معالم الايمان في تفسير القرآن – سورة البقرة – ج 13

سورة البقرة الآيات (69-78)

المقدمة
الحمد لله الذي جعل آيات القرآن نوراً يستضاء به ومصدراً دائماً للخير المحض ومنبعاً للمعارف الإلهية وفيضاً مباركاً ومنهلاً للعلوم يطل على الناس بكرة وعشياً، ويدعوهم بذخائر سماوية لإستثماره والأخذ من كنوزه وما فيه من الفيوضات والهبات.
لقد أراد الله عز وجل للقرآن أن يكون مائدة كريمة لكل الأمم وعلى مختلف أفراد الزمان الطولية، وتتجلى الحاجة إليه أكثر في أيام العولمة والفضائيات ليكون حرزاً ووقاية وإماماً , قال تعالى[إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ).
وتبعث تلاوة القرآن والعمل بأحكامه الغبطة في النفس الإنسانية لتصبح مقدمة ومثالاً للسعادة الأخروية , ويرتقي بها المسلم الى منازل الملائكة ويتنزه بها عن حضيض البهيمية .
والقرآن من أسمى معاني اللطف الإلهي على أهل الأرض يدرك به الإنسان المعقولات الأولية البديهية والعلوم الضرورية، والمعقولات الثانية وهي العلوم الكسبية، وهو سلاح سماوي يساق في توظيف العلم لصلاح المجتمعات وسلامة الذهن ودوام الحياة الإنسانية على الأرض , وهو المعجزة العقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن أبهى مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
وهذا هو الجزء الثالث عشر من تفسيرنا معالم الإيمان بطلعته وحلته الجديدة المنقحة , ويتضمن تفسيراً لبعض جواهر ودرر الآيات من سورة البقرة , ويفتتح بقوله تعالى[قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا]( )، وإبتدأت الآية التي بعدها وكذا التي قبلها بذات الكلمات أعلاه في آية إعجازية تبين الإلحاح والتشديد وطلب تفصيل إضافي في ذات الموضوع، وتكرر أيضاَ في هذه الآيات ثلاث مرات قوله تعالى[قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ] وفيه حجة في الفضل الإلهي بإستجابة الله عز وجل لموسى عليه السلام والسؤال المتعدد لبني إسرائيل في مسألة متحدة.
وهذه الإستجابة من مصاديق الخطاب الإلهي لبني إسرائيل[اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( )، ليتجلى تفضيلهم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول: ذكر قصص بني إسرائيل في القرآن.
الثاني: بيان عظيم منزلة موسى عند الله.
الثالث: تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، ومنها هدايتهم لذبح بقرة لإحياء الميت، والإستجابة لهم بذكر صفاتها وتعيينها من بين البقر الكثير الذي يملكون.
الرابع: بيان القرآن لمثال وآية في إحياء الموتى بقوله تعالى[كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى]( ).
الخامس: إقامة الحجة بصدق نزول القرآن من الله عز وجل.
وتضمن هذا الجزء أيضا بيان حال بني إسرائيل بعد توالي النعم عليهم ليكون من مصاديق تفضيلهم في المقام إمهالهم وعدم مؤاخذتهم ونزول البلاء بهم، ولتنتقل لغة الخطاب إلى المسلمين والمسلمات[أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ]( )، ليكون موضوع الآيات السابقة موعظة وضياء هداية ورشاد للمسلمين في الدعوة إلى الله والثبات في منازل الإيمان[وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ] ( ).

قوله تعالى [ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ]الآية 69
اللغة
قالوا: فعل ماضِ، الواو: فاعل، أدعُ: فعل طلب مبني على حذف حرف العلة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت يعود للنبي موسى، والجملة مقول القول.
لنا: جار ومجرور متعلقان بأدعُ.
ربك: مفعول به منصوب، والضمير الكاف: مضاف إليه.
يبين: فعل مضارع جواب لطلب، لنا: جار ومجرور متعلقان بيبين.
[ مَا ]: اسم إستفهام مبتدأ، [ لَوْنُهَا ]: خبر. والجملة في محل نصب مفعول.
قال : فعل ماضِ، إنه: حرف مشبه بالفعل وإسمه.
يقول : فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود لله عز وجل.
إنها بقرة : إن وإسمها وخبرها، والجملة مقول القول.
صفراء: صفة لبقرة، مرفوعة بالضمة الظاهرة على آخرها.
فاقع: صفة ثانية للبقرة.
لونها: فاعل فاقع، ويجوز أن يكون فاقع خبر مقدم، ولونها مبتدأ مؤخر، والأول أصح، لأنه أنسب لنظم الآية وتعداد صفات البقرة، ومنع اللبس والترديد في المقام.
تسرُّ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود للبقرة.
الناظرين: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم .
الفاقع : شديد الصفرة , وقيل الخالص الصافي من الألوان، (قال اللِّحيانِيُّ : أَصفرُ فاقِعٌ وفُقاعِيّ . وقال غيرُه : أَحمَرُ فاقِعٌ وفُقاعِيٌّ : يَخلِطُ حُمْرَتَه بَياضٌ وقيل : هو الخالصُ الحُمرَةِ وفي التَّنزيلِ : ” بَقَرَةٌ صَفراءُ فاقِعٌ لَونُها ” أَي شديدُ الصُّفرَةِ . وقد فَقِعَ الرَّجُلُ كفَرِحَ : احْمَرَّ لونُه . أَو كُلُّ ناصِعِ اللَّوْنِ : فاقِعٌ من بَياضٍ وغيرِه)( )، أي أن إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره في باب الألوان ، فنعت فاقع وكذا ناصع لا ينحصران باللون الأصفر والأبيض ، ويعرف اللون المراد به بالقرينة والوصف أو التوكيد.
في سياق الآيات
بعد أن حرص موسى عليه السلام على الإعلان والتبليغ بأن الأمر بذبح البقرة من عند الله تعالى مما يعني العزيمة وعدم الرخصة وأكد الأمر بنفي الجهل عن نفسه، جاءت هذه الآية لتخبر برجوعهم وترددهم عليه للسؤال عن صفات تفصيلية للبقرة، فالآيات مجتمعة تؤكد كثرة سؤال بني إسرائيل وأن كثرة الرد ليس في مورده.
جاءت الآيات السابقة لقصة البقرة في موضوع أخذ الميثاق على بني إسرائيل ورفع الطور فوقهم تخويفاً وإنذاراً ثم توليهم وإبتعادهم عن مصاديق الميثاق مع توالي الفضل الإلهي عليهم، ثم ذكرت إعتداء فريق منهم يوم السبت، وعلم جميع بني إسرائيل بأجيالهم المتعاقبة بهذا التعدي وعاقبته، قال تعالى [وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ]( ).
وهل يستمر حكم حرمة العمل يوم السبت في بني إسرائيل، الجواب لا، لأنه إنقطع ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيجوز ويصح العمل منهم يوم السبت لأن الشريعة الإسلامية ناسخة للشرائع السابقة،والبقاء على عدم العمل به من التشديد على النفس.
وأختتمت قصة السبت بذكر العقوبة لبني إسرائيل، وأنها موعظة للمتقين، فهل من صلة بينها وبين ذبح البقرة، الجواب نعم، لأن ذبح البقرة آية إعجازية علاجية لكشف القاتل من بين بني إسرائيل.
وهذا القتل إعتداء عظيم أشد من الإعتداء في السبت، ولكنه قضية شخصية حدثت لمرة واحدة والصيد في السبت تعدِ متكرر، وخلاف حكم الشريعة.
ومن الإعجاز في سياق الآيات أن هذه الآية والآية السابقة والآية اللاحقة كل آية منها تبدأ بقوله تعالى [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا] وفيه مسائل:
الأولى : انه الموضع الوحيد في القرآن الذين تتكرر فيه خمس كلمات في بداية ثلاث آيات متعاقبات.
الثانية : تعلق الكلام في ذات الموضوع وهو صفات البقرة.
الثالثة : إتحاد جهة صدور الكلام، إذ إنه سؤال من بني إسرائيل لموسى عليه السلام.
الرابعة : كل هذه الأسئلة من تشديد بني إسرائيل على أنفسهم وهذا المعنى من إعجاز نظم الآيات، إذ تتضمن الآية التي سبقت هذه الآيات الثلاثة، الأمر بذبح بقرة من غير تعيين، أو تقييد بوصف مخصوص، مما يدل على الإجزاء بأي بقرة كانت.
الخامسة : توالي الآيات وسيلة سماوية لتفقه المسلمين في الدين، وتأديبهم في كيفية وماهية سؤالهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن الإعجاز أن الآية السابعة والستين ذكرت اسم الجلالة (الله) مرتين وعلى لسان موسى الذي ذكرته بالأسم[إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ]( ).
بينما جاءت هذه الآيات الأربعة التالية لها بذكر الضمائر بإستثناء الإستثناء، مما يدل ظاهراً على أن هذه الآيات ملحقة في موضوعها بالآية أعلاه.
وتكرر في هذه الآية والآية السابقة والآية بعد التالية قوله تعالى [قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ] مع إتحاد جهة القول وصدوره من موسى عليه السلام إخباراً عن الله عز وجل، ومع قلة هذه الكلمات، فان فيها أربعة ضمائر وهي:
الأول والثاني : يعودان لله عز وجل في أنه يقول.
الثالث : ضمير يعود لموسى عليه السلام.
الرابع : ضمير يعود للبقرة المراد ذبحها.
ومن إعجاز سياق الآيات إختتام الآية السابقة بقوله تعالى[فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ] والذي يدل على أمور:
الأول : لزوم ذبح البقرة كطريق ووسيلة للكشف عن الجاني.
الثاني : ما تقدم من تعيين صفة البقرة بأنها ليست كبيرة ولا صغيرة أمر ثابت.
الثالث : الزجر عن السؤال عن صفات تعيينية أخرى للبقرة المراد ذبحها.
وفي الصلة بين هذه الآيات التي تبين صفات البقرة المطلوب ذبحها وبين قوله تعالى[وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ]( )، ليكون هذا الكشف من نعم الله عز وجل على بني إسرائيل الأموات منهم والأحياء، إذ أنهم ينتفعون من هذا الكشف.
إعجاز الآية
تظهر الآية فضل الله تعالى بالإستجابة لبني إسرائيل مع ما في سؤالهم من التشديد على النفس، ويمكن إنتزاع قاعدة كلية من الآية وهي اختيار الوسط عند الإطلاق ودوران الأمر بين مصاديق متفاوتة في الكلي المشكك خير من الترديد والتردد، ففي الوسط لا إفراط ولا تفريط.
ومن إعجاز الآية أنها تبين نعم الله تعالى على الناس بالأنعام وأن المنافع منها تتعدى الأمور المادية من الأكل وشرب اللبن والتسخير للنقل والحمل، فلها فوائد نفسية وتبعث على السكينة والدعة لتكون مناسبة لشكر الله تعالى وذكره والإلتفات إلى بديع صنعه.
وهل يمكن إنتزاع علاج من الآية للأمراض النفسية بتربية الأنعام والطيور الجواب نعم، لدلالة الآية على بعثها البهجة في النفوس، ويجب ألا تكون سبباً للإنشغال بها والإنقطاع إليها، كما تدل الآية على موضوعية اللون في العروض والأثاث، ليكون هذا المعنى من عمومات قوله تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، بلحاظ أن الآية تأسيس لعلم الألوان وآثارها.
ومن إعجاز القرآن ورود آيات بألوان أخرى تبعث الغبطة والسكينة والرضا في النفس، فذكر اللون الأبيض في بضع آيات وفي موضوعات تخص الدنيا والآخرة منها قوله تعالى في موسى عليه السلام[وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ]( )، وورد ذكر اللون الأخضر ببهاء كعنوان للخصب مع الفارق بينه وبين ضده من اليبس وإنعدام اللون إشارة إلى الجذب , قال تعالى[وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ]( )، وتجلت عظمة خلق الله عز وجل في الجبال وألوانها المتباينة والمتداخلة من الأبيض والأحمر والأسود، قال تعالى[وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ]( ) .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله[مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا] قال : أحمر وأصفر { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها} أي جبال حمر { وغرابيب سود } والغرابيب السود يعني لونه كما اختلفت ألوان هذه الجبال ، وألوان الناس والدواب والأنعام( ).
ويمكن تسمية الآية بآية “صفراء” ولم يرد لفظ صفراء، وفاقع في القرآن إلا في هذه الآية , ونادرا ما يذكر لفظ فاقع في المعاجم اللغوية , ولولا وروده في القرآن لغاب عنها .
الآية سلاح
تبين الآية حال الأمم السابقة مع أنبيائها وهذا البيان للعبرة والموعظة، لذا جاءت أسئلة المسلمين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان الأحكام والتفقه في الدين، ليكون من إعجاز الآية إنتفاع المسلمين منها حال نزولها فصار كل سؤال من المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدرسة ومناسبة لإستنباط المسائل والأحكام , وجاءت أسئلتهم في الفقه والأخلاق والكلام والميعاد كما في قوله تعالى[وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا]( )،[ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ] ( ).
وتعتبر الآية حجة على بني اسرائيل لعظيم فضل الله تعالى وإجابته لهم في صغائر الأمور، اذا أخذوا بما أخبرهم موسى عليه السلام بأوصاف البقرة المراد ذبحها، فلقد جاءهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالآيات الباهرات، فمن باب الأولوية ان يؤمنوا بالقرآن وما فيه من الشواهد الإعجازية.
مفهوم الآية
في الآية تحذير من كثرة السؤال والتشديد على النفس وحث على إجتناب الرد على الأنبياء، ومن مفاهيمها الدعوة إلى الإمتثال الحسن والإنتفاع من صيغ الإطلاق والإجمال وعدم التقييد في الأحكام الإلهية.
من مفاهيم قوله تعالى [قالوا] إن كثرة السؤال والتشديد جاء منهم كأمة وجماعة وأنه ليس سؤالاً لأفراد قليلين منهم مما يعني توجه الذم لهم على نحو العموم المجموعي كأمة إختارت الرد على الأنبياء وكثرة السؤال.
وتبين الآية عظيم فضل الله تعالى على بني إسرائيل بالإستجابة لسؤالهم، وأيهما أعظم نزول الإستجابة من الله في كل مرة يسألون بها ولو في ذات الموضوع، أم حصر البقرة المطلوبة، وشراؤها بأغلى الأثمان، الجواب هو الأول، وفيه سلامتهم وقضاء حوائجهم، وهو مادة وسبب لثبات الإيمان في نفوسهم، ومن عمومات الخطاب الإلهي لبني إسرائيل[فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ]( ).
وفي باب صناعة الجدل والبرهان هل يحق لبني إسرائيل الإفتخار باجابة الله عز وجل لهم في كل مرة يسألون فيها عن صفات البقرة التي يراد ذبحها وإتخذها وسيلة لإحياء الميت، الجواب نعم، وهو من عظيم منزلة موسى عليه السلام وبني إسرائيل عند الله، وهذا لا يتعارض مع الذم على التشديد على النفس بكثرة السؤال وطلب التفصيل الإضافي.
ويلاحظ في الآية الكريمة أن موسى عليه السلام لم يحثهم على الإمتثال كما ورد في الآية السابقة لأن الحث هنا من باب الأولوية فحينما طلب منهم في الآية السابقة ان يفعلوا ما يؤمرون وجاءوا بسؤال جديد، ولم يظهروا حسن الإستجابة فانه لم يقم بتوبيخهم على تجديد المسألة وتفريعها لأن النبي يعلم أن الله سبحانه واسع كريم، ولإقامة الحجة على بني إسرائيل ولبيان قبح كثرة السؤال، وفيه تأديب مركب للمسلمين لمنعهم من كثرة السؤال، ولمعرفة سجايا بني اسرائيل، وكيفية تصرفهم مع الأنبياء.
ومن مفاهيم الآية انها مدح للمسلمين على عدم الحاحهم بالسؤال وتكراره، وقد بينت بعض آيات القرآن نوع وسنخية أسئلة المسلمين وتتعلق بأحكام وآداب الشريعة الإسلامية.
وفي الآية مسائل:
الأولى : قيام بني إسرائيل بالرد على موسى عليه السلام مرة أخرى.
الثانية : إنتقلوا هذه المرة إلى السؤال عن لون البقرة التي أمرهم الله بذبحها.
الثالثة : جاءت الآية بصيغة الدعاء [ادْعُ لَنَا رَبَّكَ].
الرابعة : عدم الحاجة إلى هذا السؤال وكفاية ذبح بقرة ليست بالكبيرة ولا الصغيرة مع عدم موضوعية لون مخصوص للبقرة في المقام وهو الأصل أي لا يلتفت إلى اللون لأن المراد إتخاذ ذبح البقرة آلة ومادة لكشف القاتل، ترى لماذا لم يأتهم الجواب بالإطلاق والإجزاء بأي لون، الجواب من وجوه:
الأول : لقد جاء سؤال قوم موسى مرتكزاً في ظاهره على إرادة لون مخصوص وأنهم يقصدون التحديد في الماهية والصفات ومنها اللون.
الثاني : نزول الإستجابة من الله عز وجل ووجود مثل هذه البقرة وحصر الصفات بواحدة مخصوصة آية ومعجزة في نبوة موسى عليه السلام، فهو لم يذكر الصفات دفعة واحدة، ويقوم بحثهم على الإمتثال في كما في قوله تعالى[فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ].
الثالث : يُنزل الإطلاق على المتعارف والمعتاد كما في ذبح بقرة عند القربان والوليمة ونحوها.
الخامسة : تفضل الله تعالى بالإستجابة لسؤالهم، وبيان لون البقرة التي يراد ذبحها.
السادسة : مع تشديد بني إسرائيل على أنفسهم تأتي الإستجابة على نحو الحصر والتعيين، ففي الآية السابقة خرجت كل بقرة من صنف بكر أو فارض بالتخصيص.
وفي هذه الآية خرجت كل آية ليست بصفراء وحصرت الأمر بكل بقرة صفراء فاقع لونها ليست بالكبيرة والصغيرة فبعد سؤال بني إسرائيل خرجت كل بقرة لونها ليس باصفر وان كانت وسطاً لا بكراً ولا فارضاً.
السابعة : جاء تعيين لون البقرة، ويتضمن ثلاثة صفات خاصة باللون وهي:
الأول : يكون لون البقرة أصفر.
الثاني : يتصف بأنه أصفر فاقع.
الثالث : يبعث لون البقرة السرور في نفوس الناظرين.
الثامنة : جاءت الآية بصيغة الجمع (الناظرين) وفيه آية اعجازية لإخبارها عن حصول أمارة نوعية عامة عند بني إسرائيل تساعد في تعيين البقرة الواجب ذبحها وهي إتصافها بلون أصفر خالص يسرهم حسن النظر اليها.
ويحتمل هذا السرور في علته وجوهاً:
الأول : إنه راجع لذات البقرة في هيئتها وسنها ولونها فلم تقل الآية (يسر الناظرين) وإرادة اللون وهو مذكر، بل جاءت الآية بصيغة المؤنث تسر الناظرين أي ان البقرة ذاتها هي التي تسرهم، والبقرة ذات، واللون عرض.
ويمكن أن نؤسس قاعدة في المقام أنه له دار الأمر بين إرادة الذات أو العرض فان الأصل هو إرادة الذات ولو دار الأمر بين الذات والعرض معاً وبين أحدهما، فالأصل هو الأول، كما في المقام فيترشح السرور من النظر لذات البقرة ولونها الجميل، بالقياس مع باقي البقرة وان كان السرور أعم من أن ينحصر بذات البقرة، فيمكن أن يحصل بالنظر لغيرها ولكنها تتصف بصفات أخرى تفيد الحصر والتعيين.
الثاني : متعلق السرور لون البقرة على نحو الخصوص، ولأن النظر يحصل للون بالذات، خصوصاً وان هيئة البقرة ليست ذات موضوعية في حصول السرور للناس بها في الغالب.
الثالث : يترشح السرور من ايجاد البقرة الجامعة للشرائط والصفات المذكورة في هذه الآية، وكأن الآية تقول لبني إسرائيل (اذا رأيتم هذه البقرة سررتم بها) وهذا السرور مناسبة للكشف عن تكرار السؤال.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وتدل على الإعجاز في الآية الكريمة وفيها إخبار عن وجود بقرة بهذا الوصف ومايترتب عليه من الأثر ويحتمل السرور المترتب على رؤية تلك البقرة وجوهاً:
الأول : سبق زمان حصول السرور عند رؤيتها على أوان تعيينها للذبح، فهي في الأصل كانت تسر من رأها.
الثاني : حسن هيئة ولون البقرة، وإنفرادها بلون مخصوص وهو (أصفر فاقع).
الثالث : ترشح السرور من تعيينها والحصول عليها، فعندما يرى بنو إسرائيل تلك البقرة تمتلأ نفوسهم سروراً لأنهم وصلوا إلى بغيتهم.
الرابع : يمتلأ بنو إسرائيل سروراً عندما يرون البقرة، وهم يعلمون أنهم سيذبحونها كطريق ومقدمة لكشف الجاني.
الآية لطف
كل مرة يتكرر فيها السؤال من بني إسرائيل هو لطف مركب من وجوه:
الأول : إنصات موسى عليه السلام لبني إسرائيل في أسئلتهم المتكررة في الموضوع المتحد وهو ذبح البقرة.
الثاني : مجئ السؤال عقب السؤال مع تعليق إستجابة بني إسرائيل، فمن الآيات أن الإستجابة الإلهية لهم تتكرر كل مرة، من غير ان يقوم بنو إسرائيل بالإمتثال.
الثالث : إختتام هذه الآية الكريمة بقوله تعالى [فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ] وفيه لطف إضافي ببني إسرائيل وترغيب لهم بالإمتثال، ويدل بالدلالة التضمنية على كراهة الزيادة في السؤال، وطلب التفصيل عن ماهية البقرة التي يراد ذبحها.
الرابع : توثيق أسئلة بني إسرائيل، والفضل الإلهي عليهم في القرآن، وهذا التوثيق نعمة إضافية عليهم وعلى الناس، وشاهد سماوي على تفضيلهم على الأمم الأخرى بذكر خصالهم وما رزقهم الله عز وجل من الإستجابة لأسئلتهم في مسألة تخصهم وهي كشف القاتل ومنع الفرقة والخلاف بين الأسباط.
وتبين هذه الآيات الخاصة بذبح البقرة إن المعجزة الإلهية تأتي لتؤسس مفاهيم عقائدية وقيماً أخلاقية، تساعد في تثبيت أركان التوحيد في الأرض، وتمنع من حصول الفتنة والإختلاف بين المسلمين وأتباع الأنبياء وهو من اللطف الإلهي خصّ الله عز وجل به بني إسرائيل في المقام، ليكون شاهداً على اللطف الإلهي بالمسلمين من باب الأولوية القطعية، وقد تجلى في آيات قرآنية كثيرة منها [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا] ( )، وقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، ليكون المسلمون ورثة التفضيل، والأمة التي فضلها الله بالنعم لإصلاحها لوراثة النبوة والإمتثال لأوامر الله عز وجل إلى يوم القيامة.
الخامس : إعانة بني إسرائيل على المبادرة إلى الإمتثال من وجوه:
الأول : الإستجابة لكل سؤال من أسئلتهم.
الثاني: حثهم على الفعل والإمتثال لقوله تعالى في الآية التالية [فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ].
الثالث : الحصر والتعيين للبقرة المطلوبة في الإجابة على أسئلتهم.
الرابع : دلالة الإجابة على أسئلتهم على عدم الحاجة لطلب التفاصيل والصفات الدقيقة وماهية البقرة التي يراد ذبحها.
إفاضات الآية
موضوع الآية هو السؤال، أي أن بني إسرائيل أرادوا أن يسأل موسى عليه السلام   عن لون البقرة، ولكن كلامهم جاء بإرادة صيغة الدعاء [ادْعُ لَنَا رَبَّكَ] وفيه مسائل:
الأولى : إنه نوع إقرار بالعبودية لله وأن لغة الخطاب مع مقام الربوبية لا تكون إلا بالدعاء.
الثانية : إن موسى عليه السلام أدبهم وعلمهم وأعطاهم درساً في التوجه إلى الباري.
الثالثة : كان موسى كثير التضرع والمسكنة عند سؤال حاجة ومسألة من الله تعالى.
الرابعة : لقد علم بنو إسرائيل أن مقام الربوبية يتطلب التضرع، وكأنهم رأوا الرسول يتضرع في السؤال أي يجتمع أمران في سؤال موسى هما التضرع والسؤال.
الخامسة : يكون الدعاء والمسكنة مصاحبين للمسألة وطلب الحاجة.
السادسة : أدرك بنو إسرائيل إنحصار الإستجابة بموسى، لوجود تجاذب بين العبد والخالق وليكون الرسول واسطة الفيض الإلهي على العباد وان قلبه لا يتعلق بحب غيره.
السابعة : لقد نفت الآية قبل السابقة الإستهزاء عن موسى عليه السلام ونزهت مقام النبوة وأنها ضد الجهل والجهالة، وجاءت هذه الآيات لتؤكد هذه الحقيقة ، وتبين أيضاً عزم بني إسرائيل على الإمتثال وإنتفاء اليأس من نفوسهم ، وعدم تخلفهم عن قصد ذبح البقرة التي أُمروا بها وإن أظهروا التشديد على النفس.

الصلة بين أول وآخر الآية
بعد أن أختتمت الآية السابقة بقوله تعالى[فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ] وحث موسى عليه السلام لبني إسرائيل للمبادرة إلى ذبح البقرة بالصفة التي ذكرتها الآية السابقة والتي تتعلق بسن البقرة وأنها ليست هرمة ولا صغيرة بل وسط بين الكبيرة والصغيرة، لما في هذا المعنى من الدلالة على قوة وحسن البقرة، عاد بنو إسرائيل للسؤال مرة أخرى ولكن ليس عن السن بل عن لون البقرة ، فطلبوا من موسى عليه السلام أن يسأل الله عز وجل لهم ومن أجلهم عن لونها.
فتوجه موسى عليه السلام إلى الله عز وجل بالدعاء والمسألة والتضرع فعاد لهم بالجواب الذي هو فضل ولطف من الله على بني إسرائيل، وفيه دلالة على تفضيلهم على الأمم السابقة بإكرامهم بموسى عليه السلام كليم الله ومجيئه بالجواب من عنده سبحانه بأنها شديدة الصفرة، يتصف صفارها بالحسن والبهاء، وفيه إشارة إلى بديع خلق الله عز وجل في عالم الألوان، فصحيح أن اللون عرض يحل بالمحل، إلا أنه خلق من خلق الله مسخر لخدمة الإنسان بدليل قوله تعالى[تَسُرُّ النَّاظِرِينَ] ليتأمل الناس في بديع صنع الله وما أنعم عليهم من النعم الظاهرة والباطنة.
وفي الآية مدرسة في علم النفس وإصلاح النفوس، وطرد الكآبة والحزن بالألوان الجميلة التي تبعث السكينة والسرور في النفوس، ومن الآيات مجئ الآية بصيغة الجمع أي أن كل من ينظر إلى هذه البقرة يبهجه حسن لونها حتى الذي لا يلتفت إلى البقر لكثرته أو لأنه دواب فإنه حينما ينظر إلى هذه البقرة يسر بلونها لبيان أن الله عز وجل هو الذي خلق الناس والدواب وألوانها، ولم يقل لهم موسى عليه السلام مرة أخرى[فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ] ولم يأت بكلام يحثهم فيه على المبادرة على الذبح، وفيه وجوه:
الأول : كفاية الأمر بالمبادرة إلى الذبح الوارد في خاتمة الآية السابقة في المقام.
الثاني : بعد عدم إمتثال بني إسرائيل لموسى عليه السلام في أمره لهم بالذبح تركهم وسكت عنهم.
الثالث : مبادرة بني إسرائيل إلى الذبح بعد هذا السؤال.
الرابع : ترك بني إسرائيل يختارون ما يرونه مناسباً من الذبح أو السؤال من جديد وفيه دلالة على عظيم فضل الله عز وجل عليهم.
الخامس : رأفة موسى ببني إسرائيل في توجه الأمر النبوي لهم وعدم إمتثالهم له.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، والملاك هو سعة رحمة الله عز وجل ولطفه وفضله على بني إسرائيل وتفضيلهم.
لقد سأل بنو إسرائيل عن اللون فجاء الوصف حصراً ببقرة مخصوصة ذات لون بديع، تمتاز به من بين البقر، وتبين الآية عناية بني إسرائيل بالبقر والدواب في أيامهم وإتخاذها للتجارة.
وفي الآية أطراف ثلاثة:
الأول : سؤال بني إسرائيل لموسى عليه السلام ولم يتوجهوا إلى موسى عليه السلام إلا كواسطة نبوية ليسأل الله عز وجل.
الثاني : تعيين موضوع السؤال وهو لون البقرة التي يأمرهم الله عز وجل أن يذبحوها.
الثالث : تفضل الله عز وجل بإجابتهم إلى سؤالهم، ببيان لون البقرة، ومع هذه فإن بني إسرائيل لم يقوموا بطلبها بعد سؤال الماهية واللون وتلقي الإجابة بل عادوا إلى السؤال مرة أخرى عن صفاتها كما تبينه الآية التالية.
ومن العلماء من إستدل بالأمر الجديد على جواز النسخ قبل الفعل، ولكن الآية ليس من النسخ بل طلب تفضيل وزيادة في الصفات بناء على سؤال بني إسرائيل.
لذا ليس من تغاير أو تباين في الأوامر الإلهية الواردة في موضوع البقرة بل بعضها متمم للآخر، إذ أحدث بنو إسرائيل السؤال فتفضل الله عز وجل عليهم بذكر الصفات من غير خروج عن أصل الحكم وهو ذبح البقرة لتكون كالآلة في إحياء الميت، وتصبح آية أخرى تستقرأ منها الدروس والعبر.
التفسير الذاتي
تكرر في هذه الآية والتي قبلها والتي بعدها قوله تعالى [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا] ليؤكد بنو إسرائيل أن سؤال موسى لله عز وجل من أجلهم ولهم.
ففي كل آية يتكرر قوله تعالى “لنا” وكأنهم يعلمون أن موسى عليه السلام يدرك كفاية ذبح أي بقرة وإجتناب كثرة السؤال والرد، وتظهر الآيات أن موسى عليه السلام لم يغضب على بني إسرائيل لأنهم تركوا أموراً:
الأول : المبادرة للإستجابة والإمتثال بذبح البقرة.
الثاني : التخفيف والتيسير بذبح أي بقرة، وما فيه من المندوحة في قلة الثمن.
الثالث : الإمتثال لقوله تعالى في الآية السابقة [فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ] وكيف يغضب موسى عليه السلام وهو يرى فضل الله على بني إسرائيل في الإستجابة إلى سؤالهم المتكرر وبيان صفات إضافية للبقرة التي يذبحون لإتخاذها وسيلة وطريقاً لإحياء المقتول ومعرفة الجاني الذي قتله، وليكون تكرار السؤال والجواب من فضل الله على بني إسرائيل وتفضيلهم على أهل زمانهم، ودعوة لهم للتقوى والصلاح وتعليماً وإرشاداً لموسى عليه السلام.
ولم يرد لفظ “لونها” في القرآن إلا في هذه الآية، وعلى نحو مكرر، وإختصت هذه الآية ببيان لون البقرة، ولكنه لون نادر بين البقر ليضاف إلى الصفة التي ذكرتها الآية السابقة وهي أنها وسط ليس بالكبيرة ولا الصغيرة، واللون الأصفر من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة من الشدة والضعف، لذا جاء قيدان لبيان مرتبة لون البقرة وهما:
الأول : لونها فاقع شديد الصفرة، كما يقال أحمر قان، أخضر ناضر، أبيض ناصع، أسود حالك، للمبالغة في صبغة الألوان.
الثاني : إنها تبعث البهجة والسرور في نفوس الذين ينظرون إليها، وجاء لفظ (الناظرين) بصيغة الجمع لبيان حسنها وعدم الإختلاف فيه.
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى : بيان تشديد بني إسرائيل على أنفسهم.
الثانية : الإخبار الإلهي عن سؤال بني إسرائيل عن حال البقرة، وهل هي من العوامل، أو السوائم التي ترعى ولا تعمل في الحرث.
الثالثة : تكرار بني إسرائيل سؤال موسى عليه السلام بقوله تعالى [ادْعُ لَنَا رَبَّكَ] ثلاث مرات ولم يقولوا مرة منها (أدعو لنا ربنا) لبيان قرب موسى عليه السلام من الله عز وجل في المناجاة والسؤال.
الرابعة : بيان فضل الله على بني إسرائيل، وما خصهم به من النعم، وهي في المقام على وجوه:
الأول : سؤال الله عز وجل بواسطة رسوله موسى عليه السلام.
الثاني : مجئ الجواب من عند الله إلى بني إسرائيل.
الثالث : وقوع السؤال والجواب الإلهي في الأحكام الجنائية وفصل الخصومة في قضية شخصية.
الرابع : تكرار سؤال بني إسرائيل، وتعقب الإجابة الإلهية عليه ، وفيه نعمة إضافية على بني إسرائيل.
الخامس : دعوة بني إسرائيل للكف عن المسألة والترديد.
الخامسة : إعانة المسلمين في الإحتجاج على بني إسرائيل وبيان عظيم فضل الله عليهم.
بعد إبتداء هذه الآيات بالأمر بذبح بقرة بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] جاءت هذه الآية لبيان لونها وفيه توكيد إضافي لذبحها، ودعوة لعدم تكرار الترديد وكثرة السؤال، وفي الآية مسائل:
الأولى : من إعجاز القرآن ذكر تفاصيل سؤال بني إسرائيل والرد الإلهي عليهم.
الثانية : بيان صفات إضافية للبقرة على نحو التعيين، وبما يفيد الحصر.
الثالثة : بيـان موضـــوعية اللون في تعيين الفرد المطلوب، وتفضل الله عز وجل بالإجابة وتحديد اللون بما يمنع الترديد، ولو تردد الأمر في لفظ صفراء بين وجوه :
الأول : إرادة اللون الغالب للبقرة.
الثاني : موضوعية العرف في تعيين اللون الزائد الذي يصدق معه تسمية البقرة بأنها صفراء.
الثالث : الإطلاق، وإرادة أن كل شيء فيها لونه أصفر(عن الحسن و سعيد بن جبير إنها بقرة صفراء حتى قرنها و ظلفها)( ).
الرابع : تأكيد شدة صفرة لون البقرة، والإخبار بأنها تبعث البهجة في نفوس الناظرين آية إعجازية وترغيب بالبحث عنها، وهو من عمومات قوله تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ]( ).
الخامس : [لاَ شِيَةَ فِيهَا] ومن الآيات تعدد الأقوال في هذا الوصف كما تعددت في قوله تعالى [فَاقِعٌ لَوْنُهَا] وفيه آية إعجازية ، وهذا التعدد يحتمل وجهين:
الأول : السعة والمندوحة في الوصف بحيث يشمل هذه الأقوال.
الثاني : الإختلاف في التفسير والتأويل.
وهذا التباين صغروي لأن الكلام الإلهي كان معلوماً عند بني إسرائيل ساعة السؤال وتلقي الجواب الإلهي.
التفسير
قوله تعالى [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا]
بعد أن بيّن  تعالى سن البقرة، إتجه بنو اسرائيل وبنفس الصيغة من المسألة لإخبارهم عن لونها، لقد سألوا عن اللون وكان يجزيهم أية بقرة متوسطة العمر لذا أعتبر السؤال المتكرر من التشديد على النفس.
وفي الآية مسألتان كبرى وصغرى، أما الكبرى فهي عدم جحودهم وانهم توجهوا بالسؤال الإستعلامي وليس الإنكاري، وأما الصغرى فهي تشديدهم على أنفسهم الذي يتضمنه السؤال، وصار التأكيد على الصغرى لإقتباس الدروس.
وقول النبي عليه السلام بأنهم شددوا على أنفسهم فأراد بيان ما في التشديد على النفس من العناء والمشقة الزائدة ولينتفع المؤمنون فيتجنبوا التشديد على أنفسهم لأن في القصة عبرة وموعظة،ومن غير أن يمنع ذلك من الإستدلال وإستنباط المعاني والمفاهيم الأخرى لتعدد سؤالهم مع إتحاد الموضوع.
وبعد سؤال بني إسرائيل عن ماهية البقرة التي يجب عليهم ذبحها، وإتخاذها وسيلة لكشف الجاني، سألوا مرة أخرى عن لون البقرة، ترى ما هي علة وسبب هذا السؤال، الجواب فيه وجوه:
الأول : الظن بموضوعية لون البقرة في وظيفة كشف الميت.
الثاني : كثرة السؤال شكراً لله تعالى على نعمة الإجابة.
الثالث : التأكد بأن موسى عليه السلام لم يكن مستهزأ بهم في أمر البقرة كما ورد قبل آيتين [أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا] وفيه نكتة عقائدية وهي أن بني إسرائيل أخذوا يتلقون كلام موسى عليه السلام كوحي وتنزيل وأمر من الله تعالى.
الرابع : التردد وعدم نية الإمتثال.
الخامس : يأتي السؤال المتكرر بسبب عدم وجود صلة بين ذبح البقرة وبين إحياء الميت.
السادس : الظن بوجود خصوصية في البقرة التي تذبح.
السابع : الإعتقاد بأن البقرة المراد ذبحها معينة على نحو الحصر، وبإستثناء الوجه الرابع والخامس، فانه لا تعارض بين الوجوه الباقية وتدل على عظيم فضل الله تعالى على بني إسرائيل وإتصال نعمه عليهم، مع السؤال ومع عدمه، فمع عدم السؤال يكفي ويجزي أي بقرة كانت، ومع السؤال المتكرر يأتي الجواب بالبيان والتعيين وبما يطرد الحيرة والتردد وينفي الإجمال، لذا حينما أخبر بنو إسرائيل موسى عليه السلام عن غلاء ثمنها أمرهم بشرائها ليتجلى إمتثالهم لله تعالى، ولكي لا يكون هناك إعراض وتولِ عن الآيات فيأتي العقاب والبطش الإلهي، ويتفشى القتل بينهم.
قوله تعالى[قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ]
لقد إستجاب  عز وجل لسؤالهم وبيّن لونها حصراً لها، وظاهر الآية أن البقرة هي التي تسر الناظرين، وهل يتعلق السرور باللون فقط، أي أن السرور للونها أم بهيئة البقرة وبدنها ولونها الذي هو عرض.
الصحيح هو الثاني للنظر الى الآية على إطلاقها، وانها تعجب الناظرين بحسنها ولونها، وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: “من لبس نعلاً صفراء لم يزل مسروراً حتى يبليها كما قال تعالى[ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ] وعن الحسن البصري قال: من لبس نعلاً صفراء قلّ همّه( ).
(وعن وهب : إذا نظرت إليها خيّل اليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها)( ) وسأتي تفصيل مروي عن ابن عباس .
وبعد أن تفضل الله وجعل لهم مندوحة وسعة في الإختيار بين الكبيرة والصغيرة بقوله تعالى [ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ]، فإنه تعالى بيّن لون البقرة بما يفيد الحصر وقلة الإختيار، ولعله نتيجة للتشديد الذي ألزموا أنفسهم به، وكأن تكرار السؤال وطلب التفصيل الإضافي يؤدي إلى الحصر والبيان الدقيق.
وفي [ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا ] أقوال:
الأول : صفراء اللون كله. عن مجاهد.
الثاني : صفراء شديدة الصفرة. عن ابن عباس. يُقال أصفرٌ فاقع، كما يُقال أحمر قان، وأبيض ناصع , والناصع أي اللون الذي يختلط معه غيره فيقال أبيض ناصع، وأحمر ناصع، قال لبيد:
سُدُماً قديماً عهْدُهُ بأنيسِهِ من بينِ أصفرَ فاقعِ ودِفَانِ( ).
الثالث : الأصفر الصافي. عن أبي العالية وقتادة.
الرابع : صفراء القرن والظلف. عن سعيد بن جبير.
الخامس : سوداء شديدة السواد كما تقول العرب: ناقة صفراء أي سوداء. عن الحسن البصري( ) (وربَّما سَمَّتِ العرب الأسودَ أَصْفَرَ. قال الأعشى:
تلك خَيْلي منه وتلك رِكابي … هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَبيبِ)( ).
ولكن لظ الصفراء بمعنى السوداء، لا يرد في صفات البقر، بل في نعوت الإبل أي التي شربت سوادها صفرة، بالإضافة إلى أن قيد (فاقع) يُخرج السوداء.
وبالنسبة للقول الرابع لا دليل على هذا الحصر، والصفة وردت بصيغة الإطلاق، والقول الخامس خلاف الظاهر، أما الأقوال الثلاثة الأخرى فمتقاربة في المعنى والدلالة.
ويبعث إخبار الله تعالى بأن البقرة تسر الناظرين في النفس السكينة والرضا والإشارة إلى نعمة الإنعام، مع تعلق المقام بالقتل، فهل السرور مترشح مما يؤول إليه ذبحها من الكشف عن القاتل، أم أنه يتعلق بها بالذات؟ الجواب: هو الأخير لأن الوصف جاء جزء من الإخبار عن لونها، ولكنه لا يمنع من وجود وجوه أخرى للسرور، وفي ورود [تَسُرُّ النَّاظِرِينَ] بصفة الجمع إخبار ضمني عن كثرة السائلين والمتابعين للأمر والترديد , والتعدد في سؤالهم لموسى عليه السلام عن أوصافها يجذب العناية خصوصاً وأن المسألة إبتلائية عامة عندهم .
أي ان الآية تكون على مرأى ومسمع من القوم ليحصل التواتر والشياع المفيد للإطمئنان تتميماً للنفع والفائدة، وإقامة للحجة، وأن الله سبحانه عيّن لهم الحسن والجميل من الدواب، وفي الآية قيد يتضمن التحدي، فالله عز وجل يخبر بأنها [تَسُرُّ النَّاظِرِينَ] على نحو الإطلاق والعموم، مع ان أمزجة الناس وإختياراتهم نادراً ما تلتقي في موضوع أو لون معين، كل جماعة يختارون لوناً، بينما هذه البقرة تبعث السرور في نفوس الجميع بحسنها ولونها الأصفر.


قوله تعالى [ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يبَينْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ] الآية 70.
الإعراب واللغة
في الفعل (تشابه) من قوله تعالى [ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ] ( ) أحد عشر وجهاً:
الأول : قرأه ابن مسعود ويحيى وإبراهيم ومحمد ذو الشامة وكرداب: يشابهُّ بالتشديد والرفع والياء.
الثاني : قرأه مجاهد ومحمد ذو الشامة: تُشبُّه على تفعل.
الثالث : قرأه ابن مسعود والأعمش متشابه.
الرابع : قرأه ابن مسعود مُتشِّبه.
الخامس : قرأه ابن مسعود والحسن تشًّابه.
السادس : قرأه الأعمش متشابهة.
السابع : قرأه ابن أبي إسحاق تشابهت بتشديد الشين مع كونه ماضياً.
الثامن : قرأه الحسن والأعرج تشابه بالتخفيف.
التاسع : قرأ أُبي تشابهت كما قرأه مشتبه.
العاشر : قرأ زيد بن علي: تتشابه بتاءين.
الحادي عشر : هناك قراءة غير منسوبة يتشابه.
قالوا: قال: فعل ماض، الواو: فاعل، أدع: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة مقول القول، لنا: جار ومجرور متعلقان بأدع، ربك: رب: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف، والضمير الكاف مضاف إليه.
يبين: فعل مضارع، وهو جواب الطلب، لنا: جار ومجرور متعلقان بيبين.
ما: اسم إستفهام مبتدأ، لونها: لون: خبر مرفوع بالضمة وهو مضاف، والضمير مضاف إليه، والجملة في محل نصب مفعول.
قال: فعل ماضِ، ( إنه )ان وإسمها، يقول: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى الله تعالى، والجملة الفعلية خبر إن.
إنها بقرة: حرف مشبه بالفعل والضمير الهاء إسمها.
بقرة: خبر إن مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
صفراء: صفة لبقرة مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
فاقع: خبر مقدم مرفوع.
لونها: مبتدأ مؤخر، والضمير مضاف إليه، ويجوز أن يكون فاقع صفة ثانية للبقرة، ولونها: فاعل فاقع والأول أصح.
[ تَشَابَهَ ]: فعل ماض وفاعله هو، والجملة خبر إن.
[ عَلَيْنَا ]: جار ومجرور متعلقان بتشابه.
[ إِنْ ]: حرف شرط جازم، [ شَاءَ ]: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط. اسم الجلالة: فاعل، وجواب الشرط محذوف تقديره إهتدينا.
[ لَمُهْتَدُونَ ]: اللام المزحلقة. ومهتدون: خبر.
في سياق الآيات
تتجلى كثرة السؤال والإبطاء في الإمتثال , وقبول بني اسرائيل العنوان الجامع لموضوع هذه الآيات ليكون مناسبة للذم والإعتبار والإتعاظ، وقد تضمنت الآيتان السابقتان سؤالهم مع الجواب الذي أخبرهم به موسى عليه السلام عن الله عز وجل، أما هذه الآية فلم تتضمن إلا سؤالهم وما فيه من الإستثناء لبيان موضوعيته الإستثناء في إتصال نعم الله تعالى.
وهذه هي الآية الرابعة على التوالي التي تتعلق بقصة البقرة وفي كل آية من هذه الآيات وردت كلمة “قالوا” وإبتدأت كل آية من الآيات الثلاثة بكلمة “قالوا” وهو جزء من بلاغة القرآن وغلبة المسائل العقائدية وصيغ الحجة والبرهان على نظم الآيات، ويظهر التكرار تشديد بني إسرائيل على أنفسهم، وكثرة قولهم وردهم وسؤالهم.
وجاءت فاتحة هذه الآية والآيتين السابقتين بقوله تعالى [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ] وليس فيها قول “أدع لنا ربنا” وهل فيه حسد لموسى عليه السلام على نيله مرتبة النبوة، وقربه من الله تعالى، الجواب لا دليل عليه، ولأن الآيات جاءت في مقام ذكر النعم التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل، والمنافع العظيمة لوجود موسى عليه السلام بين ظهرانيهم وفيه إشارة الى نعمة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة لليهود والنصارى للإنتفاع منها.
وجاءت الآية التالية لتتضمن نقل موسى عليه السلام للجواب الإلهي على سؤالهم، وبيان ماهية البقرة التي يراد ذبحها، وإمتثال بني إسرائيل للأمر الإلهي وتقيدهم بأوصاف وشرائط البقرة التي أخبرهم موسى عليه السلام بها عن الله تعالى.
وصحيح ان لفظ [ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا ] متكرر في هذه الآيات إلا أن الغاية منه مختلفة ومتباينة ، ففي كل آية من هذه الآيات له معنى مختلف عن المعنى الآخر، ويعرف بالبيان في ذات الآية والقرائن وماهية الإجابة الإلهية.
فحينما جاء سؤالهم في هذه الآية بذات النص والصيغة لسؤالهم في الآية قبل السابقة، جاء الجواب مغايراً في الموضوع لجواب ذات الصيغة في الآية قبل السابقة، وكأنهم يقولون إن العوان والوسط بين البقر من الكلي المشكك الذي يقع على مراتب متفاوتة ومتعددة وانهم يريدون حصر البقرة المطلوبة على نحو التعيين.
فجاءت الآية التالية لتوكيد عظيم قدرة الله تعالى، وإمكان حصر البقرة في واحدة مخصوصة، لبيان ما في سياق الآيات من الإعجاز وبديع النظم.
وليس في الآية ما يدل على ظهور رجال من بينهم يأمرونهم بالإكتفاء بذبح أي بقرة من البقر الذي تشابه عليهم، مما يفيد في مفهومه إستحقاق المسلمين لمرتبة[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، لقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتدل الآية على كثرة المال والأنعام التي يمتلكها بنو إسرائيل، بحيث تذكر صفات مخصوصة من عند الله للبقرة التي يجب أن تذبح فيقولون [إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا] مع قلة البقر الذي يكون لونه أصفر فاقع بين جنس البقر.
وهذه الكثرة نعمة إضافية على بني إسرائيل، وقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ويهود المدينة أصحاب تجارة وأموال، وفيه دعوة لهم للتصديق بنبوته كسبيل لتعاهد هذه النعمة والحفاظ على الثروة وللملازمة بين الإيمان بتنزيل القرآن من عند الله، وبين إستدامة النعم التي تفضل الله تعالى على بني إسرائيل.
وتستقرأ كثرة الأموال أيضاً من موضوع القتل الذي تذبح البقرة من أجل الكشف عن القاتل، إذ ان سبب الجناية هو كثرة أموال المجني عليه والطمع فيها، وفيه تذكير لهم بنعمة المن والسلوى النازلين من السماء،وعدم صبرهم عليها وعلى نعمة جريان الماء من الحجر من غير خصومة وتشاح قال تعالى[فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ]( )، وذم توجههم إلى موسى عليه السلام بالمسألة والطلب بأن يسأل الله أن يخرج لهم مما تنبت الأرض، وما فيه من التنافس والتباري والتباين في السعي وجمع وصرف الأموال، وتسخير بعضهم لبعض، فقد كان طعامهم ينزل من السماء ويأخذون منه كفايتهم وحاجتهم من غير تفضيل بينهم، وهو خالِ من أسباب ومقدمات الفتنة، وتلك نعمة أخرى تترشح عن المائدة السماوية اليومية.
وقد جاءت آية [لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ] بأمور وأضرار تلحق ببني إسرائيل بسبب عدم شكرهم وصبرهم على نعمة المن والسلوى وطلبهم نبات الأرض، فحصول القتل بينهم مترشح من وجوه هي:
الأول : نزول الذلة ببني إسرائيل للعمل في خدمة آل فرعون وإصلاح الأرض، وورد حكاية عن الملأ من قوم فرعون[قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ] ( ).
الثاني : ضرب المسكنة عليهم لمزاولة الأعمال البسيطة لسد الحاجة وتوفير الطعام.
الثالث : إنه من غضب الله تعالى عليهم لكفرهم بآيات الله.
الرابع : ليس لهذا القتل سبب خارجي بل هو من أفراد التعدي الذي حدث منهم، وهو سبب لنزول غضب الله تعالى عليهم.
والصحيح هو الرابع، فقد جعل الله الحياة الدنيا دار إمتحان وبلاء وإختبار وقد أنعم الله عز وجل على بني إسرائيل بنزول الطعام من السماء فخفف عنهم الإبتلاء في الكسب والسعي لطلب الرزق وما فيه من العناء ووجوه الإفتتان، ولكنهم طلبوا أطعمة مما يخرج من الأرض.
ثم أنعم الله تعالى عليهم بكثرة الأموال والسعي في التجارة الذي تدل عليه كثرة السؤال عن ماهية البقرة، وتشابه البقر عليهم مع الحصر بصفات مخصوصة للبقرة المراد ذبحها.
ولو دار الأمر بين وجود أنعام وأموال غير البقر وإنحصار أموالهم بالبقر، فالجواب هو الأول للتبادر، ولأن البقر له منافع عديدة منها الحرث إذ تدل الآية التالية على توظيف بني إسرائيل البقر لأغراض الحرث والزراعة.
إعجاز الآية
تبين الآيات نعمة أخرى من نعم الله سبحانه على بني اسرائيل وهي هنا مركبة من الإجابة الكريمة على إلحاح وتشديد ورد متكرراً وأنه سبحانه يقوم ببيان تفاصيل بقرة بخصوص قضية في واقعة وحادثة قتل أقدموا عليها ليعينهم على تدارك آثارها السلبية العامة.
وتجذب الآية الأسماع إلى هذه الآيات لما فيها من الترابط والتداخل الموضوعي، فتأتي كثرة الأسئلة وطلب التفصيل من بني إسرائيل لتقابلها الإستجابة والفضل والبيان الإلهي على لسان موسى عليه السلام لتكون النبوة عند بني إسرائيل واسطة لنزول الأحكام والوحي، وصعود السؤال من بني إسرائيل ونزول الإجابة والتفصيل من عند الله من دون إبطاء أو تأخير.
ويدل تضمن الآية إعتذار بني إسرائيل في تشابه البقر عليهم على إعجاز الآيات وانها جاءت للحجة والبرهان والتوثيق الإلهي لكلام بني إسرائيل، وعزمهم على الفعل والإمتثال مع تعليقه على المشيئة الإلهية، وفيه شاهد على إيمانهم، ومراتب الفقاهة التي بلغوها ببعثة ووجود موسى عليه السلام بين ظهرانيهم، وحجة عليهم في عدم لزوم النكوص والتولي بعده.
لقد تضمنت هذه الآية إعتذار بني إسرائيل على كثرة الرد وسؤال المزيد من صفات البقرة بقولهم[إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا]، فقبل الله عز وجل عذرهم وعلم مرادهم وأنهم يقصدون بقولهم (ما هي) النفاسة والخصوصية والعلامة التي تنفرد بها هذه البقرة.
ويمكن تسمية الآية بآية “تشابه البقر” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية، وورد كل من اللفظين أعلاه ثلاث مرات في القرآن.
الآية سلاح
وبالإستثناء الوارد في الآية وتعليقهم الهداية على مشيئة الله سبحانه تبعث الآية الأمل في تلقي طائفة من بني إسرائيل الإسلام بالرضا والتسليم وتمنع من اليأس منهم على نحو السالبة الكلية، فلا ملازمة بين الذم والإعراض عنهم، فوظائف الذم الإصلاحية هي الأكثر وفيه تأديب وتحذير.
نعم في الآية تنبيه إلى ما جبلت عليه النفوس ، فما في الآية من اللوم لبني اسرائيل على كثرة سؤالهم تحذير من التشديد على النفس لهم ولغيرهم، وتنبيه للمسلمين ومنع من الإندفاع معهم في طلبهم المتكرر للآيات والبراهين الإعجازية من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما في هذا الإندفاع من الإفتتان.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وايمُ اللَّهِ ، لو لم يستثنوا لما بُيِّنت لهم آخر الأبد)( )، وفيه تأديب للمسلمين بالتأكيد على الإستثناء والتعليق على المشيئة الإلهية في العمل، قال تعالى[وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا]( ).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم المسلمين قول المشيئة وتفويض الأمور مع العزم إلى الله عز وجل لأن بيده مقاليد الأمور.
وعن إسامة بن زيد قال: ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تزهر، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في فاكهة دار سليمة، وفاكهة خضرة وخيرة ونعمة، في محلة عالية بهية قالوا: نعم يا رسول الله قال: قولوا إن شاء الله قال القوم: إن شاء الله)( ).
مفهوم الآية
مع ما في مفهوم الآية من النهي عن كثرة السؤال وبيان ما فيها من التكليف الزائد والمشقة فانها تدل على عظيم فضل الله تعالى على بني إسرائيل في الإستجابة المتكررة لهم في ذات الموضوع والمسألة وتتجلى في الآية سعة رحمته تعالى، وعظيم فضله على الأنبياء وأممهم وأنه سبحانه لا يرد السؤال.
وفيها تأديب وتعليم للأنبياء وقادة الأمم بالإنصات الى المسألة، ومن القواعد الأصولية قاعدة تسمى “قبح العقاب بلا بيان” وهي وان كانت أجنبية عن المقام إلا أنها تدل على موضوعية البيان في المعرفة الإلهية وسنن التكليف ولطف الله تعالى بالأمر بذبح البقرة.
فقد بادروا إلى الإعتذار بتشابه البقر عليهم، ومن مفاهيم هذا الإعتذار أنهم فهموا إرادة بقرة مخصوصة بعينها، أما الدعوة إلى الإسلام والإيمان بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله تعالى فلا يصلح معه الإعتذار لعدم وجود برزخ بين الحق والباطل ومع هذا فان إتصال نزول الآيات وظهور البراهين الساطعة في صدق دعوته صلى الله عليه وآله وسلم سواء الحسية منها أو العقلية جواب ورد سماوي متجدد على كثرة إعتذارهم وترددهم في دخول الإسلام.
فمفاهيم الآية الكريمة أعم من أن تنحصر بقصة البقرة والغايات والآيات في ذبحها بل انها موضوع للإعتبار والإتعاظ وتذكير الأمم بما يجب عليها أزاء الإسلام ولزوم دخوله وهي درس للمسلمين جميعاً، وإجابة على تساؤلهم في جحود بني اسرائيل لبعثته صلى الله عليه وآله وسلم.
ويفتح هذا المفهوم لقصة البقرة آفاق الدراسة في الأسباب الخاصة وراء تردد بعض الأمم في قبول أحكام الإسلام، كما أنها لا تغلق الباب أمام إسلامهم وعودتهم إلى جادة الصواب، فاذا كانت الإسئلة المتكررة تقابل بالإستجابة التي تتجلى فيها مضامين الرأفة والرحمة فانها وسيلة مباركة لكسب ودهم، ودعوة سماوية كريمة لإنخراطهم في صفوف المسلمين وحجة عقلية، وجذب أخلاقي لدخولهم الإسلام طواعية.
ووفق هذا التأويل للآية الكريمة فان حكمها بقوله تعالى حكاية عنهم [وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ] بشارة دخولهم الإسلام ولو لاحقاً وكما تظهره الشواهد فلا يمر يوم على الناس إلا وتجد أفراداً وجماعات يعتنقون الإسلام ويقبلون على أداء الفرائض , قال تعالى[إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا]( ).
لقد علقوا هدايتهم على مشيئة الله تعالى ولم يذكروا موضوع الهداية هل هو تعيين البقرة والوصول إليها وذبحها أم أنه الأعم والمطلق أو ان المراد منه التسليم والإنقياد للنبوة دائماً بما فيها نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وظاهر الكلام وسياق الآيات هو الأول إلا أنه لا يجتمع مع الإطلاق.
وهذه هي المرة الثالثة التي يطلب فيها بنو اسرائيل من موسى عليه السلام سؤال الله تعالى عن أوصاف وقيود إضافية للبقرة التي عليهم ان يذبحوها، ففي قضية في واقعة ومسألة تتعلق بذبح بقرة للوصول الى كشف جناية جاءت أسئلتهم متتالية فكيف في مسألة عقائدية نوعية عامة وهي التصديق بنزول القرآن ودخول الإسلام.
والآية إخبار وتوثيق يتضمنان في مفهومهما ذم الذين أكثروا الرجوع والرد على الأنبياء , وتعدد السؤال والتشديد فيه , وتكرار ذات السؤال مع تفضل الله سبحانه بالإستجابة والإخبار عنه [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ] والتكرار هنا قرينة على إرادة تفصيل آخر، ولكن من غير إجمال وفيه حجة عليهم بلحاظ عودة ذات السؤال.
وفي تعليق الهداية على مشيئته تعالى توسل إضافي , وتذكير بلزوم مقابلة دعوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والآيات الباهرات التي جاء بها بالتصديق .
وفي الآية مسائل:
الأولى: إستمرار سؤال بني إسرائيل عن تفاصيل البقرة المراد ذبحها، وهذا الإستمرار والتكرار نعمة من عند الله تعالى عليهم.
الثانية: عدم وجود واسطة وبرزخ بين بني إسرائيل وموسى عليه السلام، إذ يستطيعون الوصول إليه، والتردد عليه ذهاباً وإياباً سواء تمت المحاورة والأسئلة في مجلس واحد أو يوم واحد أو عدة أيام، والأظهر التقارب الزماني بينها وأنها كانت في يوم واحد لإتحاد الموضوع، والحاجة الى التعجيل فيه وهو كشف الجاني بالمعجزة.
الثالثة: مجيء الآية للإخبار عن صدور السؤال عن عموم بني إسرائيل وان كان صادراً من عدد منهم، مما يدل على رضاهم بالسؤال، وغلبة أهل الترديد وكثرة السؤال، وعدم إنصاتهم الى من يقول بالمبادرة الى الذبح، وقد يقال لماذا لم يقل لهم موسى عليه السلام إذبحوا أي بقرة ولا تشددوا على أنفسكم بكثرة السؤال وطلب التفصيل .
لقد كان إخبار موسى عليه السلام لبني إسرائيل بذبح بقرة من غير تقييد بصفات وشرائط خاصة، ويدل في مفهومه على أمور:
الأول: الدعوة الرسالية الى المبادرة الى ذبح أي بقرة كانت.
الثاني: فيه دلالة على بلوغ بني إسرائيل مراتب من المعرفة والتفقه في الدين، وتأويل آيات التوراة.
الثالث: يجري كلام الأنبياء على نحو الإيجاز غير المخل، والإجمال الذي يتضمن في مفهومه ودلالته البيان والسبر والتقسيم.
الرابع: جاءت الآيات في مقام ذكر النعم الإلهية العظيمة على بني إسرائيل، ومنها الرد الإلهي على سؤالهم المتكرر، وهو من عمومات قوله تعالى[يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ]( ).
الخامس: تنزه الأنبياء عن الجدال واللجاج.
السادس: تحلي الأنبياء بالصبر مع قومهم، والتطلع إلى فضل الله تعالى في إجابة بني إسرائيل إلى مسائلهم.
السابع: يتجنب موسى عليه السلام جدالهم ومنعهم من كثرة المسألة لكي لا يختلفوا فيما بينهم، ويظهر بعضهم الصدود والإعراض.
الثامن: في الآيات وتعقب الجواب الإلهي لأسئلة بني إسرائيل المتكررة دعوة لهم لتعاهد الإيمان، وتجنب السؤال الذي يدل على الجحود والإستكبار والعناد وما يتعقبه من العقاب كما ورد في قوله تعالى [لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ] ( ).
الرابعة: إعتذار بني إسرائيل عن كثرة السؤال بتشابه البقر عليهم، وهذا التشابه ينحصر بين البقر الذي يتصف بصفات وهي:
الأولى: كل بقرة وسط ليست بالكبيرة ولا الصغيرة.
الثانية: البقرة ذات اللون الأصفر الفاقع.
الثالثة: البقرة التي تبعث السرور في نفس من ينظر اليها.
إفاضات الآية
يتكرر سؤال بني اسرائيل لموسى بطلب التوجه إلى الله تعالى بصيغة الدعاء للحصول على الإجابة لمعرفة ماهية البقرة المطلوبة، مما يدل على إدراكهم ومعرفتهم بموضوعية السؤال في قضاء الحاجات والإستجابة والإجابة.
ويدل تكرار اللجوء إلى الله تعالى وطلب التفصيل على الإقرار باللطف الإلهي غير المتناهي، وأن العباد يفرون إليه تعالى للنجاة من الشك والوهم والريب، وتقتضي الوظيفة الشرعية التسليم الخالي من التشديد وكثرة التردد والسؤال، لأن الموضوع جاء بسيطاً خالياً من التركيب، فقد أمروا أن يذبحوا بقرة، بصيغة التنكير الذي يدل على كفاية أي بقرة، فكان الإلحاح وكثرة السؤال حجة ودرساً وموعظة .
حجة عليهم بلزوم الإنقياد إلى النبوة وأحكامها، وقد بشرهم موسى ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ودرساً للمسلمين باجتناب كثرة السؤال وقد أظهرت الوقائع التأريخية حسن تقيد المسلمين بهذا الدرس.
وموعظة للناس جميعاً بعدم التشديد على النفس، وبلزوم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشواهد المعجزات التي جاء بها وعدم سؤال كل فرد وجماعة معجزة خاصة.
ويمكن إستقراء قاعدة من الآية وهي أنه من إفاضات القرآن إعتبار المسلمين من الأمم والملل السابقة , قال تعالى[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بسؤال بني إسرائيل لموسى عليه السلام أن يسأل الله عن صفات خاصة للبقرة التي يريد الله عز وجل منهم ذبحها وإعتذروا بإن البقر تشابه عليهم أي أن الصفات التي ذكرتها الآيات السابقة غير كافية في تعيين بقرة مخصوصة وكأنهم يقولون أن متوسط البقر من التي لا فارض ولا بكر كثير، وفيه بقر غير قليل كل واحدة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، فأرادوا وصفاً يفيد الحصر في بقرة معينة، أي أنهم أرادوا آية إعجازية لا يقدر عليها إلا الله تعالى بتعيين صفات تنفرد بها بقرة مخصوصة بقيد الصفات التي تقدمت فتأتي العلامات والصفات الأخرى متممة ومقيدة لها وليس ناسخة أو بديلة عنها، وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل لاسيما وأن البقر يتشابه كل فصيل وعدد منه على عامة الناس.
وأختتمت الآية بإعلان بني إسرائيل عزمهم على الهداية إلى أمور:
الأول : الهداية إلى ذات البقرة المخصوصة.
الثاني : بذل المال لشراء البقرة.
الثالث :التوفيق في الإمتثال في ذبحها.
الرابع : بذل الوسع في السؤال والبحث عن البقرة المقصودة.
الخامس : معرفة القاتل.
السادس : الهداية إلى درء أسباب الفتنة.
السابع : يكون موضوع البقرة مادة لزيادة الإيمان والهداية إلى سبل الرشاد.
الثامن: الإهتداء إلى سبل الإستقامة والصلاح، وإجتناب القتل.
التاسع: الهداية إلى نبوة عيسى ومحمد كما بشر موسى عليه السلام.
وجاءت الآية بتعليق الهداية على المشيئة، وهو من أدب العبودية، والنجاة واللجوء إلى الله تعالى للإعانة على الهداية والصلاح.
وكأن الآية عهد من بني إسرائيل بالهداية والإيمان والصلاح إذا أنعم الله عز وجل عليهم بأوصاف خاصة تنفرد بها بقرة معينة تكون آية لهم، ودرساً وتأديباً ، وليكون دخولهم الإسلام واقية لهم وللمسلمين من كثرة السؤال لقوله تعالى[أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ]( ).
التفسير الذاتي
لم يكتفِِ بنو إسرائيل بصفات البقرة التي ذكرتها الآيتان السابقتان، بل سألوا عن صفات جديدة، ولم يغضب موسى عليه السلام ولم يقل لهم إن سؤالكم هذا [ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ] هو نفس السؤال الذي سألوه في الآية السابقة، بل توجه إلى الله عز وجل بالدعاء والمسألة بما يسألونه وهو من أخلاق النبوة، وفضل الله عز وجل على بني إسرائيل بأن يسألوا الله عز وجل بواسطة كليم الله فيأتيهم الجواب وإذا كان يظنون ان المراد بقرة بعينها دون غيرها لما ورد في هذه الآية حكاية عنهم (ان البقرة تشابه علينا) فلماذا لم يبين لهم موسى عليه السلام بأن ذبح أي بقرة يجزي، ويساعدهم في التخفيف عن أنفسهم.
والجواب لقد جاءت كل الآيات السابقة بالأمر بالذبح فقد ورد الإجزاء بأي بقرة ، للغة التنكير في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً]( ).
كما ورد بكفاية الوسط من آناث البقر بقوله تعالى [فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ] وسألوا عن لون البقرة لتمييزها من بين البقر وموضوعية اللون في التعيين، ومعرفة الخصوصية التي تتصف بها , فجاء الجواب إعجازاً ويتضمن علامة وأثراً يكون لها عند الناس وهو انها تبعث الغبطة والسرور عند من يراها ومع هذا فانها تذبح لتكون وسيلة لكشف الجاني، وعلق بنو إسرائيل هدايتهم على مشيئة الله عز وجل رجاء بلوغ الغاية والإمتثال للأمر بذبح البقرة المطلوبة، لأنهم لم يعلموا جواب سؤالهم، وما فيه من الصفات الجديدة التي ستذكرها الآية التالية، لذا فهو من التشديد على النفس.
وفي قوله تعالى “لمهتدون” حذف , والتقدير على وجوه:
الأول: مهتدون لمعرفة تلك البقرة.
الثاني: مهتدون لمطابقة صفاتها لما أخبر به موسى عليه السلام عن الله عز وجل.
الثالث: مهتدون للإمتثال لأمر الله في ذبح البقرة.
الرابع: مهتدون لمعرفة الجاني.
الخامس: إن كثرة سؤالنا رجاء الإهتداء للصواب.
التفسير
قوله تعالى [ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يبَينْ لَنَا مَا هِيَ ]
لقد أعاد بنو إسرائيل السؤال عن صفات البقرة في تردد وتشديد على النفس ويلاحظ في الآية كرم ولطف وحلم الله تعالى، فلم تتضمن الآية ذماً أو توبيخاً لهم بل إنها مصداق لما ورد في أسماء  الحسنى إنه [هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( ).
لقد كانوا يقصدون صفات أخرى للبقرة غير التي ذكرت، كالعرض المفارق وهل هي من العوامل أو أنها سائمة في المراعي.
وتكرار السؤال بذات الألفاظ مصداق للتشديد وموضوع للإستغراب للدلالة على إنتفاء المقتضي خصوصاً مع لزوم إكرام النبي ومضامين الخشية في نفس الإنسان مطلقاً مؤمناً أو غير مؤمن منه تعالى ومن تكرار المسألة، ومن فضل الله تعالى أنه سبحانه جعل العباد يتوجهون إليه بالمسألة ويكررون السؤال ولا يجدون عنده سبحانه إلا الإستجابة وقضاء الحاجة.
وكثرة سؤالهم حجة عليهم في باب النبوة بالإضافة الى تفضل الله تعالى بنسخ الشرائع وبعث الرسل بالكتب المنزلة من عند الله تعالى، فاذا كانوا يكثرون المسألة ولا يأتيهم الا الجواب والبيان والتفسير وأسباب التيسير، كذلك النبوة فكلما إبتعدوا عن أحكام الشريعة بعث  عز وجل لهم ولأهل الأرض نبياً يكون عوناً لهم على الإيمان والهداية، فهذه القصة تخلق الإستعداد في نفوسهم لقبول بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

بحث نحوي
(ما) الإسمية تأتي معرفة وتأتي نكرة، والأولى التي يصح مجئ (الذي) محلها، اما الثانية أي النكرة فيصح (مجئ) شيء بدلها، وقد يجوز الأمران.
وتقع (ما) على ما لا يعقل وعلى صفات ما يعقل، وهي أكثر إبهاماً وإستعمالاً من (من)، لذا تراها تنتهي بالألف ودائرته أكثر إتساعاً في الخارج وفي فضاء الفم عند ترك الحرف ممتداً في الهواء للدلالة على شموله لكثير من الأجناس.
ولأن (من) تأتي للإختصاص وإرادة من يعقل أبدلت الألف بنون ساكنة فيكون اللفظ قصيراً مختصراً، إشارة إلى الإختصاص ومحدودية المعنى، ولذا قالوا بان (من) أصلها (ما).
وتقع (ما) لذوات ما لا يعقل ولصفات العقلاء وتقع على من يعقل عند إختلاطه بما لا يعقل تغليباً لأنها اسم مبهم يقع على جميع الأجناس.
وجاءت (ما) في هذه الآية للإستفهام عن الماهية وصفة ما لا يعقل ويدل إستعمالهم لها على تطلعهم للمزيد من التفصيل والبيان لما فيها من الإبهام وإمكان وقوعها على أجناس وصفات متعددة، وكأن هذا السؤال يوحي بانهم سيرجعون للسؤال مرة أخرى، وبذا يظهر إعجاز آخر من بلاغة القرآن وهو أن معنى اللفظ او إستعمال الكلمة تتفرع عنه حقائق تتعدى النحو والبلاغة وتستخرج منه أحكام خاصة ولو على نحو الترجيح الذي تؤكده القرينة والأمارة.
قوله تعالى [إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا]
نوع إعتذار وإظهار لنية التمييز والإصابة بسؤال زيادة وإدعاء أن البقر الأصفر اللون كثير ومتعدد.
وجاء الإعتذار متعقباً لإعادة السؤال ويتضمن في مفهومه الإلتفات إلى لزوم المبادرة إلى الفعل وذبح البقرة وقبح تكرار المسألة، ويدل هذا الإعتذار على إرادتهم حصر البقرة وتعيينها مع أن ظاهر أمر الله تعالى الإجزاء بأي بقرة، فالآية لم تقل لهم “ان تذبحوا البقرة” كي يظنوا الإنصراف إلى بقرة مخصوصة وأن الألف واللام للعهد.
ولعل هذا الإعتذار حجة عليهم فاذا كان الأمر بذبح بقرة ما، والبقر يتشابه في الجنس، إذن تجزي واحدة منه لقاعدة نفي الحرج ولعدم التكليف بما لا يُطاق، وللإجزاء وأصالة الإطلاق، وقاعدة نفي الحرج في الدين.
وتبين الآية إقرار الإنسان بعجزه عن التمييز بين أفراد الجنس الواحد من الحيوان مع ذكر أوصاف خاصة للفرد المطلوب منها، وهذا الإقرار حجة على الناس جميعاً في عظيم قدرة الله تعالى في الخلق، وشاهد على ضعف الإنسان وحاجته المتصلة لرحمة الله تعالى.
إن اعتذار بني إسرائيل بتشابه البقر عليهم حجة عليهم لأنه يدل بالدلالة الإلتزامية على كفاية كل فرد من البقر يقع عليه الوصف، فلم يقل لهم موسى عليه السلام “ان الله يأمركم أن تذبحوا البقرة” بالألف واللام في البقرة وإرادة العهد، بل جاءت الآية بصيغة التنكير “بقرة” وقد قبل الله تعالى إعتذارهم وتفضل بإخبارهم على صفات أخرى للبقرة المراد ذبحها.
ترى لماذا لم يأتهم الجواب الإلهي بكفاية أي بقرة الجواب من وجوه:
الأول: تتابع نعم الله تعالى على بني إسرائيل.
الثاني: كل سؤال من بني إسرائيل نعمة عليهم، وكذا نعمة الجواب، ونعمة الجواب هي الأكبر لأنها فضل محض ونعمة نازلة من عند الله تعالى.
الثالث : إنه من رحمة الله تعالى ببني إسرائيل وزيادة إحسانه عليهم، وهو سبحانه لا يمل من المسألة، وهو الذي يستجيب للدعاء ويقضي الحوائج، وإن لم يرق كلامهم إلى منزلة الدعاء.
الرابع : في الآيات حجة على بني إسرائيل ودعوة لهم لزيادة الإيمان، وزجر عن الكفر والجحود.
الخامس : توكيد حقيقة وهي أن موسى عليه السلام لا يخبر إلا عن الله وانه لم يكن مستهزءاً ببني إسرائيل، وهو من عمومات قوله تعالى[أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ] ( ).
بحث بلاغي
قد يرد تذكير للمؤنث ويحمل على التأويل أو يرد تأنيث للمذكر وإذا لم يمكن رده إلى اللفظ يرد إلى المعنى باعتبار أن تأنيث الجنس ليس حقيقياً، يُذكر بلحاظ الجنس ويؤنث بلحاظ الجماعة , والمؤنث الحقيقي هو الذي لا يحذف التأنيث من فعله غالباً إلا أن يكون هناك فصل بينه وبين فعله [ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ ]( ).
وفي هذه الآية ورد [ تَشَابَهَ ]، وفي قراءة تشابهت، ومجيء التذكير في القراءة المرسومة في المصاحف هي الأصل وعليها مدار البحث , وهي آية لا تنحصر أسرارها بالجانب البلاغي مع إعجازها على نحو مستقل.
فلابد من دراسة الوجوه التي تتفرع عن البلاغة، والعبر التي تستخلص منها، والمسائل والأحكام التي تستخرج منها وبذا تكون بلاغة القرآن علماً توليدياً على نحو مستديم.
فورود لفظ التذكير لبيان شأن المال عندهم ولعلهم توقفوا وتمهلوا في ذبح البقرة , وهذا التردد والتوقف المرتكز إلى التدبير أحد أسباب ترددهم على موسى عليه السلام وكثرة سؤالهم عن أوصاف البقرة.
قوله تعالى [وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ]
في الآية نكتة عقائدية وهي أن الإعتذار وحسن المسألة باب تخفيف في مسألة وطأة الإعادة والتشديد على النفس بكثرة السؤال، وان التعليق على المشيئة إظهار للإقرار بالعبودية وتفويض الأمور الى  عز وجل، لقد قالوا بأنهم يسعون إلى الهداية ويتطلعون إلى رحمته تعالى في نيلها وإدراكها.
إن التعليق على المشيئة إظهار للهداية، ويدل في مفهومه على الركائز العقائدية التي أوجدها موسى عليه السلام عندهم وعلى حسن جهاده في تأديبهم وتعليمهم الرجوع إلى  في تفويض أمورهم.
وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرسلاً: (والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا ان شاء  لحيل بينهم وبينها أبداً).
ونسب الرازي إلى المعتزلة القول بأن  لما أمرهم بذلك فقد أراد إهتداءهم لا محالة وحينئذ لا يبقى لقولهم فائدة، وأيضاً بأن مشيئة  محدثة بقوله [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ] من وجهين:
الأول: دخول كلمة (أن) عليه يقتضي الحدوث.
الثاني: إن الله تعالى علق حصول الإهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الإهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الإهتداء أزلية.
أقول: ان تعليقه على مشيئة الله ورد على لسان بني اسرائيل تفويضاً لمشيئته وارادته وسعيهم بالتوسل لنيل بغيتهم من فضله، فهي أجنبية عن حدوث المشيئة أو قدمها.
وروى ابن جريج قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم ، ولو لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد)( ).
والحديث يبين موضوعية تعليق العبد فعله على المشيئة , وهو نوع تدارك وإستثناء وتتجلى فيه مضامين العبودية والرجاء ومعاني الحاجة إلى الله سبحانه.
ويدل الحديث على إتخاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآية مدرسة تأديبية للمسلمين وحثهم على الإستثناء بالمشيئة، وهي دعوة للصحابة وقادة المسلمين والعلماء لإتخاذ آيات القرآن وقصصه موعظة ومناسبة للإعتبار والتفقه.
وفي الإهتداء الذي يقصدون وجوه:
الأول: الإهتداء إلى البقرة التي أمرهم الله بذبحها عند إجتماع الشرائط التي تميزها عن غيرها.
الثاني: تكرار السؤال نوع هداية.
الثالث: الزيادة في البيان سبيل إلى الهداية لها.
الرابع: الإهتداء إلى القاتل ومعرفته.
الخامس: هذه الآيات باب لزيادة الإيمان والهدى عند عامة بني اسرائيل.
السادس: إن سؤالنا ينبع من منازل الهدى والإيمان فلو لم نكن مهتدين لما جئنا بالسؤال.
السابع : إننا مصممون على الإستجابة في أمر الذبح لإقرارنا بوجوب التسليم والإنقياد للأوامر الألهية.
الثامن : إنه نوع توسل بلغة الإعتذار والرجاء.

بحث بلاغي
جاءوا معتذرين بان البقر بعضه يشبه بعضاً، وأصبح من العسير التمييز بين أفراده وإختيار الفرد المطلوب، وحصل الإشتباه في الإمتثال لتكليف يتعلق ببقرات معدودات والأصل مع التشابه الإجزاء، لصدق إنطباق الموضوع على كل فرد منها في الجملة ولقاعدة نفي الحرج.
لقد حصل عندهم الإشتباه في المحسوسات الظاهرة للعيان مع إجتماعهم في موضع واحد، والأولى أن يؤدي الإجتماع إلى الرشاد والهداية.
بينما ترى المسلمين لم يشتبه عليهم الحق وعرفوا الآيات واتبعوها، وأقبلوا على القرآن وهو المعجزة العقلية في الأرض , وفي آياته البالغة أكثر من ستة آلاف ومائتي آية محكم ومتشابه، ولم يردوا على الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمراً، وما سألوه إلا سؤال تعلم ومعرفة وإيمان، وقاموا برد المتشابه إلى المحكم وإستنبطوا الأحكام.
وتبين الآية البركات المترشحة عن تعليق بني إسرائيل فعلهم وهدايتهم على المشيئة الإلهية , قال تعالى[وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( )، لقد إلتجأ بنو إسرائيل عند الحرج والتشديد على النفس إلى المشيئة الإلهية فكانت السعة والتيسير، وبينما كان بنو إسرائيل يذكرون الله بصفة ربوبيته لموسى(إدع لنا ربك)، وردت هذه الآية بذكرهم لله عز وجل باسم الجلالة، [وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ]، وفيه شهادة لهم باللجوء إلى الله عز وجل مع كثرة التردد والسؤال.


قوله تعالى[ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ] الآية 71.

الإعراب واللغة
[قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ]تقدم إعرابها.
لا ذلول: لا: نافية، ذلول: صفة بقرة، تثير: فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود للبقرة، الأرض: مفعول به منصوب بالفتحة.
ولا: الواو: حرف عطف، لا: نافية مكررة لدخولها على النعوت والأحوال، تسقي: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر، الحرث: مفعول به منصوب، مسلمة: صفة ثالثة للبقرة، أي سالمة من العيوب.
لاشية: لا: نافية للجنس تعمل عمل إن، وتسمى تبرئة، شية: إسمها، فيها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، والجملة في موضع رفع صفة رابعة للبقرة.
قالوا: فعل ماض وفاعل مرفوع، الآن: ظرف زمان، جئت: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره أنت يعود لموسى عليه السلام ، وجملة جئت مقول القول، بالحق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي ناطقاً بالحق، فذبحوها: الفاء حرف عطف للترتيب المعنوي، ذبحوها: فعل ماض, والواو فاعل، والهاء مفعول به.
وما: الواو: حرف عطف، ما: نافية، كادوا فعل ماض ناقص وإسمه.
يفعلون: فعل مضارع، والواو فاعل، والجملة الفعلية خبر كاد.
الذلول: الدابة التي أرهقها العمل والركوب مأخوذة من الذل.
والإثارة: الإظهار والكشف.
والحرث: تهيئة الأرض للزراعة بكربها وقلبها، (قال الخليل: الحرث قذف البذر في الأرض للإزدراع) ( )، والزرع الإنبات قال عزّ إسمه أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ، ولكن الحرث فعل يتعلق بذات الأرض , والبذر فعل آخر مستقل، وهو فرع الزرع وإن عدم ذكره في الآية الكريمة لا يعني أنه من الحرث.
[ مُسَلَّمَةٌ ]: أي سالمة من العيوب، خالية من العاهات.
وشية: مصدر من وشيت اللون في الشئ الذي يغاير معظم لونه مأخوذة من وشى الثوب إذا نسجه على لونين.
في سياق الآيات
بعد بيان صفة البقرة وسنها ولونها وما فيه من الخصوصية جاءت هذه الآية لتبين كيفية عملها وصفاء لونها وخلوها من العيوب للإعانة على الحصر والتعيين، وهو من اللطف الإلهي لتقريبهم إلى الطاعة وإعانتهم للإمتناع عن كثرة المسألة وحثهم على التوجه إلى الفعل والإمتثال، وفيه الخير والصلاح والتدارك.
إن هذه الآية سياحة في عالم الملكوت من وجوه:
الأول: كثرة وتوالي النعم من الله على بني إسرائيل.
الثاني: تشديد بني إسرائيل على أنفسهم.
الثالث: إقامة الحجة على بني إسرائيل، فإذا كانت كثرة أسئلتهم أدت إلى إجابة الله تعالى مسألتهم، فإن المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متعددة وكثيرة ومتعاقبة، وفيها حجة على بني إسرائيل ودعوة لهم لدخول الإسلام.
الرابع: مجئ القرآن بالصفات التفصيلية للبقرة التي يراد ذبحها، فمع تشديد بني إسرائيل على أنفسهم فإن الله تعالى يشدد عليهم بذكر صفات مخصوصة للبقرة، إذ أن قولهم في الآية السابقة[إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا] يدل على طلبهم التعيين والحصر، وإرادة بقرة واحدة دون غيرها، والله تعالى لا تستعصي عليه مسألة، وهو العالم بكل شئ، ولا يستطيع موسى عليه السلام الإحاطة بكل البقر الموجود عند بني إسرائيل وخصوصيات كل بقرة.
فجاءت هذه الآية لتخبر عن الإعجاز الحسي في آية الأمر بذبح بقرة، بذكر صفات معينة عندما قالوا[إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا].
لتكون هذه الآية شاهداً على تلقي موسى عليه السلام الوحي، وإذ ثبت لبني إسرائيل صدق موسى عليه السلام في إجابتهم عن الله تعالى فانه جاء بما فيه صدق نبوته وإخباره عن الله تعالى، مما يعني لزوم تصديقهم بنبوته وإتباعه، ولم تأت هذه الآية بذبح بقرة مما تشابه بل جاءت بأوصاف خاصة محصورة بواحدة منها.
وقد نسب بنو إسرائيل التشابه إلى البقر ذاته وفيه إقرار ببديع صنع الله تعالى، وإتحاد الماهية والصورة في البقر، وعدم إمكان معرفة التباين بينها إلا بفضل الله.
فهم مجتمعون لم يستطيعوا معرفة المائز بين عدد من البقر تجمعه صفات معينة، مما يدل على أن تعيين البقرة المراد ذبحها بالوصف الدقيق خاص بالله عز وجل وأنه يتفضل عليهم ويخبرهم بأوصافها لتكون آية تدل على صدق نبوة موسى عليه السلام وأنه لم يتخذهم هزواً، وجاءت الآية التالية بالإخبار عن الغاية من ذبح البقرة، وإتخاذها آلة لضرب الميت وإحيائه ليخبر عن قاتله.
وبين آية ضرب موسى عليه السلام الحجر بعصاه بقوله تعالى[وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا] ( ) وبين آية ضرب الميت بجزء من البقرة عموم وخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء هي:
الأول: كل واحدة منهما آية ومعجزة حسية.
الثاني : حصول الضرب في كل منهما، بضرب موسى الحجر بعصاه أو ضرب بني إسرائيل.
الثالث: جاءت الآيتان خاصتين ببني إسرائيل.
الرابع : كل آية منهما حجة على بني إسرائيل، ودعوة للتدبر في أسرار الخلق، واللطف الإلهي في بعث الأنبياء، وحاجة الناس للنبوة.
الخامس : كل آية منهما نعمة من عند الله على بني إسرائيل، ودرس وموعظة للناس جميعاً.
أما مادة الإفتراق فمن وجوه:
الأول: جاء ضرب الحجر من قبل موسى عليه السلام، أما آية البقرة وإحياء الميت بها فجاء بضرب بني إسرائيل بها لعمومات قوله تعالى[فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا].
الثاني:جاء الأمر إلى موسى بان يضرب بعصاه الحجر، أما في آية البقرة فجاء الأمر بضرب الميت ببعض البقرة، وصحيح أن الباء في الآيتين هي باء الإستعانة ولكن المعنى يختلف، إذ أن الضرب في الآية الأولى جاء بتقديم العصا لتوكيد كونها آية من عند الله ولبيان موضوعيتها.
أما في آية البقرة فجاء تقديم الميت بقوله تعالى [فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا] في إشارة إلى كفاية أي بقرة وان المقصود كشف الجناية بآية إحياء الميت وأخذ جزء من بقرة مذبوحة ، ليدرك بنو إسرائيل عدم الحاجة الى التشديد على النفس وكثرة السؤال والرد.
الثالث : حصول ضرب الحجر بشرطين:
الأول : قيام موسى عليه السلام بالضرب، وتوليه بنفسه، وفيه شاهد على موضوعية شخص الرسول في آيات ومعجزات مخصوصات، فمع ان هارون نبي فانه لم يضرب الحجر بعصاه أو بذات العصا التي يضرب بها موسى عليه السلام الحجر فيتدفق منه الماء، فلابد من تولي موسى عليه السلام نفسه ضرب الحجر.
الثاني: ضرب الحجر بعصا مخصوصة، هي عصا موسى عليه السلام، وهي مما نزل به آدم عليه السلام من الجنة.
وأما ضرب الميت كما في هذه الآيات فانه يصح من أي من بني إسرائيل لرؤية الآيات تجري على أيديهم وهو نعمة أخرى عليهم، وشاهد على إكرام بني إسرائيل وعظيم فضل الله تعالى عليهم، ودعوة لهم لتعاهد الإيمان.
الرابع : تكرر ضرب موسى عليه السلام للحجر لإستسقاء بني إسرائيل، أما آية ضرب البقرة فحدثت لمرة واحدة.
الخامس : ليس من ترديد وكثرة سؤال في موضوع الإستسقاء بل جاء بفضل الله وخطاب من الله تعالى الى موسى عليه السلام، أما موضوع ذبح البقرة فتضمن تعدد سؤال بني إسرائيل عن ماهيتها وأوصافها.
وقد جاء قوله تعالى [قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ] ثلاث مرات في هذه الآيات ولم يرد في غيرها من آيات القرآن وهو من مصاديق تكليم موسى عليه السلام لله تعالى، وإذ جاء في الآية الثامنة والستين والتاسعة والستين في وسط الآية، فانه جاء في هذه الآية في أولها، وكأنه إشارة إلى إختتام نعمة البقرة المراد ذبحها بتعيينها وذبحها.
ومن لطف الله تعالى ببني إسرائيل تفويضهم تعيينها إلى الله تعالى، وإن جاء موضوع التعيين نتيجة كثرة سؤالهم.
إعجاز الآية
هذه الآية هي الوحيدة من بين آيات قصة البقرة التي تتضمن الإجابة السماوية للمسألة في الآية السابقة، وفيها أيضاً قبولهم ورضاهم وقيامهم بذبحها إستجابة لأمر الله تعالى، ولم يستطع بنو إسرائيل إدراك المعاني والغايات السامية في ذبح البقرة حين الأمر به، فمنافعه إستمرت في مجتمعاتهم لعدة أجيال بالوئام والأمن , وتلك نعمة وفضل منه تعالى خصهم به ويستلزم الشكر وعدم الجحود بالنبوة ، وما يترشح عنها من الإفاضات والخير ودرء المفاسد.
وبعد قول بني إسرائيل لموسى عليه السلام[أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا]( )، تضمنت هذه الآية إقرارهم بأنه جاء بالحق والصدق من عند الله، مما يدل على أن ذكره للصفات الخاصة للبقرة معجزة حسية , وليس من فترة بين إقرار بني إسرائيل هذا وبين ذبحهم للبقرة.
ويمكن تسمية الآية بآية (ذبحوها) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
الآية حجة على بني إسرائيل، ودعوة لهم للمبادرة إلى الإسلام والإنتفاع من الوحي والتنزيل وبركات النبوة وما يأتي مع الإسلام من الإصلاح والتخلص من الأخلاق المذمومة والتغلب على النفس الشهوية والغضبية.
والآية دعوة للرجوع إلى الأنبياء، والإنتفاع من الوحي في حياتهم وبعد إنتقالهم إلى الرفيق الأعلى، فقد تكرر قوله تعالى [قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ] لبيان حكاية موسى عليه السلام لقول الله عز وجل، وليس في كلام البشر أجمل وأبهى وأسمى من نقل النبي لقول الله عز وجل.
وفي الآية دعوة لبني إسرائيل والناس جميعاً بالإصغاء إلى ما يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الله، ويتجلى في هذا الباب تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، لأن القرآن كله قول لله عز وجل، وهو كلامه الباقي في الأرض إلى يوم القيامة.
وفي هذه الآيات مصداق لكون القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، لأنه يحكي قصص الأنبياء مع قومهم بما يفيد العبرة والموعظة وإقتباس الدروس والمسائل.
مفهوم الآية
إن  عز وجل هو اللطيف الكريم، يداه مبسوطتان تفضل بالوحي على أنبيائه لينتفع منه الناس جميعاً من مصاحبتهم أيام نبوتهم ومن جاء من بعدهم.
لقد إستمر بنو إسرائيل بالسؤال وطلب التفصيل وإرادة الحصر بصفات يندر وجودها ولا تقبل التعدد وتلك معجزة أخرى، وجاءوا لمعرفة القاتل فلما طلب منهم موسى عليه السلام ذبح بقرة ما وبعد ان نفى عن نفسه الإستهزاء توجهوا إلى السؤال المتعدد , وما فيه من صبغة الإختبار.
وهل أرادوا بهذه الأسئلة المتكررة والرد المتعدد معرفة حقيقة وهي ان موسى عليه السلام لم يكن مستهزءً أو ساخراً بهم خصوصاً وأن ظاهر النصوص يدل على عدم غلاء البقر آنذاك أو ندرته، الجواب لا، فان كلام موسى عليه السلام ونفيه الإستهزاء عن نفسه حجة.
فتفضل الله سبحانه تعالى بالإستجابة والبيان في أوصاف البقرة المطلوبة والذي يتضمن بدلالته الإلتزامية الدفاع الإلهي عن موسى عليه السلام وإثبات أنه ليس بساخر منهم وأنه لا يقول إلا الحق وما يؤمر به من عند  وان كانت مسألة الإحياء وحدها كافية لتأكيد الإعجاز.
ولكن بيان الأوصاف جاء إخباراً عن سماوية الأمر ولمنع الإفتتان بموسى عليه السلام خصوصاً وأنهم مالوا لعبادة العجل، لذا ترى الآيات التالية تنسب الكشف والإحياء إلى  عز وجل [ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ]( )، [ كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى ]( ) فالإستجابة لطف ذاتي مستقل ومانع من الإفراط والتفريط، ودعوة للتوجه إلى عبادة الله تعالى، وتهذيب النفوس.
ومما يدل على هذا التأويل والمفهوم قوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل [ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ]( ) لحصول اليقين عندهم حينئذ بأن الأمر من عند الله تعالى، وليس من موسى عليه السلام .
وتستقرأ منه قاعدة كلامية كلية وهي: إن التردد في تصديق الأنبياء يؤدي إلى التشديد على النفس.
ومع أن بني إسرائيل أعادوا السؤال عن ماهية البقرة، فإن النبي موسى عليه السلام قام باخبارهم بصفاتها الفعلية وعدم إستعمالها في حرث وكرب الأرض الزراعية وسقيها، ثم إنتقل إلى صفاتها الذاتية والعرضية وخلوها من وجود بقعة في جلدها تحمل لوناً مغايراً للون البقرة العام.
والآية حجة على بني اسرائيل تتكون من صغرى وكبرى، أما الصغرى فهي أن موسى عليه السلام جاء بالحق من أول مرة.
والكبرى أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالحق ومعه البراهين العقلية والحسية ولكنهم إختاروا الإعراض والصدود.
وبعد إبتداء هذه الآيات بالأمر بذبح بقرة بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] ( )، جاءت هذه الآية بذكر لفظ البقرة [إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ] وفيه توكيد إضافي لذبحها، ودعوة لعدم تكرار الترديد وكثرة السؤال، وفي الآية مسائل:
الأولى : من إعجاز القرآن ذكر تفاصيل سؤال بني إسرائيل، والرد الإلهي عليهم.
الثانية : بيان صفات إضافية للبقرة على نحو التعيين، وبما يفيد الحصر.
الثالثة : الإعجاز في قوله تعالى “لاشية فيها” ومن الآيات تعدد الأقوال في هذا الوصف كما تعددت في قوله تعالى [فَاقِعٌ لَوْنُهَا] وفيه آية إعجازية، وهذا التعدد يحتمل وجهين:
الأول : السعة والمندوحة في الوصف بحيث يشمل هذه الأقوال.
الثاني: الإختلاف في التفسير والتأويل، وهذا التباين صغروي لأن الكلام الإلهي كان معلوماً عند بني إسرائيل ساعة السؤال وتلقي الجواب الإلهي.
الرابعة : ذكر صفات تفيد تعيين وحصر البقرة من بين البقر الموجود عندهم.
لقد أراد بنو إسرائيل تفويض أمر تحديد البقرة المراد ذبحها الى الله، وأن يكون تعيين البقرة من عند الله وبما لا يفيد الترديد بين إثنتين أو أكثر، ليكون هذا التعيين معجزة حسية لموسى عليه السلام، ولكن المعجزات تكررت قبلها على يد موسى وهي متعددة وكثيرة، وأدى هذا السؤال ببني إسرائيل إلى التشديد على أنفسهم.
الخامسة : إظهار بني إسرائيل الكفاية واليقين، والإقرار بمجيء موسى عليه السلام بالحجة والبينة.
إفاضات الآية
يمكن إستقراء نعمة إضافية على بني إسرائيل من منطوق هذه الآيات وهي إستجابة الله تعالى مع كثرة الترديد والرد والتساؤل الإنكاري منهم ومنح لطفه وعنايته تعالى بهم بإعانتهم على ذبح البقرة مع ان كثرة التساؤل في نفسه مقدمة للشك والريب فجاءت الآية لقطعه باليقين وإنجاز الطلب وبلوغ الغاية بالإعجاز.
ومن مفاهيم الآية أنها مدح للمسلمين لتلقي الأحكام من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والإستجابة ولم يسألوا إلا عما يساعدهم في التفقه في الدين.
وتجـلت في هــذه الآية إفاضــات تفويض بني إسرائيل أمرهم إلى الله عز وجل المقترن برجاء التوفيق بقولهم[وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ] والهداية في المقام على وجوه:
الأول : إنقطاع التردد والترديد في موضوع البقرة.
الثاني : الوصول إلى البقرة المراد ذبحها.
الثالث : السلامة من الفرقة والإختلاف.
الرابع : معرفة الجاني الذي قتل واحداً من بني إسرائيل.
الخامس : غلق موضوع البقرة والقتل، وتوجه بني إسرائيل إلى عباداتهم وأسباب المعيشة والكسب.
الآية لطف
لقد جعل الله القرآن موعظة وسبيل هداية، وفيه أحسن القصص في ذاتها وموضوعها وخفاء أمرها وتفاصيلها إلا على الله تعالى وتفضل باخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بها , قال تعالى[ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ]( )، وجعلها مدرسة للأجيال بآيات القرآن التي لا تصل إليها يد التحريف أبداً، ليكون اللطف الإلهي في المقام متعدداً من وجوه:
الأول: ذكر نعم الله تعالى على بني إسرائيل ومصاديق تفضيلهم على أهل زمانهم.
الثاني: بيان عظيم منزلة موسى عليه السلام عند الله تعالى.
الثالث: دعوة بني إسرائيل لشكر الله تعالى على هذه النعم، ويتجلى الشكر في زمان البعثة النبوية بالمبادرة إلى دخول الإسلام.
الرابع: إرتقاء المسلمين في كسب المعارف والعلوم.
الخامس: منع التحريف والتغيير في الوقائع التأريخية، فاذا كانت يد التحريف قد طالت الكتب السماوية السابقة، فانها لن تستطيع ان تصل إلى الحقائق والوقائع التأريخية، لأنها جاءت في القرآن السالم من التحريف والنقص والزيادة إلى يوم القيامة.
السادس: دعوة الناس للرجوع إلى القرآن، والنهل منه، والصدور عنه، والإستغناء بما فيه من القصص عما في أيدي الناس منها.
السابع : اللجوء إلى القرآن في قصص الأمم السالفة مقدمة وطريق لأخذ الأحكام منه، ومناسبة للتدبر في آياته.
وجاءت هذه الآية بياناً عن موضوع السؤال في أوصاف البقرة ، وما فيها من المعجزة لموسى .
لقد أراد الله تعالى لبني إسرائيل أن يلتحقوا بالمسلمين وهم [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، أمة واحدة غير متفرقة ففي وحدة المسلمين العز والرفعة والمنعة، فجاءت آيات البقرة لتعاهد هذه الوحدة ومنع حدوث الفتنة والخصومة والإقتتال بين أسباط بني إسرائيل ، وهم في طريقهم لدخول الإسلام وبعد دخوله.
فعندما حصل قتل في بني إسرائيل جاء اللطف الإلهي بكشف القاتل ليكون زجراً عن القتل، وتعاهداً للصلات الأخوية بين بني إسرائيل وكما نجّاهم الله تعالى من عدوهم الخارجي وهو فرعون والجبارون فانه سبحانه نجاهم من العداوة فيما بينهم، ومنع من التشتت والفرقة فيما بينهم.
لتكون وحدتهم مناسبة ومقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أمة من أهل الكتاب تتوارث البشارة بنبوته وبعثته، وتدخل الإسلام أفرادا وجماعات قال تعالى[إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]( )، وفيه دعوة وترغيب للناس بالإسلام.
الصلة بين أول وآخر الآية
تكررت في بداية الآية مادة(قال) وجاءت بصيغة الماضي والمضارع المؤكد، أي قال موسى إن الله يقول لكم ، وقول موسى إخبار عما أوحاه الله عز وجل إليه، وفيه شاهد بأن موسى كليم الله، فهو يناجيه، ويأتيه الجواب من عند الله لينتفع منه بنو إسرائيل في حياتهم اليومية، وشؤونهم العامة عسى أن يكون سبباً للصلاح والهداية.
وبينت الآية صفات أخرى من صفات هذه البقرة بأنها لم تذلل للكراب وحرث الأرض، ولم تتخذ لسقي الزرع والدواب، في إشارة إلى أن البقرة التي لا يستخدمها بنو إسرائيل في العمل والزراعة فرد نادر، لذا جاء تسليمهم وتصديقهم وإستعدادهم للعمل متعقباً لهذا الوصف مباشرة، وفيه تذكير لبني إسرائيل بالنعم الإلهية.
وما كان ينزله الله سبحانه من المنّ والسلوى كل يوم , ويتضاعف يوم الجمعة , ويغيب يوم السبت , فيأخذون حاجتهم من غير أن يحصل بينهم خلاف أو خصومة، قال تعالى[وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ] ( ).
وربما تكون ذات البقرة إشتراها أحد بني إسرائيل من غيرهم حديثاً ولم يدخلها بعد في العمل، فتكون معجزة إضافية لموسى عليه السلام، وعن الإمام الرضا قال إن فتى من بني إسرائيل كان باراً بأبيه وأنه إشترى بيعاً فجاء إلى أبيه والأقاليد تحت رأسه ، فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فإستيقظ أبوه فأخبره فقال: أحسنت هذه البقرة فهي لك عوضاً مما فاتك، فقال له رسول الله موسى: أنظر إلى البر ما بلغ بأهله.
لقد بينت هذه الآيات صفات أخرى في البقرة وهي:
الأول: لم تذلل للكراب والحرث.
الثاني: لم تستعمل لنقل الماء من النهر والبئر.
الثالث: سالمة من العيوب وآثار العمل لقوله تعالى[مُسَلَّمَةٌ].
الرابع: عدم ممازجة لون آخر للونها الأصفر، إذ يصدق على البقرة صفراء حتى وإن خالطت لونها ألوان أخرى في مواضع قليلة من بدنها.
أما هذه البقرة فكلها صفراء، وجاء قيد إضافي بأنها تسر الناظرين في لونها، وخلوها من الشية والبقعة من لون مغاير.
ومع أن بني إسرائيل أقروا بصدق كلام موسى وأنه جاء بأوصاف خاصة ولا تنطبق إلا على بقرة واحدة من بين البقر إلا أنهم ترددوا في ذبحها لقوله تعالى[فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ] ويحتمل هذا التردد وجوهاً:
الأول : قبل بيان الصفات الكاملة للبقرة المطلوبة ورد في حكاية عنهم عندما أمرهم موسى عليه السلام عن الله عز وجل بذبح البقرة[أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا].
الثاني: بعدما سلموا بالصفات وما يفيد الحصر والتعيين[الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ]، وفيه شاهد على فلسفة النبوة، وأنها واسطة بين الله وبين العباد، فلم يخرج موسى عليه السلام معهم، ويقول لهم هذه البقرة التي يراد ذبحها، أو أنه يمسك بأي بقرة ويقول إذبحوها، بل كان واسطة بينهم وبين الله سبحانه .
الثالث : العنوان الجامع للأمرين، وأنهم كانوا مترددين في الذبح قبل وبعد مجئ موسى عليه السلام بالجواب الوافي الشافي عن سؤالهم وهذا التردد على وجوه:
الأول: غلاء ثمن البقرة، لأن قوله تعالى[فَذَبَحُوهَا] يدل في مفهومه على شرائهم لها.
الثاني : عدم التسليم بالملازمة بين كشف القاتل وذبح البقرة، خصوصاً وأنهم تعودوا على رؤية المعجزات الحسية من موسى من غير أن يتحملوا شيئاً من مقدماتها.
الثالث : الخشية من الفضيحة، ومعرفة القاتل وهو من غير المتهمين بالجناية.
الرابع: حسن هيئة البقرة ورغبتهم في بقائها حية، لأنها تحمل أوصاف نادرة، وأرشدهم إليها الوحي خصوصاً وأن الآيات جاءت بوصفها[تَسُرُّ النَّاظِرِينَ] فتبعث رؤيتها السرور في نفوس بني إسرائيل.
وجاءت الآية بأمور:
الأول : قول موسى عليه السلام[ قَالَ].
الثاني : تفضل الله عز وجل ببيان صفات البقرة.
الثالث: إقرار بني إسرائيل بأن موسى جاء بالحق.
الرابع: تردد بني إسرائيل بالذبح مع إقرارهم بأنه حق، ولكنهم إمتثلوا للأمر وذبحوا البقرة، وفيه مدح للمسلمين لأنهم لم يترددوا في الإمتثال لأوامر الله ورسوله، بل كانوا يبادرون إلى أداء الوظائف والعبادات والسنن طاعة لله عز وجل، وعلى نحو الإستدامة والواجب المتجدد، كما في الصلاة اليومية.
وتكررت (اللام) النافية ثلاث مرات في الآية، والأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيدها وفيه نكتة عقائدية، وهي منع الإختلاف في تأويل الآية،وتعيين صفات البقرة فلو قرآت الآية (لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وتَسْقِي الْحَرْثَ) لحمل بعضهم الواو في (وتسقي) على الإستئناف، وقال أنها لا ذلول في الكراب، ولكنها من النواضح التي تقوم بنقل الماء للسقي وجر الناعور لإستخراج الماء من البئر أو من النهر.
وجاءت الآية رحمة ببني إسرائيل بكشف القاتل ودرء الفتنة، فأراد الله عز وجل لهم ألا يختلفوا في أوصاف البقرة، فذكرتها الآية ظاهرة جلية واضحة.
وأما(لا) الثالثة فهي نافية، والتي وردت في قوله تعالى[لاَ شِيَةَ] لتأتي هذه الآية بثلاث صفات سلبية للبقرة ، وواحدة وجودية وهي[مُسَلَّمَةٌ].
التفسير الذاتي
هذه هي الآية الثالثة من بين أربع آيات متتاليات ينقل فيها موسى عليه السلام الإجابة من عند الله لبني إسرائيل “قال انه يقول” وليس في القرآن غيرها بهذا اللفظ، والتقدير “قال موسى ان الله عز وجل يقول” وقد جاء في سورة القصص ثلاث مرات قوله تعالى [وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ] ( )، ولم يأتِ مثلها في القرآن أيضاً وتكون مجموع صفات البقرة التي جاءت في هذه الآيات وكلها بسؤال بني إسرائيل هي:
الأولى : إنها وسط بين الكبيرة والصغيرة.
الثانية : صفراء فاقع لونها أي خالصة الصفرة.
الثالثة : تعجب الذين ينظرون إليها لحسن صفرتها.
الرابعة : لم تستعمل للكراب وحرث الأرض، بإطلاقها.
الخامسة : لا تسقي المزروعات.
السادسة : بريئة من العيوب.
وقيل المراد من مسلمة عدم وجود لون فيها يخالف لونها.
“وقال الحسن: انها كانت وحشية”( )، ولكنه بعيد لقوله تعالى [تَسُرُّ النَّاظِرِينَ] إذ أن ما يبعث البهجة والسرور أعم من ذات اللون، وإرادة كونها مألوفة .
السابعة : لاشية فيها، أي لا وضح فيها يخالف لونها.
ومن الإعجاز في هذه الآية، أنها جاءت بأمور:
الأول : إخبار موسى عليه السلام عما يتفضل الله عز وجل من بيان صفات البقرة.
الثاني : ذكرت هذه الآية أربع صفات من صفات البقرة.
الثالث : إقرار بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام جاء الحق والصدق.
الرابع: قيام بني إسرائيل بذبح البقرة لقوله تعالى “فذبحوها” والذي يدل بالدلالة التضمنية على أنهم وجدوها على نحو التعيين، ومطابقة هذه الصفات المتعددة لها، وقيامهم بشرائها.
الخامس : قوله تعالى [ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ] فهم لم يذبحوها إلا بفضل وعون من الله عز وجل لبيان أن إجابة الله عز وجل لهم على أسئلتهم فضل ونعمة منه تعالى.
لقد أراد الله عز وجل من ذبح البقرة نوع طريق لكشف القاتل وقام بنو إسرائيل بذبح البقرة الجامعة للشرائط والصفات التي وردت في هذه الآية، لتبدأ بعدها كيفية كشف القاتل بما تبينه الآية التالية بإحياء الميت بضربه بجزء من البقرة.
ويفيد الجمع بين هذه الآيات تعدد صفات البقرة إثباتاً ونفياً، وهي:
الأولى : إنها بقرة ليست هرمة.
الثانية : ليست صغيرة.
الثالثة : إنها وسط بين الكبيرة والصغيرة.
الرابعة : لون البقرة صفراء.
الخامسة : تقييد لون البقرة الأصفر بأنه ناصع.
السادسة: تسر رؤية البقرة الذين ينطرون إليها.
السابعة : إنها بقرة صعبة، ليس من العوامل في حرث الأرض وتظهر آثار الوهن والعمل في بدنها وقوائمها بسبب الحرث والدّياسة، (العَوامِل من البقر جمع عاملة وهي التي يُسْتَقى عليها ويُحْرَث وتستعمل في الأَشغال( )، وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب عليه السلام : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليس في الخضراوات صدقة ، ولا في العرايا صدقة ، ولا في أقل من خمسة أوسق صدقة ، ولا في العوامل صدقة ، ولا في الجبهة صدقة . قال الصقر بن حبيب : الجبهة : الخيل والبغال والعبيد ( ).
الثامنة : ليست من النواضح التي تسقي الزرع بمراحله المختلفة.
التاسعة : ليس في عموم جلدها لون آخر غير الأصفر.
العاشرة : خلو البقرة من العيوب.
من غايات الآية
في الآية وجوه:
الأول : إبتدأت الآية بكلام موسى عليه السلام بأعظم وأشرف كلام لما فيه من الإخبار عن الله تعالى لتكون هذه الآية توكيداً لمنزلة موسى عند الله وتشريفاً لبني إسرائيل بتلقي كلام الله تعالى بواسطة النبي الرسول وبما فيه صلاحهم وإصلاحهم.
الثاني : إختيار البقرة ذات الصفات الحسنة بين البقر، وأنها لم تنهك بالعمل والسقي والحرث، مما يدل على أن بني إسرائيل كانوا يجتهدون في السعي والعمل في الزراعة وما يتفرع عنها من البيع والشراء والتجارة وإقتناء الحاجات.
الثالث : مجيء هذه الآية بصفات أخرى للبقرة التي يراد ذبحها، وهي:
الأولى : ليست من البقر الذي أنهكه العمل في الأرض، وهل يلحق تعدد البطون وكثرة الرضاعة به ، الجواب لا، وهو يدخل ضمن قوله تعالى [إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ] لأن كثرة البطون والرضاعة من لوازم الكبر، لذا فان قوله تعالى [لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ] من إعجاز القرآن، والشواهد على الوصف الدقيق في المقام المانع من الترديد والإنطباق على المتعدد من البقر، فقد تكون البقرة عواناً ووسطاً ولكنها أنهكت بالعمل والحرث فجاءت هذه الآية للإخبار عن قيد إضافي للعوان والوسط، وهو ألا تكون من البقر المخصص لحراثة الأرض.
الثانية : إتصاف البقرة بأنها لم تسخر لنقل الماء للسقي والشرب، وفيه دلالة على توظيف بني إسرائيل للبقر والدواب في العمل والحرث وإتخاذها لسحب وتحريك النواعير ونقل مستلزماتها.
الثالثة : خلو البقرة من المرض والنقص والعيب.
الرابعة : إتحاد لون البقرة وعدم وجود الوضح المغاير لعامة لونها.
وتضمنت هذه الآية أكثر أوصاف البقرة في موضوعها وهو من نعم الله تعالى على بني إسرائيل إذ جاءت هذه الآية جامعة مانعة، جامعة لصفات البقرة التي يراد ذبحها، مانعة من التعدد في ذات الصفات عند البقر.
الرابع : إخبار الآية عن أمور:
الأول : تسليم بني إسرائيل بصدق موسى عليه السلام، وأنه لم يكن مستهزءً بهم.
الثاني : شهادة بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام يقوم بنقل الأمر الإلهي اليهم، وترشحت هذ ه الشهادة من المصداق العملي المتحد لهذه الأوصاف وإجتماعها في بقرة معينة دون غيرها.
الثالث : قيام بني إسرائيل بالإمتثال لأمر الله بذبح البقرة، ويتضمن هذا الإخبار تهيئة البقرة، وقد وردت الأخبار بأنهم إشتروها بثمن مرتفع وهو أمارة على تصديقهم بما جاء به موسى عليه السلام، وشاهد على سعة وغنى بني إسرائيل وقدرتهم على الشراء بالثمن المرتفع.
الوجه الرابع :الإخبار عن تردد بني إسرائيل في الذبح، لولا ان أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بالإجابة المتكررة، وذكر أوصاف دقيقة وخاصة للبقرة المراد ذبحها.
وفيه دليل على نزول القرآن من عند الله، وتضمنه للبيان ووجوه أخرى من قصة البقرة لم تكن مذكورة في التوراة أو في أخبار بني إسرائيل، فالأصل أن تنتهي القصة بتحقق الإمتثال وحصول ذبح البقرة، ولكن هذه الآية جاءت بوثيقة سماوية تبين اللطف الإلهي بتقريب بني إسرائيل إلى الإمتثال وإعانتهم عليه، وطرد التردد والوهم عن نفوسهم، وبما ينتفع منه المسلمون , قال تعالى[كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( )،.
التفسير
قوله تعالى [قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ]
جاءت الآية بصفات حسن أخرى للبقرة، وفي كل مرة يسألون عن صفة زائدة تأتيهم الإستجابة بوصف جميل لأن الله تعالى لا يأمر إلا بما هو حسن وجميل لتكون هذه الأوصاف شاهداً على البهاء والإشراقات في الأوامر الإلهية مطلقاً، وليعلم الناس ان التكاليف مع ما فيها من المشقة فهي ذات حسن ذاتي وتؤدي إلى النجاة من الهلكة وتبعث الحياة بعد الموت.
لقد قيدت الآية البقرة بانها لم يجهدها العمل في حراثة الأرض، وفيه فضل ونعمة أخرى على بني إسرائيل أن  عز وجل يجيبهم لما سألوا ومن غير ذم أو توبيخ وأن البقرة ليست من العوامل التي أجهدها العمل والتسخير لحرث الأرض وكشفها بأظلافها أو بسحب نير الفدان، أي الخشبة المعترضة في عنقي بقرتين.
علم المناسبة
من الإعجاز في موضوع البقرة أمران:
الأول : إنها تنفرد من بين البقر عند بني إسرائيل بصفات خاصة بما يفيد التعيين وليس الترديد بين أفراد معدودة من جنس البقر.
الثاني : تعدد الآيات التي جاءت في ذكر البقرة وأوصافها، ومن الآيات في هذا الرصف أنه يبعث الشوق في نفس القارئ والسامع الى الإنصات للآيات، ومتابعة قصتها وما تنتهي إليه، وفيه شاهد على حلم الله عز وجل وعظيم فضله على بني إسرائيل , وأن هذا الفضل يملي عليهم التقيد بالأحكام كمصداق للشكر لله تعالى على النعم.
الثالث : مجيء ألفاظ متعددة في هذه الآيات لم ترد في آيات القرآن الأخرى، فقد إختصت قصة البقرة بآيات من القرآن، وبكلمات لم ترد فيه إلا لوصفها ، منها ما جاء في الآيات السابقة والآية التالية، ومنها ما جاء في هذه الآية وهي:
الاول : ذلول.
الثاني : تثير الأرض.
الثالث : تسقي.
الرابع : لا شية.
الخامس : ذبحوها.
السادس : ما كادوا.
السابع : كادوا يفعلون.
وتكرر حرف النفي “لا” ثلاث مرات في الآية فجاء جواب بني إسرائيل بالإقرار بصدق موسى فيما يأتي به من عند الله، وإنحصار هذه الأوصاف في بقرة معلومة تمتاز عن البقر.

قوله تعالى[وَلاَ تَسقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ]
أي أنها ليست من الدواب التي يجلب عليها الماء للسقي أو تستعمل في النواعير التي يستقى بها ويديرها الماء، ولم يقل أنه يستقى بها مطلقاً أو للناس لبيان كثرة العمل لأن حاجة الحرث للماء دائمة وغير قليلة.
وتظهر آثار العمل المتصل على الدواب من حيث الهزال والضرب وعدم وضاءة اللون.
ومسلمة أي خالية من العاهة والمرض والعيب، وليس فيها ما ينقص من حسنها.

قوله تعالى[لاَ شِيَةَ فِيهَا]
أي ليس فيها وضح يخالف عامة لونها لأن ما كان غالباً على لونه لون معين يصح وصفه به، فكانت هذه الآية للبيان والفصل.
ومن الإعجاز في الآية أن كل وصف لو أخذ على نحو مستقل لوجدته في عدد من البقر، ولكن إجتماع هذه الصفات المتعددة يؤدي إلى الحصر بفرد معين منها.
ولم تقل الآية (لاشية في لونها) بل نسبت الشية ونفيها إلى البقرة لإطلاق المحل وإرادة الحال وبقرينة تعيين لونها في الآية السابقة، ومن إعجاز الآيات أن تأتي الآية قبل السابقة بذكر لون البقرة وأنه أصفر فاقع.
جاءت هذه الآية بذكر عدة صفات ومنها ما يتعلق باللون للتخفيف عن بني إسرائيل وإعانتهم في تعيين البقرة ولقولهم في الآية السابقة [إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا] وهو عام ويشمل ذوات اللون الأصفر بلحاظ ان الشية واللون القليل المباين لا يضر في الوصف الذي يدور مدار الأعم الغالب، كما يقال إن أهل هذه البلدة كرماء، فلا يضر القليل النادر من أهلها الذي يتصف بالبخل.
وجاءت هذه الآية لنفي الإحتمال، وإن اللون الأصفر الفاقع يستغرق أعضاء وبدن البقرة كلها , ومن خصائص قصة البقرة أنها بدأت بقتل أحدهم وأنتهت بإحيائه، وكأنها تذكر بيوم القيامة وما فيه من الحكم العدل.
وذكرت الآية سقي الحرث ولم تذكر جلب الماء للشرب، وفيه وجوه:
الأول : إن البقر الذي يجلب الماء للحرث يجلبه أيضاَ لشرب الإنسان.
الثاني : ماء الشرب قليل لا يضر بصفات الحسن في البقرة وإن نقلته.
الثالث : لا يحتاج بنو إسرائيل ماء للشرب لأن موسى يضرب الحجر بعصاه فيتدفق الماء بعدد الأسباط الإثني عشر لبني إسرائيل.
الرابع : يأخذ الناس ما يحتاجون من ماء الشرب بأنفسهم أو أن السواق تصل إلى بيوتهم وأنهم كما في قوله تعالى[وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ]( )، بينما الأرض المزروعة مترامية الأطراف فيحتاجون الدواب لسقيها.
الخامس : ماء الشرب غير ماء السقي، ويجلب ماء الشرب على دواب أخرى كالبغال والحمير.
وحدثت قصة البقرة أيام موسى عليه السلام، وهو إنتقل إلى الرفيق الأعلى وهم في التيه , ويستبعد حصول القصة في مصر وبنو إسرائيل في ذل وأذى من آل فرعون، قال تعالى[وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ]( )، نعم إجهاد البقرة وعملها في الحرث والسقي أعم من أن يكون عندهم فقد يكون عند غيرهم ممن يشترون منه .
وعن السدي قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج. فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبي أن يزوجه إياها، فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته! فأتاه الفتى، وقد قدم تجار في قبائل بني إسرائيل، فقال: يا عم! انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلاً، فلما بلغ الشيخ تلك القبائل، قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله.
فلما أصبح، جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده. فانطلق نحوه، فإذا هو في تلك القبائل مجتمعين عليه، فأخذهم، وقال: قتلتم عمي، فأدوا إلي ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادى: واعماه! فرفعهم إلى موسى عليه السلام، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربك حتى يبين له من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحي أن نعير به. فقال لهم موسى عليه السلام: اذبحوا بقرة. قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرة! أتهزأ بنا؟ فقال لهم موسى : {فافعلوا ما تؤمرون }، فطلبوها فلم يقدروا عليها.
وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وإن رجلاً مر به معه لؤلؤ يبيعه، فكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح، فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي، فآخذه بثمانين ألفاً. فقال له الآخر: أيقظ أباك، وهو لك بستين ألفاً. فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً، وزاد الآخر على أن ينتظر حتى يستيقظ أبوه، حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه، قال: لا والله، لا أشتريه منك بشيء أبداً، وأبى أن يوقظ أباه. فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ، أن جعل له تلك البقرة. فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، فأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشراً، فأبى، فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى ، فقالوا: يا نبي الله، إنا وجدنا البقرة عند هذا، فأبى أن يعطيناها، وقد أعطيناه ثمناً. فقال له موسى عليه السلام: أعطهم بقرتك. فقال: يا رسول الله، أنا أحق بمالي
. فقال: صدقت. وقال للقوم: أرضوا صاحبكم. فأعطوه وزنها ذهباً فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات، فباعهم إياها وأخذ ثمنها. فقال: اذبحوها. فذبحوها فقال: اضربوه ببعضها. فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي، قال: أَقْتُلُه، وآخذُ ماله، وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه)( ).

قوله تعالى[قَالُوا الآنَ جِئتَ بِالْحَقِّ]
أي الآن ظهر وإستبان الحق وتجلت الصورة عندنا بما نستطيع معه أن نبحث عن البقرة المطلوبة بصفاتها المحددة التي لا تقبل اللبس والشك والإختلاف فيما بينهم.
(وقال القاضي: إن قولهم هذا كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم إعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه)( ).
ولكن الأرجح أنهم أرادوا إستبانة الحق كاملاً ومفصلاً بعد ان كان مجملاً وإحتمال الكفر بعيد، بل ان نعت الآخرين بالكفر أمر غير سهل ويجب التحرز والإحتياط فيه ويدرأ بالشبهة أيضاً ووجود الإحتمال بالخلاف، ومنه لعلهم أرادوا منع الإختلاف فيما بينهم في إختيار البقرة، أو أن كلاً منهم أراد ان تكون البقرة من عنده ليكون ذلك عزاً وفخراً وكسباً مالياً ومعنوياً.
(وقال قتادة في الآية: الآن بينت الحق) ( ).
والعكس أيضاً محتمل أي أنهم أكثروا من المسألة عن صفة البقرة المطلوبة لأن كلاً منهم لا يريد ان تكون البقرة من ماله، أو أنهم أرادوا التزود والإستماع إلى الآيات في تجددها إذ أن كل تفصيل هو آية مستحدثة، ولو كان كلامهم كفراً لردهم موسى عليه السلام عنه كما في عبادة العجل، وفي رد نعته بالمستهزء بهم.
لقد تكرر تبادل القول بين موسى وبين بني إسرائيل في آيات البقرة على الوجوه الآتية:
الأول : أمرهم بذبح البقرة من أمره تعالى، فأجابوه بالإستغراب والإنكار وإدعّوا أنه يستهزء بهم.
الثاني : أجابهم أنه أرفع وأسمى من الإستهزاء والدعابة وأنه في مقام الحكم والوحي، مما يدل على عظم الآية بحيث لا تصدق بها عقولهم، مع كثرة الآيات الحسية التي جرت على يد موسى عليه السلام .
الثالث : سألوا بيان ماهية البقرة التي ينقل لهم صفاتها بحسب ما أمر   بها وانها ليست مسنة ولا صغيرة، وأمرهم بالمبادرة إلى ذبحها لرؤية آيات الإحياء ليكون عبرة وموعظة بقوله تعالى [فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ].
الرابع : لم يفعلوا ولم يذبحوا البقرة بهذه الصفات بل طلبوا صفة إضافية تتعلق بلونها فتفضل الله تعالى بنعمة الإستجابة , مع إظهار العزم على الإمتثال.
الخامس : سألوا مرة بيان ماهيتها بمعنى انهم يطلبون صفات أخرى إضافية فإستجاب لهم الله سبحانه، والصفات التي وردت في البقرة بناء على سؤالهم وردهم هي:
الأول : لا فارض.
الثاني : لا بكر.
الثالث : وسط بينهما.
وجاء التقييد بصفة عوان لمنع اللبس والظن بإرادة ما فوق الفارض وما دون البكر، أو ما هو أقرب إلى الفارض أو أقرب إلى البكر، فنصت الآية على الوسط على نحو التقييد والحصر في سن مخصوصة وهو عنوان القوة.
السادس : ذكر لونها وأنه أصفر فاقع وقيد بأن رؤيتها تسر الناظرين.
السابع : لا ذلول أجهدها العمل والركوب.
الثامن : لم يضعفها العمل ويصيبها الوهن بإثارة الأرض بأظلافها.
التاسع : لم تكن مما أستقى عليها للزرع ويجلب عليها الماء او تعمل بسحب آلة السقي وإخراجها من النهر أو البئر بالناعور واحد النواعير وهي التي يستقى بها، ويديرها الماء بسحب الدواب سميت بالنواعير لنعيرها وهو صوتها، وأستعيرت للأنفة والكبر والجهل وعدم الإصغاء للنصيحة.
وفي حديث أبي الدرداء: إذا رأيت نعرة الناس ولا تستطيع ان تغيرها فدعها حتى يكون  يغيرها( ).
العاشر : خالية من العيوب.
الحادي عشر : ليس فيها لون ، أو وضح يخالف لون جلدها، فقالوا حينئذ الآن جئت بالحق وهي بقرة فلان.
قوله تعالى [وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ]
في الآية مسائل:
الأولى : ذم لهم على ترددهم في الإمتثال.
الثانية : منع إدعائهم سرعة الإستجابة.
الثالثة : رحمة الله تعالى ببني إسرائيل بالإستجابة لسؤالهم المتكرر كي يوفقوا إلى إتيان الفعل المأمور به، وهو مصداق لما قلناه أن النعمة الواحدة تنحل إلى نعم متعددة ليتم  عز وجل فضله.
الرابعة : ضرر التشديد على النفس وما ينجم عنه من الشك والتسويف والإرتباك، وهو أحد وجوه الوسوسة، وباب ينفذ منه إبليس.
الخامسة : خشية بني إسرائيل من بقاء موضوع عبادتهم للعجل في نوع التكاليف بما يعني أنه عقوبة لهم.
السادسة : إنها درس للمسلمين ليعتبروا من الأمم السالفة ويتجنبوا كثرة السؤال والتردد، وقد ورد في الحديث ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن كثرة السؤال( ).
وقال الرازي: (روي انه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها إلى الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لإبني حتى يكبر وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنها، فتساوموها اليتيم وأمه حتى إشتروها بملئ مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة)( ).
والخبر ضعيف سنداً وكذا دلالة فيما يتعلق بطلبها أربعين سنة خصوصاً مع الحاجة الى البقرة لإحياء الميت ومعرفة قاتله بالمعجزة الحسية الظاهرة، ونسبها الرازي إلى ابن عباس، ولكنه قال إن الرواية خلاف ظاهر القرآن)( )، ووردت نصوص أخرى لم تذكر هذا التراخي الزماني وتفيد ان البقرة كانت موجودة ويمكن شراؤها .
وظاهر القرآن يفيد الفورية في ذبحها، والفاء في قوله تعالى [ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ] للتعقيب، والأرجح انها تفيد التعقيب من غير فصل خصوصاً مع عدم وجود دليل على الخلاف أو قرينة صارفة إلى غيره.

ترى لماذا هذا التردد في الفعل فيه وجوه:
الأول : إتباع ما هو متعارف في الحكم وهو البينة والأيمان، أي عدم الإكتفاء بالرجوع إلى الإعجاز مع إمكانه وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان( )” وإن كان بإمكانه الحكم بالوحي.
الثاني : تخلف الذين جاءوا للمسألة عن إدراك البراهين ويمكن حمل الأمر بالذبح على الإرشاد والندب، أي انه لا يرقى إلى منزلة مقدمة الواجب وما لا يتم الواجب إلا به.
الثالث : غلاء سعرها.
الرابع : خشية الإفتضاح وإنكشاف هوية القاتل.
الخامس : ترك المسألة للحساب الأخروي.
السادس : الإحتراز من الفتنة وشرها مما قد يتصوره بعضهم.
السابع : عدم رغبة أولياء المقتول في مواصلة السعي في مسألة الكشف عن القاتل، وجاء في بعض النصوص بأن القاتل ولي المقتول وأنه ابن عمه إستبطأ موته فقتله ليرثه ففضحه  وأخزاه.
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: قتله ليتزوج بنته وقد خطبها فلم ينعم له وخطبها غيره من كبار بني إسرائيل فأنعم له فحسده ابن عمه الذي لم ينعم له فقعد له فقتله ثم حمله إلى موسى عليه السلام فقال: يا نبي  إن ابن عمي قد قتل. فقال موسى: من قتله؟ قال: لا أدري. وكان القتل في بني إسرائيل عظيماً فعظم ذلك على موسى عليه السلام.
وقيل كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل إبنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته( )، أي أن القتل لم يحصل للرجل الغني بل لإبنه كي تعود تركته إلى أبناء أخيه.
الثامن : بقاء آثار عبادة العجل وظهورها سلباً في تصرفاتهم وعدم المبادرة الى ذبح البقرة.
بحث روائي
بالإسناد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: قال إن رجلا من خيار بني إسرائيل و علمائهم خطب امرأة منهم فأجابت وخطبها ابن عم لذلك الرجل و كان فاسقا رديئا فلم تقبل فحسد إبن عمه الذي أجابوه فقعد له فقتله غيلة ثم حمله إلى موسى عليه السلام فقال يا نبي الله هذا ابن عمي قد قتل و لا أدري من قتله و كان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا فعظم ذلك على موسى ع فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا ما ترى يا نبي الله وكان رجل في بني إسرائيل له بقرة و كان له ابن بار و كان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته و كان مفتاح بيته تحت رأس أبيه و كان نائما و كره ابنه أن ينبهه و ينغص عليه نومه فانصرف القوم و لم يشتروا سلعته و لما انتبه أبوه قال له يا بني ماذا صنعت في سلعتك قال هي قائمة لم أبعها لأن المفتاح كان تحت رأسك و كرهت أن أنبهك و أنغص عليك نومك قال أبوه قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك و شكر الله لابنه ما فعل بأبيه و أمر بنو إسرائيل أن يذبحوا البقرة بعينها فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فتعجبوا وقالُوا [أَتَتَّخِذُنا هُزُواً نأتيك بقتيل فتقول اذبحوا بقرة فقال لهم موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ] فعلموا أنهم قد أخطئوا فقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ أي لا مسنة و لا فتية فقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها أي شديدة الصفرة تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ أي لم تذلل وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ أي لا تسقي الزرع مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها أي لا نقطة فيها إلا الصفرة قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال لا أبيعها إلا بملء جوفها ذهبا فرجعوا إلى موسى فأخبروه فقال لهم لا بد لكم من ذبحها بعينها فإشتروها بملء جلدها ذهبا ثم قالوا ما تأمرنا يا نبي الله فأوحى الله تعالى إليه قل لهم اضربوه ببعضها وقولوا من قتلك فأخذوا الذنب فضربوه به و قالوا من قتلك يا فلان فقال ابن عمي الذي جاء بي وهو قوله فَقُلْنا إضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
وروي في حديث آخر أنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعا في ميراثه و طرحوه على باب المدينة ثم جاءوا يطالبون بدمه فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة و يضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله الحديث
بحث بلاغي
(كاد) من أفعال المقاربة، أي أن الفعل قارب الحصول ولم يحصل أما (عسى) فهي لمقاربة الأمر على نحو الرجاء والطمع، وتفيد (كاد) الحال والقرب الزماني.
وتأتي (ان) مع (عسى) لإرادة الإستقبال، وقد ترد (كاد) ويراد منها النفي، لذا قال فريق من النحاة: ان إثباتها نفي ونفيها إثبات، فاذا قيل: كاد يفعل، معناه انه لم يفعل وإن قارب الفعل، أما إذا قيل: ما كاد يفعل فمعناه فعله ولكن بعد تردد أو مشقة وعناء.
ومنهم من قال: أن إثباتها إثبات للمقاربة ونفيها نفي، فاذا قيل: ما كاد يفعل فانه نفي لمقاربة الفعل فمن باب أولى أنه لم يفعل.
والأصل هو المعنى الأول، ولا مانع من المعنى الثاني مع وجود القرينة أو الأمارة الصارفة عن المعنى الأول، أما في هذه الآية فقد جاءت القرينة مؤيدة للمعنى الأول بما لا لبس فيه لأن الله تعالى أخبر بأنهم ذبحوها، أي ان الفعل حصل ولكن بعد صعوبة وجهد وفيه نهي عن التردد والتسويف في الإمتثال، فمع الأمر الإلهي بواسطة النبي موسى عليه السلام ظهر التردد منهم، وفي الآية إشارة إلى أن كثرة السؤال كانت من هذا التردد والإبطاء.
ومع ما هم عليه من صعوبة الإنقياد والإمتثال للأمر الإلهي الذي جاءوا يطلبونه فإن  عز وجل إستجاب لهم ورزقهم.
وفي موضوع ذبح البقرة رحمة إضافية ببني إسرائيل فبدل الفتنة التي كادت تشتعل فيما بينهم بسبب القتيل وتوالي تبادل الإتهامات، جاءت المعجزة والإشتغال بالإعداد لها وتهيئة أسبابها وشراء البقرة بأغلى الأثمان ورؤية إحياء الموتى، فكانت الآية مادة إجتماع والتقاء لهم في مرضاة .
لتكون الآية كنزاً بيد المسلمين في أبواب العلوم المختلفة تستقرأ منها موضوعاً وحكماً الدروس والأحكام المستنبطة من قصة البقرة، فهي آية منعت من حصول الفتنة وحالت دون دبيب اليأس إلى نفوس بني إسرائيل وتفرقهم وتشتت شملهم مع أنهم كانوا في بلاء ومحتاجين للبقاء متحدين تحت لواء نبوة موسى عليه السلام، وليكونوا أعزة بالإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخول الإسلام خصوصاً بعد رؤية الآيات والبراهين، قال تعالى [ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).


قوله تعالى [ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ] الآية 72.
الإعراب واللغة
وإذ: الواو حرف عطف، إذ: اسم لما مضى من الزمان.
قتلتم: فعل وفاعل والجملة في محل جر مضاف إليه.
نفساً: مفعول به منصوب.
الفاء في [ فَادَّارَأْتُمْ ] عاطفة(وهي للسببية، لأن القتل سبب للتدافع والإختلاف بينهم)، وادارءتم: فعل معطوف على قتلتم، ومعناه تدافعتم واختلفتم، وأصل الدرأ الدفع، ومنه الحديث : (إدرأوا الحدود بالشبهات)( ).
كتم الأمر: أخفاه وستره، ومنه اسم فرس النبي صلى الله عليه وآله وسلم سميت المكتوم لإنخفاض صوتها.
في سياق الآيات
بعد بيان أوصاف البقرة المراد ذبحها للكشف عن القاتل جاء موضوع القتل، ورفع الفتنة التي إستلزمت الحاجة إلى ذبح البقرة التي تعتبر وسيلة للكشف عن القاتل.
ومن إعجاز نظم الآيات ان تأتي علة ذبح البقرة، وموضوع الآيات السابقة بهذه الآية والآية التالية مع بيان وتفصيل , فجاءت الآية التالية بما يؤكد ان هذه الآية ضمن سياق ونظم آيات ذبح البقرة، وأخبرت هذه الآية عن قتل نفس، ثم إبتدأت الآية التالية بقوله تعالى [فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ] لبيان وحدة موضوع الآيات.
وجاءت هذه الآيات في بيان النعم العظيمة التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل، فما هي النعم التي تذكرها هذه الآية، الجواب على وجوه:
الأول : نعمة إخبار بني إسرائيل عن حدوث القتل بينهم بصيغة اللوم، وفيه تأديب وزجر لهم عن القتل.
الثاني : التذكير بإختلاف بني إسرائيل بخصوص القتل، وهو مقدمة لحدوث الفتنة وإتصال القتل والثأر بينهم لولا نعمة الله تعالى في كشف القاتل بذبح البقرة.
الثالث : تفضل الله تعالى بإظهار ما يخفي بنو إسرائيل، وتعيين القاتل بمعجزة ضربه بجزء من البقرة.
الرابع : جاءت خاتمة الآية قاعدة كلية في كشف ما يخفي بنو إسرائيل خصوصاً وأنها جاءت بصيغة المضارع.
لقد إبتدأت هذه الآيات بذكر أوصاف البقرة مع أن السبب والعلة هو قتل واحد من بني إسرائيل، والأصل فيه أن يتقدم السبب الذي دفع بني إسرائيل للجوء إلى موسى عليه السلام، والطلب منه أن يسأل الله عز وجل لبيان وكشف الجاني، ليكون هذا الإبتلاء آية إعجازية تبين موضوعية وأسرار قصة البقرة، فلم تبدأ القصة بالإخبار عن جناية القتل، بل جعلتها في خاتمة هذه الآيات، ومن علوم القصة والرواية في عالم الأدب الحديث أن تبدأ الرواية أحياناً بوقائع من خاتمتها أو وسطها ثم يبين ما قبلها كأسباب ومقدمات، وقصص القرآن أعم وأكثر بياناً والأولى بكّتاب القصة والرواية إقتباس الدروس من القرآن ,قال تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ] ( ) .
ولتقديم أخبار وأوصاف البقرة دلالات منها:
الأول : جعلها قصة مستقلة بذاتها وكون السبب في إلتجاء بني إسرائيل لموسى وهو قتل أحدهم ليس مانعاً من إعتبارها قصة مستقلة.
الثاني : لو لم يرجع بنو إسرائيل إلى موسى في قصة قتل أحدهم لجاءوا له في مسألة أخرى وبما يظهر معه كثرة السؤال والتشديد على النفس.
الثالث : إرادة إتعاظ المسلمين من كثرة تردد بني إسرائيل على موسى لبيان أوصاف البقرة.
الرابع : الإشارة إلى إنتفاع بني إسرائيل أنفسهم من قصة البقرة وإدراك حقيقة وهي الإجزاء بالأقل، ورجحان إجتناب كثرة السؤال.
الخامس : إعتبار الناس من موضوع قصة البقرة وعدم الوقوف عند الأسئلة التي توجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بصيغ الشك والريب.
السادس : دعوة الناس للتدبر في المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم التأكيد على طلب الآيات وسؤال المعجزة في الأمور الشخصية.
وقوله تعالى[وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا]أول القصة ولكنه أُخر في التلاوة لحكمة من الله في ترتيب آيات القرآن وموضوعية هذا الترتيب في إقتباس المسائل، وفيه شاهد بأن نظم آيات القرآن توقيفي، وأن التقديم والتأخير في آياته من إعجازه وأنه لا يضر في المعنى والدلالة.
وذكرت هذه الآية قتل النفس (وإذ قتلتم نفساً) ولم تبين جنس المقتول وهل هو ذكر أم أنثى وجاءت الآية التالية بالبيان وأنه ذكر بقوله تعالى(فقلنا أضربوه) وإخفاء الجنس في هذه الآية لتأكيد حقيقة وهي قبح الظلم وكبر الجناية بالقتل ذكراً كان المقتول أو أنثى.
ومن أسرار تأخير موضوع القتل ووروده في هذه الآية أمور:
الأول : توجيه اللوم والذم لبني إسرائيل على قتلهم لأحدهم.
الثاني : مجيء هذه الآية بظرف المكان(إذ).
الثالث : إخبار آية البحث عن تفضل الله عز وجل بكشف الجاني وتعيين القاتل بآية منه تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( )، فلو لم يلجأ بنو إسرائيل إلى موسى عليه السلام، ويسألوه معرفة القاتل، ولو لم يشددوا على أنفســهم بتعيين ماهية ولون البقرة، وشرائها بأغلى الأثمان فإن الله عز وجل لابد وأن يظهر القاتل ويدّلهم عليه، لأنه سبحانه أكرم بني إسرائيل وفضلّهم، ولأن موسى بين ظهرانيهم يدعوهم إلى عبادة الله ورزقه الله العصا , ولأن الله يخرج ما يخفون وهذا الإخراج نعمة عليهم وفيه نفعهم , وقد ورد في التنزيل على لسان موسى بخصوص عصاه [وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى]( ).
إعجاز الآية
يعتبر سياق الآيات ذاته إعجازاً لتقديم ذكر البقرة وأوصافها قبل بيان القتل، لأن الآية متعددة لا تنحصر فقط باحياء الميت، وفيه إظهار لما في التشديد من الأذى وما يتجلى فيه من عظيم فضل الله تعالى على بني إسرائيل في كثرة أسئلتهم وسرعة تلقي الإجابة.
ولعل في هذا التقديم والتأخير دلالة على أن موسى عليه السلام ساهم في السعي لذبح البقرة أي انه كان تواقاً للكشف عن القاتل، وإن أمره بذبحها جاء عن سؤال نفر منهم، ولكنه وجهه إلى الجميع على نحو الواجب الكفائي، أي إن جاء به بعضهم سقط عن الجميع، وإن تخلفوا أثموا جميعاً.
ويمكن إستقراء مسائل كلامية من الآية، وهي:
الأولى : إن إخراج ما يكتمه الإنسان وإظهاره للملأ نعمة ورحمة لإصلاح نفسه.
الثانية : كشف ما يكتم الإنسان برزخ دون تماديه في المكر والكيد.
الثالثة : قد يأتي كشف ما يخفي الإنسان والجماعة في حينه، أو بعد حين والله واسع كريم.
الرابعة : جاء الإخبار عن الإخراج عما تكتمه الجماعة والأمة، وليس الفرد والأفراد المتعددين، وفيه شاهد على عظيم سلطان الله تعالى، والأشياء جميعاً حاضرة عنده.
الخامسة : من أسماء الله تعالى “المخرج” وهو الذي يخرج ما يخفي بنو إسرائيل والناس، وقال تعالى في ذم المنافقين [قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ] ( ).
السادسة : فتح الله باب التوبة وندب إليه , وهذا الإخراج مقدمة له , وطريق إليه.
ويمكن تسمية الآية بآية (أدارأتم) ولم يذكر هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
تبين الآية كيف أن  عز وجل كشف عن القاتل بالمعجزة، بالإضافة إلى ما تتضمنه من اللوم على القتل والإختلاف فيه وهو حجة عليهم.
وهل يشمل الخطاب في الآية الذين أسلموا من بني إسرائيل , الجواب لا، إنما جاء الخطاب في الآية لبني إسرائيل الذين بقوا على ملتهم، والتذكير بما فعله آباؤهم.
وفيه دعوة لذكر النعم الإلهية عليهم وتجديد شكرها بالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ,وفي الآية دعوة لبني إسرائيل لإجتناب قتل النفس التي حرم الله تعالى، وتدل في مفهومها على لزوم عدم قتل المسلمين والإعانة على قتلهم، وتتضمن الإخبار بان الله تعالى يفضح الكيد والمكر بالمسلمين.
ومن نعم الله تعالى على بني إسرائيل أنه سبحانه يخرج ما يكتمون، وهذا الإخراج أعم من العلم بما يدور في منتدياتهم، وما يخفون في صدورهم، وفيه عون لهم لإصلاح سرائرهم، وتدارك الخطأ والزلل، وفي الآية حجة، وآية في الإحتجاج والزجر عن التشديد، ومنع الناس من الإفتتان به واللجوء إليه.
مفهوم الآية
تنهى الآية في مفهومها بني إسرائيل من التعدي وإزهاق النفس التي حرم  عز وجل وإستثناء القتل بالحق لا يشمل المقام لأنه يتعلق بحكم الحاكم الشرعي وميادين جهاد المسلمين ودفاعهم عن الإسلام، وتحذر الآية من عواقب القتل سواء عند كشف الجريمة أم قبله بالإرتباك والتدافع وتوجيه التهم وطغيان سوء الظن والريب وما قد ينجم عنه من الفتن والبلاء.
والآية إنذار ووعيد وإخبار سماوي عن حتمية كشف التعدي والظلم، ومن مفاهيم الآية أنها تحذر الناس من محاولة قتل الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن  عز وجل سيفضح أمر الذين يمكرون، قال تعالى[وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ]( ).
وتبين الآية عظيم نعمة الله على بني إسرائيل وإصلاحه لمجتمعاتهم بالحصانة السماوية فاذا علم الذي يريد القتل والتعدي أن  عز وجل يفضحه في جنايته، ويقام عليه الحد فانه يتجنب القتل ولا يقدم عليه.
فالآية تذكير لهم بنعمة السلامة في البدن ومنع الإعتداء أو تلقيه فيما بينهم ، وفيه حجة عليهم ومناسبة للذكر وزيادة الإيمان وحسن الإنقياد للأنبياء، فالإفاضات في مسألة البقرة لا تنحصر بتحديد أوصافها وإحياء الميت ومعرفة القاتل بالإعجاز، وإن كانت هذه النعم الثلاث آيات باهرات فهناك نعم أخرى في هذه المسألة تكشف جانباً من أسرار تسمية السورة باسم سورة البقرة، وهذه التسمية تدعو العلماء والباحثين إلى إستنباط الدروس والعبر وإستخراج الكنوز العقائدية والدرر الأخلاقية في هذه التسمية ومنها:
الأولى : تهذيب نفوس بني اسرائيل.
الثانية : إنها مادة وسبيل لإتباعهم الأنبياء.
الثالثة : سيادة الأمن والطمأنينة بين مجتمعاتهم.
الرابعة : الإعانة السماوية لهم في باب القضاء والحكومة سواء بكشف الجناية أو بقلة حدوثها.
الخامسة : التخفيف عنهم بطرد الخوف من صدورهم.
السادسة : زيادة عددهم والنماء في أفرادهم وأحوالهم وما يترشح عنه من القوة وكثرة العدد والتوجه المجموعي العام نحو العدو وعدم الإنشغال بالفتن الداخلية.
السابعة : حصول القناعة لديهم بالحاجة إلى النبوة وقرب الوحي منهم، وما فيه من الإكرام والتشريف الخاص.
الثامنة : لعل في الآية إشارة إلى إستعمال جنس الحيوان في الكشف عن الجناية سواء إتفاقاً أو تمريناً والإنتفاع مما عنده من الخصائص كما في بعض أنواع الكلاب وحاسة الشم عندها، فالله عز وجل حينما ينعم نعمة على الناس لا ترتفع تلك النعمة لأنه كريم ، ولكنها تتجلى ببعض الشواهد، وتحتاج الى الكسب والسعي.
التاسعة : الآية إنذار وتخويف لكل قاتل بغير الحق بان  عز وجل يظهر جنايته ويفضحه بين الناس، لذا ترى كثيراً من الشواهد في المجتمعات فقد تكون جريمة القتل غامضة، ولم يعرف القاتل تعييناً أو أن القضاء لا يدينه لعدم قيام البينة ولتعذر الأدلة ولكن الناس فيما بينهم يشيرون إلى القاتل بأصابع الإتهام ، نعم قد يكون هذا الظن وهماً وغير صحيح.
لذا تفضل الله سبحانه على بني اسرائيل بكشف القاتل بعينه ولولا تفضله تعالى بآية إحياء الميت بواسطة ضربه ببعض أجزاء البقرة وإخباره بنفسه عن قاتله ما كاد يعرف القاتل لأن التهمة متوجهة الى سبط آخر.
العاشرة : الكف عن الإلحاح على الأنبياء وكثرة السؤال والشك.
الحادية عشرة : إنذار وتخويف الناس من الكيد بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ومن علامات نبوته وصدقها أنه كشف سوء نيتهم ومكرهم، فاذا كانوا في أيام موسى عليه السلام قتلوا شخصاً فأحياه  بالمعجزة وفضح القاتل فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يستبقهم بفضح كيدهم قبل وقوعه، وآية البقرة ممهدة ومقدمة له، لذا فمن مفاهيم تسمية السورة بسورة البقرة تحذير بني إسرائيل من التعدي على المسلمين , وحثهم على إجتناب الكيد.
وفي الآية مسائل:
الأولى : جاءت هذه الآية لبيان علة ذبح البقرة، وهو قيام بني إسرائيل بقتل شخص.
الثانية : بيان قانون كشف الله لما يخفي الناس مما هو خلاف الإرادة التكوينية .
الثالثة : يحتمل المقتول في إنتمائه وجوهاً:
الأول : إنه من بني إسرائيل.
الثاني : من قوم فرعون.
الثالث : من العرب.
والصحيح هو الأول وبه جاءت الأخبار ، وفي المقام نعم عديدة:
الأولى : أراد الله إكرام بني إسرائيل بإحياء المقتول منهم.
الثانية : زجر بني إسرائيل عن قتل بعضهم بعضاً.
الثالثة : جذب بني إسرائيل للإيمان ، وحثهم على تعاهد الصلاح وإجتناب الأخلاق المذمومة والتعدي والظلم.
الرابعة : بيان قبح القتل بغير حق، والإخبار عن قدرة الله عز وجل على كشف الجناية , قال تعالى[فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى]( ).
الخامسة : ذم بني إسرائيل على نحو متعدد في المقام من وجوه:
الأول : قيامهم بقتل فرد منهم.
الثاني : نسبة القتل إليهم جميعاً بقوله تعالى [وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا] مع أن القاتل واحد، وفيه إشارة إلى حصول حال النفرة والكدورة بينهم والميل إلى التعدي والظلم.
الثالث : ظهور الخلاف والنزاع بينهم.
الرابع : لعل في الآية دليلاً على معرفة جماعة منهم القاتل،أو يعلمون لوثاً وأمارات تشير إليه وأنهم كانوا يخفون الأمر، وقوله تعالى [وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ] أعم من كشف القاتل.
السادسة : تأكيد الآية على فضح القاتل بجنايته.
السابعة : مع قيام بني إسرائيل بالإمتثال في ذبح البقرة جاء الإخبار الإلهي بكشف حقيقة القتل، ومن قام بالجناية.
الثامنة : تبين الآية نعمة من نعم الله على بني إسرائيل، وهي إخراج الله عز وجل لما يخفون في موضوع القتل وشخص القاتل، وما هو أعم من جناية القتل، وهذا الإخراج والفضح رحمة ببني إسرائيل من وجوه:
الأول : درء الفتنة بينهم، وهو من بركات وجود موسى عليه السلام بين ظهرانيهم.
الثاني : دعوتهم للصلاح والإصلاح.
الثالث : بعث الأمن من القتل ظلماً وغيلة في نفوس بني إسرائيل.
الرابع : حث بني إسرائيل على حسن التوكل على الله.
الخامس : التحذير من إخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت في التوراة وعلى لسان موسى عليه السلام، وهو من عمومات قوله تعالى [وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ] إذ جاء القرآن بتوكيد هذه البشارات إلى جانب المعجزات التي جرت على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يفيد صدق نبوته وصفته ونعته المذكور في التوراة والإنجيل.
التاسعة : إنتقال الآية في لغة الخطاب إلى بني إسرائيل [وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا].
العاشرة : توكيد حقيقة وهي أن القاتل من بني إسرائيل، وليس من غيرهم.
إفاضات الآية
في الآية دعوة لبني إسرائيل لدخول الإسلام، ففيه الأمن والسلامة لهم سواء بحفظ حقوقهم وثبات تشريع القصاص في الإسلام إلى يوم القيامة أو بفضح القاتل بالإعجاز أو بالآيات الباهرات أو بواسطة القضاء العادل وإتصال التحقيق للكشف عن الجناية من غير كتمان أو تستر أو إكراه.
والتسمية حرز وواقية للمسلمين باجتناب لغة التشديد وعدم الإلتفات إلى توالي الأسئلة من اليهود وإرادتهم تتابع الآيات من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الآيات متتابعة ليس فقط حسياً بل عقلياً أيضاً بنزول القرآن الذي تغشى أيام النبوة المباركة لتبقى أنواره ودلائل إعجازه متصلة ومستمرة إلى يوم القيامة.
إن نسبة قتل النفس إلى الأمة والجماعة تقبيح لفعلهم هذا وتحذير منه، وفي الآية إنذار وتخويف وزجر عن المكر بالمسلمين ومنع من الكيد الخفي إذ أن خاتمة الآية جاءت مطلقة ولم ينحصر موضوعها بالواقعة التي جاءوا من أجلها لوجوه:
الأول : أصالة الإطلاق.
الثاني : صيغة المضارع التي تفيد الإستدامة في الغالب.
الثالث : القواعد الكلية لآيات القرآن.
الرابع : إستغراق مواضيع الآيات لأيام الحياة الدنيا بدليل الشواهد التأريخية والوجدان وما فعلوه مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
وجاء موضوع الإنذار في الآية وإخراج ما يخفون بصيغة المضارع ولكن الكتمان يتعلق بالماضي أيضاً بدليل قوله تعالى [ما كنتم] الذي يتضمن إخفاء الأمر القبيح عن عمد وقصد.
إن فضح سوء فعل بني إسرائيل فضل ونعمة إلهية عليهم لما فيه من الإصلاح وتهذيب النفوس فمتى ما أدرك الإنسان أن فعله القبيح سيفتضح ويطلع عليه الناس فانه يتجنب الإقدام عليه لملكة الإحتراز من سوء السمعة والتي جعلها  عز وجل جزء من فطرة الإنسان ولا عبرة بالشاذ النادر.
والآية وعيد وتهديد لأعداء الإسلام مطلقاً والمنافقين، وردع سماوي لهم، وتحذير من التمادي في التعدي على المسلمين.
إن الإنذار بفضح المكر منعة وقوة إضافية للمسلمين وعون لهم على الجهاد في سبيل الله تعالى، وبمفاهيم الآيات تتجلى إفاضات سماوية مباركة وأسباب للتوقي وسبل للنجاة، وآلات للنصر وبلوغ الفتح وإتصال مصاديق الأمن والعز.
الآية لطف
إبتدأت الآية بقوله تعالى [وإِذْ] وفيه تذكير بنعم الله على بني إسرائيل، وهذا التذكير لطف إلهي ببني إسرائيل عموماً ومنهم الذين عاصروا نزول القرآن، لأن التذكير هنا حجة عليهم، ودعوة لإستحضار نعم الله عليهم، وفيه توثيق لآيات الله في الناس عامة، ونعمه على بني إسرائيل خاصة.
لقد أراد الله عز وجل للقرآن أن يكون الوثيقة السماوية الخالدة التي تحفظ قصص الأنبياء وأحوال الأمم السابقة، وبما يشمل المسلمين والناس جميعاً.
فتأتي القصة القرآنية بخصوص قضية في واقعة عند قوم أو أهل ملة ولكنها مدرسة للأجيال المتعاقبة ودرس يتعظ منه المسلم وغير المسلم، أما المسلم فتملأ نفسه السكينة لحسن إختياره الإسلام ديناً وعقيدة، ويزداد إيماناً وتدبراً في آيات الله، وأما غير المسلم فان القصة القرآنية تدعوه للإسلام، وتؤكد له صدق نزول القرآن من عند الله، وتحثه على التفكر في عظيم قدرة الله، ولطفه بالعباد.
وجعل الله عز وجل الدنيا دار إمتحان وإمهال، والدار الآخرة دار الحساب وكشف صحائف الأعمال، ومن نعم الله عز وجل على بني إسرائيل أنه سبحانه أظهر ما كانوا يخفون في جناية القتل، وكشف طبائعهم في كثرة الترديد والسؤال والتشديد على النفس، وفي الآية لطف بالمسلمين بالإعتبار من بني إسرائيل من وجوه:
الأول : إجتناب المسلم قتل أخيه بغير حق.
الثاني : إدراك حقيقة وهي أن الله عز وجل يظهر الحق، وينتصر للمظلوم، ومن إعجاز القرآن أن آياته قواعد كلية لا تختص بزمان ما بعد نزولها، فقصة البقرة من عمومات قوله تعالى[وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا]( ).
الثالث : التوقي والحذر من أسباب الفتنة والشقاق، وقد أمر الله عز وجل المسلمين بالتمسك بالقرآن والسنة وعدم التفرق، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( )، والإقتتال، والقتل عذراً وغيلة من أسباب النفرة والفرقة والشقاق.
والآية لطف بالناس عامة مع التباين في مللهم، فصحيح أن موضوع الآية يتعلق ببني إسرائيل وحصول حادثة قتل بينهم، وبيان فضل الله عليهم في معرفة القاتل، إلا أنها باب هداية وإصلاح للناس.
الصلة بين أول وآخر الآية
بعد ذكر قصة البقرة وصفاتها وقيام بني إسرائيل بذبحها، جاءت هذه الآية لبيان موضوع وعلة ذبح البقرة، والإخبار عن حصول قتل عند بني إسرائيل، فإن قيل لماذا لم يُقدم خبر القتل في الآية على قصة البقرة وأوصافها، فيه وجوه:
الأول : إن ترتيب آيات القرآن بحكمة من عند الله عز وجل , وهو آية مستقلة بذاتها[لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] ( ).
الثاني : جاءت الآية بتقديم المسبَب على السبب.
الثالث : تقديم قصة البقرة إعجاز من جهات:
الأولى : بيان لغة الخطاب بين الله عز وجل، وبين بني إسرائيل بواسطة موسى عليه السلام.
الثانية : توكيد وجه من وجوه تفضيل بني إسرائيل على الأمم الأخرى بالتشريف في الخطاب.
الثالثة : بيان كثرة رد بني إسرائيل على النبي في السؤال وطلب التفصيل، وعدم الإكتفاء بالأمر المطلق، فلو إكتفى بنو إسرائيل بقوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] وذبحوا أي بقرة لأجزأتهم.
الرابع : سميت هذه السورة بسورة البقرة على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي تقديم قصة البقرة توكيد لما فيها من الحجج والبراهين، وهو سر من أسرار هذه التسمية.
الخامس : جاءت الآية على قاعدة تقديم الأهم على المهم.
السادس : بيان حقيقة وهي أن قصة البقرة معجزة مستقلة لموسى، وليست فرعَ إحياء الميت ببعضها.
السابع : جاء نظم الآيات بلغة العموم لبني إسرائيل، وبيان نعم الله عز وجل عليهم، وفي قصة البقرة نعم متعددة إلى جانب نعمة إحياء الميت بضربه بجزء من البقرة.
الثامن : في بداية هذه الآية بالعطف والظرف [َوإِذْ] إشارة إلى تعلق وإتصال موضوع الآية بالآيات السابقة.
التاسع : جاء تقديم قصة البقرة لإنذار بني إسرائيل بكشف الجناية التي يفعلونها، وفيه زجر لهم عن قتل المسلم غيلة، لأن الله عز وجل يظهر نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين على الأمر.
العاشر : إبتدأت هذه الآية بذكر إختلاف بني إسرائيل في قتل النفس منهم، وكل سبط يدفع عن نفسه تهمة القتل والجناية فجاء تقديم قصة البقرة لتذكيرهم بنعمة وجود موسى عليه السلام بين ظهرانيهم، والرجوع إليه في كشف القاتل بآية من عند الله.
الحادي عشر : بيان تفضيل المسلمين في قوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( )، فمع القتل العمد يكون القصاص، كي يمتنع الإنسان عن قتل غيره خشية قتله قوداً بالمقتول، وجاء تقديم قصة البقرة لبيان أن التحذير من القتل خشية كشف القاتل إنما جاء بآية من عند الله بوجود موسى عليه السلام بين ظهراني بني إسرائيل، بينما آية القصاص وحكمها باق إلى يوم القيامة.
وإذ جاء أول الآية بخصوص قتل النفس، وقضية شخصية فقد جاءت خاتمة الآية بالمعنى الأعم، وقانوناً ثابتاً في الإرادة التكوينية بأن الله عز وجل يكشف ما يخفي بنو إسرائيل من النوايا والأقوال والأفعال، وتدل عليه شواهد عديدة من القرآن .
ومن إعجاز الآية أن القاتل واحد من بني إسرائيل وجاءت الآية بصيغة الجمع في أولها وخاتمتها، لما فيها من لغة الإنذار والتخويف والوعيد.
التفسير الذاتي
لم يرد لفظ “قتلتم” بلغة الخطاب في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة التي جاءت ضمن بيان نعم الله عز وجل على بني إسرائيل، ومن النعم الإلهية عليهم في هذه الآية مع قلة كلماتها أمور:
الأول: تنبيه بني إسرائيل لحدوث القتل من غير مسوغ شرعي وبيان قبحه، ولزوم إنكاره وإجتنابه.
الثاني : إخبار الآية عن إختلاف بني إسرائيل في القتل وتعيين القاتل.
الثالث : تفضل الله عز وجل بكشف وفضح الجاني.
الرابع: منافع وآثار كشف القاتل بإجتناب بني إسرائيل القتل فيما بينهم خشية الفضح والخزي.
وهو من أسرار مجيء الآية بصيغة الجمع في “وإذ قتلتم” والإطلاق وصيغة المضارع في خاتمة الآية [ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ] فهي قانون ثابت يشمل الذراري أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً.
وفيها تحذير وإنذار، وإخبار عن كشف التحريف الذي طرأ على الكتب السماوية السابقة، ويأتي الكشف في القرآن وعلى لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وخاتمة الآية من الشواهد على كون القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، وفيه دعوة إلى إظهار أهل الكتاب لما عندهم من البشارات في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولزوم إتباعه ونصرته.
قيل إن لغة الجمع “وإذ قتلتم” جاءت على عادة العرب في خطاب العشيرة بما يكون من أحدها، فتقول: بنو فلان كذا، وان كان الفاعل واحداً منها( ).
ولكن مضامين الآية أعم، فلم تقل الآية: “وإذ قُتلت نفس” كما في قوله تعالى [قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ]( )، ولكن رمي بني إسرائيل بالقتل في الآية شاهد على تنامي الفتنة بينهم، وحصول البغضاء وتفشي حب القتل والإنتقام بينهم، فجاء ذبح البقرة على وجوه:
الأول: إنه كشف القاتل نعمة عظيمة على بني إسرائيل في وقت القتل والإقتتال فيما بينهم.
الثاني: إنه دعوة للإحتراز من الغدر والقتل غيلة.
الثالث: أصبح بنو إسرائيل بعد هذا القتل وعدم إكتشاف القاتل ساعة الواقعة في فزع وخوف، كل واحد منهم يخاف أن يقتل غيلة ويحصل الشك والريب بينهم عامة، وبين الأسباط خاصة فجاء ذبح البقرة وكشف القاتل ليسود الأمن في بني إسرائيل وهو من عمومات قوله تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ).
الرابع: أراد الله عز وجل أن تمتلأ نفوسهم بالسكينة والطمأنينة، ولا يخشون القتل والغدر، وهو من وجوه نعمة الله عز وجل على بني إسرائيل.
ولم يرد لفظ “إدارأتم” في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة، وفي الخلاف في هذا القتل ذم وتبكيت، وتذكير بنعم الله عليهم من وجوه:
الأول: إنه أمارة على الفتنة بينهم.
الثاني: هذا الخلاف مقدمة للمناجاة بالباطل، قال تعالى[وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ]( ).
الثالث: حصول الريب والتهمة بين بني إسرائيل، لخفاء هوية القاتل، وموضوع القتل.
فجاء الأمر بذبح البقرة ليشترك بنو إسرائيل جميعاً فيه، ويكون على وجوه:
الأول: إنه مناسبة للتنزه من الفتنة وشيوع القتل فيما بينهم.
الثاني: إنه وسيلة سماوية لكشف الحقائق.
الثالث: فيه إزاحة للضغائن والكدورات.
الرابع: تتجلى فيه بداية عهد جديد من الوئام والأمن , وهو دعوة للناس للتوحيد .
الخامس: إنه باعث لإدراك أن الله عز وجل معهم، يكشف ما يخفون من الأسرار، ويظهر ما عندهم من العيوب.
السادس: نزول الوحي في فك الخصومة بين بني إسرائيل.
لقد جعل الله قوله تعالى [وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ] نعمة مصاحبة لبني إسرائيل وواقية من التمادي في المعاصي، وهو من وجوه تفضيلهم على أهل زمانهم، وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بالإستغفار لأنهم لم يكتموا الحق، ولم يحرفوا آيات التنزيل .
قال ابن مسعود وعطا ابن ابي رياح: كانت بنو اسرائيل إذا أذنب الواحد منهم ذنبا أصبح مكتوبا على بابه كفارة ذنبك اجدع اذنك اجدع انفك، فسهل الله ذلك على هذه الامة بأن جعل توبتها الاستغفار بدلا منه منة منه تعالى( ).
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى : بيان عظيم قدرة الله عز وجل، وإخبار الناس جميعاً أنه سبحانه يرى ويسمع ما يفعلون، وقادر على كشف الخفاء، وإظهار المستور وهذا الإظهار رحمة بالناس سواء أطراف الموضوع أو غيرهم من الناس جميعاً.
الثانية : تحبيب قراءة القرآن لقلوب المسلمين لوجوه، منها ما فيه من القصص الحق ذات المواعظ والعبر.
الثالثة : تعداد نعم الله على بني إسرائيل خاصة، وتلك النعم وتعدادها حجة عليهم.
الرابعة : حث الناس جميعاً وبني إسرائيل خاصة على دخول الإسلام.
الخامسة : بيان درس من دروس الآخرة لبني إسرائيل والناس جميعاً، وهو كشف صحائف الأعمال ونطق الخلائق بالشهادة على الإنسان، وما كان يعمله في الحياة الدنيا.
السادسة : تذكير بني إسرائيل بأفعالهم وكثرة نعم الله عليهم، وإقالة عثرتهم، ومنع حصول الفتنة بينهم ليكونوا الأسوة للناس في التصديق ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السابعة : الإنذار والوعيد لبني إسرائيل من كتمان الآيات وإخفاء البشارات.
الثامنة : جاءت الآية خطاباً لبني إسرائيل أيام نزول القرآن، والذي قام بالقتل معاصر لموسى عليه السلام، وقيل أنه على عادة العرب في خطاب الأبناء والأحفاد بخطاب الأسلاف والأجداد، ولكن المقام أعم فالمراد إتحاد المذهب وماهية الفعل بين المتقدمين والمتأخرين منهم، ولأن الآية جاءت للتذكير بالنعم والإحتجاج والدعوة للإيمان , وإنتفاع الأبناء وهم في الأصلاب من تلك النعم.
التفسير
قوله تعالى[وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا]
جاء الخطاب بصيغة الجمع مع أن القاتل واحد أو إثنين كما وردت في النصوص , والأرجح الأول في حال الإخفاء، مما يفيد أن القتل إنعكاس لحالة عامة وموجودة عند الكثيرين منهم، وعبارة عن أخلاق مذمومة، ولعل كثرة ترددهم وسؤالهم مع شرف مقام النبوة مظهر من مظاهر الحجب الظلمانية.
والآية الكريمة تبين ما تفضل  عز وجل به على بني إسرائيل، فإن قلت: أين متعلق النعمة في الآية الكريمة؟
قلت: في الآية عدة نعم وليس نعمة واحدة منها:
الأولى : حلم الله تعالى على جرأتهم على القتل مع عظيم النعم المتصلة والآيات الباهرات التي يرونها.
الثانية : إحياء المقتول كنفس وشاهد وآية في بعث الموتى، ودليل على يوم البعث، وفي قوله تعالى [أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ]( )، ورد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أَنَّ الْعَاصِي بْنَ وَائِلٍ أَخَذَ عَظْمًا مِنَ الْبَطْحَاءِ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُحْيِي اللَّهُ تَعَالَى هَذَا بَعْدَ مَا أَرَى؟ فَقَالَ َرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”نَعَمْ، يُمِيتُكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ)( ).
الثالثة : كشف الجاني آية وإعجاز ودعوة للتدبر.
الرابعة : توكيد نبوة موسى عليه السلام.
الخامسة : إنها دعوة للإيمان.
السادسة : بيان علم الله تعالى بالسر والعلانية.
السابعة : تنبيههم وذمهم على الإختلاف في موضوع القتل وبين ظهرانيهم نبي  موسى عليه السلام.
الثامنة : منع الفتنة بينهم بالكشف عن القاتل بعد أن أخفى جريمة القتل والكيد في محاولة لعدم وصول التهمة إليه لأنه وليه، وللموضع الذي عُثر على المقتول فيه كما تقدم بيانه.
التاسعة : منع تكرار حوادث القتل بعد تحقق الفضح والكشف بالإضافة إلى عقوبة القصاص.
علم المناسبة
لم يرد لفظ “قتلتم” بلغة الخطاب إلا في هذه الآية، وفيه توبيخ وإشارة الى أن القتل بغير الحق، ومن الإعجاز في القرآن أن يأتي الخطاب لبني إسرائيل عامة، مع ان القاتل شخص واحد أو إثنين (روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان لإبني عمه ثم سقط ميتاً، فأخذا فقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك”( ) .
في إشارة إلى حصول العداوة وأسباب القتل والإنتقام بينهم، وفيه دعوة لهم للإصلاح ومع القتل حصلت فتنة أخرى وهي الإختلاف والخصومة في القتل وتعيين القاتل قال تعالى [َالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ]( ).
فلم يكتفوا بالتعدي والقتل بل كل سبط يتهم الآخر بالقتل، فكاد هذا القتل أن يكون مقدمة لشيوع القتل بينهم والله عز وجل فضّلهم على العالمين، وهذا القتل يتنافى مع التفضيل وصيغ الإنقطاع الى العبادة ودعوة الناس إلى الله والبشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء فضل الله عليهم مرة أخرى بكشف وتعيين القاتل بآية ومعجزة حسية ظاهرة ليكون هذا الكشف برزخاً دون التمادي في القتل أو شيوع الثأر بينهم.
وورد لفظ “مخرج” ثلاث مرات في القرآن، تعود كلها لله عز وجل، قال تعالى [يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ]( )، لبيان أن الله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة، وهو الذي يخرج ما فيه الحركة والحياة من الجماد , والقادر على أن يكشف ما يخفي الظالمون، وفيه إشارة إلى مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات وما يؤكد البشارات التي جاءت في نبوته في التوراة والإنجيل وإن أخفاها وقام بتحريفها الناس.
وجاءت خاتمة الآية لبيان العلة الغائية من معجزة إحياء الميت وكشف قاتله بأنها وسيلة لتوظيف العقول لسبل الإيمان، والتقيد بأحكام الحلال والحرام، والتدبر في معاني الآية وجاء ذكر الآيات بصيغة الجمع [وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ] وفيه وجوه:
الأول : بيان أوصاف البقرة التي تذبح.
الثاني : قيام الميت وإخباره عن قاتله.
الثالث : كشف وفضح القاتل.
الرابع : المعجزات والآيات التي جاء بها موسى عليه السلام.
الخامس : في الآية إخبار عن توالي المعجزات على بني إسرائيل.
ففي الآية برهان وشاهد على توالي وإتصال وتعاقب وتوالي الآيات على بني إسرائيل، وتقدير الآية: كذلك يحيي الله الموتى وكذلك يريكم آياته.
وفي الآية بشارة عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجئ الآيات على يديه، ومنها معجزة ذكر قصة البقرة في القرآن، وفي هذا الذكر آيات كثيرة منها:
الأول : توثيق القرآن بقصص الأمم السابقة.
الثاني : تفضيل بني إسرائيل بذكر قصة البقرة وما فيها من الموعظة.
الثالث : إتخاذ بني إسرائيل عبرة وموعظة لذا جاء قبل آيات أن الله عز وجل جعل عقوبة الذين إعتدوا في السبت [مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ] ( )، في إشارة إلى إتعاظ المسلمين وحرصهم على التقيد بأحكام الحلال والحرام، وإجتنابهم التعدي على حرمات الله.
الرابع : إتصال فضل الله عز وجل، وأنه سبحانه لم يغضب على بني إسرائيل بسبب حادثة القتل، ويمنع عنهم الآيات والمعجزات.
ويمكن أن تفيد الواو في قوله تعالى [وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ] الإستئناف، لبيان كثرة وإتصال الآيات من عند الله لإعمال العقل , ولتكون الآيات الحسية مقدمة ووسيلة لفهم وتدبر الآيات العقلية ومنها آيات القرآن فكل آية عقلية تدعو إلى عبادة الله والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قوله تعالى [فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا]
بيان لبوادر وأسباب فتنة كادت تعصف ببني إسرائيل وتفرقهم لحصول القتل الذي إتصف بأمور وهي:
الأول : عدم معرفة القاتل، فالكل أنكر قيامه بالقتل.
الثاني : المقتول ليس شخصاً مجهولاً ًبل من أصحاب الأموال والشأن.
الثالث : لم يكن القتل معروفاً بين بني إسرائيل.
الرابع : إتصال النعم عليهم من عند الله تعالى.
الخامس : وجود الرسول موسى عليه السلام بين ظهرانيهم.
السادس : رجوعهم إلى موسى عليه السلام بأدق المسائل وأصغرها، مما يعني التسالم على الرجوع إليه في هذه المسألة شديدة البلوى.
السابع : لقد كان بنو إسرائيل موزعين على أسباط، فسبط المقتول يتهم غيره، مع أن القاتل من سبط المقتول ذاته.
الثامن : بيان فضل الله تعالى على بني إسرائيل بتدارك ودفع الفتنة بالمعجزة وليس بقوانين الأسباب والمسببات.
وحادث القتل جرى في الأزمان السالفة والأجيال السابقة من بني إسرائيل، ولكن الخطاب القرآني جاء موجهاً إلى الذين عاشوا فترة نزول القرآن، لما فيه من العبر ووحدة الموضوع في باب العقائد إذ كان الأبناء على سجايا الآباء وملتهم، ولأن النعم التي نالها أسلافهم جاءت بهذه الصفة وهي أنهم من بني إسرائيل، فجاءت الآية تذكرة وتحذيراً من إقتراف الخطايا والذنوب التي تنهى عنها الشرائع السماوية.
ونسب القتل إلى المخاطبين من بني إسرائيل أيام نزول القرآن، مع أنه لم يصدر إلا من واحد أو إثنين من آبائهم أيام موسى عليه السلام، وفيه مسائل:
الأولى : تذكير الأبناء بما فعل الآباء حجة عليهم عندما يكون نهج الأبناء مشابها ومحاكياً لنهج آبائهم في المخالفة والإختلاف.
الثانية : بيان مصاديق من قوله تعالى [وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( ).
الثالثة : إحتراز الناس عامة من الإرهاب والقتل بغير حق.
وفي المحاورات يجوز مخاطبة الأبناء ونسبتهم إلى ما فعل آبائهم مع ظهور المعنى المجازي بالقرائن، ومطلوب منهم أن يتدبروا الآيات وينتفعوا منها بالإنقياد لأحكام النبوة وما جاءت به الكتب السماوية من التبشير بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والحث على إتباعه ونبذ القتل.
لقد إهتم وإنشغل بنو إسرائيل بموضوع القتل حدوثاً وتهمة فصارت كالفتنة، يدافع ويخاصم بعضهم بعضاً، كلٌ يدعي البراءة وينعت الآخر بالجريمة والتهمة.
والضمير في [ فِيهَا ] يعود في ظاهره إلى النفس المقتولة، وقيل ان اسم المقتول عاميل.
بحث بلاغي
وقال الراغب في قوله تعالى [ فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ] وزان تفاعلتم أصله تدارأتم، فأريد منه الإدغام تخفيفاً وأبدل من التاء دال، فسكن للإدغام فاجتلبت لها ألف الوصل، فحصل على (افاعلتم).
وقيل هذه أول القصة وإن كانت مؤخرة في التلاوة، وإنّ الإختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة.
ولا مانع من إعتبار الترتيب القرآني لهذه الآيات وإستخراج معاني ودلالات منها، فالآية حجة ثابتة وتذكير بالأمر، ووثيقة سماوية تحول دون إنكار الموضوع أو تحريف الأخبار الخاصة، كما لو قاموا بالإدعاء بأن ذبح البقرة كان لأمر يعود عليهم بالفخر والتشريف، أو إنه يتعلق بغيرهم.
فبينت الآية تدافعهم وإتهام بعضهم لبعض في القتل، كما أقامت عليهم الحجة بأنهم كانوا يخفون أمر القاتل، وهل كان الجاني معروفاً بشخصه عند أولئك الذين جاءوا للدعوى والخصومة، الأقوى لا.
قوله تعالى [وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ]
أي أن الله عز وجل يعلم السر وهو قادر على فضح ما تخفون في موضوع القتل والأسرار والنوايا وعزائم السوء. وقال الرازي (فإن قيل كيف اعمل (مخرج) وهو في معنى المضي؟ قلنا قد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارء)( ).
ولكن الآية أعم منه، إنما هي إنذار ووعيد بأن الله عز وجل لابد وأن يكشف ما يحيكون من كيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللإسلام، والوقائع والأحداث اللاحقة تؤكد ذلك، أي أن كشف القاتل في تلك الحادثة والتذكير والإتيان بها في القرآن موعظة ودرس وعبرة ورحمة عسى أن ينتفعوا منها وحجة حاضرة عليهم، كما أنها تحذير للمسلمين منهم وبشارة سماوية في كشف مكرهم تدل على إعجاز القرآن من خلال الأحداث اللاحقة بعد النزول.
وفيها أيضاً إخبار بأن كيدهم بالمسلمين لن يؤدي إلا إلى خزيهم وفضيحتهم. ولعل فيها حثاً لمن آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في قلبه ولم يسلم ويبادر لدخول الإسلام خشية كبرائهم.
وفيها إخبار بان ما حرّفوه من التوراة مما يتعلق بمعايبهم وسيئاتهم سيظهره الله سواء كان بالقرآن، أم على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أم عن طريق نفر منهم.
ترى لماذا جاء الأمر الإلهي بذبح البقرة، والله تعالى قادر على أن يحيي الميت بالكاف والنون، الجواب من وجوه منها:
الأول : حادث القتل مناسبة لتأديب بني إسرائيل، وإرشادهم الى الإمتثال للأوامر الإلهية.
الثاني : منع بني إسرائيل من كثرة السؤال.
الثالث : إدراك بني إسرائيل للآيات الحسية على نحو جلي وظاهر.
الرابع : كان ذبح البقرة كالقربان الذي يتقرب به بنو إسرائيل.
الخامس : بيان حقيقة وهي أن المعجزات التي جاءت لبني إسرائيل تدرك بالحواس، وتمتنع عن المعارضة.
السادس : نفي الشك والريب والظن السيء، فلا يقال أن المقتول لم يمت بعد، أو ان إحياءه جاء بضرب من السحر.
السابع : جعل بني إسرائيل يلتفتون إلى آية البقرة وعدم إنحصار الأمر بالقتيل.
الثامن : تأديب بني إسرائيل، وحثهم على إجتناب كثرة السؤال، والقيل والقال.
التاسع : التأكد من حدوث موت القتيل، ومغادرة روحه لجسده بعد كثرة الأخذ والرد.
العاشر : دعوة بني إسرائيل لتصديق موسى عليه السلام فيما يقول عن الله عز وجل.
الحادي عشر : كأن البقرة نوع فداء لإحياء الميت كما في قوله تعالى في إسماعيل [وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ] ( ).
ومن الإعجاز أن بني إسرائيل لم يسألوا عن علة إختيار البقرة وذبحها وإتخاذها آلة لإحياء الميت، مما يدل على رضاهم بالأمر.
الثاني عشر : بيان كيفية إحياء الموتى والتذكير بالبعث والنشور لقوله تعالى في الآية التالية [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى].
الثالث عشر : تجلي الآيات لبني إسرائيل ليزدادوا إيماناً لقوله تعالى في الآية التالية [وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ].
الرابع عشر : إحياء الميت وكيفيته مناسبة للتدبر في آيات الله.
وجاءت خاتمة الآية بنسبة إخراج ما يكتم بنو إسرائيل إلى الله تعالى، وفيه وجوه:
الأول : منع إفتتان بني إسرائيل بالبقرة والبقر.
الثاني : التذكير بظلمهم لأنفسهم بإتخاذهم العجل، وبيان ان البقر له منافع ووظائف عديدة، وهو مسخر للإنسان، وليس للإنسان أن يتخذها آلهة.
الثالث : إن كشف الجاني، ومعرفة القاتل تمت بأمر الله تعالى، وأنه سبحانه قادر على أن يحييه بوسائط وأسباب أخرى، بل ومن غير سبب مادي محسوس.
الرابع : تدل الآية في مفهومها على أن الله تعالى يعلم ما يخفي بنو إسرائيل، والآية إنحلالية تتضمن وجوهاً:
الأول : كشف ما يخفيه كل واحد من بني إسرائيل.
الثاني : إظهار ما تكتمه جماعة وسبط منهم.
الثالث : فضح ما يدبرونه من الكيد والمكر.
الرابع : إظهار ما يكتمون من نية الصلاح والعزم على فعل الخيرات،
وروي أن الله تعالى أوحى الى موسى عليه السلام قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم”( ).
ومن إعجاز القرآن أن يأتي موضوع الآية بخصوص واقعة معينة، ولكن الحكم فيها يأتي عاماً شاملاً لبيان قدرة الله وعظيم سلطانه.
الخامس عشر : بيان موضوعية الأسباب والمسببات، والعلة المادية في الحياة الدنيا، وعدم الإتكال على المعجزات وحدها.
السادس عشر : دعوة بني إسرائيل لمواجهة الكفار وعدم القول لموسى [اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ]( ).
السابع عشر : حث بني إسرائيل على التصديق بنبوة محمد، وعدم الإكثار من سؤال المعجزات.
بحث بلاغي
ذكرت هذه الآية في البلاغة في باب الإعتراض وهو الإتيان بعبارة بين كلام أو كلامين ، وله أسباب منها الرد على الخصم مثل قوله تعالى [ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ] لأنه إعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه لتوكيد علم الله تعالى بما يفعلون ويسمى الإعتراض الحشو إذا كان الذي يدرج في الكلام مما يتم المعنى بدونه، كما قال النابغة:
لعمري وما عمري علي بهين لقد نطقت بطلا علي الأقارع( ).
فأدرج الشاعر: وما عمري عليّ بهين، وعلى فرض تمام المعنى بدونه فإن الإعتراض أعلاه له دلالة ومعنى إضافي .
وأُستدل بقوله تعالى[فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا]( )، وإن قوله(لن تفعلوا) إعتراض بل هو جزء من سياق الكلام، ويتضمن التحدي إلى الأبد بعجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن ، وهو من علم الغيب، لدلالة لن على إرادة المستقبل , والوعد الكريم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في كل جيل بأن إعجاز القرآن مستمر بعدهم إلى يوم القيامة، فالناس لم يأتوا بمثل سورة من القرآ ن مع فصاحة العرب وإرتقاء البلاغة عندهم أيام التنزيل، ولن يأتوا بمثله مع التطور التقني وتقارب البلدان وتعاضد أهل الشك والريب.
فالآية جاءت لتوكيد حقيقة ثابتة وهي أن الله سبحانه أحاط بكل شيء علماً، وليكونوا على حذر ويتجنبوا إرتكاب السيئات، فمن إعجاز القرآن أن مضامين بلاغته ترتقي كثيراً عن بلاغة العرب وما يمكن ان يصلوا إليه.
إن بلاغة القرآن إعجازية تتفرع عنها مسائل في أبواب متعددة من العلوم، فجاءت الجملة الإعتراضية لتأديبهم وإنذارهم، وتدل بالدلالة الإلتزامية على حفظ العهد والميثاق، ولزوم إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينما يخرج للناس بالقرآن والآيات والباهرات.


قوله تعالى [ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ] الآية 73.
الإعراب واللغة
[فَقُلْنَا اضربوه ]: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والواو: فاعل، والهاء: مفعول به.
ببعضها: جار ومجرور متعلقان باضربوه، كذلك: جار ومجرور،واسم الإشارة في محل نصب مفعول مطلق مقدم.
يحيي : فعل مضارع وفاعل، الموتى: مفعول به، ويريكم: فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر يعود لله تعالى، والكاف: مفعول به أول.
آياته: مفعول به ثان وهو مضاف، والضمير الهاء، مضاف اليه.
لعلكم: حرف مشبه بالفعل وإسمه، تعقلون: فعل مضارع، والواو فاعل، والجملة الفعلية خبر لعل.
بعض الشئ: طائفة منه وعليه إجماع أهل اللغة.
وقال الأزهري: أجاز النحويون إدخال الألف واللام على بعض وكل إلا الأصمعي فإنه منع من ذلك، وقال (كل وبعض) معرفة فلا يدخلهما الألف لأنهما في نية الإضافة.
في سياق الآيات
بعد تفضل الله تعالى بإجابتهم إلى أسئلتهم التفصيلية مع ما فيها من التشديد والقسوة وضعف الإمتثال، جاءت هذه الآية خاتمة للأمر وحسماً لموضوع البقرة وأسبابه.
ولقد كانت الآيات السابقة مدرسة عقائدية في تعيين آلة إحياء الميت، وجاءت هذه الآية لبيان كيفية الإنتفاع من البقرة في إحياء الميت، بأمر إلهي أيضاً، فلم تخبر الآيات عن صدور الأمر من موسى عليه السلام، بل جاء الأمر الإلهي من الله تعالى بأن يقوموا بضرب الميت ببعض البقرة، ومن الآيات أن بني إسرائيل لم يرجعوا بالسؤال عن أمور:
الأول : أي جزء من البقرة الذي يضرب به الميت.
الثاني : في أي موضع من الميت يضرب.
الثالث : كيفية الضرب.
الرابع : الإختلاف في تعيين من الذي يقوم بضرب الميت.
الخامس : أوان حصول الضرب وهل هو في النهار أو الليل.
وتدل هذه الآية على إمتثال بني إسرائيل في ضرب الميت ببعض البقرة بدليل ما فيها من الإخبار عن كيفية إحياء الله تعالى للموتى.
لقد إنجذب بنو إسرائيل إلى الآية وسارعوا إلى ضرب الميت بجزء البقرة ليروا الآيات وكيفية إحياء الميت.
ومن وجوه تفضيل بني إسرائيل على أهل زمانهم في المقام وجوه:
الأول : رؤيتهم إحياء الميت.
الثاني : هذا الميت من بني إسرائيل.
الثالث : في إحياء الميت كشف لجناية القتل.
الرابع : جاء إحياء الميت بأمر الله تعالى.
الخامس : في الآية توكيد لحقيقة تلقي موسى عليه السلام الوحي والتنزيل من عند الله عز وجل.
وجاءت الآية التالية لتخبر عن تعقب قسوة قلوب بني إسرائيل بعد رؤية آية إحياء الميت، لتأتي الآية بعد التالية خطاباً للمسلمين وهذه الآية هي الآية السابعة التي تتعلق بموضوع نعت البقرة، وبها ينتهي موضوعها وما فيها من الآيات والدروس والعبر.
وبمضامين هذه الآيات السبعة سميت هذه السورة بسورة البقرة، وهي أكبر سور القرآن بسورة البقرة، ومن الإعجاز في نظم الآيات ان الآيات الستة السابقة ليس فيها من فعل بني إسرائيل إلا ذبح البقرة مع تردد لولا فضل الله تعالى لقوله [فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ].
أما هذه الآية فتضمنت ضرب الميت ببعض البقرة، وإحيائه وبعثه ورؤية بني إسرائيل الآيات، وإتخاذها مناسبة للهداية.
إعجاز الآية
تظهر الآية الكريمة كيف تتم الآيات العقلية بمبرز خارجي حسي تثبيتاً للحجة وبياناً لتقوية المدارك وتنمية ملكة الإيمان، ومنعاً لتأويل أهل الشك والريب والذي ينبع من النفوس البهيمية ومواطن الظلمة والضلالة ولطرد الغفلة عن الناس قال تعالى[لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ]( ).
لقد جعل الله تعالى هذه الآية مثالاً حاضراً لإحياء الموتى كما يتجلى في قوله تعالى [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى] ولتكون من نعم الله تعالى على بني إسرائيل ان أراهم مثالاً وشاهداً حسياً حقيقياً بأن يقوم الميت من موته.
ومن الإعجاز في الآيات العقلية والحسية أن وظيفتها لا تنحصر في موضوعها، بل تتعدد مضامينها ومنافعها وغاياتها.
فكل آية إنحلالية تتولد منها آيات كثيرة، والآيات التي تتفرع عن هذه الآية هي:
الأولى : إحياء المقتول.
الثانية : إخبار المقتول عمن قتله، وما في هذا الإخبار من إظهار الحق، ودرء الفتنة.
الثالثة : بيان صدق موسى عليه السلام في إخباره عن الله تعالى.
الرابعة : تحقق المثال والشاهد على إحياء الله تعالى للموتى.
الخامسة : إكرام بني إسرائيل برؤيتهم لآيات الله تعالى.
السادسة : مجئ الآيات ليعقل بنو إسرائيل معانيها، ويتدبروا في أسرارها ومضامينها.
لقد جاء موضوع البقرة والأمر بذبحها مدرسة عقائدية لبني إسرائيل وسبباً لزيادة إيمانهم ودعوة لإخلاصهم في الدين، وتعاهد إتباع الأنبياء والآية حجة على الناس جميعاً وخصوصاً الذين يقولون [إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا] فمن إعجاز الآية في المقام أنها لم تخبر عن إحياء الميت وحده.
بل أخبرت عن كونه مثالاً وشاهداً على أحياء الله تعالى لجميع الموتى، كي لا يقال بأن الآية لا تدل على بعث الناس بعد موتهم وإنها قضية في واقعة وآية لكشف الجاني.
ويمكن تسمية الآية بآية (إضربوه) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
تظهر الآية للمسلمين عظيم الإعجاز في عالم الدنيا، وأن الله عز وجل قادر على أن يكشف أشخاص الذين يمكرون بالإسلام وإن تخّفوا تحت مذاهب ودعاوى باطلة.
وتدعو الآية المسلمين خاصة والناس عامة إلى إستحضار عالم البعث والنشور، والإقرار بقانون ثابت وهو وجود حياة أخرى بعد الموت، وأن الموت ليس أمراً عدمياً بل هو مقدمة لدخول عالم آخر.
وتبين الآية نعمة الله تعالى على بني إسرائيل في إحياء المقتول، والإخبار عن قاتله لكي لا يشيع القتل بين بني إسرائيل، ولا تحصل بينهم الفتن التي تؤدي إلى الفرقة والخلاف.
ومن وجوه تفضيل المسلمين تعاهدهم لوحدتهم وأخوّتهم وإن لم تحصل عندهم آية إحياء الميت، وإذ أصبح بنو إسرائيل ينفرون ويبتعدون بعد هذه الحادثة من قتل بعضهم بعضاً خشية الكشف عن الجاني بفضل الله، فان الله تعالى أنعم على المسلمين بأحكام القصاص ليتجنب كل مسلم التعدي على غيره خشية القصاص الشامل للرجل والمرأة، ومن الآيات أن موضوعه أعم من القتل فيتغشى الأعضاء والجوارح، ولا تنحصر أحكامه بالقتل بين المسلمين، بل يشمل غيرهم، وفيه شاهد على إكرام الشريعة الإسلامية لجنس الإنسان.
مفهوم الآية
جاءت الآية بصيغة الأمر الإلهي المتوجه إلى القوم، ولكنه لا ينفي واسطة النبوة وأن الخطاب متوجه إلى موسى بالأصالة وإلى بني إسرائيل بالتبعية بل فيه إكرام لموسى عليه السلام ومصداق لحقيقة كلامية في فلسفة النبوة وهي أنه كليم الله، وفيها أيضاً إشارة إلى إشتراك موسى عليه السلام في موضوع الضرب وأنه حكم وقضاء وجزاء وآية سماوية، وقد أمرهم والأرجح أن موسى عليه السلام بعد ذبح البقرة بضرب الميت بجزء منها، وكأن هذه الآية فرع آية عصا موسى عليه السلام إلا أنها جاءت خاصة في واقعة وبعد سؤالهم.
أنها مثل مبارك لحقيقة تكوينية تتعلق بأصل من أصول الدين وهو المعاد وفيها جواب عملي حاضر على التساؤل العام في كل زمان ومكان وهو كيف يبعث الله الموتى، وهذا التساؤل لا ينحصر بالكفار بل يشمل شطراً من المؤمنين ولكنه يختلف في ماهيته ونوعه وصيغة الإنكار عند الكافر، ولغة التقرير والتسليم عند المؤمن، وكان رسول الله عليه وآله وسلم إذا قرأ(أليس الله بقادر على أن يحيي الموتى) يقول: سبحانك بلى)( ).
وجاءت آية البحث لمنفعة الجميع ولزيادة إيمان بني إسرائيل أيام موسى عليه السلام وفيها حث لهم ولغيرهم لدخول الإسلام على مر العصور، أي أن هذه الآية نعمة أخرى من نعم الله تعالى على بني إسرائيل بأن أراهم آية حاضرة في إحياء الموتى بالإضافة إلى نفعها المركب في الدارين، ومن وجوه النفع في هذا الشطر المبارك من الآية:
الأول : الإيمان والتحذير من الشرك والضلالة والريب.
الثاني : الإيمــان بنبوة موســى عليه السلام وما جاء به من عند الله عز وجل.
الثالث : الإقرار بالنشور وبعث الموتى.
الرابع : لغة التشبيه تدل على وجوه المقاربة والتشابه في الآثام.
وهي دعوة لإستحضار البعث في الحياة اليومية العامة والمعاملات وباعث على أداء الفرائض والمناسك.
ومن مفاهيم الآية التصديق بتبشير موسى عليه السلام بعيسى عليه السلام ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا يستطيع أحد القول بأن إخبار موسى عليه السلام عن إتباع نبي آخر غيره نوع إستهزاء أو سخرية.
فبعد أن نفى موسى عليه السلام الإستهزاء والهزء عن نفسه وإعتبره فرع الجهالة، جاءت الآية باحياء الميت لتكون عنواناً للحياة بالإسلام بعد التيه والضلالة وتحريف الكتاب، فالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي الحياة [ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ]( ) ولقد جاءت الدعوة إلى الإسلام في مفهوم خاتمة الآية لأن العقل يحكم بالإنتماء إلى الإسلام والإلتزام بأحكامه طريقاً إلى النجاة في النشأتين.
وفي الآية مسائل:
الأولى : بيان إخراج الله عز وجل لما كان يخفي بنو إسرائيل.
الثانية : عدم وجود فترة بين الوعيد بكشف الحقائق وبين الأمر الإلهي بمقدمة الكشف وهو ضرب الميت ببعض البقرة.
الثالثة : جريان كشف ما يكتمون على أيديهم، وبأنفسهم، وفيه آية إعجازية وتأديب لبني إسرائيل.
الرابعة : بيان نعمة من نعم الله عز وجل على بني إسرائيل، وفرد من أفراد تفضيلهم على أهل زمانهم، فالمقتول غيلة بينهم يحيى ويقوم بإذن الله تعالى ليخبر عمن قتله .
وفي آية الإحياء هذه مقدمة لتصديق بني إسرائيل بمعجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى ونعمة عليهم للإحتراز من تكذيبه ورميه بالسحر ونحوه , وفي التنزيل حكاية عن لسان عيسى[وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ]( ).
الخامسة : بيان فضل الله على بني إسرائيل في منع الفتنة بينهم، وما يتفرع عنها من الفرقة والإختلاف إذ ان معرفة القاتل تمنع من سوء الظنة والتهمة، وجاءت الآية في القرآن لتكون وثيقة سماوية تؤكد أموراً:
الأول : بيان قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.
الثاني : فضل الله تعالى على بني إسرائيل.
الثالث : موضوعية القربان لله عز وجل في سؤال بني إسرائيل في حوائجهم، وكشف ما التبس من الأمور، والتخفيف عن المسلمين في موضوع القربان، إذ أن الله عز وجل رزقهم سلاح الأنبياء وهو الدعاء، ووعدهم الإستجابة، قال تعالى[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
السادسة : أخبرت الآية عن ضرب الميت ببعض البقرة ولم تخبر عن أثر ونتيجة الضرب، والتقدير هو: فقلنا إضربوه ببعضها فحيى الميت) ودلت على بعث الحياة فيه قرينة [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى] وما فيها من إرادة التشبيه.
السابعة : لم يُضرب الميت بكل البقرة، بل بجزء منها للإخبار بإحياء الميت وأن زهوق الروح، وصيرورة العظام رميماً لا يحول دون بعث الناس من جديد بقدرة الله تعالى الذي لا تستعصي عليه مسألة.
الثامنة : لم يمنع تشديد بني إسرائيل على أنفسهم من إتمام نعمة الكشف عن القاتل.
التاسعة : تتضمن الآية إعجازاً يترشح عنه إعجاز إضافي، ونعمة تتولد عنها نعم أخرى فالموضوع تعيين القاتل، ولكن المقدمة ذبح بقرة وضرب الميت ببعضها.
وجاءت آية عظمى وهي إحياء الميت، وإخباره عن شخص قاتله، أي أن وظيفة الميت كانت الإخبار عن القاتل ثم عاد ميتاً ترى لماذا لم يقم كليم الله باخبارهم عن القاتل من غير أن تصل النوبة إلى إحياء الميت، الجواب من وجوه:
الأول : كثرة الترديد من بني إسرائيل، كما يتجلى في هذه الآية وتعدد سؤالهم عن أوصاف البقرة المراد ذبحها، ولو إمتثلوا وذبحوا آية بقرة لكفى وعن رسول الله عليه وآله وسلم قال: “ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم وإختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه”)( ).
الثاني : رجحان حصول الفتنة في بني إسرائيل، لأن المقتول وجد في سبط أخر غير سبط القتيل، بينما الذي قتله ابن عمه.
الثالث : ذكر أنه لما أخبر الميت عن قاتله على نحو التعيين، قال بعض من بني إسرائيل أنه يكذب.
الرابع : الآية لطف من عند الله وفضل على بني إسرائيل.
الخامس : بيان كيفية إحياء الموتى ليزداد بنو إسرائيل إيماناً.
السادس : بيان سعة قدرة الله تعالى ، وظهور آياته في الآفاق والنفوس لذا ورد في الآية قوله تعالى [وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ].
السابع : ذكر علة الآية وهي حث بني إسرائيل على التقوى وبلوغ مراتب اليقين، ومن أصدق معاني التقوى التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : الزجر عن كثرة السؤال.
التاسع : إقتباس المسلمين المواعظ من القصة سواء أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو قبلها أو بعدها.
لذا جاءت الآيات بذكر تفاصيل قصة البقرة، وسميت السورة باسمها، مع أن النبي محمداً أمي ولم يقرأ كتب الأولين، وليس من دليل على وجود تفاصيل هذه القصة بذات المعنى في الكتب السابقة، لأن القرآن إمام جامع للكتب السماوية ومهيمن عليها، وحتى إذا إلتقى معها في موضوع فان له خصوصية في بيان أسرار وأحكام الموضوع، كما في قصة البقرة وما يستنبط منها من الدروس والمواعظ والعبر، إلى جانب أسرار اللغة العربية وما فيها من معاني البلاغة وضروب الدلالة.
ويحتمل قوله تعالى [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى] وجوهاً:
الأول : خطاب من الله تعالى لبني إسرائيل ساعة آية إحياء الميت.
الثاني : خطاب من الله لبني إسرائيل أيام نزول القرآن.
الثالث : توبيخ المشركين أيام نزول القرآن الذين إستبعدوا البعث والنشور في جحودهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : خطاب من موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل لبيان عظيم قدرة الله تعالى.
الخامس : خطاب من الله للناس جميعاً.
والصحيح هو الخامس، ويدخل في طوله الوجه الأول والثاني والثالث.
لذا إنتقلت الآية إلى بيان القواعد الكلية والإنتقال من صيغة المتكلم (فقلت إضربوه) لإنحصار ضرب الميت بجزء من البقرة وقوله تعالى [وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ] لتكون كل من هذه الرؤية والآيات قانوناً ثابتاً في الأرض، مستقلاً بذاته ومتداخلاً ومصاحباً للآخر ثم عادت الآية في خاتمتها إلى لغة الخطاب [لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ولكنه أعم إذ لم ينحصر في جهة الخطاب بالذين قاموا بضــرب الميت ببعـض البقــرة وهــو خطــاب من عند الله عز وجل يشمل عموم بني إسرائيل أيام موسى عليه السلام، والأجيال المتعاقبة منهم والذين عاصروا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهم، والناس جميعاً إلى يوم القيامة ويدل على كون الآية خطاباً من الله عز وجل نظم الآيات ومجئ الآية التالية في توبيخ بني إسرائيل بخطاب من الله تعالى [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ] .

إفاضات الآية
تبين الآية عظيم فضل الله بنزول الفصل والبيان منه تعالى لإزالة اللبس ومنع الفتنة وتدافع الخصماء، وفيها إنذار لمن يقدم على التعدي على حرمات المسلمين بإن  يفضحه ويكشف مكره وجنايته، وجاءت آية الإحياء بسيطة وخلاف قوانين العلل والمعلولات في رد على أولئك الذين يشّكون بالمعاد، وجمع أجزاء كل جسد بعد تفرقتها وإستحالتها.
صحيح أن الآية حسية إلا أن إستمرار حضورها والإقرار بها أمر عقلي وبرهان إعجازي، ومدرسة في المعرفة الإلهية وتحذير من الفتنة والمكر.
ولقد جاء الخطاب في الآية الكريمة إلى بني إسرائيل مباشرة من غير واسطة النبي موسى عليه السلام وإن كان حقيقة عن طريقه وهذا الإلتفات في لغة الخطاب له دلالات عقائدية منها إقامة الحجة وتولي ورؤية بني إسرائيل ضرب الميت بذيل البقرة بأيديهم وفيه أمور:
الأول : شهادة ورؤية بني إسرائيل لآية إحياء الميت بعد قتله.
الثاني : رفع الشك والريب.
الثالث : قطع الأقاويل الباطلة.
الرابع : بعث الرعب والخوف في نفوسهم كطريق للإرتداع والإتعاظ.
الخامس : ليكونوا شاهدين على الآية معترفين بسوء ما إرتكبوا، حذرين من المكر والظلم.
ومبادئ الإسلام تدعوهم إلى تعطيل تعديهم عليه سواء بخصوص المبادئ والأفراد أو الديار أو الأموال.
وقوله تعالى [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى]آية إعجازية، ومن مصاديق الإرادة التكوينية ودعوة للناس جميعاً للتدبر والعبرة والإقرار باليوم الآخر والبعث والحياة بعد الموت.
ولقد جاء قوله تعالى [وَيُرِيكُمْ آيَاتِه] بصيغة المضارع والجمع مما يفيد التعدد والإستمرار في الزمن الحاضر والمستقبل، ومن الآيات الباهرات نزول القرآن والآيات العقلية والحسية الأخرى التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الآية لطف
في الآية لطف مركب في مضمونها وقصتها، إذ أنها تحكي معجزة حسية لموسى عليه السلام، ونعمة على بني إسرائيل سواء القاتل او المقتول أو السبط الذي أتهم أفراده بالقتل، أو غيرهم، وهي من مصاديق تفضيل بني إسرائيل على أهل زمانهم، وهذا التفضيل لطف محض ببني إسرائيل وعموم الناس من أهل زمانهم بدعوتهم إلى إتباع موسى، كما أن تفضيل المسلمين الذي يتجلى بقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وغيرها من الآيات دعوة للناس لدخول الإسلام، وقد سأل إبراهيم عليه السلام الله عزوجل رؤية كيفية إحياء الموتى كما ورد في التنزيل [رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى] ( ).
فأراه الله عز وجل مثلاً في الطير، أما بنو إسرائيل فجاء الإحياء لهم بواحد منهم قاموا بقتله لتكون بينة وشاهداً على إحياء الناس وليس مثالاً في الطير لاقامة الحجة على بني إسرائيل وتشديدهم على أنفسهم فلعل فريقاً منهم لا يؤمن بالإحياء إن جاء بخصوص الطير وليس في القرآن آية فيها [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى] إلا هذه الآية لتكون بواسطة القرآن وثيقة سماوية خالدة، وحجة يدرك الناس من خلالها حتمية البعث بقدرة الله تعالى.
وهو لطف إضافي بالناس يتجلى بآيات القرآن بإعتبارها رحمة بهم جميعاً، ويتولى المسلمون مسؤولية تلاوة الآيات وإيصال مضامينها إلى الناس.
ومن اللطف في الآية أنها مادة للإحتجاج على الكفار والدهريين والذين حكى القرآن قولهم بصيغة الذم والتقبيح كما ورد في التنزيل [إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ] ( ).
واللطف في المقام مركب من وجوه:
الأول : آية ذبح البقرة، وإحياء الميت بضربه ببعضها.
الثاني : ورود وتوثيق القصة في القرآن الكريم، ليتعظ المسلمون، ويعلموا بأحوال الأمم السالفة من الموحدين.
الثالث : ذكر القصة تذكير لبني إسرائيل بفضل الله عليهم وشاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوتهم للإيمان بها، ومصداق لقوله تعالى[وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ]( ).
ولم يأت لفظ (إضربوه) إلا في هذه الآية الكريمة في حجة على بني إسرائيل وإعانتهم على كشف القاتل ودرء الفتنة بينهم.
وقد ورد لفظ (إضربوا) مرتين في القرآن في خطاب للمسلمين، وندب إلى الجهاد في سبيل الله، قال تعالى [فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] ( ).
وفيه دلالة على تفضيل المسلمين في موضوع الضرب والجهاد بالسيف خصوصاً وأن الأمر الإلهي للمسلمين مستديم وباق الى يوم القيامة مع تحقق مقدماته وشرائطه وموضوعه.
الصلة بين أول وآخر الآية
بعد لغة الإنذار والوعيد في الآية السابقة جاءت هذه الآية بتجلي المعجزة الحسية لموسى عليه السلام في باب الأحكام والقضاء بين بني إسرائيل لتضاف إلى معجزة العصا التوليدية المتكررة، ولطرد وهم بأن العصا من السحر ونحوه، وفيها وتوكيد عظيم لفضل الله على بني إسرائيل ومصاحبة الآيات والنعم لهم، لأن كشف القاتل بمعجزة آية مركبة ومتعددة.
وجاءت هذه الآية خطاباً لبني إسرائيل بواسطة موسى عليه السلام أيضاً،ولكنها جاءت بصيغة الخطاب المباشر، وفيه آية إعجازية في عالم الفعل وكشف الجناية، ومنع الترديد والتسويف والتأخير، ويعود الضمير (الهاء) في فاضربوه للقتيل، أما الضمير في بعضها فيعود إلى البقرة.
ومن ثناء الله عز وجل على نفسه وتوكيد عظيم آياته أنه سبحانه لم يخبر في الآية عن إحياء الميت إلا بلغة التشبيه والعموم بقوله تعالى [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى] في إشارة إلى عظيم قدرته في إحياء العظام وهي رميم، ولا ينحصر الإحياء بأمة أو جيل بل يشمل الأجيال المتعاقبة من الناس.
وفيه توكيد بأن إحياء الميت من عند الله، ولتكون الآية مقدمة لمعجزة عيسى بإحياء الموتى وتوطئة للإيمان بنبوته، وعدم الإفتتان به، أو نعته بالساحر ونحوه.
وجاءت آية إحياء الميت لتكون مدرسة وموعظة لبني إسرائيل بما ذكرته الآية من البيان والعلة والبرهان، وهو على وجوه:
الوجه الأول : إتخاذ إحياء الميت مثالاً في إحياء الله للموتى، وفيه شاهد على تفضيل بني إسرائيل، إذ أن هذا الإحياء جرى بواسطة إبراهيم عليه السلام كما جاء حكاية عنه في التنزيل [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى] ( )، وجاءت آية إحياء الميت من بني إسرائيل بذبح البقرة وضرب الميت بجزء منها.
الوجه الثاني : رؤية آيات الله عز وجل بإحياء الميت، إذ جاءت الآية بصيغة الجمع (يريكم آياته) ومن هذه الآيات:
الأولى : الأمر الإلهي بذبح بقرة.
الثانية : ضرب الميت بجزء البقرة.
الثالثة : الإجابة من عند الله على السؤال المتكرر لبني إسرائيل بخصوص أوصاف البقرة.
الرابعة : عثور بني إسرائيل على البقرة المخصوصة بالصفات الموسومة التي أخبرهم عنها موسى عليه السلام.
الخامسة : صدق نبوة موسى عليه السلام، ولزوم إتباعه والتصديق بالبشارات التي جاء بها من عند الله عز وجل.
السادسة : إحياء الميت بضربه بجزء من البقرة.
السابعة : براءة الذي أتهم بالقتل وسبطه، لأن الميت ذكر بعد إحيائه قاتله بالإسم، وليس هو الذي أتهم به.
الثامنة : جاءت الآية بصيغة المضارع وفيه بشارة لبني إسرائيل وحجة في توالي وتعاقب الآيات عليهم من عند الله عز وجل، ولو دار الأمر بين حصر الآيات في وقت مخصوص أو إرادة أفراد الزمان الطولية، فالصحيح هو الثاني من وجوه:
الأول : أصالة الإطلاق.
الثاني : إن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم.
الثالث : إن آيات الله عز وجل متصلة ودائمة وهي من اللامتناهي سواء الحسية منها أو العقلية، قال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] ( ).
الرابع : من الآيات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجيؤه بالمعجزات الباهرات التي تدل على لزوم نصرته وإتباعه.
الوجه الثالث : جاء إحياء الميت لغرض بعث بني إسرائيل على التدبر بالآيات، القيام بوظائفهم العبادية وما يجب عليهم فعله، وتوظيف العقل للنجاة في الدنيا والآخرة.
وأختتمت هذه الآية والآيات التي تتعلق بقصة البقرة بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] لتكون هذه الخاتمة شاملة في دلالتها لآيات وقصة البقرة، وما فيها من الإعجاز والموعظة والإعتبار.
وقدمت الآية إحياء الموتى على رؤية الآيات بقوله تعالى [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ] وفيه وجوه:
الأول : إنه من تقديم الأهم على المهم.
الثاني : إنه من عطف العام على الخاص، والقانون على المثال والفرد الحاضر منه لأن إحياء الموتى آية من آيات الله.
الثالث : نظم الآية ، وجاء موضوع الإحياء العام معطوفاً على إحياء الميت على نحو القضية الشخصية.
والصحيح هو الثاني والثالث، ولقد جاءت آية إحياء الميت على نحو القضية الشخصية والمعجزة الحسية لتكون بياناً وشاهداً على المدركات العقلية والمعجزات التي يتوصل إليها الإنسان بواسطة إعمال العقل الذي جعله الله عز وجل عند الإنسان رسولاً باطنياً.
التفسير الذاتي
هذه أول آية من آيات قصة البقرة تبدأ بأمر من الله عز وجل إلى بني إسرائيل مباشرة من غير واسطة موسى عليه السلام في اللفظ “فقلنا اضربوه” مع أن الوحي يأتيهم بواسطة موسى عليه السلام لبيان ان إحياء الموتى من عند الله عز وجل، وهو آية أعظم من كشف القاتل، ولو شاء الله لكشف القاتل من غير إحياء الميت، ولجعل القاتل نفسه يعترف بجنايته، ولكن هذا الإحياء من فضل الله عز وجل وتفضيله لبني إسرائيل.
وإبتدأت الآية بحرف العطف الفاء “فقلنا” لبيان عدم وجود فترة ومدة بين ذبح البقرة وبين هدايتهم لكيفية الإنتفاع منها في تحصيل الآية، وكشف الجناية، وهو من مصاديق قوله تعالى في الآية قبل السابقة[ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ]( )،وتعليق هدايتهم على مشيئة الله.
وفيه منع للفتنة والإفتتان وتخفيف عن موسى عليه السلام وتتجلى لغة الإختصار والبلاغة بصيغة الضمائر في الآية [فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا] أي قال الله عز وجل لبني إسرائيل إضربوا الميت ببعض البقرة , ولم تخاطب الآية موسى عليه السلام(فقلنا أضربه) مما يدل على أن الذين سألوا موسى عليه السلام عن أوصاف البقرة وقاموا بشرائها هم الذين تولوا بأنفسهم ضرب الميت بجزء منها، بصيغة الأمر الذي يحمل على الوجوب لأن في هذا الضرب آية ومعجزة متعددة من وجوه:
الأول : بيان كيفية إحياء الله الموتى.
الثاني : منع دبيب الشرك والجحود بين بني إسرائيل، والشك في كيفية البعث، ووقوف الناس بين يدي الله للحساب.
ومن وجوه تفضيل بني إسرائيل على أهل زمانهم أنهم لم يقولوا كما قال غيرهم حيث ورد في التنزيل [وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ] ( )بل إستحضروا الهداية، ورجاء الوصول إلى بغيتهم والبقرة المطلوبة، وتتضمن الهداية بالمعنى الأعم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ أن الآية وردت بلغة الخطاب.
الثالث : رؤية بني إسرائيل لآيات الله، ومنها في المقام:
الأول : إحياء الميت بعد مفارقة روحه لجسده.
الثاني : إخبار القتيل عن اسم قاتله.
الثالث : إحياء الميت بضربه بجزء من البقرة المذبوحة.
الرابع : الزجر عن القتل بين بني إسرائيل، وجاءت الآية بصيغة الجمع “ويريكم آياته” وفيه دلالة على توالي وتعاقب الدلالات الباهرات التي تؤكد وجوب عبادة الصانع، ومن الآيات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من المعجزات.
ومن إعجاز الآية أنها لم تقل “وترون آياته” بل يكون بنو إسرائيل بمنزلة المفعول به في الرؤية، وأن الله عز وجل هو الذي يريهم الآيات، أي لابد وأن يروا الآيات ويدركوا مضامينها القدسية، وما فيها من سنخية الإعجاز، لتكون سبباً لهدايتهم، ومقدمة لرشادهم.
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى : تأديب بني إسرائيل، وإخبارهم بأن الله عزوجل قادر على كل شئ، وأن إحياء الموتى حق، بدليل ورود قوله تعالى [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى] ولعل كلاماً كان يجري بينهم بخصوص إحياء الموتى وكيفيته فجاء إحياء الميت مثالاً حاضراً على إحياء الموتى، ومن اللطف الإلهي أن المثال آية حسية.
الثانية : يبين الله عز وجل في القرآن آياته وفضله على الأمم السابقة لتكون حجة عليهم، ومناسبة لتثبيت المسلمين في منازل الإيمان، ومن وجوه تفضيل المسلمين إطلاعهم على قصص الأمم السالفة، وإعتبارهم وإتعاظهم منها.
الثالثة : في الآية زجر لمشركي العرب عن الإصرار على الجحود بالبعث والنشور ، وورد حكاية عنهم في التنزيل [كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى] ( ).
الرابعة : بيان لزوم تعقب الإيمان لرؤية وإدراك الآيات، وكأنه من قانون السبب والمَسبب والعلة والمعلول، وفيه دلالة على كفاية الآيات الحسية في لزوم تقوى بني إسرائيل.
الخامسة : من أصدق معاني التقوى التي ذكرتها الآية الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه فيما جاء به من عند الله عزوجل بالإضافة إلى التصديق بالبشارات التي جاءت بنبوته في التوراة والإنجيل.
التفسير
قوله تعالى [فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا]
تؤكد الآية بأن الأمر الإلهي جاء على نحو التفصيل ولم ينحصر ببيان أوصاف البقرة , وهذا من فضل الله تعالى على بني إسرائيل على نحو الخصوص.
وتبين الآية الكريمة الغاية من ذبح البقرة وكيفية إحياء المقتول، وهي إن الله تعالى أمرهم أن يضربوه بجزء من البقرة المذبوحة، وأختلف في ذلك الجزء من البقرة على وجوه:
الأول : ضُربَ الميت بفخذ البقرة فقام حياً ، وقال قتلني فلان ثم عاد ميتاً. عن مجاهد وقتادة وعكرمة.
الثاني : ضرب بذَنَبها. عن سعيد بن جبير( ).
الثالث : ضرب بلسانها. عن الضحاك.
الرابع : ضرب بعظم من عظامها. عن أبي العالية( ).
الخامس : بالبضعة التي بين الكتفين. عن السُدي.
السادس : ضرب ببعض أرءابها( ). عن أبي زيد.
ويتعلق التشديد بتكرار السؤال عن صفات البقرة كما تقدم الكلام فيه، أي أنه يجزيهم أية بقرة مطلقاً لأن حاجتهم تنحصر بذَنَب بقرة، ولصيغة العموم في الآية [ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ]( ) ويسمى بالعموم البدلي ولإنعدام المخصص سواء المتصل أو المنفصل.
وورد في الخبر عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: (انهم أخذوا قطعة وهو عجز الذنب الذي منه خلق ابن آدم وعليه يركب إذا أعيد خلقاً جديداً فضربوه بها…) الحديث.
إن الله سبحانه قادر على إحياء الميت من غير آلة مادية وهم يعلمون ذلك، لكنه سبحانه أراد إشتراكهم في تهئية أسباب المعجزة ووقوفهم على موت القتيل بتحقق حصول الموت وإنعدام الشبهة وليتحملوا قسطاً من المقدمات، كما أن شيوع الفاحشة تتحمله الجماعة لأن حدوث القتل وتفشيه يدل على ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة أهله.
وفي وجود النبي موسى بين ظهرانيهم تعظيم للأمر، ومشاركة جماعية عامة وترقب لحصول المعجزة وعنصر المفاجئة، ترى هل إشترك القاتل نفسه بالإعداد وشراء البقرة خصوصاً وأنه من أرحام المقتول، لأن الآيات جاءت بصيغة الجمع وعدم وجود دليل يدل على عدم إشتراكه، فالأصل إشتراكه معهم نفياً للتهمة وإظهاراً للحزن والشفقة، والحرص على معرفة الجاني إلا أن يكون الإشتراك مقيداً بالغنى ووفرة المال، وما ينعدم شرطه عند القاتل.
ويلاحظ في الآية أن الأمر ورد بصفة الطائفة وأن يضرب ببعض البقرة، والبعض جزء من البقرة ويقع على القليل والكثير من مختلف أعضائها وبدنها، ومع هذا لم يسألوا عن البعض الذي يضرب به ما هو، وهل هو من الرجل أم الرأس أم الجلد أم البطن، بينما أكثروا من السؤال عند إرادة ذبح البقرة، وفيه وجوه:
الأول : إنهم إعتبروا من كثرة السؤال عن البقرة فاجتنبوا السؤال هنا.
الثاني : في الآية حذف، وأن البعض قد تم تعيينه وقام النبي موسى عليه السلام بإخبارهم به.
الثالث : إنهم سألوا عنه ويدل عليه قوله تعالى[فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا]، وأن النبي موسى عليه السلام بينّه لهم.
الرابع : إنهم لم يسألوا وإكتفوا بظاهر الكلام للتباين الموضوعي بين ذبح البقرة وبين الضرب ببعضها، فبالنسبة للبقرة جاء موضوعها مفاجئاً كما أن ذبحها يستلزم بذل المال لشرائها.
والأقوى هو الثالث خصوصاً مع الخبر المتقدم الذي يبدو أن إختياره لم يكن إتفاقاً.
عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب امرأة منهم فأنعمت له، وخطبها ابن عم لذلك الرجل وكان فاسقا رديئا فلم ينعموا له، فحسد ابن عمه الذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة، ثم حمله إلى موسى عليه السلام، فقال: يا نبي الله هذا ابن عمى فقد قتل، فقال موسى عليه السلام: من قتله ؟ قال: لا أدري، وكان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا، فعظم ذلك على موسى فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا: ما ترى يا نبي الله ؟ وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار، وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائما، وكره ابنه أن ينبهه وينغص عليه نومه فانصرف القوم فلم يشتروا سلعته، فلما انتبه أبوه قال له: يا بني ماذا صنعت في سلعتك ؟ قال: هي قائمة لم أبعها، لان المفتاح كان تحت رأسك فكرهت أن انبهك وانغص عليك نومك، قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك، وشكر الله لابنه ما فعل بأبيه وأمر موسى بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها، فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى: ” إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ” فتعجبوا وقالوا: ” أتتخذنا هزوا ” نأتيك بقتيل فتقول: اذبحوا بقرة فقال لهم موسى: ” أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ” فعلموا أنهم قد أخطؤوا فقالوا: ” ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ” والفارض التي قد ضربها الفحل ولم تحمل، والبكر التي لم يضربها الفحل، فقالوا: ” ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها ” أي شديدة الصفرة تسر الناظرين ” إليها ” قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ” أي لم تذلل ” ولا تسقي الحرث ” أي لا تسقي الزرع ” مسلمة لاشية فيها ” أي لا نقطة فيها إلا الصفرة ” قالوا الآن جئت بالحق ” هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال: لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فرجعوا إلى موسى عليه السلام فأخبروه فقال لهم موسى: لابد لكم من ذبحها بعينها، فاشتروها بملء جلدها ذهبا فذبحوها، ثم قالوا: يا نبي الله ما تأمرنا ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه قل لهم: اضربوه ببعضها وقولوا: من قتلك ؟ فأخذوا الذنب فضربوه به وقالوا: من قتلك يا فلان ؟ فقال: فلان ابن فلان ابن عمي الذي جاء به، وهو قوله: ” فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون( ).
بحث بلاغي
(ذكروا في باب حذف جواب الشرط قوله تعالى [ اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ] وتقديره: فضربوه فحيي[ كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى ])( ).
ولكن حمل الآية على ظاهرها، والفاظها من غير تقدير لحذف او زيادة يظهر وجوهاً من إعجاز القرآن، فالظاهر أن كلام موسى عليه السلام متصل، فبعد أن أمرهم بضرب المقتول ببعض البقرة، قال متعقباً [ كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى ] .
ولا مانع من تكراره بعد الضرب، وهو متجدد ببركة القرآن وآياته إلى يوم القيامة وكأن واقعة إحياء الميت ببعض البقرة غضة طرية في كل زمان، وفيه مسائل:
الأول : بيان وثوقه من الآية وحصول الإحياء.
الثاني : إستثمار المناسبة في الشكر لله تعالى.
الثالث : لفت أنظارهم إلى الإعجاز والقدرة الإلهية.
الرابع : تثبيت إيمانهم وإقرارهم بصدق نبوة موسى عليه السلام ولزوم إتباعه وتصديقه.
الخامس : منع الغلو والظن بأن الإحياء من موسى عليه السلام.
السادس : لنفي الظن بموضوعية السحر الذي كان شائعاً في زمانه ولمنع طروه في القادم من الأيام والأجيال.
السابع : تحريضهم على المبادرة إلى الفعل والقيام بضربه، ومنعهم من التردد والتوقف كما حصل منهم في ذبح البقرة.
وبذا تتجلى معاني قدسية وإشراقات نورانية من ظاهر الآية وسياقها الدلالي وتركيب كلماتها.
قوله تعالى [ كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى]
قاعدة كلية وخطاب إنشائي بصيغة الخبر وقضية في واقعة تكون درساً وعبرة وتذكرة وحجة ومثالاً ينتفع الناس منه، لذا جاءت الآية بصيغة الجمع تذكيراً بالبعث والنشأة الآخرة، وهذا من فضل الله تعالى ونعمه على بني إسرائيل أن جاء لهم مثال حاضر لإعانتهم على الهداية والإيمان وليهذبوا نفوسهم ويصلحوا حالهم ويتجنبوا القتل والتعدي فيما بينهم، والظاهر أن المخاطب بهذه الآية هم بنو إسرائيل وبواسطتهم الناس جميعاً.
و(كذلك) الكاف للتشبيه، وذلك اسم إشارة جاء للدلالة على وجود شبه بين ضرب الميت ببعض البقرة وبين إحياء الموتى، وهو علم جديد مستقل تطرحه هذه الآية، ترى ما هي وجوه الشبه بين هذه الواقعة وبين إحياء الموتى عامة، الجواب أن الآية جاءت من باب المثال الحسي الحاضر لتقريب المدركات العقلية، وأن إحياء الموتى يتم بالنفخ في الصور وبأمر الله تعالى.
وفي الآية مسائل:
الأولى : إبتداء الآية بقوله تعالى [فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ] فبعد أن كان بنو إسرائيل يتوجهون إلى موسى عليه السلام [فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ] جاء الجواب من عند الله تعالى بالخطاب المباشر لهم، وصحيح أن هذا الخطاب جاء بواسطة موسى عليه السلام وتكليم الله تعالى له إلا أنه تشريف وإكرام لبني إسرائيل بعد أن إمتثل بنو إسرائيل وذبحوا البقرة.
الثانية : الأمر الإلهي لبني إسرائيل بضرب الميت بجزء من البقرة، على نحو الإطلاق من غير تعيين له، وفيه تخفيف عن بني إسرائيل، ومن الآيات أن بني إسرائيل لم يسألوا عن الجزء الذي تضرب به البقرة ولم يطلبوا تعيينه، ولو طلبوا تعيينه ففيه وجوه:
الأول : يطلبون بذات الصيغة وهي الخطاب إلى موسى [َادْعُ لَنَا رَبَّكَ].
الثاني : يتوجهون إلى الله تعالى بالسؤال مباشرة لمجئ هذه الآية بصيغة [قُلْنَا اضْرِبُوهُ].
الثالث : الأصل هو ذات الصيغة التي جاءت بها الآيات السابقة، وفي الآية حذف ، والتقدير: فقلنا قل لهم ياموسى إضربوه ببعضها، فيكون سؤالهم بذات الصيغة التي جاءت بها الآيات السابقة.
الثالثة : لقد جاء الأمر بالضرب عاماً موجهاً إلى بني إسرائيل.
وفي الذي تولى الضرب وجوه:
الأول : إنه موسى عليه السلام بإعتبار أن إحياء الميت بضربه بجزء البقرة معجزة، وتحتاج إلى النبي ليقوم بها، وهو كضرب موسى الحجر بعصاه.
الثاني : قام فرد من بني إسرائيل بضرب الميت بالعصا، وأن موضوعية النبي تتجلى في الإخبار عن الأمر الإلهي بالضرب.
الثالث : قيام عدد من بني إسرائيل بضرب الميت بجزء البقرة وهو على أقسام:
الأول : إمساك جماعة منهم لجزء البقرة كذيلها وضرب الميت به في حركة واحدة.
الثاني : ضرب كل فرد من الجماعة الميت بجزء من البقرة في وقت واحد، لذا جاء التنكير وعدم التبعيض لجزء البقرة المراد وقوع الضرب به.
الثالث : ضرب جماعة للميت على نحو التعاقب والتوالي.
لادليل على أي قسم من الأقسام الثلاثة أعلاه من الوجه الثالث، لأن الأصل هو كفاية قيام المتحد بالضرب، وهو القدر المتيقن وفيه الأجزاء، وأما الوجه الأول، فان الآية جاءت بلفظ إضربوه في خطاب لبني إسرائيل الذين توجه لهم الأمر بذبح البقرة بقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا].
والصحيح هو الثاني أي قام شخص من بني إسرائيل بضرب الميت بجزء البقرة مع حضور جمع وعدد منهم ليصدق عليه أنه ضرب من الجماعة والكثرة التي توجه لهم الخطاب، فالضرب في المقام كالواجب الكفائي الذي يجزي فيه أداء واحد من الجماعة، إذ يتحقق به المطلوب وهو ضرب الميت ببعض البقرة.
ومن القرائن عليه أن الآية لم تقل (واضربوه بها) بل قالت [اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا] لكفاية الجزء منها، وقدرة الإنسان الواحد على الضرب بجزء من البقرة.
قوله تعالى [وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ]
جاءت الآية بصيغة الجمع، والمقصود وجوه:
الأول : في ذبح البقرة وإحياء القتيل عدة آيات.
الثاني : المقصود آيات عديدة وقصة البقرة واحدة منها.
الثالث : تعدد الآيات وتعدد آيات قصة البقرة نفسها.
الرابع : تجلي المعجزات الحسية والعقلية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، فمن فضل الله تعالى أن نعم الله كانت متوالية وأن التذكير بها نعمة أخرى.
وتدل الآية على حضور بني إسرائيل لإحياء الميت، وأنه آية من الله تعالى ، وشاهد على عظيم قدرته تعالى، وفضله على بني إسرائيل في رؤيتهم الآيات لأنها سبب لزيادة الإيمان وثبوت الهداية وإجتناب اللجاج والمكابرة والعناد، فالآيات طريق لإصلاح النفوس وإظهار التسليم بالنبوات.
وجاءت الآية بصيغة المضارع في إشارة إلى الآيات المتتالية والتي يأتي بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]
(لعل) تفيد التوقع لمرجو أو مخوف، وفيها طمع وإشفاق، وقد تأتي في القرآن بمعنى كي وأصلها علّ واللام زائدة وتكون بمعنى عسى.
والآية بيان لبعض علل الآيات المنزلة على بني إسرائيل، وأن الله عز وجل غني غير محتاج، وهو اللطيف بعباده يقربهم إلى التقوى والهداية، عسى أن يؤمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما يرون الآيات الباهرات التي جاء بها لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، أي إذا كنتم تؤمنون بالآيات التي جاء بها موسى عليه السلام وتتباهون وتتفاخرون بها، فان الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذات السنخية وتؤكد صدق نبوته.
لذا فمن أسرار صيغة المضارع في الآية إعتماد العقل والحكمة مع الأنبياء والتصديق بالآيات التي يأتون بها من عند الله تعالى، فخاتمة الآية تدل على لغة التأديب التي تتضمنها قصة البقرة وما فيها من الإعجاز.
لقد كانت نعمة إحياء الميت آية إعجازية لم ينحصر نفعها بالجانب العقائدي بل هي مدخل للصلاح وزاجر عن الجناية والجريمة، فحصول القتل بينهم يدل على دبيب الخلاف والبغض وشدة الخصومة وغلبة النفس الغضبية، فأراد   لهم الرجوع الى الوئام أو لا أقل الإمتناع عن إستحواذ النفس البهيمية عليهم وإدراك لزوم الصدور عن أحكام الشريعة، ففضح الجاني لتسود الأخلاق الحميدة بينهم وهذه من أعظم النعم.
وتدل الآية على إرتقاء المسلمين بأن شرّع الله لهم القصاص قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( )، فان قلت إن الآية لم تمنع من حصول القتل بين المسلمين قلت: إن المسلم الذي يتقيد بأحكام الشريعة لا يقدم على القتل بغير حق، ومضمون الآية في إجتناب القتل فهي حكم قضائي وضعي، وتشريع قانوني فمتى ما أدرك الذي ينوي القتل انه يُقتل قصاصاً يتجنب الفتك بغيره لأنه في الحقيقة قتل لنفسه ولكن بالواسطة.


قوله تعالى [ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ] الآية 74.
الإعراب واللغة
ثم: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي.
قست: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث الساكنة، قلوبكم: فاعل، والضمير الكاف: مضاف إليه، من بعد: جار ومجرور، ذلك: مضاف إليه.
فهي: الفاء: حرف عطف، هي: مبتدأ.
كالحجارة: جار ومجرور، وقيل الكاف اسم بمعنى مثل، فيكون الحجارة: مضاف إليه.
أو: حرف عطف للترديد، أشد: معطوف على الحجارة لأنها في موضع رفع، قسوة: تمييز منصوب وإن: الواو إستئنافية، إن: حرف مشبه بالفعل.
من الحجارة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم.
لما: اللام المزحلقة، ما: اسم موصول في محل نصب إسمها المؤخر.
“فيخرج”: الفاء عاطفة، يخرج: معطوف على يشقق، “وما”: الواو إستئنافية، ما: نافية تعمل عمل ليس.
إنفرد ابن كثير بقراءة يعملون بالياء بدل التاء، مع أن ظاهر الآية معطوف على لغة الخطاب التي قبلها.
والقسوة : الصلابة، وقسوة القلب غلظته أي غياب الرحمة والرأفة واللين عنه.
والأنهار : جمع نهر وهو المجرى الواسع الثابت للماء وهو أصغر من البحر وأوسع وأطول من الجدول، وقد وردت كلمة الأنهار في القرآن إحدى وخمسين مرة أغلبها تتعلق بالجنان وما فيها من النعم وأن الأنهار من أحسن موجوداتها.
وتفجر الأنهار : جريانها خارج مجراها زيادة، وقيل (تفجير الأنهار مفارقة أحد الجانبين الآخر)( ). وهذا التفرع والإنشقاق أحد مصاديق الإنفجار.
والإنشقاق : إفتراق وإمتداد وإنقسام، وكل إنشقاق إفتراق وليس العكس.
وغفلت عن الشيء غفولاً: إذا تركته على ذكر منك، لذا فهي ليست مطابقة للسهو بل هي أعم منه، ولكن يمكن القول أيضاً ان بين النسيان وبينها عموماً وخصوصاً مطلقاً فكل غفلة نسيان وليس كل نسيان غفلة، وهذه النسبة المنطقية وورد في أدعية الصحيفة السجادية بخصوص الملائكة: “ولا يقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات” وفيه إقرار بانتفاء السهو عن الملائكة، وبين السهو والنسيان عموم وخصوص مطلق، وكل سهو هو نسيان وليس العكس.

في سياق الآيات
بعد آية إحياء الميت بمرأى من بني إسرائيل ، وحصول التواتر الخبري فيه بين أجيالهم حصل العناد والمكابرة فجاء القرآن لتوثيق الآية وبيان عظيم فضل الله على بني إسرائيل وصلاحهم.
يظهر في الآية التداخل والملازمة والتتابع بينها وبين الآيات المتقدمة وكيف كان جفاؤهم وإعراضهم بعد الآيات الباهرات.
واللوم على قسوة القلوب مركب من وجهين:
الأول : ذات القسوة وبغضها.
الثاني : مجيء القسوة بعد النعم العظيمة التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل ورؤيتهم لبعث الميت وإخباره عمن قتله بآية من عند الله تعالى.
مما يجعل الإثم والظلم للنفس أكبر، لإنعدام السبب لقسوة القلب ولزوم ضده وهو رقة القلب والتدبر بالآيات، وتلقي الأوامر الإلهية بالقبول والإمتثال، وجاءت الآية التالية خطاباً للمسلمين بصيغة الإنكار لطمعهم بالتصديق بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع قيام فريق منهم بتحريف الكتاب.
ومن الإعجاز في سياق الآيات مجيء هذه الآية والآية التالية بصيغة الخطاب مع التباين في جهة الخطاب، فهذه الآية خطاب لبني إسرائيل والآية التالية خطاب للمسلمين، ومن الآيات إبتداؤها بقوله تعالى [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ] للدلالة على عائدية الواو في [يُؤْمِنُوا] لبني إسرائيل الذين تخلفوا عن الإسلام.

إعجاز الآية
تبين هذه الآيات موضوعية وأهمية التذكير بالقبائح كحجة وإحتجاج وسبب ردع وتوبيخ، وفيها إشارة إلى حال بني إسرائيل أيام البعثة النبوية، فاذا كانت قلوبهم قد قست بعد رؤية الآية الحسية جاء الزجر عن تلقي الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية بالإعراض والصدود .
وبدأت الآية بحرف العطف (ثم) الذي يفيد التراخي مما يدل على أن القسوة لم تحل بقلوبهم في أيام موسى عليه السلام وعند رؤية البراهين ومنها أحياء الميت وإخباره عن قاتله , ويمكن تأسيس قاعدة منه وهي إنتفاء قسوة القلوب بحضور النبي .
ومن إعجاز القرآن تقريب الكليات العقلية بأمثلة حسية ملموسة لإعانة الناس على فهم المعنى وإدراك المقصود، وإستحضار الموضوع، ومع ان القلب عضو من الإنسان يتصف بالرخاوة كباقي أجزاء البدن فان الآية وصفت قلوبهم بالحجارة الصلبة كناية عن خلوها من الرأفة والرحمة، وجاءت الآية بالتفصيل في أفراد الحجارة لتثبيت حقيقة إتصاف قلوبهم بالقسوة على نحو محض.
وتبين الآية أن الخشوع يحل بالكائنات التي تدرك عظمة الخالق وسعة قدرته، وأنه لا ينحصر بالإنسان وما رزقه الله من عقل وبصيرة وحواس يعلم معها الآيات والبراهين على بديع صنع الله ودلالاته على وجوب الخضوع والخشوع له سبحانه، وهي حجة على الإنسان لذا جاءت المقارنة والمشابهة بين القلوب والحجارة آية جامعة للإنذار والبشارة، والوعد والوعيد.
وحين قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك فبدا له أحد قال: هذا جبل يحبّنا ونحبه) ( ).
فأخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن كون الجبل يحب عن إختيار وبقيد النبوة والإيمان، وأن الصلة بين جبل أحد والمسلمين باقية إلى يوم القيامة بعنوان الحب في المقام وهو الجهاد في سبيل الله عن ضعف وقلة ضد المشركين المعتدين وتحقيق النصر عليهم وحملهم على الإنسحاب والفرار إلى مكة , قال تعالى بخصوص معركة أحد[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
ويمكن تسمية الآية بآية (قست قلوبكم) ولم يرد هذا اللفظ بصيغة الخطاب إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
ما تكشفه الآية من إقامة أهل الجحود على العناد وعدم الإنصات إلى آيات الحق قوة للمسلمين ودعوة للإعراض عنهم.
وتدعو الآية المسلمين وأهل الكتاب جميعاً الى إجتناب غلظة القلوب، والتنزه عن العناد، وتحثهم والناس جميعاً على التدبر في الآيات، وما فيها من مضامين الإعجاز، وتبين كراهة الإصرار على الجحود، وما يترشح عنه من الأضرار، وفيها دعوة للإنصاف والتدبر بالآيات وإحقاق الحق، وعدم بخس المسلمين حقوقهم.
وتضمنت الآية اللوم لبني إسرائيل باختيارهم قسوة القلوب بينما جاء ذم وتوبيخ الكفار ونعتهم بالختم على قلوبهم عقوبة، قال تعالى [خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ]( ).
لذا تفضل الله عز وجل وأذن ببقاء أهل الكتاب على ملتهم وقبول الجزية منهم، وليكون هذا اللوم نعمة ومقدمة لتلقيهم الأوامر والنواهي الإلهية التي تجعل القلوب تلين وتتصف بالخشوع.
مفهوم الآية
الآية توثيق لكيفية تلقي بني إسرائيل لعظيم فضل ونعمة الله تعالى عليهم وكيف أنهم أعرضوا عن الآيات وغلبت القوة الغضبية والشهوية على قلوبهم فلم يلتفتوا إلى المواثيق ، وما يترتب على الآيات من لزوم الشكر وحسن الإمتثال والتقيد بأداء الفرائض والعبادات.
ومن مفاهيم الآية أنها دعوة سماوية لهم لدخول الإسلام والإيمان بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن وصف أقسام الحجارة في الآية إعجاز قرآني وإخبار عن إقرار الجمادات بالوحدانية وأن بعض أنواع الحجر يؤدي وظائف لخدمة الإنسان، وهو من عناصر دوام النعم على الأرض.
وتشبيه قلوبهم بالحجارة وبيان أن من الحجارة ما تجري منها الأنهار أو يخرج منها الماء أمران يدلان في مفهومهما على البشارة بخروج ذرية صالحة من أولادهم يحسنون الإنتماء للإسلام ويكونون دعاة في سبيل الله تعالى.
ويدل ذكر قسوة القلب يدل في مفهومه على التحذير من قيامهم بأفعال قبيحة ومنكرة مترشحة عن قسوة القلب ، ويمكن معرفتها بالآيات التي تشير إلى تكذيبهم الأنبياء والتعدي عليهم , وفيه إشارة إلى صعوبة إنقياد بعضهم للأنبياء وأحكام النبوة فكانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غيرهم حاجة وضرورة.
ويمكن أخذ حالة أصغر كمثال وهي مجتمع قريش وأهل مكة فعندما جحدوا بنبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولاقى وأصحابه منهم أشد أنواع التعذيب والأذى هاجر إلى المدينة، وكذا بالنسبة لشطر من بني إسرائيل فلما كفروا بأنبيائهم وأصبحوا في حال لا يلتفتون إلى الآيات التي يأتي بها الأنبياء فمن باب أولى أنهم لا يتبعون من يأمرهم بالقتال وفتح الأمصار وإجبار أفراد القبائل على دخول الإسلام.
ومع ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث من غير اليهود ولم يتعرض لهم في بداية الدعوة فانهم واجهوه وأعانوا المشركين عليه بالقول والكيد والسلاح، فاقتضت الحكمة الإلهية ان تأتيهم النبوة من خارجهم وبالقوة والمنعة مع وجود البشارات بنبوته في كتبهم تخفيفاً عنهم وترغيباً لهم وللناس بدخول الإسلام وحجة عليهم، قال تعالى[وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ] ( )، وتتصف النبوة الخاتمة بإكرام دينهم وشريعة موسى عليه السلام إن إختاروا البقاء على اليهودية بمعنى أن الإسلام علة كريمة لحفظ اليهودية والمسيحية، وكان سبباً في حفظ اليهود والنصارى وإلتزام شطر منهم بشريعة موسى عليه السلام وأحكام التوراة، فرسالته صلى الله عليه وآله وسلم رحمة في الدنيا لبني إسرائيل مطلقاً من آمن به ومن لم يؤمن.
نعم من إختار الكفر برسالته صلى الله عليه وآله وسلم لا ينجو من العذاب في الآخرة، لذا ورد ذيل الآية بلغة الإنذار والتخويف والوعيد والإخبار بأنه سبحانه يعلم كل ما يعملون مما ينتج عن قسوة القلوب وسوء السرائر.
وبينما جاءت قسوة القلوب بصيغة الماضي والتراخي بعد الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام، بقوله تعالى [ ثُمَّ قَسَتْ ] فان قوله تعالى [ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ] جاء بصيغة المضارع مما يعني أن موضوعه هو أيام النزول وما يفعله أهل الكتاب أزاء الإسلام والمسلمين وما يلاقيه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من الأذى والمكر الذي يقوم به بعض رؤسائهم.
ومفاهيم هذا التوبيخ إفاضة من المعرفة الإلهية، فلم تبلغ المدارس الإجتماعية الحديثة ما فيه من صيغ التأديب المتعددة الأبعاد، والحث على إصلاح الذات والسرائر كمقدمة لسلامة البصيرة.
وفي الآية لوم وذم لسوء الفعل فبدل ان تقابل الآيات كنعمة من الله تعالى بالشكر والإذعان والتسليم وحسن النية والعزم على الإمتثال لما يأتي به الأنبياء من عنده تعالى فان القلوب أعرضت، وظهرت أمارات الغلظة والنفرة والجحود، والترديد الوارد في الآية في شدة قسوة القلوب لا يفيد عدم التعيين لأنه سبحانه أحاط بكل شيء علماً، ولكنه إخبار عن النسبة التشكيكية والتفاوت في درجات الشدة والضعف في قسوة القلوب على نحو القضية الشخصية وأفراد الزمان الطولية بمعنى أن هناك أشخاصاً قلوبهم كالحجارة في قسوتها، وأشخاصاً أشد وأكثر قساوة وإمتناعاً عن تلقي الحق، كما تكون قلوب بني إسرائيل مرة قاسية ومرة شديدة في قسوتها ومرة أشد قسوة، أي بين مرتبة القلوب القاسية والأشد قسوة مراتب متعددة في شدة القسوة.
وتنعكس قساوة القلب على الأفعال والإختيارات أي أن اللوم في الآية توجه إلى السرائر والقلوب باعتبار أنها منبع القرار والحاكم على السلوك ومصدر الأفعال، بلحاظ البرهان اللمي والبرهان الإني.
ومن مفاهيم هبوط وخشية الحجارة من الله عز وجل التوبيخ والذم لبني إسرائيل للمائز العام والخاص الذي جعله الله عز وجل عندهم، أما العام فهو العقل الذي جعله الله عزوجل عندهم كأفراد من البشر.
وأما الخاص فهو النعم المتتالية التي أنعم الله عز وجل بها عليهم، ومن مفاهيم الإنذار التي تتضمنه خاتمة الآية أنه رحمة وسكينة للمسلمين.
وفي الآية مسائل:
الأولى : عطف الآية على ما قبلها مع إرادة معنى التراضي إذ إبتدأت بالحرف(ثم) وفيه شاهد بأن القسوة لم تحدث كاملة حال المعجزات ووجود موسى عليه السلام بين ظهرانيهم، بل جاءت فيما بعد، وهو يدل على كون المراد في قوله تعالى [بَعْدَ ذَلِكَ] ليس إحياء الميت وإنكار ابن أخيه أمر قتله وتأييد جماعة له، بل المراد من (ذلك) هو النعم المتعاقبة التي أنعم الله بها على بني إسرائيل والمعجزات الخارقة للعادة التي جاء بها موسى عليه السلام منها:
الأول : رفع الجبل فوقهم ، قال تعالى[وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ]( ).
الثاني : مسخ جماعة من الجاحدين والمعاندين قردة.
الثالث : آية عصا موسى، وجريان الماء من الحجر وإنفراق البحر.
الرابع : قصة البقرة وإحياء الميت بضربه بجزء منها.
الثانية : التوبيخ على قسوة القلوب، وبيان قبحها الذاتي والعرضي.
الثالثة : الآية معجزة وشاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيها من الإخبار عن خفايا بني إسرائيل، وما تخفيه نفوس الأجيال السابقة واللاحقة منهم، إذ أن أصل الإستصحاب يعمل في المقام فتنبسط قسوة القلوب على الأزمنة اللاحقة، وفيه إشارة إلى علة عدم إستجابتهم لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام.
الرابعة : في الآية حث على ذكر الله، لأنه يطرد قسوة القلب، ومن ذكره تعالى التدبر في آياته.
الخامسة : قسوة القلوب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً، وجاءت الآية بما يمنع الإجمال والترديد بان شبهت قلوبهم بالحجارة في إشارة إلى إستيلاء القسوة عليها.
السادسة : تبين الآية مسألتين:
الأولى : قوة الحجارة من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة.
الثانية : غلطة قلوب هؤلاء من الكلي المشكك المقيد من جهة المرتبة الأدنى فتكون غلظة وقسوة قلوبهم على مراتب ودرجات متفاوتة، وأدناها ما يكون بقسوة الحجارة، وليس لأعلى مراتب قسوة القلوب عندهم من حد، ليكون وصف قلوبهم بقوله تعالى [فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً] من إعجاز القرآن، والوصف الذي يتضمن التوبيخ والتحدي، التوبيخ للزجر عن الإصرار على العناد والإستكبار، والتحدي لعدم إمكان إنكار هذا الوصف الذي يتجلى على اللسان وفي عالم الفعل.
السابعة : بيان التفصيل في أقسام الحجارة وذكر بعض أفرادها التي تكون أقل قسوة وغلطة من بعض القلوب، وإن بعض الحجارة يخرج منها الماء.
الثامنة : من الحجارة ما تنبع منها العيون، ويتدفق منها الماء، ولكن ليس كالأنهار، في بيان تعدد النفع ووجود الليونة في الحجر، ومصاحبته للماء وهو في موضعه، ويقبل الإنشقاق والقطع الذاتي كي يكون مجرى للماء، وطريقاً لخروجه وتدافعه على نحو العيون والينابيع والآبار.
ويحتمل وجهين:
الأول : إرادة الأحجار مطلقاً، ومنها التي تكون منبعاً للماء، ومادة للأنهار، وعيوناً للماء.
الثاني : المقصود الحجر الذين رزقه الله عز وجل موسى عليه السلام فيضربه بعصاه فيخرج منه الماء، قال تعالى [اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا] ( ).
والصحيح هو الأول، والثاني في طوله , وإن ذهب جماعة من المفسرين إلى إرادة المعنى الثاني، في قوله تعالى [وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ] وقال الحسين بن علي المغربي بالتفصيل (وأن المراد بالحجارة الأولى حجارة الجبال منها تتفجر الانهار، وتفجر الماء أعم من خروجه منها بالذات بل المراد من بينها وعلى سطحها والثانية حجر موسى عليه السلام الذي كان يضربه فيخرج منه العيون فلا يكون تكراراً) ( ).
ولكن هناك تباين لغوي بين الحجر والحجارة , والمراد من الحجر الصخرة، والجمع في القلة أحجار، وفي الكثرة حجار وحجارة.
(وقال الليث: الحجر جمعه حجارة وليس بقياس لان الحجر وما أشبهه يجمع على أحجار)( ).
وجاء قوله تعالى (فمن الحجارة) لإفادة التبعيض ولكنه لا يعني الحصر بحجر موسى عليه السلام من وجوه:
الأول : إرادة عامة الحجر، وليس الذي يخرج منه الماء بمعجزة، لأن الآية في مقام المقارنة والتشبيه.
الثاني : أراد الله عزوجل بالآية الكريمة الإحتجاج على بني إسرائيل، ويكون الإحتجاج بما هو متيسر وموجود مما يدل على إرادة الجمع في قوله تعالى [مِنْ الْحِجَارَةِ] وليس المفرد.
الثالث : تشمل قسوة القلوب الذين جاءوا من بعد موسى عليه السلام ممن لم يروا معجزة العصا وتدفق الماء من الحجر، والآية خطاب للموجود من بني إسرائيل أوان البعثة النبوية المباركة.
الرابع : جاء قوله تعالى [وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ] بلفظ الجمع والكثرة في الأنهار والمفرد منه نهر أي المجرى الواسع للماء، ويقال قسا قلبه قسوة وقساوة أي إنتزعت منه الرحمة والرأفة.
وجاءت الآية بوصف القلوب في غلظتها بالترديد بين الحجارة وبين ما هو أشد منها في إشارة إلى أن الإنسان قد يقسو ويخلو قلبه من الرحمة بما يكون أكثر قسوة من الحجر، وفيه إشارة إلى التباين الرتبي بينهم وأنهم ليسوا على مرتبة واحدة في القسوة.
الخامس : تأتي المقارنة والتشبيه بما هو معروف عند الناس، فمن خصائص التشبيه أن يكون المشبه به أكثر وضوحاً وظهوراً من المشبه، (وفي الخبر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أن حجراً كان يسلم علي في الجاهلية، وأني لأعرفه الآن) ( ).
السادس : ذكر قسم من الحجر وهو الذي يتضاءل ويتصاغر من خشية الله تعالى، في توبيخ إضافي على قسوة قلوب بني إسرائيل، وقيل المراد من الضمير (ها) [وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ] هو القلوب، أي من القلوب ما يهبط من خشية الله في إشارة لمن يؤمن بالله من أهل الكتاب كما في قوله تعالى [مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] ( ).
والأول أرجح، وهو عودة الضمير للحجارة في بيان لوجود الإستجابة لمقام الربوبية بين الأحجار والجماعات، قال تعالى [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا]( )،.
السابع : إختتام الآية بلغة الإنذار والوعيد، والإخبار بأن الله عز وجل أحاط بكل شئ علماً، ولا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وجميع أفعال العباد حاضرة عنده سبحانه.
وفي الآية مدح للمسلمين، وإخبار عن عدم بلوغهم منازل قسوة القلوب وما فيها من الضرر والأضرار.
إفاضات الآية
في الآية حث سماوي على تعاهد منازل الإيمان وإستحضار الآيات في المنتديات وحلقات الدرس والمواعظ والحياة اليومية العامة والأسرية لمنع قسوة القلب، وقد نال المسلمون السبق في هذا الباب، وتعيش معهم سنّة رسول  صلى الله عليه وآله وسلم وكأنها واقعة اليوم، كل بحسب لغته ودرجة تحصيله وإدراكه ، لذا فالمشهور والمختار جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى وعدم إشتراط نقل النص واللفظ بالدقة عند تعذره، وفي حال البيان والتفسير والإيضاح.
وتدعو الآية إلى رقة القلوب التي تدرك بذكره تعالى والخشية منه ولزوم مواطن الشكر، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل”)( ).
وفي الحديث ندب للمسلمين للتفقه في الدين، وإتخاذه وسيلة لعصمة القلوب من القسوة والغلظة.
الآية لطف
بدأت الآية بلغة الذم واللوم المقرون بالتذكير بغلظة القلوب، وفيه آية من علوم القرآن، إذ أن الله عز وجل يأتي بالذم لطفاً بالعباد، فيكون مقروناً ببيان أسبابه وعلته، وفيه دعوة إلى التوبة والإنابة والتنزه من سبب اللوم والذم، وإقامة الحجة على بني إسرائيل، وبيان أصل الشواهد على حاجة الناس لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإعتبار أن أهل الكتاب هم حماة التوحيد في الأرض قبل البعثة النبوية ولما قست وغلظت القلوب وإنشغل الناس بجمع الأموال وزينة الدنيا، ولم يحرصوا على أداء العبادات والفرائض بشرائطها أنعم الله على الناس بالبعثة النبوية والإسلام والمسلمين كأمة تتعاهد العبادات والفرائض، وتجتهد في الاستعداد للآخرة، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وشاهد على حاجة الناس لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتدعو الآية إلى خشية القلوب من الله، والتي تتجلى بوجوه:
الأول : الإيمان بالله والتصديق بالأنبياء.
الثاني : العمل بأحكام الشريعة.
الثالث : تعاهد العبادات والفرائض.
الرابع : تهيئة مقدمات العبادات لما يترشح عليها من وجوب ذيها.
الخامس : التدبر بالآيات القاهرة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتي هي دليل على وجود الصانع ووجوب عبادته.
السادس : التقيد بأحكام الأخوة الإيمانية، وإعانة الفقراء والمساكين قربة إلى الله تعالى.
السابع : الجهاد في سبيل الله.
الثامن : التفكر في آيات الله عزوجل، وإقتباس المواعظ منها.
التاسع : إجتناب غلظة القلب والإبتعاد عن الرأفة والرحمة والتدبر في الآيات.
وكما جاءت الآية حجة على بني إسرائيل، فانها تأديب للمسلمين، ودعوة للخشوع والخضوع، ومن الآيات أن المسلمين يطردون قسوة القلوب بسجود كل مكلف ومكلفة منهم أربعاً وثلاثين مرة كل يوم في الصلاة الواجبة.
ومن الآيات في أحكام الشريعة الإسلامية أن الصلاة لا تترك بحال، فيصليها المسلم في حال الصحة والمرض، ومن لم يقدر على أدائها قائماً يصليها جالساً، ومن يتعذر عليه أدائها عن جلوس يصليها مستلقياً وعلى يمينه او على يساره، وبأدنى الحركات الممكنة للركوع والسجود كما مبين في الفقه، ومن يتعذر عليه الوضوء تنتقل وظيفته إلى الطهارة الترابية، لكي لا يغادر المسلم والمسلمة منازل الخشوع والخضوع لله، وتكون الصلاة والعبادات الأخرى واقية من قسوة القلوب.
وجاء وصف الحجارة بأن الماء يتدفق منها في إشارة إلى لزوم جريان المعروف على يد أهل الإيمان وقيامهم بنشر الفضيلة ومفاهيم الصلاح.
الصلة بين أول وآخر الآية
بدأت الآية بحرف العطف (ثم) الذي يفيد التراخي لبيان أن قسوة القلوب جاءت فيما بعد،و فيه ذم لهم لأن الأصل بقاء أثر وموضوعية الآيات ومعجزات موسى عليه السلام في إصلاحهم وهدايتهم، بالإضافة الى تعاقب الأنبياء على بني إسرائيل، ولم تكتف الآية بالإخبار عن قسوة قلوبهم، بل ذكرته كمشبه، لبيان درجة القسوة والغلظة التي صاروا عليها، بلحاظ قسوة الحجارة وما هو أشد منها.
ثم أشارت الآية إلى حقيقة وهي التباين الجهتي بين المشبه والمشبه به وأن الأخير فيه خصال غير موجودة بالمشبه ليكون التشبيه وفق تنقيح المناط بقسوة وغلظة الحجارة دون الجوانب الحسنة فيها.
وذكرت الآية وجوهاً من منافع الحجارة وهي :
الوجه الأول : من الحجارة ما ينبع الماء من بينها، فلا تكون قسوتها مانعاً من جريان الماء من بينها، فهي مع صلابتها وغلظتها تكون واسطة نعمة جريان الماء، وذكرت الآية الماء المتدفق من الحجارة بلفظ التفجر لبيان الكثرة في جريان الماء من الحجارة، وجاء لفظ الأنهار بصيغة الجمع، وفيه مسائل:
الأولى : كثرة الماء المتدفق بين الأحجار.
الثانية : إرادة نبع الماء من الجبال، ونزل القرآن في الجزيرة العربية وليس من جبال ينبع منها الماء وفيه إعجاز ومناسبة لتنمية مدارك المسلمين.
الثالثة : بشارة بلوغ حكم الإسلام البلدان التي فيها جبال ينبع منها الماء، وكأن الآية تقول (ان قلوب المسلمين لم تقس) وسيصلون ويقطنون أمصاراً فيها جبال ينبع منها الماء.
وتلك آية في المثل والتشبيه القرآني بأن يفتح آفاقاً من العلم للمسلمين ويتضمن البشارة والوعد الكريم، ولم تمر الأيام والليالي حتى فتح الصحابة ومن معهم من التابعين العراق ومصر والشام وبلاد فارس وغيرها وفيها تلك الحجارة والجبال التي تتفجر منها الأنهار.
الرابعة : الإخبار عن بقاء جريان الأنهار في الأرض، وعدم الخشية من قلة مائها، فمن إعجاز المثل القرآني بقاء المشبه به موضوعاً وحكماً، وفي صيغة الجمع (الإنهار) توكيد لإستدامة نعمة جريان الأنهار ونبعها من الجبال والحجارة.
الخامسة : ذكر القرآن للآيات الحسية، وإقامة الحجة على بني إسرائيل- بما تدركه حواسهم.
وتحتمل الآية وجوهاً:
الأول : الحجارة الواحدة المجتمعة في مكان واحد يتفجر منها نهر واحد أو جزء من النهر.
الثاني : جريان أنهار عديدة من حجارة واحدة.
الثالث : جريان الأنهار من حجارة وجبال متعددة.
الرابع : جاءت صيغة الجمع في الأنهار لإرادة التجدد في جريان الماء في ذات النهر، ففي كل ساعة وكل يوم هو نهر جديد في الواقع لأن الماء الذي يجري فيه غير الماء الذي جرى في اليوم السابق له وإن إتحد اسم النهر.
والصحيح هو الثالث، فالمراد الحجارة المتعددة وإرادة اسم الجنس من الحجارة وفيه آية وشاهد على كثرة النعم الإلهية وبديع صنع الله عز وجل وأن الحجارة الصلبة يخرج منها الماء السائل العذب، وفيه طرد لشبح المجاعة وأسباب الفزع والخوف من نقص المياه في العالم.
ولابد من التمييز بين إحتكار التصرف في الماء، وقسمته قسمة شرعية سواء على نحو القضية الشخصية أو الشركة والقبائل أو الدول.
الوجه الثاني : من الحجارة ما تقوم بالتشقق والإنفطار كي يخرج منها الماء، وكأنها تقدم تضحية من أجل إنتفاع الإنسان والخلائق الأخرى، بجريان الماء منها، فلا يمكن أن يخرج الماء من ذات الحجارة لأنها صلبة متحدة فتكون بين أمرين:
الأول : بقاؤها على شدتها وصلابتها وتماسكها فلا يخرج منها الماء ولا ينتفع منه أحد.
الثاني : تشقق الحجارة ، فيجري الماء منها فينتفع منه الإنسان والدواب والزرع.
فجاءت الآية بالإخبار عن حصول الفرد الثاني، ومن إعجاز القرآن أن يذكر المشبه به للبيان وذم المشبه فيكون هذا الذكر مدرسة كلامية وإقتصادية وسياسية إذ أكدت الآية على نبوع الماء من الحجر، وهل في الآية بشارة إستخراج الماء من الحجر كما لو حفرت آبار واسعة في الجبال وغيرها، وإستعملت وسائل علمية حديثة لإستخراج الماء من الجبال في غير موسم جريانها بالتنقيب بين الحجر وكأنها تشقق ليخرج الماء الجواب نعم، وهو من إعجاز القرآن ودعوته للعلم وتوظيفه لخدمة الناس، واللجوء إلى التقنية في حال جفاف قسم من الأنهار , مع كثافة السكان على ضفافها وإزدياد حاجتهم الخاصة والعامة للماء.
وفي الصلة بين أول الآية وما فيها من الذم وبين قوله تعالى [وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ] حصر للتشبيه في فسق قلوبهم بالحجارة الصلبة التي لا ينتفع منها.
لتدل الآية بالدلالة الإلتزامية على حاجة الناس لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووراثة المسلمين لسنن الأنبياء، وجريان النفع على أيديهم، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) فعندما تخلفت الأمة التي كانت مفضلة من بين الأمم عن وظائفها في إنتفاع الناس منها في أمور الدين والدنيا، بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين مع إنتفاء القسوة والغلظة من قلوب المسلمين، قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ]( ).
ويدل على هذا الإنتفاء الآية أعلاه وإخبار القرآن بأن المسلمين أحسن وأفضل الأمم وفيه دعوة لبني إسرائيل للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما في الآية من الإخبار عن حال قلوبهم وهو من علم الغيب، ولا يعلمه إلا الله عز وجل , ولأن النبي يدعو إلى التراحم والعفو والتعاون في سبل طاعة الله والإمتثال لأوامره بالحكمة والموعظة الحسنة،، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ).
وجاء الشطر السابق من الآية بالإخبار عن جريان الأنهار، وإندفاع الماء بقوة من ذات الحجارة، أما هذا الشطر فأخبر عن تشقق الحجارة كي يجري الماء، وبين الماء والأنهار عموم وخصوص مطلق، فكل محتوى النهر هو ماء وليس كل ماء هو نهر، بالإضافة إلى حقيقة وهي كثرة مياه الأنهار أما الماء الذي ذكرته الآية فجاء على وجه التنكير ليشمل النبع والساقية والماء الكثير والقليل.
ومن الإعجاز أن الآية ذكرت ماء الأنهار بالتفجر لأن النهر يصدق على الماء الكثير الجاري الذي يشق له إخدوداً ووعاء في الأرض، وإذا كانت الحجارة تشقق كي يخرج الماء منها فان الآية تدعو بني إسرائيل إلى الإخبار عن البشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة والإنجيل، كي يدخل الناس الإسلام، لأنهم يعلمون أن بني إسرائيل أهل كتاب وعندهم أخبار النبوة.
وقد أكدت الآية على الماء وجريانه من الحجارة، وفيه تذكير لبني إسرائيل بنعمة ضرب موسى عليه السلام الحجر وجريان الماء منها، ولزوم شكر بني إسرائيل على هذه النعمة برقة القلوب والتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإجتناب الإصرار والعناد.
الوجه الثالث : ذكرت الآية قسماً ثالثاً من الحجارة يتصف بالخشوع لله عز وجل، والإقرار بالوحدانية، وفيه إعجاز قرآني إذ يخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل الجزيرة والبادية، بأن هناك نوعاً من الحجارة يفنى في خشية الله، وهو شاهد على أن الجمادات تقر بالربوبية لله عز وجل فمن باب الأولوية القطعية أن يظهر الإنسان معاني الخشوع والخضوع لله عز وجل.
وإذ أخبرت الآية عن إتصاف قسم من الحجارة بالهبوط من خشية الله، فهل الحجارة الباقية جمادات لا تخشى الله ، الجواب ما من حجارة إلا وتسبح بحمد الله، قال تعالى [يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ]( ).
ولكن الآية ذكرت قسماً من الحجارة يكون أكثر خشية من الله من الأقسام والأصناف الأخرى، وكأن بعضها يؤدي وظائف لمنافع الناس وجريان الماء منها، وبعضها لا يخرج منه الماء والزرع، وتظهر الخلائق خشية الله ليكون فيه سبب لنزول البركات على الناس ليرزق الناس بخشية الحجارة.
وفيه بيان لموضوعية ومنافع الخشوع لله عز وجل، ودعوة بني إسٍرائيل إلى إرتداء لباس الصلاح والخشية من الله، ومن أهم مصاديق الخشية من الله إجتناب إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، لأنه جاء بالمعجزات من عند الله مما يستلزم تصديقه، ولكن قسوة القلوب برزخ وحاجز دون الإيمان.
إن تعدد أصناف الحجارة بما يدل على نفعها في وقت جاءت به مشبهاً به لقلوبهم وشاهد على إرادة الغلظة الظاهرية للحجارة، وفيه دعوة لمعرفة الأشياء والمبادئ بمنافعها وليس بظاهرها وحده.
وفي خاتمة الآية وصلتها بأولها إعجاز قرآني لبيان حقيقة وهي عدم وقوف الآية عند الوصف والتشبيه بالحجارة، بل تشمل الآية الإنذار والوعيد بالعذاب الأليم بالإخبار عن علم الله عز وجل يما يفعلون .
لقد ذكرت الآية قسوة قلوبهم، أما خاتمتها فذكرت عملهم والإشارة إلى قبحه الذاتي مما يدل على أمور:
الأول : المدار على الأفعال وما تخفي الصدور.
الثاني : قسوة القلب مقدمة لإرتكاب الذنب والإصرار على الباطل.
الثالث : قسوة القلب وإرتكاب الذنب أثران للإصرار على الكفر، وعدم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التفسير الذاتي
بعد أن جاءت الآيات السابقة بذكر الدلالات الباهرات والنعم الإلهية العظيمة على بني إسرائيل، ومنها الآية السابقة التي تضمنت الآيات والنعم التالية:
الأولى : ضرب الميت ببعض البقرة، وقيامه حياً.
الثانية : دلالتها على إخبار الميت عن قاتله، وبه جاءت الأخبار.
الثالثة : تفضل الله عز وجل بأن يرى بنو إسرائيل آياته، ويدركوا معانيها القدسية، وما فيها من الأسرار الغيبية.
وأختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [لعلكم تتقون] وإبتدأت هذه الآية بفعل مخالف الحكمة [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ] أي غلظت وعتت، ولم تلن لإتيان الوظائف الشرعية.
والأصل هو عدم قسوة القلوب بعد الآيات الباهرات التي رزق الله عز وجل موسى عليه السلام وبني إسرائيل، وإقتباسهم والناس السنن والأخلاق الحميدة منها.
فان قيل هناك أمة من الصالحين منهم كما في قوله تعالى [وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ]( )، فالجواب أن المسلمين منهم والذين لم تقس قلوبهم يخرجون بالتخصيص من الخطاب من هذه الآية لأن القدر المتيقن منه أهل الغلظة والقسوة والعتو، الذي لا يعتبرون بالآيات ولا يتدبرون بالمعجزات “وقيل: إنه أراد بني أخي المقتول حين أنكروا قتله بعد ان سمعوه منه عند إحياء الله تعالى إياه، انه قتله فلان، عن ابن عباس”( ).
والآية معطوفة على الآيات السابقة وما فيها من لجوء بني إسرائيل لمعرفة وكشف القاتل، وأختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] والمراد بنو إسرائيل لأن رؤية الآيات نعمة عامة لهم، وعون وآية لرجاء هدايتهم ورشدهم.
وتمنع قسوة القلوب من اللجوء إلى الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل حين الشدة والبأساء , فاراد الله عز وجل دفعها وحجبها عن الناس، قال تعالى [فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ]( ).
وفي الآية تأديب للمسلمين بتعاهد الخشوع لله عز وجل، والمواظبة على ذكره تعالى وتلاوة القرآن وأداء الفرائض، قال تعالى [وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ] ( )، والحجارة جمع حجر.
وهل الحجارة المذكورة في هذه الآية هي ذاتها في قوله تعالى [فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ]( )، الجواب لا، لأن الحجارة في الآية أعلاه هي حجارة الكبريت، والأصنام منحوتة من الحجارة.
أما الحجارة في هذه الآية فقد جاءت كمثل كقسوة القلوب، نعم ذكرت الآيات السابقة نعمة الحجر على بني إسرائيل وكيف أن موسى عليه السلام يضربه بعصاه، وكيف يتدفق منه الماء بآية من عند الله، وأصل ماهية القلوب أنها تخشع لله عز وجل، وتخشاه بالغيب وتمتلأ بالمودة للمؤمنين، وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بتأليف قلوبهم( )، وأنزل الملائكة لنصرتهم يوم بدر وأحد لبعث السكينة في قلوبهم، قال تعالى [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ]( ).
وفي الآية موعظة للمسلمين، وبيان لسبب من أسباب صدود بني إسرائيل عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي جاء بها، وهل في الآية فضل من الله على بني إسرائيل , الجواب نعم، لأن اللوم الوارد في الآية دعوة للتنزه عن قسوة القلوب، وحث على إظهار الخشوع والخضوع لله عز وجل، وهذا الخشوع واقية من الركون لكفار قريش والتواطئ معهم على المسلمين.
وذكرت الآية ثلاثة أنواع من الحجر تتصف بالحسن وإنتفاء اليبس عنها، وهي:
الأول : الحجارة التي تتفجر منها الأنهار، كما في حجارة الجبال، وفيه قولان:
الأول : إرادة حجر موسى الذي كانت تتفجر منه إثنتا عشرة عيناً.
الثاني : المعنى الأعم، وإرادة حجر الجبال والينابيع.
والصحيح هو الثاني، لبيان آية من صنع الله، ورحمة على الناس جميعاً.
الثاني : الحجارة التي تتشقق فيسيل منها الماء على نحو الينابيع والقطرات المتعددة والمتكثرة، وهي أقل في خروج الماء منها، وفي هذا الوصف والتفصيل إعجاز قرآني، وآية تدل على تصديق المسلمين بنزوله من عند الله، فليس في الحجاز هذا النوع من الحجر، وكان الماء قليلاً عندهم، وقد جاء القرآن بوصف أنهار الجنة.
أما هذه الآية فتبين تكّون ماء الأنهار، وكثرة الماء وجريانه وعدم إنقطاعه وموضوعية الحجارة فيه لبيان آية من بديع صنع الله، وفضله على الناس,
وبعد ان جاءت الآية السابقة بتذكير بني إسرائيل بالنعم الخاصة عليهم، تضمنت هذه الآية تذكيرهم بالنعم العامة على الناس، وعليهم وهو من إعجاز القرآن أن يأتي اللوم بصيغة بيان الآيات.
الثالث : من الحجارة ما لا يخرج الماء منها، ولكنها تظهر الخشوع لله عز وجل بهبوطها وتصاغرها من خشية الله عز وجل “وعن أبي مسلم المراد من الضمير في “وان منها لما يهبط” هي القلوب، إذ أن قلوب من آمن من أهل الكتاب تخشع لله إستثناء من القاسية قلوبهم”( ).
والأول أصح لنظم الآية ولدفع وهم بأن الحجارة على قسمين:
الأول : التي يتدفق منها الماء.
الثاني : ما تكون قاسية غليظة.
فجاءت الآية لبيان نوع خاشع لله عز وجل يحتمل شموله لكل الحجارة التي لا تخرج منها المياه، وفيه منع من التطير من الحجارة والجبال التي في مكة إذ لا تتدفق منها المياه، وجاءت الآية بالإخبار عن خشوع هذه الجبال لله، وأنها من عمومات الخلائق التي تسبح لله، قال تعالى [يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ]( ).
وقد أكرم الله جبل الصفا والمروة وجعلهما من شعائره، ويسعى المسلمون بينهما إلى يوم القيامة، قال سبحانه[إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا]( ).
ومن وجوه الخشوع في الحجارة ترديها من رأس الجبل، والإنسان أولى أن يخشع قلبه لله، ويظهر خشوعه بالسجود والإنحناء، وبجريان الخيرات والإحسان والزكاة بين يديه كما يخرج الماء من بين الحجارة، وذكر في المقام ما قاله جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت
سور المدينة، والجبال الخشع( ).
ولكن الشاعر إقتبس مضامين بيته من الآية الكريمة، وليس هناك ما يدل على ان العرب تصف الجبال بانها خاشعة لولا مجيء هذه الآية الكريمة وما فيها من الوصف الإعجازي، ومن قوله تعالى [لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ]( ).
وجاءت خاتمة الآية إنذاراً وتحذيراً لبني إسرائيل، وإخباراً بان الله عز وجل لا يخفى عليه صدودهم عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيها تخويف وزجر من التعدي على المسلمين.
وقد جاء قوله تعالى [وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] سبع مرات في القرآن، وجاء مرتين بصيغة الغائب (يعملون) [وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] ( ).
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى : بعد ان جاءت الآيات السابقة ببيان البراهين الحسية الباهرة التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، جاءت هذه الآية لتبين تخلف طائفة منهم عن منازل الشكر والتقوى، وإختيارهم قسوة القلوب.
الثانية : لم تصفهم الآية بالجحود والكفر، والزلل، بل أخبرت عن قسوة القلوب باعتبارها حاجزاً ظلمانياً دون التفقه والمعرفة والخشوع لله.
الثالثة : ذكرت الآية الحجارة وهي أشد مكونات الأرض صلابة ويبساً للمقارنة بينها وبين القلوب التي لا تلين لذكر الله , وتشير الآية إلى إتحاد السنخية في المخلوقات , وتبين حقيقة وهي ملازمة الأفضلية لصبغة الخشوع لله سبحانه .
الرابعة : مع أن القسوة تتجلى في القول والفعل، فان الآية وصفت القلوب بها، في إشارة إلى صدور الأفعال عن غلظة مستقرة في النفس.
الخامسة : الآية دعوة لعودة اللين والرحمة إلى قلوب بني إسرائيل، وهي مقدمة ذاتية للتبصر في الآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة : مع أن الآية جاءت في ذم بني إسرائيل ، فانها جاءت بوصف الحجارة بأمور:
الأول : القسوة والصلابة.
الثاني : قد تكون قلوبهم أشد قسوة من الحجارة.
الثالث : من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، وهي جمع نهر أي المجرى الأرضي الواسع للماء.
الرابع : من الحجارة ما ينقطع من غير أن ينفصل بل يبدو فيه شق لتكون مجرى تدفق الماء بآية بهيجة من صنع الله.
الخامس : هناك حجارة تهوى وتخر خشية وخضوعاً لله عزوجل، وكما وصفت القلوب بالقسوة وشبهت بالحجارة فان وصف الحجارة بأوصاف حسنة له دلالات وإشارات، وجاء على سبيل الكناية، وفيه دعوة كي يجري الخير على يد أهل الكتاب، ويحثون الناس على التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وترك الأبناء والذراري والأتباع يدخلون الإسلام إذ يدركون صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو يرون المعجزات التي جاء بها ليكون تركهم وشأنهم في إختيار الإسلام كتشقق الحجر وخروج الماء منه، خصوصاً وأن الخطاب التكليفي بدخول الإسلام جاء مطلقاً وبعرض واحد للناس جميعاً.
السادس : في التعدد في وصف الحجارة بالليونة وجريان الماء منها والخشوع لله تعالى دعوة لبني إسرائيل للسعي في دروب الخير، والتخلي عن القسوة والغلظة.
السابع : توكيد حقيقة وهي علم الله بما يفعل الناس، وإن عدم الغفلة يعني أن المكر والكيد بالمسلمين لن يضرهم، وأن الفسق والخروج عن الطاعة وقسوة القلوب لا تضر إلا أصحابها، قال تعالى في خطاب للمسلمين[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
التفسير
قوله تعالى [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ]
في الآية الكريمة ذم لمقابلتهم النعم بالجفاء , وتوجيه عنايتهم إلى الأمور المادية والمنافع الدنيوية المحسوسة معرضين عن الآيات التي خصهم الله بها تشريفاً وإكراماً، وبيان بأن الذي يريدون من أسباب الدنيا محرز في تلك الآيات بذاتها أو بإعتبارها فرعاً أو مقدمة أو بشارة.
وتدل الآية على الأهمية البالغة لسلامة النفس وحسن السمت ومسألة الأمراض النفسية التي لم يلتفت لها المجتمع ولم يتناولها أطباء الأبدان بجدية وتخصص إلا في السنين الأخيرة.
وفي قسوة القلب نقص للرحمة والتراحم بين الناس، وحجاب عن الرجوع إلى الروح والتدبر في الخلق والتكوين، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أنه قال: “لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب وأن أبعد الناس عن الله القاسي القلب”( )، وهل هذا البعد يتعلق بذات القسوة أم باعتبارها علة وسبباً لأفعال تبعد الإنسان عن رحمة الله؟ الجواب إنهما معاً يؤديان بالإنسان إلى الزيغ عن الصراط.
ترى لمن يعود الضمير في [ قُلُوبُكُمْ ] فيه وجوه:
الأول : الآباء والأسلاف، وهي صيغة في المحاورة مألوفة عند العرب بأن يخاطب الأبناء والمقصود الآباء، لإعتبار وإتعاظ الأبناء وتنقيح أفعالهم.
الثاني : في الكلام محذوف وتقديره وقلنا لهم ثم قست قلوبكم، أي أن الخطاب موجه إلى من كان أيام موسى عليه السلام وما قاربها.
الثالث : الخطاب موجه لعامة بني إسرائيل ومنهم الموجودون أيام النزول.
والأرجح هو الأخير لظاهر الحال ولإنقطاع الآيات الخاصة ومجيئها عند غيرهم، ولأن (ثم) تفيد التراخي ولأصل الإستصحاب ولما في لغة الخطاب في الآية من مشافهة تحمل على ظاهرها إلا مع القرينة الصارفة، كما ان باب التوبة والإنابة مفتوح بالإسلام وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه.
و(ذلك) في قوله [ بَعْدِ ذَلِكَ ] اسم إشارة، وفيه وجوه:
الأول : يحمل على الآية القريبة وما فيها من موضوع إحياء القتيل.
الثاني : التنبيه والإشارة إلى جميع الآيات التي تفضل الله عز وجل بها على بني إسرائيل، لوحدة موضوع النعم، وان الملاك هو تعداد النعم وبيانها، وليس من مانع للنظر في الآية بلغة العموم بل هو أكثر نفعاً في المقام وأبين حجة وأكثر موعظة.
الثالث: بعد رؤيتهم آية إحياء الموتى.
الرابع: بعد تكلم القتيل، وإخباره عن القاتل وكونه ابن عمه، وبراءة السبط الذي وجدت جثته في دربهم.
الخامس: تعدد وكثرة الآيات والنعم الإلهية على بني إسرائيل، باعتبار أن قسوة القلوب ضداً لما يجب أن يترشح عن تلك النعم من الخشوع والتقوى.
السادس: عن قتادة: قال من بَعْدِ مَا أَرَاهُمْ مَا أَحْيَا مِنَ الْمَوْتَى، وَمِنْ بَعْدِ مَا أَرَاهُمْ مِنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ مَا أَرَاهُمْ( ).
السابع: بالإسناد عن ابن عباس قال: لما ضرب المقتول ببعضها – يعني ببعض البقرة – جلس حيا، فقيل له: من قتلك؟ فقال: بنو أخي قتلوني. ثم قبض فقال بنو أخيه حين قبض: والله ما قتلناه! فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه، فقال الله: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك) -يعني بني أخي الشيخ-(فهي كالحجارة أو أشد قسوة) ( ).
وروي أيضاً أن المقتول لما ضربوه قام باذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال قتلني فلان وفلان لإبني عمه ثم سقط ميتاً، وقتلا، وهو ضعيف السند ولا يبعد دلالة , من وجوه :
الأول : دلالة عمومات أدلة القصاص،[ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ]( ) .
الثاني : إعتبار قول المقتول بعد إحيائه حجة .
الثالث : لا عبرة بقول القليل النادر في مقابل البينة بالإعجاز.
الرابع : منع حصول الفتنة التي تترتب على ترك العمل والحكم على ضوء قوله بعد إحيائه بمعجزة.
و [ أو ] لها عدة معان:
الأول : تكون للترديد بين شيئين أو أكثر.
الثاني : لمطلق الجمع كالواو.
الثالث : للإضراب مثل بل.
الرابع : التمييز والإباحة.
الخامس : التقسيم.
السادس : الشرط.
السابع : التبعيض.
وغيرها مما يعرف بالقرائن وسياق الكلام.
والمعنى الأول يمكن أن يأول، كأن يكونوا أحياناً أشد قسوة وأقل رحمة منهم في أحيان وحالات أخرى، أفراداً وجماعات، أي أن متعلق الترديد إختلاف قسوتهم وغلظتهم قوة وضعفاً بإختلاف آنات الزمان، فالموضوع واحد ولكن المحمول متعدد.
وتعتبر (أو) إشارة للدلالة على أن قسوة قلوبهم من الكلي المشكك، وهذا من الإعجاز البلاغي في القرآن.
وبالنسبة للثاني جائز عقلاً بل ونقلاً بلحاظ مراتب جحودهم، فالأقوى صحة المعنيين وعدم التعارض بينهما في الآية.
قوله تعالى [فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ]
جاء تشبيه القلوب بالحجارة حسياً لفظاً ولحاظاً بأداة التشبيه الحرفية (الكاف) الدالة على المماثلة , وفيه مسائل:
الأولى : إنه في الذم والتوبيخ.
الثانية : تنبيه النفوس بالإنتقال إلى ما لا يكون قريباً من الخاطر.
الثالثة : البيان والإيضاح بصيغة بلاغية تعتبر أرقى مراتب التشبيه البليغ الذي يبنى على تقارب المشبه والمشبه به أو إدعاء أنهما شئ واحد.
الرابعة : إقامة الحجة في المدركات العقلية بالأمور الحسية.
الخامسة : تنمية ملكة الإحتجاج عند المسلمين.
ومن صفات الحجارة عدم قبول الأثر إلا بشدة وقوة كما أنها فاقدة للحس، أي أن الحواس الخمس الظاهرة وهي البصر والسمع والشم والذوق واللمس تكاد تكون معطلة عندهم في باب الإعتقاد والتدبر في آيات الله.
فمن الآيات ما تدرك بالحواس ومنها ما يدرك بالعقل، وكلا النوعين ومصاديقهما تفضل الله عز وجل بها على بني إسرائيل وقد جاء ذكر بعض أفرادها في الآيات المتقدمة.
وفي الآية نكتة عقائدية وجواب لما قد يقال لماذا لم تتصل هذه الآيات على بني إسرائيل، والجواب إن النعم متصلة ومستمرة عليهم، ومنها صيغ التأديب وإقامة الحجة والتحذير من عدم الإستعداد للقبول والتأثر بما عرضت لهم من صفات الجفاء والجحود والإنشغال بالدنيا وزينتها كما في سؤالهم نبات الأرض وبروز الخصومة عندهم بأقسى أحوالها في القتل غيلة ومن غير حق، فلم يستطيعوا تدبر الآيات والدلائل والإنتفاع من البراهين، إلا أن في خلق الإنسان والمظاهر الكونية الكثيرة آيات وحججاً تدل على ضرورة عبادة الصانع.
ويؤكد هذا التشبيه إنتفاء الخشوع والخضوع من نفوسهم مما يصعب معه إنقيادهم إلى الأنبياء والإمتثال لأوامرهم لذا إستحقوا الذم.
قوله تعالى[وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ ]
بيان للفارق الذي يرافق القياس والتشبيه بصيغة الإستدراك المتضمن التعريض بهم، ومن الحجارة من تجري بواسطتها الأنهار والينابيع كما هوالحال في منابع الأنهار وشطر من الجبال حيث تتجمع الأبخرة والمياه تحت الأرض إلى أن تجد لها منفذاً فتخرج منه لتكون سيلاً ورافداً دائماً او موسمياً أو ينابيع صغيرة مجتمعة أو مستقلة.
وتبين الآية أن حالة القسوة وغلظة القلب أصبحت عند هؤلاء عرضاً غير زائل وصفة كلية خارجة عن الماهية الأخلاقية لمجتمع وقوم النبي ٍولكنها تنطبق على أفرادهم في الجملة وتبرز في سيرتهم وعلى جوارحهم. أي أن الآية كناية عن بلوغ هؤلاء حالاً من القسوة مطبقة لا يسمعون معها الموعظة، ولا يلتفتون إلى الآيات ولا يرجعون إلى الهدى والرشد.
وعن يحيى بن يعقوب في قوله تعالى[وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ] قال: هُوَ كَثْرَةُ الْبُكَاءِ ( )، ولكن الآية أعم، وتفتح أبواباً من العلم في ماهية الكائنات وأنها تحتوي أسراراً ومنافع أعظم مما يبدو في ظاهرها، والآية حجة في هداية القرآن للناس في ميادين العلم والصناعات والإنتفاع الأمثل من الموجودات التي يظن أنها عديمة الفائدة، وتلك آية إعجازية في كنوز القرآن بأن تتكلم آياته عن أقوام بلغة المثال والشبه وهي تهدي المسلمين والناس جميعاً إلى سبل إستدامة الحياة في الأرض، وإستخراج الماء من الحجر.
ومن بديع صنع الله أنه سبحانه إذا أنزل نعمة فانه أكرم من أن يرفعها، وان جاءت بصيغ الصناعة والكسب العلمي والجهد العضلي من الناس بعد أن كانت معجزة خارقة للعادة خص الله بها الأنبياء، كنعمة ضرب موسى الحجر بعصاه وتدفق الماء الجاري من الحجر، لتدور الأحقاب فيأتي على الناس زمان يخرجون به الماء من ثنايا الحجر، والعيون من الجبال، فبعد أن كان الناس يحفرون الآبار في أعماق الأرض فانهم قد يشقون الجبال من فوق رؤوسهم لإستخراج الماء , ويطلب اللاحق الماء والرزق من حيث لم يطرأ على أذهان السابق من الأحقاب ولكنه ظاهر في ثنايا القرآن.
بحث لغوي
ينقسم الاسم إلى قسمين:
الأول : اسم الجنس: الذي لا يختص بفرد دون آخر من أفراد جنسه مثل: رجل، دار، كتاب.
الثاني : اسم العلم: الذي يدل على فرد معين، ولم يوضع لإثنين أو أكثر، وهذا لا يمنع من الإتفاق والصدفة في الإلتقاء في ذات الاسم وينقسم اسم العلم إلى أقسام عديدة:
العلم المفرد : الذي لم يكن مركباً مثل: فاطمة.
العلم المركب : وهو المركب تركيباً إضافياً مثل (عبد الله) أو مزجياً مثل (بعلبك).
العلم الاسم : ما يتم إختياره عنواناً للمسمى مثل زيد.
العلم الكنية : الذي يوضع ثانياً للاسم كأبي القاسم، وأم كلثوم.
العلم اللقب : الذي يوضع بعد الاسم والكنية سواء كان فيه مدح او ذم أو نسبة إلى بلدة أو قبيلة مثل: زين العابدين، الهاشمي.
العلم المرتجل : وهو الذي لم يستعمل إلا في العلمية مثل زيد، زينب.
العلم المنقول : ما كان أصله في غير العلمية، ويدل على مصدر أو صفة أو اسم فاعل ثم نقل إلى الاسم مثل، فضل، وهب، محمد، حسن وغيرها.
علم الجنس : وهو الذي يطلق على أفراد الجنس كله.
وينقسم اسم الجنس إلى قسمين:
الأول : اسم الجنس الجمعي: وهو الذي تضمن معنى الجمع ليدل على الجنس كله مثل: رمان، خشب، قريش ويؤتى بمفرده باضافة التاء أو ياء النسبة فيقال: رمانة، خشبة ، قريشي.
الثاني : اسم الجنس الإفرادي: وهو الذي يدل على الجنس مما ليس له مفرد لا باضافة تاء ولا ياء النسبة، كما في: ماء.
العلم بالغلبة : وهو الذي يكثر إستعماله بشيء معين شخصاً كان او عيناً أو صفة ومنه : البيت، للبيت الحرام، والمدينة ليثرب، ويضرب في كتب النحو مثلاً بالكتاب وأن المراد به القرآن، أو يراد به كتاب سيبويه.
والحق أن اسم (الكتاب) يستقل به القرآن على نحو الغلبة في الإستعمال ، وللتشريف والتعظيم والإنفراد بالقدسية الخاصة ونزوله من السماء، ولنعت الآيات القرآنية له بالكتاب على نحو الإطلاق وقد وردت تسمية القرآن بالكتاب، في مواضع كثيرة منه، ولا تصح تسمية (كتاب سيبويه) في النحو بصيغة الإطلاق (الكتاب) بل لابد فيه من الإضافة والبيان.
والمؤنث ما يصح أن نشير إليه باسم الإشارة (هذه) وهو على أربعة أقسام:
الأول : لفظي : وهو الذي تلحق لفظه علامة التأنيث مثل فاطمة بل وان كان مذكراً مثل طلحة.
الثاني : معنوي : وهو الذي يدل على أنثى، وإن لم يكن فيه علامة التأنيث مثل: زينب.
الثالث : حقيقي : وهو الذي يدل على أنثى من إنسان أو حيوان مثل إمرأة، بقرة.
الرابع : مجازي : وهو الذي يلحق بالأنثى مثل: شمس، سماء.
وذكر الماء في الآية مثالاً وعلى نحو الإفراد للسعة والكثرة والتفخيم لا يخلو من إعجاز وبلاغة ودلالات متعددة.

قوله تعالى [وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ]
قرأ الأعمش: تشقق ، بالتاء والشين المخففة( )، لقد ذكرت الآية الماء، ولكنها أعم في موضوعها فما يستخرج من الحجر أعم وأعظم , ومما يصدق عليه أن الماء أصل في تكوينه، قال تعالى[وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ]( ).
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : كل حجر يتفجر منه الماء ، أو يشقق عن ماء أو يتردى من رأس جبل فمن خشية الله . نزل بذلك القرآن( ).
والتشقق: التصرع، ليكون مقدمة لإندفاع وجريان الماء منه , ويندفع بواسطته إلى الخارج ليكون ينبوعاً أو عيناً، ومن نعم الله عز وجل على بني إسرائيل أنهم رأوا وذاقوا هذه النعمة ببركة نبوة موسى عليه السلام وعصاه، وإذ أخبرت آية البحث عن خروج الماء من الحجارة فان الماء كان يتدفق وينفجر من الحجر بضرب موسى عليه السلام له بعصاه، للأخبار بأن المعجزة أمر خارق للطبيعة والأسباب المادية، وأن خروج الماء من الحجر ليس حالة نادرة وخاصة .
فمن خصائص المثل القرآني أنه عام وحاضر عند الناس، وقريب منهم، فان قلت إذا كان الخروج دون إنفجار وتدافع الماء، فما هو النفع منه , الجواب يؤدي خروج الماء من الحجر المتعدد إلى تكوين السواقي والأنهار , وكذا القلوب إذا إجتمعت على الخشوع لله فانها تكون سبباً لنزول البركات من السماء والأرض، والعيش بوئام وسلام وإيمان.
ومن إعجاز القرآن وتمام البيان فيه إخبار الآية عن أمرين:
الأول : تفجر الأنهار من ذات الحجارة، أي نسبة الفعل إلى الماء الكثير والأنهار.
الثاني : تشقق الحجارة كي يخرج منها ماء أقل من الذي ينفجر ويتدفق، لتتغشى الآية أفراد الزمان الطولية ومختلف الأماكن والأصقاع وتؤكد بديع صنع الله في التباين بين الموجودات من الجنس المتحد.
والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وهوي وتردي الحجر من أعلى الجبل خوفاً وتعظيماً وخضوعاً لله من مصاديق الأمانة وتحمل الجبال لها، وصدود بعض الناس عنها في قوله تعالى[إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً]( ) .
وقيل الخشية في الحجارة مجاز عن إنقيادها لأمر الله تعالى، ولكن الأصل في الكلام العربي حمله على الحقيقة، وهو ظاهر الآية الكريمة.
قوله تعالى [وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ]
قيل الضمير في (منها) إنه راجع إلى القلوب لأنه يجوز عليها الخشية، والوصف لائق بها وأن الخشية هي صفة للأحياء دون الجماد، وهذا القول جمود على الواقع المحسوس من دون التدبر في آيات الله في الخلق، فقد وردت آيات ونصوص متواترة تفيد إقرار الجمادات بالتوحيد وقيامها بالتسبيح، قال تعالى [ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ… ]( )، وإن من الأحجار ما سلّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد مبعثه.
وبتفسير القرآن بالقرآن يمكن أن نستدل في المقام بقوله تعالى [ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ… ]( )، وفي تفسيرها قال الرازي (والتقدير أنه تعالى لو جعل فيها العقل والفهم لصار كذلك)( ).
والظاهر لغة وعقائدياً إستعداد المحل وقبوله للخشوع والتصدع في حال نزول القرآن عليه، وتبين دراسات علمية حديثة أن للجمادات إحساسا محدودا وقيل لها أرواح مضمرة ولكن لا يصل الأمر إلى مرتبة الروح .
و(لو) هنا تفيد إمتناع الشرط وإمتناع الجواب، وقيل لا دلالة لغوية لها على إمتناع الجواب ولا على ثبوته وإنما تفيد إمتناعٍ الشرط خاصة وعقد السببية والمسببية بين الحالتين والجملتين.
والجملة الشرطية تربط بين جملتي الشرط والجزاء، وكل واحدة من الجملتين تتحول بسبب هذا الربط الشرطي من جملة تامة إلى جملة ناقصة، وتكون الجملة التامة هي الجملة الشرطية بكاملها مع عدم تغيير الماهية المستقلة لجملة الجزاء وصلاحية الحجارة للخشية من الله عز وجل بما جعل الله تعالى عندها من القابلية.
ويروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ عليّ فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء: إلي يا رسول الله)( ).
بحث قرآني
يحيط القرآن باللامحدود من الوقائع والأحداث مع انه يتكون من آيات وكلمات يمكن حصرها وعدها، فلابد من بذل الوسع لإستخراج شذرات من كنوزه بالتفسير، والسعي للإغتراف من خزائنه ولطائفه وما فيه من الحقائق والإشارات التي تعتبر التلاوة ظاهراً لها ومرآة ودعوة للكشف عنها.
ومن حفظ الله تعالى للقرآن وعمومات قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، أن جعله يفسر بعضه بعضاً ليمنع من الخطأ والزلل والتفسير بالرأي.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “وإن القرآن أنزل على سبعة أحرف ولكن لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع( ).
ومن وجوه الظاهر والباطن انها كالمنطوق والمفهوم وان الظاهر بَيّن والباطن يحتاج إلى إستقصاء وتحقيق، وفيه إخبار بان علوم القرآن منها ما تبدو ظاهرة ومنها ما هي خفية، والخفية على قسمين:
الأول : ما يتوصل اليه الإنسان بالعلم أو بالنصوص بإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنته كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)( )، وهذه المثلية بلحاظ الكم والمقدار مع إتصافه بالوحي وان لم يكن قرآناً.
الثاني : العلم بالكسب والتحصيل وتفسير القرآن الذاتي وموضوعية نظم الآيات.
والمراد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لكل حرف حد، أي أن كل حكم وكلام فيه له غاية ومقصد وموضوع في الدنيا، ومعنى وثواب في الآخرة.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لكل حد مطلع، أي مدخل مبارك لمعرفة معاني القرآن الغامضة سواء من القرآن نفسه أو من السنة أو من علوم اللغة ومن الوقائع والأحداث والشواهد العلمية والآيات الكونية، فاحياناً تساهم الوقائع ومجريات الأمور ومناسبات الرخاء أو الإبتلاء في تأويل الآيات لأنها مصداق خارجي لآيات القرآن وشاهد تأريخي وعلمي.
ومن إعجاز القرآن أنه ما من مسألة وحكم أجمل في آية إلا وبّين في آية أخرى، وقد تشترك عدة آيات في تفسير آية واحدة، وما كان مطلقاً وعاماً في آية قد تجده في أخرى مقيداً وخاصاً.
ويعتبر تفسير القرآن بالقرآن أحسن طرق التفسير، وهو أحوطها وأكثرها سلامة وفيه إحتراز من التفسير بالرأي المنهي عنه (بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من تكلم في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) ( ).
قوله تعالى [وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ]
إنذار ووعيد لبني إسرائيل، كما يمكن القول أن في الآية إشارة إلى غياب النعم الخاصة التي تفضل الله عز وجل بها على بني إسرائيل بسبب الجحود وإنعدام الشكر، وتنبيه للمسلمين بتعاهدها للشكر القولي والفعلي، وفيها دلالة على إعجاز القرآن وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمغيبات.
والآية لا تتعلق باليهود ممن عاش أيام موسى عليه السلام وأنبياء بني إسرائيل فحسب ودلالاتها وغاياتها أعم وتشمل أيام النزول لما فيها من لغة الخطاب ولما يأتون به من قبيح الأفعال وجحودهم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع رؤيتهم للآيات.
إن نفي الغفلة عن الله تعالى يعني إمتناعها بدليل آيات قرآنية كثيرة ولأنه تعالٍى عالم بكل شيء، والعلم الإنطباعي الذي تكون الغفلة من توابعه ومتعلقاته ممتنع عليه تعالى، لأن علمه حضوري وجميع الأشياء حاضرة عنده غير غائبة.
والآية قاعدة كلية في الوعيد، وإنذار للكافرين وإخبار بأن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، وهي في مفهومها دعوة لهم وللناس جميعاً للإيمان.


قوله تعالى [ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]الآية 75.
الإعراب واللغة
الهمزة في [ أَفَتَطْمَعُونَ ]: للإستفهام الإنكاري.
فتطمعون : الفاء: حرف عطف، تطمعون: فعل مضارع مرفوع والواو: فاعل
أن يؤمنوا : أن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، أي بالإيمان.
وقد : الواو: حالية، قد: حرف تحقيق.
كان : فعل ماض ناقص، فريق : إسم كان مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره، منهم: جر ومجرور في محل صفة لفريق، يسمعون: فعل مضارع مرفوع، والواو: فاعل، والجملة الفعلية (يسمعون) خبر كان.
كلام : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، الله : إسم الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة، ثم حرف عطف يفيد التراخي، يحرفونه: عطف على يسمعون، من بعد: جار ومجرور متعلقان بحرفونه.
ما : مصدرية، مؤونة مع ما بعدها مصدر في محل جر بالإضافة، والتقديرمن بعد عقله.
عقلوه : فعل ماض، الواو: فاعل، الهاء: ضمير في محل مفعول به، وهم يعلمون : الواو : حالية، هم: مبتدأ يعلمون، فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: فاعل، والجملة الفعلية في موضع رفع خبر (هم)، والجملة الإسمية (هم يعلمون) في موضع على الحال.
الطمع : الرجاء المقرون بالرغبة والأمل.
الفريق : الجماعة من الناس التي تجتمع على أمر تفترق به عن غيرها.
وتحريف الكلام: تغييره وتبديله.
في سياق الآيات
لقد بينت الآيات السابقة قبائح اليهود وجحودهم وجاءت هذه الآية لتظهر الملازمة بين سوء فعل الآباء واثره سلباً على الإبناء والإتحاد في السجايا والطبائع.
ومع أن الإستفهام الإنكاري في بداية الآية موجه للمسلمين فانه يتعلق بالآية السابقة والسجايا الخاصة ببني إسرائيل بخصوص قوة القلوب التي حصلت عندهم بعد رؤية الآيات وتعاقب النعم عليهم، لأن علة الطمع مؤلفة من قسمين:
الأول : وجود المقتضي.
الثاني : فقد المانع.
ويتعلق كل منهما بطرفين وهما ألطامع وهم في المقام المسلمون، والذي يطمع به وهم بنو إسرائيل، فتكون الأطراف أربعة، والنقص من تمام العلة في المقام هو وجود المانع في الذي يطمع به، إذ أن قلوبهم قاسية.
ومن الإعجاز في نظم الآيات أن علة تخلفهم عن الإيمان موجودة في كل من:
الأولى : الآية السابقة وما فيها من الإخبار عن قسوة القلوب.
الثانية: هذه الآية بالإخبار عن قيام فريق منهم بتحريف الكتاب.
الثالثة : الآية بعد التالية وقيام بعضهم بتوجيه اللوم لبعضهم الآخر الذي يخبر المسلمين عن ذكر التوراة لصفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولقد جاءت الآيات السابقة بذكر نعم الله تعالى على بني إسرائيل، وتخلفهم عن منازل الشكر، فلماذا لم تذكر الآية تحريف الكتاب التالية بذات الصيغة من الخطاب الموجه لهم.
الجواب جاءت الآية عوناً للمسلمين ومدرسة في المعارف والفقاهة، والعلم بأحوال الأمم السالفة، ولأن القرآن جاء لإصلاح النفوس، وتهذيب عالم الأقوال والأفعال، وأعانة المسلمين وردت الآية التالية بصيغة الخطاب للمسلمين ليكونوا على مرتبة من الفطنة والحذر.
إعجاز الآية
بعد بيان وجوه وأسباب ذمهم وما عندهم من التقصير والضلالة، جاءت هذه الآية لتظهر ظلماً وتعدياً وهو تحريف الكتاب وإتباع ما هو محرف و يعتبر حائلاً دون الإيمان.
وإبتدأت الآية بكلمة واحدة تخص المسلمين، تتضمن الإستفهام الإنكاري على طمعهم بإيمان من تخلف عن الإسلام، وفيه مدح للمسلمين لأنهم يطمعون في دخول الناس الإسلام، ويحتمل هذا الطمع وجوهاً:
الأول : الرغبة في النفس.
الثاني : بيان هذا الطمع بالقول.
الثالث : إظهار الطمع في عالم المقاصد والأفعال.
والصحيح هو الثالث، فتدل الآية بالدلالة التضمنية على سعي ودأب المسلمين في جذب الناس الى الإسلام، ومن إعجاز الآية مجئ الذم في الآية لفريق من بني إسرائيل دون الجميع، وإنحصار الذم في المقام بخصوص تحريف الكتاب، مما يدل على أن تحريف الكتاب كبيرة تؤدي إلى العناد والضلالة.
ويمكن تسمية الآية بآية “أفتطمعون” ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
تتضمن الآية الرد على فريق من أهل الكتاب بأنهم أهل للهداية وأتباع الأنبياء، وهي واقية تفقد تعديهم على الإسلام أي أثر ضار على المسلمين والناس عامة.
وفي الآية مسائل:
الأولى : إنها تخفيف عن المسلمين، ومانع من بذل الجهود والسعي لإيمان فريق من الناس يصرون على الجحود بنزول القرآن من عند الله.
الثانية : الآية شاهد على أن القرآن يأتي بعلة الحكم، والبيان الذي يكون ضياء للمسلمين في سبل الجهاد ودعوة للناس لدخول الإسلام.
الثالثة : في الآية برهان على أن المسلمين لم يتخذوا السيف وحده وسيلة لجذب الناس للإسلام، فهم يقومون بالموعظة والحكمة في الدعوة الى الله تعالى، إذ أن الطمع في المقام عنوان للسعي، وبذل الوسع من قبل المسلمين.
الرابعة : في الآية دعوة للمسلمين لتعاهد آيات القرآن وإجتناب التحريف في كلماته ودلالاته ومعانيه.
الخامسة : دعوة المسلمين وأهل الكتاب والناس جميعاً للتصدي لأسباب التحريف ومنع إستمراره، خصوصاً وأن الآية جاءت بصيغة المضارع فلم تقل الآية (ثم حرفوه) بل جاءت بصيغة المضارع التي تدل على تجدد الحدوث، ولا يتعارض هذا المعنى مع ورود السماع بصيغة الماضي بقوله تعالى [وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ].
أسباب النزول
وفي أسباب النزول روي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وورد تفصيل (عن ابن إسحاق( ) أنه قال: بلغني عن بعض أهل العلم قالوا لموسى: يا موسى قد حيل بيننا وبين رؤية الله، فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى عليه السلام من ربه، فقال له نعم، مُرهم فليطّهروا أو ليطهروا ثيابهم، وليصوموا، ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتى بهم الطور فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سُجداً، وكلمه ربه، فسمعوا كلامه تبارك وتعالى، يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا عنه ما سمعوا.
ثم إنصرف بهم إلى بني اسرائيل، فلما جاءهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، خلافاً لما قال الله لهم، فهم الذين عنى الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم( ). والحديث مرسل.
مفهوم الآية
الآية مواساة للمسلمين وحصانة نفسية لهم ومنع للإرتباك بين صفوفهم وإعانة لهم في كيفية السعي وتداول شؤون العقيدة والأحكام والأعمال في مساجدهم ومنتدياتهم، وتلك من خصائص مدرسة القرآن بأن يبين إنعدام الأهلية عند القابل ووجود المانع فيه مع وجود المقتضي وعدم الخلل أو النقص في الدعوة إلى الله عز وجل، وتجعل الآية المسلمين يميلون إلى إجتنابهم والإعراض عنهم خشية على القرآن وتنزيهاً له من إحتمال وصول يد التحريف اليه.
والآية حث للمسلمين على تعاهد أحكام الشريعة، والتقيد بأحكامها وحفظ القرآن وآياته من النقص أو الزيادة وإجتناب الآفات التي تفشت بين الأمم السابقة، فلا غرابة أن تجد القرآن محفوظاً عند المسلمين يتوارثونه جيلاً بعد جيل من غير زيادة أو نقصان ويولونه الأولوية، ويجعلون له موضوعية في حياتهم، وأعانتهم الفرائض فكانت قراءة بعض سور أو آيات القرآن واجباً متجدداً كل يوم خمس مرات على كل مسلم ومسلمة بعد سن البلوغ.
وذيل الآية يقطع الطريق أمام إيجاد العذر لهم والطمع في كسب ودهم لإحتمال أنهم كانوا في غفلة أو جهل أو نسيان أو عدم إدراك لمضامين الكتب السماوية فكان حجة عليهم وحصانة للمسلمين ومانعاً للإختلاف فيما بينهم بخصوص أهل الكتاب فلا يقول شخص أو جماعة لابد من الإجتهاد في دعوتهم وكسب ودهم ويأتي الآخر ليقول بل لا نفع فيهم، فاخبرت الآية عن فهمهم ومعرفتهم لآيات التوراة وإدراكهم لنزولها من عند الله تعالى.
ثم سعى بعضهم في تحريف وتغيير مضامين التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام مع العلم والإصرار والإدراك، مما يعني أنهم ليسوا صادقين بإنكارهم نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين ان لا يلتفتوا لهذا الإنكار وان بدا للمشركين ذا اهمية لمعرفتهم بأنهم أهل كتاب وهم أعلم من غيرهم بأسرار وأحكام النبوة وصفات نبي آخر الزمان.
صحيح أن الخطاب للمسلمين ولكن مفهومه توبيخ وتعريض بالذين يجحدون بآيات الله ويختارون تحريفها ومحاولة تغيير موضوعاتها.
ومن مفاهيم الآية أن التحريف لن يكون له أثر واقعي بدليل أن موضوع نزول القرآن من عند الله تعالى من المدركات العقلية التي تفيد العلم والقطع.
وإذا كان فريق وطائفة منهم هي التي تحرف كلام الله فلماذا جاء الإستفهام الإستنكاري مستوعباً للجميع [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ].
الجواب إنهم على شطرين شطر يحرف كلام الله، وشطر يسمع هذا التحريف ويكون أذناً صاغية لهم.
والفاعل في الجملة الفعلية (عقلوه)، و(يعلمون) يحتمل أمرين:
الأول : إرادة الجميع من بني إسرائيل.
الثاني : الفريق الذي يحرف الكتاب.
والصحيح هو الثاني لإتمام الحجة عليهم بأن التحريف جاء متعقباً لظهور الحق , وكأنهم على عدة وجوه:
الأول : من يسمع كلام الله , ثم يحرفه بعدما أدرك أنه نازل من عند الله سبحانه .
الثاني : طائفة لم تسمع كتاب الله.
الثالث : فريق لم يشارك في التحريف ولم يفقه كنه القرآن وقطعية نزوله من عند الله.
الرابع : من أيقن بانه كتاب الله، وما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو حق وصدق ولم يؤمن به ولم يقم بتحريفه.
الخامس : من آمن بالقرآن عند سماع الآيات وسلم بأنه كتاب سماوي.
السادس : أمة منهم إتبعت أهل التحريف والجحود سواء للعادة والحرص على البقاء على المبادئ المتوارثة او لسلطان من أرباب التحريف الروحي اوالمادي او السياسي.
أما الفريق الخامس ممن أيقن انه من عند الله يبادر إلى الإيمان إلا أن يخشى القهر والتعدي ومن دخل الإسلام يخرج من موضوع هذه الآية بالتخصيص.
وفي الآية مسائل:
الأولى : النهي عن الطمع والرغبة الأكيدة في إسلام اليهود.
الثانية : بعد مجيء الآية السابقة بتوبيخهم وإنذارهم إنتقلت هذه الآية إلى خطاب المسلمين.
الثالثة : ليس في الآية لوم للمسلمين ولكنها تتضمن إعانتهم في معرفة كيفية التعامل مع الناس بما يمنع من تضييع الجهود والإصابة بالخيبة أو القنوط، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابعة : جاءت الآية بلفظ [أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ] أي بما تسعون إليه من تصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة : من الإعجاز في الآية أن صفة تحريف الكتاب لم تشملهم جميعاً، بل جاءت بخصوص فريق وطائفة منهم، ولكن المنع عن الطمع بإيمانهم يدل على تأثير وسلطان هذا الفريق على الجماعة.
ومن الآيات ان هذا التحريف لن يضر المسلمين، ولم يجعلهم ينكصوا أو يقنطوا، بل كانوا يسعون لجذبهم للإيمان، وهو أمر يدل على ثبات الإيمان في قلوب المسلمين ولم ولن يضرهم ما يقوم به هؤلاء من التحريف، إذ تفضل الله وجعل القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
وتبين الآية حال وقوع تحريف كلام  منهم وانه لم يأت عن جهل أو قصور او لبس، بل عن عمد لأنه جاء من وجوه:
الأول : بعد الإستماع إلى الآيات وفهم أسرارها ومضامينها القدسية.
الثاني : بعد التيقن من الإعجاز والإقرار بان الكلام نازل من عند الله تعالى وليس هو من البشر.
الثالث : توالي الآيات والمعجزات التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا العلم حاصل من أمور تنقسم بلحاظ الزمان الى:
الأول : البشارات التي جاء بها الأنبياء السابقون وهي سابقة في زمانها على البعثة.
الثاني : الآيات المصاحبة للنبوة ومنها إعجاز القرآن والمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : البراهين الدالة على صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنتصار المسلمين في معارك الدفاع، وتعدد وتفرع المعجزات القرآنية.
وفي الآية مسائل:
الأولى : إنتقال الآيات بصيغتها إلى خطاب المسلمين، فبعد أن ذكّرت بني إسرائيل بالنعم الإلهية عليهم، والتخلف عن منازل الشكر، جاءت هذه الآية خطاباً للمسلمين بصيغة الإنكار لحال الطمع بايمان هؤلاء، والطمع تعليق النفس بما ترجوه من النفع، ونقيضه اليأس.
وهل تدعو الآية الى اليأس منهم، وعدم دعوتهم للإسلام، الجواب لا، لأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الله، والله عز وجل رؤوف رحيم، يهدي من يشاء إلى الإسلام والإيمان، ولكن الآية تمنع من الأمل الزائد في إسلامهم بإعتبار قربهم من الإسلام، وانهم أهل كتاب، وعندهم التوراة والإنجيل، وفيها البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : بيان سبب من أسباب تخلف فريق منهم عن الإيمان، وهو قيامهم بتحريف كلام الله حين سماعه، ومن الاعجاز في الآية إخبارها بان الذين قاموا بالتحريف فريق وجماعة منهم وليس جميعهم , ولكن ذكر التحريف كمانع من الطمع في إيمانهم شاهد على أثر هذا التحريف عند العامة منهم .
الثالثة : إقامة الحجة عليهم، بحصول التحريف في كلام الله بعد أن تم فهمه، والعلم به.
الرابعة : في الآية مدح للمسلمين لأنهم تعاهدوا التنزيل وتنزهوا عن تحريف الكتاب، وفيها أيضاً عون لهم على إجتناب التحريف.
الخامسة : ذكرت الآية أربع خصال في ذم القاسية قلوبهم وهي:
الأول : تحريفهم الكتاب.
الثاني : إرتكابهم للتحريف وآثامه بعد سماعهم لكلام الله، وإدراكهم أنه كلام الله ووصوله اليهم خال من التحريف، ومنهم من يقولون يقوموا بمحاكاة التحريف ومنهم من صدر منه التحريف والتغيير في كلام الله ابتداء، وعن عمد ويدل على العمد قوله تعالى [وَهُمْ يَعْلَمُونَ].
السادسة : الإشارة إلى التشابه بين الاسلاف، وفريق من الأبناء أيام البعثة النبوية.
السابعة : التحذير من الصلة والتداخل بين قسوة القلوب، وتحريف الكتاب، لما في غلطة وقسوة القلوب من الإصرار على المعصية والذنب.
إفاضات الآية
لقد أراد   من قصص الأمم السابقة جواهر نورانية تضيء للمسلمين دروب العلم والعمل وتكون كل قصة مدرسة وموعظة تستقرأ منها الدروس والحكم فجاء القرآن بما يجعلهم يحسنون المعاملة مع كل أمة وبما يمنع من الضرر والأذى، ومن إفاضات القرآن أنه يكشف خفايا الأفعال ويخبر عن بعض علوم الغيب ويجعلها سلاحاً بيد المسلمين.
وفي الآية إعجاز وهو بقاء أمة من الناس على دين اليهودية، فجاء القرآن بحكم الجزئية.
ويبين بالدلالة الإلتزامية رغبة المسلمين بالنفع العام للناس في النشأتين بدخولهم الإسلام.
وقال الراغب: الطمع: نزوع النفس إلى الشيء شهوة له، طمعت أطمع طمعا وطماعية، فهو طمع وطامع. قال تعالى[إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا] [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ] [خَوْفًا وَطَمَعًا] ولما كان أكثر الطمع من أجل الهوى قيل: الطمع طبع، والطمع يدنس الإهاب( ).
ولكم طمع المسلمين في المقام محمود لأنه رغبة ودعوة لدخول الإسلام, ويدل على حسن سمت وخلق كريم وتبصر في الدين عند المسلمين ، فان قيل إذن لماذا توجه لهم الإنكار , الجواب إنه من لغة إياك اعني وإسمعي ياجارة، وإن الإنكار يتعلق بالذين يصرون على الجحود بدليل ذيل الآية والتعليل الذي تذكره بيانا وتوثيقا بقيامهم بتحريف الكتاب بعد سماعه وإدراك حقيقة تنزيله.
وتتضمن الآية ذم العناد مع العلم وأنه أشد وأبعد من صلاح الجاهل لكنه ليس مستحيلاً، إذ تدل الآية على توبيخ المعاند بما تدعوه إلى الرشد والهداية، وإن إنقطع طمع المسلمين بايمانهم فان السعي لإيمانهم لم ينقطع، ومنه مخاطبة القرآن لهم، وتجلي الآيات والبراهين التي تدعوهم للإيمان , وفي الآية دعوة للمسلمين لمحاربة تحريف الكتاب بإعتباره أصلا للعناد والصدود عن آيات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الآية لطف
يتضمن القرآن أخبار السموات والأرض، وقصص الأنبياء والأمم السالفة، وعلوم الغيب، وأسرار عالم الآخرة وما فيها من الجنة والنار، وجاءت هذه الآية لإعانة المسلمين في عملهم بالدعوة إلى الله تعالى، ومعرفة أحوال الناس، فقد يرجو المسلمون إيمان جماعة من أهل الكتاب ويبذلون معهم الوسع، ولكنهم يفاجؤون بإسلام جماعة من الكفار لم يتوجهوا إليهم بالدعوة لظنهم ببعدهم عن الإيمان، ولكنهم سمعوا ورأوا بالآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنصتوا الى آيات القرآن وأدركوا ما فيها من الإعجاز.
وتبين الآية لزوم تعاهد القرآن والحرص على عدم تحريفه، والتحذير من سعي بعضهم في تحريف آياته لذا ترى المسلمين يحترزون من تمكين الكافر من القرآن، ويبذلون الوسع في حفظه والعناية به، وحفظ آياته عن ظهر قلب.
والآية سلاح للمسلمين في كل زمان، ودعوة للشعور بالعز باختيارهم الإسلام، ووجود أمة مسلمة تتعاهد التنزيل والفرائض، وعدم الحاجة بتصديق أهل الكتاب لهم في دينهم.
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بالهمزة في قوله تعالى [أَفَتَطْمَعُونَ] وقيل المراد منها الإستنكار وفق الصناعة النحوية، ولكن المعنى العقائدي أعم، مما يستلزم إتساع قواعد النحو لإستيعاب المعاني القرآنية، وما تمتاز به من تعدد الوجوه والمعاني بما تعجز تلك القواعد عن الإحاطة بها، وهو من إعجاز وبلاغة القرآن، إذ ان نظم وموضوع الآية لا يدلان على الإنكار ونهي المسلمين عن مثل هذا الطمع، لوجوه:
الأول : إن الله عز وجل واسع كريم، يقذف التوبة في قلب من يشاء.
الثاني : بيان حسن سرائر المسلمين وأنهم يحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم.
الثالث : بلوغ المسلمين مراتب الإيمان وسعيهم لجذب الناس للإسلام.
الرابع : عدم تعارض هذا الطمع مع إجتهاد المسلمين في طاعة الله وطاعة رسوله، وجهادهم في سبيل الله، فتدل ألف الإستفهام على الثناء على المسلمين لجهادهم وصبرهم في مرضاة الله، ورجاءهم لإيمان غيرهم من الناس، ومشاطرتهم المسلمين في الغنائم والمكاسب، ويحتمل موضوع الطمع في الآية وجوهاً:
الأول : إنه خاص بتوجه المسلمين إلى الفريق والنفر الذي يحرفون كلام الله بعد سماعهم له.
الثاني : رجاء المسلمين إيمان اليهود الذين في المدينة.
الثالث : الآية عامة وتشمل أهل الكتاب جميعاً.
الرابع : يطمع ويرجو المسلمون إيمان الناس كلهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقيدهم بأحكام الحلال والحرام التي جاء بها لأن فيه نفعهم وسلامتهم في الدنيا والآخرة.
والمراد من الآية الوجه الرابع أعلاه والوجوه الأخرى في طوله , لأنها تذكر الذين يحرفون الكتاب على نحو التبعيض، لتشمل الآية هذا الفريق والأمة والملة التي ينتسبون إليها، ولكن المورد لا يقيد الوارد، إذ أن المسلمين يطمعون بإيمان الناس جميعاً، ويرجون لهم الخير والصلاح.
لقد جاءت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، ومن وجوه الرحمة الإلهية في المقام طمع ورجاء المسلمين بإيمان الناس جميعاً وتصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الطمع رشحة من رشحات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفرع منها، مما يدل على أن الرحمة الإلهية ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توليدية بأن يرجو ويسعى المسلمون في دخول غيرهم من الناس إلى الإسلام ليفوزوا بالسعادة الأبدية بما فيهم الذين أظهروا الإستكبار والعناد.
وقد جاءت الآية بصيغة الجمع “أفتطمعون” وتحتمل وجوهاً:
الأول : إرادة الصحابة خاصة.
الثاني : خصوص المؤمنين الذين على إتصال مع أهل الكتاب في العمل أو السوق أو السكن.
الثالث : عموم المسلمين والمسلمات.
والصحيح هو الثالث، لأصالة الإطلاق، وعمومات قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، بتقريب أن المسلمين يرجون الخير للناس جميعاً، ومن أهم مصاديق الخير والفلاح دخول الإسلام، فان قلت لماذا جاء ألف الإستفهام إذن وهل يحمل معنى آخر غير الثناء على المسلمين، الجواب نعم، إنه يتضمن التحذير والحيطة من الذين يحرفون كلام الله، ولزوم التفكيك بين الطمع بإسلامهم وبين الحذر منهم، ومجاهدة التحريف ومحاولات تبديل وتغيير بعض ألفاظ ومعاني التنزيل.
ترى ما هي النسبة بين الواو في [يؤمنوا] وبين كل من:
الأول : قوله تعالى “فريق”.
الثاني : الهاء في قوله تعالى [فريق منهم].
أما النسبة بين واو الجماعة في(يؤمنوا) وفريق فهي العموم والخصوص المطلق، فالفريق هو طائفة من الذين يرجو ويطمع المسلمون بإسلامهم، وأما النسبة بين الواو والهاء في قوله تعالى [فريق منهم] فهي التساوي، لبيان حقيقة وهي ليس كل اليهود الذين في المدينة ولا كل أهل الكتاب يحرفون كلام الله، بل فريق منهم، ويرجو المسلمون إيمانهم جميعاً، وفيه نكتة وهي أثر هذا الفريق على أصحابهم , وكأنهم على أقسام:
الأول : فريق يحرف كلام الله.
الثاني : فريق يستمع لمن يحرف كلام الله.
الثالث: فريق من أهل الكتاب يتنزه عن تحريف الكتاب، وعن الإستماع لهذا التحريف، كما ورد في مدحهم قوله تعالى [وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ]( )، وقوله تعالى في فريق من النصارى [وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ]( ).
وجاءت الآية للإخبار عن عموم طمع المسلمين في إيمانهم جميعاً، وفيه شاهد على تسليم المسلمين بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنها موافقة لإدراك العقل، وفيها حجة على كل إنسان.
إن لغة التبعيض والإجمال في الفريق الذي يحرف كلام الله عز وجل آية من آيات لغة التنزيل لما فيها من التنكير، وعدم تعيين مذهب مخصوص أو أهل ملة على نحو التعيين، فالمدار على القيام فعلاً بالتحريف، وفيه دعوة للمسلمين إلى عدم إطلاق الذم على أهل الكتاب ونعتهم بأنهم يحرفون كلام الله بعد سماعه، مع أن هذا التحريف أخص من تحريف الكتاب، قال تعالى [مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ]( ).
وقد جاء لفظ “يحرفون” ثلاث مرات في القرآن وجاءت كلها بتحريف “الكلم”( )، بينما لم يرد لفظ (يحرفونه) في القرآن الا في الآية محل البحث، وورد بخصوص “كلام الله” .
وقد ورد لفظ “كلام الله” في القرآن ثلاث مرات، وجاءت المرتان الأخرتان بخصوص القرآن بقوله تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ]( )، وقوله تعالى [سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ]( )، وفيه أمارة على إرادة القرآن وسعي أصحاب هذا التحريف لتغيير معاني التنزيل، وإنكار مضامينه وما فيه من الوعد والوعيد، منها ما ورد حكاية عن لسانهم [وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى]( )، مع أن القرآن جاء ببشارة المسلمين بالجنة.
إن آيات القرآن شاهد على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان ما يأتي به من القرآن من عند الله، الأمر الذي جعل أهل العناد ينكرون نزول الآيات جحوداً وكتماناً للحق، وهو من وجود التحريف، وإرادتهم القرآن بالتحريف لا يتعارض مع تحريف الكتب السابقة والبشارات التي جاءت فيها ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويحتمل التحريف هنا وجوهاً:
الأول : مجيء آيات أخرى بوقوع التحريف في الكتب السابقة كما في الآية أعلاه بتحريفهم للكلم.
الثاني : إختصاص هذه الآية بالسعي لتحريف القرآن، وان المقصود بكلام الله في الآية هو القرآن.
الثالث : إرادة المعنى الأعم بكلام الله في هذه الآية وإرادة التوراة والإنجيل والقرآن.
والصحيح هو الثالث من غير أن يتعارض مع الوجهين الأول والثاني، إذ أن التحريف للقرآن في طول تحريفهم للتوراة لوحدة السنخية في الكتاب السماوي ولأن التوراة والإنجيل يبشران ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن عليه، وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن مصدقان للتوراة والإنجيل وبعثة موسى وعيسى عليهما السلام.
وقد ذكرت هذه الآية لفريق من أهل الكتاب من وجوه:
الأول : سماعهم لكلام الله.
الثاني : قيامهم بتحريف كلام الله، وتعلق التحريف بذات الكتاب، وليس بما يتفرع عنه.
الثالث : حصول التدبر في معاني القرآن عندهم، وفهمهم لدلالاته.
الرابع : علم هؤلاء بأمور:
الأول : قيامهم بتحريف كلام الله.
الثاني : إدراكهم بان الذي يحرفون هو كلام الله.
الثالث : علمهم بقبح فعلهم وقيامهم بالتحريف.
وجاءت في هذه الآية الفاظ بصيغة الفعل والجمع هي تطمعون، يؤمنوا، يسمعون، يحرفونه، عقلوه، يعلمون.
وجاء الأول منها خطاباً للمسلمين، أما الخمسة الأخرى فتعود لبني إسرائيل وقد خصهم الله عز وجل بأنهم يسمعون كلام الله، والظاهر أن التحريف لم يأت إلا بعد تلقيه وضبطه والتسليم بعدم وجود الشبهة والشك فيه.
التفسير الذاتي
لم يأت لفظ “تطمعون” في القرآن إلا في هذه الآية، وقد جاء خطاباً للمسلمين من عند الله بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبصيغة الإنكار، ويحتمل وجهين:
الأول : دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين في صيغة الخطاب.
الثاني : عدم دخول النبي في لغة الخطاب لأنه يدرك بالعلم اللدني وتعليم الله عز وجل ومعه المسلمون بأن الذين يطمعون بإيمانهم يصرون على الجحود.
والصحيح هو الثاني، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو إمام المسلمين، وأرسله الله عز وجل “رحمة للعالمين”( ) ويرجو للناس جميعاً الإيمان بنبوته لأنها حق وصدق، وقد آمن عدد من علمائهم وأحسنوا إسلامهم.
وهل يتعارض هذا الإيمان مع لغة الإستفهام الإنكاري الواردة في الآية الجواب لا، لأن المقصود في الآية الذين أصروا على الكفر والعناد، ويأتون للجدال ويجتهد المسلمون في إقامة الحجة والبرهان عليهم بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أملاً في إسلامهم.
وتحتمل الآية في زمانها وجوهاً:
الأول : إرادة الذين كانوا أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الذين حرّفوا الكتاب.
الثاني : المعنى الأعم، والآية خطاب متجدد للمسلمين في كل زمان.
الثالث : الآية خاصة بسبب النزول، وأفراد منهم.
والصحيح هو الثاني، ومن إعجاز القرآن أن مضامين الآية القرآنية لا تنحصر بزمان دون آخر بل هي باقية ومتجددة في كل زمان.
ولكنها لا تمنع من بقاء باب التوبة والدعوة للإسلام مفتوحاً لهم.
وتدعو الآية إلى رقة القلوب لوجوه:
الأول : لتكون محلاً لتلقي الآيات والإنصات اليها.
الثاني : إنها مقدمة للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : في رقة القلوب إجتناب العناد والجحود.
الرابع :الإمتناع عن إنكار البشارات التي جاءت بنبوته.
الخامس : الإنصات لآيات القرآن.
لقد أراد الله عز وجل نشر مفاهيم المحبة بين الناس وفق مرضاة الله، وبما فيه تعظيم شعائره، وترسيخ معاني التوحيد في الأرض.
وتبين الآية مضامين الإبتلاء والإختبار في الحياة الدنيا، مع تقريب الناس إلى سبل الهداية والرشاد على وجوه:
الأول : بيان فضل الله عز وجل على الناس.
الثاني : لزوم الشكر لله عز وجل على النعم، وهذا الشكر واقية من قسوة القلوب، والتنزيل نعمة وخير محض وكنز الحكمة، يستلزم من الناس الشكر، قال تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ]( ).
الثالث : التنبيه والتحذير من قسوة القلوب، فقد لا يعرف الفرد والجماعة والطائفة قسوة قلوبهم، وما يترشح عنها من أضرار خاصة وعامة بسبب الأقوال والأفعال التي تنجم عن غلظة القلوب، وإمتناعها عن رؤية الحق، وقد تقدم قوله تعالى [خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ] ( ).
فما هي الصلة بين هذه الغشاوة وبين قسوة القلوب الجواب المراد بالآية أعلاه القوم الكافرون الذين يمتنعون عن إنذارات القرآن والسنة النبوية الشريفة، أما الآية محل البحث فانهه تذكر حال شطر من أهل الكتاب في الأزمنة السابقة، بعد توالي النعم عليهم، وهل من أثر لقسوة القلوب تلك في الجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم، لذا جاءت الآية للتنزه من تلك القسوة كمانع من تلقي المعجزات.
ومن إعجاز القرآن أن الآيات السابقة جاءت بصيغة الخطاب وأختتمت الآية السابقة بذات الصيغة [وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] وجاءت هذه الآية بذات الصيغة من الخطاب مع التباين والتضاد في الجهة الموجهة لها الخطاب فالآيات السابقة توجهت لبني إسرائيل بصيغة اللوم، التي تكون واسطة للرشاد، أما هذه الآية فجاءت خطاباً للمسلمين، مع تعلق الموضوع بالآيات السابقة وإرادة بني إسرائيل.
ومن إعجاز القرآن وقربه من قلوب العباد التداخل بين مضامين الآيات المتعاقبة وإن إختلفت لغة الخطاب فيها ليبين هذا التداخل بلغة التخفيف الغايات الحميدة منها، وذكرت الآية علة الإستفهام الإنكاري وتتكون من موضوع واحد وهو:
الأول : سماع فريق من بني إسرائيل للآيات.
الثاني : قيامهم بتحريف الآيات.
الثالث :مجئ هذا التحريف بعد التدبر في معاني الآيات.
الرابع : علمهم بالتحريف إلى جانب أفراد أخرى تبينها الآية التالية.
ويتجلى الإعجاز في الآية في تعدد وجوه الجحود منهم، وفيه مناسبة لتفقه المسلمين، ومعرفتهم لأحوال الأمم، والأمور التي تستحق الذم، وأسباب الصدود عن الإسلام.
فصحيح أن الآية جاءت في باب ذكر علة تخلفهم عن الإيمان إلا أن ذكرأفراد تلك العلة وسيلة للعلاج، وكيفية الإحتجاج عليهم، وإصلاحهم، وجعل طائفة من هذا الفريق من أهل الكتاب يلتفتون إلى خطئهم وذنبهم، والإقلاع عنه، والآية مناسبة للتوبة والرشاد.
وهو من إعجازها فتأتي للإنكار على المسلمين ليس فيما يفعلون بل بحبهم للناس في دخول الإسلام مع وجود علة ذاتية عند شطر من الناس، للتخلف عن دخوله، وأفراد تلك العلة وكيف أنها بإختيار ما هو خلاف وظيفة الإنسان التي يحتمها العقل والتكليف، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار , ويدل قول الله تعالى[إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]( )، على وجود مقدمات وأسباب دخول كل إنسان للإسلام، وإن الموانع عرضية لا أصل لها ومنها التحريف، وجاء القرآن لإزاحتها والأثر المترتب عليها، ولم يرد لفظ (يحرفونه) في القرآن إلا في هذه الآية، وقد ورد لفظ (يحرفون) فيه ثلاث مرات بقوله تعالى [يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ]( )، جاءت إثنان في شطر من أهل الكتاب، وواحدة أخص في الخطاب، وأعم في الموضوع بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ]( ).
ولم يرد تحريف (كلام الله) إلا في هذه الآية.
ويفيد الجمع بين الآيتين توجيه الإستفهام الإنكاري للمسلمين في الآية محل البحث لكيلا يحزنوا على تخلف فريق من أهل الكتاب عن الدعوة للإسلام وان النقص ليس في مبادئ الإسلام فدخول الإسلام، وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق، ولكن النقص عند هؤلاء وبما يجعلهم يؤثمون للخلل والمعصية فيما صار طريقاً للعناد والجحود، لتكون هذه الآية من عمومات قوله تعالى [لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
ترى لماذا ذكرت الآية (كلام الله) بدل (الكلم) الجواب من وجوه:
الأول : بين الكلم وكلام الله عموم وخصوص مطلق، فكلام الله أخص.
الثاني : بيان الذنب العظيم الذي يرتكب الذين قست قلوبهم بعد توالي النعم عليهم في تغيير كلام الله.
الثالث : تفقه المسلمين في الدين.
الرابع : إرادة المعنى الأعم من التحريف عند السماع بتغيير معاني ومقاصد كلام الله، وتأويله بخلاف المراد منه.
الخامس : هذه الآية بيان وتفضيل للتحريف وأهم مواضيعه، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
السادس : الإشارة إلى محاولة تحريفهم للقرآن بقرينة السماع.
ومن إعجاز الآية أنها لم تكتف بذكر سماعهم، بل ذكرت تعقلهم وفهمهم لكلام الله بعد سماعه لإقامة الحجة عليهم، وأن هذا التحريف والتبديل جاء عن قصد وعمد، وفيما يتعلق بالقرآن، فالآية تبعث السكينة في نفوس المسلمين بأن هذا التحريف لم ولن يضر القرآن، إنما هو باب لإضرار أهل الجحود بأنفسهم قال تعالى[إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا]( )، وتحريف الكتاب يزيد القلوب قسوة، فمن الآيات أن تكون تلك القسوة سبباً ونتيجة للتحريف.
وتتجلى في هذه الآية الصلة بين الأجيال السابقة وزمان نزول القرآن فجاءت الآيات السابقة بذكر أحوال بني إسرائيل في الأزمنة الغابرة وتوالي النعم عليهم، وما تعقبه من قسوة القلوب، وإختصت هذه الآية بأيام البعثة النبوية وما بعدها من غير وجود برزخ وفاصلة في نظم الآيات لأن قسوة القلوب بقيت هي وآثارها عندهم إلى حين نزول القرآن.
لقد جاءت الآية بلفظ (يسمعون) وليس يستمعون مع أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل إستماع هو سماع وليس العكس، ومع الإستماع يكون القصد والتدبر، أما السماع فيأتي عرضاً ومن غير قصد.
فمن إعجاز الآية بخصوص ذكر السماع دون الإستماع وجوه:
الأول : كفاية سماع كلام الله في تحصيل التدبر في مضامينه.
الثاني : عدم قصدهم الإنصات لكلام الله.
الثالث : تبييتهم للعزم على العناد.
الرابع : وجود أمة غيرهم تستمع لكلام الله وتصغي له، وهذا القول بالتباين بين السماع والإستماع.
ومن إعجاز الآية أن بدايتها جاءت خطاباً للمسلمين، وما بعدها جاء وصفاً لفريق من أهل الكتاب، لأن الآية تأديب وإرشاد للمسلمين والناس جميعاً، وبيان لزوم إجتناب التحريف وأهله، والنفرة منه، والحيطة والحذر من التحريف وتبديل كلام الله، وهي دعوة للمسلمين لحفظ القرآن ومنع وصول يد التحريف إليه، وهذه الدعوة لا تتعارض مع قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( )، بل هي من عموماتها ومن الوسائل والأسباب التي يسخرها الله لحفظ القرآن.
وتبين هذه الآية في مفهومها آثار قسوة قلوب الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأضرارها عليهم، بالإصرار على الصدود، والإمتناع عن التصديق بنبوته.
وجاءت الآية بالإنكار على المسلمين طمعهم بإيمان أهل الجحود، مع بيان علة هذه الإنكار وأنها لا تتعلق بالمقتضي، فالمقتضي له موجود، ولكنها تتعلق بالمانع، وهو مانع ذاتي، ووجود المقتضي في المقام كاف لطمع المسلمين بإيمان الناس، لأن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس كافة، ولكن الآية مناسبة لتفقه المسلمين في أحوال أهل الكتاب، وتخفيف عنهم ببيان المانع الذاتي عند فريق من الناس عن تحقيق مصداق هذا الطمع.
من غايات الآية
وفي الآية مسائل:
الأولى : الآية واقية من الطمع واللهث وراء الذين يصرون على العناد والجحود.
الثانية : بيان قبح تحريف الكتاب والتنزيل سواء كان المراد تحريف التوراة والإنجيل أو محاولة تحريف بعضهم لما يسمعه من آيات القرآن.
الثالثة : هل تتضمن الآية زجر المسلمين عن السعي لجذب أهل الكتاب للإيمان والإحتجاج عليهم، الجواب لا.
لأن إنكار الطمع أعم من أن يكون سبباً للمنع من الدعوة إلى الله التي جاء الأمر الإلهي بها على نحو الإطلاق والعموم، وإنكار الطمع بإيمان هؤلاء لا يرقى إلى مرتبة المخصص لعمومات الدعوة ولكنه ينفع المسلمين في معرفة أحوال هذا الفريق من أهل الكتاب وعدم حصول حال الإحباط إذا إمتنعوا عن الإيمان.
الرابعة: بيان رضا المسلمين بانتمائهم للإسلام وحبهم لمشاطرة الناس لهم هذه النعمة، وإدراكهم أن هذه المشاركة تزيد في قوتهم ومنعتهم ولا تنقص من حقوقهم شيئاً.
الخامسة: تجلي معاني الرحمة في نهج المسلمين بجذب الناس للإيمان، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
التفسير
قوله تعالى [ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ]
لغة الخطاب في الآية الكريمة فيها وجوه:
الأول : إنه خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة لأنه الداعي وهو المقصود بالإستجابة، وهو قول ابن عباس( ).
الثاني : إنه خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وهو قول الحسن البصري.
الثالث : موجه للمسلمين عامة وبصورة مباشرة ولا يمنع من ان يكون بعضهم وليس جميعهم يأملون ويرجون أن يؤمن بنو إسرائيل برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدخلوا الإسلام.
والأقوى هو الوجه الثاني، وليس في الآية عتاب أو توبيخ للمسلمين إنما يتعلق اليأس وعدم النفع بقبيح التحريف وتغيير كلام الله عز وجل وتأويله على خلاف الحق والواقع والظاهر، أي ان المانع وسبب اليأس يتعلق بعدم إستعداد القابل.
وفي الآية إعجاز قرآني وهو إصرارهم على الجحود والكفر وتوكيد عدم إيمانهم، وفيها تحدٍ كبير وذم صريح لتحريف الكتاب، وبداية إشراقة سماوية تتجلى من التحذير من التحريف وكشفه وإبطال أثره.
وفي الآية تخفيف عن المسلمين بعدم بذل الوسع في دعوة اولئك للإسلام والإحتجاج عليهم ومجادلتهم، فنهت الآية عن تعلق الطمع بايمانهم، وهذا اليأس لا يعني غلق الباب تماماً أو اليأس منهم على سبيل السالبة الكلية.
وكأن الآية تنبه المسلمين لعدم إعطائهم الأولوية في الدعوة للإسلام بإعتبار أنهم أهل كتاب وأكثر معرفة بالآيات وتنهى عن تعليق دعوة غيرهم من الناس بهم، وقد تلقوا ما هو مقدمة وبشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد يسلم الكافر بآية يراها، وقد يصر على الجحود من تظن أنه يسلم بأدنى آية مع توالي الآيات.
قوله تعالى [وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ]
الواو عاطفة في إشارة لبيان فعل قبيح آخر، وذكره بعد بيان تعدد النعم وجحودها يؤكد أن هذا الذنب يصح أن يكون قسيماً لما تقدم، لأن عدم تحريف الكتاب أصل يجعل أبواب التدارك مفتحة والرجوع إلى أحكام الشريعة ممكناً، وأن الجحود بالآية الحسية أهون كثيراً من التحريف، لما في التحريف من الحيلولة دون إيمان الذراري والأبناء، ومن التجرأ على التنزيل.
ويدل قوله تعالى [يَسْمَعُونَ] على حصول التبليغ وتلاوة آيات القرآن عليهم وأنهم ملتفتون إلى أنّ الذي يسمعونه هو كتاب الله ويقومون بالإنصات له والتسليم بما فيه.
بحث بلاغي
ذكرت هذه الآية في خطابات القرآن باب خطاب الجمع بعد الواحد، كمثال (بأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وجمعت معه الأمة تفخيماً وتعظيماً) حكي عن ابن الأنباري( ).
والأقوى أن الخطاب موجه للمسلمين جميعاً وفي كل زمان، ولا يتعارض مع إرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخصوص والأمة على نحو العموم، لاسيما وأن خطابات القرآن إنحلالية تشمل المعدومين أيضاً، وهي عبرة وموعظة وبرزخ دون اللهث وراءهم من أجل هدايتهم ومانع من الشعور بالإحباط والخيبة في حال إمتناعهم عن الإنقياد لأحكام النبوة وإعراضهم عن الآيات.
ترى من هم المقصودون بكلمة [ فريق ]، فيه وجوه:
الأول : الذين كانوا أيام موسى عليه السلام لأنهم سمعوا التوراة.
الثاني : الذين أيقنوا من صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم حرفوها وإدعوا غيرها.
الثالث : علماء اليهود الذين جعلوا الحلال حراماً والحرام حلالاً تبعاً للمنافع والأهواء.
الرابع : الواو في [ يُؤْمِنُوا ] تعود إلى بني إسرائيل لسياق الآيات وفيها حجة على أن لغة الخطاب في الآيات السابقة تشمل اليهود الذين عاشوا أيام نزول القرآن بل وبعده أيضاً باعتبار أن القرآن حجة في كل زمان لا تبلى آياته ولا تنحصر بزمان دون زمان.
الخامس : إنهم السبعون رجلاً الذين إختارهم موسى عليه السلام من قومه فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم حين رجعوا إليهم، عن ابن عباس( ).
وورد في الخبر أن قوماً من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أُمر به موسى وما نهي عنه ثم قالوا سمعنا الله يقول في آخره: إن إستطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وان شئتم ان لا تفعلوا فلا بأس.
السادس : المقصود هم الذين يقومون بتحريف التوراة أيام نزول القرآن ليظهر الإختلاف بينهما وغلبة الأهواء والتجرأ على أحكام الله كما في آية الرجم مثلاً وسيأتي بيانه أن شاء الله في تفسير قوله تعالى [ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا… ]( ).
السابع : المقصود في هذه الآية الذي يسمع القرآن من غير المسلمين ولكنه يقوم بتحريفه وتأويله على غير وجهه.
وليس من مانع من إجتماع هذه الوجوه في الآية الكريمة وتأثيرها سلباً في جحودهم وإمتناع شطر منهم عن الإقرار برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتثبت الآية الكريمة حقيقة وهي أن الذين يحرفون الكتاب نفر وجماعة منهم ولا يشترك الكل بالتحريف ولكن إطلاق متعلق الإستفهام الإنكاري يدل على أن هؤلاء كانوا يؤثرون في عامتهم، وهناك من يسمعهم ويستجيب لهم. وكان نفر منهم يترددون في دخول الإسلام خشية كبرائهم وما يدّعونه من منازل العلم.
ومن المقولات الشائعة “ان الحسد آفة العلم”، أقول: قد يكون من الذين تبوؤا مقامات العلم ليسوا بعلماء ولم يستطيعوا الإرتقاء الى وظائف العلماء فغلب على سلوكهم الحسد والطمع.
وقد ترى هذه الظاهرة في أزمنة متعددة مع التباين في مقدارها وظهورها شدة وضعفاً إلا أنها في العقائد تتخذ رداء المانع والمعوق، وفي الرسالات السماوية ينعدم أثرها السلبي ويتلاشى ضررها وإن كانت تحمل عنوان الإبتلاء المركب، الإبتلاء لأهلها بزيف الإدعاء والضلالة والتغرير
والتضليل، ولو كانوا علماء حقاً لما حسدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ولأقروا بالآيات وإمتثلوا لأوامر النبوة، سواء تلك البشارات التي جاء بها موسى عليه السلام ، أو الآيات والأحكام الشرعية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإبتلاء الذين يسمعونهم ويقبلون منهم ويفتنون بهم، وجماعة منهم ليست بالقليلة دخلت الإسلام، وكلا الفرقتين لم تشتركا بالتحريف ولكن إحداهما تأثرت به، كما في أصحاب القرية وإنقسامهم إلى ثلاث فرق، وأن فرقة واحدة كانت هي الناجية.
وتؤكد الآية أن التحريف جاء عن عمد وسوء قصد وأنهم لم يكونوا قاصرين أو مقصرين بل كانوا ظالمين، لأنهم قاموا بالتحريف بعد ما فهموا كلام الله ووعوا ما فيه من الآيات والأحكام والموعظة بدليل قوله تعالى [ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ].
وتفيد صيغة المضارع في مادة التحريف مواصلتهم للتحريف تبعاً للأهواء واللذات والمنافع الدنيوية القريبة او باعتباره سجية وعادة.
وظهر التحريف أيام البعثة النبوية بتغيير صفات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الموجودة في التوراة، والتحريف أما أن يكون باللفظ أو المعنى أو المفهوم، وكل حصل أيام نزول القرآن.
قوله تعالى [مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ]
وتبين هذه الآية من ضرر تحريف الكتاب على أهله في مراتب الجحود وأنه يصلح أن يكون قسيماً للنعم المتقدمة، فالآيات كانت تترى عليهم ومنها قصة البقرة وإحياء الموتى، وقال تعالى [ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( )، بينما في هذه الآية عقلوا الكتاب السماوي عندما سمعوه، ولم تقل الآية بالإستماع الذي يعني السماع مع قصده وإرادته، أما السماع فقد يأتي عرضاً ومن غير قصد، ومع هذا أيقنوا بما فيه من البشارات وأسناها وعمودها بشارة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولم تقل الآية “من بعد ما عرفوه” أي عرفوا أنه كتاب الله، بل أخبرت عن فهمهم لمضامينه، وفيه شاهد على إعجاز القرآن وإخبار بان الله تعالى يعلم السر وأخفى، وأن القرآن نازل من عند الله، لأنه يخبر عن حصول الفهم عندهم لمضامين التنزيل وأن التحريف لم يأتِ عن جهالة وغفلة، بل جاء بعد إقرار بتنزيل الكتاب من عند الله، وعلى فرض ان المراد تحريف القرآن، فيحمل على تغيير ومحاولة تبديل معاني الآيات والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن يد التحريف لم تصل إلى القرآن وكلماته وألفاظه .
وتبين الآية إقامة الحجة عليهم، وعظيم نعمة الله تعالى على بني إسرائيل بسماع كلام الله، وعقله وفهمه وهو من اللطف الإلهي بهم وأسباب تقريبهم إلى الطاعة والتصديق بالتنزيل.

قوله تعالى [وَهُمْ يَعْلَمُونَ]
الأول : يعلمون أنهم يقومون بالتحريف.
الثاني : يعلمون أن الذي يحرفونه هو كتاب الله.
الثالث : أن الوجه الصحيح والمعنى المقصود من الآية معلوم عندهم ولكنهم مع هذا أقدموا على التحريف وكتمان الحق.
الرابع : يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله وان صفاته موجودة في التوراة التي نزلت على موسى.
الخامس : يعلمون أنهم سيُفضحون ويكشف أمر تحريفهم.
السادس : إن عقاب التحريف شديد وأنهم يبوؤون بالإثم.
السابع : إن عاقبة التحريف الأذى والضرر والخزي من خلال التمادي في المعصية بمواصلة التجرء على كتاب الله والأحكام الشرعية او بالتطبيق العملي لصيغ التحريف وإتيان ما فيه من وجوه الضلالة.
الثامن : إن تحريف كتاب الله محرم ومنهي عنه.
التاسع : إن الإسلام باق ومنتصر.
العاشر : إن الذين يقومون بالتحريف من جماعة الرؤساء ولكنهم وظفوا فعلهم للشر , كما فعل إبليس حينما إمتنع عن السجود لآدم لما أمر به.
الحادي عشر : إن التحريف لن يضر المسلمين ولن يُفزع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يمنع المؤمنين من مواصلة الجهاد.
الثاني عشر : إن بعض علمائهم سيفضح هذا التحريف، كما فعل عبد الله بن سلام.
الثالث عشر : التحريف لن يغير الحقائق ولن ينسخ آيات الكتاب قال تعالى [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون ]( ).
الرابع عشر : يعلمون انهم يفتون بالباطل وانهم يتحملون أوزار الذين يتبعونهم.
الخامس عشر : يعلمون أن الله عز وجل يعلم السر والعلانية وأنه أحاط بفعلهم وعملهم علماً.
السادس عشر : وفي الآية مسائل منها:
الأولى : الإعجاز في الإخبار عن عدة حقائق منها تحريفهم للكتاب عن معرفة وإدراك.
الثانية : تنبيه المسلمين إلى ضرورة حفظ القرآن من التحريف سواء كان من قبل المنافقين أو غيرهم.
الثالثة : لغة التبعيض في الآية الكريمة [ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ] تشير إلى عدم اليأس منهم جميعاً وانه لا يزال فيهم من يمكن مخاطبته ودعوته للإيمان.
الرابعة : في الآية حث للمسلمين على عدم الرجوع الى أهل الكتاب في الأمور العقائدية والأحكام الشرعية لعبث يد التحريف عندهم، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم)( ).
الخامسة : الحيلولة دون تأثر المسلمين بما يقال ويروى من التحريف الذي يخالف ما ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة : إجتناب الإختلاف والفرقة بين المسلمين والإحتراز من الكيد في باب التحريف.
السابعة : عدم التهاون أو التفريط في العبادات والمناسك والأمور العقائدية.
الثامنة : منع المنافقين من إستغلال التحريف الذي طرأ على الكتب السابقة ضد الإسلام.
التاسعة : التخلص من الإحتجاجات ذات الخصومة والمبنية على التحريف.
بحث بلاغي عقائدي
مع قلة عدد كلمات هذه الآية فقد جاءت فيها واو الجماعة ست مرات، وجاء الضمير “هم” مرتين، والكاف مرة واحدة في “لكم” وضمير الفرد (الهاء) مرتين.
وفي المراد من واو الجماعة في الآية وجوه:
الأول : تعود “الواو” في أفتطمعون إلى المسلمين.
الثاني : الواو في “يؤمنوا” عائدة إلى بني إسرائيل.
الثالث : الواو في “يحرفونه” وتعود إلى فريق من أهل الكتاب.
الرابع : تحتمل “الواو” في عقلوه وجهين:
الأول : الذين حرفوا الكتاب.
الثاني : المعنى الأعم وإرادة بني إسرائيل، ومنهم الذين لم يشتركوا في تحريف الكتاب.
الخامس : في المراد من الواو في “يعلمون” وجهان:
الأول : عموم بني إسرائيل.
الثاني : خصوص الذين قاموا بتحريف الكتاب، وإذا كان موضوع الطمع بإيمان الذين يحرفون الكتاب معدوماً، فلماذا تشمل الآية غيرهم من أهل الكتاب على المعنى الأعم، الجواب: الأصل هو الإجتهاد وبذل الوسع في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولزوم منع التحريف، وزجر وفضح الذين يقومون به، فلا ينحصر الإثم والظلم للنفس والجماعة بالذين يحرفون الكتب السابقة، بل يشمل الذين يعلمون به ويسكتون عنه ويرضون به.
وتعتبر كثرة الضمائر في الآية مع إتحاد الموضوع سراً من أسرارها، وباباً لإستنباط المسائل والأحكام، وتعدد الوجوه من غير تعارض بينها، وشمول مضامين الآية لأفراد الزمان الطولية وقيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


قوله تعالى [ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ] الآية 76.
الإعراب واللغة
[ وإذا ]: الواو عاطفة، ومنهم من قال أنها إستئنافية، إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه متعلق بجوابه.
لقوا: فعل ماض مبني على الفتح، الواو: فاعل والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لإضافة الظرف إليها.
الذين: اسم موصول مفعول به، آمنوا: فعل وفاعل، قالوا: فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم.
آمنا: فعل وفاعل، والجملة في محل نصب مقول القول، بما: جار ومجرور متعلقان بتحدثونهم.
فتح : فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من العراب لأنها صلة الموصول.
عليكم: جار ومجرور.
[ ليحاجوكم ]: اللام: لام العاقبة، يحاجوكم: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد لام العاقبة، الواو: فاعل، والضمير مفعول به.
عند: ظرف متعلق بمحذوف حال وهو مضاف، ربِ: مضاف اليه، وهو مضاف، الكاف: مضاف اليه.
[ أفلا تعقلون ]: الهمزة للإستفهام الإنكاري، وتكون أيضاً للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإقرار والإعتراف بما هو واقع.
لقيته لقاء – بالكسر والمد ، ولقى – بالضم والقصر. أي صادفته وواجهته وقابلته وضمني وإياه موضوع إجتماع.
ويقال “خلا الرجل إلى الرجل إذا اجتمعا في خلوة…” وفي العين: خلا الرجل بصاحبه خلوّاً)( ).
والحديث: الخبر والنبأ، والفتح ضد الغلق وقد يأتي بمعنى الحكم والقضاء، وأهل اليمن يسمون القاضي الفتاح، وقد يأتي بمعنى النصر ورفع الإشكال والأمور الإعتبارية، وهو في المقام بمعنى الرزق والفضل والرحمة كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “اذا دخل شهر رمضان فُتحت ابواب السماء وغُلقت ابواب جهنم واستجيب الدعاء” لأن فتح ابواب السماء هنا كناية عن نزول الرحمة وسهولة الرزق.
في سياق الآيات
بعد أن حذرت الآية السابقة المسلمين لفريق من أهل الكتاب الذين يحرفون الآيات بعد فهمها وتدبرها والتسليم في قرارة النفس بأنها من عند الله، جاءت هذه الآية لفضحهم وبيان ما يتصرفون به فيما بينهم وبخلاف ما يظهرون للمسلمين، وكيف أنهم يحرض بعضهم بعضهم الآخر على الكفر والجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
إنه فعل قبيح آخر ذو وجهين متناقضين وفيه دلالة وبينة على عدم إيمانهم، وبيان وتعليل لتخلفهم عن الإيمان.
لقد جاءت الآيات السابقة في ذكر وتعداد نعم الله تعالى على بني إسرائيل فما هي النعم في هذه الآية، الجواب على وجوه:
الوجه الأول : لقاء بني إسرائيل الذين آمنوا، وفيه وجوه:
الأول : وجود سابق لهم في مسالك الإيمان.
الثاني : تبادل الحديث مع المسلمين عن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : سماعهم الحجة والبرهان عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : دعوة المسلمين لهم لدخول الإسلام.
الخامس : الآية شاهد بان المسلمين أصبحوا أيام التنزيل أمة تعمل وفق مضامين التكليف، وتقوم بالتبليغ والدعوة والنصيحة، وهو نعمة عظيمة على كل من:
الأول : المسلمون أنفسهم.
الثاني : الذين يعيشون مع المسلمين في بلدانهم وأمصارهم وقراهم,
الثالث : أهل الكتاب.
الرابع : الناس جميعاً.
الوجه الثاني : قولهم آمنا، وإظهارهم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خلاف ما تخفيه صدورهم، وفيه وجوه:
الأول : إنه حجة عليهم للإقرار الظاهري، وموضوعيته وتوثيقه سماويا شرعاً وعقلاً.
الثاني : انه سبب للوم النفسي والذاتي، أما النفسي فلوم الإنسان نفسه على التباين بين ما يعلنه أمام المسلمين وما يخفيه، ولو كانت عنده حجة على الجحود بالنبوة لما أعلن إيمانه أمام المسلمين، خصوصاً وان ظاهر الآية يدل على إنتفاء القهر والإكراه في قولهم آمنا، وأما اللوم الذاتي بأن يلوم بعضهم بعضاً على التخلف عن التصديق بالنبوة.
الثالث : فيه دعوة لهم للإيمان بغلبة القول الظاهري على المانع الداخلي المرتكز على العناد والإصرار.
الرابع : رؤيتهم لحسن حال المسلمين وما يترشح عن الإيمان من الصلاح وإمتلاء النفس بالسكينة.
الخامس : صدور القول منهم بصيغة الجمع الإستغراقي، مما يدل على عجزهم عن الإحتجاج على المسلمين، وتسليمهم بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والآيات التي جاء بها من عند الله.
الثالث : نعمة خلو بني إسرائيل بعضهم ببعض والتباحث في أمور الدين وأخبار النبوة، وفيه دعوة لإتخاذه مناسبة لإختيار سبل الحق والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : إخبار الآية عما رزق الله تعالى بني إسرائيل من النعم والمعجزات وأخبار النبوة، والبشارة بنبوة خاتم المرسلين وموافقة ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما عندهم من الأخبار.
وجاءت الآية السابقة بذكر فريق من الذين يحرفون الكتاب، وإبتدأت هذه الآية بقوله تعالى [وَإِذَا لَقُوا] وتحتمل الواو فيه وجهين:
الأول : إرادة عموم بني إسرائيل.
الثاني : خصوص الذين يحرفون الكتاب منهم.
والأصح هو الأول مما يدل على إنصاتهم للفريق الذي قام بتحريف الكتاب ورؤسائهم الذين يصدون عن الإسلام.
الخامس : الآية وثيقة وشهادة سماوية بإقرار بني إسرائيل بالإيمان بالله واليوم الآخر، وقيام الحجة عليهم يوم القيامة بشهادة ما بين أيديهم من التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارة بها.
السادس : الإقرار بنعمة العقل والأصل ترشح توظيفها في مرضاة الله تعالى.
ومن وجوه الصلة بين الآية السابقة وبين هذه الآية أن الله عز وجل جعل في القرآن ما فتح الله عليهم من علوم الغيب وأسرار التنزيل وأحكام الشريعة السمحاء.
إعجاز الآية
تظهر الآية بالحجة الدامغة سريرة فريق من المعاندين وتفضح ما يدور في ناديهم وخلواتهم مما يتعدى التحريف، ويشمل التصدي للحق والمنع من إنتشار أخبار ومعجزات النبوة، وفيها إقرار منهم بيوم البعث ولكنهم يحاولون الإعتذار بالتكتم والإخفاء للآيات، والآية مدد للمسلمين من عالم الغيب.
ويتجلى الإعجاز بالمضمون المركب والمتعدد في الموضوع الواحد من جهات:
الأولى : توجه الخطاب للمسلمين، بدليل إبتداء الآية بحرف العطف الواو وعطفها على الآية السابقة التي تخاطب المسلمين(افتطعمون).
الثانية : بيان خصلة مذمومة في فريق من الناس أظهروا الإيمان وأخفوا إقامتهم على الجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة : متعلق الإخفاء هو أوان الحضور عند المؤمنين وقد جاءت الآية بصيغة الجمع في مضامينها من جهات:
الأولى : لغة الخطاب وتوجهه للمسلمين.
الثانية : إرادة الفريق من أهل الشك والريب الذين بقوله تعالى[وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا]( ).
الثالثة : الذين آمنوا.
الرابعة : إظهارهم الإيمان بقولهم[قَالُوا آمَنَّا].
الخامسة : الخلوة بينهم.
السادسة : توجيه اللوم الذاتي فيما بينهم[قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ].
السابعة : الإقرار العام بأن الله عز وجل رزقهم من النعم والبشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من عمومات قوله تعالى[اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( ).
الثامنة : لغة الإستفهام الإنكاري وما فيه من التوبيخ، وفيه سلاح للمسلمين باقامة الحجة عليهم فيما يحدثون ويخبرون به من البشارات، ويدل ظاهر الآية على أن المسلمين إتخذوه موضوعاً للإحتجاج.
التاسعة : إقرار بني إسرائيل بأن الله عز وجل ربهم، وأنهم يقفون بين يديه للحساب يوم القيامة.
ويمكن تسمية الآية بآية (ليحاجوكم) ولم يرد هذا اللفظ مع اللام في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
تساعد الآية في معرفة أحوال الملل الأخرى وتنفي الندم والحسرة على تخلفهم عن الإيمان، وتبعث السعادة في النفس الإيمانية لما تكشفه من الحقائق والأسرار عن الآخرين، وفيها بشارة وتوكيد بان الذين لم يدخلوا الإسلام لن تنفعهم أعذارهم وسيكونوا محجوجين يوم القيامة.
وتعتبر الآية حرزاً ووقاية للمسلمين، وفيها تخفيف عنهم إذ أنها تفضح أهل الريب، وتبين حالات النفاق، وبذلك تحول دون تسرب اليأس والقنوط إلى نفوس المسلمين.
فبعد الإخبار عن قيام فريق من الناس بتحريف الكتب السماوية السابقة وتبديل صفات نبي آخر الزمان، والسعي لصرفها عن شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء الرد من عند الله عز وجل بفضح ما يدور في منتدياتهم مما يكون مخالفاً لما يعلنون أمام المسلمين، وتتجلى معاني البيان والتحذير في هذه الآية بلحاظ قوله تعالى[وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ]( ).
ومن إعجاز القرآن أنه لم يأت لفظ (وجه النهار) ولفظ (آخره) إلا في الآية أعلاه ويمكن إستقراء مسألة منه وهي أن هذا المكر أمر نادر وقد تفضل الله بكشفه وفضحه ليكون هذا الفضح زجراً للناس عنه، وتحذيراً للمسلمين.
ومن معاني آية البحث أنها باب لتفقه المسلمين في الدين، ليكون من مصاديق قانون يتجلى في آيات القرآن وهو (تحذير المسلمين تفقه في الدين) ونبينه تفصيلاً في الأجزاء اللاحقة إن شاء الله.
لقد تعلم المسلمون من هذه الآية درساً وهو عدم الإفتتان بالذين يصانعونهم، وعدم القنوط عند إكتشاف إقامتهم على النفاق.

أسباب النزول
ذكرت في أسباب نزول الآية وجوه:
الأول : نزلت الآية في بني قريظة لما قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أخوة القردة والخنازير قالوا من أخبر محمداً بهذا ما خرج إلا منكم. قاله مجاهد( ).
الثاني : روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنهاهم كبراؤهم عن ذلك وقالوا لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمد فيحاجوكم به عند ربكم فنزلت هذه الآية( ). وقريب منه عن ابن عباس( ).
الثالث : هؤلاء نفر من اليهود آمنوا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب الله أسلافهم، فقال بعضهم لبعض أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به فيقولون نحن أكرم على الله منكم. قاله السُدي.
الرابع : أي آمنا بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. قاله ابن هشام( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه الثلاثة الأولى وهي الأعم والأنسب في المقام، أما القول الرابع فهو عام، لأن الإيمان فيها ظاهر في إرادة الإطلاق وعدم نصب قرينة على التقييد لا متصلة ولا منفصلة.
مفهوم الآية
تبين الآية التباين في فعل أهل الشك والريب والإختلاف في أقوالهم وتفضح ما يدعونه من الإيمان ليحترز منهم المسلمون ولا يركنوا إليهم فيما يدعون من الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً وأن الشريعة جعلت النطق بالشهادتين فيصلاً بين الإيمان والكفر، فبالشهادتين يصبح الإنسان مسلماً , ويكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
وظاهر الآية أنهم لم ينطقوا بالشهادتين إنما كانوا يدّعون الإيمان، وينسخون هذه الدعوى ويثبتون خلافها في منتدياتهم الخاصة، ويحرض بعضهم بعضاً بكتمان أسرار النبوة وصفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبشارات الأنبياء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قد يحصل للإنسان حالة من الإرباك وتعدد الرأي في موضوع واحد، فتراه مرة يميل إلى هذا الطرف وأخرى إلى ذاك بحسب إستجابته للحجة والدليل، قبل ان يستقر على رأي , ولكن هذه الآية تفضح أهل النفاق، وتبين أن إدعاءهم الإيمان ليس حقيقة.
وتدعو الآية المسلمين إلى الإرتقاء في كيفية التعامل مع الآخرين لفضح المكر والكيد والتعدي، ومنع الإحباط والخيبة، ومنه قوله تعالىيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً.
إن إظهار خلاف الواقع فتنة ومحاولة لبعث الضعف في صفوف المسلمين.
ومن مفاهيم الآية إظهارها مضامين العون الإلهي للمسلمين في صفوف الأعداء، ومحاولتهم كتمان الحق والحيلولة دون فضحهم وإظهار جحودهم.
وتدعو الآية إلى دراسة وجوه الإحتجاج على بني إسرائيل مما في أيديهم من الكتاب والأخبار والسنن وما طرأ عليها من التحريف لا يمنع من إثبات لزوم دخولهم الإسلام بالإضافة إلى الآيات الباهرات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الآية مسائل:
الأولى : حصول لقاء بين اليهود والمسلمين، ومادة هذا اللقاء الموضوع العقائدي والإنتماء الديني.
الثانية : تسالم الطرفين على لزوم الإيمان والدخول في الإسلام.
الثالثة : جاءت الآية بصيغة الجمع (واذا لقوا) و(الذين آمنوا) فكل منهما جمع.
الرابعة : تعرض الآية صورة للقاء آخر ولكنه يحصل بين أهل الكتاب أنفسهم.
الخامسة : من الإعجاز أن الآية تكشف أسرار وخفايا اللقاءات الخاصة وكيف أن أقوالهم ونواياهم فيها مخالفة لما يقولونه للمسلمين.
السادسة : حصول اللوم بينهم لكشفهم وإظهارهم الأخبار التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السابعة : في الآية دليل على إقرارهم بالمعاد ولكنهم يظنون أن الحساب على الظاهر فلذا جاءت الآية التالية بالإخبار عن علم الله تعالى بما يكتمون.
الثامنة : جاءت هذه الآية معطوفة على الآية السابقة في بيان صفات بني إسرائيل وما يقابلون دعوة المسلمين إلى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التاسعة : الإخبار عن إلتقاء المسلمين في المدينة باليهود من بني النضير وبني المصطلق وبني قريظة وغيرهم، وموضوع اللقاء.
العاشرة : فضح التناقض في كلام أهل الريب ، وإعلانهم أمام المسلمين التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتبدل الحال في منتدياتهم الخاصة.
الحادية عشرة : إتخاذ اليهود لمنتدياتهم مواطن للإصرار على العناد والجحود.
الثانية عشرة : تعاهد اليهود كتمان أسرارهم وتأريخهم عن المسلمين، مما يدل على إعجاز القرآن، وان أخبارهم التي جاءت فيه ليس من عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هي تنزيل ومن علم الغيب، وفيه دعوة لبني إسرائيل للإسلام، فيتكتمون على خبر أو واقعة فيأتي القرآن ببيانها، كما في قصة البقرة والتشديد في أوصافها ثم ذبحها.
الثالثة عشرة : المناجاة بين اليهود لإخفاء البشارات الواردة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخشية إحتجاج المسلمين عليهم يوم القيامة بما يحدثون به من صفاته، والحق أن الإحتجاج يتم في حال حديثهم وإخبارهم عن صفاته أو كتمانها عن المسلمين أو تحريفهم لها، لأن الله عزوجل يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.
إفاضات الآية
من صفات الله تعالى أنه عليم أحاط بكل شيء علماً، خلق الإنسان وهو يعلم سره وعلانيته فجاءت هذه الآية مصداقاً لعلمه سبحانه بأفعال العباد، ولتكون كنزاً من كنوز القرآن يتضمن أموراً خفية من علم الغيب، يساهم كشفها في صلاح النفوس وتقوية المسلمين وبث الخوف والفزع في قلوب الكافرين، ويدرك الجميع أن  معهم في منتدياتهم فيتجنبون الباطل في خلواتهم.
تبين الآية الإرتباط والملازمة بين عالم الغيب وعالم الشهادة وان مصاديق كل واحد منهما تزحف وتنتقل نحو الآخر بحسب الحال والموضوع، وجاءت لبيان شطر من الغيب، ليظهر عليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون، لقد أرادوا إخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كي لا يكون إعلانها حجة عليهم وسلاحا بيد المسلمين، فجاءت هذه الآية لتكون إخباراً سماوياً في توكيد البشارات بكيفية أخرى وهي صيغة الإعجاز والكشف.
وفي الآية ترسيخ لمفاهيم الإيمان في النفس بالإقرار الظاهري للآخرين به والذي يدل بالدلالة الإلتزامية على رؤيتهم وإدراكهم للآيات التي جاء بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعجزهم عن تكذيب الدعوة.
وتدل الآية على قوة الإسلام وظهور أمارات عدم التقية أو الخوف في الدعوة إلى الإسلام ، وأن الآخرين أخذوا يختارون التردد وظهر عليهم الإرباك، وشطر منهم أظهروا صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم المذكورة عندهم في التوراة.
إن إعلانهم التصديق بنبوته ومعجزاته أمام المسلمين نصر للإسلام، وشهادة ظاهرية على صدق الدعوة وحجة عليهم في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى[وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] لبيان الصلة والوشائج التي تربط بينهم، الإسلام لا يمنع من إجتماع أهل الكتاب ورجوع العامة منهم إلى الرؤساء والعلماء، ولكن القرآن بيّن ما يدور في نواديهم بلحاظ أمور:
الأول : إنه يخص المسلمين.
الثاني : فيه خلاف إدّعاء الإيمان.
الثالث: سلامة المسلمين من الإغترار بغيرهم.
الرابع : بيان قبح السعي في خداع المؤمنين , قال تعالى في ذم الكفار الذين يدعون الإيمان[يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ]( )، لتكون آية البحث من الشواهد على حصول خداعهم لأنفسهم لما فيها من الفضح والذم للتباين بين قولهم للمسلمين وأحاديثهم الخاصة.
وآية البحث عون سماوي للمسلمين والناس جميعاً لصيرورة الإيمان ندبة بيضاء مستديمة في القلب تشع منها أنوار الصلاح على اللسان والجوارح.
الآية لطف
هذه الآية مدد للمسلمين، وسلاح بأيديهم ودعوة لتثبيت دعائم الدين، والوقاية والحذر من أهل النفاق، وتتضمن الآية في مفهومها الإخبار عن علم أهل الكتاب بالبشارات التي جاءت بها الكتب السماوية السابقة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتأتي الآية بالحجة المركبة من وجهين:
الأول : إظهارهم الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند لقائهم المسلمين.
الثاني : إعتراف المنافقين في منتدياتهم الخاصة بالبشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : الإقرار بأن هذه البشارة رحمة بهم، وسبيل لهدايتهم، ورزق كريم أنعم الله تعالى به عليهم، وهو من عمومات قوله تعالى[اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ] ( ).
الرابع : التسليم باليوم الآخر وأنه يوم الحساب، وأن المسلمين يمتلكون الحجة الذاتية يومئذ.
وقال أبو العالية: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } يعني: بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم،وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: كانوا يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم ببعض، فقالوا:{ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ }( ).
والآية بشارة للمسلمين بأن من يفوته الإحتجاج في الدنيا أو يعرض عنه وينشغل منه بالجهاد والنسك فانه يستطيع الإحتجاج على أهل الملل الأخرى في الآخرة بما جعل الله عز وجل عندهم من البشارات بنبوة محمد ولزوم التصديق بنزول القرآن من عند الله.
وهل موضوع الإحتجاج في الآية خاص بالصحابة , كما قال الثعلبي: {لِيُحَآجُّوكُم } ليخاصموكم ويحتجوا بقولكم عليكم (يعني أصحاب محمد)( ).
والجواب الآية أعم، ومضامينها باقية إلى يوم القيامة، وهي وإن جاءت بخصوص فريق من أهل الكتاب في المدينة إلا أنها شاملة لغيرهم ولأهل الملل الأخرى من باب الأولوية القطعية.
الصلة بين أول وآخر الآية
جاءت الآية في سياق الخطاب الإلهي للمؤمنين الذي ورد في الآية السابقة “أفتطمعون” لتتضمن بيان تخلف الكفار عن أسباب طمع المؤمنين بإيمانهم، ليس لعدم المقتضي، فانه موجود إذ تتجلى الآيات والبراهين التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن لوجود المانع العرضي عند ذات الكفار، والغشاوة التي جعلوها على أبصارهم، بإصرارهم على الكفر والجحود، وحال التناقض والتباين في أقوالهم وأفعالهم بما يدل على تغشي روح الخديعة والمكر عندهم.
إذ جاءت الآية ببيان هذا التناقض عندهم على نحو العموم، وتدل عليه صيغة الجمع “وإذا لقوا” وليس من فترة بين إعلانهم الإيمان وإصرارهم على الجحود، نعم هناك تباين في محله وموضعه، فاذا كانوا بحضرة المسلمين قالوا آمنا , وإذا إنفرد بعضهم ببعض أظهروا التلاوم والخبث والدهاء .
ترى ما هي الصلة بين مضامين هذه الآية وطمع المسلمين بإيمانهم، الجواب من وجوه:
الأول : يشترط في الإسلام صدق النية وسلامة السريرة.
الثاني : من يريد الإيمان يتخلى عن مفاهيم الكفر، ويبتعد عن أقطاب الضلالة.
الثالث : عدم التباين بين المؤمنين في اللقاء، إذ يدل قوله تعالى [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا] في مفهومه على أنهم ليسوا بمؤمنين، وأن إدعاءهم الإيمان كذب وزيف، وجاء وسط وخاتمة الآية لتوكيد هذه الحقيقة.
وليس في الآية كلام أو فعل للمسلمين إنما يسمعون ما يقوله الكفار، ولكن الآية جاءت لفضح زيف هذا القول إذ ينقطع كلام الكفار، ولكن كلام الله باقِ إلى يوم القيامة.
وتطل هذه الآية على المسلمين لتكون واقية مما يدعيه الكفار من تصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي جاء بها، فتكون وقاء سماوياً للمسلمين.
ومن إعجاز الآية انها تنسب القولين إلى الكفار مع الإختلاف في الأشخاص، فقد يكون الذين يوجهون اللوم بكشف الأسرار والأخبار عن البشارات الواردة في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير الذين يدعون الإيمان والتصديق بنبوته.
لتبين الآية إتحاد السنخية وبقائهم على الكفر والجحود، وربما كانوا متحدين في الشخصية، فالذين يدّعون الإيمان غير الذين يكذبون حقائق التنزيل مع زيادة في الإثم والعناد من وجوه:
الأول: إدعاء الإيمان.
الثاني: محاولة إيهام المسلمين والتغرير بهم بإعلان التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحضرتهم.
الثالث: إرادة بعث الشك والقنوط في نفوس المسلمين عند إظهار الكفر بعد إدّعاء الإيمان.
الرابع: المناجاة في الباطل، والإكثار من اللوم الذاتي الذي يدل على الإصرار على الباطل.
فجاءت الآية مدداً وعوناً للمسلمين، وتثبيتاً لهم في منازل الإيمان وتتضمن الصلة بين أول وآخر الآية توبيخ وفضح الكفار إذ أنهم يحثون أصحابه على الإنتفاع من نعمة العقل بالباطل، مع غفلة عن مواطن الحساب يوم القيامة الذي ذكر إسمه في القرآن بأنه [يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ]( )، فهم يخافون من إحتجاج المسلمين عليهم، ولم يعلموا ان الله وملائكته ورسله يحتجون عليهم لإخفائهم الحقائق والبشارات.
التفسير الذاتي
جاءت الآية السابقة بالإنكار على المسلمين طمعهم في إيمان فريق من أهل الكتاب يحرفون كلام الله عند سماعهم لهم، وقد يقول قائل أن القرآن جاء في مدح المسلمين، فكيف تتضمن الآية السابقة الإنكار عليهم ولكن هذا القرآن لنفع المسلمين ومدحهم من وجوه:
الأول: منع إستيلاء الحسرة على نفوسهم.
الثاني: توفير الجهد عليهم في الإجتهاد وبذل الوسع في دعوة أهل الجحود.
الثالث: بيان أضرار قسوة قلوب الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الصدود عن رسالته، والإعراض عن الدعوة الكريمة التي يوجهها لهم المسلمون لدخول الإسلام والبراهين والدلالات الباهرات العقلية والحسية التي تدل على صدق نبوته، ولزوم إتباعه ونصرته.
وقد ذكرت الآية السابقة ثلاث صفات لأهل الجحود تكون مانعاً ذاتياً لطمع المسلمين بإيمانهم مع وجود المقتضي لهذا الإيمان وهذه الصفات في:
الأولى: تحريف كلام الله بعد سماعه.
الثانية: مجئ التحريف بعد قيام الحجة عليهم.
الثالثة: معرفة علم القاسية قلوبهم بأنهم يرتكبون تبديل معاني ومفاهيم كلام الله، وما في هذا التبديل من القبح الذاتي والأضرار وسوء العاقبة.
وجاءت هذه الآية معطوفة في مضامينها على الآية السابقة في ذكر مقابح فريق بالتباين بين قولهم وفعلهم بحضرة المسلمين، وبين ما يذكرونه في مجالسهم الخاصة، ليكون هذا التباين كاشفاً عن زيف إدعائهم الإيمان، مع أن الإيمان وظيفة كل مكلف، وإذ جاءت الآية السابقة بالإستفهام الإنكاري بخصوص طمع المسلمين بإيمان القاسية قلوبهم.
جاءت هذه الآية لتؤكد أن الغاية من هذا الإستفهام بيان سوء فعل الذين قست قلوبهم بعد توالي النعم الإلهية عليهم، ولم يرد لفظ (فتح) في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة.
ومن أسماء الله عز وجل (الفتّاح) وهو الحاكم العادل، وفي قوله تعالى [رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ]( )، أي أقض بيننا، ويقول أهل اليمن للقاضي الفتاح، فيقول أحدهم لصاحبه: تعال حتى أفاتحك إلى الفتاح، وعن ابن الأثير في معنى الفتاح(هو الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده) ( ).
وجاءت الآية بالتعدي بحرف الجر(على) مما يدل على إرادة المعنى الثاني وإقرارهم بأن الله عز وجل أنعم عليهم بالنعم الكثيرة ومنها البشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الآية حذف، وتقدير الآية: وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم لبعض(اتحدثون المسلمين) كما يتجلى في الآية تعيين هؤلاء، منهم على قسمين:
الأول : الذين يتلقون اللوم وهم الذين يدّعون كذباً الإيمان عند ملاقاة المسلمين، وهم المقصودون بواو الجماعة في (أتحدثونهم).
الثاني : الذين يوجهون اللوم وهم المقصودون بواو الجماعة في (قالوا أتحدثونهم).
وجاءت الآية بكشف حال فريق وإخبار المسلمين بما يخفون لجعل المسلمين يحترزون منهم، وفيه آية لأهل الكتاب بأن الله عز وجل ناصر المسلمين، ومطلعهم على ما يقوله خصمهم لجعلهم يحترزون منه.
لقد أراد بعض الكبراء من أصحابهم الإمتناع عن إخبار المسلمين بما في التوراة من البشارات التي جاءت بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء القرآن بتوكيد تلك البشارات ومصاديقها، وبإخبار المسلمين عما فتح الله عز وجل على أهل الكتاب لتكون المناجاة فيما بينهم عديمة الجدوى، ولا فائدة منها، وصارت حجة عليهم، ترى لماذا تناجوا بينهم بكتم ما رزقهم الله، الجواب من وجوه:
الأول : في الآية شاهد على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنكشفت الأسرار، وأظهرت الوقائع والأحداث التي مرت على بني إسرائيل.
الثاني : جاء القرآن ببيان نعم الله عز وجل على بني إسرائيل، وظنوا أن تحديث المسلمين توكيد لهذا البيان، ودليل على صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل وتقدير الآية: أتحدثون المسلمين بما أنعم الله عليكم فيزيدهم إيماناً بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويكون حجة عليكم في الدنيا والآخرة.
الثالث : من بركات ومنافع القرآن إقرار بني إسرائيل بالنعم العظيمة التي تفضل الله عز وجل بها عليهم يكون هذا الإقرار وسيلة للتقليل من قسوة قلوب بني إسرائيل خصوصاً وان الآية السابقة ذكرت قسوة قلوبهم على نحو الكلي المشكك بقوله تعالى [فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً]( )، فهذه الآية لطف ورحمة ببني إسرائيل وهي من مصاديق فضل الله عز وجل عليهم بتحذيرهم من المناجاة بالباطل مطلقاً، وكشف تلك المناجاة في القرآن وإطلاع أجيال المسلمين وإلى يوم القيامة عليها، فصحيح أن مضمون هذه الآية يتعلق بخصوص موضوع معين وهو لوم فريق من بني إسرائيل بعضهم لبعض بسبب إظهارهم لشطر من نعم الله عز وجل عليهم، ومعرفتهم بالبشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإخبار صحابة النبي به إلا أن هذا الإخبار أعم وهو سلاح بيد المسلمين يقتبسون منه الدروس والمسائل.
وفي الآية حث للذين إذ لاقوا المسلمين حدثوهم بما في التوراة من صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يظهروا تلك البشارة ولا يستمعوا لما يقوله كبراؤهم وزجرهم لهم عن تحديث المسلمين والآية دعوة لغيرهم لبيان تلك البشارات وإعلانها، وعدم إخفائها بعد أن جعلتها هذه الآية تنزيلاً يتلوه المسلمون كل يوم في صلاتهم، لتكون هذه التلاوة دعوة للإنكار على الكبراء والرؤساء الذين يخفون مضامين التوراة وما فيها من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن هذا الإخفاء من عمومات تحريف الكلم , ليكون من إعجاز القرآن كشف حقائق التنزيل ووقف التحريف في الكتب السابقة، ومنع أثره.
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى : تتضمن الآية معنى الإنذار على نحو مركب من وجوه:
الأول : إنذار الذي يخفون خلاف ما يظهرون، ويدعون الإيمان أمام المسلمين كذباً.
الثاني : تحذير رؤسائهم الذين يحرضونهم على كتمان البشارات الواردة بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويلومونهم على إظهار التصديق بالمعجزات التي جاء بها.
الثالث : تنبيه عموم بني إسرائيل، ودعوتهم إلى عدم الإنصات للذين يحثون على إخفاء الحقائق وكتمان البشارات.
وعن ابن عباس: أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قالوا لهم آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه ونعته وصفته ليحاجوكم به.
الثانية : الآية وثيقة سماوية تبين حال فريق من أهل الكتاب أيام نزول القرآن.
وتتضمن الإخبار عما يجري في مجالسهم الخاصة من الإقرار الضمني بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهم حينما يجتمعون وتحصل الخلوة بينهم ينشغلون بتوجيه اللوم بعضهم لبعض على كشف الحقائق التي تؤكد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة : تدل الآية بالدلالة التضمينية على عدم وجود حجة أو إجتماع عند رؤسائهم على المسلمين ودخول الناس أفواجاً في الإسلام.
الرابعة : جاء الإخبار عن الخلوة بين بني إسرائيل لبيان حقيقة تأريخية وهي عدم إيذاء المسلمين لهم، وعدم مزاحمتهم أو مداهمة مجالسهم الخاصة.
ولكن القرآن جاء لفضحهم وبيان المكر الخفي الذي يسعى إليه فريق منهم، وهذا الفضح نعمة أخرى عليهم، لما فيه من معاني التأديب والزجر عن المكر والكيد بالمسلمين، وفيه حث لكل فرد منهم بعدم الإنصات إلى الدعوة لإخفاء الحقائق، بل أنه يتضمن الندب إلى معرفة البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية، وعدم الإلتفات إلى التحريف ترى ما هي النسبة بين الذين ذكرتهم الآية السابقة وأخبرت عن كونهم يحرفون كلام الله، وبين الذين يقولون[أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ] فيه وجوه:
الأول : التساوي وأن الذين يحرفون الكتاب هم أنفسهم الذين يلومون أصحابهم على إخبار المسلمين عن أسرار الكتب السماوية السابقة.
الثاني : العموم والخصوص المطلق وهو على وجهين:
الأول : الذين يحرفون الكتاب أعم من الذين ينهون أصحابهم عن إخبار المسلمين عن أسرار الكتب السماوية السابقة بإعتبار الذين تولوا التحريف قلة من رؤسائهم.
الثاني : الذين ينهون أصحابهم عن إخبار المسلمين عن أسرار الكتب السماوية السابقة أعم وأكثر من الذين يحرفون الكتاب.
الثالث : العموم والخصوص من وجه بمعنى أن هناك قوماً إشتركوا بالتحريف ويقومون بلوم أصحابهم لتحديث المسلمين بما رزقهم الله تعالى من البشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهناك جماعة زاولوا التحريف ولكنهم لم يوجهوا اللوم لأصحابهم على الإخبار عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء فيها من البشارات وجماعة لم يشتركوا في التحريف ولكنهم يقومون بلوم أصحابهم الذين يخبرون المسلمين عن البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تتضمنها التوراة.
الرابع : التباين وأن الذين قاموا بالتحريف هم غير الذين ينهون أصحابهم عن كشف الأسرار التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل في التوراة والتي تتضمن ظهور الإسلام وعزة المسلمين وصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء للتغاير والتباعد بين طبقاتهم وزمان كل منهم، أو لأن أهل التحريف هم غير الذين يلومون أصحابهم.
ويدل نظم الآيات على الصلة بين الفريقين لأن هذه الآية تبدأ بحرف العطف الواو وصيغة الجمع[وَإِذَا لَقُوا] مما يدل على إتصال موضوعها بالآية قبلها.
التفسير
قوله تعالى [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا]
لا زال الخطاب موجهاً إلى المسلمين ببيان صفة ذميمة عند فريق من الناس وما يظهر من التضاد في مسالك سلوكهم وتصرفاتهم التي تتعلق بالدين. لقد أخبر الله المسلمين عن ظاهرة في تعاملهم اليومي وسيرتهم ذات التغاير والتباين بين ظاهرها في التعامل مع المؤمنين وما يخفونه فيما بينهم .
وأكدت الآية إنتفاء الصدق في إدعائهم الإيمان وانهم يلتقون مع المنافقين في غير ما يعلنون، وأنهم في منتدياتهم يلوم بعضهم بعضاً على كشف الأسرار الخاصة بهم والتي فيها حجة عليهم.
ولا مانع من عموم الآية ليشمل كل من يكون فعله مشابهاً، فالآية تحكي تسليمهم أمام المسلمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإخبارهم بأنهم مؤمنون برسالته، وتظهر الإعجاز والتكامل في أحكام الشريعة الإسلامية، فمن ينطق بالشهادتين يصبح مسلماً ويكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإذا رجع عن الإسلام يصبح مرتداً وتنطبق عليه أحكام الإرتداد الملي، فالإتيان بالشهادتين وحده أمر كاف لصدق الدخول في الإسلام، وليس كل الذين يعتمدون التحريف ساهموا فيه، بل هم يحاكون نفراً قاموا به لمنافع خاصة وأكلات وشأن وجاه، فجاءت الآية لبعث النفرة في نفوس أهل الكتاب من التحريف وأهله.
ولابد أن الذين تتحدث عنهم الآية لم ينطقوا بالشهادتين ولكنهم يدّعون الإيمان بمعنى التصديق برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه الدعوى تجعل المسلمين يهتمون بأمرهم ويتوقعون دخولهم الإسلام ويميلون إليهم وينقلون لهم أخبار التنزيل وبعض الحوادث اليومية للنبوة ولجماعة المؤمنين، فجاءت هذه الآية لتدل بالدلالة الإلتزامية على التحذير منهم.
قوله تعالى [وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بعْضٍ]
بعد أن وثّقت الآية سلوكهم مع المسلمين وإظهارهم التصديق بنبوة محمد، إنتقلت إلى حالهم في مجالسهم الخاصة وعند للقاء مع كبرائهم وأقطاب الملة عندهم، وكذا عند الخلوة فيما بين أولئك الذين إدعو الإيمان لأن الضمير في بعضهم يمكن حمله على إرادة القوم على نحو الإطلاق وإرادة الذين لقوا الذين آمنوا، كما لو كان عشرة من أهل الكتاب إجتمعوا مع المسلمين وإدعوا الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانهم حينما ينصرفون ويغادرون مجلس اللقاء يقوم جماعة منهم بلوم الأشخاص الذين قالوا بالإيمان، ولابد أن دعوى الإيمان كانت مقرونة بحجة التصديق وليس هي رياء أو كذباً محضاً، بدليل أنهم لم يجرى بينهم تكذيب ولكن ذكروا الحجة وثبوت البرهان.
تخبر الآية عن حصول إجتماعات خاصة بينهم ومناقشة كيفية التصرف مع المسلمين، وهذه الإجتماعات تجمع من ذكروا في الآية وغيرهم، أي من يعلن تصديقه برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الرؤساء ونحوهم ليوجهوا اللوم لمن اعلن تصديقه حتى وإن كان إعلانه عن نفاق وكذب.
وتخبر الآية إحاطته تعالى علماً بالمجالس الخاصة وتدعو المسلمين إلى الحرص على أن تكون مجالسهم فيما بينهم موافقة لأقوالهم مع النبي وما فيه طاعة لله ورسوله وان يكون المدار فيها على الإيمان ونبذ الشرك.

قوله تعالى [ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ] وجوه:
الأول : النعم التي آتاهم الله عز وجل.
الثاني : ما ذكر في التوراة من صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأمر متعلق باتباعه وتصديقه (وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن معناه قالوا لا تحدثوا العرب بهذا فانكم كنتم تستفتحون به عليهم، أي لا تقروا بأنه نبي وقد علمتم انه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه وانه النبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا إجحدوه ولا تقروا لهم به)( ).
وفي الآية إعجاز يتمثل بتفضل الله تعالى بإطلاع المسلمين على ما يدور في مجالس الذين يصدون عن الإسلام وما فيها من تحريض تضامني لمنع مقدمات الإيمان، وإحتمال إخبار بعض اليهود لنفر من المسلمين بمثل هذه الأمور أمر مستبعد وليس عليه دليل، ولو تنزلنا وقلنا بوجوده فانه لا يؤثر على بقاء الإعجاز في الآية بالإخبار السماوي الثابت المتحقق والذي يفيد الإستغراق في إطلاع المسلمين وتحذيرهم، ويكون شاهداً على إعجاز القرآن، وتوكيداً لموضوع الآية، ودعوة للمسلمين لليقظة والحذر.
إن في الآية الكريمة تحذيراً للمسلمين وتنبيهاً من أضرار الكتم العقائدي لما في الشرائع السابقة للإسلام من الاخبار والنسخ والمغيبات المتعلقة بالنبوة والتبشير بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : قضاء الله تعالى فيهم , وأنه سبحانه يصيب بالبلاء الذين يخفون أسرار ومضامين التنزيل، قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ]( ).
بحث بلاغي
المناسبة بين أول الآية وآخرها ظاهرة، في بيان أن الذي يخبر ويطلع الآخرين بما آتاه الله ويستثمرونه ضده فانه خلاف التدبير، وهذه المناسبة تسمى في الإصطلاح ب(التمكين) لأن الذم بالإبتعاد عن العقل والحكمة جاء بعد التمهيد له بالإستفهام الإنكاري، ولكن دلالات الآية لا تقف عند المفهوم البلاغي وان كان بذاته إعجازاً ولكنها شبهة بدوية تزول مع أدنى تأمل، فإستثمار إظهار البشارات ليس موجها ضد الذي يكتمها بل هو نفع له وللناس جميعاً , وفي الكتمان يكون الضرر العام والخاص.
لقد تكرر ظرف الزمان المستقبل (إذا) في الآية مرتين، متعلقاً بالذين يحرفون كلام الله بعدما علموا بمضامينه، وفقهوا أنه من عند الله، وهو خير محض وفيه السلامة والأمن في النشأتين، لتدل الآية على أن معجزات الأنبياء وما جاءوا به من البشارات لا يجوز إخفاؤها وحجبها، إنما هي من فضل الله عز وجل عليهم، وهو ملك للناس جميعاً، وعون لهم لدخول الإسلام، فيحجب عنهم هذا الموروث بالمناجاة بالكتمان التي تبينها هذه الآية، فجاءت معركة بدر وتأليب الكفار على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين لتنزل الملائكة لنصرتهم وتكون هذه المناجاة وبالاً على أصحابها.

قوله تعالى [ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ]
إشارة إلى موضوع اللوم بينهم وأنه يتعلق بما أخذ الله عليهم إذ كانوا يقدمون على الإنكار والإعراض عن النبوة بعد أن جاءتهم البينات وإنكشف الغطاء وتمت الحجة.
إنها آية في الخلائق ولقد جعل الله عز وجل النبوة وأسبابها ومقدماتها متصلة، بعضها يدل على بعض ويؤكده ويثبته ليكون عوناً للمؤمنين ووبالاً على الجاحدين وإنذاراً وتحذيراً من المكر.
وتؤكد الآية أن الإمتناع عن دخول الإسلام قضية إتفاقية بينهم، لما يحصل بينهم من الخلوة ولموضوع اللوم وأسبابه، فتحذيرهم من إحتجاج المسلمين عليهم في الآخرة إقرار وإصرار على ما هم عليه من العناد.
وقوله تعالى [ عِنْدَ رَبِّكُمْ ]
عند: ظرف مكان أو زمان تقول عندي دار، وجاء عند الصباح، وفي الهمع قال: إنها لبيان كون مظروفها حاضراً حساً أو معنى أو قريباً حساً ومعنى، ثم جاء بأربعة شواهد قرآنية.
وفي الآية ذكرت وجوه:
الأول : ليحاجوكم في ربكم، لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من إتباع الرسل تصح ان توصف بأنها محاجة فيه، قاله الحسن البصري.
الثاني : يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائداً في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف قاله الأصم.
الثالث : إنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد( ).
الرابع : إن المسلمين صاروا مستطيعين للإحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة.
الخامس : لتصبحوا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله.
وكل هذه الوجوه صحيحة وتستوعبها الآية الكريمة وتدل عليها.
وفي الآية حجة على بني إسرائيل لإقرارهم بالحساب وأنهم مع هذا الإقرار لا يأتون بما أمروا به ولا يتبعون الحق، ففي صدر الآية جاء نهيهم عن الإخبار والإعلان وهو أمر حاصل واقعاً، وفي ذيل الآية أقروا بأنه حجة عليهم عند الله، ليصبح حجة ثابتة سواء أخبروا المسلمين بها أم لم يخبروهم بها لأن الله عز وجل يعلم السرائر وأحاط بكل شئ علماً.
ومن إعجاز الآية السابقة أنها في الوقت الذي تخبر عن تحريف الكتاب وتذم أهله فأنها تتضمن وجود الكتاب سالماً من التحريف بقوله تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( )، ويتصور هذا التحريف من وجوه:
الأول : التحريف في النص.
الثاني : التغيير في التأويل.
الثالث : التبديل في صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : حمل النص على ظنون ترتكز إلى الأماني والرغبات والأهواء.
الخامس : الإعراض والزهد بما في الكتاب من الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأخبرت هذه الآية عن خشيتهم من إحتجاج المسلمين عليهم يوم القيامة بما يدعونه من الإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فهل يشمل الإحتجاج سماعهم كلام وتحريفه المذكور في الآية السابقة أم أن القدر المتيقن منه هو مضامين هذه الآية الجواب لا مانع من إرادة المعنى الأعم، ومنه أن التحريف جاء بعد أن عقلوه وفقهوه.
قوله تعالى [ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ]
فيه قولان:
الأول : أفلا تعقلون أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون فلا تسمعوا في ذلك، عن الحسن البصري أي أنه لا أمل يرجى في دعوتهم للإيمان.
الثاني : إنه خطاب لليهود أفلا تعقلون ايها اليهود اذ تقبلون من رؤسائكم مثله، وهذا تحذير لهم من الرجوع إلى قول رؤسائهم نسبه الطبرسي إلى القيل( ).
ولا تنحصر الآية بالقول الأول ولكن القرائن لا تساعد على إبعاده ونفيه، وهي عون للمسلمين في فضح النفاق والتردد وهو ممكن كمفهوم للآية في مقابل المنطوق، أما الثاني فالآية الكريمة أعم منه لأن الخطاب في الآية موجه إلى العامة منهم وعدم حصره بغير الرؤساء بالأولوية.
وتدل الآية على الإعجاز في الخطاب القرآني من جهة إنشطاره وتعدد المخاطب بلحاظ المعنى والمقاصد وإمكان التعدد لغة ونظماً، فانت ترى قوله تعالى [ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ] جاء في آخر الآية الخطابية، وبعده مباشرة في الآية التالية كان الإلتفات والوعيد بصيغة الغائب مع وحدة الموضوع.
وفي الآية الكريمة ذكر لقولهم ولأرقى صيغ اللوم التي يتخاطبون بها، إذ أنهم يعتمدون على العقل في إستنباط نتائج إخبار نفر منهم المسلمين بأسرارهم وما تحمله التوراة من صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهم يقولون بإعتبار العقل ولكن بتسخيره للمنفعة الدنيوية القريبة المبنية على العصبية والجحود وترشح عنه إخضاع اللسان للهوى في المحاورة مع المسلمين بالنظر إلى العواقب، أي أنهم ينذرون بعضهم بعضاً ويخوفونهم من الأذى والعذاب الدنيوي والأخروي الناجم عن إخبار المسلمين بأسرار عقيدتهم وما فيها من ثبوت النسخ بالإسلام، فلذا جاءت الآية التالية وكأنها تفسير لهذه الآية.
وهل يمكن حصر تعلق الآية بالفريق الذي يحرف الكتاب منهم، الجواب إنه أعم وأكثر شمولاً لأن التحريف انما يؤثر بإيجاد حالة النفاق والإرباك الفكري، وجاءت هذه الآية المباركة حرباً على النفاق، وتهذيباً للنفوس، وتنزيهاً للمجتمعات منه، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
وجاءت الآيات السابقة بذكر قصة البقرة ووصفها بأنها[فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ].
وهل يمكن حمل الآية أعلاه على المعنى الأعم وتغشي السرور للذين يتلون هذه الآية الكريمة، وأن النظر لكلمات هذه الآية بلحاظ موضوعها وتعيين صفات البقرة ولونها الجميل يدخل السرور في نفس المسلم الذي يتلو هذه الآية، الجواب لا دليل عليه، والقدر المتيقن هو إرادة النظر إلى البقرة المطلوبة، ثم أن السرور والسكينة يملآن نفس المسلم عند تلاوة آيات القرآن مجتمعة ومتفرقة، وبالنظر إلى المصحف وعن ظهر قلب.
وإذ إختلف وتنازع بنو إسرائيل في مسألة قتل أحدهم كما يدل عليه قوله تعالى[وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا] ( )، فانهم لم يختلفوا في أمر السرور والبهجة بالنظر إلى البقرة المختارة، فاراد الله عز وجل لهم تلقي آيات التنزيل بالقبول والإيمان.
لقد أختتمت آيات ذبح البقرة بقوله تعالى[أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] وليس بينها إلا آيتان لتأكيد حقيقة وهي دعوة القرآن للحكمة والهداية وجعل العقل هو الملاك وإتخاذه وسيلة كرزق كريم من الله وسيلة للنجاة في الدنيا والآخرة.
و إبتدأت هذه الآية بحرف العطف (الواو) فيفيد الجمع بين الآيتين أموراً تتعلق بذم الذين يجحدون بالنبوة وإبتدأت بتوثيق جهاد المسلمين بتلاوة آيات القرآن على أهل الكتاب خصوصاً في المدينة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول آيات الأحكام حيث كان فريقاً من اليهود يشاطرون الأوس والخزرج السكن فيها وحواليها.
وتؤكد الآية موضوعية العقل في الإستعداد لليوم الآخر وتتجلى وظائفه بالتصديق بالنبوة والتنزيل، ومن الآيات أنه ليس عند المسلمين ما يخفونه على الأمم الأخرى، وليس من علوم خاصة بالعلماء منهم دون عامتهم، بل علوم القرآن والسنة تجذب كل مسلم ومسلمة وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وليس من حصر للنعم الإلهية على المسلمين، ويمكن تقسيمها بحسب اللحاظ إلى عدة تقسيمات، ومنها في المقام:
الأول : النعم على المسلمين في أنفسهم ونعتهم بصفة الإيمان، وهو غاية الإكرام، وإذا كانت الآية السابقة قد جاءت بصيغة الخطاب للمسلمين[أَفَتَطْمَعُونَ].
وهذه الآية معطوفة عليها لإبتدائها بحرف العطف الواو[وَإِذَا]فلماذا لم تأت بذات النظم من صيغة الخطاب وتقل (وإذا لقوكم) بدل (وإذا لقوا الذين آمنوا) الجواب من جهات:
الأولى : العطف بين الآيتين أعم من لغة الخطاب.
الثانية : المراد من العطف بيان حال القوم، وإرادة تثبيت المسلمين في منازل الإيمان.
الثالثة : إقامة الحجة على الجاحدين بالنبوة.
الرابعة : تعلق موضوع الآية السابقة بالإيمان [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ] فجاءت هذه الآية بذات الموضوع من جهتين:
الأولى : الشهادة للمسلمين بالإيمان.
الثانية : نفي الإيمان عن الذين يدّعونه كذباً .
الخامسة : موضوع الطمع في إيمان القوم أعم من إرادة الذين يحرفون الكتاب ويدعون الإيمان ظاهراً، إذ تعلق التحريف بفريق منهم بقوله تعالى[وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ].
الثاني : فضل الله على الناس بسماعهم لكلام الله عز وجل، والذي لم يصل إلى أهل الأرض إلا بواسطة الأنبياء.
الثالث : التحذير والإنذار من تحريف كلام الله.
الرابع : دعوة المسلمين لكتابة وتدوين القرآن في المصاحف لتأكيد عصمته من التحريف.
الخامس : تنزيه المسلمين من تحريف وتبديل القرآن لنسبة التحريف إلى غيرهم، وحصول التحريف في حال سماعهم لكلام الله، وفي الآية دليل على سلامة القرآن من التحريف زيادة ونقصاً وتبديلاً وتغييراً، لقيام الصحابة وكتّاب الوحي بتدوينه حال نزوله، ولتلاوة المسلمين له عن ظهر قلب، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى في الآية السابقة[يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ] وفيه شاهد بوجود أمة تتلو القرآن إذ تدل الآية على إرادة القرآن لورود القرآن بالإخبار عن تلاوة أهل الكتاب، قال تعالى في وصف اليهود والنصارى[وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ] ( ).
وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } أي بصاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا ، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم , فكان منهم { ليجادلوكم به عند ربكم } أي يقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ عليكم الميثاق باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كان ينتظر، ونجده في كتابنا إجحدوه ولا تقروا به)( ).
وجاءت الآية بصيغة الإطلاق (قالوا آمنا) والتقييد أعلاه بأنهم قالوا(ولكنه إليكم خاصة) بيان وتفسير والآية أعم في موضوعها ودلالاتها، والأصل فيه إعلان الإيمان بالله، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن، وقد تقدم قوله تعالى[وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ]( ).
ولم ينحصر تسليمهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد البعثة فانهم كانوا يقولون إن نبياً سيبعث قريباً، وقد أظل زمان، قال تعالى[مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ]( ).
ولما هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فانهم أخذوا يقولون للمسلمين أنهم آمنوا معهم ومثلهم لترشح هذا الإيمان عن تجلي المعجزات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن بالآيات والدلالات الباهرات.
وهذه الآية من مصاديق المدد والعون الإلهي للمسلمين، قال تعالى[إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]( )، والمتبادر إلى الذهن أن نصر الرسل في الحياة الدنيا كلاً في زمانه، ومواجهة أعدائه والمكذبين بنبوته، ولكن آية البحث جاءت لنصر الرسل مجتمعين مرة واحدة، وتؤكد بأن المراد من النصر في الحياة الدنيا في الآية أعلاه الإطلاق الزماني في أفراد الزمان الطولية إذ نزل القرآن لنصر الرسل إلى يوم القيامة، وهو من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين وحاجة الناس لنبوته، ونصرة هذه الآية من وجوه:
الأول : تأكيد نبوة الأنبياء السابقين.
الثاني : قيام الأنبياء السابقين بالتبليغ بما يجعل البشارات والإنذارات تتصل بأيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن.
الثالث : إقرار أهل الكتاب بالتركة العقائدية التي تركها الأنبياء السابقون لها ثروة للأجيال ومقدمة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : سبيل نصر الرسل أعم من السيف والسنان، فمن بشارات الأنبياء السابقين نزول القرآن ناصراً لهم مجتمعين ومتفرقين، وإستدامة نصره لهم وعلى نحو متجدد إلى يوم القيامة، ومن الأنبياء من أوذي وقُتل , ليكون المراد المعنى الحقيقي للنصر وهو الغلبة المستديمة بالقرآن.
فالأنبياء وإن لاقوا شتى صنوف الأذى والعذاب من قومهم إلا أنهم نُصروا في حياتهم وبعد مماتهم بأنصارهم وأتباعهم وبنزول القرآن الذي يبين الإعجاز في تبليغهم الأحكام والبشارات بدليل أن النبي محمداً صلى الله وعليه وآله وسلم بعث [عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ]( )، وبين عيسى عليه السلام وبينه نحو ستمائة سنة ليس فيها نبي، ومع هذا فان أتباع الأنبياء يشهدون لهم بالنبوة , ويحفظون ويتوارثون أقوالهم وبشاراتهم .
وتدل الآية بالدلالة التضمنية على ثناء أهل الكتاب على أنبيائهم لقيامهم بالتبليغ وإقرارهم بأن التبليغ بالنبوة الخاتمة فتح إختص الله عز وجل به أتباع الأنبياء، وهذا الفتح من عمومات قوله تعالى[اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ]( ).



قوله تعالى [ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ] الآية 77.
الإعراب واللغة
أولا: الهمزة للإستفهام الإستنكاري، ويمكن أن تكون للتقرير أيضاً، الواو: حرف عطف ولغلبة الهمزة تأخرت عنها.
لا: نافية، يعلمون: فعل مضارع مرفوع، والواو:فاعل، وقيل أن يعلمون معطوف على فعل محذوف، والمعنى أيلومونهم على هذا الحديث ولا يعلمون، ولكن المعنى أعم لإحتمال إرادة الجميع من الواو في (يعلمون) وعدم إنحصار التوبيخ والإحتجاج بآولئك الذين يوجهون اللوم لأصحابهم .
أن الله: أن وإسمها، يعلم: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ويعود لله عز وجل , والجملة في محل رفع خبر إن، ما: اسم موصول مفعول يعلم، يسرون: جملة لا محل لها.
والسر نقيض الإعلان، ويعني الإخفاء والكتمان، ويشمل النيات والأعمال الخفية.
في سياق الآيات
بعد أن أظهرت الآيات السابقة سوء فعل طائفة من أهل الكتاب وعنادهم وإصرارهم جاءت هذه الآية للإنذار والوعيد والتذكير والموعظة، ثم أعقبتها آيات أخرى تذّكر أيضاً بقبائحهم مما يبين فلسفة لغة القرآن في لزوم إستحضار الإنذار بين ثنايا فضحهم.
وبعد أن فضحت الآية السابقة الأفعال الذميمة التي يقوم بها أهل الجحود في الخفاء، جاءت هذه الآية للتوكيد بأن الفضح والكشف من عند الله تعالى لإحاطته علماً بالأشياء وأنها جميعاً حاضرة عنده.
وإذ أختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] حكاية عن طائفة منهم في زجر بعضهم الآخر عن كشف أسرار التوراة والكتب السماوية السابقة والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاءت هذه الآية بمخاطبتهم جميعاً، ودعوتهم لجعل موضوعية للعقل في أقوالهم وأفعالهم، بأن يستحضروا حقيقة علم الله تعالى بكل ما يفعلون وما يسرون في أنفسهم، ومن المواضيع التي يعلمها الله تعالى وبلحاظ الآية السابقة أمور:
الأول : إدعاؤهم الإيمان في حضرة المسلمين.
الثاني : الأحاديث التي تجري بينهم في خلوتهم.
الثالث : توجيه الرؤساء منهم اللوم للذين يخبرون عن البشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة.
الرابع : تضمن التوراة والعلوم والأخبار التي بين أيدي بني إسرائيل الدليل والشاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة المسلمين الى تصديقها وتوثيقها والإنتفاع منها.
الخامس : حث بني إسرائيل على الإستعداد لليوم الآخر بالعمل بما يرضي الله تعالى، وإدراك حقيقة كشف السرائر يوم القيامة، وعدم إنحصار الأمر بإحتجاج المسلمين بما يسمعونه من بني إسرائيل، فحتى لو حرصوا على كتمان الحقائق والأسرار فان الله تعالى.
السادس : لزوم الإنتفاع من نعمة العقل للذات والغير، ومنه إدراك لزوم تعاهد المواثيق التي أخذها الله تعالى عليهم بإتباع ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الفائدة من إخفائها وتحريفها.
وجاءت الآية لبيان حال فريق منهم وأنهم أميون يحاول بعضهم التأثير عليهم ومنعهم من التدبر في الآيات، فجاءت هذه الآية خطاباً إستغراقياً شاملاً لهم، لأن الأمي يدرك حقيقة علم الله تعالى بما يعلن وما يخفي لتجعله يعرض عن الزجر الذي يصدر من الرؤساء بإخفاء الحقائق، ويتجه صوب الخشية من الله عز وجل وإستحضار علمه المطلق بالأمور.
ومتعلق هذه مضامين الآيات السابقة من وجوه:
الأول : قسوة القلوب بعد رؤية آية إحياء الميت بضربه بجزء من البقرة.
الثاني : ما يعلمون مما يصدر عن قسوة القلب وتجيب الإيمان والعمل الصالح لأهل الكتاب الناس جميعاً، لقوله تعالى[وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ]( )، ترى ما هي النسبة بين قوله أعلاه وما جاء في آية البحث من علم الله عز وحل بــ[مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ]( ).
الجواب هو العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي ما يعلنون بإعتبار أنه من مصاديق العمل، التي يعلمها الله وهي أعم من الإعلان، وفي الجمع بين الآيتين إنذار من محاربة الإسلام وتحريض المشركين وتجهيز البيوت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
وإذا كانوا يعلمون أن الله عز وجل يعلم ما يخفون وميظهرون فمن باب الأولوية القطعية أنهم يعلمون ويدركون حقيقة علم الله عز وجل بما يفعلون وفيه تحذير لأهل الكتاب والناس، من البطش الإلهي، ومن نزول البلاء في الدنيا قبل الآخرة.
الثالث: تحريف كتاب الله بعد سماعه ووعي وفهم ما فيه من الدلالات والبشارات، أي أنه نص لا يقبل الإجمال والترديد.
الرابع : إدّعاء الإيمان عند لقاء المسلمين، مع إخفاء الجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : أحاديث الخلوة مع الجماعة والكلداء.
السادس: الإقرار بيوم القيامة، وحشر الناس للحساب.
ومن إعجاز نظم القرآن أن كلاً من الآيتين السابقتين تتضمن إسراراً وإعلاناً من الذي صدوا وأعرضوا عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفي قوله تعالى[أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ] وجوه من الإسرار:
الأول : سماع الآيات بتقريب إلحاق السماع والإستماع بما يخفون.
الثاني: عقل وفهم ما في كلام الله من الدلائل على تنزيله وأنه فوق كلام البشر.
الثالث: إقامة الحجة عليهم بعلمهم بأنه كتاب وأنهم فقهوا معانيه، ويقومون بتحريفه.
أما العلانية في الآية قبل السابقة فهو على وجوه:
الأول : تحريف كلام الله.
الثاني : إعلان الجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الإيمان به بدليل مفهوم قوله تعالى[أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ] أي أنهم لم يؤمنوا.
وتبين الآية عظيم قدرة الله وإحاطته غلجات النفس، إذ يتساوى عنده سبحانه العلم بسر الإنسان وعلانيته وأيضاً بما تسر الجماعة والفرقة وما تعلنه، وفيه إنذار من طوي الصدور على عداوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإضمار الكيد والمكر والنية بمحاربته والمسلمين.
وجاءت الآية بقوله تعالى(ليحاجوكم) بصيغة المفاعلة، ولام المفاعلة، والمراد هو الإحتجاج من طرف واحد وهم المسلمون، بدليل صيرورة المسلمين هم الذين يحتجون يوم القيامة ويحتمل موضوع الإحتجاج وجوهاً:
الأول : قولهم بحضرة المسلمين أنهم آمنوا.
الثاني : إخبارهم المسلمن لأوصاف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية.
الثالث : البيان والبراهين التي جاءت الكتب السابقة، وهم المستقرأ من التح، بقوله تعالى[أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ].
وبلحاظ الآية السابقة فإن(ما يسرون) تكذبيهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (وما يعلنون) هو قولهم للمسلمين آمنا، وقدمت آية البحث الإسرار على الإعلان، ومع جعل موضوعية له في مضامين الآية السابقة فإن يدل على أنهم يقيمون على الكفر والصدود عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يقولوا آمنا.
إعجاز الآية
تفضل الله تعالى بإخبار المسلمين بشواهد من علمه مما يحتاجون إليه، وأنه يعلم كل شيء، وفيها وعيد وتخويف للكافرين.
بالإضافة إلى الإعجاز الوارد في نظم الآيات فان الآية تدعوهم إلى الهداية والرشاد بالتذكير بحقيقة ثابتة عند كل الملل والأديان وهي من اليقينيات التي لا تحتاج إلى توسط إستنباط أو تقديم تصور.
والآية حجة عليهم لما يفيده العلم من الإعتقاد الجازم المطابق للواقع.
ومع مجيء الآية من بضع كلمات فإن مادة(علم) تكرر فيها مرتين ويتعلقان بإقرار وعلم هؤلاء بإحاطة الله عز وجل علماً بأمورهم وأحوالهم ما ظهر منها وما خفي على الناس، وتلك آية من بديع صنع الله عز وجل بأن جعل الناس يدركون علمه بما في صدورهم وحضور أعمالهم عنده، وهو حجة على الناس، وباب للتوبة والإنابة.
ويمكن تسمية الآية بآية ( أو لا يعلمون) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
للآية الكريمة منافع مركبة فهي إنذار ووعيد لأولئك الذين يتعمدون التحريف والكتمان، وبشارة للمسلمين تتضمن كفايتهم ومنع الكيد والمكر بهم.
والآية مدرسة في المعرفة الإلهية وتوكيد بأن الله تعالى معنا يسمع ويرى، وفيها إخبار بأن إيذاء الكفار للمسلمين في علم الله مما يدل على نيل المسلمين لمراتب الأجر والثواب.
والآية عون ومدد للمسلمين من وجوه:
الأول: تبعث الآية الفزع والخوف في نفوس الذين يخفون خلاف ما يظهرون أزاء النبوة والتنزيل.
الثاني: النصح والموعظة السماوية لأهل الكتاب.
الثالث: جعل المسلمين والناس جميعاً يدركون حقيقة وهي إحاطة الله على بكل شيء.
الرابع: إستحضار الناس لعظيم سلطان الله وقدرته.
الخامس: دعوة المسلمين للتحلي بالصبر والخشية من الله.
مفهوم الآية
في الآية تذكير بإحاطة الله سبحانه بكل شيء وإطلاعه على السرائر، وهذا التذكير فضل منه تعالى واستحداث لنعمه على بني إسرائيل وموعظة ومناسبة لإعتبار المسلمين من الأمم الأخرى، فالمسلم وغيره ينتفع من ذكر هذه الحقيقة التكوينية وما يتجلى فيها من عظيم قدرة الله تعالى وعلمه سبحانه بالنوايا والعزائم وما يهم به الإنسان.
وبالجمع بين هذه الآية والآية السابقة تظهر لغة الإحتجاج عليهم وان عدم معرفة المسلمين لما يبيتون في منتدياتهم وخلواتهم لا موضوعية له في فضحهم يوم القيامة أو أن النوبة لا تصل إليه لأن الله عز وجل يحصي عمل العباد وكل الأشياء حاضرة عنده تعالى، فقوله تعالى [مَا يُسِرُّونَ] يتعلق بما هو الأعم من تحريض بعضهم بعضاً على إخفاء الحقائق ليشمل الكيد والمكر وإيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وما يخفون في أنفسهم من الضغائن والحسد للمسلمين.
والآية إنذار ونهي سماوي عن محاولة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها دلالة على أن حفظ حياته وفضح ما يحاك له وجه من الإعجاز والوحي.
فمن مفاهيم هذه الآية أن الله عز وجل يبطل محاولات التعدي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإساءة للإسلام ومنع إنتشاره وظهوره على الدين، قال تعالى[هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ]( ).
وفي الآية مسائل:
الأولى : التبكيت والتوبيخ للذين يخفون خلاف ما يعلنون في باب التنزيل والبشارات النبوية.
الثانية : توكيد علم الله تعالى بما يخفي كل إنسان في نفسه وفي الثناء على نفسه وبيان عظيم قدرته، قال تعالى[يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى]( ).
الثالثة : دعوة الناس لنبذ التباين بين ما يظهرون وما يخفون، ولابد لإعلان الإيمان في حضرة المسلمين من سبب يتضمن إقامة الحجة عليهم، وعجزهم عن إبطالها.
الآية لطف
جاءت الآية بصيغة الغائب وإرادة الذين يلومون أصحابهم لإخبار المسلمين عن البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأسرار الكتب السابقة، وكذا الذين يلقون اللوم عليهم ولدعوتهم لحجب سلطان أهل اللوم عليهم، ولدعوتهم لإعلان أسرار التنزيل التي تتضمن الشهادة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً وان نبوته مقرونة بالمعجزات وتصاحبها العلامات والبراهين التي تدل على صدقها.
ومن الحجج هذه الآية التي تخاطبهم بصيغ البرهان وعلوم الكلام وتوكيد علم الله تعالى بما يظهرون وما يخفون والذي يترشح عنه أمر ثالث وهو التباين بين ما يظهرون وما يخفون، والدعوة السماوية لإتحاد السر والعلانية عندهم بما يرضي الله تعالى، وفيه لطف بهم، ولطف بالمسلمين لهدايتهم لأسباب الإحتجاج والجدال مع بني إسرائيل وغيرهم، والتحذير من النفاق وبيان قبحه الذاتي والعرضي.
إفاضات الآية
الآية مدرسة في المعرفة الإلهية لما فيها من الإخبار عن إحاطة الله تعالى علماً بخفايا النفوس، وما يضمره كل إنسان في صدره من الخير أو الشر، وجاءت الآية بصيغة الجمع للإشارة إلى التدبير الخفي الذي يتفقون عليه فهو من السر، أي يمكن أن تقسم إلى:
الأول : سر شخصي وهو الذي يطويه الإنسان في نفسه.
الثاني : سر نوعي جماعي الذي تتفق عليه الجماعة من عزم وفعل.
والآية شاملة للوجهين معاً، وجاءت بفضح أقوالهم في منتدياتهم لتكون عبرة وموعظة .
وتبين الآية قانوناً وهو أن الدنيا (دار العلم) وليست دار الأماني والغرور، وأن الفيصل في الحياة الدنيا والمائز هو الكتاب وصيغة وكيفية العلم به، فكما نصر القرآن الأنبياء السابقين كما تقدم بيانه في الآية السابقة فان هذه الآية تدل على نصرة القرآن للكتب السماوية السابقة وهي مدد للمسلمين والناس جميعاً في كيفية معرفة علوم التنزيل، وإستقراء كنوزه بالتدبر والإستقراء، قال تعالى[أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا] ( ) .
وكرر المفسرون في تفسير هذه الآية مسألة التقليد والعوام المقلدين ولكن الآية أعم إذ أنها حرب على الأمية وإجتماعها مع الأماني , والمسلمون منزهون عنه بتلاوة القرآن وأداء الفرائض.
وتدل الآية بالدلالة التضمنية على عالم الجزاء وأن الله عز وجل بمحضر صحائف الأمال يوم القيامة، قال تعالى[وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ]( )، وفي الآية تذكير للذين يجحدون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعلمهم بأن الله يعلم ما يخفون وما يعلنون.
الصلة بين أول وآخر الآية
جاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية وبيان سوء حال الكفار، ولكنها بلحاظ نظم الآيات تحذير للمسلمين من الكفار، وإخبار عن قبح سرائرهم وضلالتهم، إذ جاءت الآية قبل السابقة بخطاب للمسلمين [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ] لتتضمن الآية دعوة المسلمين للتفقه في الدين ومعرفة أحوال المليين والأمم الأخرى.
وفي الآية توكيد لحقيقة وهي أن أهل الكتاب يعلمون إطلاع الله عز وجل على خفايا القلوب وما يضمرونه في صدورهم وما يعلنون من الأقوال في تذكير وزجر عن التناقض بين إدعاء الإيمان في حضرة المسلمين، وإصرارهم على الكفر والجحود عندما يخلون ببعضهم.
وهذه الآيات من الشواهد على علم الله عز وجل بما يقوله ويضمره أهل الكتاب والكفار لتكون حجة عليهم، ودعوة لهم للتوبة والإنابة، وجاءت الآية بصيغة الجمع وفيها وجوه:
الأول : يعلم الله ما يعلنه ويخفيه كل واحد منهم.
الثاني : إن الله عز وجل يعلم ما يعلنون كملة وأمة وما يخفون.
الثالث : يعلم الله التباين بين ما يعلنون أمام المؤمنين، وما يخفون في صدورهم.
الرابع : إرادة معنى السر والخفاء لما يتحدثون به فيما بينهم، لتأتي الآية إعجازاً لما فيها من فضح أقوال الناس في منتدياتهم الخاصة فيما يتعلق بالعقائد لإجتناب الضرر والإضرار.
وتبين الآية أن الله عز وجل أحاط بكل شيء علماً ولا تخفى عليه خافية في الأرض والسماء، وتتضمن في مفهومها مدح المسلمين والإخبار عن التوافق بين سرهم وعلانيتهم، وإمتلاء قلوبهم بالرضا عن الله عز وجل، وفيها إنذار للمنافقين ودعوة لهم لإصلاح سرائرهم، وجعل ما في صدورهم موافقاً لما يعلنون من الإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

التفسير الذاتي
تحتمل واو الجماعة في (يعلمون) وجوهاً:
الأول : إرادة عموم الذين يخفون البشارات الواردة في التنزيل وذخائره.
الثاني : المقصود كبراء بني إسرائيل الذين ينهون أصحابهم وأتباعهم عن تحديث المسلمين بما في التوراة من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : إرادة المذكورين في الآية السابقة من الفريقين الذين يوجهون اللوم والذين يتلقونه.
والصحيح هو الأول، لأن الآية جاءت ضمن سياق الآيات التي تذكر نعم الله عز وجل عليهم، وحثهم على إستحضار تلك النعم في الوجود الذهني، كما جاء قبل آيتين لومهم بصيغة العموم الإستغراقي لهم ولغة الخطاب بقوله تعالى[ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ]( ).
وقد ذكر قوله تعالى [مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ] وعلم الله عز وجل به أربع مرات في القرآن، وقد ورد في قوله تعالى [أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ]( )، ( وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: أخبرني جابر بن عبد الله أن المشركين إذا مرّوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طأطأ أحدهم رأسه وظهره هكذا وغطى رأسه بثوبه حتى لا يراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( ).
وجاءت الآية بصيغة الوعيد أيضاً للذين لا يؤمنون بالآخرة، ويستكبرون عن عبادة الله عز وجل والإنصات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من الإنذارات والبشارات، قال تعالى [فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ]( )، وجاء قبل هذه الآية بأربع آيات قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ]( )، والنسبة بين الآيتين من سورة النحل العموم والخصوص من وجه، إذ جاءت الآية أعلاه بصيغة الخطاب وشاملة للناس جميعاً وجاءت في مقام التذكير بنعم الله عليهم، وعجزهم عن إحصائها لقوله تعالى في الآية السابقة لها [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ).
ويدرك الإنسان بأن الله عز وجل يعلم ما يفعل خصوصاً الموحدين من المسلمين وأهل الكتاب، ولكن الآية جاءت للتذكير والتحذير والإنذار والإخبار بأن الله عز وجل يعلم السر مثلما يعلم الجهر والعلن، وعلمه تعالى بما يسرون ويعلنون لايعني تجدده وإستحداثه بل هو سبحانه يعلم بما في قلوبهم من الأزل وجاء القرآن لتوكيده ودعوتهم للتوبة والإنابة، وإجتناب التباين بين إدعائهم الإيمان بحضرة المسلمين، وتناجيهم في منتدياتهم بإخفاء ما رزقهم الله من نعمة البشارة في التوراة، وبلحاظ تعلق هذه الآية بمضامين الآية السابقة، فان ما يسرون يخص مناجاتهم عندما يخلو بعضهم ببعض، أما ما يعلنون فهو إدعاؤهم الإيمان أمام المسلمين.
ويحتمل موضوع الآية في متعلقه الزماني وجوهاً:
الأول : إرادة بني إسرائيل من بعد موسى والذين ذكروا قبل أربع آيات بقوله تعالى[ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ] ( ).
الثاني : المقصود الذين كانوا منهم أيام البعثة النبوية المباركة.
الثالث : إرادة المعنى الأعم الشامل للوجهين أعلاه.
والصحيح هو الأخير خصوصاً وان الآيتين السابقتين جاءتا بخصوص الموجودين منهم أيام البعثة النبوية الشريفة.
من غايات الآية
تبدأ الآية بصيغة الإستفهام التي تدل بالدلالة التضمنية على التقرير وعلم بني إسرائيل بان الله تعالى يعلم ما يخفون وما يعلنون، وهو من منافع الإنتساب الى الكتاب السماوي والأنبياء السابقين، والمائز بين أهل الكتاب وبين الكفار الوثنيين.
فجاءت الآية بصيغة التذكير والدعوة للرجوع إلى مقامات العبودية لله تعالى وبعث الخشية من الله في النفوس، والنفرة من النفاق، وإذ جاءت الآية السابقة بما يدل على إقرارهم باليوم الآخر بقولهم [لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ]( )، فان هذه الآية تفيد الإشارة والتذكير بالحساب يوم القيامة، والمؤاخذة على النفاق وإخفاء الحقائق.
لقد أراد الله عز وجل إصلاح السرائر، فجاءت هذه الآية باللوم على المناجاة في إخفاء البشارات التي جاءت في الكتب السماوية السابقة وإبطال أثر هذه المناجاة وان كانت صادرة من الرؤساء منهم، ولأن مقامات الرياسة لها موضوعية في التأثير على الآخرين خصوصاً وان فريقاً منهم أميون كما أخبرت الآية التالية، فقد جاءت هذه الآية بمحاربة الذين يخفون الآيات ومنعهم من الإقامة على الضلالة وتضليل الآخرين بمخاطبة الجميع بما فيهم الذين يتوجه لهم اللوم والحث على الخشية من الله وعدم الإلتفات إلى أقوال الرؤساء.
فهذه الآية نعمة على بني إسرائيل وتذكير بالنعم ودعوة سماوية للشكر على النعم، وتتضمن الآية معاني الإنذار والتخويف والوعيد.
التفسير
قوله تعالى [أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ]
في الآية إنكار توبيخي وتحذير لهم وتوكيد بأن الله عز وجل يعلم ما يقولون للمسلمين ويعلم الذي يتحدثون به فيما بينهم. أي ان فعلهم هذا ودعوة بعضهم للبعض الآخر بالكف عن إخبار المسلمين بأسرارهم بلغة العقل والتعقل بعيد عن العقل، فمن الحكمة وإعمال البصيرة أن يدركوا بأن الله شهيد عليهم، وأنه سبحانه يعلم سرهم وعلانيتهم، فلم هذا الإزدواج والتناقض وهو خلاف مناهج الهدى.
والآية تذكير وموعظة ودعوة الى الفلاح وسبل الرشاد، لذا فهي نعمة على بني إسرائيل لما فيها من التنبيه لهم والوعيد والحث على نبذ صيغ العنت والجحود.
وهي حجة للمسلمين وإعانة لهم وتخفيف لما يلاقونه من الكافرين والجاحدين والمنافقين الذين يتخذون من مواقف أهل الكتاب ذريعة لهم وباب فتنة وتشكيك. والآية رحمة لبني إسرائيل لما فيها من دعوة لإعتبار العقل في فضح تسترهم بالعقل والتدبير وبيان ضلالتهم.
وذكر في الآية قولان:
الأول: إن اليهود كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية فجاء الإنذار بهذه الآية، ونسب هذا القول إلى الأكثر.
الثاني: إنهم ما علموا بذلك فرغبهم بهذا القول وحذرهم.
والقول الأول هو الأصح إلا أن موضوع الآية أعم منه ولا تنحصر بطائفة لوجوه:
الأول : إنها إسقاط لما في أيدي المنافقين، وهدم لما يضعون في خلواتهم من مناهج في كيفية التصرف مع المسلمين.
الثاني : تخبر الآية بأنهم سواء أظهروا ما في التوراة من البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو أخفوها فان الله تعالى يعلم بها.
الثالث : تحذر الآية من صيغ المكر وإتخاذ الخلوات للفتك والإضرار بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الرابع : الآية إنذار وتخويف.
الخامس : علم الله تعالى بما يخفون قد يفضحه في القرآن كما في هذه الآية، مما يعني خزيهم وفضيحتهم وعدم الإنتفاع من الحيلة والمكر.
السادس : تدل الآية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه إخبار عما يجري في نواديهم الخاصة وخلواتهم.
السابع : بلحاظ المعنى السياقي للآيات تعتبر هذه الآية ذماً لهم لما يفعلونه من القبيح وتذكيراً وردعاً وزاجراً عن إتيانه.
فقد تصيب الإنسان غفلة عما يعترف ويلتزم به من علمه تعالى بافعاله فيرتكب المعاصي او يركب دروب العناد والجحود، لذا تعتبر هذه الآية لطفاً الهياً ببني اسرائيل وتذكيراً لهم، فالتوبيخ والزجر منه تعالى رحمة وحث على التدارك والإنابة.
إنها مدرسة القرآن وفيها تنبيه للمسلمين لجذب الناس للهداية والإيمان بالحكمة والموعظة الحسنة، فالآية الكريمة ذكرت بني إسرائيل بما عندهم من البديهيات والحقائق الثابتة عسى أن يجعلوها سبباً للإمتناع عن المكر والحيلة وعدم النفاق، كما انها تحذر الرؤساء من صد الناس عن الإسلام، فاذا كانوا يخشون من إحتجاج المسلمين عليهم يوم القيامة بإقرارهم ظاهراً بصدق النبوة، فإن الإحتجاج عليهم بما يقولون في خلواتهم أكبر لأن جوارحهم ستشهد عليهم، وأن الله عز وجل يعلم ما يفعلون.
ترى ما هي الصلة بين هذه الآية وقوله تعالى[وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] ( )، الجواب هي العموم والخصوص المطلق، فاذ تدل الآية أعلاه على علم وإحصاء الله عز وجل للأجزاء المادة مادق وقلّ منها وما عظم جرمه بسيطاً أو مركباً متحداَ أو متعدداً فان آية البحث تخبر عن أمور روحانية، ويشمل العرض الطارئ على النفس الذي ينساه صاحبه ولكن الله عز وجل يعلم به لأن عالم الأماني ليس له حد فجاءت الاية للزجر عنه في باب التنزيل وتنزيه الكتب السماوية من الأماني لذا تقدم جواب موسى عليه السلام بنفي الهزل والجهالة عن نفسه [قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ].
وتبين آية البحث التداخل والتأثير المتبادل بين عالم السر والعلانية، مما يخفيه الإنسان من النوايا والمقاصد والرغائب يظهر على لسانه وجوارحه ليس في فلتات اللسان وحدها، إنما يكون السر تبييتاً للنية.
والمراد من قوله تعالى[يُسِرُّونَ]:
الأول : إرادة السر وما يكتمه الفرد منهم.
الثاني : ما يجتمع الجماعة على إخفائه وستره.
الثالث : توصية بعضهم بعضاَ على إخفاء ما يتفقون عليه مما يقوي إيمان المسلمين كبيان البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي توارثوها عن الأنبياء السابقين.
قوله تعالى [وَمَا يُعْلِنُونَ]
لما كان الله سبحانه يعلم ما يسرون فمن باب الأولوية انه يعلم ما يظهرون ويعلنون، فهو سبحانه يعلم التحريض الخفي في خلواتهم ويعلم إعلانهم للمسلمين الإقرار بسلامة إختيارهم للإسلام، ويفيد الإطلاق في الآية العموم والشمول لما سيقومون به من الأفعال المذمومة في مستقبل الأيام، وفيه وقاية وعون للمسلمين.
وتبعث الآية السكينة في نفوس المسلمين لما تتضمنه من الإخبار عن علم الله عز وجل بأهل العداوة والخلاف , فلا يحزن المسلمون لإخفائهم البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وجاء القرآن بتلك البشارات ومصاديقها الواقعية، وهو من عمومات قوله تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
بحث فلسفي
لقد أجمع المليون على أن الله تعالى عالم , وتلك ضرورة من ضرورات العقائد السماوية، ويقول الناس عامة بعلمه تعالى على نحو الإطلاق والشمول , وهذا القول من رشحات ومعاني نفخ الروح في آدم، قال تعالى[فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا]( ).
وعلمه تعالى عبارة عن علمه بذاته وعلمه بمخلوقاته بحضورها عنده إذ أن علمه تعالى حضوري، أي من دون واسطة صورة حسية أو مفهوم عقلي أو وهمي، لأن الفهم الإنطباعي والحصولي من صفات النفس المتعلقة بالمادة، وقد ثبت أن واجب الوجود مجرد وليس بمادي، وأن الإختلاف المكاني والتباين الزماني في أفراد الماديات لا يمنع من حضورها الدائم عند الله تعالى.
وإختلف الفلاسفة فيما بينهم وكذا المتكلمون بعد إتفاقهم على أن العلم صفة ثبوتية ثابتة له تعالى، أي ان إختلافهم أما أن يكون في الصغرى أو لفظياً ولكنه أخذ حيزاً واسعاً وأكثر مما ينبغي في ميدان الفلسفة الإلهية.
ولعلهم أضاعوا فرصة من التدبر في صفة العلم على أهل العرفان والروحانيين والمؤمنين من ذوي المعارف الفطرية التي تكون ملازمة للإنسان في وجوده من غير سعي وجهد إلى التعليم المنهجي، إذ أن الله عز وجل جعل أصولها عند أفراد النوع الإنساني إلا أنها تتفاوت في درجات ظهورها , ويمكن إعتبارها من البديهيات الثانوية التي يطلق عليها في المنطق بالفطريات.
لقد نسب إلى أتباع المشائين( )،القول بأن علمه تعالى بالمخلوقات هو صور عقلية تعتبر من لوازم الذات الإلهية، وهو خلاف العلم الحضوري لأن وساطة الصورة والمفهوم الذهني من مختصات النفس المرتبطة بالمادة. كما نسب إلى الإشراقيين( ) إن علمه تعالى بالاشياء هو نفس وجودها، مما قد يستلزم الكثرة، وواجب الوجود بسيط ليس بمركب.
فمنهم من فرّق بين علمه بذاته وعلمه بالمخلوقات، ومنهم من عدّه واحداً، لأن صفاته تعالى عين ذاته، ومنهم من قال أن ذلك ينحصر بعلمه بذاته دون علمه بالمخلوقات بإعتبار أن لها وجوداً خارجياً وان حدوث تلك المعلومات في ذاته يستلزم كونه محلاً وقابلاً، ومنهم من نفى علمه تعالى بالجزئيات لحدوث التغيير في علمه تعالى بسببه وهو باطل، وتفرع عن قولهم هذا قول بنفي علمه تعالى بالمتجددات قبل حدوثها.
وتصدى الفلاسفة الربانيون مجتهدين في رد تلك الإعتراضات والأقوال المتنافية والمنافية للحق بالأدلة السمعية والعقلية حتى انك ترى من يتناولها ويستعرضها وليس لها من قائل في هذه الأزمنة انما هي آراء واقوال مستلة من بطون كتب المتقدمين أو أنها تنسب إلى شخص أو جماعة، وقد لا تستطيع في بعض الموارد أن تعرف لها قائلاً ، وليس هناك ما يثبت تلك النسبة، وهي في الغالب دعوى من خصومهم.
فترى مثل هذه الأمور تذكر مجردة من الدليل والبيان، ومواطن الخلل ظاهرة فيها عقلاً ويشير إليها الرد والإعتراض، وقد يكون الإعراض عنها هو الأولى، وهو الذي ترشح تلقائياً بالسيرة العلمية والتجربة والوجدان، والملاك في كل هذا يجب ان يكون تعظيم شعائر الله وصيانة مباحث الفلسفة الإلهية من الزيغ والخطأ وما يؤدي إلى الريب والإلتباس.
لذا فليس من المستغرب أن تجد المذاهب الإسلامية في هذا الزمان متقاربة بل متحدة ومتضامنة في هذا الميدان الفكري البالغ الخطورة والأهمية وهذا الإتحاد من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وهو أمر مبارك يستحق الدراسة والحرص على تثبيته وتوسيع دائرة تأثيره لتشمل أبواباً عقائدية اخرى، ومنها إجتناب ما فيه الشقاق كإستعراض أقوال القدماء في المسائل الإبتلائية بصيغ الخلاف والفرقة وإن قلنا بأهميتها كتراث وثروة علمية ولا عبرة بالقليل النادر الذي يحاول أن يعطي تلك المسائل الخلافية شأناً خاصاً، ويجعل لها موضوعية.


قوله تعالى [ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ] الآية 78.
القراءة والإعراب واللغة
أمانيّ: بالتشديد، وقرأ ابو جعفر وشيبة والحسن البصري بالتخفيف. قال ابن جني إن الأصل فيه التثقيل أماني جمع أمنية و التخفيف في هذا النحو كثير( ).
[ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ]: الواو: حرف عطف، منهم: جار ومجرور خبر مؤخر، أميون: مبتدأ مؤخر مرفوع.
[ لاَ يَعْلَمُونَ ] لا: نافية، الواو: فاعل، وجملة لا يعلمون صفة [أُمِّيُّونَ ]، الكتاب: مفعول به.
إلا: أداة إستثناء، أماني: مستثنى بالا، وهو إستثناء منقطع لأن الأماني ليست من جنس الكتاب.
وأن: الواو: حالية، أن: حرف نفي وتفيد معنى ليس.
ومفرد أماني أمنية وهي التصورات المختلفة في الأوهام مما فيه لذة ورضا في عالم الواقع على فرض تحققه.
والأميون: جمع أمي وهو الذي لا يحسن الكتابة، وأختلف في سبب تسمية أمي على وجوه:
الأول : إنه مأخوذ من الأم لأنه على ما ولدته أمه من عدم معرفة الكتابة وهي مكتسبة.
الثاني : لأن الكتابة كانت مختصة بالرجال دون النساء.
الثالث : الإضافة إلى الجماعة والأمة، لأن الغالبية لا تحسن الكتابة.
الرابع : نسبة إلى القامة والخلقة فإن الذي لا يقرأ ولا يكتب قائم على الفطرة.
في سياق الآيات
بعد أن بينت الآيات السابقة بصيغة الإنذار بعض قبائح الذين يحرفون الكتاب ويعلنون في حضرة المسلمين غير الذي يتفقون عليه من الباطل في مجالسهم، جاءت هذه الآية لتبين حال فرقة منهم وهي العامة التي تفتقر إلى المعرفة ويسهل التأثير على أفرادها ولا يعتمدون صيغ العقل والبرهان وتظهر حال التخلف النوعي الذي هم عليه كسبب وعلة عقلية لإصرارهم وعنادهم.
لقد جاءت الآيات السابقة بالإخبار عن قيام فريق من أهل الكتاب بتحريف الكتاب، وجاءت هذه الآية بنعت فريق منهم بأنهم أميون، فما هي الصلة بينهم، فيه وجوه:
الأول : التساوي وهو أن الذين يحرفون الكتاب هم أنفسهم الأميون.
الثاني : الأميون شطر وفريق من الذين يحرفون كتاب الله فمن الذين يقومون بالتحريف من هو أمي، ومنهم من ليس بأمي.
الثالث : التباين والتغاير بينهما.
والصحيح هو الثالث فان الذين يحرفون الكتاب ليسوا هم أنفسهم الأميين الذين ذكرتهم هذه الآية، وجاءت الآية لبيان إعجاز الآيات من وجوه:
الأول: نعت فريق منهم يقومون بالتحريف وليس الجميع.
الثاني: بيان علة إستدامة التحريف، وإنصاتهم له.
الثالث: الثناء على المسلمين، لعدم وقوع التحريف في القرآن، وتعاهدهم جميعاً لحفظ آياته وكلماته، وهو من مصاديق نيلهم صفة [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، فهم يحفظون القرآن وكلماته، ويخبرون الناس عن وقوع التحريف في الكتب السابقة وكيفية هذا الوقوع وأسباب إستدامته، وتصديق فريق من المليين به، ممن يتصف بالأمية وعدم الإحاطة بالكتاب ومضامينه القدسية، وما فيه من الدلالات والبشارات.
وجاءت الآية بصيغة الوعيد والتخويف للذين يقومون بالتحريف ويغوون أهل ملتهم من الأميين وغيرهم طمعاً بالدنيا وحطامها، بجعل الأميين منهم يقيمون ويواظبون على إتباعهم والإنقياد لهم، ودفع الأموال لهم، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً] ( )، الوارد في الآية التالية.
وهل النعت بالأمية من وجوه وآثار الذلة التي ضربت عليهم بسبب الجحود بآيات الله أم انها من سؤالهم الأدنى، مما يخرج الأرض وعدم الرضا والشكر على المن والسلوى، الجواب انهما من أسباب حال الأمية أعم، فجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة عليهم لخلاصهم ونجاتهم.
ومن إعجاز القرآن أن آية الأميين هذه تقع وسط آيتين تؤكدان على العلم وفي ذات الموضوع والفرقة التي هي موضوع هذه الآيات، وإن كان هناك تباين في الأفراد والطائفة منهم، ففي الآية السابقة ذكر علمهم مجتمعين ومتفرقين بأن الله عز وجل أحاط بهم علما في الفعل والخواطر والنوايا .
وتتضمن الآية التالية الإخبار بلغة الإنذار عن علم الله عز وجل بكتابتهم الكتاب وإدعائهم أنه من عند الله، وهل هذه الكتابة من العلم الجواب لا، إنها من الضلالة والجهالة.
إعجاز الآية
تكشف الآية الغطاء عما عندهم من النقص العلمي وأسباب الزيف والوهم الذي هم عليه، وتبين بالتقسيم العقلي الإستقرائي فرق أهل العناد، والمراتب المتفاوتة للضلالة التي عندهم.
وتبدأ الآية بلغة التبعيض، لمنع اللبس والعموم في وصف يتضمن الذم المركب على الجهل، وإعتماد الظن، وتبين الآية بلوغ المسلمين مرتبة في العلم والشأن بحيث يستطيعون معرفة أحوال الأمم الأخرى وأسباب تخلفها عن منازل الإيمان.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب} قال : لا يدرون ما فيه {وإن هم إلا يظنون} وهم يجحدون نبوّتك بالظن)( ).
ومن مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، أمور:
الأول : مجيء الكتب السماوية السابقة بالبشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : تأكيد القرآن لهذه البشارات وفيه بعث لأهل الكتاب لإظهارها وبيانها.
الثالث : إقتران نبوة محمد صلى الله وآله وسلم بالمعجزات العقلية والحسية التي تدل على صدقها، لتبين هذه الوجوه مجتمعة ومتفرقة قبح إنكار وإمكان تقسيم هذا الإنكار من جهة المرتكز والمبنى الخاطئ والذي لا أصل، ومنه عدم الإحاطة بمضامين الكتب السابقة وما فيها من العهد الإلهي في النبوة ولزوم التصديق بها.
وذكرت الآية أصلاً وقانوناً وهو علم الله بما يسرون وما يعلنون لتتفرغ عنه قوانين كثيرة، منها:
الأول : إن الله عز وجل يظهر ما يخفون.
الثاني : الكشف عن التباين والتضاد بين ما يخفون وما يعلنون.
الثالث : تأكيد النفرة العامة التباين بين السر والعلانية لقبحه الذاتي.
الرابع : نجاة وسلامة المسلمين من آثار النفاق.
الخامس : إحصاء الله عز وجل لأفعال الناس، ونشر صحائف الأعمال يوم القيامة ليكون قوله تعالى[أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ]( )، إنذاراً وحجة في النشأتين.
السادس : نصرة الله عز وجل للمسلمين بكشف ما يجري في منتديات خصومهم مما يدل من باب الأولوية القطعية على فضح كيد عدوهم، قال تعالى[أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ]( ).
ويتجلى الإعجاز في هذه الآيات بلغة التبعيض، إذ إبتدأت آية البحث بحرف التبعيض (من) في (منهم أميون)، ويحتمل وجهين:
الأول : الأميون شطر من الفريق الذي ورد بقوله تعالى[وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ]( )، بلحاظ لغة العطف بين هذه الآيات.
الثاني : إرادة التبعيض من عموم أهل الكتاب.
والصحيح هو الثاني، وتحتمل النسبة بين الفريق المذكور في الآية أعلاه والأميين الوارد ذكرهم في آية البحث وجوهاً:
الأول : العموم والخصوص المطلق، وهو على شعبتين:
الأولى : الأميون شطر من الفريق الذي قام بتحريف الكتاب.
الثانية : أهل التحريف بعض وشطر من الأميين.
الثاني : العموم والخصوص من وجه، فهناك جماعة يقومون بالتحريف وليسوا بأميين، ومن الأميين قوم لم يحرفوا الكتاب.
الثالث : التباين بين الفريقين.
والصحيح هو الثالث فان الأميين الذين ذكرتهم الآية لا يقومون بالتحريف، نعم قد تكون هذه الأمية فرع تحريف التنزيل.
ومن أسرار لغة التبعيض في هذه الآيات أمور:
الأول : حسن معاشرة أهل الكتاب وعدم رميهم بالتحريف أو الأمبية على نحو العموم الإستغراقي.
الثاني : بذل الوسع في لغة الجدل والإحتجاج وإتخاذ الحكمة آلة ومادة قال تعالى[وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ).
الثالث : الحيطة والحذر من التحريف والأمية والأماني التي عليها أهل ملل ونحل أخرى.
ويمكن تسمية الآية بآية (أميون) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
تعتبر الآية دراسة علمية تيسر كيفية التعامل معهم كل بحسب حاله وإدراكه وتبين اسباب وعلل الإمتناع عندهم، وتطرد الآية الكريمة الظن النوعي العام الذي تترشح عنه إدعاءات وأقوال لا أصل لها في العقائد والكتب السماوية السالفة.
وقال الرازي: “ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة فأن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير، وفيهم من يكون متوسطاً، وفيهم من يكون عامياً محضاً”( ).
ولكنه قياس مع الفارق في الموضوع والمحمول لأن عامة المسلمين يلتزمون بالتوحيد وأحكام الرسالة ويكتسبون المعرفة من أفاضات الفرائض كالصلاة والصوم والزكاة، وتضيء أنوار الحكمة والإيمان قلوبهم.
لقد كانوا يتباهون بأنهم أهل كتاب، وأنه أفضل من غيرهم من الأمم الأخرى، فجاءت هذه الآية لتخبر عن كون أمة منهم تتصف بالتخلف عن مراتب العلم والفقاهة، أمة لا تستطيع التمييز بين الأصل والتحريف، وفيه دفع للوهم والشك، فقد يظن بعضهم ان تخلف أهل الكتاب عن إتباع ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسبب ما عندهم من العلم والتنزيل.
فجاءت هذه الآيات لتخبر عن علة تخلفهم عن الإيمان، وهو المانع الذاتي ودبيب الأمية، وإتباع الظن الذي يترشح عن الأمية واللبس الذي يسببه التحريف، وفيه تذكير بفضل الله على بني إسرائيل بالعلم والمعرفة اللذين يترشحان جرياً وقهراً من كثرة أنبياء بني إسرائيل، قال تعالى[وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ]( ).
مفهوم الآية
في الآية تنبيه للمسلمين وتعريف بحال الذين يمكرون بهم ويكيدون لهم ويظهرون لهم خلاف الذي يضمرون من الشر للإسلام، ومن مفاهيم الآية أنها تبين قلة إدراكهم وضعف عقولهم وإفتقارهم لى التحصيل والكسب ولكن هذا لا ينجيهم من إستحقاق الذم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة، لقيام الحجة عليهم ولأن الإسلام دين الفطرة والضرورة، والآية واقية للمسلمين من سوء توظيفهم لإنتمائهم إلى ملة سماوية وكتاب منزل عن جهالة وضلالة.
وصحيح أن سياق الآيات وتأريخ النزول يتعلقان بفرقة مخصوصة إلا أن معانيها أعم وتشمل كل من يكيد للإسلام ويتجافى عن المواثيق والعهود ويتنكر للحق والبشارات التي جاءت على لسان الأنبياء السابقين ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبزوغ شمس الإسلام.
ولغة التبعيض في الآية (ومنهم) لا تعني مدح غير الأمي منهم أو أنه يتصف بالعلم، لأن الآيات السابقة لم تحصر الذم به، ولكن الآية في مفهومها تخبر عن عظم ذنب غير الأمي منهم وأن الحجة عليه أكثر من الحجة على الأمي، كما أنها تحذر المؤمنين منهم، فالمتعلم إذا وظف علمه في الشر ومحاربة الحق يكون خطره أشد وقد يكون باباً للإفتتان وسبباًَ لنشر الشك والريب ومادة للنفاق.
في الآية مسائل:
الأولى : تبين الآية شرف العلم، وكونه سلاحاً للوقاية من التحريف وتغيير معاني التنزيل.
الثانية : في الآية إخبار عن حال فريق من أهل الكتاب بعد أجيال من رسالة موسى عليه السلام وتخلفهم عن التفقه في الدين والعلم بالكتاب مع أنه نعمة جعلها الله تعالى بين أيديهم، فالصلة بين الإخبار عن كونهم أميين وعدم العلم بالكتاب إلا على نحو الأماني إشارة إلى نعمة الله تعالى عليهم بالكتاب ولزوم التدبر في معانيه، وأن الجهل بمضامينه سبب الجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليكونوا على فرق هي:
الأولى : فريق يقوم بتحريف الكتاب.
الثانية : أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني.
الثالثة : أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويبادر فريق من هذه الأمة إلى دخول الإسلام , قال تعالى [وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ]( ).
الثالثة : يحتمل الوصف في الآية وجهين:
الأول : الإتحاد وهو أن الأمي لا يعلم الكتاب إلا أماني ولا يعتمد إلا الظن.
الثاني : التعدد، وأن كل وصف ورد في الآية جاء على نحو مستقل ومتداخل مع الوصف الآخر، فإلى جانب إتصافهم بالأمية فإنهم يتصفون بعدم العلم بالكتاب إلا على نحو السماع الخالي من التدبر والدراية، في الوقت الذي يقوم فيه المسلمون بتلاوة آيات القرآن في الصلاة وغيرها ويتدبرون معانيها ومضامينها القدسية، وهو شاهد على إنتفاء صفة الأمية وقلة المعرفة عن المسلمين لأنهم أمة تتلو آيات القرآن على نحو يومي متصل.
والصحيح هو الثاني فجاءت الآية بصيغة عطف البيان والإخبار عن تعدد أسباب الذم لهم، وتخلفهم عن منازل النعم التي أنعم الله تعالى عليهم بها.
الرابعة : تخبر الآية عن الملازمة بين التلاوة والعلم وبين حفظ التنزيل ومنع التحريف، والتصدي للرؤساء وغيرهم ممن يريد تحريف الكتاب طمعاً بالدنيا وزينتها.
الخامسة : تدعو الآية المسلمين إلى السعي والكسب في ميادين العلم، والإرتقاء في المعارف الإلهية، وإجتناب ما أصاب الأمم السابقة من الأمية وهجران البشارات وما يترتب عليها من الإستعداد لقبول دعوى النبوة المقرونة بالمعجزة والدلالات على الصدق , وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لابن صياد:أتشهد أني رسول الله قال : أشهد أنك رسول الأميين، إذ كان ابن صياد متدين بدين اليهودية، لأن أهله حلفاء اليهود.
وبالإسناد عن زيد بن حارثة: أن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم قال لابن صَيَّاد: “إني قد خبأت خبأ فما هو؟” وخبأ له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة الدخان، فقال: هو الدُّخ. فقال: “اخسأ ما شاء الله كان” ثم انصرف( )، والدخ هو الدخان، فعندما خبأ له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى[فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ]( )، علم ابن الصياد جزءً من اللفظ على طريقة الكهان، وإخبار الشياطين لهم بما يكون في الآفاق وفي رواية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قال له:اخسأ فلن تعدو قدرك) أي القدر الذي يعرفه الكهان، فيفتضح أمره وكذب إدعائه النبوة.
وقال ابن كثير: وقد إستدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر، أيضا، بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ }، وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة( ).
ولكن هذه الأمور تحدث بالعلم والإرتقاء التقني وبما يمنع من الإفتتان به، وقد ظهرت مقدمات ومعالم هذه العلوم في هذا الزمان، وقد يأتي يوم يسّير السحاب بالتبخير الصناعي والتوجيه المركزي بآلات صغيرة مصاحبة له ليصيب أرض مخصوصة وباثمان باهضة وفي حال حصوله يكون سبباً لحدوث نقص حاد في مياه البحار ويصدر مثل هذا العمل من أكثر من دولة ومؤسسة ويكون على مراحل ومراتب من الإكتشاف والإرتقاء والسعة والإنتشار ويدرك معه الناس أنه تعلم وتحصيل، ومن عمومات قوله تعالى[عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
وتتصف المعجزة بأنها أمر خارق للعادة، مقرونة بالتحدي، سالمة من المعارضة، فلا يأتي بها غير النبي، ولمَا إنقطعت النبوة بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى فان المعجزة بقيت محصورة ومتجددة بالقرآن وإشراقاته لأنه المعجزة العقلية التوليدية الذي تستقرأ منه المسائل وضروب الحكمة.
وكان اليهود يصفون المسلمين بأنهم أميون إنتقاصاً لهم، فبّين الله عز وجل فضله على العرب والمسلمين بارتقائهم من منازل الأمية إلى التعلم والتفقه في الدين والتسليم بالمعجزات وتلاوة آيات القرآن، فبالإيمان تنتقل الفرقة والقبيلة والأمة من حال الأمية والجهالة إلى مراتب الإيمان والرفعة ليكون نزول الكتاب , وتلقي المسلمين له بالقبول والرضا وتدوينه في المصاحف نسخ ونفي لحال الأمية.
إفاضات الآية
في الآية دعوة للمسلمين لمحاربة الجهل العقائدي بين المليين، وهو من مصاديق [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
فرفع الجهل والأمية سبب لإظالة الغشاوة الظلمانية، ومناسبة لرؤية الآيات والبراهين التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتمنع الآية من الغلظة في الإحتجاج وتدعو إلى معالجة الجهل أصلاً، فترى أحدهم يصر على شيء عناداً وهو لا يعلم مضمونه، ونفعه من ضرره فلابد من تحصيل الإرتقاء والفهم العلمي أولاً، وتبين الآية الملازمة بين الإسلام والعلم.
الآية لطف
لقد تلقى المسلمون دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام بالقبول والمعجزات التي جاء بها بالتصديق ولكن فريقاً من الناس يصرون على الجحود والتكذيب، فجاءت هذه الآية لطفاً إلهياً من وجوه:
الأول : تبعث الآية السكينة في قلوب المسلمين، وتحثهم على الصبر أزاء الجدال والإفتراء الذي يأتي من غيرهم، وتبين لهم جزء علة من تخلف أهل الكتاب عن دخول الإسلام.
الثاني : تدعو الآية الناس إلى إدراك ضرر الأمية ولزوم التخلص منها، وفيه شاهد على إستدامة نعمة الله على بني إسرائيل، وأن القرآن يتضمن صلاحهم وهدايتهم.
الثالث : تحث الآية الناس جميعاً إلى عدم الإصغاء لقول الأميين الذين يتبعون التحريف وأهله.
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بحرف التبعيض (من) مع التقييد والحصر بإرادة ذات الطائفة التي ذكرتها الآيات السابقة والتي تتضمن دعوة المسلمين إلى عدم تعلق رجاؤهم بإسلام هؤلاء لوجود المانع الذاتي عندهم بسوء سرائرهم، وإصرارهم على الجحود بالنبوة، وبيان حال فرقة منهم والإخبار عن إتصافها بالأمية وعدم العلم بأحكام التوراة وما فيه من الحلال والحرام والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه دعوة للمسلمين للتفقه في الدين، والسعي لإكتساب المعارف، وتعلم آيات القرآن، وما فيها من المضامين القدسية.
إن وصف قوم لا يعلمون بمعاني كتابهم بالأميين دعوة للمسلمين للنفرة من هذا الوصف إسماً ومسمى وقد وصفتهم الآيات بثلاث صفات مذمومة هي:
الأولى : الأمية والتخلف عن معرفة علوم الكتاب.
الثانية : النظر إلى الكتب السماوية السابقة من جهة الأماني والرغائب والأحاديث التي يحدثهم بها علماؤهم والقصاصون.
الثالثة : إتخاذهم الظن سبيلاً في الحياة، وجاء الذم للظن في المقام لإرادة الشك وعدم اليقين، مما يدل على وجود الآيات والبراهين، ولكن الأميين لا يصغون إليها، ولا يتدبرون في معانيها، ومن أمانيهم تمني موت الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بدايات الدعوة وعودة الرياسة إليهم، أو تخلصهم من الدعوات التي توجه إليهم لدخول الإسلام، مع ان الإسلام فيه خير الدنيا والآخرة.
ومن الأمية في المقام عدم معرفة المصلحة وأسباب جذبها، وتعيين المفسدة ودفعها بالتخلص من الكفر والجحود، والمبادرة إلى التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وصحيح أن المراد من الكتاب هو التوراة إلا أنه لا يمنع من المعنى الأعم وإرادة التنزيل، وإنهم لا يريدون من الكتاب التكاليف والواجبات والأمر بالجهاد والتحلي بالصبر والتقوى، ولا يدركون عواقب الأمور، وان الله عز وجل جعل الدنيا دار إمتحان وإختبار، وأعد الجنة للمتقين، والنار للكافرين، بل يظنون أن الإنتساب للتوراة تكفي في سلامتهم يوم القيامة.
فجاءت هذه الآية لذم هذا الظن، ودعوة المسلمين للإحتجاج عليهم، وتحذيرهم من الغفلة والجهالة، وحثهم على التدبر بالتنزيل والآيات الحسية والعقلية التي جاء بها الأنبياء.
التفسير الذاتي
يتعلق الضمير الهاء في [وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ] بالذين تقدم ذكرهم من أهل الكتاب ممن قست قلوبهم بعد توالي النعم عليهم، وجاءت الآية بالوصف مع الذم بالبيان والتفصيل، إذ نعتت شطراً منهم بأنهم أميون بعد بيان معنى الأمية في المقام بالتخلف عن العلم بمضامين الكتاب ومعاني التنزيل، ولم يرد اللفظ (الأميون) بصيغة الرفع في القرآن إلا في هذه الآية.
وجاء بصيغة الجمع والجر (الأميين) ثلاث مرات في القرآن كلها في العرب والمسلمين , قال تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ]( )، ( وفي حديث شعياء: إني أبعث أعمى في عميان وأمي في أميين)( )، لبيان الآية العظمى في تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ينزل عليه من الوحي ولم يكن قد تعلم القراءة والكتابة.
ويتباهى أهل البلاغة والفصاحة بالقصائد المعلقات مع أن كل واحدة منها تتكون من عدة أبيات من الشعر العربي، وجاء القرآن مدرسة عقائدية جامعة تتضمن علوم الغيب وقصص الأمم السابقة وأمور عالم الآخرة، والتكاليف والعبادات إلى يوم القيامة، ومن أسراره أن كنوزه لا تنفد، وعلومه وأحكامه لا تتخلف عن الواقع والحاجة إليها.
وفي الآية دعوة للمسلمين وأهل الكتاب والناس جميعاً للتدبر في القرآن، ومعاني ومضامين آياته القدسية، وتبين للمسلمين حال شطر من بني إسرائيل وأنهم يجهلون ما في التوراة من الأحكام والبشارات والإنذارات، فجاء القرآن بدعوتهم للإسلام وأداء الفرائض والتكاليف على نحو دفعي، والتقيد بما فيه من الحدود، ودعوتهم للتخلي عن كبرائهم الذين كانوا يمنونهم بالجنة وعدم اللبث في النار، وفي التنزيل [قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ]( ).
ولم يجعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار تمني بل جعلها دار إمتحان وإختبار وإبتلاء، وقد تجلب الأماني إنتظار الرحمة من غير عمل وإمتثال للتكاليف الضرر على أصحابها في الدنيا والآخرة وليس من حصر لأفراد هذا القدر.
ففي الدنيا تجعلهم الأماني يتخلفون عن وظائفهم التكليفية، وما خلق من أجله الإنسان من عبادة الله، ولزوم التصــديق بالنبوة والمعجزات التي يأتي به الأنبياء، ولايتــدبر أرباب الأماني فيها وفي آيات التنــزيل، وينفذ إليهم الشــيطان ويصــدهم عن العمل في مرضــاة الله عــز وجل.
وأما في الآخرة فتؤدي الأماني إلى دخول النار قال تعالى [يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ]( )، لذا فان الآية تحذير وإنذار لأهل الكتاب وإن جاءت بصيغة الجملة الخبرية بنبذ اللأماني في المسائل التي تستلزم العمل، وتدعو إلى لزوم التدبر في الآيات، وهي مدرسة سماوية لتفقه المسلمين في الدين، وكيفية إصلاح الآخرين، والحرص على إجتناب الأماني لقبح آثارها.
ومن إعجاز الآية مجيؤها بصيغة التبعيض فليس كل بني إسرائيل أميين وفيه بعث للأمل والإحتجاج، ودعوة لعدم اليأس منهم وحث لغير الأميين منهم للتدبر في آيات القرآن، والرجوع إلى التوراة وما فيها من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتخاذها وسيلة ومقدمة لدخول الإسلام, وفي قوله تعالى [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ]( )، ورد عن (أبي بكر رضي الله عنه ان هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاء شديداً، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب) ( )، ولا تعني هذه القسوة أنها تشبه تلك القسوة الواردة في الآية الكريمة، وكأنه من المشترك اللفظي الذي يحمل على معان متعددة من وجوه:
الأول : تلاوة المسلمين آيات القرآن والتدبر في معانيها.
الثاني : عدم البكاء عند سماع آية من القرآن لا يعني قسوة القلوب، لأن المقصود في قوله تعالى[ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ] الجحود بالنعم، وعدم شكر الله عز وجل عليها.
الثالث : إن تلقي دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام بالإتباع، ونبوته بالتصديق من الشواهد على عدم قسوة القلوب.
الرابع : وجود وفد من المسلمين يبكي بكاء شديداً عند سماع آية شاهد أن المسلمين لم تقس قلوبهم.
الخامس : لم يرد في القرآن والسنة لوم للمسلمين على قسوة القلوب بل ورد مدحهم والثناء عليهم، قال تعالى[كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، مما يدل على إنتفاء قسوة القلوب عنهم سواء على نحو العموم المجموعي أو الإستغراقي.
السادس : قسوة القلوب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة.
السابع : وصف الناس لقسوة القلوب، غير المراتب التي يصدق وصفها بها في التنزيل.
من غايات الآية
تتضمن الآية الإحتجاج على فريق من بني إسرائيل وتكشف عن حالهم وآثار الأمية العقائدية بالبقاء في منازل العناد والجحود، فهي أي الأمية كالغشاوة على القلوب والأبصار التي تمنع من ا لتدبر في الآيات وإدراك حقيقة الإعجاز في النبوة والتنزيل، كما أن إتباع التحريف يحول دون إمتلاك القدرة على التمييز بين التنزيل وغيره.
وتدعو الآية إلى تعاهد منازل العلم، والإجتهاد في إجتناب الأمية في كل جيل من أجيالهم، وتتجلى في المقام موضوعية التلاوة والتفقه في الدين في طرد الجهالة والأمية.
والآية سلاح بيد المسلمين في الجدال وحجة في التصدي للتحريف وأسباب الشك والريب، وبعد ذكر النعم التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل، وحثهم على إستحضارها وذكرها .
لقد جاءت هذه الآية لبيان تخلفهم عن هذا الإستحضار ومنافعه وآثاره ليكون المسلمون في حصانة من أهل العناد والإفتراء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التفسير
قوله تعالى [وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ]
تتحدث الآية الكريمة عن بني إسرائيل الذين أخبرت الآية السابقة عن عظيم النعم التي رزقهم الله عز وجل وما قابلوها به من الجحود، وفيها ذم لهم وبيان لواقعهم الفكري وأن فريقاً منهم لا يعرفون أحكام التوراة، ومنهم فريق يتلونه ولا يفهمونه ولا يتبعون ما فيه من الشرائع والسنن.
وحمل الآية على ظاهرها يشير إلى جهل بعضهم بالقراءة والكتابة فلا يطلع على ما في التوراة ويكتشف التحريف وما ينسب إلى التوراة والكتب السماوية من كلام غير موجود فيها.
(وقال أبو عبيدة: الأميون هم الأمم الذين لم ينزل عليهم الكتاب)( ). ولكن الآية أعم اذ انها تصف نفراً من بني اسرائيل بالأميين وهم من أهل الكتاب.
وقوله تعالى [ وَمِنْهُمْ ] يفيد التبعيض، أي ان طائفة منهم يجهلون أحكام الله وحدوده وما ذكر من صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهم مقلدون وتابعون لكبرائهم وكهنتهم.
وفي الآية بيان لعلة النفاق والإزدواج في سلوك الكثير منهم أزاء الإسلام بإعتبار أن الكثرة لا تجتمع على الخطأ، فجاء الجواب بعدم إعتبار الكثرة التى يلازمها الجهل وعدم المعرفة.
إن جهلهم وما يتفرع عنه من التقليد الذى يفتقر إلى البصيرة يسهل على رؤسائهم وعلمائهم التصرف العقائدي فيهم بما يكفل لهم البقاء في منازل الرياسة الدينية، تلك المنازل التي قد تنقص وتتلاشى عند إستجابتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لو كانوا قد أحاطوا بالتوراة فهماً ومعرفة ولو كان فهماً يسيراً يساعد في تمييز الأحكام وتعلم الشرائع ومعرفة ما أخبر به موسى عليه السلام لذا لا نقول بالتقليد والإجتهاد في الضروريات واليقينيات لأنها من أكثر الطرق أماناً لدرك الواقع .
إن التسلح بالفهم والوعي والإدراك للحقائق يحول دون سريان التحريف ويكون حصانة ذاتية تمنع من قبوله، ويساهم في عدم جعل الشخص محلاً للإضلال، بخلاف العامي الأمي الجاهل المقلد.
لذا يمكن الإستدلال على صدق الدعوة الإسلامية بأهمية التعليم التي تتضمنها الآيات القرآنية منها قوله تعالى [ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ]( )، وإن ذهب أحد الفقهاء إلى تقييد صفة الأكرمية بتعليم الإنسان اذ قال (وقد تقرر في اصول الفقه أن ترتب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة، وهذا يدل على ان الله سبحانه وتعالى اختص بوصف الأكرمية لأنه علم الإنسان العلم، فلو كان شئ أفضل من العلم وأنفس لكان إقترانه بالأكرمية المؤداة)( ).
لكن الوصف في الآية لم يأت قيداً لنفس الحكم بحيث ينتفي سنخ الحكم لهذا الموضوع المقيد إذا كان فاقداً لهذا القيد، إنما جاء متعلقاً بالموضوع ولم يكن ظاهراً في الملازمة والعلية، وقد إشتهر أن إثبات شئ لشئ لا يكون نفياً لما عداه، وليس في الآية ما يدل على ترتب الحكم على الوصف بل أن الحكم أعم، ومنها نفخ الروح في آدم وخلق الإنسان في أبهى هيئة، قال تعالى[وخَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] ( )، وقد ورد تفضيل العلم في آيات، قوله تعالى [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( )، وفيها ترجيح للعلم واهله ودعوة الى التزود منه، ومنها قوله تعالى [يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ]( ).
وفضلاً عن الآيات القرآنية العديدة التي تتعلق بالعلم وشرف حامله وعلو مرتبته جاءت السنة النبوية الشريفة بأحاديث كثيرة تستحق ان تجمع بين دفتي كتاب مستقل يكون موسوعة ووثيقة، منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)( )، وفسر طلب العلم في الحديث بأنه فرض عين ويشمل التوحيد والإقرار بالنبوة والتكاليف الواجبة كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
كما بين صلى الله عليه وآله وسلم ما لطلب العلم من الثواب العظيم وفيه دعوة وحث على طلبه بقوله: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة)( ).
وهناك أحاديث تحث الناشئة على طلب العلم والعكوف عليه، وأحاديث اخرى تبين منافع الطلب الجماعي للعلم وإحيائه بالدرس منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اذا مررتم في رياض الجنة فإرتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذِكر، فإن لله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذِكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم)( )، هذا بالإضافة إلى السنة الفعلية والتقريرية في الترغيب بطلب العلم وما فيه من المنافع.
وتتضمن التوراة والإنجيل والزبور تعظيماً للعلم منها ما ورد في التوراة: (إن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام: عظم الحكمة فاني لا أجعل الحكمة في قلب أحد إلا وأردت ان أغفر له، فتعلم ثم إعمل بها ثم أبذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة)( ).
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إنا أمة أمية أي لا نكتب ولا نحسب)( )، ولكن هذا المعنى غير المراد من معنى الأمة الوارد في هذه الآية الكريمة الذي يتعلق بمضامين الكتاب والتنزيل، ويتضمن الذم لأنه طريق للضلالة وغلبة الأهواء ومفاهيم الأماني , ومن المجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمي.
علم المناسبة
لم يرد لفظ قوله تعالى [أُمِّيُّونَ] بصيغة الرفع إلا في هذه الآية الكريمة، وجاء بصيغة الجر (الأميين) ثلاث مرات في القرآن، وتتعلق هذه الثلاثة بالمسلمين، وقد جاء ذكر الأميين في الآية محل البحث بلغة الذم، فهل يعني هذا أن لفظ الأميين للمسلمين فيه ذم لهم، الجواب لا، من وجوه:
الأول : جاءت هذه الآية بذكر الأميين كفريق من غير المسلمين , وقيد الوصف بإتخاذ الأماني منهجاً ليكون بين الأميين وبينهم عموم وخصوص مطلق.
الثاني : يتجلى الذم في هذه الآية للأميين بنعتهم بأنهم لا يعلمون التوراة والتنزيل مطلقاً إلا بآيات ومضامين العفو والمغفرة وعدم مؤاخذتهم على ذنوبهم ومعاصيهم لبنوتهم للأنبياء، ونسبتهم للكتاب، وتوالي فضل الله عليهم، وكأنهم يستصحبون النعم والفضل الإلهي عليهم في الدنيا إلى الدار الآخرة، لذا أختتمت هذه الآية بقوله تعالى [وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ] فمن أميتهم عدم العلم بالتباين بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة دار حساب وإمتحان.
الثالث : لقد جاء مدح المسلمين بوصفهم بالأميين بلحاظ إقتران هذا الوصف ببعث الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بينهم لإفادة معنى إرتقائهم في المعارف، قال تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ]( ).
وتتضمن الآية الإنذار مما في الآماني من القبح الذاتي والعرضي، وأسباب الغفلة والجهالة، وما يترتب عليها من سوء العاقبة قال تعالى [وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ]( )، لقد أراد الله عز وجل للناس جميعاً الإرتقاء في مسالك الصلاح والتقوى.
قوله تعالى [لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ]
تبين الآية موضوعية (الكتاب) وإعتبار العلم به الميزان الذي تعرف به مراتب ومنازل الناس، فالآية في مفهومها مدح للمسلمين وحث لهم على المواظبة على الكسب العلمي والحرص على المعرفة الإلهية وفي لفظ الكتاب في الآية وجوه:
الأول : التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام .
الثاني : أحكام الحلال والحرام.
الثالث : أحكام الشريعة السماوية وما جاء به الأنبياء من عند .
الرابع : توارث النبوة وإتصال أشخاص المبعوثين وأن النبوة لم تقف عند موسى عليه السلام بل جاء بعده عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولين من عند الله تعالى.
الخامس : الإنذارات والبشارات التي جاء بها الأنبياء والكتب السماوية من عند الله عز وجل.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، لأن الكتب عنوان جامع للتنزيل وأحكام التكاليف وقيل نزلت الآية في قوم من المجوس( )، ولكنه خلاف سياق الآيات.
و[ أَمَانِيَّ ] فيها وجوه:
الأول : ما يقولونه بأفواههم كذباً، عن ابن عباس.
الثاني : أحاديث يحدثهم بها علماؤهم، عن الكلبي.
الثالث : تلاوة يتلونها ولا يدرونها، عن الكسائي والفراء.
الرابع : أماني يتمنون على الله الرحمة، ويخطر الشيطان ببالهم ان لهم عند الله خيراً ويتمنون ذهاب الإسلام بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعود الرياسة اليهم( ).
الخامس : يتخرصون بالكذب ويقولون بالباطل.
وهناك فرق بين العلم والمعرفة وهو المشهور، إذ أن العلم يتعلق بصفة الشئ وحكمه ونحوه من الكليات، والمعرفة متعلقة بالذات والجزئيات , فيقال علمت أن المؤمن صالح ، أي أدركت إتصافه بالصلاح، ومعنى عرفته أي علمت ذاته.
ومن هذا يمكن القول أن الأماني تتعلق بعلمهم بأحكام التوراة وما فيها من الآيات والمواعظ والبشارات والإنذارات، لذا فإن الآية الكريمة ذم لتلك الفرقة من بني إسرائيل لعدم إدراكهم للتوراة وما فيها، ولمعرفتهم الخاطئة أصلاً بمضامينها وحكمها.
والظاهر ان المراد بالكتاب في الآية الكريمة المعنى الأعم، فهم ينظرون إلى القرآن من خلال الرغبات والأطماع والأهواء ولا يريدون كتاباً سماوياً فيه جهاد وأحكام تكليفية ووضعية.
وتلقي الآية على المسلمين مسؤولية حمل لواء الإيمان، وعدم التفريط في التكاليف، وإجتناب اللهث وراء الدنيا وزينتها والإنقطاع إليها فلابد من التفقه في حقيقتها ومعرفة إنها مزرعة للآخرة وأن الإنسان خلق للعمل والعبادة، قال تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
قوله تعالى [وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ]
ظاهر الآية وبلحاظ القرائن الذم لهم، وعودة الضمير (هم) للأميين منهم ، وهل يمكن إطلاق عائديته إلى الذين ذكرت قبائحهم في الآيات السابقة ، على نحو التعيين , الجواب : لا، للتباين بينهم، فمن الفرق الأخرى التي تقدم ذكرها من يكون أشد من الأميين لأنهم قاموا بالتحريف ومنهم أمة مسلمة.
والظن الوارد في هذه الآية قبيح لأن المقام مقام اليقينيات وأصول الدين فلا يصح معه التقليد والظن غير المعتبر، فالآية ليست إعتذاراً عنهم بل دعوة للمسلمين لإنذارهم وإقامة الحجة عليهم وعزلهم عن مراكز التضليل وإغواء الشيطان وزيف التحريف، وعدم جعل إعتبار لأقوالهم وأفعالهم لأنها لم تبتن على علم وإدراك وتحصيل.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب } قال : ناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً ، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله ، ويقولون هو من الكتاب أماني تمنونها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إلا أماني} قال: إلا أحاديث .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {إلا أماني} قال: إلا قولاً يقولون بأفواههم كذباً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {إلا أماني} قال: إلا كذباً {وإن هم إلا يظنون} قال: الا يكذبون)( ) .
ولكن الأماني أعم، وكذا الظن والذي يتعلق في المقام بأفراد الزمان الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل لقد ظن بعضهم أن مدة الإسلام ليست طويلة بلجوئه إلى حساب الجمل( ).
ويحتمل ترشح الظن المذموم الوارد في الآية من وجوه:
الأول : من الأمية والجهل.
الثاني : من الأماني وإعتبارها في معرفة الكتاب والتنزيل.
الثالث : الظن هنا أمر قائم بذاته يتعلق بتلقيهم لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : الإنصات إلى رؤسائهم الذين يكتمون البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة.
وورد لفظ(يظنون) خمس مرات في القرآن، إثنتين منها في الثناء على المسلمين , وظنهم وإقرارهم بالمعاد والوقوف بين يدي الله للحساب، ورشحات- هذا الظن على نفوسهم وجوارحهم بصبغة الصلاح والخشية من الله، التي تكون مرآة للتقوى وبما ينتفع منها الناس، قال تعالى[قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ]( ).
وجاءت ثلاثة منها بصيغة الذم، ومنها آية البحث لأن الظن لا يقدر على معارضة اليقين، ولا يرفعه، ليكون في الآية حجة بأن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة ويقين لا يقوى الظن المترشح عن الأماني والأحاديث على معارضته.
وقد إتفق العقلاء بأن الدليل السمعي أو العقلي أرجح وأقوى من الظن، وقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات الحسية والعقلية التي هي بذاتها علم مستقل ينفي الظن المعارض له , وفي الحديث أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم , قال: إن الله يحب البصر النافذ عند مجيء الشهوات ، والعقل الكامل عند نزول الشهوات)( ).
وجاءت السنة النبوية بالنهي عن الظن غير المعتبر الذي لا يقوم على أمارة وحجة ودليل ، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا ( ).
وفي هذا الحديث دلالة بأن الظن ليس كيفية نفسانية فحسب بل هو قول ورأي يترتب عليه أثر مع أنه كالسراب لا أصل له إذا إرتكز على الأماني والرغائب.
ويتعدى الفعل ظّن إلى مفعول في الغالب , كما في قوله تعالى[يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ] ( )، وإن لم يتعد فلا بد من موضوع للظن , ومن الإعجاز في الآية أنها جاءت بصيغة الجمع يظنون , وفيه وجوه:
الأول : الآية إنحلالية والمقصود ظن كل واحد منهم.
الثاني : إرادة الظن المتحد للطائفة ، إذ يشتركون على نحو العموم المجموعي بظن واحد مخالف لحكم العقل .
الثالث : تعدد نوع الظن والوهم مع إتحاده في الجنس والماهية.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية، وتتصف بالقبح الذاتي لصدورها من منازل الأمية والرغائب , وعدم الإطلاع على الكتب السماوية السابقة ، وما فيها من البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون متعلق الظن على وجوه:
الأول : أي لا يدرون ما في الكتاب عن ابن عباس.
الثاني : عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام في قوله تعالى[وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ] إن الأمي منسوب إلى (أمه) أي: هو كما خرج من بطن أمه، لا يقرأ ولا يكتب، (لا يعلمون الكتاب) المنزل من السماء ولا المتكذب به، ولا يميزون بينهما (إلا أماني) أي: إلا أن يقرأ عليهم ويقال لهم: إن هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون إن قرأ من الكتاب خلاف ما فيه، (وإن هم إلا يظنون) أي ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وآله في نبوته وإمامة علي سيد عترته، وهم يقلدونهم مع أنه (محرم عليهم) تقليدهم( ).
الثالث : كانوا يتحكمون بالظن بغير ما في كتاب الله، عن مجاهد.
الرابع : الوهم لا الحقيقة، قاله قتادة والربيع.
الخامس : الظن بما يخالف الحق واليقين.
السادس : (وإن هم إلا يظنون) أي لا علم لهم.
السابع : إرادة تصديقهم بما يقول رؤسائهم في تكذيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليكون من إعجاز الآية أن التصديق بالتحريف إنما هو ظن مخالف للعلم والحق.
الثامن : ليس من مبنى عقلي أو نقلي في أقوالهم وأفعالهم.
التاسع : عن مجاهد في قوله (وان هم إلا يظنون) قال : إلا يكذبون( ).
العاشر : المراد التداخل في المعنى بين علمهم بالكتاب بالأماني والظن، فالأماني هي رغائب وأحاديث مفتعلة يسمعونها فيظنون صحتها وأنها حقيقة.
الحادي عشر : الظنون رشحة وفرع من الأماني في معرفة التوراة والإنجيل.
ومع قلة كلمات الآية الكريمة فانها وصفت طائفة من أهل الكتاب بصفات متلازمة وهي:
الأولى : الأمية وجاء قوله تعالى[لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ] على تعريضاَ وذماً لهم، والإخبار عن تخلفهم عن تعلم القراءة والكتابة باعتبارها من خصائص أهل الكتاب التعلم هو المائز الذي يميزهم عن أهل الجاهلية والوثنية.
الثانية : حصر معرفتهم الكتاب والتنزيل بالأماني وعدم التفقه في الدين، سواء بخصوص الحياة الدنيا أو منزلتهم في الآخرة، لذا جاء بعد آيتين ظنهم بالقول[لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ] ( )، والأمر الإلهي في الآية أعلاه (قل) موجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبواسطته للمسلمين في أجيالهم المتعاقبة، وفيه دعوة لهم للتصدي إلى تلك الأماني والظنون التي تذكرها هذه الآية بالإبطال وبيان زيفها بلحاظ أن قولهم[لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً] من تلك الأماني والظنون، وهو شاهد على التداخل بينهما.
الثالثة : إتخاذ الظن هو الأصل في حديثهم وإعتقادهم.
ومن منافع نعتهم بركوب الظن أمور:
الأول : تأكيد نزول القرآن من عند الله، لأن هذا النعت حجة ووثيقة سماوية.
الثاني : بيان حال فريق من أهل الكتاب بما يؤدي إلى التخفيف عن المسلمين.
الثالث : تحذير الناس من إتخاذ الظن سبيلاً في العقائد وضروريات الدين.
الرابع : بعث النفرة في نفوس الناس من أهل الظن، أو لا أقل إجتناب الإصغاء لهم.
الخامس : بداية إشراقة عهد جديد على الأرض، يتصف بالسعي في مسالك اليقين، والإهتداء إلى اسرار التنزيل بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا غرابة أن يكون أول من أنزل من القرآن قوله تعالى[اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ]( ).
السادس : دعوة الناس لنهل العلوم ومعرفة الأحكام من القرآن الذي جاء بالحق والصدق من عند الله، قال تعالى[وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ]( )، ومن الحق في المقام هو فضح الأماني والكذب والظن الذي يتضمن الشك والريب.


مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة