معالم الايمان في تفسير القرآن – سورة البقرة – ج 41

الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض ، وهو على كل شئ قدير ، الذي تفضل على الإنسان وجعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لتبقى هذه الخلافة نعمة عظمى ذات مصاديق لا متناهية كماً وكيفاً لقوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ) وتفضل الله عز وجل وجعل الحياة الدنيا الوعاء الزماني والمكاني لجني الحسنات بإتيان الفرائض العبادية وعمل الصالحات ، والتنزه عن فعل السيئات ، بلحاظ قانون الإمتناع عن المعصية أمر وجودي .
الحمد لله الذي لا إله غيره في السموات والأرض ، ولا يعجزه فرد أو جماعة أو أمة من الإنس أو الجن ، وهو سبحانه [غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] ( ).
اللهم لك الحمد في السراء والضراء ، والرخاء والشدة ، والعافية والمرض ، ونتوسل ونتضرع إليك بصرف الشرور والأذى عنا .
الحمد لله الذي جعل لكل شئ قدرا ، ولكل قدر أجلاً ، ولكل أجل كتاباً .
وهو سبحانه [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ] ( )منا بما فيه التخفيف والنفع للناس جميعاً .
اللهم لك الحمد أن جعلت الدنيا دار الشكر والثناء عليك ، فاهدنا للإقامة في منازل الشكر والحمد ، وفي التنزيل [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ] ( ).
وهذا الجزء هو الواحد والأربعون من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) وفيه تفسير للآيات (228-235) ويتضمن بعض آيات الطلاق وما فيها من النفحات القدسية بلحاظ ان أحكامه مدرسة لا تستطيع العقول والقوانين الوضعية ان تدرك مداها وأبعادها وصياغة شطر من التشريع المتعلق بها.
لبيان مصداق من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )وهو قانون تنظيم القرآن لشطر من الأسرة بما ينفع في إصلاح الأجيال ، وتثبيت السلم المجتمعي ، وعناية المسلمين بأداء الفرائض والعبادات بسكينة وإنتفاء للخصومة والخلاف داخل الأسرة ، قال تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
وأكتب هذه الأيام من شهر صفر الخير سنة 1444 بالجزء الأربعين بعد المائتين من التفسير ، ومع سبق تأليفي للجزء الذي يتضمن تفسير هذه الآيات قبل واحدة وعشرين سنة ، فقد رجعت إليه والأجزاء الأخرى أكثر من مرة إضافة وتنقيحاً ، مع شطر الأجزاء ، فالجزء الذي كان السادس عشر أصبح الجزء الأربعين بلطف وفيض من الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا]( ).

قوله تعالى[وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ

يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ
إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ] الآية 228

الإعراب واللغة
والمطلقات: الواو استئنافية، المطلقات: مبتدأ.
يتربصن: فعل مضارع مبني على السكون لإتصاله بنون النسوة والنون فاعل، وجملة يتربصن خبر المطلقات.
ثلاثة: مفعول به وقيل منصوب للظرفية الزمانية والأول ارجح، وهو مضاف، قروء: مضاف اليه.
الضمير (النون) في يتربصن هو الفاعل وورد بصيغة الجمع وهو الغالب في جمع العاقلات، كما جاء بصيغة الافراد في قوله تعالى [ أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ] ( ).
ولا يحل: الواو عاطفة، لا: نافية، يحل: فعل مضارع.
ان يكتمن: ان: حرف مصدري ويدخل على الفعل الماضي والمضارع والأمر وتؤول وما بعدها بالمصدر وهو فاعل يحل، والتقدير لا يحل لهن كتمان.
ما: اسم موصول في محل نصب مفعول به.
ان كن: ان: شرطية، كن: فعل ماض ناقص، في محل جزم فعل الشرط.
ونون النسوة في محل رفع اسم كان، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
مثل الذي: مثل: مبتدأ مؤخر الذي: اسم موصول مضاف اليه.
التربص: الإنتظار والمكث.
قوله تعالى(والمطلقات يتربصن) قيل لفظه خبر، ومعناه الأمر، أي ليتربصن وقيل هو على بابه والمعنى: وحكم المطلقات أن يتربصن(ثلاثة قروء) وإنتصاب ثلاثة هنا على الظرف، وكذلك كل عدد أضيف إلى زمان أو مكان.
و(قروء) جمع كثرة، والموضع موضع قلة، فكان الوجه ثلاثة أقراء( )، وإختلف في تأويله فقيل: وضع جمع الكثرة في موضع جمع القلة.
وقيل لما جمع في المطلقات أتى بلفظ جمع الكثرة، لأن كل مطلقة تتربص ثلاثة، وقيل التقدير: ثلاثة أقراء من قروء واحد القروء قرء، وقرئ بالفتح والضم.

بحث لغوي
القروء: جمع قرء – بضم القاف- وفيه خمسة وجوه محتملة :
الأول : انه ايام الطهر.
الثاني : ايام الحيض.
الثالث : يصلح للحيض والطهر أي انه من الإضداد.
الرابع : يطلق على الطهر على نحو الحقيقة وعلى الحيض مجازاً.
الخامس : العكس، بان يطلق على الحيض حقيقة وعلى الطهر مجازاً.
ويجمع على فعول كحرب وحروب، وضرب وضروب، والقرء – بالضم- الحيض، ويجيء على اقراء كقفل واقفال، والظاهر انه تفصيل تبرعي ليس له دليل، والأقوى انه واحد سواء جاء بقراءة واحدة او قراءتين وارادة احدهما او كليهما بالإشتراك اللفظي او المعنوي، والأقوى انه من الشبهة المفهومية وهي الناتجة عن اجمال مفهوم ومعنى الموضوع اذ ان القرء يحتمل معنيين متباينين، وللخلاف اثر بمتعلق الحكم الشرعي.
واختلف في المراد من القرء هل هو الطهر الواقع بين حيضتين ام انه الحيض واكثر فقهاء الإسلام على الأول، وهو المروي عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك وربيعة واحمد، وهو مذهب الشافعي، وهو المخـتار، وعـن الإمام الباقر عليه السلام: “القرء ما بين الحيضتين”، ومثلها صحيحة محمد بن مسلم.
وفي صحيحة زرارة: “قلت للإمام الصادق عليه السلام سمعت ربيعة الرأي يقول: من رأيي ان الإقراء التي سمى الله عز وجل في القرآن انما هي الطهر فيما بين الحيضتين، فقال عليه السلام: لم يقل برأيه، ولكنه انما بلغه عن علي عليه السلام فقلت: أكان علي عليه السلام يقول ذلك؟ فقال: نعم، انما القرء الطهر، الذي يقرأ فيه الدم فيجمعه فاذا جاء المحيض دفعه”.
ووردت نصوص عن تفيد ان القرء هو الحيض، والقول بان القرء هو الحيض نسب الى عمر بن الخطاب و عبد الله بن مسعود، وبه قال الإمام ابو حنيفة والثوري والأوزاعي ونسب هذا القول الى الإمام علي .
وفي الحديث المشهور: “دعي الصلاة ايام اقرائك”، وقيل ان الأصل ثلاثة من القروء، والأصل الوقت.
وهل يصح الطلاق ثلاث مرات في طهر واحد بان يطلق ويراجع ثم يطلق ويراجع، ثم يطلق بحيث لم يواقع الزوجة اثناء هذا الطهر، وقع الخلاف فيه ونسب الى المشهور صحة الطلاق فيه، وهذا لا يختلف عن الطلاق ولاء من حيث الوقف بدقائق قليلة بالإمكان تحصيله.
والقائل بالجــواز اســتدل باطلاق قوله تعالى [ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ].
والمطلقات جمع مطلقة اسم مفعول وهي الزوجة التي وقع عليها الطلاق، واجرى زوجها صيغته وأصبحت منفصلة عنه على نحو متزلزل غير تام، فلا يحصل تمام الإنفصال الا عند تمام العدة وهي ثلاثة قروء اذا لم يرجع فيها الزوج اثناء تلك المدة.
وكتم الأمر يكتمه: ستره واخفاه وتجنب اعلانه واظهاره، والأرحام: جمع رحم وهو العضو الأنثوي الذي يستقبل ماء الرجل ويكون وعاء للحمل، وتأتي الأرحام بمعنى القربات كما في قوله تعالى [ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ]( ).
والبعول: الأزواج جمع بعل، وهو الزوج، وفي الحديث: “جهاد المرأة حسن التبعل”، والبعال: الجماع، وملاعبة الرجل امرأته.
في سياق الآيات
بعد ذكر الإيلاء واحكامه والطلاق التوليدي المتعقب له بصيغة مستقلة تأتي هذه الآية لبيان الوقت الشرعي الذي يجب على المطلقة ان لا تتزوج من الغير اثناءه ولزوم الأخبار عن الحمل في حال وجوده لتفرع احكام شرعية عديدة عليه، انه التناسق والتداخل بين مواضيع الآيات وكأنها آية واحدة مع كثرة موضوعاتها.
إعجاز الآية
تتضمن الآية احكاماً متعددة تتعلق بمواضيع مختلفة تبين دقة الحكم الشرعي في الإسلام وكيف ان بيان احكام الطلاق لا يحول دون الترغيب برجوع الزوج بزوجته المطلقة، ووصف الرجوع بالإصلاح حث للمؤمنين واهل المروءات على التدخل ايام العدة.
ان العدة واحكامها والحاق المطلقة الرجعية بالزوجة في الجملة يدل على الإعجاز في اصل التشريع السماوي، وتهيئة اسباب التدارك ضمن مدة معلومة وليست بالقليلة للتدبر والتفكر وتقليب الأمور، فصحيح ان العدة لإستبانة امر الرحم والتأكد من الحمل او عدمه الا ان تشريعها اعم، وهو حكم تعبدي له غايات سامية عديدة والا فان موضوع الرحم في الغالب يستبين في القرء الأول، وقد تطلق المرأة وهي متأكدة بانها حائل غير حامل.
فالعدة لم ترد للغالب لأن غالب المطلقات من النساء لم يحتجن هذه الفترة للتثبت من الحمل، ولكن العدة حكمة ورأفة بالزوجين ومن يتصل بهما ويهمه موضوع الزواج والطلاق من الأرحام والأولاد ونحوهم بل المجتمع باسره، والأمور التي تترتب على كل منها لا تنحصر بالزوجين وايامهما في الدنيا.
ومن الإعجاز بيان القاعدة الكلية برجحان كفة الزوج في الصلات الزوجية وحقه في الرجوع في زوجته وهو فرع لحقه في الطلاق ولاحق به، وفيه نوع تدارك.
الآية سلاح
تعتبر الآية مدرسة علاجية ووقائية واصلاحية وفيها تنظيم للحياة الإجتماعية وبيان للأحكام الشرعية.
وفي العدة اكرام لكل من:
الأول : الزوجة بان يبقى عنوان الزوجية المتزلزل والأرث والعودة الى الزوج مدتها، والإنتظار والتربص رحمة بهاء بالإضافة الى ما يلحقه من وجوب النفقة، وعدم جواز اخراجها من بيت الزوجية مدة العدة ولها ان تتزلن خلالها لزوج وتعرض نفسها عليه.
الثاني : حق الزوج في عودته لزوجته مدة العدة، فليس لها ان تأبى العودة، لأن الرجوع لا يتوقف على اذنها بل هو ايقاع من طرف الزوج وحده كالطلاق فكأن الشريعة تقول له: ان طلقت زوجتك، فلك مهلة مدة العدة للعودة بها وتدارك الأمر.
الثالث : الحمل في بطن الزوجة بحفظه بأبوته، وجعل أمه طاهرة نقية، لا يصل اليها احد غير أبيه مدة الحمل والى حين الوضع.
الرابع : اهل المعروف والإحسان للشفاعة والتوسط وحل الخصومة وازالة أسباب الشقاق ونيل الثواب.
الخامس : المسلمون جميعاً، باصلاح مجتمعاتهم وتنزيه صلاتهم من الخصومة والفرقة.
السادس : فيه دعوة للناس جميعاً للإطلاع عن قرب على الشريعة الإسلامية وما فيها من الحسن وصيغ التدارك.
السابع : في قواعد الطلاق والعدة لطف وتهذيب للسلوك ومنع من الإحباط واليأس لكل طرف من أطرفا الطلاق ومن يلحق بهم.
الثامن : اكرام الشريعة لعقد الزواج، واضفاء قدسية وبركة خاصة عليه.
ان تشريع العدة في الطلاق دليل على أفضلية الشريعة الإسلامية، وشاهد على تكاملها لما فيها من اسباب التدارك، وفرص الإصلاح وفق قوانين سماوية ثابتة لا يطرأ عليها التغيير والتحريف ولا يطالها الهوى والوضع.
وهو مناسبة لجذب الناس لدخول الإسلام لما في أحكامه من قواعد الضمان وصيغ السعة والمندوحة.
مفهوم الآية
من المعروف والثابت في العقود امضاؤها وانجازها حال حصولها جامعة للشرائط كالبيع والرهن والإجارة والنكاح، وكذا بالنسبة للإيقاعات( ) كالوقف والطلاق الذي لا ينجز على نحو كامل من حين وقوعه بل يبقى امكان تداركه كالمعلق في حكمه لمدة ثلاثة شهور او اقل من ذلك بحسب حال الحيض عند المرأة.
وهذه المدة في امضاء حكم الطلاق تشريع سماوي شامل لكل المسلمين لا مناص منه بمعنى انه في الطلاق الرجعي ليس للزوج او الزوجة ان يجعلاه بلا عدة وفيه دروس قرآنية تتجلى منها الحكمة الإلهية فهذا التشريع يفوق اوهام البشر ويتعدى قدرة الإنسان في سن القوانين والأحكام من وجوه:
الأول : تعيين مدة معينة لتحقيق حكم الطلاق القطعي.
الثاني : امكان العودة بالزوجة بالعقد الأول مدة العدة.
الثالث : مكث المرأة وانتظار انجاز حكم الطلاق او العودة للزوجية مدة العدة.
الرابع : جعل المدة بحسب الحيض مما يعني انها متفاوتة عند النساء فمنهن من تكون عندها تسعين يوماًًً، ومنهن من تكون سبعين او ستين او خمسين او اقل كما سيأتي في التفسير، وبالإضافة الى تعلقه بالولد والمتيقن من خلو الرحم من الحمل كي لا تختلط الأنساب، فانه دعوة للرجل المطلق بالمبادرة للرجوع بالزوجة مدة العدة قبل مباغتة الحيض الثالث والخروج من العدة.
الخامس : حث الزوج الرجوع بزوجته مدة العدة، اما لو انقضت فانه يصبح خاطباً من الخطاب لها ان ترضى به ولها ان لا ترضى، ويجب عليه المهر الذي تحدده هي.
السادس : تعطي الآية فرصة للمرأة للتدارك والسعي في اصلاح الحال وطرد اسباب النفرة واظهار الود والمحبة للزوج.
السابع : تظهر الآية للزوج والزوجة مساوئ العزوبة والمنافع التي كانت تترشح عن الزواج ومحاسن الحياة الزوجية، فالطلاق يبين على نحو المفهوم المخالف مصاديق قوله تعالى [خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ].
الثامن : من مصاديق الآية اعلاه ان يرى الزوجان اضرار الطلاق والأذى الذي يسببه الإفتراق وانفصال أحدهما الى الآخر، فيدركان منافع الزوجية، ويحرصان على العودة اليها وعدم التفريط بها.
التاسع : شمول أحكام الطلاق القرآنية لأحوال الناس المتباينة مكاناً وزماناً وإلى يوم القيامة .
العاشر : كثيراً ما يحصل الطلاق لأسباب آنية طارئة او انه نتيجة خلافات متصاعدة فيأتي الطلاق ليكون نهاية لها وتنتفي معه اسبابها ومقدماتها فينظر الزوجان بمنظار العقل والحكمة الى الزواج كخير محض خال من تلك الكدورات كما انها تتبخر وتزول عن الذاكرة في الغالب وتبرز اسباب الوئام والمحبة والود الذي زرعه الله في قلبي الزوجين كلاً لصاحبه.
الحادي عشر : بما ان التربص هو المكث والإنتظار فان الآية وعد كريم منه تعالى للتدارك والإصلاح ان شاء، وقد تكون الأفضلية في الإفتراق.
الثاني عشر : ان الثلاثة اقل الجمع بمعنى ان مدة الإنتظار ليست قليلة، وانها مدة كافية للتدارك واختيار الأفضل والأحسن.
الثالث عشر : تبين الآية اكرام القرآن لعقد الزواج وحق الزوج في استدامته وعودة سيادته وحقوقه التي يضمنها له الزواج، أي ان مدة العدة رحمة وفرصة واكرام للزوج مثلما هي اكرام للزوجة.
الرابع عشر : نعت مدة العدة بالتربص والإنتظاردلالة اهمية اعداد الرحم للحمل وعدم تعطيل المرأة في باب الزوجية خصوصاً وانها خلقت زوجة لما ورد في قوله تعالى [وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا] ففي الآية اشارة الى التهيئ لما بعد العدة فيما يتعلق بحال الزوجية والإنجاب.
والنهي الوارد في الآية عن كتمان واخفاء الحمل دعوة لكشف الحقائق والإعلان عن الحمل لكيلا تتداخل الأنساب ولكي يكون الزوج عالماً بالحمل وما رزقه الله عز وجل بمعنى ان ايقاع الطلاق لا يلغي الآثار المترتبة على الزواج بل انها تبقى على حالها الى حين استبانة الأمر وحصول الفصل التام بين الزوجين وهو بالنسبة للحامل وضع الحمل وفيه نوع رحمة فقد يكون الحمل مناسبة لرجوع الزوج بزوجته ونبذ الخلاف والفرقة، كما تؤكد الآية اكرام الإسلام للإنسان وان كان حملاً لم يولد بعد بالنهي عن اخفاء امره ومنع زواج المرأة من غير ابيه مدة الحمل، بالإضافة الى تعاهده وضمان حقوقه وموضوعيته في تحديد واطالة مدة العدة الى اوان الوضع وتقييد عدم الإخفاء بالإيمان بالله ورسوله دلالة اختصاص المسلمين بنظام العدة وعدم الكذب فيها، وان استبانة الحمل وعدم اختلاط الأنساب من معالم الإيمان وله اثر في صلاح الطفل عندما يشب ويكبر، ولأن الحمل ملك للأمة وللإسلام بالإضافة الى موضوع الأبوة والأمومة وكأنه امانة في رحمها الى حين الوضع.
كما تدل الآية على اهلية المرأة لتلقي الخطاب القرآني والأمر والزجر وتحملها مسؤولية آثار الحكم، فهي تشارك الرجل في الأحكام التكليفية كالصلاة والصوم وفي احكام المعاملات والمستحبات الا ما خرج بالدليل الا انها في هذه المسألة تنفرد على نحو القضية الشخصية فقد لا يعلم بالحمل الا المرأة نفسها، فجاءت الآية لتحذرها من اخفائه ما دامت مؤمنة.
ومن مفاهيم احقية الزوج في العودة الى زوجته استصحاب الحياة الزوجية واكرام كل من الرجل والمرأة، اما الرجل فببقاء حق الرجوع بالزوجة في مدة العدة واما الزوجة فبالرجوع الى الزوج الأول والسعي لتدارك الخطأ والزلل، وغالباً ما يكون هذا الرجوع نافعاً للأمة ومانعاً من شيوع الفاحشة او الفقر والخصومة، وقيد ارادة الإصلاح لمنع تجدد الخلاف وحصول الطلاق مرة ثانية، وتكرار حالات الطلاق ارباك شخصي ونوعي وتعطيل للأرحام.
وقد جاء قيد ارادة الإصلاح بصيغة الجمع ان ارادوا اصلاحاً بمعنى اشتراط نية الوفاق والوئام من الطرفين، فاذا كان احد الزوجين ينوي الإصلاح والآخر يقصد خلافه تتجدد الخصومة واسباب الفتنة , وان كان ظاهر الآية يحمل على الأزواج أي ان واو الجماعة في (ارادوا) تعود الى البعولة، وهذا يعني ان اصلاح الحياة الزوجية بيد الزوج في الغالب , باعتبار ان المؤمنة تؤدي وظائفها او ان الزوج بحكم قيمومته وسيادته في الأسرة يستطيع تدارك الأمور ومعالجة الخطأ والمنع من الزلل، والمدار على نيته وعزمه اصلاح الحال ونشر الود والمحبة واكرام الزوجة واعطاءها حقوقها ويكفي في ارادة الإصلاح قصده ومسماه والعزم عليه وصرف الطبيعة لذلك جاء بلفظ الإرادة.
ثم بينت الآية قاعدة كلية لا تنحصر بموضوع الطلاق او الرجوع بالزوجة بل هي تتغشى الحالة الزوجية والصلة بين الزوج والزوجة وتمنع المرأة من الغرور والتعدي على مقام الزوج.
فالآية تقسيم للواقع وتحديد للملاك ومنع من التجاوز من غير ان يكون فيها غبن او حيف على المرأة بدليل المثلية والتساوي فيما للمرأة وما عليها وجاء قيد المعروف لأن الحقوق من الإنصاف والعدل، وللمنع من خروجها عن موازين الشريعة.
التفسير
تفسير قوله تعالى [ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ ]
تسمى مدة تربص المطلقة “العدة” والجمع العُدد، وهي اسم من الإعتداد وتأتي مصدراً كما لو قلنا اعتدت المطلقة اعتداداً وعدة، والعدة في الإصطلاح اسم عدة معدودة تتربص فيها المرأة وتمتنع عن الزواج من الغير وتعلم خلالها براءة رحمها، وكأنها واعز شرعي وتعبدي كريم لحياة الزوجية وفرصة لإمكان التدارك والتراجع والتفكر واجراء دراسة مقارنة نظرية بين حال الزوجية وما بعدها.
ومن منافع العدة صيانة الإنساب والمنع من اختلاطها، وتحصين الأرحام والأزواج واجتناب الإفتراء والغيبة ونحوها، وقد تكون العدة للمصيبة والتفجع كعدة الوفاة، ولا عدة على التي لم يدخل بها الزوج سواء حصل الفراق بطلاقه او فسخ لقوله تعالى [ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ] ولنصوص مستفيضة وللإجماع.
وقال السيد المرتضى وابن زهرة بالعدة على التي لم تحض والتي بلغت سن اليأس ومثلها لا تحيض، ولنصوص نعتت بأنها ضعيفة السند ولا تصلح لمقاومة النصوص الكثيرة القائلة بعدم الإعتداد عليهما في حال الطلاق، ولكنها موافقة لإطلاقات القرآن , والإنتفاع العام من العدة كفرصة للوئام .
تفسير قال تعالى[وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ]
الحمد لله الذي أنعم علي بالشروع هذه الأيام بطباعة الجزء المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن) في آية واحدة من سورة آل عمران، وطوبى لمن إقتنى أو إطلع على نسخة منه.
وفي سبب نزول الآية أعلاه ورد عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول اللَّه إنّ ناساً من أهل المدينة لما نزلت الآيات التي في البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم يذكرن في القرآن الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل، فأنزل اللَّه: {اللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر }، { واللائي لم يَحِضْنَ } يعني كذلك عدتهن ثلاثة أشهر)، وقيل بضعف خبر أبي وأنه منقطع، ولكن موضوع الخبر متعدد في جهته وصحيح، وقيل لما بيّن الله تعالى عدة ذوات القروء وذوات الحمل في سورة البقرة، وبقيت اليائس والتي لم تحض إرتاب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أمرهما فنزلت هذه الآية، والمشهور نزول سورة الطلاق بعد سورة البقرة، وذكر قول ثان في الآية وهو إتحاد موضوع اليأس والإرتياب فإن إرتبتم أو إرتبن هن يكون الإعتداد بثلاثة شهور ، ونسب سقوط العدة عن الآيس إلى داود الظاهري ولم تثبت هذه النسبة.
وإذا كانت المطلقة آيسا فإن الآية الكريمة لا تنفي العدة عنها، وتحتمل الآية حذفاً وتقديرها: اللائي يئسن وإن إرتبتم) لإرادة أن عدة المرتابة بالشهور وليس إنتظار الحيض الذي يغيب مدة الشهرين والثلاثة ولمرات قبل إنقطاعه نهائياً، لذا لم تقل الآية (إن إرتبتن) بل تعلق الإرتياب بالأزواج.
ومشهور الإمامية هو أن الآيس لا عدة عليها، وإجماع المذاهب الأربعة أن عليها العدة ثلاثة أشهر، وقال الشيخ الطوسي: وعدة الآيسة من الحيض ومثلها لا تحيض، فلا عدة عليها، عند أكثر أصحابنا، وقال قوم: عدتها بالأشهر).
وجاء التقييد بإنتفاء العدة صريحاً في القرآن بخصوص غير المدخول بها، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا] ( )، ليكون مدار العدة على الدخول بالمرأة فإذا دخل بها يلزم طلاقها العدة إلا ما خرج بالدليل , وهي على جهات:
الأولى : عدة التي لم تبلغ الحيض، ومثلها لا تحيض.
الثانية : التي تحيض وعدتها ثلاثة أقراء على إختلاف في معنى القرء والمختار والمشهور أنه الطهر الحاصل بين حيضتين.
الثالثة : التي إرتفع حيضها ومثلها تحيض وعدتها ثلاثة أشهر.
الرابعة : الحامل، وعدة طلاقها وضع حملها.
الخامسة : التي لا تحيض ومثلها تحيض، وعدتها بالأشهر ثلاثة أشهر، وحدد جمع من الفقهاء عمرها بأنه أقل من خمسين سنة.
السادسة : المرتابة التي إنقطع حيضها قبل سن اليأس.
السابعة : طلاق الآيس المدخول بها.
وتحتمل الآية أعلاه من سورة الطلاق بالدلالة التضمنية لزوم العدة على الآيس.
واليأس هو إنقطاع الرجاء بالحيض، والمرتابة هي التي قاربت سن اليأس وترجو الحيض ولا يجتمع المتضادان أي وجود الرجاء وإرتفاعه، وموضوع اليأس والإرتياب واحد وهو حال المطلقة من الحيض، وجعل المرتضى متعلق الإرتياب هو الجهل في أصل الحكم، وقال بأن حكم اليائسة الإعتداد ثلاثة أشهر، وبه قال أيضا ابن سماعة وابن شهرآشوب وإحتاط فيه ابن زهرة.
ووردت نصوص عن الإمام الصادق عليه السلام , وهي على قسمين، قسم منها يبين لزوم العدة على الآيس منها , حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا ينبغي للمطلقة أن تخرج إلى بأذن زوجها حتى تمضي عدتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن لم تحض) وجاء الحديث مطلقاً وتخرج غير المدخول بها بالتخصص.
وعن داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عدة المطلقة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن لم تكن تحيض)، وأستدل على إنتفاء العدة عن اليائس بنصوص منها حسنة زرارة عن الصادق عليه السلام في الصبية التي لا تحيض مثلها والتي قد يئست من المحيض ليس عليها عدة وإن دخل بها).
وفي صحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التي يئست من المحيض يطلقها زوجها قال: بانت منه، ولا عدة عليها).
ومع التعارض بين الروايات نرجع للأصل وهو الآية القرآنية وموضوع الآيس عام البلوى من أيام التنزيل والنبوة وأيام أمير المؤمنين والحسن والحسين وزين العابدين والباقر عليه السلام، فلابد أن هناك حكماً متسالماً ومتعارفاً عليه وهو على الظاهر الملازمة بين الدخول والعدة فمن دخل بها زوجها ثم فارقها فلابد من عدة تعتدها مع موضوعية الإحتياط في الفروج في المقام التي تتجلى بالعدة.
وقد وردت النصوص بالتوارث بين الزوج والزوجة أثناء العدة الرجعية لأنها ملحقة بالزوجة، واليأس من الحيض ليس علة تامة للحرمان من هذا الحق ما دام قد حصل دخول وذاق كل منهما عسيلة الآخر، وليس اليأس مثل البينونة في الطلاق كما في التي طلقت ثلاثاً ، خصوصاً وإن الحكمة من عدة المطلقة على وجوه:
الأول : عدم إختلاط ماء أكثر من واطئ.
الثاني : العدة فرصة وحق للزوج بالرجوع بالمرأة بالتدارك أو الندم.
الثالث : موضوعية المهر والإنفاق والعشرة بين الزوجين.
الرابع : إطلاق وإستصحاب قوله تعالى[وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً] ( ).
الخامس : شأن وموضوعية عقد الزواج والرابطة المترشحة عنه.
السادس : إصلاح المجتمعات وبث روح الألفة والمودة فيها، والأسرة نواة المجتمع , ودفع أبغض الحلال بالإنابة والوئام.
السابع : حق الزوجة في الرجوع مدة العدة وان كانت آيساً مادامت مدخولاً بها، والتدارك وإزاحة أسباب النفرة، لذا يجب أن تبقى المطلقة الرجعية مدة العدة في بيتها وتتزين لزوجها.
الثامن : حق الولد إن وجد والأقارب في سلامة العلقة الزوجية خصوصاً في سن اليأس.
التاسع : تجلي التكامل في قوانين الشريعة الإسلامية وصيغ الإنصاف فيها والمختار والظاهر من الآية القرآنية وجوب العدة على اليائس، وهو موافق لقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وقاعدة نفي الحرج في الدين وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا) وقال: إذا حدثتم الناس عن ربهم، فلا تحدثوهم بما يفزعهم ويشق عليهم).
ومن الإعجاز المستحدث في قوله تعالى[وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ] الإرتقاء في علوم الطب وإمكان حمل الآيس اليوم أو غدا، فيكون من الريب والشك إحتمال أخذها لعلاج الحمل، ولكن هذا الأمر ليس علة تامة للمختار وهو حكم بالعدة بالشهور للمطلقة الآيس .
وتبقى مسألة العدة واحكامها وجهاً مشرقاً في الشريعة الإسلامية ودلالة على تجلي الإعجاز في اتقان الأنظمة والقوانين وصلاحيتها لكل زمان ومكان ومناسبتها للأحوال المختلفة، ومن الإعجاز ايضاً عدم ظهور استياء او شعور بالأذى منها وهي من المفاخر التي تطل على العالم والملل والمؤسسات التشريعية والإجتماعية ومصادر التشريع وتدعوهم للإسلام والرجوع الى احكامه والإقتباس منها , وفي حال الوفاة تجب العدة على الزوجة مطلقاً.
ومن الشرائع ما تفقد بريقهـا وتأثيرهـا في نـفوس اتباعها ومعتنقيها اذا بانت وانكشفت ونفذ اليها الضياء، ودخلت معترك التنافس وخضعت لموازين العقل والعرف والبيئة والتجربة، اما الإسلام فانه يزداد تألقاً عند تداخل الحضارات وتقارب الأفكار وحصـول الحـوار بين الأمم الأمـر الذي يسـتلزم الإنطـلاق من منـازل الـعـز والرفعـة والثـقة ورجحـان كفة احكــام الشــريعة الإســلامية واظهار الإلتزام والتقيد التام بها.
ومن الإعجاز ان احكام الطلاق لها حصانة ذاتية فهي تحرس نفسها بنفسها بشيوع التشريع وعدم التردد وتعدد الإحتمالات في الحكم، فمثلا لا يصح مطلقاً للمعتدة ان تتزوج من الغير مدة العدة ويعتبر العقد فاسداً وباطلاً باجماع علماء المسلمين وهذا الحكم يعرفه الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والمتزوج وغيره.
وجاءت الآية بصيغة الخبر ولكنها تتضمن الإنشاء والأمر التكليفي، وهو متوجه الى المطلقة مما يعني تحملها المسؤولية الشرعية في موضوع العدة لأنها موضوع التكليف ومادته وهو امر يدل على اهمية المرأة لتحمل اعباء الحكم وتلقي الأوامر على نحو مستقل، الا ان هذا المنطوق لا يمنع من شمول الآخرين بالحكم سواء الزوج او الأب او الحاكم الشرعي والسلطان القاضي وعامة افراد المجتمع، وهذا من اسرار حفظ الشريعة ومن عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ترى لماذا ورد قوله تعالى [ بأَنفُسِهِنَّ ] في الوقت الذي يجزي فيه ذكر التربص فيه وجوه:
الأول : للتوكيد.
الثاني : في الآية اشارة الى تحمل المرأة لشطر وقسط من مسؤولية التدارك وايجاد الحل الأحسن من الإصلاح او الإفتراق فليس أمرها هو السالبة الكلية، بل لها شأن وان كان محدوداً في موضوع الطلاق ويمكن ان توسعه بلحاظ المصالح والمفاسد.
الثالث : الباء للإلصاق وكبح جماح النفس ومنعها من التطلع الى الرجال.
الرابع : موضوعية الزواج في حياة المرأة لأن التربص بالنفس يدل على التطلع للغد.
الخامس : تعلق التربص بالنفس مدرسة اخلاقية واجتماعية.
السادس : تدل الآية على عدم انحصار موضوع التربص بعدم الزواج من الغير بل ان العدة موضوع يتعلق بكيان المرأة ومستقبلها وحياتها.
السابع : الآية دعوة للمطلقة للتدبر والتفكر مدة العدة وهل فيها اشارة الى السعي لإصلاح حالها مع الزوج، الجواب: نعم، وهو امر مستقرأ من تشريع العدة ولحمل التربص والإنتظار على المعنى الأعم، فمن وجوه الإنتظار التطلع الى عودة ورجوع الزوج، لذا لا يجوز للمطلقة الرجعية الخروج من بيت الزوجية ويستحب لها ان تتزين لزوجها عسى ان يرجع بها، ومن النساء من تبذل الوسع من اجل الرجعة واصلاح ذات البين.
ولا يصح الطلاق الا من قبل الزوج فهو ايقاع وليس بعقد، وقال الرازي: “فاذا كانت اجنبية فاذا اوقع الطلاق فهي مطلقة بحسب اللغة ولكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع، والعدة غير واجبة عليها بالإجماع”( ).
وهذا تكلف، اذ ان وقوع الطلاق على غير الزوجة لغو ولا يصدق عليه انه طلاق لغة وعرفاً وشرعاً سواء على القول بالحقيقة الشرعية او عدم القول بها، وهو خارج عن الطلاق واحكامه فلا تصل النوبة الى القول بعدم العدة عليها، ولا تصل النوبة الى حصول الإجماع فالمسألة سالبة بانتفاء الموضوع، نعم الإجماع على عدم العدة على الزوجة غير المدخول بها.
وعلى القول المشهور بان القرء هو الطهر أي المدة المنحصرة بين حيضتين، تخرج المطلقة من العدة حالما ترى الدم في الحيضة الثالثة، وعلى القول بانه الحيض فلا تخرج حتى تغتسل او تطهر من الحيضة الثالثة، وفي باب الفقه تقسم النساء في موضوع الحيض تقسيماً عقلياً استقرائياً الى قسمين:
الأول : ذات العادة.
الثاني : غير ذات العادة.
والقسم الأول على وجوه:
الأولى : ذات العادة الوقتية العددية، وهي التي ترى الدم في يوم معين من كل شهر ويستمر لمدة تتكرر في كل شهر فيتماثل عندها الوقت والعدد في شهرين او اكثر، كما لو كانت ترى الدم في اليوم الأول من الشهر ويستمر عندها في كل مرة سبعة ايام فيكون أوان الحيض ومدة أيامه ثابتين.
الثانية : ذات العادة الوقتية فقط: وهي التي اعتادت رؤية الحيض في يوم معين من كل شهر ولكن مدة الحيض تختلف بين شهر وآخر كما لو كانت ترى الدم في اليوم الخامس من كل شهر مرة ويستمر لستة أيام واخرى سبعة ايام او خمسة أيام، فالتماثل ينحصر عندها في أوان بداية الحيض دون عدد أيامه.
الثالثة : ذات العادة العددية فقط: أي ان التماثل يكون في عدد أيام الحيض دون الوقت، ففي كل شهر أو اقل من شهر تكون مدة حيضها مثلاً خمسة أيام ولكنه مرة يأتيها في اول الشهر ومرة في اليوم الرابع منه او السابع منه وهكذا.
وبالنسبة للأولى أي الوقتية العددية فأنها تحيض برؤيتها للدم بصفات الحيض بما يوجب الإطمئنان العرفي، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتي تعرف أيامها: “أدي الصلاة أيام اقرائك”.
وكذا بالنسبة للثانية وهي الوقتية فقط فأنها تترك العبادة بمجرد رؤية الدم في العادة ولو لم يكن الدم جامعاً للصفات وتترتب عليها جميع أحكام الحائض، نعم لو علمت بعد ذلك عدم كونه حيضاً كما لو أنقطع قبل تمام ثلاثة ايام فأنها تقضي ما تركته من العبادات لقاعدة الإشتغال وعدم ثبوت الحيض الذي لا يكون أقل من ثلاثة ايام.
اما بالنسبة للقسم الثاني المتعلق بغير ذات العادة فعلى وجوه:
الأول : المبتدئة : وهي التي أبتدأ الحيض عندها ورأت الدم أول مرة وأحياناً يطلق هذا الإصطلاح على الأعم فيشمل المضطربة.
الثاني : المضطربة: وهي التي رأت الدم مكرراً ولكن لم تستقر لها عادة من جهة الوقت ولا بلحاظ عدد الأيام.
الثالث : الناسية: وهي التي نسيت اوان حيضها وعدد أيامه وتسمى ايضاً المتحيرة.
وبالنسبة للصور الثلاثة أعلاه وكذلك ذات العادة العددية من القسم الأول فأنها تترك العبادة وترتب احكام الحيض حين رؤية الدم اذا كان بصفات الحيض لإطلاق أدلة الرجوع الى الصفات وانحصار إمارة التحيض بها.
بحث بلاغي
في الآية اعجاز لما في دلالتها الإلتزامية من الاخبار عن عدم استمرار بقاء موضوع الإمـاء وغيـاب وجود الإماء ونكاحهن في كثير من مجتمعات وامصار المسلمين فانت ترى موضوع الإماء شبه منعدم في هذا الزمان.
وفي باب العام والخاص ذكرت هذه الآية وان الأَمة أي غير الحرة خصت بالسنة، ولكن الأَمة تنكح باحد طرق ثلاث وهي:
الأول : ملك اليمين.
الثاني : التحليل أي وطؤها باذن مالكها.
الثالث : عقد النكاح.
وعدة الأمة المطلقة قراءان ان كانت مستقيمة الحيض، وخمسة واربعون يوماً ان كانت لا تحيض وهي في سن من تحيض، وقراءان مثنى قرء والمراد منه الطهر الواقع بين حيضتين، وصحيح ان الأمة خصت من هذا العموم بالسنة الا ان عدم ذكر حكم الأمة في الآية له دلالات عديدة منها:
الأولى : ان المدار على حكم الحرة.
الثانية : اكرام الحرة بعدم ذكر الأمة في حكمها وبعرض واحد معها.
الثالثة : ان الطلاق احد افراد الإنفصال عن الأمة وهـو قلـيل، لأن الغالب في وطئ الإماء هو ملك اليمين بينما الطلاق هو الغالب في الحرة.
كما اعتبرت هذه الآية من المجمل وهو الذي لم تتضح دلالته، وما من مجمل الا وقد استبان في القرآن وجاءت السنة مفسرة له، والإجمال المذكور في هذه الآية هو القرء وانه موضوع مردد بين الحيض والطهر، والأقوى انه ليس من المجمل انما الإختلاف في تفسير الكلمة المفردة، والشبهة المفهومية وليس في التركيب واصل التأويل، والبيان يزيل موضـوع الإجـمال ويحـله، بينما الإختـلاف في معنى الكلمة باق ومعروف.
بحث فقهي
يجب الإعتداد بأمور:
الأول : الفراق بين الزوج والزوجة بطلاق او فسخ او انفساخ في العقد الدائم.
الثاني : موت الزوج.
الثالث : وطئ الشبهة.
عدة المطلقة الحامل وضعها لحملها فلو وضعت حملها بعد الطلاق بلا فصل فقد خرجت من العدة وان كان غير تام الخلقة بل وان كان علقة بشرط ثبوت كونه حمل.
يقدم قول الزوجة مع يمينها على وجوه :
الأول : اذا كانت حاملاً وادعت انها وضعت فانقضت عدتها.
الثاني : لو ادعى الزوج الوضع كي تخرج من العدة وانكرت هي.
الثالث : لو ادعت الحمل وانكر.
الرابع : لو ادعت الحمل والوضع معاً وانكرهما.
وبالإمكان الرجوع الى التحليلات المختبرية الموثوقة في الصور الأربعة اعلاه ومن غير حصول محرم.
الخامس : عدة المطــلقة ثلاثة قــروء اذا كانت تحيض كل شـهر او اقل قليلاً او اكثر مما لا يصل الى ثلاثة اشهر بين كل حيض وآخر، هذا اذا لم تكن حاملاً.
ويكفي من الطهر الأول الذي يحتسب من العدة مسماه فلو طلقها ثم جاءها الحيض بعد دقيقة يعتبر طهراً، فاذا رأت بعده طهرين آخرين تتخللهما حيضة بينهما فان عدتها تنقضي برؤية الدم الثالث.
فمثلاً لو قام بطلاقها في اليوم الأول من شـهر شعبان، وبعد ساعة من الطلاق رأت دم الحيض واغتسـلت من الحيض في اليوم الرابع منه، ثم جاءها الحيض مرة ثانية في اليوم الخامس عشر من شهر شعبان نفسه واغتسلت اليوم الثامن عشر منه، وجاءها الحيض في اليـوم الأخير منـه فتخـرج من الـعدة حالمـا ترى دم الحيض وان لم يتم شهر كامل على طلاقها، وهو خـلاف المتعـارف عـند النسـاء في مدة الـطهـر التي غـالـباً ما تـكـون شهراً او اقـل بيـوم او يومـين ولكننا جـئنا به من باب المثال الممكن وللالتفات والتـدارك من الزوج بالرجوع اثناء العدة.
السادس : لو اختلفا في انقضاء العدة وعدمه قدم قولها مع يمينها سواء ادعت الإنقضاء او عدمه وسواء كانت عدتها بالإقراء او الأشهر الا ان تكون هناك بينة على الخلاف.
السابع : لو حصل شك في بقاء العدة او عدمه فيستصحب بقاؤها كما لو نزل عليها دم وشكت هل هو حيض ثالث تخرج به من العدة ام انه غير جامع لصفات الحيض وهي ليست ممن يأتيها الحيض بيوم معين من الشهر.
بحث بلاغي
للباء المفردة معان عديدة اشهرها الإلصاق، الذي اكتفى به سيبويه، وتفيد معنى الإستعانة والسببية والمصاحبة والظرفية والمجاورة والتبعيض والغاية، كما تأتي للتوكيد وهي الباء الزائدة وقد تزاد في الفاعل وجوباً او جوازاً، وتفيد تفخيم المعنى وتحقيقه او مضاعفة المعنى وقد تزاد في المفعول كما في قوله تعالى [ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ]( ) ومن مجيء الباء الزائدة للتوكيد هذه الآية [ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ].

تفسير قوله تعالى [ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ]
الأول : انذار وتخويف وتشريع ثابت الى يوم القيامة وفيه مسائل:
الثاني : انه توكيد على اهمية تثبيت النسب والنهي عن اختلاط الأنساب وحرمته.
الثالث : الفارق بين الحائل غير الحامل وبين الحامل في الحكم والأثر.
الرابع : ظاهر الآية ان المطلقة قد تظن ان من صالحها اخفاء الحمل كما لو ارادت انقضاء العدة بالأشهر الثلاثة ولا يزال حملها في بطنها فجاءت الآية لبيان انحصار النفع بالإخبار عن الحمل.
الخامس : ان حرمة الكتمان تكليفية ووضعية، ويدل النهي على جواز تدخل الغير في حال الكتمان وقد يجب، وجواز اعتماد التحليلات المختبرية الحديثة لإثبات براءة الرحم او عدمها عند الشك.
السادس : مدة القروء الثلاثة كافية لاستبانة الحمل ورفع اللبس ودفع الوهم.
السابع : هل من صلة بين عدم الكتمان واحتمال الرجوع بالزوجة، الجواب نعم، فان وجود الحمل وانعقاد النطفة لا يخلو من بركة ويحدث اثراً نفسياً ومعنوياً وحالة اضافية من الود والتقارب فقد يعزم الزوج على عدم الرجوع بزوجته المطلقة، ولكنه حينما يعلم بالحمل يحصل عنده شعور بلزوم التدارك استحقاقاً او حرصاً على الولد وتربيته واشفاقاً او للسعادة والفرح به، وهذا من المنافع الإبتدائية للأولاد.
الثامن : تدل الآية على اهلية المرأة للأمانة الشرعية من غير ان يتعارض مع الدعوى بخلاف ما تقول.
و(ما) في الآية اسم موصول بمعنى الذي ويحمل على وجــهين خاص وعام، اما الأول فهو اخفاء الحمل لتكون عــدة الإقــراء اقل من عدة الحمل، او لكرهها لنســبة الولد للمطــلق ورغبتــها بالزواج من آخر، والخــلق يتعلق بالولـد دون الـدم الذي يجتـمع فيه مـن اخـلاط بدن المرأة.
اما الثاني وهو المعنى الأعم فان الكتمان يتعلق بالحمل والحيض معاً لوحدة الموضوع في تنقيح المناط في الجملة وان غاية المرأة من اخفاء الحيض تأخير العدة ايضاً.
ويمكن ايراد وجه ثالث وهو ارادة الحمل على نحو الإصالة والحيض بالتبعية والإلحاق، والأقوى هو الوجه الأول وان الواو [ وَلاَ يَحِلُّ ] استئنافية وليست عاطفة، ومن الإعجاز في التشريع الإسلامي التزام النساء باحكام هذه الآية وعدم كتمان الحمل.

ان ورود الآية بصيغة الخبر تدل على الأمر كما تقدم أي ليس لهن ان يخفين امر الحيض، بالإضافة الى التخفيف في موضوع الحيض اصلاً من خلال التقارب النسبي بين النساء خصوصاً بين المرأة واقاربها من النساء، لذا ورد في بعض النصوص رجوع التي لم تستقر لها عادة الى اقاربها في عدد الأيام ولا عبرة بالشاذ منهم بل ترجع الى الغالب في حال وجوده.
والغالب ان الزوج يعلم على نحو التقريب المدة المتعارفة لحيض زوجته ثم ان الاثار المترتبة على اخفاء الحمل اعم ضرراً واثراً ووطأة واشد عقوبة من كتمان الحيض، فقد لا ينفع المرأة اخفاء الحيض املاً برجوع الزوج وتنتهي المدة الإضافية الزائفة ولا يرجع بها زوجها، وحتى في حال الرجوع يمكن التدارك باجراء صيغة عقد جديد وان كان العقد لا يحول دون الإثم في اخفاء الحيض.

تفسير قوله تعالى [ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ]
في الآية مسائل:
الأول : قد تقدم اعتبار (ان) حرف شرط جازماً ولكنه لا يعني انحصار الحكم بالمؤمنات فهو اعم بلحاظ موضوع الإيمان المذكور في الآية والمتضمن الشهادة بالتوحيد والإقرار باليوم الآخر.
الثاني : المعاد احد اصول الدين عند المسلمين فقد اجمعوا على وجوبه وعليه مناط التفاخر والحساب وكل مؤمن يتطلع الى ذلك اليوم ليتباهى بايمانه بالرسالة ويجني ثمار جهاده وادائه الفرائض.
الثالث : كما ان الوعد والبشارات تكون فيه فان الإنذارات والوعيد تتعلق به، لذا جاء ذكر الآية لتوكيد ثبوته واثباته.
الرابع : من ادلة المعاد امكان حشر الأجسام وقد اخبر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : جاء ذكر الإيمان باليوم الآخر ملازماً للتوحيد والإقرار بالعبودية لله عز وجل مما يدل على موضوعية احكام هذه الآية وتعلق الوعد والوعيد بها.
السادس : تحث الآية على الإيمان وتبين الفارق بين المسلمة وغيرها، وان الإسلام تترتب عليه احكام تكليفية ووضعية.
السابع : تدل الآية على الوظائف الشرعية الملقاة على عاتق المرأة المسلمة وهو نوع تشريف واكرام لها.
الثامن : ليس في الصدق وعدم الكتمان الا الحق والصواب.
التاسع : لو نظرت الى الأخطار الناجمة عن اخفاء الحمل لظهر انها كبيرة وفادحة ولا تنحصر بشخص او زمان معين.
العاشر : النتيجة النهائية لا تتوقف على اخبار المرأة عن الحمل او كتمانه وهذا من الإعجاز في الأحكام الشرعية، أي ان هناك حصانة وحرزاً سماوياً للحكم الشرعي فقد تخفي المرأة الحمل فيفتضح ويستبين امره.
الحادي عشر : تبين الآية موضوعية التقيد بهذا الحكم في الإيمان وهو من شرائطه ومستلزماته.
الثاني عشر : يدل مفهوم الآية على الأجر والثواب في حال الإعلان وعدم الكتمان.
الثالث عشر : مضامين هذه الآية انتقال الى عالم جديد تسوده ضوابط شرعية دقيقة فلابد من التوكيد عليه وتثبيته فجاءت صيغة الوعيد والإنذار.
الرابع عشر : من الآيات ان الوعيد يتضمن الوعد الجزيل والثناء لمن تلتزم بالأحكام فان عدم اخفاء الحمل من مصاديق الإيمان.
الخامس عشر : تدل الآية على الإستماع الى قول المرأة في الطهر والحيض والحمل وترتب الأثر عليه، وهذا لا يمنع من ادعاء خلافه من قبل الزوج او غيره.
السادس عشر : تدل الآية على موضوعية الدخول في الزوجة اذ ان غير المدخول بها خارجة عن موضوع الكتمان بالتخصص، وان قلت ان الحمل قد يحصل احياناَ خارج الرحم قلت انه فرد نادر يلحق بالرحم ايضاً.

تفسير قوله تعالى [ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ] على وجوه :
الأول : بعولة: جمع بعل، وهو الزوج، ويجمع ايضاً على بعال وبعول.
الثاني : ورد لفظ (بعولة) اربع مرات في القرآن والثلاثة الأخرى كلها في ســورة النور، فلا غرابة ان يأتي الحديث بتعليم المرأة سورة النور.
الثالث : سمي الزوج بعلاً لأنه سيد المرأة وله سلطان عليها ولجواز وطئه لها “وقال الأزهري: وانما سمي زوج المرأة بعلاً لأنه سيدها ومالكها( )” ويطلق لفظ البعل على الذكر من النخل ولكن الأزهري قال: وبعل النخل الذي تلقح فتحمل( ).
الرابع : في حديث ايام التشريق: “انها ايام اكل وشرب وبعال”.
الخامس : [ أَحَقُّ ] افعل تفضيل فهل يجوز لغير الزوج نكاح المطلقة، الجواب: لا، فاثناء العدة وفترة التربص هو محرم على غير الزوج، وبعدها لا يصدق عليه انه رد الا بمعنى الرد الى الحياة الزوجية وان اختلف شخص الزوج.
السادس : لأن المراد بالرد هنا المعنى الأعم وهو حق النكاح منها، ورد على نحو الغالب ليس من جهة العدد لأن الزوج شخص واحد، والذي يتقدم للزواج اكثر من شخص وهو جهتي يتعلق بالأهمية والأولوية، مما يدل على اهمية الرد وان قيام الزوج برد زوجته يعادل في اثره ومنزلته توجه الخطاب.
السابع : احقية الزوج وافضليته على الغير على نحو الإطلاق، أي وان كان الزوج فقيراً والخاطب غنياً، او هو عبد والخاطب حر، او كبير والخاطب شاب.
الثامن : الرد هنا يحتمل معنيين متباينين بلحاظ الزمان:
الأولى: مدة العدة كما هو معروف عند المسلمين جميعاً.
الثانية: المعنى الأعم وهو مدة العدة وما بعدها فاذا انتهت مدة العدة يصبح الزوج اجنبياً عنها ولابد من الخطبة والمهر والعقد الجديد.
والمعروفالسابع : السابع : السابع : السابع : السابع : السابع : السابع : في تفسير الآية انها تتعلق بالمعنى الأول، ويؤيده قوله تعالى [ فِي ذَلِكَ ] لما يدل في ظاهره على ارادة ايام العدة ولكن هذا لا يمنع من النظر الى الآية بالمعنى الأعم مع الإقرار بالفارق بين الحالتين، بين مدة العدة وما بعدها، فتعتبر المطلقة الرجعية اثناء العدة كالزوجة او هي ملحقة بها مدة العدة، واجنبية بعدها لا يحق له النظر اليها وتؤيده قرينة (أحق) وهو أفعل تفضيل فيكون المعنى أحق يردهما الى حياة الزوجية ولو بعقد جديد.
الأولى : ينقسم الطلاق الى قسمين، بائن ورجعي، والأول الذي لا يجوز للزوج الرجوع فيه الى الزوجة سواء كان لها عدة أم لا، وهو سبعة:
الأول: الطلاق قبل الدخول.
الثاني: طلاق الصغيرة التي لم تبلغ التسع وان دخل بها.
الثالث: طلاق اليائسة.
وهذه الثلاثة ليس لهن عدة، الأول عليه الكتاب والسنة والإجماع، والثاني والثالث هو المشهور.
الرابع والخامس: طلاق الخلع والمبارأة مع عدم رجوع الزوجة فيما بذلت والا كانت له الرجعة.
السادس: الطلاق الثالث.
السابع: الطلاق التاسع وبه تحرم عليه مؤبداً.
فتحمل احقية الرد في ايام العدة على الوجوب، وتحمل بعد العدة على الإستحباب والأولوية بدليل قوله تعالى [ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا ] اذ ان حق الزوج في رد المطلقة الرجعية مطلق سواء اراد هو او هي الإصلاح او هما معاً، او لم يريدا الإصلاح، وقد تحصل ارادة الإصلاح لاحقاً، او انها تطلق ثلاث مرات فتحرم عليه .
الثانية : ورود لفظ (الرد) بالتنكير والإطلاق وفيه دلالات لموضوعية الزواج وما فيه من الإستقرار والستر والعز للمرأة، وكان الإمام السجاد اذا جاءه النسيب كزوج الأخت او البنت اكرمه وقال: “اهلاً بمن ستر العرض وخفف المؤونة”.

تفسير قوله تعالى [ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا ]
الواو في [ أَرَادُوا ] يحتمل وجوهاً:
الأول : انها تعود الى بعولتهن أي الأزواج الذين طلقوا نساءهم لإرادة الضمير والواو الاسم الذي سبقها.
الثاني : للأزواج كموضوع الآية سواء كانوا مطلقين او مطلقات.
الثالث : للمعنى الأعم والأشمل من الزوجين ويشمل الأرحام والأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فاذا ظن هؤلاء ظناً معتبراً ان ارجاع المطلقة الى زوجها هو الأفضل والأنسب فتكون الأحقية للزوج، كما لو ادى الطلاق الى ضياع الأولاد وتزلزل الإستقرار وحصول الآفات الإجتماعية.
وقد يحصل التدارك والندم عند الزوج او الزوجين معاً والعزم على الإصلاح والإستقامة بعد مدة العدة كما في كراهية الدخول على سؤم المؤمن، مع لحاظ القيد وهو ارادة الإصلاح والا فليس هناك احقية للمطلق مع بقاء الحال والأسباب التي ادت الى الفراق، وقد تكون حينئذ الأولوية خلاف الرد وترك المطلقة تختار الحال التي تناسبها والله واسع كريم، وهذا القيد أي ارادة الإصلاح شرط في الأحقية والأفضلية والأولوية بعد انقضاء العدة، وجاء الوصف (بالأحقية) على نحو الإعجاز ولكنه شرط غالبي وبياني لأن الإذن بالرد وجوازه ايام العدة جاء مطلقاً.
وارادة الإصلاح هنا تفيد العزم والهم به وذكره كشرط في الآية دعوة لإظهاره واستبانته والسعي اليه وتلمس ادنى مراتبه، وقد وردت نصوص مستفيضة تبين كراهة الطلاق، وفي مرسلة الطبرسي: “تزوجوا ولا تطلقوا فان الطلاق يهتز منه العرش”.

تفسير قوله تعالى [ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ]
آية اعجازية في بيان حق الزوجة وعدم انحصار وظيفتها بالواجبات ازاء الزوج والبيت والأسرة، وروي عن ابن عباس انه قال: “اني لأتزين لأمرأتي كما تتزين لي لقوله تعالى [ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ]”.
ولكن الآية اعم وتشمل حسن التبعل والعشرة، والإكرام المتبادل والوفاء، وتدل على لزوم الجزاء الجميل للزوجة سواء بادائها لواجباتها بالعفة والستر او بالولادة وتربية الأولاد.

أي ان الآية في ظاهرها تشير الى لزوم رعاية حق الزوجة وعدم التعجل بطلاقها واخراجها من العصمة، وفي مفهوم ومناسبة الآية وتعلقها بالطلاق وما تدل عليه بالدلالة التضمنية حث على ارجـاع الزوج لزوجتــه المطلقة وابداء الطرف الآخر لإرادته في اصلاح ذات البين وتدارك الخـطأ والزلــل، وعلى الزوج عــدم الكتمان سواء في الطلاق او العدة او الجماع والحمل، فليس له ان ينكـر وطأها اذا ما تحقق الوطئ.
وفي الآية تحد مستديم لأولئك الذين يحاولون النيل من الإسلام فيما يخص تشريعاته التي تتعلق بالمرأة، فالمثلية في الحقوق بين الرجل والمرأة مدرسة عقائدية واخلاقية واجتماعية لا تستطيع النظريات الحديثة ايجاد مقوماتها وشرائطها، فالآية ميزان عقلي وقاعدة سماوية لصيغ اكرام المرأة المقيد بادائها لواجباتها من غير غبن او ظلم.
ان ورود هذه القاعدة الكلية في المقام له دلالات عديدة فهي وقاية من حصــول الطلاق، وســـــبيل الى حل النزاعات وفك الخصومة ووسيلة كريمة لإستدامة الحيــاة الزوجيــة الكريمة وحضور للشريعة في كافة تفاصــيلها دون التعدي والاضرار، وفيه انصاف للمرأة وان ما تعطى من الحـقوق ليس منحة او هبة من الزوج بل حق سنه الله عز وجل لها، والآيـة دعوة للنســاء للتمسك باحكام الشــريعة واظهار الرضا بها.

تفسير تعالى [ بِالْمَعْرُوفِ ]
قيد لما على المرأة وما لها على الزوج، والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب اليه، واعمالها البر والصلاح وما حسنه وندب اليه الشرع وهذا القيد يخرج حق الطلاق، فليس للمرأة ان تطلق زوجها اوان تبادر بالرجعة، فالطلاق بيد من اخذ بالساق، نعم الآية تساهم في طرد النظر الى المرأة بعين الإحتقار والإستخفاف وتحث على اكرامها حتى في حال الفراق.
تفسير قوله تعالى [ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ] على وجوه :
الأول : تخصيص لإطلاق الآية وما فيها من المثلية مما يعني ان الآية اعم من ان تتعلق بالطلاق واحكامه، وهذا من اعجاز القرآن وما فيه من مضامين اللطف بان يكون متعلق الحكم خاصاً ولكن الآية قاعدة كلية تتصف بالشمول.
الثاني : تبـين الآيــة ان للــزوج منزلــة في التعامل يكون معها ارجح كفة من المــرأة وان العلاقـة الزوجية لا تكون على نحو التكافئ والمثلية.
الثالث : جاءت الآية بصيغة الرجال وليس الأزواج مما يعني تعدد موضوعها، سواء في العقل او الدية او القضاء او الميراث او الشهادة او التستر والحجاب او تعدد الزوجات او الميراث وبالقيمومة قال تعالى [ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ]( ).
الرابع : تعتبر الآية تنظيماً للحياة الزوجية والصلات الإجتماعية ومنعاً من تعدي المرأة على الرجل او العكس وتعطي كل ذي حق حقه وبذا يمكن عدها من آيات الإنصاف والقواعد الأساسية للحياة الأسرية والإجتماعية مطلقاً.

تفسير قوله تعالى [ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حكِيمٌ ]
من اسمائــه تعالى “العزيــز” وهو الغالـب والقاهر والذي ليس له كفؤ او عـدل، ومن اسمائه سبحانه “الحكيم” فعيل بمعنى فاعل وهو الذي اتقن كل شــيء خلقه واحكــم الأشـياء، وهو الذي احاط بكل شيء علماً.
والآية ثناء على الباري سبحانه لبديع صنعه في تنظيم الحياة الزوجية والمهلة التي جعلها في العدة للتدارك والإصلاح وعدم تفويت حق الزوج اثناءها، وترى الحياة الزوجية عند المسلمين تتصف بالإرتقاء وحسن التنظيم والسعة وامكان التدارك وعدم الغبن.


قوله تعالى
[ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ
وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّيُقِيمَا حُدُود اللَّهِ
َ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ] الآية229.

الإعراب واللغة
الطلاق مرتان: مبتدأ وخبر، فامساك: الفاء: فصيحة.
او تسريح باحسان: او: حرف عطف، تسريح: عطف على امساك، ولا: الواو: استئنافية، لا: نافية، ان تأخذوا: ان وما بعدها في تأويل مصدر فاعل يحل.
الا ان يخـافا: الا: اداة حصـر لتقدم النفي، وان والفـعل الـذي بعــدها في تأويل مصدر أي الا خائفين، والظاهر انه في محل نصب مفعول به.
الا يقيما: ان وما في حيزها في موضع نصب مفعول يخافا، فان خفتم: الفاء: استئنافية، ان: شرطية، خفتم: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، التاء: فاعل.
الا يقيما حدود الله: ان وما بعدها: في موضع نصب مفعول به لخفتم، فلا جناح عليهما: الفاء: رابطة لجواب الشرط، لا: نافية.
ومن يتعد حدود الله: الواو: استئنافية، من: اسم شرط جازم مبتدأ، يتعد: فعل شرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، حدود الله: مفعول به.
فاولئك هم الظالمون: الفاء رابطة لجواب الشرط، اولئك: مبتدأ، هم: مبتدأ ثان، الظالمون: خبره، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، التسريح: الإرسال، وتسريح الشعر فصل بعضه عن البعض الاخر، واستعير في المقام لإرادة الطلاق، وقيل معناه الإخراج من منزل الزوج لعدم وجوب العدة عليها، وحدود الله: محارمه وما نهى عنه.
قوله تعالى(الطلاق مرتان) تقديره: عدد الطلاق الذي يجوز معه الرجعة مرتان.
(فإمساك) أي فعليكم إمساك.
(بمعروف) يجوز أن يكون صفة لإمساك، وأن يكون في موضع نصب بإمساك.
(أن تأخذوا) مفعوله(شيئاً) و(مما) وصف له قدم عليه فصار حالاً و(من) للتبعيض، و(ما) بمعنى الذي (وآتيتم) تتعدى مفعولين، وقد حُذف أحدهما، وهو العائد على ما، تقديره: آتيتموهن إياه.
(إلا أن يخافا) أن والفعل في موضع نصب على الحال، والتقدير: إلا خائفين وفيه حذف مضاف تقديره: ولا يحل لكم أن تأخذوا على كل حال، أو في كل حال، إلا في حال الخوف، وقد قرئ يخافا-بضم الياء- أي يعلم منهما ذلك أو يخشى.
(أن لا يقيما) في موضع نصب بيخافا، تقديره: إلا أن يخافا ترك حدود الله.
(عليهما) خبر (لا).
(فيما) متعلق بالإستقرار متعلق بالإستقرار، ولا يجوز أن يكون عليهما في موضع نصب بجناح، و(فيما إفتدت) الخبر، لأن إسم(لا) إذ عمل ينون.
(تلك حدود الله) مبتدأ وخبره.
(تعتدوهما) بمعنى تتعدوها.
في سياق الآيات
بعد بيان احكام الطلاق بخصوص التطليقة الواحدة ولزوم عدم كتمان الحمل الملازم له، وامكان الصلح والوفاق، جاءت هذه الآية لتحديد عدد مرات الطلاق وفق اسس شرعية دقيقة مع التحذير والإنذار والوعيد ومنع التعدي والظلم فيه، واذ جاءت الآية السابقة بمنع المرأة من كتمان الحمل ان كانت حاملاً عند العزم على الطلاق، جاءت هذه الآية لتمنع الأزواج من الإستيلاء على شيء من حقوق وأموال المرأة.

إعجاز الآية
يعتبر تحديد عدد الطلقات بثلاث من الإعجاز التشريعي الذي انفرد به الإسلام، ولم تستطع القوانين الوضعية الإرتقاء الى ما فيه من المضامين الأخلاقية والإجتماعية والأدبية كما قيدت الآية الطلاق الثالث بقيد الإحسان والوداع الجميل في بيان تفصيلي.
وقد ورد لفظ حدود الله عز وجل أربع مرات في هذه الآية , ومن النادر في نظم القرآن أن تاتي كلمتان أربع مرات في آية واحدة لبيان موضوعية حدود الله عز وجل ولزوم تعاهد أحكام الطلاق وعدم أخذ شىء من حق الزوجة .
الآية سلاح
لقد ساهمت الآية في الحيلولة دون انتشار الطلاق والفراق الأبدي بين الزوجين، وكم من اسـرة منعت هذه الآية تفكـكها، بخشــية الزوج من تكرار الطلاق وحصول الفرقة والبينونة، او باجتهاد المـرأة في اصلاح نفسها وحالها لزوجها، وفي الآية تأديب للمسلمين بمنع التعدي على حقوق المرأة ولو في حال الطلاق والتذكير بحدود الله واحكامه.
أسباب النزول
لم يكن الطلاق في الجاهلية مقيداً بعدد معين او شروط خاصة، فكان الرجل يطلق امرأته عشرات المرات ويراجعها قبل ان تنقضي عدتها، فجاءت امرأة فشكت الى ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وان زوجها يضارها بكثرة الطلاق والرجعة، فاخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزل قوله تعالى [ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ].
وهذه الواقعة وما شابهها تدل على ضرورة الآيات القرآنية والحاجة اليها في ضبط وتنظيم الحياة الإجتماعية وتهذيب النفوس، وروي انه لما نزل قوله تعالى [ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ] قيل له صلى الله عليه وآله وسلم: فاين الثالثة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: هو قوله [ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ].
مفهوم الآية
آية اعجازية ان تبدأ الآية بتحديد عدد الطلقات لتتجلى فيها صيغة الحكم السماوي، وكيفية مجئ التشريع الإلهي بجوامع الكلم، ليكون قانوناً ثابتاً الى يوم القيامة على نحو النص الثابت الذي لا يقبل الإجمال وتعدد الإحتمالات او الظاهر وما يقابله، فالآية نص وبيان صريح وتمنع من الإفراط والإسراف في باب الطلاق وتحرم تعدده الا وفق قيود الكتاب الكريم، وقد تقدم في اسباب النزول ان العرب في الجاهلية لم يجعلوا حداً لعدد المطلقات وفعلاً ان هذا الحد لا يمكن ضبطه الا بتشريع سماوي فبدونه يمكن للأغنياء والرؤساء التطاول والتمادي ثم يلحق بهم من هو ادنى منهم أي لو كان التحديد بالقوانين الوضعية لخالفه من سنها وامر بالعمل بها، فلابد من امر سماوي يحدد عدد مرات الطلاق او عدمه والله اعلم بالمصالح والمفاسد وما ينفع في اصلاح احوال الزوجين والمجتمعات عموماً لذا فان هذه الآية كفلت للمرأة حقها ووضعت حداً للإساءة لها والإضرار بها وحالت دون الضرر الذي يحصل لو لم ينزل القرآن باحكام الطلاق.
وفي الآية تأديب للرجال ونهي من الاسراف في الطلاق والتدبر والتأمل، وعدم التعجل بالطلاق او اللجوء اليه، لذا جاء التحذير من الطلاق الثالث بالتوصية القرآنية بالإمساك بالزوجة بالحسنى ومعاملتها بالرفق عسى ان يكون هاجس الفراق النهائي حائلاً دون الطلاق الثالث لذا جاء الإمساك في الآية مقدماً على التسريح.
ومن الإعجاز والتكامل في الشريعة الإسلامية ان تجد الحكم التشريعي مقترنا بعلم الأخلاق وتهذيب النفوس لتترشح خصائص كل واحد منهما على الآخر، فقد وصفت الآية الطلاق الثالث بانه تسريح باحسان في توكيد على حسن الفراق والوداع الكريم والمنع من غلبة النفس الغضبية، وبينما جاء حكم الطلقتين على نحو الإطلاق وبينونة المرأة عن زوجها جاءت الطلقة الثالثة بالتخيير والترديد بين امرين كريمين والتوصية السماوية، وهذا التخيير والأهمية الخاصة للتطليقة الثالثة مدرسة عقائدية واجتماعية واخلاقية تدعو الباحثين لقراءة المعارف الإسلامية، وكيف انها تقود الى الصلاح وتعالج امراض النفس والمجتمع بصيغ اللطف والإحسان من غير ان يكون هناك غبن لأحد الأطراف، فهذا التخيير لا يمنع الزوج من الإنفصال عن زوجته ولكنه عنوان خاص لإكرام المرأة والمنع من ايذائها، ولكي لا يكون الطلاق باباً للذلة والأذى المتتابع.
ويبدو ان التسريح في المقام اشد من الطلاق، لأن الطلاق فيه عدة للزوج الحق بالرجوع بامرأته بعد الطلقة الأولى والثانية اما الثالثة التي وصفها القرآن بالتسريح فانه لا رجعة للزوج فيها اثناء العدة، والتسريح يعني التسهيل والإرسال، كأنها تصبح مستعدة للنكاح من الغير، لأن التسريح يتضمن معنى الإخراج كما يقال: تسرح فلان من هذا المكان اذا ذهب وخرج قال تعالى [ فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً ]
وما في الآية من المنع من التعدي علىالمرأة حتى في حال الفراق درس اخلاقي ونهي عن التجاوز على حقوق الآخرين واموالهم بالأولوية، لأن الزوجة تأخذ المهر من الزوج وهو حقها وثمن بضعها، فجاءت الآية لتمنع الزوج من الرجوع فيه واخبرت بالدلالة الإلتزامية بان هذا الفرد ليس من التسريح باحسان بل هو فرد مستقل لابد من صيانته لتتجلى عناية الإسلام بالمرأة وحفظ حقوقها، وجاء استثناء الفدية والخلع لتقديم قاعدة لا ضرر ولا ضرار، ولأن توظيف المال في دفع الشر من احسن وجوه الإنفاق ولمنع الفتنة واستمرار الأذى، وللإفتراق بالحسنى كما ان الفداء في الآية اعم من موضوع الخلع فقد يكون سبيلاً لدوام العلاقة الزوجية وسبباً لطرد النفرة، ومقدمات الفراق ,كما لو تنازلت عن شطر من مهرها او نفقتها او قسمتها.
وجاءت خاتمة الآية مركبة من امرين خاص وعام بينهما عموم وخصوص مطلق، فاما الخاص بصيغة التشديد والإنذار للتحذير من التعدي والتجاوز في احكام الطلاق، وفيها دلالة على موضوعيته في بناء الإسلام وحفظ الأجيال وتعاهد المجتمعات وسلامة الحياة الزوجية، فاما ان تكون حياة زوجية كريمة تتيح للزوجين اداء الفرائض وتعظيم الشعائر وتمنع من الإنشغال عن ذكره تعالى والا فان الطلاق باب مفتوح، ولكنه مشروط ومقيد بقواعد تشريعية واخلاقية تزجر عن التعدي والضرر وتعطيل المرأة وحجب حقوقها، واما العام فهو نعت المتعدي لحدود الله واحكامه مطلقاً بالظلم سواء كان في باب الزوجية والطلاق او في باب العبادات او المعاملات او الأحكام وبالمسائل العامة او الخاصة، ومن التعدي في المقام التشريع الوضعي المخالف للنص القرآني، واحكام الصلح التي يقوم بها الأولياء او الملأ او الوجهاء المتضمنة للتفريط بحق المرأة والميل عليها عند التدارك، ومن غير الحصول على رضاها ولا اعتبار بالإكراه والإجبار والإضطرار، لأنها مخالفة للقواعد العامة للعقود.
فخاتمة الآية اصلاح وتثبيت لأحكام الطلاق ومطلق احكام الشريعة وفضح للذي يتجاوزها ويتعدى عليها لأن في التعدي ومحاولة التغيير والتبديل ظلم واذى ونعت التجاوز على الأحكام بالظلم يعني بالدلالة التضمنية الوعيد والتخويف بالعقاب كما تنهى الآية عن الإجتهاد في مقابل النص وتثبت احكام الطلاق الى يوم القيامة وتدعو الى بيان منافعها واضرار الخروج عليها، وفي هذه الآية يتكرر لفظ (حدود الله) اربع مرات من اصل مجموعها في القرآن والبالغ ثلاث عشرة مرة، لبيان موضوعية احكام النكاح والطلاق ولزوم عدم التعدي التفريط فيها.
التفسير
تفسير قوله تعالى [ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ]
ظاهره الإبتداء وعليه الصناعة النحوية وفيه بيان لعدد مرات الطلاق الجائز، ويفيد انفراد واستقلال كل تطليقة على خلاف بين علماء المسلمين سواء بالإرسال وهو قوله: انت طالق ثلاثاً، او الجمع كما لو قال: انت طالق، انت طالق، انت طالق، أو انه لا يقع الا تطليقة واحدة على المختار لإمكان التفكيك بين الإيقاع وغيره.
ومال اليه الفخر الرازي ونسبه الى كثير من علماء الدين، وفي مفاتيح الغيب: الجمع بين الثلاث حرام، وزعم ابو زيد الدبوسي في الأسرار: ان هذا هو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عمر، وابي موسى الأشعري وابي الدرداء وحذيفة.
وقيل ان هذا الكلام ليس ابتداء وهو متعلق بما قبله وبهذا التفسير يجوز الجمع بين الثلاث، وبه قال الشافعي، وذهب ابو حنيفة الى الحرمة التكليفية للجمع في الطلاق ولكنه يقع على القول بان النهي لا يدل على الفساد.
ان هذا التقييد يدل على موضوعية العدد وانه نوع رحمة وتخفيف ومندوحة للوفاق بعد ملائمة مدة العدة للتدارك والرجوع بالزوجة.
وتعتبر الآية مدرسة اخلاقية واجتماعية وحصانة للحياة الزوجية من دون ان تجعل الزواج قيداً دائمياً غير قابل للفسخ او انه صعب المنال وذو شروط غير متيسرة.
انه تحديد ومنهج وتخطيط سماوي لتنظيم الأسرة المسلمة والإرتقاء بالواقع الإجتماعي، وفيه فرصة للزوجين للإلتئام او الإفتراق من غير اضرار معتد به بالمرأة ويحول دون الإجتهاد والأهواء والميول وتحكيم النفس الشهوية او الغضبية، ويكون حق الرجعة بالمطلقة مناســبة للدراسة المقارنة بين حال اضرار العزوبة ومنافع الزوجية، وحال العصمة والإفتراق.
ووردت الآية بصيغة الخبر ولكنها تتضمن الشرط والجزاء لبيان الحكم المتعقب للطلقتين.

تفسير قوله تعالى [ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ]على وجهين:
الأولى : الإمساك بالشيء حبسه وعدم اطلاقه لذا ورد القيد “بمعروف” باعجاز ظاهر ليكون اجتماعهما حالة وسطاً.
الثانية : موضوع هذا الشطر من الآية يتعلق بامرين:
الأول: الحياة الزوجية بعد الرجعة من الطلقة الثانية.
الثاني: الطلاق الثالث.
وتدل الآية بالدلالة التضمنية على خصـوصية لكل من الأمرين اعلاه.
الأول : في الآية حث على اكرام المرأة والإحسان لها وعدم ايذائها بعد التطليقة الثانية، منعاً لحصول الطلاق الذي لا رجعة له، حتى تنكح غيره وتذوق عسيلته ويذوق عسيلتها فان فارقها، فللزوج الأول ان يخطبها.
الثاني : هذا التباين الموضوعي بين التطليقتين الأوليتين من جهة والتطليقة الثالثة من جهة اخرى، يبين اهمية وتميز هذه التطليقة.
الثالث : في الخبر عن الإمام الرضا عليه السلام في الآية: الإمساك بالمعروف كف الأذى واحباء النفقة، واما التسريح باحسان فالطلاق على ما نزل به الكتاب.
الرابع : ذهب الرازي الى ان المراد بقوله تعالى [ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ] ان الزوج لا يراجعها بعد التطليقة الثانية حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة( )، ولكنه تحصيل لما هوحاصل فان التسريح يحصل بايقاع التطليقة الثانية ذاتها.
الخامس : لعل لفظ (التسريح) اعم من الطلاق وانه برزخ بين الإمساك وبين الطلاق، كهجرها او تركها تخرج من البيت باذن الزوج الى اهلها للتأني في الإقدام على التطليقة الثالثة، والإحسان هو عدم الطرد والضرب والجفاء لأنها باقية بعصمة الزوج وتستحق النفقة وهذا التأويل على فرض ثبوته خصوصاً مع عدم المانع منه ليس شرطاً او مقدمة واجبة للتطليقة الثالثة بل هو نوع علاج ووقاية وتدارك ويدل عليه ظاهر قوله تعالى في الآية التالية [ فَإِنْ طَلَّقَهَا ] وبه بيان ورد على توقف بعض كبار المفسرين، وقال احدهم: فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة، لكان قوله: فان طلقها طلقة رابعة وانه لا يجوز.
السادس : قيد الإحسان في التسريح والطلاق يتعلق بالزوج وحده أي هو المأمور بالإحسان باعتبار ان عقدة النكاح وحله بيده، ام انه شامل للمرأة وان عليها الإحسان عند الإفتراق، الجواب: انه شامل لها ايضاً فليس من دليل يحصر القيد نعم وظيفة الرجل ومسؤوليته تحتم عليه تعدد مصاديق الإحسان، لكي يكون الفراق وفق الصيغ الشرعية والآداب الإسلامية.
السابع : هذه الآية (مدرسة الطلاق) وتدل على لزوم احترام مدة الصحبة وايام العشرة وما فيها من المودة والإنجذاب بين الزوجين، بالفراق والوداع الكريم.
الثامن : من مصاديق الإحسان عدم الغبن والإضرار او الإيذاء، وان لا يكون الطلاق الأخير للإيذاء والتشفي واحداث الشماتة بالزوجة، او ان الزوجة تريده لهذه الأسباب ونحوها.

تفسير قوله تعالى [ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ]
على وجوه :
الأول : هذا الشطر من اهم وجوه الإحسان وكأنه تفصيل بعد اجمال.
الثاني : في الآية نهي عن الرجوع بشيء مما اعطي للزوجة من المهر لأنه عوض للدخول بها واستباحة فرجها.
الثالث : عدم الحلية يدل على ان المهر ملك للزوجة، لعمومات عدم جواز التصرف بمال الغير من دون اذنه.
الرابع : لم تبين الآية اختصاص الحكم بالمدخول بها، ولكنه ظاهر بالقرينة وتعدد الطلاق ومبين بالسنة النبوية الشريفة.
الخامس : تنمي الآية الواعز الأخلاقي، والردع الذاتي من التعدي على حقوق المرأة.
السادس : الآية حرب على النفس الغضبية والشهوية.
السابع : الآية حارس امين ملازم للحياة الزوجية ايضاً يتعاهد المهر في غياب اسباب الإحتراز الذاتي وامكان التعدي على مقومات قاعدة السلطنة، فالزوجة بما عندها من المهر تريد ان تلبس حليها وتتمتع بثيابها وعدتها واثاثها، وامكان السطو عليها من الزوج وذويه منبسط على آنات الليل والنهار وبمختلف الصيغ الظاهرة والخفية، وقد يأتي احياناً على نحو الإستدانة والقرض سواء مع قصد الوفاء والقضاء ثم التواني والإعتذار، او مع عدمه، فتأتي هذه الآية تنبيهاً وتحصيناً للمرأة وحفظاً لحقها.
الثامن : تستجيب الآية للنزعة الذاتية عند المرأة من الحرص على ما تمتلكه وتدخره وترى فيه عزاً لها وسبباً للتفاخر بين النساء، ولهذه الإستجابة آثار مباركة على عبادة المرأة وصلاحها.
التاسع : تمنع الآية من اسباب الفساد واثارة مقدمات الفتنة والخصومة بين الزوجين فقد يكون التعدي على مهر المرأة سبباً للفرقة.
العاشر : الآية خطاب للحكام والقضاة واولياء الأمور واهل الزوج بلزوم حفظ حقوق المرأة.
الحادي عشر : تنمي الآية قدرة المرأة علىالإحتفاظ بمالها والإحتفاظ بمهرها وانه ملك خاص لها لا يجوز للزوج ان يأخذه او شطراً منه.
الثاني عشر : الظاهر ان النهي يتعلق بالأعم من المهر فيشمل الهبة ونحوها لإصالة الإطلاق وحجية الظواهر والنص، فقد ورد في تفسير العياشي عن زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام قال: “لا ينبغي لمن اعطى الله شيئاً ان يرجع فيه، وما لم يعط لله وفي الله فله ان يرجع فيه نحلة كانت او هبة، جيزت او لم تجز، ولا يرجع الرجل فيما يهب لأمرأته ولا المرأة فيما تهب لزوجها جيزت او لم تجز، أليس الله يقول [ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ] وقال [ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ]( )” ( ).
ويشمل النهي الملك الخاص وما جاء للزوجة بالأرث والهبات من باب الأولوية، فاذا كان النهي شاملاً للمهر وما أعطاه الزوج للزوجة فلابد انه يشمل مالها الخاص وما أعطاه الغير لها.
بحث اعجازي
من اعجاز القرآن ما فيه من وجوه الخطابات وتعددها وتضمنها لمنطوق ومفهوم، فقد يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به الأمة، لتشترك السنة النبوية مع التنزيل في التشريع كما في قوله تعالى [ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ ]( ) فالآية جاءت لتشريع صلاة الخوف.
وقال ابو يوسف صاحب ابي حنيفة بان صلاة الخوف من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يوافقه على قوله احد من علماء المسلمين جميعاً لأن (فيهم) ليست شرطاً بل جاءت بمنزلة الحال ولأن القرآن نزل بلغة اياك اعني واسمعي يا جارة، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو انحلالي ينحل بعدد المسلمين الى يوم القيامة.
وقد اختلف في حصول خطاب العام والمراد الخصوص في القرآن، ومنكره قال بان الخصوص كالإستثناء المتصل، ومنهم من قال بوقوعه واستدل بآيات منها هذه الآية ففي اول الآية قال تعالى [ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ] وانه خاص في الذي اعطاها الزوج، ثم قال تعالى [ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ] فهذا عام فيما اعطاها الزوج او غيره اذا كان ملكاً لها.
ولكن موضوع الخطاب مختلف، فمن شرائط خطاب العام والمراد الخصوص او العكس وحدة الموضوع، وظهور القرينة على ارادة الأخص اما هذه الآية فالإستثناء ظاهر فيها، ومن اعجازها ان صدر الآية تعلق بالأخذ من مهر المرأة وحقها عدواناً وظلماً وبغير حقها عدواناً وظلماً وبغير حق، اما في الشطر الآخر فالموضوع الفداء وليس الأخذ، كما انه صريح بانها هي التي تفتدي نفسها وهو اعم من اخذ الزوج ويعود القرار اليها ويجوز ان ترجع عنه.

تفسير قوله تعالى [ إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ]
هذا استثناء من النهي والمنع عن اخذ جزء من مهرها وحقها، والمراد منه الخلع وما هو اعم منه، وذكر ان الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن ابي وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه اشد البغض، وكان يحبها اشد الحب، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالت: فرق بيني وبينه فاني أبغضه، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في اقوام فكان اقصرهم، واقبحهم وجهاً، واشدهم سواداً، واني اكره الكفر بعد الإسلام، فقال ثابت: يا رسول الله مرها فلترد عليّ الحديقة التي اعطيتها فقال لها: ما تقولين: قالت: نعم وازيده، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا حديقته فقط، ثم قال لثابت: خذ منها ما اعطيتها وخل سبيلها ففعل، فكان ذلك اول خلع في الإسلام.
وعن ابي بصير عن الصادق عليه السلام قال: “سألته عن المختلعة كيف يكون خلعها؟ فقال: لا يحل خلعها حتى تقول والله لا ابر لك قسماً ولا اطيع لك امراً ولاوطين فراشك ولادخلن عليك بغير اذنك فاذا هي قالت ذلك حل خلعها وحل له ما اخذ منها من مهرها وما زاد وذلك قول الله [ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ] واذا فعل ذلك فقد بانت منه بتطليقة وهي املك بنفسها ان شاءت نكحته وان شائت فلا، فان نكحته فهي عنده على ثنتين”( ).
مسائل في الخلع
أولا : الخلع –بضم الخاء- اسم مصــدر من الخلـع بالفتح وهو النزع باعتبار ان كلاً من الزوجين لباس للآخر، فالفراق خلع لهذا اللباس هو الطلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها فهو قسم من الطلاق ويعتبر فيه جميع شروط الطلاق المتقدمة ويزيد عليها بان يعتبر فيه كراهة الزوجة لزوجها خاصة فان كانت الكراهة من الطرفين كانت مبارأة، وهو نوع مصالحة على الفراق، وان كانت الكراهة من طرف الزوج خاصة لم يكن خلعاً ولا مباراة لأن الله عز وجل جعل بيده الطلاق.
ثانياً : يقع الخلع بلفظ الخلع والطلاق مجرداً كل منهما عن الآخر او منضماً فبعد ما تنشأ الزوجة بذل الفدية ليخلعها فيجوز ان يقول خلعتك على كذا او انت مختلعة على كذا، او يتبعه بقوله فانت طالق على كذا او يتبعه بقوله فانت مختلعة على كذا.
ثالثاً : الخلع وان كان من الإيقاعات من طرف واحد الا انه يشبه العقود في الإحتياج الى طرفين وانشائين، بذل شيء من طرف الزوجة ليطلقها الزوج وانشاء الطلاق من طرف الزوج بما بذلت.
رابعاً : يصح الخلع لو ابتدأت المرأة بالبذل من طرفها فيخلعها على ما بذلت كما يصح بان يبتدئ الزوج بالطلاق مقدماً بذكر العوض فتقبل الزوجة بعده والأحوط استحباباً الأول.
خامساً : يشترط في الخلع ان تكون الزوجة كارهة للزوج من دون ان يكون الزوج كارهاً لها، والأحوط ان تكون الكراهة بدرجة شديدة بحيث تخشى على دينها او على نفسها او الخروج عن الطاعة بغض النظر عن اسباب الكراهة سواء كانت بسبب فقر الزوج او قبح منظره او وجود الضرة المتحدة او المتعددة او المشاكل اليومية المتتالية معه او داخل الإسرة او عدم ايفائه لبعض الحقوق الواجبة او المستحبة.
سادساً : لو كانت الكراهة وسبب الخلع ايذاء الزوج لها بالسب والشتم والضرب ونحوها فتريد تخليص نفسها منه فبذلت شيئاً فطلقها يحرم عليه ما يأخذه منها ولكن الطلاق صحيح.
سابعاً : لو طلقها بعوض مع عدم الكراهة من طرفها لم يصح الخلع ولم يملك العوض وكان الطلاق رجعياً.
ثامناً : طلاق الخلع بائن لا يقع فيه الرجوع ما لم ترجع المرأة فيما بذلتْ، ولها الرجوع فيه ما دامت في العدة فاذا رجعت كان له الرجوع اليها.
تاسعاً : لو رجعت المرأة عن الفداء صار الطلاق رجعياً بمجرد رجوعها ويترتب عليه اثاره من وجوب النفقة والتوارث وغيرهما مدة العدة وان لم يرجع بها الزوج على الأقوى.
وعن الزهري والنخعي وداود: لا يباح الخلع الا عند الغضب والخوف من عدم اقامتهما حدود الله، باعتبار ان الإستثناء متصل وانه جاء في الآية حصراً بحالة مخصوصة فقال تعالى [ إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ] ولكن الخلع غير مقيد بحال الغضب والخوف، فالمعتبر في الخلع كراهة الزوجة للزوج، وفي المبارأة تعتبر كراهة كل من الزوجين للآخر، ثم ان الإستثناء في الآية يفيد اطلاق الخوف وهو ا مر يتعلق بالمستقبل، وظن بنزول ضرر وفوات نفع فيه، بالإضافة الى عمومات قاعدة تفسير القرآن بالقرآن قال تعالى [ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ]( ) فيكون الخلع في حال الكره والبغض من باب اولى من حال الوئام والوفاق واتصال ايام الزوجية.

تفسير قوله تعالى [ فَلاَ جُنَاحَ عَليْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ] من وجوه :
الأول : الآية اذن ورخصة ونفي للعقاب والإثم.
الثاني : فيها منع لتوجيه اللوم للزوجة بانها فرطت بحقها ونهي عن تعيير الزوج بانه رجع فيما اعطاه لزوجته من المهر والهبة.
الثالث : التقييد بالفداء يمنع من التفريط من جانب الزوجة، والتعدي من الزوج.
الرابع : تبين الآية السعة في الشريعة والتخفيف عن المؤمنين.
الخامس : في الآية جواز اتخاذ الأموال واقية وعوضاً لحل المشاكل ودرء الفتنة والبحث عن بعض الحلول للإصلاح والنسبة بين مقدار الخلع والمهر على ثلاثة وجوه:
أولاً : الخلع اقل من المهر.
ثانياً : اكثر من المهر.
ثالثاً : التساوي.
والأقوى جواز كون الخلع اكثر او اقل من المهر او مساوياً وهو المشهور، مع لزوم الإتفاق على كونه معلوماً ومالاً متمولاً، ويشترط تعيينه اما بالوصف الرافع للغرر او بالمشاهدة، وعلة جواز اكثر من المهر أن الكراهة منها فلا يقدر الفداء، وفي صحيحة زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام: “المبارأة يؤخذ منها دون الصداق والمختلعة يؤخذ منها ما شاءت او ما تراضيا عليه من صداق او اكثر”، وذهب الشعبي والزهري والحسن البصري وعطاء الى عدم جواز اخذ المطلق اكثر مما اعطاها.

تفسير قوله تعالى [ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ]
في الآية وجوه:
الأول : توكيد لأحكام الطلاق والخلع.
الثاني : اهمية احكام الزواج والطلاق.
الثالث : الوعيد والتخويف من التعدي على احكام الطلاق.
الرابع : تدل الآية على الإعجــاز ونفاذ الحكم القرآني، لذا ترى الإلتزام العام من المسلمين وحكوماتهم وقوانينهم الوضعية باحكام الحياة الزوجية.
الخامس : من حدود الله ومحارمه الطلاق باحسان ومعروف وعدم الإيذاء.
السادس : تحذر الآية من ايذاء المرأة وضربها من اجل ان تفدي نفسها او لزيادة مقدار الفداء الذي تقدمه، كما لو عرضت نصف المهر واراد الزوج المهر كله عوضاً في الخلع.
السابع : في الآية اكرام للمرأة، واخبار عن لطفه ورحمته تعالى بالمرأة والمنع من ظلمها واستضعافها وسلب حقوقها.
الثامن : تظهر الآية فضله تعالى بجعل احكام الطلاق من الأمور الأساسية في الشريعة والسنن.
التاسع : من اهم منافع احكام النكاح والطلاق اظهار السعة والتخفيف في الأحكام التكليفية والوضعية وامكان التدارك ومنع الفتنة واتصال الخصومة.

تفسير قوله تعالى [ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ]
في الآية مسائل:
الأول : الآية انذار ووعيد ونهي عن تجاوز احكام القرآن في مسائل النكاح والطلاق.
الثاني : مفهوم الآية يدل على مدح المسلمين لتقيدهم والتزامهم باحكام القرآن.
الثالث : من اشد وجوه الظلم والتعدي تجاوز احكام القرآن ومخالفتها وعدم الإلتزام بها.
الرابع : عدم الإلتزام باحكام القرآن يؤدي الى سقوط العدالة ونعت الإنسان بالتعدي والظلم.
الخامس : من فلسفة الأحكام انها اضفت عناوين عامة واجتماعية على مواضيعها، فمن يخالف مضامينها وما فيها من القواعد والسنن يتعرض للأذى و يواجهه الناس بالذم والتوبيخ واللوم.
السادس : تدل الآية بالدلالة التضمنية على الوعيد بالنار كعاقبة لمن يتعمد مخالفة احكام القرآن في الطلاق وسننه.
السابع : في الآية مواساة للمرأة واظهار لإكرامها وتخفيف عنها لما يصيبها من الأذى والظلم، والآية اخبار بان الله عز وجل ينتقم للمرأة ويستوفي حقها ان لم يكن في الدنيا ففي الآخرة.
الثامن : ان الظلم للمرأة هو ظلم للشريعة وتعدِ على احكامها.
التاسع : لا ينحصر الوعيد في الآية بالزوج او الرجل مطلقاً بل يشمل المرأة ايضاً التي تخالف الأحكام الشرعية في الحمل والعدة وتسيء العشرةمع الزوج كمقدمة لطلاقها وحصول الفراق.


قوله تعالى
[ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا
حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ] الآية 230.

الإعراب واللغة
فان طلقها: الفاء استئنافية، ان: شرطية، طلقها: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، الهاء: ضمير مفعول به.
فلا تحل له: الفاء رابطة لجواب الشرط، لا: نافية، تحل: فعل مضارع، الفاعل ضمير مستتر تقديره هي ويعود للزوجة المطلقة، له: جار ومجرور والجملة في محل جزم جواب الشرط.
حتى تنكح زوجاً غيره: حتى: حرف غاية وجر، تنكح: فعل مضارع منصوب بان مضمرة بعد حتى، زوجاً: مفعول به، غيره: صفة، فلا جناح عليهما: الفاء رابطة، لا: نافية للجنس- جناح: اسمها مبني على الفتح، وتلك: الواو: استئنافية، تلك: مبتدأ.
وقرأ عاصم (نبينها) بالنون، والباقون بالياء أي انه تعالى يبين الآيات.
قوله تعالى(فلا جناح عليهما أن يتراجعا) أي في أن يتراجعا.
(يبينها) يقرأ بالياء والنون، والجملة في موضع نصب من الحدود، والعامل فيها معنى الإشارة.
في سياق الآيات
تتعلق الآية باحكام الطلاق، وبعد ذكر عدد مرات الطلاق جاءت هذه الآية للأخبار عن احكام التطليقة الثالثة، وما يترتب عليها من الآثار، وذكر التطليقة الثالثة بعد الخلع لبيان انقطاع سبيل الرجعة فيها.
إعجاز الآية
ان افراد التطليقة الثالثة بآية من القرآن نوع اعجاز لما يدل عليه من الأهمية الشرعية والإجتماعية والأخلاقية لها، وفيه تحذير من وقوعها وبيان لأحكامها على نحو التفصيل.
وقد ورد لفظ حدود الله عز وجل ونبين في آية البحث كما ورد أربع مرات في الآية السابقة لبيان موضوعية حدود الله عز وجل وأحكام الشريعة في الصلات الزوجية .
( عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه – وكانت له صحبة – قال : كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال : يا أيها الناس ، هل تدرون في أي شهر أنتم ، وفي أي يوم أنتم ، وفي أي بلد أنتم؟
قالوا : في يوم حرام ، وشهر حرام ، وبلد حرام ، قال : فإن دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه ، ثم قال : اسمعوا مني تعيشوا ، ألا لا تتظالموا ألا لا تتظالموا ، إنه لا يحل مال امرىء إلا بطيب نفس منه ، ألا أن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة ، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتله هذيل ، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع ، وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، ألا وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض ، منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، إلا إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه في التحريش بينهم ، واتقوا الله في النساء فانهن عوان عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئاً ، وإن لهن عليكم حقاً ولكم عليهن حقاً أن لا يوطئن فرشكم أحداً غيركم ، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه ، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وبسط يديه . وقال : اللهمَّ قد بلغت ألا هل بلغت ، ثم قال : ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رُبَّ مبلغ أسعد من سامع) ( ).

الآية سلاح
في الآية تحريض على التأني في التطليقة الثالثة وتثبيت دائم لما يترتب عليها من الأحكام ولزوم التقيد التام بها.
مفهوم الآية
بعد بيان حقوق المرأة المطلقة والتحذير من الظلم والتعدي عليها جاءت هذه الآية لتبين حكماً آخر يتعلق بحق الإسلام في موضوع الزواج والضوابط العامة التي تنظم احكام الطلاق، وتمنع من الإسراف فيه من غير ان تغلقه، او تؤثر سلباً في جوازه واعتباره من افراد الحلال، فجاءت الآية بنظام (التحليل) ولا يعني ان وظيفته تنحصر بالتحليل للزوج الأول، بل ان زواج المطلقة ثلاثاً من شخص آخر مطلوب بذاته ايضاً لبيان عظيم فضله تعالى على المرأة وللمنع من ظلمها وتجاوزها، والمندوحة والسعة في احكام النكاح.
ومن الإعجاز ان هذه الآية وما فيها من الحكم جاءت بعد التخويف والوعيد من التعدي علىحدود الله واحكام الشريعة والنهي من الظلم والتجاوز وقد لا يأتي شخص آخر للزواج منها، ولكن زوجها الأول يريد نكاحها.
فمنعت الآية حصول هذه الصورة زجراً وتأديباً، ولابد من المرور بمرحلة الزواج من الغير مع عدم ضمان الفراق وحصول الطلاق بالإضافة الى مدة العدة المركبة، فالطلاق الثالث فيه عدة لا يحق للغير الزواج فيها من المطلقة، وبعد انقضاء العدة يتزوجها شخص آخر ان رضيت فان طلقها فلابد ان تقضي العدة كي يرجع بها الأول او يخطبها غيره، وحتى مدة العدة فان المرأة تكون فيها عرضة لأن يرجع فيها الزوج الثاني بالقول او الفعل.
وجاءت الآية باحكام الطلاق وهو ايقاع بيد الزوج الا ان الآية السابقة تحدثت عن فداء الزوجة بالمال اما هذه الآية فتتعلق بالطلاق الثالث وافتراش شخص آخر للمرأة بما يعطي للمرأة حقاً في الإختيار مساوياً بعرض واحد لحق الرجل بقوله تعالى [فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا] أي ان الرجل هو الذي يخطب ويسأل وبعد موافقتها على الزواج والمهر يكون امر الطلاق بيده لأنه الذي اخذ بالساق على نحو التعدد لثلاث مرات وله حق الرجوع اثناء عدة الطلاق الأول والثاني وليس لها هذا الحق، اما في هذه المرة فالرجوع الى الزواج الأول لها الخيار فيه على نحو ابرزه القرآن صريحاً، ولعل فيه تعريضاً بالزوج لتفريطه بحقه واقدامه على كثرة الطلاق، كما ان الآية قيدت التراجع باقامة حدود الله عز وجل في الوقت الذي لم يكن هذا القيد شرطاً في بداية النكاح بل كان ترتيبياً وفق التقسيم الآتي:
الاول : ليس ثمة شرط في بداية النكاح، وان كانت الشروط العامة للعقود والأحكام التكليفية المترتبة على عقد النكاح معروفة.
الثاني : في الرجوع بذات العدة جاء شرط [إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا] ويكفي فيه النية والعزم ومسمى الإرادة.
الثالث : الفدية في حال الخشية من التعدي والإسراف والتفريط باحكام الزوجية.
الرابع : بعد الطلاق الثالث لا يحق الرجوع الا بعد:
أولاً :النكاح من شخص آخر.
ثانياً : قيامه بالطلاق.
ثالثاً : انتظار خروجها من عدته وعدم رجوعه فيها مدتها.
رابعاً : نية الرجوع من الطرفين الزوج والزوجة وليس الزوج وحده.
خامساً : تقييد نية الرجوع بالظن المعتبر بالإلتزام باحكام الزوجية، وعدم التعدي او التفريط.
وخاتمة الآية مدح للمسلمين، وهذا المدح يتجلى بلسان الخطاب وتوجه الأوامر والنواهي لهم كأمة وافراد، رجالاً ونساء وحكاماً وقضاة واولياء امور، ويتجلى بمواظبة المسلمين على حسن الإمتثال في باب النكاح والطلاق.
وهذا من اعجاز القرآن ان يأمر بالحكم الشرعي، ويمدح المأمور، وهذا المدح شهادة ومصداق على ان المسلمين سيقيمون حدود الله ولا يتجاوزونها فهو سبحانه غني غير محتاج لأحد , وهذا المدح توكيد للطف الإلهي والتوفيق للطاعة، والإنصياع لأوامره سبحانه وبشارة الثواب الجزيل واخبار عن صلاح المجتمعات الإسلامية، ولو اجريت دراسات مقارنة متعددة ومختلفة الجوانب والحيثيات على الحياة الزوجية ونظام النكاح والطلاق في الإسلام، وغيره من الملل والقوانين الوضعية، لرأيت البون بينها شاسعاً، وان احكام الإسلام تتضمن التدارك والإصلاح والمنع من التداعي والتفريط وفيها اكرام للمرأة كما تكشف زيف ادعاء القوانين الوضعية بحرية المرأة او اكرامها، فانه اكرام ظاهري يتضمن القهر واقحامها في امور تتعدى قدراتها وما خلقت له من الإنجاب وحسن العشرة مع الزوج واطاعته وادخال السرور على قلبه.
ولقد كانت اوربا تضرب الحجاب علىالمرأة ثم بدأت تعرض عن تقاليدها منذ نحو ثلاثة قرون، وظهرت مشاكل وصعاب مستحدثة لن يستطيع الإعلام التعتيم والتغطية عليها، بل ان الثورة المعلوماتية والعولمة سيكونان سبباً في فضحها بشرط التزام المسلمين بالحدود والأحكام التي جعلها الله ضوابط للصلات الزوجية وعوناً على بناء المجتمعات الإسلامية.
وهنا يبرز الإعجاز القرآني بانه اقوى سلاح في وجه العادات الذميمة المستحدثة والتهاون والإستخفاف في قيم النكاح، وهو الحرز والمانع من تداخل الأحكام والإنسياق وراء ما تزينه اجهزة الإعلام والدوائر الخاصة، ومن اسرار هذه الآيات والدلالات الباهرات فيها انك تجد لفظ (حدود الله) يتكرر في آيتين منها ست مرات من مجموع عددها في القرآن والبالغ ثلاث عشرة مرة، مع عظيم اهمية هذا اللفظ وموضوعيته واعتباره في الأحكام.
ففي الآية تنبيه وتوكيد على قدسية احكام الطلاق والحاجة الى هذا التوكيد وبيان القدسية تبدو جلية في هذا الزمان اكثر من غيره، وكما جاء لفظ حدود الله في الآية السابقة اربع مرات فانه جاء في هذه الآية مرتين، وفي موضوع الطلاق ولزوم انصاف المرأة وعدم التعدي على حقوقها، وفيه توكيد على ضمان حقها واحترام ملكيتها اوان الطلاق على نحو الخصوص مع ان الأصل حفظ حقوقها في كل احوالها ومنها مدة الحياة الزوجية التي هي اطول زماناً واكثر حوادث وتفصيلاً فاثناء الحياة الزوجية قد تتحمل المرأة بعض التجاوزات على حقوقها وقد تعفو لاحقاً او تنظر للأمر وفق منظار التكافل والمسؤولية المشتركة وهو الغالب، فتمد يد العون الى الزوج او تعتبر التطاول على حقوقها وكأنه من الفضول الذي يصح بالإجازة اللاحقة على اختلاف في الفقه هل الإجازة كاشفة ام انها ناقلة.
اما في حال الطلاق فانه وحده اذى للمرأة سواء للفراق او لدخولها في عالم جديد مجهول او لإستغناء الرجل عنها ونحوه، فحينئذ لا يصح ان تتحمل اذى اضافياً بالسطو على حقها الخاص مالاً كان او اعتباراً، فجاء القرآن ليكون عضداً لها كمستضعفة ويقوي من عزيمتها ويحفظ حقوقها، ويعينها على اداء عباداتها، ويمنعها من الإنشغال بما يلحقها من الحيف والتعدي، وبذا تتجلى عناية الإسلام الفائقة بالمرأة وعلى فرض حصول تعد لها فان هذه الآيات تفضحه وفيها خير مواساة للمرأة ودعوة لها للصبر لما تدل عليه من الإنذار والوعيد.
وقد جاء لفظ (لا يحل) في هذه الآيات الثلاث على نحو التكرار اللفظي مع التباين في موضوعه على وجوه:
الأول : في الآية قبل السابقة جاء بنهي المطلقات من كتمان ما في أرحامهن من الحمل او حال الحيض.
الثاني : في الآية السابقة نهي للأزواج من الأخذ من المهر شيئاً لأن المرأة تستحقه بالدخول، فيصبح ملكاً لها فيكون الأخذ منه ظلماً وتعدياً مع استثناء حال الخلع.
الثالث : في هذه الآية جاءت عدم الحلية بأصل النكاح وليس في باب مقدمات الطلاق او الأموال، باعتبار ان التطليقة الثالثة تنشر الحرمة ولكن هذه الحرمة ليست ابدية بل مقيدة بعدم النكاح من شخص آخر.
التفسير
تفسير قوله تعالى [ فَإِنْ طَلَّقَهَا ]
أي فان طلقها زوجها التطليقة الثالثة وسرحها وانقطعت عصمة الزوجية، وتدل الآية بالدلالة التضمنية على ارادة الفصل بين كل تطليقة واخرى.

قوله تعالى [ فلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ] على وجوه :
الأول : الآية حكم شرعي ونص ثابت لا يقبل التأويل والتحريف وهو نوع اعجاز قرآني.
الثاني : في الآية تأديب للمسلمين ودعوة للتريث في الطلاق على نحو الإطلاق، لاسيما الذين يحتملون الرجوع في زوجاتهم سواء لوجود الأولاد وما يتعلق بتربيتهم او لشعور الزوج بميل نسبي للزوجة يتوقع نموه وازدياده في حال الفراق، وربما يحصل لهما في الطلاق الأول والثاني، لذا فمن الإعجاز التشريعي في تعدد الطلاق الإختيار النفسي للزوج والزوجة لحال الفراق عنه في حال الزواج والإجتماع والتدرج وفرص التدارك والإقالة، وهو من عمومات اللطف الإلهي.
الثالث : قال تعالى [ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ]( ) ان هذه المودة والرحمة اعم من ان تنحصر بايام الحياة الزوجية واذا انحصرت بها يكون من وجوهها الإجتهاد في الإمتناع عن الفراق وحصول الطلاق، لذا ترى نسبة الإقدام على الطلاق قليلة جداً بالقياس الى حالات الخلاف والخصومة بين الزوجين، وقد تترشح منها حالات ميل فيما بعد الطلاق، فترى المطلق او المطلقة تتهيأ لهما فرص نكاح من الأفضل والأحسن ولكن الميل يبقى غالباً للزواج الأول مع معرفة ما فيه من اسباب الأذى.
الرابع : الظاهر ان الحكم بالمحلل تقييد شرعي وتأديب ونوع حاجة ورادع، والمحلل بعد التطليقة الثالثة عليه النص والإجماع، وفي الخبر: “ان تميمة بنت عبد الرحمن القرظي كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك ابن عمها، فطلقها ثلاثاً، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالت: كنت تحت رفاعة فطلقني قبل ان يمسني أفأرجع الى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أتريدين ان ترجعي الى رفاعة، لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك”، والعسيلة – بضم العين – كناية عن الجماع والقدر القليل والمسمى لأن زوجها الثاني لم تنتشر آلته للإيلاج.
ونقل عن سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب انها تحل للأول بمجرد العقد، ولا عبرة بهذا القول على فرض ثبوته لأن الإجماع سبقه وتأخر عنه وللنصوص، ونقل عن عبد الله بن بكير وهو فطحي.
الا ان الشيخ الطوسي وثقه في الفهرست بقوله عبد الله بن بكير فطحي الا انه ثقة، والتوثيق اجنبي عن الرأي وقوله بصحة الطلاق والرجوع من غير محلل لو حصل الرجوع بعد خروجها من العدة لأنها املك لنفسها، ولا عبرة بهذا القول، فالحديث المشهور عند المسلمين في المقام قاعدة كلية تمنع من الزيغ وتحول دون الأهواء والترفع والغيرة من وطأ شخص آخر للزوجة المطلقة المنوي الرجوع فيها لما فيه من الغضاضة والتجرأ والإشتراك في افتراش ذات المرأة ولو في زمان آخر وعلى نحو شرعي، انه نوع زجر عن الطلاق وتوكيد لشدة كراهة اتيانه.
ومنهم من ذهب الى القول بوجوب عدم قصد التحليل من الزواج الثاني، أي ليس للزوج الثاني ان ينوي بعقد النكاح التحليل للأول حالما يدخل بها واستدل بالنبوي: “لعن الله المحلل والمحلل له”، وقيل انه لا يدل على حرمة قصد التحليل بل يفيد النهي التنزيهي ولأن النهي في غير العبادة لا يوجب الفساد والقدر المتيقن من الحديث النكاح من غير ادخال او بمجرد العقد.
ويمكن ان تكون في الآية دلالة على النهي عن فرض شخص معين ليكون المحلل بلحاظ نسبة النكاح الى نفسها بقوله تعالى [ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ]، أي انها هي التي تختار النكاح من غير ان يفرض عليها المحلل الذي يضمن الزوج الأول مفارقته لها حال الدخول، ومن غير مراجعة الولي والإستئذان منه، وكأن في الأمر مواساة ونصرة لها، وترك الخيار لها لما لحقها من الأذى بالطلاق، انه اكرام اضافي للمرأة.
والضمير في غيره يعود للزوج الأول، وهل المراد الشخصية المجردة ام المعنى الأعم للغيرية بما يزيل اسباب النفرة ومقدمات الطلاق وحصول الفراق، الأقوى هو الأول أي يجب ان ينكحها شخص آخر ولكن بشرط اختيارها ورضاها خصوصاً وان امر الثيب غير الباكر بيدها اذا كانت بالغة رشيدة.
تفسير قوله تعالى [ فَإِنْ طَلَّقَهَا ]
أي ان طلقها الزوج الثاني وخرجت من عدتها، وظاهر الآية صحة الطلاق مطلقاً أي وان كان باتفاق سابق بينها وبين الزوج الثاني او مع اشتراك الزوج الأول ومع الشرط بالطلاق بعد التحليل هل يصح هذا النكاح الجواب نعم، لإصالة الإطلاق ولبطلان الشرط وصحة العقد، بل ان الشرط لا اعتبار له اصلاً فانه يولد ميتاً لعمومات الطلاق بيد من اخذ بالساق، فبامكان المحلل الإمتناع عن الطلاق.
وهناك شواهد كثيرة في التأريخ الإسلامي القريب والبعيد، وهناك من زوج عبده مطلقته ولكن العبد حينما رأى حسنها وجمالها وعرف ما جعل له الإسلام من حق في الإمساك بها وعدم الطلاق امتنع عن الطلاق وانجبت له الأولاد، بالإضافة الى قاعدة نفي الحرج وعمومات اصالة الصحة ولصدق التحليل والدخول وحصول القدر المتيقن وهو الطلاق بشرائطه، ومنها الإختيار وأوان ايقاع صيغته.
وظاهر الآية يشير الى التعليق على الطلاق وعدم ايقاعه الا من قبله وبارادته.

تفسير قوله تعالى [ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا ]
الضمير (هما) في عليهما يعود للمرأة وزوجها الأول الذي طلقها، فلا حرج ولا اثم في عزمها على النكاح من جديد مع وجود المقتضي وفقد المانع.
وجاءت الآية بلفظ الرجوع والعودة الى الحياة الزوجية مع انه نكاح جديد ولا يحصل الا بعد خروجها من عدة الأول، واطلاق التراجع عليه اعم من اللغوي، وفيه اشارة لبيان الإعجاز في تنظيم حياة الأسرة والرأفة الإلهية بالمسلمين والمسلمات بفتح باب التدارك ورأب الصدع خصوصاً وانه قد تترتب مصالح على الرجوع الى النكاح الأول وحصول مفاسد على عدمه ولكنه لم يأت الا بعد تأديب واختلاف في سنخية القرين ولو على نحو الأيام او الساعات غير المحددة سلفاً.

تفسير قوله تعالى [ إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ]
الف الإثنين في ظنا ويقيما يعود للزوجة وزوجها الأول والشرط في الآية جاء على نحو القيد الغالبي وللتحذير من احتمال تكرر الأذى والمشاق في حصول الطلاق ومقدماته مرة اخرى، وفيه دلالة على السعي لإصلاح ذات البين وتهذيب النفوس وازالة الكدورات العالقة، وجاءت الآية بصفة الظن وليس العلم والقطع وفيه نوع اعجاز وتخفيف وتشجيع، فالظن تغليب ورجحان لطرف اقامة الحدود من غير مانع من النقيض في الذهن والواقع العملي.
ومن الإعجاز موضوعية اقامة احكام الله عز وجل، واتيان اوامره واجتناب نواهيه في الرجوع الى النكاح مع ان الأصل هو الإباحة، وسيبقى هذا القيد مدرسة قرآنية في باب علم الإجتماع وحياة الأسرة تعين القائمين على تنظيم احوال الناس وتلمس مناهج اصلاحية عديدة تتفرع عنها.
ومن المفسرين من حمل (الظن) في الآية على العلم واليقين، ولكنه خلاف الظاهر وتشديد في الدين لا دليل عليه، ولا تعني الآية حرمة المراجعة مع ظن الخلاف من النشوز والأضرار وتجدد نفس مقدمات الطلاق لوجود اسبابها العقلية ولو على نحو الإستقراء لأن الآية في مقام الحث على التقيد باحكام الشريعة السمحاء واقالة العثرة، وباب للرحمة والرأفة.

تفسير قوله تعالى [ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ] وفيه وجوه :
الاول : المراد احكام الطلاق وعدد التطليقات وكيفية الرجوع بالزوجة.
الثاني : في الآية بيان للنص والقطع في الحكم الشرعي وخلوه من التأويل بالظن والإجتهاد المترشح عن الرأي والظن وتعدد المحتملات.
الثالث : من الإعجاز القرآني بيان الأحكام الشرعية في اهم المسائل الإبتلائية بآيات قليلة ولتبقى ثابتة الى يوم القيامة.
الرابع : كما ان للكلام منطوقاً ومفهوماً فان للآية معان اخرى يمكن النظر اليها بلحاظ ما لو لم تنزل الآية الكريمة وتأتي بالحكم على نحو التفصيل والوضوح.
الخامس : من الإعجاز اقتران البيان بالتخفيف والتيسير، وجعل الأحكام قريبة ومدركة من كل فرد من افراد المسلمين، انها مدرسة الإسلام التي يشع ضياؤها الى جميع المستويات والأفراد كل يأخذ منها حاجته ويبقى منها مزيد يحث على النهل والإغتراف منها لذا اكدت خاتمة الآية على البيان.
بحث بلاغي
في باب المجاز اعتبرت الآية من باب تسمية الشيء بما يؤول اليه، فاطلقت الآية عليه صفة الزوجية التي تترتب علىالعقد وتمامه، ولكن الآية اعم وتحمل ايضاً على معاني حقيقية منها:
الاول : الإستدلال بها على ارادة الوطئ وعدم كفاية العقد، وقال الأزهري: اصل النكاح في كلام العرب الوطئ، وقال الجوهري: النكاح الوطئ وقد يكون العقد.
الثاني : يقال نكحت هي: أي تزوجت وهي ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم، فالآية تدل على اختيارها ولزوم سعيها للزواج من آخر قبل الرجوع الى زوجها الأول.
الثالث : تنهى الآية عن اعتبار غير الزواج الشرعي، فلا عبرة بالزنا ونحوه، فوطئ الشبهة مثلاً يعتبر وطءً محترماً والولد فيه يلحق بأبيه، ولكنه في المقام لا يجزي لأن الآية قيدت النكاح بالزوج الامر الذي لا يترشح الا عن العقد الشرعي.
الرابع : المشتق وفق الإصطلاح الأصولي وهو كل لفظ اطلق على الذات باعتبار اتصافها بمبدأ معين وهو على ثلاثة وجوه: احدها استعمال اللفظ لذات لم تتلبس في حال النسبة بالمبدأ على نحو الحقيقة ولكنها ستتلبس به فيما بعد، كما تقول لمن يدرس الطب انه طبيب، فزمان النسبة هو ايام الدراسة والذات هو الدارس، والمبدأ هو صفة الطبيب.
وهذه الصورة أي اطلاق الصفة عليه وانه طبيب من المجاز وعليه الإتفاق لأنه ليس طبيباً بالفعل، وكذا بالنسبة لمن يريد النكاح او يريد الذهاب للحج.
ولكن المقام يختلف فالآية ليست اخباراً عن ذات لم تتلبس بعد بالمبدأ انما جاءت لبيان الصفة والكيفية والشرط الذي تصبح به مؤهلة للرجوع الى زوجها الأول فلابد ان يكون نكاحها للغير متقدماً على زمان رجوعها.
والزوج والزوجة في اصطلاح اهل الأدب من الجوامد وغير المشتق لأن المشتق باصطلاحهم هو اللفظ المأخوذ من لفظ آخر مع اشتماله على حروفه والتقائه معه في الترتيب ونحوه.
فاسم الفاعل مثلاً مشتق من ذات الفعل ليدل على الذي قام بالفعل، واسم التفضيل يشتق من الفعل ليدل على الإشتراك بين اثنين في صفة مع رجحان وزيادة لأحدهما.

تفسير قوله تعالى [ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ] وفيه وجوه :
الأول : الآية مدح للمسلمين وثناء عليهم، فانهم يعلمون بان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مرسل من عنده تعالى، وهم منقادون لما ينزل به من الوحي.
الثاني : قيل (انما خص العلماء بهذا البيان لوجوه).
ولكن بين الذين يعلمون والعلماء عموم وخصوص مطلق، فالذين يعلمون اعم، والآية لا تخص العلماء دون غيرهم بل هي أعم.
الثالث : خاتمة كريمة للآية وحث للمسلمين على تلقي الأحكام الشرعية.
الرابع : فيها توبيخ وتعريض بغير المسلمين ممن لم يتقيد بهذه الأحكام.
الخامس : تدل الآية بالدلالة التضمنية على اهمية هذه الأحكام وعظيم نفعها.
السادس : ان البيان الإلهي لا يذهب سدى، وكل آية من القرآن حكمة وكنز ومدرسة.
السابع : البيان القرآني واظهار الأحكام لمن يعمل بها وهم الذين رزقهم الله توظيف العقل لمعرفة الأحكام وهو من ارقى انواع العلم، اذ ما فائدة تحصيل العلوم النظرية اذا لم تستحضر في الواقع العملي وميادين الحياة.

قوله تعالى [وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ] الآية 231.

الإعراب واللغة
واذا: الواو استئنافية، اذا: ظرف زمان وتتضمن معنى الشرط ولا تجزم الا في الشعر خاصة.
فبلغن اجلهن: الفاء: عاطفة، بلغن: فعل ماض مبني على السكون، نون النسوة: فاعل، واجلهن: مفعول به والضمير مضاف اليه، فامسكوهن: الفاء: رابطة لجواب الشرط، امسكوهن: فعل امر وفاعل ومفعول به.
لتعتدوا: اللام: للعاقبة والتعليل، تعتدوا: فعل مضارع منصوب بان مضمرة بعد اللام.
ومن يفعل ذلك: الواو: استئنافية، من: اسم شرط جازم، يفعل: فعل شرط، الفاعل ضميرتقديره هو، ذلك: مفعول به.
فقد: الفاء رابطة لجواب الشرط، قد: حرف تحقيق.
ولا تتخذوا: الواو استئنافية، لا: ناهية، تتخذوا: فعل مضارع مجزوم بلا، الواو: فاعل.
واجل الشيء: مدته ووقته والوعد المحدد كنهاية وغاية له، وفي الدعاء: اسألك ايماناً لا اجل له دون لقائك، أي لا منتهى له ولا انحراف وزيغ عنه حتى الموت.
والضرار: الإضرار والإيذاء وفي التنزيل: الذين اتخذوا مسجداً ضراراً، أي للإضرار بالمؤمنين، والهزء: السخرية والإستخفاف وقد يأتي الإحتقار وانزال الهوان والذل بالمستهزء به.
قوله تعالى(ضراراً) مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، أي مضارين كقولك: جاء زيد ركضاً.
(لتعتدوا) اللام متعلقة بالضرار، ويجوز أن تكون اللام لام العاقبة.
(نعمة الله عليكم) يجوز أن يكون(عليكم) في موضع نصب بنعمة لأنها مصدر، أي أن أنعم الله عليكم) ويجوز أن يكون حالاً منها، فيتعلق بمحذوف.
(وما أنزل) يجوز أن يكون(ما) في موضع نصب عطفاً على النعمة، فعلى هذا يكون(يعطيكم) حالاً إن شئت من ما، والعائد إليها الهاء في به، وإن شئت من إسم الله، ويجوز أن تكون(ما) مبتدأ ويعظكم خبره.
(من الكتاب) حال من الهاء المحذوفة تقديره: وما أنزله عليكم.

في سياق الآيات
تتعلق الآيات بموضوع الطلاق، وتعددها يدل على اهمية هذا الأمر في الشريعة والنشأة الدنيا، وتظهر الأحكام التي في الآية اسباب الوقاية والإكرام للمرأة، ولو تفحصت آيات الطلاق لوجدت هذا المضمون الشريف في كل آية منها.
ويمكن ان نطلق على هذه الآيات (آيات الطلاق) لما فيها من المناهج التشريعية الدقيقة الخاصة بالطلاق.
إعجاز الآية
مع بيان الأحكام فان الآية تتضمن التخويف والوعيد والتحذير فمن آيات وخصوصيات واعجاز القرآن امتلاكه الحصانة الذاتية والمنعة الخاصة، وفيه المدد لتطبيق احكامه والعمل بها مما يدل على ان مدرسة الوعيد لا تنحصر باهل النار، بالإضافة الى ما للمنطوق من مفهوم، وهذا المفهوم عام ويشير الى الذين يتقيدون بالأحكام ويجتنبون التعدي والزلل فيها ويخشون آيات الوعيد والتخويف وفي الآية ترغيب بالعمل بالأحكام باعتبار انها نعمة وفضل منه سبحانه.
الآية سلاح
تيسر الآية العمل بسنن الشريعة وآدابها، وتمنع الفرقة والإرباك وتصون المرأة وتحفظ شطراً من حقوقها وتحث الرجال على الإمتناع عن ايذاء النساء بالطلاق، او بالإمتناع عنه عند اجتماع اسبابه وابقائها كالمعلقة.

مفهوم الآية
في الآية اخبار عن جواز الطلاق وان التغليظ في حفظ حقوق المطلقة وعدم التعدي عليها لايمنع من حصول وجواز الطلاق وقد يكون الطلاق هو الحل الأفضل والأحسن.
وقوله تعالى [فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ] اشارة الى مدة العدة واحتمال الرجوع بالمطلقة اثناءها وعدم بلوغ الأجل بشرط ان لا يكون هذا الرجوع لإيذائها.
وتحث الآية على الإنصاف واظهار الأزواج الشفقة والرأفة، فصحيح ان امر الطلاق بيد الزوج ولكن هذا الأمر مقيد بعمومات حسن العشرة والخلق وعدم ايذاء الآخرين وقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وتلك آية في التشريع الإسلامي فان جعل الحق الى طرف او فئة او شخص لا يعني التفويض المطلق بل هو مقيد بنواميس واحكام الشريعة ويتغشاه التحذير والتخويف والإنذار من التعدي وسوء التصرف والبشارة بالثواب والجزاء الحسن مع حسن الأداء فالتفويض المقيد امانة واختبار وامتحان، والآية اصلاح للحالة النفسية للزوجة وطرد لغضبها وخروجها عن المألوف بالبكاء او الصراخ او الخصومة فمتى ما ادركت ان الله عز وجل يأمر باعطائها حقوقها فانها تتجه نحو الطمأنينة وتنزل عليها السكينة وهذه الآيات من عمومات قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا] ( ) لما فيها من الأحكام التي تضمن حقوق المرأة وتمنع الرجل من التعدي وهذا المنع ايضاً دفاع عنه.
وتظهر الآية قسمين من الإمساك، والإختلاف في المحمول وليس في الموضوع، فالإمساك تارة يكون للإيذاء والإضرار بالزوجة ومنعها من حقها في اختيار زوج جديد، ومن العيش بما يلائمها ويناسب حالها ضمن مرضاة الله تعالى، والقسم الآخر من الإمساك يحمل عنوان الإعتداء في ذاته او بما ينتج ويتفرع عنه لذا فان قوله تعالى [لِتَعْتَدُوا] ذم ولوم ونهي عن مثل هذا الإمساك واخبار بترتب العقاب عليه ومع انه ظلم للمرأة واضرار بها الا ان القرآن جعله من افراد ظلم النفس بقوله تعالى [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ] وهذا الإنذار والتوبيخ والتخويف من الإضرار بالمطلقة ودعوة للتخفيف عنها وعدم زيادة الأذى والحيف عليها وفيه دلالة على اكرامه تعالى للمرأة في اقسى احوالها واشدها علىالنفس الا وهو حال الطلاق وما يسببه من ارتباك في حياتها، وبعد ان كان منطوق الآية بصيغة الجمع، جاء الذم والتقبيح بصيغة المفرد وعلى سبيل الشرط والإحتمال [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ] مما يعني ان التعدي والإضرار في هذا المورد قليل سواء باحتراز المسلمين من الإساءة الى المطلقة وحبسها او بتعاهد الحكام وولاة امور المسلمين لأحكام الطلاق وحرصهم على انصاف المرأة.
وقوله تعالى [وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا] خطاب تحذير وتخويف له معنيان عام وخاص، اما العام فهو خطاب للناس جميعاً ويتعلق بكافة الأحكام والأوامر والنواهي، واما الخاص فهو ما يناسب قرينة المقام والموضوع ويتعلق باحكام الطلاق وعدم الإضرار بالمطلقة مما يدل على اهمية الموضوع في موازين الشريعة اذ جعل من الآيات والإضرار فيه من التعدي ومن ظلم النفس.
وتمنع الآية من التهاون في الأحكام، واعتبرت التعدي على حقوق المرأة من الإستخفاف والإستهزاء بآيات الله فكل حكم قرآني هو آية من عنده تعالى، ويجب ان يعمل به ولا يستخف او يستهاون به، وهذه الآيات والأحكام من اعظم النعم واجلها وفيها تمام السعادة في النشأتين، وهي تفوق النعم التي انعم الله عز وجل بها على بني اسرائيل فتلك النعم كانت حسية دنيوية، جاءت امتحاناً واختباراً، اما النعم التي انعم الله عز وجل بها على المسلمين فهي صلاح ورشاد وسعادة وغنى وتنظيم لأحوال المجتمع ومعايش الناس ومناسبة لإكتناز الصالحات، ولقد انعم الله عز وجل علىالمسلمين برسوله الكريم والقرآن العظيم وجاءت الآيات القرآنية والسنة النبوية الشريفة بالإنصاف واجتناب الظلم والجور والإضرار بالآخرين وتفضل سبحانه وجعل المسلمين اعزة واصحاب وشأن وافتاء وحكم وفصل بين الناس بالإضافة الى الإستقلال في الحكم وانفرادهم بقوانين وسنن نازلة من السماء.
واذ جعل الله عز وجل للرجل حق الطلاق فيجب عليه اجتناب التعدي والظلم سواء بايقاع الطلاق واسبابه او بما يتفرع عنه من الأحكام والحقوق، لذا جاءت خاتمة الآية بتوكيد الموعظة وانها وجه من وجوه الإصلاح مع الأمر بالتقوى بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] لتوكيد العناية بالمرأة والرأفة بها، والإمتناع من الإضرار بها لأن خشيته تعالى واقية من الظلم ومن غلبة النفس الشهوية والغضبية.
ومتى ما ادرك الإنسان علمه تعالى بافعاله وعدم خفائها عليه فانه يحترز ويحرص على التقيد باحكام الشريعة.
وهذه الآيات دعوة للنساء للتمسك بمبادئ وآداب الإسلام والإلتزام بأحكامه وسننه وما فيها من الفرائض والمندوبات وهي ايضاً حجة عليهن تستلزم الشكر له تعالى بالقول والعمل، وهذه الآية نوع مواساة عند تلقي الأذى والغبن والإضرار بعد معرفة حكم الله وانصاف الشريعة للمرأة ونهيها عن الإضرار بها، وهي هداية للإلتجاء الى الدعاء سلاحاً وواقية وامناً وعوناً على الصبر، وسبيلاً للخلاص من الأذى لأن الإضرار والأذى من الكلي المشكك في مقداره ومدته، فالآية تحذر منه، وهذا التحذير قطع وتضييق له ليأتي الدعاء فيساهم في ازاحة ما يتبقى منه، وكم من مطلقة تعرضت للتعسف والحرمان من حقوقها فابتلي الذي يؤذيها اشد ابتلاء.
وفي هذه الآيات رد على من يريد ان بجعل امر الطلاق بيد المرأة مثلما هو بيد الرجل، لما فيها من التوكيد على حقوق المرأة والوعيد من ايذائها وما تناله من الأجر والصبر على التحمل وتلقي الأذى.
ويلاحظ كثرة الآيات التي تتعلق بموضوع الطلاق والعدة وعند اجراء دراسة مقارنة تراها اكثر عدداً وتفصيلاً واحكاماً من مسائل اعم ابتلاء مما يعني اهمية الطلاق في الشريعة ولزوم عدم الإضرار بالمرأة والظاهر ان كثرة الآيات المتعلقة بالطلاق وما فيها من الأحكام والفروع والبيان وراء قلة وقوع الطلاق في المجتمعات الإسلامية، فآيات الطلاق لها عدة وظائف منها:
الأول : تعاهد الكيانات الأسرية والبناء العائلي الإسلامي.
الثاني : تهذيب الأخلاق واجتناب الإضرار بالآخرين، والتعدي على حقوقهم، فاذا حرص الإنسان على عدم الإستحواذ على حق المرأة فمن باب الأولوية ان لا يتعدى على حقوق الآخرين لما فيها من صبغة العلانية والتباعد.
الثالث : احترام المرأة وحفظ حقوقها.
الرابع : توكيد حقها في الزواج بعد انقضاء العدة سواء كانت مطلقة او متوفى عنها زوجها.
الخامس : الآيات شاهد انفراد الإسلام قبل اكثر من الف واربعمائة سنة باكرام المرأة وصيانة حقوقها، والى الآن لم يصل دستور او قانون الى ما في الشريعة الإسلامية من التكامل، ولم يقدموا للمرأة شيئاً يذكر، بل عرضوها للضياع والتيه.
التفسير
تفسسير قوله تعالى [ وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ]
تبين الآية جواز الطلاق ولكنها تضع مقومات اخلاقية تحول دون الإسراف فيه والإكثار منه وكما تظهر الآيات قيمومة الرجل وحقه في الطلاق فانها تضع القواعد والضوابط العقائدية والإجتماعية والموانع الأدبية والأخلاقية والعرفية دون الإٌقدام على الطلاق والتعجيل فيه، وهذه الآية ليست تكراراً للآية السابقة وان كان التكرار في القرآن علماً مستقلاً.
والرجوع بالمطلقة يصح بالقول مثل رجعت بزوجتي او رجعتك او ارتجعتك او راجعتك او امسكتك لوروده في القرآن، وكذا يصح بكل انشاء وعليه اجماع علماء المسلمين كما تصح الرجعة بالوطء، فالرجعة تكون بالقول وتكون بالفعل، بل ان الفعل اكثر تأثيراً وقد عرف بانه ايجاد الشيء.
وفي صحيحة محمد بن القاسم عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “من غشي امرأته بعد انقضاء العدة جلد الحد، وان غشيها قبل انقضاء العدة كان غشيانه اياها رجعة لها”، وفيه تظهر سماحة الشريعة وهو مطابق للعمومات لأن المطلقة الرجعية ملحقة بالزوجة ولقاعدة نفي الحرج وعدم وجود برزخية بين الرجعة والزنا فصار المدار على اوان الأجل وخروجها من العدة او عدمه.
ومنهم من قيد الفعل كالوطء بقصد الرجوع بها ليخرج ما كان سهواً او غفلة او بعدم قصد غير الرجوع باعتبار ان الرجوع امر وجودي اعتباري يترتب عليه رفع اثر الطلاق فلابد من قصده، ولكن النص اعلاه ورد مطلقاً، بالاضافة الى نفي الحرج والإنطباق القهري والإحتراز في الفروج وحمل عمل المسلم على الصحة مع امكانها، فلو كان يقصد غير الرجعة فلا يصح الا رجعة، كما في حال الصيام في شهر رمضان وقصد غيره القضاء او النذر فانه لا يقع الا لفريضة الشهر نفسه قهراً وانطباقاً، وقيد الإمام مالك الرجعة بالوطء بنية الرجعة أي انه لو وطأ المطلقة الرجعية مع عدم نيته الرجوع بها فلا يصح رجعة.
وقال ابو حنيفة بصحة الرجعة بالوطء، واشترط الشافعي الكلام وانه لا تكون الرجعة الا بالكلام، نعم يستحب الإشهاد على الرجعة لمنع الخصومة.
وظاهر الآية ان بلوغ الأجل لا يعني انتهاء مدة العدة، فعند الإنتهاء تتحقق الرجعة الا بعقد نكاح جديد لأنها تخرج عن الزوجية بانقضاء العدة، فالمراد هو مدة العدة وانبساط الحق في امساكهن على طيلة المدة ومنه آخر يوم وآخر ساعة من ساعات العدة التي هي ثلاثة قروء، نعم يمكن حمل الآية على المعنى الأعم بلحاظ الفارق وهذا من اعجاز القرآن أي حق الإرجاع قبل العدة من غير عقد جديد، وحق الإرجاع بعد إنقضائها بعقد جديد ان رضيت بذلك.

تفسير قوله تعالى [ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهنَّ بِمَعْرُوفٍ ]
الأول : خطاب وامر للمسلمين برعاية حق المرأة.
الثاني : الآية ضابطة كلية ثابتة عند حصول الطلاق وتنفي البرزخية بين الحالتين حالة الزواج وحالة الطلاق.
الثالث : الآية دعوة للإصلاح الذاتي بين الزوجين او التوجه الى حياة اوسع واعم واكثر سعادة واقل ابتلاء واذى بترك المرأة وحالها تختار سبيلها بنفسها وتبحث عن حياة يومية خالية من الأذى سواء بالزواج من الغير او بالتريث.
الرابع : من اللطف الإلهي ملازمة قيد (بالمعروف) لحالتي الإمساك بالزوجة وطلاقها.

تفسير قوله تعالى [ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ] وفيه وجوه :
الأول : الآية نهي عن الإضرار بالزوجة بواسطة ابقائها في عصمة الزوجية.
الثاني : في الآية اعجاز فمع كراهة الطلاق واستحباب الحياة الزوجية فان هذه الصورة تخرج بالتخصيص عنهما لحكومة قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، فالمستحب لا يرد عن طريق الإضرار والإيذاء والحبس، اذ ان الحياة الزوجية تتقوم بالمودة وحسن العشرة والرفق والمعاملة اليومية الكريمة المبنية على قواعد الشريعة.
والإضرار في المقام يحمل على وجوه:
الأول : قلة المنفعة والتقتير.
الثاني : التشديد في المعاملة والغلظة.
الثالث : عدم المبيت معها في فراش واحد او عدم الوطئ لما يقل عن اربعة اشهر قليلاً.
الرابع : اثارة اسباب الخصومة والنزاع.
الخامس : الإهانة والإذلال.
السادس : تفضيل الضرة عليها سواء في المبيت او في النفقة او اللباس او المعاملة وخلاف القواعد الشرعية والعرفية.
السابع : اظهار النفرة منها سواء مباشرة او بالواسطة ومنعها من الخروج لزيارة اهلها او وفق المتعارف بقصد الأضرار.
الثامن : الأضرار اعم من ان ينحصر بالزوجة فقد يراد منه ايذاء اهلها وذويها لذا فان الآية جاءت على نحو الإطلاق والتنكير.
التاسع : قد يراد بالإضرار ايذاء افراد الأسرة الآخرين كما لو كانت ذات لسان بذيء او تتصف بافعال مستهجنة عرفاً فيمسك بها لا لذاتها بل لإيذاء غيرها، او لإيذاءها معه.

تفسير قوله تعالى [ لِتَعْتَدُوا ] وفيه وجوه :
الأول : بيان لموضوع الإضرار وغاياته.
الثاني : تجمع الآية بين الإضرار بالغير والاعتداء، والإعتداء اعم من ان ينحصر بجهة الإضرار، فقد يتوجه الإضرار للزوجة والإعتداء على ذويها او بالعكس او هما معاً.
الثالث : الآية تحذير من الإمساك بالزوجة للإضرار وانه يرقى الى الإعتداء في غاياته.
الرابع : في الآية تنبيه لما في الإمساك بالزوجة بقصد الإضرار من الإثم، وتخويف من عقوبته وما يترتب عليه من المفسدة.
الخامس : اللام هنا لام العاقبة وتسمى لام الصيرورة فالأضرار للإعتداء والظلم والإيذاء، كما تكون للتعليل فيكون الإضرار مقدمة وسبباً للإعتداء.
السادس : الآية فضل عظيم منه تعالى في بيان الضرر والأذى ضمن المباح والمستحب وحث على استحضار الحكم الشرعي داخل البيت والصلة الزوجية، فقد يتحرز المكلف من الحرام في معاملاته مع الآخرين في الأسواق ونحوها، ولكنه يغفل عن التقيد باحكام الشريعة في البيت وافراد اسرته، فجاءت هذه الآية لا للتنبيه فقط بل للتخويف والتحذير.
السابع : ورود آية خاصة بالنهي عن الإمساك بالزوجة للإضرار يدل على اهمية الموضوع في حياة المسلمين.
الثامن : الآية مواساة للمرأة وتخفيف عن المظلومة والمهتضمة من النساء بوجوه الأضرار هذه ونصرة لها.
التاسع : يمكن ان تتفرع احكام وضعية عديدة عن هذه الآية بحسب النصوص تعكس اكرام الشريعة الإسلامية للمرأة وتمنع من تعرض الآخرين لها او رميها باستضعاف المرأة.
العاشر : جاءت الآية بصيغة الجمع، وصحيح انها تنحل بعدد الأزواج الا ان فيها نكتة وموضوعاً اضافياً وهو نهي أب الزوج وذويه عن الإمساك بالزوجة للإضرار بها ولو بتأثيرهم وممارستهم الضغوط على الزوج ومنعه من الرأفة والرفق بها ومن طلاقها وتسريحها، والجناية تارة تكون بالتسبيب وتارة بالمباشرة وقد يشترك الإثنان فيها فترى الأم مثلاً تحرض ابنها على الإمساك بالزوجة لإيذائها والتصرف معها بما يتولد عنه الضرر ويعتبر اعتداء فتشترك معه بالإثم، فجاءت الآية تحذر الجميع وتنهى عن الإضرار بالزوجة سواء من الزوج او من غيره بواسطة الزوج او مباشرة، كما لو كان الإنفاق او السكن والكسوة بيد غير الزوج كزوجته الأخرى او بيد أبيه او أمه.
الحادي عشر : تمنع الآية من الإمساك بالزوجة للحصول على المال بزيادة عوض الخلع او بما تدفعه لتخليص لنفسها.
الثاني عشر : في تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى [ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ] قال: الرجل يطلق حتى اذا كاد ان يخلو اجلها راجعها، ثم طلقها ثم راجعها يفعل ذلك ثلاث مرات فنهى الله عنه.
وفي الفقيه عن الحسن بن زياد عن الصادق عليه السلام: “لا ينبغي للرجل ان يطلق امرأته ثم يراجعها وليس له فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذي نهى الله عنه، الا ان يطلق ثم يراجع وهو ينوي الإمساك”.
وفيه ان الإضرار بصفته المجردة اعتداء لأنه خلاف المأمور به ومبغوض عقلاً وعرفاً.

تفسير قوله تعالى [ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ]
أي ان يمسك بالزوجة للإضرار بها يكون قد ظلم نفسه واساء اليها، وفي هذا الظلم وجوه:
الأول : بتعريض نفسه للعقاب الإلهي.
الثاني : انه يرى انه يؤذي ويضر المرأة ولكنه لا يضر الا نفسه، والإمساك بالمرأة حتى مع قصد الإضرار بها قد يكون نافعاً لها.
الثالث : انه يضيع على نفسه اسباب الود والمحبة مع الزوجة وما فيها من المنافع العظيمة في الدارين، ففي النشأة الدنيا السعادة والغبطة وتربية الأولاد وصلاح الأسرة، وفي الآخرة الأجر والثواب.
الرابع : ورد في الحديث: “ان عيال المرء اسراؤه”، مما يعني لزوم الرفق بهم وعدم ايذائهم فيكون الإضرار بالزوجة سوء تصرف فيما مكنه الله منه وجعل له فيه الولاية والأمرة.
الخامس : يتأتى الظلم من مخالفة اوامره تعالى، فقد نهى سبحانه في هذه الآية عن الإضــرار بالزوجـة بالإمساك بها وجاء الوعيد بالعقاب متعقباً له.
السادس : من وجوه الظلم حصول السمعة السيئة لمن يؤذي الزوجة ويضرها بالإمساك بها، الأمر الذي يجعل الآخرين يجتنبون تزويجه ويحذرون من اقترابه من الأسرة ولعله من العقاب العاجل.
السابع : الآية تأديب للمسلمين وردع لهم من التعدي على النساء وفيها دلالة على لزوم التقيد بالإحكام الشرعية الخاصة.

تفسير قوله تعالى [ وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ]وفيه وجوه :
الأول : الآية قاعدة كلية ثابتة.
الثاني : لا ينحصر موضوع الآية الكريمة بباب الطلاق واحكامه بل هي مطلقة وشاملة.
الثالث : الآية تخويف ووعيد لإقترانها بموضوع الطلاق وظلم الزوجة بالإمساك الضرري.
الرابع : جاءت الآية لمنع التفريط والتسويف والإهمال لحقوق الزوجة، وهنا يبدو اعجاز القرآن بمناسبة الحال والمقام خصوصاً وان الآية جاءت بلغة الخطاب ولم يرد التخويف بصيغة الغائب، وهذا الإنتقال من الغائب الى المخاطب يسمى في البلاغة بالإلتفات، ودلالاته اعم من المعاني البلاغية، وتتعلق بعلم الكلام والاخلاق وآيات الانذار والوعيد.
الخامس : تدعو الآية لمراقبة النفس وردعها عن التعدي على الحرمات وتمنعها من الإستخفاف بالحقوق والواجبات.
السادس : في الآية بيان لأهمية الصلة الزوجية وتعاهد لها وتوكيد لأهميتها اذ تجعل احكامها من آيات الله والبراهين الدالة على لزوم العبادة والتقوى.
السابع : ان العقل البشري عاجز عن ايجاد انظمة الحياة الزوجية ومن حق المسلمين ان يتفاخروا بالتنزيل وانه مصدر احكامهم.
الثامن : الآية تهديد وتحذير ولا يعني توبيخ المسلمين بل لبيان ارادة تكوينية وتشريعية ثابتة.
التاسع : ورد عن ابي الدرداء: “كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول: طلقت وانا لاعب، ويعتق ويقول مثل ذلك، فانزل الله تعالى هذه الآية فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: من طلق او حرر او نكح فزعم انه لاعب فهو جد”.
العاشر : تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على ان احكام الطلاق نعمة ورحمة للمسلمين وفيها اعجاز، الأمر الذي يستلزم تعاهدها.
الحادي عشر : تمنع الآية من الإصرار على الخطأ والإستكبار في الإضرار بالمرأة وعدم الإلتفات الى احكام القرآن.
الثاني عشر : من الإعجاز ان يقترن الحكم بالإنذار ويتعقبه التخويف، ولا يعني انه صيغة يراد منها تقيد المكلفين بالحكم، بل انها بيان لأحكام تشريعية وحجة وتفضل في الأخبار عن اهوال يوم الحساب، مما يترشح عنه تقيد وامتثال العقلاء بالحكم طاعة لله او طمعاً في الجنة او خوفاً من النار.
الثالث عشر : في تفسير العياشي عن امير المؤمنين عليه السلام: “من قرأ القرآن من هذه الأمة ثم دخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزواً”، والحديث يدل على لزوم اقتران العلم بالعمل، وان القراءة حجة على الإنسان.

تفسير قوله تعالى [ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ] وفيه وجوه :
الأول : لطف الهي بالحث على استحضار فضله تعالى ونعمه علينا كمسلمين.
الثاني : ان احكام الطلاق نعمة منه سبحانه، واجتناب الإضرار بالمرأة يفتح آفاقاً في النشأة الدنيا ويؤدي الى الثواب في الآخرة.
الثالث : من الأمم من تشدد في الطلاق وتمنع من النكاح من زوجة ثانية ولعله الغالب عند اهل الأرض بما فيهم اليهود والنصارى، وفي الإسلام جواز النكاح من اربع واختيار المرأة ان تكون زوجة ثانية او ثالثة او رابعة يدل على ملائمة الحكم للموضوع وحاجات الأفراد، وكم من زواج ثان كان رحمة للزوجة الأولى او انه حصل فيه انجاب نفع الأسرة الى اجيال وكان باباً للصلاح والإصلاح.
الرابع : الذكر في الآية ينحل الى وجوه عديدة فيعني التقيد باحكام الكتاب واستحضارها في المعاملات والإتعاظ بالآيات والرجوع الى السنة الشريفة لتفسير القرآن وبيان الأحكام وآدابها وتعاهد القرآن وعدم التفريط بما جاء فيه.
الخامس : نعمه تعالى اعم من ان تنحصر بالأمور الإجتماعية واحكام الزوجية واسباب الطلاق والفسخ، بل انها تشمل امور الدين وسبل الوصول الى الجنة التي وعد الله بها المتقين.

تفسير قوله تعالى [ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ] وفيه وجوه :
الاول : من اهم صيغ التعاهد والحكمة ترفع الإنسان وتنزهه من فعل القبيح.
الثاني : تطرد الآية الجهل وتنفي الضلالة.
الثالث : قيل الحكمة القرآن والفقه، والحكمة طاعة الله ومعرفة الحق.
الرابع : في قوله تعالى [ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ]( ) ذكر ان الحكمة هي النبوة، والموعظة الحسنة القرآن، والآية بيان لإرتقاء احكام الطلاق ومدح وثناء وتنزيه لمن يتقيد ويعمل بها.
الخامس : آيات الطلاق موعظة ورحمة وامتحان في لزوم التقيد بها وان منافعه عظيمة، ويمكن تلمس آثار ترك هذه الأحكام.
السادس : تحث الآية على حسن النية والإخلاص في المعاملة.
السابع : احكام الطلاق موعظة وسبيل للهداية والرشاد بل ان القرآن كله موعظة.
تفسير قوله تعالى [ وَاتَّقُوا اللَّهَ ] وفيه وجوه :
الاول : الآية دعوة لإجتناب جميع المحرمات.
الثاني : انها امر مولوي للعمل باحكام الطلاق وما يؤدي الى الطاعة، وعدم اهمال الأوامر والنواهي الإلهية.
الثالث : في الآية رأفة بالمسلمين لصيانة النفس عما تستحق به العقوبة.
الرابع : الآية دعوة للفوز بالجنة بالإحتراز من المحرمات.
الخامس : احكام الطلاق مناسبة لتنمية ملكة التقوى في النفس بالتقيد التام بالأحكام الشرعية في كل الأحوال.
السادس : يلاحظ في الآية اطلاق الأمر بالتقوى لإعتباره، والحاجة اليها لما فيها من كمال النفس وتهذيبها.
السابع : الخشية منه تعالى والتفات العبد الى لزوم طاعته باب لجلب التوفيق ومناسبة للرشاد والهداية.
الثامن : بيان موضوعية التقوى في الأحكام الوضعية والحياة اليومية مطلقاً.
تفسير قوله تعالى [ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ] وفيه وجوه :
الأول : ان جميع الأشياء حاضرة عنده تعالى ولا تخفى عليه خافية.
الثاني : الآية تخويف من ظلم المرأة والتعدي عليها.
الثالث : تمنع الآية من عدم التقيد باحكام الطلاق واللبس فيه.
الرابع : تعتبر الآية واقية وعوناً قرآنياً للعمل الإستغراقي والمجموعي باحكام الشريعة واجتناب النواهي ومنها الإضرار بالزوجة واعتماد الإحتيال في صيغ الطلاق.
الخامس : الآية اصلاح للنفوس وتكميل لها وهي مدرسة في المعارف الإلهية.
السادس : تخلق الآية حالة المراقبة الذاتية للنفس فهناك من احكام النكاح والطلاق ما لم يعلم به الا الزوجان او احدهما، فجاءت الآية للإخبار بان الله على كل شيء شهيد وانه يأمر وينهى ويحاسب ولكن قبل الحساب يرد التحذير والتنبيه.
السابع : للوعد والوعيد منافع اخلاقية واجتماعية وبذا تبدو جلية الحاجة النوعية لعموم الناس لشريعة سماوية نافذة.


قوله تعالى
[ وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ
مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ
يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ] الآية 232.

الإعراب واللغة
فلا تعضلوهن: الفاء رابطة لجواب الشرط وهو حرف عاطل لا عمل له، لا: ناهية، تعضلوهن: فعل مضارع مجزوم بلا، الواو: فاعل، الهاء: مفعول به، ان ينكحن ازواجهن: ان حرف مصدري وهي وما بعدها مؤولة بالمصدر والتقدير نكاح ازواجهن، ازواجهن: مفعول به، اذا: ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بتراضوا.
ذلك: اسم اشارة مبتدأ، يوعظ: فعل مضارع مبني للمجهول، من: اسم موصول في محل رفع نائب فاعل يوعظ.
كان: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية يؤمن بالله في محل نصب خبر كان.
ذلكم: مبتدأ، ازكى: خبره، والله يعلم، الواو: استئنافية، اسم الجلالة: مبتدأ، والجملة الفعلية خبره.
عضل المرأة عن الزوج: حبسها ومنعها، وعضل عليه في امره تعضيلاً: ضيق عليه وحال بينه وبين ما يريد ظلماً، والعضل: الضيق، وداء عضال: شديد غالب، والموعظة: الوصية بالصلاح والإستقامة والحث على الطاعات وملازمة التقوى واجتناب الذنوب والمعاصي والتحذير من الإغترار بالدنيا وزينتها.
والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب والآثار المترتبة على الفعل، يقال وعظته وعظاً وعظة فاتعظ أي قبل الموعظة، ولأجعلنك عظة لغيرك أي موعظة وعبرة لغيرك.
وذكر ان العضل بلغة ازد شنوءة هو الحبس.
والتزكية: التطهير، وتزكية النفس: تطهيرها عن الأخلاق الذميمة.
في سياق الآيات
في ضمن احكام الطلاق تأتي هذه الآية لتحذر من محاولات منع المطلقة الرجوع الى زوجها بعد انقضاء العدة بعقد جديد، فهي لطف خاص ضمن الأحكام العامة التي تحفظ للزوج حقه في الطلاق.
إعجاز الآية
شمول الخطاب لعامة المسلمين وانحلاله على نحو القضية الشخصية الى الأزواج والى اهل المرأة التي تبتلى بالطلاق والعزوبة ليكون واقية واحترازاً دائماً، انه نهي قرآني للحيلولة دون ايذاء المرأة ومنعها من اختيار حقها في الزواج والرجوع الىالزوج الأول.
ولم تنس الآية الإلتفات الى قيد الصلاح والإصلاح وتجاوز الأسباب التي ادت الى الفراق الأول وفيه نكتة وهي ان لأهل الزوجة حقاً نسبياً في موضوع رجوعها يتعلق بعدم تجدد مقدمات الفراق مرة اخرى، لذا جاء القيد بالتراضي بينهم بالمعروف كما ان الوعيد والتخويف في الآية لتثبيت الأحكام الفرعية والإمضاء النوعي العام لمسائل الطلاق، مع الوعد والمدح.
وفي الآية تقليص وتبديد لإستبداد الرجال من الأب والأخوة بأمر المرأة الثيب، ولعل من فلسفة استقلال الثيب بامرها ان الأهل والأولياء ينظرون للزواج من الباكر والثيب من جهة الكفاءة بعرض واحد، ولكن الثيب لها حالها الخاصة وهي في الواقع ادنى رتبة من جهة الرغبة في زواجها الى جانب شوقها للحياة الزوجية واستصحابها لخصائصها.
الآية سلاح
تعتبر الآية مدرسة في الإصلاح الإجتماعي وسبيلاً لدرء الفتن وعوناً على الوئام والوفاق ومنعاً لتفاقم الخلاف وتشرد الأولاد وحصول التشتت وولادة المشاكل الأخلاقية.
أسباب النزول
روي عن معقل بن يسار ان قول تعالى [ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ] نزلت فيه وقال: كنت زوجت اختاً لي من رجل فطلقها حتى اذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وافرشـتك واكرمتـك فطلقتها ثم جـئت تخطـبها لا والله لا تعود اليهـا ابداً، قال: وكان رجـلاً لا بأس بـه، وكانت المرأة تريد ان ترجـع اليه، فانـزل الله عز وجـل هذه الآيـة فـقلت: الآن افعل يا رسول الله زوجتها اياه، وفي رواية ان الزوج هو جميل بن عبد الله بن عاصم.
وفي الدر المنثور ان الآية نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له بنت عم فطلقها زوجها تطليقة فانقضت عدتها ثم رجع يريد رجعتها فابى جابر، وقال: طلقت ابنة عمنا ثم تريد ان تنكحها ثانية، وكانت المرأة تريد زوجها وقد رضيت به فنزلت الآية، ولا مانع من تعدد سبب النزول على فرض صحة الوقوع والصدور والسند.
مفهوم الآية
ابتداء الآية بنفس البداية الشرطية للآية السابقة يدل على اهمية مسألة حقوق المرأة المطلقة الإعتبارية والأخلاقية والمالية، وهذه الأهمية لا تنحصر بذات المرأة بل تتعلق بالمجتمع والأمة ولزوم عدم تعطيل الأرحام ومنع الإنجاب وحجز النساء ومنعهن من التمتع بلذات الزواج، وتمتع الأزواج بهن، وما في هذه الوجوه من البركات النازلة واسباب الصلاح ونشر الود بين معاشر المسلمين، فالآية تمنع من وجود برزخ في الصلة مع المرأة فاما زوجة لها حقوق وعليها واجبات، كما في قوله تعالى [وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ] او تترك خلية تختار ما يناسبها.
ومن الآيات في المقام ان أمر الثيب المتزوجة سابقاً بيدها فهي التي تختار الزوج ليس للأب او الأخ او غيرهما التدخل في اختيارها، وفيه تخفيف ورحمة وتيسير لأمر زواجها ومنع من التشديد ودخول الأعراف والعادات والنعرات والعصبية وتعدد الآراء فيه، وذكر ذات الأزواج وعودة المطلقة الى زوجها من باب الفرد الأهم والأمثل والا فان النهي عن حبسهن ومنعهن من الزواج مطلق، بمعنى لا يجوز عضلهن ومنعهن من الزواج سواء كان بالرجوع الى الزوج الأول اثناء العدة، او بعقد جديد او بالزواج من آخر، فموضوع الآية النهي والتحذير من حبس النساء ومنعهن من الزواج، كما ان مضمون الآية يشمل الباكر من باب الأولوية، فالملاك في تيسير امر الزواج وترك الحق للمرأة بالإختيار وفق ما اذنت لها الشريعة به.
وقيد التراضي في الآية [ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ] لمنع السفه والمكر والخداع وهو مركب من:
اولاً: التراضي بين الطرفين الزوج والزوجة حال الطلاق، والإتفاق على صيغة وكيفية الحياة الزوجية من جديد.
ثانياً: تقييد التراضي بان يكون بالمعروف والصلاح وارادة البر والخير، فليس كل تراض سبب لمنع عودة المرأة الى زوجها، فقد يكون تراضياً على المنكر والقبيح او في غير مرضاة الله او فيه غبن وحيف يلحق المرأة بالعاجل او الآجل او انها ترضى به على نحو الإكراه والإضطرار واهون الشرين، فجاء القيد لصالح المرأة وتداركاً ومنعاً من التعدي عليها، ولكنه ليس شرطاً لازماً فلا ملازمة بين التراضي بالمعروف وعدم العضل، وانما جاء القيد للمنع من العضل عند توفره، فللرجال عدم منع المرأة من العودة الى زوجها وان لم يكن هناك تراض بالمعروف، نعم الآية هداية وارشاد الى التراضي بالمعروف بدليل قوله تعالى [وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا] وفيها من تكرار اسباب الطلاق لإحتمال حصوله من جديد حسب قانون الأسباب والمسببات.
ومع ان الحكم في الآية بصيغة النهي والزجر فان الاية وصفته بانه موعظة مما يدل على وجود معنى اصطلاحي للموعظة يتضمن الصبغة العقائدية ويكون ارقى من المعنى اللغوي لما فيه من مضامين الوجوب والحرمة، وارادة اصلاح الأفراد والأمة، وبيان انه صفة الموحدين الذين يؤمنون بالنشأة الآخرة والوقوف بين يدي الله عز وجل للحساب.
ان عدم العضل والحيف من سمات المؤمنين واسباب الخشية منه تعالى، وهذا الوصف يدل على الضرر الفادح والتبعات السلبية على المرأة وعلى المجتمع وعلى الأولياء في العضل وحرمان المرأة من اختيار حق الرجوع الى الزوج.
ومن مفاهيم الآية دعوة المؤمنين والأولياء الى التقريب بين الزوجين والإصلاح بينهم بشرط ان يكون الإصلاح والتراضي بالمعروف وبما يهدف الى استدامة الحياة الزوجية ومنفعة الزوجين والأمة.
انها مدرسة القرآن التي تتكفل الإسلام ومجتمعاته في الشؤون الشخصية والأحوال الإجتماعية، وهذه المعاني تبدو واضحة في خاتمة الآية بقوله تعالى [ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ] ان التدارك وعودة المرأة الى زوجها مناسبة للإنجاب ورعاية الأولاد ومنع انتشار الفاحشة وظهور المعاصي والإفتتان، ولكن يجب ألا تكون هذه الغايات الحميدة على حساب المرأة او على حساب الزوج، فقد تعضل المرأة لوضع قيود قسرية تتضمن الأضرار بالزوج، فيرضى بها مضطراً أو مكرهاً نتيجة التفاته الى تربية اولاده او لحبه لزوجته، واظهاره الندم على الطلاق، والاية ذكرت عضل النساء لكن السبب عام يتعلق بالمرأة وبالرجل ايضاً بمعنى انه قد يقدم الزوج صيغة للتراضي مقبولة عند المرأة والعرف والشارع ولا تخرج عن وجوه المعروف ولكن أهلها يشددون عليه فيحصل عضل وحبس للمرأة بسبب هذا التشديد، فجاءت الآية للنهي والزجر عنه مع بيان علة النهي واضرار العضل، وانه مناف للإيمان، ونماء الأسر والمجتمعات ونقائها من الأدران الأخلاقية والإجتماعية.
واختتام الآية بقوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ذو ابعاد نظرية وعملية وسماوية وارضية تفوق التصور، فلا تستطيع العقول ان تحيط بمنافع لزوم تيسير زواج المطلقة من زوجها وعدم العضل وبذل الوسع لحصول التراضي بالمعروف، وان استلزم الأمر الإنفاق من الأولياء والمحسنين وبيت مال المسلمين، انها آية بالرأفة الإلهية واسباب اصلاح المجتمعات لتعاهد العبادات، أي ان منع العضل مناسبة وسبب لدوام عبادته تعالى واداء الفرائض وحسن تربية الأولاد ووراثتهم للمناسك والفرائض.
وتبين الآية في مفهومها قصور القوانين الوضعية التي يسنها البشر عن الإحاطة بالموضوعات والآثار القريبة والبعيدة للأفعال، فجاءت بالأخبار بحصر العلم به تعالى، وهو دعوة للجوء الى القرآن والإنقياد لما فيه من الأحكام في باب الطلاق وغيره.
التفسير
تفسير قوله تعالى [ وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ] وفيه وجوه :
الأول : هذا الشطر من الآية هو نفسه جاء افتتاحاً وبداية للآية السابقة، والظاهر وجود تباين في الموضوع بلحاظ القرائن.
الثاني : الأجل في هذه الآية يحمل على المعنى الحقيقي وخروج المطلقة من العدة بدليل انها قبل انقضاء العدة تلحق بالزوجة اذا كان طلاقها رجعياً، نعم يمكن حمل هذه الآية على المعنى الأعم فتشمل بعض مصاديق الطلاق البائن الذي تبين فيه المطلقة من الزوج بمجرد حصول الطلاق لوحدة الموضوع في تنقيح المناط.
الثالث : ان توكيد هذه الآيات على بلوغ الأجل يدل على موضوعيته واهميته ولزوم الإلتفات اليه وضبط أوانه لمنع الخطأ والزلل الذي تترتب عليه آثار شرعية خطيرة فان الإخلال به وعدم الإلتفات اليه قد يؤدي الى انقضاء ايام العدة وفوات فرصة الرجوع.
الرابع : لو اختلف المطلق والمطلقة في انقضائها او عدمه يقدم قولها، مع يمينها سواء ادعت الإنقضاء او عدمه وسواء كانت عدتها بالإقراء او الأشهر الا ان تكون هناك بينة على الخلاف.
الخامس : لو حصل شك في بقاء العدة او عدمه فالأصل الأستصحاب أي يستصحب بقاء العدة كما لو شكت بحصول الإقراء الأخير وصفات دم الحيض النازل اذا لم تكن ممن لم يأتيها الحيض في يوم محدد ومعلوم من الشهر وهي التي تسمى في الإصطلاح “وقتية”.

تفسير قوله تعالى [ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ]
اختلف علماء التفسير في الخطاب في الآية على قولين:
الأول : انه خطاب لأولياء المطلقات وهو قول الأكثر.
الثاني : انه خطاب للأزواج.
ولعل الأنسب هو النظر للآية بالمعنى الأعم وانحلال الخطاب وتعدده فيشمل الأولياء والأزواج معاً بالإضافة الى:
الأول : الذين لهم التأثير على المرأة في قرارها.
الثاني : الذين تلجأ اليهم بطلب النصيحة والمشورة.
الثالث : الأبناء اذا كان للمرأة اولاد لهم رأي وقول، سواء كانوا من المطلق نفسه او من زوج غيره.
الرابع : الأخوان والأخوات، اذ ان الأخ ليس ولياً.
الخامس : الأمهات.
السادس : القوانين الوضعية والمحاكم ودوائر القضاء.
السابع : اهل الحل والعقد والوسطاء والمصلحون.
الثامن : الذين يرغبون بالنكاح من المطلقات.
التاسع : الذين لهم مآرب أخرى في الإستفادة من حال الطلاق سواء على نحو القضية الشخصية او النوعية.
العاشر : اهل الزوج واخوته كما لو كان في رجوع الزوجة ضيق واذن لهم وانه يسبب متاعب لهم او يظنون حدوث ذلك، والرجوع يؤدي الى توجه الزوج للإنفاق على زوجته.
الحادي عشر : من يتضرر من رجوع الزوج بزوجته مطلقاً، فيشمل مثلاً الضرة، والمرأة التي ترغب ان يتزوج منها الرجل ومن يهمه ويرغب بحصول هذا الأمر، وان عودة الزوج بمطلقته يحول دون ذلك.
الثاني عشر : اهل الحسد والذين في قلوبهم مرض، ومن تغلب عليه النفس الشهوانية والغضبية.
الثالث عشر : رواد العادات المذمومة والأفعال القبيحة، فقد يفترى على الزوجة او الزوج وتنتشر اشاعات سيئة في وسط يتعاطى الغيبة قولاً او سماعاً واستماعاً مما يوجد حالاً، يصعب معها احداث الوئام والإصلاح بين الزوجين فيكون عضلاً ومنعاً بالواسطة والتسبيب، وهذا امر يدل على منافع النظريات الأخلاقية الإسلامية وان محاربة الأخلاق المذمومة يؤدي الى سيادة قيم الإسلام ويساهم في العمل بالأحكام الشرعية.
الرابع عشر : العضل هو المنع من التزويج بالكفئ اذا طلبته المرأة او مالت اليه، ومع المنع يسقط اعتبار الولي لعمومات نفي الحرج وقاعدة لا ضرر، فحينئذ تستقل المرأة بنفسها وعن بعضهم يزوجها الحاكم، اما لو منعها من غير الكفئ كشارب الخمر وتارك الصلاة فليس عضلاً، ولكن هذه الآية وردت بخصوص الزوج المطلق وكأنه نال الكفاءة بالزواج الأول والإسلام، وفي الآية رحمة بالزوجين.
الخامس عشر : ليس من مانع من شمول الأزواج بالخطاب بحسب النظم والدلالة والمعنى الأعم، كما لو كان المطلق يسيء التعامل مع المطلقة مما يسبب عندها النفرة والوجل والخوف من الرجوع اليه وان عاد وســألها العــودة وحاول ترغيبها بها بالقـول او الفعل، وتدرك المرأة جوانب من حياتها الزوجية لا يدركها غيرها ولا يلتفت اليها الزوج نفسه، فقد يثير عندها هاجــس الغيرة وهو يظــن انها لم تعلم بتصرفاته وتعامله مع غيرها وما وراءه من الغايات الخاصة الخفية، اذ ان موضوع الصلة الزوجــية والحياة اليومية في البيت تحتل عندها المرتبة الأولى في الأهمية او انها من اهم ما تهتم به وتلحظه بدقة.
فان قلت ان قوله تعالى [ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ ] قيد يخرج الأزواج بالتخصص، أي ان الزوج طرف في التراضي مما يعني ان الخطاب في الآية لغيره، قلت: انه بعيد، لإمكان انحلال الخطاب والإثنينية في المقام والقابلية والموضوع عند الخروج لتلقي الخطاب مع وجود القيد، فيكون المعنى بالنسبة للزوج لا تعضل الزوجة وتشدد عليها بعد ان تراضيت معها وقطعت لها العهود والمواثيق او اظهرت الرضا والقبول بالعودة الى حال الزوجية.
السادس عشر : قد ترغب المرأة بالعودة الى زوجها وتعرض عن الرجال الآخرين اعراضاً تاماً، والزوج يمنع من الوئام والرجوع من غير سبب وجيه.
السابع عشر : يبدو العضل بوجوه مختلفة ومتباينة في الظهور والخفاء والشدة والضعف، والقول والفعل فتارة يكون تحت ذرائع الغيرة والأنفة، والأخرى بالعصبية والحمية، وثالثة بالإمساك وقلة المهر والأسباب المالية وغيرها من الوجوه، فجاءت الآية لتعالج اصل الموضوع وعلى نحو الإطلاق والتنكير.
الثامن عشر : تعتبر الآية انقلاباً في باب العلاقات الزوجية والحياة الإجتماعية اذ انها تمنع من استمرار بعض عادات الجاهلية واستحواذ الأخوة والأهل على امر المرأة وحيلولتهم دون اختيارها لحياتها الزوجية والخاصة.
بحث بلاغي
ذكرت في علوم القرآن وجوه للإجمال منها غرابة اللفظ واستدل عليه بقوله تعالى [ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ]
ولكن الأمر ليس اجمالاً انما هو سعة في البيان وباب لإستنباط الأحكام وبرهان وحجة تساعد الفقهاء على بيان المسائل المتفرعة عن هذا اللفظ في الواقع الخارجي لتعدد اشكال العضل وصيغه المختلفة في الشدة والضعف والظهور والإضمار.

بحث اصولي
في باب المجاز ذكرت هذه الآية في باب تسمية الشيء بما كان عليه أي انهم كانوا ازواجاً، وفي باب المشتق وحلول الصفة في الذات هناك صور ثلاثة، وقد اختلف الأعلام في صورة منها هل هي من الحقيقة او المجاز وهي ما اذا كان تلبس الذات بالمبدأ قبل حلول النسبة، كما تقول لمن ترك القضاء قاض، والمراد من الذات هو الشخص نفسه، والمبدأ هو وظيفة القضاء، والنسبة هي زمن الوصف وحال الكلام.
فمنهم من اعتبر صدق القاضي عليه حقيقة وان ترك القضاء، ومنهم من قال انه مجاز لأنه لم يعد قاضياً والأرجح هو الثاني فلفظ الأزواج هنا ورد على نحو المجاز، لذا تعتبر الآية في باب المجاز البلاغي من قسم تسمية الشيء بما كان عليه، وتدل على المجاز القرينة الصارفة عن الحقيقة وهي (ينكحن)بمعنى العقد والزواج من جديد.

تفسير قوله تعالى [ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ] وفيه وجوه :
الأول : الآية قيد احترازي وليس على نحو الشرط اللازم الذي ينتفي الحكم بانتفائه على قاعدة انتفاء المشروط لإنتفاء شرطه.
الثاني : يتحقق التراضي بين الزوجين بمسماه وادنى تلبس له في الخارج فجاء وصفه وكونه بالمعروف لإخراج التراضي القائم على اسباب عرضية سريعة الزوال او غايات دنيوية مذمومة.
الثالث : تنهى الآية عن نية السوء عند احد الطرفين او كليهما.
الرابع : هذا القيد يعطي لأهل الزوجة والمحسنين الإذن بالتدخل اذا كان الرجوع مبنياً على الظلم والتعدي الخاص او العام، أي سواء على الزوجة او على غيرها.
الخامس : تحث الآية وبالدلالة الإلتزامية على التراضي والتصالح بين الزوجين بما فيه رضا الله عز وجل، ووفق القواعد الشرعية والأخلاقية.
السادس : تؤكد الآية على حقيقة اخلاقية واجتماعية وهي امكان التصالح بين الزوجين وعودة الحياة الزوجية وهو امر يبعث على الأمل في النفوس ويحول دون القنوط واليأٍس والإكتئاب.
السابع : ان امكان التصالح بين الزوجين مناسبة لبيان الرغائب الخاصة سواء من اهل الإحسان والساعين في اصلاح ذات البين او من اولئك الذين يريدون الدخول في الأمر على نحو الإقتران بالمرأة المطلقة، واللائي يرغبن بالزواج من المطلق نفسه بعد الفراغ الحاصل في حياته الزوجية.
الثامن : تساهم الآية في تحسين الحياة الإجتماعية وتنظيم العلاقات الزوجية وتضع الضوابط والأسس التي تبتنى عليها العقود.
التاسع : تدل الآيات على اهتمام الشريعة بالطلاق موضوعاً وحكما ًوواقعاً انها مدرسة جامعة لشؤون الطلاق وتتفرع عنها عدة احكام.
العاشر : في الآية حفظ لحقوق المرأة وصيانة لشخصها ومنع من التمادي في ايذائها بعد تحملها لمرارة الطلاق، وفيها ايضاً حفظ لحقوق الزوج فلا تنحصر اضرار الطلاق بالزوجة دون الزوج، فقد يضر بهما معاً وقد تنحصر اضراره بالزوج ولكن الغالب منه يؤدي الى الأضرار بالمرأة.
الحادي عشر : ذهب بعضهم الى القول بان التراضي بالمعروف هو مهر المثل، ولكن الآية اعم موضوعاً ودلالة.
الثاني عشر : التراضي اعم من ان ينحصر بالزوجين فقد يراد منه بين الأسر والعوائل او بين أهل الزوج والزوجة فتارة تكون اسباب الطلاق من غير الزوج او الزوجة او من غيرهما، وكذا بالنسبة للتراضي فقد يكون الزوجان هما السبب بحصول الطلاق ولكن التراضي وتهيئة مقدمات الرجوع يكون من غيرهما سواء من الأهل او الأقارب او المحسنين مطلقاً.

تفسير قوله تعالى [ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ] وفيه وجوه :
الأول : الآية تنبيه وتحذير وحث على التقيد باحكام الطلاق وسننه.
الثاني : تذكير بنعمته وفضله تعالى ببيان الأحكام.
الثالث : دعوة لإستثمار مناسبة الآيات ومنع التعدي وحصول الإرباك في الحياة الإجتماعية واليومية.
الرابع : قال الرازي: لم وحد الكاف في قوله تعالى “ذلك”مع انه يخاطب جماعة( )، كما استشهد في البحر المحيط بقوله تعالى [ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ] بان ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيل لكل سامع( )، والأقوى ان الكاف هنا للبعد، والإشارة الى احكام الطلاق فهي مجردة عن الخطاب وجهته واتحاده او تعدده، أي يقتصر في معناها على الإشارة الى البعد بدليل ما بعدها الذي جاء بصيغة الغائب.
الخامس : تخصيص الموعظة بالمؤمنين مدرسة عقائدية تتفرع عنها دروس عديدة، فالمسلمون هم المنتفعون من الأحكام، والله عز وجل يرأف بهم ويصلح احوالهم وانهم الذين يستحقون الموعظة.
السادس : يؤكد الواقع العملي والأنظمة العامة انتفاع المسلمين بما في القرآن من الموعظة والعبر وصيغ الحكمة.
السابع : منهم من احتج بهذه الآية بان الكفار غير مكلفين بفروع الدين، ومع قولنا بهذه القاعدة وهي المشهورة شهرة عظيمة عند علماء المسلمين، الا ان الآية لا تدل على المدعى، والموعظة اعم من التكليف وسابقة عليه او ملازمة له او متأخرة عنه.
الثامن : الآية مدح وثناء للمسلمين جاء بصيغة الخبر والخطاب اذ ان كل مسلم يؤمن بالله ويعتبر الإيمان بالمعاد من اصول الدين.
التاسع : الآية ترغيب وتخويف على طريقة السبر والتقسيم، فالترغيب خاص بالمسلمين اذ انهم تمسكوا باحكام الطلاق وكأن الآية تزكية لهم وشهادة قرآنية على ايمانهم باصول الدين وفق البرهان الإني وهو الإستدلال من المعلول الى العلة.

تفسير قوله تعالى [ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ] وفيه وجوه :
الأول : جاء اسم الإشارة على نحو المطابقة بعد الإفراد “ذلك” في الآية الواحدة وجاء التعدد والمطابقة في معنى اسم الإشارة لبيان فضله تعالى أي ان كل حكم من احكام النكاح والطلاق يكون علة وسبباً للثواب وعظيم الأجر وحسن الجزاء.
الثاني : الآية حث على اتباع احكام النكاح والطلاق.
الثالث : تفتح الآية الباب امام دراسات اجتماعية عديدة لبيان منافع احكام الطلاق في الشريعة الإسلامية ولا بأس في اجراء دراسات مقارنة بخصوصه مع احكام الطلاق عند المليين والأمم الأخرى والقوانين الوضعية.
الرابع : تحث الآية على عدم الميل في القوانين الوضعية عن الشريعة الإسلامية، وفيها منع من محاولات الإبتعاد باحكام النكاح عن الشريعة وبيان مساوئ تلك المحاولات والخلل في القوانين والأنظمة البديلة للشريعة.
الخامس : في الآية اشارة الى الإنجاب والأولاد وصلاحهم ولزوم تولدهم بصيغ صحيحة وسليمة وشرعية وكذا مسألة اعدادهم وتربيتهم.
السادس : المراد من التزكية هنا النماء وكثرة الأولاد ودوام البقاء وحسن التنظيم ومنع الخصومة والفرقة والإقتتال الناجم عن الإخلال بانظمة الطلاق، فكثيرة هي وجوه التعدي في هذا الباب الا ان الطرف الآخر لا يرد في الأعم الغالب سواء كان الزوج او الزوجة ومن يقف خلفهما لقناعته بان الشريعة الإسلامية تضمن له حقوقه.
السابع : تثبيت وتعاهد احكام الطلاق سبيل الى الرخاء والسعادة.
الثامن : االآية وعد بالثواب واستحقاقه بالتقيد باحكام القرآن.
التاسع : قوله تعالى [ وَأَطْهَرُ ] يعني مغفرة الذنوب والسيئات، وان احكام الطلاق تساهم في طهارة النفوس وتهذيبها ونبذ الكدورات والأنانية ونحوها من الأخلاق الذميمة.

تفسير قوله تعالى [ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ] وفيه وجوه :
الأول : مدح وثناء للباري عز وجل.
الثاني : توكيد لأحكام الطلاق.
الثالث : تمنع الآية من الإجتهاد في احكام الطلاق وبما يخالف الكتاب والسنة.
الرابع : الآية رادع قرآني لمن يتجرأ في دعوى اصلاح احكام النكاح والطلاق لحرمة التشريع المحرم ومقدماته.
الخامس : هناك ابواب من العلم في باب النكاح والطلاق لا يعلمها احد الا الله عز وجل، والتقيد بالأحكام يصلح طريقاً للمعرفة وتحصيل العلوم بفضله تعالى.
السادس : على المسلمين ان يلتزموا بالأحكام ويظهروا حسن الإمتثال.


قوله تعالى [ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ] الآية 233

الإعراب واللغة
والوالدات: الواو استئنافية، او عاطفة، الوالدات: مبتدأ، يرضعن: فعل مضارع مبني على السكون، النون: فاعل، حولين: ظرف زمان متعلق بيرضعن، كاملين: صفة، لمن: حرف جر و(من) اسم موصول مجرور.
اراد ان يتم: اراد: فعل ماض، وجملة اراد صلة (من) لا محل لها، و(ان) وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول به وتقديره أراد إتمام.
رزقهن: مبتدأ مؤخر، والضمير مضاف اليه، لا تكلف نفس الا وسعها: لا: نافية، تكلف: فعل مضارع مبني للمجهول، نفس: نائب فاعل، الا: اداة حصر، لا تضار: لا، ناهية، تضار: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلا.
فان ارادا فصالاً: الفاء: استئنافية، ان: شرطية، ارادا: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، الألف: فاعل، فصالاً: مفعول به.
فلا جناح عليهما: الفاء: رابطة لجواب الشرط، لا: نافية للجنس، جناح: اسمها، عليهما: جار ومجرور في محل خبرها.
اذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف: اذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، ما: اسم موصول في محل نصب مفعول به.
واتقوا الله: الواو: استئنافية، اتقوا الله: جملة من فعل وفاعل ومفعول به.
الرضاع معروف وهو مص الصبي اللبن من ثدي المرأة اماً كانت له او لا، يقال رضع الصبي رضاعة ويقال امرأة مرضع بلا هاء، اذا اريد الصفة وتلبسها بالرضاعة فعلاً مثل حائض وحامل، ويقال مرضعة بالهاء اذا اريد الفعل، وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا رضاع بعد فصال ، ولا يتم بعد احتلام( ).
والحول: العام سمي حولاً لدوران ايام السنة، وكأن الأيام طافت وعادت، والوسع: الطاقة والمقدرة، ومن أسماء الله تعالى الواسع وهو الذي يسع ما يسئل ولا تستعصي عليه مسألة وشمل رزقه جميع الخلائق وكلف بالشيء كلفاً وكلفة ومكلف: لهج به، وكلفت بالأمر اذا اولعت به واحببته، والتكليف: تحمل الشيء وتجشمه على مشقة.
والفصال: الإنقطاع، يقال فاصلت شريكي أي انقطعت الصلة المالية معه، والمراد به في المقام الفطام قبل الحولين.

في سياق الآيات
وقد ورد لفظ(واسع) عشر مرات في القرآ، كلها لله عز وجل قال تعالى[وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ).
بعد آيات مدرسة الطلاق وآدابه وسننه، جاءت آية الرضاع واحكامه، وتبـدو وحــدة الســياق بالتقاء الآيات في مضامين الرأفة بالمرأة.
إعجاز الآية
جاءت الآية السابقة باكرام المرأة في نفسها وحال ازواج وعند الطلاق، وصفة الزوجية هي عنوان اعتباري وتشريفي للمرأة ذو تأثير كبير على شخصيتها ومنزلتها في المجتمع، لذا ترى كثيراً من النساء يتحملن عناء الزوجية وهموم وايذاء الزوج واهله من اجل تعاهد وحفظ هذا العنوان الإضافي الإعتباري، اما هذه الآية فتضمنت إكرامها في اولادها وعدم حرمانها من ارضاع ابنها من غير ان تنسى الآية القرآنية حق الأب في ابنه مما يدل على امكان اجتماع المصلحتين وعدم التعارض بينهما.
والآية ثورة على عادات الجاهلية واستحواذ الرجل على امور الأسرة بالإضافة الى المنافع العظيمة التي اكدها الطب الحديث في حليب الأم، وتبين الآية الأهمية الخاصة لمرحلة الرضاعة بالنسبة للأم وللرضيع، وتفتح الباب للدراسات في هذا الباب.
ويمكن تسمية هذه الآية آية(والوالدات) ولم يرد لفظ الوالدات في القرآن إلا في هذه الآية وجاء في أولها.

الآية سلاح
تساهم الآية في حفظ حقوق الأفراد والمستضعفين منهم خصوصاً المرأة، فقد كانوا يعتبرون المرأة وعاءً وان الولد لأبيه ونسبه وعشيرته،
بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد( ).
وقيل هذا البيت مجهول، وأبناء الابن يكونون في الغالب في دار أبيهم، ونعتهم له.
فجاءت الآية لتعطي للأم الحق بارضاع ابنها، وفيه اشارة الى لزوم رعاية حقوق الأمومة أي ان موضوع الرضاع جاء للإعتبار والبيان والإتعاظ، وفي الآية تنظيم للحياة المعاشية واخبار بالدلالة التضمنية بان ارضاع الأم لإبنها لا يسقط عن الأب وجوب النفقة.
مفهوم الآية
الآية قاعدة كلية تتضمن مفاهيم متعددة فقد بدأت بذكر الوالدات وارضاعهن لأولادهن، ومن المفسرين من اعتبر الآية خاصة بالمطلقات بحسب السياق، وقبل ان تصل النوبة الى نفي دلالة المعنى السياقي، فان الآية ظاهرة بالوالدات وهن أعم من المطلقات، وليس من مخصص او قرينة على إرادة خلاف الظاهر والعموم، نعم تنتفع المطلقة من هذه الآية أكثر من غيرها، لأن التي في عصمة الزوجية تكرم بارضاع ولدها، وهو من مستلزمات حضانة المولود والعناية به، ولكن المطلقة قد تسلب حقها في ولدها، فجاءت الآية لتثبيت حقها والنظر لها بعنوان الامومة، خصوصاً وان الطلاق انفصال وافتراق وفسخ وابطال لعقد الزوجية، ولا اثر له في الأمومة وحق الأم في ولدها, ويترشح عن هذا الحق جرياً وانطباقاًً حق الرضاعة، فالآية مواساة للمطلقة وحفظ لحقوقها وحقوق الولد وحصانة للمسلمين من التعدي والظلم، والرضاعة باب للاصلاح والتراضي، وهي من وجوه المعروف، لما فيها من الاحسان على الذات والرضيع ومنع للفتنة والتشتت.
ليكون من بديع سنن وأحكام الشريعة الإسلامية تكرار فرص عودة الرجل بزوجته المطلقة، إذ يحق له العودة بها مدة العدة الرجعية، وعليها أن تتزين له، ولا يحق لها اثناء العدة الخروج من المنزل.
ليكون الطفل الرضيع مدة رضاعته مناسبة متجددة لتجدد الصلة بين الرجل ومطلقته وسبباً للإنجذاب بينهما وترشح بقية من الود الذي يتجلى في قوله تعالى[وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً]( ).
وبينما جاء لفظ [َالْمُطَلَّقَاتُ] مرتين في القرآن بصيغة الجمع، ولم يأت بصيغة المفرد، فان لفظ [َالْوَالِدَاتُ] بصيغة الجمع لم يأت في القرآن الا في هذه الآية، أي بخصوص الرضاعة وجاء بصيغة المفرد في هذه الآية ايضاً مما يدل على موضوعية الوالدة في ارضاع الصبي وتعاهده، كما ان الآية دعوة للنساء لحضانة اولادهن وتولي مسؤولية ارضاعهم وعدم تركهم عند الغير والى الآن لم تستقرأ منافع قيام الام بارضاع ابنها الا ان توجه الناس في هذا الزمان للحليب المجفف والإكتفاء به في ارضاع الصبي سيظهر بمفهومه وما يترشح عنه منافع ارضاع الأم لابنها وستنظم حملات عالمية دينية وطبية واجتماعية وانسانية واخلاقية تحث الامهات على ارضاع ابنائهن وتبين اضرار البدائل الصناعية، ولكن القرآن هو الواقية للمجتمعات الاسلامية، فهو يدعو الرجال والنساء كل يوم لتولي الأم إرضاع إبنها، ولتتجلى المفاهيم الاعجازية بآيات القرآن، فالآية وان جاءت بلغة الخبر إلا أنها تحمل الإنشاء والأمر المولوي والتنبيه والتحذير من التفريط في هذه النعمة المركبة، النعمة في الخلقة التكوينية بان جعل الله عزوجل غذاء الصبي في حليب امه ومن جسدها وخالص غذائها، وهو دعوة له للبر بها في حياتها وبعد موتها، فلذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه اوصى بالام ثلاثاً.
وعن الإمام الباقر عليه السلام: قال: قال موسى بن عمران عليه السلام: يا رب أوصني قال: أوصيك بأمك، قال: يا رب أوصني، قال: أوصيك بأمك، قال: أوصني قال: أوصيك بأبيك قال: فكان يقال لأجل ذلك أن للأم ثلاثا البر، و للأب الثلث( ).
وبعد ورود القاعدة التشريعية المباركة باختصاص الوالدات بارضاع ابنائهن، جاء الاخبار عن مدة الارضاع وذكرها على نحو التقييد الزماني، أي لابد من تفكيك الآية والنظر لها من جهات وهي:
الأول : ارضاع الامهات لاولادهن.
الثاني : مدة الرضاعة حولان كاملان لمن اراد اتمام الرضاعة.
الثالث : ارضاع الامهات لاولادهن مدة حولين كاملين لكل مولود من حين ولادته.
وذكر المدة ليس على نحو القطع والاستغراق، لذا ورد قيد الاتمام والكمال، وهذه الآية من جوامع الكلم فهي تثبت:
الأول : حق الام.
الثاني : حق الوالد.
الثالث : حق الرضيع.
الرابع : حق المجتمع.
الخامس : حق الاسلام.
وتمنع من الارباك الا جتماعي وضياع الصبي ابتداء من ايامه الاولى، انها مدرسة القرآن التي تعالج المسائل الكبيرة والصغيرة، وحتى الصغيرة تبدو كبيرة بلحاظ اثرها، وما يترتب عليها في مستقبل الايام والنظر اليها باجتماع افرادها وليس على نحو القضية الشخصية، فاذا كان الخلل متكرراً وافراده كثيرة فانه يؤثر سلباًً على الامة والملة.
فجاءت هذه الآية لتعاهد احكام الاسلام ولجعل المسلمين مؤهلين للاستمرار بوراثة الأرض وعدم تسرب التبديل والتغير لأحكام الشريعة وعدم جعلها منسية اومتروكة كما انها تخفف من الخصومة وتطرد الخلاف وتمنع من الاجتهاد وتغني عن سن القوانين الوضعية وما فيها من النقص وعدم الاحاطة بالامور، اذ ان القانون ينظر الى الاشياء بحسب الظاهر ويبين العقل حكمه يما يبدو له، وقد تكون الخفايا والمحتملات اكثر من ان يحيط بها، لذا جاءت هذه الآية لمعالجة مسألة الحمل منذ ساعة وقوعه ولم تترك للإختلاف وكثرة الآراء وتعدد المذاهب موضوعية في الامر بل انها تمنع منها ومن أضرارها.
فالقانون السماوي يحتضن الولد منذ ساعة خروجه للدنيا بالزام الأبوين بإرضاعه ومده بمادة الحياة، وهو لا يمنع من وضع أحكام تفصيلية تتفرع عن الآيات ولا تخرج عن مضامينها، وما فيها من القواعد الكلية.
وتتجلى في الآية مضامين اكرام المرأة، فحينما الزمتها الآية بالإرضاع وضعت على والد الصبي نفقتها ومؤونتها وحثته على انصافها وعدم تضييع حقوقها.
وكما تمنع الآيات السابقة من الأضرار بالزوجة مطلقاً، والمطلقة خاصة، فان هذه الآية تمنع من الأضرار بالزوج وعدم ارهاقه في مسألة الرضاعة خصوصاً وانها ليست من النفقة الظاهرة او المعتادة، بمعنى ان رب الأسرة معتاد على توفير الأكل والشرب للأسرة، وايجاد الضروريات والحاجات بحسب الحال والشأن، فتأتي مسألة الرضاعة أمراً طارئاً قد يحتاج الى نفقة اضافية فمنعت الآية من الإسراف والأضرار وتكليف الزوج ما لا يطيق.
وقوله تعالى [لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا] قاعدة كلية في العبادات والمعاملات والأحكام لذا ترى الفقهاء والعلماء في مختلف العلوم يستشهدون بها للتوكيد على عدم تكليف الإنسان بأكثر مما يستطيع، وفي علم الكلام قبح التكليف بما لا يطاق، والله تعالى منزه عن القبيح، فحمّلت الآية الوالد نفقة رضاعة ابنه ولكنها منعت من ارهاقه وايذائه ووضعه في حرج بسبب نفقة الرضاعة.
وهذا المنع سبيل لزيادة النسل وكثرة الولد وحائل دون تحديد النسل لا اقل بسبب كلفة الرضاعة، او ان هذه الكلفة سبب للتشاؤم والنفرة من الولد، لأن ابتداء حياته بالعسر والحرج ينذر باتصال هذا الحرج وازدياد مراتبه، وبالجمع بين هذا الشطر من الآية والشطر الذي يليه وهو عدم المضارة للطرفين الوالد والوالدة سواء كان في عصمة الزوجية او مفترقين تتجلى الحكمة الإلهية وعظمة التشريع القرآني وحاجة الناس اليه، وهذه الآيات من الإعجاز الغيري للقرآن.
وذكرت الآية الوارث والولي لكي لا تظلم المرأة وتضيع حقوقها لأنها تستحق الأجرة بالإرضاع سواء كان الأب موجوداً او الولي غيره، والآية وإن أشارت الى مسؤولية من يتكفل الرضيع فأنها ايضاً تحذر من الأضرار به والتشديد عليه في الإجرة، ومجيء حرف الجر (على) في(وعلى المولود له) وما فيه من الإستعلاء اشارة الى ان الأضرار المحتملة على المرأة في باب الرضاعة اكثر منها على الرجل ووارثه.
واظهرت الآية المندوحة والسعة في باب الرضاع ولكن في ايامه واشهره الأخيرة للتخفيف والتيسير وبالتشاور بين الأب والأم وحصول التراضي، والأصل ان يكون تشاور قبل التراضي وتمنع الآية من الجهالة والغرر ولكنها ذكرت التراضي قبل التشاور مما يدل على ارادة معنى اعم في التشاور وان موضوعه يتعدى مسألة الرضاع، وفيه مسائل:
الأولى : شموله ملحقات ومسائل الرضاع والتراضي على حصول الفصال، كما لو اتفقا على الفصال في الشهر الواحد والعشرين من مدة الحولين، فان التشاور يستمر بعدها فقد لا يلائم الرضيع هذا الفصال.
الثانية : قد يسبب له مضاعفات واذى واعراض ويقع هو وامه في حرج وعسر او ان الضرر يلحق الوالد نفسه.
الثالثة : هذا التشاور دعوة سماوية للعودة إلى الزوجية.
الرابعة : التشاور في أجرة الرضاع والزيادة والنقصية فيها.
الخامسة : موضوع التشاور أعم من الرضاعة لتعدد الحاجات للصبي والمسائل الطارئة.
والتقديم والتأخير بين التراضي والتشاور (عن تراض منهما وتشاور) من اعجاز القرآن وبيان الرأفة بالصبي وان الإتفاق على الفصال ليس قطعياً مستقراً بل يبقى متزلزلاً، كما ان التشاور يستمر الى مدة الحضانة ولا يتعلق بمدة الرضاعة فقط، ولو كان هذا التشاور بالواسطة، وقد ورد ذكر التراضي بما يفيد ترشح حصول الشيء عليه، كما في قوله تعالى [وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ]( ) وقوله تعالى [إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ]( ).
لقد تكرر لفظ (لا جناح عليكم ) في الآية، وهي الآية الوحيدة التي يرد فيها هذا التكرار مما يدل على لزوم عدم التشديد على النفس والإحتياط المخالف للإحتياط في باب الرضاعة لأنها من المواضيع التي لا تقبل التأخير وان الخلل الفادح فيها تترتب عليه اضرار كثيرة عاجلة وآجلة.
وقد ورد لفظ (لا جناح عليكم) او بما يشابهه مثل ليس عليكم جناح، خمساً وعشرين مرة في القرآن، مرتين في الحج وست في العبادات والمعاملات، وسبع عشرة مرة فيما يتعلق بشؤون المرأة واحكام النكاح والطلاق مما يدل على لزوم العناية العامة بأحكام النساء وعدم التفريط او التهاون بها لأنها اساس بناء المجتمع العقائدي ومدخل الإصلاح والخلل والإرباك والتفريط في باب النكاح يؤدي الى ارتكاب المعاصي، فلذا جاءت هذه الآيات لضبط المعاملة في النكاح واخبار المرأة بان القرآن يحفظ لها حقوقها ان لم تنلها في الدنيا فهي لها في الآخرة وتكون انذاراً وزجراً عن التعدي عليها.
كما يحمل نفي الجناح والإثم على المعنى الإيجابي وهو الحث على دفع اجور الرضاعة بحسب الشرط والعقد والمبادرة لإيصاله الى المرضعة لما فيه من نشر الإحسان وصلاح المجتمع وسد حاجة المرضعة وانعكاس الأمر على الرضيع.
وجاءت خاتمة الآية مركبة من أمور:
الأول : التوكيد على تقوى الله والأمر بها صراحة بين ثنايا احكام الرضاعة.
الثاني : منع حجب حق المرضعة واغتصاب اجرتها، وما فيه من الإضرار بها.
الثالث : الحيطة والحذر من الإضرار بالرضيع ايضاً في اعداده وتربيته وعدد الرضعات، او في حصول تغيير طارئ على الحليب اثر شعور المرضعة بالغبن والحيف او ترتب الأثر في مستقبل أيامه.
الرابع : الإخبار عن علم الله تعالى بما يفعل الناس، لتكون احكام الرضاعة اختباراً وامتحاناً وشاهداً على تقوى الله، وحسن المعاملة، وإنصاف الفقراء والمستضعفين والعيال مطلقاً الصغير والكبير والذكر والأنثى.
بحث فقهي
وعن علي ع أنه قال في قول الله عز وجل وعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ الآية قال نهى الله عز وجل أن يضار بالصبي أو يضار بأمه في رضاعه وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين فإن أرادا فصالا عن تراض منهما كما قال الله عز وجل كان ذلك إليهما والفصال الفطام ولا ينبغي للوارث أن يضار المرأة فيقول لا أدع ولدها يأتيها قال أبو جعفر في قول الله عز وجل وعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ قال هو في النفقة.
وعنه عليه السلام ولا تجبر المرأة على رضاع ولدها ولا ينزع منها إلا برضاها وهي أحق به ترضعه بما تقبله به امرأة أخرى وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين.
قال الشافعية والحنابلة: يجب على الأب إسترضاع ولده وإرضاع الطفل ليس واجباً على الأم، ولا يجوز للزوج إجبارها شريفة كانت أو دنيئة، وفي عصمة الأب أم بائنة عنه، إلا إذا إنحصرت الرضاعة بها.
قال الحنفية: يجب على الأم رضاعة الصبي ديانة لا قضاء ، والمراد من ديانة أي بينها وبين الله وبقصد القربة ، وليس إلزاماً .
قال المالكية: يجب الرضاع على الأم بلا إجرة إن كانت ممن يرضع مثلها وكانت في عصمة الزوج، أو بحكمها كالرجعية، أما البائن والشريفة التي لا يرضع مثلها فلا يجب عليها الرضاع إلا إذا إنحصر بها الرضاع.

التفسير
تفسير قوله تعالى [ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ] وفيه وجوه :
الأول : جاء ذكر الوالدات على نحو الإطلاق ليشمل المتزوجة والتي انقطعت عصمة زوجيتها بالطلاق او الفسخ والإفتراق.
الثاني : يحمل الكلام على اطلاقه بالإضافة الى حجية الظواهر، فظاهر اللفظ العموم.
الثالث : ما جاء في الآية من الإشارة الى مؤونة ونفقة الوالدات في قوله تعالى[وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ] اوجد قولين متباينين:
الأول: ان الآية خاصة بالمطلقات لسياق الآيات ولحصول البغض بسبب الطلاق، ولأن الزوجة تكون نفقتها على الزوج ما دامت في حبال الزوجية.
الثاني: حمل الآية على الزوجة، لأن المطلقة تستحق على الرضاع الإجرة والجواب على الأول عدم حجية المعنى السياقي للآية، ولأن الآية جاءت بحكم شرعي فهو اعم من البغض والمحبة لتعلقه بالولادة على نحو مجرد من العناوين الإضافية الثابتة او العرضية الطارئة والكيفيات النفسانية، اما الثاني فان الزوجة تستحق النفقة والكسوة بعقد النكاح والتمكين ولا تصل النوبة الى التعليق على الرضاع.
الرابع : ليس من مانع من الإطلاق في الآية مع انحلاله بحسب السبب والجهة والحيثية اذ لا ملازمة في الآية بين الرضاع والكسوة بالنسبة للزوجة ولكنه توكيد لحقها واثبات لفضلها وجهدها وما تقدمه للزوج والأسرة، فكأن الآية تنبيه الى لزوم شكر الزوجة على الرضاع والخدمات الإضافية التي تقدمها لإستمرار قوام الأسرة ونجاحها وصلاحها فذكر نفقة ومؤونة ورزق الزوجة جاء على نحو التوكيد، اما بالنسبة للمطلقة فانه على نحو التأسيس والسببية أي بسبب قيام المطلقة بارضاع الولد فانها تستحق النفقة والكسوة سواء كاجرة او كأمر لزومي يصاحب الرضاعة.
الخامس : من اعجاز الآيات القرآنية ان الخطاب فيها ينحل بحسب اللحاظ والموضوع مع ان النص واحد، بالإضافة الى الإنحلال والإنشطار بعدد المكلفين الموجود منهم والمعدوم، لذا فان القرآن مع محدودية كلماته يحيط باللامحدود من الوقائع والأحداث.
السادس : الآية اعم من ان تقيد بجهة واحدة لأن موضوعها ارضاع الأم لأبنها سواء كانت في عصمة الزوجية او مطلقة وهل تشمل الآية المطلقة التي تزوجت زوجاً آخر؟ لا مانع من ذلك اذا لم يرد مانع بالعنوان الثانوي.
السابع : لعل في الآية دعوة للزوج الثاني بالرضا والقبول برضاعة الأم لولدها من الزوج الأول، وكم من ولد تعلق بالزوج الثاني لأمه واخذ يخاطبه يا ابتِ، كل هذا من المدارس الإجتماعية في الإسلام.
الثامن : يأتي الرزق والكسوة بالنسبة لها لإستحقاقها الأجرة وللتخفيف عن الزوج الثاني ولتوكيد عدم وجوب الإرضاع عليها، ولبعث الرأفة عنده وعند الأم على الولد الرضيع خصوصاً وان لبنها افضل لبن له وهي اكثر شفقة عليه من غيرها حتى مع الطلاق والزواج من آخر لأنه ابنها وقد انعكست آثار الطلاق عليه سلباً ولا عبرة بالحالة النادرة الشاذة او ما قد تظهره المرأة من العناد والغلظة معه بسبب بعض الضغوط النفسية او في ساعات التشفي من المطلق لما اوصلها اليه من حال.
التاسع : لا تدل الآية على الوجوب وان جاءت بصيغة الخبر الذي يفيد الإنشاء ايضاً ومنع الإضرار بالأم في موضوع ولدها سواء كانت باقية في عصمة الزوجية او مطلقة مع قيد السعة والإمكان ومع عدم وجود موانع عرضية.
العاشر : ظاهر الآيات القرآنية يدل على الوجوب او الإنتقال الى الغير مع عدم الإتفاق والإنصاف، بالإضافة الى قاعدة نفي الحرج، قال تعالى [ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُـنَّ ] وقوله تعالى [ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ]، وفي خبر سليمان بن داود عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “لا تجبر الحرة على ارضاع الولد وتجبر ام الولد”، نعم تجبر الأم على ارضاع ولدها في حال عدم وجود مرضعة غيرها فيكون الإرضاع عليها على نحو الوجوب العيني، وكذا لو وجدت المرضعة الأخرى ولكن الأب معسر ولا مال للولد، وليس من متـبرع، وكذا لو فقد الأب لوجوب نفقة الولد عليها، وهذا الوجوب بالعرض ما دامياً أي في حال زوال اسبابه القهرية يزول ويرجع الى الأصل وهو عدم الوجوب.
والأقوى استحقاق الأجرة في هذه الصور مع امكانها، ومن الفقهاء من اوجب على الأم ارضاع اللباء – بكسر اللام – وهو اول ما يحلب الى ثلاثة ايام وبه قال العلامة والشهيد الأول، وعن الفاضل المقداد انها لا تستحق الأجرة عليه لأنه واجب، والأقوى انه لا يجب عليها ارضاع الصبي اللباء وانها تستحق الأجرة عليه وما قيل ان الولد لا يعيش بدون اللباء ولو رضعة واحدة لم يثبت واذا تعلقت حياته به اصبح ضرورة وواجباً.
ومنهم من قال بان الآيــة لا تـدل على الوجوب بدليل قوله تعالى [ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ] ولو وجب الرضاع، لما استحقت الأجرة، وهو استدلال حسن ولكن ولا تعارض بين وجوب الإرضاع والأجرة، فهو وجوب مقيد بالإجرة لأنه ليس مسألة ابتلائية عبادية تجب وجوباً عينياً عليها، نعم هذا الوجوب متوجه الى الآباء والأمهات ومقيد بالإتفاق والإمكان وعدم الحرج.
الحادي عشر : الآية دعوة لرعاية الزوجة وتعاهدها وان كانت مطلقة لتكون مؤهلة لإرضاع الولد والعناية به، وكذا الولد حالما يكبر ويصل سن البلوغ فانه مأمور بالجزاء واكرام الأم وبذا تتجلى نظرية الإكرام الإسلامية.
الثاني عشر : جاءت الآية بلفظ الوالدة لبيان الإستحقاق وموضوعية الرفق واهميته في النشأة والإعداد والتربية.
الثالث عشر : مفهوم الآية يدل على النهي عن تقديم غير الأم في الرضاعة.
الرابع عشر : يعتبر التوكيد القرآني على الأمهات في الرضاعة تأسيساً لقواعد شرعية واخلاقية حالت دون الكثير من المآسي والآلام ومشكلات الأمور والحوادث والمفاسد، ومنعت من الإنحراف والخلل في الصلات الإجتماعية واسباب التربية.
الخامس عشر : الآية تنمية لملكة الرأفة في نفوس المسلمين وعون في البذل واظهار الحنان والرفق ومد يد المساعدة.
السادس عشر : في الآية حفظ لحقوق الأم في مرحلة الرضاعة وقد يترشح على المراحـل التاليـة الأخــرى التي تتعلــق باعــداد الولد ونشأته وتربيته.
السابع عشر : الآية تأسيس لصلات كريمة بين الأم وابنها وتثبيت لمقدمات بر الوالدين.
الثامن عشر : تمنع الآية منة الآخرين على الولد بقيام الأم بارضاعه فلا منة وفضل بينه وبين امه.
التاسع عشر : تحول الآية دون الملابسات التي قد تحدث من رضاعة غير الأم، وما تنشره من اسباب الحرمة بالرضاعة بين الرضيع وبنات المرضعة وفروعهن وغير ذلك.
العشرون : المراد من الولد المعنى الأعم للذكر والأنثى، وجاء ذكـره بالتذكير للفرد الغالب، ويدل على اطلاق اللفظ آيات عديدة منها [ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ]( ) [ وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ ]( ).
الحادي والعشرون : الخطاب اعم من ان ينحصر بوالد الرضيع فيشمل اهل الزوج واهل الأم وذويها والمحسنين والساعين في اصلاح ذات البين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الآية قانون وضعي ومدرسة اجتماعية وكيان تربوي مستقل، وقاعدة ثابتة تنير الدرب وتمنع من الإجتهاد في مقابل النص، ومن اتباع الهوى والتصرف اللامسؤول وغلبة الغضب وروح العناد وسجايا الإصرار والأخلاق المذمومة بحجب الوالدة عن ولدها وبالعكس.
الثاني والعشرون : تحث الآية على تعاهد الرضيع بل الولد في مراحل حياته مطلقاً وتبين الإعجاز في التربية الإسلامية واهتمام الشريعة بكل فرد من المسلمين من حين ولادته ومرحلة الرضاعة.
الثالث والعشرون : نحن بحاجة الى دراسات تبين الآثار الإيجابية لحليب الأم في اخلاق الصبي وسجاياه عند الإدراك والبلوغ.
الرابع والعشرون : في الآية حث لأهل الزوجة على العناية باولادها وحفظهم واعانتهم لأنهم ابناءهم بالواسطة لذا فان ابن البنت واجب النفقة.
ولقد ذهب نفر قليل من الفقهاء وخلافاً للمشهور الى حلية الخمس لمن انتسب الى الزهراء عليها السلام وبني هاشم مطلقاً من طرف الأم، ومن المتقدمين ذهب الى ذلك السيد المرتضى.
ولكن اللغة والعرف يجعلان مدار الحكم يثبت لمن انتسب الى هاشم بالأب واليه ذهب المشهور، وذلك لا يمنع من صدق اسم الولد وانطباقه حقيقة على الذي ينتمي لهاشم من طرف الأم مباشرة.
وحكي ان الرشيد أمر وزيره علي بن يقطين ان يهيء لأولاده ثياباً جديدة ليوم العيد، وكان علي بن يقطين مشهوراً بالولاء لأهل البيت عليهم السلام يسمع من الرشيد وحاشيته ردهم لنسبة اولاد الزهراء عليها السلام الى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وان أولاد البنت ليسوا باولاد استدلالاً بقول الشاعر:

بنونا بنو ابنائنا وبناتنا

بنوهن ابناء الرجال الأباعد

واحضر علي بن يقطين ثياباً جديدة لأولاد الرشيد وترك اولاداً صغاراً لبنت الرشيد كانت قد رجعت الى داره بعد ان مات زوجها، فدخل هؤلاء الصغار على جدهم هارون الرشيد باكين محزونين، فغضب الرشيد على علي بن يقطين وقال: لم تركت هؤلاء الصغار ولم تحضر لهم ثياباً جديدة مثل سائر اولادي؟ قال: ما أمرتني، قال: ألم امرك بتجديد ثياب اولادي؟ قال: ولكنكم تقولون ان اولاد البنت ليس بأولاد فتنبه الرشيد.
وقيل ان بيت الشعر اعلاه مجعول، وعلى فرض عدم الجعل والفرق بينهما ليس كبيراً واسعاً ذلك انه قول شاعر ولا يصلح للإرتقاء لمقام الحجة في الأمور الشرعية وحقيقة النسب، فانه محمول على المبالغة وطبيعة العرف في زمان محدد، وقد يتعلق بجانب من جوانب الحياة خاصة في المجتمعات القبلية والحاجة فيها الى الرجال وان اولاد البنت يقيمون في دار ابيهم ونفعهم له كما هو الغالب.
وانشد للخليفة المأمون:

وانما امهات الناس اوعية

مستودعات وللآباء ابناء

وقد حصلت مناظرات للمأمون مع الرضا عليه السلام في النسبة الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد اكرم القرآن الإمهات سواء بالإكرام للوالدين بعرض واحد او لذكرهن بالخصوص كما في قوله تعالى [ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ] وغيرها من الآيات كما ان السنة الشريفة جاءت باكرام الأم والإعتناء بجانبها واعطائه الأولوية وتقديمها على الأب، والنسبة للأب بواسطة الأم يؤكده، باب الميراث وهو شطر العلم وقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على تعلمه وقد يكون من وجوه تعلمه ما يعطى لابن البنت من المنزلة وصحة النسب واجتناب ظلم المرأة بنتاً كانت او اختاً او زوجة وفيه وجهين :
الأول : جاءت الآية بلفظ الوالدات لا الأمهات، لإثارة الشفقة وبيان استحقاقهن للإرضاع والأولوية في الرعاية وان المولود فرع لها.
الثاني : صيغة الآيـة خبرية، ولكنها تتضـمن معـنى الأمـر والإنشاء والخطاب التكليفي أي ليرضع الوالدات اولادهن، ولمنع التعدي او التفريط.

تفسير قوله تعالى [ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ] وفيه وجوه :
الأول : الحول هو العام والسنة لإنقلاب وتحول الأيام وعودة ذات الأشهر.
الثاني : لم ترتق الدراسات الإجتماعية والطبية الى الأسرار السماوية الكامنة في هذا التحديد ومفاهيمه ومنافعه الطبية والإجتماعية والأخلاقية والصحية التي تتعلق باثر الحليب في نمو الصبي في تلك المدة دون ما بعدها، بالاضافة الى خواص حليب الأم في تلك المدة بالذات سواء في باب التغذية او المكونات او اسباب المناعة.
الثالث : التحديد بكمال الحولين منع للإختلاف والإضرار بالأم او الرضيع او الأب.
الرابع : جاء التحديد لبيان الإرادة التكوينية والتشريعية في باب الرضاعة واكرام الإنسان في ايامه الأولى من الحياة الدنيا.
الخامس : مرحلة الرضاعة لا ينحصر موضوعها بالرضيع بل تشمل كل انسان ليعلم الكبار رجالاً ونساء تعاهد الإسلام لهم وهم صغار فيتوجهوا بالشكر والثناء له تعالى.
السادس : تضع الآية قواعد كلية للفقهاء والقضاة والقائمين بشؤون الحكم وفيها صيانة لهم ومنع من التنازع والخصومة او الإعتراض عليهم وبذا تتجلى آيات من اعجاز القرآن بما له من الوظائف في التشريع وحفظ النسل الإنساني والحيلولة دون الفتن.
السابع : يشترط في باب زكاة الأنعام مثلاً ان يحول عليها الحول ويحصل بمضي احد عشر شهراً هلالية فيجب بدخول الشهر الثاني عشر من السنة وان لم يكمل وعليه نصوص، وفي صحيحة الفضلاء عن زكاة النقدين: اذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول، ووجبت عليه فيها الزكاة.
واختلف في استقرار الوجوب بتمام الشهر الحادي عشر، ام انه يبقى متزلزلاً حتى يتم الشهر والأرجح هو الأول مع اعتبار الشهر الثاني عشر من ذات السنة، وكذا في باب صيام الكفارة شهرين متتابعين، وصيام يوم من الشهر الثاني متصلاً مع الشهر الأول يجزي في صدق اتصال الشهرين ويجوز معه اداء تتمة الشهر الثاني متقطعاً بافراد في ايام الصيام باعتبار انها غير ارتباطية، وكذا في لغة العرب والعرف فيقال اقام حولين ويقصدون حولاً وبعض الحول او شهرين ويريدون شهراً وبعض الشهر، لصدق انطباق الكل على الجزء عند التلبس به. فلذا جاءت آية الرضاعة بالتوكيد على كمال الحولين وعدم الفصل بينهما وهو ظاهر الآية وعليه الإجماع والنصوص والفتاوى. بحث اصولي المفهوم عنوان له ثلاثة معان: الأول: انه المدلول والمعنى اللغوي للكلمة. الثاني: المعنى الإضافي الذي يفهم في مقابل مصداق الكلمة او الجملة وهو اعم من المعنى الأول. الثالث: ما يقابل المنطوق وهو المعنى الإصطلاحي للفظ المفهوم، ويختص بالدلالة الإلتزامية للجمل التركيبية دون الكلمة المفردة، فالمنطوق يعني الدلالة المطابقية سواء كان حقيقة او مجازاً وهو المتبادر الى الذهن عند سماع الجملة، ويقابله المفهوم بالدلالة الإلتزامية فقولك: اذا زالت الشمس فصل الظهر وهو المنطوق ومفهومه: اذا لم تزل الشمس وتكون في كبد السماء فلا يجوز اداء صلاة الظهر لأنها تقع حينئذ قبل وقتها وحينما سئل الإمام علي عليه السلام عن العالم فاجاب وبين صفاته سئل عن الجاهل فقال: قد فعلت. واختلف في حجية المفهوم لذا ادخله بعضهم في مباحث الحجة، فالمفهوم بهذا المعنى خارج عن مدلول اللفظ ولكنه لازم له، لذا عرف المفهوم بانه حكم غير مذكور وما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، كوجوب المقدمة العقلية ووجوب مقدمة الشيء لوجوبه، ودلالة وجوب الشيء على حرمة ضده، من وجوه الدلالة التي يكون لازمها بينا بالمعنى الأعم وان ادراكه يحتاج لتوسيط مقدمة عقلية او اختصاصه باللازم البين بالمعنى الأخص. وينقسم المفهوم الى قسمين: الأول: مفهوم الموافقة: ويتعلق بالأفراد الطولية للحكم والتي لم تذكر في المنطوق كما في صدق لفظ البنت وشموله البنات وان نزلت أي من الصلبيات وبنات الابن وبنات البنت. الثاني: مفهوم المخالفة: وهو الذي يكون فيه الحكم مخالفاً لحكم المنطوق وهو على ستة وجوه:
الأول : مفهوم الشرط.
الثاني : مفهوم الوصف.
الثالث : مفهوم الغاية.
الرابع مفهوم الحصر.
الخامس : مفهوم العدد.
السادس : مفهوم اللقب. ومفهوم الحصر يفيد انتفاء طبيعي الحكم عن غير موضوع الحصر سواء كان بالإصطلاح البلاغي وهو القصر، او باداة الإستثناء مثل اداة الإستثناء (الا) كما في قوله تعالى [ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ ]( )، ووقع الخلاف في دلالة الجملة على الحصر او عدمه.
ولا بأس بالرجوع الى القرائن والإمارات فهذه الآية تدل على الحصر والأولوية، سواء كان حق الرضاعة بالوالدات مع وجود المقتضي وفقد المانع لا على نحو الإطلاق، اما الحصر بالحولين فعليه النصوص والإجماع،وقد ورد عن علي عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لا رضاع بعد فصال”، والفطام يحصل بعد عامين لقوله تعالى [ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ]، وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لا يحرم من الرضاع الا ما كان في الحولين”.
بحث فقهي
الصور المحتملة في الرضاع ثلاثة:
الأول : حولان كاملان.
الثاني : اكثر من حولين.
الثالث : اقل من حولين.
والأول عليه ظاهر الآية وهو نص غير مجمل، اما الثاني فمقتضى الآية الكريمة والنصوص انه ليس من الرضاعة الشرعية وهو المروي عن الإمام علي عليه السلام وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وفي صحيحة سعد الأشعري انه سأل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: “عن الصبي هل يرضع اكثر من سنتين؟ فقال عليه السلام: عامين، قال: فان زاد على سنتين هل على ابويه من ذلك شيء، قال عليه السلام: لا”.
وفي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام ليس للمرأة ان تأخذ في رضاع ولدها اكثر من حولين كاملين، والمراد ان الأم لا تستحق اجرة على ما زاد على الحولين.
وعن جماعة منهم المحقق الحلي بجواز الزيادة شهر او شهرين، وقال الإمام ابو حنيفة بان مدة الرضاع ثلاثون شهراً.
اما بالنسبة للنقص فهو جائز بشرط ان لا تقل مدة الرضاعة عن واحد وعشرين شهراً لعمومات قوله تعالى [ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا] ( ) فمدة الحمل تسعة اشهر ومدة الرضاع واحد وعشرون شهراً فيكون مجموعها ثلاثين شهراً، وهذا الإستدلال لا يتعارض مع احتمال ارتقاء العلم في هذه الأزمنة وحصول الولادة بمدة حمل تبلغ ستة اشهر او اكثر قليلاً من غير مضاعفات جانبية كبيرة خصوصاً وان النصوص دالة على ذلك من غير علاج فيتجلى الإعجاز القرآني بحصر وتحديد مدة الرضاع خاصة وكأنه اخبار غيبي عما سيحدث في باب الولادة.
روي ان رجلاً جاء للإمام علي عليه السلام واخبره بامرأة ولدت لستة اشهر، فاستشهد الإمام علي عليه السلام بقوله تعالى [ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا ]( ) ويقول عز وجل [ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ] فاذا اتمت المرأة الرضاعة سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً كان الحمل منها ستة اشهر.
وروى المفيد في الإرشاد وغيره انه أتي لعمر بن الخطاب بامرأة ولدت لستة اشهر بعد زواجها فاستشهد الإمام علي عليه السلام بالآية الكريمة وقال للزوج: الولد ولدك، وكان علي عليه السلام يتولى القضاء ايام عمر، وفي خبر ان مدة الحمل بالحسين ستة اشهر، كما كانت ولادة يحيى بن زكريا.
وعن الصادق عليه السلام قال [ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ] قال ما دام في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية فاذا فطم فالوالد احق به من العصبة، وان وجد الأب من يرضعه باربعة دراهم وقالت الأم لا ارضعه الا بخمسة دراهم فان له ان ينزعه منها الا ان ذلك اجبر له واقوم وارفق به ان يترك مع امه( ).
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام لا تجبر الحرة على ارضاع الولد وتجبر ام الولد، وام الولد هي الأمة التي صار عندها ولد من سيدها فهي ملك لسيدها ومن ماله فليس لها الإمتناع، اما الحرة فلا تجبر وان كانت في عصمة الزوجية الا مع انحصار الرضاعة بها فتشملها احكام الضرورة والوجوب العيني، والأولى ان يكون هذا الإجبار بامر الحاكم الشرعي.

تفسير قوله تعالى [ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ]
الاسم الموصول (من) عائد الى الأب اذا اراد ان يتم رضاعة ابنه ولا يمنع من شموله للأم والولي مع فقد الأب، كما يشمل الطبيب اذا ارتأى ان مصلحة الصبي رضاعته من ثدي امه تمام الحولين ووجود ضرر بالإنتقاص منها.
وهذا القيد غالبي ويدل في مفهومه على امور:
الأول : ان الحولين تمام الرضاعة، والمراد من الحول هو السنة القمرية كما لو بدأت بالأول من محرم فانها تنتهي باليوم الأخير من ذي الحجة وليس السنة الشمسية والميلادية التي تزيد على القمرية نحو احد عشر يوماً.
الثاني : جواز النقص في مدة الرضاعة بشهر او شهرين او ثلاثة بدليل الآيات القرآنية والنصوص بالإضافة الى قاعدة نفي الحرج وللتباين في احوال الصبيان والأشخاص.
الثالث : تبين الآية افضلية اتمام الرضاعة حولين كاملين، للقاعدة الكلية بافضلية التمام وتقديمه على الناقص.
الرابع : مجيء الآية بلغة التذكير لا يعني الحصر بالأب بل لأنه الغالب في صيغ الخطاب، وكون الولاية للأب لا يمنع من اعتبار قول وحق الأم في ولدها وارضاعه، ولعل هناك ملازمة بين الغذاء في الرحم وبين نوع الحليب وملائمته لحال الرضيع، وفي خبر طلحة بن زيد عن الصادق عليه السلام: قال امير المؤمنين عليه السلام: ما من لبن يرضع به الصبي اعظم عليه بركة من لبن امه.
الخامس : ومن الإعجاز في الآية ان (من) جاء على نحو التنكير ولبيان الحد الأعلى للرضاعة.
السادس : تمنع الآية التسويف في الرضاعة والتعدي على حق الوالد او الوالدة، وتحول دون الإضرار بالرضيع.
السابع : التحديد السماوي لمدة الرضاعة مدخل كريم لتنظيم الحياة اليومية والأسرية والنظر في تنظيم النسل وتعدد الولادات وعدم التعارض بين الحمل والرضاعة او رضاعة اكثر من ولد بما يؤدي الى عدم الإرباك والأضرار بالأم أو بالرضيع او بالأب من خلال كثرة النفقة والأجرة.
الثامن : ارادة اتمام الرضاعة لا تعني الرغبة المجردة فقد تكون عن حاجة وضرورة فالآية جامعة مانعة.
التاسع : في موثقة حماد بن عثمان قال: سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول: لا رضاع بعد فطام قلت: جعلت فداك وما الفطام؟ قال: الحولين الذي قال الله عز وجل.

تفسير قوله تعالى [ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ] وفيه وجوه :
الأول : ذكر ان المراد بالمولود له هو الوالد وبعض المفسرين فرع عليه مسائل وان الوالدات يلدن للآباء وان الولد يلحق بالوالد واستدلوا بقاعدة الفراش لقوله عليه السلام: “الولد للفراش وللعاهر الحجر”.
والقاعدة لبيان النسب ومنع الإفتراء والتعدي بلحاظ ذيلها، وآية الرضاعة هذه تدل على اولوية تقديم الأم في موضوع الرضاعة، مع ان حق الأم في الولد اكبر، وعدم الوجوب في امر الرضاعة لا يعني انعدام حقها في الولد بل للسعة في الحكم ولمنع الحرج وقاعدة لا ضرر وعدم تحميل الأب نفقات كثيرة في ارضاع ولده، والا فكم من ام في عصمة الزوجية تجعل غيرها ترضع ابنها او انها تجعل غذاءه الحليب المجفف ونحوه من غير ان ينقص هذا في امومتها وحبها لإبنها ولزوم بره بها، قال تعالى [ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ]( ).
الثاني : لغة الخطاب في الآية جاءت بصيغة الخبر الذي يحمل معنى الإنشاء وعلى نحو التنكير.
الثالث :المراد من [ الْمَوْلُودِ لَهُ ] هو الأب كما قالوا، ولكنه اعم ويشمل ولي الصبي مطلقاً وقيد [ وَعَلَى الْوَارِثِ ] لا يكفي لحصر الخطاب بالأب فقد يكون الصبي رضيعاًُوابوه غائباً او ميتاً فيقوم ابوه أي جد الصبي محله في النفقة على الصبي لأنها واجبة عليه، وقد تكون نفقة الصبي من بيت المال او من ذوي قربى او على العاقلة لذا جاءت الآية على نحو التنكير.
الرابع : جاءت الآية للحث على عدم بخس الأم حقها في ارضاعها للولد فبعضهم يحرص على الوفاء بحقوق الناس وقضاء الدين وحفظ الأمانة ويسعى في انصافهم ولكنه يقصر مع عياله واهل بيته ويتخلف عن الوفاء بحقوقهم وواجباته ازاءهم، فجاءت هذه الآية صريحة شاملة مانعة من الغبن والحيف ومبينة لما تستحقه الأم في ارضاع ابنها.
الخامس : التوكيد على حق الأم في اجرة الرضاعة لا تنحصر منافعه بالأم وضمان حقوقها بل تشمل الرضيع نفسه لما فيه من تعاهده وحفظه وحسن معاملته، ومنع الإجحاف الذي يؤثر سلباً على العلاقات الزوجية والإجتماعية مطلقاً.
السادس : قد يكون للرضيع مال، وحينئذ تدفع اجرة رضاعته من ماله وهو مقدم على مال الأب وان كان الأب ذا يسار.
السابع :اعطاء الأم اجرة الرضاعة وكسوتها يؤهلها لتحمل اعباء الرضاعة ويوفر للرضيع مادة غذائية وعدداً اكثر من الرضعات والحنان، ولو اخل الوالد باجرتها واطعامها فان الضرر سينعكس على الرضيع مباشرة.
الثامن : ان الله عز وجل كريم لم يذكر مقدار الأجرة ولا اسمها الصريح فقد ذكر سبحانه الرزق والكسوة للتوسعة في الأمر وبحسب الشأن والحال من غير الحصر بتقدير محدود ولمنع الحرج، وللتيسير والتخفيف والرجوع الى العرف.
التاسع : من اسمائه تعالى الرازق والرزاق فهو سبحانه خلق الأرزاق ويعطي الخلائق جميعها رزقها ولكن الرزق يفيد العطاء والمؤونة يقال: ارتزق الجند أي اخذوا ارزاقهم ومؤونتهم لذا فان المراد في الآية المؤونة اليومية والطعام الذي تتغذى به.
العاشر : ذكر الرزق وفيه نوع اطلاق وتنكير وعدم تقييد مما يدل على الإعجاز لما فيه من الإشارة الى ما هو اعم من الطعام، فقد تستحدث نفقة وحاجات بسبب الرضاع او انها تكون مقدمة للرضاع وتمامه.
الحادي عشر : في الوصف بالرزق نوع سعة ليشمل الزوجة والمطلقة، وكل منهما تختلف عن الأخرى من جهة الإنفاق وكيفيته، فالزوجة تكون مع الزوج غالباً بينما المطلقة مستقلة في شأنها وانفاقها ولا تربطها مع والد الصبي صلة زوجية تساهم في التخفيف وتدفعها على المشاركة والتعاون والتكافل في اسباب المعيشة والإنفاق.
الثاني عشر : كأن الآية من اللف والنشر حسب الإصطلاح البلاغي فان الضمير في رزقهن وكسوتهن ينحل الى شعبتين، الأولى الزوجة ولها حق الرضاعة الذي قد يتداخل مع حق الزوجية ووجوب الإنفاق اصلاً على الزوج، والثانية حق رضاعة الأم المطلقة من زوجها وهو باق على استقلاله.
الثالث عشر : في الآية مندوحة للفقهاء والحكام والقضاة لإجبار الولي والأعم من الأب على دفع اجرة الرضاعة لظاهر التنكير الوارد في الآية وللتخفيف عن الصبي ورأفة بالمرأة واصلاحاً للحال ومنعاً للمفاسد والضرر.
الرابع عشر : ينحل الخطاب في الآية بحسب الحال والشأن والعرف والسعة والضيق ومقدار المحبة، فقد ترضى امرأة ذات شأن باجرة قليلة لأن الأهم عندها حبها لإبنها الرضيع وعدم تركه عند النساء او الضرة لعلمها بما يصيبه من الجوع والعطش اذا ابتعد عنها، او لشدة تعلقها به وحنانها عليه.
الخامس عشر : عدم تحديد مقدار الإجرة واطلاقه والإكتفاء بوصف الرزق والكسوة باب للود ومقدمة لاصلاح الحال بين الوالدين.
السادس عشر : قد يتفق زواج الأم بعد طلاقها فتصبح زوجة لرجل آخر، ويجتمع معه رضاع ابنها، فدفع اجرتها واعانتها يساعد في اعداد الولد واذن الزوج بتفرغ الأم له في بعض الأحيان خصوصاً وان لبن الأم اوفق لمزاجه وحاله.
السابع عشر : لو استأجرت الأم من قبل الأب والولي مطلقاً فلها ان ترضعه بنفسها او ان تقوم غيرها بارضاعه مع عدم اشتراط ارضاعه بنفسها او ابتناء العقد على هذا الشرط، لأن مقتضى الإجارة جواز تحصيل المنفعة بالمباشرة او التسبيب أي بالنفس او قيام الغير بالإرضاع الا مع الشرط.
الثامن عشر : جاءت الآية [ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ] لوجوب النفقة عليه وهو اعم من الوالد، وعندنا من احكام الرضاعة ان الصبي اذا كان عنده مال يؤخذ من ماله ولا يجب على الأب حينئذ، فلماذا لا تذكره الآية؟ الجواب: لأن وجود مال عند الصبي كالأرث مع وجود الأم فرد نادر، وحتى في حال وجوده فان الأب يتولى الدفع واعطاء الأجر.
بحث فقهي
في نقل حمل من رحم الأم الى رحم امرأة أخرى
النكاح رداء شرعي لصحة الولادة والنسب، ولقد تفضل سبحانه فجعل كيفية انعقاد النطفة ومدة الحمل وفق قواعد ونظام ثابت يدل على بديع صنعه وقيام الحجة ومناسبة للهداية التكوينية والتشريعية. واليوم وحيث وصلت الصناعات والإبتكارات العلمية ميدان الولادة والأولاد وتوجه الناس الى الفقهاء وعلماء المسلمين في المسائل الإبتلائية المستحدثة، ظهر بعض التباين والإختلاف في الرأي والفتوى، وتلك حالة صحية ان جاءت وفق الإستنباط وأسس اٌلإفتاء الصحيحة وتدل على سعة الشريعة ولكن الناس قد لا يرضون بهذا من الفقهاء، يريدون حكماً بيناً فالشريعة واحدة ولا يبتعد مذهبهم هذا مع بساطته عن الصواب.
وفقهاء المسلمين كافة يرجعون الى القرآن وهو الموجود بين أيديهم ولم تطاله يد التحريف وهو الحجة والدليل وفيه البرهان، وهو منبع ومصدر أحكام الشريعة وفيه تبيان كل شيء وان لم يكن قطعي الدلالة احياناً فكما ان فيه متشابهاً ومجملاً، وظاهراً يدل بالدلالة التضمنية على احتمال ضعيف للخلاف ومنسوخاً فأن فيه ايضاً محكماً ومبيناً وناسخاً مما يعتبر نصاً وقطعي الدلالة.
ومسألة نقل الحمل الى امرأة اخرى من اوليات العلم الحديث ويكاد يكون حكمها قريباً دليله ظاهراً استنباطه وكيف يكون التصرف ازاء المسائل الأكثر ابتلاء والتي بان بعضها وتتناسب أطراداً مع التطورات العلمية السريعة في هذا الزمان مما يتعلق بأبواب الفقه المختلفة من الطهارة الى الديات.
ولا أدعو الى إصلاح وإيجاد اهلية عالية في مصادر الفتوى الإسلامية فأن ذلك موجود والحمد لله ولكن لابد من برامج وانظمة وتعاون وتشاور وتبادل للرأي والدليل ومبنى الحكم لاسيما وان بالإمكان استثمار الوسائل النقلية والسمعية السريعة بل بالإمكان إقامة مؤتمر شرعي خاص بواحدة أو اكثر من المسائل الإبتلائية الحديثة يساعد على بلورة حكم واحد أو أكثر ولكن مع بيان الدليل وفهم ورأي كل طرف بحكم الآخر وحجته ليكون سـبيلاً لارتقاء الهيكل الفقهي الإسلامي ومظهراً لوحدته العلمية وشاهداً ودليلاً مترشحاً من وحدة مصادر الحكم الشرعي لاسيما وان المســألة أجنبية عن الخلافات المذهـبية في الجملة.
وفي ذلك عون ونهج وفعاليات كـــريمة تحول دون التــباين في الرأي بين الفقهاء كما ظهر في مسألة التناسخ البشري ولعل بعضهم تعجل في فتواه ولم يأخذ العنوان الثانوي بالإعتبار وما يترتب عليه من آثار واكتفى في مدركه النظر للحكم الأولي والابتدائي ودرء الشبهة البدوية، ان التعاون الفتوائي في المسائل المستحدثة منعة وعز للمؤمنين وللإسلام وطريق لدرء الفرقة، وسبيل مبارك لإنقياد والناس للأحكام الشرعية وتوجههم لينهلوا من ينابيعها والرجوع اليها عند مواجهة المسائل الإبتلائية. واختلف في هذه المسألة أي نقل الحمل او البويضة بعد تلقيحها من رحم الأم الى رحم آخر على ثلاثة اقوال:
الأول : انه للأولى.
الثاني : انه لها لو حصل النقل بعد ولوج الروح.
الثالث : انه للثانيـة لعمومات قوله تعالى [ إِنْ أُمَّـهَــاتُــهُـمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُـمْ ]( ).
ولكن الآية وردت لبيان حكم الظهار وهو قول الرجل لأمرأته انت عليّ كظهر أمي، أي شبه الزوجة بالأم، وان الزوجة لا تكون لزوجها اماً بمجرد نطقه بذلك، او ان يترتب عليه أثر نفسي يكون حائلاً بينهما بل بإمكانه ارجاعها وفق الطرق الشرعية اذ ان الظهار كان طلاقاً في الجاهلية وينشر الحرمة الأبدية بين الزوج المظاهر والزوجة المظاهرة، وجاء الإسلام ليجعله موجباً للحرمة المؤقتة، وهي ايضاً تدل على ان الولادة سبب وعلة للأمومة وثبوتها لاسيما وان القرآن اطلق صــفة الأم على غـير الوالدة كما في قوله تعالى [ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ ]( )، وفي ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسـلم قال تعالى [ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ]( )، ولعل في هذه الآيات اعجازاً بما فيها من الاشارة الى امكان تعدد الامهات.
فلا يمكننا أن ننفي الأمومة عن الثانية سواء بأخذ هذه الآية على نحو العموم والإطلاق او بالإستناد الى تغذي الجنين وأخذه من صفات الأم الوراثية قهراً او عملاً بالإحتياط، أما الأولى فهي صاحبة البويضة والأم الشرعية تكويناً والبويضة تكونت في رحمها وللأصل ولأن الفراش علة تامة لإلحاق الولد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “الولد للفراش”، وللتمسك بإصالة اللحوق الا ما خرج بالدليل.
فيتحصل من هذا ان هذه المسألة الإبتلائية المستحدثة يترشح عنها حكم جديد وهو اشتراك امرأتين في أمومة الولد وكل منهما تكون اماً له من غير ان تصل النوبة للإحتياط، ولا معنى للتضييق والحصر بأم واحدة فليس من دليل على ان الأم لابد ان تكون واحدة، ولكن هل كلاهما برتبة حقيقية واحدة أم هناك تباين وتفاوت بينهما وان الأم هنا من الأمور التشكيكية، ولو مات الولد فهل ترثه إحداهما أم يكون الأرث مشتركاً بينهما بالتساوي أو بنسبة معينة او بالمصالحة او القرعة، الجواب: ان الأم صاحبة البويضة الملقحة شرعاً هي الأم الحقيقية والتي تستحق الإرث، والثانية اصبحت أماً بالعرض ولذا هو يرث من الأولى وترث منه دون الأم الثانية اذ لا ملازمة بين الأمومة والولادة من جهة وبين الإرث من جهة اخرى في هذه الحالة على الأقل والعلم عند الله.

تفسير قوله تعالى [ بِالْمَعْرُوفِ ] وفيه وجوه :
الأول :المعروف اسم جامع لكل خير واحسان وما جاء على نحو التقرب الى الله من وجوه الطاعة، ويعرف المراد منه بلحاظ القرائن والإمارات.
الثاني : قيد [ بِالْمَعْرُوفِ ] لا ينحصر بالزوج والذي يعطي الأجرة فهو شامل للطرفين معاً بدليل تتمة الآية والتحذير من الأضرار فمن المعروف بالنسبة للأم ان لا تطلب اجرة باهظة على ارضاع ابنها وان كانت مطلقة او ان الأب مضطر لدفعه اليها لإرضاعه خصوصاً وان بعض الصبيان لا يقبل الا ثدي امه وتلك الفطرة لطف منه تعالى ودرس وعبرة.
الثالث : وجود القيد دليل على ان القرآن مصلح ومانع من حصول الفتن، واسباب الخصومة وهذا من اعجازه.
الرابع : من الإعجاز ايضاً ان الآية تبعث الرأفة في النفوس وتلين القلوب وتطرد اسباب الخصومة والعناد وتيسر امر الرضاعة خصوصاً وانها قد تستلزم التعجيل بالإرضاع لحاجة الصبي له او للرعاية او لأسباب اخرى.
الخامس : تعتبر الآية مدرسة اجتماعية واخلاقية فان الولد يصلح حال الأبوين وكيفية التعامل بينهما وبذا يبين لنا القرآن كيف ان المولود يساهم في نشر مضامين الود والرأفة والرفق بين والديه سواء على نحو مباشر او بالواسطة.
السادس : موضوع الرزق والكسوة لا ينحصر بيوم او اسبوع او شهر فانه يستمر لمدة سنتين وقد تزداد الرأفة خلالها بينهما.
السابع : يكون الولد سبباً للصلة والإتصال بين والديه وان كانا متباعدين ويزيل ما في صدريهما من الغل او النفرة واسباب الإنفعال، وهذه امور ظاهرة للعيان وتدرك بالوجدان.
الثامن : قيل: وذلك يدل على ان حق الأم اكثر من حق الأب والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة ومشهورة( )، ولكن الآية لا تدل على المدعى والحق اعم من ان ينحصر بالرضاعة خصوصاً وان الأمر بيد الأب ومقيد باسباب الإجارة نعم فيه اكرام للمرأة وانصاف للأم واصلاح للمجتمع.
التاسع : للآية اعجاز مستحدث بحسب احوال هذا الزمان وظهور الحليب الجاهز وما يجعل الصبي يستغني عن حليب امه في الجملة اذ ان الآية تثبت قاعدة شرعية واخلاقية الى يوم القيامة وهي احقية الأم بالرضاعة مع وجود الحليب البديل لما في رضاعة الأم من منافع وفوائد تتعدى موضوع الرضاعة ذاته وتشمل جوانب الرأفة والرفق واصلاح ذات البين والشفقة بين الوالدين واقاربهما، وفيها عز لهم جميعاً وللمولود خاصة.
العاشر : من الإعجاز والعـون الإلهي ان البدائــل الصـناعية قاصرة عن بلوغ منافع وخصائص حليب الأم، ولعله من عمومات قوله تعالى [ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ]( ) ولأنه سبحانه اراد بالرضاعة تحقيق منافع متعددة واجتناب مفاسد كثيرة.

تفسير قوله تعالى [ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ] وفيه وجوه :
الأول : ورد هذا الشطر من الآية في القرآن ست مرات بصيغ متقاربة في اللفظ ولكل منها دلالته الخاصة في المعنى وبحسب اللحاظ والسياق.
الثاني : يمكن اعتبار هذه الآية من آيات (الإرفاق والشفقة) وهذا الشطر من الآية ارفاق عام وموضوعه خاص يتعلق بالقدرة والميسرة، ونفي الحرج.
الثالث : تدعو الآية الى نبذ الإصرار والعناد والتشديد في الشروط سواء من طرف الوالد او الوالدة، تعلق بالرضاعة او الأجرة او المكان والكيفية ونحوها.
الرابع : مع ان الآية جاءت بصيغة الأخبار فانها تتضمن الإنشاء وتنحل الى خطابين الأول متوجه الى والد الرضيع والآخر الى الوالدة اذ انها تدعو كلاً منهما الى ملاحظة الحال وقدرة الطرف الآخر واحواله أوان الرضاعة.
الخامس : في الآية نكتة وهي اسقاط المقارنة مع الغير فلا تطلب الوالدة اجرة اكثر مما يتحمل الوالد وما لا يزيد على مقدرته وشأنه لأن غيرها طلبت ذات المقدار، ولا يطلب الوالد شروطاً لا تطيقها الوالدة لأن غيره اشترطه على ام الرضيع.
السادس : لعل في الآيةدعوة الى التسامح عند طرو اسباب تؤدي الى عدم الوفاء بكامل الشروط ومفردات العقد.
السابع : الإتيان بهذه الآية في المقام ولفت الأنظار الى قاعدة الميسور ونفي الحرج المترشحتين منها يدل على اهمية التصالح والوفاق والتضحية ببعض الحقوق من اجل المسألة الأهم وهي ارضاع الأم لولدها.
الثامن : يجب ان لا تكون قلة ذات اليد ونقص موارد الأب سبباً للسخرية والإستهزاء اوقلة رعاية الرضيع فليس للأم ان تقول اني لا ارضعه حسب المتعارف لأن اباه لم يعطني ما يلزم، او لأن النجم أي القسط قد تأخر هذا الشهر.
التاسع : تبين الآية الإجمال والسعة في الحكم القرآني وعدم التقييد بحد معين مما حال دون التشديد من الفقهاء ووضع اجور ثابتة للرضاعة، لأن الوسع فرع القدرة وبينهما عموم وخصوص مطلق، فالوسع جزء من القدرة وليس القدرة كلها بمعنى انه لا يجب على الأب ان يعطي مورده كله للإرضاع ويجلس خاوياً لا يقدر على قضاء حوائجه خصوصاً وان الأولوية لإنفاقه على نفسه وما يحتاجه من الضروري.
العاشر : الآية رحمة ورأفة بالوالدين والرضيع والقائمين على شؤون الحكم والتشريع ومدرسة في تهذيب النفوس وتضييق للخلاف.

تفسير قوله تعالى [ لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ] وفيه وجوه :
الأول : في اسمائه تعالى النافع الضار فهو الذي ينفع الخلائق ويأذن بالضرر فهو خالق الأشياء كلها، نافعها وضارها.
الثاني : جاءت الآية للنهي عن الأضرار بصيغة الخبر ولعله اشد اثراً وتنبيهاً.
الثالث : تحمل الآية صفة العموم والإطلاق، فقد لا يأتي الإضرار للوالدة من الوالد بل من ابيها وامها واخيها بان يكون سبباً في عدم الإرضاع والإكراه او التحريض على الإمتناع عن قبول العروض الخاصة بالرضاعة واجرتها وقد يضعون شروطاً يصعب اداؤها.
الرابع : في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام”، والمراد من الضرر أي لا يضر الرجل اخاه المسلم، اما الضرار أي لا يتبادلان الضرر ولا يرد احدهما الضرر على صاحبه بل يعفو ويغفر، فكأن الضرار الجزاء على الضرر وقيل: المراد من الضرر ان تؤذي صاحبك وتنتفع انت به، والضرار ان تضره من غير ان تنتفع وقيل هما بمعنى، وان التكرار جاء للتأكيد وهو بعيد.
الخامس : يمكن حمل المضارة هنا على ثلاثة معان:
أولاً : لا تضار والدة أي لا تضر وتؤذي الوالدة والد الرضيع فلا ترضعه او تطلب اجرة باهظة على الرضاعة.
ثانياً :الإضرار بها كما لو نزع الولد منها ودفعه الى مرضعة اخرى.
ثالثاً : اضرار الوالدة للرضيع بان تتلكأ وتبطئ في القبول او تنقص عدد الرضعات او توكل امر الرضاعة الى غيرها بما يحدث بعض الضرر والأذى.
السادس :امتناع الوالد عن دفع اجرة الأم واعطاؤها الأقل من المؤونة والكسوة خلاف الشأن والحال او نقضاً للعقود وما جرى عليه الاتفاق او بالتضييق عليها واساءة العشرة معها.
السابع :الآية تهذيب للنفوس وتنقيح للصلات الإجتماعية ومنع من التعدي والتفريط واهمال حقوق الآخرين.
الثامن : في الآية دعوة للإنصاف فليس من العدل ان تسبب الولادة واحكام الرضاعة ضرراً للوالد او الوالدة.
التاسع : الآية تخويف وتحذير من الظلم والإيذاء.
العاشر : تعكس الآية المناعة الذاتية لأحكام القرآن لما فيها من مفاهيم الإنذار والنهي عن عدم الإمتثال لأوامره ونواهيه، فاحكام الرضاعة جاءت رأفة ورحمة وتخفيفاً وتنظيماً لشؤون الأسرة والمجتمع وليس مضارة واذى.
الحادي عشر : قد يؤدي الإضرار بالغير الى قلة التوجه الى الباري عز وجل من الطرفين اما مسبب الضرر فانه يرتكب حراماً ومخالفة شرعية وربما تجرأ في مضامين التعدي والإيذاء.
الثاني عشر :الآية حفظ وتعاهد للصبي في اول ايام حياته.
الثالث عشر : تستلزم الآية الشكر من كل واحد منا لما فيها من اكرامنا وحفظنا في اول ايام حياتنا، ومن المناسب تأليف كتب ورسائل تتناول اكرام القرآن للإنسان ابتداء من نفخ الروح فيه الى احكام النكاح والطلاق ومسائل الحمل الى العناية به في حياته بافراده الطولية والعرضية، فالرجل قد يبلغ مرحلة الأبوة والمرأة تبلغ الأمومة الا ان حال الرضاعة مر بها كل واحد منا ذكراً او انثى، حراً او عبدا، صغيراً او كبيراً، مما يعني التدبر بآياته وحفظه لنا كي نتوجه له تعالى بالعبادة والشكر والثناء وتعاهد احكام الرضاعة وعدم الإساءة الى الطرف الآخر.
الرابع عشر : من اعجاز القرآن ان آية واحدة تأتي باحكام اجمالية لتثبت القواعد الشرعية الى يوم القيامة من غير خلاف بين الفقهاء والحكام، وما فيها من الإجمال يعتبر ضياء سماوياً مباركاً يضيء الدرب للعلماء ويمنع من الإجتهاد المخل والمخالف للنص والحكم ويترك للموضوع وقرائن المقال والحال متسعاً في اختيار الأنسب من الشروط والقيود من غير خروج عن اصل التشريع، فما يعتبر عند العرف اضراراً تنهى عنه الآية.
الخامس عشر : لآيات القرآن واقية غيرية تتمثل بالناس والمجتمعات والقوانين الوضعية المناسبة في الجملة وهي حجة وحسم للأمور، فمن يضر غيره ويخالف احكام القرآن يتوجه له اللوم من الناس ويفقد ثقتهم ولذا يتطلب الأمر السعي المتواصل والجهاد من اجل جعل القوانين الوضعية منبثقة من آيات القرآن واحكامه.
السادس عشر : قاعدة لا ضرر ولا ضرار عامة وشاملة لكل احوال المسلمين ومختلف شؤونهم ولكن النهي عن الضرر ورد هنا بالخصوص مما يدل على اهميته ولزوم اجتناب الإيذاء فيه وان الإضرار بالوالد او الوالدة امر تترتب عليه مفاسد عديدة وان المصلحة تقتضي التوقي من الإضرار بالغير وتعمده.
السابع عشر : المضارة بالصبي والتشديد والتضييق في مقدمات الرضاعة قد يشمل اموراً اخرى بالملازمة او الترشح والأسباب كما لو قصر الزوج في وظائفه ازاء الزوجة، او حصل العكس بسبب الرضاع واتخاذه وسيلة وعذراً ومادة للتخلف عن الواجبات الشرعية ازاء الزوج، وفي الصحيح عن الصادق عليه السلام قال: “لا ينبغي للرجل ان يمتنع من جماع المرأة فيضارها اذا كان لها ولد مرضع ويقول لها لا اقربك فاني اخاف عليك الحبل فتقتل ولدي، وكذلك المرأة لا يحل لها ان تمتنع على الرجل فتقول اني اخاف ان احبل فاقتل ولدي فهذه المضارة في الجماع على الرجل والمرأة”، ومثله نصوص عديدة.
الثامن عشر : جاءت الآية لمنع حصول الخصومة والخلاف بسبب الرضاعة وتنهى عن تعطيل الأحكام بسببها خصوصاً وان الجماع لا يطلب لذاته فهو مقدمة للولد وكثرة النسل.
التاسع عشر : التقصير ازاء احد الطرفين في اسباب الرضاعة ومقدار الإجرة والكسوة ونحوها قد يكون سبباً للتردد في السعي لمولود جديد، الأمر الذي يعود بالضرر على الزوجين وعلى المولود نفسه بحرمان من اخ محتمل وعلى الأمة عامة.
العشرون : ايذاء الأب بعدم الرضا برضاعة الولد، او ايذاء الأم المطلقة بدفع ابنها الى غيرها لإرضاعه وحرمانها من هذه النعمة.
الحادي والعشرون : الإكتفاء بمدة الحولين في الرضاعة وعدم التعدي فيها.
الثاني والعشرون : موضوع الآية يشمل مرحلة الرضاعة وما بعدها ولا ينحصر بايامها.
بحث بلاغي
في وجوه الحذف ذكرت هذه الآية للإستدلال بالفعل لشيئين بينما لا يصلح الا لأحدهما، فالفعل تضار جاء بتاء المضارعة لعطف مولود لأنه مذكر، وهو صحيح ولكن الأولى ان ننظر بامكان حمل الكلام على ظاهره وما فيه من الإعجاز بالإضافة الى صحة القول بالحذف ليكون اعجاز القرآن مركباً من صحة الظاهر وصحة الحذف في آن واحد ومن غير تعارض بينهما وليبقى الباب مفتوحاً للدراسات والإستنباط.
فحمل الكلام على ظاهره من غير حذف يظهر ان الوالدة تتضرر وتتأذى مما يلحق الأب من الضرر بابنه ورضاعته وحضانته وتربيته سواء كان ضررها بالواسطة أي لأن الضرر يعم وقد يلحق المولود منه شيء وهو الغالب او لما جعل الله عز وجل عندها من العاطفة والحس الكريم والرقة ولآثار ما جعل الله بين الزوجين من الرحمة والمودة، فكان العطف هو الأولى وسياق الكلام والبيان والإشارات الخفية في الأحكام الشرعية واثبات اعجاز القرآن.

تفسير قوله تعالى [ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ] على وجوه :
الأول : المثلية تفيد العموم في المعنى والدلالة والشمول، وهو نوع اعجاز مركب فقد ورد ذكر الوارث على نحو الإطلاق خصوصا وان اسم الإشارة (ذلك) للبعيد يحتمل وجوهاً ثلاثة كل منها جائز.
أولاً : وارث الأب.
ثانياً : وارث الأم
ثالثاً : وارث الرضيع.
فان قلت: ان الأم في أيام الرضاعة تتولى امورها بنفسها، قلنا: ان النهي عن المضارة في الآية اعم من ايام الرضاعة كما ان الحقوق المترتبة على الرضاعة قد لا تستوفى في ايامها بل ترد في زمن لاحق، والمؤونة والكسوة اعم من التصرف الفوري بهما فيجوز ان يستوفيها الوارث، وكذا الرضاعة اذا لم تشترط مباشرة الأم يجوز ان يقوم الوارث بالإشراف عليها وتوجيهها.
الثاني : ورد عن الصادق عليه الســلام في قولــه تعالى [ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ] قال عليه السلام: لا ينبغي للوارث ايضاً ان يضار المرأة فيقول لا ادع ولدها يأتيها ويضار ولدها ان كان لهم عنده شيء ولا ينبغي له ان يقتر عليه.
وهو المروي عن الإمام الباقر عليه السلام ايضاً وعن ابن عباس وان قوله تعالى [ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ] معطوف على قوله [ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ] واشكل ابو مسلم الأصفهاني على قول ابن عباس لأن اللفظ اذا حمل على وارث الوالد والولد ايضاً وارثه ادى الى وجوب نفقته على غيره، ومع حملنا الآية على المعنى الأعم فلا اثر للإشكال واذا حملناها على المعنى الأخص وهو الأكثر قرباً وعليه النصوص، فلا يرد الإشكال عليه ايضاً لأن المراد من الوارث اعم من وارث المال وحصول الإنفاق منه بل الولاية والوصاية، فقد يموت الأب وليس له من مال يورث، ويورث بالمسؤوليات الإعتبارية والشأن والتبعات، وقد يكون وارثه هو نفسه ولي الصبي والمتصرف بامواله بالمعروف.
الثالث : تؤكد الآية على بقاء اصل النفقة والكسوة وعدم الخصومة والإضرار وان كان في البين ورثة للأب، او ان شؤون الأم يتولاها غيرها، فيحتمل مجيء لفظ الوارث للغلبة والبيان وانه يشمل كل من يتولى شؤون احد الزوجين وقد يتفق ان آباء وامهات واخوان الزوجين هم الذين يتولون كيفية تصريف شؤون الرضاعة.
الرابع : ان التنظيمات الإجتماعية والإقتصادية المعاصرة اظهرت الإعجاز في اطلاق الآية، فقد يكون الوارث شركة التأمين او صندوق الضمان ونحوهما، فالخطاب في الآية يتوجه ايضاً الى الجهات والمؤسسات التي تتولى شؤون الرضاعة مباشرة او بالواسطة وبذا يظهر لنا الإعجاز القرآني في قابلية اللفظ القرآني على الإتساع والشمول واستيعاب التطورات الجديدة والتغيرات والقوانين، خصوصاً وانا نقول بصحة التأمين وهو عقد يتعهد به أحد الطرفين بتدارك كل نقص أو تلف أو خسارة تلحق بالطرف الآخر، ويعرف على المعنى الأعم بأنه التزام بتدارك النقص أو التلف في شيء بعوض معين.
الخامس : من الوارث الرضيع نفسه فقد ينفق عليه من ماله، فالآية خطاب للولي والوصي على اموال الرضيع نفسه بان عليه ان لا يتردد في الإنفاق على الأم من مال الصبي لإرضاعه.
السادس : قوله تعالى [ مِثْلُ ذَلِكَ ] يشمل النفقة والكسوة وعدم الإضرار والمضارة بحمل الآية على المعنى الأعم الذي يبعث على المحبة والصفاء، واتمام الوظائف ووجوه البر والإحسان ويمنع من الأذى والشقاء وظهور امارات الفرقة والنزاع خصوصاً وان قصد الإضرار واسباب الخصومة قد تؤثر على سجايا الصبي عندما يكبر وتظهر على انماط سلوكه، ليبدو لنا وجه كريم من احكام القرآن وسننه، وهو اصلاح النفس الإنسانية وتعاهدها من الصغر ومنع ما يسيء اليها وما ينمي عندها الحس السبعي والغضبي.

تفسير قوله تعالى [ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا ] وفيه وجوه :
الأول : المراد من الفصال هو الفطام سمي به لأن الولد ينفصل عن لبن امه ويستقل بنفسه بالغذاء من القوت ومزاولة الأكل والشرب، ويقال فصل المولود عن الرضاع يفصله فصلاً وفصالاً وافتصله: فطمه، والاسم الفصال: وفي الحديث: “لا رضاع بعد فصال”، والقرآن يفسر بعضه بعضاًً، قال تعالى [ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا ]( ) فالفصال انتهاء مدة الرضاعة.
الثاني : ظاهر الآية انه يجوز الفطام قبل انقضاء الحولين، ومنهم من قال ان الآية تدل على جواز تأخر الفطام الى ما بعد الحولين اذ قد يكون الصبي ضعيفاً فيضر به الفطام عند الحولين، ولكن الآية لا تدل عليه ويمكن ان يستفاد من دليل آخر اذا ثبت كما انه لا يترتب عليه اثر شرعي لما تتضمنه الآية من التحديد الإعجازي في سنتين.
الثالث : هل يحتمل ارادة معنى آخر للفصال وهو فصل الرضيع عن امه اثناء مدة الرضاعة كما لو اتفقا على نقله الى مرضعة اخرى، لا مانع من هذا الإحتمال لكنه في عرض التفسير الأول وليس بديلاً عنه.
الرابع : تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على حق كل من الأبوين على تقليص مدة الرضاعة شهراً او شهرين ولزوم الإذن منه، فقد لا يرضى الأب او الأم بالتقليص.
الخامس : تحث الآية على عدم الإكراه في تقليص مدة الرضاعة لما ورد فيها من قيد التراض مما يدل على العناية القرآنية بالرضيع واكرام والديه وقولهما فيما ينفعه ويساعد في كمال بدنه وعدم الضرر به.
السادس : احكام الآية فرع قاعدة نفي الحرج وجاءت للتخفيف والتيسير، ولكنها لم تغفل عن التقييد بالتراضي الذي يبتنى ضمناً على المصلحة.
السابع : تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على لزوم احترام المدة التي حددها القرآن للرضاعة وعدم الخصم منها الا مع وجود الراجح والتراضي عليه، فهذه الآية وان كانت اذناً بالفصال قبل اوانه الا انها تثبت حقيقة وموضوعية الحولين.
الثامن : هذا التقديم اوان الفصال ليس مطلقاً بحيث يأتي على اكثر الحولين او على الأقل مطلقاً باعتبار ان المستثنى اقل من المستثنى منه، فقد ورد تحديد في قوله تعالى [ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا ]( ) فاذا كانت مدة الحمل تسعة اشهر فان الرضاعة تصبح واحداً وعشرين شهراً فيكون التقديم لشهر او شهرين او ثلاثة لا اكثر منها.
التاسع : الف الإثنين في [ أَرَادَا ] والضمير في [ مِنْهُمَا ] يعود الى والدي الرضيع، كما يشمل الوارث كبديل للأب في حال عدم وجوده وهو يدل على موضوعية قول كل من الأبوين، وتدعو الآية الى عدم اكراههما فيما يخص الرضاعة.
العاشر : يمكن ان يكون موضوع الرضاعة من باب الفرد الأهم، وان حقوق الرضيع وشؤونه ومصالحه بيد ابويه على نحو الأشتراك ويتم اختيار الملائم منها وفق صيغ التفاهم والتراضي.
الحادي عشر : قيد التراضي يحول دون الإضرار بالصبي في الجملة، فقد يختار احدهما ما يؤدي عرضاً الى الإضرار بالصبي كما لو امتنع الأب عن المقدار المتفق عليه من الإجرة او ان الأم طلبت زيادتها، او ان كلاً منهما اصر على قوله، فقيد التراضي يخرج الإضرار والتعسف والإنفراد بتعجيل الإنفصال وتقليص المدة.

تفسير قوله تعالى [ وَتَشَاوُرٍ ] ويحتمل على وجوه :
الأول : يقال شاورته في الأمر واستشرته بمعنى، والتشاور هنا ليس طلب المشورة بل التفاهم والمباحثة وتبادل الرأي واختيار الأصلح والأحسن.
الثاني : في الآية اعجاز وهو تضمنها لمعنى الشورى والمشاورة وعدم الحصر بالتشاور بين الأبوين فقط بل ان التشاور ينحل الى فردين مستقلين، فكل منهما له المشاورة مع غيره.
الثالث : االتشاور قيد اضافي مستقل عن التراض وهو توكيد وتثبيت لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة منع الجهالة والغرر.
الرابع : في هذين القيدين التراض والتشاور بيان لإهتمام الشريعة المقدسة بالرضيع الرضاعة.
الخامس : اتخاذ القرار عن مشورة وتفاهم.
السادس : يشمل التشاور اصحاب الخبرة والمعرفة من الجنسين والأهل والأقارب فقد تكون في الرضاع امور عرضية وجانبية تتعلق بالحالة الإجتماعية والمعاشية وصلات القريى القربى، وقد تؤدي المشورة الى اصلاح او حصول تبرع وتدارك.
السابع : من وجوه المشورة الرجوع الى الطب واهل الإختصاص والحذق فيه ولا ينحصر بالحالة الصحية للرضيع بل يشمل الحالة الصحية للأبوين وتأثير تقديم الفصال على كل منهما خصوصاً وان الطب والمجتمع في هذا الزمان اولى للحالة النفسية موضوعية خاصة.
الثامن : تظهر الآية تعاهد الإسلام والقرآن للرضيع وتهيئة احسن الأسباب والمقدمات لرعايته وتولي شؤونه، ولو تصفحت القواعد الشرعية لوجدتها تعالج احوال كل ضعيف او مستضعف وترعى جانبه وتضع الحصانة والقيود وما يحول دون الإضرار به.
التاسع : تنمي الآية ملكة التشاور والتفاهم عند افراد الأسرة المسلمة وتبعث على الود وتدعو لإظهار اللطف والإنصات الى الغير.
العاشر : لا يقود التشاور في الغالب الا الى الرأي الأفضل والأحسن، كما انه يمنع من اظهار القول الذي يتضمن الإضرار والإيذاء ولا اقل انه يؤدي الى فضحه وابطاله فهذه المشاورة تساهم في اصلاح النفوس وتهذيبها وتجعل العرف العام في موضوع الرضاعة منقحاً وحاجزاً دون شيوع حالات الإضرار والأذى.
الحادي عشر : ان تعاهد الصبي في مرحلة الرضاعة واكرام امه وعدم ايذائها يبعث الرغبة في الإنجاب وكثرة الإبناء وعدم الخوف على مستقبلهم، ففيه قوة ومنعة للإسلام.
الثاني عشر : التراضي والتشاور بشأن الرضيع يهيء حالاً مناسبة للتوجه الى الفرائض وادائها واتيان المندوبات وفعل الخيرات.
الثالث عشر : تساهم المشاورة باظهار مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي مرسل الطوسي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لا تزال امتي بخير ما امروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فاذا لم يفعلوا ذلك نزعت عنهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء”.

تفسير قوله تعالى [ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيهِمَا ] وفيه وجوه :
الأول : الجناح – بضم الجيم – الإثم والجناية والجرم، ويأتي بمعنى الهم والأذى والتضييق.
الثاني : لفظ [ لاَ جُنَاحَ ] يعني نفي الإثم واسبابه وقد يفيد الوجوب مع القرينة الدالة عليه كما في قوله تعالى [ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ]( ).
الثالث : نفي الإثم بعد التراضي والتشاور يعني اهمية موضوع الرضاعة ولزوم ايلائه عناية خاصة واشتراك الوالدين وغيرهما في ايجاد افضل السبل للرضاعة.
الرابع : تدل الآية في مفهومها على النهي والتحذير من الإستبداد بامر الرضاعة سواء من قبل الأب او من قبل الأم والتشبث بالرأي الخاص الذي قد يقود الى الأضرار بالرضيع او الإضرار بالمعنى الأعم، فقد تكون آثار الأضرار توليدية.
الخامس : الظاهر ان الآية تفيد بحسب مفهوم المخالفة الحث على اتمام ارضاع الأم للصبي حولين كاملين وانه الأولى والأفضل، وان اسقاط شهر او شهرين منها انما هو على نحو الرخصة وعند توفر السبب او العذر.
السادس : لا بأس باجراء دراسات طبية مقارنة دقيقة تبين منافع حليب الأم دون غيرها، وتبين الفرق في النتائج بين اتمام الرضاعة حولين من ثدي الأم وبين اقتصارها ونقصها وهذه الدراسات لا تنحصر بالجوانب البدنية على الرضيع بل تشمل مختلف احواله،كما تشمل الآثار الصحية والنفسية والإجتماعية والمعاشية على الأبوين وغيرهما من ذوي العلاقة، وبالإضافة الى منافعها في البناء الإجتماعي والعقائدي للمجتمع الإسلامي ليتجلى الإعجاز القرآني في التوكيد على هذه المسألة وكيف ان الله عز وجل احكم آياته وجعل الشريعة هي السائدة والرائدة والهادية.

تفسير قوله تعالى [ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ] ويحتمل على وجوه :
الأول : الخطاب موجه الى الآباء والى أولياء الصبي وقد يشمل الأمهات ايضاً في حال عدم امكان ارضاع الأم لأبنها، والآية انتقلت الى لغة الخطاب وبصيغة الجماعة وهو المسمى في البلاغة بالإلتفات.
الثاني : ارادة ارضاع الأولاد ليس على سبيل الإختيار بل لبيان الحكم عند الشروع بالفعل.
الثالث : هل تحتمل الإرادة في الآية الميل الى الإستغناء عن الإرضاع بالثدي خصوصاً مع التطور العلمي وانتاج انواع عديدة من الحليب المجفف الذي يؤدي وظائف تغذية الرضيع؟ الجواب: لا، لأن أحقية الأم مطلقة في كل زمان ومكان، ومن الإعجاز ان الله عز وجل جعل الأسباب التكوينية والإجتماعية والأخلاقية والصحية تعضيداً لهذه الأحقية.
الرابع : الإرضاع اعم من المباشرة فيشمل التسبيب ايضاً أي حتى مع اغتذاء الصبي بالحليب المجفف فان حق الأم باق خصوصاً وان الإرضاع يعني الحضانة مدة الإرضاع لذا ذكرنا في رسالتنا العملية انه لا تعارض بين حق الحضانة للأم وبين ارضاع الغير له اذ تقوم الأم بحمل الولد للمرضعة لترضعه عند الإحتياج او تحضر المرأة لإرضاعه الى بيتها أي بيت الأم، فتكون مسألة الحليب من باب الأولوية ولموضوعية واعتبار الرفق والرأفة، وخصائص الشفقة التي تنفرد بها الأم.
الخامس : احقية الأم بالرضاعة لا تمنع من الإنتقال الى غيرها مع العذر او الضرورة او وجود الراجح الشرعي او العقلي ويمكن ان تكون الصور اربعة:
أولاً : تتولى الأم رضاعته بنفسها مباشرة.
ثانياً : بارضاعه من الغير امرأة كانت او بالآلة مع اشراف الأم وحضانتها له.
ثالثاً : ارضاع وحضانة الغير مع الإشراف المباشر من الأم.
رابعاً : ارضاع وحضانة الغير من غير اشراف من الأم ولا ينتقل الى المرحلة التالية الا بعد العجز عن المرحلة السابقة فقد يجف لبن الأم، وقد تنقطع الى العبادة، وقد تكون مطلقة، وترى ميل الرجال الى نكاحها في حال عدم الرضاعة اكثر منه عند انشغالها برضاعة ولدها، او انها متزوجة من الغير ويكره زوجها الرضاعة حتى مع بدل الإجرة والنفقة، والمدار هو رعاية الصبي وحفظه فقد ترى الأم نفسها في حالات معينة ان قيام الغير بارضاع ابنها افضل له ولها من توليها ارضاعه من ثديها، لذا فان الآية خطاب للأمهات ايضاً ولزوم عدم ممانعتهن في دفعه للغير مع وجود الراجح والمصلحة وانتفاء المفسدة، كما يشملها ان كانت مع المرضعة بالوفاء بالشروط وارضاعه على الوجه الذي يناسب الأمومة والأحقية والأولوية.
السادس : الآية تخفيف ورحمة ونفي للحرج وتيسير في الأحكام فبعد التوكيد على أحقية الأم وتثبيتها الى يوم القيامة جاءت الرخصة المقيدة بالمعروف والصلاح.
السابع : تدعو الآية الآباء الى الإنصاف ولزوم دفع الأجرة الى الأم والى غيرها.
الثامن : تؤكد الآية على التقيد بأحكام الإجرة في دفع الولد لغير امه، لعمومات ادلة “المؤمنون عند شروطهم” والوفاء بالعقود واحترام عمل المسلم والمسلمة.
التاسع : تنبه الآية الى عدم اجحاف غير الأم في ارضاع الولد، فقد لا يؤثر غبن الأم حقوقها والتقصير في دفع اجرتها على رعايتها لولدها، فتبقى تطالب بحقها في نفس الوقت الذي تستمر فيه بارضاع ابنها، اما غير الأم فقد تتلكأ وتتباطئ في ارضاعه حالما يظهر التقصير من الطرف الآخر وعدم وصول الإجرة وان كان عن عذر وضرورة وقد تقوم برد الصبي الى اهله في الحال فلذا جاءت هذه الآية للإنصاف ولإكرام الصبي والمرضعة وحفظاً لشأن الصبي خصوصاً وانه واجب النفقة على الأب.
العاشر : التسليم والإيتاء بمعنى واحد في الجملة فقد جاء كل منهما بصيغة فعل الفاعل وفيه حث على الوفاء بالعقد ومستلزمات نفقة الإرضاع وعدم التسويف فيها، وقد روي عن عاصم وهو احد القراء السبعة (ما اوتيتم) أي ما آتاكم ورزقكم الله من فضله.
الحادي عشر : تحث الآية على الرأفة وحسن المعاملة والإنصاف لما له من موضوعية واعتبار في ترسيخ الأخلاق الحميدة واللطف بالرضيع والحيلولة دون ايذائه وحرمانه من حد الكفاية في الرضاعة والحنان والشفقة.
الثاني عشر : نسبة الأولاد الى المخاطب فيها اشارة الى مسؤولية الآباء الشرعية والأخلاقية والتذكير بلزوم رعايته وتولي مستلزمات رضاعته وحضانته، وفيها تذكير بما في الأولاد من النفع والرحمة والثواب في الدارين.
الثالث عشر : قيد [ بِالْمَعْرُوفِ ] تحذير من الإجحاف ومنع من الرياء وعدم الوفاء بالشروط ودعوة لإيلاء مسألة الإرضاع اهمية خاصة ومتابعة تبتنى على اداء حقوق المرضعة من غير تعد او جور.

الرابع عشر : تكرر قيد [ بِالْمَعْرُوفِ ] في الآية مرتين، وكذا في آيتين أخريين، ويتعلق موضوع آيتين من الثلاثة بالنكاح والثالثة بالرضاعة، كما ان لفظ (بالمعروف) ورد في القرآن ستاً وعشرين مرة، اربع عشرة منها تخص النكاح واحوال المرأة مما يدل على الحث على اكرامها واجتناب ايذائها.

تفسير قوله تعالى [ وَاتَّقُوا اللَّهَ ] وفيه وجوه :
أولاً : حث على الخشية من الله ولزوم اتيان افعال الطاعة واجتناب المعصية.
ثانياً : الأمر بالتقوى في المقام دليل على اهمية الرضاع واجرته، ولزوم عدم التجاوز وبخس حقوق النساء فيه سواء تم الرضاع من الأم ام من غيرها.
ثالثاً : الحث على التقوى يدل على تعدد وجوه الإصلاح في الرضاعة وتفاقم اسباب الفساد في الشح والبخل والتقصير في عدم اعطاء الأم حقوقها.
رابعاً : الآية حفظ لحقوق المرأة والصبي معاً.
خامساً : التقوى وقاء وحاجز يمنع من الظلم.
سادساً : القرآن مؤدب للمسلمين ومعلم لهم في طرق الرشاد والسداد واسباب التوفيق.
سابعاً : اعطاء اجرة الرضاعة والتقيد باحكامها واكرام المرأة امور اضافية، اما الملكة المطلوب وجودها عند المسلم فهي خشية الله والحرص على اتيان اوامره والإبتعاد عن نواهيه.
ومن مفاهيم التقوى في المقام اجتناب كثرة الطلاق وانصاف الأم في الرضاعة وان كانت مطلقة رجعية او بائنة وبما ان الطلاق افراد غير ارتباطية، فان النهي عن تعدد ايجاد طبيعته ومسماه، وعن ارادة تعدد المطلوب قصداً وعزيمة وفعلاً بمعنى ان لا يعتاد الاقدام على الطلاق، فكما ان القصاص فيه ردع عن القتل وحفظ لمن يهم بالقتل والمقتول كما هو ظاهر في قوله تعالى [ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ]( ) فكذا في نشر الطلاق الثالث للحرمة زجر عن تعدد الطلاق بل وعن مسمى وجوده، والمنع من طرو العدم الذي يتحقق بمسمى الوجود كايقاع مبغوض، ولا تنحصر مبغوضية هالطلاق به بالذات بل انها تتعدى لتشمل الحياة الاجتماعية للأفراد وحدوث متاعب مستحدثة لأكثر اطرافه ومنها موضوع الرضاعة والحضانة.

تفسير قوله تعالى [ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ]
اجمع المليون على انه تعالى بصير ولكنه بصير من غير آلة فهو سبحانه لا يفتقر الى الآلة وكافة الأشياء حاضرة عنده مستجيبة لأمره تعالى، والآية تحذير وتنبيه ووعظ وتذكير وفيها مدح وثنــاء على الله تعالى وبذا يظهر وجه من وجوه الإعجاز القرآني وهو ان مدحه تعالى فيه موعظة وتخويف واصلاح للنفوس وتأديب ومنع من التعدي والتجاوز وظلم الآخرين، فمتى ما ادرك الإنسان احاطته تعالى بافعاله فانه يجتهد في السعي لنيل رضاه سبحانه بفعل الصالحات ويحذر من بطشه وعقابه.


قوله تعالى[وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ] الآية 234.

القراءة
ذكر ان الإمام علي عليه السلام قرأ (يتوفون) بفتح الياء ومعناه يستوفون الأجل.
اللغة والإعراب
والذين: الواو عاطفة، الذين: مبتدأ خبره محذوف، وقال سيبويه ان الخبر محذوف أي فيما يتلى حكمه، وذكرت في اعراب الآية اقوال اخرى منها قول الأخفش: يتربصن بعدتهم الا انه اسقط لظهوره.
وقال الكسائي بعدم وجود خبر ظاهر او مضمر لعدم وجود غرض لبيان حكم عائد لهم بل هو راجع للأزواج، وانكره المبرد وقال لابد من وجود خبر للمبتدأ.
وقال الزمخشري انه مبتدأ على تقدير حذف المضاف قال ابو جعفر: ومن احســن ما قيل فيها قــول ابي العباس محمــد بن يزيد قال: التقدير [ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ] ثم حذف، قال الشاعر:
وما الدهر الا تارتان فمنهما

اموت واخرى ابتغي العيش اكدحُ( )

وبيت الشعر لتميم بن مقبل.
يتربصن: فعل وفاعل، والجملة تفسيرية لا محل لها، اربعة: ظرف زمان متعلق بيتربصن، وهو مضاف، واشهر مضاف اليه.
وعشراً: الواو حرف عطف، عشراً: معطوفة على اربعة.
فاذا بلغن: الفاء: استئنافية، اذا: ظرف مستقبل.
بلغن: فعل وفاعل، اجلهن: مفعول به.
فلا جناح عليكم: الفاء رابطة للجواب، لا: نافية للجنس، جناح: اسمها.
والله بما تعملون خبير: الواو: استئنافية، الله، مبتدأ.
توفى الميت: اذا استوفى مدته وايام حياته وعدد ايامه في الحياة الدنيا، والوفاة: المنية والموت، والظاهر ان بين الوفاة الموت عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل موت هو وفاة وليس كل وفاة هي موت، قال تعالى [ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ] ( ).
قيل توفي النائم غياب عقله اثناء النوم فكأنه ميت “وذكر ان ابا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفي؟ بكسر الفاء واليــاء: فقال: الله تعالى” أي هو سبحانه الذي توفى الميت، وكان من بين الأسباب الذي دعت الإمام علي عليه السلام الى وضع علم النحو.
التربص: المكث والإنتظار، ربص بالشيء ربصاً وتربص به: انتظر به خيراً او شراً.
في سياق الآيات
بعد آيات الطلاق واحكام الرضاعة جاءت هذه للآية لتبين احكام المرأة التي يموت زوجها فهي من ضمن الآيات التي تتعلق بالأحوال العرضية الطارئة على النكاح والتي منها ما يكون اختيارياً كالطلاق والرضاعة ومنها ما يكون قهرياً كالوفاة اذ تترتب عليه احكام خاصة بالزوجة.
اعجاز الآية
تنفذ الآية الى الأحوال الشخصية التفصيلية لتنظيم الحياة الإجتماعية ومعرفة الحمل وتثبيت النسب، وفيها مسائل:
الأولى : انها اكرام للصلات الزوجية وللزوج بحرمة نكاح زوجته من بعده مدة معلومة.
الثانية : الإلتفات الى الحياة الإجتماعية للمرأة في مراحل حياتها ببيان حقها في الزواج بعد وفاة الزوج، ولولا هذه الآية الكريمة لما تقيض لكثير من اللائي يتوفى ازواجهن الزواج ثانية عصبية ومبالغة في اكرام الزوج الأول.
الثالثة : منع التعدي عليها واستضعافها عند وفاة زوجها.
الرابعة : الرأفة الإلهية والتخفيف عنها بعد مصيبة موت زوجها.
الخامسة : دقة الحكم وخلوه من تعدد التفسير والتأويل، وتؤسس الآية انظمة اجتماعية واخلاقية وتربوية بتحديد أوان العدة والإذن للمرأة بالزواج بعدها.
السادسة : اهمية الزواج في حياة المرأة.
السابعة : معالجة القرآن لمسائل المرأة الطارئة والخاصة.
الثامنة : التوكيد على اهمية الزواج في حياة المرأة والفترة التي تعقب حال المصيبة بفقد الزوج.
التاسعة : لقيد [ بِالْمَعْرُوفِ ] اعجاز خاص يفيد منع التعدي منها.
العاشرة : بعد آية الرضاعة تأتي آية عدة الوفاة لحل مسألة اجتماعية ونفي الحرج فيها، وهي مسألة الرضاعة بالنسبة لمن يتوفى عنها زوجها وهي ترضع ابنها لتبين الآية عدم التعارض بينهما.
الآية سلاح
تعتبر الآية مدرسة تشريعية متكاملة في احد فروع النكاح، وفيها موعظة للمرأة لمعرفة احوالها ومناسبه لمداواة جراحها وبناء مستقبلها والانتفاع مما لها من الحقوق ومنع التعدي عليها، أي انها رحمة باولياء المرأة واخوتها واهلها لمنعهم من الجور عليها.
وتساهم الآية في تنظيم الحياة الإجتماعية وتعالج مسألة خاصة طارئة تتعلق بعدد غير قليل من النسوة، وتمنع المسلمين من ايذاء المرأة والحيلولة دون تمتعها بما جعل الله لها من حق في الزواج بعد وفاة زوجها بشروط وقيود، وهي عون على امضاء الأحكام الشرعية.
مفهوم الآية
بين عدة الطلاق وعدة الوفاة عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء تربص وانتظار الزوجة، ومادة الإفتراق في عدة الطلاق يحتمل عودة الرجل بزوجته باستثناء الحرمة المؤبدة.
ومدة العدة ثلاثة قروء اما في عدة الوفاة فانه لا عودة، فكانت مدة العدة اربعة اشهر وعشرة ايام أي اطول مدة وأدق حساباً وأبين حالاً، فالحائض يعرف عنها زوجها انتظام دورتها او عدمه في الغالب وهل هي عددبة أم وقتية أم عددية وقتية، او لا عددية ولا وقتية، أما المتوفي عنها زوجها فقد لا يعرف أحد كيفية وأوان دورتها فجاء تعيينها بالأشهر والأيام، وهذا الفرق بين العدتين من الاعجاز في التشريع القرآني.
وجاءت عدة الوفاة عدة ثابتة ومعلومة لأن الأمر يتعلق بنقاء الأرحام وثبوت خلوّها من الحمل بما يكون ظاهراً في الجملة، فاذا بلغ الجنين أربعة أشهر كسي اللحم ونمت خلقته، واذا تم خمسة أشهر ولجته الروح، وليس فيهادعوة الزوج للعودة بزوجته مدة العدة، بل فيها اكرام للميت في زوجته وتأهيل الزوجة لبحث موضوع الزواج من جديد وبعد الإفاقة من آثار مصيبة الموت وألم الفراق.
وصيغة الخطاب التي تتضمنها بداية الآية موجهة الى المسلمين عامة، اما موضوع التربص فانه جاء بلغة الخبر الا انه يتضمن الإنشاء والأمر الى النساء اللائي يتوفى ازواجهن، مما يدل على اهلية المرأة لتلقي خطابات النكاح امراً وزجراً، فالأمر بالتربص يعني الإمتناع عن النكاح مدة العدة، الا ان هذا لا يمنع من قيام اولياء الأمور والأهل وعامة المسلمين برصد المدة وتحريض المرأة على ضبطها والتقيد باحكامها وهو من اسرار افتتاح الآية الكريمة بمخاطبة المسلمين عموماً، فالحكم الشخصي للمرأة لا يترك لها على نحو التفويض التام، بل يساهم الجميع في امضائه وانجــازه، ومنهم الذي يــروم الزواج منها فعــليه ان يتقــيد باحكام العدة.
وتبين الآية استقلال المرأة في قرار النكاح ونحوه عند انقضاء العدة ولكنه مقيد بالمعروف بمعنى منع المرأة من التعدي والإسراف والتفريط بعد العدة، وحثها على عدم الخروج عن العادات والقيّم الإسلامية وهذا المنع مسؤولية الجميع كما هو ظاهر الآية لأن الخطاب فيها جاء على نحو الإطلاق، ولعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمرأة يجب ان تكون عوناً وآلة مباركة لاصلاح المجتمع وتثبيت الأحكام الشرعية وحفظ الأموال وستر العرض.
وخاتمة الآية التقت مع بدايتها في لغة الخطاب وهو موجه للمسلمين عموماً اما مضمون الآية ووسطها فجاء بلغة الغائب ويتعلق باحكام المرأة التي مات زوجها للمنع من ضياع حقوقها، واستحواذ الآخرين على امرها، والحيلولة دون اتخاذها القرار الذي تراه الأحسن لها في حياتها ومستقبلها.
لذا قال سبحانه [ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ] وفيه حث على التقوى والصلاح، واخبار بان كثرة وتعدد آيات الطلاق والعدة لمنع غلبة النفس الشهوية والغضبية، واصلاح احوال المجتمعات الإسلامية ومنع انتشار الفوضى والفسق والفحشاء فيها، وتهيئة مقدمات الجهاد وتوارث الملة ومواصلة حمل لواء التوحيد، ان المسؤوليات الملقاة على المسلمين كبيرة وكثيرة باعتبارهم خلفاء الأرض وورثة الأنبياء فتفضل سبحانه واصلح لهم احوالهم الإجتماعية وفتح لهم معاملاتهم وهذّب نفوسهم، وما يمتاز به
المسلمون عن غيرهم من الملل السابقة التي عجزت عن تحمل اعباء ووراثة الأرض ان المسلمين جاءتهم الآيات فبادروا الى العمل بها، ولم يخرجوا عن احكامها التفصيلية فضلاً عن الإجمالية وابواب الاحتياط.
التفسير
تفسير قوله تعالى [ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ]
بدأت الآية بذكر الذي يموت مع انها تتعلق بالنساء وتأمرهن بالعدة اذ انها جملة خبرية تضمنت الأمر والإنشاء، والوفاة الموت وزهوق الروح وقبضها.
و[ يَذَرُونَ ] أي يتركون ولا يستعمل له فعل ماض ولا مصدر وكذا الفعل يدع، ولابد من سر وعلة لهذا الإبتداء في القرآن، فعلينا ان نبحث عن وجوه الحكمة فيه لأنه لم يأت اتفاقاً، والله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة كما ان الفصاحة والبلاغة اجتمعتا في القرآن ومن الإعجاز انهما اقترنا بالمعاني السامية والمضامين القدسية التي لا يستطيع الناس سبر اغوارها.
وفي لغة الخطاب في الآية وجوه:
الأول : ان الخطاب للرجــال ايضاً لأنهــم في الأحوال الإجتماعية اهل الحل والعقد في الجملة، وهم الذين يتوجهون الى النساء طالبين الزواج.
الثاني : انه خطاب الى المسلمين وبيان لحكم شرعي وضعي مترتب على حالة قهرية وفسخ قهري للزواج بالموت، فمن وظائف المسلمين كافة منع المعتدة من الزواج اثناء العدة.
الثالث : من الإعجاز في الآية ان الخطاب متوجه الى الأحياء من المسلمين في موضوع يتعلق بمن يموت وتقبض روحه منهم، اذ ان التكليف والعمل بالأحكام لا يكون الا بعهدة الأحياء.
الرابع : اهل الحل والعقد والحكام المسلمون.
الخامس : اولياء المرأة والأقوى ان الخطاب جاء على المعنى الأعم لهذه الوجوه اذ انه تشريع وحكم ثابت وان تعلق موضوعه ظاهراً بالمصاديق الشخصية المتكثرة في الخارج.
السادس : الخطاب في الآية انحلالي يتوجه ايضاً الى اولاد الزوجة.
السابع : جاءت الآية بصيغة الجمع في المخاطب وموضوع الآية فالمراد من الأزواج هنا الزوجات وهن على ثلاثة اقسام:
أولاً : التعدد في ازواج الميت الواحد.
ثانياً : الإنفراد في زوجة الميت الواحد.
ثالثاً : الإتحاد والتعدد عامة، أي ان بعض الأموات يترك زوجة واحدة وبعضهم اثنتين او ثلاث او اربع.
الثامن : الوفاة عنـوان شــامل ويشمل القتل بانواعه ومنه القتل في سبيل الله عز وجل، والموت عن مرض او فجأة او عن كبر وشيخوخة ونحوه.
التاسع : تبين الآية كيفية التصرف مع المرأة سواء من قبل اوليائها او من قبل الذين يرومون الزواج منها.
العاشر : جاءت الجملة بصيغة الخبر ولكنها تتضمن معاني الإنشاء والتشريع الدائم الى يوم القيامة.
الحادي عشر : توجه الخطاب التكليفي الى الأحياء في مسألة تتعلق في شطر منها بالأموات يؤكد ان الآية من آيات الأحكام.
الثاني عشر : الآثار المترتبة على الآية الكريمة لا تنحصر بما بعد موت الأزواج بل تشمل ما قبل الوفاة بما يتخذه الإنسان لنفسه وعياله من اسباب الإحتراز والإحتياط وتنظيم شؤون الأسرة والميراث على ضوء هذه الحقيقة الشرعية الثابتة وهي حق زوجته بالزواج من الغير بعد وفاته.
الثالث عشر : تساعد الآية في بعث الأمل في نفس المرأة بفتح فرص الحياة لها واسعة وبامكان اعادة صفة الزوجية عند الفراق القهري بعد الموت.
الرابع عشر : تساهم الآية في التخفيف عن المرأة وعدم الحيلولة دون رضاها بالزواج بمن يكبرها بالسن بفارق غير قليل، وبذا تظهر لنا صورة كريمة في احكام الشريعة الإسلامية فهي وان قالت بجواز الزواج مع الفارق في السن، فهذه الآية باب لتيسير مثل هذا الزواج لما فيها من الضمان وحق الإختيار في حال وفاة الزوج، وان كان الموت قريباً من الزوج والزوجة والكبير والصغير وعلى نحو الدوام والتجدد الزماني والمكاني.
الخامس عشر : الآية عون وسبب مبارك لزيادة النسل بين المسلمين سواء بالزواج الأول او بالزواج الثاني.
السادس عشر : تساهم الآية في تداخل الأرحام وتعدد القرابات وكثرة الأخوة في الأب، ومن الأم وحدها وما يتفرع عنها من صلات الرحم والرأفة ودرأ الفتن.
السابع عشر : تؤكد الآية سبق الإسلام في تنظيم الحياة الزوجية وتوفير اسباب الإختيار للمرأة وتأمين حاجتها للزواج وما يعنيه عندها من العز والستر والإنس والأمان.
الثامن عشر : الآية مصداق تشريعي وتفسير واقعي لقوله تعالى [ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ]( ) هذه الآية التي اعطت للزوجة صفة الزوجية على نحو الوصف الذاتي المستقر.
التاسع عشر : الآية تعاهد للمرأة وصيانة لها.
العشرون : في الآية تأسيس لقواعد اخلاقية واجتماعية وحفظ للقيم والأعراف ومنع من تداعيها.
الحادي والعشرون : تقلل الآية من حصول الفواحش في المجتمع وتساعد في تماسك الأسر.
الثاني والعشرون : الآية ترغيب بالزواج من الأرملة التي مات زوجها.
الثالث والعشرون : تمنع الآية من الحياء والحرج من الزواج من التي لم تمض على موت زوجها سنة او ستة اشهر ونحوها.
الرابع العشرون : تتعلق الآية بالذين يموتون وتثبت وفاتهم ولو بالإمارات الظنية المعتبرة فلا تشمل المفقود والغائب الذي انقطع خبره.
الخامس والعشرون : قوله تعــالى [وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا]، أي ان الآية تتعلق بالذين يتركون ازواجاً من بعدهم لأن الذين يموتون من المسلمين على ثلاثة اقسام:
أولاً : الصبي.
ثانياً : الرجل الذي يترك زوجة او اكثر.
ثالثاً : البالغ الذي لم يترك زوجة سواء لم يتزوج بعد او تزوج وطلق او ماتت زوجته.
فتتعلق الآية بالقسم الثاني من هذه الأقسام الثلاثة، فان قلت: هناك رجال يموتون ثم لا تلبث زوجاتهم ان يتوفين بعدهم قبل انقضاء مدة عدة الوفاة في الوقت الذي جاءت فيه الآية مطلقة وشاملة للجميع، قلت: ان هذا الفرد خارج بالتخصيص ولا يشمله منطوق الآية لأنه ظاهر بمن تبقى حية بعد انقضاء العدة، فلو ترك الميت امرأتين احداهما توفت اثناء العدة فموضوع الآية لا يشملها، نعم يشملها شطر من التربص والإنتظار بمقدار آنات وايام العدة التي تبقى فيها حية لأن المراد من التربص اعم من الكلي الشامل لإنقضاء العدة.
السادس والعشرون : الآية اخبار للرجل بان زوجته معرضة للزواج من غيره عند وفاته، وهذا الإخبار له منافع عديدة منها التسليم بحكم الشريعة، والتدبير والإحتياط بما بعد الموت في الأرث والتركة والوصاية على الصغار ونحوها.
السابع والعشرون : ابطال للغلو في الغيرة عند الرجل ومنع لوضعه قيود شديدة على المرأة لمنعها من الزواج بعد وفاته والإنقياد والرضا.
الثامن والعشرون : ان الحكم رحمة للرجال ايضاً وتشريع تنتفع منه الأمة.
التاسع والعشرون : بيان حق من حقوق المرأة يتضمن النهي عن حجبه عنها، أي انه يمتلك الحصانة الذاتية لامضائه.
الثلاثون : هذا الإبتداء مناسبة كريمة لتصرف الرجل في ماله بلحاظ هذه الحقيقة الثابتة وضمن الشريعة كما لو اوصى لأولاده بثلثه او وهب لبعضهم في حياته ما يحول دون تعرضه للأذى من زوج امرأته عند وفاته.
الحادي والثلاثون : تجعل الآية الآباء يهتمون بشؤون الأبناء وتربيتهم واصلاحهم وايجاد السبل التي تتقوم بها الحياة.
الثاني والثلاثون : الآية لا تعني زواج كل امرأة بعد وفاة زوجها، لكنه حق ورخصة ورحمة.
الثالث والثلاثون : تدعو الآية الى كتابة الوصية وتظهر جواز تعيين الأب للوصي او للناظر على اولاده من بعد موته.
الرابع والثلاثون : الآية تذكر بالموت وتدعو للإستعداد له واستحضار الكيفية المناسبة لتلقي الأمر الإلهي واستقبال ملك الموت، وبما يفيد السعادة والغبطة وعدم الإضرار بالغير.
الخامس والثلاثون : تبين الآية ان الموت لا ينحصر امره وشأنه بالذي تزهق روحه ويغادر الدنيا بل ان افعالاً واموراً وآثاراً عديدة تترتب على الحي ايضا.
السادس والثلاثون : احتمال زواج المرأة من آخر بعد موت الزوج لا يعني حرمانها من الارث، وحصتها منه ثمن التركة مع الولد، والربع مع عدمه، نعم للميت ان يوصي بالثلث من ماله.
السابع والثلاثون : الوفاة تشمل المتزوج وغيره، فقد يموت الشخص وليس له زوجة سواء تزوج في حياته وفارق زوجته او لم يتزوج.
الثامن والثلاثون : الآية تأديب لأولياء الميت واهله ودعوة لهم بعد استنكار قيام امرأة الميت بالزواج من بعده لأنه حق لها.
التاسع والثلاثون : موضوعية واعتبار علم الزوج باحوال المرأة حياً وميتاً.

بحث بلاغي
اخرج البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان [ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا] وقد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها او تدعها؟ قال: يا ابن اخي لا اغير شيئاً منه من مكانه( ).
والأقوى ان الآية غير منسوخة كما ان ظاهر قوله فلم تكتبها او تدعها لم تستبن، وهذا لا يمنع من الإستدلال فان ترتيب الآيات توقيفي تم بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه اجماع المسلمين، وفي حديث زيد كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم نؤلف القرآن في الرقاع.
بحث بلاغي آخر
تعتبر هذه الآية في باب المجاز من تسمية الشيء بما كان عليه والقرينة الصارفة عن الحقيقة قوله تعالى [ يَذَرُونَ ] لأن الترك ابدي.
ولكن ورودها بصفة الزوجية له مضامين قدسية وتشريعية منها:
أولاً : منع اللبس.
ثانياً : نهي الأهل عن حجب حقوق الزوجة والتنكر لها.
ثالثاً : اكرام الزوج بعد وفاته بالإقرار بزوجيته.
رابعاً : الزوجية عنوان اعتباري اضافي فيه تشريف للطرفين.
قوله تعالى [ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ] وفيها وجوه :
الأولى : الآية تشريع وحكم وأمر الى النساء بلزوم العدة عند وفاة الزوج.
الثانية : ورود الآية بلفظ التربص وما يعنيه من المكث والإنتظار له دلالات كريمة، فكأن هذه الفترة مناسبة للتريث وتعطيل الحياة الزوجية وصبر للإنتقال الى صيغة جديدة منها من غير منع للتفكير اثناءها في موضوع الإختيار بعدها.
الثالثة : تدل الآية بالدلالة التضمنية على موضوعية واعتبار الزواج في حياة المرأة.
الرابعة : وفاة الزوج لا تعني حرمان المرأة من الصلة الزوجية على نحو دائم فالرجل يحق له الزواج من اربعة في حياته والمرأة لا يحق لها الزواج الا من واحد لحرمة اختلاط المياه وللغايات السامية في التشريعات السماوية والثوابت في الحياة الإجتماعية مطلقاً، بينما تتساوى المرأة مع الرجل في حق النكاح بعد الفراق الطوعي او القهري، لذا جاءت الآية للإخبار عن حق المرأة التي يموت عنها زوجها بالزواج من الغير ولكن بعد المكث مدة العدة.
الخامسة : الوصف الكريم (بالتربص) وما يعنيه من مضامين الإنتظار له دلالات اعجازية عديدة منها:
أولاً : انه رحمة للمرأة.
ثانياً : بيان لحقها في التطلع الى المستقبل بعين الأمل.
ثالثاً : امتلاكها لحق الإختيار.
السادسة : الآية دعوة لعدم تمسك المرأة بالحزن التام على الزوج بعد العدة بالإمتناع عن الزواج من غيره، او انها تفكك بين الحزن والمصيبة وبين حقوق المرأة الشرعية بين ماضي الأيام وما تستقبله منها في حياتها.
السابعة : الشريعة مؤدب لجميع الأطراف في احكام الزواج فتقود الذي له المصلحة والمنفعة الى ما يحق له في ظلال الأمن والسلامة من لوم الآخرين او تهديدهم.
الثامنة : تمنع الآية من الفتنة والخصومة والمنازعة بين الناس، فلا يحق لأحد ان يقف بوجه المرأة التي تريد الزواج بعد انقضاء العدة.
التاسعة : تحث الآية على النسل والإكثار من الأولاد بعدم تعطيل المرأة ورحمها.
العاشرة : الآية مدرسة في الإصلاح الإجتماعي وحائل دون الإفتتان ووقوع المفاسد، اذ انها تعالج مسألة ابتلائية عامة وفيها تدارك لكثير من المشاكل الإجتماعية والأخلاقية والمعاشية.
الحادية عشرة : الآية دعوة للمرأة للإمتناع عن الزينة مدة العدة، فلا تلبس او تستعمل افراد الزينة كما كانت تفعل لزوجها.
الثانية عشرة : في الآية حفظ للزوجة وتوبيخ للأمم التي تقوم بايذاء المرأة ووضع القيود عليها خصوصاً بعد وفاة زوجها، وهناك شواهد تأريخية كثيرة.
الثالثة عشرة : جاءت الآية بصيغة الخبر والمراد منه الأمر والإنشاء، فالتربص هنا على نحو الخطاب التكليفي.
الرابعة عشرة : الآية اعم من حبس النفس عن الزواج الجديد فهي تشمل تشريع الحداد ونحوه، ولكن الموضوع الأساسي للآية هو الحق بالزواج بعد انقضاء العدة.
الخامسةعشرة : صيغة التربص تنبيه لحق المرأة بالزواج الجديد ودخول موضوعه الى عالم تفكيرها وآمالها وتدبيرها لشؤون حياتها المستقبلية.
السادسة عشرة : تدعو الآية المرأة الى الإهتمام بايام العدة والحرص على ضبطها وحساب ايامها.
السابعة عشرة : تعتبر الآية تخفيفاً عن المرأة في مصيبتها بفقد زوجها وفراقه بالإنشغال بالتهيئ للدخول في حال تسمح لها باختيار زوج جديد، ولا تعارض بين الأمرين بين الحزن على الزوج المتوفي وادراكها لحقها بالإقتران بغيره.
الثامنة عشرة : كأن ايام العدة برزخ بين الزواج السابق والزواج اللاحق المحتمل، تغادر بها المرأة حياتها السابقة وتسلم بقضائه تعالى، وتتطلع الى مشيئته ورزقه واحسانه سبحانه في مستقبل الأيام وكيفية الحياة اليومية التالية لما بعد ايام العدة.
التاسعة عشرة : تجعل الآية للنساء كياناً شرعياً مستقلاً فهن اللائي يتربصن بانفسهن وينتظرن خروج العدة وفق حساب يومي وشهري دقيق لا يقبل اللبس والتحريف والتبديل.
العشرون : تنهى الآية الأهل والأولياء والأقارب عن منع المتوفي عنها زوجها من اتخاذ القرار المناسب في الزواج بعد انتهاء العدة.
الحادية والعشرون : لو حصـل تناف بين صــريح الآيـــة القرآنيــة بمقام الأرملة في الزواج بعد انقضــاء العدة وبين العرف والمنزلة الإجتماعية للزوج او للزوجـــة او لأهل واســرة احدهما او كليهما، فالمقـدم هو الحكم القرآني ولا اعتبار لمثل هذا العرف بل ان حصوله وتفشي اسبابه في المجتمعات الإسلامية مظهر من مظاهر الإبتعاد عن احكام الشريعة.
بحث فقهي
ينقسم الحكم بالولاية على المرأة في النكاح الى عدة اقسام، منها ما يتعلق بالبكر الرشيدة وقد تعددت الأقوال فيها، والأقوى الإذن المشترك منها ومن وليها، وثبوت الولاية على الصغيرة والمجنونة والبالغة السفيهة، وتكون الولاية في النكاح للأب والجد للأب، اما بالنسبة للثيب الرشيدة التي سبق وان تزوجت وخرجت من عصمة الزوجية فلا ولاية لأحد عليها ولا يستلزم عقد النكاح حصول الإذن من الأب او الأخ او غيرهما.
وفي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: “في المرأة الثيب تخطب الى نفسها، قال عليه السلام: هي أملك بنفسها تولي امرها من شاءت اذا كان كفؤاً بعد ان كانت قد نكحت رجلاً غيره”.
والثيب اصلها من الثوب وهو الرجوع، ومنه الثواب لأنه جزاء العقد ورجوع الفعل واجره الى العبد، والثيب هي المرأة الموطوءة في مقابل الباكر
التي لم توطئ بعد، والمراد من الحبس هنا هو العدة، والعدة على قسمين:
الأولى : عدة المطلقة.
الثانية : عدة الوفاة، أي عدة التي يتوفى عنها زوجها.
وسميت عدة لأن المرأة يحق لها بعدها الزواج، فهي من العد والحساب، وايضاً من الأعداد للأمر والتهيئ له، أي انها اثر مترتب على الحالة الزوجية السابقة والتربص والانتظار.
بحث بلاغي
في البلاغة قد يتجوز بحذف الضمير للعلم به واستشهد بهذه الآية وان الأصل يتربصن ازواجهن فوضع الضمير موضع الأزواج لتقديم ذكرهن فاغنى عن الضمير)( ).
ولكن التربص يحمل على ظاهره في الآية وليس من قرينة صارفة بل ان المعنى الظاهري يعطي دلالات قرآنية والتكليف في التربص متوجه الى المرأة، ومدة الإنتظار تتعلق بها نفسها وهو نوع مواساة لها ودعوة الى الصبر والتحمل.
مسائل فقهية
عدة الوفاة وفيها وجوه :
أولاً : عدة المتوفي عنها زوجها اربعة اشهر وعشرة ايام اذا كانت حائلاً، صغيرة كانت، او كبيرة يائسة عن المحيض، وسواء كان زوجها قد دخل بها قبل وفاته ام لم يدخل بها، دائمة او منقطعة، من ذوات الإقراء او غيرها، اما لو كانت حاملاً فعدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل، ومدة العدة وهي اربعة اشهر وعشراً، وبهذا تختلف الحامل المتوفي عنها زوجها عن الحامل المطلقة التي تكون عدتها وضع الحمل.
فلو كانت امرأتان كل منهما حامل احداهما طلقت والأخرى مات زوجها في نفس اليوم فقد تنقضي عدة المطلقة قبل الأخرى وقد يكون العكس، وقد تتأخر كل منهما كما لو كانتا في بداية الحمل ولو وضعتا الحمل في نفس اليوم الذي حصل فيه الطلاق والوفاة فان المطلقة تخرج من عدتها بالوضع ولكن المتوفي عنها زوجها لابد ان تعتد اربعة اشهر وعشراً.
والمراد بالأشهر هي الهلالية وتبين المرأة بعد اكمال اربعة اشهر وعشرة ايام، وذلك عند غروب اليوم العاشر، ولو طلقها ثم مات قبل انقضاء العدة فان كان رجعياً بطلت عدة الطلاق واعتدت عدة وفاة من حين موته لأن الرجعية بمنزلة الزوجة او ملحقة بها اي تعتد اربعة اشهر هلالية وعشرة ايام من تأريخ وفاة زوجها الذي سبق وان طلقها لأنها في العدة الرجعية، وان كانت حاملاً اعتدت بابعد الأجلين من حين الوفاة.
فلو كانت مطلقة رجعية قبل شهرين ومات زوجها فتعتد بابعد الأجلين وحكمها كحكم غير المطلقة، فان وضعت حملها قبل مرور اربعة اشــهر هلالـيـة وعشـرة ايام على تاريخ وفاته فلا تخــرج من العدة الا عـند اكمال هــذه المدة، وان انقضت هذه المدة ولم تضـع حملها فلا تخرج من العدة الا حينما تضع حملها.
ثانياً : لو كان الطلاق بائناً ومات الزوج بعد الطلاق فانها تعتد عدة الطلاق ولا عدة عليها بسبب الوفاة، وعليه الاجماع لانقطاع عصمة الزوجية بالطلاق البائن.
ثالثاً : يستحب للمطلقة الرجعية التزيين وتشويق الزوج باللباس ونحوه وبالسعي لإزالة المكروه.
رابعاً : تختلف عدة الوفاة عن عدة الطلاق لما فيه من التغليظ فعدة الوفاة من حين بلوغ الخبر للزوجة، فلو مات زوجها ولم يبلغها خبر الوفاة الا بعد سنة فان عدة الوفاة تبدأ من حين بلوغ الزوجة الخبر،لأن قــوله تعالى [ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ] يفيد ارادة المكث والإنتـظــار ولا يحصــل قصــده الا بعد العلم بالوفاة ويلحق بالغائب الحاضـر على الأقوى اذا لم يبلغ الزوجة موته في حينه اما في الطلاق فان التربص بقيد بقرار الزوج بالرجوع او عدمه.
خامساً : يكفي في الإعتداد وصول خبر وفاته وان لم يكن من بينة عادلة، نعم لا يجوز لها الزواج من الغير ما لم تقم حجة شرعية على موته اي لا تكتفي بالخبر، نعم لو جاءت البينة وما يفيد القطع فيما بعد فانها لا تحتاج الى الإعتداد مرة اخرى.
الحداد
وهو فِعال من الحد ومعناه لغة المنع، وشرعاً ترك المرأة المتوفي عنها زوجها الزينة في البدن بمثل التكحيل والتطيب والخضاب وتحمير الشفة والخطاط، وكذا اللباس الأحمر والأصفر والحلي مما يصدق عليه انه زينة اوكانت تتزين به للزوج، ويجب على المرأة المتوفي عنها زوجها الحداد ما دامت في العدة أي ان الحداد غير العدة في الكيفية ولكنه عرض ملازم لها في مدتها، ويجوز لها ان تغتسل وتمتشط وتقلم الاظفار وتسكن المساكن العالية وتستعمل الفراش الفاخر ونحوه مما لا يعد زينة.
وفي الخبر: “عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تحد على ميت فوق ثلاث ليال، الا على زوج اربعة اشهر وعشراً”، وعن ابن عباس والزهري: انه اجتناب الزينة والكحل بالأثمد وترك النقلة عن المنزل، وعن الحسن البصري: ان العدة هي الإمتناع عن التزوج لا غير، أي لا يرافقها حداد، ونسب الى ابن عباس على قول.
ان الحداد أدب وإكرام وتوديع للحياة الزوجية، وهو مصداق خارجي للتربص بمعنى العد والحساب، وللحداد تأثير نفسي في منع طغيان النفس الشهوية.
ويجب على المـرأة المتــوفي عنها زوجها الحداد ما دامت في العدة اي ان الحداد غير العدة في الكيفية ولكنه عرض ملازم لها في مدتها.
ويجوز في مدة الحداد تنظيف البدن وتسريح الشعر وتقليم الأظافر ودخول الحمام والإفتراش بالفراش الفاخر والسكن في المسكن اللائق ذي الإنارة والتزيين المناسب كما يجوز لها تزيين اولادها وخدمها.
والحداد ليس شرطاً في صحة العدة، فلو تركته عصياناً او جهلاً او نسياناً في تمام العدة او بعضها لم يجب عليها استئنافه او تدارك مقدار ما اعتدت بدونه، ولا فرق في الزوج المتوفي بين البالغ وغيره، والمجنون والعاقل وكذا بالنسبة لحال الزوجة.
ويجوز للمعتدة بعدة الوفاة ان تخرج من بيتها في زمان عدتها في حوائجها خصوصاً مع الحاجة والرجحان الشرعي والعقلي واحكام الضرورة وعليها سيماء الحزن والوقار فيجوز لها ان تخرج لزيـارة والديها ولعيادة المرضى واداء المراسم العرفية كالتعزية والمواساة، كما يجوز لها ان تراجع الدوائر الرسمية ان استلزم الأمر، نعم الأحوط ان لا تبيت الا في بيتها الذي كانت تسكنه في حياة زوجها كما لو كانت تستطيع الخروج بعد زوال الظهر وتعود عند الغروب، ولا حداد على المطلقة بائنة كانت او رجعية.

المفقود عنها زوجها وفيها وجه :
الأول : اذا فقد الزوج وغاب غيبة منقطعة، ولم يعلم موته ولم يرد ما يدل على انه حي، فان بقي له مال ينفق على زوجته منه او كان له ولي او متبرع يقوم بالإنفاق عليها وجب عليها الصبر والإنتظار لحين استبانة امره، ولا يجوز لها ان تتزوج ابداً حتى تعلم بوفاة الزوج او طلاقه.
اما لو لم يكن له مال ولا من ينفق عليها فان صبرت فلها ذلك، وان لم تصبر وارادت الزواج رفعت امرها الى الحاكم الشرعي فيؤجلها اربع سنين من حين رفع الأمر اليه ثم يتفحص عنه في تلك المدة فان لم يتبين موته أوحياته، فان كان للغائب ولي او وكيل مفوض بجميع شؤونه ومنها الطلاق يأمره الحاكم بطلاق امرأته، وان لم يقدم على الطلاق ولم يمكن اجباره عليه طلقها الحاكم ثم تعتد اربعة اشهر وعشراً عدة الوفاة، فاذا انقضت جاز لها التزويج بلا اشكال.
ولا ينحصر السؤال بالحاكم بل يكفي تصدي الزوجة وغيرها للسؤال بشرط الإطمئنان الى الطريق والنتيجة، ولا يعتبر الإتصال الدائم في السؤال طيلة السنوات الأربعة، بل يكفي المتعارف زماناً ومكاناً وطريقة ولو احتمل سجنه او انتقاله الى بلد آخر سئل عنه في تلك الجهات، وينبغي للمستخبر والمسؤول ان يساعد في الإجابة وصدقها لترتب آثار شرعية واخلاقية وانسانية واجتماعية على صدق جوابه او عدمه.
واذا حصل لزوجة الغائب بسبب القرائن وتراكم الإمارات العلم بموته جاز لها بينها وبين الله ان تتزوج بعد العدة من دون الحاجة الى مراجعة الحاكم وليس لأحد الإعتراض ما لم يعلم كذبها في دعوى العلم، نعم للذي يريد الزواج منها ولوكيلها عدم الإكتفاء بقولها وظنها.
وعن ابن عباس لا عدة على الزوجة المتوفي عنها زوجها اذا لم يكن قد دخل بها، ولم يأخذ به فقهاء الإسلام لعموم الآية الكريمة، وعدم ثبوت المخصص، ومنهم من قال ان عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل ولو بعد وفاة الزوج بساعة.
ولكن الجمع بين هذه الآية وآية اولات الأحمال يقتضي التربص والإمتناع عن الزواج بأبعد الأجلين، كما ان النصوص وردت بالحداد بلزوم تلبس المرأة به مطلقاً مدة اربعة اشهر وعشراً.
تفسير قوله تعالى [ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ] وتحتمل وجوه :
الأول : تحديد سماوي وضبط قرآني لمدة العدة وعهد ملقى الى المسلمين رجالاً ونساءُ.
الثاني : الأشهر جمع قلة لشهر، والمراد هو الشهر القمري الذي يعرف أوله بالهلال وينتهي عند اطلالة هلال الشهر التالي.
الثالث : قوله تعالى [ عَشْرًا ] جاء بلفظ التذكير والأصل هو عشرة ايام، وفيه وجوه:
أولاً : تغليب الليالي على الأيام لأن الشهر يبدأ من الليل.
ثانياً : انها ايام حزن وحداد فغلب وصفها بالليالي على نحو الإستعارة.
ثالثاً : المراد عشر ليال ليكون مغايراً لجنس المعدود.
رابعاً : أي عشر ليال وعشرة ايام.
خامساً : ان تذكير العدد هو الغالب عند العرب وعلى نحو مجرد وبمعزل عن موضوعه سواء كان مذكراً او مؤنثاً.
سادساً : تغليب الليالي على الأيام باعتبار ان ليلة كل يوم قبله.
يقال: صمت عشراً، مع ان الصيام لا يكون الا باليوم وليس بالليل، ويقال لثلاث بقين من الشهر، لذا فان الوجه الثالث هو الأرجح والأنسب.
الرابع : تختلف عدة الوفاة عن عدة الطلاق بوجوه:
الأولى : مدة العدة، فعدة الوفاة اكثر مدة من عدة الطلاق.
الثانية : كيفية احتساب كل منهما، فعدة الطلاق بالحيض والطهر منه، وقد تتحقق العدة بشهر واحد عندما يكون طهر وحيض المرأة لأقل مدتهما، كما لو كان كل طهر لها عشرة ايام، وحيضها ثلاثة ايام وهو فرد نادر بين النساء، فالغالب ما يكون الطهر قريباً من الشهر، ومع هذا فان النساء تتباين في عدة الطلاق ومدتها ولو على نحو اليوم واليومين والثلاثة.
اما عـدة الوفــاة فلا اعتبـار فيها للعوارض الخاصة بالمرأة وحالها من الطهر والحيض، وهل هـي ذات عادة وقـتـية او عددية، او وقتية عددية، او انها لا وقتية ولا عددية، بل ان حكمها واحد بالنسبة للنساء، وتتعلق بالحسـاب وفــق الظواهر الكونية التي جعلها الله عامة وفي كل زمان ومكان وخالية من اللبس والتغاير والفوارق، نعم اختلف بالنسبة لغير الحرة وهي الأمة على اقوال ثلاثة:
الأول: المساواة مع الحرة مطلقاً، وبه قال جمع من العلماء ومنهم ابن ادريس والعلامة.
الثاني: ان عدتها شهران وخمسة ايام وهي نصف عدة الحرة، وبه قال جماعة كالشيخ المفيد والمرتضى والأصم.
الثالث: التفصيل، فاذا كانت الأمة ذات ولد فعدتها اربعة اشهر وعشرة ايام، واذا كانت حائلاً ليس بحامل فعدتها نصف عدة الحرة.
كما اختلف في عدة الحامل التي يموت زوجها على قولين:
الأول: انها تخرج من العدة عند وضع حملها وان كان الزوج على المغتسل، وروي عن عمر بن الخطاب وابي مسعود وابي هريرة.
الثاني: انها كالحائل فعدة الحامل أبعد الأجلين، اما الأربعة اشهر وعشراً او وضع الحمل، وفي صحيحة الحلبي عن الأمام الصادق عليه السلام: “الحامل المتوفي عنها زوجها تنقضي عدتها آخر الأجلين”.
والأقوى ان عدة الوفاة مطلقة تشمل المدخول بها وغير المدخول بها، والكبيرة والصغيرة، والمسلمة والذمية.
الخامس : ذهب بعض الفقهاء كالأوزاعي الى حمل الآية على ظاهرها وان المراد اربعة اشهر وعشر ليال، وتحل حينئذ للأزواج ولكن المراد هو الأيام.
السادس : لعله لغة فيها، أي اذا جاء اللفظ مع حذف المضاف اليه فيجوز ان يأتي بلفظه أي لفظ المضاف اليه كما يقولون صمناً سبعاُ، ويعرف المراد بالقرينة وربما كانت هذه الصيغة نوع قرينة ولا تخلو من بلاغة ومناسبة للوصف والحال، ولغة القرآن اعم من القواعد التي وضعها النحويون فهم وان كانوا استمدوا قواعدهم من القرآن في الأعم الغالب الا انهم وكباقي العلماء واهل الإختصاصات عاجزين عن الإحاطة بعلومه.
السابع : التربص اعم من ان ينحصر بالزواج من الغير فيشمل الحداد والإمتنـاع عن الخـروج مـن الدار التي كانت تسكنها مع زوجها قبل وفاته الا مع الحــاجــة والضرورة والإمـتنــاع عن التــزيين ولبس الثياب التي كانت تتجمل بها لزوجها، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تحد على ميت فوق ثلاث ليال الا على زوج اربعة اشهر وعشراً”.
الثامن : القائلون بان الكفار غير مكلفين بالفروع وهم قلة من الفقهاء احتجوا بهذه الآية لأن الخطاب فيها موجه للمسلمين [ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ] ولكن الإضافة جاءت للبيان ولإظهار ان المسلمين هم الذين يتقيدون بالحكم الشرعي ويعملون به، ثم ان (من) للتبعيض وقد يحتمل ارادة المتزوج من الرجال، أي ان الخطاب للمسلمين كافة وموضوعها بمن يتوفى وعلى نحو الخصوص الذين يتركون وراءهم ازواجاً، ولأن الذي يموت بعضهم، وفيها بشارة لحفظ اكثر المسلمين وكأن الزواج واقية وحفظ لهم، وان الموت لن يقع الا في الأقل منهم.
لذا لو اجريت احصائية لعدد الموتى من المسلمين المتزوجين خلال عشر سنوات متتالية لوجدته قليلاً بالنسبة لمجموع المتزوجين في ذات الفترة واقل بكثير من الذين يتزوجون خلالها.
التاسع : قوله تعالى [ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ] حث للمرأة على الإهتمام بشــأنها ومســتقبلها والنظـر في مصلحتها وما ينفعها بعدانقضاء العدة، وتدل الآية بالدلالة التضمنية على افادة اهليتها لمعرفة ما ينفعهــا وكيفيـة الإختيار فكأن مدة العدة نوع اعداد نظري لما بعدها.
العاشر : الآية رحمة للمرأة ومراعاة لحالها ومستوى مداركها العقلية وما تعيشه من الحدود والقيود الإجتماعية والعرفية فخلال مدة العدة تستطيع ان تتدبر شأنها وتتأمل احوالها.
الحادي عشر : فترة العدة برزخ قهري يحول دون الدخول المفاجئ في حياة زوجية جديدة وما يؤدي الى حصول ارباك نفسي وحرج وضيق وعدم فهم وفيها عبرة وموعظة واستعداد لحياة جديدة.
الثاني عشر : وحدة الحكم في مدة العدة لجميع المسلمات آية تدل على سلامة التشريع وعدالة الإسلام، وهي حرب على التباين والإختلاف والتعدد فيها.
الثالث عشر : كأن العدة على الميت تنحل الى عدتين الأولى ثلاثة اشهر عدة الطلاق في الغالب لمن كانت عادتها كل شهر تقريباً، بالإضافة الى اربعين يوماً الحزن على الميت واكرامه بفرد خاص.
الرابع عشر : الزيادة في العدة على الميت مناسبة للتدبر في الحياة والموت ولزوم فعل الصالحات وان الدنيا مزرعة الآخرة ومدخل لتوجه المرأة للإستغفار.
تفسير قوله تعالى [ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ] وفيه وجوه :
أولاً : الفاء للتعقيب أي ان الذي بعدها واقع عقب الذي قبلها بغير فاصل بينهما سواء كان الوقت قصيراً او طويلاً، وظاهر الآية ان مدة العدة ليست بالمدة الطويلة على المرأة، ومن آثار الحكمة الإلهية في تيسير احكام القرآن انك لم تجد امرأة او جهة تشكو من طول مدة العدة قديماً وحديثاً.
ثانياً : نون النسوة تعود الىاللائي انقطعت عصمة زواجهن بموت الزوج.
ثالثاً : المراد من الأجل في المقام هو انقضاء عدة الوفاة.
رابعاً : الآية حث على مدة العدة وبدايتها وانتهائها لمنع اللبس والإشكال والحرج خصوصاً وان احكاماً تترتب على زواجها قبل انقضاء العدة تفيد بطلان العقد والحرمة كما سيأتي.
خامساً : الجملة إنشائية لما فيها من الشرط الا انها تفيد ايضاً معنى الخبر واثبات حقيقة تعبدية.
سادساً : تدل الآية علىالإرتقاء التشريعي في المجتمعات الإسلامية باعتماد الحساب الدقيق لتحديد أوان الأحكام الشرعية على نحو القضية النوعية والشخصية، فمن النوعية تحديد أوان الصيام في شهر رمضان وأوان الإفطار ويوم الحج الأكبر وغيره، ومن الشخصية أجل المطلقة والمتوفي عنها زوجها، وكذا القضايا الشخصية الإختيارية كالنذر وصيام التطوع ونحوها.
سابعاً : اداة الشرط والتعليق الوارد في الآية يدل في مفهومه على تعرض المرأة للموت ايضاً قبل بلوغ الأجل على نحو الإحتمال باعتبار ان كل انسان معرض للموت في أي لحظة.
ثامناً : في الآية اعتبار واتعاظ فان زيارة الموت القهرية لشخص تجعل القريب منه يدرك حقيقة الموت ويخاف منه او يتوقعه خصوصاً وانه ليس من مانع اوحصانة شخصية عند أحد منه.
تاسعاً : نعت انقضاء العدة بالأجل لابد له من دلالات اخلاقية واجتماعية بعد ثبوت الوجه العبادي له، اذ ان المرأة اثناء العدة تكون في حال من الحزن والإستقلال المشوب بالإلحاق بحياتها السابقة وكأنها تركة اجتماعية للميت تستحق المواساة والمداراة والرأفة من اهل الميت ومن اهلها، لذا ترى من احكامها اجتناب اشكال الزينة ومغادرة المنزل الا لضرورة ونحوها.
عاشراً : نسبة الأجل الى النساء المتوفى عنهن ازواجهن يدل على ان الأمر من مختصاتهن وشؤونهن الشخصية وليس هو حقاً مشتركاً للأسرة والآباء والأمهات.
حادي عشر : بلحاظ المعنى الأعم للتربص وقصد الإنتظار والتطلع لما بعد العدة من الأيام تؤكد هذه النسبة والإضافة حقها في الإختيار.
ثاني عشر : تنهى الآية اهل الميت او اهل الزوجة عن منعها من الزواج.
ثالث عشر : لا تعارض بين وجود الأولاد والزواج الجديد بعد ان احكمت الآية السابقة مسألة الرضاعة، فاولوية رضاعة الأم لإبنها لا تمنع من زواجها بعد انقضاء العدة لأنه حق مطلق لها.
رابع عشر : الآية دعوة لضبط الأجل والحساب وانه لا ينحصر بالمرأة وحدها، فيجوز للغير الإهتمام بعد وحساب اشهر وايام العدة وهو من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوه الإحسان.
خامس عشر : المراد من انقضاء الأجل أي خلو بطنها من الحمل او وضعه.

تفسير قوله تعالى [ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ] وفيها وجوه :
الأول : يحتمل الخطاب في الآية من بلحاظ جهته ومقصده وجوهاً:
أولاً : انه للأولياء.
ثانياً : للخطاب.
ثالثاً : للأولياء الذين يتولون شؤون المرأة وعقدها.
رابعاً : للحكام واهل الحل والعقد.
والظاهر انه عام يشمل جميع هؤلاء كما يشمل غيرهم ممن له تأثير في موضوع زواجها سواء كانوا رجالاً او نساءً.
الثاني : تحث الآية في مفهومها على عدم التدخل السلبي او اظهار الممانعة لزواج المرأة بعد انقضاء العدة.
الثالث : الآية اعـم من ان ينحصر موضوعها بالنكاح فتشمل حقها في التزيين والخروج من البيت وفق القواعد الشرعية واحكام الستر والساتر.
الرابع : تنمي الآية ملكة في النفوس مبنية على عدم استنكار تقدم الخطاب الى المرأة وسؤالهم الزواج منها بعد العدة.
الخامس : تدل الآية بالدلالة التضمنية على حق الزوجة في اختيار الزوج المناسـب بعد العـدة، وعلى جـواز قيامها بمقدمات هذا الإختيار لأن الفعل بالنفس اعم من انتظار الخطاب فلها ان تختار وفق القواعد.
السادس : [ لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ] يشمل المرأة ذاتها فلا اثم عليها ان اختارت الزواج بعد اكمال العدة وتكون الآية بالنسبة لها من الإلتفات في البلاغة، أي ان قوله تعالى [ لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ] ينحل الى خطابين احدهما للمسلمين عموماً، والآخر خاص للنساء المتوفى عنهن ازواجهن.
السابع : الآية نوع مواساة لهن ودعوة للصبر والإنتظار مدة العدة، وأمل بانقضائها والدخول في عالم آخر خال من الآثار الشرعية للزواج السابق.
الثامن : الثيب التي زالت بكارتها فالإجماع على ان امرها بيدها، ومن افراد الثيب التي توفى عنها زوجها، ولكن هذه الآية ذكرتها بالخصوص لنفي الغضاضة ومنع الإعتراض على نكاحها وازاحة الحواجز النفسية المترشحة عن الزواج الأول.
التاسع : تعتبر الآية مدرسة في تهذيب النفوس واصلاح المجتمعات ونبذ العادات الجاهلية في حرمان المرأة من النكاح بعد موت زوجها تحت عناوين الإكرام للزوج والأسرة فهي دعوة صريحة للأقارب بترك المرأة تختار الزوج المناسب.
تفسير قوله تعالى [ بِالْمَعْرُوفِ ] ويحتمل وجوهاً :
الأولى : قيد ليخرج التصرف غير المناسب مثل ارادة الزواج من غير الكفوء او ما فيه الأضرار بالأسرة.
الثانية : تكرر ذكر هذا القيد لمنع حصول ما لا تحمد عاقبته بخصوص الإختيار وموضوعه.
الثالثة : هذا القيد تأديبي و يتضمن تحذيراً للمرأة من سوء الفعل والإختيار.
الرابعة : ظاهر الآية ومفهوم المخالفة تدخل الأولياء اذا قدمت المرأة على الزواج بغير الكفوء وما فيه مفسدة كالزواج ممن يؤذيها او يضرها في دينها وبدنها كالفاسق والتارك للفرائض.
الخامسة : هذا القيد يتضمن حجة على الأقارب والأولياء، فما دام عمل المرأة موافقاً للكتاب والسنة فليس لكم الإعتراض والعضل والمنع.
السادسة : لهذا القيد اثار شرعية مباركة متشعبة منها ما يشمل الأولياء والأقارب والزوجة ومنها ما يتعلق ببعضهم دون البعض الآخر، فما دام القرار بيد الزوجة فعليها ان تختار الكفئ وليس لغيرها المنع.
السابعة : يشمل الخطاب الذي يطلب النكاح برفع حواجز الحياء والعرف فلولا هذه الآية لأمتنع عن الزواج من امرأة الميت اخوه وصديقه مثلاً.
الثامنة : تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على اهلية المراة لإختيار الفعل المناسب وما فيه الصلاح.
التاسعة : هذا القيد وصف يفيد تقسيم الفعل الى قسمين :
الأول : اتيان المرأة لما فيه الصلاح والحسن الشرعي والعقلي
الثاني : فعل ما فيه الإضرار والأذى والمكروه، ولكن هذا القسم يخرج بالتخصص، فالمطلوب هو الإمتثال النوعي العام باجتناب منعها مما اذنت الشريعة لها به عند انقضاء العدة كما ان هذا القيد يدل في مفهومه على الإذن بالتدخل والحيلولة من اتيانها ما يخالف الكتاب والسنة من الأفعال.
العاشرة : قد يكون الفعل الذي تأتي به المرأة مركباً من الحسن والقبيح كما لو تزوجت بعد انقضاء العدة ولكنها اخذت ابنها الصغير معها الى بيت الزوجية الجديد، وبما يؤدي الى الإضرار به او ضياعه ومن غير ضرورة او حاجة، او انها جاءت بالزوج الجديد الى بيت زوجها السابق وخلافاً لقواعد الإرث واحكامه، فيتعلق موضوع الآية حينئذ بما هو معروف وفيه البر والصلاح دون الجانب الذي فيه اضرار والذي تشمله عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحكام الولاية والحسبة.
الحادية عشرة : ذكر ان معنى المعروف هو النكاح الحلال، كما ورد عن مجاهد ولكنه اعم، ومع شموله للجواز فانه يدل على الحث على الصالحات.
الثانية عشرة : من اعجاز الآية انها تأديب للمرأة فمع الإذن لها باختيار الزوج واستعمال الزينة فانها قيدته بالمعروف، ومن اهم مصاديق هذا القيد والتأديب اختيار الزوج الكفؤ.
الثالثة عشرة : تحذر الآية من حصول مصيبة جديدة عند الإذن لها بالتصرف بالملائم فقد تأتي بالمباح الذي تترشح عنه اضرار جانبية.
الرابعة عشرة : قد تكون المرأة بعد المصيبة حديثة عهد بالإستقلال بالتصرف والإختيار بل قد تؤثر المصيبة سلباً على سلوكها واختيارها فجاء قوله تعالى [ بِالْمَعْرُوفِ ] قيداً احترازياً، وتحذيراً وتنبيهاً لها بلزوم عدم الخروج عن احكام الشريعة وسننها.
الخامسة عشرة : تبين الآية قاعدة كلية وهي الرخصة المشروطة بالإلتزام بالأحكام الشرعية لتتجلى وجوه الولاية والعناية الإسلامية بالمرأة وتوجيهها في مسالك الخير والرفعة.
السادسة عشرة : تنفي الآية عن الشريعة الإسلامية الإفتراءات القائلة بانها لا تعطي المرأة حقوقها، وهذا القيد لا يتعارض مع حقها في الإختيار فهو نوع اكرام اضافي واعانة لها لتنظيم شؤونها وارادة الحال المناسب لشأنها.
السابعة عشرة : من وجوه قيد المعروف الإقتران بالمؤمن الذي يؤدي الفرائض ويحرص على المستحبات.
الثامنة عشرة : لو كان للمرأة اولاد صغار من الميت فهل قيد المعروف يشملهم، الجواب انه جاء حصراً بها لقوله تعالى [ فِي أَنفُسِهِنَّ ] الا انه لا يمنع من شموله لأحوال الصبية الصغار بحكم امومتها وحضانتها ووظائفها الأخلاقية.
التاسعة عشرة : من مضامين الآية نفي الإثم والأذى النوعي العام بسبب اختيار المرأة الزواج عند خروجها من العدة.
العشرون : كما تتعدد وجوه الخطاب في اول الآية كذلك يتجدد التعدد في هذا الشطر منها، فنفي الإثم والذنب والضرر منبسط على الجميع.
الحادية والعشرون : تحث الآية في مفهومها على عدم منع المرأة بعد خروجها من عدة الوفاة من اختيار الزواج.
الثانية والعشرون : الآية اعم من ان تنحصر بموضوع الزواج فتكون المرأة بعد العدة في معرض الخطبة والسؤال.
الثالثة والعشرون : تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على الإذن للمرأة باختيار ما يناسبها من الإقتران بزوج او تلقي طلب الزواج من المتحد والمتعدد ودراسة تلك الطلبات.
الرابعة والعشرون : تمنع الآية من حصول الفتنة عند انقطاع العدة واتخاذ المرأة ما يناسبها ويلائم احوالها ورغبتها في الزواج او عدمها.
الخامسة والعشرون : من الإعجاز في الآية ان الخطاب الى الأولياء والمسلمين كافة، فلو كان للمرأة وحدها ولا يتضمن الا اخبارها عن حقها في الزواج، فلربما غلبت على امرها في الجملة وفي كثير من الأمصار والأزمنة.
السادسة والعشرون : الآية عون على العمل باحكام الشريعة الإسلامية وهذا العون مركب، فتساعد الآية الرجال والمسلمين على التقيد بحقوق المرأة وعدم ظلمها، وتساهم في سعي المرأة لنيل حقوقها التي ضمنتها لها الشريعة بعد التزامها باحكام وسنن العدة من اجتناب الزواج والزينة والكحل ونحوه.
السابعة والعشرون : الآية نهي عن العصبية والحمية الجاهلية والغيرة الخارجة عن الدين.
الثامنة والعشرون : ترفع الآية الحياء الزائد عند المرأة المتوفي عنها زوجها.
التاسعة والعشرون : تضع الآية عرفاً اسلامياً في هذا الموضوع وما يترتب على مصيبة الموت من اذى واسف.
الثلاثون : الآية حرز للمرأة وتحصين لها من الأقاويل والذم الإجتماعي العام ان اختارت الزواج بعد العدة، اذ ان العرف العام مختلف ومتباين، فقد يكون في مجتمعات معينة زواج المرأة بعد وفاة زوجها بسنة كاملة امراً معيباً، ولابد ان المدة تكون اكبر في الأسر ذات الشأن والمنزلة الإجتماعية والدينية، وهذا العرف يتنامى ويتزايد مع مرور الأيام ويكون عنوان الفخر والإعتزاز بالمرأة التي تصبر ولا تتزوج بعد وفاة زوجها، ويتوجه اللوم الشديد الىاللائي يخترن الزواج.
الحادية والثلاثون : جاءت الآية لمنع مثل هذا العرف ووضعت له حداً وهذا من اهم وجوه الإعجاز الإجتماعي والأخلاقي والتربوي في الآية الكريمة، فهي مدرسة مستقلة في الإصلاح ومنع تفشي الفساد.
الثانية والثلاثون : تبين الآية تفضله تعالى على المرأة بوضع الحلول المناسبة لمعالجة احوالها المختلفة وتمنع من حرمانها من الزواج وما فيه من الألفة والسكينة والحنان والعيش الكريم.
الثالثة والثلاثون : الآية حجة على المرأة للزوم الحصانة الأخلاقية والتعفف واجتناب الفواحش.
الرابعة والثلاثون : تمنع الآية من السطو على حق المرأة بالإرث من الزوج بسبب الزواج بعد موته، سواء كانت حصتها الثمن مع الولد للميت، او الربع مع عدمه، او الإشتراك مع غيرها في الثمن مع التعدد في الزوجات.
الخامسة والثلاثون : ترفع الآية الحرج على المرأة وذويها واولادها عند ارادتها الزواج.
السادسة والثلاثون : تجعل الآية الإختيار للمرأة، فقد يكون مفهومها عدم استحباب حثها على الزواج عند انقضاء العدة بل انه امر متروك لها، فالآية تخبر عن حقها في الزواج وتبين التنزه الإيجابي للآخرين عن موضوع زواجها.
السابعة والثلاثون : اطلاق يد المرأة فيما يخصها ضمن القيد الوارد في الآية.
الثامنة والثلاثون : قيد [ بِالْمَعْرُوفِ ] عنوان جامع تلتقي فيه عدة وجوه فهو من الكلي المشكك الذي يجمع مراتب متعددة بحسب الحال والشأن والعرف بل قد يكون من المتضادات اذ انه يختلف من امرأة الى اخرى ومن بلد الى آخر، فقد يكون اختيارها الأحسن والأنسب لشأنها وحالها هو عدم الزواج وسواء على نحو مستديم او على نحو مؤقت لحين الفرصة الحميدة او الى ان يكبر الصغار.
التاسعة والثلاثون : هل يعتبر العمل ومزاولة التجارة او الإلتحاق بالوظيفة من عمومات الآية؟ الأقوى: نعم، ففيه ما هو حسن وما هو قبيح وان كان ظاهرها في الزواج الجديد اذ ان المرأة كلها عورة ولابد من الحرص على سترها وسمعتها، وقد تتفق الحاجة مع فقد الزوج وموته وتفكر المرأة بالإلتجاء الى ميدان الأعمال وهو واسع ويتضمن المتضادات.
فمن العمل ما يكون نافعاً ولا يتعارض مع القيم المتعارفة، ومنه ما يؤدي الى ترك المنزل لساعات من النهار وربما من الليل والإختلاط بالرجال كما هو الحال في هذا الزمان وما قد يسببه هذا النوع من العمل من المتاعب والمضاعفات وصيغ الإبتلاء، او انه يحول دون اداء الوظائف الشرعية واداء الفرائض بحسب قواعد الأداء، فجاءت الآية لتعاهد حال المرأة واصلاحها وعدم تركها طعمة.
الأربعون : تعتبر الآية مدرســة مستقلة في التكافل الإجتماعي الإسلامي، أي ان التكافــل في الإســلام لا ينحصر بالإعانة المادية وحــدها بل يشمل التوجيه والإرشاد والتوقي من المزالق، والمساعدة على اجتناب المهالك واسباب الوقوع في الهاوية.
الحادية والأربعون : تتعلق الآية بوجوه المعروف في حال الفرج والحزن والرخاء والشــدة، فموت التتزوج باعث على الحزن والأسى والألم، ولكن الزواج بعد انقضاء العدة مناســـبة للفرج، وغير الــزواج مما يتعقب العدة يحتمــل فيه اســباب الفـــرح والحتزن معاً فلذا جاء القيد لمنـــع الإندفاع في غير مرضــاة الله او اللجـــوء الى بعض الصيغ غير الشــرعية عنــد الحاجة والحــرج والطمع والشره.
تفسير قوله تعالى [ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ] وفيه وجوه :
الأول : الخطاب في الآية عام ويشمل النساء مطلقاً أي اللائي توفى ازواجهن سواء كن في العدة او خرجن منها، وغيرهن ممن كانت ذات بعل او خلية.
الثاني : صيغة الخطاب شاملة لوجوه الوعد والوعيد وتعتبر آية اعجازية في القرآن، أي انها من الخطاب المركب الذي ينحل الى وجوه متعددة مثلما انه يتوجه الى المتباين من جهة الحيثية والفعل.
الثالث : في الآية وعد بالثواب لمن يحسن التصرف ويكرم المرأة ويقيض لها اسباب تمتعها بما اذنت لها الشريعة به، واختيار الحالة الزوجية المناسبة لها عند فقد الزوج وانقطاع عصمة الزوجية بموته.
الرابع : خاتمة الآية اعجاز يبين ان احكام هذه الآية وما فيها من القيود حاجة عقائدية للمسلمين وفيه اصلاح لشأنهم.
الخامس : ظاهر الآية انها تتعلق بعدة المتوفى عنها زوجها ولكن موضوعها اعم ويشمل تنظيم شؤون الإسرة المسلمة والتربية الأخلاقية للمجتمعات الأسلامية ومنع انتشار الفحشاء.
السادس : في الآية حث على التقيد باحكامها وبآداب الإسلام مطلقاً لما تتضمنه من التذكير والتحذير والدعوة الى الإلتزام بما ورد فيها من احكام.
السابع : الآية دليل على حفظ القرآن وتعاهده للأحكام الواردة فيه، وتلك خصوصية ينفرد بها القرآن لما يبعثه في النفس من الترغيب والترهيب، بالإضافة الى سلامة الحكم وانكشاف صحته وظهور منافعه وتجلي بركاته، أي ان صيغ حفظ القرآن لذاته واحكامه لا تتعلق بالترغيب والترهيب مجردين او لخصوصيتهما واهميتهما في عالم الآخرة.
الثامن : من اسمائه تعالى [ الخَبِيرٌ ] فهو سبحانه العليم بما كان وما يكون أي يعلم الأمور والوقائع على حقائقها، والمراد في الآية انه تعالى يعلم احوال الناس وطبائعهم والكيفية النفسانية للزوجة عند موت الزوج، فجاءت الآية لمنع التداعي في القيم والأعراف ولتكون منهاجاً اخلاقياً واجتماعياً هادفاً.
العاشر : المعاني المتعددة لخاتمة الآية تستلزم منا الشكر له سبحانه لتفضله بوضع الأحكام والآداب والشروط والضوابط الشرعية للوقائع الشخصية وكيفية التصرف اثناءها وبيان الحقوق والواجبات لكل منا بحسب وظيفته ومقامه وحاله من غير فرق بين الرجل والمرأة، وحال الرخاء والشدة، والفرح والمصيبة.
الحادي عشر : قال الطبرسي: وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى [ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ]( ) وان كانت متقدمة في التلاوة عليها( ).
ولا تصل النوبة الى النسخ لإمكان الجمع بين الآيتين بل ان الجمع بينهما آية اعجازية في الشريعة الإسلامية كما سيأتي بيانه بعد تفسير ست آيات، نعم ورد في خبر ابي بصير عن الإمام الباقر عليه السلام قال: سألته عن قوله تعالى [ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ] قال: منسوخة نسختها [ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ] ونسختها آية الميراث( ).

بحث روائي
في صحيحة ابي بصير قال: “سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المرأة يتوفى عنها زوجها وتكون في عدتها اتخرج في حق؟ قال: ان بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألته فقالت: ان فلانة توفى عنها زوجها فتخرج في حق ينوبها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اف لكن قد كنتن قبل ان ابعث فيكن وان المرأة منكن اذا توفى عنها زوجها اخذت بعرة فرمت بها خلف ظهرها ثم قالت لا امتشط ولا اكتحل ولا اختضب حولاً كاملاً، وانما امرتكن باربعة اشهر وعشراً ثم لا تصبرن ولا تمتشط ولا تكتحل ولا تختضب ولا تخرج من بيتها نهار او لا تبيت عن بيتها، فقالت: يا رسول الله فكيف تصنع ان عرض لها حق؟ فقال تخرج بعد زوال الشمس وترجع عند المساء فتكون لم تبت عن بيتها، قلت له: فتحج؟ قال: نعم”( ).
وعن محمد بن سليمان، عن الإمام الجواد عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك كيف صارت عدة المطلقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر، وصارت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ؟ فقال: أما عدة المطلقة ثلاثة قروء فلاستبراء الرحم من الولد، وأما عدة المتوفى عنها زوجها فان الله تعالى شرط للنساء شرطا، وشرط عليهن شرطا فلم يجابهن فيما شرط لهن ولم يجر فيما اشترط عليهن، أما ما شرط لهن في الايلاء أربعة أشهر إذ يقول الله عز وجل: ” للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ” فلم يجوز لاحد أكثر من أربعة أشهر في الايلاء لعلمه تبارك اسمه أنه غاية صبر المرأة عن الرجل، وأما ما شرط عليهن فانه أمرها أن تعتد إذا مات زوجها أربعة أشهر وعشرا فأخذ منها له عند موته ما أخذ لها منه في حياته عند الايلاء، قال الله عز وجل: ” يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ” ولم يذكر العشرة الايام في العدة إلا مع الاربعة أشهر وعلم أن غاية المرأة الاربعة أشهر في ترك الجماع، فمن ثم أوجبه عليها ولها( ).


قوله تعالى [وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ] الآية 235.

الإعراب واللغة
ولا جناح عليكم: الواو استئنافية، ويجوز ان تكون عاطفة، او اكننتم: او: حرف عطف، وفعل فاعل.
لكن: مخففة مهملة، لا: ناهية، تواعــدوهن: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، الهاء: مفعول به اول، سراً: حال او مفعول مطلق أي مواعدة سراً ويجوز ان يعرب مفعولاً به ثانياً على القول بارادة معنى الجماع.
الا ان تقولوا قولاً معروفاً: الا: اداة استثناء، ان: مصدرية، تقولوا: فعل مضارع منصوب بان.
ولا تعزموا عقدة النكاح: الواو: حرف عطف، لا: ناهية، تعزموا: فعل مضارع مجزوم بلا، عقدة النكاح: منصوب بنزع الخافض أي على عقدة النكاح.
فاحذروه: الفاء فصيحة أي: اذا علمتم ذلك فاحذروه،
واعلموا: الواو عاطفة، اعلموا: فعل امر مبني على حذف النون، الواو: فاعل.
إن الله غفور رحيم: ان واسمها وخبراها.
يقال: اكننت الشيء: اذا سترته وصنته وحرصت على اخفائه.
بحث بلاغي
التعريض: هو الإيماء والتلويح والإشارة وهو خلاف التصريح لخلوه من بيان معنى اللفظ وظـهوره، وبين الكناية والتعريض عموم وخصوص مطلق فكل تعريض هو كناية وليس العكس، وقيل ان التعريض غير الكناية، فالكناية لغة التلفظ بكلام يفيد معنى وضع له اللفظ ولكن المتكلم يريد غيره وهي مصدر كنيت اوكنوت بكذا: اذا تركت التصريح به.
وفي الإصطلاح هو لفظ اريد به غير معناه الذي وضع له او المتعارف استعماله فيه سواء كان حقيقة او مجازاً مع الإنعدام الظاهري للقرينة الصارفة عن معناه الأصلي الذي وضع له او المعنى المجازي الذي نقل له وشـاع اسـتعماله فيه، اذ اننا نضــيف للتعريف ذكر المـجاز باعتبار ان المجاز يختلف عن المعنى الأصلي من جهة الوضع، فاللفظ لم يوضع للمعنى المجازي.
ومن الكناية ما هي قريبة أي يكون الإنتقال فيها الى المطلوب بغير واسطة بين المعنى المنتقل عنه، والمعنى المنتقل اليه.
ومنها ما هي كناية بعيدة، وهي التي يكون الإنتقال فيها الى المطلوب بواسطة او بوسائط كما في نعت السارق بانه “طويل اليد” فينتقل من طول اليد الى امكان التعدي معها ثم الى السرقة ووظيفة اليد فيها وتطاولها الى ملك الغير.
والتعريض هو اطلاق الكلام مع ارادة معنى آخر يفهم من السياق ومناسبة الحال والمقال كقراءتك لقوله تعالى [ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ]( ) تذكيراً للجائر والقاهر والظالم.
والخطبة ضرب من التأليف والكلام الموجه بقصد التبليغ والإخبار، والخطبة- بالضم – تختص بالموعظة والكلام ويتعدى الفعل بنفســه فيقال: خطبنا رسول الله، والخطبة – بكسر الخاء – خطبة الرجل للمرأة بقصد الزواج، والعزم ارادة جازمة لإتيان الفعل بعد التردد فيه، وقد يحصل ابتداء، وفيه توطين للنفس على الفعل.
في سياق الآيات
بعد بيان احكام الطلاق، وحال المتوفى عنها زوجها وكيفية التصرف ازاءها جاءت هذه الآية لتبين جانباً آخر في ذات الموضوع يتعلق بمقدمات خطبة المرأة والتلميح لها اثناء العدة والأوامر والنواهي المتعلقة بهذا الباب.
إعجاز الآية
في الآية تنظيم اجتماعي وارتقاء اخلاقي وانضباط عرفي في الواقع اليومي، وتخلل الفرح والتخطيط الهادف في حال المصيبة وشدة الحزن من غير تعارض بينهما.
الآية سلاح
الآية تأديب للمسلمين وتوجيه شرعي لأعمالهم وفيها منع للفتنة سواء بما يدل عليه مفهوم الآية من النهي عن التعدي او في الإذن في التعريض.
مفهوم الآية
تعتبر خطبة النساء من مقدمات الزواج وهي ليس عقداً او ايقاعاً بل سؤالاً وطلباً فلا يترتب عليها اثر شرعي، انما الأثر على عقد النكاح بعد حصول رضا الطرفين فقد يخطب الإنسان ولكن شدة الشروط تجعله يرجع عن خطبته، او بالعكس يقوم بالخطبة وسؤال الزواج ولكنه لم يعرض من المهر ما ترضى به الزوجـة، ومع هذا فان الآية الكريمة تتعرض لموضوع الخطبة وخصوص مقدماتها والإشارة اليها، وصيغ الكناية والتعريض التي تدل عليها لنفي الحــرج ولإكترام المرأة ومواساتها والمنع من الإضرار بها او اجحافها حقها او تضييع الفرص عليها.
انها مدرسة القرآن التي تتناول التفاصيل والأحكام الفرعية لتثبيت القواعد الكلية والمنع من انهيار القيم والمعارف والأخلاق الحميدة.
وصحيح ان سياق الآيات يتعلق باللائي يتوفى عنهن ازواجهن الا ان لغة الآية جاءت بصيغة الإطلاق [ ِ النِّسَاءِ] ولا يكفي المعنى السياقي لتقييد هذا الإطلاق، خصوصاً وان موضوع الخطبة عنوان يتغشى جنس النساء.
ويمكن ان يكون لقوله تعالى [ وَلاَ جُنَاحَ ] معنيان متغايران بالمفهوم، فالأول هو الذي عليه ظاهر الآية وعلم التفسير وهو نفي الإثم والحرج.
اما الآخر فهو الحث على خطبة النساء وفق الشرع والعقل، او المبادرة وجعلها موضوعاً متعارفاً سواء حصل الزواج ام لم يحصل، ولكن بشرط عدم هتك المرأة او ايذائها او المساس بسمعتها واهلها، فنفي الجناح هنا يفيد استحباب الخطبة كمقدمة لما هو مستحب بالأصل، وهذا المعنى لنفي الجناح ورد في قوله تعالى [ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا]( ) فقد يتردد الإنسان بخطبة امرأة ويخشى انها لا توافق بسبب وضاعة نسبه او رداءة صنعته وعدم حسن صورته، او لعلو شأنها وحسبها او لجمالها ومالها وما تطلبه من المهر.
فجاءت الآية لتحث المؤمنين على الخطبة وان مدار الكفاءة على الإيمان وان الله عز وجل يهدي القلوب ويجمع التفرق، ويفرق المجتمع بما ينفع الناس في دنياهم وآخرتهم، وبذا تتجلى لنا معان في منطوق الآية ومفهومها اكثر اهمية، فالآية دعوة للمؤمنين للمبادرة الى الخطبة وعدم التردد والشك والخشية من الإحباط والصد، وكم من امرأة يخشى الناس خطبتها لتوقع ردها للخطبة ولكنها تنتظر بفارغ الصبر من يقدم عليها من هؤلاء، وتستغرب اعراضهم عنها، وكم من انسان خطب امرأة او شجعه الآخرون على خطبتها وهو شبه آيس من رضاها ويعتبره من الممتنع بالذات او بالعرض، ولكنه يفاجئ بالرضا والقبول.
كما ان الملاك في القضية النوعية وليس الشخصية بمعنى ان التلكأ والإبطاء والفتور في خطبة النساء يضر الإسلام عقيدة وكياناً واحكاماً وفرائض، فجاءت هذه الآية لتمنع حصول هذا الضرر والتقصير، وتحث على مقدمات الواجب الإجتماعية والأخلاقية والإنسانية، وهذا من حفظه تعالى للقرآن بان يقيض له جنوداً وحملة مع تعاهده سبحانه للمسلمين في حياتهم اليومية وتهيئة اسباب الإستقرار والأمن والعز والسعادة والود خصوصاً وان الزواج باب لنزول الرحمة، ونشر المودة، وهذه المودة اعم من ان تنحصر بين الزوجين بل تشمل الأهل والأقارب.
فالآية مدرسة في الإصلاح والإنصاف والإنفتاح الإجتماعي وفيها تحريض وعناية بمسألةالزواج ابتداء من المقدمات البعيدة والقريبة والنية والخطور في القلب والسؤال والإختبار والإستبيان وكشف الأمر، وقد تكون هناك مطالب عند الزوج او الزوجة ولكن عرضها واعلانها يساهم في تبديدها واسقاطها واهمالها.
ومن مفاهيم الآية انها تحث على التفكير بالزواج والمرأة الصالحة والمناسبة للإقتران سواء على نحو استعراض الصفات الملائمة اللازم توفرها في الزوجة، او في ذكر مرأة مخصوصة وصفاتها.
ومما هو متســـالم في الشـــريعة عدم المؤاخــذة على ما يخـطر في البال، فلماذا جاءت الآية بذكره على نحو الخصوص [ ِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ] فيه وجوه:
أولاً : نفي الحرج عن التفكير بالنساء من جهة اختيار الزوجة.
ثانياً : الإخبار عن جواز التأمل والتدبر في اهلية امرأة معينة للإختيار كزوجة.
ثالثاً : تنمية الحس والإندفاع نحو الزواج اذ ان الوجود الذهني استحضار للأمر ومناسبة للسعي.
رابعاً : اعطاء صبغة الجواز والمشروعية لمثل هذا التفكير والتدبر والأخبار بان استحضار امرأة في الذهن لأغراض الزواج وتصور اوصافها وملائمتها ليس بحرام.
خامساً : نية واخطار الزواج من امرأة مخصوصة قد يجعل الإنسان يتوصل الى نتيجة وهي عدم اهليتها وملائمتها لحاله وشأنه ومزاجه، فيصرف النظر عن خطبتها بهذا الإخطار وما يتفرع عنه، فيوفر على نفسه وغيره المتاعب والأذى والإفتتان.
وتخبر الآية عن علمه تعالى بخفايا الأمور وخلجات النفس وما يخطر على القلب، وتبين ان ذكر الأمر المهم على البال يؤدي الى ظهوره على اللسان والجوارح، فجاءت الآية لتوجيه الآثار العملية لهذا الذكر وتوظيفه في مرضاة الله وبما ينفع الذات والغير بالقول المعروف وارادة النكاح والإصلاح والعزم على الإلتزام بالسنن، والضمير في (لا تواعدوهن) اعم من ان ينحصر بالمتوفى عنها زوجها فقد يشمل النساء مطلقاً فان المواعدة قد تفّوت على المرأة النكاح من الغير خصوصاً وان الوعد اعم من العهد ولا يدل على التنجز في الخارج.
وتساهم الآية في تهذيب النفوس وتنقية الأخلاق وعدم التعدي في السؤال، وتحث على اكرام المرأة عند ارادة الزواج منها والتقيد باحكام الشريعة في التعامل معها ابتداء واستدامة، كما ان القول الحسن والسؤال بلفظ وود وبصيغة التقوى يســاهم في نشر الرحمة وتلقي الأمر، والجواب بود ولعله من افاضات قوله تعالى [ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ]( ) لتشمل عموماتها مقدمات الزواج واسبابه، أي ان الآية لها استصحاب قهقري فالتفكير بالزواج وخطبة المرأة وتبادل الرأي فيه وتلقي الشروط امور تتغشاها الرحمة وتجري بمفاهيم المودة، وهو امر ظاهر بالوجدان وصيغ الإكرام والإحترام والتهذيب عند حصول الخطبة.
ليتجلى لنا اعجاز قرآني وهو التقدم الموضوعي لمنافع الآيات وعدم حصرها بذات الموضوع وزمانه، بالإضــافة الى ظهتورها في الحال المتأخرة وبعد التلبس بموضوع الآية وهو في المقام حالات الطلاق والإفتراق، واثر وبركة الآية وبقاء الرحمة والود بين الزوجين في حال الطلاق ليظهر في كيفية الإفتراق وعدم الإضراربالمرأة كما يظهر باحكام الرضاع واجرته.
والنهي عن المواعدة سراً من مصاديق قاعدة لا ضرر ولا ضرار من وجوه:
الأول : في المواعدة سراً غضاضة ومنقصة على الزوجة والأهل
الثاني : ان النكاح حق مشروع وسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهو امر مبارك فلماذا هذه المواعدة الخفية.
الثالث : احتمال وجود اذى على المرأة بتفاصــيل وحيثيات هــذه المواعدة فلو كـــانت علنية لأمكـن معرفـــة عيوبها وملاحظتهـــا من قبل الأهل والأحباء، وفي عدة المتوفى عنها زوجها لا تجوز تلك المواعدة.
الرابع : المواعدة ســـراً اقرب لعدم الوفاء لسهولة تخلي الإنسان وتجرده عنها.
الخامس : في الإخبار عن لزوم تنزيه مقام المرأة عن المواعدة سراً، فالرجل يحتاج المرأة للزواج والإنجاب واحراز النصف الثاني من دينه، فعليه ان يسألها بما فيه عزها واكرامها.
السادس : من اضرار المواعدة سراً الرضا بشروط غير مناسبة وعدم وجود ضمان لتنفيذ تفاصيل المواعدة لأنها جاءت بالسر والخفاء.
السابع : النهـــي عن مواعــدة المرأة المتوفى عنها زوجها ســراً وعلانيــة والوعد بالزواج منها لحرمته، وعليه النص كما سيأتي في تفسير الآية.
الثامن : المنع من المواعدة سراً نوع اكرام للمرأة وصيانة لشأنها حسب الشرع والعرف والموازين الاجتماعية، وزجر عن مصادرة حقوقها، والتدليس عليها، واخفاء العيوب وحقائق الأمور عنها، وحائل دون المشاورة والتدبر والتأمل في مواضيع تلك المواعدة، والقول المعروف سور اخلاقي عام يساعد في تيسير الأمور، والإهتداء لما هو اقوم، ومقدمة مباركة للزواج والإصلاح، وتتضمن الآية الأحكام العامة والخاصة في موضوع خطبة المرأة وكيفيتها والبديل عنها والإكتفاء بالتلميح والكناية والتعريض في موضوع خطبة المتوفى عنها زوجها، ومن الأحكام الخاصة عدم اجراء صيغة النكاح الا بعد انقضاء العدة، لبيان عدم انحصار الحرمة بالوطئ بل تشمل العقد والتوكيد على اهميته وموضوعية فهو نكاح شرعاً والوطئ فرعه وثمرته، وخاتمة الآية تحذير من التعدي على الحرمات وايذاء المرأة والإضرار بها.
التفسير
تفسير قوله تعالى [ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ] وفيه وجوه :
الأول : بدأت الآية الكريمة بنفي الإثم وهو نوع لطف الهي ومناسبة للتطلع بشوق الى مضمون الآية الخالي من الإثم والحرج وما ينعدم معه ترتب العقوبة والأذى ونفي الجناح يحمل على معنى ايجابي آخر كما تقدم في مفهوم الآية.
الثاني : الخطاب في الآية موجه الى:
أولاً : الرجال في سعيهم لخطبة المرأة وسؤال الزواج منها.
ثانياً : لأهل المرأة بالتلميح لها اثناء عدة الوفاة بالزواج وعدم البقاء على حال العزوبة.
ثالثاً : لأهل الحل والعقد والمحسنين واهل الإصلاح الذين يسعون في تعاهد النظام الأخلاقي والمعاشي في المجتمع.
رابعاً : لأهل الرجل الذي يروم الزواج وارحامه كأمه واخواته ونحوهن ممن تستطيع الوصول الى المرأة اثناء عدتها وتتبادل معها اطراف الحديث، فتلمح لها وتوجه كلامها بنحو تفهم منه المرأة مقاصدها، كما لو تقوم بمدح الخاطب وذكر صفاته الحميدة وانه يروم الزواج وانهم يبحثون له عن زوجة.
الاقوى توجه الخطاب للأول بالإصالة وشموله للوجوه الأخرى سواء كفروع وواسطة للأول، او بعناوينها المستقلة.
الثالث : موضوع هذه الآية يخرج بالتخصيص مما ورد في الآية السابقة من احكام عدة الوفاة وعدم جواز الزواج اثناءها وما يقترن بها من الحداد، فلولا هذه الآية لأفتى العلماء او شطر منهم بحرمة التلميح للمرأة بخطبتها اثناء العدة ولأستدل عليه بالأولوية ومفهوم الموافقة فاذا كان التزين والخروج من المنزل عليها حرماً، فمن باب اولى ان يكون التعريض بالخطبة ايضاً حراماً.
ولأن الله عز وجل اذا حرم شيئاً حرم مقدمته وان كان أثر هذه المقدمة وما يترتب عليها يتعلق بايام ما بعد العدة، كالتعريض بخطبة المحرمة ايام الحج واجراء العقد بعد الحل من الإحرام.
الرابع : كما ان القرآن جاء بوصف المرأة بصفة الزوجية في اول خلقها قال تعالى [ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ]( ) وترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم، وفي هذه الآية يتجلى اللطف الإلهي في تهيئة وتوطئة اتصــال واســتمرار الزوجيــة بالنسبة للمرأة، واللطف هو ما يقرب الى الطاعة ويبعد عن المعصية من غير ان يصل الى حد الإلجاء.
الخامس : تبين الآية شطراً من آداب خطبة النساء، فمثلاً ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه”، ويحمل النهي فيه على الكراهة لعمومات الجواز بالنسبة للمرأة الخالية من الزوج او التي خرجت من عدتها.
السادس : جاءت الآية استثناء ورحمة وبياناً ومنعاً للحرج.
السابع : الآية استثناء كريم وتخفيف يدل على اعجاز تشريعي لما فيها من علاج للنفوس والقنوط.
الثامن : في الآية رحمة بالمرأة في حال المصيبة والمحنة وطرد للإرباك وشبح العزوبة ووحشة العزلة والخلو من الزوج في مستقبل الأيام لما فيها من التطمين والسكينة في مدة العدة.
التاسع : منطوق الآية يتعلق بالرجال اما مفهومها فيشمل:
أولاً : النساء اللائي يتوفى ازواجهن.
ثانياً : النساء مطلقاً.
ثالثاً : العازبات اللائي في معرض الخطبة وسؤال الزواج.
رابعاً : اهل الميت وذويه.
خامساً : الأبناء سواء ابناء الميت من زوجات شتى او ابناء المرأة من الميت نفسه او من غيره.
سادساً : اولياء المرأة واهلها.
سابعاً : الحكام المسلمين واهل الحل والعقد.
ثامناً : الذين يتولون سن القوانين الوضعية والضوابط الشرعية التفصيلية ومصادر الفتوى.
تاسعاً : العرف الإجتماعي العام، اذ ان الآية الكريمة تمنع من التعرض للمرأة بالخطبة وهي في الأيام الأولى لمصيبتها.
عاشراً : عموم النسوة وعدم ذم المرأة التي تتلقى مثل هذا التعريض وتفهم المقصود منه ولا تردع قائله.
العاشر : ترفع الآية الحرج عن اخوة الميت واقاربه في التعريض مدة العدة بالزواج منها.
الحادي عشر : تترشح عن الآية عناية اضافية بالمرأة مع فقدها لزوجها لأنها في معرض الخطبة والزواج.
الثاني عشر : نحن بحاجة الى استظهار المسائل الأخلاقية في هذه الآية ومنافعها على المرأة وعلى المجتمع وعلى اولاد الميت خصوصاً القاصرين منهم.
الثالث عشر : ان التعريض مناسبة كريمة ومقدمة مأذون بها شرعاً قبل انقضاء العدة وخروج المرأة منها.
الرابع عشر : الآية برزخ دون الغبن وتمنع من الجهالة والغرر فقد ترضى المرأة بعرض من غير كفئ يأتيها حال انقضاء العدة وهي متعجلة من امرها او في حالة يأس او ارباك او انها تحت وطأة الضيق والمشاكل والإبتلاء.
الخامس عشر : الآية حث للزوجة على طاعة زوجها واداء واجبات الزوجية والتقيد بالأخلاق الحميدة والسجايا الحسنة ما دام زوجها حياً، فالثناء على الزوجة في حياة زوجها يجعلها موضع رغبة الأزواج في حال تعرضه للموت وبذا تكون للآية منافع عديدة متقدمة على اوانها وموضوعها كما في حال الإستصحاب القهقري الذي لا نقول به في علم الأصول، ولكن تراه ممكناً وفق قواعد القرآن الإعجازية ولو من جهة الكمالات النفسية.
السادس عشر : التعريض بخطبة المرأة اعم من حصولها او وقوع النكاح فلا يعدو ان يكون مقدمة وعرضاً وعزماً على سؤال النكاح لا تترتب عليه آثار شرعية تتعارض مع احكام العدة، فجاءت الآية بالرخصة فيه مع تقييدها باحكام العدة.
السابع عشر : تجعل الآية للمرأة متسعاً من الوقت للإختيار والتأمل قبل انقضاء العدة.
الثامن عشر : تفتح الآية الباب امام الرجال للتفكير بالنكاح من المرأة التي توفى زوجها قبل انقضاء العدة وتتيح لهم اسباب الإختيار او عدمه، ومثلما تنفع الآية المرأة وتحول دون الإرباك والتعجل بالإختيار فانها تنفع الرجال ايضاً لدراسة الحال والشأن ومعرفة مناسبة النكاح منها اولاً.
التاسع عشر : تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على الترغيب بالنكاح من المرأة المتوفي عنها زوجها ونفي البأس عنه.
العشرون : تعتبر الآية سبباً مباركاً لحصول التنافس والتسابق في ابداء الرغبة بالنكاح من المرأة المتوفى عنها زوجها.
الحادي والعشرون : الآية مواساة فعلية وعملية للمرأة بالتعريض بالنكاح منها.
الثاني والعشرون : ليس كل امرأة ترغب بالنكاح بعد وفاة زوجها ولو على نحو السالبة الجزئية، فشطر من النساء تراهن يعزبن عن التفكير بالرجال والنكاح في الأشهر المتعقبة للعدة.
الثالث والعشرون : التعريض اعم من اظهار الرغبة فهو عنوان شامل وحد ادنى تلتقي فيه غالب النساء حتى اللائي لا يردن النكاح لأنه مجرد كناية واشارة وتلميح.
الرابع والعشرون : الآية تأديب للرجال ورادع قرآني عن التعدي على حرمات الميت واسرته بعدم اظهار الرغبة في النكاح منها فيمكن ان تقول ان عمومات قوله عليه السلام: “حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً” تصلح تفسيراً لهذه الآية الكريمة وان مدة عدة الزوجة من مصاديق هذه الحرمة.
الخامس والعشرون : الآية اكرام للمرأة واعزاز لها اثناء العدة، فان اعتبارها وشأنها لا يضمحل مدة العدة مع عدم حقها بالزواج اثناء العدة.
السادس والعشرون : تعتبر الآية فرصة كريمة لأخوة الميت وذويه ممن يرغب بالنكاح من امرأته سواء لأسباب شخصية او لأهليتها للإقتران او حرصاً على اولاد الميت وتعاهد تربيتهم او لمنع تشتت الثروة والتركة.
السابع والعشرون : تدل الآية بالدلالة التضمنية على امكان اتصال الرجال بالمرأة اثناء عدتها ولو بالواسطة، مما يهيء القواعد والأصول لإستنباط احكام شرعية تتعلق بالعدة وتساهم في مشاركة المرأة في المحافل الإجتماعية اثناء العدة عند الضرورة ونحوها، والا فكيف تأذن الآية للرجال بالتعريض بخطبة النساء والقول بالمعروف.
الثامن والعشرون : تنفي الآية الأقاويل والأباطيل بان الإسلام لا يعطي المرأة حقوقها، وتبعث الرغبة عند الرجال للتعريض بخطبتها وهو موضوع فيه عز واعتبار لها.
التاسع والعشرون : تدعو الآية بالدلالة الإلتزامية المرأة الى المحافظة على آداب واحكام العدة باجتناب تلقي التصريح بالخطبة وسؤالها.
الثلاثون : قد يأتي التعريض على نحو القضية المهملة ومن غير المخاطب، كما لو اشارت احدى النساء او احد الآباء بالزواج من المعتدة بدعــوة عامــة الى اولادها لما تتصـف به المعتدة من صفات حميدة.
الحادي والثلاثون : تهيء الآية للمرأة عدة خيارات تستقبل بها ما بعد العدة مع حقها في الإمتناع عن النكاح او تأجيل البت بالموافقة وتعيين القبول.
الثاني والثلاثون : الآية مصداق لعموم إنطباق صفة الزوجة على المرأة فحتى في ايام عدة الوفاة وهي اشق حالات العدة تكون المرأة مستعدة لتلقي طلب النكاح ولكن بالتعريض والتلميح.
الثالث والثلاثون : تظهر الآية صيغ الإعجاز في الشريعة الإسلامية بالتفكيك بين التلميح بالخطبة والخطبة ذاتها وتحقق النكاح.
الرابع والثلاثون : لا ينحصر موضوع الآية بالتوجه الى المرأة بالخطبة بل يشمل التشاور في المسألة وعرضها على الأهل سواء وصل الأمر الى المرأة او لا، وهذا القول تتفرع عنه عدة وجوه، فقد يصدر من:
الأول : اهل الزوج الميت.
الثاني : اهل الزوجة.
الثالث : طالب النكاح نفسه.
الرابع : اهل طالب النكاح.
ومثل هذه الوجوه الأربعة تتعلق بالمعارف والأصدقاء، وهنا يحمل العرض معنى آخر وهو طرح الموضوع للإستشارة والإستفهام وان كان في ايام العدة.
الخامس والثلاثون : ظاهر الآية عدم الإنحصار بالمعتدة عدة الوفاة، بل يشمل كل امرأة خلية غير متزوجة لاسيما وان (الواو) في البداية واو استئنافية على الأرجح، وعلى هذا يكون معنى [ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ] غير المتعارف في كتب التفسير، وعموم الحكم امر ممكن وظاهر واطلاق الآية لا يمنعه، نعم هو خلاف الدلالة السياقية للآية الكريمة ولكن لا حجة لهذه الدلالة خصوصاً اذا تعارضت مع الظاهر والأطلاق الذي لم يثبت تقييده او تخصيصه.
السادس والثلاثون : وعلى هذا المعنى يكون البحث عن زوجة، والسؤال عن اوصاف امرأة معينة، او عمن تنطبق عليها اوصاف خاصة مرتسمة في ذهن المخاطب من عمومات هذه الآية، ان رواج السؤال عن المرأة لغرض الزواج وتعدده من غير ريبة وغيبة وافتراء امر يساهم في السمو الأخلاقي في المجتمع فالمرأة واهلها متى ما علموا بالسؤال عنها لغرض الزواج فانهم يستعدون له بالإحتراز والستر، وكذا يتجنبون الإساءة والفحشاء لما فيها من التأثير سلباً على الحصيلة الإجمالية التي يستنتجها الخاطب واهله.
السابع والثلاثون : ذكرت في الآية اقوال:
الأولى : التعريض هو ان يقول الرجل للمعتدة اني اريد النكاح واني احب المرأة من صفتها كذا وكذا فيذكر بعض الصفات التي هي عليها، عن ابن عباس.
الثانية : ان يقول انك لنافعة وانك لموافقة لي وانك جميلة فان قضى الله شيئاً، عن القاسم عن محمد والشعبي.
الثالثة : كل ما كان من الكلام دون عقد النكاح، عن ابن زيد.
الثامن والثلاثون : الآية منع للإنشغال التام بمصيبة الموت وتنبيه للسعي في آفاق المستقبل، ومعالجة لأحوال يوم غد.
التاسع والثلاثون : تمنع الآية من الفتنة والإفتتان بعد انقضاء العدة، فقد يتقدم شخص حال انقضاء العدة، وغيره ينتظر مرور ايام او ساعات على انقضائها.
الأربعون : تقطع الآية الطريق على اولئك الذين لا يتقيدون بالأحكام الشرعية، فلو لم تعط الآية الإذن العام بالتعريض لأنتظر المؤمن الملتزم بالأحكام الشرعية وقد يتجرأ غيره في التعريض وغيره مدة العدة والمرأة لا تعلم برغبة المؤمن.
الحادي والأربعون : في الآية حذف لحرف الجر أي ولا تعزموا على عقدة النكاح.
بحث بلاغي
في علم البلاغــة اعتبــرت هذه الآيــة من التجــوز عن المجاز بالمجاز أي ان المجاز المشتــق من الحقيقة، يصبح حقيقة لمجاز آخر مستحدث لعلاقة ونسبـة بينهما، لأن لفظ السر جائز مجازاً، وكناية عن الوطئ، وتجوز بالسر عن العقد لأنه مسبب عنه، والمعنى لا تواعدوهن عقدة النكاح( ).
ولإصالة الحقيقة وعدم التجوز الى المجاز الأول نفسه الا بعد القرينة الصارفة عن الحقيقة ولعدم ثبوتها في المقام فان مادة (سراً) تحمل على حقيقتها اولاً ثم ينظر ان كانت تحتمل معنى مجازياً آخر يدل الدليل عليه ليكون اللفظ من الجامع للحقيقة والمجاز الذي اسسناه كقسيم لطرفي الحقيقة والمجاز والقول بان المعنى (لا تواعدوهن علانية) جزء وفرع من المعنى، اذ جاءت الآية بذكر قيد السرية في المواعدة لتكون المواعدة العلنية منهياً عنها بالأولوية.
وفي باب الكناية ذكرت هذه الآية بانه تعالى كنى عن الجماع بالسر، والأولى حمل الكلام على حقيقته وهو موضوع الوعد بالنكاح وتفاصيله والا فان الجماع مفاعلة تكون بينهما، اما المواعدة فهي نوع ايقاع من طرف واحد.
تفسير قوله تعالى [ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ] وفيه وجوه :
الأول : أي ما اخفيتم في انفسكم من الهم بالزواج من المعتدة.
الثاني : الآية علاج لحالات النفس وفيها توجيه لكيفية التفكير والهم بالأفعال.
الثالث : تنفذ الآية الى اعماق النفس الإنسانية فتقسم همومها وما يطرأ عليها من افكار وآمال وخطط على اساس ايماني عقائدي.
الرابع : في الآية اذن بنوع مخصوص مما تنطوي عليه النفس في حال معينة وهي وفاة شخص وترك زوجة في عدتها، وهذا الأذن لا يفيد الحصر انما هو من باب المثال وصرف الطبيعة للجواز.
الخامس : قد يشعر الإنسان بالضيق والحياء من التفكير بموضوع النكاح من ذات العدة واستيلاء الموضوع على تفكيره برهة من الوقت خصوصاً اذا كان اخاً للميت او صديقاً له او من اقاربه بل وان كان من اقارب الزوجة، فجاءت هذه الآية لدفع الضيق والحرج واعطاء مثل هذا الإنشغال الذهني لباساً شرعياً.
السادس : حمل الزركشي قوله تعالى [ أَوْ أَكْنَنتُمْ ] على ارادة الكناية وقال بعد ان جاء بالآية مثلاً في باب الكنايات والتعريض، والكناية عن الشيء الدلالة عليه من غير تصريح باسمه( ).
والأقوى ان المراد باللفظ معناه الحقيقي والإرادة النفسية من غير ترجلها بفعل خارجي من قول او فعل وليس هو من الكناية لقرينة [ فِي أَنفُسِكُمْ ] التي تدل على اخفاء الأمر، بينما الكناية تعني اتيان لفظ وارادة معنى له غير المعنى الموضوع له في اللغة.
السابع : موضوع الآية لا يتعلق بالإذن فقط بل يتضمن ما هو أهم فقد يستقرأ الإذن من آيات اخرى ونصوص تدل على عدم مؤاخذته تعالى للعبد على ما يهم به حتى يترجل الى الخارج بفعل او قول كما ورد في حديث الأسراء، فالآية تنبه الى استثمار الفرصة والإستباق في موضوع النكاح بمراجعة النفس ولحاظ المنافع وغيرها.
الثامن : الاقوى ان المرأة لا تؤاخذ فيما اخفت في نفسها اثناء العدة من مشروع الزواج، وانها خارجة من صيغة الخطاب الا ان مفهوم الآية يشملها فليس من عدم الوفاء او التنكر للحياة الزوجية السابقة ان تفكر المرأة بشريك المستقبل او ان تتمنى وهي في العدة شخصاً معيناً.
تفسير قوله تعالى [ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ] وفيه وجوهاً :
أولاً : آية اعجازية تؤكد اطلاعه تعالى على ما في القلوب.
ثانياً : ان استحضار الرجل لموضوع الزواج من المعتدة حقيقة لها وجود ذهني عام أي غير متأصل ولا تترتب عليه آثاره ولوازمه مع كونه مستحضراً في الذهن فجاءت الآية لإلباسه رداءً شرعياً.
ثالثاً : اسرار ارادة فعل قد يرتقي عند الإنسان فيبرز الى الخارج بسلوك يتصف بالطمع والشره وحب الدنيا خصوصاً اذا كان الأمر متعلقاً بالنفس الشهوانية كما هو الغالب في احوال النكاح، فجاء الإذن في الآية ليدل في مفهومه على المنع من تعديه لما هو خلاف احكام الشريعة اثناء العدة وفترة ما قبل الزواج.
رابعاً : متى ما احس الإنسان بوجود رصد ومراقبة لأفعاله فانه يصبح على حذر خشية فعل ما فيه الندامة والفضيحة والعقاب، فكيف اذا ما علم من خلال هذه الآية بان ما يخطر على باله من الأفكار له موضوعية واعتبار.
خامساً : الآية دعوة للإيمان والتلبس بالورع والتقوى لما فيها من الأخبار عن اطلاعه سبحانه على خفايا النفس وما يعزم عليه الإنسان من الفعل.
سادساً : الآية دعوة لجعل التفكير في المستقبل ومشاريعه وفق احكام الكتاب والسنة، فالآية لا تمنع من الطموح والتخطيط الشخصي والجماعي وطرح المشاريع ودراستها والتدبر في تفاصيلها الا انها تخبر عن امرين:
الأول: علمه تعالى بها.
الثاني: لزوم توجيهها في مرضاة الله في الواجب والمستحب، وما فيه رضاه تعالى.
سابعاً : في الآية اذن بالإنشغال الذهني بالمباح وتدبره وتوظيفه.
ثامناً : اضمار الزواج من المعتدة امر لا ينحصر النفع فيه بالشخص نفسه من جهة الأخلاق والصلات الإجتماعية، كما انه يتعدى الى الحالة المعاشية والإقتصادية فقد ينشط في العمل وبعد العدة للزواج وما يستلزمه من التكاليف.
تاسعاً : الإضرار في النفس ادنى رتبة من التعريض بالخطبة لأن التعريض اظهار للعزم ولو على نحو الموجبة الجزئية، فلماذا قدمت الآية فيه وجوه محتملة:
الأولى : لأن الإظهار اكثر ابتلاء وتترتب عليه آثار واحكام شرعية فجاء الإذن تخفيفاً ورحمة.
الثانية : لبيان فضله وكرمه تعالى فانه يبدأ بالإذن بما هو اهم لإظهار الحكم واعلانه وما في هذا الإظهار من منع الفتنة والخصومة والتعيير والمؤاخذة.
الثالثة : انه من عطف الخاص على العام.
الرابعة : قد يتجه الإنسان الى التعريض خشية ان يسبقه غيره الى المرأة ذات العدة فيلمح لها برغبته فيها فموضوعه اكثر اهمية واثراً في الخارج من الذكر المحض.
عاشراً : تلفت الآية الإنظار الى جواز التعريض والتنبيه على امكان الأخذ بالرخصة ومنع المرأة من استغراب واستهجان التعريض عند تلقيه.
حادي عشر : تجعل الآية موضوعية لما يضمره الإنسان في نفسه بشأن الزواج.
ثاني عشر : افراد الإكنان في النفس بذكر خاص له موضوعية وتأثير ولو على الشخص نفسه.
ثالث عشر : تدل الآية بالدلالة التضمنية على لزوم عدم اضمار السوء او المنكر.
رابع عشر : ما ورد في الآية من ذكر النساء اعم من ان ينحصر باحضار امر الزواج على البال فيشمل ذكرهن باللسان او في المجالس الخاصة وعلى نحو المشاورة والجهر بالرغبة، ولكن ليس في حضرة المرأة نفسها ولو بالواسطة.
خامس عشر : في الآية اعجاز وتحد بالإخبار عما تنطوي عليه القلوب من النوايا واشخاص التفكير وما يستعرضه الذهن من الوقائع والأحلام والأوهام.
سادس عشر : كأن في الآية امضاء لمثل هذا الإخطار مع توكيد الآيات الأخرى على ذكره تعالى والذي به تطمئن القلوب.
سابع عشر : اخبار الآية عن حصول ذكر النساء عند الرجال وامضاؤها له يعني ان الله عز وجل زرع في قلوب الرجال حب النساء واولوية الحالة الزوجية بالنسبة للرجل والمرأة، أي اولوية الزواج لم تنحصر بالمرأة اهتماماً واعتباراً بل انها تحتل منزلة في تفكير الرجل وتتجلى هذه الرغبة احياناً بالإقتران والزواج، وتارة تظهر على سلوك الأقربين، فقد يرغب الأب او الأم او الأخت او الأخ في اقتران الولد بامرأة معينة.
بحث تأريـخي
يعتبر النكاح من التشريعات الملازمة للوجود الإنساني على الأرض ومن آياته تعالى ان الأمم جميعاً وعلىاختلاف مذاهبها ومللها تلتقي بموضوع الزواج كسنة وتشريع يحكم الحياة الإجتماعية والمعاشية فيها، فقوم فرعون مثلاً على كفرهم ترى النساء منهم يستغربن السلوك الخاطئ لامرأة العزيز مع يوسف وما يتضمنه من تعديها على زوجها وحقوق الزوجية قال تعالى [ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امرأة الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ]( ) وتدل الآية بالأولوية ومفهوم الموافقة على ان الإستهجان من الرجال مساو له او اكثر منه.
وقد اقر وامضى الإسلام عقود النكاح التي تمت في حال الكفر والشرك قبل دخول اصحابها الإسلام وقيدها باحكام الشريعة مثل التخلي عما زاد عن اربعة من النساء.
ويعتبر الزواج العلة المادية لكثرة النسل وانتشار بني آدم على الأرض وحفظ وجود الإنسان وكيانه وفق الصيغ الشرعية وما تعنيه من البركة والعون وسلامة النسب، كما انه سبب لدوام ذكره تعالى على الأرض وعمارتها بالصلاة واداء الفرائض.
فقوله تعالى [ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ] يعني بالواسطة انه سيكون سبباً لدوام ذكره تعالى، لأن ذكر النساء في موضوع النكاح وتحققه بالواقع يؤدي الى كثرة النسل وزيادة اولاد المسلمين وبقاء الأهلية عند المسلمين لخلافة الأرض.
السنة والنكاح
تنقسم سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى قسمين:
الأول: الواجبة.
الثاني: المندوبة.
وكل قسم منها ينقسم الى ثلاثة اقسام، قولية وفعلية وتقريرية، ولا تطلق السنة على المباح والمكروه الا بالمعنى الأعم، وان كان من افراد الجائز، ومن اكثر المواضيع التي جاءت السنة بالحث عليها هو الزواج وقد شرف الله عز وجل المسلمين ونبيه خاصة بان يكون عدد ازواجه صلى الله عليه وآله وسلم اكثر من اربعة وهو من خصائصه.
وقد اجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة المسلمين من بعده بالترغيب بالزواج والحث عليه والتخفيف من العوائق التي تحول دون حصوله، ولابد ان يكون هذا الترغيب لفضيلة النكاح ورجحانه الذاتي فضلاً عما يترشح عنه من منافع خاصة وعامة ولا تنحصر بميدان دون آخر من ميادين الحياة المختلفة، فقوة الإسلام تكمن في تعاهد الزواج، والإكثار منه ونبذ العزوبة ومحاربتها.
وفي خبر عبد الله بن الحكم عن الباقر عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما بني بناء في الإسلام احب الى الله عز وجل من التزويج”.
وفي خبر صفوان بن مهران عن الصادق عليه السلام وما من شيء احب الى الله عز وجل من بيت يعمر في الإسلام بالنكاح.
ومع البعثة النبوية الشريفة واعلان الجهاد في سبيله تعالى وخروج سرايا الغزو من المدينة وتطاول اعداء الإسلام وشنهم الحروب على المسلمين وسقوط العشرات بل المئات من الشهداء والقتلى في سوح المعارك دفاعاً عن الإٍسلام، ظهرت الحاجة لزواج الأرامل وكثرة الأولاد وعدم تعطيل الفروج، بالإضافة الى الوظائف الأساسية للمسلمين التي تتوقف في الجملة على كثرة الإنجاب.
ان ابقاء المرأة معطلة مع فقدها لزوجها يشكل عبئاً اجتماعياً ثقيلاً وقد تنتج عنه ابتلاءات يصعب تداركها والسيطرة عليها، فقد ينتشر التذمر والسأم ويظهر القنوط وعدم الإستعداد لمواصلة الجهاد خصوصاً وان المرأة تستطيع ان تؤثر على اولادها واخوتها، بل انهم يتأثرون بحالها ويخافون من كثرة الأرامل في بيوتهم عند تعرضهم للموت والشهادة، والإنسان حريص علىالإطمئنان على الذين يتركهم من خلفه، ويشغله تأمين معيشتهم وأمنهم.
ان ازدياد عدد الأرامل وكثرة العزاب امارة على ضعف الدولة والأمة والجماعة عسكرياً وتخلفها في ميادين القتال ونواحي الحياة المختلفة الأخرى فتظهر عندهم قلة الزراعة والحاصل ونقص الأيدي العاملة، وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتفشي الأدران والأخلاق الذميمة، ويسعى الرجال لقلتهم على الإنكباب على الأشغال والأعمال لتوفير لقمة العيش فيتعطل تبليغ الأحكام الشرعية او يصيبه الفتور.
الآية والسنة الشريفة
قد وردت نصوص عديدة في استحباب الزواج وكراهة العزوبة، اما بالنسبة لإختيار المرأة من جهة صفاتها فالنصوص على اقسام منها:
الأول : الباكر، والنصوص الواردة بشأنها مستفيضة وترجيح هذا الإختيار ظاهر للعقل والوجدان، لكنه لا يعني كراهة الزواج من الثيب لعمومات استحباب النكاح مطلقاً لأن اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره.
الثاني : نكاح المرأة لدينها وصلاحها وكراهة تزوجها لجمالها او مالها على نحو مستقل أي ان تكون علة الإختيار هي الجمال فقط او المال فقط، فالأولوية للتقوى والصلاح وبهما يأتي المال وتتحسن الصورة وتطهر السريرة وتبقى السمعة كريمة والصيت جميلاً.
الثالث : اختيار الجميلة الضحوك الحسناء الوجه الطويلة الشعر.
الرابع : اختيار الكريمة الأصل المحمودة الصفات والكفئ.
الخامس : الزوجة الصالحة المطيعة الحافظة لنفسها ومالها واسرتها.
السادس : استحباب الزواج من المرأة الطيبة الريح الدرماء الكعب.
السابع : استحباب الزواج من البيضاء والزرقاء، وكذا السمراء العجزاء المربوعة.
وباستثناء القسم الأول فان الأقسام الباقية جاءت على نحو الإطلاق فتشمل الباكر والثيب معاً، نعم يمكن ان يكون استحباب نكاح الباكر التي تتوفر فيها الصفات الحميدة الواردة في الأقسام اعلاه مركباً ومؤكداً من غير ان يتعارض مع استحباب نكاح الثيب التي تمتلك شطراً من الصفات المذكورة اعلاه.
وهناك صفات حميدة لم تكن تعرف قبل تحقيقات العلم الحديث الا من خلال النكاح السابق مثل استحباب نكاح الولود وكراهة نكاح العقيم، وكذا بالنسبة لإستحباب نكاح المطيعة لزوجها وكراهة نكاح التي لا تطيع زوجها فهي حالات لا تعرف الا من خلال النكاح السابق خصوصاً قبل ظهور التحليلات المختبرية الحديثة، وان قيل ان البكر تعرف بانها ولود بالرجوع الى نسائها واقاربها وان المقصود ان لا تكون صغيرة ولا يائسة.
بحث اصولي
يعتبر النكاح في ذاته امراً مستحباً ويدل على استحبابه الكتاب والسنة والإجماع والعقل، قال تعالى [ وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ]( ) والأيام جمع ايم وهو الذي لا زوج له ذكراً او انثى فيشمل المتوفى عنها زوجها والمطلقة وغيرها، والترغيب في النكاح يدل على رجحانه الذاتي بالإضافة الى موضوعيته كعلة مادية للإنجاب وكثرة المسلمين، ومع ثبوت جواز العزل أي القاء الرجل لمائه خارج رحم زوجته، واقول بكراهته في زمان العولمة وكثرة التحديات التي تواجه المسلمين في مختلف نواحي الحياة.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني”، والسنة هنا تحمل على المستحب، وبه يضعف قول من ذهب الى اباحة النكاح في الأصل وتعلق حق الإستحباب بمن تاقت نفسه للزواج وكان قادراً عليه، وعلى هذا القول يكون الزواج بالنسبة لمن لم تتق نفسه للزواج ولم يكن قادراً عليه مباحاً او مكروهاً.
واســتدل بمدح يحيـى عليــه الســلام بانه حصــور، وبقــولــه تعــالى [ وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا ]( ) بتقريب ان استحباب النكاح مشروط بوصفين هما:
أولاً : ميل النفس.
ثانياً : القدرة.
وفاقد الوصفين يكون النكاح له مكروهاً، والواجد لأحدهما دون الآخر يكون قد جمع جهة حسن النكاح واخرى حسن تركه فيتعارضان ويثبت حكم الأصل السالم عن المعارض أي الإباحة.
والاقوى استحباب النكاح مطلقاً سواء تاقت نفس الرجل له أو لا، بل بالعكس ان النصوص الواردة في استحباب الزواج والمنافع النوعية والشخصية العظيمة له تجعل النفس تتوق وتشتاق اليه، كما ان النصوص والاخبار جاءت مطلقة من غير تقييد بالرغبة وميل النفس، فالزواج من السلوك الشخصي الذي تترتب عليه آثار نوعية عظيمة في ميادين العقيدة والاجتماع والاخلاق والسياسة.
ومع ان النكاح مستحب في نفسه الا ان الأحكام التكليفية الأربعة الأخرى تنطبق عليه بالعنوان الثانوي وحسب العوارض اللاحقة له، فيكون النكاح واجباً عند خشية الوقوع في الزنا، ويحرم اذا ادى الى ترك واجب كفريضة الحج الواجبة بالأصل وعند الزيادة على الأربع، ويكره في بعض الأحوال وبلحاظ المنكوحة كنكاح القابلة المريبة ونكاح المتولد او المتولدة من الزنا، ويفيد الإباحة اذا كانت هناك مصلحة في عدمه تساوي منافع النكاح كما اذا كان الزواج يؤدي الى ضياع عيال له، او يخشى فوات مال معتد به بسبب الزواج.
تفسير قوله تعالى [ وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ] ويحتمل وجوه :
الاول : الآية تأديب للمسلمين وبيان للحصة الخارجة عن الإذن.
الثاني : تمنع الآية من التمادي في التعريض مفهوماً ومصداقاً.
الثالث : تنهى الآية عن اسباب الفتنة والتعدي في الإشارة والتلميح والنية بخطبة المعتدة.
الرابع : تحول الآية دون الإفتتان ووجوه الإبتلاء بما هو غير شرعي من الصلات تحت غطاء النية بالزواج.
الخامس : تمنع الآية من حصول ما يؤذي اهل الميت واسرته بانشغال زوجته وهي في عدتها وفي بيت الزوجية بقيام من يريد خطبتها الإتصال بها، او سعيه لرؤيتها.
السادس : جاءت الآية بصيغة الجمع والتعدد وفيه وجوه:
الاولى : رجال متعددون يريدون خطبة امرأة معتدة.
الثانية : رجل واحد يريد خطبة اكثر من امرأة يتفق كونهن في العدة سواء من زوج واحد ميت او من ازواج متعددين.
الثالثة : رجال متعددون يرومون الزواج من نساء متعددات ايضاً.
الرابعة : اهل الرجل رجالاً واناثاً يعزمون ويتفقون على اختيار زوجة لولدهم او قريبهم.
السابع : الآية شاملة لأخ الميت واقارب المرأة نفسها، فقد تتباين صلة الرجــل الذي ينـوي الزواج بالإمـرأة، فمنهـم القـريب ومنهـم الجار ومنهم الموظف معها في العمل، ومنهم الأجنبي والآية شاملة لهم جميعاً، ففرصة اللقاء بالمرأة والسكن في بيت واحد معها لا يخرج الإنسان من عمومات الآية سواء كان خاطباً او وسيطاً لخاطب.
الثامن : الآية شاملة للمواعدة القولية او باستعمال الهاتف او الأنترنيت ونحوها، فكل ما يصلح ان يكون آلة ووسيلة للإتصال لا يجوز استعماله للمواعدة.
التاسع : ذكرت في الآية اقوال:
أولاً : معناه الزنا، عن الحسن وابراهيم وقتادة، وقالوا: كان الرجل يدخل على المرأة من اجل الزنية وهو معرض للنكاح فنهوا عن ذلك( )، ولكن الآية اعم من الزنا وتتعلق بما هو دونه بكثير، فهي بيان وتأديب وارشاد للمسلمين.
ويمكن اعتبارها من آيات التشريع ونزلت ايام استقرار الإسلام وتثبيت احكامه، ولم ينقل التأريخ والأخبار شيوع مثل هذه الحالات، كما ان هذا القول لم يرد عن معصوم او عن صحابي شهد ايام التنزيل، وصحيح ان الجماع في الفرج يسمى سراً الا ان قيد [ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ ] يخرج الجماع ويجعل الآية تتعلق بالمواعدة، لأن [ سِرًّا ] قيد لها وليس موضوعاً مستقلاً.
ثانياً : انه العهد على الإمتناع من تزويج غيرك، عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
ولكن المواعدة اعم من العهد، وقد يحول التفسير دون معرفة المضامين الإعجازية في الآية الكريمة، فالمواعدة لا يترتب عليها اثر شرعي بعكس العهد وما فيه من الإلتزام والقطع، والآية تشمل العهد وتنهى عنه بالأولوية وفحوى الخطاب.
ثالثاً : ان السر هو الجماع، فمعناه لا تصفوا انفسكم بكثرة الجماع ولا تذكروه، نسبه الطبرسي الى جماعة، ولعله وجه من وجوه الآية المتعددة.
رابعاً : منهم من اعتبر لفظ (السر) هنا من الكناية وهو من اقسام البلاغة، وذكره السيوطي( ) كمثال لأحد اقسام الكناية فقال: ان يكون التصريح مما يستقبح ذكره، ككناية الله عن الجماع بالملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والدخول والسر في قوله تعالى [وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا] والأقوى هو ارادة لفظ السر على نحو الخصوص والتعريض به لإرادة غيره الا ان يكون المعنى الا ان تواعدوهن الجماع، وهو بعيد لأنه فرع النكاح.
خامساً : انه اسرار عقدة النكاح في السر، عن عبد الرحمن بن يزيد( )، وهو بعيد لأن المواعدة غير اجراء صيغة العقد ولا ترقى اليه، وقد بينت الآية السابقة لزوم التربص كما ان السنة الشريفة اكدت على حرمة العقد على المعتدة عدة الطلاق او عدة وفاة، و اجراء عقد النكاح تنهى عنه الآية الكريمة بالأولوية وتدل عليه الآيات الأخرى والنصوص.
العاشر : الدعوة الى السر تفضي الى ما لا تحمد عقباه او لوقوع المحرم.
الحادي عشر : النهي عن المواعدة سراً قد تشمله العمومات لأن المرأة اجنبية عن الرجل وان الخطبة والعقد لا يتمان الا وفق الأصول المتعارفة وبعد انقضاء العدة.
الثاني عشر : في المواعدة سراً نوع تعليق للمدة والفترة بين المواعدة وانقضاء العدة باعتباره ابتداء اوان الخطبة والعقد.
الثالث عشر : المواعدة من باب المفاعلة وهي مصدر مأخوذ من الثلاثي المجرد، والأقوى ان المفاعلة موضوع بالوضع النوعي لفعل يتقوم بطرفين أي نسبة يشارك فيها اثنان وان كانت من الكلي المشكك فهي على قسمين:
الأول: ان يكون احد الطرفين اصيلاً، والآخر تابعاً او متلقياً فيعتبر الأول فاعلاً والآخر مفعولاً من غير انتفاء لموضوع المفاعلة كما لو قلت شابه الولد اباه.
الثاني: ان يكون في عرض واحد أي ان الطولية منتفية بينهما او ليس لها اعتبار وموضوعية، فينطبق عليهما مقولة الفاعل والمفعول، وكل منهما يكون بمنزلة الفاعل كما لو قلت تشارك زيد وعمر.
والمواعدة المنهي عنها في الآية من القسم الأول لأن الفاعل فيها الرجل الخاطب او من يقوم مقامه، والمرأة تتلقى هذه المواعدة، نعم قد تكون المواعدة من القسم الثاني كما لو شاركت المرأة في تحديدها وتعيينها واظهار الرضا بها فحينئذ يكون الإثم شاملاً للطرفين.
الرابع عشر : تصدق المواعدة من الفضولي رجلاً كان او امرأة وان لم يحدد الرجل الذي يخطب له ولم يعينه بعد، كما لو كانت امرأة معروفة في ميدان خطبة النساء، او رجلاً له اولاد يرغبون في الزواج او يطيعونه في النكاح ويفوضون له اختيار الزوجة.
الخامس عشر : لا تخلو المواعدة سراً من الغبن والغرر والجهالة فقد تكون المواعدة الشخصية سبباً في ضياع فرص عديدة على المرأة.
السادس عشر : ترى لم قيد النهي بالمواعدة بالسر وهل تعني الآية جواز المواعدة العلنية، الجواب: ان الآية تنهى عن المواعدة العلنية بفحوى الخطاب وبمفهوم الموافقة والأولوية ويدل عليه سياق الآية ومضمونها.
السابع عشر : كأن المواعدة سراً برزخ بين ذكرهن والتعريض بهن وبين المواعدة العلنية والمفاتحة بالزواج، فجاءت الآية لتنهى عن هذا الأمر البرزخي والوسطي مما يدل على النهي عما هو أرقى وأبين منه.
الثامن عشر : لعل حال المرأة عند المصيبة واثناء العدة لا تتحمل تلقي هذه المواعدة وما يترتب عليها من الأثر.
التاسع عشر : من منافع العدة ان المرأة تستفيق بعدها من وقع المصيبة واثارها النفسية وما يخلفه فراق الزوج من الآلام والأحزان والمتاعب وهي امور قد تحول دون وزن الأمور بحكمة واتزان.
العشرون : جاءت المواعدة سراً على نحو الإطلاق لذا فهي اعم من ان تنحصر بالمواعدة على اصل الزواج فقد تشمل :
أولاً : الوعود والأماني واسباب الترغيب.
ثانياً : التخويف والترهيب والتهديد وصيغ التضييق.
ثالثاً : التلويح بما ينفع المرأة في حال حصول النكاح.
الحادي والعشرون : تنهى الآية عن الإتفاق السري اثناء العدة على الزواج بعد انقضائها، أي ان لعدة الوفاة خصائص واحكاماً تتعلق بغير المرأة المعتدة منها عدم مواعدتها سراً على الزواج.
الثاني والعشرون : الظاهر ان الخطاب في الآية يشمل الرجال ووسائط النكاح من الرجال والنساء لوروده بصيغة الجمع، ولقد ذم القرآن الذين نهوا عن الصيد يوم السبت من بني اسرائيل بحجز الإسماك لإصطيادها يوم الأحد، لذا لا تصح مواعدة المرأة من الراغب في نكاحها وكذا من غيره ذكراً كان او انثى.
الثالث والعشرون : يشمل النهي النساء خصوصاً وان المرأة اكثر اهتماماً بموضوع النكاح وملأ الفراغ الحاصل في حياة الزوجة بعد فقد الزوج، ومنهن من تكون اكثر حرصاً عليها من الرجال ومعرفة بحالها ولآثارها السلبية المترتبة على تركها عطلاء من غير زوج، فجاءت الآية لمنعهن من التمادي في السعي اثناء العدة وبلوغه مرتبة المواعدة.
الرابع والعشرون : لو جاءت الآية بالنهي عن المواعدة العلنية وحدها لحصل الإرباك والإفتتان وربما الفتنة والأذى وتمت المواعدة من اكثر من جهة وشخص، وحدث ايام العدة ما فيه الريبة والظنة ومايسبب الوهم والإشتباه ويحدث الخلل والخلف في الوعد او استجابته.
الخامس والعشرون : ظاهر الآية اعم من ان يتعلق بالمرأة المعتدة عدة وفاة فيشمل المطلقة في عدتها لوحدة الموضوع في تنقيح المقال.
السادس والعشرون : وردت نصوص باستحباب السعي والتوسط في الزواج وهذا السعي له مراتب متعددة ومتباينة، ولكن موضوع الآية وهو مدة العدة خارج بالتخصيص عن استحباب السعي من طرف المرأة فقط، أي ان المعتدة لا يصل اليها الساعي ويصرح لها اثناء العدة بالزواج نعم تشمله عمومات التعريض والتلميح سواء كان الساعي رجلاً او امرأة اذ ان الإذن في الآية اعم من ان يكون مباشراً فيجوز ان يكون بالواسطة، وللساعي ان يعرض ويلمح للزوجة في الزواج من شخص معين او علىنحو القضية المهملة ومن غير تعيين.
السابع والعشرون : هل تتعلق المواعدة سراً بالمرأة المعتدة والمراد الزواج منها او يشمل ارحامها والقريبات منها جميعاً كأمها واختها والقائمة بشؤونها وصديقتها، الأقوى ان النهي ينحصر بالمعتدة دون غيرها، ويمكن ان يكون الكلام صريحاً من الراغب فيها مع بعض النساء ولكن التي تتصل بالمرأة المعتدة عليها ان تلتزم باحكام هذه الآية.
الثامن والعشرون : موضوع الآية مستقل عما قبله ولا يصلح ان يكون استثناء منه خصوصاً وان المواعدة امر وجودي وان كان مقيداً بالسرية وهو يختلف عن الإكنان بالنفس من وجهين:
أولاً : تضمن المواعدة للكلام والخطاب والأخبار ولو بلغة الخفاء.
ثانياً : ان المواعدة نوع مفاعلة لا تجري الا بين شخصين او اكثر.
التاسع والعشرون : ورد في صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل [ وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا ] قال: هو الرجل يقول للمرأة قبل ان تنقضي عدتها اواعدك بيت آل فلان ليعرض لها بالخطبة، ويعني [ إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا ]، التعريض بالخطبة، [ وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ].
ووردت نصوص عديدة مشابهة وتتضمن ذات المعنى.
الثلاثون : نسب الى ابن عباس انه استشهد على ان معنى السر الجماع بقول امرئ القيس:

الا زعمت بسبابه اليوم انني

كبرت والا يحسن السر امثالي

ولكن الآية اعم لغة ودلالة وعرفاً وعقلاً خصوصاً وان مضمون الآية لا يتعلق بالسر وحده بل هو مركب من امرين:
الأول: المواعدة.
الثاني: السر.
تفسير قوله تعالى [ إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا ] وفيه وجوه :
الأول : (الا) اداة استثناء وتأتي في الإستثناء المتصل الذي يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، والمنقطع الذي لا يكون فيه المستثنى منه كما في قولك تم تأليف الكتاب الا طباعته، فالطباعة ليست من جنس التأليف.
ويأتي الكلام في جملة الإستثناء تارة تاماً مثبتاً أي لا يشتمل على حرف نفي او كلمة تدل على النفي كالإستفهام والنهي ويأتي مشتملاً على حرف نفي ونحوها سواء كان متصلاً او منقطعاً، كما لو قلت: ما وصل الحجاج الا امتعتهم، والآية تدل على الإستثناء المنفي المنفصل وربما يشمل بعض الوجوه التي تفيد انه استثناء متصل ايضاً. و(الا) بمعنى لكن.
الثاني : بعد النهي عن مواعدة النساء سراً جاء الإذن بالقول المعروف لمنع الحرج والتردد، ولإخراج هذه الحصة من النهي والمنع بالتخصيص.
الثالث : في الآية تخفيف ورحمة لأولئك الذين يخشون سبق غيرهم للمرأة عند خروجها من العدة بالسماح له بالقول قولاً حسناً.
الرابع : تعتبر الآية مدخلاً لتهذيب النفوس والسمو الأخلاقي باختيار الكلام الحسن والجميل والمتضمن للنفع.
الخامس : تحث الآية على النوايا الحسنة والغايات الحميدة في موضوع المرأة والزواج منها.
السادس : في الآية اكرام للمرأة ومنع من التغرير بها وظلمها واستغلال حاجتها او مصيبتها.
السابع : في الآية ابعاد ثلاثة:
الأول: يتعلق بالمرأة نفسها ولزوم انصافها.
الثاني: بالخاطب والآمل بالزواج منها اذ جاءت الآية لتأديبه وتعليمه ضوابط التصرف معها وفق احكام الشريعة ومن غير افراط ولا تفريط.
الثالث: بالمجتمع والأمة ونشر الفضيلة باشاعة الإحسان والمعروف.
الثامن : تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على عدم اكراه المرأة على النكاح.
التاسع : تساهم الآية في تهيئة اسباب الإستقرار والسكينة للمرأة ايام العدة وتتيح لها اظهار الحزن والأسى لفقد زوجها.
العاشر : خلو ايام العدة مما يشغل اهل الميت عن الإستغفار والدعاء له.
الحادي عشر : ورد في الحديث: “الدين النصيحة”، والآية ارشاد الى السعي بالمعروف مع المرأة وغيرها اذ ان الإمتثال للحكم القرآني في مصداق معين وفرد خارجي يؤدي بالمحاكاة والموافقة الى تطبيقه في مصاديق اخرى.
الثاني عشر : ان رؤية المنافع العظيمة لقول المعروف وعدم ارباك المرأة يجعل المســلمين يستخلصون الدروس والعبر، ويكون قول المعروف سجية ثابتة وعلى نحو العموم الإستغراقي المنبسط علىالأفراد والوقائع.
الثالث عشر : باعتبار ان القول بالمعروف استثناء من المواعدة سراً حمله بعض المفسرين على التعريض الوارد في صدر الآية( )، ولكن هذا الإنحصار يجعله من تحصيل ما هو حاصل، فالظاهر ان القول المعروف اعم من الإذن الوارد في صدرها، وهل يتعلق موضوعه بالنكاح ام يشمل الأعم، الأقوى هو الثاني فيشمل التعريض وغيره من وجوه البر والإحسان والصلاح، لأن المعروف عنوان جامع وله وجــوه ومراتب متفاوتة، وورد القول بالمعروف للعيال وفي غير باب النكاح وسؤاله، قال تعالى [ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا ]( ).
الرابع عشر : من علوم القرآن ومنافع احكامه ان يجعل المناسبة الخاصة سبباً للصلاح والإصلاح العام.
الخامس عشر : قد يؤدي القول المعروف والإحسان في غير باب النكاح الى ميل المرأة ورضاها بصاحب المعروف كزوج تطمئن له النفس.
السادس عشر : ترفع الآية الحرج عن طالب النكاح في تعامله مع المرأة في غير موضوع النكاح، فقد يتحرج الراغب بسؤال النكاح منها والتقرب لها والإحسان اليها وتوجيه النصح والإرشاد لها واعانتها على شؤون دينها ودنياها، فجاءت هذه الآية لتبين انحصار النهي عن المواعدة سراً بخصوص امر النكاح واحداث ما هو غير شرعي ويتنافى مع احكام وآداب العدة.
السابع عشر : باعتبار ان الإستثناء منفصل تؤكد الآية على عدم غلق باب المعروف والإحسان والرأفة بين المسلمين حتى في حال وجود حــواجــز شــرعية مانعة للصلة والكلام لحيثية معينة كسؤال النكاح.
الثامن عشر : القول المعروف والإحسان يجعل المرأة تميل وترغب بالشــخص وهو أفضل من المواعدة سراً والعهد بالنكاح منها بعد انقضاء العدة.
تفسير قوله تعالى [ وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ]ويحتمل وجوهاً :
أولاً : الآية نهي عن اجراء عقد النكاح اثناء العدة.
ثانياً : الآية نص يطرد اللبس والشك والتأويل الخاطئ أي انها ليست ظاهرة فقط بالمنع عن العقد مدة العدة بل جاءت به صريحاً مما يدل على اهمية الحكم ولزوم التقيد به.
ثالثاً : تبين الآية مجيء القرآن بدقيق الأحكام وشموله للتفاصيل التي تساعد المسلمين على التطبيق السليم للأحكام الشرعية.
رابعاً : تعتبر الآية من القواعد الفقهية الثابتة التي جاء بها القرآن.
خامساً : لابـد من دلالات للنهـي الوارد في الآية وشمولها للميادين المختلفة.
سادساً : الآية عون على اكرام الميت والحفاظ على مضامين العدة وسننها.
سابعاً : جاء الخطاب بصيغة الجمع [ وَلاَ تَعْزِمُوا ] بينما ذكرت عقدة النكاح بصيغة المفرد، مما يدل على توجه الخطاب الى اكثر من شخص وجهة ولو في القضية الشخصية، والمتوجه لهم الخطاب:
الأول : القائمون على اجراء صيغ العقود.
الثاني : الخاطب نفسه.
الثالث : الأهل والأقارب لكل من الرجل والمرأة المعتدة.
الرابع : المرأة نفسها.
الخامس : المسلمون كافة لأن الواجب كفائي فاذا قام به شخص سقط عن الآخرين وان لم يقم به احد اثم الجميع.
ثامناً : تبين الآية موضوعية واعتبار اجراء صيغة عقد النكاح باعتباره تحولاً شرعياً في حياة المرأة.
تاسعاً : الآية شاملة لمن يتقيد بالأحكام المتقدمة فيها او الذي يتعدى عليها متعمداً او ساهياً او جاهلاً للحكم او الموضوع، أي انه قد يواعد الإنسان المرأة المعتدة سراً خطأ وتقصيراً، ولكن يجب عليه ان لا يجري صيغة النكاح الا بعد انقضاء العدة.
عاشراً : تبين الآية الحكمة الإلهية في الضبط الذاتي للأحكام الشرعية، وأهلية القرآن لحراستها وصيانتها والمنع من التعدي عليها.
حادي عشر : في الحديث: “عرفت الله بفسخ العزائم وحل العقود”، أي نظرت في احوال نفسي ورأيت اني اعقد العزم على اتيان فعل ثم ينحل وتحول دونه الموانع القهرية او اتجه الى تركه وابطاله من غير علة وسبب مستحدث فاعلم انه من عنده تعالى وهو مقلب القلوب والأبصار وان الأشياء جميعها مستجيبة لقدرته مطيعة لأوامره سبحانه.
ثاني عشر : العزم الوارد في الآية اعم من الإجراء الفعلي للعقد فيشمل القطع والإثبات ايام العدة بارادة النكاح واجراء صيغة العقد حال انقضاء العدة، فهذا الأمر منهي عنه باعتبار انه مقدمة عقلية ونوع موعدة لوجوه:
الأولى : قد تحول اسباب وموانع دون حصوله عند انقضاء العدة.
الثانية : انه خلاف الأحكام الشرعية ولزوم خلو مدة العدة من الموعدة والقطع باجراء العقد عند انقضاء العدة.
ثالث عشر : تعالج الآية الوقائع والأحداث في المراحل السابقة لحدوثها، وهذا امر لم تصل اليه المدارس الإجتماعية والسياسية الحديثة فيكون المنع من اجراء النكاح اثناء العدة منهياً عنه بالأولوية.
رابع عشر : من المصاديق التي تنهى عنها الآية الإتفاق اثناء العدة على اوان عقد النكاح بعد انقضائها بحجة ان العقد لن يحصل الا بعد الإنقضاء، فهذا الإتفاق نوع تعد على حرمة الميت وحقه في العدة، وبذا يظهر لك تعاهد الإسلام للمسلم حتى في حال موته، واكرامه في زوجه وعياله مدة العدة على نحو الحقيقة والإعتبار.
تفسير قوله تعالى [ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ] وفيه وجوه :
الأول : أي الى ان تنقضي العدة.
الثاني : الآية قاعدة كلية وتحديد زماني لا يقبل الترديد.
الثالث : فيها دعوة لضبط التواريخ والحساب ورصد الهلال.
الرابع : في الآية استحداث للصلة بين الإنسان وافلاك السماء فان التطلع الى سير القمر وحركته تدعو الإنسان قهراً وانطباقاً الى التدبر في خلق السماوات والأرض.
الخامس : اعطاء اسم الكتاب لإنتهاء الأجل عنوان تغليظ وتوكيد وتخويف من التعدي عليه، فكأن المرأة في عصمة اثناء العدة من العقد والعزم عليه وامرها معلق ومؤجل كالدين الذي حدد لقضائه اجل معلوم لا تجوز المطالبة قبله، مع الفارق وهو ان اجل الدين بالإختيار واجل العدة واحكامها بالإنطباق القهري.
السادس : بما ان الخطاب في الآية الكريمة اعم من ان ينحصر بالخاطب فان مفهوم الآية يتعلق بكل المسلمين والمسلمات بلزوم ردع كل من يتجرأ على حرمة ايام العدة باظهاره العزم على اجراء العقد وان كان مع تحديد اوانه بخروج العدة.
بحث اعجازي
في الآية اعجاز يتمثل بوضوح الأحكام وتحديد اوان الفعل وتيسير العمل به الى يوم القيامة، فالخطاب التكليفي المتوجه للمسلمين ايام التنزيل هو ذاته المتوجه الىالمسلمين في آخر الزمان وكذا بالنسبة للإحقاب المتتالية فيما بينهما.
ومثل هذا البيان يعتبر تخفيفاً وتسهيلاً واعانة على حفظ الشريعة والعمل باحكامها، فيمكن ان نقول بان المسلمين يتوارثون الأحكام والقيم الإسلامية، فكما يكون التوارث في الأموال والمقتنيات الخاصة بين الأقارب فكذا يكون التوارث نوعياً عاماً بين المسلمين ولكن في الأحكام الأمر الذي تستنتج منه عدة وجوه منها:
أولاً : ان حفظ الشريعة تيسير وعون على التقيد باحكامها.
ثانياً : ان عمل الآباء بالحكم الشرعي وتقيدهم به يساعد الأبناء على الإمتثال بما ورد فيه.
ثالثاً : ان الإمتثال يصبح تلقائياً لأنه يأتي على نحو تدريجي متعاقب وليس دفعياً.
مسائل فقهية
الأولى : لا يجوز التزويج في عدة الغير سواء كانت عدة الطلاق بائنة او رجعية او عدة وفاة، ولو تزوجها حرمت عليه ابداً مع علمهما بالحكم والموضوع، او كان الرجــل عالماً بهـما مطلقاً سواء دخل بها او لا، ولو كانا جاهلين بالحكم والموضـوع أي بالتحريم وانها في العدة فلا تحرم مؤبداً الا في حال الدخول بها.
الثانية : لا اشكال في جواز زواج الزوج من زوجته المطلقة كغير المدخول بها او اليائسة في العدة لأن الحرمة تتعلق بغير الزوج وللمنع من اختلاط المياه ولحفظ الانساب، وكذا يجوز لو كان فسخاً بأحد الموجبات او المجوزات له ويستثنى من ذلك :
أولاً: العدة الرجعية فلا حاجة للتزويج لأنها بمنزلة الزوجة .
ثانياً: الطلاق الثالث فانه يحتاج الى محلل وبدونه يكون الزواج من جديد باطلاً وحراماً، ولكن لا يوجب الحرمة الابدية.
ثالثاً: في عدة الطلاق التاسع وتحريمها مؤبداً.
رابعاً : يلحق بالتزويج في العدة في ايجاب الحرمة الابدية الزواج من ذات البعل، فلو تزوجها مع العلم بانها ذات بعل حرمت عليه ابداً مطلقاً سواء دخل بها أم لا، ولو تزوجها مع الجهل فلا تحرم الا مع الدخول بها.
خامساً : اذا تزوج امرأة عليها عدة وفاة ولم تشرع فيها مع انقضاء مدتها واقعاً، كما اذا مات زوجها ولم يبلغها الخبر فان عدتها من حين بلوغ الخبر، فهل يوجب الحرمة الابدية أم لا، قولان، الاقوى هو الثاني، ولكنه يؤثم للتجرأ، والاحوط الأول.
سادساً : اذا تزوج امرأة في عدتها ودخل بها مع الجهل فحملت مع انها مدخول بها للزوج الأول وجاءت بولد فالمدار على “المدة المحتملة للحمل”، وهي ما قبل ستة اشهر الى تسعة اشهر من حصول الولادة، فلو جاء الولد في الشهر التاسع من السنة فالولد لمن وطأها بين الشهر الأول والثاني والثالث منها، وطأ شرعياً ولنسميها اصطلاحاً “ايام الانعقاد”، وفيه صور:
الأولى: اذا كان الأول هو الذي وطأها ايام الانعقاد لحق الولد بالأول وعليه النص والاجماع وقاعدة الفراش.
الثانية: اذا مضى من وطئ الأول اقصى المدة كما لو لم يطأها منذ اكثر من عشرة اشهر، بينما الثاني هو الذي وطأها ايام الانعقاد فالولد يلحق بالثاني.
الثالثة: اذا مضى من الأول اقصى المدة ومن الثاني أقل من ستة اشهر فلا يلحق بواحد منهما لعدم وطئ احدهما لها في ايام الانعقاد.
الرابعة: ان كان كل منهما قد وطأها في ايام الانعقاد فهل يلحق بالأول أم الثاني أم يقرع بينهما، ظاهر بعض الاخبار انه يلحق بالثاني، ولا بأس باعتبار التحليلات الطبية الحديثة في المقام لأن كل وطئ منهما شرعي، ولعدم التداخل الزماني بينهما ولامكان القرعة.
سابعاً : لو تم خزن مني الزوج بالطرق الحديثة فالأقوى حرمة تلقيح زوجته منه بعد وفاته اذ ان الوفاة كالطلاق القهري ولإنقطاع عصمة الزوجية بالموت.
ثامناً : نعت العدة بالكتاب ووصف انقضائها بالأجل مع انها حوادث تتعلق بحالة خاصة امر يدل على اعتبار احكام العدة من قبل الأمة والأفراد ولزوم تعاهدها كتشريع سماوي.
تاسعاً : لا بأس بتأليف مجلدات خاصة تتعلق بموضوع:
الأول : الزواج في القرآن.
الثاني : الطلاق في القرآن.
الثالث : اكرام القرآن للمرأة المطلقة وحفظه لحقوقها والتخفيف عنها.
الرابع : العدة واحكامها في القرآن.
الخامس : المرأة في القرآن مع التشعب والتعدد في هذا الباب.
عاشراً : تحث الآية في مفهومها على نكاح المتوفى عنها زوجها عند انقضاء العدة وعدم تركها خلية.
حادي عشر : الوصف بالكتاب يدل على مضامين الفرض والثبوت والنهي في العدة.
تفسير قوله تعالى [ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ ] وفيها وجوه :
أولاً : الآية انذار وتخويف وتحذير من التعدي على احكام العدة، وما تقتضيه من لزوم صيانة حرمة الميت والمعتدة معاً.
ثانياً : تعتبـر الآيــة قاعدة كلية واخباراً عن علمه تعالى بسرائر النفوس وما يضمره الإنسان في قرارة نفسه وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية.
ثالثاً : الخطاب موجه لجميع المسلمين ممن ينوي عقد النكاح وغيره.
رابعاً : لا ينحصر موضوع الآية بالنكاح من المعتدة بل يشمل احوال الإنسان مطلقاً ذكراً كان او انثى، بالغاً او غير بالغ.
خامساً : بما ان علمه تعالى عين ذاته فانه يعلم خطرات قلوبنا قبل ان يخلق آدم عليه السلام، مما يدل بالدلالة الإلتزامية على ان الآية وما فيها من الأحكام حاجة لنا واصلاح لنفوسنا ويتضمن العمل بها منافع لا يعلمها الا الله عز وجل.
سادساً : ورود هذا التخويف والإنذار بخصوص موضوع العدة يدل على اهميته في حياة المسلمين.
سابعاً : يعتبر هذا الشطر من الآية من (آيات التعاهد) وهي الآيات التي تحفظ العمل باحكام الآيات ومضامينها اذ ان صيغة التخويف والتحذير الإلهي من ارقى صيغ التأديب لما استقر في نفس المؤمن من حتمية اللقاء معه تعالى والوقوف بين يديه للحساب.
ثامناً : من صفاته سبحانه الثبوتية الوجودية انه عالم، لأن الأشياء جميعها حاضرة لديه غير غائبة عنه بالإضافة الى تجرده واختياره في مخلوقاته فهو سبحانه فاعل مختار وكل مختار عالم.
تفسير قوله تعالى [ فَاحْذَرُوهُ ] وفيه وجوه :
الأول : الآية تخويف ووعيد وانذار.
الثاني : تدعو الآية لليقظة والحذر واخذ الحائطة للدين.
الثالث : الآية تأديب للإحتراز من المعصية وسوء الفعل والخوف من الإثم والعقوبة.
الرابع : المراد هو الحذر من غضبه وسخطه تعالى باجتناب اجراء عقد النكاح ايام العدة والزجر عن كل معصية وتعد على احكام الشريعة في هذا الموضوع.
الخامس : تخبر الآية عن اطلاعه سبحانه على خفايا النفوس، وتدعو لطرد الريب والشك واضمار مخالفة الأحكام.
السادس : الحذر هو الإمتناع من اتيان الفعل مع القدرة عليه بسبب ما فيه من الضرر، فلذا جاءت الآية للتنبيه والنهي عن المواعدة سراً والعزم على عقد النكاح مع القدرة عليه.
السابع : ورد في الدعاء: (و اعوذ بك مما اخاف واحاذر)، فالأولى ان يتوجه المسلم بالدعاء في المواطن التي تستلزم الحذر والفطنة للنجاة من سيطرة النفس الشهوانية.
الثامن : ان الله عز وجل لا يؤاخذ المسلم على ما يطرأ على قلبه من الأوهام فلماذا هذا التحذير :
أولاً : التحذير اعم من العقوبة.
ثانياً : قد يكون حديث ووسوسة النفس مقدمة للذنب والإثم.
ثالثاً : كثرة انشغال النفس واهتمامها بالمرأة المعتدة قد يؤدي الى ظهور الرغبة في العقد وحصول المواعدة.
التاسع : يعتبر هذا الشطـر مـن الآية الكريمة من (الآيات الوقائية) التي تستبق الحدث وتمنع من حصـول المعصيـة وتساهـم في اجتناب مخــالفة اوامــره سبحانــه، اذ انها تتصدى للحــالة النفسانيــة وما يهم الإنســان بفعلـه وتميل له النفس من النواهي، وبذا يكون القرآن مؤدباً وعلاجاً ووسيلة للصلاح والتخلص من الكدورات الظلمانية والتعدي على حقوق الآخرين ولو كانت اعتبارية يقطع بتلافيها بمجرد بلوغ اجل معين كما هو الحال في اوان انقضاء العدة.
العاشر : لقد اراد الله عز وجل تحقيق الغاية وهي ما لأجله يكون الشيء، وفق القواعد الشرعية، فلا يتوصل الىالنكاح بالتعدي على حرمات المسلمين او ايذائهم احياء وامواتاً، فجاء الضبط الزماني في الآية حكماً شرعياً مؤبداً.
الحادي عشر : الآية شاهد على الحكمة والدقة والسلامة في احكام الشريعة.
الثاني عشر : تخلق هذه الآيات حالة من التباني النفساني عند عموم المسلمين على استحضار احكام الشريعة في الفرعيات والتفصيلات وتنفي الغفلة عن الأمة في معاملاتها.
تفسير قوله تعالى [ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ] وفيه وجوه :
الأول : (الحليم) ورد صفة له تعالى في القرآن عشر مرات، ست منها مقترنة بصفة الغفور واثنتين منها جاءت صفة حليم متقدمة على الغفور وبلفظ واحد وهو [ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ]( ).
الثاني : ان تقديم صفة الغفور على الحليم في هذه الآية يدل على عفوه ومغفرته للتعدي والتجرأ الذي قد يحصل في مسألة المواعدة سراً مع المعتدة والحديث عن الزواج منها والإتفاق على اجراء العقد بعد الخروج من العدة، واقترانها بصفة الحليم دليل على رسوخ هذا الحكم حتى يوم القيامة، وان الأخطاء الشخصية لا تضره فتتوجه المغفرة لها باعتبار انها شخصية.
وصفة الحليم في المقام تدل على اللطف الإلهي وسعة رحمته تعالى عند غلبت الهوى والشهوة والشره وظهور التنافس او خشية استباق الغير للزواج من المعتدة.
الثالث : الآية مدح وثناء للباري عز وجل لصفاته الحسنى.
الرابع : في الآية تخفيف جاء بعد التحذير والتخويف.
الخامس : لو لم تأت هذه الخاتمة الكريمة لأصبح المؤمن وجلاً خائفاً من كل ما يخطر على قلبه من نوايا السوء او افراد الشك والباطل لعلمه بان الله عز وجل يعلمه.
السادس : الآية دعوة للإستغفار والإكثار منه واللجوء اليه تعالى لدرء الأضرار المترتبة على نوايا السوء.
بحث اصولي
لابد في النهى عن المواعدة والعزم ايام العدة على عقد النكاح من اضرار، وتارة يكون الضرر واقعياً حقيقياً كالذي يصاب ببدنه، وتارة يكون اعتبارياً كما لو فقد شخص جاهه وتضرر بسمعته، وكذا فان الزيادة في الجاه والسمعة تعتبر منفعة، وقد يكون الضرر الإعتباري اكبر وقعاً واشد على النفس من الضرر الحقيقي، اذ ان النقص مقوم لمفهوم الضرر، فاذا خسر الإنسان صيته وكرامته هانت عليه نفسه لما يترتب عليه من آثار.
والتعدي على احكام العدة تشمله عمومات قاعدة لا ضرر ولا ضرار بمعناها الأعم فلقد جعل الله العدة حقاً معنوياً للميت وحضوراً خارجياً له بعد وفاته ينشأ الضرر من تجاوز الخاطب وعناده.
والضرر الإعتباري لا ينحصر بالميت بل يشمل البناء الإجتماعي وكيان الأسرة كما ان الضرر في هذا التعدي له جوانب واقعية من خلال الإرباك والفتن التي تحدث بسبب هذا التطاول، فجاءت الآية لتعاهد التنظيم الإجتماعي وكيان الأسرة في ايام المصيبة والحزن وترك الأفراد والجماعات يعالجون امورهم ويتداركون ما يطرأ من الإبتلاء والنقص بسبب المصيبة مدة العدة، وليكون النكاح الجديد اضافة طولية لبناء الأسرة لأنه وفق الصيغ الشرعية.


ردود كريمة على بعض الأجزاء الأخيرة من هذا السِفر المبارك
1- سماحة الإمام شيخ الأزهر.
2- سماحة العلامة الشيخ أ.د. مفتي جمهورية مصر العربية.
3- الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي.
4- سيادة رئيس مجلس القضاء الأعلى/ العراق
5- سيادة رئيس المحكمة الاتحادية العليا .
6- الأمين العام لإتحاد المؤرخين العرب.
7- سعادة أ.د .رئيس جامعة ديالى .
8- كلية الإمام الاوزاعي للدراسات الإسلامية/ بيروت.
9- سعادة أ.د. مدير جامعة الملك فيصل/ المملكة العربية السعودية
10- سعادة أ.د. مدير جامعة كردفان/ الجمهورية السودانية.
11- سعادة أ.د. مدير الجامعة الإسلامية/ المدينة المنورة.
12- سعادة أ.د. رئيس الجامعة العراقية.
13- سعادة أ.د. رئيس جامعة ذي قار / العراق.
14- سعادة أ.د. رئيس جامعة جدارا/ المملكة الأردنية الهاشمية.
15- سعادة أ.د. مدير جامعة الأمير عبد القادر/ الجمهورية الجزائرية.
16- سعادة أ.د رئيس جامعة سومر .

السيد صاحب الفضيلة المرجع الديني الشيخ/صالح الطائي
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد،…..
فلقد تلقيت بحمد الله رسالتكم الرقيقة وبها الجزء الحادي والخمسون في تفسير آية واحدة من سورة آل عمران من القرآن الكريم.
نتضرع إلى الله العلي القدير أن يلهمكم العلم النافع وان يجعله في ميزان حسناتكم.
وشكر الله لكم حسن عملكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المرجع الديني الشيخ/صالح الطائي
صاحب أحسن تفسير للقرآن وأستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…وبعد،
فإنه ليسعدني أن أتقدم لسيادتكم بخالص الشكر والتقدير والإحترام على تفضلكم بإهدائنا نسخة من من الجزء الثاني والثمانين.
وأتمنى من الله أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه وان يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
شاكرين لكم، ولكم تحياتي

سماحة المرجع الديني الشيخ صالح الطائي حفظه الله ورعاه
صاحب أحسن تفسير للقرآن الكريم
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…وبعد,
فقد تسلمنا بيد الشكر والتقدير نسخة من كتاب”معالم الإيمان في تفسير القرآن” الجزء التسعون-الآية 134 من سورة آل عمران، والذي تفضلتم بإهدائه إلى معالي البروفسور أكمل الدين إحسان أوغلي، الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، ويشرفنا أن نتقدم إليكم بجزيل شكرنا على جهودكم المتواصلة لتفسير أي الذكر الحكيم، فجزاكم الله عنا خير الجزاء وبارك فيكم وفيما تقومون به من جهد مبارك خدمة للإسلام والمسلمين.

وتفضلوا بقبول وافر الشكر والتقدير.

سماحة الشيخ صالح الطائي “المحترم”

تحية طيبة
إشارة إلى كتابكم المرقم(7285/17) المؤرخ في 17/12/2017.
تلقينا ببالغ الإعتزاز إهدائكم نسخة من كتابكم الموسوم(معالم الإيمان في تفسير القرآن) الجزء التاسع والخمسين بعد المائة، نقدم شكرنا وتقديرنا متمنين لكم دوام الموفقية.
مع التقدير

سماحة الشيخ صالح الطائي “المحترم”
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
تحية طيبة…
إشارة إلى كتابكم المرقم(7473/17) المؤرخ 2/1/2018 تسلمنا ببالغ الإعتزاز إهداءكم نسخة من كتابكم الموسوم(معالم الإيمان في تفسير القرآن، الجزء الستون بعد المائة).
نقدم شكرنا وتقديرنا متمنين لكم دوام الموفقية.
مع فائق التقدير

إلى/ سماحة المرجع الديني للمسلمين الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
م/شكر وتقدير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
وأسأل الله تعالى ان يوفقكم ويحفظكم ويرعاكم انه سميعّ مجيب الدعاء.
عزيزي سماحة الشيخ المحترم :
تسلمت مع بالغ الشكر وعظيم التقدير والإمتنان هديتكم القيمة والمتمثلة في الأجزاء (160-161-164) من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) ان ولوجكم في هذا الميدان العلمي من التأليف في تفسير القرآن العظيم يعُيد الى الأذهان ذكريات أؤلئك المفسرين العظماء الكرماء الذين خلدهم التأريخ بإنجازاتهم العلمية الوفيرة والنادرة ، وان هذا المؤلف الكبير هو من المؤلفات النادرة حقاً في هذا الزمن الشحيح في علماء التفسير بحيث اعاد الأمل الى نفوس العلماء وطلاب العلم ، بان ميدان التأليف في هذا الفن العلمي انما هو رافدّ عظيم من روافد الفكر الاسلامي الخالد والذي نفتخر ونعتز به ، وأسال الله تعالى ان يسبغ عليكم بوافر الصحة ونعمة العافية من اجل اكمال هذا المشروع العلمي الخالد كي نباهي به الأجيال وكي نؤكد لكافة المسلمين ان هذا الاسلام يظل منبع للعلم والعلماء من اجل ديمومة هذا العلم الخالد .
اكرر شكري وتقديري على كرمكم الأصيل باهدائكم هذه الاجزاء لنا ، وأسأله تعالى ان يستمر عطائكم وتأليفكم بانجاز هذا المشروع التأريخي الخالد .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …

نشكر مبادرتكم الطيبة بإهدائكم لنا نسخة من كتابكم الموسوم (التضاد بين القرآن والإرهاب ) معالم الإيمان في تفسير القرآن / الجزء الحادي والتسعون بعد المائة ، نتضرع إلى الله العلي القدير ان يلهمكم العلم النافع وان يجعله في ميزان حسناتكم .

ومن الله التوفيق

بيروت في 9/ربيع الأول/1440هــ
الموافق 24/11/2018م

سماحة المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن
مكتب المرجع الديني الشيخ صالح الطائي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تتقدم كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية بأطيب تمنياتها، وتشكركم على الجزء(171) الذي وصلنا من جانبكم من كتاب: “معالم الإيمان في تفسير القرآن” والذي يتضمن قراءة في آيتين من القرآن بما يدل على أن النبي(ص) كان لا يسعى إلى الغزو ولم يقصده ولم يدع إليه.
آملين الإستمرار في إرسال الأجزاء التي ستصدر منها مستقبلا، شاكرين لكم حسن تعاونكم الدائم معنا وداعين الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فضيلة الشيخ/ صالح الطائي الموقر
مكتب المرجع الديني وصاحب أحسن تفسير للقرآن
وأستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
ص.ب -21168 مملكة البحرين

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد
تلقيت بكل الثناء والتقدير خطاب فضيلتكم رقم 1861/16 وتأريخ 20/5/2016م المرفق طيه نسخة من كتاب بعنوان “معالم الإيمان في تفسير القرآن ” الجزء الثاني والثلاثين بعد المائة.
يطيب لي ويسعدني أشكر فضيلتكم جزيل الشكر على إهتمامكم المتواصل بتزويد إدارة الجامعة بهذه النسخة ، وستحال إلى مكتبة الجامعة للإطلاع عليها، سائلاً المولى جلت قدرته للجميع التوفيق والسداد.
وتقبلوا خالص تحياتي وتقديري،،،

السادة/ مكتب المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي
صاحب أحسن تفسير للقرآن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تهديكم جامعة كردفان أطيب التحايا ، وتغمرنا السعادة بالإصدارات التي تتوالى إلينا بإنتظام من مكتب المرجع الديني في (معالم الإيمان في تفسير القرآن) والذي كان آخر هذه الإصدارات (الجزء السادس والثلاثين بعد المائة) والذي تشرفنا بإستلامه بموجب خطابكم رقم 1535/16 الصادر في 13/7/2016م، وذلك إثراءاً للمعرفة في مجال تفسير آيات القرآن، خدمة للباحثين والمهتمين بأمر التفسير القرآني، والتي أضحت متاحة في الأقسام المختصة بالمكتبات الأكاديمية في الجامعات ومراكز البحوث وجامعة كردفان تحظى بأعداد وافرة منها في مكتبها المركزية.
ختاماً لكم الشكر والعرفان على هذا الصنيع، نفعنا الله به، وأثابكم عليه خير الجزاء .
وتفضلوا بقبول فائق عبارات التقدير والإحترام

معالي الشيخ/ صالح الطائي سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، وبعد

فأسال الله لمعاليكم العون والتوفيق، ويسرني إفادتكم بأني تلقيت بكل تقدير وإمتنان إهداءكم للجامعة نسخة من الجزء التاسع بعد المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن).
وإنني إذ أتقدم لمعاليكم بخالص الشكر والعرفان على هذا الإهداء، لأدعو الله العلي القدير أن يمدكم بعونه وتوفيقه، وأن يسدد خطاكم ويكلل أعمالكم بالنجاح إنه سميع مجيب يحفظكم الله ويرعاكم.
ولكم تحياتي وتقديري
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن
تحية طيبة…
نشكر مبادرتكم الطيبة بإهدائكم لنا نسخة من كتابكم الموسوم الجزء الثلاثون بعد المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن) سائلين الباري عز وجل أن يوفقكم في مسيرتكم العلمية والعملية خدمة لبلدنا العزيز.
ومن الله التوفيق…

إلى/ مكتب المرجع الديني الشيخ صالح الطائي
صاحب أحسن تفسير للقرآن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …
باعتزاز بالغ واعجاب شديد بالجهود الكبيرة لسماحة آية الله العظمى الشيخ صالح الطائي (دام ظله) في تفسير كتاب الله العظيم من خلال تلقينا اهداءكم المبارك للجزء (132 ،133، 134) من معالم الإيمان في استظهار كنوز من كتاب الله المجيد، سائلين المولى عز وجل ان يوفق الشيخ الجليل لما فيه خير الدنيا والآخرة وخدمة الإسلام والمسلمين .

 والله ولي التوفيق

سيادة الأخ الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن الكريم
وأستاذ الفقه والأصول والأخلاق
بكل فخر وإعتزاز تلقيت رسالتكم الموقرة التي تحمل العدد (532) تأريخ 26/5/2012م، ومرفقها الجزء التسعون من التفسير في الآية(133) من سورة آل عمران.
وانني إذ أشكركم جزيل الشكر وعظيم الإمتنان على اهدائكم هذا، سائلاً المولى عز وجل أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية، وأن يجعلكم سنداً وذخراً للأمة الأسلامية متمنياً لكم كل التقدم والإزدهار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إلى السيد المحترم/ مكتب المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي صاحب أحسن تفسير للقرآن
تحية طيبة وبعد :
تلقينا نحن أ.د/ عبدالله بو خلخال مدير جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة، هديتكم القيمة المتمثلة في كتاب(معالم الإيمان في تفسير القرآن) الجزء الثالث عشر بعد المائة.
وإذ نعبر لكم عن شكرنا على هذه الإلتفاتة الكريمة، نهديكم نحن بدورنا نسخة من مجلة الجامعة العدد 33 ونسخة من نشرية أخبار الجامعة.

تقبلوا فائق الإحترام والتقدير.

مكتب المرجع الديني الشيخ صالح الطائي
صاحب أحسن تفسير للقرآن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تلقينا إهداءكم لنا نسخة من الجزء الخامس والخمسين بعد المائة من “معالم الإيمان في تفسير القرآن” لا يسعنا إلا أن نتقدم لشخصكم الكريم بالشكر الجزيل متمنين لكم دوام الصحة والعافية، وأن يجعلكم سنداً وذخراً للأمة الإسلامية متمنياً لكم كل التقدير والإزدهار.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة