معالم الايمان في تفسير القرآن – سورة البقرة – ج 2

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة البقرة الآيات (1-9)

المقدمة

الحمد لله الذي قهر سلطانه الخلائق، ووسعت الجميع رحمته، وعجزت العقول عن درك صفته، وانطق اللسان بشكره وحمده، وملأت الافاق بالآيات الدالة على توحيده، احدث المخلوقات بمشيئته، سبحانه لا ثاني له في إلوهيته وربوبيته. وصلى الله على سيد خلقه النبي الاكرم محمد وآله الذين أذهب عنهم الرجس.
أن من آيات الله تعالى تخلف العقول عن سبر أغوار القرآن، وان اجتهد أولوا الألباب والأفهام، وهو عجز مبارك لا يمنع من السعي الجاد والمخلص لإستخراج العلوم المكنونة في آياته، وكشف الأسرار الخفية في ثنايا كلماته والفاظه، وبسط معاني ذخائره وإستظهار بركاته وإتصال إفاضاته وإستنباط الأدلة والبراهين من درره.
لذا إقدم العلماء على خوض غمار التفسير والسياحة في عالم التأويل، وأناروا للأمة دروب الحكمة، وأضاءوا للأجيال طرق التفكر في عالم الملكوت وأعانوهم على سلامة العمل في باب الفرائض والمعاملات، والتدبر والتذكر والعبرة في آياته وقصصه.
ولا زال ميدان التفسير وإبراز وجوه كل علم من علوم القرآن مفتوحاً ويتسع بتقدم وتطور الحياة وعلومها ليكون القرآن فيها دليلاً وعوناً وحجة وشاهداً وهادياً.
وبفضل وإحسان ولطف وإنعام الله سبحانه وتعالى جاءت موضوعات الجزء الثاني هذا وما فيه من التفسير لشطر من آيات سورة البقرة متجاوزة حد الايجاز ولكنها لم تصل الى الإكثار والاطناب، مع الحرص على بيان ما يتطلب المقام ذكره من النكت والدلالات لكي لا يبتعد عن متانة القول وضرورة وضوح الحجة ومخاطبة ذوي البصائر وأولي النهى، والانتفاع الاكثر من علوم تفسير القرآن وايجاد قواعد جديدة في التأويل تساعد على الغوص في أعماق لججه وإظهار كنوزه وما فيه من الذخائر وتكون نموذجاً ومثالاً في تحقيق وتنقيح ما يدون في باب علوم القرآن ومدارس تفسيره، وشاهداً على تخلف علوم التفسير عن سبر أغوار القرآن، ودليلاً على الخزائن القرآني التي لم تكتشف بعد في مضامينها ودلالتها.
[وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ] .

23 ربيع الثاني 1418 هـ

سورة البقرة
عدد آياتها مائتان وست وثمانون آية حسب العدد الكوفي المروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، ويزاد العدد واحدة حسب العدد البصري وباستثناء البسملة، وينقص واحدة حسب المدني.
والسورة مدنية أي أنها نزلت بالمدينة المنورة عدا آية واحدة منها وهي قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( )، فأنها نزلت في حجة الوداع بمنى، وتُعد مدنية بلحاظ التقسيم الذي يعتبر كل آية نزلت بعد الهجرة النبوية المباركة مدنية وهو الأقرب.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن، هي آية الكرسي وقارئها دبر حكى صلاته في ذمة الله)
وقيل بالبحث بين الموضوع السورة وآية المحور والصلة بينها ولا دليل على إصطلاح آية المحور، فكل آية من القرآن أهل لأن تكون تكون محوراً ومنطلقاً للدراسات والبحوث بذاتها وصلتها مع آيات السورة الأخرى، وآيات القرآن على نحو العموم الإستغراقي.
وكما يكون التحدي في التنزيل بالسور القصار فأنه يكون أيضاً في سورة البقرة، لما فيها من البيان والإعجاز الذاتي والغيري المتعدد وتجلى الإعجاز والتحدي في قوله تعالى[قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( ).
في نظم القرآن
بعد إن أفتتح القرآن بسورة الفاتحة وما فيها من المضامين القدسية جاءت سورة البقرة لتنبع من بين ثناياها عيون نهر جار من الأحكام الشرعية الثابتة الى يوم القيامة.
ومن تكامل النظم القرآني أن يبدأ بسورة مكية فيها تحميد ودعاء واثبات لمطلق الربوبية له تعالى وان تأتي أكبر سورة مدنية بعدها مباشرة لتدل على موضوعية الأحكام في القرآن وتعدد موضوع آياتها وأهمية العدد والكثرة فيه وإجلال وتقديس كثرة الكلمات فيها أيضاً بعد التساوي في الشرف بين كلماته من جهة إتصاف كل منها بالقرآنية.
إعجاز السورة
من إعجاز السورة موضعها من القرآن وتعدد موضوعاتها واتصاف هذه سورة من القرآن بهذا العدد من الآيات، مع انه يتضمن سوّراً قصاراً فقد تعادل آية (الدَين) من سورة البقرة( ) ستاً من قصار السور بحسب عدد الكلمات، من غير أن يؤثر على شرف كل سورة وإستقلالها وإزائها بالقراءة في الصلاة بعد الفاتحة وأهليتها للتحدي، قال تعالى[قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ).
ومن إعجاز سورة البقرة إفتتاحها بتثبيت سماوية القرآن وانه من عند الله لإثبات أصل الرسالة ولتأتي الأحكام الشرعية دعوة للإسلام وحجة على القارئ والسامع كما تضمنت الآية الإنذار والوعيد والتخويف للكافرين لتؤكد بان مراحل الإنذار لم تنته بالسور المكية، فأكبر سور القرآن وهي مدنية تضمنته وانه حاجة مستديمة وباقية في كل زمان.
ومن إعجازها أنها تتضمن آيات خلق آدم وتفاصيله مع بيان أحكام القبلة وجهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بخصوصها وغيرها من الأحكام.
ومن إعجازها تسميتها وما لها من دلالات عقائدية وفقهية وتأريخية وكلامية، وتعتبر هذة السورة مدرسة متكاملة في العقيدة ومنهجاً ونظاماً دائماً في احكام العبادات والمعاملات.
اسم السورة
سميت هذه السورة المباركة بســورة البقـــرة لورود موضوع البقرة في السورة وكيف ان مضامينه كانت آيـــة اعجازيـــة في الخلـــق والبعث والموت والحيــاة والمستلزمات القطعيـــة في الحكـــم، وجـــاءت سبع آيات منهــا بقصـــة البقــــرة فكانــــت مدرســة لبني إسرائيل وعبرة للأمم.
وقد وردت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وباسانيد عديدة يسميها فيها سورة البقرة منها ما ورد بالإسناد عن بريدة( ) قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعلموا سورة البقرة فان اخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة” ثم سكت ساعة ثم قال: “تعلموا سورة البقرة وآل عمران فانهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان او فرقان من طير صواف”( ).
وجاء قريباً منه أيضاً عن أبي أمامة الباهلي ونواس بن سلمان وكل منهما يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وورد عن الإمام جعفر الصادق  أنه قال: “من قرأ البقرة وآل عمران جاء يوم القيامة تظلانه على رأسه مثل الغمامتين او مثل الغيابتين”( ).
وقد ذكر نفر من الصحابة هذا الاسم للسورة منهم عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وابو الدرداء وحذيفة وعثمان بن العاص وعبد الله بن عباس وأبو أمامة الباهلي وغيرهم وأطلقت تلك التسمية إطلاق المسلمات إلا أنه وردت بعض الروايات تفيد النهي عنها والتسمية بـ(السورة التي فيها البقرة).
فقد اخـرج بسنــد ضعيــف عن انس قــال: “قال رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقولــوا ســورة البقــرة ولا ســـورة النساء وكذلك القرآن كله ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها آل عمران وكذلك القرآن كله”( )، كما ورد عــن ابن عمر انه قال: “لا تقولوا ســورة البقرة ولكن قولــوا السورة التي يذكر فيها البقرة”.
ويمكن النظر في هذا الأمر من وجوه:
الأول : الترجيح بالشهرة وهي وان لم تكن حجة في نفسها إلا أنها مرجحة للرواية وقد تحَصّل في علم الأصول أن العمل بالخبر عند المشهور من القدماء يوجب الوثوق بصدوره.
الثاني : إجماع المسلمين ومن أيام التنزيل على تسميتها بسورة البقرة إقتداء بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي سماها بهذا الاسم وهو الذي لا ينطق بالهوى.
الثالث : قيل أن الشهرة ونحوها تجعل الخبر مقطوع الصدور أو على الأقل تؤكد الوثوق بصدوره، وما دامت تسمية السورة بسورة البقرة مشهورة آنذاك ومتسالم عليها فيمكن طرح المعارض لها ان لم يمكن إعتباره في باب العدم بالإضافة الى القطع بتخلفه عن ادلة حجية الخبر، وبذا تساهم الشهرة في إقرار الحجة وتمييزها عن غيرها.
الرابع : وتسمية الصحابة والأئمة عليهم السلام للسورة بالبقرة ونسبتها الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هـــي المرجحـــة في المــقام، وورد عن أنس نفســـه وباســــناد اوثق واصح من السـند المتقدم انه سماها سورة البقرة وانه قال: “كان الرجــــل اذا قرأ ســـورة البقــــرة وآل عمران جد فينا يعني عظم”.
ولفظ (كان) يفيد الزمن الماضي ويشير اليه فلا يمكن أن يتلقى أنس النهي في التسمية عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يعمل بضمونه أو يخالفه.
والخبر بهذه التسمية لا يستطيع معارضة النصوص الواردة بتسميتها بسورة البقرة وشياعها والتسالم عليها بالإضافة الى ضعف سنده، ويمكن مناقشته دلالة لما تعارف على اختيار تسمية قصيرة ومناسبة ومنها لحرف واحد كما في سورة (ق).
أما حديث عبدالله بن عمر فلم يرفعه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولعله إجتهاد منه أو إحتياط خاصة وان الناس لم يعرفوا بعد دلالة اسم السورة على المسمى الا بمزيد من البيان، ويمكن حمله على التنزيه والتوقي والتأدب، وقد ورد عنه انه قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزوراً) أي انه سماها البقرة ، وقاله عبد الله بن عمر زمان متأخر لعله في السنين الأخيرة من حياته لأنه يحكي خبراً عن والده.
وروي عن عروة انه قال: “كان شعار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم مسيلمة يا أصحاب سورة البقرة”.
مما يؤكد على عظيم منزلتها في العقيدة والشريعة الإسلامية وان نزولها ساهم في ترسيخ الإيمان.
وتؤكد النصوص المستفيضة بتسمية السورة بسورة البقرة أنها تسمية سماوية ذات مدلولات مباركة جديرة بالبحث والدراسة لإستنباط وجوه الحكمة فيها.
إن ضعف رواية النهي عن التسمية ومرجوحيتها يجعل التسمية المشهورة للسورة وهي سورة البقرة جائزة من غير كراهة، ولعل رواية النهي في حال ثبوت سندها خاصة بواقع ومناسبة محددة ومقيدة في ظرف يخص نفراً من المسلمين في بداية إسلامهم، أو أن تلك التسمية كانت للتعريف بالسورة بزيادة بيان وتقريب من الأذهان ولتكون مدخلاً في التفسير، كما ورد عن ابي سعيد الخدري أنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فان تعلمها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة”.
ومثل هذه التسمية وما تتضمنه من التفصيل من عمومات قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم”( ).
وروي عن سهــل بن سعد انه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ان لكل شــــيء سنام، وســـنام القرآن ســــورة البقرة من قرأها في بيته نهــاراً لم يدخل بيته شيطـــان ثلاثة ايام، ومن قـــرأها في بيته ليلاً لم يدخله شيطان ثلاث ليال”( ).
ويمكن اعتبار هذه الصفات للسورة عناوين تعظيم واجلال ودلالة على المعنى الذي تتلبس به الذات، بينما يدل الاسم على الذات مأخـــوذة بعنـــوان الوصـف، وليس من مانع لوجود أسماء أخرى للسورة خاصة مع تعدد أسماء السوّر الأخرى كما تقدم في سورة الفاتحة مثلاً وبلحاظ شرف سورة البقرة وكثرة آياتها ومضامينها والأحكام التي فيها.
إن تسمية أكبر سورة في القرآن بموضوع من موضوعاتها يتعلق بتأريخ احدى أظهر الملل السابقة في قضية في واقعة بإعجاز ظاهر يعطي إعتباراً لموضوع (أسماء السور).
ويفتح باب البحث والإستنباط فيه وتأسيس علم جديد باسم (علم أسماء السور) يدرس كل إسم على نحو مستقل وصلته بالسورة ومدى ضعف القول بان إسم السورة مما إنعدم فيها مثلاً كما ذكر في سورة الفاتحة وأنها سُميت (السبع) لخلوها من سبعة حروف إلا مع الدليل على الخلاف، مع إجراء دراسة مقارنة بين الأسماء وقسمة متعددة لها بحسب اللحاظ والحيثية.
فضل السورة
لكل سورة في القرآن منزلة ووظائــف تتعلق بمياديـــن العبادة والصلاح والوحي ونحوها، ولكن سورة البقرة تمتاز بافاضات عديدة يجســـدها طول السورة وعـــدد آياتها الذي يفــــوق عدد أي سـورة قرآنية أخرى، إذ أن إتصافها بكثرة عدد الآيات والكلمات بالمقارنة مع السور القرآنية الأخرى يضــفي عليها خصوصية عقائدية بالإضافة لما فيه من دلالات وأسرار الهية تملي على علماء التفسير التوقف عندهــا وإســتنباط وجــــوه الحكمة منها ومـــا تتضمنه من دروس وعبر وآيــات قرآنية ومسـائل إعجاز، وما يتفرع عليها من العلوم.
وحتى الآيات التي تخص بني إسرائيل وهي كثيرة في هذه السورة تتناول موضوعاً أساسياً في بناء الإسلام وتشييد أركانه من خلال التعامل مع أهل الكتاب الموجودين في المدينة ودعوتهم إلى الإسلام والرخصة في تعميم كيفية التعامل معهم.
وتؤكد السورة ما في قصصهم من عبرة للمسلمين وموعظة لأهل الإيمان ووقاية وإحتراز يمكن تلمس بعض جوانبها من خلال دراسة الوضع القائم في المدينة آنذاك.
لقد أسهمت سورة البقرة في تثبيت دعائم اٍلإسلام ووضع أسس التشريع بالإضافة لما تضمنته من تشريع الصوم وأحكامه في آياتها 183_ 187، وبيان سنن وأحكام الصلاة كما انها تشتمل على معرفة واجب الوجود وابواب من الأحكام والمعارف لم تذكر في غيرها.
روي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “أي القرآن افضل؟ فقالوا: الله ورسوله اعلم. قال: سورة البقرة. ثم قال: وايها افضل؟
قالوا: الله ورسوله اعلم. قال: آية الكرسي( ).
الأمر الذي يدل على عظيم منزلة هذه السورة ووجوب التدبر في آياتها ومضامينها وما فيها من المعارف الإلهية والثواب الجسيم وان أفضليتها عامة وخاصة.
ووردت في بعض الكتب المعتبرة احاديث ضعيفة في فضل السورة مع إحتمال مطابقتها للواقع وجواز روايتها تسامحاً في أدلة السنن في مثل هذا الباب وما فيه من الترغيب في قراءة القرآن والزجر عن تركها.
ولا تصل النوبة للحديث الموضوع أو يُدعى وضعه كالحديث الطويل المروي عن ابي بن كعب فقد ذكر ان مؤمل بن اسماعيل تتبع رواته في المدائن وواسط والبصرة وعبادان حتى وصل الى قائله فقال: يا شيخ من حدثك فقال له: لم يحدثني احد ولكننا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم الى القرآن، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات( ) ، ولكن هذا التتبع ونتيجته تحتاج الى توثيق رجالي .
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحث المسلمين على قراءة القرآن لما فيها من الفضل العظيم بالإضافة لما في القراءة من تعاهد للقرآن وحفظه في الصدور، وامتازت سورة البقرة بالتخصيص عليها في وصايا القراءة، اخرج عن ابن مسعود انه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما خيب الله امرءاً قام في جوف الليل فافتتح سورة البقرة وسورة آل عمران”( ).
وورد في الخبر ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث بعثاً وهم ذو عدد فاستقرأهم، كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل منهم من أحدثهم سناً، فقال ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة.
قال: أمعك سورة البقرة؟ فقال: نعم.
قال: فاذهب فأنت اميرهم، فقال رجــل من اشرافهم: والله يا رسول الله ما منعني ان اتعلم ســـورة البقرة الا خشــية ألا أقوم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تعلموا القرآن فأقرأوه وأقرئوه( ).
وروي قريب منه عن عثمان بن العاص قال: استعملني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانا اصــغر السـتة الذين وفدوا عليه من ثقيف وذلك اني كنت قـرأت سورة البقرة( )، مما يدل على عظيم منزلة سورة البقرة والخصائص الكريمة التي تترشح على من حفظها.
وفيه دلالة على الإرتقاء في منازل الدين والدنيا بحفظ سورة البقرة وقراءتها وانها مؤهل مستقل، كما ان منافع قراءتها لا تنحصر بالحياة بل تمتد الى عالم ما بعد الموت وانها تنفع صاحبها في البرزخ وتخفف عنه أهوال القبر ووحشته.
فقد روي عن أبي الدرداء أنه قال: “إن رجلاً ممن قرأ القرآن أغار على جار له فقتله وانه اقيد منه فقتل، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة حتى بقيت سورة البقرة وآل عمران جمعة أي اسبوعاً، ثم ان آل عمران أنسلت منه فاقامت البقرة جمعة، فقيل لها [مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ]( ) قال: فخرجت كأنها السحابة العظيمة”( ).
ولقد أدرك المســلمون المنزلة العظيمة لســورة البقرة فاحاطـــوها بهالة من التقديس واقبلوا على حفظها واستيعاب ما تتضمنه من احكام في الشريعة واخذوا يتلمسون وجوه الإعجـــاز في آياتها.
روي ان لبيد بن ربيعة( ) من شعراء الجاهلية وإدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام، وسأله عمر في خلافته عن شعره واستنشده فقرأ سورة البقرة فقال: “انما سألتك عن شعرك، فقال: ما
كنت لأقول بيتاً من الشعر بعد ان علمني الله عز وجل سورة البقرة وآل عمران”( ).
وأخـــرج عن إبن مســـعود “ان امرأة أتت رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رســـول الله رأيي في رأيك، فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم للذي خطبها: هل تقـرأ من القـــرآن شيئاً؟ قال: نعم ســـورة البقرة وســـورة من المفصل، فقال: قد انكــحتها على ان تقرأها وتعلمها”( ).
ومن هذا كان جواز جعل المهر منفعة الحر كتعليم صنعة وغيرها من الأعمال المحللة باعتبار ان الرواية مثال لتعليم المباحات الوضعية بالإضافة الى الراجح الشرعي.
وورد قريباً منه بالإسناد عن محمد بن مسلم عن الإمام محمد الباقر عليه السلام: “قال جاءت امرأة الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: زوجني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لهذه، فقام رجل فقال: انا يا رسول الله زوجنيها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء، قال: لا، فاعادت، فاعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المرة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، قال قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه”( ).
وصحيح ان المهر ما يتراضــى عليه الزوجـــان سواء كان مقداره كثيراً او قليلاً، أي ليس له حد من طــرف الكثرة او القلة إلا أن قلته يجـب أن لا تخـــرجه عن المالية، لذا فإن تعليم القرآن له قيمـــة مالية تؤهله لأن يكون مهراَ بالإضافة إلى القيمة المعنوية والمــلاك الإعتباري فهو بديل للمال مع الحاجة في المناســـبة للمال والمهر عـيناً واعتباراً، وهذا لا يمنع من أن يكون المهر كثيراً وافراً كما سيأتي إن شاء الله في الآية الكريمة من سورة النساء [وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا …] ( ).
لما فتحت مكة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعشرة آلاف مسلم كانوا معه، لم يبق في مكة كثيراً مع أنها بلد البيت الحرام، ومحل صباه وبدايات نزول الوحي عليه، فأقام فيها خمسة عشر يوماً أسس فيها لقواعد الحكم الإسلامي وإدارة شؤون البيت الحرام والقرى التي حول مكة، وإقامة الصلاة، وقهر الشرك فيها إلى يوم القيامة، وخرج والمسلمون إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في آخر شهر رمضان أو في شوال من سنة ثمان من الهجرة وخرج معه من مسلمة الفتح ألفان فكان مجموع المسلمين الذين معه أثني عشر ألفاً، لذا قال بعضهم يومئذ (لن نُغلب اليوم من قلّة) ( )، لبيان السلامة من الضعف والوهن الذي تسببه قلة عدد المسلمين في القتال، ولكنهم فروا في ساعة لولا المدد الإلهي بنزول الملائكة بصفة الجنود قال تعالى[وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا]( )، إذ باغتت هوازن وثقيف المسلمين وخرجت لهم من كل ناحية من الوادي فأنهزمت مقدمة المسلمين وهم بنو سليم فانهزم الذين خلفهم من المسلمين ومرّوا برسول الله من غير أن يقفوا ولم يبق معه صلى الله عليه وآله وسلم إلا نفر من بني هاشم، فلما رأى هزيمة أصحابه قال للعباس و كان جهوريا صيتا إصعد هذا الظرب( ) فناد يا معشر المهاجرين و الأنصار يا أصحاب سورة البقرة يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرون هذا رسول الله فلما سمع المسلمون صوت العباس تراجعوا و قالوا لبيك لبيك و تبادر الأنصار خاصة و قاتلوا المشركين حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الآن حمي الوطيس: أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب) ( )، وإنهزمت هوازن شر هزيمة مقرونة بترك نسائهم وذرارهم وأموالهم خلفهم، وكان مع هوازن دريد بن الصمة في القوم وقد كبر وذهب بصره، فلما سمع رغاء البعير ونهيق الحمير وخوار البقر وثغاء الشاء وبكاء الصبيان سأل عن الأمر، فقيل له أن مالك بن عوف وهو رئيسهم أمرهم بحمل الذراري والأموال والدواب معهم ليقاتلوا دونهم فقال: راعي ضأن ورب الكعبة، ثم طلب مالاً وطلب منه رد النساء والصبيان، فلم يرض .
وتظهر هذ الواقعة وما قاله دريد بن الصمة كأن مالكاً أخطأ تقدير الحال، ولكن الأمر أكبر وأعظم إذ أن نصر المسلمين جاء بنزول الملائكة وبآية من عند الله، كما سيأتي بيانه( )، بدليل أن القائمين من المشركين أخرجوا أهليهم وأموالهم معهم، ولم يحتجوا على مالك فيما طلب منهم، وليس له القوة بحيث بغيرهم على إخراج أهليهم كما أن بداية المعركة تدل على صلته في القتال ودقة التخطيط وسرعة المباغتة، وقد أدركت الجيوش وقيادات الأركان في هذا الزمان موضوعية المباغتة في الحرب وما يسمى(خطة الحمامة) لتأتي هزيمة هوازن بمعجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بعد تعيينهم ووصفهم بالمهاجرين والأنصار بأنهم أصحاب سورة البقرة، وفيه أمور:
الأول: توكيد فضل سورة البقرة، وما فيها من الإعجاز الذاتي والغيري.
الثاني: التذكير بما تتضمنه سورة البقرة من آيات الجهاد والقتال في سبيل الله , قال تعالى[وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
الثالث: الإشارة إلى تأسيس صرح الإسلام وجهاد الصحابة الأوائل في تثبيت أحكام الشريعة، ودولة الإسلام، وما يجب عليهم من لزوم تعاهدها.
الرابع: سورة البقرة دعوة للصبر والتحمل في ذات الله، قال تعالى[الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ] ( ).
وقد يقول قائل المراد من نداء النبي(يا أصحاب سورة البقرة) كل المسلمين بما فيهم الذين أسلموا يوم فتح مكة، خصوصاً وأن العباس ينادي عليهم وهو كان أسيراً يوم بدر، والجواب نعم , يلحق كل هؤلاء بأهل النداء إلا أن المقصـود بالذات المهاجرون والأمصار الأوائل بدليل أن النــداء الذي بعده جاء بالتـذكير ببيعة الشجرة .
ومن الآيات أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسـلم لم يناد يا أهل بدر ويا أهل أحد، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ولأن الميدان ميدان قتال ودفاع عن بعثة الإسلام، بل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسورة البقرة لموضوعيتها في القتال والدفاع عن الإسلام.
الخامس: نعت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بأنهم أصحاب سورة البقرة للدلالة على حسن الصحبة بينهم وبينها، وأنهم تعاهدوها بالحفظ، وعملوا بأحكامها وسننها وأقاموا الفرائض التي جاءت فيها وهي الصلاة والزكاة والصيام، وإستقبال القبلة وتعاهد الحج , قال تعالى[وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ] ( ).
ومن الآيات أن لفظ(العمرة) لم يرد في القرآن إلا مرتين وفي سورة البقرة خاصة( ).
السادس: جاء نداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبعث المسلمين على القتال والعودة إلى ميادين القتال، فلا بد أن نسبتهم إلى سورة البقرة سبب لطرد الخوف من العدو وقتاله عن نفوسهم، وباعث لنزول السكينة عليهم، وإستحضارهم لحقيقة وهي أن العمل بمضامين آيات سورة البقرة من حين نزولها إلى يوم حنين أعظم وأشد من القتال يومئذ.
السابع: في نداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين(يا أصحاب سورة البقرة) بشارة النصر والظفر على الأعداء يوم حنين كما إنتصروا في معارك الإسلام التي خاضوها، وكانت سورة البقرة وآياتها سلاحاً، وواقية من الهزيمة.


قوله تعالى[الم] الآية 1

الإعراب
قال النحويون بأن هذه الحروف مبنية على الوقف كحال حروف الهجاء التي لا تعرب وحكي عن عاصم في الشواذ (الم الله ) بقطع الهمزة، وقرأ الباقون بفتح الميم، وقيل فتحت لإلتقاء ساكنين.
أختلف في إعرابها بسبب عدم الإتفاق على نسبتها الى أي من اقسام الكلام، فبعض وقف عليها لنقصانها على السكون، وقال الفراء: انما لم تعرب لأنه لم ترد ان تخبر عنها بشيء.
وقيل أنها ليست أسماء متمكنة ولا أفعالاً مضارعة وإنما هي حروف بمنزلة حروف التهجي وهي محكية، ولو أعربت ذهب معنى الحكاية، وبه قال الخليل وسيبويه.
وهناك من إحتج على قول الخليل، وأن التلفظ بالحروف وفق صيغ الهجاء وقال: الف، لام، ميم، فيه زيادة على الحروف في هيئتها الأصلية ولعل هذا الرد لا يكون وافياً.
أما من قال أن هذه الحروف أسماء للسورة فهي عنده مرفوعة وانها خبر مبتدأ مضمر أي هذه الم، وقد تكون مبتدأ مرفوعاً وخبره ذلك الكتاب.
وقال إبن كيسان النحوي: الم في موضع نصب كما تقول: إقرأ الم، وقيل في موضع جر بالقسم لقول ابن عباس: أنها أقسام أقسم الله بها، وموضوع القسم في المقام يحتاج إلى قرينة أو إمارة تدل عليه.
وقال الكوفيون أن الفواتح آية اينما وقعت.
و(آلم)في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هذه آلم.
في سياق الآيات
يدل إبتداء هذه السورة مع عظيم منزلتها بهذه الحروف المقطعة على وجود اسرار عظيمة في هذه الحروف، وليس من مانع من إستقراء بعضها من موضعها ومن سياق الآيات،وفيها ترغيب لمعرفة ما بعدها من الآيات، ومضامينها القدسية.
وهذه الآية مدخل كريم لأكبر سورة في القرآن، فبعد سورة الفاتحة وما فيها من الحمد والثناء على الله تعالى، والإقرار بروبيته والدعاء والتضرع له سبحانه، جاءت سورة البقرة لتدل في إفتتاحها على تفقه المسلمين في المعارف الإلهية، وتلقيهم الحروف المقطعة بالتصديق بنزولها من عند الله، والتدبر في معانيها.
وبعد هذه الآية ابتدأت الآية التالية باسم الإشارة وإرادة القرآن والقطع بأنه منزل من عند الله ليشمل هذا القطع والتوكيد هذه الآية بالذات، مع مدح المسلمين لتلقيهم القرآن بالتصديق والإقرار بأنه نازل من عند الله ومنه هذه الأحرف المباركة.
إعجاز الآية
مع كثرة الدراسات والبحوث في هذه الحروف فأنها ظلت عاجزة وقاصرة عن درك كنهها وبيان ما فيها من المضامين وما تشير اليه من المعارف الإلهية، وتبين في بساطة تركيبها عظمة القرآن وما فيه من الكنوز العلمية والذخائر الملكوتية سواء في مادتها وهيئة حروفها أو في أسماء تلك الحروف، وتجعل الآية العقول في دهشة وشعور بإدراك النقص والتقصير إزاء عظمة آيات القرآن.
لقد أراد الله تعالى لسورة البقرة أن تبدأ بالحروف المقطعة، ليكون موضع هذه الحروف مدرسة عقائدية وعلمية، تحث أهل العلم على الكسب والتحصيل، وان كانت سراً من أسرار الله، وغير معلومة الدلالة الخاصة، إلا أنها قرآن وتنزيل.
ويمكن تسمية الآية بآيةـ( ألم)
الآية سلاح
تدعو الآية المسلمين إلى إكرام القرآن والسعي في إستظهار خزائنه وإستخراج ما فيه من العلوم، وهي سبيل إلى التدبر فيه وإجتناب تفسير آياته والقول فيه بغير علم.
والآية تحد لأهل الكتاب وبلغاء العرب، ودعوة للتدبر والتأمل في معانيها، ومن الإعجاز في المقام عدم إنحصار مضامين التحدي بالآية زماناً ومكاناً وعالماًً، فهو اعم من زمن التنزيل أو حدود الجزيرة العربية أو أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
فهذه الآية وما تتضمنه من العلوم سر من أسرار القرآن، ودعوة الى الناس للتسليم بنزول القرآن من عند الله ، والسعي المجموعي العام لإستنباط العلوم وإستقراء المسائل والأحكام من دلالات آياته، والإقرار برفعة وعظيم شأن المسلمين بين الناس في باب المعارف وإكتساب العلوم.
موضوع النزول
حروف ورسم الآية رموز وإشارة إلى بقاء هذه الأمة وفق حساب الجمل عن إبن عباس عن جابر بن عبد الله قال: “مر أبو ياســر بن أخطـب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو سورة البقرة [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ] فأتاه أخوه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون؟ والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ] فقالوا أنت سمعته: قال: نعم.
فمشى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ]، قال: نعم، قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه؟ وما أجل أمته غيرك.
فقال حيي بن أخطب واقبل على من كان معه: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه أحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي انما مدة ملكه واجل امته احدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم قال: ماذا.
قال: المص، قال: هذا اثقل، واقوى الألف واحدة واللام ثلاثون والميم اربعون والصاد تسعون فهذه مائة واحدى وستون سنة هل مع هذا يا محمد غيره؟
قال: نعم، قال: ماذا؟
قال: الر قال: هذا اثقل واطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه احدى وثلاثون ومائتا سنة فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: المر، قال: فهذه اثقل واطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم اربعون والراء مائتان فهذه احدى وسبعون سنة ومائتان، ثم قال: لقد لبس علينا امرك يا محمد حتى ما ندري اقليلاً اعطيت ام كثيراً؟ ثم قاموا فقال ابو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار ما يدريك لعله قد جمع لمحمد احدى وسبعون، واحدى وستون ومائة، واحدى وثلاثون ومائتان فذلك سبعمائة واربع وثلاثون فقالوا: لقد تشابه علينا امره ونزلت هذه الآيات [ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ … ]( ).
وروى مثله القمي في تفسيره عن الباقر عليه السلام، وليس في الرواية ما يدل على أمضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدعواهم او تقريره لها.
ولكن إستماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره الشريف يعتبر دلالة خاصة في المقام وأن لم ترق إلى السنة التقريرية، وفيها توكيد لما للحروف المقطعة من المضامين القدسية.
وقيل أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس، وهذه الآيات أعم في دلالتها من حساب الجمل، ومدة النبوة، خصوصاً وان الحساب لا ينحصر بالحروف المقطعة وحدها من القرآن، وجاءت شواهد الآيات لتدل على بقاء الإسلام الى يوم القيامة.
مفهوم الآية
من فلسفة الحروف المقطعة في القرآن انها تتحدى أهل البلاغة والفصاحة وتبعث نسمات الجلالة والهيبة من آيات القرآن، وتدعو للإنصات لها ولما بعدها من الآيات والتدبر في موضوعاتها وبلاغتها وإعجازها.
ومن أسرار القرآن ان مفاهيم (الم) أعظم وأكثر من ان يُحاط بها، لذا ترى قلوب المؤمنين تنجذب إليها لأنها من عند الله تعالى، وللتسليم بأنها من كنوز القرآن والمعارف السماوية النازلة للأرض.
أن الإنسان بغرائزه وتركيبه يبحث عن المجهول والغيب والغريب، فجاءت هذه الآية لتؤكد له عجزه عن درك أسرار وعلوم القرآن من غير أن تحول دون سعيه واجتهاده وتحصيله في إستظهار علوم القرآن، ومع الإقرار بان العلماء لم يتوصلوا إلى معرفة كنه (الم) وما فيها من الدلالات والرموز والإشارات فلم يتوجه لهم اللوم أو الذم على ذلك، لعدم وجود تقصير في المقام، ولكن أكثر أسرار هذه الحروف ممتنعة بالذات عن أوهام البشر، وما ظهر من تفسيرها يكفي لان يعتبر ثروة عقائدية وعلمية وشاهداً على عظمة القرآن وتحقيق المنافع وأسباب نزول هذه الحروف.
وتدعو الآية للبحث العلمي والغوص في أعماق الآيات بالتحليل والإستنتاج والإستنباط المبني على الدليل الشرعي والعقلي.
إفاضات الآية
مما لا يـختلف فيه إثنان أن الحروف المقطعة سر من أسرار القرآن، وهي كنز سماوي لم تستخرج أكثر علومه ، ويضفي على القرآن حسناً زائداً يتجلى بالإقرار بعظمته والتسليم بما فيه من الأحكام، وفيها دعوة لإستنباط معان إضافية لهذه الحروف من خلال آيات القرآن الأخرى، كما أنها باب للثواب عند التلاوة، ففي قراءة كل حرف منها عشر حسنات.
الآية لطف
جاءت الآية بلغة الحروف الهجائية وأفتتحت بها أكبر سورة من القرآن لتكون آية إعجازية، ودعوة للتدبر في أسرار القرآن ومضامينه القدسية.
ومن اللطف الإلهي أن تأتي بداية سورة البقرة بهذه الحروف وما فيها من سهولة النطق، وتعلق معناها بذات الحروف التي تكونت منها وفيه إشارة الى يسر الأحكام، وقربها من الناس، وعذوبة التلاوة، وخلوها من المشقة، ومن ثم سهولة أداء التكاليف .
ومن الإعجاز في الآية تعدد أقوال العلماء في الحروف المقطعة دون أن يبلغوا حقيقة كنهها، لذا ورد عن عدد من الصحابة أنها غير معلومة، وقال أكثر المتكلمين أنها معلومة ومفهومه للخلق ، وإحتجوا بآيات عديدة منها قوله تعالى[أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] ( ).
لقد أمر الله الناس التدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه، ولكن النزاع صغروي لان الحروف المقطعة جزء قليل جداً من مجموع كلمات وآيات القرآن التي هي ظاهرة المعنى والدلالة، وفيها بيان لكل شئ وأنها معلومة على نحو جهتي، لتكون هذه الحروف مدرسة أخرى تخاطب العقول وتخبر الناس عن عجزهم عن بلوغ معانيها وتدعو الناس للسياحة في عالم الملكوت ، لذا ورد عن إبن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها) وفيه دلالة على أن الحروف المقطعة كنز ينال المسلمون الثواب فيها بأمور:
الأول: التسليم بنزولها من عند الله عزوجل.
الثاني: تعاهد هذه الحروف وحفظها والعناية بها، فلم يترك المسلمون رسمها وموضوعيتها في القرآن أو تلاوتها لأنها غير مفهومة، فجاءت عنايتهم بها لأنها تنزيل.
الثالث: تلاوة المسلمين لهذه الحروف بقصد القرآنية.
الرابع: الإقرار بالإعجاز فيها.
الخامس: شكر المسلمين لله تعالى على نعمة الحروف المقطعة، وانفراد المسلمين بنزولها على نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وفيه دلالة على أهلية المسلمين لحفظ الكتاب المنزل من غير تحريف ولاتغيير لذا وردت الآية التالية بقوله تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ]( ) لتنبسط معنى الآية على الحروف المقطعة بإعتبارها من الكتاب مع إنتفاء الشك في نزولها من عند الله.
وهذا المعنى سور الموجبة الكلية الذي يلتقي عنده المسلمون العلماء والمتكلمين منهم والفقهاء والحكماء ، وهو عون لهم في تأويل هذه الحروف.
لقد أسهب جماعة من العلماء بذكر الآيات والأخبار بخصوص القول بان الحروف المقطعة في أوائل السور علم مستور إستأثر به لله تعالى، وأن من فضله تعالى بيان أسرارها , وإلى جانب النصوص فيه وجوه:
الأول: نفي ورود شئ في القرآن لا سبيل إلى معرفته وعلمه، لأنه يكون من مخاطبة الإنسان بلغة لا يفقهها.
الثاني: الغاية من الكلام والخطاب تحصيل الفهم عند المخاطب، وإذا كان الكلام غير مفهوم فانه عبث ، والحكيم منزه من العبث.
الثالث: جاء التحدي بالقرآن ولا يصح التحدي إلا بما هو معلوم ولكن الخلاف في أصل المبني، فكون هذه الحروف من خزائن القرآن لايعني انها غير معلومة ز
الرابع : للحروف المقطعة دلالات تترتب عليها آثار عقائدية لقراءتها في التلاوة والإقرار بجزئيتها من القرآن الى جانب المنافع الواقعية منها في إسكات الكفار، ودعوة الناس للتدبر فيها، فكون جزء من حروف القرآن جاء مقطعاً هو موضوع مستقل للتدبر، وشاهد على حاجة الإنسان الى الله تعالى .
الخامس : فيها دلالة على عجز الإنسان عن تأويل كل ما في القرآن من الحروف والذخائر والأسرار، مع حثه على السعي في تحصيل شطر من علومه ولآلئه , وجاءت باللغة العربية كتابة ونطقاً، فالفهم حاصل معها إلا أنها باب للتأويل والتحصيل.
لقد أراد الله عز وجل بهذه الحروف من الإنسان التسليم بالتنزيل، وعجز الناس وأن إجتمعوا عن تأويل حروف مقطعة في القرآن كما في تحديهم في الخلق قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ] ( )، فحتى على القول بان هذه الحروف غير مفهومة فان منافعها تفوق الإحصاء، وهي نعمة قرآنية، ودرس عقائدي يتضمن تأديب المسلمين وهدايتهم إلى سبل الفلاح والرشاد.
من غايات الآية
تجذب الآية الأبصار، وتلفت الإنتباه وفيها إشارة إلى كنوز القرآن، ودرر خزائنه، ومن إعجاز القرآن انحصار الحروف الهجائية في هذه الآية من بين آيات السورة، ثم تتوالى مائتان وخمس وثمانون آية خالية من مثل هيئة هذه الحروف المقطعة، وكل كلمة لها دلالتها والمعنى الذي تدل عليه، لتبقى هذه الحروف مدرسة لها أصولها، وخاصة ببداية السورة دون غيرها من الآيات وان كان اسماً وكأنها فاتحة ومقدمة للسورة الى جانب البسملة.
وفي الآية دعوة للناس جميعاً للتدبر في ألفاظ القرآن وما لها من المعاني وإسكات للكفار، وتعجيز لفصحاء العرب، خصوصاً وأن معنى هذه الألفاظ لا ينحصر بذاتها بل بقبول المسلمين لها باعتبارها تنزيلاً من عند الله وسراً من أسرار الكتاب.
التفسير
أختلف في معنى الحروف المقطعة إختلافاً كثيراً مع القول بأن المراد منها معلوم، ومما قيل فيها من وجوه المعاني والتأويل:
الأول : أنها أسماء الله تعالى، وإستدلوا عليه بما نسب إلى الإمام علي عليه السلام بأنه كان يقول: “يا كهيعص يا حم عسق”( ).
الثاني : أنها أبعاض أسماء الله تعالى، قال سعيد بن جبير قوله (الر، حم، ن) ( )، مجموعها هو إسم الرحمن ولكن لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي.
الثالث : وقال إبن عباس ألم: الألف إشارة إلى أنه تعالى أحد، أول آخر أزلي أبدي، واللام اشارة الى انه لطيف، والميم إشارة إلى أنه ملك مجيد منان( ).
وقال في [كهيعص] أنه ثناء من الله تعالى على نفسه، والكاف يدل على كونه كافياً، والهاء يدل على كونه هادياً، والعين يدل على العالم، والصاد يدل على الصادق.
وذكر ابن جرير عن ابن عباس انه حمل الكاف على الكبير والكريم، والياء على انه يجير، والعين على العزيز والعدل.
والفرق بين الوجهين انه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف بأسم معين، بخلاف الثاني.
ولكن إبن عباس لم يرفع هذا التأويل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان تأويله لا يخلو من الموضوعية والدلالة في المقام لما له من صحبة وقرابة وإتصال عهده والذين يحيطون به من الناس بايام النبوة بل أن بعض الصحابة كانوا معاصرين له أيضاً وربما يصلهم تأويله، وذلك كله لا يمنع من البحث والتحقيق.
الرابع : يدل بعض الحروف المقطعة على أسماء الذات وبعضها يدل على أســماء الصفـات، قال ابن عباس: “في [الم] إنا الله أعلم، وفي [المص] أنا الله أفصل، وفي [الر] أنا الله ارى” وهذه رواية ابي صالح وسعيد بن جبير عنه، وكل صفة يصح إثبات نقيضها أيضاً لله عز وجل فهي من صفات الفعل وإلا فهي من صفات الذات.
الخامس : ذكر أن كل واحد منها دال على أسم من أسماء الله تعالى وصفه من صفاته.
السادس : ورد في (كهيعص) الكاف من الكافي، والهاء من الهادي، والياء من الحكيم، والعين من العليم، والصاد من الصادق، وهو مروي عن أبن عباس، والحروف المأخوذة من الأسماء مختلفة في أخذها منها ما هو مأخوذ من أول الاسم كالكاف في الكافي، ومنها ما هو مأخوذ من وسطه كالياء من الحكيم، ومنها ما هو مأخوذ من آخر كالميم من أعلم.
والله عز وجل هو الكافي الحكيم، وهو الذي أحاط علمه بكل شيء إلا أن هذا التفكيك للحروف المقطعة وإعادة بنائها بمسالك غير واضحة المعالم يحتاج إلى بيان ودليل خاصة وأنه لم يرفع ونسبته إلى إبن عباس بحاجة إلى تحقيق رجالي وبيان ما فيها من الإرسال وهو امارة على ضعف الخبر، ثم ان هذه الأسماء لله عز وجل قد وردت صريحة وواضحة في آيات اخرى من القرآن.
السابع : روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “في الألف ست صفات من صفات الله تعالى الإبتداء والله تعالى هو الأول، والإستواء والله تعالى هو العدل الذي لا يجور، والإنفراد والله تعالى هو الفرد، وعدم الإتصال بحرف وهو سبحانه بائن عن خلقه، وحاجة الحروف والمخلوقات إليه مع عدم حاجته، وأنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني( ).
وفي المعاني بإسناده عن جويرية عن سفيان الثوري قال: “قلت لجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: يا إبن رسول ما معنى قول الله عز وجل [الم] و[المص] و[الر] و[المر] و[ كهيعـــص] و[طـــه] و[طس] و[طسم] و[يـس] و[ص] و[حم] و[حــمــــعـــســـق] و[ق] و[ن].
قال عليه السلام: أما الم في أول البقــرة فمعنـاه أنا الله الملك، وأما [الم] في اول آل عمران فمعناه انا الله المجيد، و[المص] فمعناه أنا الله المقتــدر الصــادق، و[الر] فمعنـــاه أنا الله الـــرؤوف، و[ المر ] فمعناه انا الله المحيي المميت الرازق، و[كهيعص] معناه انا الكافي الهادي الولي العالم الصادق الوعد.
فأما [طه] فأسم من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعناه يا طالب الحق الهادي اليه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى بل لتسعد به.
وأما [طس] فمعناه أنا الطالب السميع، وأما [طسم] فمعناه أنا الطالب السميع المبدي المعيد.
وأما [يس] فإسم من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعناه يا أيها السامع للوحي والقرآن الحكيم أنك لمن المرسلين على صراط مستقيم.
وأما [ص] فعين تنبع من تحت العرش وهي التي توضأ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عرج به ويدخلها جبرئيل كل يوم دخلة فيغتمس فيها ثم يخرج منها فينفض أجنحته فليس من قطرة من أجنحته إلا خلق الله تبارك وتعالى منها ملكاً يسبح الله ويقدسه ويكبره ويحمده إلى يوم القيامة.
وأما [حم] فمعناه الحميد المجيد، وأما [حمعسق] فمعناه الحليم المثيب العالم السميع القادر القوي، وأما [ق] فهو الجبل المحيط بالأرض وخضرة السماء منه وبه يمسك الله الأرض أن تميد بأهلها، وأما [ن] فهو نهر في الجنة قال الله عز وجل أجمد فجمد فصار مداداً، ثم قال الله عز وجل للقلم: أكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمداد مداد من نور، والقلم قلم من نور، واللوح لوح من نور( ).
قال سفيان فقلت له: يا إبن رسول الله بين لي اللوح والقلم والمداد فضل بيان وعلمني مما علمك الله فقال: يا ابن سعيد لولا انك اهل للجواب ما أجبتك، فنون ملك يؤدي الى القلم وهو ملك، والقلم يؤدي إلى اللوح وهو ملك.
واللوح يؤدي إلى إسرافيل، وإسرافيل يؤدي إلى ميكائيل، وميكائيل يؤدي إلى جبرائيل: وجبرائيل يؤدي الى الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم قال: ثم قال لي: قم يا سفيان فلا آمن عليك”.
وذكر الشيخ الطوسي في رجاله ان سفيان بن سعيد بن مسروق ابو عبد الله الثوري من أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه السلام وورد في رجال الكشي خبر طويل عن ميمون بن عبد الله يضعف روايته عنه، ولكن ما جاء في الرواية اعلاه مذكور في اسانيد وكتب أخرى معتبرة كما في (واما [ص] فعين تنبع من تحت العرش…) ( ).
الثامن : وجود الاسم الأعظم في الحروف المقطعة لو أحسن الناس تأليفها، وقيل أنه مروي عن الإمام علي عليه السلام وإبن عباس( ) وفي المعاني بإسناده عن أبي بصير عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: “ألم حرف من حروف أسم الله الأعظم المقطع في القرآن الذي يؤلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام فإذا دعا به اجيب”.
التاسع : إنها ثلاثة عشر حرفاً وإن فيها إسم الله الأعظم.
العاشر : هي إسم الله الأعظم، روي عن إسماعيل السدي، وعن الشعبي( ).
الحادي عشر : إنها رموز وإشــارات بين الله سبحانه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخفيت معانيها الحقيقية عن الناس لحكمة إلهية، ومما يستدل عليه أن الناس والصحابة لم يسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على نحو التعدد مع كثرة الأسئلة التي كانت توجه للنبي محمج صلى الله عليه وآله وسلم وترغيب ولكنهم يولون مضامينها وما فيها من الأسرار العناية.
الثاني عشر : ورد في بعض الكتب منســوباً إلى الإمام علي عليه السلام: “إن لكل كتاب صفـــوة وصفــوة هذا القرآن حروف التهجي”( )، مما يدل على خصوصية ومعاني قدسية تمتاز بها الحروف المقطعة.
الثالث عشر : إنها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله عز وجل والمعروف أنه إذا تردد كون الآية الكريمة من المحكم أو المتشابه يلحقها حكم المتشابه ويرجع في تأويلها إلى السنة المباركة، وقد رد هذا القول بإنعدام الدلالة اللفظية فيها وأنها ليست من المتشابهات ومعانيها ليست تأويلات لها.
إنها أقسام أقسم الله بها في كتابه المجيد وأن القرآن كلامه تعالى ليظهر شرفها وفضلها، والقرآن نزل بلغة العرب الذين دأبوا على توكيد كلامهم بالقسم.
الرابع عشر :[الم] أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ.
الخامس عشر : روي عن إبن عباس أن الحروف المقطعة من أسماء الله تعالى وأنه أقسم بها لذا قيل أن موضع القسم لا ريب فيه وورد جر في باب إعرابها.
قال الأخفش: أن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العليا وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، وإقتصر الله على بعض منها.
والمراد: أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ.
السادس عشر : الألف في الم اشارة لله تعالى، واللام الى جبرئيل، والميم الى محمد صلى الله عليه وآله وسلم،ونسب الى ابن عباس والضحاك.
السابع عشر : الحروف المقطعة في أوائل السور إشارة إلى الغرض المبين فيها كأن يقول أن [ن]إشارة إلى ما تشتمل عليه السورة من النصر الموعود للنبي و[ق] إشارة إلى القرآن.
الثامن عشر : إنها أسماء للقرآن، قاله قتادة ومجاهد وإبن جريج، ومن ذهب إلى هذا القول لم يبين أن الحروف ذاتها هي الأسماء أو أنها رموز لأسمائه.
وإن كان إطلاق الكلام يفيد المعنى الأول .
التاسع عشر : الحروف المقطعة أسماء للسور التي وقعت في مفتتحها، وإختار هذا القول الخليل وسيبويه وعدد من المتكلمين، وإستشهد بعضهم باسم لام بن حارثة بن لام الطائي، وقولهم للنقد عين وللنحاس صاد والسحاب غين وأن الحوت إسمه نون، أي إن الإكتفاء بحرف واحد من الاسم طريقة إعتادها العرب .
العشرين : ويرد إشكال على هذا القول بأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لم يسموا بأكثر من إسمين مثل بعلبك وأنها لو كانت أسماء لأشتهرت بها دون سائر أسماء السور ذاتها الأخرى، كما قيل أن هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها، وجزء الشيء مقدم على الشيء بالرتبة وإسم الشيء متأخر عنه بالرتبة، فلو جعلناها إسماً للسورة لزم التقدم والتأخر معاً وهو محال.
الواحد والعشرين : ذكر الله عز وجل هذه الحروف إحتجاجاً على الكفار وتحدياً لهم لأن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم بحقيقة عجزهم عن الإتيان بعشر سور منه او بسورة واحدة.
ذهب الى هذا القول المبرد واختاره نفر من المحققين، وقالوا بان هذه الحروف نزلت تنبيهاً على ان القرآن ليس إلا من هذه الحروف وأنتم في الواقع قادرون عليها وتعرفون أصول الفصاحة، ويمكن القول بان موضوع التحدي جاء بعدة سور كما في قوله تعالى[قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ…] ( )، او بسورة واحدة [وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ…]( ).
وفيها تنبيه بالإضافة إلى إحتمال نزول بعض الحروف المقطعة قبل آيات التحدي هذه بلحاظ التقدم الزماني.
الثاني والعشرين : إنها تسكيت للكفار بعد ان تواصى المشركون بعدم الإنصات للقرآن وإثارة الصخب ساعة التلاوة كما أنبأ القرآن عنهم[لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ…]( ) فربما صفروا أو قام بعضهم بالتصفيق واللغط ليغلطوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وليضعوا الحواجز في مسار الدعوة الى الله.
فأنزل الله عز وجل هذه الحروف التي تثير استغرابهم وتملي عليهم التدبر في رموزها والتفكر في إشاراتها، وما تتضمنه من أسرار، ولكي يشتغلوا في الحكمة وإشراقات نزولها وما فيها من المعاني فتنفذ آيات القرآن إلى شغاف قلوبهم وتتلقاها نفوسهم بالخضــوع الذي يكون من أسبابه إدراك ضعفها عن الصــمود أمام هذه الحروف من التنزيل وعجزها عن الإحاطة بالمقاصد منها، ويتطلعون الى الآيات التي تليها والأنوار التي تنبعث من معانيها فيحســـون بالإعجــاز الظاهر في تلك الآيات ويتابعـــون أنباء الوحي باستمرار من خلال تلك الإفتتاحية للســـورة بفهم وطمع وتعلم وسعــي لبلوغ المنافع وإدراك الغايات.
الثالث والعشرين : قال ابن روق وقطرب ان الله أحب إصلاح الكفار ونعتهم بعد ان تواصوا بالإعراض وقولهم [ لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ]( )، اراد سبحانه ان يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون سبباً لإسكاتهم وإستماعهم لما يرد عليهم من القرآن فانزل عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوا قالوا كالمتعجبين: إسمعوا إلى ما يجيء به محمد فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان علة لإٍستماعهم وطريقاً لإنتفاعهم.
الرابع والعشرون : ربما كان بين تسمية السورة بسورة البقرة وبين ما تتخذه أحدى أمم الأرض من عبادة البقر وتقديسها صلة وتأويل، خاصة وأنهم على إختلاط دائم بالمسلمين لتكون التسمية سبباً لتوجههم لقراءة القرآن والتدبر في آياته والإلتفات إلى حقيقة فعلهم من خلال مبادئ الإسلام، وينصتون للقرآن وينظرون إلى إكبار المسلمين له وتقديسه نظرة تفهم وتبصر.
الخامس والعشرين : إنها رموز وعلامات تشير إلى آيات الله تعالى، وبلائه وأيام الدول ومدد الأقوام وآجالهم.
السادس والعشرين : لكل كتاب سر، وسر القرآن أوائل السور التي هي علم مستور وسر محجوب إستأثر الله عز وجل به، ولما سئل الشعبي عن هذه الحروف قال: سر الله فلا تطلبوه( ).
وأنكر المتكلمون هذا القول بلحاظ أن القرآن تبيان لكل شيء وحجة وبرهان فلا يكون فيه أمر خفي، وإستدلوا بآيات ونصوص وحكم العقل، ولكن الخفاء ليس مطلقاً وإن شطراً من معاني الحروف المقطعة يستقرأ من الظاهر والأخبار , نعم النهي عن طلب تأويل هذه الحروف لا أصل له.
ومن مضامين الآيات الأخرى وتأويلها، والإخفاء هو نوع اعجاز وتوكيد لعجز العقول عن الإحاطة بدلالاتها وأن يتم الطلب والبحث وفق الصيغ الشرعية والرجوع إلى قاعدة تفسير القرآن بالقرآن والسنة النبوية وعلوم اللغة.
وفي الوقت الذي تنعدم فيه أي أمارة خاصة تفيد أن الحروف المقطعة ســـر الله في القرآن او انها سر القرآن فان في كل آية من آيـــات القرآن اســـراراً وكنوزاً من المعـرفـــة والعلوم الإلهيـــة بما فيها الحروف المقطعة نفســـها، وروى أبو ظـــبيان عن ابن عبـــاس قال: عجزت العلماء عن إدراكها.
ويلقى إعتبار الحروف المقطعة سراً إلهياً قبولاً وصدى للأمارات الظاهرية ولعجز العلماء عن بيان تمام حقيقتها ودرك كنهها لتبقى آية إعجازية في ألفاظ القرآن ودعوة للجوء الى السنة النبوية القولية والفعلية والى آيات القرآن نفسها لبلوغ المرام في فهم تأويلها ولو على نحو الموجبة الجزئية، “قال أبو بكر الصديق : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور”( ).
السابع والعشرون : من الإعجاز في الحروف المقطعة أنها تطل على كل جيل وزمان بلسان التحدي وفيها إثارة للهمم والبحث والإستنباط والإستنتاج في أسرارها وعلوم القرآن عامة، من غير أن يظهر تقدم ملموس في إكتشاف شطر مستحدث من كنوزها المباركة.
الثامن والعشرين : ربما يأتي من يستدل بأنها سر الله في القرآن بإمتناع المسلمين والصحابة خاصة عن سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تفسيرها ومعانيها وإن الإمتناع كان قهرياً وبالإضافة إلى عجز المفسرين عن الوصول إلى حقيقة كنهها وتعذر اتفاقهم على حد أدنى من نقاط الإلتقاء في تفسيرها خاصة وإن القول بعدم معرفة أسرار فواتح السور منسوب إلى عدد من أكابر الصحابة.
ولعل الصحابة لم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها لإنشغالهم بالفتح وتثبيت دعائم الإسلام وأمهات الأحكام وترسيخ اسس الإيمان في ربوع الأرض وفي البناء الروحي لمعاشر المسلمين، فقد كانوا ينظرون إليها بعناوينها الخارجية المجردة ولم يتفرغوا لهذا العمق في أبواب التفسير وليس فيه تقصير منهم ولكن الله عز وجل يفتح على كل حقبة من المسلمين أبواباً من العلم والمعرفة وتظهر لهم بعض الآفاق الجديدة في علوم القرآن بالنظر الثاقب في تأويل آياته.
لقد تقدم عدد من الأقوال في تفسير الحروف المقطعة منسوبة الى ابن عباس والذي يظهر انه لم يرفعها الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والظاهر أنها على قسمين، قسم من عنده ووجوه من إستنباطه، والآخر منسوب اليه ويبدو ضعف سنده لا أقل بالإرسال.
وكل من تراث المسلمين وتركة مباركة، وثروة في باب التأويل.
التاسع والعشرين : المراد بها حروف المعجم وجاءت أفرادها كنماذج إجمالية وأكتفي بإيرادها عن ذكر الحروف الأخرى، وقيل أنها من قبيل تعداد حروف التهجي وإشارة الى معنى ومفهوم محدد وهو أن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته من تركيبة هذه الحروف التي تستعملونها في لغة المخاطبة والكلام بينكم وكررت في مواضع وفواتح السور، روي عن قطرب وإختاره ابو مسلم الإصفهاني وبعض المتأخرين.
ورد في المعاني عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام انه قال: “كذّبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا: سحر مبين، فقال الله: الم ذلك الكتاب أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطعة التي منها ألف لام ميم وهو بلغتكم وحروف هجائكم فاتوا بمثله ان كنتم صادقين واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم”( ).
الثلاثون : كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال فالألف معناه ألف الله محمداً فبعثه نبياً، واللام أي لامه الجاحدون، والميم أي ميم الكافرون غيظوا وكبتوا بظهور الحق، وقال بعض الصوفية: الألف انا، واللام معناه لي، والميم معناه مني.
الحادي والثلاثون : ذكر الله تعالى الحروف المقطعة في القرآن لدلالات تعني تقديراً اسمعوها مقطعة حتى اذا مددت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، كما ان الصبيان يتعلمون هذه الحروف اولاً مفردة ثم يتعلمون المركبات، قاله العزيز بن يحيى.
الثاني والثلاثون : تدل هذه الحروف على إنقطاع كلام وإســتئناف كلام آخـــر، قال أحمـد بن يحيــى بن ثعلب: إن العرب إذا إســـتأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشيء غير الكلام الذي يريدون إستئنافه، فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول وإستئناف الكلام الجديد.
الثالث والثلاثون : روى إبن الجوزي عن إبن عباس أن هذه الحروف ثناء أثنى الله عز وجل بها على نفسه( ).
الرابع والثلاثون : التكلم بهذه الحروف وإن كان معتاداً لكل أحد إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء أمر يجعل معرفتها متعذرة على الناس إلا من إشتغل بالتعلم والإستفادة، فإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها من غير سبق تعلم وإستفادة حجة وبرهان وإنباء عن الغيب.
الخامس والثلاثون : يعلم الله تعالى أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم القرآن فذكر هذه الحروف تنبيهاً على أن كلامه مؤلف من هذه الحروف فيجب أن لا يكون قديماً، قاله أبو بكر التبريزي.
السادس والثلاثون : المراد من [الم] أنه اَلمَّ بكم ذلك الكتاب أي نزل عليكم، والإلمام: الزيارة، لأن نزول جبريل به كان كنزول الزائر، قاله القاضي الماوردي.
ولكن هذا القول يفيد المعنى اللفظي في الوحدة الكلامية للحروف فينظر لها كفعل، وسياق الآية الشريف لا يؤيده بالإضافة إلى القرائن الأخرى لثبوت القراءة بالتقطيع لبقية الحروف في السور الاخرى مثل [المص] و[الر] وغيرها.
وإتفاق المسلمين وإجماعهم على أنها حروف مقطعة يحول دون البحث عن إحتمالات ظنية لمثل هذا التأويل.
السابع والثلاثون : الألف إشارة إلى ما لابد منه من الإستقامة في أول الأمر، وهو رعاية الشريعة، قال الله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا …]( )، واللام إشارة الى الإنحناء الحاصل عند المجاهدات وهو رعاية الطريقة، قال تعالى [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا..]( )، والميم إشارة إلى صيرورة العبد في مقام المحبة كالدائرة التي تكون نهايتها عين بدايتها، وبدايتها عين نهايتها، ويتحصل بالفناء بالله تعالى بالكلية، إن الألف من أقصى الحلق وهو أول مخارج الحروف، واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو أحد المخارج فهو إشارة إلى أن أول ذكر العبد ووســطه وآخـــره ليس إلا الله تعالى، علـى ما قالفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ.
الثامن والثلاثون : موضوعية إختلاف أعداد الحروف إذ جاءت[ص.ق.ن] على حرف واحد، و[طه وطس ويس وحم] على حرفين، و[الم والر وطسم] على ثلاثة أحرف، و[المص والمر] على أربعة أحرف، و[كهيعص و حمعسق] على خمسة حروف، وفق أبنية الكلام العربي على حرفين وإلى خمسة أحرف فقط.
التاسع والثلاثون : هي فواتح يفتح بها القرآن لتكون صيغة في الكلام يعرف من خلالها إبتداء السورة وإنتهاء التي قبلها، روي عن مجاهد وإختاره البلخي، وقيل أنه معروف في كلام العرب.
الأربعون : لقد ورد في هذه الفواتح من حروف المعجم نصفها أي أربعة عشر حرفاً وهي: الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون وفي تسع وعشرين سورة، ولعل هذا التناسق العددي يتضمن إعجازاً في المقام وضوء مباركاً في تأويلها.
عند دراسة الحروف المقطعة في القرآن لابد من الوقوف عند منزل مبارك يعتبر مدخلاً في عالم التفسير لمعرفة الوجوه الحقيقية الظاهرة للعباد منها ألا وهو ما ورد في المأثور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام.
وصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يفسر آيات القرآن كلها لوضوح معانيها ومعرفة العرب بمضمونها او مقدار حاجتهم آنذاك وإدراك الصــحابة لتأويلها وإلتجائهم المباشـــر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ كانت سـنته بياناً وتفسيراً للقرآن، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم فسر الكثير من آيات القرآن وأرسى الأسس الموضوعية الحكمية لمناهــج التفســير وفــق أحكام الشـــريعة وصحــائف ميثاق النبوة.
والظاهر أن ما في أيدينا وما توارثته أجيال المسلمين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خصوص الحروف المقطعة قليل، ولعل شطراً مما ورد عن الصحابة والتابعين هو في الأصل من تراث النبوة ولكن إستحضار الدليل عليه أمر غير يسير.
وروي عن معاوية بن قرة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “بأن الحروف المقطعة من أسماء الله”.
والرواية منقطعة فقد وردت في تفسير التبيان( ) من غير ذكر الإسناد، ومع هذا فهي ذات أهمية في المقام وتشير إلى موضوعية أسرار الحروف المقطعــة وترســخ تأريخياً منطــق العناية بها والبحث في سبر أغوارها.
وورود حديث في بيان جانب من التفسير والتأويل لها لا يعني بالضرورة إنعدام وجوه أخرى من التفسير ولا يغلق الباب في مسالك الدراسات العلمية في تحقيق معاني الحروف المقطعة وأسرارها وإستنباط المضامين العقائدية لها وفلسفة وجودها المتميز في إفتتاح بعض سور القرآن خصوصاً، مع التسليم بموضوعية كل حرف موجود في القرآن وتعدد مدلولاته ووظائفه.
ويتعدى تأويل الحروف المقطعة إشارات الرموز التي كانت شائعة عند العرب لترشد الناس إلى المضامين المدخرة في بواطن الآيات القرآنية واستقراء دقائقها وما تتضمنه من لطائف وتؤكده من حقائق كونية أو وضعية واستنباط وجوه المصالح وأسرار الحكمة فيها.
إن لغة القرآن وما تحتويه من عظيم الحكمة تؤكد القول بأن لكل حرف من هذه الحروف المقطعة معنى ومفهوماً وخصوصية ودلالات خاصة ومغايرة لما تحويه الحروف الأخرى منها.
فقد يكون بعضها سراً من أسرار الله عز وجل.
وبعضها عاماً خصّ الله عز وجل به نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إكراماً وإقامة للحجة ولتكون عنده مفاتيح لعلوم مستحدثة ومتجددة ورموز يتعذر فهمها ومعرفة مختلف وجوهها إلا من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والراسخين في العلم وربما بعض من صفوة خلقه تعالى كالملائكة أو شطر من الجن كما في قوله تعالى [قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا]( ).
أو انه من السر المكنون الذي لم يحن أوان تأويله وبيان مضمونه الأمر الذي يستلزم مواصلة التحقيق والدراسة في حقيقة وخفايا الحروف المقطعة ومن غير الخروج عن لغة القرآن أو الإبتعاد عن السنة النبوية الشريفة وأحكام الشريعة ومعايير الحكمة وموازين العقل.
“سُئل جعفر بن محمد الصادق عن قول [ الم ] فقال: في الألف ستة صفات من صفات الله تعالى(الابتداء) فان الله ابتدء جميع الخلق، والألف ابتداء الحروف، و(الاستواء) فهو عادل غير جائر، والألف مستو في ذاته، و(الانفراد) فالله عز وجل فرد والألف فرد، واتصال الخلق بالله، والله لا يتصل بالخلق وكلهم محتاجون إلى الله والله غني عنهم، وكذلك الألف لا يتصل بالحروف والحروف متصلة به وهو منقطع من غيره والله عز وجل بجميع صفاته منقطع من خلقه ومعناه من الألفة، كما أن الله تعالى سبب ألفة الخلق فكذلك الألف عليه تآلفت الحروف وهو سبب الفتها”( ).
أنها ألفاظ تعكس وجوداً حقيقياً وإعتبارياً، وتظهر العلاقة بين الوجود الخارجي والوجود الذهني للمعاني والمفاهيم وحضورها في عالم الكتابة بصورة أوسع واكثر شمولاً خاصة مع الإقرار بتعدد وجوه التأويل والتفسير لكل آية من آيات القرآن.
وتلتقي وجوه الدلالة بالحروف المقطعة وما ترمز اليه من المعاني كالدلالة اللفظية بفروعها المطابقية والتضمنية والإلتزامية، بالإضافة إلى الدلالة العقلية ذات الملازمة الذاتية لتوجه الذهن نحو ســبر أغــوار القرآن والتسليم بإعجازه حتى في مراحل إستثمار المعاني والتأويلات التي تم الوصول اليها في فهم آياته المباركة، سواء على القول بان الخط العربي توقيف من الله عز وجل , قال تعالى [اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ]( )، أو أنه من العلوم الوضعية الكسبية.
وقد ورد عن كعب الأحبار أن أول من وضع الخط العربي والسرياني وسائر الكتب آدم  قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها في الطين ثم طبخه، فلما إنقضى ما كان أصاب الأرض من الغرق، وجد كل قوم كتابهم فكتبوا به، فكان إسماعيل  وجد كتاب الأربع، كما ورد أن إدريس  أول من خطّ بالقلم، وهناك روايات أخرى في المقام، وقد أكدت الدارسات الحديثة في علم اللغات على الإلتقاء والتقارب في ترتيب الحروف بين اللغات القديمة.
وتؤكد الكتابات العربية القديمة التي عثر عليها الباحثون على الصخور والتي تعود إلى فترة ما قبل الإسلام وجود روابط بينها وبين الخط النبطي القديم مع تطور ظاهر في الخط العربي كما في نقش أم الجمال الأول والذي يعود تاريخه إلى سنة 250 بعد الميلاد أو نحوها، علماً بان تلك النقوش وما تستخرجه الإكتشافات الأثرية لا تستوفي الحقيقة التي تؤكدها الروايات.
ان الاسرار القدسية التي تشع أنوارها من الحروف المقطعة من القرآن تبعث على الإعتقاد بامكانية حملها لعدة وجوه من المعاني كما ثبت في علم الأصول بوقوع الإشتراك اللفظي في اللغة العربية وهو عبارة عن وضع لفظ واحد يتعلق بمعنيين متباينين أو أكثر ومن غير منافاة بين لحاظ المرئي منها وآخر غيره، وجواز إستعمال اللفظ في الأكثر ممكن نقلاً وعقلاً ولغة وعرفاً.
ولإبتداء أكبر سورة من القرآن بالحروف المقطعة له دلالات إسلامية خالدة، وتعتبر النصوص الواردة بخصوص الحروف المقطعة مفاتيح لمعرفة شطر من أسرارها، ولا تعارض بينها لتعدد معاني ومضامين الحروف المقطعة القدسية , خصوصاً وان ظاهر النصوص يدل على ان هذا التعدد من اهم اسرارها، وان العقول لا تدرك الشطر الأكبر من مفاهيمها وذخائرها.
وهذا لا يمنع من الإنتفاع الأمثل منها لقرآنيتها وافتتاح السور بها والتصدي لدراستها والتحقيق في مضامينها، ولا يعتبر عدم التوسع بتأويلها نقصاً او تأويلاً لأن ملاكه اجتناب القول في القرآن بالرأي وللهالة القدسية المباركة التي تحيط بها وما جعله الله لها في النفوس من الهيبة والإجلال، وفيها إخبار للناس عن عجزهم عن اكتشاف واستظهار علوم القرآن فاذا كانت الحروف المقطعة تتضمن الدقيق واللطف من المعاني، وهي بعض القرآن فمن باب اولى ان الآيات الأخرى لابد وان تحمل دلالات واشارات غير التي تم التوصل اليها وان كانت متعددة.
ان الحروف المقطعة عنوان التحدي وشاهد على إعجاز القرآن وفق النظرية التي أسسناها وهي ان الحرف والكلمة القرآنية تتضمن معاني ومفاهيم تفوق كثيراً ما يتضمنه الحرف والكلمة من كلام المخلوقين وما وضع له أصل اللفظ، وهذا التحدي رحمة ولطف بالمسلمين فهم يتخذونه حرزاً وكنزاً وسلاحاً عقائدياً ومادة للإيمان وسبيلاً للمعرفة، وموضوعاً للدراسة والتحقيق وإستقصاءً لخزائن آيات القرآن.

قوله تعالى [ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]الآية2.
القراءة والإعراب واللغة
على القول بان (الم) اسم يكون (ذلك) مبتدأ ثانياً وخبره (الكتاب) للإشارة إلى حقيقة أن القرآن كتاب منزل من عند الله عزو جل وانه هو الكتاب الكامل الموعود، وقال ابن النحاس (ت338 هـ) أن (ذلك) فيه ستة اوجه( ).
وذلك: اسم إشارة مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
الكتاب : بدل مرفوع بالضمة.
لا: نافية للجنس.
ريب : اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب.
فيه : جار ومجرور في محل رفع الخبر (لا).
وجملة (لاريب فيه) في محل رفع خبر المبتدأ (ذلك).
هدىً: خبر ثان مرفوع بالضمة.
للمتقين: جار ومجرور.
و(ذلك) اسم إشارة للبعيد، إذ أن اللام للبعد، وقال البصريون أنها للتوكيد والكاف حرف خطاب أي أنها ليست بضمير.
واختلف في الاسم منها فقال الكوفيون أن الدال وحدها هي الاسم، وقال البصريون أن (ذا) هو الإسم لضرورة الإبتداء بحرف والوقوف على حرف.
وعن نافع( ) وعاصم( ) انهما وقفا على (لا ريب) كما في قوله تعالى[ قَالُوا لاَ ضَيْرَ ]( ).
وفي رواية أبي الشعثاء: (لا ريبُ فيه) بالرفع.
وفي الحديث المشهور المروي عن الإمام الحسن بن علي قال:”سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”( )، ووردت الرواية بفتح الباء وضمها.
الكتاب: إسم لما كتب مجموعاً محصوراً بين دفتين يقال: كتب الشيء يكتبه كتباً وكتابة، والكتاب ما كتب فيه.
وقد يرد الكتاب بمعنى اللوح المحفوظ كما في قوله تعالى [ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ ]( ) ويرد تفسيره هنا في القرآن كما في قوله تعالى [ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ]( )، وفي قوله تعالى [ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ ]( ) عن الإمام جعفر الصادق قال: “الاسم الأكبر هو الكتاب الذي يعلم به علم كل شئ الذي كان مع الأنبياء عليهم السلام”( ).
وقد يرد إصطلاح أهل الكتاب ليشمل جميـع المليين من اتباع الأنبياء أصحاب الرسالات والكتب المنزلة من السماء كما في قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا]( ).
ويأتي الكتاب إسماً للقرآن ، ويأتي عنواناً جامعاً للكتب السماوية المنزلة مطلقاً أو خاصاً بالكتب التي سبقت في تأريخ نزولها القرآن، كما هو ظاهر قوله تعالى [وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ..]( ).
ولفظ الكتاب المتكرر في الآية لا يعني الإشتراك اللفظي ولكن إسم الكتاب النازل من عند الله تعالى يصدق على كل منها، وللإخبار عن الصلة الواقعية القهرية بين الملل السماوية.
وترشحت هذه الصلة على كيفية معاملة أهل الكتاب وشمولهم دون غيرهم باحكام الذمة لانتسابهم لما جاء به الإنجيل والتوراة، والمراد من الكتاب هو القرآن وتنبعث من ابتداء السورة بهذا التوكيد أضواء نورانية مباركة تدل على عظمة القرآن ورفعة شأنه في ديانات بني آدم باعتبارها الموضوع الأساسي لخلق الإنسان ووجوده على سطح الأرض.
والريب: مصدر، يقال رابه الشيء يروبه إذا صار منه مرتاباً، والريبة قلق النفس وإضطرابها، وقد تأتى الريبة إسماً من الريب وتعني التهمة والظنة، وفي حديث فاطمة عليها السلام: “يريبني ما أرابها”( ) أي يسوءني ما يسوئها وارتاب مما ترتاب أو تشك به.
والهدى مصدر كالسرى يقال: هداه يهديه هدياً وهداية، ويراد بالهدى الإرشاد والدلالة ووضوح البيان وضد الضلال، وقيل بالتفصيل في القصد من الهداية إذا تعدت إلى مفعول واحد أو إلى مفعولين ولم يثبت.
ومن أسماء الله تعالى (الهادي) وهو الذي أرشد عباده إلى سبل النجاة ومسالك الفوز ودلهم على طريق معرفته ليقروا له بالربوبية مذعنين، أما الهدي فهو السمت والطريقة والسيرة، وفي الحديث: “الهدي الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءً من النبوة”( ).
والمتقون: جمع متق وهو إسم فاعل يقال وقاه فاتقى، والتقوى: طاعة الله والإحتراز بها من العقاب الأخروي وهي على مراتب ودرجات كما أن لها منزلين، فتارة تكون بالقلب وشعبة من الإيمان، وتارة تظهر على الجوارح وتنعكس على الأفعال بالإقبال على الطاعات وإجتناب السيئات، وتتجسد بالخوف المقرون بالهيبة والإجلال لمقام الربوبية.
في سياق الآيات
بعد الحروف المقطعة وما تحمله معها من الأسرار والعلوم جاءت هذه الآية لتكون شاهداً حاضراً على صدق نبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعلاناً عن إفتتاح نزول الأحكام واقامة للحجة ودعوة لتلقي كل آية بالقبول والإمتثال ومن الأقوال المشهورة في الحروف المقطعة أنها نزلت لتسكيت الكفار، ويمكن إعتبار نزولها في أول أكبر سورة من القرآن قرينة عليه وأن لم يكن من باب الحصر به فبعد الإسكات وبعث الذهول في نفوس الكفار جاءت هذه الآية التي هي من الحقائق الكلية الثابتة.
ومن الإعجاز أن هذه الآية تبقي حالة الكفار كما هي من السكون وتزيدهم انقطاعاً، وتجعلهم والناس جميعاً يتطلعون إلى ما بعدها من الآيات وما تتضمنه من الأسرار والأوامر والنواهي.
وإذ جاءت هذه الآية في مدح المتقين الذين يهتدون بضياء الكتاب وما فيه من الأحكام التكليفية، جاءت الآيات الثلاثة التالية ببيان صفات المتقين بلغة المدح والثناء لتأتي الآية الخامسة من سورة البقرة في مدح المسلمين والثناء عليهم بقوله تعالى [أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ) وفيه ترغيب بالإسلام، وحث للمسلمين على الثبات على الإيمان والصبر في جنب الله، ودعوة الناس جميعاً لدخول الإسلام.
ولما أختتمت آية البحث بأن القرآن هدى للمتقينـ جاءت الآيات الثلاثة التالية بياناً لخصال المتقين الكريمة .
وقد تضمنت الآيات التالية صفات للمتقين منها :
الأولى: إيمان المسلمين بعلم الغيب وعجز الناس الإحاطة به، وإقرارهم بأن الله عز وجل أحاط به علماً، قال تعالى[عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ]( ).
الثانية: من صفات المتقين إقامة الصلاة، وفيه شاهد بأن المسلمين هم المتقون، وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: المتقون يقيمون الصلاة.
الصغرى: المسلمون يقيمون الصلاة.
النتيجة: المسلمون هم المتقون.
إعجاز الآية
تتصف الآية بلغة القطع والجزم والإيجاز في الإخبار عن القرآن ونزوله من عند الله تعالى، وتنفي الشك والريب عنه وتؤكد انه هدى للمتقين ومدرسة جامعة وعنوان اجمالي يخبر عما يؤطر آيات القرآن من الوظائف الإيمانية، وفي الآية مع قلة كلماتها عدة مسائل:
الأولى: انها وثيقة تخبر بان القرآن من عند الله وانه الجامع للكتب المنزلة.
الثانية: بيان وظيفة وهي أشرف وأقدس وأعظم الوظائف لقيامه باصلاح النفوس والمجتمعــات وقيــادة أهله وحملته الى دار النعيم الخالد قال تعالى[ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]( ).
الثالثة: هذه الآية من أمهات (آيات التحدي) لتوجه التحدي فيها لأهل الكتاب بالإخبار عن حقيقة القرآن وانه الكتاب السماوي الجامع الموجه للناس جميعاً في لزوم الإصغاء للخطاب القرآني، وما فيه من المضامين التي هي هبة من عند الله لهم ً.
ومن وجوه الإعجاز في الآية ما تدل عليه من زيادة هدى المتقين بالقرآن وآياته وتلاوتها والعمل بأحكامها، فليس من منزلة أعلى من منزلة المتقين ومع هذا جاءت هذه الآية لتخبر ان القرآن يزيدهم هدى ويجعلهم يرتقون في منازل التقوى, وفيه بعث لليأس في قلوب الكفار من إرتداد جماعة من المسلمين .
فمع نزول آيات القرآن يزداد المسلمون إيماناً، وما دام القرآن بين ظهرانيهم فانهم في سلامة وآمن من الفتن والضلالة، وهذه الآية من مصاديق افضلية القرآن على الكتب السماوية الأخرى، وافضلية المسلمين على غيرهم من اهل الملل والنحل لان المسلمين هم المتقون ويزدادون تقوى وصلاحاً بآيات القرآن فلا غرابة ان تكون قراءة القرآن واجبة في الصلاة اليومية، لانها مصدر للهداية ، وباب لإكتساب العلوم والمعارف.
إن اخبار الآية عن القرآن باسم الإشارة [ذَلِكَ الْكِتَابُ] شاهد على بقاء القرآن الى يوم القيامة خالياً من التحريف والتغيير، وانه وحده الكتاب السماوي الجامع للأحكام.
ويمكن تسمية الآية بـآية (ذلك الكتاب) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية، وكذا لفظ (هدى للمتقين).
ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في آية البحث مع قربه من الأذهان ، وكثرة ورود لفظ [الْكِتَابَ] في القرآن نحو (229) مرة معرفاً بال وغير معرف .
الآية سلاح
الآية توطئة ومقدمة علمية لإكرام القرآن وادراك المسلمين للزوم تعاهده وحفظه وتقديسه والأخذ بما فيه من الأحكام والسنن ومسائل الحلال والحرام.
وتثبت الآية أصل وماهية التقوى عند المسلمين لأن الله عز وجل جعل آياته منبثة في جميع مخلوقاته على نحو الإطلاق الشمولي لتؤكد صدق النبوة وما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الشواهد والآيات الحسية إلى جانب القرآن، وفي المرسل عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:آتاني الله القرآن ومن الحكمة مِثْلَيْه( ).
لقد واجهت البعثة النبوية الشريفة العناد والاصرار والتكذيب من اكثر اهل الملل الأخرى ، حتى الذين كانت بين أيديهم بشارات بنبوته، ويتطلعون اليها، ويتوعدون الكفار بقرب بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والظهور عليهم، تنكروا لدعوته عند بعثته.
فجاءت هذه الآية لتخبر عن حقيقة وهي ان القرآن أعظم سلاح في تأريخ الانسانية، فليس من قوة او سلاح للكفار يستطيع مواجهته فمن خصائص القرآن انه يجذب المسلمين الى منازل التقوى ولا يتركهم وشأنهم او يتخلى عنهم، بل يأخذ بايديهم على نحو مستمر ومتصل في منازل التقوى والفلاح، وهو دعوة سماوية دائمة موجهة للناس جميعاً لدخول الإسلام، وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ).
الآية لطف
يتفضل الله تعالى ويشير إلى القرآن بما يؤكد موضوعيته وقدسيته والعناية الإلهية به، لقد جعل الله القرآن وثيقة سماوية وقانوناً يحكم بين الناس إلى يوم القيامة، وإماماً يقود أهل الإيمان إلى الجنة، ويسوق الكافرين إلى النار، والآية شهادة من عند الله للقرآن بأنه الكتاب الجامع للأحكام الشرعية، والدليل الهادي الى سواء السبيل وفي الآية مسائل:
الأولى: الإشارة إلى عظمة القرآن وعلو منزلته بين الكتب السماوية.
الثانية: نفي الشك والريب بالقرآن، وفيه دلالة على خلو القرآن من التحريف والتغيير والتبديل بقرينة مجيء الآيات القرآنية التي تؤكد حفظه وسلامته وعصمته من التحريف، قال تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الثالثة: توكيد خصوصية في القرآن وهي هدايته لأهل الإيمان فمضامينه الملكوتية لا تنحصر ببيان الأحكام بل أنه يجذب المسلمين الى سبل التقوى والهداية والصلاح، ويهذب النفوس ويصلح المجتمعات، وهو ميزان تتقوم بواسطته الأعمال بقصد القربة .
وتبين الآية موضوعية القربة وقصد رضا الله تعالى، وموضوعية القرآن وأثره ونفعه للناس جميعاً، ونفعه يفوق الإحصاء , ومن منافعه لغير المسلمين دفع الشك والريب عنهم، ولا أحد يعلم الأثر والنفع المترتب على هذا الموضوع الا الله عز وجل لذا تفضل سبحانه بذكره في بداية سورة البقرة إذ تبدأ به سورة البقرة بعد الفاتحة .
ومن الآيات ان نفي الريب عن القرآن علم متجدد قبل الهداية للتقوى وبعدها ، وفيه وجوه:
الأول: نفي الريب أمر عام ينفع الناس جميعاً المسلمين وغيرهم فهو حجة للمسلمين، وإعانة لغيرهم على قبول الآيات.
الثاني: التفكر في إعجاز القرآن عام، أما الهداية لنيل مراتب التقوى فهي خاصة بالمسلمين، وكأن مجيء موضوع الهداية بعد نفي الريب من عطف الخاص على العام، قال تعالى[كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).

مفهوم الآية
تطرد الآية الشك والوهم في أصل نزول القرآن، وفيها توبيخ لأولئك الذين إتخذوا سبيل الجحود، وفي مفهومها ذم لهم لأنها تقسم الناس إلى قسمين:
الأول: أهل التقوى الذين سلّموا بأن القــرآن نــازل من عنـــد الله تعـالى ولم يرتابوا أو يشكوا في صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: الذين ضلوا وحجبوا عن أنفسهم الهداية.
وتفيد مضامين التفخيم في إسم الإشارة[ذَلِكَ] ولغة التعريف في [الْكِتَاب] عدم بلوغ أي كتاب إلى منزلة القرآن السامية، وإن الكتب السماوية الأخرى أدنى رتبة منه وتلك حقيقة يدل عليها العقل والسمع والوجدان.
كما تدعو الآية في مفهومها إلى التوجه إلى القرآن ونبذ ما هو مخالف له في الغايات والمقاصد، إنها لغة سماوية في إكرام القرآن وتثبيت مفاهيمه وترسيخ أحكامه بين الناس.
ويدل مفهوم الآية على بقائه إلى يوم القيامة رائداً وإماماً وقائداً ومنفرداً بخصوصيات تنعدم في غيره، فمن شاء أن يعرف الكتاب والحق والصدق والحكم الإلهي فعليه أن يتوجه إلى القرآن بقلبه وجوارحه وحواسه.
وتنفي الآية عن القرآن كل قبح وضــلالة لأنها تخــبر عن صـفة الهداية التي جاءت على نحو الإطلاق والشمول لآياته[هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] وفي مفهومها ذم لمن لا ينهل منه، فينابيع الهــدى وكنــوز المعرفة مدخرة في القرآن، وتدعــو أولي الألباب وأربــاب العقول للإقتـباس والأخذ منها.
وفي الآية مسائل:
الأولى : إبتداء الآية بإسم الإشارة (ذلك) لإرادة التفخيم والتعظيم من شأن الكتاب.
الثانية: وصف القرآن بأنه الكتاب، وفيه دعوة لأهل الكتاب للإنصات إلى القرآن وأخذ الأحكام منه، إذ تفيد الألف واللام في الكتاب العهد والدلالة على أنه الجامع للأحكام وأخبار السماء.
الثالثة: ترغيب الناس بالرجوع إلى القرآن والصدور عنه وهو سر الله في الأرض ومائدة السماء التي أنعم الله بها عليهم، وفاز بالعمل بأحكامه المسلمون دون غيرهم فأستحقوا المدح والثناء في هذه الآيات، وخصهم في سورة آل عمران بأنهم خير الأمم بقوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ]( ).
الرابعة: دفع الشك وطرد الوهم الذي قد يتسرب الى النفس بخصوص القرآن وتنزيله، إذ جاءت الآية لتؤكد أن الذي بين أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير تحريف أو تغيير.
الخامسة: بعث السكينة في نفوس المسلمين بأن الذي يتلونه هو الكتاب المنزل، ومن الآيات أن صدق نزول القرآن لا ينحصر بالإخبار الوارد في هذه الآية بل ان آيات القرآن وما فيها من الإعجاز والدلالة والكنوز والأسرار حجة وبرهان على نزولها من عند لله تعالى، فالقرآن بذاته ينفي عن نفسه التحريف والوضع، ويجعل العقول تقر مذعنة بأنه نازل من عند الله تعالى.
السادسة: بيان حاجة المتقين الى الهدى، وعدم إنقطاع تزود المسلمين بالمعارف والعلوم.
وفي الآية نهي عن الظن ببلوغ درجة العلم المطلق والإيمان التام، فيبقى المسلم محتاجاً إلى القرآن إذ يجد فيه الهداية والرشاد والفلاح.
السابعة: مدح المسلمين ووصفهم بالمتقين لخشيتهم من الله تعالى بالسر والعلانية، قال معاذ بن جبل: يا رسول الله أوصني قال: إذا عملت سيئة فاعمل لجنبها حسنة تمحها، السر بالسر والعلانية بالعلانية)( ).
الثامنة: بيان فضل الله تعالى على المسلمين والناس جميعاً بالقرآن، وما في آياته ومضامينه من الهداية وينابيع الرشاد وأسباب الصلاح والفوز في النشأتين.
التاسعة: جاء لفظ المتقين بصيغة الجمع في إِشارة الى تغشي الفضل الإلهي بالقرآن لجميع المسلمين على نحو العموم الإستغراقي.
إفاضات الآية
الآية دعوة للمسلمين لتلقي الكتاب كهبة من السماء، ورحمة لأهل الأرض، فاز المسلمون بالتصديق به لتتنزل البركات على الناس، ويكون إيمانهم وصلاحهم واقية من حلول الهلاك والدمار والخراب .
وتبين الآية إنفراد القرآن بنفع عظيم فهو يزيد المتقين هدى، وليس هو من تحصيل ما هو حاصل إنما هو إرتقاء متصل في سلم المعارف الإلهية، فتظهر الآية الحاجة إلى القرآن والسلامة في إتباع أحكامه، وإجتناب ما ورد فيه من النواهي.
لقد جاءت الآية بذكر المتقين في إشارة مدح وثناء على المسلمين، وفيه دلالة على علو منزلة المسلمين بين الأمم ورسوخ الإيمان في قلوبهم، وظهوره على جوارحهم وجوانحهم، والتقوى ذاتها من أسمى وأبهى مراتب الهدى، ويأتي القرآن على نحو دائم بمصاديق من الهداية والرشاد للمسلمين على نحو الإتحاد والإنفراد، ليكونوا في علو وعزة ورفعة في منازل العمل والكسب ورسوخ في الإيمان.
وهذه الآية من مصاديق رحمة الله بالناس إذ انها تخبر عما في القرآن من الهدى والرشاد وتدعوهم للتصديق به وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ونعت المسلمين بالمتقين شاهد على تفضيلهم على الأمم الأخرى وعنوان لتفقههم في الدين وسمو منزلتهم بين الناس، والإخبار عن رضا الله تعالى عنهم وحبه لهم ، وفي التنزيل[إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ]( ).
وليس للكافر أن يقول لماذا لم يهدن الله إلى سواء السبيل، لأنه أعرض باختياره عن القرآن والهدى، ولم تكــن عنده خشــية ولاخــوف من الله عز وجل، ومع هذا فإن وصف القرآن بأنه هاد للمسلمين لا يمنع من كونه هداية لغيرهم من الناس، فهو المائدة العلمية والإعجازية النازلة من السماء والتي تدعو الناس بكرة وعشية للتقوى والصلاح.
الصلة بين أول وآخر الآية
بدأت الآية باسم الإشارة للبعيد الذي يفيد التفخيم الإكرام والدعوة الى إجلال شأن القرآن ، ومعرفة قدسيته وما فيه من الآيات الباهرات، فالآية تؤشر وتدعو إليه، وهو يدعو ويقود المسلمين الى الجنة والمغفرة، فاسم الإشارة (ذلك ) رحمة بالمسلمين، وحث لإتباع القرآن في أحكامه وسننه.
وجاءت الألف واللام في (الكتاب) للعهد في دلالة على أنه الجامع للأحكام الشرعية، والمتضمن لمسائل الدنيا والآخرة وسبل النجاة فيها، والأوامر والنواهي الإلهية التي تتغشى ميادين الحياة كلها.
ثم جاء قوله تعالى[لاَ رَيْبَ فِيهِ] لدفع الشك ، وطرد الوهم والتردد في القرآن، ولإفادة نزوله من عند الله تعالى، وتتضمن الآية التحدي والتوبيخ للجاحدين والكافرين، ولابد من دلالات عقلية وشرعية تكون مصاديق لنفي الريب عن القرآن ، ونزوله من عند الله , قال تعالى[وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ] ( ).
ومن الدلالات ما هو بلاغي يقهر أساطين البلاغة ، ويجعلهم صاغرين أمام الفاظ القرآن، ومنها ما هو عقلي يجعل عقول الناس مبهورة ومتحيرة امام آيات القرآن وما فيها من مضامين قدسية وأسرار من علوم الغيب ينفرد بها من بين الكتب السماوية .
ومن الإعجاز مجئ الآية بصيغة الجملة الخبرية، لأنها خطاب ونداء للناس جميعاً لمفرد الشك من النفوس حول القرآن، لأن الشك في تنزيله نوع حجاب وبرزخ دون الإنتفاع منه ومن آياته، إن التسليم بنزول القرآن واجب عيني على كل مكلف ومكلفة.
ولذا فإن طرد الشك من النفوس في تنزيله حاجة خاصة وعامة، وجاء قوله تعالى[لاَ رَيْبَ فِيهِ] رحمة بالمسلمين والناس جميعاً، وجاءت خاتمة الآية لبيان صفة كريمة أخرى للقرآن وهي أنه سبيل هداية للذين يخشون الله بالغيب.
لقد أراد الله تعالى للقرآن أن يكون طريقاً للفوز في الدنيا والآخرة لمن يأتي بما يأمره الله، ويتجنب ما ينهاه عنه، وروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: جماع التقوى في قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] ( ) .
وهل تفيد الآية حصر منافع وهداية القرآن بالمتقين الجواب لا، لأن أثبات شئ لا يدل على نفيه عن غيره، ففي القرآن آيات البشارة والإنذار، والوعد والوعيد، وهو مدرسة وسبيل هداية للناس جميعاً، وكونه هدى للمتقين، والإنصات لآيات القرآن ، والتدبر في معانيها وما فيها من المضامين القدسية وعلوم الغيب وقصص الأمم السالفة، ولزوم الإعتبار والإتعاظ منها.
التفسير الذاتي
إبتدأت السورة بالحروف المقطعة ثم باسم الإشارة للبعيد ، وما فيه من إفادة التفخيم والتعظيم، و قيل ( إن الله وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء و لا يخلق على كثرة الرد فلما أنزل القرآن قال هذا القرآن ذلك الكتاب( ).
ولكن دلالات الآية أعم، ومن إعجاز القرآن أن تأتي بعد سورة الفاتحة الإشارة إلى القرآن بلغة الإكرام، والحث على الإصغاء إليه، والتدبر في معانيه، وإتخاذه إماماً.
والآية شهادة من عند الله بأن القرآن هو الكتاب الجامع للأحكام الشرعية، وهو الدليل السماوي الباقي بين الناس إلى يوم القيامة، لقد تفضل الله عز وجل ونفخ في آدم من روحه وعلمه الأسماء كلها، وأسكنه وحواء الجنة، ثم أهبطهما منها بعد غواية إبليس، فجاء القرآن حصناً للناس، وعصمة من الزلل ووسوسة إبليس لذا تصف هذه الآية القرآن بأنه هدى.
وجاءت آيات قرآنية أخرى ببيان ما يتضمنه القرآن وما فيه من الأسرار والمنافع العظيمة ، قال تعالى [تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ]( )، وفي القرآن أحسن القصص في الأمم السالفة، وسنن الأنبياء، وما لاقوه من الأذى هدية موعظة من السماء للمسلمين، وجعل الله عز وجل الكتاب فيصلاً بين الناس، ووسيلة سماوية لمنع الخصومة والإقتتال وحجة وبرهاناً، قال تعالى [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ] ( ).
لقد أراد الله عز وجل للناس الهداية والإرتقاء إلى منازل التقوى والصلاح قال تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ]( )، ومن وجوه الهداية في الكتاب أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يعلمه للمسلمين، بتلاوته بعد تلقي الوحي، وبتعليمهم مضامينه وما فيه من السنن والأحكام ، قال تعالى [وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( ).
وجعل الله عز وجل تلاوة الآيات باباً للثواب وإكتساب الحسنات ففي كل حرف من حروف كلماته عشر حسنات، وتلك نعمة ينفرد بها المسلمون، وهو من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
إن نعت الكتاب بأنه (هدى للمتقين) دعوة للناس جميعاً لمعرفة إعجاز القرآن من خلال آثار ورشحات آياته في الناس قولاً وفعلا ًوإعتقاداً، وشاهد على أن تلاوة القرآن والتدبر فيها وسيلة للصلاح، وسبيل إلى الهدى.
ومن وجوه الهدى فيه ما يأتي بالواسطة أي ليس بالتلاوة وحدها، بل بالسنة النبوية التي هي بيان للقرآن، وبإقامة وتعاهد الفرائض والعبادات التي جاء بها القرآن، وسعي المسلمين على نحو العموم الإستغراقي في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والقرآن هدى وسبيل رشاد للناس جميعاً، قال سبحانه[شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ] ( ).
ويفيد الجمع بين الآية أعلاه والآية محل البحث، بأن هداية القرآن لا تنحصر بالمتقين الذين يخشون الله عز وجل بالغيب، بل تشمل الناس جميعاً، وأن القرآن واسطة مباركة لنقل الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن منازل الجحود إلى منازل التقوى،فيقود القرآن الإنسان إلى الإسلام، ويجعله ينطق بالشهادتين عند سماع آياته والتدبر في معانيها، ويأخذ بيد المسلم للإرتقاء في منازل الإيمان والتقوى، ويجعله يخاف الله بالغيب.
ومن إعجاز القرآن أن كل آية ذكر فيها القرآن تتضمن إشارة إلى منافعه في الدنيا والآخرة .
ومع قلة كلمات هذه الآية فإنها تتضمن مسائل:
الأولى: توكيد صدق نزول القرآن من عند الله.
الثانية: الإخبار عن سلامة القرآن من التحريف والتغيير.
الثالثة: الشهادة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأمانة والصدق، وأنه يقوم بنقل الوحي الذي يأتيه من الله من غير تبديل أو تغيير أو تحريف.
الرابعة: القرآن هو الكتاب الجامع للأحكام الشرعية.
الخامسة: في القرآن تبيان لكل شئ ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
السادسة: دعوة الناس للإسلام بالقرآن، وهو من مصاديق وعمومات قوله تعالى[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ).
السابعة: حاجة الناس للقرآن مطلقة من وجوه:
الأول: الإطلاق في المواضيع فلا تنحصر في موضوع دون آخر.
الثاني: في القرآن بيان لسنخية الملل والنحل وعلى نحو الإجمال العقائدي.
الثالث: شهادة القرآن لأهل الكتاب، ولم يكتف القرآن بالشهادة للتوراة والإنجيل ككتابين من عند الله نزلا على موسى وعيسى، بل جاء بفرض الجزية على أهل الكتاب، وتركهم على ملتهم.
الرابع: يحتاج المسلم والكتابي والكافر القرآن.
الخامس: القرآن ضياء وحكم متكامل يرسخ أقدام المسلم في منازل التقوى.
الثامنة: من خصائص القرآن أنه يهدي الناس إلى مقامات الخلود في النعيم يوم القيامة.
التاسعة: القرآن سلاح سماوي ووسيلة مباركة للأخوة بين المسلمين، ومانع من الفرقة والخصومة بينهم ، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( )، فان قيل قد حصل قتال بين فرق وجماعات من المسلمين، والجواب من وجوه:
الأول: إن الخطأ من أشخاص ورئاسات بالإبتعاد عن القرآن وأحكامه.
الثاني: القرآن لا يبتعد عن المسلمين وان تخاصموا وتقاتلوا.
الثالث: عدم إستمرار الخصومة والإقتتال بين المسلمين.
الرابع: يذّكر القرآن المسلمين كل ساعة بأخوتهم، ويدعوهم للتعاون لإصلاحهم ذات البين، قال تعال[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ]( ).
فيبقى معهم يهديهم إلى سبل الصلاح ويدعوهم إلى مفاهيم الأخوة الإيمانية ويجذبهم إلى سننها، وهو من مصاديق قوله تعالى [هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] لذا لا ترى خلافاً بين المسلمين يستمر ويطول بل لابد أن يزول لتبقى إشراقات هذه الآية تطل على المسلمين جميعاً وإلى يوم القيامة.
وجاء لفظ (المتقين) ثلاثاً وأربعين مرة في القرآن، تبين خشيتهم من الله وإتعاظهم من الآيات، وما أعد الله عز وجل لهم من المقام الرفيع يوم القيامة، وجاء قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]( )، للإخبار بأن النفع من القرآن عام وشامل للناس جميعاً، وليس من أمة أو أفراد إلا وينهلون من القرآن وعلومه، فهو الضياء السماوي المصاحب للعقول والأبصار في الليل والنهار، والذخيرة والحرز المبارك في المسائل الإبتلائية.
ومن إعجاز القرآن أن يأتي لفظ (المتقين) كأول وصف جامع في نظم القرآن، وفيه مسائل:
الأولى: حث للمسلمين والناس جميعاً لبلوغ مراتب التقوى.
الثانية: إنه دعوة للتقيد بآداب وأحكام التقوى .
الثالثة : ندب للفوز بثواب التقوى ، وما أعد الله عز وجل للمتقين من النعيم الدائم.
وجاءت الآية التالية لبيان صفاتهم وإعانة المسلمين على التفقه في الدين ومعرفة الواجبات، وإجتناب المحرمات.
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى: إكرام القرآن وبيان شأنه وعظيم منزلته باعتباره الكتاب السماوي الناسخ والجامع للأحكام، وفي الإشارة بلغة التفخيم “ّذلك الكتاب” حث على تعاهده وحفظه والعمل بأحكامه، ويتجلى هذا في سيرة المسلمين من أول أيام التنزيل بكتابتهم وحفظهم له، وتعلم مضامين آياته والتفقه في الدين، ولم يحدثنا التأريخ ان أمة توارثت حفظ كتابها مثل حفظ المسلمين للقرآن نصاً وكماً وموضوعاً وآيات.
وفي حفظ وتعاهد القرآن تشريف للمسلمين، وهو شاهد على أنهم أفضل الأمم كما قال تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وإن كان حفظ القرآن في الأصل بفضل الله عز وجل.
الثانية: تعليم المسلمين حب القرآن، والعناية به، وضرورة عدم التفريط بآياته وما لها من الدلالات.
الثالثة: القرآن هو الكنز السماوي المدخر، وقد أنعم الله به على المسلمين إذ انزله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليبقى في الأرض ولا يغادرها سواء في كلماته أو أحكامه.
الرابعة: دعوة المسلمين للأخذ والإقتباس من القرآن، والإنتفاع من علومه في أمور الدين والدنيا.
التفسير
قوله تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ]
إنها بداية مباركة تحمل دلالات خاصة بافتتاح أعظم سور القرآن وأكبرها بهذا القانون السماوي الذي يضفي مضامين قدسية على عالم التنزيل ويساهم في الترسيخ الأبدي للقرآن بين أهل الأرض، فالآية إعلان سماوي صريح بأن ما بين الدفتين هو الكتاب الكامل الذي تفضل الله به دستوراً لأهل الأرض وأنه هو الموجود في اللوح المحفوظ، وهو القرآن الذي بشر به الأنبياء وتطلع إلى سماع آياته وحلول زمانه أولياء الله فهو البشارة والأمل والفتح الموعود، الأمر الذي يعني الحث على التسليم والتصديق به، والعمل الدؤوب من قبل المؤمنين على تعاهده وحفظه واتباع ما فيه من الأوامر الإلهية وإجتناب المعاصي التي نهى عنها ومن غير تردد أو تلكؤ أو اثر لوجود الشك وسوء الظن.
إن التصديق القلبي والإيماني والعقائدي يشكل الركيزة الأساسية للنجاح في أي مشروع، والفلاح في أي فكرة تترجل إلى الواقع التطبيقي.
ولقد كان القرآن سلاح المسلمين الأول ، وآياته تخترق شغاف القلوب وتباشر وظيفتها في النفوس فتجعلها تتدبر بإمعان وجوه الإعجاز في القرآن لتنتقل بالضرورة إلى مرحلة دراسة الواقع الشخصي الذي يتناسب مع هذه الحقائق.
لقد ورد لفظ (الْكِتَابُ) بالرفع مائتين وثلاثين مرة في القرآن، ولم يرد قوله تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ] إلا في هذه الآية مما يدل على موضوعية هذه الآية والأسرار الملكوتية جملة في أول آيات القرآن ليبتدأ معها رحلة الثقة وعدم الشك في التنزيل، وهو من مقومات التلاوة للزوم التسليم بنزوله من عند الله وهذا التسليم مقدمة واجبة بالذات وبالعرض لفهم معاني الآيات والتدبر في مضامينها والإمتثال لما فيها من الأوامر والنواهي.
ومع ما في اسم الإشارة من التفخيم فانه يدل على عمق علوم القرآن والحاجة إلى الإجتهاد في سبر أغوار آياته والغوص في بحار ألفاظه لإستخراج درره، وفيها إخبار عن عدم نزول كتاب آخر بعده.
وورد في القرآن لفظ[لاَ رَيْبَ فِيهِ] و[لاَ رَيْبَ فِيهَا] أربع عشرة مرة، اثنتين منها في خصوص القــرآن إحداهما الآية موضع التفسير، والأخرى قوله سبحانه [تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، أما الإثنتا عشــرة الباقيـــة فتتعلق كلهــا بيوم القيامــة وأن والنشور حق، فهل هناك صلة بين الأمرين خصوصــاً وأن القرآن نزل من عند العزيز الحكيم وبحكمة وإعجاز يعجز البشر عن سبر أغواره.
ونزول القرآن حق وصدق ولابد لأهل الأرض من كتاب سماوي كامل يكون هادياً لهم وإماماً حاضراً ذا سلطان روحي متشعب، ويمكن إعتبار الإلتقاء بين نزول القرآن ويوم القيامة من جهة الحتم ولزوم الوقوع موضوعاً لدراسة أوجه التشابه الأخرى بين ما هو مطلوب من العباد بخصوص الإعتقاد بيوم القيامة والإستعداد له بالعمل الصالح، ووجوب إتخاذهم القرآن دليلاً وعيناً وإماماً العمل بأحكام القرآن سبيل للنجاة يوم القيامة، وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: الذين يعملون بأحكام القرآن ينجون يوم القيامة.
الصغرى: المسلمون يعملون بأحكام القرآن.
النتيجة: المسلمون ينجون يوم القيامة.
وتتجلى هذه النجاة بالخطاب والأمر الإلهي الموجه إلى المسلمين والمسلمات في أجيالهم المتعاقبة[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
وفي الآية تخفيف عن الناس جميعاً بإعانتهم وحثهم على إجتناب الشك والتردد، وهذا الحث لم يكن لفظياً مجرداً بل أنه مقرون بالآيات والشواهد والإعجاز الذاتي والغيري للقرآن.
فمن حكمة الله تعالى أن يأتي الوحي بالمصاديق العقلية والشرعية التي تؤيد حقيقة نزول القرآن من عند الله، وتبدأ هذه المصاديق بالإخبار الإجمالي عن نزوله من عند الله الذي يعني السعي لإثبات هذه الحقيقة بالتحقيق والإستنباط وتدبر الآيات، وتمنع الآية من النظر للتنزيل بعين الشك والريب التي لا تضر إلا صاحبها لأنها تجعل غشاوة ظلمانية على بصره تحول دون رؤيته الحقائق عناداً وإستكباراً.
وإنتفاء الريب في القرآن من وجوه:
الأول :عدم الشك في نزوله من عند الله.
الثاني : يطرد القرآن بذاته وآياته الشك والريب.
الثالث : الآية بشارة لتسليم الناس بنزول القرآن ولو بعد حين لحمل نفي الريب على الإطلاق، ولأنها جاءت بصيغة الحكم والقطع.
من فضل القرآن
لقد جاءت الآية بثلاثة أمور متداخلة ومترابطة وهي:
الأولى: الإشارة الى القرآن بلغة التفخيم والإكرام [ذَلِكَ الْكِتَابُ] ولم تأت تسمية القرآن في الآية بالقرآن، بل سمته الكتاب بالألف واللام التي تفيد العهد والحصر والتعيين لتتضمن الإشارة إليه البشارة بنزول القرآن من عند الله تعالى، والتقدير ذلك الكتاب النازل من الله والذي بشر به الأنبياء لاريب فيه.
الثانية: ذلك الكتاب الذي هو هدى ورحمة للمؤمنين.
الثالثة: ذلك الكتاب الذي يدل على فضل الله تعالى على الناس بنزول ما يحتاجون اليه.
الرابعة: إنه الكتاب الذي يبقى الى يوم القيامة إماماً للناس.
الخامسة: القرآن فيه صلاح النفوس والمجتمعات.
السادسة: ذلك الكتاب الذي هو الصراط المستقيم.
السابعة: يقود القرآن الناس نحو منازل الخلود في دار النعيم.
الثامنة: ذلك الكتاب المهيمن على الكتب كلها.
التاسعة: إنه الكتاب الذي يعلم اهل الكتاب انه الحق ، قال تعالى [وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( ).
العاشرة: القرآن هو الكتاب الذي جاءت التوراة والإنجيل بالبشارة به.
الحادية عشرة: هو الكتاب الذي يتلوه المسلمون، وتكون لمن يتلوه عشر حسنات بكل حرف منه.
الثانية عشرة: القرآن هو الخير المحض الذي تفضل الله تعالى وأنزله للمسلمين.
الثالثة عشرة: إنه الكتاب الذي أنزله الله تعالى على سيد الأنبياء والمرسلين.
الرابعة عشرة: إنه الكتاب الذي يعرف الملائكة والناس من خلاله المنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين الخلائق.
الخامسة عشرة: انه الكتاب الذي يتألف من سور وآيات، وكل آية معجزة.
السادسة عشرة: ذلك الكتاب الذي إدخره الله تعالى لـ(خير أمة أخرجت للناس).
السابعة عشرة: هو الكتاب الذي قرن طاعة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطاعة الله تعالى ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ].
الثامنة عشرة: ذلك الكتاب الذي يتضمن الأخلاق الحميدة ، والسنن الرشيدة.
التاسعة عشرة: ذلك الكتاب الذي يؤكد عالم الآخرة، وما فيها من الحساب والجزاء.
العشرون: القرآن هو الكتاب المبارك الذي يجب على الناس إتباعه، قال تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ] ( ).
الحادية والعشرون: ذلك الكتاب النازل من الله تعالى بواسطة جبرئيل وهو من أعظم الملائكة.
الثانية والعشرون: ذلك الكتاب الذي جعله الله تبياناً لكل شئ.
الثالثة والعشرون: القرآن هو الكتاب المعجز في كلماته وآياته.
الرابعة والعشرون: ذلك الكتاب الذي فيه قوانين الحكم بين الناس بالحق والعدل قال تعالى [وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] ( ).
الخامسة والعشرون: ذلك الكتاب الذي يفرح بنزوله وأحكامه أهل الكتاب ، قال تعالى [وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ د وَمِنْ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ] ( ).
السابعة والعشرون: ذلك الكتاب الذي تقترن تلاوته بالخشوع والخضوع والتذلل لله تعالى.
الثامنة والعشرون: في القرآن نبأ وقصص الأمم السالفة، قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ] ( ).
التاسعة والعشرون: في القرآن أخبار الوقائع والحوادث.
العشرون: ذلك الكتاب الذي يضل من إتبع غيره، فلا يطلب الهدى إلا به.
الثلاثون: القرآن هو حبل الله المتين الذي جعله نعمة نازلة إلى الناس جميعاً، والطريق المستقيم الذي يهدي الى سبل الرشاد والفلاح.
الحادية والثلاثون: ذلك الكتاب الذي لا يخلق على كثرة التلاوة والعمل بأحكامه وسننه.
الثانية والثلاون: القرآن هو مائدة السماء، وجعله الله تعالى قريباً من الناس جميعاً ، ويقدر كل واحد منهم ذكرا أو أنثى أن ينهل منه ، ويتزود من علومه.
الثالثة والثلاثون: ذلك الكتاب الخالي من التزاحم والتعارض والتضاد.
الرابعة والثلاثون: ذلك الكتاب الذي يتضمن الوعد والوعيد، الوعد باللبث الدائم في النعيم، والوعيد بالمكوث في الجحيم.
الخامسة والثلاثون: إنه الكتاب الذي يفسر بعضه بعضاً ، فتجد الآيات العديدة تفسر الآية الواحدة، بما يمنع من اللبس والشك.
السادسة والثلاثون: ذلك الكتاب الذي بشر به الإنبياء لاريب ولاشك فيه، فليس لأحد أو أهل ملة ان ينكره.
السابعة والثلاثون: ذلك الكتاب الممتنع بذاته عن التحريف والتغيير في كلماته وتأويله، فقد نزلت كتب سماوية قبله على الأنبياء، ومع تقادم الآيات والسنين طرأ عليها التحريف، الا القرآن فقد تفضل الله تعالى وجعله معصوماً من التحريف الى يوم القيامة ، قال تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ).
الثامنة والثلاثون: ذلك الكتاب الذي لا تنقضي غرائبه، ولا تنتهي علومه.
التاسعة والثلاثون: القرآن هو الكتاب الذي تكون كل آية منه خزينة وكذا فتلاوة الآية منه فتح لخزينة من العلوم، ومدخل كريم للكسب المادي والمعنوي.
الأربعون: ذلك الكتاب الذي يتلى كل يوم في عموم الأرض، إذ يتلوه المسلمون في صلاتهم على نحو الوجوب السماوي السالم من المعارضة.
الحادية والأربعون: ذلك الكتاب يتعاهده المسلمون بالتقديس والإقرار بانه كتاب الله تعالى النازل على نبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية والأربعون: ذلك الكتاب الذي يحفظ وحدة المسلمين، وبمنع من الفرقة والتشتت أو إنقسامهم الى شيع ومذاهب، وإن حصلت فرقة أو خلاف أو تباين، فانه سرعان ما يزول ولا يبقى طويلاً.
الثالثة والأربعون: ذلك الكتاب الذي يتضمن الأحكام السماوية التي تكون فرقاناًً للتمييز بين المؤمنين والكفار، قال تعالى [فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً]( ).
الرابعة والأربعون: ذلك الكتاب الذي يكون شافعاً يوم القيامة، وفي الحديث المرفوع: ما من شفيع من ملك ولا نبي ولا غيرهما أفضل من القرآن( ).
الخامسة والأربعون: هو الكتاب الذي يتفكر بواسطته الناس في أمور الدين والدنيا ، قال تعالى [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] ( )، فبالقرآن يجعل الناس الغلبة للعقل في الإختيار والفعل ،ويكون سبباً لتنمية المدارك العلمية، قال تعالى [كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] ( ).
السادسة والأربعون: لقد نزلت كتب سماوية عديدة، ويطلق عليها صحف وكتب، والمفرد كتاب، ولم يطلق على كتاب اسم “كلام الله” إلا القرآن ، قال تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ] ( )، نعم ورد في موسى عليه السلام قوله تعالى [قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي]( )، والمراد من لفظ “كلامي” تكليم الله لموسى عليه السلام بقرينة رسالاتي أي انه رسول الله من بين الناس من أهل زمانه، وإلا فإن عدد الرسل هم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً.
السابعة والأربعون: ذلك الكتاب الذي له أسماء توقيفية عديدة من عند الله، وكل اسم له معان ومضامين قدسية ، ومن أسمائه القرآن، وبه يعرف عند أمم الأرض جميعاً، وهو أم أسمائه، وورد ذكره في القرآن نحو سبعين مرة، كما ان لفظ القرآن يطلق على الصلاة، لوجوب التلاوة فيها، قال تعالى[وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( )، ويطلق على سورة الفاتحة تشريفاً لها، ويطلق على الآية ، وجزء الآية من القرآن.
ومن أسمائه الفرقان ، وقد تقدمت الإشارة اليه في هذا الفصل، ومن أسمائه في القرآن “الذكر” و”الروح” قال تعالى [أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا]( )، وسيأتي باب خاص في فلسفة أسماء القرآن.
الثامنة والأربعون: ذلك الكتاب الذي يتضمن الأحكام التكليفية الخمسة، الوجوب والندب، والإباحة ، والكراهة، والحرمة.
التاسعة والأربعون: ذلك الكتاب الذي يترشح الفضل الإلهي من كلماته وآياته وسوره ليتغشى ميادين الحياة كلها.
الخمسون: ذلك الكتاب الذي لسوره وآياته فضل بلحاظ الجزئية من القرآن، وبلحاظ ما لها من الخصوصية والمعاني القدسية.
الحادية والخمسون: ذلك الكتاب الذي فيه شفاء الأمراض البدنية والنفسية ، وهو السبب لزيادة مرض الكفار، قال تعالى [فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا] ( ).
الثانية والخمسون: القرآن هو ذلك الكتاب الذي يحتاجه الإنسان ذكراُ أو أنثى عند دخوله القبر وفي عالم البرزخ، ففي سورة الملك ورد عن ابن مسعود وعن الإمام الباقر: انها هي المانعة من عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك، ومن قرأها في ليلة فقد أكثر وأطاب( ).
الثالثة والخمسون: ذلك الكتاب الموافق للفطرة الإنسانية والتي تتصف بصبغة الإيمان.
الرابعة والخمسون: ذلك الكتاب الذي يكون علة إنتشار الإسلام في ربوع الأرض، ومختلف الأمصار.
الخامسة والخمسون: ذلك الكتاب الذي يتضمن مسائل الخلق والبعث، والجنة والنار، وبيان الصفات التي تجعل الإنسان ذكراً أو أنثى من أهل الجنة، أوالصفات التي تجعله من أهل النار [لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ] ( ).
السادسة والخمسون: ذلك الكتاب الذي يلبس المعقول لباس المحسوس من غير ان يخرجه عن لغة الإحتجاج والبرهان.
السابعة والخمسون: ذلك الكتاب الذي يتضمن الشريعة الناسخة لما قبلها، وليس من كتاب بعده ناسخ له.
الثامنة والخمسون: لقد جعل الله تعالى الإنسان كائناً محتاجاً، تلازمه الحاجة في ليله ونهاره، وجعله القرآن سلاحاً لقضاء حوائج الدنيا والآخرة، ويكون له سلطان على الأركان والجوارح، ويمنع من التيه والضلالة.
التاسعة والخمسون: تلاوة القرآن سؤال وتوسل وتضرع الى الله تعالى، سواء كانت التلاوة في الصلاة أو في غيرها، وفي الحديث القدسي: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي مسائلي.
الستون: تلاوة القرآن سياحة في عالم الملكوت، وإرتقاء في المعارف الإلهية.
الحادية والستون: لقد جعل الله تعالى القرآن خزينة من خزائن علم الغيب، تستقرأ منه علوم كثيرة، وتستبين بواسطته آيات من أحوال الأمم السابقة واللاحقة، والوقائع والحوادث، وهو زاد العالِم وعدة المؤرخ، وسلاح المتكلم والفقيه، والبرزخ دون إستحواذ الأساطير والخرافات على الناس وفي المنتديات، وهذه البرزخية وسيلة لجذب الناس للإيمان، ومانع من إنشغالهم بغير ذكر الله، وإنصراف أذهانهم الى الأوهام وما ليس له أصل.
الثانية والستون: كل آية من آيات القرآن روضة من رياض الجنة، وبستان مملوء بالأشجار المثمرة، ويتصف ثمرها بالتنوع والحسن وطيب النكهة لدى القارئ والسامع، ويغيب طيب ثمار الدنيا بعد أكلها، أما ثمار القرآن فهي باقية في الدنيا والآخرة، وتلك خصوصية فاز بها المسلمون، وهي من الشواهد على تفضيلهم وكونهم (خير أمة أخرجت للناس).
الثالثة والستون: من فضل القرآن انه داعِ سماوي الى التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته فقد بعثه الله تعالى بين قوم مشركين يعبدون الأوثان، فكان القرآن ظهيراً ونصيراً له، ومحامياً عنه، لا يكف عن الدعوة اليه، والتحذير والإنذار من الجحود بنبوته، ومن الشواهد هذه الآية والتي قبلها والتي بعدها.
ومن معاني الحروف المقطعة التي تبدأ بها هذه السورة انها تسكيت للكفار، ومانع من صخبهم وضجيجهم عند تلاوة الآيات القرآنية.
الرابعة والستون: القرآن برهان للذي يحتج به، وحجة على الذي يجحد بمبادئ التوحيد والنبوة، وهو الحق الذي يدفع المغالطات، ويفضح الشبهات الباطلة.
الخامسة والستون: لقد أراد الله تعالى للقرآن ان يكون سفيراً له عند خلقه.
وتنفرد سفارة القرآن بخصوصيات لا توجد في غيره من الكتب السماوية، ومن الإعجاز في سفارته أنه يصل إلى كل إنسان، ويطرق باب قلبه، وينفذ إلى جوانحه، كما انه بإمكان أي إنسان أن يصل إلى السفير الإلهي ويتزود منه، فليس من حاجب بين الله تعالى وبين خلقه، إذ جعل الله القرآن سفيراً ينهلون من علومه، ويتزودون من كنوزه ويتخذونه زاداً في الدنيا والآخرة.
السادسة والستون: القرآن ثروة وغنى، ولا ينحصر غناه ومعاني الثروة فيه بالأمور الروحية وغنى النفس، بل هو مصدر للرزق الكريم، وجلب المنافع ، ودرء المفاسد [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ] ( ).
وجاءت هذه الآية بتسمية القرآن بالكتاب، كما ورد هذا الاسم للتوراة قال تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ] ( )، ولكن جاءت آية أخرى بوصف التوراة بوصفين:
الأول: إنه كتاب نازل من قبل.
الثاني: نسبة وإضافة التوراة ككتاب سماوي إلى موسى عليه السلام قال تعالى [وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً]( )، للإشارة إلى النسخ في الكتاب إسماً ومسمى ، وأن القرآن ناسخ لما قبله من الكتب السماوية، فهو آخر الكتب السماوية نزولاً .
وجاء لفظ الكتاب وإرادة القرآن معرفاً بالألف واللام التي تفيد العهد فتقدير الآية ان هذا الكتاب الموعود والذي لا يأتي بعده كتاب، وهو الجامع لمضامين الكتب السماوية.
والكتاب هو المكتوب والجامع لمسائل متحدة في الجنس مختلفة في النوع، وبين الكتاب والمصحف عموم وخصوص مطلق، فقد يكون الكتاب ورقة واحدة، وقد يكون أوراقاً متعددة، وقد يكون مجموعاً بين دفتين، أما المصحف فلا يكون إلا بين دفتين.
والقرآن كتاب مجموع بين دفتين، فيصدق عليه اسم المصحف، وقد يكون الكتاب مصدراً بمعنى الكتابة، تقول كتبته كتاباً، وعلمته الكتاب، قال تعالى [وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ] ( )، وبينما يفيد الكتاب الكتابة وانه مكتوب، فلا يفيد الدفتر هذا المعنى، لأن الدفتر قد يكون بياضاً، لم يكتب فيه شيء وسمي القرآن بالكتاب لوجوه منها:
الأول: لأنه آخر الكتب السماوية نزولاً.
الثاني: الكتاب هو التنزيل الذي يحفظه الله تعالى من التحريف والتغيير.
الثالث: القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ.
الرابع: لأن آياته تكتب عند تنزيلها، وقد أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة بكتابته، وإتخذ صلى الله عليه وآله وسلم كتّاباً يكتبون ما أنزل من القرآن.
الخامس: حفظ المسلمين للقرآن في صدورهم، وكأنه مكتوب ومنقوش فيها، وقد ورد وصف المسلمين في الإنجيل بـ(أن) أناجيلهم في صدورهم( ).
السادس: تأتي الكتابة بمعنى اللزوم والوجوب، لوجوب ما فيه من الواجبات، وهي كل فعل أو ترك تعلق به البعث الأكيد.
لقد جاءت الأحكام التكليفية في القرآن ليكون القانون الشامل للموضوعات وما يتعلق بها من الأحكام.
السابع: في تسمية القرآن بــ”الكتاب” بشارة ووعد كريم ببقاء آيات وأحكام القرآن إلى يوم القيامة.
الثامن: فيه دعوة للإستغناء والإكتفاء بالقرآن وآياته، ومضامينه القدسية.
التاسع: في تسمية القرآن بالكتاب ، حث للمسلمين على اللجوء إلى القرآن في الشدة والرخاء.
قوله تعالى [هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]
أي في القرآن الرشاد إلى النجاة في الدارين والفوز بجنان الخلد ثواباً وجزاءً لأنه عنوان الإلتزام بمناهج الطاعة لله عز وجل.
وقد يطرح سؤال في المقام وهو لماذا خص الله المتقين بالهداية في الآية الكريمة، وتتجلى في التدبر في آيات القرآن حقيقة هدايته لغير المتقين للمسلمين والناس جميعاً والقرآن هدىً للمسلمين جميعاً وباب رحمة لهم وسبيل صلاح لعامتهم وهو رحمة من عند الله في إعجازه وأحكامه وسننه وتأويله، وسبيل للهداية والسلامة في النشأتين، قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ]( ).
وقد تكون الهداية سبيلاً لنيل مرتبة التقوى، وطريقاً كريماً لخلق الإستعداد لتقبل الهداية ذاتها، وفي التنزيل[لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( ).
والظاهر إن موضوع الهدى في القرآن من الكليات المشككة وله مراتب متفاوتة يستطيع كل مسلم أن يجد فيه ضالته, ويأخذ حاجته ليساهم القرآن في إرتقائه إلى درجة أعلى في سلم الإيمان والتقوى.
وللهدى وجوه متعددة منها ما يتعلق بالنفس والإعتقاد ، ومنها ما يتعلق بسبل الحق والرشاد في أنماط السلوك، ومنها ما يتعلق بالموضوع ونوع السبيل.
ويمكن أن يكون هناك تقسيم آخر للهدى من جهة السبب والعلة، فتارة يكون الإهتداء بفضل الله تعالى ومشيئته سواء كان بتيسير الموضوع أو بإرشاد العبد نحو المطلوب والدلالة الموصلة إلى البغية، وتارة يكون باختيار العبد بما جعل الله عنده من العقل والقدرة على التمييز في دار الإمتحان والإختبار، ويجتمع كلا الأمرين في القرآن باعتباره رحمة إلهية جعلها الله في الوقت نفسه حجة وموعظة وبرهاناً.
والتقوى خشية الله عز وجل والمبادرة إلى طاعته وإجتناب معصيته، ومنها إستحضار ذكره تعالى عند كل فعل وفي كل آن من الزمان وليكون هذا الذكر وقاية من السيئات وحرزاً من الذنوب, وجزء من وظيفة العبودية, وتجسيداً عملياً للإيمان.
ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: “الإيمان فوق الإسلام بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، وما قسم في الناس شيء اقل من اليقين”( ).
ويحتاج المسلمون التحلي بخصال التقوى , وإتصال الهدى والرشاد للإرتقاء إلى منازل اليقين ورسوخ ملكة البصيرة الراسخة, وتتجلى معاني هذه الحاجة بالصدور عن القرآن وأحكامه.
والتقوى مقام رفيع يرتقي اليه من جعل الدنيا دار اقتناء للصالحات ومناسبة لفعل للخيرات بسعي دؤوب في مرضاة الله وورد عن الإمام علي انه قال: “التقوى رأس الأخلاق”، فالتقوى مدرسة جامعة في مكارم الأخلاق ، ووسيلة مباركة في الوقاية من غضب الرحمن وعنصر أمان لصاحبها وللناس اذ يأمنون جانبه ولا ينالهم منه مكروه, ويكون أسوة لهم.
إنها باب سداد وطريق صلاح للمجتمعات وسلامة من رق الشهوات وتبعات الذنوب ومن مطلق السيئات، وبالتقوى تدرك الآمال الرشيدة بالإضافة إلى أنها عز من غير عشيرة وتمنح صاحبها هيبة بين الناس وجاهاً ووقاراً، والتقوى صفة ملازمة لأولياء الله فكانت رداءً لهم كما أن إشعاعاتها تنطلق من سيرتهم وأفعالهم المحمودة.
ومن بديع ما وصفت به التقوى وأهلها بصورة جامعة متكاملة ما جاء عن أمير المؤمنين الإمام علي استجابة لسؤال أحد أصحابه يقال له همام وكان رجلا عابداً وبعد أن عزم( ) عليه بوصف المتقين، وقال بعد حمد الله والثناء عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وآله وذكر عظيم إحسان الله تعالى:
“فالمتقون فيها( ) هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد( )، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت من الرخاء، ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب، وخوفاً من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة”.
والتقوى عبارة عن المجاهدة في الله وإكراه النفس على إختيار الصبر والحيلولة بينها وبين الميل إلى زينة الدنيا ومباهجها، الأمر الذي يستلزم حضور الهدى لخلق هذه الملكة في النفس ولتعاهدها ومنع النفس من الملل والكسل والقنوط والركون إلى الدنيا وما فيها من الشهوات واللذات.
إن الإستزادة من المعارف الإلهية، والتوجه إلى مناهل وردها وطرق كسبها يجعل المؤمن يرتقي في منازل التقوى ويضع أقدامه في مقامات اليقين، ان قوله تعالى [ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ] بيان لحاجة المتقين وأولياء الله إلى الهدى، لذا تفضل سبحانه بالقرآن ليهتدي المسلمون بآياته ويستنيروا بأحكامه.
وتؤكد الآية توكد عدم إستغناء المؤمنين – أفراداً وجماعات – عن كتاب منزل من السماء يتضمن مسالك الهدى في أعلى مراتبه وأدق تفاصيله وأحسن مواعظه ودروسه، فكان القرآن تلك النعمة المتجددة, والمعجزة الخالدة والسبيل الأوحد نحو مرضاة الله.
والناس بلحاظ الهداية على أقسام:
الأول : المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله بقلوبهم وجوانحهم.
الثاني : المسلمون الذين نطقوا بالشهادتين.
الثالث : أهل الكتاب من الذين نبذوا الأنداد، ولكنهم لم يؤمنوا بالرسالة الخاتمة وما في القرآن من أحكام.
الرابع : أهل الشرك والضلالة.
وقد خصت الآية القسم الأول أعلاه وأخبرت بأن القرآن هدى لهم ولكنه لا يعني حصر الهداية بهم لأن إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره فالقرآن هاد للمسلمين جميعاً وهو دستور عملهم وسبيل رشادهم، وهو الوسيلة السماوية لهداية الناس جميعاً مباشرة وبالواسطة كما لو اتبع الناس المسلمين في سمتهم وأخذوا الحكمة منهم ولو على نحو الموجبة الجزئية .
والهداية من الكلي المشكك ولها مراتب متفاوتة ، والكفار والمشركون
وان تعلموا من القرآن والمسلمين إلا أنه لا يصدق على تعلمهم هداية أو أنهم مهتدون، فهذا التعلم حجة عليهم ولم يخرجهم من ظلمات الضلالة ليس لعدم المقتضي بل لوجود المانع الذاتي وهو إصرارهم وعنادهم وجحودهم، ومع هذا فان الآية ترغيب بالتقوى لعامة الناس ودعوة للخشية من الله سبحانه وإجتناب معاصيه.


قوله تعالى [الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] الآية 3

الإعراب واللغة
الذين: إسم موصول في موضع جر باعتباره صفة المتقين، وقيل في إعرابه وجوه أخرى، كالنصب على المدح أي أعني الذين يؤمنون، والرفع على الابتداء فيكون [أُوْلَئِكَ]: خبره، و[يُؤْمِنُونَ]: صلته.
ويمكن أن نؤسس قاعدة نحوية في إعراب القرآن وهي لو دار الأمر في تكامل إعراب الجملة بين ذات الآية وبين الجمع بينها وبين الآية التالية، فالأصح الأول.
(يؤمنون): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة, والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لإنها صلة الموصول.
بالغيب: جار ومجرور،
ويقيمون: الواو حرف عطف، يقيمون معطوف على يؤمنون، والواو في يؤمنون وكذا في يقيمون: فاعل، الصلاة: مفعول به.
قوله تعالى (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) ومما: مركبة من (من) وهو حرف جر أدغمت نونه في الميم، و(ما): إسم موصول في محل جر،
رزقناهم: جملة تتكون من فعل وفاعل ومفعول به،
ينفقون: فعل مضارع مرفوع معطوف على يقيمون.
والإيمان لغة: التصديق المطلق والتسليم الخالي من الشك قال تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا] وإقامة الصلاة: أداؤها والإتيان بها صحيحة وبشرائطها وأركانها مع تعاهدها والمواظبة عليها بأوقاتها وحفظها من التحريف، وجاء معنى الاقامة لتضمن الصلاة القيام خاصة وانه ركن فيها ، ولذا ورد فصل خاص في الإقامة للصلاة وهو (قد قامت الصلاة).
وقيل أنها مأخوذة من إقامة السوق إذا أنفقت فيكون معنى إقامتها: جعلتها نافقة أي مرغوب فيها في مقابل الكاسد المرغوب عنه، وقد تكون مأخوذة من القيام بالأمر أي الجد فيه وعدم التواني أو القعود عن ادائه.
والصلاة عمل عبادي وفرض يومي دائم أوجبه الله على المسلمين بأركان مخصوصة وأجزاء واجبة كالقيام والركوع والسجود، والجمع صلوات قال تعالى[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى]( ).
وأختلف في اشتقاق كلمة الصلاة على اقوال:
الأول : أصل الصلاة في اللغة الدعاء, وهو المشهور فسميت ببعض أجزائها.
الثاني : أصلها التعظيم ، وسميت الصلاة لما فيها من تعظيم الله عز وجل وتقديسه.
الثالث : قال الزجاج الأصل في الصلاة اللزوم يقال: قد صلى وإصطلى إذا ألزم، وإليه مال الأزهري.
الرابع : قال بعض أهل اللغة: أنها من الصلًوين وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها , وأول موصل الفخذين من الإنسان، والصّلا من الإنسان وسط الظهر، وقيل هو ما إنحدر من الوركين، وربما عني به العظم الذي عليه الأليان لأن الإنسان يحرك صلويه في الركوع والسجود.
الخامس : قال أبو عبيدة: أصل هذا في الخيل من السابق الأول، والمصلي الثاني، سمي به لأنه يأتي ورأسه عند صلا الأول.
السادس : إختيارها من الصلي وهي النار كما في قولهم، صليت العصا إذا قومتها بالصلي، لما في الصلاة من التقويم للأخلاق.
السابع : قال إبن عباس: المصلي في كلام العرب السابق المتقدم ,وهو مشبه بالمصلي من الخيل.
الثامن : وعن ابن فارس: هي من صليت العود بالنار إذا لينته( )، لأن المصلي يلين بالخشوع لله ساعة أداء الصلاة، والصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة دعاء واستغفار وترحم وكل داعٍ مُصَلٌ.
والرزق في اللغة: الحظ والنصيب، وهو بالكسر اسم، واختلف الاشاعرة والمعتزلة في اصطــلاح الرزق ومتعلقـــه، فقال الاشاعرة بأنه كل ما ينتفع به بغض النظر عن حلية طريق كسبه أو حرمته، ولكن المعتزلة رفضوا تســمية الحرام بالرزق لعدم صلاحيته لغة وشرعاً، ولأنه لا يجوز إسناده إلى الله تعالى لتنزهه عن القبائح، ولكل من الفريقين دليل.
فالاشاعرة تمسكوا بما ذكره صفوان بن امية من جواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن قرة الذي قال: “يا رسول الله إن الله كتب عليّ الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي أتأذن لي في الغناء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد كلام: يا عدو الله إن الله قد رزقك رزقاً طيباً فاخترت ما حرم الله عليك من الرزق مكان ما أحل الله لك من حلاله”.
وطعن المعتزلة في الحديث سنداً ودلالة , وقالوا إن الله أطلق عنوان الرزق على الحرام من باب المشاكلة، ثم انهم تمسكوا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالاً ولم يقسمها حراماً”، بل واحتجوا بنفس الحديث لما فيه من الحرمة والمنع من الحرام.
واحتج الأشاعرة ايضاً بمعنى الرزق في اللغة وهو الحظ والنصيب الذي يفيد الإطلاق من غير حصر بالحلال وبقوله تعالى [ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ] ( ) وان الإنســان قد يعيش عمره كله من اكـــل الحـــرام، والكل قابل للمناقشــة، والقائـــل بان الـــرزق هو الإنتفاع من الحلال احتج بآيات منها قوله تعالى في هذه الآية [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ].
والأرزاق قسمان منها ما يخص الأبدان كالأقوات وتسمى ظاهرة، ومنها باطنة تخص القلوب كالمعارف ومكارم الأخلاق والعلوم، كما يمكن تقسيمها الى المادي والمعنوي.
وأصل الإنفاق: الإخراج، ويقال: نفقت الدابة من باب قعد تنفق نفوقاً، أي هلكت وخرجت روحها، ونفق الزاد نفقاً أي نفد ولم يبق منه شيء.
والغيب: ما خفي عن العباد وغاب عن الإبصار وعجز الحس عن إدراكه وان كان قريباً، وفي الغيب أظهرها أقوال:
الأول: ما أخبر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وقائع الحاضر والمستقبل وأحوال الآخرة ونحوها.
الثاني: ما جاء من عند الله، حكي عن ابن عباس( ).
الثالث: مطلق ما خفي عن الناس معرفته من أمر الجنة والنار والبعث، وما كتب لهم من الرزق وما ينتظرهم من الأعمال في مستقبل الأيام، نسب هذا القول إلى جماعة من الصحابة مثل ابن مسعود، وقال الشيخ الطوسي: وهو الأولى لأنه عام( ).
الرابع: سائر ما لا يدرك بحاسة البصر ويمكن معرفته بدلائل خاصة وبراهين يهتدي اليها العقل.
الخامس: لقد ورد لفظ (الغيب) وبلغة المفرد في القرآن تسعاً وأربعين مرة منها ما يتعلق بالأحوال التي ذكرت أعلاه من مصاديق الغيب ووجوهه، وشطر من علوم الغيب اختص الله نفسه بها ولم يطلع عليها أحد من الخلائق، قال تعالى [قُلْ لاَ يَعْلمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ]( ).
انه أمر يجسد عظم مقام الربوبية وتنزيه الباري والإقرار بعجز الخلائق عن إدراك كنه صفاته تعالى وتخلفهم مجتمعين عن الإحاطة بعلمه غير المتناهي، الأمر الذي يملي على المؤمنين وظيفة التصديق المطلق لما جاء به الأنبياء من عند الله وما تضمنته الكتب السماوية النازلة، فكان القرآن البغية المقصودة والسبيل الأوحد لظهور هذه الوظيفة على صعيد الواقع والإعتقاد بصيغ التمام والكمال لما جعل فيه الله سبحانه من الأسرار ومضامين الحكمة والبيان.
ولو إشتغل رجال الفكر من المسلمين في كل جيل بتفسير القرآن بانماط وصيغ جديدة ورداء يتناسب مع روح العصر والزمان الذي هم فيه وباستثمار علوم من سبقهم في أبواب التفسير والتأويل ووجوه المعرفة الإلهية لبقوا عاجزين عن إدراك الأسرار الغيبية التي تتضمنها آيات القرآن وآفاق تأويلها، ولكن ثبوت تلك الحقيقة واقعاً وبعد عناء مثمر لا يخلو من منافع عظيمة ومتشعبة، وفيه توكيد لإعجاز القرآن وتخلف العقول مجتمعة ومنفردة عن إدراك كنه عظمته.
قانون الإتفاق
قيل أن الصلاة كلمة في الأصل آرامية من صلا ومعناها ركع وانحنى، ووردت في التوراة ودخلت العربية عن طريق أهل الكتاب.
ولكن الكلمة عربية بلحاظ الإشتقاق ومناسبته للموضوع، ويمكن ان نؤسس قانوناَ في وضع اللغات وتداخلها إسمه (قانون الإتفاق) في علم اللغة واللسان إذ لا مانع من توافق أكثر من لغة على لفظ واحد وإنطباقه على معنى معين أو معاني متقاربة من وجوه:
الأول: يكون اللفظ في الأصل في لغة وعند أمة وإنتقل إلى الأخرى او بالعكس.
الثاني: حصل الإلتقاء في ذات اللفظ والمعنى إتفاقاً ومن غير قصد، فكل أمة إختارت اللفظ المخصوص لذات المعنى من غير علم بإختيار الأمة الأخرى له.
الثالث: تم الإلتقاء بالإختيار بفضل من الله، خصوصاً في الأسماء والمواضيع العبادية، والصلاة عمود الدين.
الرابع: تم الاتحاد في لفظ الصلاة بوحي من الله الى انبيائه.
الخامس: إنه من عمومات قوله تعالى[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ).
وان اللغات تفرعت من آدم فانه يصدق عليه ان كلامه جزء من لغة كل امة وقوم، وليس هناك قاعدة شرعية أو عقلية أو عرفية تفيد عدم إمكان إتحاد اللفظ والمعنى في لغتين أو أكثر كما أنه قد يحصل إتفاقاً وصدفة بالإضافة إلى تعذر الدليل المركب في المقام أي الذي يثبت وجود كلمة معينة في لغة وينفي وجودها في لغة أخرى في نفس الزمان المتقدم.
وعلى فرض ثبوته فإن إختيار قوم للفظ معين في لغتهم لا يعني حرمة وعدم جواز اختيار الغير ووجوده في لغة أخرى مع صدق الإبتداع فيه أيضاً على اللغة التي تختاره عقب إختيار الأولى، بل أن طبيعة الخلقة الإنسانية ونطق اللسان ومحدودية الألفاظ تساعد على إحتمال إشتراك أكثر من لغة في لفظ واحد وعليه شواهد كثيرة في الجمع بين اللغات حتى مع إنتفاء الإلتقاء والتقارب بينها في فترات نشأة إستقرار اللغة.
إن اللسان وإيجاد لغة للتفاهم بين الناس رحمة من عند الله خصهم بها، لتكون وسيلة لتعاهد وظـائف الخلافة في الأرض وهو من عمومات رد الله عز وجـل على الملائكــة[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، لذا أمر الله عز وجل آدم بإخبار الملائكة عن الأسماء لبيان حقيقة وهي أن اللسان سلاح الخلافة، وآلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويظهر به الإنسان إسلامه وصدق إيمانه، ولجوئه إلى الإستغفار كما في قوله تعالى في وصف المتقين[وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ]( )، فإن لم يتفق الناس على تباين أمصارهم ولغاتهم ولهجاتهم على ألفاظ مخصوصة فإن ال عز وجل تفضل بهدايتهم لسبل النجاة والفوز بالنشأتين بتلاوة آيات القرآن، وهو من أسرار عربية ألفاظه , والقراءة في الصلاة بالعربية.
في سياق الآيات
بعد أن ذكرت الآية السابقة الوظائف السامية للكتاب السماوي جاءت هذه الآية لبيان صفات المتقين الذين ينتفعون من القرآن ويستثمرون نزوله، ونظم الآيات إعجاز مستقل لمنع اللبس والجهل، ودفع الوهم والغرر، ولبيان سبل الجنة بلغة يفهمها كل إنسان لقبح العقاب بلا بيان.
وبعد أن بينت الآية السابقة أن هذا الكتاب الذي بين الدفتين هو القرآن الجامع للأحكام النازل من عند الله وأنه هدى ورشاد للذين يخشون الله عز وجل ويخافون عقابه جاءت هذه الآية بيان ثلاث صفات من صفات المتقين وهي:
الأولى: الإيمان بالغيب وهو خلاف الحضور، ويدل في مفهومه على الإيمان بالآيات الحسية والعقلية الظاهرة.
الثانية: إتيان الصلاة والمواظبة عليها.
الثالثة: دفع الزكاة، وإعانة المحتاجين.
وتتعلق واحدة من هذه الصفات بالعقائد، واثنتان بعالم الافعال وفروع الدين، لتأتي الآية بثلاث صفات أخرى للمتقين وكلها في العقائد وخصائص الإيمان، وفيه فصل وتمييز بين الناس بلحاظ التقوى وعدمها، وليس من برزخ بين الفريقين، فلابد لأهل الإيمان والتقوى ان يتصفوا بالصفات الواردة في هذه الآية والآية التالية لينالوا مرتبة التقوى ويكونوا من أهل الفلاح والصلاح.
إعجاز الآية
بدأت الآية بالإيمان بالغيب كصفة للمتقين، لأن نزول الآيات من مصاديق الغيب، والإيمان بالغيب والوعد والوعيد، وحتمية يوم القيامة والجنة والنار من ضروريات الدين.
ويدل تصدر صفات المتقين لآيات القرآن على موضوعيتها في عالم المبادئ والأفعال، ومجيؤها واضحة بينة نوع إعجاز لما فيه من التسهيل والتيسير في مسالك الهدى والترتيب في أفراد الآية وتقديم الإيمان بالغيب مدرسة قرآنية مستقلة .
ومن أسرار هذه الآية التداخل بين أطرافها الثلاثة , فالمراد من الغيب الإيمان بآيات الله والإقرار بالبعث واليوم الآخر والحساب والجزاء، ويتجلى الإيمان بالغيب بأداء الصلاة لأنها عمود الدين، وشاهد على إيمان المتقين بالله تعالى وتصديقهم بالأنبياء وإطاعتهم للأوامر الإلهية فجاءت هذه الآية بصيغة الجملة الخبرية[وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ] .
وجاءت آيات عديدة بصيغة الجملة الإنشائية (وأقيموا الصلاة) وقال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ] ( )، وفي الآية إشارة إلى إجتناب المسلمين الفواحش والمنكر لقوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ).
ويمكن تسمية هذه الآية بآية (يؤمنون بالغيب) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
تعتبر الآية مدرسة في المعارف الإلهية، ورسالة تأديبية، وضياء الى سبل الرشاد وأسباب الهداية، وفيها بيان لصفات المتقين للحث عليها والدعوة إلى التلبس بها كملكة مستقرة ظاهرة على الجوانح وفي السلوك النوعي والشخصي.
وتبين الآية موضوعية الإيمان بما خفي عن الحواس مما لم يتضح ظاهراً للناس لما فيه من الإقرار بضعف وعجز الإنسان عن الإحاطة بالكون والخلائق، وهذا العجز من وجوه العبودية لله تعالى، فمن خصائص العباد التسليم بالحاجة إلى الله تعالى ورحمته الواسعة.
وتؤكد الآية على أن الصلاة والزكاة فرضان في العبادة , و هما سلاح بيد المسلمين في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنهما وسيلة لتثبيت الإيمان في النفوس، والتجدد اليومي لمعاني الأخوة بين المسلمين، وحرز من إرتكاب السيئات، وواقية من مفاهيم الشك والريب، ودعوة متصلة للناس لدخول الإسلام، وأما في الآخرة فإنهما باب لنيل المغفرة والفوز بالمراتب العالية في الجنة الواسعة.
الآية لطف
ينحصر علم الغيب بالله تعالى، ومن لطفه تعالى ان يّمن على الأنبياء بالأصالة والمسلمين بواسطتهم بشطر من علم الغيب , قال تعالى [ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ] ويأتي ايمان المسلمين بالغيب بالمعنى الأعم، فالألف واللام في قوله تعالى [يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ] تفيد الجنس والإستغراق وليس العهد السابق وإرادة ما أخبر الله عز وجل به أنبياءه ، وما نزل عنه في الكتب السماوية، فالمسلمون يؤمنون بعلوم وأسرار الغيب، ويفتخرون بإقرارهم بإن الله عز وجل أحاط بكل شيء علماً.
مفهوم الآية
يعتبر القرآن مدرسة الأجيال في شتى العلوم وأبواب المعرفة , وهو المؤدب المصاحب للناس على نحو العموم المجموعي والإستغراقي والشخصي.
إن ذكر الآية لصفات المتقين دعوة لتجليها على الجوارح وفي الأعمال وهي عون على معرفتها وتحديدها، وفيها منع من الإرباك والخلط وتداخل العناوين والإحباط.
وتعتبر الآية جامعة في كيفية منح الألقاب وتحديد الدرجات، ومنازل الأفراد بجعل التقوى هي المدار والملاك، كما أنها في مفهومها تنهى عن المدح والإطراء ومنح الألقاب بغير حق وتحذر من الإبتعاد عن مفاهيم التقوى، وفي الخبر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “ان الله يغضب إذا مُدح الفاسق”( ).
وتؤسس الآية ملازمة بين التقوى والإحسان فمن صفات الم تقين الإنفاق في سبيل الله وإعانة الضعفاء، ليكون الإنفاق في سبيله تعالى مفهوماً ثابتاً في العقيدة الإسلامية، وشـــعاراً للتقوى، وســـجية راسـخة عند كل مؤمن، وتشمل لغة الإطلاق الواردة في الآية حال الشدة والرخاء، والإنفاق الشخصي والأسري وإنفاق الجماعة والمنظمة والدولة.
وتحذر الآية في مفهومها من حجب الحقوق الشرعية من الزكاة والخمس، ومن الإمتناع عن أداء الحج كعبادة بدنية ومالية عند إجتماع شرائطه وتوفر الإستطاعة.
وفي الآية مسائل:
الأولى: بيان صفة المتقين، وفيه إعانة وتعليم وإرشاد للمسلمين لمصاديق التقوى.
الثانية: دعوة الناس لرؤية الخصال الحميدة للمسلمين، والتي يجب ان يتحلى بها كل إنسان بإعتبار أن عبادة الله عز وجل هي علة خلق الإنسان.
الثالثة: ذكرت هذه الآية شطراً من صفات المتقين، وجاءت الآية التالية بشطر آخر منها ، وهذا التعدد وإختصاص آيتين بذكر صفات المتقين دليل على قدسيتها وضرورة العناية بها والسعي والعمل بمضامينها، وإكرام أهلها.
الرابعة: من صفات المتقين عدم إنكار المغيبات التي جاء بها القرآن بل يتلقونها بالتصديق والتسليم، ويتضمن القرآن علوم الغيب وأسرار السماء، وأخبار الجنة والنار، وعالم ما بعد الموت، فجاءت الآية لمدحهم والثناء عليهم بإعتبار انهم لم ينكروا ما في القرآن من علوم الغيب بل صدقوها وعملوا بما يجب عليهم.
الخامسة: الصلاة عمود الدين، ومن صفات المتقين ذكوراً وإناثاً المحافظة عليها، وتعاهدها وأداؤها في أوقاتها، ففي قوله تعالى [وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ] وجوه:
الأول: إقامة الصلاة وعدم تركها.
الثاني: توكيد منزلة الصلاة من بين يالفرائض كالصيام والحج والزكاة.
الثالث: إقامة المسلمين للصلاة وتعاهدهم لها شاهد على نيلهم مرتبة التقوى بلحاظ الجمع بينها وبين مضامين هذه الآية والآية التالية.
السادسة: إخراج المسلمين للزكاة، وتقيدهم بأحكامها، وجاءت الآية بلفظ الإنفاق الشامل للزكاة الواجبة والمستحبة، ولم تذكر الآية جهة الإنفاق، ولكن تعيينها من وجوه :
الأول: تضمن الآية الكريمة الإخبار بأن المسلمين ينفقون مما رزقهم الله، فيكون الإنفاق عن إقرار بالعبودية لله، وحباً له، وفي مرضاته.
الثاني: مجيء آيات قرآنية عديدة تؤكد أن الإنفاق بقيد وقصد في سبيل الله قال تعالى[وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]( ).
الثالث : يتفرع عن الإنفاق الثواب العظيم في الآخرة، والنجاة من النار، لذا فان من صفات المتقين خشية الله والخوف من غضبه، فيأتي الإنفاق واقية من سخط الله، وإستجارة به تعالى.
إفاضات الآية
من صفات الممكن النقص والحاجة، والإنسان ممكن غير قادر على الإحاطة بما حوله من العوالم المادية والعقلية، والعالم مظهر لجمال وجلال وأسماء وصفات الله عز وجل، ومن خصائص أهل الإيمان الإقرار بالعجز عن الإحاطة بالغيب وما خفي عن الحواس، وهذا الإقرار تسليم بالربوبية وإعتراف بالعبودية لله تعالى، كما أنه سبحانه شاكر عليم، فمع الإقرار له بالربوبية المطلقة يتفضل سبحانه بفتح أبواب من علم الغيب على المسلمين بواسطة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله تعالى [ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ]( )، [تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ]( )، ونحوهما من الآيات التي تدل على إكرام المسلمين بإطلاعهم على جانب من علوم الغيب وأسرار الكون .
وتأتي الصلاة توكيداً لحاجة المخلوق إلى الخالق، وهي سلاح الغلبة على الشيطان وطرد لداعيه، والعابد أفضل الموجودات في عالم الممكنات وبالصلاة يرتقي في منازل القرب، ويزيح الحجب عن قلبه، وفي الصلاة قهر للنفس الشهوية والغضبية، وإنتصار لآثار الملكوت الإلهية، وهي عنوان الحب، ومن حب الله تعالى للمسلمين أن أمرهم بالصلاة وبصيغة الجمع والتعدد.
والآية شاهد على حسن إمتثالهم لأنها وردت بصيغة الخبر (ويقيمون الصلاة)، وهي عنوان الفوز في منازل الخلد في الآخرة، وجاء الإنفاق ملازماً للصلاة لأنه شاهد على طهارة النفس والتخلص من كدورات الدنيا، ودليل على حسن الإستجابة ووسيلة للتقرب إليه تعالى بالزهد في الدنيا وإعانة المحتاجين.
لقد جاء الإنفاق على نحو الإطلاق والإجمال، والقدر المتيقن منه الزكاة ولكن في الآية دعوة إلى الإنفاق المستحب.
وتقسم الآية الوجود بلحاظ مدارك الإنسان إلى قسمين:
الأول : الأمور والأشياء الحاضرة والمحسوسة.
الثاني : الأمور الغائبة عن الإنسان.
وتمدح الآية أهل الإيمان والصلاح لإقرارهم بالغيب وما خفي عن الحواس مما لا يعلمه إلا الله عز وجل، وكأن الإيمان بالغيب فرع الإيمان بالله عز وجل ، ونبذ للشرك والأنداد.
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت هذه الآية ببيان صفة المتقين الذين ذكرتهم الآية السابقة وأخبرت عن كون القرآن هداية لهم، فوصفتهم بثلاث صفات هي:
الأولى: الإيمان بالغيب، والغيب موضوع شامل وعام تقع تحته مسائل ومواضيع ومضامين عديدة، وهو من اللامنتهي لذا جاءت الآية بمدح المسلمين لايمانهم به بالذات والأصل والمصاديق الظاهرة منه والتي لا تظهر للحواس، وتبقى خفية عن حواس ومدارك البشر، ومن الغيب أمور:
الأول: كيفية نزول القرآن وتلقيه يدل باعجازه الذاتي والغيري على نزوله من عند الله سبحانه .
الثاني: الأسرار والمضامين القدسية والعلوم التي يتضمنها القرآن والتي تساهم في هداية المتقين.
الثالث: قصص الأنبياء والمرسلين، وأخبار الأمم السابقة ، قال تعالى في قصة يوسف [ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ] ( ).
الرابع: أخبار الجنة والنار ومواطن الحساب ويوم القيامة.
الخامس: عالم البرزخ وهو الذي يكون بعد زهوق الروح ومغادرة الإنسان الدنيا إلى حين البعث والنشور.
السادس: ما غاب عن العباد علمه.
السابع: ما يحدث للإنسان في مستقبل أيامه في نفسه ورزقه وسكنه وشأنه وأمور حياته كلها.
الثامن: آيات الآفاق وما في السماوات والأرض من الأسرار والكنوز والذخائر.
التاسع: ظهور الإسلام، وعز المسلمين وإتساع رقعة الإسلام، وذهاب الفزع والخوف من نفوس المسلمين.
العاشر: هزيمة الكفار والمشركين، وعجزهم عن النيل من الإسلام والمسلمين.
وتفيد الألف واللام في (الغيب) الجنس والعموم الإستغراقي، وذكرت الآية الإيمان بالغيب وليس العلم، لأن العلم به منحصر بالله تعالى وفي التنزيل[وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ]( ).
وتظهر الآية حسن أدب المسلمين بالتسليم بالغيب، وتلقي الأحكام الشرعية بالإمتثال طاعة لله تعالى ورجاء الثواب لذا ذكرت الآية إقامة الصلاة بعد الإيمان بالغيب، ليجتمع الإيمان مع الفعل العبادي، وهذا الإجتماع من خصائص المتقين إذ يأتي فعلهم موافقاً لإيمانهم، ويؤكد عدم تخلفهم عن وظائفهم الشرعية في أداء التكاليف.
الثانية : إقامة المسلمين للصلاة ، وهي أشرف وأسمى عمل للإنسان على مر العصور، ومع تعدد وجوه وأفراد العبادات ، فإنها لا تنافس الصلاة في أولويتها في معالم الإيمان . وتعاهد المسلمين لها ولقواعدها وسننها وكل فرد منها شاهد على تفضيلهم على أهل الملل الأخرى وأداء المسلمين العبادات مجتمعة ومتفرقة من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثالثة: أختتمت الآية بصفة ثالثة وهي الإنفاق مما يرزقون من المال وإخراج الزكاة والحقوق الشرعية الى مستحقيها، ومنه صدقة التطوع، ونشر العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والإيمان بالغيب مدخل كريم لأداء العبادات، لأنه إقرار بالربوبية لله تعالى، وروي ان النبي محمداً صلى الله قال: الإيمان سر، وأشار الى صدره( ).
ومن إعجاز الآية تقدم الإيمان بالغيب على إقامة الصلاة، لتأتي الصلاة عن إيمان وتسليم ورضا.
ويكون أداؤها شاهداً على الإيمان بالغيب ، والعمل بالأركان من مصاديق الإيمان، والصلاة عبادة بدنية، واعقبتها في الآية العبادة المالية بدفع الزكاة، والإنفاق من المال ، والعلم بقصد القربة لله والإمتثال لأوامره، وفي خاتمة الآية مسائل إعجازية منها:
الأولى: مجيء الإنفاق على نحو التبعيض، فلم تقل الآية (وما رزقناهم ينفقون) بل قالت [مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ]، في إشارة إلى العناية بالنفس وتوظيف شطر من الرزق للحاجات الشخصية ومستلزمات المعيشة، وهو من مصاديق العز، ومقدمة للتوجه إلى العبادة، وفيه تخفيف عن المتقين ومنع للتشديد على النفس في إنفاق ما في اليد قال تعالى[وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا]( ).
الثانية: حصول الإنفاق من الرزق وليس من المال الخاص والملك الشخصي، في إشارة إلى أن كل ما بأيدي الناس هو من عند الله تعالى، وهو الذي يتفضل به عليهم وفيه دعوة للمسلمين والناس جميعاً للإنفاق، والمبادرة إلى الصدقات الواجبة والمندوبة.
الثالثة: الإقرار بأن الإنفاق من رزقه الله من مصاديق الإيمان بالغيب لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو الذي يخلف على المسلمين ما ينفقون، ويأتيهم بالعوض والبدل من حيث لا يحتسبون، إنه تجارة مع الله وشاهد على إيمان المسلمين، وفيه دعوة للناس للإيمان والمسارعة في الخيرات طاعة لله ورجاء رفده وثوابه.
الرابعة: تنزه المؤمنين عن الكسب الحرام، وقيل بدلالة هذه الآية على أن الحرام ليس برزق لأن الله تعالى مدح المتقين على الإنفاق مما رزقهم الله عز وجل ، ولو كان الإنفاق من الحرام لما إستحق المدح.
ولكن النوبة لا تصل إلى هذا الإستدلال ، لأن الآية بصدد الثناء على المتقين على نحو الخصوص، ومن مصاديق التقوى التنزه عن الحرام ومقدماته، والرزق عام وهو كل ما يصح الإنتفاع منه.
التفسير الذاتي
مع قلة كلمات الآية السابقة فانها ذكرت القرآن بلغة التفخيم والتعظيم من جهات:
الأولى: صيغة الإشارة للبعيد (ذلك).
الثانية: القرآن هدى وخير محض.
الثالثة: القرآن هاد للمتقين الذين يخشون الله عز وجل.
ولا يعني هذا أن وظائف هداية القرآن تنحصر بالمتقين بل جاءت آيات عديدة تبين أنه بذاته هدىً، وأنه هدى للناس جميعاً، فهو مدرسة الهداية والموعظة والصلاح.
وتبين آيات القرآن أن الهدى مطلوب بذاته، الهدى الذي يأتي به القرآن طريق لملكة الصلاح والرشاد، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ] ( ).
ومن إعجاز القرآن مجئ هذه الآية لبيان علامات المتقين وما يتصفون به من السمت الحسن لمنع اللبس وطرد الوهم،ولإعانة المسلمين على تلمس مسالك التقوى، إذ تبعث الآية السابقة الشوق في نفوس المسلمين للإرتقاء إلى منازل التقوى، والصيرورة في جماعة المتقين، فجاءت هذه الآية لتبين حقيقة وهي بمقدور كل مسلم بلوغ منازل التقوى.
وإبتدأت الآية بذكر صفة من صفات المتقين، وهي الإقرار بما غاب عن الحواس من الشواهد على بديع صنع الله عز وجل، وهو نوع تفويض لله عز وجل في الأمور كلها.
لقد أنزل الله عز وجل القرآن سلاحاً وواقية من الشك والريب فيكون التصديق بالغيب شاهداً على التصديق بالقرآن، والإيمان بنزوله من عند الله دليلاً على التسليم بالغيب.
ترى ما هي النسبة بين التقوى التي ذكرتها الآية السابقة، وبين الإيمان بالغيب الذي ذكرته هذه الآية، الجواب هو العموم والخصوص المطلق، فمن شرائط التقوى التصديق بالغيب، وعجز الإنسان عن الإحاطة بالكائنات والتسليم بالقدرة المطلقة لله عز وجل، والعوالم الطولية المتعددة والخلود في الآخرة.
وجاءت هذه الآيات للإخبار عن منافع القرآن ، وحاجة الناس له كنعمة عظيمة من عند الله من وجوه:
الأول: يهدي القرآن الناس للإسلام.
الثاني: القرآن إمام في الصالحات، وواقية وحرز من السيئات.
الثالث: نفع القرآن للمسلمين متصل ومتجدد، فهو يأخذ بأيديهم إلى منازل اليقين وينمي عندهم ملكة التقوى، ويجعلهم يتعاهدونها بالعمل الصالح وإجتناب الذنوب والسيئات.
وجاءت الآية بقوله تعالى [هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] لبيان ما تؤدي إليه تلاوة القرآن والعمل بأحكامه من قبل المتقين من زيادة هدايتهم وثباتهم في مقامات الإيمان، لذا جاءالأمر الإلهي بوجوب قراءة القرآن في الصلاة اليومية، وفيه دليل على أن هذه القراءة تزيد المسلمين متحدين ومتفرقين هداية ورشاداً، وتقودهم لنيل المقامات الرفيعة في الآخرة بالهداية والتقوى، قال تعالى [لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ]( ).
وتبين الآية عدم إنقطاع حاجة الناس لله عز وجل وما أنزله من الكتب السماوية ويمكن تسمية الحياة الدنيا بأنها (دار هدى) لأن الهداية فيها متصلة في زمانها وأفرادها، ولا يستغني عنها حتى الذين بلغوا مراتب اليقين، والله عز وجل هو الكريم الذي يتفضل بهدايتهم والناس جميعاً بآيات التنزيل والنبوة.
وسيأتي في باب تفسير هذه الآية ذكر خمسة أقوال في الغيب، لبيان المسؤوليات العقائدية التي يتحملها المسلمون في إمامة الناس بالإيمان بالغيب، الذي هو فرع الإقرار بالعبودية لله عز وجل وأنه سبحانه قادر على كل شئ.
وتبين هذه الصفة ومناسبة ذكرها في بداية القرآن أن الكتاب نزل لمدح المسلمين والثناء عليهم، وأنهم أهل لتلقي الكتاب وتعاهده، لقد أراد الله عز وجل بهذه الآية أن يكون الإيمان بالغيب على وجوه مباركة منها:
الأول: إنه مائز للمسلمين،وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
الثاني: إنه فرقان بين الإيمان والضلالة ، ومانع من أسباب الشك والريب.
الثالث: التصديق بالغيب واقية للمسلمين من أهل الجدال والخصومة.
والله سبحانه هو عالم الغيب، وأحاط بكل شئ علماً، وخلق الإنسان ونفخ فيه من روحه ليعمر الأرض بالعبادة والصلاح.
ومن وجوه العبادة التصديق بالغيب، والإقرار الشخصي والنوعي بالعجز عن الإحاطة بخفايا الغيب، وخزائن العلوم، وأسرار السماوات والأرض إلا بما يشاء الله عز وجل، والإيمان بالغيب وعظمة سلطان الله عز وجل قال تعالى [عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا]( ).
وبديع صنع الله مقدمة لأداء الوظائف العبادية، ومناسبة لحسن الإمتثال للأوامر والنواهي التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لذا ذكرت الآية بعد الإيمان بالغيب صفة ثابتة من صفات المتقين، وهي إقامتهم للصلاة، لتوكيد حقيقة مركبة من وجوه:
الأول: الملازمة بين الإيمان بالغيب وأداء العبادات، لقد نزل القرآن بوجوب أداء المكلفين للصلاة، وأنها واجب متجدد على المؤمنين ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
الثاني: الإيمان بالغيب مقدمة وطريق لأداء الوظائف العبادية.
الثالث: الإيمان إقرار بالقلب،والصلاة فعل يحاكي هذا الإيمان، ويكون مرآة له.
لقد جاء قوله تعالى[وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ] بصيغة الجملة الخبرية، وفيه وجوه:
الأول: إنه يحمل معنى الجملة الإنشائية،والأمر بإقامة الصلاة.
الثاني: أداء المسلمين الصلاة بأوقاتها.
الثالث: تقيد المسلمين بأحكام الصلاة.
وجاءت الآية بصيغة الإجمال في إقامة الصلاة من غير تفصيل لكيفية أدائها، ولابد من أداء الصلاة بأحكامها وأركانها وشرائطها لإنتفاء المشروط بإنتفاء شرطه، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي( ).
وجاء القرآن بوجوب العمل بما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ]( ).
وأختتمت الآية بذكر الإنفاق في سبيل الله، وأنه صفة من صفات المتقين، والحث على دفع الزكاة والإنفاق في سبيل الله، وصلة الرحم، وإطعام الطعام، وإجتناب البخل والشح ونحوها من الأخلاق المذمومة.
وهل يشمل الإنفاق في هذه الآية الصفح وبذل الإحسان والود وإفشاء السلام، والعفو ، قال تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ]( )، الجواب جاءت الآية بخصوص ما رزق الله عز وجل المتقين، والقدر المتيقن في الآية هودفع الزكاة وبذل المال وإعانة الآخرين رجاء مرضاة الله عز وجل ولا يمنع من المعنى الأعم، كما لو كان العفو من مقامات السلطان والقدرة.
وقد جاءت فاتحة سورة لقمان قريبة من الآيات الأولى من سورة البقرة مع البيان والتفسير ، قال تعالى [الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( )، لبيان أن المراد من ذكر الكتاب في هذه السورة هو آيات القرآن، وأن المتقين هم المحسنون في صلاحهم وتقواهم، وأن المراد من الإتقاء والخشية من الله في المقام هو إخراج الزكاة ودفعها إلى أهلها.
وتضمنت الآية المدح على الإنفاق على نحو الجزئية من الرزق لمقام (من) التي تفيد التبعيض في قوله تعالى [مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]وفيه مسائل:
الأولى:الزكاة جزء قليل من الرزق.
الثانية: تتعلق الزكاة بالنماء والزائد على المؤونة والمقدار الكثير.
فلا تجب في النقدين إلا أن يبلغ عشرين ديناراً ذهباً، كل دينار مثقال ذهب شرعي عبار ثمان عشرة حبة أو مايعادلها، ونصاب الفضة إذا بلغ مائتي درهم ففيه خمس دراهم, ثم في كل درهم خمس دراهم , ونصاب الغنم أربعون شاة، وفيها شاة واحدة. وكذا بالنسبة للغلات، فلا زكاة فيما دون النصاب، وهو خمسة أوسق والوسق ستون صاعاً، ويكون نحو ثمانمئة وسبعة وأربعين كيلو غرام تقريباً .
الثالثة : يكون التبعيض مصداقاً إجمالياً للنصاب وكفاية الشئ القليل في براءة الذمة، ودعوة المسلمين لحفظ أموالهم، وعدم الإسراف، ونسبت الآية الرزق إلى الله عز وجل لبيان حقيقة وهي أن النعم التي عند الناس كلها من عند الله، وأنه سبحانه هو الذي يأمر بالزكاة، مما يملي على الناس الإستجابة ، وفيها النماء والبركة لأنها مصداق للطاعة وشكر الله عز وجل على النعم.
من غايات الآية
تتضمن الآية بيان الخصال الحميدة للمسلمين، وإرتقاءهم في منازل التقوى، وفيها حث لهم على الإجتهاد في العبادة وسبل الهداية وترغيب للناس بالإسلام، وبيان النفع العظيم للقرآن الكريم في صلاح المسلمين ، وحسن إمتثالهم للأوامر الإلهية.
ومن الآيات ان تأتي الآية جامعة لمدح المسلمين وتوكيداً لموضوعية القرآن كسبب لهدايتهم، وان الله عز وجل أنزله ليكون هدى وأماماً في الصلاح والفلاح، وبياناً لحاجة المسلمين في كل أوان وفي أي مرتبة من مراتب التقوى للقرآن وأحكامه وسننه.
ويحتمل تقديم الإيمان بالغيب في الآية وجوهاً:
الأول : أولوية الإيمان بالغيب، وبيان موضوعيته في الصلاح والإصلاح.
الثاني : إرادة أداء الصلاة والزكاة والفرائض الأخرى عن قصد القربة وطلب مرضاة الله.
الثالث : ذكر الإيمان بالغيب لأنه ملازم لبدايات الإيمان وسابق لإتيان الفرائض ولو آناً ما.
الرابع : ليس من أثر يترتب على التقديم والتأخير في الآية إذ أنها ذكرت مصاديق الإيمان مجتمعة.
الخامس : حينما أختتمت الآية السابقة بلفظ التقوى، وهي ملكة في النفس تعصم من المعاصي وإرتكاب المآثم إبتدأت آية البحث بالإيمان القلبي بالغيب ليكون من مصاديق التقوى ورشحاتها.
وباستثناء الوجه الرابع أعلاه فان الوجوه الأخرى من مصاديق ودلالات تقديم الإيمان بالغيب , وتوجه الآية رسالة إلى الناس جميعاً بأن المسلمين أئمة التصديق بالغيب، وأنهم يصدرون عن القرآن في التصديق بالغيب وعلومه تلك التي تتعلق بالماضي والحال والآتي من الأزمان والعوالم.
وإذا سأل الناس عن المتقين الذي نزل القرآن هدىً لهم كانت آية البحث هي البيان والفيصل، فهم الذين يقيمون الصلاة جماعة وفراداً وينفقون من أموالهم في سبيل الله ورجاء الثواب، والذين يؤمنون بالقرآن وآياته ويعملون بمضامينه ويصدقون بالكتب السماوية السابقة.
التفسير
قوله تعالى [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ]
بعد أن تفضل سبحانه وبين نعمته على العباد في القرآن اذ جعله هدى ورشاداً للمتقين، تفضل في هذه الآية بذكر صفات المتقين لنعلم مدى عظمة كل آية من القرآن، والوظيفة التي تؤديها وأهمية مضامين نزولها، لقد وفر الله على المسلمين مشقة البحث والإستقصاء في تحديد صفات المتقين خاصة مع أهمية المقام والحاجة إلى المعرفة والبيان.
وترى لغة الوضوح في كل المسائل الأساسية في أمور الدين والدنيا كي يتفرغ المسلمون لعبادته تعالى وتكون له الحجة البالغة، إن البداية بالايمان بالغيب آية وموعظة فقد تفضل الله سبحانه بذكر الجانب العقائدي والروحي والفكري باعتباره الركيزة الأساسية التي تحدد أنماط السلوك، فمع الإيمان به تعالى وبما جاء به الأنبياء من عنده تتحرك النفوس صوب العمل ، وتندفع الأركان والجوارح باتجاه مرضاته تعالى وفق صيغ التسليم والإنقياد لأوامره تعالى، قال سفيان بن الحرث:

وبالغيب آمنا وقد كان قومنا

يصلون للأوثان قبل محمد

إن الإيمان بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعاهد وحفظ لأحكام الشريعة وسبيل نجاة وطريق رشاد، ورد بالإسناد عن أبى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “أن رجلاً قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني”( ).
لقد كان زمن النبوة ميداناً للآيات ومشاهدة البراهين والحجج، وبعد إختتام النبوة بنبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله على أهل الأرض بالقرآن وما ينبئ عنه من عالم الغيب، فيكون التصديق بآياته فضيلة ترتقي بصاحبها إلى مراتب التقوى، وتفتح عليه أبواب الهداية والسداد، بالإضافة إلى تقيده بأحكام الصلاة وأدائها في أوقاتها إستجابة لأمر الله تعالى.
أخرج عن تويلة بنت أسلم( ) قالت:”صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيليا فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد إستقبل البيت الحرام، فتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلوا البيت الحرام، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فقال: أولئك قوم آمنوا بالغيب”( ).
والظاهر انهم إستحقوا هذا الوصف الكريم لإستجابتهم ومبادرتهم إلى إستقبال البيت الحرام، ولم يسألوا البينة وشهادة عدلين، وفي الحديث دلالة على جواز إطلاق الغيب على ما غاب عن الحواس وان كان قريباً، ويحتمل إرادة القرآن وأوامره بلفظ الغيب الوارد في الحديث الشريف، والجمع بين الوجهين غير بعيد.
وورد عن ابن مسعود في قوله تعالى[الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ] قال: “هم المؤمنون من العرب”، وهو من أهم مصاديق الآية ورداء الإيمان خصوصاً أيام النزول فلا مانع من شمولهم بعنوان إعتباري زائد إلا أن الآية عامة وتنبض بالحياة وتدلي بالشهادة ما دام التكليف في الدنيا، وستكون شاهداً يوم القيامة وقد تكون شفيعاً وناصراً لمن آمن بالغيب وهم المسلمون في أمصارهم كافة، وأجيالهم المتعاقبة.
وأخرج عن ابن عباس في الآية (الذين يصدقون بالغيب)( ) قال: “بما جاء منه يعني من الله عز وجل”، و ورد عن الامام جعفر الصادق انه قال: ” [ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ] يصدقون البعث والنشور والوعد والوعيد”، وهو الفرد الأعظم في مراتب الغيب في عالم الخلق والأمر والإمكان، والذي يترشح معه الإقرار بمصاديق الغيب في الدنيا فمتى ما أدرك الإنسان وجود عالم آخر ملاكه الثواب والعقاب وتجلى الصلاح على إنماط سلوكه وحبس النفس عن الهوى وإتباع الشهوات كطريق إلى الجنة.
وذكرت الآية الإيمان بالغيب كأهم صفة من صفات المتقين وورد لفظ الغيب في القرآن بصيغة المفرد تسعاً وأربعين مرة، ولم يرد قوله تعالى [يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ] إلا في هذه الآية التي جاءت في أول القرآن مما يعني أن الإيمان بالغيب أصل عقائدي، ومفتاح للعلوم ، وسر من أسرار الخلق ومقدمة لأداء العبادات والفرائض ، وفي الغيب في المقام أقوال:
الأول : إنه ما جاء من عند الله، عن ابن عباس.
الثاني : ما غاب عن العباد علمه من أمر الجنة والنار والأرزاق والأعمال وغير ذلك، عن عبد الله بن مسعود وجماعة من الصحابة( ).
الثالث : الغيب هو القرآن، عن زر بن حبيش.
الرابع : كل ما أدرك بالدلائل والآيات مما تلزم معرفته، عن البلخي.
الخامس : الغيب خفاء الشيء عن الحس، قرب او بعد الا انه كثرت صفة الغائب على البعيد الذي لا يظهر للحس.
ولا تعارض بين الوجوه أعلاه، وعنوان الغيب يستوعبها، وهو من إعجاز اللفظ القرآني ان يأتي جامعا ًمانعاً، جامعاً للمصاديق التي تبعث على الهدى، ومانعاً من خلو ما ليس حق وصدق فيه.
والآية وان جاءت بصيغة الخبر إلا أنها تفيد الإنشاء والدعوة لعموم الناس للتصديق بالغيب، وهذا التصديق لابد له من طرق محكمة تؤدي اليه وانه لا يتعارض مع أحكام الشريعة والعقل، لذا جاء القرآن معجزاً في ألفاظه ونظمه وبلاغته ليكون الطريق الى الإيمان بالغيب، وهناك فرق بين التصديق بالغيب والعلم به الذي إختصه الله عز وجل لنفسه، ولا يطلع على جانب منه إلا من يشاء من عباده.
قوله تعالى[وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ]
بعد ذكر صفة الإيمان بالغيب كعلامة للمتقين ذكر الله سبحانه أولى فرض في الدين الإسلامي وهو الصلاة، والتلازم بين الإيمان بالغيب من جهة، وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله ظاهر، ولترتقي به الآية الشريفة إلى درجة التلازم البين بالمعنى الأخص الذي يحضر تصوره بتصور ملزومه من غير حاجة إلى توسط شيء آخر.
لقد أرادت الآية توكيد حقيقة إيمانية وهي إقتران العقيدة بالفعل، وإن إقامة الصلاة فرع الإيمان بالغيب ومن لوازمه من وجوه:
الأول : إنها من أفراد الغيب.
الثاني : جاء بها القرآن ، وهو نازل من عند الله تعالى.
الثالث : إنها طريق إلى الجنة وواقية من النار، وهما من أفراد علم الغيب.
الرابع : أداء الصلاة تصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : ذات الصلاة من الغيب كأمر وعبادة ومادة للثواب، وإقامتها إقرار بالغيب.
ولا بأس في المقام من الوقوف عند (الواو) التي تكررت مرتين في الآية بإعتبارها حرف عطف، والمناسب هو التفصيل في اعتبارها لمطلق الجمع كما عليه أكثر النحويين أو أنها تفيد الترتيب خاصة مع وجود القرائن، والظاهر أنها في المقام تفيد الترتيب بتفسير الغيب في الآية بمعناه الأوسع، فبعد الإيمان جاء العمل الصادق وليكون التعريف بالحد التام أي بجميع ذاتيات التقوى الأساسية بثلاث آيات من القرآن والآيات القرآنية التي تبين خصال المتقين كما في بيان القرآن لإعداد الجنة للمتقين[الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ]( ).
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الآية الشريفة على ضرورة الإيمان باعتباره المدخل إلى منازل الرفعة والسعادة ،والأصل في بلوغ الكمال والسبيل إلى إحراز مرضاة الله عز وجل فإنها لم تختتم من غير التصريح بالوظيفة العملية للمؤمن وأن الإقرار باللسان وحده غير كاف للصلاح والفلاح في الدارين.
في رحاب الصلاة تشريع الصلاة
لقد لازمت النبوة وجود الانسان على سطح الأرض باعتبار أن العبادة علة هذا الوجود لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، ولقد أخلص الأنبياء لله في عملهم وإجتهدوا في دعوة أقوامهم إلى التوحيد.
وربما إندرس خبر جهاد شطر منهم بالقتل أو بتعاقب الليل والنهار بالإضافة الى إندثار وتشتت بعض الحضارات والأمم وأثره وضرره على الناس معروف، ولواسع رحمة الله تعالى أنعم علينا بالقرآن وأراد سبحانه أن لا يترك الناس بغير تنبيه، وأمر المسلمين بوجوب تكرار التقرب اليه في كل يوم خمس مرات بصلاة موقوتة ويذكرون ساعتها اسم سيد المرسلين فلا ينسون ما في رسالته من الآيات وما جاء به من القرآن والأحكام التشريعية الخالدة ضمن الإقرار لله عز وجل بالربوبية في تذلل ورغبة وسؤال، ليكون هذا الإقرار مقدمة ومصداقاً لقوله تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
لقد كان تشريع الصلاة مع البداية الأولى لنزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاجة عقائدية وأخلاقية وهي الطريق الأمثل لرسوخ الإيمان، ونحن بحاجة الى دراسات مقارنة وتأريخية وعلمية تبين كيف ان الصلاة سلاح ضروري لنشر الإسلام ودرء الفرقة ووقاية وحرز من كيد الأعداء والأشرار.
وربما جاء النص المتكامل المفروض في أجزائها وأركانها على ما هي عليه اليوم على مراحل ومنذ الأيام الأولى للرسالة وإستمر إلى ما بعد الهجرة النبوية المباركة إلى المدينة – كما في مسالة القبلة وتحويلها مثلاً – والتدرج في الأحكام مرتبط بترسيخ أسس الإسلام ونشر رايته وإتساع رقعته وظهور قوته.
وفي رواية عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين ”أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زاد بعد – الهجرة – في الصلاة سبع ركعات في الظهر ركعتين، وفي العصر ركعتين، وفي المغرب ركعة وفي العشاء الآخرة ركعتين، وأقر الفجر على ما فرضت بمكة لتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء، ولتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الأرض.
فكان ملائكة النهار وملائكة الليل يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر، وقال الله تبارك وتعالى [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ) يشهده المسلمون وتشهده ملائكة النهار وملائكة الليل.
إن الإنســان ليعجز عن التوصـل إلى الأسرار الإلهية لما في الصلاة من مضامين وإعتبارات تجلت في تشـــريعها واجباً يوميــاً متجــدداً، وفرضاً عينياً على كل مسلم ومسلمة ، وعنواناً للهداية والرشاد لتغطي الأرض بظلال الإسلام وتنشــر أضواء مبادئه في ربوعها باعتبارها أعمدة لدوام الحياة على سطحها وسبيلاً للنجاة والفوز بالدار الآخرة، وبالتزام المتقــين بالصــلاة يدفــع الله البلاء عن أهل الأرض ويؤجلهم إلى حين.
ولا يخفى ان الدراسات والبحوث قاصرة عن بيان فلسفة الصلاة ومفاهيمها ووجوه الحكمة والجهاد والتربية والإصلاح فيها.
وفي بداية تشريع الصلاة وأدائها في مكة وعند البيت الحرام ، قال الطبري: “حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال: حدثني سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف عن عفيف قال: “جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب قال: فلما خلعت الشمس وحلقت في السماء وانا انظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم إستقبل الكعبة فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، قال: فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجداً فسجدا معه.
فقلت: يا عباس أمر عظيم، فقال: أمر عظيم أتدري من هذا، فقلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن اخي، أتدرى من هذا معه، قلت: لا، قال: هذا علي بن أبى طالب بن عبد المطلب ابن اخي، أتدرى من هذه المرأة التي خلفهما، قلت:لا، قال: هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن اخي، وهذا حدثني أن ربك رب السماء أوهم بهذا الذي تراهم عليه، وأيم الله ما اعلم على ظهر الأرض كلها احداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة”، ويذكر في رواية أخرى انهم توضؤا قبل الصلاة، وان عفيف قال بعد أن أسلم ورسخ الإسلام في قلبه يا ليتني كنت رابعاً( ).
ويدل الحديث على جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته لتثبيت الصلاة كحقيقة عقائدية حاضرة في الواقع اليومي وتحدّ متصل للكفر وقيّم الشرك، وهي دعوة للإيمان، وفيها إخبار بأن الله عز وجل حبب أفعال الصلاة إلى النفوس فلم تنفر منها.
الصلاة العبودية
تعتبر الصلاة رمز العبودية وأصدق عناوين الخشوع لله عز وجل، إنها وقوف بين يدي الجبار تعظيماً لمقام الربوبية وسبيلاً إلى التوسل برداء الخضوع في ذل ومسكنة وتوجه مبارك لإلتماس رضا الله تعالى.
إنها الهبة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصلة التي أرادها الله عز وجل دائمة باقية وحبلاً متصلاً بين الأرض والسماء، وبين العبد والخالق.
وكان العرب يأنفون من السجود وينفرون من الركوع لما فيهما من الذل والخضوع ويتعيبون رفع العقيرة الذي يتطلبه السجود، فكانت الصلاة تحدياً لما عندهم من نزعة الكبرياء، وإمتحاناً صعباً في مسالك العبودية وفقهم الله لإجتيازه بجهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، روي “انه لما جاء وفد ثقيف إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سنة تسع من الهجرة، رجوا منه إعفاءهم من أمرين:
الأول : كسر أوثانهم بأيديهم.
الثاني : تأدية الصلاة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما كسر أوثانكم بأيديكم، فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه.
فقالوا: يا محمد أما هذه فسنؤتيكها وان كانت دناءة”.
ولكن عنصر الإيمان هو الغالب فأخذت النفوس تنشرح بالصلاة وتشتاق إليها وأصبح المسلم يفتخر بأداء الصلاة، وينتظر أوقاتها بشوق، وحتى المحتضر منهم يوليها عناية خاصة مع ما يعانيه من النزع وشدة الألم، وسنت في الشريعة أحكام وقواعد أداء المضطر لها عن جلوس أو إستلقاء وبالممكن والميسور من أفعالها ولو بالإيماء والإشارة , فالصلاة لا تترك بحال.
والصــــلاة التجـــاء إلى الله عز وجــل وإســـتعانــة به، قـــال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ]( ).
ان الخضوع الذي تمثله الصلاة ينبعث من القلب ويشع على الجوارح فتمتلئ بالسكينة، ويؤثر على سجايا النفس وأنماط السلوك خارج الصلاة أيضاً وهذا من إفاضات الصلاة.
فضل الصلاة
تعتبر الصلاة عنواناً لطاعة الله في الأرض، وإظهاراً للخضوع لسلطانه وحباً للإمتثال بين يديه وإستعداداً للتضحية من أجل إستمرار بقاء راية التوحيد في الأرض بالوقت وراحة البدن، وإختيار النفس حيث تحبس ساعة الصلاة لغرض الصلاة وأداء أفعالها.
وهي أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله، ويرجو بها رضاه، وأحب أفعال العباد إلى الله عز وجل لأنها توظيف واقعي للمعرفــة والتـزام من البــدن والجوارح بالإيمان ضمن تفاعل مع الروح لإنبعاثـــه في فعـــل عبادي لا يراد به إلا وجه الله، وهي قربان كل مؤمن ورمز التقـــوى، ولباس الهدى، ومناسـبة كريمة ليسيح العبد في ذكــــر الله ويعيــش في كنف الربوبيــة ملتجئاً في خشوع وإنقياد إلى جضرة القدس، راجياً مرضاة الله سبحانه.
فلا غرابة إذن أن يطوف حول المصلي الملائكة ويستديرون ويستغفرون ويدعون له وربما صلوا خلفه، ويتباهون به لأنه نبذ الشهوات واجتنب الكفر والمعصية وإختار طائعاً سبيل الإيمان.
روي بالاسناد عن محمد بن مسلم عن الامام محمد الباقر انه قال: “للمصلي ثلاث خصال اذا هو قام في صلاته حفت به الملائكة من قدميه إلى عنان السماء، ويتناثر البر عليه من عنان السماء إلى مفرق رأسه، وملك موكل به ينادي: لو يعلم المصلي من يناجي ما إنفتل”( ).
والصلاة صرح ومعلم ترتكز اليه أعمال العباد الأخرى ويتوقف مدى سلامته وقبولها وثوابها على الصلاة أداء وصحة، جاء الحث والتوكيد على الصلاة ووجوب تكرار أدائها خمس مرات في اليوم، والتقيد بها في الحضر والسفر باعتبارها الباب الذي تقبل منه الطاعات والسبيل الذي يحفظ الصالحات.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب والأوتاد والغشاء، واذا إنكسر العمود لم ينفع وتد ولا طنب ولا غشاء”( ).
والصلاة سلاح وعون للنجاة من تبعات الذنوب وإزالة آثارها بالسعي الجاد في مرضاة الله وأداء ما أوجب من الفرائض.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “ما من صلاة يحضر وقتها إلا نادى ملك بين يدي الناس: يا أيها الناس قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فاطفئوها بصلاتكم”( ).
وهناك منافع ومضامين أخلاقية وإجتماعية وإقتصادية للصلاة نتعرض لبعضها في الأجزاء التالية من الكتاب إن شاء الله.
الصلاة والأخلاق
الصلاة صلة يومية بين العبد وخالقه يلتزم خلالها العبد بطاعتـه تعالى والإستسلام الفعلي الظاهري لأوامره فتأتي مواظــبته على أدائها في أوقاتها وعدم تضـــييع بعض منها عنـــواناً لوثوق الناس به وفـــرداً من وجوه عدالته، فيكون تعاهـد الصلوات الخمســـة مرتكـــزاً لتزكيته بين الناس وإطمئنانهم وميلهم اليه وشاهداً على حسم سمته، وهو سر من أســـرار العبادة وإفاضـــاتها وثمرة من ثــمار بركة إلـتزامه بأداء مـا أمر الله باتيانه، وترى الثنـــاء على المصـــلي والمدح يأتي حتى من خارج وسط وجماعة المصلين وربما تعدى في إنتشار رقعته إلى غير أهل الإسلام.
قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( )، والتقيد بأوقات الصلاة وعدم التهاون فيها، وإجتناب تضييع بعضها يخلق وينمي ملكة الصدق والوفاء عند الانسان، ويبعده عن خلق النفاق، وإخلاف الوعد ونقض العهد أو عدم الوفاء به.
وتفتح الصلاة للإنسان أبواب الفضيلة وسلامة السلوك فتراه يهرب من الكذب ويتحاشى أسبابه، وبسبب إدراكه الحاجة الى المغفرة تراه يتقن لغة الندم على ما إرتكبه من الذنـب، ويبادر إلى الإســتغفار كمقدمــة للمثول بين يدي الله وأن كانت الصلاة ذاتها موضـوع إســتغفار وسلاح وتهذيب يؤدي إلى تضائل الكذب وما شابهه من ذميم الأفعال.
إن أداء العبد للصلاة مدرسة يومية ودعوة إلى المحيطين به من أقارب وأصدقاء وأهل بلدة للولوج في كنف طاعة الرحمن والتخلص من معصيته وما يتعقبها من أليم العذاب ووسيلة إلى رجحان كفة الصلاح والأخلاق السامية في المجتمع.
وتطرد الصلاة الخصال القبيحة من سلوك الأفراد والمجتمع لتحل محلها الخصال الحميدة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي والغيبة وتساهم في الستر وحسن السمعة فالذي يلازم مصلاه ولا يغيب عنه من غير علة، ويحفظ مواقيت الصلاة مع جماعة المسلمين لا يسمع عنه من أهل مصره أو محلته أو قريته إلا خيراً وصلاحاً، لتكون السمعة والصيت الحسن شهادة بعدالته وحسن سمته.
الصلاة سلام وأمن
الصلاة عنوان وحدة المسلمين ورمز لالتقائهم وهي السبيل السالكة لدرء النزاعات ومحو الضغائن وإزالة الغل، وكم كانت حائلاً دون تشتت كلمة المسلمين ومنع الفرقة والقتال بينهم، وقد نهى أمير المؤمنين عن وضع المصلي للسيف بين يديه وقال: “لا تخرجوا بالسيوف إلى الحرم”( ) لأن التوجه إلى القبلة إعلان للأمان ودعوة إلى السلام، والمبادرة إلى الصلاة تطوي ما تقدم على زمانها من الغضب والحقد ومحاولة الكيد.
وكثيراً ما جمعت الصلاة بين الأعداء فكانت فاتحة ومقدمة لنبذ العداء بسريان حال الخشوع في النفوس وتجلي وحضور أهوال الآخرة، وربّ عذاب أو بلاء إرتفع ومحاه الله عن الناس أو جماعة منهم بسبب الصلاة وأدائها.
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إن الله يدفع العـذاب بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي، وبمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يصوم عمن لا يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو إجتمعوا على ترك هذه الاشياء ما أنظرهم الله طرفة عين، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلموَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ.

الصلاة والنفس
من منافع الصلاة ما يترشح عنها من صلاح الروح وإستقرار النفس بلجوئها إلى الباري عز وجل وعز سلطانه ورضاها بحسن الإلتزام في أداء ما فرضه عليها من العبادة، ولتكون خيمة يأوى إليها العبد كلما أهاله أمر أو دخل عليه غم أو ضاقت عليه السبل لتفتح أمام عينيه أبواب الدنيا وآفاقها وتلتقي في قدرة الله عز وجل وعظمة سلطانه أزمنة الماضي والمستقبل مع الحاضر، وفي خبر أبي بصير عن الامام الصادق قال: “كان علي إذا هاله شيء فزع إلى الصلاة، ثم تلا هذه الآية [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]”( )( ).
ومثلما تجعل الصلاة لصاحبها وداً في قلوب الآخرين فانها تزرع في نفسه السكينة وهيئة من الإستقرار تتجسد بالرضا بما قدر الله عز وجل له من الأحوال وأبواب الرزق وأسبابه والتطلع لما عند الله تعالى في ترفع وتنزه عما في أيدي الناس في عز وحالة نفسانية مستقرة وشموخ ترسخه المواظبة على أوقات الصلاة اليومية أو المبادرة إلى الصلاة والإشتغال بأفعالها إستجارة والتجاءً.
عن العياشي عن الإمام الصادق قال: “ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما، أما سمعت قول الله عز وجل [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]”( ).
إن تعدد الإختصاصات في ميادين العلوم وإزدياد تفرعات الطب وأقسامه في هذا الزمان أفرز إستقلالاً لعلم النفس ودراساته وطرق إصلاح النفس وقاية وعلاجاً للملازمة بين النفس والبدن في الصحة والمرض، والقوة والضعف، والإيمان والكفر، وكانت له فروع واقسام تخصص في ميدان الطب، وعلى العاملين في هذه الميادين والمتخصصين في علومها التصدي لدراسة فلسفة من أسرار تشريع الصلاة وآثارها في تقويم النفس الإنسانية وما تؤدي إليه من وقايتها وإحترازها من تلك الأمــراض وكيفية علاجها بالصلاة، مع بيان علمي وبرهان طبي يكون دليلاً لإختيارها مادة للشفاء والصلاح، وسبيلاً للتخلص من كثير من الآفات الإجتماعية.
وعلى المسلم أن يقبل على الصلاة بشوق ورغبة نازعاً رداء الكسل طارداً عن النفس عناوين الخمول والتثاقل ليعيش ساعة فرح بإنضمامه إلى جماعة الملتزمين بطاعة الله من أوليائه وأحبائه.
ويعتبر الإقبال على الصلاة بالقلب والجوارح لموضوعيته وتأثيره في مقدار الثواب وهو سلاح مبارك لصلاح النفس وطرد الهم والغم والوسوسة وأحلام اليقظة عنها، فتكون ساعة الصلاة ضابط السلامة وحرزاً عقائدياً وروحياً للنجاة من الأمراض النفسية المتولدة من تلك الهموم والأوهام، وليكون الذكر فيها وفي أفعالها علاجاً إجبارياً دائمياً، وهو أيضاَ خال من المضاعفات السلبية لأنه خير محض.
الصلاة والايمان
الإيمان في الشرع هو التصديق الجازم بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الإيمان بالله التصديق بالنعوت التي وصف بها نفسه مما يليق بكبريائه وعظمته، ومنه الخضوع له والإتيان بما أمر به وإجتناب ما نهى عنه، والصلاة علامة الإيمان وشعاره وبها تتحقق أخوة المؤمنين وإجتماعهم وإتحادهم بلغة القلوب.
لقد جعل الله عز وجل الصلاة سبيلاً للتآخي وإحتواء القادمين الجدد وإنضمامهم تحت لواء الإسلام، قال تعالى[فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ]( ).
وتعتبر الصلاة حرصاً دائماً على روح الإيمان والتخلي عن النفاق والرذائل لما فيها من رادع نفسي عن الذنوب والشرك ونزعة العصيان أو التمادي في المعصية.
فالصلاة ساعة نماء للبصيرة وتجدد لملكة التفكر بالخلق وحقيقة الإنسان كمخلوق مكلف، فهي آية الإنسانية ورمز سعادتها وسر من أسرار دوام الحياة على الأرض وتعاهد القيم الأخلاقية والدينية وتوارثها بين الأجيال.
ولقد ذكر الله أحد الأنبياء وأثنى عليه لأنه كان يحث أهله وأفراد أسرته على الصلاة والإلتزام بأدائها، قال تعالى [وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا]( ).
الصلاة والصحة
معافاة البدن من العلل والأمراض سبب للتمتع بالحياة وزيادة أيام العمر، وقد أولى الإسلام صحة البدن ونظافة الجسد عناية وأولوية شرعية وجعل لها قواعد وأحكاماً وصارت بعض وجوهها مقدمات واجبة للعمل العبادي تخضع فيها الأعضاء إلى عملية تنزيه وتنقية وتتصف بالدقة ويشترط فيها بلوغ مرحلة التمام والإنجاز.
ففي كثير من الحالات يأتي الغسل لجميع أعضاء الجسم واجباً لا يمكن العدول إلى غيره إلا عند الضــرورة وســاعة العجـز وتعذر الوصول إلى الماء، وبالحصول عليه تزول أسباب الطهارة البدلية بالتيمم بالتراب.
ولما كان جلد الإنسان طريقاً لنقل العدوى وخاصة تلك الأعضاء المكشوفة منه جاء الوضوء وغسل الوجه فيه واليدين والأعضاء الأخرى عدة مرات في اليوم وقاية للإنسان من العدوى ومنعاً لإنتقال الأمراض بإزالة ما وصل إلى تلك الأعضاء وما حولها من أوساخ، ونظافة فتحة الفم والأنف والأذن من مكروبات العدوى ونحوها من أسباب المرض الخارجية.
ويجدد الوضوء نشاط الإنسان وجهازه العصبي ويساعده على التفكير وسلامة الرأي ويبعده عن الخمول وأسباب الكسل ويجعله اكثر إستعداداً للعمل وتحمل مشاقه، وفيه تنبيه لما في الجلد من العصب لينتقل أثره إلى بقية الأعصاب وغدد الجسم فينشطها، والى الأعضاء والأجهزة الداخلية فتقوم بأداء وظيفتها وإفراز ما يحتاج اليه البدن.
ان عالم الوضوء مرحلة تفصل بين الدنيا وهمومها ومشاغلها من جهة وبين الفعل العبادي المطلق من جهة أخرى، ولما كان الأخير يحتاج إلى حالة إنقطاع إلى الله عز وجل وصدق في التوجه إلى طاعته والوقوف – بدناً وقلباً وروحاً – بين يديه تعالى، يأتي الوضوء ليساهم في خلق حالة إستعداد نفسي في هذا البناء العظيم في حياة العبد وموقفه يوم القيامة، ويساهم في إبتعاده عن مشاغل الدنيا وما فيها من ضغط على صحته وإرباك لعافيته ودورته الدموية.
وللصلاة فوائد كثيرة تتعلق بصحة الإنسان الجسمية والنفسية منها تجديد الدورة الدموية وتنشيط النفس وإزالة الخمول وطرد الكسل وفتور الأعضاء، وأثبت الطب الحديث أن الصلاة تساعد على خفض الضغط العالي، ومن المناسب إرشاد مرضى الضغط العالي الى المحافظة على أداء الصلاة وإقامتها والإتيان بافعالها بتؤدة وأناة، وتنشيط أفعال الصلاة للهضم وجهازه أمر يؤكده طب الأبدان والوجدان.
وقد أظهرت الدراسات الطبية إنخفاض ضغط الدم أثناء الصلاة الأمر الذي يساهم في إعانة القلب على أداء وظيفته ويؤدي إلى الحد من زيادة ضرباته وكثرتها، وتزيل الصلاة توتر الجهاز العصبي لتخلصــه ســاعتها من أسباب التوتر وحالته، وتحد حالة السكينة والخشـــوع بين يـــدي جبار السماوات والأرض من ثورته، ويشــفيه الذكر والخضوع لله عز وجل من إضطرابه وما يسببه من أمــراض كالأرق الذي ثبت أن الصــلاة علاج له.
ولصلاة النوافل في ليالي شهر رمضان موضوعية خاصة في هذا الباب اذ أن الركوع والقيام يقوي عضــلات الظـــهر والمعدة مما يســـاعد في إزالة ما على جدار المعدة من دهــون وشـــحوم، أما الســـجود فيقوي عضلات الفخذين والساقين، ويسهل وصول الدم إلى أطراف الجسم ويقوي جدار المعدة وينشط حركة الأمعاء ويساهم في الوقاية من مرض تمدد المعدة بما يسببه من تقلصات في عضلاتها وحركة في الحجاب الحاجز.
وتعتبر الصلاة فاتحة للشهية بما تتضمنه من حركات وأفعال بدنية متجانسة في تناسقها وما تخلفه من صفاء النفس وإرتقاء في توجهات مداركها للتفاعل بإنسجام مع نصيحة الأطباء للإنسان بعدم تناول الطعام عند الإجهاد أو في حالة الإرهاق وتعب الأعصاب وضرورة الحرص على وجود فاصل زمني للراحة والهدوء والتخلص من العناء كمرحلة تسبق تناوله.
والصلاة هنا سلاح ذو حدين وهي الأنفع للإنسان في تهيئة بدنه لإستقبال الطعام، وفيها بالعرض رياضة بدنية في وقار وإتزان تتحرك ساعتها الأطراف لتبلغ في سريان تأثيرها جميع العضلات والمفاصل والعظام التي يتكون منها الجسد.
والوقوف بين يدي الله عز وجل خمس مرات في اليوم سلاح وحصانة من العقد النفسية وأعراضــها، وما تؤدي إليه من إخفاق في الحياة أو قنوط وإكتئاب، وتبعــد الصلاة صاحبها عن اليأس والكبت وما يسببه من أمراض فهي تنمي عنده ملكــة الصبر وإرادة التوكـل، وتبعث حالة من الإستقرار النفسي في مواجهة مشاكل الحياة وتحديات الأيام، وتخلق في نفسه العزيمة على الإستمرار في العمل الدؤوب، وهو يعلم أن الأمر كله بيد الله ، إذ نذر نفســـه للوقوف خاشــعاً بين يديه سـبحانه فلا يجد الهم والغم والحزن في نفســه مستقراً ولا مقاماً ، فاذا داهمه أمر فزع أو تعرض إلى ظلم أو جـــور سارع إلى الصلاة وتفويض الأمر إلى الله عز وجل.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزبه أمر – أي إشتد عليه – إلتجأ إلى الصلاة مبادراً ليفر إلى الله عز وجل، وترى المسلمين إذا نزلت بهم نازلة بادروا بالنداء إلى صلاة جامعة لما في صلاة الجماعة من آفاق روحية ونفسية مشرقة.
وفي أوقات الصلاة وتحديد ساعة الفضيلة لكل فرض منها منافع في صحة الانسان وأسباب سعيه وكسبه ويظهر تأثيرها على سلامة البدن والنفس في الواقع اليومي للمسلمين مجتمعين ومتفرقين واضحاً، فصلاة الصبح طرد لكسل وسكر النوم عن الجسم، وإستثمار لنقاء الجو في بداية نشاطه ساعات النهار ومناسبة للتفكر بخلق السموات والأرض عند الفجر وساعة شروق الشمس, قال تعالى[أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ]( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لَيْسَ مِنْ صَلاَةٍ أَثْقَلُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ يَعْنِى الصُّبْحَ وَصَلاَةَ الْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)( ).
وتحل صلاة الظهر ساعة زوال الشمس عند الظهيرة وسيطرة التعب والعناء على البدن لتنتزعه وتخلصه من آثارهما الجسمية والنفسية ليعيش ساعة مباركة في الذكر والتسبيح في زكاة بدنية مقدرة وثابتة، لتكون مصداقاً للقاعدة العقائدية وهي ان الزكاة نماء وزيادة، وتحل الصلاة مرة اخرى وبصفة الوجوب الجديد المستقل بصلاة العصر وقد اخذ التعب ينتشر بسرعة في البدن ويدب الكسل في أعضائه وقد اشرف يوم العمل على نهايته.
وتأتي صلاة الغروب بهالة قدسية وهيبة وجلالة خاصة لتختم يوم الإنسان ونهاره بالإنقطاع إلى الله عز وجل ولتتعانق صلاته وفعله العبادي مع رحيل الشمس توديعاً لها وإستقبالاً لسكون الليل وعالمه الخالي من التعب والعناء.
وتطرأ صلاة العشاء كثروة ملكوتية في بدايات الليل فيواجه العبد ما حوله من ظلمة بتكبير الله وتجديد الشهادتين ويستقبل سكون الليل باعلان الإخلاص في التوحيد ليكون خاتمة يوم مبارك، ويتخذه وقاية وسلاحاً لطرد الأوهام والأرق ساعات الليل وما يذهب النوم عن العين من أحلام يقظة وآمال ومشاريع وغيوم تبددها الصلاة بإعتبارها عنواناً للتوكل على الله والرضا بقضائه وقدره لتعيش النفس ساعات الليل في طمأنينة وسلامة بال وصفاء ذهن، وتتغشى البدن الراحة والسكينة والطمأنينة وتكون لصلاة العشاء ونافلة الليل منافع توليدية وبركات تترشح على اليوم التالي بجلب رزق أو دفع بلاء.
وقد ثبت في العلوم العقلية أن تكرار الفعل يؤدي إلى حصول الملكات، لذا فان وجوب التلاوة في الصلاة آية إعجازية لا يعلم منافعها وغاياتها إلا الله تعالى، وإن كان شطر من أسرارها يتجلى في الواقع اليومي والعملي للمسلمين، ويظهر في مجتمعاتهم، والتكرار في الصلاة متعدد ، وهو على وجوه:
الأول: تكرار التلاوة مع الإتحاد والتعدد في الآيات، إذ تتحد وتتشابه قراءة سورة الفاتحة في الركعة من الصلاة، بينما تأتي قراءة سورة وآيات إختيارية بعدها، وفيه مسائل:
الأولى: تنمية ملكة الحافظة عند المسلم والمسلمة.
الثانية: القراءة في الصلاة حرب على النسيان، وطرد له من الأذهان.
الثالثة: تبعث القراءة على الحرص على إستحضار الآيات القرآنية، وتلاوتها على الوجه الأتم والأكمل.
الرابعة: في القراءة حث على التعلم، ودراسة القرآن.
الخامسة: يترشح عن القراءة التدبر في معاني الآيات القرآنية.
السادسة: الإلتفات إلى وجود أسرار في تقسيم القرآن إلى سور وآيات.
السابعة: إتصال وإستدامة الإحتراز من السيئات وفعل الفواحش، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] ( ).
الثامنة: الصلاة دعوة للوحدة الإسلامية وتعاهدها سواء في كيفية أدائها أو في وظائفها أو في صلاة الجماعة، وما فيها من مضامين الوحدة، ومن الآيات ان موضوع الوحدة في الصلاة ، هو الإمتثال والخضوع والخشوع لله تعالى.
التاسعة: الصلاة من مصاديق التقوى التي جاءت بها الآية السابقة [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] فتلاوة القرآن في الصلاة آية من آيات التقوى في الأرض، ينفرد بها المسلمون على نحو يومي متجدد، ففي كل يوم يعلن المسلمون إمتثالهم للأوامر الإلهية، وتصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقول والفعل.
العاشرة : تتجلى آثار التلاوة اليومية المتكررة في الصلاة على منطق وكلام المسلم والمسلمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإجتناب الأخلاق المذمومة، والألفاظ القبيحة، والغيبة والنميمة.
الحادي عشرة : في أداء الصلاة اليومي مجاهدة في الله وجذب النفس الى الصلاح والهداية، وقهر النفس الشهوية.
الثانية عشرة: يمنع تكرار الصلاة من الكسل والقنوط، ويتجلى هذا المنع في ذات الصلاة وادائها، وكيفيتها، وأوقاتها، فمن الآيات ان صلاة الصبح بعد طلوع الفجر، لتطرد النعاس عن الإنسان، وتبعث محل النشاط، وتجعل المسلم يقبل على يومه بغبطة وسعادة وأمل بانجاز الإعمال والسعي في الحوائج الدنيوية والآخروية، وكذا الصلوات اليومية الأخرى، الظهر والعصر والمغرب والعشاء فهي تنفي الكسل، وتبعث على العمل وتحيبه الى النفس.
الثالثة عشرة: في تكرار الصلاة إستدامة لحال الفتوة والقوة في البدن عند المسلم والمسلمة، فتلازمهما الصلاة من حين سن التكليف لتكون صاحباً كريماً لايغادرهما يشعران معه بأن الحياة اليومية تتجدد بذات الصورة الإيمانية.
الرابعة عشرة: الصلاة ثروة وغنى يملأ النفس ويجعلها في بهجة وغبطة تفرح بما آتاها الله من أسباب الهداية، وتدرك أنها أعظم وأفضل من الذهب والفضة، وعن أبي ذر قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: أفَتَرَى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب)( ).
الخامسة عشرة: الصلاة عز في النشأتين، وباعث للهيبة في نفوس الآخرين،وأمن من مكرهم وغائلتهم، وهو من عمومات قوله تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
السادسة عشرة: تكرار الصلاة يومياً يساهم في تنمية ملكة غض البصر الى ما حرم الله، إذ ينقطع المسلم والمسلمة في الصلاة الى الله تعالى، ويكون بصرهما الى محل السجود ونحوه، وتنعكس عليه أمارات وآثار الخشية من الله تعالى في ساعات النهار والليل الأخرى، فمن الآيات في الشريعة ورود قوله تعالى [قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ] ( )، وتأتي الصلاة كفريضة عبادية لتؤدي طوعاً وانطباقاً إلى الإمتثال للأوامر الإلهية بغض البصر ، فيشترك القرآن والسنة النبوية والفريضة العبادية في ماهية فعل المسلم.
السابعة عشرة: بخصوص المعنى اللغوي للصلاة، هناك وجوه:
الأول: على القول بأن اتيان المسلم للصلاة يجعله دعاءً، لايمر عليه يوم أو شطر من يومه وليله من غير دعاء، بالاضافة الى تضمن القراءة الواجبة في الصلاة الدعاء، كما في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) ومن أسماء سورة الفاتحة التي تقرأ في كل صلاة واجبة سورة الدعاء.
الثاني: على القول بأن أصل الصلاة هو التعظيم، فإن أداء الصلاة اليومي المتكرر ينمي عند المسلم والمسلمة ملكة التعظيم لله تعالى، والتقديس لمقام الربوبية، ويمنع من تسرب الشك والريب الى النفس.
الثالث: وعلى المعنى الذي يفيد أن أصل الصلاة هو اللزوم فان تكرار الصلاة كل يوم يؤكد لزوم تعاهد المسلمين والناس جميعاً عبادة الله على نحو يومي، وعدم التفريط بها.
الرابع: وعلى القول بأن الصلاة مشتقة من (المصلي) والمراد منه السابق المتقدم، فإن تكرار أداء الصلاة يجعل المسلم يشعر بتفضيل الشريعة الإسلامية من بين الملل، وأن أداء الصلاة طريق المسارعة إلى دخول الجنة وهو من التسابق في الخيرات.
الخامس: ذكر أن الصلاة من صليت العود بالنار ليكون ليناً، وفي تكرار الصلاة تأديب للنفس الإنسانية وبقائها في منازل الخشوع والخضوع.
الثامنة عشرة: الصبر منزل من منازل السالكين، ومقامه من مقامات الأولياء الصالحين، ويحتاج إلى معارف نظرية ، وحال من التقوى تكون عوناً وسلاحاً في سبل الصبر.
ومن أشرف المواضيع التي تنمي ملكة الصبر الصلاة، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( )، وكما ان الصلاة مدرسة النبوة فكذا الصبر، وقد شرف الله تعالى الإنسان بملكة الصبر، وتأتي الصلاة اليومية لتكون لجوء إلى الله ، وصبراً عن زينة الدنيا والفواحش، والصبر في جنب الله، فلو داهمت مصيبة أو أمر مفزع المسلم فأنه يلجأ إلى الصلاة طوعاً وقهراً لأن أوقات الصلاة اليومية الخمسة تستوعب النهار وأطراف الليل لتكون باعثاً على السكينة والتحمل والفزع إلى الله تعالى.
ومن الآيات أن أكثر البلاء والأذى يأتي في النهار وساعات العمل لذا كانت أكثر الفرائض اليومية في النهار وأطرافه ، لتكون دعوة وموضوعاً للصبر ومجاهدة النفس، وطرد الكدورات الظلمانية، وسبباً لإقتباس المدد من صلاة الجماعة ، وإتيان المسلمين الصلاة واللجوء المشترك إلى الله تعالى.
ويسبح القلب في عالم الملكوت، ويتدبر الآيات حال الركوع والسجود، ويدرك معها الانسان [أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( )، وقف رجل على الشبلي( ) فقال أي صبر أشد على الصابر، فقال الصبر في الله، قال لا، قال الصبر لله ، قال لا ، قال الصبر مع الله ، قال لا، قال فأيش ، قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه أن تتلف( ).
التاسعة عشرة: لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار، وتفضل وبعث الأنبياء وأنزل الكتب لتكون حجة وسبيل هداية ورشاد.
ومن الآيات في الشرائع السماوية أن وجوب الصلاة عنوان الإتحاد بينها لتكون موضوع الإبتلاء وسبب الفوز في النشأتين، قال تعالى[الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ]( ).
العشرون : الصلاة خير موضوع، وأشرف الأعمال، ولا يستحق الإنسان صفة العابد إلا أن يتحلى بخصلتين الصلاة والصوم، ومن الآيات أن كلاً منها عبادة بدنية وليس مالية، كما يمكن الجمع بينهما فيؤدي العبد الصلاة وهو صائم.
قوله تعالى [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]
بيان لصفة المتقين في العطاء وما يجب عليهم من الإنفاق في سبيله، فنسبة الرزق إلى الله عز وجل بإعتبار أنه نازل من لدنه سبحانه ولا يصل منه إلى العبد إلا فضلاً وإحساناً من الله تعالى، وإدراك هذه الحقيقة الكونية والتكوينية والتشريعية يدخل ضمن الإقرار بأن الله هو الرازق الكريم وأن مقاليد الأمور بيده سبحانه , قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( ).
بالإضافة إلى ما فيها من الإنقطاع إلى الله عز وجل، والتطلع الدائم إلى شآبيب رحمته وأبواب فضله وإدراك ضرورة إلتزام التقوى سبيلاً إلى مرضاته ونيل إحسانه تعالى من غير إلتفات إلى غيره، وفي دعاء الإمام السجاد (إذا قتر عليه الرزق) وأوله: “اللهم انك إبتليتنا بأرزاقنا بسوء الظن، وفي آجالنا بطول الأمل، حتى التمسنا أرزاقك من عند المرزوقين”.
ولغة العموم في الآية ظاهرة فمن كمال صفة التقوى الإنفاق مع أن الناس مختلفون في مقادير الرزق لتباين منازلهم وأرزاقهم، وشطر من أولياء الله وعباده الصالحين قدر عليهم الرزق مع حسن ما يتقربون به إلى الله عز وجل من الأعمال الصالحة لحكمة جارية في الخلق وعلمه تعالى بما يصلح عبده المؤمن، وليكون عبرة وموعظة للنفس وللآخرين على إختلاف مشاربهم، وسبباً في الإبتلاء والإشتغال بطلب ما عند الله عز وجل.
فهل الإنفاق واجب على كل متقٍ، أم أن الذين قدر عليهم الرزق من المتقين خارجون من النعت، ومن الأمر المتوجه في الآية بدليل آيات قرآنية أخرى وتفسير وبيان من السنة النبوية الشريفة.
الجواب: ان الأمر بالإنفاق في الآية جاء على نحو الإطلاق وليس من دليل على خروج بعض المتقين بالتخصص أو التخصيص , وقد يقول قائل ان الذي قدر عليه رزقه يكون من السالبة بإنتفاء الموضوع او انه يخرج بقيد (مما رزقناهم) فما دام لم يرزق ما زاد على الكفاية فلا يشمله الإطلاق الجواب ان الآية بشارة وضمان لكل متق بالرزق وإمكان الإنفاق منه سواء للسعة فيه أو للقناعة والكفاف في النفس، أو عند تحقق سبب الإنفاق والقدرة عليه ولو على نحو صرف الطبيعة والمرة الواحدة وللمعنى الأعم للإنفاق وأنه لا ينحصر بالمال والأعيان بل يشمل العلم، ومن الشواهد ما جاء في سورة الدهر في أهل البيت عليهم السلام وتخليدهم باطعامهم على نحو العموم المجموعي للمسكين واليتيم والأسير( )، قال تعالى[وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]( ).
ومن وجوه الإنفاق المذكور في الآية:
الأول : الزكاة المفروضة، حكي عن إبن عباس( ).
الثاني : نفقة الرجل على أهله، عن عبد الله بن مسعود.
الثالث : الزكاة حينما لم تسم يشار اليها بهذه الآية وشواهدها من القرآن، عن سعيد بن جبير.
الرابع : مما أعطيناهم وملكناهم ويخرجون على وجه الطاعة.
الخامس : تأدية الزكاة احتساب لها.
السادس : وورد عن الامام جعفر الصادق في قوله تعالى [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] أي: “مما علمناهم ينبئون، وما علمناهم من القرآن يتلون”( ).
لبيان أن الإنفاق لا ينحصر فقط بالمال بل يتعلق أيضاً بالقسم الثاني من الرزق وهو الذي يخص القلوب كالمعارف والعلوم وغيرها من المعنويات، وفي خبر السند عن الامام جعفر الصادق  أنه سأله رجل في كم تجب الزكاة من المال؟ فقال له: الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد؟ فقال: أريدها جميعاً، فقال: أما الظاهرة ففي كل ألف خمسة وعشرون، وأما الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو احوج اليه منك” ( ).
ولا تعارض بين الوجوه الستة المتقدمة في تفســير الآية الشريفة، وفي الآية تأديب إلهي لأهل الإيمان في أبواب الإنفاق والصـــدقة والإحسـان إلى الآخرين، بالإضافة لما لها من الوظائف الإصــلاحية الأخرى التي نضــيفها في المقام وهي:
الأول : إجتناب موارد الحرام والإسراف في أبوابه ومقدماته، بالإنفاق بالحلال والبذل في الخيرات وصلة الرحم ومواساة المؤمنين ونحوها مما يكون حاجزاً عن الحرام أو سبب إعراض وإنشغال عنه.
الثاني : تعاهد منازل التقوى، لأن الإنفاق في سبيل الله تعالى يطفئ غضبه المتعقب لفعل المعصية.
الثالث : السعي الدوؤب في السبل المؤدية إلى الجنة، والإبتعاد عن الطريق الذي يؤدي إلى النار والعذاب وهو طريق الشح وحجب الحقوق الشرعية.
وعن جعفر الصادق عن آبائه عليهم السلام: “ان أمير المؤمنين سمع رجلاً يقول: أن الشحيح أعذر من الظالم فقال له: كذبت أن الظالم قد يتوب ويستغفر ويرد الظلامة إلى أهلها، والشحيح إذا شح منع الزكاة والصدقة وصلة الرحم وقري الضيف، والنفقة في سبيل الله وابواب البر وحرام على الجنة أن يدخلها شحيح”( ).
الرابع : رفعة الإسلام والمساهمة بنشر ألويته بالسجايا الحميدة والخصال الكريمة لمعتنقيه خاصة الذين يشار اليهم بالتقوى، أي أن الإنفاق في سبيل الله دعوة إلى الإسلام وتثبيت لدعائم أركانه .
الخامس :التذكير بالحقوق والواجبات , والسعي لنماء المال بالإنفاق , والنهي العملي عن منع الحق ، وبيان شرف الإنفاق بإعتباره صفة وعلامة لمن يتقي الله عز وجل.
بحث بلاغي
لقد تقدم المفعول على الفعل في هذه الآية بخلاف تقديم الفعل على المفعول بقوله تعالى [ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ]، وقال الزركشي في تأخر الفعل: (لتوافق رؤوس الآي قاله ابو البقاء)( ).
وقال الزمخشري: قدم المفعول للإختصاص.
ولكن التقديم أعم من أن ينحصر بالسببين أعلاه، فالبليغ من الناس يلتجأ الى التقديم والتأخير ليتوافق عنده نظم الكلام او سجعه مع ادراكه لما فيه من التكلف.
أما القرآن فهو الكلام المعجز فلا يكون التقديم لأغراض لفظية فحسب، بل لابد له من مقاصد وغايات ســماوية، يعجز البشــر عن إدراك كنهها، ولكنه قد يتوصل بالتحقيق والبحث في علوم التفسير والتأويل الى إسـتظهار علوم جديدة من القرآن وحقائق عرفانية مستنبطة.
فتتوافق رؤوس الآي وما يسمى بالفواصل لأنها تفصل بين كلامين وهي نوع إستراحة بينهما إنما جاءت للإعجاز القرآني وبيان الموضوعية والشأنية الخاصة في باب الإستدلال والإستباط والمعنى لكل منهما على نحو الاستقلال، بالإضافة الى المعاني الخاصة بالآية بلحاظ مضامينها القدسية وظاهرها وتأويلها ودلالتها السياقية.
فالقول بتوافق رؤوس الآيات لا يصلح ان يكون علة تامة لهذا التقديم، او أنه من بين الوجوه الأصلية في إعجاز هذا التقديم، بل انه أمر عرضي مترشح عن الدلالات الأخرى، وهو مع كونه عرضي توليدي فإنه إعجاز آخر يدل على بلاغة القرآن.
وكذا الكلام بالنسبة للقول بأن تقديم المفعول للإختصاص، فتدل الآية على مدح الذين يقومون بانفــاق بعض أموالهم، وهي في مفهـــومهـا تذم طرفي الإفراط والتفريط، إنفاق كل المال او الإمساك وعدم الإنفاق.
لذا جعلت الزكاة ميزاناً ومداراً للإنفاق الشرعي والخروج به عن الذم، من غير ان يتعارض مع الصدقات المستحبة بقدر أو حالات مناسبة بل الآية تستوعبها، ويدل توكيد الرزق في باب سنخية الإنـفاق على موضوعية قصــد القربــة في الإنفـــاق، فهو شـــرط في الإنفاق الواجب كالزكاة لأنها عبادة ولا تتقوم العبادة مطلقاً إلا بقصد القربة، كما يجب في الصدقات المستحبة.
لقد ورد قوله تعالى [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] في نحو ست آيات من القرآن، جاءت هنا في أول سورة البقرة ثم جاءت الثانية في سورة الأنفال، وقد إقترنت في أربع منها باقامة الصلاة، بالإضافة الى الملازمة في القرآن بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وبينت الآيات وجوه الإنفاق وانه يشمل السر والعلانية في الإعطاء، [قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً]( ).

قوله تعالى[وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ] الآية 4

الإعراب واللغة
والذين: الواو: حرف عطف، الذين: اسم موصول معطوف على الموصول الأول.
يؤمنون: فعل مضارع مرفوع، والواو: فاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول: بما: جار ومجرور متعلق بيؤمنون.
أنزل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه تقديره (هو) يعود على ما، والمراد القرآن، والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول.
إليك: جار ومجرور متعلق بأنزل، وما: الواو: حرف عطف، (ما): إسم موصول بمعنى الذي، معطوف على (ما) التي تقدمت في (بما)، وبالآخرة: الواو: حرف عطف، وبالآخرة: جار ومجرور، يوقنون: فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية.
النزول: الهبوط والإنحــدار من علــو الى سفل، يقال نزل ينزل نزولاً، وقد يتعدى ويحمل معنى الحلول فيقال نزلهم ونزل عليهم ونزل بهم.
والآخرة عالم ما بعد الموت ومنها عالم البرزخ، وإن كان المتبادر هو يوم القيامة والخلود المتصل به حيث الجنة والنار، قال تعالى[الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ]( ).
والحيوان مصدر كالحياة، والمراد أن الآية هي الحياة الدائمة، ويأتي الحيوان بمعنى كل ذي روح، لذا عرفوا الإنسان في إصطلاح علم الميزان أنه الحيوان الناطق، ولكن الفصل في المقام أعم من النطق فيشمل الخلافة في الأرض، وفي التنزيل[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وذكر بعض علماء التفسير مقولة الإنسان حيوان ناطق( )، ومنه من قسم الحيوان إلى حيوان ناطق وحيوان غير ناطق( )، ولا ملازمة بين الإنسان والحيوان في الفصل القريب أو الفصل البعيد، فيمكن أن يقال ف الإنسان(الخليفة الناطق) بدل الحيوان الناطق في بيان الجنس والحقيقة المشتركة بين الجزئيات في الحقيقة والواقع، وعلى قول بأن صفة الخليفة أخص وهي خاصة بآدم أو آدم والأنبياء فيمكن أن يقال(ابن الخليفة) ثم أن لفظ(الإنسان) ذاته نوع مستقل قائم بذاته لأن الإنس والألفة بالآخرين أمر خاص بالإنسان.
ومن الإعجاز في القرآن أن لم يرد لفظ الحيوان لإادة ذي الروح، ولم يرد لفظ الحيوا فيه إلا في الآية أعلاه من سورة العنكبوت وبإرادة معنى الحياة، ولم يوصف الإنسان أو في السنة النبوية والأخبار بأن حيوان بل ورد بصفة العبودية والأنس والإيمان، قال تعالى[وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا]( ).
وقد ورد ذكر الـدار الآخرة في القرآن مائــة وأربع عشـــرة مـــرة بعدد سوّر القرآن وكأن كل سورة منه مدخل الى الجنة وأمـان في الآخرة، وسُميت باء لآخرة لانها متأخرة زماناً عن الدنيا، ولاحياة أخرى بعدها.
يوقنون: يعلمون. واليقين هو العلم وإنعدام الشك، وفي الإصطلاح التصديق الجازم والحكم الواقعي البعيد عن التقليد، وهو الأرجح من فرعي التصديق وهو الإعتقاد بالشيء أو التصور المقرون بالحكم الذي يعني ترجيح أحد طرفي الخبر، وهما الوقوع واللاوقوع.
وفي اليقين نفي للطرف الآخر، وفي الظن وهو الفرع الثاني للتصديق وجود ضعيف له.
واليقين علم حصولي، لذا لا يوصف علم الله تعالى باليقين، لأن علمه سبحانه حضوري، والأشياء جميعاً حاضرة عنده لا تخفى عليه خافية، وجاءت رسالات الأنبياء والكتب السماوية المنزلة طريقاً مباركاً ووسيلة وسبباً لتحصيل اليقين ونيل مراتب الشرف والرفعة بصدق العبودية لله تعالى.
وأجاز الكسائي حذف الألف في إليك، وأن يقرأ (وما أُنزلّيْك) وشبّهه بقوله تعالى [لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي] ( ). قال ابن كيسان: ليس مثله، لأن النون من لكن ساكنة واللام من أُنزل متحركة.
في سياق الآيات
لسياق هذه الآيات معان مركبة خصوصاً وأنها بداية وإفتتاح سورة البقرة التي هي أطول سور القرآن وشرّفها الله عز وجل أيضاً بموضوعها وموضعها في القرآن بعد سورة الفاتحة فلابد من تضمنها لدلالات خاصة، لذا تعلقت بموضوعين في الإرادة التكوينية والتشريعية وأظهرت التداخل والإتحاد بينهما، فالكتاب من عالم الأمر، والمتقون من عالم الخلق وكل منهما أشرف أفراد جنسه، فعالم الأمر أشرف من عالم الخلق فتبين هذه الآية الكريمة أهم سمات اليقين وهو الإيمان المطلق بالكتب المنزلة.
وبعد مجيء الآية السابقة بلزوم الإيمان بالغيب جاءت هذه الآية بالتفصيل والبيان ومنع اللبس والجهالة، وهو من إعجاز القرآن بأن تأتي الآية في حكم ثم تأتي الآية التي تليها بتفاصيل ذلك الحكم وبيانه بصيغ الترغيب فيه.
وذكرت هذه الآية صفات ثلاثة أخرى للمتقين وهي:
الأولى: الإيمان بما أنزل الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الإيمان من الدلائل على إقرارهم بالتوحيد والربوبية المطلقة لله عز وجل، وهو باب للثواب العظيم وقيل لعيسى ابن مريم هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم أحمد أحمد، وما أمة أحمد، قال: علماء، حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من العلم أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل يدخلهم الجنة بشهادة أن لا اله إلاّ الله)( ).
الثانية: التصديق بالكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء السابقين كصحف إبراهيم وزبور داود والتوراة والإنجيل.
الثالثة: التصديق بعالم الآخرة والحياة بعد الموت.
وأفتتحت هذه الآية بالأسم الموصول الذي أفتتحت به الآية السابقة (الذين) للتداخل والملازمة، وإتحاد السنخية بين الصفات الواردة في الآية السابقة والواردة في هذه الآية، ولإجتماع هذه الخصال الحميدة عند المتقين، وكل مسلم يؤمن بالغيب ويؤدي الفرائض، ويصدق بالقرآن والكتب السماوية السابقة، ويؤمن بالله وباليوم الآخر.
لقد جعل الله الإنسان مركباً من الروح والبدن فجاءت هذه الآية للإخبار عن إشتراكهما في صفة التقوى وليأتي أداء الفرائض عن إيمان وإقرار بالعبودية لله تعالى.
إعجاز الآية
جاءت الآية السابقة بأشرف الوظائف العبادية البدنية وتضمنت هذه الآية الإيمان العقائــدي وبينت شرف وموضوعية الإيمان بالكتب الســماوية المنزلة قبل القرآن بعرض واحد مع الإيمان به مما يعني وجود دروس وعبر وحكمة في هذا التشابه والإتحاد والتداخل وان كان على نحو الإجمال.
وأظهرت الآية الملازمة بين الإيمان بالقرآن والكتب السماوية وبين اليقين والقطع بعالم الآخرة والحساب يوم القيامة، وفي التنزيل[رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ]( )، وفيه إقرار بالآخرة، ورجاء النجاة من أهوال الحساب، والفوز باللبث الدائم في النعيم.
ومن إعجاز الآية الملازمة ووحدة الموضوع في الإيمان بالقرآن والكتب السماوية الأخرى فيخرج من ربقة الإيمان غير المسلمين الذين لم يؤمنوا بالقرآن.
ومن إعجازها تقديمها للقرآن على الكتب الأخرى في مراتب الإيمان مع انه آخرها نزولاً لبيان عظيم منزلته وعلو شأنه وكمال علومه خصوصاً ان الإيمان به يعني بالدلالة الإلتزامية الإيمان بالكتب السماوية السابقة لأنه أخبر عن نزولها وتضمن موضوعاتها، ففي الآية التشريف الأكمل والأتم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من عند الله تعالى.
وفيها بيان للزوم الإيمان بالمعاد الجسماني وإحياء الموتى وجمع العظام وهي رميم .
لقد نزل القرآن بين قوم مشركين، وآخرين من أهل الكتاب وينظر الكفار إلى اليهود في المدينة على أنهم أهل الكتاب وعندهم علم بالنبوة والتنزيل وأخبار وعلامات نبي آخر زمان فيأتون لهم فيسألونهم، فجاءت هذه الآيات جامعة مانعة، جامعة لصفات المتقين، مانعة من دخول غيرهم معهم، جلية بلسان عربي مبين، وهو من أسرار إبتدائها بالحروف المقطعة (الم) والتي هي كالمقدمة لها التي تدعو الى الإنصات لصفات المتقين التي لاتقبل الترديد او التجزئة والتقسيم.
ويمكن تسمية الآية بآية (انزل اليك)ولم يرد قوله تعالى[يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ] في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
الآية وصف لحال المسلمين وبيان لجملة مما يجب عليهم الإعتقاد به، أنه الصـــورة المطلــوبة والكيفية النفســانية لقبول آيات القرآن والإستجابة للأحكام، وفيها أمر بوجوب الإيمان بالكتب السماوية وأن جاء على نحو الخبر والإطلاق الشمولي الذي يعني الإستغراق والإستيعاب لجميع الأنبيـاء وينحل هذا الايمان بعـــدد الأنبياء، وظاهره كفاية العلم الإجمالي دون التفصيلي الذي لم يتعبدنا الله تعالى به.
لقد أراد الله عزوجل للمسلمين أن لا يقابلوا أهل الكتاب بالمثل، فاذ جحدوا بنزول القرآن فان المسلمين يؤمنون بنزول التوراة والإنجيل، وفي دلالات هذا الإيمان وجوه:
الأول: تصديق اليهود بنزول التوراة من عند الله عليه.
الثاني: لوم الذين ينكرون نزول الإنجيل من عند الله.
الثالث: تصديق النصارى بنزول الإنجيل من عند الله.
الرابع: ذم الكفار الذين ينكرون نزول الكتب السماوية مطلقاً.
الخامس: ذم الذين ينكرون نزول القرآن من عند الله، مع مافيه من الدلالات والبراهين التي تؤكد صدق تنزيله.
وهذه الآية واقية ذاتية للمسلمين، ودعوة سماوية للتسليم بنزول الكتب السماوية السابقة من عند الله، مع بيان موضوعية القرآن في عالم التنزيل لذا جاء تقديمه في الآية باعتبار الإيمان به واجب بالذات ومقدمة ومدخل للإيمان بالكتب السماوية الأخرى.
ومن خصائص المسلمين إنفرادهم بالإيمان بجميع الكتب السماوية السابقة، وهو من وجوه تفضيلهم على الأمم الأخرى، وعلل إخراجهم للناس جميعاً .
وللإيمان بالقرآن في الآية أطراف:
الأول: الإيمان بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم تلقى الوحي من عند الله عزوجل.
الثاني: القرآن كتاب نازل من السماء.
الثالث: إنحصار تنزيل الكتب من السماء بالله تعالى، فلا أحد غير الله عز وجل ينزل شيئاً من السماء سواء كان كتاباً أو وحياً او ماء أو رزقاً أو آفة سماوية، وتنزيل القرآن أشرف وأعظم وأحسن وجوه التنزيل ، وقد فاز به المسلمون ليكونوا أفضل الأمم، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الآية لطف
إبتدأت الآية السابقة بالإخبار عن بلوغ المسلمين مرتبة الإيمان بقوله تعالى [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ] في دلالة على موضوعية الإيمان في نيل درجات التقوى والصلاح، ويتعلق الإيمان في هذه الآية بالتنزيل، وخصصت الآية للإيمان مع تعدد مصاديقه، ووجوبه على كل مكلف ذكراً كان أو أنثى، وهي:
الأول: الإيمان بان القرآن كتاب الله عز وجل أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: التصديق بالكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور.
الثالث: اليقين والقطع بيوم القيامة، وأنه حق وصدق، ان بلوغ المسلمين مراتب اليقين فضل من الله ودليل على ان نزول القرآن وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لطف وخير محض، ورحمة دائمة على الناس.
مفهوم الآية
تدل الآية في مفهومها على موضوعية البناء العقائدي في الإســلام وبســـاطته وعدم تعقيده، فنيل مراتــب التقوى وشـــرف منازلها لا يستلزم الحصول على شهادات عالية في علوم الحياة، بل إنها ملكة الإيمان الموافقة للفطرة، والهداية وصــدق النية وإخلاص العـــزم وعدم التفــريط بالمبادئ.
ومن أسمى مقومات التقوى التصديق بالقرآن وما جــاء به الأنبياء من عند الله تعالى، وهذا الوجه من الإيمان هو الأصل الذي ترتكز عليه مفاهيم الهداية العامة للخلق ويترشح عنه رؤيتهم أمــورهم وعرضهم أعمالهم على القرآن، وصدورهم هم.
والآية في مفهومها دعوة للتزود بالحكمة وشحذ للعقول وخطاب لأولي الألباب، وقال بعض الحكماء: أليس الرجل اذا مُنع عنه الطعام والشراب يموت؟ قالوا: بلى، قال: كذلك القلوب اذا مُنعت من الحكمة والعلم ثلاثة أيام تموت.
وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بالصلاة اليومية الراتبة وما فيها من قراءة آيات القرآن الواجبة، وكل آية منها حكمة وعلم قائم بذاته يبعث على التدبر والتفكر في الخلق ومنه قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، في سورة الفاتحة التي تجب قراءتها على نحو الخصوص في كل ركعة.
والآية وثيقة لتوكيد الصلة بين عالم التكوين وعالم التدوين، وتثبيت لهذه الحقيقة في صدور المؤمنين وحث على ظهورها في الخارج وأفعال العباد.
ومن مفاهيم الآية أنها زجر عن الجحود، ونبذ للشرك وتقسيم للناس وفق قواعد عقائدية إلى قسمين:
الأول : المؤمنون.
الثاني : الكافرون.
وقيدت الآية الإيمان بالتصديق بجميع الكتب السماوية على نحو العموم المجموعي ، ووجوب عدم ترك بعضها، وحرمة الإنتقال الى التخيير بينها، وتحذر من الجحود بالآخرة لأن الإيمان بالمعاد ضرورة للعبد في دنياه وآخرته، وسبيل مبارك لتبصره بكنه الحياة وزخرفها وكيف أنها دار غرور وعبور إلى حياة الخلود.
لقد جمعت هذه الآية والآية السابقة بين مصاديق الإيمان وهي:
الأول : الإيمان بالغيب.
الثاني : إقامة الصلاة.
الثالث : إيتاء الزكاة، والإنفاق في سبيل الله تعالى.
الرابع : الإيمان بما أنزل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من آيات القرآن وأنه من عند الله تعالى.
الخامس : التصديق بما أنزل الله على الأنبياء السابقين كالتوراة والزبور والإنجيل[آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ]( ).
السادس :الإقرار بالآخرة والتسليم بالبعث والنشور .
وجاءت الآية التالية لتؤكد أن أفراد الإيمان هذه عنوان الهداية والرشاد وهي سبيل الفلاح والنجاح.
وتتضمن الآية السابقة ثلاث خصال تتعلق إحداها بالتصديق القلبي والإيمان بالغيب، وإثنتان بعالم الأفعال، وهما أداء الصلاة وإتيان الزكاة، أما هذه الآية فتتضمن ذات العدد من الخصال الا انها تتعلق كلها بالإيمان والهداية.
ومن الإعجاز في هذه الآيات لغة الخطاب فيها، فجاءت بصيغة الجملة الخبرية، وتتضمن توجيه الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [أُنْزِلَ إِلَيْكَ] و[وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ] وفيه توكيد على موضوعية نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عالم الإيمان والتقوى، وشاهد على أهمية التصديق بالقرآن على نحو التعيين.
فقد خص التنزيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر بينما جمعت الآية الكتب السابقة بالإيمان بها بإعتبارها نزلت قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تقل الآية “قبل ما أنزل اليك” بل جاءت بذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذات بلفظ قبلك، مما يعني عدم وجود تنزيل في أيام حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير القرآن، وانه ليس من شخص آخر يوحى اليه غيره اذ بعث على فترة من الرسل، وكان في أيام بني إسرائيل يبعث أكثر من نبي في زمان واحد وبلدة واحدة.
فجاءت هذه الآية لتبين حصر النبوة في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشخصه الكريم، ولم تأتِ صفات المتقين بآية واحدة، بل جاءت بآيتين تؤكد كل آية إرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية وإن كل خصلة من خصال الإيمان مرتبة في التقوى، وإشراقة ورشحة من رشحات القرآن وأنه الكتاب الجامع للأحكام الذي لا ريب ولا شك فيه، وهو الإمام الحاضر والمصاحب لــ[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) يقودها نحو سبل النجاة في الآخرة التي يوقنون بها.
ويتفرع عن اليقين بالآخرة العمل لها، والإستعداد للقاء الله عز وجل لذا جاءت الآية السابقة بذكر عبادة المسلمين، ومواظبتهم على إقامة الصلاة وإتيان الزكاة.
إفاضات الآية
يعتبر التصديق بما أنزل الله عز وجل من الضروريات الأخلاقية والعقائدية والعقلية والشرعية، لقد نفخ الله عز وجل في آدم من روحه وأبى أن تنقطع الصلة بينه وبين بني آدم فقد أسكنهم الأرض على نحو مؤقت للإختبار والإمتحان، فتفضل الله عز وجل وهيء لهم أسباب النجاح والفلاح والفوز في هذا الإمتحان بأن أنزل الكتب والآيات البينات من عنده تعالى.
وكان نزولها على الذين إجتباهم وإختارهم رسلاً وأمناء على كتبه في التبليغ والبشارات والإنذارات، والإيمان بالتنزيل سبيل الإرتقاء في مدارك العقل، وسلّم الكمالات بملاك المعرفة والإخلاص في العبودية، وهو عنوان الجذب والإتصال القصدي مع السماء والتعلق بما جعله الله عز وجل رحمة توليدية متجددة ، وحبلاً دائماً بينه وبين عباده.
وتجعل الآية التصديق بالقرآن بعرض واحد مع التصديق بالكتب السماوية الأخرى ومن الإعجاز في الآية الجمع بين الإيمان بالكتب السماوية وبين اليقين والقطع بعالم الآخرة وما فيها من الحساب والثواب أو العقاب.
وتبين الآية حب العبد لله وجذبة العبودية المحضة والإنقطاع إلى الله، والإقرار بعظيم قدرته تعالى وحسن تدبيره وعظيم سلطانه ومظاهر جلاله وجماله بالعوالم المتعددة المتباينة.
وتبين الآية الإرتباط والتداخل في الإيمان بين عالم الشهادة وعالم الغيب.
وتبعث الآية الشوق في النفس إلى القرآن ومعرفة علومه وأسراره والإطلاع على مافيه من الكنوز والمعارف وتصفه بأنه منزل من عند الله تعالى.
وجاءت الآية بالمعنى الأعم لمصاديق التنزيل، فيقتضي الواجب الإيمان بكل آية من آياته وبما ثبت انه من الوحي المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم تقل الآية “الذين يؤمنون بالكتاب او بالقرآن” بل جاءت بالبيان والتوكيد على موضوعية كل آية من آياته ودخولها فرداً وشرطاًُ في الإيمان وصفة من صفات المتقين
وتساهم الآية في حفظ القرآن وتعاهده وعدم وصول يد التحريف اليه لما فيها من الحث على الإيمان به والذي يتفرع عنه حفظ آياته والتصديق به والرجوع اليه وتدارسه، وصيانة حروفه وكلماته ومعانيه كأمانة من السماء جعلها الله بيد بني آدم.
فتصدى المسلمون بفخر وعز لتحمل أعباء مسؤولية حفظها، جيلاً بعد جيل، وفي الآية نهي عن الشك بعالم الآخرة والحساب، وتدعو للإستعداد لهما لأن من أيقن بحدوث شيء تهيأ له وحرص على مقدماته واجتناب ما يؤدي الى الضرر.

الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بحرف العطف (الواو) للدلالة على إتصال هذه الآية بالآية السابقة التي تضمنت عدداً من صفات المتقين الذين جعل الله تعالى القرآن إماماً لهم ينير لهم دروب الرشاد، ويستنيرون بضياءه في مسالك الإيمان، وهو الطريق المستقيم الذي يقودهم ، فمن الأسرار في الطريق المستقيم الذي يتضرع المسلمون رجالاً ونساءً الى الله عدة مرات في الصلاة اليومية للهداية إليه ( إهدنا الصراط المستقيم ) أنه إمام يقود إلى مقامات الخلود في دار النعيم،لذا ورد أن القرآن هو الصراط.
ويبين العطف هنا وتعدد صفات المتقين المنافع العظيمة للقرآن في تهذيب النفوس، وترسيخ الإيمان في القلوب، وتوجيه أفعال الجوارح والأركان، والتنزه عن فعل السيئات والمعاصي.
لقد جاء العطف دعوة للمسلمين للصدور عن القرآن، والنهل من علومه، وإتخاذه إماماً في العبادات والمعاملات والأحكام، وإبتدأت هذه الآية بذكر خصلة حميدة أخرى للمتقين وهي الإيمان والتصديق بما أنزل الله تعالى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتدل هذه الصفات على ان المسلمين هم المتقون ، وهو تشريف واكرام لهم.
لقد جاءت هذه الآية ايضاً بثلاث خصال للمتقين تتعلق بالإيمان والعقيدة لبيان موضوعية الإيمان في ماهية التقوى، ومن أراد بلوغ مراتب التقوى وهي أشرف المنازل فعليه الإيمان بالتنزيل.
وبدأت الآية بالإيمان بما انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن ، ليخرج بالتخصص من الوصف بالتقوى من لم يؤمن بنزول القرآن.
وقد جاءت آيات كثيرة في ذكر المؤمنين من أهل الكتاب والأمم السابقة، ولكن القرآن خص المتقين بصفة وهي الإيمان بما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون بين المؤمنين والمتقين عموم وخصوص مطلق، فكل متق هو مؤمن، وليس العكس، وليتجلى الإيمان بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان بالقلب والجوانح، ومنه التصديق بنزول القرآن من عندالله، والتسليم بما في آياته من الأحكام والأوامر والنواهي والأخبار، سواء أخبار وقصص الأمم السابقة، او أخبار يوم القيامة وعالم الحساب، قال تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ] ( ) .
وهذه الآية هي أول آية في القرآن تأتي بصيغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الإعجاز أن تقدم الآية صفة الإيمان بنزول القرآن ثم تذكر الإيمان بالكتب السماوية السابقة، مع أن ما نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متأخر زماناً عن الكتب السماوية الأخرى، فذكر الإيمان به يدل بالدلالة التضمنية على لزوم العمل به.
وجاءت الآية بالاسم الموصول (ما) لإفادة المعنى الأعم لآيات القرآن والتنزيل ، وهل يشمل السنة النبوية في المقام بإعتبارها وحياً، لعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) الجواب أن القدر المتيقن هو القرآن، ويدل بالدلالة الإلتزامية على التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولم تذكر الآية جهة ومصدر النزول، وفيه دلالة على معرفة الناس بان المراد من التنزيل نزول الكتاب من عند الله، وجاءت آيات عديدة تدل على هذا المعنى ، منها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]( ) .
وجاء التقييد بان النزول الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتعيين آيات القرآن، وما فيها من الأوامر والأحكام، لأن الله تعالى ينزل الماء والغيث، قال تعالى[وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا] ( ).
وينزل الله الرزق والفضل العظيم، وينزل الملائكة، فتضمنت الآية بيان عظيم منزلة المسلمين بتصديقهم بنزول القرآن، قال تعالى [وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
وجاءت الآية بصيغة الجمع للإخبار عن خلو قلوب المسلمين من الشك أو الريب في نزول القرآن من وحياً بواسطة جبرئيل، ومدحهم لتصديقهم بنزول القرآن والعمل بأحكامه وهو من مصاديق ووجوه تفضيلهم على الأمم الأخرى وحاجة الناس اليهم، لأن تصديق أمة من الناس بالقرآن ونزوله من عند الله دعوة يومية متجددة للناس جميعاً للحوق بهم في منازل الإيمان، والعمل بأحكام التنزيل.
وفي الآية تشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ جعل الله تعالى من شرائط التقوى الإيمان بما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومما أنزل عليه إقتران طاعته بطاعة الله، قال تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ]( )، وقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
وفيه بعث للسكينة في قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجود أمة مؤمنة بنزول القرآن عليه، ولأن أحكام ومضامين آيات القرآن باقية إلى يوم القيامة، إذ تدل الآية على بقاء الإسلام وتوارث المسلمين لأحكامه، وتعاقب الأجيال التي تؤمن بالقرآن لفظاً ومعنى.
وفي الآية شاهد على خلو القرآن من التحريف، وعدم طروه عليه إلى يوم القيامة فإن قلت أن الآية جاءت بالإيمان بما أنزل من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ايضاً، وقد طالت يد التحريف الكتب السماوية السابقة ، والجواب أن الايمان بتلك الكتب فرع شهادة القرآن بنزولها، ولأن أحكامها وما فيها من المضامين والقصص والأمثلة واردة في القرآن ويكون الإيمان بها على نحو الإجمال والإقرار بنبوة الأنبياء السابقين، والتصديق بين القرآن والكتب لسماوية السابقة.
ولم تقل الآية الذين يؤمنون بالقرآن، لإفادة البيان وتوكيد التنزيل ، وموضوعية نزوله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيه من الإقرار بنبوته، وتلقيه التنزيل والآيات رحمة وفضلاً من الله عز وجل عليه وعلى المسلمين والناس جميعاً، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
وبعد إبتداء الآية بالإيمان بنزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشرطيته في التقوى، جاء الشطر الثاني من الآية بالإخبار عن علامة أخرى من علامات المتقين وهي الإيمان بما أنزل (الله تعالى قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولم تذكر الآية جهة الإنزال والمنزل عليه وهل هو متحد أم متعدد، والمراد الكتب السماوية السابقة التي أنزلها الله تعالى على الأنبياء والمرسلين، قال تعالى [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ] ( ).
إن الإيمان بالكتب والأنبياء السابقين شاهد على إرتقاء المسلمين في مراتب التقوى والصلاح، وإستحقاقهم لمراتب التفضيل على أهل الملل الأخرى.
إذ ينفردون بالإيمان بالقرآن والكتب السابقة في حين تخلف غيرهم عن الإيمان المطلق بالتنزيل [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ] ( ).
وتخبر الآية عن ملازمة مدرسة وآيات النبوة للوجود الإنساني، وتدعو الناس الى العمل بميراث النبوة وعدم التفريط بسننها، وتخبر عن المنزلة العظيمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ انها جاءت بالإيمان بالكتب السابقة من وجوه:
الأول: إتصال لغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: وصف الكتب السابقة بانها نازلة قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم تقل الآية “وما أنزل من قبل” بل ذكرت أوان النزول بأنه قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويحتمل أمرين:
الأول: نزول الكتب السماوية قبل ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: نزولها قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والصحيح هو الأول، وهو شاهد على وجود فترة ومدة بين آخر تنزيل للكتاب وبين نزول القرآن، إذ كان الإنجيل آخر الكتب السماوية نزولاً، وبين عيسى عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو ستمائة عام، وفيه زجر سماوي عن إدعاء شخص النبوة والتنزيل ، وحث الناس على عدم التصديق بأهل الزور والإفتراء مثل مسيلمة الكذاب وكان اهل الكتاب يترقبون الطلعة البهية بولادة سيد الكائنات.
ويؤكد الجمع بين أول ووسط الآية على عدم جواز التبعيض في التصديق بالكتب المنزلة، وفيه مدح وثناء على الذين يؤمنون بالتنزيل مطلقاً والتسليم بنبوة الأنبياء جميعاً، وزجر عن التخلف عن الإيمان بشطر من الكتب السماوية، وقد فاز المسلمون دون غيرهم من أهل الملل والنحل بالإيمان المطلق بكل الكتب السماوية.
وذكرت الآية صفتين من صفات المتقين هما:
الأولى: الإيمان بنزول القرآن والوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإقرار بان ما بين الدفتين هو كلام الله.
الثانية: الإيمان بنزول الكتب السماوية السابقة.
ووردت خاتمة الآية في موضوع الإيمان أيضاً ولكنه خاص بالتصديق بيوم القيامة، وان الناس يبعثون من قبورهم للحساب والجزاء، وجاءت بصيغة اليقين أي العلم والقطع، وبين اليقين والعلم عموم وخصوص مطلق، فكل يقين هو علم وليس العكس، فبينت الآية حصول مرتبة القطع والجزم عند المتقين وانه حق.
ومن الإعجاز في الآيات مجيء صفة أو أكثر خاصة بالمسلمين في الآية السابقة وفي هذه الآية، وفيه توكيد لإختصاص المسلمين بالتقوى كما بينت الآية السابقة إتصافهم بإقامة الصلاة.
وأكدت هذه الآية إيمانهم بنزول القرآن من عند الله عز وجل ليكون مدح المسلمين بالصفة والإقرار بالقلب والجوانح والفعل العبادي، مما يدل على سمو لغة القرآن ومعاني الخطاب ودقة الوصف في آياته، وما تتضمنه آياته من دعوة الناس جميعاً إلى الإسلام، والسعي في مسالك التقوى وطاعة الله، والخشية من معصيته.
التفسير الذاتي
من إعجاز نظم القرآن أن تأتي الآيات الأولى فيه وصفاً للمسلمين بما يتضمن مدحهم والثناء عليهم، وندبهم للثبات في منازل الإيمان، ودعوة الناس للإقتداء بهم ومحاكاتهم، قال تعالى[فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا]( ).
وإذ ذكرت الآية الثانية القرآن بلغة الإشارة والتفخيم (ذلك الكتاب) جاءت هذه الآيات لبيان منافعه في وجود أمة مؤمنة بالله ورسوله، وتتعاهد القرآن، وتحفظه من التغيير والتبديل.
وذكرت هذه الآية الإيمان بالتنزيل على نحو التفصيل، وجعلته على قسمين:
الأول: التصديق بما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن.
الثاني: التصديق بالكتب السماوية السابقة.
ويدل هذا التفصيل، وتقديم التصديق بالقرآن على الكتب السماوية على موضوعية الإيمان بنزول القرآن في سمات المتقين، بلحاظ أنه شرط من شروط التقوى.
وهذه أول آية في نظم القرآن تتضمن الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتجلت البركة في لغة الخطاب وموضوعه، لما فيه من ذكر المسلمين، وتصديقهم بالقرآن الذي جاء بلزوم إتباع ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تقل الآية يؤمنون بالكتاب مع أن القرآن ذكر بهذا الاسم في الآية قبل السابقة.
ولكن جاءت الآية بذكر صفته وماهيته ضمناً وأن الإيمان به كتنزيل من عند الله عز وجل، وهذا الإيمان مناسب لما ورد في الآية السابقة من مدح المسلمين بأنهم يؤمنون بالغيب ، إذ أنهم لا يعلمون كيفية نزول القرآن ومجئ الملك بالوحي إلا أن يخبرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو يروا علامات حضور الوحي ظاهرة على النبي إذ كان يتفصد عرقاً في اليوم البارد حتى ينفصل عنه الملك، قال تعالى [وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ]( )،فيخبر المسلمين بما جاء به من الآيات، وهذا كله من الغيب.
فجاءت الآية لتخبر بأن حد إيمان المتقين التصديق بالتنزيل، وهو كل ما يخبر الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن، ويتلوه المسلمون بالتسليم على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، ولايفرطون أو يسقطون بعض الآيات أو الكلمات منه.
ومع أن الآخرة من الغيب وصفت هذه الآيات المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب، فقد جاءت هذه الآية بذكر تصديقهم بالآخرة على نحو التعيين والتوكيد مع أنه من أفراد الغيب مما يدل على موضوعية الإيمان باليوم الآخر، والإستعداد له بالإضافة إلى حصول اليقين والقطع بيوم القيامة وعالم الجزاء في الآخرة وما فيه من الثواب للمحسنين، والعقاب للمسيئين.
وفيه نكتة أخرى، وهي أن التصديق بالتنزيل والإيمان بالغيب يؤديان إلى القطع واليقين بالآخرة وأن البعث بعد النشور أمر حتمي، وأن أقامة الصلاة وأداء الزكاة أمران مترشحان عن الإيمان بالقرآن وما فيه من الأوامر والأحكام.
إن أداء الفرائض شاهد على اليقين بالآخرة، وهو واعز ذاتي ونوعي للمسلمين يحرصون معه على أداء العبادات بشرائطها، ومن وجوه اليقين في المقام الإقرار بمواطن يوم القيامة المتعددة، والتفقه في أحوالها بالتصديق بما ورد بخصوصها في القرآن والسنة النبوية.
لقد جاءت الآية بثلاثة صفات للمتقين كل صفة شرط في نيل مرتبة التقوى، وهي:
الأولى: إبتدأت الآية بالإخبار عن تصديق المؤمنين بنزول القرآن من عند الله، ومعه تأتي عبادات المسلم بقصد القربة، ويتلو القرآن مع نية العمل بأحكامه ومضامينه القدسية لأنه حبل الله والصراط المستقيم الذي يهدي للصلاح والفوز في النشأتين ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
الثانية: من خصائص المسلمين ماجاءت به هذه الآية بأن جعل التصديق بالقرآن والكتب السماوية السابقة بمرتبة واحدة، مع تقديم الإيمان بالقرآن.
الثالثة: أختتمت الآية باليقين والقطع بعالم الآخرة، وفيه نكتة وهي أن القرآن يتضمن الإعجاز الذاتي والغيري، ويفيد الإيمان به، لأنه آية ومعجزة عقلية وحسية، وجاء بتصديق الكتب السماوية السابقة .
أما الآخرة فانها من عالم الغيب، وإليها يرجع الناس جميعاً حيث الخلود في الجزاء فلابد من بلوغ مرتبة اليقين بها، ليكون مقدمة ووسيلة لفعل الصالحات، وتعاهد الإيمان بالتنزيل والنبوة.

من غايات الآية
لما ذكرت الآية السابقة شطراً من صفات المتقين، جاءت هذه الآية بذكر الشطر الآخر منها، وتتفرع عن هذه الصفات أحكام عديدة اذ انها تتغشى عالم العقيدة والأفعال العبادية والمعاملات بلحاظ كون إن القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، ويدل الإيمان به على التقيد بأحكامه وسننه، والأخذ بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
وتبين الآية المنافع العظيمة لنزول القرآن، وأنه حاجة للناس وضرورة لتثبيت الإيمان في الأرض، وبرزخ دون إنكار الضروريات.
التفسير
قوله تعالى [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ]
عطف على (الذين) في الآية السابقة فيكون المعنى بياناً لتمام صفة المتقين او أظهر خصالهم وتشير آيات أخرى في القرآن الى صفات تضاف أو تتفرع عنها.
بعد أن بينت الآية السابقة الخصال الحميدة في أبواب الفعل والعمل جاءت هذه الآية للثناء على المسلمين من حيث الإعتقاد، وتظهر الآية الإعتقاد، والدلالة الإلتزامية بينه وبين عمل الجوارح ، وكل واحد منها يؤثر وينفعل بالآخر، فلا غرابة إذن أن يؤكد في الفقه على شرطية النية وجزئيتها في العبادات والتي لا تتقوم إلا بها.
وفي الآية الكريمة مسائل:
الأولى: الإيمان هنا بمعنى التسليم والتصديق بما أنزل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو القرآن ، وما فيه من الآيات والأحكام والدلالات، والإقرار بما أنزل على الأنبياء والمرسلين ممن كان قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا يجب العلم بما فيها من الآيــات والأحكام والأوامــر والنواهي بل يكفي العلم الإجمالي الذي يصدق عليه انه معرفة مع الإستعداد للتسليم والقبول بما يســتحدث عند المكـــلف من العلـــوم في هـــذا الباب.
وفي الآية دلالة على أن الإقرار بالمعاد والحياة الأبدية في الآخرة أحد أصول الدين، وان الله عز وجل يعيد الحياة الى الأجسام البالية بعد تشتت أجزائها، وعليه إجماع علماء المسلمين خلافاً للحكماء من غير الموحدين.
وقال المتكلمون لولا المعاد البدني لَقَبُحَ التكليف لأنه مشقة تستلزم التعويض عنها، وبعضهم نفي العوض في زمان التكليف، ولكن نعم الله عز وجل على الإنسان في الدنيا تعجز الخلائق عن إحصائها، وقد يكون شطر منها ثواباً لذات الشخص أو لآبائه أو للأمة، وفي قوله تعالى[وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا]( )، وأخرج ابن مردوية عن عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وكان تحته كنز لهما} قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: شهدت أن لا إله إلا الله، شهدت أن محمداً رسول الله، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن…!؟ عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح…!؟ عجبت لمن تفكر في تقلب الليل والنهار ويأمن فجأتهما حالاً فحالاً)( ).
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات حوله ، فما يزالون في ستر من الله وعافية)( ).
وأداء التكاليف شكر لله عز وجل لإتصال نعمه مما لا يستلزم معه العوض إلا فضلاً من الله تعالى في النعم المستحدثة والمستديمة.
الثانية: الآية في موضوعها وموضعها مدرسة في إعداد قادة المسلمين وإصلاح شأنهم وتقويم أخلاقهم بجعل الإيمان الراسخ هو السمة الظاهرة فيهم ، فليس إتفاقاً ان تجد الآيات الأولى من القرآن مدرسة في العقيدة والبناء الأخلاقي ، ومنها تفرعت أحكام شرعية وترسخت قيم ومفاهيم جهادية، وكانت حاجزاً ومنعة عن تأثير أقاويل وأباطيل أهل الجحود وغيرهم.
الثالثة: يمكن تسمية (آيات البناء العقائدي) وهي واقية من أهل الشك والريب فبهذه الآية وما شابهها إستطاع المسلمون ان يتحصنوا ضد الشرك والضلالة.
الرابعة: تبين الآية عظيم فضل الله تعالى بإنزال الكتب الســماوية ولزوم تعاهد الناس لها بحسب التكليف، وتتمثل أيام التنزيل وإلى يوم القيامة بالقرآن وعلومه، والتسليم والإيمان به وعدم التفكيك بينه وبين الكتب السماوية الأخرى مما يعني تخلف غير المسلمين قهراً وخروجهم بالتخصص من منازل اليقــين والفـــلاح الذي ورد ذكـــره في الآيـة التالية.
الخامسة: تجلى التقسيم الزماني للوقائع والمذاهب والمعتقدات في هذه الآية بالأزمنة الثلاثة، الماضي، الحاضر، المستقبل، فالماضي يتمثل بالكتب السماوية السابقة، والحاضر المتغشي لأيام الحياة الدنيا بالقرآن، والمستقبل في العالم الآخر يوم القيامة وما يحتاجه من التصديق الجازم به مع تغشي القرآن لهذه الأزمان الثلاثة.
السادسة: ظاهر الآية أن القرآن هو الكتاب الباقي إلى يوم القيامة خصوصـاً وأن الكتب السماوية المنزلة قبله بشــرت به ولـــم يخبر هـــو عن كتاب آخر لاحق بل أخبر بأنه جامع كاف مانع، وبشّر الأنبياء السابقون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه آخر الأنبياء والرسل.
(وأخرج البزار عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار، وتشد إليه الرواحل: المسجد الحرام، ومسجدي. صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)( ).
السابعة: الآية دعوة لأهل الكتاب للإيمان بالرسالة الإسلامية والتصديق بالقرآن وعدم التعجل بالإنكار جحوداً.
الثامنة: هل المراد بالآية أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسول كعبد الله ابن سلام وأمثاله كما قيل، وأن في التخصيص بالذكر مزيداً من التشريف لهم.
الجواب الآية أعم وهؤلاء الصحابة من أفضل مصاديق الآية وهي جارية الى يوم القيامة، وحتى بلحاظ أسباب النزول تعتبر أعم من الإنحصار بإيمانهم إلا أن يدل دليل معتبر عليه وهو مفقود.
التاسعة: تعدي الإيمان بالباء في الآية [ يُؤْمِنُونَ بِمَا ] يعني التصديق والإقرار والتسليم، ففي الآية بشارة وإخبار على أن الإسلام أرسى أسسه في الأرض، وترسخ في قلوب المسلمين.
العاشرة: تتضمن الآية الإخبار بان الذي عنــد النبي الأكــرم صـــلى الله عليه وآله وسلم هو وحي منزل من عند الله تعالى وهذا غاية التشريف، وفيه حث على التصديق والتسـليم بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الحادية عشرة: وجوب الإيمان بالقرآن كتاباً سماوياً، وأن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ينزل عليه الوحي من عند الله لما تتضمنه الآية من الأمر بتحديد مضامين الإيمان، والملازمة بينه وبين الفلاح.
الثانية عشرة: لابد لكل مسلم أن يؤمن إيماناً جازماً بالدار الآخرة وعالم الحساب، وفيه مدح لهم مما يعني الثواب والجزاء على الإقرار بالآخرة، وهو أيضاً طريق للصالحات.
قوله تعالى [بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ قَبْلِكَ]
الآية تشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه:
الأول : ذكر ما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص.
الثاني : وإختار لتلقي القرآن تفضل الله عز وجل .
الثالث : تعرف الكتب السابقة في زمانها بلحاظ زمان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها نزلت قبل القرآن.
الرابع : من مفاهيم الآية أن القرآن هو آخر الكتب السماوية نزولاً.
الخامس : يتحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون أعباء الإقرار والتسليم بنزول كتب سماوية سابقة للقرآن.
وتكرر لفظ (أنزل) في الآية مرتين على البناء للمجهول في إظهار لعزة وقوة الله تعالى ، وإخبار عن إنحصار التنزيل به سبحانه، فلا أحد يستطيع ان ينزل كتاباً من السماء إلا هو.
وفي الآية ثناء على الأنبياء السابقين لنبوة محمد ممن أنزل عليه الكتاب والوحي، فموضوع الآية لا ينحصر بالكتب المنزلة بل يشمل الوحي والإخبار السماوي، وتدل الآية بالدلالة الإلتزامية على وجود كتب سماوية، كما أخبرت آيات أخرى عديدة عن نزول التوراة والإنجيل والزبور.
والآية دعوة مركبة من وجوه:
الأول : دعوة المسلمين للإيمان بالكتب السماوية السابقة وعدم مقابلة دعوى أهل الكتاب بالجحود أو العناد أو إختيار المثلية في إنكار ما أنزل اليهم لأنهم لم يؤمنوا بنزول القرآن، فلابد لكل مسلم من التصديق بالكتب السماوية السابقة ، وإن جحد أهل الكتاب بالقرآن.
الثاني : حث وندب أهل الكتاب على التصديق بالقرآن والإيمان بالكتب السماوية كلها على نحو العموم المجموعي والإستغراقي.
الثالث : دعوة الناس من أهل الملل إلى التدبر والتصديق بالتنزيل ، خصوصاً وأن القرآن يتضمن الإعجاز والتحدي .
وجاءت الآية بصيغة الجمع مما يدل على كثرة عدد المسلمين وإتساع رقعة الإسلام وعدم الخشية في الإيمان بالقرآن والكتب الأخرى من أحد، قال تعالى[وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( )، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
قوله تعالى [وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ]
مدح وثناء للمسلمين لإيمانهم بوجــوه الغيـــب المســتقبلية والتي عليها ترتكز مباني أفعال العباد في الحياة الدنيا فهي الفيصل في السنن والسير والأعمال، فمن كان يؤمن بالآخرة إمتثل لأوامر الله تعالى وأسلم لأنبيائه، ومن جحدها وغرته الحياة الدنيا نصب العداوة والبغضاء للمؤمنين.
وورود الضمير المنفصل [هُمْ] بيان لموضوعية وإستقلال التصديق بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب، وإقرار بأن الدنيا مزرعة لها.

بحث كلامي
من أسرار الخلق حتمية البعث والنشور، ولقد أجمع المليون على حصول المعاد الجسماني وأجمع المسلمون على عذاب القبر ، ونقل عن ضرار إنكاره ولا عبرة بخلافه مع ظهور النصوص والإجماع، وإمكان حصوله عقلاً والمسمى بعالم البرزخ وهو جزء من عالم الآخرة الذي يعتبر مصداقاً عملياً لوعد الله تعالى للمؤمنين بالثواب وإنذاره ووعيده للكافرين بالعذاب.
ولابد من الجزاء للتكليف والفرائض بفضل وإحسان الله تعالى، والتكليف يعني إتيان الفعل العبادي بمشقة وكلفة، وكذا إسم الفريضة لما فرض على العبد أداؤه من الصلاة أو الصوم أو إستخراج الزكاة والخمس.
وذكر القرآن للإيمان بالآخرة على نحو اليقين في هذه الآية بالذات وإبرازها كصفة لازمة بيان لضرورة من ضرورات الإيمان، ويدل على المصير الحتمي إلى يوم القيامة سواء وصل إلى العبد في الدنيا ثواب او عقاب ام أُمهل الى الآخرة او انهما قد يحصلان لشخص واحد، ينال قسطاً من الجزاء في الدنيا على نحو الإبتلاء والإستدراج ثم يلقى الجزاء الأوفى في الآخرة.
وقال الزمخشري: وفي تقديم [الآخِرَةِ] وبناء [يُوقِنُونَ] على [هُمْ] تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته( ) واثنى عليه السيوطي بقوله: وهذا الذي قاله الزمخشري في غاية الحسن، ووجه اللوم لمن إعترض عليه( ).
والظاهر ان الآيات في مدح المسلمين وإعدادهم عقائدياً والصفات الإيمانية في الآيات صفات إنحلالية كل واحدة منها شرط من شروط الإيمان ومصداق من مصاديقه وركن من أركانه، وفقدها عيب ونقص سواء كان غير المسلمين يفقدون الأكثر او الأقل منها.
بحث بلاغي
يقسم الكلام من حيث دلالته الى الخبر والإنشاء، والخبر في الإصطلاح ما يصح ان يدخله الصدق او الكذب وما يصح السكوت عليه، وكلام البــاري منزه عن الكـذب،فهو الخبر الصادق المطابق للواقع.
ويجعل اطلاق هذا التقسيم الخبر القرآني جزء منه ولكن من الخبر الصادق دائماً، والأولى ان يكون الخبر القرآني قسيماً للخبر بالمعنى الإصطلاحي ويكون بينهما عموم وخصوص من وجه، مادة الإلتقاء هي الخبر.
ومن وجوه الإفتراق ان صفة القرآنية في الخبر القرآني وانه لا يحتاج إلى إثبات خارجي على صدقه، بعكس خبر غيره فحتى الخبر من السنة النبوية الشريفة يحتاج إلى صحة السند وعدم معارضته للقرآن.
والإنشاء إرادة التكوين والجعل وصيرورة الشيء وإقتران المعنى بلفظه، ومنهم من قال أن أقسام الكلام عشرة وقال الأخفش انها ستة، خبر وإستخبار، وأمر ونهي، ونداء وتمن.
وترى وجوه الكلام وأقسامها في هذه الآية ففيها الإخبار والإنشاء ودعوة الناس لتمني النعيم في الآخرة وفيها الأمر والنهي والزجر والحث على الإيمان.


قوله تعالى[أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] الآية 5

الإعراب واللغة
أولئك اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وهو جمع ذلك، ويفيد معنى البعد ويراد به في المقام بعد المنزلة وعلو الشأن.
على هدى: جار ومجرور، من ربهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة الهدى، والضمير (هم) مضاف اليه.
(وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)
الواو: حرف عطف ، أولئك: مبتدأ، هم: ضمير فصل، المفلحون: خبر أولئك.
والفلاح الفوز والنجاة والظفر بالبغية وإنتهاج سبل الخير، ومن الفلاح ما هو دنيوي بالتنعم في الدنيا وطيباتها، ومنه أخروي وهو الفوز بالجنة، ويمكن إستنباطه من قوله تعالى [ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ] ( )، وقيل: أنه أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل.
ولغة الإطلاق في هذا القول مناسبة للمقام إلا انه إطلاق بدلي ينحصر بهذه النعم الأربعة، وفضل الله تعالى على المؤمنين في الآخرة من الإطلاق الشمولي وأعم من ان يحصى.
في سياق الآيات
أظهرت الآية ما يناله المسلمون من إكرام وعظيم المنزلة بحسن عبادتهم وصدق إيمانهم وأنهم الذين ينالون السعادة، ويفوزون بالنعيم والآيات مجتمعة مدرسة في المعرفة الإلهية وبيان مناهجها العقائدية، ومن الإعجاز في نظم الآيات أن المدح وذكر الثواب جاء متعقباً لفعل الصالحات والهداية.
وبدأت هذه الآيات باسم الإشارة المتعلق بالقرآن بقوله تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ] وإبتدأت هذه الآية باسم الإشارة أيضاً لإرادة المسلمين والثناء عليهم لإختيارهم سبل الهداية والرشاد.
وإذ جاءت الآيات السابقة بأوصاف المسلمين، فان هذه الآية أختتمت بأنهم هم المفلحون الفائزون، ويحمل الفلاح هنا على الإطلاق وإرادة الحياة الدنيا والآخرة .
ومن الإعجاز في سياق الآيات أن يأتي الإخبار عن الفوز والفلاح بعد بيان الصفات الحميدة التي يتصف بها المسلمون في دلالة على نيلهم الفلاح باختيارهم الهداية، وسعيهم في مرضاة الله تعالى، ولم تذكر الآية المسلمين بالأسم، بل ذكرت المتقين بلحاظ الفعل والصفة وصبغة التقوى والخشية من الله، لتكون هذه الآية دعوة لكل إنسان وأهل ملة لدخول الإسلام، ومنع غلبة النفس الغضبية على الإنسان، وتماديه في المعصية.
فهذه الآية مدرسة في الدعوة الإسلامية وحجة على الناس، ووسيلة لجذبهم إلى الهدى والإيمان، وليس بين الإنسان وبين نيل مرتبة الهداية والفلاح إلا التحلي بالصفات الواردة في هذه الآيات وهي واجبة بالإصل، وموافقة لسنخية بني آدم وجزء علة لخلق الإنسان لقوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
إعجاز الآية
يتعقب الثواب والجزاء في الآية الكريمة بالفعل والإعتقاد من غير تأخير وفترة مما يعني أن الفلاح أعم من النعيم الدائم في الآخرة، وأن الإيمان نفسه من أحسن مصاديق الفلاح والنجاح والفوز وتخبر الآية بأن منازل الإيمان ونفاذه الى القلوب انما هو بتوفيق من الله تعالى وأن المسلم يحتاج إلى الله حتى في قرار الإيمان والتسليم والإلتفات الى آيات النبوة والتفكر فيها.وتبين الآية الملازمة بين الإيمان وحسن الثواب ونيل المراتب العالية.
ويمكن تسمية هذه الآية آية (اولئك على هدى ) ومع ورود لفظ أولئك في القرآن أربعا ومائتي مرة فإن هذا اللفظ لم يرد في القرآن الا مرتين.
الآية سلاح
كما ان في الآية مدحاً للمؤمنين فانها بشارة على قرب المدد الإلهي وموضوعيته في الهداية مما يعني إتساع رقعة الإسلام وزيادة عدد المسلمين أفواجاً، وهو أمر ظاهر بوجود الآيات الباهرات والتوفيق الذي تخبر عنه هذه الآية صراحة والذي يعني بالدلالة الإلتزامية قوة الإسلام وعلو شأنه وسلطانه .
وتتضمن الآية أموراً:
الأول: مدح المسلمين والثناء عليهم لبلوغهم مراتب التقوى.
الثاني: تغشي المسلمين بأسباب الهداية بفضل الله.
الثالث: ظفر المسلمين، وفوزهم برحمة الله ونيل المطلوب، وهو الخلود في النعيم، لتبين الآية قانوناً ثابتاً في الإرادة التكوينية في العلة والمعلول، وما يؤدي اليه إختيار الإنسان التقوى والإيمان.

الآية لطف
تكرر اسم الإشارة في الآية اولئك، وفيه مدح إضافي للمسلمين وإخبار عن تعدد موضوع الهداية والرشاد، وكل واحد منهما جاء بلغة الإكرام والثناء ، والأول خاص بصلاحهم في الدنيا، والثاني بالدنيا وبحسن عاقبتهم في الآخرة.
والآية بشارة ثبات الإيمان في الأرض، ونزول البركات التي هي فرع الهداية والفلاح، وفيها ترغيب للناس بالإسلام وحث لهم على الهداية.
ومن اللطف الإلهي ورود الآية بكلمات قليلة ولكنها تتضمن خير الدنيا والآخرة، إذ تخبر عن حسن سمت وإيمان المسلمين والنعيم الدائم الذي ينتظرهم في الآخرة وإذ جاءت سورة الفاتحة بالدعاء والمسألة بالهداية إلى الصراط المستقيم، جاءت هذه الآية وكأنها إستجابة لدعائهم وبشارة الفوز في النشأتين.
مفهوم الآية
يدل مفهوم الآية على المراتب السامية التي يبلغها المتقون عند إجتياز الإمتحان العملي والتقيد بأداء العبادات، والإختبار العقائدي.
ولا غرابة أن ترد هذه القواعد الكلية في بدايات سورة البقرة وفي أول آيات القرآن من جهة ترتيب سوّره وآياته لأنها في مفهومها تنفي الفصل بين العقل النظري والعقل العملي، وتمنع من أثر البعد الزماني بين الحاضر والماضي والمستقبل وتحول دون أي هوة بين النظرية والسلوك.
ويدل ما تتضمنه الآية من الوعد الكريم والبشارة بحسن عاقبة التقوى في مفهومه على خسارة أهل الفسق والضلالة الذين يقترفون السيئات، ومن مفاهيم الآية الحث على التوبة للتخلص من شدة العذاب.
وتقسم الآية الناس إلى قسمين منهم من يكون مؤمناً، تلقى الأحكام والأمور النازلة من السماء بالتسليم، ومنهم من جحد بالكتب السماوية والنبوات.
وفاز المسلمون بالظفر بالقسم الأول ً، والآية إنذار ووعيد للكافرين، ودعوة للإيمان بالقرآن وآياته، ووعد كريم لكل من آمن وأسلم وصدّق بالحق المبين ، وتبعث الآية على الإستيقاظ من رقدة الجهالة وسنة الغفلات والإقامة على ما يميت القلب .
وفي الآية مسائل:
الأولى: إكرام المتقين بذكر صفاتهم الحميدة وحسن عاقبتهم.
الثانية: مع مجئ الآية بصيغة الجملة الخبرية فانها وعد كريم للمسلمين بنيل المراتب العالية.
الثالثة: كما تجمع الآيات الثلاثة السابقة خصال المسلمين، جاءت هذه الآية في وصف حالهم وبيان منزلتهم في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فان الآية أخبرت عن رسوخ الإيمان في نفوسهم، وصدور عباداتهم عن ملكة التقوى بدليل قوله تعالى [عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ] وفيه زجر للكفار عن التعدي على المسلمين، والسعي لمحاولة إرتداد جماعة منهم عن دينهم، أو بعث الفرقة وإثارة الفتنة بينهم، قال تعالى[وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ]( ).
وأما في الآخرة فان المتقين هم الفائزون ومن يخاف الله في الدنيا ويطيع أوامره فانه يلقي الجزاء الحسن في الآخرة.
الرابعة: لم تقل الآية (وهم المفلحون) بل تكرر فيها اسم الإشارة [أُوْلَئِكَ] للإشارة إلى حسن حال المتقين في الدنيا والآخرة.
فيشار إليهم في الدنيا بصفات التقوى التي يتحلون بها ، وتنظر لهم الخلائق في الآخرة وهم يتنعمون بثوابها.
إفاضات الآية
تحث الآية على الإيمان بالمعارف القرآنية والأخروية، وتبعث على طلب الحقيقة والإستعانة بالمقدمات البرهانية والحدسية والحسية التي تلتقي جميعاً في الدعوة إلى التصديق بالنبوة والكتاب، ومن لوازم وآثار هذا التصديق أداء العبادات وإجتناب المعاصي.
لقد أرادت الآية إعادة الإنسان إلى فطرة الإيمان والعروج به في مراتب الهداية ليسعى جاهداً لنيل الأمن والسلامة في اليوم الموعود، وبلوغ جنة المأوى .
وتبعث الآية الغبطة في نفوس المسلمين، وتجعل الإيمان ملكة ثابتة في نفوسهم لما تتضمنه من المدح والبشارة والوعد الكريم.
وتبين الفضل الإلهي في هداية المسلمين، وتمنع من الغرور والزهو والكبرياء، وتجعلهم يتعاهدون منازل العبودية والخضوع لله تعالى.
الصلة بين أول وآخر الآية
بدأت الآية باسم الإشارة “أولئك” وهي أول آية في القرآن تبدأ باسم الإشارة بعد قوله تعالى [ذلك الكتاب] وفيه إعجاز إذ أن اسم الإشارة الأول جاء للدلالة على القرآن ، وهذه الآية جاءت لمدح المسلمين ، ليكونا دعوة وترغيباً للناس لدخول الإسلام ، والفوز بتلقي هذه الإشارة الملكوتية المباركة، على نحو متكرر ، فمع قلة كلمات الآية فان اسم الإشارة “أولئك” تكرر فيها، مع إرادة المتقين بهما، في دلالة على تزكية المسلمين والثناء عليهم، ومجيء البشارة بنيلهم المراتب الرفيعة في الجنة العالية، وأنهم الفائزون في الدنيا والآخرة.
لقد جاءت هذه الآية لتوثيق وبيان صفات المتقين، وتوكيد حقيقة وهي أن هداية المسلمين برحمة وتوفيق من الله تعالى، وكل هدى من عنده تعالى، وجاءت الآية بأمرين:
الأول: وصف حال المتقين بانهم على هدى وصلاح .
الثاني : الجزاء والمدح والبشارة للمسلمين.
وتفيد الآية حصر وتعيين أهل الهداية، وهم الذين يفوزون بحسن العاقبة والثواب، لتبعث الآية السكينة في نفوس المسلمين، والحرص على الثبات في منازل الإيمان ، وتكون توبيخاً للكفار، وحثاً لهم على التوبة والإنابة.
التفسير الذاتي
كما إبتدأت الآية الثانية من سورة البقرة باسم الإشارة للبعيد [ذَلِكَ]( )، وإرادة القرآن بلغة التفخيم، فكذا هذه الآية جاءت باسم الإشارة (أولئك) وإرادة الإكرام للمسلمين بصيغة اسم الإشارة للبعيد التي جاء فيها، وبيان إرتقائهم في منازل الهدى والرشاد، لأنهم بلغوا مقامات الهداية والرشاد من وجوه:
الأول: وصف المسلمين بأنهم متقون، تملأ صدورهم الخشية من الله عز وجل، والحرص على طاعته.
الثاني: تصديق المسلمين بالغيب، وإقرارهم بإحاطة الله علماً بكل شئ.
الثالث: إقامة المسلمين للصلاة التي هي عمود الدين.
وذكرالصلاة وإقامتهافي أول آيات من القرآن شاهد على موضوعيتها في منازل الإيمان، ولزوم تعاهد المسلمين وحفظهم لها وفق الكتاب والسنة، ومما إتصف به المسلمون من الخصال الحميدة أن أجيالهم تتوارث وتؤدي الصلاة كما أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
فلا يأتي أحد أو جماعة ويقولون أن الآيات التي تتضمن مدح المسلمين لأدائهم الصلاة خاصة بالصدر الأول من الإسلام إذ كانت تؤدى وفق أحكام التنزيل والإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالصلاة التي أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي نفسها التي يؤديها المسلمون أمس واليوم وغداً، وفي جميع أمصار الأرض.
وفي الإتحاد الزماني والمكاني في أداء الصلاة حجة ودعوة للناس مجتمعين ومتفرقين لدخول الإسلام، والفوز بالمدح والثناء الوارد في هذه الآيات.
وجاءت هذه الآية بصيغة الجمع وفيه إشارة إلى أداء الصلاة جماعة، وما فيه من ضروب الخشوع والخضوع لله عز وجل، لذا فان ثواب صلاة الجماعة يزيد أربعاً وعشرين مرة على صلاة المنفرد.
الرابع: لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإبتلاء، ورزق فريقاً من عباده الأموال الكثيرة، وإخراج الزكاة، ودفعها إلى مستحقيها، وجاء التبعيض لمنع الحرج والإخبار عن كفاية الإنفاق القليل المنصوص عليه.
الخامس: القرآن سبيل هدى ورشاد للذين يصدقون بنزوله من عند الله عز وجل.
وفي الآية نكتة وهي متى ما صدّق الناس بأن القرآن نازل من عند الله، فانهم يتقيدون بما فيه من الأوامر والنواهي، ويحرصون على تنزيهه وحفظه وسلامته من التحريف، وقد فاز المسلمون بهذه النعمة وهو من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
من غايات الآية
تتضمن الآية حكماً سماوياً خاصاً بالمسلمين، وفيه مدح وثناء عليهم، وهذا المدح وسيلة مباركة لتعاهدهم لسبل الإيمان، والسعي للإرتقاء في منازل التقوى ونيل الدرجات العالية .
وفي الآية ثناء على الباري تعالى لنسبة الهدى اليه سبحانه فمن فضله تعالى ان ينال شطر من الناس درجة الهداية والتقوى، وهذه النسبة دعوة للمسلمين للتوجه الى الله تعالى بالشكر على نعمة الهداية والإنقطاع الى العبادة وإجتناب الغرور.
لقد أراد الله عزوجل للناس التدبر في آيات الآفاق وفي انفسهم، وان يرى الإنسان حاله وحال غيره، فيعتبر من غيره ويصلح نفسه، فجاء ذكر فوز ظفر المؤمنين الذين يخشون الله عز وجل ليكون دعوة لكل إنسان ان يرى قربه أو بعده من هذه المنزلة العظيمة ويتدبر في حاله بالدراسة المقارنة بينه وبين غيره، فيشكر المسلم الله عزوجل على نعمة الهداية، ويجتهد في السعي لنيل الظفر وبلوغ مراتب الفلاح.
فهذه الآية من مصاديق رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً ، برهم وفاجرهم ، وهي لطف متصل بالمسلم وغيره ، لانها تساعد في إنتظام حال المسلم، وتدعو غيره من الناس للإقتداء به وإجتناب التعدي عليه والسعي للإضرار به.
التفسير
قوله تعالى [أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ]
الآية الكريمة وصف وبيان لحال المتقين الذين يأتون ما أمرهم الله عز وجل به من العبادات ويعتقدون الحق.
في الآية مسائل:
الأولى: في الآية إشارة الى أول السورة وبيان لأثر القرآن في إرشاد الناس لمفاهيم ومسالك التقوى، وفيها بشارة لهم وحث للناس على نيل هذه الصفات والمنزلة الرفيعة لما تدل عليه الآية الكريمة من إختصاص الفلاح بهم.
الثانية: كأن في الآية جواباً لمن يريد أن يعرف من هم الذين هداهم الله.
الثالثة: فيها تحد وتكذيب لمن يدعــي ان الله عـــز وجل هو الذي أبقاه على دينه وتخلفه عن الإسلام ، فكذبتــه وجـاءت بالوصف التفصيلي لمن هدى الله.
الرابعة: (اولئك) أمارة على إختصاصهم بالهدى والرشاد من عند الله تعالى وإنحصار الفلاح والنعيم بهم.
الخامسة: النعت باسم الإشارة (اولئك) للإكرام والمدح والثناء على المسلمين وتوكيد وعلو مقامهم، وأن الكيد والمكر والاذى لا يصل اليهم.
السادسة: النصح والإرشاد للذين ركبوا جادة العناد واللجاج وهم يرغبون بنيل الدرجات العلى، وهذه الآية رحمة لهم بهدايتهم إلى طريق الرشاد حصراً بالاسلام.
السابعة: الإرتقاء الإيماني والعقائدي والعبادي في الدين الإسلامي، والنظم والترتيب البديع في أحكامه وفرائضه التي تشمل أشرف الأعمال البدنية والمالية والعقائدية.
الثامنة : فضل الله تعالى على المسلمين بهدايتهم الى الإيمان وكتابة الفوز والنعيم لهم،فلا غرابة من القول أن الذي ينالوه يوم القيامة من الثواب فضل من الله تعالى.
التاسعة: تشريف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الذي يؤمن برسالته يحتاج إلى توفيق وتسديد.
العاشرة: الإخبار عن حال الإسلام والمسلمين فما داموا مؤيدين بهدى من عند الله تعالى ولن يضلوا أبداً.
الحادية عشرة: إستقراء حال الهدى في نفوس المسلمين، ولم يكن عندهم متزلزلاً أو عرضاً زائلاً.
الثانية عشرة: ذكر الرازي قول عون بن عبد الله: “الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به الا يسير ،ألا ترى ان نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدي بها إلا العلماء”( )، وآية البحث من أبهى مصاديق الهدى، وفيها مدح للمسلمين لإيمانهم برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتزامهم بالفرائض وفي هذا المدح مسائل:
الأولى:بعث المسلمين لتعاهد منازل التقوى.
الثانية:دعوة المسلمين للصبر، في أداء التكاليف.
الثالثة: دعوة الناس للإسلام، وبعث السكينة في نفوسهم من الإسلام والمسلمين للملازمة بين الإيمان وأمن الناس من صاحبه.
الرابعة:زجر الكفار عن التعدي على المسلمين وثغورهم.
ويكفي من الإيمان ما يوافق الفطرة وتؤدى معه الفرائض والواجبات والتصديق بالنبوة والكتاب كما تؤكده هذه الآية لقاعدة نفي العسر والحرج في الدين.
الآية وثيقة وثناء سماوي لكل مسلم يشترك فيها العالم وغير العالم الذكر والأنثى، فيكفي الإلتزام بالأحكام والعقائد وضروريات الدين واليقينيات مما لا تقليد فيه على نحو الإطلاق، والتسليم مع حصول اليقين الذي هو عبارة عن إعتقاد جازم ثابت مطابق للواقع فلا تصل النوبة الى الإجتهاد أو التقليد كطريق لدرك الواقع.
الثالثة عشرة: حصر الفلاح بالمسلمين دلالة على خسارة من يتلكأ ويمتنع عن دخول الإسلام.
وحرف الجر (على) في قوله [ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ] له عدة معان:
الأول : الإستعــلاء المعنــوي، كما في قولـــه تعـالى [ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ]( )، والمراد في المقام إرتقاء منزلة المؤمن عند الله بالهداية والإيمان، وأن الله عز وجل يمنحه الرفعة والعلو على الهداية عند إختيارها ليصبح مؤهلاً لوظائف الخلافة.
الثاني : مرادفة (عن) كقولك (رضي الله عليه) أي عنه، وتعني (على) في الآية حسب هذا المعنى أن المؤمنين يصدرون عن موازين وضوابط الهدى والرشاد.
الثالث : التعليل كما في قوله تعالى [ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هدَاكُمْ ]( ) أي لهدايته إياكم، وهذه الآية تصلح تفسيراً للآية محل البحث، فقوله تعالى [ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ] أي أنهم لم يبلغوا منازل الهدى إلا بتوفيق من الله تعالى.
الرابع : مرادفة (في) كقوله تعالى [ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ ]( ) أي في حال غفلة، فالمراد من الآية الكريمة أن المؤمنين في هدى ورشاد من الله عز وجل فلا يخشى عليهم لإستقرار الإيمان في نفوسهم وثباتهم عليه.
الخامس : مرادفة (من) كقوله تعالى [ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ ]( )، والمعنى أن قول وفعل المؤمنين منبثق ومشتق من الهداية الإلهية لذا تظهر الحكمة على أقوالهم، والسيرة الحميدة في أفعالهم.
السادس : مرادفة (الباء) كقول القائل (اركب على إسم الله) أي بسم الله، ويعمل المسلمون بهدي من الله عز وجل، ويستنيرون بضياء القرآن وكمالات النبوة.
السابع : قد تكون (على) زائدة بحــالات قليلــة، ويكـــون المعنى في الآيـــة ان المسلمين قادة وحجج من الله في الأرض، فهم الداعية الى الله، المتعاهـدون للشرائع السماوية، الذابون عن الرسالة السماوية، والمحافظون على سنن التوحيد في الارض الى يوم القيامة، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وهذه الصيغ والوجوه من التفسير التي بيناها بلحاظ المعاني المتعددة للحرف او الكلمة إشارة ودعوة للإلتفات الى شطر من الكنوز العلمية التي تتضمنها كل آية من القرآن، وسيأتي مثال آخر لهذه المنهجية الحديثة في التفسير الخاص بآيات الصيام( ).
قوله تعالى [وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]
لقد أظهر المؤمنون الفناء في مرضاة الله بالتسليم والتصديق بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا التسليم جزء من الشكر لله تعالى والإلوهية المطلقة لجبار السماوات والأرض الذي أحياهم مرتين مرة بالخلق، ومرة بالهداية والإبعاد عن عالم الشرك والضلالة قال تعالى[أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ]( )، فجاءت هذه الآية لتتضمن الثناء عليهم ومدحهم وبيان حسن الجزاء الذي أعده الله لهم.
وجاء الفلاح والظفر في الآية على نحو البشارة والوعد الكريم وهو أعم من أن ينحصر بالآخرة لأصالة الإطلاق وعظيم فضل الله تعالى ولأنه سبحانه يعطي بالأوفى والأتم، وحتى في الآخرة فان الفلاح يشمل مقدمات دخول الجنة ومواطن يوم القيامة كالحوض والميزان والصراط، وفي الآية مسائل:
الأولى: الألف واللام في [الْمُفْلِحُونَ] للجنس، وأل الجنسية على قسمين: أما إستغراقية تنبسط على أفراد الجنس، أو لبيان الحقيقة، وهي في الآية تشمل المعنيين معا،ً فهي للإستغراق بقرينة (أولئك)، ولتأكيد حقيقة، والشهادة السماوية بأن المسلمين هم الذين يتصفون بالفلاح والفوز كحقيقة ونهاية جعلها الله عاقبة لمن أحبه من عباده.
الثانية: قرنت الآية بين الإسلام والتقيد بالفرائض وبين حسن العاقبة في الآخرة وان تمسك المرجئة بإطلاق وصف الفلاح، فكما ان الآية بشارة فهي حث على التقيد بأحكام الإسلام وعدم الوقوف عند إعلان الشهادتين، فلابد من إظهار سمات التقوى على الجوارح والأركان.
الثالثة: في الآية بيان لمنهج الإسلام وسنن الرسالة ومعرفة منازل الرجال وإلتزامهم بمعالم الإيمان لأنها سبيل لترسيخ الإسلام في الأرض وطريق الى الجنة.
الرابعة: ورود الضمير (هم)، فمن جهة الصناعة النحوية قد يكون مبتدأ و(المفلحون) خبراً، ويجوز ان يكون ضمير فصل وما بعده بحسب العوامل التي قبله، فيكون (المفلحون) خبر أولئك.
ويدل مجيء في الآية على حصر الفلاح والفوز بالمسلمين، فالآية بشارة لهم وحث على الثبات على الإيمان وإتيان الفرائض، ودعوة للآخرين لدخول الإسلام، وتوبيخ وتقبيح لأهل الجحود والعناد.
الخامسة: عرفت العلة التامة بأنها جميع ما يتوقف عليه وجود الشيء، فيلزم من وجودها وجود معلولها لإجتماع شرائط التأثير والإيجاد، وكأن الفلاح معلول ومترتب على الهداية ومصاديقها.
السادسة: الفلاح حكم وصفة مترشحة عن الهداية وفيها نوع إستحقاق لمنازل التفضيل للقاعدة الأصولية المعروفة: ” ترتيب الحكم على الوصف أمارة على كونه علة الحكم”.

قوله تعالى[ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ] الآية 6.

الإعراب واللغة
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: ان واسمها، كفروا: فعل ماض وفاعل والجملة لامحل لها من الإعراب لانها صلة الموصول.
سواء: خبر مقدم، عليهم: جار ومجرور متعلقان بسواء.
ءأنذرتهم: الهمزة للإستفهام بمعنى التسوية، وهي والفعل بعدها في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر.
ام: عاطفة متصلة، لم تنذرهم: لم: حرف نفي وقلب وجزم، تنذرهم: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوباً تقديره (أنت) والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
(لايؤمنون) لا: نافية، يؤمنون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، الواو، فاعل، وجملة لايؤمنون خبر بعد خبر.
اصل الكفر التغطية، ولذا سمي الليل كافراً لظلمته ولانه يكسو الآفاق بالظلام، ويقال للــزارع كافراً لما يقـــوم به من تغطيـــة البـذر اما في الاصطلاح الشرعي فالكفر هو الجحود وإنكار الحقائق العبادية والفرائض الإلهية مما أوجب الله تعالى العقــاب عليه، وهــو ضـد الإيمان.
وعن الامام الصادق عليه السلام: “الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه: كفر الجحود، وهو على وجهين: جحود بالربوبية وان لا جنة ولا نار، كما قال صنف من الزنادقة والدهرية الذين يقولون (وما يهلكنا الا الدهر)( )، والوجه الآخر من الجحود، وهو أن يجحد الجاحد، وهو يعلم أنه حق، وإستقر عنده، كما قال تعالى[وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ]( ).
والثالث كفر النعمة، قال تعالى[لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ]( )، الرابع ترك ما أمر الله به وعليه قوله تعالى [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ]( )، الخامس كفر البراءة وعليه قوله تعالى في قول إبراهيم لقومه [كَفَرْنَا بِكُمْ]”( ).
سواء: اسم بمعنى مستو كما في المقام، وأصله المصدر إستواء ولأصله المصدري فأنه لا يثنى ولا يجمع كما في قوله تعالى [فتَكُونُونَ سَوَاءً]( )، وله إستعمالات عديدة فيأتي نعتاً للمكان على نحو (هذا مكان سوى)،
وبمعنى الوســط كما في قولــه تعالى [فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ]( ) أي في وسط الجحيم، ويستعمل وصفاً بمعنى التام وبمعنى الإســتثناء بمنزلة غير كما في قولك (قرأت القرآن سوى المعوذتين).
أأنذرتهم: بهمزتين على الأصل لأن الهمزة الأولى للإستفهام، والثانية للوصل، وجمع أهل الكوفة وابن عامر بين الهمزتين.
الإنذار: الإبلاغ والتحذير من مخوف يمكن الإحتراز منه مع سعة الوقت، وقيل ان لم يتسع وقته للإحتراز سمي إشعاراً.
في سياق الآيات
لقد بينت الآيات السابقة سمات المؤمنين وما يجب ان يتصفوا به، وما لموضع هذه الآيات في القرآن والسورة التي تفتتح بها من خصوصية وشأن ودلالات مترشحة على موضوعها، وجاءت هذه الآية الكريمة لتبين صفات السلب والنقص في الطرف الآخر الذي يتخلف عن الإيمان، إنه تقسيم سماوي لأهل الأرض بلحاظ الإيمان والتصديق الجازم الذي تترشح عنه ضرورة الإلتزام بالتكاليف والفرائض، ويقابله على النقيض الكفر والجحود والضلالة.
والإنتقال إلى بيان حال الكافرين درس عقائدي يؤكد كفاية الآيات السابقة في وصف المتقين وعظيم منزلتهم عند الله، وما أعد الله لهم من الثواب العظيم، وجاء الإنتقال من صيغة الخبر إلى الإنشاء وتوجيه الخطاب القرآني الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبواسطته إلى المسلمين والمسلمات جميعاً في آية وسر من أسرار الخطاب القرآني، وبقائه حياً متجدداً إلى يوم القيامة.
ومن إكرام الله عز وجل للمسلمين مجيء الآيات الأولى من سورة البقرة في وصف حالهم بصفة التقوى والخشية من الله عز وجل ولبيان حقيقة وهي إستمرار وجود الإسلام وعبادة الله في الأرض , وقوله تعالى[وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ]( )، والسنن التي تستنبط منه قانون ثابت في الأرض إلى يوم القيامة.
وفيه دعوة للكفار والناس جميعاً للإيمان ونبذ الكفر والضلالة فموضوع هذه الآية تأكيد الإنذار في التنزيل وعلى لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويفيد الجمع بينها وبين الآيات السابقة أن الإنذار والزجر عن الكفر يأتي لجذب الناس إلى الإيمان وليس إلى المنزلة بين المنزلتين، فلا برزخ بين الإيمان والكفر، فيلازم الإنذار الدعوة إلى الإسلام وتتجلى هذه الدعوة بالتصريح والبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمراتبه المتعددة،وبإظهار المسلمين آداب العبادة والحرص على أداء الفرائض طاعة لله تعالى.
وإذ جاءت الآيات الأربعة السابقة في بيان صفة المتقين بما يبعث الرغبة في النفوس الى الإيمان والتقوى، ويجعل القلوب المنكسرة تعشق الإسلام ويمنع من اللبس والترديد .
فقد جاءت هذه الآية مع أربع عشرة آية بعدها في ذم الكفار والمنافقين لتكون مدرسة وموعظة وإنذاراً قرآنياً يجري أيضاً على ألسنة المسلمين في التلاوة والقراءة ، ومدداً سماوياً لهم في الموعظة والدعوة الى الله تعالى، وتأتي بعدها آيات تدعو الناس جميعاً للإيمان والإقرار بالعبودية لله تعالى في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( )، في توكيد على التقوى وحاجة الناس اليها مجتمعين ومتفرقين، فكل إنسان يحتاج الإيمان والتقوى لذاته ولغيره.
وجاءت الآية التالية في بيان العلة الذاتية لعدم إستجابة الكفار للإنذار، إذ تتكون العلة التامة من وجود المقتضي وفقد المانع، ويرجع عدم إيمان الكفار الى وجود المانع عندهم بإختيارهم الكفر ووجود غشاوة على قلوبهم، بسبب عنادهم وإصرارهم على الجحود وإرتكاب المعاصي.
إعجاز الآية
تخبر الآيــة عن عدم كفاية صــيغ الإنــذار والتحذير من اهل الخصومة واللجاج والشقاق، وتفتـح آفاقاً من العمل، وتحــث المسلمين على إبتكــار صــيغ أشد غلظة مع الكفار أو أنها تحيلهم إلى آيــات علاجـية أخرى، وتفضح سراً من أسرار الكفر وما يحمله المشركون من سموم المعصية والجحود والعناد وكأنها إنذار لهم بالعذاب، قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ]( ).
والآية حصانة عقائدية من الأضرار المترشحة عن جحود الكفار وضلالتهم، وإخبار عن واقع من علم الغيب وكنوزه وموضوعه وما فيه من سبر أغوار نفوس الكافرين ، ومضامين التحدي والكشف والإخبار عن قبح الإصرار على الكفر.
ويمكن تسمية هذه الآية بآية ( أأنذرتهم ) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في آيتين( ).
الآية سلاح
إخبار الآية عن حقيقة عداوة الكفار حرز وواقية دون دبيب اليأس إلى النفوس، وبيان لعدم تأثير السعي المتواصل معهم رجاء إيمانهم، وفيه بركة وتخفيف عن المسلمين، فأراد الله عز وجل بهذه الآية توجيه سعيهم برشاد، ولتكون برهاناً يؤكد بأن القرآن قائد وإمام ورائد، فمن لا نفع فيه ولا أمل بإسلامه لا حاجة للعناء والإجتهاد في محاولات إقناعه، وفيها إشارة على عناية المسلمين بعباداتهم، والتفقه في الدين , وتعاهد صرح دولة الإسلام.
وفي الآية تخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا لوم يوجه له بسبب الإعراض عن الكفار أو الإنتقال إلى صيغ أشد من الإنذار والتحذير.
أسباب النزول
ترى هل نزلت الآية بخصوص قوم وأشخاص بأعيانهم، أو انها عامة وتتعلق بالكفار مطلقاً في عصر النبوة، او ان سبب النزول أعم ، فيه وجوه وأقوال:
الأول : أنها نزلت في ابي جهل وفي خمسة من قومه من قادة الأحزاب قُتلوا يوم بدر( )، عن الربيع بن أنس وإختاره البلخي والمغربي.
الثاني : نزلت في قوم بأعيانهم من أحبار اليهود الذين حول المدينة، روي عن ابن عباس( )، وعنه أيضاً أنهم رؤساء اليهود المعاندون.
الثالث : نزلت في مشركي العرب( )، عن الأصم.
الرابع : نزلت في أهل الختم والطبع الذين علم الله أنهم لا يؤمنون، عن أبي علي الجبائي.
الخامس : هي عامــة في جميع الكفــار، أخبر تعالى بان جميعهم لا يؤمنون( ).
والقول الأول والثاني من مصاديق الآية الكريمة وشاهدا صدق على إعجاز القرآن، أما القول الثالث فتعلق أصر على الكفر والجحود منهم ولا يشمل الأفراد والجماعات التي تأتي إلى المدينة لإظهار الإسلام.
وكانت ظاهرة وفود القبائل الوافدة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم معروفة عند المسلمين وحقيقة تأريخية، إستمرت الى ما بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وهي تعلن خلع القبائل العربية لرداء الكفر البالي ودخولها في الإسلام، وتلك الظاهرة وإن كانت نتيجة لإعجاز النبوة والقرآن إلا أنها هي الأخرى معجزة وسبب إضافي لإتساع الإسلام في السنوات اللاحقة وفي القبائل النائية وأطراف الجزيرة العربية والبلدان البعيدة عنها.
الآية لطف
جاء القرآن تبياناً لكل شيء، ومما مبين فيه حال الكفار، وكيفية تلقيهم للدعوة الإسلامية وآيات النبوة، ومن اللطف الإلهي تضمن آيات القرآن صيغ الإنذار والتخويف والوعيد، وهي رحمة بالمسلمين وبالكفار معاً، أما المسلمون فمن وجوه:
الأول: بيان طريقة الوعظ والدعوة.
الثاني: تلقين المسلمين الحجة وكيفية الإحتجاج على الكفار.
الثالث: بعث السكينة في قلوب المسلمين لأنهم إنتفعوا من لغة البشارة، وأصبحوا في أمان من لغة الإنذار وما فيها من الوعيد.
أما وجوه الرحمة في لغة الإنذار للكفار فمن وجوه:
الأول: حث الكفار على الإيمان.
الثاني: توكيد حقيقة اليوم الآخر وعالم الحساب.
الثالث: عدم ترك الكفار والإقامة على الكفر والجحود، بل يقوم الكتاب والنبوة والمسلمون بالهجوم عليهم بصيغة الإنذار والتخويف، فكل آية من آيات القرآن تتضمن الإنذار والوعيد هي حرب على الكفر والكفار، ولطف بهم وجذب لهم الى منازل الإيمان، ومع إخبار الآية بعدم إعتبار الكفار من الإنذار فانها لا تعني الإستغناء عنه او تركه، بل هو حاجة ونفع للمسلمين ايضاً، وحجة على الكفار وصيغة من صيغ الإحتجاج والجهاد ، قال تعالى[هَذَا نَذِيرٌ مِنْ النُّذُرِ الْأُولَى] ( )، أي أن لغة الإنذارات متصلة في الخلق، وهذا القرآن من جنسها، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نذير كالأنبياء السابقين.
مفهوم الآية
الآية في مفهومها توكيد بالمعنى على صفات المتقين، ولزوم المبادرة، والسبق لتحصيلها بالكسب والسعي وقصد القربة الى الله تعالى، فالآية وإن كانت ذماً صريحاً للكافرين فهي مدح للمؤمنين وإثبات لحقيقة وجود المُنذر والمُبلّغ والداعي إلى الله عز وجل.
وبما ان آيات القرآن وخطاباته لا تنحصــر بأيام النزول فان الآية تؤكد على وجود أهل الإيمان وغلبتهم وأهليتهم للتحــذير والتخويف من بطش الله تعالى، وتدل على وجود ســعة للإنذار والتذكـير بالوعيد وشدة العذاب في الآخرة على الكفر والجحود، وفيها ذم ووصف إجمالي لما عليه الكفار من العناد والإصرار، ومن مفاهيمها التخفيف عن المؤمنين.
والخطاب في الآية وان جاء على نحو القضية الشخصية وموجهاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنه إنحلالي والمراد منه المسلمون كافة، لتكون الآية مانعاً من اليأس والقنوط ودبيب الشك الى النفوس عند رؤية الكافرين يصرون على البقاء في منازل الجحود والكفر، فالآية تثبيت للإيمان في صدور المسلمين ودعوة لهم للتوجه إلى القرآن وأداء الواجبات والإعتناء بالذات وإصلاح النظام الإجتماعي والسياسي والتربوي للمسلمين والإحتراز من الكافرين والإستعداد للقائهم والتوقي من شرور الكفر والجحود.
وتتضمن الآية مسائل:
الأولى: توجه الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبواسطته الى المسلمين جميعاً ذكوراً وأناثاً في أجيالهم المتعاقبة.
الثانية : بعث السكينة في قلوب المسلمين وعدم اليأس بسبب إصرار الكفار على الجحود.
الثالثة : تضمن الآية قاعدة كلية تتعلق بالكفار، وعدم إنتفاعهم من الإنذار مع حجته ودلالته وموضوعيته في الهداية.
الرابعة : تؤكد الآية حقيقة وهي عدم ترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للكفار على كفرهم، فمع إصرار الكفار وإعراضهم عن لغة الإنذار والوعيد فان المسلمين يتوجهون اليهم بصيغ متعددة من الدعوة وبلغة البرهان والتحدي أكثر تأثيراً، مما يدل على قوة ومنعة المسلمين، وبلوغهم مراتب عالية في التفقه في الدين .
وتبين الآية حاجة المسلمين إلى الوحدة ومعاني الأخوة الإيمانية، والتمسك بالقرآن والسنة.
إفاضات الآية
من الناس من تغلب عليه النفس الشهوانية والحيوانية ويتحكم بلسانه وجوارحه الهوى والدرن المترشح عن عمى البصيرة ويكون عرضة للشيطان، فينقاد لقوى الضلالة والكفر، ويضع أصابعه في أذنيه لإجتناب سماع الآيات والبراهين الدالة على التوحيد وصدق الرسالة، فجاءت هذه الآية لذمه وتقبيح فعله.
وتبين الآية موضوعية الإنذار في سبل الدعوة إلى الله تعالى وإن تخلف عن الإنتفاع منها الذين أصروا على الجحود والكفر.
والآية حجة على الكفار في توجيه الدعوة للإيمان اليهم بصيغة الإنذار والوعيد والتخويف، وهي شاهد على جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله، وقيامه بالتبليغ وأداء الرسالة، وقيام المسلمين من بعده بالدعوة الى الله تعالى، فصحيح ان شطراَ من الكفار بلغوا حال الإصرار على الكفر إلا أن المسلمين لم ينقطعوا عن إنذارهم بدليل هذه الآيات التي هي إنذار لهم مقرون باللوم والتقبيح.
الصلة بين أول وآخر الآية
بعد أن أختتمت الآية السابقة بحال المتقين وأنهم الفائزون في الآخرة، إنتقلت الآية الى ذكر الكفار مع بقاء لغة الخطاب وتوجهها إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إشارة الى عالمية رسالته وأنه مبعوث من عند الله عز وجل إلى الناس جميعاً، وان كثرة عدد المسلمين وفلاحهم وفوزهم لا يمنع من مواصلة الجهاد في دعوة وتوبيخ وإنذار الكفار.
وذكرت أقوال عديدة في أسباب النزول وهي لا تتعارض مع إطلاق الآية في زمانها وأشخاص الكفار، وقد يقال من الكفار من يتوب ويدخل الإسلام ويحسن إسلامه ويكون من المتقين.
والجواب إذا تغير الموضوع تغير الحكم، فهذه الآية لا تشمل الذي ينتقل إلى الإسلام، وإن إتفق أنه كان كافراً أيام نزول الآية فالأمور بخواتيمها.
وإبتدأت الآية بذكر الذين كفروا، لتعود في وسطها وتؤكد إستمرار الخطاب الإلهي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه إكرام له وللمسلمين، وتوبيخ للكفار، لتخلفهم عن الإيمان والشكر لله تعالى، وصحيح ان الآية جاءت بصيغة الإستفهام الذي تدل عليه همزة التسوية في (أأنذرتهم) إلا أنها تتضمن معنى الخبر، وهي واقية من الشك والريب عندما يمتنع الكفار عن الإيمان، فمن الكفار من يصر على الكفر ويتجاهر بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن سواء في أيام التنزيل أو بعدها .
فتأتي هذه الآية لتكون حرزاً للمسلمين وباعثاً للسكينة في قلوبهم، فلا يلتفتون الى إعراض وجحود الكفار، بل يزدادون إيماناً اذ إن الآية الكريمة تخبر عن ضلالة وعناد الكفار، الذي يترشح عنه الخسارة وعدم الفلاح لإرادة معنى الضد الخاص للإيمان وما للتقوى من الثواب، فإذا كان المتقون هم المفلحون والفائزون، فان ضدهم واعداءهم هم الخاسرون.
وتمنع الآية من الأسف والحسرة والأذى والإنشغال بحال الكفار، لأنهم إختاروا بأنفسهم الكفر والجحود.
وذكرت الآية الإنذار وعدمه وفيه تخفيف عن المسلمين، وإخبار بإن الخلل عند الكفار بإصرارهم على الكفر، وحصول المانع عندهم من الإيمان،مع وجود المقتضي له الذي يتجلى بالتنزيل وآيات الآفاق، والمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي دعوة قائمة بذاتها وحجة.
ولا تنحصر الدعوة الى الإيمان بصيغ الإنذار لذا جاءت الآيات السابقة بذكر المتقين بصفة الإيمان بالتنزيل وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهي أمور لا تأتي بالإنذار وحده، بل تأتي بالبشارة كما أن العقل رسول ذاتي عند الإنسان يدعوه إلى الإيمان والهداية والأصل الإيمان وهو موافق للفطرة وتعضده الآيات الكونية وبعثة الأنبياء، فوظيفة الإنسان الإيمان قبل ان تصل النوبة الى الإنذار والتخويف والوعيد.
وعن الإمام علي عليه السلام في مناجاته: ما عبدتك خوفاً من نارك.ولا طمعاً في جنتك لكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك( ).
والآية حرز للمسلمين وبرزخ دون الحيرة والشك، وهي تحذير للمسلمين من الكفار وإصرارهم على الكفر وما يترشح عنه من محاولات الإضرار بالمسلمين والطعن في دينهم، ولا تقلل الآية من موضوعية صيغ الإنذار وتخويف الكفار من الجحود وسوء عاقبته، بل تؤكد الحاجة إليه وما فيه من الثواب، وهو شعبة من الجهاد، الا ان المانع عند الكفار ذاتي باتباعهم النفس الشهوية وإغواء الشيطان، وإعراضهم عن الآيات.
ومن الآيات وجود أمة مسلمة تتصف بالتقوى والصلاح، فكل مسلم حجة على الكفار ، ودعوة إنسانية حاضرة لهم للإنابة.
التفسير الذاتي
بعد أن جاءت الآية السابقة بصيغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتضمنت مدح المسلمين لإيمانهم بالتنزيل على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، فلم يكن التصديق بالقرآن مانعاً من الإيمان بالكتب السابقة، بل بالعكس فان القرآن عرّف نفسه بأنه مصدق للتوراة والإنجيل ليكون المسلمون ورثة الأنبياء في باب حفظ التنزيل وإكرام الأنبياء السابقين.
وجاءت هذه الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً مع التباين في موضوع الآيتين، إذ تتضمن هذه الآية بيان حال الكفار وجحودهم وعنادهم وإصرارهم على الباطل، ويفيد الجمع بين الآيتين إنقسام الناس قسمين:
الأول: المؤمنون وجاءت هذه الآيات ببيان صفاتهم الحسنة،ومدحهم.
الثاني: الكفار الذين جاءت هذه الآية بذمهم، وبيان إصرارهم وعنادهم.
وذكرت الآية الذين كفروا من غير متعلق الكفر والمراد كفرهم بالله عز وجل ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن، ولا يصغون إلى لغة الإنذار الواردة في القرآن، ومضامين الإنذار التي ترد على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بشيراً ونذيراً للناس جميعاً قال الله سبحانه [إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ).
ولا تعارض بين الآية أعلاه، والآية محل البحث والتي لا تتضمن نهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإنذار لأن رسالته السماوية إنذار الناس جميعاً قال سبحانه [وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ]( ).
وتبين الآية قبح إصرار الكفار على الجحود وعدم الإصغاء للإنذارات، وهل يتوجه لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبشارات، الجواب إن البشارة للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولكنها تتوجه للناس بالمفهوم والتحريض وترك الكفر والجحود كمقدمة للسعي في مراتب البشارة ومضامينها القدسية، وتدل البشارة في مفهومها على الإنذار والوعيد للكفار.
ومن رحمة الله عز وجل أن الإنذارات تصل إلى الناس جميعاً وقد جعل الله عز وجل القرآن منذراً حاضراً بين الناس، وتصل آياته إلى أسماعهم طوعاً وقهراً بقراءة المسلمين لها في الصلاة، وهو من أسرار وجوب القراءة في الصلاة.
فإن قيل إذا كانت هذه منافع القراءة في الصلاة وأنها عامة للناس، فلماذا لا تجوز القراءة بترجمة القرآن لغير العربية كي تفهم الأمم كلاً بلغته مضامين القرآن وما فيه من البشارات والإنذارات.
والجواب ان القراءة بالعربية حكم تعبدي وهو لا يتعارض مع ترجمة تلك القراءة ورجوع الناس إلى ترجمة القرآن، وبيان معاني آياته بحسب اللغات والألسن المتعددة.
وإن قيل من الكفار من يهجر الكفر ويقلع عن الذنوب، ويدخل الإسلام، والجواب من وجوه:
الأول: لم تنف الآية إيمان شطر من الكفار، لأن أسباب دخول الإسلام كثيرة منها آيات الآفاق، ومعجزة القرآن، ولغة الإنذار فيه، قال تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا]( ).
الثاني: لا تشمل هذه الآية الذين يدخلون الإسلام، فالقدر المتيقن منها هم الذين يقيمون على الكفر والجحود.
الثالث: لا تمنع الآية من إنذار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للكفار، ولكنها تتضمن الإعجاز في بيان إقامتهم على الكفر عناداً، ومن إعجاز نظم القرآن بيان إعراضهم عن الإنذارات بالطبع والغشاوة والختم الذي جاء بسبب هذا الإصرار، قال تعالى[وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ]( ).
الرابع: جاءت الآية لبيان موضوعية الإنذار في الدعوة إلى الله، فإخبار الآية عن صدود الكفار عن الإنذار يدل على قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوظائف النبوة خير قيام.
ولم يرد لفظ (أنذرتهم) ولفظ (تنذرهم) إلا مرتين في القرآن وبذات الجملة من صدق نبوته، وبذله الوسع في التبليغ، فقد ورد في سورة يس قوله تعالى [وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] ( ).
لقد أراد الله عز وجل التخفيف عن المؤمنين، وبعث السكينة في نفوسهم، وطرد الشك عنهم بسبب إصرار الكفار على الجحود، وبيان وجود المانع الذاتي عندهم من الإيمان.
من غايات الآية
تبين الآية ما كان يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأذى من الكفار، ففي إعراضهم عن دعوته وإنذاراته أذى له وللمسلمين وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)( )، والإصرار على الكفر يضر بصاحبه قال تعالى[وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ) .
وجاءت الآية بصيغة الجمع [الَّذِينَ كَفَرُوا] مما يعني مواجهة النبي للكافرين مع كثرتهم وإجتماعهم من غير خشية أو خوف منهم، وفي الآية دلالة على ان لغة الإنذار أعم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد يسقط الأمر بالمعروف مع الإصرار، والمتيقن من عدم إستجابة المأمور، ولكن لغة الإنذار لا تنقطع بحال، ومن صفات النبي أنه نذير، وكذا القرآن.
ويقتدي المسلمون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إنذار الكفار، كما أن تلاوتهم للقرآن، وأدائهم للفرائض والعبادات لغة في الإنذارات.
ومن غايات الآية بيان قبح فعل الكفار وإصرارهم على الجحود والكفر، ودعوة المسلمين للصبر وعدم الإلتفات الى جدالهم وعنادهم وإصرارهم.

التفسير
قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ]
ظاهر الآية يحتمل ما هو أعم من الأقوال التي وردت في تفسيرها ورددها المفسرون في كتبهم عبر العصور حكاية او إتفاقاً في الرأي.
فالآية تتعلق بصيِغ وكيفية الدعوة الى الإسلام، ولا ينحصر موضوعها في مقام الإخبار بل تشمل التشريع والجعل والتأسيس لمناهج الدعوة الإسلامية وفلسفة الإيمان، وتشمل أحكامها وسنن الإمتثال وقبح الجحود.
إنها بداية مرحلة جديدة تتعدى في حركتها الجوهرية إسلوب التحذير والتخويف والإنذار، ويمكن أن يقال أنها تمهيد وتهيئة لآية السيف ومرحلة القتال ضد الكفر بعد ان إنتفع فريق من الكفار بالإنذار وفريق إستمعوا أو سمعوا الوعيد والتخويف بالعقاب الأخروي ولكنهم لم يغادروا منازل الكفر.
أفليس من الحكمة أن يدعى إلى الرشاد بطرق أخرى وأبواب عقائدية أكثر وأسرع تأثيراً وأبين حجة وبرهاناً، اذ ان البديل ليس بالضرورة آية السيف وحدها، فقد تكون تلك الدعوة بالبينة والحجة والبرهان، ولا تعارض بين الموعظة والجهاد، فهي في طوله وعرضه في آن واحد، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
وقد لا يتعلق الأمر بالإختلاف في صيغ الدعوة الى الإسلام ولكن لبيان فضل الله تعالى على المسلمين وأن شطراً من الكفار لم يؤمنوا بالإنذار وإنما قذف الله الايمان والهداية في قلوبهم وجعلهم يدخلون الإسلام رحمة منه تعالى، قال تعالى [إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ]( ) .
وفي قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ]( )، قال ابن عطية: المعنى إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله ولكنه قدم في هذا الترتيب وأخر تهكما بتقبيح أفعالهم)( ).
وليس من تقديم وتأخير في الترتيب وجاءت الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتخفيفاً عنه وعن المسلمين، ثم أختتمت الآية بعدم إيمان الكفار , وعلى إختلاف الترتيب فإنه لا يضر بأصل عدمه ومعناه .
وفي الآية الكريمة وجوه:
الأول: إنها عز للمسلمين.
الثاني: فيها دليل على سعة ما في أيديهم وما يمتلكون.
الثالث: بشارة كريمة لما سخّر الله لهم ضد الكفر وفي طرق الهجوم عليه وإجتثاثه.
الرابع: إشـــارة وحث على البحــــث عن صيغ دعـوة غير المسلمين للإسلام وكيفية دخولهم ميـــادين الإيمان بمنــازله ودرجاته المتفاوتة.
الخامس: إنها تنبيه للمسلمين أنفسهم بعدم الوقوف عند مرحلة الإنذار.
السادس: إن الاكتفاء بإنذار الكفار وتخويفهم غير كاف للمعذورية عند رب العالمين، فمثلما يسعى المسلمون في وجوه الرزق والكسب وإلى الفرائض والعبادات كالصلاة والصوم والحج كذلك عليهم ان يجتهدوا في طرق دعوة الكفار إلى الإسلام.
السابع: من باب الأولوية ان تكون الدعوة مقرونة بالحجج والبراهين او بوجوه التعامل اليومي والتجاري أو بالقتال والجهاد.
الثامن: وفي ساحات القتال لا تنقطع الدعوة بالصيغ الأخرى كالقاء الخطب والكلمات والمفاوضات والوفود والوعيد والتخويف، والسلوك الشخصي كما في حرمة لبس الحرير وجواز لبسه للرجال في المعركة دون غيرها من الأحوال، وعلة الجواز هي بيان عز الإسلام والطبيعة العقلائية لنظامه الإجتماعي وما فيه من رغد العيش.
التاسع: حث أعداء الإسلام لدخوله، ونبذ محاربته والمسلمين التي تعني خسارة الدارين.
العاشر: في الآية دعوة وتنبيه للمسلمين للإستعداد والإعداد للجهاد وتهيئة مستلزماته.
وتعدد وجوه التفسير لا يتعارض مع الأقوال الكريمة التي وردت في أسباب النزول، وباستثناء القول الثاني منها الذي نسب إلى ابن عباس مرسلاً فان الأقوال الأخرى للتابعين وتابعي التابعين ولعلهم تلقوها سماعاًً من الصحابة.
ولو قلنا بالملازمة وصحة ومناسبة أسباب النزول، فهناك قاعدة كلية عليها إجماع علماء المسلمين وهي ان الآية الكريمة موضوعاً ومحمولاً اعم من ان تنحصر بأسباب النزول، وأن المدار على عموم اللفظ ولا يمكن الإستغناء عن إعتبار الإنذار في القضاء على الكفر، فالآيات التي تتضمن الإنذار مستوعبة لزمان نزول القرآن والقرآن في نزوله وبقائه إنذار ونذير، وهذا الأمر من الإعجاز الغيري للقرآن.
ومن أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم (النذير) قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ) ولا ينحصر الإنذار وصيغه بالكفار بل يشمل أهل الإسلام مع التباين في الموضوع ويتعدى ليشمل الندب للعمل فروع الدين وضرورة التقيد بأحكامه , قال تعالى [ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ]( ).
وروي في الصحيحين عن الأعمش قال سمعت زيد بن وهب عن عبد الله قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق قال إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر باربع برزقه وأجله وشقي أو سعيد فوالله إن أحدكم أو الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها( ).
وحكى الخطيب في تأريخ بغداد أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أبا عامر عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال يقول سمعت أبى يقول سمعت مسبح بن حاتم البصري يقول سمعت عبيد الله بن معاذ العنبري يقول سمعت أبى يقول سمعت عمرو بن عبيد يقول وذكر حديث الصادق المصدوق , فقال لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أجبته ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته ولو سمعت الله تعالى يقول هذا لقلت له ليس على هذا أخذت ميثاقنا( ).
والنقاش فيه من وجوه:
الأول: صحة السند وإحتمال عدم صدور هذا الكلام عن عمرو بن عبيد، والأولى تنزيه كتب المسلمين من مثله.
الثاني: على فرض صدوره فانه مخالف لمضامين العبودية لأن العبد لا يجعل نفسه في مقام الحكم والفيصل في الآيات والنصوص الواردة في السنة النبوية الشريفة.
الثالث: لابد من تأويل هذه الأحاديث بما لا يخالف القواعد والضوابط الشرعية ومفهوم هذا الخبر هو ان الإيمان عند الأول ليس مستقراً وتغلب عليه الشقاوة ويعمل ما يدخله النار باختياره ويأتي الكتاب كإعجاز وبيان لعلمه تعالى السابق للأمور، والله عز وجل لا يحمل العبد على فعل السيئة، اما الثاني فان رحمته تعالى قد تدركه بالتوبة والندم وإختياره عمل الصالحات فيجازيه الله بمحو الذنوب والمغفرة ودخول الجنة.
الرابع: مع ورود الحديث وبيان الحكم من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يدخل بالميثاق الذي يأخذه الله على الناس، قال تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ]( ) , ومن يسمع القول من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس له رده لأنه شعبة من الوحي .
الخامس: الحديث من عمومات قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
وعمرو بن عبيد (80- 144) هجرية، من شيوخ المعتزلة في عصره، وجده من سبي فارس، وأبوه شرطي للحجاج في البصرة وعرف عمرو بن عبيد بالزهد والعلم، وله أخبار مع ابي جعفر المنصور قبل وصول بني العباس للخلافة وبعده وقد رثاه المنصور، وعن وفيات الأعيان ان المنصور رثاه ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه، وله رسائل وخطب وكتب منها (التفسير) و(الرد على القدرية).
والحديث جاء على نحو الحكاية وهو ليس حجة في علم الرجال فلم يوثق الرجال الذين نقلوا الخبر كما انه لا اعتبار له شرعاً في نعت الرجل بالكفر بالشك.
إن وجود إختلاف بين العلماء والإنقسام بين الأشاعرة والمعتزلة ونحوها من المذاهب الكلامية او الفقهية يجب ان لا يؤدي الى رمي بعضهم بالكفر او الشك بكلمة لم تثبت صحة صدورها، او يمكن تأويلها تأويلاً حسناً، والإحتراز في هذا الباب فيه صيانة للقرآن وحفظ للنفوس من دبيب الشك ومنع من تعدي أهل الريب والحسد.
وفيما دلت عليه الآية من أخبار تحدث بعض المتكلمين عن عدم ايمان الكفار وإن محاولتهم الإيمان سعي لتبديل كلام الله الذي أخبر بأنهم لا يؤمنون، وإن تركهم سبل الإيمان معصية، فيتعلق بهم الذم في حالتي الفعل والترك.
ولكن الآية إعجاز دائم وإخبار سماوي كريم عن حقيقة ثابتة ودلالة قطعية وهي ان علم الله تعالى أزلي ليس حادثاً لإمتناع إنفعاله عن غيره، فصحيح ان (الذين) اسم موصول من أنواع المعارف يفتقر الى الوصل بجملة خبرية تحتمل الصدق والكذب، ولكن في الآية الكريمة وصل لا يحتمل إلا الصدق.
وقد تكون صلته ظرفاً أو جاراً ومجروراً تامين من جهة الفائدة أو الوصف الصريح، ولا يقصد منه في الآية أفراد الكفار وإستغراق الجنس وان كان من صيغ الجمع مثل (لام) التعريف بل يراد الحقيقة وموضوع الكفر كماهية مهملة، فلا تغلق الآية الكريمة الباب أمام من يؤمن بالنبوة والإسلام بل بالعكس إنها تدعوه الى نبذ الكفر بإظهار قبحه وزيفه وضرره وما يتعقبه من الهلاك، والشواهد عليه كثيرة، وناقش المعتزلة والجبرية في الآية بمباحث متشعبة تبدو قليلة الثمرة خاصة مع التفسير الأعم للآية.
قال الرازي: إحتج أهل الســنة بهذه الآيـة وكل ما أشبهها مثل قوله [لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ]( ) وقوله [ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا] إلى قوله [سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا]( ) وقوله [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ]( ) على تكليف ما لا يطــاق وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمــن قط، فلو صدر منه الإيمان لزم إنقلاب خبر الله تعالى الصدق كذباً، ثم قال: إن الله تعالى لما علم منه انه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم إنقلاب علم الله تعالى جهلاً به وذلك محال( ).
ويمكن مناقشة تلك المباحث كبرى وصغرى، أما الكبرى فان تأويل الآية ينصرف الى غير الذي يظنون، فالآية جاءت لبيان قاعدة كلية وهي ان صيغ الإنذار لا تنفع مع الكافرين.
فمن الناس من يؤمن بالآية والموعظة والبرهان، ومنهم لا يؤمن الا بواسطة السيف ولكنه يصبح مع الإيمان ممن لا يشمله ذم الكافرين في هذه الآية لأنه ليس منهم.
ومن آمن يلحق بسلك أهل الإيمان ولو كان إسلامه بواسطة عرضه على السيف.
وأما الصغرى فان التسليم بصدق القرآن وإخباره يجب ان يكون الصبغة العامة لمباحث التفسير مع تنزيه مقام الربوبية عن النعت غير المناسب ولو كان من باب النفي الإستدلالي لأنه زائد، ولو كان هؤلاء يتكلمون عن ملوك زمانهم فلا يذكرونهم إلا بالإطراء والمدح ويتقربون بالكناية اللطيفة والمجاز الودود.
وليس من ملازمة بين الكفر والأشخاص، فماهية الكفر معروفة وتتصف بالقبح الذاتي والغيري، وكل فرد من الكفار في معرض الإنتقال إلى الإيمان، والإنسلاخ من الضلالة والجحود، فحينما يأتي الذم للكفار والإخبار عن عدم إيمانهم فليس المقصود أشخاصاً معينين إلا مع ورود الدليل في أسباب النزول.
قال بشير المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد، فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس؟ فأقر به خوفاً وانقطع)( ).
لقد انتقلت الآية الكريمة بعد وصف المتقين ومدحهم الى ذم الكفار وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإستيلاء الكفر على قلوبهم لتظهر ما كان يعانيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجهاده في دعوتهم وتحمل أذاهم وعنادهم وصدودهم ومع هذا لم ييأس من دعوتهم وعن ابن عباس في الآية (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأوّل، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول)( ).
والآية الكريمة لا تدعو الى اليأس منهم كما ظن المفسرون، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً يسعى في صلاحهم ويؤازره القرآن والمسلمون لتضييق دائرة الكفر وكبح شروره ورد غائلته، فالآية دعوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للعمل والتوسعة في وجوه الجهاد والصبر والمرابطة، وتثبيت أركان الدين وأحكام الشريعة، وعدم إعطاء الأولوية في العمل إلى دعوة الكافرين خصوصاً وان الآيات التي جاء بها النبي محمد جامعة وهي عقلية وحسية، وكل من القسمين يتصف بالتعدد والكثرة والظهور.
قوله تعالى [لاَ يُؤْمِنُونَ]
إعجاز قرآني وتحد للكافرين وقهر للنفس الشهوية والغضبية بكشف ماهية الكفار وسبر أغوار نفوسهم ، ولا أحد من الناس يجرأ بالإخبار عن بقاء إنسان على الكفر مع توالي الآيات وإزدياد قوة المسلمين في المدينة، ولكن القرآن كتاب نازل من السماء،وكاشف للحقائق بما يفضح الكافرين، ويقوي شوكة المسلمين.
وقد نزلت في مكة آية المسد وأخبرت على نحو القطع بكفر أبي لهب وإمرأته وتضمنت ذمهما مما يعني أنهما يموتان على الكفر وكان الواقع كما أخبر القرآن، وبعد القضية الشخصية إتجه القرآن الى المسألة النوعية الأعم وتحدى الكافرين وذمهم على ضلالتهم مما يعني ان الإسلام أصبح قوياً منيعاً لا يخاف نقمة الكافرين وسطوتهم بسبب نعتهم بالكفر وعدم نفع الإنذار معهم، سواء في مكة او المدينة أو غيرهما، لأن موضوع الآية ورد أيضا في سورة يس وهي مكية وأحكام القرآن باقية إلى يوم القيامة.
لقد رمتهم الآية بالجهل والعجز عن تدبر الإنذارات والإتعاظ بالآيات الأمر الذي يثير حفيظتهم ويجعلهم يمكرون بالإسلام ويسعون في أسباب الغدر والكيد كما حصلت شواهد عديدة للآية خصوصا أيام البعثة النبوية.
وتدل الآية على قدرة المسلمين على الثبات والمنعة بوجه جنود الشيطان والقوى الظلمانية.
ولا تنحصر مضامين الآية بأيام النبوة بل هي حية باقية الى يوم القيامة وهي عون للمسلمين في معرفة خفايا النفوس، وكيفية التعامل مع الأمم والملل الأخرى، والتوجه الى أسباب الكمال الإنساني وإجتناب التأثر بالكفار وما قد يسببه من خلط العمل الصالح بآخر سيء.
وهل في الآية دعوة الى دراسة أسباب عدم إيمان الكفار بعد رؤية الشواهد والبراهين الدالة على صدق النبوة، الجواب نعم ولما كان الإسلام موافقاً للفطرة الإنسانية فان الجحود والعناد جاء للكفار بالعرض وإستقر في نفوسهم لإختيارهم الشقاوة في النشأتين.
لقد عزلت الآية الكافرين، وجعلت الريادة والسيادة في العقائد والمبادئ لأهل التوحيد الذين يقومون بالتبليغ والإنذار فيهتدي من ينظر ببصيرته ، ويقيم على الكفر من إختار الخسارة والعذاب.

قوله تعالى[خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] الآية 7

الإعراب واللغة
ختم: فعل ماض, اسم الجلالة: فاعل، على قلوبهم: جار ومجرور متعلقان بختم، والضمير (هم) مضاف اليه، وعلى أبصارهم: الواو إستئنافية والجار المجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
غشاوة: مبتدأ مؤخر، ولهم: الواو حرف جر، عذاب: مبتدأ مؤخر، عظيم: صفة لعذاب.
الختم: الطبع والشد والأثر الباقي كالسمة والعلامة، ولكنه يختلف عنهما بانه قد يكون حجاباً، وحكي عن مجاهد انه قال: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الختم, ومن الإقفال.
والغشاوة: الغطاء هكذا في كتب اللغة وظاهر كتب التفسير ولكنها قد تعني الغطاء الرقيق الذي لا يحول تماماً دون الرؤية الحقيقية الناصعة او سماعها وفق أحكام الحجة في دار الدنيا بإعتبارها دار إبتلاء وإمتحان، فهي لا تحول دون الرؤية القهرية للآيات خصوصاً وانها تواجه الإنسان في الآفاق وفي نفسه قال تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( ), وذكر الغشاوة قيد كي لا يظن انه بمعنى العلامة وان حكي عن الحسن البصري والجبائي والقاضي، نعم هذه الغشاوة تكون ايضاً علامة فتظهر على ألسنتهم وفي افعالهم.
وفي قراءة (غشاوة) وجوه:
الأول : القراءة المشهورة غِشاوة بكسر الغين.
الثاني : روي عن عاصم في الشواذ، وعن بعض القراء غشاوةً بالنصب.
الثالث : عن الحسن بضم الغين( ).
الرابع : بفتح الغين والنصب.
الخامس : غشوة بالكسر والرفع.
السادس : غَشوُة بفتح الغين والرفع.
السابع : غَشوَة بفتح الغين والنصب.
الثامن : عشاوة بالعين والرفع من العشاوة.
وسيأتي الترجيح بالقراءة بالنصب في باب علم المناسبة، ولكن الأولى هو ما مرسوم في المصاحف.
والعذاب إستمرار الألم يقال: عذّبه تعذيباً: إذا إستمر به الألم.
والعظيم: الكبير يقال هو عظيم الجثة وعظيم المنزلة.
في سياق الآيات
بعد ان أخبرت الآية السابقة عن حال الكفار وعنادهم جاءت هذه الآية الكريمة لتبين الكيفية النفسانية التي تطبع سلوكهم والتي تكمن خلف سوء إختيارهم، وأضرار ما هم عليه من الكفر والشقاق، و العقوبة العاجلة التي أبتلوا بها.
لقد تضمنت الآيات الأولى من سورة البقرة تقسيم الناس إلى مؤمنين وكافرين وذكرت خصائص كل فريق، مع مدح المؤمنين وترغيبهم بالإسلام، وذم وتقبيح الكافرين وأفعالهم .
وجاءت هذه الآية والآية السابقة بخصوص الكفار وإصرارهم على الكفر مع الإنذار أو تركهم من غير إنذار، وفيه حجة عليهم ، فلذا جاءت هذه الآية بالإخبار عن الختم والإقفال على قلوبهم بسبب جحودهم وإعراضهم، وبينت الآيات التالية حال المنافقين الذين يظهرون الإسلام , ويخفون الكفر والجحود.
إعجاز الآية
أظهرت الآية شدة عذاب الكفار وما يلحقهم بسبب الكفر من الخلل في التفكير والرأي والبصيرة والحواس.
وهي شاهد على الأثر السلبي والضرر العاجل الذي يلحق الكافر في الدنيا وبيان لما يؤدي اليه الكفر من الحجب الظلمانية والموانع عن رؤية الحق وأسباب الرشاد في أمور الدين والدنيا خصوصاً وان الآية جاءت مطلقة في مسألة الختم والغشاوة.ومن أفراد إعجاز القرآن التحدي ويمكن تقسيمه إلى قسمين:
الأول: ذاتي.
الثاني: غيري.
وتجمع آية البحث بين الأمرين, إذ تتضمن التوبيخ والتعريف بالكفار ببيان نقص وعيب ظاهر عندهم, يجعلهم قاصرين على معرفة الحقائق, ورؤية البراهين , وترجع الآية ما لحق الكفار من الغشاوة والتخلف عن رؤية الأشياء كما هي إلى الله عز وجل جزاء في الدنيا على إصرارهم على الجحود وإنكار التوحيد والنبوة والتنزيل.
وإبتدأت الآية بذكر القلوب لأن القلب أمير الجوارح وللإشارة إلى أن معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية وحسية.
ويمكن تسمية الآية بآية (ختم الله) ولم يرد هذ اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية.
الآية سلاح
تعتبر الآية من مفاتيح النصر لما تظهره من ضعف الكافر والنقص العرضي اللاحق في تفكيره وإنعكاسه قهراً على عمله وقوله مما يهون الخطب ويقلل من الإلتفات الى ما يدعيه او الشكوك التي يلقيها لأنها لم تنطلق من تفكير سليم خصوصاً وأن الآيات والبراهين ظاهرة بخلاف تلك الشكوك، فالآية تخفيف عن المؤمنين ورحمة.
ولم يرد لفظ الغشاوة في القرآن إلا مرتين، فقد جاء في الذي إتخذ إلهه هواه وأضله الله, قال تعالى [وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً]( ).
وجاءت الآية محل البحث بصيغة الجمع وإرادة الكفار جميعاً، ويفيد الجمع بين الآيتين بيان حقيقة وهي غلبة الهوى والنفس الشهوية على الكفار وإصرارهم على الجحود والكفر.
ومن إعجاز القرآن تيسير معرفة المسلمين لعددهم وحالهم وما هم عليه من الوهن والضعف والعجز، وفيه بعث للقوة في نفوس المسلمين، ودعوة للتوجه بالشكر لله تعالى على نعمة الهداية والإيمان, قال تعالى[وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الآية لطف
تخاطب الآية النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ورائه تخاطب أجيال المسلمين والى يوم القيامة وتخبرهم عن حقيقة الكافر والسر في تخلفهم عن وظائفهم.
وفي الآية بيان للعناية والرحمة الإلهية بالمسلمين فاذا تسأل أحدهم لماذا هذا الفرق بينهم وبين الكفار، لماذا إخترت الإيمان وهؤلاء مصرون على الكفار يكون، الجواب هذه الآية وان الكفار إبتلاهم الله بالتخلف عن الإيمان، وتعطيل الحواس بسبب عنادهم وإستكبارهم وجحودهم وما الله بظلام للعبيد، وتدعو الآية المسلمين والناس جميعاً الى توظيف الحواس في زيادة الإيمان والصلاح.
مفهوم الآية
تبين الآية المقدمات الدنيوية للعقوبة من غير جبر او اكراه، والآثار المادية الآنية للجحود والكفر وما يترتب عليها من قصور الرؤية وعدم ادراك الحقائق وصعوبة تلقي المعارف.
والآية وما فيها من الوعيد نوع طمأنينة للمؤمنين ومواساة لهم في التخلي عن انذار الكفار وبذل الوسع من اجل هدايتهم، وتدل في مفهومها ايضاً على البشارة للمتقين بالنجاة في الآخرة من العذاب الذي أعد للكافرين.
وفي الآية مسائل:
الأولى: عدم إمكان تفقه الكفار، وعجزهم عن رؤية الآيات.
الثانية: ابتلى الله عز وجل الكفار بالجهالة والتخلف عن إدراك الحقائق الكونية والأسرار الغيبية بسبب إصرارهم على الكفر والجحود.
الثالثة: ان الله عز وجل غني عن العالمين , ومن يؤمن لنفسه، ولا يضر من يكفر ويعرض عن آيات الإنذار الا نفسه.
الرابعة: تؤكد الآية حقيقة وهي ان الحواس رحمة ونعمة أنعم الله بها على الإنسان، ويجب عليه من باب الشكر ان يجعلها في طاعة الله، والتدبر في الآيات الحسية والعقلية والتسليم بالعبودية لله تعالى، والتصديق بالنبوة.
الخامسة: الإخبار عن العذاب العظيم الذي ينتظر الكفار يوم القيامة.
إفاضات الآية
لقد جاء القرآن تبياناً لكل شيء، ومن وجوه البيان فيه وصف الكفار وما هم عليه من الجحود، والسمة الظاهرة الملازمة لهم التي تجلب لهم العذاب الأليم في الآخرة، وفيه توكيد لرحمة الله بالمسلمين، وشرح صدورهم للإيمان كفضل ونعمة من عنده تعالى، ولم تأتِ الغشاوة لجهة أو حاسة من حواس الكافر.
بل تغشت الأبصار والأسماع منهم، وهما الحاستان اللتان يتدبر بهما الإنسان الآيات والمعجزات الحسية والعقلية الأمر الذي يجعلهم متخلفين عن إدراكها والتدبر فيها، ولكن الغشاوة ليست على نحو السالبة الكلية فهي أدنى مرتبة من الحجاب التام، لذا فان هذه الآية تندرج ضمن آيات الإنذار والوعيد للكافرين، مع بيان قبح فعلهم بالإصرار على الجحود والعناد.
الصلة بين أول وآخر الآية
تشترك هذه الآية مع الآية السابقة في ذم الكفار، وجاءت لبيان حالهم، وذكر المانع الذاتي عندهم الذي يحول دون إيمانهم، وهذا المانع عقوبة من عند الله بعد إصرارهم على الكفر والجحود.
فجاءت الآية بأمرين:
الأول: ختم الله على الكفار بعلامة ونكتة وداء جاء وصفه بصيغة إعجازية بأنه غشاوة، لتكون حاجزاً متزلزلاً وضعيفاً دون توظيف البصيرة في أمور الدين والدنيا .
الثاني : هذه الغشاوة لا تحجب الآيات عن الإنسان لانها تخترق تلك الغشاوة، لعمومات قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( ) وإرادة الناس جميعاَ في رؤية الآيات الكونية والنبوية طوعا وقهراً .
فتصل معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى أبصار وأسماع الناس جميعاً ومنهم الكفار، وتخترق شغاف القلوب، ولكن الغشاوة الذاتية تمنعهم من التدبر بمضامينها ودلالاتها، وما فيها من الحجج والبراهين.
ليكون الختم أمارة وعلامة يعرفه بها المسلمون، فيحذرون منه ويعرضون عنه، ويأتي الختم بمعنى عدم قبولهم الإيمان مع إستقرار الكفر في قلوبهم , ولكن عطف السمع والأبصار على القلوب يؤكد معنى الغشاوة التي تدل بالدلالة التضمنية على الرقة وعدم السمك، وإمكان إختراقها فلذا جاءت الآية السابقة بقوله تعالى [سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] أي ان الإنذار يبلغهم ويصل اليهم ولكنهم متخلفون عن فهم دلالاته والتفقه في مضامينه لظلمهم لأنفسهم بالجحود، وجاء الختم على وجوه :
الأول: الختم على قلوب الكفار.
الثاني: الختم على سمعهم وآذانهم، لتكون الغشاوة مانعاً من التدبر في الإنذارات وأسرار التنزيل، وإعجاز آيات القرآن.
الثالث: الختم على أبصار الكفار، فلا يرون آيات الآفاق، ولا المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله قال تعالى [إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرً]( ).
ولا تنحصر وظائف وآثار الختم بتلقي الإنذارات ومعرفة الآيات، بل تشمل أمور الحياة الدنيا، وتخلف الكفار عن التوفيق والفلاح في ميادين الحياة، وبقائهم في حيرة وإرتباك، لأن الغشاوة برزخ دون رؤية الأشياء كما هي، وبعين البصيرة.
إن الغشاوة عقوبة عاجلة في الدنيا، وإنذار إلهي للكفار، فاذ أنهم أعرضوا عن الإنذارات التي تأتي بآيات القرآن والسنة النبوية ومن المسلمين بتلاوتهم الآيات، وإقامتهم الحجة على الكفار جاء طبع الغشاوة على قلوب وأسماع وأبصار الكفار إنذاراً فعلياً، ومانعاً من إضرارهم بالمسلمين ، وهو من مقدمات مضامين قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَار]( ).
وجاءت خاتمة الآية بالإخبار عن العقاب الأليم الذي ينتظر الكفار مما يعني ان الختم والطبع أمر غير العذاب الأليم ويتقدم عليه زماناً، فالختم في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وهذا لا يعني عدم وقوع الختم في الآخرة، بل هو من مصاديق العذاب في الآخرة، قال تعالى [الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ]( ).
ومن إعجاز القرآن ان محل الختم في الدنيا والآخرة متباين، فيأتي في الدنيا على نحو متعدد ويقع على القلوب والأسماع والأبصار، ويتصف بأنه لا تدركه الحواس ولا تراه عيون الناس، لان الدنيا دار إبتلاء وإمتحان، وأما الختم في الآخرة فيتعلق بالأفواه ولجم الألسنة وجعل الكفار عاجزين عن النطق.
ومن وجوه الصلة بين أول الآية وآخرها، ما يلقاه الكفار من الأذى والألم بسبب إعراضهم عن الإنذارات، وإصرارهم على الجحود، وتساهم الآية في إرتقاء المسلمين في المعارف ومعرفة أحوال الناس، وهي عون لهم في كيفية وصيغ المعاملة مع الناس على إختلاف مشاربهم، والقيام بالوظائف الشرعية في الدعوة الى الله تعالى، وتثبيت سنن الإسلام وأحكام الشريعة، وما يصيب الكفار من الختم مناسبة لإعلاء كلمة التوحيد.
التفسير الذاتي
ذكرت الآية السابقة إقامة الكفار على الجحود مع توجه الإنذارات لهم، وجاءت هذه الآية لبيان موضوع تخلفهم عن الإيمان وإصرارهم على الكفر وهو الطبع والختم على قلوبهم، وما أصابهم من أسباب الضلالة والعمى عن رؤية الآيات.
ولا تدل هذه الآية على أن الختم والطبع الذي ضربه الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم علة تامة لإعراضهم عن الإنذارات وبقائهم على الجحود، بل جاءت الآية بياناً، وإخباراً عن صفات وحال الكفار، تلك الحال التي تكون مانعاً من التدبر بالإنذارات وإستحضارها بالوجود الذهني.
ومن إعجاز الآية أنها ذكرت الختم على القلوب وهو من الفطريات التي تكون قياساتها معها، إذ يصدق بها العقل بتصور طرفيها , ووجود وسط يستلزم الطلب والفكر.
والذي يتجلى بحجية الإنذارات ومقابلة الكفارلها بالإعراض والصدود، إن الله عز وجل أراد للناس جميعاً الهداية وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لإنذارهم من عذاب النار، والخلود فيه، وبيّن سبيل النجاة منه الذي هو الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه.
ومن إعجاز القرآن بيان علة الختم على قلوب الكفار، وأنه نتيجة لإختيارهم الكفر والجحود والضلالة، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار، قال تعالى [أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ] ( ).
فجاء الختم على سمع وقلب الكافر بعد أن غلّب هواه، وعطّل إدراك العقل الذي جعله الله عز وجل رسولاً باطنياً عند الإنسان، وآلة لتلقي الإنذارات، وواقية من السيئات والذنوب.
لقد جعل الله عز وجل العقل مادة للعلم ووسيلة للتحصيل، والبصر آلة للتمييز بين المرئيات، وإدراك الآيات والمعجزات، والسمع وسيلة للتفريق بين المسموعات، والإتعاظ من الإنذارات الواردة في القرآن التي تأتي على لسان النبي والمؤمنين.
فإختار الكفار تعطيل العقل والحواس بإتباع الهوى والشهوة، واللهث وراء زينة الدنيا، والصدود عن الفرائض والعبادات، فجاءت هذه الآيات بالإخبار عن عدم إتعاظهم من الإنذارات مع الوعيد بما ينتظرهم من العذاب الأليم، والخلود في الجحيم.
وفي خاتمة الآية دعوة للناس للإتعاظ من الآيات والبراهين الدالة على وجوب عبادة الله عز وجل والإستعداد ليوم القيامة.
والآية وإن جاءت خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنها تتضمن في مفهومها الخطاب للمسلمين وبعث السكينة في نفوسهم، ومنع الشك من الطرو عليها بسبب إصرار الكفار على الجحود، مع وجود المقتضي للإيمان، وتجلي الآيات والبراهين الدالة على الربوبية المطلقة لله عـز وجل، وصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا تمنع الآية من إقامة الحجة على الكفار، ومجادلتهم بالموعظة الحسنة، وجاء لفظ (غشاوة) مرتين في القرآن، إذ ورد في قوله تعالى [وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً]( )، في بيان حال الكافر، وكأنه يعبد هواه لأنه ينقاد له، ويتبع ما تأمره به النفس الشهوية.
من غايات الآية
لما أخبرت الآية السابقة عن عدم ترتب الأثر والنفع في ذات الكافر من إنذاره، جاءت هذه الآية الكريمة لبيان علته، وهي إبتلاء الكافر بفقدان البصيرة، وتخلفه عن الإنتفاع بما رزقه الله عز وجل من الحواس، وإصراره على الإقامة على الكفر والجحود.
وتبين الآية أن الله عز وجل تعقب الوعيد والعذاب بلغة ا لإنذار في حال عدم الإنتفاع منها، فلم تأتِ لغة الإنذار مجردة بل هي مقدمة لنزول العذاب لمن لم يعتبر منها.
التفسير
قوله تعالى [خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ]
الآية بيان وتعليل لعدم نفع الإنذار والتخويف مع الذين كفروا، وإخبار إلهي بأن الإستمرار في الإنذار لن يعطي نتائج حميدة بشأن هـــؤلاء لما بلغـــوه من التردي في الضـــلالة وما تلبدت على حواســهم من سحب الغواية، تلك التي جـــاءت بالوراثة أو العادة أو البيئة الجاهلية أو السجايا الرديئة، فتمثلت بعمى إصطناعي وفقدان جعلي للبصيرة والسمع، وقيل (لاختم ولا تغشية ثم على الحقيقة وانما هو من باب المجاز)( ) ولكن المجاز يحتاج الى قرينة لفظية أو حالية تكون صارفة عن المعنى الحقيقي، والوضع الذي أستعمل فيه اللفظ أصلاً هذا مع التسليم بوجود العلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي أي المناسبة بين المعنى المنقول منه والمنقول اليه.
فهل من قرينة في المقام؟ خاصة مع الإعتقاد بان وجوه الختم متعددة ومختلفة وليس بالضرورة ان تكون من جنس خلقة الإنسان من اللحم والعصب وما في البدن من الأغشية، وهذه الأغشية لا تحجب العقائد والأفكار بل لها وظائف عضوية محددة ومشخصة في علم الأبدان.
وعدّ بعضهم إسناد الختم إلى القلوب من الإستعارة التمثيلية مع أن التمثيل في كل إستعارة لبيان ظهور التمثيل فيها واضحاً وهي غاية للبلغـــاء وكثــيرة الورود في الأمثلـــة والحكم، ولا مانع من إستيعاب الآية الكريمة الجامع للحقيقة والمجاز معاً في ذات اللفظ، وهذا من اعجاز القرآن وأن معنى ألفاظه تتعــدى القواعد اللغوية ومباني الوضع والبلاغة، وهو من افراد قاعدة (المعنى الأعم) التي ذكرناها لعلوم القرآن .
مع تقسيم الكلام العربي تقسيماً إستقرائياً جديداً إلى حقيقة، ومجــاز، وبرزخ بينهمــا، وجامع لهما، فلا ننظر إلى الختم في هذه الآية على أنه مجاز فقط , وتلك النظرة تقييد وتخصيص من غير مخصص فقد يراد منه الوجــوه الأربعة أعلاه على نحو الإستــقلال أو التداخل أو هما معاً، وهذا مبحث تتفرع عنه عدة علوم.
إنها غشاوة حقيقية يراها الملائكة فلا يستغفرون للذين كفروا ولا يمدونهم بأسباب الإعانة في مسالك الحياة المختلفة، وفي نزول هذه الآية أصبح المؤمنون يفقهون موضوع تلك الغشاوة ويعلمون بها لإخبار الله عز وجل عنها بغض النظر عن جنسها وماهيتها.
وقال الزمخشري: “فالشيطان او الإنسان هو الخاتم في الحقيقة الا أن الله سبحانه لما كان هو الذي أقدره ومكنه , وأسند إليه الختم كما يسند الفعل الى المسبب”( ).
وهذا القول مخالف لظاهر الآية الأمر الذي يحتاج الى قرينة صارفة، فالختم منه تعالى، وهو سبحانه الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، نعم جاء هذا الختم عقوبة لهم وخاتمة لسوء أفعالهم وإختيارهم الكفر وإعراضهم عن الحق وإبتعادهــم عن دروب الهـــداية، وعن الامام الرضا انه قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم.
وتعدد المعاني الحقيقية والمعاني المجازيـــة والمعنويــة للختم في هــذه الآية والذي يظهر في صمم ظاهر عن الحق وعدم تدبر في الآيات وإعراض عن الدلالات والبراهين، بالإضافة إلى الكدورات الظلمانية والهموم المتتالية التي ترد على الكافر لغياب الحصانة الإيمانية والمناعة العقائدية.
وتبين الآية غنى الله تعالى عن العالمين، وإختيار الكفار للضلالة والجحود وأسباب العمى، والآية عون للمؤمنين في فهم أسرار تخلف الكافرين عن الإيمان.
وجاء الختم بصيغة الجمع، ويفيد معنيين:
الأول: الختم الشخصي المتعدد، فكل كافر ختم الله على قلبه.
الثاني: الختم النوعي العام فيما يتخذونه من رأي وقرار، للإحتراز من قيامهم مجتمعين بجحود الآيات او مواجهة المسلمين وإعلان الحرب عليهم.
والختم والطبع على القلب أمر خاص بالله تعالى فلا يستطيع غيره فعله، ولا يتأتى إلا نتيجة الإنحراف وضلالة العبد, قال تعالى [أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ] ( ).
والقلب هنا عنوان ومحل العقيدة والمبدأ والولاء, ولم يأت الختم للكفار إلا بعد إعراضهم عن الآيات وإقامتهم على الجحود وإن كان باب التوبة مفتوحاً للناس جميعاً، وإعراضهم عن الآيات لا يمنعها من مداهمتهم وسعيها لجذبهم للإيمان، تطلع عليهم الشمس لتذكرهم بعظمة الجبار، ويصاب القمر بالخسوف ليتدبروا في مسألة ضعف ونقص المخلوقات وحاجتها الى الباري عز وجل.
قوله تعالى[وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ]
الجمع بين الختم بغشاوة على القلوب والسمع آية إعجازية مع ان الختم على القلوب يؤثر سلباً على حاسة السمع وكيفية الإستماع، وتبين الآية في مفهومها الوظيفة العقائدية للسمع ، وموضوعية توظيفه في الإرتقاء في المعارف الإلهية، ولم يرد الختم الا بعد ان صموا آذانهم عن سماع الآيات والدعوة الى الله على لسان نبيه والمؤمنين .
والآية عامة لا تنحصر بزمان النبوة، فهي شاملة لكل الأزمنة والأمكنة في تحذير من الكافرين وذم لهم.
ترى لماذا ورد [سَمْعِهِمْ] في الآية الكريمة بصيغة المفرد خلافاً للقلوب والابصار التي وردت بصيغة الجمع، إن الجواب من وجوه :
الأول: معنى سمعهم هو أسماعهم ورد مصدراً وباسم الجنس ويقع المصدر للواحد والجمع لأن تلقي الإنذار يتعلق بحاسة السمع، والكفار يلتقون في عدم سماع الإنذار فيكون بمثابة الطبيعي المنطقي العارض للماهية.
الثاني: إشتراك الكفار بسمع أمر واحد وهو دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام، فربما إختلفت ابصارهم من حيث النظر الى الآيات والمعجزات والبراهين، ولكنهم جميعاً سمعوا القرآن .
الثالث: إختيار الكفارتعطيل أشــرف الحواس وهي في الأصل لم تخلق في الإنسان إلا لسماع الحق وتلقي أوامر التكليف وأنها من الكلي العقلي المركب من نفس الماهيـة ومن الكلية العارضــة لها، ولتكون من المفاهيم الجزئية لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، وان الحواس ايضاً وجدت للعبادة فمتى ما أعرض الإنسان عن العبادة فكأنه إختار تعطيلها لأنه لم يسع في إستكمال وجوه المعارف الإلهية.
ويأتي الختم بمعنى الطبع يقال (ختماَ يختم ختماَ : أي طبع فهو خاتم)( ) والخاتم ما يوضع على الطينة وعلى الكتاب.
(وقال الحسن : إن بين الله وبين العبد حداَ إذا بلغ طبع على قلبه, فوفق بعده للخير) ( ) ولكن وردت مادة (طبع) إحدى عشر مرة , كلها في ذم الكفار , قال تعالى [يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ]( )
وإقترن الختم في الآية بمفهوم الغشاوة على الأبصار التي لا يمكن إعتبارها حجاباً كثيفاً مانعاً إتماماً للحجة , وإستدامتها ولعدم الجبر بل منزلة بين المنزلتين فلا جبر ولا تفويض، وهو مناسبة للتدارك والتوبة والإنابة، ولعله من إفاضات الروح التي نفخها الله عز وجل في آدم أبي البشر والعقل الذي أكرم الله عز وجل به الإنسان متداخلين أو على نحو الإستقلال والإنفراد لكل من الروح والعقل ليحولا دون الإســتيلاء التام للغشاوة والحاجب على البصيرة.
وحكي عن الاصم وأبي مسلم الخراساني في الآية أن الله تعالى ذّمهم بان قلوبهم كالمختوم عليها وانه لا يدخلها الإيمان ولا يخرج عنها الكفر، والمعنى ان الكفر تمكن من قلوبهم فصارت كالمختوم عليها وصار بمنزلة من لا يفهم ولا يبصر ولا يسمع( ).
وقد تفضل الله عز وجل ببقاء باب الإنابة والتوبة مفتوحاً، والغشاوة يمكن ان تُخرق بفضله تعالى ولعل أثرها ووظيفتها تنحصر في حجب الآيات باختيارهم وان كان في ظاهره أمراً قهرياً لأن الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار، وتلك نواميس المعرفة الإلهية والنتيجة الحتمية للجحود والعناد.
ولعل تلك الغشاوة حاجة للمؤمنين بل وفيها حيلولة دون المزيد من الكفر والجحود من الكفار أنفسهم وهي لا تمنع من تأثير صيغ ووسائل الجهاد وأساليب الدعوة لأن الختم على قلوب الكفار وأسماعهم وأبصارهم لا يحول دون أداء المسلمين لوظائفهم الجهادية فقد نهوا عن اليأس وعن القنوط.
ولقد قال الفلاسفة: (من فقد حساً فقد فقد علماً)، ولكن هؤلاء الكفار لم يفقد أي منهم بعض حواسه، والغشاوة ليست تعطيلاً تاماً للحواس.
نعم ان تلك الحواس قاصرة عن إدراك الإيمان وحقيقة لتوحيد ووجوب التسليم برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأمر الذي يدل على ما يحتاجه الإيمان من عمق الإدراك والبصيرة والنظر الثاقب، والآية الكريمة في مفهومها مدح للمؤمنين وبيان لما رزقهم الله من البصيرة وأسباب الهداية ومعرفة سبل النجاة.
وعن الإمام علي عليه السلام: “سبق في علمه تعالى انهم لا يؤمنون فختم على قلوبهم وسمعهم ليوافق قضاؤه عليهم علمه فيهم ألا تسمع قوله تعالى [لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ] ( ).

مقارنة بين السمع والبصر
جعل شطر من المتكلمين تقديم السمع على البصر أمارة على التفضيل، وقد تقدم السمع على البصر في خمس عشرة آية من القرآن، وقُدم البصر ايضاً في نحو آيتين، ولكن التقديم يأتي احياناً بحسب مناسبة الحكم والموضوع ولا يدل على الترتيب بالضرورة، كما في قوله تعالى [ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ]( )، لأن البصر أكثر موضوعية وإعتباراً في التيقن من العذاب وشدته، والتقديم أعم من أن يدل على التفضيل.
وأســـتدل على شـــرف السمع بان الله لم يبعث نبياً أصمــاً، وقد كان أحد الأنبياء أعمى وهو شعيب، وأحتج به من أشكل على شرط البصر في القاضي ، ويجعل الله عز وجل يجعل النبوة حيث يشـاء، ومن كان عنده نقص في أحد الحواس فأن الله عز وجل يجعل كفاية التبليغ والإنذار بالحواس الأخرى، والوحي مانع من أثر فقد الحاسة.
وأستدل على تفضيل السمع بأنه يقود إلى المعارف المختلفة، ووظيفة البصر منحصرة بالمحسوسات، ولكن البصر أيضاً يؤدي الى المعارف بواسطة سلاح العقل والتدبر.
وأستدل على أفضلية السمع بالتصرف في الجهات الست بخلاف البصر، ولكن هذا الدليل يصدق على الحال بالدقة العقلية، أما في الإستدامة فتصرف البصر في الجهات الست أكثر وأفضل من السمع، لأن البصر يدرك مسافات وأماكن في الجهات المختلفة والعلو والسفل ما لا يدركه السمع وقد يكون سبباً في النجاة من الهلكة مما يتخلف عنه السمع، فلو داهم الإنسان خطر كحجر كبير له صوت، فيمكن ان يتنحى عنه الإنسان حين رؤيته من بعيد، وقد لا يستطيع النجاة لو سمعه من مسافة قريبة، فالبصر أبعد مدى ولم يذكر في باب المقارنة والتفضيل وان الإنسان يستطيع الرؤية بالإستعانة بحركة الرأس والإلتفات.
ويمكن الإستدلال بأفضلية البصر بأنه يقود إلى الخير إبتداء، فالسمع يتلقى والبصر يقود ويسعى، والسمع ينقسم الى سمع من غير قصد وإستماع مع القصد، والبصر واحد.
ومنهم من إعتبر البصر أشرف من السمع بلحاظ آلة البصر ومتعلقها وهو النور وان متعلق السمع هو الريح.
وبحسب القاعدة الأصولية العقلية (تقديم الأهم على المهم) فإن الأهم هنا هو بديع صنعه تعالى وتحير العقول والأوهام بالأشرف من السمع والبصر مما يدل على شرف كل منهما، وتتفرع على المبحث دراسات عديدة وتتعلق أيضاً بالارتقاء العلمي الحديث، فيمكن أن يستدل على افضلية البصر بان السمع له علاج ويمكن تدارك أكثر حالاته بالطب الحديث، في حين ان علاج فقد البصر أشد تعقيداً وأبطأ في مراتب النجاح.
وبينهما كنعمة من نعم الله عموم وخصوص من وجه، فهناك وجوه للإلتقاء بينهما، وأخرى للإفتراق، وقد يكونا من عموم إذا إجتمعا تفرقا، وإذا إفترقا إجتمعا، فمع وجودهما عند الإنسان فكل من السمع والبصر يقوم بوظائفه الخاصة، ومع فقد أحدى الحاستين ، فإن الآلة الآخرى تنيب عنها في شطر من أعمالها فضلاً من الله تعالى.
ولو سألت شخصين أحدهما أعمى والآخر أصم، فإن الأعمى يتمنى لو كان مبصرا وإن تعطلت عنده حاسة السمع ، ولكن الأصم يرضى بالصمم دون العمى، ويغبط نفسه بالمقارنة مع الأعمى ويشكر الله على النجاة مما إبتلاه الله به من العمى، وكانت حاجة الأصم الى الأعمى أقل من حاجة الأعمى إلى الأصم، وهذه شواهد وجدانية على رجحان وأفضلية حاسة البصر .
ومن فضل الله تعالى على الناس أن الإبتلاء بفقد البصر أو السمع إبتداء ومن حين الولادة أمر نادر، الى جانب النقص في الإبتلاء به بعد الولادة وعند الكبر نتيجة الإرتقاء والتحسن في علم وخدمات طب الأبدان, وفي قراءة القرآن في المصحف جلاء للبصر ,ولدفع الله أسباب الضرر بالسمع والبصر عن الناس .
وذكرت الآية السمع بصيغة المفرد، والقلوب والأبصار بصيغة الجمع، وقال سيبويه: ان ورود ما قبل السمع وما بعده بلفظ الجمع يعني إرادة الجمع منه ايضاً.
وقيل ان السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع، ولأن لكل واحد سمعاً واحداً ، ولكن السَّمع يكون اسماً والجمع أسماع.
وقال ابن السكيت: السمعُ سمعُ الإنسان وغيره، يكون واحداً وجمعاً، وفي الآية إشارة إلى إستكبار وإعراض الكفار عن سماع الآيات ورفضهم الإستماع الى آيات القرآن، وتوجهوا بسمعهم إلى جهة واحدة وهي مضامين العناد والجحود والضلالة، أما القلوب والأبصار فإن وظائفها وأعمالها متعددة قهراً، فبالقلب يتدبر ويتأمل ويعتبر ويستحضر الإنسان ولو على مراتب متفاوتة، وبالقوة الباصرة يرى الإنسان طوعاً أو كرهاً الآيات البينات في الآفاق وفي النفوس.
وقيل يدل التقديم في الذكر على التقديم في الدرجة ويدل عليه ان تقديم الأدنى على الأشرف في الذكر قبيح عرفاً. قال الرازي: فوجب ان يكون قبيحاً شرعاً.
ولكنه قياس مع الفارق، فليس تقديم البصر او السمع من الأدون والأشرف لأنهما وردا بمنزلة واحدة بلحاظ أنهما نعمة من عند الله ، وآلة للهداية والإيمان , حجب الكفار عن أنفسهم الأنتفاع الأمثل منها .
وأستدل بقبحه عرفاً قول الشاعر:

عميرة ودع ان تجهزت غاديا

كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا( )

قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام لأجزتك.
وهو يدل على موضوعية وعظيم شأن ونفع الإسلام وتشريفه كمسألة عقائدية وتقدمه رتبة على أحكام الشعر وضرورته.
والحجة في تقديم السمع ليست تامة لأنها مبنية على إفادة الواو الترتيب وهو ضعيف، ومشهور النحويين أنها لا تفيد الترتيب بل تأتي لمطلق الجمع، وقال بافادتها الترتيب قطرب والربعي والفراء وتغلب وهشام والشافعي، وقد قلنا في الواو أنها لا تدل في الأصل على الترتيب، ولكنه يعرف بلحاظ القرائن.
وأستدل على عدم دلالة التقديم على التفضيل بتقديم سورة تبت على سورة قل هو الله احد، وهو أجنبي عن الموضوع لأن التشريف منبسط على كل سورة من سوّر القرآن وباطلاق وعموم السور جاء التحدي في القرآن [فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ] ( ) .
وبالنسبة لترتيب الآيات فقد جاءت آية الكرسي في الربع الأخير من سورة البقرة , وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال أعظم آية في القرآن [لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ]( ).
والنقاش في البصر والسمع كأمرين وجودين وليس في حال انعدامهمــا، وكأن الإنعــدام يدل في مفهومـه على الأثر والمنزلة.
قوله تعالى [غِشَاوَةٌ]
جاءت هذه الغشاوة نتيجة للإصرار على الكفر والإقامة على الجحود، وفيه بيان للأضرار العاجلة للكفر وظهورها على نحو سلبي على الجوارح والأعضاء.
وفيه مسائل:
الأولى : ضعف رؤية الآيات والبراهين بمعنى أن الغشاوة لا تمنع من رؤية الآيات الباهرات والبراهين منعاً تاماً لأهلية الآيات بالوصول إلى القلوب والعقول، ولكن الغشاوة حاجب ذاتي يتعلق بالبصر دون البصيرة، وهذا من آيات الله في خلق الإنسان، قال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] ( ) .
فالله عز وجل الذي تفضل على الإنسان ونفخ فيه من روحه يأبى أن يجعل غشاوة تؤثر على بصيرة الإنسان ومداركه لتبقى الحجة قائمة على الكافر وتتجدد الدعوة الكونية كل يوم للإسلام والعبودية المحضة لله عز وجل.
الثانية : يعرف الإنسان بما رزقه الله عز وجل من العقل وجود هذه الغشاوة ولو على نحو الموجبة الجزئية، وفي بعض الأحيان ، قال تعالى [بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ]( ).
الثالثة : هل الغشاوة أمر ثابت مصاحب للكافر , ولا يزول وإن إنتقل للإيمان، الجواب لا، بل إنها مقرونة بالكفر فإذا تاب الكافر فانها تزول لتبدل الحكم بتغير الموضوع.
الرابعة : الغشاوة واقية من شرور الكافر، لأنه لا يلتفت إلى الآيات في نصر الإسلام وثبوت أحكامه في الأرض.
الخامسة : الآية بشارة للمسلمين وبيان للمائز بين القائل بالتوحيد ، وبين الذي إختار الكفر والشرك.
علم المناسبة
هل الواو في (وعلى) تفيد العطف، أم الإستئناف بمعنى هل ضرب الغشاوة مطلقً فيشمل القلوب والسمع والأبصار، أم انه خاص بالأبصار ، وعلم مناسبة الآيات يبين لنا ان الواو للإستئناف فقد ورد لفظ غشاوة مرتين في القرآن، فجاء في سورة الجاثية [أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً] ( ).
فهؤلاء إختاروا الكفر والجحود فختم الله على قلوبهم ليكون هذا الختم مرئياً من قبل الملائكة، وورد الختم على القلوب ستراً لهم أمام الناس، ولبقاء باب التوبة مفتوحاً للناس جميعا ًفضلاً من الله تعالى بينما ورد في مدح المسلمين في القرآن [سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ] ( )، ولم يرد ذكر سيماء المجرمين إلا في الآخرة كمقدمة للعقاب [يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ] ( )، والغشاوة جاءت بعد اختيار الكفر واتباع الهوى والإنقياد الى حاجات النفس الشهوية والغضبية، مما أدى الى ترتب العلى الأثر أبصارهم بحاجب عن رؤية الحقائق والبينات .
وبلحاظ ما ورد في سورة الجاثية ونسبة جعل الغشاوة الى الله تعالى يمكن القول بالقراءة بالنصب (غشاوةً) ولكن القراءة المرسومة في المصاحف في الآية محل البحث بالرفع وهي الأصل والأصح ، ويفيد هنا تعدد المعنى, واستقلال كل من الختم، ومن الغشاوة كعقوبة عاجلة وأمر مترتب على الكفر والصدود عن الآيات.

قوله تعالى [وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]
إخبار عما ينتظر الكفار من صنوف العقاب الشديد في الآخرة وربما تعلق جانب من هذا العذاب بأيامهم في الحياة الدنيا وما أصابهم بسبب الكفر وعدم الإستماع الى الإنذارات الرسالية بأنواع شتى من المصائب ووجوه البلاء.
وفي الآية نكتة عقائدية فمع التغاير والتباين بين عالم الدنيا والآخرة فهما معاً محل ومناسبة لعذاب الكافر مثلما هما نعمة ورحمة وموطن سعادة وغبطة المؤمن.
والآية قاعدة كلامية كلية، ووصف يتضمن الفضح والخزي للكفار، وهي دعوة لتأسيس مدرسة جهاديــة لســانية تحقيقية، موضوعها إستقصاء مصاديق ما يلاقيه الكفار في النشأتين من الأذى الذاتي والعرضي البدني والنفسي بسبب إختيار سبل الضلالة والجحود.
والآية في مفهومها دعوة للناس للسعادة في الدارين بإختيار الإيمان والتقيد بأحكام الشريعة.


قوله تعالى[وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَومِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ] الآية 8

الإعراب واللغة
الواو: استئنافية، من الناس: جار ومجرور، من: اسم موصول في محل رفع مبتدأ مؤخر.
يقول: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها صلة (مَن) آمنا: فعل ماض وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، بالله: جار ومجرور متعلقان بآمنا، باليوم عطف على اسم الجلالة، الآخر، صفة ليوم.
وما: الواو حالية، ما: نافية حجازية تعمل عمل ليس، هم: ضمير منفصل في محل رفع اسم (ما).
بمؤمنين: الباء حرف جر زائد للتوكيد، والجملة الإسمية في محل نصب على الحال.
(مَن) تكون اسماً، وتكون جحداً وتكون إستفهاماً، وتكون شرطاً، وتكون نكرة، وتكون معرفة، وجاءت في الآية الكريمة إسماً موصولاً أي بمعنى (الذي)، وتأتي للإنس والملائكة والجن، ويخبر بها عن الواحد والإثنين والجماعة، ويعــرف من القرائن ومناســبة المقــام ولما قــال تعالى [ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ] عرفنا ان المراد الجماعة.
والناس جماعة البشر، والمفرد الإنسان وقيل هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، والخلاف بلحاظ الأصل والمادة والاصل أنه مفرد، واختلف في إشتقاقه على وجوه منها:
الأول: مأخوذ من النوس وهو الحركة وتصغيره نويس يقال ناس ينوس نوساً، ومنه نوس القرط في الأذن، وسمي ابو نؤاس بهذا الاسم لان ذؤابتين كانتا تنوسان عند أذنيه ، وقال ابن منظور وقيل لبعض ملوك حمير: ذو نواس لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقيه( ) .
الثاني: مأخوذ من النسيان لقولــه تعالى [فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا]( ).
الثالث: أصـــله أناس من الإنس.
واليوم الآخر هو يوم القيامة لتأخره عن أيام الدنيا ولعدم وجود يوم بعده، فيمكن ان يراد به الوقت المحصور بين البعث الى نهاية الحساب، ودخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار (وقيل يجوز ان يراد به الوقت الذي لاحدّ له، وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع لتأخره عن الأوقات المقضية)( ) والمعروف في اللغة ان النهار يسمى يوماً اذا تقدمه ليل فاذا لم يتقدمه ليل ولا ينظر له بهذا اللحاظ لا يسمى يوماً ، وينفرد اليوم الأخر بأن تتقدمه الحياة الدنيا.
في سياق الآيات
بعد ان ذكرت الآية السابقة صفة وحال الكافرين وتخلفهم عن الإنتفاع من مضامين الرسالة والآيات التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاءت هذه الآية لبيان صفة المنافقين.
وتظهر الدراسة المقارنة بين الآيتين وجوه الإلتقاء والإفتراق بين الكفار والمنافقين لأن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه وجاءت الآيات التالية بذكر صفات المنافقين مما يدل على ضررهم وقبح فعلهم ولزوم الإحتراز منهم .
ويتجلى في نظم الآيات الإعجاز العقائدي والتأريخي في القرآن، فجاءت الآيات الأربعة الأولى من سورة البقرة في مدح المؤمنين ووصفهم بالمتقين الذين يخشون الله في الغيب لتأتي بعدها آيتان في ذم الكفار وبيان ما هم عليه من الغفلة والجهالة، ثم تنتقل الآيات الى ذكر فريق آخر من الكفار المخادعين الذين يلتقون مع الكفار، في الغفلة والجهالة والعداوة للإسلام، الا انهم يختلفون عنهم بإدعاء الإيمان ظاهراً، فجاءت هذه الآية لتخبر عن حقيقتهم وكذبهم وزيف إدعائهم.
إعجاز الآية
ظهور لغة التبعيض وذكر فئة تتصف بالنفاق وكيف انها تعلن خلاف الذي تضمر، ليفاجئنا القرآن بإخبار غيبي حاضر، ويهاجم في إعجازه أخطر صيغ المؤامرة والخداع.
ويدعو القرآن المسلمين لليقظة والحذر، وعدم الإكتفاء بظاهر القول في منح الثقة المطلقة بالناس، مع كفاية النطق بالشهادتين للتلبس بصفة الإسلام وحقن الدم وحلية المناكح .
ومع أن الدعوة إلى الإسلام كانت في بدايتها ، ويحتاج المسلمون التأييد ونصرة للإسلام لجذب الآخرين وكفاية شرور وأذى الناس، فقد جاءت هذه الآية بفضح الذين يدعون الإيمان وهم مصرون على الكفر، وفيه شاهد على صدق نزول القرآن من عند الله، وان القوة لله جميعاً، وانه سبحانه لا يخشى على الإسلام والمسلمين من إنقضاض وتعدي المنافقين .
والآية مدرسة عقائدية في بيان معالم الإيمان وأنه لا ينحصر بالإدعاء والقول بل يشمل التصديق بالقلب والجوانح والتسليم بالعبودية لله تعالى، والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
ويمكن تسمية الآية بآية ( يقول آمنا) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الا في هذه الآية , والآية العاشرة من سورة العنكبوت
الآية سلاح
لقد أعانت الآية الكريمة المؤمنين في كشف اعداء الإسلام بسبر أغوار نفوسهم والنفاذ الى ما تضمره قلوبهم من عدم الإيمان ولم يعد تسترهم بعد نزولها ينفعهم، ولا أحد يعلم مدى النفع الذي قدمته مثل هذه الآيات للمسلمين في جهادهم , ليتجلى قانون ثابت إلى يوم القيامة وهو أن كل آية قرآنية مدد للمسلمين وجندي من جند الله في الأرض وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
وتدعو الآية الناس من غير المسلمين الى الحذر من الذين يدعون الإيمان وهم يواصلون بث سمومهم، وإثارة الشكوك والريب في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من عند الله تعالى، وهذا من إعجاز القرآن وعظيم النفع الذي يترشح من آياته، فتأتي الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيتخذها المسلمون قانوناً ومبدأ في العمل، وينصت لها غير المسلمين فيتعظون منها، ويتلقون مضامينها بالتدبر والإعتبار.
ومن منافع هذه الآية لغير المسلمين انها تدعوهم للإيمان الصادق والإلتحاق بالمتقين، وتحذرهم من النفاق وأهله ليصبح المسلمون في إزدياد مطرد، والكفار في نقص دائم، والمنافقون على حالهم وضعفهم مع حصول النقص في عددهم، ولا ينتقل أحد من منازل الكفر الى النفاق، ولا من الإيمان الى النفاق أو الكفر، وتلك آية تبين الأثر العظيم لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونفعها للناس جميعاً، وإتساع رقعة الإسلام وزيادة عدد المسلمين وصلاحهم، وهو من خصائص [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
أسباب النزول
ذكر ان الآية نزلت في قوم من المنافقين من الأوس والخزرج، وهم عبد الله ابن أبي سلول وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهم وأكثرهم من اليهود، وهو المروي عن ابن عباس، وأورد صاحب التبيان الخبر لم يذكر الاسماء قائلاً: لا فائدة في ذكرها( ).
وموضوع الآية أعم من أسباب النزول، وأحكامها باقية الى يوم القيامة وفيها تحذير للمسلمين وإرتقاء في العلوم العقائدية، ومعرفة كسبية إضافية من عالم الغيب بأحوال الناس .
والآية في موضوعها أعم من أن تنحصر بالمنافقين بالمعنى الإصطلاحي، إذ انها تشمل الذين يدعون التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما يلتقون بالمسلمين، ويذكرون لهم آيات التنزيل والمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا] ( ).
وجاء أول الآية بالتبعيض الإجمالي من عموم أهل الأرض بقوله تعالى [مِنْ النَّاسِ] لإفادة المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر، وأهل الكتاب والكفار الوثنيين، وفيه بيان لجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله، وما لاقاه والصحابة وأهل البيت في الدعوة الى الله وتحمل الأذى وأسباب المكر والكيد، وكيف ان هذا الكيد ذهب أدراج الرياح، وخرج الإسلام منتصراً من المعركة منذ السنين الأولى لنزول القرآن .
وتبقى هذه الآية تلاحق أهل النفاق والشك في خلجات نفوسهم بفضح ما في صدورهم وكشف زيف إدعائهم أمام المسلمين والناس جميعاً.
الآية لطف
الإيمان إرتباط إختياري بين العبد والمعبود، ونور يملأ الجوانح ويظهر على اللسان والجوارح، ولقد أنعم الله عز وجل على الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتتجلى معاني الإيمان والتقوى على المسلمين، ويحملون لواء الحمد والجهاد في سبيل الله، وتأتي هذه الآية لتؤكد قوة المسلمين وثبات مبادئ التوحيد وان الكافرين التجأوا إلى صيغة التدليس والمكر.
فكشفت هذه الآية الكريمة كذبهم وزيف إدعائهم، وفي هذا الكشف لطف من وجوه:
الأول: إعانة المسلمين على معرفة الناس، وحثهم على أخذ الحذر والحائطة من أهل الكفر والنفاق.
الثاني: بيان إعجاز القرآن بكشفه لأحوال الناس.
الثالث: بعث الخوف والفزع في قلوب الكفار والمنافقين.
الرابع: دعوة الناس للتدبر بالآيات، وإدراك الإنسان بأن القرآن يكشف سريرته ويفضح ما في نفسه مما يخالف ما يظهره حجة عليه ودعوة له للإيمان، خصوصاً وأن الكفر أمر عرضي، وليس من صلة وثيقة ودائمة بين الإنسان والكفر، فالناس على أقسام:
الأول: الذين يتنزهون عن التلبس بمفاهيم الكفر.
الثاني: الذين يوجد الكفر في نفوسهم على نحول متزلزل وغير مستقر .
الثالث: الذين يصرون على الكفر والضلالة .
فتأتي الآيات القرآنية لتثبيت ابتعاد أهل الإيمان عن الكفر، وطرد الكفر المتزلزل من نفوس الآخرين وتدعو الناس جميعاً الى التخلص من براثن الكفر.
وتزيد هذه الآية أهل الإيمان إيماناً، وتجعلهم يجتهدون في معرفة الناس، وهي إنذار ينفذ إلى قلوب الكفار ويملأ صدورهم بالحرج والأسف، ويدعوهم لمراجعة الذات، ومحاولة التخلص من الكفر والنفاق ولا أقل الإمتناع عن مخادعة المسلمين.
مفهوم الآية
في الآية تقســيم للناس بلحاظ الإيمان، فبإلاضافة الى هذا القسم الذي ذكرته الآية وهم الذين يدعون الإيمان بأفواههــم ويضمرون الكفر، فلابـد أن هناك قســـيماً آخر او أكثر، فهناك المتقــون الذين يطـــابق قولهم صدق ســرائرهم وثباتهم على الإيمان، وهناك الذي يجــهر بالكفر.
وتظهر الآية في مفهومها لزوم إقرار المسلمين باليوم الآخر وانه فرع التوحيد، وتؤكد على موضوعيته، لذا يعتبر المعاد أصلاً من أصول الدين.
وتحذر الآية المسلمين من صنف آخر غير الكافرين، وهم المنافقون والمخادعون، وفي الآية دعوة للمسلمين لأخذ الحائطة واليقظة والإلتفات الى الذي يخفي عداوته، والعمل بصيّغ جهادية مناسبة للإحتراز منه , وإقامة الحجة عليه.
وفي الآية مسائل:
الأولى: بيان لحال شطر من الناس من غير المسلمين.
الثانية: إطلاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على أحوال أهل الملل والنحل، بنزول هذه الآية , وهو بيان للإرتقاء في المعارف الإلهية، وإختيار السبل المناسبة للتعامل معهم.
الثالثة: جاءت الآية بلفظ (الناس) وهو لفظ واسم جنس استغراقي مطلق ومجمل من غير تعيين لملة القائلين، لتبقى قانوناَ ثابتاَ ، يكشف زيف إدعاء الإيمان كذباَ ، ويدل هذا العموم على عدم إنحصار القول بأهل ملة مخصوصة .
الرابعة: تبين الآية إعجاز القرآن بكشف حال الكفار والمنافقين وأهل الريب والشك، فتظهر للمؤمنين والناس ما في قلوبهم وما يخفون في صدورهم مما هو خلاف ما يدعون من الإيمان ظاهراً , وفيه دعوة للوقاية منهم , وتحذير الناس من إتباع نهجهم في العداوة للإسلام .
الخامسة: إلتفات الكفار إلى ضرورة الإيمان بالله واليوم الآخر، ولكن العناد والإستكبار والنفس الشهوية تغلب عليهم فيخسرون الدنيا والآخرة، ومن أسباب الخسارة أنهم لم يقابلوا نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق مع أنها من عند الله عز وجل.
إفاضات الآية
في الآية بيان لإتحاد ماهية الإيمان وضرورة الإقرار بالربوبية والكتب المنزلة والنبوة والمعاد، ولزوم الإتحاد بين ظاهر الإنسان وباطنه فما يعلنه من الإيمان هو ذاته الذي يسره في نفسه، وتنمي الآية ملكة الحذر والفطنة عند المسلمين لمعرفة معادن الناس والتمييز بين الناس على أساس صدق الإيمان.
لقد جعل الله عز وجل المسلمين قادة وأئمة للناس، وسادة يعلمون بأحوال عدوهم، وخفايا نفسه , وذكرت الآية التسليم باليوم الآخر وجعلته لاحقاً وتابعاً للإيمان بالله لبيان موضوعيته في الإيمان، وعظم الذنب الذين يرتكبه المنافقون بإدعاء الإيمان.
فمن كان يصدق بالبعث واليوم الآخر لابد أن يصلح سريرته ، لقوله تعالى [يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ] ( )،إذ يترشح الإيمان الإقرار بالعجز عن إخفاء ما في قلبه ثم ان الإيمان بالله واليوم الآخر لا ينحصر بالقول ، بل لابد من إبراز المصداق الخارجي له بالعبادة والتقوى والصلاح، لذا جاءت الآيات السابقة بمدح ووصف المتقين بقوله تعالى [وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] ( )، وفيه بيان لموضوعية الصلاة وغلبة أثرها المبارك على النفس الشهوية، وطردها لأفراد النفاق من النفوس.
الصلة بين أول وآخر الآية
لقد ذكرت الآية حال شطر من الناس يدّعون الإيمان، ويتظاهرون بالتصديق بيوم القيامة وما فيه من الحساب والجزاء، والقول حجة على صاحبه، ويعرف الناس من خلاله حقيقة الإنسان وميله وإعتقاده، ولكن خاتمة الآية بينت التناقض والتضاد عند هؤلاء إذ ان ما يكنون في نفوسهم مباين لما يعلنون من الإيمان، لتكون الآية ومصاديقها إعجازاً في التنزيل، وشاهداً على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وورد عن الإمام علي عليه السلام “المرء مخبوء تحت في لسانه”( ) فجاءت الآية لتخترق شغاف القلوب، وتخبر عن إضمار هؤلاء المخادعين الكفر والجحود، ويعلنون الإيمان لوجوه:
الأول: طلب السلامة والنجاة من القتل.
الثاني: محاولة التقرب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الثالث: السعي للحصول على المنافع والفوز بالغنائم.
الرابع: الحفاظ على الأموال الخاصة.
الخامس: المكر بالمسلمين عن قرب، بجعل المسلمين يطمئنون لهم، فيقوم الكفار ببث سمومهم.
السادس: إقامة الحجة على الكفار مطلقاَ , والمخادعين خاصة, ورؤيتهم الآيات، وعجزهم عن الرد والتكذيب العلني، فيظهرون الإيمان زوراً، قال تعالى [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ] ( ).
وجاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية، وتحتمل وجهين:
الأول: معرفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص بهؤلاء بفضل من عند الله.
الثاني: معرفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لهم، وإمتلاك القدرة على تمييزهم.
والصحيح هو الثاني، اذ جاءت هذه الآية والآيات التالية بكشفهم، قال تعالى [وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ] ومن الإعجاز في الآية انها لم تذكر إيمانهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولكنهم أعلنوا ايمانهم بالله واليوم الأخر، ومن يؤمن بالله، والحساب والجزاء الآخروي يجب ان يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه فرع الإيمان بالله، فالله عزوجل هو الذي بعثه نبياً ورسولاً وأمر بتصديقه واتباعه ونصرته، ويكون الحساب يوم القيامة على التصديق بنبوته، وجاءت خاتمة الآية بنفي الإيمان عن الكفار، لأن الإيمان لا يقبل التجزئة والتبعيض، ومن شرائطه التصديق بنبوة محمد، وبذا فان الآية رحمة بالمسلمين، وإعانة لهم لمعرفة المنافقين، وفيها منع من اللبس والترديد والوهم، وتنفي وجود برزخ بين الإيمان والكفر، فمن كان مؤمناً فلابد ان يصدق بالنبوة والتنزيل,قال تعالى (مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ( )
التفسير الذاتي
إبتدأت الآية بأمرين:
الأول: لغة التبعيض التي يدل عليها حرف الجر (من).
الثاني: إرادة عموم الناس، وفيه إشارة إلى خروج المسلمين من الذم الوارد في الآية إذ ترد الخطابات الخاصة بالمسلمين في القرآن بالنداء[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] والذي ورد في القرآن وورد لفظ (الَّذِينَ آمَنُوا)في القرآن أي أنه أعم من صيغة الخطاب , ومنه ما يتعلق بالمسلمين من الامم السابقة قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) ( ) ومنه ما جاء بخصوص الآخرة والجزاء والثواب العظيم على الإيمان وهو عام شامل للمسلمين والمؤمنين من الأمم السابقة , قال تعالى[وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ]( )أي أن الإيمان أمر حاصل عندهم على نحو القطع واليقين.
لذا ورد في أسباب النزول أن الآية وردت في جماعة من المنافقين وموضوعها أعم، ويبين ما كان يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الناس.
وفي الآية ترغيب وبعث المسلمين لدعوة الناس جميعاً للإسلام ، وعدم النكوص أو الفتور بالدعوة بسبب قول بعضهم ، كما تساهم الآية في فضح الكفار والمنافقين في الدنيا .
وتدعو الآية الناس جميعاً إلى دخول الإسلام، وحسن الإيمان وإجتناب النفاق والتضاد بين الظاهر والباطن .
ويحتمل إدعاء المخادعين الإيمان وجوهاً :
الأول: الإطلاق الزماني وإقامتهم على النفاق، فهم [يَقُولُونَ آمَنَّا]في كل الأوقات والأحوال .
الثاني: إنحصار قولهم آمنا بحضرة المؤمنين وعند لقائهم .
الثالث: يقولون آمنا إذا خلو فيما بينهم وفي منتدياتهم .
والصحيح هو الثاني لأن الآيات وردت بتقييد الإطلاق، قال تعالى[وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ] ( ).
وهل يمكن القول بالتعدد في مضامين الآيات ، وإن الآية أعلاه خاصة بالمنافقين بلحاظ أسباب النزول ، أما الآية محل البحث فتتعلق بفريق من الناس.
الجواب إن مضامين الآيتين واحدة وتخبر عن الكذب والزور في إدعاء الإيمان مع تعدد الأغراض والمقاصد الخبيثة ، وهذا لا يمنع من كثرة الصيغ والأسباب التي يدعي معها نفر من الناس الإيمان كذباً وزوراً .
ومنهم من يظهر الإيمان كذبا فإذا نزل به ضرر وأذى هجر منازل الإيمان أما إذا نصر الله المؤمنين وأظهرهم على عدوهم وأصابوا الغنائم, جاء لهم , وقال : إني كنت معكم ثابت على دينكم , كما مبين في قوله تعالى [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ] ( ).
ومن إعجاز الآية أنها ذكرت إظهار المنافقين الإيمان بالله التسليم باليوم الآخر، والمعاد يوم القيامة وهو أمر يترشح عنه طوعاَ وقهراَ أداء الفرائض وعمل الصالحات , وهجران النفاق والضلالة وفيه دليل على بلوغ دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس وتتضمن الدعوة العبودية لله عز وجل والإقرار بيوم القيامة ومواطن الحساب فيه.
ومن إعجاز الآية إختتامها بالإخبار عن كذب إدعاء المنافقين وتخلفهم عن عمد عن منازل الإيمان .
وجات خاتمة الآية بنفي إيمان هؤلاء المنافقين، وأخبرت عن كذبهم وزيف إدعائهم بقوله تعالى[وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ].
لقد تضمن القرآن البشارات والإنذارات , منها البشارة بالنعيم الدائم للمؤمنين، والإنذار من العذاب الأليم من نار جهنم.
وجاءت هذا الآية بوجه آخر من وجوه الإنذار وعلى نحو من مركب من وجوه:
الأول: إنذار المنافقين والكفار من إدعاء الإيمان كذباً وزوراً، وإخبارهم بأن الله يعلم ما تخفي صدورهم من الكفر والجحود.
الثاني: إنذار الناس جميعاً من النفاق وإدعاء الإيمان كذباً.
الثالث: إنذار المسلمين من المنافقين والكفار .
وتتضمن الآية حث المسلمين على عدم الركون للمنافقين، أو التصديق بما يدّعون، وتدعو إلى لزوم الحذر والحيطة منهم، لذا جاءت الآية التالية ببيان سوء مقاصد المنافقين من هذا الإدعاء بقوله تعالى[يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا] ( ).
من غايات الآية
تبين الآية علماً من علوم الغيب، وسراً من أسرار القرآن وهو فضح السرائر وكشف ما تخفي صدور المنافقين والكفار، ففي الوقت الذي تمدح فيه آيات القرآن المؤمنين لإخلاصهم في أداء الفرائض والعبادات , والإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجوانح والجوارح، جاءت هذه الآية لفضح الكفار بما يخزيهم في الدنيا والآخرة .
وتبين الآية حاجة الناس الى القرآن من وجوه:
الأول: إخبار المسلمين بحقيقة وهي ليس كل من يقول آمنت فهو مؤمن، مما يدل على لزوم البيان وإثبات صدق الإيمان الذي يتجلى بصدق السريرة وإخلاص العبادة لله عز وجل.
الثاني: إشعار الكفار والمنافقين بأن الله عز وجل عالم بكل شيء , ويعلم ما تخفيه صدورهم، وتؤكد هذه الآية صدق نزول القرآن من عند الله تعالى.
الثالث: بيان قبح النفاق الظاهر والخفي، وتحذير الناس منه والإخبار السماوي عن إضراره بصاحبه في الدنيا والآخرة.
الرابع: إدراك الكفار لموضوعية الإيمان باليوم الآخر.
الخامس: الكشف عن حقيقة وهي جهاد المسلمين في تثبيت معاني الآخرة في الوجود الذهني والواقع اليومي للناس بحيث ان المنافقين إضطروا للتظاهر بالإيمان به.

التفسير
قوله تعالى [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ]
الآية الكريمة إخبار عن حال المنافقين وما يعيشونه من إزدواج في الرأي والتناقض بين ما يقولون وحقيقتهم الذاتية، فهم يدعون الايمان ويزعمون أنهم من أهل التوحيد ويأتون بالشهادتين ولكن قلوبهم فارغة من الإيمان ، عازفة عن الهداية.
وفي الآية تحذير للمؤمنين وتنبيه لهم من الذين يظهرون الايمان بألسنتهم , ولكنهم في واقعهم وحقيقتهم بعيدون عن الإيمان .
والتنبيه في المقام ذو شعبتين:
الأولى : ألا يرجو المؤمنون من الذين يدعون الايمان كذباً عملاًً جهادياً أو إعانة في هذا الباب.
الثانية : أن يحذروهم ، ولا يصابوا بالخذلان عندما يصدر من المنافقين عمل عدواني أو تواطؤ مع عدو.
وقوله تعالى (من الناس) إظهار لمعنى وهو أن الآية لا تتعلق بالمؤمنين، وأن الذين يقولون مثل هذا القول لا يصدق عليهم إنهم مسلمون، وإن تلبسوا به في الظاهر.
لقد كانت دعــوة الإقـــرار بالتوحيــد والمعـــاد جزء من عقائد كل ملة سماويــة فجـــاءت هذه الآية حجة إبتدائية عليهم قبل إقامة الحجة مرة أخـرى بالدعوة للإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهـذه الآية تختلــف في الموضوع والدلالة عن قوله تعالى [ قالَتْ الأَعرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ]( ) التي جعلت الإيمان أعلى مرتبة من الإسلام.
والإسلام إقرار وتسليم وتلفظ بالشهادتين، فهذه الآية الكريمة تثبت كذب الكفار باللسان والقول يخبرون عما ليس في قلوبهم متعمدين الكذب و يقصدون به العدوان وتثبيط الهمم وبث اليأس في النفوس، لذا تصدى لهم القرآن وعلى هذا التقريب يبدو المقصود في الآية الكريمة من النفاق بالمعنى الأعم والشامل لمن يدعي التصديق بالنبوة كما تخبر عنه الآية التالية، فكأن تصدي القرآن لهم حاجة إيمانية وسلاح يفتقر له المؤمنون.
لقد علموا بأن من أوليات الإيمان وضرورياته الإقرار بالتوحيد واليوم الآخر وهو طريق حتمي للإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته، واذ لا يمكن التفكيـك بينهما فانهم أعلنوا كذباً الإقرار بالتوحيـد والمعاد وليس من مُقــر بالمعاد لا يؤمــن بما أنــزل الله عز وجل.
والتبعيض المبهم بالحرف (من) الذي يصلح للمفرد والمثنى والجمع، دلّ على مضمونه ذيل الآية بارادة المعنى منه وان المقصود منه الجمع مما يعني الإحتراز منهم والتدبر في أمرهم والإستعداد المناسـب لهم ومحاربتهم، فالآية تنفــي عنهم أدنى مراتب الإيمـان إذا أسقطنا إدعاءهم عن الإعتبار.

قوله تعالى [وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ]
هل الآية نفي للإيمان مطلقاً عن الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في واقعهم وسرائرهم على نحو الاطلاق الشمولي والبدلي والعموم المجموعي والإستغراقي والبدلي، وفضح سماوي لحقيقتهم وتعديهم.
فالمقام ليس من مراتب التستر، بل هو باب من أبواب الجهاد في مرحلة البناء العقائدي لصرح الإسلام وقد تضره الشكوك ونفاذ النفوس الشيطانية والميول لأغراض الدنيا، فجاء المدد والعون الإلهي بكشف أصحاب الكدورات الظلمانية المائلين عن طرق الهداية.
ومن الإعجاز وصدق سماوية الدعوة الإسلامية أنها لم تتعرض لأهل الكتاب والملل السماوية بسبب تستر وتخفي بعض المنافقين بمبادئ الشرائع السماوية وما يسببه هذا التخفي من الأذى والإرباك والخذلان، فجاءت هذه الآية للتخفيف عن المؤمنين، وللإنذار والوعيد والتقبيح للكافرين والمنافقين.
والتدبر في الآية يبين أن المقصود فيها ليس المنافقين بالمعنى الإصطلاحي المتعارف بل يصح ايضاً أن نطلق عليهم “المخادعين” كما هو ظاهر الآية التالية فيكون بينهم وبين المنافقين عموم وخصوص مطلق , فالمخادعون أعم , وقد يقال بينهم عموم وخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء وهي الخداع والكذب وإخفاء الكفر ,و مادة الإفتراق إدعاء المنافقين في الظاهر الإيمان ويأتون ببعض مصاديقه , أما المخادعون فإنهم يدعون الإيمان بما لا يتعدى اللسان , وسرعان ما يتكشف كذبهم ويظهر المنافقون تصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , أما المخادعون فإنهم قد لا يقولون بالإيمان بالله واليوم الآخر كما تذكره الآية التالية..

قوله تعالى[يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] الآية 9

القراءة والإعراب واللغة
قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو (وما يخادعون) بضم الياء وبالف مطابقة لقوله تعالى [يُخَادعُونَ] في الآية وإن جاء رسمه بلا ألف أيضاً، والباقون بفتح الياء بلا الف( ) في قوله (وما يخدعون).
ومن قرأها بالألف يعني أنهم يخفون ما يخطـر ببالهم ويضــمرون في نفوســـهم حقيقة الكفر زيفاً وتورية وكذباً ، فكأن الفعل يتم بين إثنين وبلغة المفاعلة.
يخادعون الله والذين آمنوا : يخادعون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، الواو: فاعل، اسم الجلالة: مفعول به، والذين: عطف على اسم الجلالة، آمنوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة لامحل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول.
وما: الواو حالية، ما: نافية، إلا: أداة حصر، أنفسهم: مفعول به، الهاء: ضمير في محل جر مضاف اليه.
(إلاّ) بالكسر والتشديد حرف إستثناء، قال الجوهري: (يستثنى بها على خمسة أوجه بعد الإيجاب، وبعد النفي والمفرغ والمقدم والمنقطع) وجاءت هنا بعد نفي فهو إيجاب ونفي للنفي.
وذكر ان معنى الخدع في لغة العرب الفساد، أنهم يفسدون ما يظهرون من الإيمان على ألسنتهم بما يخفون في قلوبهم من الكفر والجحود، ولكن الإفساد وجه من وجوه الخدع ويتفرع عنه، وقيل أصل الخدع الإخفاء والإبهام بخلاف الإظهار والحق، يقال خدعت الرجل أخدعه خدعاً بالكسر.
والأنفس: جمع نفس بمعنى الذات مأخوذة من نفاسة لأنها أثمن وأجل ما في الإنسان، وهو جمع قلة، مما يعني قلتهم وعدم تأثيرهم وإضرارهم بالمسلمين.
يشعرون: يعلمون ويحسون ويدركون، وفيه من معاني اللطف والإستعارة، ومأخوذ من الشعار وهو ثوب يلي الجسد، ومنه يسمى الشاعر شاعراً لفطنته وإحساسه بالمواضيع وإدراكه للأمور.
في سياق الآيات
تبين الآية سوء فعل وعاقبة الكذب والنفاق والزيف، وكيف انه يضر أصحابه ويرجع عليهم بالأذى والخسارة، فهذه الآيات تبين نصيب كل فريق، ووقفت عند المنافقين لفضح ماهية عملهم وما له من الأضرار مما يدل على خطورته ولزوم التنبيه القرآني عليه .
و الآية بيان لأحوال الذين ذكرتهم الآية السابقة، فقد يظن السامع انهم يدعون الإيمان مع عدم بلوغهم درجته إنما عن جهل وغفلة أو حسن نية منهم أو انهم يتفاءلون ببلوغ الإيمان، ومن غبطتهم به وسعيهم وشوقهم إليه [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ] فجاءت هذه الآية للإخبار عن إرادتهم الفساد وإخفاء الكفر، وأنهم أناس مخادعون أضمروا الكفر والجحود، وإدعوا الإيمان كذباً وزوراً بقصد الإساءة.
وجاءت الآيات التالية لتبين حسدهم وبغضهم للمسلمين وإصرارهم على الإفساد والإضرار بالحرث والنسل مع إدعاء الباطل ومحاولة إلباسه لباس الحق.
لقد بينت الآية السابقة ما جاء على لسان الكفار والمنافقين من القول، أما هذه الآية فأخبرت عما في نفوسهم من الحسد والبغض.
إعجاز الآية
في الآية تفصيل في جهات الصراع، وتفضل الله سبحانه ونصر المؤمنين في مواجهــة المنافقــين والمخادعــين قال تعالى(وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) ( ) .
لقد كشفت الآية عن خفايا نفوس المنافقين وما يضمرون من البغض والحسد ولابد لهذا الخداع من مقاصد خبيثة خفية وظاهرة، وفي الآيــة إخبار عن درجـــة من اليقظــة والبصـــيرة عند المســـلمين ينكشـــف معها الخداع.
وذكّرت الآية بمسألة الخداع، ولم تأتِ مادة “خدع” في القرآن الا خمس مرات تتعلق بالمنافقين ومحاولتهم خداع المؤمنين وفضح الله عز وجل لهم وإرجاع كيدهم وخداعهم الى أنفسهم ليكون عبئاً ووزراً ثقيلاً عليهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ]( ).
وهذه الآية لطف إلهي بالناس، أما بالنسبة للمسلمين فانها مدرسة عقائدية تحذرهم من المنافقين، وتبين المدد الإلهي في الوقاية منهم , ودفع كيدهم عن الإسلام وأجيال المسلمين، وأما المنافقون فالآية دعوة لإصلاحهم وزجرهم عن محاولات الكذب والغش والخداع، فمتى ما علموا ان الله عز وجل يعلم خفايا نفوسهم، وفضحهم في القرآن حتى أصبح المسلمون يعلمون بمكرهم وخداعهم فان شطراً منهم يتوبون إلى الله، ومن لم يتب منهم فانه يدرك أن ضرره وأصحابه على المسلمين أصبح ضئيلاً وقليلاً ، لفضح هذه الآية له، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
وتلك آية إعجازية بأن يكون نقص وقلة الضرر الآتي من الكفار والمنافقين بفضل ومدد من الله تعالى، ومنه هذه الآية التي تتضمن في المقام أموراً:
الأول: محاولة المنافقين خداع الله والمسلمين.
الثاني: فضح هذه المخادعة وإبطالها.
الثالث: رجوع كيد المنافقين إلى أنفسهم.
الرابع: لا يعلم المنافقون بهذا القانون الثابت وهو رجوع كيدهم وخداعهم الى أنفسهم وقد يقال إذا كان كيد وخداع المنافقين لأنفسهم فكيف يأتي الأذى منهم للمسلمين، والجواب من وجوه:
الأول: إن ضرر المنافقين أعم من الخداع.
الثاني: لا تدل الآية على رجوع خداع المنافقين الى أنفسهم في الحال، فقد يكون بعد حين، أو يكون فيه تفصيل فمنه في الحال ومنه بعد حين.
الثالث: الآية إنذار ووعيد من العذاب الأليم الذي ينتظر المنافقين يوم القيامة.
الرابع: ان محاولة خداع الإنسان لله لابد وأن ترجع الى نفسه , قال تعالى [وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ] , وإختتمت الآية بقوله تعالى [وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ] وفيه إعجاز من وجوه :
الأول : إخبار الآية عن أمر من علم الغيب يتعلق بالسرائر وما تخفيه الصدور مما يدل على صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل فلا أحد يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل .
الثاني : نقض ما يقوله المخادعون من دعوى الإيمان , وبيان الآية لقانون ثابت وهو أن المدار على الإقرار بالجنان , وليس على القول .
الثالث : تقسيم الناس إلى ثلاث إقسام :
الأول : من هو مؤمن بالله واليوم الآخر وهو صادق في قوله .
الثاني : الذي يقول أنه مؤمن وهو غير صادق .
الثالث : الكافر الذي يعلن الكفر .
وجاءت الآية لتحذير المسلمين من أرباب القسم الثاني أعلاه , وبيان جحودهم , وقبح فعلهم بأنهم لم يكتفوا بمخادعة المسلمين بل يخادعون الله عز وجل الذي[ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ).
ويمكن تسمية الآية بآية (وما يخدعون ) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية .
الآية سلاح
الآية بشارة وسكينة وإخبار عن عدم إضرار المنافقين بالدين وبالمؤمنين، وهي علاج وتأديب وتنقيح للأخلاق ونبذ ذميم الأفعال ، وفيها تحذير من أهل المكر والخداع .
ويحتمل خداع المنافقين ونحوهم أمرين:
الأول: إنحصاره بإدعائهم الإيمان كذباً وزوراً.
الثاني: المعنى الأعم من هذا القول.
ٍوالصحيح هو الثاني، إذ ان المخادعة منهج وسنة يتبعها المنافقون والمخادعون فجاءت هذه الآية لإنذارهم من سوء فعلهم مطلقاً، وعدم إنحصاره بإدعاء الإيمان كذباً وزوراُ فقط، لتكون هذه الآية سلاحاً وقائياً دائماً من المنافقين وخداعهم، خصوصاً وان بعض الخداع يتم خلسة وخفية، فتكون هذه الآية إنذاراً للمنافقين والكفار في منتدياتهم، تتضمن إخبارهم عن حتمية فضح كيدهم ومكرهم، وتدعوهم لنبذ الفساد والإفساد.
الآية لطف
من اللطف الإلهي كشف القرآن لما تخفيه نفوس الكفار مع مجيئه بالستر عن الناس في باب الفقه الجنائي وأدلة الجناية كما في أدلة ثبوت الزنا ولزوم شهادة أربعة عدول برؤية حصول التلبس بالزنا فعلاً ومع نقص العدد يجلد الذين شهدوا.
وكشف خفايا النفوس لطف إلهي بالناس جميعاً مع إنحصاره بشطر من الكفار، فمنهم من يتجاهر بالكفر ويكون معروفاً عند المسلمين بكفره، فيحذرون منه ويعرضون عنه، وقسم منهم يخفي كفره ويعلن كذباً إيمانه فجاء القرآن مدداً وعوناً للمسلمين في كشفهم، والإخبار عنهم وبيان سوء فعلهم وخبث سريرتهم.
ومن اللطف الإلهي ما تبعثه هذه الآية من السكينة في قلوب المسلمين من وجهين:
الأول: الوقاية والسلامة من خداع هؤلاء الكفار.
الثاني: الرضا والغبطة برجوع كيد وخداع الكفار الى أنفسهم، وتتضمن هذه الآية الإنذار الى الكفار وتحذرهم من كذب الإدعاء، وان لم يعتبروا بهذا الإنذار كما جاء في الآيات السابقة فان المسلمين يتعظون منه ويتخذونه سلاحاً في الحجة والإحتجاج ودعوة للناس للتخلص من الكفر ومن الصدود عن الآيات والمعجزات، فذم الكفار لا يمنع من إنتقال العبد من الكفر الى منازل الإيمان.
ولم تذكر الآية مخادعة المنافقين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم تقل “الذين يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا” بل ذكرت مخادعتهم لله والمؤمنين , وفيه وجوه:
الأول : عجز الكفار والمنافقين عن مخادعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : المراد من مخادعة الكفار للمؤمنين المعنى الأعم، فيشمل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لأنه إمام المتقين وسيد المرسلين.
الثالث : جاءت الآية لبيان حال المنافقين بعد فترة النبوة، وما يلاقيه المسلمون منهم من أسباب الخدع والمكر.
الرابع : مجيء آيات أخرى بالإخبار عن محاولة المنافقين خداع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، قال تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ]( )، ومع هذا فان عدم ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية له دلالات عقائدية تؤكد عصمة ووقاية الله تعالى له من خداع المنافقين، ويأس الكفار والمنافقين من ثنيه عن الدعوة وتبليغ الرسالة .
مفهوم الآية
تدعو الآية الى الأخلاق الحميدة وتنهى عن الفساد وسوء السرائر، وللإعجاز القرآني بفضح المنافقين وقراءة ما يضمرون في قلوبهم من العداوة لأهل الايمان مفاهيم متعددة تشمل ميادين القتال، والواقع اليومي العقائدي، ولزوم إحتراز المسلمين منهم.
وفي الآية مسائل:
الأولى: تجرأ الكفار والمنافقين بإخفاء الكفر وإظهار الإيمان زوراً وكذباً.
الثانية: بيان قبح الكفر وسوء صنيع الكفار.
الثالثة: إكرام المسلمين بإخبارهم بسوء سريرة الكفار وما يقصدون من المخادعة.
الرابعة: إضرار الكفار بأنفسهم، اذ جاءت هذه الآية لتفضح مخادعتهم، وتمنع من ترتب الأثر الضار عليها.
الخامسة: رمي الكفار والمنافقين بالجهل والسفاهة، لأنهم يسعون في الإضرار بأنفسهم وفي باب الفقه قاعدة كلية هي لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وهي مستقرأة من حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
إفاضات الآية
تبين الآية الأضرار الذاتية المترتبة على الكفر والجحود، الذي يؤدي الى وجود غشاوة ظلمانية على الأبصار، فتجعل الإنسان يميل الى الحيلة والخداع، ولكنه يصبح مفضوحاً.
وفي الآية إخبار عن واقية سماوية للمؤمنين وعدم الإضرار بهم بسبب النفاق والخداع، ودلالة على بلوغ الإسلام لمراتب من التكامل العقائدي وتسلح المسلمين بالوعي والهدى .
والآية عون للمسلمين، ووسيلة لإرتقائهم في سلم المعارف الإلهية، وإرشاد لهم في المعاملة مع الناس ودعوتهم للإسلام، ودفع أذاهم.
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت هذه الآية ببيان علة إدعائهم الإيمان بانهم كانوا مخادعين، يجتهدون في اللبس على المسلمين وإيهامهم، والإخبار عن سوء نية المنافقين وسيلة لفضحهم وكشفهم، وفيه ذم لهم وتقبيح لفعلهم.
وتبين الآية حال الإستكبار والعناد عندهم، فلم تنحصر مخادعتهم بالمسلمين بل انهم يريدون مخادعة الله تعالى، وهو القوي العزيز الذي [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( )، ان مخادعتهم لله تعالى باب لنزول البلاء والعقاب بهم، وجاءت الآية بثلاثة مسائل :
الأولى: مخادعة المنافقين لله تعالى والمسلمين.
الثانية: حصر خداعهم بانفسهم.
الثالثة: عدم شعورهم بخداعهم لأنفسهم، وقيل المراد بمخادعتهم لله، هي مخادعتهم للرسول لأن طاعته طاعة لله تعالى، ولكن الكلام العربي يحمل على ظاهره الا مع القرينة الصارفة الى غيره.
لقد أمرهم الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وغفلوا عن حقيقة علمه تعالى بما يبطنون من الكفر للختم والطبع على قلوبهم.
ومن الإعجاز في الآية انها لم تقل (يخدعون الله) لأن الله تعالى لا يمكن خداعه وبذا فان الآية مدح للمسلمين، ولبيان ما عندهم من العلوم والمعارف التي تؤهلهم لكشف زيف الإدعاء الباطل، وتحصنهم من مخادعة المنافقين لهم، فاذا جاءوا الى المسلمين وقالوا آمنا ونحن معكم، فان المسلمين لايغترون بهم، ولا يركنون الى قولهم للحصانة والنباهة التي أكدت إتصاف المسلمين بها, وهو من عمومات قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)( ) , وعدم الركون للظالمين والمخادعين دعوة لهم للتوبة , ودفع لهم عن منازل الخداع والمكر والكيد .
وجاءت خاتمة الآية بالإخبار عن انحصار حصول الخداع بالمنافقين أنفسهم، ومن اعجاز الآية التباين في معنى “يخادعون” و”يخدعون” فالكفار والمنافقون يحاولون المخادعة، ولكن تنجز الخداع لم يقع إلا على أنفسهم ، وفيه تنزيه للمسلمين، فانهم لا يخادعون، ولايسعون لجذب الناس للإسلام بصيغ المخادعة والمكر والدهاء، بل يدعون الناس الى الإسلام بالحجة والبرهان، مما يدل على قبح الخداع والمكر.
ان إنحصار الخداع بذات المنافقين أنفسهم دلالة على سفاهة عقولهم، وتفويت المصلحة عليهم، وتضييعهم للمنافع، ومن الآيات انهم لا يشعرون بانحصار الضرر بهم بالذات، فتبدأ الآية بالإخبار عن سعي ومكر المنافقين والضلاًل لمحاولة إغواء المسلمين وإثارة روح الشك والريب عندهم، ولكن النتيجة هي كثرة آثامهم، وتعريض أنفسهم للبطش الإلهي.
التفسير الذاتي
لقد جاءت الآية السابقة بنفي ما يدعيه المنافقون من الإيمان، فهم يتظاهرون بتصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته، وجاءت الآية السابقة للإخبار عن كذبهم فيما يدعون بقوله تعالى [وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ] ( )
وجاءت هذه الآية لبيان المقاصد الخبيثة في إدعاء الإيمان وأنه لغرض خداع المؤمنين، وإيذائهم، وقد جاء لفظ (يخادعون) في القرآن مرتين، إذ ورد في ذم المنافقين قال تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ]( ).
ولكن لايعني بالضرورة أن الآية محل البحث خاصة بالمنافقين،وأن كل الذين يقولون آمنا كذباَ من المنافقين إلا على إرادة المعنى الأعم للنفاق وإنه إظهار الإنسان الإيمان وهو يخفي الكفر والضلالة، لأن المنافقين طائفة، أظهروا الإسلام ونطقوا بالشهادتين ولكن قلوبهم لم تتنزه من الكفر والضلالة.
ومنهم الذين خرجوا مع المسلمين إلى أحد، وإنخزلوا وسط الطريق، وكان عددهم ثلاثمائة وإئتمروا بقول رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول، وإنخزالهم هذا من مصاديق هذه الآية وما فيها من الإخبار عن مخادعتهم الله ورسوله والمؤمنين.
ومضامين الآية تشملهم، وتشمل غيرهم من الكفار الذين يدّعون الإيمان بحضرة المسلمين، من أجل الخداع والمكر.
فجاءت الآية نصرة للمسلمين، وفضحاً لعدوهم الخفي الذي لا يعرفونه من ظاهره بسبب إدّعائه الإيمان، وفي الآية لطف بالناس جميعاً، ودعوة لهم للإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيها من الآيات والبراهين الدالة على صدق نبوته ومنها هذه الآية، وبعد أن أخبرت الآية عن تلبسهم بالمكر والخداع.
وجاءت خاتمة الآية بأمرين:
الأول: إن المنافقين والكفار لا يضرون بهذا الخداع إلا أنفسهم، ويسبب بعضهم بإفساد بعضهم الآخر.
الثاني: لا يشعر المنافقون بما يجلبونه على أنفسهم من الضرر والفساد.
وما ينتظرهم من العذاب الأليم يوم القيامة، بسبب هذا الخداع، وإدعائهم الإيمان زوراً وقد ورد في ذم المنافقين قوله تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ] ( ).

من غايات الآية
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين العزة في الدنيا والآخرة ، قال سبحانه [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ) ، ومن وجوه العزة الإخبار عن سوء حال عدوهم في الدنيا والآخرة، وإرجاع كيده الى نحره، وتبين الآية قبح فعل الكفار المنافقين بإتخاذهم الخداع والحيلة والمكر وسيلة للبقاء على الكفر والجحود ومحاولة بعث اليأس وأسباب الشك في قلوب المسلمين، فجاءت هذه الآية بشارة سماوية بدرء ضررهم، ودفع أذاهم، وإرجاع كيدهم إلى نحورهم.
وفي الآية دعوة للناس جميعاً لدخول الإسلام ونبذ النفاق والكفر .
إن الله عز وجل يعلم بما يقوم به نفر من الكفار والمنافقين ومقاصدهم ونواياهم الشريرة، فقد يأتي الفعل ويحتمل وجوهاً في القصد والغرض بلحاظ النية وعواقب الأمور مما يمنع من الكشف وإستبانة الأمور للناس إلا بعد حين.
فجاءت هذه الآية لإستباق المنافقين فيما يفعلون ويعزمون عليه من المكر والكيد، وتصاحب هذه الآية إدعاءهم الإيمان قبل نزولها وبعده لإطلاق أحكامها، وهي سلاح بيد المسلمين يذكرهم بحقيقة نوايا المنافقين، ويمنع من الإغترار بهم وبقولهم وما فيه من الأضرار اللاحقة.
ومن غايات الآية انها دعوة للناس جميعاً للحذر من المنافقين وعدم إتباعهم في خداعهم، ولزوم الفصل والتمييز بين المؤمنين وبين الذين يدعون الإيمان كذباً، وهي مناسبة للتوبة وإصلاح الذات فقد لا يشعر المنافق بقبح فعله، وما يترتب عليه من الأضرار التي تلحق به في الدنيا والآخرة، فجاءت هذه الآية لكشف هذه الحقيقة وبيان قانون ثابت وهو ان خداع أهل الضلالة والنفاق لا يضر إلا أنفسهم،وفي التنزيل [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ولا يجني الذي يحارب الله ورسوله والمؤمنين الإ الخسارة وسوء العاقبة، وجاءت هذه الآية توبيخاً وتذكيراً بهذه العاقبة لينتفع منها شطر من الناس بالإقلاع عن النفاق والأخلاق المذمومة، وإجتناب أهل النفاق وبغضهم والنفرة من فعلهم، فلذا ترى المنافق يبقى على عناده وخداعه، وتأتي أفواج من الناس لتدخل الإسلام فتنتقل من منازل الكفر والمعصية الى الإيمان مباشرة ومن غير وسائط، ليتلوا هذه الآية وتتخذها حرزاً من المنافقين والذين أصروا على التخلف في الضلالة.
التفسير
بعد ان تناولت الآية السابقة حال المنافقين وأهل الضلالة وما يعيشونه من تناقض بين القول والإعتقاد، جاءت هذه الآية الكريمة لبيان الأثر المترتب على فعلهم هذا فهم يصبون الى النجاة بأساليب الخديعة والمكر ويسعون لحقن دمائهم وحفظ أموالهم بما يظهرون بألسنتهم من وجوه الإيمان، ولا يترددون في القبول الظاهري لدعوة الحق ليكرموا إكرام وإجلال أهل التوحيد، ويأتون ببعض أفعال الموحدين ليأنس بهم المؤمنون ويركنوا اليهم بأسرارهم فيذيعونها وينقلونها الى اعداء الدين والمتربصين بالمجاهدين قال تعالى[َاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً]( ).
وقد يظن المنافقون ان الله عز وجل يتقبل منهم قولهم الخالي من سمات الصدق وغير المقترن بالإعتقاد القلبي الجازم، ويحاولون إيهام المؤمنين بأنهم معهم او قريبون منهم في الإعتقاد، ويحسبون أن إعلانهم الإيمان بالقول فقط كاف لنجاتهم وإختلاطهم بالمؤمنين، ولكن أولئك المنافقين لن يضروا إلا أنفسهم فان الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، كما جعل الله المؤمنين بالقرآن والنبوة على بصيرة من أمرهم.
وفي الآية إعجاز بالإخبار عن كشف المؤمنين لهؤلاء المنافقين وعدم إغترارهم بهم، فحصر الخداع بانفسهم يعني عدم إنخداع المؤمنين بهم، والسيرة شاهدة على ذلك، فان الكتائب الإسلامية المتواصلة والجهاد اليومي الدؤوب ووجوه العبادة أظهرت حقائق الإيمان ودرجاته عند المسلمين، وكان بعض الصحابة يعرف المنافقين كما في حذيفة بن اليمان( ) الذي كان يسأله عمر بن الخطاب عن المنافقين وينظر عند موت من مات منهم هل يشهد جنازته حذيفة( ) والمخادعة فعل مذموم نوع مفاعلة بين طرفين مخادع بكسر الدال ـ ومخادَع ـ, وهو أدنى مرتبة من الخداع الذي يكون بين خادع ومخدوع , إذ يتحصل الخداع خارجاً. أما المخادعة فتأتي من طرف المخادع وقد تكنشف وتستبين للطرف الآخر والنسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق , فكل خداع هو مخادعة وليس العكس , قال الفرزدق
إستمطروا من قريش كل منخدع إن الكريمَ إذا خادعته انخدعا
وعن الإمام جعفر الصادق ”سئل فيما النجاة غداً؟ فقال انما النجاة في ان لا تخادعوا الله فيخدعكم فانه من يخادع الله يخدعه ويخلع منه الإيمان ونفسه يخدع ولا يشعر، فقيل له كيف يخدع الله؟ فقال يعمل بما أمر الله عز وجل ثم يريد به غيره فاتقـوا الله واجتـنبوا الرياء فانه شرك بالله عز وجل ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر يا فاجر، يا غادر، يا خاسر حبط عملك وبطل أجرك ولا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له” ( )
وكما تذم الآية مساوئ الإخلاق فانها دعوة لنبذها وتنقيح للسيرة والسلوك فمتى ما عرف الإنسان أن فعله القبيح أصبح مفضوحاً وليس من سبيل الى ستره فانه يعمد في الغالب الى التخلص منه لانه يعيش في صراع بينه وبين نفسه ، وحرصه على شأنه وسمعته وما يشتهر به، ومن يصر على ما هو عليه أيضاً يكون على مراتب متفاوتة فمنهم من ينحسر تعديه الى أدنى حال وان كان الغرض الأول من الآية ليس إصلاح نفوسهم بل تحذير المسلمين منهم وأخذ الحائطة لدينهم، وهو لا يمنع من الغايات الأخرى، والمنافع المتعددة والمتشعبة للآية القرآنية، وهو من أسرار القرآن وإعجازه.
وجاءت الآية بصيغة المضارع (يخادعون) وفيه إعجاز إضافي بإستدامة وإستمرار المخادعة ، وهو في مفهومه تنبيه وتحذير للمسلمين، ولم تذكر الآية مخادعة الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذات أي ان الآية لم تقل يخادعون الله والنبي والذين آمنوا، وفيه وجوه:
الأول : ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إمام المؤمنين ويمتاز بشرف النبوة وعلو المرتبة فيدخل مع عموم لفظ الذين أمنوا.
الثاني : انهم لم يخدعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يعرفهم ويفضحهم وان الله عز وجل يحفظه ويصونه من خداعهم قال تعالى [أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ] ( ).
ولكن الآية تذكر انهم يخادعون الله، فمن باب الأولوية انهم يخادعون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : إضافة طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الذات المقدسة كما في قوله تعالى [أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ] ( ).
الرابع : ان الله ذكر نفسه ويريد رسوله الكريم.
والصحيح هو الأول والثالث، ومحاولة المنافقين الخداع عامة الا ان عدم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المقام له دلالات عقائدية منها:
الأول : عدم وجود سلطان للمنافقين على الوحي.
الثاني : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يميل الى أقوال المنافقين.
الثالث : لقد يأس المنافقون من الخداع والكذب مع الله ورسوله، اذ انهم يعلمون ان الله عز وجل يعلم ما يضمرون في نفوسهم.
الرابع : الآية شاهد على العصمة من الغير للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان يجعله الله عزوجل في مأمن من خداع الكفار, قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ]( ).

قوله تعالى [وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ]
الأنفس جمع قلة لنفس كقولهم عندي ثلاثة أنفس ليعبر بالنفس عن الإنسان جميعه، وذكر جمع قلة عنوان لضعفهم وعدم صدور الضرر الجسيم منهم.
والنفس لها عدة معان منها ذات الشيء، ومنها الجوهر المتعلق بالأجسام تعلق التدبير والتصرف، وهو الشيء الذي يشير اليه كل انسان بقوله انا وهو الباقي بعد الموت فلا غرابة ان تكون مخادعتهم لأنفسهم في حياتهم الدنيا وبعد الممات لما يلاقونه من الخسران المبين، والمخادعة مع الله ممتنعة.
والأصل حمل الكلام على الحقيقة الا مع القرينة الصارفة، والظاهر ان المراد من مخادعة المؤمنين في المقام هو المعنى المجازي، وسوء ظنهم، والمخادعة هنا ليست نوع مفاعلة بل هي فعل من طرف واحد ومحاولة قاصرة مردودة لأن الله عز وجل يكشف سرائرهم وما تخفيه نفوسهم، وهي تخبر بان مخادعة الغير لم تحصل واقعاً ولم تبلغ الطرف الآخر بل ظلت فيهم وعندهم، ولم تقل الآية انهم خدعوا المؤمنين بل يبقى مكرهم في طور الإنشاء والمحاولة.
بحث بلاغي
من أساليب البلاغة (القلب) وقد أنكر جماعة وجوده في القرآن تقديساً إكراماً له، ولأن القلب يصدر من العرب للعبث او التهكم او الإضطرار والله عز وجل منزه عن القبيح، ولكن إستعمال القلب أعم وقد يكون من الفصاحة والبلاغة ويدل على بعد المراد، اما في القرآن فبحسب المصاديق التي يدعون فيها القلب، وهو على انواع منها قلب الإسناد أي ان يظهر في الكلام الإسناد الى شيء والمراد غيره وأستدل عليه بآيات منها هذه الآية وان الأصل وما تخدعهم الا أنفسهم، لأن الأنفس هي المخادعِة.
ولكن حمل الكلام على الوجه الواقع والظاهر في القرآن هو الأنسب لما فيه من الحجة عليهم وانهم بارادتهم سعوا في مخادعة أنفسهم، وان فعل الإنسان اعم من ان يكون راجعاً الى النفس وحدها فقد رزقه الله العقل وجعله عنده رســـولاً باطنــاً ولكنه وظفه للشــر وللإنقلاب على النفس في محاولة لمخادعتهــا للتخلص من ممانعتها وبقائــها منقــادة للنفس اللوامة وهي القوة المتوسطة التي تميل تـــارة وتنجـــذب الى المطمئنة وتلوم الذات والنفس، وفي صيغة جمع القلة في أنفسهم إخبار سماوي عن قلة عددهم وتناقصهم وعدم ترتب الضرر النوعي منهم ازاء الإسلام والمسلمين.

قوله تعالى [وَمَا يَشْعُرُونَ]
ما يقدمون عليه من الإضرار بأنفسهم وخسارتهم للدارين فان الإسلام يقوى وينتشر وتترسخ مبادئه وينكشف حال المنافقين ليلحقهم الخزي والهوان ويبوؤا بالعذاب الأليم يوم القيامة.
والشعور بدايات العلم بالمدرك ، وأول مراتب وصول النفس الى المعنى فهم لا يشعرون بإنقلاب أضرار المخادعة عليهم قبل نزول هذه الآية فجاءت للإخبار عنه وكشف حقيقته، ولكن بعد نزول الآية هل ظلوا على ما هم عليه من عدم الشعور بالإضرار بالنفس؟ الجواب: ان أثر الآية من الأمور الكلية المشككة أي التي تتفاوت أفرادها، وهم على مراتب في تلقي الإنذار والتوبيخ:
الأول : من إستمع للآية وإعتبر وإتعظ، وكف عن الخداع وهو فزع خائف.
الثاني : الذين التفتوا لوجوه الإعجاز في هذه الآية وسبرها لأغوار أنفسهم، فكانت الآية مناسبة لإسلامهم بما أقامته من الحجة عليهم.
الثالث : جماعة أصروا على المغالطة والوهم لتبقى هذه الآية تلاحقهم وتضّيق عليهم طريق الخديعة ، وتمنع من إضرارهم بالإسلام.

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 69 لسنة 1999

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn