معالم الايمان في تفسير القرآن – سورة البقرة – ج 48

تم تنقيح الجزء السابع والأربعين والثامن والأربعين من (معالم الإيمان) مع إضافات كثيرة في كل منهما

المقدمة
الحمد لله الذي خلق آدم [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، لتكون النفس الانسانية من سنخ الروحانيات ومؤهلة لتلقي الخطابات التكليفية، ولتتصارع رغائبها مع رغائب البدن والعالم الجسماني.
ورزقه الله عز وجل العقل ليختار طريق النجاة والسلامة، ولم يتركه وحده في مواجهة إبليس وشروره وان كان من عالم الأمر ويمتلك القدرة على الإدراك والاختيار، بل بعث الأنبياء أئمة هداة الى سبل الحق والرشاد ، قال تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
وأنزل القرآن كتاباً جامعاً ليحصل انقياد البدن والشهوة لإرادة النفس المؤمنة وأمرها بالصلاح، وترسخ محبته تعالى في النفوس، وتبرز في المجتمعات سجايا التقوى ومنها الإنفاق في سبيله تعالى وإعانة الفقراء ودعوة الناس الى الإيمان والهدى من وجوه :
الأول : قانون الاكثار من الصدقات.
الثاني : قانون اصطناع المعروف والســعي في موارد الخير المحض.
الثالث : قانون نبذ العادات السيئة والبخل والشح وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
الرابع : قانون توظيف عالم المحسوسات والمشاهدة لطلب الاخرة بالإنفاق والصــدقة رجاء مضــاعفة الأجر والثواب.
ويتضمن هذا الجزء وهو الثامن والأربعون من معالم الإيمان ست آيات من سورة البقرة، وفيها حث على مكارم الأخلاق، وتثبيت لأحكام الإسلام في الأرض بالمسارعة في الخيرات والإنفاق في سبيل الله تعالى.
وكالأجزاء الاخرى فقد أنعم الله عليّ بكتابته ومراجعته وتصحيحه لحين اخراجه من غير إعانة الا من عنــد الله تعالى ، وهذا من فضله تعالى ومن إفاضات القرآن ، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
ان تعاقب هذه الآيات بذكر موضوع الإنفاق والتعدد في كيفياته وبيان عظيم الثواب والأجر لصاحبه، يدل على اعتباره وموضوعيته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فان الآيات تشير الى اتخاذها طريقاً مباركاً الى الآخرة.
وعن عبد الله بن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نام على حصير فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا يا رسول الله : لو اتخذنا لك؟ فقال : ما لي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها)( ).
وأما بالنسبة لموضوعية الإنفاق في عالم الآخرة فلما تدل عليه هذه الآيات من الثواب ونفي الخوف والحزن عن اهله ، ولأنه من موارد الحساب يوم القيامة ، وعن المستور بن شداد قال (كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فتذاكروا الدنيا والآخرة فقال بعضهم : إنما الدنيا بلاغ للآخرة ، فيها العمل وفيها الصلاة وفيها الزكاة ، وقالت طائفة منهم : الآخرة فيها الجنة . وقالوا ما شاء الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل أصبعه فيه فما خرج منه فهي الدني)( ).
وفيه دعوة للصحابة وعموم المسلمين للزهد في الدنيا ومنه قانون الإمتناع عن المعاملات الربوية.
وآيات الإنفاق سياحة في عالم التقوى اذ تتجلى فيه عناوين كل من :
الأول : قانون الإيثار والتآخي في مرضاة الله .
ويدل قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، على تقييد هذه الأخوة بالإيمان والعمل بمضامين التنزيل وأحكام الشريعة الواردة في الكتاب والسنة .
وجاءت السنة النبوية القولية والفعلية ببيان وتفسير آيات حرمة الربا .
الثاني : قانون دفع الضيق والعسر عن الفقراء .
الثالث : قانون التكافل للتوجه العام الى ميادين العــبادة بغبــطــة ورضا.
الرابع : قانون الترغيب بتعاهد الإنفاق واستثماره، [وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأنفسكُمْ]( ).
الحمد لله الذي جعل المعرفة وطلب الحكمة طاعة وأصلاً، والقرآن إماماً وهادياً أنزله على نبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليترسخ الإيمان والاعتقاد الجازم بالربوبية والتوحيد، ويظهر التصديق بالقلب على اللسان والجوارح بالتقيد بأحكام الحلال والحرام، والارتقاء في مقامات الدين، والانقطاع عن الشوائب النفسية كالشهوة والغضب، والطمع والشح .
ونزل القرآن بوجوب اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الإتباع أصل وشرط لحب العباد لله عز وجل ، وفي أسباب نزول قوله تعالى [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
وروي (عن ابن عباس قال : وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام ، وقد نصبوا أصنامهم وعلَّقوا عليها بعض النعام وجعلوا في آذانها السيوف وهم يسجدون لها. فقال : يا معشر قريش واللَّه لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ، ولقد كانا على الإسلام. فقالت له قريش : يا محمَّد إنَّا نعبدها حبَّاً لله ، ليقرّبونا إلى الله زلفى ، فقال الله تعالى : قل يا محمّد إنْ كنتم تحبّون الله وتعبدون الأصنام ليقرّبوكم إليه فاتبعوني يحببكم اللَّه ، وأنا رسوله إليكم وحجتَّه عليكم وأنا أولى بالتعظيم من الأصنام)( ).
موضوع الربا مادة للابتلاء في عالم الأعمال، وجعل الله الخير والفضيلة والسمو في اجتنابه .
وجاء القرآن بالنهي عنه في سورة البقرة وآل عمران اللتين نزلتا في المدينة المنورة أيام تثبيت دعائم الاسلام وبيان أحكامه.
ويزهو ويزدان هذا الجزء من تفسير بالآيات (276 – 281) من سورة البقرة في حرمة الربا لتبقى شاهداً على عظمة القرآن وآيات الإعجاز في نفاذ أحكامه ليكون الاحتراز منه فعلاً وجودياً من جملة الطاعات، بالاضافة الى ما فيه من المصلحة الخاصــة والعامة واســباب التخلص من النقائــص والآفــات، [ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ].

قوله تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ] الآية 276.
الإعراب واللغة
يمحق : فعل مضارع مرفوع بالضمة، لفظ الجلالة: فاعل مرفوع بالضمة.
الربا: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة، والجملة مستأنفة لبيان نتائج الربا.
والفاعل ضمير مستتر يعود لله عز وجل، الصدقات: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
(والله لا يحب كل كفار اثيم) الواو: استئنافية، اسم الجلالة: مبتدأ، جملة لا يحب: خبر، كل: مفعول به منصوب .
كفار : مضاف اليه مجرور.
أثيم: صفة لكفار.
والمحق : النقصان وقلة البركة، يقال محقه الله فامتحق أي نقص، وذهبت بركته وانعدم خيره، ومن المحق الخفي ان تلد الإبل الذكور ولا تلد الإناث لأن فيه انقطاع النسل وذهاب اللبن لانعدام الإناث عند المالك.
وقال ابن الإعرابي: المحق ان يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء، وفي حديث البيع: الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة.
والمحق: النقص والمحو والإبطال، ومنه المحاق- بكسر وضم الميم- وهو آخر الشهر لأن الهلال ينقص فلا يرى.
اما ابن الإعرابي فاختار معنى المحو للمحق فاول المحاق بان الهلال يطلع مع الشمس فتمحقه فلا يراه احد.
ولكن المحاق لا ينحصر بالليلة الأخيرة من الشهر فمنهم من قال انه لثلاث ليال بقين من الشهر واليه ذهب جملة منهم ابن الإعرابي، وهو الأرجح، ومنهم من جعلها ليلة خمس وست وسبع وعشرين لأن القمر يطلع فيها، وهو قول الأصمعي والمبرد والأزهري ، قال تعالى [وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ]( )، ولم يرد لفظ العرجون في القرآن إلا في الآية أعلاه.
وربا الشيء يربو ربواً ورباء: زاد ونما واربيته نميته.
والإثم: الذنب والبغي وفعل ما يخالق الحق والمأمور به ويأتي الإثم بمعنى الأثر المترتب على الفعل القبيح وبمعنى المجازاة، والأثيم مرتكب الإثم أي الآثم.
والأثيم : الفاجر فعيل بمعنى فاعل ، و(عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدعو بهؤلاء الكلمات : اللهم أنت الأول فلا شيء قبلك ، وأنت الآخر فلا شيء بعدك ، أعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها بيدك ، وأعوذ بك من الإِثم والكسل ، ومن عذاب النار ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة الغنى ، ومن فتنة الفقر ، وأعوذ بك من المأثم والمغرم)( ).
والمأثم فعل الفاحشة والذنب وما يؤثم به الإنسان، كما يطلق على الإثم نفسه.

في سياق الآيات
بعد الآيات التي جاءت بالحث على الإنفاق في سبيل الله تعالى، وتوبيخ وانذار الآية السابقة لآكل الربا والوعيد بالنار لمن عاد إليه.
جاءت هذه الآية لبيان فلسفة ومنافع الصدقة والإنفاق واضرار الربا وما فيه من الآثام والظلم، وبذا يكون سياق الآيات دراسة قرآنية مقارنة تساهم في كل من :
الأول : قانون تهذيب النفوس.
الثاني : قانون صلاح المجتمعات.
الثالث : قانون تخليص الأسواق من ادران الطمع والشح.
الرابع : قانون الوقاية والإحتراز من وسوسة الشيطان.
وبعد بيان ما ينتظر آكل الربا من العذاب الأخروي جاءت هذه الآية لتخبر عن الضرر العاجل للربا والنفع الحاصل للصدقات.
لقد أختتمت الآية السابقة بالوعيد باللبث الدائم في نار الجحيم الأخروية لمن عاده إلى أكل المال الربوي ، وإقراض الناس بالفائدة .
وذكرت آية البحث سوء عاقبة الربا ، وأخبرت بأن الله عز وجل ينمي ويضاعف الصدقات وما عليها من الحسنات ، لتأتي الآية التالية بالبشارة للذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
ولم تذكر الآية التالية الإمتناع عن الربا بالذات ولكن الآية تدل عليه منطوقاً ومفهوماً ، أما المنطوق فلان هذا الإمتناع من الإيمان ، والعمل الصالح ، وهل عدم العودة إلى الربا أمر وجودي آم عدمي ، الجواب هو الأول .
لبيان التضاد بين الإنفاق في سبيل والقرض من جهة وبين الربا ، وكذا التضاد بين الخلود في النعيم للمؤمنين ، والخلود في النار للمشركين وأهل المعاصي.
إعجاز الآية
يتجلى الإعجاز بالبيان المخالف للواقع والحساب الظاهري الذي يبدو للوهلة الأولى ولمن ينظر للأمور من غير تحقيق وادراك للقيام والمبادئ كما انها تتضمن وعيداً ووعداً، وعيداً بالعقوبة للربا ووعداً بالخير والزيادة لمن ينفق امواله في سبيل الله، وقدمت الآية الوعيد لأن المقام يتعلق بحرمة الربا ولزوم التنزه منه.
ومن الآيات ان العقوبة والجزاء الحسن في الدنيا وعلى نحو عاجل، مما يفتح الباب لدراسات كلامية في فلسفة مقدمات الثواب والعقاب في الدنيا كابتلاء وتنبيه وتحذير فيدخل ضمن قواعد اللطف بالمعنى الأعم، ولابد ان الشواهد والوجدان انعكاس لمضامين الآية يراه الناس، وفي الآية عبرة وموعظة للمسلمين بالإخبار عما يلحق اهل الربا من الفاقة والحاجة.
ومن إعجاز الآية ذكرها لمضاعفة ونماء الصدقات بقوله تعالى [وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( )، ويحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة النماء في ذات الصدقات وزيادتها كماً وكيفاً.
الثاني : البركة من عند الله في مال الذي يتصدق وينفق في سبيل.
الثالث : النماء والبركة في مال الصدقة عندما يصل إلى الفقير ، لأن الله عز وجل هو الذي يأخذها.
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ الله عزّ وجلّ يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلاّ الطيّب ويأخذها بيمينه ويربيها كما يربّي أحدكم مهره أو (فصيله) حتّى أن اللقمة لتصير مثل أحد ، وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ( ).
الرابع : مضاعفة الحسنات على الصدقة ، وعدم إنحصار هذه المضاعفة بأوان الإعطاء بل تنمو وتكبر عند الله عز وجل حتى بعد مغادرة صاحبها الحياة الدنيا.
وسيأتي في الجزء الثامن والأربعين بعد المائتين من هذا السِفر أن كلاً من قوله تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا] ( )، و[وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] يشمل الحقيقة والمجاز معاً في ذات اللفظ .
ويمكن تسمية هذه الآية بـ(آية محق الربا)
الآية سلاح
تعتبر الآية حرزاً وسلاحاً مركباً من وجوه:
الأول: اجتناب المعاملات الربوية.
الثاني: اصلاح المجتمعات بالنفرة من الربا واهله، اذ ان اغلب المجتمعات تتأثر بالمسلم ومن يرجع في عمله الى السماء والتنزيل، فيكون المسلم اسوة وقدوة حسنة وان كانت جماعة الكفر والضلالة لا تقف ساكنة بل تنعته بنعوت متعددة لا تقصده بالذات بها لكي لا ينقاد له الناس ويتبعوه في اعراضه الظاهر عن آكلي الربا ومعاملاته، مع ادراكهم بان هذا الإعراض مبني على أسس عقائدية.
الثالث: افشاء الصدقات ومضامين الإحسان بين الناس.
مفهوم الآية
تحذر الآية من الربا وتمنع من الفرح يما يرد بواسطته من المال والفائدة وتخبر انه لا ينفع صاحبه وسيكون عليه وبالاً واذى، فمفهوم هذه الآية تأديب وارشاد ونصح.
وتدعو الآية الناس الى الكسب الحلال والعمل في التجارات ومزاولة البيع والشراء، وتدل على طرق جمع الثروة والمال بما يتعارض مع ظاهر الأمور وما يقود عقل الإنسان لو ترك وحده في التحكم في التصرفات ولكي يأتي الحكم الشرعي ليعقل الإنسان ويمنعه عن الحرام ويجعل العقل يهتدي الى الأسباب الحقيقية لجمع المال والطرق السليمة والصحيحة.
وتمنع الآية من شيوع مفاهيم الضلالة وتتصدى لها بالبرهان الإعجازي ذي الصبغة الواقعية، وتدعوه الى تلمس آثارها او الإكتفاء بالنص لأنه نازل من السماء فيبتعد عن الربا ويكون هذا الإبتعاد مناسبة للتنزه من الكسب الحرام والمال المشتبه، وتساهم الآية في اصلاح النفوس وجعلها تتوجه الى الأسرار الغيبية في أسباب وموارد الرزق وورود المال من طرق شرعية.
وخاتمة الآية في مفهومها مدح للمسلمين وبشارة نيلهم محبته تعالى وان الله عز وجل يتغشاهم برحمته لإيمانهم واجتنابهم الكفر وكسب المال بالباطل، انها دعوة سماوية للثبات على الإسلام والتقيد باحكام الحلال والحرام في المعاملات بل مطلقاً.
ومن مفاهيم الآية انها دعوة للهدى والإيمان ونبذ للكفر والضلالة، وفيها حث على المعرفة بالله وكتبه ورسله واحكام الشريعة واليوم الآخر، واختيار الأعمال وفق موازين مرضاته تعالى والتخلي عن ذمائم الأخلاق من البخل والشح ونحوه.
إفاضات الآية
تضع الآية موازين عقائدية للتصرف بالأموال وكيفية جمعها بما يجعل الفرد سبباً لإصلاح الأمة وتنقيح الطبائع، وتبين أثر المعصية المادي على الكسب وضررها المحسوس والإبتلاء الناتج عن الربا وضياع المال الذي يجمع بالحرام، كما تظهر موضوعية البركة واثر الطاعة في حصول النماء في المال والثواب العظيم في الصدقات واربائها في النشأتين، وما في الآية من الزجر عن الربا ينمي ملكة الصبر في النفس ويجعل المسلم يتحمل الضيق والجهد ويتخلى عن كثير من المشاريع التي تطرأ على باله لا لشيء الا لأن الربا طريق لتحقيقها.
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : بيان حب الله عز وجل للناس عامة في هدايتهم للمعاملات السليمة بالبيع والشراء ، وزجرهم عن المعاملات الباطلة .
الثانية : بيان آية للوجوب والحرمة في موضوع متحد .
الثالثة : المنع السماوي من الربا ، وأخذ الزائد على القرض .
الرابعة : بعث الشوق في النفوس للصدقة والإحسان مطلقاً ، والنسبة بين الإحسان والصدقة عموم وخصوص مطلق ، فالإحسان أعم .
الخامسة : قانون الصدقات ودائع عند الله عز وجل لا يتركها تذهب سدىً والله عز وجل أكرم من أن يبقيها على حالها أنما يزيدها ويضاعفها.
السادسة : قانون بغض الله لمن يقيم على المعاصي التي فيها أذى للناس.
ولم يرد لفظ [كَفَّارٍ أَثِيمٍ] في القرآن إلا في آية البحث.
السابعة : يدل ذكر الآية لبغض الله عز وجل للذي يقيم على المعاصي على حبه للمؤمن لذا تضمنت الآية التالية الثناء والوعد الكريم للمؤمنين بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بالإنذار بصيغة القطع بأن الله عز وجل يمحق وينقص الربا .
وهل يختص هذا النقصان بالأموال الربوية عند صاحبها أم يشمل آخذ المال الربوي .
المختار هو الثاني ، فليس من بركة في المعاملة الربوية وهو من مصاديق اللعنة لأطراف الربا ، إذ ورد عن (عبد الله بن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده).
ثم جاء بعد المحق ضده من الزيادة والبركة والنماء ولكن مع التباين الموضوعي بقوله تعالى [وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] أي وينمي ويبارك الله سبحانه في الصدقات للمعطي والأخذ ، قال [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ).
لتكون الصدقة وديعة عند الله ، ومن الشواهد حلول السكينة والطمأنينة عند دفع الحق الشرعي إلى مستحقيه .
ثم اختتمت الآية بالوعيد للذي يتمادى في الكفر والجحود ، ويصر على تعاطي الربا ، أو الإقامة على المعاصي وفعل السيئات.
لبيان قانون خاتمة الآية أعم من موضوعها .
لقد اختتمت آية البحث بالإنذار من إرتكاب السيئات والتمادي فيها ، وعدم اللجوء إلى التوبة والإنابة ، فالإصرار على الكفر وارتكاب الأثام خلاف.
لقد خلق الله عز وجل الناس ليعمروا الأرض بطاعته ، والإمتثال لأوامره ، وإجتناب مانهى عنه وهو من مصاديق العبادة في قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
والكفر والجحود وأكل المال بالربا والباطل خلاف علة الخلق والنشأة وجحود بالنعم والنشأة ، وعزوف عن وجوب الشكر لله عز وجل ، لذا أختتمت الآية يذم وتبكيت وإنذار الكافر سواء كان كفره كفر جحود أو كفراً بالنعمة أو بالإمتناع عن طاعة الله عز وجل ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) أي وإن كان الناس يزاولون الربا فوظيفتهم إجتنابه لنجاتهم في النشأتين ، ولكي يرجع الناس لكم ويحاكوكم في الصالحات ، ولا تتبعون الذين يزاولون الربا ويرتكبون المعاصي .
التفسير
قوله تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا]
جاءت الآية بصيغة الفعل المضارع وتحمل معنى الوعيد والقطع بحصول المحق وهو النقص، لتبقى هذه الآية حقيقة ثابتة تواجه كل انسان .
وهل في الآية وصيغة المضارع فيها إنذار لورثة المال الربوي ، كما لو كان الأب يعمل بالربا ، وجمع ثروته من الربا ثم مات ، وصار المال للورثة ، المختار نعم .
و(عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عيله وآله وسلم .
فقال : ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، وأول ربا موضوع ربا العباس)( ).
والمراد من الربا في الآية وجوه:
الأول : الفوائد والأرباح التي اخذت زائدة على رأس المال.
الثاني : المال الموظف في الربا يقترضه المقترض ويبقى في ذمته ويدفع عليه ارباحاً شهرية أو سنوية لحين استيفائه في أجله.
الثالث : موضــوع الربا مطلقاً كمعاملة.
و(عن جابر بن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آكل الربا ، وموكله ، وشاهديه ، وكاتبه ، وقال : هم سواء)( ).
الرابع : نقصان وتضاؤل معاملات الربا وانحسارها بين الناس.
الخامس : ابطال اثر الربا في النفوس ليبقى مبغوضاً كفعل ومعاملة واشخاص.
وهذه الوجوه الخمسة كلها من مصاديق الآية الكريمة الا ان هناك تبايناً في درجة المحق، لذا فمن الإعجاز اختيار لفظ المحق لما فيه من الترديد بين النقصان والمحو والبطلان، فبالنسبة للأول فان المحق والنقصان الذي يرد على مال الفائدة والربح أشد منه على رأس المال، لأن الفائدة بمجموعها مال مستحق للغير.
اما بالنسبة للثاني فان رأس المال حسب الأصل ملك شخصي ولكن صاحبه جعله وسيلة للحرام ومقدمة للإثم والباطل وظلم الآخرين.
اما الوجه الرابع اعلاه فمن نقصان الربا ما تفيده الآيات القرآنية من نبذ الربا واكتشاف قبحه الذاتي واضراره.
وبالنسبة لمعاملات الربا فانها تتناسب طردياً مع شيوع افكار الضلالة والجحود وانتشار المعاصي وتنحسر مع ظهور أمارات الإيمان على الناس في اقوالهم واعمالهم وهو الذي تساهم به هذه الآية ويتجنب الناس تعاطي الربا والإشتراك في عقده وصفته.
فمن خصائص ومنافع آية البحث أمور :
الأول : قانون بعث النفرة من الربا .
الثاني : قانون إجتناب المسلمين والمسلمات الربا ، وهو من أسرار تلاوة آيات القرآن في الصلاة وبيان موضوعية هذه التلاوة في إختيار وعمل المسلم في العبادات والمعاملات فيسارع في سبل الصلاح ، ويبتعد عما هو حرام ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ]( ).
أما الرابع فان الله عز وجل يمن على الناس بجعل نفوسهم تنفر من الربا موضوعاً ومصاديق، فاذا اراد الإنسان القيام بمشروع ودار الأمر بين الإقتراض والربا لتوفير المال اللازم لإتمامه فانه يميل الى الإقتراض، ولو دار الأمر بين ان يبيع بعض ممتلكاته وبين الربا فانه يختار الأول وهو البيع الذي احله الله، فالبيع ليس مقابلاً وضداً للربا فقط، بل هو مقدمة للتخلص من الربا، ومقدمة للبيع ذاته.
قانون الإحتراز من الربا
الآية بشارة وتخفيف ورحمة وتبين جانباً من فلسفة تثبيت دعائم الدين ، ومعالم الإيمان واحكام الشريعة فآيات القرآن عون لبقاء الإسلام شريعة ومبادئ واحكاماً، ومن وجوه بقائه تنحية الفواحش والذنوب عن الجادة العملية للناس في ميادين العقيدة والإجتماع والإقتصاد والأخلاق .
والربا آلة الشيطان في ارباك انماط السلوك وايجاد عادات سيئة تتفرع عن المعصية في كسب المال مما يؤثر على الإنسان في مأكله ومشربه وبدنه ومزاجه فلا غرابة ان يكون كالذي يتخبطه الشيطان ومن يريد ان يزاول الربا تواجهه الآية لتكون:
الأول : ناصحاً ومرشداً.
الثاني : دعوة للبحث عن عمل جائز في الشريعة وكسب حلال والابتعاد عن الربا.
الثالث : زجراً عن الوصول الى ميدان الربا وما فيه من المعاصي.
الرابع : الوعيد بالفقر والحاجة وان ظن ان الربا مناسبة لجمع الأموال.
الخامس : بشارة للمسلمين لما يحل بساحة من يعمل بالمعاصي ويقترف السيئات.
السادس : الآية من ملاحم القرآن لما فيها من التحدي والبرهان العملي، والإخبار عن الفقر الحتمي الذي ينتظر صاحب الربا.
السابع : قد يقول قائل ان شطراً من الذين يتعاطون الربا لا تنقص اموالهم بل انها تنمو وتزداد فاين هو المحق والنقص، قلت: ان المحق جاء مطلقاً ، والله سبحانه يعجل العقوبة لشطر من العصاة ويمهل الشطر الآخر استدراجاً وامتحاناً او فرصة لهم للتوبة والإنابة وادراك ما في الربا من الأضرار، ومن لم ينقص ماله في الحال فان النقص والمحو لابد وان يهجم عليه ويباغته ان لم يكن في حياته ففي ايام ورثته، كما انه يكون وبالاً عليه في الآخرة.
وعن عبد الله بن مسعود عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : الربا وان كثر فالى قل( ).
أي ان القلة والنقص يلاحقانه ويتهددانه ويطوفان حوله الى ان يصلا اليه.
الثامن : تبعث الآية الخيبة واليأس في نفس صاحب الربا وتدعوه للتوبة والندم والكف عن الربا، فما لا تكون عقباه حسنة وما يتجه الى النقص والقلة على نحو الحتم والقطع يتجنبه العاقل ويبتعد عنه لأنه لا يريد تضييع عدة سنوات من عمره وجهده مع خزي وعار لمزاولته الربا وجمع الأموال بواسطته.
التاسع : ان الله عز وجل ينقص ويقلل من الربا، ولم يتركه ينتشر بين الناس وفي معاملاتهم، ولم يقم بالمحق ملك او نبي بل الله عز وجل هو الذي يتولى الأمر وهو دليل على خبث الربا وما فيه من الأذى، نعم قد يتجلى هذا المحق بوسائل وأسباب ظاهرية وبأيدي الناس.
العاشر : قد لا يكون محق الربا مجرداً وفي معزل عن البلاء، فربما تأتي نقمة تحل بآكل الربا ويكون نقص المال وزوال الثروة جزء منها، هذا بالإضافة للوجوه الأخرى التي تقدمت فيما يتعلق بعموم المحق والنقص، وعدم انحصاره بالمال فاذا كان صاحب الربا مكروهاً بين الناس، تطارده لعناتهم، ويكون موضــوعاً لكراهيتهـم ومادة للغيبة فان هذا نقص معنوي بالأموال لأنها لم تستطع ان تستر صاحبها وان تذب عنه اصناف البلاء، فبدل ان تكون نعمة يسد بها رمقه ومؤونته ويستغني بها عن سؤال الناس والتماس اعانتهم تكون سبباً في بغضهم له، ودعائهم عليه وشكايتهم منه، بينما تراهم يساعدون الفقير مع الشفقة عليه ونصرته والإعتذار منه والتوسل اليه بالفوز بدعائه لهم ولا احد يطلب من آكل الربا الدعاء له.
والمحق ثلاثة اقسام :
الأول : محق علني ، ومنه رميه بالنقص التدريجي كما ينقص ضياء القمر.
الثاني : محق خفي ، و(عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا الطيب ، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تصير مثل أحد ، وتصديق ذلك في كتاب الله يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ( ).
الثالث : محق علني خفي ، ومنه رفع البركة عن المال الربوي.
ومن الأول النقص الظاهر في أموال الربا وتوالي الأذى والإبتلاء.
ومن الثاني الحسرة التي تستحوذ على نفس آكل الربا وان لم يصرح بها والندم واللوم الداخلي والهم الذي يلازمه بسبب الشرور الناتجة عن الربا في الدارين، فحيازة المال وكفاية المؤونة باب لبعث السكينة والطمأنينة في النفس، ووسيلة لطرد شبح الفقر وهو مادة التنعم بالطيبات في الدنيا وتحقيق بعض الأماني.
أما مال الربا فهو باب للشقاء والحزن وهو مجلبة للهم والخوف من العقاب، وقد تقدم قبل آيتين في الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله انهم [لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] بينما الربا سبب للحزن على ارتكاب المعصية وطلب المال بالحرام وطرق الباطل.
ومن الثالث الابتلاء في البدن والمال كما لو اصيب بمرض عضال يؤدي الى انفاق امواله مع الدرن والاذى والسهر، ويمكن تقسيم المحق بلحاظ أفراد العوالم الطولية الى قسمين :
الأول : نقص الربا في الدنيا.
الثاني : محق الربا ومحوه في الآخرة.
وقد تقــدم شطر من محقــه في الدنيا، اما المحـق في الآخرة فهو على وجوه:
الأول : ( قال ابن عباس: معنى هذا المحق ان الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهاداَ ولا حجة، ولا صلة رحم) ( ).
الثاني : من معاني المحق الإبطال ، فهل يكون معناه ان الربا يبطل الحسنات الاخرى عند الإنسان ، والآية لا تتضمن هذا الحكم لأن المحق فيها جاء متعلقاََ بالربا بالذات وليس جعل الربا ماحقاَ لغيره، وحصر المحق بالربا نفسه آية منه تعالى، وهي رحمة وتخفيف وباب للتوبة والندم.
الثالث : الآخرة دار الاعمال والحساب، والربا لا اعتبار له في باب الصالحات والثواب ولا يثقل الميزان، ولو انفق من مال الربا وتصدق منه هل يحتسب له ثوابه، ظاهر الآية محوه وبطلانه لانه مال مستحق للغير ومكتسب بالحرام.
الرابع : الغنى والثروة باب لطول الحساب بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، وان كان كسباَ حلالاَ، فكيف اذا كان الكسب بالحرام وما نهي عنه.
ووردت مادة (محــق) في القرآن مرتــين، في هذه الآية، وفي قوله تعالى [ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ]( )، مما يدل على مرتبة الربا في منازل الكفر وما يحمله معه من الاضرار والاذى وما يصاحبه من الشرور وما يسببه من المهالك والخسائر والاذى لصاحبه ولغيره، وانه فرع الكفــر ويســير بعرض واحــد معه فلابد من التصــدي له والتخلص منه، فمحق الربا نعمة عظيمة وعون على القضاء على الكفر وتضييقه.
ومن يظن ان الربا نماء في المال وربح عاجل سواء كان يتعاطى الربا أو لا يقرب له، فأن الآية اخبار له بحقيقة الربا وقبح ذاته وسوء عاقبته وان الزيادة الظاهرة انما هي كالسراب، والآية مواساة لمن لا يتعاطى الربا، وللذين أخذت اموالهم بالربا بان الله عز وجل يفقده البركة، وان قلت هؤلاء تشملهم اللعنة على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لانهم ساهموا باجراء عقد الربا وبقاء موضوعه فكيف تكون هناك مواساة لهم.
الجواب: يمكن التفكيك بين اللعنة بسبب الذنب الكبير باستدانة المال وفق عقد ربوي وبين المواساة والشماتة بالظالم لهم، وان كان طرفاَ في معاملة الربا، وصحيح ان الربا له اطراف متعددة الا ان الاثم والعقوبة ليست على مرتبة واحدة، فاكثرهم اثماَ آكل الربا وقد يتحمل شطراَ من وزر الاطراف الاخرى كقابض الدين والشاهد والكاتب وقد ينقص من اثمهم شئ وهو من المحق الاخروي.
ومن وجوه الترديد في معنى المحــق بين النقص والمحو وما تقدم في باب الإعراب واللغــة القول بان المحــق ان يذهب الشــئ كله حتى لا يرى منه شئ، ويمكــن معرفة انطباق المعنيين للمحق في الحياة الدنيا بحسب المورد، اما في الآخرة فينطبــق المعنى الآخــر وهو المحــو وعدم بقاء شئ منه من ســجل الحســنات والثواب، بينما يبقــى في عالم الذنوب والآثام، قال تعالى [ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ]( ).
قوله تعالى [وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]
بحث كلامي
بعد الاخــبار عن نقــص الربــا وانعدام البركة في المال الذي يســتحوذ عليه بواســطته، جاء مباشـــرة بعدهــا الاخبـار بارباء الصدقات وزيادة ونمائها، وليس من فاصل بين هاتين الحقيقتين من الارادة التكوينية والتشريعية الا حرف العطف ( الواو) لكي يكوناَ معاً في الذهن في آن واحد، فهما متضادان في الوجود الخارجي ولكنهما متلازمان في الوجود الذهــني، احــدهما يدل على الآخــر، ويشــير اليه، محق الربا يدل على اربـــاء الصدقة وكذا العكــس فان التفكير باربــاء الصدقة يؤدي بالذهــن الى الحقيقــة الثانيــة وهي نقـص وقلــة مــال الربــا.
فهذه الآية رحمة وتخفيــف الهي ومادة للملازمة الذهنية، وهي عنوان تأديب وتعليم وارشــاد، ومثل هذه الملازمة كثيرة في القرآن مما يدل على وظائف عقائدية لحرف العطف في القرآن وعدم انحصاره بالمعنى اللغوي بل يشمل التنبيه وما يصلح ان نطرح عليه اصطلاح (تبادر الضد) فالمعروف ان اصطلاح التبادر يتعلق باللفظ ومعناه الحقيقي، فحينما يسمع الإنسان لفظاًَ يتبادر الى ذهنه معناه الحقيقي وليس المجازي، لذا فان التبادر من علامات الحقيقة.
اما هنا فالأمر يتعلق بالضــد وهو اطلاق لفظ وموضوع، يعني تبادر الضد خصوصاً اذا تعلــق بالمركبات من الجمــل، فمحق الربا يجــعل الذهــن ينتقـل الى ما يربــي ويزيد المال وهو الصدقة والتجارة مع الله.
وخفف الله عن المؤمنين خاصة والمؤمنين عامة فلم يجعلهم يجتهدون بالبحث عن الضد إذ أعطى وعداً كريماً في ذات آية البحث بقوله [وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ].
و(عن عبد الله بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة : أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه قوم بصدقاتهم قال : اللهم صلّ عليهم ، فأتيته بصدقتي فقال : اللهم صلّ على أبي أوفى قال ابن عباس : ليس هذا صدقة الفرض)( ).
والمختار أنها صدقة الفرض الزكاة لنسبتها إليهم (بصدقاتهم) أي ما وجب عليهم ولا مانع من شمولها الصدقة المستحبة.
والإنسان محتاج يبحث عن الكمال وتدارك النقص وتقليصه بتوفير ما استطاع من حاجته، والإنفاق سبيل لطلب الكمال وفق منطق الإيمان ومعاني الهداية.
ويمكن ان تستقرأ قاعدة كلامية اخرى وهي ان الربا الأخروي للصدقة تكون له منافع عظيمة في الدنيا منها النماء والزيادة في المال المتبقي الذي اخرجت منه الصدقة.
وهو ليس من الإستصحاب القهقري ، إنما من فضل الله ، قال تعالى [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ]( ).
قانون إرباء الصدقات
الآية بشــارة وأمل وعـــد كريم وهــداية الى ســبل زيادة المال وسعة ذات اليد وارشاد الى سـبل النجاة من الفقر.
فالفقر والحاجة أمران يفزعان الإنســان، ويؤثر الفزع والخوف منهما على اختيار الإنسان وســعيه في الحياة الدنيـــا، وهذا الخــوف ملازم للإنســان وان كان غنياً وثريــاً، يســـتحضره احياناً في مقارنـة مع حال الفقراء، او عندما يتصــور تعرض امــواله للتلف او حصول فصل وانقطاع بينه وبينها او تعرضها للنقص الدفعي المفاجىء، لذا تراه يعمل على نمائها وزيادتها بالأســباب المادية الظاهــرية والكسـب الحثيث فجاءت هذه الآيــة لتخبر عــن أفضــل ســبيل لنمائها الا وهــو التصـدق والإنفاق منها.
وقد ورد الإرباء خاصاً بالصدقات وليس بما بقي من المال بيد الإنسان، وكأن الآية تتعرض لأمرين:
الأول: مال ربا يصاب بالنقص.
الثاني: صدقات تربى ، وفيها النماء والبركة.
و(عن أبي هريرة قال : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم قال : والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب قوته ولا يقبل الله (عمله) ولا يصعد الى السماء إلاّ طيّب إلاّ كان إنما يضعها في يدي الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى أن (اللقمة) لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم ثم قرأ [أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ]( ).
وتصديق ذلك في كتاب الله المنزل[يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( ) إلى قوله {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ})( ).
ولم يرد لفظ (يربي) في القرآن إلا في آية البحث ولخصوص الصدقات لبيان نفعها العظيم في الدنيا والآخرة سواء كانت زكاة أو خمساً أو صدقة مستحبة ، وهل يشترط فيها قصد القربة ، الجواب نعم ، إلا أن يشاء الله.
فهناك مال وكسب حلال عند الإنسان لم تتعرض له الآية مع التباين الموضوعي، فمال الربا بيد الشخص المرابي نفسه، اما مال الصدقة فقد دفعه صاحبه الى مستحقيه.
فالصدقات هي موضوع الإرباء والزيادة، وظاهر الآية ارادة الدار الآخرة وانها في باب الثواب والأجر واما شمولها منطوقاً او مفهوماً للحياة الدنيا ففيه مسائل:
الأول : ويشمل الأرباء والزيادة في الصدقات في الدنيا والآخرة ، فاثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، بمعنى ان الإخبار عن ارباء الصدقات في الآخرة لا ينفي ارباءها في الدنيا ، ومنه حصول الإرباء في غيرها مما بقي من مال المتصدق.
الثاني : أرباء الصدقة يعني بالضرورة ارباء المال الموجود عند الإنسان مما بقي بعد التصدق، وكأن مال الصدقة لا يزال بيد صاحبه فيربو مرتين في آن واحد، مرة في عالم الثواب والأجر ومرة في المال الباقي بيد صاحبه.
الثالث : أرباء مال الصدقة هو استحداث باب للرزق وفي التنزيل [إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا]( ).
الرابع : المراد حفظ الأموال التي تخرج منها الصدقة فكأن العبد يشتري تحصين وتأمين أمواله بالصدقة.
الخامس : المال الباقي بعد الصدقة هو مال الصدقات اطلق اللفظ عليها مجازاً.
قانون النفع الدنيوي والأخروي للصدقات
والمراد من لفظ الصدقات أمران:
الأول: المال المأخوذ منه الصدقات والباقي في يد صاحبها.
الثاني: ذات الصدقات بقرينة تعلق أول الآية بخصوص مال الربا الذي بيد صاحبه.
والصحيح هو الأول.
وقد جاء لفظ الصدقات في القرآن بصيغة الجمع تسع مرات ، وهو جمع صدقة.
وقال تعالى [ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ]( ) فأطلــقت الآيــة الصدقات على ما يعطــى وينفق وهو المعنى الظاهر للآية.
فالأصح ارادة المعنى الأعم للإرباء وهو ارباء المال الذي اخذت منه الصدقة في الدنيا، وذات الصدقة في الآخرة وهو من سنن اللطف الإلهي ، وآية في الثواب العاجل والعوض في الدنيا وللحث على الصدقات لذا سميت الصدقة الواجبة زكاة لأنها تسبب تطهير المال ونمائه وزيادته.
وايهما اكثر نفعاً للإنسان الإرباء الدنيوي ام الأخروي للصدقة.
الجواب هو الأخير من وجوه:
الأول : قانون الحاجة الدائمة لنماء المال ولأنه يعني الزيادة المتصلة فان الله عز وجل يتعاهد الصدقة وينميها حتى ترد يوم القيامة بقدر جبل أُحد.
الثاني : قانون منفعة الإرباء الأخروي في عالم الدنيا للتداخل بين النشأتين بقانون العلة والمعلول، والسبب والمسبب.
الثالث : قانون اثر الصدقات ونمائها الأخروي في دفع البلاء عن الإنسان ووقايته من الأمراض والفتن بمعنى كلما حصل نماء جديد في عالم الأعمال فانه يؤثر على حال الشخص في الحياة الدنيا على نحو حسن ونافع.
وهذا يعني ان عالم الأعمال ونماء الصدقات لا ينحصر بما بعد موت الإنسان بل يبدأ من ساعة اعطاء الصدقة وخروجها من يد صاحبها او وصولها للمستحق.
فالنماء والإرباء الأخروي متعقب للصدقة من حين حصولها.
ان تعلق الآية في ظاهرها بعالم الآخرة هو رحمة إلهية وفضل عظيم ويدل بالدلالة التضمنية على حاجــة للصــدقة في الآخــرة وانها اهم تجارة وكســب في الدنيا، فالبيع والشــراء معاملة لجلـب المال في الدنيا وهي زائلة ودار مــرور.
اما الآخرة فهي الدار الباقية وموطن الثواب والعقاب، وتحدد اعمــال الإنســان في الدنيا منزلــه في الآخرة، اما في الجنة وامــا في النار قال تعالى [وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ]( ).
فكل مقدار من الصدقة والإنفاق في سبيله تعالى خطــوة الى الجنة، وهذه الخطــوة مركبة ومضــاعفة لأنها متكـونة من أمرين:
الأول: ذات الصدقة.
الثاني: ارباؤها ونماؤها من عند الله تعالى .
والثاني اكبر من الأول بما لا يمكن تقدير الفارق بينهما لكبره وعظيم نفعه.
قانون نماء الصدقة
إذا أعطى الله سبحانه فانه يعطي بالأوفى والأعم ويجازي بالأحسن والأتم قــال تعالى [ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ] ( ).
وفي الحديث ان ملكاً ينادي كل يوم اللهم يســر لكل منفـق خلفــاً ولكل ممســك تلفــاً( ).
مما يعــني العــوض العاجل والخـلف الدنيوي لأن الملك لم يقــم بالدعـــاء الا بأمــر الله تعالى وفي الملائكة وعمــلهم ورد في التنزيل [ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ] ( ).
كما ان الصدقات باب لدعــاء الفقراء والمســاكين لصـاحبها خصوصاً وانه يستحب لقابض الصدقة سواء كان الفقير او وكيله أو ساعي الزكاة او الحاكم الدعاء لصاحبها، وهذا الدعاء باب لإرباء الصدقات.
ومن وجوه إرباء الصدقات ما هو مركب في الدنيا والآخرة في ذات الصدقة وهو ان الصدقة تكون توليدية، فكل فرد من افرادها يؤدي إلى التصدق بافراد جديدة.
ليكون من معاني قوله تعالى [َيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] أمور :
الأول : قانون توالي قيام المؤمن بالصدقة.
الثاني : قانون الرزق الكريم للمؤمن لينفق ويتصدق منه.
الثالث : قانون صرف البلاء عن المؤمن مقدمة لإنفاقه في سبيل الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
والصدقة ذاتها تكون سبباً للتصدق من جديد مرة او مرات وهذا من معاني الإرباء وارباء الصدقات هذا يحتمل وجهين:
الأول: قيام الشخص بالصدقة من ماله المتبقي بعد الصدقة.
الثاني: تفضل الله تعالى برزق جديد يكون مصدراً ومادة للصدقة المستحدثة التي هي إرباء للأولى.
والوجه الأخير هو الأصح لأن الإرباء جاء بوعد كريم من الله تعالى فهو تثبيت للمسلم في عمل الصالحات واعانة على استدامة الإيمان والصلاح، فيصبح الإنماء الأخروي مركباً من امرين، من نماء ذات الصدقة في الثواب والأجر، وتعدد الصدقات وكثرتها.
وفي تفسير العياشي عن أبي حمزة عن أبي جعفر قال: “قال الله تبارك وتعالى أنا خالق كل شئ وكلت بالأشياء غيري إلا الصدقة ، فاني أقبضها بيدي حتى ان الرجل أو المرأة يصدق بشقة التمرة فأربيها له كما يربي الرجل منكم فصيله وفلوه، حتى أتركه يوم القيامة أعظم من أحد”.
قوله تعالى [وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ]
الآية قاعدة كلية في الإرادة التكوينية، ولم ترد في القرآن الا في هذه الآية الكريمة ترى ما هي مناسبة ذكرها في هذه الآية، الجواب موضوع الآية مركب من امرين متباينين ومتضادين سواء ذات الفعل او الجزاء، ومجيء الآية على نحو القانون والجملة الخبرية بما يفيد العموم والإطلاق وعدم تعلق الحكم بفعل معين ولكن الأفعال تجعل الفرد مستحقاً لوصف موافق لتلك الأفعال.
والكفّار- بتشديد الفاء – جمع كافر وهو الملازم للكفر المقيم عليه، فعال من الكفر، والكفر على وجوه منها :
الأول : كفر الجحود ونكران الربوبية، واختيار الشرك والإلحاد، وهو المراد في الإصطلاح، واليه ينصرف المعنى اذا ورد الكفر على نحو الإطلاق من غير قرينة صارفة الى غيره.
الثاني: كفر النعمة اي جحودها ونكرانها وعدم شكرها.
الثالث: ترك ما امر الله عز وجل به عصياناً وقلة اكتراث.
وتجزئة الإيمان كما في قوله تعالى [ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ]( ).
والآية شاملة لهذه الوجوه ولا قرينة على التقييد أو الحصر، ولفظ الكفار هنا له دلالات:
الأول : المراد الكافر المقيم على الكفر وافعاله.
الثاني: فيه دلالة على صدور افعال الكفر منه على نحو متعدد ومتكثر.
الثالث: الإصرار على الكفر كفكر ورأي.
الرابع: التجاهر المتصل بالكفر وجعله سـجية له، وغشاوة ظلمانية تحجب عنه رؤية الحق وما في الصدقة من المنافع في الدارين، وما في الربا من الأذى والضرر الفادح.
وجاء البغض الإلهي وعدم الحب على نحو العموم بالنسبة للأشخاص والجماعات ، وافراد الزمان الطولية والمكان العرضية، ومن جهة العوالم فهو على ثلاثة وجوه:
الأول: الحياة الدنيا.
الثاني: عالم البرزخ والآخرة مطلقاً.
الثالث: يوم القيامة وابتداء من عالم البعث والنشور.
الرابع: الحياة الدنيا وعالم الآخرة.
الأصح هو الوجه الوجه الرابع فعدم حب الله تعالى للكافر الاثيم في الحياة الدنيا يستمر في الآخرة، وهل يبدأ من فعل الإنسان للمعصية وتلبسه بها ام انه قديم بقدم علمه بفعل العبد، الجواب: هو الأخير لأنه يعلم فعل العبد قبل خلقه ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ]( ).
والأثيم مرتكب الإثم والفاجر الذي استمر على فعل المعاصي واقتراف السيئات مع علمه بذنبه وخطأه، ولم يبادر الى التوبة والإستغفار والإنابة، ومنه آكل الربا فهو كافر لمعصيته وعدم امتثاله، وأكله اموال الناس بالباطل بالإضافة الى ما في الربا من الجحود والعناء والإصرار على الكبيرة، وهو اثيم فاجر يضيف الى ذنوبه كل يوم ذنوباً وآثاماً جديدة بالإقامة على الربا وظلم الناس، والتحدي والعناد للأحكام الشرعية ومحاولته الإفساد في الأرض باشاعة المنكر وحجب الصدقات، ومنعه من اصطناع المعروف من القرض والصدقة والعفو وأسباب الرأفة.
بحث كلامي
تخبر الآية بلحاظ سياقها وموضوعها بأن الله عز وجل يبغض آكل الربا وهذا البغض من أهم صيغ الردع والزجر ولا يمكن ان يقرب الى الأذهان بمثل بغض السيد لعبده عند مخالفته لأوامره، او بغض الأب لولده عند عقوقه لانه قياس مع الفارق، فالبغض الإلهي يعني السخط وشدة العذاب بسبب سوء الفعل.
والإخبار عن عدم حبه تعالى انذار ووعيد ودعوة للكف عن اكل الربا وتحذير من الإقتراب منه، وهنا يبرز جانب من وظائف العقل وهو الإتعاظ والإعتبار مما في القرآن من قواعد الملكية الخاصة بالثواب والعقاب.
وقد روي ان الإمام علي كان يستبشر ويفرح اذا مرّ في آية فيها ذكر للجنة ويخاف اذا مر بآية فيها ذكر النار، وهو دأب الصالحين وعشاق القرآن.
اما القواعد الكلية في القرآن ففيها وجوه :
الأول : إنها مدرسة الإعداد العقائدي.
الثاني : هي قوانين للإصلاح الذاتي.
الثالث : فيها تنقية للأعمال.
الرابع : طرد للشيطان.
الخامس : احتراز من السيئات.
فعندما يتدبر الإنسان بمضامين الآية القدسية وأن الله تعالى لا يحب كل كفار اثيم على نحو القطع والحتم فانه يهرب من كل ما يحتمل كونه سبباً لهذا الوصف فيجتنب الشبهات التي تؤدي به الى الربا ولا يقربه أو الطرق التي تشم منها رائحته.
وهذا الهروب من التقوى ، و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : من المؤمن ، قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : المؤمن الذي لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يحب ، ولو أن عبداً اتقى الله في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون .
قالوا : وكيف يزيدون يا رسول الله؟
قال : لأن التقي لو يستطيع أن يزيد في بره لزاد .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من الكافر؟
قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : الكافر الذي لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يكره ، ولو أن فاجراً فجر في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون .
قالوا : وكيف يزيدون يا رسول الله؟
قال : لأن الفاجر لو يستطيع أن يزيد في فجوره لزاد)( ).
فمن اعجاز القرآن وحضوره اليومي والشخصي في عالم الأعمال انه يأتي بقواعد كلية تكون كل واحدة منها قانوناً سماوياً تشريعياً ينفذ الى شغاف القلوب ويدخل طوعاً وقهراً في النوايا والمقاصد ويكون ضابطة للأفعال يحرص المؤمن على الصدور عنها وعدم مخالفة مضمونها، والآية تبعث الخشية في النفس من فعل الربا او ولوج مداخله او المشاركة في مقدماته.
والآية تزجر الإنسان عن مؤانسة المعاصي وما يحجبه عن لقائه تعالى، وتحذر من رذائل الملكات وتدعو الى الإيمان والإستعداد لليوم الآخر باتيان الأوامر واجتناب المعاصي.


قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] الآية 277.

الإعراب واللغة
إن : إن حرف توكيد ونصب ، ينصب الاسم ويرفع الخبر ، مبني على الفتح لا محل له من الإعراب .
الذين : اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إن).
آمنوا : آمن : فعل ماض ، مبني على الضم لا تصاله بواو الجماعة.
واو الجماعة : ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل .
وعملوا : الواو حرف عطف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب .
عمل : فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة .
الواو : ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل .
الصالحات : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم .
وأقاموا : الواو حرف عطف .
أقاموا : فعل ماض ، وواو الجماعة فاعل .
الصلاة : مفعول به منصوب بالفتحة.
وأتوا الزكاة : جملة معطوفة على جملة (أقاموا الصلاة).
لهم : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم .
أجرهم : مبتدأ مؤخر ، والجملة في محل رفع خبر إن .
عند : ظرف كان متعلق بمحذوف حال (من أجرهم) .
ربهم : رب مضاف إليه مجرور ، وهو مضاف والضمير (هم) مضاف إليه .
لا خوف : لا : حرف نفي مبني على الفتح .
خوف : مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره .
عليهم : على حرف جر مبني على السكون .
هم : ضمير الغائبين مبني على السكون في مجل در بـ(على) والجار والمجرور محل رفع متعلق بخبر المبتدأ.
ولا : الواو حرف عطف مبني على الفتح .
لا : حرف نفي لا محل له .
هم : ضمير منفصل للغائبين مبني على السكون في محل رفع مبتدأ .
يحزنون : فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة ، واو الجماعة ضمير في محل رفع فاعل .
والجملة الفعلية في محل رفع خبر الضمير (هم).
في سياق الآيات
بعد الآيات التي تحث على الإنفاق في سبيل الله تعالى، وترغب في الصدقات وتزجر عن الربا وأكل المال بالباطل، جــاءت هذه الآية كقاعدة كلية وضابطة لعمل الإنسان في الدنيا وكيف يتغلب على المعاصي بالمداومة على الصالحات، فالإقامة على الصالحات كفيلة بالتخلص من الفواحش والسيئات.
ان مجيء هذه الآية وما فيها من الحث على الصلاة والزكاة والبشارة بالسعادة الأخروية وسط آيات النهي عن الربا له دلالات منها قانون هجران الربا باتيـان العبادات.
فان الصلاة عصمة وواقية من المعاصي ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ).
أما الزكــاة فهي تنقية وتطهير للأموال ومن يبادر الى دفع الزكاة واخراج حقوق الفقراء يتجنب اكل اموال الناس بالباطل.
وتقدير الجمع بين آخر الآية السابقة وأول آية البحث : والله لا يحب كل كفار أثيم ويحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
لبيان قانون الدنيا دار ثناء على المؤمنين ، وذم للكافرين ، ويتجلى كل من هذا الثناء والذم في التنزيل ، وسنن الأنبياء ، وهو من مصاديق البيان في قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]( )،وابتدأت الآية التالية بهذا التشريف [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] .
والنسبة بين الآيتين العموم والخصوص المطلق ، فـ[الَّذِينَ آمَنُوا]في آية البحث أعم وأكثر وهي تشمل المؤمنين من الأعم المتعاقبة ، لذا جاءت بصيغة الماضي الذي يفيد شمول أفراد الزمان الطولية الماضي والحاضر والمستقبل ، لبيان أن الصلاة والزكاة مفروضة على الأنبياء والأمم السابقة .
وفي إسماعيل ورد قوله تعالى [وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا] ( )، لبيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه لم يكتف بامره ، إنما يأمر أجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة ممن لا يحصي عددهم كثرة إلا الله عز وجل ، وسيأتي الجزء السادس والأربعون بعد المائتين من هذا السِفر وهو خاص (علم الإحصاء القرآني غير متناه ) .
إعجاز الآية
في الآية بيان لمعالم الطريق الى الجنة وكيفية نيل الحكمة المتعالية، وتجمع الآيــة من بين علوم القرآن وأسرار الإيمان وعالم المعرفة وبين عالم العمل الذي ينبثــق من الهداية فيكون كالخــروج من القوة الى الفعل الذي يتمثل بالصلاة والزكاة، لتكون الآية سياحة في عالم اللذات الأخروية.
تظهر الآية الملازمة بين العلم والعمل، بين الايمان واتيان الفرائض وعدم امكان التفكيك بينهما او التخلي عن احدهما، وتبين ان العمل فرع لعلم، وما في الآية من توكيد للثواب والأجر الأخروي دعوة للاعتقاد السليم واظهار الخشوع على الجوارح.
وسيأتي مزيد كلام بخصوص هذه الآية في الجزء الرابع والأربعين بعد المائتين ، ويختص بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب).
ويمكن تسمية هذه الآية بـ(وأقاموا الصلاة)

الآية سلاح
الآية دعوة للسعي في مسالك الهداية والايمان، ومراقبة القلوب وتهذيب الاعمال من رغائب النفس الشهوية وما يزاحم أداء العبادات، وفيها حث على النفرة من ظلمــة الجهل ومضــائق الحسد.
وفي الآية بيان لوظائف الانسان مطلقاََََ وما يجب عليه كعبد داخر لله عز وجل، فذكرت بلغة الايمان وعمل الصالحات واداء الفرائض والعبادات، ليكون اتيانها اماناً له في النشأتين وسكينة تتغشى النفس فتظهر بالرضا والغبطة عند الامتثال.
وتبين الآية وجوب اقتران العمل الصالح بالإيمان ، وهل منه أداء الفرائض العبادية ، الجواب نعم .
وهي من أبهى مصاديق العمل الصالح لما فيها من الإحسان للذات والغير ، قال تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( ).
وآية البحث سلاح وواقية من إغواء الشيطان ، فمن معاني [َلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ] في الدنيا أي لاخوف عليهم من الإفتتان بالشيطان ونزغه ، قال تعالى [وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( ).
لقد ذكرت الآية خصالً حسنة يترشح عنها الأجر والثواب ، لتكون عوناً ومدداً في الدنيا ، وواقية في الآخرة ، وسلاحاً للعبور على الصراط يوم القيامة .
وهل الإيمان وعمل الصالحات من مصاديق الصراط المستقيم في الدنيا ، الجواب نعم ، لذا يتلو كل مسلم ومسلمة قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( )، سبع عشرة مرة وعلى نحو الوجوب العيني في الصلاة اليومية ، لتكون هذه التلاوة دعاء له وللمسلمين الموجود منهم ، والذين لم يولد بعد .
مفهوم الآية
في الآية تعريـض بأولئك الــذين اختاروا الكفر والجحــود وما يلهيهم عن الآخرة وما فيها من الثواب والعقاب، كما انها تنهى عن تجزئة الايمــان او الاكتفاء بجانب العلم عنه بل لابــد من العمل والاقرار بالنبوات والكتــب السماوية المنزلة، وتنهى الآية عن متابعة الطاغوت والانقياد للقوى الجســمية الشـــهويــة والوهميــة وما تدعو اليه من التوجـــه الى زينــة الدنيـــا، واســباب الظلم والفســوق، وتدعـو الآيــة الى نبذ العادات الســـيئة لان عمــل الصالحات يســاهم في تضــائلها ومحــوها.
إفاضات الآية
تتجلى مظاهر الايمان بالله عز وجل ينعكس على البدن بأداء الصلاة ودفع الزكاة، ومعاداة الشيطان ومطاردته داخل النفس وخارجها بالصلاة والانفاق في سبيله تعالى، ليقترب المسلم من عالم القدس، وتدعو الآية الناس جميعاَ الى الايمان والاقرار بالوحدانية والتقرب اليه بالطاعة والتخلص من درن الدنيا واغواء الشيطان بالانفاق.
وتبين الآية الملازمة بين الإيمان وفعل الصالحات ، وأحكام الآية عامة تشمل الرجال والنساء ، قانون اتحاد التكليف بين الرجل والمرأة إلا ما خرج بالدليل .
وتقدير الآية بالنسبة للنساء ( إن اللائي آمنّ وعملن الصالحات ، وأقمن الصلاة ، وآتين الزكاة لهن أجرهن عند ربهن ولا خوف عليهن ولا هن يحزّن .
فهذه الآية ظل وخيمة يتفئ بظلالها المسلمون والمسلمات .
لقد تضمنت الآية البشارة العظمى للمسلمين الذين يعملون الصالحات من جهات :
الأولى : قانون الأجر والثواب عند الله عز وجل ، ولم تقل الآية لهم أجرهم عند الله ، إنما قالت [عِنْدَ رَبِّهِمْ] وفيه إكرام ووعد بتحقق مصاديقه في الدنيا وعالم البزرخ ، ويوم القيامة وبعث على السكينة .
الثانية : قانون إنتفاء الخوف يوم القيامة عن المؤمنين لجمعهم بين الإيمان وعمل الصالحات .
الثالثة : قانون سلامة المؤمنين عن الخوف يوم القيامة لأن الله عز وجل يضاعف لهم الحسنات بما يجعل كفتها راجحة في الميزان.
الصلة بين أول وآخر الآية
ابتدأ الآية بالحرف (إن) الذي يفيد التوكيد لتتابع الأبصار وتصغي الأسماع لما بعده من فضل الله عز وجل ، وهل هو بشارة أم إنذار ليأتي بعدها ما هو بشارة عظمى في الدنيا والآخرة ، إذ ذكرت الآية الذين آمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقيدوا بالفرائض العبادية وأسباب الهداية والصلاح .
هل تدل الآية على الملازمة بين النطق بالشهادتين وبين عمل الصالحات ، الجواب لا ، وهناك فارق بين المقصود بالذين آمنوا في آية البحث وبين المؤمنين ، قد اثنى الله عز وجل على المؤمنين في آيات عديدة منها قوله تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
ويدل عليه قوله تعالى [قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، وتتضمن الآية الوعد والبشارة المتعددة من عند الله عز وجل لذا نزلت بقيد عمل الصالحات ليخرج المنافقون والمنافقات بالتخصيص فلا يشملهم الوعد والبشارة الواردة في هذه الآية وإن آمنوا ظاهراً بالدعوة ، ونطقوا بالشهادتين ، كما يخرج الذي لا يقيم الصلاة ، ولا يؤتي الزكاة ولا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
وفيه شهادة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو لا يسعى لكثرة الذين يقرون ظاهراً برسالته ، ويبايعونه بقول نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، إنما ينزل القرآن من عند الله بالإخبار عن عالم الجزاء والأجر والثواب ، والذي يترتب على الإيمان وعمل الصالحات مجتمعين بقانون الملازمة بين النطق بالشهادتين وأداء الفرائض وعمل الصالحات.
لقد أخبرت آية البحث عن البشارة والنعمة العظيمة المتعددة للذين يتصفون بالصفات الآتية :
الأولى : النطق بالشهادتين .
الثانية : العمل الصالح .
الثالثة : إمامة الصلاة ، إذ أن الصلاة عمود الدين ، قال تعالى [كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
الرابعة : إتيان الزكاة ، وإخراج الحق الشرعي ودفعاً لمستحقيه ، ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية ومصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]( )، تعيين مصادق الزكاة أي الجهات التي تصرف وتدفع لها الزكاة في قوله تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
وحينما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن في السنة التاسعة أميراً وقاضياً ومعلماً للقرآن قال له (أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)( ).
وهل يدل على حصر دفع زكاة أهل بلد الى فقرائه ، الجواب لا ، إذ المدار على كثرة الفقراء وشدة الحاجة ، وحتى قوله الضمير في اغنيائهم وفقرائهم في الحديث أعلاه قد يحمل على المعنى الأعم ، وإرادة المسلمين والمسلمات ، ثم أنه كانت تصل الصدقات والخراج إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويوزعها بين الصحابة ولم يقل للأمراء أنفقوها في ناحيتهم.
وبعث العلاء بن الحضرمي
وجاء الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خراج من ناحية البحرين أكثر من سبعين ألف درهم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (انظروا يعني صبوه في المسجد، وكان أكثر مال أتى به صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطى إلى أن جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلا.
فقال : خذ فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إلي.
قال : لا ، قال : فارفعه أنت .
قال : لا أستطيع ، ثم نثر منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع.
فقال : يا رسول الله : مر بعضهم يرفعه علي .
قال : لا، قال : فارفعه أنت .
قال : لا ، ثم نثر منه فاحتمله، فألقاه على كاهله، فانطلق فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا منه، فما قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وثم منها درهم، ورواه ابن أبي شيبة من طريق حميد ابن هلال مرسلا أنه كان أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين قال: وهو أول مال حمل إليه)( ).
وفي أيام الردة خرج الأقرع بن حابس التميمي الذي أعطاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين مائة ناقة من غنائم حنين من سهم المؤلفة قلوبهم ومعه (الزبرقان إلى أبي بكر فقالا اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك أن لا يرجع من قومنا أحد ففعل وكتب الكتاب وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله وأشهدوا شهودا منهم عمر فلما أتي عمر بالكتاب نظر فيه ولم يشهد ثم قال لا ولا كرامة ثم مزق الكتاب ومحاه فغضب طلحة وأتى أبا بكر فقال أنت الأمير أم عمر فقال عمر غير أن الطاعة لي فسكت وشهدا مع خالد المشاهد حتى اليمامة ثم مضى الأقرع ومعه شرحبيل إلى دومة يعني شرحبيل بن حسنة)( ).
مدينة هجر
والمراد من البحرين أنذاك القطيف (الخط) وهجر (الإحساء) وقطر وساحل الخليج العربي ، وجزيرة أوال التي تحمل اسم البحرين في هذا الزمان وكانت تقطنها قبيلة عبد القيس من ربيعة برئاسة الجارود بن المعلى العبدي الذي دخل وقبيلته الإسلام ، ولا تزال بلدة الجارودية في نواحي القطيف تحمل اسمع ، كما كانت طوائف من بني تميم تقطن هذه المنطقة والذين أظهروا الإرتداد بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرفيق الأعلى ، فحاربهم العلاء بن الحضرمي ، إلا أن قبيلة عبد القيس بقي أغلب رجالها على الإسلام .
وقيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زار الإحساء والقطيف وكان اقليم البحرين إلى جانب الإمام علي عليه السلام في معركة الجمل وصفين ومنهم صعصعة بن صوحان ثم قاموا بثورات على بني أمية منها ثورة بني محارب في البحرين سنة 78 للهجرة ، وثورة داود بن النعمان سنة 86 للهجرة.
كما ثاروا على بني العباس حنقاً لإضطهادهم للعلوين منها ثورة سليمان بن حكيم العبدي في البحرين سنة 151 فأرسل أبو جعفر المنصور جيشاً بقيادة عقبة بن سلمة والي البصرة والذي قتل سليمان حكيم .
ثم ثورة سيف بن بكير العبدي سنة 190 للهجرة فأرسل له هارون الرشيد جيشاً ودارت معركة ضاربة قتل فيها سيف بن بكير.
وكانت منطقة الإحساء تسمة هجر ، ولم يتعين مكان هجر بالضبط في هذا الزمان إذ دمرها القرامطة وسبوا أهلها واتخذوهم عبيداً سنة (287) بعد حصار طويل .
أما الإحساء فهي مدينة بناها أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي توفى سنى 332 هجرية لتكون مقراً لحكمه ثم توسعت بعد إنقضاء أيام القرامطة ، وكثر النازحون إليها والظاهر أن هجر بعيدة نوعاً ما من الإحساء.
ويصف ناصر خسرو مدينة وأهل الإحساء التي زارها سنة (443) للهجرة بتفصيل غريب ، فهم لا يصلون ولا يصومون ولكنهم يؤمنون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولايتعرضون لمن يصلي ، وعندهم تكافل إجتماعي واقتصادي.
(وفيها أكثر من عشرين ألف محارب وقيل إن سلطانهم كان شريفاً وقد ردهم عن الإسلام وقال إني أعفيتكم من الصلاة والصوم ودعاهم إلى إن مرجعهم لا يكون إلا إليه وأسمه أبو سعيد وحين يسألون عن مذهبهم يقولون إنا أبو سعيديون وهم لا يصلون ولا يصومون ولكنهم يقرون بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وبرسالته وقد قال لهم أبو سعيد إني أرجع إليكم يعني بعد الوفاة وقبره داخل المدينة وقد بنوا عنده قبراً جميلاً وقد أوصى أبناءه قائلاً يرعى الملك ويحافظ عليه ستة من أبنائي يحكمون الناس بالعدل وللقسطاس ولا يختلفون فيما بينهم حتى أعود)( ).
والظاهر أن إقامة العلاء بن الحضرمي الأمير من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في هجر ، إذ روي عنه أنه قال (بعثني رسول الله إلى البحرين أو قال: هجر وكنت آتي الحائط بين الإخوة قد أسلم بعضهم فآخذ من المسلم العشرَ ومن المشرك الخراج وقال قتادة: لم يكن بالبحرين قتال ولكن بعضهم أسلم وبعضهم صالح العلاء على أنصاف الحب والتمر وقال سعيد بن المسيب: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر وأخذها عمر من مجوس فارس وأخذها عثمان من بربر)( ).
وقال ابن بطوطة (ثم سافرنا منها إلى مدينة هجر وتسمى الآن بالحسا ” بفتح الحاء والسين واهمالهما ” وهي التي يضرب المثل بها، فيقال: كجالب التمر إلى هجر، وبها من النخيل ما ليس ببلد سواها ومنه يعلفون دوابهم، وأهلها عرب، وأكثرهم من قبيلة عبد القيس بن أفصى)( ).
التفسير
قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ]
يرد خطاب يا أيها الذين آمنوا في القرآن بصيغة الانشاء ويراد منه اهل التوحيد الذين آمنــوا بالقرآن كتاباَ نازلاً من عنده تعالى، ويرد احياناَ ذات المعنى بصيغة الجملة الخبرية كما في هذه الآية [ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ] وهو بشارة وجود الايمان ودوامه في الأرض، وان المسلمين امة حاضــرة في كل زمان عندها مبــادئ تضبط اعمــالها يعلمون مناهــج الشرع المبين ويقرنون العلم بالعمل ويدعون الناس جميعاَ لمفاهيم التوحــيد وعالم الصـــفاء والســعادة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ان اشد الناس عذاباَ يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه)( ).
وورد قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] في القرآن نحو ست مرات وفيه اخبار سماوي عن ضرورة اقتران العلم بالعمل لان الدنيا دار امتحان واختبار ، قال تعالى [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ]( ) ( ).
فلابد للعبد ان يعرف منزلته في هذا العالم كمخلوق محتاج ومأمور بواجبات، واسرار الدنيا وحقيقتها وكنهها بازاحة الغشاوة وكشف الغطاء ليراها مناسبة مباركة‏ لاداء العبادات ولنشر المعروف وصيغ الاحسان ، وتجتمع هذه الأسرار والكشف بقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
فهذه الآية وعظ ونصح وتوجيه وارشاد ومنع من الوقوف عند الايمان والاقــرار بالوحدانية لله تعالى بل لابـــد من اداء العبادات، وفيها تكليف ومشقــة وعسر، فلا يســـتطيع الانسان تحمل الجوع والعطش في شهر رمضان الا بالايمان والشوق للقاء الله تعالى وطلب مرضاته سبحانه ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ]( ).
وجاء عمل الصالحات في الآية معطوفاً على الايمان، والعطف يفيد التعدد والمغايرة، التي تتجلى بموضوع العلم والعمل، فعمل الصالحات فرع الايمان، ومنهم من انكر التعدد والإثنينية بين الايمان وعمل الصالحات، ولكنه ظاهر وهو مناســبة لعلـــوم كلامية ودراسـات عرفانية، وان المؤمن يجب ان يظهر ايمانه في عالم الاعمال باشاعة الصالحات وما تـــؤدي اليه من الغبطة والســـعادة العامة والخاصـــة، وهي برهان على التقوى، ثم ان القلب السليم الممتلئ بالايمان لا يحصل له الرضا إلا باتيان الصالحات ويدرك أنها طريق الكمال الحقيقي ولا يجد لذته الا في العبادات والفرائض.
ومن الصالحات :
الأول : قانون أداء العبادات.
الثاني : التنزه عن الشرك ومفاهيمه ، فهذا التنزه أمر وجودي وليس عدمياً ، قال تعالى [وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ]( ).
الثالث : قانون اصطناع المعروف والنهي عن المنكر.
الرابع : افشاء السلام.
الخامس : مفاهيم المودة.
السادس : إعانة الفقــراء والمحتاجين ، قال تعالى [إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]( ).
السابع : المسارعة في الخيرات .
الثامن : الدعوة الى الله عز وجل ، ومن إعجاز القرآن الأمر والبعث إلى الدعوة إلى الله عز وجل وبيان ماهية هذه الدعوة ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ).
التاسع : اجتناب الاستكبار وذمائم الاخــلاق كالغيبة.
العاشر : الاحتراز من السيئات.

دلالات صيغة الجمع
ترى نزلت الآية بصيغة الجمع [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] ولم تقل (أن الذين أمن وعمل صالحاً) الجواب من جهات :
الأولى : بيان كثرة الذين آمنوا ولم يقفوا عند الإيمان بل أنهم يعلمون الصالحات ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة.
الثانية : قانون تعاون المسلمين في عمل الصالحات ، وهو من مصاديق البر والخشية من الله في قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]( ).
الثالثة : بعث الآية على قانون عمل الصالحات الفردي ، وقانون عمل الصالحات الجماعي الذي يشترك فيه اثنان أو أكثر مع اتحاد الفعل أو تعدده وتباينه كما لو كان بعضهم داعياً إلى الإنفاق في سبيل الله ويقوم آخر بافنفاق ، ويوصله غيره إلى مستحقه.
الرابعة : الثناء على المسلمين والمسلمات في تعاونهم في عمل الصالحات .
الخامسة : من الصالحات ما لاتتم إلا بالعمل الجماعي والتعاون .
السادسة : إرادة التكافل والتآزر بين المسلمين .
و(عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)( ).
السابعة : تطرد صيعة الجمع في الإيمان وعمل الصالحات وأداء الصلاة والزكاة النفاق عن النفوس وتحصن المجتمعات منه.
وفي قوله تعالى [مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ]( )، قال قتادة (أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن والكافر والمنافق كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر ، فوقع المؤمن فقطع ، ثم وقع المنافق حتى كاد يصل إلى المؤمن ، ناداه الكافر : أن هلم إليّ فإني أخشى عليك ، وناداه المؤمن أن هلم إليّ فإن عندي وعندي يحض يحصي له ما عنده ، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه الماء فغرقه ، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {مذبذبين بين ذلك} قال : هم المنافقون { لا إلى هؤلاء } يقول : لا إلى أصحاب محمد ، ولا إلى هؤلاء اليهود)( ).
الثامنة : قانون نبذ الخصومة والخلافات بين المسلمين ، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا ، وكونوا عباد الله إخواناً ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ، ولا يحقره التقوى ههنا وأشار بيده إلى صدره حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)( ).

أركان الإيمان
ان قرن الآية بين الايمان وعمل الصالحات صفحة مشرقة من المبادئ التي جاء بها القرآن، وقاعدة كلية وسنة ثابتة تحكم عمل اهل الأرض، فاز بها شطر من الناس اذ سخروا العقل لمعرفة كنه الحياة الدنيا وانها بلغة للآخرة، فرسخ حب الآخرة في نفوسهم وعملوا بهذه النشأة الحسية بما يوصلهم الى المراتب العالية في النشأة العلمية الدائمة وهو الجمع بين العلم والعمل.
والإيمان لغة هو مطلق التصديق ، وأما في الإصطلاح فهو تصديق القلب وإقراره وقبوله بالتوحيد والنبوة .
ومن أركان الإيمان :
الركن الأول : الإيمان بالله الهاً واحداً أحداً فرداً صمداً الذي له ملك السموات والأرض ، لا شريك له ، وفي التنزيل [وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا]( ).
ومع أن القرآن كتاب التوحيد ، فانه لم يذكر لفظ (شريك) إلا ثلاث مرات ، إحداهما الآية أعلاه.
والثانية قوله تعالى [لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ]( ).
والثالثة قوله تعالى [الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا]( ).
الركن الثاني : الإيمان بالملائكة وأنهم عبيد الله عز وجل ، وسكنهم السموات ، ولكن هذا لا يمنع من نزول أعداد منهم إلى الأرض بأمر من عند الله عز وجل .
والإيمان بالملائكة ركن وأصل ومن أصول الإيمان عند المسملين وهم أجسام نورانية ، وقد نزل القرآن بوجوب الإيمان بالملائكة .
وقد شهد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين بالإيمان بالله والملائكة كما في قوله تعالى [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ]( ).
والمراد من الإيمان بالملائكة هو الإقرار بوجود خلق عظيم وصنف من المخلوقات هم الملائكة ، مسكنهم السموات منقطعين إلى التسبيح والتهليل .
وقد أوكل الله عز وجل لكثير منهم وظائف خاصة تبين بديع وعظيم صنع الله عز وجل .
وهل يلزم الإيمان التفصيلي بالملائكة ، الجواب لا ، إنما يكفي الإيماء الإجمالي لذا تفضل الله عز وجل بذكر أسماء أفراد من الملائكة ، ووظائف عدد كثير منهم .
أما الأسماء فجبرئيل ، وميكائيل ، وهاروت وماروت ، ومالك خازن النار ، قال تعالى [مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ]( ).
وبلحاظ الآيتين أعلاه يتجلى قانون جمع سورة البقرة بين الثناء على الذين يؤمنون بالملائكة وبين ذم الذين يكفرون بهم.
أما وظائف الملائكة التي ذكرت في القرآن فهي كثيرة منها :
الأول : ملك الموت ، قال تعالى [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ]( ).
ولم يرد لفظ (ملك الموت) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وتقدير الآية : قل يا آيها الناس يتوفاكم ملك الموت.
الثاني : حملة العرش وهم ثمانية ، قال تعالى [وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ]( ).
الثالث : الحفظة ، قال تعالى [َيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ]( ).
الرابع : المعقبات ، قال تعالى [يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ]( ).
الخامس : الملائكة الموكلون بالأفراد ، قال تعالى [عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ]( ).
وتقدير الآية : عن اليمين ملك قعيد ، وعن الشمال ملك قعيد ، حذف الأول لأن الثاني يدل عليه.
و(عن ابن عباس في قوله {ما يلفظ من قول} الآية ، قال : كاتب الحسنات عن يمينه يكتب حسناته وكاتب السيئات عن يساره ، فإذا عمل حسنة كتب صاحب اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه حتى يسبح أو يستغفر ، فإذا كان يوم الخميس كتب ما يجزى به من الخير والشر ، ويلقى ما سوى ذلك ، ثم يعرض على أم الكتاب فيجده بجملته فيه)( ).
ومن بديع صنع الله عز وجل جعله الملائكة رقباء على الناس مع أنه سبحانه أقرب إلى كل واحد منهم من شرايين قلبه ، قال تعالى [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ]( ).
و(عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : نزل الله من ابن آدم أرفع المنازل هو أقرب إليه من حبل الوريد ، وهو يحول بين المرء وقلبه ، وهو آخذ بناصية كل دابة ، وهو معهم أينما كانو)( ).
السادس : السفرة ، قال تعالى [بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ]( )، قال ابن عباس (كتبة وهم الملائكة الكرام الكاتبون واحدهم سافر)( ).
السابع : خزنة الجنة ، وهم الملائكة الذين أوصل الله إليهم أبواب الجنة واستقبال المؤمنين الذين عملوا الصالحات ، والعناية باسئلتهم وما يشتهون ، قال تعالى [وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ]( ).
الركن الثالث : الإيمان بالكتب التي نزلت من السماء من أركان الإيمان ، وشرط فيه ، وهي التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والقرآن .
وقد ورد لفظ كتبه في القرآن ثلاث مرات ، كلها بخصوص الكتب السماوية النازلة على الرسل ، وهي :
الأولى : قوله تعالى [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ]( ).
الثانية : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا]( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ]( ).
وفيه ترغيب للمسلمين والمسلمات بالإقتداء بمريم بنت عمران في تصديقها بالكتب السماوية ، وهل يختص إيمانها بالتوراة والإنجيل بلحاظ أن القرآن متأخر نزوله عن أيامها ، أم يشمل إيمانها وتصديقها بالقرآن ، الجواب هو الثاني .
لأن عيسى عليه السلام جاء بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكره إلا بصفة الرسالة وهي أمارة على التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
و(عن معاذ بن جبل : أنّ النبّي صلى الله عليه وآله وسلم دخل على خديجة وهي تجود بنفسها فقال : أكره ما نزل بك يا خديجة وقد جعل اللّه في الكره خيراً كثيراً ، فإذا قدمت على ضرّاتك فأقرئيهنّ منّي السلام.
قالت : يا رسول اللّه من هنّ .
قال : مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكليمة أو حليمة أُخت موسى ، شكَّ الراوي ، فقالت : بالرفاه والبنين)( ).
ولو دار الأمر بين زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة من امرأة تؤمن برسالته أو لا تؤمن ، فالصحيح هو الأول لبيان قانون أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة صدّقن به في حياتهم وإن تقدم زمانهن.
ويملي الإيمان بالكتب على الناس العمل بمضامينها ، ونزل القرآن بياناً وتصديقاً لأحكامها ، وهو جامع لها.
الركن الرابع : الإيمان بالرسل والتصديق ببعثة مائة وأربعة وعشرين ألف نبي منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً ، ذكر منهم في القرآن.
وقد ورد ذكر خمسة وعشرين نبياً في القرآن.
ومن إعجاز القرآن ورود اسماء ثمانية عشر نبياً في أربع آيات متتالية ، قال تعالى [وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ]( ).
مع ذكرهم في آيات قرآنية أخرى .
وهل يمكن القول أن الآية تتضمن ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معهم ، الجواب نعم لأن القرآن نزل عليه ، ولمجئ لغة الخطاب له في هذه الآيات بقوله تعالى [إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ]( ).
وقد ورد ذات اللفظ أعلاه مرة أخرى في القرآن وفي سورة الأنعام نفسها( )، وكلاهما خطاب تشريف وإكرام إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن معاني التصديق بالرسل العمل بما جاءوا به من عند الله عز وجل ، وقال تعالى في خطاب إلى النبي محمد والمسلمين والمسلمات [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الركن الخامس : الإيمان باليوم الأخر ، والتصديق بأن الناس يبعثون من قبورهم للحساب والجزاء ، قال تعالى [يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ]( ).

قوله تعالى [وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ]
بعد بيان هوية المسلم بالجمع بين الايمان وعمل الصالحات جاء الاخبار الالهي باقامة الصلاة واتيان الزكاة، مع انه لايختلف اثنان بان الصلاة والزكاة من مصاديق الهداية واشرفها واعلاها واكثرها اهمية في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يعتبران شاهداَ حسياَ على الايمان وعنواناَ ظاهرياَ للهداية، كما ان الايمان لا يتحقــق الا بالامتثال لامره تعالى فمن آمن الله ورسوله عليه ان يؤدي الصلاة ويؤتي الزكاة، مع هذا جاء ذكر الصــلاة والزكاة على نحــو الخصــوص وبالعطـف على الايمان وعمل الصالحات.
والآية لا ينظر لها من خلال العطف وما يدل عليه من المغايرة لقبح العقاب بلا بيان، ولمنع الجهالة والغرر، فذكرت الآية طريق الجنة والخلود في النعيم على نحو التفصيل الاجمالي ولتوكيد حقيقة عقائدية وهي ضرورة الصلاة والزكاة، ولا سبيل الى الجنة الا من خلالهما.
فان قلت: لم ذكرت الآية الايمان وعمل الصالحات ولم تكتف بذكر الصلاة والصوم، الجواب: من وجوه:
الأولى : قانون الايمان سابق لاداء الفرائض.
الثانية : توكيد مسألة عقلية وهي ان الفعل العبادي لم يأت الا عن علم ومعرفة بالله ورسله واليوم الآخر فمن الارتقاء عند المسلمين ان عملهم فرع القوة العلمية ، قال تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ]( ).
الثالثة : قانون العبادات لا تتقوم الا بقصد القربة وهو لا يتحصل الا بالايمان.
الرابعة : قانون الجمع بين العلم والعمل، وبين الايمان والفرائض العبادية.
الخامسة : قانون الصلاة والزكاة واقية من الجحود والكفر والضلالة وحاجب عن اغواء الشيطان.
السادسة : الايمان مقوم للعبادة في استدامتها وبقائها، والعقل يدرك بان كل عمل لم يكن عن اعتقاد لا يستمر ويكون عرضة للأهواء.
فمن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية قانون اقبال كل مسلم ومسلمة على الصلاة اليومية بشوق ورغبة لا يفارقه هذا الشوق إلى آخر يوم من حياته ، لذا فان الصلاة واجب مطلق وليس مقيداً ، إذ تؤدى على كل حال.
السابعة : لابد من تحلية العبادات بالايمان بالله واليوم الآخر.
الثامنة : لكل من الصلاة والزكاة احكام وشرائط، وتعاهدها لا يتحقق الا بالايمان والاقرار بانها أمر من عند الله عز وجل، مع التسليم باليوم الآخر.
التاسعة : في الصلاة واجبات ركنية وغير ركنية ومندوبات، وفي احكام الزكاة نصاب تتم به الزكاة، وللزكاة مقدار مخصوص بحسب مجموع المال الخاضع للزكاة ، ولكل منهما زمان واوان، واوان الصلاة يومي ويؤتى بها خمس مرات في اليوم والليلة ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
اما الزكاة فهي سنوية، والايمان يمنع من جعل الواجب مستحباَ او المستحب من افعال الصلاة واجباَ، ويحول دون التفريط بأوقات الصلاة وأوان الزكاة.
العاشرة : الايمان نفسـه لا يتقــوم الا بأداء الصــلاة وايتاء الزكــاة قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
وبين الصالحات وبين الصــلاة والزكاة عمـــــوم وخصـوص مطلق، فالصلاة والزكاة من الصـالحات، وهناك مصاديق عديدة اخرى للصالحات، ومن الصـالحات الإنفاق المستحب في سبيل الله تعالى.
ومنها كيفية ايتاء الصدقات في السر او العلانية ونشر العادات الحميدة وعــدم المن او الإيـذاء ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
واشـــاعة القــرض واجتناب الربا.
وذكرت الآية الصـــلاة والزكاة كافراد للعبادة الواجبة فتشمل الاية مطلق العبادات البدنية والمالية، والبدنية المالية، وحرف العطف (الواو) المتكرر في الآية يفيد الترتيب والجمع.
الحادية عشرة : قانون الثواب العظيم بأداء الصلاة واتيان الزكاة وعلى نحو مستقل في كل منهما.
و(عن عامر بن سعيد قال : سمعت سعداً وناساً من الصحابة يقولون : كان رجلان أخوان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أحدهما أفضل من الآخر ، فتوفي الذي هو أفضلهما ، ثم عمر الآخر بعده أربعين ليلة ، ثم توفي فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضيلة الأول ، فقال : ألم يكن الآخر يصلي؟
قالوا : بلى ، وكان لا بأس به . قال : فما يدريكم ما بلغت به صلاته؟ إنما مثل الصلاة كمثل نهر جار بباب رجل غمرٌ ، عذبٌ يقتحم فيه كل يوم خمس مرات ، فماذا ترون يبقى من دونه؟ لا تدرون ماذا بلغت به صلاته)( ).
و(عن جابر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لكعب بن عجرة : يا كعب بن عجرة الصلاة قربان ، والصيام جنة ، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار . يا كعب بن عجرة الناس غاديان فبائع نفسه فموبق رقبته ، ومبتاع نفسه في عتق رقبته)( ).
قوله تعالى [لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ]
ورد لفظ أجرهم بصيغة الجمع الغائب اثنتي عشرة مرة في القرآن وكلها في مضامين الوعد الإلهي بحسب الثواب لأهل التقوى، وورد قوله تعالى (لهم اجرهم عند ربهم) خمس مرات في القرآن اربعة منها في سورة البقرة , وواحدة في سورة آل عمران( ).
والآية وعد كريم وبشــارة، وتقتضي أصـالة الإطلاق العمـوم وعدم انحصار الأجر بالآخرة وحدها، وقيد (عند ربهم) لا يدل على التقييد والحصر بالآخرة، ولكنه وثيقة وعهد واخبار عن ادخار السعادة لأفضل الأعمال وأتم الإســــتعدادات.
ومن الأجر في الدنيا الرزق الكريم والقدرة على الإنفاق في سبيل الله تعالى.
ومنه الصحة في البدن والســـلامة من الأدران والأمراض.
فيرى العبد غيره يبتلى بالمرض والداء، ويتعرض للأذى والعوز والفاقة، وهو يتنعم بالرزق الكريم واسباب المعاش، ومع ان الدنيا دار مــرور فان النعــم التي ينالها المسلم فيها اكثر من ان تعــد او تحصى، وهذه النعم وسيلة ومادة لأداء العبادات فتكون عوناً على الآخرة، وجزء من الرضا في الدنيا والسعادة الأخروية.
والاخبار الإلهي عن الأجر حث على التقيد بمضامين الآية، والمراد من اقامة الصلاة تعاهد تشريعها والامتثال في ادائها، وجاءت الآية بصيغة الجمع، وفيها دلالات منها:
الأول :قانون حرص الأمة على اداء الصلاة على نحو العموم الاستغراقي والمجموعي والافرادي، فالكل يؤدي الصلاة، وكل مكلف يشعر بلزوم ادائها , قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( ).
الثاني : انحلال الخطاب التكليفي بعدد المسلمين والمسلمات وتوجهه الى كل مسلم بالغ عاقل، وكذا كل مسلمة.
الثالث : لفظ (اقامة الصلاة) يعني الثبات والدوام على ادائها في كل الأحوال، ومن القواعد الفقهية ان الصلاة لا تترك بحال، فتؤدى في حال السفر والمرض، والشدة والضيق، وبحسب الإمكان ومن غير حرج او ضرر، قال تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ]( ).
الرابع : في الآية اشارة الى صلاة الجماعة وموضوعيتها في حفظ الصلاة وزيادة الثواب، كما انها تساهم في طرد الخوف والحزن عن النفوس ، وتكون سبباً لزيادة الخشوع والإيمان.
وجاء ايتاء الزكاة بصيغة الجمع وفيه مسائل:
الأولى : حاجة الفقراء وعدم الانتفاع الا من الجمع والتعدد والكثرة من طرف دافعي الزكاة.
الثانية : يحرض بعضــهم بعضاً ويكون اسوة له في المبادرة الى اخراج الزكاة.
الثالثة : فيه مواســاة للفقراء وســكينة لقلوبهم المنكسرة، فمتى ما علم الفقراء ان الأغنياء يبـــادرون الى اخـــراج الزكاة فانهــم يعيشـــون في الأمل وينقطعون الى العبادة، ويرجون السعة في الرزق على الناس جميعاً كي يكثر عدد أهل الزكاة ويعم الخير.
وفي الآية تحد للكفار وتعريض بهم لأنه لا أجر لهم ولا ينتظرهم الا العذاب في نار جهنم، فاحراز الأجر عند الله أمر يحتاجه كل انسان ، والأجر وان ورد بصيغة المفرد الا ان الألف واللام للجنس وليس للعهد، ليكون نوعه وكيفيته ومقداره من سعة فضل الله تعالى .
وليكون الإخبار على نحو القضية المهملة باباً للأمل والطمع عند الإنسان في الجزاء الحسن والذي يكون فوق تصور الإنسان.
قوله تعالى [وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]
بشارة اخرى وثواب متجدد لأهل الإيمان ودليل على عظيم فضله تعالى وانه يعطي بالأوفى والأكثر، ويدل على التعدد وان عدم الخوف ونفي الحزن أعم من موضوع الأجر، فمن الأجر ما كان محسوساً ومشاهداً خارجياً مادياً كان او معنوياً، ومنه ما كان في البدن وفي النشأتين.
أما عدم الخوف والحزن فهما كيفية نفسانية واصلاح ذاتي لنيل الأجر وانتظاره وتلقيه، لأن هذه الكيفية لا تنحصر بما قبل الأجر بل هي مستديمة حتى عند نيل الأجر وتمام النعمة ودخول الجنة، فحينما يكون الانسان في نعمة او حظـــوة عند الملك فانه يخــشى ان تـزول او يبدل الملك ورضاه بسخط يأتي على حياته ويتم الاستيلاء على ما عنده من الخيرات.
والآية على وجوه:
الأول : الأمن والسلامة في الدنيا من عداوة الشيطان وعدم الحزن بسبب أغوائه لأنهم اعتصموا منه بالإيمان وأداء الفرائض فيكون اغواؤه عديم الأثر.
الثاني : دفع الخوف من أهوال يوم القيامة، وعدم الحزن فيها ، و(عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : قال الله تبارك وتعالى : وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين ، فمن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة)( ).
الثالث : النجاة من الفقر والفاقة في الدارين، وعدم الحزن على ما فات من النعم التي نالها غيرهم، او التي تمنوها ورغبوا بها ولكنهم لم يستطيعوا الحصول عليها.
الرابع : الشوق للقاء الله تعالى وعدم الخوف من الموت وما بعده، وعدم الحزن على أيام الحياة الدنيا عند مغادرتها.
الخامس : انعدام المنافسة في الآخرة لأن أفراد النعم غير محصورة، فكل ما يشتهيه أهلها موجود فلا خوف من فوات نعمة، ولا حزن على اخذ الغير لها.
السادس : حينما يرى الانسان أهوال الحساب وعظيم نفع الحسنة وفعل الصالحات وان كان قليلاً يندم ويأسف لأنه لم يكثر منها، ويحزن لما ينتظره وفقد الواقية وسبيل النجاة.
أما أهل هذه الآية فانهم لا يحزنون بسبب قلة ما عملوا ، فيجدون مكتوباً لهم أكثر مما تستوعبه حياتهم في النشأة الأولى فيستبشرون بفضل الله تعالى وتسكن نفوسهم وتتجلى في الآخرة أمور :
الأول : قانون إرباء ونماء الصدقات ، قال تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ).
الثاني : قانون مضاعفة الحسنات .
الثالث : قانون محو السيئات .
و(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يروي عن ربه : من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة إلى أضعاب كثيرة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ، ولا يهلك على الله إلا هالك.
وأخرج أحمد ومسلم وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الله عز وجل : من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد ، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو اغفر ، ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة ، ومن اقترب إليَّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً ، ومن اقترب إلى ذراعاً اقتربت إليه باعاً ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)( ).
السابع : في الآية بشارة الشفاعة يوم القيامة.
والآية حث على الأعمال الصالحة وبيان لوجوب الطاعة والتسابق في الخيرات وقصد رضا الله تعالى والإعراض عن الدنيا، وبيان أهمية الإيمان وانه مبدأ كل خير وصلاح.
الثامن : قانون بناء لملكة العزة والثقة والأمل.
التاسع : قانون السلامة من القنوط واليأس ، قال تعالى [وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ]( ).
وقد أورد بعض العلماء اشكالاً في الآية وهو ( ان المرأة اذا بلغت عارفة بالله ولما بلغت حاضت، ثم عند انقطاع حيضها ماتت، او الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل ان تجب عليه الصلاة والزكاة مات، فهما بالإتفاق من أهل الثواب، فدل ذلك على ان استحقاق الأجر والثواب لا يتوقف على حصول الأعمال، وأجاب انه تعالى انما ذكر هذه الخصال لا لأجل ان استحقاق الثواب مشروط بهذا، بل لأجل ان لكل واحد منهما أثراً في جلب الثواب) ( ).
وموضوع المرأة أعلاه لا يعتبر اشكالاً على الآية، من وجوه:
الأول : انه فرد نادر ولا عبرة بالشاذ النادر.
الثاني : الخطاب موجه الى المكلفين القادرين على الامتثال، وهذه المرأة تعذر عليها الأداء بل انه يتوجه لها خطاب باداء الصلاة اليومية عند دخول وقت الصلاة وتشملها قاعدة الميسور.
الثالث : هناك كثير من المسلمين يوافي أحدهم الأجل وهو لم يؤد الزكاة لأنه لم يملك النصاب الذي تجب فيه الزكاة، او أنه لم يؤد حج بيت الله الحرام لعدم الاستطاعة، ومع هذا فان الآية وما فيها من البشارات تشمله ، قال تعالى [وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( ).
الرابع : تريد الآية من الأمة والمسلمين تعاهد الصلاة في الأرض كواجب عيني على كل فرد، وواجب نوعي على كل أمة في كل زمان ومكان، فلذا جاء التشديد على اداء الصلاة والاستحباب المؤكد على ادائها جماعة، وازدياد الثواب كلما كانت الجماعة أكثر عدداً في أفرادها، او كانت بإمامة عالم او في المسجد الجامع.
و(عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصلاة في المسجد الجامع تعدل الفريضة حجة مبرورة ، والنافلة كحجة متقبلة ، وفضلت الصلاة في المسجد الجامع على ما سواه من المساجد بخمسمائة صلاة)( ).
بحث بلاغي
منهم من قرأ (فلا خوف) بضم من غير تنوين وبتقدير حذف المضاف اليه، اي فلا خوف شيء عليهم، ولكن المدار على المرسوم في المصاحف ولا يخلو من نكتة خصوصاً وانه يجمع الإيجاز في اللفظ والإطناب في المعنى من غير ان تصل النوبة الى الحذف، والمحذوف المقدر يدخل في معناه ايضاً.
مما يدل على ان الأصل في اللفظ القرآني افادة المعنى الأعم، فمن فضل الله تعالى انتفاء الخوف ذاته موضوعاً وحكماً مما يعني انعدام اسبابه ومنعها من التأثير والأثر.


قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] الآية 278.

الإعراب واللغة
يا أيها الذين آمنوا : تقدم إعرابها .
(اتقوا الله) اتقوا: فعل أمر مبني على حذف النون، واو الجماعة: فاعل، لفظ الجلالة: مفعول به.
(وذروا ما بقي من الربا) الواو: عاطفة، ذروا: فعل أمر، الواو: فاعل، ما: اسم موصول مفعول به، جملة (بقي) لا محل لها لأنها صلة الموصول، الجار والمجرور متعلقان بـ(بقي).
(ان كنتم مؤمنين) ان: شرطية، كنتم: فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، التاء: اسم كان، مؤمنين: خبرها منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والتقدير: ان كنتم مؤمنين فذروا ما بقي من الربا.
ويُقال: ذريت الشيء أي اسقطته وطرحته.
في سياق الآيات
بعد الآيات العديدة التي ترغب بالإنفاق في سبيل الله تعالى وتبــين ما له من الثواب العظيم ، ثم تحريم الربا وتبكيت أهله وانذارهم، ومجيء الآية السابقة بالبشــارة للمؤمنين المواظــبين على الصــلاة والزكاة، جاءت هذه الآية بالأمر بالتقوى وهجران الربا وترك ما بقي من تبعاته المالية.
ومن اعجاز السياق ان الأمر بترك ما تبقى من تبعات الربا لم يأت بعد آياته مباشرة بل بعد مقدمة عقائدية وهي الاخبار عن عظيم ثواب المؤمنين الذين يؤدون الفرائض العبادية، وآيات الربا مجتمعات آية في معالجة ظاهرة الربا وما يتفرع عنه من علل وأمراض اجتماعية وأخلاقية وإقتصادية.
لقد تضمنت الآية السابقة البشارة للذين آمنوا بالأمن من الخوف والحزن يوم القيامة ، وبالسلامة من أهوال يوم القيامة .
وقيدت هذا الأمن بأمور :
الأول : عمل الصالحات والخيرات واتيان العمل الصالح من مقامات الهدى والإيمان وإرادة رضا الله عز وجل ، وفيه تخفيف عن المسلمين إذ أت عمل الصالحات برزخ دون ارتكاب السيئات ، وأكل المال الربوي .
من صفات القرآن أنه مدد من عند الله للمسلمين من الناس جميعاً ، ومن هذا المدد البعث على العمل الصالح مقدمة للزجر والنهي عن الفعل القبيح كما في سبق آية عمل الصالحات وأداء العبادات على آية البحث وما فيها من لزوم اسقاط المال الربوي بقوله تعالى [وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا]( )، والذي يدل بالدلالة الإلتزامية على الإمتناع عن استحداث عقود ومعاملات ربوية.
الثاني : إقامة المسلمين والمسلمات الصلاة ، وهل تشمل الآية المسلمين من الملل السابقة كالنصارى واليهود ، الجواب نعم.
بينما جاءت آية البحث بنهي المسلمين والمسلمات عن الربا ، لبيان ما يتصفون به من الإيمان ، والتقيد بأحكام الشريعة ، ولتكون مضامين آية البحث من مصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الثالث : اتيان الزكاة وهو واجب ، وواقية من أكل الربا .
وقد قدمت آية البحث الأمر بتقوى الله على ترك الربا لبيان أولوية الخشية من الله عز وجل .
ترى ما هي الصلة بين قوله تعالى [اتَّقُوا اللَّهَ]، ومضامين الآية السابقة ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالتقوى أعم .
وتقدير الجمع بينهما من وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله .
الثاني : اتقوا الله واعملوا الصالحات .
الثالث : اتقوا الله واقيموا الصلاة .
الرابع : اتقوا الله وأتوا الزكاة .
الخامس : الذين اتقوا الله لهم أجرهم عند ربهم .
السادس : الذين اتقوا الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
الرابع : اتيان الزكاة ، فالذي يريد الأجر والثواب من عند الله يجب أن يخرج زكاة ماله ، وأن يتصدث منه وينفق في سبيل الله ، والنسبة بين عمل الصالحات والذي تذكره الآية السابقة وبين اتيان الزكاة عموم وخصوص مطلق ، لذا وردت الآية السابقة بصيغة الجمع [عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ].

تقدير الجمع بين آية (وَذَرُوا) والآية السابقة
ذكر كل من الآيتين للفظ (الذين آمنوا) وقد ورد بصيغة الخبر في الآية السابقة ، وبصيغة النداء في هذه الآية (يا آيها الذين آمنوا) ومن معاني الآية أن المسلمين والمسلمات هم الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر .
كما يشمل الخبر في الآية السابقة المؤمنين من أهل الملل السابقة وهو من أسرار صيغة الخبر وكيف أن القرآن جامع للأحكام وفيه بيان وثناء على الأنبياء ، وأتباعهم من الأمم السابقة ، قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ]( ).
شمول النساء بأحكام الآية
ابتدأت الآية بنداء التشريف (يا آيها الذين آمنوا) بصيغة جمع المذكر والمراد المسملون والمسلمات جميعاً ، قال تعالى [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
لبيان ترتب الثواب على العمل الصالح المقرون بالإيمان وهل يعني هذا وجوب قصد القربة في كل عمل صالح ، الجواب لا ، إنما يمكن الإيمان وأداء الفرائض العبادية
وذكر الأنثى في الآية أعلاه دليل على شمول خطاب (الذين آمنوا) الرجال والنساء ، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( )، فيشمل الأمر والنهي في الآية أعلاه المسلمات مثلما يشمل المسلمين ، وإن كان الجهاد ساقطاً عن النساء.
ولكن لابد لهن من الإجتهاد في السعي إلى السلم والأمن والأمر بالمعروف والتحلي بالعصمة من إغواء الشيطان ، والنهي عنالإقتتال ومقدماته ، وعن الفتن العامة والخاصة.
ليكون تقدير آية البحث : يا آيتها اللائي آمنّ اتقين الله وذرن ما بقي من الربا إن كنتن مؤمنات .
وقد لا تعمل المرأة بالتجارة وليس عندها مال ربوي فتتركه وتسقطه فهل تشملها أحكام الآية ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : قانون الإحتراز من الربا .
الثانية : موضوعية آية البحث في النفرة من الربا .
الثالثة : الأمر بالمعروف والنهي عن الربا ، وعن قبض الفوائد الربوية .
الرابعة : قانون سعي المرأة للعمل بمضامين آيات القرآن.
إعجاز الآية
بــدأ الخطاب في الآيــة بصــفة الإيمـان ثــم اختتــمت الآية بالشــرط [إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] في دعوة إلهية لترجمة الإيمان في ميادين العمل لتحمل الأرض صبغة العبادة، وتصعد منها اعمال الإيمان.
وتظـــهر الآية مراتب الإيمان وان التقوى في مراتبها المتعددة أرقى درجة من الإيمان، وكيف ان التخلص من الربا والفواحش يحتاج الى درجة من الإيمان، وخشــية الله عنوان صــلاح وتزكيـة للأعمال.
وتبين الآية القطع في الحكم وقانون اقتران الكسب الحلال بالاسلام ، قال تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( ).
ومن أسرار ابتداء الآية بنداء الإيمان أمور :
الأول : قانون تشريف وإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بنداء الإيمان في القرآن .
الثاني : من مصاديق الآية : يا آيها الذين آمنوا بالله والنبوة والكتاب.
الثالث : قانون إنحلاء الخطاب القرآني الخطاب بعدد المسلمين والمسلمات وأجيالهم المتعاقبة إلى يوم القيامة .
الرابع : قانون ندب المسلمين والمسلمات للعمل بمضامين الآية التي تبدأ بنداء (يا آيها الذين آمنوا).
الخامس : تأكيد قانون اقتران الإيمان بالعمل الصالح والتنزه عن السيئات .
السادس : قانون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام المسلمين في التقوى والخشية من الله ، وعن عمر ابن أم سلمة أم المؤمنين أنه (سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القبلة للصائم؟ فقال : سل هذه يعني : أم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله، فقال: لسنا كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني أتقاكم لله وأعلمكم به)( ).
السابع : قانون إزاحة الإيمان للمعاملات الباطلة ، قال تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( ).
الثامن : قانون التضاد بين الإيمان والكسب الحرام ، ولا يجتمع المتضادان.
التاسع : من التقوى إتباع نهج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم التشديد على النفس ، و(عن عائشة : صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخطب فحمد الله ثم قال: “ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية)( ).
$$وابتدأت هذه الآية بنداء التشريف والأمر بتقوى الله والخشية منه [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ َ]( )، ثم اختتمت بالجملة الشرطية [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ].
لبيان أن الإيمان أعلى مرتبة من نداء الذين آمنوا الذين يدخل فيه كل من نطق بالشهادتين ، أما الإيمان فهو اقرار بالجنان وتسليم بالجوانح ، والإيمان بالمعنى الأخص هو الإقرار بالإمامة.
ويمكن تسمية هذه الآية بآية (ذروا ما بقي من الربا).
الآية سلاح
هذه الآية مدرسة في التقوى، وتوظيفها في الواقع العملي وابواب الكسب والفصل بين الرزق الحلال وبين الحرام الذي يترك ويهجر وتعزف النفوس عنه .
من معاني الآية قانون ابتداء الآية بنداء الإيمان واقية وبعث على الإمتناع عن قبض المال الربوي وإن عرض على المسلم وكان بحاجة اليه ، لحرمة الربا في حال الإختيار والإضطرار.
وبعدما خاطبت الآية المسلمين والمسلمات بصفة الإيمان أمرتهم بتقوى الله ، لبيان أمور :
الأول : قانون آية النسبة بين الإيمان والتقوى عموم وخصوص مطلق.
الثاني : قانون وجوب ملازمة التقوى والخشية من الله للإيمان.
الثالث : إذا كان الإيمان عقيدة فان قانون التقوى عقيدة وقول وعمل ظاهر .
أسباب النزول
ذكرت في أسباب نزول هذه الآية وجوه:
الأول: ان الآية نزلت في أهل مكة اذ كانوا ياكلون الربا، فلما تم فتح مكة نزلت الآية وأمروا بان يأخذوا رؤوس أموالهم من دون فائدة عليها.
الثاني: أخرج أبو يعلى من طريق الكلبى عن ابن صالح عن ابن عباس في قوله (الذين ياكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس) قال يعرفون يوم القيامة بذلك لا يستطيعون القيام الا كما يقوم المتخبط المنخنق، (ذلك بانهم قالوا انما البيع مثل الربا) وكذبوا على الله (وأحل الله البيع وحرم الربا) ومن عاد لاكل الربا (فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وفي قوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا الآية قال بلغنا ان هذه الآية نزلت في بنى عمرو بن عوف من ثقيف وبنى المغيرة من بنى مخزوم( ).
وذكر ان أولاد عمرو هم مسعود، وعبدياليل، وحبيب، وربيعة.
الثالث: نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا يسلفان في الربا، وهو قول السدي( ).
الرابع: في تفســير القمي: لما أنــزل الله تعالى [ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا..]( ) الآية، فقام خالد بن الوليد الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رسول الله ربا أبي في ثقيف، وقد أوصاني بأخذه عند موته، فأنزل الله تعالى الآية، أي ان خالداً لم يقم بالتسليف، ولكنه ورث المال.
الخامس: اخرج عن عمرو بن الأحوص: انه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ألا ان كل ربا في الجاهلية موضـــوع، [ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ]، اخرجه ابو داود، والترمذي في صحيحه، والنسائي.
وفي مجمع البيان زاد: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الا ان كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، وكل دم في الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مرضعاً في بني ليث فقتله هذيل.
ولا تعارض بين الوجوه اعلاه خصوصاً مع احتمال شيوع الربا وانتشاره بين الناس أيام الجاهلية، وكانت قريش تعمل بالتجارة وتتعاطى السلف.
السنة التدوينية
كان بنو المغيرة يربون لثقيف فلما أظهر الله رسوله على مكة ووضع يومئذ الربا كله وكان أهل الطائف قد صالحوا على ان لهم رباهم وما كان عليهم من ربا فهو موضوع، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر صحيفتهم ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين أن لا ياكلوا الربا ولا يؤكلوه فاتى بنو عمرو بن عمير ببنى المغيرة إلى عتاب ابن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة ما جعلنا أشقى الناس بالربا ووضع عن الناس غيرنا فقال بنو عمرو بن عمير صولحنا على أن لنا ربانا فكتب عتاب بن أسيد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية (فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب) ( ).
أي ان عمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأمصار كانوا يكتبون له ويرفعون له الخصومات والنزاعات وانه كان يجيبهم ويرد عليهم، كما ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكتب على الصحائف ويعطي بعضهم كتاباً في حق او هبة، أو أمان، ويبعث الرسل والكتب الى الملوك والقبائل لدعوتهم للاسلام, ويرسل الى القبائل المسلمة باحكام الدين او السؤال عمن يأتي يشهد عنده لمعرفة عدالته وأهليته للشهادة
ويمكن اضافة قسيم رابع لأقسام السنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية وهو (السنة التدوينية).
وهذا التقسيم يجعل خصوصية واستقلالاً للسنة التدوينية, وفيه اشراقة علمية جديدة تساهم في توثيق وضبط ما دوّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وييسر للعلماء والباحثين التحقيق والاستنباط في خصوص ما كتبه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كما انه يساعد في إحصاء كتب النبي صلى الله عليه وآله وســلم وتحديد تواريخها واســبابهـا ونتائجــهــا العامــة وإفاضات الوحــي التي تتجلى بين ثناياها.
ان السنة التدوينية علم مستقل يستحق ان تصنف به الكتب الخاصة وتوضع له مناهج دراسية تعين أهل العلم على معرفته وما فيه من دلالات النبوة ، والنســبة والصلة بينه وبين الســنة القولية والفعلية، وتدل الســـنة التدوينية على الارتقاء العلمي والتنظيم الإداري أيام النبوة.

مفهوم الآية
تظهر الآية قانون اكــرام القرآن للمسلمين وتوجيههم في أعمالهم ومكاسبهم وتجاراتهم، والمنع من إقدامهم على ما يضرهم في دينهم ومجتمعاتهم.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين السعادة في الدنيا والآخرة , قال تعالى [وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ]( ).
والربا مجلبة للأذى المركب، ليس فيه من نفع الا زيادة على رأس المال يأخذها آكله فتكون وبالاً عليه وعلى غيره، أما بالنسبة له فهو ارتكاب لمعصية وأكل المال بالباطل والعقاب في الآخرة، أما بالنسبة لغيره فهو اضرار بالمقترض وبعياله واضاعة لأحكام الدين، وتهديد للقيم المتعارفة، واشاعة للمعاملات الباطلة , ودعوة للتجرأ على أحكام الحلال والحرام.
وفي الآية ذم للكفار لإقامتهــم على الربا واخبــار ضمني عن خطأهم وضــلالتهم وخســارتهم في النشــأتين، والآية نذير شــؤم لهم لقبح الربا وملازمته والاضرار الناتجة عنه، كما تخبرهم الآية عن المائز بينهم وبين المســلمين.
فالمسلمــون يتلقـون الأحكام من الســماء، وأحكام الربا لم تكن منحصرة بهم بل هي عامة وشاملة لكل الأديان السابقة.
فحرمة الربا ليست نسخاً لجوازه في الملل السماوية الاخرى، وما جاء به القرآن تثبيت لحكم متصل وموجود وملازم للوجود الانساني على الأرض، ومن هذا يبدو الضرر الكبير في اتيان الربا، والمسلمون بالتزامهم بأحكام الربا يمدون يد المساعدة الى الملل الاخرى والناس جميعاً بهدايتهم الى الصراط المستقيم , وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ]( ).
واجتناب الربا كحكم شرعي وتقيد نوعي يجعل الناس يتساءلون عن امور منها:
الأول : مغزى هذا الاجتناب وعلله واسبابه.
الثاني : تأثير الأمر الإلهي على المسلمين على نحو العموم المجموعي.
الثالث : يبعث الخوف في نفوس الآخرين من المسلمين فهم يجتمعون على حكم فرعي في معاملة تجارية فكيف اذا داهمهم خطر وحاول عدو النيل من عقائدهم.
الرابع : تنازل المســلمين عما بقــي من الربا طــاعة لله تعالى شاهد عملي على استعدادهم للتضحية والبذل والعطاء في سبيل الله تعالى.
الخامس : انه دعوة لملاحظة الاضرار الجانبية للربا، فما دامت حرمة الربا سابقة للإسلام .
وجاء بها الأنبياء والمرسلون فان آكل الربا يبتلى وان كـان كتابياً او وثنياً، وامتناع المســلمين من الربــا يجعله يربط بين الأذى الطارئ الذي يلاقيه وأكله للربا، كما ان الذي يدفع الزيادة على القروض سواء كانت للمصارف والبنوك او للمؤسسات او للأشخاص يدرك صحة وسلامة النظام الاسلامي، وينبعث الشــوق في نفســه للاسلام، ويشعر أنه سبيل نجــاة في الدنيا ولابــد انه الطريق الى الجنة ووســيلة للفوز في الآخرة.
السادس : قانون امتناع المسلمين عن الربا رسالة جهادية , ودعوة يومية للاسلام وجذب لافكاره ومبادئه , وهو من مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ).
السابع : قانون حرمة الربا والالتزام بها اصلاح للنظم المالية العالمية وحضور عقائدي سماوي يومي في زمن العولمة.
الثامن : خاتمة الآية تقطع أمل الكفار بالمسلمين واحتمال جرهم الى عالم الربا وطرقه الخفية , قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ( ).
إفاضات الآية
تبدأ الآية بخطاب الإكرام وقبول الإيمان بنيل صفته وجعله عنواناً ومقدمة لاستحقاق توجه التكليف للمسلمين، وبعده تأمر بتقوى الله، وهذا التعاقب بين خطاب التشريف والأمر بتقوى الله مدرسة سماوية ينفرد بها القرآن، وآية تعبدية ومدد ومقدمة كريمة لتلقي الحكم القرآني بالتخلص من أموال الربا.
عندما يبني الانسان حساباته على تلقي أموال يظنها من حقه في ذمة الآخرين وينتظر حلول أجلها، ثم يأتي الأمر الشرعي باسقاطها فانه يحتاج الى وسيلة لتثبيت الحكم وقبوله برضا على نحو العموم الاستغراقي.
فليس كل من أسلم يتعاطى الربا أيام النزول، ولكن الآية جاءت بصيغة الجمع والاطلاق لأن ترك مال الربا مسؤولية المسلمين جميعاً، وأمر يستلزم التعاون العام للتنزه عنه كمعصية وداء يهدد المجتمع والنظام المعاشي وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
ابتدات آية البحث بنداء الإيمان (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهو شامل للمسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة , فالحلال القرآني حلال إلى يوم القيامة , وما حرمه القرآن حرام إلى يوم القيامة , ومنه الربا والزنا وشرب الخمر وعقوق الوالدين , قال تعالى [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا] ( ).
وهل هو من الشواهد على عدم نسخ السنة للقرآن ، الجواب نعم .
وبعد نداء الإيمان توجه الأمر من الله عز وجل إلى المسلمين والمسلمات بتقوى الله عز وجل والخشية منه .
وجاءت آية أخرى تجمع بين نداء الإيمان والأمر بتقوى الله , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
وبعد الأمر بتقوى الله عز وجل جاءت الآية بترك المعاملات الربوية وما بقي من مال الربا .
و(عن ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن روح القدس نفث في روعي : أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)( ).
وتعقب الأمر بتقوى الله عز وجل نداء الإيمان من غير فاصلة بينهما لبيان تقوم موضوع الآية بالتقوى , وتحتمل النسبة بين التقوى وترك الربا وجوهاَ :
الأول : التساوي بينهم .
الثاني : العموم والخصوص المطلق , وهو على شعبتين :
الأولى : التقوى أعم من ترك الربا .
الثانية : ترك الربا أعم من التقوى .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه , فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما .
الرابع : نسبة التباين , وأن ترك الربا غير التقوى .
والصحيح هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه , فالتقوى أعم لتكون الآية من عطف الخاص على العام , وتقدير الآية يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله , ومن التقوى ترك مال الربا .
ومن أسرار العطف في المقام وجوه :
الأول : ترك الربا من التقوى والخشية من الله عز وجل .
الثاني : توارث العرب للمعاملات الربوية , وفيه كسب للمال من غير احتمال للخسارة , فيلزم التخلص منه باستحضار تقوى الله والخوف منه , وهو من إعجاز القرآن بصرف المسلمين عن الكسب والربح الحرام بقبول ورضا منهم , لتقديمهم تقوى الله , ومنها اجتناب ما نهى الله عز وجل , قال تعالى [وَمَا آتَاكَُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ).
وهل ينحصر موضوع الآية بالدَين وبقايا أموال وأرباح ربوية عند غيرهم أم أن الخطاب في الآية عام , الجواب هو الثاني فيشمل كلاَ من :
الأول : الذين تعاطوا الربا , للكف عنه .
الثاني : الذين لهم بقايا أموال ربوية عند غيرهم , فلا يستحضرون إلا رؤوس أموالهم , وهو الذي جاءت به السنة النبوية .
ومن الإعجاز في المقام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر اسقاط المال الربوي في خطبته في حجة الوداع , وهي أكثر خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة عدد المستمعين إذ حضر الموسم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائة ألف من المسلمين كما أنه ختم الخطبة بقوله ليبلغ الشاهد السامع .
و(عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه – وكانت له صحبة – قال : كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال : يا أيها الناس ، هل تدرون في أي شهر أنتم ، وفي أي يوم أنتم ، وفي أي بلد أنتم؟
قالوا : في يوم حرام ، وشهر حرام ، وبلد حرام ، قال : فإن دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه.
ثم قال : اسمعوا مني تعيشوا ، ألا لا تتظالموا ألا لا تتظالموا.
إنه لا يحل مال امرىء إلا بطيب نفس منه ، ألا أن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة ، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتله هذيل.
ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع ، وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب [فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]( )، ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، ألا وإن [عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ]( )، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
إلا إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه في التحريش بينهم.
واتقوا الله في النساء فانهن عوان عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئاً ، وإن لهن عليكم حقاً ولكم عليهن حقاً أن لا يوطئن فرشكم أحداً غيركم ، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه ، فإن خفتم [نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ]( )، ضرباً غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وبسط يديه.
وقال : اللهمَّ قد بلغت ألا هل بلغت ، ثم قال : ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رُبَّ مبلغ أسعد من سامع) ( ).
وهل المراد من السامع أهل زمان النبوة , الجواب لا , فصفة السامع أعلاه تشمل كل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة , وتشمل أهل الكتاب وغيرهم من الناس .
الثالث : الذين يقترضون المال بالربا , إذ نزل القرآن بحرمة هذا الإقتراض وما يفرض معه من الفائدة المحرمة .
قال تعالى [وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ] ( ).
كما جاءت حرمة الربا كمعاملة مطلقاً لقوله تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ).
فكما يقع البيع بين طرفين أو أكثر وهو معاملة صحيحة فإن الربا يقع بين طرفين أو أكثر وهو محرم على المعطي والآخذ والشاهد والكاتب .
وأختتمت الآية بالجملة الشرطية [إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
لبيان قانون التضاد بين الإيمان وتعاطي الربا , وفيه ثناء على المسلمين , وإتصافهم بالإيمان بالإمتناع عن الربا .

من غايات الآية
وفي الآية مسائل :
الأولى : قانون إكرام المسلمين بافتتاح الآية بنداء الإيمان ، وإن الآية تنهى عن أكل المال المتبقي من الربا , والتي تدل بالدلالة التضمنية على وجود معاملات ربوية عند المسلمين وهي من آثار وبقايا الجاهلية , لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبدل المعاملات التجارية والإطلاق المصاحبة لها إلى الضد الحسن , فقد قالوا [إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا] ( ).
وجاء القرآن ليخبر بالتضاد بينهما موضوعاَ وأثراَ وحكماَ وعاقبة.
الثانية : بيان قانون حرمة الربا , وقانون ترك ما بقي من أموال الربا المتعلقة بذمة المديون .
الثالثة : قانون بعث النفرة في نفوس المسلمين والمسلمات من الربا .
الرابعة : قانون موضوعية نيل مرتبة الإيمان .
الخامسة : قانون الإيمان حرز وواقية من المعاملات المحرمة .

التفسير
قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ]
قد ورد هذا الشطر من الآية في القرآن ست مرات، ويتضم]ن إكرام المسلمين وحثهم على التقوى التي التي هي ورع وخشية من الله تعالى، وهذا الورع متفرع عن الإيمان فكلما كان الإيمان نافذاً مستولياً على النفس الإنســانية فان التقــوى تتولــد عنه وتبــرز في القول والفعل، والآية اثارة للهمم وتحريض وترغيب.
وورود الخطاب بصيغة الجمع بشارة التقيد بالحكم ويدل على أهلية المسلمين للعمل بالأحكام الشرعية.
وتقوى الله فيها وجوه:
الأول : الخشية من الله في القول والفعل .
الثاني : ان يُطاع الله ولا يُعصى، ويُشكر ولا يكفر، ويُذكر فلا يُنسى، وهو المروي عن الإمام الصادق عليه السلام , وعن عبد الله بن مسعود( ).
الثالث : اتقاء جميع معاصيه، عن أبي علي الجبائي.
الرابع : المجاهدة في الله وعدم خشية لومة لائم وان يُقام له بالقسط في الخوف والأمن، عن مجاهد.
واختلف هل نسخ قوله تعالى [ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ]( ) بقوله تعالى [ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ]( )، كما قال قتادة، والربيع وهو المروي عن الإمام الباقر والصادق عليهما السلام، او غير منسوخ كما عن ابن عباس وطاوس.
وأنكر الجبائي نسخ الآية لما فيه من اباحة بعض المعاصي، ولكن الخلاف صــغروي ولا ملازمــة بين النسخ واباحة المعاصي، كما ان النســخ الوارد هنا ليس بالمعنــى الاصطلاحي والبدلية، بل يتضمن أمرين :
الأول : البقاء على تقوى الله عز وجل وعدم نسخ مفهوم وموضوع التقوى.
الثاني : ان النسخ جزئي , وجاء لأحكام الضرورة ولمنع الحرج ودفع الأذى، وتقديم حفظ النفس وصيانة العرض وهي أفراد من تقوى الله ايضاً، بمعنى ان قيد الاستطاعة لم يأت الا لبيان أولويات التقوى، ولرفع الاشكال عند تقديم حفظ النفس مثلاً عند الخوف.
فلو دار الأمر بين ان يفطر المسلم يوماً قهراً او يُقتل فان التقوى تقتضي الافطار وحفظ النفس ثم القضاء فيما بعد، فقيد الاستطاعة رحمة وتخفيف وتيسير واضافة لافراد التقوى او تتولد عنها التقوى، فحفظ المؤمن يؤدي الى ظهور التقوى بقوله وفعله، والذرية التي تخرج منه.
وجاء الأمر بالتقوى للزوم التنزه عن الربا في الحياة العقائدية وليس التجارية فقط، ولأن الاحتراز منه يستلزم خشية الله في السر والعلانية، واستحضار المعاد والحساب والإثم العظيم بأكل مال الربا.
والأمر بتقوى الله في الآية لا ينحصر بموضوع الربا بل هو مطلق، ولكن فيه اعتبار لموضوع الآية وهو ترك الربا وما بقي من ارباحه.
وهذه هي الآية الثالثة من بين أربــع آيات متواليات تتعلق بموضــوع الربا، وقد جاءت الآيتان السابقتان بتقبيح فعل الربا والوعيد والتخويف لأهله ومن يأكل المال به، وهي الآية هي الوحيدة من بينها التي جاءت بالوصية بتقوى الله، ولابد من أمر هام في المقام، ويحتمل أموراً:
الأول : التوكيد على حرمة موضوع الربا.
الثاني : خصوص ما بقي من الربا في أموال الناس.
الثالث : اجتناب النواهي والفواحش مطلقاً.
والوجوه الثلاثة مجتمعة ومتفرقة من مصاديق الآية، مجتمعة بلحاظ مجيء الأمر بتقــوى الله في آيات الربا، ومتفــرقة بان التقــوى سلاح وواقية للامتناع عن الربا والمعاصي، وان ترك الربا وفوائده يستلزم درجة من التقوى، والخشية من الله تعالى تمنع من اللهث وراء زينة الدنيا وجمع الأموال، وتجعل عند الانسان ملكة اختيار كيفية الكسب وفق مرضاته تعالى.
قوله تعالى [وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا]
الآية من عطف الخاص على العام، فبعد الأمر بالتقوى جاء الأمر بترك ارباح الربا واسقاطها عن اهلها، وهذا الأمر بالترك يعني عدم جواز أخذها وانها من السحت.
ونعت ما تبقى من الارباح بانه من الربا مع جواز أخذ رأس المال يدل على ان المراد من الربا هو الفوائد والزوائد التي فرضت على أصل المال في معاملة ربوية باطلة، فالآية تقسم المال في الربا الى:
الأول : أصل المال ومقدار القرض , وهل من صلة بين حرمة الربا وبين قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ]( ) الجواب نعم , وتقدير الآية أعلاه : فنظرة إلى ميسرة من غير زيادة ربوية على أصل القرض .
(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة ، الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر ، فقلت : يا جبريل ، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟
قال : لأن السائل يسأل وعنده ، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة) ( ).
لبيان أن حرمة الربا مقدمة لإشاعة القرض والأجر والثواب العظيم بالديون .
الثاني : الفائدة عليه، وهذه تقسم الى شعبتين:
الأولى: ما تم استيفاؤه قبل دخول صاحب المال في الاسلام.
الثانية: ما بقي ولم يستلم منذ اسلامه.
أما القسم الأول فلابــد من ارجــاعه لأنه مــال شخصي وقرض، وما في الشــعبة الأولى من القســم الثاني فانه تم قبضــه ويكــون معفــواً عنه ولا اعادة له، أما ما ورد في الشــعبة الثانية اعلاه فهو الذي يجب ان لا يســتوفى ولا يطالب به المقترض لأنه حرام، وبذا يكون الاسلام فيصلاً في المعاملات التجارية، وأحكامه نافذة في أدق ميادين الحياة العملية.
وتعتبر الآية نواة ايمانية في التبادلات التجارية لعــدم الفرق بين القضـــية الشــخصية والنوعيــة العامة، واذا رأيت أســباب التلكأ والركود الاقتصادي تجد الربا يقف وراءه ويؤثر سلباً على مجريات الأعمال والوقائع، فجــاءت هذه الآية لهداية الناس للازدهار الاقتصادي وتقديم مضامين الرأفة والرحمة على جني الأرباح في المعاملات التجارية، انها دعوة لعدم جعل الأولوية للربح مع أهميته في موازين الكسب.
آيات حرمة الربا
لقد وردت آيات متعددة في بيان حرمة الربا كمعاملة ، والنهي عن أكل المال الربوي ، وشدة عقوبته في الآخرة وهو من إعجاز القرآن بكثرة الآيات التي تتعلق بموضوع الربا والإنذار منه ، وهذه الآيات هي :
الأولى : قوله تعالى [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ] ( ).
الثانية : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ]( ).
الثالثة : قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
الخامسة : قوله تعالى [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ]( ).
السادسة : قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ]( ).
السابعة : قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ]( ).
الثامنة : قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
التاسعة : قوله تعالى [وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ]( ).
العاشرة : قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ) .
الحادية عشرة : قوله تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ) .
الثانية عشرة : قوله تعالى [الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ) .
الثالثة عشرة : قوله تعالى [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( ) .
الرابعة عشرة : قوله تعالى [أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ]( ) .
الخامسة عشرة : قوله تعالى [قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ]( ) .
السادسة عشرة : قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]( ) .
السابعة عشرة : قوله تعالى [وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
الثامنة عشرة : قوله تعالى [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]( ) .
التاسعة عشرة : قوله تعالى [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ]( ) .
العشرون : قوله تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ]( ) .
الواحد والعشرون : قوله تعالى [وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ] ( ).

قانون المحو والإثبات في المحق والإرباء
قال تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( )، وجوه :
الأول : من مصاديق الآية أعلاه اثبات الإبتلاء والإنفاق على المربي ، فلا تتغشاه رحمة الله بمحو هذا الإنفاق ، أي أن المحق بلحاظ الآية أعلاه يتعلق بالمحو والإثبات ، محو الأمر الحسن للمربي ، واثبات الأمر الذي فيه أذى وضرر له وكل من هذا المحو والإثبات لا يحصيه إلا الله عز وجل.
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ]( ) .
الثاني : قانون النقص في بركة المال الربوي .
الثالث : قانون إبتلاء المربي بما ينفق من المال طوعاً وقهراً ، سواء يأتيه هذا الإبتلاء بالذات أو العرض ، وبفعله أو يفعل ولده أو غيرهم.
ولا يحصي أفراد أي وجه من هذه الوجوه إلا الله عز وجل ، وهل يعلم بها الناس ، الجواب نعم .
ولكن على نحو الموجبة الجزئية ، فلا يعلم الناس بكل ضروب الإبتلاء للمرابي من جهات :
الأولى : رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً ، ومن معاني اسم (الرحمن) أن الله عز وجل رحيم بالمؤمن والكافر في الدنيا ، ويدخل فيه الستر من الله عز وجل على المعاصي ، قانون منع الشماتة العامة في الإبتلاء .
الثانية : المكر الخفي من عند الله عز وجل ، قال تعالى [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ومن خصائص مكر الله عز وجل أنه رحمة وتخفيف ونوع طريق للصلاح ، وزجر عن المعصية .
والحرب في قوله تعالى [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]( )، رحمة بالمرابين والمقترض بالفائدة منهم ، والكاتب والشاهد، والناس جميعاً لما فيه من الإصلاح والكف عن المعاملة الربوية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
لأن هذه الحرب تؤدي إلى قانون نقص وقلة المعاملات الربوية ، وقانون توبة كثير من الناس عن المعاملات الربوية.
فوائد القرض
في الآية تحث على القرض وعلى التجارة والكسب ولكن بقيد عدم الضرر والاضرار بالآخرين وبالذات، والفائدة من القرض على نوعين:
الأولى : الفائدة الدنيوية.
الثانية : الفائدة الاخروية.
والأولى تنقسم الى أقسام منها:
الأول : الفائدة المالية: التي تأتي بالشرط وأخذ الزيادة اذ ان الربا لا يأتي الا من جهة الشرط، فلو أراد المقترض اعطاء زيادة على القرض هبة وهدية منه فلا تعتبر من الربا او الكسب المحرم.
الثانية :الفائدة الأخلاقية: لما في القرض من اصــلاح للعــلاقات الاجتماعية وتهذيب النفوس وطرد النفرة وقضاء للحوائج، فالقرض الربوي فيه قضاء للحوائج ايضاً الا انه يفتح الباب لحاجات جديدة ويحمل كاهل المقترض فــوائد وارباحاً متجددة مع الأيام , قال تعالى [وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ] ( ).
لقد جعل الله عز وجل الدنيا رحمة ومناســبة لذكره تعالى، يطل فيها على الانســـان الجديدان الليل والنهار بآفاق وآمال وغبطة، ولكن الربا يجعله كئيباً كلمــا يأتي عليه يوم يشعر بالاقتراب من دين لا أصل له، فيحدث عنده هم اضافي وكره لأرباب الأموال والشرائط التي يضعونها لمادة قضاء الحاجة من الذهب والفضة والعملات الورقية والبضائع التي تُباع بأكثر من سعرها بسبب البيع بالأقساط.
فيرى غيره يشــتري ذات السلعة بما يقارب نصــف المبلغ الـذي اشترى هو به لا لسبب الا لأنه يدفــع بالنجوم والأقساط، فينتزع من رزقه مالاً ليس له عوض او بدل لإمضـاء المجتمع او القوانين لأنظمة الربا بصورة صريحة او بالواسطة والاحتيال بطرق شرعية، بمعنى ان الاحتيــال وان جـاز الا انه لا يلغي معاناة المقــترض وتحمله لأعباء جديدة تضاف الى أصل حاجته، مما يعني تراكم الحاجة وازديادها وتأثيرها ســلباً على حالتــه النفســـية وحياته اليومــية، والله عز وجل أراد للعبد الغبطــة في الدنيا واتخاذهــا مناسبة للتدبر في آياته وبديع صنعه.
قانون التضاد بين الإيمان وأكل المال الربوي
تبين الآية قاعدة كلية في أحكام الذين يدخلون الاسلام تتعدى مسألة الربا، بامضاء المعاملات التي تمت في زمن الكفر والجاهلية ، وفتح صفحة جديدة مشرقة عند دخول الاسلام مبنية على قواعد وسنن الشريعة ، وفيه وجوه :
الأول : قانون ترك الذي يدخل الاسلام ما بقي من الفوائد على ماله دلالة الايمان والتســليم والقبول لأحكام الشريعة.
الثاني : قانون تقديم الطاعة والامتثال على الربح وجمــع الأموال.
الثالث : الآية تشــريف للمسلم وان كان في أول دخوله الاسلام فانها تخاطبه بلغة الايمان [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ]، حتى مع تعلق الخطاب بكل من ينطق بالشهادتين.
وتبين الآية التضاد بين الايمان والربا وانهما لا يجتمعان، وترك ما بقي من الربا مطلوب بذاتــه ومطــلوب لغيره، بمعنى انه اشــارة الى الكف النهائي عن معاملات الربا بالأولوية القطعــية، فتحريم القرآن أخذ ما بقي من الفوائــد يعني عدم اجراء العقد الربوي وايقاف معاملات الربا.
وبذا يظهر الاعجاز القرآني في تغيير مجرى التأريخ والبنى الاجتماعية، بالانطلاق من المسألة الفرعية الى القواعد الكلية، ومن الشخصية الى النوعية، فالذين لهم معاملات ربوية عالقة عند دخولهم الاسلام قليل، أما الذين ينوون تعاطي الربا فهم كثير، وهذه الآية تردعهم وتزجرهم عن دخول ميدان الربا.
وهل يمكن الظن بان هذه الآية تمنع اناساً من دخول الاسلام لتفضيلهم استيفاء ارباحهم من الربا، الجواب: انه أمر بعيد بالنسبة لكل من عنده فوائد وارباح على غيره، ومع احتماله فان الاسلام شرع الحكم، وجاءت الآية بلزوم اسقاط الفوائد الربوية، مما يعني ان القرآن كتاب نازل من عند الله تعالى، وانه لا ينظر الى مداراة الاشخاص وجعل أولوية لما يرضيهم ويتماشى مع اهوائهم والنفس الشهوية.
وهل تدل خاتمة آية البحث (ان كنتم مؤمنين) على هذا القانون الجواب نعم , فلابد من تنزه المؤمنين عن المعاملات الربوية .
قانون الشوق لسنن الإيمان
لقد جعل الله عز وجل التكاليف العبادية شاهداً على الإيمان ونزل القرآن بـ(أحكام) التكليف والضوابط الكلية في الشريعة وأمر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ آيات القرآن، ثم ان النتائج هي التزام الكثير من الناس باحكام الشريعة، وليس كل كافر قادراً على الربا، وليس من دليل على امتناع بعضهم عن الاسلام واختيار البقاء على الكفر بسبب الربا او احكام لا تلائمه.
فمن فضل الله عز وجل هداية الناس للإيمان وعصمتهم من استحواذ الشيطان وارتكاب المعاصي قال تعالى [إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى]( )، والا فان الربا مبغوض في ذاته، مما يعني ان العقل يدرك قبحه كما ان اضراره ظاهرة للعيان وهو حائل دون توظيف الأموال في مشاريع تجارية أكثر ربحاً وبركة ونفعاَ.
فالآية تنظيم لشؤون الداخلين الى الاسلام ودمج دفعي سريع لهم في المجتمعات الاسلامية، لذا جاء الخطاب شاملاً لكل المؤمنين، لقانون التلبس بالإيمان يبدأ بالشهادتين وما يتعقبهما من التقيد باحكام الشريعة، فالقرآن يجعل المسلمين بعرض ودرجة واحدة في تلقي الأحكام والعمل بها والتقيد بالسنن، وليس على درجات او مراتب بحسب السبق والقدم في دخول الاسلام ، مع حفظ مرتبة السبق في الإسلام ، قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ]( ).
ويدعو كل مسلم ومسلمة الله عز وجل بقول [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، سبع عشرة مرة كل يوم , وعلى نحو الوجوب العيني , وهل من الهداية سؤال التوفيق لأداء السنن والفرائض العبادية , الجواب نعم .
وفي التنزيل [وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ]( ).
ولم يرد لفظ (حَبَّبَ) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
وهل ينحصر موضوع الإيمان في الآية أعلاه بالإعتقاد أم يشمل أداء العبادات واجتناب ما نهى الله عز وجل عنه , الجواب هو الثاني .
لأصالة الإطلاق , ولأن الإيمان عقيدة وقول وعمل , لذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
قانون تحريم الربا من الأصل
يدل مفهوم الآية على تحريم الربا على المسلمين من الاصل، لأن ترك الباقي من الفوائد واســقاط ارباح الأمــوال يبين التضاد والتنافي بين الايمان وبين المعاملات الربوية، وتحريم الربا يعني فتح أبواب الرزق والكسب الاخرى أمام المسلمين، الأمر الذي يعني عدم اللجوء الى الحيّل الشرعية في ايجاد الربا موضوعاً ونفيه شرعاً، خصوصاً وان هذا النفي يســتحيل تحققه بالكامــل، فالربا مـوضوع مركب من أربع أطراف:
الأول :صاحب المال.
الثاني : المال المقترض.
الثالث : مال الفائدة والربح ومقداره , وأجله.
الرابع : المقترض.
فبالحيلة الشرعية واجراء المصالحة والهبة ونحوها لا يختفي الربح، فالمقرض شــخصاً كان او مؤســسة يأتيــه زائــد على المال المقترض، ولكنه بدل ان يكون بعنوان الفائدة صراحة جاء بصفة الهدية، تلك الهدية المصطنعــة التي هــي عبارة عن مــال كثيـر يدفعــه المحتاج الذي لجــأ الى القرض، فكــان يأخذ المال بفائــدة ربـوية فأصبح يأخذه بالاجبار على ما يســمى بالهدية التي يســـلم منها قســط كل شــهر او سنة.
فالحيلة الشرعية لم تغير شيئاً من الواقع وما يثقل كاهل المقترض واستلام الزائد على أصل المال، لتبقى حرمة الربا حكماَ جلياَ في القرآن وفي ثنايا الكتب الفقهية، ولا يحتاج الالتفاف عليها الا الاجتهاد في التحايل على الشريعة، فتبقى احكام الشريعة في المعاملات مستضعفة يحتال عليها بأوهن الطرق التي تكون مفضوحة عند العقل والفطرة السليمة.
نعم إعطاء الزائد بعنوان المصالحة والهبة ممكن قطعه وإيقافه , إذ أنه ليس بواجب على المقترض .
ومنهم من يسعى لإيجاد حيلة شرعية لامضاء المعاملة الربوية بعنوان آخر ويأتي انسان أمي لا يفقه من الدين الا الأوليات ويعرف بان الربا محرم في الشريعة بالفطرة , قال تعالى[فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا]( )، تلك المعرفة التي جعلها القرآن قريبة من الأذهان ومن الأوليات التي يصدق بها العقل لذاتها بدون أي سبب او مقدمة خارجة عن ذاتها فضلاً من الله تعالى ولتكون الفطرة عوناً على تثبيت قواعد الاسلام في النفوس والمجتمع.
فترى هذا الأمي لا يرضى ولا يقتنع بهذه الحيّل الشرعية، وتنفر منها نفسه لأنه يرى صــورة الفعل من خلال الواقــع والنتيجة، ولا يكون بالأطر والوسائط اللفظية للحيّل الشرعية، ولكنه حينما يرى من تصدى للمسؤولية يقول بالجواز يضطر للسكوت والدخول في الأمر.
نخشى ان يأتي يوم يتعاطى شطر من الناس فيه الربا مع إقرارهم بأنه حرام، ولا يرون بينهم فرقاً في المعاملة الربوية، وهذا التداخل والتشابه يتفرع ويتشعب في ميادين اخرى في المعاملات والعبادات.
ويتجنب الحيل غير التامة في الربا , مع إقرارنا بوجود حيل كثيرة للهروب من الربا , ولكن ليس كل حيلة تصلح لهذا الهروب , لذا قدمت الآية الأمر بتقوى الله عز وجل قبل الأمر بترك الربا لبيان قانون من التقوى الإمتناع عن الربا مطلقاَ وعن المعاملات والمكاسب المحرمة.
و(عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ، فمن لم يأكله أصابه من غباره) ( ).
و(عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذهب بالذهب مثل بمثل يد بيد ، والفضة بالفضة مثل بمثل يد بيد ، والتمر بالتمر مثل بمثل يد بيد ، والبر بالبر مثل بمثل يد بيد ، والشعير بالشعير مثل بمثل يد بيد ، والملح بالملح مثل بمثل يد بيد ، من زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى سواء)( ).
آية (وذروا) ثناء على المسلمين
من اعجاز القرآن ان تجد هذه الآية تخاطب المسلمين بالمدح والإكرام والترغيب بالعمل الصالح , ومنه :
الأول : صيغة الايمان وما فيها من الشهادة السماوية , والحث الكريم على الامتثال لاحكام الشريعة.
الثاني : الأمر بتقوى الله والخشية منه واجتناب معاصيه.
الثالث : عطــف ترك ما بقي من الربا على الأمـر بالتقــوى وصبغة الايمان.
وهذا الاعجاز يتجلى في هذا الزمان وما فيه من قواعد العولمة والثورة الصناعية والمعلوماتية والتبضع والشراء والاقتراض بواسطة الآلة الحاسبة، فتزول الحواجز وينعدم أثر الحدود، ويحتاج فيها المسلم الى قوة اضافية يحترز بها من المعاملات الربوية، ويجتاز فيها هذا امتحان العسير، ومن اسباب ومصاديق تلك القوة.
آية البحث والآيات الأخرى التي تذكر الربا , وكلها تفيد النهي عنه وبيان حرمته , وليس من رخصة أو استثناء فيه ويترشح عن هذه الآيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المقام , قال تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
وجود مؤسسات لا ربوية تعتمد القرض الخالي من الفوائد وتغطي نفقات الموظفين بالمساعدات والهبات التي تنتزع من المقترضين ولو على نحو الهدية لأنه لا فرق بين الشرط الربوي وبين ابتناء العقد عليه.
ومع الاجماع على ارادة ترك ما بقي من فوائد الربا كما ورد في قوله تعالى [ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا ]
المصاديق العلمية لآية (وذروا)
هل يمكن وجود معنى آخر للآية ومصاديق وترجمة فعلية للآية الجواب نعم ومنه:
الأول : اتركوا ما بقي من آثار الربا في الأرض ولا تشاركوا فيه ولا تجعلوه ينمو.
الثاني : اعرضوا عن أهل الربا ومعاملاته، وتكون صفة تجارية للمسلم في الأسواق وهي عدم تعاطيه الربا عن عقيدة وإيمان.
الثالث : اتركوا ما تم استيفاؤه من الفوائد، فليس للمسلم ان يأتي للآخر ويقول له انك استوفيت مني فوائد وارباحاً على قرض في ايام الكفر وعليك ارجاعها الآن لحرمة الربا، فيكون المعنى ما بقي من الربا في المال كلي في المعين ، ومنه ما كانت اعيانه موجودة وباقية عند المرابي.
الرابع :اصفحوا واعفوا عمن أكل مال الربا قبل اسلامه ولا تجعلوا الموضوع علة وباباً لتعييره ومؤاخذته او الانتقاص منه.
قال تعالى [وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ]( ).
الخامس : قانون اتخاذ آية (وذروا) وتلاوتها وتفسيرها مادة للإنذار وللتذكير بعالم الحساب , قال تعالى [وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] ( ).
سد الذرائع في آية (وذروا)
وتريد الآية سد الذرائع وبداية صفحة جديدة من المعاملات ليكون الاسلام الهوية العقائدية التي تتحكم بالسوق وكيفية اجراء العقود، ويدرك الناس جميعاً ان القرآن حاضر بين ظهرانيهم وفي اسواقهم، ولا يتضايقون من الأمر لأنه (يهدي للتي هي أقوم) ( ).
ويمنع الغبن والظلم، ولا أحد يحب الظلم حتى الظالم نفسه.
فهذه الآيات تمنع من حدوث الربا والظلم اصلاً فهي منت الآيات التجارية الوقائية وليس العلاجية، نعم في فرد منها تكون علاجاً ووقاية كما في اسقاط ما تبقى من مبلغ الفائدة عن المقترض.
والتعدد في اسباب النزول كما تقدم يدل على تفشي الربا في المجتمعات وينذر بشر مستطير، فمع التوسع في التجارة والزراعة والمعاملات يستولي الربا على الاسواق، ويستحدث ارباب الأموال طرقاً للحصول على الارباح ويتم التعذيب او الاعتقال والحبس لمن يتخلف عن دفع النجوم والاقساط، وحصل هذا الأمر في هذا الزمان وفق أنظمة وضعية تكفل حماية العقود التجارية.
مما يعني الحاجة أمساً واليوم وغداً لنزول القرآن والعمل باحكامه، أي لابد من اجتناب الربا ومن إعجاز الآية القرآنية عدم بقائها حكماً فقهياً نظرياً بل لابد من وجود أمة تعمل بمضامينها .
وينشغل ارباب الصناعة الفقهية بالاحتيال عليه، فلابد من افراد من المصارف والمؤسسات التي تقدم القروض من غير فوائد ربوية ، ولا تأتي بعنوان الهدية والهبة او المصالحة، ولو على نحو صرف الطبيعة والافراد القليلة في كل بلد وبمؤازرة ودعم الدولة والمحسنين مع اخذ الضمانات على الإيفاء.
لتشهد هذه المصارف على وجود جماعة تعمل بمنطوق ومضمون هذه الآية، ولتحرز الأمة دعاء الملائكة واستغفارهم، ولتكون هذه المصارف نواة قابلة للانشطار وعنواناً لنظام اسلامي أصيل لا يزال موجوداً في الأرض وان لم يرتضه الخرون لما فيه من الخسارة او قلة الارباح، كما يمكن تغطية رأس ماله من الدولة او من أرباب الأموال الذين يريدون ايداعها من غير ارباح ويكون لهم ثواب الإقراض، مع جواز أخذ المصرف نفقات ومستلزمات العمل وأجرة الموظفين والمحل ووسائط النقل وضمانات التقاعد , إذ كان الربا أيام التنزيل على نحو القضية الشخصية , أما الآن فهناك مؤسسات مصرفية , تنفق الأموال لتيسير واستدامة عملها.
ويمكن أن تجتنب الربح الربوي , ولكنها تجعل تكلفة العمل منبسطة على القروض واعتماد المصرف لقواعد المضاربة في الودائع , أو اكتفاء بعض المصارف بالإعتماد على حفظ الودائع , ولا تصل النوبة إلى وكالة المصرف (البنك) عن صاحب المال .
تقوم نظام المصرف الإسلامي على الأجر والثواب
قد أرسل الله عز وجل الأنبياء [مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( )، ومنه البشارة على أداء العبادات والمعاملات التجارية الصحيحة ، والإنذار من ارتكاب الفواحش والمعاصي وأكل المال بالباطل.
وقد أخبر القرآن عن قانون حرمة الربا ، وقانون لزوم اجتناب المسلمين والمسلمات للمعاملة الربوية .
وقد يجتهد بعضهم بتعلق هذه الحرمة بخصوص المعاملات الربوية المستحدثة فنزلت آية البحث فيما يخص بقايا المال الربوي لتكون الحرمة في المقام من الأصل وشاملة .
وكما في قوله تعالى [وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ]( ), بحرمة إبقاء الأختين في ذمة المكلف فلابد من فراق إحداهما حال نزول الآية أعلاه .
أما في الربا فجاءت آية مستقلة بالإمتناع عن المطالبة بالمال الربوي.
فحينما يقرض المصرف شخصاً ما ينبسط الأجر والثواب على جميع المودعين فيه، ومنهم من يتمنى ان يقرض الغير وينال الثواب الا انه يخشى عدم الإيفاء والمماطلة، فيأتي هذا المصرف ليجعله ينال الثواب والأجر، ويكون في ميسوره سحب أمواله متى شاء وحسب شروط يتفق عليها مع المصرف، وبامكانه ايضاً تحويل بعض الذين يرومون السلفة منه الى المصرف ليتولى اقراضهم بحسب رصيده، أما اجور عمل الموظفين في المصرف فتأتي من عدة طرق خيرية منها:
الأول : قيام بعض المؤمنين بالتطوع بالعمل مجاناً.
الثاني : تولي بعض المحسنين تغطية نفقات وأجور عمل الموظفين.
الثالث : الاذن من الحاكم الشرعي باعطاء شطر من الزكاة والخمس الى المصرف.
الرابع : الهبات والهدايا، ومنها ما يتبرع به المقترض نفسه ومن غير تعيين لمقدار مخصوص.
الخامس : قيام الدولة بتعضيد المصرف وتوفير البناية المناسبة له.
السادس : اشتراك البنك المركزي في نشاطات المصرف.
السابع : انشاء مشاريع خيرية واوقاف تدر ارباح تكفي لحاجة المصرف، وهذه المشاريع والأوقاف وحدها كافية لتغطية جميع حاجات المصرف بالاضافة الى مساهمتها في زيادة رأس المال.
الثامن : فرض نسبة من التكاليف على المقترض والمضارب نفسه بما يخلو من صبغة الربا .
قانون المصرف الإسلامي دعوة إلى الله
يحتاج هذا المصرف الإسلامي الى منهج عقائدي وعدم جعل الربح وكثرة الفوائد غاية في نظامه او أي عمل من اعماله، ويجعل حداً من الربح اذا زاد عليه يقوم بتوزيعه على المضاربين والمودعين والفقراء.
كما لو جاءت تبرعات وهبات وايجارات، فما زاد على رأس المال اللازم والاحتياطي يبادر الى توزيعه على الفقــراء واطفاء بعض الديــون، او توزيع شـطر منه واستثمار شطر آخر ولو في فتح فرع للمصرف في مدينة او دولة اخرى، ليتجلى مصداق الآية السابقة [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( )، فيظهر للملأ جميعاً نفع البنك اللاربـوي وتتغشــى منافعـــه الناس جميعاً، ويكون الود والمحبة صفة الصلات الاجتماعية وتزدهر التجارات ويقل الفقر، لأن الربا داء وبلاء يقع ضرره على الفقراء والطبقات المستضعفة من جهة المال والحالة المعاشية والنفسية والأزمات العائلية، وتدرك هذه الطبقات وعموم الفقراء ان الاسلام رحمة للعالمين وانه دين العدل والإنصاف.
ويكون مثل هذا المصرف دعوة الى الله وهو من الموعظة التي تحث على الانتهاء من الربا كما تقدم قبل ثلاث آيات، [فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ]( )، نعم الموعظة تأتي هنا بواسطة التزام المسلمين بأحكام حرمة الربا التزاماً يراه ويحسه وينتفع منه الناس.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( قال: “يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا” قال: قيل له: الناس كلهم؟
قال: “من لم يأكله منهم ناله من غباره) ( ).
وفي الخبر اعجاز ودلالة على الوحي في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القولية لما يحصل في هذا الزمان من التسامح في المعاملات الربوية وتفشي الربا الظاهر والخفي.
لقد اتسعت الأعمال التجارية وصار نظام البنوك حاجة لكثير من الناس في معاملاتهم وأنظمة معاشاتهم , وهو أمر حسن وحضور الشريعة في هذا الميدان فيه غبطة وتخفيف وصرف للأذى والضرر , لبيان قانون ملائمة أحكام القرآن لأنظمة البنوك بعيداَ عن الربا والجشع وكثرة الأرباح .
(مسألة 292) لو تاب آخذ الربا توبة نصوحاً وعنده اموال أخذها من الربا ونمت وربحت بعد توظيفها فأن تلك الاموال ليست ملكه وفيها صور:
1- ان يكون مقدار المال وصاحبه معروفاًُ متحداً او متعدداً.
2- ان يكون صاحب المال معروفاً ومقدار المال مجهولاُ.
3- ان يكون مقدار المال معروفاً وصاحبه مجهولاً.
4- ان يكون مقدار المال وصاحبه مجهولين.
5- ان يكون المال مردداً بين الأقل والأكثر.
6- ان يكون المال مردداً بين اشخاص معينين.
ففي الصورة الأولى اعلاه عليه ان يعيد كل المال ونمائه الى صاحبه، وان اختلط النماء تكون المصالحة بين أرباب الاموال.
أما الثانية فيتصالح مع صاحب المال على المقدار الذي يعيده له، وفي الصورة الثالثة يعطى المال للحاكم الشرعي، اما في الصورة الرابعة فتجري المصالحة مع الحاكم الشرعي.
وفي الصورة الخامسة لو كان المال الربوي مردداً بين الأقل والاكثر فاعطاء الأقل يجزي، والاحوط استحباباً الأكثر.
وفي الصورة السادسة اذا كان المال مردداً بين جماعة معينين فتجري المصالحة معهم وبينهم.
وعند الخصومة والنزاع في الصور أعلاه فالمرجع الحاكم وعمومات قاعدة البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.

بيع الصرف
وهو بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة بلا فرق بين المسكوك منهما وغيره، ولا فرق فيه بين الخالص والمغشوش والمركب من أحدهما مع شئ آخر.
(مسألة 293) يشترط في صحة بيع الصرف التقابض في مجلس العقد، فلو تفرقا ولم يتقابضا بطل البيع، ولو قبض البعض صح فيه خاصة، وبطل بالنسبة إلى ما لم يقبض، ولكل منهما الخيار وحق الفسخ لتبعض الصفقة.
(مسألة 294) لو فارقا المجلس مصطحبين لم يبطل البيع، فإذا تقابضا قبل أن يفترقا صح.
(مسألة 295) إنما يشترط التقابض في معاوضة النقدين إذا كانت بالبيع دون ما إذا كانت بغيره، كالصلح والهبة المعوضة ونحوهما.
(مسألة 296) يكفي في القبض كونه في الذمة ولا يحتاج إلى قبض آخر، فلو كان في ذمة زيد دراهم لعمرو فباعها بالدنانير وأعطاها أي الدنانير لعمرو قبل التفرق صح، باعتبار أن الدراهم التي في ذمة زيد مقبوضة فعلاً.
(مسألة 297) إذا كان لزيد على شخص دراهم فقال له حولها دنانير فرضي ووافقه صح، ويتحول ما في ذمته من الدراهم إلى الدنانير وان لم يتقابضا، وكذلك لو كان عليه دنانير وقال حولها دراهم.
(مسألة 298) لو بيع الذهب بالفضة فلا ربا فيه لفقد شرط المثلية، وكذا لا ربا في بيع العملات الورقية بعضها ببعض التي تختلف في العائدية كالدينار العراقي والريال السعودي على الاقوى.
(مسألة 299) العملات الورقية في هذا الزمان إذا كانت مغشــوشــة، لا يجوز إنفاقها وإجراء المعاملة بها والمدار على العرف وهو تعاطي المصارف والبنوك لها أو عدمه، فالعملة التي وضعت لغش الناس لا يجوز إبقاؤها لقاعدة لا ضرر ولأنها مادة للفساد والافساد.
(مسألة 300) الأحوط عدم جواز شراء خاتم أو قرط ذهب أو فضة بجنسه مع زيادة بملاحظة اجرته، ويجوز أن يشتريه بغير جنسه مماثلاً ويعين له أجرة معينة لصياغته ولو كانت من نفس الثمن، كما يجوز أن تجعل الزيادة في مقابل الفص إذا لم يكن من جنس ما صنع منه الخاتم ذهباً كان او فضة.
(مسألة 301) لو كان في ذمته مبلغ بعملة معينة ووفى بعملة بلد آخر فيجب أن يكون بمقدار سعر الصرف يوم الوفاء.
(مسألة 302) لو كان لزيد على عمرو مبلغ بالعملة العراقية، وعلى عمرو لزيد مبلغ بعملة أجنبية أخرى فكل مشغولة ذمته للآخر بتلك العملة ولا يقع التهاتر بين الذمتين على الأقوى، نعم يجوز ان يبيع أحدهما ما في ذمته بما في ذمة الآخر مع حلول كل منهما ويسعر يوم البيع، كما تجوز المصالحة أو ابراء كل منهما الآخر.
(مسألة 303) إذا حصل دين بنقد معين كالدينار سواء كان من اقتراض أو من ثمن البيع أو غيرهما إلى أجل معلوم وزاد سعره أو نقص عنه بالنسبة لعملة البلد او العملات الاخرى عند حلول الأجل عن سعره يوم الاشتغال لا يستحق إلا عين ذلك النقد، ولا ينظر إلى زيادة سعره ونقصانه كما لوكان ألف دينار وكان يعادل حين الاقتراض خمسين مثقالاً ذهباً ثم أصبح حين الوفاء يعادل خمسة مثاقيل لنقص قيمته، أو أصبح يعادل مائة مثقال لزيادة قيمة الدينار فإن المقرض أو البائع لا يستحق إلا اصل المبلغ نعم تستحب المصالحة والتراضي.
(مسألة 304) يجوز ان يبيع مثقالاً من فضة خالصة من الصائغ مثلاً بمثقال من فضة فيها غش متمول له قيمة ويشترط عليه ان يصوغ له خاتماً مثلاً لانتفاء الربا بصياغة الخاتم مقابل الغش.
(مسألة 305) لو باع ديناراً عراقياً بريال سعودي مثلاً صح لكن بشرط أن يعلما نسبة السعر بين العوضين، وكذا الكلام في جميع النقود الورقية العالمية.
(مسألة 306) لو تعين دفع نقد معين من مثل فئة عشرة دنانير فيجوز إعطاء مثله او كسوره التي تعادله من نفس العملة الا مع التباين عرفاً بالقيمة او الضرر( ).
قوله تعالى [ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ]
جملة شرطية تفتح كنوزاً من العلم في اسرار القرآن، واهمية موضوع الربا ولزوم التخلص منه وقانون تنقية المعاملات الإسلامية من الربا اسماً ومسمى، وما في الآية من الشرط المتمثل باداة الشرط (ان) يدل على الحاجة الى مجاهدة النفس والصبر على الحاجة وادراك قانون الملازمة بين الإيمان وعدم أكل مال الربا.
ومتعلق الجملة الشرطية يحتمل وجوهاً:
الأول : ترك ما لم يقبض من أموال الربا.
الثاني :تقوى الله واجتناب ما نهى عنه.
الثالث : اجتماع الأمرين معاً تقوى الله، وترك ما لم يقبض من ارباح وفوائد مال الربا.
والأصح هو الأخير منها لوجوه:
الأول :لعموم الآية وتعدد الموضوع فيها.
الثاني : قانون الملازمة بين التقوى وترك ما بقي من الربا.
الثالث : قانون القرآن يفسر بعضه بعضاً , قال تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ] ( ).
و(عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال: بلى، شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول!. قال: فما وجدت فيه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}( ).
قالت: بلى. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة.
قالت: فلعله في بعض أهلك.
قال: فادخلي فانظري. فدخلت فَنَظرت ثم خرجَت، قالت: ما رأيتُ بأسا. فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ }( ))( ).
أي أن المرأة قالت لعبد الله بن مسعود لعل في عيالك من زوجاتك أو بناتك من يكون عليها الوشم أو وصل الشعر .
فقال لها : ادخلي إلى بيتي وانظري هل تجدين واشمة أو واصلة فدخلت ونظرت فيهن فلم تجد أمراَ منهياَ عنه , فتلا عبد الله بن مسعود الآية أعلاه .
لبيان تنزه الصحابة عن القول بخلاف الفعل في المقام).
ويمكن طرح تساؤل في المقام هل يعتبر من محاكاة ومشاركة الآخرين بالمعاملات الربوية من مصاديق الولاية المنهي عنها في قوله تعالى [لاَ يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الجواب لا، الا مع القرينة والأمارة الدالة عليه.
الأول : لقد بدأت الآية بالخطاب [ يا أيها الذين آمنوا ] ثم اختتمت بشرطية الإيمان وبينهما أمران وجوب تقوى الله .
الثاني : إسقاط وطرح ما بقي من اموال الربا.
والأصل ان تكون خاتمة الآية توكيداً لصفة الخطاب لوحدة الموضوع، وفيه مسائل:
الأولى: ان قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] خطاب لكل من نطق بالشهادتين وامن بالتوحيد ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اما خاتمة الآية فتتعلق بالإيمان بمعناه الإصطلاحي وهو التصديق بالجنان فكما خاطب القرآن الأعراب [ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ]( )، فجعلت الآية مرتبة بين الإسلام والإيمان، فكل مؤمن هو مسلم وليس كل مسلم هو مؤمن، وكذا كل الذين آمنوا يتوجه اليهم الخطاب التكليفي بالكف عن الربا واسقاط ما بقي من ماله، ومن يتقيد باحكامه ويأخذ بما ورد في هذه الآية فهو مؤمن.
الثانية: يحتاج الإيمان الى مصداق خارجي من وجوه :
الأول : قانون الإمتثال للأوامر الإلهية .
الثاني : قانون الإنزجـار عن النواهي الواردة في القرآن ومنها أكل الربا.
الثالث : قانون تجلي معالم الإيمان في أفعال المسلم , وهو من الإعجاز في فرض الصلاة على كل مسلم ومسلمة خمس مرات في اليوم .
الرابع : من تقوى الله عز وجل قانون ترك الربا مقدمة للإنفاق في سبيل الله .
الثالثة: الآية امتحان في باب المال بالتخلي عن الباطل ومال الربا وان كان عقده قد تم في ايام الكفر.
و(ان) حرف مشبه بالفعل ينصب اسمه ويرفع خبره، واذا جاءت (ان) مكسورة فانها تفيد توكيد الخبر، وان جاءت مفتوحة فهي وما بعدها في تأويل المصدر، وجاءت هنا مكسورة وهي دعوة لتوكيداً لقانون تجلي مصاديق الإيمان بالأفعال، ومنها اسقاط ما بقي من الربا.
قانون خاتمة الآية أعم من أسباب النزول
موضوع الآية أعم من اسباب النزول ومن طرح واسقاط ما بقي من أموال الربا فهي نوع نهي عن الشروع بالربا، فاذا كانت الفائدة المتفق عليها في زمان الكفر تسقط ولا يجوز اخذها، فمن باب الأولوية ان لا يتم عقد ربا ولا تؤخذ فوائد ربوية في زمن الإسلام , قال تعالى [وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ]( ).
أو من الباطل الظلم والقمار والربا والزنا والخمر , و(عن ابن مسعود في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل }( ) قال : إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة)( ).
وقد يفكر بعض الناس بالإبقاء على اموال الربا وهو يظن عدم معارضته مع الإيمان لأنه سابق لدخوله الإسلام.
فجاءت هذه الآية لتجعل هذا الإحتفاظ غير موافق لمضامين الإيمان، فيزهد بالربا ويتخلى عنه، ولأنه لا يريد ان يبيع صفة الإيمان مهما بلغ الثمن ولا يضيع تقواه وهدايته.
وتضع خاتمة الآية مسؤوليات عظيمة على المسلمين الذين نطقوا بالشهادتين وتخبر عن حقيقة وكنه الإسلام وانه ليس باللسان وحده، بل بالعمل والتقيد بأحكام الشريعة ومنها الفرائض والإنفاق في سبيل الله تعالى ومنع الظلم والتعدي وأكل اموال الناس بالباطل.
وجاءت الآية بصيغة الجمع في الحث على التعاون للتخلص من آثار الكفر , ولأن حرمة أكل الربا مطلقة في حال الإختيار والإضطرار ومستديمة وشاملة لأفراد الزمان والمكان المتباينة وفيها دعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهل من طرق الفوز والمغفرة من عند الله عز وجل , وقد تضمنت آية البحث الأمر للمسلمين بالتقوى , وقانون الكف عن المعاملات الربوية , وقال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ).
وجاء القرآن بالأمر بالزكاة والخمس وهو عون ومدد للفقراء والمحتاجين والنسبة بين المحتاج والفقير عموم وخصوص مطلق , فالمحتاج أعم , وقرن الله عز وجل الأمر بالزكاة وبالصلاة , قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
وهل تنحصر حرمة اكل ما بقي من الربا باموال المسلمين ام هي عامة؟ بمعنى الذي اسلم وله فوائد وارباح ربوية على الكفار غير الحربيين أيجوز له أخذها بعد اسلامه لأنهم ليسوا من المسلمين.
الجواب لا، لإطلاق الآية ولتعلق الحرمة بذات وموضوع الربا، ولعدم جواز اخذ المال بعنوان الربا .
والإمتناع عن اخذ الربا من الكافر دعوة له لدخول الإسلام او لبيان حسن سمت المسلمين واجتنابهم الإضرار بالآخرين وما عندهم من سيماء التقوى التي تجعلهم يتخلون عن اموال متفق عليها وفق عقود خاصة ويسقطونها لأن القرآن نهى عن اخذها وحرم اصل معاملتها الربوية والى يوم القيامة.
وقيل المراد (ان كنتم مؤمنين) أي معترفين بتحريم الربا والآية اعم والمراد الإيمان والتصديق.
وهناك اشارات في خاتمة الآية تعرف بلحاظ الآية التالية كما سيأتي في تفسيرها منها تقسيم حرمة أكل الربا بلحاظ موضوع إلى:
الأول : مؤمنين تابوا من الربا.
الثاني : أناس نطقوا بالشهادتين، وهؤلاء تطل عليهم هذه الآية كل يوم وعند كـل معاملة بتقــوى الله ولزوم دخول الإيمان في صدورهم والتخلص من الربا الى ان يتطهروا منه وينتقلوا الى صفوف المؤمنين.
ولم يحدثنا التأريخ بان شخصاَ دخل الإسلام ولكنه بقي على أكله لمال الربا وتعاطيه في معاملاته.
فالآية مدخل كريم للتكامل الإيماني في قلوب المسلمين وخطاب يا ايها الذين آمنوا يدخل به المنافقون والفساق، اما المؤمنون فهم الذين اسلموا لله ورسوله وملأ الإيمان جوانحهم فيتفرع عنه ابتعادهم عن الربا لإختيارهم رضا الله تعالى في معاملاتهم وأفعالهم.


قوله تعالى [ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ] الآية 279

الإعراب واللغة
(قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذنوا بالمد ، بمعنى : فأعلِموا غيركم ، وقرأ الباقون بالقَصْر بمعنى فاعلموا أنتم)( ).
(فان لم تفعلوا) الفاء : استئنافية، إن : أداة شرط، لم : حرف نفي وقلب وجزم.
تفعلوا : فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون ، وهو فعل الشرط.
(فاذنوا بحرب) الفاء: رابطة لجواب الشرط ، اذنوا : فعل أمر، الواو: فاعل، بحرب: جار ومجرور متعلقان باذنوا.
(وان تبتم) الواو: عاطفة، ان: اداة شرط، تبتم: فعل ماض، وهو في محل جزم فعل الشرط، التاء: فاعل.
(فلكم رؤوس اموالكم) الفاء: رابطة لجواب الشرط، لكم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
رؤوس: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، اموالكم: مضاف اليه وهو مضاف، والضمير مضاف اليه، والجملة الإسمية في محل جزم جواب الشرط.
(لا تظلمون ولا تظلمون) لا: نافية، تَظلمون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون ، الواو: فاعل، والجملة في محل نصب على الحال.
وجملة لا تظلمون معطوفة عليها، وجاءت مبنية للمفعول.
اذن بالشيء إذناً وأذنا: علم، وآذنه به: أعلمه، ومن قرأ فاذنوا أي فانصتوا( )، وقرأ عاصم وحمزة (وآذنوا) بالمد وكسر الذال على وزن (فآمنوا) والباقون (فأذنوا) بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة، (وروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي انهما قرءا (فآذنوا) ممدودة) ( ).
في سياق الآيات
بعد الأمر في الآية السابقة بتقوى الله واسقاط ما بقي من الربا جاءت هذه الآية بصيغة التخويف والوعيد في حال التخلف عن امر الله تعالى، ولغة التهديد والوعيد توكيد للحكم الشرعي وامضاء لما في الآيات السابقة من حرمة الربا، ثم جاءت الآية التالية برحمة اضافية تتمثل بالإمهال والأمر بالصدقة واذاجاءت الآية السابقة باحكام التشريع فان هذه الآية تشمل القضاء والحكم.
ترى ما المراد من الفعل الذي ذكرت هذه الآية وجوبه ، وتوعد الله عز وجل الحرب منه ومن رسوله على الإمتناع عنه، الجواب فيه بلحاظ مضامين الآية السابقة وجوه :
الأول : تقوى الله واتيان الواجبات العبادية .
الثاني : قانون لزوم ترك المال الربوي والزيادة على القرض من أيام الجاهلية أو في بدايات الإسلام قبل التبليغ بهذه الآية .
الثالث : قانون الإمتناع عن عقد معاملة ربوية .
الرابع : قانون التنزه عن أكل المال بالباطل ، قال تعالى [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] ( ).
إعجاز الآية
تنفرد هذه الآية بسر من اسرار القرآن وهو الإنذار الصريح لمن يصر على البقاء على اكل الربا، وفيه توكيد على ضرورة تنزيه مجتمعات المسلمين من الربا والتخلص من اضراره فهو آفة وداء يهدد العمل باحكام الشريعة، ولا تغفل الآية عن الإنصات وعدم الحاجة الى الأضرار بالذات والتفريط بالمال الخاص، وتبين موضوعية التعجيل بالإمتثال لأوامر القرآن وعدم التفريط او التسويف بها، وفيها دعوة للتصدي للربا داخل الكيانات والأسواق الإسلامية.
ويمكن تسمية هذه الآية بـ(آية رءوس الأموال).
وتمنع الآية من التسويف والتأجيل في الإمتثال لأحكام الآية السابقة ، فلا يصح الإستمرار باستلام الأرباح الربوية الزائدة من المقترض ، بل لابد من الإمتثال فوراً للآية ، فهي لم تجعل وسطاً وبرزخاً بين الإمتثال والإمتناع .
ولم يرد لفظ (حرب ) من غير تعريف في القرآن إلا في هذه الآية ، والأصل في الحرب هي بين طرفين من الناس.
أما آية البحث فأخبرت عن حرب من الله عز وجل ورسوله ضد الذين يصرون على أكل المال الربوي ، وإن كانوا مسلمين ، فمع تضمن الآية السابقة الثناء عليهم ومخاطبة المسلمين بصفة الإيمان جاءت هذه الآية بالوعيد الحاضر لخصوص الذين لم يمتنعوا عن أكل الربا .
وهل تدل عليه الآية السابقة أيضاً ، الجواب نعم ، لأنها أمرت بالتقوى قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ) وفيها بيان لقانون التضاد بين التقوى وبين الإستمرار في أكل المال الربوي ، وأرباح القرض.
الآية سلاح
الآية حرز وواقية من الغفلة والتهاون في الربا، وفيها تأديب للمسلمين واخبار عن اولوية العمل بنص الآيات القرآنية وما جاء به رسول الله، وتمنع الآية من القول بان الإسلام أضر باصحاب المال لأن الآية تكفل لهم رؤوس اموالهم، لتبقى لهم عوناً ورأس مال للتجارة والكسب الحلال.
و(عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
ثم قرأ: { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}( ))( ).
وتدعو آية البحث المسلمين إلى الإعتقاد الجازم بحرمة الربا ، ولم يكن كثير من أهل الجاهلية يأخذون الربا أو يفرضونه من أول القرض والبيع ، إنما يبيع الرجل الحاجة إلى أجل أو يقرضه وإذا حان الأجل ولا يستطيع صاحبه القضاء يفرض عليه زيادة ويؤخره ويجعل له أجلاً جديداً.
وهذه الزيادة هي مال ربوي محرم.
وتنهى عنه الآية السابقة ، وتتوعد على البقاء عليه آية البحث.
ومن معاني الآية قانون رجوع صاحب الربا إلى رأس ماله وقوله تعالى [لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]( ) أي لا تظلمون غيركم بأخذ الزيادة الربوية , ولا تتعرضون للظلم بأن يمسك بعضهم رؤوس أموالكم , فحرمة الربا لا تعني عدم قضاء أصل الدين .
وهو من إعجاز الآية في تفقه المسلمين في الدين وهل المراد من (حرب من الله ورسوله) ( ) في الدنيا أم في الآخرة , يحتمل وجوهاَ :
الأول : قانون الحرب من الله ورسوله في الدنيا على المرابي .
الثاني : قانون الحرب على المرابي من الله في الآخرة , ومن الرسول في الدنيا .
الثالث : الحرب في الآخرة من عند الله عز وجل .
والصحيح هو الأول والثالث فالله عز وجل لا يحارب في الآخرة إنما يعاقب , أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يشفع لإمته بإذن الله عز وجل .
و(عن أنس بن مالك قال : هان ما سألكم ربكم { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم }( )) ( ).

مفهوم الآية
في الآية بشارة تخلص المسلمين من مال الربا وتنزههم من أكله بالترغيب والترهيب من عند الله عز وجل.
وإخبار ما في معاملاته من الدناءة والخساسة وايذاء وظلم الآخرين، والظلم في الربا لا ينحصر بالمقترض الذي يدفع الفائدة والزيادة الربوية، بل يشمل غيره بالإضافة الى العدوى في الربا، فانه داء يستشري في المجتمع ويغري الآخرين على ولوج أبوابه لتعيش طائفة من الناس في ضنك ويلحق الأذى صاحب المال والمقترض، فالأول يأكل بالباطل والآخر يسعى ليدفع لغيره بغير حق.
وأتى العدل نازلاً من عند الله تعالى ليعلم الناس كيفية المعاملة الصحيحة ولأن النفس امـــارة بالســوء وما فتــأ الشيطان يوســوس للإنســان ويغـريه بفعل المعصية ويزين له الباطـــل ويحاول جعل غشاوة على عينيه ليحجب عنه البون الشاسع بين البيع وبين الربا .
وجاءت هذه الآية لتكون حرزاً وسلاحاً للمسلم وتكون صاحباً ملازماً له في الأسواق والمعاملات يحـــذره من الربا ويمنعه من التعدي والظلم وأكل أموال الناس بالباطل , قال تعالى [وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ] ( ).
ومن مفاهيم الآية إعانة المسلمين على الإلتزام باحكام الشريعة بصيغة التخويف والوعيد واخبار عن علم الله تعالى بانهم يتقيدون باحكامها ويظهرون التقوى والخشية منه في احكام البيع والشراء والتصدي للمعاملات الربوية.
اخرج احمد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى المسجد فقرأهن على الناس ثم حرم التجارة في الخمر( ).
وهذا الحديث مناسبة لدراسة الصلة بين الربا والخمر وفيه وجوه:
الأول : المراد من الربا هو الخمر.
الثاني : الخمر من مصاديق الربا.
الثالث : نزول القرآن بالنهي عن الربا مناسبة لتحريم الخمر.
الرابع : عدم وجود صلة بينهما وان الآيات القرآنية نزلت بتحريم الربا، اما تحريم الخمر فجاء بالوحي.
الخامس : الربا مقدمة لشرب الخمر، والخمر مقدمة للربا، وكل واحد منهما مقدمة للآخر.
السادس : بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لوحدة الموضوع في تنقيح المناط فيما يخص المحرمات التي يجب إجتنابها.
وظاهر الحديث خروج الوجه الرابع اعلاه، كما ان الوجه الأول بعيد للتباين الموضوعي بين الربا والخمر لغة واصطلاحاً وكذا بالنسبة للثاني فان الخمر ليس من مصاديق الربا، والأصح هو الوجه الخامس والسادس فكل من الخمر والربا مقدمة للآخر، والتخلص من احدهما مقدمة لإجتناب الآخر وزجر عنه.
وظاهر الحديث ان الآيات حرمة الربا هذه نزلت جملة واحدة.
ومن وجوه الإعجاز في القرآن التخفيف في الأحكام بنزول الآيات التي تتعلق بموضوع واحد دفعة واحدة ليسهل على المسلمين تلقي الأحكام ومعرفتها.
إفاضات الآية
الآية وسيلة للقضاء والفصل في المعاملات التجارية بما فيه النفع العام والخاص ودفع الضرر عن الناس وهي قانون سماوي موجود بين ظهرانينا وبلغة النص والبيان الذي لا يقبل التأويل والإحتمال الآخر، فلغة الوعيد التي تتضمنها الآية زجر لكل مسلم عن الإقامة على الربا او ولوج ابوابه والمشاركة في معاملاته.
وتبين الآية منافع التوبة وما فيها من السلامة في الدارين وعدم حصول غبن او ضرر فيها.
وتحث الآية المسلمين على توظيف اموالهم بالبيع والشراء الحلال، وتمنع من تعرضهم للظلم او ظلمهم للآخرين، ومع التوبة تتنزل الإفاضات السماوية، ويأتي الخير وتنتفع ابواب الرزق الحلال.
فمن افاضات الآية الأمر بغلق باب الربا كي يأتي الربح الوفير الذي يعم الجميع وتتنزل البركات، قال تعالى [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ]( ).
التفسير
قوله تعالى [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]
اي ان لم تستجيبوا الى مضامين هذه الآيات وتتخلصوا من الربا فابشروا بالعذاب والبلاء في الدنيا والآخرة، وجاء ذكر الفعل على نحو القضية المهملة ولم يبين نوعه وكيفيته ولكنه ظاهر بالقرائن والدلالة والمراد منه الكف عن اكل الربا وترك ما بقي منه، ولكن الإهمال والإطلاق في الفعل له دلالات منها:
الأول : عظم الفعل واهميته، لقانون ترك الربا صلاح واصلاح.
الثاني : الآية دعوة لتقوى الله ونبذ السيئات.
الثالث : قانون ترك الربا خير وهدى، كأن الآية تقول فان لم تفعلوا الخير.
وتحمل صيغة الخطاب في الآية على وجوه ثلاثة:
الأول: الخطاب موجــه للكفار الذين يأكــلون الربا اســتحلالاً لـه وعناداً.
الثاني: موجه الى الذين أسلموا أو ابوا ترك المعاملات الربوية، واستمروا باخذ النجوم الشهرية لفوائد اموالهم، اصراراً او تــهاوناً او بحجــة ان رأس المال لم يوف بعد وهو بحاجة الى نفقات ومؤونة، فلابد من استلام الأقساط الشهرية لتدبير شؤون المعيشة وحاجات العيال لحين قبض رأس المال واستثماره من جديد.
الثالث: الى جميع الذين يتعاطون الربا ويصرون عليه بغض النظر عن كونهم ممن دخل الإسلام او بقي على الكفر.
والأقوى هو الوجه الثالث فالحكم يتعلق بالربا كفعل للحرام واكل الباطل، وتظهر الآية الحكم الإلهي وهو تنزيه الأرض من الربا وان الناس يجب ان يتخلصوا منه ويتوجهوا الى البيع والشراء ، ويدل قوله تعالى في أهل ملة سابقة [َأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ]( )، على مجئ الأنبياء السابقين أيضاً بحرمة الربا.
وحرمة الربا تشمل :
الأول : الكفار الذين يتعاطون الربا مستحلين له.
الثاني : الذين يعترفون بانه محرم ومع هذا يأكلونه عصياناً
الثالث : الآية بالنسبة للكفار وعيد وتخويف وتهديد، وبالنسبة لمن دخل الإسلام دعوة للتنزه عن آثار الكفر وأفعاله.
وبناء على فرض الإطلاق في ارادة كل من يبقى مقيماً على الربا وان نطق بالشهادتين يتجلى الإعجاز في الآية السابقة ومجيء الجملة الشرطية [إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] فهذه الآية تعجيل بانتقال المسلم من النطق بالشهادتين الى منازل الإيمان وعدم الوقوف عند التلفظ بالشهادتين فلابد من ظهور الإسلام على الجوارح والأفعال واتيان ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه.
وقد يتقيد الداخل للإسلام بالصلاة والصوم ويؤدي الفرائض لأنها واجبة الا انه يتهاون في موضوع الربا لأسباب منها:
الأول : انه مصدر كسبه ومعاشه ، فيجب أن يهجره ، قال تعالى [فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ]( ).
الثاني : اعتياده للتعامل بالربا وحصول ارباح منه وجمع ثروة من معاملاته.
الثالث : جهله بالبيع والشراء او خوفه من خوضه لخشيته من التعرض فيه للخسارة.
لذا يجب أن يتفقه التاجر في الدين ولا يعني هذا صيرورته فقيهاً وعالماً متخصصاً ، إنما يعلم أحكام الوزن والكيل والنقد والنسيئة ، والصلح ، والإقالة ، والشفعة ، وقواعد الإجارة في الجملة مع قانون الإحتراز من الربا في المعاملات.
قال الإمام علي عليه السلام (معاشر الناس الفقه ثم المتجر، والله للربا في هذه الامة أخفى من دبيب النمل على الصفا)( ).
الرابع : ظنه بأن مسألة الربا لا اعتبار لها في سلم المعاصي فهي ليست زنا او شرباً للخمر أو سرقة ظاهرة او افتراء على الناس ، ولكن وردت النصوص بان الربا اشد من الزنا بالمحارم.
ماهية الحرب في آية الربا
والمقصود من الحرب في المقام على وجوه :
الأول : حرب من الله عز وجل ضد المرابي في الدنيا ، برميه بالداء أو العوز ، أو الإرباك في حياته والأذى من داخل بيته وفي معاملات .
الثاني : الحرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل الربا ، لبيان حال العز وسلطان الحكم عند رسول الله .
و(عن قتادة في قوله [فأذنوا بحرب] قال : أوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل)( ).
ولكن الآية أعم ، وصيغ الحرب متعددة ، ولم يقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الربا أحداً ، فالحرب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وفيه مسائل :
الأولى : ورد (عن عمر بن الخطاب أنه خطب فقال : إن من آخر القرآن نزولاً آية الربا والريبة)( ).
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه خطب فقال : إن من آخر القرآن نزولاً آية الربا ، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا ، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم) ( ).
أي لم يبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سنخية الحرب فاتركوا المعاملة الربوية ، والريب في حكمه.
الثانية : (عن ابن عباس في قوله [فأذنوا بحرب] قال : استيقنوا بحرب)( ).
الثالثة : ذكرت الآية الحرب على نحو التنكير من غير تعيين لكيفيتها وهل هي في الدنيا أم في الآخرة .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلاً يجر شقيه ، ثم قرأ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ( ).
الثالث : المراد ليس الحرب من الله ورسوله إنما إصرار المرابي على أخذ الفائدة الربوية ، وعدم الإقراض إلا مع هذه الفائدة حرب منه على الله ورسوله .
ومع أن موضوع هذه الحرب هو الإقامة على الربا فان آيات القرآن والأحاديث تبين قانون قبح الربا ، وتبعث الآية على الإمتناع عنه وعن المكاسب المحرمة الأخرى .
وقال الإمام الصادق عليه السلام (ثلاثة في حرز الله عز وجل إلى أن يفرغ الله من الحساب: رجل لم يهم بزنا قط، ورجل لم يشب ماله بربا قط، ورجل لم يسع فيهما قط)( ).
الرابع : الحرب من الله على المرابي يوم القيامة ، وفي مواطن الحساب.
وعن ابن عباس (يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب)( ).
قال تعالى [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( )، أي يوم القيامة .
و(عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ]( )، قال : يعرفون يوم القيامة بذلك ، لا يستطيعون القيام إلا كما يقوم المتخبط المنخنق [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا]( )، وكذبوا على الله [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا] ( )، ومن عاد لأكل الربا [فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
وفي قوله [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا]( )،الآية قال : بلغنا أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف ، وبني المغيرة من بني مخزوم ، كان بنو المغيرة يربون لثقيف.
فلما أظهر الله رسوله على مكة ووضع يومئذ الربا كله ، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم وما كان عليهم من ربا فهو موضوع ، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر صحيفتهم « أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، أن لا يأكلوا الربا ولا يؤكلوه . فأتى بنو عمرو بن عمير ببني المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة : ما جعلنا أشقى الناس بالربا ووضع عن الناس غيرنا . فقال بنو عمرو بن عمير : صولحنا على أن لنا ربانا.
فكتب عتاب بن أسيد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ( ).
قانون آية الربا تأديب
لقد جاءت هذه الآيات للبيان ومنع الإستخفاف بالأحكام والتجرأ على الشريعة.
انها دعوة للإلتفات الى قاعدة في الإرادة التكوينية ومن المعاملات ما يلحق بالعبادات في الإلتزام به، لكي يثاب المسلم وينال الأجر على العمل الســلبي أي الترك او اللا عمل، فيتنــزه عن الربا امتثالاً لأمر الله تعالى فيأتيه الثـــواب العظيم، ويفاجــئ به يوم القيامة وهو لا يـــرى عنده ما يســـتحقه من كثير صــلاة او صـــيام او حرص على أداء الزكاة والإنفاق في سبيله ويخشى السؤال خوفاً من فقدان هذا الثواب ولكنه يخبر بان هذا الثواب لإجتنابه اكل مال الربا طاعة لله تعالى ، وفي التنزيل [وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ]( ).
ومن اللطف الإلهي ان يتفضل الله سبحانه بحمل المسلمين طوعاً او كرهاً على هذا الثواب، فهذه الآية تدفعهم نحو الهرب من الربا وعدم الإقتراب منه وتجعل بغضه حالة مستديمة في النفوس.
فقوله تعالى [فان لم تفعلوا] ينحل الى امرين:
الأول: الخطاب الى الكفار والذين يصرون على عدم ترك الربا.
الثاني: الخطاب الى الذين دخلوا الإسلام بتلقي أحكامه والتقيد بسننه ولابد من مائز بين الكافر وبين المسلم وان كان حديث عهد بالإسلام، فمع توجه الخطاب في الأصل الى كل من لم يكف عن الربا من الكفار او الناطقين بالشهادتين وعموم المسلمين.
فان الآية تنحل وتكون وعيداً وانذاراً للكافر، وتنبيهاً للمسلم ودعوة له للتخلص العاجل من الربا خصوصاً وانه يملك مقومات واسباب هذا الترك، فقد بدأ بالتوبة العظمى وهي التخلي عن الكفر واختار الهدى بالنطق بالشهادتين فعصم دمه وماله، ومن عصمة المال ان يجتنب المعاملات الربوية وهي الداء الخفي الذي يأتي على الأموال، فالآية وقاية للأموال وسلامة لنفسه في النشأتين.
وهذا لا يمنع من بقــاء بعض من الذين آمنــوا أي الناطقين بالشهادتين على تعاطي الربا والإشتراك في معاملاته، فتطاردهم هذه الآية وتســعى لجذبهــم بلطــف وتحـــذير وتنبيــه وتؤكــد لهم انهم يختلفون عن الكفار وبينهم تباين وتضـــاد ولا يصـح ان يلتقو مع الكفار في موضوع الربا المبغوض شرعاً وعقلاً، وتنفر الملائكة منه ومن صاحبه.
كلمة (حرب) في القرآن
وقد ورد لفظ (حرب) أربع مرات في القرآن، ثلاثة منها تتعلق بالقتال والمعارك ، وكلها معرفة بالألف واللام وهي :
الأولى : قوله تعالى [وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِكُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ]( ).
وهذه الآية هي الوحيدة التي جاءت بالإنذار والوعيد بالحرب من الله ورسوله، ولم يأت هذا الإنذار على الكفر والجحود بل جاء على اكل مال الربا فلابد من وجود اثر للربا في بقاء الكفر واضراره.
و(عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الربا ثلاثة وسبعون باباً ، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم)( ).
قانون الربا من الكبائر
تدل الآية والنصوص على قانون الربا كبيرة، ومما يتصف به الربا انه يأتي بمرأى ومسمع من الناس فيهدد صرح الإيمان ويجعل الباطل يختلط مع الحق، والحرام مع الحلال.
ويلاقي منه المقترض الأذى على نحو متجدد والحسرة بعد قضاء الدين للظلم بدفع الفوائد الربوية ، قال تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( ).
وفي قوله تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ] ورد عن ابن عباس (يعني لا يقبل منه صدقة ولا جهاد ولا حجّاً ولا صلة)( ).
والربا من الكبائر من جهات :
الأولى : كثرة الآيات التي تنهى عن الربا وتبين حرمته .
الثانية : شدة الوعيد على أكل الربا منها ما يتعلق بذات المربي كما في قوله تعالى [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
ومنها ما يتعلق بالمال الربوي ، قال تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( ).
الثالثة : الضرر الإقتصادي والإجتماعي العام من الربا ، فلا يختص هذا الضرر بالفائدة الربوية على المقترض وعياله .
الرابعة : دلالة السنة النبوية على أن الربا كبيرة منها ما ورد عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله)( ).
وفي حرمة الربا السلف ، ورد عن ابن عباس (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشترى الثمرة حتى تطعم ، و قال : إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)( ).
(وروى الدار قطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة .
وروي عنه عليه السلام أنه قال : الربا تسعة وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأمه ، يعني الزنا بأمه.
وقال ابن مسعود : آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ملعون على لسان محمد صلى الله عليه و سلم.
وروى البخاري عن أبي جحيفة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور)( ).
(وقال ابن خويز منداد : ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا كانوا مرتدين والحكم فيه كالحكم في أهل الردة وإن لم يكن ذلك منهم استحلالا جاز للإمام محاربتهم ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ( ).
ولا تصل النوبة للإرتداد ، ولا يجوز قتالهم انما تستمر الموعظة والإنذار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
و(جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبد الله إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر فقلت : امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم اشر من الخمر فقال ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له : ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له : امرأتك طالق إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر من الربا لأن الله أذن فيه بالحرب)( ).
والمختار أن الطلاق لايتم ، لأن الطلاق معلق على الشرط ، والمختار كون الطلاق منجزاً ، نعم قال الجمهور بوقوع الطلاق عند تحقق الشرط الذي علقت عليه صيغة الطلاق.
ومراد المطلق أن الخمر أشر ما يدخل جوف ابن آدم لما فيه من فقدان العقل وإرتكاب المحرمات .
ولابد من الإحتراز في الفروج ، وعدم الذهاب إلى الطلاق من رأس خاصة مع كراهية الطلاق .
و(عن معاذ بن جبل قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ، ما خلق الله شيئاً على ظهر الأرض أحب إليه من عناق ، وما خلق الله على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق)( ).

قانون الحرب على الربا
لم يرد لفظ [حَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ] في القرآن إلا بخصوص الربا ، مما يدل على أنه من الكبائر وأن ضرره شديد على الفرد والمجتمع .
وهل الربا من الفساد الذي ذكره الملائكة حينما أخبرهم الله عز وجل عن خلافة الإنسان في الأرض [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، الجواب نعم .
ليكون من علم الله عز وجل في المقام نزول هذه الآية التي تحرم الربا ، وتتضمن أشد التخويف والوعيد العاجل والآجل عليه.
ولا خلاف بشمول الكفار الذين يأكلون الربا بمنطوق ومضمون هذه الآية وان الإنذار بالحرب من الله ورسوله موجه اليهم الا انه متعلق بأكل الربا كما تقدم فلا يمكن حصر الحكم والإنذار في الآية به.
فتشمل الآية المسلم الذي يأكل الربا فكيف يكون الحرب من الله ورسوله عليه، فيه وجوه:
الأول : انها بمستوى وكيفية تشبه الحرب على الكافر لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، ولأنهما التقيا بأكل الربا فاستحقا ذات العذاب.
الثاني : التباين في الكيفية وماهية الحرب ودرجتها، فهي شديدة على الكافر وتشمل الدنيا والآخرة، اما بالنسبة لمن دخل الإسلام فان الصلاة والصيام بل والنطق بالشهادتين عناوين عقائدية تساهم في التخفيف من شدة وطأة الحرب، وتحجب شطراً من الأذى.
الثالث : الحرب على الكافــر مســتمرة ومتصــلة ومتعددة الوجــوه والحيثيات، اما الحرب على من دخل الإسلام فهي محصورة ومتقطعة وجهتية.
الرابع : الحرب على الكافر حقيقية، اما على من دخل الإسلام فهي أدنى مرتبة , وتختلــف في مفهومــها في التضــييق والتشــديد عليه ليخلص من الربا، كما لو ابتلي بنقص رأس المال واصبح عاجزاً عن التعامل بالربا، او ان الله تعالى يتفضل عليه بالغنى والسعة وتهيئة اسباب كريمة للرزق والمعيشة فيستغني عن الربا خصوصاً وان دخوله الإسلام يجعل بغض الربا يكبر في قلبه ويلح عليه بتركه وهجرانه.
وهو من عمومات قوله تعالى [اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ]( ).
(قال الرازي وعن جابر ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله)( ).
و(عن عمرو عن بن عمر قال ” كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى زعم رافع أن رسول الله نهى عنها فتركناها من أجل ذلك ” فابن عمر قد كان ينتفع بالمخابرة ويراها حلالا ولم يتوسع إذ أخبره واحد لا يتهمه عن رسول الله أنه نهى عنها أن يخابر بعد خبره ولا يستعمل رأيه مع ما جاء عن رسول الله ولا يقول ما عاب هذا علينا أحد ونحن نعمل به إلى اليوم) ( ).
أما المزارعة فهي في الإصطلاح تسليم الأرض لمن يزرعها ويتعاهد الزراعة فيها , ويكون له جزء معلوم من المحصول كالثلث أو النصف بحسب الإتفاق بين الطرفين .
وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل خيبر بشطر مما يخرج منها من ثمر أو زرع .
والمخابرة هي إيجار الأرض على نصيب معين كالثلث والربع والخمس من الحاصل، وقيل نسخ حكم النهي إذ أقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيبر في أيدي أهلها على النصف من محصولها فقيل خابرهم أي عاملهم في خيبر، وهي جائزة شرعاً.
وقال (قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ قَالَ مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلاَّ يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ .
وَزَارَعَ عَلِىٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِى بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِىٍّ وَابْنُ سِيرِينَ) ( ).
والظاهر أن المراد من أبي جعفر هو الإمام محمد الباقر عليه السلام , وتوفى قيس بن مسلم سنة 120 للهجرة , أما الإمام الباقر عليه السلام فإنه ولد في اليوم الأول من رجب سنة 57 للهجرة وتوفي في السابع من ذي الحجة سنة 114 للهجرة .
وما ذكر من النهي عنها فانما هو حين تنازعوا فيها فنهاهم عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأولوية وحدة المؤمنين لمواجهة الكفر، ولزوم عدم تفرقهم او وقوع الفتنة والخلاف بينهم.
وقال الرازي هذه اللفظة أي [فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]( ) قد تطلق على من عصى الله غير مستحل، كما جاء في الخبر من (من اهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) ( ) ولكنه يختلف عن المقام من وجهين:
الأول: قد يراد الكافر الذي يهين المؤمن، خصوصاً وان اساءته لا تحتمل وتكون تعدياً على الإيمان والتقوى.
الثاني: ان المبارزة صادرة ابتداء من العبد المذنب، اما الآية فانها تخبر عن الحرب من عند الله تعالى ومن عند رسوله لأكل مال بالباطل.
وجوه الحرب من الله على المربي
لقد جاءت الآية بالحرب من الله ومن رسوله وفيها وجوه:
الأول: حرب من الله ورسوله في الدنيا بالتضييق في الرزق، والتعرض للحساب والعقاب العاجل.
الثاني: الحرب في الدنيا من رسول الله قال تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى]( ) بل يتكلم ويعمل بالوحي والتنزيل.
الثالث: حرب من رسول الله في الدنيا، وحرب في الآخرة من عند الله تعالى بالعذاب بالنار.
الرابع: الحرب في الآخرة من عند الله تعالى.
وأيهما أشد حساباً وعقاباً يوم القيامة حساب الذين يكنزون الأموال من غير إخراج الحق الشرعي منها كما في قوله تعالى [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ]( )، أم حساب وعقاب أكل الربا .
المختار هو الثاني بلحاظ أمور :
الأول : كثرة آيات القرآن التي تنهى عن الربا ، وتبين قبحه .
الثاني : الإنذار والوعيد من الله ورسوله على أكل الربوي .
الثالث : تعدد الأحاديث النبوية التي تتضمن النهي عن الربا ، والزجر عم معاملاته .
الرابع : إضرار الربا الإقتصادية والإجتماعية والنفسية.
والنسبة بين أكل الربا وعدم إخراج الحقوق الشرعية من المال عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء المعصية ، والإفتراق في سنخية وكيفية المعصية .
وقد تجتمع عند الإنسان خصلتان اكتناز الأموال والربا ، فلذا جاء الوعيد بالعذاب العاجل والمحاربة من الله ورسوله ، ولا تشمل الآية أعلاه من يكنزون الأموال بعد إخراج الزكاة والحق الشرعي منها.
الخامس: الحرب هي آيات القرآن التي تتضمن فضح وتوبيخ آكل الربا.
السادس: قانون نبذ الناس لآكل الربا وبغضهم لفعله وسلوكه.
السابع: المراد من الحرب استدامة الحرمة والنهي، وعدم جعل الربا واقعاً تأنــس له النفوس، فالحرب عليه دائمة في كل زمان ومكان، ويواجه الرفض بالفطرة الإنسانية وكما هو حاصل واقعاً.
وهل أكل المال الربوي مما ذكر في قوله تعالى [حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ]( ) الجواب نعم , من وجوه :
الأول : قانون الربا كفر بالنعمة .
الثاني : قانون الربا فسوق .
الثالث : قانون الربا عصيان .
الثامن: قيام الفقهاء والعلماء بالتشديد على حرمة الربا وينطبق عليه ما ورد في الحديث:”علماء امتي كأنبياء بني اسرائيل”( ).
فحينما ينهى العلماء عن الربا ويحذرون منه ويخبرون عن بطلان معاملته وان المال الذي يقبض بواسطته سحت يجب رده الى اهله، فكأنهم انبياء يقومون بالتبليغ ويصدق على عملهم هذا انه حرب من الله ورسوله.
التاسع: المراد وقوع الحرب والقتال للتخلص من الربا، فالآية اذن لولاة امور المسلمين لمحاربة آكل الربا ومجاهدته ومنعه وان كان متعدداً وجماعة لها سطوة وشوكة , وهذا الوجه بعيد.
العاشر: الإخبار عن استحقاق آكلي الربا العقاب في النشــأتين وعليهم ان ينتظروا العذاب يحل بساحتهم في أي وقت وكيفية، فالآية تبعث الخوف والفزع في قلب آكل الربا لأنه يدرك حتمية العذاب، ولكنه لا يعلم هل هو في الدنيا والآخرة ام في الآخرة وحدها، واذا كان في الدنيا فلا يدري متى ينزل به وكيف تكون شدته واثره.
الحادي عشر: الآية اخبار عن اختيار آكل الربا لعداوة الله ورسوله.
ومن قرأ (فآذنوا) – بالمد- أي فاعلموا , واخبروا من لم ينته عن الربا بالعداوة والحرب من عند الله تعالى.
وعن ابن عباس وقتادة: ان من عامل بالربا استتابه الإمام فان تاب والا قتله، والإستتابة تكون من الإمام وليس من أي شخص كان، وعن الإمام الصادق عليه السلام: آكل الربا يؤدب بعد البينة فان عاد ادب وان عاد قتل.
قانون جهاد النبوة ضد الربا
جاءت الآية بصيغة الجمع للتنبيه على خطورة وضرر تعدد آكلي الربا، وقانون توجه حرب الربا على المتحد والمتعدد وعلى المفرد والجماعة.
فالآية تبين جهاد النبوة والكتب المنزلة ضد الربا واهله، وانه لا يجتمع الإيمان ومضامين التوحيد مع الربا.
وفي الآية اخبار عن ازاحة الربا وتضييقه وحصره والتخلص منه، وإبتلاء اهله بما يجعلهم يبتعدون عنه، ولا يغرنك شيوعــه وتفشيه بازمنة معينة او اماكن مخصوصة فان الآية بشارة استئصاله وحتى في حال وجوده فان الناس تدرك قبحه ولا يمكن تزيينه او ستر عيوبه وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، وهي اذن من الله عز وجل الى رسوله لمعاقبة اهل الربا ومنعهم منه.
وتحتمل الحرب من الله ورسوله بلحاظ جهتها وجوهاً:
الأول : انها موجهة لكل آكل الربا على نحو القضية الشخصية.
قال تعالى [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ]( )، ( ).
الثاني : لأهل الربا مجتمعين.
الثالث : لهم كأشخاص وجماعات في آن واحد.
الرابع : تتعلق الحرب بأموال الربا.
الخامس : لآكلي الربا ولعوائلهم لأنهم يشاركون في اكل مال الربا.
السادس : تشمل الحرب من الله ورسوله الذي يقبض المال الربوي، والشاهد والكاتب ومن ساهم في المقدمات.
السابع : الحرب عامة فتشــمل شركة ومؤسسة الربا لعمــومات قوله تعالى [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً] ( ) والمرابي ظالم بنص هذه الآية، والربا فتنة.
الثامن : تشمل مع آكلي الربا الذين لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر مع اجتماع شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والقدر المتيقن من الآية هو الثالث من الوجوه اعلاه أي ان الحرب ضد آكلي الربا كأشخاص وجماعات، وهذا لا يمنع من لحوق الأذى بافراد الوجوه الأخرى لمضامين الآية أعلاه.
ومن معاني الحرب في المقام الرحمة من عند الله عز وجل ورسوله بالمرابين والذين يقترضون بالفائدة منهم ، بالكف والإنزجار عن الربا ، فلابد من ترتب الأثر النافع الخاص والعام لهذه الحرب .
وسيأتي مزيد كلام في الجزء السابع والأربعين بعد المائتين من هذا السِفر في قانون المحو والإثبات في المحق والإرباء ، إن شاء الله.
قوله تعالى [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ]
تبين الآية بقاء باب التوبــة من الربا مفتوحــاً الى يوم القيامة، وهو من مصاديق الرحمة الإلهية الدائـمة في الأرض والقريبة من العباد، وفيها اخبار بان الحرب من الله ورسوله تشمل الدنيا والآخرة، الى انها تنقطع في الدنيا بالتوبة، اما في الآخرة فيشمله قوله تعالى [ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ]( ).
من باب الأولوية لإستحقاق العذاب بسبب عدم الكف عن الربا عند مجيء الموعظة والإصرار على تعاطيه.
كما تظهر الآية الآثار الوضعية والعاجلة للحرب من الله ورسوله اذ ان التوبة من الربا على اقسام:
الأول: ما تأتي ابتداء من غير بلاء وأذى بسبب الإقامة على الربا.
الثاني: التوبة حتى تلقي العقاب والحرب من الله ورسوله.
الثالث: الخوف والخشية من نزول العقاب الإلهي اذ ان هذه الآية وحدها تساهم في تقليص الربا في الأرض ولابد من وجود مصاديق لها على فرض انها تشمل النشأتين.
وهل تشمل التوبة من اصيب بفقد الأموال واصبح عاجزاً عن الربا، الجواب نعم , وإن كان خارجاَ عن موضوع الآية بالتخصيص .
والآية تبين حدوث التوبة مع المقدرة على الربا واثناء مزاولته لأنها تقول [ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ]( ).
وكأنها تلح على المبادرة الى التوبة وترجوها من كل آكل للربا، لأن الحرب من الله ورسوله لا يمكن لإنسان او جماعة او دولة تحملها والصبر ازاءها.
وجاءت الآية بصيغة الجمع في اشارة لحصول التوبة على نحو المتعدد والجماعة وليس المفرد والمتحد، وتوبة المسلم الناطق بالشهادتين من مضامين تقوى الله، وخطوة في الصلاح والرشاد، اما توبة المشرك به دخوله الإسلام وامتناعه عن الربا.
فمن الناس من يأتيه الإيمان دفعة فيدخل الإسلام ويتقيد بجميع احكامه وهم الغالب ممن اختاروا الإسلام.
و(عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نزلت هذه الآية { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام }( ) قال : إذا أدخل الله النورَ القلبَ انشرحَ وانفسحَ . قالوا : فهل لذلك من آية يعرف بها؟
قال : الإِنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والإِستعداد للموت قبل نزول الموت) ( ).
فالحرب من الله ورســوله متوجهة الى كل من :
الأول : ذات الربا كفعل ومعاملة فاســدة وللتخلص منه.
الثاني : الذين يصرون على أخذ الفائدة الربوية حتى بعد دخولهم الإسلام , وقد تقدم في أسباب النزول .
الثالث : الذين يقرضون الناس بالزيادة الربوية .
الرابع : الذين يحتالون في كسب الربا بطرق وحيل غير شرعية.
وفي الآية دلالة على لزوم محاربة الإسلام والقوانين الوضعية للدوله ومؤسساته للربا والحد منه وايجاد وسائل بديلة عنه من القروض ونحوها واعطاء حصة من الإعلام لمكافحة الربا.
ورأس المال أصله الذي تم اقراضه بقصد الزيادة الربوية.
وتخبر الآية عن حفظ الأموال والملكية الخاصة وانها لا تسقط بالتوبة عن الربا مع انها آلة الربا وتؤكد على حقيقة وهي عدم اقتطاع واحتساب الأرباح التي اخذت عليه في المعاملة الربوية جزء منه.
فلو كان مجموع القرض الربوي مائة دينار وتم استلام خمسين ديناراً ارباحاً شهرية عليه، ولم يحن اجله بعد، وتاب صاحبه وكف عن الربا ، فإن الخمسين التي تم قبضها ارباحاً فتحتسب من أصل المال، هذا اذا كان كافراً واسلم او تاب من الربا على نحو الخصوص باعتباره امراً محرماً في الشرائع السماوية كافة.
وكذا الذي دخل الإسلام قبلها واستمر على الربا حتى بعد نطقه بالشهادتين ثم تاب فلا يجوز له اخذ الأرباح التي استلمها وهو مسلم، فالخمسون اعلاه تحتسب من اصل المال ما دام المقترض ليس حربياً، لأن توبته المطلقة بدأت حين دخوله الإسلام وهذ الفعل منه تعد وظلم للنفس وللغير وينطبق عليه قوله تعالى [ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ]( ) أي له ما قبضه قبل التحريم مما تم استيفاؤه وليس مما بقي منه شطر لقوله تعالى [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ]( ).
فالواجب عليه الإنتهاء من الربا حال اسلامه، ولا يصح له قبض المال الربوي بعده بل يحتسبه من اصل المال قبضه قبل التوبة او فيما بعد، وان اســتلمه بعنـوان الربا فلابد من رده الى مالكه وان لم يرده هو فيجب على ورثته رده من تركة امواله، ومع عدم معــرفة المالك يتصــدق به في ثــوابـه أي ثواب المالك وليس مورثهم، وان عرفوه واسمه مدون عندهم ولكنه مات فيعطى المبلغ الى ورثته.
قانون شدة حرمة الربا
لقد بينت الآية قانوناً تشريعياً فعلياَ ثابتاً الى يوم القيامة، ومنعت من الغبن والجهالة والضرر، وحالت دون التعدي واكل الربا ولو بخصوص المعاملات التي لم يحل اجلها حال التوبة ودخول الإسلام، مما يعني شدة حرمة الربا ولزوم التخلص منه مع أول وهلة لدخول الإسلام، والتنافي بينه وبين احكام الشريعة الإسلامية.
فالإسلام يحرم على المسلم ترك الصلاة وهي عمود الدين ويحب ان تؤدى بكل حال في الإختيار والإضطرار وكذا بالنسبة للزكاة والصيام في المبادئ الإسلامية.
واذا علمنا أن الربا محرم عند كل ملة سماوية لقوله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ] ( ), علمنا بالمسؤوليات السماوية التي يقوم بها الإسلام والمسلمون لحفظ النظام العام وجهادهم من اجل سيادة سنن السماء في الأرض والأخذ بايدي الناس الى الصلاح والهداية ولا غرابة ان يأتي المدد والعون من عند الله تعالى لنصرة المسلمين في سعيهم لتنزيه الأرض من الربا.
فالآية تخبر ان الخلاص من الربا لا يتم الا بفضله تعالى، فالشيطان يغوي الإنسان لمزاولة الربا والنفس الشهوية تؤازره فيعملان على تزيينه ومحاولة الإحتيال على الشريعة بمصالحة وتراض لا يخلص المعاملة من موضوع الحرمة وهو اخذ ارباح زائدة على اصل المال بالشرط الصريح او الذي ترتكز عليه المعاملة، ولولا الشرط والقرض لم تحصل هذه الفائدة فلا احد يسعــى ويجتهد في العمل والكسب ليعطي شطراً من رزقه وجزء من قوت عياله لشــخص اجنبي هدية وهبة، او ان هذه الهدية تتراكم عليه كل شـــهر وهو لا يعمل ليضـطر فيما بعد الى بيع داره لإيفاء ما يسمونه بالهدية او انه يدخل السجن بحسب القوانين لأنه أخل بتســديد تلك الهدايا التي هــي في الأصل اربـــاح وفوائد على اصل المال.
قانون الترغيب بالتوبة من الربا
المراد من التوبة في الآية التوبة النصوح الصادقة التي تعني الإخلاص في العمل والكف التام عن المعصية قربة الى الله تعالى، ومع التوبة من الربا يأتي الخير والبركة وتنزل النعم قال تعالى [فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ] ( ), ومزاولة الربا عرضي مخالف للفطرة الإنسانية , ومعاني التراحم بين الناس التي تتجلى من مصاديق الخلافة العامة في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) وآية النفخ [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( ) وانبساط النفخ ومنافعه على الناس جميعاَ .
و(عن عبدالله بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بنفر من قريش وهم جلوس بفناء الكعبة فقال : انظروا ما تعملون فيها فإنها مسؤولة عنكم فتخبر عن أعمالكم ، واذكروا إذ ساكنها من لا يأكل الربا ولا يمشي بالنميمة)( ).
وتتضمن الآية الإنذار على نحو مركب:
الأول: مجيء الآية بالتهديد والوعيد الحاضر والبعيد واعلان الحرب من الله ورسوله.
الثاني: عدم التوبة والإصرار على المعصية ظلم وتعدِ وباب للإبتلاء وسبب للعقاب الشديد , قال تعالى [ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
وما ورد في الحديث باللعنة لمن تعاطى وزاول الربا جاء من باب الفرد الأهم والأطراف الرئيسية في الربا إذ ورد عن عبد الله بن (مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آكل الربا ، وموكله ، وشاهديه ، وكاتبه)( ).
والتعدد فيها مع التباين في اثر وموضع كل منها في المعاملة الربوية يدل على شمول اللعنة لمن هيئ مقدمات الربا وساعد عليه وشفع فيه مع علمه بانه ربا محرم .
فالكاتب او الشاهد ليسا مثل آكل الربا في الأثم والظلم ومع هذا شاطراه اللعنة من غير ان ينقص من اثمه شيء، مما يستلزم الحذر من التقرب للمعاملات الربوية.
(فلكم رؤس أموالكم) هبة من الله
وآية البحث هبة منه تعالى تتجلى في قوله تعالى [ فَلَكُمْ ]، وهذه الهبة مركبة من:
أولاً: ما يدل عليه حرف الجر (اللام) من الملك والتمليك.
ثانياً: تزكية أصل المال مع احتمال انه جُمع من مال الربا ايضاً، والآية لم تغفل عن هذا الأمر ولكنه يلحق بقوله تعالى [ فَلَهُ مَا سَلَفَ]( ) ولما يترشح من التوبة من وجوه العفو والمغفرة، فالمكلف يسقط ما بقي من الاقساط والنجوم عن المقترض ويكف عن الربا من غير استصحاب قهقري للحكم، والله عز وجل يتفضل عليه بجعل أصل المال ملكاً طلقاً
وفي الآية تأديب للناس ومنهم القضاة وولاة الأمر، فليس لأحد الاستيلاء على أصل مال آكل الربا في حال توبته او عدمها، فأصل ماله مكفول بالتشــريع السماوي، وبذا منعــت الآيــة من مقابلة الذنب بالذنب والتعدي بالتعدي، وحالت دون تجرأ الأشخاص والدولة على أموال الناس والاستحواذ على رأس المال بحجة التأديب والمصادرة ونحوها.
لبيان قانون العقوبة على قدر الذنب والعفو ومحو العقوبة سابق لوقوعها.
وعن(سهل بن سعد الساعدي، قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} في قول الله سبحانه : {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا}( ).
قال : كتب الله عزّوجل كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى : يا أُمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني،من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبدي ورسولي أدخلته الجنّة) ( ).
قانون إتصال رحمة الله
وتبين الآية اتصال رحمة الله تعالى بالناس حتى في حال غضبه وسخطه تعالى، فمع ان الحرب من الله ورسوله ضد الربا وأصحابه فأنها تحفظ رأس المال ولا تشمل الممتلكات الخاصة او التي أخذت صفة الملكية الشخصية في الظاهر لقانون الاسلام َيجبُ ما قبله.
ومن رحمته تعالى اطلاق حكم التوبة، ومن مواضيعها:
الأول: المال الذي سبق أخذه بالربا كما تقدم في خصوص الكافر، وهذا لا يمنع من قيامه بإعادة أموال الربا لأهلها طواعية منه وتقرباً الى الله.
الثاني: قبول التوبة عن القول باستحلال الربا وعدم الإقرار بحرمته.
الثالث: التوبة عن قولهم [ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ]( ).
الرابع: العفو عند الإستغفار والتوبة عن تعاطي الربا كمعاملة فاسدة ومعصية، وان لم يقل بانها حلال، فمن الناس من يأكل الربا وهو يعلم انه حرام.
والتوبة من الربا مقدمة لهجران السيئات، والاقلاع عن الذنوب، والرجوع الى الشريعة في القول والعمل، كما انها تمنع من التمادي في الغي، لذا فان الحرب من الله ورسوله لم تكن لخصوص الربا بل للتجرأ والإصرار على الفواحش والتجاهــر بالمعصـية، فقد يزني الشخص ولكنه يحرص عى كتمان ذنبه واتيانه بالخفاء، وقد يسرق ولكنه يحتاط ويحترز من رؤيــة الناس له او اعلان سرقته، وقد يقدم على القتل بالخفاء والمكر.
وكم من سرقة او قتل حدث ولم يعرف فاعله، وان لم يخف على الله عز وجل، أما الربا فيأتي علنياً وان حرص صاحبه على اخفائه فان الله يفضحه لوجوه :
الأول : قانون تعدد أطراف الربا .
الثاني : قانون إستدامة موضوع الربا زماناَ بين أوان الإقتراض إلى حين القضاء.
الثالث : شدة قبح ووطأة الربا .
الرابع : الضرر الخاص والعام من الربا .
وفضح الربا من الحرب عليه وليعلم الناس ان الله عز وجل حاضر معهم يوجه الأفعال الى حيث يشاء، وقد أنذر آكلي الربا بالحرب منه ومن رسوله.
فلا غرابة ان تكون معالم الحرب ظاهرة علنية، بل لابد ان تكون ظاهرة وعلنية على القول بان الحرب في الدنيا ايضاً بالاضافة الى الآخرة، أي من حق الناس ان يتساءلوا أي حرب لله ورسوله على آكلي الربا كأفراد وكمجموع، فيقال هذا آكل للربا وبلغته الموعظة من عند الله تعالى ولم يتب فأين حــرب الله ورســوله، وما هـي آثارها، أم ان الله عز وجل أمهله؟
وهذه الآيات وحدها من الحرب والفضح والتبكيت له، بالاضافة الى بغض الناس له ولفعله وبقائه فزعاً خائفاً من الإبتلاء، الذي لابد من حصوله قال تعالى [أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ] ( ).
والربا مفاعلة بين طرفين، وتستلزم الشهادة عليه، وتعاني عيال المقترض منه، والمقترض لا يستطيع كتمان المشقة التي يلاقيها من دفع الفوائد الربوية.
قانون تقديم الحرب من الله على التوبة
لقد قدمت الآية الحرب من الله ورسوله على التوبة، ولم تجعل صفقة أو مصالحة في الربا، فتقديم الحرب لسبق الموعظة والإنذار، ولو لم تكن حرمته معلومة عند الإنسان فلا عقوبة، لقبح العقاب بلا بيان ولحديــث الرفع، مما يعني ان الناس يعلمون حرمة الربا سواء بحكم العقــل والفطــرة الســليمة، وبواسطة آيات القرآن الشرائع الســـماوية، او عن طــريق القرآن وهــو الجامع للكتب السماوية النازلــة ولأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي كثيرة تتصف ببيان قبح الربا وشدة العقاب عليه ولزوم تركة هجرانه , وفي علم الأصول قيل لا مفهوم للعدد , إنما تبين كثرة أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قبح الربا والإنذار منه على لزوم المبادرة إلى تركه واجتنابه , قال تعالى [الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ]( ).
و(عن ابن عباس في قوله { إلا اللمم }( ) قال : هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن تغفر اللهم تغفر جماً وأيّ عبد لك لا ألمّا)( ).
بل حتى المصـــلحين ينادون بترك الربا لما فيه من الظلم والتعــدي والإربـــاك الاجتماعي وحــدوث الأمراض الأخلاقية والبدنية.
ومـع هــذا فــان القــرآن أشـــار الى التبليغ والبرهــان بقــولــه تعالى [ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ]( ) والأمــر بترك ما بقي من الربا في هذه الآية والإخبار عن سحقه تعالى للربا بالاضافة الى النصوص الواردة على لســان الرســـول الكرم صلى الله عليه وآله وســلم والأنبــياء من قبله، وحرص الصحابة والأئمة على تنزيه المجتمعات من آفة الربا.
ومن الآيات انه حصلت عقوبات وأقيم الحد على جنايات متعددة في أيام النبوة والتنزيل وأيام الخلفاء، ولم يقم الحد على آكل الربا، لا لأنه لا يستحق الحد او للتهاون معه، او عدم اقامة البينة عليه فكلها أمور ممكنة وقريبة، مما يعني ان الربا تضاءل وانتهى مع نزول القرآن وقيام حكم الشريعة ، ومنذ ان اعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسقاط ما بقي من ارباحه.
فالإعطاء بالفائدة يعني تعدياً وتجاوزاً، كما تكون أرباحه سالبة بانتفاء الموضوع لأن القرآن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمرا الا بإعادة رؤوس الأموال، وهذه المسألة من حرب الله تعالى وحرب رسوله على الربا، وهي زواله تماماً في فترة النبوة وما بعدها.
وكان في المدينة من اهل الكتاب فلابد انهم امتنعوا عن الربا ايضاً.
ومن الحرب على الربا واهله اشاعة القرض والترغيب فيه، وفتح المصارف اللاربوية والخاصــة بتقديم القروض التي لا يفــرض عليها ربح فاحش صــريح ووفق نص قانوني، او ربح بحيلة شرعية والتفاف على أصل التحريم ، ولا بأس بحساب النفقات ورواتب للموظفين، مصارف لا تستوفي من المقترض الا ما اســـتلفه فعلاً وقبضه وانتفـع منه مع كلفة نفقات المصرف بلحاظ السهام وكثرة المقترضين ، وما يسقط منها بسبب مضاربة المصرف ، ومشاريعه الإستثمارية والإنتفاع الأمثل من الودائع.
ولم يسترد منه جزء منه بذريعـــة واهية وأســـماء زائفة كادعاء انه هـــدية للمصـرف، فالذي يأتي للمصرف محتاجاً مقترضـــاً ومجتهــداً في تهيئة كافة الشــرائط والوثائق التي تضـمن تسديده للمبلغ، فهل تراه يقدم هدية كبيرة للمصــرف من المال الذي اقترضـــه، ليبقى شهوراً عديدة يبذل الجهــد والعناء لتســديد قيمة هذه الهدية الجبرية القهرية في حقيقتها.
قانون مصاديق الحرب على الربا
ليس من حصر لوجوه الحرب من الله عز وجل على الربا وأهله ، وهي مما لا يحصيه إلا الله عز وجل ، وأيهما أكثر ما ينفرد باحصائه الله عز وجل أم ما يقدر على احصائه الملائكة والناس.
الجواب هو الأول ، وسيأتي مزيد كلام في الجزء السابع والأربعين بعد المائتين من هذا السِفر ، إذ تعجز الخلائق عن إحصاء كيفية وصيغ الحرب من الله ورسوله على الربا ، وما يترتب عليها من الآثار.
ومن الحرب ان ترى رأس المال تهبط قيمته عند استلامه وحلول أجله مما يقلل من الانتفاع منه، ولو وضعه في شراء أعيان لكانت أرباحه اضعافاً مضاعفة، وهذا الأمر ظاهر في أغلب الأزمنة خصوصاً في هذا الزمان.
فان قلت: ان صاحب القرض مثله، ايضاً تهبط القيمة الشرائية لمبلغ القرض عند حصول الأجل، بل هو أسوء حالاً لأنه لم يستوف ارباحاً شهرية.
الجواب: هذا صحيح من جهة المقدار المالي، ولكن القرض له ثواب عظيم يترشح على نحو البركة ودفع البلاء والمرض بالاضافة الى الثواب الاخروي الذي لا يدرك عظمته وكنهه العقل البشري.
فان قلت: ازاء هبوط قيمة العملة وقلة قيمتها الشرائية هل يجوز أخذ الفائدة لتدارك هذا الهبوط ومنع الضرر والاضرار؟ الجواب: لا، لحرمة الربا مطلقاً، ولأن الآية تحكم باستيفاء رأس المال فقط خصوصاً وان المعاملة تمت أصلاً بالباطل، فاغلب الظن ان المرابي لو علم بعدم أخذ الربح الزائد لما أقدم على القرض، والقرض يتقوم بقصد القربة ورجاء الثواب، او بنية الإعانة والشــفقة، او بالتخلي عن الظلم واستيلاء النفس الشهوية.
وهل يحمل قوله تعالى [ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ] صفة الإنذار والوعيد والتخويف الى جانب اباحة ملكية رأس المال، الجواب: نعم، فالخطاب موجه لأرباب الربا وآكلي أموال الناس بالباطل، والدعــوة للتوبة تعنــي في مفهومهــا الإنذار والتخويف من اتصال الحرب من الله ورسوله عليهم وتعاقب فصولها وتعدد وجوهها، فكأن الآية تقول لهم تعجـلوا في انقاذ أنفســكم ورؤوس أموالكــم بالتوبة، والا فان العذاب يحل بساحتكم، وهو من مصاديق الرحمة في هذه الآية.
ولابد من إعداد دراسات ميدانية ومقارنة تبين منافع رأس المال عندما يوظف في التجارة والبيع والشراء، وبين الاضرار الخاصة والعامة في استعماله في الربا، مع التوكيد على منافع القرض، وتدعو الآية المدين الى المبادرة لاعطاء رأس المال وأصل القرض عند حلول الأجل اذا كان موسراً.
قوله تعالى [ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]
أي لا تقومون بظلم الآخرين ولا يعتدي عليكم الاخرون.
ومن الإعجاز ان لفظ [ تَظْلِمُونَ ] – على البناء للفاعل لم يرد في القــرآن الا في هـــذه الآيــة، فانفــردت هــذه الآيــة بــه وبقــوله تعالى [ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ]، وهو من الآيات والفرائد القرآنية في خصوص الآية، وبرهان على خطورة الربا وما فيه من الأضرار الفادحة.
وورد [ تُظْلَمُونَ ] على البناء للمفعول أربع مرات في القرآن، اثنتين في الانفاق في سبيله تعالى، وواحدة بتقوى الله، مما يؤكد موضوعية التنزه من الربا في فلسفة التوحيد وسلامة الدين.
وجاءت الآية على نحو التنكير، ولم تبين من يقع عليه الظلم في الشطر الأول منها، او الذي يقوم بالظلم والتعدي على اصحاب الربا في الشطر الأخير منه، وهذا التنكير يحمل السعة والتعدد، وصحيح ان نفي الظلم جاء مقترناً بالتوبة، ولكنه يدل في مفهومه على حصول الظلم مع عدم التوبة، وفيه مسائل:
الأولى : لا تظلمون غيركم بالربا وجني الفوائد والأرباح الكثيرة منه.
الثانية : لا تظلمون أنفسكم بتراكم الآثام والإصرار على الربا.
الثالثة : الربا ظلم للرسالة والنبوة والشرائع الاسلامية، للنهي المطلق الوارد بخصوص الربا.
الرابعة : تظلمون أسركم وعوائلكم باطعامهم من السحت والحرام.
الخامسة : الربا ظلم للمجتمع باشاعة الحرام والباطل، ويدفع الى السرقة والتعدي ونشر الأخلاق الذميمة وإيجاد العادات القبيحة.
السادسة : الربا ظلم لسنن الحلال والحرام في المعاملات.
السابعة : مواصلة الربا بعد الموعظة والإنذار ظلم متجدد.
الثامنة : هجران البيع والشراء وآثاره العامة على الذات والغير.
التاسعة : تعطيل الأعمال وعدم توظيف المال بما يؤدي الى النفع العام.
أما الشطر الثاني فهو [ تُظْلَمُونَ ] على البناء للمفعول ففيه وجوه:
الأول: ان الربا مصدر للأذى والتعدي على صاحبه سواء بسبب مباشر او بالواسطة، فهذه الآية إعجاز قرآني لما فيها من الإخبار عن تعرض صاحب الربا الذي يصر على أكله ولا يبادر الى التوبة للأذى والظلم من غيره.
الثاني: تعرض المرابي للظلم هل هو من حرب الله ورسوله، أم من أصل موضوع الربا وما فيه من الشرور الذاتية والعرضية، الجواب: انه تعالى لا يظلم أحداً، والعدل من صفات الله تعالى، ولكن الربا بذاته ظلم وربما يكون مقدمة لظلم الآخرين لصاحب الربا، لسنة الحياة في تلقي المعتدي لاعتداء مثله، وان اختلف عنه في الجهة والصدور، قال تعالى [ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ]( ).
فأراد الله عز وجل بحرمة الربا إشاعة حال الوئام والوفاق بين الناس وهو مناسبة لذكر الله عز وجل والتدبر في بديع صنعه , قال تعالى [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ).
الثالث: مخالفة أحكام الشريعة ظلم للنفس، فالمرابي ظالم لنفسه ولغيره، فتكون قراءة الآية على النحو الآتي: لا تظلمون غيركم، ولا تُظلمون من قبل أنفسكم، ومن ظلم النفس ان يجعل الانسان نفسه هدفاً لحرب الله ورسوله.
الرابع: لم يتضمن الحكم الشرعي الاستيلاء على رأس مال الربا عقوبة وتأديباً بل يُرد الى صاحبه، فلا تُظلمون بنقص رأس المال.
قانون التوبة سلامة من الربا وضرره
خاتمة الآية إخبار عن السلامة في التوبة من الربا ولزوم تعجيلها للنجاة واجتناب إيذاء الآخرين وظلمهم، فالحرب من الله ورسوله لفعل الربا لوجوه :
الأول : ظلم وإيذاء الناس سواء المقترض او عياله.
الثاني : قانون الربا سبب للنفرة .
الثالث : قانون الربا خلاف القيّم الإسلامية.
الرابع : قانون الربا عناد ضد النواميس الشرعية الثابتة في الأرض.
فيأتي البطش الإلهي عقوبة وجزاء , قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
ومع ان (لا) المتكررة في الآية نافية، تنفي وقوع الظلم وحصول التعدي، فيمكن قراءتها بالنهي عن الظلم والتعدي كمرتبة ثانية بعد النفي وان لم تظهر هذه القراءة على اللفظ بجزمه وحذف النون.
فالآية دعوة لاجتناب الظلم بعد التوبة وهي من مقومات وشرائط التوبة، أي مع التوبة تأمرهم الآية بكسب الحلال واعتماد طلبه بالبيع والشراء واجتناب الظلم , لذا قال تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ).
فقد يترك الانسان الربا خشية الانتقام الإلهي والقوانين الاسلامية والوضعية ولكنه يتوجه الى كسب محرم آخر لم يرد تفصيل بحرمته والنهي عنه، او انه شخصي وخفي ولم ينكشف أمره الا بعد حين، ونفي الظلم نفسه دعوة الى اجتنابه وعدم الوقوع بشرك الحرام مرة أخرى جاء بصيغة الخبر وليس الانشاء والأمر، وقد يكون الخبر أكثر تنبيهاً ودلالة على الوعظ والاعتبار.
ويدل هذا الشطر من الآية على أمور :
الأول : قانون سعة الكسب , قال تعالى [فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ]( ).
الثاني : قانون كثرة موارد الحلال.
الثالث قانون إمكان طلب المال والربح والفائدة من غير ظلم كالكسب بالتجارة والمضاربة والمزارعة والصناعة والنقل والحرث.
فمن لطف الله عز وجل بالناس أن المكاسب المحرمة أقل من نسبة معشار المكاسب الحلال .
ويتجلى قانون كتابة الله عز وجل رزق العبد بالحلال , ولكن بعضهم يتعجله بالحرام , فوردت هذه الآيات لطفاَ من عند الله عز وجل لإنقاذ المسلمين من تعجل الرزق بالحرام , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
إذ انتفع الناس من الرحمة في المقام بالإمتناع عن الربا , وليكون الوعيد بحرب من الله عز وجل ورسوله رحمة بهم , وإنذاراً للذين يقيمون على الربا من عامة الناس قال تعالى [لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
فكما في حكم القصاص في قوله تعالى [ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ ]( ) انه متى ما علم الانســان انه سيقتل ويقتــص منه يتجنــب القتل والتعدي، وكذا في الربا فمتى ما علم الانسان انه يظلم غيره بالربا، ويتعرض معه للظلم والأذى والحرب من الله ورسوله فانه يبتعد عن الربا.
قانون اللطف في آية (فإن لم تفعلوا)
لماذا الفاء في أول الآية [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا]( ).
ابتدأت الآية بحرف الفاء الذي يفيد التعقيب والفورية , فلابد من ترك المال الربوي فوراَ , وعدم مطالبة المقترض بالزائد عن القرض .
وتقدير (فإن لم تفعلوا) أي فإن لم تذروا ما بقي من المال الربوي في ذمة المقترض , متحداَ كان أو متعدداَ، وشخصاَ أو جهة معنوية , أو قبلية .
وقد أخبرت الآية السابقة بقانون ترك الربا من خصال الإيمان لقوله تعالى [وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
ليدل بالدلالة الإلتزامية على تخلي المربي الذي يطالب بالمال الربوي عن صفة الإيمان , فاستحق الخطاب في آية البحث [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا] ( ).
وهو من القياس الإقتراني :
الكبرى : الذي لا يترك ما بقي من الربا ليس بمؤمن .
الصغرى : المعاند غير المؤمن تأتيه الحرب من الله ورسوله .
النتيجة : الذي لا يترك ما بقي من الربا تأتيه الحرب من الله ورسوله .
وهو من إعجاز آيات القرآن بإخبارها عن قانون إنسلاخ آكل الربا عن الإيمان , ليأتيه البلاء والعقاب .
وفيه لطف من جهات :
الأولى : قانون البشارة بأن الله عز وجل لا يبطش بالمؤمنين .
الثانية : قانون الشكر لله عز وجل للتنزه عن الربا .
الثالثة : قانون النفع العظيم من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باجتناب المسلمين أسباب الحرب من الله ورسوله.
ومن معاني إبتداء آية البحث بالفاء وجوب ترك المال الربوي فوري مع نزول هذه الآيات , فلا يصح العناد والإستكبار , ولا التسويف .
وتدل الفاء على بلوغ آيات الربا إلى المسلمين والمسلمات , وهو من الإعجاز في تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في الصلاة اليومية .
ظاهر آية البحث الوعيد , ولكنها من قانون اللطف الإلهي في الآية القرآنية , فمن إعجاز القرآن أن كل آية لطف ورحمة من عند الله عز وجل , لذا ورد عبد الرحمن بن عوف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ثلاث تحت العرش : القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد ، والرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني ، والأمانة)( ).
ليكون جواب المسلمين على قوله تعالى [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ] ( ).
هو الإمتثال الفعلي بترك كل ما بقي من المال الربوي في ذمة المقترضين .
وهل تختص الآية من جهة المقترض بخصوص المسلم , الجواب لا , فلا يجوز المعاملة الربوية مع الكتابي وغيره لأصالة الإطلاق .
والمختار أن أموال الدولة والمصارف لها مالك فلا يجوز التعدي عليها.
وتبين الآية قانون غنى الله عز وجل عن الناس وأعمالهم , وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] ( ).
واحياناً يجعل السلطان وملوك الدنيا اغراءات وامتيازات للخارجين عليهم من أجل ترك الخــروج ووضــع السلاح، ويخففــون عنهم، فهل في الآية ترغــيب لأهل الربا بتركــه وهجرانه، مع الإختلاف في المثل أعلاه لأنه قياس مع الفـــارق، فالعبد خالــف وظائفه الشـــرعية والله قادر عليه ولكنه يمهله، وفي الدنيا قد يكون للخـــارجين حق والملك عاجز عن محاربتهم ويخشـــى الخســـائر والله هو [الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ]( ).
ومع هذا فان الله عز وجل يرأف بهم ويدعوهم بلطف ورأفة وينذرهم ويضمن لهم عدم الظلم جـــزاء على توبتهم ومســاهمتهم في تخليص المجتمعــات من آفة الربا.
واذا اعطى الله مثل هذا للتائبين من الربا فان من تنزه اصلاً من الربا يستحق ايضاً هذه النعمة ان لم يكن أولى بها، فهل ينالها، الجواب: نعم، والله [وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( ).
لا تنفـد أو تفنى خزائنه ولا ينقطع فضله ســبحانه، يهيء اســباب التوبــة كي ينزل الفيض والبركة والنعم.
وخاتمة الآية لطف في الحث على نبذ الربا والإعراض عنه، فلا أحد من الناس الا ويبغض الظلم مطلقاً ويتمنى ان لا يكون ظالماً ولا مظلوماً ان لم يكن دائماً فانه يدرك هذه الحقيقة عندما يتعرض للظلم والأذى ويحس بانعدام الناصر والمجير، وهذه الآية تغنيه وهي العون والمدد السماوي له ولغيره بالعصمة من الربا.
بحث بلاغي
من أبواب البلاغة باب اسمه (الفرائد) وهو خاص بالبلاغة، والألفاظ الفريدة النادرة التي يتعذر الإتيان بمثلها لو أريد ابدالها وإسقاطها، ومنها لفظ (يمحق) وقد ورد بخصوص الربا قال تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ]( ) وخصوص الكافرين قال تعالى [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ]( ).
والمحق عنوان شامل تنطوي تحته عدة معان منها:
الأول : اذهاب بعض الشيء.
الثاني : اذهابه كله.
الثالث : نقصانه.
الرابع : فقده للبركة.
الخامس : فناء الشيء وهلاكه.
فلفظ المحق فريدة قرآنية تبعث الخوف والفزع من الربا وتجعل الإنسان يدرك حقيقة ثابتة وهي ان أضراره أكثر بكثير من فوائده، وتتعلق اضــراره بنقص المال، والمرض في البدن، وسوء السمعة والعواقب الوخيمة والعقاب الشديد وانتفاء البركة في القول والعمل وقلة الجاه.
ويمكن استحداث علم جديد وهو الفرائد العقائدية التي يتضمنها القرآن، بالإضافة الى الدلالات العقائدية للفــرائد البلاغــية فيه على المبنى الذي قلنا به وهو ان اسرار الفاظ القرآن البلاغية لها دلالات متعددة تتعــدى علم البلاغة.
ومن الفــرائد العقــــائدية اعلان الحرب من الله ورســوله على آكلي الربا وان كثر عددهم وازداد جمعهم وقوت شوكتهم، لأن الآية جاءت بصيغة الجمع والإطلاق وما يدل عليه من التحدي والإنذار.
وجاءت الآية على نحو الأخبار لأن الإذن هنا بمعنى العلم، فآذنوا بحرب أي اعلموا بها، وقرئ فاذنوا أي اعلموا غيركم، من الأذان وهو الإعلام، ومنه قوله تعالى [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] ( ).
وقيل الحرب من الله النار، ومن الرسول القتال، والمعنى أعم وحرب الله عزوجل في الدنيا ايضاً ومن حرب الرسول التبليغ بحرمة الربا ويدخل في حربه ضد الربا حرب المسلمين حكاماً وأئمة وعامة الناس ضد الربا وأهله.
ولم ترد(اذنوا) في القرآن الا في هذه الآية وكذا بالنسبة لحرب من الله ورسوله، فهي فريدة قرآنية خاصة، وفريدة عقائدية للنجاة من آفة الربا.
بحث بلاغي
من أنواع البديع (التفويف) وهو تضمن الكلام لمعان متعددة من الوصف والمدح والنعــت الحســن ونحــوه كل منها في جمـــلة منفصـلة عن غــــيرها، وتفيد معنـــى مســـتقلاً مع تســـاوي الجمـــل في الرنة، ويأتي في جمل طويلة او متوسطة او قصيرة، ولم يأت بالقصيرة في القرآن.
وقد جاء المدح والثناء في هذه الآيات للمسلمين لتثبيت ايمانهم وليكون مقدمة لأمرهم بترك الربا، لأن تركه أمر وجودي يستلزم التخلص من خصلة الطمع والشح، ففي الآية قبل السابقة جاء الوصف بأرقى الخصال وأسمى المعاني ولا ينالها الا ذو المراتب السامية والعقول النيرة، ومن وجوه المدح في الآية:
الأول: الوصف بالإيمان [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا]( ) بصيغة الخبر على نحو الوقوع والثبوت والإستدامة و(ان) المكسورة تفيد التوكيد، مع ان لغة الخطاب عامة لجميع الناس رجاء محاكاة المؤمنين والإقتداء بهم والإنخراط في صفوفهم , قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
الثاني: المدح بعملهم الصالحات مضافاً الى الإيمان، سواء كان عمل الصالحات فرعاً للإيمان، ام انه مستقل وخاص بالجوارح والأفعال والأصح الأول فهو فرع الإيمان.
ومن الناس من يعمل الصالحات وهو ليس بمؤمن فتأتي هذه الآية لتخص بالمدح المؤمن الذي يعمل الصالحات فيخرج منه بالتخصص غير المؤمن وان فعل الصالحات، ومن وجوه صلاح الفعل طلب مرضاة الله قال تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
والمؤمن يأتي بالفعل رجاء الثواب وبقصد القربة.
وجاءت الآية بصيغة الجمع في الفاعل والمفعول للتحريض على مشاريع الخير ووجوه الإحسان، وتعدد أفعال الخير التي يقوم بها كل شخص على نحو مستقل او بالإشتراك مع غيره فالآية تحث على الإكثار من فعل الصالحات في موضوعها وكيفيتها وكمها وأشخاصها وجهة الخير والبر قال تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
قانون لا يقدر على إحصاء الأجر إلا الله عز وجل
يتضمن قوله تعالى [لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ]( ) مدح للمسلمين ووعد كريم وبشارة بنيل الثواب، وهذا الوعد وسيلة سماوية مباركة للحث على الصالحات والتقيد بالعبادات، وهو دعوة للناس جميعاً لإكرام المسلمين وتدل الآية في مفهومها على الحساب الأخروي وحصول الحساب والجزاء، وفيها حث على الإكثار من الصالحات رجاء الثواب والأجر من عند الله تعالى.
والظاهر ان (واو) العطف في [وَآتَوْا الزَّكَاةَ]( ) هنا تفيد الجمع أي ان الأجر لا يناله من يصلي ولكنه يتعمد عــدم اخراج الزكاة، ولا الذي يؤمـــن برســـالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يقيم الصلاة، لوحدة أحكام الشريعة وعدم قبولها التجزئة، وسيأتي في الآية الخامسة والثمانين بعد المائتين وجوب التصديق بالأنبياء والرسل وعدم تجزئة الإيمان.
المدح والثناء بلغة البشارة، علم ينفرد به القرآن، ليس من باب الأمل والجعالة والحث على الفعل، بل من باب الإخبار والحدث القطعي، لأن الآيات جاءت بصيغة الإخبار عن قيام المؤمنين والذين يعملون الصالحات بأداء الصلاة واتيان الزكاة فلا ينتظرهم الا الثواب، ومن وجوه الثواب منع الخوف والحزن من التسرب الى نفوسهم، وهذا المنع لا يكون على نحو القضية الشخصية فقط بل على نحو القضية النوعية العامة، فالعموم المجموعي للمؤمنين ليس فيه خوف أو حزن، والكل مشغول بالثناء والحمد لله تعالى ويتطــلع الى فضــله وإحســانه، مما يعني ان قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ) ونحوها من الآيات جاءت بمدح المسلمين في الدنيا والآخرة وليس في الدنيا وحــدها، لأن الحـــزن على ما فات والخوف مما هو قادم ضعف ونقص، والمؤمنون مصانون ومنزهون عنهما يوم القيامة.
قانون النزاهة في القرآن
من البديع باب يسمى (النزاهة) وهو في الإصطلاح مجيء عبارة الهجاء خالية من الفحش والنكاية، وهجاء القرآن مدرسة في علم النزاهة , وكونه أعم من البلاغة بالذات والدلالة والأثر , وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]( ) وهو الرائد في التأديب وتعليم الناس كيفية الهجاء والذم من غير ايذاء لأن الإيذاء والفحش يؤدي الى أحد أمور ثلاثة:
الأول: الكف عن الشيء واجتنابه مع بقاء غيض في النفس.
الثاني: العناد والإصرار على عدم الترك.
الثالث: الشعور بالمنقصة والخذلان والإستحياء.
بالإضافة الى استغلاله من قبل الآخرين وحصول التعدي والتجاوز والرد عليه بالمثل لأن الإنسان لا يتحمل تعيير الغير له، وفي باب سد الذرائع استدل بقوله تعالى [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
لذا جاء القرآن خالياً من الفحش ليكون حصانة اخلاقية عامة للمسلمين في حياتهم العامة، ولأن المطلوب ترك الربا وحده من غير غيض وحنق وعناد وإصرار، وهذا لا يتحقق الا بالذم من غير اهانة وفحش وحصر الذم بذات الفعل، لذا بدأت الآية بخطاب التشريف والإكرام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] مع أنها بصدد الزجر عن فعل القبيح شرعاً وعقلاً، وتضمنت الأمر بتقوى الله وهو عام وشامل كما إنها جاءت بصيغة الترك لما بقي من الربا، ولفظ الترك يتضمن أمرين:
الأول: الإبتعاد عن الذم والفحش لخلوه من النكاية للفاعل.
الثاني: السكوت عما سبق من أموال وفوائد الربا كي لا تكون سبباً لتنزه وابتعاد الناس عن صاحبه بعد توبته او تعييره به، فان القرآن سكت عنه مما يلزم المسلمين السكوت عنه.
وسئل ابو عمرو بن العلاء وهو أحد القراء السبعة عن أحسن الهجاء؟ فقال: هــو الذي اذا انشـــدته العذراء في خدرها لا يقبح عليها( ).
والقرآن يتلوه ويسمعه الناس في كل مكان وزمان، في المساجد والأسواق والبيوت، وجاء القرآن لكل من :
الأول : تقويم انماط السلوك .
الثاني : قانون إصلاح المجتمعات.
الثالث : قانون طرد الفساد.
الرابع : قانون منع الأخلاق الذميمة كالغيبة والنميمة والفحش والجهر بالسوء، الذي استثني منه المظلوم في المسألة التي ظلم فيها ، قال تعالى [لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ] ( ).
وهل يصدق على الذي اخذت منه الأموال كفوائد ربوية انه ظلم .
الجواب نعم ,وهذا لا يتعارض مع شموله باللعنة لأنه صار طرفاً في المعاملة الربوية، فالمظلومية بلحاظ أخذ المال منه ظلماً نعم لا يجوز له الفحش بالقول والله يبغض كل فحاش.
(عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم ، ثم قال : إنما مثل المؤمن كمثل النحلة رتعت فأكلت طيباً ثم سقطت فلم تؤذ ولم تكسر) ( ) الفاحش قبيح القول والفعل، ومن يتعمده في كلامه وفعله.
قانون دفع الزائد عن القرض أذى للذات
وهذا الظلم لا ينحصر الأذى والظلم بآخذ المال الربوي بل يشمل الذي يعطيه من وجوه:
الأول : انه ظالم لنفسه باختياره سبل الحرام وفعل المنهي عنه شرعا وتحمله لجهد اضافي في الكسب وطلب الرزق لدفعه بالباطل.
الثاني : لاعطائه لغيره قيمة جهده وكسبه بغير عوض ومن غير استحقاق.
الثالث : لاشاعته الباطل والحرام وتحمله وزره مع انه الخاسر فيه في ماله وآخرته.
الرابع : ظلمه لعياله ولورثته من بعده بالتفريط بمالهم.
وهناك قصص كثيرة في المجتمعات التي يشيع فيها الربا تبين الحالة المزرية التي أمســت فيها بعض العــوائل مشـــردة فقيـــرة بسبب تورط رب الأســرة بمعامــلات ربــويــة فاحشة أكلــت حتى دار الســكن وأثــاث المنزل.
وهو من مصاديق النهي بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) فهذه الأضعاف من العبئ الثقيل على المقترض .
وهل تدل الآية أعلاه في مفهومها على جواز أخذ الربا القليل الذي ليس هو أضعافاَ مضاعفة , الجواب لا , لحرمة الربا مطلقاَ.
نعم قد يستقرأ منها جواز المعاملات المصرفية وعمل البنوك التي لا تحهل القرض إلا مقدار كلفة أجرة الموظفين والمبنى ونحوه بالتوزيع على مجموع الديون بحيث تكون كالمسمى القليل.
الأمر الذي يدل على حفظ وتعاهد القرآن للمجتمعات الاسلامية والكيانات الأســـرية، فمنافــع حرمة الربـــا واجتنابه تأتي على نحو العموم المجموعـــي الاســتغراقي والافرادي، بمعنى انها تنفع المسلمين كأمة واحـــدة، والمجتمع وأهل البلدة ككيان واحد، وتنفعهم على مســتوى الأفــراد والأُســر جميعاً، ويســـتفيد منهــا كل شــخص على نحو مستقل , قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
من البديع المطابقة او الطباق، وهو الجمع بين متضادين في الجملة، على نحو الحقيقة أو المجاز، ومن الأول [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( ).
فالمحق غير الإرباء، والنقص نقيض الزيادة، فهناك تناقض بين المحق والإرباء، وجاء الطباق هنا على نحو الحقيقة.
وقد يكون الطباق لفظياً او معنوياً، او يكون جامعاً لهما كما في قوله تعالى [لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]( ) فاللفظ وان جاء متحداً في حروفه الا انه يحمل معنى التضاد في الفعل والأثر.
ومن صيغ البديع الإتيان بنوعين مختلفين من فنون البلاغة ويجمع بينهما مع إمكان التفكيك بينهما وكأنه دراسة قرآنية مقارنة تساعد على الهداية واستنباط الدروس والعبر، ومنه قوله تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] ( ).
ومنه وتحسبهم أيقاضاَ وهو رقود , للتضاد بين (أيقاضاَ) و (رقود) وقوله تعالى [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ] ( ).
ومن البديع ” الجناس” وهو علم شريف يتألف من عدة أبواب كل باب منه مستقل بذاته، والأصل فيه تشابه اللفظين مع تعدد المعنى ومن فوائده الإصغاء وجذب الأسماع وحث الفكر على التدبر والتمييز بين معاني الألفاظ المتشابهة.
الجناس
ومن أبواب :
الأول : الجناس التام.
ومنه أروع الجار ولو جار وموقع الجناس (الجار , جار , وهو جناس تام) .
فالأول , الشخص الذي يسكن بجوارك أما (جار) , فهو فعل ماض بمعنى تعدي أو ظلم .
الثاني : الناقص.
الثالث : المصحف.
الرابع : المذيل .
الخامس : المضارع .
السادس : اللاحق.
السابع : منه المحرف وهو الذي تأتي فيه الإلفاظ متشابهة ولكن الإختلاف في الحركات.
ومن المصحف قوله تعالى [لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]( ).
فالحروف متشابهة، والإختلاف وقع بالحركات، وبحرف واحد وهو التاء بفتحها في ألأول، وضمها في الثاني، ليؤدي كل منهما معنى مغايراً لمعنى الآخــر.
وقد يجتمــع وجهــان من وجـــوه الجناس في آية واحدة، فقد اجتمع التصحيف والتحريف في قوله تعالى [وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا] ( ) اذ ان النون في يحسنون جاءت بدل الباء مع اختلاف في حركتين في كل منهما.
وعلم البديع زينة للغة العربية , وحلية للكلمات وهو على قسمين :
الأول : المحسنات اللفظية .
الثاني : المحسنات المعنوية .
والجناس من الأول أعلاه من أقسام البديع مقتبس من المجانسة بمعنى التشابه والمشاكلة , كما لو قلت السجع يجانس النثر ولا يجانس الشعر .


قوله تعالى[ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ] الآية 280.

القراءة
قرأ عثمان (ذا عسرة) أي كان الغريم ذا عسرة، وقال الطبرسي (وروي ذلك في الشواذ عن أُبي)، وقال: وقرأ ابو جعفر (عُسُرة) – بضم السين، والباقون باسكانها)( ).
وقيل: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يُثقله، ومنهم من يخففه مثل حُلْم وحُلُم.
وقرأ زيد عن يعقوب (ميسُرة) – بضم السين مضافاً الى الهاء، وروي ذلك عن مجاهد.
وقرأ عاصم (تصدقوا) – بتخفيف الصاد، والباقون بتشديدها.
الإعراب واللغة
(وان كان ذو عسرة) الواو: استئنافية، ان: حرف شرط جازم، تدخل على المضارعين فتجزمهما لفظاً، وعلى الفعلين الماضيين فتجزمهما محلاً، أما اذا اقترن جوابها بالفاء، فان مجزومها الثاني هو جملة الجواب كما في هذه الآية.
كان : فعل ماض تام بمعنى حدث ووجد، وتكتفي بفاعلها والمعنى: ان وجد ذو عسرة، ويحتمل أنه فعل ماض ناقص محذوف الخبر، والتقدير: وان كان ذو عسرة غريماً لكم.
ذو: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الخمسة، عسرة: مضاف اليه.
(فنظرة الى ميسرة) الفاء: رابطة لجواب الشرط.
نظرة : خبر لمبتدأ محذوف والمعنى فالحكم نظرة.
إلى ميسرة: جار ومجرور متعلقان بـ(نظرة).
والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط.
(وان تصدقوا خير لكم) الواو: استئنافية، ان وما في حيزها: مصدر مؤول في محل رفع مبتدأ.
خير: خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
لكم : جار ومجرور متعلقان بـ(خير).
(ان كنتم تعلمون) ان: حرف شرط، كنتم: فعل ماض ناقص، والتاء: اسمها، جملة تعلمون في محل رفع خبرها، وجواب الشرط محذوف.
والعسر: الضيق والشدة والحرج، ويُقال صار ذو عسرة: أي قلّ ما في يده وعجز عن قضاء حوائجه واداء الدين، وقيل أصبح فقيراً. ويُقال تعاسر البيِّعان – بتشديد وكسر الياء – أي لم يتفقا، وعسر الزمان: أي اشتدت وطأته.
نظرة – بكسر الظاء – أي إمهال وتأخير، ويُقال استنظره: طلب منه النظرة والاستمهال.
والميسرة واليسر واليسار، السعة والغنى والقدرة على الأداء، والميسرة مصدر ميمي وهو ضد المعسرة.

في سياق الآيات
بعد الآيات التي تحث على الإنفاق، والآيات التي تنهى عن الربا وتحذر منه، جاءت هذه الآية بإمهال المدين وعدم إعساره، والمبادرة الى الصدقة وما فيها من الثواب .
ليكون سياق الآيات واتصال معانيها آية اعجازية ينفرد بها القرآن، ويؤكد وحدة مضامينه القدسية وعدم وجود تعارض بينها،وان السياق يعين على التفقه في الدين والعمل بأحكام آيات القرآن.
إعجاز الآية
تضع الآية نظاماً خالداً في كل المجتمعات الإسلامية وتسن قانوناً يحكم المعاملات التجارية بعيداَ عن الربا , والزيادة الفاحشة على أصل القرض ، ويمنع من الحرج ويخفف عن الدائن والمدين وكما سيأتي بيانه في التفسير، وتظهر الآية مفاهيم الرأفة التي جاء بها القرآن، ومنعه للفرقة والشقاق بسبب المال والمعاملات.
ومن اعجاز الآية ان فيها اشارات الغنى والثراء الذي سيكون عليه المسلمون، واتساع معاملات البيع والشراء وكثرة القرض وتداول العملات في الأسواق، ومع ان قبول الدعوة الى الإمهال والإنظار ليس أمراً سهلاً على الناس، فان الآية جاءت به وبالأمر بالتصدق وترجيحه وتفضيله لما فيه من عظيم النفع وجزيل الثواب.
ويمكن تسمية هذه الآية آية بـ(ذو عسرة).
ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في آية البحث , أما لفظ (عسرة) فقد ورد مرتين في القرآن , إذ ورد في قوله تعالى [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
لبيان الشدة والأذى الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة في الدعوة إلى الله عز وجل , وتحمل الجوع والعطش مع الثبات على الإيمان , قال تعالى [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] ( ).
الآية سلاح
تتضمن الآية حل عقدة تواجه المسلم في البيع والشراء والقرض واستيفاء حقه او أداء دينه، وهي علاج حاضر وواقية من آثار تقلبات الزمان وكساد التجارات والعجز عن أداء الديون.
وفيها مواساة للغني والدائن ودعوة له بالصبر على نحو اللزوم والوجوب ليستريح من تحريض النفس الشهوية ويكبح جماح النفس الغضبية، ويتلذذ بالصبر والإمهال.
وتبرز الاخوة الإسلامية وأولوية الإنظار والعفو، ويلوذ المعسر والفقير بهذه الآية الى ان يوسع عليه الله عز وجل.
وهذه الآية سلاح من وجوه :
الأول : لحاظ نظم الآيات وأنها نزلت بعد آيات الربا .
فمن إعجاز القرآن عدم إكتفائه بتحريم الربا بل دعا إلى إمهال المدين , مع عدم تحميله زيادة على القرض , وهو الذي تؤكد أسباب النزول وعدم إمهال بني عمرو بن عوف من ثقيف لبني المغيرة من قريش .
الثاني : الآية عون وتخفيف عن المدين في إمهاله وإرجاء قضاء الدين عند العسرة والضيق .
الثالث : الآية دعوة لصاحب المال بالصبر وإمهال المدين رجاء الأجر والثواب .
وهذه الآية من آيات الصبر , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
أسباب النزول
لما نزل التخويف والوعيد في قوله تعالى [ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ]( ) قال الأخوة الأربعة من بني عمروبن عوف من ثقيف: بل نتوب الى الله فانه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك، فشكا بنو المغيرة العسرة، وقالوا: أخرونا الى ان تدرك الغلات، فأبوا ان يؤخروهم، فأنزل الله تعالى الآية.
وتبين اسباب النزول مراتب الإيمان الدفعي العالية عند المسلمين، اذ رضوا باسقاط الفوائد والصبر على أداء رأس المال، وفضله تعالى في ورود أحكام قرآنية تفصيلية تخص الواقع المعاشي والتجاري للمسلمين.
مفهوم الآية
تبين الآية اختلاف احوال الناس المعاشية والاقتصادية، وان منهم من يكون دائناً لغيره، ومنهم من يكون مديناً عاجزاً عن وفاء الدين عند حلول الأجل، والدائن نفسه قد يكون مديناً لغيره، فيلح على غريمه لقضاء دينه وافراغ ذمته ولا يفقه موضوعية عجزه عن أداء الدين، أو انه يريد استثمار مبلغ الدين في مشاريع اخرى، ويكون الأمر أكثر خطورة والحاحاً عندما يريد استيفاء دينه لنفقات مؤونته ومؤونة عياله، فتأتي هذه الآية لتحدد له كيفية تصرفه ولزوم اختياره الصبر والإمهال، ولولا هذه الآية لحصلت حوادث وجرائم قتل وتعديات على الأنفس والأعراض والأموال، وفتن وخصومات.
وتمنع الآية من التردد في خوض التجارات والمعاملات التجارية خشية الإفلاس القهري، لأنها تجعل للإنسان عذراً عندما تركبه الديون، وفي الآية زجر عن الشح والإمساك عن الصدقات، قال تعالى [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]( ) , ( ).
وفي مفهومها اخبار عن حصول الضرر والأذى النوعي العام بالامتناع عن الإنفاق، وفيها دعوة الى عدم التفريط بالثواب العظيم الذي ينتظر أهل الإحسان والإنفاق في سبيل الله تعالى , قال تعالى [وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
وتدل الآية على لزوم قيام الموسر بأداء دينه في الأجل وعدم المماطلة والتسويف.
والآية دعوة للناس لدخول الإسلام، وفيها عرض للمضامين الأخلاقية للشريعة السماوية في المعاملات والبيع والشراء، والتنزه عن الربا قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
وترغب الآية إلى توظيف الصدقات في أداء ديون المعسر ودرء الفتن.
إفاضات الآية
تنشر الآية مفاهيم المحبة والود بين الناس وتجعل الاخوة الإيمانية بين المسلمين أو الأخوة الانسانية بينهم وبين غيرهم هي الأولوية في استيفاء الحقوق، وتجعل موضوعية للإمهال والإنظار في التعامل وقضاء الحوائج وانجاز الأعمال، وفيها دعوة للاقرار بالأسباب القاهرة ولزوم جعل مندوحة للآخرين في العمل والأداء ومختلف التعامل , قال تعالى [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ]( ).
وتساعد الأية في تنمية ملكة الصبر وإنظار الآخرين، وهو أمر يحتاجه الإنسان في صِلاته مع المجتمع وليس في موضوع الدين فقط، كما انها تساهم في كثرة الصدقات واخراج الزكاة وعدم حصرها بالفقراء لتشمل اسقاط بعض الديون عن الغارمين، وتخبر عن وجود موضوع قهري للصدقة بمعنى ان الغارم مناسبة وفرصة لصاحب الدين وغيره لاسقاط ديونه والقضاء عنه وإعانته.
والآية خير مؤازر للفقير في محنته وحاجته وشدته , وهي من مصاديق التكافل الإجتماعي , قال تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
وهل إمهال الدين خاص بالمسلمين , الجواب لا , لأصالة الإطلاق وعموم النفع والثواب , وسيادة روح التسامح والعفو في المجتمعات والإمهال للمسلم وغير المسلم في قضاء الدين من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
موضوع الآية هو قضاء القرض الربوي بعد إسقاط الزيادة الربوية بأمر الله عز وجل .
وهل فيه حكم وعوض بأن الله عز وجل يعوض الذين يتركون الربا طاعة له تعالى , المختار نعم [وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
فبعد أن كان المقرض يحمّل المؤمن مالاَ إضافياَ عند تعذر القضاء في الأجل , جاءت هذه الآية بأمور :
الأول : إسقاط الفائدة الربوية لقوله تعالى [فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]( ).
الثاني : إمهال المدين عند عجزه عن القضاء في الأجل مع الأمارة أو القرينة , أو البينة على الإعسار .
الثالث : عدم تعيين مدة لهذا الإمهال .
الرابع : الإطلاق بأسباب الإعسار , وعدم حصره بأسباب شرعية مخصوصة .
الخامس : الندب والترغيب بالتصدق بمبلغ الدين على المعسر.
و(عن أبي اليسر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) ( ).
ولا يصح سجن المدين المعسر لقوله تعالى [فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ] ( ).
السادس : الخير والأجر والثواب العظيم بالتصدق بالدَين على المعسر , أو التصدق به عند قبضه على الفقراء .
السابع : بيان قانون نفع الصدقة في النشأتين .
ومن خصائص آية البحث منع الشحناء والفتنة بين المسلمين في الديون وقضائها .
وأختتمت الآية بالوعد الكريم من عند الله عز وجل على الإنفاق والصدقة وإعانة الفقراء , والسماحة والإمهال في قضاء القرض.
التفسير
قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ]
ابتداء الآية بالواو يجعل لسياق الآيات موضوعية في تفسيرها سواء كانت الواو للعطف او للاستئناف، خصوصاً وان هذا التقسيم للواو تقسيم استقرائي من علماء النحو ولا أصل لتداخلهما , والمختار أن الواو في المقام تكون على وجوه :
الأول : اللعطف , وهو الأكثر .
الثاني :الإستئناف .
الثالث : العطف والإستئناف معاَ .
إذ امكن حمل الواو على المعنى الأعم , فيكون لكل منهما تقسيم , وهو من مصاديق قانون تعدد معاني الحرف القرآني وترتب الأثر على هذا التعدد .
ولا يعني التباين وعدم وجود برزخ ووسط بينهما، بالاضافة الى ما ينفرد به القرآن من الاعجاز وهو تعدد معاني الكلمة والحرف، لذا فمن وجوه تفسير الآية:
الأول: بلحاظ الواو حرف عطف يكون معنى الآية اذا كان المقترض للمال الربوي معسراً فلابد من إمهاله، فالمسألة تعالج موضوعاً فرعياً يتعلق بأحكام الربا للمنع من تجدد الربا والتسويف فيه، فاذا تاب صــاحب المال الربوي كما جــاء في الآيـة السابقة واسقط جميع الفوائد وطالب برأس المال عند حلول الأجل وكان المدان معسراً غير قادر على أداء الدين، فانه يفاجئ مع التوبة بأمرين فيهما الأجر والثواب :
أولاً: اسقاط الارباح والفوائد المترتبة على القرض الربوي والتي كان يجبيها كل شهر او كل مدة معينة.
ثانياً: عدم قبض أصل المال في أجله.
فلو لم يكن عنده الا هذا المال وكان يعيش بارباحه فانه يصبح عاجزاً عن إعالة عياله، وكان قبل التوبة يؤجل رأس المال عند العجز عنه في الأجل مع زيادة عليه واتصال الفوائد، فحينئذ يحاول ايجاد مخرج من هذا الافتتان ويلجأ للالحاح على المدان ويحمله على قضاء الدين بأي صورة، وهو الذي يقتضيه حكم العقل على الظاهر.
ولكن أحكام الشريعة أوسع وأدق وتعالج الأمور التفصيلية بسنن سماوية، وتدعوه الى الإمهال على رأس المال والدين الى حين التمكن من قضائه، ليعلم صاحبه انه فاز بالتوبة ونال أجر الصبر على المال وساهم في تثبيت أحكام القرآن في الأرض , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ]( ).
الثاني: احتساب ان الواو في [ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ] واو استئنافية فان الآية مطلقة تشمل الديون والقروض والمتبقي من رأس مال الربا، لتكون الآية قاعدة كلية ثابتة الى يوم القيامة في باب الديون، وهو الأرجح والأصح.
ولكن هذا لا يعني ان الواو استئنافية محضة ليس فيها شائبة العطف بل انها جامعة للعطف والاستئناف، وكنوز القرآن اللغوية والعقائدية أعم من ان تحيط بها القواعد النحوية التي وضعت لضبط الكلمات، فلو كانت هذه الآية أجنبية في موضوعها عن الآية السابقة لبدأت باسم الشرط (من كان ذو عسرة)، ولكنها بدأت بالعطف وحرف (ان) الذي يفيد التوكيد.
وبين القرين وحدّ الإعسار رأس مال الربا عموم وخصوص مطلق، فرأس مال الربا من الدين وليس العكس، وبذا فان الآية شاملة للدين مطلقاً ومنه رأس مال الربا، ولو دار الأمر بين الاطلاق والتقييد، بين حمل الكلام على المعنى الأعم او الأخص فيحمل على المعنى الأعم الا مع القرينة الصارفة عنه الى المعنى الأخص.
وعلى المدين الحرص على المبادرة إلى قضاء الدين في أجله , وفيه الأجر والثواب , ونشر لمفاهيم الصلاح , وإشاعة القرض , و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله( {صلى الله عليه وآله وسلم} ) : مَنْ مشى إلى غريمه بحقّه صلت عليه دواب الأرض ونون الماء وكتب الله عزّ وجلّ بكلّ خطوة شجرة يغرس له في الجنّة وذنباً يغفر له فإنّ لم يفعل ومطل فهو متعدّ) ( ).
ترى ما هو حد الإعسار الذي يصح او يجب معه الإمهال:
الأول : ان لا يكون في ملك المدان ما يؤديه بعينه.
الثاني : ليس عنده زائد عن المؤونة يقوم ببيعه لأداء الدين بثمنه.
الثالث : اذا حل الأجل وطالب الدائن بالدين، على المدان ان يسعى في ادائه بكل وسيلة شرعية ممكنة ولو ببيع الزائد من متاعه وعقاره.
ويجب عليه ان يسعى لمطالبة غريمه او اجارة املاكه، كما يجب عليه التكسب اللائق بحاله من حيث الشرف والقدرة خصوصاً ما لا يحتاج الى تكلف.
ويستثنى من ذلك بيع دار سكناه وثيابه المحتاج اليها ولو للتجمل وسيارته اذا كان مما يليق بشأنه، بالإضافة الى المناسب لحاله ومقامه من أثاث البيت ونحوها من مستثنيات الدين مما يؤدي بيعها الى وقوعه في عسر وشدة وحرج.
الرابع : لو كانت دار سكناه ازيد مما يحتاجه وركبته الديون فعليه بيع ما فضل عن حاجته، او يبيعها ويشتري ما هو ادنى مما يليق بحاله ايضاً ويدفع الفارق بينهما في دَينه، وكذا لو كانت عنده سيارة خاصة ونحوها من الحاجات والأثاث ويستطيع الإكتفاء باقل منها ثمناً.
الخامس : وكما لا يجوز بيع دار السكن لأداء الدين في حال حياة المدان، كذلك لا تباع لو مات وترك اولاداً صغاراً له لا يستطيعون الإستغناء عنها على الأقوى.
السادس : معنى مستثنيات الدين من دار السكن ونحوها ان المدان ولحاجته لها في مؤونته لا يجبر على بيعها لأجل قضاء ديَنه، اما لو اختار المدان بيع الدار لقضاء الدين وابراء ذمته جاز للدائن قبضه منه، والأولى للدائن ان لا يكون سبباً في بيعها.
السابع : لو حل أجل الدين وطالب به صاحبه، وكان عند المدان حاجات او عقار زائد عن مستثنيات الدين ولكنها لا تباع الا بالأقل من قيمتها السوقية، فان كان النقص قليلاً فيجب بيعها وقضاء الدين ولا يجــوز للمدان التأخــير وانتظــار من يأتي ليشــتريها بالقيمة، ولو كان النقـص لا يحتمــل ويعد البيــع معه تضيــيعاً للمال وخسارة فالأقوى عدم وجوب البيع حينئذ بل ينتظر من يشتري بالقيمة.
الثامن : لا يجوز للمدان المماطلة في أداء الدين مع القدرة وتكون معصية.
و( عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَطْل الغنيِّ ظُلْمٌ) ( ).
التاسع : ولو كانت عنده بضاعة ولم يحن موسم بيعها بالسعر المناسب لها، واذا باعها عن الأجل والمطالبة يبيعها بنقصان لا يحتمل، فيجب إمهاله الى حين الموسم.
ولفظ (عسرة) ورد مرتين في القرآن ، ففي مدح الأنصار ورد ذكر العسرة العامة في قوله تعالى [ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ]( ).
فالعسرة هي الشدة والضيق , وكانت العسرة واقعاَ عاماَ من وجوه :
الأول : قلة الماء .
الثاني : شدة الحر .
الثالث : النقص في النفقة مع تحريم الربا قبل نزول هذه الآية في معركة تبوك .
الرابع : قلة الظهر , فقد كان عدد جيش المسلمين يومئذ ثلاثين ألفاَ وخرج كل اثنين أو ثلاثة على بعير مع أنهم متوجهون لمحاربة الروم بخيلهم وأسلحتهم الفتاكة , ولكن الله عز وجل منع من هذا اللقاء , لبيان قانون (لم يغزُ النبي”ص” أحداَ)
و(عن قتادة في قوله { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة }( ) قال : هم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك قبل الشام في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد ، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كان يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها أحدهم ثم يشرب عليها الماء ثم يمصها الآخر ، فتاب الله عليهم فأقفلهم من غزوتهم) ( ).
وبلحاظ معنى العسرة في هذه الآية يمكن القول ان نفس المدان تكون في خوف ووجل، فهو لا يعلم ما ينتظره بسبب الدَين من الأذى او الحرج او الضيق او الحبس، فجاءت الآية الكريمة بامهاله لرفع الخوف.
قانون قضاء الدَين
ومن الآيات الاعجازية في المقام أمور:
الأول: تقسيم القرآن الى آيات لتكون لاستقلال كل آية موضوعية في تفسيرها وتأويلها، وقراءتها وبالابتداء بأولها وهو جائز شرعاً ويفيد الاطلاق في موضوع الدين.
الثاني: المتسالم بين المسلمين اطلاق آية البحث لموارد الدَين وقضائه، ولم يحتج الدائن بان الآية خاصة بمال الربا والفطرة تقتضي الفهم، لأن القرآن يخاطب الأرواح وتدرك العقول عموماته.
الثالث: مجيء آيات القرآن بالنص الصريح في باب الأحكام والمسائل ذات الإبتلاء العام لتمنع من الاختلاف وتعدد التأويل او الإرباك بسبب عدم تفقه الناس بمضمون الحكم.
ولقد جاءت هذه الآية صــريحة في الإمهــال والإنظـــار من غير استثناء وحصرت الخطاب بالدائن ولم توجه للمدان خطاباً بضرورة التعجيل بالوفــاء بالدين.
وجعــلت الآية الإعســار وكأنه استثناء من عامــة المدينين، فالأصـــل هو قيام المدان بأداء الديـــن عند الأجل اذا كان المدان موسراً او برزخاً بين الموسر والمعسر، كما لو كان عنده ما يستطيع الاستغناء عنه وبيعه لقضاء الدين، بالاضافة الى وجوب قضاء الدين.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (الإدماج) وهو التداخل بين الأغراض والمقاصد، فيظهر غرض او بديع ولكن المراد المتعدد وهو من أسرار القرآن، فالإدماج فيه يختلف عما في غيره، لعدم الإحاطة بكنه وعلوم وأسرار القرآن، وكذا ســعة المقاصد والأغراض والغايات، بل بالعكس فقد يظن الإنســـان وجود اغراض أخرى حميدة في كلامه وفعله ولكنه يسبــب اضراراً جانبية لا يقصــدها للتباين بين الناس في الفهــم والتصور.
ومن الإدماج قوله تعالى [وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ]( ).
ومع قصد توثيق الديون جاءت الإشارة لصفة الكاتب وأن يكون عادلاَ , متفقهاَ في الدين , ولا يميل إلى أحد الطرفين , ولا يحتال .
فقد يظن انسان ان الكلام يتضمن التعريض به لخصلة او فعل مذموم قام به، ولكن المتكلم لا يقصد ذلك بل لا يعرف هذه الخصلة او الفعل من ذات الشخص.
أما القرآن فنزل من عند العليم الذي [أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا] ( ) ومنه علمه تعالى بالنتائج وآثار الآية القرآنية في النفوس والمجتمعات.
مع وجود حقيقة ثابتة وهي علم الناس بان القرآن لم ينزل الا لإصلاحهم وإكرامهم بصبغة الإيمان وصفة الإنسانية والنفخ من روحه عز وجل.
ان نزول الكتب السماوية وحده امر يدل على الإكرام والعناية واللطف الإلهي بالناس.
فالغرض في الآية إمهال وانظار المعسر , والذي يتعذر عليه القضاء ولكن الإغراض التي ادمجت معه عديدة منها :
الأول : قانون عدم الرجــوع الى الربا ووضع فوائد بســـبب التأخير في الأداء والظن بان المنع من الربا امر ابتدائي خاص بالشروط والأجل الأصــل للأداء، اما لو تأخـر الأداء فالحكم يختلـــف وان للوقت قيمة مالية بزعمهم، فجاءت الآية لدحض هذا القول والتخلص منه , ببيان حرمة الربا مطلقاَ , وقد تقدم الإطلاق في الآية السابقة بقوله تعالى [فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ] ( ) وتقدير الآية : فلكم رؤس أموالكم ثم قضاء الدين في الآجل أو تأخر عنه .
الثاني : اللوم والعتاب لآكل الربا، فمن كان معسراً وعاجزاً عن أداء أصل الدين كيف تؤخذ منه الفوائد الدورية مع بقاء أصل الدين على حاله ومقداره.
الثالث : الآية دعوة لإعانة الغريم والمحتاج والمدان الى غيره، فالإستدانة والعجز عن أداء الدين عنوان الحاجة والعوز، لذا وردت النصوص بالصبر عن الدين , وببيع الزائد عن الحاجة لقضاء الدين.
الرابع : قانون البشارة والأمل بان الله عز وجل يجعل بعد العسر يسراً، فحال الفقر والعوز لا تستديم والله واسع كريم , وهو من عمومات قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
قوله تعالى [فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ]
في الآية رأفة عامة بالناس عند حلول الشدة والضيق، ودعوة للتخفيف عنهم وإعانتهم بالإمهال والإنظار، وعلى فرض الإلحاح على المديون وعدم الإمهال فما هي النتيجة؟ الجواب: على وجوه:
الأول : زيادة العسر والحرج.
الثاني : الاضطرار لبيع الضروريات وما يحتاجه المدان في مؤونته.
الثالث : الوقوع في الربا، وهذا الوقوع لا ينحصر بالذي كان يتعاطى الربا من قبل، اذ يلجأ اليه المتحير الذي يتعرض للأذى والإلحاح بقضاء الدين.
الرابع : تملك المدان حالة من الفزع والخوف.
الخامس : حصول الفتن والإبتلاء والخصومة والتعدي كما هو حاصل في بعض المجتمعات، فصاحب المال لا يرى الا انتزاع ماله، يعرف انه صاحب حق، والمدان حينما استدان منه ضرب له أجلاً، والأصل ان يكون قادراً على الإيفاء عند الأجل، فمن خلال هاتين المقدمتين يريد احضار الدين وقضاءه.
واختلف في متعلق الآية والإمهال على أقوال:
الأول: ان الآية خاصة بالربا والمطالبة برأس المال بعد اسقاط الارباح والفوائد، عن السدي وابراهيم النخعي ونسب الى ابن عباس.
الثاني: الآية عامة في كل دين وهو المشهور والمختار ، وبه قال ابن عباس، وهو المروي عن الإمام الباقر عليه السلام، وبه قال مجاهد والحسن البصري.
الثالث: الإنظار واجب في رأس مال الربا بنص هذه الآية، فيلحق به وجوب الإنظار في صور الدَين الأخرى للإشتراك في المعنى، ونسب الى الإمام الشافعي وأبي حنيفة ومالك.
قانون إمهال المعسر
والخطاب في الآية موجه الى الدائن بلزوم الإمهال , والصبر على المدان ولكنه يبعث السكينة في قلب الأخير، وهو دعوة لأمور:
الأول: الدعاء لقضاء الدين , وفي التنزيل [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ] ( ).
الثاني: العمل والكسب والضرب في الأرض لقضاء الدين.
الثالث: الاقتصاد في المؤونة والتدبير في المعيشة لتوفير مبلغ الدين.
ان الإنظار من الدائن طاعة وامتثالاً لأمر الله تعالى يحتم على المدان طاعته تعالى بالتقوى واداء العبادات، والسعي للتمكن من القضاء وابراء الذمة ورد الجميل بالدين والصبر عليه.
فتتفشى مكارم الأخلاق في المجتمع ويشعر الفقير بالحصانة السماوية وبالمواساة بآيات القرآن , وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ) بتقريب قانون إقتداء المسلمين بمنهاج وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فهذه الآية حرز وواقية للفقير وتمنحه مهلة من الوقت وتخلصه من إلحاح وأذى الدائن الذي يكون على وجوه متعددة:
الأول: دائــن يصــبر على المدين ويمهـله الى حــين اليسر وامكــان القضاء , وفيه الأجر والثواب ونشر شآبيب الرحمة بين الناس .
و(عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أنظر معسراً كان له بكل يوم مثله صدقة ، قال : ثم سمعته يقول : من أنظر معسراً فله بكل يوم مثليه صدقة .
فقلت : يا رسول الله إني سمعتك تقول : فله بكل يوم مثله صدقة . وقلت الآن فله بكل يوم مثليه صدقة .
فقال : إنه ما لم يحل الدين فله بكل يوم مثله صدقة ، وإذا حل الدين فانظره فله بكل يوم مثليه صدقة) ( ).
الثاني: دائن يمهل ويصبر الى حين وأجل معين، كما لو حلّ الأجل في شهر محرم فأمهله لشهرين او ثلاثة.
الثالث: دائن لا يمهل ولا ينظر.
مع نص الآية الكريمة بالإمهال وعدم الامهال، او الإنظار المحدد بأجل معين يختلف باختلاف الحال والأشخاص ومبالغ الدين، ولكن الآية الكريمة ظاهرة في الإمهال على نحو الاطلاق بالصبر على المدين وعدم إعساره او احراجه وكأن أوان القضاء محدود، ومع الأمر بالإمهال يأتي الترغيب فيه والاخبار عما فيه من الفوائد والنعم التي تفوق مقدار الدين مع حفظه وتعاهده.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة” ( ).
الثواب في إنظار المديون
فالإنظار باب متجدد للثواب فيكتب لصاحب الدين في كل يوم صدقة بمقدار مبلغ الدين، وهو فضل يفوق تصور العقل الانساني، فاذ كان مقدار القرض ألف دينار وحل الأجل.
وكان المدان معسراً فأمهله الدائن لمدة ثلاثة أشهر، فيفاجئ يوم القيامة بانه تصدق بتسعين ألف دينار، فيقول في نفســه انه لم يملك في حياته هذا المبلغ من المال فكيف تصدق به، وقد يخشى الاجهار بهذا القول خشية محوه او تصحيحه، فيأتيه الجواب على ما أســره في نفســه بانه موضــوع الإنظار والإمهــال في دينه، هذا بالاضــافة الى النماء والزيادة وارباء الصدقة في موازين الرحمة الإلهية.
و(عن أبي مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم “إن الملائكة لتلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا هل عملت خيرا قط؟ قال: لا قالوا: تذكر، قال: لا إلا أني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر فتياني أن ينظروا الموسر ويتجاوزوا عن المعسر، قال الله تبارك وتعالى “تجاوزوا عنه”)( ).
أي أنه ينظر ويمهل حتى الميسور القادر على أداء الدين , أما المعسر فإنه يتجاوز عنه , ويسقط عنه الدين .
وهل يمكن الإستدلال بهذا الحديث على أن إمهال المعسر كان نازلاَ في الشرائع السابقة , الجواب نعم , قال تعالى [شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى] ( ).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (“نحن مَعاشِر الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد”)( ).
وأبناء العلات أي الأخوة الذين أبوهم واحد , ولكن إمهاتهم شتى للإشارة إلى التنوع في الشرائع .
وبالنسبة للقسم الثالث اعلاه ممن لم يمهل الدائن فان كيفية المطالبة من الكلي المشكك , إذ تختلف شدة وضعفاً وإلحاحاً وتراخياً من شخص الى آخر، ومع عدم جواز المطالبة عند عجز المدان، الا ان الآية تخفف من كيفية المطالبة لأن الدائن يشعر بالاستحياء لمخالفته للآية الكريمة.
التعاون في إرجاء أجل الدَين
تجعل آية البحث حضوراً للمجتمع واهل المعروف في الصبر على المدين المعسور ، فمع ان الدين عقد بين طرفين الدائن والمدان، الا انه عند الإعسار وعدم الإمهال تصبح المسألة أكثر اتساعاً لانها تدخل ضمن قواعد الشريعة الامتنانية واحكام هذه الآية، فهذه الآية أمرت بالإمهال، والناس يتطلعــون للدائـــن هل يعمـل بمنطوق الآية أم لا، علماً بان عمله بمنطوقها والصبر على المدان أمر يهم الجميع ويكون فيه رضا لعموم المسلمين.
ليكون من مصاديق أفراد ومضامين قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
مصاديق متعددة في المقام سيأتي بيانها تفصيلاَ في الجزء الثامن والأربعين بعد المائتين من هذا السِفر في مدرسة عقائدية لم يشهدها علم التفسير والتأويل , والحمد لله ، بتقدير مضامين الآية أعلاه بلحاظ آية البحث من وجوه متفرعة :
الأول : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير .
الثاني : ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف .
الثالث : ولتكن منكم أمة ينهون عن المنكر .
الرابع : ولتكن منكم أمة هم المفلحون , وإثبات الفلاح لأمة لا يمنع من ثبوته لغيرهم .
وهل المراد من الفلاح في ذات موضوع الآية أعلاه من سورة آل عمران الجواب لا , لإرادة الإطلاق ولأن الله عز وجل يعطي بالأتم والأوفى .
وهذا من إعجاز القرآن الغيري وهو ان يكون الناس عضداً للعمل بآياته، والمجتمع مرآة لتثبيت أحكامه، ومنه نبذ الناس للمرابي لأنه خالف آيات القرآن، وتوقعهم نزول البلاء بمن يحلف بالله كاذباً واستحضار الشواهد الخاصة بالمقام، والواقع الاجتماعي المؤازر لآيات القرآن يجعل الدائن يميل الى الإمهال ويشعر بمنافعه منها:
الأولى : كتابة الأجر وثواب التصدق يومياً بمقدار الدين , و(عن عثمان، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يقول : “أظل الله عينا في ظله، يوم لا ظل إلا ظله من أنظر معسرًا، أو ترك لغارم”)( ).
الثانية : كسب رضا وود الناس.
الثالثة : الامتثال لأحكام الآية الكريمة بالإمهال والإنظار.
الرابعة : تعاهد الصلة مع المدان واهله واخوته بالصبر عليه وإنظاره.
الخامسة : إمهال المدين أو إسقاط دينه قربة إلى الله , قال تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ] ( ) ودعوة للإيمان والتوجه لله عز وجل من قبل الدائن والمدين , أم الدائن فلما أنعم الله عز وجل عليه من إعانة المعسر , والتخفيف والتجاوز عنه طمعاَ بها عند الله عز وجل , وأما المدين فإن عبئاَ وثقلاَ أُسقط عنه .
ومع ما في الإنظار من تعطيل للمال وعدم انمائه وزيادته بالبيع والشراء، فان الدائن يحس بالطمأنينة للمنافع اعلاه لتكون وسيلة للصبر وقبولاً بالتأجيل الاضطراري وترقب تحسن حالة المدان، نعم قد تفوت الدائن منافع مادية بسبب هذا التأجيل الا انها لا قيمة لها ازاء الفوائد الدنيوية والاخرويةبالامتثال في الإمهال.
ومن الفوائد الدنيويــة اظهار الصبر ودلالة الإمهال على حسن الخلق والتقيد بســنن الأخـــوة الإيمانية، وانظار المعسر يعني انتظار رحمة الله تعالى ونزول البركة على الدائن لأنه انظره امتثالاً لأحكام هذه الآية , ومما ورد في السنة النبوية من الترغيب بإمهال المدين المعسر وما فيه من الأجر العظيم , ومن الآيات كثرة النصوص في المقام بما يبعث الشوق في النفس لإعفاء الغريم أو لا أقل الصبر عليه , وعدم إحداث فتنة بسبب إرجاء القضاء.
وحتى المنافع المادية التي تفوت بالإمهال فان الله عز وجل يعوضها ويرزقه مثلها او أكثر منها فضلاً وزيادة منه تعالى، لأنه تعالى أمر بالإمهال فهذا الأمر يدل على ضمانه وتعويضه لكل الأضرار التي يسببها الإمهال، وقد يحس الانسان هذا التعويض وقد لا يحسه، ولكنه أمر واقع.
فاذا عددنا المنافع التي يحصل عليها الدائن والتي يحصل عليها المدان من الإمهال، تجد المنافع العظيمة التي يحصل عليها الدائن أكثر بكثير من المنافع التي يحصل عليها المدان الذي يخفف عنه بتأجيل قضاء الدين، ويتخلص من الحبس والمطاردة والإيذاء، فلو كان الغريم معسراً فلا يجوز حبسه.
بحث بلاغي
تأتي (الى) لإنتهاء الغاية الزمانية او المكانية، وكذا (حتى) التي ترد بمعنى الغاية ويكون معطوفها داخلاً في حكم المعطوف عليه قبلها ِلأن العطف تشريك في الحكم الا ان يدل دليل على عدم دخول المعطوف في حكم ما سبقه بمعنى انه اذا لم يدل دليل على دخوله او عدمه فيكون اللاحق داخلاً مع السابق في الحكم، بخلاف (الى) فالغالب عدم دخول اللاحق مع حكم السابق الا مع الدليل على دخوله، وهناك قولان آخران:
الأول: دخول الغاية والمعطوف في حكم المعطوف عليه فيهما معاً أي في (حتى) وفي (الى)، وان كان العطف بحتى نادراً وقليلاً، وأنكرته مدرسة الكوفة النحوية، (وأقر السيوطي بمجيئها عاطفة، ولكنه قال (ولا أعلمه في القرآن) ( ))
الثاني: لا تدخل الغاية فيهما معاً الا مع الدليل على الدخول، وأستدل على هذين القولين بقوله تعالى [وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ] ( ) وقراءة ابن مسعود (حتى حين).
ففي قوله تعالى [ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ] ( ) دلت الآية على عدم دخول الليل في الصيام للنهي على عدم دخول الليل في الصيام.
ولأن القدر المتيقن هو صيام اليوم الا ان يقال بالمقدمة العلمية، والمراد من صوم الوصال أعم من أول الليل بل المراد منه صيام يومين والليلة التي بينهما أو ثلاثة أيام والليلتين اللتين بينهما وهو خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , و(عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تواصلوا .
قالوا : إنك تواصل؟
قال : إني لست كأحد منكم ، إني أبيت أطعم وأسقى)( ) كما هو معروف.
وفي هذه الآية لو دخلت الغاية هنا لوجب الإنظــار في حال الســـعة واليسار ايضــاً ولم يقـــل به أحد، ولكن لابد من تحقــق حصول اليسار آناً ما كي تصح المطالبة وتلك مقدمــة علمية بمعنى ان القول بدخول حال الميسرة لا يراد منه الإستدامة.
ومن الإعجاز في المقام ان ترى القواعد النحوية والبلاغية متخلفة عن الأحكام القرآنية عقلاً وشرعاً، فان قيل بعدم دخول الغاية التي بعد الى في حكم ما قبلها، فلا يمكن أن تحصل مطالبة قبل حصول الميسرة، وان قلت بدخولها في حكمه فعلى الدائن الصبر والإمهال حتى في حال الميسرة.
وكلا القولين لم يقل بهما فقيه او عالم ويتعارضان مع حكم العقل مع موافقتهما لقواعد النحو والبلاغة فلابد من تنجز مسمى الميسرة وصرف الطبيعة ويتحقق عنوان الميسرة الذي يمكن معه المطالبة، كما ان الميسرة ذاتها من الكلي المشكك فما يراه الدائن ميسرة قد لا يحسبه المدان ميسرة وقد يخشى الدائن زوال تلك الحال وتعذر اعادة ماله، فيحتاج الأمر الى التسوية والقضاء والحكم.

تفسير قوله تعالى [ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ]
لم ترد لفظة (تصدقوا) في القرآن الا في هذه الآية، وتوالي الألفاظ التي تنفرد بها هذه الآية وموضوع الإعسار يعطي خصوصة لها وللرفق بالمعسر وان أمره عظيم عند الله , فتفضل الله عز وجل ودعا الدائن بالإمهال، لذا يكون إمهال المعسر واجباً، أما الصدقة فهي عنوان اضافي وأمر آخر مستقل عن الإمهال يستلزم درجة من التقوى وحب الخير والشوق الى الثواب.
وموضوع التصدق في الآية يحتمل وجوهاً:
الأول: التصدق بمقدار الدين على المعسر.
الثاني: التصدق والإنفاق مطلقاً بمعنى ان الآية تأمر بمسألتين:
الأولى: إمهال المدين المعسر.
الثانية: التصدق والإنفاق في سبيل الله تعالى، من غير تعارض بينهما، فإمهال الدائن لا يحول دون الإنفاق ولا يكون عذراً لأرباب الأموال للامتناع عن الإنفاق والصدقة، فحينما يأتيه فقير او محتاج ويسأله فلا يجيبه بأني أمهلت معسراً وهو صدقة لي فلا أتصدق بغيره.
قال تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] ( ).
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد ، وتصديق ذلك في كتاب الله { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) ( ).
الثالث: الأمر بالتصدق مطلق يشمل كل مسلم، سواء حال إمهاله معسراً أو لا، وهو ظاهر الأمر بالتصدق في الآية وقرائتها على نحو مستقل عن سياق الآية الشريفة وموضوع الإعسار.
الرابع: تريد الآية تثبيت حقيقة شرعية وهي بيان الإمهال وما فيه من النفع، فهناك أمر أفضل وأحسن منه وهو التصدق والإنفاق في سبيل الله تعالى خصوصاً وانه ليس كل دائن يمهل معسراً، وقد لا يستطيع بعضهم اقراض الآخرين ولكنه يستطيع التصدق بما يقدر عليه.
وعن (ابن مسعود وأبي أمامة وزيد بن أسلم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا : نزلت {مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ( ) الآية.
فلمّا نزلت قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله، إنّ الله يستقرض وهو غنيّ عن القرض.
قال : نعم.
يريد أن يدخلكم الجنة قال : فإنّي إن أقرضت ربي قرضاً تضمن لي الجنة؟
قال : نعم.
من تصدّق بصدقة فله مثلها في الجنّة) ( ).
الخامس: جاءت الآية بصيغة الجمع مما يعني الحث على الصدقة وما هو أعم من الإعسار، ومن وجوه الصدقة بقرينة الحال القضاء عن المدان والمساهمة في أداء دينه.
السادس: تشرع الآية قوانين عامة لضبط المعاملات والتداخل بينها وبين العبادات ونفي التعارض بينها، وعدم الانشغال باحداها عن الاخرى، فمن قوانين المعاملات أمهال المعسر، ومن الواجبات الإنفاق في سبيل الله تعالى، وصدقة النافلة، لتنبسط منافع العبادات على المعاملات فتنفي عنها أسباب الكدورات والفتن.

إحصاء الوضع عن المدين
مع ان إنظار المدين العاجز عن الوفاء واجب فان الصدقة قد تكون مستحبة ، ومع هذا فهي خير للدائن لا لأن المستحب أفضل من الواجب بل لما في استحباب الصدقة من أمور منها:
الأولى : إبراء ذمة المدين، والإمهال لا يبرئ ذمته ولكنه تأجيل لأوان الأداء.
و(عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أنظر معسراً كان له بكل يوم مثله صدقة) ( ).
الثانية : رفع أصل وجوب الإنظار عن الدائن نفسه.
الثالثة : إحراز ثواب الصدقة والإنظار معاً.
الرابعة : قد تأتي الصدقة على شطر من الدين فيجتمع الإنظار مع الصدقة في موضــوع واحــد، كما لو كان مجمــوع الدين مائة دينار فيحتسب خمسين منها زكاة ويمهله بالخمسين الاخرى الى حين الميسرة , وهو من مصاديق آية البحث [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ]( ).
وأفضلية الصدقة وما فيها من الخير لا تنحصر بالذين يتصدقون باموالهم او خصوص الذين يسقطون ديونهم بل يشمل المسلمين جميعاً، فيتصدق بعض أرباب الأموال ولكن الخير يترشح على جميع المسلمين، لما في الصدقة من الامتثال ونشر مضامين الإحسان وعناوين الاصلاح، وفي الآية بشارة عن استحداث نعم بالتصدق وطرد للأذى والبلاء بالتصدق , وهو من عمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
وقيل: ان قوله تعالى [ خَيْرٌ لَكُمْ ] لا يليق بالواجب بل بالمندوب، ولا دليل على هذا التقييد خصوصاً على المعنى الأعم في الخير، وحتى على فرض ارادة الذين يسقطون الديون من أموال الزكاة التي في ذمتهم، فهــو خير لهم في الأجر والثواب، والنجاة من الهم وانشغال البال بمبلغ الدين ومراحــل الإمهال، بالاضــافة الى الثناء في الدنيا وظهور الحسن الذاتي لاسقاط الدين سواء كان عن صدقة واجبة او مستحبة.
والحث على التصدق في الآية لم يوجه الى أصحاب الأموال والحقوق الشرعية فقط بل يشمل المسلمين جميعاً، فقد يأتي اسقاط الدين بتعدد أفراد المتبرعين وبجمع أموال الصدقات، أو بوجود سعاة للخير والإنفاق، فمن الناس من لم تكن له قدرة على التصدق ولكنه يستطيع السعي في دروب الخير ويصل الى المحسنين ويخبرهم بصور من الفقر والفاقة.
ليكون من مصاديق قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ) الترغيب في السعي لإطفاء الديون عن المعوز , أو الإعانة في قضائها , أو حضّ الدائن على التصدق بها على نحو الموجبة الكلية أو الجزئية .
فالآية تدعو المســلمين جميعاً الى اســتثمار موضــوع الصدقة للارتقاء في النشأتين واشاعة الإحسان واجتناب الشح والبخل، وتقديم مسألة حل العقد والنزاعات وعدم بقاء ظاهرة الديون معلقة، فكثرة الديون بين الأفراد والمؤسسات والدول تعطيل للأعمال التجارية ومدخل لشلل يصيب الاقتصاد ولعله سبب من اسباب البطالة والركود.
وتأتي الصدقات الواجبة والمندوبة لتكون إرشاداً سماوياً للتخلص او التخفيف منها.
قوله تعالى [ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ]
خطاب موجه للمسلمين جميعاً مع لحاظ موضوع الآية وهو إمهال المدين العاجز عن الوفاء والأمر بالصدقات، وفيه وجوه:
الأولى : ان كنتم تعلمون بالثواب العظيم الذي يترتب على الصدقة، وهو أمر تشير له الآية التالية بالتذكير بالآخرة.
الثانية : بما يجلب من المصالح في الصدقات وما يدرء فيها من المفاسد والشرور.
الثالثة : تعلمون وجوب الصدقات عليكم , ويكون إعسار المدين موضوعاً قهرياً طارئاً لدفعها.
الرابعة : الحكمة في تشريع الصدقات.
الخامسة : تعلمون بأن الله تعالى يعلم ما سيؤول اليه أمر بعض الديون فجعل الزكاة وسيلة لاسقاطها.
السادسة : ان كنتم تعلمون بالعواقب الحميدة لاشاعة الصدقات.
السابعة : مع ان إمهال المدان احسان وخير الا ان الصدقة أفضل منه، وقد يكون من الفقراء من هو محتاج الى الصدقات أكثر من المدان العاجز عن اداء الدين، فالآية تنبيه الى ملاحظة مواطن الحاجة والعوز.
الثامنة : الآية دعوة للجمع بين الإمهال والصدقة، سواء التصدق على المدان نفســه بإعانته في حوائجــه وتوفير مؤونــته مع اســقاط دينه او بإمهاله، لو رضــي الدائن بالمد في مــدة أجل الدين مدة معينة مع اعطائه من الزكاة او الصدقات المندوبة ما يعيل به عياله او يساعده في الكسب والسعي وما يتفصى به من الديون ويخرج منها.
التاسعة : ان كنتم تعلمون ان الخير كله بيد الله تعالى وانه سبحانه [يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( )، ويمنّ على المدين فيجعله في سعة وغنى.
العاشرة : الآية دعوة للدراسات الكلامية والنظر بعين البصيرة في مصالح الأمة وهداية الناس، واعطاء الأولوية للتدارك ودرء الاخطار ودفع الفتن، ولزوم معالجة القضايا الشخصية وتأمين موارد الدخل الفردي، لأن كثرة الديون والعجز عنها ظاهرة تستحق العناية والتعاون العام للقضاء عليها وتقليصها , قال تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
الحادية عشرة : ان كنتم تعلمون بان عقائد الاسلام لا تنحصر بأمور العبادة بل تشمل شؤون الحياة المختلفة، وان آيات القرآن تنفذ الى أدق الأمور الاجتماعية والمعاشية وتجعل لها الحلول الناجحة وتهدي الى التخلص منها، لتحكم الضوابط الشرعية أنماط السلوك الانساني والواقع الاجتماعي.
الثانية عشرة : ان كنتم تعلمون بضرورة التخلص من الربا موضوعاً وأثراً وداءً يهدد النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لتكون الصدقة كفارة خطيئة الآكل لمال الربا وزجراً له وحرباً على الاخلاق الذميمة.
الثالثة عشرة : ان كنتم تعلمون بما أعد الله عز وجل للمتصدقين والمتصدقات , قال تعالى [جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى]( ).


قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] الآية 281.

القراءة والإعراب واللغة
قرأ أبو عمرو بن العلا (ترجعون) بفتح التاء، وباقي القراء بضم التاء( ).
(واتقوا يوماً ترجعون فيه) الواو: حرف عطف، اتقوا: فعل أمر، الواو: فاعل.
يوماً: مفعول به منصوب بالفتحة .
ترجعون: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، الواو: نائب فاعل.
فيه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال.
إلى الله : جار ومجرور .
(ثم توفى كل نفس) ثم: حرف عطف للترتيب مع التراخي، توفى: فعل مضارع مبني للمجهول.
كل: نائب فاعل مرفوع، وهو مضاف، نفس: مضاف اليه مجرور بالكسرة الظاهرة تحت آخره.
(ما كسبت) ما: اسم موصول في محل نصب مفعول به ثان، جملة كسبت لا محل لها لأنها صلة.
(وهم لا يظلمون) الواو: حالية، هم: مبتدأ، لا: نافية، يظلمون: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، الواو: نائب فاعل، جملة (لا يظلمون) في محل رفع خبر.
ورجع يرجع رجوعاً ورجعى: انصرف وعاد، وفي قوله تعالى [ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ]( )، اي ردوني الى الدنيا.
والمراجعة: المعاودة ويقال أوفى الكيل اي اتمه ولم ينقص منه شيئاً، والوفاء ضد الغدر، (يقال وفى بعهده واوفى بمعنى) ( )، ووفى الشيء: كثر.
في سياق الآيات
بعد آيات الإنفاق وآيات الربا جاءت آية التقوى والتذكير بالآخرة لوجوه :
الأول : البحث على العمل بمضامين الآيات السابقة من ترك الربا , ومن إمهال المعسر في الدَين لقوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ]( ).
الثاني : التوكيد على الإنفاق واجتنــاب الربا والتخلص من ذمائم الأخلاق.
الثالث : وجوب استحضار عالم الجزاء الأخروي في الوجود الذهني والمجتمعات.
الرابع : الآية مقدمة لأطول آية في القرآن وهي آية الدَين لاستحضار تقوى الله في موضوع الدًين إدانة واستدانة وكتابة وشهادة.
الخامس : الترغيب بالعمل بمضامين الآية السابقة لدلالة آية البحث على أولوية العمل للآخرة , قال تعالى [وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى]( ).
قد تكرر لفظ (ترُجعون) في سورة البقرة وحدها ثلاث مرات وهي :
الأولى : قوله تعالى [كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الخامسة : قوله تعالى [وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
السادسة : قوله تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ]( ).
السابعة : قوله تعالى [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ]( ).
الثامنة : قوله تعالى [وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
التاسعة : قوله تعالى [وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
العاشرة : قوله تعالى [إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الحادية عشرة : قوله تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ]( ).
الثانية عشرة : قوله تعالى [اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الثالثة عشرة : قوله تعالى [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ]( ).
الرابعة عشرة : قوله تعالى [وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الخامسة عشرة : قوله تعالى [فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
السادسة عشرة : قوله تعالى [قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
السابعة عشرة : قوله تعالى [وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] ( ).
الثامنة عشرة : قوله تعالى [وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
التاسعة عشرة : قوله تعالى [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ]( ).
وتدل كثر عدد آيات (ترجعون) على وجوب الإستعداد لعالم الآخرة , وأن النشور حق والوقوف بين يدي الله عز وجل للحساب ثم الجزاء حق .
إعجاز الاية
تبين الآية لزوم خشية اهوال يوم القيامة وهذه الخشية لا تنحصر بالخوف بل بالإستعداد له بالعمل الصالح واجتناب السيئات.
وتؤكد العدل الإلهــي وما يحكـم الآخرة من الموازين والأحكام، وتبعث السكينة في النفس من انتفاء الظلم في الآخرة، وتتخذ الآية الآخرة سلاحاً لضبط سلوك الإنسان في الدنيا، كما تجعل من الدنيا مزرعة للآخرة.
ومن إعجاز الآية ورود (ثُمَّ) بخصوص مواطن الآخرة فلم تقل (وتوفى كل نفس) .
إذ تفيد (ثُمَّ) التراخي والإبطاء للدلالة على عالم البرزخ ويوم النشور والحساب , وهي قبل عالم الجزاء الذي دل عليه قوله تعالى [ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ] ( ).
ومع مجئ الآية بصيغة الخطاب فإنها اختتمت بصيغة المجهول (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) وفيه وجوه :
الأول : إنه من علم الإلتفات في البلاغة والإنتقال في صيغة الكلام .
الثاني : الآخرة دار حساب من غير عمل .
الثالث : إرادة قانون عام يشمل الناس جميعاَ بانتفاء الظلم في الآخرة .
الرابع : تذكير الظالمين بقبح الظلم , وأنهم مع ظلمهم لا يظلمون في الآخرة , ليكون دخولهم النار عن استحقاق .
وعن ابن عباس في آية البحث قال (إنها آخر آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ( ).
ويمكن تسمية هذه الآية آية بـ(ثُمَّ تُوَفَّى).
وقد ورد هذا اللفظ مرتين في القرآن , إذ ورد في قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( ).
الآية سلاح
في الآية منافع من جهات :
الأولى : قانون تهذيب النفوس .
الثانية : قانون اصلاح الأعمال .
الثالثة : الآية دعوة للسعي في سبل الصالحات والإكثار منها لتكون حرزاً وذخيرة ليوم الحساب , قال تعالى[وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا] ( ).
ومن معاني هذا الباب وجوه :
الأول : الآية سلاح بلحاظ مضامين الآية أو الآيات السابقة.
الثاني : بيان الآية لأحكام مخصوصة .
الثالث : قانون بعث الآية على العمل بأحكامها والترغيب فيه.
الرابع : زجر الآية عن الإعراض عن مضامينها وأحكامها , قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
وتتضمن آية البحث الإنذار من حلول أجل الموت , ترى ما هو المراد من اليوم في قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا] ( ) يوم القيامة أم يوم مغادرة الدنيا المختار الأول , ومفارقة الروح الجسد مقدمة له .
أسباب النزول
عن الطبرسي: (قال المفسرون [إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليتني أعلم متى يكون ذلك، فأنزل الله تعالى سورة النصر [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( ).
فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسكت بين التكبير والقراءة بعد نزول هذه السورة فيقول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب اليه .
فقيل له: انك لم تكن تقوله من قبل هذا، فقال: أما ان نفسي نُعيت إليّ ثم بكى بكاءاً شديداً .
فقيل: يا رسول الله أوتبكي من الموت وقد غفر الله لك [مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ]( ).
قال: فأين هول المطلع وأين ضيق القبر وظلمة اللحد وأين القيامة والأهوال.
فعاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول السورة عاماً تاماً ثم نزلت [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ…] الى آخر السورة وهذه السورة آخر سورة كاملة نزلت من القرآن، فعاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدها ستة أشهر ثم لما خرج رسول الله الى حجة الوداع نزلت عليه في الطريق [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ…] ( )
الى آخرها( ) فسميت آية الصيف ثم نزل عليه وهو واقف بعرفة [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ…] الآية.
فعاش بعدها احدا وثمانين يوماً ثم نزلت عليه آيات الربا ثم نزلت بعدها [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ..] وهي آخر آية نزلت من السماء. فعاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدها احدا وعشرين يوماً، وقال ابن جريج تسع ليال، وقال سعيد بن جبير ومقاتل سبع ليال( ).
أوان النزول
لنزول هذه الآية خصوصية زمانية وعقائدية فقد وردت بعض الأخبار التي تفيد انها آخــر آيات القرآن نزولاَ وكأن التنزيل يجعــل وصية عند الإنســـان وهي خشـــية يوم القيامة ويجعـل اختتامه بالإستعداد لأهواله .
فكما يغــادر التنزيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الى يوم القيامة فانه يجعل آخر آية يودع بها ويختتم بها الآيات النازلة هي الإستعداد للأخرة ليخبر بانه سيغادر ليكون حاضراً يوم القيامة يستقبل من عمل بآيات القرآن فيشهد ويشفع له ومن الأخبار:
الأول : انها آخر آية نزلت بمنى، وكان بينها وبين موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحد وثمانون يوماً، عن ابن عباس( ).
الثاني : انها آخر ما انزل من القرآن كله، وعاش النبي بعد هذه الآية تسع ليال عن سعيد بن جبير، وقيل عاش بعدها واحد وعشــرين يوماً وقيل: سبعة ايام وقيل ثلاث ساعات وهو بعيد، فعمدة هذه الأخبار ما ورد عن ابن عباس مع صحة السند.
وورد لفظ (واتقوا الله) ثلاث مرات في القرآن كلها في سورة البقرة وهي :
الأولى : قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ]( ).
الثالثة : آية البحث.
مفهوم الآية
تدعو الاية لإســتحضار يوم القيامة في ميادين العمل اليومي وتمعن من التفريط باستذكار اهوال الحساب، لأن تذكرها واقية من السيئات ورادع للنفس من التمــادي ومتــى ما ادرك الإنســـان انه عرضـة للحساب وان عمله يراه مولاه فانه يكون ضرراً يتجنب الخطأ والتقصير، ويحرص على حسن الأداء والبحث عن طرق الأتقان والإبداع ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ).
فجاءت هذه الاية لتدعو الإنسان الى الإنفاق في سبيل الله تعالى واعانة الفقراء ونبذ الربا بالتذكير بالآخرة، فمن لم يسعفه عقله ورأفته باخيه الإنسان يأتي بيان اهوال يوم القيامة ليكون وسيلة لإصلاحه وقيامه بوظائفه العبادية والأخلاقية، قال تعالى [قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ]( ).
وبذا يكون التذكير بالآخرة حاجة في سبل الصلاح، وواقية من الذنوب بالإضافة الى ان المعاد حق وأمـر حتم، فالله سبحانه لم يبق اليوم الآخر ميقاتاً للحساب من غير الإخبار عنه والتحذير منه، بل انعم علينا بالتذكير به في كل مناســبة ليكون جــزء من الوجود الذهني عند كل مسلم ويدفع للإنفاق والمســارعة في الخيرات، فقد لا يســتجيب انسان للأمر بإمهال الغريم لأنه بحاجة الى المال، فيستحضر الآخرة وأهوال الحســـاب فيقول ســأكون يومئــذ فقيراً واحتاج الى العفو والمغفرة منه، فليكن عفــوي واسقاطي للدين مقدمـــة لما التمـسه من العفو يومئذ خصوصاً وان الله عز وجل امر بالتصدق والإنفاق، ويذا تكون للتذكير بالآخرة موضوعية في عمل الصالحات والتسابق في الخيرات .
وله وظيفة واثر لا يمكن لغيره من الأعمال القيام بها، وهو المؤازر لعمل الأنبياء فما من نبي الا انتفع في نشر رسالته بالتذكير بالآخرة.
وبيان اهوال عالم البرزخ التي هي مقدمة للحساب يوم القيامة، وتدعو الآية الى العمل في مرضاة الله واجتناب ظلم الآخرين والتعدي على حقوقهم ، قال تعالى [أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]( ).
إفاضات الآية
تبعث الآية الخشــية من يوم القيامــة وتخــبر في نفس الوقــت عن طرق التخلص من الخوف منه بما تقدم من آيات الإنفاق واداء العبادات لقيام الحجة على العقل الإنســـاني بقاعـــدة الإشتغال ووجوب العبادات، وهي ترغيب بالصدقات وزجر عن الربا، فاذا تصور الإنسان اهوال الآخرة فانه يهرب عن كل سبب يؤدي به الى النار والعذاب الشديد.
كما انها تنمي الشوق في قلب المؤمن للقائه تعالى، وتجمع الآية بين امرين:
الأول: التقوى والحذر من يوم القيامة ، قال تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ]( ).
الثاني: الإخبار عن الرجوع الى الله تعالى.
والثاني نوع سكينة وامل وتبديد للخوف ومنع للحزن.
التفسير
قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ]
يحتمل الأمر والخطاب في الآية وجوهاً:
الأول: الذيــن يتعاطــون الربا وتــابوا عـنه ولهم ديــون في ذمــة الآخرين.
الثاني: المستحلون للربا ممن لم يتب ولم يكف عنه.
الثالث: الدائنون الذين امهلوا الغرماء بسبب الإعسار.
الرابع: الأغنياء من المسلمين القادرون على الصدقة والإنفاق.
الخامس: المسلمون جميعاً للتنبيه والتحذير من يوم القيامة.
السادس : الناس جميعاً، لأن الحشر والوقوف يوم الحساب لا ينحصران بالمسلمين بل ان الكافر اكثر حاجة للإنذار والتنبيه من أهوال يوم القيامة.
والمختار هو الوجه السادس، فالآية خطاب وانذار للناس جميعاً واخبار عن امر حتمي وحاصل وهو البعث والنشور، وفيه لطف ورحمة من الله تعالى، ورحمته تتغشى الناس جميعاً برهم وفاجرهم.
ومن وجوه الرحمة تحذيرهم من أهوال يوم القيامة وحثهم على الإستعداد له بالصالحات، وترغيبهم بها ودعوتهم اليها ونهيهم عن ترك العبادات والفرائض التي هي وسيلة لإجتياز الأهوال والمشاق يومئذ، فليس للكافر ان يأتي يوم الـقيامة ويقـــول لم اعــرف ان هناك معاداً وجنة وناراً فالآية تلطــف به بتحــذيره، بل ان تحذير الكفار في هذه الآية مركب واكثر مما موجه منه الى المسلمين، بلحاظ ان المسلمين فقهوا ما في الآية وعملوا باحكامها، وعملهم هذا دعوة اضافية للكفار وحجة عليهم.
فحينما يرى الإنسان غيره يبادر الى فعل حسن ويصدق به فلابد له من التأثر بفعله والإلتفات اليه ومحاكاته او النظر اليه بعين البصيرة وتلمس ما فيه من المنافع والفوائد الا ان تغلب عليه النفس الغضبية واسباب الحسد فيقابله بالجحود والعناد والإصرار، فالمسلم جاءته الآية فآمن بها، والكافر من قريش جاءته الآية وعمل المسلم بها كحجة عليه ولم يستجب بالإضافة الى ان المسلم سمعها مرة أو مرات معدودات فاستجاب وآمن وامتثل لمضامينها القدسية، اما الكافر فان الآية تلح عليه كل يوم وتدعوه كل ساعة بلسانها او بالشواهد السماوية والأرضية والأنسية.
وهل يكفي دخول الإسلام لتحقيق صدق عنوان الخشية من يوم القيامــة، الجواب لا ، فلابــد من التقيــد باحكام الشريعة وسنن العبادات، فالآية دعوة لإتيان ما امر الله عز وجل به واجتناب ما نهى عنه.
معنى اليوم
اليوم الوارد في الآية يراد منه وجوه:
الأول: يوم القيامة وعالم الحساب.
الثاني: عالم الآخرة ابتداء من دخول القبر الى دخول الجنة أو النار.
الثالث: عالم البرزخ.
الرابع: اليـــوم الذي يمــوت فيه الإنســان فهو يــوم رجــوعــه الى الله، فكأن الخطــاب انحــلالي كل انســان له يوم مخصــوص يرجــع به الى الله.
والمختار ان اليوم جامع للوجوه الأربعة اعلاه، وفي الحديث: (من مات فقد قامت قيامته)( ).
ويمكن تشريع قاعدة كلامية وهي: اذا دار الأمر في الخشية بين المتحد والمتعدد، والأقل والأكثر، فالأصل هو المتعدد والأكثر الا مع القرينة الصارفة، والآخرة كلها دار حساب بلا عمل، ورجوع الى الله، واليوم أعم من ان ينحصر بما بين الطلوعين ، فيأتي عنواناً للوقائع والأحداث والمعارك التي تستمر سنوات، فهو هنا مغادرة الدنيا.
دلالة (تُرجعون)
مجيء الآية بصيغة (ترجعون) له دلالات عقائدية تتعلق بعالم الدنيا وعالم الآخرة مجتمعين وكلاً منهما على حدة، وان كان الأصل في موضوعها هو عالم الآخرة ومن هذه الدلالات:
الأول: حتمية الإنصراف من الدنيا، وتلك حقيقة يعرفها كل انسان من اول البديهيات التي يتوصل إليها في صغره، ولمطابقتها الواقع اليومي فلا يشملها الجهل المركب او الظن اوالتقليد.
والقضية اليقينية تنقســم الى :
الأولى : بديهية .
الثانية : نظرية كسبية .
ومن الآيات ان الرجوع الى الله تعالى من القســمين معاً وكذا بالنســبة لأصول الدين، تخفيفاً منه تعالى عن العباد وتيسيراً لإيمانهم وهو جزء من الثوابت في فطرة الإنسان واصل خلقه ومن مفاهيم نفخ الروح فيه وافراد الحاجة التي تلازم الممكنات ومنهــا الإنسان لأن الحاجة من الكلي المشكك ولابد من بلوغ بعض افرادها ادراك الحاجة الى الله تعالى كعاقبة لزهــوق الروح.
فالآية تذكير بحتمية مغادرة الدنيا، ومع ادراك هذه الحقيقة يتفرع عنها قهراً السؤال عما بعد الموت.
الثاني: الجواب الإلهي عن سؤال يواجه النفس الإنسانية كل يوم اذا كان الموت امراً حتمياً فماذا بعد الموت؟ ويحدث الإنسان نفسه اذا كنت استعد للغد بالجهد والكسب وجمع الأموال وانا لست ضامناً البقاء حياً فيه، فماذا اعددت للآخرة.
الثالث: قد تقــدم ان الخطاب في الآية لكل الناس الا انه لا يمنع من التباين في شدته وضعفه ودرجة التنبيه والتحذير فهو وعيد للكافرين وتثبيت للمؤمنين، وزجر عن المعاصي وامر بالصالحات.
الرابع: الآية دعوة للزهــد في الدنيا فمــتى ما ادرك الإنســان ان اقامتــه في المكان لن تطــول كثـيراً فانه لا يكــثر من البناء فيه ولا يجتــهد في اعــماره.
واخرج ابن المبارك عن مجاهــد قال: لما اهبــط آدم الى الأرض قال له ربــه عز وجــل: ابن للخــراب ولــد للفــناء( ).
الخامس: في الآية اخبار عن صيرورة كل مخلوق الى الفناء والهلاك والرجوع الى المعاد، وادراك الإنسان لهذه الحقيقة يؤثر في اختياره وفعله وارادته.
موضوع الآية
لا ينحصر موضوع الآية بصيغة الخطاب بل يشمل الغائب والفرد الآخر ، وفيها مسائل:
الأولى: بر الآباء والأمهات الأموات بالإستغفار لهم، واداء العبادات التي فاتتهم كالحج الواجب بالذات او بالعرض اي بالإستطاعة او النذر.
(قال النبي صلى الله عليه واله: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به ، أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له)( ).
الثانية: الإستغفار للأحياء وامرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الثالثة: تصاغر الطواغيت ومطلق الظلمة في عين الإنسان، فمتى ما ادرك الإنســان ان الموت ينتــظر هــؤلاء وانهم لابد وان يهلكوا فان اذاهــم يهون علــيه ويمتلك واقية للإحتراز من الإفتتان بهم.
الرابعة : الزهد في الدنيا واجتناب الحرام والسحت، ومنه الربا واكل المال بالباطل، فهذه الآية جاءت بعد آيات الربا للنهي والزجر عنه بالواسطة والدلالة العقلية والإلتزامية، اما النص الصريح بالمنع عنه فقد جاءت به الآيات السابقة، وهذا علم ينفرد به القرآن، فبالاضافة الى النص والنهي الصريح مع العبد للرجوع عن المعصية يأتي البرهان بالمحسوسات وهي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة الحس، والشواهد من حوله فيزهد بالمال ويترك الإصرار على المعصية، ويجعل الأولوية للتنزه من الحرام وهذا من اللطف الإلهي، وكم من انسان ادركته التوبة لموقف او حالة او حادث حصل امامه او سمعه فاعتبر منه وبدأ رحلة الإيمان والتقوى.
الخامسة : تحث الآية على التوبة والإنــابة الى الله تعالى استعداداً للقائه سبحانه.
السادسة : الآية دعوة للإكثار من الإسترجاع وهو قول [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ويستحب مطلقاً خصوصاً من المعصية لما فيه من التسليم بأمره تعالى، وفيه ثواب عظيم لأنه عنوان الإقرار بالرجوع اليه سبحانه.
السابعة : تدل الآية عــلى ان المــوت مقدمة للقــائه تعـالى وان النشور حق.
تنكير (يوم)
اليوم في الآية عنوان الوعاء الزماني والأجل الذي يغادر به الإنسان الدنيا ويقف للحساب، وجاء (يوم) بصيغة التنكير لوجوه:
أولاً: اوان موت الإنسان غير معلوم عنده.
ثانياً: من العلم الذي اختص به الله نفسه علم الساعة واوان يوم القيامة، فاذا ورد اليوم بصيغة التعريف فالمراد علمه تعالى به وحتمية حصــوله والعلم الإجمالي عند الناس بوقوعه وانه يأتي بعد الموت والفنــاء، وكأنه من المعلول الــذي لا يتخلف عن علته.
ومن افاضات القرآن انها تجعل مسألة الموت والنشور من العرض اللازم الذي يمتنع انفكاكه عقلاً، ويكون حاضراً عند القول والفعل ويعرف الإنسان ضرورة اجتناب الربا والحرام بالمفهوم اللازم البين بالمعنى الأخص وهو الذي يؤدي استحضار ملزومه في الذهن حضوره ايضاً من غير ان تصل النوبة الى توسط مقدمة اخرى.
صيغة الجمع
جاءت الآية بصيغة الجمع (ترجعون) وفيه مسائل:
الأولى: التعــاون على الإســتعداد للآخــرة ليكون كل انســان عوناً لغيره في حثه على الصالحات واجتناب النواهي.
الثانية: صيغة الجمع تمنع من الظلم فمتى ما ادرك الإنسان ان غيره سيكون معه يوم القيامة فانه يتجنب ظلمه والإعتداء عليه لأنه يشتكي بين يدي الله عز وجل.
الثالثة: اجتناب الربا واخذ المال بالباطل لأن المقترض يلتقي يوم القيامة مع المرابي ليبين ما لاقاه من الأذى والإجهاد في دفع الإرباح والفوائد له.
الرابعة: الحرص على شــهادة الفقير والمحتــاج له بالإعانة فحينما يعلم المحسن ان الفقير يكون حاضراً يوم القيامة، فانه يرجو شهادته ودعاءه، ويكرمه في الدنيا ويجتنب المن والأذى كي لا يشكوه يوم القيامة، ويبتعد عن الشح والبخل احترازاً من قيام الفقراء بمطالبتهم له بحقوقهم من الصدقات، لذا تفضل الله بوجوب الزكاة ، قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
ومن إعجاز الآية أعلاه ورودها بلفظ الصدقات لتشمل الصدقة الواجبة كالزكاة والخمس والصدقات المستحبة .
الخامسة: صيغة الجمع في الإخبار عن الرجوع الى الله دعوة سماوية لتهذيب الأخلاق ونبذ العادات السيئة والذنوب الإجتماعية، كالغيبة والنميمة والإفتراء.
مسائل في الآية
الأولى : الآية دعوة للإبتعاد عن الأخلاق الذميمة كالكبر والغرور والرياء، فمتى ما ادرك الإنسان انه يجتمع مع النمام في موطن ويعرضون للحساب ليس فيهم حاكم او قاضي او وزير او ملأ وأعوان، فالكل مسؤول عن عمله، فانه يتواضع للناس ويستحي من الله.
الثانية : من مصاديق هذه الآية العملية اداء مناسك الحج، واشتراك المسلمين بادائها بعرض واحد ولباس واحد يذكر بالآخرة والرجوع اليه تعالى.
الثالثة : يأتي الرجوع بمعنى العودة فالآية تبين اصل الخلق وانه من عند الله تعالى وابتدأ بخلق آدم ، وتفضله تعالى بالنفخ فيه من روحه.
الرابعة : الرجوع الى الله عنوان الرحمة ويبعث في النفس السكينة وفيه اخبار بحصول الراحة من تعب وعناء الدنيا.
الخامسة : الرجوع الى الله تعالى ليس فيه موضوعية للمكان او لجهة لأنه تعالى منزه عن المحل والمكان كما انه معنا في الدنيا وعالم بكل شيء، لكن الرجوع بمعنى انتفاء التكليف والإختبار والإبتلاء والدخول في عالم آخر غير الدنيا.
السادسة : كما امر الله ســبحانه بامهال الغريم العــاجز عـن الدين فان تأخير الرجوع إلى الله تعالى مدة العمر من الإمهال والإنظار لعمل الصالحات وقضــاء الإنســان ما عليــه من الواجب والعبادة.
الحيطة ليوم القيامة
اليوم لغة زمان مخصوص يمتد من طلوع الشمس الى مغيبها، او يبدأ من طلوع الفجر، والمراد هنا يوم القيامة، وفي الإتقاء منه وجوه:
أولاً: الخشية والإتقاء منه بالذات كمناسبة وعالم آخر.
ثانياً: المراد اتقاء ما فيه من الأهوال والفزع والحساب.
و(عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)( ).
ثالثاً: انه مناسبة تحديد الوجهة والمصير، اما الى الجنة والخلود فيها برجحان الحسنات، او الى النار والمكث فيها بكثرة السيئات وزيادة كفتها.
والأصح هو المعنى الأعم الشامل للوجوه الثلاثة اعلاه.
وقال القاضي: اليوم عبارة عن زمان مخصوص، وذلك لا يتقى وانما يتقى ما يحدث فيه من الشدة والأهوال( ).
ولكنه قياس مع الفارق، فعالم الآخرة له نواميسه الخاصة ويوم القيامة بذاته عنوان للحساب وليس اواناً له فقط، واصل الكلام ان يحمل على ظاهره الا مع القرينة الصارفة، والآية تحتمل الظاهر وغيره خصوصاً وانه في مقام التحذير والوعيد والتخويف، نعم تبين الآية نعت هذا اليوم وانه أوان الرجوع الى الله تعالى ما يلزم الإستعداد والتهيء له.
بحث كلامي
من معاني الآية قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) ففيها تحذير وتنبيه وبيان واخبار عن حتمية المعاد، كما انها ظاهرة بالمعاد البدني وان الرجــوع الى الله عــز وجــل يكون بالأجســام والأرواح مما يـعنــي ان الله عز وجــل يعيد الأجســام بعد المــوت ومغــادرة الروح لهــا وتفــرقها.
واستدل على المعاد باجماع المسلمين وصحيح ان اجماع المسلمين حجة لكن لا تصــل النوبة اليه في اصــل الإســتدلال للآيات الصريحة التي تـــدل على حتمية المعـــاد ومنها هذه الآيات، وللنصوص المتواترة من الســنة النبوية، فالإجمــاع فرع الآيــات التي تؤكــد المعاد وهــي قطعية الدلالة وليســت ظنية، وكذا بالنســبة للســنة النبوية، كما استدل على المعاد (بانه لو لم يكن حقاً لقبح التكليف فالتكليف مشقة مستلزمة للتعويض عنها، فان المشقة من غير عوض ظلم وذلك العوض ليس بحاصــل في زمان التكليف، فلابد حينئذ من دار اخرى يحصل فيها الجزاء على الأعمال، والا لكان التكليف ظلماً وهو قبيح تعالى الله عنه( )،
ولكن موضوع التكليف اعم من ان ينحصر بالعوض والثواب، بل هو جزء من علة الخلق ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( )، وباب للشكر له تعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى ومنها التكليف نفسه فلذا جاء التحذير والدعوة للاستعداد بالعمل الصالح ليوم الرجوع اليه ولزوم التقدم بمضامين الشكر والسعي في مرضاته تعالى، فكأن الإنسان بعث الى الحياة الدنيا بوظيفة واداء رسالة وانجاز عمل وعندما يرجع الى الله يسأله عن ادائه لرسالته وما وجب عليه فعله ازاء نفسه وازاء الدين والناس وفيما يخص شؤون الدنيا والآخرة ، والعوض في الدنيا على الصالحات أضعاف مضاعفة لها.
نعم يكون البعث مناسبة للحساب والجزاء لأن الناس منهم من ادى ما عليه ومنهم تخلف وقصر ومنهم من جحد وكفر، فيأتي الثواب بالجنة للمحسنين فضلاً من الله تعالى والعقاب بالنار عقوبة واستحقاقاً للكافر والجاحد.
وحشر الأجسام ممكن عقلاً ونقلاً، وقد خلقت من العدم فمن باب اولى امكان اعادة جمعها، والله عز وجل قادر على كل الممكنات، والممكن هــو الذي لا يتحقق وجــوده ولا عـــدمه لذاتــه، فلابد من ســبب خارج عنه في ايجــاده واستمرار وجوده، وفي التنزيل [ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ]( ).
لقد ورد لفظ (ترجعون) في القرآن تسع عشرة مرة ولفظ (يرجعون) ست مرات، وكلها بخصوص رجوع الناس بعد الموت الى الله تعالى ورحمته ورأفته في دار الحساب .
لم يأت الرجوع بهذا المعنى لغيره تعالى في القرآن وكأن معنى الرجوع جعله الله عز وجل خاصاً به في القرآن ليكون شاهداً قرآنياً على ربوبيته ولتوكيد موضوعيته ولحث الناس للإلتفات لهذه الحقيقة من الإرادة التكوينية.
قوله تعالى [ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ]
(ثم) حرف عطف يقتضي التشريك والترتيب والتراخي، وقد لا تفيد معنى التراخي كما في قولك (غربت الشمس ثم افطرت)، وفي الآية يجتمع الأمران معاً، فتفيد معنى التشريك والترتيب، كما تفيد التراخي تارة وتفقده تارة اخرى لتعدد مفاهيم الآية.
فتكون الآية فاقدة لمعنى التراخي لأن الحساب الإبتدائي يبدأ مع الإنسان حال دخوله القبر على شعبتين:
الأولى: انقطاع العمل وحال الإختيار اللذين كانا في الدنيا، فلا يستطيع الإنسان بعد الموت المبادرة الى اداء العبادات او التصدق والإنفاق، يرى امواله كيف خلفها للورثة لتكون وبالاً عليه ان اساءوا التصرف بها.
الثانية: بدأ الحساب والعذاب ابتداء من وحشة القبر وضغطته وسؤال منكر ونكير.
جمع المتضادين
والآية تتضمن معنيين متضادين وهما البشارة والإنذار، والوعد والوعيد، البشارة والوعد لمن اتقى الله، وتهيئ ليوم الحساب بالإمتثال للأوامر الإلهية والإنفاق في سبيل الله تعالى، والإنذار والوعيد لمن عصى الله وارتكب المعاصي.
والوفاء والتمام في الآية يحتمل أمرين :
الأولى : تمام ما فعل الإنسان من الصالحات.
الثانية : كل أفعاله من الصالحات والسيئات.
والأصح هو الثاني لما يدل لفظ (كل) والمراد من الكسب المعنى الأعم، قــال تــعــالى [ وَالَّذِينَ كَسَــبُوا السَّــيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ]( )، والكسب طلب الرزق، ويقال كسب الإثم واكتسبه اي عمله، وقيل بالتفضيل فالكسب يراد منه موارد الخير، اما الإكتساب فيراد منه الشر لأن الشر فيه اعتمال، والشر يقصد مع ضرره والزجر عنه فيستلزم السعي في تحصيله.
وهذا التفصيل لم يثبت والآية ظاهرة في ارادة الكسب مطلقاً في الخير والشر، وهو من اعجاز الآية فجميع الناس يخضعون للحساب، والمؤمن يريد ان يرى ثوابه وصدق الوعد بالحساب الذي جاءت به جميع الكتب السماوية وبشر به الأنبياء والمرسلون.
وكل من له عوض يتطلع الى رؤيته، والتنعم به وإدراك المائز بينه وبين العاصي سواء بالثواب والعقاب ، او بالمدح والذم، او بالأمن والخوف.
وقد ورد عن ابن عباس قال (آخر آية نزلت من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ( ).
وعنه أيضاً قال نزلت هذه الآية (نزلت بمنى وكان بين نزولها وبين موت النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : آخر ما نزل من القرآن كله [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ…الآية]( )، عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال ، ثم مات يوم الإِثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّل)( ).
ولو دار الأمر بين حديث عبد الله بن عباس وبين حديث تلميذه سعيد بن جبير وهو من التابعين فالراجح هو حديث ابن عباس مع صحة السند .
آخر آيات القرآن نزولاً فانها جاءت متعقبة لآيات الجهاد والإنفاق في سبيله تعالى واجتناب الربا وهو من افضل المقامات والكسب الكريم.
موضوعية آية [وَاتَّقُوا يَوْمًا]
فهذه الآية دعوة للإمتثال بما ورد في الآيات وفي الآية مسائل:
الأولى: تبعث الآية الطمأنينة في النفس لما فيها من الإخبار عن عدم الغبن او الضرر او فوات بعض الأعمتا فمن يدونها من الملائكة لا ينسى ولا يسهو ولا يظلم ومن ورائهم الله عز وجل الذي احاط بكل شيء علماً.
الثانية: اخبار الآية عن وصول الجزاء تاماً وافياً حث على الإجتهاد في الصالحات والإكثار منها.
الثالثة: معرفة ان الله عز وجل لا يظلم احداً وانه لا تكتب على الإنسان الا سيئاته التي يفعلها والآيات الأخرى تخبر عن العفو والمغفرة الإلهية والآية القرآنية ينظر اليها بحيثيات أربع:
الأولى: على نحو مستقل لذا تجد كل آية عالماً مستقلاً في الموضوع والحكم والدلالة والبرهان والحجة مع عدم التعارض مع تداخلها مع الآيات الأخرى.
الثانية: بحسب سياق الآيات التي سبقتها وجاءت بعدها لذا ورد عن ابن عباس في آية البحث قال (هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبرائيل : ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة)( ).
الثالثة: بحسب موضعها من السورة.
الرابعة: بلحاظ الآيات الأخرى التي تتعلق بذات الموضوع ولو من جهات أخرى مغايرة للجهة التي تعالجها او تخبر عنها الآية فليس من انذار ووعيد في القرآن الا وتقابله دعوة للمغفرة والعفو، ولكن هذه الآية جاءت بصيغة الإجمال والذي هو كالعلم التفصيلي لإنبساطه على كل انسان، فالجزاء يأتي بلحاظ الأفراد بغض النظر عن انتمائهم وأفعالهم وزمانهم حهة الخطاب في الآية .
وصيغة الخطاب في الآية تحتمل وجوهاً:
الأولى : انها موجهة الى كل انسان ذكراً او انثى.
الثانية : موجهة الى كل مسلم ومسلمة.
الثالثة : موجهة الى كل مؤمن ومؤمنة.
الرابعة : موجهة الى المليين والمسلمين في مختلف الأزمنة منذ ايام ابينا آدم والى يوم ينفخ في الصور.
والجواب هو الأول، فالجــزاء والحســاب عام ولكن هل يدخل معهم من لم يصــل ســن البلوغ والرشــد ام لا، الجــواب ان الآيــة نفسها تتضمن الرد على هذا السؤال اذ انها تقيد الإيفاء بالكسب والعمل، ومن رفع عنه القلم فلا كسب له الا ما خرج بالدليل وقامت الحجة فانه كسب وعمل عن عقل وتمييز والأصل ان الخطاب موجه للمكلفين.
واستدل بهذه الآية على الوعيد بالنار الوعيدية وهم القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وخلوده في النار لأن الكبيرة عندهم تخرج صاحبها عن الملة، وقولهم هذا ليس بتام.
فالآية تخبر عن الجزاء على نحو الإجمال ولكن الآيات الأخرى تبين التفصيل في الجزاء من وجهين :
الأول : مضاعفة الحسنات لذا وردت هذه الآية في خاتمة آيات الإنفاق واجتناب الربا والسحت، وجاءت بعد توكيد القرآن على مضاعفة الأجر والثواب على الإنفاق اضعافاً كثيرة وقد تقدمت الإشارة اليه.
الثاني: الآية دعوة للإيمان وبشارة الإثابة عليه، وعلى اداء الفرائض والعبادات، قال تعالى [ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ] ( ).
ويمكن ان يكون من مفهوم الآية من يخلط بين حسنة وسيئة يراهما معاً الا ان يشاء الله عز وجل، والمشيئة هنا تحتمل وجوهاً:
الأولى : بقاء السيئة على حالها لعمومات قوله تعالى [وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا]( ).
الثانية : النماء المتصــل للحسنة، وقد تقــدم قبل اربــع آيــات ان الله عز وجل يربي الصدقات.
الثالثة : احتمال محو السيئة سواء لأزاحة الحسنة لها وفق نواميس خاصة كجزء من رحمته تعالى، او بالإستغفار والندم، او بالتدارك او تمحى فضلاً وابتداء من الله تعالى، واذا كانت الآية تتضمن الوعد والوعيد، والبشارة والإنذار فهل هي:
الأول : بعرض واحد في الآية وان كلاً منهما بمرتبة واحدة.
الثاني : الوعيد والإنذار مقدمان رتبة في الخطاب.
الثالث : الوعد والبشارة مقدمان رتبة على الوعيد والإنذار.
الرابع : التباين والتعدد بحسب الحاظ والحال، فبالنسبة للمسلم يكون الوعد والبشارة هما المقدمان، وبالنسبة للكافر يكون الوعيد والإنذار هما المقدمان.
الخامس : الوعد والبشارة مقدمان بالنسبة للمسلم، اما الكافر فيكون الوعد الوعيد بعرض واحد.
الجواب هو الثالــث، فان الوعد والبشارة مقدمان في الخطاب القرآني لأنه رحمة للناس جميعاً، ولكن الكفار اختاروا الإعراض عنهما فجاء الوعيد والإنذار لزجــرهم واعادتهــم الى دروب الهداية ومع هذا فان خطاب الوعيد لا يلغي توجه الوعد والبشارة اليهما وهو جزء من افراد قاعدة اللطف الإلهي بالعباد كافة، ويدل عليه الاية ابتدأت بالتذكير بيوم القيامة والرجوع الى الله عز وجل وهو رب العالمين ، قال تعالى [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]( ).

قوله تعالى [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]
بعد ان بدأت الآية بلغة الخطاب [وَاتَّقُوا يَوْمًا] وأكدت رجوع جميع الناس إلى الله عز وجل انتقلت الآية الى لغة الغائب، والإلتفات من وجوه البلاغة ويزيد الكلام حلاوة وينتقل معه السامع الى امر مستحدث مما يبعث على اتصال الإصغاء، ولكن دلالاته في القرآن أعم وذات صبغة عقائدية وكلامية وفلسفية من غير ان يفقد اللطائف البلاغية .
والمراد بالضمير (هم) في الآية وجوه:
الأول : الناس جميعاً لأنهم يرجعون إلى الله تعالى ويقفون للحساب.
الثاني : المسلمون.
الثالث : الكفار.
الرابع : آكلوا الربا لأن الآيات السابقة جاءت لذمهم وتحذيرهم.
الخامس : اصحاب النار في انذار لهم وانهم سيلاقون العذاب بما كسبت ايديهم.
والجواب ان الآية لها معنيان عام وخاص، اما العام فهو الأول اعلاه، واما الخاص فهو الخامس فالمراد الناس جميعاً وعلى نحو الخصوص القــوم الكافــرون ، لأن المؤمنين وان يشـملهم اطلاق الآية الا انهم في نعــمة وفضل من الله تعالى ولا يلاقــون نصباً او تعــباً بل ان الايات السابقة جاءت ببشــرى انعــدام الخوف والحزن عنهم، وليس منهم من احد الا ويدرك ان الذي ناله بفضل الله واحسـان من الله عز وجل وليس باســتحقاق وكسب منه .
وتخبــر الآية عن العــدل الإلهي فيما يتعلق بعذاب الكفار، ومع انه سبحانه مالك الملك والكل عبيد له فانه تعالى لا يظلم احداً والآية دعوة الى الملوك والأمراء للتنزه من الظلم.
و(عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تبغ ولا تكن باغياً ، فإن الله يقول إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ( ).
وهل ينحصر تنزه الله عن الظلم بالآخرة ام يشمل الدنيا والجواب هو الأخير، ومن وجوه عدم الظلم البيان وعدم حصول الإبتلاء والعقاب من غير انذار، لذا جاءت هذه الآية تحذيراً وتنبيهاً وتخويفاً واخباراً عن حتمية البعث والحساب.
الحاجة إلى العدل
تبين الآية حاجة الناس الى الإحساس بسيادة العدل والإنصاف، فالعدل وعدم الظلم لا يحتاجه صاحب الدعوى او المتهم والمدعى عليه فحسب بل يفتقر اليه كل انسان ومن وجوه:
الأول : الشعور بالأمن والسلامة.
الثاني : ادراك حقيقة وهي انتزاع حقه عندما يتعرض للظلم.
الثالث : امتناع الإنسان من التعدي على غيره، فمتى ما ادرك الإنسان ان القضاء عادل فانه يجتنب ظلم الآخرين واكل حقوقهم ، قال تعالى [وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
الرابع : العدل في الأرض وسيلة ومناسبة لإستحضار عدل الآخرة وعدم الظلم فيها.
الخامس : العدل توكيد لأهلية الإنسان للخلافة في الأرض.
السادس : اجتناب الظلم مقدمة لأداء العبادات ومنع لدبيب الياس والسأم والجزع الى النفوس.
السابع : بالعدل تتحقق المساواة وتتنزل البركات وتدل الآية على احترام العمل وعدم تضييعه، والمؤاخذة على فعل القبيح وتخاطب الآية العقل بلزوم دفع الضرر واجتناب العقاب.
و(حبان بن واسع بن حبان عن اشياخ من قومه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف اصحابه يوم بدر وفى يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بنى عدى بن النجار وهو مسند مستنتل من الصف، قال ابن هشام فطعن في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد فقال يا رسول الله اوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدنى قال فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال حضر ما ترى فأردت ان يكون آخر العهد بك ان يمس جلدى جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقاله له)( ).



ردود كريمة على بعض الأجزاء الأخيرة من هذا السِفر المبارك
1- سماحة الإمام شيخ الأزهر.
2- سماحة العلامة الشيخ أ.د. مفتي جمهورية مصر العربية.
3- الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي.
4- سيادة رئيس مجلس القضاء الأعلى/ العراق
5- سيادة مستشار الأمن القومي السيد قاسم الأعرجي
6- سيادة رئيس المحكمة الاتحادية العليا .
7- سيادة القاضي رئيس الادعاء العام .
8- الأمين العام لإتحاد المؤرخين العرب.
9- سعادة أ.د .رئيس جامعة دمشق .
10- سعادة أ.د .رئيس جامعة ديالى .
11- سعادة أ.د. مدير جامعة الملك فيصل/ المملكة العربية السعودية
12- سعادة أ.د. مدير جامعة كردفان/ الجمهورية السودانية.
13- سعادة أ.د. مدير الجامعة الإسلامية/ المدينة المنورة.
14- سعادة أ.د. رئيس الجامعة العراقية.
15- سعادة أ.د. رئيس جامعة البصرة / العراق.
16- سعادة أ.د. رئيس جامعة القادسية / العراق.
17- سعادة أ.د. رئيس جامعة جدارا/ المملكة الأردنية الهاشمية.
18- كلية الإمام الاوزاعي للدراسات الإسلامية/ بيروت.
19- سعادة أ.د.مدير جامعة الأمير عبد القادر/ الجمهورية الجزائرية

السيد صاحب الفضيلة المرجع الديني الشيخ/صالح الطائي
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد،…..
فلقد تلقيت بحمد الله رسالتكم الرقيقة وبها الجزء الحادي والخمسون في تفسير آية واحدة من سورة آل عمران من القرآن الكريم.
نتضرع إلى الله العلي القدير أن يلهمكم العلم النافع وان يجعله في ميزان حسناتكم.
وشكر الله لكم حسن عملكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المرجع الديني الشيخ/صالح الطائي
صاحب أحسن تفسير للقرآن وأستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…وبعد،
فإنه ليسعدني أن أتقدم لسيادتكم بخالص الشكر والتقدير والإحترام على تفضلكم بإهدائنا نسخة من من الجزء الثاني والثمانين.
وأتمنى من الله أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه وان يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
شاكرين لكم، ولكم تحياتي

سماحة المرجع الديني الشيخ صالح الطائي حفظه الله ورعاه
صاحب أحسن تفسير للقرآن الكريم
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…وبعد,
فقد تسلمنا بيد الشكر والتقدير نسخة من كتاب”معالم الإيمان في تفسير القرآن” الجزء التسعون-الآية 134 من سورة آل عمران، والذي تفضلتم بإهدائه إلى معالي البروفسور أكمل الدين إحسان أوغلي، الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، ويشرفنا أن نتقدم إليكم بجزيل شكرنا على جهودكم المتواصلة لتفسير أي الذكر الحكيم، فجزاكم الله عنا خير الجزاء وبارك فيكم وفيما تقومون به من جهد مبارك خدمة للإسلام والمسلمين.
وتفضلوا بقبول وافر الشكر والتقدير.

سماحة الشيخ صالح الطائي “المحترم”

تحية طيبة
إشارة إلى كتابكم المرقم(7285/17) المؤرخ في 17/12/2017.
تلقينا ببالغ الإعتزاز إهدائكم نسخة من كتابكم الموسوم(معالم الإيمان في تفسير القرآن) الجزء التاسع والخمسين بعد المائة، نقدم شكرنا وتقديرنا متمنين لكم دوام الموفقية.
مع التقدير

السلام عليك عليكم ورحمة الله وبركاته
ببالغ الإمتنان والغبطة تلقينا هديتكم الكريمة (الجزء السادس عشر بعد المائتين ) من التفسير المبارك شاكرين حسن معالجتكم لهذا الموضوع المهم ونشد على عضدكم لتقدموا للأمة كل ما ينفعهم وينير بصيرتهم ويجلي الرين عن قلوبهم ليفهموا كتاب الله كما أراد سبحانه أن يفهموه ويعملوا بأحكامه ليكون لهم في الدنيا , مرشداً وفي الآخرة شفيعاً . ونضع أنفسنا وامكاناتنا لخدمة هذا المجهود المبارك سائلين المولى القدير أن يوفقكم لكل خير .

المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم

تحية طيبة

تلقينا ببالغ الاعتزاز إهداءكم القيم (الجزء الرابع والثلاثون بعد المائتين ) من تفسيركم للقرآن, وهو بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) .

   ونقدم شكرنا وتقديرنا .

مكتب المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي

م/شكر
تحية طيبة
كتابكم ذي العدد 23/19 المؤرخ في 2/1/2019.

استلمنا هديتكم (الجزء الخامس والسبعين بعد المائة من تفسير القرآن الكريم) ونقدم لكم شكرنا آملين منكم المزيد من العطاء والتوفيق.
مع التقديــــر.

إلى/ سماحة المرجع الديني للمسلمين الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
م/شكر وتقدير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
وأسال الله تعالى أن يوفقكم ويحفظكم ويرعاكم أنه سميع مجيب الدعاء
تسلمت مع بالغ الشكر والتقدير والإمتنان والإعتزاز اهداءكم لنا الجزء الواحد والثلاثين بعد المائتين من تفسيركم للقرآن وهو بعنوان (آيات السلم محكمة غير منسوخة ) ، وأن هذا الإنجاز يعبر عن مستوى ما متعكم به الله تعالى من امكانات متميزة في الإبداع الفكري والعلمي في مجال تفسيركم للقرآن الكريم ، ولم اقرأ أو اسمع أن هنالك منجزاً في تفسير القرآن العظيم بمثل ما قدمتموه ، وأني لاعجز عن التعبير عن مدى اعجابي واحترامي وتقديري لما حباكم به الله تعالى من امكانية علمية فريدة ومتميزة .
داعياً الله تعالى لكم بموفور الصحة والسعادة والأجر الفضيل من أجل تقديم المزيد من العطاء لخدمة الإسلام والمسلمين في زمن شح به العطاء والإنتاج الفكري الإسلامي ، دعائي من الله تعالى لكم بمزيد من الصحة والعافية ومزيد من الإنتاج الرائع المتميز .
وسلامي للعائلة العزيزة جميعاً الذين وفروا لك أجواء هذا العمل العلمي المتميز وجزاهم الله خير الجزاء ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

سماحة المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب احسن تفسير للقرآن
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

أتقدم اليكم بجزيل الشكر والتقدير لهديتكم القيمة الجزء الحادي عشر بعد المائتين الخاص بقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة).
وأتمنى من الله أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية والمزيد من النجاح والتوفيق ، نبارك لكم جهودكم ونقدر لكم هذا الإهداء…

سماحة المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن
أستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …

تلقينا بكل تقدير وامتنان اهدائكم نسخة من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) الجزء الثالث والأربعون بعد المائتين ، ونتقدم بخالص الشكر والعرفان على هذا الاهداء ، داعياً الله العلي القدير ان يمدكم بعونه وتوفيقه ، وان يسدد خطاكم ويكلل اعمالكم بالنجاح انه سميع مجيب .

ومن الله التوفيق

فضيلة الشيخ/ صالح الطائي الموقر
مكتب المرجع الديني وصاحب أحسن تفسير للقرآن
وأستاذ الفقه والأصول والتفسير والأخلاق
ص.ب -21168 مملكة البحرين

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد
تلقيت بكل الثناء والتقدير خطاب فضيلتكم رقم 1861/16 وتأريخ 20/5/2016م المرفق طيه نسخة من كتاب بعنوان “معالم الإيمان في تفسير القرآن ” الجزء الثاني والثلاثين بعد المائة.
يطيب لي ويسعدني أشكر فضيلتكم جزيل الشكر على إهتمامكم المتواصل بتزويد إدارة الجامعة بهذه النسخة ، وستحال إلى مكتبة الجامعة للإطلاع عليها، سائلاً المولى جلت قدرته للجميع التوفيق والسداد.
وتقبلوا خالص تحياتي وتقديري،،،

السادة/ مكتب المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي
صاحب أحسن تفسير للقرآن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تهديكم جامعة كردفان أطيب التحايا ، وتغمرنا السعادة بالإصدارات التي تتوالى إلينا بإنتظام من مكتب المرجع الديني في (معالم الإيمان في تفسير القرآن) والذي كان آخر هذه الإصدارات (الجزء السادس والثلاثين بعد المائة) والذي تشرفنا بإستلامه بموجب خطابكم رقم 1535/16 الصادر في 13/7/2016م، وذلك إثراءاً للمعرفة في مجال تفسير آيات القرآن، خدمة للباحثين والمهتمين بأمر التفسير القرآني، والتي أضحت متاحة في الأقسام المختصة بالمكتبات الأكاديمية في الجامعات ومراكز البحوث وجامعة كردفان تحظى بأعداد وافرة منها في مكتبها المركزية.
ختاماً لكم الشكر والعرفان على هذا الصنيع، نفعنا الله به، وأثابكم عليه خير الجزاء .
وتفضلوا بقبول فائق عبارات التقدير والإحترام

معالي الشيخ/ صالح الطائي سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، وبعد

فأسال الله لمعاليكم العون والتوفيق، ويسرني إفادتكم بأني تلقيت بكل تقدير وإمتنان إهداءكم للجامعة نسخة من الجزء التاسع بعد المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن).
وإنني إذ أتقدم لمعاليكم بخالص الشكر والعرفان على هذا الإهداء، لأدعو الله العلي القدير أن يمدكم بعونه وتوفيقه، وأن يسدد خطاكم ويكلل أعمالكم بالنجاح إنه سميع مجيب يحفظكم الله ويرعاكم.
ولكم تحياتي وتقديري
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن
تحية طيبة…
نشكر مبادرتكم الطيبة بإهدائكم لنا نسخة من كتابكم الموسوم الجزء الثلاثون بعد المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن) سائلين الباري عز وجل أن يوفقكم في مسيرتكم العلمية والعملية خدمة لبلدنا العزيز.
ومن الله التوفيق…

الشيخ محمد الشيخ صالح الطائي المحترم
مدير مكتب المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ صالح الطائي المحترم

نهديكم أطيب التحيات …

نتقدم بأجمل عبارات الشكر والتقدير على جهودكم المبذولة في إهدائكم إيانا نسخة من كتابكم (معالم الإيمان في تفسير القرآن/ الجزء الواحد بعد المائة) ….. متمنين لكم المزيد من التقدم والنجاح.
تفضلوا بقبول وافر الاحترام …

إلى / مكتب المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن

تحية طيبة …
تسلمنا ببالغ الشكر والتقدير الجزء السابع بعد المائة من التفسير وهو القسم الأول من تفسير(أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس) شاكرين لكم اهداءكم متمنين لكم مزيداً من الإرتقاء والأزدهار والتطور.
…مع التقدير

سيادة الأخ الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن الكريم
وأستاذ الفقه والأصول والأخلاق
بكل فخر وإعتزاز تلقيت رسالتكم الموقرة التي تحمل العدد (532) تأريخ 26/5/2012م، ومرفقها الجزء التسعون من التفسير في الآية(133) من سورة آل عمران.
وانني إذ أشكركم جزيل الشكر وعظيم الإمتنان على اهدائكم هذا، سائلاً المولى عز وجل أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية، وأن يجعلكم سنداً وذخراً للأمة الأسلامية متمنياً لكم كل التقدم والإزدهار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بيروت في 9/ربيع الأول/1440هــ
الموافق 24/11/2018م

سماحة المرجع الديني الشيخ صالح الطائي المحترم
صاحب أحسن تفسير للقرآن
مكتب المرجع الديني الشيخ صالح الطائي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تتقدم كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية بأطيب تمنياتها، وتشكركم على الجزء(171) الذي وصلنا من جانبكم من كتاب: “معالم الإيمان في تفسير القرآن” والذي يتضمن قراءة في آيتين من القرآن بما يدل على أن النبي(ص) كان لا يسعى إلى الغزو ولم يقصده ولم يدع إليه.
آملين الإستمرار في إرسال الأجزاء التي ستصدر منها مستقبلا، شاكرين لكم حسن تعاونكم الدائم معنا وداعين الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إلى السيد المحترم/الشيخ صالح الطائي
صاحب أحسن تفسير للقرآن
مكتب المرجع الديني
تحية طيبة وبعد :
تلقينا نحن أ.د/ عبدالله بو خلخال مدير جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة، هديتكم القيمة المتمثلة في كتاب(معالم الإيمان في تفسير القرآن) الجزء الثالث عشر بعد المائة.
وإذ نعبر لكم عن شكرنا على هذه الإلتفاتة الكريمة، نهديكم نحن بدورنا نسخة من مجلة الجامعة العدد 33 ونسخة من نشرية أخبار الجامعة.

تقبلوا فائق الإحترام والتقدير.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة