معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 89

المقدمة
الحمد لله الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن، الذي جعل القرآن مدداً سماوياً للمسلمين والمسلمات وإلى يوم القيامة، ومن خصائص المدد القرآني عدم إنحصاره بميدان أو موضوع دون آخر، فهو صاحب كريم في أمور الدين والدنيا، وفي أفراد الزمان اللامتناهية.
لذا تفضل الله عز وجل وجعل قراءته واجبة في الصلاة اليومية وعلى نحو التعدد والتكرار، التعدد في كل ركعة بقراءة الفاتحة وغيرها من القرآن، والتكرار لإنبساط الوجوب على الصلوات اليومية الخمسة.
وجاءت هذه الآية بالإخبار عن مدد آخر يكون من بدائع الخلق وآيات الله في العالمين، فلم يعلم الملائكة أنهم ينزلون لنصرة المؤمنين يوم خلق الله عز وجل آدم عليه السلام وهو من مصاديق [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، أي أن الخليفة الذي تحتجون عليه ستنزلون لنصرته لإيمانه وصبره طلباً للثواب وخشيته من الله عز وجل.
ولم تكن نصرة الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحده، بل له وللذين آمنوا بنبوته، وإتبعوه ونصروه، وخرجوا معه إلى ميدان المعركة، كما يتجلى بمجئ هذه الآية بصيغة الخطاب للصحابة الأحديين، فمن الذين نطقوا بالشهادتين يومئذ لم يخرجوا للقتال , ويحمل تخلفهم عن عذر لأصالة الصحة في عمل المسلم , إلا مع الدليل على الخلاف.
وإنخزل المنافقون وعددهم ثلاثمائة في طريقهم إلى معركة أحد، وهم ثلث مجموع جيش المسلمين، مع حاجة المؤمنين إلى الأفراد والسواد خصوصاً مع كثرة جيش الكفار والذي يبلغ ثلاثة آلاف رجل مجهزين بالأسلحة والعدة، ومعهم الخيول والرواحل، والنساء لضرب الدفوف وبعث الهمة في نفوسهم بعد وترهم في معركة بدر.
وليس من مدد يأتي للمؤمنين من بلد أو قبيلة أخرى، لإنحصار دولة الإسلام يومئذ بالمدينة المنورة، ولفزع القبائل من سطوة قريش، وهذا الفزع من بين أسباب زحفها من مكة المكرمة لمحاربة الإسلام، فانها أرادت أن تبعث رسالة تخويف ووعيد إلى القبائل بأن لا تدخل في الإسلام، ولا تعقد العهود مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
فجاء الرد على تعديهم من عند الله، ومن صفات هذا الرد الحسم والقطع والعموم، إذ نزل الملائكة مدداً للمسلمين بعد أن تعذر مجئ المدد من الناس.
ويكون هذا المدد باباً لصلة مستحدثة بين أهل السموات وأهل الأرض ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتشع أنوار هذه الصلة بنصرة الله للمؤمنين بالملائكة مدداً ورسلاً بالوحي، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وجاءت الآية محل البحث بصيغة الخطاب للمؤمنين الذين خرجوا وشاركوا في معركة أحد، ليكون نزول الملائكة لنصرتهم بشارة قرب المدد السماوي للوقاية من هجوم الكفار على المؤمنين على نحو العموم الإستغراقي إن تحلوا بالصبر وأظهروا الخشية من الله عز وجل، وواظبوا على أداء الفرائض ووجوه الطاعات وفعل الصالحات.
وفي الآية التي يختص هذا الجزء بتفسيرها ترغيب للناس بدخول الإسلام، وشاهد على رأفة الله عز وجل بالمسلمين، وعصمته النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من شر أعدائه بواقية من السماء.
وهو بفضل الله سياحة في عالم الملكوت، إذ تتعلق الآية بالمدد الملكوتي ليكون رشحة من رشحات التوسل لرجاء المدد من عند الله في ميادين العلم والمعرفة وإستخراج كنوز القرآن ودرر آياته، وبهاء بشاراته وما فيه من الوعد الكريم القريب.
وليس بين الوعد والبشارة في هذه الآية إلا أن يتعاهد المؤمنون الصبر والتقوى بعد ثباتهم في منازل الإيمان، إن رجع الكفار إلى ساحة المعركة [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ( ).

قوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]الآية125.

الإعراب واللغة
بلى: جواب لإيجاب النفي، أما نعم فجواب الإيجاب، فاذا قال له ليس لك عليّ شيء، فقال له نعم، فقد صدّقه بعدم إنشغال ذمته بدين له، وإذا قال بلى فإنما هو رد لكلامه أي لي عليك شيء.
فقوله تعالى [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ] والمعنى: يكفيكم الإمداد بالملائكة.
إن: أداة شرط، تصبروا: فعل الشرط مجزوم بحذف النون، الواو: فاعل: تتقوا عطف على تصبروا.
يأتوكم: عطف أيضاً، والضمير الكاف مفعول به، ويتعلق بالمؤمنين، من فورهم: جار ومجرور، متعلقان بيأتوكم.
هذا: اسم إشارة في محل جر صفة لفورهم، وقيل بدل منه.
يمددكم: جواب الشرط، الكاف مفعول به.
ربكم: رب فاعل مرفوع بالضمة، وهو مضاف، والضمير الكاف: مضاف اليه.
بثلاثة: جار ومجرور، ثلاثة: مضاف، آلاف: مضاف اليه مجرور بالكسرة.
من الملائكة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لخمسة آلاف.
مسومين : صفة ثانية.
يقال فار الشئ فوراً أي جاش، وفار العرق فوراناً: هاج ونبع، وفارة المسك: رائحته، وفي الإصطلاح الفقهي وعاؤه،وفور الحر: شدته.
وفي الحديث: إن شدة الحرّ من فور جهنم( ).
في سياق الآيات
في نظم الآيات والصلة بين هذه الآية والآيات المجاورة لها طرفان:
الطرف الأول: الصلة بين هذه الآية والآيات السابقة، وفيه وجوه:
الأول: الصلة بين آية [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] ( )، وهذه الآية وفيها مسائل:
الأولى: خير أمة هي الأمة التي فازت بنزول الملائكة مدداً ونصرة لها.
الثانية: مع الإيمان بالله عز وجل تأتي النصرة والعون منه سبحانه.
الثالثة: لقد أراد الله عز وجل للمسلمين أن يكونوا أئمة يدعون الناس الى الهدى والإيمان، فنصرهم وأيدهم بجنود من السماء.
الرابعة: قال تعالى في الآية أعلاه [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وكان الناس أيام البعثة على أقسام:
الأول: أهل كتاب يحتج عليهم القرآن بالآيات ويذكرهم بما في التوراة والإنجيل من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: المشركون الذين حاربوا الإسلام وزحفوا بجيوشهم لقتال المسلمين.
الثالث: عامة الناس من الكفار الذين لم يقاتلوا المسلمين.
الخامسة: المؤمنون الذين صدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم خير أمة.
فجاء نزول الملائكة مصداقاً لخروج المسلمين للناس خروجاً كريماً يتضمن دعوتهم للهدى والرشاد، ومن مصاديق هذا الخروج قتال الكفار، ونزول الملائكة لهزيمة الكفار الذين يحاربون الإسلام، والمنع من بقائهم برزخاً دون إسلام الكثير من الأفراد والقبائل والأمم.
لقد كان كثير من الناس يتجنب دخول الإسلام خشية وخوفاً من قريش، ومنهم من كان متردداً في دخول الإسلام لأسباب الشك والريب التي يثيرها أعداء الإسلام، فجاء نزول الملائكة لهزيمة قريش عسكرياً، وإزاحتها عن منازل السيادة والرياسة بين العرب، ولإبطال الشكوك بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما في نزولها من آية إعجازية.
السادسة: لقد وصفت الآية أعلاه المسلمين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وخروجهم إلى معركة بدر وأحد من أصدق وجوه هذا الأمر والنهي لأنه يتضمن زجر الكفار عن التعدي على الإسلام والمسلمين، وفيه آية إعجازية وهي قيام المسلمين بأبهى وأعظم مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتضحية بالنفس والمال من أجل نشر مبادئ الإسلام، وإستئصال الكفر من الأرض.
ومن الآيات ان نزول الملائكة لم يكن لإستئصال الكفار، بل لإستئصال الكفر من الأرض، لذا وصفتهم الآية بأنهم مدد وعون، وحيث ما ينتهي المسلمون في هجومهم ينتهي الملائكة معهم، ليبقى باب التوبة مفتوحاً للكفار والمشركين، وهو مصداق لإتصاف المسلمين بأنهم خير أمة، أي من وجوه هذا التفضيل والثناء إمكان توبة الناس واللحوق بهم في دروب الهداية بما فيهم الذين حاربوا الإسلام في بدر وأحد.
السابعة: لقد جاءت الآية محل البحث بالحث على الصبر والتقوى بصيغة الخطاب ولغة الشرط، [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا]، ويدل وصف المسلمين بأنهم خير أمة على قدرة المسلمين على التحلي بآداب الصبر والخشية من الله عز وجل، مما يدل على نزول خمسة آلاف ملك لنصرة المسلمين إن رجع الكفار لقتالهم.
الثامنة: في الجمع بين الآيتين ترغيب لأهل الكتاب بدخول الإسلام، وتلقي الفضل الإلهي والمدد الملكوتي، لقوله تعالى [وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ]( ).
التاسعة: تحذير الفاسقين من أهل الكتاب من التعدي على الإسلام والتواطئ مع كفار قريش وإعانتهم في الهجوم على المسلمين، ودعوتهم لحفظ المواثيق والعهود.
وقد نقض فريق من يهود المدينة العهود التي عقدوها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخرج نفر من كبراء اليهود الى قريش لتحريض الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب بعضهم الى غطفان، وقاموا بدعوتهم لحربه.
وما ان إنتهت معركة الخندق وإنسحبت قريش وغطفان (ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة ووضع المسلمون السلاح لسبع بقين من ذي القعدة سنة خمس للهجرة، حتى أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، معتجراً بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال : أو قد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال : نعم، فقال جبريل : فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عزوجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم( ).
ولما حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام كعب بن أسد القرظي، وهو صاحب عقد وعهد بني قريظة فعرض عليهم دخول الإسلام “وقال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم إنه لنبي مرسل، وإنه للذى تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبداً، ولا نستبدل به غيره”( ).
وهو مصداق عملي شاهد على ان الإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير لهم، وهذا الخير أعم من أن ينحصر بالدنيا، والسلامة فيها، بل يشمل الخير والسعادة الأبدية في الآخرة.
الثاني: الصلة بين آية [لَنْ يَضُرُّوكُمْ] ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: لو رجع الكفار إلى معركة أحد وقتال المسلمين فانهم لن يضروا المسلمين إلا أذى، وفيه بيان لحقيقة عقائدية وهي أن الإسلام باقِ، والنبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في مأمن من شر وكيد الكفار في معركة أحد، وفي حال رجوع الكفار إلى القتال من جديد.
الثانية: معركة بدر وأحد شاهد على صدق مضامين الآية أعلاه والآية محل البحث، وموضوع الجمع بينهما، فقد قاتل الكفار في معركة بدر وأحد، وولوا الأدبار منهزمين، وكذا لو رجعوا من فورهم للقتال، فان النتيجة هي هزيمتهم لأن الملائكة مدد حاضر للمسلمين.
الثالثة: لو رجع الكفار للقتال فليس من ناصر لهم ينصرهم سواء من يهود المدينة أو القبائل العربية.
الرابعة: في الجمع بين الآيتين مواساة للمسلمين للخسائر التي أصيبوا بها في معركة أحد.
الخامسة: طرد الخوف والفزع من قلوب المؤمنين من كيد ومكر الكفار، لأن النتيجة هي وقاية المسلمين من الضرر حتى في حال رجوع الكفار الى أحد وحصول القتال بينهم.
السادسة: تحلي المسلمين بالصبر والتقوى عند حصول الأذى والخسارة في معاركهم مع الكفار.
الثالث: الصلة بين آية “لن تغني”( )، وبين هذه الآية وفيها مسائل:
الأولى: بيان التناقض والتضاد بين الكفر والإيمان.
الثانية: هلاك أموال الكفار، وحصول النماء والبركة في أموال المسلمين.
الثالثة: عدم إنتفاع الكفار من أموالهم وأولادهم في هجومهم وزحفهم على المسلمين، ومن تقابله الملائكة في المواجهة والقتال أنى له الإنتفاع مما عنده من الأموال والأولاد، بل تكون وبالاً وحسرة عليه.
الرابعة: الإنذار والوعيد للكفار من قتال المسلمين، والرجوع إلى القتال مرة أخرى بالخلود في النار، لقوله تعالى في خاتمة الآية أعلاه [أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ).
الخامسة: مجيء قريش من مكة للقتال والتعدي على الإسلام من أصدق مفاهيمه وفيه حجة عليهم.
الرابع: الصلة بين آية “ريح فيها صر”( )، وبين هذه الآية الكريمة، وفيها مسائل:
الأولى: لقد أنفقت قريش أموالاً كثيرة في هجومها على المسلمين، وزحفها على المدينة، سواء في الإعداد للمعركة وتهيئة مقدماتها أو الإنفاق على إطعام الجيوش، أو في الوعود الكثيرة التي وعد بها رؤساء قريش من ينصرهم، وضمان نفقة عيالهم إذا قتلوا في المعركة.
الثانية: إنعدام الفترة بين إنفاق الكفار أموالهم في معركة بدر وأحد وبين ظهور حقيقة تلف تلك الأموال وذهابها أدراج الرياح لأن نتيجة المعركة هي هزيمة الكفار مع ثبات مبادئ الإسلام، وسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكيد والمكر.
الثالثة: تحلي المسلمين بالصبر والتقوى وسيلة وسلاح لضياع ما ينفقه الكفار في التعدي عليهم، ومتى ما صبر المقاتلون في ميدان المعركة فان محاولات العدو للتغلب عليهم تلاقي الفشل.
الرابعة: الذين يكون الملائكة عدواً لهم في ساحة المعركة تذهب أموالهم التي أنفقوها في المعركة سدى، وتكون وبالاً وحسرة عليهم في الدنيا والآخرة.
الخامسة: جاءت الآية أعلاه بذم وإنذار الذين ظلموا أنفسهم، والكفار الذين زحفوا على المسلمين يوم بدر وأحد ظلموا أنفسهم بهذا الزحف أشد الظلم، والحقوا بها الضرر في النشأتين، ومنه أن الملائكة تقاتلهم وتهزمهم.
السادسة: لقد نزل الملائكة لنصرة المسلمين، والحاق الهزيمة بالكافرين لأنهم ظلموا أنفسهم، فليس في هزيمتهم وما لاقوه من القتل والأسر في معركة بدر ثم أحد ظلم من الله أو من الملائكة أو من المسلمين لهم، بل الكفار أنفسهم يظلمون.
السابعة: عودة الكفار إلى ميدان المعركة بعد واقعة أحد من أشد وأقسى وجوه الظلم للنفس، لذا تنزل الملائكة لصدهم وردهم خائبين.
الخامس: الصلة بين آية البطانة( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: النسبة بين جهة الخطاب في الآيتين، وهي العموم والخصوص المطلق، إذ يتوجه الخطاب في آية البطانة الى المسلمين والمسلمات عموماً، أما في هذه الآية فالمقصود هم المؤمنون من صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين إشتركوا في معركة أحد.
الثانية: تحذير المسلمين من البطانة والخاصة من الذين كفروا عموماً لأن المواجهة والقتال بين المسلمين والكفار تستلزم الحذر والحيطة من الكفار مطلقاً، ومن وجوه الحذر إجتناب إطلاعهم على أسرار وعورات المسلمين.
الثالثة: زحف الكفار على المدينة مصداق عملي لما يخفيه الكفار في صدورهم أزاء المسلمين من الحسد والبغض والعداوة.
الثالثة: جاءت هذه الآية بالحث على الصبر وخشية الله عز وجل، ومن وجوه الصبر والتقوى إجتناب البطانة السيئة من الكفار.
الرابعة: تقوم البطانة من الكفار بنقل أخبار المسلمين الى الذين يريدون الهجوم عليهم، مما يسهل لهم الهجوم، ويسبب الإضرار بالمسلمين، لذا يفيد الجمع بين الآيتين وقاية المسلمين من الضرر والمكر والكيد.
السادس: الصلة بين آية “ها أنتم أولاء”( )،وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: بيان ما يضمره الكفار من الغيظ والكره للمسلمين.
الثانية: نهي المسلمين عن حب الكفار والميل اليهم.
الثالثة: ان نزول الملائكة على المسلمين حرب سماوية على الكفار، وهو من عمومات [مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] ( ) فكل كافر مقيم على الكفر يعلم بنصر المسلمين في معركة بدر وأحد ونزول الملائكة لنصرتهم، ويصيبه الحزن والكمد.
الرابعة: لقد سعى نفر من قريش وعدد من يهود المدينة في التحريض على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وهو من مصاديق [وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ] وتحلي المسلمين بالصبر والتقوى واقية من هذا الغيظ والحسد.
السابع: الصلة بين آية[تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ] ( ) وبين هذه الآية الكريمة وفيها مسائل:
الأولى: نصر الملائكة للمؤمنين يحزن ويسوء الكفار جميعاً، وهل ينحصر هذا الحزن في زمان ومكان النصر أم هو أعم، الجواب هو الثاني.
الثانية: لقد فرح الكفار فيما أصاب المؤمنين يوم أحد من الخسارة الفادحة، ويفيد الجمع بين الآيتين حث المسلمين على الصبر والتقوى لتدارك الخسارة، وفعلاً فقد رجع المؤمنون في معركة أحد الى حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وسط الميدان، وأخذوا يذبون عنه حتى إضطر الكفار الى الإنسحاب من المعركة دون أن يحققوا النصر.
الثالثة: جاءت كل من الآيتين بقوله تعالى [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] مع العموم والخصوص في النسبة بين وجوه الغاية من الصبر والتقوى في الآيتين، ففي الآية أعلاه تكون الآية وقاية المسلمين من كيد ومكر الكفار، وأما في هذه الآية فان الصبر والتقوى مقدمة واجبة لنزول الملائكة لنصرة المسلمين.
الثامن: الصلة بين آية “وإذ غدوت”( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: جاءت الآيتان بخصوص معركة بدر.
الثانية: تتعلق الآية أعلاه بإستعداد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين للمعركة، وتهيئة مقدماتها، أما الآية محل البحث فتتعلق بما بعد واقعة أحد وإنكفاء قريش على وجوههم، وندمهم من إنسحابهم من المعركة من دون الإضرار بالمؤمنين.
الثالثة: أختتمت الآية أعلاه بقوله تعالى [وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] وجاءت هذه الآية للبشارة والإخبار عن نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وفيه تفسير وبيان لخاتمة الآية أعلاه، وان من سمعه وعلمه تعالى نصرة المؤمنين في ميادين المعارك بنزول الملائكة.
الرابعة: يفيد الجمع بين الآيتين الأمر الإلهي للمسلمين بتعاهد الصبر والتقوى اللتين خرجوا بهما من المدينة للقتال.
الخامسة: دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين لإتخاذ مواضع القتال إذا رجع الكفار للقتال من جديد في أحد، فان صد الكفار وحملهم على الرجوع خائبين لا يعني التهاون والميل الى الدعة والراحة.
السادسة: تدل الآية محل البحث على إحتمال تجدد القتال بأن يرجع الكفار لميدان المعركة أو لغزو المدينة من طريق آخر، فيجب أن يتجنب المؤمنون الضجر والملل، وأن يكونوا مستعدين للإمتثال لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته حينما يبوئهم مقاعد للقتال.
التاسع: الصلة بين آية “إذ همت طائفتان”( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: لقد أنعم الله على المؤمنين بسلامتهم من الفشل والجبن والضعف في معركة بدر، وجاءت الآية محل البحث لتدعوهم إلى الصبر والتقوى، وكل فرد منهما يطرد الفشل والخوف.
الثانية: من ولاية الله عز وجل للمؤمنين نزول الملائكة لنصرتهم.
الثالثة: موضع ومناسبة الهم بالفشل ساحة المعركة يوم أحد، وكذا موضع نزول الملائكة، مما يدل على ان نزول الملائكة مصداق لولاية الله للمؤمنين.
الرابعة: جاءت خاتمة الآية أعلاه بالحث على التوكل على الله وان كانت بصيغة الجملة الخبرية، وجاءت هذه الآية بالإخبار عن نزول الملائكة لنصرة المؤمنين، مما يدل على حقيقة وهي ان التوكل على الله طريق وسبيل لنزول الملائكة مدداً وناصرين.
الخامسة: من معاني التوكل على الله الذين ذكرته الآية أعلاه الصبر والتقوى والخشية منه تعالى لذا قالت هذه الآية [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا].
العاشر: الصلة بين آية “بدر” وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: لقد نصر الله عز وجل المسلمين ببدر وهم أذلة ولم تصف الآيات المسلمين في معركة أحد بأنهم أذلة مع ان المدة بينهما هي أحد عشر شهراً مما يدل على ترشح حال العز والشأن على المسلمين من واقعة بدر وحصول النصر فيها للمسلمين.
الثانية: لقد جاء نصر الله للمؤمنين في معركة بدر مقدمة للصبر في ساحة المعركة يوم أحد، وهو من اللطف الإلهي بالمؤمنين، بالإضافة الى حقيقة وهي خروج أعداد من المسلمين للقتال في أحد، لم يكونوا خرجوا الى معركة بدر، لما حصل من نصر الله للمؤمنين في بدر، ونزول الملائكة مدداً لهم.
الثالثة: من الشكر لله عز وجل على نعمة النصر يوم بدر تقوى الله والخشية منه في حال الحرب والسلم.
الرابعة: كما نصر الله عز وجل المسلمين يوم بدر، فانه سبحانه ينصرهم إذا رجع اليهم الكفار بعد واقعة أحد، ليتجلى سر في البشارة القرآنية وهو وجود مصاديق وشواهد للبشارة سابقة لها زماناً، ومتحدة معها في الموضوع والمضمون وتدل هذه الشواهد على صدق البشارة القرآنية من باب الأولوية القطعية، فقد جاء نصر الله عز وجل للمؤمنين يوم بدر وهم أذلة.
وأصبح المسلمون يوم أحد أعزة وأكثر قوة، لأن نصر الله لهم يوم بدر قوة إضافية، ومدد وعون لهم فمن الآيات في المدد الملكوتي أنه يتعدى موضوعه وزمانه ومكانه، فكان المدد والنصرة بالملائكة يوم بدر سلاحاً، ووزيراً للمسلمين في حياتهم اليومية، ومواجتهم للكفار والفاسقين، وفضحاً للمنافقين والضلال.
الخامسة: جاءت آية “بدر” بالأمر إلى المسلمين بتقوى الله، وذكرت هذه الآية التقوى بصيغة الشرط، وفي الجمع بينهما أمور:
الأول: الحث على الإستجابة لأمر الله عز وجل بالتقوى.
الثاني: بيان منافع التقوى بمجيء الملائكة لنصرة المؤمنين.
الثالث: تقوى الله مصداق للشكر له تعالى على نعمة النصر في معركة بدر، لذا أختتمت آية بدر بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ).
الحادي عشر: الصلة بين الآية السابقة وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: جاءت الآية السابقة بخطاب من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم “إذ تقول للمؤمنين”.
الثانية: ذكرت هذه الآية المدد من الله بثلاثة آلاف من الملائكة، أما هذه الآية فجاءت بالمدد بالإخبار بخمسة آلاف ملك.
الثالثة: إخبار الآية السابقة بالمدد من الملائكة على نحو الإطلاق من غير تقييد بشرط، أما هذه الآية فجاءت بذكر قيد وشرط للمدد الملكوتي بالصبر والتقوى.
الرابعة: جاءت الآية السابقة بشارة للمؤمنين، وجاءت هذه الآية وعداً كريماً.
الخامسة: إخبار الآية السابقة بنزول الملائكة لنصرة المؤمنين، وجاءت هذه الآية للإخبار عن نزولهم إذا رجع الكفار من جديد للقتال.
السادسة: وصف الآية السابقة للملائكة بأنهم منزلين من عند الله، أما هذه الآية فوصفتهم بصفة مسومين.
السابعة: يفيد الجمع بين الآيتين بان المدد بالملائكة من عند الله عز وجل، وهو سبحانه الذي ينزل الملائكة مدداً ونصرة.
ونعتت هذه الآية الملائكة بصفة(مسومين) بينما ذكرتهم الآية السابقة بصفة(منزلين) ويحتمل وجوهاً منها:
الأول: التعدد والغيرية وأن الملائكة المذكورين في هذه الآية.
الثاني: بيان تفقه المسلمين في الدين، وبلوغهم مرتبة رؤية الملائكة بعلاماتهم الخاصة بهم لذا ذكرت الآية قيد الصبر والتقوى(أن تصبروا وتتقوا).
الثالث: إن الملائكة في الآية السابقة من أهل السموات أما الملائكة في هذه الآية فمن أهل الأرض.
الرابع: بعد تنزيل الملائكة جاء ذكرهم بالصفة والعلامة.
الخامس: تبين الآية السابقة فورية نزول الملائكة، قال تعالى[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
السادس: بيان عظيم قدرة الله عز وجل ومشاركة الملائكة للمسلمين في القتال، وقربهم من المسلمين.
السابع: فيه بعث للسكينة في نفوس المسلمين، ودعوة لهم للشكر لله عز وجل، على نعمة المدد الملكوتي المتعدد لذا ورد قبل ثلاث آيات[فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
والأرجح هو الأول والسادس والسابع.
الطرف الثاني: الصلة بين هذه الآية والآيات التالية، وفيها وجوه:
الأول: الصلة بين الآية والآية التالية وفيها مسائل:
الأولى: بيان منافع البشارة بنزول الملائكة، وتفضل الله عز وجل بالوعد بنزولها.
الثانية: إتحاد لغة الخطاب في الآيتين، وتوجهه إلى المؤمنين، وفيه تقوية لقلوبهم، وتثبيت لأقدامهم في مواطن القتال.
الثالثة: الإخبار عن المحاسن الذاتية للبشارة بنزول الملائكة وما لها من الآثار المباركة على المسلمين.
الرابعة: بيان قانون ثابت وهو مع الصبر والتقوى يأتي إطمئنان القلوب، وتبعث السكينة في النفوس، وان القيود التي ترد في نزول النعم الإلهية انما هي لمنفعة المسلمين، وتكون باباً لجلب المصلحة ودفع المفسدة.
الخامسة: في الجمع بين الآيتين إنذار للكفار، وإخبار بان تقوى المسلمين سبب لقوتهم، وسبيل لنزول الملائكة لنصرتهم وإعانتهم.
الثاني: الصلة بين هذه الآية وآية “ليقطع طرفاً”( )،وفيها مسائل:
الأولى: يأتي المدد من الملائكة لنصر المسلمين، وخزي الكافرين.
الثانية: يفيد الجمع بين الآيتين وعدم إنحصار موضوع نزول الملائكة بنصر المؤمنين وجعل الكفار يرجعون عن مهاجمة المسلمين والمدينة المنورة، بل فيه خسارة فادحة للكفار، تجعلهم يعجزون عن مواصلة التعدي على الإسلام والمسلمين.
الثالثة: من وجوه البشارة بنزول الملائكة خزي الكفار، وإصابتهم بهزيمة ساحقة.
الثالث: الصلة بين هذه الآية وآية [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] ( )، وفيها مسائل:
الأولى: نزول الملائكة فضل ورحمة من عند الله عز وجل على المؤمنين.
الثانية: أبى الله عز وجل إلا ان يظهر دين الإسلام وينصر المؤمنين.
الثالثة: في الجمع بين الآيتين طرد للخوف عن قلوب المسلمين من الكفار والمشركين، وبعث للسكينة في نفوسهم في حال الحرب والسلم، وميادين القتال من أشد المواطن التي يشتد فيها خوف الإنسان على نفسه وعرضه وماله، فجاءت هذه الآية واقية من هذا الخوف يوم أحد وما بعده من الأيام.
الرابعة: عدم التعارض بين نصر الله للمؤمنين في معركة أحد وبين قبول توبة الذي ينيب ويتوب من الكفار، وان كان حارب المسلمين في معركة بدر وأحد.
الرابع: الصلة بين هذه الآية وآية [وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ]( ) وفيها مسائل:
الأولى: نزول الملائكة من السماء إلى الأرض جزء من ملك الله للسماوات والأرض.
الثانية: عدم وجود فصل أو تباين بين سكان السماوات والأرض، إذ ينزل سكان السماوات الى الأرض.
الثالثة: عدم نزول الملائكة إلى الأرض إلا بأمر من الله عز وجل.
الرابعة: الصبر والتقوى وسيلة لنصرة أهل السماوات.
الخامسة: فتح باب التوبة للناس جميعاً.
السادسة: ان الله عز وجل بيده مقاليد الأمور والمدد الملكوتي خاص بالمعركة، أما المغفرة فهي باب مفتوح لكل إنسان.
السابعة: في الجمع بين الآيتين ترغيب للكفار الذين زحفوا على المدينة لقتال المسلمين بالتوبة والإنابة.
الخامس: الصلة بين هذه الآية وآية [لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا] وفيها مسائل:
الأولى: إجتناب أكل الربا من الصبر والتقوى، لما فيه من التنزه عن أكل المال بالباطل.
الثانية: جاء نصر الله عز وجل للمؤمنين، ونزول الملائكة مدداً لهم، لكي يتقيد المسلمون بأحكام الحلال والحرام، ويكونوا ورثة الأرض بإنتهاج سبل الصلاح والهداية.
الثالثة: من وجوه الشكر لله عز وجل على نعمة نزول الملائكة للنصرة وإجتناب الربا والفائدة الكبيرة التي يجرها القرض.
الرابعة: جاءت هذه الآية بقيد التقوى لنزول الملائكة مدداً عند رجوع الكفار، وورد في آية [لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا] الأمر الى المسلمين جميعاً بتقوى الله، وفيه توكيد على الخشية من الله، ودلالة على قانون في الإرادة التكوينية وهو ان التقوى مقدمة لنزول الملائكة، وشكر لله عز وجل على نعمة نزول الملائكة.
الخامسة: جاءت الآية أعلاه خطاباً للمسلمين والمسلمات في أجيالهم المتعاقبة بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]، أما الآية محل البحث فهي خطاب للمؤمنين من الصحابة الذين خرجوا لمعركة أحد والذين كانوا في المدينة المنورة.
السادس: الصلة بين هذه الآية الكريمة، وآية [وَاتَّقُوا النَّارَ] ( ) وفيها مسائل:
الأولى: نزول الملائكة مدداً عون للمسلمين للأمن والسلامة من عذاب النار.
الثانية: من وجوه الشكر لله عز وجل على نزول الملائكة التقيد بأحكام الفرائض والعبادات.
الثالثة: تساعد رؤية آية نزول الملائكة المسلمين على الإستعداد ليوم القيامة وعالم الجزاء،وتبعث في النفوس الفزع من ملائكة النار.
الرابعة: بشارة الذين خرجوا للقتال من المؤمنين بالأمن والسلامة من النار لأنها [أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ] ( )، فلا يجتمع فيها الذين تقاتلوا وتحاربوا يوم بدر وأحد، بل يكون المؤمنون في مأمن وسلامة من عذاب النار.
الخامسة: يدل الجمع بين الآيتين على ان نزول الملائكة للنصرة مقدمة وبداية لإجتهاد المسلمين في مسالك التقوى والصلاح.
السادسة: ان الأمر بالتقوى ونزول الملائكة لنصرة المؤمنين، ودفع كيد وشر الكفار عن المسلمين بلغة للفلاح والصلاح وواقية من عذاب النار.
السابع: الصلة بين هذه الآية وآية [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ] ( ) وفيها مسائل:
الأولى: من الشكر لله عز وجل حضور الملائكة للنصرة يوم بدر طاعته تعالى، والإمتثال لأوامره وإجتناب ما نهى عنه.
الثانية: جاءت هذه الآية للإخبار عن مجيء المدد من الملائكة للمؤمنين، ويفيد الجمع بين الآيتين.
ان نزول الملائكة مدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته، لما فيه من تصديق لنبوته وكونه وسيلة لطاعة المسلمين له، ومن معاني ووجوه قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ] ( ) أي أطيعوا الله الذي أنزل الملائكة مدداً وعوناً لكم فيما يأمركم به من الفرائض والواجبات وأطيعوا الرسول في ميادين القتال، وعدم ترك المواضع التي بدأكم فيها.
الثالثة: لقد جاء نزول الملائكة مقدمة لرحمة الله للمسلمين، فنزولها رحمة بالمسلمين في الدنيا، وهو مقدمة وسبيل لرحمتهم في الدنيا والآخرة.
الرابعة: إبتدأت هذه الآية بصيغة الشرط [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] وجاءت هذه الآية بالأمر بطاعة الله والرسول وهي أصدق معاني التقوى فلو قال المؤمن كيف السبيل إلى نزول الملائكة مددا،ً فان هذه الآية تتضمن الجواب وهو طاعة الله والرسول.
الخامسة: بيان حاجة المؤمنين في مواطن القتال إلى طاعة الله عز وجل وطاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة: الخروج إلى المعركة طاعة لله ورسوله طريق وسبب لنزول الرحمة الإلهية.
السابعة: من طاعة الله عز وجل التحلي بالصبر والتقيد بأحكام التقوى، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل صبر وكل فرد من أفراد التقوى هو من طاعة الله والرسول.
الثامن: الصلة بين هذه الآية وآية [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ] ( )وفيها مسائل:
الأولى: أخبرت الآية أعلاه على ان الجنة أعدت للمتقين، وجاءت الآية محل البحث بالحث على التقوى والخشية من الله عز وجل.
الثانية: الخروج إلى الجهاد من مصاديق المسارعة الى المغفرة.
الثالثة: مدح الله عز وجل للمؤمنين الذين شاركوا في القتال في معركة أحد، لما فيها من رجاء المغفرة، وسؤال العفو من عند الله.
الرابعة: بيان تغشي رحمة الله عز وجل للمؤمنين في الحياة الدنيا والآخرة، ففي الدنيا تنزل عليهم الملائكة، وفي الآخرة يدخلون الجنة التي عرضها السماوات والأرض.
التاسع: الصلة بين هذه الآية وآية [َالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ]( )، وفيه مسائل:
الأولى: من مستلزمات الجهاد والخروج الى سوح المعارك المال والإنفاق في شراء السلاح، والمؤون والعدة، وجاءت الآية أعلاه للحث على الإنفاق في حالة الشدة والرخاء، ليكون هذا الإنفاق واقية من إضرار الكفار بالمسلمين وثغورهم وأمصارهم.
الثانية: من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) وهم المسلمون الجمع بين الجهاد والإنفاق في سبيل الله.
الثالثة: جاءت الآية محل البحث بالحث على الصبر والتقوى، وتبعث هذه الآية على الصبر وعدم ظهور الغيظ على ألسنتهم وأفعالهم من الذين يسعون في الإضرار بهم.
الرابعة: لقد أختتمت الآية أعلاه بقانون في الإرادة التكوينية وهو حب الله عز وجل للمحسنين، ومن أحسن وجوه الإحسان طاعة الله ورسوله بالخروج الى معركة بدر وأحد ومواجهة صناديد قريش ورجالهم المدججين بالسلاح.
الخامسة: يفيد الجمع بين الآيتين الترغيب بالجهاد، وبذل النفس في سبيل الله، لأنه من أبهى معاني الإحسان.
السادسة: لقد جاءت الآية محل البحث بخصوص معركة أحد، وقتال المؤمنين فيها للقوم الكافرين، وجاءت الآية أعلاه للحث على العفو مطلقاً من غير تقييده بالعفو عن درجة ونوع محدد من الذنوب، أو بخصوص العفو عن المسلمين على نحو التعيين.
وجاء الإطلاق والعموم بقوله تعالى [وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ] ( )، ليكون من مصاديق العفو، الصفح عن الذين حاربوا النبوة والإسلام يوم أحد إن تابوا ودخلوا الإسلام، لذا تجد بعضهم كان قائداً من قواد المشركين يوم أحد فأسلم وأحسن إسلامه وأصبح قائداً من قواد المسلمين.
السابعة: إبتدأت الآية محل البحث بالحث على الصبر والتقوى، وجاءت الآية أعلاه بأمور كلها من الصبر والتقوى، وهي:
الأول: الإنفاق في حال السعة والغنى والرخاء.
الثاني: الإنفاق في سبيل الله في حال العسر والشدة، فان التقوى هي التي تتحكم في فعل وخيار المؤمن، وهو يعلم ان الإنفاق في حال الشدة أكثر أجراً وثواباً.
الثالث: تحمل الأذى وعدم مقابلته بمثله.
الرابع: الصفح عن الذين أساءوا إلى الإسلام واليهم، وفيه شاهد على تحلي المسلمين بالأخلاق الحميدة.
الخامس: الإحسان إلى الناس، ويحتاج كل فرد من هذه الأمور الخمسة إلى التسلح بملكة التقوى.
ولم تذكر هذه الآية نزول الملائكة إلى الأرض، وفيه وجوه:
الأول: بقاء الملائكة في الأرض في ساحة المعركة بإنتظار عودة الكفار للقتال.
الثاني: ملاحقة الملائكة للكفار في إنسحابهم.
الثالث: صعود الملائكة إلى السماء حال إنتهاء معركة أحد.
الرابع: توجه الملائكة لوظائف أخرى في الأرض ما داموا قد نزلوا اليها.
والصحيح هو الثالث، فان الملائكة يرجعون إلى مسكنهم في السماء بعد قيامهم بما أمروا به وهو نصرة المؤمنين إلا مع الدليل على الخلاف وهو معدوم، ويدل على صعودهم الأصل والتباين في عدد الملائكة في الآيتين، فكان عددهم في الآية السابقة ثلاثة آلاف ملك، أما في هذه الآية فان عددهم خمسة آلاف ملك.
ولم تذكر هذه الآية نزول الملائكة لذكره في الآيات السابقة، وهو لا يعني إتصال ذات النزول وإنه لم يحصل الا مرة واحدة، بل تفيد الآية التعدد في الوقت والمناسبة.
إعجاز الآية
يتعلق موضوع الآية بمعارك الإسلام الأولى، وما عليه المسلمون من حال الضعف والفقر وقلة المؤونة، ويمتاز الكفار بكثرة الرجال والعتاد والخيل والمال، ولم تأتِ الآية بالأمر بجمع الأموال، ولا بالدعوة للهدنة والصلح، ولا ترك المدينة الى أماكن بعيدة لحفظ بيضة الإسلام وسلامة المؤمنين من الكفار لحين إنجلائهم عنها، ورجوعهم الى مكة بل تحدثت الآية عن أمرين أحدهما متعلق بالآخر وهما:
الأول: التحلي بالصبر والخشية من الله.
الثاني: نزول الملائكة مدداً وعوناً للمؤمنين، ويتجلى الفضل الإلهي على المسلمين بأن تكون النسبة بين الأمرين أعلاه نسبة العلة والمعلول، وهو ما ينفرد به المسلمون من بين الأمم وأهل النحل وهو من عمومات قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وقد جعل الله عز وجل الدار الآخرة دار جزاء وثواب للمؤمنين، ومن إعجاز هذه الآية الإخبار عن الثواب العاجل وفي ساحة المعركة بأن ينزل الملائكة لنصرة المؤمنين إذا تقيدوا بآداب وسنن الصبر والتقوى، كما انه من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
فحالما يرجع الكفار للقتال ينزل الملائكة لنصرة الصابرين المتقين، من غير مدة ووقت يستغرقه نزول الملائكة مع سعة وطول المسافة بين السماء والأرض.
ومع ان الصبر والتقوى وردا في الآية من باب الشرط للمدد الملكوتي فان ذكرهما في الآية نوع تأديب للمسلمين، وإرشاد لسبل الصلاح والهداية، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )، وسلامة وأمن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من مقدمات وصيغ إستدامة العبادة في الأرض.
ومن إعجاز الآية عظمة وسعة البشارة القرآنية من جهة كثرة عدد الملائكة الذين ينزلون لنصرة المؤمنين، في مواجهة الكفار، وحضورهم حالما يرجع الكفار وقبل أن يزاولوا القتال، إذ ان الآية لم تقيد نزولهم لنصرة المؤمنين بوقوع القتال بين الطرفين، بل بالرجوع فقط، وفيه تخفيف عن المؤمنين بسبب ما لاقوه من العناء والمشقة يوم أحد في قتال الأعداء وكثرة القتلى والحرص على المؤمنين.
وتعرض شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأذى وكسرت رباعيته، وشج وجهه الكريم، فجاءت هذه الآية لبعث السكينة في نفوس المسلمين، ودعوة لهم للثبات وعدم الخوف أو التخاذل أو الهم بالفشل.
ويبين نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وجهاً من وجوه فلسفة كونه خاتم النبيين، بأن الله عز وجل ينصره بالملائكة لتثبيت دعائم الدين، فلا تصل اليه أيدي الكفار كما قتلوا شطراً من الأنبياء من قبل، ولا يستطيعون منع الناس من دخول الإسلام، والصد عن الإمتثال لما جاء به من الأحكام والسنن، فيتصف خاتم النبيين بـأن الملائكة تنزل مدداً له.
ومن إعجاز الآية تعيين عدد الملائكة وبما يبعث الغبطة والسكينة والرضا في نفوس المسلمين، ويجعلهم يزدادون إيماناً وصلاحاً، لذا فان ذكر عدد الملائكة وهو خمسة آلاف عون للمسلمين للتقيد بما فيها من شرط الصبر والتقوى.
فمن إعجاز الآية ان تشترط على المسلمين التقيد بأحكام الصبر والخشية من الله، وتأتي بما يجعلهم يتقيدون بهما، ويحرصون عليهما.
ومن إعجاز هذه الآية أنها بذاتها مدد للمسلمين، إلى جانب ماتتضمنه من الإخبار عن المدد السماوي ونزول الملائكة لنصرة المؤمنين في معركة أحد وما بعدها، وإذ جاء موضوع المدد الملكوتي في هذه الآية معلقاً على عودة الكفار للقتال بعد إنقضاء معركة أحد مباشرة ومن غير فترة.
فان ذات الآية مدد حاضر ودائم ومصاحب للمسلمين في أفراد الزمان الطولية، والأمصار والبلدان المتباينة، وفيه شاهد على إنتفاع المسلمين جميعاً من جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وصبرهم في ميادين القتال.
لتنزل هذه الآية وتكون كنزاً ينهل منه المسلمون معاني الصبر وتنمي عندهم ملكة الإيمان والخشية من الله، وتبعث في نفوسهم العز والفخر وتطرد عن نفوسهم الخوف من القوم الكافرين.
ومن إعجاز الآية ندب المسلمين إلى الدعاء والتضرع الى الله عز وجل لأن الصبر والتقوى وعاء مبارك وسبب للجوء الى الله عز وجل في المهمات، والشكر له سبحانه، والتدبر في آياته وفضله العظيم.
لذا جاءت الآية التالية بالإخبار عن كون هذا المدد بشارة ووسيلة لإطمئنان قلوب المؤمنين، وبإجتماع الطمأنينة، والإيمان ينقطع المؤمنون للدعاء وتنزل عليهم البركات، وأسباب الإستجابة.
بالإسناد عن محمد بن مسلم عن الإمام جعفر الصادق عن آبائه عن الإمام علي عليه السلام فيما علم أصحابه: تفتح أبواب السماء في خمسة مواقيت عند نزول الغيث وعند الزحف وعند الأذان وعند قراءة القرآن وعند طلوع الفجر.
لقد قدمت الآية التحلي بالصبر والتقوى على مجئ الكفار ليكون الصبر والتقوى واقية من مجئ الكفار وحرزاً ومقدمة للسلامة من كيدهم إن جاءوا.
ومن إعجاز نظم الآيات أن جاءت هذه الآية بالأمر بالصبر والتقوى، وجاءت الآية التالية لبيان حقيقة وهي تفضل الله عز وجل بإعانة المؤمنين للإرتقاء إلى منازل الصبر والتقوى والتوفيق للتحلي بآداب كل منهما مجتمعين ومتفرقين.
فقد لايستطيع الإنسان التقيد بسنن الصبر والإلتفات إلى آداب الخشية من الله عز وجل أزاء نفسه وأصحابه، وكيفية مواجهة الكفار ، ساعة المواجهة وشدة البأس.
فجاءت الآية التالية بالبشرى للمؤمنين بالنصر والظفر لتكون هذه البشرى بذاتها مدداً حاضراً مصاحباً للمؤمنين سواء رجع الكفار للقتال أو لم يرجعوا، وهذا المدد بلغة لبلوغ مراتب الصبر والتقوى
ويمكن تسمية هذه الآية بآية ” يمددكم ربكم” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة.
الآية سلاح
لقد خلق الله عز وجل الإنسان ليعمر الأرض بالعبادة وذكره تعالى، فبعث الأنبياء مبشرين ومنذرين، وأنزل عليهم الكتب السماوية التي تتضمن وجوب عبادة الله، والتقيد بأحكام العبادات والمعاملات التي تكون مطلوبة بذاتها كتكاليف، وهي وسيلة لتثبيت ذكر الله عز وجل في الأرض، ومن الآيات في خلق الإنسان مجيء الملائكة بالوحي من عند الله للأنبياء، فالله عز وجل لا يختص بالنبي من دون الناس بل يبعث له ملكاً قال تعالى [وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ]( ).
وليس من دليل على إختلاط وتداخل بين أهل السماوات والأرض وعلى نحو التعدد والكثرة منذ ان غادر آدم عليه السلام الجنة بعد أكله وحواء من الشجرة التي نهاهما الله عز وجل عنها، الى ان جاءت معركة أحد لينزل ثلاثة آلآف من الملائكة لنصرة المسلمين، وتبدأ مرحلة جديدة في تأريخ الإنسانية بتثبيت دعائم التوحيد بهبوط الملائكة إلى الأرض ناصرين ومعضدين للمؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله عز وجل.
لقد فضل الله عز وجل بني إسرائيل على الأمم الأخرى من أهل زمانهم وأنزل عليهم النعم العظيمة، والآيات الباهرات فما لبثوا أن كفر فريق منهم بآيات الله وقتلوا شطراً من الأنبياء [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ]( ).
وبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لتقوم قريش بتجهيز الجيوش الكبيرة لقتله وقتل الذين آمنوا بنبوته، مع أنه منهم، وكان بين ظهرانيهم ورأوا المعجزات التي تدل على نبوته، وليس من نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأتي للناس فهو خاتم الأنبياء.
فنزل الملائكة أفواجاً لتثبيت النبوة والتنزيل في الأرض، وفاز الذين صدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخرجوا معه دفاعاً عنه وعن الإسلام بنصرة الملائكة لهم.
ومن الآيات ان البشارة بالمدد من الله بخمسة آلاف من الملائكة جاءت للذين قاتلوا في معركة أحد، فالبشارة الواردة في هذه الآية لم تأتِ للمؤمنين وهم في المدينة المنورة كي يخرجوا إلى القتال مطمئنين لنزول الملائكة لنصرتهم، وليفوزوا بالغنائم إذ تتصف الملائكة بالقوة والقدرة على حسم المعركة لصالح المؤمنين ولكنها لا تأخذ من الغنائم شيئاً، ويكون حضورها وإشتراكها في المعركة مناسبة لحيازة الكثير من الغنائم لأن الخوف والهلع يملأ نفوس الكفار، ويبادرون إلى الهزيمة وترك مؤونهم خلفهم لينجوا بأنفسهم إلى جانب سلب القتلى منهم، فجاءت البشارة للذين قاتلوا في معركة أحد، وقبل أن يرجعوا الى أهليهم.
وتكشف الآية القرآنية عن حقيقة وهي فوز المؤمنين بسلاح لم تحصل عليه جماعة أو أمة من الأمم، في حال الحرب والسلم، والسراء والضراء، فقد تلقوا عهداً من السماء بنصرتهم بأعداد هائلة من الملائكة ليكون هذا العهد واقية للمسلمين من الكفار، وعوناً لهم في أداء الفرائض والعبادات الى يوم القيامة.
فجاءت الآية بالإخبار عن نزول الملائكة إذا رجع الكفار لتدل في مفهومها على نصرة الله للمسلمين إذا تمادى الكفار في التعدي على المسلمين، وأصروا على الإضرار بهم.
وهذه الآية سلاح بيد المسلمين لإصلاح الذات وهي مدرسة في الصبر وتحمل الأذى في جنب الله، والحصانة من الفجور والفسوق، ومن يطمع ويرجو نزول الملائكة لنصرتهم يتقيد بأسٍباب جلبها والفوز بها، ومن الآيات عدم تعذر تلك الأسباب، فانه حجة على ان الصبر والتقوى في مقدور المسلمين، ويستطيعون بلوغ مقاماتهما.
مفهوم الآية
إبتدأت الآية بالشرط للدلالة على المشروط، وذكرت المراد من المؤمنين لنيل نعمة عظيمة ينفردون بها من بين أهل الأرض، وهي نعمة نزول الملائكة مدداً ونصرة، لبيان حقيقة في الإرادة التكوينية وهي الملازمة بين نزول الملائكة وبين الصبر والتقوى، فلا ينزلون للنصرة والعون الا للصابرين المتقين.
وهل تكفي إحدى الخصلتين الجواب لا، وان كانت كل واحدة منهما تدل على الأخرى وتساعد على الإتصاف بها.
لقد جعلت الآية كلاً من الصبر والتقوى شرطاً مستقلاً يتقوم به نزول الملائكة وهما أعم من موضوع نزول الملائكة بإعتبارهما وظيفة كل مؤمن وصحابي آمن بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أي سواء نزل الملائكة للنصرة أم لم ينزلوا فان المسلمين محتاجون للتحلي بالصبر والتقوى لأمور الدين والدنيا، ولكن الآية جاءت للإخبار عن شرط نصرة السماء، فالملائكة منقطعون إلى العبادة والتسبيح والذكر، فيكون نزولهم لنصرة الصابرين المتقين جزءً ومصداقاً من عبادتهم، وتسبيحهم، وإنقطاعهم إلى ذكر الله عزوجل، لبيان قانون ثابت وهو إستغراق مفاهيم العبادة لكل أفعال الملائكة، ومنها إتصاف من ينصرهم الملائكة بصفات هي:
الأولى: صفة الإيمان بالله والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: التحلي بالصبر في جنب الله، وتحمل العناء والمشاق والمرابطة بإنتظار العدو والإستعداد لقتاله.
الثالثة: إظهار معاني الخشية من الله عز وجل في القول والعمل وتؤكد الآية بركات الملائكة على أهل الأرض عندما ينزلون إليها من وجوه:
الأول: ينزل الملائكة لنصرة المؤمنين.
الثاني: يبطش الملائكة بالكفار وأعداء الإسلام.
الثالث: حاجة العبادة في الأرض إلى الملائكة، فتدل الآية والوقائع التأريخية على أن نصرة الله للمؤمنين ضرورة لإستدامة الدعوة الإسلامية ونزول آيات القرآن، فينزل جبرئيل بالوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويحفظ ويكتب أصحابه آيات القرآن، ويقومون بتعلمها والتفقه في الدين.
ويسمع شطر من الناس تلك الآيات ويدركون ما فيها من الأسرار القدسية ومعاني الإعجاز، ويدخل بعضهم الإسلام، فيصيب الكفار الفزع والهلع ويخافون على منازلهم وشأنهم بين القبائل، وينفرون من الدين لما فيه من التكاليف والإنقياد لله ورسوله، فيزحفون بآلاف الجنود على المدينة المنورة لوأد الإسلام ومنع نزول الوحي.
ولم يكن هجوم الكفار على المؤمنين وحدهم، بل كان هجومهم على جبرئيل والملائكة لمنعهم من النزول بالوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وحصل التعارض بين لزوم بقاء القرآن والوحي الذي نزل وينزل به الملائكة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة، وبين هجوم الكفار وسعيهم للقضاء على الإسلام حينئذ نزل الملائكة لنصرة المؤمنين.
وتلك آية من بديع صنع الله عز وجل، وإرادة تثبيت دعائم الدين في الأرض، ومنع الكفار من الإجهاز على المؤمنين.
فجاء الملائكة لنصرة الوحي والقرآن الذي نزلوا به وتلك آية في تشريف وتقديس القرآن، وبيان عظيم منزلته بين أهل السماوات ولزوم تعاهد أهل الأرض له بالحفظ والعمل بأحكامه، لذا إبتدأت هذه الآية بذكر شرطين هما الصبر والتقوى، ليكونا مقدمة ووعاء للعمل بأحكام القرآن، وشاهدين على العمل بأحكامه والحرص النوعي العام عند المسلمين على تعاهد القرآن وسلامة آياته من التحريف، فالصبر والتقوى مقدمة لنزول الملائكة للنصرة والإغاثة وهما وسيلة لحفظ مبادئ الإسلام في الأرض، وتوارث سنن الإيمان، ويحتمل موضوع نزول الملائكة من جهة ترتب الأثر والتأثير وجوهاً:
الأول: انه خاص بمعركة أحد.
الثاني: إحتمال عودة الكفار للهجوم على المؤمنين.
الثالث: شد عضد الصحابة.
الرابع: إعانة المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة.
والصحيح هو الرابع، فان موضوع نزول الملائكة وان جاء على نحو البشارة والوعد من الله عز وجل ولكنه أعم ويتضمن إعانة الله عز وجل للمسلمين في أفراد الزمان الطولية، والأماكن والأمصار العرضية، فهذه الآية مصاحب كريم لجميع المسلمين، وشاهد على نصرة الله عز وجل لهم لمنافعها في الدنيا والآخرة.
ويعجز الناس عن إحصاء تلك المنافع وتتضمن هذه الآية نصرة الملائكة للمسلمين والتي تدل على تحقيق الغلبة والنصرة للمسلمين على نحو القطع واليقين.
وهل يدرك الكفار هذه الحقيقة، الجواب من وجوه:
الأول: جاءت هذه الآية حجة عليهم، ومن بركات القرآن ان آياته ظاهرة للناس جميعاً، ويجتهد المسلمون في إيصالها لفظاً ورسماً ومضموناً الى الناس جميعاً.
الثاني: جاءت تلاوة القرآن في الصلاة لتكون وسيلة مباركة لبيان حقائق الوجود، وأسرار الخلق، وكيفية النجاة في الدنيا والآخرة.
الثالث: تتضمن هذه الآية في مفهومها الوعيد والإنذار للكفار والمشركين، والتحذير من التعدي على الإسلام والمسلمين.
الرابع: ظهور الشواهد الوافية لنصرة الملائكة للمؤمنين وأدراك الكفار لهذه الحقيقة، ولما رجعت قريش من احد جعلوا يقولون : لم نر الخيل البلق ولا الرجال الذين كنا نراهم في بدر، ولكنه لا يدل على عدم وجود الملائكة ونصرتهم للمؤمنين، لأن عدم الإيجاد أعم من عدم الوجود.
وفي هذا وجوه:
الأول: قيام الحجة على الكفار.
الثاني: جاء نزول الملائكة يوم بدر إنذاراً للكفار من العودة والرجوع لقتال المسلمين، ولكن الكفار لم يعتبروا ولم يتعظوا، فان قلت لماذا لم يهلك الملائكة كفار قريش يوم بدر، ويمنعوهم من العودة إلى القتال، فيه وجوه:
الأول: أن الدنيا دار إمتحان وبلاء.
الثاني: جعل الله على بصر الكافر غشاوة فهو وإن يرى آية نزول الملائكة إلا أنه لم يتعظ منها، وتأخذه حمية الجاهلية الأولى.
الثالث: وجود رأس الفتنة في قريش ومجتمع المدينة، ومنهم الذين وتروا في معركة بدر، وأرادوا الإنتقام من المسلمين.
الرابع: قيام نفر من المنافقين ويهود المدينة بتحريض قريش على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنكار البشارات التي جاءت بخصوصه في التوراة.
الخامس: خشية التجار وأصحاب الأموال من قريش على تجارتهم وبضائعهم والعير التي تأتي بها من الشام.
السادس: بغض بعض الأفخاذ والبيوتات من قريش أن تكون النبوة والرياسة لبني هاشم، وحسدهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والصحابة الذين إختاروا الهجرة والإيمان، وصار لهم شأن ومقام بين المسلمين.
السابع: تعارض القتل العام هنا مع قوانين التوبة وفتح بابها للناس جميعاً، ورجحان باب التوبة في المقام لأنه أصل ثابت في الإرادة التكوينية.
الثامن: إن الله عز وجل هو القوي العزيز، ولا تستعصي عليه مسألة، فمع عودة الكفار للقتال تأتي الملائكة مرة أخرى لنصرة المؤمنين لذا أختتمت الآية التالية بقوله تعالى [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] ( )، وفي هذه العودة زيادة في أجر المؤمنين وضرر وخزي للكافرين، فمن مفاهيم الآية ان عودة الكفار للمعركة فيها أمور:
الأول: نزول الملائكة لنصرة المسلمين.
الثاني: الهزيمة الماحقة للكفار.
الثالث: تقوية قلوب المسلمين.
الرابع: تجلي آيات ومعجزات أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: زيادة عدد المسلمين، فكل نصر للمؤمنين دعوة ومناسبة لدخول الناس الإسلام.
السادس: دبيب الضعف والوهن في صفوف الكفار.
السابع: عجز الكفار عن الزحف على المدينة لاحقاً، فلو رجع الكفار في معركة أحد لما إستطاعوا أن يجمعوا عشرة آلاف رجل ويزحفوا بهم نحو المدينة في معركة الأحزاب فان قلت إذا كان رجوعهم الى أحد برزخاً دون زحفهم بهذا الجيش الكبير نحو المدينة لماذا لم يستدرجهم الله عز وجل للرجوع، الجواب ان النتيجة للكفار هي ذاتها خسارتهم، ورجوعهم خائبين.
فقد أراد الله عز وجل أن يبين للناس قدرة المسلمين على الدفاع عن المدينة، وعجز الكفار عن إختراقها والنفاذ إليها، وتحلي المؤمنين بالصبر والتقوى، وقد بدأت هذه الآية بقوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ] ولم يرجع الكفار من فورهم، بل رجعوا بعد سنتين ليجدوا المسلمين بذات المرتبة الرفيعة من الإيمان والصبر والخشية من الله عز وجل، ليعود الكفار خائبين، مما يدل على إرادة تحلي المسلمين بالصبر والتقوى على نحو الدوام، وعدم الحصر بإحتمال عودة الكفار الى المعركة.
فمن مفاهيم الآية ان الواقية والحصانة من الكفار في كل زمان بالصبر والتقوى، وجاءت الوقائع التأريخية والهزائم المتلاحقة للكفار لتؤكد تقيد المسلمين بآداب الصبر والتقوى، فقوله تعالى [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ] تأسيس لقاعدة تدل على نصرة الله عز وجل للمسلمين بتقيدهم بسنن الإيمان وسنن الصبر والتقوى، وهي منهج الأنبياء.
وفي الآية مسائل:
الأولى: إكرام المسلمين بتوجه الخطاب لهم.
الثانية: تأديب المسلمين وهدايتهم الى ما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم.
الثالثة: بيان حال الصراع بين الإيمان والكفر، وما كان يلاقيه المؤمنون الأوائل من الكيد والعداوة من قبل الكفار، فلم تكن خصومة باللسان والسباب والأيدي، بل قطع الكفار مئات الكيلو مترات لقتال المؤمنين، ومحاولة القضاء على الإسلام.
الرابعة: إجتماع الصبر والتقوى مقدمة لنزول الملائكة لنصرة المسلمين عند رجوع الكفار لقتالهم.
الخامسة: تقييد نزول الملائكة إذا رجع الكفار لقتال المسلمين، دليل على تحلي المسلمين بمعاني الصبر والتقوى في معركة بدر وأحد عندما نزل الملائكة لنصرتهم.
السادسة: إحتمال عودة الكفار لقتال المسلمين قبل وصولهم إلى مكة ورجوعهم إلى أهلهم.
السابعة: التخفيف عن المؤمنين، وبشارتهم بحضور الملائكة حال عودة الكفار.
الثامنة: دلالة الآية على أن الكفار لا يعودون إلا للحرب والقتال.
التاسعة: هل من ملازمة بين عودة الكفار للقتال، وبين نزول الملائكة لنصرة المؤمنين، الجواب لا، لأن نزولهم مقيد بشرط التحلي بالصبر والخشية من الله عز وجل.
العاشرة: بيان عدد الملائكة الذين يأتون لنصرة المؤمنين، وهو أكبر عدد من الملائكة يرد ذكره في القرآن لنصرة المسلمين.
الحادية عشرة: وصف الملائكة الذين ينزلون لنصرة المسلمين بأنهم يحملون علامات خاصة يعرفون بها.
ووردت كلمات في هذه الآية لم تذكر في آيات القرآن الأخرى وهي:
الأولى: بلى إنْ.
الثانية: ويأتوكم.
الثالثة: فورهم.
الرابعة: خمسة آلاف.
الخامسة: مسومين.
لقد إبتدأت الآية بصيغة الشرط الموجه للمؤمنين الأحديين على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي، وتفيد في مفهومها أموراً:
الأول: دعوة عموم المسلمين للتحلي بالصبر والتقوى.
الثاني: بعث السكينة في قلوب المسلمين، وعدم إصابتهم بالفزع والخوف من الكفار الذين يهمون بالهجوم على المسلمين، ويتوعدونهم شراً.
الثالث: إنذار الكفار، وجعل الخوف يملأ نفوسهم من التعدي على المسلمين.
الرابع: أهلية المسلمين لرداء الصبر وبلوغ مراتب التقوى والخشية من الله.
الخامس: سعة الفضل الإلهي، وعظيم رأفة الله بالمسلمين.
السادس: دعوة القبائل والناس عدم الإنجرار وراء قريش وتعديها على المسلمين، لأن معجزة نزول الملائكة تخاطب العقول، وتزجر الناس جميعاً عن الكفار لأن النتيجة الحتمية هي خسارة الكفار، فاذا كان المدد والتبع عن النصرة لتتجلى آية إعجازية وهي عدم مدد لأعداء الذين ينزل الملائكة لنصرتهم وإعانتهم.
الآية لطف
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا حدائق ناضرة في أعين المؤمنين، وزادهم أثناء السياحة في أرجائها الصبر والتقوى، والتحلي بالأخلاق الحميدة، وتعاهد الفرائض والعبادات.
مما يبعث في قلوب الكفار الحسد والبغضاء للمسلمين، وتكون علامات السكينة والرضا التي تظهر على المسلمين في حياتهم اليومية سبباً لغيظهم، والصلات الأخوية فيما بينهم والتي تتقوم بصبغة الإيمان وعمل الصالحات، والتنافس في مرضاة الله، ومنه التدافع في الخروج للقتال الكفار.
لقد كان الصحابة الذين تصدوا لقريش وصناديدها وأبطالها نواة أعظم وأحسن الأمم والتي تتصف بالبقاء على ذات المناهج من الصبر والتقوى إلى يوم القيامة،وهذا البقاء من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، ولا يتحقق إبتداء وإستدامة الا بلطف من الله عز وجل وفيه دلالة على وجود الصانع ووجوب عبادته، فجاء نزول الملائكة والبشارة بنزولها لنصرة المؤمنين مصداقاً لهذا اللطف، وشاهداً على عظيم قدرة الله عز وجل.
وقد يظن الإنسان الفصل والعزلة التامة بين أهل السماء والأرض، وجاءت هذه الآية لبيان وجود صلة بينهما، بنصرة أهل السماء للمؤمنين، وهو نفع ولطف بالناس جميعاً، لما فيه من تثبيت لأحكام الشريعة، ومنع إستحواذ الكفار على أمور الحكم والسلطنة بين الناس.
لقد إبتدأت الآية باللطف المتعدد بالمسلمين إذ أشترطت عليهم لنزول الملائكة أمرين:
الأول: الصبر وعدم الجزع.
الثاني: خشية الله عز وجل.
ان المسلمين مجتمعين ومتفرقين محتاجون للصبر والتقوى، لذا جاء الشرط في الآية رحمة بالمسلمين، وسبيلاً لإرتقائهم في منازل الإيمان ونيل مرتبة نصرة الملائكة لهم.
إفاضات الآية
لقد جعل الله عز وجل الإنسان خليفة في الأرض، وحباه آية وهي سعة الأرض وإمكان الإنتقال وطي المسافات منها، وعجز الناس عن بلوغ أطرافها، وإعمار أكثرها، وهي تدعوهم لإستخراج كنوزها وتوظيفها في طاعة الله، كما ان طاعة الله مقدمة ووسيلة لإخراج تلك الكنوز والإنتفاع منها على الوجه الأمثل.
ومن الآيات في خلق الإنسان وأسرار خلافته في الأرض نسبة العموم والخصوص بين المؤمن وغيره، إذ ان المؤمنين ينتفعون من الأرض وخيراتها مثل باقي الناس، ولكنهم يتصفون بأمور:
الأول: تسخير النعم في مرضاة الله.
الثاني: إعمار الأرض بالصلاح والتقوى.
الثالث: تنزل الملائكة لنصرتهم في قتالهم مع الكفار.
الرابع: سياحة المؤمنين في آفاق السماء، وتعلق أرواحهم بعالم الملكوت للجامع المشترك بينهم وبين أهل السماوات وهو الإيمان، لذا سجد الملائكة لآدم عليه السلام بإعتباره خليفة الله في الأرض، يعمرها بذكر الله، ويخرج من صلبه الأنبياء والمؤمنون الذين يتوارثون الإيمان، ويتطلعون إلى نصرة الملائكة لهم.
ومن الآيات ان ترتقي صلة الملائكة مع المؤمنين إلى النزول من السماء إلى الأرض للنصرة والمدد وتحقيق الغلبة للمسلمين على الكفار، وتحتمل نصرة الملائكة للمسلمين سعة وضيقاً وجوهاً:
الأول: إنحصار نزول الملائكة بمعارك الإسلام الأولى التي ورد ذكرها في القرآن وجاءت بها النصوص والأخبار.
الثاني: نزول الملائكة لنصرة المؤمنين في أيام النبوة سواء في المعارك التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو السرايا التي بعثها في الجزيرة وما حولها.
الثالث: نزول الملائكة في أيام الخلافة الراشدة، والمعارك التي خرج فيها البدريون والأحديون من الصحابة سواء في بلاد الروم أو فارس أو مصر أو غيرها.
الرابع: إستمرار نزول الملائكة في كل معركة من معارك المسلمين إلى يوم القيامة.
الخامس: تقييد نزول الملائكة في حال ضيق وحرج وحاجة المسلمين، فاذا لم يكن المسلمون ضعفاء وأذلة لا ينزل الملائكة لإنتفاء المقتضي، ولأن المسلمين قادرون على الدفاع عن أنفسهم وتحقيق النصر والغلبة على الكفار.
والقدر المتيقن هو الوجه الأول، إلا انه لا دليل على الحصر والقطع بعدم نزول الملائكة لنصرة المسلمين في معاركهم الأخرى، نعم قد يتباين عدد الملائكة، وكيفية نصرتها للمؤمنين إلا أن قيد الصبر والتقوى باقِ ومتجدد، لتكون نصرة الملائكة فيضاً ورزقاً سماوياً دائماً خاصاً بالمؤمنين، وسبباً لبعث المسلمين على تحمل الأذى والعناء والصبر في طاعة الله وأداء الفرائض والعبادات، وليس من مدد ونصرة مثل نصرة الملائكة في الدنيا والآخرة.
ومن اللطف ان الله لم يجعل لها قيداً الا التحلي بسنن الإيمان والخشية من الله ليكون نزول الملائكة فيضاً مركباً ومتعدداً، وباعثاً على التقوى والصلاح وان كان أحياناً بمرتبة البشارة وعالم الإمكان، فهو سلاح عند المسلمين وذخيرة سماوية بين ظهرانيهم، وتكون حاضرة في منتدياتهم، وحساباتهم وقياس قدراتهم وقدرات أعدائهم من الكفار والمشركين والفاسقين.
وهذه الآية واقية من غلبة النفس الشهوية والأمارة بالسوء، لأن إدراك المسلمين لحضور الملائكة لنصرتهم، وقيد الصبر والتقوى لهذه النصرة حرز من السيئات وواقية من إتباع الشيطان وإغوائه، ان البشارة بنزول الملائكة نعمة متدلية وظل مبارك يتغشى المسلمين، وسحابة تقيهم الأذى والريح السوداء القادمة من معسكرات الكفار، وما يكيدونه في منتدياتهم، لتبقى أرواح المؤمنين معلقة بسرداق العرش ترجو النوال والفضل الإلهي بالمدد والنصرة السماوية.
لقد فتحت هذه الآية المباركة على المسلمين كنوز النصرة التي لا تنفد، فكما ان خزائن وعلوم القرآن لا تنفد ولا تنقطع، فكذا نصرة الملائكة للمؤمنين متصلة ودائمة بقيد الصبر والخشية من الله عز وجل.
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بحرف جواب لإيجاب النفي، فإذ قالت الآية السابقة [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ] ( ) جاء الجواب من عند الله عز وجل بأنه يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وان الله عز وجل يبعث لنصرتكم خمسة آلاف.
وقد يقول بعض المؤمنين: ترى هل تكفينا نصرة ثلاثة آلاف من الملائكة لعدم العلم بماهية وكيفية نصرة الملائكة وفعلها، فجاء الجواب من عند الله بالقطع والجزم بكفاية هذا المدد السماوي للمؤمنين، وفيه بعث للسكينة في نفوسهم، وبرزخ دون الشك والريب والإختلاف في التأويل، لقد إنخزل عن المؤمنين في الطريق إلى أحد نحو ثلث الجيش.
ثم همت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا وسط الميدان، وساعة المعركة حينما شاهدوا ضراوتها وعتو قريش، فجاء المدد من الملائكة، والإخبار من الله عز وجل بكفاية، هذا العدد من الملائكة بشارة إضافية وفضل منه تعالى.
ثم ذكرت الآية شرطين يتعلقان بالمسلمين وهما الصبر والتقوى، وذكر الحال التي تستلزم مجيء الملائكة مدداً وهي رجوع الكفار إلى القتال وساحة المعركة، وهذا الرجوع لم يكن وهماً أو ظناً، بل أراد الكفار أن يرجعوا إذ ندموا على عدم الإجهاز على المسلمين.
فجاءت هذه الآية مدداً، أي انها مدد بذاتها، وتخبر عن مدد سماوي، لبيان قانون وفضل من عند الله، وهو ان الآية القرآنية بذاتها مدد وعلم وسلاح لمواجهة الكفار ومحاربة الفزع وسبب لطرد الخوف من النفوس، ومقدمة وإخبار عن أمر حتمي هو مجيء الملائكة للنصرة والمعونة.
وفي الآية ثلاثة أطراف:
الأول: شرط الصبر والتقوى عند المؤمنين.
الثاني: رجوع الكفار الى المعركة والذي يدل عليه قيد [مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا].
الثالث: المدد من الله عز وجل بخمسة آلاف من الملائكة.
ان نزول الملائكة للنصرة نعمة عظيمة فاز بها المؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين خرجوا للجهاد معه والدفاع عن الإسلام في أيامه الأولى، وهي أشق وأصعب الأيام في تأريخ الإسلام، فجاء المدد الملكوتي نصرة للمسلمين في أجيالهم المتعاقبة، ليكون هذا المدد كالسدرة الدائمة الخضرة التي يتفيأ تحت ظلالها المسلمون والمسلمات في مشارق ومغارب الأرض.
وجاءت خاتمة الآية ببيان صفة الملائكة بقوله تعالى [مُسَوِّمِينَ] فهل تدل بداية الآية على ان المؤمنين مسومون عند أهل السماء الذين ينزلون لنصرتهم.
وتكرر حرف العطف الواو في الآية الكريمة مرتين، في قوله تعالى [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ] ليتغشى أداة الشرط الجملة الفعلية الثلاثة، ويكون معناه على وجوه:
الأول: قد تصبرونه ويأتوكم.
الثاني: قد تتقون ويأتوكم.
الثالث: يتحقق الشرط وبلوغ المؤمنين مرتبة الصبر والتقوى،ولكن المشروط لم يتحقق فلا يأتي لكفار لقتالهم.
الرابع: يأتي الكفار ولم تبلغوا مرتبة الصبر والتقوى.
الخامس: عدم تحقق الشرط والمشروط، فلا تبلغوا مرتبة الصبر والتقوى، ولا يأتينكم الكفار.
والذي حصل هو الفرد الثالث فان المسلمين تقيدوا بالأوامر الإلهية الواردة في هذه الآية، ولكن الكفار لم يرجعوا إلى المعركة، ليصير كل من الصبر والتقوى سلاحاً لزجر الكفار عن المجئ لقتال المسلمين.
لذا جاءت الآية التالية بالإخبار عن وظائف ومنافع لغة الشرط في هذه الآية الكريمة بأنها بشارة للمؤمنين، وتبعث السكينة في قلوب المؤمنين، وأن النصر يأتي من عند الله عز وجل في أي معركة من معارك المسلمين، سواء بتحقق تمام الشرط أو لا، والله واسع كريم.
لقد أظهر المسلمون الصبر بالبقاء على أهلية الإستعداد لمواجهة العدو، والإستجابة لأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج للقتال في اليوم الثاني مع وجود أخبار بأن الكفار سيرجعون للقتال وتقيد المسلمون بالخشية من الله بطاعته وطاعة رسوله، وتلقي الآيات القرآنية بالقبول والتصديق والإمتثال، وعدم الخوف من الكفار وجيوشهم.
وتكرر (واو الجماعة) أربع مرات في الآية مع قلة كلماتها، تعود إثنتان منها إلى المؤمنين الذين شاركوا في معركة أحد.
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى: إبتدأت الآية بتوكيد تحقيق النصر والظفر للمسلمين بكفاية المدد الملكوتي.
الثانية: تتضمن الآية تنمية ملكة الصبر والخشية من الله على المؤمنين وجعلهما متحدين سجية ثابتة عند عموم المسلمين.
الثالثة: الذين خرجوا الى معركة بدر وأحد من المؤمنين أسوة حسنة في الجهاد والتضحية في سبيل الله، وجاءت هذه الآية ليكونوا قادة لعموم الإسلام في الصبر والتقوى.
إذ ان المعركة تحصل في يوم أو أيام معدودة، أما الحاجة الى الصبر والخشية من الله فهي دائمة ومصاحبة للإنسان في اليسر والعسر، والحضر والسفر، والسلم والحرب.
الرابعة: بيان منافع كل من الصبر والتقوى في كفاية شر الأعداء، فالآية دليل ومنهج عمل للمسلمين للوقاية من شرور الأعداء بطاعة الله ورسوله.
الخامسة: البشارة بنزول الملائكة لنصرة المسلمين.
السادسة: فضح الكفار وبيان قبح فعلهم، وكثرة تعديهم، وإستحقاقهم للعذاب بواسطة الملائكة لسعي الكفار المتصل للإجهاز على الإسلام، ومحاولاتهم قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة: بعث الفزع والخوف في قلوب عموم الكفار والفاسقين من التعدي على المسلمين، فالأمة التي تنصرها الملائكة يجب ان لا تقاتل، وان كانت قليلة العدد وفي حال ضعف ونقص في العدة، وتتجلى هذه الحقيقة بمعركة بدر وكيف نصر الله عز وجل المسلمين قلتهم في مقابل كثرة الكفار وزهوهم.
السابعة: قرب أهل السماء من المؤمنين، فليس من ثمة مسافة يقطعها الملائكة وتأخذ وقتاً منهم للوصول إلى المعركة، فيحتاج المدد الذي يأتي من المدينة يوماً كي يصل إلى المعركة وان وصل فانه يبقى ساعات يتهيء للقتال، ويأخذ مواضعه للحرب، وقد يطلب وقتاً للراحة، أما المدد من السماء فيأتي في الحال ويدخل المعركة من غير فاصلة، ويكون في دخوله المعركة حاسماً للنتيجة بالظفر والغلبة للمسلمين.
الثامنة: بيان صفة الملائكة الذين نزلوا لنصرة المسلمين، وكونهم “مسومين” يعرفهم الملائكة الآخرون وأهل الأرض بأنهم جاءوا لنصرة المؤمنين.
أربعة قواعد جديدة
القاعدة الأولى: يحتمل قوله تعالى [بَلَى] وجهين:
الأول: إنه من كلام النبي للمؤمنين الذي جاءت الآية السابقة بذكره.
الثاني: أنه كلام مستأنف من عند الله عز وجل للمؤمنين.
والصحيح هو الثاني، ويمكن أن نؤسس قاعدة في لغة القرآن وما فيه من صيغ الإعجاز والدلائل، ومع أن آيات القرآن كلها كلام الله عز وجل، إلا أنه لو تردد الكلام في الآية القرآنية هل هو من عند الله أم حكاية عن أحد أنبيائه أو الملائكة أو غيرهم، فالأصل هو ان الكلام لله عز وجل وليس حكاية عنه، سواء جاء على نحو الجملة الخبرية أو الإنشائية أو خطاباً للمخاطبين، وليس حكاية عن غيره، وتكون النسبة بين الآية السابقة وهذه الآية، ان الآية السابقة خطاب من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ] ( )، أما هذه الآية فانها خطاب من الله عز وجل للمؤمنين.
ترى لماذا ذكرت الآية السابقة كلام النبي، وجاءت هذه الآية خطاباً مباشراً من الله عز وجل للمؤمنين فيه وجوه:
الأول: تقوية قلوب المؤمنين.
الثاني: منع حصول الفشل عندهم، وحصول الهم به.
الثالث: إنذار المؤمنين بإحتمال عودة الكفار، إذ ان مدد الملائكة لا يعني ترك المؤمنين الإستعداد لمواجهة الأعداء بل جاءت الآية لتحث المؤمنين على الحذر واليقظة والتهيء للقتال، والبقاء في حال نفير.
الرابع: بيان فضل الله عز وجل على المؤمنين من جهات:
الأولى: مجيء البشارة لهم على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: توثيق القرآن لتلك البشارات.
الثالثة: تفضل الله عز وجل بوعد كريم لهم بالمدد والنصرة.
وجاءت الآية السابقة بذكر بشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه الأحديين بنزول ثلاثة آلاف من الملائكة مدداً لنصرتهم في المعركة، وجاءت هذه الآية بذكر خمسة آلاف من الملائكة للنصرة، وهو شاهد على عظيم فضل الله عز وجل على نبيه وعلى المؤمنين.
القاعدة الثانية:
الأولى: إذا أنعم الله عز وجل على جماعة أو أمة بنعمة، ثم أنعم عليهم بنعمة أخرى مشابهة فانها تأتي أكبر من أختها، وإن كانت الحاجة لأقل منها، فقريش حينما ترجع إلى المعركة تكون أقل عدداً وعدة ومنهكة من مشاق السفر والقتال، ومع هذا يأتي المدد للمؤمنين أكبر وأعظم لأن المسلمين يشعرون بالضعف من العناء والقتال بل لأن فضل الله عز وجل عليهم عظيم، وهو الكريم الذي تتوالى نعمه، وكل نعمة أكبر من أختها وقد يقال قد يكون أثر وفعل خمسة آلاف من الملائكة مثل أو أقل من أثر وفعل ثلاثة آلاف ملك التي ذكرتها الآية السابقة لقوله تعالى[مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا] ( )، والجواب إنه قياس مع الفارق لأن الأمر ليس نسخاً بل نعمة إضافية إلى النعمة الأولى، ولحمل موضوع العدد على ظاهره بإعتبار التناسب الطردي بين كثرة العدد والفعل، كما أن الفضل ظاهر بعدد الملائكة، وكلما كان أكثر كان أفضل وأعظم.
القاعدة الثالثة: لقد وردت الآية السابقة حكاية عن بشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين ببشارة نزول الملائكة لنصرتهم وان عددهم هو ثلاثة آلاف ملك، ليدخل السرور إلى قلوب المؤمنين، وتمتلأ نفوسهم بالسكينة والرضا ويتوجهون إلى الله بالشكر على أمور:
الأول: مجئ المدد لهم.
الثاني: نزول الملائكة من السماء لنصرتهم.
الثالث: كثرة مدد الملائكة وهو ثلاثة آلاف ملك.
وقد يظن المسلمون نزول مدد من السماء لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ولكن لايطرأ على التصور الذهني لبعضهم وفي أجيالهم المتعاقبة أن مدد الملائكة الذين ينزلون هو ثلاثة آلاف ملك خصوصاً مع إستحضار ما للملائكة من القدرات العجيبة.
ويمكن إستقراء قاعدة وهي تجلي معاني الإعجاز بالمدد الإلهي،وعدم بلوغ أوهام البشر إلى إدراك كنهه وعظمته.
بالإسناد عن معاوية بن قرة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لجبريل ما أحسن ما أثنى عليك ربك ” ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ” فما كانت قوتك وما كانت أمانتك قال أما قوتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن وفي كل مدينة أربع مائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب ثم هويت بهن فقلبتهن وأما أمانتي فلم أؤمر بشئ فعدوته إلى غيره( ).
الثالثة: جاءت هذه الآية بالإخبار عن نزول خمسة آلاف من الملائكة لنصرة المسلمين، ويمكن أن نؤسس قاعدة وهي إذا جاءت البشارة والوعد على لسان النبي أو الملك، ثم جاءت مثلها من عند الله من غير واسطة فانها تكون أعظم وأكبر، فنزول ثلاثة آلاف من الملائكة جاء على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أما هذه الآية فجاءت خطاباً من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين فكان عدد الملائكة أكثر، ولابد أن عملهم يكون أعظم وأكبر وفيه هلاك لقريش لورجعوا إلى المعركة.
التفسير
قوله تعالى [بَلَى]
تأتي “بلى” على قسمين:
الأول: حرف جواب لإثبات نفي سبقها، ورده كما في قوله تعالى [وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا برْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ *بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ]( )، أي يدخل الجنة غيرهم.
الثاني: جواب لإستفهام دخل على نفي فتفيد إبطاله كما في قوله تعالى [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى] ( ) والمعنى ان المدد بالملائكة يكفي المؤمنين، وتقسم بلا في علم القراءة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: إختيار الوقف عليها، لأنها جواب لما قبلها غير متصلة في موضوعها بما بعدها.
الثاني: عدم جواز الوقف عليها، لإتصال ما قبلها بما بعدها مثل قوله تعالى [قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا]( ).
الثالث: ما أختلف في جواز الوقف عليها، والأكثر ألحقها بالقسم الثاني أعلاه، لأن ما بعدها متصل بها وبما قبلها منها قوله تعالى [قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي]( ).
ويمكن أن نضيف قسيماً رابعاً لهذه الأقسام وهو خاص بـ”بلى” القرآنية، كما في هذه الآية إذ انها تتعلق بما قبلها وما بعدها، ولكنها تتصف بخصوصية وهي موضوعية فواصل الآيات في الوقف والإبتداء، فقد يبدأ بها لأنها أول الآية، ولكن هذا لا يمنع من الوقف عليها.
أما الوقوف عليها لأنها آخر الآية فهو غير موجود في القرآن مما يدل على موافقة آيات القرآن لقواعد القراءة، وجاءت “بلى” في هذه الآية متعلقة بما قبلها وما بعدها من غير أن تكون فواصل الآيات برزخاً دون الإبتداء بها، لتكون شاهداً على الإعجاز البلاغي والنحوي في القرآن، وفيه زيادة لطراوة وعذوبة الكلام، ومصداق لتعدد معانيه.
ومن الآيات ان الموضوع الذي تتعلق به بلى في هذه الآية والآية السابقة متحد من وجوه ومتعدد من وجوه، أما وجوه الإتحاد فهي:
الأول: تعلق موضوع الآيتين بالملائكة.
الثاني: نزول الملائكة مدداً للمؤمنين.
الثالث: كفاية مدد الملائكة لنصرة المسلمين.
الرابع: إتحاد جهة الخطاب في الآيتين وإرادة المؤمنين الذين خرجوا وقاتلوا في معركة أحد.
الخامس: قيد مجيء المدد الملكوتي من عند الله، فليس بمقدور الملائكة أن ينزلوا الى الأرض بمحض إرادتهم، فهم يتلقون من الله عز وجل الأمر المتعدد من وجوه منها:
الأول: النزول إلى الأرض.
الثاني: نصرة المؤمنين.
الثالث: حفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذب عنه.
الرابع: هزيمة الكفار.
الخامس: تثبيت قلوب المؤمنين.
وأما معاني التعدد فهي من وجوه:
الأول: مجيء الآية السابقة حكاية على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإخباره للمؤمنين بوحي من الله عن نزول الملائكة مدداً، ومجيء هذه الآية خطاباً من الله عز وجل للمؤمنين، وبواسطتهم للمسلمين جميعاً.
الثاني: ذكرت الآية السابقة عدد الملائكة وانه ثلاثة آلاف، أما هذه الآية فذكرت أن عددهم خمسة آلاف.
الثالث: مجيء الملائكة في الآية السابقة من غير تقييد بشرط، بينما جاءت هذه الآية بالتقييد بشرطين هما الصبر والتقوى.
الرابع: جاء المدد في الآية السابقة لمعركة أحد أما المدد في هذه الآية فيتعلق بعود الكفار للقتال مرة أخرى.
الخامس: ليس في الآية السابقة ذكر للكفار الذين هجموا على المسلمين، أما هذه الآية فجاءت بذكرهم والإخبار عن إحتمال رجوعهم للقتال.
السادس: وصفت الآية السابقة الملائكة بصفة “منزلين” أما هذه الآية فذكرتهم بصفة “مسومين”.
السابع: أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن نزول ثلاثة آلاف من الملائكة مدداً للمسلمين بأمر الله عز وجل، وهذا الأمر على وجوه:
الأول: الأمر الإلهي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخبر المؤمنين ببشارة نزول الملائكة، وتقدير الآية (قلنا له يقول للمؤمنين)[إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] وفيه تشريف وإكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتفضيل له على الأنبياء السابقين، فقد ورد في موسى عليه السلام وكثرة تردد بني إسرائيل عليه في قصة ذبح البقرة قوله تعالى [قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ] ( )، ثلاث مرات في رد على قولهم [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا] والذي تكرر أيضاً ثلاث مرات.
اما المؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد خرجوا للقتال والجهاد ولم يسألوا ويكثروا من السؤال، فجاءتهم البشارة على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله.
وهو من الشواهد على أن المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، لكنهم بادروا إلى الدفاع عن الإسلام من غير أن يكثروا من السؤال، وفيه مصداق عملي للمنافع العظيمة للإمتثال والتقيد بالنهي عن كثرة السؤال قال تعالى [أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ]( ).
لقد إبتدأت الآية بقوله تعالى [بَلَى] للإشارة الى إتصال موضوع هذه الآية بالآية السابقة، وفيه نوع إكرام للمسلمين بأن يتوالى عليهم نزول الآيات ونزول الملائكة.
فمن النعم العظيمة على المسلمين أن تنزل الملائكة تارة بالوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتارة مدداً وعوناً له وللمؤمنين في قتال الكفار، ليتداخل المدد الملكوتي والوحي السماوي في التوجه إلى المؤمنين، لتحقيق النصر والغلبة على الكفار إلى يوم القيامة، فجاء المدد في معركة مخصوصة ولكن منافعه وآثاره المباركة متصلة ومستمرة.
وجاءت هذه الآيات لتجعلها متجددة، وتكون فيها عبرة وموعظة وزاجراً عن التعدي على المسلمين، لقد جاءت البشارة بالمدد السماوي لتوكيد قرب أهل السماء من الأرض، وعدم وجود حواجز دون نزولهم لنصرة المؤمنين.
وهذا النزول معلق بالمشيئة الإلهية، والله عز وجل يقول [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( )، مما يدل على حث المؤمنين على الدعاء لنزول الملائكة لنصرتهم بشرط التقيد بآداب الصبر في طاعة الله، والخشية منه في السر والعلانية، والإمتثال للأوامر والنواهي التي جاءت في القرآن الكريم.
فمن أسرار ورود الحرف “بلى” في بداية الآية الكريمة إتصال الوعد الإلهي، وحضور المدد الملكوتي إلا أن يقال بورود قرينة على إرادة خصوص واقعة أحد بدليل قوله تعالى [وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا]، وهو صحيح، إلا أن المورد لا يخصص الوارد، وجاء هذا القيد من باب المثال والواقعة الحاضرة، فقد وردت في الآية ثلاثة قيود لنزول الملائكة وهي:
الأول: تحلي المؤمنين بالصبر.
الثاني: تقيد المؤمنين بسنن التقوى.
الثالث: عودة الكفار للقتال.
وتحتمل الشرطية في المقام وجوهاً:
الأول: لزوم إجتماع هذه الشروط.
الثاني: كفاية أحدها.
الثالث:إجتماع الشرطين الذين يتعلقان بعمل المؤمنين وهماالصبر والتقوى.
الرابع: إجتماع الشرطين أعلاه، وحصول القتال مع الكفار.
والصحيح هو الرابع، فان الصبر والتقوى أمران ذاتيان يجب أن يتصف بهما المسلمون كشرط ومقدمة لنزول الملائكة مدداً، فلا ينزل الملائكة إلا على الصابرين المتقين، وأما قيد عودة الكفار للقتال فهو أمر مردد بين الوقوع واللاوقوع لبيان حقيقة، وتثبيت بشارة، وتوكيد نعمة على المؤمنين باقية إلى يوم القيامة، نعم قد يقال بخصوصية في المقام تتعلق بنزول الملائكة من وجوه:
الأول: موضوعية حضور وثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة، وهو من أسرار نزول الملائكة.
الثاني: موضوع النصرة والمدد الملكوتي هو معارك الإسلام الأولى، وجاء لضعف وقلة المسلمين، وقوة شوكة الكافرين، أما في الأزمنة اللاحقة فان الإسلام أصبح قوياً وكثر عدد وأمصار المسلمين، ولا يخاف على الإسلام ومبادئه الزوال أو التحريف، ويمكن ذكر مثل في المقام وهو ان المسلمين كانوا في معارك الإسلام الأولى يخضبون، كي يظهروا أقوياء وفي سن الشباب أمام العدو، أما بعد إتساع رقعة الإسلام، وكثرة المسلمين فقد أصبح الخضاب أمراً مباحاً.
الثالث: القدر المتيقن من الآية الكريمة هو البشارة بالمدد من السماء بمعركة أحد وعودة الكفار من جديد إلى ساحة المعركة، ولا يتعدى عن النص إلا بالدليل.
الرابع: ان القاعدة القائلة بان المدار على عموم اللفظ وليس على سبب النزول لا موضوعية لها في المقام لأن أحكام الآية والمدد الملكوتي لا يتعلقان بقواعد وأحكام العموم، بل بقيد وارد في الآية، وهو عودة الكفار للقتال مرة أخرى.
الخامس: لقد ذكرت عودة الكفار للقتال شرطاً لنزول الملائكة مما يعني إنتفاء المشروط بإنتفاء شرطه.
ولكن هذه الأدلة التي ذكرناها لا تكفي لمعارضة الدليل بعظيم الفضل الإلهي وتوالي النعم من الله سبحانه، وانه تعالى إذا أنعم بنعمة على أهل الأرض فانه سبحانه لا يرفعها.
وقد أنعم على المؤمنين بنزول الملائكة لنصرتهم، مما يدل على دوام نعمة نزول الملائكة مدداً لهم في معاركهم، وان تباين عدد الملائكة كثرة وقلة، وكله من فضل الله عز وجل.
وهل يمكن القول أن الملائكة مدد من عند الله، وليس من حصر لمصاديق المدد الإلهي، فإذا كان المدد في بداية الإسلام نزول الملائكة، فإنه يأتي بعدها بوسائل وآلات وكيفيات أخرى، قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) وهذا القول صحيح، ولكنه لا يتعارض مع إستمرار نزول الملائكة لنصرة المؤمنين في معارك الإسلام وإلى يوم القيامة.
بحث بلاغي
من ضروب الإطناب وعلم البديع “حسن النسق” وهو المجيء بكلمات متتاليات تتصف بالتلاحم وحسن الترتيب، وتصلح كل بضع كلمات منها أن تكون جملة بذاتها، بالإضافة إلى الحلاوة والخصوصية والدلالات الخاصة لكل كلمة منها.
وقد بدأت هذه الآية بشرط وهو إتصاف المؤمنين بالصبر والخشية من الله عز وجل، ليكون واقية من تعدي وهجوم الكفار وحرزاً من الضرر والكيد والمكر، ويحتاج المسلمون مجتمعين ومتفرقين كلاً من الصبر والتقوى في حال السلم والحرب، والرخاء والشدة.
ثم إنتقلت الآية إلى ذكر موضوع عودة الكفار للقتال بعد معركة أحد مباشرة، من غير فترة يستطيع المؤمنون فيها إصلاح أنفسهم للقتال، ومداواة الجرحى، وإعداد عدة ومؤونة القتال، خصوصاً وان الكفار لم يخسروا الكثير في معركة أحد، أو أن الخسارة لم تكن بينة وظاهرة بلحاظ كثرة عددهم وعدتهم إذ ان عددهم نحو ثلاثة آلاف، وكان عندهم من الخيل نحو مائتين.
كما يدل قوله تعالى “من فورهم” على قدرتهم على العودة السريعة، وتوفر أسباب الرجوع وكفاية مؤون العودة للقتال عندهم مع ضعف وقلة عدد المؤمنين فجاء المدد من عند الله رحمة إضافية بالمسلمين وشاهداً على نصرة الله عز وجل لهم بالمدد السماوي.
وقد يأتي المدد بالأفراد والجنود والرياح وغيرها من الأسباب، ولكن الآية جاءت بالإخبار عن المدد الملكوتي، بعد أن رجع المنافقون وجف طريق المدد البشري من الناس، وفي الآية إعجاز إذا أنعدم المدد المحدود من الناس يأتي المدد المطلق من عند الله، فالمقاتلون يستبشرون ويفرحون بالمدد القليل وما يكثّر السواد لبيان الفضل الإلهي العظيم على المؤمنين، وفيه شاهد على نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وزجر للكفار من التعدي على المؤمنين.
قوله تعالى [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا]
بعد حرف الإيجاب (بلى) جاءت الآية بالخطاب إلى المسلمين بلغة الشرط، ويكون الشرط على أقسام:
الأول: الشرط المتقدم على المشروط فلا يؤتى بالمشروط إلا بعد تحقيق شرطه.
الثاني: الشرط المصاحب للمشروط بإن يكون مقارناً له.
الثالث: الشرط المتأخر الذي يأتي بعد حصول المشروط.
الرابع: الشرط المتقدم والمصاحب للمشروط كما في الطهارة للصلاة، إذ أنها شرط متقدم للدخول في الصلاة، ولا تنفك عنها بل هي شرط ملازم للصلاة إلى حين الخروج منها.
الخامس: الشرط المستغرق والشامل والذي يسبق الفعل ويصاحبه ويتأخر عنه، وجاءت هذه الآية بالقسم الأخير إذ أن الصبر والتقوى وظيفة كل مؤمن.
وجاءت الآية للإخبار عن شرطية الصبر والتقوى لنزول الملائكة للنصرة والمدد، ترى لماذا هذا الشرط، فيه وجوه:
الأول: جعل كلاً من الصبر والتقوى ملكة عند المسلمين.
الثاني: الإخبار عن الملازمة بين نزول الملائكة وبين الصبر والتقوى عند المؤمنين.
الثالث: ملازمة النصر للصبر والتقوى، فلا يأتي النصر من عند الله عز وجل للمؤمنين إلا مع تحليهم بالصبر والخشوع والخضوع لله عز وجل.
الرابع: حاجة المسلمين للصبر والتقوى في مستقبل الأيام.
الخامس: لقد أراد الله عز وجل أن يكون كل من الصبر والتقوى سجية ثابتة عند المسلمين.
السادس: في الآية حجة على أهل الملل السابقة، فان قالوا لماذا فضّل الله عز وجل المسلمين بنزول الملائكة مدداً لهم، يأتي الجواب من الواقع العملي بأن المسلمين صابرون متقون.
السابع: تبعث الآية الفزع والخوف في قلوب الكفار , فكلما رأى الكفار المسلمين في حال الصبر والخشية من الله عز وجل فانهم يمتنعون عن التعدي عليهم لأن الملائكة تنزل على المسلمين في حال التقوى.
الثامن: إدراك المسلمين لحقيقة وهي مع الصبر والتقوى يأتي المدد الملكوتي والنصر من عند الله.
فنزلت الآية بخصوص معركة أحد لتبقى كنزاً متجدداً بيد المسلمين يستخرجون منه أسباب النصر بخصوص معركة أحد لتبقى كنزاً متجدداً بيد المسلمين يستخرجون منه أسباب النصر وآلات الظفر ويكون مفتاحها الصبر والتقوى، فكلما إحتاجوا المدد والعون الإلهي أظهروا مصاديق الصبر والخشية من الله عز وجل.
ومن الآيات أن هذا المفتاح لايستطيع أحد أن ينتفع منه الا المسلمين الذين بلغوا درجات الإيمان، لأن التقوى في طول الإيمان ومرتبة من مراتبه العالية، وكل متق هو مسلم فلا تأتي التقوى إلا بقيد الإسلام وإعلان الشهادتين وإتيان الفرائض والعبادات، ليكون مفتاح هذه الخزائن قريباً من كل الناس ولكن لايستطيع أحد إستعماله إلا المؤمنين الذين يتحلون بالصبر والتقوى.
وفيه آية إعجازية في خلق الإنسان وكثرة النعم الأرضية والسماوية القريبة منه، والتي ليس بينه وبينها إلا أداء الوظائف العبادية والتي تجب على الإنسان بالذات ومن غير نزول تلك النعم، لأن وجوبها متعلق بأصل الخلق وعلته، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وتبين الآية قانوناً من فضل الله عز وجل وهو مع أداء الإنسان لواجباته وقيامه بما أمره الله عز وجل من العبادة تأتي النعم الإلهية العظيمة، وتنزل الملائكة لنصرته وتكون مدداً وعوناً له في مواجهة الأعداء ومشاق الحياة الدنيا، وتلك آية في اللطف والكرم الإلهي، فخلق الله سبحانه الناس كي يعبدوه، وما أن يقوموا بالعبادة حتى تنزل عليهم البركات والنعم، هذا في الدنيا.
أما في الآخرة فان النعم أكثر من أن تحصى فضلاً من عند الله عز وجل، فجاء قيد الصبر والتقوى في الآية طريقاً لبلوغ المراتب العالية في الدنيا وظهور دولة الإسلام وإتساع سلطانه وحكمه، وحرزاً وأمناً من العذاب في الآخرة، وبلغة للفوز بالسعادة الأبدية في جنة الخلد.
وقد يقال جاءت الآية السابقة بالإخبار عن نزول الملائكة من غير قيد الصبر والتقوى مما يدل على عدم الملازمة بين نزولهاوالتحلي بالصبر والتقوى، خصوصاً وأن نزولها رحمة وفضل من عند الله، والجواب من وجوه:
الأول: لقد كان خروج المسلمين إلى معركة أحد من أبهى معاني الصبر والتقوى، وقد واجهوا إنخذال المنافقين مع كثرتهم بصبر وتوكل على الله عز وجل، أي أن الصبر والتقوى كانا موجودين عند المؤمنين وقد قاتلوا ودافعوا عن الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: في الآية دعوة للمسلمين لإتخاذ الصبر والتقوى ملكة دائمة وسجية ثابتة تكون واقية وسلاحاً، ويكون تقدير هذه الآية: بلى إن تعاهدتم ما أنتم عليه من الصبر والتقوى ويأتوكم من فورهم هذا.
ترى هل يشترط الملائكة عدم النزول للنصرة إلا بقيد الصبر والتقوى، فهم لا يتركون مساكنهم في السماء، وإنقطاعهم إلى التسبيح إلا عندما يحرزون أن المؤمنين متقيدون بالصبر والخشية من الله عز وجل، الجواب لا، فان الملائكة يفعلون ما يأمرهم الله عز وجل، وليس لهم الشرط والإشتراط.
ومن فضل الله عز وجل عليهم أن يأذن لهم بالنزول لنصرة المؤمنين والإنتقام من الكافرين الذين يؤذون الملائكة بإفسادهم في الأرض، وإعلانهم الحرب على المؤمنين، فإن قلت إن سكن الملائكة في السماء، وفساد الكفار في بقعة أو بقاع من الأرض، فكيف يتأذى منهم الملائكة، الجواب من وجوه:
الأول: جعل الله عز وجل صلة بين الملائكة والإنسان من ساعة خلق آدم عليه السلام عندما أخبر الله الملائكة بجعله خليفة في الأرض.
الثاني: نفخ الله عز وجل من روحه في آدم لتكون له منزلة وشأن بين أهل السماء، وتتطلع الملائكة إلى أن يكون الإنسان بالمرتبة التي تناسب ماخصه الله عز وجل به من المقام الرفيع بنفخ الروح فيه.
الثالث: جعل الله عز وجل الإنسان خليفة في الأرض، ومن خصائص الخليفة التحلي بالصبر والتقوى وإظهار الخضوع والخشوع لله عز وجل.
الرابع: إحتجت الملائكة على الإنسان لإفساده في الأرض.
الخامس: جعل الله عز وجل الملائكة ذوي قدرات هائلة، ومنها الإطلاع على أعمال أهل الأرض حيث يشاء الله.
بمعنى إن شاء الله لا تطلع الملائكة على أفعال الناس فانها لا تقدر على الإطلاع لعظيم فضل الله عز وجل على الناس، وهو من خصائص نفخ الله الروح في آدم عليه السلام بأن أكرم الله عز وجل الإنسان، وستر عليه فعله، فلا تطلع الملائكة على أفعاله إلا أن يشاء الله عز وجل.
قانون “نصر الموحدين”
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالعلة الغائية لخلقهم وهي العبادة، فليس من حصر لأجناس المخلوقات وعالم الممكنات، وخص الله عز وجل الناس بأن خلقهم لعبادته وطاعته، وعمارة الأرض بمناجاته وذكره، ومن وجوه الرحمة في المقام أمور:
الأول: العبادة فرض على الرجال والنساء، وعدم إستثناء المرأة أو تقسيم الفرائض بلحاظ الذكورة والأنوثة أو الضعف والقوة، أو الغنى والفقر أو التباين في الزمان والمكان، وصحبة الأنبياء والإنتساب لهم، بل جاءت الخطابات التكليفية بعرض واحد للناس جميعاً.
الثاني: لقد أكرم الله عز وجل المسلمين بتكامل الشريعة، وأحكام الحلال والحرام، والسنن الناسخة، والتي لا تتعرض للتبديل والتغيير إلى يوم القيامة.
الثالث: إعانة المسلمين على أداء الفرائض والعبادات بالكيفية التي يريدها الله عز وجل.
ومن وجوه الإعانة نزول الملائكة لنصرتهم كما في هذه الآية الكريمة، فيفيد الجمع بين الآية محل البحث وبين قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )، أموراً:
الأول: إن إرادة الله عز وجل بعبادة الناس له أمر متصل ومستديم، ولا ينحصر بأول الخلق، أي أن قوله تعالى [مَا خَلَقْتُ] أمر إنحلالي منبسط على جميع الأجيال والأزمنة، ولاينحصر بجيل دون آخر، أو أمة دون غيرها.
الثاني: منع الكفار من محاربة المسلمين بما يضر في أصل العبادة في الأرض، ومنه وجود فئة وأمة تعبد الله وإنحصار الإيمان بها، كما في موسى عليه السلام وبني إسرائيل، عندما لقوا أشد العذاب من فرعون وجنوده، فلم يؤمروا بمحاربة فرعون، بل أمرهم الله بالخروج من مصر، ولكن فرعون لم يتركهم وشأنهم خصوصاً بعد أن رأى الآيات الباهرات من موسى عليه السلام فخرج بجيوش عظيمة للحاق بهم وقد ذكر أن فرعون إتبع موسى عليه السلام وقومه بألف ألف حصان أي مليون، مما يدل على كثرة جيوشه، وعجز بني إسرائيل عن الدفاع عن أنفسهم.
فأنعم الله عز وجل على بني إسرائيل بعبور البحر بفلقه وإنقسامه قسمين ليسير بنو إسرائيل على اليابسة وسط البحر، ويغرق فرعون وجنوده في أليم، ليتعاهد موسى عليه السلام والصالحون من بني إسرائيل عبادة الله في الأرض، ويأتي عيسى عليه السلام برسالته لبني إسرائيل من بعد، ثم كانت فترة من الرسل.
فيبعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالشريعة السمحاء المتكاملة، وكانت بعثته في مكة المكرمة، ولما آمن به أهل بيته وعدد من الرجال والنساء، قام الكفار بإيذائه ومحاربته وأصحابه فإختاروا الهجرة لتكون وسيلة للنجاة من القوم الظالمين، ومناسبة للدعوة الأعم والأوسع للإسلام، ومقدمة لبناء الدولة الإسلامية، وإدراك الكفار والفاسقين ما يواجه مقاماتهم وشأنهم ومللهم من الخطر والأذى.
إذ أصبحت يثرب نواة الدولة الإسلامية، وكان الحكم فيها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأظهر الأنصار الإيثار، ومفاهيم الأخوة الإيمانية في إستقبالهم للمهاجرين، فزحف الكفار بجيوش عظيمة قوامها ألف رجل نحو المدينة وهم يعلمون أن عدد المسلمين قليل، وهم في حال من الضعف والوهن، فأرادوا القضاء على الإسلام، ومنع دخول الأفراد والقبائل فيه.
فكانت معركة بدر، ليأتي نصر الله للمسلمين من عمومات الآية أعلاه التي تبين علة خلق الجن والإنس، ويفيد الجمع بين قوله تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ
بِبَدْرٍ] ( ) والآية أعلاه أموراً:
الأول: نصر الله المؤمنين كي يواظبوا على طاعته وطاعة رسوله.
الثاني: النصر في بدر مقدمة لعبادة الأجيال اللاحقة من المسلمين لله عز وجل.
الثالث: إنتقام الله عز وجل من الذين يسعون بالسيف والقوة لمنع عبادة الله في الأرض.
الرابع: إذا كانت فئة تنفرد بعبادة الله بين أهل الأرض، فلا تستطيع أية قوة في الكون أن تقضي عليهم، ولكن قريشاً لم تتعظ مما أصابها يوم بدر من الخسارة الجسيمة، وتجلي آيات العون الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
فزحفت قريش مرة أخرى لمعركة أحد وإستدرجهم الله عز وجل بأن جعل لهم الكرة على المؤمنين بسبب قصور من الرماة وفتحهم لثغرة نفذ منها المشركون، فكانت آية في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصبره وشجاعته وبقائه في موضعه إلى أن إجتمع المؤمنون إليه، لتكون صفحة مشرقة في تأريخ الإسلام وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لأن المؤمنين من أصحابه إستطاعوا التدارك والرجوع إلى ساحة المعركة لأنه صابر في مكانه في ساحة المعركة، لم يغادره، وكان يرجو المدد من عند الله، لينزل الملائكة، ويرجع المؤمنون، وينهزم الكافرون.
لم يكن على سطح الأرض ساعتها من فئة للمسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أشد الأحوال يحيط به الكفار من كل الجهات، وليس بينه وبين أسلحتهم وكيدهم حاجب أو مانع إلا رحمة الله، فهم على بعد خطوات منه تصله الحجارة والرمح والسهم وضربه أحد الكفار بالعمود، وقد كسرت رباعيته يومئذ.
ولكن قانوناً يحكم الأرض وهو عبادة الناس لله عز وجل وتجلت أسباب حفظ سنن العبادة في الأرض بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين يوم أحد، بفضل الله عز وجل ونزول الملائكة مدداً وعوناً للمسلمين، ليخرج الإسلام قوياً وأكثر منعة، فتشيع أخبار معارك الإسلام في أرجاء الجزيرة وحواليها، ويحرص الناس على الإنصات لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات نبوته، وهو من منافع نزول الملائكة لنصر المسلمين، وهل ينحصر نصر الله عز وجل للمؤمنين بما إذا كانوا فئة وجماعة في بقعة محصورة من الأرض، الجواب لا، لوجوه:
الأول: لقد أراد الله عز وجل للناس أن يعبدوه.
الثاني: من أسماء الله تعالى (الشاكر) و (الشكور) وشكره تعالى للمؤمنين أعم من أن ينحصر بعالم الآخرة بل يشمل الحياة الدنيا، وما يمكن أن نسميه الشكر العاجل، ومنه نصر المؤمنين في معاركهم مع الكفار والمشركين.
الثالث: جاء نصر الله عز وجل للمسلمين في معركة بدر من باب المثال الأمثل وليس الحصر، وليرجو المسلمون نصر الله عز وجل في حال الحرب والسلم، لذا جاء قوله تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ( )، بصيغة الخطاب للمؤمنين ليكون بشارة وقانوناً ثابتاً في نصرهم على الكفار في معارك الإسلام اللاحقة.
علم المناسبة
وردت مادة (صبر) في آيات كثيرة، وهي مدرسة في الأخلاق والتقوى، وسبيل للصلاح العام، وجاء لفظ (تصبروا) خمس مرات في القرآن، ثلاثة منها متشابهة في أمور:
الأول: الجملة الشرطية، والحث على الصبر.
الثاني: إتحاد أداة الشرط (أن) في الثلاثة.
الثالث: صيغة الخطاب وليس فيها كلام للغائب.
الرابع: تعيين الجهة التي تخاطبها الآيات الثلاثة وهم المؤمنون ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل.
الخامس: إقتران موضوع الصبر بالتقوى [وإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا].
السادس: تقدم الأمر بالصبر على الأمر بالتقوى في الآيات الثلاثة.
السابع: التشابه في اللفظ.
الثامن: صيغة الجمع في الآيات الثلاثة.
التاسع: مجئ الآيات الثلاثة في سورة آل عمران، وتلك آية إعجازية في القرآن وأسرار نظم الآيات فيه، فلم يرد قوله تعالى [وإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] إلا في هذه السورة، ولثلاث مرات وكلها في النصف الثاني من السورة( ).
وهل من صلة بين هذه الآيات الجواب نعم فان الصلة بينهما في الموضوع والحكم وهو أمر يستقرأ من وجوه التشابه والإتحاد أعلاه، ومنه بيان قانون ثابت في الحياة الدنيا وهو من وطن نفسه على إتيان الفرائض والواجبات، طاعة لله عز وجل وإجتنب مانهى عنه.
فانه في حفظ وسلامة من الشر والضرر الذي يأتي من الكفار، وواقية من الآفات والمكائد التي يدبرونها للمؤمنين، ثم أن الصبر والتقوى أفضل سبيل لبعث الحزن والأسى في قلب العدو، لأنهما من أسمى الأخلاق الحميدة والفضائل التي يتحلى بها الإنسان، ولاينحصر أثر الصبر والتقوى على العدو بحزنه بل تأتي في طوله الدعوة إلى الإسلام وحث الكفار على الإقتداء بالمسلمين في الإيمان بالله عز وجل والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي نزل الملائكة لنصرته.
فمن يكن في شك في النبوة أو في الملائكة والوحي ونصرة الملائكة فقد إجتمعت كلها في معركة أحد مرة واحدة لطرد أفراد هذا الشك، وجذب الناس للإسلام، ليكون التخفيف عظيماً على المؤمنين الذين خرجوا إلى معركة أحد بأن يقاتل الملائكة معهم، وهذا القتال دعوة للناس للإسلام فان قيل مع كثرة، وتجلي الآيات يوم بدر وأحد لماذا لم يسلم الكفار أو شطر منهم يومئذ، والجواب من وجوه:
الأول: يجعل الإصرار على الكفر غشاوة على البصائر ويمنع الإنسان من التدبر الآني في الآيات.
الثاني: جاء كفار قريش للقتال ونفوسهم مملوءة غيظاً وحسداً وبغضاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الثالث:ظهرت منافع وآثار المعجزات ونزول الملائكة على الكفار من جهات:
الأولى: بعث الفزع والقنوط في نفوسهم.
الثانية: حصول الفرقة والإختلاف بينهم.
الثالث: دخولهم في الإسلام، ولو بعد حين، فما أن زحف المؤمنون بإمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو مكة حتى دخلوها فاتحين من غير مقاومة أو تصد من أولئك الذي تكرر مجيؤهم بالجيوش العظيمة إلى المدينة لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار ليكون تقدير الآية ( وان تصبروا وتتقوا سيأتوكم مسلمين) ويصدق على إسلامهم وهم في مكة عمومات الإتيان وأنهم جاءوا مسلمين.
وجاءت الآيات الثلاثة من سورة آل عمران والتي تتضمن إشتراط الصبر والتقوى في التحذير من كيد الكفار والإخبار عن رجوعه إلى نحورهم وعدم إضرارهم بالمسلمين، والبشارة للمسلمين بالأمن والسلامة من الكيد والتوقي منه بالتمسك بطاعة الله ورسوله.

قانون “إجتماع الصبر والتقوى”
جاءت الآية القرآنية صريحة بشرطية كل من الصبر والتقوى وعدم كفاية أحدهما، ويدل على المغايرة بينهما في المقام أمران:
الأول: ذكر كل فرد منها بالاسم والتعيين.
الثاني: مجئ حرف العطف (الواو) بينهما.
وقد يكتفي أحدهم بالتقوى ويقول إن الصبر من التقوى ولايبلغ العبد مراتب التقوى إلا بالصبر، ويكتفي آخر بالصبر ويقول إنه مرآة على التقوى، ولا يستطيع الإنسان أن يصبر على الأذى في جنب الله إلا لأنه متق ويخشى الله في الغيب.
فجاءت هذه الآية الكريمة لدفع وهم، ومنع اللبس والخلط، وهي رحمة بالمسلمين من وجوه:
الأول: إرتقاء المسلمين في مراتب اليقين.
الثاني: تفقه المسلمين في الدين ومعرفة موضوعية كل من الصبر والتقوى، وعدم إجزاء أحدهما عن الآخر في مقام نصرة الملائكة ومجئ المدد من عند الله عز وجل.
الثالث: بيان حاجة المسلمين إلى الصبر وحبس النفس عن الجزع في ميادين القتال.
الرابع: ضرورة الخشية من الله عز وجل.
الخامس: مجئ الشرط عوناً للمسلمين في أمور الدين والدنيا.
السادس: بيان حقيقة وهي أن المسلمين قادرون على التحلي بالصبر والتقوى في وقت واحد.
السابع: دعوة الناس لدخول الإسلام لأنه دين الصبر، ودين الخشية من الله عز وجل.
الثامن: حث أجيال المسلمين على التقيد بآداب الصبر والتقوى رجاء المدد والعون من عند الله عز وجل.
التاسع: تقوية قلوب المسلمين.
العاشر: تثبيت المسلمين في منازل الإيمان، وبعث اليأس في قلوب الكفار والفاسقين من حصول إرتداد عند عدد من المسلمين.
الحادي عشر: بعث الحسرة والندامة في نفوس المنافقين الذين إنخزلوا في الطريق بين المدينة المنورة وأحد، فقد قال رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول: علام نقتل أنفسنا) في حث للناس للرجوع عن القتال، فرجع بنحو ثلث جيش المسلمين، ليحرموا من نعمة عظيمة فاز بها المؤمنون الذين خرجوا إلى معركة أحد من بين أهل الأرض، وهذه النعمة على وجوه:
الأول: الخروج إلى قتال الكفار والمشركين.
الثاني: دخول ساحة المعركة مع قلة وضعف، في مقابل كثرة وقوة شوكة العدو.
الثالث: كانت المعركة في بداية الإسلام، وما فيه من معاني الزيادة والأسوة الحسنة.
الرابع:الخروج إلى المعركة بإمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحت قيادته وأمرته.
الخامس: مواجهة إنسحاب المنافقين بالصبر، وعدم محاكاتهم بسوء فعلهم.
السادس: الفوز بالعون من السماء، ونصرة الملائكة، لأن هذه النصرة إنحلالية وتكون على وجوه:
الأول: نصرة الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: مجئ الملائكة مدداً للمؤمنين الذين خرجوا للقتال.
الثالث: الملائكة عون لكل مؤمن من أهل أحد.
الرابع: جاء مدد الملائكة عوناً ونصرة للمسلمين والمسلمات الذين بقوا في المدينة.
الخامس: نصرة الملائكة للإسلام ومبادئه.
السادس: لقد نزل الملائكة لنصرة النبوة، وبقاء لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرفوعاً عالياً إلى يوم القيامة، ويحتمل تحلي المؤمنين بالصبر والتقوى وجوهاً:
الأول: كفاية تحلي فريق من المسلمين بالصبر، وفريق آخر بالتقوى.
الثاني: الإجزاء بإمتثال شطر من المسلمين لأحكام هذه الآية وإظهارهم الصبر والتقوى.
الثالث: الإكتفاء بأحد الشرطين الصبر والتقوى لنزول الملائكة.
الرابع: إنحلالية الشرط، ولزوم تحلي كل مؤمن من المؤمنين بالصبر والتقوى معاً كمقدمة لنزول الملائكة.
الخامس: حصول صرف الطبيعة، وكفاية المسمى، فيكفي تقيد نفر من كبار الصحابة بالصبر والتقوى لنزول الملائكة، وهو أمر متحقق أصلاً، مما يعني حتمية نزول الملائكة وبيان اللطف الإلهي بالمسلمين، بأن يتفضل الله عز وجل بجعل شرط على المسلمين لنزول الملائكة، وهذا الشرط موجود أصلاً عندهم.
والصحيح هو الرابع لوجوه:
الأول: أصالة الإطلاق.
الثاني: إفادة العموم وشمول الأمر لكل فرد من المؤمنين في أحد.
الثالث: بيان قانون ثابت وان الملائكة لا تنزل إلا لنصرة المؤمنين الصابرين المتقين.
الرابع: إرادة إرتقاء المسلمين في مراتب اليقين على نحو العموم الإستغراقي.
ومن الآيات ان سورة البقرة إبتدأت بذكر المتقين وأن في نزول القرآن زيادة لهدى المتقين قال تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( )، وفيه دلالة على أن القرآن ينمي ملكة التقوى عند المسلمين، وأن نزول آيات القرآن مقدمة لنزول الملائكة، وتلك حقيقة لم يفطن لها الناس، ولو أدركها كفار قريش لما ورطوا أنفسهم ومن معهم من القبائل والأحابيش في التعدي على الإسلام والمسلمين، ومحاولة الإجهاز عليهم.
فقد جاءت قريش للقضاء عل الإسلام، ولم يعلموا أن الأمة التي تتقيد بالصبر والتقوى لا تستطيع قوة أن تجهز أو تقضي عليها،. وفيه بيان لقانون من الإرادة التكوينية وهو أن المؤمنين الذين يتحلون بالصبر والتقوى تنزل الملائكة لنصرتهم وإعانتهم.
وصحيح أن الآية تفيد الشرط ودعوة المسلمين إلى إصلاح النفوس والفعل لتلقي المدد السماوي، ولكن هذا الشرط رحمة ورأفة بهم، وبشارة النصر والظفر على الكفار، وهناك شواهد تأريخية كثيرة تتحدث عن نصرة جيوش وملوك لغيرهم مع فرض شروط صعبة على المستغيث بهم والذي يرجو مددهم سواء بملك أراض أو سلب شطر من الملك ونحوه مع عدم القطع بالإنتفاع من المدد، وإن إنتفعوا منه فانه أمر محدود، أما مدد الملائكة فانه يتصف بأمور:
الأول: عودة النفع من الشرط للمؤمنين أنفسهم، فلا يحتاج الملائكة من المسلمين شيئاً، والله عز وجل هو الغني عن العالمين وهو الذي تفضل بإنزال الملائكة لنصرة المؤمنين.
الثاني: يؤدي حضور الملائكة إلى نصرة المؤمنين على نحو القطع والجزم.
الثالث: يطرد نزول الملائكة الوهم والشك بالغايات الحميدة التي يقاتل من أجلها المسلمون، فنزولهم مدداً يعني أن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق، وان المسلمين إختاروا سبيل الحق والرشاد بدخولهم الإسلام.
الرابع: ليس لنزول الملائكة مدداً إلا شرط الصبر والتقوى على نحو الإجتماع والإشتراك والتداخل، وفي إجتماعهما في المقام تخفيف عن المسلمين، فكل واحد منهما طريق وواسطة للآخر، فالصبر عون للمسلمين لبلوغ مراتب التقوى.
والتقوى سبب لنيل درجات الصابرين، وواقية من المعاصي وهذا التخفيف وكون أحدهما مدداً لوجود الآخر من أسرار إجتماعهما في المقام، ليكون نزول المل ائكة مدداً لتنمية ملكة الصبر والتقوى، فتنتهي المعركة في ساعات ولكن منافع وبركات المدد الملكوتي باق إلى يوم القيامة.
بحث عقائدي
تبعث كل كلمة وموضوع في هذه الآية العز في نفوس المسلمين وتجعلهم يشعرون بما لهم من الشأن والمقام الكريم عند الله، ويتوجهون الى الله تعالى بالشكر والثناء، على ما حباهم من نعمة الأمن والسلامة من آثار وأضرار عودة الكفار للقتال، ويحق للمسلمين أن يتخذوا من هذه الآية ويوم نزولها عيداً خاصاً بموضوع مخصوص هو السلامة من عودة الكفار للقتال، وتحتمل الآية وجهين:
الأول: إختصاصها بمعركة أحد، وعودة كفار قريش الى القتال.
الثاني: تشمل الآية عودة كفار قريش ومن والاهم الى المعركة وسوح القتال.
الثالث: إرادة الإطلاق وشمول الآية لكل حالات عودة الكفار الى القتال.
والقدر المتيقن هو الأول الا انه لا يمنع من العموم والشمول لعظيم الفضل الإلهي ولوحدة الموضوع في تنقيح المناط، وبلحاظ تقيد المسلمين بمضامين الصبر والتقوى، ففي الآية دعوة للمسلمين لإظهار معاني الصبر بوجوهه المختلفة ومن أهمها الصبر في طاعة الله وأداء العبادات والفرائض والصبر عن المعصية والفواحش والذنوب ما ظهر منها وما بطن، والصبر عند المصيبة وحال الشدة والعسر، ومصاديق الصبر كثيرة ومتعددة، لذا جاءت الآية لتنمية ملكة الصبر عند المسلمين وجعلها حالة مصاحبة لهم جماعات وأفراداً، وليس من حصر لمنافع كل من:
الأول: الصبر.
الثاني: التقوى.
الثالث: إجتماع الصبر والتقوى.
ومن الإعجاز العقائدي في هذه الآية ترغيب المسلمين بالصبر والتقوى، وجعلهم يتخذونهما لباساً وسلاحاً وعوناً لدرء شر الكفار ليكونا واقية من الموبقات وأسباب الردى، ووسيلة مباركة لبلوغ المراتب العالية في جنة الخلد.
ومن خصائص هذه الآية توكيد تعرض الكفار الذين يعتدون على المسلمين للهلاك بوسائل سماوية أو آفات أرضية، وهل في الآية دعوة للمسلمين للركون الى قوة الملائكة وعدم الإستعداد للقتال الجواب لا، لأن الآية جاءت ببيان وظيفة الملائكة وهي المدد والعون والنصرة وليس الإنابة عن المسلمين في القتال، لتدل الآية على لزوم تحلي المسلمين بالصبر والتقوى، والإعداد لقتال الكفار، وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ]( ).
قانون” الحسن الذاتي للشرط والمشروط السماوي”
يحتاج الفرد والجماعة والجيش المدد والنصرة في المعركة وهي من أشد وجوه الحاجة الشخصية والعامة، ولا تنحصر هذه الحاجة بحال الضعف والوهن وقلة الجند بل هي مطلقة، ومستغرقة لميادين القتال إذ يبعث المدد السكينة في قلوب الجنود، وتقوى عزائمهم، ويشتد بأسهم، ولايخافون العدو وغيلته وخدعته، نعم إذا كان الجيش مبتلى بالضعف والوهن فانه أكثر حاجة للمدد، ويظن الجنود أن نصرهم وحياتهم متعلقان بالمدد الذي يأتيهم.
وجاء المدد الملكوتي من الله عز وجل للمسلمين وهم في حال ضعف وقلة من الرجال والعدة وآلات القتال والخيل، ليكون آية ومعجزة حسية ظاهرة لهم وللناس جميعاً، ومن وجوه الإعجاز فيها تعدد وجوه الحسن والفيض، ليكون في المقام على وجوه:
الأول:نزول هذه الآية الكريمة، وما فيها من الوعد من عند الله عزوجل.
الثاني: تقييد نزول الملائكة بشرطين كريمين فيهما خير الدنيا والآخرة، فيحتاج المؤمنون الصبر والتقوى في أمور الدين والدنيا.
الثالث: كثرة عدد الملائكة بما يفوق الحاجة، فلم يكن على وجه الأرض يومئذ أمة مؤمنة غير الذين خرجوا لمعركة بدر، ولو إجتمع عليهم أهل الأرض لما إستطاعوا التغلب عليهم، بسبب نزول خمسة آلاف من الملائكة لنصرة المسلمين، والملك الواحد منهم قادر على أن يهلك أمة بكاملها ويهزم الجيش بجناحه.
الرابع: مصاحبة صفة الصبر والتقوى للمؤمنين ساعة المعركة، ليرى أهل السماء والأرض التضاد والتباين بين جيش الإسلام وجيش الكفار، وإستحقاق المسلمين لنصرة السماء، ولم يحتج أحد من الملائكة على النزول لنصرة المسلمين، لا من الذين نزلوا، ولا من الذين لم ينزلوا مع أن عدد الملائكة أكثر من أن يحصيه الناس.
الخامس: الحسن الذاتي للمدد من الملائكة، فليس من شئ أبهى وأحسن للجيش من مجئ المدد، وقد إختص المسلمون بآية وهي نزول المدد لهم من السماء لتشع الأرض بأنوار الملكوت، وتمتلأ هضاب وسهول المدينة بعطر أهل السماء ليطرد خبث الكفر والضلالة، ويبدأ فجر عهد جديد بسمات الإيمان، وتمتاز هذه الآية بخصوصية وهي الحسن الذاتي والعرضي للشرط والمشروط وموضوعهما، من وجوه:
الأول: الصبر أمر حسن، ويحتاج إليه العبد لقمع النفس الشهوية وإجتناب الإفراط في الآمال والأوهام، وفيه سلامة من الهموم، وغلبة الأحزان والكدورات وهو آلة ووسيلة لإشتراك القلب في الأوراد والأذكار، والإشتغال بمناجاة الله عز وجل، والسياحة في عالم الملكوت وحضرة القدس.
الثالث: الصبر برزخ دون إستحواذ النفس الغضبية على الفرد والجماعة، وكأن الآية وما فيها من شرط الصبر والتقوى دعوة للمسلمين إلى عدم الفتك والبطش بالكفار وعدم قتل أسراهم.
وقد مثّل الكفار بحمزة عم النبي وباقي قتلى المسلمين يوم أحد باستثناء أبي حنظلة الراهب، فلم يقابلهم المسلمون بالمثل، لأن الصبر واقية من الإنتقام والثأر بغير حق، وكان المسلمون دعاة الى الله بصبرهم وحلمهم وتحملهم الأذى في جنب الله.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين أن يصبروا في ساحة المعركة إستعداداً للقاء الأعداء، وهل من وجوه الصبر في المقام إنتظار نزول الملائكة الجواب نعم لأنه صبر في الله ولله ومن الله عز وجل.
الثالث : التقوى والخوف من الله أمر حسن بذاته وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )، وكما أن التقوى مطلوبة بذاتها فانها طريق لتحقيق الغايات الحميدة، ووسيلة لبلوغ مراتب الفوز والفلاح في النشأتين.
لقد أراد الله عز وجل من المؤمنين التحلي بالتقوى لينزل الملائكة لنصرتهم في أحد، ولتبقى منافع التقوى متجددة وتوليدية، وتكون وسيلة مباركة لبلوغ مقامات الخلود في النعيم، قال تعالى [مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ]( ).
فمن الإعجاز في الشرط الذي يأمر به الله المسلمين إتصافه بالبركة والنماء وإتصال منافعه في الدنيا والآخرة، فقد يظن الكفار أن شرط التقوى أمر ليس بالهين، وأنه تكليف يحتاج إلى جهد وعناء ولكن المؤمنين يتلقونه بغبطة وسرور، ويدركون أن من فضل الله عز وجل عليهم أن يأمرهم بالتقوى ليرى ويعلم الملائكة الذي إحتجوا على جعل آدم خليفة في الأرض وقالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، بوجود أمة تتصف بالتقوى والخشية من الله، وتواجه الحتوف بصبر ورباطة جأش، وحسن توكل على الله عز وجل.
ونصرة الملائكة للمؤمنين يوم بدر وأحد من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) أي أن الله عز وجل يعلم وجود أمة مؤمنة تواجه قوى الكفر والكافرين مع بطشهم وكثرة عددهم وعدتهم.
وأن الله عز وجل يعلم أن الملائكة سينزلون لنصرة المؤمنين مما يدل على أن الفساد وسفك الدماء لن يستطيع الإستحواذ على الأرض، وهل ينتظر الملائكة تحلي المؤمنين بالصبر والتقوى كي ينزلوا أو يباشروا القتال، الجواب ليس هذا للملائكة لأنهم مستجيبون لله عز وجل لايعصون له أمراً، فهم لاينزلون بأمر الله عز وجل.
لقد أظهرت قريش بزحفها لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعه من المؤمنين العداوة لله وللملائكة ورسله، قال تعالى [مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ]( ).
والآية أعلاه وان كانت أسباب نزولها تتعلق بالذين أبوا الإسلام لأن جبرئيل يأتي بالوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يأمر بالقتال إلا أن معناها أعم، والمدار على عموم اللفظ وليس سبب النزول، فمع تقيد المسلمين بآداب وأحكام الصبر والتقوى يصدق على من يحاربهم ويزحف عليهم بالجيوش الكبيرة أنه عدو لله والملائكة ورسله، فأمر الملائكة أن ينزلوا لنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين وفي الآية حجة على الذين لم يدخلوا الإسلام لأن جبرئيل يأتي بالوحي وهو يأمر بالقتال فجبرئيل وباقي الملائكة لم ينزلوا مدداً للمسلمين إلا بعد أن جاء الكفار غزاة ظالمين.
وفي الشرط أطراف سبعة هي:
الأول: صاحب الشرط وهو المشروط له.
الثاني: المشروط عليه، الذي يجب أن يتقيد بالمشروط وأحكامه.
الثالث: الشرط، وكونه قيداً إضافياً في العقد أو الإيقاع وغيرها.
الرابع: الموضوع الذي يتعلق به الشرط.
الخامس: تفاصيل الشرط، إذ يشترط أن يكون الشرط خالياً من الإجمال والترديد، لمنع اللبس والجهالة ولقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
السادس: الرضا والإختيار والقبول، فلا يصح الشرط مع الإكراه.
السابع: القدرة على الشرط، لعدم التكليف بما لا يطاق.
أما الأول فكان شرط الصبر والتقوى لنزول الملائكة للنصرة وهو أمر عظيم أراد الله عز وجل للمؤمنين إستقبال نزول الملائكة بأخلاق رفيعة، وإظهار لسنن الطاعة والصلاح.
وجاء الشرط من عند الله عز وجل وليس من الملائكة في بيان لعظيم قدرة الله وملكه المطلق للسموات والأرض، ليشعر الملائكة وهم في الأرض وكأنهم في الجنة، إذ يرون المؤمنين يضجون بالتسبيح ويتعاهدون الصلاة والذكر.
وليكون الفريقان جنداً يجاهدون قوى البغي والضلالة، قال تعالى [وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا] ( )، فمن علم الله تعالى في قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، أن ينضم جند السماء لجند الأرض، ويكونوا مدداً لهم في معركة بدر وأحد لتبقى عبادة الله راسخة في الأرض إلى يوم القيامة.
وأما الثاني فالمشروط عليه[ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، فأراد الله عز وجل أن ترى الملائكة أهلية المسلمين للنصرة السماوية، وإنتفاع المسلمين من هذه النصرة في أنفسهم وذريتهم وإلى يوم القيامة.
وأما الثالث فان الشرط جاء من فردين:
الأول: الصبر.
الثاني: التقوى.
ويدل خروج المؤمنين إلى معركة أحد على تحليهم بالصبر والتقوى، الصبر في القتال، والتقوى في محاربة الكفار طاعة لله عز وجل.
وأما الرابع والخامس فان الموضوع الذي يتعلق به الشرط بيناً ونصاً لايقبل الترديد، والتأويل المتعدد، ويدل ذكره من غير تفصيل على بلوغ المسلمين مرتبة رفيعة في المعرفة الإلهية بحيث يفقهون المراد منهم فعله كمقدمة وقيد لتحصيل المدد السماوي.
وأما السادس: فان المسلمين إختاروا الإسلام وخرجوا إلى ساحة المعركة طواعية، وليس من إكراه عليه في الخروج، وجاء الشرط هنا لتحقيق الغايات الحميدة التي خرجوا اليها، بأفضل وأحسن كيفية، وتخفيف وعون سماوي يشفي صدورهم.
وأما السابع فان الآية ثناء على المسلمين، لأنها تدل على قدرتهم على التقيد بأحكام الصبر والتقوى.
وجاء نزول الملائكة لنصرتهم شاهداً على تحقيقهم الشرط وإمتثالهم لأمر الله عز وجل، إذ نزل الملائكة وقاتلوا مع المؤمنين، وجعلوا الكفار ينسحبون خائبين.
بحث منطقي
تنقسم القضية إلى حملية وشرطية، وجاءت هذه الآية الكريمة على نحو القضية الشرطية المتصلة، وتنقسم القضية الشرطية بلحاظ أحوالها وزمانها إلى أقسام هي:
الأول: الشخصية: وهي التي يحكم فيها بالإتصال، أو التنافي في زمن مخصوص ذي صفة شخصية محددة، أو حال وهيئة معينة، ومثاله قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ( ).
الثاني: المهملة، وهي التي يحكم فيها بالإتصال أو التنافي في زمان غير معين أو محدد، أو حال تكون كالقاعدة التي لها مصاديق عديدة غير محدودة بزمان أو حال، كما في قوله تعالى [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر] ( )، أو : إذا بلغ المال النصاب تجب فيه الزكاة.
الثالث: المحصورة، وهي التي تبين فيها أحوال وأوقات الحكم على نحو كلي أو جزئي، وجاء الشرط الوارد في هذه الآية على نحو القضية الشخصية، وإرادة زمان معركة أحد وما بعده، فلم تقل الآية (ان تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة) كي تكون من المحصورة الكلية التي يثبت فيها الحكم لجميع الأحوال والأوقات وليست هي من المهملة التي تعني مجئ المدد كلما عاد الكفار إلى المعركة بل جاءت بقيدين.
الأول: إرادة المؤمنين الذين خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكرت الآية السابقة [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ].
الثاني: ورود قيد عودة الكفار للمعركة التي إنقضى يومها، وهي معركة أحد، إذ ينحصر زمان نزول هذه الآية في وجوه:
الأول: يوم أحد.
الثاني: اليوم التالي لأحد.
الثالث: بعد خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في اليوم التالي لمعركة أحد إلى حمراء الأسد وبداية إقامتهم هناك ثلاثة أيام.
قال ابن إسحاق : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد، وهى من المدينة على ثمانية أميال، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وقال ابن هشام، قال ابن إسحاق : فأقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء، ثم رجع إلى المدينة( ).
ومن إعجاز القرآن أن معانيه أعم من أن تستوعبها قواعد العلوم العقلية، لأن فضل الله عز وجل أعظم وأوسع من أن تحيط به الأوهام، فالآية وإن جاءت على نحو القضية الشخصية إلا أنها تحمل صفات القضية المهملة والمحصورة الكلية.
وفيه شاهد على قانون ثابت وهو أن الله عز وجل إذا أنعم على الناس بنعمة فانه تعالى لايرفعها بل تكون قريبة منهم، ونزول الملائكة لنصرة المؤمنين نعمة عظيمة تفضل الله عز وجل بها عليهم، وعلى الناس جميعاً، لما فيها من تثبيت لمفاهيم التوحيد في الأرض.
قانون” الصبر والتقوى شكر”
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا داراً لعبادته،ومن وجوه العبادة الشكر لله عز وجل، على النعم العظيمة التي أنعم الله بها على الناس في الخلق والنشأة والرزق والعافية والهداية إلى العبادة، وذات الشكر يستلزم الشكر لله تعالى.
ومن فضل الله عز وجل أن يهدي الناس إلى منازل الشكر ويعلم الشاكرين، ولا تتقوم الحياة الدنيا إلا بالشكر لله تعالى.
ولم تقل الآية (وان تشكروا وتتقوا) بل ذكرت الصبر والتقوى، فهل هما أهم من الشكر في المقام، الجواب جاء ذكر الصبر والتقوى كتكليف في ميدان المعركة، وملكة واجبة يتحلى بها المؤمنون كي يشكروا الله عز وجل لبلوغ مراتبها بالجهاد والخروج إلى ميدان المعركة.
وفي الآية نكتة وهي أن نزول الملائكة مناسبة لشكر المسلمين لله عز وجل على النعم التي تفضل بها عليهم في المقام ومنها:
الأول: الهداية إلى الإيمان، والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إذ يرى المسلمون الكفار، وقد جاءوا بعدتهم وخيلهم ونسائهم للقضاء على الإسلام وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويقف المؤمنون في الجهة الأخرى وهم على إستعداد لبذل الأنفس دفاعاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن الإسلام.
فكان المسلمون أمة يظهر كل واحد منهم أسمى معاني التقوى والصلاح ليزيد من إيمان أخيه المؤمن، وهم يستمعون بإصغاء وتدبر إلى هذه الآية التي تدعوهم إلى الصبر والتقوى، وتجعلهما شرطاً لنزول المدد من السماء، والعون الذي لايأتي إلا بالنصر القاطع.
وقد ثبت في علم الأصول أن شكر المنعم واجب، ويتجلى بين العبد وخالقه بوجوب العبادة قيام العبد بأداء الفرائض، والله سبحانه القادر على إنزال النعم المتعاقبة رأفة بالعباد.
لذا جاءت العبادات قولية وبدنية ومالية ومستغرقة لليل والنهار، ليكون الإنسان منقطعاً إلى عبادة الله في جميع أوقاته وآناته، يؤدي صلاة الصبح عند طلوع الفجر فتكون له ذكراً لله عز وجل إلى حين زوال الشمس عند الظهيرة فضلاً من الله، ويصوم شهر رمضان، وكأنه صام الدهر كله، ويقرأ في صلاة الفريضة، [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) على نحو الوجوب لأن هذه الآية جزء من سورة الفاتحة.
وهذه السورة جزء من القراءة الواجبة في الصلاة فيكون عند الله وكأنه توجه إلى الله تعالى بالشكر القولي فان قلت إن المسلم يقرأ (الحمد لله) في الصلاة من غير قصد وتعيين نعمة مخصوصة مثل نزول الملائكة على المؤمنين في معركة بدر وأحد.
لقد أراد الله عز وجل بهذه الآية أن يصاحب الشكر الناس إلى يوم القيامة، إذ أن نعمة نزول الملائكة لا تنحصر بالمؤمنين الذين حضروا وشاركوا في معركة بدر وأحد، فهي نهر جار، وبركة دائمة على المسلمين بالذات والأثر ونزول الملائكة تصديق للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بعثته وفضح لإنكار أهل الكتاب للبشارات الواردة بنبوته ولزوم إتباعه ونصرته، ففي نزول الملائكة من عند الله عز وجل أمور:
الأول: توكيد البشارات التي جاءت بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل.
الثاني: دعوة الناس إلى عدم الإلتفات الى إنكار أهل الكتاب لما جاء بخصوص نبوته وصفاته وعلاماته في التوراة والإنجيل.
الثالث: حث أهل الكتاب على التدارك والإنابة، وإعلان البشارات التي وردت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما توارثوه من آبائهم بخصوص علامات نبي آخر الزمان.
الرابع: آية نزول الملائكة حجة قائمة بذاتها، تكفي للإستدلال على صدق النبوة، واليقين بظهور دولة الإسلام، وهذا الظهور دعوة إضافية لأهل الكتاب والناس جميعاً لدخول الإسلام، ومناسبة للشكر لله عز وجل، وعون للمسلمين للتقيد بأحكام الصبر والتقوى، ليكون في نزول الملائكة شكراً لله من وجوه:
الأول: تفضل الله عز وجل بجعل شرط على المؤمنين لنزول الملائكة.
الثاني: ورود مضامين الشرط بما ينفع المؤمنين والمسلمين جميعاً في الدنيا والآخرة.
الثالث: نزول الملائكة لنصرة المؤمنين في وقت هم محتاجون إلى النصرة أشد الحاجة.
الرابع: تحقق النصرة واقعاً، وهزيمة الكفار شر هزيمة.
الخامس: نزول هذه الآية الكريمة التي تؤكد نزول الملائكة لنصرة المسلمين.
السادس: تلاوة المسلمين لهذه الآية في صلاتهم ومنتدياتهم وإلى يوم القيامة.
وهل في تلاوة هذه الآية شكر لله عز وجل، الجواب نعم من وجوه:
الأول: الإقرار بجزئية الآية من القرآن، ونزولها من عند الله، وفيه شاهد على تعدد النعم النازلة من السماء، فهذه الآية نعمة، ونزول الملائكة نعمة، وكل آية منهما تهدي وتقود إلى الإقرار بالنعمة الأخرى ولزوم شكر الله عز وجل عليها.
الثاني: إدراك المسلمين لنعمة مخاطبة الله عز وجل لهم، وجعل الشرط عليهم.
الثالث: بيان الآية لسهولة الشرط، وعظمة المشروط، فالمسلم قادر على التحلي بالصبر وإظهار معاني التقوى في قوله وفعله، أما المشروط فهو أمر خارق لنواميس الطبيعة، وخلاف العادة، إذ لم تر الأرض مثله.
الرابع: التدبر في مضامين قراءة الآية من الشكر لله عز وجل، كما أنه طريق لإستحداث الشكر، وهو من أسرار ترتيل القرآن، قال تعالى [وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً] ( ).
الخامس: الآية دعوة للمسلمين للمواظبة على الشكر لله عز وجل.
ومن كنوز وإعجاز القرآن أن كل آية منه مناسبة للشكر لله تعالى، من وجوه :
الأول: نزول الآية بالذات.
الثاني: المضامين القدسية للآية القرآنية.
الثالث: التداخل والإفتراق بين دلالات منطوق ومفهوم الآية.
الرابع: ما في الآية من الأوامر والنواهي ومنها هذه الآية التي جاءت بلغة الشرط إلا أنها تتضمن الأمر بطاعة الله عز وجل، والصبر في أداء العبادات، وعند المصيبة وعن المعصية
لقد تعرض المسلمون لخسارة عظيمة في معركة أحد، فجاءت الآية بالندب إلى الصبر لمنع إستيلاء اليأس والقنوط على النفوس، ولطرد أسباب الشك والفتنة خصوصاً وأن ثلث جيش المسلمين إنسحب قبل المعركة تحت تأثير أقطاب النفاق.
فأراد الله عز وجل أن تمتلأ نفوس المنافقين ومن خلفهم من يهود المدينة والكفار بالحسرة والأسى لظهور المسلمين بأبهى معاني الصبر ومايترشح عنه من القوة والعزة وتحمل الأذى في جنب الله عز وجل.
وتستلزم المراحل الحاسمة التي يجري فيها تغيير في أصول بناء المجتمعات رجالاً يتصفون بالصبر والعزيمة وقوة الإرادة لبلوغ الأهداف العظيمة التي يشعر الناس جميعاً بالحاجة اليها، ولكن الكثير من الناس يقفون موقف المتفرج، ويشعرون بصعوبة التغيير والخلاص من أسباب الظلم المحيطة بهم، ويخشون عاقبة الأمور، ودبيب الوهن وأسباب الفرقة إلا زعماء التغيير والإصلاح، فأنعم عز وجل على الناس بآيات لم تر الأرض مثلها وهي:
الأول: بعثة خاتم النبيين وسيد المرسلين، فان قلت قد بعث الله عز وجل الآلاف من الأنبياء قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجواب إن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتصف بخصوصية زائدة وأنه جاء بشريعة ناسخة للشرائع السابقة، وبأحكام ثابتة إلى يوم القيامة.
ومن وجوه تفضيل نبوته هذه الآية الكريمة وما فيها من الإخبار عن نزول الملائكة مدداً ونصرة للمسلمين.
الثاني: نزول القرآن جامعاً لأحكام الحلال والحرام، ومبيناً لحاجات الدين والدنيا، ومهيمناً على الكتب كلها.
الثالث: تفضل الله عز وجل بجعل المسلمين خير أمة من بين الأمم وإنعامه على الناس بخروج المسلمين لهداية وإصلاح الناس، ومنه نزول الملائكة لنصرتهم، إذ أن هذا النزول والنصرة مقيدان بشرط كل من الصبر والتقوى، وهما أمران لايقدر عليهما إلا المسلمون.
علم المناسبة
قد تقدم في مبحث علم المناسبة السابق أن قوله تعالى [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] ورد ثلاث مرات في القرآن، كلها في سورة آل عمران، وجاء قوله تعالى [َتَتَّقُوا] بلغة الشرط في سبع آيات أخرى من القرآن، وفيها مجتمعة ومتفرقة توكيد لموضوعية التقوى والخشية من الله عز وجل.
ومن إعجاز القرآن أن شرط التقوى يأتي مع غيره، فالى جانب إقترانه بشرط الصبر فقد ورد في القرآن مرتين مقترناً بالإيمان، وجاءتا لبيان الثواب والأجر العظيم لمن يتق الله عز وجل، قال تعالى [وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ).
وفيه شاهد على الثواب العظيم الذي يناله أهل أحد إذ وصفتهم الآية محل البحث بأنهم مؤمنون وأمرتهم بالصبر والتقوى بلغة الشرط وقال تعالى [وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا]( )، ليكون كل من الإيمان والصبر والتقوى وظيفة من وظائف الإنسان العبادية وركناً يتقوم به السعي للفوز بالنعيم في الدار الآخرة.
ويفيد الجمع بين الآيتين أعلاه والآية محل البحث أن الإيمان إمتحان وسعي دؤوب، وجهاد لمواجهة الكفار، والذي عن الإسلام بالنفس والمال، وقد فاز المسلمون به، وجاءت هذه الآيات رحمة بهم وإعانة لهم لتثبيت معاني الإيمان في نفوسهم.
وورد اللفظ (تتقوا) بصيغة الشرط في سورة النساء مرتين، وفي آيتين متعاقبتين، بخصوص شؤون الأسرة المسلمة فيها وإشاعة روح الإحسان والصلاح والشية من الله فيها، ومنع وقوع الخلاف والنشور والنزاع في الأسرة.
إلا أنه لايعني الحصر الموضوعي للآيتين، لأن الإصلاح والإحسان والتقوى أمور حسنة ومطلوبة بالذات، ومنافعها عامة وإن جاءت خاصة فالإحسان والصلاح داخل الأسرة طريق وموضوع لإقبال أفراد الأسرة على وظائفهم العبادية، وإنشراح صدورهم للذكر والدعاء وإنقطاعهم إلى الله عز وجل، وعدم الإنشغال بالخلافات والخصومات.
كما جاء شرط التقوى على نحو مستقل ليس معه شرط وفي خطاب عام للمسلمين جميعاً، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا]( )، وفيه حث للمسلمين للإرتقاء في مسالك الهداية والإيمان، والتفقه في الدين.
وتلاوة آيات القرآن والتدبر بالمعاني القدسية التي تتضمنها كل آية منها مع البشارة بعلو شأنهم، وبث صيتهم، وإنتشار أخبار الإسلام وصلاح المسلمين في الأمصار والآفاق، مما يدل على أن التقوى لها منافع عاجلة في الدنيا، وأخرى لاحقة في الآخرة، ليكون شرط التقوى الذي يأمر به الله عز وجل في هذه الآية رحمة ونعمة على المسلمين.

قانون أثر بدر في أحد
تتداخل الوقائع التأريخية ويؤثر بعضها ببعض، وينتفع الناس منها على نحو متباين كثرة وقلة، والعاقل من إتخذها عبرة وموعظة، وجاء القرآن بحث الناس على توظيف العقل في أمور الدين والدنيا والإتعاظ من الوقائع والأحداث قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( )، وأكثر ما تكون الأحداث عبرة لأصحابها والذين عاصروها لظهور آثارها عليهم نفعاً أو ضراً، وكان نصر المسلمين في بدر مركباً من وجوه:
الأول: مجئ النصر مع قلة عدد وعدة المسلمين.
الثاني:هزيمة الكفار مع كثرتهم وقوتهم.
الثالث: المدد الإلهي للمسلمين بنزول الملائكة لنصرتهم وإعانتهم.
الرابع: سلامة المدينة المنورة من غزو الكفار، ونجاتها من الإستباحة.
الخامس: رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ومعهم سبعون أسيراً من كبار قريش، ومن بينهم العباس عم النبي، وعقيل بن أبي طالب، في دليل على صدق النبوة، وأن مدار الأخوة وصلات المودة في الإسلام على الإيمان بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: دخول المسلمين المدينة بالغنائم، وقيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتقسيمها بينهم.
السابع: إزاحة أسباب التردد والشك والخوف عند كثير من الذين يريدون دخول الإسلام، ويخشون الدوائر ويجتنبون إستخفاف قومهم أو الإنتقام منهم، ومنه ما كانت قريش تتوعد به من يدخل الإسلام.
فكانت هزيمتها في معركة أحد فضحاً لها ولقوى الكفر والضلالة، لقد هجمت قريش على المسلمين، ولم تكن وحدها التي تواجه المسلمين وتريد القضاء على الإسلام، ووأده في بدايته وسنيه الأولى، فكان هناك من يحرضها ويمدها بالسلاح، ويلقي الأشعار تأليباً، ويحاول النيل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن الذين إتبعوه من المهاجرين والأنصار، وهل هذا النيل من عمومات قوله تعالى [وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( )، يقع الجواب على قسمين متباينين:
الأول: إن هذا النيل لم يزد المسلمين إلا قوة وثباتاً على الإيمان، وكان خروجهم وقتالهم في بدر شاهداً عملياً على صدق إيمانهم، وعدم إلتفاتهم للإفتراء عليهم، وفيه دليل على بلوغهم مراتب الإيمان ورؤيتهم المعجزات من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: لقد أثر هذا النيل والطعن بكثير من أفراد القبائل، وكان سبباً في ترددها في دخول الإسلام إلى حين.
وجاءت معركة بدر ليزداد المسلمون إيماناً، ويزول التردد والخوف والشك من نفوس أولئك الذين أبطاؤا في دخول الإسلام، مما يمكن إستنتاج حقيقة معه، وهي لو تأخرت قريش عن الزحف إلى معركة أحد لعجزت عنه في السنوات اللاحقة.
فان قلت لقد جاءت قريش ومن معها من القبائل في معركة الأحزاب في السنة الخامسة وجيشها نحو ثلاثة أضعاف جيشها في معركة أحد، فالجواب من وجوه:
الأول: إن معركة أحد وما جرى فيها من الخسارة للمسلمين سبب في إلحاح قريش على أفرادها وعدد من القبائل في التعدي على المسلمين.
الثاني: قيام نفر من يهود المدينة بالتحريض على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وقيامهم بإنكار صفاته المذكورة في التوراة، وحتى معركة الأحزاب فانه مع كثرة جيوش الكفار لم يفلحوا في إختراق الخندق الذي حفره المسلمون، وعجزوا عن إختراق المدينة، وإنسحبوا من دون إحراز أي نصر، أو كسب عسكري أو معنوي.
فمعركة الخندق حجة في توكيد إفاضات النصر الإلهي في معركة بدر، وآثاره على المسلمين في صبرهم وتحملهم وعدم جزعهم مع طول أيام الحصار، وخيبة الكفار ورجوعهم بيأس وسأم.
لقد جاءت الآية محل البحث بتقييد نزول الملائكة مدداً بشرطين هما الصبر والتقوى، ولزوم تحلي المؤمنين بهما، فهل من أثر لمعركة بدر في بلوغ المسلمين لمراتب الصبر والتقوى وتحقيق هذين الشرطين في معركة أحد الجواب نعم، وتلك آية في فضل الله عز وجل على المسلمين، وتفضيلهم في تأهيلهم لما يشترطه عليهم بلطفه ونصره، فينصر الله عز وجل المسلمين في بدر ليكون هذا النصر مقدمة للمدد الملكوتي في معركة أحد.
وهل يمكن إعتبار الصبر والإيمان اللذين أظهرهما المسلمون في معركة بدر تحقيقاً للشرط الذي ورد في هذه الآية، الجواب لا للتباين الزماني والمكاني.
نعم أراد الله عز وجل من المسلمين أن يتعاهدوا ما كانوا عليه في معركة بدر من التقوى والأخلاق الحميدة، والصبر هو علم الأخلاق الصغير، ويدفع ورود الشرط في هذه الآية الغرور عن المسلمين، ويطرد عنهم الغفلة والجهالة والكسل والخمول، وفيه دعوة للعمل والسعي للدنيا والآخرة.
لقد تفضل الله عز وجل وإشترط على المؤمنين الصبر والتقوى لنيل النصر في معركة أحد وما يلحق بها من إحتمال عودة الكفار للقتال ليكون كل من الصبر والتقوى سجية ثابتة عند المسلمين تجلت في معركة بدر وإستمرت عند المسلمين لم تغادرهم أفراداً وجماعات، وملكة عند كل واحد منهم، وسنخية دائمة عند عموم المسلمين مجتمعين متفرقين، وظهرت معالمها في مقدمات معركة أحد والإستعداد لها، وعند خوض غمار القتال فيها.
ومن الشواهد عليه أن همّ فريقان من المؤمنين بالضعف والفشل يوم أحد بسبب قوة وكثرة العدو الكافر، ولكن هذا الهم لم يترجل إلى الواقع بل سرعان ما زال من الوجود الذهني، وبقى ذكره في القرآن بقول الله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( )، شاهداً على الآثار المباركة لنصر المسلمين في معركة بدر.
وجاء هذا الصبر لزيادة صبر وتقوى المسلمين، وتثبيتهما، فمن الآيات أن يتداخل ويلتقي ويشترك النصر في معركة بدر والشرط الوارد في هذه الآية لتقوية قلوب المسلمين وإرتقائهم في منازل الصبر، وإجتهادهم في سبل التقوى والخشية من الله عز وجل.
قانون أفول الظلم والفساد
لقد تفضل الله عز وجل وجعل الصلة بينه وبين الناس دائمة غير منقطعة، وهو من أسرار الخلافة في الأرض، وتتجلى هذه الصلة بأمرين متداخلين:
الأول: نزول الكتب السماوية من عند الله.
الثاني: بعث أنبياء من الناس.
ومن الآيات أن الكتب السماوية لم تنزل إلا على الأنبياء لأمور:
الأول: إفادة الحصر والتعيين.
الثاني: إقتران المعجزة بالكتب السماوي، وصيرورتها شاهد صدق عليه.
الثالث: الأنبياء أصحاب الكمالات الإنسانية، وهم الذين يقومون بتبليغ الرسالات الإلهية.
الرابع: ميل فريق من الناس لطاعة النبي، وهذا الفريق من الكلي المشكك من وجوه:
الأول: قد يكون هذا الفريق كثيراً وقد يكون قليلاً، وتبين قصص الأنبياء التباين في عدد أصحاب الأنبياء.
الثاني: التباين النسبي في درجة إيمان صحابة وأنصار النبي.
الثالث: مراتب الصبر والتقوى عند الصحابة والأنصار والأتباع، وقد إتصفت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها خاتمة النبوات، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سيد الأنبياء، وأمته أفضل وأحسن الأمم التي أخرجت للناس، قال تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ومن وجوه هذا التفضيل سمو المرتبة التي بلغها المؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مقامات الصبر والتقوى وطاعتهم لله عز وجل ولرسوله، ومنها ما أظهروه يوم بدر وأحد من التفاني والتضحية والفداء، وكان كل يوم منهما مناسبة للإختبار والإمتحان وليرى الملائكة والناس جميعاً معاني الإيمان، وتتجلى بإنصياع الصحابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة.
لقد إحتجت الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض وبينت علة الإحتجاج كما جاء في قوله تعالى[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )، وما مرت السنون والأحقاب حتى بعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً إلى الناس جميعاً للقضاء على الفساد، والمنع من سفك الدماء بغير حق، فقابل الكفار الرسالة بالفساد والتعدي والقتل، وهو من الشواهد على صدق ما قاله الملائكة من وجود الفساد في الأرض، وسفك الدماء، ولكن الله عز وجل هو العالم بالأمور وخواتيمها، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
وأمر الله الملائكة ذاتها أن تنزل لنصرة المؤمنين في القضاء على الفساد وتساهم مساهمة مباركة بهدم ما بني على الظلم وسفك الدماء والباطل، فقد كانت معركة بدر وأحد والخندق وحنين اللبنة الأولى لصرح العدل السماوي في الأرض، فإن قلت كانت هناك دول تحكم بالعدل كما أشتهر عن كسرى في بلاد فارس وغيره، الجواب من وجوه:
الأول: هذا العدل من رشحات وبقايا النبوات.
الثاني: لقد جعل الله عز وجل العقل عند الإنسان عقلاً باطنياً يدعو لما هو حسن ذاتاً، والعدل حسن بذاته وجاء الشرع لإظهار وتثبيت هذا الحسن.
الثالث: كان العدل قبل نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم محدوداً زماناً ومكاناً، وجاء القرآن ليجعله الصبغة الثابتة في الأرض، والميزان الذي تعرف به أعمال الحكم والسلاطين.
الرابع: أصبح الناس بعد البعثة النبوية المباركة يعرفون مصاديق العدل، وينفردون من الظلم والتعدي، وإمتاز القرآن من بين الكتب السماوية ببيان مفاهيم العدل والإحسان، وإظهار قبح ضدها من وجوه الظلم والعنف والتعدي.
الخامس: المراد هو العدل المترشح عن الإيمان، والحكم بالعدل وفق قواعد الشريعة السماوية.
وجاءت معارك الإسلام الأولى لتظهر التضاد والتنافي بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، وبين العدل والظلم، ومن اللطف والفضل الإلهي على الناس ببعثة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمر لم يقف عند إظهار التباين بينهما مع موضوعيته، بل حسمت المعركة بإنتصار الحق والإيمان والعدل.
ومع سعة الأرض وكثرة البلدان والأمصار، وإنتشار الناس في بقاع الأرض أمس واليوم وغداً، فإن هذا النصر الحاسم جاء في بقعة محدودة وأيام قليلة ليغير مجرى التأريخ وإلى يوم القيامة.
وكانت تحصل معارك فيما بين القبائل تستمر سنوات عديدة، كما في معركة البسوس التي وقعت بين قبيلتين كبيرتين هما بكر وتغلب إذ إستمرت أربعين سنة، وكان موضوع هذه الحرب قتل ناقة، والبسوس اسم خالة جساس التي وقعت بسببها تلك الحرب المشؤومة.
أما معارك الإسلام فكانت تأسيساً لدولة الحق والعدل، وبرزخاً دون إستمرار سفك الدماء في الأرض، فقد هبط آدم إلى الأرض بلواء النبوة، ومعه حواء التي سكنت الجنة وعاشت فيها مع الملائكة لتكون عضداً لآدم في نبوته وتقواه وصلاحه، ولكن النفس الشهوية والغضبية غلبت على بعض من أولاد آدم، وإبتدأ سفك الدم بقتل قابيل لهابيل، وأصبحت الحياة الدنيا صراعاً بين الحق والباطل.
فجاءت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتعلن إنحسار الباطل وتزلزل دولة الظلم، بأن تكونت نواة دولة الإسلام بكتاب سماوي يتضمن العبادات والمعاملات وهو القرآن، ووجود أنصار وأتباع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبذلون المهج دونه.
ومن خصائص المسلمين القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نحو الوجوب، والفرض، وهو سلاح مستديم ضد الظلم والفساد، يتغشى ربوع الأرض كلها، بلحاظ إتساع رقعة الإسلام وعلو كلمة الحق ومفاهيم العدل والإنصاف.
فان قلت: إن الظلم موجود في مواضع كثيرة من الأرض ويكون على نحو القضية الشخصية بين الأفراد، والنوعية بين الجماعات والأمم، والجواب لقد جاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجهاده والمؤمنين لمنع طغيان الظلم، ورفعه عن مراتب الرياسة والتأثير العام على الناس، فكانت هزيمة قريش مثالاً لزوال دولة الظلم، وهزيمة الظالمين والكفار.
ومن الآيات وقوع هزيمتهم على يد الملائكة الذين نزلوا من السماء لنصرة المؤمنين، وتسليم راية الدولة والحكم لأتباع القرآن.
وبعد نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في معركة بدر وأحد، جاءت هذه الآية للإخبار عن البشارة بنزول الملائكة إذا رجع الكفار للقتال، وفيه شاهد على أفل وإنقطاع زمان الظلم، وأن الكفار لن يستطيعوا إعادة الكرة والإستحواذ على مقاليد أمور الناس، وإشاعة البغي والتعدي ومفاهيم الجحود، إذ أصبحوا بين أمرين إما الإنكفاء والرجوع خائبين، وأما العودة إلى ميدان المعركة لتكون عاقبتهم الخسارة والهلاك.
قانون طاعة النبي من الصبر والتقوى
لقد أنعم الله عز وجل على أهل الأرض بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي خير ورحمة من وجوه كثيرة منها:
الأول: الرحمة الإلهية بنزول آيات القرآن، قال تعالى [فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ]( ).
الثاني: نزول الخير وحصول الزيادة والنماء في الأرزاق والثمار وإظهار الأرض كنوزها ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: السنة النبوية بإعتبارها من أفراد الوحي.
الرابع: المعجزات التي كانت تجري على يدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: ظهور جيل من الصحابة ملأ الإيمان صدورهم وأظهروا التصديق بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم بأبهى وأحسن معاني التصديق بالدفاع عنه وعن نبوته بالنفوس والأموال بعد أن هجروا الأوطان وفارقوا الأحبة، وتغيرت قواعد الحب والبغض في نفوسهم لتتقوم مفاهيم الحب والود بالإيمان لعمومات قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
ومن مصاديق الأخوة الحب والإيثار في الله ولله، لتشع أنوار التقوى في أرض الجزيرة وتكون سننها دعوة للناس لدخول الإسلام ونبذ الكفر والجحود، وبادر الصحابة إلى أداء الصلاة والعبادات الأخرى كما يؤديها ويأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن الآيات في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإتحاد بين ما يؤديه وما يأمر به مع خصوصية ينفرد بها في مقام العبودية والخشوع لله تعالى ومنها ما إختصه الله عز وجل به من قيام الليل وصيام الوصال، وهو صوم يومين مع الليلة التي بينهما، أو ثلاثة أيام مع الليلتين اللتين بينها، ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن صيامه لتعلق الوجوب بصيام أيام شهر رمضان دون لياليها لقوله تعالى [أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ].
وعندما سأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نهيه لهم عن صوم الوصال مع صومه هو له قال: إن ربي يطعمني ويسقيني وتنام عيناي ولاينام قلبي( ).
ومن الآيات في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعظيم منزلته عند الله ودلالات تجلي الوحي في سنته أن جاء القرآن بإقتران طاعته مع طاعة الله عز وجل، قال تعالى [أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ]( )، وليس من حصر للمواضيع التي تكون مصداقاً وظرفاً لطاعة الله ورسوله لأن أحكام السلام شاملة للعبادات والمعاملات والأحكام.
لذا جاءت آيات القرآن وأحاديث السنة النبوية بياناً لمسائل الحلال والحرام،وما فيها من الإبتلاء، وتتجلى حاجة المسلمين إلى طاعة الله ورسوله في ميادين القتال بإظهار معاني الصبر والتحمل والإنقياد لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي يدل عليها قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ).
والذي يدل بالدلالة التضمنية على إمتثال المؤمنين لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الإمتثال من مقدمات النصر والظفر على الأعداء، فان قلت أن الآية أعلاه جاءت بخصوص معركة أحد التي خسر فيها المسلمون، والجواب من وجوه:
الأول:طاعة الرسول حكم مستقل لا يتوقف على النصر في المعركة وان كانت طريقاً إلى تحقيقه.
الثاني: لم يخسر المسلمون معركة أحد، ولكن لم ينالوا فيها النصر والظفر الذي نالوه في معركة بدر.
الثالث: جاءت الآية أعلاه من باب المثال ليكون شاهداً على إمتثال المسلمين لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد وردت الأخبار بأن النبي نظّم صفوف المقاتلين عند بدأ المعركة، كما أن طاعة الله والرسول من التقوى والخشية من الله لأنه سبحانه أمر بها، وقد وردت آيات كثيرة بالأمر للمسلمين [اتَّقُوا اللَّهَ].
وطاعة الرسول من تقوى الله من وجوه:
الأول: لأن الرسول لا ينطق إلا عن الوحي.
الثاني: لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليرتقي الناس إلى منازل التقوى والخشية منه، فتكون طاعة الرسول من مصاديق تقوى الله.
ولا تنحصر طاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين الذين شاركوا في معركة بدر وأحد، بل تشمل المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة، ليكون الصبر والتقوى حاجة دائمة للمسلمين، وخزينة دائمة متجددة لإغتراف الصالحات وإقتناء الحسنات التي تأتي من طاعة الرسول وما فيها من الدلالة على طاعة الله، قال تعالى [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ]( ).
ومن آيات النبوة ما أظهره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الصبر في مرضاة الله، ولم يتلق أحد مثل الأذى الذي تلقاه من المشركين ليكون أسوة حسنة للمسلمين في ميادين الصبر، وإذ أمرت هذه الآية المؤمنين بالصبر والتقوى بلغة الشرط، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو إمام المسلمين في ميادين الصبر والخشية من الله عز وجل في حال الحرب والسلم، والرخاء والشدة، ومنع بصبره وتحمله من وقوع الهزيمة بالمسلمين فحينما علموا بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وسط المعركة هبوا لنصرته والإحاطة به، ورجعوا إلى مواضعهم في المعركة وقاتلوا العدو قتالاً شديداً حتى أرغموه على التقهقر والإنسحاب.
وكأن هذه الآية تقول للمؤمنين إن صبرتم وإتقيتم كما صبرتم وإتقيتم في معركة بدر وأحد ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ألاف من الملائكة، وهو من أسرار ذكر نزول الملائكة في الآية السابقة من غير قيد أو شرط.
قانون”شرائط نزول الملائكة”
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بالنفح فيه من روحه ليكون هذا النفخ أصلاً في خلق الإنسان، وإصلاحاً له لمضامين العبادة والتقوى، ثم تفضل سبحانه وبعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية لتكون تتمة لنفخ الروح فيه، وإستدامة لصلة الإنسان بالبارئ.
وإذ غادر آدم الجنة وفارق الملائكة بفتنة ووسوسة من إبليس.
فإن الملائكة ظلت تنزل على الأنبياء من الناس، وكان آدم عليه السلام نبياً، ومعه في الجنة حواء وهي ليست بنبية مما يدل على إكرام الله عز وجل للمرأة المؤمنة وأهل بيت النبوة وأتباع الأنبياء.
وأشرقت الأرض بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتتجلى معاني إكرام الله عز وجل للإنسان بلحاظ الإيمان والتقوى.
ويفوز المسلمون بتلقي آيات القرآن وبعد أن كانت الملائكة تنزل على الأنبياء فإنها نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي، وعلى المؤمنين برسالته بالنصرة في سوح المعارك.
لقد وقعت معارك لبني إسرائيل مع القوم الظالمين قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخاضوا الحروب، وبعث الله لهم أنبياء وملوكاً وفي التنزيل[وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا] ( ) ومن فضل الله
عز وجل أن النبوة والإمامة في الإسلام عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجلت معاني الإمامة والقيادة بتقدم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جيش المسلمين في المعركة، ففزعت ملائكة السماء لنصرته وإعانته، ونزلت من السماء مدداً له وللمؤمنين بأمر الله عز وجل.
لم يترك الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يواجه جيوش الكفار المجهزة بالأسلحة والمؤون، ومن حسد وشدة كره قريش للإسلام أن جاءوا بنسائهم معهم إلى المعركة، وقطعن تلك المسافة الطويلة بين مكة المدينة على الرواحل، ومشياً على الأقدام لقتال المؤمنين.
وأورث الله عز وجل تلك البقاع المسلمين والمسلمات فما مرت الأيام والشهور، حتى أخذت نساء النبي والمؤمنات يقطعن ذات المسافة من المدينة إلى مكة لأداء مناسك الحج والعمرة تحت حكم دولة الإسلام، والعمل بسننه.
ولنزول الملائكة يوم بدر وأحد وحنين موضوعية في تحقيق هذه الوراثة مما يعني أن آثار وإفاضات نزول الملائكة لم تكن خاصة بيوم المعركة ودفع كيد الكفار، بل هي دائمة ومتصلة إلى يوم القيامة، لذا جاء الشرط كمقدمة لنزول الملائكة، وبيان قانون ثابت وهو حاجة المسلمين لمضامين الشرط الوارد في هذه الآية، ومن إعجاز الآية بخصوص ما فيها من الشرط وجوه:
الأول: ذكر الشرط على نحو التعيين.
الثاني: تقدم الشرط في أول الآية، وفيه بيان إضافي وحجة.
الثالث: تقدم الصبر على التقوى.
الرابع: إنتفاء الإجمال والترديد في الشرط.
الخامس: بيان المشروط بما لا لبس فيه.
السادس: مجئ الآية بصيغة الجمع وإرادة تجلي معاني الصبر والخشية من الله على عموم المؤمنين الذين خرجوا لقتال الكفار.
أن نزول الملائكة حجة على الكفار والمشركين الذين جاءوا إلى قتال المسلمين من وجوه:
الأول: المسلمون على الحق، ومن يقاتلهم على الباطل.
الثاني: إدراك نتيجة المعركة قبل وقوعها، واليقين بأن النصر يكون فيها للمؤمنين.
الثالث: نزول الملائكة إنذاراً ووعيد للكفار، ودعوة لهم للإنابة والتوبة.
وكما في فرعون وقومه فإنهم رأوا موسى عليه السلام وبني إسرائيل عبروا البحر بمعجزة وهي إنفلاق البحر لهم.
لتكون هذه الآية إنذاراً لفرعون وجنوده، وزجر لهم عن حالإصرار على الكفر، ودعةتعم لإختيار الإيمان والتصديق بنبوة موسى عليه السلام خصوصاً وأن المعجزات كانت تترى على يديه وهو بين ظهرانيهم ومنها آية العصا وأخذها لعصي السحرة بحضرة فرعون، ومبادرة السحرة للدخول في الإسلام، فكذا في معركة بدر وأحد فقد جاءت قريش بخيلائها وزهوها وغرورها إلى المعركة.
ورأت الملائكة وهم يشتركون في القتال بأمر ووحي من الله عز وجل قال تعالى[فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] ( ).
والمراد من فوق الأعناق أعلى الرقبة التي هي المذبح ليكون الضرب جزاً وتطبيراً للرؤوس، وجاءت الآية أعلاه بصيغة الجمع في فعل الملائكة، وفي الذين يقع عليهم الضرب والقتل من الكفار،(وقيل كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفون وجهه، فيأتي فيقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، ويمشي بين الصفين فيقول: أبشروا فإن الله ناصركم لأنكم تعبدونه وهؤلاء لايعبدونه) ( ).
لقد جعل الله عز وجل شرائط نزول الملائكة بركة مستديمة، ومعجزة توليدية تتجدد مع كل طبقة وجيل من المسلمين، ليكون كل من الصبر والتقوى صفة ثابتة لهم، وشاهداً على أهليتهم يوم بدر وأحد لنزول الملائكة، ففي كل زمان يرى الناس مثالاً للبدريين بين ظهرانيهم، يتجلى بجيل من المسلمين إتخذ من الصبر ملكة ثابتة وتغشت التقوى والخشية من الله عز وجل أعماله، ليكونوا داعية إلى الله وحجة على الناس، وسبباً في زجر الكفار والمشركين عن التعدي عليهم وعلى ثغورهم.
ومن وجوه ومعاني نصرة الملائكة للمسلمين بعث الرعب في قلوب الكفار، وإذا أنعم الله عز وجل نعمة على المؤمنين فإنه أكرم من أن يرفعها، ليبقى الرعب يملأ قلوب الكفار من المؤمنين وجند الإسلام إلى يوم القيامة بتحليهم بشرائط نزول الملائكة، وإظهارهم معاني الصبر والخشية من الله في القول والعمل الشخصي والنوعي.
ومن المتسالم بين المليين أن الله عز وجل على كل شيء قدير، وبإطلاق قدرته جاءت الكتب السماوية وهو حق وصدق، وجاء نزول الملائكة مصداقاً للإطلاق في قدرة الله، وتقييد الممتنع في أذهان الناس، فقد يظن كثير من الناس بإستحالة نزول الملائكة للقتال في الأرض للتباين في السكن والسنخية.
فجاءت هذه الآية لتطرد مثل هذا الظن، وتخبر عن وقوع نزول الملائكة لنصرة المؤمنين وأنه ليس أمراً من عالم الإمكان وحده، بل قد تحقق في الواقع العملي، وجاء شرط نزولها لتوكيده والإخبار عن إمكان تجدده، مع بيان قانون دائم وهو القرب وإنعدام المسافة بين السماء والأرض بخصوص نصرة الملائكة للمؤمنين، وليكون نزول الملائكة سبباً لزيادة إيمان المسلمين وإتصافهم بما يؤهلهم لتعاهد منزلة [ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، ويحتمل شرط الصبر والتقوى لنزول الملائكة وجوهاً:
الأول: انه شرط من عند الله عز وجل لأنه تكليف وأمر مولوي، وفيه أجر وثواب، قال تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الثاني: جاءت الآية محل البحث في سياق كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ] فهو الذي أمرهم بالصبر التقوى بلغة الشرط والقيد، لأنه يخبر عن لزوم الصبر والتقوى كمقدمة لنزول الملائكة، ولوجوب المقدمة لوجوب ذيها.
الثالث: الملائكة هم الذين إشترطوا ألا ينزلوا إلا على أمة صابرة تخشى الله في السر والعلانية.
والصحيح هو الأول، فان الآية الكريمة وعد وبشارة من عند الله جاءت بصيغة الخطاب للمؤمنين، وهذا الخطاب لطف وفضل إضافي منه تعالى كي يفرحوا بفضل الله، وتكون الآية بذاتها سكينة لهم، وسبباً لتحليهم بالصبر والتقوى.
فمن إعجاز الآية أنها تشترط شرطاً وتساعد على تحقيقه وإيجاده، وهذا أمر خاص بفضل الله عز وجل، وليس من أحد يقوم بإشتراط شرط، ويساعد المشروط عليه على إنجاز الشرط إلا الله عز وجل، ليأتي المدد مركباً للمؤمنين من وجوه:
الأول: نزول الملائكة من عند الله.
الثاني: وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المؤمنين وفي مقدمتهم ساحة المعركة.
الثالث: نزول هذه الآية بالبشارة.
الرابع: جعل شرطين لنزول الملائكة للنصرة.
الخامس: إعانة المسلمين لتحقيق الشرطين،والتوفيق في التقيد بمضامينهما.
والصبر والتقوى من مصاديق عبادة الله عز وجل قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )، أي أن الشرط في الآية جاء على الأصل وموافقاً لوظائف الناس في الأرض.
قانون” ماذا لو لم ينزل الملائكة للنصرة”
لقد إختار الله عز وجل آدم خليفة في الأرض، وسخّر له ولذريته الأرض وما فيها من الكنوز والخيرات ليقوموا بعبادته ويتقيدوا بأحكام الشرائع السماوية، ويدل هذا التقيد بالدلالة التضمنية على إستدامة الصلة بين أهل السماء والأرض، وان مغادرة آدم الجنة إلى الأرض لم تقطع تلك الصلة على نحو السالبة الكلية.
ولا تتقوم هذه الصلة إلا بفضل الله عز وجل، الذي جعل بمقدور الإنسان تعاهد تلك الصلة وهو من خصائص الخليفة في الأرض بأن يستطيع الإتصال مع عالم الملكوت، والسعي للعودة إلى الجنة واللبث الدائم فيها بالتصديق بالأنبياء والكتب السماوية التي جاءوا بها، لتكون الدنيا دار عمل وبناء لبلوغ المراتب العالية في الجنة.
ولم يكن الناس كلهم يسعون لسلامتهم في الآخرة، وشطر منهم إتبع الشهوات ولم يوظف العقل للنجاة في الآخرة، فجاء الأنبياء لهدايتهم وإرشادهم، فكان الناس على قسمين:
الأول: فريق صدقوا بالأنبياء وإتبعوهم في دعوتهم إلى الله، وهؤلاء على شعبتين:
الأولى: الذين يصدقون بالنبي السابق واللاحق.
الثانية: الذين يقفون عند النبي السابق، ولايعملون بالنسخ في الشرائع والأحكام، مع أنه من عند الله عز وجل.
الثاني: الذين إختاروا الجحود والكفر وهؤلاء على مراتب متعددة، وأشدهم كفراً وضلالة من قتل وحارب الأنبياء [قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
وقد قامت قريش بإيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بدايات البعثة النبوية وهو في مكة، إذ بذلوا جهدهم في عداوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتعاونوا على إيذائه وأصحابه، وتعرضوا لهم بالسب والشتم والضرب وصنوف التعذيب، وهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وقام أبو سفيان بن حرب ببيع عدد من دورهم واستولى على أثمانها، وهمت قريش بقتل النبي، وتناجوا في كيفية قتله واتفقوا على أن يندبوا من كل قبيلة رجلاً حتى يتوزع دمه بين القبائل.
وحينما خرج هو وأبو بكر إلى غار ثور في طريقهما إلى يثرب، (جعلوا لمن جاء بهما أو قتلهما ديتهما ويقال : جعلوا له مائة بعير، ونادوا بذلك في أسفل مكة وأعلاها( ).
ولكن الله سبحانه نجّاه بآية منه، ثم زحفت قريش إلى المدينة المنورة لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووأد الإسلام.
ومن الآيات أن المسلمين الذين صدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتبعوه خرجوا معه إلى المعركة مع علمهم بالفارق الكبير بينهم وبين الكفار، ورجحان كفة الكفار في العدد والعدة والإستعداد للمعركة والقتال، فلم يجبن المسلمون ولم يفشلوا.
وبخروج الصحابة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكون قصد قريش أكثر شراً وضرراً من كفار الأمم السابقة إذ أنها أرادت قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأتباعه من المهاجرين والأنصار، قتل الأمة التي ليس في الأرض جماعة مؤمنة غيرهم، وليس من نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه الله لأهل الأرض، لذا فقد برزت النبوة كلها والإيمان كله إلى أهل الكفر والضلالة ذوي القوة والشوكة والعزم على القتل والبطش إستكباراً وعتواً في الأرض.
والله عز وجل له ملك السموات والأرض وهو الذي أراد للإيمان أن يبقى، ويتجلى بقاؤه بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فجاء المدد من السماء لنصرتهم، وبعث الله عز وجل الفزع والرعب في قلوب الكفار.
نعم إن الله عز وجل واسع كريم ولا تستعصي عليه مسألة وهو القادر على حفظ النبي والمؤمنين بما لا يتصوره الناس، ولكن حفظهم جاء واقعاً بنصرهم في معركة بدر وأحد، فالله عز وجل لم يمنع الكفار من الخروج إلى القتال، ولم ينزل الملائكة لصدهم عن الخروج من مكة ولجعلهم يتيهون في البيداء.
وقد بقى بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة، يجدّون كل يوم السير وما أن يأتي المساء حتى يروا أنفسهم في المكان الذي بدأوا منه مع أنهم كانوا مؤمنين وينزل عليهم المن والسلوى، بآية ونعمة من الله عز وجل، ولكنه سبحانه جعل قريشاً تفعل ما تشاء بسوء إختيارها إلى أن دخلت المعركة وهي تريد الظفر بالنبي وأصحابه.
فجاء نزول الملائكة ضرورة وحاجة لبقاء الإسلام وإستمرار نزول آيات القرآن، وسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ليشكر المسلمون والمسلمات في أجيالهم المتعاقبة الله عز وجل على نعمة نزول الملائكة، ويترسخ إيمانهم بالله وملائكته وأنبيائه ويشعرون بقرب الملائكة منهم، وإمكان حضورهم مدداً وعوناً في الملمات.
ولا يقال أنه لولم ينزل الملائكة لم ينتصر المسلمون لأن الكبرى هي أن الله عز وجل أراد نصر المسلمين [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ). ولكنه سبحانه تفضل بآية حسية خالدة وهي نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بالملائكة، لدوام كلمة التوحيد في الأرض، وإذ جاءت الآيات الحسية للأنبياء السابقين فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إتصف بخصال في باب المعجزة وهي:
الأول: كانت معجزته عقلية، وهي القرآن وما فيه من الكنوز والذخائر وعلوم الغيب.
الثاني: رزق الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم معجزات حسية عديدة.
الثالث: مجئ معجزات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، إذ نزل الملائكة لنصرتهم، ويدل على موضوعيتهم في نزول الملائكة توجه الخطاب لهم في قوله تعالى [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ]( )، وفيه تشريف وإكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهد على تفضيله على الأنبياء السابقين وتفضيل أصحابه على أصحابهم.
ويتجلى هذا التفضيل في المقام من وجوه:
الأول: خروج الصحابة للقتال تحت راية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودفاعاً عن الإسلام.
الثاني: نزول الملائكة مدداً لهم.
الثالث: تحليهم بالصبر والخشية من الله، وإرتقائهم إلى رتبة عظيمة وهي (المنصورون بالملائكة) لتكون هذه النصرة آمناً وسلامة للنبي وللمؤمنين إلى يوم القيامة، وهو من أسرار موضوعية المؤمنين في نزول المدد يوم بدر وأحد كما تدل عليه الآية أعلاه.
قانون” الوحي في المعركة”
الوحي لغة هو الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام، وهو في الإصطلاح ما يلقيه الله عز وجل إلى الأنبياء فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا بواسطة الملائكة.
وبقيد ما يلقيه الله يخرج الكلام الذي يكون بين الأنبياء أنفسهم ممن هم في زمان واحد، والكلام من النبي إلى أصحابه وأهل بيته، وتخرج الرؤيا الصالحة، ويخرج بقيد إلى الأنبياء التحديث الى الصديقين، وبقيد بواسطة الملائكة أي من غير واسطة بشر، وتقدم تقسيم الوحي إلى أقسام تقسيماً إستقرائياً ( ).
وتتجلى في هذه الآية أقسام أخرى من الوحي والتحديث، فمن الوحي ما ينزل به جبرئيل عليه السلام إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على وجهين:
الأول: خاص وهو التنزيل وآيات القرآن، ومنه هذه الآية الكريمة.
الثاني: الوحي بالمعنى الأعم، ومنه أخبار السنة، وأحاديث الملائكة، والعناية الإلهية بتوجيه النبي والمسلمين في المعركة بنزول الوحي، وهذا الوحي على وجوه:
الأول: الوحي مباشرة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الوحي إلى الملائكة.
الثالث: الوحي الى المؤمنين بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنه بشارة النبي لهم بنزول الملائكة لتأتي هذه الآية تثبيتاً وتوكيداً سماوياً لها، وبما يفيد دوام النعمة، وخلود مضامين الوحي بالتنزيل.
وهو من مصاديق [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، فمن وجوه البيان في المقام أن القرآن يبين الوحي الذي يوحيه الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما في الآية السابقة التي أخبرت عما قاله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من البشارة الى المسلمين والتي هي فرع الوحي، إذ أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لايستطيع الإخبار عن هذه البشارة من غير أن يتلقى الوحي بها.
وإبتدأت الآية السابقة بظرف الزمان الماضي [إِذْ تَقُولُ] وإرادة الزمن المستقبل بخصوص مجئ المدد بقوله تعالى [أَنْ يُمِدَّكُمْ]، ثم تأتي لغة الشرط في هذه الآية لنزول مدد أكثر من الأول، لكي يستعد له المسلمون بالإرتقاء في المعارف الإلهية.
ومن الآيات في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إتصال تفقه المسلمين في الدين وأحكام الشريعة حتى في أيام الحرب والقتال، وكل آية ينزل بها جبرئيل هي مدرسة في الفقه وخزينة للعلوم ينتفع منها الناس من وجوه:
الأول: الإنصات إلى تلاوة الآية، فحالما يسمع المسلم الآية يدرك شطراً من معانيها ودلالاتها، وبما يساعده في أمور دينه ودنياه.
الثاني: نزول كل آية من القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حبل متصل ودائم بين الله وكل مسلم ومسلمة وإلى يوم القيامة، مع المائز عند أهل البيت والصحابة لنزولها نجوماً في تفقهم في الدين، وزيادة إيمانهم، ولكن هذا لا يعني عدم إنتفاع عامة المسلمين من نزول القرآن نجوماً ما له من الموضوعية والتأثير الحسن.
الثالث: تكرار تلاوة المسلمين للآية القرآنية في الصلاة وغيرها.
الرابع: دراسة المسلمين للآية القرآنية لفظاً وتفسيراً وتأويلاً.
الخامس: وقوع الشواهد التي تدل على مضامين الآية وما فيها من المقاصد السامية.
ومنها ماجاء في هذه الآية من البشارة بنزول الملائكة، وتدل الأخبار على أن جبرئيل نزل مع الملائكة يوم بدر، وقد تقدم في الجزء السابق عن ابن عباس عن رجل من بني غفار أنه سمع قائلاً يقول: أقدم حيزوم( )، وحيزوم هو فرس جبرئيل.
ومجئ الوحي والتنزيل في المعركة على وجوه:
الأول: تلقي جبرئيل الآية في السماء قبل نزوله إلى المعركة فيشترك بالقتال ثم يأتي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لإخباره بالآية متى ما أذن الله له.
الثاني: يجمع جبرئيل بين المشاركة في القتال والإيحاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من خصائص الملائكة والقدرات العجبية التي جعلها الله عز وجل عندهم، إذ يقوم الملك بفعلين أو أكثر في آن واحد، وجبرئيل من كبار الملائكة مما يدل على إمتلاكه قدرة الفعل المتعدد في زمان متحد.
الثالث: ينزل جبرئيل للقتال ثم تأتيه الآية من عند الله فيقوم بتبليغها إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو يأتي بالوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حالما يصله من عند الله عز وجل من غير تزاحم بين تبليغ الوحي والمشاركة في القتال.
ولا تعارض بين الوجوه أعلاه، وكلها من فضل الله عز وجل وبديع صنعه، وقدرته الواسعة ، فنزول الملائكة للنصرة والقتال إلى جانب المؤمنين لم يتعارض مع وظائفها في الوحي.
وفي نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أثناء المعركة وجوه:
الأول: توكيد نبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الإخبار السماوي بسلامة فعله في الخروج إلى المعركة، وقتال الكفار.
الثالث: الوحي أثناء المعركة مدد إضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الرابع: بعث السكينة في نفوس المؤمنين، وأكثر مايحتاج المحارب في المعركة السكينة والطمأنينة في القتال، وقد فاز بها المسلمون بنزول الوحي، ووجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته بين ظهرانيهم، وهو من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الخامس: نزول الوحي مقدمة وسبب لتحلي المسلمين بالصبر والتقوى، فمن إعجاز القرآن أنه يأتي بالشرط وبمقدماته وأسباب تحصيله، فجاءت هذه الآية بقوله تعالى [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] ونزول هذه الآية بالذات هو عون لتحقيق ما فيها من الشرط عند عموم المسلمين.
أي أن الله عز وجل يقول للمؤمنين قد أنعمت عليكم بنزول هذه الآية لتكون مدداً وعوناً لكم على تحقيق ما فيها من الشرط، بالإضافة إلى أن الشرط بذاته سبب للتدبر في المضامين القدسية للآية،وما لها من المعاني والمفاهيم، وفيه دعوة للمسلمين جميعاً بالتوجه الى الله عز وجل بالشكر والثناء على نعمة نزول الوحي في المعركة.
السادس: نزول القرآن في ميدان المعركة من مصاديق نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وآية تدل على تعدد وجوه نصر الله عز وجل للمسلمين.
السابع: نزول الوحي في المعركة بشارة النصر والغلبة، وشاهد على أن الله عز وجل لم يترك النبي محمداً والمؤمنين وحدهم في الميدان وهو من عمومات قوله تعالى بخصوص معركة بدر [إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ
أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا]( ).
وفيه شاهد على أن الوحي في المعركة متعدد في جهته وموضوعه، فهو ينزل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وينزل إلى الملائكة، ونزوله إلى الملائكة لإرادتهم بالذات وليس واسطة بين الله وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومع كثرة ورود مادة (وحى) في القرآن فانها لم ترد بصيغة الوحي إلى الملائكة إلا في هذه الآية، بينما جاء كلام الله عز وجل مع الملائكة عند خلق آدم عليه السلام بلفظ قال [إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ] ( ).
أما حينما نزلوا إلى الأرض لنصرة المؤمنين جاء اللفظ بالوحي وكأن قوله تعالى [وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا]( ).مقدمة لنزول الملائكة لنصرة المؤمنين.
لقد جعل الله عز وجل الوحي مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين والملائكة ليكون عوناً إضافياً لهم، وفيه تخويف للكافرين، ووعيد من يوم القيامة، وقيام الملائكة بعذابهم، وفيه بشارة متعددة للمؤمنين، منها أنه حرز لهم في الآخرة.
قانون” الحاجة للصبر والتقوى”
لقد خلق الله عز وجل الإنسان ونفخ فيه من روحه، وأكرمه بالخلافة في الأرض، وتلك الخلافة ليست مطلقة، بل مقيدة بقيد عام يشمل الخلائق كلها وعالم الإمكان، وهو قانون الحاجة الذاتية، فالحاجة مصاحبة للإنسان في كل مراحل حياته متحداً ومجتمعاً، فلا تنتفي حاجة الإنسان عندما يكون مع الجماعة وتكون حاجة الجماعة أكثر من حاجة الفرد، كما أن الإيمان لا يعصم الإنسان من الحاجة لملازمتها له في كل الأحوال.
وجاءت معركة أحد لتتجلى فيها حاجة الأمة المؤمنة إلى الله عز وجل ونصرته وجنوده ومدده.
ومن الآيات أن الله عز وجل أنعم على المسلمين بالمدد السماوي، والمعجزة العظمى، ونزول ملائكته ناصرين، ليكفوا المسلمين في مواجهة الكفار جميعاً، في أجيالهم المتعاقبة، وفي تفسير قوله تعالى [لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ]( ).
ذكرت في الأجزاء السابقة أنه لو إجتمع الجن والأنس في الأجيال المتعاقبة، وسعوا طيلة أفراد الزمان الطولية في الإتيان بمثل القرآن بأن يترك كل جيل عمله للجيل اللاحق إرثاً وتركة، لما إستطاعوا أن يأتوا بمثله، وكذا بالنسبة للملائكة الذين نزلوا لنصرة المسلمين يوم بدر وأحد، فانه لو إجتمع أهل الأرض لما إستطاعوا إلحاق الهزيمة بالمؤمنين، ومثل هذا الإجتماع متعذر، ولكن نزول آلاف الملائكة لنصرة المؤمنين من فضل الله وعظيم إحسانه ولطفه، وفيه بعث لليأس في قلوب الكفار ممن حضر المعركتين أو سمع بهما وبإخبارهما.
لذا جاءت هذه الآية للإنذار والوعيد للكفار عموماً فهي سلاح وإخبار سماوي متجدد في كل زمان ومكان، وحاجة الإنسان أعم من أن تنحصر بميادين المعارك وما فيها من أسباب الفزع والخوف ورؤية لمعان السيوف، وسيلان الدم، وكثرة الجروح والقتل، بل هي شاملة لحال الرخاء والسلم والدعة، وتلك آية في بديع خلق الله وإدراك الإنسان للزوم المبادرة لذكر الله عز وجل والفزع اليه بالعبادة والدعاء والمسألة.
ومن وجوه الحاجة ما هو عام وشامل، ويشعر الإنسان بلزوم مصاحبتها له مثل الصبر والتقوى، فلا يستطيع الإستغناء عنهما ساعة من نهار من أيام حياته، فان قلت إن الكفار يتنعمون في الدنيا من غير أن يلتفتوا إلى الحاجة إلى الصبر والتقوى، قلت: إن الدنيا دار إمتحان وبلاء، وأن عدم التقيد بأحكام الصبر والتقوى يضر صاحبه في النشأتين.
وجاءت هذه الآية لإكرام المسلمين وهدايتهم إلى ما يحتاجون إليه في أمور الدين والدنيا، فهذه الآية مدرسة في التأديب السماوي للمسلمين (قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أدبني ربي فأحسن تأديبي( ).
وفي الآية شاهد على أن القرآن تهذيب لنفوس المسلمين، وإصلاح لأفعالهم، وبرزخ دون الكدورات ، ومانع من غلبة النفس الشهوية والغضبية.
وتوكيد لحقيقة وهي أن ملازمة الحاجة للإنسان رحمة من عند الله عز وجل به، وفضل من الله عز وجل عليه في نفسه وماله وأمور حياته كلها، وهي طريق إلى نيل السعادة في الآخرة، فلولا مصاحبة الحاجة للإنسان وموضوعيتها في نواياه ومقاصده وأفعاله، لما إستطاع أن ينال معه الثواب والجزاء الحسن في الآخرة، وفي موضوع الحاجة ومصاحبتها للإنسان شاهد على وجود الصانع ووجوب عبادته واللجوء إليه لقضاء الحوائج.
ومن الآيات في خلق الإنسان أن الله يبتليه بما يدرك معه حاجته الى الله عز وجل ولزوم عبادته، وإتخاذ العبادة طريقاً لقضاء الحوائج، وواقية من النوائب، وآلة للمواساة والتحلي بالصبر لذا جاء قوله تعالى [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ].
في دلالة على أن المؤمنين معرضون للمصيبة والخسارة في ميدان المعركة وعليهم أن يتحلوا بالصبر والإسترجاع عند الخسارة، ولكن الله عز وجل أنعم على المسلمين في معركة بدر وأحد بمنع حلول المصيبة في ساحتهم مع كثرة عدد وعدة العدو، بل تفضل الله سبحانه، وجعل الملائكة ناصرين لمبادئ الإسلام، ويكونون مدداً للمؤمنين، ويمنعون من نزول المصيبة بالمسلمين ليكون من نعم الله عز وجل على المسلمين في باب الحاجة ومصاحبتها لهم، دفعها عنهم إذا إشتدت وجاءت مرة واحدة، إذ صاروا في مواجهة الكفار ليس لهم ظهير أو ناصر من أهل الأرض، وكانت حاجة المؤمنين في المعركة متعددة، فمنّ الله عليهم بآية نصرة الملائكة.
ومن الآيات أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم وإمامهم وينزل عليه الوحي، ومع هذا فهم محتاجون إلى رحمة الله فجاء نزول الملائكة قضاء لحاجة المسلمين، وتحقيقاً لغلبتهم ونصرهم على الكفار، وهل إنتفت وإنقطعت حاجة المؤمنين بنزول الملائكة وقتالها مع المؤمنين الكفار، الجواب لا، لأن الحاجة مصاحبة للممكن وعالم الخلائق، وهي متصلة ومتجددة وتتعلق بالمتحد والمتعدد.
وهذه الحاجة فضل ورحمة من الله بالناس، فمن اللطف الإلهي أن جعل الله سبحانه الناس محتاجين إليه، وهذه الحاجة حجة على الكفار والظالمين، فمع حاجتهم لله عز وجل ورحمته يهجمون على المؤمنين الذين يريدون لهم وللناس جميعاً الخير والصلاح والفلاح.
لذا نزل الملائكة لقتال الذين يمنعون الناس من التحلي بأسباب ومقدمات قضاء حاجاتهم في الدنيا والآخرة، وتتجلى هذه المقدمات بالتحلي بلباس الصبر والخشية من الله والإمتناع عن المعاصي والذنوب، التي أمرت هذه الآية بهما كشرط لتحقيق الغلبة على الكفار، ويكون سبباً لدخول شطر منهم الإسلام.
لقد أراد الله عز وجل لمن يسلم من الكفار أن يتبع المؤمنين بحسن سمتهم وتقيدهم بآداب الصبر وأحكام التقوى كنوع طريقية وبلغة لبلوغ المقاصد الحميدة، وعون لهم في أداء الوظائف والعبادات، وهما بذاتهما طاعة لله لورود الآيات بالأمر بهما على نحو الإستقلال والإطلاق من غير تعليق على أمر أخر، أو جعلها شرطاً لغيرها.
وتجلى هذا الإطلاق في آيات عديدة، منها قوله تعالى في الصبر [وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( )، فجاء الأمر الإلهي بالصبر وإرادته بالذات، ومع الوعد الكريم بأن الله عز وجل مع الصابرين، وقوله تعالى في التقوى [وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
قانون” شرائط الشرط”
يعتبر الشرط من العلة، وقيل أن أجزاءها أربعة هي: المعد، الشرط، وجود المقتضي، فقد المانع.
والشرط هو الكيفية الخاصة التي يكون عليها المقتضي كي يكون مؤثراً، إذ أن فعليته وما يترتب عليه من الأثر متعلقة بكيفية خاصة لابد وان تتوفر، وهي التي تسمى الشرط، ويقسم الشرط إلى قسمين:
القسم الأول: الشرط من جهة الفاعل، وهو الموجب لفعلية تأثير الفاعل وأثره، وقالوا أن الشرط مكمل لفاعلية الفاعل، كما في شرط الإستطاعة لأداء الحج، لقوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ).
القسم الثاني: الشرط من جهة القابل، أي المحل الذي يتلقى أثر العلة، ويكون بتحصيل الشرط الذاتي لتلقي الفيض من العلة، كما في تلقي الأرض للمطر وخروج النبات، فلا تكون الأرض صالحة للإنبات ونمو الزرع إلا عند سقيها وتلقيها الماء، والشرط بلحاظ نسبته الزمانية مع المشروط على وجوه:
الأول: الشرط المتقدم: وهو الذي يكون متقدماً زماناً على الشرط ويلزم
وجوده قبل وجود المقيد به، والذي لا يكون واجداً للصحة إلا بتحققه كشرط الوضوء بالنسبة للصلاة، فلابد من التوضأ للدخول بالصلاة، وقد يكون الشرط راجعاً للوجوب أي الحكم، أو لخصوص شرائط الواجب وهو متعلق الحكم.
الثاني: الشرط المقارن: وهو الذي يكون مقترناً زماناً بالمشروط به كما في شرط القبلة ولزوم مقارنتها لأداء الصلاة.
الثالث: الشرط المتأخر وهو الشرط الذي يكون متأخراً في زمانه على الحكم وإتيان المشروط كما في القول بأن الإجازة كاشفة عن صحة عقد الفضولي.
ومن الإعجاز في باب الشرط في هذه الآية أن شرط الصبر والتقوى شامل للوجوه الثلاثة أعلاه من غير تعارض بينها إذ يشترط الصبر والتقوى قبل وأثناء وبعد المعركة كي يتحقق نزول الملائكة للنصرة، فان قلت إن نزول الملائكة مرهون زماناً بساعة حصول المعركة، والقتال بين المؤمنين والكفار، فكيف يكون شاملاً للشرط المتأخر، والجواب من وجوه:
الأول: ان الله عز وجل يعلم ما كان وما يكون.
الثاني: مجئ الآية بالمعنى الزماني الأعم في إرادة الصبر والتقوى من غير حصر بزمان المعركة لأصالة الإطلاق، ولوجود آيات عديدة في القرآن تأمر المسلمين بالصبر، وتأمرهم بالتقوى.
الثالث: تجدد الإبتلاء بأسباب الحاجة الى الصبر والتقوى، ومنها مواصلة الكفار التصدي على حرمات الإسلام، وتجهيزهم الجيوش لمحاربة المسلمين.
ومع أن الصبر والتقوى شرطان لتفضل الله عز وجل بإنزال الملائكة لنصرة المؤمنين، فانهما يستلزمان إخلاص النية، وصدق الإيمان، وكأن بين الإيمان والتقوى عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل متق هو مؤمن وليس العكس.
وفي تحقيق شرائط شرط نزول الملائكة لنصرة المؤمنين حجة وبرهان على أهليتهم للنصر، ودعوة للناس لمحاكاة المؤمنين والإقتداء بهم بدخول الإسلام وأداء الفرائض.
فمن منافع نزول الملائكة مدداً ترغيب الناس بالإسلام، وحثهم على التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحقيق مقدمات وشرائط الصبر والتقوى، وإتخاذها بلغة لنيل السعادة في الدنيا والآخرة قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]( ).
وتحث الآية محل البحث المسلمين على الإجتهاد في أداء الفرائض، وعدم التفريط بها، فصحيح أنها جاءت بلغة الشرط، ويتعلق موضوعها بنزول الملائكة إلا أنها تدل بالدلالة الإلتزامية على ظهور دولة الإسلام، ولزوم تعاهد المسلمين لوراثة الأرض، فهذه الآية بشارة عظيمة وإخبار عن إتساع رفعة الإسلام وترسيخ العمل بأحكامه بين الناس، وزوال دولة الكفر والكافرين.
لتتزين الأرض بالصبر والتقوى، ويكونا ضياء سماوياً أرضياً، فهو سماوي لموضوعية نزول الملائكة، في جعلها ملكة ثابتة عند المؤمنين، وأرضية بجهاد المسلمين، وسعيهم في منازل الصلاح والسعي لنيل الفضل الإلهي.
الصلة بين أهل السموات والأرض
من بديع صنع الله خلق السموات والأرض وهو بذاته آية إنحلالية تتكون من آيات كثيرة ليس لها حصر ثم تفضل الله عز وجل وجعل سكاناً وأهلاً لكل من السماء والأرض في آية أخرى تشهد على عظيم قدرة الله، وتكون موضوعاً للعلة الغائية في الخلق وهي عبادة الله عز وجل والإقرار ببديع صنعه، وبيان عظيم قدرته.
ومن الآيات في الخلق التباين التام في سنخية وماهية أهل السماء والأرض، ولكن هذا التباين لم يمنع من الصلة والمؤازرة بين أهل السماء وهم الملائكة، وبين أهل الأرض، وجاءت هذه الصلة عامة من طرف وخاصة من الطرف الآخر، إذ نزل عدد من الملائكة لنصرة فئة قليلة من أهل الأرض.
ومن إعجاز ذكر عدد الملائكة في الآية السابقة وأنهم ثلاثة آلاف ملك، وعددهم في هذه الآية وهم خمسة آلاف ملك، الإخبار عن عدم نزول الملائكة كلهم، وعدم الإكتفاء بنزول جبرئيل عليه السلام كما في نزوله لهلاك قوم لوط إذ رفع البلدة وأهلها بريشة من جناح من أجنحته.
وفي كثرة الملائكة شاهد على التعدد في وظائف الملائكة فمنهم من يثبت قلوب المؤمنين، ومنهم من يبعث الفزع والخوف في قلوب الكافرين، ومنهم من يضرب فوق الأعناق، أو يضرب الأيدي والأصابع من الكفار.
ومنهم من يراه المؤمنون خاصة، ومنهم من يراه المؤمنون والكفار، ومنهم من يسمعون صوته ولايرونه، أو يرون أثره وفعله من غير أن يروه أو يسمعوا كلامه.
وورد في الخبر أن المؤمن يهجم على الكافر فيرى رأس الكافر يسقط بين يديه وهو تفسير عملي لقوله تعالى [فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ]( ).
وصحيح أن عدداً معيناً ومحدوداً من الملائكة نزلوا مدداً للمؤمنين إلا أن نصرتهم مصداق لنصرة السماء وسكانها للمسلمين جميعاً، ليس في معركة بدر وأحد وأيام الإسلام الأولى بل في جميع أيام الحياة الدنيا باعتبار أن الإسلام هو الديانة الباقية إلى يوم القيامة، وهذه النصرة وإستدامتها وعمومها وعدم إنحصارها بطبقة وجيل من المسلمين، أما بالنسبة لطرف أهل الأرض المنصورين من قبل أهل السماء فهو أمر خاص بالمؤمنين.
ومن الآيات أنه ليس من أمة من أهل الأرض أقل عدداً يوم نزول الملائكة لنصرة المسلمين مع إنحصار الإيمان بهم، مما يدل على أن نزول الملائكة ضرورة للمؤمنين خاصة، ولأهل الأرض جميعاً في أمور دينهم ودنياهم.
وفي باب الفقه قاعدة تفيد أن الضرورة تقدر بقدرها، ولكن الفضل الإلهي أعم من الضرورة بدليل نزول آلاف الملائكة لنصرة المؤمنين، وإستعدادهم للنزول مرة أخرى حالما يرجع الكفار، وجاء شرط نزولها ضرورة أخرى للمسلمين.
وتلك آية في خلق الإنسان بأن يتفضل بما يقضي حاجات المؤمنين عند الضرورة، ويكون هذا القضاء معلقاً على شرط لقضاء ضرورة ذاتية وعرضية أخرى وهي التحلي بالصبر وبلوغ مراتب التقوى، والإنبعاث في مسالك الخير وإتيان الصالحات، وإجتناب السيئات والمعاصي.
لقد أراد الله عز وجل أن يكون نزول الملائكة نصرة للنبوة والتنزيل وتثبيتاً للإسلام والإيمان، فمن لم يؤمن بنزول جبرئيل بالوحي من عند الله فانه يرى الملائكة تقاتل في سبيل الله.
ومن ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويعرض عن دعوته يرى كيف أن جنود السماء جاءت لإثبات دعوته، وحث أهل الأرض على إتباعه، وإذ زحفت قريش لقتل المسلمين، وهم قلة وأذلة، فان الله عز وجل شكرهم على إيمانهم بأن فتح أبواب السماء لتنزل الملائكة لنصرتهم.
وقد أنعم الله عز وجل على أهل الأرض جميعاً بنزول المطر من السماء وفيه الخير والبركة والنماء، أما نزول الملائكة فانه خاص بالمؤمنين وتلك آية في بيان صلة السماء بأهل الأرض من وجوه:
الأول: النفع العام للناس جميعاً بفيض وبركات مثل المطر.
الثاني: الإنتفاع الخاص من السماء بنزول الملائكة.
الثالث: ترشح المنافع من نزول الملائكة لنصرة المؤمنين على الأجيال المتعاقبة من الناس.
وأيهما أكبر آية وإعجازاً نزول المطر أم نزول الملائكة، الجواب هو الثاني لأنه حدث بخصوص المؤمنين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومعجزة عظمى ليس لها تفسير في عالم الطبيعة مثل نزول المطر وإدراك الناس لمقدماته من تكّون السحب بالأبخرة الصاعدة من البحار والأنهار.
وإذ حدث إنفلاق البحر لموسى عليه السلام وبني إسرائيل مرة واحدة ليعبروا على اليابسة وينجوا من فرعون وقومه، فإن الله عز وجل أنعم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بنزول الملائكة مدداً وعوناً لهم،وفيه شاهد على تفضيلهم على الأمم الأخرى،وأن المراد من تفضيل بني إسرائيل بقوله تعالى[وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( ) إرادة أهل زمانهم،أما تفضيل المسلمين فهو عام وشامل لأفراد الزمان السابقة واللاحقة.
وجاءت مقدمات نصرة الملائكة آية في خلق الإنسان ذاته، وخلافته في الأرض، وكيفية عمله في الحياة الدنيا وأسرار الإبتلاء فيها، ونزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدود الكفار ومواجهتهم للتنزيل والهجوم على المسلمين بالسيف مع إرادة إستئصال المسلمين، ويتصف نزول الملائكة بأمور:
الأول: إنحصار أسباب النصرة بالمدد من عند الله عز وجل.
الثاني: مجئ المدد بآية ظاهرة للناس جميعاً، وهي نزول الملائكة من السماء.
الثالث: لزوم تقديم المسلمين للصبر والتقوى كصبغة لأقوالهم وأفعالهم من أجل نزول الملائكة لنصرتهم، وإتخاذهما سجية ثابتة.
فيخرج المسلمون بسلامة وعز وفخر من المعركة مع غنيمة سماوية
عظيمة غير الغنائم التي يأخذونها من الكفار، وتتجلى هذه الغنيمة بملكة الصبر والتقوى، وتغشيها للمسلمين، لتكون هذه المقدمة والشرط تركة وأثراً لنزول الملائكة، ودعوة مباركة لأهل الأرض لدخول الإسلام، ونبذ محاربة المسلمين، وإنذاراً متجدداً للكفار من الإعتداء على المسلمين.
ليبقى نزول الملائكة في معركة بدر وأحد صلة دائمة بين أهل السماء والأرض، في أثرها ومنافعها العظيمة، وحجة قائمة تدعو الناس إلى الإسلام، وإكرام المؤمنين والإمتناع عن محاربتهم والتضييق عليهم، لأن المؤمنين يمتلكون سلاح المدد السماوي بتحليهم بالصبر والتقوى فقد أكدت هذه الآية والآية السابقة إنعدام البرزخ بين المؤمنين ونزول جند السماء، وإن التباين بين سنخية وماهية أهل السماء والأرض لم يمنع من التعاون والإتحاد بينهما لتثبيت سنن الإيمان في الأرض.
لقد ترك الملائكة للمؤمنين ثروة عظيمة وتركة متجددة، وكنزاً سماوياً في الأرض ينهل منه المسلمون معاني الصبر والتقوى، ويقتبسون منه الدروس التي تنفعهم في مواجهة الكفر والكافرين.
وجاء موضوع الصلة بين أهل السماء والأرض على وجوه:
الأول: إنه عام من أهل السماء.
الثاني: خاص من أهل الأرض.
الثالث: ينزل الملائكة إلى الأرض، فيأتي المدد للمؤمنين وهم في مكانهم لم يقصدوا إلى غيره.
الرابع: أهل السماء مدد وعون.
الخامس: يتلقى المؤمنون المدد من الله تعالى.
السادس: مجئ أهل السماء بأمر الله عز وجل، وهو فضل إضافي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وشاهد على رضاه عنهم،
قال تعالى[رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ]( ).
فصحيح أن عدداً من الملائكة هم الذين نزلوا لنصرة المؤمنين إلا أنهم يمثلون الملائكة جميعاً لوحدة السنخية والرفعة واليقين ولكن الذين تلقوا النصرة المؤمنين خاصة، ومن الآيات أنه ليس من أمة من المؤمنين غيرهم على وجه الأرض، لينزل الملائكة على المؤمنين جميعاً.
قانون” ثبوت الإيمان بنزول الملائكة”
لقد ملأت الآيات آفاق السماء والأرض، وليس من حصر لآيات الله الكونية، إذ يتعذر إحصاؤها، بالإضافة إلى قانون دائم وهو تجدد وإنشطار الآيات.
فمن الآيات ما هو توليدي، ومن الآيات ما تأتي مستحدثة سواء في عالم السماء أو الأرض أو ما بينهما، وكل آية مسخرة لخدمة ونفع الإنسان في أمور دينه ودنياه، ومن وجوه هذا النفع ثبوت الإيمان، وتنمية ملكة الهداية وأسباب التقوى.
والصراع بين الإيمان والكفر متصل ودائم، للتضاد والتناقض بينهما، فلا يجتمعان عند إنسان، ولا في باب السيادة والرياسة والسلطنة، فجاء الإسلام لينهي مرتبة من مراتب هذا الصراع، بأن يجعل الغلبة لأهل التوحيد، ويكون الإيمان مستقراً في الأرض، وعقيدة راسخة في قلوب المسلمين، وتلك آية لا يقدر عليها إلا الله.
إذ يعجز الملائكة والأنبياء عن تحقيقها، لذا جاءت هذه الآية بالإخبار عن أن المدد الملكوتي هو من عند الله عز وجل،وجاء في أشد حاجات المؤمنين له وبكيفية جامعة مانعة،جامعة لأسباب النصر و الظفر، ومانعة من الهزيمة والفشل.
وكان المسلمون يواجهون الإبتلاء بالضعف والوهن، ويخشى عليهم من إستحواذ الخوف على نفوس طائفة منهم من كيد وفتك الكفار، الذين جاءوا بجيوش كبيرة وعدة وخيل كثيرة، فجاء المدد السماوي لمنع طرو الهم بالفشل على المسلمين، فالفرقة والجيش الذي يرى الملائكة نزلوا لنصرته لن يخاف الكفار أبداً، فلو كان نزول الملائكة مرة واحدة لنصرة المؤمنين، فإنهم يتسلحون بالإيمان ويثبتون في ميدان القتال.
ويواجهون الكفار وان جاءوا بأضعاف العدد الذي جاءوا به يوم نزل الملائكة لنصرة المؤمنين، وهذا الثبات من أسرار الشرط الوارد في هذه الآية إذ أنه ينمي ملكة التوكل على الله، ورباطة الجأش والثقة بالنصر، والعزيمة على مواجهة الأعداء في المعركة.
قال الله تعالى في خطاب الملائكة الذين نزلوا لنصرة المؤمنين [أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ]( )، وفيه بيان لتغيير موازين القوة، وكيفية سير وقائع المعارك بين المسلمين والكفار، بظهور معالم قانون في الأرض وهو غلبة المسلمين، وهزيمة الكفار الذين يعتدون عليهم.
وجاءت الآية أعلاه بالإطلاق في كيفية تثبيت قلوب المؤمنين من غير فعل مخصوص، ويتصور الملائكة بهيئات مختلفة فكان منها الظهور يوم بدر بهيئة أناس يعرفهم المؤمنون ويتقدمون أمامهم، ويبعثون في نفوسهم العزيمة وأسباب الثبات.
لقد جاءت هذه الآية بوصف الذين خرجوا لمعركة أحد بالمؤمنين، كما في قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ]( )، فتفضل الله سبحانه وجعل الإيمان مستقراً في قلوبهم جزاء لهم على خروجهم للقتال بقصد القربة الى الله عز وجل بأن بعث الملائكة لنصرتهم وإعانتهم ومنع طرو الخوف على قلوبهم من كثرة عدد وعدة الكفار.
لقد أراد الله عز وجل التفضل على أهل الأرض بنعمة عامة، وآية في الخلق بأن نزول الملائكة لاينحصر بالأنبياء والإيحاء لهم، فينزلون الى المؤمنين ولكن ليس للوحي لأنه خاص بالأنبياء، إنما ينزلون لنصرة الذين آمنوا بالوحي ليكون نزولهم تتمة للوحي وتثبيتاً له.
وتلك آية في صلة أهل السماء بأهل الأرض، بأن تأتي الملائكة بالوحي على سادة البشر، ثم تنزل لنصرة أتباعهم وأنصارهم على الكافرين وكلا النزولين بأمر من الله عز وجل، وهو من عمومات قوله تعالى [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
فجاء نزول الملائكة في معركة بدر وأحد لتثبيت دين التوحيد،وجعل الناس يصغون إلى الوحي،ويعملون بأحكامه بصد هجوم الكفار،وإرجاع كيدهم إلى نحورهم،وإلحاق الضرر بهم بالقتل والأسر،وبأموالهم بالتلف والضياع.
لقد جاء نزول الملائكة رشحة سماوية، وفيضاً على الناس للتقيد بأحكام الصلاح والتقوى، ليكون الذين نزلت لنصرتهم الملائكة نواة أمة عظيمة تعمر الأرض بإقامة الصلاة وإتيان الفرائض، وسبباً لمبادرة الناس للتوبة والإنابة، فتدرك التوبة الكثير من الكفار الذين إعتدوا على المسلمين يوم بدر وأحد، إن خروج المؤمنين إلى معركة أحد شاهد على ثبوت الإيمان في قلوبهم فجاء نزول الملائكة لإستدامة هذا الثبوت.
(وقيل: كما يستطيع الشيطان القاء الوسوسة إلى الإنسان، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهام إليه فهذا هو التثبيت في هذا الباب( ).
ولكن التثبيت في المقام أعم ومنه مشاركة الملائكة في القتال، وهذه المشاركة من مصاديق وظيفة المدد، لقد جعل الله عز وجل هذه الآية وما فيها من الإخبار عن نزول الملائكة كهفاً يأوى إليه المسلمون، وخزينة ينهلون منها سنن الإيمان، ويتعلمون من نزول الملائكة لنصرة المؤمنين الدروس ومعاني الحكمة، ليتوارثوا الإيمان، وتظهر معالم الهدى على جوارحهم وجوانحهم.
وتتجلى معاني التقوى في أقوالهم وأفعالهم، ببركة نزول الملائكة لنصرة
الأوائل منهم الذين صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق والنصرة، وكأن نصر الملائكة لهم رد وشكر على تصديقهم بالوحي الذي جاءوا به من السماء.
بحث أصولي
من خصائص الجملة الشرطية أن التالي فيها معلق على المقدم الذي يكون تقديراً وعلى فرض الإتيان به، وتكون الجملة الشرطية على وجهين:
الأول: مجئ الجملة الشرطية لبيان موضوع الحكم، فلا يمكن تحقيق التالي من دون تحقق المقدم الذي هو موضوع ومادة له، كما في قولك (إن أحرمت للحج فامتنع عن الطيب) فلا يحكم بإجتناب الطيب والعطر إلا بعد الإحرام للحج، وهذا الوجه ليس له مفهوم، فاذا إنتفى المقدم فان التالي يكون من السالبة بإنتفاء الموضوع، فلا يقال : إن تحرم للحج فلا تمتنع عن الطيب.
الثاني: تاتي الجملة الشرطية لبيان الموضوع، وليس للحكم، فلا يكون الحكم في التالي متعلقاً بالشرط على نحو الملازمة والإرتباط، بل يمكن فرض الحكم لذاته وبدون التعلق بالشرط، نحو (إن صمت رمضان فاجتنب الغيبة) فان الإمتناع عن الغيبة لاينحصر بأيام الصوم، بل هو حكم شرعي ثابت عليه الكتاب والسنة والإجماع.
وإختلف الأصوليون في هذا الوجه ودلالته على إنتفاء الحكم عند إنتفاء الشرط، فاذا لم يتحقق الشرط هل ينتفي نوع الحكم سواء الوجوب كما في الوضوء الذي ورد بصيغة الشرط بقوله تعالى [إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ] ( )، وأنه لا يجب مع عدم القيام للصلاة، أم أنه يبقى على الوجوب لذاته وما فيه من الأجر والثواب.
وجاء الشرط في هذه الآية من الوجه الأول أعلاه، وأنها لبيان الموضوع والفضل الإلهي على المسلمين، فالله عز وجل هو الرؤوف الرحيم وهو الذي ينزل الملائكة على المؤمنين بلطف وفيض منه سبحانه.
وفي الصلة بين طرفي الجملة الشرطية من الشرط والمشروط مراتب ثلاثة:
الأول: الملازمة، وإرتباط المشروط بالشرط.
الثاني: تعلق التالي على المقدم، وترتبه عليه، فلا يقع التالي إلا بعد وقوع المقدم.
الثالث: إضافة قيد السببية للمرتبتين أعلاه، بمعنى إنحصار السبب للإتيان بالتالي على المقدم، فليس من سبب آخر للإتيان بالمشروط عند إنتفاء شرطه.
لقد جاءت الآية الكريمة بصيغة الشرط والجملة الإنشائية وان نزول الملائكة فرع حكم تكليفي على المؤمنين بلزوم الصبر والتقوى كما تؤكده آيات كثيرة جاءت بالأمر بالصبر، والأمر بتقوى الله.
لقد تفضل الله عز وجل وسمى المسلمين في الآية السابقة بالمؤمنين وجاءت هذه الآية خطاباً لهم بصفة الإيمان، وجاءت الآية التالية بالإخبار عن البشارة، وبعث السكينة في قلوب المؤمنين.
إن الله عز وجل ينزل رحمته على المجاهدين الصابرين الذين يدافعون عن رسوله وكلامه قال تعالى [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ]( )، وان قاعدة إنتفاء المشروط لإنتفاء شرطه متخلفة عن علوم القرآن، فاذا كان المشروط رحمة من عند الله فانه سبحانه يرزق المسلمين بالمدد الذي يجعلهم مؤهلين لتلقي تلك الرحمة.
قانون ” مراتب صلة الملائكة بالإنسان”
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بخلقه، ومن فضل الله عز وجل على آدم أنه لم يشرك في خلقه أحداً، ولم يجعل واسطة في خلقه، إذ خلقه بيده، ثم تفضل ونفخ فيه من روحه، ليكون هذا النفخ تشريفاً إضافياً له، وآية بين الخلائق، وشاهداً على عدم تعلق التفضيل بينها بالسبق في الخلق، فجاء خلق الإنسان متأخراً زماناً على خلق الملائكة والجن، ولكنه صار بفضل الله خليفة في الأرض، وأمر الله سادة المخلوقات وهم الملائكة أن يسجدوا لآدم، لتعرف الخلائق منزلة آدم والإنسان مطلقاً عند الله عز وجل.
وتجلت هذه المنزلة بنزول الملائكة لنصرة المؤمنين يوم بدر وأحد، ومرت الصلة بين الملائكة والإنسان بمراتب متعددة وهي:
الأولى: إخبار الله عز وجل بخلق الإنسان وجعله خليفة، وما كان للملائكة أن تعلم بخلق الإنسان، وما يناله من المنزلة الرفيعة لولا إخبار الله عز وجل لها عنه، ومع أن هذا الأخبار أمر بين الله والملائكة فانه يتضمن تشريف الإنسان بأن صار موضوعاً لكلام الله عز وجل مع الملائكة في بداية خلقه، وفيه شاهد على المنزلة الرفيعة للإنسان بين الخلائق.
الثانية: جاء الإخبار الإلهي للملائكة عن خلق الإنسان مقترناً بوظيفته السامية، وأنه خليفة في الأرض، وليس في الخلائق من نال وظيفة الخليفة غيره، فالملائكة مع عظيم قدرهم وقدرتهم، وما لهم من الشأن عند الله وقربهم من العرش فانهم لم ينالوا منزلة الخليفة في السماء، كما يدل جعل آدم عليه السلام خليفة في الأرض بحجب موضوع خلافتها عنهم، وذكر من وجوه إحتجاجهم على جعل آدم خليفة في الأرض أنهم أولى بتلك الخلافة منه لما ورد في التنزيل حكاية عن لسانهم [نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ]( ).
الثالثة: تلقي الملائكة الإخبار عن تعيين وجعل آدم خليفة في الأرض بالإستفهام الذي يتضمن الإنكار، والذي يدل بالدلالة التضمنية على علم الملائكة بما سيفعله الإنسان لقوله تعالى [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
ومن مصاديق هذا الفساد الذي أخبرت عنه الملائكة هجوم الكفار على المسلمين لقتلهم والتعدي على الحرمات، ويتضمن سؤالهم هذا تطلعهم للرد من عند الله، ورغبتهم في سماع الحكمة الإلهية من جعل آدم خليفة في الأرض، ليكون هذا الرد مقدمة لسجودهم لآدم عن إقرار بعظيم منزلته، وحسن سمت الخليفة في الأرض، وعمارته لها بالعبادة والصلاح.
وجاءت هذه الآية لتوكيد أهلية المؤمنين لوراثة الأرض بتحليهم بأسمى معاني الصبر والتقوى، بالخروج إلى قتال الكفار دفاعاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومبادئ الإسلام مع أنهم قلة وضعفاء في مقابل كثرة وقوة العدو الكافر.
الرابعة: سجود الملائكة لآدم بأمر من الله عز وجل [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا]( )، لأن هذا السجود طاعة لله عز وجل ودليل على إقرار الملائكة بعظيم منزلة آدم عليه السلام بين الخلائق، ويحتمل متعلق سجود الملائكة لآدم وجوهاً:
الأول: آدم خليفة في الأرض، ومن كانت هذه مرتبته يسجد له الملائكة.
الثاني: لقد نفخ الله عز وجل في آدم من روحه، وكان هذا النفخ علة لسجود الملائكة لآدم.
الثالث: إجتماع جعل آدم خليفة والنفخ في روحه، ليكون كل فرد منهما جزء علة لسجود الملائكة له.
والصحيح هو الثالث مع الإقرار بأنه من فضل الله، ورحمة بآدم وذريته وتشريف لجنس الإنسان إلى يوم القيامة.
لقد بدأت بسجود الملائكة لأدم آية في الصلة بين الملائكة والإنسان تتجلى فيها معاني إكرام الله عز وجل للإنسان من بين الخلائق، وظهور هذا الإكرام بإجلال وتقديس أشرف الخلائق للإنسان، والذي يدل بالدلالة التضمنية على تسليم المخلوقات الأخرى بخلافته في الأرض، وعظيم شأنه عند الله عز وجل.
الخامسة: نزول الملائكة بالوحي والتنزيل على الأنبياء لترى الملائكة أن من بين الناس من يتصفون بالكمالات الإنسانية، ويسعون في منازل العبادة والتقوى والجهاد في سبيل الله عز وجل، ويكونون أئمة للناس في الهدى والتقوى.
وكل نبي من الأنبياء آية في العصمة وأسوة حسنة في سنن اليقين ولا تنحصر صبغة التقوى بالأنبياء الذين ينزل عليهم الملائكة، بل تشمل أنصارهم وأتباعهم.
السادسة: نزول الملائكة لنصرة المؤمنين، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة، وفيه دلالة على حصول التقارب والتداخل بين الملائكة والناس، إذ أن المدد والنصرة سببان لتوثيق الروابط ومعاني الود بين الطرفين، وتتغشى الصلة بينهما معاني الإيمان والطاعة لله عز وجل.
نزول الملائكة شكر للمسلمين
لقد أنعم الله عز وجل على الملائكة بالتشريف والإكرام بأن جعل سكنهم في السماء، وغذاءهم التسبيح، وليس عندهم كد أو عناء للمكاسب والرزق، ولاتجد بينهم فتنة وسبباً من أسباب الجحود، كان معهم إبليس في الجنة فجاء أمر الله عز وجل للملائكة بالسجود لآدم ليكون إبتلاءً لإبليس ومغادرة أبدية للجنة فلا يعود لها مرة أخرى، بخلاف آدم وحواء فانهما غادرا الجنة ليعودا والمؤمنون من ذريتهما إليها مع الخلود فيها، ومن غير أن تكون هناك وسوسة أو إبتلاء بالأكل من الشجرة.
لقد كان خلق آدم والأمر بالسجود له مناسبة كريمة لمعرفة الملائكة بأن إبليس ليس منها والتخلص منه وإبعاده عن الجنة وعن رحمة الله عز وجل قال تعالى [فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ]( ).
وفي السماء سعة ومندوحة للملائكة، وليس فيها من حيازة وأماكن خاصة من السماء، من قبل كبار الملائكة مثلاً على نحو التنافس والتوسعة في الملك كما هو حال أهل الدنيا، ليكون حال أهل السماء مثالاً لسكن المؤمنين في الجنة من حيث السعة وكثرة القصور والجنات، وإنتفاء الطمع والحسد والشره.
لقد إحتج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض ثم سجدوا له وسكن معهم في الجنة هو وحواء قبل أن يهبط إلى الأرض بعد أن خالف وأكل من الشجرة المنهي عنها، ليعيش الإنسان مطلقاً في إبتلاء وإمتحان مدة أيامه في الحياة الدنيا، التي تكون مزرعة للآخرة وداراً للتباين والتضاد بين الإيمان والكفر.
ويتجلى هذا التضاد بمراتب متباينة بلغت شدتها في القتال في معركة بدر وأحد ومعارك الإسلام الأولى إذ برز سيد المرسلين وخاتم النبيين ومعه جماعة المؤمنين الذين ليس غيرهم في الأرض يتصف بصفة التشريف والإكرام وهي الإيمان.
لذا جاء قوله تعالى قبل آيات [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ) لإنحصار الإيمان بهم وتوكيد حقيقة وهي بروز الإيمان كله في معركة بدر وأحد للقتال مع خاتم النبيين، لتكون الألف واللام في المؤمنين للإستغراق والجنس، وليس من نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كي تتكون أمة مؤمنة به وتتبعه وتنصره، فإنحصرت النصرة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإتمام رسالته، ونزول آيات القرآن عليه خصوصاً وانها لم تنزل دفعة واحدة، بل نزلت على نحو التدريج، وكثير من آيات القرآن نزل بها جبرئيل بلحاظ الوقائع والأحداث، وهو الأمر الذي ترشح عنه تأسيس علم أسباب النزول وما له من القواعد والسنن والضوابط.
وجاءت معركة بدر وأحد ولم ينزل إلا شطر من القرآن بعد، ويريد الله عز وجل أن ينزل القرآن كله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كل آية بزمانها ومناسبتها من الوقائع والأحداث، لذا فانه سبحانه يحفظ النبي محمداً، وينصره والمؤمنين الذين إتبعوه، لتأتي هذه الآيات شاهداً على النصر الإلهي، وتحقق نزول الملائكة لنصرتهم وهزيمة الكفار.
لقد هجم الكفار على المسلمين في الأيام الأولى للإسلام، فأنعم الله عز وجل على الملائكة بأن أذن لهم بالنزول لعصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل، وحفظ المسلمين، وتعاهد الإسلام، وفيه آية في وظائف الملائكة بأن ينزل واحد من كبار الملائكة بالوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وينزل آلاف من الملائكة لأمور تتعلق بالتنزيل من وجوه:
الأول: تثبيت آيات القرآن في صدور المسلمين، وفي المجتمعات مع مدح المسلمين وأنزل الله عليه السكينة، قال تعالى[هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا]( ).
الثاني: بيان المصداق الواقعي لآيات القرآن.
الثالث: توكيد نزول الملك بالقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات:
الأولى: إذا كان الآلاف من الملائكة ينزلون لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن باب الأولوية نزول الملك الواحد عليه.
الثانية: لم ينزل الملائكة للنصرة إلا على نبي واحد هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: يدل نزول الملائكة بالدلالة التضمنية على صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإخلاصه في وظائف النبوة، وفيه دعوة للناس للإيمان قال تعالى[قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ] ( ).
الرابع: دعوة الناس للإستماع لآيات القرآن، والتدبر في مضامينها.
الخامس: حث المسلمين على حفظ وتعاهد آيات القرآن.
السادس: يمكن الإستدلال بنزول الملائكة لنصرة المسلمين ونعتهم بالمؤمنين على تعاهدهم لآيات القرآن، وإجتنابهم لتحريفه زيادة أو نقيصة.
ومن خصائص [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] نزول الملائكة لنصرتها لأنها لم ولن تحرف القرآن، فان قالت طائفة من بني إسرائيل لماذا لم تنزل الملائكة لنصرة موسى عليه السلام ونصرتنا في تعدي فرعون علينا وحربنا مع الجبارين، بينما نزلت لنصرة المؤمنين، ففيه وجوه:
الأول: أن الله عز وجل واسع كريم [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( )، وقد أنعم الله عز وجل على بني إسرائيل بمعجزات خارقة لموسى عليه السلام، منها فلق البحر لهم للنجاة من فرعون وجنوده، ومنها عصا موسى، ومنها بعث طالوت ملكاً لقتال الجبارين [إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا]( ) ومنها ما جاء في إبتلاء آل فرعون، مثل إبتلائهم بآية القمل والضفادع.
الثاني: ان الله لا يُسئل عما يفعل، وهم يُسئلون.
الثالث: نزول الملائكة لنصرة المؤمنين رحمة بأهل الكتاب والناس جميعاً وفيه دعوة لهم لدخول الإسلام، وحرب على الكفر والشرك والضلالة.
الرابع: لقد إجتمعت عند المسلمين شرائط نصرة الملائكة لهم.
الخامس: فضّل الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، ومن وجوه تفضيله نصره بالملائكة والرعب.
السادس: أراد بنو إسرائيل معجزات حسية من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاء نزول الملائكة ليكون معجزة حسية سماوية أرضية، تبقى آثارها ومنافعها إلى يوم القيامة.
السابع: لقد أراد الملائكة أن يشكروا المسلمين على الإيمان بهم والتصديق بوجود الملائكة لأن هذا التصديق مقدمة للإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول الوحي عليه بواسطة الملائكة.
وبما أن هذا الإقرار واجب فتجب مقدمته لوجوبها بوجوب ذيها، لقد فاز المسلمون بمنازل البر والإحسان لأنفسهم والآخرين بالإيمان بالله والملائكة والأنبياء على نحو العموم المجموعي، قال تعالى [وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ]( ).
فنزل الملائكة لنصرتهم شكراً لهم، ومؤازرة لهم، ولتبقى عقيدة وسنن الإيمان في الأرض، ويصبح الكفار عاجزين عن القضاء على الإسلام، وجاء الشكر في المقام من الله عز وجل ومن ملائكته، وفيه رحمة إضافية بالمسلمين.
لقد نصر المسلمون الملائكة بالدعوة إلى الله في الأرض، وجعلوها حديقة ناضرة تزهو بذكر الله عز وجل، ومرآة لعبادة وتسبيح وحسن سمت الملائكة في السماء، فجاءت نصرة الملائكة لهم شكراً لهم على ما جعلوه من الإتحاد والتشابه في الماهية والصبغة بين السماء والأرض، والتي تتجلى بعبادة الله عز وجل، والإخلاص في طاعته، والإحتراز من إبليس وإغوائه.
خروج النبي للقتال رحمة لأهل الأرض
بعث الله عز وجل النبي محمداً بشيراً ونذيراً للناس جميعاً، وليس هناك جماعة أو أهل ملة خارجين بالتخصص أو التخصيص عن دعوته، ولزوم إتباعه ونصرته، ولكن شطراً من الناس تركوا وظيفتهم التكليفية والشرعية بلزوم التصديق بنبوته وإختاروا محاربته وقتاله.
لقد إمتنع إبليس عن السجود لآدم عليه السلام وقام بالوسوسة له لفتنته وحواء، أما قريش فقد زحفت بكامل قوتها وأعدت جيشاً كبيراً لقتال فئة صغيرة ليس من إيمان في الأرض إلا عندها، وأرادت قريش أن تمنع البركات عن الناس جميعاً، وهذه البركات على وجوه:
الأول: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: توالي نزول آيات القرآن من عند الله، فلم يستوف نزوله إلا قبيل إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى بأيام، وحفظه المؤمنون من بعده.
الثالث: خروج خيرات وكنوز الأرض، ونزول المطر، وحصول الخصب.
الرابع: إقامة المسلمين للفرائض والعبادات، وتعظيمهم لشعائر الله.
الخامس: بناء المساجد التي يذكر فيها اسم الله، ولتضئ الأرض لأهل السماء كما تضئ النجوم السماء لأهل الأرض.
السادس: منع إستحواذ الكفار ومفاهيم الضلالة على الأرض.
السابع: دخول الناس في الإسلام جماعات وأفواجاً، إذ أخذت قبائل العرب تدخل تباعاً الإسلام، وما مرت الأيام والسنين إلا وأخذت المدن والأمصار تدخل الإسلام على نحو العموم المجموعي الشامل لكل سكانها إلا القليل منهم.
الثامن: سلامة أهل الكتاب من الكفار وكيد المشركين، فقد ذكرت قصص القرآن ما لاقاه بنو إسرائيل من فرعون وغيره من الظالمين لمعرفة منافع بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاءت لسلامتهم وأمنهم، وحصانة التوراة والإنجيل من الضياع.
وهذه السلامة على وجوه:
الأول: دعوتهم للإسلام وفيه نجاتهم في النشأتين.
الثاني: تصديق القرآن للتوراة والإنجيل.
الثالث: إزاحة خطر الكفار والظالمين عنهم.
الرابع: شمولهم بأحكام العدل والإنصاف التي جاء بها الإسلام.
الخامس: دفع من بقى منهم على ملته الجزية، وفيه حفظ لهم وأنفسهم وعقائدهم وأموالهم وأعراضهم.
ويدل أخذ الجزية من أهل الكتاب بالدلالة الإلتزامية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه مبعوث من عند الله، ومن وظائف نبوته حفظ الملل السماوية من التحريف والضياع، فلم يعتمد سياسة المحو والتجاهل والحرب عليها، بل حفظها في أهلها ومناسكها، وهو من مصاديق تصديق القرآن للتوراة والإنجيل.
ويبين خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال أن لغة ومصاديق البشارة والإنذار في بعثته أعم من الوحي وما فيه من المضامين القدسية فتشمل القتال بالسيف ومجاهدة الكفار، فإن قلت إن القتال أذى وضرر وموضوع للخوف والحزن، الخوف مما يقع فيه، والحزن على ما تحصل فيه من المصائب فكيف يكون بشارة، الجواب يتضمن القتال البشارة من وجوه:
الأول: بشارة النصر على الكفار.
الثاني: نصر المؤمنين في معركة مقدمة لتحقيق الفتح والغلبة المطلقة على الكفار.
الثالث: دخول المسلمين القتال شاهد على قدرتهم على مواجهة الطواغيت وأعداء الإسلام، وفيه بشارة أهلية المسلمين للدفاع عن الإسلام ومبادئه.
الرابع: بشارة الثواب العظيم الذي يناله المؤمن بإشتراكه في القتال في سبيل الله وبقصد القربة.
الخامس: سيادة الأخلاق الحميدة والسنن الرشيدة، وإنتشارها بين الناس ببزوع شمس الإسلام، وظهور مبادئه.
السادس: مجئ آيات القرآن بالبشارة والتفضيل للمجاهدين، قال تعالى [وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا]( )، وخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين للقتال بشارة لأهل الأرض بدعوتهم للإسلام وإزاحة المانع من إنتمائهم ودخولهم الإسلام.
فقد يخشى الإنسان أقطاب الكفر أو ينصت لهم ويسمع إنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإصرارهم على الجحود فيأتي خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للقتال لكسر شوكة الكفار وفضح زيف إدعائهم وإبطال شبهاتهم، وإقامة الحجة على الناس بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يصاحب هذا الخروج من المعجزات والشواهد التي تدل على صدق نبوته.
ومنها نزول الملائكة لنصرته إذ أنها من أعظم المعجزات في تأريخ النبوة منذ أيام أبينا آدم عليه السلام، وإذ رأى آدم عليه السلام الملائكة في الجنة فان النبي محمداً ومن معه من المؤمنين رأوا الملائكة يقاتلون معهم، إذ نزلوا مدداً لهم كما جاء في الآية السابقة.
وفيه تشريف للمسلمين من وجوه:
الأول: التشرف برؤية الملائكة.
الثاني: الصلة بين المؤمنين وبين الملائكة هي النصرة في القتال.
الثالث: نزل الملائكة إلى الأرض لنصرة المؤمنين خاصة.
وفيه رحمة بأهل الأرض جميعاً لما في هذا النزول من الدفاع عن الإسلام وتعظيم شعائر الله، والحرب على الكفر والضلالة.
ويتضمن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين معاني الإنذار لأهل الأرض من وجوه:
الأول: النهي بالسيف عن الكفر والضلالة.
الثاني: مجاهدة الكفار والمشركين.
الثالث: التضحية بالنفس والمال من أجل حفظ بيضة الإسلام.
الرابع: بعث الفزع والخوف في قلوب الكفار من التعدي على المسلمين.
الخامس: الإنذار بالعذاب الأليم في نار الآخرة لمن حارب المسلمين وإعتدى عليهم.
ومعاني الإنذار هذه من الرحمة بالناس عموماً لأنها نوع زاجر لهم عن الإصرار على الكفر والبقاء على الضلالة ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وكان خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال بأمر من الله عز وجل ليكون آية عملية من الوحي، والسنة النبوية الشريفة، وفيه دليل على صدق نبوته وبذله الوسع من أجل إنقاذ الناس من الضلالة.
وفي كل مرة يخرج بها النبي للقتال مدرسة في الجهاد، ودعوة مستقلة للناس جميعاً لدخول الإسلام، وشاهد على صدق رسالته، ورحمة مستحدثة بالأجيال المتعاقبة من الناس لما فيها من المواعظ والحكمة والعزم على قهر الكفر والضلالة.
وهذه الرحمة متعددة، ففي خروجه حث للمسلمين على التقيد بسنن الجهاد في سبيل الله، وإجتناب القعود، خصوصاً وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي على المسلمين متعدد الكيفية، وقد يصبح واجباً عينياً بلحاظ الأسباب والموضوع والذات، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر]( ).
والأمر بالمعروف رحمة بالآمر والمأمور وبالسامع والوارث وغيرهما، وكذا بالنسبة للنهي، فقد فتح الله عز وجل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا الباب ليكون كنزاً وخزينة للصالحات وإصلاح النفوس والمجتمعات.
ومن أبهى وأصدق أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القتال في سبيل الله، لذا بادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لولوج هذا الباب وليكون أسوة للمسلمين في الجهاد، يقتبسون من جهاده الدروس ويستنبطون منه المسائل والأحكام لما فيه نفع العباد.
قانون” بين الهجرة وبدر”
لقد دعا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلى الإسلام وعبادة الله عز وجل وجاء بالمعجزات والآيات التي تدل على صدق نبوته، وإنجذب عدد من الناس إليه، وإتبعوه فيما جاء به من عند الله.
وواجهه قوم بخصومة وعداوة لم يواجه بها نبي من الأنبياء، وقد قُتل بعض الأنبياء من قبل قومهم وأرادت قريش وغيرها قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأصروا على الإعراض عما يدعو إليه، مع رؤيتهم لدخول الناس في الإسلام وتحملهم الأذى والتعذيب في جنب الله، إذ أن هذا الدخول والتحمل دليل على صدق النبوة، وزاجر لقريش وغيرها، وحث على الكف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإجتناب إيذائه.
ومن الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه إختار الهجرة والخروج من مكة، على محاربة قريش في بداية الدعوة، وإجتنب البقاء في مجتمع الكفار الذين يكيدون له وللمؤمنين، وأمر شطراً منهم بالهجرة إلى الحبشة، مع بعد بلاد الحبشة، والمخاطر التي تحيط بهم آنذاك، لتكون في هجرتهم سلامتهم، وليكونوا مبشرين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو مركب ومتعدد من وجوه:
الأول: يقوم المهاجرون بنقل أخبار نبوته إلى أهل الحبشة.
الثاني: يأتون من الحبشة بالروايات التي جاءت بنبوته في التوراة والإنجيل لأن الحبشة آنذاك يحكمها النجاشي وهو من النصارى.
الثالث: يزداد المهاجرون إيماناً لسماعهم أخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الكتاب.
الرابع: فضح الذين قاموا بإنكار نبوته من اليهود الذين كانوا في المدينة، إذ كانت قريش تأتي تسألهم عن نبوته وعلاماته فينكرونها، وروي ان المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه، فقالت لهم اليهود: أنتم أفضل( ).
الخامس: سلامة المهاجرين إلى الحبشة من أذى وبطش قريش.
السادس: البشارة بوصول الإسلام الى الحبشة لأن المهاجرين الأوائل نواة تأسيس الدولة الإسلامية فيها.
السابع: ترغيب المسلمين الأوائل الآخرين بالهجرة إلى الأمصار والأماكن الأخرى، لذا جاءت الهجرة إلى يثرب، إذ سبق أغلب المؤمنين الذين كانوا في مكة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته إلى يثرب، وتركوا خلفهم الأموال والدور والأزواج طاعة لله ولرسوله، ونجاة بأنفسهم ودينهم من ظلم الكفار.
لقد كانت هذه الهجرة إنذاراً لقريش ودعوة لها للكف عن المسلمين، وإجتناب إيذائهم في مكة خصوصاً وانهم كانوا مسالمين لم تصدر منهم أي أعمال عدوانية، ولايؤدي ما يفعلونه من وجوه العبادة والمناسك النفرة في النفوس إذ كانوا يؤدون الصلاة في المسجد الحرام، ويستمعون إلى آيات القرآن والسور القصار التي نزلت في مكة والتي كانت تتضمن الإنذار والوعيد والتخويف من أهوال يوم القيامة، (عن إسماعيل بن أياس بن عفيف الكندي عن أبيه عن جده عفيف قال كان العباس بن عبد المطلب لي صديقا وكان يختلف إلى اليمن يشترى العطر فيبيعه أيام الموسم فبينا أنا عند العباس بن عبد المطلب بمنى فاتاه رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي.
فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلى ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلى فقلت ويحك يا عباس ما هذا قال هذا ابن أخى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أن الله بعثه رسولاً وهذا ابن أخى علي بن أبى طالب قد تابعه على دينه وهذه إمرأته خديجة إبنة خويلد قد تابعته على دينه.
قال عفيف بعد ما أسلم ورسخ الاسلام في قلبه : يا ليتنى كنت رابعا( ).
لم يكن أحد يظن أن أداء الصلاة في المسجد الحرام تسبب العداوة وحب الإنتقام والبطش بمن يؤديها، ولكن قريش في زهوها وغرورها أخذت تعتدي على النبي حتى وهو يؤدي الصلاة.
روى عن عبد الله بن مسعود انه قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قائماً يصلي بمكة واناس من قريش في حلقة، فيهم ابو جهل بن هشام، فقال: ما يمنع احدكم ان يأتي الجزور التي نحرها آل فلان فيأخذ سلاها ثم يأتي به حتى اذا سجد وضعه على ظهره، قال عبد الله: فانبعث اشقى القوم وانا انظر اليه فجاء به حتى وضعه على ظهره، قال عبد الله: فلو كانت يومئذ منعة لمنعته.
وجاءت فاطمة عليها السلام اليه وهي يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر ابيها ثم جاءت حتى قامت على رؤوسهم فاوسعتهم شتماً، قال: فوالله لقد رأيت بعضهم يضحك حتى انه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك، فلما سلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقبل على القوم فقال: اللهم عليك بفلان وفلان، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا عليهم اسقط في ايديهم، فوالله الذي لا اله غيره ما سمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ احداً الا وقد رأيته يوم بدر، وقد اخذ برجله يجر الى القليب مقتولاً( ).
لقد أراد كفار قريش منع الناس من دخول الإسلام، وإظهر كبراؤهم التجرأ على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن المعجزات كانت تترى على يديه ليبقى باب الإنتماء للإسلام مفتوحاً، فلم يدخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع قريش في حرب وقتال، والإسلام لايزال في بداياته، بل قام بالهجرة التي لم تأت عن إختيار وتدبر في الأمور، بل جاءت بأمر ووحي من عند الله، ومن أشق الأمور على الإنسان في كل زمان إختيار الهجرة خصوصاً إذا كان الأمر لا ينحصر بالقضية الشخصية بل يشمل الأتباع والأنصار والأعوان.
وفي أحوال قاسية كتلك التي كانت أيام البعثة، ومن آيات النبوة مصاحبة التخفيف وأسباب الهداية للنبي وأصحابه، فما أن يغلق الناس عنهم باباً حتى يفتح الله لهم ألف باب، ويأتيهم الفرج عن كسب ومن غير كسب، ومنه آيات هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى مدينة يثرب.
إذ تهيأت أسباب النصرة والإيواء في مدينة يثرب بعد بيعة العقبة وإيمان عدد من أهل يثرب بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لينال الذين آمنوا في مكة، والذين آمنوا من أهل يثرب شرفاً لم ينله غيرهم من أهل الأرض بتسميتهم (المهاجرين والأنصار).
ومن الآيات أن هذه التسمية لم تقتبس من الأخبار وأقوال الناس، بل جاءت بالتنزيل والكتاب الباقي إلى يوم القيامة مع بيان ما كانوا يلاقونه من الأذى، قال تعالى [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة]( )، والمراد من ساعة العسرة هي حال المسلمين في كتيبة تبوك وهي آخر كتائب النبي.
إذ كان المسلمون في شدة وضيق يعتقب العشرة على بعير واحد، وأكلوا التمر المدود، والشعير المسوس، وإقتسم التمرة إثنان وكانوا في حر وشدة القيظ وضيق شديد، لينالوا الأجر العظيم والمغفرة من عند الله.
وتدل الآية أعلاه على أن تسمية المهاجرين والأنصار ظلت ملازمة لهم حتى بعد فتح مكة وكثرة المسلمين، تشريفاً وإكراماً وتوسعة في التسمية ومصاديقها وشمولها للذين دخلوا الإسلام من أهل المدينة، ومن هاجر إليها، وفيه دعوة للصحابة والتابعين بعدم الجزع عند التعرض للعسرة والشدة في حال الدفاع والقتال مع الكفار، ولزوم الصبر والتقوى وإجتناب الزيغ والفشل والوهن.
وفيه ندب للناس لموافقة المهاجرين والأنصار، والإنتظام في جملتهم وتتجلى في صبر وتحمل المسلمين لما لاقوه في تبوك إفاضات نزول الملائكة لنصرتهم في بدر وأحد، إذ تؤكد واقعة تبوك نجاة وتخلص المسلمين من حال الذلة التي دخلوا بها معركة بدر، قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
لقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأوائل الذين صدقوا بنبوته في أيام الإسلام الأولى في مكة إلى يثرب ليقوم الأنصار بإيوائهم،ويشترك ويتحد الجميع في عبادة الله،والتفاني في طاعته وطاعة رسوله.
لقد كانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب إجتناباً للقتال مع قريش ولكنهم قصدوه إلى يثرب، ومع هذا قام بإنذارهم ودعاهم إلى الرجوع الى مكة وترك القتال، قبل بدء المعركة، وفيه حجة عليهم، وشاهد تأريخي بأن الإسلام ليس دين قتال وحرب.
ولكن الكفار هم الذين يغزون المسلمين في عقر دارهم، مما يجعل المسلمين يدافعون عن أنفسهم بصيغ متعددة منها إستباق العدو بالهجوم عليه وجذبه للإسلام، ليكون هذا الهجوم رحمة بالمسلمين والعدو نفسه وذراريه التي تدخل الإسلام وتكون عوناً للمسلمين في طاعة الله، وعمارة الأرض بالعبادة.
قانون “علوم مستحدثة في السنة النبوية”
لقد كانت معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، وهو كلام الله عز وجل الذي تلقاه النبي بالوحي بواسطة جبرئيل الملك، ليصبح الإسلام أعظم الأديان، والشريعة الباقية في الأرض إلى يوم القيامة، ويكون القرآن الآية العظمى، والحجة على أهل الدنيا لما فيه من الأوامر والنواهي، والقصص والمواعظ والعبر، وأمهات العلوم، وكيفية الحكم بين الناس.
فمن الآيات في خلق الإنسان أن ينزل كلام من عند الله ويتلوه النبي على الناس فيتلقونه بالتصديق والقبول والإيمان، ويجحد به شطر من الناس، وتقع المعارك والحروب بين الفريقين، ليثبت القرآن في الأرض بالسيف وجهاد المؤمنين، وتلك آية في تفضيل المسلمين وكونهم [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
إذ بذل المسلمون الأنفس والأموال، وخاضوا المعارك والحروب لبقاء كلمة التوحيد في الأرض، وتعاهد كلام الله عز وجل، ولاينحصر هذا التعاهد بالقتال ودخول المعارك، بل يشمل تلاوة القرآن في الصلاة اليومية، وهو واجب عيني على كل مكلف ذكراً كان أو أنثى، بالإضافة إلى التلاوة المستحبة، والتفقه في الدين، ودراسة علوم التفسير والتأويل، واللجوء إلى القرآن في الأحكام والمعاملات.
لقد أخطأ الكفار بظنهم أنهم يقضون على الإسلام بالسيف والهجوم على المسلمين فقد أراد الله عز وجل لشريعة الإسلام البقاء إلى يوم القيامة لأنها خير محض، ورحمة بأهل الأرض، ألا ترى أن الذين أسلموا من الكفار لم يرتدوا، بل أصبح عدد منهم قادة لجيوش المسلمين في المعارك، وأصبح أبناؤهم وغلمانهم فقهاء يرجع إليهم الناس.
لقد كان القرآن كلام الله عز وجل، وجاءت السنة النبوية الشريفة بياناً وتفسيراً للقرآن، وعلى أقسام وهي:
الأول: السنة القولية: التي تعني ما يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص الأحكام والوقائع والمواعظ وغيرها.
الثاني: السنة الفعلية: وهي أفعال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان يقوم به.
الثالث: السنة التقريرية: وهي إقرار النبي لفعل الصحابة ورضاه به.
الرابع: السنة التدوينية: وهذا القسم أضفناه لأقسام السنة، ويتضمن ما كتبه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الرسائل والأوامر والأجوبة ونحوها.
ويمكن أن نؤسس في المقام علوماً مستقلة في السنة، وليس قسيماً لوجوه السنة أعلاه، بل هي فرع منها جميعاً إذ أن كل فرع منها يتضمن مصاديق من قول وفعل وتقرير وكتابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنها خاصة بمواضيع وأحكام خاصة من السنة النبوية منها:
الأول: السنة النبوية في أحكام الصلاة.
الثاني: السنة في باب الزكاة.
الثالث: السنة النبوية في أحكام الصيام ورؤية الهلال.
الرابع: السنة النبوية في النوافل كصلاة الليل والصيام المستحب قال تعالى [وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ]( ).
الخامس: السنة في التفسير، وما يرد من تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن.
السادس: السنة النبوية في الطب وعلوم الدواء.
السابع: السنة في باب الزراعة والتجارة.
الثامن: السنة النبوية في الدعاء والمسألة إلى الله عز وجل.
التاسع: السنة النبوية في باب التجارة والإقتصاد.
العاشر: السنة النبوية في المغيبات.
الحادي عشر: سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أزواجه.
الثاني عشر: السنة النبوية مع أهل البيت.
الثالث عشر: السنة النبوية في الصبر وتحمل الأذى.
الرابع عشر: السنة النبوية مع الصحابة.
الخامس عشر: السنة القتالية، وما يرد من قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميادين الحرب وشؤون القتال، ومنها ما تتضمنه هذه الآية من الإخبار عن البشارة للمؤمنين [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا].
السادس عشر: السنة النبوية في الصلح والعهود والمواثيق.
السابع عشر: السنة النبوية في باب القروض والديون.
الثامن عشر: السنة النبوية في العفو، ومنه قبول العذر [وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ]( ).
التاسع عشر: السنة النبوية في الهجرة سواء هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف أو يثرب وطلب الكفار له، ودخوله الغار أو أمره لأصحابه بالهجرة.
العشرون: السنة النبوية في الحج وأحكامه ومناسكه.
الحادي والعشرون:السنة النبوية في السفر.
الثاني والعشرون: علم الأخلاق في السنة النبوية.
الثالث والعشرون: السنة القولية والفعلية في إفشاء السلام وعيادة المرضى.
الرابع والعشرون: السنة النبوية في الوضوء والأذان والإقامة.
الخامس والعشرون: السنة النبوية في الإمامة والرياسة العامة لأمور الدين والدنيا.
السادس والعشرون: السنة النبوية في باب الصلح وفك الخصومات، ودرء النزاعات.
السابع والعشرون: السنة النبوية بخصوص المرأة وإكرامها.
الثامن والعشرون: السنة النبوية في باب النكاح وعقود الزواج والطلاق.
التاسع والعشرون: السنة النبوية في باب تربية وأحكام الأولاد ومنها ما يتعلق بالرضاعة والحضانة.
الثلاثون:السنة النبوية في باب الأسماء، وكيفية إختيارها.
الحادي والثلاثون: ما ورد عن النبي محمدصلى الله عليه وآله وسلم في قصص الأنبياء والمواعظ.
الثاني والثلاثون: السنة النبوية في الرزق والمكاسب.
الثالث والثلاثون: السنة النبوية في الجهاد والرباط ومنه بعث السرايا.
الرابع والثلاثون: السيرة النبوية في ميدان المعركة.
الخامس والثلاثون: السنة النبوية في صلة الرحم وذوي القربى.
السادس والثلاثون: السنة القولية والفعلية في علم الكلام.
السابع والثلاثون: السنة النبوية في إعجاز القرآن.
الثامن والثلاثون: السنة النبوية في أحكام النساء، من الحيض والإستحاضة والنفاس.
التاسع والثلاثون: السنة النبوية في الشفاعة والإجارة في الدنيا، وقبوله لها، كما في قبوله لشفاعة عبد الله بن أبي سلول في بني قينقاع مع أنه رأس النفاق، وقد تقدم ذكر موضوعها في الجزء قبل السابق في تفسير قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] ( ). وما ورد من أخبار السنة في أمور الآخرة، وتفضل الله عز وجل بإلإذن بها حيث يشاء.
الأربعون: السنة النبوية بخصوص الأنعام والبهائم.
الحادي والأربعون: السنة النبوية في باب الشعر والشعراء.
الثاني والأربعون: السنة النبوية في باب الإغاثة والإستعانة والنجدة ونحوها.
الثالث والأربعون:السنة النبوية في أحكام الصدق والكذب في عالم الأخبار.
الرابع والأربعون: السنة النبوية في باب القضاء.
الخامس والأربعون:السنة النبوية في باب الشهود وعدالتهم، وسماع أقوالهم.
السادس والأربعون: السنة النبوية في باب الأوامر والنواهي.
السابع والأربعون:السنة النبوية في باب العلم والتعلم.
الثامن والأربعون: السنة النبوية بما يتعلق بعالم الحيوان والحشرات.
التاسع والأربعون: السنة النبوية في ذم الفاسقين والظالمين.
الخمسون: السنة النبوية في الصدقات المستحبة.
الحادي والخمسون: السنة النبوية في الضيافة والكرم وذم البخل والشح.
الثاني والخمسون: السنة النبوية بخصوص لشهداء.
الثالث والخمسون: السنة النبوية في الإستعداد للمون وساعة الأحتضار وعالم القبور.
الرابع والخمسون: السنة النبوية بخصوص قصص الأنبياء.
الخامس والخمسون: السيرة النبوية مع اليهود.
السادس والخمسون: السنة النبوية مع النصارى.
السابع والخمسون: السنة النبوية بخصوص المسجد الحرام والمسجد النبوي والمساجد مطلقاً.
الثامن والخمسون: السنة النبوية في الدفاع والإستعداد له، ومنه قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( )،
التاسع والخمسون:السنة النبوية في الملائكة ومنه الأحاديث الواردة بخصوص الملائكة ونزولهاالى الأرض لنصرة المؤمنين كما في الآية محل البحث.
الستون: السنة النبوية: في الأنفال وكيفية توزيعها قال تعالى [قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ]( ).
الحادي والستون: السنة النبوية في الميزان والمكيال وأحكام البيع والشراء.
الثاني والستون: السنة النبوية في محاربة الشيطان ووسوسته وقهر النفس الشهوية والغضبية.
الثالث والستون: السنة النبوية في باب الوصايا والضمان والوكالة.
الرابع والستون:السنة النبوية في التقوى والصلاح.
الخامس والستون: السنة النبوية في العبيد والموالي وصيغ العفو والعتق.
السادس والستون: البشارات والإنذارات في السنة النبوية.
السابع والستون: آفاق وآيات السموات والأرض في السنة النبوية.
الثامن والستون: الأمصار والبلدان والجغرافية في السنة النبوية.
التاسع والستون: الإعجاز والمعجزات في السنة النبوية.
السبعون:حق الجوار في السنة النبوية.
الحادي والسبعون: السنة النبوية في الثناء على الإيمان، وذم الكفر.
الثاني والستون: الجن في السنة النبوية.
الثالث والستون: الأطعمة والشبع والجوع في السنة النبوية.
الرابع والستون: الأخلاق الحميدة في السنة النبوية.
الخامس والسبعون: السنة النبوية في ذم الأفعال والأخلاق القبيحة والمكروهات كالسرقة وشرب الخمر والكذب والخيانة والغيبة والنميمة.
السادس والسبعون: السنة النبوية في باب إقامة الحدود والتعزيرات كحد القتل العمدي والزنا والسرقة والإفتراء.
السابع والسبعون: السنة النبوية في العمارة والمساكن والبناء.
الثامن والسبعون: السنة النبوية بخصوص أداء السرايا والولاة والقضاة.
التاسع والسبعون: السنة النبوية في السائل والمسكين واليتيم والأسير قال تعالى[إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ] ( ).
الثمانون: السنة النبوية في علوم وإعجاز القرآن.
الحادي والثمانون: السنة النبوية في الهدايا والإعارة.
قانون ” السنة النبوية”
قد تقدم ذكر السنة القتالية في القانون السابق كأحد مصاديق السنة، وتشمل السنة القولية والفعلية والتقريرية في موارد القتال والإستعداد له وإدارة شؤون المعركة، والأوامر الصادرة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه أثناء المعركة، وإجازاته للصبيان الذين أدركوا سن البلوغ للخروج إلى المعارك الدفاعية.
لقد كانت قيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمعركة ومتابعة أحوال المجاهدين آية في العالمين، لما فيها من أسرار الوحي، وخزائن التنزيل وما تتضمنه أوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة من علوم الغيب، وانحصارها بحال الدفاع , وليس الغزو , وهي مدرسة للأمراء وقواد الجيوش، والرؤساء والملوك من المسلمين.
ودعوة عملية لهم للإنتفاع الأمثل من السنة النبوية ليكون هذا الإنتفاع من بركات خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال على المسلمين عموماً، والمجاهدين منهم وأمرائهم على نحو الخصوص.
ومن الآيات في السنة النبوية القتالية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج للقتال إلا بأمر من الله عز وجل، ولم يفعل فعلاً أو ينطق بقول في المعركة إلا بأمر وإذن من الله عز وجل.
بحث بلاغي
تأتي (إن) بالكسر والتخفيف على وجوه منها:
الأول: تكون أداة شرط، كما في قوله تعالى [إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ]( )، وهل في الصبر والتقوى قرض لله عز وجل الجواب نعم، فمن الآيات أن يكون التقيد في شرط في موضوع معين إمتثالاً وإستجابة لشرط في موضوع آخر فيه الأجر والثواب العظيم، وتقدير الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث: إن تصبروا وتتقوا فقد أقرضتم الله قرضاً حسناً ).
الثاني: تأتي (إن) نافية، وتدخل على الجملة الأسمية والفعلية، قال تعالى [إِنْ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ]( )، وليس من غرور أقبح من فعل قريش بزحفها على المدينة المنورة، وإجتمعت الشرطية والنافية في قوله تعالى [وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ]( ).
وجاءت الآية محل البحث بصيغة الشرط، ولكنها تدل في مفهومها على نفي وجود الفشل والجبن، والشك والريب عند المسلمين، وهذا من إعجاز القرآن أن يأتي اللفظ بصيغة ولكنه يتضمن دلالات ومعاني عديدة بالذات والأثر.
الثالث: التعليل كما قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) وتكون مثل (إذا) في المعنى على قول الكوفيين.
الرابع: تأتي مخففة من (انّ) الثقيلة، وتدخل على الجملة الإسمية والفعلية، كما في قوله تعالى [وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ]( )، وجاءت (إن) في الآية محل البحث لإفادة الشرط الذي هو نفع محض للمؤمنين وإصلاح لهم ساعة المعركة وما بعدها.
لقد أراد الله عز وجل بلغة الشرط في الآية تأديب المسلمين، وإرشادهم إلى سبل نيل المدد الإلهي والتي تتجلى بتحمل المشاق في مرضاة الله، وطاعة الله ورسوله والخشية من الله.

قانون “الجمع بين الصبر والتقوى”
إبتدأت الآية الكريمة بلغة الشرط الموجهة إلى المؤمنين الذين إشتركوا في القتال يوم أحد، وواجهوا أقوى وأشرس قوة تريد القضاء على الإسلام، فصحيح أن أعداء الإسلام في كل زمان كثيرون، وأن وسائل العداوة وصيغ القتال وأسلحة الحرب تزداد فتكاً مع تقدم الأيام.
إلا أن معركة بدر وأحد كانت أشد المعارك خطراً على الإسلام، وتلك آية إعجازية في أسرار خلق الإنسان، وسبل حفظ مبادئ التوحيد بين الناس بفضل ومدد وعون من عند الله عز وجل، فلا أحد يظن أن هجوماً بالسيف على المسلمين أشد خطراً من الهجوم عليهم بالطائرات ووسائل الحرب الحديثة، أو قل أن الهجوم بالأسلحة الفتاكة الحديثة أقل ضرراً وخطراً على الإسلام والمسلمين من معركة بدر وأحد.
فانهم يخرجون من معارك هذا الزمان والأزمنة اللاحقة منتصرين أو غير مهزومين من باب الأولوية القطعية بالإضافة الى مسألة وهي أن الإسلام كان محصوراً في بلدة واحدة هي المدينة المنورة أما في هذا الزمان فان المسلمين ينتشرون في أرجاء المعمورة.
لقد نزل الملائكة لنصرة المسلمين في معركة بدر وأحد لتكون نصرتهم هذه نصرة لعموم المسلمين في كل زمان ومكان بلحاظ موضوعية نزولهم ونصرتهم في بقاء وتوارث مبادئ القرآن، وأخذ كل جيل من المسلمين لمبادئه من الجيل الذي سبقه.
ولاغرابة أن يرد شرط الصبر والتقوى لنصرة الملائكة لتكون لهما موضوعية أيضاً في عمل وسجايا المسلمين في كل زمان بإعتبارهم ورثة الأنبياء، وحفظة ملة التوحيد في الأرض.
وفي الآية دلالة على ان الصبر والتقوى لم يطلبا بذاتهما، بل هما وسيلة ومقدمة لمجئ المدد الملكوتي، وبلغة لتحقيق الأمن والسعادة في النشأتين، ليكون شرط الصبر والتقوى في هذه الآية رحمة بالمسلمين جميعاً، وسبيل هداية ورشاد، وبرزخاً دون التخلف عن أداء الوظائف الشرعية، وحرزاً من فعل السيئات والمعاصي.
ويحتمل الشرط في الآية وجوهاً:
الأول: لزوم إجتماع الصبر والتقوى عند المسلمين.
الثاني: كفاية أحدهما في تحقيق المشروط وهو نزول الملائكة بلحاظ أن الواو تفيد التخيير والترديد.
الثالث: التقيد بأحكام أحدهما على نحو الموجبة الكلية وكفاية التقيد بالآخر على نحو الموجبة الجزئية.
والصحيح هو الأول، لإفادة الواو في قوله تعالى [وَتَتَّقُوا] الجمع، والشرط الوارد في الآية متعدد وإنحلالي في مصاديقه، ويتألف من قسمين فلا يحزي أحدهما فلابد من إتباعهما معاً.
بالإضافة إلى حقيقة وهي أن آيات القرآن جاءت بالأمر بالصبر والأمر بالتقوى لعموم المسلمين، وعلى نحو الإطلاق أي من غير تقييد بغاية مشروطة كنزول الملائكة للنصرة، وهذا الأمر شاهد على حاجة المسلمين لكل من الصبر والتقوى وفي جميع أحوالهم، فلا يستطيع المسلمون الإستغناء عن أحدهما، ولا تتقوم العبادة إلا بهما، وهي واجب على كل إنسان وليس المسلمين وحدهم.
فجاء نزول الملائكة لنصرة المسلمين شاهداً على عظيم منزلتهم عند الله بتحليهم بالصبر والتقوى، وإرتقائهم في سلم المعارف الإلهية، وهذا الشرط وان توجه للمؤمنين إلا أنه شرط على الناس جميعاً في دخولهم للإسلام، فمن يرغب في دخول الإسلام فلابد أن يتحلى بالصبر والتقوى لوجوه:
الأول: ليكون أهلاً لتلقي المدد السماوي.
الثاني: إستمرار إتصاف المسلمين بالصبر والتقوى.
لقد بدأ الإسلام في الجزيرة العربية، وأهلها من العرب، ليمتد ويتسع في أمصار المشرق والمغرب، ليكون المسلمون من أمم متباينة تجمع بينهم أخوة الإيمان، ومفاهيم الصبر والتقوى فالأمر مختلف.
فلا ينحصر التقيد بأحكام الصبر والتقوى بالمسلمين الأوائل من المهاجرين والأنصار، أو خصوص المؤمنين الذين إشتركوا في معركة بدر وأحد بل هو أمر ملازم لكل المسلمين إلى يوم القيامة سواء الذين أنعم الله عز وجل عليهم بوراثة الإسلام تركة كريمة عن آبائهم، أو الذين هداهم الله عز وجل لدخوله، وبذا يمتاز الإسلام عن غيره من الأديان بأنه عقيدة ومبادئ وأحكام تتغشى عموم المسلمين.
وهو من صفات [ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ] ( )، فليس لأحد من المسلمين أن يتخلف عن وظيفته الإيمانية وهي التحلي بالصبر والتقوى، فكل فرد منهما شرط الإيمان والسلامة من الآفات التي تأتي على الملة والأفراد.
لقد جاء نزول الملائكة في بدر وأحد وحنين لتثبيت أقدام المؤمنين، وترسيخ عقيدة التوحيد في الأرض، وحفظ القرآن من الضياع والتحريف، وأراد الله عز وجل أن تبقى إفاضات وآثار نزول الملائكة متصلة ومستمرة إلى يوم القيامة بأفعال المسلمين وحسن سمتهم، وتلك آية من عند الله في الصلة بين أهل السماء والأرض.
فتنزل الملائكة مرة واحدة لتتغشى منافع نزولها المسلمين إلى يوم القيامة، وتظهر بركات هذا النزول في أفعال وأقوال المسلمين، والتي تترك آثارها على الناس جميعاً، وتكون هذه الأفعال والأقوال دعوة متجددة للناس لدخول الإسلام، وإجتناب محاربته، فمن بركات ومنافع نزول الملائكة لنصرة المسلمين صيرورة الذين يحاربونهم ويعادون الإسلام إلى أقسام:
الأول: فريق يدخل الإسلام.
الثاني: أمة تجتنب محاربة المسلمين، وتمتنع من التعدي على حرمات المسلمين.
الثالث: فريق يصر على العناد والجحود، فلا يجد له ناصراً.
كما يظهر في قريش فقد كانت تستنصر وتألب القبائل ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الأيام الأولى للإسلام، ولكنها عجزت عن جذب القبائل إلى جانبها فيما بعد لتعدد وكثرة معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإطلاع القبائل عليها مع تعاقب الأيام، وثبات المؤمنين في منازل الإيمان.
ومجئ الملائكة لنصرتهم وإعانتهم، فاذ سارت قريش بآلاف الرجال في بدر وأحد والخندق، والمسلمون أذلة فان المسلمين هاجموا قريشاً في قعر دارها في السنة الثامنة للهجرة، وفتحوا مكة من غير مقاومة قليلة أو كثيرة من أهل مكة، ولم يطلبوا الهدنة أو الصلح، بل سارعوا لطلب الأمان من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لأن المسلمين إتخذوا الصبر والتقوى جناحين في الزحف والهجوم على الأعداء، وأصبح كل واحد منهم يلبس درعين في المعركة توقياً من العدو، إذ أن الصبر والتقوى درع في الهجوم على الأعداء، وفيه درس دائم ومتجدد للمسلمين بالإنقطاع إلى عبادة الله، وإصلاح النفوس والمجتمعات.
قانون “مدد الملائكة توليدي”
نزل الملائكة لنصرة المسلمين في معارك الإسلام الأولى ضد الكفر والكافرين، إذ كان المسلمون قلة وأذلة ومحتاجين للمدد من غيرهم، وليس من أمة تنصرهم وتمدهم بالرجال والسلاح، فأقرب الناس إلى المسلمين يهود المدينة، وهم أهل كتاب كان بعضهم يحرض الكفار ضد المسلمين، وينكرون صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في التوراة، وعندما ظهر شأن المسلمين وصبروا في مواجهة الكفر جاء وفد نصارى نجران الى المدينة المنورة وطلبوا الصلح، وكان من مسائله أن صالح أسقف نجران ومن معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ان يدفعوا له الفي حلة من حلل الأوافي، مع عارية تتكون من ثلاثة وجوه:
الأول: ثلاثون درعاً.
الثاني: ثلاثون جملاً.
الثالث: ثلاثون فرساً.
وقيدت هذه العارية التي تدفع للمسلمين بأمرين:
الأول: حصول كيد ضد الإسلام باليمن.
الثاني: ضمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها حتى يؤديها.
وكتب لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصلح ومضامينه وشروطه كتاباً، وهذا الكتاب من السنة التدوينية، ويدل على قرب نصارى نجران من المسلمين ضد الكفار والمشركين في اليمن.
لقد رجع المسلمون إلى المدينة من معركة بدر وأحد منتصرين، وتمشي معهم منافع وآثار المدد من الملائكة لتبقي عوناً لهم في حلهم وترحالهم، وكأن الملائكة حاضرون في المدينة يذبون عن المسلمين، ويزجرون الكفار عن الوصول إليهم، وتلك آية في الفضل الإلهي، فمن قوانين النعمة الإلهية أنها لا تغادر الأرض، وكذا نعمة نزول الملائكة.
فقد عرج الملائكة إلى السماء بعد إنتهاء المعركة، ولكن نعمة نزولهم باقية في الأرض إلى يوم القيامة وبوظيفة محصورة هي نصرة المسلمين، فكل مسلم يشكر الله عز وجل على نعمة نزول الملائكة، وينتفع من نزولها وان كان زمانها قد إنقضى.
وتأتي تلاوة هذه الآية الكريمة لتكون شكراً من المسلمين لله عز وجل على نعمة نزول الملائكة، وتخويفاً وتحذيراً للكفار من التعدي على حرمات المسلمين.
لقد أراد الله عز وجل لنعمة نزول الملائكة أن تفيض بالبركات على المسلمين والمسلمات في أمور حياتهم المختلفة، وجاءت هذه الآية ليتلوها المسلمون فتتجدد تلك البركات لما في التلاوة من المنافع العظيمة منها:
الأول: تلاوة المسلم للآية إقرار بصدق نزول الملائكة.
الثاني: بيان الآية لموضوع نزول الملائكة وهو نصرة المؤمنين.
الثالث: تقييد الآية لنصرة الملائكة بالصبر والتقوى، وفيه حجة للمسلمين إلى يوم القيامة وأنهم نالوا مرتبة نصرة الملائكة بما يلقونه من الدرجة العظيمة والأهلية لنزولها من بين أهل التوحيد في الأرض.
الرابع: في الآية دعوة للذين يتلون ويسمعون هذه الآية للإرتقاء إلى مراتب الصبر والتقوى التي كان عليها المسلمون الأوائل.
الخامس: يدرك المسلم بأنه مع التحلي بالشرائط الواردة في الآية فانه يجد النصرة والمدد الإلهي، خصوصاً وأن الآية تخبر بأن المدد والنصرة من عند الله، وليس من الملائكة بالذات، فالله عز وجل هو الذي أمر الملائكة بنصرة المؤمنين.
وخزائن النصرة والمدد الإلهي مفتوحة وغير منقطعة إلى يوم القيامة، ولا تنحصر بميادين القتال، بل تشمل أمور الحياة كلها الشخصية والعامة فقد يحتاج المسلم النصرة الخاصة في حوائجه الدنيوية، ودفع الإبتلاء والشدة، فيتلو هذه الآية ويسأل الله عز وجل النصرة والمدد، لأن الآية تؤكد أموراً :
الأول: قرب رحمة الله من المؤمنين.
الثاني: ليس ثمة مسافة بين السماء والأرض في موضوع النصرة.
الثالث: فزع ونجدة أهل السماء لنصرة المؤمنين من أهل الأرض عند تعرضهم لمحنة وشدة.
الرابع: إدراك المسلمين للحاجة للتقيد بآداب الصبر وسنن التقوى لأنهما طريق لنيل النصرة الإلهية.
الخامس: ليس للكفار من مدد ونصرة.
السادس: شعور المسلم بالعز لأنه ينال المدد من الله عز وجل.
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( )، إذ تساهم الملائكة في تثبيت عزة الرسول والمؤمنين، فمن الآيات في التفسير الذاتي للقرآن أن هذه الآيات سمّت المسلمين الذين إشتركوا في معركة بدر وأحد بالمؤمنين، وأخبرت الآية أعلاه عن نيل المؤمنين العزة على نحو الخصوص من بين الناس.
ويحتمل نزول الملائكة مدداًَ في بدر وأحد من حيث الإتحاد والتعدد وجوهاً:
الأول: إنحصار المدد السماوي للمؤمنين بما ورد في هذه الآيات وبخصوص معارك الإسلام.
الثاني: يتجدد المدد السماوي عند حصول ذات الأسباب التي نزل الملائكة فيها لنصرة المؤمنين من مجئ الكفار لقتال المسلمين.
الثالث: ضروة الصبر والتقوى كشرطين لنزول الملائكة والمدد السماوي.
الرابع: يأتي المدد الإلهي فضلاً من عند الله بغض النظر عن إجتماع الشرائط والأسباب.
الخامس: جاءت هذه الآيات لفتح باب الدعاء للمؤمنين بسؤال نزول المدد السماوي وطرد الظن بإستحالته، ونفي اليأس من مجيئه.
السادس: جاءت الأخبار عن نزول الملائكة لنصرة المؤمنين في معركة بدر وأحد من باب المثال وليس الحصر والتعيين.
والصحيح هو الثاني والرابع والخامس والسادس أعلاه، فقد جعل الله عز وجل نزول الملائكة رحمة متصلة ودائمة، والنسبة بين المدد السماوي ونزول الملائكة عموم وخصوص مطلق، فكل نزول للملائكة هو مدد سماوي وليس العكس، وهو من سعة فضل الله ورحمته بالمؤمنين في أفراد الزمان الطولية ليكونوا في حرز وواقية من الضرر والكيد.
لقد جاء قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( )، مطلقاً وشاملاً للمؤمنين في جميع أحوالهم، ومن وجوه دفع الضرر المدد الملكوتي النازل من عند الله عز وجل.
ومن المدد مثلاً نزول المطر يوم بدر على نحو متباين مع إتحاد المكان، بأن نزل على المسلمين تماسكت به أرضهم وزال عنهم به العطش، وإغتسلوا من الجنابة والحدث، لأن المؤمن يكون أكثر همة ونشاطاً إذا إغتسل من النجاسة وتنزه من الأقذار.
ونزل على الكفار مطر قلّل من حركتهم وبعث الإرباك والشؤم في صفوفهم.
لقد أراد الله عز وجل لهذه الآية أن تكون حرزاً حاضراً عند المسلمين، وسلاحاً دائماً يهرعون إليه عند الشدائد والمحن.
قانون “شروط المدد الملكوتي”
تعتبر كل آية من القرآن نعمة مستقلة قائمة بذاتها، وتترشح عنها نعم عديدة غير متناهية، وهذه الآية الكريمة نعمة عظيمة على كل من:
الأول:النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيها من التصديق السماوي الحسي لنبوته، إذ تنزل الملائكة لنصرته ودفع كيد أعدائه، وخروجه وأصحابه سالمين.
الثاني: أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين خرجوا معه إلى معركة بدر وأحد، إذ جاءت الملائكة لنصرتهم وإعانتهم.
الثالث: المؤمنون والمؤمنات في طيبةوأهلها عامة، لما في نزول الملائكة، من صد للكفار، ومنعهم من إستباحة المدينة وإلحاق الأذى بأهلها.
الرابع: المسلمون والمسلمات إلى يوم القيامة.
إذ أسس نصر الملائكة للمسلمين صرحاً عظيماً من الصلة بين السماء والأرض، يكون موضوعها ثبات الإيمان في الأرض، ونصرة المسلمين وإعانتهم على تعظيم شعائر الله وأداء الفرائض والعبادات، لذا جاء نزول الملائكة مشروطاً بشرائط مخصوصة ليعلم المسلمون موضوعيتها والحاجة إليها في حياتهم العقائدية وعباداتهم.
وجاءت الآية بشرطين هما التقيد بالصبر وإظهار معاني التقوى، ويحتمل الشرط في المقام أمرين:
الأول: الوجوب.
الثاني: الإستحباب.
والصحيح هو الأول فيجب على المؤمنين التقيد بسنن الصبر والخشية من الله وعدم ترك مواضع القتال، وفي الآية تأديب للمسلمين، وحث على التدارك وإجتناب ما حصل يوم أحد من ترك الرماة مواضعهم، وفرار الكثير من الصحابة من مواضعهم في المعركة.
وإذ كان الملائكة نزلوا في بداية المعركة من غير قيد أو شرط لأن خروج المسلمين للمعركة شاهد على إحرازهم للصبر والتقوى، فان المؤمنين أصابهم الإجهاد والعناء أثناء المعركة وسقط عدد منهم شهداء، وحصلت جراحات كثيرة في صفوفهم، وجرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجهه، وكسرت رباعيته، فجاء الشرط في هذه الآية لتقوية عزائم المؤمنين، ولمنع حصول حال من القنوط واليأس عندهم، والحيلولة دون الخلاف والنزاع بينهم.
فلولا هذه الآية لأصابهم الفزع والخوف من الأخبار التي أفادت بأن الكفار سيرجعون للقتال مرة أخرى وأنهم سيقطعون سيرهم إلى مكة ويعودون في الحال للمعركة، ومن المتعارف في الحروب والحوادث الكبيرة إنتشار الإشاعات والأخبار التي تبعث على الخوف والحزن، وكذا الأخبار التي تبعث على الغبطة والفرح مع التباين بينهما كثرة وقلة بسبب الحال.
وموضوع عودة الكفار لم يكن إشاعة مما يسمى بالطابور الخامس، إذ أنه معدوم بين المؤمنين في معركة أحد، لأن الآية السابقة مدحتهم جميعاً وأطلقت عليهم صفة الإيمان [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ]( )، ولكن الكفار أرادوا الرجوع فعلاً، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون يتوقعون هذه العودة، وكذا الإغارة والتعدي على المدينة المنورة.
فجاءت هذه الآية لتقوية قلوب المسلمين وثباتهم في دروب الإيمان وهي وعد كريم بالنصر على الكفار إن رجعوا،أو هجموا على المدينة.
(قال ابن هشام: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، فقال : أخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وإمتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذى نفسي بيده، لئن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم.
قال علي : فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وإمتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة)( ).
وجاءت هذه الآية نعمة ورحمة بالمؤمنين ووعداً مطلقاً، فسواء رجع الكفار بنية دخول المدينة أو الرجوع إلى أحد فإن المسلمين قادرون على صدهم، ومع المسلمين الملائكة مدداً وعوناً، (قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما إنصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فان القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذي نفسي بيده، لقد سومت لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب. ( )
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (سومت) أي أن تلك الحجارة لها علامة تعرف بها أنها من عند الله عز وجل، وأنها خاصة للفتك بكفار قريش.
ومن صيغ الرحمة التي يتصف بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووجوه الخدعة في الحرب أنه دسّ إلى المشركين من يبعث في نفوسهم الفزع والخوف، ويحملهم على إجتناب الرجوع للمعركة، إذ أرسل لهم معبدا بن أبي معبد وهو مشرك ولكنه من خزاعة التي كانت صفقتهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان النبي وأصحابه في حمراء الأسد.
فوجد معبد جيش المشركين في الروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا : أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ! لنكرن على بقيتهم، فلنفرغن منهم.
فلما رأى أبو سفيان معبدا، قال : ما وراءك يا معبد، قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد إجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط، قال: ويحك ! ما تقول ؟ قال : والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل.
قال : فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم، قال : فإنى أنهاك عن ذلك، قال : والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال : وما قلت ؟ قال: قلت :
كادت تهد من الاصوات راحلتي
إذ سالت الارض بالجرد الابابيل
تردى بأسد كرام لا تنابلة
عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظلت عدوا أظن الارض مائلةً
لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت : ويل ابن حرب من لقائكم
إذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إنى نذير لاهل البسل ضاحية
لكل ذى إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخش تنابلة
وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ( ).
وقد يقال أن الله عز وجل يعلم بعدول أبي سفيان وأصحابه عن الرجوع الى المدينة منذ الأزل، فلماذا نزلت هذه الآية والجواب من وجوه:
الأول: هذه الآية نعمة على المؤمنين من أهل أحد، وهي نعمة دائمة على المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة.
الثاني: نزول الآية دعوة للصبر وجعله ملكة عند المسلمين.
الثالث: في الآية ندب إلى مقامات التقوى وإصلاح نفوس المسلمين بالخشية من الله، إذ أنها واقية من المعاصي، وسبيل لزيادة الإيمان.
الرابع: تبعث الآية على حب الشهادة والقتل في سبيل الله.
الخامس: تجعل الآية المسلمين في حذر ويقظة، وتدعوهم الى الفطنة ومراقبة العدو.
السادس: إن إحتمال عودة الكفار أمر منتشر خبره بين المؤمنين في أحد.
وهناك أمارات تساعد عليه منها كثرة عدد الكفار وعدم حصول ضرر وخسائر كبيرة عندهم، بالإضافة إلى حنقهم وحسدهم وشدة عداوتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
فجاءت هذه الآية لبعث السكينة في نفوس المؤمنين، ومن إعجاز القرآن، ومعاني اللطف الإلهي فيه أنه لم يأت بما ينفي عودة الكفار، بل أخبر عن المدد السماوي إن عادوا.
فلو جاءت الآية بالنفي وحده لكان موضوعها خاصاً بأسباب النزول وواقعة معركة أحد، ولكنها جاءت بما يكون سلاحاً دائماً بيد المسلمين، ونعمة متجددة تفيض عليهم بالسكينة والطمأنينة.

بحث بلاغي
من ضروب البديع (الإلتفات) وهو نقل الكلام من صيغة إلى أخرى من صيغ الخطاب بلغة المتكلم، الى المخاطب، أو إلى الغائب، أو بالعكس، وفيه منافع عديدة منها طراوة الكلام، وجذب الأسماع، لما في التنقل من البعث على الإصغاء، وعدم طرو الضجر والملل.
وجاءت الآية السابقة حديثاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه في أحد وبصيغة الجملة الخبرية، وفيه تشريف إضافي للذين خرجوا لمعركة أحد، أما هذه الآية فانها إنتقلت إلى لغة الشرط، في وعد كريم عاجل، فتارة يأتي الوعد الإلهي بخصوص عالم الآخرة، أو في مستقبل الأيام.
أما الوعد الوارد في هذه الآية فانه قريب في أوانه، ومعين في موضوعه، وفيه شاهد على صدق الوعد الإلهي في عالم الآخرة، والخلود الدائم للمؤمنين في النعيم وجنة الخلد بلحاظ إن إذا كان الوعد القريب صدقاً وحقاً، فان الوعد البعيد مثله.
ولتلتقي هذه الآية والآية السابقة في موضوع نزول الملائكة مدداً للمؤمنين، وفيه بيان للفضل الإلهي عليهم، إذ أن الملائكة نزلت وتنزل لنصرتهم، فلم يكن نزولها على سبيل القضية الواحدة وفيه بعث للسكينة في نفوس المسلمين، وعدم الخشية من الكفار لتبقى قلوبهم حدائق ناضرة لذكر الله، وممتلئة بالخوف والخشية منه سبحانه.
قانون “من يتق الله لا يخشى الكفار”
جعل الله عز وجل الدنيا زاخرة بالآيات والبراهين الدالة على ربوبيته سبحانه، وكل آية تدعو الإنسان الى عبادة الله ونبذ الكفر والشرك، ولكن شطراً من الناس لم يلتفتوا إلى الآيات وأصروا على الجحود، فقام الأنبياء والمؤمنون بدعوتهم إلى الإيمان، وبذلوا الوسع في جذبهم لسبل الهداية، وتحملوا المشاق والعناء في سبيل الله.
فمن الآيات أن جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً كيلا يقف المؤمنون عند أدائهم للوظائف العبادية العينية من الصلاة والصوم والزكاة ونحوها بل لابد وان يتوجهوا إلى غيرهم ودعوتهم بالقول والفعل إلى الإيمان، وهو من أسرار خلق الإنسان، وباب من أبواب الأجر والثواب.
وإذا ما بقي المؤمن مكتفياً بإيمانه وعباداته البدنية والمالية فان الإيمان ينحصر في بعض بقاع الأرض، ويصبح المؤمنون قلة ومستضعفين، كما يدل عليه قوله تعالى قبل آيتين [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
فجاء نصر الله عز وجل في بدر حاجة للمسلمين، وعلة لثبات الإيمان في الأرض، فإزداد غيظ الكفار، وأظهروا أشد وأقبح وجوه العداوة، فجندوا الآلاف من الجنود وزحفوا بهم صوب المدينة، لإستئصال الإيمان من الأرض.
ويبعث زحفهم الفزع في النفوس لأمور:
الأول: قلة عدد المسلمين، ونقص مؤنهم.
الثاني: حداثة عهد الناس بالإسلام.
الثالث: الحرص العام على سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإدراك ضرورة توالي نزول آيات القرآن لأنها لاتنزل إلا عليه.
الرابع: مجئ الكفار طالبين الثأر والإنتقام.
الخامس: وجود المنافقين واليهود في المدينة.
ولكن هذا الفزع سرعان ما يتبدد ويزول بالتوكل على الله، واللجوء اليه، إذ يتعارض هذا الفزع في النفس مع الخشية من الله، فلا يستطيع المعارضة، ولايقدر على البقاء لا في الوجود الذهني ولا الوجود الخارجي لمجتمعات المسلمين، وتلك آية في خلق الإنسان والآثار المباركة للإيمان على النفوس والمجتمعات.
فيظن الكفار ان المؤمنين حينما يسمعون بزحفهم يفرون من المدينة لقلتهم ونقص أسلحتهم أو يحصل الخلاف والنزاع بينهم، أو يرتد بعضهم عن الإسلام، أويبعث شطر من المؤمنين للكفار طلب أمان، ولكنهم يفاجئون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين يتصدون لهم خارج المدينة وقبل أن يصلوا اليها، وكل فرد من المؤمنين يعشق الشهادة، ويشتاق للقاء الله عز وجل، ولا يخاف سيوف الكفار.
لقد بعثت معركة بدر وإنتصار المسلمين فيها بفضل ونعمة من الله العزم في نفوس المسلمين على الجهاد واليقين بالغلبة والظفر في معركة أحد، ولكن هذا اليقين لم يؤد إلى التفريط بالوظائف الجهادية، لأنه فرع الخشية من الله عز وجل ومنها إدراك المسلمين لضرورة بذل الوسع في ميادين القتال لتدارك الفارق الكبير في العدد والعدة بين الكفار والمسلمين.
لذا فان الشرط الوارد في هذه الآية بالتحلي بالصبر والخشية من الله حاجة للمسلمين، وسبيل لتحقيق الظفر على الأعداء بنزول الملائكة لنصرتهم، ولكن لماذا لم تقل الآية: ان تصبروا وتتقوا تنصرون، والجواب من وجوه:
الأول: لقد جاء النصر من عند الله عز وجل مع تعدد أسبابه وكيفياته، ويتجلى في معارك الإسلام الأولى، بنزول الملائكة لنصرة المسلمين في القتال.
الثاني: نزول الملائكة لنصرة المؤمنين رحمة وتخفيف عنهم.
الثالث: أراد الله عز وجل أن يرى المسلمون فضل الله عليهم في ميادين القتال ليزدادوا إيماناً.
الرابع: نزول الملائكة للنصرة من الثواب العاجل على الصبر والتقوى، وفيه شاهد على قانون ثابت وهو حالما يخشى العبد الله عز وجل يأتيه المدد منه سبحانه.
الخامس: ان الله عز وجل هو القوي العزيز، وأراد سبحانه أن ينتقم بالحق من الكفار والمشركين مثلما جاءوا للإنتقام من المؤمنين بغير حق.
السادس: في نزول الملائكة لنصرة المؤمنين شكر لهم على الهداية والإيمان والخوف منه بالغيب.
لقد جاءت الأوامر الإلهية إلى الناس جميعاً بلزوم الخشية من الله، قال الله سبحانه [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ]( )، فيتوجه الأمر بالخشية منه سبحانه إلى الناس جميعاً بعرض واحد، ثم يختص المسلمون بأوامر من عند الله بالخشية منه في مواضع ومواضيع وأحكام معينة، وبصيغة الإطلاق أيضاً.
وجاء الأمر بالتقوى والخشية من الله في هذه الآية بخصوص القتال وعودة الكفار إلى ميادين المعركة، ليكون هذا الأمر سبباً لتثبيت الإيمان في صدور المسلمين، ومانعاً من حصول الخلاف والشقاق والنزاع بينهم، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا]( ).
لقد حذرت الآية أعلاه المسلمين من التنازع والخصومة ودعتهم للصبر في جنب الله، وتنهى اللآية التي تليها وهي قوله تعالى [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ]( )، عن التفريط والبطر،، وأن يكونوا مثل قريش الذين خرجوا لحماية العير، فأتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن إرجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب( )، قال تعالى [وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ]( ).
فلما عزمت قريش على الخروج لقتال المسلمين خشيت من كنانة، وكان بينهما حرب، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، وكان من أشراف كنانة في جند من الشياطين ومعه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم واني مجيركم من بني كنانة.
فلما رأى الملائكة تنزل نكص، وقيل كانت يده في يد الحرث بن هشام، فقال له الحرث: إلى أين أتخذلنا في هذه الحال، فقال: إني أرى ما لا ترون، فلما إنهزمت قريش وبلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، لإرادة أنه أول من إنهزم وكأنه أظهر عداوة كنانة بمكر وكيد، فلما بلغ سراقة ما قالوه قال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفي الحديث: ما رؤي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لم ير من نزول الرحمة إلا مارؤي يوم بدر( ).
لقد كانت خشية المؤمنين من الله سبباً لبعث الفزع والخوف في نفوس الكفار، ومقدمة كريمة لنزول الملائكة لنصرة المؤمنين، وتحقيق النصر والغلبة على الكفار والمشركين، وظهور الإسلام قوياً تشع أنواره بسلاح الصبر والتقوى، لتبقى مصاحبة للمسلمين في حياتهم اليومية.
قانون “الصلة بين نزول القرآن والملائكة”
ما أن هبط آدم عليه السلام إلى الأرض إلا وبدأ نزول الوحي عليه، والذي يدل بالدلالة التضمنية على نزول الملائكة به، وقيامهم بتبليغ آدم عليه السلام إذ أنه أول نبي من أنبياء الله في الأرض، وإستمر الملائكة بالنزول على الأنبياء بالوحي والتنزيل والإرشاد إلى سبل التقوى وأداء الفرائض والعبادات لتتغشى أهل الأرض بركات السماء.
ويكون نزول الملائكة رشحة من رشحات نفخ الروح في آدم، وشاهداً على عدم إنقطاع صلة آدم وذريته بالسماء وأهل الجنة ولكن هذه الصلة خاصة بالأنبياء وأتباعهم لأن الدنيا دار إمتحان وإبتلاء.
ومن يعرض عن ذكر الله، ويختار الكفر والجحود يحرم نفسه من نعمة نزول الملائكة بإختياره، ومع أن الله عز وجل غني عن العالمين فانه سبحانه يتودد إلى الناس جميعاً بنزول الملائكة إلى الأرض، فليس في نزولهم بالوحي والتبليغ ونحوهما إلا الخير المحض، والدعوة المتجددة للإيمان، وهو رحمة متصلة للناس جميعاً إذ يزيد نزول الملائكة المؤمنين إيماناً، وفيه دعوةللإسلام، وحث على نبذ الكفر والجحود.
وهذا النزول آية من آيات الله عز وجل تلح على الناس جميعاً بالتدبر في خلقهم وعلة هذا الخلق، وموازين اليوم الآخر، وأهوال الحساب يوم القيامة.
وقد فضل الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين، وشرّفه والمسلمين بالنزول المتعدد للملائكة، وهذا التعدد يشمل الموضوع والعدد وماهية الفعل والأثر، فلم ينزل ملك واحد فقط للنصرة، ولم يختص نزول الملائكة بهلاك الكفار كما في قوم لوط ونزول جبرئيل لهلاكهم، بل جاء آلاف من الملائكة وعلى نحو متكرر لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا بنبوته وإلحاق الهزيمة بالكفار.
ومن الآيات أن الملائكة لم ينزلوا للنصرة إلا بعد أن نزل شطر من القرآن إستبانت معه نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجلت معجزاته للناس جميعاً، وقام الكفار بالتجرأ والتعدي، وزحفت بالسلاح لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
وكان المؤمنون قلة وأذلة، وليس لهم فئة ذات عدد وعدة، أو مدد محتمل من غيرهم، فقد برز الإيمان كله للكفر والشرك والضلالة مرة واحدة، وخلف قريش أمم من المشركين والكفار وأعداء الإسلام الذين أصروا على الجحود وأرادوا وأد الإسلام وطمس المعجزات، وطغيان الفساد، وإشاعة الإفساد في الأرض وحرمان الأجيال اللاحقة من عبادة الله، وحاولوا غلق الطرق التي تؤدي إلى الجنة، وأبى الله عز وجل إلا أن تبقى مفتوحة، بمقدور كل الإنسان ذكراًأو أنثى السعي فيها هرولة وعدواً ومشياً.
وليس من نبوة بعد نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو خاتم النبيين، وإنحصرت الدعوة إلى الجنة بالإسلام ومبادئه وأحكامه والعمل بسنن القرآن وما فيه من مسائل الحلال والحرام.
فجعل الله عز وجل واقية له ملائكة يحفظونه والعمل بأحكامه ومسائله، فليس من كتاب سماوي نزل ملائكة يذبون عنه وعن النبي الذي يتلقاه لحين تمام نزوله إلا القرآن فمن الآيات أن الملائكة نزلوا لحفظ كل من:
الأول: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودفع وكيد الكفار عنه، والذين جاءوا لقتله.
الثاني: الذين آمنوا وصدقوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: آيات القرآن التي نزلت والتي ستنزل بعد معركة بدر وأحد، ومنها هذه الآية الكريمة.
الرابع: مفاهيم الإيمان، وضرورة بقائها في الأرض.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا داراً لنزول رحمته ورأفته بالناس وان كانت محلاً للإمتحان والإبتلاء إذ تصاحب الرحمة الإبتلاء، ولا تنفك عنه، وليس من تعارض بينهما.
وجاء نزول الملائكة ليكون من مصاديق الرحمة الإلهية بالمؤمنين والناس جميعاً في الدنيا وإلى يوم القيامة، وفيه إخبار سماوي بأنه ليس لجماعة قليلة من كفار قريش ومن والاهم أن يغيّروا في ماهية وغايات الوجود الإنساني في الأرض، ولزوم إعمارها بالعبادة والصلاح والتقوى وبعد أن نزل جبرئيل بالقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزل الآف الملائكة، وفي نزولهم وجوه:
الأول: تصديق نزول القرآن من عند الله.
الثاني: ومن كان يريد آية حسية فان نزول الملائكة آية حسية عقلية.
فهو آية حسية لأن الفريقين رأوا وحسوا بالملائكة، وأما عقلية فان آثار نزول الملائكة باقية إلى يوم القيامة، وجاء توثيقه بهذه الآية من القرآن وما كان المسلمون بقلتهم قادرين على تحقيق النصر والغلبة على الكفار لولا أن منّ الله عز وجل عليهم بالمدد السماوي.
وتبين هذه الآية عظمة منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن عند الله عز وجل، وفزع الملائكة ناصرين لهما، ومدداً للذين آمنوا وصدقوا بهما، ليكون جزاء للمسلمين على إيمانهم بالملائكة وأنهم عبيد لله عز وجل لايفعلون إلا ما يأمرهم الله به.
لقد نزل القرآن نجوماً ومتفرقاً في ثلاث وعشرين سنة، ومنه ما نزل بحسب أسباب ووقائع وأسئلة ومناسبة، ومنه من غير مناسبة ليكون آية للعالمين، ولقد إمتاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنبياء الآخرين مثل موسى وداود وعيسى عليهم السلام لأنهم كانوا يقرأون ويكتبون فينزل عليهم الكتاب دفعة واحدة.
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكان أمياً، فنزل عليه القرآن على فترات وسنوات عديدة ليحصل التلقين والتلاوة والحفظ منه ومن قبل المؤمنين، بالإضافة إلى ما فيه من أحكام الناسخ والمنسوخ ومجئ الناسخ تالياً.
وفي نزول القرآن نجوماً رحمة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الذين يدخلون الإسلام فيأتون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليشهدوا نزول الوحي وما يصيب النبي من الكرب والعناء ساعة تلقيه وإلى أن ينفصل عنه الوحي ويغادره الملك، أما الملائكة فقد نزلوا دفعة واحدة وفي ميادين القتال للدفع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليستمر نزول آيات القرآن، وأحكام الفرائض والمعاملات وما يصلح الناس في أمور دينهم ودنياهم إلى يوم القيامة.
لذا يمكن إعتبار نزول الملائكة يوم بدر وأحد وحنين بأنه مدد للقرآن، وعون سماوي لتثبيت آياته في النفوس وبقائها في الأرض سالمة من التحريف، فهم لم ينزلوا لنصرة المؤمنين فقط بل نزلوا لنصرة وحفظ وسلامة القرآن وليتم المسلمون والمسلمات هذا الفعل بتعاهد القرآن رسماً وتلاوة وحكماً.
لقد إقترح كفار قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ينزل معه ملك رفداً له، ومصدقاً في رسالته كما ورد في قوله تعالى [لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا]( ).
فجاء يوم بدر وأحد ليرى كفار قريش آلاف الملائكة رفداً ومدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ويقاتلون لطرد الكفار وإرجاعهم خائبين إلى مكة.
فمن معجزات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ما يسأله الكفار على سبيل الجدل والتحدي، يأتي رده آية إعجازية وبما يكون حجة دامغة وبرهاناً ساطعاً، وعقوبة للكفار أنفسهم، وواقية لنزول القرآن، وجنوداً من السماء لحفظه وإستمرار نزوله، وقتال من حاول منع نزول آياته.
وفيه شاهد على عظيم قدرة الله عز وجل وانه سبحانه لما شاء أن ينزل القرآن نجوماً فانه سبحانه هيئ الأسباب والأحوال التي تحفظ القرآن في نزوله ورسمه وتلاوته، وإشترك في هذا الحفظ الملائكة والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون والمسلمون جميعاً.
ونزل الملائكة لنصرة حفظة القرآن، ومنع الكفار من التعدي عليهم وعلى القرآن، فقد كان هجوم كفار قريش على النبوة والقرآن والمؤمنين، فنزل الملائكة مدداً وعوناً لهم.
قانون “المدد نعمة”
الحياة الدنيا نعمة من عند الله على الخلائق عامة، والناس خاصة، وفضل من عند الله على آدم وذريته، وقد يقال في الدنيا أذى ومشقة وعسر فكيف تكون نعمة، والجواب أنها وخير محض للمؤمن، اما الكافر فانها إختبار، ومن وجوه البلاء والعقاب العاجل الذي يذكره بلزوم عبادة الله عز وجل وإجتناب معصيته.
وكما أن الحياة الدنيا بذاتها نعمة، فإنها وعاء زماني للامتناهي من النعم التي تترى على الإنسان في ليله ونهاره، ومنه ما يتعلق بمأكله ومشربه وبدنه، ومنها ما يتعلق بأسباب الكسب والعمل والسكن وحياة العائلة، ومنها مايخص العبادات والإستعداد لعالم الآخرة، وهي أبهى وأعظم النعم.
وقد جاءت نعمة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتقريب الناس من حضرة القدس، وجعلهم يرون الدنيا وكأنهم يسكنون فيها، وكانت كل معجزة من معجزاته نعمة على أهل الأرض عامة والمسلمين خاصة، وكل آية من آيات القرآن نعمة توليدية تتفرع عنها نعم كثيرة، كما أنها تخبر عن نعمة أخرى حسية أو عقلية.
وجاءت هذه الآية الكريمة نعمة على المسلمين من وجوه:
الأول: إنها بشارة الأمن والسلامة من القوم الكافرين.
الثاني: كفاية الله عز وجل للمؤمنين ودفعه لعدوان الكافرين.
الثالث: فوز المسلمين بالصلة مع أهل السماء، وتتقوم هذه الصلة بالنصرة والمدد وقهر الكفر والكافرين، وتحتمل هذه الصلة وجوهاً:
الأول: إنحصار الصلة بيوم أحد.
الثاني: جاءت الآية وعداً كريماً من عند الله عز وجل، ومادام الكفار لم يرجعوا فان الملائكة لم ينزلوا لإنتفاء موضوع النزول.
الثالث: إستدامة هذه الصلة في معارك الإسلام الأولى.
الرابع: الصلة بين الملائكة والمؤمنين أعم من أن تنحصر بالمعارك وحال القتال، بل تشمل النصر والتأييد للمسلمين في أمور الحياة كلها.
والصحيح هو الرابع لوجوه:
الأول: إن الله عز وجل إذا أنعم بنعمة فانه لا يرفعها.
الثاني: إن نزول الملائكة لطف وفضل خص الله عز وجل به المؤمنين، لذا وردت هذه الآية والآية السابقة خطاباً للمؤمنين.
الثالث: مجئ الآية بقيد الصبر والتقوى وكأنها تقول إن إحتجتم إلى المدد والعون من الملائكة فعليكم بالصبر والتقوى.
الرابع: تحلي المسلمين بالصبر والتقوى مقدمة لنزول الملائكة، ليس على نحو القضية الشرطية، بل هو فضل ولطف من عند الله عز وجل، وتعليم وتأديب للمسلمين، وجعلهم يتنعمون في الحياة الدنيا.
إذ أن الإتصاف بالصبر والتقوى بذاته سعادة، ويؤدي إلى السعادة في النشأتين.
لقد أراد الله عز وجل بالشرط الوارد في هذه الآية بعث الأمل في نفوس المسلمين لتحقيق الأمور الخارقة للعادة بفضل الله، وما ينعم به من المدد عليهم، وكل مدد وعون يأتي للمسلمين هو نعمة.
وجاءت هذه الآية بأسمى وأعظم مدد، مما يدل على أنها تتضمن نعمة من أعظم النعم على المسلمين وأهل الأرض جميعاً، لقد كان في المدد الملكوتي نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودوام الإسلام، وغبطة وسعادة المسلمين، وكفاية حسد وشر الأعداء وشماتة غير المسلمين ممن لايرجون الخير للإسلام.
فهذه الآية إشراقة مباركة ونعمة دائمة تصاحب المسلمين في مواجهتهم لقوى الكفر، ليصبحوا في مأمن وسلامة من كيد الكفار، فلا يخشون همهّم بالهجوم على المسلمين، لأن هذه الآية أفادت الملازمة بين عودة الكفار للقتال وبين نزول الملائكة مدداً.
وهذه الملازمة بذاتها نعمة عظيمة وتترشح منها نعم أخرى بلحاظ إمكان نزول الملائكة عند حاجة المسلمين للنصرة وعند الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، بالإضافة إلى نعمة أخرى وهي أن المدد الإلهي أعم وأكبر من أن ينحصر بنزول الملائكة.
ولله جنود في الهواء والماء يفعلون مايفعله الملائكة، وذات الهواء والريح والماء ونحوها تكون جنوداً أيضاً فهي ليست أوعية للجنود فقط، بل أن الله عز وجل يأمرها أن تأتي على الكفار وتبعث الفزع والخوف في نفوسهم، وتلف أموالهم، ولكن المدد بالملائكة نعمة لها خصوصية وأثر عظيم، وحرز وواقية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من كيد الكفار والمشركين.
وكان الملائكة يعلمون أنه ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سينزلون إلى الأرض لنصرته ونصرة أتباعه المؤمنين الذين يتصفون بالجهاد في سبيل الله، والخشية منه في السر والعلانية.
ومن تلك الخصوصية أن هذه النعمة جاءت للمؤمنين وهم في أشد الحاجة إلى المدد ولو على نحو الأشخاص والأفراد القليلين، لأن المدد يفيد تكثير السواد، والمواساة، والدلالة على أن المؤمنين على حق، ووجود من ينصرهم في ساعة المحنة، فجاء المدد على نحو دفعي وعظيم وقد يتطلع الإنسان إلى باب وجهة يرجو أن يأتيه منها رزق ونفع دون جدوى.
ولكن يأتيه الرزق والنفع من جهة أخرى، ومن حيث لا يحتسب، وبمقدار يفوق ما يرجوه، أما بالنسبة لصلة الإنسان مع الله عز وجل فإن الأمر مختلف إذ يتوجه العبد بالدعاء ويصلح حاله وشأنه فيأتيه الخير والفضل من عند الله في الموضوع الذي سأل فيه أو في غيره، وبما فيه نفعه ومصلحته، وليس من حد لفضل الله.
وتدل عليه هذه الآية على أن المدد من السماء نعمة عظيمة لا تخطر على أوهام البشر، لتكون شاهداً على إكرام الله للمسلمين، ودعوة الناس جميعاً للإقتداء والإلتحاق بالمهاجرين والأنصار في تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والخروج للقتال تحت رايته في سبيل الله.
“الصبر والتقوى صفة خير أمة”
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بسيل الهداية والرشاد،وتأتي الآيات والبراهين الدالة على وجوب عبادة الله من السماء ومن الأرض ومن ذات النفس الإنسانية كما في قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( )، وليس من حصر للجهات والأسباب التي تأتي منها الآيات، ومنها ما يكون أمراً عرضياً وطارئاً، كما في زحف قريش لوأد الإسلام، فلقد جاء القرآن بتحريم وأد البنات، وحرمة قتلهن، ولا راد لأمر الله.
وجاء الكفار للقضاء على الإسلام في أيامه الأولى فتصدى لهم المؤمنون تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدد وعدة قليلة، تنزل الملائكة من السماء لنصرتهم في آية لم يشهد أهل الأرض مثلها، ليفوز المسلمون بهذه النعمة، وتكون وثيقة سماوية تدل على تفضيلهم على الأمم الأخرى، وتدعو الناس لدخول الإسلام، وطرد أسباب الشك والريب في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن الإعجاز في آية المدد الملكوتي أنها تمنع من الغرور وتدفع الغفلة والتفريط، فقد يتكل الناس على النعم ولا يعملون لدنياهم وآخرتهم، فجاءت هذه الآية بقيد الصبر والتقوى ليحافظ المسلمون على المنزلة الرفيعة التي نالوها بين الأمم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعهم له.
لقد كان خروج الصحابة إلى معركة أحد، دليلاً على إحرازهم مراتب الصبر والتقوى، فلا تخرج فئة قليلة للقتال في سبيل الله ومواجهة فئة كبيرة من الكفار إلا بالصبر والتقوى.
فان قلت مادام المسلمون خير أمة، فلماذا هم أذلة وفئة قليلة في معركة بدر وأحد، وحفروا خندقاً حول المدينة في معركة الأحزاب، والجواب من وجوه:
الأول: كان الإسلام في أيامه الأولى، والمؤمنون قلة.
الثاني: تدل قلة عدد المسلمين على إنتشار وطغيان مبادئ الكفر والضلالة بين الناس، والحاجة النوعية العامة للإسلام.
الثالث: أثر وأضرار ما يثيره أهل الشك والريب في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاولاتهم صد الناس عنها.
الرابع: هيبة وسطوة أقطاب الكفر والضلالة، وخشية الناس من دخول الإسلام خوفاً منهم.
فجاءت هذه الآية لدعوة المسلمين لخشية الله عز وجل، وإتخاذ الصبر سلاحاً لمواجهة الكفار، إذ أن ورود الصبر في الآية بلغة الشرط دليل على أنه أمر وجودي وليس عدمياً، فيلزم المسلمين السعي إليه، وإتخاذه سجية ومقدمة لنزول الملائكة.
وبالصبر والتقوى يدفع الوهم والشك الذي يسببه التباين بين قلة المؤمنين وكثرة الكافرين، وتلك آية في الشرائط التي يتفضل بها الله على المسلمين، إذ أنها تتضمن إصلاحهم لأداء الوظائف العبادية، وصرف الضرر الذي يأتي من الأعداء، وهو من عمومات قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
فإنتفاء الضرر والشر من الكفار يحصل من وجوه عديدة منها العصمة الذاتية عند المسلمين من كيد ومكر الأعداء بالتحلي بالصبر وتلقي الأذى طاعة لله عز وجل وطلباً لمرضاته، ليجتمع فيه الصبر والتقوى معاً، ويتداخلان في الفعل، ولكن يترتب الثواب على كل فرد منهما على نحو مستقل.
الخامس: لم يبق المؤمنون قلة أثناء المعركة بل نزل الملائكة لنصرتهم ليكون جيش المسلمين في الواقع أكبر وأقوى جيش في تأريخ البشرية، فليس من جيش في التأريخ أقوى منهم، وليس من جيش ضمن النصر والغلبة في المعركة مثلما ضمنه المسلمون في بدر وأحد ومعارك الإسلام الأولى.
وتلك آية تدل على أن المسلمين خير أمة أخرجت للناس بقوة وكثرة جيشهم، وإنفراده بهيئة خاصة وهي تكونه من جنود من الأرض وجنود من السماء يجمعهم الإيمان وطاعة الله، والجهاد لتثبيت كلمة التوحيد في الأرض.
إذ أن الملائكة لم يأتوا لنصرة المسلمين فقط بل جاءوا للجهاد ضد الكفر بعد أن إستفحل أمره، وطغى أربابه، وتجاهروا بالفجور والفسوق، وحاربوا المؤمنين ولم يتركوهم وشأنهم في عبادة الله وإتباع نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وليتحلى المؤمنون بلباس الصبر والتقوى، ويحافظوا على مرتبة خير أمة التي نالوها بالتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسط سيادة أفكار الكفر والضلالة، فكل مسلم آمن بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أمة في الخير، وجاء إيمانه ثورة على الكفر وأقطاب الشرك، وهذا الإيمان أشد من السيف والسلاح الحاد الذي يشهر بوجه العدو إذ أن السيف سلاح متحد، أما إيمان كل فرد من المسلمين السابقين الأولين فانه سلاح إنحلالي متعدد موجه لكل كافر وللكفر والشر والضلالة.
وتلك خصوصية تنفرد بها خير أمة، وهو من مصاديق خروجها للناس بأن يكون المؤمن الواحد حرباً على الضلالة، وداعياً إلى الله في زمان تسود فيه مفاهيم الكفر والضلالة، إن إنتصار وثبات المسلمين في معركة بدر وأحد والخندق، وخروجهم منها غير مغلوبين باب فتحه الله للناس لدخول الإسلام، وفيه تخفيف عنهم، وفضح للكفر والكافرين، فكان كثير من الناس مترددين في دخول الإسلام، وخائفين من بطش قريش وأذى يهود المدينة ووجلين من العواقب ودورة الوقائع.
وصار نصر المؤمنين وخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالماً من المعارك حجة على الناس في لزوم تحدي الكفار والجهالة، وترك عبادة الأوثان، الأمر الذي يستلزم تحلي المؤمنين الأوائل بالصبر والتقوى ليكونوا الأسوة في تقيد المسلمين الجدد بالصبر والتقوى، وليقتبسوا منهم الأخلاق الحميدة، ويدركوا أن الإسلام عقيدة ومنهج وعبادة وصلاح دائم.
والصبر والتقوى واقية للمؤمنين من كيد الكفار، وسبب لجذبهم للإسلام وعدم بقائهم أعداء، وهو من صفات خير أمة بالسلامة من الأعداء، وجعلهم أصحاباً مؤمنين، والنجاة من الكفار وما كان يحصل في الأمم السابقة من قتل الأنبياء.
عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسري به رآى زكريا في السماء فسلم، فقال له : يا أبا يحيى خبرني من قتلك كيف كان، ولم قتلك بنو اسرائيل، قال: يا محمد ان يحيى كان خير أهل زمانه وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً وكان كما قال الله سيداً وحصوراً وكان لا يحتاج إلى النساء فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فارسلت إليه، وعصمه الله وإمتنع يحيى وأبى عليها.
وأجمعت على قتل يحيى ولهم عيد يجتمعون فيه كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب، فخرج الملك للعيد فقامت إمرأته فشيعته وكان بها معجباً، ولم تكن تسأله فيما مضى، فلما أن شيعته، قال الملك سليني، فما تســأليني شــيئاً إلا أعطيتك قالت أريد دم يحيى بن زكريا، قال لها: سليني غيره، قالت: هو ذلك، قال هو لك.
فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي وأنا الى جانبه أصلي فذبح في طست وحمل رأسه ودمه إليها ووضع بين يديها فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا، قالت بنو اسرائيل لقد غضب إله زكريا لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا، فخرجوا في طلبي ليقتلوني فجاءني النذير فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم عليّ، فلما ان تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتني فقالت إلي إلي، فانصدعت لي فدخلت فيها وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة، وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة.
وجاء بنو اسـرائيل فقال إبليس : أما رأيتموه دخل هذه الشجرة هذا طــرف ردائه دخــل هذه الشـجرة، فقالوا نخرق هذه الشجرة، فقال إبليس شقوه بالمنشـار شقاً، قال فشققت مع الشجرة بالمنشار فقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يا زكريا هل وجدت له مساً أو وجعاً، قال: لا إنما وجدت تلك الشجرة جعل الله روحي فيها( ).
وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بأن كبت عدوهم، وجعله عاجزاً عن الإضرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن كانوا أعداءه ما لبثوا أن صاروا مسلمين وخرجوا في سرايا الدفاع ، وهو من خصائص خير أمة، وخروجها للناس بدعوتهم للإسلام والتحلي بالصبر والتقوى، وحصول شواهد كثيرة مباركة لهذا الخروج.
بحث بلاغي
جاء لفظ (التقوى) معطوفاً على (الصبر) وهما فردا الشرط لنزول الملائكة لنصرة المؤمنين، ويحتمل هذا العطف وجوهاً:
الأول: عطف البيان، ويأتي للإيضاح والبيان، ويكون كالصفة في إتمام معنى الموصوف، ومن أمثلته [مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ].
الثاني: عطف أحد المترادفين على الآخر، فتكون التقوى رديفة للصبر، ومعطوفة عليه، ومن معانيه البيان والتوكيد، وأستدل عليه بآيات منها قوله تعالى [يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ]( ).
ولكن هناك عموم وخصوص بين السر والنجوى، فمادة الإلتقاء هي الخفاء، وعدم إطلاع الآخرين، أما مادة الإفتراق فان السر أمر غير ظاهر، أما النجوى فهي أمر ظاهر.
الثالث: إنه من عطف الخاص على العام، بلحاظ أن الصبر هو الأعم، والتقوى أخص، لأن المسلم يحتاج الصبر في كل أمور حياته.
الرابع: عطف التقوى على الصبر من عطف العام على الخاص، بلحاظ أن التقوى هي الأعم، وأن صبر وتحمل المؤمن الأذى في جنب الله من التقوى.
والصحيح في العطف في المقام هو المغايرة والتعدد، ولكنه لا يمنع من التداخل بين مضامين الصبر والتقوى، وأثر كل واحد منهما في إيجاد الآخر، وقد تكون بينهما نسبة العموم والخصوص بلحاظ الموضوع.
وجاء العطف بينهما في الآية بالواو [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] لإفادة الحاجة لهما متلازمين، وعدم إمكان التفكيك بينهما فلو حرص شطر من المؤمنين على التقيد بالصبر، وشطر آخر بالتقوى، فانه لا يدل على الإمتثال للشرط، بل لابد من تعاهد كل فرد منهم للصبر والتقوى في آن واحد، وعلى نحو العموم الإستغراقي والمجموعي، فكل مؤمن هو صابر ومتق، والأمة كلها أمة صابرة متقية، وهو من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
“الصبر والتقوى طريق النصر”
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وسط قوم مشركين، ليس من نبي قبله بين ظهرانيهم وكانت هناك فترة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يروا ويحضروا معجزات وصفات نبي سابق بينهم، ليدركوا وجوه التشابه والإلتقاء بينه وبين نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد غلب عليهم الشرك وتوجهوا لعبادة الأوثان، ومع هذا فانهم يعلمون بوجود النصارى واليهود وأنهم أهل كتاب، وكان علمهم هذا سبباً لزيادة أذاهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: إنكار فريق من أهل الكتاب لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحريف صفاته.
الثاني: مؤازرة نفر من يهود المدينة قريشاً في حربها على الإسلام والمسلمين.
الثالث: إصرار قريش على الكفر والجحود، وعدم إتعاظهم من الكتب السماوية السابقة ومن ينتسب إليها.
لذا إشتد أذى قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخذوا في التدبير للكيد به خاصة بعد أن رأوا إيمان أهل يثرب وإنتشار الإسلام خارج مكة، وشيوع أمر البيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين القبائل، وعند الحرائر في خدورهن لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ البيعة من الرجال والنساء.
فإجتمعت قريش في دار الندوة للمكر والكيد بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (فجاءهم إبليس في صورة شيخ كبير السن، وقال أنا شيخ من نجد، ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت بإجتماعكم , فأردت أن أحضركم ولن تعدموا غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها؛ وتتربصوا به ريب المنون. فقال إبليس : بئس الرأي؛ يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.
فقال هشام بن عمرو : رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم؛ فلا يضركم ما صنع واسترحتم. فقال إبليس : بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا صارما، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناهم واسترحنا.
فقال الشيخ – لعنه الله – : صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيا. فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله. فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة)( ).
فجاء الأمر للمؤمنين بالتقوى للوقاية من كيد قريش ودفع شرهم وأذاهم عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، لقد أنعم الله عز وجل على أهل أحد بالصبر والتقوى ليكونوا واقية للمسلمين جميعاً من الكيد والأذى الذي يأتي من الكفار جميعاً وليس قريش وحدها، ومن وجوه التوقي في المقام دخول الكفار الإسلام لأن الصبر والتقوى وسيلة مباركة لجذب الناس للإسلام، وإدراك ما فيه من المحاسن والمنافع.
قوله تعالى [وَيَأْتُوكُمْ]
جاءت هذه الآية خطاباً للمؤمنين الذين قاتلوا في معركة أحد، ويحتمل مجيؤها بلحاظ الزمان وجوهاً:
الأول: قبل بدء معركة أحد.
الثاني: أثناء القتال يوم أحد.
الثالث: بعد إنتهاء القتال.
والصحيح هو الثالث وتلك آية في إكرام الله عز وجل للمؤمنين المجاهدين يوم أحد، وشاهد بأن الله عز وجل شكر لهم سعيهم وجهادهم دون رسول الله ودفاعهم عن الإسلام.
لقد همّ جناحان منهم بالفشل والضعف والوهن [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ]( )، وإنهزم جمع كثير عن ميدان المعركة [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] ( ).
ولكن لم يحصل الفشل والجبن، ولم يبق الذين إنهزموا من كيد وفتك العدو بعيدين عن ميدان المعركة، وبادروا إلى الرجوع إلى القتال ودفعوا المشركين عن مواضعهم، وقاتلوهم ببسالة، فليس من تكافئ بين الفريقين في العزيمة وصدق القتال والتضحية، لأن المؤمنين يقاتلون لأسباب وأغراض سامية حميدة وهي:
الأول: نية القتال في سبيل الله.
الثاني: السعي الى تحقيق النصر إعلاء لكلمة التوحيد.
الثالث: الدفاع والذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن الكفار يطلبونه، ويعلمون انهم إذا قتلوه لم يبق المؤمنون على شأنهم وقوتهم، ويقل أو ينقطع وفود القبائل والأفراد للمدينة لإعلان الإسلام، والتجاهر بالعبادات وبغض الشرك والمشركين.
الرابع: البقاء على الإيمان، وأداء الفرائض خصوصاً وان معركة أحد دفاعية، يدافع فيها المؤمنون عن النبوة والإسلام وأنفسهم وأعراضهم.
الخامس: رجاء الشهادة ولقاء الله عز وجل، والإقامة الدائمة في الجنة قال تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
أما الكفار فلا غاية حميدة عندهم، لأن القتال شاهد على التناقض وبلوغ التضاد بين الفريقين أشد وجوهه، وليس من غنائم عند المسلمين يطمع بها الكفار، ولكنهم مملؤون غيظاً وحسداً للمسلمين فجاءوا للإنتقام والبطش والثأر مما حصل لهم يوم بدر، أي أن الثأر وحده ليس علة تامة لزحفهم على المدينة يوم أحد لأنهم يحاربون الإسلام ديناً وعقيدة وفرائض، ويصدون عن الرسالة والمعجزات التي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن إعجاز نظم هذه الآيات مجئ هذه الآية وما فيها من الوعد الكريم والمضامين القدسية عقب الآية السابقة التي أخبرت عن البشارة بالمدد بثلاثة آلاف ملك في معركة أحد.
ليكون الوعد بالمدد السماوي مصاحباً للمؤمنين من حين الخروج للقتال، وأثناء القتال وبعده ليبعث في نفوسهم الهمةّ والعزم على قتال العدو من غير فتور أو إعياء أو كسل، فان قلت مع تعدد الغايات الحميدة للمؤمنين في المعركة ومصاحبة الوعد الإلهي لهم بالنصر لماذا قام الرماة بترك مواضعهم، وأحدثوا ثغرة نفذ منها المشركون، وجاءوا لجيش المسلمين من الخلف، وأوقعوا فيه خسارة كثيرة.
والجواب، لقد أوصى رسول الله الرماة بعدم ترك مواضعهم في كل الأحوال، وكان عددهم خمسين رجلاً، وجعل النبي عليهم عبد الله بن جبير أميراً وقال: إنضح( ) الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك( ).
ويجب على المؤمنين تقديم طاعة الله ورسوله، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، وقد أمرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالثبات في مواضعهم، ونهاهم عن ترك مواضعهم، وليس من تعارض بين طاعة الرسول وبين الوعد الإلهي بالنصر، وأحدهما ملازم للآخر.
ومع مخالفة الرماة لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنهزام فريق من المؤمنين أثناء المعركة فان الله عز وجل، وفى لهم بوعده وأنزل ثلاثة آلاف من الملائكة لنصرتهم.
وهل يمكن القول أنه حتى لو أخل المسلمون بشرط الصبر والتقوى الوارد في هذه الآية فان الله عز وجل ينزل عليهم الملائكة فضلاً منه تعالى، الجواب ان الله عز وجل واسع كريم، وهو الذي يجعل المسلمين يرتقون إلى مرتبة إستحقاقهم لنزول المدد الملكوتي بفضله ورحمته.
وفي تحقيق الوعد الإلهي في معركة أحد مسائل:
الأولى: لم ينهزم المؤمنون جميعاً بل بقى عدد قليل منهم يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: إن بقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة عنوان لمواصلة المؤمنين القتال.
الثالثة: عاد الذين إنهزموا من المؤمنين إلى وسط الميدان، وباشروا القتال وأجبروا المشركين على التقهقر والتراجع.
الرابعة: وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسط الميدان يقاتل شاهد على إستمرار الدفاع عن الإسلام.
الخامسة: لقد ذكرت الآية السابقة المدد الملكوتي على نحو الإطلاق، ومن غير تقييد بشرط مخصوص، بخلاف هذه الآية التي جاء فيها قيد الصبر والتقوى، بالإضافة إلى أن الكفار لم يرجعوا للقتال.
وتبين هذه الآية غضب الله عز وجل على الكفار بسبب عزمهم على الرجوع، وإدخالهم الفزع الى نفوس المسلمين لقصدهم الرجوع إلى المعركة، وقتال المسلمين والإغارة على المدينة، لقد أهال وأفزع الكفار أمر نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخروجه سالماً من المعركة بعد أن وصلوا اليه وكانوا قريبين منه لايفصل مقاتلوهم عنه إلا أربعة أمتار أو نحوها، وهو في وسط المعركة يقاتل ويدعو المسلمين للرجوع للقتال.
وتجلى للملأ أن نجاة النبي هذه معجزة أخرى له تجعل أفئدة الناس تميل اليه، وتبعث في نفوس أفراد القبائل الرغبة في دخول الإسلام، والشوق لرؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأطلاع على ما ينزل عليه من آيات القرآن فأرادوا غلق هذا الباب الذي فتحوه على أنفسهم بتراجعهم، والإجهاز على المؤمنين وهم منهكون من المعركة، وكثرة الجراحات، ومنشغلون بدفن الشهداء منهم.
فتناجى الكفار بينهم بالعودة إلى القتال مرة أخرى، وبلغ المسلمين عزم الكفار على العودة، لتنزل هذه الآية سكينة، وعوناً لهم في تقيدهم بأحكام وآداب طاعة الله والرسول، وسبباً لإستدامة وحدتهم وأخوتهم الإيمانية وإنقطاعهم إلى العبادات وأداء الفرائض.
وتلك آية من فضل الله عز وجل أن تنزل الآية القرآنية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فتكون لها آثار عظيمة على أقوال وأفعال المسلمين وبما يثبت الإيمان في صدورهم، ويمنع من أسباب الضعف والفرقة.
وتتجلى في هذه الآية المنافع العظيمة للنصر الذي أحرزه المسلمون في معركة بدر لقوله تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، فلم تنحصر منافع النصر بذات المعركة، بل تغشت وتتغشى الوقائع والأيام التي بعد معركة بدر، منها كثرة عدد المسلمين الذين خرجوا للقتال في معركة أحد، ونعتهم في الآية السابقة بصفة الإيمان [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ]( )، أي أن نصر المسلمين في معركة بدر زادهم إيماناً وعزاً وهيبة أمام القبائل والناس جميعاً بأجيالهم المتعاقبة، وتلك معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نبوته والرفعة التي نالها الذين إتبعوه، والذل والهوان الذي لحق الذين حاربوه.
لتكون هذه الأسباب مقدمة لبذل المؤمنين الوسع في القتال يوم أحد، وعوناً لهم في الإمتثال للشرط الوارد في هذه الآية بالصبر والخشية من الله عز وجل وتحقيق المشروط وهو نزول الملائكة مدداً للمؤمنين.
وجاءت الآية بصيغة المضارع (ويأتوكم) للإخبار عن وقوع مجئ الكفار في الزمن اللاحق، ولبيان التعليق والترديد في المجئ، فقد يأتي الكفار وقد لا يأتون، لتكون هذه الآية إحترازاً سماوياً مصاحباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، فليس عندهم فئة وجهة يطلبون منها المدد، إذ يكون هذا الطلب في حال وجود الفئة والجهة عقلائياً ومشروعاً بأن العدو أكثر منا عدداً وعدة، وهو يوم العودة للقتال مرة أخرى، وقد أنهكتنا الجراحات وكثرة الشهداء، فبادروا إلى نصرتنا وفيه الأجر والثواب.
وظهرت على المؤمنين الحاجة إلى الرجال والسلاح، فجاءهم المدد بالملائكة من السماء بقيد تحليهم بتحمل الأذى والعناء في سبيل الله والصبر على مصيبة فقد الأحبة وألم الجراحات، رغبة في الثواب، ورجاء نيل رضا الله عز وجل ورسوله.
لقد جاء الوعد الإلهي للمؤمنين في ساعة الحرج والحاجة لمنع عودة حال الذلة إلى المسلمين، لأن النصر في معركة بدر نعمة عظيمة، وإذا أنعم الله على الناس فانه أكرم من أن يرفعها.
فجاءت هذه الآية لتثبيت نعمة النصر في النفوس وفي المواقع الخارجي وإلى يوم القيامة، ومن النعمة ظهور المسلمين بلباس الصبر والتقوى في معركة بدر وأحد، فأراد الله عز وجل لهم الثبات عليهما، وصيروتهما ملكة مستقرة في نفوسهم بلغة الشرط الواردة في هذه الآية فسواء رجع الكفار أو لم يرجعوا إلى المعركة فان المؤمنين إنتصروا في معركة أحد من وجوه:
الأول: خيبة الكفار، وعدم تحقيقهم للأغراض التي جاءوا بها من مكة.
الثاني: سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل، وهذه السلامة أمر يهم كل مسلم ومسلمة وإلى يوم القيامة، وفيه آية حسية تؤكد صدق نبوته لأن المشركين قطعوا مئات الأميال في رحلة شاقة لقتله، وأصبحوا على بضعة أمتار منه، ويرونه يقاتل، والعدد الذي معه من أصحابه يتناقص، ولم يستطيعوا الوصول اليه، إلا بإصابته ببعض الجراحات التي هي شواهد أخرى على نبوته بلحاظ ما تدل عليه من إقتراب العدو منه، فكسر رباعيته مثلاً يفيد انه لم يأته سهم غارب فأًصابه عرضاً، بل أراد الكفار قتله عن قرب، ولكن الله عز وجل وقاه شرهم.
الثالث: المؤمنون هو الذين بقوا في ميدان المعركة ولم ينسحبوا أو ينهزموا، ولا عبرة بهزيمة فريق منهم أثناء المعركة لأنهم رجعوا إليها، والمدار على خواتيم الأمور خصوصاً في المعارك والقتال.
الرابع: رجوع الكفار عن نية العودة إلى المعركة، وإذ جاءت معركة أحد بعد أحد عشر شهراً من معركة بدر، فان معركة الخندق لم تأت إلا بعد سنتين من معركة أحد، وإضطر الكفار للإستعداد والتجهيز لها بدأب ونشاط، وبذل الأموال.
الخامس: نزول الآية السابقة التي تتضمن الوعد الكريم بنزول ثلاثة آلاف ملك لنصرة المؤمنين.
السادس: مجئ البشارة والأمن والسكينة للمسلمين مع هذه الآية الكريمة، وزوال أسباب الخشية والخوف من الكفار.
السابع: بقاء آثار نصر المسلمين في معركة بدر حتى بعد إنقضاء معركة أحد، وتلك آية في الظفر والنصر الإلهي، فلم يستطع الكفار تحقيق الإنتقام والثأر لهزيمتهم في معركة بدر.
لقد جاء ذكر الصبر والتقوى في الآية بصيغة الشرط المقدم وتعلق المشروط والتالي على الشرط، وفيه مسائل:
الأولى: بيان المنافع العظيمة لكل من الصبر والتقوى في ساحة المعركة.
الثانية: تذكير المسلمين بلزوم اللجوء إلى الصبر والتقوى عند الشدائد.
الثالثة: ان الله عز وجل ينصر ويعين المؤمنين الذين يتحلون بالصبر والتقوى.
الرابعة: ضرورة مجاهدة النفس، والإبتداء بإصلاحها وتهذيبها عند مواجهة الأعداء.
الخامسة: الشرط الوارد في هذه الآية حرب على إبليس، وعصمة للمؤمنين من إغوائه ووسوسته.
السادسة: خوض المسلمين للمعارك مناسبة للإرتقاء في المعارف الإلهية.
السابعة: خروج المسلمين من المعركة بزيادة في الهدى، وثبات على الإيمان.
الثامن: نيل المسلمين لمرتبة مجئ الملائكة مدداً لهم، وتلك آية في خلق الإنسان، وسر من أسرار إكرامه وخلافته في الأرض، ويفيد الجمع بين آية الخلافة بقوله تعالى [إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وبين هذه الآية دعوة الله للملائكة يوم خلق آدم للإستعداد لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في معركة بدر وأحد كي تثبت معالم الإيمان في الأرض، ويبقى الإنسان مؤهلاً لوظائف وأحكام الخلافة بقيود ثلاثة:
الأول: الإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر.
الثاني: الصبر في جنب الله، وتحمل المشاق والعناء طلباً لمرضاته.
الثالث: الخشية من الله عز وجل، والحرص على إتيان الفرائض والواجبات.
لتبقى سنن الأنبياء حاضرة في الأرض إلى يوم القيامة، بعمل [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وهم المسلمون الذين أسس لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون الأوائل دولة الإسلام بإزاحة الكفر عن مواضعه، ونيل المسلمين مرتبة نصر الله ونزول الملائكة مدداً وعوناً لهم في ميادين القتال.
وهذا المدد شاهد على بقاء مبادئ وأحكام الإسلام في الأرض إلى يوم القيامة، فلا ينزل الملائكة من أجل واقعة مخصوصة ليس لها أثر خارج زمانها ومكانها، بل إن نزولهم آية تتعلق بخلق السموات والأرض والملازمة والإرتباط بينهما، وديمومة الحياة فيهما، إذ لا تتقوم الحياة في الأرض إلا بالعبادة قال سبحانه [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وجاء خروج المؤمنين في أحد جهاداً من أجل الناس جميعاً لإرادة إصلاحهم وحملهم على دخول الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة فلا يتضمن خروجهم للقتال في بدر وأحد إكراه الناس على دخول الإسلام وان كان فعلاً صحيحاً وجائزاً شرعاً لوجوب عبادة الله، وتكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالأصول، إلا أن خروج المؤمنين إلى أحد كان دفاعاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمبادئ الإسلام وعن النفوس والأخلاق الحميدة.
فمع أنهم على حق وصدق فقد جاء الكفار لإستئصالهم فكان المؤمنون قلة مستضعفين ليس معهم إلا سلاح الإيمان، ورجاء نزول الوحي من عند الله، فنزل الوحي بآية عظيمة وهي فزع أهل السماء بأعداد كبيرة لنصرتهم وإعانتهم ودفع العدو الكافر عنهم، فلابد من إستقبال هذا المدد العظيم وتهيئة أسباب إكرامه.
وإذ أن الملائكة لايأكلون ولايشربون بل غذاؤهم التسبيح، كما أن دوابهم لاتحتاج إلى العلف ونحوه، وليس عند المؤمنين سلاح وطعام زائد للمدد الذي يأتيهم جاءت هذه الآية لتخبر بأن أسباب وكيفية إستقبال الملائكة تنحصر بإتخاذ المؤمنين لباس الصبر والتقوى ليكون عوناً وسلاحاً بيد الملائكة لبعث الفزع في نفوس الكفار، ويكون حجة في نصرة الملائكة للمؤمنين، وقتل الكفار وهزيمتهم.
ولم تقل الآية (ويأتون) بل قيدت إتيان ومجئ الكفار بأنه للمؤمنين يأتوكم، وفيه مسائل:
الأولى: إنه حجة على الكفار بأنهم يرجعون بقصد التعدي ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الثانية: تحذير المسلمين من عودة الكفار، وإخبار بأن الكفار لايقصدون إلا القتال.
الثالثة: تفويت الفرصة على الكفار إذا أرادوا خداع أو مباغتة المؤمنين، لأن الآية تبين غرض مجيئهم وهو قتال المؤمنين.
الرابعة: بعث المسلمين للإستعداد لمواجهة الأعداء واليقظة في كل وقت، بما فيه ما بعد إنقضاء المعركة مباشرة، فقد يفاجئون بعودة الكفار للقتال كما لو وصل مدد لهم، أو مجئ فرقة أخرى من الكفار للقتال، وما مرت بضع سنوات على نزول هذه الآية حتى تم فتح مكة ودخلت قريش وقبائل كثيرة في الإسلام، وكثر عدد المسلمين، وإذا هم يفاجئون بثقيف تهجم عليهم في معركة حنين، قال تعالى [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا]( ).
الخامسة: عدم وجود فترة بين كل من:
الأول: نزول الآية محل البحث.
الثاني: إحتمال وصول الكفار.
الثالث: نزول الملائكة لنصرة المؤمنين.
السادسة: الإخبار عن بدء القتال حالما يصل الكفار ويتلاقى الجمعان، وليس من فرقة تتوقع مجئ العدو الذي هو أكثر عدداً وعدة، وتكون معصومة من دبيب الخوف والفزع في قلوب أفرادها إلا خير أمة وهم المسلمون، لأن هذه الآية واقية من الخوف، ووسيلة لإستدامة الخشية والخوف من الله عز وجل.
علم المناسبة:
لم يرد لفظ يأتوكم إلا مرتين في القرآن، إحداهما في هذه الآية، والأخرى في مخاطبة بني إسرائيل بقوله تعالى [وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ] ( )، إذ كانت النضير وقريظة أبناء عمومة من اليهود، كالأوس والخزرج، وكانت النضير مع الخزرج، وقريظة مع الأوس، وكل فريق يقاتل مع حلفائه من العرب.
وإذا أسر رجل من أحد الفريقين، جمع له الفريقان معاً المال لينصروه، وقيل لليهود كيف تتقاتلون ثم يفدي بعضكم بعضاً، فقالوا: أمرنا بأن نفدي أسرانا، وحرم القتال بيننا، ولكن نستحي أن نذل حلفاءنا من العرب.
فجاءت الآية وثيقة سماوية لهذا التباين، وبياناً لعظيم فضل الله عز وجل بالإسلام على العرب وبني إسرائيل والناس جميعاً، فقد تآخى الأوس والخزرج تحت راية الإسلام، وجاء لهم إخوان من مكة، والقبائل المحيطة بها وهم المهاجرون.
إذ آخى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين كل فرد من الأنصار وفرد من المهاجرين في آية لم يشهد مثلها تأريخ النحل والملل، وفيه شاهد على تفضيل المسلمين على غيرهم من الأمم، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
ومن وجوه خروجهم للناس في المقام نجاة بني إسرائيل من الإقتتال بينهم، ومفاداة الأسرى منهم ممن ساهموا هم أنفسهم بأسره أي أنهم يقاتلون الى جانب الأوس أو الخزرج ويقومون بأسر إخوانهم من اليهود، ثم يجمعون المال فدية له، وتخليصاً له من الأسر، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً من عند الله عز وجل يدعوهم إلى الإيمان وإلى نبذ القتل والقتال بغير حق.
ولمواجهة الكفار الذين يأتون إلى المدينة حرباً على النبوة والشرائع السماوية كلها بإعتبار أن الإسلام جامع للأحكام الشرعية، والقرآن مهيمن على الكتاب كله.
وتبين الآية الأجر والثواب للمسلمين في التصدي لمن يأتي من الكفار لقتالهم والتعدي على حرمات الإسلام.
قانون” لاخوف عليهم في الدنيا”
لقد ورد قوله تعالى [لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] في القرآن على قسمين:
الأول: الإطلاق في البشارة، فقد ورد إثنتي عشرة مرة بصيغة الجملة الخبرية، وتتضمن بعضها الإطلاق من جهة الزمان في موضوع الآية وإنتفاء الخوف والحزن، منها قوله تعالى [فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الثاني: التقييد، وإرادة اليوم الآخر وعالم الحساب، إذ ورد هذا اللفظ مرتين بصيغة الخطاب، والبشارة بالأمن والسلامة يوم القيامة، قال تعالى [ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ]( ).
لقد أراد الله عز وجل بعث السكينة في قلوب المؤمنين بنزول آيات من القرآن تكون لهم بشارة وتصاحبهم في الحياة الدنيا، وتطرد عنهم الخوف والخشية من الكفار، والآفات في الدنيا.
ومن مصاديق الإطلاق في المقام الوعد الكريم من عند الله عز وجل لآدم وحواء وذريتهما، عند هبوطهما إلى الأرض بقوله تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( )، وتحتمل النسبة بين القسمين وجوهاً:
الأول: تقييد الإطلاق الوارد في بعض الآيات بالتقييد الذي تبينه الآيات التي تذكر يوم القيامة وإنتفاء الخوف والحزن فيه من المؤمنين.
الثاني: إستقلال كل آية في موضوعها.
الثالث: عدم وجود تعارض بين القسمين، لإمكان الجمع بينهما وتكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق.
إذ تشمل الآيات التي تتصف بالإطلاق أفراد الزمان الطولية وإرادة الحياة الدنيا والآخرة، وتختص آيات في إرادة عالم الآخرة لما فيه من أهوال الحساب وحضور أعمال العباد في الدنيا، وعالم الجزاء.
لقد جاءت الآية أعلاه من سورة البقرة وعداً كريماً بالأمن والسلامة على نحو الإطلاق الزماني لمن إختار الهداية وإتبع الأنبياء، لتكون معركة أحد مصداقاً لأمور:
الأول: الأمة التي تتبع الهدى، وهم المؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: رجاء المسلمين للثواب شاهد على إستدامة وبقاء الوعد الإلهي ثابتاً في الأجيال المتعاقبة.
الثالث: عمومات قوله تعالى [لاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( )، وشمولها الحياة الدنيا بلحاظ الآية محل البحث التي جاءت بالبشارة والوعد الكريم للمسلمين.
وجاءت البشارة بالمدد من الملائكة لطرد الخوف والحزن من نفوس المسلمين، وهم في أشد وأصعب الأحوال، إذ فرغوا من معركة قاسية لتأتيهم الأخبار بعزم الكفار على العودة إلى القتال مع إحتمال مجئ مدد للكفار من مكة وقبائل أخرى ليتحقق الوعد الإلهي عند هبوط آدم وحواء بأبهى مصاديقه في بعث الأمن والسكينة في نفوس الأجيال المتعاقبة من المؤمنين إلى يوم القيامة.
لقد خرج نفر من المسلمين الأوائل إلى القتال في معركة أحد، لتصاحب المسلمين البشارة بالأمن والسلامة في النشأتين بقيد الصبر والخشية من الله عز وجل، وفيه شاهد على عدم إمكان إجتماع وجهين متضادين من الخشية في قلب الإنسان، فمن يؤمن بالله ويصبر طلباً لمرضاته، ويخشاه في الغيب، لا يخاف أو يخشى الكفار والظالمين، وإن عزموا على الهجوم، وأرادوا الإنقضاض على المسلمين، والنيل منهم وهناك شواهد تأريخية كثيرة تدل على صرف ضرر وكيد الكفار، وإبطال مكرهم ونواياهم في التعدي على بلاد المسلمين.
وقد يأتي بعض الأمراء والقواد بقصد الإنتقام من المسلمين، وهدم الصرح الذي شيدوه في مجتمعات آمنة مستقرة، فيحصل العكس، ويدخل الأمراء والقادة في الإسلام،أو يهلكوا ويزول سلطانهم،ويدخل أبناؤهم في الإسلام.
لقد جاءت هذه الآية بالبشارة بنزول الملائكة من عند الله عز وجل مدداً من الله عز وجل للمؤمنين في معركة أحد وما ترشح عنها، لتكون مناسبة لإنتفاء الفزع والخوف من نفوس المؤمنين، وهذا الإنتفاء مقدمة لإمتلاء النفوس بالخشية من الله عز وجل، وهو من إعجاز الآية القرآنية بأن تأتي بشارة بخصوص واقعة مخصوصة ولكن منافعها باقية ومتجددة إلى يوم القيامة.
فلا يستطيع أحد القول أن موضوع الآية لم يتحقق في الواقع وهو عودة الكفار إلى القتال وأن الآية خاصة بتلك العودة وكأنها من إنتفاء المشروط لإنتفاء شرطه.
بل أن الآية جاءت بمضامين قدسية نافعة للمسلمين جميعاً وإلى يوم القيامة، فهي فيض وخير محض نزل من السماء ليكون ضياء ينير دروب الإيمان والجهاد للمسلمين، وسلاحاً نوعياً عاماً يبعث المسلمين على التحلي بالصبر والخشية من الله عز وجل.
لقد خرج المؤمنون لمواجهة الحتوف، ولمعان السيوف في أحد، وخاضوا المعركة وأستشهد عدد منهم، وجُرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدد من المؤمنين، ولم يكلوا ولم يتعبوا في مرضاة الله بل تلقوا أخبار عودة الكفار للقتال بالتوكل على الله، واللجوء إليه سبحانه وحينما وصلت رسالة من أبي سفيان إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقوله (أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد، فأخبروه بالذى قال أبو سفيان وأصحابه، فقال : حسبنا الله ونعم الوكيل) ( ).
لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلب العدو في اليوم الثاني لواقعة أحد، إذ خرج في اليوم السادس عشر من شوال في السنة الثالثة للهجرة، بعد أن أذن مؤذنه بالخروج.
وفي هذا الخروج مسائل:
الأولى: إنه دليل على عدم حصول الخوف عند المسلمين من الكفار، ففي أشد حالات الأذى والضرر، خرج المؤمنون للتصدي للعدو.
الثانية: لم يعترض بعض المسلمين أو أزواجهم على الخروج، ولم يحتج فرد واحد منهم بالجهد والعناء والأذى الذي لاقوه في أحد.
الثالثة: إشتراط النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للذي يخرج أن يكون من الذين شاركوا في معركة أحد،، قال ابن إسحاق: فأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس( ).
وفيه معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: بيان الفضل والمنزلة الرفيعة التي نالها الذين قاتلوا يوم أحد
الثاني: دعوة المسلمين والمسلمات بأجيالهم المتعاقبة لتوثيق أسماء الذين أحرزوا شرف المشاركة في معركة أحد.
الثالث: بيان إصطلاح الخروج وأن المراد منه خروج المؤمنين الذين شاركوا في المعركة وأن المنافقين الذين إنخزلوا في الطريق لايصدق عليهم عنوان الخروج.
الرابع: الإخبار عن الثواب العظيم لمن يخرج إلى القتال حالما يعود من المعركة من غير ملل أو ضجر أو تعب.
الخامس:عدم مؤاخذة الذين لم يخرجوا للقتال من المسلمين،ولكن إستثناءهم من الخروج اللاحق إخبار عن غلقهم لباب الجهاد والثواب عن أنفسهم.
السادس: إجتناب خروج المنافقين والذين في قلوبهم مرض والوقاية من إثارتهم أسباب الشك والريب عند الخروج، فيكون عدم خروجهم أحسن لهم وللمسلمين من خروجهم.
السابع: إظهار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكفاية والإستغناء، وموضوع الكفاية والغنى في المقام هو التوكل على الله وتلقي البشارات من عنده سبحانه، ومنه هذه الآية الكريمة فان المدد السماوي بثلاثة آلاف ملك كاف لنصر وغلبة المسلمين وهزيمة الكفار.
الرابعة: في الآية دعوة للصحابة والمسلمين عموماً لمواصلة الجهاد، وعدم الخشية من الكفار الذين يعتدون عليهم.
الخامسة: جاءت هذه الآية لإشتراط الصبر والتقوى، وهذا الشرط عون للمؤمنين في الخروج التالي للمعركة.
السادسة: تبين مضامين الآية، ووقائع المعركة أن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين مرة أخرى إلى القتال حاجة لهم ولبناء الإسلام وصرح المبادئ.
السابعة: بعث الفزع والخوف في قلوب قريش.
الثامنة: جعل عموم الكفار يكفون عن السعي للإضرار بالمسلمين.
التاسعة: إبطال إدعاء الكفار بإنتصارهم في أحد، وقطع الإشاعات التي تقول أن المسلمين خسروا المعركة، فالذين يخرجون في اليوم التالي للمعركة طلباً للعدو الذي قاتلهم بالأمس ليسوا مهزومين في المعركة.
العاشرة: إذن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للذين تخلفوا عن معركة بدر عن عذر، بالخروج في اليوم التالي، كما في جابر بن عبد الله الأنصاري الذي إعتذر للنبي بأن أباه أراد الخروج في أحد، وقال له تخلف على أخواتك.
الحادية عشرة: خروج بعض الجرحى في أحد كي لايفوتهم الأجر والثواب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية عشرة: إحراز المؤمنين الثواب بالخروج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة عشرة: الخروج مناسبة للتحلي بالصبر والتقوى لورودهما شرطين في هذه الآية الكريمة.
الرابعة عشرة: خروج المؤمنين للقتال في اليوم التالي لمعركة أحد شاهد على أنه لاخوف عليهم من الكفار، وأنهم يرجون رحمة الله عز وجل، وجاءت البشارة في هذه الآية واقية للمسلمين جميعاً من الخوف والحزن.
الخامسة عشرة: تدل سلامة ووقاية المؤمنين من الخوف في المعركة ووعيد الكفار، على عدم خوفهم من الكفار في حالات السلم.
السادسة عشرة: عدم الخوف في الدنيا مقدمة وبشارة الأمن والغبطة والسعادة في الآخرة.
وهل يمكن تأسيس قواعد لمناسبة الآية هي:
الأولى: من لايخاف في الدنيا لايخاف في الآخرة.
الثانية: الذي يخاف في الدنيا يخاف في الآخرة.
الثالثة: الذي لا يخاف في الآخرة لايخاف في الدنيا.
الرابعة: الذي يخاف في الآخرة يخاف في الدنيا.
الجواب لا ملازمة بين الدنيا والآخرة من جهة الخوف والحزن، إذ أن حال الإنسان فيها على وجوه:
الأول: الخوف في الدنيا دون الآخرة.
الثاني: الخوف في الدنيا والآخرة.
الثالث: الخوف في الآخرة دون الدنيا كما في السلاطين الكفار فمنهم من لايخشى أحداً من أهل مملكته في الدنيا، ولكنه يخاف يوم الفزع الأكبر أشد الخوف.
الرابع: من لا يخاف في الدنيا وفي الآخرة، كما في المؤمنين الذين خرجوا للقتال في أحد، وبادروا للقاء العدو إن رجع للقتال، خوفاًمن عذاب الله، ورجاء الفوز برضاه.
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( )، فانه سبحانه يتفضل على عباده المؤمنين الذين يجاهدون تحت لواء رسول الله لدفع العدو مع كثرته وقوته بالأمن والسلامة في الدنيا والآخرة.
وتفيد هذه الآية وما فيها من الإخبار عن المدد الملكوتي للمؤمنين، أنه لاخوف عليهم وإن رجع الكفار من فورهم إلى ميدان المعركة، وفيه آية في الفضل الإلهي على المؤمنين أن تنزل عليهم شآبيب الرحمة والبشارة من السماء في ساعة الضيق والشدة، ويتوجهون لمواجهة الأعداء برباطة جأش وثقة بالنصر والغلبة.
فلا يجدون العدو إذ أنه إنهزم أمامهم، ورجع إلى مكة خائباً، وفيه دليل آخر على أن المسلمين لم يخسروا معركة أحد، وأن الكفار لم ينتصروا فيها، ومن الشواهد على عدم إنتصارهم رجوعهم إلى مكة وإلى بيوتهم ومنتدياتهم وليس معهم غنائم أو أسرى من المسلمين.
ويدل خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين خلف الكفار على مصاحبة الخوف للكفار إلى حين دخولهم مكة، الخوف من المؤمنين ومن الملائكة ومن الناس والقبائل التي كانت تسمع قريشاً وهي تتوعد وتذم المؤمنين، وتنكر نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قانون “الإطلاق الزماني للآية”
تنزل الآية القرآنية من عند الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة بالناس جميعاً، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، فكل آية وسيلة سماوية مباركة لهداية الناس فلا تنحصر الرحمة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل تشمل أفرادها كل آية من القرآن.
لذا تفضل الله عز وجل وأنزل القرآن نجوماً وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة، ليتدبر المسلمون والناس جميعاً في كل آية تنزل على نحو مستقل، وكان المسلمون يسأل بعضهم بعضاً هل نزل اليوم قرآن على النبي فاذا كان الجواب نعم، سألوا تلاوة الآية لسماعها والتفكر في معانيها ودلالتها، وإقتباس الدروس والدرر منها، والعناية بها على نحو مستقل، وهو من وسائل وصيغ سلامة القرآن من التحريف.
ومن آيات القرآن ما كانت لها أسباب نزول تتعلق بالموضوع أو الحكم لتساهم هذه الأسباب في حفظ الآية ورسوخها في الوجود الذهني، وإقترانها في الذاكرة مع الواقعة والحدث وأثر الآية القرآنية فيما ترشح من النتائج، وحفظ الآية التي لها أسباب للنزول عون لحفظ الآية التي ليس لها أسباب نزول لإدراك المسلمين لوحدة السنخية السماوية لآيات القرآن.
وكل آية قرآنية خزينة تستخرج منها أمهات العلوم، وأبواب من المعرفة، وضياء ينير للمسلمين دروب الحياة، وطريق مبارك إلى السعادة الأبدية في الجنة الخالدة.
وجاءت الآية محل البحث بخصوص موضوع معين، وهو وصول أخبار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بعودة الكفار للقتال في أحد بعد أن إنسحبوا من المعركة، لتكون الآية حرزاً وسلامة للمؤمنين وشاهداً على فضل الله عليهم بجعل الإيمان مستقراً في نفوسهم بعدم الجزع من القتال وتجدده,
وأن أشد ما يكون على المقاتل أن تنتهي المعركة، ويميل إلى الراحة منها ومن دفن القتلى ومعالجة الجرحى فيأتي الخبر بعودة العدو للقتال، بالإضافة إلى موضوعية موضوع القتال، فالمؤمنون على الحق والهدى والكفار على الباطل والضلالة، ومع هذا تكون المبادرة بيد الكفار، فهم الذين يهجمون ويقطعون المسافات الطويلة لقتال المسلمين، وينوون العودة للقتال بقصد إستئصال الإسلام وإبادة المسلمين.
فنزلت هذه الآية لتكون مدداً للمؤمنين، أي أنها بذاتها مدد إلى جانب حملها لبشارة المدد الملكوتي من السماء، وهذا وحده من وجوه إعجاز الآية القرآنية في باب الموضوع والحكم، فتنزل الآية في موضوع لتكون آية ومعجزة في ذات الموضوع ودلالاته.
وكأن هذه الآية مقدمة للمدد الملكوتي، فمع نزول هذه الآية الكريمة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينبعث المسلمون نحو مقامات الصبر والتقوى، لأنهما شرط لحاجة دنيوية آنية، وأخروية عامة.
ولأن أذهانهم لم تعد مشغولة بالفزع وأسباب الوقاية والخوف من الكفار، ولا تنحصر منافع المدد والنصرة الإلهية بهذه الآية بأيام نزولها، والمخاطبين بها بل تتغشى عموم المسلمين والمسلمات في الأزمنة المتعاقبة، وفي كل مصر من أمصارهم.
مما يدل على أن المدار ليس على الواقعة والحدث وزمن ومناسبة نزول الآية بل موضوع الآية القرآنية أعم، ليبقى القرآن غضاً طرياً إلى يوم القيامة.
وفي أي جيل من أجيال المسلمين يتلو المسلم الآية القرآنية فيشعر وكأنها تنزل الآن في أيامه، ويرى الأحوال التي من حوله بيئة صالحة لمضامين الآية القرآنية، وفيه سر من أسرار الآية القرآنية، وإستدامة وظائفها في بعث المسلمين على أداء الوظائف العبادية وتقيدهم بأحكام الشريعة الإسلامية.
فتدعو هذه الآية المسلمين والمسلمات إلى التحلي بالصبر والتقوى، وتحتمل هذه العودة في زمانها وجوهاً:
الأول: مجئ الدعوة مرة واحدة عند نزول الآية.
الثاني: توجه ذات الدعوة التي جاءت في أيام النزول في كل زمان.
الثالث: تجدد الدعوة في كل تلاوة للقرآن وفي كل زمان.
والصحيح هو الثالث، فمن إعجاز الآية القرآنية نضارتها الدائمة، ومناسبتها للزمان الذي تتلى فيه وإدراك المسلمين للحاجة إليها وإلى مضامينها القدسية منا في هذه الآية إذ يحتاج المسلمون ملكة الصبر، وتحمل الأذى في جنب الله.
ومن الآيات أن تعدي الكفار على المسلمين لم ينقطع في معركة أحد ولم ينته مع زمن الصحابة بل هو مستمر، بالإضافة إلى حقيقة وهي أن حاجة المسلمين لا تنحصر في موضوع القتال، وميدان المعركة، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: الصبر ثلاثة: صبر على الطاعة، وصبر عند المصيبة، وصبر عن المعصية.
فمن الآيات أن المؤمنين يتوجهون إلى الله بالدعاء والمسألة للسلامة من المعركة، فتأتي الآية بالبشارة بالمدد من الملائكة والذي يعني السلامة القطعية من كيد العدو، وإلحاق الهزيمة به، والأمر للمسلمين بإتخاذ الصبر وسيلة للإرتقاء في مقامات العبادة والصلاح كما يحتاجون العون والمدد من الله عز وجل في أمور حياتهم كلها.
وهل في الآية بشارة سيادة الإسلام، وتولي المسلمين شؤون الحكم والقضاء بين الناس، الجواب نعم، إذ جاء الأمر الإلهي للمسلمين بالتحلي بالتقوى والخشية منه تعالى، وتدعو هذه الآية المسلمين في كل زمان إلى التقيد بآداب الصبر والتقوى لجلب المنافع، ودفع المفاسد والشرور.
لتتجدد معه مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، فمن خصائص خير أمة إستمرار إظهارها معاني الصبر والتقوى في القول والفعل، فلا يترك المسلمون العمل بأحكام الشريعة وان تقادمت الأحقاب، ويتخذون الصبر والتقوى سلاحاً للحرب على التحريف والتغيير في الفرائض والواجبات، مما يبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار منهم.
لقد واجهت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسباب الشك والريب من المشركين والفاسقين، فجاءت هذه الآية للوقاية النوعية العامة من هذه الأسباب، ولدعوة أهل الشك والريب لدخول الإسلام من وجوه:
الأول:ما في الآية الكريمة من الشرط الحميد.
الثاني: إتصاف الشرط في الآية بالحسن الذاتي، وهو خير محض.
الثالث: إمتثال المسلمين لما في الآية القرآنية من الشرط لذاته، ولأنه مقدمة لتحقق المشروط.
وهل يضر الشرط الوارد في الآية الكفار، الجواب أنه يضرهم بلحاظ تلبسهم بالكفر والجحود، وإلا فهو في غاياته رحمة بهم، وسبيل لثوبهم وصلاحهم، ووسيلة سماوية ليكفوا عن قتال المسلمين، فالمسلم إذا قتل في المعركة يفوز بالشهادة والنعيم الدائم.
ولو خرج من المعركة سالماً فانه ينال ثواب القتال والجهاد في سبيل الله، ويتجدد ثوابه كل يوم بل كل ساعة بتعاهده للإيمان، وأدائه للفرائض والعبادات، أما الكافر فانه إذا قتل في المعركة يكون مصيره إلى الجحيم، أما لو خرج سالماً من المعركة فإنه يستمر في كيده للمسلمين وتعديه على الإسلام، مما يزيده إثماً ويكون سبباً بزيادة عذابه وتعجيل عقوبته ومنها نزول الملائكة للبطش به، لذا جاء المدد الملكوتي لنصرة المسلمين، وإستئصال الكفار لأنهم أرادوا إبادة المسلمين.
لذا حين همّ الكفار بالرجعة بشر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو بحمراء الأسد أصحابه الذين معه بالنصر والإنتقام الإلهي العاجل من أولئك الكفار( ).
فجاءت هذه الآية للبشارة بإستئصالهم إن رجعوا مرة أخرى للقتال، وهو من أسباب كثرة عدد الملائكة وأنهم خمسة آلاف ملك، ووردت هذه الآية بأكثر عدد من الملائكة يكون مدداً للمسلمين، إذ أنه جاء في القرآن على ثلاثة وجوه:
الأول: المدد والنصرة بثلاثة آلاف ملك، كما في الآية السابقة.
الثاني: البشارة بالمدد بخمسة آلاف من الملائكة، كما في هذه الآية الكريمة.
الثالث: نزول ألف من الملائكة مدداً، قال تعالى [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ).
إن دعوة الكفار للرجوع للمعركة إصرار على الجحود، وإرادة الإنتقام من المؤمنين، ومناجاة بالباطل، وعزم على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاء الوعد الإلهي بالبطش بهم، وتنزيه الأرض منهم، وجعلهم عبرة وموعظة لغيرهم من الناس، في زمان التنزيل والنبوة، وفي الأزمنة اللاحقة، وهو من المصاديق على الإطلاق الزماني للآية القرآنية ليتطلع المسلمون في كل زمان إلى البشارة والمدد من عند الله.
بحث أصولي
يأتي المفهوم بمعنى المدلول الذي يفهم من اللفظ سواء كان مفرداً أو جملة، وجاء مطلقاً أو مقيداً، حقيقة أو مجازاً، ويأتي بإصطلاح علم الأصول لإرادة ما يقابل المنطوق في المعنى فيما يخص الدلالة والمعنى.
سواء كانت جملة إنشائية أو إخبارية بحيث يستقرأ المفهوم من منطوق الآية ويكون ملازماً له من غير أن يكون ظاهراً في ألفاظ وتركيب الجملة، وينقسم المفهوم إلى قسمين:
الأول: مفهوم الموافقة: وهو الذي تكون فيه دلالة المفهوم موافقة لدلالة وحكم المنطوق، فاذا كان الحكم الوجوب مثلاً فكذا بالنسبة للمفهوم كما في الأمر الإلهي بطاعة الرسول فانها تعني بالأولوية طاعة الله عز وجل، ولأن الرسول لايأمر ولاينهى إلا بالوحي، ويسمى (فحوى الخطاب).
الثاني: مفهوم المخالفة: وهو الذي تأتي فيه الدلالة والحكم مخالفين للحكم الذي يدل عليه المنطوق وله وجوه عديدة هي مفهوم كل من:

  • الشرط.
  • الوصف.
  • الغاية.
  • الحصر.
  • العدد.
  • اللقب.
    ولكن هذه المخالفة ليست تامة إنما تأتي هذه المفاهيم في طول مفهوم الموافقة وليس في عرضه.
    ويمكن تأسيس وجه آخر من وجوه مفهوم المخالفة في اللفظ القرآني خاص بالخطاب القرآني، فان البشارة للمؤمنين في هذه الآية إنذار ووعيد للكافرين، وتلك آية في إعجاز القرآن، وشاهد على النفع العام للآية القرآنية، وعدم إنحصار مضامينها بالمسلمين.
    لقد خلق الله عز وجل الناس لعبادته، ومن الآيات أنه سبحانه يصلحهم للعبادة في كل أيامهم في الدنيا، ويجذبهم إلى منازل الهداية والإيمان بالبشارة والإنذار، والوعد والوعيد فينتفع الكفار من البشارات التي جاءت للمسلمين، وينتفعون من لغة الوعيد الموجهة إليهم.
    فلا غرابة أن يدخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون مكة فاتحين بعد بعد معركة أحد بخمس سنوات من غير أدنى مقاومة من قريش، وتلك آية في صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تظهر قريش يوم الفتح ما يدل على أنها أسلمت كرهاً، بل بادروا إلى الإسلام مع تخلفهم عن منازلهم الإجتماعية لفوز آلاف المؤمنين من مختلف القبائل بالسبق في دخول الإسلام.
    ولاينحصر الإنتفاع من مفهوم الآية بالكفار، بل يشمل المؤمنين لأنهم يعلمون أن مجئ البشارة لهم بالمدد الملكوتي يبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار، ويعرضهم للقتل وأموالهم للتلف، فيدرك المسلمون قرب النصر، ويصبحون أكثر قوة، وينصرف الخوف والحزن عن قلوبهم، ويقبلون على العبادات بشوق ورضا، ويتلذذون بالإمتثال لما في هذه الآية من شرط الصبر والتقوى.
    قانون ” كل آية قرآنية مدد”
    لقد فضّل الله عز وجل المسلمين وجعلهم [ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وفي هذه المرتبة الرفيعة نعمة عظيمة، ومن الآيات أن النعم الإلهية تتوالى على المسلمين بما يجعلهم يتعاهدون هذه المنزلة ويحرصون عليها، ومن خصائص خير أمة الإنتفاع الأمثل من النعمة الإلهية، كما يتجلى في آيات القرآن، من وجوه:
    الأول: كل آية من آيات القرآن نعمة قائمة بذاتها.
    الثاني: يأخذ كل مسلم ما يحتاج إليه من خزائن الآية الإلهية دون أن ينقص منها شيء.
    الثالث: الآية القرآنية ضياء ينير دروب المسلمين في ميادين الحياة المختلفة.
    الرابع: الآية حرز وواقية من عذاب النار.
    الخامس: الإمتثال لما في الآية القرآنية من الأوامر مقدمة وطريق لإحراز السعادة الأبدية.
    السادس: الآية القرآنية مدد للمسلمين مجتمعين ومتفرقين.
    وتلك معجزة من معجزات القرآن مطلقاً، وآياته خاصة، فكل آية قرآنية عون لهم في أمور دينهم ودنياهم، إذ يستنبطون منها الأحكام، ويستضيئون بنورها، ويعملون بما فيها من الأوامر، ويجتنبون ما تنهى عنه، ليكون هذا العون من خصائص المسلمين وهو مدد مصاحب لهم في الدنيا.
    وكما كان مدد الملائكة يوم بدر وأحد كثيراً وأن قوة وقدرات كل ملك عظيمة وكبيرة، فكذا بالنسبة للمدد القرآني فان كل آية لها منافع وفوائد عظيمة في منطوقها ومفهومها ومضمونها ودلالاتها، وما في تلاوتها من الأجر والثواب.
    ومن فضل الله عز وجل في الإنتفاع من هذا المدد القراءة الواجبة لآيات وسور القرآن في الصلاة وعدم إنحصار هذا الوجوب بالرجال بل يشمل النساء بعرض واحد مع الرجال لأن المدد القرآني عام وشامل لكل مسلم ومسلمة فان خص الله عز وجل المؤمنين الذين خرجوا لبدر وأحد بالمدد من الملائكة فانه تعالى رزق المسلمين المدد القرآني وجعل كل آية مصاحبة لهم في البيت والعمل والسوق، وفي السفر، والسلم والحرب.
    فهذه الآية مثلاً مدد للمؤمنين في معركة أحد، فلا يستطيع المسلمون الإستغناء عن المدد القرآني، وكان مقدمة لخروجهم إلى أحد، وعوناً لهم أثناء المعركة كما في الآية السابقة وهذه الآية وما فيها من البشارات في السلامة من العدو، وتلقيه الخسارة الفادحة ليكون موضوعها مدداً للمسلمين، ودعوة لهم لإقتباس الدروس من صبر وتقوى المسلمين الأوائل، والسعي لنيل ماجاءهم من المدد.
    فان قيل أن المدد كان في المعركة على نحو الحصر المكاني والزماني، والجواب إن الله واسع كريم فهو الذي يمد المؤمنين في ميدان المعركة وفي حال السلم، وفي الحضر والسفر، لتبقى الآية محل البحث مدداً سماوياً دائماً للمسلمين مجتمعين ومتفرقين.
    لذا أنعم الله عز وجل على المسلمين وجعل آيات القرآن سالمة من التحريف، وخالية من الزيادة، ولم يطرأ عليها النقص والتغيير، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
    فجاء حفظ آيات القرآن مدداً إضافياً للمسلمين لأن التحريف يحول دون الإنتفاع الأمثل من المدد السماوي والتنزيلي، ولذا سمّت الآية أعلاه آيات القرآن (الذكر) لأن في كل آية تذكيراً للمسلمين والناس جميعاً بوجوب عبادة الله عز وجل وإجتناب معاصيه، وحثاً على ذكر النعم التي أنعم الله عز وجل بها على المسلمين، وإستحضارها في الوجود الذهني والتطلع إلى مثلها فضلاً من عند الله.
    وتأتي الآية محل البحث لتكون بذاتها ذكراً للنعم التي أنعم الله تعالى بها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة، وبرزخاً دون تحريف القرآن، وتغيير الوقائع وأخبار الحوادث، فمن وجوه المدد في الآية القرآنية منع التعدي على المسلمين وتأريخهم المشرف، وجهادهم في سبيل الله ولولا هذه الآية لقيل أن المسلمين إنهزموا في معركة أحد.
    فجاءت هذه الآية لتؤكد أن المسلمين إستمروا في القتال في ميدان المعركة، وخرجوا من المعركة وهم قادرون على مواجهة العدو، ومحاربته وقتاله، والحاق الهزيمة به بالصبر والتقوى والمدد الملكوتي.
    ويمكن دراسة كل آية قرآنية، ومعرفة وجوه ومصاديق المدد والعون فيها للمسلمين جميعاً، وكيف أنها ناصر لهم، ومن أفراد المدد والعون في الآية محل البحث وجوه:
    الأول: حضور التنزيل والوحي مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وعدم مغادرته لهم في أشد وأقسى الأحوال.
    الثاني: مجئ البشارة السماوية في حال العسر والحرج.
    الثالث: الإخبار عن نزول الملائكة لنصرة المسلمين.
    الرابع: تنبيه المسلمين إلى لزوم التقيد بآداب الصبر والخشية من الله عز وجل في الحرب والسلم.
    الخامس: زيادة إيمان المؤمنين في ميادين القتال، فالأصل هو أن يتسرب الشك والريب إلى النفوس في أثناء المعركة، ولمعان السيوف، وطعن السنان( ).
    ولكن العكس هو الذي حصل للمؤمنين، فانهم إزدادوا أثناء المعركة إيماناً لأن الله عز وجل أنعم عليهم بالمدد الملكوتي، وجعل المدد القرآني سابقاً له ومتأخراً عليه، ووعداً بتجدده.
    إذ جاءت الآية السابقة بالبشارة بنزول ثلاثة آلاف من الملائكة وجاءت هذه الآية عند إنتهاء المعركة وظهور أخبار بعودة الكفار للقتال، لتكون عوناً لاحقاً لعدم الهزيمة في المعركة، وبشارة الأمن والسلامة من إشاعة عودتهم، ومن تلك العودة، إذا حصلت، وإذا كان الكفار لم يعودوا للقتال فان هذه الآية ظلت مدداً للمؤمنين الذين إشتركوا في معركة أحد، وهي عون لهم وتبعث السكينة في قلوبهم.
    لذا جاءت الآية السابقة بقوله تعالى [وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ] مما يدل على أن المدد بالآية القرآنية قهر للنفس الشهوية والغضبية، وبرزخ من الضعف والوهن والجبن.
    قانون “ويأتوكم”
    لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا داراً للصراع بين الإيمان والكفر، ليسعى المسلمون في سبيل الله، ويتخذوا الوسائل لدعوة الناس للإيمان وتنزيه الأرض من الكفر والضلالة والجحود.
    وجاءت هذه الآية لتبين بعض خصائص هذا الصراع وهي:
    الأول: قصد الكفار لقتال المسلمين، فقد يتبادر إلى الذهن أن الكفار
    يحرصون على عدم التعدي على الإسلام، لأنهم يشعرون بتقصيرهم وتخلفهم عن وظائفهم العبادية، وأن المسلمين يدعون إلى الهداية والصلاح وهما أمران يتصفان بالحسن عقلاً وشرعاً، فليس من سبب للهجوم عليهم، ولكن هذه الآية تبين أن الكفار يهجمون على المسلمين ثم يعاودون الهجوم مرة أخرى، إذ يدل قوله تعالى [وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا] على إنتهاء المعركة ومغادرة جيش الكفار، وعزمه على العودة قبل أن يصل إلى مكة المكرمة وكأن مكة تلفظهم ولا تريد رجوعهم لها، وتود أن يعودوا إلى ميدان المعركة ليتلقاهم الملائكة بالعذاب والقتل، قال تعالى [فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ]( ).
    الثاني: إصرار الكفار على الجحود، وإستعدادهم لبذل الإموال والأنفس للبقاء على الكفر مع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يدعهم إلا لما فيه نفعهم في النشأتين.
    الثالث: بقاء مفاهيم الإيمان في الأرض وأن إجتهد الكفار في محاربتها، ومنع الناس من دخول الإسلام.
    الرابع: نصر الله عز وجل للمسلمين، وإعانتهم لهم قال تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ]( ).
    الخامس : سلامة المسلمين وأمصارهم من كيد الكفار، ومناجاتهم بالإثم والعدوان.
    لقد أراد الله عز وجل من ميدان المعركة مناسبة لدعوة الكفار للإسلام، ولا تنحصر هذه الدعوة بالكفار الذين يحضرون المعركة، ويرون معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمدد الإلهي للمؤمنين، بل يشمل من خلفهم من الكفار والذين في زمانهم والأزمنة اللاحقة.
    لذا جاءت هذه الآية وثيقة سماوية تأمر المسلمين بالتحلي بالصبر والتقوى وإظهار معاني الإيمان على جوارحهم وأفعالهم، لقد كان التباين في معركة بدر وأحد ظاهراً بخصوص عدد وعدة الفريقين، ورجحانه إلى جانب الكفار.
    ولكن المؤمنين كانوا يحملون سلاح الإيمان، ويلهجون بذكر الله والتضرع إليه وسؤال النصر والغلبة على الأعداء، لتدل نتيجة معارك الإسلام على إمضاء وقوة وأثر سلاح الدعاء، وتخلف السيف والرمح والخيل عن بلوغ معشار أثره.
    وجاءت هذه الآية الكريمة لحث المسلمين على الدعاء لأن الصبر والتقوى مقدمتان كريمتان للدعاء، ومناسبة للإنقطاع إلى الله والتضرع اليه، وتعاهد الصلاة والمناسك.
    لقد جاءت الآية بثلاثة أمور:
    الأول:الصبر.
    الثاني: التقوى.
    الثالث: مجئ الكفار.
    ليجتمع عند المسلمين في قتالهم مع الكفار أسلحة وأمور مباركة هي:
    الأول: وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المؤمنين في ميدان المعركة.
    الثاني: نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة، وفيما يخص القتال ومقدماته.
    الثالث: موضوعية السنة النبوية في المعركة، وهي جزء من الوحي.
    الرابع: تحلي المؤمنين بآداب وسنن الصبر.
    الخامس: خشية المؤمنين من الله أثناء المعركة، ومن مصاديق الخشية منه سبحانه الفداء والتضحية والإيثار، والتفاني في مرضاة الله عز وجل.
    ويأتي الكفار وليس معهم إلا السيف والعدة والرواحل، وليس من موضوع يقاتلون من أجله، وتؤكد هذه الآية على حقيقة وهي أن الله عز وجل مع المؤمنين، ولن يتركهم عرضة لفتك وبطش الكفار، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ]( ).
    ترى لماذا قدمت الآية الصبر والتقوى، ولم تقل (بلى أن يأتوكم من فورهم هذا وتصبروا وتتقوا) الجواب في تقديم الصبر تنمية ملكة الصبر عند المسلمين، لأن القتال أشد المواطن على الفرد والجماعة.
    فجاءت الآية بالحث على الصبر كي يسهل على المؤمنين اللجوء الى الصبر في المواطن الأخرى مثل البيع والشراء ودرء الشره والطمع، وحلول المصيبة، وإظهار معاني الصبر عندها بالإسترجاع وذكر الله عز وجل، وإتيان الفرائض والعبادات من غير ملل أو ضجر.
    وقد سمي شهر رمضان شهر الصبر لما فيه من الصبر عن الأكل والشرب والجماع وهو واقية من كيد وتعدي الكفار، ووسيلة لجذب نصرة الملائكة وإعانتهم للمؤمنين، فكأن الآية تقول للمسلمين تعاهدوا العبادات كي يكون نصر الله قريباً منكم، والمدد السماوي حاضراً لنجدتكم وإغاثتكم.
    والصبر سلاح للتصدي للكفار لذا قدمته الآية الكريمة، ويحتمل في المقام وجوهاً:
    الأول: الصبر على نحو القضية الشخصية بأن المؤمن يصبر في القتال وعند الشدائد.
    الثاني: الصبر على نحو القضية النوعية بأن يكون المؤمنون أمة صابرة.
    الثالث: المعنى الأعم، وإرادة الصبر الشخصي والنوعي، وعلى نحو العموم الإستغراقي، والمجموعي فكل مؤمن يكون صابراً محتسباً، والمؤمنون جميعاً صابرون مطيعون لله ورسوله.
    ليرى الملائكة أهل الأرض على فريقين، فريق يتصف بالإيمان والتقوى يقاتل تحت لواء النبوة، ولتثبيت أحكام الخلافة في الأرض، وفريق كافر يظهر الفساد في الأرض بإنكاره للنبوة مع وضوح دلالاتها الباهرات، ولتتجلى حقيقة وهي أن إحتجاج الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا] ( )، لا يشمل أهل الأرض جميعاً.
    وأن الإيمان والصلاح هما اللذان يعمران الأرض، وهل في الآية تفضيل للمؤمنين على الملائكة من وجوه:
    الأول: خرج المؤمنون طواعية وإبتداء لقتال الكفار، ونزل الملائكة بأمر من الله عز وجل، وهم لا يعصون لله أمراً.
    الثاني: يدخل المؤمنون المعركة بعدد قليل، وعدة غير كافية ليواجهوا جيشاً كبيراً وبعدة كافية لكثرته.
    الثالث: يقاتل المؤمنون، والقتل قريب منهم، أما الملائكة فلن يصيبهم ضرر أو أذى.
    الرابع: الإنسان مركب من عقل وشهوة، ويدل خروج المؤمنين على غلبة العقل عندهم، وعدم إلتفاتهم لوسوسة الشيطان، أما الملائكة فهم عقل بلا شهوة.
    الخامس: نزل الملائكة مدداً للمؤمنين في القتال في سبيل الله، والذي يأتيه المدد أفضل من المدد، للسبق في المعركة وخوضها.
    والجواب أن الوجوه أعلاه وما ورد في الآية الكريمة لايدلان على تفضيل المؤمنين على الملائكة، ولاصلة للآية بموضوع التفضيل، وقد وقع الخلاف بين المتكلمين حول أيهما أفضل الملائكة أم الأنبياء، وجاءت هذه الآية لمنع الإنشغال بالخلاف والخصومة والنزاع، وعدم الخلاف هذا من مصاديق الصبر والتقوى في الآية.
    لقد حرص المؤمنون الأوائل على النفرة من النزاع والخلاف فيما بينهم، وكل واحد منهم مرآة لما في هذه الآية من الأوامر والشروط ليكونوا أسوة وموعظة لإخوانهم الذين يلحقون بهم في مسالك الإيمان بأن يتركوا الفرقة والخلاف في الأمور العقائدية، ويحرصوا على إجتناب التعدد في المذاهب الكلامية والفقهية، فمن أسرار هذه الآية أنها تدعو المسلمين للوحدة والتآخي كواقية من الكفار، وسبيل لزجرهم عن التعدي على الإسلام والمسلمين.
    وتدعو الآية المسلمين إلى الإيمان بالملائكة والشكر لله عز وجل على نعمة نزولهم لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وهل يصح شكر الملائكة أم لا، بلحاظ أنهم نزلوا بأمر من عند الله، الجواب هو الأول لأن من لا يشكر المخلوق لا يشكر الخالق( ).
    أن نزول الملائكة وظيفة إضافية لوظائفهم العبادية العظيمة ودأبهم على التسبيح وإنقطاعهم إلى عبادة الله مع طول أعمارهم وعظيم هيئتهم، لقد رأوا من آيات الله العظمى فنزلوا للبطش بالذين يرون الآيات ويصرون على الكفر والجحود.
    ليكون نزولهم مقدمة لإنتشار الإسلام، وإتساع رقعة حكمه وسلطانه، والإخبار بأن مجئ الكفار من الأقطار القريبة والبعيدة لمحاربة الإسلام لن يضر المؤمنين إذا تقيدوا بآداب الصبر والخشية من الله، وواظبوا على الفرائض والعبادات، بل أن الكفار يمتنعون حينئذ عن التعدي على المسلمين [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ),
    وتبعث عودة الكفار إلى القتال الخوف والفزع في قلوب المؤمنين، وهذا الخوف ليس على أنفسهم بل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإدراكهم لضرورة سلامته ونجاته من القتل لحاجة الناس جميعاً له، وهذه الحاجة وتجليها في المقام وإدراك المسلمين لها من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، لأن عقيدة التوحيد لا تستديم في الأرض إلا بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد، كما نجا وسلم في معركة بدر بآية من عند الله.
    ومن إعجاز القرآن أنه ذكر نصر الله للمؤمنين في معركة بدر على نحو التعيين [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ]( )، وفيه دعوة للمسلمين للتوجه إلى ميدان المعركة من غير تردد أو شك أو وجل لرجاء النصر والغلبة من عند الله.
    وحينما خرجوا إلى معركة أحد جاءتهم البشارة بالنصر والظفر على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ]( )، ولم تذكر الآية النصر، ولكن ذكرت سببه، ولأن النصر معلول للمدد الملكوتي، والمعلول لا يتخلف عن علته.
    وذكرت الآية اللازم لإفادته للملزوم وهو من فضل الله عز وجل على المؤمنين، وحصانة من الخوف والحزن، فحينما يتلقى المؤمنون الوعد بنزول الملائكة فانهم يوقنون بالنصر والغلبة على الأعداء.
    لقد خرجت قريش للمعركة لقتال المسلمين، ومنع القبائل الأخرى من دخول الإسلام، فالفرقة التي تطلبها وتلاحقها أقوى القبائل في الجزيرة يتجنب الناس الإنخراط والدخول فيها خشية على أنفسهم.
    فجاءت هذه الآية بالأمر للمسلمين للصبر على أذى الكفار وحجبهم الناس عن دخول الإسلام، وبالحث على الخشية من الله لتكون هذه الخشية دعوة للناس لدخول الإسلام بقيد الخوف من الله ورجاء رضاه، والإعراض عن قريش والذين ينكرون النبوة وعلاماتها بعد تجلي المعجزات التي تدل على صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    لقد نزل الملائكة رحمة بتلك القبائل والأفراد الذين تصدهم قريش عن الإسلام بخروجها لقتال المسلمين، إذ أن إنتصار المسلمين على قلتهم في المعركة معجزة عقلية وحسية، تدعو الناس للإسلام، وتحث الأفراد والجماعات على نزع رداء الخوف من قريش وأعوانها.
    ومن إعجاز الجملة الشرطية في الآية إنتفاع المسلمين والمسلمات من مضامينها لأن كلاً من الشرط والمشروط رحمة من الله عز وجل، وسبيل لتهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات، وزيادة إيمان المسلمين.
    معجزة نزول الملائكة
    جاءت هذه الآية مدرسة في المدد السماوي لتكون حجة للمسلمين، ودليلاً على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتتصف هذه الآية بأنها تخبر عن آية عقلية حسية، فمع إتحاد المعجزة وهي نصرة الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول الملائكة في المعركة إلا أنها متعددة من وجوه:
    الأول: إنها حجة حسية ظاهرة تدركها الحواس، إذ يرى المؤمنون والكفار الملائكة، ويحسون بأفعالهم وآثارهم.
    الثاني: نزول الملائكة آية عقلية تخاطب أولي الألباب، وتمحو أثر المسافة الطويلة بين السماء والأرض، وتجعلهما وكأنهما متحدتين ومتجاورتين في نصرة المؤمنين.
    فقد يكون للحيش فئة كبيرة ولكنها بعيدة عنه، يتعذر عليهم الإستغاثة وطلب المدد منها، ويتعرض للهزيمة والهلاك دون أن تعلم بما يجري له، إلا بعد إنقضاء المعركة بمدة، أما بالنسبة للملائكة فانها تكون حاضرة عند المسلمين حال عودة الكفار.
    وأيهما أقرب وأسرع إلى ميدان المعركة الكفار الذين غادروه بالأمس أم الملائكة الذين ينزلون من السماء الجواب الملائكة هم الأسرع والأسبق حضوراً إلى ميدان المعركة.
    وقد يقال ان نعت الملائكة بأنهم مدد للمؤمنين لا يدل على سبقهم، والجواب ليس من ملازمة بين المدد والتخلف عن الوصول إلى المعركة، وعلى فرض وجود هذه الملازمة فانها خاصة بقواعد المدد من الناس، أما المدد من الملائكة فإنه يأتي بالنفع التام، والكيفية الأحسن والتي تتجلى بحضور الملائكة ساعة بدء المعركة.
    الثالث: نزول الملائكة دعوة للكفار لدخول الإسلام، لقد زحف ثلاثة آلاف مقاتل من قريش ومن معها للهجوم على المسلمين، وشطر من الذين زحفوا لم يعلموا ماهية وحقيقة النبوة، وصدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته، وما جاء به من المعجزات، لأن أقطاب الكفر أضلوهم، وحرفوا الوقائع، وقابلوا الآيات بالإستهزاء فصدقهم الأتباع والأحابيش والغلمان والعبيد، ومن يرجع إلى قريش.
    فجاءت معركة بدر وأحد لإزاحة الغشاوة عن أبصار هؤلاء، وفضح قريش عندهم، وهذا الفضح مركب ومتعدد إذ أنه إقترن بخزي قريش في ميدان المعركة بكثرة القتلى والجرحى، فالذي يحاول إنكار نزول المدد من الملائكة يرى آثارها.
    فجاء كفار قريش بالجيوش عوناً لهم، لتكون ضدهم بما إنكشفت لهم من الحقائق من ميدان المعركة، والشواهد الكثيرة التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويأخذ كل واحد منهم بالتفكير بدخول الإسلام، والمتابعة لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويقومون متحدين ومتفرقين بالإصغاء لآيات القرآن وأحكام التنزيل، ويتلقفون أخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    فان قيل اذا كان أتباع وأفراد جيش قريش هكذا فكيف يرجعون للقتال بعد الإنصراف من معركة أحد، والجواب من وجوه:
    الأول: لم يرجع الكفار إلى المعركة، وفيه شاهد على التغيير الحاصل في نفوسهم، وظهور الخلاف بينهم في قتال المسلمين، وغلبة الفريق الذي إمتنع عن العودة للقتال.
    الثاني: قيام الأفراد والقبائل بدخول الإسلام بعد معارك الإسلام الأولى.
    الثالث: ظهور ضعف ووهن قريش بين القبائل، وفقدها لشأنها الإجتماعي والتجاري مع جوارها للبيت الحرام.
    الرابع: عدم زوال سطوة وأثر أفكار الضلالة والجحود عن أذهان الناس دفعة واحدة فيدخل الإيمان قلب من رحم الله عز وجل.
    وفي قوله تعالى[وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ]( )، جاء موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه بتسع آيات هي: فلق البحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في زراعتهم وثمارهم هذا إلى جانب العصا، فجحدوا بها في الظاهر، وكذا قريش فقد أخذتهم حمية الجاهلية وأصموا آذانهم عن الآيات.
    الرابع: نزول الملائكة لنصرة المؤمنين من مصاديق رأفة الله عز وجل بالناس وأنه الرحمن الرحيم.
    إذ يكون إنتفاع الناس من آية نزول الملائكة على قسمين:
    الأول: إنتفاع المسلمين من نزول الملائكة.
    الثاني: إنتفاع الكفار من آية نزول الملائكة، وبين القسمين عموم وخصوص مطلق فكل وجوه النفع التي تأتي للكفار ينالها المسلمون، أما النفع الذي يأتي للمسلمين كآية نزول الملائكة فهو خاص بهم وهو من مصاديق وعمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
    فإن قلت في نزول الملائكة هزيمة وخسارة للكفار فكيف ينتفعون منه، والجواب من وجوه:
    الأول: إنهم يتلقون الهزيمة ككفار معتدين، ولكنهم كعبيد لله عز وجل تشملهم الرحمة الإلهية في نزول الملائكة، لتكون دعوة لهم لمعرفة ظلمهم لأنفسهم والنجاة منه بالتوبة والإنابة، والإقرار بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل.
    الثاني: لقدجعل الله عز وجل العقل رسولاً باطنياً عند الإنسان، فتنفر نفوس الكفار من الكفر حين رؤية الملائكة.
    الثالث: لقد بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً للناس جميعاً، وجاءت معجزات نبوته دعوة لهم للإيمان، ونزول الملائكة معجزة تتجلى لمن حضر معركة بدر وأحد.
    الرابع: لقد أراد الله عز وجل من معركة بدر وأحد مناسبة لفضح قريش وأعداء الإسلام والمجاهدين بنبوة محمد، من غير أن يتعارض هذا الفضح مع دعوتهم للإسلام، لذا جاء نزول الملائكة آية في البطش بهم والدعوة إلى الإسلام.
    الخامس: جعل الله عز وجل باب التوبة مفتوحاً للإنسان ما دام حياً لم يفارق الدنيا، وتتدافع أمام بصره وبصيرته الآيات التي تجذبه إلى منازل التوبة ومنها معجزة نزول الملائكة التي تزيد المؤمنين إيماناً وتدفع ضرر الكفار، وتدعوهم للتوبة والإنابة.
    ولا تنحصر منافع معجزة النبوة بالذين حضروا معركة بدر وأحد من المؤمنين ومن الكفار بل هي مائدة سماوية مباركة في الأرض فينهل منها المؤمنون خاصة والناس عامة أسباب الهداية والرشاد، ويقتبسون منها الدروس والعبر.
    لذا جاءت هذه الآية القرآنية لتوثيق المعجزة ودعوة الناس للتدبر فيها، ويتلوها المسلمون في صلاتهم ومنتدياتهم لتنقلهم إلى مواقع القتال بين المسلمين والكفار، وإدراك آيات نصر الله للمسلمين.
    وتبين لهم فضل الله عليهم بحفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بآية نزول أهل السماء لنصرتهم، ودفع شر الكفار وهو الذي يتجلى بالشواهد التأريخية الخاصة بمقدمات ووقائع معركة بدر وأحد، وإنتصار المسلمين مع قلتهم وضعفهم.
    وجاءت الآية بذكر إتيان ورجوع الكفار وحده ، وفيه وجوه:
    الأول: رجوع الكفار إلى ميدان المعركة، وعدم خوض القتال.
    الثاني: عودة الكفار لإيرام صلح مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
    الثالث: عودة كفار قريش للقتال مرة أخرى إستمراراً للقتال يوم أحد.
    والمقصود من الآية هو الوجه الثالث ، وأن الكفار يرجعون للقتال، أما إذا رجعوا للصلح ونحوه فالأمر مختلف لأنه إذا تغير الموضوع تبدل الحكم، ولكن إحتمال الصلح ونحوه بعيد.
    وذكرت الآية المعنى الأعم وهو القتال وفيه مسائل إعجازية :
    الأولى:إمتلاء نفوس الكفار بالغيض والبغض والحسد للمسلمين، وسعيهم للإنتقام والبطش بهم، والنيل من الإسلام والمسلمين.
    الثانية: على فرض أن الكفار رجعوا ، ولكن لم يقاتلوا فهل ينزل الملائكة مدداً الجواب نعم لأصالة الظاهر ، ومجئ الوعد في الآية السابقة معلقاً على رجوعهم من غير تقييد بالقتال، نعم قد لا يقاتل الملائكة آنذاك،لأن الكفار لم يبدأوا القتال، ولكنهم ينزلون لبعث الفزع والخوف في نفوس الكفار، ومنعهم من الهمّ بالقتال.
    الثالثة: جاءت هذه الآية بذكر منافع المدد ، وأنه يبعث الطمأنينة في قلوب المؤمنين، ومن مصاديق الطمأنينة الملازمة بين رجوع الكفار مطلقاً وبين نزول الملائكة فما أن يأتي الكفار ولأي غرض كان إلا والملائكة حاضرون في ميدان المعركة.
    الرابعة: ذكر وظيفة الملائكة في نزولهم وأنهم مدد حاضر للمؤمنين.
    ومن الإعجاز في مجئ لفظ الإتيان وإرادة الإجمال، إنتفاء القصد الحسن ونية الصلح عند الكفار، وأنما عقدوا صلح الحديبية مكرهين فيما بعد وفي السنة السادسة بعد أن دبّ الضعف في صفوفهم وقل رجالهم، وإزداد المؤمنون عدداً وقوة، وليكون هذا الصلح مقدمة لفتح مكة من غير قتال في آية إعجازية في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    قوله تعالى [مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا]
    مع أن هذا الشطر من الآية متعلق بكفار قريش، إلا أن سياق الآية الخبري يدل على أن الخطاب لا زال موجهاً للمؤمنين وفيه وجوه:
    الأول: إكرام المؤمنين بأن يتوجه لهم الخطاب من عند الله عز وجل.
    الثاني: في هذا الخطاب تحذير للمسلمين من القوم الكافرين وإرادتهم المباغتة والغدر.
    الثالث: إزدراء الكفار، والنفرة من فعلهم، بعد تحذير السماء منهم وإستعداد الملائكة لقتالهم.
    وقد تجلى هذا الأمر في الواقع إذ أخذ الأفراد والقبائل، يتوافدون على رسول الله في المدينة وينصتون إلى الآيات، ويرون المعجزات، ويدركون دلالات النبوة، فيعلنون إسلامهم، ويؤخرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة أياماً لإتقان الصلاة،وكي يدخل الإيمان في قلوبهم، ليرجعوا إلى أهلهم دعاة للإسلام.
    وإن همّ الكفار بالرجوع إلى قتال المسلمين، فان أعداداً كبيرة من أفراد القبائل يأتون إلى المدينة ثم يعودون بأهليهم وقبائلهم لدخول الإسلام، والتشرف بالطلعة البهية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتلقي الأوامر منه مباشرة، وتلك آية إعجازية، ورشحة من رشحات نصر الله للمؤمنين في معركة بدر، ومقدمة لمواجهة ودحر الكفار.
    لقد زحف الكفار على المدينة في معركة بدر وأحد وهمّوا بالرجوع بعد أحد مباشرة، ولكنهم لم يهموا بعدها إلى يوم القيامة فان قلت وقعت بعد أحد معركة الأحزاب، والجواب من وجوه:
    الأول: لم يحصل قتال في معركة الأحزاب.
    الثاني: أظهر المسلمون معاني الصبر والتقوى في حفر الخندق وتحمل حصار الكفار، وهو من مصاديق تقيدهم بأحكام الشرط الذي جاء في هذه الآية.
    الثالث: لم يرجع الكفار إلى المعركة بعد إنسحابهم، مع أنهم كانوا نحو عشرة آلاف ولم يخوضوا قتالاً.
    إن إحتمال رجوع الكفار إلى معركة أحد شاهد على شدة غيظهم وحسدهم للمسلمين، وسعيهم للإنتقام من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وأن الأمر لا يتعلق بثأر قريش لخسائرها في بدر، لأن معركة أحد كافية لهذا الثأر لذا جاء الوعد الإلهي برد كيدهم إلى نحورهم، والبطش بهم بجنود من الملائكة.
    والمراد من الفور في الآية وجوه:
    الأول: إفادة معنى الرجوع في الحال قبل أن يصلوا مكة.
    الثاني: من فورهم أي من غضبهم، كما ( يقال للرجل إذا غضب: فار فائره) ( ).
    الثالث: أول مغادرتهم لمعركة أحد، من غير فترة أو وقت، وفي لسان العرب: فور كل شئ: أوله.
    الرابع: أي قبل أن يسكنوا ويخفف غضبهم وحنقهم ويقل غيظهم كما يقال: ( ذهبت في حاجة ثم أتيت فلاناً من فوري أي قبل أن أسكن( ).
    الخامس: قال الزجاج ( من فورهم هذا) أي من وجههم هذا.
    ولا تعارض بين هذه الوجوه، وهذا التعدد من إعجاز اللفظ القرآني، وأسرار الوصف السماوي لحال الكفار وما هم عليه من حال الحنق والإرباك، وإبتعاد السكينة عنهم.
    وكان الناس يحسبون قريشاً أصحاب رأي ولكنهم فقدوا صوابهم، وجانبوا الحكمة والعقل حين بعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بإصرارهم على الكفر والجحود، وإصرارهم على محاربته وقتاله، وتوليهم حمل لواء الضلالة والجحود.
    فقد كان صيتهم وسمعتهم بسبب إفاضات البيت الحرام وجوارهم له، ولما حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فقدوا تلك السمعة لأنهم أظهروا عداءهم للبيت الحرام، وصدهم الناس عنه فامتلأوا حسداً وغيظاً، وأرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وفعلوا مثلما فعل فرعون حينما أصر على عبور البحر خلف موسى وقومه، ولم يتركهم وشأنهم، ولم يتعظ من آية إنفلاق البحر لهم، ولما نظر اليهم قال [إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ]( ).
    وكذا قريش فانها إستخفت بالمسلمين من جهة قلتهم ونقص ما في أيديهم من العدة والمؤون، وحينما لم تتعرض في معركة أحد للهزيمة والخسارة كتلك التي تعرضت لها في معركة بدر، وطمعت في تحقيق الغلبة على المسلمين بالرجوع إلى القتال بعد إنقضاء معركة أحد، ندمت على إنسحابها، وتناجى أقطاب الكفار من قريش بالمكر مرة أخرى على المسلمين، فوصلت الأخبار إلى المسلمين الذين أجهدتهم خسائرهم في معركة أحد، وما أحدثه ترك الرماة لمواقعهم.
    فجاءت بدايات المدد الإلهي في الحال ومصاحبة لهذه الأخبار، ويتجلى هذا المدد بالآية محل البحث، وما فيها من البشارة، ترى لماذا أكدت الآية القرآنية إحتمال عودة الكفار، الجواب على وجوه:
    الأول: منع الخلاف والخصومة بين المؤمنين فلم تترك الآية المؤمنين بعضهم يقول أنهم سيرجعون، وبعضهم يقول ذهبوا ولن يعودوا، ولايقف الخلاف عند هذا الحد، بل ينقسم كل فريق من الفريقين أعلاه إلى جماعات كل جماعة تبدي رأيها فيما يجب فعله أزاءهم، ولكن وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم يمنع مثل هذا الخلاف، ليكون هذا المنع رحمة من عند الله وبآية قرآنية.
    الثاني: كشف حقيقة وهي أن عودة الكفار لن تضر المؤمنين إنما تكون سبباً لضرر الكفار أنفسهم.
    الثالث: بيان فضل الله عز وجل على المؤمنين وأنهم يتلقون من السماء أخبار عدوهم وما هو عليه من النوايا والمكر، بينما لا يعلم الكفار ما عليه المسلمون من الحال، وهو من عمومات قوله تعالى [اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ]( ).
    الرابع: جاء ذكر عودة الكفار موضوعاً لشرط تقيد المسلمين بآداب الصبر والتقوى، ليبقى كل فرد منهما ملكة ثابتة في مجتمعات المسلمين، سواء رجع الكفار أو لم يرجعوا فان المؤمنين سيرجعون إلى المدينة بغنيمة عظيمة وكنز عقائدي وهو ملكة الصبر والتقوى ليفتح لهم كنوزاً من الصالحات، وأبواباً من الأجر والثواب.
    الخامس: إقترن الإخبار عن إحتمال عودة الكفار بالبشارة لمجئ خمسة آلاف من الملائكة لنصرة المؤمنين ودفع كيد الكافرين.
    ومن إعجاز القرآن مجئ الآية بلفظ (يمددكم) أي أن وظيفة الملائكة الإعانة والنصرة والإسناد، مما يعني وجوب قيام المؤمنين بوظائفهم الجهادية، وأن يكونوا على يقظة وحذر وحيطة، وهو من مصاديق تقيدهم بالصبر والتقوى.
    ومن خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، أن المؤمنين لم يجادلوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أو يقولوا :
    الأول: لم يقولوا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام [فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ]( ).
    الثاني: لم يقولوا له قد قاتلنا في أحد، ولانقدر على القتال إذا عاد الكفار للقتال.
    الثالث: حينما جاءت هذه الآية بالبشارة بالمدد الملكوتي، فان الصحابة لم يقولوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لماذا تقف نصرة السماء عند المدد، بل نريد أن تقاتل الملائكة بدلاً عنا.
    الرابع: عندما جاءت الآية بلغة الشرط والتعليق، وشمول الشرط والإحتمال عودة الكفار للقتال وتقدير الآية بلحاظ لغة العطف فيها (إن يأتوكم من فورهم هذا) فلم يقل المؤمنون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيّن لنا على نحو القطع واليقين هل سيأتون أو أنهم لايرجعون لساحة المعركة.
    الخامس: لم يسأل المؤمنون الإعفاء من الشرط، ويقولوا نريد نزول الملائكة للنصرة والمدد من غير شرط الصبر والتقوى، ولم يطلبوا الإتيان بالمشروط وتعليق شرطي الصبر والتقوى.
    السادس: لم يطلب المؤمنون إبادة الكفار وقتلهم عن آخرهم.
    وعدم صدور مثل هذه الأقوال من المؤمنين آية في أدب العبودية، وشاهد على سمتهم وصلاحهم، وحسن توكلهم على الله ورضاهم بالفضل الإلهي العظيم في نزول المدد لنصرتهم، وإقرارهم بأن الله عز وجل هو العالم في أسباب جلب المصلحة، ودفع المفسدة، قال تعالى [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
    ويحتمل ورود اسم الإشارة في الآية وجوهاً:
    الأول: تقييد نزول الملائكة بعودة الكفار إلى المعركة، أي لو ذهبوا إلى مكة ثم أجمعوا أمرهم أن يزحفوا على المدينة للقتال في معركة جديدة فان الملائكة لا ينزلون مدداً، لأن المدد بلحاظ ما أصاب المؤمنين من الخسارة والجراحات.
    الثاني: جاء قيد “هذا”للبيان ولبعث السكينة في نفوس المؤمنين، ومنع اللبس والإجمال، فقد يظن بعضهم أن المراد من المدد فيما إذا حصلت معركة بينها وبين معركة أحد شهور عديدة، كما في المدة بين معركة بدر وأحد، فأراد الله عز وجل ان يأتي موضوع الآية وزمانها على نحو التعيين فالموضوع هو نصرة الملائكة ونزولهم مدداً من السماء، وزمانها هو ما بعد معركة أحد مباشرة.
    الثالث: إخبار المسلمين بعزم الكفار على العودة للقتال قبل أن يصلوا إلى مكة، وهم وان لم يرجعوا فان الآية تحذير للمسلمين من زحفهم مرة أخرى على المدينة بعد وصولهم إلى مكة وجمع الرجال والعدة والخيل من باب الأولوية فاذا كان الكفار يرجعون للقتال مع شدة ما أصابهم يوم أحد، فمن باب الأولوية أن يرجعوا بعد الرجوع الى مكة وتهيئة أسباب ومؤون الهجوم مرة أخرى.
    الرابع: في الآية ذم وتقبيح لفعل كفار قريش، ودعوة للناس للإتعاظ والإعتبار وإجتناب التعدي على المسلمين، وهي إنذار من العذاب الذي ينتظر الكفار يوم القيامة، قال تعالى [فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا]( ).
    لقد إستحوذ الغضب والغيظ أفعال الكفار وغلبت عليهم النفس البهيمية، ولم يتدبروا في عاقبتهم وما يجب عليهم من الإستعداد ليوم القيامة.
    ولماذا لم تقل الآية “من فوركم هذا” والجواب من وجوه:
    الأول: ان المسلمين لا يريدون عودة القتال، لا لأنهم أصيبوا بالخسارة وكثرة الشهداء، أو لقلة عددهم أمام كثرة وقوة العدو، بل لأنهم دخلوا المعركة دفاعاًعن الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.
    الثاني: لقد جاء الكفار للقتال، وهم الذين قدموا من مكة بأسلحتهم وخيلهم ومعهم النساء لإثارة الهمة وضرب الدفوف، فيكفي رجوعهم وكف أذاهم.
    الثالث: ان المسلمين في حال هجوم دائم على الكفار، ليس بالسيف، ولكن بآيات القرآن التي تطرق أسماع الناس، وتدخل الى بيوت أقطاب الكفر والضلالة، وبأخبار معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي يتناقلها الركبان، وهو من أسباب فور وغضب الكفار، لذا ورد قوله تعالى [وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ]( ).
    وحتى بلحاظ ان المراد من “فورهم” الوجه والعودة في الحال سواء حال إنتهاء المعركة او حال نزول الآية الكريمة محل البحث، فان هذه العودة السريعة بسبب الغيظ من إنتشار مبادئ الإسلام، وإصغاء الناس لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلقيها بالقبول.
    مما يدل على أن مجيئهم إلى معركة أحد نتيجة لإستيلاء النفس الغضبية على نفوسهم، وإمتلائها بالجهالة والحسد، أما المؤمنون فليس عندهم فور وغيظ بل هم في غبطة ورضا للتوفيق إلى الإيمان والدفاع عن الإسلام ومحاربة الذين يستولي عليهم الغضب والفور بسبب عنادهم وإصرارهم، ويدل على إنتفاء الفور والغضب عند المؤمنين بداية هذه الآية وما فيها من ندبهم إلى الصبر والتقوى وهما عنوان الحكمة والرشاد، وسبب لجلب المصلحة وضد الغضب والفور الذي يجلب المفسدة، وفور الكفار هذا من عمومات ما ذكره الملائكة في إحتجاجهم على جعل خليفة في الأرض قالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
    وتنزل الملائكة أنفسهم مدداً لدرء ضرر الكفار، ودفع فورهم وشر غيظهم وهذا التعدي والنزول من عمومات رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، وليكون من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، درء فور وغضب الكفار، وصرف ضررهم وشرهم، وتلقي المدد من السماء ليرجع غيظ الكفار إلى أنفسهم قال تعالى [مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] ( ).
    ويدل هذا الشطر من الآية على ان موضوع الآية هو معركة أحد وما بعدها، لأن المشركين في معركة بدر إنهزموا شر هزيمة وأسر المؤمنون سبعين من رؤسائهم وصناديدهم، ولم يهموا في الرجوع.
    أما في معركة أحد فقد أغراهم الإرباك في صفوف المؤمنين بسبب الثغرة التي حصلت من ترك الرماة لمواضعهم إذ ندم كفار قريش ومن معهم على الإنصراف وعدم الإغارة على المدينة المنورة وهموا بالرجوع فنزلت الآية لبعث السكينة في نفوس المسلمين.
    أخرج ابن جرير عن الشعبي قال: ان المسلمين بلغهم يوم بدر ان كرز جابر المحاربي يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ] قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين ولم يمد المسلمون بالخمسة( ).
    ولا يتعارض هذا المعنى مع إرادة كفار قريش الذين إنسحبوا من معركة أحد، وعزمهم على الرجوع، ويفيد الجمع بين الأمرين كثرة أعداء المسلمين، وتآلبهم وتعاونهم وسعيهم في الإجهاز على الإسلام والمسلمين، والحاجة لنزول الملائكة لنصرة المؤمنين، وتدل الآية على إرادة كفار قريش من وجوه:
    الأول: صيغة الجمع في الآية “يأتوكم”.
    الثاني: ورود قوله تعالى “من فورهم” وإفادته معنى الغضب أي يأتون بسبب غضبهم، وتقييده باسم الإشارة “هذا” لتعيين موضوع الغضب وانه مترشح من وقائع معركة أحد، وليس الثأر مما حدث يوم بدر ولإنكشاف حقيقة لكفار قريش في طرق عودتهم الى مكة وهي عدم تحقيقهم أي مكاسب في المعركة، وكأنهم خشوا الفضيحة والخزي أمام الناس خصوصاً وان الموضوع الذي جهزوا الجيوش وقطعوا المسافات الطويلة من أجله هو الإنتقام لقتالهم يوم بدر بالفتك بالمسلمين.
    الثالث: تعلق واو الجماعة في يأتوكم بموضوع وذكر سابق في الآية وهو الظاهر والمتبادر ولم تذكر الآيات موضوع كرز المحاربي.
    وعن قتادة في الآية قال: أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف، وذلك يوم بدر( ).
    ولا دليل على هذا الجمع والأصل المتعدد في زمان النزول إلان أن يرد دليل خاص، وهو مفقود في المقام بالإضافة الى التباين في موضوع الآيات.
    وفي قوله تعالى [من فورهم هذا] إعجاز ووعد كريم لما فيه من إحتمال مباغتة الكفار للمسلمين، بالعودة السريعة والمفاجئة إذ تدل الآية بالدلالة التضمنية على حضور الملائكة في الحال وعدم تخلفهم عن زمان رجوع الكفار ويحتمل هذا الزمان أمرين:
    الأول: حالما يهم الكفار بالرجوع يحضر الملائكة مدداً لنصرة المؤمنين.
    الثاني: عندما يصل الكفار الى ميدان المعركة يكون الملائكة حاضرين، والصحيح هو الثاني، فليس ثمة زمان أو مسافة يقطعها الملائكة وهو نعمة إضافية أخرى على المؤمنين.
    وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية: هذا يوم أحد فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد، ولو مدوا لم يهزموا يومئد( ).
    ومثل هذا القول لا يستحق أن يذكر ويدون، من وجوه:
    الأول: الخروج من المدينة المنورة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والوصول الى ميدان المعركة في أحد أعلى مراتب الصبر والتقوى.
    الثاني: جاءت الآية في مدح المسلمين والثناء عليهم، وليس توبيخهم، وإقامة الحجة عليهم.
    الثالث: إنسحاب المنافقين في الطريق الى المعركة لتخلفهم عن منازل الصبر والتقوى.
    الرابع: قتال المؤمنين في معركة أحد، وإستشهاد عدد منهم، وليس من دليل وبرهان على الصبر والتقوى كالقتل في سبيل الله ليتحقق الصبر والتقوى في ميدان المعركة.
    الخامس: الخروج إلى معركة أحد صبر في جنب الله , وتقوى وخشية من تعالى.
    السادس: لم تحصل هزيمة المسلمين يوم أحد بل وقعت خسارة لهم في جولة من المعركة بدليل أن الكفار هم الذين إنسحبوا من ميدان المعركة.
    السابع: جاءت الآية والوعد الكريم بنزول الملائكة مدداً بخصوص عودة الكفار إلى المعركة، وهو لايتعارض مع نزولهم أثناء معركة أحد، ليكون البشارة الواردة في هذه الآية وعداً كريماً بنزولهم مرة ثانية في ذات الزمان والمكان أي في موضع ويوم معركة أحد.
    وعلى إرادة معنى الغضب من الفور، فيفيد تقييده باسم الإشارة “من فورهم هذا” ان غضب الكفار مترشح عن حالهم في معركة أحد، ونتيجة المعركة وانهم لم ينالوا فيها ما كانوا يبغونه من الإضرار الفادح بالإسلام والمسلمين، وانهم رجعوا منكسرين خائبين، فجاءت البشارة بنزول الملائكة لتبث في نفوسهم الفزع والخوف، مما يزيد من حسرتهم ندمهم وتلك آية في الفضل الإلهي على المسلمين بأن يجعل الله عز وجل برزخاً دون إنتقام الكفار منهم، ثم ينزل البشارة بحضور الملائكة مدداً إن رجع الكفار للقتال.
    وقرأ “مسومين” بكسر الواو ابن كثير، وعاصم، وابو عمرو، أي ان الملائكة سوّموا خيلهم بعلامة، وقرأ الباقون بفتح الواو أي انها سائمة وهي المرسلة في المرعى، وفي التسويم أقوال:
    الأول: انه كان بالصوف في نواصي الخيل وآذانها، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك.
    الثاني: ان الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق، وعليهم عمائم صفر، وهو قول هشام بن عروة.
    الثالث: مسومين أي معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل، وآذانها عليها البياض، معتمين بالبياض، وقد أرخوا أطراف العمائم بين أكافهم، عن مقاتل.
    الرابع: وفي تفسير مجاهد: معلمين، مجزورة أذناب خيولهم ونواصيها، فيها الصوف وهو العهن، وذلك التسويم وتتضمن هذه الأقوال معنيين للتسويم:
    الأول: ما يختص بالملائكة أنفسهم ولباسهم وعلى ثلاث شعب:
    الأولى: عليهم عمائم صفر.
    الثانية: معتمون بالبياض.
    الثالثة: أرخوا أطراف العمائم بين إكتافهم.
    الثانية: ما يتعلق بالخيل التي يركبها الملائكة أي انهم يعرفون بالعلامات التي على خيلهم، مما يدل على ان تلك الخيل لا يركبها غيرهم، ولا يستطيع الأعداء محاكاة الملائكة في العلامات التي وضعوها على خيلهم، والأرجح تعلق التسويم بالملائكة أنفسهم وهو ظاهر الآية الكريمة، ولا مانع من إجتماع الأمرين فيكون التسويم على وجوه:
    الأول: بعض الملائكة يسوم نفسه كما لو لبسوا عمائم بيضاء وأرسلوا أذنابها الى أكتافهم.
    الثاني: يسوم شطر الملائكة الخيل التي يركبونها كما لو أعلوا نواصيها بالصوف.
    الثالث: يسوم عدد من الملائكة أنفسهم باللباس الذي عليهم، ويسوّمون الخيل التي يركبونها، وهل يحتمل سويم بعض الملائكة كما يسّوم بعض المؤمنين في القتال على نحو التشابه، الجواب نعم، ممكن أن يكون هذا خصوصاً وان عدد الملائكة خمسة آلاف ملك، وهو عدد كثير.
    ويبعث قوله تعالى مسومين السكينة والطمأنينة في نفوس المؤمنين من وجوه:
    الأول: انه توكيد لنزول الملائكة.
    الثاني: دعوة المسلمين للتطلع الى نزول الملائكة، ومعرفتهم بلحاظ السوم والعلامات التي يضعونها.
    الثالث: رؤية آيات نزول الملائكة ومشاركتهم في القتال، وعندما كان يأتي جبرئيل عليه السلام الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهيئة دحية الكلبي، يظنه الصحابة انه دحية الى أن يسألوا دحية بعدها فيقول لم أرَ النبي يومئذ، فجاء قوله تعالى “مسومين” ليعلم المؤمنون بوجود وإشتراك الملائكة في القتال ساعتها.
    الرابع: بيان قوة وتحدي الملائكة ومجيئهم بنحو ظاهر ومكشوف لأن التسويم يدل على إمكان رؤيتهم وتمييزهم عن غيرهم من المقاتلين، وفيه إشارة الى أنهم ينزلون بهيئة البشر ليلبسوا على الكفار، وتدل الآية على عدم اللبس على المؤمنين الذين قاتلوا يوم أحد، وعلى المسلمين مطلقاً، وتلك آية في تفضيل المسلمين وشاهد على كونهم “خير أمة أخرجت للناس”.
    قال في كتاب الطبقات: ان معارك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع وعشرون غزوة وسراياه ست وخمسون، وفي رواية ست وأربعون والتي قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي بدر وأحد، والمريسيع والخندق وخيبر وقريظة، والفتح وخيف والطائف، وفي بعض الأخبار أنه قاتل في بني النضير( ) , والمختار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحدا , إنما كان في حال دفاع فيها .
    بحث منطقي
    يطلق على الخبر في إصطلاح علم المنطق القضية، وهو المركب العام الذي يصح وصفه بالصدق أو الكذب، وتنقسم القضية إلى قسمين:
    الأول: الحملية والتي يكون فيها طرفان بينهما نسبة من الثبوت أو النفي، ويحكم فيها بثبوت شئ لشئ أو نفيه عنه كما في قوله تعالى [الصُّلْحُ خَيْرٌ]( ).
    الثاني: القضية الشرطية: وهي التي يكون فيها إتصال وتعليق بين طرفي القضية، أو يكون فيها بدل التعليق تعاند إنفصال وتباين، وكأنها تتكون من قضيتين تتصل وتتعلق إحداهما بالأخرى، وتنقسم القضية الشرطية إلى قسمين:
    الأول: الشرطية المتصلة وهي التي تتعلق أحدى القضيتين بالأخرى كما في قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ).
    الثاني: الشرطية المنفصلة وهي التي يكون فيها إنفصال وتعاند بين طرفي القضية: إذا لم تمطر السماء فاما أن يكون المناخ حاراً أو قيضاً.
    وجاءت الآية محل البحث من القسم الأول من الجملة الشرطية للإتصال بين طرفي القضية وبلحاظ الشرطية يكون أجزاء القضية هي.
    الطرف الأول ويسمى المقدم وهو الصبر والتقوى لقوله تعالى [إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا].
    الطرف الثاني ويسمى التالي، وهو نزول الملائكة لنصرة المؤمنين.
    الرابطة: وهو الدال على النسبة بين المقدم والتالي، والفضل الإلهي على المؤمنين بدفع ضرر الكفار عن المؤمنين إن رجعوا للقتال.
    وتنقسم القضية مطلقاً سواء كانت حملية أو شرطية إلى قسمين:
    الأول: الموجبة والتي تدل على الحمل والإتصال والمصاحبة بين طرفيها.
    الثاني: السالبة وهي التي تكون بسلب الحمل أو الإتصال أو الإنفصال، وتحصل النفرة بين طرفيها.
    وجاءت القضية الشرطية في هذه الآية من القسم الأول وهو الموجبة للترابط والإتصال بين المقدم والتالي وكأنه من العلة والمعلول وأن نزول الملائكة لا يتأخر عن نصرة المؤمنين حال تقيدهم بالصبر والتقوى.
    قانون”من فورهم هذا”
    لم يرد لفظ فور في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة، ومن الإعجاز جاء بنسبته إلى الكفار أنفسهم الذين يقصدون التعدي على المسلمين لبيان أمور:
    الأول: قبح الغضب المقرون بالظلم.
    الثاني: الزجر عن التعدي على المسلمين.
    الثالث: في الآية درس للناس ليروا كيف تقود النفس الغضبية والشهوية أصحابها إلى التعدي والظلم، وتكون مقدمة لدخول الناس.
    الرابع: الإسلام دين يخاطب العقول، ويهدي الناس إلى سبل الإيمان، وفي الآية دعوة إلى الناس لنبذ الغضب وحمية الجاهلية الأولى، وحث على التدبر في المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    إن الله عز وجل واسع كريم، وقد جاءت آيات الإنذار التي تحذر من الصدود والإعراض عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أما الذين يخرجون لقتاله وحربه فإن معجزة الملائكة تتلقاهم لتبكتهم وتردهم خائبين خاسرين.
    وتدعو الآية الناس إلى إجتناب الفور والغضب بغير حق، وتبين أضراره على الفرد والجماعة والأجيال المتعاقبة إذا إقترن بالكفر والجحود، وفي نصرة الملائكة للمؤمنين على الكفار الذين يرجعون [مِنْ فَوْرِهِمْ] للقتال شاهد على أن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاءت لتهذيب النفوس وسلامتها من أدران الجاهلية والوثنية، وأن جند السماء من الملائكة يساهمون في إصلاح المجتمعات ونبذ الكفر والبغي وأسباب الضلالة.
    وهذه المساهمة خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته لأن الله عز وجل أراد لشريعته البقاء إلى يوم القيامة، وجعلها رحمة للناس جميعاً، وبراهينها كافية في جذب الناس للهدى والإيمان، ومنها زجر وتبكيت الذين يزحفون لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم يشتد غضبهم لأنهم لم يستطيعوا قتله ولم يدركوا أن الله عز وجل حافظه وناصره.
    فيجتمع الحفظ والنصرة بنزول الملائكة لدفع كيد الكفار عنه وعن المؤمنين الذين خرجوا للقتال معه، إذ تبين لغة الخطاب في الآية إكرام الله تعالى للذين إتبعوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وفيه دليل على عظيم منزلته عند الله بحيث أن الله سبحانه يخص أصحابه المجاهدين بالبشارة بالوقاية والأمن من الكفار الغاضبين الحاسدين.
    ولو جاءت الآية ببشارتهم بالنجاة والسلامة منهم على نحو القضية المهملة ومن غير بيان كيفية السلامة، لظن المسلمين أنها تأتي بالأسباب الدنيوية، والأمور الظاهرة للحواس، وقد تكون على نحو الوجبة الجزئية والمدد التدريجي الذي لا يظهر تأثيره إلا بعد أن يلقى المؤمنون العناء والمشقة.
    فجاءت هذه الآية بالنص الجلي في بيان ماهية المدد السماوي لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتبعث السكينة والرضا في نفوس المؤمنين، وتشفي صدورهم وتجعلهم يستبشرون بكيد الله بالكفار ورد غيظهم وفورهم إلى نحورهم، وإعطائهم درساً عملياً بأن غضبهم يفسد عليهم دنياهم وعاقبتهم كما أن إنفاقهم المال يضرهم ويؤذيهم ويكون وبالاً عليهم.
    ومن خصائص هذه الآية إنعدام أثر الجراحات التي أصابت المؤمنين في الإستعداد للمعركة القادمة فلا يخشون الضعف والوهن بسببها لأن هذه الآية علاج لهم، لما فيها من البشارات والوعد الكريم.
    وجاءت الآية بقيد (هذا) المتعلق بفور وعودة الكفار للقتال وفيه وجوه:
    الأول: إفادة البيان في تعيين عودة الكفار، وأنه ليس من ثمة وقت بين إنسحابهم من المعركة وعودتهم إلى القتال مرة أخرى.
    الثاني: عدم فزع المؤمنين من غضب الكفار، والإشارات التي كان يوصلها أبو سفيان وأصحابه للإنتقام من المؤمنين.
    الثالث: الإخبار عن حنق وغيظ الكفار بسبب خسارتهم وفضحهم، وكشف حقيقة وهي أنهم لازالوا يريدون الإنتقام من المؤمنين.
    الرابع: دعوة المسلمين لأخذ الحيطة والحذر، والإستعداد للقاء الكفار، وهو من أسرار إخبار الآية بأن الملائكة يأتون مدداً وعوناً.
    وفي الآية بلحاظ إرادة معنى الغضب من الفور مسائل:
    الأولى: تدل الآية بالدلالة التضمنية على أن الكفار لم يحققوا نصراً في معركة أحد بدليل أن الغضب والحنق يملأ صدورهم، ولو كانوا إنتصروا لعاشوا نشوة النصر خصوصاً وأنهم جاءوا للإنتقام من خسارتهم في معركة بدر.
    الثانية: إصرار الكفار على التعدي والقتال، وإرادة القتل والبطش بالمسلمين.
    الثالثة: غياب أو ضعف الأصوات في جيش قريش التي تدعو الى الكف عن القتال وإجتناب معاودته، فان قيل أنهم لم يعودوا للقتال مما يدل على أثر وعلو تلك الأصوات بينهم.
    والجواب أن سبب عدم عودتهم للمعركة هو إمتلاء نفوسهم فزعاً وخوفاً من المؤمنين بالإضافة الى ما يبعثه اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم من أسباب التخويف.
    وتبين الآية التباين بين المؤمنين والكافرين، فالكفار في حال فور وغضب وإرباك، أما المؤمنون فهم في حال سكينة وطمأنينة، ومعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتيهم بالوحي، والبشارات من عند الله عز وجل بالمدد والثواب، وفيه مقدمة للتضاد والتباين بين الفريقين في الآخرة، وخلود المؤمنين في النعيم والكفار في الجحيم.
    المدد الملكوتي وحديث الإسراء
    الأسراء هو المشي وقطع المسافة ليلاً، والسير يختص بالنهار، أو يشمله والليل وعن الإمام علي عليه السلام: عند الصباح يحمد القوم السرى) أي يرضون على مسيرهم في الليل بدل البقاء في نفس المكان الى الصباح، وفيه حث على السعي والكسب، وقال لبيد:
    فبات وأسرى القوم آخر ليلهم
    وما كان وقافاً بغير معصر.
    والمراد من الإسراء في الإصطلاح هو إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس ليلاً ثم العروج به إلى السماء قال الله سبحانه [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى]( ).
    وتلتقي الآية أعلاه مع الآية محل البحث في موضوع إكرام الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفتح باب السماء له تشريفاً وتفضيلاً له، وليزداد المسلمون خشوعاً لله عز وجل، ويذعنون لمقام الربوبية، وحصل الإسراء في الليل الذي هو مناسبة للمناجاة والتسبيح بينما جاء المدد الملكوتي في النهار لأنه أوان المعركة وساعة القتال.
    وليرى الناس آيات النبوة، ويشترك الإسراء والمدد الملكوتي في أمور وهي:
    الأول: أن كل واحد منهما فضل ورحمة من عند الله.
    الثاني: كل من الآيتين معجزة خالدة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    الثالث: فيهما حجة ودعوة للناس لطاعة الله عز وجل والإقرار بالقدرة المطلقة له سبحانه.
    الرابع: الإخبار عن شرف العبودية لله، والحسن الذتي للإخلاص في العبادة، وعلو منزلة النبوة.
    لقد عرج بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة واحدة مسيرة خمسين ألف سنة في ملكوت السموات وعاد في ذات الليلة، وكذا الملائكة فانهم نزلوا يوم بدر في يوم واحد بل في ساعة واحدة بآية من عند الله عز وجل.
    ووقعت آية الإسراء في مكة المكرمة بينما جاء المدد الملكوتي في المدينة المنورة وبعد أن هجم الكفار على المسلمين لقتلهم، لقد غضب الله عز وجل على إبليس فأهبطه الى الأرض خاسئاً مدحوراً قال تعالى [فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا]( )، ليرتقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السماء بصفة العبودية والنبوة والإنقياد التام لله عز وجل، ويكون هذا الإرتقاء حسرة في نفس إبليس وأعوانه إلى يوم القيامة، وشاهداً على عجزه عن التأثير على الناس وعدم وجود سلطان له على المؤمنين، ويرى الملائكة أهلية الفرد الكامل من البشر للتشريف والصعود في السماء مرة أخرى بعد هبوط آدم منها.
    وجاءت آية الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للملائكة للإستعداد للنزول لنصرة المؤمنين برسالته، وهو من الإعجاز في لغة الخطاب في الآية السابقة [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ] وإتصال ذات اللغة في هذه الآية.
    وكأن هناك قانوناً في السماء يتضمن نصرة الملائكة للمؤمنين برسالة النبي الذي يسري به الله عز وجل إلى السماء العليا، وإشارة الى أفضلية أمته على الأمم الأخرى، ولزوم نصرة السماء لها، كي تحافظ على أحكام الشرائع السماوية وتتوارثها، وروي عن النبي أنه قال: إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل( ).
    وأشكل بعضهم على الحديث سنداً وثبوتاً، ولكن جاءت واقعة بدر وأحد لتبين معاني الوزارة بالنصرة والمدد، والنجدة والإغاثة عند الحاجة ويقع الخلاف بين المتكلمين بموضوع الأفضلية بين الملائكة والأنبياء، وأي الفريقين أفضل، ولكن لكل فضله ومرتبته الرفيعة، ودرجته العالية من غير تعارض.
    وهو يدل على الفضل الإلهي وسعة رحمة الله، وعظيم سلطانه، وكثرة إفاضاته على عباده، والأولى أن يشتغل المتكلمون مجتمعين بما رزق الله عز وجل كلاً من الملائكة والأنبياء من الآيات والشواهد الدالة على بديع قدرته، ووجوب عبادته.
    والتحقيق في الصلة بين الملائكة والأنبياء، ومنها حديث الإسراء، وموضوع الآية محل البحث ونزول الملائكة مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين برسالته إلى جانب أن الملائكة رسل الله عز وجل بالوحي إلى الأنبياء، وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يارب ما حال المؤمن عندك، قال: يامحمد من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شئ إلى نصرة أوليائي.
    وقد جاء الكفار للبطش بالمؤمنين وهو أشد ضرراً من الأهانة، فجاءت نصرة الله عز وجل سريعة ووافية بنزول الملائكة والبشارة بنزولهم، إذ إجتمع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ما لم يجتمع لنبي آخر من الكرامة والتشريف.
    فجاء القرآن بالبشارة بنزول الملائكة، وتحقق نزول الملائكة لنصرة وإعانة المؤمنين في ميادين المعركة، لتكون بشارات القرآن معجزة خالدة له، بعد أن كانت معجزة الإسراء إنذاراً للكفار من قريش.
    أخرج عن ابن عباس رضى الله عنهما : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان ليلة أسرى بى فاصبحت في مكة قطعت وعرفت ان الناس مكذبى فقعدت معتزلاً خريناً، قال : فمر به عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ هل كان من شئ قال نعم قال وما هو قال إنى أسرى بى الليلة( ).
    وقال أبو جهل: إلى اين؟ قال إلى بيت المقدس، قال ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم فلم يرَ أن يكذبه مخافة ان يجحد الحديث ان دعا قومه إليه، فقال: أرأيت أن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، فقال يا معشر بني كعب بن لؤي فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا اليهما، قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني أسري بي الليلة، فقالوا إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، ركبت على البراق وقد أتاني جبرئيل بها وهي دابة خطوتها مد البصر فلما صرت عليه فصعدت إلى السماء، ورأيت الجنة وما فيها وأطلعت على الملك.
    قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا قال: نعم، وإذا هم بين مصفق او واضع يده على رأسه متعجباً( )، وقالوا: يا محمد كذب بعد كذب يأتينا منك لئن لم تنته عما تقول وتدعي، لنقتلنك شر قتلة تريد ان تأفكنا عن الهتنا وتصدنا عما كان يعبد آباؤنا الشم الغطاريف( ).
    فقال يا قوم انما أتيتكم بالخير فان قبلتموه فاقبلوا فان لم تقبلوه فارجعوا وتربصوا بي إني متربص بكم وإني لأرجو ان أرى فيكم ما أؤمله من الله فسوف تعلمون، ثم قالت قريش أخبرنا عما رأيت قال رأيت عيراً لك يا أبا سفيان وهي ثلاثة وعشرون جملاً، وفيها غلامان لك أحدهما صبيح والآخر رياح، ولما مرت البراق في ظلمة الليل على عير محملة فنفرت العير من دفيف البراق فنادى الذي في آخر العير غلاماً في اول العير ان يا فلان أن العير قد نفرت وأن فلانة ألقت حملها وإنكسرت يدها قالوا هذه آية واحدة.
    ومررت ببطن البلقاء بعير بني فلان وقد أضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحلهم قعب مملوء ماء، فقلت يا جبريل قد عطشت فتناوله جبريل وشربت منه ثم غطيته فسألوهم هل وجدوا الماء في القدح قالوا هذه آية أخرى، ثم قالوا فاخبرنا عن عيرنا قال: مررت بها بالتنعيم( )، وبين لهم أحمالها وهيئاتها وقال يقدمها جمل أورق عليه فزارتــان محيطتــان وتطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا هذه آية اخرى.
    وقال رجل أنا أعلم الناس ببيت المقدس وهيئته وقناديله وإسطواناته وكيف قربه من الجبل فان يك محمد صادقاً فسأخبركم وان يك كاذباً فسأخبركم فجاء ذلك المشرك وأخذ يسأل النبي، عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما زلت أنعت حتى إلتبس عليّ بعض النعت قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر اليه حتى وضع دون دار عقيل( )، فنعته وانا انظر اليه وكان مع هذا النعت لم أحفظه، وقالوا هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى، قال: نعم، قالوا فصفهم لنا فوصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
    ثم خرجوا يشتدون نحو التيه وهم يقولون: لقد قضى محمد بيننا وبينه قضاء بيناً وجلسوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه فقال قائل: والله ان الشمس قد طلعت وقال آخر: والله هذه الأبل قد طلعت يقدمها بعير أورق فبهتوا، وسألوهم عن الإناء فاخبروهم أنهم وضعوه مملوء ماء ثم غطوه وأنهم وجدوه مغطى ولا ماء فيه.
    وسألوهم عن البعير الذي ند لهم فاخبروهم انهم فقدوا بعيراً وسمعوا صوت رجل يدلهم إليه ثم أخذوه.
    وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ان قريشاً أرسلت الرسل وقالوا لهم حيث ما لقيتم العير فاحبسوها ليكذبوا بذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فضرب الله وجوه الإبل فاقتربت على الساحل وأصبح الناس فشرفوا فما رؤيت مكة أكثر مشرفاً ولا مشرفة منها يومئذ لينظروا ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقبلت الإبل ناحية الساحل وكما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخرج المسلمون يومها فرحين بفضل الله، وأسلم ساعتها عدد كبير من الناس.
    علم المناسبة
    وردت مادة (فار) أربع مرات في القرآن في ثلاثة مواضيع:
    الأول: جاءت آيتان في قصة نوح، قال تعالى [إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ]( )، إذ جعل فوران الماء من التنور علامة لنوح كي يركب في السفينة، هو ومن معه، فلما نبع الماء من التنور أخبرته زوجته فركب، وفي الذي ركبوا (ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنهم ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم) ( )، وقيل كان تنور آدم عليه السلام وكان من حجارة فصار إلى نوح، وأختلف في مكانه على وجوه:
    الأول: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد، عن الشعبي( ).
    الثاني: انه في الشام بموضع يقال له عين وردة.
    الثالث: قيل بالهند.
    الرابع: عن ابن عباس: التنور وجه الأرض.
    الخامس: عن الإمام علي عليه السلام: فار التنور طلع الفجر.
    السادس: هو مثل قولهم حمى الوطيس.
    أي تظهر أمارات الطوفان وتدفق الماء بغزارة، ومال الزمخشري إلى القول الأول، علماً بأن الأقوال الأخيرة جاءت على نحو المعنى الأعم وإرادة المفهوم من غير أن تتعارض مع تعيين مكانه ومعنى نبع وتدفق الماء من التنور.
    الثاني: وردت آية واحدة في صفة نار جهنم، وما ينتظر أصحابها من العذاب وما تستقبلهم به النار من شدة حرارتها، ووهج لهيبها، قال تعالى [إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ]( )، للإخبار عن حال النار وغضبها وأنها تغلي غليان المرجل بما فيه، لبيان غيظها وسخطها على الكفار الذين يدخلون بها عقوبة وجزاء، وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد غيظ الزبانية( )، ولكن الكلام يحمل على ظاهره والمراد النار وإفادة ما لها من الإحساس والنقمة على الكفار.
    وفي الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث إنذاراً للكفار الذين زحفوا على المدينة يريدون قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وتحذيراً لمن خلفهم من الكفار بأن فورهم وتحذيرهم غضباً على المؤمنين يؤدي بهم الى النار التي تتلقاهم بذات الثورة من الغضب مع الزفير والغليان وشدة العذاب.
    وإن إستطاع الكفار الإنسحاب من معركة بدر وأحد والأحزاب فانهم لايستطيعون الفرار من النار وعذابها يوم القيامة، والآية دعوة لهم وللناس جميعاً للتوبة والكف عن الظلم والتعدي على المسلمين.
    وكأن مجئ الملائكة مدداً للمسلمين في معارك الإسلام الأولى مرآة وإنذار وتحذير من الملائكة القائمين على النار، قال تعالى [عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ]( ).
    ويدل الجمع بين الآيتين على أن الدنيا دار إمتحان وإختبار وأن الآخرة دار جزاء، فيفور الكفار غضباً ضد الرسالة السماوية ومن يؤمن بها ليلقوا العذاب، ويصبر المؤمنون ويتحملون الأذى في جنب الله ويخشونه في الغيب فيأتيهم النصر والمدد من السماء في الحياة الدنيا، ويفوزون بالثواب العظيم والخلود في النعيم في الآخرة.
    قوله تعالى [يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ]
    جاءت الآية باسم الرب وهو من أمهات الأسماء الحسنى، ووردت أدعية الأنبياء بلفظ (ربي) ولفظ (ربنا) وإجتمعا في آية واحدة بما ورد على لسان إبراهيم في التنزيل [رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ]( ).
    وجاءت هذه الآية لبيان لطف وعناية الله تعالى بالمؤمنين الذين خرجوا إلى المعركة أحد، فقد أنهكهم القتال، وهمت طائفتان منهم أن تضعفا وتظهرا خوفهما وفزعهما من الكفار وشدة العناد لولا أن تدارك أمرهما بفضل الله عز وجل وولايته ونصرته للمؤمنين قال سبحانه [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا]( ).
    ومن الإعجاز إضافة الرب إلى المؤمنين بقوله تعالى [رَبُّكُمْ] وفيه توكيد لنصر الله للمؤمنين، وإشارة بأنه رشحة من رشحات الربوبية، وإخبار عن إقرار المسلمين بالعبودية لله تعالى، ودليل على حفظ الله تعالى للمؤمنين، ودفعه القتل وأسباب الإستئصال عنهم.
    وقد جاء حديث الإسراء بوصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة العبودية لله عز وجل، قال سبحانه [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى]( )، لبيان منزلة الإيمان والتقوى والإنقطاع إلى الله، ونيل المراتب الرفيعة على أداء وظائف العبودية، وهذه المراتب على وجوه:
    الأول: ماهو خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتجلى بمصاديق كثيرة يختص بها بفضل من الله عز وجل منها ما هو في الدنيا
    كحديث الإسراء، ومنها ما هو في الآخرة كالمقام المحمود.
    الثاني: المنزلة العظيمة للأنبياء والمرسلين، ونزول الوحي عليهم، وخصهم بالكرامة مرتبة رفيعة لاينالها غيرهم من أهل الأرض.
    الثالث: مايناله المؤمنون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين يتحلون بالصبر والتقوى من المدد والنصرة والعون من عند الله عز وجل، ومنه ماجاء في هذه الآية الكريمة، وشكر الله عز وجل لهم لما بلغوه من العلم وأدراك الحق وإتباعه، قال تعالى [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
    الرابع: الفضل الإلهي الذي يأتي للمسلمين عموماً من بداية هبوط آدم إلى الأرض وإلى يوم القيامة.
    وليس من حصر أو فصل لمراتب الفضل التي ينعم بها الله عز وجل على الناس، بل هي متداخلة ومتصلة بعضها ببعض، وفي هذه التداخل دعوة للمؤمنين للإجتهاد في طاعة الله.
    لذا جاءت هذه الآية بالحث على الصبر والتقوى، للإرتقاء في مقامات العبودية لله عز وجل، وصحيح ان الآية جاءت بالإخبار بأن الله عز وجل هو رب المؤمنين إلا أنه سبحانه رب الخلائق كلها، قال تعالى [رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ]( )، أي أنه تعالى مالكها وصاحبها ومصلحها ومدبرها.
    والربوبية عنوان حفظ وإمساك السماوات والأرض وتثبيتها، والله عز وجل هو الذي يمنع النجوم والأفلاك من التساقط، ويمنع الأنهار من الإنفجار.
    وجاءت هذه الآية للإخبار بأن الله تعالى يحفظ النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام والمؤمنين، ويتجلى هذا الحفظ بنزول الملائكة ناصرين لهم، وللمسلمين أن يتخذوا من يوم نزول هذه الآية عيداً لهم، لأنها وعد إلهي كريم بحفظهم وسلامتهم، ودفع ضرر الكفار عنهم.
    ومن الإعجاز في سياق الآيات وتوجه الخطاب فيها للمؤمنين خروج النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالتخصيص من لغة الشرط الواردة فيها بإعتبار انه بلغ مرتبة الكمالات الإنسانية، وانه يتحلى بأسمى معاني الصبر والخشية من الله عز وجل قبل وبعد نزول هذه الآية، ويدل على خروج النبي من لغة الشرط قوله تعالى في الآية السابقة [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ]، وفيه دعوة للصحابة لإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإقتداء به في ميادين الصبر والتقوى، وأن يتخذوه أسوة لهم، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( )، وفيه آية في علم الكلام والأخلاق بأن يدعو الله عز وجل المؤمنين الى التقيد بأحكام الصبر والتقوى وفيهم الأسوة الحسنة الكريمة، ليسهل عليهم إنتهاج سبل الصبر والخشية من الله عز وجل.
    ومن الآيات ان بقت سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين يتوارثونها جيلاً بعد جيل لتكون نبراساً وضياء وهل يكون تقدير الآية “وأن تصبروا وتتقوا كما صبر وإتقى رسول الله” الجواب لا، فالله عز وجل لا يشترط على المسلمين بلوغ المراتب العالية التي بلغها رسول الله في التقوى واليقين، بل يرضى سبحانه بالقليل فقد جاءت الآية محل البحث بالبشارة بنزول خمسة آلاف من الملائكة لنصرة المؤمنين، لبيان فضل الله عز وجل وعظيم قدرته وانه سبحانه يزيد عليهم من فضله وإحسانه بما يبعث السكينة والطمأنينة في قلوبهم وهذا لا يتعارض مع لزوم الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم والإقتباس من سنته وسيرته.
    ووردت آية بذكر ألف من الملائكة، في المدد للمؤمنين، ومع ان لفظ الملائكة ورد في القرآن ثلاثاً وسبعين مرة، فانه لم يرد لفظ “من الملائكة” الا خمس مرات منها ثلاثة بخصوص المدد من الملائكة للمؤمنين.
    بحث بلاغي
    من ضروب البلاغة “الإلتفات” وهو نقل الكلام من صيغة إلى أخرى، في جهة ولغة الخطاب، وهو على وجوه:
    الأول: الإنتقال من صيغة المتكلم إلى الخطاب.
    الثاني: التكلم بصيغة الخطاب ثم الإنتقال إلى لغة المتكلم.
    الثالث: الحديث بلغة الغائب ثم بلغة المتكلم.
    الرابع: الكلام بلغة الغائب فالإنتقال إلى صيغة المخاطب بفتح الخاء.
    الخامس: الكلام عن الذات والنفس، ثم الحديث عن الغائب.
    السادس: الحديث بلغة الخطاب ثم الإنتقال إلى لغة الغائب.
    وللإلتفات منافع عديدة تتجلى في طراوة الكلام، وجذب الأسماع، وترسيخ معاني الكلام في الأذهان وطرد الملل والضجر، ومن الإعجاز في القرآن كثرة وتعدد صيغ الإلتفات فيه وبما يبعث على التدبر في آياته ومضامينها القدسية.
    وجاءت هذه الآية بصيغة الخطاب الى المؤمنين، لبيان عظيم فضل الله عز وجل عليهم فهو سبحانه يبشرهم بالمدد الملكوتي، وليس في الآية إلتفات، ولكنها تتضمن بالدلالة الإلتزامية لغة الإنذار للكفار، وتحذيرهم من العودة لقتال المسلمين، ولا ينحصر هذا الإنذار بمعركة أحد وما يلحق بها من الحوادث بل هو عام وشامل لأن الأصل هو أن يكف الكفار عن التعدي على المسلمين.
    وجاء الإلتفات في الآية التالية بقوله تعالى [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] ( )، لبيان قانون ثابت يحكم الحياة الدنيا والآخرة، وهو ان النصر والغلبة بيد الله عز وجل.
    ان إختصاص هذه الآية بخطاب الى المؤمنين نعمة إضافية على المسلمين جميعاً ليزدادوا إيماناً، ويعلموا ان الله عز وجل معهم في ساعة الرخاء والشدة، ومع مجيء الآية بصيغة الخطاب للمؤمنين وليس فيها إلتفات فانها تطرد الملل والضجر، لدى القارئ والمستمع.
    بحث كلامي
    لقد خلق الله عز وجل السماء والأرض وتعاهدهما بقدرته وسلطانه، لذا فان ملكه لهما رحمة منه تعالى بهما وبالخلائق كلها، لأنه ملكه تعالى لها حفظ وإدامة وتثبيت لها بعد أن تفضل سبحانه بابداعها من غير مثال يحتذى، ونزول الملائكة لنصرة المؤمنين شاهد على أن الناس غير مستغنين عنه سبحانه في وجودهم وعبادتهم، وفيه دفع لوهم قدرة الإنسان على إصلاح ذاته وإدامة الحياة في الأرض، من وجوه:
    الأول: ملازمة الحاجة للإنسان ككائن ممكن.
    الثاني: الصراع عند الإنسان بين العقل والشهوة، وغلبة القوى الشهوية والغضبية على الإنسان أحياناً، كما يظهر في زحف الكفار للقضاء على الإيمان مع رجحان كفة الكفار في العدد والعدة.
    الثالث: تعلق حياة الإنسان بالكائنات الأخرى، والنظام العام للخلائق، والربوبية سور الموجبة الكلية في حفظ العوالم المختلفة والمتعددة، والتي لايعلم عددها، وشؤونها إلا الله عز وجل، الأمر الذي يستحق من العباد الشكر له تعالى على نعمة العبودية له سبحانه، والعجز عن الإحاطة ببديع صنعه وعظيم مخلوقاته، ومنها الملائكة التي تجلت آيات من بديع خلق الله لها وقدراتها العجبية في هذه الآية الكريمة من وجوه:
    الأول: نزول الملائكة إلى الأرض، وهذا النزول وحده آية عظمى وإشراقة سماوية تطل على الأرض وأهلها.
    الثاني: بيان موضوع نزول الملائكة وهو نصرة المؤمنين، ومن قوانين الأرض أن المدد قد يتعرض للخسارة، ويلحقه الضرر، ويشعر بالمشقة والعناء، ولكن المدد من الملائكة لا يتأذى من المعركة بل تكون مشاركته فيها عيداً له ولملائكة السماء مطلقاً، لأنها عبادة لله تعالى، وهو من أسرار ورود حرف التبعيض في ( من الملائكة)، ومن أسراره الإشارة إلى نزول المزيد من الملائكة بالدعاء وفضل الله،لأنها عبادة لله تعالى من جهات:
    الأولى: يأتي إشتراك الملائكة في القتال ونصرتهم للمؤمنين طاعة لله تعالى.
    الثانية: إختصاص هؤلاء الملائكة بنصرة المؤمنين وعمارة الأرض بالعبادة والنسك والصلاح، فمن علم الله عز وجل الذي ورد ذكره في قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، إذنه تعالى للملائكة بمحاربة الفساد والمفسدين فيها، ومنع الناس من الإفساد لأن تثبيت دعائم الدين في معركة بدر وأحد برزخ دون جعل غالب الناس يصرون على إرتكاب المعاصي، وإفشاء القتل في الأرض.
    الثالثة: تبين الآية حقيقة وهي إعانة الملائكة للمؤمنين قربة وطاعة لله عز وجل.
    الثالث: تدل الآية بالدلالة التضمنية على سرعة نزول الملائكة لنجدة وإغاثة المؤمنين.
    الرابع: تفسر آيات القرآن بعضها بعضاً، وقد جاءت ببيان وظيفة وفعل الملائكة وعلى نحو متعدد من وجوه:
    الأول: قتل الملائكة للكفار بأمر من الله،قال تعالى[فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] ( ).
    الثاني: بعث الفزع والخوف في قلوب الكفار.
    الثالث: تثبيت الذين آمنوا، قال تعالى [إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا] ( ).
    لقد كان نزول الملائكة حرباً على الوثنية، ومناسبة لتعظيم المسلمين لمقام الربوبية، وخشيتهم من الله تعالى، ان سماع المسلمين بنزول الملائكة مقدمة لتحقيق الشرط الذي جاءت به هذه الآية، وتلك آية في اللطف الإلهي بأن تطلب الآية شرطاً لنزول الملائكة، ولكن الآية ذاتها عون لتحقيق وإنجاز هذا الشرط، لذا قالت الآية التالية [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ]( ).
    ومن الآيات أن قيد الصبر والتقوى حصانة من الغرور والجهالة والإنشغال بالغنائم، ونسيان الواجبات، فكأن الآية تقول للمسلمين، سيأتيهم النصر من الله فاجتنبوا الغفلة والبطر وتنزهوا عن التقصير في العبادات والطاعات.
    قانون العلة الغائية لنزول الملائكة
    لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا داراً لبديع آياته، ووعاء لإظهار عظيم قدرته وسلطانه، وفي كل لحظة ومكان تتجلى وتستحدث آيات ودلالات على إنفراده بالربوبية، وإستجابة الأشياء كلها له سبحانه، وتنقسم هذه الآيات إلى قسمين:
    الأول: الآيات الحسية التي تدرك بأحد الحواس الخمسة الباصرة، السامعة، الذائقة، الشامة، اللامسة.
    الثاني: الآيات الفعلية التي تدركها العقول، وإلا فليس من برزخ وفاصل بينهما، بل هما يتداخلان بلحاظ أن الآية الحسية تدعو إلى التفكر ببديع صنع الله.
    وتدعو الآية العقلية الحواس إلى تلمسها والشعور بها، وجاءت آية نزول الملائكة والبشارة به على وجوه ثلاثة:
    الأول: حسية.
    الثاني: عقلية.
    الثالث: حسية عقلية.
    وبلحاظ المكان والآفاق فان نزول الملائكة آية سماوية أرضية، إذ لم يعهد أن ينزل أهل السماء للقتال في الأرض، وليس عندهم في السماء قتال ومعارك، وحروب، فقد كان إبليس بين الملائكة ومعروف بالعبادة وكثرة السجود وذكر أنه صلى ركعتين وإستغرقا من الوقت ما مقداره ستة آلاف سنة، ولكنه أظهر كفره بمعصية أمر الله عز وجل بالسجود لآدم عليه السلام فأخرجه الله عز وجل من الجنة مطروداً مذموماً، قال تعالى [اخْرُجْ مِنْهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا]( ).
    ولم يزاول الملائكة فنون القتال والمبارزة والمسايفة، ولكن دخولهم المعركة مدد للمؤمنين من القدرات العجبية التي يتصفون بها، وشاهد على أن هذه القدرات ليست محدودة في موضوعها فيجوز أن يأتي شطر منها إبتداء كما في في نزولهم للأرض للقتال ونصرة المؤمنين الذي إقترن ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون نزولهم آية وشاهد على صدق نبوته، ولزوم إتباعه.
    إن الله عز وجل لا يفعل إلا ما فيه المصلحة والنفع للخلائق ورفع الفساد عنهم، ومن وجوه العلة الغائية لنزول الملائكة أمور:
    الأول: توكيد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وسط قوم يعبدون الأوثان، ويصرون على المعاصي، ويأبون الإنصياع للأوامر والنواهي التي تأتي من السماء، فأنزل الله عز وجل الملائكة لنصر وتعضيد الذين يمتثلون للأوامر والنواهي الإلهية.
    الثاني: بداية مرحلة جديدة في الحياة على الأرض، تتجلى بمنع إستحواذ الكفر على النفوس والأمصار.
    الثالث: منع الكفار من تولي زمام المبادرة في الهجوم، وتعيين أوان ومكان القتال مع المسلمين، إذ أن الخيبة والخسران اللذين أصابا كفار قريش عند نزول الملائكة موعظة وعبرة لمن خلفهم، ومن بعدهم ممن هو على سنخيتهم.
    قوله تعالى [بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ]
    هذا الشطر وعد كريم أنعم به الله عز وجل على المسلمين، ولا يستطيع غير الله عز وجل أن يعد مثل هذا الوعد، وهو سبحانه وحده القادر على تحقيقه، وإنفراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين يوم أحد بهذا الوعد وما يدل عليه من وجوه التفضيل شاهد على ان المسلمين [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) من وجوه:
    الأول: مجي الوعد الإلهي للمسلمين بنزول الملائكة لنصرتهم وإعانتهم.
    الثاني: نصرة الله عز وجل للمسلمين ساعة العسرة والشدة.
    الثالث: نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ساحة المعركة وبعد إنقضاء القتال.
    الرابع: بعث السكينة في نفوس المسلمين وطرد الفزع والخوف عنهم.
    الخامس: بشارة المسلمين بالنصر والظفر والتي يدل عليها الوعد الكريم الوارد في الآية.
    السادس: منع حصول الفشل عند شطر ونفر من المسلمين، ففي معركة أحد ورد قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( ) وجاءت البشارة بعد إنقضاء المعركة بالمدد الملكوتي لمنع الهم بالفشل إذا رجع الكفار فقد وقع الهم بالفشل في معركة أحد.
    وجاءت هذه الآية للمنع من النية بالهم بالفشل كما لو قال بعض المؤمنين إذا رجع الكفار للقتال فانّا لا نستطيع القتال أو نتجنب القتال، ومثل هذا القول يؤذي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ويضر المؤمنين في مواجهة الأعداء، فتفضل الله عز وجل بالبشارة بالمدد للمنع من مثل هذا القول وتلك خصوصية ينفرد بها المسلمون وشاهد على أنهم خير أمة إمتازوا بالعصمة من الفشل والجبن والفزع إذا نوى الكفار الرجوع إليهم، وفي هذه العصمة مسائل:
    الأولى: إنها فضل من الله عز وجل، فتأتي البشارة من الله لتبعث السكينة في نفوس المسلمين وتزيدهم ثقة بالنصر، وتكون وسيلة سماوية لتثبيتهم في مواضع القتال.
    الثانية: إنها من مصاديق قوله تعالى [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] فقد جعل الله عز وجل المسلمين في مأمن من الفزع إذا رجع العدو إلى قتالهم وان كان ذا عدة وعدد، وليس من أمة من المليين غير المسلمين نالت مرتبة العصمة من الفزع والهم بالفشل إذا نوى العدو الرجوع إلى قتالها.
    الثالثة: بعث الخوف والفزع في قلوب الكفار وصدهم عن الرجوع إلى القتال، فمتى ما علم العدو أن الطرف الآخر مستعد للقائه فانه يخشى الرجوع إلى القتال.
    الرابعة: تأهيل المسلمين لإقتفاء أثر العدو من غير ملل أو ضجر.
    ومن الإعجاز الغيري للقرآن المنافع والبركات التي ترتبت على نزول هذه الآية، فقد جعلت المسلمين أمة صابرة حريصة على قتال الكافر الظالم، ومنعه من التعدي على الثغور، وهي كنز سماوي عظيم فاز به المسلمون، فقد شرّف الله عز وجل عيسى عليه السلام بأن أنزل عليه مائدة من السماء، بعد توجهه بالدعاء وسؤال المائدة، قال تعالى [قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ] ( ).
    وأنعم الله عز وجل على المؤمنين بأن أنزل عليهم ملائكة لنصرهم في القتال ووعدهم بنزول خمسة آلاف منهم إن تقيدوا بآداب الصبر وسنن التقوى، ومن خصائص الكنز السماوي التجدد وعدم النفاد، فهو باقِ وقريب من المسلمين، وبإستطاعتهم أن ينهلوا منه، ومنها أنه مقدمة لإكتساب الحسنات، وباب لنيل الأجر والثواب، وكنز المدد السماوي ذو وجوه:
    الأول: ثبوت موضوع المدد الملكوتي بآية سماوية نازلة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي هذه الآية.
    الثاني: تجلي معاني وآثار المدد الملكوتي على المسلمين في معركة بدر وأحد وما بينهما وما بعدهما.
    الثالث: قرب المدد الملكوتي من المسلمين، وملازمة النصرة الإلهية للمسلمين في ساعة الضيق والشدة.
    الرابع: تعدد وجوه المدد والنصرة الإلهية للمسلمين، والله سبحانه واسع كريم، وليس من حد أو قيد لإستدامة فضله تعالى على المؤمنين.
    الخامس: لجوء المسلمين إلى الله عز وجل عند الشدائد ومباغتة العدو لهم، وتلك آية في الكنز والمدد الإلهي، بأن يصبح المسلمون متطلعين الى فضل الله عز وجل، ليكون اللجوء اليه تعالى مصداقاً من مصاديق العبادة ومقدمة للإجتهاد فيها وإخلاص النية والعزيمة في مرضاة الله عز وجل.
    السادس: إصابة الكفار بالفزع والخوف من المؤمنين، وترددهم في الهجوم على المسلمين وثغورهم، ومتى ما علم العدو أن الطرف الآخر له عون ومدد قوي فانه يتجنب التعدي عليه، وان وقعت معركة فانه يخشى الرجوع مرة أخرى اليها.
    وتدل هذه الآية على أن الكفار قاموا بالإنسحاب، ورضوا بما حققوه في معركة أحد من السلامة من الهزيمة النكراء كتلك التي تعرضوا لها يوم بدر، وإستطاعوا أن يصيبوا المؤمنين بخسائر في الأرواح، ورضاهم في الميدان بهذه النتيجة نصر عظيم للإسلام وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين من وجوه:
    الأول: سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة، مع إرادة الكفار قتله.
    الثاني: بقاء المسلمين متحدين متآخين.
    الثالث: عدم هزيمة المسلمين في المعركة مع ان عدد الكفار أكثر من ثلاثة أضعاف عددهم، فان قلت قد إنهزم أكثر المسلمين من المعركة ولم يبقَ مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعدد أصابع اليد، والمدار على الأكثر الغالب، والجواب من جهات:
    الأولى: لم ينهزم الأكثر من المسلمين من المعركة بل تركوا مواضعهم لبرهة من الزمن ثم عادوا إليها والمدار على خواتيم الأمور.
    الثانية: لم يترك المسلمون ميدان المعركة، ولم يرجعوا إلى المدينة بدليل هذه الآية التي تخبر عن إحتمال عودة الكفار إلى المعركة.
    الثالثة: ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والقليل من أهل بيته وأصحابه معه شاهد على أن المسلمين لم ينهزموا من المعركة، لأن الكفار لم يستطيعوا التقدم والزحف ولم تحصل مطاردة من الكفار للمسلمين.
    الرابعة: بقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل في ميدان المعركة دليل على إستمرار المعركة والقتال الى حين عودة المؤمنين.
    الرابع: لقد أكدت معركة أحد بأن المسلمين قادرون على مواجهة الكفار والأعداء مطلقاً.
    الخامس: إستقراء الدروس والمواعظ وإقتباس المسائل من إجتماع معركتي بدر وأحد وآثارهما متحدتين فقد أدرك الناس ان الإسلام دين جاء ليبقى وان النبي محمداً صلى الله عليه وسلم مؤيد من عند الله بالملائكة والمؤمنين.
    وحينما نزلت هذه الآية لم يحتج أحد من كفار قريش وغيرهم، واليهود الموجودين في المدينة على كثرة عدد الملائكة، ولم يقل بعضهم إننا لم نرَ أثر هذا المدد، بل بالعكس فان نتائج ومنافع هذه الآية وما فيها من البشارة ظهرت على وجوه:
    الأول: إزدياد قوة المسلمين، فما من جيش يأتيه خبر المدد والنصرة إلا ويزداد قوة في ذاته فكيف وان المدد الذي يأتي إلى المسلمين هو آلاف من الملائكة نازلة من السماء وجاء الإخبار بآية من السماء.
    الثاني: بعث السكينة في قلوب المؤمنين، لأن هذه الآية من أعظم البشارات في تأريخ الإسلام، وبعثة الأنبياء، ومن حق المسلمين أن يتخذوها موضوعاً للفخر والعز ومناسبة لشكر الله عز وجل.
    الثالث: إمتلاء قلوب الكفار بالفزع والخوف فحينما يسمع العدو بأن الطرف الآخر جاءه مدد وعون فانه يحزن ويصاب بالخيبة بقدر موضوعية وأثر وعدد وعدة هذا المدد.
    الرابع: جاءت الآية الكريمة لتمنع الكفار من الهم بالرجوع إلى المعركة ومنع المؤمنين من ألهم بالفشل، وتكون بداية النصر الدائم للإسلام والمسلمين.
    الخامس: هذه الآية ظهير للمسلمين في كل زمان وإلى يوم القيامة.
    السادس: تزيل الآية الحواجز والموانع بين المؤمنين وأهل السماء، وتبين إنتفاء موضوعية المسافة الواسعة بين السماء والأرض في قضاء حاجات المسلمين.
    السابع: توكيد نزول جبرئيل بالوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    الثامن: تتضمن الآية الإجابة على سؤال مفترض وهو كم يستغرق نزول جبرئيل بالوحي، وقطع المسافة بين السماء والأرض، لذا لا ترى من يقول بأن جبرئيل إحتاج إلى أيام أو ساعات للوصول إلى الأرض، خصوصاً وان نزوله متكرر ومتجدد، وقد ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مرة في اليوم الواحد.
    لتؤكد الآية محل البحث على النزول الفوري لجبرئيل عليه السلام من السماء بالوحي من غير أن يستغرق نزوله وقتاً معتداً به، فاذا كان خمسة آلاف من الملائكة ينزلون في ساعة واحدة وحال مجيء وعودة الكفار للقتال، فمن باب الأولوية عدم إبطاء جبرئيل عن النزول بالوحي خصوصاً وانه من سادة وكبراء الملائكة.
    ولم تقل الآية “خمسة آلاف ملك” بل جاءت بحرف التبعيض “من” في قوله تعالى [بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ] وفيه مسائل:
    الأولى: بيان كثرة عدد الملائكة الذين لا يحصي عددهم الا الله عز وجل.
    الثانية: دعوة المسلمين للتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء وسؤال المزيد من الملائكة للنصرة.
    الثالثة: بيان عظيم قدرة الله عز وجل.
    الرابعة: توكيد فضل الله عز وجل وانه سبحانه ينزل لنصرتهم الآلاف من الملائكة.
    الخامسة: بعث الفزع والخوف في قلوب الكفار من الملائكة الذين نزلوا لنصرة المسلمين، والذين من خلفهم.
    السادسة: الإخبار عن حقيقة وهي ان نزول آلاف من الملائكة لن يضر بقوانين وإستقرار السماوات والأرض.
    السابعة: علم أهل السماء بالملائكة الذين نزلوا إلى الأرض، والوظيفة التي جاءوا من أجلها وهي نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
    الثامنة: غضب الله على الكفار الذين جاءوا لمحاربة الإسلام.
    التاسعة: شدة البطش بالكفار.
    العاشرة: دعوة الكفار لإجتناب العودة للقتال.
    الحادية عشرة: بعث السكينة في نفوس المؤمنين، وجعل برزخ بينهم وبين الهم بالفشل.
    الثانية عشرة: حث المسلمين على الشكر لله عز وجل على النعمة العظيمة بنزول الملائكة لنصرتهم، وكثرة عدد أولئك الملائكة.
    علم المناسبة
    يتضمن هذا الشطر من الآية ثلاثة أطراف:
    الأول: العدد خمسة.
    الثاني: لفظ آلاف.
    الثالث: من الملائكة.
    ولم يرد لفظ خمسة آلاف في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة، وورد لفظ (خمسة ) مرتين في القرآن، مرة في أهل الكهف [وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ] ( ).
    وفي بيان إحاطة الله عز وجل علماً بكل شيء وأنه سبحانه موجود في كل مكان لا تخفى عليه خافية ، قال تعالى [مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ]( ).
    أما لفظ (آلاف ) فلم يرد إلا في هذه الآية والآية السابقة، وتلك آية إعجازية في نظم القرآن من وجوه:
    الأول: لم يرد لفظ آلاف إلا في آيتين متعاقبتين من سورة آل عمران.
    الثاني: ورد ذكر آلاف بخصوص الملائكة النازلين إلى الأرض.
    الثالث: تعيين وبيان موضوع نزول الملائكة وهو نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المؤمنين برسالته.
    الرابع: تقييد لفظ آلاف بثلاثة في الآية السابقة، وخمسة في هذه الآية وفيه بيان للفضل الإلهي على المسلمين.
    ومع كفاية ثلاثة آلاف ملك لنصرة المؤمنين كما تدل عليه الآية السابقة وما فيها من لغة الإستفهام [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ] ( )، جاءت هذه الآية بالشارة بنزول خمسة آلاف وبذات الموضوع وهو المدد لجعل السكينة والطمأنينة أمراً مستقراً في نفوس المؤمنين، وهو من الفضل الإلهي عليهم .
    قانون خمسة آلاف من الملائكة
    لقد ملأت آيات الله السماوات والأرض، ومن بديع خلقه سبحانه صدق موضوع وحكم الآية على الحال والمحل، فالملائكة خلق عظيم وهي تسكن السماوات، وتتجلى في كل من الساكن والمسكن آيات أكثر من أن تحصى، ولا تحيط بها أوهام البشر.
    وقد تجلت بعض هذه الآيات بنزول الملائكة لنصرة المؤمنين يوم بدر وأحد وحنين وغيرها، فلا ينحصر موضوع هذه الآيات بالملائكة وخلقهم، بل يشمل السماوات فمع بعدها وعظيم خلقها فان الملائكة يغادرونها نازلين إلى الأرض في وظيفة عبادية قتالية ليعودوا بعدها إلى مساكنهم من غير أن يلبثوا طويلاً في الأرض، ولا يزاحموا الناس فيها مما يعني انهم لم يرغبوا ان يكونوا خلفاء في الأرض إلا أن يشاء الله، ولكنهم ينزلون لنصرة الخليفة في الأرض وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على إقرارهم بخلافته ونبوته.
    وإذ سجد الملائكة لآدم بأمر من الله عز وجل فانهم نزلوا لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأمر من الله عز وجل، وفيه دليل على ان المسلمين [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، لأن الملائكة نزلوا لنصرة نبيهم ونصرتهم، ولعل في تعيين جهة النصرة وانها خاصة بالمؤمنين أمارة على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يأتيه من إكرام الملائكة ما هو أكثر من النصرة إلى جانب شموله بها.
    لقد نزل الملائكة على الأنبياء بالوحي ومنهم من يرى ويسمع الملك ومنهم من يسمعه من غير أن يراه، وجاءت هذه الآية لبيان نزول خمسة آلاف من الملائكة مرة واحدة لنصرة المؤمنين، وجاء الوحي مقدمة لنزولها إذ ان جبرئيل نزل بهذه الآية لبشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبشارة المؤمنين بواسطته.
    ويأتي الوحي للمؤمنين بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أما نزول الملائكة فانه جاء لنصرة المؤمنين بالذات وفيه شاهد على عظيم منزلتهم عند الله، وأهليتهم للإنفراد بهذه النصرة بين الأولين والآخرين من المليين، ويدل في مفهومه على إنفراد كفار قريش وأعداء الإسلام مطلقاً بالعذاب الأليم، فلم يأتِ لطائفة أو فرقة من الكفار مثل الذي جاء من العذاب للكفار الذين حاربوا الإسلام إذ نزل الملائكة لبعث الفزع والخوف في نفوسهم وقتالهم، وجعلهم يفرون أمام المسلمين.
    وهل بعث الملائكة الفزع الخوف في قلوب كفار قريش بعد معركة أحد إذ همّوا بالرجوع الى المعركة وجعلوهم يصرفون النظر عن الرجوع، وإذا فعل الملائكة ذلك، فلم نزلت هذه الآية التي تخبر عن إحتمال عودة الكفار للقتال.
    والجواب انه لا دليل على قيام الملائكة بصرف الكفار عن نية الرجوع إلى المعركة إلا أن أسباب الفزع والخوف من الرجوع زرعها الملائكة في قلوب الكفار من خلال وقائع معركة بدر وأحد، فحينما يهّم الكفار بالرجوع يتبادر إلى أذهانهم ويظهر على ألسنتهم الفزع من حضور الملائكة المعركة ونصرتهم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
    روى عبد الله بن عمر قال لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا، ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال الذين كنا نراهم يوم بدر) ( ).
    ولا يدل هذا الخبر على عدم نزول الملائكة يوم أحد، لتعدد صيغ وكيفية نزولها وملائمتها، وطرق مشاركتها في القتال.
    ومن خصائص هذه الآية الكريمة ان منافعها لا تنحصر بموضوع صد ومنع الكفار عن الرجوع الى المعركة بل جاءت لتبعث السكينة في قلوب المسلمين، وتمنع من ترتب الأثر على الإشاعات بعودة الكفار، والأخبار التي يبثها الكفار والمرجفون في المدينة من عزم الكفار على العودة، وإعانة قبائل أخرى لهم.
    فهذه الآية واقية من إعلام الكفار وحصانة من أهل الحسد، وهي مصداق لقوله تعالى لولاية الله للمؤمنين في معركة أحد كما في قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا]( )، وشاهد على إطلاق هذه الولاية وانها لا تنحصر بصرف المؤمنين عن الهم بالفشل والجبن والخوف من الأعداء، بل تشمل ولاية الله لهم النصرة والإعانة وبعث السكينة والطمأنينة في نفوسهم كيلا يقول المسلمون للنبي محمد صلى الله عليه وسلم كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام [ أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا]( )، وهو من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، بأن تقاتل مع نبيها وتنعدم عند أفلرادها أسباب الفزع والخوف والنفرة والفرقة لذا فقد غادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى وليس من أحد من أصحابه يشكو من القتال والدفاع بل كانوا يعشقون الجهاد في سبيل الله، ويتنافسون في سبل الشهادة.
    وكان نزول الملائكة لنصرتهم في معارك الإسلام الأولى مدداً حاضراً وعوناً لقهر النفس الشهوية، وبرزخاً دون الميل إلى اللذات والخلود إلى الراحة، وزاجراً عن الغفلة والجهالة، إذ ان مجيء الآية بصيغة الخطاب للمؤمنين دليل على أهليتهم لتلقي هذا الخطاب وسعيهم للتقيد بما فيه من الشرط، وتعليق نزول الملائكة لنصرة المؤمنين، بقيد الصبر والتقوى.
    ومن منافع كثرة عدد الملائكة النازلين لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ترغيب المؤمنين بالتقيد بما في الآية من الشرط، وتلك آية إعجازية في نصرة الله للمسلمين وإعانتهم على إتخاذ الصبر والتقوى ملكة راسخة في نفوسهم وهو شاهد على ان الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم من وجوه:
    الأول: توكيد نصر المؤمنين، والغلبة على الكفار عند رجوعهم إلى المعركة، فكثرة عدد الملائكة دليل على عظيم النصرة والمدد.
    الثاني: منع طرو الفشل والفزع على قلوب المؤمنين.
    الثالث: رضا المؤمنين عن الله عز وجل لعظيم النصرة والإعانة لهم على الكفار.
    الرابع: بيان المنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عند الله عز وجل بنصره وأتباعه وأنصاره بخمسة آلاف من الملائكة.
    الخامس: دوام منافع المدد الملكوتي، إذ تنتهي الواقعة التي ينزل فيها الملائكة، في يوم أو أيام معدودات، ولكن المنافع المترشحة من نزولها لا تنتهي إلى يوم القيامة، بل هي متجددة وتبعث المسلمين على الصبر والتحمل، وتمنع الخوف والفزع من الإستيلاء على قلوبهم عندما يبث الكفار سمومهم وينشرون الأخبار التي تفيد قرب هجومهم على المسلمين وإيذائهم لهم.
    وصحيح ان نصرة الملائكة في هذه الآية جاءت بخصوص إعانة المؤمنين إذا رجع الكفار للقتال بعد يوم أحد إلا أن موضوعها وما يترتب عليه أعم من ميدان المعركة، وهي نصر وغنيمة رجع بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون إلى المدينة المنورة، وكأن فيها مواساة لهم إذ لم يرجعوا بالأسرى والغنائم من الكفار بل فقدوا أصحاباً لهم شهداء، فرجعوا إلى المدينة بهذه الآية مع نكوص الكفار وعدم رجوعهم للقتال، ليكون الملائكة المذكورون في هذه الآية مصاحبين للمؤمنين في رجوعهم إلى المدينة، وتبدأ مرحلة جديدة في حياة المسلمين تتجلى بالحرص على تعاهد الصبر والتقوى لأنهما واقية من الهزيمة، ومن أسرار النصر على الكفار.
    ومن منافع كثرة الملائكة الإشارة إلى إمكان حضورهم في أكثر من موضع ومكان فالملك الواحد كاف لهزيمة الكفار، فجاءت الآية بالإخبار عن كثرة الملائكة النازلين لنصرة المؤمنين مما يدل على فضل الله عز وجل في نصر المؤمنين إذا وقع القتال مع الكفار في أكثر من موضع ومكان.
    قانون نزول الملائكة دفعة
    أخبرت الآية الكريمة عن المدد الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بخمسة آلاف من الملائكة، ويحتمل هذا المدد وجوهاً:
    الأول: نزول الملائكة دفعة واحدة.
    الثاني: مجيء الملائكة على نحو التدريج.
    الثالث: تعاقب الملائكة في المعركة، فيؤدي عدد وشطر من الملائكة وظائفه ويصعد إلى السماء لينزل شطر آخر منهم مع عدم وجود فترة بين صعود الأول، ونزول الثاني ومباشرته للقتال، وبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار.
    الرابع: نزول الملائكة دفعة واحدة إلا ان مغادرتهم لميدان المعركة والأرض على دفعات.
    الخامس: نزول الملائكة بسبب ومقدار حاجة المؤمنين لهم، فكلما إشتدت حاجة المؤمنين إزداد عدد الملائكة النازلين لنصرتهم إلى أن يصل عددهم خمسة آلاف ملك.
    والصحيح هو الأول من وجوه:
    الأول: إن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم، وان نزول الملائكة دفعة واحدة لنصرة المؤمنين هو الأوفى والأحسن في النصرة والإعانة.
    الثاني: حمل الكلام على ظاهره، والظاهر هو نزولهم مرة واحدة.
    الثالث: إنه المتبادر إلى الأذهان من خلال اللفظ ومفهومه عند السامعين، وهو نزول الملائكة دفعة واحدة، إلا مع القرينة والأمارة التي تدل على الخلاف، وهي معدومة في المقام.
    الرابع: حاجة المؤمنين في بداية المعركة إلى النصرة أكثر من حاجتهم لها فيما بعد، لذا فان المدد الملكوتي يتصف بخصوصية وهي مجيؤه في أول المعركة وعدم حاجته لقطع مسافة وتحمل وعثاء السفر وعناء حمل المؤون والعدة، فيتصف المدد الذي يأتي من القبائل والمدن بأمور:
    الأول: يصل المدد متأخراً زماناً عن بداية المعركة.
    الثاني: يحتاج المدد فترة من الراحة قبل أن يدخل المعركة.
    الثالث: قد تنتهي المعركة والمدد لم يصل بعد.
    الرابع: يفرض المدد الذي يأتي من الناس أحياناً شروطاً في حال تحقيق الفوز والنصر، وفي حال الهزيمة.
    الخامس: ربما يشترك المدد في سلب من يأتي لنصرته.
    السادس: لا ملازمة بين مجيء المدد وبين حصول النصر والغلبة على الأعداء فقد يأتي المدد، ويدخل المعركة ولكنه لا يستطيع تحقيق النصر والغلبة على الأعداء.
    السابع: لا ينحصر المدد الذي يأتي من الناس بطرف واحد في القتال، فقد يأتي للطرف الآخر مدد أيضاً ويساهم في تحديد سير المعركة ونتائجها.
    الثامن: عدم كفاية المدد أحياناً.
    اما بالنسبة للأول أعلاه فان المدد من الملائكة لا يتأخر عن بداية المعركة وتدل عليه الآية لقوله تعالى [وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ] ( )، فليس من فترة بين مجيء الكفار وبين نزول الملائكة ففي الآية بشارة إضافية وهي تلقي الملائكة للكفار حال مجيئهم وعودتهم للقتال بالضرب وبعث أسباب الفزع والخوف في نفوسهم.
    وأما الثاني فلا يحتاج المدد الملكوتي إلى قسط من الراحة قبل بدء المعركة ولا أثناءها، فحالما ينزلون يباشرون القتال، ولم يأتِ الملائكة لإعانة المسلمين فحسب، بل جاءوا لتحقيق النصر والغلبة على الكفار.
    وكأن الآية تتضمن تعيين الوظائف الإيمانية وهي تقيد المسلمين بآداب الصبر وسنن التقوى، أما الملائكة فانهم يساهمون في القتال مع المؤمنين بما يخفف عنهم، ويحقق أسباب النصر والغلبة على الأعداء.
    نعم قد يدخل المدد من الناس المعركة حال وصوله إلى موضعها ولكن هذا الفرد نادر وله آثار ضارة على المدد، وقد يؤدي عدم حصول الإنسجام بين الجيشين، وفوات فرص، وحصول خسائر بسبب عدم وجود خطط مركزية يعرف بها كل فرد وطرف عمله ووظيفته إلا الملائكة فانهم يدخلون المعركة بخطط سماوية معلومة عندهم، مع تنسيق تام مع عمل المؤمنين في ميدان المعركة.
    فان قيل إن المؤمنين لم يجلسوا مع الملائكة ويتفقوا معهم على خطط مخصوصة والجواب ان التنسيق في ميدان المعركة يحصل بتوجيه الملائكة ويكفي علم المؤمنين الإجمالي بحضورهم ومشاركتهم في المعركة.
    وأما الثالث فان الآية الكريمة تبعث السكينة في نفوس المسلمين بخصوص أوان وزمان مجيء الملائكة للنصرة والعون وهو بداية المعركة بل وقبل وقوعها لأن هذه الآية تخبر عن نزول الملائكة، لنصرة المؤمنين حالما يأتي الكفار، فلم تقل الآية “ويقاتلوكم من فورهم هذا” بل قالت [وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا] وفيه رحمة إضافية للمسلمين، ودعوة لعدم الخوف أو الفزع من الكفار فليس من جيش تعرض لخسائر كبيرة في المعركة يحب عودة العدو إلى القتال إلا المؤمنين، إذ جعلتهم هذه الآية يرغبون بعودة الكفار للقتال كي يحصل البطش الملكوتي بهم، ويتحقق النصر التام للمؤمنين فبعد الهم بالفشل من طائفتين من المؤمنين في بداية معركة أحد، وبعد الخسائر الفادحة التي تعرض لها المسلمون فانهم صاروا في اليوم التالي يتوقون لعودة الكفار للمعركة لا للإنتقام وأخذ الثأر منهم، بل لما جاء في هذه الآية من البشارة والوعد الإلهي الكريم بنزول عدد عظيم من الملائكة لنصرة المؤمنين.
    وأما بالنسبة للأمر الرابع فان الملائكة لم ولن يفرضوا شروطاً في موضوع نزولهم مدداً وعوناً للمؤمنين، بل هم جنود مطيعون لله عز وجل فان قلت ان الآية ذاتها تتضمن الشرط لقوله تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] والجواب من وجوه:
    الأول: هذا الشرط من عند الله وليس من الملائكة.
    الثاني: الملائكة جنود لله عز وجل يفعلون ما يأمرهم به، وليس لهم أن يشترطوا شرطاً في القتال.
    الثالث: ليس من معاملة وصلات بين الملائكة والمؤمنين، فالأصل هو نزول الملائكة بالوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وجاءت هذه الآية لتعيين وظيفة الملائكة وهي المدد والإعانة والنصرة.
    الرابع: جاء شرط الصبر والتقوى في الآية ليكون مقدمة لمجيء الملائكة ناصرين.
    الخامس: ما ورد في الآية من الشرط خير محض، وفيه نفع للصحابة والأجيال المتعاقبة من المسلمين.
    وتدل الآية على إبتداء حال مباركة في تأريخ الملل والنحل تتمثل بإنفراد المسلمين بالإستغناء عن غيرهم من الناس بخصوص المدد والنصرة، ومن تنصره الملائكة لا يحتاج المدد من الناس، نعم من يأتي مدداً وعوناً للمسلمين ويعيرهم السلاح والمؤون ينفع نفسه في الدارين، ويدرء عنها العذاب الأليم إن شاء الله.
    ويتجلى هذا الإستغناء بعدم إصابة المؤمنين بالخيبة والإنكسار من إنخذال رأس النفاق عبد الله بن أبي بنحو ثلث جيش المسلمين، وفيه أمارة على ان النبي محمداً صلى الله عليه وسلم يعلم بنزول الملائكة مدداً وللمؤمنين في معركة أحد، وما بعدها كما نزلوا في معركة أحد لنصرة المؤمنين.
    بالإضافة إلى حقيقة وهي لو بقى المنافقون مع المؤمنين في معركة أحد لأظهروا الفزع والخوف وفروا أمام العدو، وكانوا سبباً لإنكسار جيش المسلمين وإصابته بالفزع والخوف، بالإضافة إلى تخلفهم عما ورد في هذه الآية من الشرط، إذ أن المنافقين لا يقدرون على التحلي بالصبر والتقوى وهما شرطان لنزول الملائكة، فكان رجوع المنافقين وإنسحابهم قبل معركة أحد مقدمة وتوطئة لنزول الملائكة بالنصر والغلبة على الكفار.
    وأما الخامس فان الملائكة لا يشاركون الغنائم، ولا يأخذون من سلب الكفار شيئاً بل يتركونه للمؤمنين ليكون في نزولهم للنصرة موعظة للمسلمين والناس جميعاً،وإرشاد لآداب وسنن المدد، والترفع عن سلب الذي يأتون لنصرته وإعانته، ويشعر المسلمون بالثقة والطمأنينة للمدد الملكوتي فلا يخافون الغيلة أو الغدر أو الخيانة، وهو من أسرار إيمان المسلمين بالملائكة قال تعالى [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ]( ).
    ويفيد الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث المنافع العملية لإيمان المسلمين بالملائكة وإقرارهم بخلقهم العظيم وانهم عباد لله يسكنون السماء بان لا يخاف المسلمون منهم عند نزولهم فهم لا يعتدون على المسلمين، ولا يأخذون لأنفسهم شيئاً من السلب، بل يقومون بالبطش بالكفار وترك سلبهم للمؤمنين.
    وأما بالنسبة للأمر السادس فينفرد المدد الملكوتي بالملازمة بينه وبين تحقيق الغلبة والنصر للمؤمنين الذين نزلوا لنصرتهم، وتلك آية من فضل الله عز وجل وعظيم قدرته، وبديع خلقه، فلم يعلم أحد أن هذا الخلق العظيم تكون له وظيفة طارئة في الأرض بالنزول إليها لنصرة المسلمين، وعدم الرجوع إلا بعد تحقيق الغلبة على الأعداء، فجاء إيمان المسلمين بالملائكة لوجوه:
    الأول: إنه مقدمة للإقرار بنزولهم.
    الثاني: التسليم بنصر الملائكة وإدراك حقيقة وهي ان النصر على الكفار لم يحصل إلا بالإيمان بالملائكة كخلق لله، وهو من مصاديق وأفراد التقوى التي جاءت في الآية شرطاً لنزول الملائكة.
    الثالث: ان الذين نزلوا للنصرة هم ملائكة وليس من الجن وعالم الأرواح فلو لم تنزل هذه الآية لكثرت الأقوال في الذين رآهم المسلمون يقاتلون الكفار، ويتلبس بعضهم بهيئة وزي بعض المؤمنين، فإذ تنعدم الملازمة بين المدد من الناس وبين النصر، فان المدد الملكوتي يجلب النصر والغلبة وإن كان المدد ملكاً واحداً، فما ان نزلت هذه الآية حتى أيقن المسلمون بتحقيق النصر والغلبة، وأدركوا أنهم في مأمن وسلامة من كيد ومكر الأعداء.
    أما السابع فان المدد في معركة بدر وأحد كان إلى طرف واحد وهم المسلمون، فلم يأتِ للكفار مدد، وان جاءهم مدد فانه لا يستطيع المواجهة والصبر في ميدان المعركة وتكون عاقبته الخزي.
    وقد يكون المدد سبباً للصلح ووقف القتال وعقد الهدنة سواء جاء إلى طرف واحد أو إلى طرفين، أما المدد من الملائكة فانه يأتي للقتال، وعدم المهادنة من الكفار، إذ أن الأمر الإلهي للملائكة هو القتال , قال تعالى [فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] ( ).
    وفيه إنذار ووعيد للكفار ودليل سماوي على إصرارهم على القتال ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وإستحقاقهم العذاب بالقتل على أيدي الملائكة، وتلقي الهزيمة النكراء والخزي والفضيحة بين الناس، فليس من طائفة وأمة تعرضت للهزيمة على أيدي الملائكة إلا الكفار الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وأي خزي أكبر من الخزي بتلقي الهزيمة على أيدي الملائكة والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، لذا كانت معارك الإسلام الأولى قطعاً لدابر الكفر في عموم الجزيرة والحجاز إلى يوم القيامة، وإنحساراً لمفاهيم الضلالة على نحو دفعي فيهما، وعلى نحو تدريجي في بقاع الأرض الأخرى كما تجلت بعض الشواهد بالفتوحات الإسلامية.
    قانون إشراقة نزول الملائكة
    لقد كان نزول الملائكة لنصرة المسلمين إشراقة سماوية أطلت على الأرض، وشمساً جديدة تبعث ضياء الإيمان في النفوس وتساهم في إصلاح المجتمعات وتهذيب العادات والسنن الأخلاقية، إلى جانب الوظائف الآنية التي نزل من أجلها الملائكة في نصر المؤمنين ودرء شر الكفار والظالمين، واليوم.
    وإذ يصعد الإنسان إلى عالم السماء فانه يحتاج شهوراً لقطع المسافات والوصول إلى الأفلاك القريبة من الأرض مع سرعة المركبات التي يتخذها، وفيه شاهد على الإعجاز وعظيم القدرة الإلهية في سرعة نزول الملائكة إلى الأرض لنصرة المؤمنين بطي المسافة ما بين السماء والأرض وكأنه ليس ثمة بعد ومسافة بينهما، فان قيل إن موضوع صعود الإنسان بالمركبات الفضائية أمر حسي ظاهر، وجاء نتيجة الإرتقاء في العلوم، أما نزول الملائكة فليس من أثر حسي يدل عليه والجواب من وجوه:
    الأول: ان المعجزة على قسمين:
    الأول: المعجزة العقلية.
    الثاني: المعجزة الحسية.
    والأولى أعلى رتبة وأعظم أثراً من الثانية، ومعجزة القرآن عقلية.
    الثاني: معجزة نزول الملائكة وعدم إبطائهم عن أوان معركة بدر وأحد عقلية حسية.
    الثالث: لقد أدرك المسلمون وأعداؤهم نزول الملائكة ونصرتهم للمؤمنين، وشعروا بوجودهم وما لهم من الأثر في سير المعركة.
    الرابع: جاءت نتائج معارك الإسلام الأولى وإنتصار المسلمين فيها شاهداً على نزول الملائكة بلحاظ قلة عدد وعدة المسلمين، وكثرة عدد وعدة الكافرين.
    الخامس: لقد ثبت بالعقل والوجدان والحس ان القرآن كتاب نازل من عند الله عز وجل وانه حق، مما يدل على صدق وصحة ما فيه من الآيات والمضامين القدسية، لأن صدق الكل يدل على صدق الأجزاء وهو من أسرار تقسيم القرآن إلى سور، والسور إلى آيات.
    لقد نزل الملائكة إلى الأرض ليكونوا ظهيراً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته ودفاعه والمؤمنين عن الإسلام ولدعوة الناس للإسلام، فمن لم يؤمن بنزول القرآن من عند الله عز وجل جاء نزول الملائكة توكيداً لنزول القرآن وحجة إضافية، فهذا النزول لطف محض، ونعمة دائمة وخير متصل يجذب الناس إلى مسالك الإيمان، وسبل الهداية والرشاد.
    ولو لم يأت الكفار للهجوم على المسلمين في ثغورهم ومصرهم الوحيد وهو المدينة المنورة، فهل ينزل الملائكة، الجواب ان الله عز وجل واسع كريم وان طريق نزول الملائكة إلى الأرض غير منقطع، والحكم تابع للموضوع فمع عدم مجيء الكفار للتعدي ينتفي موضوع النصرة السماوية في القتال.
    لقد قطع آلاف من الكفار نحو خمسمائة كيلو متراً من مكة إلى المدينة لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ووأد الإسلام، ويدل هذا القطع على أمور:
    الأول: دقة التنظيم في جيش الكفار والإرتقاء في شؤون القتال والإستعداد له.
    الثاني: ان القوم ليسوا على جاهلية تامة، بل كانوا يعملون بمنهجية وتخطيط، وتتعلق صفة الجاهلية بإختيارهم عبادة الأوثان وإصرارهم على الجحود بالنبوة.
    الثالث: من يقطع هذه المسافة الطويلة لا يتسامح في تحقيق الغاية التي جاء من أجلها، إذ ان العناء والتعب الإضافي يجعل الجماعة يتناجون في تحقيق الغاية التي جاءوا من أجلها وان كانت خبيثة وضارة، فجاء نزول الملائكة لمنع الكفار من المناجاة في الباطل وتحقيق الغايات التي قطعوا تلك المسافات وتحملوا المشاق وأنفقوا الأموال من أجلها ليذهب عملهم هباء، وإنفاقهم أدراج الرياح، وهو من إشراقات نزول الملائكة بأن يبتلى الكفار بنقص الأموال، ويصابون بحال اليأس والقنوط والعجز عن بلوغ ما يصبون إليه من الظلم والجور والتعدي.
    لقد أهلك الله عز وجل آل فرعون عندما أرادوا عبور البحر للحاق بموسى عليه السلام وقومه بأن أغرقوا جميعاً، وزحف كفار قريش للحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فكانت المواجهة بينهم وبين المسلمين الذين أظهروا أسمى معاني الإيمان والتقيد بسنن الجهاد في سبيل الله شديدة فنزل الملائكة مدداً وعوناً للمؤمنين، ليروا فرار وهلاك الكفار أمامهم كما في بني إسرائيل بقوله تعالى [وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ] ( )، وليتجلى شكر المسلمين على هذه النعمة العظيمة بالإلتزام بأحكام الصبر والتقوى، والإمتثال للأوامر الإلهية وإجتناب ما نهى الله عز وجل عنه.
    فجاء نزول الملائكة لنصرة المسلمين في معركة بدر وأحد لتظهر منافعه في أقوال وأفعال المسلمين إلى يوم القيامة، وتكون له موضوعية في تثبيت مفاهيم الإيمان في الأرض، وجذب الناس للإسلام وزجر الكفار والظالمين عن التعدي على الإسلام والمسلمين.
    وليس من أمة قليلة واجهت أعداءً أكثر عدداً وقوة من المهاجرين والأنصار الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعوه وجاهدوا تحت لوائه، مما يعني ان المدد الملكوتي كان حاجة وضرورة لنصرة المسلمين وما كان لهم أن يؤدوا العبادات وان يبقوا أحياء وان يجعلوا مبادئ الإسلام تركة لذراريهم والأجيال اللاحقة من المسلمين لولا نزول الملائكة لنصرتهم، ودرء شرور الكفار وقتل شطر منهم.
    فليس من مسلم أو مسلمة وإلى يوم القيامة إلا وتشمله رشحة من رشحات نزول الملائكة يوم بدر وأحد، وتظهر بركاتها في عباداته وأدائه لها في أمن وسلامة وعافية، فإذا كان الكفار حشدوا الجيوش العظيمة وقطعوا تلك المسافات الطويلة والأراضي الوعرة بين مكة والمدينة على الدواب وسيراً على الأقدام لقتال المسلمين من غير سبب وجيه، فكيف يكون حال الكفار عند الثورة الصناعية وإبتكار الأسلحة الفتاكة.
    فجاء نزول الملائكة لتثبيت ونشر الإسلام في بقاع الأرض، وجعل الإيمان مستقراً في النفوس غير متزلزل، وصيرورة المسلمين أمة متحدة متآخية تحسن التوكل على الله، وتتقيد بآداب الصبر والتقوى وتجاهد لزيادة أمصار المسلمين ومضاعفتها بالفتوحات والموعظة الحسنة وإتخاذ نزول الملائكة ورشحاته وآثاره المباركة وسيلة لدعوة الناس للإسلام، ومنعهم من التعدي على ثغور المسلمين الذين أصبحوا لا يخشون كيد ومكر الكفار لأن المدد الإلهي قريب من المؤمنين.
    وجاءت هذه الآية لتؤكد إشراقات نزول الملائكة، وتبعث في نفوس المسلمين الفخر والعز وتحثهم على التقيد بسنن الصبر وأحكام الخشية من الله عز وجل.
    ومن إعجاز الآية انها قدمت الشرط والإرشاد وأسباب الهداية بقوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] ليكون الصبر والتقوى سلاحاً بيد المسلمين إلى يوم القيامة يقيهم من المكر والكيد وهجوم الكفار وان هجموا فان أسباب النصر الإلهي حاضرة عند المسلمين، قال تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( )، بالإضافة إلى الوظائف الغيرية التي تتفرع عن الصبر والتقوى ببعث الفزع والخوف في قلوب الكفار، وهداية الناس لسبل الإيمان.
    فيتخذ المسلمون الصبر والتقوى بلغة لنيل المدد من عند الله، فيأتيهم مدد إضافي بدخول أفواج من الناس إلى الإسلام لما يرونه من آيات الصلاح التي تتجلى بينة بحسن سمت المسلمين وإقبالهم على العبادة وأدائهم للفرائض كما أدّاها الذين قاتلوا في بدر وأحد، وكأن قتالهم أساس متين لبناء صرح الفرائض وبقائه عالياَ شامخاً يراه أهل الأرض جميعاً، لا تستطيع قوة في الأرض أن تحجب هذا الصرح والضياء الذي ينبعث منه ليشرق على النفوس المنكسرة، ويدعوها لبلوغ مراتب الأمن والسلامة في النشأتين بإتباع نهج الذين نزلت الملائكة لنصرتهم وإصلاح الذات، والسعي في موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    فكما ان وظائف الملائكة في الأرض تشمل الوحي للأنبياء والبشارات للصالحين كما في قوله تعالى [إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ]( )، فان الملائكة نزلت لنصرة المؤمنين في القتال ليكون هذا النزول سبباً لنشر مفاهيم الصلاح في الأرض، وزاجراً عن التعدي على المسلمين، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، بأن يتجنب الناس التعدي عليها، والهجوم على ثغورها لأن الملائكة مدد وعون للمسلمين في مواجهة الكفار الظالمين، ولا ينحصر المدد الإلهي للمسلمين بإبتداء الهجوم في ساحة المعركة، فلو باغت الكفار المسلمين وإحتلوا بعض ثغورهم وإستحوذوا على شؤوننها، فان النصر الإلهي للمسلمين حاضر ومتصل إبتداء وإستدامة وهو من خصائص “خير أمة” بأن يتفضل الله عز وجل عليها بالنصر والغلبة في ميادين المعارك وبعد إنقضاء المعركة، وفيه حصانة من إستيلاء اليأس والقنوط على قلوب المسلمين في حال الرخاء والشدة، واليسر والعسر، وبعث للطمأنينة في نفوسهم بان النصر والغلبة ملازمان للإيمان والتقوى.
    قانون قيد الصبر والتقوى
    إبتدأت الآية بذكر قيد الصبر والتقوى، ودعوة المسلمين للتحلي بهما، وإتخاذهما مجتمعين ومتفرقين بلغة لمجيء المدد الملكوتي من عند الله عز وجل وهما واجب بالأصل على كل المسلمين، فيجب على المسلم ذكراً أو أنثى التقيد بآداب الصبر في طاعة الله، وإجتناب المعصية والصبر عند المصيبة والشدة والإلتزام بسنن الخشية من الله في السراء والضراء لأنها طريق النجاح في النشأتين.
    وحثّ القرآن المسلمين على الصبر بصيغة الشرط في أربع آيات منه، وكلها جاءت بصيغة الجمع “إن تصبروا” وفيه تنبيه إلى وجوب تقيد المسلمين متحدين بالصبر من غير أن يتعارض الصبر العام مع الصبر الخاص لكل مسلم في أمور الدين والدنيا، والآيات الثلاثة الأخرى هي:
    الأولى: قوله تعالى [لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] ( )، ويتضمن البشارة للمسلمين بان تقيدهم بالصبر والتقوى واقية من كيد ومكر الذين كفروا، ومن معاني الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث أمور:
    الأول: بيان مصداق من مصاديق صرف كيد الكفار عن المسلمين بأن تنزل الملائكة لنصرة المسلمين، وليس من كيد ومكر أشد من تجييش القبائل والأحابيش وزحفها على المدينة المنورة للقضاء على الإسلام والمسلمين.
    الثاني: جعل الصبر والتقوى ملكتين عند المسلمين.
    الثالث: مجيء الفضل الإلهي للمسلمين بتقيدهم بأحكام الصبر والخشية من الله عز وجل، لأن الملائكة ينزلون لنصرة المسلمين بسبب إلتزامهم بأحكام الصبر والتقوى.
    الرابع: حينما ينزل الملائكة لنصرة المسلمين، يأمن المسلمون من أي كيد ومكر، فلا يصل لهم من الكفار أي ضرر، وفيه ترغيب للمؤمنين يوم أحد بالحرص على التقيد بأحكام الصبر والتقوى.
    الخامس: ان تقيد المسلمين بالصبر والتقوى اللذين ذكرتهما هذه الآية بصيغة الشرط هو نفع وخير محض للمسلمين، وتقدير الجمع بين الآيتين هو “أن يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين لن يضركم كيد الكفار شيئاً”، ويحتمل إنتفاء الضرر القادم من الكفار بلحاظ الجمع بين الآيتين وجوهاً:
    الأول: إرادة الإطلاق وسلامة المسلمين والوقاية الدائمة من كيد الكفار.
    الثاني: إنحصار الأمن والسلامة من الكفار بيوم المعركة وحال عودة الكفار للقتال بعد معركة أحد.
    الثالث: إختصاص مضامين الأمن والسلامة بحالات القتال، أما حالات السلم وأسباب الخصومة مع الكفار فتدل على أمن ووقاية المسلمين من كيد الكفار أدلة أخرى تستقرأ من الكتاب والسنة.
    والصحيح هو الأول فان نزول الملائكة لنصرة المؤمنين في المعركة مصداق لنصر الله للمسلمين في الميادين المختلفة من باب الأولوية القطعية، لأن النصر في ساعة الشدة بنزول الملائكة يدل على النصر في حال الرخاء والسلم بأسباب وجنود من عند الله عز وجل بالإضافة إلى بقاء منافع وبركات نزول الملائكة عند المسلمين إلى يوم القيامة.
    الثانية: قوله تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] ( )، وجاءت هذه الآية في الإخبار عن سماع المسلمين لأذى كثير من أهل الكتاب ومن المشركين وان الصبر والتقوى واقية من هذا الأذى والأخبار السيئة وأسباب الشك والريب التي يأتي بها فريق من أهل الكتاب والكفار، لأن تمسك المسلمين بطاعة الله، وعصمتهم من الجزع والفزع شاهد على الرشد والصواب، ودليل على الحكمة والتوقي من كيد الأعداء، ويفيد الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث وجوهاً:
    الأول: يريد الله عز وجل للمسلمين الأمن والحصانة مما يبثه أعداء الإسلام من الشك والمغالطات وأسباب التعدي.
    الثاني: لقد جاءت هذه الآية بخصوص رجوع الكفار إلى القتال بعد إنقضاء معركة أحد، والأصل فيه الأخبار والإشارات التي بعثها أبو سفيان وأصحابه ورشوتهم لبعض من لقوه في الطريق لينقل عزمهم على العودة لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين لذا أظهر النبي محمد صلى الله عليه وسلم التوكل على الله عز وجل وتفويض الأمور اليه كرد على تلك الأخبار، فنزلت الآية بالبشارة الملكوتية، وما يبعث السكينة في نفوس المسلمين وإلى يوم القيامة وكأن حسن توكل النبي على الله من مقدمات وأسباب هذه البشارة.
    الثالث: بيان الحاجة المطلقة للمسلمين للصبر والتقوى، والإخبار عن كونهما مقدمة للإمامة وسبيل للحكم بما أنزل الله عز وجل، والوقاية من غلبة النفس الغضبية والشهوية.
    الرابع: بالتحلي بالصبر والتقوى يبلغ المسلمون مراتب الحكمة العالية، والتفقه في الدين والثبات في منازل الإيمان.
    الخامس: الصبر والتقوى وسيلة لترسيخ مفاهيم الأخوة الإيمانية بين المسلمين، وهذه الأخوة واقية من كيد ومكر الكفار.
    الثالثة: قوله تعالى [وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ] وجاءت هذه الآية بذكر شرط الصبر وحده من غير قيد التقوى الذي ورد ملازماً له في الآيتين المتقدمتين بالإضافة إلى الآية محل البحث، كما ان موضوع الآية أعلاه هو تنظيم قواعد النكاح وبيان أحكامه ولزوم الصبر عن المعاصي وإتباع الهوى، ودعوة المسلمين لتهذيب النفوس، والإرتقاء في سلم المعارف وإجتناب الزنا والفواحش مطلقاً.
    وذكر الصبر وحده كشرط لنيل المراتب العالية، وأسباب التفضيل دليل على أنه من مراتب التقوى، لأن المسلمين يصبرون في الله ومن الله ولله عز وجل.
    وقوله تعالى [خَيْرٌ لَكُمْ] من الشواهد على ان الصبر خير ونفع محض للمسلمين، وهو آية وحجة في تفضيل المسلمين، وانهم [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )،بتقريب أنهم يسعون ويجاهدون لقهر النفس الشهوية والغضبية لبلوغ مراتب التفضيل، والمرتبة الرفيعة التي خصهم الله عز وجل بها من بين الأمم وأهل النحل، وهذا الجهاد الذاتي بمدد وعون متعدد الوجوه والمواضيع يتفضل الله عز وجل به على المسلمين ومنه نزول الملائكة لنصرة المسلمين، والبشارة بنزولهم المتكرر ليكون قانوناً متجدداً وليس قضية في واقعة، وهو فضل ولطف مستديم وليس أمراً خاصاً بمعركة بدر أو أحد، ومنه الآية محل البحث التي تبعث المسلمين على التحلي بالصبر والتقوى، وتبين في مفهومها المنافع العظيمة للصبر والتقوى، ومجيء الحث على الصبر والتقوى بصيغة الشرط والحاجة لوصول المدد الملكوتي من عند الله والغلبة على الكفار.
    وتتضمن هذه الآية ذكر أكبر عدد من الملائكة نزلوا إلى الأرض، لذا فان لها خصوصية في علم الكلام والأصول والعقائد وفيه بيان لعظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في السماء إذ ينزل عدد من الملائكة لنصرتهم وإعانتهم ودرء كيد الكفار عنهم، وفيه بشارة بناء صرح الإسلام، وتثبيت مبادئه بتأييد ونصرة أهل السماء، ولطف من الله بالناس جميعاً في لزوم نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإجتناب محاربته,
    وتدل الآية على الخزي الذي لحق قريشاً بإصرارها على القتال والتعدي على المسلمين وما فيه من معاني الحرب على الله ورسوله وسوء عاقبة تلك الحرب والقائمين بها.
    فمن تنزل الملائكة لمحاربته لا يلبث في الأرض الا قليلاً، لأن قتال الملائكة دليل على غضب وسخط الله عز وجل عليه، ولقد حارب الكفار خاتم النبيين وسيد المرسلين، وأرادوا منع ذكر الله في الأرض فجاء البطش الإلهي لهم سريعاً، فما تقادمت الأيام حتى دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة فاتحاً بعد ان تحلى المسلمون بلباس الصبر والتقوى، وإتخذوا من الشرط الوارد في هذه الآية ملكة دائمة وواقية من كيد الكفار.
    قوله تعالى [مُسَوِّمِينَ]
    ذكرت الآية صفة الملائكة، وأنهم ينزلون وهم يحملون علامات خاصة بهم، ويكفي في المقام ذكر الملائكة ونزولهم ولكن جاء قيد “مسومين” ليكون آية إعجازية من وجوه:
    الأول: الإشارة الى أن الملائكة ينزلون بهيئة البشر، وللملائكة القدرة والأهلية على الظهور بهيئة البشر والأشخاص على نحو العموم والخصوص، أي يستطيع الملك ان يكون بهيئة إنسان غير معروف عند من يشاهدونه، وان يكون بهيئة شخص معروف عندهم، ويتصف بالصلاح والتقوى، كما في رؤية المؤمنين لجبرئيل عليه السلام أحياناً بهيئة الصحابي دحية الكلبي.
    الثاني: يدل قيد “مسومين” على وقوع القتال وأنهم ينزلون لنصرة المسلمين ويباشرون القتال في ميدان المعركة، لأن المقاتلين يحملون شارات وعلامات خاصة يكونون معروفين بها وسط الميدان، فقد لا يرى من وجه الفارس إلا عينيه يلبس البيضة والمغفر، فيتخذ علامة مخصوصة كي يعرفه أصحابه بها ويتميز بها عن غيره في ميدان المعركة، لتكون هذه العلامة شاهداً على شجاعته وبسالته، وسبباً في إعانة أصحابه له، وعدم قيامهم برميه أو ضربه خطأ، وتلك العلامة لا تتغير من معركة الى أخرى إلا مع الحاجة في القتال كما في إجتناب الفارس أن يكون هدفاً لنبال ورماح الأعداء.
    الثالث: توكيد نزول الملائكة وحصول اليقين عند المسلمين من نزولهم، خصوصاً وان الملائكة كانوا يركبون خيلاً بلقاً لتكون علامة وأمارة ثابتة تدل عليهم وتؤكد حضورهم المعركة.
    الرابع: يبين حمل الملائكة لعلامات خاصة بهم شوقهم لنصرة المسلمين، وقتال الكفار.
    الخامس: بعث الفزع والرعب في قلوب الكفار، فيعجز الكفار عن الإضرار بالملائكة الذين يحملون علامات خاصة، فيرى الكفار صاحب علامة مخصوصة يلاحقهم ويفتك بهم، وهم يعجزون عن توجيه سهامهم أو سيوفهم إليه، وهذا الأمر من الأسباب الخفية لحوادث وقعت في المعركة وهي:
    الأول: سرعة إنهزام الكفار في معركة بدر، وعدم ثباتهم في الميدان مع كثرة عددهم وعدتهم فمع أنهم ثلاثة أضعاف جيش المؤمنين لم يثبتوا أمام زحف المؤمنين.
    الثاني: إنسحاب الكفار من معركة أحد، مع ان الكرة كانت لهم، فحالما إجتمع أكثر المسلمين إلى رسول الله إنسحب الكفار مع كثرتهم وقلة الخسائر بينهم.
    الثالث: إمتناع الكفار عن الرجوع إلى ميدان المعركة بعد إنسحابهم يوم أحد.
    الرابع: مجيء هذه الآية التي تبعث السكينة في قلوب المسلمين، وفي قيد “مسومين” أمور:
    الأول: إنه رحمة إضافية بالمؤمنين الذين قاتلوا في معركة أحد، وبالمسلمين جميعاً إلى يوم القيامة.
    الثاني: توكيد قانون ثابت وهو أن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم، فمع نزول الملائكة لنصرة المسلمين فانهم ينزلون بعلامات خاصة إكراماً للمسلمين، وتوكيداً لنصرتهم.
    الثالث: تمنع علامات الملائكة المؤمنين من الهم بالفشل والجبن والخور، فحينما يسمع المؤمنون هذه الآية أو يرون الملائكة مسومين فانهم يطمئنون لنصر الله، ولا يخافون الكفار.
    الرابع: عدم إستغراب أو نفرة المسلمين من التسوم وحمل الملائكة لعلامات خاصة.
    الخامسة: دعوة المسلمين للتسوم والإتصاف بعلامات مخصوصة تدل عليهم.
    وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال “سوّموا فان الملائكة قد سومت”( ).
    ويحتمل السوم وجوهاً:
    الأول: اتصاف الملائكة بعلامة واحدة متشابهة، كما لو كانت عليهم عمائم صفراء كما في الخبر.
    الثاني: كل ملك يحمل علامة خاصة به.
    الثالث: سوم شطر من الملائكة دون الشطر الآخر.
    والصحيح هو الأول، فكل ملك يحمل ذات العلامة الخاصة التي تدل عليه، لأصالة الإطلاق الذي تدل عليه الآية الكريمة، إذ أنها تفيد في ظاهرها العموم وعدم إستثناء بعض الملائكة الذين نزلوا من حمل علامات خاصة بهم في المعركة.
    بحث بلاغي
    من وجوه الإطناب “الإيغال” وهو ختم الكلام بنكتة مع تمام المعنى بدونها، وقيل انه خاص بالشعر، والإيغال في القرآن أعم من أن ينحصر بالبلاغة، وكل كلمة في القرآن لها دلالات متعددة منها:
    الأول: الدلالات الخاصة بها.
    الثاني: ما تدل عليه بإضافتها إلى كلمات ذات الآية.
    الثالث: دلالات الكلمة القرآنية بلحاظ الآيات السابقة واللاحقة لها، وهذا من إعجاز القرآن أن يكون للكلمة الواحدة موضوعية وإعتبار في نظم وسياق الآيات.
    وقد ختمت هذه الآية بقوله تعالى “مسومين” في وصف للملائكة الذين نزلوا يوم أحد لنصرة المؤمنين، وفي هذا الوصف أمور إعجازية منها:
    الأول: إنه رحمة وتخفيف عن المؤمنين الذين قاتلوا يوم بدر بمنع الترديد بصفات الملائكة، لأن قوله تعالى “مسومين” يبين ماهية وصفة الملائكة النازلين لنصرة المؤمنين.
    الثاني: بيان عظيم قدرة الله في جعل الملائكة بهيئة البشر، ويحملون علامات خاصة بهم.
    الثالث: إفتخار الملائكة بكونهم مدداً للمؤمنين في القتال ضد الكفار.
    الرابع: لقد إحتج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض لإفساد وفسق شطر من الناس، وجاء نزول الملائكة يوم بدر وأحد للإنتقام من المفسدين، وتثبيت دعائم الإيمان في الأرض، والمساهمة في تنزيهها من الكفر والضلالة.
    الخامس: تسويم الملائكة ليس إبتداءً من عندها، بل هو بأمر من الله عز وجل، بدليل هذه الآية، ويحتمل إتخاذ الملائكة علامات في المقام وجوهاً:
    الأول: جاء تحديد العلامات ونوعها وصفتها من عند الله عز وجل.
    الثاني: كل ملك يتخذ علامة مناسبة.
    الثالث: كل جماعة وطائفة من الملائكة يحددون العلامة التي يسومون بها خيلهم.
    والصحيح هو الأول، فان نوع وماهية العلامات التي يحملها الملائكة بأمر وتعيين من عند الله، وهو ظاهر الآية الكريمة، ومن فضل الله عز وجل على الملائكة ان يأتي تسويمها بأمر من الله عز وجل لذا جاءت إحدى القراءات “مسوَمين” بفتح الواو، أي ان الله عز وجل هو الذي سومهم.
    السادس: كان التسويم نوع عناية ومدد إلهي للملائكة، فهم وان جاءوا مدداً للمسلمين إلا أنهم يحتاجون المدد الذي يأتيهم من الله عز وجل، وهذه الحاجة من لوازم الممكن، فكل ممكن محتاج، وكل مخلوق هو من عالم الإمكان، ومنهم الملائكة.
    السابع: قرينة المقام الحالية، وان الملائكة نزلوا للقتال، ويحتمل تسويم الملائكة أموراً:
    الأول: العموم الإستغراقي، فكل ملك من الملائكة الذين نزلوا لنصرة المؤمنين يحمل علامة خاصة به.
    الثاني: التسويم للفرد الغالب، فليس كل ملك مسوم لنفسه او فرسه.
    الثالث: التسويم أمر إختياري للملائكة، فكل ملك بالخيار فله أن يسوم وله ألا يسوم.
    والصحيح هو الأول، لتتضمن الآية إخبار المسلمين عن صفة الملائكة وسط الميدان وانهم يتصفون بعلامات مخصوصة علّموا بها أنفسهم، وإذ ان الآية جاءت على نوع البشارة والوعد الإلهي الكريم، فيمكن أن تستصحب العلامات التي علّم بها الملائكة أنفسهم يوم بدر، أي ليجعل كل واحد منهم علامة يعرفه أصحابه بها، وإن كانت تلك المعرفة تتم بأسباب وسبل سماوية قطعية كثيرة.
    (قال ابن عباس: كانت الملائكة قد سوّموا أنفسهم بالعمائم الصفر، وخيولهم وكانوا على خيل بلق، بان علّقوا الصوف الأبيض في نواصيها، وأذنابها( ).
    ويضع الفرسان علامات خاصة يعرفون بها وتميزهم عن غيرهم وسط الميدان وتكون شاهداً على شجاعتهم وإقدامهم، والظاهر ان الفارس يتخذ علامة مخصوصة في المعارك المتعددة، أي انه لا يتخذ في كل معركة علامة خاصة تختلف عن غيرها في المعارك الأخرى.
    وروي ان حمزة بن عبد المطلب كان يعلم بريشة نعامة، وان علياً كان يعلم بصوفة بيضاء، وان الزبير كان يتعصب بعصابة صفراء، وان أبا دجانة كان يعلم بعصابة حمراء( ).
    ولا يعمل الفارس هذه العلامة إلا يوم اللقاء وفي ساحة المعركة، وتكون عنواناً لدخوله القتال وتحديه للعدو، وإستعداده للمبارزة.
    ان قيام عدد من قادة المسلمين بالتسويم شاهد على صبرهم وتقواهم وإخلاصهم في الجهاد في سبيل الله، وهو من الأمارات والبشارات على تحقيق النصر والغلبة على الكفار، لأن التسويم دليل على القوة والتحدي والصمود والثبات في مواجهة العدو، وعدم الخشية منه.
    لأن الذي يخاف العدو لا يسوم نفسه وفرسه خشية صيرورته هدفاً لنبالهم ورماحهم وطلب فرسانهم المبارزة.
    ترى لماذا يسوّم الملائكة، فيه وجوه:
    الأول: بيان حقيقة وهي وجود الملائكة مقاتلين ومدداً للمؤمنين.
    الثاني: بعث السكينة في نفوس المسلمين.
    الثالث: منع الشك والريب عند المؤمنين، فاذا كان المؤمنون لا يعرفون من الذين يقاتلون إلى جانبهم فانهم يوجسون منهم خيفة.
    الرابع: إقامة الحجة على الكفار، سواء في موضوع بشارة نزول الملائكة، أو عند تحقق نزولها فعلاً.
    الخامس: منع اللبس والشك، فلا يقال ان هذا المدد من أهل الأرض.
    السادس: تعدد أطراف القتال، ودخول أهل السماء فيه طرفاً لنصرة المؤمنين.
    السابع: توكيد فضل الله عز وجل على المؤمنين في حال السلم والحرب.
    الثامن: بيان المصداق الواقعي لنصرة الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بملائكة مسومين.
    التاسع: بعث الفزع والخوف في نفوس الكفار والمشركين.
    العاشر: إظهار عظيم قدرة الله، بان الملائكة وان كانوا أجساماً نورانية إلا انهم ينزلون بهيئة البشر، ويحملون علامات خاصة بهم، تميزهم عن غيرهم في الميدان.
    الحادي عشر: جاءت هذه الآية بلغة البشارة، وليكون تسويم الملائكة في القتال شاهداً على صدق البشارة.
    الثاني عشر: إقامة الحجة على الكفار، لأن الملائكة من الأشهاد قال تعالى [وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ]( ).
    علم المناسبة
    لم يرد لفظ “مسومين” في القرآن إلا في هذه الآية، وفيه تشريف إضافي للملائكة، وبيان لموضوعية السمات والعلامات التي يحملونها في ميادين القتال دفاعاً عن الإسلام والمسلمين.
    وجاء لفظ(مسومة) في القرآن ثلاث مرات:
    الأولى: في قوله تعالى[زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ]( ) وأختلف في معنى السائمة في المقام على وجوه:
    الأول: المعلمة من السومة وهي العلامة.
    الثاني: المطهمة أي الحسنة.
    وعن ابن منظور الخيل المطهمة فانها المقربة المكرمة العزيزة النفس) ( ).
    الثالث: المرعية، يقال سامت الماشية والغنم تسوم سوماً: رعت حيث شاءت، فهي سائمة.
    والمعنى المناسب في المقام على وجوه:
    الأول: المراد التي تشارك في القتال والسباق وغيرهما.
    الثاني: جمع سائم وسائمة سوائم، وليس مسومة، وفي الحديث: في سائمة الغنم زكاة)( ).
    الثالث: لم يعهد في الخيل أن تكون سائمة، لأهميتها وقلتها، وإتصال الحاجة لها، إذ أن العرب تحتاجها في النقل والإنتقال وفي القتال، وتحتاجها أحياناً بصورة مفاجئة لأسباب طارئة، أكثر مما يحتاج الإنسان سيارته في هذا الزمان فقد يستلزم الأمر ركوبها للدفاع ضد المعتدي والظالم أو في مطاردة غريم، أو طلب ضالة.
    الثانية: قوله تعالى [مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ]( )، وجاءت الآية في الحجارة التي نزلت من السماء عقوبة على قوم لوط الذين عصوا الله ورسوله، وفي هذه الحجارة وعلاماتها وجوه:
    الأول: معلمة للعذاب وخاصة به.
    الثاني: معلمة ببياض وحمرة.
    الثالث: عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض.
    الرابع: مكتوب على كل واحدة منها اسم من ترمى به.
    وفي الظالمين الذين ذكرتهم الآية، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سأل جبرئيل عليه السلام فقال: يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة( ).
    وفيه وعيد إضافي للظالمين، وان الذين خرجوا لقتال المسلمين ينزل الملائكة لقتالهم، والذين يصرون على الإضرار بالمسلمين يأتيهم البلاء بالحجارة وآفات الدنيا والآخرة، ومن ينجو من الملائكة وملاحقتهم لا يبعد أن تأتيه حجارة من السماء مسومة ومخصوصة بإسمه ليكون فيها هلاكه، وإذا كان نزول الملائكة في واقعة مخصوصة فان العذاب بالحجارة والبلاء يحصل في أي وقت، وفيه تحذير وإنذار للكفار والظالمين، وزجر لهم من التعدي على المسلمين وحرمات الإسلام.
    الثالثة: قوله تعالى [لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ*مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ]( )، والآية في قوم لوط أيضاً، وفي ذات المعنى الذي جاء في الآية أعلاه من سورة هود.
    ومن منافع علم المناسبة في المقام بيان معنى ومضمون الآية القدسي، وإرادة العلامة والسمة الخاصة للملائكة الذين ينزلون لنصرة المؤمنين.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة