معالم الايمان في تفسير القرآن – سورة البقرة – ج 49

المقدمــــــــــــة
الحمد لله الذي طالت قدرته جميع الخلائق, ووسعت رحمته الخلائق كلها إيجاداً واستدامة ورزقاً ، قال تعالى [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] ( ), ومن رحمته تعالى تفضله بنزول القرآن كتاباً هادياً الى صراط مستقيم، واختار لتلقيه عبده ونبيه صاحب الكمالات الانسانية محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وأيده بالمعجزات والآيات الباهرات، العقلية منها والحسية، وجعل كل آية من آيات القـرآن البالغة (6236) آية وزيراً، وعضداً له، وشاهد صدق على نبوته.
ليتجلى ما للآية القرآنية من المنزلة العظيمة والشأن، والاعتبار في عالم الاعمال , واسس بناء المجتمعات، وحاجة الذوات والاشخاص الى التفقه في احكامها ودلالاتها ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]( )، لاسيما وان كل آية لها ظاهر وباطن وحد ومطلــع , وترى علوماً متعــددة في ذات الآيــة القرآنية وفي باب الاعتقـاد والعبادات والمعاملات والاحكام ليكون الايمان حاضـراً في افعال الجوارح على الاطلاق الزماني في الليل والنهار.
وقد ورد نداء الإكرام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن ، منها ابتداء آية البحث به ، وسيأتي بعد مائتي آية أي في الجزء الثامن والأربعين بعد المائتين (قانون إحصاء منافع نداء الإيمان) ( ).
ليكون من فضل الله عز وجل علينا مجئ الموضوع المتحد في جزئين من التفسير بينهما مائتا جزء.
ومن خصائص آيات نداء الإيمان جمعها للأوامر المتعددة مثل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( )، أو النواهي المتعددة ، أو الجامع للأمر والنهي قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ]( ).
وقد ترد بعده جملة خبرية مثل [إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ]( ).
ولكل مسألة من مسائل الآية القرآنية مبادئ ومقدمات , لابد من استحضارها والتدبر فيها لاحراز الامتثال الاحسن والتوقي من المعصية، وكل آية قرآنيــة مدرســة في الفقــه والمعرفة الإلهية، ووســيلة لنيل السعادة الدنيوية والاخروية، وحرز من الاخلاق الذميمة والكدورات الظلمانية.
ومن الآيات الفقهية في القرآن (آية الدَين) التي هي اشراقة ملكوتية جامعة للعلوم الكسبية وعصمة من التعدي والزلل، وهذه العصمة انحلالية تتغشى كلاً من :
الأول : الدائن .
الثاني : المدين .
الثالث : الكاتب .
الرابع : الشاهد .
الخامس : عامة المسلمين لأن القرض وقضاءه من الخلق الحميد وعمومات قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، ليكون العمل بســننها واحكامها على وجوه :
الأول: رياضــة علمية .
الثاني : مجاهـــدة نفسية .
الثالث : ترك تعلقات الدنيا.
الرابع : الزهد بزينتها باظهار التقيد التام باحكام الشريعة , وجــادة الصدق, وعمومات قاعدة لا ضرر ولا ضرار, التي يحتاج العمل بها كـل طرف من الاطراف الاربعة اعلاه في عقد الدَين والقرض ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
وهذا الجــزء من القرآن فريدة في عالم التفسير والحمد لله , فالى جانب ما فيه من القواعـــد في الفقــه والاصول والكلام والبلاغة، فانه يختص بتفســـير آيـــة واحـدة من القرآن وهي الآية (282) من سورة البقرة , وهذا من لطف الله تعالى وفيوضات القرآن، وليس فيه الا العلــوم والبحوث والدراســـات الخاصــة بهذه الآية الشـــريفة تحليلاً وتحقيقــاً وتأويـــلاً واســـتنباطاً وبيانـــاً لمضامينها القدســـية، وما فيــها من الاحكام التي تنير دروب العابدين وتزيل غشــاوة الجهل عن الابصار، وتبعث على السخاء والكرم والوفاء، وتنمي ملكة التقوى، وتدعـــو القلوب المنكسرة للرجوع الى فئ القرآن والتقـــيد بأوامــره ونواهــيــه فأنه جـــنة بذاته ويهدي الى الخلود في النعيم.
انها سياحة في علم الملكوت تفتح ابواباً من السعادة،وارشاد الى الفضائل والأخلاق الحميدة، وهي حجة ودعوة للعلماء لتثوير علوم القرآن, وبرهان على امكان اقتباس واستقراء علوم ودرر مستحدثة من كل آية من آيات القرآن.
ان هذا الجزء والأجزاء الأخرى من تفسيرنا كلها في تفسير وتأويل وتحقيق الآيات توكيد لحقيقة وقضية من الأوليات التي يصدق بها العقل لذاتها من غير دليل خارجي, ويدركها كل مسلم بوضوح بعد الأن, وهي أن علم التفسير لا يزال في أول الطريق مع مرور أكثر من ألف واربعمائة سنة على نزول القرآن، ليس لعجز وتقصير من العلماء الذين اجتهدوا في الغوص في بحار علومه واخرجوا اللآلئ من تفســيره، بل لوجــود المقتضي وهو تعدد وانشــطار ذخــائر القرآن وطبقات كنوزه, وهــو من أفــراد الاعجاز الذاتي والغيري للقرآن [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
وتجعل آية البحث موضوعية للكتابة التي هي شعبة من العلم , وكتابة خصوص الدَين توثيقاَ لها واستدامة للإحسان والتراحم بين الناس , ومنعاَ للخصومة والفتنة , (عن ابن صدقة، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أصناف لا
يستجاب لهم منهم من أدان رجلا دينا إلى أجل فلم يكتب عليه كتابا ولم يشهد عليه شهودا)( ).
ومن فضل الله عز وجل صدر الجزء الخمسون من هذا السِفر خاصاً بذات آية الدَين والعلوم والأحكام المستنبطة منها , كما يأتي في الجزء الخمسين بعد المائتين من هذا السِفر بفضل (كلمات الأحكام في آية واحدة) ( ).
والمراد آية الدَين فالمتسالم عليه في تأريخ علم التفسير هو آيات الأحكام مع الإختلاف في عددها , وهل هي خمسمائة آية أو أكثر أو أقل , وقد أسست علماً جديداً في هذا السِفر وهو كلمات الأحكام , فترى الآية القرآنية تتضمن أحكاماً متعددة , وقد تكون كل كلمة منها حكماً مستقلاً كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وقد تتضمن الآية القرآنية الأمر المتعدد والنهي المتعدد , وقد تتضمن الآية الوجوب المتعددة والرخصة المتعددة كما في قوله تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
وأقوم بين الحين والآخر بالتنقيح والإضافة للأجزاء فاكتب هذه السطور الأخيرة واضافات عديدة في شهر شوال من السنة 1444 للهجرة والموافق شهر نيسان من السنة 2023 وفي التنزيل [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).

قوله تعالى[ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]الآية 282 سورة البقرة.

القراءة والإعراب واللغة
و(عن الأعمش قال : في قراءة ابن مسعود ( أن تضل إحداهما فتذكرها إحداهما الأخرى ))( ).
قرأ حمزة (إن تضل) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها.
وقرأ ابن كثير وأبو عمر وقتيبة (فتذكر) بالتخفيف والنصب، وقرأ حمزة (فتذكٌر) بالتشديد والرفع، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي (فتذكُّرِ) بالتشديد والنصب.
وقرئ ( لا يسأموا ان يكتبوه)( )، أي بالياء بدل لغة الخطاب، المرسومة في المصاحف، والاخيرة هي الانسب لسياق الآية وزيادة معانيها.
وقرأ عاصم (تِجَارَةً حَاضِرَةً) بالنصب وهو المرسوم في المصاحف، وباقي القراء بالرفع، (وعن عكرمة ان عمر بن الخطاب كان يقرأ (ولا يضارِ) بالاظهار وكسر الراء أي بالبناء للمفعول)( ).
وقرأ ابن عباس بالاظهار وفتح الراء.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) : يا : حرف نداء .
أي : منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب .
ها : للتنبيه .
الذين : صفة لـ (أي) .
آمنوا : فعل ماض , والواو فاعل .
والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب .
(إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ) إذا: ظرف لما يســتقبل من الزمان، ويتضــمن معنى الشرط، وجملة تداينتم في محل جر بالاضافة.
بدين : جار ومجرور متعلقان بتداينتم.
[إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] الى أجل: جار ومجرور، متعلقان بمحذوف صفة لدين، مسمى: صفة لأجل.
[فَاكْتُبُوه] الفاء : رابطة لجواب الشرط، اكتبوه: فعل أمر، والواو: فاعل، الهاء : ضمير في محل مفعول به.
والجملة لا محل لها من الاعراب لانها جواب شرط غير جازم.
[وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ] الواو: حرف عطف، اللام: لام الامر، يكتب: فعل مضارع مجزوم باللام.
بين: ظرف مكان متعلق بيكتب، الكاف: ضمير متصل في محل مضاف اليه.
الميم : علامة جمع الذكور، وهي على المشهور ساكنة كما في هذه الآية، ولا تضم الا عند التقائها بساكن آخر، ويجوز كسرها إذا جاءت متصلة بالهاء المكسورة.
ومن العرب من يضمها مطلقاَ فيقول انتموا، بينكموا.
كاتب: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
بالعدل: جار ومجرور متعلقان بكاتب.
وتنفرد هذه الآية بمجيء حرف (الكاف) ثلاثاً وعشرين مرة.
[وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ] الواو: عاطــفة، لا: ناهــية، يأب: فعل مضارع مجزوم، علامة جزمه حذف حرف العلة.
كاتب: فاعل مرفوع بالضمة .
ان: حرف مصدري وهي التي تدخل على الافعال المتصرفة سواء كانت بصيغة الماضي او المضارع او الامر، وتختلف عن (ان) المخففة انها لا تأتي الا بعد لفظ لا يفيد اليقين، كما في قولك، أود أن….، أريد أن…..
كما: الكاف: حرف جر، ما: اسم موصول، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف مفعول مطلق.
علمه: فعل ماض، والضمير: مفعول به، اسم الجلالة: فاعل.
[فَلْيَكْتُبْ] الفاء: فصيحة، اللام: حرف جزم وتسمى لام الأمر، يكتب: فعل مضــارع مجــزوم باللام، والفاعــل ضمير مســتتر تقـديره هو.
[وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ] وليملل: الواو: حرف عطف، اللام: لام الامر، يملل: فعل مضارع مجزوم باللام.
الذي: اسم موصول فاعل، عليه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، الحق: مبتدأ مؤخر.
والجملة الاسمية صلة الموصول.
[وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ] الواو: حرف عطف، اللام: لام الامر، يتق: فعل مضارع مجزوم باللام، علامة جزمه حذف حرف العلة، الفاعل: ضمير مستتر تقديره هو.
اسم الجلالة: مفعول به.
ربه: رب: بدل منصوب بالفتحة ، وهو مضاف، الهاء: مضاف اليه.
[وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا] الواو: حرف عطف، لا: ناهية، يبخس: فعل مضــارع مجـــزوم بلا، والفاعـل ضمير مســتتر تقديره هو، شيئاَ: مفعول به.
[فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ] الفاء: استئنافية، إن: أداة شرط جازمة، كان: فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، الذي: اسم كان.
عليه : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
الحق: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية لامحل لها لانها صلة.
[سَفِيهًا] خبر كان.
[أَوْ ضَعِيفًا] أو: حرف عطف، ضعيفاَ: عطف على سفيها.
[أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ] أو: حـرف عطــف، لا: نافية، يستطيع: فعل مضارع مرفوع بالضمة .
ان وما في حيزها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول يستطيع، هو: فاعل، او تأكيد للفاعل المستتر.
[فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ] الفاء: رابطة لجواب الشرط، اللام: لام الامر، يملل: فعل مضارع مجزوم باللام.
ولي: فاعل مرفوع، وهو مضاف، الهاء: مضاف اليه، بالعدل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي عادلاَ، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
[وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ] الواو: حرف عطف، استشهدوا: فعل أمر مبني على حذف النون، الواو: فاعل.
شهيدين: مفعول به منصوب بالياء لأنه مثنى .
من: حرف جر، رجال: اسم مجرور، وهو مضاف، الضمير : مضاف اليه.
[فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ] الفاء: استئنافية، إن: اداة شرط، لم: حرف نفي وقلب وجزم.
يكونا: فعل مضارع مجزوم بلم وهو فعل الشرط، الف الاثنين: اسم يكون.
رجلين: خبرها منصوب بالياء لانه مثنى.
[فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ] الفاء: رابطة لجواب لشرط، رجل: خبر لمبتدأ محذوف، امرأتان: عطف على رجل.
والتقدير فالشهود رجل وامرأتان، او بتقديــر كان التامة : فليكن رجــل وامرأتان، او بتقديـر فعــل: فليشــهد رجل وأمرتان، او فرجل وامرأتان يشهدون.
والجملة في محل جزم جواب الشرط.
[مِمَّنْ تَرْضَوْنَ] ممن: جار ومجرور، ترضون: فعل مضارع، والواو : فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لانها صلة الموصول.
[وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا] الوا: عاطفة، لا: ناهية، ياب: فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة.
الشهداء: فاعل مرفوع بالضمة لأنه جمع تكسير .
اذا: ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب.
ما: زائدة، دعوا: فعل مضارع مبنى للمجهول ، الواو: نائب فاعل، والجملة في محل جر بالاضافة.
[وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا] الواو: حرف عطف، لا: ناهية جازمة، وتختص بالدخول على المضارع، وتقتضي استقباله.
تسأموا: فعل مضارع مجزوم بلا، الواو: فاعل، ان وما في حيزها: مفعول به لتسأموا، صغيراَ: حال، أو: حرف عطف، كبيراَ: معطوف على (صغيراَ).
[وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا] الواو: حرف عطف، أدنى: عطف على أقوم، ان وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، أي ادنى لانعدام الريبة.
[إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً] إلا: اداة استثناء، ان وما في حيزها مصدر منصـوب على الاســتثناء المتصل لانها استــثناء من التجارة.
تكون: فعل مضــارع ، واسمها مستتر تقديره هي.
تجارة: خبر كان منصــوب ومن قــرأ بالرفع فلــه وجه آخــر في الإعــراب.
[تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ] تديرون: فعل مضارع، الواو: فاعل، الضمير الهاء مفعول به.
بين: ظرف مكان، وهو مضاف، والضمير: مضاف اليه.
[فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ] الفاء: حرف عطف، عطف جملة على جملة، عليكم: جار ومجرور خبر مقدم لليس، جناحُ: اسم ليس مرفوع بالضمة.
[أَلاَّ] مركبة من (أن) الناصبة للمضارع و(لا) النافية.
[تَكْتُبُوهَا]: فعل مضارع منصوب بان المدغمة في الا، الواو : فاعل، الضمير الهاء: مفعول به وان وما في حيزها مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض أي في ألا تكتبوها.
[وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ] الواو: حرف عطف، ويجــوز ان تكون استئنافية، اشهدوا: فعل أمر، الواو: فاعل، إذا: ظرف مستقبل متضمن لمعنى الشرط تبايعتم: فعل مضارع وفاعل، والجملة في محل جر بالاضافة.
وجواب الشرط محذوف تقديره : فاشهدوا ، ويجوز أن يكون إذا لخصوص الظرفية الزمانية مجرداً من الشرط بمعنى افعلوا الشهادة وقت التبايع.
[وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ] ولا يضــار: الواو: عاطفــة، لا: ناهية، يضار: فعل مضــارع مبني للمعــلوم مجــزوم حــرك بالفتــح لخفتـه.
كاتب: فاعل مرفوع، وعلى القول بان يضــار مبني للمجهول يكون كاتب نائباَ للفاعل، ولا: الواو: عاطفة، لا: نافية، شهيد: عطف على كاتب.
[وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ] الواو: حرف عطف، ان: اداة شرط، تفعلوا: فعـــل مــضارع مجــزوم بحـــذف النون، وهــو فعل الشـرط.
الواو: فاعل.
فانه: الفاء رابــطة لجــواب الشــرط انه: ان واسمها، فسوق: خبر (ان) مرفوع والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط.
[وَاتَّقُوا اللَّهَ]: الواو: حرف عطف، اتقوا: فعل أمر، الواو: فاعل، لفظ الجلالة: مفعول به.
[وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ] الواو: استئنافية، ولا تصلح ان تكون عاطفة لان الخبر لا يعطف على الانشاء.
ومن خصائص الاستئنافية انه لا يصح عطف ما بعدها على ما قبلها، وقيل الواو حالية وهـي التي على تقدير إذ.
والكاف في يعلمكم: مفعول به، والميم علامة جمع الذكور.
ولفظ الجلالة: فاعل مرفوع.
[وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] الواو: استئنافية، لفــظ الجـلالة: مبتدأ، بكل: جار ومجــرور متعلقان بعليم، شئ: مضاف اليه، عليم: خبر مرفوع بالضمة .
من اسماء الله تعالى الديان وهو الحاكم القاضي والقاهر لعباده، وهو فعال من دان الناس أي قهرهم على الطاعة، والدَين كل شئ غير حاضر دَين، والجمع أدين وديون.
ويقال دنت الرجل: اقرضته فهو مدين ومديون، ( وقال ابن سيده: دنت الرجل وادنته: اعطيته الدَين الى اجل)( )، قال ابو ذؤيب:
أدان، وانبأه الاولون
بان المدين مَلي وفي.

ورجل دائن، ويقال للذي عليه الدَين مُدان، قال الجوهري: رجل مديون كثر ماعليه من الدَين)
وتداينوا : تبايعوا بالدَين، وتداين القوم،اخــذوا بالدَين، اما القـرض فهو ان يقترض الدنانير او الدراهم او الحبوب او التمر او الزبيب، وقيل لا يجوز لاجل، وان الأجل فيه باطل.
لبيان أن النسبة بين الدَين والقرض هي العموم والخصوص المطلق , فالدَين أعم , ويشمل البيع والتداين, فقد يكون سبب الدَين الشراء وثمن المبيع , إذا تم الإتفاق على تأجيله , وكذا الأجرة في الذمة دين والقرض بالعين والمال .
فكل دين هو قرض وليس العكس .
ليكون من إعجاز الآية مجيؤها بلفظ (تداينتم) وليس (تقارضتم) الذي لم يأت في القرآن .
وامل الشــئ: نطق به والقــاه على الكاتــب ليكتبه، فليملل: من أمــلَّ، كما ورد في التنزيــل: [ فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ]( )، وهــو من أملى.
(وقال الفراء: امللت لغة اهل الحجاز وبني أسد، وامليت لغة بني تميم وقيس، يقال: املَّ عليه شيئاَ يكتبه واملى عليه، ونزل القرآن العزيز بلغتين)( ).
والبخس: النقص، ويأتي مقروناَ بالتعــدي والظلم والكراهة، ويقال ثمن بخــس أي دون ما يحب، ويقال للبيع اذا كان فيه انصــاف: لا بخس فيه ولا شطط، وابى فلان يأبى إباء: امتنع، وأبى الشئ: كرهه، قال الشاعر بشر بن أبي خازم:

يراه الناس اخضر من بعيد

وتمنعه المرارة والإباء( ).

وسئم الشئ وسئم منه سأماَ وسأمة: ملَّ وتضجر منه.
ويقال: اقسط يقسط فهو مقسط أي عادل، وقسط يقسط فهو قاسط اذا جار، وقال ابن منظور ( فكأن الهمزة في اقسط للسلب كما يقال شكا اليه فاشكاه)( ).
ولكنه قياس مع الفارق، والقســط من الاضداد ، والاصل فيه العدل .
و(عن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه.
يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل .
حجابه النور لو رفع الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ).
والقسط ميزان الاعمال.
والقوام : العدل والاستقامة، وقومته فقام أي استقام واستوى، وبدا معتدلاَ متزناً، وقوّم درأه: ازال عوجه.
ودنا الشئ دنوا: قرب، وفي حديث الحج (الجمرة الدنيا)( )، أي القربية الى منى، وهي فُعل من الدنو.
ومنه السماء الدنيا أي القريبة من ساكني الارض , وقد ورد هذا اللفظ ثلاث مرات كلها في بيان زينتها بالكواكب , قال تعالى [إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ]( ).
اما الدنئ بمعنى الدون والسفل فهو مهموز.
وفي الآية ثلاث وثلاثون ميماً.
في سياق الآيات
بعد آيات الانفاق وآيات الربا، وكل من الموضوعين باب لنقص المال ظاهر .
فالانفاق اخراج لشطر من المال من غير عوض، وترك الربا حاجز دون كسب الفائدة عليه، جاءت آية الدَين وهو أمر خال من الزيادة الظاهرية ايضاَ ، وفيه الأجر والثواب ، إذ جاءت هذه الآية لتوثيق الدَين والمنع من الإختلاف في الدَين.
والنسبة بين كل من :
الأول : النسبة بين البيع والقرض وهي العموم والخصوص من وجه.
الثاني : النسبة بين الدَين والكتابة .
الثالث : النسبة بين الدَين والشهادة .
وهل تجب كتابة الدَين , الجواب إنها مستحبة من جهات :
الأولى : ذكر الدائن والمدين .
الثانية : مقدار الدَين .
الثالثة : أجل الدَين .
وسيأتي في الجزء الثامن والأربعين بعد المائتين فصول فيها :
الأول : قانون التعجيل بالقضاء حال الميسرة ,( ).
الثاني : من معاني وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ.
الثالث : إحصاء الله عز وجل لمنافع التجارة , ( ).
إعجاز الآية
هذه الآية اطول آية في اكبر سور القرآن وأكثرها في عدد الآيات والكلمات، وهذه الخصــوصية نوع اعجاز لها وهي متميزة بها يعرفها كل مسلم عنده ادنى اطلاع في القرآن وتلاوته، ولقد اتصفت الآيات السابقة بالقصر مع انها عالجت اهم مواضيع المال وهي الانفاق والصدقات والربا، بصيغة الترغيب والتخويف والتذكير بالآخرة والحساب، وجاءت هذه الآية بموضوع متعلق بالمال ولكنها اتصفت بالطول والبيان التفصيلي وتعدد الأمر الإلهي الخاص بضبط الدَين والشهادة على الدَين كما تضمنت النهي المتعدد ومنه قوله تعالى [وَلاَ تَسْأَمُوا]( ).
كما ورد النهي بصيغة الجملة الخبرية [وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ]( ) لتكون مدرسة فقهية وقانونية واخلاقية، وحرزاَ لما بقي من المال عند المسلم.
وكأن الآية من الجزاء العاجل ومن شكر الله تعالى للمسلمين على التقيد باحكام الانفاق والكف عن الربا فاراد الله عز وجل حفظ اموالــهم، كما انها مقدمة للانفاق وصــلاح المعاش ودوام النظام العام في المجتمعات والاقتصاد، وان البسط في الآية يدل على الاعجاز في الايجاز في الآيات الاخرى مع اهمية مواضيعها.
ومن إعجاز آية البحث أنها تأديب للمسلمين , واصلاح لهم , واستدامة لمفاهيم الأخوة بينهم.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال (أدّبني ربّي فأحسن تأديبي)( ).
ومن إعجاز آية البحث أنها دعوة للإحسان والرفق والفضل بين الناس ، وهو من مصاديق نبذ الإرهاب والإقتتال وسفك الخصومة.
والبيع والدَين والقرض من العقود اللازمة فلابد من الوفاء بها.
وفي خاتمة الآية بشارة للذين يعملون بمضامينها ويحرصون على العدل والصدق في الكتابة والشهادة وإنذار للذين يحرفون الكتابة أو يكتمون الشهادة.
أختتمت آية البحث بالإخبار عن إحاطة الله عز وجل بكل شئ قبل حدوثه وبعد حدوثه فكل الأشياء حاضرة عند الله عز وجل.
وتسمى هذه الآية عند عموم المسلمين بـ(آية الدَين) كما تسمى آية (المداينة).
قانون منع آية الدَين للإختلاف
واحكام الآية ملائمة لافراد الزمان الطولية وللاماكن المختلفة ومناسبة للقرائح والطبائع، وكتابة الدَين والشهادة عليه مانع من النزاع والخصومة وفوات الحق والمال الخاص، خصوصاَ وان ضياعه في عمل الخير يثبط العزائم ويسبب انحساراَ في الحث على المعروف والاستجابة له.
وتجعل الآية موضوعية للشهادة في البيع والشراء لمنع الجهالة والغرر ولدفع الضرر.
وتبين الارتقاء في القواعد الفقهية والنظم المعاشية للمسلمين منذ ايام التنزيل وهو من عمومات قوله تعالى [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
فالآية تمنع من رمي المسلمين بالتخلف او القصور او الحاجة للأخذ من الحضارات الآخرى، وتحث على الشهادة وتعطي للمرأة شأناَ وموضوعية في المعاملات ، وهي شاهد على التكامل في النظم الاسلامية وهل من إعجاز الآية إستئصال الوأد والعنف ضد المرأة وقهرها في الميراث , الجواب نعم .
ومن الاعجاز ان يتضمن الأمر بكتابة الدَين ذكر الاجل مع موضوعية الشهادة ليكون الحكم مناسباَ لكل الاحوال والمستحدثات.
وجاءت الآية بالتشديد في كتابة الدَين، مما يعني كتابة ما هو أهم منه بالاولوية القطعية كالبيع والنكاح، وتبحث في موضوع التداين وحفظ الدَين وعدم تضييعه، أو تغيير بعض خصائصه، وتبين أهميته من وجوه:
الأول : تعلق موضوع الدَين بحقوق واموال الناس.
الثاني : قانون حفظ واداء الدَين صيانة للنظم التجارية وديمومة للاسواق والمعاملات.
الثالث : قانون أداء الدَين وافياَ مانع من كساد التجارات وتبادل السلع وانتقالها بين الايدي والبلدان.
الرابع : قانون الدَين وسيلة لتقوية الآخوة الايمانية، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
الخامس : قانون نشر آية الدَين المحبة واشاعة الود ومضامين شكر الانسان لاخيه وعدم الجحد.
وسيرد في الجزء الثامن والأربعين بعد المائتين من هذا السِفر أن عدد كلماتها يعادل ثلاثة أضعاف كلمات ثلاث سور مجتمعات وهي :
الأولى : سورة الكوثر ، وعدد كلماتها عشرة .
الثانية : سورة النصر ، وعدد كلماتها تسع عشرة .
الثالثة : سورة العصر ، وعدد كلماتها أربع عشرة .
السادس : لكل من المبادرة الى إقراض الآخرين وقضاء الدَين وامهال المعسر مفاهيم اخلاقية يحتاج اليها المجتمع في تماسكه وتقاربه لذا جعلت اطول آية في القرآن كله.
السابع : آية البحث من آيات السلم لما فيها من الإنصراف طوعاً وقهراً عن القتال وسفك الدماء ، من باب الأولوية القطعية في المن من الإختلاف ، وسيأتي في الجزء التاسع والأربعين بعد المائتين (إذا) في آية الدَين.
أطول آية
وهذه الآية هي الوحيدة في القرآن التي تتضــمن موضــوع التداين بين الناس واحكامه وتبعتها الآية التي بعدها لخصوص السفر وجاء التفصــيل لبيان موضــوعية الديون شــرعاَ وعقــلاَ وفي الميــادين المخــتلـفة.
ومن الاعجاز ان سورة البقرة هي اطول سورة في القرآن وتضمنت اطول آية وهي هذه الآية وعدد كلماتها هو مائة وثمان وعشرون كلمة، وعدد حروفها خمسمائة وواحد وخمسون حرفاً.
(وقال سفيان الثوري : بلغني أن سليمان يوم رد الله عليه ملكه، أمر الريح أن تحمله، فحملته فانتهى إلى مفرق الطريقين، استقبله خطاف فقال: أيها املك، إن لي عشاً فيه بيضات قد حضنتهن، وأنا أرجو إفراخي أيامي، فاعدل رحمك الله، فإنك إن مررت بالعش حطمت بيضات، فشفقه وترك ذلك الطريق، فانطلق الخطاف إلى البحر حين نزل سليمان فحمل ماء في منقاره، فنضح بين يديه، فسأله أصحابه عن ذلك فقال: إنه سألني أن أعدل عن الطريق الذي فيه عشه، فهو يحمل الماء من البحر بمنقاره ينضحه بين يدي شكراً لي.
وفي حديث آخر: أتاه برجل جرادة فوضعه بين يدي سليمان، فقال له سليمان: ما هذا.
قال: هدية لك فقال سليمان: لقد شكر هذا، ومن لا يشكر المخلوق لا يشكر الخالق) ( ).
الآية سلاح
من اعجاز الآية انها حرز وعون للمسلم ومانع من الاستحياء من كتابة الدَين، هذا الحياء الذي قد يسبب ضياع المال عن قصد او غير قصد لان الانسان عرضة للنسيان فقد ينسى ماله عند الناس، وقد ينسون ما بذمتهم له، وقد ينسى الطرفان معاَ وكذا الشهود , او يطرأ أمر على الكيفية النفسية والسجايا بسبب الطمع او شدة الحاجة.
لقد جاءت كتابة الدَين بصيغة الأمر، وهو دعوة لاعتبارها والشهادة في الماليات ومنع الحرج والغرر المحتمل .
وتمنع الآية المدين من الامتناع عن كتابة الدَين والترفع عنه، ويكون صك الدَين والوثيقة سلاحاً لصاحب المال وعوناً للمدان على القضاء, وكذا بالنسبة للشهادة فهي واقية للطرفين وسلامة في النشأتين ، وفيه تخفيف ، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ]( ).
ومجيء الآية بصــيغة الجمع إخـبار عن حصول التباين في القدرة المالية والملكية الشخصية، وحصول مال زائد عن المؤونة عند بعض المؤمنين، ويقابــله حاجة عند غيرهم وليس كــل ملي يقــرض الآخرين، ولا كل محتاج يستدين .
لذا وردت الآيــة بأداة الشــرط (اذا) كما ان فريقاً من المسلمين يعزفون عن الدَين، ولا يقربون الدَين اقراضاً او اقـتراضــاً، ســـواء في فترات مــن أعمارهــم، او في أيـــام حياتهـــم مطلقاً.
وتدل لغة الجمع في الآية على شمول أحكامها للدين الحاصل بين الجماعات والقبائل والمؤسسات والدول الإسلامية، بل هو أولى من المعامــلة الفــردية، لكبر مبلغ الدَين غالباً وللمسؤولية الجماعية، ولحصــول الفتن الشــديدة في حــال وجود خلل وتقصير في أحكام الدَين.
والآية دعوة للتداين كونه عنواناً للتراحم والتوادد بين المسلمين وعوناً على دفع الضرر المحتمل والحاجة الطارئة، وهل يرد الثواب الوارد في الدَين للجماعة والدولة مثلما يعود للفرد.
الجواب : نعم ويكون مركباً دنيوياً وأخروياً، والدنيوي يشمل الأفراد وذات الدولة وأهلها بصرف البلاء او تأجيل أوان زوال تلك الدولة , بشرط عدم فرض أرباح قليلة كانت او كثيرة على الدَين.
مؤتمر آية الدَين
تقتضي الوظيفة الشرعية والأخلاقية في هذا الزمان الإلتفات الى جعل موضع متميز للقرآن في المحافل الدولية, وفيه مقاصد سامية وغايات حميدة تنفع المسلمين وغيرهم, ويكون واقية للقرآن ووسيلة لإظهار كنوزه وعلومه.
فينبغي عقد مؤتمر دولي باسم (آية الدَين) يحضره الفقهاء ورجال القانون والسياسة والإقتصاد والتجارة وعلماء الإجتماع والتأريخ والأخلاق والتربية والنفس من المسلمين وغير المسلمين، للبحث في مضامين هذه الآية ومنافعها , وإشارات الإعجاز فيها وتقدمها على زمانها وازدياد الحاجة لها مع تقادم الأيام والسنين والشواهد والمحتملات , والأضرار الناتجة عن ترك أحكامها والإعراض عنها، مع بيان منافعها في الجوانب المختلفة , وكيفية إحياء موضوعاتها وسننها وأحكامها وعدم التفريط بها, وتفرع أحكام الدَين والقرض بفضــل وجودها بين ظهرانينا, واثبات عدم الإستغناء عنها، وقاية ودليلاً وعلاجاً, وما يترشح عنها من الفوائد في العبادات والمعاملات والإصلاح الإجتماعي وتهذيب النفوس.
ويكون هذا المؤتمر دورياً راتباً , تناقش وتبحث فيه كل مرة آية من القرآن الكريم ليعلم الناس جميعاً اعجاز القرآن وقطعية نزوله من عند الله، ولزوم الأخذ منه والصدور عنه في المعاملات والعلاقات الشخصية والدولية.
هذا المؤتمر الدوري نافع للمسلمين افراداً وجماعات ، ونفع للناس جميعاً, ووســيلة علمية وفكــرية تفيض بالخير والنفع على الجميع، وآلة مباركة لإشاعة التراحم بالتداين وضبط الأداء وفق الصيغ الشرعية، واثبات عدم حصول تعارض بين أحكام الآية مع التفصيل فيها وبين الواقع الذي يتطور ويتعقد بسرعة فائقة .
بمعنى ان القرآن مؤهــل للإمـــامة دائماً على اختـلاف الأحوال وتعدد البلدان والثقافات ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
مفهوم الآية
الخطاب موجه الى المسلمين عامة فيما يخص التداين بينهم ويشمل بالاولوية الدَين مع غيرهم، سواء كان المسلم دائناَ أم مُداناَ، لمنع الاضرار بالمسلم والتعدي عليه، وللنجاة من اهل الريب والحسد الذين يحاولون الاساءة الى الاسلام من خلال امور شخصية وهمية، وكتابة الدَين والاشهاد عليه مانــع من الفتنة والغيبة والنميمة والتعدي واسباب الخصـــومة، واشــغال القضاة والحكام برفع الدعوى واللجوء الى اليمين.
ومن الناس من يحلف بالله مع ان يمينه غير مطابقة للواقع من غير قصد منه فجاءت آية البحث لبيان عدم وصول النوبة لحديث الرفع بقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (“رُفِع عن أمَّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه”)( ).
لتعدد أطراف الدَين والقرض , ولأن نسيان مقدار الدَين وصاحبه وأجله إضرار بالغير فأمر الله عز وجل بكتابته وتدوينه , ومنه قاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
كما لو ادعى بقاء دين قد تم قضاؤه، أو أنكره بظنه انه قد وفاه، خصوصاََ عند تداخل العقود وتعددها.
ومن الاعجاز في الآية ان يأتي فيها الأمر بالكتابة والشهادة معاَ، وليس الكتابة وحدها مع انها وثيقة، وهذا الأمر ضبط للمعاملات في باب القــروض الى يوم القيامة.
واكثر الخلافات التي تحصل في هذا الباب بسبب عدم الكتابة او الاخلال بالشهادة.
وتمنع الآية الكاتب من كتابة ما يخالف احكام الشريعة .
ومن يجتنب كتابة غير الحق احترازاً تنمو عنده ملكة التقوى والحرص على أداء الحقوق والواجبات.
لذا تكرر الأمر بتقوى الله عز وجل في الآية قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا]( ).

قانون كتابة الدَين رحمة
من معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) وجوه :
الأول : كل آية من القرآن رحمة للعالمين , فكتابة الدَين رحمة للدائن والمدين سواء كان من المسلمين أو من غيرهم .
الثاني : العمل بمضامين الآية القرآنية رحمة .
الثالث : الجمع بين كل آيتين من القرآن رحمة .
الرابع : كل سورة من القرآن رحمة للعالمين , وهو من أسرار تقسيم القرآن إلى سور وعددها مائة وأربع عشرة سورة .
الخامس : نزول القرآن رحمة للعالمين , قال تعالى [وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِين]( ).
تنهى الآية في مفهومها عن ترك كتابة وتوثيق الدَين او عدم كتابة اجله، وتحث على اجتناب شهادة الفاسق ومن لا يوثق به، وتمنع من ازدراء النساء وتنحيتهن عن الشهادة.
مما يدل على اكــرامهن فالأمر بقبول شهادتهن يترشح عنه قهراَ قانون الاقرار بمنزلة المؤمنات واهليتهن للعدالة والصدق والاخلاق الحميدة.
كما تمنع الآية من ترك التوثيق بسبب قلة الدَين، فالقليل قد يكون له اعتبار وشأن فيما بعد، او يكون سبباَ للخصومة والكدورة لا بذاته بل بسبب ادعائه او نكرانه او الاضافة عليه، فقد يستخف المدين بقلة الدَين ولا يمليه ولكنه يفاجئ عند الأجل أو قبله بادعاء مبلغ آخر أكبر منه.
وتنهى الآية في مفهومها عن وضع الشروط والقيود على الدَين الحاصل بين الأفراد والجماعات والدول الاسلامية، وتدعو الى تسهيل أمر التداين بين المسلمين وتحذر من تعطيله مع القدرة عليه والتمكن منه، وفيها حث على وضع القواعد الكلية الثابتة للمعاملات التجارية المتعارفة او المستحدثة وفق الكتاب والسنة , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ]( ).
فالآية تأديب للمسلمين وارشاد لكيفية المعاملة، ومنع من حصول الأذى فعلاً او تلقياً، عن قصد او بغير قصد.
ومع ورود حديث الرفع ورفع النسيان عن الأمة وعدم ترتب الأثر عليه، تخفيفاً ولطفاً من الله عز وجل، إذ ورد (عن ابن عمر أنّ النبيّ {صلى الله عليه وآله وسلم} قال : رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما أُكرهوا عليه)( ).
ويتجلى قانون آية الدَين وقاية من النسيان والغفلة، لأن الأمر لا يتعلق بالعبادة وحق الله عز وجل وهو الغفور الرحيم، بل بحقوق الناس التي لا تُغفر الا ان يرضى اصحابها.
فنسيان صلاة العصر في احد الأيام مثلاً يختلف عن نسيان دين شخص انشغلت به الذمة , مع الأقرار بعظيم أهمية الصلاة ولزوم المحافظة عليها وتعاهدها، قال تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ]( ).
لذا جاءت هذه الآية بقانون النجاة من التسبيب في تضييع حقوق الاخرين.
واختتمت الآية بالأمر بتقوى الله لانها وقاء وحرز، وفيه توكيد على عدم التفريط باحكام هذه الآية وما فيها من السنن , وتنهى الآية الكتّاب من الامتناع عن توثيق الدَين بالكتابة، لانه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويكون احياناَ واجباَ عينياَ، كما انه سبيل لطمأنينة الدائن والمدين وإعانة الأخير على افراغ ذمته , قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
وروي في الخـــبر ان في ســـورة البقرة خمسمائة حكماَ، وفي هذه الآية خمسة عشر حكماَ ثم ذكرها بالتفصيل)( ) .
إفاضات الآية
من إعجاز القرآن وجوه :
الأول : قانون القرآن هو الامام الذي يهـــــذب النفوس .
الثاني : قانون القرآن يصــلح المجتمعات .
الثالث : قانون القرآن يقــود الى الجنة .
الرابع : قانون هداية القرآن الى الصراط المستقيم، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]( ).
وجـــاءت هذه الآية لتبين حضـــور القرآن في تفاصيل الحياة اليوميـــة الاقتصادية والمعاشـية، ودخوله طــرفاَ ثالثاَ بين الدائن والمدين، والبائـــع والمشــتري.
فما مــن أمر الا والله شاهد عليه الا انه سبحانه أمر بالشهادة وليكون القرآن شـــهيداَ علينا في التقيد باحكـــام هذه الآية سواء الواجبة منها او المستحبة.
وتحث الآية على الدَين والقرض وتجعله ظاهرة وواقعاَ حاضراَ في كل بلد من بلدان المسلمين لما فيه من فوائده ومنافعه وجوه :
الأول : المنافع المادية .
الثاني : المنافع الإقتصادية .
الثالث : المنافع الإجتماعية والاخلاقية.
الرابع : قانون إشاعة الدَين صرف للبلاء والفتن.
الخامس :قانون الثواب العظيم على الدَين والقرض في النشأتين.
وما من مجتمع يكثر فيه التداين غير الربوي الا وترى الاخلاق الحميدة والصلات الأخوية تســـود فيه، وتغــمر أهله السعادة والغبطـة، ويغيب عنه التحاسد والبغض , وهو من المصاديق العملية [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
وتساهم هذه الآية بحفظ الاخوة الايمانية بين المسلمين وتمنع من تداعيها وحصـــول التنازع بســبب الدَين ونكـــرانه او الاختلاف في اجله، وهذا التنازع يؤثر ســـلباَ على اداء العبادات وحضـــور الجماعات، فالآية وان جاءت في موضوع الدَين الا ان الغايات السامية لها اكثر من ان تحصى وهي متعـــددة في كل ميدان من ميادين الحياة، وهذا من اعجاز القرآن واسرار آياته، فترى الآية تأتي في موضوع مخصوص ويحرص المســـلمون على التقيد باحكامها الا ان منافعها لا يعلمها الا الله عز وجل.

قانون التقيد بأحكام القرآن نجاة في الآخرة
سينكشف الغطاء يوم القيامة ليرى المسلم كم اندفع عنه من البلاء بسبب التقيد بأحكام كل آية قرآنية، ساعات طويلة يحتاجها يومئذ للاطلاع على منافع كل آية على نحو مستقل من الآيات الاخرى، والاضرار التي تجنبها وصرفت عنه بسببها، وهكذا كل آية من آيات القرآن التي عمل بها وتقيد باحكامها، ثم ينظر بمنافع العمل بالآيات مجتمعة , قال تعالى [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ]( ).
ويطلع المسلمون على المنافع النوعية العامة لتقيدهم باحكام كل آية قرآنية ثم القرآن كله كجامع للاحكام، فماذا يحصــل لو ان المسلمين تركوا كتابة الدَين والشهادة عليه، ربما التجأ بعضهم الى الربا بما فيهم من كان ذا مال وثروة، ولكنه يكثر البيع بالسلف واقراض الناس فكسرت تجارته وركبته الديون.
فجاءت هذه الآية للعناية بالمحسنين وحفظ الاموال، وتخلص الناس من الانكار والكذب واكل المال بالباطل , وتؤكد حرمة الربا على أطرافه قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
فصــحيح ان الخـطـــاب في الآية موجـــه الى اربــاب الاموال والتجار والباعة والمدين الا انه في مفهومه موجه الى المشتري للرضا والقـــبول بالتوثيــق وعدم النكران لانه يؤدي به الى النار.
فافاضات الآية تتغشـــى الدائن والمدين وتنـــقذهما من النســيان الضـــار الذي يكون فيه تضييع لحقــوق الناس وبــقاء الذمة مشــغــولة، وســـيرد اقتـراح (مؤسسة الديون) وشــرائطها في تفســـير قوله تعالى [وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا]( ).
ويتعلق الدَين بالمال الخاص والعام , وقال تعالى [إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ]( ).
أصل الفتنة لغة من فتنة الذهب والفضة باذابتهما بالنار لتميز الجيد عن الردئ ومنه قوله تعالى [يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ]( ) أي يحرق الكفار بالنار .
والفتنة في الإصطلاح هي الإمتحان والإختبار , وتشمل المحنة والإختلاف الشديد بين الناس بالرأي ومما يترتب عليه من الأذى والضرر .
كما تكون الفتنة بالمال والولد بشدة إعتناء الإنسان بكل منهما .
فجاءت آية الدَين لغلق باب من أبواب الفتنة في المال والمكاسب بين المسلمين , ومنهم ذوي القربى الذين يقرض ويساعد بعضهم بعضاَ , والشواهد عليه كثيرة في كل زمان ومجتمع .
وتبعث آية الدَين على مكارم الأخلاق , ليكون من مصاديقها وتفسيرها لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بُعثت لأتُمّم مكارم الأخلاق)( ).

كثرة أحكام آية الدَين
جــاءت في الآيــة عدة أوامــر وأحكـــام وسنن عن القرض والتداين وهي :
الأول : توجه الخطاب للمسلمين الذين آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإبتداء الآية بنداء (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)( ).
الثاني : تعلق الآية بموضوع الدَين والقرض.
الثالث : قانون الترغيب بالتداين .
الرابع : حصول التداين بين المسلمين.
الخامس : قانون المنع من العزوف عن الإقراض .
السادس : الدَين الى أجل ووقت مضروب لقاعدة منع الجهالة والضرر.
السابع : يجــب ان يكون وقــت الاداء معيـــناَ معلومـــاَ من غير لبس او ترديد.
الثامن : كتابة مقدار الدَين بما يمنع من الغرر والاشتباه وحصول اثر للسهو او النسيان.
التاسع : يقوم بالكتابة والتدوين كاتب ممن يتقن الكتابة.
العاشر : قانون عدالة كاتب الدَين.
الحادي عشر : عدم جواز امتناع الكاتب عن الكتابة عند اجتماع الشرائط الشرعية.
الثاني عشر : الكتابة وفق القواعد والاحكام الشرعية مما يعني لزوم احاطة الكاتب باحكام القرض والدَين وسنن الكتابة.
الثالث عشر : اجتناب مخالفة الكتاب والسنة في كتابة الدَين.
الرابع عشر : عدم تردد الكاتب في تدوين ما فيه مرضاة الله.
الخامس عشر : الذي يملي على الكاتب هو المدين وليــس الدائن، وليكــون الاملاء حجة عليه في معرفة الدَين ومقداره مع معرفة واطلاع الدائن.
السادس عشر : خشية الكاتب من الله عز وجل.
السابع عشر : عدم الانقاص من الدَين ومقداره.
الثامن عشر : مع تعذر املاء المدين شرعاَ، يقوم وليه بالاملاء نيابة عنه.
التاسع عشر : قانون اشتراط الشهادة على وثيقة الدَين.
العشرون : لا يكتفى بشاهد واحد وان كان عدلاَ فلابد من شاهدين.
الواحد والعشرون : قانون جواز شهادة المرأة على الدَين.
وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنات بما يدل على أهليتهن للشهادة على الدَين , قال تعالى [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ).
الثاني والعشرون : قانون شهادة امرأتين عن شهادة رجل واحد.
الثالث والعشرون : علة التعدد في انابة المرأة عن الرجل في الشهادة.
الرابع والعشرون : عدالة الشهود، سواء في الرجال والنساء , قال تعالى [بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ]( ).
لتكون الآية أعلاه تقييداَ وصفة للشهود في آية البحث إذ أن الشهادة خبر قاطع عما شاهده .
و(عَدِي -هَو ابن عميرة الكندي-قال: خاصم رجل من كِنْدةَ يقال له: امرؤ القيس بن عابس رَجلا من حَضْرمَوْت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرئ القيس باليمين.
فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبتْ ورب الكعبة أرضى.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيقتطِعَ بِهَا مَال أحَد لَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ” قال رجاء: وتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا}( ).
فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟
فقال الجنة” قال: فاشهَدْ أني قد تركتها له كلها)( ).
الخامس والعشرون : عدم جــواز امتناع الشــهود عن الادلاء بالشــهادة اذا ما دعوا لها.
السادس والعشرون : عدم اظهار الملل من كتابة الدَين.
السابع والعشرون : كتابة الدَين مطلقة للقليل والكثير.
الثامن والعشرون : استثناء التجارة الحاضرة والبيع بالعاجل من الكتابة.
التاسع والعشرون : الشهادة في البيع مطلقاَ سواء كان نقداَ او نسيئة.
الثلاثون : عدم الاضرار بالكاتب بسبب كتابته وفق القواعد الشرعية.
الواحد والثلاثون : اجتناب ايذاء الشاهد لتحمله الشهادة.
الثاني والثلاثون : التوكيد على تقوى الله لانها الاهم في المقام.
قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وهل إقراض المحتاج وإجهال المعسر وسيلة إلى رضوان الله عز وجل , الجواب نعم , لذا فإن آية البحث رحمة يومية متجددة وسبيا هدى وسداد.
الثالث والثلاثون : تفضل الله تعالى بارشــاد المسلمين الى كيفية تنظيــم شـؤونهم التجارية.
لذا ورد في خاتمة الآية الجمع بين التقوى والتعليم , بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]( ) لبيان أنه مع التحلي بالتقوى تأتي مصاديق كثيرة من العلم النازل من عند الله عز وجل .
الرابع والثلاثون : الاخبار عن قانون علم الله تعالى بكل الامور والاشياء.
الخامس والثلاثون : إقتران علم الله بقانون رحمة الله بكل الخلائق ويدل على هذا الجمع بينهما قوله تعالى [رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا]( ).
كلمات إنفردت بها هذه الآية
انفردت هذه الآية بكلمــات لم ترد في غــيرها ولو بلحــاظ الإعراب والفعل الماضي او المضارع، والاسم المفرد والتثنية والجمع وهي:
الأول : (كاتب) بصيغة المفرد والرفع، ولم يرد في القرآن الا ثلاث مرات كلها في هذه الآية، وورد مرة واحدة منصوباً في الآية التالية.
الثاني : (يملّ).
الثالث : (يبخس) مضارعاً أو ماضياً.
الرابع : (سفيهاً) منصوباً.
الخامس : (شهيدين) بصيغة المثنى.
السادس : (تضل) بصيغة التأنيث.
السابع : (يأب) مرتين في هذه الآية احداهما تتعلق بالكاتب, والاخرى بالشهود.
الثامن : (التداين).
التاسع : (امرأتين) بصيغة المثنى المنصوب.
العاشر : (ترضون)
الحادي عشر : (ارتاب) بصيغة المفرد او الجمع.
الثاني عشر : (حاضرة) صفة للتجارة.
الثالث عشر : (تكتبوها).
الرابع عشر : (تبايعتم).
الخامس عشر : (يضار) بصيغة المذكر.
السادس عشر : (يملل) مرتين في هذه الآية
وفيـه اشـارة الى خصوصية هذه الآية وانفرادها بأحكام قرآنية وتشريعيـة ، وفيه دعــوة للتقـــيد بما فيها، لاسيما وان كل كلمة من الــقــرآن فـــريـــدة لا يمكـــن ان تحل بدلهــا كلمة اخرى, وان كانت مرادفة لها.
وهو من أسباب عصمة القرآن بمن التحريف والزيادة والنقيصة ، قال تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ]( ).
واختلف في أرجى آية في القرآن على أقوال عديدة، منها آية الدَين، لما فيها من ارشاد الى مصالح العباد وحفظ أموالهم بأمرهم بكتابة الدَين الكبير والحقير، وهو دليل العناية الإلهية بالمسلمين العامة والخاصة، وباب لرجاء عفو الله سبحانه عنهم.
الآية لطف
يسَتلزم تفسير هذه الآية بحثاَ مستحدثاَ ومستقلاَ في المناسبة بين كلمات واحكام الآية لطول الآية وكثرة الاحكام التي فيها وورود الاستثناء مع التدبر .
ومن إعجاز الآية تعدد وجوه اللطف الإلهي فيها من جهات :
الأولى : قانون آية الدَين حرب على الربا .
فلما تقدمت آيات تحريم الربا , والزجر عنه , والإكتفاء بأخذ رأس المال , كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]( ).
جاءت هذه الآية للبديل عن الربا وقضاء حاجة المحتاج للمال علماَ بأن الربا حرام على المرابي والمقترض .
الثانية : البشارة بالسعة وكثرة المال عند المسلمين وأعمال التجارة والزراعة عندهم , قال تعالى [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
فهذه الآية دعوة لتعاهد الصلاة , والسعي بعدها في أمور المعيشة والكسب والدعوة إلى الله عز وجل .
وفي قوله تعالى [وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا]( ).
و (عن ابن عباس في قوله : { وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً }( ) قال : قدم دحية الكلبي بتجارة ، فخرجوا ينظرون إلا سبعة نفر) ( ).
وعنه أيضاَ في الآية أعلاه قال : (جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام ، فخرجوا من الجمعة ، بعضهم يريد أن يشتري ، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية ، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائماً على المنبر ، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً) ( ).
لتكون هذه الآية دعوة لأجيال المسلمين لتعاهد الصلاة في أوقاتها خاصة عندما تكثر أموالهم , وتخرج لهم الأرض كنوزها كما في هذا الزمان والحمد لله ,
قال تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ]( ).
الثالثة : قانون ترغيب المسلمين بالقرض والإقتراض .
الرابعة : قانون توثيق الديون بالكتابة والشهادة ومنع الإختلاف بينهم .

تكرار الأمر بالتقوى في الآية
دعوة الآية للمسلمين لتقوى الله عز وجل , إذ تكرر فيها الأمر بالتقوى من وجهين :
الأول : أمر خاص بالتقوى يتعلق بالمدين بقوله تعالى [وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ]( ) والتقوى هنا على جهات :
الأولى : إملاء مقدار الدَين .
الثانية : ذكر الأجل .
الثالثة : تثبيت اسم الدائن .
الرابعة : الحرص على اسماء الشهور لصفات القرض .
الخامسة : الدعاء للدائن ، وسؤال الله عز وجل تيسير القضاء.
السادسة : قانون الحرص على أداء الدَين في أوانه .
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مَنْ مشى إلى غريمه بحقّه صلت عليه دواب الأرض ونون الماء وكتب الله عزّ وجلّ بكلّ خطوة شجرة يغرس له في الجنّة وذنباً يغفر له فإنّ لم يفعل ومطل فهو متعدّ)( ).
السابعة : قانون الإمتناع عن المماطلة في قضاء الدَين ، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (مطل الغني ظلم) ( ).
الثاني : أمر عام بالتقوى في خاتمة الآية وبصيغة الجمع هي قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]( )، ليكون الجمع بين الأمر الخاص والعام في تقوى الله في آية واحدة من إعجازها ، والمخاطبون في الآية على جهات:
الأولى : الدائن : فلا يظهر المنّ على المدين ، وفي الصدقة ورد (عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول)( ).
وهل يشمل الحديث القرض بحيث تكون يد المقرض هي العليا ، ويد المقترض هي السفلى ، أم أن القدر المتيقن في الحديث موضوع الصدقة ، المختار هو الثاني فلا يشمل الحديث القرض .
الثانية : المدين : ليتوجه إليه الخطاب العام والخاص بتقوى الله عز وجل لوجوب أداء الدَين بشروطه ، والوصية بوجوب قضاء دينه عند وفاته.
الثالثة : الشهود : لذا تشترط العدالة في الشاهد وهو المستقرأ في قوله تعالى [مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ]( ).
الرابعة : الكاتب : الذي يكتب مقدار الدَين وأجله ويذكر اسم الدائن والمدين .
الخامسة : تذكير الشهود والشاهدات بعضهم لبعض في خصائص الدَين.
السادسة : هل يقضي دين الميت من الثلث أم من مجموع تركته ، الجواب هو الثاني سواء أوصى به أم لم يوصي لقوله تعالى [مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ]( )، ومع تقدير الآية الوصية فان الدَين مقدم عليها ، وهل يدخل فيه نفقة الحج لمن لم يحج حجة الإسلام ، الجواب نعم.
ليشمل قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] ورثة الميت سواء كان مديناً لله أو للناس، فلابد من نظر الورثة في ديون المورث .
السابعة : عامة المسلمين والمسلمات بالأمر بالمعروف كالإقراض وتيسيره ، وحسن قضائه والصبر على المدين ، قال تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ]( )، ونهيهم عن المنكر من الشح والمطل في القضاء .
و(عن رجل من أهل البادية قال : أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله ، فكان فيما حفظت عنه أن قال : إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله إلا أعطاك الله خيراً منه)( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
ابتدأت آية البحث بنداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ) وتقديره بلحاظ مضامين الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اكتبوا الدَين .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا ليكتب بينكم كاتب بالعدل .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا لاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا ويتعهد الذي عليه الحق ربه .
السادس : يا أيها الذين آمنوا لا يبخس المدين شيئاَ عند الكتابة .
السابع : يا أيها الذين آمنوا ليملل ولي السفيه بالعدل .
الثامن : يا أيها الذين آمنوا استشهدوا شهيدين من رجالكم.
التاسع : يا أيها الذين آمنوا استشهدوا رجل وامرأتين ممن ترضون من الشهداء .
وهكذا تقدير بقية الآية بلحاظ استدامة وموضوعية نداء الإيمان في كل أفراد ومضامين الآية الكريمة .
ومع ابتداء الآية بصيغة الشرط واحتمال حصول التداين فإنها تجمع بين أمور :
الأول : كناية الدَين ومقداره وأجله سواء كان قليلاَ أو كثيراَ .
الثاني : الشهادة على الدَين .
الثالث : عدالة الشهود .
الرابع : التخفيف في الشهود بجواز أن يكونوا رجلاَ وامرأتين أو أربع نسوة .
الخامس : تـأكيد الآية على موضوع الشهادة وشرائطها , وهل المقصود خصوص الشهادة على الدَين الجواب لا , فلا تصح الشهادة بالسماع من الحاضر بل لابد من العلم , والحاضر يرى ما لا يراه الغائب.
وورد عن محمد بن على بن أبى طالب، عن الإمام علي عليه السلام (قال: أكثروا على مارية أم إبراهيم في قبطى ابن عم لها يزورها ويختلف إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” خذ هذا السيف فانطلق فإن وجدته عندها فاقتله ” قال: قلت يارسول الله، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة لا يثنينى شئ حتى أمضى لما أمرتنى به، أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” بل الشاهد يرى مالا يرى الغائب “.
فأقبلت متوشحا السيف فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما رأني عرف أنى أريده، فأتى نخلة فرقى فيها ثم رمى بنفسه على قفاه، ثم شال رجليه، فإذا به أجب أمسح ماله مما للرجال لا قليل ولا كثير، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فقال: ” الحمد لله الذى صرف عنا أهل البيت)( ).
السادس : قانون حرمة اضرار كاتب الدَين أو شاهده بأحد طرفي العقد أو غيرهما لقوله تعالى [وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ]( ) كذلك لا يكون أحد طرفي العقد سبباَ للإضرار بغيره .
وتنهى الآية عن كتمان الشهادة , وهو من الكبائر إلا مع الضرورة ورجحان الضرر والأذى .
قال تعالى [وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ]( ) لبيان التضاد بين صفة الإيمان التي ابتدأت بها آية البحث وبين الفسوق الذي هو المعصية والظلم , وتقدير الجمع بينهما : يا أيها الذين آمنوا إن تفعلوا فإنه فسوق بكم.
أي أن الكاتب أو الشاهد الذي يضر أحد الطرفين أو الشاهد الذي يضر أحد الطرفين أو يضر كلاَ منهما فإنما يضر مبادئ الإيمان , ويُسبب الكدورة والأذى , ولم يرد لفظ (إنه فسوق) في القرآن إلا في آية البحث , ولم تختتم الآية إلا بعد الأمر بالتقوى (واتقوا الله) وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي في الدَين القرض وكتابته والشهادة عليه وفي أداء الفرائض وحسن المعاملة , ولو دار الأمر بين الأخلاق والتقييد فالأصل الإطلاق لبيان وجوب اتقاء الله من وجوه :
الأول : في السر والعلانية .
الثاني :إتقاء الفرد والجماعة الله عز وجل .
الثالث : إتقاء الله عز وجل في الدَين وغيره .
الرابع : إتقاء الله عز وجل في المعاملات بين المسلمين ومع غيرهم , قال تعالى [وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ]( ).
وقد ورد لفظ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) سبع مرات في القرآن.
الأولى : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ]( ).
الخامسة : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا]( ).
السادسة : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
السابعة : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
وبعد الأمر بالتقوى انتقلت الآية إلى صيغة الجملة الخبرية (ويعلمكم الله) لبيان تعدد تعليم المسلمين من وجوه :
الأول : تفضل الله عز وجل بتعليم المسلمين .
الثاني : تعليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين كما في قوله تعالى [وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]( ).
وسيأتي مزيد كلام في الجزء التاسع والأربعين بعد المائتين بهذا الخصوص وأن هذا التعليم دعوة للسلم وإشاعة الأمن .
ومن فضل الله عز وجل علينا أن تكون عدد الأجزاء بين الآيتين مائتين جزء كل جزء بحدود 300 صفحة .
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : إكرام المسلمين بنداء الإيمان في أول الآية .
الثانية : بعث المسلمين على العمل بضمامين الآية بالثناء عليهم بنداء الإيمان .
الثالثة : لما احتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، إذ [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
فمن علم الله عز وجل مخاطبته المسلمين بنداء الإيمان ، ورؤية الملائكة للمسلمين وهم يتداينون ويقضي بعضهم حاجة بعضهم الآخر ويوثقون الدَين ، ويشهدون عليه ، ويحترزون بالشهادة مطلقاً سواء مع اليمين والتغليظ أو بدونه.
لبيان قانون أهلية المؤمنين للخلافة في الأرض وقانون غلبة العقل عند المؤمنين على النفس الشهوية ، قال تعالى [إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي]( ).
والأصل أن المستثنى أقل من المستثنى منه ، فالنفس الأمارة أكثر مما رحم الله ، ولكن هناك مراتب بين الأمارة بالسوء وبين فعل السوء ، فقد تأمر النفس بالسوء ولكن يأتي زاجر يمنعها .
أو تغيب مقدمات السوء ، ومن العصمة انعدام المعصية ، وتدل على هذا المعنى ذات الآية أعلاه من سورة يوسف ، فمع همّ امرأة العزيز بالفاحشة فان الفاحشة لم تقع ، والتي هي نوع مفاعلة من طرفين فانقطعت من جانب عصمة النبي يوسف عليه السلام .
وقد تكون النفس أمارة بالسوء على نحو القضية الشخصية ومن طرف واحد ، كالتحريف في كتابة الديَين ، أو الشهادة عليه ، لذا قال تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] ومن معانيها بصيغة المفرد (واتق الله).
التفسير
قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ]
ورد النداء بصيغة الايمان في القرآن تسعاً وثمانين مرة، جاءت في أحكام العبادات والتشريع والصبر والدفاع ، والحث على تقوى الله وضبط المعاملات .
ومن إعجاز آية البحث تكرر الأمر بالتقوى مرتين .
وجاء هنا النداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في موضوع الدَين مما يؤكد على اهميته.
قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ), ( ).
فورود هذا النداء دعوة للاصغاء والالتفات وايلاء عناية خاصة بموضــوعه والتقيد به وعدم التفريـــط ببعض مضامينه لانه يدخــل جزء في الحياة العامة واخــوة الايمان ودوامه في الارض، بمعنى انه يجب عليكم ان تحافظـــوا على بقاء مفاهـــيم الاســـلام والصلات الايمانية بهذه الاحكام ومضامين خطاب الايمان، وتعاهد احكام الشريعة في الارض.
وكما كانت الحروف المقطعة في بداية السور لتسكيت وتبكيت الكفار ودعوة لهم للاصغاء الابتدائي للقرآن، لتفرض الآية باعجازها عليهم الانصات والتدبر، فنداء الإيمان دعوة للمسلمين للمبادرة بما يرد في موضوعه، والمقارنة بينه وبين نزول الحروف المقطعة تدل على ثبوت اركان الاسلام.
انه نداء يثير الهمم ويستنهض القرائح ويدعو الى التعاون في اداء ما جاء فيه، وتكــراره وتعدد موضــوعاته عنوان الوحــدة الاســـلامية والتقاء الافراد على الامتثال لاحكام الشريعة، وهذا التعاون والاستجابة النوعية من افضل صيغ الاصلاح الفردي والنوعي، فمن يرى المسلمين حريصين على العمل بمنطوق الآية التي تبدأ بالنداء الســـماوي [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] يشتاق للانضـــمام لهم والانخـــراط في صفوفهم قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا]( )، كما ان هذا النداء آلة ووســيلة مباركة لتحريض القاصــر والمقصر للالتحاق بالمجمـــوع العام للمسلمين في امتثاله واستجابته.
ولغة الاطلاق في الآية اخبار عن تقلبات الزمان فقد يحتاج الدائن الى الدَين، او يقــوم المدين بادانة الاخـــرين، وهو باب للدعـــاء والتوسعة ودفع الابتلاء والعـــوز قال تعالى [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا]( )، وفي الآية اشارة الى ان التداين اعم من الفقر، فقد يكون جزء من تجارة ومعاطاة كما في الآية [تِجَارَةً حَاضِرَةً].
وجــاءت الآية بلفــظ (اذا) الذي تضــمن معنى الشـــرط، أي في حال حصــول الدَين، ويدل على ان الدَين ليس منبسطاَ على كل الاوقـــات والصــلات الاجتماعيـــة، ولكن في حـــال حصول الدَين ينبغي الكتابة، وبينما ندبت الآيات السابقة الى الانفاق والصدقة، وحـــذرت من الربا واكــدت حرمتـــه وشددت على تركه وبينت عقوبته، جـاءت هذه الآية لتتناول الدَين وكأنه حاجة متفرعة قهراَ عن ترك الربا.
وبين الانــفاق والقرض عــموم وخصــوص من وجه مادة الالتقاء ان صــاحب المال يخــرج المال من يـــده، اما مـــادة الافتراق ففــيها مسائل منها:
الأول : الانفاق يعطى للفقير بلا عوض مادي يعود على المنفق، اما الدَين فيتعلق بذمة المدين.
الثانية : الانفاق يأخذه الفقير فيجعله في مؤونته، اما الدَين فان المقترض ينشغل بكيفية توظيفه بما يجعله قادراَ على الوفاء.
الثالثة : الانفاق لا أجل لاعادته لانه بلا عوض، اما الدَين فله أجل مسمى في الغالب.
الرابعة : ليس من أمر بكتابة الانفاق، أما الدَين فجاءت أطول آية في القرآن بخصوص أحكامه وكتابته والإشهاد عليه.
الخامسة : الانفاق مال يعطى للفقير والمسكين والمحتاج مطلقاَ، اما الدَين فقد يستلفه من هو أغنى من الدائن نفسه.
السادسة : قد لا يبعث الانفاق الفقير على الكسب والعمل في الجملة، اما القرض فانه يحرض المدين على العمل والكسب لجني الارباح بالحلال والوفاء بالدَين.
وفي حديث الاسراء عن انس: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رأيت ليلة اسري بي مكتوباً على باب الجنة الصدقة بعشر امثالها والقرض بثمانية عشر، قلت يا جبريل ما بال القرض افضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يسأل الا من حاجة”( ).
لم تقل الآية (إذا تداينتم) إنما أراد الله عز وجل الثواب لأطراف الدَين , كما أنها لم تقل (إذا اقرضتم) لأن الدَين أعم من القرض , وسيأتي في الجزء الخمسين بعد المائتين من هذا السِفر دلالة آية البحث على موضوعية المعاملات وصحتها على الوقاية من النار والخزي يوم القيامة من تفسيرنا هذا معالم الإيمان واختص الجزء أعلاه بتفسير قوله تعالى [رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ]( ).
لذا ابتدأت الآية بنداء الإكرام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ]( ).
لبيان قانون وهو أن العبادات والمعاملات والأحكام طرق تؤدي بالمؤمنين إلى النجاة من النار في الآخرة .
قيود آية الدَين
ومع الشرط في حصول التداين، فان الآية جاءت فيها قيود منها :
الأول: التداين (بدين) للمنع من الدَين بالعناوين الاعتبارية والشروط والفوائد الربوية.
الثاني: تعيين الاجل.
الثالث : كتابة الدَين .
الرابع : عدالة الكاتب .
الخامس : الشهادة على الدَين وسيلة لإثبات الحقوق .
السادس : تعدد الشاهد .
السابع : عدالة الشهود .
الثامن : إملاء الدَين على الكاتب من قبل المدين .
التاسع : إملاء الدَين كاملاَ , مقدمة للقضاء , ولحفظ الحقوق وقال تعالى [هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ]( ).
العاشر : سفه وضعف الإنسان لا يمنع من إقراضه , ولكن يجب كتابة الدَين من قبل وليه .
الحادي عشر : استثناء التجارة الحاضرة من كتابة الدَين , وفيه شاهد على أن الدَين أعم من القرض , لشمول الدَين للبيع بالسلف .
الثاني عشر : قانون أحكام آية الدَين نعمة وتعليم من عند الله عز وجل.
الثالث عشر : اختتام آية البحث بالإخبار عن إحاطة الله عز وجل بكل شئ علماَ وحضور أفعال الناس يوم القيامة .
مسائل آية الدَين
الأولى : إخراج الربا وانه ليس من الدَين ليبقى عنوان الربا الاصطلاحي والشرعي واحداَ، تنفــر منه النفوس وتكرهــه الطباع، ويتنزه منه اهل المروءة والصلاح , وقد تقدم قبل أربع آيات [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
الثانية : التقييد بالدَين لاخراج الصدقة والهدية التي يراد منها العوض او الزيادة.
الثالثة : التداين نوع مفاعلة بين الطرفين، وفيها اشارة الى صيغة التراضي والإحسان.
الرابعة : إخراج العهد والوعد، بانجاز عمل او تحقيق أمر.
الخامسة : تتعلق الآية بحصول التداين فعلاَ وانشغال ذمة المقترض للمقرض بمقدار الدَين.
السادسة : لفظ (الدَين) عنوان اجمالي يدل على التفصيل ومقدار الدَين والقرض الذي انشغلت به الذمة، وظل معه الدائن يتطلع الى حلول الأجل والقضاء فيه، أي ان الدَين لابد وان يكون معلوماَ في مقداره وكمه وجنسه، وهو من اهم مواضيع الكتابة في المقام لمنع الجهالة والغرر ودفع الضرر.
السابعة : ورود (الدَين) على نحو الاطلاق يعني شمول الآية للدين الكثير والقليل وفيهـــا منع للحــرج من التفاوت في مـــقداره وكتـابته مع قلته لصـــدق عنوان الدَين على القليل كما انه يصـــدق على الكثير.
الثامنة : في التوكيد على ذكــر الدَين حــث اضـافي على نبذ الربا والفائدة على القرض، وترســـيخ لمفاهيــم الدَين في النفــوس والمعاملات فهذه الآية بناء لقيم اســـلامية جـديدة في التعامـــل والتجارة بعد هدم صـرح الربا الذي كان يســــيطر على الاسـواق ويؤثر في السجايا والاخلاق.
التاسعة : لم تذكر الآية الدائن او المدين على نحو الخصوص، ولم يتوجه الخطاب الى احدهما كالدائن مثلاَ بلحاظ انه صاحب المال الذي يحتاج الى حفظ ماله بالتوثيـــق، لاسيما وانه بادر الى الدَين والقــــرض، بل جـــاءت مطلقـة لتشـــمل الدائن والمدين وغيرهما من المسلمين، فكـــأن الآية تقـــول ان كتابة وتوثيق الدَين أمانة في عنـــق المســــلمين جميعاَ، وعليكم تعاهـــد هــذا القانـــون الســماوي , قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وهل من موضوعية للصبر في آية الدَين , الجواب نعم إذ يتقوم التداين بالصبر من قبل أطرافه .
العاشرة : منع بيع الدَين بالدَين، وان الدَين من طرف واحـــد، وعن (ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- عَنْ كَالِئِ بِكَالِئِ الدَين بِالدَين) ( ).
والمراد من بيع الكالئ بالكالئ , أي بيع الدَين بالدَين ويسمى أيضاَ النسيئة بالنسيئة , لتأخير تسليم البدلين عن أوان العقد.
الحادية عشرة : يخرج من الآية البيع الحال وهو ان يقبض البائع الثمن ويستلم العين في الحال، لانه نقيض الدَين.
الثانية عشرة : تنفي الآية الحرج عن المسلم في توجهه الى الاستدانة من الغير، لانه يرى الدَين والقرض حقيقة ثابتة في القرآن، وفعلاَ متوارثاَ ومتعارفاَ عند المسلمين , وفيه الأجر والثواب للدائن.
الثالثة عشرة : في الآية تأديب لاصحاب الاموال وزجــر عن الامساك عن القرض والدَين، ســـواء بسبب انعـــدام الفائدة أوخشـية عدم القضاء فهي تقول بالتداين وجعله جزءً من الواقع اليومي للمسلمين.
الرابعة عشرة : في الآية تيسير للتجارة , وتعاهد للنظام , ومنع للفساد , واصلاح للاسواق سواء بالقرض او بيع السلف والنسيئة.
كراهية غلبة الدَين
تدل أحاديث نبوية متعددة على أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يرشد أصحابه إلى الإستدانة في المسائل التي يمكن قضاؤها دون اللجوء إلى الإقتراض لشدة وطأته .
(وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياماً طويلا،
فقام رجل فقال : يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل عندك من شيء تصدقها إياه؟
قال : ما عندي إلاّ إزاري هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئاً فقال : ما أجد شيئاً. فقال : التمس ولو خاتماً من حديد، فالتمس فلم يجد شيئاً،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هل معك من القرآن شيء؟
قال : نعم، سورة كذا و سورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: زوجتك بما معك من القرآن) ( ).
وهل الدعاء باب للتوقي من القروض ولقضائها ، الجواب نعم ، قال تعالى [إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا] ( ).
(عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَين ، ومن غلبة العدو ، ومن بوار الأيم( ) ، ومن فتنة الدجال) ( ).
وعن الإمام الصادق عن أبيه عليه السلام(قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إياكم والدَين فإنه هم بالليل وذل بالنهار) ( ).
ولا تعارض بين هذا الحديث والأحاديث الواردة باستحباب الإقراض ، وما في أمهال المعسر من الثواب العظيم (عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أنظر معسراً كان له بكل يوم مثله صدقة ، قال : ثم سمعته يقول : من أنظر معسراً فله بكل يوم مثليه صدقة . فقلت : يا رسول الله إني سمعتك تقول : فله بكل يوم مثله صدقة . وقلت الآن فله بكل يوم مثليه صدقة . فقال : إنه ما لم يحل الدَين فله بكل يوم مثله صدقة ، وإذا حل الدَين فانظره فله بكل يوم مثليه صدقة) ( ).
(عن سعيد بن جبير { وأن تصدقوا خير لكم }( ) يعني من تصدق بدين له على معدم فهو أعظم لأجره ، ومن لم يتصدق عليه لم يأثم ، ومن حبس معسراً في السجن فهو آثم لقوله {فنظرة إلى ميسرة }( ) ومن كان عنده ما يستطيع أن يؤدي عن دينه فلم يفعل كتب ظالماً) ( ).
قوله تعالى [إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى]
بعد ذكر موضوع الدَين والقرض جاء الوصف والقيد بتعيين اجله وفيه مسائل:
الأولى : لا ينحصر موضوع الآية وكتابة الدَين بما اذا كان لأجل مسمى، ولكنه قيد غالبي.
الثانية : الآية دعوة لجعل اجل مسمى للدين , وعدم تركه سائباَ من جهة الزمان، وان كان عدم تعيين الاجل يعني مدة شهرين، او حسب ما جرى عليه العرف، كما لو كان قضاء الدَين عندهم في موسم الحصاد او الحج.
الثالثة : كما ان الاجل قيد للدين فهو مقيد بانه مسمى أي معلوم ومعروف من غير لبس او ترديد بين وقت واخر.
الرابعة : تعطي الآية موضــوعية لعنصـر الوقت، وتجعل له اهمية في المعاملات.
الخامسة : تمنع الآية من التفريط والخسارة الناجمة عن عدم تعيين اجل لقضاء الدَين، فصاحب المال لا يعرف متى يرجع له ماله كي يجعله حيث يشاء وينتفع.
السادسة : الأجل المعلوم تذكير للمدان، ودعوة له للعمل والكسب وتأدية حقوق من أحسن له بالقرض.
السابعة : ( ورد عن ابن عباس انه قال: لا سلف الى عطاء ولا الى حصاد ولا الى الاندر ولا الى العصير واضرب له اجلاَ)( )( )، وهذه الفتوى مقتبسة من هذه الآية الكريمة.
الثامنة : تعيين أجل لقضاء الدَين رحمة وتخفيف عن صاحب المال , وهو محسن لعمومات القاعدة المستقرأة من قوله تعالى [مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ]( ).
التاسعة : تعيين الاجل مناسبة لدعاء المدين وتوجهه الى الله للاعانة على الاداء، وتدل الآية على الدقة والحكمة في المعاملات وفق الفقه الاسلامي قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
قانون التداين قضاء للحوائج
تحض الآية في أولها على التداين، واشاعة القرض بين المسلمين وتجعل له ضـــوابط دقيقة نافـــعة تحول دون تعطيل الديون، فمن الاعجاز ان الأمر والحــــث على التداين لم يأت مجملاَ، بل جاء وفي ثناياه قواعــــد استمراره ودوامه كنعمـــة ومصـــلحة للجميع، فما نراه من التداين بين المســلمين هو من عند الله تعالى وبفضله من عدة وجوه منها:
الأولى : حــرمة الربا والنهــي عنه في القـــرآن والســنة كما تقـدم في آيات الربا.
الثانية : تنقية المعاملات وجعلها من الكسب الحلال.
الثالثة : الثواب العظيم في الدَين والقرض.
(ومن أقرض ملهوفًا فأحسن طلبه فليستأنف العمل، وله عند اللّه بكل درهم ألف قنطار في الجنة)( ).
الرابعة : جعل سهم من الزكاة الواجبة للغارمين الذين ركبتهم الديون، وهو باب تدارك واصلاح بين الناس، ودفع للبلاء والحرج الناتج عن العجز عن الاداء.
الخامسة : تنمية ملكة التعاون بين المسلمين، وإيجاد اسباب ووسائل لالتجاء المسلم لأخيه تساعد في قضاء حاجاته , والتداين من مصاديق قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).

معنى الأجل
جاءت الآية بالتداين بين المسلمين الا انها عامة في كل دين وسلف وان كان بين المسلم وغيره من الملل الاخرى بل قد تكون الكتابة هنا من باب الاولوية لمنع التعدي والتشنيع واظهار العداوة والاساءة للاسلام.
والاجل: الأمد والوقت المضروب، واجل الشـئ: مدتـــه ووقته الذي يحل فيه.
فجاءت هذه الآية للارشاد والتأديب والاخبار عن ذكر الاجل وجعله معلوماَ معيناَ لذا اختتمت الآية بقوله تعالى [وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]( ) بلحاظ أن الآية البحث كلها تعليم وتفقه في الدَين وإصلاح , منع من شدة الحاجة والعسر والتداين من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]( ).
وكم من انسان باع بالنسيئة او أقرض مالاً من غير ذكر أوان القضاء فلاقى مصاعب وعانى من الاذى، والارباك الذي يبدأ بانتظار المال في وقت يراه مناسباَ، ثم يغلب عليه الحياء ثم يقوم بالمطالبة وهكذا.
اما تعيين الاجل فانه يساعد منذ لحظة العقد على استحضار الاجل المناسب للقضاء بحسب حاله وشأنه وحاجته للمال ومضامين الربح والخسارة من غير فائدة على المال، ويكون حجة في المطالبة عند الأجل، ولا يتهمه أحد عندها بأنه متعجل ونحوه، والشواهد على الحكمة العملية في تعيين الاجل اكثر من أن تحصى.

المثلي والقيمي
الدَين أو القرض تمليك المال لآخر بالتعهد وبالضمان في الذمة بمثله من غير فائدة أو زيادة , والمال على قسمين :
الأول : المال المثلي : وهو الذي تماثلت أجزاءه وأفراده , بحيث يقوم بعضها بدل بعض من غير فرق بينها مثل , المكيل والموزون كالحنطة والشعير والتمر , فلو أقرضه مائة كيلو من الحنطة , فعليه أن يرد له مثلها وبلحاظ ذات النوعية .
ويتجلى المثلي بوضوح في الأوراق النقدية في هذا الزمان فلو أقرضه ألف دينار فعليه أن يرد الألف دينار ذات العملة .
ويجوز ما يعادلها من العملات الأخرى مع التراضي وعدم الغبن ولا الزيادة الربوية .
الثاني : القيمي , وهي الأعيان التي تختلف قيمتها لعدم التماثل بين أفرادها , مثل الأنعام والطيور والجواهر , وقد يكون جنس قيمتها في بلد أو في السابق قيمياَ وأصبح مثلياَ في هذا الزمان كالقماش , أو تكون بعض أفراده مثلية وأخرى قيمية مثل الثياب الخاصة , والثياب الجاهزة وتباع جملة , ويجب رد القرض المثلي بمثله , وفي رد القرض القيمي بقيمته , يلاحظ نوع القرض وانشغال الذمة خاصة عند الإتلاف وكذا حال الغصب.
وقد تكون قفزات كبيرة في الأسعار والقيمة أو هبوط حاد بين أوان القرض وعند الأداء , فلابد من وضع قواعد خاصة أو التراخي مع أن الأصل هو ذات مثل أو قيمة القرض مع استحضار الثواب العظيم على القرض.
وعن (ابن عباس قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} : من أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن أُحد وثبير وطور سيناء حسنات)( ) .
بحث اعجازي
في الآية إعجاز مركب يدل على الدقة والضبط والتكامل في التشريع الإسلامي ,وعدم وجود ثغرة تؤدي الى التفريط وتضييع الحقوق والملكية الشخصية , وهذا الإعجاز يتجلى بأمرين:
الأول: الأمر بوضع أجل ونهاية وحد للدين.
الثاني: يجب ان يكون الأجل معلوماً ومعروفاً ساعة العقد بما يمنع من الجهالة والغرر , ووقوع الفتنة والأذى.
ولم تكن المعاملات التجارية في أيام التنزيل تحتاج الى مثل هذه الدقة والضــبط في الأحكام، والإلتفات الى أهمـــية الدَين والعناية الخاصــــة بالدَين والقرض وإفــراد أطــــول آية له في القرآن وبيان أحكامه تفصيلاً، الأمر الذي يـــدل ان القـــرآن نزل الى الأجيال المختلفة، وزمان التوسعة في التجارات والصناعات وتقارب البلدان وتعدد وســـائل البيع والشـــراء، ولا يمكن ان يحيط العـقل البشري منفرداً او متعدداً بالحاجات التشريعية المتشعبة للمجهول من الأزمنة اللاحقة.
فالذي عاش قبل مائة عام لا يتوقع ان يكون العالم بهذا التداخل والإرتقاء، فكيف بجماعات عاشت قبل ألف واربعمائة سنة في الجزيرة العربية في غياب كثير من مقومات الحضارة ,وليس فيها الا تجارة بدائية محدودة، ولا يتعاطاه الا النفر القليل من الملأ.
فآية الدَين اعجـــاز تشـــريعي يتضـمن الأحكام المناسبة لأحوال غيبــية اجتماعيــة واقتصــادية واخــلاقية، وهــي حصانة وحرز صرف عن المسلمين الكثير من الأذى والضـــرر والفتن، وهذا ســـر من أســـرار القــرآن يتعــدى مســـألة أسبـــاب النزول وعدم انحصــار أحكام الاية بها، بل ان الآية نفســـها تؤهـــل المســـلمين لدخول عالم العقــود والمعامـلات المتكثـــرة الناتجـــة عن حصـــول الفتح وتوسعة حكم الإسلام و وكثرة مدنه.
وهي شـاهد وجــداني حاضـــر على ســماوية القــرآن وأهلية الإسلام للحكم في الأرض، حينما يرى ابناء البلدان المفتوحة النظام والضــبط والدقة في المعــاملة, وكيفية الدَين والـقرض وشــرائطهما، والآيـــة عـــون للمسلمين لدخــول زمن التـقارب بين الحضـارات, لتكون شاهداً على ارتقاء الإسلام وتفوقه على الأديان والملل الأخرى.والأقرار بملائمة احكام الأية لهذا الزمان , يجب ان تدرس بضميمة بيئة النزول .
علم المناسبة
ورد الخطاب التشريفي [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] مقترناً بـ(اذا) التي تتضمن معنى الشرط عشر مرات في القرآن , كل واحدة منها مدرسة في التشريع , وهي على أقسام:
الأول: في المناجاة , وتنقسم الى قسمين:
أولاً: مناجاة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ولزوم تقديم الصدقة عندها [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً …]( ) .
ثانياً: تعليم كيفــية المناجــاة والإســـرار بين المســـلمين، والمحادثـــة الخاصة وتبادل الرأي , والنهي عن التعدي في المناجاة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ …]( ) ، والأمر بالتفســح والتوســعة في المجالس قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا …]( )، ومن الآيات ان المصـــاديق الثلاثــة أعلاه كلها في سورة واحدة هي سورة المجادلة.
الثاني: في الصــلاة والتهـــيء لأدائهـا، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ…]( ) الآية، وقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ..]( ).
الثالث: في الجهاد والقتال ولزوم الدفاع عن بيضة الاسلام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا …]( ) ، وقال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ]( ) ، وقال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا …]( ).
الرابع: في احكام النكــاح والطــلاق, وتنظــيم شـؤون الأسرة في ظل أيــام الهجــرة والايمـان مطلــقــاً، قال تعــالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنــُوا إِذَا جَـــاءَكُمـــْ الْمُؤْمِنَــــاتُ مُهـــَــاجِـــرَاتٍ فَامْتَحِنـــُوهُـــنَّ ..]( ) ، وقــال تعـالى [يَاأَيُّهَــا الَّــذِينَ آمَنُــوا إِذَا نَكَحــْتُمْ الْمـُؤْمِنَـــاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ …]( ).
والمناسبة بين هذه الآيات تدل على موضوعية التداين في الحياة العامة للمسلمين، وجزئية اتقان احكامه وشرائطه من مقومات المجتمع الاسلامي وأهمية ألفاظه في التشريع.
وكما ان صيغة الشـــرط تفيد التعليـــق, وان التدايـن ليس حالة دائمة وحتمية يتعرض لها المسلم على نحو راتب سواء انه يبقى على حال واحدة دائناً او مُداناً او شاهداً او كاتباً، او ان حاله يتبدل ويتغير بينها، بل انه أمــر عرضي قد يتعــرض له المسلم بين الحين والآخر، ولكنه ليس حـــالة نادرة، بل ان النادر هو شــعور الانســان يوماً ما انه ليس دائناً او مُداناً , فلا يمر يـــوم على اغلب الناس إلا وهم أطراف في عقد دين .
موضوع الآية
اخرج البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي عن ابن عباس قال: “قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم”( ).
والحديث لا يدل على حصــــر موضوع الآية ببيع السلف، بل انه احد مصـــاديقها، ويظهــر جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تطبيــق احكام القرآن ومن غير توان، وفيه دعوة للمسلمين عامة والحكـــام والقضـــاة بتهذيـــب الاسواق وجعلــها خاضعة لسنن الشريعة.
عن ابن عباس في الآية انها نزلت في السلم في الحنطة في كيل معلوم الى اجل معلوم.
ويسمى بيع السلم ايضاَ بيع السلف، وهو ابتياع كلي مؤجل بثمن يسلم بعد شهرين، وهو صحيح بشرائط البيع , ويقال للمشتري (المسلم) بكسر السين ، وللثمن (المسلم) بفتحها، وللبائع (المسلم اليه) وللبيع (المسلم فيه اليه).
وظاهر الآية وجوب تعيين الاجل وعدم تركه مبهماَ، كما لا يصح تعيين ما هو اجمالي في ذاته كعودة المسافر.
بحث فقهي
الدَين هو ثبوت مال كلي في ذمة شخص لآخر، ويقال لمن اشتغلت ذمته (المديون) او المدين أوالمدين، وللآخر (الدائن) والغريم، وسبب الدَين أمران:
الأولى : اختياري كالإقتراض او اجرة في عقد اجارة او صداق في نكاح او ثمن في بيع نسيئة.
الثانية : قهري كموارد الضمان , ونفقة الزوجة الدائمة.
الدَين اما حــال وهــو الذي يحـق للدائــن معـــه مطالبة المدين ويجب على المدين الأداء مع التمكــن واليسار في كل وقت, وعليه الإجماع.
واما مؤجل وهو الذي لا يحق للدائن معه مطالبة المدين الا عند انقضاء المدة المضروبة وحلول الأجل.
وتعيين الأجل في الدَين قد يكون بجعل واتفاق بين الدائن والمدين، كما
في القرض والسلم والنسيئة، او يكون بجعل الشارع كالنجوم والأقسام المقررة في الدية.
واذا حل اجل الدَين وجب على المدين اداؤه عند مطالبة الدائن الا اذا كان المدين ذا عسرة، كما يجب على الدائن اخذه وتسلمه عند وفاء المدين له وسعيه لتفريغ ذمته.
وليس للدائن المطالبة بالدَين المؤجل قبل حلول اجله، ولو تبرع المدين بادائه قبل الأجل لا يجب على الدائن القبول واستلام الدَين الا مع البينة او القرينة الدالة على ان التأجيل كان من اجل الإرفاق بالمدين وليس هو حقاً للدائن.
ولو امتنع الدائن عن تسلم الدَين عند حلول الأجل فللحاكم والقاضـي ان يجبره اذا ســأله المدين، ولو تعـذر على الحاكـــم اجباره على تسلمه احضره عنده ومكنه من مبلغ الدَين بحيث يصبح تحت يده وســلطانه عرفاً وبه تفــرغ ذمة المدين، ولو تلف بعدئـــذ فلا ضــمان عليه وكان مـن مال الدائن، ولو تعذر اســتلامه فللمدان ان يقوم بتسليمه الى الحاكم مع قبول الحاكم، وبه تفرغ ذمة المدين، ومع عدم امكان الوصول الى الحاكم للمدين ان يعيّن الدَين في مال مخصوص ويُشهد عليه.
أما لو كان الدائن غائباً ويتعذر ايصال المال اليه، للمدان ان يعطيه للحاكم الشرعي مع بيان موضــوعه إذ يسقط اعتبار قبض الدائن، ولو لم يمكن ايصاله الى الحاكم تبقى ذمته مشغولة الى حين ايصاله الى الدائن او وكيله او ورثته.
ولو انقطع خبر الدائن، وجب على المدين نية القضاء بالدَين والوصية به عند الوفاة، وان قطع بموته يقوم بتسليمه الى ورثته كل حسب حصته، واذا عجز عن معرفتهم والإهتداء اليهم او عرفهم ولكن لم يتمكن من الوصول اليهم يســلم المال الى الحاكم الشرعي، والأولى ان يكون بوثيقة قبض متضمنة البيان.
ولو اسـتقرض مع نيته بعدم الأداء فهل يبطــل اصــل القرض ويكون تصــرفه فيما استدانه حراماً؟
الأقوى لا، للحكم الظاهري وللشك بانه من التصرف في مال الغير من غير اذنه، ولاشتغال الذمة واقعاً.
ويجوز التبرع باداء دين الغير حياً كان او ميتاً وتبرأ ذمته وان تم الأداء من غير اذنه بل وان منعه، ويجب على من له الدَين القبول كما في ادائه عن نفسه، الا ان تكون فيه مهانة للمدان لا تحتمل وان المدين احضر الدَين ايضاً.
ولا يرجع الدَين الى ملك الدائن الا بقبضه له، فلا يكفي تعيين المدين له، الا اذا تعـذر الإيصال الى الدائن كما تقــدم، فلو ارســل المدين المال الى الدائن ولكنه لم يصل اليه لا تبرء ذمة المدين الا ان يكون الدائن هو السبب في تلف المال.
واذا مات المدين حل الدَين المؤجل وان لم يحن اجله بعد، اما لو مات الدائن فان الدَين يبقى على حاله من جهة الأجل، وعلى الورثة الإنتظار الى حين حلوله.
ولو كان الصـــداق او شطر منه مؤجــلاً، ومـات الزوج قبل حلول اجـــله اســتحقت الزوجـــة المطــالبة به بعــد مـــوتــه، بخـلاف ما اذا ماتت الزوجــة فليس لورثتهــا المطــالبة قــبل حلـول الأجـل، اما لو طلقها الزوج فان صــداقها المؤجــل يبقــى على حــالــه ان كان لــه أجل معين.
ولو حجز على امــوال المدين بسبب الفلس وكــانت عليه ديـون حالة وديون مؤجلة، فان ماله يقسم بين الديون الحالة دون الديون المؤجلة.
ولا يجـــوز بيع الدَين بالدَين فيما اذا كان كل منهــما مؤجلاً، كما لو كان لزيد على عمرو وزنة من الحنطة الى حين شهر، وكان لعمرو على زيد وزنة من الشعير الى حين شهر، فلا يجوز بيع وزنة الحنطة بالشعير.
و يجوز تقديم اجل الدَين المؤجل مع نقص مقداره بالتراضي، اما الدَين الحال فلا يجــوز تأجيله مع الزيـــادة في مقداره، وكذا الدَين المؤجل لا يجوز الزيادة في مدته مع الزيادة في مقداره.
والاقــوى عدم جواز قســمة الدَين المشترك، فلو كان لإثنين دين على جماعة متعددين، فلا يجوز ان يجعل ما في ذمة بعضهم لأحدهما، وما في ذمة آخرين للثاني وان كانت القسمة بحسب نسبة الدَين لكل منهما، بل يبقى ما في الذمم على نحو الاشتراك وهو المشهور وعليه النصوص وهي الاشــياء والممتلكات الخاصة الخارجة عن موضــوع الوفاء بالدَين من دار الســكن ونحـــوهـــا، فالمدين ولحــاجته لها في مؤونته لا يجبر على بيعــهــا لأجـــل قضــاء دينه وهـي من الكلي المشكك، وبحسب حال وشأن المدين ومقامه الإجتماعي وما تتطلبه حياته اليومية والعائلية، اما لو اختار المدين بيع الدار لقضـاء الدَين وابــراء ذمــته جــاز للدائن قبضــه مـنه، والأولى للدائن ان لا يكــون سبباً في بيعها.
لو حل اجل الدَين وطالب به صاحبه، وكان عند المدين حاجات او عقار زائد عن مستثنيات الدَين ولكنها لا تباع الا بالأقل من قيمتها السوقية، فان كان النقص قليلاً فيجب بيعها وقضاء الدَين ولا يجوز للمدان التأخير وانتظار من يأتي ليشتريها بالقيمة، ولو كان النقص لا يحتمل ويعد البيع معه تضييعاً للمال وخسارة فالأقوى عدم وجوب البيع حينئذ بل ينتظر من يشتري بالقيمة.
ولا يجوز للمدان المماطلة في أداء الدَين مع القدرة وتعتبر معصية.
ويجب على المدين استصحاب نية القضاء مع عدم القدرة اي انه يبني على قصد الأداء عند القدرة.
ولو امتنع المدين عن اداء الدَين وجحده وحلف على انكاره ولم يمكن اجباره يجوز للدائن المقاصة من ماله واخذ مقدار دينه بشرط عدم الفتنة والضرر.
واذا كان المدين حاضراً ولم يكن ممتنعاً وتعذر عليه ايصال الدَين الى الدائن بسبب وجود مانع في الدَين، وتمكن الدائن من اخذ مقدار دينه من ماله جاز له أخذه.
وتصح المقاصة في حال تحقق موردها سواء كان موضوعها الدَين او غيره، بل يجوز بيع بعض اموال المدين واخذ عوض الدَين من قيمتها بشروط وهي:
الأول : ثبوت الدَين.
الثاني : حلول الأجل.
الثالث : عدم حاجة المدين لتلك الاموال اي انها ليست من مستثنيات ديونه.
الرابع : امتناع المدين عن اداء الدَين.
الخامس : ان يكون البيع وقيمته باذن الحاكم الشرعي او من يختاره من عدول المؤمنين.
لو علم شخص باشتغال ذمته بدين وتردد بين الأقل والأكثر يجب عليه الأقل والأحوط الأكثر.
واذا علم بان عليه مقداراً معيناً من الدَين ولا يعلم بأنه من حق الناس ويجهل صـاحبه، او من الحقوق الشرعية كالزكاة او الخمس فيدفعه الى الحاكم الشرعي بقصد ما في الذمة مع بيان وجهه لقاء وثيقة اثبات اذا احتمل ظهور من يدعي هذا الدَين.
لو نذر ان لا يستدين او نهاه والده عن الدَين، فخالف واستدان لا ريب في تحقق الإثم بل والكفارة في النذر، ولكنه يملك ما استدانه لأن النهي تكليفي ولا يوجب بطلان العقد.
لو باع الذمي بيعاً صحيحاً ما لا يصلح للمسلم تملكه كالخمر والخنزير كما لو باعهما على ذمي مثله جاز للمسلم اخذ ثمنه عوضاً عن دينه، ولو كان البائع مسلماً فلا يجوز.
مستثنيات الدَين
اذا حل الأجل وطالب الدائن بالدَين، على المدين ان يسعى في ادائه بكل وسيلة شرعية ممكنة , ولو ببيع الزائد من متاعه وعقاره، ويجب عليه ان يسعى لمطالبة غريمه او اجارة املاكه، كما يجب عليه التكسب اللائق بحاله من حيث الشرف والقدرة خصوصاً ما لا يحتاج الى تكلف، ويستثنى من ذلك بيع دار سكناه وثيابه المحتاج اليها ولو للتجمل وسيارته اذا كان مما يليق بشأنه، بالإضافة الى المناسب لحاله ومقامه من أثاث البيت ونحوها من مستثنيات الدَين مما يؤدي بيعها الى وقوعه في عسر وشدة وحرج.
لو كانت دار ســكناه اكــبر مما يحتاجــه, وركبــته الديــون فعليه ببيع ما فضــل عن حاجته، او يبيعهــا ويشــتري ما هــو ادنى يليـق بحاله ايضاً, ويدفع الفارق بينهما في دينه، وكذا لو كانت عنده سيارة خاصة ونحوها من الحاجات والأثاث ويستطيع الإكتفاء باقل منها ثمناً.
كما لا يجوز بيع دار السكن لأداء الدَين في حال حياة المدين، كذلك لا تباع لو مات وترك اولاداً صغاراً له لا يســتطيعون الإســتغناء عنها على الأقوى.
ان مستثنيات الدَين تخفيف رحمة إلهية ملحقة (بقاعدة الإعسار) وهو اصــطلاح جديد نطلقه على وجوب إمهال الدائن للمدان عند تعذر الأداء في الأجل لعمومات قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ]( ).
اما قاعدة مســتنثيات الدَين فهي فـرع الآية الكريمة أعلاه ولقاعدة نفي العسر والحرج، وهي من القواعد النظامية ومقدمة على قاعدة الإشــتغال، نعم أنها قاعــدة امتنانية وقد يقال انها معارضة مع الإمتنان على الدائن باعادة حقه في أجله, خصوصاً وانه يستحق ماله في الأجل شرعاً وعقلاً, وأنظمة وتشريعات الإسلام خالية من الظلم والتعدي والغبن، والجواب ان التعارض فرد نادر، والحكم لا يبتنى على النادر, والغالب هو حاجة المدين ولحوق العسر بالحاجة، بالإضافة الى الثواب العظيم الذي يناله الدائن بصبره على المدين وحالة الضرورة بالنظر لمسألة القضاء والإعسار على نحو مستقل.
فالحاصل هو العجز عن الأداء عند الأجل , وليس هو وجود مال للقضاء ولكن المدين يحتاجه والدائن يحتاجه ايضاً، فهذه الحال لا يختلف فيها اثنان بأولوية وأحقية الدائن بالمال المردد بين الإثنين، ولكننا أمام حال وهي العسر والحرج عند المدين.
وعلى فرض حصول العسر والحرج ذاته للدائن، فيكون الموضوع عدم وجود مال للأداء، وتقدم عسر وحرج المدين بالضرورة أو الواقع قهراً فالإمتنان حكمة الجعل، وجريان الحرج بالنسبة للمدان فلا موضوع لمطالبة الدائن.
وتظهر هذه القواعد اللطف والإمتنان في أحكام الشريعة الإسلامية، (وأراد رجل ان يبيع داراً رهناً عنده، فقال له الإمام الصادق عليه السلام: أعيذك بالله ان تخرجه من ظل رأسه).
وغالباً ما تأتي ادانة الغير عن ظهر غنى وعدم حاجة، فاذا طرأت حاجة مفاجئة فان مقدار الدَين لا يفي بالحاجة غالباً، كما ان شيوع التداين والصبر على المعسر يجعل الدائن في مندوحة في الإقتراض لحين حصول السعة واليسر عند المدين او الإستغناء عن مقدار الدَين والله واسع كريم.

قوله تعالى[فَاكْتُبُوهُ]
جاء الأمر بتدوين الدَين نصــاَ صــريحــاَ لا يحتمــل تأويلاَ آخر , ومع ان الآية تتعلق بالقضــية الشــخصية، والفرد الواحد من الدَين [ إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ]( ) فان الأمر بالكتابة جاء خطاباَ عاماَ وبصيغة الجمع [فَاكْتُبُوهُ] أي اكتبوا هذا الفرد وغيره من الدَين بمعنى عدم التفريط باي فرد من افراد الدَين، مما يدل على الدقة وارادة الضبط في التكاليف والأحكام وان يكون المسلمون بدرجة واحدة من التفقه في الدَين ومعرفة القواعد القانونية للمعاملات .
وفي جهة الخطاب التكليفي وجوه:
الأولى : انه موجه للدائن والمدين , فهما طرفا العقد وانه من خطاب الاثنين بلفظ الجمع.
الثانية : المـــراد هــو الدائن لحفظ ماله فالخــطــاب يكون للواحــد بلفظ الجمع.
الثالثة : الخطـــاب للمســـلمين بتعــدد عقـود الدَين، وان الحــكـم فيهــا تعليقي لكل من اجـرى عقد الدَين او السلف ومن يكون له فيه شأن.
الرابعة : الخطاب للمســلمين بخصوص العقد الواحد، فتكون كتابة العقد أمراَ كفائياَ على المسلمين وان كان اصل العقد بين طرفين او شخصين، فان لم يكتب يؤثم الجميع، وانه مستحب كفائي.
والجواب هو الثالثة فالخطاب عام لكل المسلمين , وينحل الى خصوص طرفي العقد ومن يتعلق بهم موضوع الدَين، وأحكام الآية معروضة لجميع الناس بغض النظر عن مللهم وبلدانهم، وهي مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وفيها ضوابط وقواعد تشريعية يحتاجها كل انسان، وفيها دعوة لهم لدخول الإسلام او لا أقل معـرفة دقة الأحكام فيه ووجــوه الإعجاز في أنظمته، وعظيم النفع الذي تلقاه المسلمون باغلاق ثغرات للخصومة والفتنة فهذه الآية سلام وأمن , ومرابطة جهادية في باب التشريع وحفظ الأموال من غير أذى وعناء بل انها تدفع العناء وتمنع من الأذى والكيد والمكر والحزازة بين المسلمين، ومتى ما رأى العدو حال الوفاق والوئام بين المسلمين فانه يخشاهم ويتجنب التعدي على أراضيهم وممتلكاتهم.
فآية البحث صرف ودفع للقتال بين المسلمين والمشركين , وعن (أبي أيوب قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟
فقلنا : نعم يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة .
قال : وهو قول الله {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا}( ) فذلكم هو الرباط في المساجد.
وأخرج ابن جرير وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟
قلنا : بلى يا رسول الله .
قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط)( ).
وهل من صلة بين الصلاة وكتابة الدَين , الجواب نعم فالتدين وضبط وكتابة الدَين تعضيد لصلاة الجماعة والأخوة الإيمانية , ومنع من الإنشغال عن الصلاة .
وتؤكد الآية على كتابة الدَين وعدم اغفاله ولوكان بين ذوي القربى والاصدقاء والجيران، فلقــد تواترت النصـوص باكرام الجار ولزوم العناية به، ولكنها لا تتعارض مع كتابة الدَين عليه ان استدان.
وهل تشمل عمومات الجوار اصحاب المحلات التجارية المتجاورة.
الجواب نعم، واذا كانت ملكية كل محل لشخص والمستأجر شخص آخر فالجوار شامل للاثنين معاَ والمســتأجر يصــدق عليه انه جار للمســتأجر الآخر ولصاحب الملك.

جهات التداين
مورد الآية والتداين فيه جهات :
الأولى : انه خاص بالدَين ببيع السلعة بثمن الى أجل.
الثانية : انه القرض، وهو عقد يجري فيه اعطاء احد الطرفين للآخر مالاً مع ضمان اعادته بمثله او بقيمته ويقال للذي يعطي المقرض، وللذي يمتلك المقترض او المستقرض وقد وردت نصوص مســتفيضة على فضله والحث عليه ,لاسيما في اقراض المؤمن منها الخبر عن الإمام الصادق قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكــاة، وكان هـو في صــلاة من الملائكة حتى يؤديه”( ).
ولا يجوز الترديد والإيهام في العين المقترضة , ولابد ان يقع القرض على معين سواء كان كلياً او شخصياً، فلا يصح عقد القرض على وزنه من الحنطة او على شاة مثلاً من غير معرفة جنس الحنطة، واوصاف الشاة.
الثالثة : البيع بتأجيل أحد العوضين وهو على قسمين:
الاول: بيع العين بثمن مؤجل ويسمى النسيئة.
الثاني: البيع بدفع الثمن في الحال مع تأجيل قبض العين المباعة، وهو المسمى بيع السلم.
وأحكام آية البحث عامة وتشمل الوجه الاول والثاني، فلا مانع من تعيين الاجل في القرض وكتابته، وحجة القائل بخروج القرض من احكام الآية هو عدم اشتراط الاجل في القرض، ولكن الآية ظاهرة في الإطلاق.

قيود الآية
تتضمن الآية قيودا :
الأول: الأجل للوفاء بالدَين.
الثاني: ان يكون الاجل مسمى ومعلوماَ للطرفين.
الثالث: كتابة الدَين.
الرابع: ان يكون الكاتب عالماً بالدَين.
الخامس: الشهادة الشرعية.
ولا مانع عقلي أو شرعي أو جداني من ثبوت هذه القيود للقرض مثلما هي للدين لما فيها من الضمان والتوثيق ومنع الجهالة والغرر، فالكتابة والشهادة لا ضير منهما، وقد يستحي صاحب المال من كتابة الدَين ويخشى رميه بعدم الثقة وغلبة الشك والوسواس عليه، فجاءت الآية لتخبر ان الكتابة أمر قرآني، ويشمل الناس مطلقاَ، وهناك وقائع عديدة غلب الحياء والاطمئنان على صاحب المال ولم يأخذ صكاَ فسبب له الاذى والبلاء.
وسيأتي في الآية التالية ورود الإستثناء بقوله تعالى [فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا]( ).
لموضوعية الوثوق والطمأنينة والعهد وحفظ الوديعة والأمانة , قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا]( ).
وظاهر الخطاب في الآية هو الوجوب، ويحمل على الاستحباب لانه نوع توثيق ولمنع الحرج، اما جريان اكثر المعاملات في الدَين والقرض من غير كتابة وتوثيق فليس حجة على عدم وجوب الكتابة الا ان يكون دليلاَ على سيرة المسلمين المستقرأة من الشريعة وهو دليل لبي لا يفيد القطع.
منافع كتابة الدَين
من منافع كتابة وتوثيق الدَين والقرض :
الأولى : عدم المطالبة قبل حلول الاجل، فلا يحق للدائن مطالبة المدين الا عند انقضاء المدة المضروبة وحلول الاجل، وقد يكون بجعل الشارع كما في النجوم والاقساط المضروبة وحلول الاجل.
(وكانت العَرَبُ في الجاهلية الجهلاء إذا نَظَرت إلى الهِلال قالت: لا مرحباً بمُحِلِّ الدَين مُقَرِّبِ الأَجَل)( ).
الثانية : صحيح ان تعيين الاجل وعدم المطالبة قبله يحصل من غير حاجة الى كتابة، ولكن الكتابة تمنع من الاشتباه والخصومة والجحد، كما اذا ادعى البائع ان الاجل حل وانكر المشتري.
الثالثة :قانون الضمان والعلم ومنع اللبس وطرو النسيان فقد ينسى احد الطرفين فتأتي الكتابة للذكرى.
الرابعة : استــعداد المدين لاداء الدَين وتهيئة مقدماته ، وانتظار قبضه بالنسبة للدائن.
الخامسة : احـــراز قيام الورثة بوظائفهم سواء ورثة المدين ولزوم قيامهم بالاداء، عند مـوت مورثهــم، او ورثة الدائن وعــدم مطــالبتهم بالدَين الا عند حلول الاجل، مع معرفة الفريقين لمبلغ الدَين وموضوعه.
السادسة : المنع من حصول الزيادة او الربح على الدَين وما تفوح منه رائحة الربا والشروط، والحيلولة دون انتقاص الدَين.
السابعة : حصول الاداء في أوانه وأجله وعدم تأخيره او المطالبة بتقديمه، ومعرفة بلد التسليم ان كان له اعتبار في العقد.
الثامنة : قانون بعث كتابة الدَين الامن في المجتمع، وتساهم في تنظيم المعاشات، وتمنع من الفتنة والافتتان.
التاسعة : قانون دلالة الكتابة على دقة النظام في المجتمعات الإسلامية، مما يكون دعوة عملية للآخرين لدخول الإسلام، او كف أذاهم، لأن كتابة الدَين دليل على عدم الظلم او التعدي او الغبن خصوصاً وانها لم تشرع لفئة دون أخرى وجماعة او قبيلة او قومية دون غيرها.
فجاء خطاب الآية بلحاظ الإيمان وهو عنوان المساواة بين المسلمين أمام القضاء والقانون.
العاشرة : قانون الكتابة حث على اعتماد التوثيق في المعاملات، وعدم التفريط في الحقوق.
وان قلت: أصبحت الكتابة والتوثيق ظاهرة عامة في المجتمعات هذا الزمان، فهل تكون الآيــة زائدة او يمكن الاســتغناء عنها، الجواب: لا، لان توجــه المجتمــع الى الكتابة في العقــود هــو بفضــل هـذه الآية ونحوها ووجود حالة مستديمة من الكتابة، كما انها تتعاهد الكتابة وتمنع من الغفلــة عنها، وجــاءت مطــلقة وتؤكـــد على كتابــة الدَين وان كان قليلاَ وشــخصياَ فالآية أمــرت بالتوثيق والكتابة وتتعاهــدهـما وترتقي بالأفراد والمجتمعات الى الضبط والدقة في المعاملات وليس الديون وحدها.
الحادية عشرة : تمنع الآية من الترفع عن الكتابة، ولولا هــذه الآية لاســتهجن بعضهم امــلاء الدَين واحضــار الشــهود , وابى أن يكون مــداناَ بوثيــقة خاصــة،فجـاءت الآية لتبين ان الكتابة حكم عام ولا ضير فيها.
الثانية عشرة : منع التردد والامتناع عن الدَين بسبب طلب الطرف الآخر التوثيق والكتابة، فبعد هذه الآية لا يقوى احد على الاستغناء عن الكتابة او يدعي انها خلاف الاكرام.
الثالثة عشرة : تثبت الآية عدم التنافي بين الاحسان المحض للدين وبين القيام بكتابته، فالكتابة لا تخرج الدَين عن عناوين الاحسان.
الرابعة عشرة : قانون التنزه عن اكــل اموال الناس بالباطل سـواء بالنسبة للدائن او المدين خاصة مع تعدد وجوه الباطل في المقام من وجوه :
الأول : إنكار الدَين .
الثاني : الإنتقاص من مقدار الدَين , فلهذا قال تعالى [وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا]( ).
وجاءت الآية في النهي عن البخس مطلقاَ قال تعالى [وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ]( ).
الخامسة عشرة : منع الاذى والافساد واللجاج، فبكتابة الدَين ومقداره وأجله يتعين حق الدائن فلا يجوز له الايذاء او الافساد والظلم بسبب الدَين، وان تعذر وفاؤه في الاجل فهو مأمور بالامهال.
قانون توثيق الدَين رحمة عامة
تمنع الآية من الظلم والجور , واحتساب الرشوة ديناً , واستضعاف الناس واستغلال مواطن الحاجة عند السلطان , وفي الأنظمة والقوانين الوضعية، فلو أراد الموظف مثلاً فرض مبلغً نسيئة على شخص لانجاز معاملته، فانه لا يستطيع كتابته والإشهاد عليه ويتعرض في الغالب للفضح.
والأمـــر بكتابة الدَين بين المســلمين يدل على اولوية الاخـــوة الايمانيـة قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ) وان الكتــابة تأتي لدوامها ومنــع الفرقة والخـــلاف بسبب الدَين، كما تخبر الآية عن لزوم استمرار الدَين والقرض وتتعلق الكتابة بمقـــدار الدَين وليس بذات الدَين توثيقاَ، وفيها اشـــارة الى كتابتـــه من قبل الملائكة لاغراض الثواب والاجر سواء كان الدَين بالمال او بالاعيان.
وتأتي الكتابة بمعنى الوجوب والالزام والثبوت وبمعنى القضاء، ولكنها جاءت هنا بمعنى التدوين لمنع ضياع الحقوق او حصول الغبن للمدين.
ومن إعجاز القرآن تداخل المعاني في اللفظ القرآني وأهليته لاســتيعـابهــا باشــراقــة تفتح آفــــاقـــاَ من العلم على الناس، فالكـــتابة في الآية تعني وجـــوب الاداء وعدم الانكــار او التجـــاهل لمبلغ وموضــوع الدَين، وهي من مصاديق الإعانة على قضاء الدَين والسعي في جمعه وقضائه وضبط الإنفاق الخاص بما يساعد على توفير مبلغ الدَين .
ويقال كتــب القاضــي بالنفــقــة أي قضــى بها في كتابة وتوثيق الدَين أمور :
الأول : التخفيف عن القضاة وأولي الأمر .
الثاني : الحكم والقضــاء بالدَين.
الثالث :كتابة الدَين خطــوة ومقدمة مباركـة في تيســــير ادائه.
الرابع : قــد تكــون ســـبباَ لدفعـــه مــن الزكـــاة والحــق الشـــرعي في الامـــوال الشـــخصية او قضائه من بيت المال.
الخامس : تمنع كتابة الدَين من إدعـــاء الدَين زوراً بين الاشــخاص بغية الأخــذ من بيت المال والصدقات.
قانون الدَين وقضاؤه من مكارم الأخلاق
ومن الإعجاز في الشهادة على الدَين , استحضار المدين لزوم الوفاء لتنجز حسن سمعته أمام الشهود والناس جميعاًَ .
وهو من مصاديق قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (بُعثت لأتُمّم مكارم الأخلاق)( ).
لقد نزل القرآن بحرمة أكل أموال الناس بالباطل , مع بيان ضروب من الباطل والحرام كالسرقة والنهب مع العقوبة الدنيوية على السرقة عند اجتماع شرائط العقوبة كسرقة ما قيمته ربع دينار ذهب أو أكثر قال تعالى [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاًمِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
ونقص المكيال والميزان والعقوبة الآخروية عليه قال تعالى [وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ]( ).
وحرمة الغلو والرشوة وهل التداين بين المسلمين والناس جميعاَ
من وسائل إنحسار السرقة ونقص المكيال الجواب نعم , لبيان أن تشريع آية البحث الدَين والقرض وضبط صفاته وشروطه تنزيه للخلق الحميد , وإصلاح للمجتمعات .
وقد نهى القرآن عن الغضب والإستحواذ على أقوال الآخرين خاصة اليتامى , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا]( ).
لتقول آية البحث للمسلم والإنسان الموسر من الخلق الحميد أن تقرض غيرك , وأن الإقراض سلم واستقرار للمجتمعات .
وتقول للمحتاج لا تعتدِ ولا تغصب مال الغير إنما استدين واقترض , قال تعالى [إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ).
والآية أعلاه وإن وردت بخصوص نكاح الفقراء فإنها مطلقة بخصوص قهر المسلم للفقر , ومنه الإقتراض .
و(عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ : ” مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا ، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا ، أَتْلَفَهُ اللَّه ” انتهى)( ).
و(عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
أنها استدانت فقيل : يا أم المؤمنين تستدينين وليس عندك وفاء ؟ قالت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : [من أخذ دينا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله عليه)( ).
وهل آية الدَين من العون الإلهي للمستدين والمقترض الجواب نعم , وهو من إعجازها , وميمونة بنت الحارث تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة السابعة للهجرة في عمرة القضاء وحين جاءها الخاطب كانت على بعيرها (قالت : البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
وكان عمرها يوم تزوجها النبي ست وعشرين سنة وعمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعاً وخمسين سنة .
وسيأتي مزيد كلام في الجزء السابع والأربعين بعد المائتين( ).
قوله تعالى [وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ]
آية اعجازية في القرآن تتجلى من تكرار الكتابة فقد جاء الأمر بالكتابة (فَاكْتُبُوه) ثم تعقبه الأمر الخاص بقيام كاتب بالعدل بكتابته، ففي بضع الكلمات جاءت عدة اوامر إلهية، وفيه توكيد على تدوين الدَين واحاطته بعناية خاصة واشتراك عدة اطراف في ضبطه، فبعد الأمر العام بالتوثيق الخطي للدين، جاء الأمر الخاص المتعلق بسنخية الكاتب والشرائط الخاصة بمن يقوم بالكتابة.
موضوعية كتابة الدَين
ويدل تخصيص شطر من الآية لكاتب الدَين على امور منها:
الأول : موضوعية واهمية كاتب الدَين.
الثاني : لزوم اختيار كاتب الدَين بعناية.
الثالث : موضوعية العدالة حال الكتابة وهي ملكة اتيان الواجبات، واجتناب المحرمات، والابتعاد عن منافيات المروءة ويكفي :
الأول : الظاهر الحسن .
الثاني : حسن السيرة .
الثالث : شهادة العدلين .
الرابع : الاختيار .
الخامس : الشياع .
السادس : كثرة الكتابة في باب العقود لانها أمارة عن الاستقامة.
الرابع : الآية دعوة لعدم التساهل في موضوع الكاتب، فربما يستهان بشرائط الكاتب ويكتفى بمن لا خبرة له او لا علم له باحكام الشريعة في المعاملات فيحصل تضييع للمال او نزاع يتعلق بالاجل او الكم او مقدار او اطراف الدَين.
الخامس : تحث الآية على تعلم الكتابة وانجاز الاوامر الإلهية الخاصة بالتدوين والتوثيق ، وتحض أول آية نزلت من القرآن على تعلم القراءة والكتابة بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ).
السادس : تدعو الآية الى تخصــيص دوائر لكتابة العقود وتوثيقها، وتبين شرائط المنتسبين لها ولزوم احرازهم درجة من العلم بالاحكام الشرعية.
السابع : هذا التدوين من مقومات النظام المعاشي والتبادل التجاري.
الثامن : التدوين اعم من ان ينحصر بالقضية الشخصية، فيشمل مايجري بين الدول والمؤسسات والشركات.
قانون الإسلام دين العلم
لقد بعث القرآن المسلمين على التعلم والإرتقاء في المعارف ، وفيه شاهد على عدم خشية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من العلم والعلماء وهو من الشواهد على صدق نبوته .
وفي معركة بدر أسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سبعين من المشركين وكان عوض فكاك كل واحد منهم أربعة آلاف درهم .
(وَكَانَ فِي الْأَسْرَى مَنْ يَكْتُبُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ أَحَدٌ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا مَالَ لَهُ فَيَقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يُعَلّمَ عَشَرَةً مِنْ الْغِلْمَانِ الْكِتَابَةَ وَيُخَلّيَ سَبِيلَهُ فَيَوْمَئِذٍ تَعَلّمَ الْكِتَابَةَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَةِ الْأَنْصَار)( ).
لبيان وجود الكاتب للدين بين المسلمين ، وعدم وقوع الحرج ، فمع حاجة المسلمين يومئذ للمال والسلاح خاصة وأن قريشاً يتوعدون بالثأر وهو الذي حصل في معركة أحد فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدّم التعليم على المال ، والمختار أن المشركين هم الغزاة في معركة بدر وأحد والخندق .
وستصدر الأجزاء (159-160-161-163-164-165-166-167-169-171-172-173-175-176-177-178-182-185-188-192-200-208-212-218-226-228-238) كلها في قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً).

العلم التفصيلي في الآية
يقسم العلم إلى قسمين :
الأول : العلم التفصيلي : وهو العلم بذات الشئ ومتعلقه وخصوصيته كالعلم بأحكام الصلاة وواجباتها وأركانها .
الثاني : العلم الإجمالي : وهو العلم بوجود جامع في أطراف متعددة مع عدم إحراز الطرف أو العزم الذي يكون هو المقصود واقعاً ، كما في تعيين الصلاة الوسطى في قوله تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى]( ).
وكما في العلم بأن ليلة القدر في الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان ولكن تجهل تعيينها على نحو الحصر ، قال تعالى [لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ]( ).
ومن وجوه الاعجاز في آية البحث انها تتناول ادق التفاصيل في موضوع الدَين وكتابته وتذكر خصائص كاتبه، وبينما جاءت الآيات السابقة بحرمة الربا .
ووردت السنة النبوية بذم وقبح فعل كاتبه فان هذه الآية جاءت باباحة الدَين والقرض والتأكيد على اهميته، وذكرت كاتبه بصفات ايمانية.
وكتابة الديون والعقود مطلقاَ باب للأجر والثواب ان تمت وفق القواعد الشرعية ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
والثواب ظاهر بلحاظ المنافــع العظيمــة لكتابة الدَين، وتثبيته من غير إضرار باحد ، والا فاذا كان الكاتب ليس بعادل، او انه يجهل قواعد الشريعة، فقد يقع بخطأ يسبب اضراراَ اكثر مما لو لم يكتب الدَين، لان عدم الكتابة ليس علة تامة لحصول الضرر والخلل والنسيان، والخطأ في الكتابة يسبب الارباك والخصومة في الغالب الا ان يكون الطرفان على علم باصل الدَين والاجل ولا تسبب الكتابة اختلافاً عندهما.
قانون كتابة الدَين سلامة من الفتنة
ان الله عز وجل حينما تفضــل بالأمر بكتــابة الدَين فانه سبحانه اتقن كيفيتها واسباب تحصيل السلامة فيها بما يجعل البر والإحسان دائمين بين الناس .
وآية البحث من مصاديق دعاء إبراهيم في قوله تعالى [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ).
ولو انحصر الأمـر بالكتابة واكتفى أحد طرفي الدَين والقرض بكتابته او من ليس بمؤهـل وجامع لشرائط الكتابة ، فربما قال اهل الحسد والبغي ان الخلل جاء من الأمر القرآني بالكتابة، خصوصاً أيام التــنزيـل وفي الامصــارحديــثة الفتــح مع كثــرة اصــحاب الريــب ولإدعى بعضهم لولا هذا الأمر لإكتفينا بالذاكرة والحافظة، ولما وقع الخلاف.
فجاء التقييد بصفات الكاتب لدرء الفتن , وفيه حصانة للقرآن ومنعة للآيات من تعدي الجاهلين، وهو دليل على نزول القرآن من عند الله تعالى لما تتصف فيه أوامره من الدقة ومضامين الحكمة والإتقان وغياب النقص، كما انه مدرسة تأديبية للذين يشرعون القوانين الوضعية بلزوم الإلتفات الى دقائق الأمور .
ومع هذا فان تلك القوانين تتضمن دائماً الثغرات التي يزداد ظهورها عند التطبيق والعمل، بينما أحكام القرآن تأتي بالفاظ اعجازية معدودة تتصف بالإيجاز , ولكنها تتضمن البيان فالإيجاز والإطناب من المتضادين، ولكنهما يجتمعان في القرآن وفي موضوع واحد، إيجاز باللفظ واطناب وتعدد في المعنى بما يمنع من الضرر والإضرار وينفي الحرج ، قال تعالى [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
قانون أحكام القرآن تخفيف عن المحاكم
واذ تسمع الشكوى من بعضهم في القوانين الوضعية وصدور هوامش وملحقات للقانون مع مطالبة بتبديله في مدة وجيزة , فان أحكام القرآن تمر عليها الأحقاب والأجيال وهي ثابتة وفيها الكفاية والنجاة لتكون دعوة للناس للرجوع الى القرآن والتسليم بانه نازل من عند الله تعالى ، قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا]( ).
والكتابة والشهادة نوع تخفيف واكتفاء ذاتي محدود من غير حاجة للرجوع الى المحاكم ومجالس الشرع.
و(بين) ظرف مبهم لا يعرف معناه الا بالإضافة الى طرفين أو اكثر، وما يقوم مقام التعدد، ويأتي (بين) ظرف مكان او زمان.
و(عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،”فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ : بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي)( ).
وقد يأتي في القرآن جامعاً لمعنى المكان والزمان بحسب تأويل الآية وتعدد معانيها .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (لكلّ آية ظهر وبطن ولكل حرف حدّ ومطلع)( ).
وفي (الحديث أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين)( ).
و(عن أبي قلابة قال : قال أبو الدرداء : إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً)( ).
ونسب القول الأخير أعلاه لأبي الدرداء ، قال تعالى [وَأَثَارُوا الأَرْضَ]( )، أي حرثوها وقلبوها للزرع.
معنى بينكم
جاءت اضافة الظرف بين في الآية للضمير (وليكتب بينكم) فعلم ان الكاتب يكون وسيطاً وبرزخاً بين البائع والمشتري، والدائن والمدين ، وفيه اشارة الى صفات اخرى في اختياره لأن (بين) يدل على الأهلية وعدم التدني والخساسة.
واذا كان الكاتب من اواســط المجتمع فانه اسمى من ان يكون ضعيفاً منقاداً للقول او خاضــعاً للإغراء وقبول الرشــوة فـورد لفظ بينكم للإخبار عن امتلاكه ثقة بالنفس تمنعه من مخالفة الحق عجزاً وضــعفاً وخـــوفاً، فقـد ترى انســاناً عادلاً ولكنه لا يجــرأ على السؤال عن تفاصيل الدَين ليقوم بتدوينها، وان سأل يتلقى التوبيخ والزجر، فيفوت الحق من غير قصد ويحصل تضييع للمال بسبب التفريط غير المتعمد.
ومن معاني (بينكم) معرفة لغة الدائن والمدين معرفة تامة والكتابة بوضوح ومن غير لبس أو ترديد وإن قصروا في حقه وإجرته.
وجاء لفظ (بينكم) تأسيساً لشأن خاص للكاتب بالعقد ,لذا ترى الآية تذكره على نحو الخصوص وانه هو الذي يكتب مما يعني تحمله المسؤولية بالكتابة، فلو حصــل غش او غــرر او نقص او زيادة في العقد، والكاتب عالم بالمخالفة لأحكام الكتابة الشرعية فانه يؤثم ان امضاها وكتبها وان غفل عنها الطرف الآخر، ولا يجزيه القول ان ما سمعه كتبه ودوّنه .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (مَنْ غَشَّنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا ، ومَنْ رَمَانَا بِالنَّبْلِ ، فَلَيْسَ مِنَّا)( ).
فلابد من بيان الحق وتوضيح المسائل والشرائط المطلوبة.
ولفظ (بينكم) يدل على حضور الطرفين عند كتابة العقد، وان يذكر اسمي الدائن والمدين في العقد بما لا يقبل اللبس او الإيهام، وجاء لإخراج الديون الفاسدة، والبيوع المحرمة كالدَين بسبب الخمر او القمار او الربا، فهو لا تشمله الآية لحرمته والنهي عنه ولإرادة صفة الإيمان في اضافة الظرف (بين) الى جماعة المسلمين.
و(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ،”قَوْلُهُ [فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ]( )، أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، نَسَخَتْهَا فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ( ).
وليس من نسخ في المقام إنما هو استثناء من عمومات كتابة الدَين.
لقد توجه الأمر في الآية الى الكاتب بصفة الكتابة، وجاء ذكره بصيغة الفاعل (كاتبٌ) وليس مفعولاً به، ليكون له شأن في المجتمع وفي العقد، وقد أولى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم منذ بدايات الإسلام عناية خاصة بالكتابة وكثرة الذي يحسنون القراءة والكتابة بين المسلمين، وفي اسرى بدر من المشركين اشترط النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كل واحد منهم لإطلاق سراحه تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.
عدالة الكاتب
تضيف هذه الآية امراً آخر الى الكتابة وهو عدالة الكاتب حال الكتابة، وفي خصوص موضوعها .
لتتجلى حقيقة عقائدية وهي ان الكتابة في العقود امانة شرعية لابد من صيانتها، وشرط العدالة يشمل القضاة وكتاب العدل والمحامين، فان الوكالة لطرف من الدعوى وكتابة العقد لا يتنافى مع عمومات العدالة في المقام.
وفي لفظ (بينكم) اشارة الى احتمال تصرف الكاتب على نحو مستقل في بعض تفاصيل العقد كما لو اخبره الطرفان بالدَين ومقداره واجله وتركا له التدوين، والباء في بالعدل جاءت للإستعانة وهي الداخلة على آلة الفعل كقولك “توضأت بالماء”، وهي ايضاً للمصاحبة، فلابد ان يكون العدل وسيلة لضبط الكتابة، ومنع التعدي ولا يجوز ان تكون الكتابة صحيحة في عقد وناقصة في عقد آخر، ولا يمكن التخلص من سلطان الهوى والشهوة وحال الغضب والمحبة لأحد الطرفين والبغض للآخر الا بالعدالة، كملكة راسخة في النفس، ففي العدالة في المقام منافع عديدة منها:
الأول : قانون لزوم خلو العقد وكتابته من افراد الظلم، والظلم الذي تطرده العدالة على وجوه :
الأولى : ظلم أحــد الطرفين، كما لو أخــل الكاتب بمقدار الدَين، وذكــر زيادة تضــر بالمدين او نقيصة تعتبر تضييعاً لمال الدائن.
الثانية : ظاهر قوله تعالى (كاتب بالعدل) ان المراد من الكاتب في المقام ليس من يحسن القراءة فحسب بل من كان متفقهاً في الدَين وقادراً على الإحتراز من الجور والميل في الكتابة وليس هو كالآلة يكتب ما يملى عليه، بل يكتب ما يملى عليه ما دام موافقاً للعدل.
الثالثة : قانون حرمة ظلم الكاتب لنفسه بخيانة وظيفته واستعماله الغش.
الرابعة : قيام الكاتب بظلم الحكم الشرعي، اذا كتب خلاف العدل الذي قيدت به الآية موضوع الكتابة.
الخامسة : ظلـــم الناس باشـــاعة الفتنة والمكر وأسباب النزاع والخصومة.
ومن اعجاز الآية ان امرت بالشهادة وتعددها لتمنع من انفراد الكاتب وان كان عادلاً بموضوع الدَين كما سيأتينا.
ووجوب اتصاف الكاتب بالعدل مانع من تسرب الربا الى معاملات الدَين والقرض بين الناس مما يعني عدم انحصار مكافحة الربا بموضوعه واشتراطه في أصل العقد وارتكاز العقد على الفائدة والزيادة بل تشمل منع نفاذه بطرق خفية من عقود البيع والدَين ، قال تعالى [فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]( ).
الثاني: من منافع العدالة اشاعة الإنصاف ومنع الفتنة والفرقة والخصومة.
الثالث: لقد تفضل سبحانه وجعل الشهادة شرطاً مقوماُ للدَين ، فلا يجوز ان يكون سبباً للأذى والضرر، والله عز وجل اذا أمر بشيء أتقنه وأحكمه، فجاء شرط العدالة لاتقان الشهادة ومنع حصول الخلل بسببها.
الرابع : قانون تنمية ملكة الاســتحضار وقـوة الذاكرة واجتناب الغفلة والنسيان.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إن الله خلق العقل، فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر ، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت شيئا أحب إلي منك لك الثواب وعليك العقاب)( ).
الخامس: قانون تقوية أواصر الأخوة الايمانية، ونشر اسباب الثقة والاطمئنان والأمن بين المسلمين،فالاستغناء عن الشهادة مظهر من مظاهر الأمن فيما بين المسلمين، كما سيأتي في الآية التالية في قوله تعالى [فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا]، ولكن الأمانة لا تنحصر بعدم الشهادة والرهان المقبوضة، فمجرد حصول التداين هو عنوان ثقة وطمأنينة وتراحم بين المسلمين ولكن بدرجة تختلف عن التداين من غير شهادة وكتابة، فالعدالة نوع توثيق للشاهد، والمدين ايضاً.
السادس : قانون العدالة وسيلة اخلاقية وعقائدية مباركة لحفظ الأموال والحيلولة دون تضييعها، وهي سبب شرعي لبراءة ذمة المدين، فبالشهادة يتحقق سبب قضاء الدَين ويتبين مقداره كاملاً واوان أجله.
قانون موضوعية العدل والإستقامة
من الإعجاز في الآية القدر المتيقن من العدل في المقام وهو على وجوه:
الأول : موضوعيته حال الكتابة.
الثاني : اعتبار العدل فيما يخص عقد الدَين.
الثالث : من العدل انصاف الطرفين وذكر ما يحق لكل واحد منهما، وما يجب عليه.
الرابع : قانون الإســتعانة بالعدل وجعله ضــابطة كلـية في الكتابة ومانعاً من الظلم.
وهل ينحصــر موضــوع الآية وكـتابة الكاتب بايام النزول وقلة الذين يعرفون الكتابة آنذاك.
الجواب لا ، لعمومات أحكام القرآن، فموضـــوعية الكاتب ظاهــرة في كل زمـان وحال تداين، ويجوز ان يكون أحــد المتداينين هو الكاتب اذا كان جامعاً للشرائط , ولكنه خلاف الأولى وظـــاهر الآية الكريـمة, وفيه احتمال لتفويت منافع عديدة.
ومن القواعد الكلية ان التفريط الجزئي بتفاصيل حكم شرعي يفتح باباً من الخطأ والخلل وان كان التفريط غير مقصود، فترك الكاتب والإستغناء عنه بكتابة احد الطرفين باب للإفتتان وفوات بعض الشرائط واحتمال عدم ذكر شطر من التفاصيل بالإضافة الى ما في الآية من الدعوة لجعل اختصاص بكتابة العقود، وضبطه بقوانين وضعية مقتبسة من الكتاب والسنة النبوية.
آيات (بالعدل)
لقد ورد لفظ [بِالْعَدْلِ] ست مرات في القرآن ، منها مرتان في آية البحث لبيان موضوعية العدالة والتقوى في كتابة الحقوق والتنزه عن كتابة الباطل ومنه المال الربوي .
ومن الإعجاز أن لفظ بالعدل ورد في القرآن في باب الحكم وأسباب الإنصاف والآيات الأربعة الأخرى هي :
الأولى : [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] ( ) وهل أكل الربا من الفاحشة أم من المنكر أم منهما معاً المختار هو الثاني .
وهل بخس جزء أو شطر من الدَين من المنكر أم من البغي ، الجواب إنه منهما جميعاً ، لبيان حاجة المسلمين والناس لآية البحث في تنزيه المعاملات وإصلاح المجتمعات ومنع الفتنة.
الثانية : [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ( ).
لوجوب الأمر بالمعروف ، ومنه السعي في الصلح بين المسلمين ، ووجوب النهي عن المنكر وهو الإقتتال بينهم وقانون الصلح بين المتخاصمين بالعدل منع من استدامة القتال ، ورفض بعض الأطراف الصلح ولأن هذا الصلح في قوله تعالى (واصلحوا) نوع حكم ، قال تعالى [وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ]( ).
الثالثة : [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] ( ).
لقانون كتابة الدَين أمانة وعهد ، وكذا بالنسبة لإنشغال ذمة المدين بالدَين فهي أمانة.
الرابعة : [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ).
بيان حسن السمت بالنسبة لمن يجمع بين الأمر بالعدل والصلاح ، ويجمع بينها قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
لبيان حاجة الناس للإستقامة في القول والعمل ، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
علم المناسبة
لقد ورد لفظ العدل في مواضيع في القرآن منها:
الأول : من أسماء الله (العدل) ولم يرد في القرآن وورد [وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً]( )، ولكنه ورد في حديث الأسماء التسعة والتسعين (عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة، وهي: الله، الاله، الواحد، الاحد، الصمد، الاول، الآخر، السميع البصير، القدير، القاهر، العلي، الاعلى، الباقي، البديع، البارئ، الاكرم، الظاهر، الباطن، الحي، الحكيم، العليم، الحليم، الحفيظ، الحق، الحسيب، الحميد، الحفي، الرب، الرحمن، الرحيم، الذارئ، الرازق، الرقيب، الرؤوف، الرائي، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، السيد، السبوح الشهيد، الصادق، الصانع، الطاهر، العدل، العفو، الغفور، الغني، الغياث،الفاطر، الفرد، الفتاح، الفالق، القديم، الملك، القدوس، القوي، القريب، القيوم، القابض، الباسط، قاضي الحاجات، المجيد، المولى، المنان، المحيط، المبين، المقيت، المصور،الكريم، الكبير، الكافي، كاشف الضر، الوتر، النور، الوهاب، الناصر، الواسع، الودود،الهادي، الوفي، الوكيل، الوارث، البر، الباعث، التواب، الجليل، الجواد، الخبير،الخالق، خير الناصرين، الديان، الشكور، العظيم، اللطيف، الشافي)( ).
والله عز وجل لا ميل إلى هوى ، ولا يميز في حكم ، وهو العدل في حكمه ، ويرزق الناس بإجتماع كل من :
الأول : عدل الله .
الثاني : رحمة الله .
الثالث : فضل الله ، قال تعالى [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ]( ).
الثاني : العدل بين الناس بالحكم، وهو أصل موضوع العدل قال تعالى [وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ]( ).
الثالث : الإصلاح بين الطائفتين والجماعتين المتنازعتين، قال تعالى [فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ]( ).
الرابع : تحمل الشهادة واداؤها، قال تعالى [وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ]( ).
فكما تكون للعدالة موضوعية في الحكم ولا يتقوم الا بها، فكذا بالنسبة للشهادة فان كتابة الديون والعقود تحتاج الى شرط العدل والإنصاف وجعله جزء من لوازم الكتابة، وان يصدر عن ملكة العدالة عند الإنسان ويساهم في تنميتها، فذكر شرط العدل وسيلة لجعل العدالة سنخية راسخة عند المسلمين وقيد ابتدائي لتعلم الكتابة واختيار وظيفة كتابة العقود.
وتردع الآية الطرفين عن سؤال الكاتب تدوين ما ليس بحق، وما يخالف العدل، وهو تخفيف عن الكاتب واشراك للإطراف الأخرى في مسؤولية الكتابة، وترغيب بتعلم الكتابة والتفقه في الدَين والتصدي لكتابة العقود ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ]( )، ولم يرد العقود في القرآن إلا في الآية أعلاه.
وتحث الآية على اختيار من يتصف بالعدالة لتأتي كتابته وفق موازين العدل الذي يقوم عليه النظام الإجتماعي والمعاشي، ولتكون صناعة الكتابة آلة لحفظ الحقوق والممتلكات، وتعاهد النظام وليس وسيلة للضرر والإضرار.
والعدل عنوان الإستقامة وعدم الميل والهوى وضد الجور، فكتابة الدَين نوع حكم ويستلزم القضاء بالحق سواء في ذات الكتابة او الأثر فيما بعد وهي نوع شهادة فلا يزيد او ينقص في الدَين او الأجل، وتكــون كتابته برهــاناً بيناً وحجـة لكل الطرفين وعوناً للقاضي في الحكم.
قوله تعالى [وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ]
بعد تثبيت حقيقة عقائــدية وهي قــيام طــرف ثالــث بكتابة الدَين بين الدائن والمدين مع ذكر تفاصيله والتزام العدل في الكتابة وأحكام العقد بما يمنع من الوهــم وضــياع الأموال وبقاء الذمـة مشغولة، جاء هذا الشــطر من الآية ليكون موضـــوعاً جديداً في عالم التــدوين والكتابة لما فيه من النهي عن امتناع الكاتب عن الدعوة لكتابة الديون، فالكاتب ليس طرفاً في العقد ولا مصلحة له بالدَين وتوثيقه، ولكن الخطاب توجه إليه بلزوم الإستجابة لكتابة العقد وفق الشرائط وفيه مسائل:
الأولى : جاء ذكر الكاتب بصفة التنكير ومن غير الف ولام مما يعني اطلاق الحكم بجميع الكتاب الذين يحسنون كتابة العقود وفق احكام الشريعة.
الثانية : قانون كتابة الدَين من الأمور التي تقوم عليها مصالح العباد، والنظام العام.
الثالثة : قانون ليس للكاتب حق التصرف في الكتابة وتحريف او تغيير ما اتفق عليه الطرفان.
الرابعة : قد يرى الكاتب في العقد ما لا يرضى به وهو على قسمين:
الأول : ما يخالف هواه وميله.
الثاني : ما يتعارض وأحكام الكتاب والسنة.
اما بالنسبة للأول فان الآية تأمره بالكتابة وان كانت مخالفة لهواه، اما الآخر فلا يحق له كتابة ما يخالف الكتاب والسنة، لأن الآية تقيد الكتابة بان تكون بما علمه الله ، وهل مضامين آية البحث من هذا التعليم ، الجواب نعم
الخامسة:جاءت الآيات القرآنية السابقة بحرمة الربا، ووردت نصوص في السنة النبوية منها ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن علي قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة، آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والواشمة والمتوشمة ، ومانع الصدقة ، والحال والمحلل له( ).
وجاءت هذه الآية بقانون الزام الكاتب بكتابة الدَين لتثبيت التداين وعدم الفائدة والإعانة على التخلص من الربا واحلال المعاملات الصحيحة محل المعاملات الفاسدة.
السادسة : لتعلم الصنعة والمهنة زكاة، وهي توظيفها في مرضاة الله، فالكتابة سلاح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الحقوق لتكون وسيلة لاستقرار المجتمعات واداء العبادات.
السابعة : عندما يتعلم الإنسان مهنة يتعلق بها الصالح العام فانه يصبح من الكلي الطبيعي، للامة والدَين حق فيه، فيجب ان لا يتخلف عن ادائه، فعلى الكاتب أمور :
الأول : الضبط بما يمنع الخصومة والفرقة.
الثاني : إجتناب حصول الضرر وضياع الأموال .
الثالث : قانون القيام بكتابة العقود وفق أحكام الكتاب والسنة ، وهل يشترط قصد القربة في كتابة الدَين وصفاته ، الجواب لا.
الثامنة : تدل الآية على عدم المشقة في تعلم احكام الشريعة والقواعد الفقهية الخاصة بالمعاملات وكتابتها.
التاسعة : في مفهوم الآية باب للإعتذار عن الكتابة لمن لا يعرف قواعد الشريعة وأحكام العقود وشرائط الدَين لكي لا يقع ويوقع غيره في الربا.
نعم الآية دعوة لتعلم الكاتب للأحكام، وتعلم المتفقه للكتابة كي لا يكون هناك كاتب جاهلاً بالأحكام، ومتفقه لا يعرف صنعة الكتابة.
فمن إعجاز آية البحث وجوهاً :
الأول : إنها ارشاد سماوي لإصلاح أحوال المجتمع.
الثاني : فيها تحسين القدرات والإرتقاء بالمســتوى العلمــي.
الثالث : ايجاد الكــفاءات الـقادرة على احراز دوام حســن المعاملة والمنع من الإضــرار بالنفـوس والممتلكات والأموال.
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)( ).
وجاء لفظ (كاتب) على نحــو التنكير لإفــادته الإطـلاق وتعلق الحكــم بعدم الإمتنــاع عن الكتابة بصفة الكتابة لأنها صنعة تحتاجها الأمــة والمـــلة وتســـاهم في قوام وضـــبط المعاملات والصــلات، فلا يمتـنع الكاتب عن الكتابة بســبب خلاف شـــخصي او انتماء لقبيلة اخـــرى غير قبيــلــة الــدائن او ان الطـــرفين ليســـا من اهل تلك البلدة او الدولة لأصـــالة الاطلاق في التكليف، وعـــدم اعتـبار القيـــود العرفية، ولأن خطــاب التداين في الآية ورد مطلقاً وموجهاً لكل المسلمين.
وتبين الآية موضوعية القانون الســماوي في ضبط المعاملات , وامتثال المكلفين بالأحكام لما في مخالفتها من الضرر الخاص والعام امتناعه.
علم المناسبة
وردت مادة (أبى) ست مرات في القرآن، واحدة في الذات المقدسة وتفضله تعالى باتمام النعمة واظهار دين الحق وبيان الاحكام للناس، قال تعالى [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
ووردت مرة في امتناع السماوات والارض والجبال عن تحمل الأمانة، ومرة في ذم الكفار وامتناعهم عن قبول الحق [وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ]( )، ومرة في امتناع أهل القرية عن استضافة موسى والخضر عليهما السلام [اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا]( ).
وورد (يأب) مرتين في هذه الآية مما يدل على ان الامتناع عن التكليف الواجب والمستحب قبيح ومكروه.
قوله تعالى [كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ]
الآية ثنـــاء ومــدح للكــاتب ودليل عـلى مكانته ولزوم اكرامه لما يحمله من علم بالكتاب والسنة، والكاتب لم يوح اليه ولم يتلق الأمر مباشرةً من عند الله تعالى ، فكيف تلقى التعليم ونال شرف هذه النسبة، فيه وجوه:
الأولى : اخبار القرآن بان الكاتب ممن علمه الله تشريف له ولصنعة الكتابة بين الناس.
الثانية : التعليم بواسطة القرآن وآياته وما فيه من أحكام الحلال والحرام.
الثالثة : من وجوه التعليم حرمة الربا واجتناب المعاملات الفاسدة.
الرابعة : يأتي التعليم بواسطة السنة النبوية الشريفة [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
الخامسة : هذه الآية من مصاديق تعليم الله تعالى للكاتب لأنها تأمر ان يكتب بالعدل والإنصاف وعدم الجور او الميل عن الحق وتخبر عن القواعد العامة للدين وكتابته، بان يكون المتداينان حاضرين بقرينة قوله تعالى (بينكم) ومعرفة مقدار الدَين وانه يكون لأجل معلوم وامد معين لا يقبل الترديد.
السادسة : لقد رزق الله عز وجل الإنسان العقل وجعله حجة ذاتية تمنع صاحبها من التعدي والتجاوز.
والآية الكـريمة حجــة على كل من يتصــدى لكتــابة العقود، وليس له ان يعتذر فيما بعد بالجهل او عدم المعرفة ، أو يمتنع عن الكتابة احتياطاً ، فهذا الإحتياط خلاف الإحتياط إلا مع السبب العرضي الخاص.
وفيها اشارة الى تعلق الضــمان بذمته عند حصــول خطأ وتقصــير يستلزم الضمان، الا ان الآية جـاءت اصلاً للوقاية وليس للتدارك والعلاج، ووردت بلفظ الماضي (علمه الله) مما يعني سبق التعليم على حال العقد، وانه لا يصدق عليه كاتب بمجرد تعلم الكتابة والقراءة، فلابد للذي يتصدى لكتابة العقود والديون ان يكون ممن تعلم الفقه إجمالاً في باب العقود، وامتلك القدرة على التخلص من الربا ولا يخاف الناس منه جنفاً وميلاً وعدولاً عن الحق.
أقوال في آية التداين
وذكرت في الآية أقوال وهي:
الأول : اخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى [كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ] قال: يعدل بينهما في كتابه ولا يزاد على المطلوب ولا ينقص من حق الطالب.
الثاني : عن مجاهد وعطا في قوله تعالى [وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ ] قال: واجب على الكاتب ان يكتب اذا أُمر، وعن السدي: يكتب الكاتب ان كان فارغاً( ).
الثالث : عن قتادة ومقاتل: كانت الكتاب يومئذ قليلاً.
الرابع :عن الضحاك [كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ] قال: كما امره الله.
الخامس : ان الكتابة فرض على الكفاية كالجهاد ونحوه، وبه قال الشعبي واختاره الرماني والجبائي.
السادس : عن سعيد بن جبير [كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ] كما علمه الكتابة وترك غيره.
ويلاحظ في هذه الأقوال انها منسوبة للتابعين ولم ترفع الى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
الأولى : كتابة الدَين فرض، وبه قال الربيع وكعب.
الثانية : ان الأمر بكتابة الدَين مندوب وليس واجباً، نسب الى ابي سعيد الخدري والحسن والشعبي، وعليه الأكثر.
وهو المختار وقد يكون واجباً بالعنوان الثانوي في بعض الأحيان، خصوصاً عند ادراك أحد الاطراف او جميعها الحاجة الى كتابة الدَين.
فصيغة الأمر بالآية الكريمة تمنع من انتفاء الوجوب مطلقاً، والوجدان والوقائع تشهد بالحاجة الى كتابة الدَين مع خلوها من الضرر، بل بالعكس فان كتابة الدَين امتثالاً للآية الكريمة فيه ثواب عظيم.
قانون تعليم القرآن للإنسان
هذه الآية اعجاز قرآني في باب التدوين وضبط القوانين والسنن، لما تضمنته من التعليم الإلهي للكاتب وبلحاظ موضوع التعليم ذاته، اذ ورد على جهات منها:
الأولى : تعليم الله عز وجل لآدم عندما نفخ فيه من روحه، قال تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ).
الثانية : تفضل الله بتعليم جنس الإنسان، قال تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
الثالثة : ما تفضل به الله تعالى من تعليم الأنبياء الكتب السماوية المنزلة والحكمة، قال تعالى [وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ]( ).
الرابعة : تفضل الله تعالى بتعليم خــاص لبعض الأنبياء لتفيض منهم البركــة على الأمة، مــنـــه ما ورد في التنزيل بخصوص داود [وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ]( ).
الخامسة : تفضل الله تعالى بتعليم القرآن واعانة الناس على تلاوته، والإحاطة بشطر من علومه وجعله الشريعة الثابتة الدائمة، قال تعالى [الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآنَ] ( ).
السادسة : ورد قوله تعالى [الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ] ( )، لبيان قانون الكتابة نعمة من عند الله عز وجل.
وهو دليل على ان تعلم الكتابة لم يكن صدفة واتفاقاً او جاء بجهد الانسان وسعيه النوعي والشخصي، بل ان الكتابة علم من عنده تعالى، ومن الآيات ان تقترن الكتابة بالكلام، فما من لغة الا ولها كيفية خاصة بها في الكتابة ورسم الحروف.

قانون الثناء على الكاتب بالعدل
جــاءت هذه الآية لمدح الكاتــب على نحـــو الخصوص ، قال تعالى [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( )، والمـــراد من التعليــم تعليــم الأحكام الشـــرعية مع الخــط والكتــابة، لبيان عظيـــم فضل الله تعـــالى بجعل الإنسان قادراً على الكتـــابة وتـــدوين الحقــائق والأخـــبار والوثـائق والمنع من ضياعها.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أولوية التعليم النافع لذا كانت أول آية نازلة من السماء [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، وتقييد القراءة بانها بإسم الله باعث لتعلم السنن والأحكام الشرعية وما فيه الصلاة والرشاد ، قال تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
والكتابة مقدمــة عقلية لحفـــظ القـــرآن وبقائه في الأرض في منأى عن التحريف والتغيير والضياع .
فلولا الكتابة والتدوين لرأيت اكثر المسلمين لا يحفظون الا الســـور والآيات التي يـقرأونها في الصلاة، ويقوم بعضهــم بالإكتفاء بتكرار ســـور او آيات مخصوصات في كل صلاة سواء لأنه لا يحفظ غيرها او انه لم يثق بصحة النقل الا بهذه الآيات ولنفذت ســـهام الأعداء والكافرين والجاحدين نحو علوم التنزيل ، قال تعالى [ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
ولكن الله عز وجل جعل الكتابة وسيلة لحفظ الكتب السماوية وتوثيقها والمنع من تحـــريفها، وتجـــلى الأمر بالقرآن الذي لم ولن تطاله يد التحريف.
ومنافع الكتابة كثيرة منها :
الأول : إنها رحمة لأهل الأرض .
الثاني : إنها وسيلة للتفاهم والتخاطب عن بعد .
الثالث : هي آلة لإكتساب الحكمة والمعارف الإلهية.
الرابع : الكتابة سبيل الإرتقاء في ميادين الحياة المختلفة.
كما انها تنفع صاحبها وغيره أي ان الأمي الذي لا يقرأ ويكتب ينتفع منها ايضاً ، وينتفع منها الدائن والمدين في النفس والمال.
كما انها سبيل لنقل العلوم والمعارف بين الأمم بحسب الترجمة والشواهد، واذا كان القرآن يأمر بكتابة الدَين والقرض المالي بين شخصين فمن باب اولى ان تتوجه عناية الأمة وملوكها الى كتابة القرآن ونسخ المصحف والإكثار منه، فهو الأمانة العظمى في عنق كل مسلم، وقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين على تعلم الكتابة واظهر عناية خاصة بالمتعلمين وبيّن الحاجة العامة اليهم، فينبغي القضاء على الأمية بين المسلمين في مختلف بلدانهم بما يتعدى حدود البلدان الجغرافية والكيانات السياسية.
وتنهى الآية عن الإجمال والإلفاظ المبهمة التي تفيد عدة معان متباينة وتسبب النزاع، وتحذر مما يجد القضاة سبيلا الى طرحه وعدم الأخذ به، ولجوئهم الى أدلة أخرى او منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (البينة على من أدعى واليمين على من أنكر) ( ).
وفي الآية دعوة للكاتب، والقاضي، والعالم ، والمحامي ومن يدون الحقوق مطلقاً لإلتزام العدل والحق لتبقى الكتابة حصناً وباباً من ابواب القضاء والحكم بين الناس.
وقد تكون الكتابة بخصوص مهر المرأة وجعل جزء منه ديناً كما شاع في هذه الأزمنة عنوان (المهر المؤجل) وعدم بخسها حقها، وقد تكون الكتابة في دين او وصية لإنسان يحتضر او أنه في مرض الموت، او ان كبر سنه يوحي بانه مقبل على الآخرة فيكتـب عليه الدَين لتأمين اموال خاصة لبعض الورثة او لغيرهم بحجج مختلفة لا تصلح ان تكون سبباً لأكل أموال اليتامى، والتعدي على الميراث.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : أربع حق على الله ان لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها، مدمن الخمر، وآكل مال الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه( ).
كتابة الوصية
ولو كتب الكاتب وصية او ديناً بغير حق، وفيه اضرار على الورثة فهل هو من أكل مال اليتيم المذكــور في الحـديث اعلاه ، الجواب مع الرشوة نعم ، وبدونها أيضاً يؤثم ويســـتحق العقاب ، وهذا العقــاب يتصــور على جهات :
الأولى : الاطلاق، سواء كان عالماً ببطلان الدَين، واضراره بالورثة ام لا.
الثانية : بقيد العلم بالبطلان وهو الأصل لحديث الرفع وعدم عقاب من لا يعلم.
الثالثة : تقتضي وظيفة الكاتب التحقيق والتثبت، وان لا يكون آلة للظلم.
والأصح هــو الوجـــه الثالث قبل ان تصـــل النوبة الى حديث الرفع، وهو من مضـــامين قوله تعالى [كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ] ( ).
ومنه العلم الإجــمالي العام بحرمة الظلم والإشتراك فيه تســـبيباً ومباشـــرة، لذا يجب على الكاتب ان يدقــق في الأمـــر بما يزيل اللبس ويبين وجوه الظلم في الكتابة ويمتنع عنها ومن الإصرار على الظلم والتعدي سواء تعلق باحـد طرفي العقد او بكليهما او غيرهما كما في حال الورثة، ويجب ان يستجاب لسؤال الكاتب وطلبه التفــصيل في متعلق الدَين.
وتحذر الآية من كتابة الثلث وتفاصيله في الوصية بخلاف الحق ورغبة صاحبه سواء كان في حال الإحتضار او في مرض الموت او مطلقاً كما لو كان متقيداً بلزوم كتابة الوصية في حال الصحة والمرض وهو الأولى والأصح وفيه نصوص.
وفي الآية زجر عن التعدي او التفريط في كتابة الوصية، وتفاصيل الثلـــث، ولو لم يوص الميت بالثلث فلا يجوز اخراجه بل ترجع التركة كلها الى الورثة الا مع وجود دين فيخرج من أصل المال.
ومن بين تسع مرات ذكر لفظ (وصية) في القرآن ، ذكرت أربعة منها في آية واحدة بقوله تعالى [وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ]( ).
لبيان موضوعية الوصية عند الإحتضار بل وقبله من غير إضرار بالروثة أو غيرهم.
وحفظ حقوق الناس عند الميت من منافع الكتابة الدنيوية والأخروية، فبالكتابة يمكن اخراج الدَين من التركة وتكون الكتابة وثيقة على الورثة لا يستطيعون معها انكار الدَين، وبالقضاء تفرغ ذمة الميت وذمتهم ايضاً وتحفظ حقوق الناس ولا يكون الموت سبباً لحجب المعروف والإحسان بادانة الآخرين، فاذا كان الناس يخشون من الموت كعلة تامة لذهاب ديونهم، تتعطل عملية الدَين جملة وتفصيلاً لأن كل انسان معرض للموت في أي لحظة ومنها الوقت السابق لأجل الدَين، ولمنع الدائن المدين من الســـفر والخـــروج للغـزو والمرابطة في الثغور لأنه يخشى ضياع دينه بموته او قتله، فجاءت الكتابة ضماناً وعهداً للدائن وسكناً له.
علم المناسبة
ورد قوله تعالى (علمّه) اربع مرات في القرآن، وفاعل التعليم فيها جميعاً هو الله عز وجل، وهي كما يأتي:
الأولى : ورد في داود  [ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ]( ).
الثانية : في مدح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيان عظيم فضله تعالى عليه في نزول القرآن، واحكام السنة، قال تعالى [إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى]( ).
الثالثة : في الانسان وتفضل الله تعالى بتعليمه، قال تعالى [خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ]( ).
مما يدل على عظيم فضل الله تعالى على الكاتب , وان تعليم الكتابة سر إلهي لا يختلف عن النطق وتفضيل الانسان به عن جنس الحيوان، ففي الآية اشارات الى كون الكتابة من الأسرار التي أودعها الله عز وجل في الانسان من وجوه :
الأول: خلق الانسان وأهليته للكتابة.
الثاني: هدايته لها ومعرفة رموزها.
الثالث: تعاهدها والقدرة على ضبط قواعدها والتمييز بين حروفها.
الرابع: الاستجابة النوعية والتوجه لتعلم الكتابة والقراءة، فمن الناس من يكون متعلماً للكتابة، ومنهم من يساعد الآخرين على تعلمها، ويشعر بالنقص والتقصير لفوات تعلمها، ويظهر هذا بوضوح في حرص الأب على تعلم ابنائه الكتابة والقراءة وافتخاره بارتقائهم في العلوم مع افتقاره لها.
و(عن الشعبي قال : سألت المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة ؟
قالوا : من أهل الحيرة وسألنا أهل الحيرة من أين تعلمتم الكتابة ؟ قالوا من أهل الأنبار)( ).

قوله تعالى [فَلْيَكْتُبْ]
جاءت بداية الآية بخصوص كتابة الدَين ولابد لتكرار لفظ الكتابة والأمر به من دلالات تؤكد موضوعية الكتابة في المعاملات واثبات الحقوق والمنع من تضييعها وجعل الكتابة سلاحاً لدرء الفتن ودفع الخصومة والنزاع، وبعد توجه الخطاب بكتابة الدَين الى عامة المسلمين واطراف الدَين بابتداء الآية بنداء الإكرام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ، والإخبار عن صفات الكاتب على نحو التعيين ، جاء هذا الشطر من الآية بصيغة الإنشاء والأمر، وفيه وجوه:
الأول : توجه الخطاب للكاتب مطلقاً، ممن يكون جامعاً لشرائط الكتابة.
الثاني : الخطاب للكاتب الخاص بعد تعيينه في القضية الشخصية.
الثالث : المراد من قوله تعالى [فَلْيَكْتُبْ] الضبط والتوثيق لأن كتابة الدَين حفظ لقواعد النظام وسلامة سبل المعاش، فيختلف اثنان في دين فتحصل خصومة وتضطرب احوال السوق او يقل الإحسان والقرض مع الحاجة اليه.
الرابع : المقصود طرفا الدَين، خصوصاً وان اكثر الكتاب يكتبون بالأجر، فكأن الآية تقول يجب ان لا يكون الأجر القليل للكتابة مانعاً من التدوين، لأن كتابة الدَين تؤدي الى النفع العظيم وتمنع من الضرر الكثير، وضرر الخلل والجحود في الدَين لا ينحصر بالمال فقط بل يشمل الحالة النفسية والصلات الإجتماعية والأخوة الإيمانية احياناً، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
لا تعارض بين هذه الوجوه وليس من حصر باحدها، وقد تجتمع كلها في حال او شطر منها، فقوله تعالى [فَلْيَكْتُبْ] لم ينحصر بالكاتب نفسه بقرينة الأمر الوارد في اول الآية [فَاكْتُبُوهُ] فلابد من تسهيل أمر الكتابة والإتفاق عليها ضمن العقد، وعدم الإذن للطرف الآخر بالترفع والإستغناء عنها، اعتماداً على الثقة المتعارفة او على الحافظة وعدم النسيان او على أولوية الأخوة والإكرام.
فقوله تعالى [فَلْيَكْتُبْ] عهد قرآني ووثيقة سماوية الى الأمة بتعاهد كتابة الديون وتوثيق الأمانات والبيوع والديات ونحوها، لأن الدَين جاء من باب المثال وليس الحصر، والآية حفظ وعناية سماوية بالمسلمين في معاملاتهم وسـبل الكسب والأنظمة المعاشية فلا غرابة ان تكون أطول آية في أهم وأكبر سورة في القرآن ، وكتابة الدَين من مصاديق الخير والمعروف في قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الأمر بكتابة الدَين
ومن منافع الأمر في الآية:
الأولى : الإمتناع العام عن منع الكاتب عن كتابة الدَين، والأوصاف الخاصة به أي ان الآية تقول: لا تكونوا عائقاً ومانعاً دون قيام الكاتب بوظيفته.
الثانية : الحث على الكتابة والنظر إليها بعناية.
الثالثة : استحضار كتابة الدَين عند الطرفين حال الشروع بالعقد وتهيئة مقدماته.
الرابعة : تمنع الآية الكاتب من التردد في الكتابة او الإعتذار لصيغة الأمر الواردة في الآية.
الخامسة : الآية دعوة لبيان مقدار الدَين وتعيين أجله من غير اشتباه او إجمال.
السادسة : في الآية اعتبار وعز للكاتب واكرام لمهنته وعمله لأنه يكتب بما علمه الله وهو أمر يترشح بإكرام الآخرين له.
السابعة : في الآية اشارة الى لزوم وضع تفاصيل العقد كاملة امام الكاتب ليتسنى له تدوينها من غير ايجاز مخل او نقص مفوت لبعض الحقوق.
الثامنة : تحث الآية على جعل الكتابة جزء من عقد الدَين والقرض.
التاسعة : الآية مدرسة سماوية تعمل على كثرة الكتاب الذين يتقنون كتابة العقود وتثبيتها.
العاشرة : تذكر الآية المسلمين والناس ببركة نزول أول آية من القرن بالأمر بالقراءة بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، وسيأتي مزيد بيان عن هذه الآية في الجزء التاسع والأربعين بعد المائتين.
قانون الآية إمامة
فالآية القــرآنية أصــل ومنهاج إمـــامة للناس، وتعليـم الكتابة أعم من العقود والمعاملات، والقلم أحـــد اللسانين، وهي وسيلة لتدوين علوم الدَين وسلاح للنجاة يوم القيامة بتسخيرها في مرضاة الله.
لقد جاء هذا الشطر من الآية لضبط موضوع الكتابة وتعاهده وامضـــائه وعدم التفريط به، ومن الآيـــات ان التقصـــير في الكتابة يســـبب احياناً حـــرجاً واذى، وهو تذكـــير بنعمــة الأمر القرآني بالكتابة.
وأخرج الطيالسي وأبو يعلى وابن سعد وأحمد وابن أبى حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: “لما نزلت آية الدَين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ان أول من جحد آدم ان الله لما خلق آدم مسح ظهره، فاخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة .
فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلا يزهر، قال أي رب من هذا، قال هذا ابنك داود.
قال أي رب كم عمره، قال ستون عاما، قال رب زد في عمره ، فقال لا الا ان أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عاما، فكتب عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة.
فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه، قال انه قد بقى من عمري أربعون عاما .
فقيل له انك قد وهبتها لابنك داود، قال ما فعلت فابرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة فكمل الله لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة عام( ).
وروي قريب منه عن الإمام الصادق عليه السلام.
ويبين الخبر حاجة الإنسان الى تدوين الدَين وان كتابة الدَين لا تمنع من حصول الجحود والنسيان احياناً فتكون عندئذ كتابة الدَين برزخا ًدون المنكر وحجة على المديون وقد تكون حجة له، فربما يمتنع احد الطرفين عن الكتابة او يستغني عنها، فيصبح فيما بعد نادماً على عدم الكتابة لما يلحقه من الضرر والأذى.
واختلف في جــواز أخذ الكاتب الإجـــرة على كتابة الدَين ام لا، والأصح الجواز لانها ليست واجباً عينياً، وتكون نسخة الكتاب بيد صاحب الدَين، والأولى التعداد في نسخة الكتابة كما يجري في هذا الزمان.
وذكر ان عدد الكتاب في أيام التنزيل كان قليلاً، ولذا جاء قوله تعالى [فَلْيَكْتُبْ] والآية أعم وناظرة الى عموم ايام الإسلام، وتحمل صيغة الأمر في الآية على الاطلاق.
وهل من موضوعية لهذه الآية في إقبال المسلمين على تعلم القراءة والكتابة والتفقه في الدَين ، الجواب نعم ، وهو من إعجاز الآية القرآنية في تعدد منافعها بما يزيد على موضوعها.
وفي الأمر الإلهي للكاتب بكتابة الدَين وجوه :
الأول : إنه نوع تشريف للكاتب .
الثاني : الإخبار عن موضوعية الكتابة في النظام العام.
الثالث : قطع اسباب الخصومة .
الرابع : الإخبار عن لزوم تحمل الكاتب لمسؤولياته الشرعية وعدم التفريط بها .
وهذا الأمر بالكتابة وحده دعوة لتعلم الكتابة والتفقه في الدَين، والتصدي لكتابة العقود مطلقاً وليس الدَين وحده، فالآية تحث على توثيق وتدوين المعاملات والعقود وتثبيت البيوع والملكيات.
قوله تعالى [وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ]
الإملال والإملاء واحد، فبعد الأمر بالكتابة ذكرت الآية الإملال وهو مادة الكتابة، وفيه مسائل:
الأولى : ليس للكاتب ان يكتب من عنده فلابد من الرجوع للمدين، وهذا الرجوع يحتمل وجوهاً:
الأول : الاستفهام التقريري عن مقدار الدَين والأجل.
الثاني : تصديق ما قاله الدائن او الشاهد او غيرهما، أي ان الكاتب يطلب من المدين تصديق ما سمعه.
الثالث : الرجوع الى المدين بطلب توقيعه وتوثيقه.
الرابع : الترديد بين عدة خيارات، فالكاتب يختار الطريقة التي يراها في الرجوع الى المدين.
الخامس : اعطاء الأولوية في كيفية الرجوع الى الدائن لأنه صاحب المال، والمدين محتاج وضعيف.
السادس : الرجوع الى ما كتبه المدين سواء قبل ساعة كتابة العقد او عندها.
السابع : الاستماع الى إملاء المدين ساعة العقد.
والصحيح هو الوجه الأخير وعليه الآية القرآنية بالأمر باملائه، ولو جرى الاستماع عبر الهاتف والانترنت فهل يصح، الجواب: نعم، بشرط الوثوق من صاحب الصوت والتأكد منه من قبل الكاتب والشهود والدائن.
الثامن : تتضمن الآية الأمر الى الدائن والشهود بالإنصات الى المدين في تعيين مقدار وأجل الدَين.
التاسع : تلزم الآية المدين بالكلام والاخبار عن تفاصيل العقد، واقرار العقلاء على أنفسهم حجة.
العاشر : لا يكتفي الكاتب عند الكتابة بما سمعه سابقاً، كما لو قالوا له ان فلاناً باع فلاناً العين الفلانية واخبروه بمقدار السعر والأجل، فليس له ان يكتب وفق ما سمع وان كان القائل هو المدين بل لابد من الإملال ساعة الكتابة والتدوين .
وهذه آية اعجازية في الأنظمة التي شرعها القرآن للناس لم تلتفت أو تعمل بها كثير من القوانين الوضعية والمحاكم في هذا الزمان، ومع ان الآية اثنت على الكاتب وانه يكتب مما علمه الله جاء هذا الشطر من الآية ليكون الكاتب مأموراً تابعاً منقاداً في فعله الى المدين والذي عليه الحق.
موضوعية الإملاء
وفي حصر الإملاء بالمدين وجوه:
الأول : لأن الإملاء اعتراف منه بالحق.
الثاني : المدين او المشتري أكثر الناس معرفة بمقدار الدَين وجنس العين وأوان الأداء.
الثالث : املاؤه حجة عليه وشــاهد في الدارين ، وما من مدين يجحد او ينسى الدَين فيخرج له الصك الا استدرك وظهرت عليه أمارات الإستحياء.
وجاءت الآية بصيغة الأمر وظاهره انه متوجه الى المدين الذي اشتغلت ذمته ولكن الآية أعم، فهي تشريع وحكم وإخبار عن جانب من كتابة العقد وتثبيت الدَين .
وفيه اعجاز يتجلى بوضع أسس الإملاء، وهو اصل التدوين فالكتابة نسخ خطي ثابت لإلفاظ ينطق بها ويؤتى بها لتكون مادة الكتابة.
وتخفف الآية عن كاتب العقد وتقلل من مسؤولياته الشرعية والقانونية والأخلاقية، فهي صريحة بتحمل غيره لمسؤولية الإملاء والقاء ما يراد كتابته، وهذا من اللطف الإلهي والتنظيم الدقيق للأعمال، وكيفية تقســيمها وفق القواعد الإمتنانية، فعموم الخطاب في الآية يتضمن:
الأولى : تحذير الكاتب من الإبتداء في الكتابة.
الثانية : لزوم استماعه وانصاته للذي عليه الحق.
الثالثة : الآية دعوة لصاحب الحق والدائن بان لا يقوم بالإملاء.
الرابعة : البيان الوارد في الآية من مصاديق قوله تعالى [كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ]( )، أي مما علم الله الكاتب ان لا يدون الا ما يمليه الذي عليه الدَين.
والآية لا تمنع الكاتب من السؤال وطلب التبيان من الطرفين لإجتناب الإجمال والإيهام واللبس، كما انها تؤكد حضور الطرف الآخر عند الإملاء للغة الجمع في الآية [إِذَا تَدَايَنتُمْ] [فَاكْتُبُوهُ] [ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ ] وبذا يكون الفارق بين الذي يقوم بالإملاء ومن يستمع له قليلاً او معدوماً، فكأن القول يصدر من الإثنين معاً، والكاتب يحرص على هذه الحقيقة التي تدل عليها الآية والعقل والوجدان الا ان عدم حضور صاحب الحق لا يعني عدم الكتابة، بل تتم الكتابة ولو من طرف واحد كما سيأتي في الصفحة التالية.
طرفا الدَين
وتظهر الآية تقسيماً في موضوع الدَين والقرض من طرفين:
الأول: الذي له الحق.
الثاني: الذي عليه الحق.
ويظهر هذا التقسيم رجحان كفة الذي له الحق، الأمر الذي يستلزم منه الشكر لله عز وجل على نعمة التمكن من اعانة واقراض الآخرين، ونيل الثواب به وعدم جعله محتاجاً للغير، كما انه دعوة للذي عليه الحق للدعاء والتوجه الى الله عز وجل بتيسير القضاء والوفاء بالدَين وافراغ الذمة فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يصلي على ميت وكان مديوناً فأبى حتى تكفل الإمام علي قضاء دينه فصلى عليه، لبعث الناس نحو قضاء ديونهم والالتفات اليها والاستعداد للآخرة بالبراءة من حقوق الآخرين، وتوكيد أهميتها وعدم الاستهانة بأمر الدَين في النشأتين.
لذا فان ورود لفظ (عليه الحق) تنبيه الى أهمية الدَين وانشغال الذمة به، وان العقد طوق في عنق المدين الى حين أدائه، كما ان الوفاء بالدَين مساهمة في تعاهد النظم المعاشية ودوام الصلات الإجتماعية وباب للأجر والثواب ومناسبة لتجديد الإحسان، لأن الدائن يقوم باقراضه الى شخص آخر.
ولو كان المدين متعدداً فلابد ان يكونوا حاضرين، يلقي احدهم تفاصيــل الدَين وينصـــت الآخـــرون ويــثبت الكاتب بــان هذا القول هو قولهم جميعاً لم يصـــدر من احدهم فقط، بل ان جميع الذين عليهم الحق ملتفتـــون اليه معترفون به على نحــو التفصيل، فليس للكاتب ان يكتب عقداً بدين على أناس متعددين لم يحضر الا واحد منهم.
لقد ابتدأت الآية بذكر الدَين ولكنها ذكرت هنا الحق ، والنسب بينه وبين كل من الدَين والقرض عموم وخصوص مطلق ، فالحق أعم وهو من إعجاز الآية فقد يكون المبلغ المترتب على ذمة الإنسان ليس من الدَين كالصلح والشفعة والإجارة والقرض والشركة والضمان وغيرها فلا يمتنع ويقول إنما الكتاب بخصوص الدَين وبيع السلف إنما كتابة الحق مطلقاَ .
موضوعية الشهادة
الشهادة على عقد البيع ليشمل كلاَ من :
الأول : البيع نقداَ وقبض البائع للبدل وقبض المشتري للعين في المجلس .
الثاني : بيع النسيئة : وهو لغة التأخير وفي الحديث صلة الرحم مثراة للمال ومنسأة في الأجل( )، وبيع النسيئة هو بيع عين حالاً بثمن مؤجل، ولابد في بيع النسيئة ان تكون المدة معينة ومحددة لا يتطرق اليها احتمال الزيادة والنقصان بالمقدار الذي يؤدي الى الجهالة والغرر والضرر( ).
الثالث : بيع السلف : ويسمى أيضاً السلم وهو ابتياع كلي مؤجل بثمن حال أي عكس النسيئة، كما لو دفع في الحال مبلغ مائة دينار قيمة طن من الحنطة يسلم بعد شهرين وهو صحيح بشرائط البيع، ويقال للمشتري (المسلِم) بكسر السين، وللثمن (المسلَم) بفتحها، وللبائع (المُسلم إليه)، وللمبيع (المسلم فيه))( ).
الرابع : العقد اللازم : يقال لزم الشيء يلزم لزوماً: اذا ثبت ودام، والعقد اللازم الذي لا ينفسخ بطلب الإقالة او الفسخ، فهو ثابت الا مع رضا الطرفين على فسـخه والأصل في العقود هـو اللزوم فالبيع والإجارة مثلاً من العقود اللازمة وقد يكون اللزوم من طرف كما في عقد المكاتبة.
الخامس : العقد الجائز : وهو الذي يجوز لكل من الطرفين فسخه ولا يجب استدامة البقاء عليه كعقد الوديعة والعارية، ويعمل بالشرط المجعول في العقد الجائز ما لم يتم فسخه فاذا إعاره كتاباً لمدة أسبوع وإشترط عليه الصلاة في المسجد مدتها، لزم الشرط لعمومات (المؤمنون عند شروطهم)( )، إلا إذا رجع عن العارية، ويلزم في الشرط ووفائه أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة)( ).
ومن إعجاز الآية تضمنها حض الكاتب والشاهد على الصدق والضبط , ومنع الإضرار بأحد أطراف الدَين والقرض , ومن إعجازها أنها وردت بصيغة المبني للمجهول (وَلاَ يُضَارَّ) لوجوب احتراز أطراف الدَين كلهم من الإضرار بالغير , وهل يختص الأمر بالإضرار المتحد , الجواب لا إنما يشمل الإهمال والتفريط والنسيان , فصحيح أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)( ).
ولكن الآية تمنع من النسيان ومقدماته بجمعها بين كتابة الدَين والشهادة عليه وتأكيد التوثيق المتعدد له .

قوله تعالى [وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ]
الخشية من الله هي الحصن والواقية التي تحول دون فقدان المنافع العظيمة لكتابة الدَين، ومع انعدامها يكون الضرر محتملاً وقريباً فلذا جاءت الآية بالتوكيد على تقوى الله والخوف من عقابه، والحاجة الى تقوى الله في المقام من جهات :
الأولى : عدم حضور صاحب الحق.
الثانية : ظهور تفاصيل في شرائط العقد وخصائص الدَين لم يلتفت صاحب الدَين لها.
الثالثة : وجود صفات للدين لم يلتفت اليها صاحب الحق تسامحاً او بلحاظ انها ظاهرة عند الطرفين ولا يمكن ان تنسى او تجحد، ولكن عدم إملائها يؤدي الى احتمال ضياعها.
الرابعة : يدون الكاتب ما يملى عليه , فيجب ان يتصف الذي يملي الحق ومقدار الدَين بالتقوى.
الخامسة : الغاية من الكتابة توثيق الدَين وعدم طرو الدَين او حصول الجحود في موضوعه، فمع التغيير والتحريف، يكون عدم الكتابة أفضل من الكتابة.
السادسة : تقوى الله تصون وتحفظ الأمر القرآني بكتابة الدَين، فالذي يملي الدَين يتعاهد الحكم القرآني بالصدق والأمانة وعدم التعدي، فيكتب عند الله من أهل التقوى ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
السابعة : الإملاء مناسبة للأجر ومقدمة للوفاء والقضاء اذا جاء صحيحاً وافياً لأنه يكتب عند الله من التقوى، والله عز وجل شاكر عليم يتفضل ويشكر أهل التقوى، وبذا يكون املاء الدَين بقيد التقوى سبباً للثواب في الآخرة.
الثامنة : هل يشترط قصد القربة في الكتابة ، الجواب لا، ولكن يكفي الإحتراز من التقصير والغش والكذب خوفاً من الله تعالى، بحيث لو دار الأمر بين ذكر أمر صحيح وآخر باطل فانه يختار الصحيح خشية منه تعالى، فهي مانع من الزلل والخطأ وليس مقتضياً للكتابة, لأن الأمر بالكتابة ظاهر بنص هذه الآية اما من اراد كتابة الدَين قربة له تعالى فهو أمر حسن، وفيه ثواب .
التاسعة : تتجــلى تقــوى الله في موضــوع الدَين والحقـــوق بكتـابة المسلم لوصيته سواء كان في الصحة او المرض، وفي الحضر أو السفر.
العاشرة : جاء التوكيد في الآية بان الله عز وجل ربه لتثبيت موضوعية الخشية من الله تعالى وللإخبار عن لطفه تعالى باصلاح شؤون المجتمعات وسلامة النظام العام في المجتمع وحفظ المعاملات والحقوق المؤجلة من التعدي والنقص.
الحادية عشرة : تدعو الآية للإمتناع عن الظلم والجور والسطو على أموال الآخرين خصوصاً في مواطن الشكر لهم.
الثانية عشرة : يمكن اقتباس قانون من هذه الآية وهو (المملي أمين) فيجب ان يحافظ على امانته، وجاء الأمر بتقوى الله لمنعه من الزلل والخطأ.
الثالثة عشرة : تبين الآية حاجة الانسان وضعفه امام اغراء المال، واحتمال استحواذ الشيطان عليه فجاء الأمر بالتقوى ليكون عوناَ له وحصناَ من وسوسة الشيطان.
الرابعة عشرة : من تقوى الله ان لا يستدين وهو ناو عدم قضاء الدَين او يملي على الكاتب وهو يروم التحايل والمماطلة او استغلال القوانين والانظمة الوضعية.
وعن الإمام الرضا عليه السلام (اعلم أن من استدان دينا ونوى قضاؤه فهو في أمان الله حتى يقضيه، فان لم ينو قضاؤه فهو سارق، فاتق الله وأد إلى من له عليك وارفق بمن لك عليه حتى تأخذه منه في عفاف وكفاف. فان كان غريمك معسرا وكان أنفق ما أخذ منك في طاعة الله فانظره إلى ميسرة وهو أن يبلغ خبره إلى الامام فيقضي عنه أو يجد الرجل طولا
فيقضي دينه، وإن كان ما أنفق ما أخذه منك في معصية الله فطالبه بحقك فليس هو من أهل هذه الاية)( ).
قانون التعاون في حفظ الحقوق
من اللطف الالهي ان حفظ الحق والدَين لم ينحصر بالمدين سواء لتعلق المال بذمته او لانه الذي يملي الدَين، لان اول الآية يحث الجميع على الاشتراك بالكتابة، بالاضافة الى ذاكرة الانسان وامكان كتابة الدائن في سجلاته الخاصة .
والتقوى سور شرعي واخلاقي لحفظ الحقوق ومنع الفتنة، أي اننا نحتاج التقوى في المقام ليس فقط لحفظ المال ومقدار وجنس الدَين، بل لمنع ما هو اشد منه ، قال تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
فقد تكون المخالفة بجزء يسير من الدَين او في بعض اوصافه ولكن الضرر يتعدى موضوعه واطرافه، لذا تكون تقوى الله ضرورة في كتابة الدَين باعتبار ان الكتابة اهم الوسائل لحفظه .
وقد تكون التقوى سبباَ في اعفاء المدين كما لو كان معسراَ واحتسب الدائن مقدار الدَين من الزكاة إذ ان تقوى وصدق المدين وحسن املائه للدين عنوان استحقاق للزكاة والاعانة.
ومن تقوى الله في المقام ان يعلم المدين ان الله عز وجل [ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( )، وهو القادر ان يقضي عنه دينه ويرزقه من حيث لا يحتسب.
ومن اهم اسباب الرزق تقوى الله في السر والعلانية، وان الاملاء الصحيح الخالي من الكذب والغش من التقرب إلى الله تعالى.
لان الله عز وجل لا يتقرب اليه بالمبغوض كالمغصوب والسرقة، وبذا فان المدين محتاج لتقوى الله .
والأمر بالتقوى في الآية من لطف الله تعالى ، ومن منفعة العبد لنفسه، ويأتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل الآخرين واحتراز الكاتب من الغش والتحريف ومخالفة القواعد لتكون مجتمعة ومتفرعة عوناَ للمدين على تقوى الله , ومقدمة عملية لتسهيل أمر قضائه ووفائه ، قال تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]( ).
قانون التقوى حاجة في المعاملات
تقوى الله المبنى والمرتكز العقائدي والاخلاقي الذي يقضى به الدَين بيسر وسهولة .
ومن التقوى ان يدرك المدين ان المسؤولية الاخروية للدين اهم واعظم من المسؤولية الدنيوية، وان افراغ الذمة في الدنيا أيسر بكثير من افراغها في الآخرة ، بالإنتقاص من الصالحات ، وإعطائها لصاحب المال والمُقترض.
والآية حجة على الناس في عدم نقص حقوق الآخرين.
ومن تقوى الله ان يُطاع فلا يُعصى، ويشكر فلا يكفر , واتيان ما أمر به الله تعالى واجتناب ما نهى عنه , ومنها استحضار ذكره تعالى.
فمن وجوه الطاعة في المقام ان يلتزم بأحكام الآية واملاء جميع مقدار الدَين الذي اشتغلت ذمته به.
وكأن لفظ (الحق) مفعول به وانه مأمور باملائه تاماً غير منقوص، ومن الشكر لله تعالى تهيئة أسباب القرض والإستدانة، كما انه يحتاج استحضار ذكر الله للخشية منه تعالى ، بل وللتقرب اليه بالصدق في الإملاء وعدم الغش او ظلــم من أحسن اليه .
ومن التقوى في المقام تعاهد سنن الإملاء الصحيح.
وفي الحديث انه لما نزل قوله تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ]( ) (انقطع رجال من الصحابة في بيوتهم و اشتغلوا بالعبادة وثوقا بما ضمن لهم فعلم النبي ص بذلك فعاب ما فعلوه و قال إني لأبغض الرجل فاغرا فاه إلى ربه يقول اللهم ارزقني ويترك الطلب)( ).
فهل يكون الأمر بتقوى الله دعوة للإحتراز من الإستدانة , واجتنابا لموضوعها كي لا يقوم بالأملاء والكتابة لما تستلزمه من التقوى واحتمال الخطأ والتقصير، الجواب لا، من وجوه:
الأولى : ان الإستدانة موافقة لحث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على العمل والكسب، وعدم القعود.
الثانية : جاء الأمر بالتقوى في حال تلبسه بالإستدانة وصدق انه مدان، فالتقوى فرع العمل , وسور جامع يحيط بالإملاء وموضوع الإستدانة مطلقاًَ.
الثالثة : من التقوى نية الأداء والعزم على قضاء الدَين وعدم الإخلال بشرائط العقد الشرعية.
قانون تداخل الألفاظ
قد تتداخل الفاظ متعددة بعنوان واحد ، ويشير إليها لفظ واحد في القرآن ، وهو من إعجازه ، وفيوضات إيجاز البيان من غير إخلال ، ومنه:
الأول : الإيجاز بحذف كلمة أو جملة أو أكثر ومنه [يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ]( )، إذ حذفت (يا) النداء والأصل يا يوسف .
الثاني : الإيجاز بقصد واختصار المفردات .
الثالث : الإيجاز بالصلة بين آيتين .
الرابع : الإيجاز ببيان السنة النبوية ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
وهذا المعنى المستحدث هنا لا يتعارض مع قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
ومن الإعجاز في القرآن انك لــن تجد فيه لفـظ (دائن) او (مدان) او (مدين) مع أهمــية وموضــوعية الطــرفين في الدَين الذي لا يتقوم الا بهما معاً، ولم يضــاف لفظ (دين) الى أحدهما بل ورد مطلقاً كما في قــولــه تعــالى [إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى].
وذكــــر التـداين كموضوع وينحــل وينصــرف الى دائن ومدين ، لأنه نوع مفاعلة بين طرفين ، إلا ان ذكره على نحــو الإجــمال بيان لإكـرام المسلم.
وان المال عند الإنسان للإختــبار والإمتحــان وطلـب الثواب وقضاء الحوائج وليس مائزاً وســبباً للتفضيل، لذا جــاء الأمــر بتقــوى الله للــذي عليه الحق , ليكون الفخر بالتقوى هو الراجح والمانع من ظهور ذل او منقصة بالإستدانة.
وجاء ذكر المدين بانه (عليه الحق) وفيه تغليظ وتذكير بحقوق الناس وانشغال الذمة بها في النشأتين.
وفيه اشارة كلامية وهي ان الناس جميعاً مدانون لله عز وجل في حياتهم وعباداتهم وما عليهم اداءه من وجوه الشكر والتقوى وأفعال الخير والبر والصلاح ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ]( ).
وقد ورد ذكر الكاتب بالإسم، وكذا الشهداء , ولكن الدائن والمدين لـم يذكــرا بالاسم , بل ورد مــوضوع التــداين لوجوه :
الأول : الدلالة على الدائن والمدين عليهما .
الثاني : التوكيــد على بـقاء صفة الإيمان والأخوة بينهما.
الثالث : التكافؤ بين الدائــن والمدين.
الرابع : عــدم احتساب الإسـتدانة نقصاً او الإدانــة فخراً الا بلحاظ قصد القربة الى الله، وهذا الأمر يجب ان لا يكون رياء، لأن الرياء مفسد للعمل وسبب لنقص أو انعدام الثواب فيه ، قال تعالى [فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا]( )، و(عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم يقول : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ليوم لا ريب فيه ، نادى منادٍ : من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً ، فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)( ).
فعــدم ذكر مــائــز للدائن في المقــام دعــوة الى طلب الثواب , ومـــانع من حصــول الرياء والتطاول على المدين .
الحق في آية البحث
وذكر لفظ (الحق) مطلقاً , فيه وجوه:
الأولى : حق الدائن ومقدار الدَين والقرض.
الثانية : حق الله عز وجل في أداء الأمانات وعدم الخيانة والظلم , وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا]( ).
الثالثة : حق الناس في إظهار الصدق والأمانة والأخلاق الحميدة واجتناب الضرر.
والوجوه الثلاثة اعلاه كلها من مصاديق الآية الكريمة، لذا فإن ذكر (الحق) من الإعجاز القرآني , ومدرسة في ارشاد المسلمين إلى واجباتهم وما عليهم من الحقوق.
وهل يشــمل الإمــلاء الإعـــلان وإذاعة الدائن للدين، القدر المتيقـــن هو الإملاء على الكاتب وتثبيت وثيقة الدَين، فلا يشمل الإعلان وإخبار الآخــرين خصـوصاً عندما تكون الإستدانة باباً للحرج.
نعم كتابة الدَين في الوصية واخبار الورثة بمقدار الدَين واجله أجنبي عن المقام وليس من الإعلان والإذاعة لخصوص دليلهما واستقلالهما الموضوعي، وهل يدخلان في الإملاء مطلقاً، ام الإملاء الوارد في الآية، لا يبعد دخولهما في الإملائين معاً، او انهما يدخلان في الأول بالقصد والإرادة والنص والإجماع , ويدخلان في الثاني بالتبعية واللحوق , وهو خير محض.
والمراد من الحق الذي يجب املاؤه في الآية هو:
الأولى : مقدار الدَين وكميته وأوصافه التي تطرد اللبس وتمنع من الجهالة والغرر.
الثانية : تعيين صاحب المال وعدم الإجمال والإبهام في ذكره.
الثالثة : ذكر الاجل المعلوم للدين وعدم تركه مبهماً او مردداً بين أجلين او أكثر.
وبين الحق والدَين عموم وخصوص مطلق , فكل دين هو حق وليس العكس، فلذا جاء اللفظ بصيغة الحق لإرادة الشمول وإفادة الإعجاز.
علم المناسبة
ورد لفظ (الحق) بصيغة الرفع وعدم الإضافة مائتين وسبعاَ وعشــرين مـرة، كلهــا في أمــر التوحيد والعــدل والحكــم ودلائل الآيات والبراهين، ولم يرد بمسألة شخصية الا في هذه الآية .
وفي قوم لوط [قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ] ( )، فقد تنزهوا عن الإقتــراب الى بناتــه لعــدم الحق فيه او لأنــه لم يعرض عليهــم المناكحة على نحـــو مبالغ فيه وبالمقدمــات المتعارفة, او للافتــقــار لشرائط النكاح وقيود المهر آنذاك ,او لإنحرافهم واتخاذهم اتيان الذكران عادة، وجاء ذكر الحق على لسانهم بصيغة النفي والإعتذار القبيح والمغالطة.
أما في هذه الآية فجاء ذكر الحق على نحو الإثبات والتوكيد والصدق، ليكون للمسلمين مائز على الإمم السابقة في عدم تضييع الحقوق الشخصية , سواء كانت عائديتها للمسلم او لغير المسلم ممن لا يحارب الإسلام، وجاءت الآية بذكر الشيء والجزء , ويكون بالأولوية القطعية حرمة عدم ذكر الدَين كله.
قوله تعالى [وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا]
بعد الأمــر الإلهـي للمدين بتقــوى الله جــاء الأمــر بلزوم عــدم قيامه بالنقص في مقــدار الدَين، فلزوم ذكــره تاماً غــير ناقص مــن تقوى الله, فالآية من عطــف الخاص عــلى العــام، وامـــلاء الدَين وافياَ تاماَ من تقــوى الله, ووســيلة للتقــرب اليه واظــهار للايمــان بالقــول والعمل.
والبخس: النقص الظاهر والذي هو خلاف الاصل والواقع، والنقص في كتابة حـق الغير مبغوض شــرعاَ وعقلاَ وعرفاَ، لذا فان القرآن يؤكد لزوم رفعة المسلمين واظهارهم حسن الخلق والسمت وان يكونوا داعية الى الله في افعالهم ومعاملاتهم, بالإضـــافة الى قاعدة تقديم الأهم على المهم وهي من القواعد النظــامية التي اعتمدها العقلاء فليس الأهم مقدار الدَين وجهته، بل هو تعاهد القيم الاسلامية وانصاف الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وشكر المحسن , ومن لا يشكر المخلوق لا يشكر الله، والحرص على الخشية من الله واجتناب الحرام.
ومن التقوى ان يعلم الانســان ان الله يعلم مقامــه ويرى فعله ويسمع قوله وبيده مقاليد الامور، وهو سبحانه القادر على قضاء دينه وتيسـير اسباب رزقه، ليكون عدم البخس نفسه سبباَ لقضاء الدَين وافراغ الذمة.
وفيه أجر وثواب و(عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الخلق السوء يفسد الإيمان كما يفسد الصبر الطعام قال أنس : وكان يقال : إن المؤمن أحسن شيء خلقاً .
وأخرج ابن عدي والطبراني والبيهقي وضعفه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد)( ).
وتارة يتعرض المال والدَين الى النقص والتلف بعد اجراء العقد وثبــوت البيع وانتقــال العين الى المشــتري، وربما تأخـــر الامـلاء فلابد من الشــجاعة لكتابة الحــق وهــذه الشــجــاعة تســتلزم التقوى والصلاح.
وتدفع الآية الكريمة الانسان الى التنزه عن الظلم والتعدي ليس في باب الدَين بل مطلقاَ لانها تجعل عنده ملكة الصلاح والانصاف، فمتى ما خشي الله عز وجل في كتابة الدَين فانه يخشاه ايضاَ في غيرها، كما انها تنفع الآخرين ايضاَ لان الانسان بطبعه يؤثر ويتأثر بغيره، فاذا راَه الناس يحرص على الصدق والامانة في الاملاء فان الايمان يترسخ في قلوبهم لتكون الكتابة دعوة الى الله، وارشاداَ الى الأخلاق الحميدة، وعدم البخس ينفعه في سمعته واكرام الناس له، وميلهم الى ادانته , وتعاطي التجارة والاعيان معه.
ومن خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه جاء بالأخلاق الحميدة والسنن الرشيدة فنزلت آية التداين التي تبعث عليه وترغب فيه , وفي ضبطه وقضائه .
وعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام (قال : لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج إلى منى وأنا معه وأبو بكر ، وكان أبو بكر رجلاً نسابة ، فوقف على منازلهم ومضاربهم بمنى ، فسلم عليهم وردوا السلام ، وكان في القوم مفروق بن عمرو ، وهانىء بن قبيصة ، والمثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك ، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق ، وكان مفروق قد غلب عليهم بياناً ولساناً ، فالتفت إلى رسول الله صلى عليه وآله وسلم فقال له : إلام تدعو يا أخا قريش؟
فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ادعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واني رسول الله ، وإن تأووني وتنصروني وتمنعوني حتى أؤدي حق الله الذي أمرني به ، فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله ، وكذبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد .
قال له : وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟
فتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً } إلى قوله { تتقون }( ).
فقال له مفروق : وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ، ولو كان من كلامهم لعرفناه ، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله يأمر بالعدل والإِحسان }( ) الآية .
فقال له مفروق : دعوت والله يا قريشي إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك؟
وقال هانىء بن قبيصة : قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش ، ويعجبني ما تكلمت به ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم يعني أرض فارس وأنهار كسرى ويفرشكم بناتهم ، أتسبحون الله وتقدسونه؟
فقال له النعمان بن شريك : اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً }( ) الآيه .
ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قابضاً على يد أبي بكر)( ).
حسن السمعة
فمعاشر التجار يتابعون الناس في اخلاقهم وسمعتهم , وترى الانســان يخل مع احـدهم في شروط المعاملة وقضاء الدَين فيعلم الآخرون بالأمـر ويقومون بالإحتراز منه واجتناب بيعه بالنسيئة، وبذا فان تقــوى الله وعدم النقــص في الدَين ينفــع المدين في الدنيا كما ينفعه في الآخرة , وان كان النفع في الآخرة اعظم، فقد يحاول المدين الإنتقــاص من الدَين، ولكن الدائن يصــحح الأمــر ويحــول دون النقص والغبن، او ان الكاتب يلتفت الى الخلل فينبه ويسأل ويطلب المزيد من التفصــيل من الطــرفين فيأتيه الجــواب الصــحيــح من الدائن او المدين نفســه.
اما في الآخــرة فلا ســبيل للتدارك، لانها دار حساب بلا عمل.
وتنمي الآية ملكة الصلاح والاخلاق الحميدة في النفس الانسانية فقد لا يستدين الشخص ولا يقوم باملاء الدَين فهل يشمله موضوع هذه الآية، الجواب نعم لانها مدرسة في الاخلاق والصلاح والتقوى، فهي دعوة لعدم نقص حقوق الناس والتعدي عليهم مطلقاَ ليس في أمر الدَين فقط، الذي جاء من باب المثال والموضوع الخاص الذي تتضمنه احكام هذه الآية الشريفة لذا ورد الاطلاق في قوله تعالى [وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ]( ).
ولم ترد مــادة (بخس) بصــيغة الفعل ماضياَ او مضارعاَ بصيغة المــفــرد الا في آيــة الدَين هــذه (ولا يبخــس منه) والجمــع بينه وبين الآية اعـــلاه يؤكد انه مثــال كريم لبيان الاضــرار المتعددة الناتجة عن نقص حق الدائن، وعدم املاء الدَين على الوجه الصحيح.
والضمير في (منه) يعود للدين والمراد المقدار والجنس والاجل وتعيين صاحب الحق واوان قضاء الدَين وبلد التسليم ان كان له اعتبار والامور الاخرى التي تخص الدَين وتؤثر في مقدار الحق ويسبب كتمانها نقصاَ، والمراد من الشئ هنا الجزء او الوصف المعلوم القابل للتمييز سواء كان في ذات العين والدَين او في اوصافه مما تكون له مالية واعتبار في القيمة والقضاء.
قانون ضبط أوصاف الدَين
وجاء (شئ) على نحو التنكير للتعدد والتباين في الأوصاف والهيئات والأجناس .
ولم تقل الآية ولا يبخس منه جزء لإحتمال إنصراف الجزء الى مقدار الدَين، بل جاءت بلفظ الشيء وهو أعم واكثر شمولاً وهذا من اعجاز الآية ودليل على إحكامها واتقان الأحكام الواردة فيه بما يمنع من الضرر والأذى والخسارة , و(عن عبد الله بن جعفر قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} : إنّ الله عزّ وجلّ مع الدائن حتّى يقضي دينه مالم يكن فيما يكره الله عزّ وجلّ)( ).
والخسارة بالبخس على أقسام:
الأول: خسارة صاحب الحق لجزء من ماله.
الثاني: خسارة المدين للثواب وتعرضه للعقاب، وقلة البركة في ماله وكسبه.
الثالث: لحوق السمعة السيئة بالذي لا يملي حق الآخرين كاملاً ويتعمد بخسه ونقصانه.
الرابع: المعنى الأعم للخسارة في المعاملات وعدم اشاعة التداين.
الخامس: الضرر الناتج من البخس في الأخلاق والقيم المتعارفة.
السادس: طرو النفرة وحدوث الخصومة، بدل الود والمحبة ومعاني الشكر والإلفة التي يتضمنها الدَين وقضاؤه.
والآية انذار وتخويف وتحذير من النقص في الإملاء سواء كان عن قصد او من غير قصد، مما يعني في مفهومه بذل الوسع في استحضار جميع خصائص الدَين احترازاً من حدوث النقص فيها، وحصول الضرر وقد يلحق الضرر من النقص المدين نفسه في الدنيا الى جانب الضرر في الآخرة، نعم لو كان النقص عن نسيان لا عقوبة اخروية فيه لحديث الرفع الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وان النسيان مرفـوع عن الأمة.
و(عن ابن عمر أنّ النبيّ {صلى الله عليه وآله وسلم} قال : رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما أُكرهوا عليه)( ).
الا ان هذا الشــطر من الآية يعالج اصــل النسيان وتمنع من حدوثه واذا كان الأمر مهماً وذا نفع للإنسان فانه لا ينساه ويستــحضره بــين الحين والآخر، ويكون عــقله حافظــاً له وشـاهداً باطنياً عليه.
ويتجلى في هذا الجزء من الآية اللطف الإلهي على المدين بجعله يختار ســبل التقــوى ويرغب فيها ويحـــذر من مخالفتهــا، والآيــة تنهى عن اكتفــاء الكاتب بالـــزوج او الأخ او الابن اذا كــان الدَين على المرأة، فلابد من الإستماع لها، ولا تحول أحكام الحجاب والستر دون املائها او شهادتها امام القاضـي بل يجب ان يسمع الكاتب منها مباشرة ولو من وراء حجاب ولكن بعد التأكد من هويتها وانها التي تتكلم وليس ضرتها او ابنتها او غيرها نعم يجوز الوكالة في المقام لعـمومات أدلتها, وقاعــدة نفــي الحرج, ولأن فعل الوكــيل ملــحق بفعل الأصيل.

قوله تعالى [فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا]
هذا الشطر من الآية بين لحالة استثنائية تتعلق بالمدين، مما يدل على احاطة القرآن بتفاصيل الحياة وأحوال الناس وتناول الآية لأدق أحكام الدَين وملاحظة اختلاف الوقائع والأفراد وقدراتهم، وهو من عمومات قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).

فالخطاب بتقوى الله متوجه الى البالغ العاقل لأنها من شرائط التكليف فمع عدم البلوغ لا تكليف، ومع فقدان العقل لا يكون احتراز من النقص ولا أمن من النسيان والغفلة وعدم الإلتفات.
قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ]( ).
فادانة الغير المال من الإحسان , وهل قضاء الدَين تاماَ وفي أجله من الإحسان الجواب نعم , وهو من مصاديق استحباب الدَين.
وتعالج الآية الحالات الخاصة والنادرة في جانب من موضوع الدَين وهو املاء مقدار الدَين، وفيه دروس وعبر منها:
الأولى : قانون العناية بتفاصيل الدَين مطلقاً.
الثانية : التفات كاتب الدَين الى حال المدين، ولزوم التأكد من عقله وعدم سفاهته او اكراهه قبل الكتابة ولو باختباره قبل واثناء الإملاء ليعلم رشده وعدم خفة عقله.
الثالثة : جاء ذكر السفيه والضعيف من باب المثال المعتبر في المقام والا فان الآية أعم، فتشمل مثلاً المكره لأن الإختيار من شرائط التكليف العامة فقد يكون الإنســان مكــرهاً على امــلاء الدَين واشغال ذمته بمال لا اصل له، ليس من عوض مقابله، او انه مكره بالإنتقاص من مبلغ الدَين الذي في ذمته لخلاف ونزاع الدائن أو العكس، لذا يكون تفقه الكاتب حاجة شرعية واجتماعية وأخلاقية، كما تحذر الآية من الإكراه والتعسف والظلم في باب المهور وتحميل الزوج اكثر من المتفق عليه شرعاً او جعل الزوجة تتنازل عن حقها.
والسفه هو خفة الحلم وضعف الرأي ووضع الشيء في غير موضعه وعدم وقوع الفعل موافقاً للأوامر الشرعية، وضده الحكمة وهو ما جاء على قصـــد فاعله وغرضه الســليم.
والســفيه الذي يفـــعل القبيح وما فيه ضرر عليه، وفي المقـام هو الذي يفتقـر الى الحالـة والكيفية التي يحفظ بها ماله وفق ســيرة العقلاء، كما لو كان يصرف امواله في غير مواقعها او يتلفها في غير محلـها، ومعــاملاته غير مبنية على المكايســـة والتحفظ عن المغابنة.
(عن ابن عباس في قوله { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم . . }( ) الآية . يقول : لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تضطر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه ، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم)( ).
وفي تحديد مفهوم الســفيه ومصداقه قيل يعرفه اهل العرف، وصـحيح انه من الموضـــوعات الا ان الإعتــماد على العــرف وحـــده غير كاف الا ان يكون العرف مترشــحاً عن معــنى السـفيه لغة واصطلاحاً ويعتمد صيغ العقل من غير مبالغة وحكم بلحاظ قضية في واقعة ونحــوهــا، فاذا كان الســفه بيناً ظاهـراً، بالنســبة لتصــرف الشخص في امواله تحصيلاً وصرفاً يحجر عليه من غير حاجة الى حكم الحاكم على الأقوى.
ومع اختلاف الإنظار في السفه وفي ثبوته لاسيما وانه أمر خفي في الجملة فلابد من الرجوع الى ظاهر الأدلة والحاكم الشرعي وتوقف الحجر حينئذ على حكمه وكذلك في موضوع رفعه، كما اطلق المشهور توقف الحجـر رفعاً وثبوتاً على حكم الحاكم لأنه حكم شرعي لا يثبت الا بدليل شرعي.
والسفيه هو الذي ليس عنده حالة مستقرة باعثة على حفظ ماله والإعتــناء بحاله، ويتلفــه في غير محله او يصـرفه في غير موضعه، ولا تقوم معاملاته على المكايســـة والتحفظ والســـلامة من التلف، ولا يتحرز من الإنخــداع فيها، يعرفه العقلاء بسيرته انه خارج عن مسلكهم في خصوص امواله تحصيلاً وصرفاً، بالتفريط في الأول والتبذير في الثاني.
شروط الحجر على المفلس
المفلس هو من حجر على ماله لقصوره عن ديونه.
لا ملازمة بين كثرة الديون والفلس او الحجـر، فيجوز لمن ركبته الديون ان يتصرف في امواله ويكون امره بها نافذاً لعمومات قاعدة السلطنة والرشد الا ان يحجر عليه الحاكم الشرعي، نعم لو قام بهبتها او الصلح عنها لأجل الفرار من الديون وتضييع حق الغير والإضرار به فيشكل الحكم بالصحة وترتب الأثر لاسيما مع عدم رجاء وحصول مال آخر باكتساب ونحوه.
ولا يجوز الحجر على المفلس الا بشروط اربعة:
الأول: ان تكون ديونه ثابتة شرعاً.
الثاني: ان تكون امواله من عروض ونقود ومنافع وديون على الناس، ما عدا مستثنيات الدَين، قاصرة عن ديونه.
الثالث: ان تكـــون الديــون حالة فلا حــجــر عليه لأجـل الديــون المؤجلة وان لم يف ماله بها لو حلت، اما لو كانت ديونه بعضها حالاً وبعضــها مؤجلاً فان قصـــر ماله عن الحالة يحـــجر عليه والا فلا.
الرابع: ان يرجع الغرماء كلهم او بعضهم الى الحاكم ويلتمسوا منه الحجر عليه.
والحجر لغة هو المنع، يُقال حجــر عليه حجـراً من باب قتل، أي منعـه من التصــرف، وقــد ورد في التــنزيــل مــادة حجــر، قــال تعــالى [وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا]( )، وقال تعالى [هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ]( )، فسمي العقل حجراً لأنه يمنع صاحبه ويحجبه عن اتيان القبيح ومنهم من قيد الحجر بالمال أي المنع من التصرف في المال.
ويمكن ان يكون هذا هو المعنى الاصطلاحي له ، وبغض النظر عن اســباب المنع في الجمــلة فأنه أخص من المعــنى اللغـوي والعرفي واهم.
موجبات الحجر
موجبات الحجر ستة وهي :
الأول : الصغر .
الثاني : الجنون .
الثالث : الرق .
الرابع : المرض .
الخامس : الفلس .
السادس : السفه.
والرشد هو اصابة الحق ومعرفةالصلاح وضده السفه والضلالة، وقد سئل الإمام الصادق عن قوله تعالى [ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ]( ) فقال: ايناس الرشــد هو حفظ المال)( ).
أي ان الصغير الذي لم يبلغ حد البلوغ محجور عليه شـــرعاً، ولا تصح تصرفاته في امواله ببيع او قرض او هبة او ايداع او صلح ونحوه، وكذلك ما يتعلق بالذمة فلا يصح منه الإقتراض ولا البيع ولا الشراء بالسلم والنسيئة وان اتفق اوان الأداء وتأريخ بلوغه.
ولا ينفذ مــنه التزويــج والمضــاربة والمزارعة والمســاقاة وغيرها، لعدم وجود القصــد عنده على العقود والإيقاعات، ويجوز له حيازة المباحــات لأنها باب لحصــول الملك واســـباب توليــدية لنمــائه، ولا يكفي البلوغ في زوال الحجر عن الصــبي فلابد مــعــه من الرشـــــد وعدم السفه.
لقد جاء الأمر بكتابة الديون وتوثيقها لضمان حقوق الدائن وعدم التعدي على المدين وغيرهم، فلا يمكن ان تكون الكتابة وسيلة للضرر والإضرار، فجاء الإحتراز الإعجازي في القرآن بالإلتفات الى السفيه والضعيف لمنع لحوق الغبن بهما وبورثتهما، فربما يكتب دين على السفيه برضاه وبسبب خفة عقله وقلة تدبيره في عواقب الأمور فيدخل الى السجن ويحصل له إبتلاء، او انه يقوم بكفالة المدين والتعهد باحضاره سذاجة منه وابتعاداً عن الحكمة فيقع في ورطة فتأتي وظيفة الكاتب الشرعية والأخلاقية في صده ومنعه من مباشرة الإملاء والتعهد بنفسه، ويحول دون الاضرار به وبصاحب المال.
لذا قال تعالى [فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ]( ) والمراد من العدل منها عدم جور الولي على السفيه أو الصغير واليتيم , ولا على صاحب المال .
ولم تذكر الآية أن الدائن هو السفيه والضعيف ولكن أحكام الآية تشمله ولزوم عدالة الكاتب والولي معاَ لحفظ مال الضعيف والسفيه , قال تعالى [وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]( ).
وهذا مما علم الله تعالى الكاتب اي ان هذه الآية تعليم سماوي وارشــاد للكاتب وليس له شـرعاً وعقلاً ان يأخذ باملاء السفيه، ولا مانع مــن اختباره للذي يملي للتأكـد من عدم سفاهته رجلاًَ كان او امرأة.
ان معاملات السفيه لا تقوم على الضبط والحرص على المال الخاص كما يظهر عليه التبذير في الإنفاق، فقد يشتري بالنسيئة ليبيع بالنقد بعشر قيمة الشراء ثم يتعذر عليه اداء الدَين ويدعى الدائن الى الصبر عليه، لأنه معسر، فهذا السفيه يجب ان يخرج عن اجراء العقد بشخصه , وهو لا يمنع كذات وذمة من موضوع التداين خصوصاً وان الآية مطلقة، ولكنها تضع قواعد خاصة تجمع بين حق السفيه في التداين وتمنع من الإضرار به وغيره بسبب السفه، فتخبر الآية عن جواز استدانة السفيه ولكن بشرط ان يقوم وليه باملاء مقدار الدَين الذي في ذمته واجل قضائه ونحوه من شرائط وخصوصيات العقد للإحتراز وحفظ أمواله وتخليص الناس من داء السفه.
علم المناسبة
وردت مادة (سفه) في القرآن احدى عشرة مرة ويمكن تقسيمها وفق اسس عقائدية الى:
الأول: السفيه في التجارة والتداين ولم يرد الا في هذه الآية، كما ان لفظ (سفيهاً) لم يرد في موضع آخر من القرآن،مما يدل على ان السفاهة بين المسلمين انما تتعلق بالخلقة وليس المبدأ والولاء، فاعتناق الإسلام ناف للسفه الذي هو ضد الحكمة، وأمارة ضعف الرأي.
كما ان لفظ السفيه ورد في الآية بصيغة المفرد وهو دليل على قلة السفهاء في المجتمع الإسلامي، وان السفه خاص بالمعاملة والتجارة.
أي ان لفظ (سفيه) هنا لا ينحصر بالمسلمين بل يتعلق بالمعاملات التجارية واشتغال الذمة بحقوق الآخرين.
نعم ورد أول الآية بخطاب الايمان مما يعني وجود السفه حتى في مجتمعات المسلمين ولكنه يشمل الصغر وخفة العقل، والا فان الخطاب التكليفي يتوجه للسفيه اذا كان بالغاً فيجب عليه اداء الصلاة والصيام ودفع الزكاة واداء فريضة الحج اذا كان مستطيعاً.
وورد لفظ السفهاء بصيغة الجمع [وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ] ( )، وهي عامة ومطلقة ولا تنحصر بالمسلمين وحدهم.
الثاني: السفيه من الجن، وهو الضال والجاحد وورد في سورة الجن [وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا]( ).
الثالث: قد ورد ذكر السفهاء وبصيغة الجمع بلغة الذم والتقبيح للكفار والجاحدين , قال تعالى [سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا]( ).
وهذا التقسيم يبين اكرام القرآن للمؤمنين وسلامة المباني التي يعتمدونها وهذا الا يمنع من التنبيه في باب التجارة بقيام ولي الذي لا يعرف المكايسة ولا يتحفظ من لحوق الغبن في المعاملة من اشتراك وليه في الاملاء لينضم بعقله ورشده في انشغال ذمته في الدَين لانه اكثر احاطة بعواقب الامور.
وهذا الشرط تخفيف عن السفيه واعانة له وتنمية لملكاته العقلية وارشاد له وجعله يدرك ما ينفعه فيقبل عليه وما يضره فيجتنبه وفيه اصلاح له.
قانون تنزيه المعاملات
فمن اعجاز الآية تنزيه المعاملات والديون من الجهالة والغبن والحمق واضرارها، والارتقاء بالسفيه والتخفيف عنه والحيلولة دون تحمله لاعباء لاطاقة له بها او هو في غنى عنها، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا]( ).
وفي الآية صيانة لامواله ورفق به يتناسب وعقله وقصر نظره وتفقهه في الدَين، وتحتاج معرفة السفيه الى الفطنة والنباهة والقدرة على الإختيار، ومعرفة أحوال الناس ومخالطتهم والإلتفات الى مواضع الخلل في السلوك ومقدار توظيف العقل في القول والفعل.
وتارة تكـون علامات الســفه بيــنة ظاهــرة وان الولي هــو الذي يبادر الى الإملاء، كما ان صاحب المال لا يرضى باملاء وتعهد السفيه نفسـه، ولو أدرك الكاتب ان الذي عليه الدَين ليس بسفيه , ولكن الدائــن ومن يدعــي الولاية متفقــان على قيام الولي بالإمــلاء، فهل يقوم الكاتب بالكتابة وتدوين مقدار الدَين ســواء في حال سـكوت المدين او اعتراضــه على كونه سـفيهاً.
الجواب: لا يجــوز له الكتابة لأنه من الظلم المركب كون المدين سفيهاً، واشغال ذمته بمال لا يرضى به ولابد فيه من اختياره، وهذا من المواضع التي تتجلى فيها أهمية الكاتب شـرعاً وعقلاً وتبين منزلته في المجتمع والوقائع وأثره في المعاملات , ولزوم تحلية بالتقوى , لذا اشترطت الآية عدالته عند الكتابة.
ولم تذكر الآية الحكم الشرعي فيما اذا كان صاحب المال هو السفيه لأن الإملاء خاص بالمدين الذي عليه الحق , ولكن الآية تدل في مفهومها على وجوب احتراز الكاتب في خصوص صاحب المال ورعاية جانبه وضمان ماله.
وستأتي في البحث الفقهي اشارة اليه، وحفظ حقوق صاحب المال مطلقاً جزء من وظائف الكاتب لعمومات قوله تعالى [يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ]( ).
بحث فقهي
السفيه محجور عليه شرعاً لا تنفذ تصرفاته في ماله ببيع وصــلح واجــارة وهبة وايــداع وعارية وغيرها، والســفه ليس حـــالة مستديمة فقد يرتفــع بعد البلوغ ويحصل له الرشـد ويرتفع حجره ولكن ان عاد الى حالته الســابقة وثبت سفــهه حجــر عليه، ولو زال السفه رفع الحجر.( )
لو بلغ الصــبي ســفيهاً فان الولايـة عليه للأب والجد للأب، وفي حال فقدهما فلوصيهما، وان طرأ عليه السفه بعد البلوغ فللحاكم الشرعي.
كما ان السفيه محجــور عليه في امواله كــذلك في ذمتــه بان يتعهد مالاً او عملاً، فلا يصح اقتراضه وضمانه ولا بيعه وشراؤه بالذمة ولا اجارة نفسه، ولا جعل نفسه عاملاً في المضاربة او المزارعة او المساقاة ونحوها.
ولا تنفذ تصــرفات الســفيه لو جــاءت مستقلة، فلابد من اذن الولي او اجــازته وحينـئذ تصح وتنفذ.
لو اقر السفيه بالسرقة وثبت ذلك يقبل قوله في خصوص الحد الشــرعــي وفي المال ايضــاً وان قيل انه مــن التصــرف المالي وهــو محجور عليه، انما هو من حق الناس وخارج بالتخصص عن احكام الحجر.
والعبادات اما بدنية كالصلاة والصوم، واما مالية كالزكاة والخمس، او مالية بدنية كالحج قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]( )، وبالنسبة للأولى فتصح من السفيه من غير ان تتوقف اداءً وصحة على اذن الولي، وكذا الثانية والثالثة الا ان يظهر السفه في ادائه لها فيحتاج الى اذن الولي في الكيفية والمقدمات ونحوها، كما لو كان المناسب لحاله ان يسافر براً الى الحج الواجب وهو يريد السفر جواً فيتدخل الولي لإختيار المناسـب لحاله ولشأنه واستطاعته ولمنع الإسراف من دون الإخلال بأداء الفريضة، وكذا بالنسبة للمأكل والسكن اثناء اداء المناسك.
لو قام شخص بتوكيل السفيه في بيع او هبة او اجارة جاز سواء كانت وكالته في اصل المعاملة ام مجرد اجراء الصيغة.
لو حلــف الســـفيه او نذر على فعــل شــيء او تركه، مما لا يتعلــق بمالـــه انعــقـد حلفه ونذره، ولو حنــث كفّر كســـائـر ما اوجـــب الكفارة.
الأقوى عدم تعين صوم الكفارةعلى السفيه حتى في حال تمكنه منه بل يتخير بينه وبين الكفــارة المالية كغــيره من المكــلفين في الكفــارة المخيرة ككفارة شــهر رمضان، او المرتبة ككـفارة قتل الخطأ، او ما اجتمــع فيه التخيــير والترتـــيب ككفارة حنـــث اليمين كما في قوله تعالى [لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
فلا يتعين على الســـفيه فيها الصيام بل تشمله احكام المخيرة مع قدرته عليه لاطلاق الأدلة ولأن الكفارة حكــم شـــرعي وعـدم ثبوت شمول الكفارة المالية بادلة الحجر الا مع الحرج والضرر في دفع الكفارة وتكرارها.
لو كان للسفيه حق الدية وإرث الجناية فليس له العفو واسقاطه لأنه حق مالي وهو محجور عن التصرف فيه، اما حق القصاص فله ان يعفو عنه.
يمكن نقل القصاص احياناً الى الدية كما لو كان المقتول والد الســفيه، فهل للســفيه ان يعفـو من رأس، ام له ان يعفو بشرط الديــة ولو لــم يقبل الجـاني بالدية التي لا تثبت الا برضاه فهل يبقى القود الذي لا يســقط الا بالديــة بعد ان اذن الشـــارع بقتله ام تثبــت الدية عليه أم ينتقل وجــوبها على عاقلته، ام على بيت المال، ام تسقط الدية والقــود معاً، ام يتجــه الى التصــالح على الدية بالأقل، ويجب حينئذ على الجانــي الوفاء، أم تكون في ذمته.
الأقوى ان القود يسقط بعفــو الولي وان كان محــجــوراً عــليه لأنه ليس تصــرفــاً مــالياً محضــا وللاحتراز في الدماء , ويتجه الى المصــالحة بــين الولـي والجــاني الأقرب فالأقــرب، وللــولي ان يجــيز العــفو مع عدم الضرر لعمــومــات قــوله تعــالى [وَأَنْ تَـعْــفُــوا أَقْـــرَبُ لِلتَّقْوَى]( ).
لو اجرى السفيه عقد بيع او شراء، ولم ير الولي فيه مصلحة فله ان يلغيه، ويتوقف امضاؤه على اذنه واجازته اما لو وقع تسليم وتسلم للعوضين فكل منهما يرجع الى ملك صاحبه، ولو كان العوض تالفاً عند السفيه فانه يضمنه وعليه مثله او قيمته الا ان يكون المالك عالماً بسفهه وقام بتسليمه للسفيه الذي اتلف العوض.

ضمان السفيه
ولو اودع شخص وديعة عند السفيه فاتلفها السفيه ضمنها على الأقوى الا ان يعلم المــودع بان الســفيه ســيتلفهــا فكــأنه اقــدم على هتك ماله، اما لو تلفت عند السفيه ولم يكن التلف عن تعد او تفريط فلا يضـــمن حينئذ، ولو كان التلف بتفريط من السـفيه في حفظها فان كان المالك جـــاهلاً بحاله او ان الإيــداع تم باذن من الولي مع المصلحة فيه فيضــــمن حينئـــذ، وان كـــان المالك يعلم انها ســتتعرض للتــلف عند الســـفيه وانه لابــد ان يفــرط كما لو لم يكن عنده حرز فالأقوى عدم الضمان.
مال السفيه لا يسلم اليه ما لم يحرز رشده واذا اشتبه حاله اختبر، بان يفوض اليه مدة مناسبة بعض الأمور المتعلقة بالمال كالبيع والشراء والإجارة ونحوها بما يناســـب حاله كماً وكيفاً، اما الســفيهة فيفوض اليها ما يناســب النساء من ادارة بعض مصالح البيت والمعاملة مع النســاء من الإجــارة والإســتئجار للخـــياطــة او الغزل او النســاجة او ما هــو متعارف في بلــدها وزمانها، فان انس منهــما الرشــد والتحفظ عن المغابنــة في المعاملــة وصــيانة المال وعدم التفريــط او التضييع، ويكون ظـــاهرهما وفق مجرى العقلاء يدفع اليهما مالهما والا فيؤجل الى حين.( )
يجوز ان يكون الإختبار قبل البلوغ كمقدمة علمية خاصة مع احتماله كي يدفع اليه ماله بمجرد بلوغه لو آنس منه الرشد، والا فبعد البلوغ متى ما زال سفهه.
اذا ادعى بعد البلوغ حصـــول الرشـد له فيجب اختباره، وان لم يدع حصول الرشـــد ولكنه ظاهـــر فالأقــوى عـــدم وجـوب اختباره على الولي.
لو شك في شخص انه سفيه او ليس بسفيه فان كان له حالة سابقة بالرشد يحكم بعدم سفاهته وان لم يكن كذلك يختبر.
لو اقر شخص على نفسه بالسفاهة يقبل اقراره ان كان مأموناً فيحجره الحاكم.
يثبت السفه بما يثبت به غيره من الموضوعات من العلم والشياع والبينة، اما الكاتب فانه يعرفه بما علمه الله , ومنه الإختبار والسؤال قبل كتابة العقد وأثناءها.
قوله تعالى [ أَوْ ضَعِيفًا]
الضعف ضد القوة، وهو في المقام يحتمل وجوهاَ:
الأولى : الهزال والضعف في البدن .
الثانية : النقص في مقابل القوة والجرأة، والاتصاف بالتردد وعدم الحزم.
الثالثة : النقص في العقل , وقلة القدرة , وعدم معرفة العواقب.
الرابعة : قلة الايمان، وفي الحديث (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)( ) وقيل المراد ضعيف الايمان.
الخامسة : الضعف في المنزلة الاجتماعية , عن الإمام الباقر عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (في قوله تعالى: ” أنفقوا مما رزقناكم ( )” قال: مما رزقكم الله على ما فرض الله عليكم فيما ملكت أيمانكم، واتقوا الله في الضعيفين)( ) أي اليتيم والمرأة.
السادسة : قلة التأثير والاثر كالخادم.
السابعة : الضعيف الذي لا يترك له اتخاذ القرار كالصبي والكبير الفاني والعبد.
الثامنة : الضعف بمعنى العجز عن تحمل أعباء الدَين، كما لو لم يكن عنده رأس مال.
وباستثناء الوجه الاول والثاني فان الوجوه الاخرى تشملها الآية الكريمة , والمدار على العرف الشرعي واللحاظ ومقدار الدَين وموضوعه ويقال ضعف عن الشئ أي عجز عن احتماله فهو ضــعيف ، وعدم املاء الضعيف وانابة الولي محله رأفة ورحمة به، ومنع من ارهاقه بما لا طاقة له به.
وقد ورد عنوان الضعف في قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا]( )، والضعف هنا في اصل الخلق.
ويســـتقرأ من هــذه الآية ان الضـــعف علة للتخـــفيف، فلذا يكون قيام الولي بالامــلاء تخفيفاً عن الســـفيه والضعيف الى جانب الخوف عليه من الدَين وآثاره.
وفي الآية تعليــم للكـــاتب وولاة الامور, بتحصين الســـفيه والضـعيف واموالهما ولزوم التعاون من اجل التخفيف عنهما في امور الحياة المختلفة , والتحصيل الدراسي , وايجاد الاعمـــال الخفيفة المناســـبة لهما ولقدراتهما وعــدم تفويض الامور العامة لهما.
ويدخل في الضعيف العبد وفي ازمنة الرق يحتاج الكاتب الى درجة من التقوى لمنع وقوع الغبن والظلم على العبد وتحمله عناء لا يطيقه في مكاتبته و مقدمات عتقه وتحريره , لتبقى للآية صفــحات مشـــرقة في التأريخ تدل على مضامين الرفق والرحمة في القرآن، ففي الآيات السابقة تتجلى الرحمة بالفقراء, والمحتاجين وامهال المعسر ولتصدق على الفير ونبذ الربا، وجاءت هذه الآية لحفظ الاموال والاكثار من التداين والبيع مع الالتفات الى عدم الاضرار بالضعفاء، وبها تكون الكتابة حصانة وواقية للسفهاء والضعفاء مما يلزم اهلية الكاتب الشرعية والاخلاقية والفقهية.
ان الأمر باملاء الولي عن السفيه والضعيف موجه الى:
الأول : الولي لقيامه بتكليفه الشرعي وما فيه النفع ومصلحة المولى عليه.
الثاني : الدائن بان يطلب احضار الولي لقيامه بالإملاء , وفيه حصانة لأمواله وعدم تضييعها.
الثالث : الكاتب بان لا يأخذ باملاء السفيه والضعيف الذي لا يستطيع النهوض بمسؤولية الاداء في الأجل والاستعداد له.
الرابع : عامة المسلمين بتثبيت قواعد كلية في المعاملات، تكون عوناً للقضاة والكتاب والمستضعفين، وتمنع من التعدي على الحقوق والتفريط في الأموال.
وتبين الآية في مفهومها تيسير الاعمال التجارية واسباب المعاشات، وعدم التشــديد في التداين والقــرض لما فيها من المنافع الدنيوية والاخروية، وان اضعف المسلمين مؤهل الى الاقـــتراض والدَين والشـــراء بالنســـيئة , ولكــن بقيــد احترازي وهو املاء الولي.
بحث فقهي
الحجر على الصغير
من موجبات الحجر الصغر: وهو عدم بلوغ الصــبي حد البلوغ ســـواء كان رضـيعاً او صبياً مميزاً او غير مميز، وهو محجور عليه شرعاً ولا تنفذ تصـــرفاته في امواله ببيع او صـــلح او هبـــة واقراض او اعارة او ايداع، وان كانت المعاملة باذن الولي، والصبي مستقل في ايقاع المعاملة.
الحجر على الصبي لا ينحصر في ماله والمعاملات الجارية فيه وبالعاجل بل يشمل ما يكون في ذمته من الإقتراض او البيع بالسلم او الشراء بالنسيئة وان كان اوان الأداء موافقاً لزمان بلوغه، ولا ينفذ منه التزويج، ولا الطلاق ولا اجارة نفسه ولا جعل نفسه عاملاً في المضاربة او المزارعة او المساقاة.
ويعرف البلوغ في الذكر والأنثى بأحد أمور ثلاثة:
الأول: نبات الشعر الخشن على العانة، ولا اعتبار بالزغب والشعر الضعيف.
الثاني: خروج المني سواء كان بجماع او احتلام او غيره.
الثالث: حد البلوغ وهو اكمال عمر الصبي تمام خمس عشرة سنة هلالية، وبالنسبة للبنت تسع سنين كما يتحقق فيها بالحيض وهو دليل على سبق البلوغ.
لا يكفي البلوغ في زوال الحجر عن الصبي، ولابد معه من الرشد وعدم السفه.
الرشد هو اصابة الحق ومعرفة الصلاح والظاهر انه ليس كيفية فقط بل ملكة نفسانية يعسر زوالها تحول دون افساد المال وتجعل صرفه لا يتم الا في الوجوه المناسبة في نظر العقلاء.
الولاية على مال الصبي
تكون ولاية التصــرف في مال الطفل والنظـــر في مصـــالحه وشــؤونه لأبيه أو جده لأبيه، ومع فقدهما فللقيم اي الذي اوصى احدهــما بان يكون ناظــراً في امره، ومـع فقد الوصي سواء بعدم الوصية به من قبل الأب والجد او لفقده تكون الولاية والنظر للحاكم الشرعي.
لا ولاية على الصبي للأم وابيها اي الجد للأم على قول، ولا وصاية للأخ الأكبر على اخيه الأصغر، وليس له الحق في التصرف في ميراثه ونحوه، وكذا لا ولاية عليه للأعمام والأخوال.
الظاهر عدم اشــتراط العدالة في ولاية الأب والجد، فلا ولاية للحاكـــم مع فســـقهما، نعم لو ظــهر للحاكـــم الشــرعي اضــرارهما على المتولى عليه عزلهـــما ومنعهــما من التصـــرف في أمـــوالــه، ولا يجب عليه الفحص عن عملهـــما وتتبع سلوكهما والبحث عن عوراتهما.
الأب والجد مســتقلان في الولاية، فينفذ تصرف السابق منهما ويترك اللاحـــق، ولو اقترنا فالاقوى تقديم الأب لشدة اتصاله، كما يظـــهر في تقــدمه بالإرث وحجبه للجــد، وما ورد في باب النكاح فبدليل خاص.
الظاهــر عدم الفــرق في الجــد القريب والبعيـــد بالنســــبة للولاية على الصـــبي غير البالغ فلكـــل منهما الولاية لصـــدق اسم الجد عليهما.
يجوز للولي بيع عقـــار الصــــبي مع الحاجة واقتضــاء المصلحة، اما لو كان الوصــــي هو البائع فلا يسجله الحاكم الا بعد ثبوت وجود راجح ومصـــلحة للصبي لاســيما مع النصوص الواردة في النهي عن بيع العقار، بل وللحاكم والكاتب ان يتأكـــد من وجـــوه المصــلحة وعدم المفســدة حتى في حال قيام الولي اباً كان او جداً ببيع عقار الصبي.
يجــوز للــولي المضاربة بمال الطــــفل وابضاعه بشـــرط وثاقـــة العامل وامانته وعدم ظهور امارات وقرائن على رجحان الخسارة وفســــاد المضاربة، ومع ثبـــوت التعـــدي او التفــريط يكون الولي ضامناً.
للولي تسليم الصبي الى امين يعلمه الصنعة او القراءة والخط والحساب وعلوم العربية وحفظ القرآن، واحكام التلاوة وافعال الصلاة ونحوها من العلوم النافعة لدينه.
من وظائف الولي صيانة الصبي عما يفسد اخلاقه ويجنبه ما يضر بعقائده وهي من اهم افراد الولاية، وعلى الكاتب اعانته في واجبه ومنع لحوق الضرر بالصبي دائناً كان او مداناً، بائعاً او مشترياً، فلو ظهر للكاتب ان الولي لا يراعي الغبطة ومصلحة الصبي المولى عليه فهل يكتب الكتاب الصك على ذمة الصبي وفق املاء الولي، الجواب: لا، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، ولقيد (بالعدل) الوارد في قوله تعالى [فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ]( ).
اذا كان للصبي مال على غيره، فعلى الولي المطالبة به والسعي لأخذه وله المصالحة على بعض المال لحفظ الباقي ان استلزم الأمر وكان فيها مصلحة، وليس للولي اسقاط مال الصبي بحال، أي على الكاتب ان يلتفت الى وجوب عدم التفريط بمال الصبي عند الكتابة، وبذا تتجلى آيات التشريع الاسلامي بوجود أكثر من طرف لحفظ مال الصغير ومنع الاضرار به.
ينفق الولي على الصبي بالإقتصاد ومن غير اسراف ولا تقتير مــع ملاحظة عــادته ونظرائه وشأنه، فيطعمه ويكسوه ما يليق بشأنه, ولا يحمله الديون او يفرط بامواله مدة ولايته .
لو ادعى الولي الإنفاق على الصبي من ماله بالقدر اللائق وانكر الصبي بعد البلوغ اصل الإنفاق او كيفيته فالقول قول الولي مع اليمين اذا لم تكن عند الصبي بينة تثبت دعواه.
ووردت الآيات والنصوص بالإنذار والوعيد على اكل مال اليتيم وايذائه، وعقوبته ولا تنحصر بالآخرة والعذاب في النار بل له آثار وضعية لا تلبث ان تظهـــر في الحياة الدنيا في الذريـــة والعقـــب، وفي قوله تعالى [ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ ]( ).
ورد بالإسناد عن سماعة عن الإمام الصادق عليه السلام: (“ليخش ان اخلفه في ذريته كما صنع هو بهؤلاء اليتامى”)( ).

قوله تعالى[أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ]
بعد ذكر السفيه والضعيف ذكرت الآية الذي يعجز عن الاملاء، وجاء عدم الاستطاعة مطلقاَ ليشمل المصاديق العديدة والعناوين المختلفة التي تدخل ضمنه.
ولتكون هذه الآية حجة للكاتب وحجة عليه، وبرهاناً ليعمل وفق الموازين الشرعية وقد جاء حرف العطف الواو بين السفيه والضعيف ومن لا يستطيع ان يقوم باملاء ديونه، مما يدل على المغايرة والتعدد.
لقد جاءت الآية بلغة الإجمال بذكر صفة عدم القدرة على الإملاء وهو من الاعجاز.
الأولى : الاخرس الذي يعجز عن الاملاء، اما الذي يحسن القراءة والكتابة فلا يكون غير مستطيع وبامكانه الاملاء بواسطة الكتابة اذا كان جامعاَ للشرائط الاخرى.
الثانية : المجنون يكون كالصغير في الحجر والولاية عليه وما تقدم من الاحكام.
ولو كان الجنون متصلاً فيما قبل البلوغ وما بعده فتبقى الولاية للأب والجد للأب ما دام فاقداً للعقل.
أما لو كان الجنون منفصلاً اي طرأ بعد البلوغ والرشد فهل تكون الولاية عليه للأب والجد ايضاً، ام تكون للحاكم، الأقوى بقاؤها للأب والجد الا ان يثبت عدم المصلحة والغبطة فترجع حينئذ الى الحاكم الشرعي فيوكل أمره لأحدهما مع الشرط، او الى غيرهما.
الثالثة : العبد المملوك لغيره فهو محجور عليه، ويسمى عقد عتق العبد بالمكاتبة وهي قسمان مطلقة ومشروطة ولابد فيها من ذكر الاجل والكتابة ليست عتقاَ بل هي برزخ بين الرقية والحرية ولم يعد الرق مسألة ابتلائية، واصبح موضوعاً وابتداءً وزوالاً من مفاخر الاسلام ودليلاً على دقة التنظيم فيه ورعاية حقوق الجميع.
الرابعة : الجاهل بامواله وحاله ولا يعلم بانه قادر على القضاء او لا.
الخامسة : السجين الذي يعجز عن تولي شوؤنه بنفسه، مع الغبطة والمصلحة في استدانته.
من إعجاز آية الدَين
الولي هو الذي يتولى الأمر وما يقوم مقام العاجز المحتاج الى غيره في تصريف أموره، ومن اعجاز الآية انها ذكرت السفيه والضعيف على نحو الخصوص لمنع الابتلاء فيهما في موضوع الديون واشتغال الذمة واستغلال السفاهة والضعف، ثم ذكرت الآية الذين ولا يستطيعون الاملاء على نحو العموم لمنع الحرج ولاستيعاب الافراد المستحدثة والطارئة والنادرة، ولتكون قواعد الكتابة مدرسة تسعى نحو الكمال والتكافل وتطرد الجهالة والغرر، وتعمل على تهذيب النفوس وتمنع من الخداع والضلالة، والاضرار بالمدين، وتحذر من ادانة واقراض الذي لا اعتبار لاقراره واعترافه.
ومع ان هذا الفرد أي الذي لا يستطيع ان يمل بنفسه هو قسيم للسفيه والضعيف الا ان ذكره يدل على التفصيل والسعة , وفيه نوع مقارنة معهما، فهو عنوان جامع لكل من لا يستطيع ان يمل بنفسه، كما انه يبين ان السفيه والضعيف يستطيعان الاملاء ولكن لا يؤخذ باملائها، اما هذا الفرد فانه لا يستطيع القيام بالاملاء بنفسه.
فبين كل اثنين من الثلاثة عموم وخصوص من وجه، مادة الالتقاء عدم الأهلية لاملاء الدَين على الذات والذمة الشخصية، ومادة الافتراق النقص الخاص عند كل واحد منهم.
فليس كل من يستطيع الاملاء يقوم باداء الدَين والوفاء بالعهد , في حجة على الكاتب ولزوم التدبر في قدرة الشخص على معرفة مصالحه واهليته على الاداء وقضاء الدَين، فقد يستطيع شخص الاملاء ولكنه يلحق بالسفيه والضعيف، كما تبين الآية امكان مشاركة الاخير مع الولي في مقدمات الاملاء لان عدم الاستطاعة اعم من عدم الاهلية المطلقة وقد تكون ذاتية متأصلة أو تكون عرضية زائلة.
ومن الآيات ان يأتي ذكر الفرد الخاص ثم العام، لأن عنوان الذي لا يستطيع الاملاء تقع تحته مصاديق متعددة، ويجعل الكاتب مسؤولاً عن تعيين حدود عدم الاستطاعة، والاستعانة بالولي للإملاء خصوصاً اذا كانت الاسباب عرضية.
ولم يرد لفظ (لا يستطيع) بصيغة نفي المفرد الا في هذه الآية الكريمة، لبيان امكان التدارك والبدلية , وعدم تعطيل المعاملات.
وتمنع الآية من اكراه المدين على الاملاء، بمعنى انها تفكك بين حق الاستدانة واملاء الدَين , لأن الأخير يمكن الإنابة فيه مع العذر، وهو عنوان أكبر وأعم من النيابة , ويدل على تولي شؤون المولى عليه والقيام بكفايته.
قوله تعالى [فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ]
من أسماء الله الحسنى (الولي) وهو سبحانه الذي يتولى أمور الخلائق , وفي التنزيل [أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
والولي هو الذي يدبر الامر.
يقال فلان ولي الصبي أي يتولى تصريف شؤونه وادارة امواله، والآية خطاب تكليفي في باب الديون والمعاملات موجه الى:
الأولى : ولي السفيه والضعيف وغير القادر على املاء الدَين , فيقوم الولي بوظيفته الشرعية.
الثانية : الدائن بان يجعل ولي المدين غير المؤهل للاملاء بالقيام بنفسه بالاملاء، وقد لا يكون الاملاء مجرداَ بل موثقاَ بما ‏يثبت ان الاملاء صدر من المدين او من الولي بالبينة او الدلالة عليه.
الثالثة : الكاتب الذي يكتب عقد الدَين، بان لا يرضى باملاء السفيه والضعيف والعاجز عن الاملاء، ولا يكتفي بامضائهم وختمهم بل يشترط املاء الولي، كما يستلزم الأمر التأكد من الولي وصحة ولايته شرعاً سواء كان اباً او جداً او اماً على القول بصحة ولاية الام، ولا ولاية للعم او الخال او الاخ، وبذا تتضح المسوؤلية الشرعية العظيمة التي تقع على عاتق الكاتب وما يحتاج اليه من الفقاهة والفطنة والنباهة، لان معرفة السفاهة والضعف والعجز لا ينحصر موضوعها بالفقه وقواعده فقط فلابد من التأكد من القدرات العقلية والملكات ولو على نحــو اجمالي بالاخــتبار او بالبينة والشهود العدول على حصول حالما الرشد عند الذي يقوم باملاء ما عليه من الديون.
الرابعة : الخطاب موجـه الى الســفيه والضــعيف , ومن لا يســـتطيع ان يمل هو للتنبيه، وايجــاد العذر والتحـــذير من تحمـــل ما لا يطاق، فالســفيه وان كان محجوراً عن التصرف في امواله واشـــغال ذمته، الا انه يفهم الخطاب القرآني ولو في الجملة، وكذا بالنسبة للضعيف ومن يعجز عن الامـــلاء، والخـــطاب بقيام الولي بالامــلاء تخفيف عنه وحفظ لامواله، ومنع من تعرضه للخســـارة، خصـوصاً وانه اكثر حاجة من الرشيد الى تلك الاموال بسبب قصوره في جمعها مرة ثانية.
الخامسة : الى أولي الأمر والحكام والقضاة ورجال القانون ارشاداَ وتأديباً وتعليماً لان الآية تضع قاعدة في التخفيف والتيسير لا تخص السفيه والضعيف واموالهما بل تحفظ اموال الناس مطلقاَ , وتمنع من الارباك في الاسواق، وتدعو الى اعتبار العقل والحكمة، وحساب العواقب في المعاملات والعهود، وهذا من اعجاز القرآن وحضوره في ادق تفاصيل التشريع والتطبيق العملي للقواعد الفقهية والاحكام، ويدرك الجميع ان اشـــراقات القرآن وكفايته , وعدم ظهور ثغرات عند اللجوء اليه دليل على ســماويته , واحاطته باللا محدود من الوقائع والاحداث.
قانون ضبط الديون
ونسب الى ابن عباس ومقاتل والربيع ان المراد بوليه ولي الدَين( ), أي الذي له الدَين يقوم بالاملاء، ولكنه بعيد لان الآية وردت للاحتراز والتوقي ومنع الغبن والجهالة ولتثبيت الحجة وحق الدائن.
فمنافع املاء الولي لا تنحصر بالمولى عليه كالصـــبي والسفيه والمجنون بل تشمل الدائن وتيسير المعاملات، وشيوع قواعد ضمان الحقوق، واستيفاء الديون، وعدم التفريط بالاموال، والتقليل من حالات الاعسار والعجز عن الديون.
ومع تعدد مصاديق العذر والحاجة الى الولي في حال السفيه والضعيف والعاجز عن الاملاء، فان الضمير جاء بصيغة المفرد (وليه) لارادة اسم كان (الذي).
وفي الآية اخبار عن امكان الولاية مطلقاً لكل سفيه او ضعيف فلا يكون هناك انسان الا وهو واحد من اثنين:
الأول : الذي يكون بالغاً رشيداً قائماً بتصريف شؤونه، عالماً بما ينفعه او يضره .
الثاني : مولى عليه، فليس هناك ثالث يحتاج الولاية وليس له ولي، فمن لم يكن له أب وولي من جهة الرحم والقربى، فان الحاكم وليه، او عدول المؤمنين، كي يكون نصيب لكل مسلم في التداين والتمكن والانتفاع منه.
وهذا الشطر من الآية تثبيت لقاعدة كلية في باب الديون , ويمكن تسميتها (املاء المدين) لتكون مما علمه الله تعالى للكـاتب وللقضاة وللامة سواء املى بنفسه أوقام وليه او وكيله بالاملاء , وتوكيد حقوق الدائن، وفي الاســـتعانة بالولي نوع ضــمان للطــرفين، لذا فان الآية تحمل الولي مسؤوليات شرعية ازاء الدائن , وازاء القاصر والسفيه , ومن يتولى امره.
فلو بلغ الصبي , وادعى ان الولي فرط في عقد الدَين او البيع او الشراء وثبت ذلك شرعاَ يكون عليه الضمان.
وفي قيد (العدل) في الآية نوع ارشاد ووعد ووعيد، ارشاد للولي في كيفية اداء وظيفته وعمله، ووعد له بالثواب ان قام بها وفق الضوابط الشرعية، ووعيد وتخويف ان فرط بها وقصد الحاق الضرر بالمولى عليه في نفسه او ماله او عرضه، او تعريض مال الدائن للتلف والضياع.
موضوعية العدل
اشتراط املاء الولي (بِالْعَدْلِ) مما يعني اعباء اضافية عليه , يجب ان يلتفت اليها كاتب العدل وينبهه ويلفت نظره الى المسؤوليات التي تقع على عاتقه ازاء الدائن والمدين وازاء نفسه ايضاً لوجوه :
الأول : رجوع التفريط والتبذير والغرر عليه.
الثاني : عمومات ادلة الضمان .
الثالث : قاعدة لاضرر ولاضرار.
الرابع :أدلة الامانة في باب الولاية.
الخامس : القيد الوارد في هذه الآية (بِالْعَدْلِ) وهو حجة على الولي ومانع دون اسرافه واكله المال بالباطل والاستهانة بالأمر، والظن بانحصار العقد بين الدائن والمدين، بل يجب ان يدرك ان الاملاء فرع الولاية وتحمل المســؤولية الشرعية والاخلاقية والعرفية ولزوم صيانة الأمانة.
ومن معاني قوله تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]( ) إجتناب تحميل اليتامى الدَين , إنما الواجب العناية بأموالهم لحين البلوغ والرشد.
ان ورود قيد (بِالْعَدْلِ) في الحكم وهو اهم مقومات النظام العام، والصلح بين المتخاصمين، يدل على اهمية كتابة الديون وانها نوع حكم وقضاء ابتدائي بين الناس، ومن لم يكن عادلاً لا يكون مقبولاً من الاطراف المختلفة .
وليس في الكتابة خصومة ولا دعوى لمدع، ولكنها مقدمة للقضاء والحكم، ومانعة من النزاع والافتتان، وتخفيف عن الناس والقضاة وحفظ للاموال، فهي وقاية من النزاع وليس حلاً له، وكثيراً ما تكون الوقاية افضل من العلاج والتدارك.
النسبة بين قيد التقوى وبالعدل
واملاء صاحب الحق جاء مقيداَ بتقوى الله وعدم الانقاص منه، اما الولي فجاء بقيد (بالعدل) والباء هنا للاستعانة وهي الداخلة على آلة الفعل، نحو قولك: أديت الصلاة بالوضوء.
وهذا من اعجاز القرآن ويستلزم الدراسة المقارنة , والتأويل فانحصر الأمر عند المدين بالخشية من الله عز وجل الشاملة لموضوع الدَين , وعدم نكرانه او الكذب في الأجل، والنقص في تفصيلاته واملائه، خصوصاً وانه قد تحصل الكتابة بعد اجراء عقد البيع والادانة والقرض بعد مدة قصيرة او طويلة، وتقوى الله في زمانها أعم من أوان تدوين الدَين بل هي منبسطة على جميع آنات الدَين الى حين الأداء سواء كان في الأجل المعلوم للاداء او بعده او قبله.
أما الولي فانه ليس طرفاً محضاً في عقد الدَين، بل فيه شائبة الحكم مما يستلزم العدل والانصاف.
فيحتاج المدين الى عدله في أصل الدَين وموضوعه ومقداره ومدته ومراعاة منفعته ومصلحته في حصول الدَين او عدمه، وقد يكون ترك الدَين اضرارا بالمولى عليه، فيكون امتناع الولي عن الدَين حينئذ من الاحتياط المخالف للاحتياط.
وورد الأمر والقيد (بالعدل) في الآية الكريمة للكاتب والولي على نحو الخصوص في تحذير للولي من الظلم والتعدي على المولى عليه، او على الدائن والتحايل عليه , والمنع من اشاعة الاحسان والود , وقضاء حوائج الضعفاء.
وما هي النســـبة بين الأمر بتقوى الله والأمر بالعدل، الجواب: العموم والخصوص المطلق، فالعدل من مصاديق التقوى دون العكس، لأن حاجة المدين الى تقوى الله أكبر ومســـتديمة مـــدة الدَين، ومــن يخرج الدَين من ماله بتمام مقداره يحتاج التقوى أكثر من الذي يملي دين المولى عليه.
وقد التفتت الحكومات الى موضوعية كتابة العقود وأنشأت دوائر خاصة بكتاب العدل في البلاد الاسلامية، وهو أمرحسن وما هو أهم تعاهد احكام الشريعة في الكتابة والقوانين الوضعية، لان هذه الآية اشراقة خالدة تساعد في ترسيخ القيم وتحصن الاموال وتمنع من الفتنة والفرقة.
تكرار (بالعدل) في الآية
وورد لفظ (بِالْعَدْلِ) وبصيغة الجار والمجرور ست مرات في القرآن، ومع تعدد مواضيعه وتناوله للحكم والأمر بالحق والانصاف والصلح بين المتخاصمين فانه ورد مرتين في هذه الآية مرة تتعلق بالكاتب، والاخرى بولي المدين.
وتكرر قيد (بِالْعَدْلِ) في الآية يدل على انها من آيات الأحكام ولها خصوصية في باب العدل وحفظ موازين الحق وتتضمن وصية للحيطة والحذر من الزيغ والباطل خصوصاً مع قيد تقوى الله في الآية.
ومرة جاء القيد تكليفياً وعهداً للكاتب واخرى لولي المدين , وهو أمر يفيد توكيد وظيفة الولي الفقهية وحاجته الى التفقه في الدَين , ولو باعانة الكاتب وغيره، ويدل على شرط العدالة في الولي ولو بخصوص املاء الدَين لانه يحتاج الى الانصاف وعدم الظلم على نحو مركب، للدائن او والمدين او للنفس او للمجتمع والقيم المتعارفة.
وكما تمنع الآية الولي من التفريط في حق المولى عليه , فانها تدعوه الى عدم التشديد بما يلحق الغبن بالدائن او الاضرار به بدعوى حفظ الامانة والحرص على مال اليتيم والسفيه والضعيف.
وفي التزام الولي باحكام العدل والانصاف أمور :
الأول : تأديب للمولى عليه.
الثاني : بعث للامل والطمأنينة والسكينة في نفسه.
الثالث : تنمية للثقة بالآخرين.
الرابع : إنه سبب في حفظ وزيادة ماله.
الخامس : هو مناسبة ينال بها الولي الثواب والاجر .
السادس : إنه مصداق من عالم الصالحات لحفظ ذريته في أموالهم وأرزاقهم.
وإذا بلغ اليتيم سن البلوغ وكان رشيداَ فيجب على الولي دفع ماله له مع الإشهاد عليه في هذا الدفع ومقدار المال وصفاته بذات شروط الشهادة بخصوص الدَين في هذه الآية , وقد تكون شروط الشهادة في المقام , وكتابة مقدار المال المسلم إلى اليتيم من باب الأولوية قال تعالى [فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا]( ).
قوله تعالى [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ]
انتقلت الآية الى لغة الخطاب التي بدأت بها بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وان لم تكن فارقتها تماماً في ثنايا الآية وتدل على العناية والالتفات العام الى عمل الكاتب والمدين ووليه لعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وحاجة الامة الى سلامة المعاملات والعناية بحقوق الناس وملازمتها للتقوى والصلاح، نعم الموضوع خاص في الدَين والمتداينيين ، لذا فان القـدر المتيقن هو اختيار الطرفين للشهداء.
وجاءت الآية بصــيغة الجمع ليكون الاختيار مشــتركاً ومن قبل الدائن والمدين، وليس الدائن او المدين وحده، والاشتراك باختيار الشهود مانع من الضرر والكيد وظهور الحيف والممالئة والميل الى احد الطرفين مع وضع ضوابط خاصة للشهود كما يدل عليه قوله تعالى [مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ]، والمراد من الشــهــيدين هــنا اللـــذان يشهدان على الدَين، ولم يرد لفظ (شَهِيدَيْنِ) بصيغة المثنى الا في هذه الآية.
والشهادة من الشهود وهو الحضور، وهي من الموضوعات الوجدانية لاثبات الحق ومنع الظلم، فمتى ما علم الانسان ان غيره يراه وقول الغير معتبر في اقامة الحجة عليه، وتعرضه للعقاب، فانه يتجنب الجناية والجريمة.
وتارة تأتي الشهادة ابتداء كما في العقود والمعاملات لمنع حصول الخصومة فليس للشهادة معنى تعبدي الا انها اخذت عنواناً شرعياً بجعلها جزء يتقوم به العقد احياناً , وصارت موضوعاً له قواعده , وتتفرع عنه فروع عديدة وافردت لها ابواب مستقلة في الفقه والقضاء.
وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الشهادة فقال: “هل ترى الشمس؟
على مثلها فاشهد أو دع”( ).
الشهادة قبل الإسلام
والشهادة امر موجود قبل الاسلام، وفي سورة يوسف قال تعالى [وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ]( )، ولكنها اخذت في الاسلام صفة للحكم ذي القواعد الثابتة وهذا من معالم التكامل في الشــريعة، وجــاءت الآية بذكر شـــاهدين وليس شاهداً واحداً لذا فان اصــطلاح البينة لا يصـدق الا على شاهدين عدلين يشـهدان بشهادة واحدة من غير تعارض بينهما أوتجاف عن الواقع والامكان.
وقد تقدم حديث ابن عباس يرفعه بخصوص هبة آدم من عمره ستين سنة لداود عليهم السلام , لبيان استحباب التخفيف عن المدين عند الأداء أو في مدته حتى مع كتابة الدَين وتوثيقه .
اختيار الشهود
تترك الآية للمتداينين اختيار الشهود لقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا) كما انها تتضمن الدعوة للحرص على مسألة الشهادة وعدم التفريط بها، وجاء موضوع الدَين من باب مناسبة الموضوع , والا فان الشهادة تجري في الحقوق المختلفة، والنكاح والطلاق والقصاص والدية والنسب , وفي الاموال وعقود المعاوضات والغصب , وكذا في الحدود والتعزيرات سواء كانت حداً لله محضاً كما في شرب الخمر، او مشتركاً وفيه حق للانسان كالسرقة، والشهادة ليست شرطاً في العقود ولكنها مستحبة لتوثيق الحق ومنع التعدي والجحود.وقد يترشح الوجوب بالعرض مما يدل على الأعجاز في الأمر القرآني
(ونقلوا ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم باع واشترى، ولم ينقل الاشهاد في ذلك) ( ).
أقسام الشهادة
والشهادة تكون على قسمين :
الأول : التحمل, كما لو حضر الشاهد ليسمع صيغة الطلاق , وهي ليس بواجب اذا دعي اليه.
الثاني: الأداء: باعلان الشهادة امام القاضي او غيره , اذا طلب منه وهو واجب كفائي مع عدم الضرر، وقد يكون احياناً واجباً عينياً.
فلو دعي للشهادة فتجب الشهادة حينئذ اذا دعي لها عند الخصومة والدعوى , اما لو ســمع او رأى عرضاً من غير ان يدعى الى تحمل الشــهادة، فهو بالخيار ان شاء شهد عند الحاكم، وان شاء امتنع الا عندما يكون احد المتخاصــمين ظالماً للآخـــر فيجب اداء الشهادة مع عدم الضرر.
وظاهر الآية الأمر بالشهادة ولكنه يحمل على الاستحباب للسيرة والتخفيف، الا ان هذا الحمل لا يمنع من وجوب الشهادة في بعض الاحيان عملاً بظـاهر الآية الكريمة وعندما تكون الشهادة حاجة لمنع الفتنة وضياع المال خصوصاً في حال كثرته او طول الاجل واحتمال تعلق المال بالتركة والرجوع الى الورثة لاستيفاء الدَين، وهذا التخصيص يرجع في جانب منه الى الكاتب ونباهته وعمله بوظيفته الشـرعية، فقد تكون الشهادة جزء مقوماً لعقد الدَين, وســبباً لمنع الخصـومة وضياع المال مع كثرة العناء في محاولة تحصيله واستنقاذه، بالاضافة الى اشتراطها في الوصية.

ثواب التداين
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الأجر والثواب وهو من رشحات علة الخلق وهي العبادة ليكون من معاني في قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) إلا ليعبدون في ولايتهم على العبادة , وليس من حصر لوجوه مصاديق الثواب فلا يحصيها إلا الله عز وجل.
وسيأتي الجزء السادس والأربعين بعد المائتين والجزء الثامن والأربعين بعد المائتين من هذا السِفر بخصوص (علم الإحصاء القرآني غير متناه).
ويحمل الثواب أطراف الدَين إذ خاطب الله عز وجل به المسلمين والمسلمات بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ]( ) فلم تقل الآية إذا داينتم , إنما ذكرت أطراف الدَين لأنه رحمة لهذا الدَين وعند قضاء الدَين.
وينال الثواب والأجــر العظـيم على التداين كل من الدائن والمدين، الثواب للاول بالاقراض والاعانة والصبر على المدين، والثواب للمدين لوفائه بالدَين وادائه الامــانة، وارجاع حـق الغير، وعدم الغصب، بالاضافة الى الثواب الذي يلحق الكاتب، فكما في باب النكاح وان وطئ المرء لزوجتــه فيه ثــواب مـع انه مباح، وعــلة الثــواب بالواســطة لانه لم يجعل نطفــته في الحــرام والزنا بل جعــلها في الحــلال وما فيه طلب الولد , قال تعالى [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
فكذا بالنسبة لكتابة الدَين والعقود، فتجد كاتب الربا ملعونا على لسان الرسول الامين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أما كاتب الدَين بما علمه الله فهو مثاب.
قانون الشهادة تنمية لملكة العدالة
من الإعجاز ان وثيقة الدَين لا تكون وحدها شاهداً عليه بل انها معضدة ومؤيدة بالشهادة المتعددة مما يدل على الاحتراز من ضياع الاموال، والمنع مما يترتب عليه، فقد يؤدي الخطأ والتعدي في مقدار او جنس الدَين الى الاعتداء والشقاق.
والله عز وجل اراد للمسلمين وجوهاَ :
الأول : قانون الإتحاد والتآلف والوئام قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
الثاني : قانون التعاون في طاعة الله عز وجل .
الثالث : قانون التوجه الى ميادين العمل .
الرابع : اداء العبادات .
الخامس : قانون التحلي بمظاهر الاخوة والصلاح.
وتنمي الشــهادة في النفس ملكة العدالة والأمــر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوسط بين الناس للاصلاح، لقانون تحمل الشهادة اصلاح بين الناس وحجب للفتنة وطرد للظلم فبالشـهادة يتعذر على الجاحد والظالم النفاذ بين المسلمين في معاملاتهم والتسبيب بالفرقة.
وهناك قول شائع وهو : الدَين المعاملة ولا أصل لهذا القول , وهو ليس من القرآن ولا من الحديث , إنما الدَين يتقوم بالعبادة , والعبادة فرع مترشح عنها , نعم ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : الدَين النصيحة مع تقييد متعلقها (عن تميم الداري : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الدَين النصيحة .
قالوا : لمن يا رسول الله؟
قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم)( ).
وستبقى مقولة (الدَين المعاملة) شاهد على موضوعية الأخلاق الحميدة في الإسلام , قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
، ومفاهــيم الدَين تتجـــلى بصدق المعاملة ، والمعـــاملة مــادة يتقـــوم بها الدَين، ويتوقف عليها صدق الايمان، كما في قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] ( )، فيجــب ان تكون صــلاة المســلم مانعـــاً من الربا ومن انكار الديون .
وتأتي الشـــهادة لتخـــفف عن المدين وتجعل الدائن لا يأخذ الا حقه , ومعه ثــواب عظيم لا يقــدر بمقـــدار من المال والثـروة، اما المدين فان الله عز وجل ييســر له الاداء وان تعذر عليه الوفاء، فان الزكاة باب فتحه الله ليكـــون فيه اعانة للغـارمين، فيقضى عنه دينه مــع الثواب له وللشــاهد وللـــدائن ولدافع الزكــاة، وينجـــو من الجحــــود والانكـــار، وهذا كله ببركــة كتابــة الدَين والشـــهادة عليه , قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
والواو في واستشهدوا تفيد التعدد والمغايرة وعدم الاكتفاء بالكتابة، وليس الشهادة وحدها.
ذخائر الشهادة
الشهادة باب فتحه الله لتوثيق الديون عرفاً واجتماعياً , وفي صدور الرجال، ومن منافعها:
الأولى : صيانة الذمم، فتارة يأتي الضياع وتعذر الاداء بسبب موت المدين وعدم معرفة الورثة بالدَين، لا عن انكار ومكر.
فتأتي الشهادة لتحفظ ذمة الميت وتمنع من تعرضه لعذاب البرزخ او العذاب الاخروي ,ونقص الحسنات بسبب الدَين، ولا يشمل المقام حديث الرفع وان الموت مانع قاهر عن الدَين، لأن المدين أحد الاطراف التي توجه لها الخطاب التكليفي بالاشهاد، والشهادة لحفظ ذمته وعهده , بالأضافة الى عمومات الأمر بالوصية وذكر حقوق الناس المتعلقة بالذمة.
وفي رواية مشهورة كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينما يسأله الصحابة أن يصلي على جنازة يقول : هل عليه دَين , ولا يصلي على من كان عليه دَين للناس .
(سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِجِنَازَةٍ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا قَالَ هَلْ تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا ثَلَاثَ دَنَانِيرَ قَالَ ثَلَاثُ كَيَّاتٍ قَالَ فَأُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالَ هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ هَلْ تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو قَتَادَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ)( ).
الثانية : حفظ الأموال وعدم تضييعها، لأن الشهادة تعاهد نوعي عام للدين، ومانع من حصر الدَين بالدائن والمدين، واشراك اطراف اخرى بالدَين عون على ادائه لما فيه من عناوين اجتماعية واخلاقية.
الثالثة : الشهادة على الدَين تذكير بشهادة الملائكة على أعمال بني آدم وحضورهم يوم القيامة للادلاء بالشهادة، فهي مناسبة للتذكير بالآخرة، واصلاح السرائر، واجتناب الغصب والتعدي على حقوق الآخرين.
الرابعة : المشاركة العامة في حفظ الحقوق الشخصية.
الخامسة : الشهادة مدخل لنماء ملكة التقوى في النفوس، ودفع الظلم، ومنع الكذب والتعدي، وأكل المال بالباطل.
السادسة : انها مقدمة كريمة للأداء والقضاء وسلامة المعاملات , ودفع الغضاضة والبغض والعداوة التي تنتج قهراً عن الجحود وعدم الوفاء بالدَين.
السابعة : الشهادة تأديب لصاحب المال بالاحتراز وأخذ الحائطة لحفظ أمواله والجمع بينه وبين إعانة الآخرين وقضاء حوائجهم وباقراضهم وتيسير أمورهم.
وإجماع علماء الإسلام بأن الإقراض من الإحسان , وهو مستحب مؤكد , وعن ابن عباس قال 🙁 قال رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} : من أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن أُحد وثبير وطور سيناء حسنات)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام: “أربع لا يستجاب لهم دعاء، رجل جالس في بيته يقول يا رب ارزقني فيقول له: ألم آمرك بالطلب، ورجل كانت له امرأة قد غالبها فيقول: ألم أجعل أمرها بيدك، ورجل كان له مال فأفسده فيقول يا رب ارزقني فيقول له: ألم آمرك بالاقتصاد، ألم آمرك بالاصلاح، ثم قرأ [ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا] ( )، ورجل كان له مال فأدانه بغير بينة فيقول: ألم آمرك بالشهادة”( ).
وعموم نفع الشهادة وشموله للدائن والمدين , والنظم المعاشية والقانونية والاجتماعية يتجلى بصيغة الأمر بالشهادة والوارد بلغة الجمع [وَاسْتَشْهِدُوا]، وفيها قرينة مقالية وحالية على حضور الشاهدين العقد، وعدم الاكتفاء باخبارهما، لاحتمال طرو الخطأ والتدليس والاشتباه عند الاكتفاء بالإخبار.
علم المناسبة (في الشهادة)
وردت الشهادة في القرآن بمفاهيم متعددة منها ما يحصل في الدنيا، ومنها ما يحصل في الآخرة، والأولى على أقسام منها:
الأولى : ما يكون في المبادئ والشهادة على التوحيد.
الثانية : الشهادة على الرسالات وتصديق النبوة.
الثالثة : الشهادة على الكتاب المنزل في دعوة الناس الى الايمان.
الرابعة : الشهادة في مقدمات العبادات كما في رؤية الهلال , قال تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ).
الخامسة : الشهادة في المعاملات واحكام البيع، والطلاق، والحدود.
السادسة : الشهادة على الوصية عند الإحتضار ومقدمات الموت , قال تعالى [مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
اما في الآخرة فان الشهادة للانبياء والصالحين، كما انها تكون ذاتية وهو أمر خاص بعالم الحساب , قال تعالى [حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ]( ).
وهناك مثل قريب منه بلحاظ الشهادة على الذات وهو شهادة الزوجين في الملاعنة قال تعالى [وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ]( )، فتحتسب شهادتها لنفسها وان كانت هذه الشهادة نفسها موضوعاً للحساب في الآخرة.
والشهادة المطلقة لله تعالى [أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]( )، وجميع الاشياء حاضرة عنده لا تخفى عليه خافية، وانما أمر بالشهادة على العقود رحمة بالناس في الدنيا والآخرة، ومن وجوه الرحمة في الدنيا انها منع للتغابن والضرر والاضرار.
واما في الآخرة فهي السلامة من العقاب والنجاة من العذاب، والثواب العظيم، فالسلامة من العقاب لأن الشهادة تحول دون الجحود واذا همّ المدين بالانكــار او الدائن بالزيادة اخــرج له صك الدَين فسـكت , بل ان السكوت يسبق اخراجه للعلم به، وقد تكون الوثيقة تالفة ولم يبق لها اثر، ولكـن كل طرف يخشى وجودها، وهو يتذكر امضاءها، فالشهادة تصرف المدين عن الجحود، والدائن عن الزيادة الربوية وغيرها.

قوله تعالى [مِنْ رِجَالِكُمْ]
قيد موضوعي للشهود، وإرجاع إلى أول الآية بالتذكير بالإيمان وجهة الخطاب في الآية.
وذكرت في الآية اقوال:
الأولى : رجلان من الاحرار العالمين البالغين المسلمين دون العبيد، والكفار، عن مجاهد.
الثانية : عدم شرط الحرية، والمدار على الاسلام والعدالة، وبه قال ابو ثور والليثي.
الثالثة : هو أمر للقضاة بان يلتمسوا عند القضاء بالحق شهيدين من المدعي عند انكار المدعي عليه، نسبه الطبرسي الى القيل( ).
وموضــوع الآية اعم من ان ينحصــر بمســـألة العبيد والحرية خصـوصاً وان زمان الـــرق انتهى من الواقع الاســـلامي.
وهذه الآية حية الى يوم القيامة، فلابد للنظر للآية بابعادها الشرعية والواقعية والفقهيـــة والقضائيـــة والاجتماعيــة، كما ان الخطــاب موجـــه للمسلمين ولأطــراف الدَين والقـــرض وليس للقضـــاة وحــــدهم فهـو تخصيص من غير مخصــص، واكثر الديون تكتب من غير تدخل القاضي.
لقد أرادت الآية توكيد حقائق في باب الشهادة منها:
الأولى : قانون اتقان اختيار الشهود، وعدم التفريط والتهاون فيه.
الثانية : قانون عدم جواز شهادة الصبي وغير البالغ.
الثالثة : قانون تعاهد الأخلاق الحسنة والصدق في الإسلام .
والرجل الذكر من نوع الانسان والمراد من احتلم وشبّ وأدرك سن البلوغ باحدى علامات ثلاث قد تقدمت الاشارة اليها.
الرابعة : مجيء الاستثناء بشهادة امرأتين بدل احد الشاهدين يفيد ارادة الرجال على نحو الخصوص في هذه الآية، وليس هو من تغليب المذكر، ومن اعجاز الآية انها منعت التأويل الباطل والاكتفاء بشاهدين إن كانا من النساء , لقوله تعالى [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ]( ) ولم يرد لفظ (امْرَأَتَانِ) في القرآن إلا في آية البحث وكذا لم يأت لفظ (امرأتين) بالنصب إلا مرة واحدة في قصة موسى عليه السلام وابنتي شعيب , قال تعالى [وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ]( ).
مسائل في الشهادة
وفي الآية مسائل:
الأولى : قانون عدم كفاية الكتابة، والأمر لا يفوض كله للكاتب وان كان يكتب بالعدل، وهذا من اعجاز وتكامل الشريعة الاسلامية، واحاطتها بأدق تفاصيل المعاملات.
الثانية : لم تكتف الآية بشاهد واحد مع احتمال كفايته عقلاً مع الوثيقة والكتابة , فأمرت الآية بشاهدين، وصارت قاعدة فقهية ثابتة في الشريعة الاسلامية، وهي ان البينة الشرعية من شاهدين عدلين.
الثالثة : اضافة الرجال الى عموم المسلمين تدل على انهما من المسلمين القادرين على الشهادة، فقد تكون الشهادة مرتبة تحول دون وصول الدعوى الى القاضي اذ يمنع قول الشهود من الانكار او طلب الزيادة والتفكير باللجوء الى القضاء، لان القضاء يعتمد القواعد الفقهية، ويستدعي الشهود، وقولهم بينة شرعية، فيحكم القاضي على قولهم بالاضافة الى صك الدَين.
الرابعة : كون الشهود من رجالكم، أي بمعنى حاضرين معكم في البلد او المحلة و القرية، تعرفونهم ويعرفونكم.
الخامسة : وجود الشهود يجعل موضوع الدَين والقرض امام الانظار، مستحضراً في الوجود الذهني، لا تنساه الجماعة.
السادسة : ما دام الشهود موجودين مع المتداينيين، فان رؤيتهم تذكر بموضوع الدَين، وتقرب الاجل والتهيئ لقضاء الدَين ، وكأن هناك نوع ملازمة.
السابعة : حرف الجر (من) يفيد التبعيض، فالآية دلالة قوة المسلمين وعز الاسلام، وكثرة الرجال والمؤهلين للشهادة المتصفين بالعدالة.
الثامنة : قانون تعدد اطراف الدَين وتدل الآية بالدلالة التضمنية على حسن صلة الشاهد مع الطرفين، وليس له معهما او مع احدهما عداوة، ولا منفعة يجرها لنفسه في الشهادة.
التاسعة : مجئ المضاف والمضاف اليه بصيغة الجمع (رجالكم) يدل على كون الشهود معروفين في المجتمع وليسوا من المغمورين.
العاشرة : لفظ الرجال عنوان القوة، وفيه اشارة الى قدرة الشاهد على الادلاء بالشهادة من غير خوف ووجل.
الحادية عشرة : اضافة الشهيدين الى مجموع الرجال دعوة عامة للاعانة على حفظ واداء الشهادة لعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يبقى الشاهد وحيداً في مواجهة المشاق المستحدثة واسباب التحريف والانكار والتغيير والزيادة والنقيصة.
فحفظ الشهادة وتفاصيل العقد والدَين مسؤولية الشاهد، أما حفظ الشاهد في شهادته فهي وظيفة المسلمين جميعاً، لذا افتتحت الآية بنداء التشريف العام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثانية عشرة : قيد [رِجَالِكُمْ] يخرج الكفار وغير المسلمين من الاشتراك في الشهادة حال الاختيار، وفيه نكــت ودلالات عــديدة تتعــلق بالحـالة العقائدية والاجتماعية والاخلاقية والتأديبية، ويحول دون الفتن والفرقة، وامتلاك غير المسلم وسيلة للتفريق بين المسلمين وظهور حاجتهم اليه في حل خصـوماتهم، وقد يتخذه باباً للتعريض بالإسلام بغير حق.
قوله تعالى [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ]
الآية تخفيف وتوسعة في موضوع واشخاص الشهداء ورفع للحرج، والآية تتعدى مسألة البدلية في الشهادة اذ تفتح افاقاً واسعة في باب حقوق المرأة ومنزلتها في المجتمع، وهي حجة عقائدية تدل على اكرام القرآن للمرآة ومجيئه بتثبيت اهليتها لتحمل اعباء الشهادة وقدرتها على الادلاء بها وجواز حضورها امام القاضي وسماعه وطرفي العقد لشهادتها، لان الامر لا ينحصر بتحمل الشهادة، والاداء لا يتم الا بطريقة شرعية متعارفة.
لذا ورد في احكام الفقه جواز ادلاء المرأة بالشهادة ولو من وراء حجاب او يقوم القاضي او من ينوب عنه بالذهاب الى بيتها لاخذ الشهادة منها ان كانت من ذوات الشأن والستر.
وهذه الآيــة عز للمــرأة وتحد لاولئك الذين كانوا يســتضعفونها، فبعد تحريم الوأد , وقوله تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ]( ).
جاء الاسلام ليجعل للمرأة حق الشهادة، وهذا الحق ورد من باب المثال على أهليتها للمســؤولية ومناســبة الموضــوع، وامكان الثقة بها في الشـــهادة على الامــوال والعهـد، وقدرتها على حفظ اموال الناس ومنع الخصــومة والفتن بادائها للشــهادة على وجهها.
والآية دعوة لاعطاء المرأة حقها في ميادين القضاء والشهادة وقول الحق، واعتراف بحملها لصفة العدالة والايمان، وتوقف الفصل في الدعاوى على قولها وذاكرتها، نعم الآية تقدم الرجلين على رجل وامرأتين، وهذا التقديم لا يعني الانتقال الى شــهادة المرأة عند الضرورة، بل تفيد التخفيف عنها وعدم اشغالها بمسؤوليات الشهادة، لان وظائفها داخل الاسرة ذات اجر عظيم ونفع للامة وللجماعة ولزوجها واولادها، ويستوعب الكثير من وقتها، ويستنفذ الكثير من جهدها وطاقتها، ودعاوى الديون لا تخلو من التعب والعناء والسؤال والجواب، ومع هذا فان الآية تدل على كفاية مسمى الانتقال الى رجل وامرأتين في الشهادة.
ولا يتوقف تحمل الشهادة على الاستشهاد واستدعاء من المشهود له او عليه، فاذا سمع ما تصح الشهادة به كالاقرار والعقد والايقاع، تقبل الشهادة بما سمع رجلاً كان أو امرأة، وكذا لو رأى ما تصح الشهادة به كالقتل والجناية، بمعنى ان شهادة المرأة تأتي احياناً اختيارية كما في اغلب الديون، واحياناً تأتي انطباقية وتنفرد النساء برؤية الحادث او ان البينة الشرعية لا تتم الا بشهادتها.
وتقبل شهادة الزوجة لزوجها وعليه، وكذا تقبل شهادة الزوج لزوجته وعليها مع عدم الريب وامارة جر المنفعة الشخصية، والنسب ليس مانعاً من الشهادة كالاخت لاخيها او عليه، والاب او الام لولدها او عليه، والولد لوالده، والاقوى عدم شهادة الولد على والده.
واذا توقف احقاق الحق على الشهادة، فتجب حينئذ سواء كان الشاهد رجلاً او امرأة، لذا فان صحة شهادة المرأة ارتقاء في باب الحكم والقضاء ووسيلة لاصلاح المجتمعات.
ومن القواعد الفقهية في باب الشهادات عدم قبول شهادة من غلب عليه السهو والنسيان والغفلة، ويدل الأمر بتولي المرأة للشهادة ، على حصانة جنس المرأة والفرد الغالب من النساء من النسيان والغفلة، فلو كانت اكثرية النساء ممن يغلب عليهن النسيان لما جاء عموم الجواز والاذن بشهادتهن.
ولم ترد الآية بخصوص امرأة واحدة بل امرأتين معاً على ذات الشهادة ومعهما رجل ايضاً وهو من مضامين الرأفة والتخفيف عن المرأة، مع التساوي بين الرجل والمرأة في الواجبات والحقوق الا ما خرج بالدليل، فان نسبة واحد الى اثنين بينهما وردت في الشهادة، حسب منطوق هذه الآية، ووردت في باب إرث الأبناء بقوله تعالى [لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ]( ).
وما دامت شــهادة المرأة جــائزة فهل تجــوز كتابتها لصك الدَين، وان المراد من قوله تعالى [وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ] الاعم من الرجل، وان الآية وردت بلغة التذكير للتغليب، الجــواب: نعــم لعمـــومات الادلة وعدم وجود ما يدل على حصر الكتابة بالرجل، والكتابة وان كانت لا تتقوم الا بالعدالة الا انها ليست منصباً من مناصب القضاء المحض.
علم المناسبة
الأول: ورد لفظ (رجلين) بصيغة المثنى المنصوب والمجرور أربع مرات في القرآن، والثلاثة الاخرى جاءت على نحو الدراسة المقارنة وبيان وجه الاختلاف والتناقض بين الاثنين وعلى نحو المثال، قال تعالى [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ..]( )، وقال تعالى [وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ..]( ).
وقال تعالى في قصة موسى [فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ]( ).
اما الآية محل البحث فتدل على الاتحاد والالتقاء بين رجلين في الاسلام وتضامنهما على اداء الحق وحفظه وعدم تضييعه، مما يدل على ارتقاء عقائدي واجتماعي في زمن الاسلام، وانه الشــريعة المتكــاملة قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
لذا كانت نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتمة النبوات.
كما جــاء اللفظ (رجلان) بصــيغة المثنى المــرفوع مــرة واحــدة، [قَالَ رَجُــلاَنِ مِنْ الَّذِينَ يَخَـــافُونَ أَنْعَـــمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ..] ( ).
وبالمقارنة مع الآية محل البحث، فان الخوف منتف ومرفوع في الاسلام، وبامكان الانســان تحمل الشـــهادة واداءها رجلاً كان او امرأة، وظاهـــر هذه الآية من ســـورة المائدة ان المرأة ليس لها حضور لأن الرجال أنفسهم خائفون مع قلة المؤمنين فيهم، وهذا لا يمنع من وجود مؤمنات ولكن على نحو النادر والخوف أقرب اليهن من الرجال، اما في الاسلام فقد أمر الله عز وجل بتحمل المرأة للشهادة وأذن لها بتثبيت الحقــوق العامة وأمــوال الناس واظهارها لسيماء التقوى بالصدق والعدل والانصاف، مما يعني ارتفاع الخوف عن المسلمين رجالاً او نساءً.
والآية بشارة دخول المرأة عالم الشهادة التي لا تطلب بذاتها، بل هي مقدمة لفك الخصومات ولكن هذا الدخول محدود وهو كاف للفخر والرضا.
الثاني: لم يرد اللفظ (امرأتان) بصيغة المثنى المرفوع الا في هذه الآية، وورد بصيغة المفعول به المنصوب في أبنتي شعيب [وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ]( ).
والجمع بين الآيتين يفيد العزة والرفعة للمرأة المسلمة بالقياس مع الأمم السالفة، فلم تخرج هنا المرأة المسلمة للعمل وتضطر للإختلاط الوجل مع الرجال وتحرص على اجتنابه قدر الإمكان ودفع شروره العرضية.
بل انها تتحمل الشهادة بوقار وعز وإكرام، وتعلق الأطراف الأخرى عليها المسؤولية وتثق بها في تعاهد توثيق الأموال والحقوق والذمم.
ومع ورود لفظ (الرجــل) بصيغة المفرد أربعاَ وعشــرين مرة، وبصيغة المثنى خمس مرات، وقد ورد لفظ الرجل والمرأة متقاربين في لفظ وجــملة واحـــدة في هذه الآية والتي تتضــمن بالإضافة الى جانب المجـاورة اللفظــية الإشــتراك في العمل ووحـــدة الفعل وقوامه بهما معاً.
نعم أكرم الله عز وجل المسلمات بذكرهن عشر خصال حسنة لهن في آية واحدة إلى جانب الرجل في معجزة وإكرام خاص للنساء , إذ قال تعالى [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ).

قوله تعالى [مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ]
وردت مادة (رضى) في مواضع عديدة من القرآن، وفي مواضيع مختلفة، تدل على القبول والاذن، الا انها لم ترد في باب الشهادة الا في هذه الآية، لتبين صفات الشاهد وكيفية اختياره.
وجاءت الآية بصيغة الجمع في كل من موضوع الرضا وموضوع الشهداء، فاما الاول فيدل على رضا وقبول طرفي الدَين بالشهود، وعدم كفاية قبول احدهما سواء كان صاحب الدَين او المدين.
وموضوع الآية اعم من رضا الطرفين لان شرائط الشهادة تتعلق بالحسن الذاتي للشاهد باتصافه بالعدالة وهي على وجوه :
الأول : ملكة اجتناب الكبائر.
الثاني : عدم الاصرار على الصغائر.
الثالث : ترك منافيات المروءة الدالة على عدم المبالاة في الدَين.
ولا تقبل شهادة صاحب العداوة والخصومة على عدوه، اما لوشهد له فتقبل شـهادته، الا انه في موضوع الدَين قد يشهد له باقـــل من حقه عــلى المدين.
كما لا تقبل شــهادة من يــريد دفع الضرر عن نفسه او بجر النفع للنفس بالشهادة، سواء كان النفع عيناً او منفعة او حقاً.
ومن الرضا بالشــاهد ارتفاع التهمــة والريب والظنة، لقــد اراد الله عز وجل للشهادة ان تكون وسيــلة لتثبيت الحقوق ومنع الفرقة والشقاق، فجاء القرآن بالهداية الى صفات الشاهد وما يكون عوناً على الانتفاع الامثل من موضوع الشهادة والشاهد، ويحول دون الفرقة والتشــتت الذي ينتج عن الخلاف والشــقاق في مقـــدار واجل الدَين، وما يتعلق به من التفاصيل، اما لو جاءت الشــهادة غير صحــيحة وناقصة فانها تؤدي الى الفتنة، وتسبب حالة من البغض والعزوف عن الديون.
والقرآن نزل ليضع قواعد تؤدي الى الصلاح والهدى، وتكون مادة للاجر والثواب في الآخرة، ومنها الدَين والقرض، لذا جاءت هذه الآية بوضع قيد للشاهد جامع وذو دلالات عديدة باحراز رضا أطراف الدَين به.
لأن الرضا كيفية نفسانية لا تحصل الا بالعلم والمعرفة والإحاطة بصفات الشاهد وسيرته وأمانته، وستره.
وتكون مواظبته على أداء صلاة الجماعة من اهم علامات العدالة، فتكون الشهادة وسيلة لاصلاح النفوس وتهذيب الاخلاق، لان الذي يختاره الناس للشهادة يحرص على حسن السمت والسمعة، والثبات على موازين الصلاح التي تؤهله لاحراز ثقة الناس به، ومن يثبت اهليته في واقعة وحالة من حالات الشهادة يميل الناس الى اختياره شاهداً.
وقد اختلف في جواز اخذ الشاهد للاجرة على الشهادة، وجوز الجبائي من المعتزلة اخذ الكاتب والشاهد الأجرة، والاقوى جواز اخذ الكاتب الأجرة، بخلاف الشاهد.
جهة الخطاب في (ممن ترضون)
ويحتمل الخطاب في الآية وجوهاً:
الأولى : المسلمون كافة لإبتداء الآية، بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثانية : اطراف الدَين والقرض، لتعلق أمر الشهادة بهم، فهي حفظ لمال الدائن، ومانع من الظلم والحيف على المدين.
الثالثة : اطراف الدَين بالاضافة الى الكاتب، لان الشهادة تهم الكاتب في سمعته ووثاقته وعدالته، للزوم عدم الاختلاف بين صك الدَين وقول الاشهاد.
والاصح هو الوجه الثاني الا انه لا يمنع من شمول الآية للوجه الاول والثالث اعلاه بحسب القرائن والاسباب الطارئة وادلة الاحتياط، واختيار احد الطرفين او كليهما.
وفي الآية اخبار عن عدم وجود حرج في اختيار الشهداء واشارة الى كثرة عد المؤهلين للشهادة من المسلمين، والقرآن يفسر بعضه بعضا قال تعالى [وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ] ( ) أي ان العدول كثيرون، ولاطراف الدَين اختيار اثنين منهم او رجل وامرأتين.
عدم الأجرة على الشهادة
ولعل في الآية اشارة الى عدم اخذ الشاهد للأجرة لما في الاختيار من السعة، ولان عدم الاجرة اقرب الى الرضا والاختيار مع التساوي في الصفات والاهلية للشهادة، ولعمومات قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ]( ) وما كان لله لا تؤخذ عليه إجرة، لأنه من موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولمنع دخول الاجرة في موضوع الدَين، وجر المنفعة، وحصول التهمة والريب.
وفي الآية مواساة لمن لم يتم اختياره من الشهداء، كما لو كان جماعة حاضرين مجلس العقد فاختير اثنان من بينهم.
فالآية تطرد الانكسار والغضب ممن لم يتم اختياره، لانها تخبر عن الاعتداد بشهادة أي منهم، وان الاختيار لا يعني الترجيح والتفضيل بل الترديد والسعة فالكل يرضى به الطرفان ان يكون شهيداً، والاختيار على سبيل الكفاية وليس التعيين.
فتبين الآية اكرام القرآن للمسلمين، والثقة بقدرتهم على حمل الشهادة بالحق، ومن وجوه الرضا في الآية عدم اختيار الذي يغلب عليه النسيان والشيخ الفاني، لاحتمال الحاجة الى اداء الشهادة عند حلول الاجل او فيما بعده من الزمان.
واشترطت الآية حصول الرضا عند جميع اطراف الشهادة سواء كانوا رجلين او رجلاً وامرأتين.
فلم تكتف بحصول الرضا باحدهما كي يذكر الآخر ويقوم قوله ويمنع من غفلته عن الشهادة، فلو كان احدهما كثير الغلط او النسيان، او تاركاً للمروءة فانه قد يسبب افساد الشهادة وتتعارض شهادته مع شهادة العدل الثبت فلا تتم البينة الشرعية.
قانون اليقين في الشهادة
ويعتبر في الشهادة اليقين والعلم القطعي واذا كان العلم بالمشهود عليه يستلزم الرؤية البصرية فلا يصح للسامع ان يشهد فيه، وكذا لا تصح الشهادة ان حصل العلم برياضات خاصة وما لم يكن متعارفاً، ولو غلب على الشاهد السهو او النسيان لعارض من مرض او غيره فلا يجوز الاعتماد على شهادته.
وما في الآية من الدلالة على كثرة الشهداء وامكان الاختيار من بينهم، سواء من الرجال او النساء دليل أمور :
الأول : قانون سيادة مفاهيم الصلاح والعدالة في المجتمعات الاسلامية وإن كانت الآية تدل على إفادة كفاية ظاهر الشاهد .
الثاني : تعاهد احكام الشريعة.
الثالث : قانون حفظ حقوق الناس.
الرابع : ان الدائن يريد الثواب، والشاهد يريد الثواب ايضاً ويساهم في رعاية النظام وصيانة الأموال طواعية.
فالآية لم تقل ممن يرض من الشهداء، ولم تجعل أمر الرضا والقبول عائداً للشاهد لاحتمال الوجود المتعدد لمن يرفض الشهادة، مع وجود من يتطــوع للشهادة ولكن أطراف العقد لا يرضونه، خصوصاً وان الرضا جاء بصيغة الجمع، فلو رضي أحد الطرفين بشاهد ورفضه الآخر لا يصدق عليه انه رضا، ولا تصح شهادته، الا اذا تحولت المسألة الى دعوى وثبتت عدالة الشخص وعدم وجود مانع من شهادته.
وفوضت الآية الأمر لاطراف المعاملة وهو بشارة دوام الصلاح والمروءة في المجتمعات الاسلامية، ولا مانع من تعدد مراتب الرضا وانه من الكلي المشكك، فتختار اطراف الدَين أكثرهم قبولاً ورضا ومن يتصف بمظاهر التقوى.
واذا قيل ان عدد الكتّاب قليل في ايام التنزيل، فلم يقل احد بقلة الشهود العدول في أي جيل من اجيال المسلمين مما يدل على اعجاز القرآن ومناسبته لكل الازمنة، وعدم وجود حرج في اختيار الشهود العدول القادرين على تحمل واداء الشهادة.
ومن مصاديق صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وترجمة أول آية نزلت من القرآن [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ).
ترجمة عملية أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم خيّر الأسرى السبعين من المشركين في معركة بدر بأن الذي يعلم عشرة من صبيان المدينة القرآن والكتابة يفك ويطلق من الأسر إلى جانب فداء شطر منهم بالمال باربعة آلاف درهم .
و(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال كَانَ نَاسٌ مِنْ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ قَالَ فَجَاءَ يَوْمًا غُلَامٌ يَبْكِي إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ مَا شَأْنُكَ قَالَ ضَرَبَنِي مُعَلِّمِي قَالَ الْخَبِيثُ يَطْلُبُ بِذَحْلِ بَدْرٍ وَاللَّهِ لَا تَأْتِيهِ أَبَدًا)( ).
لبيان عدم مؤاخذة الأسير بعد تعديه بضرب التلميذ إنما اكتفى الأب الأنصاري بمنع ابنه من الذهاب إلى درس الأسير.
ولم يرد لفظ (ترضون) في القرآن الا في هذه الآية، والرضا في المقام عنوان السكينة والطمأنينة، ويدل على موضوعية الشهادة وحرص جميع الأطراف على أهلية الشهود وتحمل أمانة الشهادة، فكأن كل طرف يجعل رهناً ووديعة عند الشاهد.
وتدل الآية بالدلالة الإلتزامية على نفي التشديد على النفس في اختيار الشهداء ووضع القيود المتكثرة لمفهوم العدالة والأهلية للشهادة، لما في الآية من الإخبار عن كثرة الشهود والإختيار من غير ان تصل النوبة الى الحرج والشدة، ويكفي حسن الظاهر، وجاء الرضا بصفة الشهادة والقدرة عليها، لأن الشهادة أمانة ومسؤولية تستلزم الإيمان والصدق والقدرة على الحفظ والضــبط وفق المتعارف وبما يصون الحقوق، نعم يكون التقيد بالعبادات أمارة على العدالة والخشيته من الله تعالى.
قوله تعالى [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى]
يقال ضل الشئ اذا ضاع، واذا أخطأت موضع الشئ الثابت كالدار تقول ضللته وأضللته، واضله: اضاعه واهلكه، والضلالة ضد الهدى والرشاد.
والمراد من الآية وجوه:
الأولى : تنسى احداهما فتذكرها الاخرى.
الثانية : تخطأ احداهما في المقدار او اوصاف القرض فتذكرها الاخرى.
الثالثة : حصول اشتباه وتردد عند احداهما.
الرابعة : غياب مقدار الدَين او موضوعه واشخاصه عن حافظة احداهما فتذكرها الاخرى.
يقال ضل الناسي: إذا غاب عنه حفظه.
والتذكير بان تقوم الشاهدة الاخرى باخبار الناسية منهما بوقائع الدَين واوصاف الدائن والمدين باللغة والصيغ المتعارفة بين النساء، كما لو ذكرتها بشواهد خاصة تنتبه لها النساء أو أوصافه بالواسطة باستحضار اسم أمه او اخته، او حديث جرى بين النساء في حينه، وشــواهد وأمــور لها تأثيــر في ذاكــرة المرأة ولو كانت متعلقة بالرجال والتجارة والكسب، فقد تنظر المرأة الى اثر صـفقة البيع والدَين على المنزل والاسرة، فيرسخ في ذهنها من هذه الجهة.
ففي الآية اشارة الى خصوصيات معاشر النساء، وطرق تفكيرهن وهي عون في تحمل الشهادة واستحضارها عند الأداء ولزوم احترامها، وعدم الاستخفاف بها، لانها وسيلة اضافية للتوثيق والضبط، او يحمل الضياع هنا على الشهادة أي تضل احدى الشاهدتين ، والمراد من الذكر في الآية:
الأول : استحضار ما غاب عن الذهن، ضد النسيان.
الثاني : ذهب من خالف المشهور أنه من الذكر أي يجعلها كَذَكَرِ من الرجال، وبه قال سفيان بن عيينة( )، وهو بعيد وخلاف الظاهر ، وفي التنزيل في قصة أم مريم [قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ]( ).
قانون شهادة المرأة إكرام
وقد يبدو في الآية نوع انتقاص من المرأة، لان الاثنين من النساء بدل رجل واحد، وان موضوع النسيان يطرأ هنا على المرأة دون الرجل ولكنها شبهة بدوية تزول بادنى تحقيق.
ففي الآية مسائل :
الأولى : آية الدَين وموضوع شهادة المرأة رحمة به .
الثانية : في الآية مدح وثناء على المرأة .
الثالثة : تثبت أهلية المرأة للشهادة .
الرابعة : قانون امتلاك المرأة صفة العدالة وقدرتها على الانصاف .
الخامسة : قانون قيام المرأة بالمعروف ، وتعاهد الحقوق والنهي عن المنكر ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
السادسة : صبر وسعي المرأة في المنع من الفتن ، ومن التعدي على حقوق الناس .
السابعة : قانون شهادة امرأتين واسطة شرعية لحفظ الحقوق وضبط الآجال.
الثامنة : قانون تجلي مصاديق تكليف المرأة في العبادات والمعاملات الا ما خرج بالدليل أو جاء الدليل بالتقييد في أحداهما كما في آية البحث ، إذ جعلت شهادة امرأتين كشهادة رجل واحد مع التساوي بشرط العدالة وهو ثناء على المرأة ، ومنع من إمتناعها أو حجبها عن الأمور العامة.
واشتراط امرأتين بدل رجل واحد لا يغير من الأصل الذي تؤكده الآية وهو الوثوق بقولها وعدالتها.
والا فان الاشكال نفسه ولكن بمرتبة ادنى يرد بالنسبة للرجل ، فالآية لم تكتف بشاهد واحد بل نزلت بشاهدين عدلين ، نعم بلحاظ البدلية عن الرجل يظهر التباين النسبي في العدد، ولابد له من أسباب منها:
الأولى : الاختلاف في الخلقة والبنية والقدرات بين الرجل والمرأة.
الثانية : التباين في الأولويات والأعمال، فالمرأة مشغولة باعداد الاطفال وشؤون الاسرة، ولم تتفرغ لامور السوق ومتابعة المعاملات.
ومع هذا أبى الله عز وجل لها أن تغيب عن عالم المعاملات , وما فيها من الصلاح والأجر والثواب وليكون معنى (الأمة) في قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ) أي أمة من الرجال والنساء.
الثالثة : ذكر النسيان وتذكير احداهما للأخرى ليس علة تامة للتعدد، ولكن جاء من باب أحد الموجبات والأسباب.
الرابعة : التخفيف عن المرأة بالتعدد في الشهادة الذي يعني التعضيد والإشتراك , وهو من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ]( ).
فصحيح أن الآية أعلاه وردت بخصوص الصيام والرخصة بالإفطار لغير القادر على الصيام كالشيخ والهرم والعجوز.
إلا أنها قانون من الإرادة التكوينية ليكون التخفيف في المقام على وجوه:
الأول : قانون الشهادة على الدَين ضبط له .
الثاني : إشتراك النساء بالشهادة من قاعدة نفي الحرج في الدَين.
الثالث : التخفيف عن النساء في الشهادة بالبدلية , وبجعل شهادة امرأتين عن رجل واحد .
الرابع : قانون تفقه النساء في الدَين بتحمل أداء الشهادة في الديون وغيرها .

قانون التخفيف في الشهادة
النسيان في المقام على صورتين:
الأولى: طرو النسيان على طباع النساء لكثرة الرطوبة في أمزجتهن , والإنشغال اليومي الجاد بوظائف الأسرة وغيرها.
الثانية: لم يطرأ النسيان بسبب نقص في قدرة المرأة العقلية بما تتخلف به كثيراً عن الرجل وكل انسان لا يولي موضوعاً ما عناية خاصة فان النسيان يطرأ عليه على نحو السالبة الكلية او الجزئية، ولا فرق فيه بين الرجل والمرأة، واثانية هي الأصح.
فالغالب على المرأة عدم التفاتها لشؤون التجارة لانشغالها بما هو اولى من اعمال البيت وتربيته الاولاد، وقد يقال ان الموضوع تغير في هذه الازمنة، واصبحت المرأة تشارك الرجل في السياسة والاقتصاد وميادين العمل، وقد تجد في اسرة واحدة حصول البنات على شهادات دراسية عالية ويتبوءن مناصب رفيعة واخوانهن الذكور متخلفين في الدراسة او غادروا مقاعدها مبكرين بسب لقمة العيش والكسب ونحوه.
فكيف لا تقبل شهادة الواحدة منهن بدلاً عن واحد من هؤلاء الاخوة.
ومثل هذا السؤال قد يكون مسألة ابتلائية تتعلق بالمصاديق وليس في أصل التشريع فلابد من التعرض اليه، من وجوه:
الأولى : من اعجاز القرآن انه يتحدى التحريف , ويؤكد تكامل احكامه، فالآية ناظــرة الى جنس المرأة عـلى نحو الاطلاق خلقة وهيئة وشأناً.
الثانية : تغشي احكام القرآن لافراد الزمان الطولية وامتداد والامكنة وتعدد الامصار.
الثالثة : أحكام القرآن مطلقة وشاملة وتلحظ الفرد الغالب، وليس الحالات الخاصة في بعض الأسر أو مسألة الشهادة، ومستلزمات الشهادة تحملاً واداءً أعم من التحصيل الدراسي، ولا ملازمة بينهما.
الرابعة : المدار على عدم تضييع الحقوق والديون , ومنع اللبس والحيلولة دون حصول الفتنة.
الخامسة : (في الحديث إن الله يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه)( ) وشهادة المرأتين هنا من العزائم وليس من الرخص، فما يحبه الله ويرضاه ان يعمل بنص الآية الكريمة .
ويتجنب المسلمون والمسلمات التحريف والتغيير فالمخالفة ليست من الاجتهاد في مقابل النص فقط ، بل من التجرأ والتحريف وهي محرمة شرعاً وعقلاً , وفي ذم قوم قال تعالى [يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ]( ).
السادسة : الآية تخفيف عن المرأة كما ان شهادة رجلين بدل رجل واحد، تخفيف عن الرجل وناظرة الى ضعفه، فكذا بالنسـبة لشهادة امرأتين الا ان التخفيف بالنسبة للمرأة اكثر منه للرجل.
فالآية دعوة للنساء للشكر لله تعالى على نعمة التخفيف مع اثبات الثقة بهن وبعدالتهن واحرازهن للثواب بدرجة الرجل، فالمرأة تشاطر صاحبتها في الشهادة، ولكن كلاً منهما لها ثواب مستقل في باب الشهادة لا تشاركها فيه الاخرى لاحتسابها عند الله شاهداً مستقلاً.
السابعة : جاء التذكير في الآية من باب الفرد الاهم في المقام، ولكنه ليس علة تامة للتعدد في الشهادة فالاصل فيه الرخصة والتخفيف، والدعوة للمرأة للجهاد في حسن التبعل وقلة الصلة مع ميادين التجارة والديون والاسواق وما فيها من الافتتان والعناء.
الثامنة : التعدد احتراز من سخط الرجال على النساء ، ولو اخطأت احداهما واصابها النسيان ولا تخذه بعضهم نكاية بمعاشر النساء، واسمع زوجته واخته كلاماً لا يخلو من الاستضعاف، وتكون تلك الحادثة سبباً للإعراض عن أقوالهن في كثير من المسائل.
التاسعة : لم يعترض احد على التخفيف في الصلاة عند السفر واسقاط ركعتين من الصلاة الرباعية ، قال تعالى [إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا]( ).
مع ان السفر في هذا الزمان بوسائل نقل مريحة وسريعة، ويقطع المكلف المسافة الشرعية بدقائق معدودات، ومع هذا يؤدي الصــلاة قصــراً ويفطـر اذا كان صائماً، لان التقصير في الصلاة هنا هبة ورحمة وعلى العباد أن يقبلوها.
علة التذكير
قال تعالى في آية البحث[فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى]( )يرد حكم شرعي، ويأمر الله عز وجل بالعمل به، فيجب ان يحذر الرجال والنساء من محاولة التحريف بالرجوع الى حكم العقل والظاهر، لان الله عز وجل[ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( ) ومن أدب العبودية ان نتلقى الحكم بالامتثال والانصياع، وقد وردت آيات عديدة تحذر من التعدي على حدود الله، قال تعالى [وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ..]( ) أي ان احكام الشريعة ثابتة وباقية، والمخالفة لا تكون الا شخصية ولا ترجع بالضرر الا على صاحبها رجلاً كان او امرأة أو مؤسسة او نظام , فجاء التذكير في الآية مدداً وعوناًَ , وبرزخاً دون المخالفة.
وقد بينا في كتب الفقه باب الطهارة ان المرأة تختص بثلاثة أغسال واجبة وهي:
الأول : غسل الحيض.
الثاني : غسل النفاس.
الثالث : غسل الإستحاضة الكثيرة والمتوسطة، مما يدل على تشريفها وأهليتها لتعاهد الطهارة وهذا الإختصاص والإنفراد باب للإعتزاز والوقار والأجر والثواب.
والمراد من التذكير ما هو اعم من الديون وتفاصيلها، وهو دعوة للعمل بمضامين الصلاح والعدل، وتذكير بالحساب وعالم الآخرة، فيكون التعدد في الشهادة مدرسة وموعظة للمرأة، وتكون شهادتها على الدَين مناسبة لترسيخ مفاهيم التقوى في نفسها، وتنمية لملكة العدالة عندها.
وعلة التذكير في النساء يمكن ان ترد في موضوع الرجال ايضاً، وان البينة بشاهدين لاحتمال ان ينسى احدهما فيذكره الآخر، أما اجتماع المرأة مع الرجل في الشهادة، فاكثر الاحيان تكون المرأة اجنبية عن الشاهد الآخر ولا يلتقيان بين الحين والآخر، ويذكر احدهما الآخر، مما قد يؤدي الى نسيان المرأة، ولكن هذا القول منا يرد عليه اشكال بشهادة امرأتين يبقى رجل واحد شاهداً فقد ينسى او يلهو عن الشهادة، والجواب ان وجود امرأتين مع الرجل في الشهادة اقرب اليه في التذكير، واثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فان ذكر طرو النسيان على المرأة لا يمنع من طروه ايضاً على الرجل، كما ان الآية تمدح النساء، فلم تذكر النسيان الا لاحداهما، على نحو الحصر، لقانون لا تجتمع المرأتان على نسيان الشهادة.
وهذا لا يمنع من القول بان المرأة اكثر عرضة للنسيان سواء للعاطفة وغلبة الرطوبة في المزاج او لإنشغالها بامور ذات أهمية في حياتها وشــؤونها الخاصـــة وهو الأرجــح، كما ان البدلية في الشــهادة تجعــلها لا تحتل الاولوية في الاهتــمام والعناية بما يعرقل عملها في المنزل والأسرة.
تكرار (احداهما) في الآية
جاءت الآية بتكرار احداهما، وفيه وجوه:
الأول: المراد احدى الامرأتين في كلا اللفظين.
الثاني: المراد من (احداهما) الأولى هي احدى الشهادتين، اما المراد من الثانية فهي احدى الامرأتين، أي تضل وتضيع احدى الشهادتين، فتقوم احدى الامرأتين بتذكير الأخرى بها وبتفاصيلها.
ولكن هذا المعنى فرع الاول ويحمل الكلام على ظاهره، ولم تأت الآية بلفظ النسيان فان الانسان عرضة للسهو والنسيان، وفي آدم ورد قوله تعالى [فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا]( ).
وقد تحقق النسيان عند آدم بقوله تعالى[فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا]( ) لبيان عجز ذاكرة الإنسان عن الإحاطة بكل الأمور.
أما آية البحث فقد ذكرت نسيان المرأة على نحو الإحتمال للحرف المصدري في قوله تعالى [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى]( ).
معنى أن تضل احداهما
وجاءت الآية بلفظ (تضل) وهو اعم من النسيان، وقد يشمل النكول او الخلط والاشتباه او الطمع والانحياز فتقوم المرأة الاخرى بتذكيرها واعادتها الى رشدها، وهو جزء من فلسفة شهادة رجلين.
فالمنتديات والاسواق والصلات الاجتماعية مناسبة لتذكير الرجل وحرصه على قول الحق واجتناب الباطل، ففي الغالب تكون في البيت تدير شؤونه فتحتاج من يذكرها بالحق والعدل والانصاف ويزجرها عن الباطل وشهادة الزور.
ولذا يكون معنى التذكير اعم من مقدار الدَين، فهو تذكير بالآخرة والحساب ولزوم اجتناب الحرام وتعمد الخطأ والخداع.
والتذكير في الآية يتعدى موضوع الديون ومقاديرها واشخاصها، وهذا التأويل يبين جانباًَ من فلسفة تعدد النساء في الشهادة، فليس من المناسب الانشغال بالتباين في العدد، وبدلية امرأتين عن رجل واحد، وليس امرأة واحدة في مقابل رجل واحد.
بل الآية اعم في موضوعها ودلالاتها وهي اصلاح للنفوس، ودعوة للمرأة للشكر لله لتفضله بتخفيف اعباء الشهادة عنها، كما اسقط الله عز وجل عنها الجهاد، واتخاذ هذه الآية مناسبة لتنظيم احكام الأسرة، ومنازل المرأة في المجتمع والكيانات الاخرى وفق نظرية الوسط الاسلامية، وبعيداً عن الغبن او التعدي.
قانون الإعجاز الغيري لمفهوم الآية
هل تبعث الآية الشهود رجالاً ونساءً على الإحتراز من النسيان , الجواب نعم , وهو من الإعجاز الغيري لمفهوم الآية وهذا الإصطلاح مستحدث هنا , ليكون الإعجاز في آية القرآن على وجوه :
الأول : الإعجاز الذاتي لمنطوق الآية.
الثاني : الإعجاز الغيري لمنطوق الآية.
الثالث : الإعجاز الذاتي لمفهوم الآية.
الرابع : الإعجاز الغيري لمفهوم الآية.
ولو تعارض الوجه الثاني والرابع أعلاه في مصداق واقعي , يقدم الإعجاز الغيري لمنطوق الآية لأنه الأصل .
وتكون الشهادة امتحاناً للانسان في عدالته وأمانته ووثاقته وصدقه وذاكرته وانصافه ومقاومة الاهواء، ومحاولات الزلل والانحراف، فهي جهاد ضد النفس الشهوية والغضبية واغواء الشيطان وفي قصة يوسف عليه السلام قال تعالى [وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا]( ).
إعجاز التخفيف في الآية
لقد تفضل الله سبحانه بالتخفيف في الآية، وهو مركب من وجهين:
الاول: التخفيف عن الرجال بجعل البينة من شاهدين، وليس شاهداً واحداً ليكون التعدد مانعاً من التجرأ والتعدي.
الثاني: التخفيف عن النساء بشهادة امرأتين بدل رجل واحد، فكل من الرجل والمرأة ينتفع من وجهي التخفيف اعلاه على نحو الاستقلال والتعدد:
الأولى : ينتفع الرجل من التعدد في البينة وانها من رجلين.
الثانية : يستفيد الرجل من وجود امرأتين، وقد تكون احداهما واسطة بينه وبين الثانية للتذكير بالشهادة وقد لا يحتاج كل منهم الآخر، حتى يوم الأداء لأن طرو النسيان على سبيل الإحتمال وليس القطع والغاية منه ليس ذات المرأة كشاهد، بل هو احتياط لضبط الديون وحفظ الحقوق مع صيانة المرأة باختيارها شاهداً وباعانتها على طرو النسيان.
الثالثة : تنتفع المرأة من وجود شاهد من الرجال معها.
الرابعة : وجود امرأة معها في الشهادة عون على اتقان وحفظ الشهادة وهو المطلوب.
وكل هذه الوجوه من الرحمة والتخفيف والاسباب التي تؤدي الى ضمان الدَين ولكنها تعمل مجتمعة ومتفرقة على اصلاح المجتمعات الاسلامية، والارتقاء بها، واكرام المرأة والتنبيه على اهليتها لمسؤوليات الامانة.
ولم تقل الآية ان تضل احداهما فتذكرها الآخرى وان وردت هذه القراءة عن ابن مسعود، برواية الاعمش ( ) (وقال الطبرسي ولو قال فتذكرها الاخرى)، لكان قد فصل بين الفعل والفاعل بالمفعول وذلك مكروه) ( ).
ولكن لا كراهة فيه بل هو الانسب، وهو من البلاغة والبيان بلحاظ الجملة التي سبقته والاكتفاء بالضمير العائد للتي ضلت.
دلالات تكرار (إحداهما)
لقد نزلت الآية بتكرار (احداهما) (ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى) وله دلالات عقائدية عديدة، وهو دعوة للبحث والاستنباط، وهذا من كنوز القرآن وذخائره الكامنة بين ثنايا كلماته، والمضامين الملكوتية للمعاني البلاغية للفظ القرآني، ومن تلك الدلالات:
الأولى : لا ينحصر التذكير بموضوع الدَين، وتذكير الشاهدة الحافظة له للتي تنساه، بل ان التذكير يتعلق بالاصلاح، فتقوم كل واحدة منهما بتذكير الاخرى، وحثها على الضبط والتثبيت والتأكد , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ) .
الثانية : التذكير بالآخرة والاعداد لها سواء حصل نسيان او لم يحصل، فان لم تنسَ احداهما، وكل واحدة منهما تعرف الدَين، وترجع الى ما كتبه الكاتب والوثائق التي تتضمن ختمها وشهادتها، فان التذكير لا يسقط لان موضوعه اعم.
ولهذا تبقى الآية وموضوعها حية متجددة.
الثالثة : يحتمل تكرار (احداهما) ان التي تضل نفسها تقوم بتذكير الاخرى بوجوه:
الأول : قانون لزوم حفظ الأمانة وصيانة العهد.
الثاني : التذكير بالحساب والعقاب.
الثالث : ان تسألها عن مقدار وتفاصيل الدَين، فيكون هذا السؤال تذكيراً للأولى والثانية معاً.
الرابع : قد تنسى الأولى شطراً من تفاصيل العقد، ولكنها تذكر الاخرى بالشطر الآخر منه.
وتذكرها الأخرى بالشطر الذي ضيعته فيكون التذكير متبادلاً، لذا جاءت الآية بالتنكير وعدم توجه التذكير للتي ضلت حصراً، وهذا من اعجاز القرآن وتعدد مفاهيم اللفظ القرآني، واشراقات معانيه وعلومه التي تكتشف مع تعاقب الايام، وما لم يصل اليه علم التفسير والتأويل الى الآن اكثر مما تم معرفته وبيانه.
(الثاني : كل شطر من آية من آيات القرآن معجزة ، وقد أنعم الله علينا بصدور أجزاء من هذا السِفر بخصوص الصلة بين شطرين من آيتين وهي :
أولاً : الجزء الثاني والعشرون بعد المائة ، وهو القسم الأول من تفسير 153 ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطر من الآية 151 من سورة آل عمران.
ثانياً : الجزء الخامس والعشرون بعد المائة ويختص بالقسم الأول من تفسير الآية 154 من سورة آل عمران ويختص بصلة شطر من هذه الآية بشطر من الآية 153.
ثالثاً : الجزء الرابع والأربعون بعد المائة ويختص بصلة شطر من الآية 161 بشطر من 164 من سورة آل عمران.)( ).
وتبين الآية جواز تذكير الشهود بعضهم لبعضهم الآخر، وعدم الضير فيه، فلولا هذه الآية لاصبح عيباً على الشاهد ان يسأل الشاهد الآخر التذكير واستحضار مقدار وتفاصيل الدَين، ولاستحت المرأة من سؤال الشاهدة والشاهد الآخر عن موضوع الشهادة وتفاصيله، فجاءت هذه الآية تخفيفاً ورحمة ونفياً للحرج، كما انها تمنع من الاصرار والعناد على الرأي اذا كان خطأ وجنفاً عن الصواب.
ولم يرد لفظ (تضل) بصيغة التأنيث الا في هذه الآية الكريمة، سواء كان بلغة الماضي أو المضارع، وورد قوله تعالى [قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى]( ).
ولا يضل ربي: أي لا يفوته ولا يغيب عنه شئ.
والآية تدل على التغاير بين فوات الشئ ونسيانه، ولكن قوله تعالى (تضل احداهما) يدخل معه النسيان لوروده منفرداً ولقرينة (تذكر) وتعلقه بالشهادة وأدائها.
علم المناسبة
ورد لفظ (احداهما) في القرآن خمس مرات مرتين في هذه الآية، واثنتين في ابنتي شعيب، قال تعالى [فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ] ( )، وقال تعالى [قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ]( )، وواحدة تتعلق بفئة باغية , قال تعالى [فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى]( ).
والدراسة المقارنة تبين حال التي عليها المرأة المسلمة، فانها تتبادل مع أختها المؤمنة موضوع الشهادة وتعاهدها ولزوم حفظها، وهذا التبادل يدل على الصلاح والتقوى، لأن الآية تدل على الإسـتجابة والتأييد، عند تذكير الأخرى، ولم ترم المسلمة بالجحود وشهادة الزور، كما أنها تنفي عنها حد العناد والإصرار على الضلالة والخطأ، او أن النسيان يسبب عندها تحريفاً لتفاصيل الدَين لا تستمع معه الى تذكير الأخرى، بل ان الآية تدل بالدلالة التضمنية على أن مجرد التذكير ينفع في استقامة حال الشهادة عند الأخرى، بحيث لا يحصل ضرر او شر او تناقض في الشهادة.
ومع ان إبنتي شعيب من بنات الأنبياء ولهن درجة من الفضيلة والكرامة والرفعة بهذا النسب الشريف، فان المسلمة تنال الشرف باعتناق الإسلام وتتحمل الشهادة من غير استحياء، بل بمضامين العز والوقار.
ولم يرد لفظ (تذكّر) بالمضارع والتأنيث الا في هذه الآية، وقد ورد (ذكّر) بصيغة المذكر، خطاباً وامراً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم للتذكير بالآخرة والإنذار من العقاب، ولزوم أخذ الحائطة للدين.
وتذكير احدى الشاهدتين للأخرى يتعلق بشؤون الآخرة والحساب، واجتناب الضلالة والإضرار بالآخرين.
لقد ورد لفظ (احدكما) في قصة يوسف عليه السلام , وسنة آل فرعون إذ قال يوسف لصاحبيه في السجن كما في التنزيل (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا)( ).
أما في الإسلام فذكرت الاثنتان من النساء بموضوع الشهادة والعدالة وضبط المعاملات مما هو أعم من الديون بما يحقق السلم المجتمعي .
لتكون آية البحث من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
لقد اراد الله عز وجل لمدرسة الشهادة على الدَين والقرض ونحوه وجوهاً :
الأول : إنها ضابطة شرعية قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
الثاني : فيها إصلاح أخلاقي .
الثالث : إنها واقية من الظلم والتعدي .
الرابع : قانون تحمل الشهادة لتنمية ملكة الحفظ عند الشهود .
الخامس : إكرام الشهود رجالاً كانوا أو نساءً .
السادس : جعل شأنية للمرأة في المعاملات .
السابع : بيان قانون لزوم العناية بالمرأة .
الثامن : إنصاف المرأة في المجتمع , لأن شهادة مطلوبة لذاتها وتترتب عليها آثار مباركة .
التاسع : قانون الشهادة للحفظ للمرأة للتحلي بالتقوى لباساً وزينة وعملاً .
لذا ذكرت الآية التقوى بصيغة الجملة الخبرية [وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ]( ) بصيغة الجملة الإنشائية [وَاتَّقُوا اللَّهَ]( ).
ويتوجه الأمر إلى الشاهدة (اتَّقِ اللَّهَ) ثم جاءت الآية التالية بتأكيد التقوى في حفظ الأمانة والإخبار الصادق عنها وبمن يملكها , وأوصافها وإيصالها إلى صاحبها , بقوله تعالى [فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ]( ).
لبيان موضوعية الشهادة وأدائها , وقانون حرمة كتمان الشهادة .
العاشر : قانون الشهادة شاهد على الحاجة للمرأة فيما يتعدى شؤون المنزل، وسلاح متقدم ضد أهل الضلالة والشرك وتنبيهاً للمرأة لمعرفة حقوقها ومنزلتها في المجتمع والقضاء مع عدم تعديها ومطالبتها بأكثر مما تستحق، وادراك حقيقة وهي إرادة التخفيف عنها في الأحكام مع المحافظة على شأنها وعدم اسقاط مالها من الحقوق.
بحث تأريـخي (في المرأة)
المرأة مفرد المرء، وليس للفظ (المرأة) جمع وتجمع على النساء وهو جمع كثرة، وجمع القلة نسوة وبخصوص قصة يوسف عليه السلام ، قال تعالى [وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امرأة الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ]( ).
وبين المرأة والمسلمة عموم وخصوص مطلق، فكل مسلمة هي امرأة وليس العكس، وذات النسبة بين المسلمة والمؤمنة، فكل مؤمنة هي مسلمة وليس العكس.
ولم تذكر الآية المرأتين على نحو الاطلاق لأن التقييد بالاسلام متقدم ولاحق لذكرهما، وقيد [مِنْ رِجَالِكُمْ] يفيد الحصر بالمرأة المسلمة، بالاضافة الى القيد اللاحق[مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ]، ولم تقل الآية (من نسائكم) لأن شهادة المرأة هنا بعرض واحد مع شهادة الرجل، وهو نوع إكرام لها.
ويشمل الخطاب في الآية كل امرأة، فحالما تصل الفتاة سن البلوغ تستطيع ان تتحمل مسؤولية الشهادة وهو نوع تكريم آخر بالاضافة الى اكرامها بمسؤوليات الزواج والأسرة وإعداد الأولاد.
وأخرج البيهقى عن اسماء بنت يزيد الانصارية انها أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين أصحابه فقالت بابي أنت وأمي اني وافدة النساء اليك واعلم نفسي لك الفداء انه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا الا وهي على مثل رأيى
ان الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبالهك الذى أرسلك وانا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم .
وانكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة( ) والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله .
وان الرجل منكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مرابطا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم وربينا لكم أموالكم فما نشارككم في الاجر يا رسول الله.
فالتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه.
فقالوا يا رسول الله ما ظننا ان امرأة تهتدي إلى مثل هذا.
فالتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها ثم قال لها انصرفي أيتها المرأة واعلمي من خلفك من النساء ان حسن تبعل احداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله فادبرت المرأة وهى تهلل وتكبر استبشارا” ( ).
ويبين الحديث ان المرأة تستطيع ان تصل الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مجلسه بين أصحابه، وأن تذكر رأيها وتصـرح بما يدور في خلدها، وينصت لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويناقش مع اصحابه مقولتها، في دعوة للاســتماع للمــرأة واحـترام قولها، وطلبها المساواة في الأجر والثواب، الذي هو تحريض للرجال في منازل التقوى.
ويدل الحديث في مفهومه على تسليم النساء أيام التنزيل بأحكام الأرض , وقوله تعالى [يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ]( ).
والعناية بشــؤون المنزل يدل على الاختصــاص، وقد ظـــهرت في هذا الزمان الاختصــاصات في الدراســة والوظـــائف، وانشطرت العلوم.
فالقسمة في الأعمال في الاسلام بين الرجل والمرأة تدل على وضع نظام اجتماعي ثابت يســاهم في :
الأول : تثبيت دعائم الاسلام.
الثاني : قانون توثيق أواصـــر الأسرة وجعلها نواة سليمة للمجتمعات الاسلامية.
الثالث : قانون صيرورة الأسرة رافداً لأجيال المؤمنين.
الرابع : قانون تماسك الأسرة في زمن الثورة المعلوماتية وتداخل الحضارات والذكاء الصناعي .
الخامس : الأسرة المسلمة وسيلة مباركة لاطلاع الأمم على المنهج الصحيح في الاجتماع والسياسة.
تجلي مصاديق التقوى في أنظمة الأسرة المسلمة , ومنها بر الوالدَين وإكرام الصغير للكبير , وعطف الكبير على الصغير ومن معاني قوله تعالى [َاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا]( ).
أي يردهم بأداء الفرائض العبادية وسنن التقوى وفعل الخير , والإمتناع عن المعاصي .
و (عن ابن عباس قال : لما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً }( ) تلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه ذات ليلة ، فخر فتى مغشياً عليه ، فوضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده على فؤاده ، فإذا هو يتحرك ، فقال : يا فتى .
قل لا إله إلا الله . فقالها . فبشره بالجنة . فقال أصحابه : يا رسول الله ، أمن بيننا؟
قال : أما سمعتم قوله تعالى { ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}( ))( ).
لقد جاء الاسلام في زمن حضارات وأمم ظالمة للمرأة متعدية على حقوقها، فكان القانون الروماني واليوناني لا يجعلان للمرأة حقاً في الميراث، ويمنعانها من الشكوى كما قيل.
قانون إنقاذ المرأة بالبعثة النبوية
معاناة المرأة في الجزيرة العربية معروفة وتبدأ معها من صغرها.
وكانت بعض الأمم تحسب المرأة نجســة مدة الحيض، فجاء الاسلام وأخذ بيدها نحو الرفعة والكرامة، ويمنع من اعادتها الى منازل البؤس، ويحول ايضاً دون تعديها واســتحـواذها على ما ليس لها، ومن منازل الكرامة تحملها الشهادة والأخذ بقولها خصوصاً وان الشهادة تأديب للانسان ودعوة عملية له لمنع التجاوز على حقوق الآخرين.
ولقد بدأت الدعوة الاسلامية بإيمان المرأة بالنبوة، وما بذلته خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اموالها في سبيل نشر الاسلام أمر يعرفه كل مسلم ومسلمة، بالاضافة الى جهادها وبيت النبوة وتلقيهم الأذى في شعب أبي طالب.
مع أن خديجة ليست من بني هاشم , ولكنها عانت من الحصار الإقتصادي والإجتماعي والسياسي الذي فرضته قريش لثلاث سنوات عليهم .
كما أن أول شهيد في الإسلام هي امرأة وهي سمية بنت خياط إذ كان بنو محزوم يعذبون عمار بن ياسر وأمه سمية وأباه وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يمر عليهم وهم تحت التعذيب فلا يستطيع صرفه عنهم فيقول لهم (صبراً آل ياسر فان موعدكم الجنة).
و(سمية بنت خباط بمعجمة مضمومة وموحدة ثقيلة ويقال بمثناة تحتانية وعند الفاكهي سمية بنت خبط بفتح أوله بغير ألف مولاة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم والدة عمار بن ياسر كانت سابعة سبعة في الإسلام عذبها أبو جهل وطعنها في قبلها فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام.
وكان ياسر حليفاً لأبي حذيفة فزوجه سمية فولدت عماراً فأعتقه وكان ياسر وزوجته وولده منها ممن سبق إلى الإسلام)( ).
لقد بدأ الوأد عند بني تميم بعد حدوث معركة بينهم وبين النعمان بن المنذر وقيامه بأخذ بناتهم ، فجاء الإسلام بتحريمه وأعز وأكرم المرأة في العبادات والمعاملات والتكاليف.
ومنهم من يؤاخذ الإسلام على مسألة ضرب النساء، ولكن الإسلام لم يأمر بضرب المرأة بل أمر باكرامها، وهناك نصوص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنهى عن ضرب المرأة.
قانون مسمى الضرب لعلة طارئة
ورد مسمى الضرب في قوله تعالى [وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ]( )، وفيه مسائل:
الأولى : النشوز هو الاستعصاء وبغض الزوج، وهو عنوان ينطبق على الزوج ايضاً اذا ضرب الزوجة بغير حق أو ضربها ضرباً مبرحاً , قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ]( ) او جفاها، قال تعالى [وَإِنْ امرأة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا]( ).
الثانية : قيدت الآية الضرب بخصـوص النشوز، وانه لا يأتي الا بعد مرتبتين وهما:
أولاَ : قانون الموعظة والإرشاد عند النشوز.
ثانياَ : قانون الهجر في الفراش مع المبيت معها في ذات السرير عند عدم العدول عن النشوز بالموعظة.
الثالثة : وردت النصوص ببيان مقدار وكيفية وآلة الضرب، وانه ضرب بالسواك، أي مسمى الضرب وصرف الطبيعة وليس ما يترك أثراً او يسبب ألماً.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : (لا ينبغي للرجل أن يمتنع من جماع المرأة فيضاربها إذا كان لها ولد مرضع ويقول لها: لا أقربك فاني أخاف عليك الحبل فتغيل ولدي، وكذلك المرأة لا يحل لها أن تمتنع على الرجل
فتقول:أنا أخاف أن أحبل فاغيل ولدي، فهذه المضارة في الجماع على الرجل والمرأة .
ضا: وأما النشوز فقد يكون من الرجل ويكون من المرأة، فأما الذي من الرجل فهو يريد طلاقها فتقول له: أمسكني ولك ما عليك وقد وهبت ليلتي لك ويصطلحان على هذا، فإذا نشزت المرأة كنشوز الرجل فهو الخلع إذا كان من المرأة وحدها فهو أن لا تطيعه وهو ما قال الله تبارك وتعالى: ” واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن “( ) فالهجر أن يحول إليها ظهره في المضجع، والضرب بالسواك وشبهه ضربا رفيقا)( ).
الرابعة : المؤمنات خارجات بالتخصص من موضوع الضـرب بدليل الآية أعلاه نفسها، فقد ورد فيها [فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ]( ).
فكأن الآية تجعل حكماً للزوج داخل اسرته , ولكنه محدود في موضوعه وكيفيته ومدته , لأن الله تعالى يقول [فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ]( ).

معجزة نظام الأسرة
الأسرة نظام وأمة مصغرة وعالم خاص , لابد له من نظام وتوزيع للمسؤوليات والأعمال وفق ســنن السماء، والأصــل في البيت ان يتغشاه الايمان فلا تصل النوبة الى الضرب بالسواك، ومع التعدي فلا شيء غير السواك , او اللجوء الى الحاكم والقاضي لفك الخصومة والنزاع.
ولم يكن عقد الزواج في الاسلام عبئ على المرأة، وترى الفتاة المسلمة في عز وأحسن حال عند أهلها، ولكنها لا تفكر الا بالزواج والحياة الزوجية لما ضمنه لها الاسلام من الحقوق في الزواج، ولرغبتها في المسؤوليات الشرعية في ادارة المنزل وإعداد الأولاد، وتعاهد الأحكام الشرعية وفرائض الاسلام.
لتجمع بين زينة الدنيا , والأجر والثواب الأخروي لبيان منافع قوله تعالى [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً]( ).
إمكان الجمع بين المال والبنون والثواب الأخروي بحسن التربية وإصلاح الأولاد لأمور دينهم والكسب الحلال وإخراج الزكاة والحقوق الشرعية منه وهو من مصاديق دعاء كل من الرجل والمرأة [رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]( ).
وجاءت شــهادة المرأة في آية البحث مطلقة، ولم تقــيـد الشــهادة أو تنحصر بذات البعــل، وعنــوان المــرأة يصدق على كل من أدركت النساء وسن البلوغ , بشرط الرضا بشهادتها، وقيد الرضا شامل للرجل والمرأة.
بحث بلاغي
الأصل في الأسماء ان تكون ظاهرة، واذا ذكرت ثانية فيأتي الضمير عنواناً للإضمار وللإستغناء عن الاسم بما تقدم ذكره، واجتناباً للتكرار الممل وموضوعية فهم السامع والقارئ.
وقد يحصل خروج عن الأصل لأسباب متعددة منها ما عنونه علماء البيان “كون الاسم اهم من الضمير” وأستدل عليه بهذه الآية في تكرار أحداهما، ولم تقل الآية “فتذكرها الأخرى” ونسب الزركشي الى بعضهم انما أعيدت احداهما لتعادل الكلم وتوازن الإلفاظ في التركيب( )، وانه من الترصيع البديعي الذي يعني توازن الألفاظ من حيث صيغها، وهذا من حيث تركيبها.
وليس في الآية خروج عن الأصل للتعدد في ارادة طرف التذكير وطرف الضلال والنسيان، ولا ينحصر الأمر بأهمية الاسم وترجيحه على الضمير، بل ان الإتيان بالاسم دلالات ومقاصد سامية لا تجتمع في غيره، فالضمير يشير الى واحدة منهما على نحو الخصوص وهي التي تقدم ذكرها ونعتت بانها ضلت، اما الاسم فانه شامل للاثنين ليكون التذكير والإستدراك أعم في موضوعه مما ظلت به احداهما.
ولم يرد لفظ (فنذكر) في القرآن إلا في هذه الآية لبيان أن موضوع التذكير أعم من الشهادة ومنه التذكير بالتقوى .
فمن إعجاز القرآن أن الآية لم تقل تنسى إحداهما ما هية وحقيقة المشهودة بل (أن تضل) والنسبة بين تضل وتنسى عموم وخصوص مطلق ولتكون آية البحث من مصاديق قوله تعالى [يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا]( ).
قوله تعالى [وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا]
لم يرد لفظ (ولا يأب) في القرآن الا مــرتين في هــذه الآية، إحــداهما بخصوص الكاتب.
والأخرى في هذا الشطر من الآية الذي يتعلق بالشهود، مما يدل على التوكيد والتشديد في حكم كتابة الديون والشهادة عليها.
والآية صريحة في النهي والزجر عن الامتناع عن الشهادة، لان الشهادة حاجة شرعية يتقوم عقد الدَين والقرض بأدائها، وبها تصان الحقوق وتحفظ الاموال ويدوم فعل المعروف، فصاحب المال اذا رأى ماله عرضة للتلف بالدَين فانه يمسك عن الاقراض، وفي الآية وجوه :
الأولى : لا يمنع الشهداء اذا دعوا لاثبات الشهادة وتحملها، عن قتادة والربيع.
الثانية : اذا دعوا لاقامة الشهادة، عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطا.
الثالثة : اذا دعوا لاقامة الشهادة والى اقامتها، عن ابن عباس والحسن البصري( ).
الرابعة : عن الامام الصادق  في الآية : لا ينبغي لاحد إذا دعي الى الشهادة ليشهد عليها أن يقول: لا أشهد لكم)( ).
الخامسة : النهي عن الامتناع عن اداء الشهادة ان احتاج صاحب الحق اليها، وقال الرازي: وهو الاصح( ).
وفي قوله تعالى [وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا] ( ) (قال أمير المؤمنين عليه السلام: أي من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعي لاقامتها وليقمها ولينصح فيها ولا يأخذه فيها لومة لائم ، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر)( ).
من الإعجاز في الشهادة
وهذه الوجوه من مصاديق الآية ودليل على ما في اطلاقها من الاعجاز، وفيها وجوه:
الأولى : لا دليل على تقييد الشهادة بحال دون اخرى.
الثانية : الخطاب موجه الى الشهداء، ولا موضوعية لصاحب الحق فيه.
الثالثة : حاجة صاحب الحق توليدية فقد لا تكون لديه حاجة عند العقد، ولكنه يكون بأمس الحاجة الى الشهادة عند الاجل، كما لو حصل جحود او نسيان او مات المدين.
الرابعة : ظاهر الآية ان الشهادة من مقومات عقد الدَين.
الخامسة : الشهادة تحول دون حاجة صاحب المال لذات الشهادة، فمع وجود الشهود يتجنب المدين الانكار والجحود والتسويف، ويحرص على الاداء عند حلول الاجل والظهور بمظهر الوفي والامين والصادق امام صاحب الدَين والشهود ومن خلفهم.
السادسة : تَحمّل الشهادة إذا لم يوجد غيره، ولا دليل على هذا القيد، كما ان مجئ الآية بصيغة الجمع يجعل هذا الوجه مستبعداً.
والاقرب هو الوجه الثالث لاطلاق الآية وعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنع من حصول الضرر والتصدي الشرعي للنسيان والغفلة ولرجاء الثواب العظيم في صيانة الشهادة.
فمن القواعد الكلامية المعتبرة الثواب العظيم في الامتثال , وبلحاظ منافع هذا الامتثال على الشاهد وعدالته، وعلى صاحب المال، وحفظ حقوقه، وعلى المدين وافراغ ذمته، وعلى الأمة في تعاهد سبل الخير، والإكثار من الحسنات بالديون والقروض، وعدم كساد تجارة المسلمين.
وفي الحديث (كلكم في الجنة إلا من أبى وشرد) أي الا من ترك طاعة الله التي يستوجب بها الجنة) ( ).
مراتب الشهادة
وهذا المعنى للإباء يؤكد على موضوعية الخطاب التكليفي , والثواب الاخروي في الشــهادة، ويترشـح عن الثواب والحاجة اليه عموم المعنى وشــموله للتحمــل والأداء ,فالشـهادة لها مراتب أربعة هي:
الاولى: تحمل الشهادة وحضور العقد وكتابته، والشهادة على مضمونه، ومعرفة اطرافه، ومن هو الدائن، ومن هو، وعندها يصدق على الشاهد صفة الشهادة ويتحملها شرعاً وعقلاً وعرفاً.
الثانية: استدامة حمل الشهادة طيلة مدة الدَين والقرض , ولحين الأجل المتفق عليه في العقد، وتحتاج هذه المرتبة والمرحلة الى حالة من الضبط والتذكر والرجوع الى الحافظة، وورود قوله تعالى [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى] يؤكد أهميتها الالتفات الى موضوعيتها، ولزوم حرص الشهداء على اجتناب الغفلة والنسيان سواء كانوا ذكوراً أو اناثاً.
الثالثة: حمل الشهادة لمرحلة ما بعد الاجل , ان لم يؤد الدَين في اوانه، فعندما يتأخر قضاء الدَين قد يحل جحود او نسيان، ويرفع الأمر الى القاضي او أولي الأمر، او الى من يتصدى لفك الخصومة حسبة، ويستلزم الأمر الاستماع الى الشهود لمرة او مرات متعددة، في موضع واحد او مواضع متعددة.
وهل الشهادة أمانة الجواب نعم , قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا]( ).
الرابعة: أداء الشهادة عند حلول الاجل، وهي اهم مراتب الشهادة لوجوبها عينياً او كفاية وهي مناسبة كريمة لتجلي معاني العدالة وموضوعية الشهادة في حسم الدعوى وحفظ الحقوق واجتناب الفتنة والاذى، وان كانت كل مرتبة لها ثواب خاص، كما ان حفظ وتعاهد الشهادة لا يخلو من تعب واستحضار ذهني وتوظيف للعقل في خدمة الشريعة.
قانون قبح شهادة الزور
ويتجلى قبح شهادة الزور من جهات :
الأولى : القبح الذاتي .
الثانية : القبح الغيري .
الثالثة : القبح الشرعي .
الرابعة : القبح العقلي .
ويختص الجزء الخمسون بعد المائتين من هذا السِفر بتفسير قوله تعالى [رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ]( ).
فهل شهادة الزور من أسباب دخول النار الجواب نعم فهي من الكبائر , قال تعالى [فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ]( ).
إذ أن شهادة الزور ظلم للذات والغير , وطمس للعدل وإضاعة للحقوق وإعانة للظالم فتكون من مصاديق قوله تعالى في الآية أعلاه [وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ]( ).
وعن ابن عباس وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبة خطبها في المدينة , ومما فيها (من شهد شهادة زور على رجل مسلم أو ذمي أو من كان من الناس غلق بلسانه يوم القيامة وهو مع المنافقين، في الدرك الاسفل من النار) ( ).
وتبين الآية الدقة في احكام وأهلية القرآن للامامة وجعله الناس ينقادون الى الحكم باســتبشــار وقبول.
ومن الاعجــاز الغـيري للقرآن انه واقية لحفظ الذين يســتجيبون لما فيه من الاوامـــر الإلهية، ويدفع عنهم التعدي ويثبط الذي يريد صـــدهم عن واجباتهم، لما يبعـــثه في نفسه من الفزع والخوف، واعطاء الحق لهم باتباعهم للقرآن، ومن مفاهيم الآية التحذير من النكوص والقعود عن الشهادة لما فيه من الاضرار العامة والخاصة، ولو دعي الشهود الى الشهادة وأبوا فماذا يحصل.
الجواب على قسمين:
القسم الاول: الامتناع عن تحمل الشهادة ساعة العقد، كما لو اجرى المتبايعان صفقة البيع بالنسيئة واستدعيا الكاتب فحضر ثم طلبا من نفر من المؤمنين الشهادة فأبى وامتنع كل واحد منهم، وسبب الامتناع على وجوه:
الاول: اجتناب الحرج والمشقة للمعرفة بعدم اهلية المدين للاداء.
الثاني: طلب العافية، وعدم تحمل المسؤولية الشرعية.
الثالث: قلة الاكتراث بالشهادة وعدم التفقه في احكامها.
الرابع: وجود قوانين وضعية تسبب متاعب اضافية للشهود وتكرار احضارهم امام القاضي، وبكيفية غير مناسبة مع ان الشهادة تأتي رجاء وحسبة، وهذا الامتناع يؤدي الى:
اولاً: التوقف وعدم اجراء العقد لشعور صاحب لمال بعدم ضمان حقه في الدَين.
ثانياً: الاضرار بالدائن كما لو اصاب تجارته الكساد بالاضافة الى حرمانه من الثواب، ويلحق الاذى المدين بحجب ما يقّوم به عمله، ويسد خلته.
ثالثاً: اجراء العقد ولكن من غير ضمان للدائن، ويكون عرضة للنسيان والجحود والتسويف، وهذا الأمر يؤثر في العقود اللاحقة باحتراز صاحب المال من بيع النسيئة والاقراض.
رابعاً: ضعف الصلات الاجتماعية وحصول النفرة بين الناس.
خامساً: الحرمان من الثواب لفوات عمل معروف ومنفعة خاصة.
سادساً: تعطيل لأمر يساهم في تنمية ملكة العدالة، والذاكرة الخاصة والعامة.
سابعاً: الشهادة سور اجتماعي وعرفي لموضوع الديون وحفظها وصيانة الذمم، فالشهادة تجعل عقد الدَين مسألة عامة لتعدد الاطراف فيها وهم:
الأول : الدائن.
الثاني : المدين.
الثالث : الشهداء رجالاً كانوا او نساء.
الرابع : الكاتب.
الخامس : من يطلع على وثيقة الدَين ومن يعــرف الشهود وما قامت به الشهادة.
القسم الثاني: امتناع الشهود عن اداء الشهادة عند الطلب بعد تحملها، والامتناع قد يؤدي الى الخسارة والفتنة والارباك وتعطيل الاعمال، ثم انه نكوص بعد تحمل مســؤولية الشــهادة، فلا غرابة ان يكون اداء الشهادة واجباً، الا أن يكون في البين ضرر محتمل لا يحتمل، وهل يجوز القضاء بالشاهد واليمين، فيه وجوه:
الاول: عدم جــوازه، وبه قال ابو حنــيفة, واسـتدل بهذه الآية التي تفيد الحصر بشهادة رجلين والا فرجل وامرأتين على نحو التعيين.
الثاني: جواز الاكتفاء بشاهد ويمين، وبه قال الشافعي، لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قضى بشاهد ويمين.
الثالث: عند تعذر الشاهدين، والشاهد والامرأتين، تقبل شهادة رجل واحد ويمين المدعى في مطلق الدَين الشامل لثمن المبيع والقرض والصداق والسلف ، وهو الوارد عن الامام الصادق عليه السلام، فان لم يكن شاهد، فيمين على المدعى عليه، لعمومات البينة على من ادعى واليمين على من انكر.
و(عن قتادة في قوله [وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا]( )، قال : كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم ، فأنزل الله هذه الآية)( ).
ليكون من إعجاز القرآن بعث الناس لسبل الصلاح ، ودرء أسباب الفتنة والظلم ، ومنه تفضل الله بجعل كل مسلم ومسلمة يقرءان كل يوم سبع عشرة قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، لسؤال اللطف والمنّ من عند الله عز وجل للهداية ومنه الأمانة وأداء الشهادة بالحق والصدق.
علم المناسبة
ورد الفعل (دعوا) في القرآن ثلاث مرات، جاء مرة في ذم الذين يعرضون عن دعوة الحق [وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ]( )، وتدل بالدلالة الإلتزامية على مدح المؤمنين الذين يستجيبون للدعوة وتلقي الحكم الشرعي وافاضات التنزيل.
والذي ذكر بالنص في قوله تعالى [إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا]( )، اما هذه الآية فلا تتعلق بالمتخاصمين، بل بالشهداء فهل تشملهم العمومات، القدر المتيقن ان هذه الآية تتعلق بالشهادة ولا حيلة لها بالدعوة الى الله ورسوله للحكم بينهم لأن الدعوة الى الشهادة تأتي بعد التلبس بالإيمان بدلالة الخطاب التشريفي في أول الآية [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]، نعم تفيد قراءة الآيات وموضوعية الشهادة باظهار الحق ان الإستجابة للدعوة الى الشهادة فيها ثواب عظيم خصوصاً مع قصد القربة وظهور صيغة النهي والتغليظ في ترك الإستجابة للدعوة للشهادة، ومرتبة الإمتثال في مرتبة الأداء أهم وأكبر من مرتبة التحمل.
قوله تعالى [وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا]
في جهة الخطاب , والواو في (ولا تسأموا) وجوه:
الأول : الى المسلمين كافة.
الثاني : الاطراف المتداينة.
الثالث : الكتاب.
الرابع : رجال القضاء.
الخامس : الى الشهداء كي لا يضلوا ولا ينسوا.
والاصح هو الأول فالخطاب عام ومرتبط بأول الآية، ومتعلقه يتحقق خارجاً عند حصول الدَين، وصحيح ان الدَين والقرض بين طرفين الا انه لا يمنع من شمول غيرهم معهم، مثل الشهداء لتكون الكتابة وثيقة ملازمة ومصاحبة لهم مدة الدَين، وعوناً على الشهادة، ومانعاً من الفساد واللجاج والعناد.
كما تشمل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ومن يهمه أمر الدائن وامواله، اما الضمير في (تكتبوه) فهو عائد الى الدَين ومقداره، ولا مانع من شموله للمعنى الاعم في الحقوق والمهور والديات، والعفو عن القصاص، والوكالة والوصية، والمعاوضات مطلقاً وما في الذمة والقرض والنسيئة والنكاح والطلاق.
وان كانت القيود الواردة في الآية تدل على إرادة الدَين وما في الذمة من المال وهذه القيود هي:
الأولى : (صغيراً) أي كون المال صغيراً وقليلاً لا يعني الاستخفاف به والامتناع عن كتابته او الاعتماد على قيام المدين بقضائه.
الثانية : يخرج بالتخصيص من الكتابة ما اذا كان المال لا يعتد به وليس له مالية تذكر، كما لو كانت اجرة الكاتب وقيمة الورق اكبر منه.
الثالثة : (كبيراً) أي ان كبر الدَين وكثرته يجب ان لا تحول دون كتابته، ولكن كيف تكون الكثرة والكبر سببين لاحتمال عدم الكتابة فيه وجوه:
الاول: ان الآية جاءت للمشاكلة وذكر الوجوه المختلفة والاشارة الى المقادير المتباينة.
الثاني: لتوكيد العموم في أمر الكتابة.
الثالث: قد يأتي الملل والسأم من تعدد الاقراض والايفاء بالمال الكبير ، في كل مرة يجري العقد ويتم الدَين بالمال الكبير ثم الوفاء فيسأم الانسان ان يكتب الحادث منه استصحابا لحال الاداء في المرات السابقة.
فجاءت الآية بالاخبار بان هذا الاستصحاب والاحتمال لا يتعارض مع الكتابة.
وان الاولوية لها، وفعلاً قد تحــدث أمــور عرضــية تحول دون الأداء، او يطـــرأ الموت، وليس من وثيقة بالدَين، وكبر المبلغ يجعل بعض الورثة يطالـب بالبينة، وقد يخرج وثائق اخرى سابقة في ديون كبيرة تم الوفاء بها، فيســتعمل الاسـتصحاب ايضاً بخصوص الكتابة بمعنى كما كنتم تكتبون وثيقة الدَين على مورثنا، فالاصل ان تكون هــناك وثيقة على هذا الدَين المدعى , وتشمله قاعدة (البينة على من ادعى).
وبين المال الصغير والكبير مراتب متفاوتة كثرة وقلة يسعها مفهوم الآية لانها ذكرت الطرفين المتضادين، والصغر والكبر من الكليات المشككة وبحسب العرف والحال، فما يكون صغيراً عند قوم قد يكون كبيراً عند آخرين، فجاءت الآية لمنع الاجتهاد في مقابل النص، والتأويل الباطل، والتحايل على الحكم او التهاون فيه بلحاظ مقداره، واحياناً يكون القليل أوان القرض كثيراً عند الأداء، او بالعكس، كما في حالات المجاعة والقحط، او حالات التضخم المالي , وهبوط قيمة العملة او كساد التجارة.
النهي عن الضــجر والملل الوارد في الآيـة (لا تسأموا) يحتمل أموراً:
الاول: لا تسأموا من كتابة الدَين.
الثاني: لا تسأموا من كتابته سواء كان صغيراً او كبيراً.
الثالث: لا تملوا وتضجروا من كتابته سواء كان صغيراً او كبيراً والى اجله.
والاصح هو الثالث , فعدم السأم والنهي عنه متعلق بكتابة الدَين مهما كان مقداره وبذكر اجله، بمعنى ليس لكم ان تستجيبوا الى شطر من احكام الآية دون الشطر الآخر ، ويشمل النهي عن المسألة كلاً من :
الأول : الدائن .
الثاني : المدين .
الثالث : الشاهد .
الرابع :الكاتب لأصالة العموم .
وذكرت الآية الدَين بالصغر والكبر، ولم تذكره بالقلة والكثرة، لأن الحكم يتعلق باشتغال الذمة الذي يكون فيه كل من الصغير والكبير بعرض واحد في لزوم الأداء والوفاء، وفي المساءلة والحساب يوم القيامة، وللحث على عدم التفريط في اداء الدَين وان كان قليلاً، وتنمية ملكة التعفف واجتناب أكل أموال الناس.
والخطاب (ان تكتبوه) لعامة المسلمين، وهو في الآية انحلالي ويتوجه ايضاً الى الشهداء، فليس لهم ان يعتذروا عن الشهادة لقلة مقدار الدَين مثلاً، فقد يمتنع الشاهد عن الشهادة ولكنه حينما يرى كثرة مقدار الدَين يخشى اموراً منها:
الأولى : النسيان خصوصاً وان ضرره يكون فادحاً على الطرفين، وعلى الشاهد نفسه في دنياه وآخرته.
الثانية : حدوث الخصومة والفتنة وتسرب الكدورة واستحواذ النفس الشهوية على احد الطرفين او كليهما، والوقوع في ورطة بسبب الدَين.
الثالثة : ترجيح عجز المدين عن الوفاء بالدَين وما يرافقه او يتعقبه من الخصومة واللجاج والفساد.
الرابعة : قيام المدين بذم الدائن على كتابة الدَين القليل مع انه محسن، ويتعدى الأمر بان يرى المدين المبلغ الكثير قليلاً, ولا يستلزم الكتابة والإشــهاد عليه.
وقد تكون قلة الدَين سبباً للامتناع عن الشهادة لوجوه:
الأولى : الترفع عن الشهادة على المال القليل، واذا صارت موضوعية لكثرة المال في الشهادة فان ارباكاً سيحصل في عالم الشهادة، فما يظنه المتبايعان انه يستحق المكاتبة والتوثيق بالشهادة، يظنه بعض الذين يدعون الى الشهادة انه قليل، ويأتي بعضهم ليشهد ولكنه حينما يسمع ان مقدار الدَين قليل ولا يستحق الشهادة فانه ينصت للقول وقد يحاكي الآخر.
الثانية : الاستهانة بالمبلغ والظن بانه سهل الاداء والقضاء، ولكن اسباب الفساد ومقدمات الفتنة لا تنحصر بالكثير من الدَين، والشهادة على الدَين لمنع الاساءة والتعدي.
الثالثة : عناوين الظلم تصدق على الكثير والقليل مما يؤكل من اموال الناس بالباطل، والشهادة تحول دونه وتمنع من حصوله.
الرابعة : رب امتناع عن كتابة الدَين يؤدي الى اذى وشقاق فيما بعد، فجاءت الآية للاحتراز والوقاية.
والآية اشارة الى القلة والكثرة ولكنها أعم في موضعها فتشمل الديون بين الأقارب والأرحام، لكي لايظن ان المكاتبة خاصة لما بين الاجانب لذا جاءت بصيغة الاطلاق الشاملة لكل مايصدق على موضوعه انه دين وقرض.
وقدمت الآية الدَين القليل للتوكيد عليه وعدم التفريط بكتابته، واذ جاء نهي الشهداء عن الامتناع عن الشهادة مطلقاً، فان الزجر عن عدم الكتابة جاء بذكر علته وهي السأم والضجر، وكل منهما يدل على التوكيد والتشديد.
ولو دار الأمر بين الشــهادة والكتابة اضـطراراً في الدَين فايهما يقدم، الجواب تقدم الشهادة لحجية البينة، ولان الوثيقة قابلة للتلف او للتشـــكيك بها خصــوصـــاً مــن الورثــة وبعض الأنظــمــة القانونــيــة، ولما ورد في هذه الآية من لغة الاطلاق في الشهادة ولزوم عدم امتناع الشهـــداء عن الشـــهادة، بل ان الاطلاق هنا دعــوة لطــرد الظــن بالاذى من الشهادة، وانه جهاد في سبيل الله لاحقاق الحق، وانصاف الناس، وحفــظ الاموال وصـــيانة الذمم الا مع وجــود راجــح شرعي في البين.
كما ان عدم السأم من كتابته يشمل الشهادة بالتبعية.
بحث اعجازي
من اعجاز القرآن الذاتي والغيري تعدد ذات اللفظ , وعدم خلو هذا التعدد من نكات وآيات، ووجود نوع رابطة او دلالة او صلة بين الموضوعات التي ذكر فيها اللفظ، وتلك مدرسة جديدة تفتح الباب لعلوم متشعبة في القرآن، فاختيار اللفظ القرآني جاء من عنده تعالى وهو سبحانه يحصي كلماته وحروفه ومواضعها والصلة بينهما، وكما يتجلى لك وجود صلة ومناسبة بين الآيات كما بيناه في آخر الجزء السابق من التفسير.
وهناك رابط بين ذات اللفظ في تكراره سواء كان الرابط عقلياً او شرعياً اوحسياً، يتعلق بشؤون الدنيا او الآخرة او كليهما معاً، فلابد من علم جديد في القرآن يبحث في الصلات بين ذات اللفظ في تكراره، ووجوه الترابط والملائمة بين الآيات التي يوجد فيها ودلالة عدد المرات التي يرد فيها، ونسميه (اشراقات تكرار اللفظ) مع الالتفات الى صيغة الخطاب او الغائب او المفرد او الجمع.
وقد وردت مـــادة (ســأم) في القـــرآن ثلاث مـــرات، واحدة في طلب السعة قال تعالى [لاَ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ]( )، ووردت في قوله تعالى [ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ]( )، وفي عــدم جعــل الســـأم والضــجر والملل مانعاً من كتابة الدَين اعانة في أمـــور الدَين والدنيـــا ســـواء كان للـدائن والمدين.
وقد وردت مادة سأم في الآيتين أعلاه بلغة الغائب واحدهما بصيغة المفرد (يسئم) والآخر بصيغة الجمع (يسئمون)، اما في هذه الآية فقد ورد اللفظ بصيغة الجمع المخاطب وهو يحمل صيغة الأمر والانشاء ولزوم عدم التخلف عنه .
وقد ورد لفظ (الدَين) في القرآن خمس مرات أربعة في الوصية وتركة الميت.
وهذه الآية هي الوحيدة التي تعلقت بالتداين بين الناس، لذا لم يرد لفظ التداين الا هنا، بقوله تعالى [إِذَا تَدَايَنتُمْ] مما يعني ان الاقراض والادانة عمل من اعمال الآخرة وكسب عظيم في باب الاجر والثواب ودرء العذاب.
قوله تعالى [إِلَى أَجَلِهِ]
قد تقدم في أول الآية ذكر الاجل بقوله تعالى [بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] وجاء هذا الشطر من الآية لتوكيد ذكر الأجل , وموضوعيته في عقد الدَين ، وقيل لا يذكر الاجل في القرض، بالاضافة الى قاعدة نفي الحرج وقاعدة السلطنة أي ان الناس مسلطون على اموالهم وعمومات التراضي ، وفي آيات الربا اسقطت الفائدة والربح دون الاجل الخاص برأس المال.
واضافة الاجل الى الدَين (أَجَلِهِ) تبين لزوم الاستعداد للوفاء بالدَين وعدم تجاهله وتركه , فقد يستلزم من المدين الوفاء الكسب والعمل الاضافي والتدبير في النفقات لتوفير مبلغ الدَين .
او بيع البضاعة بربح قليل وعدم حبسها بانتظار ارباح كثيرة، فلو دار الأمر بين بيعها بربح قليل مع اداء الدَين في اجله، وبين انتظار بيعها بسعر اكثر مع تأخير الدَين عن أجله ، يقدم الاول.
فقوله تعالى [أَجَلِهِ] تذكير بأوان الدَين وتداخله مع افراد الزمان.
وذكر الاجل شرط في كفاية الدَين، وفي التوكيد عليه اشارة الى امور:
الاول : تعيين الاجل بما يمنع من اللبــس والترديــد والابهام، وكان الفقهاء يضربون مثلاً على الترديد قدوم الحاج وانه لا يصلح ان يكون اواناً لتعيين اجل الدَين للتباين في اوان عودتهم، اما في هذا الزمان فانه معلوم في الجملة لدقة التواريخ وسير وسائط النقل، ومع هذا فان في الحساب الشمسي او القمري كفاية وبياناً.
الثاني: الآية تعليم وارشاد للمسلمين لتعيين الاجل وعدم التفريط فيه، وتدل على الضبط في احكام الشريعة.
الثالث: في الآية اعانة للمســلمين في تنظــيم شــؤونهــم الماليــة والمعـاشــية.
الرابع: فيه مندوحة وسعة للدائن والمدين، فالدائن ينظر الى حاله وشأنه وامكان تحمله لغياب ماله عنه، والمدين يلحظ قدرته على الوفاء والوقت الذي يستطيع فيه ارجاع المال الى صاحبه وتحصيل افراغ ذمته منه، لان افراغ الذمة اهم للمدين من ارجاع المال في دنياه وآخرته، فلذا يكون تعيين الاجل حاجة له ورحمة ورأفة به وتنبيهاً لوظائفه ازاء دينه ونفسه والناس.
الخامس: تجعل الآية لعنصر الوقت اعتباراً خاصاً في الحياة اليومية العامة وتبين للمسلمين لزوم الالتفات الى استثماره واغتنام الفرص وعدم ضياع آنات الزمان من غير الانتفاع منها، فالاجل في الدَين اوان مخصوص في مستقبل الآيام للوفاء به، ولكن له سـلطان على المدة الواقعة بين كتابة عقد الدَين وبين حلوله، بالتهيؤ والاعداد للدين، او باستحضاره في الذهن، على نحو يختلف في كمه بين كتابة الدَين وتحديد اجله، وبين عدم كتابته ومعرفة أجل معين له.
السادس: كتابة أجل الدَين، تنمي عند الانسان استعداده للحساب في الآخرة وتذكره باهوال يوم القيامة، ومطالبة الناس له بحقوقهم التي لا تنحصر بالمالية بل تشمل المعنوية والاعتبارية، مثل الغيبة والافتراء والنميمة ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ]( ).
السابع: اعظم الديون هي العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج ومنها مايقوم الفرد بادائه في وقته، ولا نقول انه دين تعليقي لان الخطاب التكليفي بالصلاة اليومية لا يتوجه الى العبد الا عند دخول الوقت، ولكن اداء صلاة القضاء نوع دين، وكذا قضاء الصيام بالاضافة الى نذر الحج وقضاء حجة الإسلام عن الميت ، بل حتى الصلاة اليومية لا تنشغل الذمة بادائها الا بعد دخول الوقت.
الثامن: قد تقدم ان كتابة الاجل تمنع من الخصومة والنفرة، كما انها تطرد اللجاج والفتنة، وفيها اكرام للطرفين بان يعلم الدائن والمدين ما يجب عليهما في حينه.
وتنهى الآية عن الاكتفاء بكتابة الدَين وذكر مقداره من دون ذكر الاجل، فلابد من ذكر الاجل لان الدَين يتقوم به , ولما فيه من المنافع العظيمة ساعة العقد وعند الوفاء، فلو لم يلتفت الطرفان الى الاجل، فيجــب على الكــاتب التنــبــه لموضــوع الاجــل وتعيينه، ولــولا هذه الآية لتعـرض الكاتب للاذى من بعض الاطراف لانه لم يترك اوان الوفاء بالدَين مفتوحاً, ويقـــوم الدائن بلومـــه لانه يريد استيفاء المبلغ قبل الاجل ، والمدين يقول لولا الاجل لتأخرت في الوفاء.
فهذه الآية حصانة للكاتب والشاهد وتهذيب للنفوس ودعــوة للمسلمين لتعيين اجل الدَين، ويدرك الجميع ان الكاتب يؤدي وظيفته الشرعية، ومن يقوم باداء ما اوجب عليه الشارع لا يتعرض للوم من الناس، نعم ليس للكاتب تحديد اجل الدَين والاجتهاد به , بل يترك امره الى المتداينيين.
بحث بلاغي
من البديع باب الالتفات، وهو الانتقال في الكلام من صيغة إلى أخرى بلحاظ صيغة الخطاب وارادة المخاطب والانتقال منه الى ارادة الغائب فيه وكذا العكس، وله منافع بلاغية عديدة منها:
الأولى : بعث الطراوة في الكلام.
الثانية : ازدياد حلاوة فيه.
الثالثة : طرد الملل والسأم عن السامع.
وفي القرآن له فوائد عقائدية وكلامية متعددة ومتشعبة تفوق باب البلاغة وان كان من الشواهد على إعجاز القرآن وتدل على الاعجاز في بلاغة القرآن لمراتب الرقي والرفعة والاسرار التي تتضمنها بلاغته .
وكل كلمة فيه من موازين الحكمة وكنوز السماء، وهو اعم من الانحصار بالالتفات من التكلم او اليه، بل يصدق عليه في علوم القرآن ان يكون من المخاطَب – بالفتح- الى الغائب وبالعكس، لتحقق الغرض من الالتفات وهو طرد الضجر من إتحاد المنوال وجهة الخطاب.
ومن الفوائد الكلامية في (الالتفات القرآني) ان الخطاب بصيغة الغائب موجه للامة واجيالها المتعاقبة وان جاء بخصوص التلبس بحال او صفة معينة ، بلحاظ ان اداء الوظائف الشرعية من المسؤوليات العامة للامة، لذا ترى هذه الآية بدأت بالخطاب العام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] واختتمت ايضاً بصيغة الخطاب والتحذير والحث على التقيد باحكامها [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]، فالتعليم في الآية يشمل ما جاء بصيغة الخطاب وما جاء بلغة الغائب.
وابتدأت الآية بخطاب التشريف والايمان لينصت المسلمون ويستعدوا لقبول الامر والتكليف وتلقي الاحكام، وبعد الامر بكتابة الدَين بلغة الخطاب، انتقلت الى صيغة الغائب فيما يتعلق بالكاتب ولزوم عدم امتناعه عن الكتابة [وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ].
لتكون وظيفة المسلمين جميعاً الحيلولة دون امتناع الكاتب عن الكتابة وفق مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستعانة بغير الممتنع ان استلزم الامر وتهيئة اسباب عدم الامتناع.
كما في تنظيم دوواين للكتاب او عطاء او نظام خاص يمنع معه من الامتناع عن الكتابة من غير علة وسبب شرعي او عقلي.
وبعد عدة جمل كريمة، عادت الآية الى صيغة الخطاب [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ]، وهذه العودة لا تنحصر منافعها بالجانب البلاغي وطرد الملل وجذب الاسماع، بل انها دعوة لتدبر الاوامر الالهية والتحذير من عدم الالتفات اليها، وترك صاحبها ومن تتعلق به هو وشأنه، فليس للكاتب ان يختار الامتثال والكتابة او الاعراض والامتناع، بل انها وظيفة الامة الكفائية، يتحملها صنف الكتّاب على نحو الوجوب العيني او الاستحباب ، نعم انه ينشطر بعدد الكتّاب الموجودين والمؤهلين للكتابة في الموضع والسوق والقرية او البلدة كل بحسبه.
وهذا من اعجاز الالتفات البلاغي في القرآن وهو جعل الامة حافظاً وحصناً وحارساً للامتثال في الاحكام الخاصة، وكأنه عودة الى الخطاب العام بعد الخاص.
وفيه نكتة اخرى وهي ان المؤهلين للشهادة اكثر من القادرين على الكتابة، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل كاتب يستطيع ان يكون شاهداًَ، وليس العكس، لان الكتابة تستلزم تعلم الصنعة، وزيادة في التفقه في الدَين الى جانب العدالة التي هي كلي طبيعي شامل للكاتب والشاهد.
ويلاحظ في الآية مع طولها اتحاد لغة الخطاب بتوجهها الى الذين آمنوا، وبعد الامر بالشهادة وبيان صفة الشهداء بنفس صيغة الخطاب [مِمَّنْ تَرْضَوْنَ] أي ان مسؤولية انتقاء الشهداء تقع على الامة عامة، وعلى المتداينين خاصة، لذا يصح السؤال عن الشاهد في قريته وبلدته للاطمئنان الى عدالته وسمته وحسن سمعته ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث بالسؤال عن الشاهد.
وكما انتقلت الآية الى الغائب فيما يخص الكاتب والولي، انتقلت الآية مرة اخــرى الى صــيغة الغائـب لتذكر الشـــهداء وتحذر من امتناعهم عن الشهادة [وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا].
ومن الآيات ان الشهداء في الآية يتلقون الخطاب مرتين، مرة كافراد من المسلمين، واخرى باعتبارهم اطرافاً في العقد وشهوداً عليه، وكل فرد من الآية يخصه الخطاب على نحو تعليــقي أي انه في معــرض الطلب للشــهادة على الدَين وغيره.
ويلاحظ في الآية ان اغلب جملها وكلماتها جاءت بصيغة الخطاب مما يدل على موضوعية التكليف ولزوم الالتفات الى ما فيها من الاوامر، وحتى صيغة الغائب هي في الأصل والموضوع تتضمن معاني الخطاب سواء بالنظر لها مجردة بذاتها او بلحاظ موقعها من الآية وحدها بين جملتين في الخطاب كما في قوله تعالى [وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ] فالآية تنهى المسلمين جماعات وافراداً عن الاضرار بالكاتب والشاهد وهو نوع ضمان وتسهيل لادائها لعملهما وفق القواعد والسنن الشرعية.
قوله تعالى [ذَلِكُمْ]
ورد اسم الاشارة (ذلكم) في سورة البقرة قوله تعالى [وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ] ( )، وقــولــه تعــالى في موســــى وقومه [فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ..]( ).
وورد في احكام الطلاق وعدم التعدي على المرأة وحقوقها، قوله تعالى [ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ] ( )، والآيات تتضمن التحذير والتنبيه والدعوة للتقيد بالحكم الشرعي.
والمراد من اسم الاشارة (ذلكم) في الآية محل البحث وجوه:
الأولى : التداين بين المسلمين.
الثانية : القيام بكتابة الدَين والقرض.
الثالثة : كتاب الدَين أي الوثيقة والصك، وقد يكون الكتاب مصدقاً بمعنى الكتابة تقول كتبته كتاباً، وعلمته الكتاب.
الرابعة : كتابة الدَين والشهادة عليه.
الخامسة : الإشهاد على الدَين.
السادسة : شرائط اختيار الشاهد واتصافه بالعدالة وجواز شهادة المرأة وبدلية شهادة الامرأتين عن الشهادة الرجل.
السابعة : عدم الامتناع عن الشهادة.
الثامنة : إجتناب الملل والضــجر في كتابة الدَين بلحــاظ مقــداره وخصــائصـه.
والآية تشمل الوجوه اعلاه كلها من غير تعارض بينها لما بينها من التداخل وللسياق ومفهوم الآية وصيغة التوكيد الواردة في كل موضوع منها على نحو الاستقلال والانضمام الى غيره.
وتشمل المواظبة والمداومة على التقيد بأحكام الدَين والقرض خصوصاً مع اعتبار الميم في (ذلكم) للجمع كما هو في حال وجوده في ضمير جمع الذكور العقلاء ونحوهم، (أنتم، كُم) والإشارة فيه الى تعدد أحكام وشرائط الدَين , والحث على الأخذ بها من غير تجزئة او تفريط في بعضها أو تهاون وإعراض عنها.
انها مسؤولية حفظ نواميس السماء في الأرض في باب المعاملات التي تتعانق وتتداخل مع أحكام العبادات، فاي خلل بجزء منها يؤثر سلباً على البواقي، لذا جاء اسم الإشارة (ذلكم) للترغيب والتشديد والإخبار عما في التقيد بأحكام الدَين من سمات الحسن والعدل والتقرب الى الله تعالى.
وفي اسم الاشــارة وعائديته المتــعددة دلالـة على ان الدَين من الامور التي يقوم بها النظام الاجتماعي وتصان الحقوق وتعرف به اقراضاً وشهادة وكتابة واداءً منازل الرجال من وجوه:
الوجه الأول: قيام صاحب المال بادانة غيره يدل على امور:
الأولى : التوسعة عليه من عنده تعالى وهو أمر يستلزم الشكر لله.
الثانية : اعانة المدين بقضاء حاجته وتيسير امره.
الثالثة : طلب الثواب بالدَين والقرض لما فيه من الثواب وعناوين الصدقة.
الرابعة : نشر الاحسان ومفاهيم المحبة والتعاون بين الناس وتدخل البهجة بيت المدين واسرته وينبعث الامل بالرزق الكريم.
الخامسة : احترام الناس واعتزازهم بمن يساعد الاخرين في امواله تصدقاً وقرضاً وهو من اعمال البر والصلاح، قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( ).
الوجه الثاني : تلقي المدين للدين والقرض فيه مسائل:
الاولى : الشعور بالغبطة والسعادة لامتلاك الاعيان او الاموال وانتقالها الى ملكيته ولو بانشغال الذمة.
الثانية : السعي لقضاء الدَين، وهذا السعي مركب من امور هي:.
الاول : الدعاء الى الله بتهيئة اسباب الوفاء.
الثاني: بذل الوسع والجهد للاداء في الاجل.
الثالث: الاحساس بالعز والفخر لانه محط ثقة الاخرين.
الرابع: يدل الدَين والقرض بالدلالة الالتزامية على الاكرام، لان الدائن يدفع امواله الى المدين ليتصرف بها الى اجل معلوم في مقابل انشغال ذمته، فلابد انه يدرك اجمالاً حرصه على صيانة ذمته.
الوجه الثالث: ما يتعلق بالمجتمع وفيه مسائل:
الأولى : الرضـا عند الناس لحصــول عقد الدَين، وما فيــه من البــذل والعطاء.
الثانية : صيغ العهد وقبوله، بمعنى ان المدين له اثر حسن في الدَين، فصحيح انه يقترض المال الا انه يعطي عهداً شرعياً واخلاقياً على الوفاء والاداء عند الاجل، وهذا العهد تعاهد لاسـتقرار النظم العامة في المجتمع، ويلقى عقد الدَين القبول عند الناس ويبعث على الثقة بالطرفين وغيرهم.
الثالثة : من خصائص الانسان ميله بالطبع الى محاكاة الآخرين والتأثر بافعالهم والاقتباس منــها، فاجـراء عقد الدَين رحمة ذاتية بين الناس تبعث على التآلف والتوادد والسكينة، وهو دعوة لتجاوز الأسبــاب والقدرات المالية، فقد يرى الإنسان امكان النجاح في عمل والتوفيق في مشروع ولكنه يتوقف على المال وهو مفقود ويتعذر عليه الحصول عليه الا بالقرض او بالغصب، فيتجه الى القرض ويتجنب الغصب لمبغوضيته شرعاً وعقلاً ولما فيه من العواقب والاذى.
فاسم الاشارة (ذلكم) له دلالات عقائدية واجتماعية واخلاقية عديدة، وهو نوع عهد موجه الى كل المسلمين والمسلمات، ظاهره وموضوعه الديون ولكنه أعم وفيه دعوة لإصلاح النفوس والمجتمعات واستثمار الدَين وشرائطه واحكامه التي جاءت بها هذه الآية الكريمة، وفيه أي اسم الاشارة توكيد على الاخذ بمضمون تلك الاحكام وعدم التفريط بها كلاً او جزءً.
ويتجلى في الآية التكامل والترابط بين شرائط الدَين , فبعضها متصل بالآخر ويتداخل معه ويتفرع عنه، والكتابة والكاتب والشهادة والشاهد امور تعطي للدين والقرض منزلة خاصة في المعاملة والصلات الاجتماعية، وللحاجة الى الكاتب والشاهد فان الخطاب في الآية ومضامين اسم الاشارة تشملهما بالذات والعرض، لذا جاء التشديد على عدم الضجر او الملل من كتابة الدَين.
وتتضمن الآية الجمــع بين كتابة الدَين والشهادة عليه، وفي هذا الجمع دلالة على موضــوعية كل منهما، وكذا اجتماعهما معاً، فالمنافع المترشحة عنهما في خصوص الدَين تكون على وجوه متعددة منها:
الأولى : المنافع الخاصة بالكتابة كوثيقة لضبط الدَين ومعرفة تفاصيله.
الثانية : الفوائد الخاصـة بالشــهادة وهي ايضــاً وثيقة علــى الدَين الا انها وثيقة ناطقة وشاهد حي, واشراك للمجتمع وأهل العدل في توكيد الدَين.
الثالثة : الفوائد التي تلتقي بها الكتابة والشهادة، أي ان بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، فهناك فوائد يلتقيان بها ومنافع وفوائد خاصة ينفرد بها كل منهما.
الرابعة : المنافع الناتجة عن اجتماعهما معاً ومنها توكيد المنافع الخاصة لكل منهما.
قوله تعالى [أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ]
تبين الآية موضوعية أحكام التداين، وان الله عز وجل يريد من المسلمين التقيد بشرائط بالدَين وهو وجه من وجوه العدل ، ودعوة للوفاء بدين الله الذي هو أولى بأداء الفرائض العبادية وهو حسن ذاتاً وليس فيه همّ كالدَين ، قال تعالى [أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
يقال قسط قسطاً من باب ضرب عدل , وجار، وهو من الأضداد ويعرف بالقرائن، ويراد منه في الآية العدل، وقيل: “الضابط ما كان من قسط فهو بمعنى الجور، وما كان من أقسط فهو بمعنى العدل”، ولم يثبت هذا التفصيل.
وفي الحديث (اذا حكموا عدلوا، واذا قسموا أقسطوا أي عدلوا)( )، نعم في الــعدل لغتــان قســط وأقســط، وفي الجــور لغة واحــدة هـي قسط يعرف بالقرينة.
وتوثيق الدَين بالكتابة والشهادة لا ينحصر موضوعه بمبلغ الدَين او موضوعه مطلقاً، بل أنها آية اعجازية من وجوه:
الأولى : اثبات نزول القرآن من عند الله تعالى.
الثانية : علم الله عز وجل بأحوال الناس وطبائعهم وما يصلح أحوالهم ويهذب قرائحهم.
الثالثة : اعداد المجتمعات الإسلامية للجهاد, والسعي في نشر الإسلام, ومنع الخلافات الجانبية التي تثير الفرقة بينهم.
الرابعة : أحكام الدَين رسالة الى الناس جميعاً بخصوص تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين وتوجيهها وإتقانها بحكمته تعالى، وهي مقتبسة ومستقرأة من القرآن ونازلة عليهم من السماء، ومن يكون شأنه هكذا فلابد ان يكون النصر ملازماً له.
الخامسة : قواعد وشرائط كتابة الدَين والإشهاد عليه , دعوة للمسلمين للتدبر في عظيم فضله تعالى عليهم، فآياته سبحانه لا تنحصر في الآفاق والنفوس بل تشمل آيات الأحكام وموضوعاتها، وما تتصف به من الدقة في الضبط الذي يفوق تصور العقل الإنساني، وتهيئة مقدمات وأسباب العمل النوعي العام بها، في جميع الأمصار وتعدد آنات الزمان.

تلقي آية الدَين بالقبول
لقد كان المسلمون يعانون من الأذى والعوز, ويجاهدون للحفاظ على بيضة الإسلام , ويكثر القتلى والشهداء في صفوفهم ، ومع هذا تنزل أطول آية في الدَين والقرض وتتضمن تفصيلات وأحكام وشرائط الدَين وتوثيقه ، فلم تسمع اعتراضاً من أحد المسلمين ولا تشكيكاً من المنافقين بل يتلقاها المسلمون بالتطبيق العملي والعناية الخاصة لمعرفتهم بالإسرار الملكوتية لكل آية قرآنية، وان القرآن نزل لمختلف الأزمنة، وهذه الآية تتضمن البشارة باستقرار المجتمعات الإسلامية , ورسوخ أحكام الشريعة.
ومن الآيات ان التقيد بشرائط الدَين من الكتابة والإشهاد وفق القواعد هو باب للعدل وسبب للثواب وكأنه مطلوب بذاته، مع انه مقدمة للوفاء ومانع من الفساد والإفساد.
والآية لم تحصر العدل بالدَين والقرض الجامع للشرائط الواردة في الآية من الكتابة والشــهادة وفق احكام الشــريعة، بل ان هذا الأمر اقسط وافضل واحسن والا فان هناك وجوهاً من الحسن في المقام وفق الشريعة منها:
الأولى : صحة الدَين مع الكتابة بالعدل ومن غير شهادة.
الثانية : صحة عقد الدَين مع الشهادة فقط.
الثالثة : صدقه وصحته مع شــاهد واحــد، لجواز دعــوى الدَين بشــاهد واحد ويمين.
الرابعة : ثبوت الدَين من غير كتابة، ولا شهادة عليه وهو خير محض، كما لو نوى الدائن ان حصل الوفاء فنعما هو , وان تضرر فالمال صدقة وتبرع وقربة الى الله.
وقد اخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله (اقسط عند الله).
قالت : اعدل) ( ).
والأمر لا ينحصر بالفارق الرتبي بين التداين وفق الشرائط المذكورة في الآية وبين الفاقد لبعضها كما في الوجوه الأربعة اعلاه، بل له خصوصية وغايات تطلب بذاتها ومنافع ينفرد بها التكامل بعقد الدَين للغة التوكيد والتشديد وصيغة الأمر الواردة في كل من تعيين الاجل، وكتابة العقد بالعدل , واملاء المدين او وليه والشهادة الشرعية عليه, خصوصاً وان هذه الشرائط جاءت لاحكام الدَين , والمنع من الفساد والضرر، ويدل عليه افعل التفضيل.
أضرار عدم كتابة الديون
لو لم تكن هناك ضوابط شرعية للدَين ، فكيف يكون وفق العرف فيه وجوه:
الأولى : تسرب الربا الى الدَين والقرض بصورة ظاهرة او خفية( ).
الثانية : وضع شروط اضافية على الدَين غير الفائدة المالية.
الثالثة : عدم التقييد بوفاء الدَين، والميل الى انكاره وجحوده.
الرابعة : احتمال حصول الفساد والفتن من وجوه:
الأول : بسبب وضع الفوائد والشروط على الدَين او لعدم قضاء الدَين والتسويف في ادائه.
الثاني : امساك الاغنياء عن الدَين والإقراض خشية عدم الوفاء.
الثالث : تفويت فرصة تنمية ملكة العدالة التي تتفرع عن الشهادة.
الرابع : التفريط بشرط العدل في الكتابة يؤدي الى الزور والغش والكيد والمكر , وإلحاق الأذى بأحد طرفي العقد او بهما معاً.
الخامس : عدم لحاظ العدالة في الشاهدين يحتمل ان يؤدي الى تحريف الوقائع ومقدار الدَين واجله، والتشكيك بالكاتب نفسه الذي توخى العدل في كتابته , لذا فمن حـق الكاتب ان يتكلم ان رأى استحقاق الشـاهد للجــرح والذم لعمومات الأمــر بالمعــروف والنهي عن المنكر وللمحافظة على سلامة العقد وخشية الاساءة له في وظيفته الشرعية.
السادس : كساد التجارات لان التاجر الفرعي لا يبيع الا بالثمن الحال لعدم استطاعته أحياناً شراء بضاعة جديدة الا بدفع العوض عند استلام البضاعة، والتاجر الكبير لا يبيعه الا بالنقد والثمن الحال، وهو يرى ان حبس البضاعة الى حين خير من بيعها بدين يرجح عدم قبضه , وهو لا يعلم ان الاخطار والأضرار المحتملة لحبس البضاعة اكبر من بيعها بالدَين بهذه الصــورة، فتتعطـل التجارات ويتركها اهلها، ويميل الناس الى التبادل في الاعيان كما في العصور الاولى للانسانية مع الفارق، لان هذه الطريقة البدائية لا تصلح للواقع الحالي، فاغلب البلدان تشتري حاجاتها من مدن وامصار اخرى بواسطة التجار والاسواق، كما تدل عليه سورة قريش ، قال تعالى [لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( ).
إذ تستعد قريش لموسم الحج وأسواق مكة حينئذ بل وطيلة أيام السنة ومثلاً كان عدد إبل قافلة أبي سفيان التي اتخذتها قريش ذريعة للقتال في معركة بدر ألف بعير محملة بالبضائع ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يقصدون الإستيلاء عليها ، إنما كانوا في سرية استطلاع وتبليغ كما سيأتي في أجزاء (لم يغز النبي (ص) أحداً) ( ).
وكانت لقريش رحلتان في السنة للتجارة، رحلة في الشتاء الى اليمن، وفي الصيف الى الشام.
علم المناسبة
قد ورد لفظ اقسط مرتين في القرآن، في هذه الآية، وفي قوله تعالى[ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ]( )، مما يدل على لزوم العناية بتوثيق الدَين والشهادة عليه، وضبط احكامه، وانه من موازين العدل في الأرض.
ووجه الإلتقاء بين الآيتين ان نسبة الاولاد إلى أبيهم تثبيت للمجتمعات والاصول والمواريث، وتعاهد للارحام وعون على مشاق الحياة وحصن ضد الفتن ، فالنسبة للآباء وثيقة اجتماعية وتأريخية وحفظ يومي متصل للانساب، وينفع في تثبيت الانتماء للاسلام في الأجيال اللاحقة خصوصاً في زمان تداخل الحضارات وتقارب البلدان , وفي المناطق التي يستضعف فيها المسلمون.
أما هذه الآية فانها تثبيت للاموال والملكيات الخاصة وحث على ابراء الذمم، ومناسبة لمنع التعدي على الآخرين، وهناك مناسبة موضوعية بينهما , وهي اعطاء الدَين لورثة الدائن ولا يتحقق الا بمعرفة الانساب سواء كان الورثة من المرتبة الأولى وهم الأبوان والأولاد، او المرتبة الثانية وهم الأجداد والأخوان، او الثالثة وهم الأخوال والأعمام، فالمدار والتحديد والتقديم والتأخير على الأنساب.
والآيتان مجتمعتان تؤكدان الأهمية الموضوعية والعقائدية لكل من الأنساب وأحكام الديون .

بحث كلامي
القسط هو العدل، قال تعالى [قَائِمًا بِالْقِسْطِ]( )، والعدل لغة التسوية بين الشيئين، وفي اصطلاح علم الكلام هو العلوم المتعلقة بتنزيه الخالق سبحانه عن فعل القبيح.
واختلف المعتزلة والاشاعرة في الحسن الذاتي للافعال، فقال المعتزلة ان من الافعال ما هو حسن بالذات قبل ان تصل النوبة الى حكم الشرع، كالعدل والاحسان والصدق النافع، ومنها ما هو قبيح ذاتاً كالظلم وعدم رد الامانة، ومنها ما لايستقل العقل بادراكه كما في شطر من الأحكام الشرعية كقبح تقديم أداء صلاة الظهر قبل الزوال، فالأمر الإلهي كاشف عن المنع عن تقديمها وعدم صحتها قبل دخول الوقت، كما يكشف عن صحتها وحسنها اذا جاءت بعد الزوال، ويزداد الحسن بلحاظ وقت الفضيلة.
اما الأشاعرة فقالوا انه لا حسن ولا قبح ذاتي للاشياء أصلاً، انما الحسن ما حسنه الشارع , والقبيح ما قبحه الشارع.
والنزاع بينهما صغروي , للاتفاق بان الله جعل العقل عند الانسان رسولاً باطنياً، ومقدمة خلقية وعوناً على الايمان والاهتداء لحقائق الاشياء والأحكام الشــرعية، فاذا أدرك الانســان بالفطــرة وحكــم العقل حسناً أو قبحاً في الشئ , فهذا الادراك من فضله ونعمته واحسانه تعالى على الإنسان، وكأن ادراك العقل مقدمة لحكم الشريعة وتهيئة لقبول احكامها فيدخــل ضــمن ســنن اللطــف الإلهي، وعلــى القول بانه ليس للافعال حسن او قبح ذاتي , فان العقل ينقاد الى الشريعة في تلقي الاحكام وهو أمر لا يختلف فيه اثنان من المسلمين فضلاً عن علمائهم.
وظاهر أول الآية الاخبار عن حسن ذاتي للدَين لانها بدأت بقوله تعالى [إِذَا تَدَايَنتُمْ] والدَين موجود قبل الاسلام سواء لحسنه الذاتي او لورود الشرائع السابقة به , أو لحاجة الانســان له وثبــوت نفعه بالوجدان الا انه لايفيد القطع , لأن الجملة الشرطية تدل في دلالتها التضمنية على الحث على الدَين والقرض بالاضافة الى النصوص من السنة النبوية الشريفة التي تؤكد حسن الدَين والقرض وما فيهما من النفع العظيم.
وموضوع الديون مصداق لصغروية النزاع بين المعتزلة والاشاعرة لحسن الدَين شرعاً وعقلاً وعرفاً سواء جاء هذا الحسن من كشف الشارع عنه او من ادراك العقل او من الوجدان والعرف، وهذا الشطر يدل على الحسن الذاتي للدين , وان القرآن وضع له ضوابط واحكاماً تمنع من جعله سبباًِ للاذى والضرر والفتنة.
ومن اسماء الله الحسنى (المقسط) وهو الحكم العادل، واقسط افعل تفضيل، أي ان التقيد باحكام وشرائط الدَين اعدل عند الله، وفيه مسائل:
الاولى: التداين وفق القواعد الشــرعية وســيلة مباركة للتقرب اليه تعالى.
الثانية: الدَين وكتابته والشهادة عليه سبب لنيل الثواب والاجر.
الثالثة: ان الله عز وجل عدل ويحب العدل ويحث عليه.
الرابعة: الدَين والقرض من مواضيع العدل والانصاف، وهو من موارد الحكم بين الناس، فبالتقيد باحكام وشرائط الدَين تكون اطراف العقد من الدائن والمدين والكاتب والشاهد قد التزمت بالحكم الشرعي، وحالت دون الظلم والجور.
الخامسة: ان أعمال الناس تلحظ وفق موازين العــدل الذاتية، أي بقربها من مفاهيم العدل او بعدها عنها، وهــذا غير مسـألة العدل والانصاف في الحكم بينها، والنظر الى مدى الحسن والقبح فيها شرعاً فالدَين وفق الشرائط أمر ممدوح مما يعني نيل مرضاته تعالى به.
السادسة: ان الله عز وجل يحب ان تكون افعال الناس موافقة لاحكام العدل والصلاح, وان نفخ الروح في الإنسان يتجلى بأفعال الخير.
السابعة: في الآية دعــوة لإجتنـاب مقدمات الظلم والتعدي وتحذير منهما.
الثامنة: ورود الآية باسم التفضيل (اقسط) آية اعجازية لما فيها من مضامين قدسية تدل على السعة في الحكم.
قوله تعالى [وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ]
هذه الآية من القواعد الإمتنانية لأنها تتضمن تفاصيل وأحكام الشهادة بما يجعلها متكاملة خالية من النقص المخل، وهي دعوة الى رجال التشريع والقانون، والذين يتولون الفصل بين الناس في جميع القرى والأمصار بالرجوع الى القرآن , وتوخي القواعد التفصيلية للحكم بين الناس , واجتناب الثغرات ألتي تحول دون العدل والإنصاف، فأحكام هذه الآية تبدأ من أول مراحل العقد والبيع، ومن الإعجاز انها لم تنحصر بمرحلة الوفاء بالدَين وضمانه، بل تضمنت ما يجب فعله لضمان الدَين عند الشروع به , فهي حث على اقراض الآخرين، فمتى ما ادرك صاحب المال وجود ضمانات لإسترداد ماله فانه يميل الى الدَين خصوصاً مع الترغيب فيه، والأخبار عن عظيم منافعه الدنيوية والأخروية.
ان التقيد بأحكام كتابة الدَين سواء كان صغيراً او كبيراً وسيلة لإستقامة وديمومة الشهادة، لأن التفصيل بالقيام بالشهادة في الدَين الكثير المناســب والمســتحق للشــهادة في نظــر المتعاقــدين او العــرف وترك الشــهادة بالدَين القليل ونحوه , يضــعف الشــهادة ويأتي على شــطر منها ويكون مقــدمة لزوالهــا في العقــود والديون أو لا أقــل نقصها وأنحسارها وعدم اعطائها موضوعية واعتباراً ثابتاً في كل دين وقرض.
فما دامت العقود لا تتقوم الا بالشهادة، فلابد من وضع القواعد التي تجعل الشهادة ركناً من أركان عقود البيع والدَين والقرض، فجاءت هذه الآية للإخبار عن لزوم ضبطها بأحكامها، وتحبب الآية الشهادة الى النفوس وتمنع من النفــرة منها وهــجرانها , والتخفيــف من شـأنها واهميتها , وتحث على تكاملها , والإعتناء باختيار الشهود , وعدالتهم والرضا عنهم.
والعطف بالواو في الآية توكيد لحسن تقوم وإستقامة الشهادة , وإنها مما يرضي الله ويحبه , قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ( ) فالعمل بمنطوق الآية أمر يحبه الله، ومحبته تعني تغشي أطراف العقد والدَين بالفيض والبركة وحصول الوفاء وقضاء الدَين , وما يرضي الأطراف جميعاً ويفتح عليهم أسباباً من فضله تعالى.
الشهادة على الوالدَين
وهل تجوز شهادة الولد على أبيه أو على أمه أو عليهما معاً ، الجواب نعم ، لقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالدَين وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا]( ).
إلا أن يكون هناك ضرر في البين فتكون قاعدة لا ضرر ولا ضرار حاكمة .
إذ تبين هذه الآية عدم التعارض بين هذه الشهادة وبين بر الوالدَين ، إذ ذكرتهم الآية لبيان الأولوية في الشهادة على غيرهما ، وشهادة الوالدَين على ولدهما.
وقد تكون في هذه الشهادة نجاة لهما في النشأتين ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]( ).
(وقال مالك وأبو حنيفة : شهادة الزوج لزوجته لا تقبل لتواصل منافع الأملاك بينهم وهي محل الشهادة وقال الشافعي : تجوز شهادة الزوجين بعضها لبعض لأنها أجنبيان وإنما بينهما عقد الزوجية وهو معرض للزوال)( ).
علم المناسبة
ورد لفظ (اقوم) اربع مرات في القرآن , والثلاثة الاخرى جاءت في العبادة ومناسك الهداية، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..]( )، وقال تعالى [إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً]( ).
وهذه الآية وردت بقيد وهو انها اقوم للشهادة، ولكن الشهادة من مصاديق العدالة والتقوى فكأن مجئ (أقسط) في هذه الآية اشارة الى كون الشهادة من افراد الهداية والايمان، لذا قيدت بالعدالة وفيه أمارة على موضوعية المعاملات في مسالك التقوى، وانها لا تنحصر بالعبادات، واداء الدَين.
والشهادة على الحقوق من اسباب تثبيت الايمان في الأرض , ومن مقدمات اداء الصلاة والزكاة.
وستبقى هذه الآية تفسيراً ومصداقاً لقوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ..]( )، وانها تفتح الباب للبحوث والدراسات لما يقومــه القرآن ويصــلحه ويجعله مستقيماً، يُقال قوّم درأه: أزال عوجه.
ومما يقومه القرآن في نزوله وآياته وأحكامه موضوع التداين , وهذا يعني أمرين:
الأولى : أهمية التداين في حياة المسلمين وآخرتهم.
الثانية : التداين فرد مهم من وجوه المعاملات , ولزوم ضبطها بالرجوع الى القرآن والسنة.
والتقيد باحكام آية الدَين أقوم للافراد والمجتمعات، قال تعالى [وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ ..]( ).
وجاءت الآية مقيدة بانه (أقوم للشهادة) مما يعني ان الشهادة خارجة بالتخصــص , وان المراد من (ذلكم) ما هو اخــص من الشــهادة، فيتعلق اسم الاشارة (ذلكم) بتفاصيل الشهادة مثل بدلية امرأتين عن رجل واحد، وعــدم الامتناع عن الشــهادة، والحــرص على كــتابة الدَين, وان كان قليلاً الى أجله وأوان قضائه، ولكن الكتابة تدخل في تثبيت الشهادة.
وتفاصيل الشــهادة ذاتها الواردة في الآية توثـيق واستقامة لها.
فأحكام الكتابة وتعدد الشهود وعدم الاعتذار عن الشهادة أقوم للشهادة وصدقها واستقامتها وعدم الميل فيها، وهذا أمر ظاهر للعيان مدرك بالوجدان، فاذا اقترنت الشهادة بكتابة وثيقة الدين، فان الشهادة تعتدل ويكون الميل والتغيير ابعد عنها، او انها تكون في منأى عنه، خصوصاً عند ختم الوثيقة من قبل الشهود ايضاً كما هو المتعارف.
وعطف (أقوم للشهادة) على قوله تعالى [أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ] يدل على المنافع الدنيوية لاستقامة الشهادة , وانها وسيلة لمرضاته تعالى.
قوله تعالى[وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا]
ذكرت الآية ثلاثة منافع عظيمة لتوثيق الدَين، كل واحدة منها تستحق على نحو الاستقلال العناية باحكام هذه الآية والحرص على التقيد بها وعدم التفريط بأي فريدة منها.
وتظهر الآية لغة القرآن في اكرام المسلمين وعدم رميهم بالكذب وتحريف الدَين وتغيير تفاصــيله وأجــله، بل جــاءت بطرد الريب والشــك من النفوس، أي ان الكتــابة تطــرد مسمى الغضاضة والبغضاء، لأن الأصل هو تعاهد الأخوة الاسلامية في الدَين، وان حصل فيه خطأ وخلل فانه لا يضر في وحدة المسلمين , وحال التآخي والمحبة بينهم ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
فالكتابة والشهادة لهما منافع اخروية عظيمة، ولهما منافع دنيوية عاجلة , منها إمتناع الشك وطرو الريب وحصول قلق النفس واضطرابها ، وتبين الآية تفضل الله سبحانه بارادة السعادة والغبطة النفسية للمسلمين ســواء على نحو القضية الشــخصية بســكينة وطمأنينة كل مسلم دائناً او مديناً، او فرداً من أفراد اسرهم وغيرهم، او السعادة النوعية للمسلمين، ومتى ما كانت الخصومات قليلة , فانه دليل السلامة وعنوان القوة والمنعة، وهو مناســبة كــريمة لاداء العبادات بانقطاع الى الله عز وجل.
وعدم الإرتياب في الآية جاء مطلقاً , وبلحاظ موضوع الآية ينصرف الى مقدار وأجل الدَين، ولكنه أعم، فمن أسرار الآية انه جاء مطلقاً وبصيغة التنكير ويحتمل وجوهاً متعددة منها:
الأولى : طرد الشك في الشهود وعدالتهم.
الثانية : المنع من رمي الكاتب بالتقصير.
الثالثة : ســوء ظــن الدائن بالمدين، وظنه بنقصان مبلغ الدَين او ابعاد الأجل.
الرابعة : حنــق المدين علــى الدائن , واتهــامه بزيــادة المبلــغ او تقريب الأجل.
الخامسة : الشك في احكام آية الدَين والاستماع الى قول المرجفين وأهل الريب بوجود ثغرات وخلل في احكام آية الدَين.
السادسة : لو لم تذكر الآية كتابة الدَين القليل والمقدار القليل منه، لقيل ان الآية تنصرف الى الديون الكبيرة المعتبرة، ولكن الشك يطرأ في الصغير والكبير، فلذا جاءت الآية لنفي الارتياب وغلق ابوابه وطرد اسبابه المحتملة.
الثامنة : لا يستغرب أحد طول آية الدَين لأن منافعها تتعدى الدَين، وتهدف إلى اصلاح النفوس والمجتمعـات، وتبعث أحكامها على القوة والمنعة, ودوام الغبطة والسعادة وسلامة العقيدة.
ورب قائل يقول ان كان لشرائط عقد الدَين مثل هذه الخصوصية والتأثير في العبادات والمعاملات فهل يمكن الإستغناء عن شرائط الدَين ، والجواب من وجوه :
الأولى : قد تقدم ان الأعمال التجارية تحتاج البيع بالنسيئة أو السلف.
الثانية : لقد حرم الله عز وجل الربا , وجعل البيع والنسيئة والقرض بديلاً حلالاً مباركاً عن الربا ، قال تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ).
الثالثة : ما في الدَين والقرض من الأجر والثواب، يستحق تعاهد الدَين وتعاطيه.
الرابعة : الدَين والقرض جزء من مقومات الوجود الإنساني , وأسباب دوام المعيشة فلولا الدَين لأتجه بعض الناس الى السرقة والنهب، والنهب هو الغصب العلني المكشوف , ففتح الله عز وجل باب الدَين والقرض لتثبيت النظام العام في المجتمعات ومنع التعدي منه الى الربا، فالتداين جزء من نظرية الوسط في الإسلام وبرزخ دون الإفراط والتفريط بمنع الدَين او بخصوص الربا.
الخامسة : قد بينت الآية ما في شرائط الدَين وتعيين مقداره وأجله من المنافع وهي:
الأول : إنه أقسط عند الله.
الثاني : أقوم للشهادة.
الثالث : أقرب الى عدم الشك وإلإرتياب في مقدار وأجل الدَين.
والأول من مفاهيم التوحيد , وفعل الصالحات , وموارد الثواب.
اما الثاني فيتعلق بالمعاملات واصلاح المجتمعات , ومنع الكدورات والحيلولة دون ارتكاب الذنوب التي تتولد عن حبس الدَين , والإمتناع النوعي العام عن القرض ودفع الضرر عن الغير.
اما الثالث أعلاه فهو اشارة الى تهذيب النفوس وازاحة الغشاوة عنها.
الخطاب في آية (الا ترتابوا)
فيه وجوه:
الأولى : انه موجه الى طرفي العقد الدائن والمدين، وجاء بصيغة الجمع لإرادة كل متداينين , ولفك الخصومة التي قد تحصل بسبب الإختلاف في الدَين والقرض مقداراً وأجلاً.
الثانية : انه موجه للأمة في الحث على التأكد من خصائص معاملة من معاملات الدَين، والدعوة الى عدم التفريط ببعضها , ولأن الخلل والخطأ في معاملة واحدة من معاملات الدَين يؤدي الى أضرار عامة في المجتمع، وفتور في الصلات الأخوية.
الثالثة : إلى الكاتب والشهود , وطرد الشك عنهم في الدَين وخصائصه، لما في الكتابة والشهادة من إشغال للذمة الذي يتفرع عنه الحرص لإبرائها واجتناب السخط الإلهي وسوء السمعة بين الناس، فلو اتضح تقصير الكاتب او الشاهد في العقود والديون فانه على قسمين:
الأول: الخطأ والسهو في ذكر المقدار او الأجل او غيرهما.
الثاني: العمد والقصد في تغيير الحقائق.
وبالنسبة للأول فان الناس توجه اللوم الشديد لهذا الكاتب أو الشاهد ويقل او ينعدم الإعتماد عليه في الشهادة ونحوها مما يتطلب الأمانة والأخلاص، لأن الكاتب أصبح في معرض فقد شرط الكتابة بالعدل، والشاهد صار ممن لا يرضى بشهادته لغلبة السهو والنسيان عليه.
وبالنسبة للثاني وهو العمد فهو ايضاً على قسمين:
الأول: فيما يخص الكاتب.
الثاني: فيما يخص الشاهد.
فبالنسبة للكاتب يكون التحريف والتغيير العمدي من خيانة الأمانة ومخالفة القواعد الشرعية، اما الشاهد فان شهادته تعتبر حينئذ من شهادة الزور , وهي من الكبائر ولا تنفع معها الكفارة، نعم يمكن التدارك بالتوبة والندم ودفع الضرر، بخسارة ما فات أحد الطرفين او كليهما من المال وما لحق بهما من الضرر لعمومات أدلة التوبة والضمان الشاملة للمقام ، ولقاعدة لا ضرر ولا ضرار.
ولكن الآية جاءت لتمنع من هذا التقصير بقسميه وتحول دون حصول الإضرار واللجوء الى التوبة وهو أمر محتمل، فقد تدرك التوبة بعض المقصرين دون الجميع ولتثبت قواعد وأحكام الدَين والقرض مما فيه سلامة الدَين وقوام الحياة الدنيا والإستقرار العام فيها الذي يجعل الناس متحدين ومتفرقين يلتفتون الى واجباتهم العبادية ويتفكرون في أسرار الخلق , ويتدبرون في حياتهم وكيفية الإنتفاع من الوقت والعمل لتحصيل مصلحة الدَين والإكتناز من الصالحات.
ان الإستقرار في الحياة اليومية والمعاملات سبيل الى معرفة أحوال الآخرة والتدبر فيها، وان كانت المتاعب والإبتلاءات والعسر والحرج تصلح ايضاً وسائل للإيمان والإقرار بقوة قاهرة تسير الوجود , وتستجيب لها الخلائق , لا تفيد التثنية او التعدد، وهو أمر محصور بالله عز وجل إلهاً ورباً ، قال تعالى [لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ).
وبينما ذكرت الآية القسط والعدل ,وان اتمام أحكام الدَين أقسط عند الله وفيه سكينة واستقامة الشهادة، ذكرت عدم الإرتياب على نحو القضية المهملة لعدم الفصل في الموضوع , والإشارة الى مبغوضية الشك والإرتياب مطلقاً ولزوم اجتنابه، وفيه دعوة الى التأكد والتثبت من تفاصيل الدَين والإستماع ممن عليه الحق , وهو يملي الدَين مع لزوم التأكد من موافقة وإمضاء صاحب المال لما يقوله المدين.
علم المناسبة
وردت مادة (الريب) ولفظ ( ارتاب) في عدة مواضع من القرآن، الا انه لم يرد بلفظ الخطاب بصيغة المفرد او الجمع الا في هذه الآية، مما يعني أهمية موضوع الدَين ووثيقته , والحاجة فيه الى الوقاية من مواطن الشك والريب.
ومن الإعجاز ان مادة (ريب) جاءت في ست وثلاثين موضعاً من القرآن كلها تتعلق بالتوحيد والإيمان والنهي عن الشك والجحود والريب في أمر النبوة وآيات التنزيل الا في هذه الآية فقد تعلق الإرتياب بموضوع الدَين، وهذه الكثرة في مادة ريب في القرآن وانفراد هذه الآية من بينها بتعلقها بموضوع الديون يدل على ان شرائط الديون وضبطها من الإيمان وسبيل لطرد الشك والوهم والجحود مما يملي على المسلمين اعطاء أولوية لأحكام الدَين والقرض لمدخليتها في أحكام الشريعة, وبقاء كلمة التوحيد في الأرض.
ان الحرص على كتابة الدَين من دون تحريف او تغيير او تعد وتحمل الشهادة بالعدل ومعرفة مقدار الدَين والأجل يمنع من الشك ليس في القرض والدَين وحده بل ما هو أعم منه، خصوصاً وان الآية جاءت مطلقة (الا ترتابوا) ولم تقيد الإرتياب بموضوع الدَين.
وتعدد ورود مادة الريب في القرآن وانحصارها بلزوم الإيمان واجتناب الشك والريب في واجب الوجود وأصول الدَين, فاذا كان اتقان شرائط الدَين والقرض مانعاً من الشك والريب في الخلق والنبوات ، فيجب ان يشترك الجميع باتقانها وتعاهدها والمنع من التفريط او الإستهانة ببعضها ، وتأتي الكتابة والشهادة لضبط مقدار وأجل الدَين ولكن منافعهما تتعدى موضوع العقد لترتبط بتوطيد أحكام الشريعة في الدَين ومنع الفساد والشقاق الذي يسبب الفرقة والفتنة.
(مؤسسة الديون)
ويمكن انشاء مؤسسة للتأمين خاصة بالديون والقروض وبنك لاربوي ولكن بشروط اهمها خلوها من الربا وأسبابه ويجوز تحميل الدَين مبلغاً اضافياً من أجور المؤسسة والموظفين او تدارك الديون الأخرى التي يتعسر على أصحابها أدائها، فوظيفة المؤسسة مركبة من أمور:
الأول: ضبــط الديــون وكــتابتهــا والشــهادة عليهــا ، وتذكــير المــدين بها.
الثاني: المساهمة في اعانة المدين الذي يعجز عن الدَين بقضاء دينه كلاً او جزء، ويمكن ان يكون المبلغ المدفوع عنه ديناً في ذمته من غير فائدة او زيادة , مهما كان عنوانها فلا يجب عليه الا اداء المبلغ المدفوع نيابة عنه وفي حال السعة، مع إمكان اجراء المصالحة والتراضي مع الدائن ومن غير اضرار به او إكراه.
الثالث: جمع التبرعات للأداء نيابة عن المدين غير القادر على الأداء، ويجوز ان تأخذ الإذن باستلام جزء من الزكاة (سهم الغارمين) بشرط ان يكون هذا الجزء مقداراً معلوماً ومخصوصاً من الزكاة وليس اذناً مطلقاً بجمع الزكاة واستيفائها ولا على نحو الإجبار والإكراه بهذا القسط، فمن القواعد التي يجب ان تبقى ثابتة حق صاحب الزكاة في دفع الزكاة أو شطر منها الى من يراه من المستحقين والغارمين الا مع وجود الدليل على الخلاف ولزوم الرجوع الى الحاكم الشرعي في الصرف او التسليم.
وهذه المؤسسة لا تخرج عن عمومات قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ] لأن وظيفة هذه المؤسسة جعل حال ميسرة عامة للمداين، فهي رحمة وتخفيف عن الدائن والمدين بالإضافة الى إحراز المنافع العــديدة التي يتضمــنها موضــوع الدَين والقــرض، ويشترط ان لا تــتــولى هــذه المؤســســـة الا المعاملات التي تشــرف على بداياتـها وكتابتها والشهادة فيها وموضوعها، وانها لا تخلو من منافع وسبب شرعي او عقلي للقرض، ويجوز ان تعالج حالات الديون التي فات أجلها مع السعة ووجود الراجح الشرعي وان لم يتم العقد بعلمها واشرافها.
ويشترط خلو انظمتها ومناهجها من الحرام , وما يؤدي الى الفساد، اما مجرد توثيق الديون فهو مسؤولية جميع المسلمين كما تدل عليه هذه الآية، بالإضافة الى تولي دوائر كتاب العدل ذات الصبغة القانونية ونحوها في التوثيق.
الرابع: لا يجوز ان تعتمد هذه المؤسسة انظمة الأرباح وجمعها او توفير الفائض والإحتياطي اكثر من اللازم او مشاركتها في مشاريع ربوية بحجة تأمين قضاء الديون ، فمن أهم أســباب انشائها ان تكون اشــــراقـة عقائدية تؤكد امكان تصريف الأمور المالية من غير ربا او تحمل الدائن للأرباح والفوائد.
الخامس: هل تقوم هذه المؤسسة نفسها بالإقراض والإدانة والشراء بدل المدين، الجواب : نعم ، مع الإمكان فهي مؤسسة خيرية محضة، الغرض منها تعاهد الصلاح، والإصلاح في النفوس والمجتمعات ودرء الفتن، ودفع اسباب اللجاج، ومنع الحرج والأذى عن المدين.
السادس: يجب ان تكون (مؤســســة الديون) عوناً على تنظـــيم معاملات الديون، وتثبيت احكام هذه الآية الكريمة فلا يصح ان يقتبس اقتراح من أنوار الآية القرآنية ليجري الإلتفاف عليه، والتهــاون في أنظــمته، وقواعــده، بل يجب ان تكون انظمة وعمل هذه المؤســســـة والبنك اللاربوي مستقرأة من القرآن ومن إفاضات هذه الآية، لتكون الآية حاضــرة في كل يوم عند أهل كل بلدة من بلاد المسلمين، وتحصين هذه المؤســسة من المعاملات الربوبية التي تشم منها رائحة الربا مسؤولية عشاق القرآن والمسلمين جميعاً الذين ورد ذكرهم في أول الآية الكريمة، وعدم انشائها أفضل من جعلها ربوية أو تكون سبباً في حصول الربا واشاعة الفساد ، قال تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]( ).

قوله تعالى [إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا]
قُرأت (تجارةٌ) بالرفع وفيه وجهان:
الأول: احتساب كان تامة، وان الكون بمعنى الحدوث والوقوع.
الثاني: تكون تجارة اسم كان، والجملة الفعلية تديرونها خبرها.
والأصح الثاني ، وهو المرسوم في المصاحف وهو الأقرب الى السياق وأصول اللفظ العربي ودلالاته .
والتجارة الكسب بانتقال شيء مملوك من شخص الى آخر بعوض مقدر بالتراضي، يقال تجر يتجر تجراً فهو تاجر والجمع تجر وتجار.
بعد الأحكام والشرائط والإرشاد والإحتياط الذي تضمنته هذه الآية، والتوكيد على كتابة الدَين والشهادة عليه بشرائط خاصة في الكتابة والشهادة، جاء الإستثناء والتخفيف في فرد من أفراد التجارة والبيع وهو التجارة الحاضرة.
وقد ورد لفظ التجارة في القرآن ثماني مرات، مرتين في تجارة الآخرة والسعي لكسب الصالحات، ومرتين من باب المثال، قال تعالى [رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ] ( )، [قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ]( )، وأربع مرات في التجارة بمعناها الإصطلاحي المتعارف وهي الكسب والبيع والشراء، ولم يرد وصف التجارة بانها حاضرة الا في هذه الآية، وورد لفظ حاضرة بمعنى المكان بقوله تعالى [وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ]( ).
وقيد الحاضرة للتجارة يفيد شمول التجارة للمعنى الاعم فيشمل النسيئة والسلم الى جانب البيع من يد الى يد في تسليم الثمن والمثمن.
وفي التجارة الحاضرة وجوه:
الأول: البيع نقداً يداً بيد، من غير ان يبقى شئ من الثمن في ذمة المشتري، او شئ من المثمن في ذمة البائع.
الثاني: قال الزجاج: التقدير الا ان تكون المداينة تجارة حاضرة، قال ابو علي الفارسي: هذا غير جائز لان المداينة لا تكون تجارة حاضرة، ويمكن ان يجاب عنه بان المداينة اذا كانت الى اجل ساعة صح تسميتها بالتجارة الحاضرة ) ( ).
والآية أعم أي انهم لا يكتبون الدَين في التجارة الحاضرة لأنها مستثناة من الأوامر التفصيلية في توثيق الدَين , فعدم كتابتها لا يخرج عن وجوه الطاعة والإمتثال لما فيه من قبول الرخصة.
الثالث: التبعيض بان يعطى شطر من الثمن او المثمن، ويبقى الشطر الثاني معلقاً على بيع المشتري له كما يحصل بين تجار الجملة والمفرد في الاسواق المتقاربة او البلدان المتباعدة.
والآية شاملة للوجوه الثلاثة اعلاه، وهذا من اعجاز القرآن في اتساع الاستثناء والتخفيف فيه ومنع الحرج من غير خروج عن قلته بالقياس الى المستثنى منه، فكأن الآية اخبار عن كثرة التداين في المعاملات , وفي اسواق المسلمين، كما يجعل هذا الاستثناء احكام هذه الآية حاضرة حتى في موارد الاستثناء للالتفات والتمييز والفصل بين موارد حكم الكتابة والشهادة، وما يستثنى منها.
ولا تؤخذ الأحكام الشرعية بالدقة العقلية بل بالدقة العرفية، فلا ينحصر الأمر بساعة او يوم واحد بل راجع للعرف في تبادل السلع بين التجار وأصحاب المهن والمصالح .
ولم تترك الآية للعرف تحديد الاستثناء على نحو الاطلاق، لأن العرف يتراخى ويتهاون، وتغلب عليه احياناً الاهواء والمنافع الخاصة، بل جاءت بقيد وهو (تديرونها)، فالدائن والمــدين يتبادلان ذات الجنس او الصنف من التجارات على نحو مستديم.
الإستثناء رحمة
ويدل الإعفاء عن الكتابة في التجــارة الحاضرة على سـماحة الشريعة ، وتنشيط الأسواق ورفع الحرج عن المسلمين في المعاملات اليومية المتصلة.
ويدل على ضرورة التوكيد على احكام كتابة الدَين والشهادة عليه في موارد المستثنى منه، ليكون هذا الاعفاء في مفهومه ، على وجوه :
الأول : إنه عون على الالتفات الى الكتابة والشهادة على الدَين .
الثاني : إنه ملاك للتمييز بين الواجب والمباح، والمحرم والمكروه ونحوه.
الثالث : يضفي علوماً جديدة في مختلف ميادين الحياة.
الرابع : يظهر انواراً وافاضات قرآنية متعددة.
الخامس : ان كلاً من المستثنى والمستثنى منه يعملان على تثبيت دعائم الشريعة وتحصيل مصلحة الدَين وتأمين المنافع في النشأتين.
وآية التداين وما فيها من القيود والإستثناء رحمة ومن مصاديق خاتمة الآية [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]( )، ومن وجوه التقوى العمل بمضامين الآية ، وكل فرد منها تعليم لأجيال المسلمين يستلزم الشكر لله عز وجل.
مجئ لفظ (تديرونها بينكم)
فيه وجوه:
الأول: اشارة الى اتصال المعاملة وتكرارها عدة مرات فتكون في استدعاء الكاتب والشهداء مشقة، ويستلزم جهداً واجرة، مع ان دفع الثمن اما ان يكون في الحال او بعد مدة ليس طويلة لما يدل عليه معنى دوران التجارة.
الثاني: من معاني الدوران في التجارة ان البائــع يكون مرة اخرى مشترياً، والمشتري بائعاً في ذات الجنس او في غيره , وان تعلق الدوران بالأعيان والبضائع.
الثالث: عدم استقرار الدَين في الذمة لســرعة قضائه، او ان الدائن يصبح مديناً ، والمدين يصبح دائناً، والشهادة هنا تسبب حرجاً وارباكاً، فمن الشهود من يشهد على الصورة الاولى، ومنهم من يشـهد على الثانية، فبعض الشهود يرون البائع هو الدائن ولم يحضر المعاملة العكســية اللاحقة، والاخرون يرون ان المشتري هو الذي اصبح دائناً.
الرابع: تعدد اطراف البيع و التداين في ذات العين , فالأول يبيعها على الثاني بالنسيئة، وهذا يبيعها على غيره.
الخامس: عدم ضبــط اجل للدين، بل ان الاداء مرهــون ببيـــع البضـــاعة ونفقتها او مع استلام ثمنها من الاخرين.
فاصل الدَين معلوم, والاجل غير معلوم، ولكنه معروف اجمالاً بلحاظ (تديرونها) فالمشتري يعرف ان البائع يريد اداء الثمن بمدة مناسبة عرفاً وبحسب حال السوق ونوع المعاملة، الا ترى ما يسببه الاخلال العرفي بالاداء من مطالبة التاجر لغريمه التاجر الآخر بالثمن، كما لو كان المتعارف الاداء بعد اسبوع , ولكنه تأخر لمدة شهر، وليس من سبب طارئ فان التاجر الدائن يطالب بالمال.
وهل يستلزم هذا التأخير الزيادة في مقدار الدَين ، الجواب لا ، لأنها زيادة ربوية ، قال تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( ).
السادس: الاداء الدوري الراتب للدين، كما لو كان التاجر يشتري مقادير من الاعيــان، وهو يواظــب على دفع مبلــغ مناســـب من الدَين كل اســـبوع، فيتعذر معــه الاشــهاد في كـل مرة ويكون الاداء من الكلي الذي في الذمة وليس لصفقة واحدة من البيع.
السابع: من اعجاز الآية انها شاملة للوجوه المستحدثة من المعاملات التجارية والتبادل السريع للبضائع والاموال , لان كلمة (تديرونها) تفيد الكثرة والدوران عنوان السرعة والدور والتداخل.
تنشيط الأسواق
والآية بشارة ازدهار التجارة في بلاد المسلمين , وحث ودعوة للاكثار منها سواء في منطــوق الآية او في التخفيف في شرائط توثيقها ، وتحريم الإقتصاد والزراعات.
والآية بشارة شــيوع الأمانة في التعامل التجاري في الجملة، لذا ترى قلة الاختلافات في ابواب الديون ومقاديرها بين التجار، ونادراً ما يحصل فساد ولجاج بسببها، وان اسقط وجوب الكتابة في المقام فانك ترى كل تاجر يحرص على عدم التعامل الا مع من عرف بالضبط والصلاح وحسن الاداء من التجار، وتراهم يعرفون صفات كل واحد منهم في معاملة وتفاصيل الدَين والقرض، فمن الإعجاز ان تترشح منافع الكتابة والشهادة في المستثنى منه على المستثنى، وهذا من إعجاز مدرسة القرآن.
ومن إعجاز الآية تقليل الخسائر والخصومة في باب الديون ، ومن اللطف الإلهي مجئ آية الصدقات بسهم للغارمين الذين غلبت عليهم الديون ، ليكون منه إحتساب التاجر الدائن شطراً من زكاة ماله باسقاطه عن المدين ، قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
وجاء وصف الحضور للتجارة من باب المجاز، وفيه دلالة على موضوعية التجارة الى قسمين او اكثر:
الاول: تجارة حاضرة.
الثاني: تجارة ليست حاضرة.
ولابد من مائز لهذا التقسيم الذي اوجده القرآن ومنه:
الاول: التجارة الحاضرة التي ليس للأداء فيها اجل معلوم او انه موجود ولكنه قريب وحاضر، اما غير الحاضرة فهي التي يكون للدَين فيها اجل معلوم يتفق عليه الطرفان.
الثاني: التعدد والكثرة في الحاضرة، بخلاف غير الحاضـرة التي تكون على سبيل الانفراد والقلة.
الثالث: الدوران عنوان وحدة المهنة والعمل في اطراف التجارة الحاضرة.
وجاء القيد في الإستثناء من الكتابة على فروع وهي:
الأولى : انها تجارة وليس قرضاً اوديناً او صفة بيع شخصية بين الطرفين.
الثانية : التجارة حاضرة قريبة متداولة.
الثالثة : تشمل التجارة الحاضرة عقد البيع الحال ايضاً لاجراء القبض والانتقال بين الطرفين وعدم انشغال الذمة بالمال.
الرابعة : دوران التجارة بين الاطراف، والتبادل المتصل وكثرة تعاطي البيع والشراء بين ذات الاطراف.

بحث بلاغي
الإطلاق في المصطلح البلاغي هو ذكر جزئي الجملة المسند والمسند اليه، فيكون الحكم خالياً من التقييد، ويكون السامع في مندوحة مثل (محمد نبي) (الصيام جنة) والإطلاق هنا قريب من معنى الإطلاق في علم الأصول وهو الماهية كما هي من غير قيد والقيد من جهات :
الأولى : الصفة .
الثانية : الشرط .
الثالثة : الغاية .
اما اذا جاءت زيادة عليهما تخص المسند او المسند اليه، فالحكم حينئذ مقيد كما في قولك (محمد رسول الله) ومن القواعد البلاغية انه كلما كثرت قيود الحكم فانه يزداد وضوحاً وتخصيصاً ويقل فيه اللبس والاشتراك في المعنى.
والتقييد يكون بالتوابع وضمير الفصل والنواسخ، وأدوات الشرط والنفي، والمفاعيل الخمسة، والحال، والتمييز.
والتوابع خمسة وهي :
الأول : التأكيد .
الثاني : النعت .
الثالث : عطف البيان .
الرابع : عطف النسق .
الخامس : البدل .
ومنهم من جعلها أربعة، بالجمع بين عطف البيان والنسق، والاكتفاء بالعطف.
وســميت توابــع لانها تتبع ما قبلهــا في الإعــراب ، والتوكيـــد في هذه الآية يبدو في قوله تعالى [أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ] عــلى القول بان (هو) تأكيد للفاعــل المســتتر .
أما النعت فهو تابع يخــصــص متـبوعه، ويتضــمن مـدحه أو ذمه أو توكيده ، ويتبعه في الإعراب، والتعــريف والتنكــير بقـولـــه تعالى [ تِجَارَةً حَاضِرَةً] ويفــيـــد التخصيص.
والثالث عطف البيان, ويؤتى به للبيان والمدح وإيضاح وتخصيص المتبوع , ومنه قوله تعالى [أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ]( ).
والرابــع البدل وهــو لغــة العــوض، وفي الإصــطلاح تــابــع مقصــود بالحكــم بلا واســطة، وقد يأتــي البدل للكــل كـما في قوله تعالى [صِرَاطَ الَّذِينَ] ( )، او يأتي بدلاً عن بعـض اشتمال او إضراب.
والخامس عطف النسق، وهو بالواو لمطلق الجمع، كما في قوله تعالى [وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ] وبالفاء للتعقيب والجمع والترتيب كما في قوله تعالى [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى].
ويتكرر التقييد في هذه الآية لتوكيد الحكم وبيان خصائصه، وهذا التكرار مصداق لما في القرآن من البيان والتبيان وبعده عن حد الإغلاق واللبس والتعمية.
وفيه حث على الإستجابة وتيسير للإمتثال، فكلما يرى العبد كثرة قيود الحكم فانه يحرص على اتيانه ويلتفت الى تفاصيله ويستحضر بالوجود الذهني تلك القيود على نحو إجمالي.
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية وجوب تلاوة القرآن في كل ركعة من الصلاة اليومية الواجبة وكذا النوافل ، ليكون فيها تذكرة وموعظة وبعث للعمل بأحكام آيات القرآن.
بحث بلاغي اعجازي
من علوم النحو والبديع الاستدراك والإستـثناء، وهو في النحو اخراج شئ من حكم شئ آخر بواسطة احدى أدوات الإستثناء واخراج القليل من الكثير ، كما في قوله تعالى [فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ]( )، فاكثر الجنود شربوا من النهر، والقليل منهم مخرجون من موضوع الشــرب، غير داخلين معهم، ويسمى المخرج من الحكم والفعل مستثنى، والمخرج منه مستثنى منه، اما في البديع فلا ينحصر موضوع الإستثناء بادواته بل يتضمن امراً اضافياً وهو الحسن الزائد الذي يترشح عن الاتيان باداة الإستثناء، وهذا من فنون واسرار اللغة العربية والتي تتجلى في القرآن بأبهى صورة.
ومن الاستدراك في هذه الآية قوله تعالى [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ] فانه لو اقتصر على الرجال لكان فيه حرج وغضاضة على النساء وتلك الغضاضة شبه معدومة في ايام التنزيل، ولكنها تبرز بوضوح في هذه الايام وزمان تداخل الحضارات والاختلاط بالامم التي لا تجعل فارقاً بين الرجل والمرأة في السياسة والمعاملات .
فجاءت الآية اعجازاً قرآنياً يدل على حضور احوال الامم هذه الايام ساعة التنزيل، فجعلت للمرأة نصبياً في الشهادة ، ولتكثير الشهود ، وتنمية ملكة الثقة بالنفس عند المرأة ولزوم اكرامها ، قال تعالى [أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى]( ).
وما تدفعه هذه الآية من الشرور في قادم الأيام اكثر من ان يحصى، كما انها خصت المرأة باعتبار واكرام، وأملت على المسلمين ايام التنزيل وما بعده في الجزيرة والبلدان التي دخلت الإسلام اكرام المرأة واحترامها، لان الآية تثبت اهليتها لتحمل المسؤولية والأمانة خارج المنزل وحفظ الحقوق ، وتكون سبباً لمنع الفرقة والخصومة، وهي دليل على انتزاع المرأة لصفة العدالة، مما يساهم في زيادة ايمانها وتفقهها في الدَين وأحكام الحلال والحرام، وهذا التفقه يؤدي بالنتيجة الى رسوخ الايمان وتنمية ملكة العدالة.
ومن الإستثناء وفق الاصطلاح البلاغي الوارد في هذه الآية قوله تعالى [إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً] فبعد ان جــاء الأمر في الآية بكتابة الدَين مع تباين مقاديره وكميته قل أو كثر وبصيغة التوكيد، جاء إستثناء التجارة الحاضرة لمعرفة مصاديق التخفيف، وهذا الاستثناء عون على تثبيت حكم الكتابة فيما عداه، ويجعل الانسان يستحضر في ذهنه امر الكتابة حتى في حال الاستثناء والتجارة الحاضرة، ويبين الإستثناء ان المستثنى أقل من المستثنى منه، وان الديون التي تستلزم الكتابة اكثر من التجارة الحاضرة موضوعاً ومصاديق واحكاماً.
قوله تعالى [ بَيْنَكُمْ]
اخبار عن حصر الإسـتثناء من كتابة الدَين بالذين يكثر التعامل بينهم من التجار, ويقومون بالأداء الإجمالي الذي ينحصــر بصفقة معينة من الدَين، فحينما يقضي قسطاً او نجماً من الديون لا يقول هذا عن الصفقة الأولى أو الثانية أو التي وقعت في تأريخ كذا, بل يدفع لقضاء جزء من الكلي الذي في الذمة، اما غيره من المتبايعين ممن لم يعتد كثرة الشراء والبيع مع الطرف الآخر, فلابد له من التقيد بأحكام الكتابة والشهادة، بمعنى انك تجد التاجر وصاحب المصنع يبيع بطريقتين، طريقة الكتابة والإشهاد مع الذي ليس له معهم معاملات جارية وحسابات مفتوحة، وطريقة بغير كتابة مع الأفراد الذين لهم معه معاملات متصلة ومتكررة.
وتأتي (بين) ظرف مكان كما تأتي ظرف زمان، وهي في المقام ظرف مكان كعنوان لكثرة البيع والشراء بين ذات الأطراف، ومن مفاهيم دوران التجارة الثقة والإطمئنان بين الأطراف، وهذه الثقة ناتجة عن كثرة المعاملة واتصافها بالصدق.
والإستثناء من الكتابة لا يعني عدم كتابتها اصلاً، بل العكس فاذا كانت التجارة متكررة والبيع والشراء متصلاً , فلابد من كتابته ولكن ليس بطريقة احضار كاتب بالعدل والتوثيق بالشهادة والإملاء من قبل من عليه الحق، بل يكفي فيه توثيق الديون في سجلات خاصة وسندات ويجوز حفظها عن ظهر قلب اذا كانت على سبيل القضية الشخصية والتي لها أجل معلوم ولكنه ليس بعيداً كما لو اشترى حنطة وقال له: أدفع لك الثمن عند عودتي من العمل عصر هذا اليوم.
شمول الآية للتداين بين المسلم وغير المسلم
وهل تدل الآية بالدلالة الإلتزامية على اخراج غير المسلم بالتخصص من هذا الإستثناء ، الجواب لا ، لأنه نوع رحمة وتخفيف، وسبيل لتنمية ملكة الأداء والدفاع وحفظ الحقوق ، ووسيلة لمعرفة موضوعية افراغ الذمة في الدنيا، واجتناب ظلم الناس .
فصحيح أن النداء في أول آية البحث إلى المسلمين ذكوراً وإناثاً إلا أن موضوع الآية أعم ، وتقديره :
الأول : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بينكم .
الثاني : إذا تداينتم بينكم وبين المصارف والبنوك .
الثالث : إذا تداينتم بينكم وبين غير المسلمين .
فوفاء الديون يكون لأسباب:
الأولى : الحرص على الظهور بصفات حميدة عند الناس.
الثانية : التقيد بالقيم الأخلاقية والسنن الإجتماعية والعرفية.
الثالثة : الخوف والخشية من الأنظمة والقوانين.
الرابعة : الحاجة للإستدانة من جديد , سواء من صاحب المال ذاته او من غيره.
الخامسة : اجتناب بيع الرهن اذا كان في البيع رهن كوثيقة على الدَين.
السادسة : تدخل في المجتمعات الربوية مسألة إضافية هي خشية الربا وزيادة الفائدة على الدَين.
السابعة : الخشية من الله ، لذا ذكرت التقوى في الآية على نحو متعدد .
ويتقيد المسلم بأحكام الدَين وقضائه من وجوه :
الأول : التقيد بالأحكام الشرعية.
الثاني : اجتناب الظلم والتعدي، فمن وظائف الكتابة والإشهاد في هذه الآية التنزه عن أكل الدَين , وتضييع أموال الناس، كما يمنعان الأذى واللجاج، ويكونان واقية من الإنكار والجحود.
الثالث : الخوف من الله تعالى وخشية الحساب يوم القيامة، وهذا الخوف ليس من مصاديق الخوف المرجوح الوارد في قول الإمام علي عليه السلام : إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا طمعاً في ثوابك ، ولكن وجدتك أهلاً فعبدتك( ).انه الخوف من العقاب الأخروي .
وقضاء الدَين لا يتعلق مباشرة بالعبادة وأصول الدَين للتسليم بالربوبية وأصــول الدَين، ولكنه الخــوف من المعصــية وما أوعــد الله عز وجل عليه من العذاب، لذا ترى النصوص تحذر من ترك تركة يهنأ بها الورثة، ويبقى الحســاب على صــاحبها للتذكيــر بلزوم الوفاء بالديون وابراء الذمة ، وهذا الأمر هو اهم اسباب الوفاء، وفيه النفع العظيم لدخول قصــد القربة انطــباقاً ضـمن علة الوفاء ولنشر الدَين وتعظيم الشعائر، لأن اظهار الخشية من الله تعالى وجعلها جزء علة للوفاء عبرة وتذكرة بلزوم عبادته تعالى واقرار باليوم الآخر وتهيئ للحساب.
لقد ورد لفظ (بينكم) وهل المراد بين المسلمين أم بين المتداينين ، المختار هو الثاني ، والنسبة بينهما عموم وخصوص من وجه .
لإفاضة معاني التقوى والإيمان على هذه الحصة المستثناة من الديون التي تكتب، ليكون في ذات الإستثناء نوع ضــمان وعهد ايماني وهــذا من إعجاز القــرآن فاســتثنى التجارة الحاضرة من الكتابة وقيدها بانها دائرة بينكم بلحاظ لغة الخطاب في أول الآية وهو [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ليكــون هذا الإسـتثناء مناسبة لتنمية أواصر الأخوة الإيمانية والثقة والمحبة بينهم، ولتكون الديون شهادة على الإيمان بالمبادرة الى الوفــاء بها من غير كتابتها وتوثيقــها وحضـور الشهود لإثباتها.
وهو لا يمنع من شمول الآية للتجارة الحاضرة بين المسلم وغير المسلم أيضاً.
قوله تعالى [فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا]
قد تقدم في باب الإعراب ان (الا) مركبة من (ان) الناصبة للمضارع، و(لا) النافية، (تكتبوا) منصوب (ان) المدغمة في (لا)، ومنهم من لا يدغمها في الكتابة فيكتبها منفصلة نحو: ارجو ان لا أدخل النار) وهو صحيح، ولكن الرسم القرآني توقيفي.
بعد التوكيد والتخصيص والتفصيل في أحكام كتابة موثق الدَين والشهادة عليه، جاء هذا الشــطر من الآية عنــواناً وبين مــوارد التخــفيف وان كلاً من التوكيد على التقيد بالحكم والإعفاء عنه يعملان معاً على ما تشمله عمومات الآية مما لم يذكر فيها , يلحق بالمستثنى منه، وان الإستثناء خاص بما ذكر في الآية، وما يدل دليل او قرينة او إمارة على الحاقه به للسعة ولقواعد وحدة الموضوع في تنقيح المناط ولقاعدة نفي الحرج.
ومع كثرة ورود مادة كتب في القرآن , فانه لم يرد لفظ (تكتبوها) الا في هذه الآية، وجاء الخطاب بصيغة الجمع المخاطب لإفادة عموم المسلمين المجموعي والإستغراقي وغيرهم.
فالكاتب واحد، وورد بصيغة المفرد في الآية ثلاث مرات وهي:
الأول : وليكتب بينكم كاتب بالعدل ، ولم تقيد الآية الكاتب بصفة الإسلام أو الإيمان إنما بالعدل والصدق والنزاهة.
الثاني : يكتب كما علمه الله.
الثالث : فليكتب.
أما في هذا الشطر من الآية فجاء الإستثناء بصيغة الجمع والمراد أطراف العقد:
الأولى : الدائن.
الثانية : المدين.
الثالثة : الكاتب.
الرابعة : الشهداء، مع تعدد التجارة بقرينة دورانها.
ومن دلالات الآية الإعجازية ان عدم الكتابة لا يأتي الا عن تراضِ واتفاق بين الأطراف وهو ظاهر صيغة الجمع.
فترفع الآية الإثم والحرج عن المسلمين في عدم كتابة التجارة الحاضرة، ولكنها لا تلغي اباحتها او استباحتها سواء كان المقصود من التجارة البيع بالنقد او النسيئة المتتالية المتعاقبة مما يدل على التوكيد في المستثنى منه، ووجوب الكتابة او استحبابها المؤكد فيه، ولكن الدَين والقرض وعموم التجارة من أفراد المعاملة وهي مباحة.
ونفي الحرج ورفع الإثم عن التجارة الحاضــرة يدل على تفرع أحكام تكليفية عن الحكم الوضعي فيها لموضوعية البيوع والديون في النظام العام وحياة الناس .
ولقد اراد الله عز وجل للدنيا ان تكون مسكناً مؤقتاً لعبيده وخلقه الذين فضلهم بالنفخ في ابيهم آدم من روحه ، قال تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( ).
فجاءت أحكام الديون جزء من حفظهم وصيانة معاملاتهم , ومقدمة لأدائهم الفرائض والعبادات، وتضــمنت التشديد والتوكيد على تعاهدها والتقيد بها، ومن وجوه التقيد بها اخراج بعض أفراد البيع منها، وهي هنا التجارة الحاضرة سواء كانت من الإستثناء المتصل بلحاظ أنها من أفراد الدَين، او من الإستثناء المنقطع لأنها ليست من الدَين وتتعلق بالبيع نقداً.
وحتى على فرض انها تشمل البيع بالنسيئة او السلف وهو المختار، فبعض أفرادها يكون من الدَين، وبعضها يكون من البيع، وكلاهما مستثنى من الكتابة لإطلاق الإستثناء والتخصيص الوارد في الآية، وهي وان تضمنت ترخيصاً وتخفيفاً الا ان إخبارها عن رفع الإثم يدل على لزوم التقيد بشرائط الدَين، وهذا من اعجاز القرآن ان يحتوي الإستثناء على ما يشير الى حكم المستثنى منه ويؤكد عليه.
الرخصة في التجارة الحاضرة
وتفيد الآية الرخصة في عدم كتابة تفاصيل التجارة الحاضرة , ولكنها لم تشر الى اسقاط الشهادة فيها وتلمس وسائل الضمان الأخرى ، واطلاق أحكام آية الدَين يفيد حضورها حتى في التجارة الحاضرة، وهي تحريض لكل من المتبايعين على تأمين مصلحته والتوقي من الغبن والتغرير به، لذا تجد في أحكام البيع باب الخيارات سواء كان الخيار للبائع ام المشتري مثل :
الأول : خيار المجلس .
الثاني : خيار الحيوان .
الثالث : خيار الشرط .
الرابع : خيار الغبن .
الخامس : خيار التأخير .
السادس : خيار الرؤية .
السابع : خيار البيع .
كما بيناه تفصيلاً في مباحث الفقه.
وحمل بعض الأعلام نفي الجناح هنا على نفي المضرة والأذى في ترك الكتابة، لأنه لو اراد الإثم لكانت المذكورة واجبة.
وهو استدلال حسن الا انه خلاف المعنى الأعم للآية ومضامينها العقائدية المتعددة، والجناح هو الإثم والجناية والجرم، او الميل الى الإثم، ويأتي بمعنى ما تحمل من الهم والأذى (وقال: ابن الأثير: وقد تكرر الجناح في الحديث، فأين ورد فمعناه الإثم والميل)( ).
ولا تعني الآية الإطلاق بعدم كتابة التجارة الحاضرة وما يتفرع عنها من الدَين، بل تجعل المكلفين بالخيار وجواز ترجيح عدم الكتابة الا في حال وجود راجح للكتابة فيها، فمن الناس من لم يكتب في التجارة فيتعرض للخسارة والندم، فاذا كان أحد الطرفين او كلاهما يشعر بالحاجة الى كتابة التجارة الحاضرة والإحتراز بها او بالإشهاد، فان عمومات الآية تشمله, ولا يكون من الفرد المخصص والمستثنى، وهذا من إعجاز ورود لفظ (لا جناح) في الآية، وهو يمنع من الإحتجاج على عدم الكتابة بالتخصيص والإستثناء، كما لو ظن الدائن رجحان أخذ العهود والمواثيق على المدين في التجارة الحاضرة ايضاً، فليس للدائن ان يمتنع ويحتج عليه بالإستثناء الوارد في الآية، لأنه يفيد الرخصة ضمن التوكيد على أهمية الكتابة.

علم المناسبة
ورد قوله تعالى (لا جناح) في مواضع عديدة من القرآن , والمراد نفي الإثم، وقد ورد في أحكام الحج، والتقصير في صلاة السفر، وأحكام الطلاق وتنظيم شؤون الأسرة، مما يدل على أهمية الدَين في أحكام العبادات، وأحكام الأسرة والصلات الإجتماعية، وان كتابة الديون والإشهاد عليها من الأمور ذات الشـأن والإعتبار في النشأتين لأنها وسيلة ومقدمة لتثبيت الحقوق ومنع الأذى , ودفع الضرر, والغشاوات الظلمانية وغلبة النفس الشهوية والغضبية.
ومن الإعجاز ان تجد مادة (كتب) وما أشتق منها ترد تسع مرات في هذه الآية، وليس من آية من القرآن فيها نصف هذا العدد منها، مما يدل على موضوعية الكتابة في الديون وتثبيتها بوثائق خاصة، وأن الكتابة تطرد النسيان وتمنع من الجحود والنكران، وان لفظ (الكتاب) ورد في القرآن مائتين وثلاثين مرة، فانه لم يرد في هذه الآية، مما يدل على شرف لفظ الكتاب وسمو موضوعه، وان العناوين العقائدية لها منزلة خاصة، وحفظ الكتاب وتعاهده وظيفة كل مسلم سواء كان طرفاً في معاملة بيع ودين او لم يكن.
قوله تعالى [وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ]
هذه هي المرة السادسة التي ذكر فيها موضوع الشهادة في الآية وفيها مسائل :
الأولى : الأمر بشهادة شاهدين على الدَين.
الثانية : ان يكون الشاهدان من العدول ومن يرتضى من المسلمين.
الثالثة : جواز شهادة امرأتين بدل أحد الشاهدين.
الرابعة : عدم جواز امتناع الشهود عن تحمل وأداء الشهادة.
الخامسة : التقيد بأحكام الآية وكتابة الدَين والقرض سواء كان مقداره قليلاً او كثيراً أعدل وأقوم للشهادة، والظاهر انها اكثر عدد مرات لموضوع معين في آية واحدة مما يدل على أهمية الشهادة في الحياة اليومية والعواقب الأخروية لها، مع ان الشهادة وموضوع التداين ليس جزء ثابتاً من الواقع اليومي والنظام العام، بل هو أمر طارئ ويتعلق بحصول حال تداين واقتراض، ومن الناس من لا يكون طرفاً في الدَين الا نادراً ولا يتحمل الشهادة الا بضع مرات في حياته كلها.
في الوقت الذي يواجه كل مسلم ومسلمة ابتلاءات يومية في باب الأعمال والحقوق والواجبات، لتلح بالدعوة للعناية النوعية العامة بالشهادة، والحرص على اتقانها واحراز شرائطها.
لقد اراد الله عز وجل للشهادة بهذه الآية ان تكون جزء من النظام القانوني والأخلاقي والعقائدي للناس، سواء كانت الشهادة على الدَين او في الجنايات او في الوصايا او غيرها، وذكرالبيع لأنه فرد متعارف بين الناس ويتم على نحو الإختيار والقصد من الطرفين، وتتم الشهادة بالقبول والإستعداد للتحمل من الشاهد وهو يعلم انه قد يدعى لأداء الشهادة أمام القاضي او من يهمه الأمر، ولإحتمال طرو الشقاق واللجاج بعد اجراء العقد بسبب الإختلاف في تفاصيله وأوصاف كل من الثمن او المثمن.
والآية ناظرة الى المجتمعات على اختلافها في الإيمان، والصدق والضبط، واتقان الصناعة والتعاون على التقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الغش والخداع والكذب والغبن، وكتم عيوب السلعة ونحوها من العادات المذمومة .
وجاء ذكر البيع كفرد غالب ومتعارف, والا فان الآية تشمل المعاوضات من باب تعدد المطلوب وما يصدق عليه نقل وانتقال اختيارياً كان أو قهرياً.
ولا تشمل الآية بيع المواد المحرمة وما لا يصح التكسب به كالخمر والميتة لخروجـه بالتخصص، وتفيد الآية حصــر البيع بما هــو مباح وحلال عند المسلمين، لأن لغة الخطاب فيها موجهة للمسلمين بصيغة الإسلام.
مادة (بيع)
ووردت مادة (بيع) في مواضع عديدة من القرآن، ولفظ (تبايعتم) لم يرد في القرآن الا في هذه الآية.
وبين البيع والدَين عموم وخصــوص من وجه، فقد يكون البيع نسيئة وديناً في ذمة المشتري، وقد يكون نقداً، وكذا الدَين قد يكون من القرض او الإجارة او الصلح او الدية ونحوها.
وقد يكون الدَين بالمال من الذهب والفضة او النقود الورقية او من المكيل او الموزون او المعدود.
او الإعيان المثلية كالحبــوب والقماش .
او قيمياً كالغنم والبقر، فهناك دين ليس ببيع وهناك بيع ليس بدين، وقد جاءت الآية بكتابة الدَين والشهادة عليه سواء كان عن بيع او غيره، كما أمرت بالإشهاد عند اجراء عقد البيع نقداً كان او نسيئة.
إطلاق الشهادة
لم تنحصر الشهادة على الدَين بالمقدار والجنس بل هي أعم فتشمل خشية الغصب والإستحقاق للغير، فقد يشتري احدهم عيناً من آخر على الظاهر ووفق قاعدة اليد، ثم يتبين ان ملكيته تعود لغير البائع مما يؤدي الى:
الأولى : اضرار متعددة واذى لايحتمل وخسارة في المال، سواء مع غياب البائع او انكاره وجحوده، اما مع الشهادة فان الضمان على البائع غاصباً كان او فضولياً مع عدم علم المشتري بالغصب، ولكن هذا الاحتمال لا يتعارض مع استحباب الشهادة في البيع، ومع عدم الوثوق بامكان المشتري ان يتجنب ويحترز من صفقة البيع.
الثانية : يمنع الاشهاد أقدام أحد الطرفين على إنكار أو جحود البيع.
الثالثة : تثبيت شرائط البيع وهوية الطرفين, وخصائص كل من العوضين.
الرابعة : الشهادة حجة وبرهان يحولان دون الظلم والتعدي والاشتباه باختلاط المبيع مع غيره من الاموال الخاصة.
الخامسة : الإشهاد سبيل لاطلاع الاخرين على حقيقة الثمن والمثمن ومعرفة المغصوب خصوصاً وانه مشروط بالعدالة في الشاهد.
وذهب جمع من المفسرين الى القول بان المراد عدم رفع الاشهاد عن التجارة الحاضرة وان رفعت الكتابة فيها، وهو حسن وموافق للاحتياط، ولكن الآية اعم ويجوز قراءة الواو في (واشهدوا) بانها استئنافية، وارادة المعنى الأعم للكتابة الدال على التوثيق مع امكان التفكيك بين الكتابة والشهادة، فيمكن اعتماد احدهما.
الشهادة على البيع
فيشمل هذا الشطر من الآية موضوع البيع مع ظهور الصلة والتداخل بين الدَين والبيع شرعاً وعقلاً ووجداناً وعرفاً فيكون معنى الآية على اقسام:
الأولى : التداين بدين: وفيه الكتابة والاشهاد بشرائطهما.
الثانية : التجارة الحاضرة: التخفيف فيها ونفي الحرج عند اختيار عدم كتابتها مع عدم وجود الراجح وعدم سلخها واخراجها من عمومات الكتابة ولو في بعض افرادها عندما يشعر احد الطرفين بالحاجة الى توثيق وكتابة التجارة الحاضرة.
الثالثة : عقد البيع وفيه إشهاد.
ولم تذكر فيه الكتابة وفيه وجوه:
الأولى : التخفيف باسقاط الكتابة، لان البيع يتم فيه التسليم بالحال فلا حاجة الى الكتابة.
الثانية : قد يكون البيع نسيئة أو سلماً وهذا أمر مركب من أمرين:
الأول: البيع الذي يستلزم الاشهاد.
الثاني: الدَين الذي يتطلب الكتابة والاشهاد حسب منطوق هذه الآية، مما يعني ان الشهود يشهدون على البيع والدَين، اما الكتابة فيجوز ان تجمع الامرين وتفصيل البيع او انها تكون خاصة بالدَين، وكذا يجوز ان يكون شهود البيع غير شهود الدَين , ولكن الإحتياط لايترك خصوصاً وان قوله تعالى [إِذَا تَدَايَنتُمْ] يشمل أصل الدَين وموضوعه ولو في الجملة.
ولو دار الأمر بين الكتابة والإشهاد فأيهما أولى وما هي مزايا كل منهما الجواب لكل منها حسن ذاتي ومنافع متعددة، وبينهما عموم وخصوص من وجه، فيلتقيان في منافع معينة ويختص كل منهما بافراد اخرى, وهذا من الإعجاز القرآني في باب التشريع واحكام آيات التنزيل.
فالكتابة وثيقة خطية ثابتة لايصل اليها التحريف والتغيير في الجملة.
والإشهاد توثيق حاضر في عقول وألسنة الرجال، وكل منهما ينبض بالحياة ويدعو الى الاداء والوفاء واعطاء الاولوية للايمان، وهذه الاولوية تنبسط على المعاملة بقصد المدين القضاء والوفاء، وعزم الدائن على الصبر عند العجز عن الاداء، فكل منهما له فوائد مخصوصة فيأتي الجمع بينهما لاحراز تمام التوثيق، وفيه إكرام للدائن ومساهمة سماوية في ضمان ماله، ولطف بالمدين للمنع من الجحود والانكار، وتخفيف عن الامة في منع الفساد والضرر.
وكل من الكتابة والشهادة بينة وحجة ، وإذا كان لابد من التمايز بين الكتابة والشهادة ، فالمختار أن الشهادة أولى .
و(عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى الناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه)( ).
مستحبات التجارة
تضمنت (إذا) في (اذا اتبايعتم) معنى الشرط كما في قوله تعالى (اذا تداينتم) مما يعني عموم الخطاب في الآية وشموله للمسلمين الذين يجرون عقود البيع ويتبادلون الثمن والمثمن لكي يكون البيع سبباً للأخوة الإيمانية ووسيلة للمحافظة على الايمان في النفوس والمجتمعات لذا وردت مستحبات للتجارة, ومن اهمها:
الأولى : الإجمال في الطلب بمعنى عدم الإلحاح فيه , للرضا بقسمه تعالى خشية الوقوع في المعصية.
الثانية : إقالة النادم في البيــع والشــراء، فيســتحب للمشـتري ان يقــيل البائع، ويستحب للبائع ان يقيل المشــتري، وفيهــا ثواب عــظيـــم كما جاء في اخبار عديدة، واقـــالته: موافقته على نقض البيع واجابته اليه.
الثالثة : التسوية بين المبتاعين في الثمن، بلا فرق بين المماكس وغيره بان يضع من الثمن للمماكس دون المسترسل، الا ان يحط وينقص البائع من الثمن بسبب الفضل والدَين والقرابة ونحوها من المرجحات الشرعية.
الرابعة : ان يأخذ لنفســه ناقصاً ويعطي راجـحاً من غير جهالة او غرر، أي انه ملتفت الى مقدار العفو سواء كان بالثمن او الوزن.
الخامسة : ان يكون سهل الشراء وسهل القضاء وسهل الإقتضاء.
السادسة : المبادرة الى الصلاة في اول وقتها بمعنى ان الأعـمال التجارية لا تكون سبباً لتأخير صلاته عن أول وقتها وعن حضور الجماعة.
السابعة : البيع عند حصول الربح الا ان يكون فيه ضــرر او حرج، كما لو باع بمقدار من الربــح على رأس المال واضــطر بالشــراء بسـعر اغلى.
الثامنة : ذكر الله عز وجل في الأسواق ومحل البيع والعمل خصوصاً التسبيح والإستغفار.
التاسعة : يستحب للمشتري التكبير والاتيان بالشهادتين بعد الشراء.
وورد الإشهاد في الآية على نحو الاطلاق ولكنه لا يعني الاكتفاء بشهادة أي انسـان بل انه مقيد بما ورد في هذه الآية من عدالة الشـاهد بانه ممن يرضاه الطرفان للشهادة، وعدم تكرار القيد لظهوره، ويدل بالدلالة الالتزامية على مدح المسلمين وانهم يدركون الحقائق ويأخذون بالقيود القرآنية، وان وردت في موضوع آخر.
قيد العدالة
وهل يمكن النظر للآية على اطلاقها بخصوص الأشخاص وان المراد أي شاهد لان البيع نقداً اقل حاجة من الدَين في اوصاف الشاهد، بلحاظ ان المراد من البيع هو الحصة التي يتم فيها تسليم العوض والمعوض في الحال.
الجواب لا، فان قيد العدالة ملازم للشهادة سواء في البيع او الدَين او المعاملات الاخرى، وهذا الملازمة قاعدة كلية لا تتقوم وتدوم الشهادة الا بها، وهي حرز من الفتنة فالاخلال العمدي بالشهادة الذي ينتج عن التفريط بشرط العدالة يؤدي الى الفساد والقنوط , والإضرار بطرفي العقد وغيرهما.
وتدخل التجارة الحاضرة مع البيع كما تدخل ضمن الدَين، فمن افراد البيع ما هو تجارة حاضرة، وقد تقدم ان التجارة تشمل عقد البيع الحال، وظاهر الآية ان الإشهاد يشمل هذا القسم من البيع الا ان يقال ان الإشهاد جاء للبيع مطلقاً، وانه لا يمنع من خروج بعض افراده بالتخصص او التخصيص من الشهادة، ولكن لا دليل على هذا الخروج فيبقى الاطلاق في الشهادة على حاله، وقاعدة نفي الحرج في تعدد الشهادات في البيع المتكرر في التجارة الحاضرة معارضة بقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام بل ان الأخيرة مقدمة عليها لأن عدم الاشهاد قد يؤدي الى الإضرار والفســاد، والحــرج له مراتب متفاوتـة شطر منها دون ذلك.
ويحمل الإشهاد في البيع على الاستحباب والندب، وهو المشهور شهرة عظيمة عند علماء المسلمين، وقال الظاهرية الذين اخذوا بظاهر القرآن بوجوبه في البيع.
ان التبايع نوع مفاعلة تجري بين البائع والمشتري في ملكهما الخاص ويكون تبادل العوض والمعوض في النقد حالاً او نسيئة، فتكون الشهادة نوع ضمان واحتياط وليس جزء يتوقف عليه عقد البيع.
قوله تعالى [وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ]
زجر ونهي عن إلحاق الاضرار بالغير ولم يرد لفظ (يضار) بصيغة المذكر الا في هذه الآية، والكاتب والشهيد ليسا شريكين بالنقل والإنتقال، فلا يمتلكان جزء من الثمن ولا المثمن، ولا يكون لهما رأى في مقدار الدَين وزيادته او نقيصته، ولا في البيع وما فيه من الربح او الخسارة بالنسبة للبائع او المشتري، انما يشهدان على اتفاق ابتدائي حصل بين الدائن والمدين، والبائع والمشــتري، لإبرام العقد موثقاً بالصك والشهادة، فيجب ان لا يكون هذا التوثيق سبباً لإلحاق الاذى، وفي الآية قولان:
الأول : اصل يضار (يضارر) بكسر الراء الأولى على البناء للفاعل، أي على الكاتب والشاهد إجتناب المضارة بالمتبايعين، وبه قال الحسن البصري وطاوس وقتادة وابن زيد.
الثاني : الأصل يضارر بفتح الراء أي البناء للمفعول، كما عن ابن مسعود ومجاهد، أي لا تكون المعاملة سبباً للاضرار بالكاتب او الشاهد وتكليفهما بما لا يطيقان او ما يؤدي الى الحرج.
والأول هو المشهور، ولكن مضامين ودلالات الآية تسـتوعب القولين من غير تعارض بينهما، وهو من اعجاز اللفظ القرآني، والذي يريد ان يضر الاطراف الاخرى في المعاملة يضر نفسه في النشأتين خصوصاً مع التشديد في أحكام التداين والكتابة والشهادة عليه والتوكيد على تقوى الله واحراز صفة العدالة.
وكل من اسم (كاتب) (شهيد) نكرة في سياق النفي ، وهو من الفاظ العموم ، وسيأتي بيان وتفصيل في الجزء الرابع والخمسين بعد المائتين من هذا السِفر المبارك.
وجوه الإضرار
والاضرار الوارد في الآية يحتمل وجوهاً:
الوجه الأول: تحذير الكاتب والشـاهد من الاضرار بصاحب المال والبائع بان يقوم الكاتب بالنقص من مقدار الدَين او بعض اوصافه او بابعاد الاجل وتأخيره عن الموعد المتفق عليه، وكذا بالنسبة للشاهد، وقد تجري الكتابة والشهادة بخلاف الواقع، كما لو جعلا المدين شخصاً آخر غير الذي هو طرف في العقد، او ان البيع بالرهن ولكن الكاتب والشاهدين ذكروا عيناً اخرى اكثر قيمة من الرهن ومقدار الدَين معاً.
الوجه الثاني: نهي الكاتب والشهيد عن إلحاق الضرر بالمدين واستــضعافه وتحمــيله ما لا يطيق، فيكون الأمــر من شـهادة الزور والتسبيب باكل المال بالباطل.
وهل يكــون من الربا المحرم، الجواب: انه باب مستقل عن الربا وان حصــلت فيه زيادة على اصل الدَين ولكنها ليســت ربوية، ولم تجــر عن تراض في اصل العقد، بل انها من الغش والخــداع والغصـب وفروع شهادة الزور، ولم يقم الكاتب والشــهيد بوظــيفة التوثيــق للدين وتفاصيل العقد بل انهما مباشران للفعل الحرام ومهيئان له.
وفي حال حصول المخالفة فايهما اكثر ضرراً وحدوثاً، اما الضرر فليس من قاعدة كلية فيه، فكل بحسب حالته فقد يكون الضرر الذي يلحق الدائن بميل الكاتب والشاهد عليه فادحاً وكبيراً، وقد يكون الضرر الذي يلحق المدين قليلاً ولكنه بالنسبة اليه يكون كبيراً ولا يستطيع أداءه والوفاء به.
اما بالنسبة للحدوث فان الاكثر حدوثاً في حال وقوع مثل هذه المخالفة هو الميل على المدين تزلفاً لصاحب المال، فلذا جاءت الآية بامور:
الأول: ان الذي عليه الحق هو الذي يملي على الكاتب والشهود يسمعون.
الثاني: يحب على الكاتب ان يكتب بالعدل، مع قيد التقوى للاحتراز من الاضرار بصاحب المال.
الثالث: ان الشهيدين من رجال المسلمين , وممن يتصف بالعدالة ويرضاهما الطرفان ويطمئنان الى عدالتهما.
الوجه الثالث: ترك الكاتب للاحتياط، وذكر التفاصـيل التي تسهل الأداء وافراغ الذمة وعدم الضرر او الاثم، ونكوص الشاهد وعدم ادائه للشهادة بعد تحملها مع الحاجة الى شهادته.
الوجه الرابع: نهي الدائن عن إلحاق الضرر بالكاتب، كما لو بخس اجرته او منعه من الكتابة وفق التكليف الشرعي، واعتبار العدل، والإطلاع على تدوينها وذكرها في صك الدَين او عقد البيع، او ان النهي يتعلق بكاتب آخر غير الذي يكتب العقد، كما في حال التفصيل، وترك المفضول بادعاء اسباب تضر بعمله وكتابته وتجعله يعزف عن الكتابة أو يلحقه الضرر في رزقه وكسبه، او ان الكاتب يدعى للكتابة ثم يستغنى عنه من غير قصور او تقصير منه , وبما يلحق الضرر به سواء كان الضرر اعتباراً عرفياً او مادياً، او ان يشتكى على الكاتب الذي كتب العقد ويحمل اعباء وتبعات لم يكن مسؤولاً عنها، لأن الكتابة من الإحسان وقضاء الحوائج فعمومات [مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ] ( )، تشمل المقام فلا يجوز الاضرار بالكاتب بغير حق، او تترك مقدمات تؤدي الى الاضرار به.
الوجه الخامس: الإضرار بالشاهد او الشاهدين بجرحهما وذمهما من غير حق، كما لو شهدا بما سمعا بخصوص الدَين، ولكن الدائن او المدين غلب عليه النسيان وظن الخلل بالشهادة فرماهما بالوهن وضعف الذاكرة والخطأ والغفلة ونحوه، خصوصاً وان هناك موارد يكتفى فيها بالشهادة دون الكتابة، ومن وجوه التشديد والاحتياط في اختيار الشاهد ورضا الطرفين به عدم طرو الشك والظن السيئ بشهادته، مما يعني ان شرط العدالة احترازي ينفع صاحبه نفسه ويحول دون الإضرار به وجرحه وتعريضه للذم، بل قد يطالب الشاهد بتحمل الخسارة عند رميه بالخطأ والغفلة.
فتأتي هذه الآية لتنبه الى لزوم اكرام الشاهد خصوصاً وانه تم اختياره طوعاً وبشرط العدالة والصلاح، وكلما كان الشاهد معروفاً بالعدالة والأمانة والضبط وعدم التحريف فان الناس لا ترضى برميه بالتقصير والكذب، بل ان الطرفين الدائن والمدين يجتنبان تعرضهما للضرر والاحتجاج من الناس عند رميه بالخطأ، ومن وجوه الاضرار ان يمنع الشاهد من اداء شهادته.
كما تشمل الآية وجوه التخويف والتهديد والتضعيف للكاتب او الشاهد لتحريف الوثيقة والشهادة , فجاءت الآية تنهى عن تعرضهما للأذى، وتدعو الى لزوم اكرامهما، وتتجلى فيها مضامين العز وبسط النظام في الحقوق والمعاملات، وفيها أمر الى القضاة باجتناب ايذاء الكاتب والشاهد وتهيئة الاسباب التي تساعدهما في اداء وظائفهما باحسن وجه وبما يرضي الله عز وجل ويحفظ الحقوق , وتكون فيه سلامة الدَين.
ومن وجوه الاضرار ما يخص شهادة النساء وايذائهن في اداء الشهادة، واختيار وقت او موضع للاداء من غير مراعاة لحال الستر والعفة والعذر الذي تكون عليه المرأة.
الوجه السادس: النهي عن الاضرار الوارد في الآية اعم من ان ينحصر باطراف العقد من الدائن والمدين، والكاتب والشاهد اللذين يلحقان بهما، بل انه خطاب عام موجه للمسلمين كافة، وهذا من اعجاز الآية اذ جاءت بصيغة الانشاء والنهي من غير تقييده بجهة او موضوع مخصوص.
الوجه السابع: قد يأتي الإضــرار من خـارج العقد وموجهاً لبعض اطراف العقد أو لهم جميعاً، سواء فيها يخص موضوع العقد او كتابته او الشهادة عليه، فالآية دعوة للمسلمين والحكام والامراء لاكرام اطراف العقد والمنع من حملهم على قول خلاف الحق والواقع، كما انها دعوة للقضاة ومن يلحق بهم لتلمس افضل الطرق لتثبيت صك الدَين ووثيقة البيع او القرض والمنع من ايذاء اطرافه او تعرض الكاتب او الشاهد للأذى.
ووردت بعض الأخـبار ووجــوه التفســير في الآيــة , فعــن (ابن عباس قال : يأتي الرجل الرجلين فيدعوهما الى الكتابة والشهادة فيقولان انا على حاجة، فيقول انكما قد أمرتما ان تجيبا فليس له ان يضارهما) ( ).
أي لا يجوز اكراه الكاتب او الشاهد على الكتابة والشهادة عند وجود حاجة خاصة مزاحمة لهما.
واخرج عن مجاهد انه كان يقرأ (ولا يضارركاتب ولاشهيد) وانه كان يقول في تأويلها ينطق الذي له الحق، فيدعو كاتبه وشاهده الى ان يشهد ولعله يكون في شغل او حاجة) ( ).
عدم الإكراه على الشهادة
ومن اسباب نزول الآية ورد عن الربيع قال: “لما نزلت هذه الآية (ولا ياب كاتب أن يكتب كما علمه الله) كان أحدهم يجئ إلى الكاتب فيقول اكتب لي، فيقول انى مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري فيلزمه ويقول انك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك”( ).
وعن الحسن البصري: (ولايضار كاتب فيزيد شيئاً او يحرف ولا شهيد لا يكتم الشهادة ولا يشهد الا بحق) ( ).
وأخرج البيهقى في سننه عن ابن عباس في قوله (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) يقول من احتيج إليه من المسلمين قد شهد على شهادة أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعى ثم قال بعد هذا ولا يضار كاتب ولا شهيد والاضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غنى ان الله قد أمرك أن لا تأبى إذا ما دعيت فيضاره بذلك ( ).
ومضمون اكثر الأخبار في المقام يتعلق بالاضرار بالكاتب والشاهد في تحميله الشهادة كرهاً لبيان السعة ونفي الحرج في الدَين، ثم ان الاكراه بغيض مطلقاً، والكتابة والشهادة مورد من موارد الاجر والثواب، فالذي يعتذر يأتي غيره متطوعاً ليحرز الثواب.
بعث الآية على التفقه
ويبين هذا الشطر من الآية عظيم فضل الله تعالى على المسلمين بضبط المواثيق ووجود كثرة من المسلمين للكتابة وتحمل الشهادة او ادائها مما يدل على أمور وهي:
الاول: الإرتقاء العلمي في جميع امصار وأسواق المسلمين بمعرفة اصول الكتابة والقراءة ولقد أدى نزول القرآن الى انبساط وانتشار التعليم عند عموم المسلمين والمسلمات.
ومن الإعجاز أن أول آية نزلت من القرآن هي [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، بعث المسلمين على التعلم والتفقه في الدَين.
الثاني: شيوع صفات العدالة والنزاهة والاهلية النوعية العامة عند المسلمين لتحمل وأداء الشهادة، فالآية تنبئ عن كثرة وتعدد الكتاب والشهداء، وعدم الحاجة الى التشديد والإلحاح على بعضهم.
الثالث: تدل الآية على اكرام المسلم وعدم اجباره على شئ غير الواجبــات العينية، فمع موضــوعيــة كــتابة عقــد الدَين والشهادة عليه والأمر بهما، فان الآية جاءت بالتخفيف والالتفات الى الشأن والحال الخاصة بالمسلم، وهو أمر يشمل العقود مطلقاً.
الرابع: قيام الكاتب بكتابة صك الدَين والاشهاد أمر كفائي، أي ان الخطاب فيه يتوجه للجميع، وقيام واحد بالامتثال يسقطه عن الباقين، سواء على القول بوجوب الكتابة والشهادة ام استحبابهما وهو المشهور شهرة عظيمة.
والعذر المنهي عنه في الآية من الكلي المشكك الذي له مراتب متفاوتة في القوة والضعف، والكثرة و القلة، والزيادة والنقيصة، والمن والأذى، فكما جاءت الآية بالحث على كتابة الدَين صغيرا أو كبيرا ,ً فانها تنهى عن الإضرار سواء كان كثيرا او قليلاً , متحداً او متعدداً متوجهاً الى المتعاملين ام الى الكاتب والشاهد.
علم المناسبة
لم يرد لفظ (كاتب) بصيغة اسم الفاعل المفرد في القرآن الا ثلاث مرات كلها في هذه الآية، وهذا من اعجاز القرآن وبيان فضل هذه الآية، وهو دعوة لاستقراء ما فيها من الاشارات والدلالات، ومسألة الكاتب هنا جاءت بالترتيب:
الأولى : توجه الأمر الإلهي الى الكاتب بالكتابة.
الثانية : عدم جواز امتناع الكاتب عن الكتابة.
الثالثة : التحذير والنهي من الاضرار بالكاتب.
فمن الإعجاز ان تجد الآية أمرت الكاتب باداء وظيفته الشرعية، ثم دعته إلى إجتناب التسبيب بالخصومة والفتنة او امتناع الناس من التداين، وأكدت عليه بلزوم الكتابة وفق أحكام الشريعة، وفي المرة الثالثة جعلت الآية حصانة وواقية سماوية للكاتب.
وورد (كاتباً) بالنصب مرة واحدة في القرآن في الآية التالية التي يمكن اعتبار احكامها ملحقة باحكام هذه الآية وفرعاً منها، وفيها اخبار عن تعذر وجود الكاتب، واعتبار الرهن، مما يدل على تعدد المنافع العظيمة للكاتب، والجمع بين الآيات يفيد الأمر للأمة باكرام الكاتب وعدم التفريط به واجتناب إيذائه بما يسبب ندرته وقلته.
واختلف في قراءة (يضار) بكسر الراء او بفتحها، وكلا المعنيين تشمـلهما الآية، وهذا من اعجاز القرآن الذي يتعدى حدود اللغة ويعرف بالقرائن والدلائل العقائدية واللغوية والفقهية، فالآية تنهى عن الاضرار بالكاتب والشاهد، وتحذرهما من الاضرار باطراف البيع والدَين والقرض والرهن خصوصاً مع التساوي في الادغام، وتحذر غير هؤلاء من الاضرار بهم مجتمعين ومتفرقين.
والنهي عن الاضرار لا ينحصر بأوان كتابة العقد وتحمل الشهادة وادائها، بل يشمل جميع الآنات الزمانية المحصورة بين كتابة العقد والوفاء بالدَين، وتشــمل مقدمات العقد، كما لو اكره الكاتب أو الشاهد على الكتابة والشهادة أو طلب منهما تغيير الحقائق , فمجرد الطلب هو اضرار فكيف حال الإكراه، كما يشمل ما يتعقب العقد والوفاء بالدَين سواء بالتعيير او الإيذاء ونحوه.
ومن يعتذر عن الكتابة او الشهادة هل يخرج عن منطوق هذه الآية لأن الآية خاصة بمن تلبس فعلاً بالكتابة والشهادة.
الجواب لا، فان عمومات الآية تشمله لأنه في معرض الطلب لتحمل مسؤولية الكتابة والشهادة، والنصوص تدل على شموله وعدم إيذائه ان اختار الاعتذار، وعن ابن عباس في الآية يقول: “انه يكون للكاتب والشاهد حاجة ليس منها بد فيقول خلوا سبيله”( ).
مسائل في الشهادة
(مسألة 1) وجود ورقة مدونة فيها شهادة الشهود وموقعة باختامهم لا تكفي عند الحاكم، الا مع القرائن التي تفيد اليقين والعلم بصحتها وعدم احتمال التأويل والإكراه ونحوه، وكذا لا يعتمد على مضمون ورقة يجدها الشاهد، فلو وجد ورقة بعد موت الميت وفيها وصية فلا تثبت بها الوصية من غير بينة او امارة وقرينة معتبرة.
(مسألة 2) لو كان موضوع الشهادة مركباً فلا تصح الشهادة الا بما أفاد القطع به، فلو كان يعلم بالسبب دون المسبب فلا يشهد الا على الأول، وكذا العكس لو كان يعلم بالمسبب دون السبب فلا يشهد الا على ما علم يقيناً به.
(مسألة 3) اذا سمع الاعمى صوتاً وعلم بصاحبه تجوز شهادته فيه تحملاً واداءً، وكذا لو شهد الاصم فعلاً، وكذا الاخرس ان عرف الحاكم اشارته ولو بواسطة مبين عدل لها.
(مسألة 4) لو غلب على الشاهد السهو او النسيان لعارض من مرض او غيره لا يجوز الاعتماد على شهادته.
(مسألة 5) تقبل شهادة النساء في النكاح ان كان معهن رجل، ولا تقبل شهادتهن في القصاص، كما تقبل شهادتهن في الحقوق المتعلقة بالاموال كالخيار والشفعة والاجل وفسخ العقد المتعلق بالمال.
(مسألة 6) كل ما يعسر اطلاع الرجال عليه غالباً كالولادة والعذرة والحيض وعيوب النساء الباطنية كالقروح والجروح في الفرج والقرن والرتق تجوز شهادة النساء وحدهن فيه، اما ما هو ظاهر كالعمى والعرج فتقبل شهادة الرجال والنساء فيه منفردات ومنضمات.
(مسألة 7) كل موضع تقبل فيه شهادة النساء منفردات لا تقبل بأقل من أربع، نعم تقبل شهادة المرأة الواحدة بلا يمين في ربع الوصية وميراث المستهل، والاثنين في النصف، والثلاثة في ثلاثة ارباع، والاربع في الجميع، ولا يلحق بها في ذلك رجل واحد بل لا يثبت به اصلاً.
(مسألة 8) يعتبر في شهادة البينة مطلقاً الالتقاء على معنى واحد مع الاتحاد في الخصوصيات، فان تعدد اللفظ وكان من المترادف فلا يضر بالشهادة كما لو قال احدهما غصبه والآخر اخذه قهراً، اما اذا قال احدهمــا ذبحه والآخــر قتلــه فلابــد من معــرفة خصـوصيات كل شهادة، وكذا لو كانت احداهما أعم من الاخرى كما لو قال احدهما باعه والآخــر سلّمه فقد يكــون التســليم هبة او إجارة او عارية، وكذا لو كان اللفظ من المنقول او المجاز الشائع او من المشترك اللفظي او المعنوي.
(مسألة 9) تسقط الشهادتان مع تحقق التكاذب بينهما عرفاً، ولو كان التكاذب في بعض الخصوصيات المعتبرة كما لو شهدا على السرقة ولكن ادعى احدهما ان السارق سرق صباحاً والآخر قال ظهراً، وكذا لو اختلفتا في الصفات بما يوجب التباين عرفاً، كما لو اتفق الشاهدان على تعيين الســارق وموضــوع الســرقة وانه كــتاب مثلاً، ولكن كلاً منهما ذكر اســماً للكتاب مغايراً لما ذكــره الآخــر فلا يثبت القــطــع ولا العزم في السرقة.
(مسألة 10) لو رجع الشاهدان او احدهما عن الشهادة بعد الاقامة وقبل الحكم فلا حكم ولا غرم، وان اعترفا بتعمد الكذب فلا يفسقان اذا كان الإعتراف عن توبة وندم، ولو ادعيا الوهم والغفلة فلا حد ان كان موضوعه قذفاً ونحوه.
(مسألة 11) اذا رجع الشاهدان بعد الحكم والاستيفاء فعليهما الغرم ولكن لو امكن الاستيفاء من صاحب الجناية، كما لو شهدا على مال لزيد انه عند عمرو وحكم الحاكم باستيفائه، ثم رجع الشاهدان فغرما لعمرو، وبعدها وجد مال زيد عند شخص آخر واستوفاه، فالاقوى استرجاعهما للمال الذي غرماه وان ظل الاثم معلقاً على الاستغفار والتوبة.
(مسألة 12) يجب تعزير شاهد الزور بما يراه الحاكم ويشهر في محلته، اما لو ادعى الغلط والغفلة والشبهة فلا يعزر، وكذا من ردت شهادته لمعارضتها بشهادة اخرى او لعدم توفر شروط الشهادة به.
قانون التداين رحمة
لقد جعل الله عز وجل القرض والدَين والبيع من مصاديق الرحمة والرأفة ووسيلة لنشر مفاهيم الأخوة والود بين الناس , وزيادة الإحسان والتراحم بينهم ليتفكروا في عظيم رحمته تعالى بالدائن والمدين، ووضع للمعاملات قيوداً وشرائط تستلزم دخول أطراف أخرى فيها كالكاتب والشاهد، واقترنت هذه القيود بما يتضمن الإكرام والإحترام والسلامة لجميع الأطراف.
فمن وجوه الإبتلاء في المعاملات لزوم تعاهد الخلق الحسن، والتقيد بأحكام الشريعة في كافة تفاصيل المعاملات من غير تفريط بحقوق الآخرين المالية والإعتبارية، بل ان هذه المعاملات تجعل شأناً للدائن والمدين والكاتب والشــاهد، بلحاظ منزلته ومقامـه من المعاملة وما يترشح على حسن الأداء والوفاء والصدق في المعاملة من العز والرفعة، وافشاء مفاهيم الصلاح والعدل والإنصاف.
فهذا الشطر من الآية إعجاز قرآني لأنه من أسباب إحكام واتقان العمل بمضامينها والخشية من التفريط بها، لموضوعية الإستدامة في الفعل، بمعنى عدم كفاية المبادرة الى الدَين والكتابة والشهادة فلابد من استدامة مسؤوليات واعباء المشاركة في فعل الخير واتمامه، فعلى الجميع ان يحرصوا على الصدق والإنصاف واجتناب الكذب والزور والبهتان والتحريف، وعلى الدائن ترك المن والأذى والزيادة الربوية والمطالبة بالدَين قبل أجله، وعليه بالصبر والإمهال ان ظهر إعسار المدين، وعلى المدين السعي لقضاء الدَين في أجله وعدم الجحود او الإنكار، وعليه ان يشكر الدائن بالدعاء له وبالشكر القولي.
ولذا ورد استحباب القضاء بالأوفى او اقتران اداء الدَين بهدية من المدين على نحو التطوع، وعليهما معاً عدم الإضرار بالكاتب او الشاهد اثناء مدة الأجل وبعده، وكذا بالنسبة للكاتب والشاهد فلا يجوز لهما الإضرار بالدائن او الكاتب اثناء فترة الدَين، بمعنى يجب ان لا يخشى الدائن جحود الكاتب او الشاهد وضياع ماله، ولا يخاف المدين من الكذب وتغيير مقدار الدَين بوضع زيادة عليه عمداً او سهواً، لأن السهو والنسيان في الشهادة يرفع الإثم والعقاب، ولكنه يجعل أحد المتعاملين يتحمل الخسارة الفعلية.
لفظ (يضار) في القرآن
مع ورود الفعل (يضر) في مواضع عديدة من القرآن فان لفظ (يضار) بصيغة المذكر والمؤنث المبني للمفعول لم يرد في القرآن الا ثلاث مرات في هذه الآية، وفي آيتين تتعلقان بالرضاع والطلاق، قال تعالى [لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا]( )، [وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ]( ).
وهذه القلة والحصر في موضوع المضارة فيه مسائل:
الأولى : الأضرار المتعددة الناتجة عن الإضرار بالكاتب والشاهد وأرباب المعاملة.
الثانية: جاءت المضارة في باب الحياة الأسرية وإعداد الأبناء وحفظ حقوق المطلقة وعدم بخسها حقها لمنع حصول الشقاق والفساد والتعدي، وكذا بالنسبة لهذه الآية فان الإضرار سبب للفساد واللجاج والخسارة والظلم.
الثالثة: المقارنة بين موضوعي الآيات الثلاث يدل على التقارب بينهما وتأثير احدهما بالآخر فعــدم الإضـرار بمعاملة الدَين والبيع تنقيح للطباع وتزكية للنفوس واشاعة للأخلاق الحميدة، الأمر الذي ينعكس على الحياة داخل البيت، وفي التعامل مع الزوجة وأفراد الأسرة، وفيه منع من غلبة النفس الشـهوية والغضبية، كما ان الذي يجتنب ظلم الآخرين في المعاملة يكون مصاناً مكرماً عند زوجته وعياله، ويكون كلامه مسموعاً ولا يحصل تعارض بين ما يريده ورغبة اسرته التي تنقاد اليه لبقاء هيبته، ولا يحصل الشقاق وعدم الوفاق معهم.
وبينما جاءت شهادة امرأتين عن رجل واحد، جاء ذكر الضرار مرتين في موضوع المرأة ومرة واحدة في المعاملة، وتعدد شهادة المرأة للتخفيف عنها واكرامها، والتعدد هنا جاء للتغليظ والتشديد ولزوم إكرام المرأة وعدم بخسها حقوقها او تعرضها للظلم والإستضعاف فكلتا الصورتين رحمة بالمرأة واعانة سماوية لها في أمور الدَين والدنيا.
وفي خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع قال (ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح [فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا]( )، ألا وإن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً . فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ، وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)( ).
ومن وجوه المناسبة بين الآيات الثلاث بلحاظ اتحاد لفظ المضارة التخويف والوعيد من الظلم والكذب والتحريف وشهادة الزور في المعاملة والديون واحتمال انعكاس الإبتلاء على الحياة الزوجية والأذى في الأولاد، لذا على الزوجة ان تعظ زوجها وتحثه على الصدق في المعاملة، فان كان صاحب مال تدعوه الى الإحسان والدَين والقرض مع شرائط الضمان، وان كان فقيراً واراد الإستدانة تعينه على اداء الدَين ولا تكون مسرفة او غير مدبرة مما يجعله يعجز عن الأداء، وان عجز فيجب ان تحثه على السعي وعدم الميل الى ظلم صاحب الدَين وتوجب شكره بقدر امكانها ووفق الميسور.
وان كان زوجها كاتباً فتشد عضده على الصدق والأمانة وتحثه على تقوى الله، وكذا ان كان شاهداً فتساعده بتيسير اسباب حفظ الشهادة وتفاصيلها، وفي جميع هذه الصور تظهر المرأة افتخارها واعتزازها بلزوم زوجها جادة الحق والصواب في المعاملة، اما اذا كانت هي طرفاً في المعاملة فيجب عليها تقوى الله واجتنابه الظلم والإضرار، مع المواظبة على الإســتغفار واتخاذه حــرزاً وواقية.
إن إشراك المرأة في الشهادة مناسبة لمعرفة معاشر النساء أهمية أداء الزوج والأب والابن للشهادة تامة وافية من غير تحريف.
بحث فقهي
من أمهات القواعــد النظامية في الفقــه قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وهي مقتبســة من قــول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي طرق متعددة كما عن عبادة: ان من قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان المعدن جبار والبئر جبار…الى ان قال: وقضى ان لا ضرر ولا ضرار( ).
وعن الإمام الصادق قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أهل المدينة في مشارب النخل انه لا يمنع نفع الشيء، وقضى بين اهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، فقال: لا ضرر ولا ضرار( ).
كما ذكرت الكتب اللغوية حديث لا ضرر وكذا كتب الأصول ، وهو مشهور وساهم في بيان المائز بين الضرر والاضرار لان العطف يفيد المغايرة.
والضرر: الضيق والشدة ، والتعرض للنقص والاذى بالنفس والمال وهو خلاف المنفعة، يقال: ضره يضره ضراً ومضاراً وضراراً، والاسم الضرر، اما الضرار ففيه وجوه:
الأولى : نوع مفاعلة بين اثنين كل واحد منهما يضر صاحبه، فيكون الحديث ذا شقين:
الاول: النهي عن الاضرار بالآخر.
الثاني: عدم تبادل الإضرار.
الثانية : الضرار رد الضرر بالمثل، والنهي عنه في الحديث، أي على المسلم ان لا يقابل الضرر بمثله بل يعفو، قال ابن الاثير في شرح الحديث: (أي لا يضر الرجل اخاه فينقصه شيئاً من حقه، والضرار فعال من الضر، أي لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه)( ).
الثالثة : الضرار والضرر بمعنى واحد، وبه قال في المنجد ويحمل التكرار على التوكيد.
الرابعة : الضرار هو الضرر الشديد في مقابل الضرر وهو الضيق ونحوه، فالامر الزائد بلفظ ضرار هو في الرتبة ولا يتعلق بتعدد الموضوع.
الخامسة : الضرر إبتداء الفعل، اما الضرار فهو الجزاء عليه.
السادسة : الضرر ما يأتي عرضاً او انه فعل غارب لم يقصد به شخص معين، اما الإضرار فيراد منه تعمد الاذى سواء بقصد شخص معين او بدونه.
السابعة : الضرر توجيه الاذى والضيق الى الغير، مع انتفاع فاعل الضرر منه، اما الإضرار فهو ايذاؤه وتعريضه للشدة والضيق من غير ان ينتفع الفاعل.
وظاهر الحديث التعدد، وان الاضرار نوع مفاعلة بين اثنين وهو فعل مقصود يراد منه الايذاء والرد بالمثل، وهذا التعدد في تأويل الحديث يدل على الكنوز الفقهية التي تتضمنها السنة النبوية الشريفة الا انه لا تعارض بين الاقوال اعلاه لوحدة الموضوع وثبوت النهي عن إيقاع الضرر بالغير شرعاً، وتستفاد منه الحرمة التكليفية والوضعية، بالنهي عن ارادة وقصد الاضرار بالغير، اما الوضعية فهي بطلان المعاملة اذا جاءت بقصد الاضرار والتعدي.
والحديث وثيقة تنزيه للشريعة من الحكم الضرري، فليس في القرآن او السنة حكم فيه اضرار بالناس او الافراد، ولا يجوز اتخاذ هذه الآية وشرائط الكتابة والشهادة للضرر والاضرار، والحديث حث على التدارك فاذا حصلت كتابة او شهادة ضررية يتعرض بها احد الاطراف الى الخسارة ونقص الأموال فيجب التدارك واعادة حقه له، فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا ضرر ولا ضرار( )، يشمل قواعد الضمان ولزوم اعتبارها.
وتنهى الآية عن الضرر والمقابلة بالضرر والاذى، وتبين قاعدة كلية في المقام وهي ان الضرر على نحو القضية الشخصية يؤدي الى الضرر النوعي بالأمة وهو امر ظاهر للوجدان، فاذا اتخذت شرائط كتابة الدَين والبيع للايذاء والذم والتقبيح، فالكاتب يذم الذي عليه الحق، وصاحب المال يذم الشاهد، وهكذا دواليك فان الناس تعزف عن الكتابة والشهادة، وصاحب المال يتجنب ادانة الغير لانه اضرار في حال الكتابة أو عدمها.

قوله تعالى [وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ]
الآية انذار وتخويف من التعدي وارتكاب المعصية ,وفيه وجوه محتملة:
الأول: المراد مخالفة احكام الحلال والحرام في العبادات والمعاملات مطلقاً.
الثاني: عدم الإمتثال والتقيد بما ورد في هذه الآية من الأحكام والشرائط والقيود والنواهي والرخص.
الثالث: النهي عن الإضرار وجلب الأذى للمتبايعين او الكاتب او الشاهد.
ويشمل الإنذار في الآية الوجه الثاني والثالث اعلاه، ومن الإعجاز ان تأتي خاتمة الآية لتثبيت احكامها والحث على التقيد بها, والترغيب في الإمتثال بما جاء بها من الأوامر، واجتناب ما ورد فيها من النواهي، والتحذير من المخالفة والمعصية.
وتظهر في الآية صـيغة الذم والتقبيح لحال ترك قواعد وشرائط الديون والمعاملة.
وفي علم المناسبة بين الكلمات ورد لفظ (الفسوق) اربع مرات في القرآن, مرتين في سورة البقرة، ومرتين في سورة الحجرات، ولم يرد في أي سورة أخرى من سور القرآن , جاءت واحدة في مناسك الحج وتنزيهها من الأخلاق الذميمة، قال تعالى [فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ]( ).
وورد في قوله تعالى [وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ]( ) فجعـل الفســوق هــنا رديفاً للكفر، ومعطوفاً عليه ومقدماً في الترتيب على العصيان، والفسوق هنا إتيان الذنوب، والخروج عن طاعة الله، وورد في قوله تعالى [وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسم الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ] ( ) ، وبلحاظ المناسبة بين مواضيع لفظ الفسوق في الآيات ترى تبايناً بينه وبين لفظ (الفاسق) الذي ورد بمعنى التارك لطاعة الله، قال تعالى [أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ] ( ).
كما ورد لفظ الفاسقين بصيغة الجمع مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً خمساً وثلاثين مرة في القرآن بارادة الكافرين والخارجين عن سبل طاعة الله، قال تعالى [وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ]، فبينما جاء لفظ الفاسق والفاسقين في ذم الكفار، جاء لفظ الفسوق متعلقاً بالفعل في تحذير المسلمين منه، في ثلاث آيات , اما الآية الرابعة فهي اخبار عن تفضل الله تعالى بجعل المسلمين يكرهون الفسوق [وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ].
قانون التقيد بأحكام الديون
وهذه الآية بشارة التزام المسلمين باحكام الديون وشرائطها وعدم حصول الضرر والإضرار بسببها، وظاهر الآيات ان الفسوق من الكلي المشــكك , وليس على مرتبة واحـدة، وان ما يخص غير المسلمين يختلف عما يخص المسلمين، وهذا من إكرام القرآن للمسلمين، وهو من قواعد اللطف بتقريب المسلمين الى الطاعة , واعانتهم على أداء مصاديقها وعدم الخروج عنها الى ما يناقضها.
والمراد من نعت الفسق بالنسبة للكافر هو العصــيان وترك أمر الله عز وجل، أما بالنسبة للمسلمين فهو انذار ودعوة لعدم ترك الأولى والأحسن والأفضل، والتحذير من الخروج عن الإستقامة، وفيه حث على الإلتزام بأحكام الآية الكريمة وبذا فان الآية ليست ذماً للمسلمين ولا تقبيحاً لفعلهم خصوصاً وانها جاءت في خاتمة الآية التي ترشدهم وتأمرهم بأحكام الديون والمعاملات , وبدأت بالخطاب [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهو عنوان تشريف.
لقد بدأت الآية بخطاب الإكرام والتشريف وأختتمت بذات الخطاب وفيه توكيد لخلو القرآن من تقبيح وذم المسلمين، انما جاء التنبيه عن فعل قبيح على نحو الشرط والتعليق (إِنْ تَفْعَلُوا) وبما انه سبحانه تفضل بجعل الفسوق أمراً يكرهه المسلمون، فانهم لا محال سيجتنبون ترك أحكام الكتابة والإشهاد ولا يقومون بالإضرار بالكاتب او الشاهد ولا يقوم الكاتب او الشاهد بتحريف تفاصيل الدَين والبيع وتغييرها.
وفعلاً فانك ترى تأريخ الإسلام على تعاقب أحقابه يزهو بالصدق في الكتابة والشهادة، ولا عبرة بالشاذ النادر، وهو موعظة وسبب في تجديد التمسك بأحكام هذه الآية الكريمة.
ولقد انفردت الآية محل البحث بتعلق جار ومجرور بلفظ فسوق، وحرف الجر في [فُسُوقٌ بِكُمْ] يحتمل المصاحبة والتبعيض، والثاني بعيد لأنه خلاف صيغ الإكرام، فالأرجح هو الأول أي المصاحبة، فمن يقدم على الاضرار فانه خروج عن الإستقامة , ويجري معكم في حياتكم اليومية المليئة بالعبادة وأداء الفرائض والصلاح، والاضرار أمر غريب عن واقع المسلمين، فالواجب يقتضي المساواة في سمتهم في العبادات والمعاملات والنظام المعاشي العام، فكأن الآية حث على تنزيه مجتمعات المسلمين من الإضرار بالعقود والديون.

النهي عن الإضرار مطلق
لقد جاءت الآية بالنهــي عن الاضــرار في اجراء العقود وهو من باب المثال، والا فالتحذير من الاضرار يشمل كل موارد الشريعة ، قال تعالى [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ]( ).
وحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورد مقيداً في بعض الروايات بالاسلام، لا ضرر ولا ضـــرار في الاســـلام أي شريعة ومنهاجـــاً وعملاً،
وقوله تعالى [فُسُوقٌ بِكُمْ] بيان للأضـــرار العامـــة التي تترتـــب على مخالفـة سنن الاحكام، وقواعد المعاملات ليس في الديون والبيوع فحسب بل مطلقاً، سواء في باب النكاح والطلاق او الجنايات او المواريث، ومختلف المعاملات، فالشريعة احكام متكاملة لا تقبل التجزئة والإنتقاء والتبعيض، فليس للمكلف ان يأخذ شطراً منها ويترك الآخر.
ومن الأمم السالفة من آمنت ببعض النبوءات دون بعضها الآخر ، اما المسلمون فقد آمنوا بالنبوات كلها ، وجاءت هذه الآية لتمنع عنهم الانحراف في باب المعاملات ، وضرر عظــيم بالأمة والأفــراد ، لان قوله تعالى [بِكُمْ] له عدة معان محتملة منها:
الأولى : فسوق بكم كاطراف في معاملة شخصية للدين أو البيع.
الثانية : حصول الإرباك والضيق والحرج في المعاملات.
الثالثة : شيوع الرذيلة والاثم في المجتمعات، اذا غلب التجرأ والكذب والافتراء وقول الزور والتعدي، وشاع في معاملات البيع والدَين ونحوهما، وهذا الوجه من مصاديق الآية الكريمة اذا حملنا (الباء) على معنى الظرفية، وان لم يقل به جمع من النحويين، ولكن هذا المعنى ظاهر في الآية الكريمة.
الرابعة : بلحاظ مجئ الباء مرادفة للحرف (عن) كما في قوله تعالى [فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا]( ) أي اسأل عنه خبيراً، فان المضارة في كتابة الدَين والشهادة عليه تعكس صورة قبيحة عن المسلمين، وتجعل الآخرين ينظرون بقصور إلى أحكام الشريعة الاسلامية من خلال هذا الفعل.
الفسوق مركب
الفسوق في المقام مركب من امرين:
الأول: الذاتي وهو الذي يتعلق بنفس الانسان وما يسببه له الإضرار من الضيق والشدة والاذى، واطرافه:
الأولى : الذي يقوم بالإضرار بالآخر , كما لو اضر الكاتب بصاحب المال او العكس.
الثانية : الذي يقوم برد الضرر والاذى، كما لو أضر الشاهد بالذي عليه الحق، فقابله الأخير بالاعتداء والايذاء.
الثالثة : الإضرار النوعي العام بالإعراض عن كتابة العقود والشهادة عليها بسبب الضرر والاذى الشخصي.
الرابعة : تراكم وتعدد الأضرار الشخصية في كل عقد بيع او دين يتضمن الضرر بطرف او اكثر من اطراف البيع.
الثاني: الموضوعي وهو الفساد والبوار الذي يدب في الاسواق ويظهر في المعاملات بسبب حصول الضرر من الكتابة والشهادة وعدم الإلتزام باحكام الشريعة.
فالآية شاملة للقسمين في تحذير وتخويف من التعدي في كتابة العقود، ودعوة للحرص على ضبط احكامها وتوخي الدقة وحسن الخلق والانصاف فيها، واتقان الشهادة وتأمين الحصانة المعنوية للكاتب والشاهد وأطراف العقد , لتعاهد توثيق العقود والمنع من نسخ الحكم السماوي بصددها،
فمن إعجاز الآية انها تمنع من نسخ الحكم الشرعي في جانب من جوانب المعاملات، وهي شاهد على عدم امكان طرو التحريف على مبادئ ومناهج الشريعة الاسلامية.
وكما اشترطت الآية في اولها على الكاتب ان يكتب بالعدل، جاء في اخرها التحذير من الاضرار بالكاتب ومجانبة العدل، بمعنى ان خاتمتها تؤكد ضرورة العدل في المقام والحاجة اليه , وهو ليس شرطا من شرائط كمال العقد بل من مقوماته واركانه.
بحث بلاغي اصولي
من وجوه البديع (الإطراد) وهو ان يذكر المتكلم أسماء الجدود مرتبة بحسب القدم والسبق الزماني والابوة، فيأتي الابن بعد الاب، ثم يأتي بعد الابن ابنه بخلاف المتعارف وهو الابتداء بالاب ثم الجد، ثم الجد الأعلى، ولابد للاطراد من سبب، ويأتي بلحاظ الملة والشرف والسبق في الإيمان كما ورد في اولاد يعقوب، قال تعالى [قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ] ( )، لبيان موضوعية الاعتقاد وتوارث الملة، وتوكيد الشرف العظيم لإبراهيم والذكر الحسن له في الدنيا، قال تعالى [وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً] ( ).
كما ورد اصطلاح (الإطراد) في علم أصول الفقه، وهو من علامات الحقيقة، وعدمه علامة المجاز فيكون امارة ودليلاً لمعرفة الفرد المشكوك هل هو من الحقيقة او المجاز.
ومنهم من لم يعتبر الاطراد علامة للحقيقة، وقال بان المجاز قد يتصف بالاطراد، والأول اصح فهو من علامات الحقيقة، ولا عبرة بالقليل النادر الذي يظهر انه مجاز عند التحقيق.
ومن أمثلة الاطراد او عدمه ورود لفظ (أسد) فهو يطلق حقيقة على الحيوان المفترس المعروف، ويطلق على الانسان الشجاع مجازاً، فبالاطراد تعرف الحقيقة من المجاز، والمراد من الإطراد أن الأسد يتصف بالقوة في جميع الاحوال، أما الرجل الشجاع فانه يكون شجاعاً في مصداق دون مصداق آخر، وواقعة دون اخرى، بحسب الحال والشأن، مما يعني اطلاق لفظ الاسد حقيقة على الحيوان المفترس، ومجازاً على الرجل الشجاع.
ولا بأس من توســعة معـــنى الإطــراد وجعل اصــطلاح قرآني خاص له، لتؤســـس مدارس وعلوم قـــرآنية مســتقلة، تنهل وتقتبس منها العلوم الاخرى وليس العكس، ولا اقل في بعض العلوم والمصطلحات، فيمكن ان نؤسس قاعدة (الاطراد القرآني)، وهو مجئ الآية او الآيات بموضوع واحد، وتكون احكامه متتابعة متوالية لتشمل مصاديقه على نحو التفصيل، كما في آية الدَين هذه، فان الآية مع طولها وكثرة عدد كلماتها وجملها جاءت مطردة في موضوع الدَين وبيان احكامه.
قوانين في الآية
الأول : قانون نداء الإيمان بعث للعمل بمضامين الآية ، وهو من أسرار مجيئه في أولها .
الثاني : لغة الشرط في الدَين ، فلم تقل الآية (يا أيها الذين آمنوا تداينوا) إنما قالت [إِذَا تَدَايَنتُمْ]( )، لبيان قانون التداين عرض وليس صفة ملازمة للمسلمين لبيان مسألتين :
الأولى : ليس كل مسلم يحتاج الإقتراض .
الثانية : الذين يقترض من غيره يأتي يوم لا يحتاج فيه القرض [إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( ).
الثالث : قانون تعيين أجل الدَين ، لمنع الجهالة والغرر ، ولإجتناب ضياع الحقوق .
الرابع : قانون توثيق الدَين والقرض بالكتابة والشهادة عليه .
الخامس : قانون عدالة كاتب الدَين ، وإن كان ذا قربى للدائن أو المدين .
السادس : دلالة الآية على أن الكاتب غير الدائن والمدين لقوله تعالى [وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ]( ).
السابع : قانون كتابة الدَين وفق أحكام الشريعة .
الثامن : قانون إملاء المدين مقدار الدَين وأجله وذكر اسم الدائن ، لأن هذا الإملاء نوع إقرار منه وإجتنابا للخلاف .
التاسع : قانون انبساط سنن التقوى على معاملة الدَين .
العاشر : قانون حرمة البخس والنقص من مقدار الدَين ، أو إطالة الأجل خلاف الشرط ، وهو لايمنع من التسامح والعفو والإمهال فيما بعد ، قال تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ]( ).
الحادي عشر : قانون عمومات كتابة الدَين حتى على السفيه والضعيف.
الثاني عشر : قانون إنتفاء الضرر والإستثناء في كتابة الدَين حتى على القول باستحبابه.
الثالث عشر : قانون الشهادة على الدَين .
الرابع عشر : قانون عدالة الشهود على الدَين ، والمشهور والمختار استحباب كتابة الدَين لقوله تعالى في الآية التالية [أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ]( ).
الخامس عشر : قانون حرمة امتناع الشهود عن الإدلاء بشهادتهم.
السادس عشر : قانون جواز عدم كتابة وتدوين التجارة الحاضرة وإن كانت ديناً وقرضاَ.
السابع عشر : قانون وجوب تقوى المسلمين وخشيتهم من الله عز وجل مجتمعين ومتفرقين .
الثامن عشر : قانون ضمان حق أولاد ورثة الدائن بالكتابة ، وافراغ ذمة المدين بقضاء الدَين من التركة ، قال تعالى [مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ]( )، وقدمت الآية الوصية مع أن المقدم هو الدَين للنص وكأنه يدخل في عمومات الوصية
التاسع عشر : قانون عدم إكراه أحد على الشهادة أو الكتابة .
العشرون : قانون شهادة المرأة في المعاملات إكرام لها .
قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ]
قد جاء الأمر بتقوى الله في باب الإيمان والإقرار بالنبوة واداء العبادات والصبر والمرابطة والأخذ بما جاء به الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتقيد باحكام الشريعة، كما جاء الأمر بتقوى الله مستقلاً وهو سور مبارك يحصــن النفس من الفجور ويحفظ المجتمعات من الإرباك، والقيم من التداعي والتردي.
بتقوى الله تدوم الحياة على الأرض، تتعاهد أمة مؤمنة تقوى الله في الفعل والقول وتتقيد بما ينزل من السماء من أحكام فتتغشى الرحمة الإلهية أهل الأرض جميعاً ويصرف البلاء عن الكافر والفاجر الى حين، سواء رجاء توبته وانابته او لإمهاله واستدراجه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
ومن درر القرآن وكنوزه الظاهرة الأمر بالتقوى، وتكراره، ومواضعه وموضوعاته، وهو فضل من الله تعالى ورحمة حاضرة ودعوة للصلاح والهداية [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ]( )، ومن مصاديق هذا الحب ترشح النعم في الدنيا ، والأجر والثواب في الآخرة على الذين يخشون الله عز وجل ، ولابد من رابطة عامة بين الموضوعات التي ورد فيها الأمر بتقوى الله سواء في الخطابات التكليفية والإرشادية الموجهة للمسلمين او تلك التي تعلقت باخبار الأمم السالفة وجهاد الأنبياء لإعلاء كلمة التوحيد وتثبيت معالم الدَين لتصل الأمانة الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين فيتوارثون عقيدة التوحيد ويثبتون أحكام الإسلام في الأرض الى يوم القيامة.
وأنعدمت الحاجة للنبوة الجديدة وتصبح سالبة بانتفاء الموضوع، وكان ختمها بالرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن في نبوته غنى لأهل الأرض ولأنه جاء بالشريعة المتكاملة التي لا يحتاج معها الناس الى غيرها في العبادات والمعاملات والأحكام والسنن ، قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]( ).
ومن وجوه التكامل فيها إحكام الأوامر بما يؤدي الى دوام العمل بها، لذا اختتمت بوجوب خشية الله، كما جاء الأمر بتقوى الله في أول الآية خاصاً بالذي عليه الحق بصيغة الخبر.
جهة الخطاب بالتقوى
صــحيح ان قولــه تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ ] معطوف على (وان تفعلوا) الا انه لا يعني الإتحاد في جهة الخطاب وهذا من أسرار القرآن وذخائره العقائـــدية وقد ذكـــرنا الوجــوه المحتملة في قوله تعالى (وان تفعلوا).
وفي جهة هذا الشطر من الآية وجوه تتعلق الأمر والخطاب:
الأولى : انه موجه الى البائع والمشتري بعدم الإضرار بالكاتب والشاهد.
الثانية : أطراف عقد الدَين والبيع والكاتب والشهداء بعدم إضرار بعضهم ببعضهم الآخر.
الثالثة : الكاتب والشاهد وان لايضران المتبايعين.
الرابعة : أطراف العقد ومن حولهم ومن يهمه أمر العقد باجتناب الإضرار بالآخرين والردع عنه والإعانة على اجتنابه بكشف الحقائق، وحفظ الوثائق وعدم مجانبة الحق والصدق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الخامسة : ولاة أمور المسلمين والقضاة وأولوا الحل والعقد لتثبيت دعائم الدَين وإظهار الحق وانصاف الناس ونصرة المظلوم.
السادسة : المسلمون كافة.
والجواب هو الأخير فالخطاب للمسلمين كافة ولكن هذا لا يمنع من خصوصية لكن وجه من الوجوه الخمسة الأخرى أعلاه وحثهم على تقوى الله كل بحســـبه خصوصاً وان الجار والمجرور في قوله تعالى (فانه فسوق بكم) يشمل المسلمين جميعاً، أي أن حصول الضرر والإضرار في عقود الدَين والبيع يضر المسلمين كافة في معاملاتهم وعالم الأعمال والثواب، ويؤثر سلباً على مجتمعاتهم.
موضوع التقوى في آية الدَين
موضوع الأمر بالتقوى في الآية ففيه وجوه:
الأولى : تقوى الله في الدَين والبيع والعقود، واجتناب الإضرار بالأطراف الأخرى.
الثانية : التوقي والحذر من الربا والفائدة القرضية او فرض الربح بسبب طول الأجل او تأخير الأداء.
الثالثة : التقيد بكتابة الدَين والإشهاد عليه.
الرابعة : عدم التفريط بأحكام هذه الآية.
الخامسة : عدم اتخاذ الأمر بالكتابة والإشهاد سبباً ومقدمة لإيذاء الآخرين او الإضرار بهم.
السادسة : تقوى الله مطلقاً في العبادات والمعاملات، وجعلها مصاحبة للمسلم في قوله وفعله في ليله ونهاره ، قال تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ).
السابعة : ان تتغشى التقوى المجتمعات الإسلامية والنظم القانونية والأحكام الوضعية ولا يصدر فعل الا عن تقوى الله وتكون هي السمة الظاهرة في المعاملات فلا يتسرب الظلم والتعدي والغبن والإضرار الى منتدياتهم ومعاملاتهم.
والوجوه الســبعة أعلاه كلها من مصـــاديق التقوى الواردة في الآية لمناسبة الآية وموضوعها، وفيه إعجاز من وجوه:
الأول: اتساع مفاهيم تقوى الله.
الثاني: تعدد جهات الخطاب القرآني.
الثالث: عدم التعارض بين وجوه ومضامين التقوى بل انها متداخلة ومترابطة.
فالآية دعوة للإمتثال للأوامر الإلهية ومنها كتابة الدَين والإشهاد على البيع، واجتناب ما نهى الله عنه ومنه الإضرار بالآخرين.
وفي الآية تحذير من اتخاذ الأمر الإلهي وسيلة للأذى والتعدي بمعنى ان الله عز وجل تفضـــل وأمر بكتـــابة الدَين والإشـهاد عليه فلا يجوز ان يكون الإمتثال لهذا الأمر مناســـبة لإيـــذاء الآخـــرين او تلقي الأذى، بل على اطراف الدَين وأركان الشهادة والكتاب حسن الإمتثال وجعله موضوعاً للأجر والثواب وسبباً للأخوة والإلفة والتعاون.
ان اختتام الآية بالأمر بتقوى الله دعوة اضافية للعمل بكل حكم من احكامها وإعانة سماوية على الإمتثال الأمثل، وهذا من دقائق اللطف التي يتضمنها القرآن.
ويبقى الأمر الإلهي بالتقوى تشريفاً للمسلمين وعوناً وحافزاً للإلتزام بأحكام الآية، وهو مدد ملكوتي لتثبيت أحكام الآية في الأرض، الا ترى ان المسلم يحرص على ضبط الشهادة وادائها بأمانة، وان الذي له او عليه الحق لم يطلب من الشاهد تغيير قوله او تحريف الحقائق او الواقع او تغيير الأرقام والمقادير، وهذا كله من الأمر الإلهي بالتقوى سواء لبعث روح العفة في النفوس، او للفزع والخوف من العقاب، وترى كتابة العقود والشهادة عليها تحاط بإكرام وحصانة نوعية تشارك بها الأطراف كلها.
قد جاء الأمر بالتقوى في اول الآية خاصاً بالمدين ومن عليه الحق [وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ]( )، ثم جاء الأمر بالتقوى بصفة الأمر الى الجميع، وفيه وجوه:
الأولى : ان الذي عليه الحق لا يدخل في هذا الخطاب.
الثانية : تأمر الآية الآخرين بالرفق والعناية بالمدين.
الثالثة : الخطاب في هذا الشطر من الآية يفيد العموم ويشمل المدين أيضاً كونه ركناُ في عقد الدَين وهو أهم أطراف العقد بلحاظ توقف الداء عليه.
والصحيح هو الوجه الأخير مما يدل على المسؤولية الشرعية والأخلاقية والإجتماعية التي يتحملها المدين والذي عليه الحق، وفعلاً فان قيامه بحسن الأداء من أهم اسباب دوام البركة والإعانة والديون، وتفشي القرض والصدقات، كما ان الآية ذكرت الكاتب والشاهد المتعدد، وموضوع البيع وجاء الحث على خشية الله عز وجل واجتناب معاصيه بعد النهي عن الضرر والإضرار لأن التوكيد والتغليظ يساهم في التقيد به فجاء الأمر بالتقوى رأفة ولطفاً منه تعالى.
ومن وجوه التقوى إرادة الدائن وجه الله بالدَين وإرادة المدين التقرب إلى الله عز وجل وطلب مرضاته بادائه الدَين.
ومن التقوى إمهال المعســر والصـــبر عليه، وأخرج أحمد والبيهقي في الشـــعب عن أبي قتادة ســـمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من نفس عن غريمه او محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة( ).

قوله تعالى [وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]
بعد الجملة الإنشائية جاءت الجملة الخبرية في ذات الموضوع والجهة فجاء أمر من الله تعالى بالتقوى الى المسلمين وتعقبه اخبار عن تفضله تعالى بتعليمهم سبل الهداية وفي الآية وجوه:
الأولى : ان الله عز وجل يعلم المسلمين ويرشدهم الى معرفة أصول وفروع الدَين وأحكام الحلال والحرام.
الثانية : الأمر بتقوى الله من التعليم الإلهي، لما فيه من التوكيد على الخشية منه تعالى والإمتناع عن معاصيه.
الثالثة : معرفة أحكام كتابة الديون والبيوع والشهادة عليها لضبطها.
الرابعة : جعل المسلم يعرف وظيفته في كل مرة يكون طرفاً في العقود وبحسب منزلته فيها، فتارة يكون دائناً فيحتاج الى الإحتراز من المن والأذى، ومن أخذ الفائدة والربح على الدَين، وعليه إيلاء عناية خاصة بكتابة الدَين وتوثيقه والإشهاد عليه وترك المدين هو الذي يملي، ليكون الإملاء حجة اضافية عليه ولأنه أعلم بما اشتغلت به ذمته، ويصبر على المعسر ويمهله لحين السعة.
واذا كان هو المدين يقوم بما عليه من الواجبات والمندوبات وهو نفسه قد يكون كاتباً فيكتب بالعدل ويتجنب التغيير واللبس والإبهام والإجمال، والكاتب يكون في يوم آخر شاهداً، خصوصاً وان الشهادة لا تحتاج الى معرفة فن الكتابة وأحكام كتابة الديون والعقود خاصة، فلو كان شاهداً احتاج العدالة وضبط المقدار والأجل واطراف العقد ونحوه من مستلزمات تحمل الشهادة، ولفظ تحمل الشهادة وان كان اصطلاحاً الا انه يدل على ان الشهادة عبأ ومسؤولية وأمانة.
والمسلم يتعلم ما يجب عليه في كل حالة من الحالات الأربعة في وظائف العقد فيكون رقيباً ورائداً في فعل الخير ومانعاً من الخلل والنقص والتفريط في الأحكام التي جاءت بها هذه الآية، وحتى من لم يكن طرفاً في الدَين والقرض ولم يكتب عقداً او يشهد على صفقة وعقد تراه يعرف هذه الأحكام على نحو العلم الإجمالي او التفصيلي، وهذا من عمومات الآية لأن التعليم فيها ورد على نحو الإطلاق.
ومن التعليم الإعانة والإرشاد الى تقوى الله لقبح العقاب بلا بيان، فالله عز وجل أمر بالتقوى وهدى المسلمين اليها، ومن وجوه الهداية الى التقوى أحكام هذه الآية، كما ان العمل بها من مصاديق التقوى والتلقي الحسن للتعليم.
قانون استدامة التعليم
وجاءت الآية بصيغة الخبر والمضارع والخطاب مما يعني استدامة التعليم ودوامه في الأجيال المتعاقبة، وهذه الآية من أهم وجوه التعليم في المقام , وهي تنبض بالحياة وتدعو كل مسلم على نحو مستقل والمسلمين جميعاً للتقيد بأحكامها.
وجعل الله عز وجل فيها الرخصة بشهادة المرأة وجوازها في تحد للنظام القبلي انذاك والقائم على استضعاف المرأة والتضييق عليها، وهذه الآية منطوقاً وأحكاماً نظام إجتماعي واقتصادي متكامل، خصوصاً وانها تتناول مسألة ابتلائية متكررة وهي الدَين والبيع وتتفرع منها مسائل وابتلاءات متعددة ، ويدرك الجميع ان الوسيلة الوحيدة للتخلص من تلك الإبتلاءات هو الرجوع الى هذه الآية الشريفة، فيشعر المسلم والمسلمة طوعاً وقهراً وانطباقاً بحاجتهما الى القرآن وانه الحصانة لدفع الضرر والأذى، فالإنسان يحتاج ان لا يكون ظالماً او مظلوماً.
وصيغة الإطلاق في موضوع التعليم تدل على تعدد وجوه التعليم وسعته وكثرة جهاته وحيثياته، وعدم غلق بابه لا في مواضيع وأحكام هذه الآية ولا في غيرها، وهي دعوة لتلمس وجوه التعليم في آيات القرآن وعددها ستة آلاف ومائتان وست وثلاثـون آية، وكل آية مدرســـة تفيض بالعلم وهي وســـيلة للتعليم.
ومن إعجاز الآية ما فيها من الأخبار عن التعليم اي أن آيات القرآن ذخائر للعلم وكل آية معلم ومدرســـة للخير والصـــلاح وتعين العبد على التقيد بأحكام الحلال والحرام ولها لسان وشأن وسلطان ينفذ الى النفس الإنسانية فتتلقاه النفس المطمئنة والمؤمنة بالقبول والرضا والإستجابة.
ومع نزول آيات القرآن وعظيم تأثيرها وكثير نفعها يشمل التعليم السنة النبوية الشريفة , قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ) لأن النبي ينطق بالوحي، والوحي أعم من القرآن , وهو من مصاديق التعليم الإلهي، ليأتي التعليم موافقاً للناس جميعاً على اختلاف مذاهبهم ومراتب مداركهم.
و(عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء -وهو بدمشق فقال : ما أقدمك أيْ أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أما قدمت لتجارة؟ قال: لا. قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا؟ قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من سلك طريقا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم ، وإنه ليستغفر للعالم مَنْ في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)( ).
وفي الآية مدح للمسلمين لإنفرادهم بتلقي التعليم من الله تعالى, وتفضيلهم بالعلم وهو دعوة للزوم تعاهد وتوارث هذا التعليم. وبذل الوسع لحفظه وتثبيته واظهاره في ميادين العمل، وصحيح ان التعليم في الآية يراد منه المسلمون الا انه معروض للناس جميعاً للأخذ منه وتلك من خصائص المعرفة الإلهية بان لا تحجب عن أحد، ولكن شطراً من الناس اختاروا عدم الإنتفاع منها، ومن امتنع عن الأخذ من المضامين العلمية المتعلقة بالعبادات فان ما يخص المعاملات لا يبتعد عنه ويكون ما يعرض عنه برزخاً دون الإنتفاع من غيره من مصاديق العلم، الا ان يشاء الله، والمستثنى والمستثنى منه من الفضل الإلهي.
فمن أبى النطق بالشهادتين، لا يغلق عنه باب الإنتفاع من هذه الآية ودعوة القرآن له لصيانة امواله وحفظ سمعته , وتعاهده للأمانة الشخصية , فاسباب الدعوة الى الله تبدأ بخلق الإنسان بصورته البديعة الكريمة, وبنفخ الروح فيه, وببعث الأنبياء, ونزول الكتب وآيات الآفاق ونحوها، وهي تحثه على الإيمان والتقيد بأحكام العدل والإنصاف ونبذ الظلم.
بحث كلامي
جاءت هذه الآية لتعليم المسلمين والناس كافة من خلفهم رأفة واحساناً ورحمة من الله تعالى, والمتعارف ان التعليم يصدر من المعلم ويتلقاه المتعلم على نحو الإختيار ويكون ازاء العلم على وجوه:
الأولى : تلقي مفــردات العلم وفهمها وإدراكها على نحو الموجبة الكلية.
الثانية : إكتساب العلم ومعرفة موضوعاته على نحو الموجبة الجزئية , بحسب مدارك الإنسان واستيعابه واقباله وميله النفسي لبيان قانون التعليم رحمة.
الثالثة : الوقوف عند حال التلقي والتصور والوجود الذهني.
الرابعة : ترجمة العلم والمعرفة في الواقع الخارجي وعالم الأفعال.
الخامسة : عدم الإســتيعاب وضـــعف الإدراك مـــع التعليم وتلقي المعرفة بسبب الإنشغال عن التعليم , والإهتمام بغيره او لضعف المدارك ونحوها.
اما التعليم الإلهي للإنســان فهو أمــر مختلف لا يقبـل التجزئة والتباين والتضـاد في كيفية التلقي والقبول عند المتعلم، وهذا من الإعجاز والتفصيل الذي تترتب على معرفته أحكام فلسفية وكلامية عديدة ، قال تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
لقد جاء تعليم الله تعالى للمسلمين في هذه الآية نظرياً وعملياً، اما الأول فهو ادراك حقائق التوحيد وعظيم قدرته تعالى وعلمه بخصائص الأفعال واسرار النفوس وكيفية حفظ الأموال وصيانة القيم الأخلاقية وسمات العدل.
اما الثاني فالمراد منه العمل وتحصيل المصلحة والمنافع العامة والتوكيد على توثيق المعاملات , وتنمية ملكة العدالة والصدق, والإرتقاء العلمي والتحصــيل فان كـــثرة الكتابة في الأمة دليل على رقيها وســـبب لإزدهـــار منتدياتها, وآلة لحفـظ القرآن ونشر علوم الدَين.
فتعليم المسلمين الأحكام لا يتوقف على اختيار العبد بالتلقي او عدمه، ولا يخضع لقدراته بالفهم والإستيعاب او التخلف عنه بل انه ينفذ الى النفوس وتعيه القلوب وتدركه الأوهام، لا فرق في ذلك بين العالم والجاهل، والرجل والمرأة، والذكي وغيره .
فالتعليم من الله تعالى يعني بالضــرورة حصــول المعرفة عند المســـلمين, وعند غيرهم بما يتفضل به ســـبحانه, لأن تعليمــه تعــالى يختلـــف عن تعليم الخلائق .
واذا اراد سبحانه تعليم الناس او طائفة او اشخاص منهم فانه يحكم التعليم ويجعل التلقـــي والفهم حتمياً وقطعياً .
وليس من انسان اختاره الله عز وجل ليكون نبياً فتخلف عن المراد او امتنـــع عن القبول ، بل لابد من صيرورته نبياً، ولا يرقى أحـــد الى النبوة التي هــي اشرف مرتبة ينالها اصـــحاب الكمالات الإنســـانية .
فيكون تعلـيم المســـلمين بواسطتهم ، وعلى نحو مستقل وأدنى رتبة منهم ولكــن لا احـــد يتخلــف عن قبــولـــه، ومن دلائلـــه ان احكـام هذه الآيـــة باقيـــة الى يــوم القيامــة.
ويحـــرص المســلمون علــى العمــل بها.
والآية شهادة سماوية بان المسلمين اصبحوا علماء، لأن تعليمه حق ومنجز ليس معلقاً او مشروطاً، بل جاء مطلقاً تاماً وليس جزئياً، فحق للمسلمين ان يتخذوا هذا الشطر من الآية دليلاً على تفضيلهم، وعيداً عقائدياً لهم ومادة لإنطلاقهم في ميادين العلم والتحصيل بثقة وامل ورضا، انها ضمان علمي لمستقبل الإسلام والتوفيق في الحياة العلمية والعملية للمسلمين جماعات وافراداً.
وهي دعوة لتوظيف العلم المتلقى بالضرورة في الواقع العملي والخارجي وعدم العمل بما يخالف العلم ليكون مقدمة وجزء من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( )، الا ترى الذي يرتكب المعصية من المسلمين يدرك انه خالف الحق وزاغ عن العلم , وان كان جهله مركباً، لذا جعل الإستغفار وسيلة للتوبة والرجوع للعلم.
ومن مصاديق التعليم ما يرد في الآية التالية من أحكام الدَين والبيع في حال السفر ووثيقته ومفاهيم الأمانة وهي قوله تعالى [لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
علم المناسبة
ورد لفظ (يعلمكم) في القرآن ثلاث مرات كلها في سورة البقرة مما يدل على موضوعية سورة البقرة في بيان الأحكام، والإرتقاء العلمي للمسلمين وموضوعية أوان نزولها في المدينة، لبناء وتثبيت صرح العلم على الأرض والى يوم القيامة بثلاثة أركان:
الأول: القرآن وآياته.
الثاني: السنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية والتدوينية.
الثالث: المسلمون جنوداً وآلة للإمتثال للحكم الإلهي.
وقد ورد لفظ (يعلمكم) مرتين في آية واحدة , قال تعالى في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ]( ).
وبين التعليم في الآيتين عموم وخصوص مطلق، فكل ما يعلمه النبي للمسلمين هو مما علمه الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ونسبة التعليم الى الله تعالى في الآية محل البحث غاية التشريف والإكرام للنبي وللمسلمين.
أما التشريف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما تؤكده الآية من امضاء تبليغ النبي وحسن أدائه لرسالته، والتشريف للمسلمين فواسطة النبوة ، وكأن المسلمين تلقوا الآيات مباشرة من عند الله تعالى.
ولموضوعية أحكام الدَين في سنن التعليم الإلهي ,جاء الخطاب والإشارة إلى موضوع التعليم فيها، مع ان كل آية من القرآن هي تعليم وتأديب ومدرسة جامعة.
قوله تعالى [وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]
للطول المبارك لهذه الآية وكثرة ما فيها من الأحكام، جاءت خاتمتها مركبة من:
الأولى : الأمر بتقوى الله.
الثانية : تفضل الله تعالى بتعليم المسلمين.
الثالثة : الإخبار عن احاطته سبحانه بكل شيء.
ومن صفات الله تعالى انه عالم وعليم، وتتساوى نسبة جميع المعلومات اليه, وهو عالم مختار, ولايتخلف العلم بالشــيء عن قصده وارادته، وهو سبحانه الفاعل للأمور المحكمة المتقنة، بديع السماوات والأرض، ومن علمه بالأشياء تدبيره للخلائق، ومنها الإنسان بما اودع فيه من الخواص الدقيقــة والأســـرار العجــيبة في خلقه وأعماله وجعله خليفته في الأرض.
فجاء التعليم لمن يستحق الخلافة لتبقى كلمة التوحيد في الأرض وليمنع الناس من الهلكة والضلال، لأن شمس الإيمان تشع عليهم، وتدخل الى بيوتهم وقلوبهــم لا يحجـــبها جـدار او مانع، ومن أجل حفظ الإيمان وسلامة النفوس، تفضل الله سبحانه بهذه الآية فهي كنز من كنوز القرآن، ووسيلة مباركة للإرتقاء العلمي، وجعل العلم آلة في المعاملات وحرزاً من الإفراط والتفريط فهو سبحانه يعلم ان الناس والمسلمين خاصة يحتاجون هذه الآية والأحكام التي فيها ، وتلك الحاجة لا تنحصر بالدَين والبيع بل تمتد وتتسع لتؤثر في العبادات والصلات الإجتماعية وحفظ النظام والمعايش العامة، فما ورد في الآية من الإخبار عن علم الله تعالى بكل شيء يتضمن في مفهومه الدعوة للأخذ بقوة بأحكام هذه الآية من وجوه:
الأولى : انها ضرورة من ضرورات المعاملة وضبط المعايش وحفظ الأموال.
الثانية : آية التداين وسيلة ملكوتية للقضاء على الربا ، فمن علم الله تعالى بالأشياء ان حرم الربا ووضع البدائل له، وصان تلك البدائل ومنع من الإحتيال والتفريط بسننها.
الثالثة : احكام هذه الآية من مصاديق علم الله تعالى بالأشياء فلابد من العمل وفقاً للعلم الإلهي واجتناب الزيغ عنه وتعريض النفس للخسارة والتلف وسوء العاقبة.
الرابعة : لقد نصت الآية على تفضل الله تعالى بتعليم المسلمين، والذي يعني حتمية الإدراك والتحصيل والكسب.
والشيء جمعه أشياء، وقد اختلف الأشاعرة والمعتزلة في تعريفه، فقال الأشاعرة ان كل شيء موجود، وكل موجود شيء، اما المعتزلة فقالوا: ان حقيقة الشيء المعلوم.
ويصعب ضــبط قول واحــد لكل من الفـــرقتين لتعدد الأقوال، ولكن الأمر سهل والخلاف صغروي، والله عز وجل احاط بكل شيء علماً ويعلم الموجود والمعدوم، واثبات شـــيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فسواء كان الشيء هو الموجود او المعلوم ، فالله تعالى لا تخفى عليه خافية، وقد تفضل بوضع احكام الدَين والقرض والبيع وجعل العدالة شرطاً في الكاتب والشاهد لتأديب الأطراف كافة، وقهر النفس الشهوية والطمع.
والله تعالى يعلم ما يجري من المعاملات ويعلم المصلح من المفسد، ومن يتقيد باحكام هذه الآية، ويعلم صاحب المال الذي يتخذ المال وسيلة للتعدي، او الدَين وطول الأجل سبباً للكسب الحرام والأذى، ويعلم المدين الذي يحرص على الأداء في الأجل ويتجنب المماطلة، وكذا المعسر الذي ضاقت به السبل والكاتب الذي صان امانته، والشاهد الذي بنى صرحاً من الصدق والعدالة واقامة الحق وفضح الظلم.
فالله عز وجل يعلم خفايا النفوس وتفاصيل المعاملات ولكنه سبحانه علمنا ســبل الهداية بهذه الآية وجعلها وسيلة لتهذيب النفوس واصـلاح المجتمعات، وسلامة الدَين وموضوعاً لكسب الحسنات والتجاوز عن السيئات، ونيل الرغائب بالفوز بالجنات [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ].


مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة