذلك كما كان يفعله.
فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا : اجلس، أي عدوالله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره.
فلقيه رجل من الانصار بباب المسجد، فقال : ما لك ؟ ويلك ! قال : قمت أشدد أمره، فوثب علي رجال من أصحابه يجذبوننى ويعنفونني، لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره، قال : ويلك ! ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : والله ما أبتغى أن يستغفر لى”( ).
لقد كانت معركة أحد مناسبة لكشف المنافقين،ومنعهم من التأثير في مجريات الأمور، وبرهاناً في لزوم إجتناب المؤمنين إتخاذهم بطانة وخاصة.
الرابعة: يسمع الله عز وجل قول المؤمنات من نساء الأنصار والمهاجرين اللائي أصبن بفقد الولد أو الأخ أو الزوج أو الأب، وإظهارهن أسمى معاني الصبر والرضا بأمر الله، وإحتسابهن ما حل بهن في عين الله عز وجل.
الخامسة: أن الله عز وجل أحاط بالخلائق كلها، وما يقوله الناس يسمعه الله عز وجل ولايخفى عليه، وإنه سبحانه يسمع شكوى المؤمنين وآلامهم، وثباتهم على الإيمان، وإصرارهم على مواجهة العدو، وعدم التواني والتخاذل عنه .
وبالإسناد قال ابن إسحاق: ان رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بني عبد الأشهل، كان شهد أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: شهدت أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، ومامنا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنت أيسر جرحاً، فكان إذا غلب حملته عقبةً، ومشى عقبة، حتى انهينا إلى مانهى إليه المسلمون) ( ).
السادسة: يفيد الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] أن مايقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تعبئة المؤمنين هو وحي من عند الله عز وجل، وفيه بعث للسكينة في نفوس المسلمين، ومنع من طرو الشك.
ويحتاج المقاتلون عند التهيء للمعركة والإعداد لها وأثناء خوض غمارها الأمن من الشك والتردد وأسباب الريب، فجاءت خاتمة الآية لتوكيد نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحدي الكفار والمنافقين، وبيان حقيقة وهي أن النبي والمؤمنين في عين الله[فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ( ).
ومن عمومات (خير) في الآية أعلاه أن الله عز وجل يحفظ سيد الأنبياء محمداً وخير أمة وهم المسلمون.
السابعة: في الآية دعوة للصحابة لتعاهد الفرائض والعبادات، وإظهار الشكر لله عز وجل على نعمة بقاء الإسلام ومبادئه، وإتخاذ الدروس والعبر مما وقع في معركة أحد من الخسارة وتدارك المسلمين لها.
قوله تعالى[عَلِيمٌ]
من صفات الله تعالى(العليم) وهو الذي أحاط بكل شئ علماً، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأختتمت هذه الآية بصفة العليم، وفيه وجوه:
الأول: أن الله عز وجل يعلم قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتعبئة المؤمنين إستعداداً للمعركة، وفيه إشارة إلى نصره تعالى لهم، وعدم ترك الكفار يستبيحون المدينة.
الثاني: في الآية دعوة للصحابة للتوكل على الله في مواجهة العدو.
الثالث: يعلم الله عز وجل إنسحاب المنافقين، وأنهم سيندمون على ما فعلوا.
الرابع: أن الله عز وجل يعلم قيام الرماة بالنزول من الجبل، وترك مواقعهم طمعاً بالغنيمة، وعلمه تعالى سابق للفعل ومتأخر عليه، ترى لماذا لم يخبر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بنزولهم قبل حدوثه، ويجعله يحتاط ويحترز أكثر في الأمر، بوضع عدد كبير من الرماة مثلاً، وإختيار جماعة لايغادر أي واحد منهم موضعه على الجبل، وإن إنهزم المشركون.
الجواب لقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الرماة بوجوب عدم ترك أماكنهم وأن إنهزم الكفار،ولكن أكثرهم تركوا أماكنهم، لتكون واقعة أحد موعظة وعبرة يقتبس منها المسلمون الدروس، ويستنبطون منها الأحكام.
الرابع: أن الله عز وجل يعلم ما ينتظر الكفار من الخزي والإنكسار، وهو سبحانه يمد المؤمنين بالملائكة لدفع أذى وشر الكفار، وجاء إختتام الآية بالإخبار عن علم الله تعالى بالأمور في توكيد على أنه يكتب الحسنات للصحابة الذين قاتلوا في أحد، والسيئات للكفار الذين قاتلوا وحرضوا على قتال المسلمين في أحد.
بحث بلاغي
من وجوه البديع(الإلتفات) وهو الإنتقال في صيغة الكلام من الخطاب إلى الغيبة أو بالعكس، وله منافع عديدة منها عذوبة الكلام، وحصانة السمع من الضجر والملل، وبعث النفس على التدبر في معنى الكلام وأسباب الإنتقال.
ونضيف وجهاً آخر للإلتفات وهو نقل الكلام من صيغة الفرد إلى الجمع وبالعكس، فقد جاءت الآيات القليلة السابقة بصيغة الجمع في الخطاب، وإرادة المسلمين إذ جاء قبل ثلاث آيات قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ].
وجاءت هذه الآية بصيغة الخطاب المتوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذي لم يأت في القرآن لغيره من الأنبياء أو غيرهم، وفيه تشريف وإكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيان موضوعية الجهاد بالسيف في نبوته، وما يأمره الله عز وجل به.
ثم عادت الآية التالية إلى خطاب المسلمين بذات الصيغة التي وردت فيها الآيات السابقة بقوله تعالى[إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ] لتعود الآية بعد التالية إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما يؤكد نصر المسلمين بالمدد الإلهي، وتأتي الخطابات الموجهة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإرادته بالأصالة، وإرادة المسلمين بالتبعية والإلحاق.
أما هذه الآية فجاءت لذكر واقعة مخصوصة وفعل معين قام به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو تعبئة المقاتلين من الصحابة وإجلاسهم في مواضع القتال، وتعيينها لهم.
ولكن موضوعه عام يشمل المؤمنين المقاتلين، لينتفع منه المسلمون والمسلمات جميعاً في أفراد الزمان الطولية بندب المؤمنين للقتال دفاعاً عن الإسلام، وقيام المؤمنات بتعضيدهم وعدم صدهم عن فريضة الجهاد، وإذ جاء ت الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن خاتمتها قانون ثابت في الأرض، تتفرع عنه قوانين كثيرة تتجلى فيها نصرة الله للأنبياء والمسلمين، ولاتخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو الذي خلق الناس لعبادته، ويتفضل على المسلمين بالجزاء العاجل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة.
بحث كلامي
من صفات الله عز وجل أنه سميع، وأختلف فريق من المتكلمين في المقام على قولين:
الأول: إن السمع فرع علمه تعالى وأنه تعالى عليهم بالمسموعات.
الثاني: صفة السمع صفة زائدة على العلم.
وهذا الخلاف صغروي، ويجب أن لا ينشغل المسلمون بمثله ولا يحتل حيزاً كبيراً في علوم التفسير والكلام أيضاً، لأن الأصل هو الإنتفاع الأمثل من العلوم القرآنية وليس الإنشغال بخلاف صغروي.
وجاءت خاتمة هذه الآية جواباً على مثل هذا الخلاف ويفيد حرف العطف الواو بقوله تعالى[و اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] التعدد والمغايرة بين الصفات إلا أن يقال أنه من عطف العام على الخاص، وأنكر بعضهم وجود مثل هذا العطف في القرآن، وإذ يسمع الإنسان والحيوان بآلة جسمانية سامعة، فإن الله عز وجل منزه عن الآلة والتركيب، ولكن المسموعات حاضرة عنده سبحانه جميعاً، فما من قول أو لفظ إلا ويسمعه الله عز وجل ويعلم به لأنه سبحانه هو الخالق البارئ.
وكل ممكن محتاج إلى الله تعالى في وجوده وإستدامة بقائه إلى رحمته، وهذه الحاجة وحفظ الممكنات فرع علم الله تعالى بها، فليس من شئ من الموجودات إلا وهو باق بفضل من الله، وهو سبحانه الذي فعل الأفعال المحكمة والمتقنة، ومنها ظهور الإسلام، وغلبة المسلمين على الكفار، ومنع تعدي الكفار على المدينة التي هي منشأ الإسلام، والمركز الذي تشع منه أنوار التوحيد نحو الجزيرة والمشرق والمغرب.
وجاءت خاتمة الآية مواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بخصوص القتلى من الصحابة والخسارة التي لحقت بالمسلمين، وتتضمن البشارة بالفتح والغلبة على الأعداء في المعارك اللاحقة، فقد يبتئس أو يخاف بعض الصحابة من قلة المسلمين، وقوة الكفار وكثرة عددهم، ويخشى من مداهمتهم المدينة مرة أخرى فجاء قوله تعالى[واللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] لبعث السكينة في نفوس المسلمين.


قوله تعالى [ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] الآية 122.
الإعراب واللغة
قرأ ابن مسعود: (والله وليهم)لأن الطائفتين جمع( ).
إِذْ:ظرف لما مضى من الزمن، جاء بدلاً من (إِذْ) في الآية السابقة، هَمَّتْ: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث الساكنة.
طَائِفَتَانِ: فاعل مرفوع بالألف لأنه مثنى، وجملة همت في محل جر بإضافة الظرف اليها.
مِنْكُمْ: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لقوله (طائفتان).
أَنْ تَفْشَلاَ: أن: حرف مصدري ونصب، تفشلا : فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الإثنين فاعله وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض والتقدير: بالفشل.
وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا: الواو: حرف عطف، وقيل إستئنافية، أو حالية، اسم الجلالة: مبتدأ، وليهما : خبر مرفوع بالضمة، وهو مضاف، والضمير: مضاف إليه.
وعلى الله: الواو: حرف عطف: على الله: جار ومجرور متعلقان بيتوكل: فليتوكل: الفاء هي الفصيحة، يتوكل: فعل مضارع مرفوع، المؤمنون: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
وهم بالشئ يهم هماً: نواه وأراده وعزم عليه.
وطائفتان: جمع طائفة والمراد الجماعة من الناس، وقال مجاهد: الطائفة الرجل الواحد إلى الألف، ولكن ليس له حد من جهة الكثرة بدليل قوله تعالى [إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا]( )، والمراد اليهود والنصارى، وقال عطاء: أقله رجلان، وفي الحديث: لاتزال طائفة من أمتي على الحق( ). والطائفة: القطعة من الشئ، أي أن لفظ الطائفة لا ينحصر بجنس الإنسان بل هو أعم.
ويقال توكل عليه وإتكل أي إستسلم إليه، وتوكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى الله أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، ويقال وكله أمره إذا وثق بقدرته وكفايته، ويقال وكل إليه الأمر: سلّمه .
وعن ابن عباس:أن التوكل هو الثقة بالله.
والمدد: الزيادة في الشيء، ومنه العساكر التي تلحق بالجيوش ، وموضوع المدد أعم من الحرب، فيشمل الطعام والأعوان والإغاثة والنجدة، ويقال: مددنا القوم: أي صرنا لهم أنصاراً ومدداً، والإستمداد طلب المدد والمعونة.
وأخبرت الآيات بان المدد يطلب من الله وان المسلمين إستغاثوا بالله، وفيه شاهد على حسن عبوديتهم، وأنهم يرجون المدد بالتضرع والدعاء والمسكنة لله عز وجل.
ويبعد موضع معركة بدر عن المدينة المنورة بإتجاه مكة 130كم، وعن الإمام علي عليه السلام(قال: بدر بئر)( ).
في سياق الآيات
في الصلة بين هذه الآية والآيات المجاورة لها أمران:
الأمر الأول: الصلة بين هذه الآية والآيات السابقة، وفيها وجوه:
الأول: الصلة بين هذه الآية وآية [لَنْ تُغْنِيَ] ( )، وفيها مسائل:
الأولى:إخبار المسلمين بأن عدوهم ضعيف، وعاجز عن توظيف أمواله في محاربة الإسلام فيجب ألا يخاف أو يجبن المسلمون.
الثانية: إن النصر حليف المسلمين لأنهم متوكلون على الله، وهو وليهم، أما الكفار فان أموالهم تذهب هباء.
الثالثة: عاقبة الكفار في النار لقوله تعالى في آية لن تغني [وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] أما المسلمون فانهم يتلقون وهم في الدنيا البشارة بالجنة التي أعدها الله عز وجل لهم، فلا يحزن ولا يخاف المسلمون من الكفار.
الثاني: الصلة بين هذه الآية، وآية [رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ]( )، وفيها مسائل:
الأولى: لقد جاءت قريش بجيش عرمرم يتكون من آلاف الرجال، ومعهم النساء، والخدم ومائتا فرس، ومؤن كثيرة مما يدل على كثرة الأموال المسخرة لمحاربة الإسلام.
ويفيد الجمع بين الآيتين أن الأموال التي أنفقها الكفار في الإعداد لمعركة أحد تذهب سدى ولن تنفع الكفار في المعركة، ولا بعدها، وتكون وبالاً عليهم في الآخرة.
ان ما أنفقه كفار قريش في محاربة الإسلام مصداق لآية [رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ] لأن الكفار خرجوا خاسرين خائبين من معركة بدر وأحد والخندق، ولا تؤثر خسارة المسلمين يوم أحد في صدق خسارة الكفار يومئذ.
الثانية: الجمع بين الآيتين من مصاديق قوله تعالى [َاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] فهو سبحانه ولي المؤمنين، إذ جعل أموال الكفار تذهب هباء، وتأتي عليها أفة من السماء أو الأرض، وإنفاقها في محاربة الإسلام بذاتها آفة بدليل رجوع الكفار خائبين خاسرين، وظهور الإسلام من معركته الأولى سالماً قوياً.
الثالثة: في آية [رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ] إخبار بأن الكفار ظلموا أنفسهم، وهو إنذار ووعيد بالعذاب الأخروي، وجاءت الآية محل البحث بمدح المسلمين وأن الله عز وجل هو وليهم عامة، وولي الذين يهمون بالفشل منهم، مما يدل على نجاتهم من الجبن والفزع من الكفار وجيوشهم فيأتي الكفار بجيوشهم، ويقابلهم المسلمون بسلاح الإيمان والصبر والتقوى، فتكون الغلبة للمسلمين.
الثالث: الصلة بين هذه الآية وآية البطانة( )، وفيها مسائل:
الأولى: جاءت آية البطانة خطاباً للذين آمنوا، وجاءت هذه الآية خطاباً للمؤمنين الذين خرجوا للقتال في معركة أحد، وتحتمل النسبة بينهما وجوهاً:
الأول: التساوي فالذين آمنوا المذكورون في آية البطانة هم أنفسهم المؤمنون الذين ذكرتهم الآية محل البحث.
الثاني: العموم والخصوص المطلق، وهو على شعبتين:
الأولى: المؤمنون في هذه الآية أخص من الذين آمنوا.
الثانية: الذين توجه لهم النداء في آية البطانة من المؤمنين أخص من الذين ذكرتهم هذه الآية.
الثالث: العموم والخصوص من وجه، إذ يلتقيان في وجوه، ويفترقان في وجوه أخرى.
والصحيح هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني، لأن لفظ الذين آمنوا الوارد في آية البطانة عام وشامل لكل المسلمين والمسلمات في أجيال المسلمين المتعاقبة، ويتضمن تحذيرهم من إتخاذ خاصة وبطانة من غيرهم، اما هذه الآية فجاءت بخصوص الصحابة الذين خرجوا للقتال في أحد، ودخلوا ميدان المعركة، وتولى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعبئتهم وتوزيعهم في مواضع القتال.
الثانية: هذه الآية توكيد عملي لآية البطانة، لحاجة المسلمين إلى كتمان أمورهم، وإخفاء نواياهم أزاء العدو، وكيفية مواجهته، ووجود البطانة السيئة يضر المسلمين من وجوه:
الأول: إفشاء أخبار المسلمين.
الثاني: بعث الشك والريب في نفوس المسلمين كما فعل رأس المنافقين عبدالله بن أبي سلول بقيامه بحث نفر من المؤمنين على الرجوع من القتال.
الثالثة: الفشل والجبن عن القتال من الخبال والفساد الذي تسعى اليه البطانة السيئة.
الرابعة: يحب المنافقون نكوص المؤمنين عن القتال، وهو من عمومات قوله تعالى [وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ] ( ).
الخامسة: لقد أظهر المنافقون البغضاء وإمتنعوا عن الجهاد حينما توجه المسلمون إلى القتال، كما أظهر الكفار البغضاء في ساحة المعركة بلغة السب والشتم للمسلمين، والإكثار من قول الشعر الذي يذمون فيه المسلمين، ويتباهون بقوتهم وخيلائهم في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
السادسة: يبين الجمع بين الآيتين حاجة المسلمين إلى إجتناب البطانة السيئة إبتداء وإستدامة، فقوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ]( ) يؤكد هذه الحاجة من وجوه:
الأول: تعمل البطانة السيئة الجاحدة على جعل هذا الهم عزيمة وفعلاً من المسلمين، وتحاول تزيينه وذكر أمور تعدها منافع فيه كالنجاة والسلامة من الخسارة، وإجتناب مواجهة القوة العظمى في الجزيرة آنذاك بتسيير قريش ثلاثة آلاف مقاتل في الباطل، وتنسى هذه البطانة وتسعى للغفلة عن المدد الإلهي والثواب الأخروي للمجاهدين.
الثاني: تحث البطانة الصالحة على الجهاد والقتال في سبيل الله، وعدم الخشية من الكفار وان كانوا أضعاف عدد المؤمنين، لأن الغلبة والظفر للمسلمين ولأن الله عز وجل عنده الثواب العظيم.
الثالث: يفيد الجمع بين الآيتين حسن تقيد المسلمين بأحكام آية البطانة من وجوه:
الأول: إنحصار الهم بالفشل بطائفتين من المسلمين.
الثاني: عدم حصول الفشل، إذ لم يتعد الأمر مرتبة الهم.
الثالث: ان الله عز وجل ولي المؤمنين، وهو سبحانه الذي حذرهم من البطانة من غيرهم.
السابعة: دعوة المسلمين للتوكل على الله تعالى في موضوع البطانة وإختيارها، والإنتفاع منها، وإجتناب الضرر الذي يأتي من البطانة، وهو من أسرار قوله تعالى في خاتمة هذه الآية [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] إذ ورد بصيغة الإطلاق في التوكل، وعدم تقييده في الموضوع، أو الزمان أو المكان.
الرابع: الصلة بين هذه الآية وآية [ هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ] ( ) وفيها مسائل:
الأولى: بيان قبح فعل الكفار، وعداوتهم للمسلمين وأنهم يأتون بالجيوش لمحاربة المسلمين، والسعي للقضاء على الإسلام مما يعني لزوم عدم حبهم.
الثانية: بيان سبب من أسباب القتال بين المسلمين والكفار، وهو أن المسلمين يؤمنون بكل ما أنزل الله من الكتب، لذا ترى فريقاً من يهود المدينة حينما يأتي كفار قريش ويسألونهم عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجحدون بها، ويحرفون ما ورد من صفاته في التوراة.
الثالثة: جاءت آية [هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ] بالإخبار عن صدور البغضاء من أفواه الذين كفروا، وجاءت هذه الآية لتبين أن عداوة الكفار لا تنحصر بجريان البغضاء على ألسنتهم، بل جاءوا حاملين السيوف لقتال المسلمين، ومن فضل الله عز وجل أنه لم تكن في الجزيرة آنذاك أسلحة فتاكة، تأتي على القرية والمدينة والجماعة.
فكان النزال والمبارزة الشخصية مناسبة لتجلي شجاعة المؤمنين وإندفاعهم في سوح المعارك، ولو كانت هناك أسلحة فتاكة لوقى الله عز وجل المسلمين شرها، وإنتشر الإسلام مع وجودها، وإنتصر المسلمون في المعارك أيضاً بدليل المدد الملكوتي للمسلمين، ونزول الملائكة لنصرتهم، وهم قوة قاهرة قوية لا تضر بهم أسلحة الدمار الشامل، ليكونوا واقية للمسلمين، وبرزخاً دون وصول الضرر إليهم، لعمومات قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
الثالثة: لما جاء قوله تعالى [وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] ( ) جاءت واقعة أحد بياناً ومصداقاً عملياً لما تخفيه صدورهم من الغل والعداوة للمسلمين، وإصرارهم على محاربة النبوة والإسلام، وهو من الشواهد على التفسير الذاتي للقرآن وأنه يفسر بعضه بعضاً، إذ جاء الكفار لقتال المسلمين، وبعث الفزع والخوف في نفوسهم ولكن الله ولي المسلمين مجتمعين ومتفرقين.
الخامس: الصلة بين هذه الآية وآية [وَإِذَا لَقُوكُمْ]( )، وفيها مسائل:
الأولى: يدعي الكفار الإيمان والتصديق بالنبوة بحضرة المسلمين، ولكنهم يقومون بالإعداد للإجهاز على الإسلام.
الثانية: يفيد الجمع بين الآيتين تحذير المسلمين، ودعوتهم لعدم التصديق بما يقوله الكفار من دعوى الإيمان.
الثالثة: تأتي المعركة لتفضح الكفار، وتبين سوء سرائرهم، وخبث عزائمهم.
الرابعة: لما جاءت آية [هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ] بقوله تعالى [قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] جاءت هذه الآية لتبين أن المعركة مناسبة لهلاك الكفار على وجوه:
الأول: قتل فريق من الكفار في المعركة، وقد قتل في معركة بدر سبعون منهم، وفي معركة أحد أثنان وعشرون.
الثاني: الأسى والأسف الذي يستولي على الكفار بسبب الخسارة في المعركة.
الثالث: تلف أموال المشركين وضياعها بسبب إنفاقها في معركة خاسرة، خرج الإسلام منها منتصراً في سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعز المؤمنين وإعتصامهم بالقرآن والسنة.
الخامسة: جاءت خاتمة آية [[ هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ] بالإخبار عن علم الله عز وجل بما في صدور الناس جميعاً من النوايا والمقاصد والخواطر، وجاءت هذه الآية بالإخبار عن همّ طائفتين من المسلمين أن تفشلا، ليفيد الجمع بين الآيتين فضل الله عز وجل على المسلمين في طرد الهم الذي يأتي منه الأذى والضرر بدليل قوله تعالى في هذه الآية [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا].
فسبحان الله عز وجل الذي يعلم ما في صدور الكفار من الجحود والبغضاء للمسلمين، والهم بالإضرار بهم، ويعلم ما في صدور المؤمنين.
السادس: الصلة بين هذه الآية وآية [إِنْ تَمْسَسْكُمْ] ( ) وفيها مسائل:
الأولى: لقد إنتصر المسلمون في معركة بدر، وهو حسنة ونعمة تلقاها الكفار بالحزن والأسى وحب الإنتقام والبطش بالمسلمين، لما لحق الكفار فيها من الخسارة، فسعى الكفار لبث الخوف والفزع في نفوس المسلمين.
الثانية: جاء الكفار بجيوشهم في معركة أحد وكثرة الجيوش وسيلة لبث الفزع والرعب في قلوب المسلمين، وهذا الفزع نوع سيئة يفرح بها الكفار، فتفضل الله تعالى وصرفه عن المؤمنين لقوله تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( ).
وصرف الفزع ودفع الفشل أعم من أن ينحصر بالطائفتين اللتين ذكرتهما الآية الكريمة، لأن الله عز وجل جعل عموم المسلمين في واقية وحرز من الهم بالفشل الذي ظهر على طائفتين منهم فصرفه الله عز وجل أيضاً.
الثالثة: إن إنسحاب طائفة أو طائفتين من المسلمين من المعركة مصيبة يفرح لها الكفار والمشركون، لذا يفيد الجمع بين الآيتين لزوم عدم إنسحاب جماعة أو طائفة من المسلمين كيلا يفرح الكفار.
الرابعة: تدعو الآيتان إلى التحلي بالصبر في المعركة، وفيه بعث للحزن والأسى في قلوب الكفار، وإخبار بأن الإبتعاد عن الصبر والخشية من الله أمر يفرح الكفار به.
الخامسة: جاءت آية [إِنْ تَمْسَسْكُمْ] بلغة الشرط في الصبر والتقوى ليكونا وسيلة الأمن والسلامة من كيد ومكر الكفار، وجاءت الآية محل البحث بالإخبار عن أن الله ولي المؤمنين، مما يدل على المدد الإلهي لهم بالتوفيق لبلوغ مراتب الصبر والخشية من الله، والسلامة من كيد ومكر الكفار والمشركين.
السابعة: الصلة بين هذه الآية والآية السابقة آية [وَإِذْ غَدَوْتَ] وفيه مسائل:
الأولى: لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وبلاء، وأرسل الأنبياء مبشرين ومنذرين، فآمن بهم فريق من الناس، وجحد الشطر الآخر، وجاءت الآية السابقة لتبين أن الكفار لم يكتفوا بصدودهم وإعراضهم عن الإسلام بل جاءوا بالجيوش للقضاء عليه ووأده في مهده، فتصدى لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون ببسالة وشجاعة نادرة بلحاظ كثرة الكفار وعدتهم، وحداثة الإسلام، وقلة عدد المسلمين ووجود المنافقين وضعيفي الإيمان بين ظهرانيهم.
وجاءت الآية محل البحث لتخبر عن واقعة وهي همً طائفتين من المسلمين بالفشل والجبن و الرجوع، ولكن الله عز وجل أنعم عليهما وعلى المسلمين، وصرف عنهما هذا الهم وما له من الأعراض الضارة بهما وبالمسلمين.
الثانية: لقد وصفت الآية السابقة الصحابة الذين خرجوا للقتال والجهاد في سبيل الله بانهم مؤمنون، وأخبرت الآية محل البحث بأن الله وليهم ليجتمع أمران غاية في الحسن الذاتي والعرضي هما الإيمان، وولاية الله عز وجل، مما يدل على عدم وقوع الفشل والجبن والنكوص.
الثالثة: جاءت الآية السابقة بالإخبار عن خروج المسلمين بإمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقتال، وذكرت هذه الآية حقيقة وقانوناً ثابتاً وهو توكل المؤمنين على الله مما يدل على قرب النصر والظفر من المسلمين، ولزوم الصبر والتقوى، وعدم الهم بالفشل والتراجع.
الرابعة: تكرر لفظ (المؤمنون) في الآية السابقة وهذه الآية وتحتمل النسبة بينهما وجوهاً:
الأول: التساوي، وأن المؤمنين المذكورين في الآية السابقة هم أنفسهم المؤمنون المذكورون في هذه الآية.
الثاني: العموم والخصوص من وجه، إذ يلتقيان في طائفة، ويفترقان في طائفة من المؤمنين.
الثالث: العموم والخصوص المطلق، وهو على شعبتين:
الأولى: المؤمنون في الآية السابقة أعم من المذكورين في هذه الآية.
الثانية: المؤمنون في هذه الآية أعم من المذكورين في الآية السابقة.
والصحيح هو الشعبة الثانية من الوجه الثالث، وتلك آية إعجازية بأن يكون توكل المؤمنين على الله عز وجل قانوناً ثابتاً.
الخامسة:بيان العناء والمشقة التي كان يلاقيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ يهجم الكفار على المسلمين، وينخزل المنافقون، فيخفف الله عنه وعن المؤمنين إذ همت طائفتان من المسلمين أن تفشلا فيرحمهما الله ويمنع من نكوصهما.
الأمر الثاني: الصلة بين هذه الآية والآيات التالية وفيه وجوه:
الأول: الصلة بين هذه الآية والآية التالية [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ] وفيه مسائل:
الأولى: بيان إنتفاء أسباب الفشل والجبن عند المسلمين .
الثانية: لقد نصر الله عز وجل المسلمين في معركة بدر وهم قلة مستضعفون، فمن باب الأولوية القطعية نصره لهم في معركة أحد، لأن الظفر والغلبة في بدر مادة وعون للنصر والظفر في معركة أحد.
الثالثة: جاءت الآية التالية بالأمر بتقوى الله والخشية منه، ومن أصدق معاني التقوى إجتناب الفشل والجبن، وطرد الفزع من النفس.
الرابعة: جاءت الآيتان بصيغة الجمع، وفيه حث للمؤمنين لدعوة من همّ منهم بالفشل إلى الثبات في مواقع القتال.
الخامسة: من الشكر لله عز وجل على النصر والظفر في معركة بدر إجتناب الفشل والهزيمة في أحد.
وتقدير الجمع بين خاتمة الآية التالية وهذه الآية: لعلكم تشكرون على الظفر ببدر بالصبر في معركة أحد.
الثاني: الصلة بين هذه الآية وآية [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ]( )،وفيها مسائل:
الأولى: لزوم نبذ الفشل والجبن، لأن النصر قريب من المؤمنين.
الثانية: من يأتيه الملائكة مدداً لا يصيبه الفزع والخوف والحزن.
الثالثة: أن الله عز وجل ناصر المؤمنين بجنود من الملائكة، وهو من وجوه نيل المسلمين مرتبة (خير أمة أخرجت للناس).
الرابعة: جاءت هذه الآية بالإخبار بأن الله ولي المؤمنين، وجاءت آية [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ] بالإخبار عن نزول الملائكة لنصرة المؤمنين، ويفيد الجمع بين الآيتين بأن الله عز وجل ينصر المؤمنين بالأسباب القاهرة والمعجزة، وهو من عمومات ولايته تعالى للمؤمنين وقوله تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا].
الخامسة: توكل المؤمنين على الله باب لنزول الظفر على الكفار، ومجئ الملائكة ناصرين للمؤمنين.
السادسة: يفيد الجمع بين الآيتين تقوية عزائم المؤمنين، وطرد الهم بالإنسحاب من صدورهم، فمن يعلم أن الملائكة تنزل لنصرته يطمئن الى النصر والظفر ويتوجه إلى ذكر الله والدعاء وسؤال الظفر، قال تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ).
السابعة: بعث السكينة في قلوب المسلمين ببيان كثرة عدد الملائكة الذين يأتون لنصرة الؤمنين في القتال، والسكينة برزخ وواقية دون الهم بالإنهزام.
الثامنة: جاءت آية [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ] بصيغة القول للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه هو الذي يعد المؤمنين بنزول الملائكة، وفيه ترغيب للمؤمنين بالقتال، ومنع من الهم بالفشل والجبن، ودعوة للجهاد ودحر الكفار في ميدان المعركة وقبل القتال، وفي باب الجدال والإحتجاج.
التاسعة : من مصاديق نصرة الملائكة للمؤمنين إعانة الطائفتين وجعلهما ينصرفان عن الهم بالضعف والجبن .
الثالث: الصلة بين هذه الآية وآية [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا] ( )، وفيها مسائل:
الأولى: توكيد التنافي والتباين بين الهم بالفشل وبين الصبر.
الثانية: تقييد نزول الملائكة بالصبر والخشية من الله عز وجل، وفيه دعوة لإجتناب الإنسحاب والتخاذل.
الثالثة: من يعلم بأن الملائكة تنصره يثبت في مكانه، ويتطلع إلى الظفر والنصر.
الرابعة: من رشحات التوكل على الله نزول الملائكة عوناً ومدداً.
الخامسة: لقد خص الله عز وجل المسلمين بنعم لم تنلها أمة أخرى غيرهم إذ يأمرهم الله عز وجل بالصبر والتقوى ويعدهم عليه نزول الملائكة بالنصر، وإنصراف كيد الكفار.
السادسة: مع الصبر والتقوى لا يهم المؤمنون بالفشل والإنسحاب من المعركة.
السابعة: تدعو الآية المؤمنين جميعاً للتحلي بالصبر والتقوى، كي لا يعزم بعضهم على الهزيمة والإنسحاب، فإذا رأى حديث الإيمان إخوته المؤمنين صابرين مستعدين لقتال العدو، مشتاقين للقاء الله، فانه يحرص على محاكاتهم، ويزداد إيماناً، ويذهب حزنه وخوفه.
فالذين هموا بالفشل طائفتان من المؤمنين، أما الخطاب والحث على الصبر والتقوى فهو لعموم المؤمنين من الصحابة.
الثامن: من مصاديق ولاية الله للمؤمنين نزول الملائكة مدداً لهم في القتال ضد الكفار.
الرابع: الصلة بين هذه الآية وآية [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ]( )، وفيها مسائل:
الأولى: أن قرب النصر، والبشارة بالظفر أمران يجعلان المؤمنين في حرز من الفشل والإنهزام.
الثانية: لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بإن جعل السكينة تملأ قلوبهم، وهو من مصاديق قوله تعالى في الآية [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا].
الثالثة: دعوة المسلمين للتوجه بالدعاء الى الله عز وجل وسؤال النصر والظفر، وهذا السؤال واقية من الفشل والهم بالإنسحاب من المعركة لما فيه من أسباب إمتلاء النفس بالسكينة والطمأنينة.
ولماجاءت هذه الآية بذكر ولاية الله للطائفتين، وادلعوة إلى توكل المؤمنين على الله، جاءت الآية التالية بالإخبار عن نصر الله عز وجل للمسلمين في معركة بدر لبيان تغشي فضل الله للمسلمين جميعاً، وبلحاظ تقدم معركة بدر، على معركة أحد زماناً، فان ولاية الله سبب لنيل المسلمين النصر والغلبة في معركة أحد أو بعدها، وفيه دليل على أن ولاية الله للطائفتين وللمؤمنين جميعاً برزخ دون هزيمتهم.
إعجاز الآية
لقد حصل الهم بالضعف والخور من جماعة من المسلمين، فجاء الخطاب للمسلمين جميعاً، وتلك آية في معرفة خفايا النفوس، وفيها إشارة لما لحق المسلمين من الضرر بإنخزال المنافقين وهم نحو ثلث جيش المسلمين، مع قلة عددهم بالنسبة لعدد المشركين، وبيان حاجة جيش المسلمين إلى الجماعة القليلة والكثيرة.
وجاءت الآية بقيد (منكم) الذي يفيد التبعيض، والتوكيد بأن الطائفتين من المؤمنين، مما يدل على أن المؤمن قد يهم بالفشل ولكن الله عز وجل يقيه ويدفع عنه أسباب الفشل، ومن إعجاز الآية تضمنها إكرام المؤمنين في لغة اللوم والإخبار عن الهم بالفشل من وجوه:
الأول: الإخبار عن الوقوف عند حال الهم والفزع على الفشل، دون الدخول فيه.
الثاني: حصر موضوع الهم بالفشل بطائفتين من المؤمنين.
الثالث: لم يخرج من هّم بالفشل من صفة الإيمان، بل بقى أفراد الطائفتين في منازل الإيمان.
الرابع: حث المسلمين جميعاً على الصبر والتقوى، ومن لم يخرج عن ربق الإيمان فانه متقيد بمضامين الصبر والتقوى.
الخامس: بيان طريق الأمن والسلامة من الفشل بالتوكل على الله، وهذا التوكل يحتمل وجوهاً:
الأول: إنحصار مضامينه في الآية بالذين هموا بالفشل.
الثاني: جاء لهم على نحو القضية الشخصية، وإن الفرد من الطائفتين وظيفته التوكل على الله.
الثالث: الآية مطلقة والمراد توكل المؤمنين جميعاً على الله عز وجل، وتعاونهم من أجل محو الهم بالفشل وأسبابه.
والصحيح هو الثالث وليس من ثمة كلمات في الآية بين الهم بالفشل وبين ولاية الله عز وجل للطائفتين مما يدل على تفضل الله بتعاهد المؤمنين، والعناية بهم، وأن الإيمان في منزلة رفيعة، من يصل اليها تأتيه الواقية من الله عز وجل، ويأتي المدد لعموم المسلمين بالملائكة وأسباب النصر والظفر على الأعداء.
ومن إعجاز الآية انها تدل المسلمين على سبيل النجاة من الفشل وتبين ما فيه من الأضرار العامة والخاصة، ويتجلى هذا السبيل بالتوكل على الله عز وجل، ومنه أن الله عز وجل يعلم ما يهم به الإنسان في نفسه، وما يدور من كلام بين الجماعة، وتأتي الآية القرآنية لكشفه وإظهاره ليكون موعظة وعبرة.
ويمكن إن نسمي هذه الآية آية “إذ همت ” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة.
الآية سلاح
لقد جاءت قريش بكبرياء وزهو، مع أن موضوع مجيئهم يجعلهم في أدنى منازل الناس عبر التأريخ، فقد جاءوا للإنقضاض على الإسلام في أيامه الأولى، وقتال [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وفي وقت مبارك كانت آيات القرآن تترى في نزولها لتضئ مابين المشرق والمغرب، ويتصف ضياؤها بصفة الدوام وإستنارة الناس بنوره في الليل والنهار، وفي مسالك الدنيا والآخرة، وأحكام العبادات والمعاملات.
وجاءت صيغة الخطاب في الآية موجهة للمسلمين جميعاً، وإن كان موضوعها واقعة أحد، وما تعرض له المسلمون من أسباب التخويف والفزع من قريش وأقطاب الكفر والضلالة، فيحصل الهم بالفشل عند جماعة من المسلمين، فيكون ببركة هذه الآية موعظة وعبرة للأجيال المتعاقبة من المسلمين، وسلامة لهم من الهم بالفشل.
لقد واجه المسلمون يوم أحد مشقة وإبتلاء، وكان ما فعله المنافقون فتنة لهم إذ دعا عبدالله بن أبي سلول جماعة من المؤمنين للرجوع إلى المدينة، ورغبهم بعدم الإشتراك بالمعركة، وإدعى عدم وجود سبب للقتال والتضحية بالنفس، في إشارة وظن منه إلى خسارة المسلمين المعركة وإن الكفار جاءوا ليقضوا على الإسلام والمسلمين، فهمت طائفتان من الأنصار بالرجوع إستجابة لقوله وأسباب ترغيبه، خصوصاً وأنه ذو شأن بين أهل المدينة، وكانوا ينوون تتويجه ملكاً قبل وصول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليها، ولكن أثر كلام وفعل المنافقين في المؤمنين لم يتعد حدود الهم بالضعف والشعور بالعجز عند طائفتين فقط منهم.
إذ أعرض المؤمنون عما يقوله المنافقون، وقاموا بوعظهم ونصحهم ودعوتهم للرجوع إلى القتال، وحينما أصر المنافقون، على ضلالهم، إستغنوا عنهم، توكلاً على الله عز وجل وهو من مصاديق خاتمة الآية الكريمة [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] وفيه بيان لقانون ثابت وهو ان التوكل على الله واقية من الهم بالفشل قبل وأثناء القتال، وقد يكون العزم على القتال سبباً لصرف العدو، ودفعه عن بلاد المسلمين، ويكون الهم بالفشل إغراء له بالتعدي على المسلمين، لذا فان الآية سلاح ضد الهم بالفشل، ودعوة للمسلمين لإجتناب هذا الهم وإن لم تكن له آثار عملية على المسلمين.
والآية سلاح بيد المسلمين ضد أعدائهم إلى يوم القيامة، وسبيل للنصر والظفر على الأعداء.
مفهوم الآية
تبين الآية حال المسلمين أثناء الإستعداد للمعركة وما واجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المشاق والعناء في إعداد المؤمنين للقتال، فلقد خرج المسلمون لقتال العدو، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قائدهم وإمامهم، ولكنهم فوجئوا بإنسحاب المنافقين ولم يكن هذا الإنسحاب سهلاً على المسلمين إذ أن عدد الذين إنسحبوا مع عبد الله بن أبي كثير وهم ثلاثمائة رجل، وهو أمر يبعث في النفس الشك، وفيه دعوة لضعيفي الإيمان لمحاكاتهم والإنسحاب معهم، خصوصاً وأن المنافقين كانوا يرغبون إخوانهم من الأنصار بالإنسحاب معهم.
فتصدى نفر من المسلمين للمنافقين وأخذوا يعظونهم ويطلبون منهم العودة إلى الجيش وعدم خذلان رسول الله والمؤمنين وقد رأوا الآيات تترى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا التصدي والطلب وسيلة لمنع المسلمين من الإنجرار خلف المنافقين، وعون للذين هموا بالفشل والجبن، فلا ملازمة بين الفشل والإنسحاب، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فالفشل من الإنسحاب، وليس العكس.
ولكن الإنسحاب والإنخزال أعم لأنه يشمل أسباب الخوف والجبن والتخاذل وخذلان المسلمين، والخيانة، وسوء السريرة وإرادة الإيقاع بالمؤمنين كما هو حال المنافقين، فاذا كانت الآية قد وصفت طائفتين من المسلمين بأنهما همتا بالفشل، فان المنافقين لم يفشلوا ويجبنوا فقط، بل إختاروا الخيانة والغدر، فلذا جاءت هذه الآية والآية السابقة بالخطاب بصيغة الإيمان.
وتقييد نعت الذين فشلوا بأنهم طائفتان من المؤمنين، لمنع تعييرهم أو توبيخهم أو النيل منهم، بينما قام المؤمنون بذم وتوبيخ عبدالله بن أبي وأصحابه.
وتبين الآية في مفهومها تماسك وتعاضد المؤمنين في جبهات القتال، إذ أن حصول الهم عند فريق منهم يفيد أموراً:
الأول: عدم تعدي الهم والعزم بالفشل إلى الفعل.
الثاني: إنقطاع الهم بالفشل بدخول المعركة والمشاركة بالقتال.
الثالث: عدم المؤاخذة شرعاً على الهم بالسيئة ما لم تترجل في الخارج.
الرابع: حرص المؤمنين على عدم شماتة الكفار بهم لقوله تعالى [وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا] ( ).
وهل الهم بالفشل سيئة الجواب لا، من وجوه:
الأول: المدار على القول والفعل وليس الهم.
الثاني: زوال أثر الهم بإستمرار المؤمنين في القتال.
الثالث: دلالة الرجوع عن الهم على قبحه الذاتي والغيري .
الرابع: الوقوف عند مرتبة الهم، وعدم التعدي إلى عالم الفعل شاهد على تنزه المسلمين من الفشل والجبن،، وفيه بيان لسر من أسرار قوة ومنعة المسلمين.
وفي الآية مدح للمؤمنين لعدم شمول الهم بالفشل لهم جميعاً، بل شمل طائفتين منهم، وهذا التبعيض والجزئية عون لهم جميعاً من وجوه:
الأول: أنه عون لمن هّم بالفشل أن يرجع للجماعة والأمة.
الثاني: في الآية حث للمؤمنين جميعاً للثبات في منازل الصبر والتقوى، وإخلاص النية في مواجهة العدو.
الثالث: في الآية دعوة للمؤمنين وإلى يوم القيامة لعدم الفشل والجبن أو التفكير بالإنهزام، والفرار من الزحف من الكبائر إلا مع الرجوع إلى فئة.
وهمً الطائفتين ليس عن شك أو تردد بل عن ضعف وعدم قدرة على القتال، لذا جاء قوله تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( )، فهو الذي يدفع عنهم الوهن والضعف.
لقد أراد الله عز وجل مدح المؤمنين الذين خرجوا الى القتال ، وفي خروجهم تحد للكفار، وأعلان لإستعدادهم لمواجهة الكفر، ودحر المشركين.
وتتضمن الآية في مفهومها ذم الكفار والمنافقين والإخبار عن خسارتهم وخيبتهم، لأنه لا ولي لهم إلا الشيطان، ولا يأتيهم منه إلا الضرر المستديم في الدنيا والآخرة، أما المؤمنون فان الله عز وجل وليهم.
وفي الآية مسائل:
الأولى: الإخبار عن طرو الهم بالإنسحاب على بال فريق من المؤمنين.
الثانية: تعيين هذا الفريق بأنه طائفتان منهم.
الثالثة: عدم حصول الفشل والجبن، وبقاؤه بمرتبة الهم في النفس دون الفعل في الخارج.
الرابعة: الإخبار عن عدم خروج الطائفتين من الإيمان عند الهم بالفشل، وفيه دعوة للمسلمين لإتصال إكرامهم، والنظر إلى الإيمان عند الهم بالفشل، وهو شاهد على إتصال إكرام المؤمنين، والنظر الى حقيقة مشاركتهم في القتال، وعدم نكوصهم عنه، وهذه المشاركة هي المائز بين المؤمنين والمنافقين في معركة أحد، إذ إنسحب المنافقون قبل الوصول إلى ميدان المعركة.
الخامسة: حاجة المسلمين الى الجنود يوم أحد، وترتب الضرر من أي إنسحاب يحصل، لأن الإنسحاب أشد ضرراً من التخلف عن الحضور، فتارة لا يشترك إنسان في المعركة، ويبقى في بيته، وتارة أخرى يخرج مع المقاتلين ثم ينسل من بينهم ليحدث ثغرة، ويبعث إنسحابه على الأسى، ويبث أسباب الخوف والتردد.
فجاءت الآية لتبين أن الطائفتين من المؤمنين هموا بالإنسحاب، ولكنهم لم ينسحبوا بل بقوا يقاتلون لأن الله عز وجل وليهما وهو الذي يحفظهم، ويهديهم لأسباب التوفيق في الدنيا والآخرة.
السادسة:ان الله عز وجل يدفع عن المؤمنين أسباب الضعف، ويطرد عنهم الخوف من الأعداء، وينمي عندهم ملكة الصبر والتقوى للدفاع عن الإسلام.
السابعة: إكرام المؤمنين بالإخبار السماوي عن توكلهم على الله عز وجل، ودعوة المسلمين جميعاً للإرتقاء في مراتب المعرفة الإلهية والتفقه في الدين.
وتبعث الآية الفزع والخوف في قلوب الكفار من المؤمنين من وجوه:
الأول: مع كثرة جيوش الكفار، فان الهم بالفشل لم يطرأ إلا على فريق قليل من المؤمنين.
الثاني: ولاية ونصرة الله عز وجل للمؤمنين، وليس للكافرين من ناصر، قال تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ]( ).
الثالث: إزدياد عدد المسلمين على نحو مطرد مع توالي المعجزات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقادم الآيات، ويحدث هذا الإزدياد نقصاً في الكافرين، ويضعف قوتهم، لأن الذين يدخلون الإسلام يتخلون عن الكفر، ويتركون منازله، فليس من وسط وبرزخ بين الإيمان والكفر.
الرابع: من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هّم فريق من المسلمين بالفشل، وإنتفاء هذا الهم في أوانه وساعة ولادته، مع كثرة وقوة شوكة العدو.
الخامس: في الأمة والفئة القليلة التي تواجه أقوى الجيوش آنذاك حجة على الناس في تحري أسباب هذه المنعة والضبط، والتحلي بالصبر عند المواجهة.
السادس: يبعث جهاد المؤمنين، وقتالهم الكفار ببسالة الفزع والخوف في قلوب الكفار في كل زمان.
السابع: طرو عنصر جديد في القتال في الجزيرة لم يعهده الناس في ميادين القتال وعالم المبادئ، وهو إنفراد المؤمنين بالتوكل على الله عز وجل في القتال، وتجلي معاني هذا التوكل بأبهى صوره في ميادين القتال ومحاربة الكفار.
الثامن: ظهور معاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين في ميادين القتال، وهو عنوان قوة إضافية لهم.
ووردت في هذه الآية كلمات لم ترد في غيرها من آيات القرآن، وهي:
الأولى: إذ همت.
الثانية: همت طائفتان.
الثالثة:طائفتان منكم.
الرابعة: تفشلا.
الخامسة: وليهما.
إفاضات الآية
بدأت الدعوة الإسلامية سلمية، وتلك صفة عامة في النبوات، ومصداق على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه مبعوث من عند الله عز وجل، فلم يكره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحداً على التصديق بنبوته حتى من أهل بيته، وإن كانوا أول الناس الذين صدقوا بها، كما في خديجة وعلي عليه السلام.
وعاش المسلمون الأوائل مستضعفين، وتلقوا شتى صنوف العذاب مع أنهم بين أهليهم، وفي قبائلهم، وجوار البيت الحرام، والأصل أن تلك الأسباب تجعل المؤمن في مأمن وسلام، خصوصاً وإنه ليس من دين آخر مزاحم للإسلام، إذ كان الكفار على الوثنية والجاهلية.
فقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون الأوائل بالهجرة، وهذه الهجرة ليست أمراً إختيارياً،بل هي بوحي من الله عز وجل إلى نبيه الكريم، تلقاه المسلمون الأوائل بالقبول والرضا، وتلك مكرمة لهم وشاهد على حسن الإيمان، وبداية مباركة للإسلام.
وجاءت معركة بدر وأحد لتؤكدا الحاجة لتلك الهجرة، فلولا الهجرة لجاءت قريش على كل المسلمين الأوائل، ولتعرضوا للتعذيب والتشريد والقتل، فمع إبتعاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الأوائل عن مكة المكرمة، وقلة وصول أخبارهم إلى قريش فان الأخيرة جاءت بجيوش كبيرة إلى المدينة لمحاربة الإسلام والمسلمين، وتجلت منافع الهجرة في معركة أحد بوجود أمة تقاتل في سبيل الله، وخرج المسلمون للقتال وهم جيش يفتقر إلى الخبرة وأقل كثيراً من العدو في العدد والعدة إلا أن المسلمين يمتازون بسلاح يفتقر إليه الكفار، وهو سلاح الإيمان فكان مرجحاً لكفة المسلمين في معركة بدر وأحد، وهو مادة للترجيح إلى يوم القيامة، بالإضافة إلى المدد من الملائكة.
لذا جاءت الآية السابقة وهذه الآية بوصف المقاتلين بالمؤمنين، وهو من إعجاز ألفاظ القرآن، ويتضمن لغة البشارة والإنذار، والتأديب والتعليم.
البشارة للمسلمين بالظفر مع الإيمان، وتعليمهم وإرشادهم لسلاح الصبر والخشية من الله عز وجل، وإنذار الكفار من التعدي على حرمات المسلمين .
وتعتبر الهجرة شاهداً على إجتناب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الأوائل القتال، لأن المسلمين يسعون لنشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والصبر على الأذى، وإظهار معاني الإيمان والتقوى على اللسان والجوارح وفي عالم الأفعال.
ولكن حينما جاءت جيوش قريش ومن معها من القبائل والأحابيش بادر المسلمون إلى الخروج للقتال، وهذا الخروج من مصاديق الصبر والتقوى لما فيه من الجهاد والصبر على حر السيف، والدفاع عن الإسلام والنبوة وأحكام الشريعة.
وجاءت هذه الآية لتبين حصول همّ بالإنسحاب عند فريق من المؤمنين، ولكن الله عز وجل رؤوف بهم، فجعلهم يتداركون أمرهم ولا يخرجون من ربقة الجماعة والإتفاق، فهم لم يخرجوا ثم عادوا، بل ظلوا في مواضع القتال التي أجلسهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في الآية السابقة [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ).
ومنهم الطائفتان من المؤمنين، فتجلت معاني ولاية الله عز وجل لهم بالأمن من الفرار، والسلامة من الفشل والجبن والضعف، وفيه بشارة لأجيال المسلمين وفي كل مكان وزمان بالفيض الإلهي عليهم بالأمن من الفشل وأسباب الوهن والفرار من الزحف، ويكون التوكل على الله واقية من الندم والحسرة والخسران.
الآية لطف
جاءت الآية خطاباً عاماً للمؤمنين، تتجلى فيه معاني اللطف والرأفة الإلهية بالمسلمين في ميادين القتال، وهي أشد وأكثر المواطن التي يشعر فيها الإنسان بالحاجة والنقص والضعف، ويتطلع إلى المدد والنصرة من الغير سواء كان قريباً أو بعيداً،أعلى أو أدنى مرتبة.
وقسمت هذه الآية المؤمنين إلى قسمين:
الأول: وهم الأكثر الذين لم يهموا بالفشل.
الثاني: جماعة من المؤمنين هموا بالرجوع والنكوص، وجاء وصفهم بالطائفتين لإفادة قلتهم وكثرة المؤمنين.
ويفيد الجمع بين الأمرين أن عامة المؤمنين لم يتركوا منازلهم في القتال، ولم يظهروا تردداً وخوفاً من العدو، ولم يجادلوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين الآخرين في شؤون القتال، وتلك آية في الأدب القتالي عند المؤمنين، ومدرسة وإرشاد لكل المقاتلين المسلمين قوامها الصبر والخشية من الله عز وجل.
لذا جاءت الآية قبل السابقة ببيان قانون ثابت وهو دفع كيد الكفار بالصبر والتقوى، ويفيد الجمع بين الآيتين إنتفاء الفشل والهم به مع الصبر والخشية من الله عز وجل، وهما أهم وأعظم سلاح في مواجهة العدو، وسر من أسرار إنتصار المسلمين في معركة أحد، ومن اللطف الإلهي بالمسلمين إرشادهم إلى منازل الصبر، والتفقه في آدابه وأحكامه ومنه ولاية الله عز وجل للمؤمنين، ولم يخل بينهم وبين الكفار، بل كانت ولايته سبحانه عوناً للمؤمنين، وعلة للحصانة العامة من الفشل وإن كانوا في حال من الضعف ونقص العدد والعدة.
وتلك آية في الإرادة التكوينية، وفضل الله عز وجل بإظهار الإسلام وتثبيت مبادئه في الأرض، ومنع الكفار من التعدي عليه وإحداث ثلمة في الإسلام، فما أن همّ فريق من المؤمنين بالإنسحاب حتى جاءتهم ولاية الله عز وجل فكانت واقية من الفشل ومن ذات الهم، لأن الآية تدل على ذهاب ومحو هذا الهم من الوجود الذهني، ولكنها جعلته باقياً إلى يوم القيامة مدرسة وموعظة للمسلمين، وبيانا لعدم المؤاخذة عليه مادام لم يتعد مرتبة الهم والخاطر.
وجاءت الآية بالإخبار عن نصر الله عز وجل للمؤمنين الذين هموا بالإنسحاب ليدل بالأولوية القطعية على ولايته ونصره للمؤمنين الذين لم يهموا أصلاً بالفشل ولم يطرأ الخوف على نفوسهم، وهؤلاء كانوا جزء علة وسبباً في منع الطائفتين منهم من التهاون والتفريط.
وهذه الآية لطف بالناس جميعاً لما في معانيها من التحذير ولغة الإنذار والتخويف من مقاتلة المؤمنين من وجوه:
الأول: نصر الله عز وجل للمؤمنين.
الثاني: رجوع الذي يهم بالفشل من المؤمنين عن همه، ولم يجعله يترجل إلى الخارج بالقول والفعل.
الثالث: بقاء أكثر المسلمين على العزم على القتال، وعدم طرو الهم بالإنهزام على نفوسهم.
الرابع: حسن توكل المؤمنين على الله عز وجل.
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بذكر أمر يتعلق بالهم والخاطر والعزيمة، وفيه آية إعجازية بأن الله يعلم ما تخفي الصدور، وأنه سبحانه يتفضل بالإخبار عن هذا الهم بالقرآن ولكن هذا الإخبار لم يأت مجرداً ومنفرداً، بل جاء بلحاظ ما يتعقبه وما يمحوه ويمنع من ترتب الأثر عليه.
إذ ذكرت الآية أن الله عز وجل هو ولي وناصر المؤمنين، وهو الذي يحول دونهم ودون الفشل والجبن والتخاذل، ليطرد الحزن من نفوس المسلمين الذين يتلون ويتدبرون هذه الآية، وتفتح الآية أبواباً من العلم والدراسات أمام العلماء، وتكون موضوعاً لإستنباط المسائل والمواعظ والعبر، بكيفية تجاوز الهم بالفشل، وعدم مؤاخذة من يهم به، فالمدار على الإشتراك في القتال وإخلاص النية وعواقب الأمور.
ومن الدروس ان ولاية الله عز وجل حصن وبرزخ دون الفشل، وهذا الحصن عام وشامل للمسلمين جميعاً، فولاية الله مانع من همّ الأكثر من المؤمنين بالفشل، وإصلاح لمن همّ بالفشل بهجران هذا الهم، وعدم إطالة الوقوف عنده أو ترتب الأثر عليه.
وفي الآية بعث للسكينة في قلوب المسلمين، ومنع من اللجوء إلى المهادنة والتخاذل والتردد في قتال العدو خشية فشل طوائف من المسلمين، فقد يسمع الإمام بعض المسلمين وهو يشكو الحال في عدم التكافئ بين المسلمين والمشركين في القتال فيخشى من تراجع وجبن فريق من المؤمنين فيتردد ويمتنع عن القتال.
وجاءت معركة أحد آية في المواجهة، فلم يترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرصة للتردد والفشل بل بادر بالخروج بالمسلمين للقتال وهو الذي إبتدأ ولبس لأمته ودرعه للقتال في الصباح الباكر كما جاءت به الآية السابقة [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ).
ومع قلة كلمات الآية ومجيئها بصيغة الخطاب للمؤمنين فانها ذكرت اسم الجلالة مرتين، جاء أحدهما خاصاً بالطائفتين من المؤمنين، وجاء الآخر عاماً شاملاً للمؤمنين جميعاً، وحتى الخاص فانه عام أيضاً في موضوعه وحكمه ودلالته.
فقد ذكرت الآية ولاية الله عز وجل لجماعة المؤمنين التي خطر في بالها الفتور، وإستحضرت أسباب الضعف عند المسلمين التي تجعل كفة القتال غير متكافئة، ولكن سرعان ما زال هذا الهم، والسر في زواله توكل هذه الجماعة، وعموم المؤمنين على الله في قتال العدو، ولاينحصر موضوع التوكل الذي له أثر في زوال هذا الهم بساعة القتال، بل يشمل دخول الناس الإسلام والإيمان بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعزم على الدفاع عن الإسلام، وعشق الشهادة، وحب لقاء الله عز وجل، وبغض الكفر والكافرين.
لذا جاءت خاتمة الآية بصيغة الجملة الخبرية التي تتضمن معنى الإنشاء أيضاً وفيه إعجاز إضافي يؤكد نزول القرآن من عند الله عز وجل، لما فيها من الشهادة للمسلمين بحسن توكلهم على الله، ودعوة الآية لهم جميعاً للتوكل على الله واللجوء اليه، والإنقطاع إليه في العبادة، واليقين بالنصر والظفر والغلبة بفضله ورحمته تعالى.
وقدمت الآية ولاية الله عز وجل على التوكل عليه، وفيه مسائل:
الأولى: إرادة إعانة الطائفتين من المسلمين لمنع رسوخ الهم بالفشل في أذهانهم، وترجله في الخارج.
الثانية: بيان فضل الله في غلبة المسلمين على الهم بالفشل.
الثالثة: الإخبار عن آية إعجازية في نصر المؤمنين، فكما أرسل الله عز وجل الملائكة مدداً وعوناً للمؤمنين، فإنه سبحانه أعان المسلمين بالتخلص والتنزه من الهم بالفشل، وفي الحديث: أن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله)( ).
وفي الهم بالفشل صور:
الأولى: هّم فرقة من المسلمين بالجبن والفشل، ولحوق فريق آخر من عموم المؤمنين بها، ومشاركتها بذات الهم.
الثانية: وقوف الأمر عند همّ الطائفتين من المؤمنين، وعدم تعدي هذا الهم إلى غيرهم، وليس هناك من يحاكيهم بذات الهم.
الثالثة: سريان الهم بالفشل إلى عموم المؤمنين الذين خرجوا للقتال.
الرابعة: إنشطار الطائفتين اللتين همتا بالفشل، فطائفة رجعت عن هذا الهم، وطائفة بقت عليه.
الخامسة: تحول الهم إلى فعل وإنسحاب عند طائفة من الذين هموا بالفشل، ولا يحتمل تعدي الفشل إلى ترك سجايا الإيمان، وإلى الركون للمشركين، وعدم الإحتمال هذا من أسرار نسبتهم إلى المؤمنين، وعدم مغادرة صفة الإيمان لهم.
السادسة: زوال الهم بالفشل من الطائفتين، ومواصلتهم القتال ببسالة وفداء وتضحية دفاعاً عن الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والصحيح هو الأخير، فان الهم بالفشل إنحصر بالطائفتين، ولم يستمر عندهم، بل سرعان ما زال لأمور:
الأول: الله ولي الطائفتين، وهو ناصرهما والمؤمنين على الكفار.
الثاني: توكل الطائفتين على الله عز وجل.
الثالث: توكل باقي المؤمنين على الله، وعزمهم على ملاقاة الحتوف عشقاً للشهادة وحباً لله عز وجل، ووثوقاً بالنصر الظفر.
فان قتل بعض المؤمنين فإن الإسلام باق وضياء مبادئه يملأ الخافقين
ويجذب القلوب إلى الإيمان، ويفضح زيف الكفر، وقبح فعل قريش في هجومها وتعديها على المسلمين.
وتنمي الآية ملكة التوكل على الله عند المسلمين عموماً، فمع أن أول الآية جاء بخصوص طائفتين من المؤمنين فانها أختتمت بالإخبار عن توكل المؤمنين جميعاً على الله تعالى، فحتى في حال تخلف طائفة أو طائفتين من المؤمنين عن القتال فان عامة المؤمنين متوكلون على الله ومفوضون أمرهم إليه سبحانه، وفيه بعث للسكينة في نفوس المؤمنين في المعارك اللاحقة، وعدم الخشية من حصول فشل وجبن وتراجع من قبل فريق منهم، وهو من أسرار الجمع بين أول وآخر الآية.
وفي الآية أمور:
الأول: يتعلق موضوع الآية بالقتال، ودفاع المؤمنين عن الإسلام.
الثاني: بيان حال المسلمين وخوف بعضهم من قوة المشركين وجيشهم الكبير الذي زحف على المدينة بسلاح وعدة ومؤونة لم تعرف لها المدينة مثيلاً.
الثالث: جاء هجوم المشركين والدعوة الإسلامية في بدايتها، خصوصاً وأن هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة تأسيس لدولة الإسلام، ووضع لنواة الحكومة الإسلامية مع إعلان النبوة، الأمر الذي قابله المشركون وفريق من أهل الكتاب بالرفض والتكذيب والشك.
الرابع: التوكل على الله واقية وحرز من المشركين، وجيوشهم وعدتهم.
الخامس: بعث الطمأنينة في قلوب المؤمنين فاذا همت طائفة أو فرقة منهم بالفشل فانهم سرعان ما يعرضوا عن هذا الهم، ولايبنون عليه أثراً لأن الله عز وجل وليهم، ومن يكن الله وليه فانه لا يفشل ولا يجبن.
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى: بيان ما كان يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأذى من الكفار في نفسه وأصحابه.
الثانية: إرادة الكفار القضاء على الإسلام.
الثالثة: نصر الله عز وجل للمسلمين في معركة أحد.
الرابعة: تفضل الله عز وجل بإقالة عثرة المؤمنين.
الخامسة: العناية الإلهية بالصحابة في دفع الضرر الذاتي والغيري عنهم، فمن يهم بالجبن والإنسحاب منهم يصرف الله عنه هذا الهم، وإذا أراد العدو النيل منهم يدفع الله شره وأذاه.
السادسة: توكيد المدد الإلهي بنصر المسلمين في معركة أحد، وأن هذا المدد لا ينحصر بالملائكة المنزلين، بل يشمل إعانة المؤمنين أنفسهم بطرد الخوف من نفوسهم.
السابعة: بيان قوة عزيمة المؤمنين في ملاقاة الكفار، وعدم وجود الفشل عندهم، لأن الآية تخبر عن حصوله على نحو الخاطرة عند فريق قليل من المسلمين، وزواله وعدم بقائه، فلا تجتمع المشاركة في القتال مع الهم بالخوف والفشل، ونية الإنسحاب من القتال.
الثامنة: ترغيب المؤمنين بالقتال وملاقاة الفئة الكبيرة من الكفار، لأن ولاية الله عز وجل للمؤمنين سبيل للنصر والغلبة.
التاسعة: دعوة الكفار للكف عن التعدي على المسلمين لأمور:
الأول: ولاية الله عز وجل للمؤمنين ونصرته لهم.
الثاني: إعانة المؤمن الذي يتسرب الخوف إلى نفسه بطرد هذا الخوف، وإصلاحه للقتال.
الثالث: حسن توكل المؤمن على الله.
الرابع: بعث الفزع والخوف في نفوس الكفار، لأن التوكل على الله يتغشى المسلمين على نحو العموم الإستغراقي، وهو واقية من الهزيمة والخسارة.
العاشرة: إنعدام الفتنة بين المسلمين قبل القتال وأثناء المعركة وبعدها، وتلك آية تجلت مصاديقها في أحد، وكان الذي فيه رمق من الحياة من قتلى المؤمنين يوصي أصحابه بالذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والدفاع عن الإسلام لتكون وصية للأجيال المتعاقبة من ذراري المسلمين، وهو من خصائص خير أمة أخرجت للناس، بأن تكون تضحية ونداء الفرد الواحد من الصحابة ضياءً تشع أنواره في عموم بلاد المسلمين، ويكون نبراساً وأسوة يقتدي به المؤمنون.
الحادية عشرة: دعوة المسلمين إلى عدم الخوف والفزع من الكفار وإن كانوا ذوي عدة وعدد، إذ جاءت الآية ببيان علة عدم الخوف هذا، وهو ولاية الله عز وجل للمؤمنين.
الثانية عشرة: بيان سر من أسرار النصر، ومفتاح لبلوغ الغايات الحميدة، وهو التوكل على الله الذي فاز بنيل أحسن مراتبه المسلمون بشهادة هذه الآية المباركة.
الثالثة عشرة: في الآية دعوة لكل فرد وجماعة من المسلمين ممن كان به ضعف أو وهن بالتوكل على الله عز وجل، والإستعانة به، وهو سبحانه الذي يدافع عن المؤمنين.
موضوع النزول
نزلت الآية في جناحين من الأنصار هما:
الأول: بنو سلمة بن جشم بن الخزرج.
الثاني: بنو الحارثة بن النّبيت من الأوس.
لقد هّم هؤلاء المؤمنون بالفشل لما هم فيه من الضعف، وما أصابهم في جنب الله، وليس عن شك أو ريب، فأكرمهم الله بوصفهم بالإيمان بلحاظ الخطاب العام للآية والتبعيض في قوله تعالى [طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ] أي من المؤمنين، والهّم طرأ عليهم وغادرهم، وهم بصفة الإيمان، وتلك آية إعجازية في مدح المسلمين ضمن بيان حال الهّم بالخوف والجبن.
وتبين الآية كيف أن الله عز وجل يشد من عزائم المؤمنين، ويدفع عنهم الوهن والضعف، وفي الآية بيان لفضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصداق لنصره تعالى له بأن يقوي عزائم المؤمنين، ويجعلهم يلتحقون به، ويطيعون أوامره في تعبئتهم للقتال، ويبذلون الوسع في ميدان المعركة.
لقد جاءت الآية مدحاً للمؤمنين من الذين إشتركوا في المعركة، من وجوه:
الأول: ذكر من هم بالفشل يدل على وجود من لم يهم بالفشل، وهو ثناء على عامة المؤمنين في المعركة.
الثاني: إنحصار الهم بفئة قليلة من المؤمنين.
الثالث: مدح الذين هموا بالفشل لأنهم سرعان مارجعوا عنه، قال ابن هشام : حدثنى رجل من الاُسد من أهل العلم، قال : قالت الطائفتان : ما نحب أنا لم نهم بما هممنا به، لتولى الله إيانا في ذلك( ).
وتأتي الوقائع والحوادث لتبين أمراً، وهو إتصاف سيد بني مسلمة بالجبن، فقد ورد ( إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما استنفر الناس إلى تبوك قال انفروا لعلكم تغنمون بنات الأصفر فقام جد بن قيس أخو بني سلمة بن بني الخزرج فقال يا رسول الله ائذن لي و لا تفتني ببنات الأصفر فإني أخاف أن أفتتن بهن فقال قد أذنت لك فأنزل الله تعالى ( ومنهم من يقول ائذن لي) الآيات , عن ابن عباس و مجاهد فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لبني سلمة من سيدكم قالوا جد بن قيس غير أنه بخيل جبان فقال (عليه السلام) و أي داء أدوى من البخل بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد بشر بن البراء بن المعرور فقال في ذلك حسان بن ثابت :
و قال رسول الله و القول لاحق
بمن قال منا من تعدون سيدا
فقلنا له جد بن قيس على الذي
نبخله فينا و إن كان أنكدا
فقال و أي الداء أدوى من الذي
رميتم به جدا و إن كان أمجدا
و سود بشر بن البراء لجوده
و حق لبشر ذي الندا أن يسودا
إذا ما أتاه الوفد أنهب ماله
و قال خذوه إنه عائد غدا( ).
ويدل ظهور الجبن والخوف على شخص واحد منهم فقط وإن كان رئيساً على منافع هذه الآية الكريمة، وبركات نزول الملائكة مدداً وعوناً للمسلمين بأن أذهب من قلوبهم الخوف من الأعداء، وجعل عندهم منعة من دبيب سلطان الجبن والخور الذي عند رئيسهم.
وسيأتي مزيد بيان ( ).
التفسير
قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ]
إبتدأت هذه الآية بذات الظرف الذي إبتدأت به الآية السابقة وهو (إذ) الذي يدل على وقوع فعل في زمان انقضى مما يدل على تعلق الآية بواقعة مخصوصة، حدثت في الزمان الماضي مع فارق بين بداية الآيتين من جهتين:
الأولى: جاءت لغة الخطاب في الآية السابقة خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] وكيف أنه كان يبوء ويجلس المؤمنين للقتال، أما هذه الآية فهي خطاب للمؤمنين.
الثانية:موضوع الآيةالسابقة عام بكل المقاتلين الذين إشتركوا في معركة أحد.
الثالثة: إبتداء الآية السابقة بحرف العطف الواو، وإبتدأت هذه الآية بالظرف (إذ) من غير حرف عطف، وفيه مسائل إعجازية منها:
الأولى: إتحاد موضوع الآيتين، ومنع الوهم بالتباين فيه حدوثاً ومكاناً وزماناً.
الثانية: ليس من فترة بين تبوء المؤمنين للقتال وبين الهم، وفيه إشارة إلى حصوله قبل بدء المعركة، وأنه لم يؤثر سلباً في عزائم الذين همّوا ولا غيرهم من المؤمنين.
الثالثة: الصلة بين خاتمة الآية السابقة [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] وبين أول هذه الآية، وأن الله عز وجل يسمع هم بعض المؤمنين بالفشل نتيجة الضعف والوهن، ومجئ العدو بجيوش لا قبل لهم بها، ويعلم ظلم وتعدي الكفار، وانهم سيرجعون خائبين لم يفلحوا بشئ مما جاءوا من أجله.
الرابعة: بيان العناء والمشقة والأذى الذي يواجه النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إذ قطعت قريش مئات الأميال بآلاف من المقاتلين ولابد أنها تريد قتل النبي والقضاء على الإسلام.
وخرج النبي في بضعة مئات من المؤمنين على جهد فيهم لقلة السلاح والعدد والمؤون فهّم نفر منهم بالفشل، ومن الإعجاز أن يأتي الإخبار عن الهّم بالفشل بين خاتمة الآيتين، بين الإخبار عن أن الله هو السميع العليم وبين توكل المؤمنين عليه، ليكون الهم محصوراً في موضوعه وأثره، بلطف وعناية من عند الله عز وجل بالمؤمنين.
لقد جاءت لغة الخطاب في الآية بصيغة العموم الإستغراقي الشامل للمؤمنين جميعاً، مع الإخبار عن حدوث الهّم من فرقة منهم، ولم تأت الآية خطاباً خاصاً للطائفتين من المؤمنين، بل جاءت خطاباً عاماً للمؤمنين مع التبعيض في (منكم) وتقدير الآية: وإذ همت طائفتان من المؤمنين يوم أحد.
وفيه زجر عن التعدي على الطائفتين، ومنع من تعييرها أو مؤاخذتها بهذا الهم، وفي العامل في الآية [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ] وجوه:
الأول: تبوئة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين للقتال قال الزجاج: والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت.
الثاني: العامل فيه قوله تعالى سميع عليم.
الثالث: انه بدل من “إذ غدوت”.
وتدل الآية على تعيين الطائفتين من بين المؤمنين، وفيه وجوه:
الأول: انهم بنو سلمة وبنو حارثة، حيّان من الأنصار، وهو المروي عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، والإمام الباقر والصادق عليهما السلام.
الثاني: نزلت الآية في طائفة من المهاجرين، وطائفة من الأنصار.
الثالث: لم تذكر الآية اسم الطائفتين أو الأشخاص الذين همّوا بالفشل، وقال الرازي: ومن العلماء من قال: أن الله تعالى أبهم ذكرهما، وستر عليهما، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر( ).
والصحيح هو الأول، فان الآية نزلت في طائفتين من الأنصار، يعرفهم المسلمون، ولاينكرون هم الواقعة، و عن جابر بن عبد الله أنه قال : فينا نزلت، وما أحب انها لم تكن، لقوله[وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا]( )، أي أن الآية تتضمن مدح الطائفتين، والإخبار بأن الله عز وجل هو ناصرهما، وهو الذي يحول دون ترتب الأثر على هذا الهم.
إن تعيين الطائفتين ليس فضحاً لهما، كما أن الآية لا تدل على الستر والإخفاء، بل أشارت الى موضوع يتبين من السنة والتواتر وأخبار الصحابة، مع أنه لا يتضمن الذم، وقد إنسحب عبدالله بن أبي بثلاثمائة من المنافقين فلم تذكره الآيات بالاسم فلا يعني هذا الستر ولا يستحق هو الستر، ولكن الأخبار المتواترة جاءت بتعيينه وفضحه.
ويأتي مدح الطائفتين في الآية من وجوه:
الأول: إنحصار الفشل بالهم والخاطر.
الثاني: تخلصهم من هذا الهم وآثاره.
الثالث: عصمة الله عز وجل لهم.
الرابع: مشاركتهم بالقتال مع المؤمنين ضد الكفار.
وهل هذا الهم معصية، فيه وجوه:
الأول: أنه ليس بمعصية.
الثاني: الهم بالفشل من الصغائر.
الثالث: الحاق هذا الهم بالفرار من الزحف.
والصحيح هو الأول فالهم الوارد في الآية ليس معصية، لأن الهم من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة شدة وضعفاً، وخفاء وجهراً، وإبتداء وإستدامة، فقد يكون على نحو الخاطرة التي تمر على البال ثم لا تلبث أن تزول، وهو من عمومات الخفاء في قوله تعالى [يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى]( )، فتخطر الخاطرة على ذهن الإنسان ثم ينساها، ولكن الله عز وجل، يعلم بها ولا ينساها.
ويحتمل الهم في المقام وجوهاً:
الأول: حديث النفس بالإنسحاب من المعركة.
الثاني: أول العزم على الإنسحاب.
الثالث: المناجاة بترك ميدان المعركة.
الرابع: الشكوى من التباين بين قوة وكثرة العدو، وبين قلة عدد المؤمنين، وعدتهم.
الخامس: إظهار الخوف من المعركة ونتائجها.
السادس: محاولة محاكاة المنافقين الذين إنخزلوا من المعركة.
السابع: ترك التقيد بالأوامر في تعبئة المؤمنين للقتال.
اما الأول فان الآية أعم من حديث النفس بقرينة صيغة الجمع في الطائفتين، ولأن الله عز وجل لايؤاخذ على الخاطرة التي تطرأ على النفس، فيكون عدم ذكرها في الآية الكريمة فرع عدم المؤاخذة.
وأما الثاني فهو ممكن، وأما الثالث فلم يثبت ولا دليل عليه.
وأما الرابع فممكن الوقوع وجاء الإخبار عن توكلهم على الله لبيان الصبر والتقوى اللذين يتحلون بهما في مواجهة قوة العدو.
وأما الخامس فيجوز، لما فيه من الحرص على الإسلام ولزوم سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وضرورتها في تلقي الوحي والتنزيل.
وأما السادس فلا يحصل عند الطائفتين حتى على نحو الخاطرة التي سرعان ما تزول لوجوه
الأول: دلالة خاتمة الآية، وأن الله يسمع أقول المؤمنين وهو وليهم.
الثاني: العناية الإلهية بأفراد الطائفتين والمؤمنين جميعاً.
الثالث: التباين الموضوعي والحكمي بين المؤمنين والمنافقين.
وأما السابع فهو بعيد أيضاً وخلاف الواقع ونظم الآيات فلم يهم أحد من الطائفتين بمخالفة الأوامر في ميدان المعركة، فان قلت قد خالف الرماة فلم يتقيدوا بالأمر النبوي بعدم مغادرة مواضعهم، قلت إنه قياس مع الفارق.
وجاءت هذه الآية بذكر الأمر على نحو الهم وأول العزم، وليس الفعل، فلا دليل على حصول أي فعل مترتب على هذا الهم، بل بقى في أول مراحله النفسية وأن إقترن بكلام ورأي يدل عليه.
إن خلو الآية من الذم للطائفتين، ومجيئها لبيان فضل الله عز وجل على الطائفتين، وعدم مغادرتهم منازل الإيمان والتقوى، يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإخلاص أصحابه له، لأن عدم ترجل الفشل إلى عالم الفعل تأكيد لإقرارهم بالمعجزات التي جاء بها، وصدقهم بنبوته، وبيان بلوغ أعلى مراتب التصديق بالإستعداد لقتال الجيش الكبير، والقوة العظيمة التي جاءت طالبة الإنتقام بنية البطش.
وإذ خطر على طائفتين من المؤمنين الهم بالفشل، فلقد عزم الكفار على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وإستباحة المدينة، والثأر لقتلاهم في بدر من رؤوس الكفر والضلالة.
ووصفت الآية الذين هموا بالفشل بإنهم طائفتان، وفيه وجوه:
الأول: المراد جماعتان من المؤمنين، كل جماعة مستقلة في أمرها، وكل واحدة خطر لها الهم بالفشل من غير أن تعلم بحصوله عند الأخرى.
الثاني: حصول المناجاة بين الطائفتين.
الثالث: الإتحاد بين الطائفتين في موضع القتال.
الرابع: إجتماع النسب القريب بينهما، كما إذا كانا يرتبطان بالنسب إلى جد واحد.
الخامس: ليس من صلة وإرتباط بينهما، إلا انه حصل الهم بالفشل عند كل طائفة منهما على نحو الإتفاق.
السادس: المناجاة بينهما في الهم بالفشل لما رأوا من قوة وكثرة عدد وعدة العدو، وقلة المؤمنين، وخذلان المنافقين.
والأرجح هو الأول والخامس، فكل طائفة همت على نحو مستقل، وجاءت الآية توثيقاً لفعلها، وفيه مسائل:
الأولى: يدل التعدد في ذكر الطائفة أن الإستقلال في الهم أسرع للزوال من الإتحاد فقد يؤدي الإتحاد والإلتقاء في الهم إلى صيرورته هم عزيمة، ويصدر من بعضهم ما يفيد إعلان هذا الهم وأسبابه.
الثانية: يبين التعدد أن وجود من يهم من المؤمنين بالفشل ليس قليلاً متحداً وفيه دلالة على أن المراد من الهم الخاطرة التي تطرأ على البال، والكلمة التي تجري على اللسان.
الثالثة: توكيد كثرة عدد الكفار، ومحاولتهم بعث الفزع والخوف في النفوس.
الرابعة: بيان حاجة المؤمنين إلى رحمة الله عز وجل في دفع أسباب الخوف والفزع من الكفار وجيوشهم.
الخامسة: في الآية دلالة على أن ثبات المسلمين في ميادين القتال كانت بلطف ومدد من الله، فان قلت ان الذين هموا بالفشل طائفتان من المؤمنين وليس الجميع، والجواب من وجوه:
الأول: تبين الآية معجزة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثبات أصحابه في القتال، مع التباين الكبير بينهم وبين عدوهم في العدة والعدد.
الثاني: إن ترجل الهم في الفعل الخارجي لطائفتين من المؤمنين ينفع في ثبات غيرهم في مواضعهم لجهات:
الأولى: ميل الإنسان لمحاكاة غيره.
الثانية: ورود هذا الخاطر في الوجود الذهني لمؤمنين آخرين.
الثالثة: ظهور النقص في صفوف المؤمنين خصوصاً وأن المنافقين إنسحبوا من المعركة بعدد كبير يكون حوالي ثلث عدد الصحابة الذين خرجوا من المدينة للقتال.
وأيهما أشد على المؤمنين وإرادة مواجهة العدو الذين يتخلفون عن القتال وهم بعد في المدينة لم يخرجوا، ام الذين يخرجون مع الجيش ثم ينخزلون منه، الجواب كلاهما يضر بالمسلمين ومعنويات المقاتلين.
ولكن الثاني أكثر ضرراً وأشد خطراً عليهم، لما يبعثه الإنسحاب بعد الخروج من الإرباك والخذلان، ولم يحصل هذا الإنسحاب إلا من قبل المنافقين إذ أراد الله عز وجل حرمانهم من الجهاد وما له من الأجر والثواب، ولأن معركة أحد كانت مناسبة لتمحيص المسلمين، وفضح زيف إدعاء المنافقين، وتوكيد حقيقة وهي أن إنسحاب المنافقين لن يضر المؤمنين، وإن جاء هذا الإنسحاب في أكثر حالات المسلمين حاجة للرجال وكثرة السواد.
ولو إكتفى المنافقون بالخروج من غير مشاركة في القتال لكان أفضل لهم، لما فيه من التظاهر بالنصرة، وزيادة السواد وعدد جيش المسلمين أمام العدو، وبعث الفزع والخوف في نفوس الكفار من التعدي والزحف على المدينة المنورة، لأن من يبقى في مؤخرة الجيش يساهم بالاسم والعدد في منع إستباحة مدينته.
ولأنه في معرض الإشتراك في القتال كما لو رأى المنافقون الدائرة على المشركين، وصيرورة مؤونهم غنائم فانهم يهجمون للنيل منها، أو أن بعض المنافقين يدافع حمية ونصرة للأنصار ولأهل المدينة، ولكن عبدالله بن أبي سلول إنسل بهم وتبعه كثيرون قبل المعركة، ليأتي الهم المذكور في هذه الآية شاهداً على خلو جيش المسلمين من النفاق والمنافقين فكما كان لأهل بدر منزلة وشأن عظيم في تأريخ الإسلام، فكذا بالنسبة لأهل أحد فانهم نالوا شرف التنزه عن المنافقين، وخلو صفوف المؤمنين منهم.
وتدل عليه هذه الآية إذ ذكرت الهم بالضعف والعجز من غير الوصول إلى حال الفشل والجبن والوهن، وتؤيده الأخبار الواردة بخصوص إنسحاب المنافقين من المعركة، وإصرارهم على عدم خوض غمار القتال مع مناشدة المؤمنين لهم.
ومن إعجاز الآية تداخل مضامينها مع مضامين الآية السابقة لإتحاد الموضوع، ويحتمل الهم بالفشل من جهة الزمان وجوهاً:
الأول: قبل أن يبوئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين مقاعد للقتال وعند سماع خبر مجئ الكفار بجيش كبير.
الثاني: أثناء قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإعداد وتعبئة المؤمنين للقتال، وإصابة طائفتين من المؤمنين بالفزع والخوف.
الثالث: في الطريق الى أحد، وهو على جهات:
الأول: قبل إنسحاب المنافقين.
الثاني: عند إنسحاب وإنخزال المنافقين.
الثالث: بعد إنسحاب المنافقين.
الرابع: عند بدايات المعركة مع الكفار.
والصحيح هو الرابع، فلا صلة للهم المذكور في هذه الآية بإنسحاب المنافقين، لأن المؤمنين يعرفون حقيقة المنافقين، ولايستغربون صدور الغدر والخذلان منهم، بل جاء الهم لحال ضعف عند الطائفتين وليس عن جبن وتخاذل ووهن أو تكاسل عن الوظائف الجهادية، لذا زال عنهم هذا الهم حالما إستحضروا حقيقة وهي أن الله عز وجل هو الذي يجعلهم أقوياء، ويزيدهم إيماناً، ويهيئ أسباب النصر للمسلمين.
ولعلهم ذكروا معركة بدر وكيف أن المؤمنين هم الأقل فيها، ومع هذا هزموا المشركين، وأوقعوا فيهم سبعين قتيلاً، وسبعين أسيراً، وعدد المسلمين لايزيد على الثلاثمائة إلا قليلاً، ليزيدهم إستحضار معركة بدر وغلبة المسلمين فيها إيماناً وعزيمة وقوة، وتطرد عن خواطر الطائفتين الهم بالفزع والخوف.
لذا من الآيات أن هذا الهم لم يأت في معركة الإسلام الأولى معركة بدر، بل جاء في أحد، وبعد ثبوت حقيقة وهي قدرة المسلمين على تحقيق النصر، وتحليهم بالصبر والخشية من الله، ومجئ المدد والعون من عند الله عز وجل فجاء الهم بأدنى مراتبه من الخاطرة على القلب، أو الكلمة بين الذوات ذات الصلات والنسب الواحد، ليكون دونه برزخ وواقية من وجوه:
الأول: بلوغ المؤمنين مراتب الصبر وتحمل الأذى في جنب الله عز وجل.
الثاني: خشية المؤمنين من الله في السر والعلانية، وهو من أسباب زوال الهم بالفشل حال طروه.
ويدل على سرعة زواله، وبقائه بمرتبة الهم وعدم تحوله إلى عزيمة وفعل، منطوق الآية ومواصلة الطائفتين القتال وكفى به فخراً وعزاً الى يوم القيامة، والهم بالشئ لا يصاحب الإنسان وقتاً طويلاً خصوصاً وأنهم كانوا في ميدان المعركة وما تستلزمه من سرعة الحركة سواء في الهجوم أو الدفاع، ومطاردة العدو، وإجتناب النبال والسهام، والتضحية من أجل الغلبة، لذا جاءت الآية بلفظ الهم بالفشل لبيان سرعة زواله، وعدم إستقراره، وأنه كان خاطرة متزلزلة مرت على البال.
ولكن الله عز وجل يعلم بها، وتفضل وذكرها في القرآن لتكون موعظة وعبرة، ومدرسة للأجيال وسبباً لتنمية ملكة التقوى في نفوس المسلمين، كي لايهموا بالفشل عند الزحف ومواجهة الكفار، ومن يهم منهم بالفشل يستحضر هذه الآية فيتدارك أمره، ويعود إلى مفاهيم التقوى والثبات في مواضع القتال.
الثالث: لقد كان قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتعبئة المؤمنين ووضعهم في مجالسهم سراً من أسرار ثباتهم في منازلهم، لبركات النبوة وإدراك المسلمين بحسن العاقبة، وما في حضور النبي المعركة من أسباب الظفر والنصر.
إن تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه تعبئة المؤمنين في مواضعهم دعوة لهم لعدم الهم بالفشل وعدم النكوص أو الفرار في المواجهة والزحف، وهو برزخ دون إستقرار الهم بالفشل في حال حدوثه، لما للنبوة وشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأثر في نفوس المؤمنين.
الرابع: تحلي المؤمنين بالصبر والتقوى، ووعد الله عز وجل بإنصراف كيد ومكر الكفار عنهم فبالصبر والخشية من الله لا يغادر المؤمنون مواقع القتال، ولا يتخلون عن أدب وسنن الإيمان.
الخامس: الثناء والمدح الإلهي للمسلمين ونعتهم بصفة الإيمان الذي هو حث لهم على الصبر والجهاد، وعدم النكوص أو الفرار من مواطن القتال.
السادس: تعاضد وتآزر المؤمنين فيما بينهم في سوح المعارك، وإخلاصهم في الحرب، وتزاحمهم وتدافعهم في مواجهة العدو، وإذا أراد أحد رؤوس الكفر والضلالة البراز يبرز له عدد من المؤمنين، وكل واحد منهم يريد قتله أو الفوز بالشهادة.
وفي موسى عليه السلام عندما ألقى السحرة عصيهم[فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى* قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى]( )، فقيدت الآية أعلاه هينة الخوف بأنها في النفس ولم تترجل في الخارج وتظهر آثارها على ملامح وجوانح موسى عليه السلام، ليكون المدد الإلهي أقرب إليه من لحظة الزمان التي لا تكاد تبين التي تفصل بين دبيب الخوف في النفس وظهوره على الجوانح ولون البشرة خاصة مع إستمرار علة الخوف وهي عصي وحبال السحرة وكأنها ثعابين تسعى، وقد أنعم الله عز وجل على الذين همّوا بالفشل من المسلمين فجاءهم المدد وضروب الولاية من عند الله ثم أكرم الله المسلمين فنهاهم عن الوهن والخوف والضعف بقوله تعالى[فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( )، وفي ذات واقعة أحد وأحداثها ليكون من المسلمون وورثة الأنبياء في تلقي المدد في ساعة الحرج ودنو الخطر.

قانون”همت طائفتان”
كثيرة هي المعارك التي خاضها المسلمون الأوائل، وعموم المسلمين في أجيالهم المتعاقبة، ولكن معركة أحد لها خصوصية في حياة المسلمين في كل زمان ومصر من أمصارهم، وذات شأن في تأريخ الإسلام، في معركة البقاء والصمود، المعركة التي تجلت فيها معاني ثبوت مبادئ الإسلام إلى يوم القيامة.
وهي المعركة التي أكدت معجزة خاصة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي عجز الكفار عن الوصول إليه، والنيل من الإسلام مع أن هذا الوصول وفق قوانين السببية أمر ظاهر وقريب، لكثرة جنود المشركين وعدتهم ومؤونتهم، وقلة عدد المسلمين.
لقد أراد الله عز وجل لمعركة أحد أن تكون حاسمة في تثبيت دعائم التوحيد في الأرض، وبقاء ضياء النبوة، وقصور الكفر والكفار عن إلحاق الأذى بالإسلام إلا همّاً بالفشل من قبل عدد قليل من المسلمين والذي يعني الضعف مع الشعور بالعجز، وجاءت هذه الآية وثيقة سماوية ليس لبيانه وتوكيده، بل للإخبار عن سرعة زواله، وعدم إضراره بالمسلمين في ميادين القتال، وحال السلم والحرب.
وتلك آية إعجازية أن يأتي إخبار في القرآن عن حال مخصوصة لجماعة من المسلمين، لتكون آية في العالمين، وبشارة لأجيال المسلمين، فلا يقول بعضهم لقد همّت طائفتان منكم بالفشل، لأن الهم خطور في البال، وجريان للكلام على اللسان من غير أن يترجل في الواقع الخارجي، بينما إنهزم الكفار من ميدان المعركة في بدايتها، وفي نهايتها رجعوا خائبين، ولم يستطيعوا تحقيق أغراضهم التي جاءوا من أجلها، ومنها محاولة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتبين الآية الفضل العظيم الذي نال شرفه المسلمون، وإمتازوا به عن المشركين، وهو نزول آيات القرآن في كشف الوقائع والأحداث في معارك المسلمين، لمنع الجهالة والغرر، ولتكون كل معركة مدرسة للمقاتلين، فتختلف الأزمنة المتعاقبة، ولكن المسلمين يعيشون وقائعها وكأنها حاضرة في زمانهم، قريبة منهم وليس من وسيلة للتأثير في الناس عامة والمسلمين خاصة مثل الآية القرآنية، وهو أمر يبعث الفزع والخوف في نفوس الكفار.
فتأتي الآية القرآنية لبيان حال المسلمين في المعركة فتكون درساً وموعظة لهم، وإنذاراً وتوبيخاً للكفار، إن همّ جماعة من المؤمنين بالجبن وشعورهم بالضعف حجة على الكفار إلى يوم القيامة، لأن خطابات الدعوة إلى الإسلام شاملة للناس جميعاً، وليس من أحد مستثنى منها، ولم يرض الكفار بالصدود والإعراض عنها، بل جاءوا بجيوشهم والقبائل المتحالفة معهم والأحابيش ليجهزوا على الإسلام.
فجاءت هذه الآية لوماً لهم، لإدخالهم الفزع في قلوب جماعة من المؤمنين، وإن لم يترتب الأثر عليه في الخارج، وكأن الآية وما فيها من ذكر همّ طائفتين من المؤمنين بالضعف جاءت لإقامة الحجة على الكفار على نحو متعدد بتسيير الجيوش على المسلمين، و محاولة بعث الفزع في نفوسهم، وتثبيت المنافقين في منازل الشك والريب.
فمع مجئ جيوش الكفار يتجرأ المنافقون، ويظهرون ما يخفون من الكفر، فأخزاهم الله تعالى والمشركين في يوم أحد، ليكون آية في العالمين، ودليلاً على عجز الكفار عن القضاء على الإسلام، لأن الأصل هو بقاء الإسلام، ودخول الناس فيه أفواجاً، ولايستطيع الكفار صد الناس عما أراد لهم الله من العز والإيمان.
فجاءت هذه الآية مصداقاً لقوله تعالى[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ) فلم يحصل فرار من المؤمنين، لأن في هذا الفرار ضرراً كبيراً على الإسلام والمسلمين، بل جاء على نحو الهم بالفشل ومن قبل جماعة وطائفة من المؤمنين دون الجميع، وهو من الأذى الذي جاءت الآية بالإخبار عن سرعة زواله وإضمحلاله، ليبقى مكرمة للمؤمنين وشاهداً على ماتحملوه من الأذى في جنب الله، وما لحقهم من الكفار من الظلم، ومواجهتهم لأسباب التعدي لأن الهم بالفشل نتيجة لجور الكفار، فلو لم يأت الكفار للغزو وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين لما همت طائفة من المؤمنين بالفشل.
ومع هذا فإن هذا المجئ كان إنعطافة في التأريخ، أدت إلى إقرار القبائل بأن الإسلام واقع ثابت لايمكن إزالته، ودين ينتشر بسرعة بين الناس، ويلقى القبول عندهم على إختلاف إنتماءاتهم وولاءاتهم، ومشاربهم، لقد همّت طائفتان بالفشل لينصرهم الملايين من المسلمين إبتداءً من ساعة المعركة وإلى يومنا هذا وما بعده.
كل واحد يسعى لدفع هذا الهم ومنع تكراره في الذات وعند الغير من المؤمنين، ويبذل جهده للوقاية والإحتراز من هذا الهمّ بالإستعداد للمعركة ومواجهة الكفار بالتضحية والفداء والإستبسال في المعركة، وتهيئة مقدماتها، والتسلح بحب الشهادة والشوق للقاء الله عز وجل، وهو من عمومات قوله تعالى[ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَاٍ] ( ) فمع إدراك المؤمن أنه ملاق الله عز وجل، وأنه لن يخسر شيئاً بالقتل بل يفوز بالنعيم الأخروي الدائم، لايهم بالفشل ولا يخالطه الحزن والخوف.
فجاءت هذه الآية لتبعث الحسرة والفزع في قلوب الكفار لما فيها من أسباب توقي المسلمين من الفشل والحزن والشعور بالضعف، لقد علم الله عز وجل حال المسلمين في أحد وإصابة بعض المؤمنين بالضعف والخوف، وعدم تأثيره عليهم في القتال ومواجهة الأعداء، لينعم عليهم بالفضل وكثرة العدد بعد معركة أحد، ودبيب الضعف في صفوف الكفار الذين سعوا للقضاء على الإسلام وحاولوا بعث الفزع والخوف في نفوس المؤمنين.
علم المناسبة
ورد لفظ[هَمَّتْ] أربع مرات في القرآن، جاءت واحدة خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم،[ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ]( ).
في بيان فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي والتنزيل، وكشف الدعوى الباطلة لأحد المنافقين برمي بعض المسلمين بالسرقة، ودفع الله عز وجل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القتل والهلاك الذي أراده له الكفار والمنافقون، ومن الآيات أن المؤمنين لم يهموا بإضلال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
ومن همّ منهم بالفشل لم يكن أسوة لغيره في هذا الهمّ بل سرعان ما تركه ليستمر في القتال ومحاربة الكفار.
وجاء قوله تعالى[وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ] ( ) في بيان ما لاقاه الأنبياء من قومهم من الأذى، وأن ما فعلته قريش شبيه لحال الأمم السابقة التي أصرت على الكفر والجحود.
وفي الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث دليل على أن قريشاً جاءت بجيوشها في معركة أحد لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أشاعوا أثناء المعركة أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل، ولعله من أسباب إنسحابها من الميدان، وعندما إكتشفوا أن النبي حي ويقاتل لم يستطيعوا الكرة من جديد، لأن المؤمنين إجتمعوا عليه، وإزدادوا بأساً وعزيمة على مواصلة القتال بعد أن رأوا الآيات والبراهين الدالة على صدق نبوته، وحفظ الله عز وجل له في أشد وأخطر الأحوال.
وفي الجمع بين الآيتين توكيد لقانون وهو أن الله عز وجل يحول بين الكفار وبين النبي ويمنعهم من الوصول اليه، وجاءت الآية محل البحث بياناً واضحاً، وظاهراً للعيان في دفع الله عز وجل عن النبي، فقد إستطاع الكفار أن يقتربوا من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويرموه بالحجارة ويكسروا رباعيته ولم يكن معه من المسلمين إلا بعدد أصابع اليد أو اليدين وقد أثقلتهم الجراح، ومع هذا لم يستطع الكفار الوصول إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاءت الآية الرابعة التي فيها لفظ (همت) في سورة يو سف عليه السلام [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ]( )، إذ أن البرهان والحجة التي تفضل الله عز وجل بها على يوسف واقية له، وعصمة من المعصية والزلل، لبيان فضل الله على الأنبياء.
وهل من برهان رأته الطائفتان يوم أحد جعلهما ينصرفان عن الهم بالفشل، الجواب نعم، فقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية في الجهاد والصبر، وأسوة حسنة، وكان قتاله وثباته في موضعه برهاناً يدعو المؤمنين لمحاكاته، والمبادرة إلى الدفاع عنه.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (الإدماج) وهو تداخل ودمج غرض في غرض أو بديعاً في بديع، فيظهر في الكلام أحدهما، ولكن الثاني يتداخل معه في عرضه، ويتعدد البديع والغرض في الآية القرآنية، وهو من أسرارها والكنوز العلمية والعقائدية التي تتضمنها.
وجاءت هذه الآية لتخبر عن همّ طائفتين من المسلمين بالضعف والوهن، ومن الإعجاز انها لم تذكر ألهم وحده بل ذكرت موضوعه وهو الفشل وهو أمر مذموم، ولكنه لم يقع بل جاء ذكره على نحو الهم، ليكون الغرض الآخر من الآية مدح المؤمنين، وتقسيمهم إلى قسمين:
الأول: المؤمنون الذين لم يهموا بالفشل، وهم الأكثر.
الثاني: المؤمنون الذين هموا بالفشل وهم جناحان من الأنصار.
لتدل الآية على عدم وقوع الفشل، وعدم حصول الإنهزام والإنخزال من قبل واحد أو أكثر من المؤمنين.
فتتضمن هذه الآية غرضاً عقائدياً يتعلق بعشق المؤمنين للشهادة وثباتهم في المقاعد التي أجلسهم فيها رسول الله، وذكرت الآية (الهم بالفشل) بصيغة الماضي والزمان السابق لنزول الآية، وفيه إشارة إلى انقطاع مثل هذا الهم في صفوف المسلمين، والمعارك التي خاضوها بعد معركة أحد، ليكون من أغراض هذه الآية تأديب المسلمين وإرشادهم إلى التضحية وبذل الوسع في الجهاد، وعدم الهم وإشغال البال بالإنهزام.
علم المناسبة
ورد لفظ (طائفتين) في القرآن أربع مرات، مرتين بالرفع (طائفتان) ومرتين بالجر (طائفتين) وجاء في هذه الآية بالرفع، كما ورد في قوله تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا]( )، وورد في سبب النزول عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار، فبال الحمار، فأمسك عبدالله بن أبي بأنفه وقال: خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه، فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره لأطيب من مسكك، وروي حماره أفضل منك، وبول حماره أطيب من مسكك، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطال الخوض بينهما حتى إستبا وتجالدا، وجاء قولهما وهما الأوس والخزرج فتجالدوا بالعصى، وقيل بالأيدي والنعال والسعف، فرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصلح بينهم، ونزلت، وعن مقاتل قرأها عليهم فاصطلحوا( ).
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين دوام الأخوة الإيمانية لتكون سوراً جامعاً مانعاً، جامعاً للمسلمين والمسلمات، مانعاً من الفرقة والخلاف والخروج عن الجماعة.
وجاء في سبب نزول الآية أعلاه ذكر عبدالله بن أبي سلول وكيف أنه تعدى في كلامه، فهل هو من المؤمنين، وإذا كان من المؤمنين يشمله عمومات قوله تعالى في الآية السابقة [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) وقد كان حاضراً في بداية النفير، وخرج مع الصحابة من المدينة ثم إنسل هو وأصحابه غدراً ونفاقاً وجبناً، الجواب المراد من الطائفتين من المؤمنين الأوس والخزرج الذين تجالدوا بالعصي.
اما المنافق فانه يخرج بالتخصيص من صفة الإيمان لورود آيات خصته باسم المنافق وجاءت بذمه وإنذاره بما ينتظره من العذاب الأليم، قال تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ]( )، وجاء قوله تعالى [أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا]( ).
والمراد أهل التوراة وأهل الإنجيل، وجاء وصفهم بالطائفتين مع كثرة عددهم، وجاء وصف الجناحين من الأنصار بالطائفتين مع قلة عددهم، وفيه وجوه:
الأول: لحاظ موضوعيتها في القتال، وسير المعركة يوم أحد.
الثاني: الفئة القليلة من المؤمنين ذات شأن وأهمية كالطائفة الكبيرة من أهل الكتاب.
الثالث: إرادة المعنى اللغوي إذ يقع على الجماعة من الناس قليلة كانت أو كثيرة.
ولاتعارض بين هذه الوجوه إذ يفيد الجمع بين الآيات موضوعية أي جماعة من المؤمنين في المعركة، ليس في تكثير السواد، بل في الهجوم والدفاع، وقد قاتلت المؤمنات أيضاً يوم أحد، ومنهن من قاتلت دفاعاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وساهمت في منع وصول الكفار إليه، ليكون موقفاً مشرفاً تفتخر به المؤمنات إلى يوم القيامة ويبعث الفزع في قلوب الكفار، ويبين منزلة المرأة في الإسلام وإستحقاقها للإكرام.
وجاء قوله تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ]( )، بخصوص معركة بدر، وفيه آية إعجازية إذ يرد لفظ الطائفتين في موضوع معركة بدر، ومعركة أحد، مع التباين بينهما.
ففي معركة بدر جاءت البشرى بإصابة المسلمين إحدى الطائفتين أما العير وإما قريش الذين خرجوا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقيادة أبي جهل،إذ أقبلت عير لقريش ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان وعمر بن العاص قادمة من الشام ومحملة بالبضائع، فأخبر جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبر المسلمين فرغبوا في الإستيلاء عليها لما فيها من التجارة العظيمة، ولقلة الأفراد الذين معها، ولكن الله إختار لهم الطائفة ذات الشوكة فكانت معركة بدر وإنتصار المسلمين فيها.
ليأتي لفظ الطائفتين في معركة أحد بخصوص المسلمين على نحو الهم بالفشل الذي سرعان ما زال عن أذهان المؤمنين بإستحضار النصر العظيم في واقعة بدر على الطائفة ذات الشوكة من الكفار، وهي ذاتها التي جاءت في معركة أحد.
مع التباين في الحكم والعدد، والإتحاد في ماهية الكفر والضلالة وما يترشح عنهما من الضعف والوهن الذي يدب في نفوس الكفار، ويظهر على جوارحهم وأفعالهم في المعركة على نحو الإرتباك والخصومة، والمبادرة إلى الفرار والهزيمة، مما كان سبباً لمنع حصول الهم بالفشل عند أكثر المؤمنين، وعدم إستقراره عند الطائفتين من الأنصار اللتين طرأ عليهما، وسرعان ما زال ليبقى موعظة ودرساً في نصر المسلمين في أحد وآية وعبرة للأجيال من المسلمين وغيرهم.
أما المسلمون فيتخذونه نبراساً وضياءً وموضوعاً للجهاد، وأما الكفار فانه يدعوهم للكف عن المسلمين، والإتعاظ من هزيمة الكفر والشرك في بدر.
لقد جاءت معركة بدر دعوة سماوية للناس لدخول الإسلام، ونبذ الكفر، لأن إنتصار المسلمين فيها كان معجزة حسية ظاهرة بلحاظ التباين بين قوة وكثرة العدو وعدته، وقلة عدد وعدة المسلمين, وجاء الهم بالفشل من جماعة من المؤمنين و لتكون سرعة زواله شاهداً على إستقرار الإيمان في نفوس المسلمين.
بحث كلامي
لقد كان الله عز وجل ولم يكن معه شئ، ثم تفضل وخلق الخلائق على فترات، قال تعالى[وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ] ( )، أي أنه سبحانه خلق الماء بعد أن لم يكن، ثم تفضل وجعله أصلاً وتفضل سبحانه وخلق آدم وبعث فيه من روحه، ليكون هذا البعث عنواناً لحاجة الإنسان لله عز وجل وموضوعاً يجعل الإنسان يتطلع إلى رحمة الله عز وجل، ويرجو فضله وإحسانه.
ومن فضل الله عز وجل على الإنسان بيان وظيفته في الأرض وماهية هذه الوظيفة وأنها تشريف له ألا وهي العبادة، فقد جعل الله عز وجل العبادة علة خلق الإنسان لا لحاجة منه تعالى إلى عبادة الإنسان، بل الإنسان نفسه محتاج لله عز وجل ولرحمته، وهذه الحاجة لاتنحصر بموضوع دون آخر بل هي شاملة وعامة في كل ميادين الحياة، وتنبسط حاجة الإنسان لله على أيامه في الدنيا وتتصل بعالم البرزخ ويوم القيامة، وجاءت هذه الآية لتبين حاجة الناس لرحمة الله على جهتين:
الأولى: حاجة المؤمنين لرحمة الله عز وجل، ومن وجوه حاجتهم:
الأول: النصر والغلبة والظفر على الأعداء.
الثاني: تلقي الأوامر والنواهي الإلهية بما ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الآيات، وعموم ما يوحي إليه مما يتجلى بالسنة النبوية الشريفة.
الثالث: دفع كيد الكفار والمشركين.
الرابع: الإستعانة بالصبر والتقوى، إذ تأتي هذه الإستعانة بالدعاء والتوكل على الله، وتفويض الأمور له سبحانه.
الخامس: سلامة النبي من كيد الكفار الذين يريدون قتله.
السادس: جلب الغنائم إلى المدينة المنورة، خصوصاً وأن عدد المهاجرين إزداد فيها، وظهر النقص في المؤن، وأخذ المنافقون يعلنون إستيائهم من وفود المسلمين جماعات إلى المدينة، وخشيتهم من الرجوع إلى قبائلهم لما كانت تبثه قريش من الرجال في الطريق، ولإحتمال التعدي عليهم من بعض أفراد قبائلهم.
السابع: حاجة المسلمين إلى دخول جماعات وقبائل في الإسلام، والتحالف مع آخرين.
الثامن: إستدامة أسباب الحياة ودوام نعمة الإيمان لأن الحاجة إلى الله تعالى في باب الهداية إبتداء وإستدامة.
الثانية: حاجة الكفار لرحمة الله، وفيه وجوه:
الأول: جاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاجة للناس جميعاً، ويحتاج إليها الكفار أكثر من غيرهم.
الثاني: لزوم الكف عن الإضرار بالمسلمين، وإجتناب التعدي عليهم بعدم ترك النفس الغضبية والشهوية تستحوذ عليهم.
الثالث:التدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية، والتصديق بنبوته.
الرابع: نبذ مفاهيم الكفر والضلالة.
الخامس: عدم الإشتراك في محاربة المسلمين.
الخامس: التفكر في الآيات الكونية، وما تدل عليه من وجوب عبادة الصانع.
وليس من حد لحاجات الإنسان إلى الله عز وجل وإلى رحمته سواء كان الإنسان مؤمناً أو كافراً، وجاءت هذه الآية لتبين حاجتها في القتال وساحة المعركة بأن ينعم الله عز وجل على المؤمنين بالصبر، ويكف الكفار أيديهم عن المسلمين.
إذ أن قوله تعالى[إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ] ( ) حجة على الكفار لأنهم جعلوا فريقاً من المسلمين يخافون منهم، ويخشون القتل، والله عز وجل شديد العقاب ينتصر للمؤمنين، ويبطش بالكافرين، وتلازم الحاجة الإنسان لأنه ممكن، وكل ممكن محتاج، فلا تفارق الإنسان الحاجة إلى رحمة الله عز وجل من حين إنعقاد النطفة لتبقى مصاحبة له إلى الأبد فليس لها منتهى، الأمر الذي يملي على الإنسان أداء وظائفه العبادية التي خلق من أجلها.
وجاءت معركة أحد لتبين حاجة المؤمنين لله عز وجل بصرف ضرر وكيد الكفار عنهم، وزوال الهم بالفشل عمن خطر أو جرى إدراك الضعف والعجز على لسانه من المؤمنين دليل على إستجابة الله عز وجل لدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ودفع الخوف والحزن عن نفوس المسلمين، ليكون مقدمة للثبات في مواضع القتال، والزحف على العدو بروح الأخوة الإيمانية، والشوق إلى لقاء الله، وحب الإمتثال لأوامره سبحانه، وإظهار أسمى معاني النصرة لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعث رسالة عملية للكفار مطلقاً بأن المسلمين يتعاهدون الإيمان والتقوى، ويعشقون الشهادة.
قوله تعالى[مِنْكُمْ]
مع دلالة نظم الآيات على إرادة المؤمنين، وبيان حالهم في معارك الإسلام الأولى، فإن الآية لم تترك لفظ(طائفتين)من غير متعلق وبيان صفة بل ذكرت أن هاتين الطائفتين من جنس المخاطبين، وفيه وجوه:
الأول: المراد المسلمون الأوائل الذين صدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار ومن معهم.
الثاني: إرادة المهاجرين والأنصار خاصة.
الثالث:جاءت الآية خاصة بالذين إشتركوا في القتال يوم أحد.
الرابع: تتعلق الآية بالمؤمنين الذين بوأهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقاعد للقتال يوم أحد.
الخامس: جاءت الآية لبيال حال عموم المسلمين الذين شاركوا في معارك الإسلام بدر وأحد والخندق وغيرها من المعارك والغزوات.
السادس: المؤمنون من الأجيال المتعاقبة منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السابع: إرادة عموم المسلمين منذ البعثة النبوية وإلى يوم القيامة.
ولاتعارض بين هذه الوجوه، وهي من العام والخاص، فتشمل الآية الخاص وتشمل عموم المسلمين، وجاءت لتتغشى معاشر المسلمين في أجيالهم وأفراد الزمان الطولية المتعددة، ليكون الجار والمجرور في الآية عنوان الصلة بين المجاهدين في معركة أحد، وبين عموم المسلمين في المشرق والمغرب في كل زمان، ودعوة للمتأخر من المسلمين إلى الإقرار بما للمسلمين الأوائل من السابقة في الجهاد والتضحية وصدق الإيمان.
إذ يشعر معه المسلم بتخلفه عن منازل الإيمان التي بلغوها .
إن تفاني المؤمن المصاحب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتضحيته بنفسه شاهد على الإقرار بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أن ظهور المسلمين في المعارك الأولى للإسلام منتصرين دليل على صدق نبوته، ودعوة للأجيال اللاحقة من الناس لدخول الإسلام وترسيخ الإيمان في نفوس المسلمين، وفي معنى العموم في لفظ (منكم) مسائل:
الأولى: أنه قانون ثابت في وحدة وأخوة المسلمين الطولية في أجيالهم المتعاقبة، فذات الإيمان يتغشى الطبقات الأولى من المسلمين والطبقات اللاحقة منهم.
الثاني: التداخل والتقارب بين المؤمنين، وأن تباعدت طبقاتهم وأجيالهم.
الثالث: توكيد دوام الإيمان في الأرض.
الرابع: بقاء فرض الجهاد غضاً طرياً في كل أجيال المسلمين.
الخامس: ترشح خطاب جهاد المسلمين الأوائل على عموم المسلمين في الأزمنة السابقة بتلاوة الآيات التي تبين جهادهم، والرضا بما قدموه في سبيل الله، وإتخاذهم أسوة وقدوة.
السادس: دعوة المسلمين للتدبر وإقتباس الدروس والعبر من إيمان وإخلاص وجهاد أهل بدر وأحد والأحزاب، لقد كانت كل معركة منها ومقدماتها ونتائجها آية في إمتثال المسلمين للأوامر الإلهية، وفنائهم في الإسلام وصدقهم العهد والميثاق.
ويدل على العموم في قوله تعالى(منكم) أصالة الإطلاق في الخطاب القرآني كما في قوله تعالى[كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ]( )، فصحيح أن الذين يقاتلون شطر من المسلمين، وليس الجميع سواء على نحو فرضه فرض عين، او على نحو الوجوب الكفائي، إلا أن الآية جاءت بصيغة العموم والإستغراق للمسلمين ليكونوا مستعدين في كل زمان ومكان للدفاع عن الإسلام، ومنع تعدي وظلم الكفار، وسعيهم للإجهاز على الإسلام.
لقد أراد الله تعالى الثناء على عموم المسلمين لقيام السابقين منهم بالجهاد والبلاء الحسن في سبيل الله، ولم يحتج الصحابة ويقولوا إن هذه المكرمة خاصة بنا لأننا وحدنا أصحاب بدر وأحد والخندق وحنين، بل جعلوا جهادهم شرعة للمسلمين ينهلون منها معاني الفداء ليبقى الإسلام قوياً.
وليتعظ الكفار والمشركون بما لاقاه اسلافهم من رؤساء الضلالة من قريش ومن حالفهم وناصرهم وأعانهم من الخسارة والخزي في الدنيا، وماينتظرهم من العذاب في الآخرة أشد وأمر، إلا الذي تدارك نفسه بالتوبة التي تكون بالنسبة لهم حصراً دخول الإسلام، وصدق النية والعزيمة.
لقد جاءت لغة التبعيض (منكم) تشريفاً لعموم المسلمين والمسلمات، وتعريضاً وذماً للكفار والمنافقين الذين آذوا المؤمنين، وزحفوا بالجيوش الكبيرة، لمحاربة الإسلام وبيان سوء عاقبتهم وما لحقهم من الضرر الفادح، وقتل رؤوسهم ونهب أموالهم ومؤونهم وفقدهم لشأنهم بين القبائل، وصيرورة هزيمتهم سبباً لدخول الناس الإسلام، فبعد أن كان فريق من الناس مع المشركين، أو يقفون بمعزل عن القتال بادروا إلى دخول الإسلام لما رأوا من الآيات والمعجزات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصبر المسلمين في ميادين القتال دفاعاً عن الإسلام وبما يدل على صدق العقيدة وإخلاص النية، والإقرار بالنبوة.
وهل يدخل هؤلاء الداخلون في الإسلام في عمومات قوله تعالى [مِنْكُمْ] الجواب نعم، وهو من اللطف الإلهي بالمسلمين عموماً، نعم هذا العموم ليس مانعاً دون المعنى الأخص في الآية وإرادة الصحابة الذين قاتلوا في أحد خاصة، لما في قصدهم في الآية من معان ومقاصد سامية منها:
الأول: المنزلة الخاصة التي إختص بها المؤمنون الأوائل الذين شاركوا في معارك الإسلام الأولى.
الثاني: المصداق العملي الذي إنفرد به المقاتلون من المؤمنين في معارك الإسلام الأولى، ومنها معركة أحد التي جاءت هذه الآية بخصوصها وهو المشهور، وفيه الإخبار عن حسن سمت الصحابة وأهل البيت.
الثالث: من إسماء الله تعالى الشكور والشاكر، وجاءت هذه الآية شكراً وفضلاً منه سبحانه بأهل أحد.
الرابع: الآية وثيقة تبين الذين ثبتوا في مواقعهم التي أجلسهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : الآية من عمومات قوله تعالى [أَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ]( )، وجاءت الآية لحفظ سعي وجهاد وتقوى المؤمنين من الصحابة الذين بذلوا الوسع في تثبيت الإسلام، والدفاع عن شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: دعوة المسلمين في أجيالهم المتعاقبة إلى إكرام المؤمنين الذين قاتلوا في سبيل الله، ودفاعاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحفظاً لبيضة الإسلام.
لقد كان كل واحد منهم أمة في الجهاد، والإستعداد للشهادة كحال ضرورة، وحاجة لهم وللأجيال المتعاقبة من المسلمين الذين يتنعمون ببركات هذا الجهاد، وإخلاص المؤمنين في أحد.
السابع: دعوة المسلمين للإقرار بالخصوصية والشرف العظيم الذي ناله الصحابة المجاهدون في معركة أحد، والإعتراف بفضلهم.
الثامن: تنمية ملكة الأخوة الإيمانية بين المؤمنين، طولاً وعرضاً، أي بلحاظ الأخوة بين أجيال المسلمين عموماً والأخوة بين المؤمنين من طبقة وجيل واحد.
التاسع: إرتقاء المسلمين في مراتب الأخلاق الحميدة، وطرد الغل والبغضاء عن نفوسهم بإستحضار جهاد المسلمين الأوائل في سبيل الله.
العاشر: إكرام أهل بدر وأحد حرب على النفاق وأهله، لما في جهادهم من فضح لضرر المنافقين ولحوق الخزي بهم.
قانون”منكم”
جاءت آيات القرآن تشريفاً وإكراماً للمسلمين في نزولها وإعجازها وما فيها من الأحكام والأوامر والنواهي والقصص، وهو من الشواهد على تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم، وكل آية من آيات القرآن مدرسة وجامعة في العلوم، وكنز يستخرج منه المسلمون العلوم والدرر العقائدية، ومنها هذه الآية التي تضمنت تشريف المسلمين وذكر واقعة تفتخر بها أجيالهم المتعاقبة.
فمع أن الذين شاركوا في المعركة سبعمائة من المؤمنين إلا أن ضياء إيمانهم يشع في قلوب المسلمين، وينير لهم دروب الجهاد في سبيل الله، ويدعوهم إلى نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيت أحكام الشريعة ببذل النفس والمال.
إن قوله تعالى [مِنْكُمْ] برزخ دون الفرقة والخلاف بين المسلمين، وحث لهم على التآخي والتأسي بالسابقين الأولين من المسلمين الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وإشتروا الجنة بالصبر والتقوى والسخاء بالنفس والمال وهجر الدعة والراحة، فتركوا المضاجع، ليهبوا كالرجل الواحد إلى دار الخلود والنعيم الدائم بالتفاني في مرضاة الله، والقتال في أحد، ومحاربة الكفار والمشركين.
لقد كان الصحابة المقاتلون من الكلي الطبيعي الذي يكون لكل مسلم ومسلمة حصة فيه، يفهم من جهة الإقتداء والتأسي والإفتخار والإعتزاز، وإقتباس دروس الجهاد والصبر .
وإذ جاءت الآية قبل السابقة بأمر المسلمين بالصبر والتقوى, جاءت هذه الآية لبيان منافع الصبر والتقوى موضوعاً وحكماً، وجاء لفظ (منكم) لحصانة المسلمين من الفشل في المعارك والجهاد في سبيل الله، من وجوه:
الأول: مجئ الآية عبرة وموعظة.
الثاني: بيان قانون ثابت ينفرد به المسلمون، وهو أن القلة منهم تذب عن الجميع، وتدفع عن المسلمين العدو ذا الشوكة والقوة.
الثالث: دعوة المسلمين للشكر لله تعالى على نعمة حفظ الإسلام في معاركه الأولى.
الرابع: جعل المسلم والطائفة من المسلمين يقارنون بين حالهم وحال المسلمين الأوائل، وما لاقوه في جنب الله، وتحليهم بالصبر والتقوى.
الخامس: الآية حجة على الكفار والمنافقين، فليس لأحد أن يقول أن المسلمين في الزمان الفلاني مالوا الى الراحة، وخلدوا إلى السكينة وعطلوا الجهاد.
فقوله تعالى [طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ] بيان للإتحاد في موضوع الجهاد في الأجيال المتعاقبة، وإخبار عن حضور آية صبر وتقوى وقتال المؤمنين في أحد في الوجود الذهني لعموم المسلمين، والتأريخ الإسلامي.
السادس: إرادة العموم في الآية مادة للإحتجاج، ودفع للشك والريب في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يقاتل المؤمنون الجيوش الكبيرة إلا ببلوغ مرتبة اليقين، والتسليم بصدق نبوته، وظهور الآيات الحسية والعقلية على يديه، وفيه عون وتخفيف عن المؤمنين، وحث على الصبر والجهاد في سبيل الله.
السابع: التبعيض والإشارة إلى عموم المسلمين مدد وعون لهم في كل زمان ومكان.
الثامن: تطرد الآية الفزع والخوف من قلوب المسلمين، وتجعلهم يعيشون أمجاد النصر في بدايات الدعوة الإسلامية، ويعني هذا أنهم لا يقفون عندها، ويكتفون بها، بل يتخذونها نبراساً وسبيل هداية، وطريق رشاد، ومناسبة للأمل، وبلغة للصبر والتقوى وتحقيق الفوز والغلبة على الأعداء.
لقد أراد الله عز وجل للقرآن أن يكون مائدة السماء التي ينهل منها المسلمون المعارف والعلوم، ويتسلحون بالأداب الإسلامية، ويتفقهون في الدين، ويعلمون أحكام الحلال والحرام.
فجاءت هذه الآية لتخبر عن عدم وجود إنقطاع أو فصل بين المسلمين جميعاً وان تباعدت الطبقات، واختلفت الألسن واللهجات، وتباينت الأمصار فالجامع المشترك بينهم وجود صحابة مؤمنين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاهدوا في الله، وبذلوا الوسع دون رسول الله، ولم يتخلفوا عن نصرته، وواجهوا أقوى جيش في الجزيرة آنذاك بعددهم القليل، وعدتهم الضئيلة .
لتكون النتيجة نيل المنزلة الرفيعة عند الله، وترشح الفضل الإلهي على أجيال المسلمين بحسن سمتهم، بدليل قوله تعالى [ مِنْكُمْ] ليكون الأجر والثواب على الجهاد يوم أحد أمراً توليدياً ينتفع منه المسلمون والمسلمات في كل زمان، ويدعوهم لمحاكاة أهل أحد، وقد لا يكون هناك موضوع لمحاكاتهم ولكن الثواب لاينقطع بل يتحصل بتلاوة هذه الآية، وإستحضار وقائع بدر وأحد.
وفي قوله تعالى [ مِنْكُمْ]بلحظ سياق الآية نكتة عقائدية، وهي أن الله عز وجل ولي المؤمنين جميعاً، فهو سبحانه ولي الطائفتين من الأنصار، ليس لأنهم هموا بالفشل، بل الأصل هو ولاية ونصرة وإعانة الله تعالى لهم، فموضوع الولاية هو الأصل، وبه تدفع عن المؤمنين الكثير من إسباب الإفتتان.
وهذه الآية عون للمسلمين للأمن والسلامة من كيد ومكر الكفار لأن الله عز وجل ولي المسلمين وهو الذي يمنعهم من الفشل.
قوله تعالى [أَنْ تَفْشَلاَ]
لقد ذكرت الآية السابقة جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار، في الإستعداد لمواجهة وقتال كبرياء وجيوش قريش، التي زحفت على المدينة المنورة، وتبين الغايات الخبيثة لهذه الزحف من وجوه:
الأول: كثرة أفراد الجيش إذ أنهم جاءوا بثلاثة آلاف من المقاتلين.
الثاني: مجئ الزحف عقب خسارة قريش في معركة بدر، وكثرة قتلاهم، وأسر سبعين منهم، لم يخل المسلمون سبيلهم إلا بعد الفداء.
الثالث: جاء هذا الزحف بعد تراكم البغضاء والعداوة من الكفار للمسلمين، ورؤية كثرة دخول الناس في الإسلام.
ان الضلالة سبب لترتب مباني خاطئة عند الفرد والجماعة، فقد ظنت قريش أن شأنها وتأريخها مهدد بالزوال مع بزوغ شمس الإسلام، فارادت أن يبقى الناس في ظلام، وقامت بإعداد الجيوش عسى أن يوقف زحفها زحف العقيدة.
ولكن الله عز وجل ولي المؤمنين، ومن القوانين في الإرادة التكوينية إستمرار وإتصال زحف عقيدة التوحيد، وعجز وتخلف أي قوة عن منع هذا الزحف المبارك.
لقد نفذ الإيمان إلى شغاف القلوب المنكسرة، وصارت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حديث الركبان، والحرائر في خدورهن، ويأتي أحد الكفار إلى بيته ليفاجئ بغياب إبنه ليعلم بعد حين أنه في المدينة مع النبي محمد مهاجراً وناصراً وجندياً من جنود الرحمن.
ويدخل أحدهم داره ليعلم بإسلام زوجته أو إبنته وتوجهها إلى القبلة في صلاة غيّرت مجرى الحياة اليومية لما أضفى عليها الإسلام من الخشوع والبهاء وسكينة الإيمان الذي أخذ ينتشر في الجزيرة لتصير وكأنها في ربيع وبهجة، ويكون الكفار كالنبت الخالي من النفع، والذي يؤذي الأرض والناس.
فأخذت قريش ومن حالفها حمية الجاهلية وساروا بجيوش كثيرة العدد والعدة والمؤون، وسارت معهم النساء لبعث الحماس فيهم للقتال، فخرج لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجيش أقل في عدده من ربع جيوش المشركين، ولكن المائز كان بتوكل المؤمنين على الله، ووجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم، لنزول أسباب المقارنة بلحاظ العدد والعدة، وهو سر من أسرار الوجود الإنساني في الأرض، ومن عمومات قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
بتقريب أن الله عز وجل خلق الناس لعبادته، وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً للنبيين لجذب الناس الى منازل العبادة، وتثبيت سنن الإيمان في الأرض، فجاء الكفار لمعركة خاسرة من الأصل، ولكن الكفر والجحود سبب لغشاوة على بصائرهم تمنع من رؤية الهزيمة التي تنتظرهم، والفشل الذي يصيبهم، فلم يعلم الكفار أن المسلمين يتحلون بالصبر والخشية من الله، وهما وقاء وحرز من تعدي الكفار والظالمين.
وقد جاءت الآية قبل السابقة بقوله تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] ( ) لتأتي هاتان الآيتان بالإخبار عن واقعة أحد، ليكون الصبر والتقوى مقدمة نصر المسلمين، وهو من أسرار ورود هذه الآية والآية السابقة باسم (المؤمنين) صفة للمقاتلين من الصحابة الذين ساهموا في تثبيت الإيمان في الأرض بدمائهم وأنفسهم وأموالهم، ومبادرتهم لقتال العدو مع كثرته، وهذه الكثرة ليس في السواد بل في المقاتلين من الكفار، وكانت نساء المشركين تشارك في القتال أيضاً ببسالة، مما جعل المسلمين في عسر وشدة، وزاد فيها وفي قلتهم إنخزال المنافقين، ولكن لم يظهر نقصهم لوجوه:
الأول: من عمومات قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عيّن مواضع المقاتلين بما يخفي على العدو نقص عددهم.
الثاني: كان تعيين مواضع المؤمنين في القتال بالوحي وتقدير الآية(وأوحينا إليك أن تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال).
الثالث: حسن جهاد المؤمنين، وإخلاصهم في القتال، وقال الله تعالى في مدح المؤمنين في القتال[كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
الرابع: أن الله عز وجل ولي المؤمنين، وهو ناصرهم، ومن مصاديق النصر تهيئة مقدماته.
الخامس: حسن توكل المؤمنين على الله في القتال وغيره.
السادس: طاعة المؤمنين لرسول الله في أمور القتال، وتحديد مواضع القتال.
السابع: عجز الكفار عن رؤية النقص في عدد المسلمين بالنسبة لعددهم من وجوه:
الأول: ما يتركه الكفر من الغشاوة على أبصار الكفار.
الثاني: إندفاع المؤمنين في القتال، [إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] ( )، وكأن الواحد من المؤمنين عن عشرة مقاتلين.
الثالث: إستعداد المؤمنين للبراز والقتال.
الرابع: حال الفزع التي تتغشى الكفار من جهات:
الأول: هزيمتهم في بدر مع كونهم هم الأكثر، مما يعني أن الكثرة لن تنفعهم.
الثاني: عدم وجود موضوع يقاتلون من أجله.
الثالث: مباغتة المسلمين لهم.
الرابع: ما يبعثه الله في نفوس الكفار من الخوف.
الخامس: إن عدد المسلمين في الأصل ليس قليلاً، لأن السبعمائة عدد كثير، خصوصاً إذا كان المقاتلون في حال ومعنويات جيدة، ويحسنون فنون القتال.
السادس: لقد جرت المعركة حوالي المدينة المنورة، ويعلم الأنصار تضاريس المنطقة وموضع المعركة جيداً، وهذا العلم عون لهم على المبادرة في الحركة والهجوم ومشاغلة العدو والإنقضاض عليه، لذا ما أن بدأت المعركة وإشتد وطيسها حتى إنهزم الكفار.
السابع: مع كثرة عدد الكفار فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وعد المؤمنين النصر قال الزمخشري “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الف، وقيل في تسعمائة وخمسين والمشركون في ثلاثة الآف، ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخزل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس وقال ياقوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري فقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم، فقال عبد الله: لو نعلم قتالا لأتبعناكم، فهمّ الحيان بإتباع عبد الله فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
ولكن ليس من دليل على أن الحيين من الأنصار أرادوا إتباع عبد الله بن أبي، لأنه إنسحب وسط الطريق إنسحاباً مخزياً له ولأصحابه، وقد ذمهم المؤمنون، ولم يذكر موضوع إنسحابهم في هاتين الآيتين بل ذكرت الآية السابقة جلوس المؤمنين في مواضع القتال بتوجيه وتعيين من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن ابن عباس رضي الله عنه: أضمروا أن يرجعوا فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا( ).
ولهذا التعيين المبارك موضوعية في الحيلولة بينهم وبين الفشل، وهو من أسباب نزول الرحمة الإلهية بهم وإستقرار التباين والتضاد بينهم وبين المنافقين، لقد كان الناس في معركة أحد على أقسام:
الأول: الكفار الذين جاءوا من مكة للتعدي والجور والقتال بالباطل، وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: المنافقون الذين إنخزلوا من المعركة.
الثالث: المؤمنون الذي قاتلوا دفاعاً عن الإسلام.
والطائفتان من القسم الثالث، إذ لم يكن الهم إلا حديث نفس، وتردد طارئ، سرعان ما زال، لأن الإيمان طارد له، ولأن المؤمنين يتحلون بالصبر والتقوى.
لقد أدركت الطائفتان أن السلامة والنجاة بالصبر والتقوى لما ورد في الآية السابقة [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا]، وبإستحضار المؤمن لزوم الصبر يوطئ نفسه على المكروه، ويعلم ما فيه من الثواب العظيم، و(قال عمرو بن الإطنابة:
وقولي كلما جشأت وجاشت
مكانك تحمدي أو تستريحي( ).
لقد كان وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية ومدرسة في الصبر للمؤمنين، وحجة في لزوم الثبات في الجهاد، وفعلاً عندما إشتد القتال، وترك الرماة مواضعهم، وفرّ كثير من المؤمنين بقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضعه ثابتاً، وفيه آية بخصوص إجلاس للمؤمنين في مواضع القتال فيكون تقدير الآية السابقة (تبوئ المؤمنين ونفسك مقاعد للقتال).
وتنفي الآية حصول الفشل من قبل الطائفتين لأن الهم غير الفعل، ولو كان هناك فشل وجبن، لما أخبرت الآية عن الهم، لأن المدار على الفعل ولا تبقى موضوعية للهم به، فيدل ذكر الآية الهم على عدم وقوع الفشل والجبن، كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا] ( )، فانه لم تحصل الفاحشة لأنها نوع مفاعلة بين الطرفين.
وقد عصم الله عز وجل نبيه يوسف منها، فبقى فعل زليخة في مرتبة الهم، اما الفشل في المقام فهو أشبه بالإيقاع، وليس من مفاعلة في الفشل فيحصل من طرف واحد.
فجاءت الاية لنفي وقوعه لأن الهم غير الفشل، وقد يكون مقدمة له، أو لا يكون، وجاءت الآية للإخبار عن عدم صيرورة هذا الهم مقدمة للفشل، وجاءت الآية بصيغة المثنى، وتحتمل وجوهاً:
الأول: كل طائفة همت بالفشل على نحو مستقل لما رأوا من كثرة جنود العدو وعدته.
الثاني: الإتفاق بين الطائفتين على الفشل.
الثالث: التشاور وتبادل الرأي بين الطائفتين.
الرابع: إنصات ومحاكاة إحداهما للأخرى.
الخامس: تأثير إنسحاب المنافقين على الطائفتين.
والأرجح هو الثاني للشعور بالضعف وقلة المؤونة، ونقص العدة والرجال وكان كحديث النفس، وليس قراراً بالإنسحاب، ولم يصدر من الطائفتين فعل يدل على العزم على الجبن والتراجع وإعتزال القتال، وفيه بيان لفضل الله عز وجل على المؤمنين الذين هموا بالفشل بأن صرف الله عنهم الهم بالضعف والجبن، وعلى الذين بقوا في مواضعهم بان ثبتهم الله وثبت معهم إخوانهم الذين هموا بالفشل.
لقد تحمل المؤمنون الضرر الناتج من إنخزال المنافقين لأنهم يتوقعون صدور مثل هذا الفعل منهم، وجاء إنسحابهم قبل الوصول إلى ميدان المعركة بحيث لا يستطيعون الإدعاء بانهم شاركوا في الحرب، أو يقومون بذكر بعض الوقائع من المعركة.
ومن الآيات تنزيه مقام النبوة والإيمان في المقام بإنسحاب المنافقين قبل الوصول إلى ميدان المعركة، من وجوه:
الأول: من أجلسهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مواضعهم للقتال شاركوا في المعركة ببسالة وإخلاص، ولا يضر بهذا المعنى إنهزام أكثرهم أمام مباغتة العدو.
الثاني:إجلاس المؤمنين في مواضعهم يضفي بركة خاصة في المقام، وكأن هذه الآية والآية السابقة تفيدان قاعدة كلية وهي: من يجلسه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يفشل ولايجبن، ومن يجلسه النبي في موضعه ينال الثواب العظيم، والمنافقون لايستحقون هذا الثواب، وحرموا أنفسهم منه بالإنسحاب قبل الوصول إلى ميدان المعركة.
أن التهيئ للقتال وإتخاذ مواضع وسط ميدان المعركة شاهد على عدم حصول الفشل والجبن، وذكرت الآية الهم بالفشل لبيان إعجاز القرآن وإن الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولبث الفزع والخوف في نفوس الكفار من المؤمنين وجلوسهم في مواضعهم طاعة لله ورسوله، ويدل طرو الهم ثم تركه والإعراض من موضوعه على ثبوت قبحه الذاتي و الغيري.
لقد أدرك المؤمنون أن الفشل قبيح وضار، وقد أنعم الله عز وجل عليهم بأسباب النصر والولاية، فلم تكن هناك أدنى حاجة للفشل.
وتدل الآية الكريمة وما فيها من عدم تعدي موضوع الفشل لحال الهم وأول العزم دون الفعل وترتب الأثر على تحلي المؤمنين من الصحابة بأعلى مراتب الصبر واليقين، وفوزهم بالنصر والغلبة بفضل الله مع التباين الكبير بين قوة شوكة العدو وضعفهم وقلة عددهم، وهذا الصبر لاينحصر بالقضية الشخصية بل يشمل القضية النوعية، فكل فرد من الطائفتين صابر بذاته، كما أن طائفة منها صابرة محتسبة، لاتتصرف بما يخالف قواعد الصبر، والإمتثال لأمر الله عز وجل.
بحث بلاغي
من وجوه البديع(النزاهة) وهو مجئ الهجاء خالياً من الفحش، فيأتي الكلام تعريضاً وتنبيهاً وبياناً لحال يجب التنزه منها، وهجاء القرآن خال من الفحش.
وهل في الآية مصداق للنزاهة بأن جاء الذم من غير فحش، الجواب ليس فيها ذم وهجاء للطائفتين من الأنصار، لذا تراهم يفتخرون بالآية الكريمة وكونهم سبب نزولها، إذ أنها تتضمن مدحهم من وجوه:
الأول: عدم صيرورة الهم فعلاً خارجياً.
الثاني: إنقطاع الهم وعدم إستقراره.
الثالث: إخبار الآية بأن الله وليهم، وهو إنحلالي يفيد معنى ولاية الله لكل فرد من أفراد الطائفتين.
الرابع: توكل الطائفتين على الله عز وجل وتفويض أمرهم إليه، وثقتهم به سبحانه في تحقيق النصر والغلبة على الكفار.
لقد جعل الله قصة الهم في هذه الآية مناسبة لمعرفة أجيال المسلمين لقصة الطائفتين من المؤمنين وكيف أنها قهروا النفس الشهوية والغضبية وتغلبوا ليفوزوا برضا الله سبحانه.
علم المناسبة
وردت مادة الفشل أربع مرات في القرآن، اثنتين منها في سورة آل عمران، واثنتين في سورة الأنفال بإرادة صيغة التثنية والجمع فجاء بصيغة (تفشلا)، في هذه الآية وبصيغة الجمع ثلاث مرات.
ولم يرد بصيغة المفرد المذكر أو المؤنث، لأن موضوع الفشل ذو أثر بالغ، لا يتعلق بالقضية الشخصية، ووردت خطابات شخصية في القرآن موجهة للأنبياء، وهم منزهون عن الفشل إبتداء وإستدامة.
وجاء قوله تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ] ( )، بخصوص معركة أحد أيضاً، وفيها إخبار بأن الله عز وجل وعد المسلمين بالنصر والغلبة في أحد، وقد ألقى الله الرعب في قلوب الكفار، فما أن بدأت المعركة حتى زحف المسلمون وإنهزم الكفار، وشعر المسلمون بالنصر، وتجلت آيات الظفر ظاهرة للحواس، وكانت الدولة للمسلمين، ولكن الرماة الذين وضعهم رسول الله على الجبل لحماية مؤخرة المؤمنين حينما رأوا إنهزام المشركين، والمسلمون يتبعونهم ويقتلون بهم، تنازعوا أي الرماة وإنقسموا الى فريقين:
الأول: لاحاجة بالبقاء على الجبل، ولابد من النزول لمشاركة المؤمنين في الغنائم.
الثاني: عدم مخالفة أوامر رسول الله، إذ وصاهم بعدم مغادرة المكان حتى مع حصول الغلبة على الكفار.
وثبت الفريق الثاني أعلاه في مواضعهم، ومنهم أمير الرماة عبد الله بن جبير في عدد دون العشرة، ومجموع الرماة هو خمسون من المؤمنين فكّر المشركون على الرماة وقتلوا عبدالله بن جبير ومن معه، وأقبلوا على المسلمين من خلفهم فقتلوا من قتلوا، وإنهزم أكثر المؤمنين.
ويحتمل الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث وجوهاً:
الأول: تقييد الإطلاق الوارد بخصوص الفشل، وأنه خاص بالطائفتين من الأنصار اللتين ذكرتهما هذه الآية [[ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ] اما النزاع فكان بين الرماة، وتلك آية إعجازية في نظم الآيات والجمع بينها، وتقدير الآية : وإذ فشلت طائفتان منكم وتنازع الرماة.
الثاني:حصول الفشل عند الرماة بضعف الرأي، والعجز عن الصبر، وترك مواضعهم، وتقدير الآية: حتى إذا فشل الرماة وتنازعوا في الأمر.
الثالث: إرادة المعنى الأعم وأن الفشل حصل لغالب المؤمنين، ويدل عليه إنهزامهم عن رسول الله إذ لم يبق معه إلا عدد قليل من المؤمنين.
أما الأول فان الآية محل البحث لم تخبر عن حصول الفشل عند الطائفتين بل قالت [ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ] أي لم يفشلوا ولم يجبنوا.
ولم يحصل نزاع أوخصومة بين المؤمنين، وهم وإن إنهزم أكثرهم فمن شدة هجوم الكفار، وليس عندهم معصية لله وأوامر الرسول في ميدان المعركة بينما قالت هذه الآية [وَالله وليهما]، ولكن إرادة الوجه الثاني أعلاه وان المقصود في النزاع هم الرماة، لا يمنع من المعنى الأعم.
وجاءت الآية بصيغة الخطاب العام للمسلمين، وفي قوله تعالى [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ] ( )، تقسيم للرماة بأن منهم من أراد الغنيمة والمال فترك موضعه الذي أجلسه فيه رسول الله، ومنهم من يريد مرضاة الله ويبقى على طاعة رسوله ولم يغادر موضعه وهو عبدالله بن جبير ومن بقى معه، إذ فازوا بالشهادة بعد أن قتلهم المشركون عندما كرّوا عليهم.
أما الآيتان اللتان ذكرت فيهما مادة (فشل) فهما في سورة الأنفال، وجاءت الأولى بصيغة الماضي (فشلتم)، قال تعالى [وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ] ( )، وجاء موضوعها بخصوص معركة بدر قال ابن مسعود رضى الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين، قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا له: كم كنتم، قال ألفاً، ويقللكم في أعينهم، حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور( ).
وتدل الآية على أن المسلمين لم يفشلوا ولم يهموا بالفشل في معركة بدر، وهو من اللطف الإلهي بالمسلمين والتخفيف عنهم في معركة الإسلام الأولى.
وجاء قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] ( )، في سياق الآيات الخاصة بمعركة بدر والجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث إعجاز قرآني، وتوكيد لهداية الله عز وحل للمسلمين لطرق النصر والظفر على الأعداء، وتحذيرهم من أسباب الفشل والخسارة التي حصلت في معركة أحد، فبعد معركة بدر جاءت الآيات ببيان حال المسلمين وتأديبهم ودعوتهم للإنتفاع من النصر والظفر الذي حققوه في بدر، وتحذيرهم من الغفلة والجهالة، والغرور والزهو، والإختلاف فيما بينهم.
فتدل الآية على أن تعاهد النصر والظفر ضرورة، وهو لايتحصل إلا بطاعة الله ورسوله وإجتناب الخصومة والنزاع، ويفيد الجمع بين الآيتين أن من طاعة الله الإنبعاث لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتتجلى طاعة الرسول في المقام بعدم ترك المؤمنين مواضعهم سواء الرماة أو غيرهم الذين تركوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بين الأعداء لولا العناية الإلهية وهو شاهد على أن عصمة الله عز وجل للنبي محمد في قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( )، لاينحصر في فترة حجة الوداع وما بعدها بل هو شامل لأفراد الزمان المتقدمة على زمان نزول الآية واللاحقة لها،وسبب نزول الآية، فالنزاع في لقاء العدو يؤدي الى الضعف وذهاب الصولة، وتثبيط الهمة، والجبن عن ملاقاة الأعداء.
فمن الآيات أن تأتي الآيات القرآنية الخاصة بنتائج معركة بدر تحذيراً مما قد يقع في معركة أحد، ليكون حينئذ مواساة للمسلمين، ودرساً وعبرة للقادم من الأيام والمعارك مع المشركين والكفار، وهو من اللطف الإلهي بالمسلمين أمس واليوم وغداً.
قانون(الواقية من الفشل)
إبتدأت هذه الآية بذكر طائفتين من المؤمنين همتا بالضعف والتراجع في معركة أحد.
ويبين هذا الشطر من الآية أن الفشل لم يقع لأن ذكر الهم يدل في مفهومه على عدم وقوعه فلو كان الفشل حاصلاً، لما كانت هناك موضوعية لذكر الهم، ولكن ذكر الهم وحده له دلالات في المقام بالذات وبالعرض لذا جاء الشطر التالي من الآية متعلقاً به[وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] لبيان عدم ترتب الأثر على الهم بالفشل الذي طرأ على أفراد الطائفتين.
ويحتمل الهم في موضوعه وجوهاً:
الأول: كل فرد من الطائفتين همّ بالفشل.
الثاني: إختصاص الهم برؤساء الطائفتين.
الثالث: همّ جماعة من كل طائفة بالفشل، فجاءت الآية بإطلاق الكل وإرادة الجزء.
الرابع: إرادة المناجاة وتبادل الرأي بين أفراد الطائفتين وظهور الميل النفسي عندهما للفشل، وعدم الإستمرار في المعركة.
والصحيح هو الثالث والرابع،فمن فضل الله رسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين بحيث يطرأ الهم بالفشل عند بعضهم فلا يستقر لأن الإيمان يدفعه ويمنعه، لقد جعل المؤمنون قلوبهم رياضاً ناضرة مملوءة بحب الجهاد في سبيل الله،الأمر الذي يتناقض معه الفشل.
وقد ثبت في علم الفلسفة أن المتناقضين لايجتمعان، ثم تأتي ولاية الله عز وجل لتكون عصمة لهم وتقدير الجمع بين شطري الآية ان من يكون وليه الله لم ولن يفشل.
وتحتمل السلامة من الفشل وجوهاً:
الأول: زوال الهم بالفشل وأثره بولاية الله عز وجل للمؤمنين عامة، وللطائفتين على نحو الخصوص.
الثاني: الحصانة الذاتية عند المؤمنين من الفشل إذ أن الإيمان واقية من الخوف والوهن والخور في مواجهة الكفار، وتأتي ولاية الله حرزاً ومدداً، وذخيرة وعصمة دائمة.
الثالث: زوال الهم بالفشل بالإيمان وحسن التوكل على الله، وجاء ذكر ولاية الله عز وجل للطائفتين في الآية للثناء عليهم بسبب زوال الهم.
وهو وعد كريم في الآية، وتقدير الآية مادام همكم بالفشل قد زال فإن الله وليكم وهو ناصركم، ومن الفضل الإلهي عدم التعارض بين هذه الوجوه وكل فرد منها فضل وفيض من عند الله عز وجل، وهو الواسع الكريم، لأن بلوغ الأحديين مراتب الإيمان واقية من الجبن والخور ويفيد الجمع بين أول ووسط وآخر الآية أموراً:
الأول: لقد همت طائفتان من المؤمنين بالفشل، ولكن ولاية الله عز وجل لهما حالت دون تحقق فشلهما.
الثاني:إن هم الطائفتين بالفشل،لم يؤثر في ولاية الله لهما،لأن الله عز وجل ولي المؤمنين وهو ناصرهم،فإذا صدر منهم همّ بالفشل فهو الغفور الرحيم.
لتمنع الآية من إستيلاء الحزن والأسى على قلوب أفراد الطائفتين من المؤمنين بسبب الهم بالفشل، وكيلا يقال أنهم حرموا من ثواب الجهاد والمشاركة في معركة أحد، والإستبسال فيها.
لقد إنهزم أكثر المؤمنين من معركة أحد، ولم يرجعوا إلا بعد أن سمعوا أن النبي حي وهو وسط المعركة يقاتل، وخالف أغلب الرماة أوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتركوا مواضعهم، ومع هذا لم تذكرهم هذه الآية فلماذا ذكرت الطائفتين اللتين همتا بالجبن والفشل من غير أن يحصل الفشل واقعاً.
والجواب نزلت آيات أخرى بخصوص الذين فروا من العدو كما في قوله تعالى[إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] ( )، فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يناديهم من خلفهم ارجعوا إلي عباد الله، إرجعوا إلي انا رسول الله، ونزل قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ]( ).
وقد ورد في الآية أعلاه عن الحسن ومجاهد والربيع وقتادة والسدي أن قوماً ممن فاتهم شهود بدر، كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر، قبل أحد فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه، فانهزموا، فعاتبهم الله على ذلك( ).
فكل آية من هذه الآيات تبين حال مخصوصة، وهو من إعجاز القرآن وبديع نظم آياته بما يجعل النفع من الآية وذكر الواقعة في القرآن أعظم وهو باب لإقتباس المواعظ والعبر، ودعوة للمسلمين والمسلمات والناس جميعاً لإستقراء الدروس من معركة أحد، وحال المؤمنين فيها, وأسباب النصر الإلهي , والمدد الغيبي يومئذ.
وتتجلى في الآية المنافع العظيمة التي تأخذها أجيال المسلمين من سيرة الصحابة وما لاقوه في جنب الله، إذ تذكر الآية حال أفراد طائفتين منهم في معركة أحد وما عانوه من شدة هجوم الكفار، وضراوة المعركة، وشعروا بضعفهم وهموا بالفشل، ليبقى هذا الهم مدرسة وموعظة، وسلاحاً للمسلمين في ميادين المعارك وقبل وقوعها.
وليكون هذا الهم مناسبة لإنتصار المسلمين في المعارك اللاحقة سواء تلك التي خاضها الصحابة أنفسهم أم التي جاءت في زمان التابعين وما بعده، ومنه الفتوحات الإسلامية فاذ همت طائفتان من المسلمين في مواجهة المشركين من قريش ومن حالفهم، فقد واجه الصحابة فيما بعد الروم في معركة تبوك وهي آخر مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي غزاها بنفسه، ليكون الهم من طائفتين من المسلمين ونزول هذه الآية الكريمة به واقية من الهم بالفشل مرة أخرى.
لقد كان المسلمون معرضين للهم بالفشل عندما يكون العدو ذا بأس شديد، وعدد كثير، فجاءت هذه الآية لتمنع والى الأبد من أثر رجحان قوة وكثرة العدو، وتبعث اليأس في نفسه من فشل المؤمنين بل من همهم بالفشل، فاذا تدارس أمراء الكفار حال المعركة قبل وقوعها فلا يضعون في بالهم أن المؤمنين يهمون بالفشل وانه يمكن وضع خطط لمباغتتهم بغية فرارهم، لأن هذه الآية سلاح ضد الفشل والهم به، وهي شاهد على تفضيل المسلمين وانهم [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
إذ أن ثباتهم في ميادين القتال وعلى نحو متكرر ومحسوس للصديق والعدو، دعوة للناس للكف عن مقاتلة المسلمين، وإجتناب دخول معارك معهم، لذا لجأت كثير من القبائل، إلى الصلح مع المسلمين وطلب ودهم إلى أن نزلت سورة براءة.
وعقد أهل الكتاب المواثيق مع المسلمين كما في شطر من يهود المدينة ووفد نصارى نجران مع تقديم الأموال والعون للمسلمين، وتتصف هذه الآية بكونها واقية من الفشل من وجوه:
الأول: إخبار الآية عن وقائع معركة أحد.
الثاني: عدم إستقرار الهم بالفشل والضعف، ومن يتوكل على الله لا يستقر في نفسه الهم بالفشل .
الثالث : علم الله عز وجل بما في صدور المؤمنين، والإيمان ليس سبباً لستر أمر الهم بالفشل لأن المنافع من كشفه عظيمة لكل من :
الأول : الطائفتان اللتان همتا بالفشل من جهات:
الأولى: دعوتهم لإصلاح حالهم، ونبذ الهم بالفشل.
الثانية: مدحهما بأنهما لم يفشلا.
الثالثة: الإخبار عن أن الله عز وجل هو وليهما وناصرهما.
الثاني: المؤمنون الذين إشتركوا في معركة أحد من جهات:
الأولى: الإخبار بإن الله عز وجل يعلم ما تخفي صدورهم.
الثانية: أنهم لم يهموا بالفشل والجبن، لأن ذكر الطائفتين يفيد الحصر في موضوع الفشل.
الثالثة: بعث السكينة في نفوسهم لأن الله هو وليهم وناصرهم، ومن يكن الله وليه فلا يهم بالفشل ولايخاف القوم الكافرين.
الثالث: عموم المسلمين من وجوه:
الأول: العناية الإلهية بالصحابة الذين إشتركوا في المعارك الأولى للإسلام.
الثاني: الشهادة القرآنية للصحابة المجاهدين بالإيمان.
الثالث: إعجاز القرآن بأنه يخبر عن حال المؤمنين في المعارك.
الرابع: إقتران الإخبار عن حال المؤمنين في المعركة بالوعد الكريم من الله بأنه ناصرهم ووليهم.
قانون العصمة من الفشل
لقد أنعم الله عز وجل على الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكانت إشراقة سماوية في ربوع الأرض، إبتدأت في مكة لتأتي الهجرة إلى المدينة،ويكون لها شأن عظيم إلى يوم القيامة، وهذا الشأن لم يأت إتفاقاً ومحض صدفة، بل جاء بفضل من الله، وجهاد الأنصار والمهاجرين، تحت راية الإسلام.
إذ هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بعد بيعة العقبة ليجد الأنصار في إستقباله نبياً وإماماً وقائداً، وتجلت نصرتهم في معركة أحد بأبهى معانيها، فلم يضعفوا ولم يجبنوا، ولم يتخلوا عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وجاءت هذه الآية لتخبر عن المدد واللطف الإلهي بإعانة الأنصار والمهاجرين في الثبات في مواضع القتال، وكان المسلمون محتاجين إلى الثبات، لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم ينهزم ويترك مكانه في المعركة، فكان ثبات المؤمنين ورجوعهم إلى مواضعهم من المعركة ضرورة لسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبقاء الإسلام، وحصانة المدينة من الإستباحة والنهب والسلب.
ويحتمل همّ طائفتين بالفشل في نتائجه أموراً:
الأول: قيام الطائفتين بالفرار من المعركة.
الثاني:محاكاة غيرهم من الأنصار لهم بالإنهزام وترك ميدان المعركة.
الثالث: ترك الأنصار والمهاجرين ميدان المعركة.
الرابع: طلب المهاجرين والأنصار من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنسحاب من المعركة.
الخامس: إنفراد الطائفتين بالإنسحاب دون غيرهم.
السادس: حصول الفشل على نحو الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً.
السابع: إشتراك طوائف أخرى من المؤمنين بالهم بالفشل دون حصوله.
الثامن: إنقطاع الهم وعدم ترتب أثر عليه.
والصحيح هو الأخير، إذ تدل الآية على سلامة وعصمة المؤمنين في معركة أحد وعلى نحو العموم الإستغراقي من الفشل والتخاذل والإنسحاب ليبقى التباين والتضاد بين المؤمنين والمنافقين متصلاً، إذ إنفرد المنافقون بالإنسحاب من المعركة، وجاء الكفار لقتال المؤمنين، وزحف المؤمنون إلى أحد بصبر وخشية من الله، وطلباً لمرضاته وحباً للقائه، لذا فإن الفشل بعيد عنهم.
لقد أراد الله عز وجل للمؤمنين في الأجيال المتعاقبة أخذ الدروس من السنة النبوية ومن سيرة الصحابة، والتعلم من قصص القرآن وما فيه من الأخبار والبيان.
وجاءت هذه الآية لتكون حديثاً من عند الله مع أهل أحد يتضمن إكرامهم والثناء عليهم، وتوكيد حقيقة وهي أن الله عز وجل يعلم حالهم ومقامهم وما لاقوه من الشدة والحرج يومئذ، ويكون من الثناء على أهل أحد بلحاظ الإخبار عن هم جماعة منهم بالفشل على وجوه:
الأول: الذين هموا بالفشل لم يفشلوا،والمدار في عالم الجزاء على الفعل وليس على الهم به.
الثاني: قدرة المؤمنين من الصحابة على التدارك والنجاة من الهم بالفشل.
الثالث: صبر الأكثر من المؤمنين وعدم تفكيرهم بالهم بالفشل مع حصول الهزيمة أثناء المعركة بسبب ثغرة الرماة.
الرابع: إعادة تنظيم المسلمين لصفوفهم، والكرة على العدو وتقهقره مولياً منهزماً.
الخامس: عودة المؤمنين إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسط المعركة، فالحيان من الأنصار اللذان هما بالفشل بادرا إلى الرجوع إلى النبي ومواصلة القتال من غير أن تكون هناك موضوعية للفشل.
السادس: مجئ هذه الآية التي تنفي الفشل عن المؤمنين جميعاً في معركة أحد سواء الذين هموا به أو الذين لم يهموا به.
السابع: مدح المؤمنين الذين لم يطرأ على بالهم الفشل، ولم تحدثهم أنفسهم بترك القتال، إذ كانوا عوناً للطائفتين بالكف عن الهم بالفشل، فإن قلت تدل الآية على حصول هذا الكف بفضل الله ونصرته وولايته لهم لقوله تعالى[وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] فهذا القول صحيح وتام، ومن ولاية الله تعالى أنه يجعل المؤمنين الذين ثبتوا في مواضعهم جنوداً له تعالى في جعل أصحابهم يكفون عن الهم بالفشل، ويستمرون في الجهاد والقتال طاعة لله ورسوله، كما أن ولايته تعالى لهم أعم من الكف عن الفشل، إذ تشمل المدد والعون الإلهي وأسباب الصبر والتقوى.
ويفيد الجمع بين هذه الآية والآية قبل السابقة أموراً:
الأول: أن الكف عن الهم من الفشل من مصاديق الصبر في جنب الله.
الثاني: إجتناب المؤمنين الفشل وأفراد الجبن من مصاديق التقوى والخشية من الله عز وجل.
الثالث: توكيد هذه الآية لإمتثال المؤمنين لأحكام الآية قبل السابقة والتي جاءت بصيغة الشرط[وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] ( ).
الرابع: مع الإمتثال يأتي المدد والعون الإلهي، ونجاة المؤمنين من الزلل والخطأ والقصور.
الخامس: ميادين القتال من أهم الموارد التي يتبين فيها صدق التقيد بأحكام الصبر والتقوى.
ويتجلى في الآية قانون هو عصمة المؤمنين من الفشل والجبن والخور وهذه العصمة ليست ذاتية بل هي بفضل الله وولايته ونصرته للمؤمنين، فإن همّ فريق من المؤمنين بالفشل فإنهم لم يجبنوا ولن يخوروا، بل ثبت الفريق الأكثر منهم في منازل الحق والهدى وتحملوا الأذى في ذات الله، ليكونوا سبباً لجذب الآخرين، وكف إخوانهم عن الهم بالفشل، ويتحقق هذا الكف بالبقاء في ميادين الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتقيد بآداب الفرائض والسنن العبادية.
قوله تعالى[وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا]
جاء هذا الشطر بخصوص الطائفتين من المؤمنين اللتين همتا بالفشل والضعف والوهن، وليس من ثمة فترة بين الإخبار عن الهم بالفشل وبين ولاية الله لهما، وفيه شاهد على اللطف الإلهي بالمؤمنين، وتقريبهم إلى منازل الطاعة، ونفرتهم من أسباب ومقدمات المعصية والزلل، فمع الهم بالفشل تأتي الوقاية والحصانة من عند الله بإعتبارها فرداً من أفراد ولاية ونصرة الله عز وجل للمؤمنين .
وفي الآية مسائل:
الأولى: الآية حرز للمؤمنين، وبشارة الأمن من الفشل، لأنها جاءت من باب المثال وليس الحصر، فالله عز وجل هو ولي المؤمنين كافة، قال تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
الثانية: منع سوء الظن بالطائفتين أو التعريض بهم، لأن الهم غير الفعل ولا يكون مقدمة يترشح عنها الفعل دائماً، وكثيراً ما يهم الفرد والجماعة بأمور ثم ينصرفون عنها من غير أن يأتوها، فلا تذكر، وأن ذكرت فإنها سرعان ما تنسى ولا يترتب عليها أثر، ولكن الهم بالفشل من قبل الطائفتين من المؤمنين ذكر في القرآن بما يجعله لا ينسى أبداً،من وجوه :
الأول: إنه مرسوم في المصاحف .
الثاني: رسوخ موضوع وقصة هذا الفشل في الوجود الذهني للمسلمين,وهو موضوع إعجازي يستحق تأليف مجلد علمي خاص يبين الأثر الموضوعي لقصص وأخبار القرآن في كيفية تفكير المسلم والمسلمة، وإختيارهما للفعل .
الثالث: تلاوة المسلمين لهذه الآية في صلاتهم، وما فيها من البيان عن الهم بالضعف، وما يتركه إنصراف الطائفتين عنه.
وتلك آية إعجازية في القرآن بتثبيت وقائع وأمور لايلتفت إليها أحد لولا ذكرها في القرآن، مما يدل على موضوعيتها وأثرها في الأجيال المتعاقبة من المسلمين وغيرهم لأن القرآن رسالة إلى أهل الأرض جميعاً، ولأن أعداء الإسلام يدرسون أحوال المسلمين من خلال آيات القرآن، وما فيها من الأحكام والأخبار والمعاني القدسية.
الثالثة: تبعث هذه الآية الفزع والخوف في قلوب الكفار من المسلمين، لأن الهم بالفشل من قبل فرقة قليلة من المسلمين صرفه الله، ومنع من تحققه بعالم الفعل، مما يعني أن المؤمنين منزهون من الفشل والجبن والضعف بفضل وواقية من الله.
الرابعة: بيان علة سلامة المؤمنين من الفشل يوم أحد، بأنها ولاية الله عز وجل للمؤمنين.
الخامسة: إنفراد المؤمنين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة عظيمة لم ينلها إلا الأنبياء والأولياء وهي نصرة الله عز وجل لهم، وفيه شاهد على أن المؤمنين ورثة الأنبياء، وهم الذين يتعاهدون كلمة التوحيد في الأرض.
السادسة: دعوة المسلمين للجوء إلى الله عند الشدائد، والإستعاذة به من الجبن والضعف والوهن.
السابعة: بيان عدم التكافئ بين المسلمين والكفار من جهتين متضادتين:
الأولى: كثرة عدد الكفار، وعدتهم ومؤونهم وأموالهم،وفيها وجوه:
الأول: إنها أمر متزلزل، فقد تكون الكثرة يوماً عند الكفار، وتغادرهم يوماً آخر، أو يكونوا كثيرين في زمان أو بلد مخصوص، ولكنهم قلة في زمان وبلد آخر.
الثاني: دخول الناس إلى الإسلام يأتي على كثرة الكفار.
الثالث: هلاك أموال الكفار وذهابها هباء لإنفاقها في محاربة الرسول والإسلام، قال تعالى[مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا
صِرٌّ]( ).
الرابع: مجئ الشواهد التأريخية التي تدل على عدم إنتفاع الكفار من كثرتهم ومما عندهم من الأموال، فقد أظهرت معارك الإسلام الأولى في بدر وأحد والخندق وكتائب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن كثرة الكفار وأموالهم كانت وبالاً عليهم.
ولم تكن مانعاً من تحقيق المسلمين النصر والغلبة مع قلة عددهم وعدتهم.
الخامس: أن الدنيا دار بلاء وإختبار، وقد خلق الله الإنسان لعبادته، وجعل عنده الأموال لهدايته وينظر كيف يتصرف بها، وإختيار الكفر سبب لسوء التصرف بالأموال، وهو خسارة في الدنيا والآخرة.
الثانية: ولاية الله عز وجل للمؤمنين، وفيها وجوه:
الأول: ولاية الله سبب للعز في الدنيا والآخرة.
الثاني: ولاية الله واقية من آثار القلة، والنقص في عدد ومؤن المسلمين.
الثالث: من يكن الله وليه لا يستطيع أحد قهره والتغلب عليه.
الرابع: الولاية أعم من أن تختص بميادين القتال، فهي شاملة لكل الميادين والمواضيع، لذا تجد المؤمنين في عز دائماً.
الخامس: ولاية الله تقي من الفشل والضعف، أما كثرة الكفار فلا تقيهم مصارع السوء، وتكون أموالهم سبباً للفشل والضعف والجبن.
السادس: ولاية الله عز وجل من الناس، وفيها الكفاية وقضاء الحاجات، قال تعالى[وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا] ( ).
السابع: ولاية الله باب للمغفرة والتوبة ومحو السيئات.
الثامن: يطرد الله عز وجل عن أوليائه الخوف والحزن، قال سبحانه[لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
التاسع: يدفع الله عز وجل عن أوليائه الفشل وإن هموا به، وهو من لطفه تعالى بالمؤمنين، كما تدل عليه هذه الآية.
لقد أنعم الله عز وجل على أهل الأرض ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الشواهد على صدق نبوته أنه بدء بالدعوة عقب الوحي وليس عنده شئ من مال ورجال وعدة، بدأ يدعو إلى الله بشخصه الكريم وحسن سمعته والوحي وسط مجتمع مكة المكرمة الذي فيه قيادات ورؤساء وأقطاب لهم شأنهم في المجتمع وبين القبائل، ولم ينافسهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في منازلهم، بل أخبرهم أن دعوته تجعل العرب يذعنون لهم، وتلك آية في الترغيب بدخول الإسلام، ولطف بسادات مكة كيلا يحاربوا الإسلام.
وكان كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقاً وصدقاً، وهو من مصاديق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لا يقول إلا الحق، وإن كان كلامه مع أعدائه.
لقد أراد منهم أن تكون قريش لا له ولا عليه، وهذه الحالة مقدمة لإسلامهم وإسلام كثير من الناس لأن الآيات والمعجزات تترى على يديه، ولكن أقطاب الضلالة من سادات قريش أبوا إلا الإصرار على الجحود وإنكار النبوة، وعدم التسليم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فجاءت آية وموضوع الهجرة المتعددة أفراداً ومكاناً وزماناً، وهي معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ تمت بالوحي وتغشى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم اللطف الإلهي.
وحفظ الله عز وجل النبي إلى أن وصل إلى المدينة سالماً مع طلب قريش له، وليس من موضوع لهذا الطلب،فما من دم أو ثأر أو حق لهم عنده، وهذا الطلب بحاجة إلى دراسات وبحوث في دلالته وموضوعه وأثره وبيان الأذى الذي كان يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قومه.
لقد بعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لتثبيت كلمة التوحيد في الأرض، وإستدامة إقامة الصلاة والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخرج مهاجراً فاراً من قريش في طريق طويل بين مكة والمدينة، ليس معه أصحاب إلا واحداً هو أبو بكر، ولا دليل على أنهما كانا يحملان سلاحاً ودرعاً.
فكانت مسيرة شخصية في أيام معدودة ليصل إلى المدينة ويبدأ تغيير مجرى التأريخ بآية من عند الله، وكم من المصلحين والعظماء سعوا إلى التغيير وبذلوا الوسع في الإصلاح فبادرهم عدوهم بالقتل أو الأسر، أو إبتلاهم الله تعالى بالمرض، وحال الأجل دون تحقيق ما يطلبون مع أنه وأثره محدود مكاناً وزماناً، أو أنهم إفتقروا إلى مستلزمات ومؤونة الإصلاح.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حفظ الله عز وجل له في نفسه وشخصه إلى أن نزل قوله تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
ولم تترك قريش النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بعد وصوله إلى المدينة، وإذ منعهم الله عز وجل من قتله عندما كان في مكة فإنهم زحفوا بالآف الجنود وبمرآى ومسمع من الملأ لقتله في المدينة.
ومن الآيات أنه كلما يزداد مكر وكيد الكفار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتجلى معاني قدسية مستحدثة في حفظه وعصمته من القتل وتصدى المسلمون الأوائل من المهاجرين والأنصار إلى جيوش قريش ومن معهم من الكفار فخرجوا لقتالهم خارج المدينة لأن الحرب صارت بين الإيمان والكفر، بين النبوة ورؤوس الضلالة، فخرج المؤمنون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمواجهة الكفار.
وذكر أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خرج ماشياً على رجليه من بيته في المدينة إلى أحد، وهو قول مجاهد والواقدي.
وجاءت الآيات بوصف الصحابة الذين خرجوا مع النبي إلى أحد بالمؤمنين، ليدل في مفهومه على أمور:
الأول: ذم الكفار والمشركين الذين جاءوا لقتال المسلمين من جهات:
الأولى: القتال من أصدق معاني التضاد والتناقض، ومن يقاتل المؤمنين لإيمانهم فهو كافر.
الثانية: الأصل هو إكرام المؤمنين وعدم التعدي عليهم.
الثالثة: ظلم الكفار لأنفسهم بالتعدي على المسلمين.
الرابعة: إنفاق الكفار الأموال بالباطل لتكون حسرة عليهم في الدنيا والآخرة.
الثاني: وجود أمة مسلمة آمنت بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: إستعداد المؤمنين للدفاع عن الإسلام بالنفس والمال.
الرابع: كثرة عدد المؤمنين مع قصر مدة الدعوة والهجرة يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد واجه الكفار سبعمائة من المؤمنين مع أن معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة.
وقد مكث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة بعد البعثة النبوية نحو عشر سنوات ولم يكن معه إلا أصحاباً قليلين، وهاجر بالنبوة والحفاظ عليها إلى المدينة لتؤسس دولة الإسلام مع أن المدينة أكثر تعدداً في أجناس أهلها، ففيها الأوس والخزرج، وفيها اليهود وهم أهل كتاب.
وكثرة الأنصار من بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهادهم بين يديه في أحد شاهد على صدق نبوته، وقد همت طائفتان منهم بالضعف والجبن، فجاء الجزاء والشكر واللطف الإلهي لهما سريعاً، ليمنع من ترجل هذا الهم إلى الخارج وعالم الفعل،ولتبقى الطائفتان مع المؤمنين من المهاجرين والأنصار في ميادين المعركة ينصرون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ويذبون عنه وعن الإسلام في آية تدل على صدق إيمانهم.
والطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس.
وجاءت هذه الآية لتؤكد أنهم لم يجبنوا ولم يضعفوا بل إستمروا في القتال.
قانون”والله وليهما”
لم يرد لفظ[وَلِيُّهُمَا] في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة، وجاء بصيغة المثنى وهو إنحلالي إذ ينقسم إلى وجوه:
الأول: الله ولي الطائفتين مجتمعتين، بأن يقيل عثرتهما، ويمنع من فشلهما وجبنهما، ويحول دون مناجاتهما بالفشل، لأن الهم بالفعل يكون أكثر أثراً إذا صدر على نحو مشترك ومتعدد، مما لو يكون فردياً وشخصياً.
الثاني: ينصر الله كل طائفة منهما على نحو مستقل، وهو الواسع الكريم، فسواء كانوا متفقين على الفشل، أو كل واحدة من الفرقتين همت بمفردها فإن الله ولي كل جناح وطائفة منهما فيمنعها من الفشل.
الثالث: الله ولي كل واحد من أفراد الطائفتين، يحول بينه وبين الفشل والجبن، فإذا كانت نفسه حدثته بالفشل فإن جوانحه وجوارحه تنفر من إطالة هذا الحديث النفسي، وتمتنع عن التسليم له، وتحول دون ترتب الأثر عليه, لتعود النفس وتنصرف عن هذا الهم فيقبر في مكانه .
لقد أخبرت هذه الآية بأن الطائفتين من المؤمنين لتشملهما وكل مؤمن ومؤمنة ولاية الله، وجاء الآيات بالإخبارعن الأمن والسلامة لأولياء الله، قال تعالى[أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
وإنعدام خوفهم أعم من أن ينحصر بالدار الآخرة مع أن حاجة الإنسان فيها لعدم الخوف أكبر وأعظم من الدنيا، ولكن الله واسع كريم يعطي بالأوفى والأتم، فيكون الأمن من الخوف في الدنيا والآخرة، ومنه السلامة والأمن من الخوف من الكفار والمشركين، وإذا أنتفى الخوف من الكفار إنتفى الفشل والجبن لأنه كالعلة والمعلول، ومن ولاية الله عز وجل للمؤمنين في نفوسهم، ليكون هذا الفرد سبباً لمواجهة الكفار وإن كانوا هم الأكثر في العدد والعدة.
وجاءت معركة أحد مصداقاً لعدم خوف أو خشية المؤمنين من الكفار، وتجلت في قوله تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( )، لما تدل عليه من توجه الصحابة إلى القتال وإمتثالهم لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة والإستعداد لها.
لقد جاءت هذه الآية ببيان وجه من وجوه ولاية ونصرة الله عز وجل للمؤمنين بأن يدفع عنهم الهم بالفشل من جهات:
الأولى: منع الهم بالفشل من البروز في عالم الفعل.
الثانية: زجر الكفار عن إخافة وإفزاع المؤمنين.
الثالثة: بعث الفزع والخوف في قلوب الكفار من المؤمنين، وتلك آية ظاهرة للحواس، يشعر بها المؤمنون في المعركة، وتدركها الأجيال بالوجدان فمع التباين والفارق الكبير في العدد والعدة لمصلحة الكفار، والكفار هم الذين إختاروا مكان وزمان المعركة وإستعدوا لها نحو سنة فما أن بدأت المعركة حتى إنهزم الكفار شر هزيمة.
وكانت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان في وسط العسكر، فكلما إنهزم رجل من قريش، دفعت إليه ميلاً ومكحلة، وقالت : انما أنت امرأةفاكتحل بهذا( ).
فولاية الله للمؤمنين بالذات والعرض، وبالأسباب والمسببات، والمؤثر والأثر، وليس من حد أو تخصيص لولاية الله بل هي شاملة للميادين كلها، وفي التنزيل[إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ] ( ).
والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والخروج للقتال دفاعاً عنه وعن الإسلام من أبهى وأسمى معاني الصلاح والتقوى، فصحيح أن الآية جاءت بصفة ونعت المؤمنين إلا أنها تدل على صلاحهم من وجوه:
الأول: الإمتثال لأوامر رسول الله في المعركة.
الثاني: إتيان الأحديين الفرائض والعبادات.
الثالث: حملهم السيف جهاداً في سبيل الله.
الرابع: إخبار الآية بأن الله وليهم شاهد على صلاحهم وتقواهم، وتبين الآية أن ولاية ونصرة الله للمؤمنين حاضرة في المواطن كلها، وأنها لا تحجب عنهم بسبب الهم بالسوء، فلما أهمت الطائفتان بالفشل كانت ولاية الله واقية منه، ومن سلطانه وتأثيره.
وتبين الآية مسائل:
الأولى: حاجة المؤمنين إلى ولاية ونصرة الله عز وجل لهم.
الثاني: عدم تخلف نصرة الله عن المؤمنين فهي حاضرة وقريبة منهم، فما أن هموا بالفشل حتى جائتهم الولاية من الله لتحول دون الفشل، وتطرد الهم به ليزول موضوعه من الأصل.
الثالثة: من ولاية الله مجئ هذه الآية لكريمة في بيان حال المؤمنين في
القتال وعظيم فضل الله عليهم، وصيرورة قصتهم مدرسة للأجيال، وموضوعاً وحكماً يفتخر به المسلمون إلى يوم القيامة، وفيه دعوة لهم بحسن الظن بالله وعدم الخشية من الكفار والمشركين، وما يصل منهم من التهديد والتخويف والوعيد.
فقد واجه السابقون الأولون من المسلمين قوى الكفر والضلالة وليس عندهم سلاح إلا ولاية الله عز وجل ونصرته لهم، فرجعوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة لتهون مع عودته المصائب وتقل وطأة الخسائر، ويدرك المسلمون واليهود والكفار أن الإسلام أصبح دولة وأمة متكاملة، لينفتح للناس باب دخول الإسلام على مصراعيه، ويدخلون في الإسلام أفواجاً يتلون القرآن ويدركون بالعقل والحس ما فيه من العذوبة والدرر العقائدية والعلمية، وهو من ولاية الله للمؤمنين، فمن ولايته تعالى لهم زيادة عددهم، وتبكيت وضعف عدوهم.
لقد جاءت الآية بالإخبار عن ولاية الله للطائفتين اللتين همتا بالضعف، والمراد المعنى الأعم من جهات:
الأولى: الله وليهما وناصرهما في الحروب والمعارك، وفي حال السلام والرخاء.
الثانية: يهديهم الله عز وجل لأداء الفرائض والعبادات.
الثالثة: تمنع ولاية الله من الإقتتال بين المؤمنين، فمن مصاديق ولايته لهم منع الخصومةوالإقتتال بينهم، وإن حصل الخلاف والإقتتال يتعقبه الصلح والألفة.
الرابعة: من ولاية الله عز وجل للمسلمين إجتناب الطائفتين والمؤمنين الهم بالفشل في القادم من الأيام والمعارك، وتنبيه المسلمين إلى القبح الذاتي للفشل والجبن، ولزوم إجتنابه، وعدم لجوئهم إليه، لأن الله عز وجل ناصرهم ووليهم.
فلم تتحدث معارك وكتائب المسلمين التي أعقبت معركة أحد عن وقوع الهم بالجبن والفشل والنكوص عن القتال بين المؤمنين، وكانوا يتسابقون إلى الجهاد ومبارزة الأعداء.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (حسن النسق) وهو الإتيان بكلمات متتاليات متقاربات في مواضيعها ودلالاتها، ويتصل بعضها ببعض، واللاحقة منها معطوفة على السابقة، ومنه هذه الآية الكريمة إذ أنها تتكون من ثلاثة جمل كل واحدة تستقل بمضامين قدسية، وتشترك مع غيرها بمضامين أخرى وهي:
الأولى: قوله تعالى [ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ] وفيه دلالة على أن الآية خاصة بشطر وجماعة من المؤمنين راودتهم فكرة الخور والتوقف عن القتال لا عن شك أو ريب بل شعروا بالضعف والحاجة للمدد والرجال.
فجاء المدد ملائكة مكرمين، وهل همهم بالفشل هنا من عمومات قوله تعالى [وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ] ( )، الجواب لا، من وجوه:
الأول: فئة المؤمنين هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في موضعه وسط المعركة لم يغادره.
الثاني: لم يحصل فرار وهزيمة من الطائفتين، بل إنهم هموا بالفشل.
الثالث: الفشل أعم من الفرار من المعركة والهزيمة من العدو، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل إنهزام هو فشل، وليس كل فشل هو إنهزام وفرار من العدو، والطائفتان ليستا من الذين تراجعوا يوم أحد كما قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، وجاء موضوع الآية على نحو الإنذار للمؤمنين، بالإخبار عن خطر من داخل المؤمنين يهددهم ففي فشل وإنسحاب طائفتين منهم أمور:
الأول: ضعف جبهة الحق.
الثاني: إنه سبب لبث الوهم في صفوف المؤمنين.
الثالث: فيه إغراء لطوائف أخرى من المؤمنين بالإنسحاب.
ومن فنون المعركة أن قريشاً جعلت أبا عامر في المقدمة وهو من أهل المدينة وكان وعد الكفار بأن الأنصار حينما يسمعون كلامه يلتحقون به، ولكنهم شتموه في بداية المعركة.
الثانية: قوله تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] وهو موضوع مستقل وآية في العالمين، وشاهد على تفضيل المسلمين من وجوه:
الأول: أن الطائفتين من المؤمنين، وولاية ونصرة الله عز وجل ليست خاصة بهم بل تأتي بصفة الإيمان، وهو كلي طبيعي عام لكل من صدق في قلبه وجوانحه بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: نصرة الله حاضرة للمؤمنين إذا هموا بالفشل وتتجلى بصرف هذا الفشل.
الثالث:بعث الوهن والخوف والفزع في قلوب الكفار، فينتفي معه هّم المؤمنين بالفشل لإنعدام سببه.
الرابع: بشارة المؤمنين بالنصر والغلبة والسلامة والأمن.
الثالثة: قوله تعالى [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] وفيه دعوة للمسلمين جميعاً للتفقه بموضوع وأحكام المدد الإلهي، وإدراك حقيقة وهي ظهور الإسلام وتحقيق النصر والغلبة للمؤمنين في سوح المعارك ووهن الكفار، وزيف أسباب الضلالة والشك والريب.
علم المناسبة
ذكرت مادة (ولي) في مواضع كثيرة من القرآن، وتبين ولاية الله عز وجل للمؤمنين، وما فيها من الخير المحض، وسبل التوفيق، وولاية الشيطان للكافرين وما فيها من الشر والضرر الخاص والعام، والله تعالى هو ولي الأنبياء والمؤمنين الذين يعملون الصالحات، قال تعالى [إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ
الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ]( ).
ويفيد الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث أن أهل أحد المسلمين من الصالحين، وأنهم نالوا مرتبة الصلاح بالخروج إلى أحد دفاعاً عن الإسلام ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإن هّم الطائفتين بالفشل لم يخرجهما من صفة الصلاح والهدى.
وفي الآية دعوة للمسلمين والمسلمات باللجوء الى الله عز وجل وطلب النصرة والعون والمدد في حال الحرب والسلم، والشدة والرخاء ذلك أن ذكر ولاية الله للطائفتين أوان الهم بالفشل حث للمؤمنين لإستحضار ولايته تعالى في الشدائد للنجاة من الأذى والبلاء، وفي التنزيل [أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ]( ).
وفيه دعوة للطائفتين والمؤمنين جميعاً للإستغفار وسؤال العفو من عند الله عز وجل، وتحتمل ولاية الله للطائفتين بلحاظ أفراد الزمان والعوالم الطولية وجوهاً:
الأول: الولاية خاصة في الحياة الدنيا.
الثاني: تتعلق الولاية بعالم الجزاء في الآخرة.
الثالث: إطلاق الولاية وشمولها للحياة الدنيا والآخرة.
والصحيح هو الثالث، وفي يوسف عليه السلام ورد في التنزيل [فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ]( )، لذا فان الآية محل البحث بشارة الجزاء الأوفى للطائفتين والمؤمنين جميعاً.
قوله تعالى [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]
مع أن الآية الكريمة تتعلق بمعركة أحد، وبخصوص هّم طائفتين من المؤمنين بالفشل والضعف والوهن أمام كثرة العدو وشدة الهجوم بعد ماحصل من هزيمة عرضية للمسلمين بسبب مغادرة الرماة لمواقعهم، فإنها تتضمن بشارة دفع الفشل والضرر عن الطائفتين من المؤمنين بقوله تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] .
وجاءت خاتمة الآية الكريمة بقاعدة كلية ودعوة سماوية للمؤمنين بأن يتوكلوا على الله عز وجل فلا ينحصر موضوع الآية بمعركة أحد، وهّم جناحين من الأنصار بالفشل ولكنها تشمله موضوعاً وحكماً من وجوه:
الأول: نظم الآية الكريمة، وورود هذا الشطر في ذات الآية التي تذكر الواقعة.
الثاني: وصف الطائفتين بأنهما من المؤمنين، ومجئ الحث على التوكل على الله بذات الصفة.
الثالث:حاجة الطائفتين إلى اللجوء إلى الله عز وجل.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إبتلاء وإمتحان، يتجاذب فيها الخير والشر النفس الإنسانية، وتمر على الإنسان فيها أيام غبطة وسرور، وأيام حزن وإكتئاب فليس من حال مستديمة يبقى فيها الإنسان، وكل حال تلح على الإنسان بوجوب عبادة الله، وجاء الإسلام ليضفي على الحياة لوناً من البهجة والغبطة بتجلي المعارف الإلهية وبعث المؤمنين للسعي في ميادين الطاعة لله، والتفقه في الدين.
ونزلت آيات القرآن لتزيح الجهل وتطرد الغفلة عن الإذهان وتجعل القلوب تسيح في عالم الملكوت، ولكن أولياء الشيطان أبوا إلا محاربة الإسلام، وقتال المؤمنين برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنها حق إذ جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات من عند الله دليلاً على صدق نبوته وحجة على الناس في لزوم تصديقه وإتباعه، فكانت معركة بدر ثم معركة أحد، وفوجئ المسلمون بكثرة جيوش الكفار، ولم تخفهم تلك الكثرة بل هجموا عليها هجمة رجل واحد فازاحوهم من مواضعهم، وسط إستهزاء النساء اللواتي جاءوا بهن من مكة لبعث الحماس فيهم على القتال والمبارزة.
وتبين خاتمة الآية المائز بين المؤمنين والكفار، إذ ينفرد المسلمون بموضوع التوكل، أما الكفار فلا يفقهون التوكل وهم يحاربون من يتوكل على الله، لتكون حربهم هذه وبالاً عليهم، لذا وردت الآيات بالإخبار برجوع كيدهم ومكرهم عليهم بالأنفس والمال وفقدان الشأن والجاه.
فقد عادت قريش بجيوشها الى المدينة في معركة بدر، وتعرضوا إلى خسارة كبيرة وعلى نحو مفاجئ ومباغت لهم، فالمسلمون بعددهم القليل وعدتهم المتواضعة قتلوا سبعين من قريش وأسروا سبعين، ثم أطلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأسرى بعد الفداء، لينقلوا إلى قريش معالم المدينة تحت ظلال الإسلام، والإنقلاب والتهذيب الحاصل في النفوس والسمو في الأخلاق, وتسليم المهاجرين والأنصار بالمعجزات التي جاء بها النبي، عسى أن تتعظ قريش وتكف عن التعدي على المسلمين، ولكنها أبت إلا الإستكبار والتجبر والعناد، وغرها ما كان حولها من القبائل ومن معها من الأحابيش، وخفي عنها أن المؤمنين متوكلون على الله، وهذا التوكل سلاح عظيم لايستطيعون مواجهته، فجرت معركة أحد بين فريقين:
الأول: قريش التي جاءت زاحفة من مكة المكرمة، وفيه مسائل:
الأولى: يبلغ جيش قريش ثلاثة آلاف رجل، وقيل خمسة آلاف.
الثانية: مع قريش مائتا فرس.
الثالثة: إصرار قريش على الكفر والجحود.
الرابعة: السعي للإنتقام والثأر من المسلمين.
الخامسة: إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة: محاولة وأد الإسلام في مهده.
السابعة: ليس من قضية يقاتل دونها الكفار.
الثامنة: تمتلأ نفوس الكفار بالخوف والفزع.
الثاني: المسلمون الذين خرجوا للدفاع، وفيه مسائل:
الأولى: يدافع المسلمون عن :
أولاً: شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانياً: الإسلام.
ثالثاً: ثغر الإسلام المدينة المنورة.
الثانية: يقاتل المسلمون عن مبادئهم وعقيدتهم فلا يغادر أحدهم منازل الإيمان، ويريد الكفار لهم الردة.
الثالثة: تطمئن نفوس المؤمنين للنصر وتحقيق الظفر على الأعداء.
الرابعة: قلة عدد المسلمين في المعركة، وظهور النقص في عدتهم ومؤنهم.
الخامسة: قوة عزيمة المسلمين، وعدم الخشية من العدو.
السادسة: الأخوة الإيمانية التي تجمع المسلمين في المعركة، وهي من أسرار تسميتهم بالمؤمنين في هذه الآية، فمن دلالات ها اللفظ في المقام الإخبار عن قتال المسلمين كأخوة يشد بعضهم أزر بعض.
السابعة:الله ولي المؤمنين يمدهم بمدد ولطف منه تعالى، وليس للكافرين من مدد أو عون.
الثامنة: خرج المسلمون إلى القتال، وهم متوكلون على الله، ونسبة التوكل على الله الى النصر والغلبة نسبة العلة إلى معلولها، فمع التوكل على الله يأتي النصر والظفر والغلبة على الأعداء، ويتجلى رجحان كفة المؤمنين في القتال، ولكن الكفار لا يرون وأسبابه القدسية، وينظرون الى الأمور المادية وكثرة الجنود وهي ذات أثر في حسم المعركة بين فئتين من الكفار، وما يحصل بينهم تكافئ في الجوانب الأخرى، أما المعركة بين المسلمين والكفار فانه لاتكافئ فيها ومحسومة سلفاً، لأن المؤمنين عندهم أٍسلحة قدسية ملكوتية يفتقر لها الكفار والمشركون.
وفي خاتمة الآية مسائل:
الأولى: بيان قانون وسجية ثابتة عند المؤمنين، وهي حسن توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه سبحانه.
الثانية: دعوة المؤمنين للتوكل على الله عز وجل في أمورهم وأحوالهم كلها.
ولاتعارض بين المسألتين أعلاه، فظاهر الآية هي الثانية إلا أنها تدل على الأولى أيضاً قال تعالى [قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ]( ).
الثالثة: بعث الفزع والخوف في قلوب الكفار من المسلمين لذا جاءت الآية بصيغة ندب المسلمين إلى التوكل على الله.
الرابعة: الحسن الذاتي والعرضي للتوكل على الله عز وجل.
الخامسة: النفع العظيم للتوكل على الله.
السادسة: حاجة المسلمين في ميادين القتال للتوكل على الله.
السابعة: ترغيب الناس جميعاً يدخول الإسلام، والإنتفاع من سلاح التوكل على الله.
الثامنة: رؤية معجزة من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي توكله والمسلمون على الله عز وجل.
التاسعة: إنكار تعدي الكفار على المسلمين الذين يتوكلون على الله.
العاشرة: تنمية ملكة التوكل على الله عند المسلمين وجعلهم يفزعون إلى الله في السراء والضراء، والصغيرة والكبيرة.
بحث كلامي
لقد جعل الله عز وجل الإنسان خليفة في الأرض سواء على المعنى الأخص للخلافة وإرادة آدم والأنبياء، ام المعنى الأعم وإرادة جنس الإنسان، وجعل الدنيا دار إمتحان وإبتلاء له مع المدد والعون الإلهي له في منحه نعمة العقل وقدرته على التمييز وإختيار الأحسن، وبعث الأنبياء مبشرين ومنذرين، وجعل الدنيا مملوءة بالآيات الكونية، وأنزل الكتب السماوية فجاء القرآن خاتماً لها ومهيمناً عليها، مثلما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً وسيداً للنبيين.
وجاءت خاتمة هذه الآية من القرآن مدرسة كلامية تؤكد تلمس أسباب الفوز والظفر باللجوء الى الله، والإستعانة به في الملمات، ومن أسماء الله تعالى (الوكيل) وهو الكفيل بأرزاق الخلائق والحافظ لها.
لقد إختار المسلمون الإيمان فجاء التوكل على الله مترشحاً عنه، ومرآة له، إذ يدرك المؤمنون أن مقاليد الأمور كلها بيد الله عز وجل فلجأوا اليه سبحانه، وهل التوكل من العجز كما يقال : رجل وكل أي عاجز كثير الإتكال على غيره.
الجواب لا، إنما يأتي الذم في التوكل فيما بين الناس فيترك الإنسان واجبه وعمله لغيره ليؤديه عنه، أما المؤمنون فانهم ينهضون بواجباتهم، ويقومون بوظائفهم العبادية خير قيام، ويأتي التوكل على الله لوجوه:
الأول: رجاء فضل الله عز وجل.
الثاني: الطمع بما عند الله، وما ينزله من النعم.
الثالث: الإمتثال لأمر الله تعالى بالتوكل عليه سبحانه.
الرابع: التسليم بالربوبية له سبحانه.
الخامس: الإنقياد والطاعة لله ورسوله.
السادس: إستجارة وإستعاذة المسلمين بالله عز وجل.
السابع: الإقرار بضعف الإنسان، وحاجته للكفيل، ولايقدر على كفالة الإنسان في ذاته ورزقه ومنافعه إلا الله عز وجل، ولا يختص التوكل على الله بأمور الحياة الدنيا، بل يشمل الآخرة والأمن والسلامة فيها.
ان الله عز وجل يحب لعباده أن يتوكلوا عليه ويكره لهم اللجوء الى غيره من دونه، قال سبحانه [أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا]( )،وعن أحد أهل العرفان انه كان ينوي الذهاب الى شخص لقضاء حاجته فعدل عن الذهاب، ولما سئل قال أني أتلو في الصلاة إياك نعبد وإياك نستعين أي انه لايريد الإستعانة بغير الله.
ولكن سؤال الغير من الناس عنده الحاجة لا يتعارض مع الإستعانة بالله، لأنه سبحانه ينعم على الإنسان النعم العظيمة إبتداء منه، ومن غير سؤال، ومع السؤال يعطي الكثير، وهو مناسبة للأجر والثواب لمن يقضي حاجة أخيه المسلم أو أخيه في الإنسانية، وللحرمان من النعمة لمن يتخلف عن قضاء الحوائج، بإعتباره من وجوه الشكر لله تعالى على النعمة.
قانون “التوكل”
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار عبادة، يعمرها الإنسان بالذكر والصلاح وأعمال البر والمناسك الزمانية والمكانية، فيأني شهر رمضان ليبادر المسلمون الى الصيام، ويأتي موسم الحج ليفزع المستطيع منهم إلى بيت الله الحرام، وفي كل يوم يتجدد وجوب الصلاة وإستحباب أدائها في المساجد، وتفضل الله عز وجل وهدى المؤمنين الى التوكل عليه، ليكون نعمة عظيمة إختص الله تعالى بها المؤمنين.
ويحتمل موضوع الآية والمراد من المؤمنين فيها وجوهاً:
الأول: إرادة أفراد الطائفتين الذين هموا بالفشل يوم أحد.
الثاني: المراد المؤمنون الذين إشتركوا في معركة أحد.
الثالث: أجيال المسلمين المتعاقبة منذ الأيام الأولى للبعثة النبوية.
الرابع: المعنى الأخص للمؤمن وإرادة الذين صدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقلوبهم وجوانحهم، وليس عموم من نطق بالشهادتين.
الخامس: المؤمنون من المسلمين والملل السماوية السابقة.
والصحيح هو الرابع والخامس، إذ جاءت الآية عامة وتفيد الإطلاق وإرادة الجميع.
وهل يدخل الأنبياء مع المؤمنين في التوكل على الله، الجواب نعم، فهم أئمة المؤمنين الذين يتعلم منهم الناس مفاهيم الإيمان، ويقتدون بهم، ومن أبهى الشواهد عليه صبر وجهاد وحسن توكل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الله في معركة أحد، إذ إنهزم أكثر أصحابه فلم يبرح مكانه، متوكلاً على الله تعالى، وهذا لا ينفي توكل الصحابة على الله إذ نعتتهم الآية بالمؤمنين ودعت المؤمنين إلى التوكل على الله، ولكن توكل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الله هو أسمى وأرقى مراتب التوكل، لينهل المسلمون والناس جميعاً من النبع ومن مدرسة التوكل، وليس في القرآن آية تقول : وعلى الله فليتوكل المسلمون، مع أنه ورد قوله تعالى[وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] سبع مرات وفيه وجوه:
الأول: التوكل على الله فرع الإيمان.
الثاني: الإيمان فرع التوكل على الله، فيتوكل المسلم على الله لينال درجة الإيمان.
الثالث: الإيمان شرط في صحة التوكل على الله، فلا يصدق موضوع التوكل إلا بالإيمان بالله.
الرابع: الملازمة بين الإيمان والتوكل على الله، وهما مما إذا إجتمعا إفترقا، وإذا إفترقا إجتمعا.
الخامس: ليس من ملازمة أو شرطية بين الإيمان والتوكل، فكل فرد منهما مستقل عن الآخر.
والصحيح هو الأول والثالث والرابع فمع الإيمان يأتي التوكل على الله، وإرادة الحاجة إلى رحمته تعالى، والإقرار بأن مقاليد الأمور بيده، وانه سبحانه لاتستعصي عليه مسألة، نعم ورد حكاية عن موسى عليه السلام في التنزيل، [ وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ]( )، فشرط في التوكل على الله الإسلام أي الإنقياد لأمر الله، والتنزه من زيغ الشيطان، فاظهر بنو إسرائيل الإمتثال[فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا] ( )، ولعل فيه إشارة وبشارة إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق بنبوته.
فإن قلت إذا كانت هناك ملازمة بين الإيمان والتوكل فلماذا جاءت هذه الآية بندب المؤمنين إلى التوكل على الله، بقوله تعالى[وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]والجواب من وجوه:
الأول: الآية من فضل الله تعالى في تأديب وتعليم المسلمين ضرورة التوكل على الله.
الثاني: دعوة المسلمين جميعاً إلى بلوغ مراتب الإيمان والتحلي بسننه، ومنها التوكل على الله.
الثالث: الآية تذكير للمؤمنين بوظائفهم، وما ينفعهم في النشأتين.
الرابع: تتضمن الآية دعوة المسلمين الى الثبات في منازل التوكل على الله.
الخامس: توكيد حاجة الإنسان مطلقاً الى التوكل على الله فلا يستطيع أحد الإستغناء عن التوكل على الله، وهو نعمة عظيمة جعلها الله مصاحبة لوجود الإنسان في الحياة الدنيا، وضرورة في قضاء الحوائج وبلغة لنيل الرغائب، ولكن الكفار حجبوا عن أنفسهم هذه النعمة.
ومن اللطف الإلهي بالناس مجئ هذه الآية وهي خير محض ونفع للمسلمين والناس جميعاً، وهل يخرج الكفار بالتخصص أو التخصيص من الإنتفاع من هذه النعمة العظيمة بإختيارهم الكفر، الجواب جاءت هذه الآية رحمة بهم أيضاً من وجوه:
الأول: ترغيب الكفار بالإسلام مقدمة وشرط للتوكل على الله، فكما لا يقبل دعاء الكافر، فكذا لايصح التوكل على الله منه.
الثاني: دعوة الكفار لرؤية المنافع العظيمة للتوكل التي تظهر على المسلمين في أنفسهم وأحوالهم المختلفة، ومنها ما جرى في معركة بدر وأحد من النصر والظفر والسلامة من الهزيمة مع قلة عددهم أزاء العدو الكافر.
الثالث: إقامة الحجة على الكفار في لزوم إختيار التوكل ومقدماته وإحراز شرائطه بالإسلام وصدق الإيمان.
الرابع: إنذار الكفار لتخلفهم عن التوكل على الله، ومحاربتهم للذين يتوكلون عليه سبحانه ويمتثلون لأوامره ويقرون بالعبودية له، ويسلمون بالحاجة إلى رحمته.
الخامسة: نبذ ولاية الشيطان، وإتخاذ أولياء من دون الله.
لقد جعل الله عز وجل الدنيا بهيجة بقانون التوكل لما فيه من أسباب تثبيت دعائم الدين ونصر المؤمنين، وفيه لجوء إلى الله عز وجل لقضاء الحاجات وإستعاذة به من الشرور والهلكات.
وتدل هذه الآية على أن معركة أحد مدرسة في التوكل على الله، تتضمن حث المسلمين على الفزع إلى التوكل على الله، ومنع الفشل والهم به بالتوكل، فمتى ما أظهر المسلمون حسن التوكل على الله فانهم لايخافون من العدو الكافر وإن كثر عدد جنوده، لأن الله عز وجل مع الذين يتوكلون عليه، ويسلمون له بالقدرة المطلقة وهم المؤمنون على نحو الحصر والتعيين.
قانون توكل النبي على الله
لقد جعل الله عز وجل النبوة أسمى مرتبة بين الخلائق نال شرفها سادة البشر، وأئمة الهدى، ومن الآيات أن تبدأ النبوة مع وجود الإنسان في الأرض، فما أن نزل آدم إلى الأرض إلا وكان رسولاً نبياً، ليكون الأصل هو التوكل على الله، والإحتراز من ولاية الشيطان، ولم يغادر هذا الأصل الأرض والإنسان في أي طبقة أو جيل من أجيال البشر، وظل الأنبياء والصالحون وأتباعهم من المؤمنين يتوارثون التوكل على الله وينالون به بغيتهم.
فجاءت هذه الآية لتوكد تعاهد المسلمين لهذه النعمة، وحرصهم على بلوغ الغايات بها، والتمسك بها واللجوء اليها في الشدائد والمحن، لتظهر منافع وبركات التوكل على الله في دفع الخسارة والهزيمة يوم أحد.
وجاءت الآيات بحصر التوكل بالله تعالى، فلا يصح التوكل على غيره تعالى لأن كل ما هو دون الله محتاج، والتوكل على الله وسيلة مباركة لتدارك النقص والحاجة، ولأن مقاليد الأمور بيده، قال سبحانه [إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ]( ).
وتفيد مضامين الآية أعلاه الإطلاق بأن الحكم كله بيد الله عز وجل، والحصر بأن التوكل وتفويض الأمور واللجوء التام والعام لايصح إلا لله عز وجل، وفيه منع للإفتتان بالأنبياء لأنهم أنفسهم يتوكلون على الله، ويلجأون اليه، ومنع من تفويض الأمور إلى الطواغيت والسلاطين.
وفي قانون التوكل عليه سبحانه ثبات لسنن التوحيد في الأرض، ومنع لشيوع مفاهيم الضلالة والكفر، فيبتلى الإنسان بما يجعله يدرك حقيقة أنه لاينفعه غير الله، ويصيبه اليأس طوعاً وإنطباقاً وقهراً من غير الله.
ووردت مادة (توكل) في مواضع كثيرة في القرآن، وتتعلق كلها بالتوكل على الله عز وجل، وليس فيها ذكر وذم للذين يتوكلون على غير الله، مما يدل على أنها سالبة بإنتفاء الموضوع، فالتوكل على غير الله ممتنع بالذات، وتلك آية من آيات القرآن.
فقد جاءت آيات قرآنية تذم الذين يتولون غير الله، أما التوكل فهو أمر إختصه الله تعالى لنفسه.
ولقد أراد عز وجل أن يكون التوكل عليه ثمرة من ثمار الإيمان، ومادة لتثبيت الإيمان في النفوس ودعوة للناس جميعاً للإيمان بالله عز وجل، وجعله الله عز وجل شاهداً على عظيم قدرته وسلطانه سبحانه، وان الأمور كلها بيده، وفيه تنمية لمعاني العبودية عند الناس، وكان الأنبياء الأسوة الحسنة في باب التوكل على الله، إذ رأوا الآيات وجرت المعجزات على أيديهم بفضل الله، فرسخ اليقين في نفوسهم بضرورة التوكل على الله في الأمور كلها، ليصبحوا الدعاة الى التوكل على الله، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الدعوة الى التوكل على الله في سنته القولية والفعلية.
وجاءت معركة أحد لتتجلى أسمى معاني التوكل على الله، فقد زحفت قريش بخيلها وخيلائها وحلفائها وغلمانها، ترى ما هي النسبة بين عبيد وغلمان قريش يومئذ وما يسمى بالمرتزقة في هذا الزمان.
الجواب أن العبيد أشد بأساً، وأكثر تضحية وإخلاصاً لأسيادهم، ويتعذر عليهم ترك مواضعهم والهروب والتخلص من جور العبودية للغير، وليس من مال يطلبون في قتالهم.
وكان الغلمان يفرحون بأي وعد ويبذلون الوسع في تلبية ما تريده قريش من غير تدبر لأن الكفار منعوهم من المعرفة والعلم بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقال وحشي قاتل حمزة بعد أن أسلم: كنت غلاماً لجبير بن مطعم، وكان عمه قتل يوم بدر، فلما سارت قريش الى أحد، قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فانت عتيق( ).
ولما علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقدوم الكفار جمع أصحابه وسألهم المشورة في قتال القوم في المدينة أو الخروج اليهم في دلالة على توكله على الله في مواجهة الكفار، فان الله عز وجل مع النبي والمؤمنين سواء خرجوا أم بقوا في المدينة، وعندما خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سار على قدميه إلى أحد .
ويحتاج المقاتلون إلى الراحة وقلة التعب كمقدمة لمواجهة العدو، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يعطي درساً لأصحابه بالتوكل على الله، بصبره وثقته بالنصر والظفر بلطف من عند الله ليكون هذا الدرس مقدمة لدخول المعركة، وموضوعاً وسبباً لثبات المسلمين في مواضعهم التي أجلسهم بها رسول صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان التوكل على الله ضرورة للمسلمين في معركة أحد، للفارق الكبير في العدد والعدة بين الكفار والمسلمين،ومن منافع التوكل على الله في المقام أمور:
الأول: بعث السكينة في قلوب المسلمين.
الثاني: طرد الشك والريب من نفوسهم.
الثالث: الإحتراز من الغم والحزن وأثرهما على المقاتلين في سوح المعارك.
الرابع: إجتناب الهم بالفشل، وإن حصل الهم به من قبل جماعة فانه لا يرتقي إلى مرتبة الفشل بل يزول ويتلاشى.
إذ أن الهم الذي ذكرته الآية يحتمل وجوهاً:
الأول: إستدامته وبقاؤه الى حين إنقضاء المعركة.
الثاني: صيرورته فشلاً وجبناً.
الثالث: زواله وعدم إستقراره، فحالما يطرأ الهم بالضعف على المؤمن فانه يزول عنه.
والصحيح هو الثالث وهو من أسرار ومنافع التوكل على الله، وحاجة المؤمنين له.
ويلتقي المتحاربون من طرفي القتال بالقدرة على تهيئة السلاح من السيف ونحوه، وإحراز العدة، وتوفير المؤون، ويكون للرجحان في السلاح أثر في سير ونتيجة المعركة، ولكن المسلمين يمتلكون سلاحاً لا يملكه غيرهم ألا وهو سلاح التوكل على الله عز وجل.
وجاءت هذه الآية لتدعو أهل أحد والصحابة جميعاً، وأجيال المسلمين الى الإنتفاع الأمثل من هذا السلاح، ويتصف هذا السلاح بأنه ماض ومؤثر ويؤدي الى النصر والغلبة والظفر والعز، ويستلزم من الفرد والجماعة التسليم بأن الله قادر على كل شئ، وأن عبادته واجب، ويلزم طاعة أوامره وإجتناب معصيته، فالمتوكل على الله لايخالف أوامره، لأن هذه المخالفة منافية ومضادة لقواعد وسنن التوكل على الله.
ومن مصاديق التوكل على الله قتال العدو، وعدم الفرار من الزحف لأن النصر بيد الله عز وجل، وقد أظهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد أسمى معاني التوكل على الله.
وجاءت النتائج شاهداً على منافع التوكل على الله والحاجة اليه، إن كل قول وفعل من أقوال وأفعال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو من مصاديق التوكل على الله، وصيغ اللجوء وتفويض الأمور اليه سبحانه، وتذكير للمسلمين بلزوم التوكل على الله، وقد ثبت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكانه في معركة أحد، ولم يغادره متوكلاً على الله، وداعياً المؤمنين إلى التوكل عليه سبحانه.
لقد واجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته المكر والكيد والتعدي من الكفار والمشركين، وكان توكله على الله واقية له وللمسلمين، وجاءت الآيات بالأمر الصريح إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتوكل على الله للسلامة من إبطان الكفار المكر في طلبهم الهدنة، قال تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ]( ).
وجاءت آيات تدعو النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم للتوكل على الله، ولايعني التوكل إبتداء إنما هو توكيد لتوكله على الله، وتجديد التوكل بلحاظ الموضوع والحوادث المستحدثة وآنات النهار والليل، قال تعالى [فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ]( ).
وفي الآية دعوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة التوحيد والدفاع عن الإسلام، والتصدي لقريش ومن معها من المشركين، إذ أنها لم تكتف بالجحود والصدود عن الدعوة الى الله، وإيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأوائل في مكة المكرمة، بل زحفت إلى المدينة للقضاء على دولة الإسلام.
فجاءت الآية لطرد الشك والريب عن قلوب المسلمين بخصوص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاربته للكفار، أو الخوف من عدم تحقق النصر والغلبة عليهم، إذ أن إخلاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في توكله على الله طريق للنصر والغلبة.
لقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة تاركاً بلده وأهله وهو لا يعلم ما ينتظره من البلاء إلا أنه متوكل على الله، ويعلم بصدق نبوته وأن الله يظهر دينه وقال “حين خرج في مهاجره فلما بلغ الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال: أني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ماخرجت”( ). وقال تعالى مخاطباً النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ]( )، لتفويض أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الى الله، والثقة بكرمه وإحسانه، وأنه هو وحده الحي الذي لا يموت، وما دام الناس يموتون فانهم غير مؤهلين لأن يتوكل عليهم أحد.
وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لايصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق( ).
ولكن التوكل أخص من الثقة، لذا تقع العهود والمواثيق بين الناس، أما التوكل فهو خاص بالله عز وجل، ولا تدل الآية على عدم الثقة بالناس بل بالعكس فإن التوكل على الله أحد أسباب الثقة بالناس خصوصاً الذين يتوكلون على الله، وكان الأنبياء رواده والسابقين فيه.
علم المناسبة
وردت مادة (توكل) في آيات عديدة من القرآن وهي ثابتة في طرفيها :
الأول: توكل المؤمنين على الله.
الثاني: إنحصار التوكل على الله عز وجل دون غيره، والتوكل منزلة
عظيمة فاز بها الإنسان وهي من مصاديق خلافته في الأرض، فحينما ردت الملائكة على الله في خلق آدم عليه السلام وجعله خليفة في الأرض، قال الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ومن علمه تعالى أنه هدى المؤمنين إلى التوكل عليه، وفيه أمور:
الأول: التوكل على الله عصمة من الفساد في الأرض، فمن يتوكل على الله يتجنب القيام بالفساد في الأرض.
الثاني: التوكل على الله قوة إضافية، وعون لمواجهة المفسدين.
الثالث: أنه أمن وسلامة من الفساد والمفسدين.
أن قيام مشركي قريش بالزحف على المدينة لقتل النبي والمؤمنين إفساد في الأرض، فواجههم المسلمون بسلاح الإيمان والتوكل لذا جاءت خاتمة الآية بهما معاًً [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] فبالتمسك بالإيمان، واللجوء الى الله عز وجل يكون النصر والظفر ويأتي المدد والعون الإلهي.
أن الله عز وجل يحب التوكل عليه ويحب المتوكلين لذا وردت الآيات القرآنية بالندب والحث على التوكل عليه سبحانه، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( )، وهذا الحب حرز وواقية من تعدي القوم الكافرين، وإفسادهم في الأرض، ومقدمة وسبب لغلبة ونصر المؤمنين.
لقد وقعت معركة أحد بين فريق متوكل على الله، وفريق عدو الله، فلا غرابة أن ينعم الله عز وجل على المؤمنين بنزول الملائكة مدداً لمن يحبهم ممن جمعوا الإيمان والتوكل عليه سبحانه، وهذه هي أول آية في نظم القرآن يرد فيها قوله تعالى[وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] إذ جاء سبع مرات في القرآن وهو مدرسة في كل مرة يرد فيها بلحاظ سياق وموضوع وسبب نزول الآية، وقال تعالى [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( )، مما يدل على أن ولاية الله للمؤمنين مطلقاً وهي إنحلالية بخصوص أشخاص المؤمنين، وتعدد مواضيع الولاية، فالله عز وجل هو الذي يتولى حاجات المؤمنين، وهم يتولونه بالإنقطاع اليه في الطاعة والعبادة ويقرون له بالربوبية.
وقد جاءت الآيات بالإخبار عن توكل الأنبياء على الله في الدعوة الى الله والصبر على أذى قومهم لهم، وفي هود ورد في التنزيل [إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( )، لقد تحدى هود قومه بأن بين لهم إنقطاعه إلى عبادة الله، وثقته بالله وإطمئنانه بالغلبة على الكفار، وجاء بالبيان الذي يتضمن إنذار الكفار وتخويفهم من بطش الله لأن مقاليد الأمور كلها بيده سبحانه، فكيف يعصونه وهم في ملكه وقبضته وهو سبحانه العادل الذي بعث الأنبياء بالحق والهدى.
ويأتي التوكل على الله عز وجل شكراً له سبحانه على النعم المتتالية والخاصة بالمسلمين من جلب المصالح، ودفع المفاسد، ومنع أذى الكفار من الوصول إليهم.
قال سبحانه في سورة المائدة وهي آخر سور القرآن نزولاً[ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ] ( ) .
وذكرت في موضوع الآية وجوه ثلاثة:
منها أن النبي قام هو وأصحابه لصلاة الظهر بعسفان في غزوة ذي أنمار، فرآهم المشركون، وندموا لأنهم لم ينكبوا عليهم، وقالوا: أن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وإبنائهم أي صلاة العصر، وهموا بإن يغدروا بالمسلمين عند القيام لها، فنزل جبرئيل بصلاة الخوف، وفيه بشارة الأمن والسلامة من همّ العدو الإيقاع بالمؤمنين، ليفيد الجمع بين الآيتين أن الله عز وجل يصرف همّ المؤمنين بالفشل، ويمدهم بأسباب دفع همّ العدو الإنقضاض عليهم.
ومن فضل الله ورشحات التوكل عليه سبحانه كشف مكر العدو، ومنعه من تحقيق مقاصده الخبيثة في الإضرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
ومنها أن النبي والمسلمين نزلوا منزلاً، وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها وعلّق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فسله، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك مني قال النبي: الله عز وجل قال الأعرابي مرتين أو ثلاثاً من يمنعك مني ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : الله، فشام الأعرابي السيف فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه ” ( ).
بحث بلاغي
يدل الاسم على الثبوت والإستدامة، أما الفعل فيفيد التجدد والحدوث، ولا يصح أحياناً إتيان أحدهما محل الآخر للتباين الجهتي في الدلالة كما في قوله تعالى[هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ] ( ) فلم تقل الآية يخلقكم لأنها خطاب للموجود من الناس في كل زمان، ولأن الخلق تحقق في نفخ الله في آدم من روحه.
ولم تقل الآية رازقكم لأن الرزق متجدد، وبالدعاء والعمل الصالح يأتي فضل وزيادة من عند الله.
وجاءت خاتمة هذه الآية بالاسم والفعل بقوله تعالى[وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] فوصفت الآية الذين خرجوا إلى أحد بأنهم مؤمنون، ليكون شهادة سماوية لهم بثبوت الإيمان في نفوسهم، وأن الهم بالفشل لا يؤدي إلى زلزلة وضعف الإيمان في نفوسهم، بل الإيمان مستقر في قلب كل واحد منهم، أما التوكل فجاء بصيغة الفعل المضارع الذي يفيد التجدد في كل واقعة وحادثة ومناسبة، وفيه بعث للفزع والخوف في قلوب الكفار من المؤمنين، وتحذير من التعدي عليهم ومحاربتهم لأن الذي يحارب من يتوكل على الله تكون نتيجته الهزيمة في الدنيا، والخزي في الدنيا والآخرة.
وجاءت الآية بصيغة الندب والأمر الذي يحمل على الوجوب فلابد للمؤمنين من إتخاذ التوكل على الله طريقاً وبلغة لنيل المقاصد الشريفة والغايات الحميدة.
لقد أخبرت الآية عن تجدد توكل المسلمين على الله عز وجل في واقعة أحد وقبلها وبعدها، كما انها تدعوهم لهذا التوكل، وتدلهم عليه وتحثهم على عدم تركه أو الغفلة عنه في كل مناسبة.
وهل في الآية إشارة الى موضوع وهو انه لو كانت الطائفتان متوكلتين على الله لما همتا بالفشل الجواب لا، فليس في الآية تعريض بهما، بل ان التوكل سلاح حاضر للسلامة من الفشل، ومانع من وقوعه، وتلك نعمة عظيمة إختص الله بها المسلمين، وهي من موارد تفضيلهم على الأمم وأهل الملل الأخرى، فان قلت إن التوكل سلاح للمؤمنين منذ أيام أبينا آدم وهو كلي طبيعي يشترك فيه المؤمنون في كل زمان ومكان الجواب هذا صحيح، ولكن المسلمين يتصفون في المقام بأمور:
الأول: تعاهد المسلمين لقانون التوكل على الله إلى يوم القيامة.
الثاني: تقيد المسلمين على نحو العموم الإستغراقي بقانون التوكل.
الثالث: إستحضار المسلمين للتوكل على الله في ميادين المعارك والحروب، مع كثرة المعارك التي خاضها المسلمون.
الرابع: مجئ الآيات المتعددة التي تتضمن الإخبار عن توكل المسلمين على الله عز وجل.
قانون” التوكل على الله بلغة الى الجنة”
لقد جعل الله الحياة الدنيا، مزرعة للآخرة، وداراً لإكتناز الحسنات بفعل الصالحات، وقد تفضل الله بأسباب طرد الغفلة عن الناس بآيات سماوية وأرضية من التنزيل والنبوة، وما فيهما من البشارة والإنذار، والوعد والوعيد، وليس من حصر للمواضيع التي تؤدي بالمؤمن الى الجنة، لأن سبل الطاعة غير متناهية وهي مصاحبة للإنسان في حياته اليومية، وصلاته الخاصة والعامة.
وقد جعل الله عز وجل الأحكام التكليفية مستغرقة لميادين الحياة كلها، لينهل المؤمن من مواردها العذبة الحسنات، بإتيان الواجبات والإمتناع عن المحرمات، ورزقه أسباب التغلب على النفس الشهوية والغضبية وقهر الهوى، والعناد والإصرار على الباطل ليقبل على الصالحات بحال من اليقين، ويكون قلبه خالياً من الشك والريب، فالحياة مدرسة الإيمان، إذ يتعلم الإنسان فيها سنن الرشاد، ويهتدي إلى معالم التوحيد ولزوم عبادة الله بما رزقه من العقل، وما يتجلى له من الآيات الكونية وآيات التنزيل.
وجاء قانون التوكل رحمة من عند الله عز وجل بالمؤمنين، فما أن يبلغ العبد مرتبة الإيمان حتى يكون سلاح التوكل ملازماً ومصاحباً له في حله وترحاله، فيصبح وهو لا يخشى الكفار والظالمين.
لقد أراد الله عز وجل الغلبة للمؤمنين والظفر على أعدائهم كي يستديم سلاح التوكل فقد أبى الله عز وجل إلا أن يبقى هذا السلاح المبارك في الأرض لا يغادرها ولكنه خاص بالمؤمنين، ولا يعني هذا الخصوص الحصر والتعيين بأفراد معينين بالاسم والكنية والنسب والمصاهرة بل أنه سلاح حاضر بإمكان كل إنسان الإنتفاع منه في أمور الدين والدنيا ولكن بقيد الإيمان.
ليكون سلاح التوكل ترغيباً للناس بالإيمان، وبياناً لما فيه من الحسن الذاتي والعرضي، وهو منحة وعطية إلهية، ووسيلة لإستدامة الحياة في الأرض، بتقريب انه مع التوكل يكون الإيمان هو الأظهر بين الناس، لتكون علة خلق الإنسان وهي العبادة دائمة ومتصلة، فمع التوكل تعمر الأرض بالعبادات والمناسك هذا في الدنيا، أما في الآخرة فان التوكل على الله مناسبة لإحراز الحسنات وتوفير المؤون والزاد إلى الآخرة ويوم الحساب، ووسيلة لنيل الأجر والثواب.
لقد أراد الله عز وجل للمؤمنين أن يتخذوا من الدنيا طريقاً للأمن والسلامة من أهوال الآخرة والتي لا تنحصر في موطن واحد، فكل مواطن الآخرة فيها فزع وخوف ولكن المتوكلين على الله عز وجل في مأمن منهما لقوله تعالى[أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( )، وتتجلى منافع التوكل على الله عنه بالذات والعرض.
إذ أن التوكل بذاته حسنة وشاهد على صدق الإيمان، وهو حرز من الأعداء، وواقية من السيئات، وحاجز دون الشك والريب، وشاهد على إخلاص العبادة لله عز وجل ومانع من الظلم والتعدي، فمن يتوكل على الله لايطمع بما في أيدي الناس ولا يحسدهم، ويتوجه الى الله عز وجل في سؤال الحاجات، وتحقيق الرغائب، والتوكل واقية من العثرات والزلات والأخطاء.
وجاءت هذه الآية دليلاً عليه فقد هم جناحان من المسلمين بالفشل والجبن، ولكن توكلهما على الله منع من حصول الفشل، وكان ناصراً وعوناً لهما في ساحة المعركة ليكون سبباً للأجر والثواب، فبالتوكل على الله سلموا ونجوا من الفشل.
ويأتي الثواب حينئذ من وجوه:
الأول: حسن التوكل على الله.
الثاني: الصبر في ميدان المعركة.
الثالث: إظهار أرقى معاني التقوى والخشية من الله ببذل النفس في الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن الإسلام.
الرابع: عدم حصول الفشل والجبن عندهم، ويدل عليه إستمرارهم في مواصلة القتال إلى حين إنتهاء المعركة.
الخامس: زوال الهم بالفشل، وعدم إستقراره في نفوس الطائفتين.
السادس: إجتناب الهزيمة والخور، وعدم صيرورتهما سبباً لمحاكاة غيرهم من المؤمنين لهم في الهزيمة في حال حصول الفشل والجبن منهم.
إذ تبين الآية حقيقة وهي وقف حال الفرار والهزيمة بين المؤمنين وهذا الوقف من إسرار التوكل على الله عز وجل في ميدان المعركة ليكون طريقاً الى الثواب العظيم والخلود في النعيم في الآخرة فليس من شيطان يوسوس للمؤمنين يومئذ، وليس من عدو وكافر يغزو ديارهم ويعتدي على ثغورهم، بل الكفار خالدون في الجحيم لأنهم حرموا أنفسهم من نعمة التوكل على الله بإختيارهم ضده الخاص وهو الكفر والجحود.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة