معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 244

المقدمــــــة

الحمد لله الذي ملك فقدر ، وخلق ونشر ، وعلم وأمهل وستر ، وأحصى كل شئ عدداً ، وعفا وغفر .
الحمد لله على السعة والرخصة التي هي عندي وعندك بفضل منه تعالى ، وعلى الضيق إذ يتعقبه الأجر.
والحمد لله على حال الصحة رجاء استدامتها ، وعلى المرض لسؤال محوه وإزالته ، وفي التنزيل [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ]( ).
الحمد لله حمداً لا ينقطع ولا يفتر ، فليس من شئ أكثر حلاوة على اللسان من الحمد لله ، ومن خواصه نفاذه إلى الجوارح بافاضة السكينة عليها ليكون من معاني عموم قوله تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ) إشراقة شمس الطمأنينة على الجوارح عند قول الحمد لله ، والإنشغال بذكر الله ، وأداء الفرائض العبادية ، فذكرت الآية القلوب وهو جمع قلب الذي هو أمير الجوارح ، لتلحق الجوارح وأعضاء البدن بالقلب في خشوعه ورقته وإنكساره.
لتكون الآية أعلاه ومضامينها القدسية فاضحة للإرهاب ، وزاجرة عنه.
ومن الإعجاز اللفظي في الآية أعلاه انفرادها بورود كلمة (بذكر الله) وعلى نحو مكرر ، فالأولى تبين حال الحسن لذكر الله ، أما الثانية فهي وعد وعهد من عند الله عز وجل يتغشى أهل الأرض من أيام أبينا آدم إلى يوم القيامة لينتفع منه كل الذين يذكرون الله بلغتهم وحسب ملتهم مع إتصاف المسلمين بتعاهد ذكر الله بأداء الفرائض العبادية اليومية بقصد القربة .
الحمد لله الذي أمد في عمري كي أواظب على شكره وحمده ، ليكون طول العمر مطلقاً أو قصره معجزة لا يقدر عليها غير الله عز وجل ، ولا تكون إلا بحكمته ، وإحاطته بالغيب .
وتكون الهداية إلى الحمد لله نعمة ومعجزة أخرى في خلق الإنسان ، وهل إطالة عمر الذي يواظب على الحمد لله من مصاديق [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، الجواب نعم .
لبيان موضوعية الإكثار من ذكر الله عز وجل ، وقانون قول الحمد لله خير محض ، وفيه البركة وطول العمر ، وصرف البلاء .
اللهم اجعلنا ممن يكثر من قول الحمد لله ، ولا يغفل عن الحمد له في النهار أو الليل ، اللهم اجعلنا من الذين وردت تسميتهم في القرآن [الْحَامِدُونَ]( ).
الحمد لله في كل ساعة من ساعات الحياة الدنيا ، والحمد لله في مواطن الآخرة والحمد لله [ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ]( ).
ولقد تقدم في الجزء السابق وهو الثالث والأربعون بعد المائتين من هذا السِفر (معالم الإيمان في تفسير القرآن) تفسير وبيان وإنشاء قوانين في قوله تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ]( )، وكيف أنه زاجر عن الإرهاب.
اللهم اجعلنا من الذاكرين لك ، المنقطعين إلى التسبيح والتهليل ، وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه الله لملائكته . سبحان ربي وبحمده ، وفي لفظ سبحان الله وبحمده .
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير : أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صلاة الملائكة ، فلم يرد عليه شيئاً .
فأتاه جبريل فقال : إن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة ، يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة ، يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة ، يقولون : سبحان الحي الذي لا يموت)( ).
ومن معاني أحب الكلام الحسن الذاتي والغيري لهذه الكلمات ، فهي طمأنينة وباعث على السكينة ، وعصمة من الإرهاب ، وواقية من أثره ، لبيان قانون وهو خط النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين سبل الإحتراز من الإرهاب بأحلى الكلام.
وقال الإمام علي عليه السلام (من الكرم الوفاء بالذمم)( ).
وهل التقيد بالقوانين والتدابير التشريعية للبلد من الوفاء بالذمم ، الجواب نعم .
ومن مصاديق الإرهاب التهديد ومقدماته وتدبيراته ، وبه جاءت المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة .
ويملي قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، على كل مسلم عدم نشر الذعر والفزع بين الناس في مشارق ومغارب الأرض .
والإرهاب من أشد أنواع نشر الذعر لذا فان الآية أعلاه تتضمن في عمومها تحريمه على كل مسلم ، لوجوب اقتداء المسلمين بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمنهاج السماوي الذي جاء به من عند الله عز وجل.
والأولى الجمع في التفسير بين الرواية والدراية ، بين المأثور والفقه مع أهمية سند الرواية وصحته وذكر الأقوال في الآية وترجيح بعضها ، وأسباب الترجيح مع الإمكان وموضوعية إعراب كلمات الآية .
وقد أسست في تفسيري أكثر من عشرة آلاف قانوناً من القوانين المستنبطة من ذات مضمون الآيات القرآنية .
وقال ابن جرير الطبري (224-310) هجرية صاحب التفسير لأصحابه لما أراد أن يملي تفسيره (أتنشطون لتفسير القرآن؟
قالوا: كم يكون قدرُه ، فقال: ثلاثون ألف ورقة.
فقالوا: هذا ممّا تفنَى فيه الأعمارُ قبل تمامه فاختصره لهم في ثلاثة آلاف ورقةٍ)( ).
ولكن كان بامكانه أن يكتب التفسير الموسع ، فليس الأمالي هي الطريق الوحيد للتأليف والكتابة ، وتفسيره حسن وجامع للمأثور والفقه ، ولكنه يكثر من الإسرائيليات ، وله كتاب تأريخ الرسل والملوك وكتب عديدة أخرى.
وبلغ تفسيري إلى الآن والحمد لله نحو 73000 ثلاثة وسبعين ألف صفحة ، عدا كتبي الفقهية والأصولية في علوم وذخائر وقوانين مستنبطة والحمد لله.
الحمد لله الذي رزق الإنسان العقل وجعله سور الموجبة الكلية ، الحاكم في السلوك ، والضابط للجوارح والأركان ، وينهى العقل الإنسانَ عن الإرهاب ويجعله يدرك أضراره ومساوئه .
الحمد لله الذي أبى إلا أن يتوارث الناس الحنيفية السمحاء بالنبوة والتنزيل لتكون واقية من التطرف والعنف والإرهاب والظلم ، فان قلت قد وقع الإرهاب في الأرض.
والجواب إنه فرد قليل ونادر زماناً ومكاناً ، ومن الحنيفية التصدي العام له ، ونبذه والتبرأ منه .
ولا يختص هذا التبرأ بالمسلمين وأهل الكتاب ، بل هو عام شامل لأهل الأرض ، وهو من الإعجاز في قوله تعالى بخصوص خلق آدم [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ).
الحمد لله على رزقه الكريم ، وفضله العظيم على كل إنسان وهو المنّان الذي ألزم عباده بالشكر له سبحانه لا لحاجة منه ، بل لتدوم وتتضاعف النعم عليهم ، قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ]( ).
وهل إجتناب الإرهاب والتنزه عنه من الشكر لله عز وجل على النعم ، الجواب نعم .
الحمد لله حمد الشاكرين الأوابين التائبين ، والشكر له شكر الحامدين الذي اتخذوا من الحمد سبيل رشاد ، وواقية من الظلم والتعدي .
الحمد لله الذي أفاض بالنعم من هبات لا متناهية ، لبيان قانون في الحياة الدنيا وهو أن رزق العباد من الله أكثر من حاجتهم ، وفيه دعوة للتراحم بينهم ، ومن مصاديق التراحم نبذ العنف ، وطرد مفاهيم الإرهاب .
الحمد لله الذي جعل الذي يهبه ابتداء من فضله أكثر من الذي يهبه عن سؤال ودعاء فسبحان الجواد الكريم الذي لاتنفد خزائنه ، والذي يستجيب الدعاء ، ويضاعف عليه الأجر والثواب.
فيسأل العبد حاجة للدنيا فيهب الله عز وجل له أضعافها مع الأجر والثواب ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا]( )، الجواب نعم بلحاظ أن ذات الدعاء حسنة وإحسان للذات والغير ، ومن مستلزمات الدعاء التنزه عن الإضرار بالناس ، وعن ترويعهم وإخافتهم في الطرقات والمنتديات والبيوت .
الحمد لله الذي ضمن للعباد الرزق الكريم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، إذ تدل هذه الآية على الوعد من عند الله للناس بالسعة في الرزق والتنعم بكنوزها ومنها المعادن والنفط ، ومشاركة السماء في الزراعات بالغيث والمطر لبيان التداخل بين السماء والأرض في توالي النعم على الناس.
وقد اثبت العلم الحديث أن الأمطار من مياه البحار وما يتبخر منها ليدعو الناس لإجتناب تأثيرات تغير المناخ والسعي والتعاون لإنقاذ البيئة ، ولا يصح إشغال الدول والمؤسسات عن هذا الواجب بالإرهاب ومخاطره ، إنما يجب تظافر الجهود وبذل الأموال لدفع بلاء الجفاف والنقص الفاحش في المياه في المناطق والدول الفقيرة.
إن وظيفة المسلم تعاهد حقوق الإنسان ، وإعانة الفقراء والمساهمة الحميدة في المجهود الدولي لبناء عالم آمن يتصف بالعدالة والمساواة بعيداً عن بث الرعب على نحو العموم الإستغراقي في البلدان.
وهل يدل وعد الله بالزرق للناس على حبه واكرامه لهم ، الجواب نعم ، قال تعالى [وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ* فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ]( ).
و(عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو أنّ أحدكم فرّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت)( ).
وهذا الجزء هو الرابع والأربعون بعد المائتين من موسوعة (معالم الإيمان في تفسير القرآن) التي لم يشهد التأريخ لها مثيلاً في إثارة العلوم والإستنباط من ذات آيات القرآن ، واستقراء آلاف القوانين منها وفيه قراءة في خزائن القرآن وذخائر التنزيل.
ولا زلت في سورة آل عمران إذ صدرت أجزاء متعددة مستقلة في كل علم من العلوم التالية :
الأول : آيات السلم محكمة غير منسوخة .
الثاني : لم يغز النبي (ص) أحدا.
الثالث : النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب .
الرابع : آيات الدفاع سلام دائم .
الخامس : التضاد بين القرآن والإرهاب وهذا الجزء هو الخامس عشر بهذا الخصوص للإبتلاء العام في هذا الزمان بالإرهاب ، ومخالفته الجلية للقرآن والسنة النبوية ، إذ صدرت بخصوصه الأجزاء (184-185-188-195-198-199-203-210-211-219-235-236-238-243-244).
وهو فيض ولطف من عند الله عز وجل ، ومصداق لقوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الحمد لله على ما ينزل من الفيض واللطف ، وعلى معين آيات التنزيل الذي لا ينضب ، وعلى نعمة إنـجاز هذا الجزء ، وفيه نحو ثلاثمائة قانون من مصاديق ورشحات الإرادة التكوينية والتشريعية وبما يزجر عن الإرهاب , ويبين قبحه الذاتي منها ، ويصلح كل قانون أو أكثر لدراسة ماجستير أو دكتوراه ، ومن القوانين التي تم شرح كل منها بصفحتين أو أكثر :
 قانون طرد العبادة للإرهاب.
 قانون التضاد المتصل بين الخلافة والإرهاب.
 قانون فرض طلب العلم منع للإرهاب.
 قانون إنحصار الأثر الفعلي للإرهاب .
 قانون إنكار الناس للإرهاب .
 قانون الدعاء للأولاد حرز .
 قانون نهي آية الشورى عن الإرهاب.
 قانون تعاهد إقامة الصلاة حرب على الإرهاب .
 قانون الإنفراد بالمعجزة العقلية معجزة مستقلة.
 قانون الغنى عن الإرهاب والفتك والقتل.
 قانون النهي عن مقدمات الإرهاب .
 قانون العبودية عهد أمان.
 قانون نهي الإنسان عن الإرهاب سابق لخلقه.
 قانون التضاد بين قصد القربة والإرهاب.
 قانون الأصل والفرع في الآية القرآنية.
 قانون قصر عمر الإرهاب.
 قانون سلامة عقول الناشئة من الإرهاب.
 قانون العلم صارف للإرهاب.
 قانون إزاحة الأمر بالمعروف للإرهاب.
 قانون النهي عن مقدمة الحرام.
 قانون بالإمثلة تقرب المدركات العقلية.
 قانون قصد القربة حجب للإرهاب.
 قانون جزاء الإرهاب في الآخرة.
 قانون آيات الذين آمنوا سلام متجدد.
ومن معاني التبيان في المقام بيان المسائل الإبتلائية في كل زمان وانطباق أحد الأحكام التكليفية الخمسة عليها : الوجوب ، الندب ، الإباحة ، الكراهة ، الحرمة.
والإرهاب محرم شرعاً وعقلاً وعرفاً ، ويتجلى معه قانون الملازمة بين الإرهاب ونفرة النفوس منه .
و(عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا سمعتم المنادي بالصلاة فأجيبوا وعليكم السكينة فإن وجدت فرجة فادخل وإلا فلا تضيقن على أخيك المسلم وصل صلاة مودع وإذا قرأت فاقرأ ما يسمع أذنيك ولا تؤذ جارك)( ).
وليس في اقتراف العمل الإرهابي إلا الأذى والضرر للجار والقريب والبعيد ، والنسبة بين الضرر والأذى العموم والخصوص المطلق ، فالضرر أشد ، قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى]( ).
ليكون من معاني الحديث أعلاه حرمة الإضرار بالجار وترويع الناس بالإرهاب من باب الأولوية القطعية .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإنصات إلى لغة العقل والحكمة وأقوال العلماء والصلحاء في بيان أضرار الإرهاب.
و(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني عليك بمجالس العلماء ، واستمع كلام الحكماء ، فإن الله يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر)( ).
(وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث عنه قال : كانت حكمة لقمان عليه السلام نبوّة)( ).
ولكن هناك مراتب متعددة بين النبوة والحكمة ، إذ تنفرد النبوة بالوحي من عند الله عز وجل ولم يكن لقمان نبياً ، ولكنه عبد صالح أكرمه الله عز وجل بالحكمة.
والظاهر أن المراد من ليث هو ليث بن أبي سليم مولى بني أمية وهو ضعيف ، ونعت بأنه مضطرب الحديث ، (قيل: مات ليث سنة ثلاث وأربعين ومائة)( ).
لقد كانت الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية تتصف بأمور :
الأول : الجاهلية والوثنية وعبادة الأصنام ، إذ كان لكن قبيلة صنم خاص ، منها صنم اللات والعزى ، وهبل ومناة ، إلى جانب الأصنام الشخصية الصغيرة التي تحمل في المتاع ، وقال تعالى في ذمهم [وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ]( ).
الثاني : قيام القبائل بغزو بعضها بعضاَ ، ويصاحب الغزو النهب والسلب ، وسفك الدماء ثم الثأر المتبادل .
الثالث : الفقر والفاقة ، وهو أحد أسباب الغزو والجهل .
الرابع : الوأد وقتل البنات ، بسبب الفقر وخشية السبي وجلب العار ، قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ]( ).
الخامس : الأخلاق المذمومة مثل شرب الخمر ، والزنا ، وإذلال المستضعفين والعبيد.
فجاء الإسلام بالنظام الإجتماعي المتكامل ، وقوانين الحكم العامة التي تتضمن التساوي بين الناس في الحقوق والواجبات ، وفتح أبواب العلم وإقامة الحدود والنهي عن الظلم والتعدي .
لتبقى هذه الأحكام ثابتة إلى يوم القيامة ، ومنها حرمة الإرهاب وبيان أنه خلاف أحكام الإسلام التي تتقوم بالتراحم والرأفة بين الناس ، وبعث السكينة في النفوس والطمأنينة في المجتمعات .
ولم تكن أحوال الناس خارج الجزيرة بأحسن منها على نحو متباين فكانت هناك القبلية أو عبادة الطواغيت أو سطوة الظالمين والطغاة ، فجاء الإسلام بحقوق الإنسان ، فلابد من الإمتناع عن الإرهاب لقانون منافاته لحقوق الإنسان العامة التي اثبتها التنزيل .
الحمد لله الذي أكرم الإنسان بالتعلم والكسب العلمي بما يجعله يدرك وجوب عبادة الله ، ويميز بين الحق والباطل ، وبين الحلال والحرام ، وقد وردت مادة العلم ومشتقاتها أكثر من ثمانمائة مرة في القرآن ، ومنه الأسماء الحسنى (عليم ، عالم ، علام ، أعلم) والذي ورد سبعاً وأربعين مرة خاصاً بالله عز وجل ، قال تعالى وقد يتكرر مرتين في آية واحدة ، كما في قوله تعالى [إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى]( ).
لبيان قبح التعدي والظلم ، وأن الله عز وجل يعلم به وبأصحابه ، وفيه إنذار من التعدي والإرهاب.
ومن إعجاز اللفظ القرآني ورود لفظ (عالم ) ثلاث عشرة مرة كلها لله عز وجل ومنه [عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ]( ).
مع ورود لفظ علماء بصيغة الجمع مرتين بقوله تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( )، وقوله تعالى [أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ]( ).
للدلالة على حاجة الإنسان إلى علوم غيره وإن كان عالماً ، وقال تعالى [وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ]( ).
ولا يختص معنى العلم بذات ألفاظه إنما يشمل ألفاظاً أخرى تدل عليه مثل ، العقل ، الهدى ، اليقين ، التفكر ، قال تعالى [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]( ) ( ).
والحكمة ، والتدبر ، والفقه ، والبرهان ، والبينة ، والآية ، والبصيرة ، والحق ، والحكم ، كما في قوله تعالى [وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ]( ).
ومن وجوه تقدير قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ]( )، (لئن شكرتم على خلافة الأرض لأزيدنكم).
ومن الشكر لله في المقام التراحم ونشر معاني الرفق والرحمة والإمتناع عن الظلم والمنكرات والفواحش التي هي على شعبتين :
الأولى : الفساد بذات الفعل كشرب الخمر ، والزنا .
الثانية : الإفساد : وهو نوع مفاعلة ، وترتب الأثر على الفعل المذموم والمنهي عنه كالتجاهر بالفواحش والإصرار عليها ، ومنها شرب الخمر والزنا ، والظلم ، والتعدي والسرقة ، وتخريب الممتلكات ، وترويع وإفزاع الآمنين.
أما المسألة الرابعة فان الإرهاب والظلم من الفساد الذي حذرت منه الملائكة ، وهو يتنافى مع الخلافة في الأرض وسننها.
سبحان الله الذي له ملك السموات والأرض ، ولا معبود في الأكوان سواه .
(وعنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلاَلِ اللَّهِ التَسْبِيحَ ، وَالتَّهْلِيلَ ، وَالتَّحْمِيدَ يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ ، تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا ، أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَوْ لاَ يَزَالَ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُ بِه)( ).
وسبحان كلمة تعظيم لله عز وجل ، وتنزيه عما لا يليق بمقام الربوبية ، والتوحيد المطلق ، وقد ورد التسبيح في القرآن بآيات متعددة ، وكما ورد لفظ به .
فقد ورد التسبيح باسم الرب وبصيغ متعددة وهو :
الأول : صيغة المتكلم المفرد كما في قوله تعالى [قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا]( ).
الثاني : صيغة المفرد المخاطب [سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ]( )،
الثالث : المتكلم الجمع [وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا]( )، وقوله تعالى [قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ]( ).
الرابع : صيغة الإطلاق [سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ]( ).
سبحان الله الذي جعل التسبيح واقية من الفساد والظلم ، وهو من الثناء والجزاء العاجل ، وجعل التسبيح سبيلاً للأجر والثواب العظيم.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنمية ملكة الحلم ونبذ العنف عند المسلمين.
وقد جاءت الكتب السماوية السابقة بوصفه بصفات الحسن و(عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة.
قال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: “يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح به قلوبا غُلفا، وآذانًا صمًا، وأعينًا عميًا” .
قال عطاء: ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك، فما اختلف حرفا، إلا أن كعبا قال بلغته، قال: “قلوبًا غُلوفيًا وآذانًا صموميًا وأعينًا عموميًا)( ).
و(عن جابر قال سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام رجلا يشتم قنبرا و قد رام قنبر أن يرد عليه فناداه أمير المؤمنين علي ع مهلا يا قنبر دع شاتمك مهانا ترض الرحمن و تسخط الشيطان و تعاقب عدوك فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما أرضى المؤمن ربه بمثل الحلم و لا أسخط الشيطان بمثل الصمت و لا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه)( ).
فاذا كان الصبر وعدم الرد على الشتم من الإيمان فان ترك العنف والإرهاب من السنن والقوانين والقواعد الثابتة في الإسلام.
و(عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ومررنا بشجرة فيها فرخا حمرة فأخذناهما قال : فجاءت الحمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تصيح فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من فجع هذه بفرخيها ، قال : فقلنا : نحن . قال : فردوهما)( ).
لبيان وجوب الإمتناع عن ترويع الآمنين من الناس جميعاً من باب الأولوية القطعية .
والنسبة بين الإرهاب والترويع عموم وخصوص مطلق فالإرهاب أعم وأشد فتكاً لتتجلى حرمته في فحوى الخطاب ومفهوم الموافقة.
ومن مصاديق نعمة الله المتصلة والجلية قيامي بتأليف ومراجعة وتصحيح كتبي بمفردي والحمد لله سواء في الفقه أو التفسير أو الأصول أو علم الكلام ، وهناك فرق بين أن يباشر الفقيه المجتهد كتابته بنفسه وبين أن يكلها إلى طلبته وإن كانوا من الفضلاء ، والشواهد عليه ظاهرة للوجدان أمس واليوم ، ومنه ما يسمى (الكاتب الشبح ) .
فليس المدار على العنوان والكم ، إنما المدار على الكيف والإستنباط والإستقراء .
وقد تضمن هذا التفسير علوماً مستحدثة وآلاف القوانين التي صدر بإحصائها كل من :
أولاً : الجزء الثاني والخمسون ويتعلق باحصاء القوانين في الأجزاء (1-51) ويتضمن نحو ألفي قانون.
ثانياً : الجزء الثاني والثلاثون بعد المائة ويتعلق باحصاء القوانين في الأجزاء (54-131) ويتضمن نحو ألف وثمانمائة قانوناً.
ثالثاً : الجزء الواحد والستون بعد المائة ويتعلق باحصاء القوانين في الأجزاء (132-160) ويتضمن نحو ألفين وسبعمائة قانون.
رابعاً : الجزء الثاني والتسعون بعد المائة ويتعلق باحصاء القوانين في الجزء (162-181) .
خامساً : الجزء الثامن والعشرون بعد المائتين ويتعلق باحصاء القوانين في الجزء (182-227).
ليسهل على الباحث العلمي والمحقق أخذ بغيته وليكون كل قانون أو أكثر موضوعاً لدراسة الماجستير أو الدكتوراه .
والمتعارف أن طلب العلم وسيلة ونوع طريق وسبيل للهداية والعبادة والزهد والورع والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهل يدل قوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، على أن طلب العلم النافع غاية في حد ذاته ، أم أنه مقيد بآيات أخرى تدل على كونه وسيلة وليس غاية .
المختار هو الجامع بينهما ، نعم لابد أن تظهر منافع العلم في سبل الخير والفلاح إذ أن طلب العلم في الآية أعلاه مقيد بأنه قربة إلى الله وفي سبيله ، لتكون من مصاديق العمل عن علم ودراية ، قال تعالى [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]( ).
الحمد لله الذي أنعم عليّ بالصحة والتمكين لقيامي بكتابة وتصحيح ومراجعة أجزاء هذا السِفر المبارك وهو من اللطف الإلهي على الموجود والذي يولد من بعد ، ومن مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا]( ).
ومن إعجاز القرآن انقداح علوم واستخراج كنوز وذخائر من آيات القرآن من جهات :
الأولى : رسم وألفاظ القرآن .
الثانية : تلاوة الآية القرآنية .
الثالثة : قانون التدبر الإنطباقي في الآيات القرآن.
فلابد لمن يتلو آيات القرآن أن يتدبر بمعانيها ، نعم هذا التدبر من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، وهو في الجملة تدبر ابتدائي.
وهل يبعث في النفس الرغبة للغوص في علوم القرآن واستكشاف درر من التنزيل والإطلاع عليها ، الجواب نعم.
الرابعة : قانون الإتعاظ من قصص وأمثلة القرآن .
الخامسة : قانون حكاية القرآن للوقائع والأحداث المستحدثة ، وترجمتها عملياً لآيات القرآن من غير أن يلزم الدور بينها.
وينهى القرآن عن الإرهاب بذاته وبمفهوم الموافقة والمخالفة ، ومنه قوله تعالى [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا]( )، للمنع من خطاب الكراهية على أساس الفرد أو الجماعة أو الطائفة أو المذهب أو الدين أو العرق لإرادة العموم الإستغراقي من الألف واللام في الناس في الآية أعلاه ، ليكون من مفهومه عدم الإضرار بالناس على اختلاف مشاربهم.
وجاءت السنة النبوية بقانون التعايش السلمي مع مختلف الفئات والملل وأهل النحل ، مع الصبر على الأذى إذ ورد (عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)( )( ).
فورد الحديث أعلاه بلفظ (الناس) وهو سور الموجبة الكلية الذي يفيد عموم الناس ، قال تعالى [وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ]( ).
الحمد لله الذي جعل الأرض محلاً لخلافة وكرامة الإنسان وبَعَثَ الأنبياء لتثبيت الأمن والسلام بين الناس , وفي خطاب إلى النبي محمد (ص) قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] لتدل الآية في مفهومها على وجوب تعاون وتآزر المسلمين في نشر شآبيب ومصاديق الرحمة في عموم الأرض.
وبين الرحمة وبين السلم والأمن عموم وخصوص مطلق ، فالرحمة أعم لذا فان الإرهاب ضدُ لكل من العام والخاص أعلاه ، وهو مناف لإدراك العقل ، ولا يجلب إلا الأذى والشر لأصحابه وغيرهم .
ليلتقي العقل والتجربة والوجدان مع حكم الشرع على حرمة وقبح الإرهاب ، ولزوم التنزه عنه وعن مقدماته ، فهو ضرر محض وترويع للآمنين , ويترشح عنه السخط العام , وهو من الفساد الذي حذرت منه الملائكة قبل هبوط آدم إلى الأرض إذ [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
ومن علم الله تعالى أن الإرهاب فعل طارئ ومذموم ومحدود مكاناً وزماناً وأثراً .
ويختص هذا الجزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) والذي صدرت بخصوصه الأجزاء :
(184-185-188-195-198-199-203-210-211-219-235-236-238-243-244) من هذا السفر المبارك.
وجميع أجزاء هذا التفسير معروضة على موقعنا (www.marjaiaa.com).
وفي التنزيل [ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا]( ).

حرر في التاسع من جمادى الآخرة 1444
2/1/2023

ذخائر آية [التَّائِبُونَ]
قال تعالى [التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
تفيد هذه الآية إمكان تحلي الإنسان بكل هذه الصفات ومعها صفات حميدة أخرى تستقرأ من آيات القرآن في الثناء على الذين يحملون خصال الحسن وهم : المسلمون ، المؤمنون ، المتقون ، الصالحون ، الصابرون ، الهداة ، المهديون ، الخاشعون ، الشاكرون ، المستغفرون ، الذاكرون ، قال تعالى [وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ) .
ويدل ذكر الذاكرات في الآية أعلاه إتصاف شطر من النساء بالخصال الحميدة أعلاه ، إنما ورد التذكير المتعدد في الآية أعلاه من سورة التوبة للفرد الغالب .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أن كل كلمة منها لم ترد في القرآن إلا في آية البحث وهي :
الأولى : التائبون .
الثانية : العابدون .
الثالثة : الحامدون .
الرابعة : السائحون.
الخامسة : الراكعون .
السادسة : الساجدون .
السابعة : الآمرون .
الثامنة : الناهون .
التاسعة : الحافظون .
واختتمت الآية بقوله تعالى [وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ] لبيان قانون وهو كل صفة من الصفات أعلاه هي من خصال المؤمنين .
ترى لماذا لم ترد هذه الكلمات في القرآن إلا في آية البحث ، وما هي دلالاتها ، والإعجاز فيها وهي مسائل تبعث على التحقيق والسياحة في ذخائر القرآن وإن يكن ما يستظهر منها قليلاً ، ومن هذه المسائل :
الأولى : إمكان تحلي المسلم بخصال الإيمان مجتمعة ومتفرقة .
الثانية : مجئ الآية بصيغة الفاعل لبيان أن الإنسان قادر على إختيار العمل الصالح .
الثالثة : قانون الترغيب باتيان الواجبات والمستحبات والمندوحة والسعة في إتيانها.
الرابعة : بيان المرتبة السامية التي نالها المسلمون من بين أهل ملل التوحيد.
الخامسة : قانون أهلية المسلمين لوراثة الأنبياء في التقوى والصلاح والإجتهاد في طاعة الله .
السادسة : حب الله عز وجل للمسلمين .
السابعة : قانون بعث المسلمين على التفقه في الدين بمعرفة الخصال الواجبة .
الثامنة : قانون لزوم تعاون المسلمين في بلوغ المراتب السامية في درجات الإيمان التي تذكرها آية البحث .
وهل هذا التعاون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم ، وكل فرد من أفراد هذه الآية دعوة للمسلمين للزجر عن الإرهاب ، والمنع منه ، وهي فضح لقبحه الذاتي وأضراره.
التاسعة : بيان الآية لمنهاج الإيمان ، والإخلاص في طاعة الله .
العاشرة : من إعجاز الآية ابتداؤها بلفظ (التائبون) الذين اقلعوا عن المعاصي ، واجتنبوها ، وتركوا ما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه.
الحادية عشرة : من معاني لفظ (التائبون) تنزه المؤمنين عن النفاق واحترازهم منه ، وهل الخصال التي ذكرتها الآية إحتراز من النفاق ، الجواب نعم ، وهي شاهد على التنزه منه .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (أنه سئل عن قول الله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( )، هذا لكل من جاهد في سبيل الله أم لقوم دون قوم.
فقال إنه لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله سأله بعض أصحابه عن هذا فلم يجبه فأنزل الله عليه بعقب ذلك [التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ]( )، فأبان الله بهذا صفة المؤمنين الذين اشترى منهم أموالهم وأنفسهم، فمن أراد الجنة فليجاهد في سبيل الله على هذه الشرايط)( ).
وهذا البيان من أسرار التعاقب والمجاورة بين الآيتين في سورة التوبة.
الثانية عشرة : ورد لفظ [السَّائِحُونَ] في الآية والمراد الصائمون ، إذ ورد عن عبد الله (ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السائحين . فقال : الصائمون)( ).
إذ تحملوا الجوع والعطش وضعفت أبدانهم في طاعة الله عز وجل ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
الثالثة عشرة : من أسرار مجئ الآية بصيغة الجمع إرادة التعاون والتكافل في التحلي بالخصال الحميدة التي تذكرها الآية .
الرابعة عشرة : اسم السورة التي وردت فيها الآية سورة التوبة ، فهل من صلة بين هذه التسمية وبين ابتداء آية البحث بصفة (التائبون) الجواب نعم ، لبيان قانون التوبة أصل وحاجة في عمل الصالحات.
ومن معجزات نوح عليه السلام دعوته ذات الصبغة الخاصة لنفسه وبره بوالديه بها ودعوته لأصحابه وللمؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة كما في قوله تعالى [رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا]( ).
وسيأتي قانون كل كلمة من آية (التائبون) تنهى عن الإرهاب.
وابتدأت الآية بقوله تعالى [التَّائِبُونَ] الذي يفيد الإطلاق في أفراد التوبة ، فيجب أن يتوب الإنسان عن كل فعل قبيح ، ولا تنحصر التوبة باتيان المنكر والفاحشة ثم الإقلاع عنها ، بل تشمل الذين لم يخالطوها ، ومن ذخائر الآية الكريمة النهي عن الإرهاب سواء في منطوقها أو مفهومها .
(عن ابن عمر قال : إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس يقول : رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة وفي لفظ التواب والغفور)( ).
و(عن سعيد بن جبير في قوله [رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ] ( ) قال : يعني أباه وجده)( ).
والمختار المراد أبوه وأمه ، للتبادر في انصراف الوالدين إلى الأب والأم إلا مع القرينة الصارفة ، وحتى في باب الإرث فان الوالدين من الطبقة الأولى ، والجد من الطبقة الثانية ، ولا يرث مع وجود أحدهما .
ترى ما هي النسبة بين الدعاء للوالدين بالمغفرة في الآية أعلاه وبين الفعل الإرهابي ، الجواب هو التضاد ، وأن الذي يدعو لوالديه ويرجو لهما الخير والفلاح في النشأتين لا يؤذيهما باضراره بالناس ، وما يجلبه الإرهاب من اللوم والخسارة والأذى الشديد لهما .
قانون إطلاق خصال (التائبين )
ومن إعجاز الآية عدم ذكرها متعلقاً لأي من الأوصاف الواردة فيها فلم تقل التائبون من المعصية ، أو من الزنا مثلاً ، وبين المعصية والزنا عموم وخصوص مطلق .
وهل تكفي التوبة الإجمالية عن افراد المعصية المتعددة ، أم لابد من ذكر متعلق التوبة بما يقابلها ، والمعصية الجواب هو الأول ، وهو من عمومات قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]( )، ولقانون قرب التوبة من العبد ، فمن مصاديق خلافة الإنسان في الأرض عدم وجود حاجب بين العبد والتوبة ، وكما تصل الصدقة إلى الله قبل أن تصل إلى الفقير ، فكذا فان التوبة تصل إلى الله عز وجل حال النطق بها ، ومن غير ذكر التفاصيل .
وهل يستحب بعضهم من الله عند ذكر أفراد المعاصي ، الجواب نعم ، ليبقى الذي يعصم نفسه عن المعاصي والظلم والإرهاب في سعة وطمأنينة ، ويلحق به الذي يتوب بمدد ولطف من عند الله ، وهذا المدد عند التوبة من مصاديق [أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ) .
إنما جاءت الآية بصفة الإطلاق بقبول الله التوبة من أي ذنب ، وهو من سعة رحمة الله عز وجل.
وهل لأجيال المسلمين والمسلمات أن يتخذوا نزول كلمة (التائبون) عيداً ، الجواب نعم ، وهل يصح تخصيص يوم يسمى يوم عيد التوبة أو يوم (التائبون) أو آية ( التائبون) والغبطة والسعادة بنزولها ، واتخاذ هذا اليوم لتجديد التوبة والتدبر بمضامين آية البحث ، الجواب لا، فقد ورد تعيين أيام الأعياد في الشريعة .
وعند اليهود يوم يسمى يوم كيبور أو عيد الغفران وهو يوم صيام يحظر فيه العمل عندهم مثلما يحظر في أيام السبت ويمنع فيه الإغتسال والجماع ، والمشي بحذاء جلدي ، ولا يكتبون فيه بالقلم ، ويعدون هذا اليوم من أعظم الأيام عندهم.
إنما المراد من إتخاذ الآية وتلاوتها عيداً هو الشكر لله عز وجل على نعمة نزولها وتلاوتها ، واللجوء إلى الله عز وجل بالتوبة والإنابة ، من غير إنقطاع عن أي عمل من أعمال الدنيا والحاجات الآنية أو البعيدة ، ومن غير تشديد على النفس ، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]( ).
ومن فضل الله عز وجل على الناس أنه في كل يوم هناك تائب وتائبون .
وتشمل التوبة من الشرك ، والبراءة من النفاق ، والتنزه والإقلاع عن المعاصي والسيئات ، وهناك مسألتان :
الأولى : هل يختص لفظ (التائبون) بالذي كان يفعل المعصية ويهجرها ، أم يشمل كل مؤمن .
الثانية : هل الأمور التي يتاب هنا ثابتة أم متبدلة .
أما المسألة الأولى فثواب التوبة يشمل كل مؤمن ومؤمنة وإن لم يرتكب أي ذنب ، فالصلاح توبة بالمعنى الأعم ، والإمساك عن المعصية أمر وجودي يثاب عليه المكلف .
فاذا كان الراجع عن المعصية والنادم عن الذنب يثاب ويؤجر فان الذي لم يقترف المعصية ولم يرتكب الذنوب يثاب من باب الأولوية بفضل ولطف من عند الله عز وجل ، قال تعالى [إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ]( ).
وأما المسألة الثانية ، فما يثاب عنه متعدد في ماهيته ، والله يعطي الكثير بالقليل ، فيقبل الإستغفار المجمل عن الذنب المتعدد كماً وكيفاً ، وفي التنزيل [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]( ).
قانون نهي صيغة الجمع عن الإرهاب
ولم يرد لفظ التائب بصيغة المفرد في القرآن ، إنما ورد مرة واحدة بصيغة الجمع [التَّائِبُونَ] وفيه مسائل :
الأولى : الإخبار عن كثرة التائبين ، وهل يمكن القول بقانون في كل يوم من أيام الحياة الدنيا هناك من يتوب ، الجواب نعم .
الثانية : قانون اللطف الإلهي بتقريب الناس إلى منازل التوبة .
الثالثة : هل تشمل التوبة الذي يعمل عملاً إرهابياً أو يساعد عليه ، الجواب نعم ، ومن إعجاز قوله تعالى [التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ]( )، أن كل كلمة من كلمات الآية تبعث على المبادرة إلى التوبة .
الرابعة : قانون الحسن الذاتي للتوبة .
الخامسة : قانون لزوم التعاون في التوبة النصوح ، بأن يهدي المسلمون الفرد منهم أو من غيرهم إلى التوبة ، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومنه التعاون في التوبة من الإرهاب ، وفي التنزه عنه قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
السادسة : سؤال الله الهداية إلى التوبة .
السابعة : إرادة التوبة العامة من الذنوب مما يعلمه وما قد نساه العبد فان الله عز وجل لا ينسى شيئاً ، وكل الأشياء حاضرة عنده .
وهناك مسألة وهي هل الذنوب التي يعلمها صاحبها أكثر ، أم التي لا يعلمها هي الأكثر في الغالب ، الجواب هو الثاني ، لذا يلزم الإستغفار العام ، وهو لايتعارض مع الإستغفار الخاص.
ومع كثرة صفات الحسن التي تضمنتها هذه الآية في وصف المؤمنين فقد ابتدأت بقوله تعالى (التائبون) وفيه مسائل :
الأولى : قانون التوبة أصل تتفرع عنه أعمال عبادية متعددة .
الثانية : قانون حرمة خلط العمل السئ مع العمل الصالح .
الثالثة : دعوة كل مسلم ومسلمة إلى الإكثار من الإستغفار .
الرابعة : قانون الإبتعاد عن المعوقات التي تحول دون التوبة .
الإعجاز في تقدم الركوع والسجود على الأمر بالمعروف
من إعجاز آية [التَّائِبُونَ] قوله تعالى [الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ]( )، ولم يأت هذا الوصف إلا بعد إخبار الآية عن تحلي المؤمنين بالركوع والسجود والمواظبة عليهما .
وهل من موضوعية ومعاني للترتيب الوارد في آية البحث ، الجواب نعم .
فلكل ترتيب بين كلمتين منها دلالات عقائدية وتربوية واجتماعية ، ويمكن استقراء معاني في المقام تتعلق بحرمة الإرهاب .
فبعد صفة الركوع والسجود جاء الأمر بالمعروف ليكون مقيداً بصبغة الإيمان والأخلاق الحميدة والتفقه في الدين .
ومن إعجاز الآية عدم مجئ واو العطف بين كلمات الآية وصفات المؤمنين ، وما فيه من اختلاف النحويين هل تفيد الواو الترتيب أو لا تفيده ، نعم وردت في [وَالنَّاهُونَ].
وقيل هي واو الثمانية وهي التي كان العرب يأتون بها بعد سبع أسماء أو صفات ، وقد تأتي قبل العدد ثمانية كما في قوله تعالى [سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا]( ).
وهي لغة قريش إذ يجعلون العقد سبعة ، وفي هذا الزمان صار العقد عشرة .
ومن الإعجاز ومصاديق الحكمة الإلهية في تقدم الركوع والسجود على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آية البحث مسائل :
الأولى : الترتيب في الوجوب ، وتقدم وجوب الصلاة على الأمر بالمعروف ، إذ تتضمن الصلاة الركوع والسجود مجتمعين فعدد ركعات الصلاة اليومية سبع عشرة ركعة ، تتضمن كل ركعة ركوعاً واحداً يتعقبه سجوداً متكرراً تختتم به الركعة مع النطق بالتسبيح .
ففي الركوع يقول المسلم (سبحان ربي العظيم وبحمده) وفي السجود يقول (سبحان ربي الأعلى وبحمده) ليترشح الأمر بالمعروف عن التقوى والورع ، ويكون كل فرد منها سبيلاً للإستقامة ، والإمتناع عن الظلم والإرهاب .
الثانية : قانون تقديم الواجب العبادي الشخصي وهو الصلاة على الواجب العبادي العام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثالثة : قانون الصلاة باعث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابعة : قانون تلقي الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المؤمنين الراكعين الساجدين بالقبول والرضا ، وهل هو من عمومات قوله تعالى [أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( )، الجواب نعم بتقريب وهو ميل وطمأنينة الناس لأهل التقوى وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( ).
الخامسة : تجلي مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ]( )، فيقوم المسلم بالأمر بالمعروف من منازل التقوى ومنه الأمر بالصلاح والتراحم والتوادد والتنزه عن الإرهاب.
ومن معاني تقديم الركوع والسجود على الأمر بالمعروف منع الخلل في مفهوم المعروف ، وجعله اسماً مجرداً خالياً من المسمى ، وفرض أوامر باسم المعروف لا تمت له بصلة سواء لمصالح معينة أو عن عصبية أو جهالة وغيرها ، فتقدم الركوع والسجود ليكونا مقدمة للأمر بالمعروف وتعاهد تضاده مع الظلم والتعدي والإرهاب.
البشارة حسب مضامين آية [التَّائِبُونَ]
تتصف آية البحث من بين آيات القرآن بأمور :
الأول : كل كلمة منها وصف كريم للمؤمنين .
الثاني : تعدد وكثرة الصفات الحميدة في آية البحث ، قال تعالى [لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ]( )، ولم يرد لفظ (لمثل) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
الثالث : استدامة أحكام الآية إلى يوم القيامة .
الرابع : في كل جيل وطبقة من الناس هناك أمة تعمل بمضامين آية البحث.
الخامس : قانون التضاد بين الإرهاب والصفات الحميدة التي تذكرها آية البحث مجتمعة ومتفرقة.
السادس : التحلي بالتوبة والصفات الكريمة الأخرى في الآية عصمة وواقية من الإرهاب ، وكشف لحقيقته وضرره.
السابع : قانون بشارة آية (التائبون) للمؤمن الذي يتنزه عن الإرهاب ، ويمسك يده عن الإضرار بعامة الناس وترويعهم.
الثامن : في كل دقيقة من أفراد الزمان الطولية هناك من يعلن التوبة ويأتي بالإستغفار أو بحمد الله أو يكون صائماً أو راكعاً أو ساجداً ونحوها من مضامين الآية.
وهي من أسرار التباين في أوقات الصلاة بحسب حركة الشمس وساعات النهار ، فما أن تنتهي بلدة أو قرية من صلاة الظهر إلا وهناك بلدة أخرى تؤديها ، وأخرى تؤدي صلاة الصبح أو المغرب أو العشاء لقييد أوان الفرائض بآيات كونية محلية ، قال تعالى [أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
ليكون من معاني قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( )، أي يعبدون الله في كل لحظة ودقيقة من لحظات الحياة الدنيا ، ويعارض الفعل الإرهابي عبادة الله ، ويكون عائقاً لها ، وسبباً لإنشغال الناس عن الذكر والعبادة لذا فهو حرام.
وهل من صلة بين عبادة الله والسلم والتعايش السلمي ، الجواب نعم ، فهو دعاء ومناسبة للعبادة وذكر الله عز وجل .
ويؤدي التعارض بين عبادة الله والإرهاب إلى سقوط وانحسار وإزاحة الإرهاب ، فعمره قصير ، ليكون من معاني قوله تعالى [وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ] أي بشرهم بعبادة الله في كل آن بعيداً عن العوائق.
وللصلة وقانون الترابط بين أول وآخر الآية القرآنية يأتي البيان في الصلة بين خاتمة الآية [وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ] وبين الوصف الكريم (التائبون) على وجوه منها:
الأول : وبشر المؤمنين التائبين توبة نصوحاً صادقة .
(وأخرج الترمذي عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : أنه كان إذا فرغ من وضوئه قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، رب اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)( ).
وهل يختص التطهر بالوضوء والغسل أم يشمل التطهر بمعناه الأعم من الظلم والإضرار بالناس بالإرهاب ، المختار هو الثاني .
الثاني : وبشر المؤمنين بلطف الله بتقريبهم إلى منازل التوبة.
وهل من حصر لأسباب وطرق التوبة التي يفتحها الله عز وجل للعبد الواحد ، الجواب لا ، فكيف بالطرق لمجموع البشر على تعاقب اجيالهم ، وهل تتشابه هذه الطرق بين شخص وآخر ، الجواب نعم ممكن أن تتشابه أو تختلف ، الأكثر لأنه من مصاديق قوله تعالى [كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الثالث : وبشر الذين يجمعون بين التوبة والعمل الصالح طاعة لله عز وجل ، قال تعالى [ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
وهل في دعوة الآية أعلاه للعمل الصالح نهي عن الظلم والإرهاب والتفجيرات والتعدي ، الجواب نعم.
قانون منافع مصاديق [التَّائِبُونَ] على غيرهم
لقد ذكرت آية البحث خصالاً حميدة يتحلى بها المؤمنون ، وهو موافق لخلق وتكوين الإنسان بانعكاس وأثر الإيمان على الجوارح والأركان ، وهل هذا الإنعكاس طوعي ، الجواب هو بفضل الله بالإمتثال لأوامر الله ، والإمتناع عن المحرمات من عند الله عز وجل في القرآن ، ومن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة النبوية لقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
ومن الآيات أن كل خصلة من هذه الخصال ذات صبغة فعلية ، ولها مبرز خارجي إذ تتجلى التوبة والعبادة والحمد لله والصفات الأخرى التي تذكرها الآية على اللسان وفي السلوك ليكون موعظة وتوصية ونصيحة عملية للآخرين للإقتداء بهم.
ولا يختص هذا الإقتداء بموضوع معين بل هو عام وهو من أسرار تعدد صفات المؤمنين في الآية الكريمة.
فاذا تاب العبد انقطع عن المعاصي والذنوب التي هي من أغلظ الحجب بين العبد وبين الله سبحانه ، وينقطع عن صحبة الأشرار وأهل السيئات الذين يحسون بفراقه ويدركون طوعاً وقهراً إرتقاءه في سلم المعرفة وأنه لم يبلغ مرتبة التوبة إلا بتسخير العقل والتدبر في ماهية الأفعال ، وعواقبها ، وبلطف من عند الله.
وتوبة المسلم دعوة للمسلم وغيره للرجوع عما يكره الله من الأفعال الظاهرة والخفية ، ومنها الظلم والتعدي والإرهاب.
ومن مصاديق التوبة الندم والإستغفار والإكثار منه ، والإمتناع عن الأخلاق المذمومة كالغيبة والنميمة .
ويجب على المسلم وغيره عدم الإنخراط في الجماعات التي تقوم بأعمال إرهابية ، وترويع الناس ، وتبعث الفزع حتى داخل البيوت ، ويكون التائب عن الذنوب نبراساً وهادياً في سبل الصلاح والرشاد.
وهل تستلزم التوبة التفقه في الدين ، الجواب نعم ، ولو على نحو الموجبة الجزئية .
فمن الإعجاز في خلق الإنسان أن الله عز وجل رزقه العقل للتمييز بين الحق والباطل ، وإن لم يتفقه في الدين ، لذا أدرك المسلمون الأوائل صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الله عز وجل وصفهم بالأميين ، قال تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ]( ).
ومن مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( )، ترشح منافع العبادة على غير العابدين ، فاذا قام المؤمن بالصلاة في وقتها أو في غير وقتها ففيه دعوة وعبرة للآخرين وترغيب بالصلاة وعبادة الله مطلقاً.
ويتحلى مسلم بالتقيد بالعبادة القلبية والبدنية والمالية فيمتنع الآخرون عن الظلم والإرهاب لقانون العبادة زاجر عن المعاصي والسيئات ، لصاحبها وغيره ، وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( )، أي تنهى صاحبها وغيره.
قانون طرد العبادة للإرهاب
من الأنظمة والقوانين العامة في الحياة الدنيا أن الضدين لايجتمعان إلا مع الدليل على الخلاف بقدرة ومشيئة الله عز وجل .
فلا يجتمع اللون الأبيض والأسود في مكان وصفحة واحدة ولكن قد يرتفعان باللون الأصفر أو الأزرق بذات المحل .
ومن خصائص الحياة الدنيا تغير الحال وبقاء المحل ، سواء في تبدل طبقات وأجيال الناس ، وبقاء الآيات الكونية كالشمس والقمر ودقة سيرهما أو بذات الأرض ، وكذا في حال الإنسان في اليوم والليلة ، واختياره التوبة والإنابة ، ومن مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( )، كثرة التائبين والمهتدين وقلة وندرة الذين يتجهون إلى الفجور والفسوق بعد الإيمان.
لبيان عدم إنحصار المعجزات بالتي تجري على أيدي الأنبياء إنما تأتي المعجزة من عند الله عز وجل إلى الناس جميعاً وسنخية السيرة العامة فيها وهو من رحمة ورأفة الله بالناس وإن كان للرسالات والكتب السماوية موضوعية فيها ، ولكن العلة العامة للهداية أعم ، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
ويكون تقدير الآية (ليبين لكم) على جهات :
الأولى : ليبين لكم بآيات القرآن .
الثانية : ليبين لكم على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبفعله ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثالثة : ليبين لكم بالآيات الكونية .
الرابعة : ليبين لكم قبح الظلم والإرهاب.
وأن كل جهة من الجهات أعلاه دعوة للمسلمين لنبذه والإبتعاد عنه ، وإدراك عدم ترتب النفع عليه .
فان قلت يتخذ بعضهم محل العبادة للتطرف والعنف ، والجواب إنه فرد قليل ونادر ، وحال طارئة سرعان ما تزول لأنها خلاف سنن العقل ، وأحكام الشريعة ، فلا يجتمع الضدان ما دام المسجد ودور العبادة قائمة لذكر الله وأداء الفرائض العبادية .
أما لفظ [الْعَابِدُونَ] وأثر العبادة على الآخرين ففيه مسائل :
الأولى : تبعث العبادة على السكينة في نفس العابد ، فيمتنع عن غلبة النفس الغضبية التي قد تكون هي من أسباب الإقدام على الفعل الإرهابي.
الثانية : إرادة المعنى الأعم للطمأنينة في قوله تعالى [أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( )، فلا تختص الطمأنينة بالذي يقوم بالعبادة ويتحلى بالزهد ، إنما يطمئن له الناس ، وتسكن نفوسهم له ، ويكون محل ائتمان ، فيجب أن يتنزه المسلم عن الغيلة والغدر والبطش .
الثالثة : جاءت الآية بصيغة الجمع (العابدون) لبعث المسلمين على الإجتهاد بالعبادات ، والإنصراف عما هو ضد لها وما يشغل الجماعة والطائفة والأمة عن العبادة.
ومن خصائص الإرهاب أنه ضد للعبادة ومشغلة وأذى للناس جميعاً ، ويكون برزخاً دون عبادة الله وأداء الفرائض في وقتها ، لأنه خلاف سنخية خلق الإنسان ، وما يدركه العقل وتمييزه بين النافع والضار ، وليس في الإرهاب إلا الضرر.
لذا يلاقي الإستهجان من الناس ، ويدركون زواله وانقطاعه لمن فاته لعبادة الله التي تتقوم بها الحياة الدنيا.
خاتمة آية (التائبون) حصانة من الإرهاب
أختتمت الآية بقوله تعالى [وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ] لبيان شرط قصد القربة في الأفعال العبادية .
ومن معاني خاتمة الآية تفضل الله بقبول القليل من الحمد والجزاء عليه وعلى أفراد العبادة .
وفي خاتمة الآية حذف ، ويحتمل تقديره وجوهاً :
الأول : يا أيها الرسول بشر بالجنة المؤمنين الذين يتصفون بانهم تائبون حامدون سائحون راكعون ساجدون أمرون بالمعروف ناهون عن المنكر وحافظون لحدود الله.
الثاني : وبشر المؤمنين على صدق إيمانهم ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] ( ).
الثالث : وبشر المؤمنين الذين يؤتون مضامين هذه الآية.
والمختار أنه لا تعارض بين هذه الوجوه ، لذا يختلف وقوف الأفراد والجماعات في مواطن الحساب.
الرابع : يا أيها الرسول بشر المؤمنين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالثواب العظيم .
الخامس : وبشر المؤمنين الذين ينهون عن الإرهاب ، والنسبة بين المنكر والإرهاب هو العموم والخصوص المطلق .
السادس : وبشر المؤمنين بأن الإرهاب ضرر محض .
السابع : وبشر المؤمنين بالتوحيد وأن النبي محمداً حرم الإرهاب .
الثامن : وبشر المؤمنين الذين يعاون بعضهم بعضاً في درء الإرهاب والتنزه عنه بالفضل من عند الله .
التاسع : يا أيها النبي بشر المؤمنين والمؤمنات الذين يدعون إلى السلم والموادعة والصلح .
العاشر : يا أيها النبي بشر المؤمنين بالأجر والثواب على الإمتناع عن الإرهاب والظلم .
الحادي عشر : وبشر المؤمنين بما في آيات القرآن من النهي عن سفك الدماء والتفجيرات العشوائية بحب الله لهم
الثاني عشر : وبشر المؤمنين الذين يرهبون الله ولايرُهبون ويخيفون الناس ، ويفيد قوله تعالى [وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] ( )، الحصر .
الثالث عشر : وبشر المؤمنين الذين يتقيدون بمضامين آية البحث.
وتتعدد مراتب الإقامة في الجنان بحسب اجتهادهم في طاعة الله ، وصبرهم ويحرم الفعل الإرهابي صاحبه من الجنة ، لقانون الإرهاب حاجب ومانع من النعيم الأخروي .
و(عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض)( ).
(عن سليم بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الجنة مائة درجة : فأولها من فضة أرضها فضة ، ومساكنها فضة ، وآنيتها فضة ، وترابها مسك .
والثانية من ذهب أرضها ذهب ، ومساكنها ذهب ، وآنيتها ذهب ، وترابها مسك .
والثالثة لؤلؤ أرضها لؤلؤ ، وآنيتها لؤلؤ ، وترابها مسك . وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)( ).
وفي بيان معنى الفردوس في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا]( )، (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الجنّة مئة درجة ، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس)( ).
وهل تختص بشارة المؤمنين في عالم الآخرة ، الجواب لا ، إنما هي في الحياة الدنيا والآخرة ، وفيه ترغيب بتعاهد الصفات الواردة في هذه الآية ، وكل صفة منها تزجر عن الإرهاب ، وفيه أمور :
الأول : قانون حجب الإرهاب البشارة عن صاحبه .
الثاني : قانون خلو الإرهاب من البشارة .
الثالث : قانون التضاد بين البشارة النبوية والإرهاب .
الرابع : قانون لم يؤمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببشارة الإرهابي لإتصاف فعله بالظلم.
وتبين الآية وجوهاً :
الأول : قانون القيام بالركوع زاجر عن الإرهاب.
الثاني : قانون السجود لله واقية من الإرهاب .
فمن يشغل نفسه بالصلاة ويحرص على اتقانها ، وأدائها بشرائطها ينفر من الإرهاب ، ويمتنع عنه ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ]( ).
[التَّائِبُونَ] والصلة مع خاتمة الآية
تقدير الجمع بين الكلمتين على وجهين :
الأول : وبشر التائبين .
الثاني : وبشر المؤمنين التائبين .
قانون ترشح العمل الصالح عن الجمع بين الإيمان والتوبة ، فالتائب عن المعاصي لا يبقى بلا عمل .
وقد جعل الله عز وجل عند الإنسان القدرة على العمل ، ويبتليه بما يجعله يختار العمل الذي يكون عليه الحساب والجزاء ، وهل إعلان الأذان وحلول وقت الصلاة وفق الآيات الكونية كطلوع الفجر لصلاة الصبح وغروبها الذي يعلن عن وجوب صلاة المغرب من الرحمة والإبتلاء العام وتذكير الإنسان بعبادة الله عز وجل اليومية ، الجواب نعم .
ويكون تقدير الحذف المترشح عن الجمع بين أول وآخر الآية على وجوه:
الأول : وبشر التائبين .
الثاني : إستحضار قصد القربة عند التوبة ، لبيان قبولها بشرط الإيمان.
الثالث : حب الله للمؤمنين التائبين .
الرابع : قانون عصمة المؤمنين التائبين عن الإرهاب للتنافي بينه وبين الجمع بين الإيمان والتوبة .
الخامس : قانون قرب التوبة من المؤمن ، وهذا القرب من اللطف الإلهي ، وفيه عون ومادة للتنزه عن الإرهاب .
السادس : قانون حلاوة التوبة مع الإيمان .
السابع : قانون وجود أمة في كل زمان تجمع بين التوبة والإيمان.
الثامن : قانون بعث الإيمان الإنسان على التوبة .
وهل يشترط ايمان ذات الشخص ، أم ينتفع الناس من المؤمنين بلجوئهم إلى التوبة ، الجواب هو الثاني .
ليكون المؤمن في صلاحه داعية إلى التوبة والإنابة ، وهل يلحق المؤمن ثواب إضافي بتوبة الآخرين بسبب صلاحه ، الجواب نعم ، وهو من عمومات قوله تعالى في آية البحث [وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ]( )، والتقدير على جهات :
الأولى : يا أيها الرسول بشر المؤمنين الذين يقتدي بهم الناس في الصالحات.
الثانية : وبشر المؤمنين الذي يعملون بالكتاب والسنة فيهتدي بهم الناس.
الثالثة : وبشر المؤمنين بالحسنات المضاعفة لهم من عمل غيرهم ، قال تعالى [فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ]( ).
الرابعة : ترغيب المؤمنين بالتوبة والأسوة للناس.
و(عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ : كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)( ).
كتيبة ذات السلاسل
هل يكون الممسك عن الذنوب أعلى درجة من التائب عن الذنب أم هما يتساويان حالما يتوب صاحب المعصية ، المختار هو الأول ، فان قلت قد دخل أناس من قريش الإسلام بعد صلح الحديبية أو يوم الفتح ، ومع هذا جعلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمراء في السرايا على عدد من المهاجرين الأوائل والأنصار.
كما في سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وقد اسلم هو وخالد بن الوليد بعد صلح الحديبية وقبيل فتح مكة ، وهو مصداق عملي لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الإسلام يجب ما قبله).
ففي شهر جمادى الآخرة من ذات السنة الثامنة ارسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذات السلاسل ليس للغزو ولكن بلغ النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن جمعاً من قبيلة قضاعة يريدون غزو المدينة وأطرافها والذين لهم حلف مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وعقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لواءً أبيض لعمرو بن العاص ، وبعث معه ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرساً وأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستعين بالذين يمر بهم من قبائل بلي وعذرة وبلقين.
وكان يسير في الليل ويكمن في النهار ، وعندما قرب عمرو بن العاص والصحابة من العدو ، ومن خلال السؤال والعيون أدرك أن عددهم كبير.
فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستمده ويطلب المدد .
(فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْر ٍوَعُمَر وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجّهَهُ لَا تَخْتَلِفَا)( ).
وكان مع أبي عبيدة مائتان من الصحابة وقوله (لَا تَخْتَلِفَا) من الوحي وفيه مسائل :
الأولى : منع الفرقة والشقاق بين الصحابة ، وهل هو من عمومات قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) الجواب ، وفيه شواهد عملية ومصاديق لهذه الآية الكريمة .
الثانية : إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإطلاق في موضوع عدم الإختلاف في العبادة والمعاملة ، وحال الدفاع وتنظيم الجيش ، وتأويل القرآن وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : تفقه المسلمين في الدين إذ أن الإختلاف حاجب دونه .
الرابعة : بيان قانون في الصلات بين الصحابة ، وهو إمتناع الإختلاف والشقاق .
الخامسة : تنبيه وتذكير المسلمين بعدم الإختلاف بينهم عندما يكونون طوائف ومذاهب ، لأن النهي الوارد في (لَا تَخْتَلِفَا) بخصوص مجئ مدد وفرقة أخرى للسرية الأولى .
السادسة : قانون وجوب عدم الإختلاف بين الأمراء .
السابعة : أهلية الصحابة بالتقيد بأمرالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعدم الإختلاف .
الثامنة : إرادة النصر ، وإجتناب الخسارة ، قال تعالى [وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ) ، ويعود ألف الاثنين في خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لَا تَخْتَلِفَا) إلى :
الأول : عبيدة بن الجراح .
الثاني : عمرو بن العاص .
ويلحق بهما أفراد الجيش كلهم ،.
ولا يختلف المسلمون في حرمة الإرهاب ، ولزوم إجتنابه .
التاسعة : إرادة المهاجرين والأنصار بمن ينصبه النبي محمد أميراً عليهم ، لأن هذا التنصيب شعبة من الوحي ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
وعندما اجتمع الجيش وحان وقت الصلاة تشاحا ، وأراد أبو عبيدة التقدم للإمامة في الصلاة ، فقال له عمرو بن العاص : إنما جئت مدداً لي ، وكان أبو عبيدة رجلاً ليناً يهون عليه أمر الدنيا ، ومن الصحابة الأوائل يدرك أضرار الإختلاف الذي حذره منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
(فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا عَمْرُو وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَالَ لِي : لَا تَخْتَلِفَا ، وَإِنّك إنْ عَصَيْتنِي أَطَعْتُك قَالَ فَإِنّي الْأَمِيرُ عَلَيْك ، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي ، قَالَ فَدُونَك . فَصَلّى عَمْرٌو بِالنّاسِ)( ).
وقيل أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أمر عمرو بن العاص لخبرته في الحرب ولم تثبت هذه الخبرة ، وإن كان من دهاة العرب.
ولأن أخوال عمرو من قبيلة بُليّ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإستعانة بهم ، ومع هذا طلب عمرو المدد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولإرشاد للصحابة بالرضا بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ] ( ) وفيها البركة والظفر .
وهناك مسألتان :
الأولى : هل الإختلاف من إبطال الأعمال .
الثانية : هل الإرهاب من إبطال الأعمال .
أما المسألة الأولى الإختلاف من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، ومنه الرأي المتبادل والشورى لما ليس فيه ضرر ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اختلاف أمتي رحمة) ( ).
وإذا ورد الإختلاف بصيغة الإطلاق ينصرف إلى الشقاق والنزاع المنهي عنه ، قال تعالى [وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا..] ( ) .
أما المسألة الثانية فالجواب نعم ، لأن الإرهاب خلاف الوظيفة الشرعية.
وعن رافع بن عُميرة الطائي أنه كان يحدث عن نفسه ، قال كنت امرأ نصرانياً وسميت سرجس ، فلما أسلمت خرجت في ذات السلاسل فقلت
(وَاَللّهِ لَأَخْتَارَنّ لِنَفْسِي صَاحِبًا ، قَالَ فَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ قَالَ فَكُنْت مَعَهُ فِي رَحْلِهِ قَالَ وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ لَهُ فَدَكِيّةٌ فَكَانَ إذَا نَزَلْنَا بَسَطَهَا ، وَإِذَا رَكِبْنَا لَبِسَهَا ، ثُمّ شَكّهَا عَلَيْهِ بِخِلَالِ لَهُ قَالَ وَذَلِكَ الّذِي لَهُ يَقُولُ أَهْلُ نَجْدٍ حِينَ ارْتَدّوا كُفّارًا : نَحْنُ نُبَايِعُ ذَا الْعَبَاءَةِ)( ).
ولما عادوا الى المدينة قال رافع لأبي بكر إنما صحبتك لينفعني الله بك فانصحني وعلمني فاجابه (آمُرُك أَنْ تُوَحّدَ اللّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تُقِيمَ الصّلَاةَ وَأَنْ تُؤْتِيَ الزّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجّ هَذَا الْبَيْتَ وَتَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَا تَتَأَمّرْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا)( ).
لبيان موضوعية التوحيد في حياة الصحابة ونصائحهم وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القضاء على الشرك في الجزيرة ، وتواصي أصحابه بخصوصه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]( )،
فسأله رافع عن سبب عدم طلب الإمارة مع أنه شرف وعز ، فقال أبو بكر (اسْتَجْهَدْتَنِي لِأَجْهَدَ لَك ، وَسَأُخْبِرُك عَنْ ذَلِكَ إنْ اللّهُ عَزّ وَجَلّ بَعَثَ مُحَمّدًا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِهَذَا الدّينِ فَجَاهَدَ عَلَيْهِ حَتّى دَخَلَ النّاسُ فِيهِ طَوْعًا وَكَرْهًا .
فَلَمّا دَخَلُوا فِيهِ كَانُوا عُوَاذَ اللّهِ وَجِيرَانَهُ وَفِي ذِمّتِهِ فَإِيّاكَ لَا تُخْفِرْ اللّهَ فِي جِيرَانِهِ فَيُتْبِعَك اللّهُ خَفْرَتَهُ فَإِنّ أَحَدَكُمْ يُخْفَرُ فِي جَارِهِ فَيَظِلّ نَاتِئًا عَضَلَهُ غَضَبًا لِجَارِهِ أَنْ أُصِيبَتْ لَهُ شَاةٌ أَوْ بَعِيرٌ فَاَللّهُ أَشَدّ غَضَبًا لِجَارِهِ . قَالَ فَفَارَقْته عَلَى ذَلِكَ .
قَالَ فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ ، وَأُمّرَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النّاسِ قَدِمْت عَلَيْهِ .
فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَمْ تَكُ نَهَيْتَنِي عَنْ أَنْ أَتَأَمّرَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟
قَالَ بَلَى ، وَأَنَا الْآنَ أَنَهَاك عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْت لَهُ فَمَا حَمْلُك( ) عَلَى أَنْ تَلِيَ أَمْرَ النّاسِ ؟ قَالَ لَا أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدّا ، خَشِيت عَلَى أُمّةِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ الْفُرْقَةً)( ).
وهل الإرهاب سبب للفرقة ، الجواب نعم ، ولا تختص الفرقة فيه بين المسلمين ، بل هي أعم ، لما فيه من الأذى العام للناس من المسلمين وأهل الكتاب وغيرهم .
قانون البشارة الخالدة على العبادة
لقد خلق الله عز وجل السموات والأرض قبل أن يخلق الإنسان بآلاف السنين لا عن حاجة منه تعالى لها أو لغيرها لقانون غنى الله المطلق.
ويدل قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( )، على أن الله عز وجل خلق السموات والأرض قبل الملائكة ، لأن السماء محل لسكناهم ، ولمعرفتهم بالأرض ساعة إخبار الله عز وجل لهم ، ونقاء وسلامة الأرض من دنس الفساد.
ولقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان وافتتان ومنه قوله تعالى [وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً]( ).
ومن إعجاز شطر الآية أعلاه تقديم الشر في الإبتلاء على الخير لتأكيد قانون اليسر بعد العسر ، والفرح بعد الشدة ، والخير بعد الشر بل مصاحبة اليسر لذات العسر ، قال تعالى [إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]( ).
وكل من ضروب الإبتلاء من الخير والشر امتحان واختبار فيجب أن يبقى المسلم على منهاج القرآن والسنة بالتنزه عن الإرهاب ، والإبتعاد عن مفاهيمه لأنه شر .
وهل الإبتلاء في الدين من مصاديقه العبادة في قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
أم أنه أعم وأن آيات الإبتلاء توسع من وجوه وأسباب وعلة خلق الإنس والجن ، ويقال خلقوا للعبادة وخلقوا للإبتلاء ، وخلقوا للإمتحان ، وخلقوا للفتنة ، وخلقوا الشكر الله .
الجواب هو الأول وأن الوجوه أعلاه كلها من مصاديق العبادة بتقريب وتقدير : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون عند الإبتلاء بالخير والشر ، وعند الشدة والرخاء ، وليعبدوني بالشكر لي.
لتبقى عبادة الناس لله عز وجل هي العلة التامة لخلقهم مع تعدد مصاديق وكيفية العبادة ، واستدامتها مع اختلاف أحوال الفرد والمجتمع ، وكل ابتلاء هو رحمة من عند الله ، فلابد من التحلي بالصبر ، ومنه الصبر عن المعاصي ، والصبر عن الظلم والإرهاب ، فهذا الصبر من مصاديق العبادة، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وسيأتي قانون كلمات آية (رابطوا ) نهي عن الإرهاب في الأجزاء اللاحقة.
قانون الرسالة أسمى مرتبة من العبودية
لقد أخبر الله عز وجل عن خلق الإنسان بصفة (الخليفة) بقوله تعالى إلى الملائكة [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لتكون النسبة بين الخلافة والرسالة عموماً وخصوصاً مطلقاً على فرض تعدد معاني الخليفة.
ومن خصائص الرسول جمعه لصفات العبودية الحقة وإخلاصه العبادة لله وتفانيه في طاعة الله ، واتصافه بنعمة ومرتبة الوحي من عند لله عز وجل .
والمختار أن النسبة بين العبودية والرسل عموم وخصوص مطلق ، فالعبودية أعم ، وكل منهما تدعو المسلم إلى نبذ الإرهاب والإبتعاد عنه سواء بصفته عبداً لله ، أو متبعاً لرسالة النبي محمد.
و(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهَا فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ فَزِعَ فَضَحِكَ الْقَوْمُ فَقَالَ مَا يُضْحِكُكُمْ فَقَالُوا لَا إِلَّا أَنَّا أَخَذْنَا نَبْلَ هَذَا فَفَزِعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا)( ).
وقال فخر الدين الرازي في تفسيره (ومنهم من قال : العبودية أشرف من الرسالة ، لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق ، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق ، وأيضاً بسبب العبودية ينعزل عن التصرفات ، وبسبب الرسالة يقبل على التصرفات ، واللائق بالعبد والانعزال عن التصرفات ، وأيضاً العبد يتكفل المولى بإصلاح مهماته ، والرسول هو المتكفل بإصلاح مهمات الأمة ، وشتان ما بينهما)( ).
وهذا القول ليس بصحيح ، سواء في المبنى أو الملاك بل هو حجة على قائله فالرسالة أشرف من العبودية وتدخل في معانيها وقال الرسول متولي مصالح أمته ، ليجمع الرسول بين العبودية لله عز وجل وبين الرسالة التي هي أشرف واسمى مرتبة في الأرض .
ولا تنحصر ولاية الأمة بالرسول إنما يتولاهم الله عز وجل ، قال تعالى [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ]( ).
وقوله أعلاه وإلا لما وصفه الله بهذه الصفة في أعلى مقامات المعراج.
ويريد قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]( )، وأن الله عز وجل وصف النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في الآية بأنه عبد الله ولم يقل (أسرى برسوله).
ولكن الآية تدل بالدلالة التضمنية على الرسالة لأن الإسراء لم يتحقق لأي أحد من عباد الله عز وجل أمس واليوم وغداً ، إنما تحقق لخصوص رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومع انتقاله إلى الرفيق الأعلى إنقطع الإسراء وإن كان في الأرض عبّاد وزهاد.
ومن يجمعون الصفحات الواردة في آية البحث التي هي أعلى مراتب التقوى ، ومقامات إخلاص العبودية .
ومن علو مرتبة الرسالة قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا]( ).
فالوحي تشريف إختص الله عز وجل به خاصة الخلق الذين رزقهم مرتبة النبوة وعددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي .
قانون العبودية عهد أمان
لقد ورد لفظ [الْعَابِدُونَ] بصيغة الخبر إلا أنه دعوة للمسلمين للإقبال على العبادة .
ومن خصائص التنزيل بعثه الناس لعمل الصالحات ، وزجر عن السيئات لقانون حتمية وجود إمتثال متعدد لكل أمر ونهي سماوي ، ويأتي هذا الإمتثال بتلاوة العبد التنزيل بواسطة الرسول ، والإستجابة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ).
ومن معاني الآية أعلاه أن كل فرد منها نهي عن الإرهاب ،ودعوة للمسلمين والمسلمات للتعاون في هذا النهي.
وهذا الإقبال انصراف طوعي وقهري عن الظلم والإرهاب والتعدي ، لبيان قانون وهو القرآن كتاب هداية وصلاح في كل زمان ، فما أن ظهر الإرهاب في هذا الزمان حتى تجلى قانون تصدي القرآن له ، ومنعه منه.
لذا فان الإرهاب بدأ محدوداً ضيقاً وعلى نحو القضية الفردية المحصورة ، وهذا الحصر ببركة القرآن الذي تمنع آياته من اتساعه وإغواء الشباب المسلم وغير المسلم فيه .
لبيان معاني قانون بقاء القرآن إلى يوم القيامة منها :
الأولى : قانون مصاحبة القرآن وتلاوته المسلمين والناس على نحو يومي ، وهو من أسرار وجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن في الصلاة خمس مرات كل يوم .
الثانية : قانون تهذيب القرآن للقول والفعل ، ليس لقاعدة استحالة اجتماع الضدين وحدها ، إنما لقانون الضد الصالح يزيح ويطرد الضد الفاسد وهو من بدائع التشريع في تلاوة القرآن كل يوم ، واتخاذه حجة ودليلاً .
الثالثة : قانون القرآن كتاب العبادة السماوي ، فاذا قيل كيف أعبد الله ، الجواب قد جاء القرآن بالفرائض والمستحبات والمباحات والمكروهات والمحرمات ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
ومن البيان في الآية أعلاه تعدد مضامين آية البحث ، وكل كلمة منه تمنع من الإرهاب وتدعو للإنصراف والتنزه عنه .
يقال (تاب العبد إلى الله من ذنبه، وتاب الله على عبده، والله تواب، وإلى الله المتاب. واستتاب الحاكم فلاناً: عرض عليه التوبة، والمرتد يستتاب. وأدرك فلان زمن التوبة أي الإسلام، لأنه يتاب فيه من الشرك)( ).
والعبودية سور الموجبة الكلية الجامع للناس كلهم ، مما يملي على المؤمن إدراك الصلة والأخوة بينه وبين غيره من الناس بالعبودية لله عز وجل ، وفيه دعوة للرفق واللطف والإحسان إليهم ، ويتعارض الإرهاب مع كل فرد من هذه الخصال الحميدة ، وفي الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
صلة [الْعَابِدُونَ] بآخر الآية
من إعجاز آية البحث ابتداؤها بصفة التوبة واختتامها بصفة الإيمان ، وفيه تأسيس لقوانين واستنباط لمسائل ومواعظ منها :
الأولى : وجوب عبادة كل إنسان لله عز وجل .
الثانية : قانون عبادة الناس لله عز وجل علة خلقهم ، ونزل قوله تعالى [فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا] ( )، للناس جميعاً .
الثالثة : قانون الملازمة بين صفة الخلافة في الأرض وبين العبادة ، وكل فرد منهما يبين قبح الإرهاب ومزاولته .
الرابعة : قانون عبادة الله صارفة عن الإرهاب ، فاذا اجتهد الإنسان في أداء الفرائض وانتظام أوقاتها حرص على اتيانها تامة غير منقوصة ، وفيه إنشغال عن الإرهاب ، وإدراك أنه ضرر وإضرار لابد من إجتنابه.
وعن الإمام علي عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أدلكم على ما يُكَفِّر الذنوب والخطايا ، إسْباغُ الوُضُوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط)( ).
ويبين الحديث قانوناً وهو جمع الفعل العبادي للتوبة والعبادة في آن واحد ، فالموضوع وانتظار الصلاة عبادة ومقدمة لعبادة وفيه غفران الذنوب.
الخامسة : ترغيب آية البحث بخير الدنيا والآخرة ، فذات العبادة نعمة ، وفيها سعي لبلوغ مراتب الخلافة في الأرض ، مع الأجر والثواب من عند الله عز وجل .
السادسة : وبشر العابدين ، وهل من حدّ أو رسم للبشارة من عند الله ، الجواب لا ، قال تعالى [فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
وفي الحديث القدسي قال الله تعالى (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر)( ).
السابعة : قانون أجمل ما في الدنيا البشارة من عند الله التي هي وعد وعهد أكبر من ذات الدنيا ، وقد أخبر الله بأن هذه البشارة قريبة من كل إنسان وتنال بطاعة الله ، وإتيان ما أمر به واجتناب ما نهى عنه .
الثامنة : وبشر المؤمنين العابدين ، فالإيمان اعتقاد بالجنان يترشح على الأعضاء بالأفعال العبادية .
التاسعة : وبشر العابدين الله باخلاص ، لبيان قانون اجتماع الإيمان وإخلاص العبادة لله عز وجل .
وقد ورد لفظ (مخلصين) سبع مرات في القرآن بخصوص صدق العبادة ، وقصد القربة في طاعة الله عز وجل ، قال تعالى [فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
ومن إخلاص الدين التنزه عن الإرهاب ، والنفرة من مفاهيم العنف ، والنسبة بين الدين والعبادة العموم والخصوص المطلق ، فالدين أعم .
لذا لم تكتف الآية بذكر صدق العابدين والمؤمنين ، وهو من بديع القرآن وقانون تأديب آياته للمسلمين والناس جميعاً.
قانون استدامة البشارة النبوية
من خصائص النبي مجيؤه بالبشارة والإنذار ، ويتغشى كل منهما قومه أو أهل زمانه منطوقاً ومفهوماً ، واتصفت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمور :
الأول : مجئ البشارة والإنذار في القرآن .
الثاني : قانون تعدد البشارة والإنذار في القرآن .
الثالث : قانون تجدد البشارة مع تلاوة كل آية قرآنية ، وهو من أسرار وجوب قراءة كل مسلم ومسلمة آيات من القرآن في الصلاة اليومية.
الرابع : قانون كل آية بشارة قرآنية مانع سماوي عن الإرهاب إلى يوم القيامة من جهات :
الأولى : قانون حضور آية البشارة في الوجود الذهني .
الثانية : قانون إدراك الإنسان التضاد بين الغبطة والسعادة في البشارة ، وبين الكآبة والبؤس في الفعل الإرهابي .
الثالثة : قانون الملازمة بين البشارة القرآنية وعالم الإرهاب ، وقانون الفعل الصالح والجزاء الأخروي ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : العمل الصالح يدخل المؤمن الجنة .
الصغرى : الإمتناع عن الإرهاب وتمويله والإعانة عليه عمل صالح .
النتيجة : الإمتناع عن الإرهاب وتمويله والإعانة عليه يدخل المؤمن الجنة .
ويحتمل قوله تعالى [وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ] وجوهاً :
الأول : العطف الإنشائي على جملة خبرية في أول الآية السابقة وهي [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ).
وهذا المعنى يمكن انطباقه على مضامين هذه الآية فيكون (التائبون) صفة للمؤمنين في الآية السابقة ، ولا يضر في هذه المعنى مجئ (التائبون) بصيغة الرفع لإرادة المدح بتقدير مبتدأ محذوف وجوباً وتقديره : المؤمنون هم التائبون ، كما تقرأ : التائبون هم المؤمنون لقانون الملازمة بين الإيمان والتوبة ، قال تعالى [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ]( ).
وكذا يكون تقدير الألفاظ الأخرى في الآية : المؤمنون العابدون ، المؤمنون الحامدون ، المؤمنون السائحون ، المؤمنون الراكعون .
التائبون : جمع التائب ، اسم فاعل من تاب .
الثاني : يتعلق (وبشر المؤمنين) بمضامين آية البحث .
الثالث : جملة مستقلة لحمل الحرف (الواو) على الإستئناف .
الرابع : التائبون مبتدأ مرفوع ، وخبره مضمر ، وبه قال الزجاج.
الخامس : الجامع المشترك للوجوه الثلاثة أعلاه ، وهو المختار .
لقانون لو دار الأمر بين المعنى المتحد والمتعدد للفظ القرآني فالصحيح هو المتعدد إلا مع القرينة التي تحصر معناه ، وهي مفقودة هنا وفي أغلب كلمات القرآن.
قانون التضاد المتصل بين الخلافة والإرهاب
قال تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
تزدان الأرض والخليفة بالنبوة والتنزيل وهو من فضل الله ومن الشواهد على نسبة جعل الخليفة في الأرض إلى الله عز وجل نفسه وكل فرد منهما ملك لله عز وجل .
وهل يدخل الناس في لفظ [مَا بَيْنَهُمَا] بقوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ]( )، الجواب نعم .
وتدل عليه خاتمة الآية لإفادة ملك الله عز وجل للآخرة مثلما أنه يملك الدنيا ويتباين حال الإنسان فيهما ، فالدنيا دار عمل بلا حساب ، والآخرة دار حساب بلا عمل ، فيجب أن يعمل المسلم بما ينجيه من الحساب في الآخرة ، ومن سبل النجاة التنزه عن الإرهاب وترويع الناس .
وهل في صفة الخلافة في الأرض حصة زائدة في الحساب ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا]( ).
والإرهاب سبب لحجب اليد اليمنى عن أخذ الكتاب يوم الحساب ، هذا الأخذ الذي هو أمنية كل مريد ، وفي الآية تحذير من اتباع الذين يدعون إلى الإرهاب .
ولم يرد لفظ [بِإِمَامِهِمْ] إلا في الآية أعلاه .
ولم تقل الآية (جُعل خليفةُ في الأرض) أو (جعلت الملائكة خليفة في الأرض) بل قالت [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لبيان إكرام الله عز وجل للناس وتعاهد حياتهم في الدنيا ، ولطف الله تعالى بصرف الشرور عنهم ، وفيه بلحاظ عنوان هذا البحث وجوه :
الأول : قانون قلة حوادث الإرهاب .
الثاني : قانون إنحصار الأثر الفعلي للإرهاب .
الثالث : قانون قصر عمر الإرهاب .
الرابع : قانون إنكار الناس للإرهاب .
الخامس : قانون تنزيه الله للأرض من استدامة الإرهاب ، قال تعالى [وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ]( ).
ومن مصاديق إزديان الأرض بالنبوة وزخرفتها بالتنزيل في المقام أمور:
الأول : قانون دعوة النبوة والتنزيل إلى السلم والموادعة والصلح ، وليس من نبي إلا وجاهد في تثبيت أركان السلم في الأرض .
الثاني : بيان آيات التنزيل لكراهة القتال وسفك الدماء ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ]( ).
لبيان أن القتال مفروض على المسلمين بسبب قيام كفار قريش بالغزو ، وإصرارهم في الميدان على القتال ، وتقدير الآية : كتب عليكم الدفاع وهو كره لكم.
وهذه الكراهة من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض ، بلحاظ أنها رحمة وفضل من عند الله ، والأصل أنها خالية من سفك الدماء لبيان حرمة الإرهاب لما فيه من سفك الدماء ، وزعزعة الأمن العام .
الثالث : نزول قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، دعوة للمسلمين والناس جميعاً للإمتناع عن سفك الدماء ، سواء تخص الخلافة آدم عليه السلام أم عامة الأنبياء ، أم أهل الإيمان أم الناس جميعاً.
أقسام الخلافة زاجر عن الإرهاب
يحتمل معنى (الخليفة) في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، وجوهاً :
الأول : خلافة آدم عليه السلام في الأرض .
الثاني : الأنبياء خلفاء الله عز وجل في الأرض ، ومن معانيه أن الأنبياء خلفاء بما يوحي لهم الله عز وجل ، وإمامتهم للناس في الصالحات ، وفي داود عليه السلام قال تعالى [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ]( )، ومنه قوله تعالى [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ]( )، وهل منه وراثة يحيى لزكريا ، الجواب نعم .
و(عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قرأ هذه الآية [يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ]( )، يقول عند ذلك : رحم الله زكريا ، ما كان عليه من ورثة)( ).
الثالث : خلافة الأئمة والعلماء للأنبياء ، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (العلماء ورثة الأنبياء)( ).
الرابع : خلافة الناس جميعاً للأرض .
الخامس : خلافة الناس بعضهم لبعض في الأرض ، جيلاً بعد جيل ، وورد حكاية عن النبي هود في خطابه وأمره لقومه [وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ]( )، لبيان أن الله عز وجل لم يخلق الناس ويتركهم وشأنهم إنما يكون تعاقب طبقات وأجيال الناس وسنخيتهم بأمر ومشيئة من عند الله عز وجل.
السادس : الخلافة على ذات الأرض باطلاق تصرف الناس في الأرض وكنوزها وذخائرها كما هو الظاهر للوجدان والحواس.
وعلى أي من هذه الوجوه يتغشى الإكرام بنعمة الخلافة الناس جميعاً لينبسط وجوب الشكر لله عز وجل على كل انسان مؤمناً أو كافراً ، ومن مصاديق هذه الوجوب التنزه عما حذرت منه الملائكة وهي أعلم بالمصلحة في هذا الباب من الإنسان إذ [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
ويجمع الإرهاب بين الفساد وسفك الدماء ، وتقدير الآية على وجوه منها : أتجعل فيها الإرهابي الذي يفسد فيها ويسفك الدماء ، لقد سألت الملائكة الله عز وجل تحقيق السلم المجتمعي في الأرض .
ترى ما هي النسبة بين الخلافة في الأرض وقوله تعالى حماية عن إبراهيم عليه السلام [وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ]( )، الجواب نسبة العموم والخصوص المطلق فاذا كان الناس خلفاء في الأرض فان الجنة لا يرثها ولا يقيم فيها إلا المتقون.
لذا يجب حبس النفس والجوارح عن الظلم والتعدي والإرهاب وهذا الحبس من مصاديق التقوى ، قال تعالى [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
وقد تقدم في الجزء الثاني بعد المائتين من هذا السِفر قانون : إنما توسل وتضرع الملائكة إلى الله أن لا يكون الخليفة مفسداً وسافكاً للدم( ).
قانون نهي الإنسان عن الإرهاب سابق لخلقه
من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ]( )، إخبار الله عز وجل الملائكة بخلق الإنسان وجعله [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
ومن معاني قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( )، فضل الله في جهاد وتبليغ الأنبياء لمنع الإرهاب وسعي الأولياء والصالحين في سبل الإمتناع من الفساد وسفك الدماء.
والنسبة بين الفساد والإرهاب عموم وخصوص مطلق ، وكذا النسبة بين الإرهاب وسفك الدماء ، ليكون النهي عن الإرهاب في هذا الزمان من جهات منها :
الأولى : مفهوم سؤال الملائكة إذ أنهم لم يحتجوا على الله بقولهم [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، انما سألوا المدد والعون للناس في إجتناب الفساد والإقتتال ومطلق القتل .
وكل آية من القرآن الذي نزل به جبرئيل من عند الله هي من هذا المدد.
(وأخرج عن الربيع بن أنس في قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ” قال: أَسماء الملائكة، وأخرج ابن أبي حاتم عن حميد الشامي قال: علَّم آدمَ أسماءَ النجوم، وأخرج ابن عساكر في التاريخ، عن ابن عباس، أن آدم عليه السلام كان لغتُه في الجنّة العربيةَ، فلما عَصَى سلَبه اللّهُ العربية فتكلّم بالسريانية، فلما تاب ردَّ اللّه عليه العربية.
قال عبد الملك بن حبيب: كان اللسانُ الأوّلُ الذي نزل به آدمُ من الجنة عربياً، إلى أن بَعُد العهدُ وطال، حرّف وصار سُرْيانياً، وهو منسوب إلى أرض سُورَى أو سوريانة، وهي أرضُ الجزيرة، بها كان نوح عليه السلام وقومه قبل الغَرَق، قال: وكان يُشَاكِل اللسانَ العربي، إلاّ أنه محرّف)( ).
ومن الإعجاز في الآية عدم ذكر الملائكة للإقتتال أو القتل على نحو التعيين إنما ذكروا سفك الدماء وهو مطلق فيشمل القتل غيلة والجراحات والإرهاب ، والتفجيرات العشوائية والقنابل التي يكون فيها سفك الدماء عشوائياً وبالجملة .
الثانية : وصية الملائكة للناس باجتناب الفساد والإرهاب .
الثالثة : تنبيه الملائكة عن الفساد وافراده كثيرة ، منها الظلم والتعدي والإرهاب ، وهل ترويع عامة الناس من الفساد ، الجواب نعم.
ولقد جاء قول الملائكة على نحو التساؤل ، والتضرع إلى الله عز وجل ، فهل يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم ، إذ تبعث الملائكة المؤمنين للدعوة إلى الصلاح والإمتناع عن الإرهاب ومن قبل أن يتمكن إبليس من الإغواء والفتنة وحضّ آدم وحواء على الأكل من الشجرة التي نهاهما الله عز وجل عنها.
مسائل في التضاد بين الذكر والإرهاب
تضمنت آيات القرآن الأمر بذكر الله ولم يختص هذا الأمر بالأنبياء أو بالمسلمين ، بل هو مصاحب للحياة الدنيا وأبهى مصاديق الذكر الصلاة جماعة وفرادى مع مضاعفة الثواب في صلاة الجماعة ، وهل هي أكثر زجراً عن الإرهاب من صلاة المفرد ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في تأكيد القرآن والسنة القولية والفعلية عليها .
وابتدأ قوله تعالى [فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( )، بحرف الفاء لبيان عدم ثمة فترة أو وقت بين أداء المسلمين الصلاة وبين ذكرهم لله عز وجل لوجوه :
الأول : قانون وجوب عدم التفريط الزماني بالتعليم السماوي .
الثاني : قانون حالما تنزل الآية القرآنية يجب العمل بمضامينها القدسية .
الثالث : قانون الإحتراز بذكر الله من الإرهاب فعلاً وأثراً .
الرابع : النسبة بين ذكر الله وبين الصلاة عموم وخصوص مطلق ، لتخبر آية البحث عن الإنتقال من الواجب الخاص إلى المستحب العام ، وهو من الإعجاز في تأديب القرآن للمسلمين والمسلمات .
الخامس : قانون استفراق الذكر لوقت المعروف ، فلا يهّم العبد بالإرهاب ، (وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن رجلاً سأله فقال : أي المجاهدين أعظم أجراً؟ قال : أكثرهم لله ذكراً .
قال : فأي الصائمين أعظم أجراً؟ قال : أكثرهم لله ذكراً . والصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصدقة . كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أكثرهم لله ذكراً فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أجل)( ).
السادس : قانون تنزه الذاكرين الله كثيراً عن الإرهاب ، و(عن ابن عباس في قوله [اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا]( )، يقول : لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً ، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر ، فإن الله تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه ، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله .
فقال : اذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم ، بالليل والنهار ، في البر والبحر ، في السفر والحضر ، في الغنى والفقر ، والصحة والسقم ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال ، وقد سبحوه بكرة وأصيلاً ، فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته ، قال الله تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ( ).
السابع : من معاني ذكر الله عز وجل استحضار ربوبيته المطلقة وسلطانه وأحكام الشريعة التي أمر بها عند الهمّ بالقول أو الفعل ليكون هذا الذكر زاجراً عن الحرام ، ومنه العمل الإرهابي والعنف الشديد والقتل والتفجير العشوائي .
وهل يختص موضوع الآية [فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ] بصلاة الخوف وحال القتال لمجيئها بعد آية صلاة القصر عند السفر والخشية من المشركين في قوله تعالى [وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا]( )، الجواب لا ، فموضوع الآية أعم ، لبيان حاجة الإنسان إلى الذكر ، وتنقية وتنقيح قوله وفعله باستيلاء الذكر على قلبه.
وحتى بخصوص صلاة الخوف ، فانها حجة على المسلم ، إذ أنعم الله عز وجل عليكم بالأمن والأمان فيجب أن يشكر الله عز وجل بتعاهد الأمن المجتمعي ، وعدم إخافة الناس ، والإضرار بنفسه.
(الحامدون) عون للقضاء على الإرهاب
تتضمن الآية البشارة للذين يقولون [الْحَمْدُ لِلَّهِ] ويشكرونه في السراء والضراء ، وفي الخير والإبتلاء وفي النشط والمكره .
لقد جعل الله عز وجل الإنسان [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، ليحمده وتتزين الأرض بحمده لله ، وتبتهج الملائكة بما تسمعه من الناس من الحمد.
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية وجوب الصلاة خمس مرات في اليوم على كل مسلم ومسلمة ، وذات الصلاة والوقوف بين يدي الله بخشوع من الحمد والشكر لله ، كما يتلو كل مسلم ومسلمة قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، سبع عشرة مرة كل يوم في الصلوات اليومية .
وهل يكفي هذا في صدق نيل المسلم مرتبة الحامد وأنه من الحامدين الذي تذكرهم آية البحث أم لابد من منهاج خاص ومواظبة على الحمد في الليل والنهار كي يفوز الإنسان بهذه المرتبة .
الجواب هو الأول ، وهو من فضل الله عز وجل ويكون وفق القياس الإقراني :
الكبرى : الحامدون الذين يقولون الحمد لله .
الصغرى : المسلمون يقولون الحمد لله .
النتيجة : المسلمون هم الحامدون .
والحمد نقيض الذم ، والمحمدة خلاف المذمة .
(وقد حَمِدَه حَمْداً ومحْمَداً ومحْمَدَةً ومَحْمِداً ومَحْمِدَةٌ، نادر، فهو محمودٌ وحَمِيدٌ)( ).
ومن أسماء الله (الحميد) بمعنى المحمود على كل حال ، وفي التنزيل [لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ]( ).
والنسبة بين الحمد والشكر هو العموم والخصوص المطلق ، فالحمد أعم.
فيأتي الشكر ثناء لصنيعة يد ، أما الحمد فيكون على وجوه :
الأول : الإبتداء بالحمد .
الثاني : الثناء والمدح .
الثالث : الحمد على صنيعة وإحسان.
والإرهاب ضد للحمد والشكر ، وهو حائل دونهما ولأن الحمد والشكر لله واجب على العبد فلابد من إزالة العوائق التي تحول دونه .
لقد اثنى الله عز وجل على المؤمنين إذ وصفهم (الحامدون) لبيان أنهم مشغولون بالحمد له سبحانه ، واعترافهم بفضله عليهم ، وإقرارهم بتوالي نعمه عليهم .
وهل هذا الإقرار حاجب دون الإرهاب وزاجر عنه ، الجواب نعم ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الحمد لله واجب .
الصغرى : الإرهاب ضد الحمد .
النتيجة : الإرهاب ضد الواجب .
لقد نزل قوله تعالى [الْحَامِدُونَ]( )، للثناء على المؤمنين الذين يحمدون الله عز وجل في القول والعمل ، وفي الظاهر والباطن ، والذين يستحضرون الحمد لله ليكون على وجوه :
الأول : تهذيب المنطق .
الثاني : تأديب النفس .
الثالث : إصلاح عالم الفعل ، والتنزه عن الإرهاب لاستمالة إجتماع الضدين.
وهل يختص هذا الإصلاح بالحامدين ، الجواب لا ، إنما تنعكس بركته على غيرهم من السائلين ، وذوي القربى ، والجيران ، وهو من مصاديق إمامة المؤمنين للناس في منازل التقوى.
[السَّائِحُونَ]
لقد اثنت آية البحث على المؤمنين بوصفهم بالسائحين ، ويحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة الصيام ، وعن عبد الله بن مسعود (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السائحين . فقال : الصائمون)( ).
وهل المراد صيام شهر رمضان أم إدامة الصيام ، المختار هو الأول لصدق تحقق الصيام بأداء الفرض لقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
(قال الزجاج السائحون في قول أَهل التفسير واللغة جميعاً الصائمون)( ).
لأن الصيام رياضة نفسية ينقطع بها المؤمن عن الشهوات ويتدبر في عالم الملكوت وكأنه في سياحة.
الثاني : السائحون لطلب العلم .
الثالث : السائحون للدفاع في سبيل الله .
الرابع : المهاجرون بدينهم .
الخامس : إرادة المعنى الأعم في الضرب في الأرض لغايات حميدة ، قال تعالى [قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
والمختار أن المراد من لفظ (السائحون) هم الصائمون لبيان أن الصيام جهد للبدن وتفكر في الخلائق ، قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، ولما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ذكرت الآية الصلاة بكلمتين منها [الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ].
وإفادة معنى الصائمين لا يتعارض مع الوجوه أعلاه والمعنى المستقرأ من ظاهر اللفظ لحجية ظواهر القرآن ولقانون لو دار الأمر بين المعنى المتحد والمعنى المتعدد للفظ القرآني فالصحيح هو الأخير.
لقد ورد ذكر الصيام في القرآن بصيغة الفرض والوجوب والكتابة في القرآن بقوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
ووصفت الآية التي بعدها أيام الصيام بأنها معدودات [أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ]( ).
قانون تخفيف الصيام عن المسلمين بفضل الله وهذا التخفيف ظاهر بالوجدان يدركه ويحس به الصائم من جهات :
الأولى : قصر نهار الصيام , فمع أن ساعاته ثابتة , ولكن الصائم يظن أن نهار الصيام أقصر , وهو من البركة ولكن ليس بالزيادة بل بالتخفيف وقصر الوقت .
الثانية : قانون سرعة إنقضاء أيام الشهر .
الثالثة : قانون حلاوة ساعة الإفطار .
الرابعة : من التخفيف قانون سعي الصائم لتحصيل الحسنات بالصيام , ورجاء الأجر والثواب .
و (عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة يوم القيامة ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ( ).
(عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عز وجل : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ( ).
الخامس : التخفيف بإفطار المريض والمسافر .
لبيان أن المسلم الصحيح المعافى يجب أن يؤدي فريضة الصيام ويبتعد عما هو ضدها من الظلم والإرهاب .
وبعد هذه الآية جاءت آية شهر رمضان لبيان مدة الصوم بين هلالي رمضان وشوال , ولم يرد اسم شهر في القرآن إلا شهر رمضان ولمرة واحدة في الآية أعلاه .
وبينت الآية أعلاه الخصائص القدسية لشهر رمضان ونزول القرآن فيه رحمة للناس جميعاَ , وسبيل هداية للناس .
وهل الإرهاب باسم الدين حاجب دون الهداية العامة للناس , الجواب نعم .
لما يبعثه من النفرة والكدورة فلابد من الإمتناع والتنزه عنه .
الجمع بين أول آية (التائبون) وآخرها
من إعجاز القرآن إمكان الجمع بين كلمتين أول ووسط الآية والجمع بين كلمتين من أول وآخر الآية واستقراء المسائل والمواعظ واقتباس القوانين منها.
وكذا الجمع بين كلمة من آية وكلمة من آية أخرى ، وقد صدر تفسير الجمع بين آيتين أو أكثر في والحمد لله أجزاء وهي :

  • الجزء السادس والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 64-69 من سورة آل عمران.
  • الجزء السابع والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات70-77 من سورة آل عمران.
  • الجزء الثامن والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 78-84 من سورة آل عمران.
  • الجزء التاسع والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 85-93 من سورة آل عمران.
  • الجزء الثمانون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 94-102 من سورة آل عمران .
  • الجزء الواحد والثمانون ،ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 101-109 من سورة آل عمران .
  • الجزء السادس والعشرون بعد المائة ، ويختص بصلة الآية (152) بالآية التي قبلها من سورة آل عمران.
  • الجزء السابع والعشرون بعد المائة وهو القسم الأول من تفسير الآية153 ,ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطرمن الآية 151 من سورة آل عمران.
  • الجزء التاسع والعشرون بعد المائة , وهو القسم الأول من تفسير الآية 154 , ويختص بصلة شطر من الآية بشطر من الآية 153 من سورة آل عمران.
  • الجزء الواحد والخمسون بعد المائة ، ويختص بالصلة بين شطر من الآية 161 بشطر من 164 من سورة آل عمران .
  • الجزء الواحد والتسعون بعد المائة , ويختص بالصلة بين الآية 180 والآية 181 من آل عمران .
    ويمكن الجمع بين أول وآخر آية (التائبون) على وجوه :
    الأول : التائبون هم المؤمنون .
    الثاني : وبشر المؤمنين التائبين .
    الثالث : يا أيها الرسول بشر التائبين .
    الرابع :بشر التائبين بالمغفرة من عند الله .
    الخامس : التائبون أسوة للمؤمنين .
    السادس : وبشر التائبين الذين يتنزهون عن فعل المعاصي .
    السابع : قانون التائبون في حصن من الإرهاب .
    الثامن : قانون التائبون يحبهم الله عز وجل ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ]( ).
    ويبين التداخل الحضاري في هذا الزمان لزوم ثقافة الحوار ، وقبول الآخر والعيش المشترك وفق الأخوة الإنسانية في البلاد ذات الإنتماء العقائدي والمذهبي المتعدد وهو لا يتعارض مع الأخوة الإيمانية وقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
    وقد التفت أهل الحل والعقد إلى لزوم سلامة العملية التربوية من لغة الكراهية والإنغلاق والعنف والتعصب والبطش والجرأة على الدماء.
    تعليم النبوة واقية من الإرهاب
    لقد أخبرت آيات قرآنية عن صفات كريمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها قوله تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ]( )، وكل صفة من هذه الصفات نعمة عظمى على أهل الأرض ، وزاجر عن الإرهاب والعنف والتطرف ، ومن الصفات التي ذكرتها الآية أعلاه :
    الأولى : نيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرتبة النبوة والرسالة من عند الله عز وجل لوجوب اقتداء المسلمين به واتباعه في خلقه الكريم والأحكام الشرعية التي جاء بها.
    الثانية : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أمة من الأميين ليسوا من أهل الكتاب ، إنما كانوا عبدة أوثان وأحجار ، مما يستلزم جهداً إضافياً في التبليغ ، وتسليماً بمعجزاته إذ بعثه الله عز وجل على فترة من الرسل وبينه وبين عيسى عليه السلام نحو ستمائة سنة ليس فيها نبي.
    الثالثة : كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أوسط قريش ، يعرف العرب جميعاً حسبه ونسبه ويطمئنون إليه ، وهو من بركات المسجد الحرام ، ورفادة العرب كل سنة إلى مكة ، لذا سمّاها الله عز وجل [أُمَّ الْقُرَى]( )، والنسبة إليها تشريف.
    ومن معاني (منهم) في قوله تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ] إقامة الحجة عليهم إذ أنهم يعرفون أمانته وصدقه وعفته ، وكان يسمى قبل البعثة (الصادق الأمين).
    وتملي هذه التسمية على المسلمين آداباً وسنن أخلاقية حميدة إلى يوم الدين.
    وهل من خصوصية لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من العرب ، الجواب نعم ، ففيه ترغيب لهم بالإسلام ، ولأن القرآن نزل بلغتهم ، ليس من واسطة وترجمة بين التنزيل وبين استماعهم وتلاوتهم له.
    ومن الشكر لله عز وجل على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيادة السلم ، ونشر الأمن والتدبر في آيات القرآن التي تحرم الإرهاب ، ومنها آية البحث أعلاه .
    الرابعة : تحريم القرآن للغزو بين القبائل ، لقد كان العرب يأكل قويهم الضعيف ، لا يتورعون عن الحرام ، يغلب عليهم الجهل ، وهو من أسباب تسميتهم (الأميين).
    الخامسة : قضاء الإسلام على عادات عند العرب تهدد وجودهم منها :
    الأولى : وأد البنات خشية السبي .
    الثانية : قتل الأولاد خشية الفاقة والفقر المدقع [وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا]( ).
    الثالثة : الفتك السريع غدراً ، وطمعاً ، وإرادة السلب والنهب.
    السادسة : نزول أول آية من القرآن بطلب العلم ، وتعلم القراءة والكتابة بقيد الإيمان [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، وهل قيد جعل القراءة باسم الله نهي عن الإرهاب ، الجواب نعم.
    إذ تنهى الآية عن إتخاذ التعليم ، ووسائل التواصل الإجتماعي في هذا الزمان واسطة وعوناً لتنفيذ العمل الإرهابي والتآزر فيه.
    وهو من إعجاز الآية إذ نزلت قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة لتكون تأديباً للشباب المسلم في هذا الزمان ، والأزمنة اللاحقة أيضاً ، لقانون في القرآن وقاية من كل فتنة .
    و(عن سعد بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم : إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، والساعي خير من الراكب ، والراكب خير من الموضع( ))( ).
    وعن عبد الله بن مسعود قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع ، و المضطجع فيها خير من القاعد ، والقاعد فيها خير من القائم و القائم خير من الماشي و الماشي خير من الراكب ، والراكب خير من المجري.
    قلت : يا رسول الله و متى ذلك ؟
    قال : ذلك أيام الهرج حين لا يأمن الرجل جليسه .
    قلت : فبم تأمرني إن أدركت ذلك الزمان ؟
    قال : اكفف نفسك و يدك و أدخل دارك .
    قلت يا رسول الله أرأيت إن دخل على داري.
    قال : فادخل بيتك .
    قال : قلت أفرأيت إن دخل على بيتي ؟
    قال : فادخل مسجدك و اصنع هكذا و قبض بيمينه على الكوع و قل ربي الله حتى تموت على ذلك)( ).
    ومن الإعجاز في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إرتقاء المجتمع من السئ إلى ضده الحسن ، من الأمية العامة والغالبة دفعة واحدة إلى أمور هي:
    الأول : الإيمان والإقرار بالتوحيد .
    الثاني : التصديق بالنبوة ، مع توالي المعجزات .
    الثالث :القراءة .
    الرابع : الكتابة مع القراءة للملازمة بينهما ، والنسبة بين الذكر والقراءة عموم وخصوص مطلق ، وكل فرد منها عون وسلاح وحصانة ضد الإرهاب.
    وقد تقدم في الجزء السادس والتسعين بعد المائة من هذا السِفر قانون في الذكر والذكرى والتذكير كفاية في هداية الناس إلى سبل الإيمان ، والإمتناع عن القتل وسفك الدماء( ).
    قانون فرض طلب العلم منع للإرهاب
    من إعجاز القرآن كثرة الآيات التي تحض على طلب العلم لبيان إرتقاء الإنسان في مقامات المعرفة بالعلم والإنتفاع العام منه ، قال تعالى [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ]( ).
    وتبلغ عدد المرات التي وردت فيها مادة العلم ومشتقاتها والقراءة في القرآن نحو 780 مرة.
    ووردت أحاديث نبوية عديدة في الترغيب بطلب العلم لتكون هناك فئة من القراء والفقهاء من أيام النبوة والتنزيل .
    وعن (عقبة بن عامر الجهني قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في الصفة ، فقال : أيكم يحب أن يغدو إلى بُطحان أو العقيق ، فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين زهراوين يأخذهما في غير إثم ، ولا قطيعة رحم .
    قالوا : كلنا يا رسول الله يحب ذلك .
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد ، فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين ، وثلاث خير من ثلاث ، وأربع خير من عدادهن من الإبل)( ).
    والنسبة بين طلب العلم والإرهاب التضاد والتنافر ، لبيان قانون نهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن مقدمات الإرهاب.
    ومن خصائص آيات القرآن أنها توصل إلى العلم وما يسمى بالدليل ، وهو أسمى وأعلى مرتبة من الظن الذي توصل إليه الأمارة لذا سمّى الله عز وجل القرآن بياناً نافعاً بقوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
    قانون التعلم حرز من الإرهاب
    (عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم)( ).
    وهل المراد من الحديث طلب العلوم الشرعية والتفقه في الدين ، أم العلوم الدنيوية ، الجواب إرادة أصالة الإطلاق والمعنى الأعم .
    فكل منهما يصدق عليه أنه علم .
    ومن العلوم الدنيوية ما تتوقف عليه المصالح العامة لوجوب تفقه طائفة في الدين ، قال تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( )، وجمعت الآية أعلاه اختصاص الفقاهة بأمرين :
    الأول : التفقه في الدين بخصوص أصول وفروع الدين فلابد من معرفة مبادئ التوحيد وأن الله عز وجل لا شريك له في الوهيته ومشيئته المطلقة وملكه للسموات والأرض ، وفي أسمائه الحسنى وصفاته.
    ومعرفة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي جاء بها في الجملة ووجوب اتباعه في أوامره ونواهيه وأن القرآن كلام الله عز وجل الذي أنزله على النبي محمد.
    وتعلم أحكام الصلاة ووجوبها وعدد فرائضها ومقدماتها من الوضوء وبدائله من الغسل والتيمم ، قال تعالى [إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
    وتعلم فروض الكفايات والتي لا تنحصر بمسائل العبادات مثل صلاة الجنازة وتغسيل الميت ، وآداب الدفن ، واذا قام بها واحد سقطت عن الآخرين مع ما فيها من التكافل الإجتماعي والثواب .
    الثاني : الإنذار العام ليشمل فروض الكفايات في المصالح العامة تفقه التاجر في البيع والشراء ، وكيفية التوقي من المعاملات الربوية والمعاملات المحرمة ، وكذا بالنسبة لتعلم طب الأبدان والإجتهاد والتخصص العالي فيه ، وعلوم الهندسة وغيرها.
    والنسبة بين العلم والإرهاب هي التضاد والتعارض ، ويزيح العلم مفاهيم الإرهاب من الأذهان والمجتمعات ، قال تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ]( ).
    إذ بعث الله عز وجل النبي محمداً من بين ظهراني العرب ، ومن أوسطهم نسباً وحسباً ، وهم يعلمون بصدقه وحفظه للأمانة وتنزهه عن الكذب والخيانة قبل أن ينال مرتبة النبوة .
    وفيه حجة على المسلم بوجوب التحلي بأخلاق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسنة .
    وهل يشمل الحديث النبوي أعلاه في طلب العلم المرأة أم يختص بالرجال ، الجواب هو الأول ، فلابد من تعلم المسلمة وتهيئة أسباب ومقدمات هذا التعلم سواء علوم الشريعة أو العلوم المدنية والإنسانية واختصاصاتها المستحدثة مع التقيد بالضوابط.
    التضاد بين القيم الإنسانية والإرهاب
    الإنسانية مصدر صناعي من الإنسان ، وهي ضد الحيوانية أو البهيمية ، وتعني الخصال الحميدة التي يجب أن يتصف بها البشر ، والضابطة في معاملة الإنسان مع غيره من الناس الأدنى والأعلى منه لأن الإنسانية ملكة أخلاقية حميدة ، ونهج مستقر عند الإنسان مع مختلف المراتب.
    ومن مصاديق الإنسانية عبادة الله ، الإحسان ، والإيثار ، والتكافل الإجتماعي والإقتصادي ، وقبول الآخر وغيرها من المفاهيم والصفات الأخلاقية الفطرية المكتسبة ، وهل منها قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، الجواب نعم .
    لبيان أن الصلات الإنسانية سبيل لاستدامة الحياة الدنيا بأحسن حال ، وهي مناسبة للعبادة وذكر الله عز وجل والتفكر في بدائع الكون.
    ومن معاني الإنسانية التساوي في الحقوق والواجبات مع اختلاف النسب واللون والجنس واللغة ، والدين ، والنسبة بين الإنسانية والتقوى عموم وخصوص مطلق ، فهناك إكرام خاص من عند الله عز وجل للمتقين الذين يخشونه بالغيب ويقيمون الصلاة ، ويؤدون الفرائض العبادية الأخرى ، قال تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ).
    ولا يتعارض هذا الإكرام مع وجوب حفظ حقوق الإنسان مطلقاً ، لتجتمع التقوى وحقوق الإنسان في النهي عن الإرهاب ، وبيان قبحه ، وضرره العام.
    لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بمكارم الأخلاق ، والنسبة بينها وبين قوانين وقواعد حقوق الإنسان في هذا الزمان عموم وخصوص مطلق.
    لقد أسس الإسلام لهذه الحقوق ، وحمل الناس على العمل بها طوعاً وقهراً وانطباقاً ، لبيان معجزة غيرية للقرآن بأن تنزل آية منه ، تنهى عن عادة وفعل سائد كالوأد أو الربا أو الزنا ، فيبادر الناس إلى الإقلاع عن هذه العادة ، وتستمر مئات أجيال المسلمين بتلقي أحكام هذه الآية القرآنية بالتصديق والإمتثال بغبطة وبمناجاة فيما بينهم للحض على التقيد بأحكامها ، والأوامر والنواهي القرآنية المطلقة بما يتضمن الرفق العام.
    وكثيرة هي الآيات القرآنية التي تبعث على المفاهيم الإنسانية وتثبيتها في الأرض ، منها قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا]( ).
    ومن الآيات الإنسانية في القرآن ذمه للخصال المذمومة التي تتعارض مع القيم والخلق الحميد ، وأصل هذه الخصال الكفر والشرك والجحود ، ومنها الجهل والإستكبار ، والفجور .
    وفي الرفق بالعبيد والخدم مطلقاً ، ورد عن أبي ذر (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : هم إخوانكم خَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم، فأعينوهم)( ).
    قانون التضاد بين قصد القربة والإرهاب
    من الإعجاز في سنن الإيمان إقرار المسلمين والمليين أن الله عز وجل [هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( )، ولا يحده مكان ولا زمان.
    و(عن بريدة قال : دخل قوم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونتفقه في الدين ونسأله عن بدء هذا الأمر .
    فقال : كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق سبع سموات : ثم أتاني آت فقال : هذه ناقتك قد ذهبت . فخرجت والسراب ينقطع دونها ، فلوددت أني كنت تركتها)( ).
    ثم اضيفت جملة (وهو الآن على ما عليه كان) ( ).
    إلى حديث (عمران بن حصين ).
    ومن معاني قصد القربة وجوه :
    الأول : التقريب إلى رحمة الله ورجاء الفوز بها ، قال تعالى [إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ]( )، ومن خصائص الإرهاب أنه لا يقرب صاحبه إلى الله ، إنما يبعده عن رحمة الله.
    الثاني : الشكر لله عز وجل رجاء الزيادة منه تعالى ، وكل من الشكر والزيادة فيها قصد القربة ، قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ]( ).
    وليس في الإرهاب شكر لله عز وجل إنما هو مناف للنعم كما أنه يحرم ضحاياه من الشكر لله عز وجل .
    سواء بانخرام أعمارهم أو بانشغال ذوي الضحايا والخائفين من الإرهاب ، وصدهم عن ذكر الله عز وجل .
    الثالث : قصد الإمتثال لأوامر الله عز وجل في الإتيان بالواجب التعبدي ، وليس في الإرهاب إمتثال لأمر الله ، إنما يأتي بالإغواء وغلبة النفس الغضبية والشهوية والجهالة .
    الرابع : من معاني قصد القربة أنه قيد عقلي وشرعي لصدق الإتيان بالمأمور به ، وليس من أمر بالإرهاب ، الذي هو فعل مخالف لحكم وإدراك العقل .
    الخامس : قصد المصلحة التي هي سبب للأمر .
    السادس : إحساس العبد عند أداء الفعل العبادي بأنه قريب من الله عز وجل بالتشبيه بالقرب المكاني لرحمة الله ، ويقرب القرآن المدركات العقلية بصيغة المحسوسات ، وإيقاع العبادة بالوجه من الوجوب أو الندب .
    والمراد بالوجه الغاية التي من أجلها كان الحكم، وهو على جهات :
    الأولى : اللطف في التكاليف والعبادات.
    الثانية : كونه طرداً للمفسدة، الحاصلة في الترك.
    الثالثة : إنه شكر لله عز وجل على نعمة، وبه قال أبو القاسم البلخي من المعتزلة.
    الرابعة : عند الأشاعرة أن الأحكام شرعت لمجرد الأمر والنهي لا لأجل غاية أخرى، بناء على نفي الغرض عن أفعال الله تعالى، ونفي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين.
    والخلاف لفظي ، إنما الغاية منفعة ومصلحة العباد في النشأتين ، والله عز وجل [غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]( ).
    وقد يظن الذي يقوم بالفعل الإرهابي أو يعلم بفعله قصد القربة أو أن الذين يغرونه بهذا الفعل بأنه سيأتي به بقصد القربة إلى الله عز وجل وفيه الشهادة والثواب ، ولا أصل لهذا الظن ، وهو شبهة بدوية تزول بأدنى تفكر وتدبر ، فلا يرضى الله عز وجل بسفك الدماء بغير حق ، وترويع الناس ، وقتل النفس والتعرض للعقاب الدنيوي والأخروي ، وفيه وجوه :
    الأول : قانونالإرهاب مناف لمصاديق قصد القربة .
    الثاني : قانون الإرهاب إبتعاد وإعراض عن الإمتثال لأمر الله عز وجل..
    الثالث : قانون التنزه عن الإرهاب من القربة إلى الله .
    قانون سيرة الصحابة تنهى عن الإرهاب
    الصحبة هي الملازمة والرفقة والقرب والمودة والإقتران.
    و(صَحِبَهُ يَصْحَبُهُ صُحْبَةً بالضم، وصَحابة بالفتح. وجمع الصاحِب صَحْبٌ وصُحْبَةٌ، وصِحابٌ. قال الشاعر امرؤ القيس:
    وقال صِحابي قد شَأَوْنَكَ فاطْلُبِ
    وصُحْبانٌ. والأصحابُ، جمع صحب والصحابة بالفتح: الأصحاب وهي في الأصل مصدرٌ.
    وجمع الأصحابِ أصاحيبُ. وقولهم في النداء يا صاحِ، معناه يا صاحبي. ولا يجوز ترخيم المضاف إلا في هذا وحدَه، سُمِعَ من العرب مرخَّماً. وأَصْحَبْتُهُ الشيءَ: جعلته له صاحباً. واستصحبه الكتابَ وغيره. وكل شيء لاءَمَ شيئاً فقد استصحبه. واصطحب القومُ: صَحِبَ بعضهم بعضا)( ).
    وفي يوسف عليه السلام ورد قوله تعالى [يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ]( ).
    والصحابة : جمع صحابي والمراد به من لقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو مسلم ، فلو لقي المشرك النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فهو ليس بصحابي ، وإن اسلم ولم ير بعد إسلامه النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
    والمختار من مصاديق قوله تعالى [مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى]( )، وقوله تعالى [وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ]( ).
    المراد أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم صاحب لكل مسلم ، ومن الوحدان في صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلم في الوجود الذهني ، وفي الذكر والأذان والإقامة ، وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطلقاً وفي التشهد في الصلاة ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي)( ).
    وفي الحديث أعلاه دعوة للمسلمين للإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العبادات ، وهل فيه زجر عن الإرهاب ، الجواب نعم.
    لمنافاته لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الصحابة من المهاجرين والأنصار.
    والمهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بدينهم بعد اشتداد ايذاء كفار قريش لهم .
    أما الأنصار فهم أهل يثرب الذين نصروا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولا يختص لفظ الأنصار بأصحاب بيعة العقبة ، ووردت آيات في الثناء على الصحابة منها قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( )، ومنها [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا]( ).
    و(عن أبي أراكة قال: صليت خلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه الفجر في مسجدكم فانفتل على يمينه، وكان عليه كآبة ومكث حتى طلعت الشمس على حائط مسجدكم هذا قيد رمح، وليس هو على ما هو عليه اليوم.
    ثم أقبل على الناس فقال: أما والله لقد كان أصحاب رسول الله وهم يكابدون هذا الليل، يراوحون بين جباههم وركبهم كأن زفير النار في آذانهم، فإذا أصبحوا أصبحوا غبرا صفرا بين أعينهم شبه ركب المعزى، فإذا ذكر الله تعالى مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وانهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم)( ).
    لبيان قانون إجتهاد الصحابة في العبادة حجة للتنزه عن الإرهاب.
    لقد اتصف الصحابة بالصبر تأسياً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا بلال لاقى الأذى الشديد من أمية بن خلف من غير أن يميل عن التوحيد والتصديق برسالة النبي .
    وكان المهاجرون والأنصار يجتهدون باتباعه في سنته وتلاوة القرآن ، والخشية من الله ، وتأدية الحقوق إلى أصحابها سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين .
    وكانوا يحرصون على أداء صلاة الليل ، وكان الإمام علي عليه السلام وفي أيام خلافته يظهر بالقول والفعل تنزهه عن الدنيا ولذاتها.
    قال معاوية بن أبي سفيان (لضرار الصدائي : يا ضرار صف لي علياً. قال: أعفني يا أمير المؤمنين.
    قال : لتصفنه .
    قال : أما إذ لابد من وصفه فكان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلاً ويحكم عدلاً يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه. ويستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته وكان غزير العبرة. طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن.
    وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه. ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبةً له.
    يعظم أهل الدين ويقرب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييئس الضعيف من عدله .
    وأشهد أنه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري ألي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها .
    فعمرك قصير وخطرك قليل.
    آهٍ من قلة الزاد وبعد السفر.
    ووحشة الطريق.
    فبكى معاوية وقال : رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار .
    قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها.
    وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب عن ذلك فلما بلغه قتله .
    قال : ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب.
    فقال له أخوه عتبة : لا يسمع هذا منك أهل الشام.
    فقال له : دعني عنك)( ).
    ويشكو الإمام عليه السلام مع جهاده واجتهاده في طاعة الله وزهده قلة الزاد ، مما يدعو كل مسلم إلى الإجتهاد في طاعة الله ، والإكثار من الإستغفار ، وإجتناب وما يترتب عليه من الإثم الإضرار بالناس وترويعهم .
    لقد أولى الصحابة عناية فائقة بالقرآن وتعلمه وحرصوا على نقل الحديث النبوي فيما بينهم ، وروايته لأولادهم والتابعين ، وللترغيب بالهداية والصلاح.
    قانون الأصل والفرع في الآية القرآنية
    من إعجاز القرآن أنه قطعي الدلالة قطعي الصدور ، وفيه الأصل والفروع ، فتأتي الآية الكريمة بأصل وآية أخرى بفرع وكل فرد منهما قانون من الإرادة التكوينية.
    وقد تتضمن ذات الآية القرآنية الأصل والفرع منه قوله تعالى [التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ]( )، فالتوبة أصل لذا ابتدأت الآية بذكرها .
    وقد يأتي في الآية المقدمة وذيها ، وكما في آية الوضوء الذي هو مقدمة للصلاة وهي مذكورة في ذات الآية بقوله تعالى [إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
    كما تبين هذه الآية الأصل والبديل عنه لتعذره ، فمع فقدان الماء ينتقل إلى الطهارة الترابية بالتيمم .
    وقد تجد الأصل في آية ، والفرع في آية أخرى ، وهو من قانون وحدة الموضوع في القرآن وخلوه من التزاحم أو التعارض بين آياته كما في وجوب الصلاة في آيات ثم مجئ آيات أخرى في أحكامها ، وكذا الصيام ، والحج .
    ومن الإعجاز اجتماع آيات الصيام ، وتجاورها إذ بدأت بفريضة الصيام [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
    فجاءت الآية بصيغة الفعل الماضي المبني للمجهول (كُتب) لبيان مسائل:
    الأولى : فرض ووجوب الصيام ، إذ أن معنى (كتُب) أي فُرض عليكم.
    الثانية : لا يفرض العبادة على الناس إلا الله عز وجل ، وهل يختص فرض العبادة بخصوص التنزيل ويجوز فرض العبادة من غير الله بغير التنزيل كما لو فرضت من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي.
    وإن كان اثبات شئ لشئ لا يدخل على نفيه عن غيره ، فكما يفرض من عند الله يجوز الفرض من النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
    على القول بأن العبادة سور الموجبة الكلية لما يحبه ويرضاه الله عز وجل ، وانها الخشوع والطاعة والخضوع لله عز وجل.
    ويمكن تقسيم العبادة إلى قسمين :
    الأول : الفرائص العبادية .
    الثاني : المستحبات والصالحات والعبادات العامة من الخشوع والخضوع لله وتعظيم شعائره والقربة إليه.
    والمختار بالنسبة للأولى أنه ليس من عبادة إلا من عند الله عز وجل ، وهو من معاني قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمُ] والأوامر الإلهية بأصول وفروع الدين.
    ومن إعجاز القرآن بلاغته ووضوح الأوامر والنواهي فيه ، والفصل والتمييز بينهما بما لا يقدر معه [شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ]( )، إغواء الذي يتدبر في معانيه ودلالاته.
    فتأتي آية تتضمن الأصل والفرع ، وأخرى تتضمن الأصل ويتعقبها الفرع ، وآية تجمع بين الأمر والنهي لجذب الناس إلى الإيمان ، والبعث على العصمة من إرتكاب الذنوب والمعاصي ، ومنها الظلم وإخافة الناس والعبث في الممتلكات العامة.
    قانون نهي الجملة الخبرية القرآنية عن الإرهاب
    قد يأتي الأمر أو النهي في القرآن بصيغة الجملة الخبرية ، ومنه قوله تعالى [وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
    فجاء الإرضاع بصيغة الخبر ، ولكن المراد منه الطلب والأمر ، وكما في قوله تعالى [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ]( )، أي تمتنع المطلقة عن التعرض للخطبة والزواج ثلاثة أطهار ، ومنه [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ]( )، ومنه [وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا]( )، لإرادة الأمن والسلامة لمن هو داخل البيت الحرام.
    ومنه قوله تعالى [قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ]( )، ويدل على الأمر قوله تعالى[فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ].
    ويبعث الخبر في القرآن على العمل مثل [إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ]( )، ففي الآية بعث وأمر بالإحسان.
    وقيل أن التعبير عن الجملة الطلبية بصيغة الخبر يدل على أن الإجابة أمر فطري طبيعي ، ولم يثبت ، لأنه يستلزم وروده في موارد مخصوصة ، ولكن المورد لا يخصص الوارد.
    فمثلاً إذا نزلت آية بخصوص معركة بدر ، ويرجح منها العموم فالمورد هو معركة بدر ، وهو لا يحدد مضامين الآية التي تبقى حية إلى يوم القيامة ، وكما في أسباب النزول ، فالمدار على عموم المعنى وليس على أسباب النزول.
    لذا يمكن استقراء النهي عن الإرهاب من آلاف آيات القرآن سواء التي تتضمن الأمر أو جاءت بصيغة الخبر ، ومن النهي بصيغة الخبر في القرآن قوله تعالى [لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ]( )، للمنع من مس كلمات القرآن من غير طهارة ، ومنه قوله تعالى [وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]( )، [إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا]( ).
    ومن الإعجاز أن مجئ آيات تفيد النص في الأمر الموافق للجملة الخبرية ، وكذا النص في موافقة الجملة الخبرية التي تفيد النهي ، سواء في ذات الآية أم في آية أخرى ، فمثلاً الجملة الخبرية [إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، ورد معها في ذات الآية [وَلَا تَعْتَدُوا].
    ويأتي أمر في القرآن ويراد منه الخبر ، كما في قوله تعالى [قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ]( )، وفيما يخص الخبر بصيغة النهي عن الإرهاب ورد قوله تعالى مثل [وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ]( )، إذ تجعل هذه الآية المسلم يدرك قانوناً وهو علم الله عز وجل بكل ما يفعل الفرد وما تتواطئ عليه الجماعة ، وأنه يجب عليه الإمتناع عن الظلم والتعدي والجور ، ليكون وفق القياس الإقتراني :
    الكبرى : نهي القرآن عن الظلم .
    الصغرى : الإرهاب ظلم .
    النتيجة : نهي القرآن عن الإرهاب .
    وقد تتضمن الآية القرآنية جملة خبرية تفيد الأمر وأخرى تتضمن النهي والزجر ، مثل قوله تعالى [وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]( )، الذي يتضمن مسائل:
    الأولى : الأمر بالإيمان بالله والنبوة واليوم الآخر بقوله تعالى [وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا] قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا]( ).
    الثانية : وجوب إتيان العبادات وعمل الصالحات ، إذ أن العمل الصالح فرض عين على كل مسلم ومسلمة ، وقد تجمع آية واحدة الإيمان والعمل الصالح والإحسان كما في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
    الثالثة : كل كلمة من هذه الآية تنهى عن الإرهاب ، وتبعث على الإنصراف والنفرة منه ، فالإيمان بالله عز وجل يملي على العبد التقيد بالأوامر والنواهي التي وردت في التنزيل وعلى لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    وبينت الآية وجوب الصلاة بأركانها مع أفراد العبادة الأخرى ، ثم قال تعالى [وَافْعَلُوا الْخَيْرَ] والنسبة بين الخير والإرهاب التضاد التام ، فليس في الإرهاب خير لا للذات ولا للغير ولا للمذهب والطائفة والملة ، فالإرهاب أذى وضرر شديد فيجب إجتنابه.
    ومن إعجاز الآية أنها تنهى عن الإرهاب إذ يدل إنشغال الإنسان بالعبادة على اجتنابه لعدم اجتماع الضدين ، وكذا فان الأمر بفعل الخير شاهد نهي عن اتيان ضده ، لقاعدة الأمر بالشئ نهي عن ضده.
    وان قال المعتزلة بأن الأمر بالشئ ليس نهياً عن ضده ، ولا يستلزمه ، وقد يقصد الآمر في ذات الأمر أو الخبر النهي عن الضد ، أو يكون مستقرأ من سياق الكلام .
    وقوله تعالى [وَافْعَلُوا الْخَيْرَ] أمر مصاحب للمسلم في أيام حياته وفي القول والفعل داخل البيت والعمل والمسجد والشارع ، فلا يقرب المسلم إلى الضد من الخير .
    ومن معاني الخير الإحسان للآخرين وهذا أظهر المعاني في المقام ، وليس في الإرهاب إلا الضرر العام ، وهناك تضاد بين الإحسان والإرهاب.
    والمراد من الإحسان الإحسان للغير ، بينما يتضمن الفعل الإرهابي الإضرار بالذات والغير .
    قانون (يوم المرحمة)
    يأتي الرحم بمعنى القرابة ، قال تعالى [وَأَقْرَبَ رُحْمًا]( )، والرحمة نوع مفاعلة وفيها أطراف :
    الأول : الراحم .
    الثاني : الرحمة .
    الثالث : موضوع الرحمة .
    الرابع : المرحوم الذي تقع عليه الرحمة .
    وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ان الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن ، فقال : مه ، فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة.
    قال : نعم أما ترضي أن أصل من وصلك وأقطع من قطعت : قالت : بلى.
    قال : فذاك لك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اقرأوا إن شئتم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( ).
    والحقو موضع عقد الأزار ، والمختار أن الحديث ضعيف دلالة ، ولا تصل النوبة إلى امضائه أو تأويله وأن الحقو والحجزة صفة ذات لا على نحو الجارحة والبعض وأن أخذ الرحم لها ليس على نحو الإتصال والملامسة .
    وقيل يؤخذ هذا الحديث على ظاهره ، وهو كما في القول العظمة إزاره والكبرياء رداؤه ولكنه قياس مع الفارق.
    نعم وردت أحاديث بخصوص الرحم وأنها معلقة بالعرش (عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الرحم معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول اللهم صِلْ من وصلني واقطع من قطعني .
    وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته ومن بتها بتته)( ).
    وفي قوله تعالى [وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ]( )، ورد عن ابن عباس أنه قال (يعني بذلك رحمة الناس كلهم)( ).
    مما يدل على وجوب التعاون بين المسلمين لنشر الرحمة وتحليهم بالرحمة والعفو والإحسان للناس جميعاً ، وما الإرهاب إلا ضد للرحمة والعفو والإحسان وتمام الآية أعلاه [ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ]( ).
    ولم يرد لفظ (المرحمة) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ومن الإعجاز فيها الجمع بين المناجاة والتوصية بالصبر والتوصية برحمة الناس .
    مما يدل على عدم الإكتفاء بالصبر على الأذى ، بل مقابلته بالإحسان والرحمة ، وعدم الإنتقام أو البطش ، ليأمن الناس جانب المسلمين حتى عندما يؤذونهم ، وكذا يأمن المسلمون بعضهم بعضاً.
    وهل من وجوه الآية أن يُوصى المعتدى عليه بالصبر والمرحمة ، الجواب نعم ، لأصالة العموم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى]( ).
    وفي يوم فتح مكة وزحف كتائب الصحابة (عن أبي عمرة بن حماس قال: مرت بنو ليث وحدها، وهم مائتان وخمسون، يحمل لواءها الصعب بن جثامة، فلما مر كبروا ثلاثاً فقال: من هؤلاء.
    قال: بنو ليث. ثم مرت أشجع وهم آخر من مر وهم ثلثمائة، معهم لواءان، لواءٌ يحمله معقل بن سنان، ولواءٌ مع نعيم بن مسعود.
    فقال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمدٍ. فقال العباس: أدخل الله الإسلام في قلوبهم، فهذا من فضل الله عز وجل .
    فسكت ثم قال: ما مضى بعد محمد .
    قال العباس : لم يمض بعد، لو رأيت الكتيبة التي فيها محمد صلى الله عليه وسلم رأيت الحديد والخيل والرجال، وما ليس لأحدٍ به طاقة)( ).
    ثم أخذت القبائل والصحابة يسيرون إذ كان عددهم عشرة آلاف رجل وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسير في وسطهم بكتيبته الخضراء التي فيها المهاجرون والأنصار ، وترفرف الألوية والرايات فوق رؤوسهم.
    فمع كل بطن من الأنصار راية ولواء ، ومع الصحابة ألوية وهم (في الحديد لايرى منهم إلا الحدق)( )، ويقال كان في الكتيبة ألف دارع.
    واعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رايته لسعد بن عبادة وهو يسير أمام الكتيبة .
    وقيل (فلما مر سعد براية النبي صلى الله عليه وآله وسلم نادى : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشاً.
    فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا حاذى أبا سفيان ناداه: يا رسول الله ، أمرت بقتل قومك ، زعم سعد ومن معه حين مر بنا.
    قال يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشاً .
    وإني أنشدك الله في قومك ، فأنت أبر الناس، وأرحم الناس ، وأوصل الناس.
    قال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان: يا رسول الله، ما نأمن سعداً أن يكون منه في قريش صولة.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اليوم يوم المرحمة! اليوم أعز الله فيه قريشاً)( ).
    ليكون من معاني ورشحات فتح مكة شيوع المرحمة وصيرورتها قانوناً عاماً بين المسلمين والناس جميعاً إلى يوم القيامة وفيه زجر عن الإرهاب.
    معجزة كل كلمة من الآية تنهي عن الإرهاب
    من خصائص القرآن توالي إطلالة إعجازه وبدائع كلماته كل يوم ، فما أن يجتهد العالم والمحقق في آياته حتى يكتشف أصولاً وفروعاً , وكنوزاً , وتستقرأ منها مسائل وقوانين وأحكام وحكمة ، ومنه آية [التَّائِبُونَ]( )، التي اختصت بصفات حميدة للمسلمين .
    وكل صفة آية ومرتبة سامية لم ينلها المؤمنون إلا ببركة القرآن لبيان قانون إعجاز القرآن بآثاره.
    ومن إعجاز آية البحث أن كل كلمة منها تنهى عن الإرهاب من جهات :
    الأولى : كلمة (التائبون) وهي التي ابتدأت بها الآية الكريمة ، ومن معاني التوبة في المقام وجوه :
    الأول : العصمة من الإرهاب .
    الثاني : إتخاذ النهي عن الإرهاب منهاجاً بالقول والعمل .
    الثالث : امتناع الذي يهم بالإرهاب عن فعله .
    الرابع : الإكثار من الإستغفار والعزم على عدم العودة إلى الذنب ، واستئناف التوبة إن تكرر منه المعصية والذنب .
    ومن أسماء الله الغفور ، الغفار ، غافر الذنب لتأكيد وجوب التوبة والتذكير بها , وبعث الميل لها , وحبها وإدراك عظيم نفعها , والسكينة التي تصاحبها لتتجلى أمور :
    الأول : قانون حاجة العبد والجماعة .
    الثاني : قانون الحسن الذاتي للتوبة والإنابة .
    الثالث : قانون التضاد بين التوبة والإرهاب .
    الرابع : قانون وجوب التوبة عن الإرهاب .
    الخامس : قانون التوبة حرز من الإرهاب .
    السادس : قانون حب الله عز وجل للتائب .
    السابع : قانون تقرب الله عز وجل العبد من التوبة , وتقريبها منه , قال تعالى [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا]( ).
    الثامن : ترتب النفع في النشأتين على التوبة , قال تعالى [إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا]( ).
    و(عن معاذ بن جبل قال بينا أنا رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرَّحْل.
    قال :يا معاذ ، قلت : لبيك يا رسول الله وسَعْديك. قال: ثم سار ساعة.
    ثم قال : “يا معاذ بن جبل ، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك.
    ثم سار ساعة ، ثم قال: “يا معاذ بن جبل”، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك.
    قال : هل تدري ما حق الله على العباد”؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
    قال : ثم سار ساعة. ثم قال : يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك.
    قال : فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك، قال : قلت: الله ورسوله أعلم. قال: “فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم)( ).
    ترى ماهي النسبة العبادة والتوبة ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالعبادة أعم وأوسع .
    الخامس : تتضمن أول كلمة من آية البحث الأمر إلى الذين يقومون بالفعل الإرهابي ، ويخيفون الناس إلى التوبة الفورية ، مجتمعين ومتفرقين ، فمن أسرار صيغة الجمع (التائبون) مسائل :
    الأولى : توبة الجماعة في آن واحد .
    الثانية : توبة كل فرد من الجماعة على نحو مستقل .
    الثالثة : قطع الذي يهم بالإرهاب فعله.
    الرابعة : امتناع الذي ينتمي إلى الجماعة ذات العمل الإرهابي من الإتصال بهم ، إلا بالحث على التوبة والصلاح وإجتناب الإضرار بالناس ، وضرر الإرهاب على أصحابه أنفسهم.
    السادس : قانون حب الله عز وجل للتائب من الذنوب ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ]( ) .
    ولم يرد لفظ (التائبين ,والمتطهرين) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
    و(عن أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وإذا أحب الله عبده لم يضره ذنب ، ثم تلا [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ]( ) ، قيل : يا رسول الله وما علامة التوبة؟ قال : الندامة)( ).
    ومن الإعجاز في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الأحاديث التي ترغب بالتوبة ، واجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإستغفار له ولأمته .
    وفيه دعوة للشباب المسلم للجوء إلى الإستغفار ، وهل هو واقية من الإرهاب ، الجواب نعم .
    فالإستغفار نوع طريق إلى الجنة ، والإرهاب ضده .
    و(عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء) ( ).
    وأخرج ابن أبي شيبة عن الإمام علي عليه السلام (أنه كان إذا فرغ من وضوئه قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، رب اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)( ).
    لبيان تعاهد أهل البيت والصحابة لأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإمتثال الفعلي رجاء الأجر والثواب العظيم .
    ويبين الحديث أن الذي يسعى إلى الجنة لا يلجأ إلى إيذاء الناس وسفك الدماء ، وتلف الأموال الخاصة والعامة بل الجنة بابوابها الثمانية قريبة منه بالوضوء والصلاة والدعاء والتوبة.
    ويدل الحديث النبوي أعلاه على أن الله عز وجل يهدي العباد لمنازل التوبة والإنابة ، مما يستلزم الدعاء لسؤال التوبة والنجاة من الإرهاب فعلاً وأثراً لما فيه من الظلم والتعدي ، والعشوائية إذ تأتي أضراره على المسلم والكتابي وعامة الناس الآمنين بغير حق .
    السابع : من معاني قوله تعالى [التَّائِبُونَ] التائبون من الإرهاب لتكون كل كلمة من القرآن دعوة لهم للإجتهاد في طاعة الله وتعاهد التوبة وصدقها .
    الثامن : البشارة للتائب بالجنة .
    التاسع : من معاني التوبة ملازمة التوبة في كل الأحوال ، فاذا داهمت المؤمن مسألة إبتلائية لا يفتتن بها ويرتكب المعصية ، بل يبقى في مقامات التوبة التي هي لجوء إلى الله عز وجل ، ليصرف الله عز وجل عنه الكثير من الفتن والإبتلاء .
    من خصائص الكلمة القرآنية أنها حرز من فعل السيئة ، وهي وسيلة سماوية للتدارك حتى مع إرتكابها ، لقانون كل آية قرآنية أمل في النشأتين ، وقانون ترغيب بالحياة الدنيا والآخرة .
    ليبعث قانون جعل التنزيل والنبوة الدنيا دار الغبطة والسعادة والرحمة في قلوب المؤمنين , وصيرورتهم أئمة في التراحم العام .
    قوانين
    وقد تقدم في الجزء الثامن والتسعين بعد المائة من هذا التفسير عدة قوانين منها .
    الأول : قانون العبادة واقية من الإرهاب ص 48 .
    الثاني : قانون القرآن يهدي إلى الصلاح والخلق الحميد , ويمنع من الإرهاب ص 84 .
    الثالث : قانون : موضوعية أسباب النزول في المنع من الإرهاب ص 107 .
    الرابع : قانون كل آية من القرآن تدعو للتفكر والتدبر وتنهى عن الإرهاب ص 107.
    الخامس : قانون مقتل أبي جهل درء للإرهاب ص 161.
    السادس : قانون الملازمة بين الإرهاب والهزيمة ص 184.
    السابع : قانون نكد الحياة صارف عن الإرهاب ص 197.
    الثامن : قانون الغنى عن الإرهاب والفتك والقتل ص202.
    التاسع : قانون التدبر اليومي في آيات القرآن عصمة من الإرهاب ص224 .
    العاشر : قانون الذي يسعى إلى المغفرة لا يهّم بالإرهاب , لأن هذا السعي إنشغال بالذات وسبيل لنجاتها , وهو برزخ دون الإضرار بالغير ص 234.
    الحادي عشر : قانون ذكر أيام مخصوصة في القرآن دعوة للتآلف. ص253.
    النسطورية
    وهو مذهب مسيحي ظهر في القرن الرابع الميلادي نحو سنة 431 م يؤمن بأن يسوع المسيح مؤلف من جوهرين وهما :
    الأول : جوهر إلهي وهو الكلمة .
    الثاني : جوهر إنساني بشري وهو يسوع .
    ويقولون بعدم الإتحاد بين الطبيعتين في شخص يسوع المسيح ، بل هناك صلة بينهما ، لا يكون الإتحاد بينهما مبطلاً لقدم القديم ، وحدوث المحدث.
    وأن القتل وقع على عيسى من جهة ناسوته وليس لاهوته ، لعصمة الإله من الألام ، وفي التنزيل [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ]( ).
    لذا فان مريم ليست والدة الإله ، إذ أنها ولدت إنساناً حلت عليه كلمة الله اثناء العماد ، وفارقته اثناء الصلب خلافاً لقول عامة النصارى بوجود اقنوم الكلمة المولد من الأب قبل كل الدهور وأن كلمة الله له ميلادان:
    الأول : الأزلي بحسب ألوهيته من الأب قبل أفراد الزمان .
    الثاني : الزماني بحسب الجسد بالولادة من العذراء .
    والأقنوم كلمة سريانية تعني القائم حقيقة وتعني الشخص ، وليس لها شبيه في العربية , وهي قريبة من كلمة الماهية وطبيعة الذات ومرادفة لها.
    ونسبت النسطورية إلى مؤسسها نسطوريوس بطريك القسطنطينية (428-432)م وتصدى له بحزم بطريك الإسكندرية كيرلس.
    وراجعوا أقواله بقرارات مجمع إخسوس المسكوني سنة (431م) وحكم عليه بالنفي والحرمان.
    وهاجر قسم من النسطورية إلى بلاد فارس ، وسهل لهم الملك فيروز الأول (459-484) عملهم لشق النصرانية ، وعندما تكاثروا اضطهدهم وطردهم ، وصار للنساطرة نشاط بشري في الجزيرة العربية والهند ، وعلى امتداد طريق الحرير عبر آسيا الوسطى حتى الصين.
    وبرز منهم العالم باباي (559-626) إذ كتب القواعد والقوانين الخاصة بهم وفيما انتقل بطريك الطائفة من طيسفون( ).
    واشتغل النساطرة في الترجمة في بغداد ، وتوجهت إليهم البعثات التبشيرية في القرن السادس عشر الهجري فعاد أكثر النساطرة إلى الكنيسة الكاثوليكية وهم الذي سموا فيما بعد بالكلدان .
    أما نساطرة شمال العراق فتمسكوا بالنسطورية واطلق عليهم اسم (الآشوريين) ولغة طقوسهم السريانية.
    وفي الحرب العالمية الأولى انتصروا للدولة الروسية ضد العثمانيين وقيل ارتكبوا مذابح بحق الأكراد ، ثم تعرضوا هم أنفسهم إلى القتل .
    وحسب التقرير الرسمي البريطاني للقتلى سنة 1933 أن عددهم 600 واختلف في أسباب الأزمة.
    ثم قامت بريطانيا بعد سقوط الدولة العثمانية بانشاء لواء الآشوري , ومعناه (المجند الآشوري) بين عامي (1915-1918) وكان فيه من الهنود والأرمن.
    ولكن الغالبية العظمى من الآشوريين , وقيل كان عندهم معسكر في ديالى يضم نحو خمسين ألف , وقد صوّت الأشوريون بضم لواء الموصل إلى العراق في استفتاء 1925.
    ومن قوانين التأريخ في القرآن غلق باب الثأر والبطش والإنتقام , إنما يكون التأريخ موعظة وعبرة , ودعوة للسلم ونبذ الشقاق والإمتناع عن الظلم والإرهاب , وهو من مصاديق الحسن في قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ]( ).

قانون قصر عمر الإرهاب
لقد تفضل الله عز وجل وأخبر الملائكة عن مشيئته في جعل الإنسان [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، فتساءلوا عن أمرين :
الأول : إفساد الإنسان في الأرض .
الثاني : سفك الدماء من قبل ذات الإنسان مع أن الملائكة ليس عندهم دماء.
مما يدل على إطلاع الله عز وجل لهم على أحوال الخليفة في الجملة وهذا التساؤل ليس احتجاجاً ولكنه توسل لتنزيه الخلافة والأرض عن الفساد والقتل بغير حق .
ليكون من مصاديق جواب الله عز وجل لتساؤلهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( ) نزول القرآن بالنهي عن القتل وتأكيد حرمته في التنزيل والسنة .
وتشريع القصاص للمنع منه وإخبار القرآن بأن حكم القصاص حياة للمسلمين وعامة الناس ومنه نجاة الذي ينوي القتل والمقتول , فمتى ما أدرك الإنسان أنه إذا أقدم على القتل يقاد ، يجتنب القتل لذا قال سبحانه [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( ) ويتجلى قانون منع آية القصاص من الإرهاب .
وهل يشمل تساؤل الملائكة القتل بالقول كالقصاص ، وأنهم أرادوا للناس حسن السمت بحيث لا تصل النوبة إلى القتل بالحق ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : سؤال الملائكة للمنع من أسباب ومقدمات القتل بالحق.
الثانية : أصالة الإطلاق في قولهم [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
الثالثة : لا يأتي القتل بالحق إلا بأسباب وهي :
الأول : الفساد في الأرض والنهب والسلب .
الثاني : القتل العمد .
الثالث : الإضرار بالممتلكات العامة وإخافة وترويع وقتل الناس في الطرقات والمنتديات .
وتجتمع هذه الوجوه الضارة في الإرهاب ، مما يدل على أن الملائكة انكروا وسألوا الله عز وجل أن ينزه الأرض منه ومن أسباب الفساد والحروب والقتل مطلقاً.
لقد أرادوا طاعة الناس لله عز وجل والأنبياء ، فأجابهم الله سبحانه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( )، ومن علم الله عز وجل قصر عمر الإرهاب ، وسرعة زواله ، واستئصاله.
لقد واجه المشركون الأنبياء بالإرهاب والبطش والتكذيب والإفتراء ، ولم يكتف كفار قريش بهذه الوجوه وأساليب العناد بل جهزوا الجيوش لمحاربته وقتاله ، وبعثوا الشخص تلو الشخص لإغتياله في المدينة ثم ما لبثوا أن صاروا على أقسام :
الأول : المشركون الذين قتلوا في الميدان , قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
الثاني : الذين ماتوا بآجالهم أو بحوادث طارئة .
الثالث : الذين دخلوا الإسلام منهم.
وأي الوجوه أعلاه هو الأكثر عدداً ، الجواب هو الأخير ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي إنقطاع إرهاب المشركين على أحسن حال بدخولهم الإسلام وصلاحهم ، حتى صار بعضهم أمراء وحكاماً ، والشواهد كثيرة .
لذا لابد وأن ينقطع الإرهاب في هذا الزمان بالنصح والتثقيف والإصلاح.
عدم إنحصار الإرهاب ضد المسلمين بكفار قريش
في كل معركة من معارك الإسلام الأولى يسقط عدد من الصحابة كما في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين ، كما كان المشركون يغدرون بالصحابة ويسعون في اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ولم تكن جيوش المشركين من قريش وحدها بل كانت قبائل أخرى تحارب الإسلام ، كما في يوم الرجيع ، وبئر معونة فمثلاً واشتركت ضد المسلمين في معركة الخندق القبائل التالية :
الأولى : قريش .
الثانية : قبيلة غطفان.
الثالثة : قبيلة بني أسد بقيادة طليحة بن خويلد .
الرابعة : قبيلة بني مرة بقيادة الحارث بن عوف .
الخامسة : قبيلة أشجع بقيادة مسعر بن رُخيلة .
السادسة : قبيلة بني سليم بقيادة سفيان بن عبد شمس .
وقد سمّاها الله عز وجل في القرآن الأحزاب ، وسميت سورة باسمها .
وورد لفظ الأحزاب بخصوص معركة الخندق ثلاث مرات في آيتين وهما :
الأولى : قوله تعالى [يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا]( ).
الثانية : قوله تعالى [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا]( ).
فبعد معركة أحد والخسارة الكبيرة التي لحقت المسلمين بسقوط سبعين شهيداً ، طمعت مع قبائل الكفار في الإضرار بهم إذ قدم في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة أي بعد نحو أربعة أشهر من معركة أحد رهط من عضل والقارة وهم قبيلتان من بني الهون.
وعن محمد بن إسحاق (قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة .
فقالوا : يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه، وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، حليف حمزة بن عبدالمطلب)( ).
وعندما بلغوا الرجيع وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز غدروا بهم ، واستصرخوا عليهم هذيلاً الذين حضروا بالسيوف والرماح وقد تقدم البيان.
وقيل أن بني لحيان من هذيل هم الذين بعثوا بمكيدة وفد عضل والقارة للإيقاع بالبعث الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكلهم من القراء والفقهاء ، ولم يخرجوا القتال .
وفي ذات شهر صفر وقعت فاجعة بئر معونة ، إذ قدم أبو براء عامر بن مالك الذي يسمى ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، فدعاه إلى الإسلام ولكنه لم يسلم ، ولم يبعد ، وقال (يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ بَعَثْتَ أَصْحَابَك إلَى أَهْلِ نَجْدٍ يَدْعُونَهُمْ إلَى دِينِك لَرَجَوْتُ أَنْ يُجِيبُوهُمْ . فَقَالَ إنّي أَخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْد فَقَالَ أَبُو بَرَاءٍ : أَنَا جَارٌ لَهُمْ)( ).
وبعث معه سبعين رجلاً ولما نزلوا بئر معونة نزلوا ، ثم استنفر عليهم عامر بن الطفيل عصية ورعل وذكوان فاحاطوا بهم وقتلوهم جميعاً باستثناء كعب بن زيد من الأنصار من بني النجار ارتث بين القتلى ، وعاش حتى استشهد يوم الخندق ، لبيان مسائل:
الأولى : عدم إنحصار الإرهاب الذي لاقاه النبي محمد وأصحابه بكفار قريش.
الثانية : صدور الإرهاب والعدوان ضد النبوة والتنزيل من قبائل متعددة.
لتكون إشراقة شمس الإسلام في ربوع الجزيرة معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً على جهاده في تثبيت السلم المجتمعي.
الثالثة : شدة الأذى الذي لحق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة ، فلم يكن الأذى والضرر منحصراً بالذين قتلوا منهم ، بل كل واحد منهم مشروع للشهادة.
الرابعة : نزول القرآن بالأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بعدم قتال إلا الذي يقاتلهم مع تقييد قتالهم بخلوه من التعدي والإرهاب ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، لبيان قانون حرمة الإرهاب حتى في حال الدفاع.
لقد كان صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي لاقى به الأذى الشديد من قبل قريش وحلفائهم من مشركي الجزيرة أسوة وعبرة لأجيال المسلمين بوجوب الصبر على الأذى وعدم مقابلته بالإرهاب والظلم والتعدي لبيان قانون صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة على الناس بوجوب الإقتداء به ونبذ الإرهاب.
قانون حصار قريش لبني هاشم إرهاب
من الإعجاز في سيرة الأنبياء الملازمة بين النبوة والصبر ، فلا يفارق الصبر النبي من حين البعثة وإلى يوم مغادرته الحياة الدنيا ، لبيان أن خصلة الصبر الحميدة مصاحبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل أيام حياته.
وهل كان صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي ، الجواب نعم ، خاصة وأن أذى قريش شديد ، ويتوجه لشخص النبي محمد وأهل البيت والصحابة من الرجال والنساء ، ليكون صبره معجزة .
ومن منافع هذه المعجزة تأديب المسلمين على الصبر فيما بينهم ومع أهل الكتاب والناس جميعاً .
ويتجلى التضاد بين الصبر والإرهاب بوضوح في حياة المؤمن مطلقاً للملازمة بين الإيمان والصبر ، والتنافي بين الصبر والإرهاب.
لقد اتخذ المشركون دار الندوة المجاورة للبيت الحرام محلاً لاجتماعاتهم ، وعندما إزداد دخول الأفراد والجماعات في الإسلام مع شدة أذى قريش للمسلمين الأوائل ، اجتمع رؤساء قريش في دار الندوة ليتخذوا قرار فرض الحصار على أهل البيت في شعب أبي طالب.
ويقع هذا الشعب في مكة بين جبل أبي قبيس المجاور للبيت الحرام وجبل الخندمة( ) خلف الصفا والمروة وفيه محل مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو مكتبة مكة العامة في هذه الأيام ودخل أكثره في التوسعات الجديدة للمسجد الحرام .
وسُمي هذا الشعب بأسماء متعددة هي :
الأول : شُعب بني هاشم .
الثاني : شعب أبي طالب .
الثالث : شعب علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهذا الاسم هو المتعارف.
الرابع : شعب المولد ، لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولد فيه
ويتصف هذا الحصار بالشمول وفي باب الإقتصاد والإجتماع.
وهل هذا الحصار إرهاب ، الجواب نعم ، وقد صرف الله عز وجل شروره مما يلزم المسلمين بالإمتناع عن الإرهاب مع الناس .
لقد اتفقت قريش على أمور منها :
الأول : ليس من بيع أو شراء مع بني هاشم .
الثاني : مقاطعة أصحاب محمد وعدم مبايعتهم ، لبيان أن الحصار وإن كان باسم بني هاشم إلا أنه يشمل الصحابة أيضاً ، وفيهم من سائر قريش وغيرهم ، ولإرادة إرهاب الناس من الدخول في الإسلام .
الثالث : لا تزوج قريش بني هاشم ، ولا يتزوجون منهم .
وكأنهم يعلمون بأن الصفات الوراثية السلبية والضعيفة تظهر بوضوح ويسر في زواج الأقارب وقابلية الاصابة ومعرفة العرب بالتجربة والوجدان والطب لبعض الأمراض الوراثية .
وقد أثبت العلم الحديث أن الزواج بين متباعدين في النسب والقرابة أكثر ذكاءً وإرتقاء في الكسب العلمي في الجملة .
الرابع : نصرة الذين يعادون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وفيه تحريض للناس لمعاداته ، وإخافة لأصحابه .
الخامس : التلميح والتهديد الصريح بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا كان بنو هاشم يسكنون متقاربين لحماية أنفسهم ، ويقومون بالتناوب في الحراسة الليلية.
وكان أبو طالب قد جمعهم في بيوت صغيرة متجاورة ، وكان يغير المكان الذي ينام فيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما كان يجعله في وسط ابنائه وهم بالأطراف لسلامته.
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ( )، الجواب نعم .
لقد استمر هذا الحصار ثلاث سنوات من السنة السابعة للهجرة ، وهي مدة طويلة ، ويتراكم فيها الأذى والضرر الإقتصادي والإجتماعي والنفسي .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبر بني هاشم وعدم تسليمهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أن شطراً منهم كانوا كفاراً .
ذم أبي لهب معجزة
لم يخرج من إجماع وتعاضد بني هاشم في تحمل أعباء حصار قريش وفي الحفاظ على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أبو لهب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكاد يُحدث فتنة عامة للناس ، إذ يقال إذا كان عمه صنو أبيه يُكذبه ويؤذيه وينعته بالجنون فمن باب الأولوية أن لا نصدق بنبوته ولا نتدبر في معجزاته فنزل قوله تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ]( )، والتب الخسران ، لتذم الآية أبي لهب وتدعو الناس لعدم الإصغاء له.
وهل كان عمل أبي لهب بايذائه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إرهابياً ، الجواب نعم ، لبيان مسائل :
الأولى : ذم الله عز وجل للعمل الإرهابي .
الثانية : تحذير الناس من أهل الإرهاب ، وحملة أفكاره وثقافته.
الثالثة : لزوم عدم الإصغاء إلى أهل الفكر الإرهابي والعنف والتطرف.
الرابعة : سماع الفكر الآخر ، وإشاعة لغة الحوار .
الخامسة : العذاب الأليم للذي يختار خلاف الحق ، ويؤذي عامة الناس ، ويمنعهم من التدبر في الوقائع والأحداث.
ولم يكن أبو لهب وحده يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل كانت زوجته أم جميل تجمع الشوك في النهار لتضعه في الليل في طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتؤذي قدميه عسى أن يمتنع عن الخروج إلى المسجد الحرام ويؤدي الصلاة ويتلو القرآن منه.
واسم أبي لهب عبد العزى لذا لم يسمه القرآن باسمه ، ولبيان عدم الإغترار بالكنية واللقب مع الكفر والضلالة.
و(عن ابن عباس قال : لما خلق الله القلم قال : أكتب ما هو كائن فكتب فمما كتب تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ( ).
لبيان قبح الإرهاب من حين خلق الله القلم وأن عاقبته الخسران.
قانون سلامة عقول الناشئة من الإرهاب
من أسرار قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، إدراك الآباء والأمهات أن الأبناء أمانة في أعناقهم ، يعتنون بهم ، ويذبون عنهم ، ويجتهدون في توفير الرزق الكريم والمسكن اللائق لهم .
ولابد من تربيتهم وتنمية ملكة الإيمان في نفوسهم وإصلاحهم وحمايتهم من الفكر المنحرف والأخلاق المذمومة.
وإزدادت وظائف الوالدين والأسرة في إعداد وصلاح الناشئة في زمان العولمة والتسارع في الإرتقاء التكنولوجي ونفاذه إلى البيوت واستيلائه على العقل والوقت وهذه الزيادة سبب للأجر والثواب وشاهد على امكان تعاهد الثوابت والأصول في تربية الأبناء ، وإعطاء حقوق الزوجة والأولاد ، ويكون قريباً منهم ولا يبتعد أو ينشغل عنهم.
(قال عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول ، وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)( ).
نعم لا تنحصر تربية الأبناء وتحصينهم من أوهام التطرف والإرهاب في هذا الزمان بالأبوين والأسرة بل تشمل كلاً من الدولة والمجتمع والمدرسة والإعلام، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
ليتجلى قانون وهو إدراك الناشئة قبح فكر التطرف والإرهاب وإبتعادهم عنه ، وكما كانت أجيال سابقة لا تعرف الإرهاب بمفهومه الحالي الذي أخذ صبغة عالمية وإن كان وقائع قليلة ونادرة فانه سينشأ جيل سالم من مفاهيم التطرف ومبغض للعنف والإرهاب .
ولابد من الإنتفاع من وسائل التربية المدنية ، وطرق التواصل الإجتماعي بما ينفع بهداية النشئ ، وخشيتهم من الله إذ أن هذه الخشية واقية من الإضرار بالعباد والبلاد .
ومن صيغ هذه الوقاية زيادة المعرفة في مناهج الرحمة والتراحم والسلم والصلح في السنة النبوية ، والتفقه في الدين ، ومعرفة عقوبات التعدي والظلم الدنيوية والأخروية.
قانون إنحصار الأثر الفعلي للإرهاب
لقد أصبح الإرهاب ظاهرة في هذا الزمان فهو أمر عرضي طارئ في أزمنة مختلفة ولكن لابد من تطويقه وإنقاذ الشباب والأمم من أضراره.
وقد ورد عن أبي عنبة( ) الخولاني عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله ، وفي لفظ : لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته .
وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوّهم ، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك .
وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)( ).
لذا يحدث اختلاف في تزكية واختيار الأسماء التي تكون هي التي تجدد الدين في كل قرن وحقبة من الزمان .
وقد واجه المشركون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالإرهاب فكانت عاقبتهم إلى خسران ، وفي التنزيل [أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ]( ).
أما الإرهاب في هذا الزمان فقد لبس ثوباً آخر معلماً بصبغة الدين ، مما يلزم التفريق بينه وبين الدين بالعلم والتفقه والموعظة والإصلاح وطبع الكتب والنشرات ، والإنتفاع الأمثل من شبكة التواصل الإجتماعي ، وحجبها عن الإضرار بالناس .
ومنع مفاهيم العنف والإرهاب عنها ، وهل داهم الإرهاب المجتمعات على حين غفلة ، الجواب نعم .
وهو محدود وضيق ولكن الهالة والإعلام الذي أحيط به واسع ، وهو عمل صحيح لتداركه والإحتراز منه ، والبحث عن مخرجات لتحجيمه واستئصاله بسرعة ، فصار أثره الفعلي محصوراً ، وأفراده متباعدة زمانياً ولكن الخسائر في الأرواح والأموال والنفقات كثيرة ، والأصل إنتفاء الأرهاب لعدم وجود سببه ، ولانتفاء المعلول بانتفاء علته فيمتنع زهوق الأرواح ، وحال البغضاء والخوف والرعب بين الناس .
وهناك فرق بين إنحصار أثر الإرهاب وبين كثرة الإنفاق بخصوصه ، فهذا الإنحصار لم يمنع من اتخاذ الدول والمجتمعات الحيطة ومستلزمات التوقي منه ، ولا يعني الإنحصار الزوال والإنحسار إلى أنه مقدمة لزوال الإرهاب لإنتفاء موضوعه ، ولعدم وجود أصل ومستند فكري له ، وهو خال من الملاك والمصلحة.
قانون العلم صارف للإرهاب
يلزم بذل الوسع في مناهج الإرشاد والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإستدامة الوقاية من الإرهاب وتقليصه أكثر ، وهو الظاهر في هذه الأيام ، وكثيرة هي الأفكار والأعمال الطارئة والمفاهيم المغلوطة التي تبرز للسطح ، ولكنها سرعان ما تطفو وتضعف ، قال تعالى [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ]( ).
ولم يرد لفظ (الزبد) (جفاء) (فيمكث) إلا في شطر الآية أعلاه ، والزبد هو الغثاء الذي يطفو فوق سطح الماء عند شدة اضطرابه ، ويسمى الرغوة والخبث لخلوه من النفع .
ومن معاني (فيذهب جفاء) أي باطلاً يلقيه السيل إلى الساحل فلا يعود مع الماء إلى البحر إذ تحجبه الأحجار والأشجار.
والذي ينفع الناس في عباداتهم وصلاحهم يمكث في الأرض ، وهو من أسرار بقاء التنزيل الفرائض العبادية ومبادئ الصلاح والإحسان في الأرض تتعاهدها المجتمعات بانتظام بالفطرة والقصد للإدراك المتوارث للحاجة إليها ولنفعها ، وهو من مصاديق [مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ]( )، في الآية أعلاه .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (جاءت فاطمة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعض أمرها فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله كربة وقال: تعلمي ما فيها، فإذا فيها: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت)( ).
لقد جاءت فاطمة عليها السلام لحاجة وسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إعانتها فأعانها ، وليس بالمال إنما بالعلم ، بكربة من سعف النخيل لتكون منها ثلاث حكم ، لتبقى هذه الحكم بين الناس إلى يوم القيامة ، وينتفع منها الناس .
وكل واحدة منها تزجر عن الإرهاب ، وتبين في مفهومها حرمته ، ولزوم إجتنابه .
ليكون تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة من ذخائر آل محمد ، ودروس التكامل الأدبي ، ووراثة الخلق الحميد ، لقوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
عن الحسين بن علي عن اخيه الحسن بن علي بن ابي طالب عليهم السلام قال: “رأيت امي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة الجمعة فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم، وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني الجار ثم الدار”.
إنه تجسيد عملي لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “اذا دعا أحدكم فليعم فانه أوجب للدعاء”، فالزهراء عليها السلام تدرك مسؤوليتها أزاء المسلمين وتحرص على استفادتهم من دعائها لتتغشاهم الرحمة ببركة وجودها وليدفع عنهم الأذى بما تناجي به ربها .
لقد كانت سيرة أهل البيت دعوة للسلم والتعايش الإجتماعي ، وتأسيساً لسنن التقوى والخشية من الله التي تنعكس على الواقع اليومي لعامة الناس بأن يأمن بعضهم بعضاً.
بينما يبعث الإرهاب الريبة في النفوس ، والحذر الزائد والذي له أثار نفسية ضارة على الناس ، إلى جانب الإنفاق الحكومي والأهلي على مستلزمات الإضرار من الإرهاب ، وهو يتنافى وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
قانون عمارة مكة معجزة
يتجلى في التدبر بتأريخ مكة ونشأتها الإعجاز من وجوه متعددة ، وبيان عدم إختصاص المعجزة بالأنبياء بل تشكل الآيات الكونية ، السماوية ، والأرضية ، ومنها إكرام الله عز وجل لبيته الحرام وإظهاره للناس.
لأن الآية لم تقل تهوي إليه ، إنما قالت (تهوي اليهم) وجاءت الآية بصيغة التبعيض (من الناس) لإفادة شطر من الناس , ومنهم المسلمون .
و(عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إن إبراهيم عليه السلام كان نازلا في بادية الشام فلما ولد له من هاجر إسماعيل عليه السلام اغتمت سارة من ذلك غما شديدا لانه لم يكن له منها ولد، وكانت تؤذي إبراهيم في هاجر فتغمه.
فشكا إبراهيم ذلك إلى الله عزوجل.
فأوحى الله إليه : إنما مثل المرأة مثل الضلع العوجاء إن تركتها استمتعت بها، وإن أقمتها كسرتها.
ثم أمره أن يخرج إسماعيل عليه السلام وامه عنها.
فقال: يا رب إلى أي مكان ؟
قال: إلى حرمي وأمني وأول بقعة خلقتها من الارض وهي مكة.
فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق فحمل هاجر وإسماعيل وإبراهيم عليه السلام وكان إبراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع إلا وقال: يا جبرئيل إلى ههنا إلى ههنا.
فيقول جبرئيل: لا امض امض، حتى وافى به مكة، فوضعه في موضع البيت، وقد كان إبراهيم عليه السلام عاهد سارة أن لا ينزل حتى يرجع إليها.
فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها فاستظلوا تحته، فلما سرحهم إبراهيم ووضعهم وأراد الانصراف عنهم إلى سارة.
قالت له هاجر: يا إبراهيم لم تدعنا في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع ؟
فقال إبراهيم: الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم، ثم انصرف عنهم.
فلما بلغ كدى وهو جبل بذي طوى التفت إليهم إبراهيم فقال: ” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون “( ) .
ثم مضى وبقيت هاجر، فلما ارتفع النهار عطش إسماعيل وطلب الماء فقامت هاجر في الوادي في موضع المسعى .
فنادت : هل في الوادي من أنيس ؟
فغاب إسماعيل عنها فصعدت على الصفا ولمع لها السراب في الوادي وظنت أنه ماء.
فنزلت في بطن الوادي وسعت فلما بلغت المسعى غاب عنها إسماعيل ثم لمع لها السراب في ناحية
الصفا فهبطت إلى الوادي تطلب الماء فلما غاب عنها إسماعيل.
عادت حتى بلغت الصفا فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات، فلما كان في الشوط السابع وهي على المروة نظرت إلى إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجليه.
فعدت حتى جمعت حوله رملا فإنه كان سائلا فزمته بما جعلته حوله فلذلك سميت زمزم.
وكان جرهم نازلة بذي المجاز وعرفات فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطير والوحش على الماء، فنظرت جرهم إلى تعكف الطير على ذلك المكان واتبعوها حتى نظروا إلى امرأة وصبي نازلين في ذلك الموضع قد استظلا بشجرة وقد ظهر الماء لهما.
فقالوا لهاجر: من أنتِ ؟ وما شأنك وشأن هذا الصبي ؟
قالت: أنا ام ولد إبراهيم خليل الرحمن، وهذا ابنه أمره الله أن ينزلنا ههنا، فقالوا لها: فتأذنين لنا أن نكون بالقرب منكم قالت لهم: حتى يأتي إبراهيم عليه السلام.
فلما زارهم إبراهيم يوم الثالث قالت هاجر: يا خليل الله إن ههنا قوما من جرهم يسألونك أن تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا، أفتأذن لهم في ذلك ؟
فقال إبراهيم: نعم، فأذنت هاجر لجرهم فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم فأنست هاجر و إسماعيل بهم.
فلما زارهم إبراهيم في المرة الثالثة نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بذلك سرورا شديدا.
فلما ترعرع إسماعيل عليه السلام وكانت جرهم قد وهبوا لاسماعيل كل واحد منهم شاة وشاتين وكانت هاجر و إسماعيل يعيشان بها.
فلما بلغ إسماعيل مبلغ الرجال أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يبني البيت.
فقال : يا رب في أية بقعة.
قال : في البقعة التي انزلت على آدم القبة فأضاء لها الحرم.
فلم تزل القبة التي أنزلها الله على آدم قائمة حتى كان أيام الطوفان أيام نوح عليه السلام.
فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة وغرقت الدنيا إلا موضع البيت.
فسميت البيت العتيق لانه اعتق من الغرق، فلما أمر الله عزوجل إبراهيم أن يبني البيت لم يدر في أي مكان يبنيه، فبعث الله جبرئيل عليه السلام فخط له موضع البيت.
فأنزل الله عليه القواعد من الجنة.
وكان الحجر الذي أنزله الله على آدم أشد بياضاَ من الثلج ، فلما مسته أيدي الكفار اسود.
فبنى إبراهيم البيت ونقل إسماعيل الحجر من ذي طوى، فرفعه في السماء تسعة أذرع، ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم ووضعه في موضعه الذي هو فيه الان، وجعل له بابين: بابا إلى المشرق، وبابا إلى المغرب، والباب الذي إلى المغرب يسمى المستجار، ثم ألقى عليه الشجر والاذخر، وعلقت هاجر على بابه كساءا كان معها، وكانوا يكونون تحته.
فلما بناه وفرغ منه حج إبراهيم وإسماعيل ونزل عليهما جبرئيل يوم التروية لثمان من ذي الحجة.
فقال: يا إبراهيم قم فارتو من الماء: لانه لم يكن بمنى وعرفات ماء فسميت التروية لذلك، ثم أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم عليه السلام فقال إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء البيت [رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ]( )، قال: من ثمرات القلوب، أي حببهم إلى الناس لينتابوا إليهم و يعودوا إليه)( ).
وعن ابن عباس في قوله تعالى [فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ]( )، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (هي قلوب شيعتنا تهوي إلى محبتنا) ( ).
وعن أبي جعفر في قوله تعالى [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] ( )، قال : نحن هم ونحن بقية تلك الذرية).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (وارزقهم من الثمرات) أي ثمرات القلوب)( ).
وهو لا يتعارض مع معنى الثمرات من الرزق.
(واخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : إن إبراهيم عليه السلام قال { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } لو قال : فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم ، لغلبتكم عليه الترك والروم)( ).
وكذا عن قتادة ولكن الآية لم تقل تهوي اليه إنما قالت تهوي إليهم ، ثم أن الفرس والترك صار ولاؤهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام وهل ضريح الإمام الرضا في خراسان وزيارة الآلاف من الفرس والروم وغيرهم له كل يوم من مصاديق [تَهْوِي إِلَيْهِمْ]( )، الجواب نعم ، وكذا ضريح الصحابي أبي أيوب في بلدية (أيوب ) في أستطنبول .
ولم يرد لفظ (اسكنت) (ليقيموا) (ارزقهم)) إلا في آية البحث.
قانون إنكار الناس للإرهاب
لما أخبر الله عز وجل الملائكة عن خلافة الناس في الأرض فانه سبحانه جعل ثوابت صلاح متوارثة عند الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( )، في رده تعالى على الملائكة عندما تساءلوا عن الجمع بين الخلافة والفساد والقتل في الأرض مع التضاد بينها.
ومن هذه الثوابت الإستهجان العام للفساد والإضرار بالغير من القريب والبعيد ، فلا يرضى الناس بالعمل الإرهابي والتفجيرات خاصة وأنهم وأولادهم معرضون له لصبغته العشوائية ، وهذا العموم في الضرر سبب لحنق وسخط الناس على الإرهاب فكراً وأشخاصاً وفعلاً.
وقد حدثت حروب طاحنة في تأريخ الإنسانية ، ولم تولد إلا النقمة والحسرة والأوجاع والأحزان وحتى الذي ينتصر فيها لا يعدو أن يكون ربحه محدوداً .
وقد لا يستمر في أفراد الزمان الطولية ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ).
وفي خضم الحروب والأسى والحال الإستثنائية التي تصاحبها تضيع حقوق الإنسان ، أما في حال السلم فتكون تلك الحالات ظاهرة وبينة لقلتها ، ومخالفتها للواقع العام .
لذا فان حال السلم والصلح رحمة بالناس ، وسبيل للهداية والتدبر في الخلائق ، والرجوع إلى الله عز وجل بالتوبة والإنابة.
وحينما يصدر عمل إرهابي وتطرف عنيف يواجه الإنكار من عامة الناس ، حتى من ذوي وأقارب صاحب هذا العمل وتستنفر السلطات ، وهل يتعارض الإقدام على العمل الإرهابي مع وجوب برّ الوالدين ، الجواب نعم .
وعلى الإنسان أن يلتفت للرأي العام في الموضوع المتحد ، وأن لا يركبه العناد والإصرار على مخالفته ، لما فيه من الجهالة والغرر الخاص والعام ، فهذا الرأي وإنكار الناس للعمل الإرهابي لم يكن صدفة أو عن رغبة طارئة.
ومن خصائص خلافة الإنسان في الأرض تعاون الناس لمنع التخريب بصكوك وقوانين وأحكام عامة واتفاقات لا تقوى جماعة تختار الإرهاب على الصمود بوجهها ، إنما تكون عاقبتها الخسران ومطاردة وملاحقة أفرادها واللبث في السجون والكهوف والقتل لذا فان الإمتناع عن الإرهاب رحمة للذات والغير ، ووسيلة لرؤية الأشياء بحقيقتها بعيداً عن الهوى والزيغ والتحريض على العنف .
ويبين القرآن براءة الإسلام والنبوة من إتباع الهوى والظلم والإرهاب ، قال تعالى [أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا]( ).
ومن أسباب إنكار الناس للإرهاب الإدراك النوعي لأمور :
الأول : قانون عدم وجود ذريعة للإرهاب .
الثاني : قانون انتفاء الأسباب العقلائية للإرهاب .
الثالث : قانون عزلة الإرهابي والجماعة التي تقف خلفه.
الرابع : قانون الخوف النوعي العام من الإرهاب وضرره الشخصي.
فكل إنسان يخاف على نفسه وذويه من الإرهاب.
الخامس : قانون انعدام المسوغ العقائدي أو الشرعي أو القانوني أو الدولي للفعل الإرهابي .
ومن أسرار قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، عدم وقوف الناس والحكومات والمنظمات الدولية عند إنكار الإرهاب بل إنهم يتخذون الصيغ والكيفية المناسبة لقطع شريان ومقدمات الإرهاب المالية ، ويعملون على التنسيق في تعزيز المكافحة الدولية والإجتماعية العامة للإرهاب.
ويجب أن تكون هذه الكيفية والعمل برفق وحكمة ، وخالية من الإرهاب الموازي والإرهاب لأنها إصلاح ورشاد وإرشاد.
قانون إزاحة الأمر بالمعروف للإرهاب
المعروف ما أمر به الله عز وجل ورسوله لبيان أن ذات التسمية معجزة لإرادة الحجة والدلالة على تجلي الأحكام الشرعية ومعرفة عامة الناس بسبل الهدى والإرشاد.
يدل قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، على وجود مرتكزات ثابتة ومتوارثة بين الناس لتثبيت سنن الخلافة التي تتقوم بعلو لواء التوحيد وإزاحة ما يتعارض معه وما يمنع الناس من العبادة الخالصة لوجهه الكريم .
وهل تتم هذه الإزاحة بفعل وسعي المؤمنين وحده أم يكون معه مدد وعون من عند الله عز وجل ، الجواب هو الثاني .
وليس من حصر لهذا المدد ، وهو على وجوه :
الأول : المدد الظاهر .
الثاني : المدد الخفي .
الثالث : المدد المباشر والحال .
الرابع : المدد بالواسطة وعلى نحو تدريجي .
الخامس : المدد القريب والبعيد ، وكل فرد منها لطف من عند الله عز وجل ، ودعوة للتراحم والسلم المجتمعي .
لذا ابتدأت الآية بذكر التوبة بقوله تعالى [التَّائِبُونَ] ( ) لبيان أن التوبة أصل لعمل الصالحات , وواقية من الظلم والإرهاب والفسوق .
لقد صاحب الأمر بالمعروف الإنسان من حين هبوط آدم وحواء إلى الأرض ، وهو جزء من تربية واصلاح الأجيال , وتنزيه الأرض من الفساد والإرهاب.
ويتولى المؤمنون وأهل العلم الفضيلة والدعاة إلى الخير والأمن واستقرار المجتمعات هذا الأمر العبادي ، إذ أن الأمر بالمعروف على أقسام :
الأول : الأمر بالمعروف لذات الشخص المأمور وسعادته وفلاحه.
الثاني : الأمر بالمعروف لما فيه بر الوالدين والأقربين , ويتنافي فعل الإرهاب مع هذا الواجب .
الثالث : الأمر بالمعروف للصلاح العام , وسيادة السلم والأمن.
الرابع : الأمر بالإيمان ، وهو من وجوب الأمر بالواجب ، قال تعالى [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي]( ).
كما يمكن تقسيم الأمر بالمعروف تقسيماً آخر وهو :
الأول : الأمر بالمعروف في أمور الدنيا والمعاشات , ولزوم توجه الشباب إلى العمل النافع وكسب المال بالطرق المشروعة ومن غير إضرار بالغير .
الثاني : الأمر بالمعروف في أمور الآخرة وأحوال الناس فيها واستحضار عالم الحساب في الوجود الذهني , وفيه إنصراف عن المعاصي والسيئات , قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( ) والإرهاب من البغي فهو محرم .
وقد يكون الموضوع الواحد مصداقاً للوجوه أعلاه كالأمر بالإستعانة بالله التي هي حصن من الإرهاب ويمكن القول وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الأمر بالمعروف واجب .
الصغرى : الإرهاب ضد للمعروف .
النتيجة : حرمة الإرهاب والأمر به.
ومجئ صفة الآمرين بالمعروف بعد التوبة والتعبد والحمد لله والصيام والصلاة ليكون صدور الأمر بالمعروف عن تفقه في الدين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] ( ) .
و(عن عبد الله بن عمر عن درة بنت أبي لهب قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر فقال : يا رسول الله من خير الناس؟
قال : أَأْمرهم بالمعروف .
وأنهاهم عن المنكر .
وأتقاهم لله تعالى .
وأوصلهم لأرحامه) ( ).
ومن الإعجاز في صيغة الجمع في الآية توجه الأمر بالمعروف للإنسان من أكثر من طرف وجهة ، فقد لا يحسن بعضهم كيفية الأمر بالمعروف أو أن الإنسان لا يصغي لأحدهم أو لفرد واحد من الناس .
فيأتيه الأمر من أكثر من جهة ، وكيفيات وصيغ متحدة أو مختلفة ، ويكون كالالحاح وتعدد صيغ الإمتناع .
وهو من اللطف الإلهي في إشاعة مفاهيم الإستقامة ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
وصية لقمان لابنه نهي عام عن الإرهاب
المنكر لغة هو الذي يجهله الناس ، وينكرونه ، أما في الإصطلاح فهو القبيح الذي ينكره الشرع ، ويستهجنه العقل .
وضد المنكر : المعروف ، لذا اتصف أولو الألباب والعقول السليمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقد ورد النهي عن المنكر ثمان مرات في القرآن متعقباً فيها للأمر بالمعروف ، وفي لقمان ووصيته لولده ورد قوله تعالى [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]( ).
لبيان قانون عدم إنحصار الأمر بالمعروف بالكبار والكهول إنما يشمل سن الشباب ، ومع وجود الأب ، أو وجود الأب والجد ، وغالباً ما يكون أمر الشاب لمثله أكثر أثراً مع تقيد الآمر بالصلاة وسنن التقوى .
أي أن لقمان يأمر ابنه بالأمر بالمعروف من منازل التقوى وهي وسيلة للأثر والتأثير النافع ، وإيجاد أذن صاغية ومع الأمر بالمعروف يتعاهد الشاب المؤمن الصبر وتحمل الأذى.
وكذا فان أمر الشاب لمن هو أكبر منه سناً بالمعروف له ونصحه أثر كبير مع التباين في صيغة الأمر فقد يكون هذا الأمر بصيغة الرجاء والسؤال والطلب ، أو التلميح والتعريض والجملة الخبرية ولكنه في الحقيقة لا يخرج عن عمومات قوله تعالى في الآية أعلاه [وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ] لاتحاد سنخية الموضوع وهو المعروف وإن اختلفت الكيفية .
وتكون مصاديق هذه الآية بخصوص النهي عن المنكر على وجوه :
الأول : وأنه أقرانك عن المنكر .
الثاني : وأنه الكبار والصغار عن المنكر .
الثالث : وأنه عن الإرهاب والظلم .
الرابع : يا بني أقم الصلاة وتفقه في الدين ، بلحاظ أن المراد من إقامة الصلاة المعنى الأعم من أداء الفرائض العبادية والتفقه في الدين ليصدر النهي عن المنكر عن فقاهة وعلم.
الخامس : وأنه عن المنكر وكن الأسوة والقدوة في الصالحات ، ليكون من الإعجاز في الآية إرادة تأديب لقمان لابنه وجعله يتعاهد الإيمان وفعل الصالحات لحاجته لهما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
السادس : وأنه عن المنكر والإرهاب وتحمل الأذى الذي تلقاه بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
السابع : قانون وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حين البلوغ لاختتام الآية بقوله تعالى [إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]( ).
والمراد من اسم الإشارة (ذلك) للبعيد كل من :
الأولى : إقامة الصلاة .
الثانية : الأمر بالمعروف .
الثالثة : النهي عن المنكر .
الرابعة : الصبر على الأذى .
وكل فرد منها دعوة سماوية لترك الإرهاب ، والنفرة من أهله ، وزجرهم ومنعهم والسعي في اصلاحهم.
آية (يا بني) والأمهات
وهل تشمل آية [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] ( )الأمهات أم أنها خاصة بالآباء ، هل تشمل الآية البنات أم أنها خاصة بالأبناء من الذكور .
والجواب على الأولى بالإيجاب ، وتقدير الآية : يا أيتها المسلمة انصحي وادبي وعلمي ابنك وبنتك ، وكذا بالنسبة للمسألة الثانية وتقديرها : يا أيها المسلم انصح وأدب وعلم ابنتك.
وتتجلى الحاجة إلى هاتين المسألتين في هذا الزمان والإختلاط العام بين الجنسين ، وشمول مراحل التعليم والوظائف للنساء بعرض واحد مع الرجال .
ومن الدلائل القرآنية على عموم الخطاب في تأديب الأبناء قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]( ).
إذ يشمل نداء الإيمان في الآية أعلاه المسلمات مع الرجال من المسلمين ، مثلما يشملهن نداء التكليف ومنه قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
وعن (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ : كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .
وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا.
وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِى مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .
قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ : وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)( ).
ويبين هذا الحديث النبوي مسؤوليات المرأة تجاه الأسرة والأولاد والبيت وحفظ الأموال ، وإعداد الأولاد لما فيه الخير والصلاح ، بعيداً عن القوة والتطرف العنيف كما يبين مسؤولية الأولاد أزاء إبيهم وأمهم ، وتعدد معاني بر الوالدين ليشمل الأمانة وعدم الخيانة ، لينشأ الأبناء على العصمة من الغدر والغيلة .
لقد أراد لقمان بحكمته المعهودة أن يعمر قلب ابنه بالذكر ، وتخشع أعضاء بدنه لله عز وجل بأداء الصلاة ، ولم يكن لقمان نبياً ، وفيه شاهد بأن وظيفة المؤمنين هداية الأبناء إلى سواء السبيل , وجعلهم في حرز من الشرك ومفاهيم الضلالة ، ومن الإرهاب والظلم.
وتقدير الآية بالنسبة للمسألة الثانية أعلاه : يا ابنتي اقيمي الصلاة وأمري بالمعروف وأنهِ عن المنكر واصبري على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.
وفيه سعي لقانون عمارة قلوب الناشئة بالإيمان وعشق القرآن , وفيه غلق للمنافي التي يدّب منها رأس الإرهاب الخبيث .
و(كان ملك كثير المال وكانت له ابنة لم يكن له ولد غيرها وكان يحبها حبا شديدا وكان يلهيها بصنوف اللهو , فمكث كذلك زمانا وكان إلى جانب الملك عابد فبينا هو ذات ليلة يقرأ إذ رفع صوته وهو يقول.
[يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس و الحجارة] ( ).
فسمعت الجارية قراءته فقالت لجواريها كفوا فلم يكفوا .
وجعل العابد يردد الآية والجارية تقول لهم كفوا فلم يكفوا فوضعت يدها في جيبها فشقت ثيابها فانطلقوا إلى أبيها فأخبروه بالقصة .
فأقبل إليها فقال يا حبيبتي ما حالك منذ الليلة ما يبكيك وضمها إليه.
فقالت أسالك بالله يا أبه لله عز و جل دار فيها نار وقودها الناس والحجارة قال نعم .
قالت وما يمنعك يا أبه أن تخبرني والله لا أكلت طيبا ولا نمت على لين حتى أعلم أين منزلي في الجنة أو النار)( ).
أي أنها اختارت الإجتهاد في العبادة وطاعة الله .
وقد سبقت آيات القرآن والسنة النبوية في وجوب تعليم وتفقه الأبناء ذكوراَ وإناثاَ في أمور الدين والدنيا .
وهل اقتران وجوب الصلاة والصيام بسن البلوغ من هذا التفقه, الجواب نعم .
ومن الآيات توجه الخطاب التكليفي إلى البنت قبل الولد لأن بلوغها عند تمام التاسعة الهلالية أو تمام أو عند الحيض أو احدى العلامات الأخرى , زيادة في الستر , والتقرب إلى الله عز وجل من قبل ذات الأولاد وآبائهم .
وقال (سعيد أبو عثمان وهو ثقة من أهل العلم قال نظر رجل إلى امرأة فقال ما رأيت مثل هذاالحسن وهذه النضارة وما ذاك إلا من قلة الحزن فقالت يا عبدالله والله إني ليذبحني الحزن ما يشركني فيه أحد قال وكيف .
قالت ذبح زوجي شاة مضحيا ولي صَبيان يلعبان فقال أكبرهما للأصغر أريك كيف صنع أبي بالشاة فعلقه فذبحه فما شعرنا به إلا متشحطا فلما استعلت الضجة هرب الغلام ناحية الجبل فرهقه ذئب فأكله ونحن لا نعلم واتبعه أبوه يطلبه فمات عطشا فأفردني الدهر .
قال فكيف صبرك , قالت لو رأيت في الجزع مدركا ما اخترت عليه)( ).
وتدرك رحمة الله عز وجل الإنسان وتبعثه على التراحم ، قال تعالى [لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ]( )، نعم لا ننكر وجود فواجع قد تنزل بأسرة كاملة كما يتجلى في الأخبار العامة في هذا الزمان ومنه حوادث الإرهاب والتفجيرات ، لبيان وجوب الإمساك عنها ، وأنها شر وسبب للحزن العميق والبكاء المتصل من الرجال والنساء ، والسخط العام على الإرهاب وأهله ومفاهيمه.
قانون الدعاء للأولاد حرز
لقد ذكر القرآن أمر لقمان لابنه باقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
كما ورد حكاية عن إبراهيم عليه السلام في القرآن أنه سعى في صلاح ذريته ودعا الله لهم ، وليس بخصوص ولد واحد من ولده ، وفي التنزيل [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]( )، كما دعا ابراهيم لذريته مطلقاً ولأجيال المسلمين المتعاقبة.
ومن الشكر لله عز وجل الإمتناع عن الإضرار بالعباد والبلاد والممتلكات العامة ، لبيان قانون التضاد بين شكر العبد لله وبين الإرهاب.
وهل تدل آية البحث على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم من جهات :
الأول : إجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء لذريته وأمته من الرجال والنساء ، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (امتي امتي) ( ).
الثاني : لقد أخبر إبراهيم بأن مكة غير ذات زرع أما في هذه الأزمنة فقد صارت فيها المزارع والبساتين ببركة نبوة محمد .
الثالث : لم تعد مكة واد بل صارت مناراً لكل الناس .
الرابع : لقد اسكن إبراهيم عليه السلام ابنه اسماعيل في مكة لتصبح عامرة ببركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسكنها الملايين.
الخامس : استقبال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها للبيت الحرام خمس مرات في صلاة اليوم والليلة ، قال تعالى [وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ]( ).
السادس : لقد أسكن إبراهيم من ذريته في مكة ليقيموا الصلاة أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه جاء بالفرائض العبادية من الصلاة والصيام والزكاة والحج والخمس والتكاليف المتعددة المترشحة عن الأوامر والنواهي.
السابع : أمر الله عز وجل للمسلمين والناس لطاعة الرسول وجعلها في طول طاعته سبحانه ومرتبة ثانية من بعدها لإفادة واو العطف في الآية التالية الترتيب على المختار ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
وقد ورد قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ] مرتين في القرآن وكلاهما في سورة آل عمران ( )وهي مدنية ، وبين الآيتين مائة آية.
ولا ينقض هذا الترتيب بقوله تعالى [مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ]( )، إنما يدل عليه لإفادة رجحان الأصل وهو طاعة الله .
ومن إعجاز الآية أعلاه ورودها بصيغة المضارع ، فلم تقل (من أطاع) ومن خصائص صيغة المضارع استدامة حكم الآية إلى يوم القيامة ، لبيان قانون النسبة بين الإرهاب وطاعة الرسول هي التضاد .
الثامن : وإذ أسكن إبراهيم ذريته في مكة وفي بلاد الشام ، فقد انتشرت ذرية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عموم الأرض ، إذ ابتدأت بالهجرة إلى المدينة ، فهاجر الإمام علي وفاطمة عليهما السلام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها وولد الحسن والحسين عليهما السلام فيها ، وهاجرت رقية إلى الحبشة بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسع : بركة ذرية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحياء وأمواتاً وصيرورة قبورهم مسجداً ومزاراً ، قال تعالى [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ]( ).
و(عن أنس بن مالك وعن بريدة قالا :قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ]( )، فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله ؟ فقال: بيوت الانبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها ؟ وأشار إلى بيت علي وفاطمة عليهما السلام، قال: نعم من أفضلها)( ).
العاشر : لقد أسكن إبراهيم عليه السلام إسماعيل وأمه عند البيت الحرام ومع هذا وردت الآية بصيغة الجمع (ليقيموا) وإطلاق صيغة الجمع على المفرد خلاف الأصل.
الحادي عشر : جاءت الآية بصيغة التبعيض ومن معانيه بلحاظ المقارنة بين دعاء إبراهيم عليه السلام ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة المسلمين من أهل الأرض.
الثاني عشر : لقد أسكن إبراهيم عليه السلام ذريته في مكة ، بينما انتشرت ذرية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أقطار الأرض بأمن وأمان .
قانون سيرة الصحابة تنهى عن الإرهاب
الصحابة إصطلاح يراد منه الذين لقوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنين برسالته ، وماتوا على الإسلام ، والذين ساروا على نهجه ، وائتمروا بأمره.
وإذا كان كافر رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة أو الطائف ثم أسلم ولم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن مات فليس من الصحابة لقيد الإنتساب للإسلام عند رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويأتي من بعدهم التابعون الذين صاحبوا أو رأوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمعوا منهم ، أي أنهم أخذوا علمهم الصحابة الذين اخذوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن التابعين من أدرك زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه لم يره ، ومنهم من جاء إلى المدينة بعد دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنهم أويس بن عامر القرني.
ومنهم من جعل الصحابة خصوص الذين حضروا بيعة الرضوان أو أسلموا قبلها قال تعالى [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا]( ).
أو الذين اسلموا قبل الفتح لذا اختلف في عدد الصحابة ، على وجوه :
الأول : عدد الصحابة مائة وأربعة عشر ألف ، وهذا العدد ذكره أبو زرعة الرازي (210-264)هـ.
الثاني : ستون ألفاً ، ثلاثون ألفاً في المدينة ومثلهم في قبائل العرب .
الثالث : ليس من حصر لعدد الصحابة ، إنما عددهم كثير وهو المروي عن الصحابي كعب بن مالك الذي قال في حديثه عن كتيبة تبوك (وَالْمُسْلِمُونَ مَنْ تَبِعَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ كَثِيرٌ لَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ يَقُولُ لَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ مَكْتُوبٌ)( ).
وسارت هذه الكتيبة في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة أي قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعامين إلا نحو شهرين ، وهذه الكثرة وموضوع مسيرها في الدفاع في سبيل الله مع شدة القيظ معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أما في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة ، فقد ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري في حديث طويل (فَصَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فِي الْمَسْجِدِ ثُمّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتّى إذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إلَى مَدّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بَيْنَ أَظْهُرِن)( ).
والمختار أن عدد الصحابة هو الأول أعلاه أو قريب منه .
فاذا كان الذين ساروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك ثلاثين ألف صحابي ، فلابد أن ضعف هذا العدد غيرهم من الصحابة وهم على وجوه :
الأول : الذين اسلموا وبقوا في مكة ، لم يأتوا إلى المدينة .
الثاني : الصحابة الذين استشهدوا في المعارك الدفاعية ، والذين ماتوا مدة النبوة ثلاثاً وعشرين سنة .
الثالث : الوفود التي جاءت إلى المدينة في تمام السنة التاسعة والسنة العاشرة للهجرة .
الرابع : الصحابة الذين أسلموا وعادوا إلى مدنهم وقراهم .
وأما عدد التابعين فهو أكثر من ضعف عدد الصحابة ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد اجتهد الصحابة في الإهتداء بهدى وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأظهروا التراحم بينهم ، ونشروا الأمن والطمأنينة وآيات القرآن بين الناس ، وحفظوا السنة النبوية ، وتركوها إرثاً مباركاً للتابعين ، وبينوا الأحكام الشرعية ، وحد القصاص للجاني ، ونهوا أبناءهم والأقربين من الظلم والتعدي، وذكروا أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاح والإصلاح ، ونبذ الفساد ، ومن خصائص الإرهاب أنه فساد وإضرار بالذات والغير .
ولابد من التسليم بأن الصحابة على مراتب في السبق إلى الإسلام كمتقدم المهاجرين والأنصار وفي القرب من النبي، والمبادرة إلى الإستجابة للأوامر الإلهية.
لقد حرص الصحابة على الإقتداء بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي كانت مرآة وترجماناً للقرآن ولم يكن عندهم تطرف عنفي أو ذم وتكفير لبعض المسلمين ، وكانوا يتلقون الذي يدخل الإسلام بالترحاب والغبطة ويقومون بتعليمه الصلاة وأحكام الحلال والحرام .
حتى وإن كان ممن قاتلهم في بدر وأحد والخندق وحنين ، ليكون تلقيهم هذا معجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وشاهداً على حسن خلق الصحابة ودفعهم لصفحة إرهاب قاسية صدرت من المشركين.
فلم يقابلوها بالمثل لبيان قانون وهو عدم مقابلة المسلمين الإرهاب بمثله ، إنما يقابل بالصبر.
لقد تفرغ كثير من الصحابة للعلم والتفسير ونقل أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته الفعلية.
وكان عدد من الصحابة والتابعين يجتمعون عليهم وينصتون لأحاديثهم ، وفيه تثبيت للإيمان في نفوسهم وتفقه في الدين.
ويدل قوله تعالى [فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( )على تعدد مجتمعات وسكن المسلمين واختلاف انتمائهم القبلي والبلدي لذا ذكرت الآية أعلاه تعدد فرقهم ، ويكون الكتاب والسنة سور الموجبة الكلية في التفقه والتعليم ، ومنه حرمة الإرهاب ، وبيان أضراره على الفرد والفرقة والطائفة والأمة ، قال تعالى [وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
بين الوجوب والواجب
هناك قول مشهور أن الوجوب هو المؤثر في إيجاد الواجب وهو صحيح.
ولكنه ليس علة تامة للواجب إنما هو إيذان وإشعار بأوان أو بدء زمان الواجب أما علة الصيام مثلاً فقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
بينما يتنجز الوجوب برؤية هلال رمضان أو إكمال عدة شعبان.
فالواجب ليس معلولاً للوجوب إنما هو في المقام شرط لتنجز الواجب ، والنسبة والصلة بين زمان الوجوب والواجب على قسمين :
الأول : التطابق بين زمان الوجوب وزمان الواجب مثل أوان صلاة الفجر ، إذ يتحد زمانهما من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس ، فيكون المحرك للمكلف بصلاة الصبح طلوع الفجر ، وهي آية كونية ثابتة .
الثاني : تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب ، كما في رؤية شهر رمضان ، وتحقق الإستطاعة التي تعني الوجوب قبل أوان واجب الحج والوقوف على عرفة .
وسمى عدد من الأصوليين هذا الواجب بالواجب المعلق وليس بتام إلا بلحاظ ذات المكلف .
ولكن تحصيل مقدمة الواجب ليس بواجب ، فلا يجب توفير وجمع الإستطاعة للحج ، والعمل على إزاحة الموانع عنها خاصة مع طرو مسألة الجواز وقرعة الحج ، فاذا كان عند المكلف استطاعة من الزاد والراحلة ونفقة العائلة والرجوع على كسب وعمل ولكن اسمه لم يخرج بقرعة الحج وعدد وفد الحاج حينئذ لا يجب عليه الحج ، ويمكن أن يرسل نائباً عنه ، وتجزيه النيابة إلا إذا تهيئت أسباب الإستطاعة من جديد ، فعندئد لابد أن يؤدي الحج بنفسه ولا تجزي عنه النيابة السابقة.
لأن أوان الحج معلوم وثابت وللوجوب العيني ، قال تعالى [يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ]( )، وهو العاشر من شهر ذي الحجة وكذا في قوله تعالى [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ]( ).
ويوم عرفة هو التاسع من شهر ذي الحجة من كل سنة.
والواجب المعلق في مقابل الواجب المنجز ، ومنهم من قال باستحالة الواجب المعلق وأنه يرجع إلى الواجب المنجز فالقول (تجب الصلاة على طهارة) وجوب تحصيل القيد للصلاة والخلاف صغروي.
وكذا في طلوع الفجر ، فان الوجوب وهو طلوع الفجر أمر كوني ليس اختيارياً ، وكذا بالنسبة لوجوب الحج بالعلامات الكونية الثابتة ، قال تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
وعندنا ثلاثة اصطلاحات وهي : الوجوب ، الواجب ، الإيجاب :
الأول : الوجوب : وهو الخطاب الشرعي ، وهو أحد الأحكام التكليفية الخمسة (الوجوب ، الندب ، الإباحة ، المكروه ، المحرم) .
وهل من آية قرآنية تجمع الأحكام التكليفية الخمسة أعلاه ، وإن كان وردت كلها في القرآن لقوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ…] ( ).
ويكوب الوجوب والندب مورد الأمر ، مع فارق رتبي بينهما ، وتلحق بهما الإباحة .
أما التحريم والكراهة فهما مورد النهي والجامع بينهما جهات :
الأولى : الصيغة من الأمر أو النهي سواء كانت إنشائية أو خبرية يستقرأ منها الأمر أو النهي.
الثانية : مقتضى الصيغة .
الثالثة : الموضوع المأمور به أو المنهي عنه .
الرابعة : المأمور الذي يتوجه إليه الخطاب .
الخامسة : العاقبة والتباين بين عاقبة الطاعة والمعصية ، ومع التضاد بين الأمر والنهي فانهما يلتقيان في عاقبة الإمتثال لهما .
وورد التذكير للغالب ، والمراد الرجال والنساء وهو الذي تبينه آيات القرآن الأخرى والسنة النبوية التي هي مرآة وترجمان للقرآن إلا مع الدليل على التخصيص كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ]( ).
فلا خلاف على عدم وجوب صلاة الجمعة على النساء والصبيان والمسافر وان كان حكمه الإتمام ، والأعمى ، والشيخ الكبير ، ومن كان الحضور عليه حرجياً بسبب البرد الشديد أو المطر ، أو احتمال الضرر بالحضور وعدم وجوب الجمعة على النساء تخفيف عنهن ، ومنع للحرج من الزحام يوم الجمعة ، ودفع للحرج والمشقة عنهم.
وفي جواز حضورهن للجمعة جبر لخواطرهن وتعظيم لشعائر الله على نحو الإستحباب ، وهل تصح إقامة جمعة خاصة للنساء في هذا الزمان والإمام امرأة منهن .
المختار نعم ، لإمكان تحقق جمعة النساء من غير حرج أو زحام وللإختلاف في تهيئة صلاة الجمعة ويلاحظ أحوال المصلين ، والمرضى ، والمسافرين ، ومن يحضر منهم الجمعة أجزأ عنه .
فالوجوب هو مقتضى ودلالة الأمر.
أما الواجب فهو المأمور به ، والمكلف هو المأمور.
وقد يأتي الأمر في القرآن فيشمل الرجال والنساء وإن ورد التذكير كما في قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ] إذ ورد بواو الجماعة للغالب مع إفادة جماعة الذكور والنساء ، ولكن قد ترد ذات الصيغة وتستثنى منها النساء وآخرون.
فمثلاً قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، إذ جمعت هذه الآية بين :
الأول : العطف على الآية السابقة التي اختتمت بالأمر الإلهي بالتقوى والخشية منه تعالى والخير والنفع العظيم في النشأتين في التقوى ، إذ قال تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثاني : الأمر (قاتلوا) بصيغة جمع المذكر ، ولكنه لا يشمل النساء والشيخ والمريض والأعمى والعاجز .
الثالث : إرادة معنى الدفاع فلا يقاتل المؤمنون إلا الذي يقاتلهم ويعتدي عليهم ، كما في إصرار كفار قريش على القتال في معركة بدر ، وفي زحف ثلاثة ألاف منهم إلى أطراف المدينة في معركة أحد ، وتقدم حامل لواء المشركين بين الصفين وطلبه المبارزة بتحد .
ثم حينما لم يخرج من المسلمين لمبارزته أحد صار يعيرهم .
(وَيُقَالُ إنّ أَبَا سَعْدِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ خَرَجَ بَيْنَ الصّفّيْنِ فَنَادَى أَنَا قَاصِمٌ مَنْ يُبَارِزُ بِرَازًا ، فَلَمْ يَخْرَجْ إلَيْهِ أَحَدٌ .
فَقَالَ يَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ زَعَمْتُمْ أَنّ قَتْلَاكُمْ فِي الْجَنّةِ وَأَنّ قَتْلَانَا فِي النّارِ كَذَبْتُمْ وَاَللّاتِي لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقّا لَخَرَجَ إلَيّ بَعْضُكُمْ فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ عَلِيّ فَقَتَلَهُ)( ).
الرابع : التنزه عن التعدي لقوله تعالى (ولا تعتدوا) ( ) والذي يصاحب المسلمين إلى يوم القيامة ، وهل يختص هذا النهي في ميدان المعركة والدفاع .
الجواب لا ، فهو عام لأصالة الإطلاق، والنسبة بين التعدي والإرهاب العموم والخصوص المطلق لذا يحرم الإرهاب.
وسيأتي قانون : النسبة بين التعدي والإرهاب في جزء لاحق إن شاء الله.
والإيجاب لغة بمعنى الإلزام والاثبات مصدر أوجب ، يقال أوجب الأمر على الناس إيجاباً أي ألزمهم به الزاماً.
والوجوب اللزوم والثبوت ، والإيجاب بمعنى الإنشاء ولفظ يصدر عن أحد المتعاقدين في انشاء العقود يقابله القبول.
واستعمل الفلاسفة لفظ الإيجاب بمعنى الضرورة ، فإذا لم يكن الأمر ضرورياً في وجوده لذاته أو لغيره لا يوجب ، وقد يأتي الإيجاب بمعنى الفرض .
قانون النهي عن مقدمة الحرام
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء واختبار ، وبعث الله عز وجل الأنبياء وأنزل الكتب السماوية لتخاطب العقول بوجوب الإيمان بالله ورسله والعمل لليوم الآخر .
فنزل القرآن بوجوب الفرائض العبادية ومقدماتها التي لا تنفك عنها كوجوب الوضوء الذي هو مقدمة وشرط للصلاة ، قال تعالى [إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
ونزل بحرمة الفواحش والسيئات ومقدماتها التي تقود إليها.
ومن إعجاز القرآن مجئ النبي (لاتقربوا) على شعبتين :
الأولى : النهي المطلق كما في قوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]( )، ويحتمل الإرهاب وجوهاً :
الأول : إنه من الفواحش الظاهرة .
الثاني : الإرهاب من الفواحش الخفية .
الثالث : هو ليس من الفواحش .
والصحيح أنه الأول ، وما القدر الظاهر من معنى الفواحش ما دأب المفسرون على بيانه ، ولزوم الإمتناع عن إقترافه من كبائر الذنوب ، ومنه الزنا وما حُرم في الشريعة مثل وطئ زوجة الأب ، قال تعالى [وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا]( ).
إذ كان الرجل في الجاهلية ينكح امرأة أبيه بعد موته .
و(عن البراء قال : لقيت خالي ومعه الراية قلت : أين تريد؟ قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده ، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله)( ).
وقد وردت حرمة الزنا مطلقاً قال تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا]( ).
والفاحشة مفرد ، والجمع الفواحش لبيان أنها أعم من الزنا منها الظاهر ومنها الخفي ، ومنها الطارئ والمستحدث أو أنه موجود ولكن تأتي أزمنة يكون ظاهراً بوضوح .
الثانية : النهي المؤقت من الإقتراب ، كما في قوله تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا]( )، [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا]( ).
وفي قوله تعالى [وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى]( )، الصيغة هنا هي النهي ، ودلالة النهي الحرمة ، أما المحرم فهو الزنا.
ومقدمات الزنا كثيرة ومتراكمة وغالباً ما تحدث على نحو تدريجي ، ويمكن استقراء معنى عموم النهي في المقام من قوله تعالى [وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ] ( )، فالنهي أعم من الأكل من الشجرة.
بينما كان الموضوع في الأمر المأمور به ، صار في النهي المحرم وهو الزنا وهل تختص الحرمة في الآية بالزنا أم يشمل مقدمات الزنا والدوران حول الشبهات ، المختار هو الثاني.
وحرمة هذه المقدمات قد تكون نفسية أو غيرية لحرمتها بحرمة ذيها ، وقد لا تكون محرمة إذا لم يقصد بها المكلف فعل الحرام ، وتحرم المقدمات التي توصل إلى إتيان وإرتكاب العمل الإرهابي ، سواء كانت هذه المقدمات بدنية أو مالية ، ومن الفرد والجماعة.
قانون نهي آية الشورى عن الإرهاب
من إعجاز القرآن نزوله بالأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمشاورة أصحابه لقوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ] في قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( )، مع بقاء القرار بيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه فرع الوحي .
وفي الأمر بالشورى مسائل :
الأولى : جاء الأمر بالشورى بصيغة الإطلاق في الأمور ، لإفادة لفظ (الأمر) اسم جنس ، ومنه أمر الدفاع ، أما الأحكام الشرعية فهي تنزيل ووحي من عند الله ، فلا موضوعية للشورى فيها لذا قال تعالى [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]( ).
والأمر ويجمع على أمور ، وهل يشمل الجمع أوامر ، إذا كانت فرع الأمور ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد إصدار أمر يشاور أصحابه ثم يصدر الأمر بالوحي والتنزيل ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( )،الجواب نعم ، لبيان نكتة وهي عدم تحقق العزم النبوي إلا بالوحي لقوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
والنسبة بين النطق والعزم عموم وخصوص مطلق ، فالعزم وإتخاذ القرار جزء من النطق الوارد في الآية أعلاه ، ومقدمة له.
الثانية : بعد مجئ الآية السابقة بالخطاب من الله عز وجل إلى الصحابة [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ) إبتدأت هذه الآية بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبصيغة الجملة الخبرية [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ] ( )، لوجوب إنصاف المسلم بالرحمة والرفق بالناس.
ترى ما هي النسبة بين الرحمة في الآية وبين الوحي الوارد في الآية أعلاه ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالرحمة أعم من الوحي ، وتأتي الرحمة بالقول والفعل والتقرير والصبر على الأذى ، والوجه المزهر المشرق والأسارير المنبسطة .
الثالثة : بيان الآية لفضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في عصمته من الفظاظة وغلظة القلب ، ويدل في مفهومه على حرمة الإرهاب للتضاد بينه وبين السنة النبوية.
وقد تقدم في مقدمة الجزء الخامس والأربعين بعد المائة من هذا السِفر ، والذي اختص بتفسير آية الشورى أعلاه (وتدعو الآية المسلمين والمسلمات للشكر لله تعالى على نعمة أن نبيهم ليس غليظ القلب ، وهو منزه عن الغلظة بمعجزة خارقة للعادة.
لقد جعل الله عز وجل تطهير قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة لولوجه إلى السماء ليلة الإسراء قبل الهجرة النبوية على المدينة ، قال تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا]( ).
وكان من نواميس وقوانين السماء أنه لا يعرج فيها إلا من هو طاهر القلب نقي السريرة وإذا أنعم الله عز وجل بنعمة فانه أعظم من أن يذهبها أو يمحوها ، فبقيت نعمة طهارة قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة له ، وتفضل الله عز وجل بذكرها في القرآن ، بلين الجانب وحسن العشرة)( ).
لتذكير أجيال المسلمين بلزوم الإقتداء به في اللطف والعشرة الكريمة مع الناس جميعاً بعيداً عن العنف والإرهاب والتفجيرات.
قانون الأوامر الإلهية مانع من الإرهاب
من تجليات الحجة على العباد في القرآن بيان وظائف المكلفين مجتمعين ومتفرقين باخلاص العبادة لله عز وجل ، قال تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ]( ).
وكل فرد وكلمة من هذه الآية تنهى عن الإرهاب وتبين فصله وبعده عن سنن الإيمان والتقوى من وجوه :
الأول : ابتدأت الآية بالحرف الواو ، ويفيد معنى الحال والإستئناف والعطف على الآية السابقة وهو قوله تعالى [وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ]( ).
الثاني : هل تختص واو الجماعة في (أمروا) بالذين ذكرتهم الآية السابقة أم أنها عامة لأهل الشرائع السماوية والناس جميعاً ، الجواب هو الثاني ، فمضامين آية البحث مطلقة.
لتبين هذه الآية قانوناً من الإرادة التكوينية وهو التقاء الشرائع بقواعد وقوانين ثابتة في التوحيد وسنن العمل ، فمع اختلاف الشرائع في الفروع والمناسك كما في قوله تعالى [لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ]( )، فانها تجتمع في مضامين آية البحث .
وهل تنهى هذه الواو عن الإرهاب ، الجواب نعم ، فبلحاظ العطف على الآية السابقة يتجلى اختتامها بالبينة والحجة .
والبينة في المقام على وجوه منها ذكر صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم نصرته في الكتب السماوية السابقة ، والبينة القرآن ، ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية ، وكلها تنهى عن الإرهاب لبيان عدم إنحصار حرمة الإرهاب بالشريعة الإسلامية بل هي سابقة لبعثة النبي ، ومصاحبة للشرائع السماوية.
ومن أفراد البينة في الآية بيان قبح الإرهاب والنهي عنه ، وأنه خلاف مضامين آية البحث وأفراد الواجب فيها .
الثالث : وجوب عبادة الله عز وجل وحده والتي وردت بصيغة الأمر في آية البحث لتشمل أهل الكتاب والمسلمين والناس جميعاً.
وتدل على هذا العموم آيات قرآنية عديدة منها قوله تعالى [وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، ومن التسليم في المقام العمل بمضامين آية البحث ، والإمتناع عما نهى الله عز وجل عنه ، ومنه الظلم والتعدي ، والإرهاب فرد من الظلم ومن التعدي على الذات والغير.
وتقدير الآية : وما أمروا في التوراة والإنجيل والزبور إلا ليعبدوا الله مخلصين …) إلى آخر الآية .
ومن الإعجاز في قانون وحدة وسنخية الكتب السماوية أن كل واحد منها يمنع من عبادة الأصنام والطواغيت ،ومن إتباع الهوى ، إنما تجب عبادة الله عز وجل وحده ، وفيها وقاية من مفاهيم الضلالة ، ومن الظلم والإرهاب ، فمن مصاديق عبادة الله التقوى والخشية منه تعالى في الغيب .
ومن أسرار الحياة الدنيا مصاحبة الأوامر الإلهية للإنسان من حين خلقه إذ ابتدأت وتوجهت من عند الله إلى آدم في الجنة ، ولكن بعد تعليمه من قبل الله عز وجل ، ومن معاني البينة التي ذكرتها الآية السابقة صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجيؤه بما في التوراة والإنجيل من عبادة الله وحده ، وإقامة الصلاة وايتاء الزكاة .
الرابع : الأفعال العبادية ، والتنزه عن الشرك وعن الرياء ، ومعنى الدين في الآية هو الإعتقاد والطريقة ، ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية تلاوة المسلمين والمسلمات سورة الإخلاص على نحو الدوام [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ] ( ).
لقد قدمت الآية عبادة الله عز وجل لبيان موضوعيتها في إستدامة الحياة الدنيا ، وفي سلامة المجتمعات والأفراد من الآفات والبلايا والفتن .
فمن منافع إخلاص الناس العبادة لله عز وجل صرف الضرر الخاص والعام عنهم ، قال تعالى [يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).

الإنسان عبد مأمور بأوامر الله عز وجل
ورد قوله تعالى [وَمَا أُمِرُوا] ( ) مرتين في القرآن ، وكلاهما في وجوب حصر العبادة بالله عز وجل ، فلا يجوز عبادة غيره ، وهذا الحصر من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، بتقريب أن الخليفة لا يلجأ ولا يعبد إلا الخالق البارئ ، قال تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ] ( ).
وذكرت الآية المأمورين [وَمَا أُمِرُوا] ( ) ولم تذكر الآمر ، وفيه مسائل :
الأولى : الله عز وجل هو الذي أمر أهل الكتاب والناس جميعاً بعبادته وحده .
الثانية : أمر الأنبياء أممهم بعبادة الله عز وجل وحده ، قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ..] ( ).
الثالثة : الكتب السماوية وما فيها من الأوامر والنواهي والهداية إلى سبل الإيمان والصلاح .
الرابعة : لقد أمر الله عز وجل الناس وهم في عالم الذر بالتوحيد ووجوب عبادته وحده ، وفي قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..] ( )، ورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال (أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم وأراهم صنعه و لولا ذلك لم يعرف أحد ربه.
وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مولود يولد على الفطرة، يعني على المعرفة بأن الله عز وجل خالقه، فذلك قوله: ” ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله) ( ) .
وهل يمكن القول بحرمة الإرهاب من عالم الذر ، الجواب نعم ، للتنافي بين سنن عبادة الله والإرهاب ، ولأن الولادة على الفطرة السليمة تعني معرفة القبح الذاتي للإرهاب .
و(عن عياض بن حمار المجاشعي قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : إنّ الله أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني في يومي هذا وأنّه قال : إن كلّ مال نحلته عبادي فهو لهم حلال وإنّي خلقت عبادي كلّهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأَمَرتُهُم أنْ يشركوا بي ما لم أُنزّلْ به سلطاناً) ( ).
الخامس : الأمر الإلهي للناس بأن يكونوا حنفاء بالإستقامة في عبادته ،والصلاح في السيرة والسلوك لقوله تعالى [حُنَفَاءَ] مع وجوب إعراضهم وميلهم عن مفاهيم الشرك والضلالة ، وما يخالف عقيدة التوحيد والإسلام.
وفي الآية دلالة على إدراك ومعرفة الناس جميعاً بالتوحيد ووجوب عبادة الله وحده ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( )، الجواب نعم ، بالإضافة إلى البيان المصاحب للأمر الإلهي ، فمن الإعجاز في هذا الأمر اختلافه عن معنى الأمر بين الناس .
السادس : وجوب مصاحبة قصد القربة للعبد في عبادته وحرصه على عدم الإبتعاد عنه ، والإرهاب وظلم الأبرياء والقتل العشوائي مما يبعده عن هذا القصد السامي وإخلاص العبادة لله.
السابع : معنى دين القيمة : دين القائمين لله ، بالإقرار بربوبيته وعبادته ، ويدل عليه قوله تعالى [حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ] ( )، ومن معاني القيمة الملة والشريعة المستقيمة ، والتنزه عن تحريف مفاهيمه .
بحث أصولي في النهي عن الإرهاب
لا تختص منافع علم الأصول باستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، وتعبيد طرق الفقيه للوصول إلى الحكم ومعرفة الأولى والراجح خاصة عند التعارض ، والفصل بين الأحاديث ، فيشمل بيان علم الحديث من جهتين :
الأولى : علم الحديث رواية ، ومنه ذكر أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضبطها وتعاهد ألفاظها ، ويشمل علم الرواية ما أضيف إلى الصحابة وأئمة أهل البيت عليهم السلام قولاً وفعلاً.
الثانية : علم الحديث دراية ، وهو بيان حال الرواة ووثاقتهم أو ضعف بعضهم ، وحقيقة الرواية وأحكامها ،وجهة القبول أو الرد.
ويتضمن القرآن الأوامر والنواهي ، والتي قد تأتي بصيغة الإنشاء أو الخبر لتأديب وتعليم أجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار بقاء القرآن غضاً طرياً في كل زمان ، وسالماً من التحريف والزيادة أو النقصان.
ومن إعجازه تجلي كيفية معالجة المسائل الإبتلائية الطارئة ، ومنه ظاهرة الإرهاب في هذه الأيام ، الذي تستقرأ حرمته من مئات آيات القرآن إلى جانب الأحاديث النبوية وعلم الفقه والأصول والكلام .
قانون حرمة الإرهاب في كل كلمة من شطر من آيات القرآن
لا تختص حرمة الإرهاب بكلمة واحدة من الآية القرآنية أو مجموع كلماتها ، بل قد تدل كل كلمة منها وعلى نحو الإستقلال على حرمة الإرهاب وهو من إعجاز القرآن وملائمته لكل زمان ، وتضمنه الوقاية من الفتن وكيفية تداركه ، كما في قوله تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ]( ) ، كما تقدم البيان بخصوص هذه الآية الكريمة .
وتتجلى الأوامر ومضامينها في هذه الآية من وجوه :
الأولى : قوله تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ] ( ).
ويتألف الأمر في علم الأصول من :
الأول : الصيغة .
الثاني : مقتضى الصيغة .
الثالث : المأمور به .
الرابع : المأمور .
الخامس : العاقبة والأثر .
فابتدات الآية بالحرف الواو الذي يفيد عدة معاني بحسب تعدد وجوه تفسير الحرف القرآني وموضعه في الآية ، إذ يفيد الحال بخصوص الآية السابقة ، وحال أهل الكتاب ، والعطف ليشملهم وغيرهم والإستئناف الموضوعي .
وتدل هذه الواو على حرمة الإرهاب لأن الله عز وجل أمر أهل الكتاب والمسلمين بعبادته واللجوء إليه ، وعدم الخروج عن فضاء العبادة وسنن التقوى .
والأوامر في الآية على وجوه :
الأمرالأول : وما أمروا إلا ليعبدوا الله ، وفيه جهات :
الأولى : الصيغة : لغة الأمر ودلالته منطوقاً ومفهوماً، وقانون النسبة بين أوامر القرآن والإرهاب هي التضاد ، لتدل على إفادة هذه الأوامر النهي عنه .
الثانية : مقتضى الصيغة : الوجوب وهو أحد الأحكام التكليفية الخمسة : الوجوب ، الندب ، الإباحة ، الكراهة ، الحرمة ، والمراد وجوب عبادة الله عز وجل ، وإتيان الواجب العبادي سواء الموسع او المضيق ، فحينما يطلع الفجر يحين وقت صلاة الصبح.
وأوقات وأيام الحياة الدنيا كلها يحرم فيها الإرهاب ، لبيان قانون التضاد بين العبادة والإرهاب ، وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : عبادة الله واقية من الظلم .
الصغرى : الإرهاب من الظلم .
النتيجة : عبادة الله واقية من الإرهاب .
وتحتمل الواو في (أمروا ) جهات :
الأولى : الذين ورد ذكرهم في الآية السابقة وهي قوله تعالى [وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ]( ).
الثانية : عموم أهل الكتاب والملل السماوية السابقة ، وأول من أمر بعبادة الله عز وجل من الناس آدم وحواء .
قال تعالى [وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا]( )وقال تعالى [ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى]( ) وقال تعالى [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ]( ) ،ومن أصدق معاني الإصطفاء أداء الفرائض العبادية من الصلاة والزكاة والصيام والحج .
الثالثة : المسلمون والمسلمات ، ووردت الآية بعد التالية بالتزكية والبشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ] ( ).
الرابعة : الناس جميعاً .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فان قلت هل يغني الوجه الأخير ولغة اللوم فيه عن الوجوه المتقدمة.
الجواب لا ، فمن معاني التعدد هنا توجه الخطاب المكرر والمتعدد لأهل الكتاب والمسلمين في لزوم عبادة الله ، وكأنه من اللف والنشر في علم البديع .
فيأتيهم الأمر مرة بصفة الناس وجنس البشر ، وأخرى بصفة الإيمان واتباع الأنبياء ، ثم تجلى الأمر بدعوة خاتم النبيين للإسلام وبيانه لوجوب عبادة الله ، وكيفية هذه العبادة ، وهي خالية من الإرهاب وترويع الناس .
وتفيد الآية الأمر بحصر العبادة بالله عز وجل وحده وتهيئة مقدمات هذه العبادة لوجوب المقدمة لوجوب ذيها ، ونبذ الشرك والمفاهيم والأفعال التي تتعارض مع عبادة الله ، أي أن التوحيد وعبادة الله وحده لا يختص بنفي الشريك والتنزه عن مفاهيم الشرك وعبادة الأوثان ، وإتخاذ الأرباب من الطواغيت ونحوهم ، بل لابد من التحلي بآداب ومقدمات وسنن العبادة وثمرات هذه العبادة ، ومنها التوقي من الإرهاب والتنزه عن سفك الدماء بالتفجيرات العشوائية ، وترويع عامة الناس في زمن العولمة بأن يقع الفعل الإرهابي في بلدة معينة ، فيخاف ويفزع غيرهم من أهل المدن القريبة والبعيدة.
الأمر الثاني : قانون إخلاص العبادة لله عز وجل ، والتنزه عما هو ضد لهذا الإخلاص ، ومنه الرياء والسمعة والفخر والعجب ، ويمكن إنشاء قانون منافاة الإرهاب لإخلاص العبادة لله عز وجل من أطراف :
أولاً : الذي يقوم بالفعل الإرهابي .
ثانياً : الذي يمول الإرهاب ويهيئ مقدماته .
ثالثاً : إيقاع ضرر الفعل الإرهابي من عامة الناس ، لما فيه من إنشغال وإبتلاء وإفتتان .
قال الشاعر أبو أسحاق الغزي (441-524) هجرية.
ما لي أرى الشمعَ تبكي في مواقدِهِ ..مِن حرقةِ الناِر أَم من فُرقةِ العَسلِ
ومع أن النار علة الإحراق فيعزى بكاء الشمع من وجود الفتيل، وهي من غير جنس الشمع للتحذير والإنذار من غير المجانس للمؤمن والذي يتقيد بأداء الفرائض .
ومن مصاديق إخلاص العبادة إتيان الفرائض حباً وطاعة لله عز وجل ، من غير رجاء نفع من أحد غيره .
ومن آيات إخلاص العبادة لله [قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ] ( ) لتدل الآية بالدلالة الإلتزامية على حرمة الإرهاب أو طاعة أربابه والرؤساء فيه .
ويكون وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : إخلاص العبادة لله واجب .
الصغرى : الإرهاب مناف لإخلاص العبادة .
النتيجة : حرمة الإرهاب لأنه ضد الواجب العبادي .
الأمر الثالث : حنفاء ، يأتي الحنف في اللغة بمعنى الميل ، وهو في المقام الميل من الشرك إلى الإيمان والهدى ، ولكن معناه القرآني أعم وأوسع .
إذ يدل على الإستقامة في القول والفعل بما يرضي الله عز وجل ،وقال الخليل (والحَنيفُ في قولٍ: المُسلْمُِ الذي يستَقبِل قِبْلةَ البَيت الحَرام على مِلّةِ إبراهيم حَنيفاً مُسْلِماً.
والقول الآخر: الحنيف كلُّ من أسْلَمَ في أمر الله فلم يَلْتَوِفي شيءٍ منه. وأحَبُّ الأديان إلى اللهِ الحَنيفية السَّمْحة وهي مِلّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لا ضيِقٌ فيها ولا حَرَج.) ( ).
والنسبة بين الإستقامة والإرهاب هي التضاد الظاهر والجلي ، لمخالفة الإرهاب لأحكام الحنيفية السمحاء التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
وقد تقدم أن كلاً من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة زاجر عن الإرهاب .
مسائل في صيغة الأمر
صيغة الأمر ومتعلقها في قوله تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ] ( )، على وجوه :
الأول : الخبر الذي يحمل معنى الإنشاء والأمر .
الثاني : مقتضى الصيغة الوجوب .
الثالث : المأمور به على جهات :
الأولى : عبادة الله وحده .
الثانية : قصد القربة وإخلاص الطاعة لله عز وجل.
الثالثة : حنفاء .
الرابعة : إقامة الصلاة .
الخامسة : إتيان الزكاة .
الرابع : المأمور : المسلمون وأهل الكتاب وأجيال الناس جميعاً.
الخامس : الموضوع : دين القيمة : الملة والشريعة المستقيمة ، لبيان أن الإرهاب ليس من الشريعة ولا الإستقامة والحنيفية ، فكما تعدد كلمات الآية القرآنية يتعدد النهي عن الإرهاب منطوقاً ومفهوماً .
وقد تجمع الآية القرآنية بين الأمر والنهي كما في قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا] ( ) .
الصيغة الأمر [وَاعْتَصِمُوا].
الثاني : مقتضى الصيغة : الوجوب على نحو العموم المجموعي والإستغراقي.
والوجوب لغة السقوط والوقوع ، ومنه قوله تعالى [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا]( )، أي سقطت ، ويقال وجب الميت أي سقط .
الثالث : المأمور به : التمسك بحبل الله، وهو القرآن .
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض .
ومن معاني حبل الله الإسلام ، طاعة الله ، عهد الله ، الثقلان.
ترى ما هي النسبة بين وجوب التمسك بحبل الله ، وبين الإرهاب ، الجواب هو التضاد حتى مع تعدد معاني حبل الله المذكورة أعلاه ، ليكون المعنى على وجوه :
الأول : التضاد بين حبل الله والإرهاب .
الثاني : التضاد بين طاعة الله والإرهاب .
الثالث : التضاد بين عهد الله والإرهاب .
الرابع : التضاد بين الإرهاب والثقلين وهما القرآن وعترة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتِي كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُونِي بِمَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا)( ).
واذا أتى المكلف بالمأمور به وفق الإقتضاء أجزء عنه لتحقق الفراغ اليقيني من الإشتغال اليقيني .
وتقدير (واعتصموا) بلحاظ موضوع هذا الجزء على وجوه :
الأول : واعتصموا بحبل الله وتنزهوا عن الإرهاب .
الثاني : واعتصموا بحبل الله ولا يفرقكم الإرهاب .
الثالث : واعتصموا بالقرآن للتفقه في الدين .
الرابع : واعتصموا بحبل الله إن الله يحب الذين يعتصمون بالأوامر والنواهي التي في القرآن .
الخامس : واعتصموا بالقرآن والذي يتضمن حرمة الإرهاب.
السادس : يا أيها الذين آمنوا اعتصموا بالقرآن والسنة .
السابع : تمسكوا بالقرآن حَكَماً وفيصلاً ودليلاً على لزوم إجتناب الإرهاب.
وعن الإمام الصادق عليه السلام : نحن حبل الله الذي قال [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا] ( ) وقال المجلسي الأولى حمله على الجميع( ) .
صيغة النهي عن الإرهاب
النهي :المنع : يقال نهيته عنه فانتهى .
وقال ابن فارس (نهاية كل شء غايته) ( ).
ولكن النسبة بين النهي والنهاية عموم وخصوص من وجه ، وقد تتضمن الغاية القصد والغرض .
ومن أسماء العقل :النُّهية لأنه يمنع عن فعل القبيح ، وقد اثنى الله عز وجل على الذين يتخذون العقل والتدبر والإتعاظ ضابطة للفعل ، فورد قوله تعالى [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى]( )، في القرآن مرتين وفي سورة واحدة.
والنهي في الإصطلاح طلب الكف عن فعل ، من جهة الإستعلاء في الغالب ، فيأتي النهي من الأعلى إلى الأدنى ، ليخرج الدعاء والإلتماس والسؤال.
والنهي نقيض الأمر ، وكما أن صيغة الأمر المشهورة هي (افعل) فان صيغة النهي (لاتفعل) وكذا كل كلمة تدل على النهي وإن وردت كما في قوله تعالى [وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ]( )، والإرهاب من ظاهر الإثم الذي يجب على المكلف إجتنابه.
وقد يأتي النهي بصيغة الجملة الخبرية وبالنص بذكر التحريم كما في قوله تعالى [وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا]( ).
والإرهاب قتل للنفوس بظلم وبغي وبغير حق ، وجاء النهي عنه في قوله تعالى [وَلَا تَقْتُلُوا] وقوله [حَرَّمَ اللَّهُ] .
وهل تدل صيغة الجمع (ولا تقتلوا) على حرمة التعاون والتآزر في العمل الإرهابي والتخطيط له ، والإنفاق عليه وعلى مقدماته ، الجواب نعم.
وكثير من الأفعال القبيحة والمحرمة هي نوع مفاعلة بين أكثر من طرف ، لذا فمن الإعجاز بصيغة الجمع في النهي عن القتل منع التعاون في الظلم والإرهاب وسفك الدماء .
وبينما تضمنت الآية الخطاب للجماعة والطائفة والجيش ونهيهم عن القتل ، فقد ذكرت النفس بصيغة المفرد (النفس) لبيان أن قتل الإنسان الواحد ظلم وحرام وأن الله عز وجل يجعل لوليه سلطاناً ، وقدرة على الرد .
ليكون النهي عن التفجيرات العشوائية من باب الأولوية القطعية ، وكذا إشعال الفتن والحروب ، قال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ]( ).
وإذا وردت صيغة النهي على نحو الإطلاق من غير دليل وقرينة فتحمل على التحريم والحظر وليس الكراهة .
وقد يأتي النهي المنفرد جامعاً للمحرم والمكروه ويتعين نوع الفعل بينهما بالدليل والقرائن كما في قوله تعالى [وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ]( )، إذ يشمل لفظ الخبائث هنا المحرم والمستقذر.
وقد يتفرع عن تحريم الأصل تحريم الفرع والأمر المتعلق به ، كما في حرمة ثمن الخمر.
و(عن نافع بن كَيسان أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق، يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال: يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا كيسان إنها قد حرمت بعدك.
قال : فأبيعها يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنها قد حرمت وحرم ثمنها.
فانطلق كيسان إلى الزقاق، فأخذ بأرجلها ثم هراقها)( ).
والإرهاب محرم ومنهي عنه ، يحرم ترويع الناس ، والإخافة العامة للمجتمع خاصة إذا اقترنت بسفك الدماء.
أما بخصوص قوله تعالى [وَلَا تَفَرَّقُوا]ففيه مسائل :
الأولى : الصيغة : النهي الإنشائي الصريح .
الثانية : مقتضى الصيغة الحرمة .
الثالثة : الموضوع المنهي عنه التفرق .
الرابعة : المنهي الذي يتوجه له الخطاب : المسلمون والمسلمات.
الخامسة : عاقبة التقيد بالإمتناع عن المنهي عنه على شعبتين :
الأولى : عند الإمتثال ، وهي الطاعة على الوحدة والجماعة .
الثانية : الأجر في الآخرة.
وعند اقتراف معصية التفرق والتشتت يكون الضرر في الدنيا والعقاب في الآخرة للمتبوع والتابع ، قال تعالى [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]( )، والإرهاب فرقة وتفريق ، وخروج على الجماعة والسنة النبوية .
لذا لابد من التعاون لمحاصرته وبيان قبحه وشدة الأذى العام المترتب عليه ، وقال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ]( )، ومن خصائص الإرهاب جمعه بين الفتنة والقتل فيجب إجتنابه.
قانون بالإمثلة تقرب المدركات العقلية
ينمي التمثيل بالفروع على الأصول ، وكثرة الأمثلة المدارك العقلية على اختلاف مراتبها ، والملكة الفقهية ، ويساعد في القدرة على الإستنباط ويقرب المعنى ، وهو من أسرار ومنافع علم الأصول وكثرة التطبيقات .
ومن اللطف الإلهي مجئ الأنبياء بالمعجزات الحسية المتكررة التي تدل على صدق دعوتهم إلى الله وأنهم رسل من عنده [مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ]( ).
ويدل على حرمة الإرهاب النص والوجدان والتجربة ، وكثرة الضحابا والأسى المترشح عنه وفي (الأمر) أطراف :
الأول : تفضل الله أنه هو الآمر الذي يأمر المسلمين والمسلمات ، وفيه تشريف لهم ، يجب أن يقابل بالشكر له سبحانه بالتقوى والإمساك عن الظلم والفتك وسفك الدماء.
الثاني : الصيغة ، وقد يأتي الأمر بصيغة الخبر ، مثل قوله تعالى [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ]( ).
والمطلقات جمع مطلقة ، وهي التي انقطع عقد نكاحها بالطلاق أو الفسخ ، فيجب أن تمكث ثلاث حيضات من غير نكاح ، وبعدها لها أن تتزوج إن شاءت ، ومع ورود الآية بصيغة الإطلاق [َالْمُطَلَّقَاتُ] فالمراد :
الأولى : المدخول بها .
الثانية : ذوات الحيض .
الثالثة : الحائل غير الحامل ، قال تعالى [وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ] ( ) يقال حالت المرأة والنخلة والناقة وكل التي لم تحمل فهي حائل .
الثالث : مقتضى الصيغة : الوجوب أي يجب التربص والإنتظار.
الرابع : المأمور به التربص والإنتظار .
ومن إعجاز القرآن إتصافه بالبيان في الموضوع المأمور به ، وما يترتب عليه من النفع والأجر العظيم .
والمأمور به في الآية أعلاه وجوب إنتظار المطلقة ثلاث حيضات ليكون بامكانها الزواج من آخر ، وفي العدة الرجعية تنتظر رجوع الزوج بها مدة العدة من غير عقد جديد أو مهر .
الخامس : المأمور الذي يتوجه إليه الأمر في القرآن ، وأوامر القرآن للناس عامة ، وقد تكون لخصوص المسلمين ، كما في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( )، ويلحق بهم الناس جميعاً على القول بأن المشركين مكلفون بالفروع كتكليفهم بالأصول ، وقد يكون المأمور هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والنفع عام ، كما في قوله تعالى [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا]( ).
قانون إخلاص العبادة لله
لقد ورد قوله تعالى [مُخْلِصِينَ]( )، سبع مرات في القرآن ، وهو من مدرسة وجوب إقبال القلب على عبادة الله.
صيغة الآية : جملة خبرية .
مقتضى الصيغة : الوجوب .
المأمور به : إخلاص العقيدة والطريقة لله عز وجل .
من إعجاز الآية عدم الإكتفاء بوجوب عبادة الله فلابد من الإخلاص والتفاني في طاعة الله عز وجل ، ويجب على كل فرد التنزه عن الشرك في عالم القول والفعل .
وعن (شهر بن حوشب، عن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من صلى مرائيًا فقد أشرك، ومن صام مرائيًا فقد أشرك، ومن تصدق مرائيًا فقد أشرك.
فقال عوف بن مالك : أفلا يعمد الله إلى ما كان له من ذلك فيقبله ويدع ما سوى ذلك.
فقال شداد: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: أنا خير شريك- أو قسيم- من أشرك بي فعمله قليله وكثيره لشريكي، وأنا منه بريء) ( ).
ويخرج الإرهاب صاحبه عن إخلاص الدين لله عز وجل لما فيه من إتباع للهوى وغلبة النفس الغضبية ، والتطرف العنيف ، وإنشغال عن شكر الله بالإضرار بالناس ، وتلف الممتلكات العامة ، وصيغ الترويع العمد للقريب والبعيد ، والتخطيط لها وتهيئة مقدماتها بغير الحق.
لقد أراد الله عز وجل بقوله تعالى [مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] ( ) تعاهد الناس لعبادة الله عز وجل ، وهذا الشطر من الآية مما يحتج به في باب قصد القربة وأن معناها إخلاص العبادة لله عز وجل .
وإذا غلب الإخلاص في طاعة الله على جوارح العبد امتنع عن الإرهاب والظلم لقانون تعارض الإرهاب مع إخلاص العبادة لله عز وجل ، والتي منها الرحمة والرأفة بالناس جميعاً ، والإمتناع عن الظلم.
والنسبة بين رحمة الله وبين رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن هو العموم والخصوص المطلق .
ولو اجتمعت الخلائق كلها لعجزت عن إحصاء رحمة الله في الساعة الواحدة من ساعات الدنيا ، وهو من أسباب بعث الناس لإخلاص العبادة لله عز وجل ، ورجاء رحمته وفضله وإحسانه مما يستلزم الإجتهاد في الشكر لله عز وجل ، والتحلي بالصبر.
وكل من الشكر لله والصبر زاجر عن الإرهاب ، وواقية منه ، لبيان (قانون الآيات الكونية مانع يومي متجدد من الإرهاب).
قانون حنفاء دعوة للإستقامة
ورد قوله تعالى [حُنَفَاءَ] مرتين في القرآن احداهما في سورة البينة للدلالة على وجوب الإستقامة ، والتنزه عن الظلم والإرهاب ، قال تعالى [حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ]( ).
لبيان قانون وهو لا يرضى الله عز وجل من العباد إلا أن يكونوا حنفاء بالإستقامة في جادة الهدى والحق.
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية وترشح الفرائض العبادية عن الوجوب العقائدي تلاوة كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم لقوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
ترى ما هي النسبة بين الحنيفية والإرهاب ، الجواب هو التضاد ليكون من معاني قوله تعالى [حُنَفَاءَ]( )، في آية البحث استجابة الله عز وجل لدعاء وتساؤل الملائكة بقولهم [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) بانه تعالى يأمر الخلفاء في الأرض بالحنيفية والإستقامة إلى جانب عبادته وحده ، ووجود أمة مؤمنة وعلى دين الحنيفية في كل زمان ، قال تعالى [ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ]( ).
وتبين الآية أموراً :
الأول : قانون الملازمة بين العبادة والإستقامة ، وهي ملة الإسلام والإنقياد للأوامر والنواهي الإلهية .
الثاني : قانون مصاحبة الإسلام لأهل الأرض .
الثالث : قانون حمل الأنبياء للواء الإسلام ، قال تعالى [فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ] ( ).
الرابع : قانون وصية الأنبياء لأبنائهم بتعاهد الإسلام وعدم مغادرة الدنيا إلا بالحنيفية ، وأداء الفرائض العبادية ، وفي إبراهيم عليه السلام ورد قوله تعالى [إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( ).
الخامس : تدل قصص الأنبياء والوقائع التأريخية على حفظ أبناء الأنبياء لوصاياهم ، وعمارتهم الأرض بعبادة الله ، وإظهارهم التنزه عن الشرك مع دعوتهم الناس للتوحيد ، ولا عبرة بالقليل النادر.
وهل هذه الدعوة من مصاديق قوله تعالى [حُنَفَاءَ]( )، الجواب نعم ، وهي على قسمين :
الأول : الدعوة العلنية كما في قول يوسف [يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] ( ).
الثاني : الدعوة السرية وفق أحكام التقية .
وإن قلت صحيح أن يوسف من أبناء يعقوب عليه السلام واستجاب لوصيته إلا أنه نبي ، ومن وظائف النبي تعاهد الإسلام ، والجواب قد وردت آيات بحفظ عامة أبناء الأنبياء الإسلام إلا النادر، وفي لوط وأسرته ورد قوله تعالى [فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ]( )، لإفادة الإسلام معنى الإنقياد والإستسلام وإخلاص الطاعة لله .
ترى ما هي النسبة بين الإسلام والحنيفية ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالحنيفية أخص قال تعالى [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ]( ).
قانون تعاهد إقامة الصلاة حرب على الإرهاب
لقد تضمنت آية [دِينُ الْقَيِّمَةِ]( ) الأمر باقامة الصلاة بقوله تعالى [وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ]( ) وتتضمن الآية جهات :
الأولى : قانون إرادة الصلاة بشرطها وشروطها .
الثانية : قانون إقامة المكلف الصلاة كل يوم .
الثالثة : قانون إقامة الصلاة بذات الكيفية التي أقامها الأنبياء .
وهل هذه الكيفية زجر عن الإرهاب ، الجواب نعم ، لما فيها من مسالك الإستقامة والحرص على تعاهد الصلاح .
ومن الإعجاز في السنة النبوية بذل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوسع في مسائل :
الأولى : الإجتهاد في إقامته الصلاة في أوقاتها .
الثانية : قانون حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على صلاة الجماعة كل يوم ، وفي الحل والترحال (عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ أَتَى رَجُلاَنِ النَّبِىَّ صلى الله عليه وآله وسلم يُرِيدَانِ السَّفَرَ فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) ( ).
الثالثة : إجتهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جعل المسلمين والمسلمات يدركون موضوعية الصلاة في حياتهم اليومية ، وكيف أنها شرط الإيمان .
لقد ورد ذكر الصلاة ومشتقاتها نحو مائة مرة في القرآن ومنها ما جاء بصيغة الدعاء , كما في قوله تعالى [وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ]( ).
وورد لفظ (يُقِيمُوا) الصلاة ثلاث مرات في القرآن وبثبوت النون (يُقِيمُونَ) ست مرات وكلها في الثناء على المؤمنين وتعاهدهم للصلاة لبيان فضل الله عز وجل بقانون المواظبة على العبادة عصمة من الظلم والتعدي والإرهاب وعلى مدى تأريخ الإنسانية .
ولو أجريت إحصائية لتبين أن المصلين أقل ظلماَ لغيرهم من الذين لا يصلون مع تشابه الحال .
وهل كان قابيل بن آدم حينما قتل أخاه هابيل يصلي , الأقرب لا ، بدليل احتجاج هابيل عليه لما أراد قتله [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ] ( ).
وفي حديث للإمام الصادق عليه السلام أنه حينما أكلت النار قربان هابيل ولم تأكل قربانه (قال له إبليس: إن هابيل كان يعبد تلك النار) ( ).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنمية ملكة عشق الصلاة عند المسلمين , وهي شعبة من إخلاص العبادة لله عز وجل ومن خصائص الصلاة تنمية ملكة التقوى في النفوس .
ليترشح عنها طوعاَ وانطباقاَ النفرة من الظلم والإرهاب لترجل الخشية من الله عز وجل على الجوارح , ولعدم إجتماع الضدين ليكون من الإعجاز في الشريعة الإسلامية في المقام , حكم تشريع ومصاحبة الصلاة للمسلم والمسلمة من حين البلوغ للوقاية المبكرة من الظلم والإرهاب .
حديث مالك بن الحويرث
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي قصة جهادية أو مسائل شرعية وراء إسلام عدد كبير من الصحابة , ليكون هؤلاء الصحابة دعاة إلى الهدى بالشواهد الوجدانية والأسوة الحسنة بالمثال الأمثل , وهل تصرف قصص إسلام الصحابة عن الإرهاب , الجواب نعم , فلقد لاقوا الإرهاب بالصبر وإيمان وإظهار علني لطاعتهم لله والرسول .
فيكون من معاني الرحمة في قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( )، ذكر أجيال المسلمين لأهل البيت والصحابة بالثناء والإكرام , وتوثيق قصص إسلامهم ودفاعهم عن شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل ونشرهم لأحكام الشريعة بإقامة الصلاة وتلاوة آيات القرآن , وجذب الناس إلى مسالك الهدى والإيمان .
ومن خصائص الإرهاب بعثه النفرة في النفوس من الطائفة التي ينتسب إليها , ولا أصل لهذه النفرة لأن الإرهاب فعل فردي ويصدر من جماعة محدودة وهو آيل إلى الزوال .
ومن الصحابة الذين رووا بداية وكيفية إسلامهم مالك بن الحويرث الذي (قَالَ أَتَيْنَا النَّبِىَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم رَحِيمًا رَقِيقًا فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِى أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ.
فَقَالَ : ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَبِرُّوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لْيَؤُمُّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) ( ).
ومالك بن الحويرث صحابي (سكن البصرة ومات بها سنة أربع وتسعين . روى عنه أبو قلابة وأبو عطية وسلمة الجرمي وابنه عبد الله بن مالك بن الحويرث) ( ).
وفي الحديث مسائل :
الأولى : مجئ الشباب مجتمعين إلى المدينة لرؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخول الإسلام وأخذ علوم الشريعة .
الثانية : عناية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشباب وإكرامهم.
الثالثة : إقامة الوفود في ضيافة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن زاد عددهم ، وتعددت الجهات والبلدات التي قدموا منها .
الرابعة : إطالة إقامة الوفود عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، وهو من الشواهد على صدق نبوته ، لأنه يريد منهم معرفة أحكام الشريعة .
إن إقامة الشباب عشرين يوماً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس بالقليلة ، إذ يتقنون بها أداء الصلاة خاصة وأنهم نالوا شرف إمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الفرائض الخمسة .
الخامسة : لقد أقاموا بقرب وجوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرين ليلة ، ينهلون من علوم التنزيل والسنة ، لبيان أن كسب العلوم ليس أمراً سهلاً وسريعاً إنما يحتاج إلى الصبر والمثابرة ، وفيه إنشغال عن الإرهاب ، وإدراك لقبحه الذاتي.
وليس في العلم إلا الخير والصلاح ، أما الإرهاب فهو ضرر خاص وعام ، لبيان قانون وهو حض القرآن والسنة على التعليم واقية من الإرهاب .
لذا كانت أول آية من القرآن بعثاَ على التعليم إلى يوم القيامة بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، ومن كرم الله عز وجل لطفه ورحمته بالناس جميعاً ، وسخطه على الذي يسفك الدماء ويقوم بالتعدي والتفجيرات العشوائية .
و(عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم)( ).
وعن الإمام الصادق في حديث (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)( ).
لبيان الإطلاق في التعلم والتحصيل وشموله للنساء .
السادسة :سماع الوفود لآيات القرآن والتدبر في معانيها ، ومعرفة أسباب النزول من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة .
السابعة : بيان قانون فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم باب السؤال للصحابة وأعضاء الوفود ، ومن الإعجاز في المقام عدم وجود حاجب أو بواب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص هذا الباب وجوه :
أولاً : ترغيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة في توجيه السؤال له .
ثانياً : عدم إستياء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأسئلة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( ).
ثالثاً: من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يسأله أهل البيت والصحابة يبادر هو إلى البيان والإخبار عن المسائل الإبتلائية والآيات الكونية وعالم الآخرة وغيرها ، والأمر والنهي ، وهو من عمومات قوله تعالى [يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
قانون الملازمة بين النبوة ورحمة الناس
لقد جعل الله عز وجل مدرسة الأجيال تنهل من القرآن والسنة العلوم ، وتجعل الخلق الحميد سجية ثابتة ، ومن معاني قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى]( )، نسبة أقوال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل ، وفيه نوع تحد وبرهان على سلامه نهجه ، وليس في سنته إلا الإنذار من الظلم والإرهاب .
وورد عن الإمام علي عليه السلام في حديث طويل في الصفات الكريمة والخلق الحميد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منه (ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته) ( ).
رابعاً : شهادة الوفود برحمة ورأفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقول مالك بن الحويرث (وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحيماً رقيقاً) ولم يقيد هذا الرحمة بأنها خاصة بهم، إنما أطلق مما يفيد العموم ، لبيان أن الرحمة والرقة سجية ثابتة عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو كل من :
الأول : أهل البيت .
الثاني : أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : الصحابة من المهاجرين والأنصار .
الرابع : الوفود وهم على أقسام :
الأول : المسلم الذي سبق إسلامه دخول المدينة .
الثاني : الذي يريد دخول الإسلام .
الثالث : وفود القبائل للإطلاع ومعرفة حقائق التنزيل والنبوة .
الرابع : أهل الكتاب من اليهود والنصارى .
الخامس : الكفار والمشركون .
تجلي مصاديق الوحي بسير أغوار التقوى بملاحظة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرغبة الشباب بالعودة إلى أهليهم بعد عشرين يوماً في المدينة وإن لم يصرحوا بهذه الرغبة فبادر لسؤالهم عمن تركوه من أهلهم خلفهم ، فأخبروه .
ولم يطلب منهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخروج في الكتائب والسرايا مع حاجته للرجال ، خاصة وأنهم في سن الشباب ، وفيه مسائل :
الأولى : قانون إجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تنمية ملكة التقوى عند الشباب المسلم , وهي واقية من الإرهاب .
الثانية : لقد رآت الوفود التي قدمت إلى المدينة صبغة السلم التي عليها نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون كالعقد الإجتماعي في نبذ العنف والإرهاب .
الثالثة : من معاني سؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عمن خلفهم بقول مالك بن الحويرث (فسألنا عمن تركنا عند أهلنا، فأخبرناه)( ) مسائل منها :
الأولى : لزوم تعاهد كيان الأسرة .
الثانية : هداية الأهل إلى الإيمان .
الثالثة : نقل مالك وأصحاب الوقائع والمعجزات النبوية التي شاهدوها وسمعوا بها في المدينة .
الرابعة : إقامة الصلاة بالأهل .
الخامسة : إشاعة الأمن وتثبيت السلم المجتمعي تحت لواء الرسالة السماوية الخاتمة , بعيداَ عن الظلم والإرهاب والقهر .
السادسة : توثيق أهل القرى لصيغة السلم لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، مما يلزم الشباب المسلم جعل هذا التوثيق شائعاً في الأمصار في زمان العولمة هذا .
قانون مناجاة النبي (ص) صلاح وتأديب
لقد استمرت مدة النبوة ثلاثاَ وعشرين سنة يصاحب فيها الوحي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، وتنزل عليه آيات القرآن على نحو النجوم, والتدرج والتوالي , وكثير منها بلحاظ أسباب النزول .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمكان وصول أي إنسان له , مسلماَ أو كتابياَ أو كافراَ , ولا يجدون عنده إلا العلم والرفق والإحسان , وكان ينهى عن تعنيف السائل وإن كان كافراَ ذا جفوة وغلظة .
ومن أبهى الشواهد في المقام صبره ومجاراته كمندوب وممثل كفار قريش في صلح الحديبية سهيل بن عمرو .
و(عن عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا، فقلت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي: “اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله”.
قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، .
فقال رسول الله: “امح يا علي، اللهم إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله”. والله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك يمحاه من النبوة، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.) ( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلقى الأسئلة من الناس على اختلاف مشاربهم .
وهل يسأل صاحب السؤال عن ملته وديانته قبل الإجابة ، الجواب لا ، وهو من معجزات النبوة ، نعم نزل القرآن بتقديم السائل الصدقة قبل أن يسأل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، وفيه أمور:
أولاً : اختصاص الأمر بالمسلمين والمسلمات ، بلحاظ نداء التشريف في أول الآية .
ثانياً : تقديم الصدقة عند نجوى الرسول ، والنسبة بينها وبين السؤال عموم وخصوص مطلق ، فالنجوى أعم ، وتضمنت كتب التفسير إفادة المناجاة في المقام كثرة السؤال .
وصح عن الإمام علي عليه السلام أنه قال (ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين وذلك أني أردت مناجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر ضروري فصّرفت ديناراً بعشرة دراهم ، ثم ناجيته عشر مرار أقدم في كل مرة درهماً .
وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار فقال علي ثم فهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس.
فقال لي يا علي : كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة ، أتراه ديناراً؟ ، قلت : لا ، قال نصف دينار ، قلت : لا .
قال فكم : قلت حبة من شعير قال إنك لزهيد ، فأنزل الله الرخصة)( ).
ثالثاً : اللطف الإلهي بسرعة نزول التخفيف والرخصة في الآية التالية [أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
رابعاً : بيان النعمة العظيمة على المسلمين والناس جميعاً في مناجاة الرسول ، إذ أنها باب فتحه الله عز وجل مرة واحدة ولم يفتح مثله إلى يوم القيامة , ولكن مسائله بقيت في تراث ووثائق السنة النبوية .
ومن فضل الله عز وجل بقاء سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية عند المسلمين ، وأهل الأرض جميعاً ، وهو من رشحات قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
قانون آية المناجاة دعوة للحوار
يدعو قوله تعالى [أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( )، أجيال المسلمين والمسلمات إلى الرجوع إلى السنة النبوية وكأنهم يناجون النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد اسقطت الآية أعلاه الصدقة عنهم لبيان معجزة وهي أن سقوط الصدقة في مناجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم متصل بتقريب أن الإطلاع على السنة النبوية والعمل بها فرع المناجاة .
ولم تقف الآية أعلاه عند العفو عن صدقة المناجاة إنما تضمنت الواجب من جهات :
الأولى : إقامة الصلاة .
الثانية : إتيان الزكاة .
الثالثة : طاعة الله , والنسبة بين طاعة الله وبين إقامة الصلاة وإتيان الزكاة عموم وخصوص مطلق , فطاعة الله عز وجل أعم , ومنها الإمتناع عن الإرهاب وإجتناب الفتك وسفك الدماء والتفجيرات العشوائية لأنها مما حرم الله عز وجل .
الرابعة : طاعة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا]( ), ولم يرد لفظ (تُطِيعُوهُ) في القرآن إلا في آية البحث , لوجوب طاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي طاعة لكل الأنبياء على نحو العموم المجموعي .
الخامسة : اختتام الآية بالوعد بالأجر والثواب .
ومن خصائص مناجاة الرسول واتباع سنته ، إدراك أمور :
الأول : قانون التضاد بين الأوامر الإلهية والإرهاب .
الثاني : قانون طاعة لله والرسول واقية من الإرهاب .
الثالث : قانون علم الله عز وجل بما يفعل كل إنسان.
وما يراوده من الأفكار والأوهام والنوايا , قال تعالى [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ]( ).
وإذ ينسى الإنسان ما يطرأ على ذهنه وما يهّم به فأن الله عز وجل لا ينسى شيئاَ قل أو كثر .
لذا لابد من تنزيه عالم النوايا من الظلم والإرهاب , وهذا التنزيه من البصيرة والتدبر , وفيه الثواب قال تعالى [وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ]( ).
وإذ حصل الإشفاق من الصدقة عند مناجاة الرسول فان سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاضرة بين أيدي المسلمين والناس جميعاً ، لتبين وجوهاً :
الأول : قانون براءة الإسلام من الإرهاب , للتضاد بينه وبين طاعة الله ورسوله وأداء الوظائف العبادية .
الثاني : قانون بعث السنة النبوية النفرة من الإرهاب .
الثالث : قانون وجوب المناجاة بين المسلمين لبيان حرمة الإرهاب ، والمنع منه .
الرابع : قانون المناجاة حوار , إذ أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق , فالحوار أعم .
الخامس : قانون احاطة الله عز وجل علماَ بكل ما يفعل العباد.
إذ اختتمت الآية بخطاب إلى المسلمين [وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
وورد تسع مرات في القرآن أغلبها في خطاب للمسلمين , وإنذار المنافقين .
وفي لغة العموم وقصد الناس جميعاَ قوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا]( ).
وفيه دعوة للمسلم لإستحضار ذكر الله عز وجل عند الإقدام على الفعل , والتدبر في أمره هل في هذا الفعل مرضاة الله عز وجل أم لا , والإرهاب مما لا يرضاه الله عز وجل فلابد من العزوف عنه .
قانون منع النبي (ص) لمقدمات الإرهاب
من صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه يتفقد أصحابه ويؤلف بينهم ويمنع الفرقة ومقدماتها ويحُسن الحسن ويدعو إليه ، ويثني على المحسن ، وليس في الإرهاب إحسان ، إنما هو إضرار عام وضد للإحسان.
كما يقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتقبيح القبيح وبيان وهنه ، وينهى عنه ، فلا يرضى بسفك الدماء ، والظلم ، وكان يمنع من القتل العشوائي ويحذر من القتل الخطأ ، ويتحمل ديته إن صدر من المسلم اثناء واجبه ، وكان التفاضل عنده بالتقوى والصلاح مما يدل على الإبتعاد التام عن الإرهاب ويتجلى هذا الإبتعاد في وصايا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنها حديث مالك بن الحويرث المتقدم.
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قربه من أهل البيت ومن كل فرد من الصحابة .
و(عن عائشة قالت : ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك ، فلذلك أنزل الله تعالى { وإنك لعلى خلق عظيم}( ))( ) .
وكان يصبر على الذين ينادونه باسمه أو ابن عبد الله , أو ابن عبد المطلب , وعلى الذين ينادونه بصوت عال من وراء حجرات أزواجه عند الظهيرة .
فنزل قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ]( ).
(ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدا من بني تميم)( ).
والمختار أنه أكثر من واحد وأن الفعل تكرر وإن إختص أوان نزول الآية بقدوم وفد تميم لفك أسراهم عند الظهيرة , فخرج لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والمختار أنه إذا ورد لفظ بصيغة الجمع في القرآن فيحمل على ظاهره , لقانون لا يخاطب في القرآن المفرد بصبغة الجمع , إنما تختص هذه الصيغة بالله عز وجل وحده قال سبحانه [إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ] ( ).
ومع قلة كلمات الآية وردت بصيغة الجمع من جهات :
الأولى : أنا .
الثانية : نحن .
الثالثة : نحيي .
الرابعة : نميت .
الخامسة : إلينا .
فبعد أن أقام مالك بن الحويرث والشباب الذين معه عشرين ليلة في ضيافة النبي في المدينة من غير أن يغفل عنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً واحداً إنما تركهم يختلطون بالمهاجرين والأنصار ، والوفود الأخرى التي اتفق قدومها إلى المدينة معهم ويتقنون الصلاة ويحفظون شطراً من الآيات والسور ومنها آيات الأحكام ، وبعد أن سألهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عما خلفوا وراءهم من الأهل وأحوالهم أذن لهم بالرجوع ، إذ قال (ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَبِرُّوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لْيَؤُمُّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)( ).
وفيه مسائل :
الأولى : صدور الأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشباب بالرجوع إلى أهليهم ، بقوله أعلاه (ارجعوا).
وهل يحمل هذا الأمر على الوجوب أو الندب أم كلاهما ، الجواب هو الأول ، لأصالة الوجوب في الأمر.
الثانية : بيان حاجة القرى إلى أبنائها المسلمين الذين تفقهوا في الدين.
الثالثة : إقامة الشباب في قراهم ومدنهم ، وعدم مغادرتها , وهو من تعاهد السلم المجتمعي .
لقد كانت وفادة مالك بن الحويرث ورهطه من بني الليث في السنة التاسعة للهجرة وقبل خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رجب منها في كتيبة تبوك وسميت تلك السنة سنة الوفود لكثرة الوفود التي جاءت إلى المدينة ليدخلوا الإسلام .
الرابعة : استحباب الإرتحال لطلب العلم ، والعودة إلى الأهل أو غيرهم لتتجلى المنافع العملية منه .
ومن مصاديق قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ( )، تحلي المسلمين بسنن التهذيب والخلق الحميد ، فلا يصل إليهم الإغواء بالإرهاب أو تزيينه ، فمن خصائص الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإحتراز من مقدمات الظلم والإرهاب والإلتفات إليها ، وشاء الله عز وجل أن يجعل صلاة كل مسلم ومسلمة خمس مرات في اليوم والليلة طرداً للغفلة التي قد تدّب بواسطتها مفاهيم الضلالة والغواية والظلم .

قانون التضاد بين الكسب العلمي والإرهاب
من خصائص تعليم الأحكام الشرعية والعلوم مطلقاً العصمة الذاتية والغيرية من الإرهاب للتضاد بينهما .
ومن إعجاز القرآن دلالة أول آية نزولاً منه على حرمة الإرهاب بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ) لأن التعليم عصمة من الظلم والتعدي والإرهاب ، وفي تعليم وإرشاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمالك بن الحويرث وأصحابه مسائل :
الأولى : قول النبي للشباب : ارجعوا إلى أهليكم ، وتوصيته لهم تفسير عملي ومصداق حاضر على قوله تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( ).
الثانية : الإقامة الجماعية للمؤمنين عند الأهل ، وفيه تعاهد للأخوة الإيمانية ، وتعاون في تثبيت معالم الإيمان عند الأهل والقرى المجاورة , وحصانة لهم من الإرهاب .
الثالثة : وجوب قيام هؤلاء الصحابة الشباب بتعليم قومهم أمور دينهم وأداء الفرائض ، وأحكام الحلال والحرام.
ومن الآيات أن بقاءهم بجوار النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة بامامته خمس مرات في اليوم لعشرين يوماً كاف.
الرابعة : يدل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء الشباب (وعلموهم) بلوغهم مرتبة الفقاهة وأهليتهم للقيام بوظيفة التعليم والتدريس وإفهام الناس بواجباتهم العبادية ، وتبليغ الأوامر والنواهي.
مما يدل على أن هؤلاء الشباب كانوا مدة العشرين يوماَ في المدينة في تعلم وحفظ لآيات القرآن والتدبر في معانيها ، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وعلموهم) تحريم للإرهاب .
الخامسة : قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وعلموهم) من مصاديق قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ).
السادسة : ثم قال النبي (وبروهم) وهو من رشحات قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، لبيان هداية النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه ورسله إلى مكارم الأخلاق والإحسان العام والخاص ، والإعانة والرفق سواء في أمور تعليم أحكام الشرعية أو مطلقاً .
ومن الإعجاز في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم عموم البر بالمسلم وغير المسلم ، والضابطة الكلية هي القوم والنسب والصلات الإجتماعية .
وبين القوم وصلة النسب عموم وخصوص مطلق ، فالقوم أعم فقد لا يكونون من ذات النسب ، وقد يجمعهم السبب والمصاهرة لبيان قانون أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بتعاهد النسيج الإجتماعي ومنع الخنادق والطرق التي تؤدي إلى العنف والإرهاب ، لقانون البر والإحسان برزخ دون الظلم والإرهاب .
وهل يختص قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وعلموهم) بالرجال ، الجواب لا ، إذ يكفل الإسلام حق التعليم والفقاهة للرجال والنساء ، على نحو المساواة مع الضوابط الشرعية.
وورد الضمير (هم) في (وعلموهم) لتغليب المذكر وبدليل معنى العموم في الأهل بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ارجعوا الى أهليكم) وإذا كان يتعذر على النساء القدوم من القرى والمدن البعيدة يحضر الرجال ليقومو بالتبليغ وتعليم الصلاة .
و(عن أبي سعيد الخدري قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله.
قال اجتمعن يوم كذا وكذا فاجتمعن فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعلمهن مما علمه الله)( ).
ومن خصائص تعلم وتفقه النساء الإعانة في تربية الأبناء والأخوة على الصلاح ، والتهذيب والعصمة من العنف والإرهاب للتضاد بين التعليم والإرهاب .
لقد عاد مالك بن الحويرث وأصحابه من الشباب إلى قومهم بالخير والعلم وسنن الإيمان ، إذ أخذوها من عين النبوة الصافية ، وحملوا معهم آيات وسور القرآن مكتوبة وحفظاَ عن ظهر قلب ، وهذه الثروة حرز من الإرهاب في كل زمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
ومن معاني الجمع بين (فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ) وجوب وجود العالم ووكيل المرجعية في البلدة والمسجد والقرية ، ليقوم بتعليم أحكام الشريعة ويحذر من المعاصي والسيئات .
ويجتهد في الصلاح ومنع الإرهاب ، والتعدي ، وفي التنزيل [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
ومن معاني هذا الجمع بين (فاقيموا فيهم وعلموهم) المجاهدة في التعليم ، وترك راحة الجسد.
السابعة : ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمالك بن الحويرث وأصحابه (وصلوا كما رأيتموني أصلي).
لتبقى هذه الكلمة والقانون النبوي الخالد مع تعاقب الأجيال ، ويدرك كل مسلم ومسلمة أنها موجهة اليهم بأن يتقيدوا بشرائط صلاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأركانها وأجزائها ، وإن لم يروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته ، ولكنها نقلت إليهم بالكتب والروايات المتواترة سنداً.
ومما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته طاعة لله ورسوله وواقية من الإرهاب والتعدي على الآخرين وحقوقهم وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ).
ويدل هذا الخبر على كفاية عشرين يوماً وليلة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإتقان الصلاة , وتلاوة القرآن.
ومفهوم الحديث على وجوه :
الأول : وجوب الصلاة اليومية على كل مكلف .
الثاني : أداء الصلوات اليومية الخمس بأوقاتها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
الثالث : إتقان الصلاة ، والقراءة فيها .
الرابع : استحباب صلاة الجماعة ، ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتمونا نصلي) إنما أراد حصر أخذ الصلاة منه وحده لمنع الإختلاف بين المسلمين في الصلاة ، وهذا الحصر من مصاديق قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
الخامس : قانون ليصلي أهليكم مثل صلاتكم .
السادس : انشغلوا بالصلاة وتعاهدها ، وهي مانع من الأخلاق المذمومة ، ومن الظلم والجور وترويع الناس.
قانون البر حائل دون الإرهاب
من معاني قول النبي (وبروهم) قانون مصاحبة الأخلاق الحميدة لبعثته ، وشيوع مفاهيم البر والإحسان بين الناس عموماً وفق الشرائع السماوية والتنزيل والسنة النبوية القولية والفعلية ، وجهاد الصحابة.
فلم يأمرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باكراه الناس لدخول الإسلام ولا محاربة الذين بقوا على الكفر منهم خاصة وأن الموصى نفر من الشباب ذوي العضلات.
ولم يأمرهم بالإحتجاج والغلظة فيه بعد أن تفقهوا في الدين إنما أمرهم بالبر واللطف والرفق بالجميع ، وهو من مصاديق قول الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( )، عندما شكوا فساد الإنسان وسفكه الدماء في الأرض .
فمن علم الله عز وجل بعثة الأنبياء وسعيهم في إصلاح الناس ، وأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للشباب بالإحسان والرأفة بالناس جميعاً ، ولبيان قانون وهو نماء الخلق الحميد مع العلم والتحصيل .
وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وبروهم) نداء للشباب المسلم في كل زمان بحسن السمت والخلق وإجتناب الإضرار بالناس على اختلاف مشاربهم ، وتقديره ( وبروا قومكم) ليشمل بر الوالدين وذوي القربى وأفراد القبيلة والمجتمع وأبناء الوطن الواحد .
ومنه قانون ترك الإرهاب بر بالوالدين ، لما في الإرهاب من الأذى والضرر عليهم كما تتجلى له مصاديق عديدة.
قانون آيات العلم نهي سماوي عن الإرهاب
الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، وسبيل هدى وضياء ينير مسالك السائرين ، وصراطاً مستقيماً وسبيل صلاح وهداية ، وتعليم ، ويمكن القول وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : قانون كل آية قرآنية تعليم .
الصغرى : قانون التعليم حرز من الإرهاب .
النتيجة : قانون كل آية قرآنية واقية من الإرهاب .
ومن إعجاز القرآن ومحاربته للإرهاب ابتداء نزوله بطلب العلم بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، وتقييد هذا الطلب بأنه العلم النافع في النشأتين لقوله تعالى أعلاه [بِاسْمِ رَبِّكَ] ومجئ السنة النبوية بتأكيد هذا التقييد والبيان .
و(عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء -وهو بدمشق.
فقال : ما أقدمك أيْ أخي ، قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أما قدمت لتجارة ، قال: لا. قال: أما قدمت لحاجة .
قال: لا ، قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث ، قال: نعم.
قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من سلك طريقا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم مَنْ في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب.
إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)( ).
ليبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن قوله تعالى [اقْرَأْ] عام لا يختص بشخصه الكريم ، لأصالة العموم في خطابات القرآن إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا ما قام الدليل على التخصيص والخصوص مثل قوله تعالى [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا]( )، وقوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ]( )، لبيان الأصل في الوحي هو التوحيد .
لذا فان تقدير آية [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، (يا أيها الذين آمنوا اقرأوا باسم ربكم الذي خلق ، خلق الإنسان من علق) لتذكير المسلم بأصل خلقته وتكوينه وأنه بفضل وآية من عند الله عز وجل فلابد أن تقابل بالشكر له تعالى بحسن السمت والطاعة له تعالى ، وإجتناب الإضرار بالناس.
وتدل كل آية تخص على العلم بالدلالة الإلتزامية على النهي عن الإرهاب ، وآيات طلب العلم في القرآن والبحث لإكتسابه جنة وحصن من الظلم والإرهاب .
قانون في الخشية من الله إمتناع عن الإرهاب
قول تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( )، ومن معاني الآية التباين بين العلم والإرهاب ، لأن العلم علة وسبب للخشية من الله ، ومن يخشى الله لا يعتدي ولا يظلم الناس .
والخشية من الله زاجر عن المعاصي والظلم والتعدي ، ومانع من خرق قواعد السلم المجتمعي.
وتبين الآية قانون ترشح الخشية من الله عن العلم مما يدل على حاجة الناس إلى العلم والتحصيل لوجوب الخشية من الله التي تبعث على أداء العبادات والفرائض والإمساك عن الإضرار بالناس وسفك الدماء لوجوب المقدمة لوجوب ذيها.
وقال الإمام الصادق عليه السلام (لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ولايكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو)( ).
ترى ما المراد من العلماء في الآية أعلاه فيه وجوه :
الأول : الفقهاء والعارفون بالله والذين يعلمون تأويل الآيات .
الثاني : المؤمنون والمؤمنات .
الثالث : المسلمون والمسلمات .
الرابع : الذين يعلمون الفرائض والحدود ، ويؤدون الفرائض العبادية.
الخامس : العلماء بالإختصاصات العلمية كطب الأبدان ، والفلك والتجارات ، والصناعات ، والزراعات ، وأصحاب الشهادات العالية في هذا الزمان لأنهم يتوصلون بعلمهم إلى وجوب وجود الصانع وحاجة الكون وبدائع الخلق إلى الله عز وجل خالقاً ورباً ويدركون بالتحليل والإستنباط أضرار الإرهاب العامة.
وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا]( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق العلم مما يملي على الناس الخشية من الله ، ومنها التعاون لإستئصال الإرهاب ، والتصدي لمقدماته بالمنع ، ومنه قطع شريان المال والإنفاق عنه.
ووردت النصوص ببيان رفعة منزلة العالم والترغيب بطلب العلم وتسخيره في طاعة الله .
وفي المرسل (عن مكحول قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العالم والعابد فقال : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم . ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( ) ثم قال إن الله وملائكته ، وأهل السماء ، وأهل الأرض ، والنون في البحر ، ليصلون ، على معلمي الخير)( ).
وتبعث الآية على التنزه عن الطمع وحب الدنيا واللهث وراء زينتها.
ومن خشية الله كف اليد عن الناس وأملاكهم ، وعدم بعث الخوف والرعب في نفوسهم.
قانون زيادة العلم فضيلة
قال تعالى [وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا]( )، وصحيح أن هذه الآية خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرد لفظ (زدني) في القرآن إلا فيها إلا أنها للمسلمين عامة ، وهي دعوة للناس جميعاً لإكتساب العلم والإرتقاء فيه وتسخيره في طاعة الله ، والسلم المجتمعي ، لعمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
وتبين الآية قانوناً وهو الإرتقاء العلمي بالدعاء وهو من إعجاز القرآن ، فصحيح أنه على الذي يريد العلم التحصيل والإجتهاد وترك الكسل والخمول وحياة الترف ، ولكن الدعاء أحد أبواب اكتساب العلوم ومن أقربها ، ومن زيادة العلم إزاحة الغشاوة عن البصر والبصيرة في ضلالة سبل الإرهاب والغواية فيها.
وهذا الإرتقاء سلاح وحرب على الإرهاب كقانون التضاد بين العلم والإرهاب ، إذ يزيح العلم والتحصيل مفاهيم الإرهاب ويكشف قبحه عنه.
ويدرك المتعلم قانون خلو الإرهاب من المصلحة ، وقانون منافاة الإرهاب للطف والرفق وقيل لم يؤمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطلب الزيادة إلا بخصوص العلم وهو من معجزات القرآن والسنة النبوية ، وتمام الآية هو [فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا]( ).
ومن إعجاز الآية عدم تقييدها الزيادة في العلم من عند الله فلم تقل (رب زدني منك علماً) لإرادة صفة الإطلاق بالزيادة في العلم من عند الله عز وجل ، وفضل الله في الإعانة على الكسب العلمي ، وتهيئة مقدماته والتفقه الواجبة فيه ، وإزاحة الموانع دونه.
و(كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً ، والحمد لله على كل حال)( ).
وهل يصح تقدير الآية بصيغة الجمع (وقولوا ربنا زدنا علماً) الجواب نعم .
لإرتقاء الأمة في العلوم الشرعية والعقلية وسلامة الأفراد من الجهل والتعدي والإرهاب .
وهل دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا]( )، خاص به أم أنه دعاء له ولأمته.
المختار هو الثاني ليفوز المسلمون بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، وترشح بركات هذا الدعاء في كل زمان ، وفي مختلف العلوم.
فلا غرابة أن تجد في كل زمان رهطاً من الفقهاء وعلماء التفسير وأحكام الشريعة .
وليتنزه المسلمون بالدعاء من الإرهاب وأضراره ، فهو آفة طارئة يلزم التعاون لحصرها.
وتتعدد وجوه التفسير بالتقدير في الآية منها :
الأول : وقل رب زدني وأمتي علماً .
الثاني : وقل ربي زدني علماً لقانون العلم رزق بيد الله يهبه لمن يشاء من عباده .
الثالث : وقل ربي زدني علماً أنتفع والناس جميعاً منه .
الرابع : وقل ربي زد أمتي علماً يكون واقية من الإرهاب .
الخامس : وقل رب زد أمتي تفتقهاً في الدين ، والنسبة بين الفقاهة والإرهاب هي التضاد .
قانون صلاة الخلائق على النبي (ص)
و(عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِى جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)( ).
وقد ورد الحديث أعلاه بالإطلاق والسعة في الصلاة على معلم الخير والصلاح حتى بالنسبة لأهل الأرض ، والدواب ، والحشرات بينما ورد قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
ليدل الجمع بين هذه الآية والحديث أعلاه على أن النملة في جحرها والحوت في الماء ، والدواب والطير يصلون على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة الخاتمة ولأنه المعلم الأول في تعليم الخير والصلاح ، ومحاربة الإرهاب والجاهلية.
وصلاة الله على النبي رحمة متصلة وتزكية من الله ، وصلاة الملائكة الثناء على النبي والدعاء له .
وصلاة الناس على النبي التصديق برسالته ، والعمل بأحكام الشريعة ، وقول اللهم صل على محمد وآل محمد .
(وأخرج ابن جرير عن طلحة بن عبيدالله قال : أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : سمعت الله يقول [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ]( )، فكيف الصلاة عليك.
قال : قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد)( ).
ومن اللطف الإلهي الأمر إلى المسلمين والمسلمات بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتسليم عليه تحية واجلالاً وثناء ، وشكراً على انتهاج سبل الهداية.
ومنه فضل الله عز وجل بقول كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في الصلاة على نحو الوجوب العيني [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، ومن معانيه اللهم تفضل بادامة هدايتنا وثباتنا على النهج القويم ، والعصمة من الظلم والنفرة من الإرهاب ، قال تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
قانون الصلاة على النبي إكرام للمسلمين
لقد تفضل الله عز وجل لبعث الأنبياء هداة مهديين ، لم يغادر كل واحد منهم الدنيا إلا بعد أداء الرسالة ، وشاء الله عز وجل أن يجعل الإسلام دين التوحيد الذي تلتقي عنده النبوات ، قال تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ]( ).
ونزلت الكتب السماوية بتوثيق جهاد الأنبياء الذي يتقوم بالبشارة والإنذار بلواء الصبر عند الشدائد والسلم والرفق بالناس ، قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ]( ).
وهل تحرم الآية أعلاه الإرهاب أم أنها خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب هو الأول .
ولقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بتغشي رحمة الله عز وجل له في الدنيا والآخرة ومنها الشفاعة وهو من مصاديق [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
وأمر الله المسلمين والمسلمات بالصلاة لتكون سنته الشريفة حاضرة في الوجود الذهني ، وبين أفراد المجتمع ، لتكون مدداً وعوناً في بناء صرح الإيمان بالتقوى والخشية من الله والتنزه عن الظلم والإرهاب.
ولا تختص الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والسلام عليه وعلى آله بأيام الصحابة إنما هو واجب على المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة بلحاظ صيغة الأمر المكررة التي في قوله (صلوا) (وسلموا تسليماً) وفيه مسائل :
الأولى : قانون الصلاة على النبي باعث للرحمة في النفوس .
الثانية : قانون الصلاة على النبي تذكير بصبره وزهده ، وتحريمه للإرهاب.
الثالثة : قانون صدور التسليم على النبي من منازل الهدى والرشاد.
ومع دلالة كل من (صلوا عليه وسلموا تسليما) على معاني مستقلة لكل منهما ، فلابد من وجود معاني أخرى للجمع بينهما وإفادة واو العطف الجمع والتداخل منها مثلاً :
الأول : قانون المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون التسليم بامامة وولاية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العامة ، قال تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ]( ).
الثالث : قانون الجمع بين الدعاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته ، وتحيته بتحية الإسلام .
الرابع : قانون نزول البركة بالجمع بين الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتسليم عليه .
الخامس : إرادة حضور ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أجيال المسلمين وإن غادر إلى الرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة للهجرة وكما تصلي النملة في جحرها والحوت في البحر على معلمي الناس الخير ، فانهم يصلون على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتعلم الناس منه الخير كل يوم من أيام الحياة الدنيا إلى يوم القيامة ، ومن هذا التعليم حرمة الإرهاب والبطش والتفجيرات والقتل العمد.
وذكر صلاة المسلمين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس مانعاً من صلاة غيرهم عليه ، فاثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره .

قانون الصلاة على النبي كنز يومي
الصلاة على النبي محمد سبحات في عالم الجلال وفيه صفاء للروح ، وانقطاع وابتعاد عن النفس البهيمية وحال السخط والغضب ، وهي من مصاديق المودة والحسنة في قوله تعالى [وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ]( ).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة يصلون عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب)( ).
ومن عنده حاجة وتضرع إلى الله بالدعاء فليقرنه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (من كانت له إلى الله حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد وآله ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة على محمد وآله، فان الله عزوجل أكرم من أن يقبل الطرفين، ويدع الوسط، إذا كانت الصلاة على محمد وآله لا تحجب عنه)( ).
وقد أكرم الله عز وجل المسلمين والمسلمات بأن هداهم للتصديق بالرسول محمد ، ويدعون له ، ويتبعونه في عبادته وطاعته لله عز وجل ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ).
ومن وجوه الإكرام للمسلمين والمسلمات في الآية جمع لفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله والملائكة والمسلمين والمسلمات ، بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
ثم قال تعالى [صَلُّوا عَلَيْهِ] وإن اختلف معنى الصلاة في الآية ، فهي من الله عز وجل رحمة , ومن الملائكة تزكية ومن المسلمين دعاء ، ولكن اللفظ متحد واضاف الله عز وجل على المسلمين وظيفة التسليم والتحية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
لبيان صفة العبودية وهو سور الموجبة الكلية الجامع بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والمسلمات في التحية بينهم ، لإرادة منع الغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولنشر ألوية السلم بين المسلمين والناس جميعاً .
لقانون النسبة بين السلم والسلام عموم وخصوص مطلق ، فالسلم أعم موضوعاً وحكماً وأثراً ، والإرهاب ضد السلم فهل هو ضد التسليم , الجواب نعم لتحريم الكتاب والسنة الظلم وإيذاء الناس في أبدانهم وأموالهم وترويعهم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن حسنات أخذ السئات صاحبه فحمل عليه)( ).
معجزة استدامة الصلاة على النبي إلى يوم القيامة
لقد تقدم قانون المعجزات المستحدثة والمتجددة للنبي محمد (ص) ( ) لبيان تجدد معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأشخاص في منهاج المؤمنين ومسارعتهم في الصالحات في كل جيل , مما يكون واقية من الإرهاب , ومنعاَ من انتشاره وافتتان الناس به.
ومن منافع الصلاة التهيئ والتذكير بوجوب الإبتعاد عن الإرهاب والطرق المؤدية إليه .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقوله تعالى [وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا]( )، إتصال وتوالي صلاة الله والملائكة والناس على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعد مغادرته الحياة الدنيا ، فهذه الصلاة مستمرة كل ساعة إلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق مجئ الآية بصيغة الفعل المضارع (يصلي) (يصلون) وصيغة الأمر (صلّوا عليه وسلموا تسليما).
و(عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي)( ).
وعن الإمام (الصادق، عن ابيه عليهما السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من زارني حيا وميتا كنت له شفيعا يوم القيامة)( ).
لتبعث هذه الصلاة واستمرارها السكينة في قلب المسلم ، وتمنعه من الظلم والتعدِي وليتجلى قانون منع الصلاة على النبي المسلمَ من الإرهاب لمنافاته للسكينة والطمأنينة التي تترتب عليها .
ترى لماذا قال الله [وَمَلَائِكَتَهُ] ولم يقل والملائكة ، الجواب لإفادة العموم الإستغراقي في شمول الملائكة ، ومنع الظن بأنهم ملائكة معينون ، ولبيان قانون السلطان المطلق لله عز وجل على الملائكة .
وهل تدل الآية على اتصال رحمة الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في النشأتين ، الجواب نعم .
ومنها الإذن له بالشفاعة العامة لأهل الكبائر من أمته فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)( ).
لبيان إختصاص قوله تعالى [فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ]( )، بالكفار وهو ظاهر من نظم الآيات لقوله تعالى [وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ]( )، والمراد من اليقين الموت.
و(عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يؤتى بأدنى أهل النار منزلة يوم القيامة فيقول الله له : تفتدى بملء الأرض ذهباً وفضة؟ فيقول : نعم إن قدرت عليه ، فيقول : كذبت ، قد كنت أسألك ما هو أيسر عليك من أن تسألني فأعطيك وتستغفرني فأغفر لك وتدعوني فأستجيب لك ، فلم تخفني ساعة قطّ من ليل ونهار ، ولم ترج ما عندي قط ، ولم تخش عقابي ساعة قط ، وليس وراءه أحد إلا وهو شر منه ، فيقال له [مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ] ( )، إلى قوله [حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ] ( )، يقول الله فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ( ).
ويبعث هذا الحديث المسلم على الإستغفار وسؤال الحاجات من الله والخشية من الله تعالى ، ورجاء ما عنده ، والخوف من عقابه .
وكل فرد من مضامين هذا الحديث زاجر عن الإرهاب وعن ترويع الناس وسفك الدماء ، وإنخرام الأعمار بما يزيد من الأرامل والأيتام ، ويؤدي إلى الحنق والكراهية والإثم.
لا أصل لحديث الأرض على ظهر حوت
ورد الحديث بالإسناد عن ابن عمرو في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (إِنَّ الأراضين بين كُلّ أرض والتي تليها مسيرة خمسمائه عام، والعليا منها عَلَى ظهر حوت قد التقى طرفاه في السَّمَاء، والحوت عَلَى صخرة والصخرة بيد الملك)( ).
كما ورد مثله عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ونعت بأنه حديث ضعيف وأنه موضوع .
وورد عن ابن عباس قال (إن أول شيء خلق الله القلم ، فقال له أكتب ، فقال : يا رب وما أكتب؟
قال : اكتب القدر ، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة .
ثم طوي الكتاب وارتفع القلم ، وكان عرشه على الماء ، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات .
ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه ، والأرض على ظهر النون.
فاضطرب النون ، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة ، ثم قرأ ابن عباس ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ( ).
وذكر في الحديث أعلاه أن الأرض على ظهر النون ، والنون هو الحوت ، وقال الحاكم : هذ حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
كما ورد مثله عن أبان بن تغلب في حديث معتبر سنداً أنه سأل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن الأرض عن أي شئ هي فقال (هي على حوت.
قلت: فالحوت على أي شئ هو؟ قال: على الماء.
قلت: فالماء على أي شئ هو؟ قال: على صخرة، قلت: فعلى أي شئ الصخرة؟ قال: على قرن ثور أملس ، قلت: فعلى أي شئ الثور؟
قال: على الثرى، قلت: فعلى أي شئ الثرى؟
فقال: هيهات عند ذلك ضل علم العلماء)( ).
فيقيد أبان سؤاله بأن الأرض لابد أن تكون مرتكزة إلى شئ وأن القول بأنها سابحة في الفضاء لايدركه عقله .
والقول بأن الأرض على حوت مخالف للعقل إلا أن يقال أن المراد من الحوت ملك عظيم وظيفته حمل الأرض ، والأصل أن الله عز وجل يمسك الأرض بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا]( ).
وهل تدل الآية أعلاه على أن الأرض سابحة في الفضاء بقدرة الله عز وجل ، الجواب نعم .
فلابد من استحضار علم الرواية والدراية في الحديث ، ولا تكفي صحة السند وحدها ، إذا كانت الرواية غريبة ، ومخالفة للعلم والتنزيل وللأحاديث الأخرى ، كما يمكن تأويل بعض الكلمات بما يتعذر على الأفهام إدراكها في زمان صدورها ، فيدل الحوت على الدوران لدورانه في الماء ويشير الماء إلى الفضاء الفسيح ، والصخرة إلى المجرة التي تنتمي لها الأرض .
والمراد من علم الحديث رواية متن ونص الحديث النبوي والسنة الفعلية والصحابي والصفة التي وردت إلينا عن طريق السند في الكتب المعتبرة ويضاف لها ما صدر عن أئمة أهل البيت عليه السلام والصحابة , وتحرير الفاظ الحديث وضبطه .
أما المراد من علم الحديث دراية فهو أحوال الراوة من جهة القبول والرد وعلم الرجال أي أنه يتعلق بالإسناد والطريق المؤدي إلى اثبات المتن ، وعلم الرجال وعلم الجرح والتعديل ، ومنه الحديث صحيح السند ، والمرسل ، والمقطوع ، وغريب الحديث .
ويتصف حديث الأرض على ظهر الحوت بأمور :
الأول : إنه حديث غريب .
الثاني : مخالفته لآيات القرآن ، وقد وردت أحاديث العرض وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب في بمنى فقال (أيها الناس ما جاءكم عني فوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف القرآن فلم أقله)( ).
الثالث : مخالفة هذا الحديث للنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت كما في الحديث المتقدم عن الإمام علي عليه السلام .
الرابع : هذا الحديث خلاف العقل إلا أن يؤول .
الخامس : إنه خلاف الإكتشافات العلمية الحديثة ويفتقر إلى دليل من عالم الإثبات فالأولى الإمساك عنه وعدم الوقوف عنده أو إثارته ، وإشغال المؤمنين به .
السادس : قاعدة طرح الحديث الغريب الذي يخالف الكتاب والسنة والعقل , فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام في إحدى خطبه في وصف الأرض (فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها أو تسيح بحملها، أو تزول عن مواضعها، فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها، فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا)( ).
ومن الإعجاز في الحديث أعلاه أنه لم يقل فسكنت عن حركتها ، بل قال على حركتها لإفادة استدامة انتظام سير ودوران الأرض حول نفسها بمعجزة في الخلق ، وختم الإمام عليه السلام حديثه بقوله تعالى [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى]( ).
والواجب الإمساك عن القطع بمثل هذا الحديث ، وعن الإهتمام بها وإبرازها وإظهارها واشغال الناس بها عن آيات العبادات والمعاملات والأحكام ، وعن التصدي للفتن والإرهاب خاصة وأنها معارضة باحاديث أخرى ، وقيل هو من الإسرائيليات.
وتكشف العلوم المستحدثة عن ضعفها ووهنها ، وانتفاء موضوعها في عالم الإثبات كما يمكن تأويلها برموز ومعاني أخرى .
وعلم الفلك من أوائل العلوم التي اعتنى بها البشر ، وموضوعه الأجرام السماوية ومواقعها وحركة سيرها ، والنظام الدقيق الذي تجري عليه ، ومنه مجرة درب التبانة التي تنتمي لها الأرض ، والشمس ، والمجموعة الشمسية ومئات الملايين من الكواكب والنجوم ، وسمته العرب درب التبانة من التبن الذي تحمله المواشي فيتساقط منه على الأرض كأذرع ملتوية مثل أذرع المجرة .
والتبن هو ما تهشم من سيقان القمح والشعير بعد درسه , ويطعم علفاً للماشية ، والمفرد ، تبنة.
قانون قصد القربة حجب للإرهاب
يدل قوله تعالى [مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]( )، على وجوب قصد القربة عند الإمتثال للأوامر والنواهي الإلهية ، وعلى هذا الوجوب إجماع علماء المسلمين .
وهو موافق للفطرة الإنسانية ، وشرط شرعي في متعلق الأمر والنهي ، وأمر إضافي مع الواجب المأمور به , وكأن الواجب أمر مركب من الإمتثال وقصد القربة ، ولكن قصد القربة فرع الإمتثال وجزء منه ، ليجتمع الأمر الإلهي وقصد القربة في الزجر عن الإرهاب والتعدي والجور ، وبيان (قانون وهو أن النواهي عن الإرهاب أكثر من أن تحصى).
ترى هل من صلة بين قصد القربة ولغة الحوار , أم أن قصد القربة أمر خاص بالعبادات , الجواب هو الأول لأن الحوار والإنصات للطرف الآخر مقدمة للعبادة وسبب للصفاء المجتمعي , وهو من مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ).
وهل قصد القربة قيد عقلي أم شرعي لصدق الإتيان بالمأمور به ، الجواب لامانع من الجمع بين الأمرين ، لبيان أن العقل والشرع ينهيان مجتمعين ومتفرقين عن الإرهاب ليستقرأ منه قانون مصاحبة النهي عن الإرهاب الناس من أيام أبينا آدم.
وهل تدخل النواهي في قوله تعالى [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( )، أم أن القدر المتيقن من الآية هو تعليم أسماء المسميات على نحو مجرد ، الجواب هو الأول ، فمثلاً هل علم الله عز وجل آدم اسم الزنا ، الجواب نعم ، وهل علمه أنه محرم ، أم وقف التعليم عند اسم الزنا فقط ، الجواب هو الأول وأن الله عز وجل علمه أنه محرم ، وكذا فان الله عز وجل علم آدم اسم الظلم والتعدي والإرهاب وسفك الدماء وأنه قبيح ومحرم ، ولم يعلم آدم أنه سيبتلى بقتل أحد ولديه الآخر قبل أن يغادر الدنيا .
وهو من معاني ودلالات الجمع بين التعليم والعرض بقوله تعالى [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ]( ).
فالاسم عرض ووصف وليس ذاتاَ يُعرض , فكان العرض للمسميات وحسنها أو قبحها .
وكيف أن آدم تفقه ويتفقه في معرفتها .
ولم يرد لفظ [الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ) في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان توارث ذرية آدم المعرفة .
قانون النصر في سورة
سورة النصر من آخر سور القرآن نزولاَ على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فهي سورة مدنية وإن كان نزولها في مكة لأن الضابطة المشهورة والمختارة في تقسيم سور القرآن إلى مكية ومدنية , أن ما نزل قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو مكي , وما نزل بعدها فهو مدني وهي آخر سورة نزلت دفعة ومرة واحدة , كما عن ابن عباس( ) ولها أسماء :
الأول : سورة النصر , وهو المكتوب في فهرست المصحف .
الثاني : سورة [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( ) بلحاظ قانون تسمية السورة باسم أول آية منها .
الثالث : سورة التوديع , كما قال عبد بن مسعود( ).
وقال عبد الله بن عمر : نزلت هذه السورة بمنى أيام التشريق.
وعاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدها ثمانين يوماَ أو نحوها( ) .
و (عن أبى سعيد قال: لما نزلت هذه الاية: ” إذا جاء نصر الله والفتح”( ) قرأها رسول الله صلى الله عليه وآله حتى ختمها، ثم قال: أنا واصحابي خير، والناس خير، لا هجرة بعد الفتح) ( ).
وموضوع سورة النصر هو فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالنصر والظفر والفتح , ولا يقدر عليه الناس فمع أدنى تفكر يدرك الإنسان أنه ما كان النصر ليتم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنه فتح مكة وسيادة الإسلام في أرجاء الجزيرة وإقامة الصلاة خمس مرات في مدنها وقراها لولا المدد والإعجاز واللطف من عند الله عز وجل .
فيجب على أجيال المسلمين الشكر لله عز وجل على هذه النعمة العظيمة , ومن مصاديق هذا الشكر الإمتناع عن العنف والإرهاب وإخافة الناس .
(روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أن عمر بن الخطاب كان يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم فقال عبد الرحمن بن عوف : أتأذن لهذا الفتى معنا ومن أبنائنا من هو مثله.
فقال : إنه ممن قد علمتم.
قال ابن عباس : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن قول الله سبحانه [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( )، الآية ولا أراه سألهم إلاّ من أجلي،
فقال بعضهم : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه.
فسألني فقلت : ليس كذلك ولكن أخبر نبي الله صلى الله عليه وسلم بحضور أجله ونعيت إليه نفسه ، فذلك علامة موته. فقال عمر : ما أعلم منها إلاّ مثل ما تعلم، ثم قال : كيف تلومونني عليه بعد ما ترون)( ).
كما ذكره سعيد بن جبير من غير أن يسنده إلى ابن عباس( ).
وأضاف سؤال عمر عن ليلة القدر إذ قال (كان عمر بن الخطاب يدني ابن عباس ، وكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فكأنهم وجدوا في أنفسهم فقال : لأريتكم اليوم منه شيئاً تعرفون فضله فسألهم عن هذه السورة [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( ).
فقالوا : أمر نبينا صلى الله عليه وسلم إذا رأى مسارعة الناس في الإِسلام ودخولهم فيه أن يحمد الله ويستغفره ، فقال عمر بن الخطاب : يا ابن عباس ما لك لا تتكلم .
فقال : أعلمه متى يموت . قال [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا]( ) فهي آيتك من الموت فقال عمر : صدق والذي نفس عمر بيده ما أعلم منها إلا ما علمت .
قال : وسألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها فقالوا : كنا نرى أنها في العشر الأوسط ، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر ، فأكثروا فيها.
فقال بعضهم : ليلة إحدى وعشرين ، وقال بعضهم : ثلاث وعشرين.
وقال بعضهم : سبع وعشرين .
فقال له عمر ما لك يا ابن عباس لا تتكلم .
قال : الله أعلم . قال : قد نعلم أن الله أعلم ، ولكني إنما أسألك عن علمك.
فقال ابن عباس : إن الله وتر يحب الوتر خلق سبع سموات ، وجعل عدد الأيام سبعاً ، وجعل الطواف بالبيت سبعاً ، والسعي بين الصفا والمروة سبعاً ، ورمي الجمار سبعاً ، وخلق الإِنسان من سبع ، وجعل رزقه من سبع .
قال : كيف خلق الإِنسان من سبع وجعل رزقه من سبع فقد فهمت من هذا شيئاً لم أفهمه .
قال : قول الله [َقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ]( )، إلى قوله [فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ]( )، ثم ذكر رزقه فقال [أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا]( )، إلى قوله [وَفَاكِهَةً وَأَبًّا]( )، فالأبّ ما أنبتت الأرض للأنعام والسبعة رزق لبني آدم قال : لا أراها والله أعلم إلا لثلاث يمضين وسبع يبقين)( ).
وولد ابن عباس في شعب أبي طالب (قبل الهجرة بثلاث سنين ، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن عشر، وهو ضعيف)( ).
وقد ورد عنه أنه في حجة الوداع قارب الإحتلام ، إذ ذكر في حديثه عن حجة الوداع (قال: جئت على أتانٍ والناس يصلون بمنى فمررت بين الصفوف حتى وجدت فرجة، فتركت الأتان ترتع ونزلت وصليت، وقد ناهزت الاحتلام حينئذٍ).
مع الإقرار العام بعلو منزلة عبد الله بن عباس في التفسير والحديث ورجوع كثير من الصحابة والتابعين إلى قوله وعلمه.
نزول سورة النصر إيذان بالوداع
من خصائص بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منعها الغلو في شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين والأئمة والسلاطين .
وما ذكر قصة فرعون ونمرود وطغيانهما في القرآن إلا موعظة للمسلمين والناس جميعاً ، وكذا لغة الوعد والوعيد في القرآن وإخباره عن وقوف الناس جميعاً بين يدي الله للحساب.
ونزلت آيات القرآن بالإخبار عن كون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبداً لله ورسولاً من عنده وأنه لابد أن يموت.
ومن إعجاز القرآن نزول أكثر من آية في الموضوع المتحد ، فالى جانب هذه الآية نزلت سورة النصر التي تتضمن الإشارة السماوية إلى قرب أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد وردت نصوص عن أهل البيت والصحابة تتضمن إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن دلالة هذه السورة بقرب أجله.
إذ (أخرج الخطيب وابن عساكر عن علي قال : نعى الله لنبيه صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزل عليه [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( ) فكان الفتح سنة ثمان بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما طعن في سنة تسع من مهاجره تتابع عليه القبائل تسعى فلم يدر متى الأجل ليلاً أو نهاراً ، فعمل على قدر ذلك فوسع السنن ، وشدد الفرائض ، وأظهر الرخص ، ونسخ كثيراً من الأحاديث ، وغزا تبوك ، وفعل فعل مودع)( ).
وأخرج (عن أم حبيبة قالت : لما نزلت [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( )، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله ، وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل ، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة ، فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي فتبسمت)( ).
و(عن الشعبي، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، قلت: يا رسول الله، إني أراك تكثر أن تقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك قال: “إني أمرت بأمر فقرأ: “إذا جاء نصر الله والفتح)( ).
و(عن ابن عمر قال : أنزلت هذه السورة [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فَرحَلت، ثم قام فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة)( ).
مما يدل على شيوع تأويل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للسورة بقرب مغادرته الدنيا ، ولم يكن هذا التأويل خافياً على كبار الصحابة ، خاصة وأنه إزداد شيوعاً بينهم بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لصدقه ومطابقته للواقع وحرص أهل البيت والصحابة على توثيق أقوال النبي ، وإخباره عن المغيبات .
لقد أراد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تهيئة الأمة لفراقه بضبط أحكام الشريعة ومنع الغلو في شخصه ، وبيان حرمة الإرتداد ، قال تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]( ).
واقامة الحجة بأن النبي محمداً حارب الظلم والإرهاب ، وكان يحرص على تبليغ وجوب الإمتناع عنه ، وعلى منافاته لمفاهيم الرحمة في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
قانون جزاء الإرهاب في الآخرة
من الإعجاز في قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( )، في الرد على الملائكة حينما تساءلوا عن وجود مفسدين في الأرض ومسفكين للدماء بغير حق ، ليخر الملائكة ساجدين لله عز وجل ، ومن علم الله الله عز وجل في المقام بعث الناس من قبورهم للحساب والجزاء يوم القيامة ، وقد نزل القرآن بذم الذين كفروا ، وبيان كثرتهم ، ومنه قوله تعالى :
الأول : [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ]( )، وقد تكرر قوله تعالى [أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ] خمس عشر مرة كلها في خاتمة الآيات بأستثناء واحدة منها ، قال تعالى [أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ]( ) .
الثاني : [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ]( ).
الثالث : [وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ * أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ]( ).
ويقيد الجمع بين الآيتين أعلاه من سورة البقرة أن النسبة بين الفاسقين والكافرين عموم وخصوص مطلق ، فالفاسقون هم الأكثر وهل فيه دلالة على وجود فاسق يعمل المنكرات بين المؤمنين ، الجواب لا ، لدلالة الآية على ذم الذين كفروا ، وبيان جمع طائفة منهم بين الكفر والفسوق.
ومنهم المنافقون ، ومن معاني هذا الجمع تحذير وإنذار المسلمين من الإرهاب فكراً وعقلاً وإضراراً بالناس ، لدلالة الآية على وجوب تعاهد المسلمين للعهود والمحافظة عليها.
الرابع : [إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ]( ).
لبيان وجوب شكر المسلم لله عز وجل ، ومن هذا الشكر العصمة من الإرهاب والعبث بالقوانين العامة للبلد وأمن أهله ، ومنه قيامه بدعوة الناس للشكر لله عز وجل على النعم.
وهل يشغل الإرهاب الناس عن الشكر له سبحانه ، الجواب نعم ، لبيان أضراره الجانبية العقائدية والنفسية ، ومن شكر المسلم لله عز وجل إجتناب إزهاق الأرواح ، والخسائر المادية في الأملاك الخاصة والعامة.
وعلى كل فرد منها حساب عسير يوم القيامة ، فينصرف عنها المسلم تنزهاً وحباً لله ، للنجاة من العقاب الأخروي.
وإذا كانت الحياة الدنيا دار قصاص على الجروح والدماء ، قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( )، وقبول الديات في قتل الخطأ ويجوز للمجني عليه أو وليه العفو ، ففي يوم القيامة يقف الناس للحساب العام .
و(عن ابن عباس . أن رجلاً أتاه فقال : أرأيت رجلاً قتل رجلاً متعمداً؟ قال [فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا]( )، قال : لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى .
قال : وأنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ثكلته أمه ، رجل قتل رجلاً متعمدا يجيء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره ، وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله ، تشخب أوداجهُ دماً في قبل العرش ، يقول : يا رب سل عبدك فيم قتلني)( ).
ويجوز في قتل العمد إبدال حكم القصاص بالدية إن رضي بها ولي الدم ، وله أن يعفو ، ولكن هل يدفع هذا العفو الحساب عن القاتل في الآخرة ، أم أن الآية أعلاه مطلقة سواء عفا ولي الدم أم لم يعف.
المختار هو الثاني ، خاصة وأن الذي عفا الولي وليس الذي إزهقت روحه وفارق عياله وأهله ، وعانى من شدة وطأة القتل .
وفيه إنذار ووعيد للمسلم وغير المسلم من سفك الدماء ، وقد ورد هذا التذكير بهذا الوعيد على لسان الملائكة يوم أخبرهم الله عز وجل بأنه [جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
فقد أشفق الملائكة على الذي يسفك الدماء بغير حق وعلى المقتول أيضاً ، والنسبة بين الإرهاب والقتل عموم وخصوص مطلق ، فالإرهاب أعم ويشمل التعذيب وترويع الناس وإتلاف الأموال والممتلكات ، وإرهاق بيت المال ، وخزينة الدولة من غير نفع يرتجى.
و(عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا.
فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)( )، أخرجه مسلم .
لبيان قانون أن القصاص يوم القيامة بالإقتطاع من حسنات الظالم والقاتل وان فنيت حسناته أخذ من سيئات المظلوم والمقتول والقيت على الظالم والقاتل ليساق إلى النار .
وهذه الأحاديث بيان للقرآن ، قال تعالى [وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا]( ).
ولو كان المظلوم والمقتول من أثر الإرهاب كافراً فهل يقتص من القاتل إن كان مسلماً ، الجواب نعم ، بما هو من علم الله ، والكيفية الأخروية ونواميس دار الحساب والعقاب لقانون إطلاق أدلة القصاص من الظالم في الآخرة .
قانون نهي النبي (ص) عن الظلم والإرهاب
لقد كانت السنة النبوية القولية مرآة للقرآن ، والذي من إعجازه التأكيد على أمور في المقام :
الأول : قانون قبح الظلم .
الثاني : قانون حرمة الظلم .
الثالث : ضروب ومصاديق للظلم ، كما في ظلم فرعون وجنوده ، ونمروذ وعتو قريش في قتالهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : قانون الآثار الضارة للظلم على الظالم والمظلوم وغيرهما.
الخامس : قانون التضاد بين النبوة والإيمان وبين الظلم .
السادس : قانون سوء عاقبة الظالمين ، قال تعالى [مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ]( ).
ومن إعجاز القرآن قانون بقاء باب التوبة مفتوحاً للظالمين والناس جميعاً ، قال تعالى وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
ومن الإعجاز في السنة النبوية في المقام أمور :
الأول : تكرار تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للآيات التي تنهى عن الظلم ، وتبين سوء عاقبة الظالمين .
الثاني : تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الآيات .
الثالث : قانون تنزه وعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الظلم.
الرابع : قانون إنذار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عن الظلم.
الخامس : الوعيد للمشركين من الظلم .
وتضمنت السور المكية والمدنية هذا الوعيد ، ومن الآيات المكية قوله تعالى [فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا]( ).
إذ تنزل الملائكة بالوحي والتنزيل إلى الأنبياء فيكون ذكراً للمؤمنين وعامة الناس ، ويكون إنذاراً ووعيداً للذين كفروا والظالمين .
ووردت أحاديث قدسية عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تزجر عن الظلم .
كما ورد عن أنس قال (عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما ، قال : تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه)( ).
و(عن ابن مسعود قال : بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفاً ، فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه ، وإن فاه لرطب بها إذا وثبت عليه حية.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقتلوها فابتدرناها فذهبت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وقيت شركم كما وقيتم شرها)( ).
لبيان إجتناب المسلم إيذاء غيره من الإنس من باب الأولوية القطعية ، وهل يختص العقاب على الظلم والإرهاب بعالم الآخرة أم قد تقدم العقوبة في الدنيا .
المختار هو الثاني ، وقد تكون عقوبة الدنيا محدودة وهي مقدمة وتذكير بعقوبة الآخرة التي تتعلق بحقوق الناس ، لبيان وجوه :
الأول : قانون وجوب الإحتراز من الظلم .
الثاني : قانون الإرهاب ظلم ، ليكون وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : سوء عاقبة الظلم .
الصغرى : الإرهاب ظلم .
النتيجة : سوء عاقبة الإرهاب.
الثالث : قانون حتمية الندم على الإرهاب.
السادس : كثرة الأحاديث النبوية في خصوص قبح الظلم من جهات :
الأولى : أحاديث النهي عن الظلم والتعدي.
الثانية : قانون النهي عن الظلم لقبحه الذاتي .
الثالثة : قانون البعث على الخشية من دعاء المظلوم .
و(عن خزيمة بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام ، يقول الله : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
وأخرج أحمد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً ، فإنه ليس دونها حجاب)( ).
قانون نهي الخبر القرآني عن الإرهاب
من إعجاز القرآن مجئ الجملة الخبرية بمعنى الأمر للأدنى ، أو السؤال والرجاء للأعلى ، وقد تفيد الجملة الخبرية الوجوب وهي مثل صيغة (افعل) وما شابهها .
ومن الفرق بين الجملة الإنشائية والخبرية أن الإنشائية لا تحتمل الصدق والكذب إذ يحصل مضمونها عند التلفظ بها كما في قوله تعالى [ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ]( )، والذي يتضمن الأمر ثم النهي في آن واحد.
أما الجملة الخبرية فتفيد الإخبار عن حصول شئ فانها تحتمل الصدق والكذب ، ولكنها في التنزيل والسنة لا تحتمل إلا الصدق لذا قد تكون بمعنى الأمر والنهي .
وهو من إعجاز القرآن وسعة علوم اللغة العربية وبلاغتها والحقيقة والمجاز والتصريح والكناية.
ومن المقاصد السامية للجملة الخبرية في القرآن :
أولاً : البشارة .
ثانياً : الإنذار .
ثالثاً : الوعد .
رابعاً : الوعيد .
خامساً : الأمر والنهي .
سادساً : القسم والبيان .
سابعاً : البعث على العمل الصالح.
ثامناً : الثناء على الأنبياء والذين آمنوا .
تاسعاً : ذم الذين كفروا .
ومنه بيان قبح الظلم والتعدي والإرهاب قال تعالى [فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، فلابد من استئصال الظلم وأسبابه ، وهلاك أهله ، وفيه إنذار من التعدي ومزاولة الإرهاب وإخافة عامة الناس .
وليس من حصر للجملة الخبرية في القرآن وقد تأتي أربع أو خمس جمل خبرية في آية واحدة .
ومنها ما تتضمن التذكير بعالم الآخرة ، وجعله حاضراً في الوجود الذهني للمسلم ، كما في قوله تعالى [رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ]( ).
إذ تتضمن الآية جمل إخبارية متعددة بحسب النحو والبلاغة والمضمون العقائدي ، وهو الأهم في المقام وفيه وجوه :
الأول : قول المسلمين (ربنا) على نحو التوسل والتضرع والدعاء ، والرب في الأصل من التربية ، وإرادة انشاء الشئ حالاً بعد حال.
ويأتي الرب بمعنى المالك كما في قول : رب الإبل ، وبمعنى القائم بالأمور ، المتولي لها ، قال لبيد :
وأهلكن يوماً ربَّ كندة وابنَهُ … وربَّ معدٍّ بين خَبْتٍ وعَرْعَرٍ
ومما جاء بمعنى الملك قوله النابغة :
تخبُّ إلى النعمان حتّى تنالَهُ … فدى لك من ربٍّ طريفي وتالدي)( ).
فمن معاني (الرب) الملك.
وفي التنزيل حكاية عن يوسف عليه السلام وخطابه لخادم الملك الذي كان معه في السجن [ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ]( ).
وفي معركة حنين عندما باغتت هوازن وثقيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ وَرَأَى مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكّةَ الْهَزِيمَةَ تَكَلّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الضّغْنِ.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ : لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ وَإِنّ الْأَزْلَامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ . وَصَرَخَ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ وَهُوَ أَخِيهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ مُشْرِكٌ فِي الْمُدّةِ الّتِي جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلَا بَطَلَ السّحْرُ الْيَوْمَ فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ اُسْكُتْ فَضّ اللّهُ فَاكَ فَوَاَللّهِ لَأَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ)( ).
وقال (ابن عباس في شأن عبد الله بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان : وإن كان لابد لأن يربني رجل من بني عمي أحبّ إليّ من أن يربني غيرهم)( ).
والله عز وجل هو المالك والملك ومسبب الأسباب ، والمتولي لشؤون الخلائق ومنها مصالح العباد ، وبيده مقاليد الأمور ، ومفاتيح الخير والفلاح ، فتفضل وأنزل قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
وأمر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والمسلمات بقراءتها في الصلاة اليومية إذ أنها الآية الثانية من سورة الفاتحة.
فمن إعجاز نظم القرآن وموضوعية الحمد لله فيه مجيؤها بعد البسملة مباشرة .
الثاني : إرادة بعث الناس جميعاً من القبور ، وحشرهم في عرصات القيامة ، وتفيد الألف واللام في الآية العموم الإستغراقي ليشمل الحشر آدم وحواء وجميع ذريتهما إلى يوم ينفخ في الصور.
و(روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه رده الله عليه [رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ]( )، اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين مالي إنك على كل شيء قدير)( ).
وقد ورد لفظ (جامع) ثلاث مرات في القرآن ، والثانية قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا]( )، ليكون بين الآيتين عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء جمع الناس في يوم القيادة .
أما مادة الإفتراق فيتعلق موضوع آية البحث بيوم الحشر ، أما الآية أعلاه فتحص أصحاب الجحيم .
فقد يظن بعضهم أن المنافقين لا يحشرون في النار لأنهم نطقوا بالشهادتين فلا يصبحون أقراناً للكافرين في النار فاخبرت الآية عن حكم من الإرادة التكوينية ، وفيه تحذير من الكفر والنفاق وظلم النفس والغير.
أما الآية الثالثة فقد تضمنت الثناء على المؤمنين بقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ]( ).
وليس من إذن من الله ورسوله بالإرهاب وترويع الناس ونشر الإخافة العامة.
قانون الإنفراد بالمعجزة العقلية معجزة مستقلة
لقد أنعم الله سبحانه على أهل الأرض كافة والأنبياء على نحو الخصوص بالمعجزة وهي الأمر القاهر والخارق للعادة الذي يعجز الناس عن الإتيان بمثله وينبهرون منه لتكون شاهداً من علم الغيب على صدق النبوة ، والمعجزة على شعبتين :
الأولى : المعجزة الحسية : وهي أمر ظاهر للحواس كالبصر والسمع ، وخارق للنواميس الكونية على نحو محدود ومؤقت يجري على يد النبي والرسول لقانون الملازمة بين النبوة والمعجزة ، فمن يدّعي النبوة صادقاً يأتي بالمعجزة لوجوه :
الأول : قانون المعجزة لطف من عند الله .
الثاني : التخفيف عن النبي ، وكتابة سلامته لقانون المعجزة واقية للنبي.
الثالث : اعانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله لقانون المعجزة مدد وعون للنبي .
الرابع : قانون تيسير دخول الناس الإسلام بالمعجزة ودرء حبائل ومكر المشركين ، وهذا الوجه من أهم منافع المعجزة.
الخامس : قانون تذكير المعجزة بالله عز وجل .
السادس : هل تتضمن المعجزة النهي والزجر عن الإرهاب ، الجواب نعم ، وهو من فضل الله عز وجل على الناس.
إذ تدعو المعجزة إلى السلم والأمن ، والخشية من الله عز وجل والتفكر في عالم الخلق ، ووجوب عبادة الله ، وتلقي الأوامر والنواهي الشرعية من النبي صاحب المعجزة بالتصديق والإمتثال ، وإن لم يكن النبي رسولاً صاحب شريعة مبتدأة .
السابع : قانون المعجزة دعوة سماوية للتوبة ، وبرهان وحجة على المشركين ، وكثيرة هي معجزات الأنبياء ، منها سفينة نوح ، وناقة صالح ، وعصا موسى ، ومنه قوله تعالى [فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ]( ).
و(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى حين انفلق البحر؟ قلت : بلى . قال : اللهم لك الحمد وإليك المتكل وبك المستغاث وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال ابن مسعود : فما تركتهن منذ سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم)( ).
وعند معجزات عيسى عليه السلام بابراء الأكمه والأبرص وإحياء عدد من الموتى باذن من عند الله .
الثانية : المعجزة العقلية : وهي التي تخاطب العقول ، ويتجلى إعجازها بما تبعثه من التفكر والتدبر ، ولا تنتهي المعجزة العقلية بأوان نزولها أو حدوثها إنما هي باقية على نحو الدوام ، والقرآن هو المعجزة العقلية التي تطل على العقول تخاطبهم كل صباح ومساء ، وتدعوهم للإيمان ، ونبذ الظلم والجور والإرهاب.
معجزة صيرورة الصفا والمروة ذهباً
الصفا هو أحد جبلي المسعى في الحج جمع صفاء ، وهي الصخرة الملساء المختلطة بالحصى والرمل ، وقد ذكر الله عز وجل الصفا في آية واحدة من القرآن وفي سورة مدنية هي سورة البقرة بقوله تعالى [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]( ).
ويبدأ السعي من جبل الصفا ، الذي يقع في الجهة الجنوبية من البيت باتجاه الشرق على بعد 130م من الكعبة الشريفة .
ومن علل تسمية جبل الصفا أن آدم صفي الله وقف عليه ، فسمي به ، وأن حواء وقفت على جبل المروة فأنث وسمي المروة .
والسعي اصطلاحاً هو قطع المسافة بين الصفا والمروة سبع مرات سواء في الحج الواجب أو المندوب ، وفي عمرة التمتع أو العمرة المفردة.
وطول المسافة بين الجبلين نحو 394 متراً ويكون مجموع الأشواط السبعة للسعي 22758متراً بلحاظ أن السعي من الصفا إلى المروة شوط ، والرجوع من المروة إلى الصفا شوط آخر.
وشرع السعي من أيام إبراهيم عليه السلام وهاجر وابنهما إسماعيل عليه السلام .
و(عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى ، قالوا: كان يُبْرِئُ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى.
فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصَّفا ذَهَبًا. فدعا ربه، فنزلت هذه الآية [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ]( ) فليتفكروا فيها)( ).
لقد كانت معجزات النبي محمد الحسية والعقلية تترى بين ظهراني قريش ، ولكن المشركين يريدون معجزة مخصوصة ، تتعلق بمصالحهم وحسب زمانهم ، وكانت قريش أهل تجارة ، فلم يسألوا مثل معجزة موسى وعيسى عليهما السلام إنما سألوا جعل جبل الصفا ذهباً.
ترى لماذا لم تسأل قريش النبي محمداً أن يكون جبل المروة ذهباً ، الجواب لأن جبل الصفا أكبر وأعلى طمعاً منهم وللدلالة على إقرارهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجريان المعجزة على يديه ، وفي هذا السؤال مسائل :
الأولى : عدم وجود حاجب أو حاجز بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين .
الثانية : شيوع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واضطرار المشركين لسؤال المعجزة .
الثالثة : إرادة المشركين الإنتفاع الدنيوي من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أما المؤمنون فيبتغون الآخرة ، فيتخذون الصبر على الأذى سلماً وصراطاً إلى الجنة ، ويجتنبون الظلم والإرهاب .
الرابعة : ذات جبلي الصفا والمروة من شعائر الله فلا يجوز إزاحتهما ، وبه نزل القرآن .
الخامسة : استجاب الله عز وجل لقريش بصيرورة جبل الصفا ذهباً لكسروه بالفؤوس ، وتقاتلوا عليه ، وغلبت عليه قبائل العرب ، وقالوا إنه سحر ، وانشغلوا به .
السادسة : لقد أنعم الله عز وجل على قريش وعامة أهل مكة بأن جعل موسم الحج في كل عام ذهباً من جهة الموارد والمكاسب المالية والعقائدية والإجتماعية والأخلاقية.
وقد منعت قريش المسلمين من الحج والعمرة في صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة وكان عدد الصحابة الذين مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ألفاً وأربعمائة ، ونزل قوله تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ]( ).
لتأتي السنة السابعة وفيها عمرة القضاء ، وتأتي السنة الثامنة للهجرة ويكون فيها فتح مكة من غير قتال يذكر ليدخلها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرة آلاف من الصحابة ، وهذه المضاعفة في أعداد الصحابة في مدة سنتين فقط من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأنهم زحفوا للفتح واحتمال وقوع القتال مع المشركين .
لتأتي السنة العاشرة للهجرة فيقدم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة في حجة الوداع مائة ألف من الصحابة ، وهي معجزة أكبر وأعظم من معجزة المضاعفة في العدد بين صلح الحديبية وبين فتح مكة مع الإتحاد والتشابه في المدة وهي سنتان بين كل منهما .
ولبيان موضوعية ومنافع الصلح ، وكون هذه المنافع على أقسام منها العاجلة والآجلة ، وفتح أبواب للناس لدخول الإسلام ، وإزاحة الموانع عنه ، لبيان أن العنف والإرهاب لايحقق أي مكاسب إنما يجلب الأذى والضرر ، ويكون سبباً في إرجاء وتعطيل المنافع.
قانون آيات الذين آمنوا سلام متجدد
ورد نداء الإكرام للمسلمين [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين في القرآن ، كلها في بدايات الآيات باستثناء قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
لبيان المراد من الذين آمنوا وهم عموم الذين نطقوا بالشهادتين ، من الرجال والنساء ، وبينهم وبين المؤمنين عموم وخصوص مطلق فالمؤمنون أخص .
وتتضمن آيات نداء الأحكام التشريع والبعث على عمل الصالحات وإجتناب ما نهى الله عنه ليكون كل مسلم أمام إختبار وجوب الصلاح ، ومنه الإبتعاد عن الإرهاب .
كما ورد ذات النداء ولكن بصيغة الجملة الخبرية عشر مرات في القرآن وتتضمن البعث على الصالحات وهي :
الآية الأولى : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الآية الثانية : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ]( ).
الآية الثالثة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
الآية الرابعة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا]( ).
الآية الخامسة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا]( ).
الآية السادسة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( ).
الآية السابعة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ]( ).
الآية الثامنة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ]( ).
الآية التاسعة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ]( ).
الآية العاشرة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ]( ).، وهناك آيات ذكرت الذين آمنوا وعملوا الصالحات من غير أن تبدأ بحرف التأكيد (إن) مثل :
الأول :قوله تعالى [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ) .
الثاني : قوله تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ) .
الثالث : قوله تعالى [وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]( ) .
الرابع : قوله تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا]( ) .
الخامس : قوله تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا]( ) .
وغيرها ، ويختص هذا البحث بخصوص الآيات العشرة أعلاه .
الآية الأولى من آيات [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا]
وهو قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
فقد ذكرت أربع خصال حميدة وهي :
الأولى : الإيمان بالله ورسوله والمعاد ، وهو الأصل وعلة الخلق ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
وتبين الآية مرتبة الإيمان بالله ، والتصديق برسوله ، وما ورد في التنزيل لموضوعية الإعتقاد وأعمال القلوب في وظائف الإنسان في الدنيا بالإيمان بالربوبية المطلقة لله عز وجل ، والإمتناع عن دبيب الشك في النبوة أو في البعث والوقوف بين يدي الله عز وجل .
ويلزم الإستعاذة من الشيطان و(عن أبي سعيد قال : كان رسول الله إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا غيرك ، ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) ( ).
الثانية : عمل الصالحات ، والصالحات جمع الصالحة أي عملوا الأعمال الصالحة ، وهي التي ترضي الله عز وجل ويُتقرب بها إليه سبحانه من الإمتثال للأوامر ، وإجتناب النواهي ، وقدمت الآية الإيمان لوجوب صدور الفعل العبادي عن عقيدة التوحيد ، وبقصد القربة إلى الله عز وجل والتنزه عن الشرك.
الثالثة : إقامة الصلاة ، لوجوبها وهي عمود الدين ، وركن من أركان الإسلام ، لقانون الملازمة بين الإيمان والصلاة ، من يوم خلق الله عز وجل آدم وإلى يوم القيامة فاتخذها النبي محمد في بدايات الوحي والتنزيل دعوة عملية للإسلام إذ كان يقف في البيت الحرام ويركع ويسجد بمرآى ومسمع من قريش ، ليقف خلفه الإمام علي عليه السلام وخديجة ، ويصلي الصحابة الآخرون خفية من بطش رؤساء قريش.
وقد يخرجون إلى بطحاء مكة للصلاة وتدارس ما نزل من القرآن وما فيه من الإعجاز والوعد والوعيد ، ويدركون أن عاقبة الصلاة الوعد بالجنة وان الذي يحاربهم من الكفار والمفسدين والمجرمين والفاسقين يتوجه إليه الوعيد بالنار ، كما في سورة العصر [إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]( ).
الآية الثانية من آيات [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا]
وهي الآية التاسعة من سورة يونس [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ] ( )ولم يرد لفظ [بِإِيمَانِهِمْ] إلا في آية البحث ، وورد لفظ [جَنَّاتِ النَّعِيمِ] سبع مرات في القرآن منها ما ورد بخصوص موضوع البحث ، وهو الإيمان وعمل الصالحات كما في قوله تعالى [الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ] ( )، وكذا في الآية الثامنة من سورة لقمان .
كما ورد لفظ جنة النعيم بالمفرد بقوله تعالى [وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ] ( )وكذا في جنة المأوى بصيغة المفرد [عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى] ( ).
وبصيغة الجمع [أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( )، لبيان تعدد الجنان وأن الألف واللام قد ترد في النعيم ، والمأوى ، لبيان كثرة الجنان وإرادة المعنى اللغوي للجنة .
ومن معاني النعيم لين وطيب العيش ، والأمن والطمأنينة والسعادة ، وتتخلف معاني النعيم هذه عن أي فرد من أفراد النعيم الأخروي والتي لا تعد ولا تحصى .
وعن ابن عباس قال ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لمّا خلق الله جنة عَدْن، خلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ثم قال لها: تكلمي.
فقالت { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ })( ).
ومن أسباب الفوز بالفلاح طاعة الله والإمتناع عن الفتنة والإفتتان بالإضرار بالناس .
ومن معاني تعدد ذكر صفات النعيم في القرآن وبصيغة المفرد والجمع .
وإذا كان العمل الصالح يقود إلى اللبث الدائم في جنت النعيم فان الإرهاب ضد للعمل الصالح ، فيكون حاجباً دون بلوغ النعيم ، لما فيه من الظلم والتعدي وسفك الدماء .
ولا ينحصر الأمر بالحرمان من النعيم الأخروي والذي هو غاية أولي الألباب بل تكون عاقبة الظلم والإرهاب العقاب .
وقد ذكرت الآية عمل الصالحات بصيغة الجمع ، فهل تخص المسلمين مجتمعين ، أم لابد لكل مسلم ومسلمة من عمل الصالحات على نحو التعدد والتكرار.
الجواب هو الثاني ، وتقدير الآية : إن الذي آمن وعمل الصالحات ، وحتى مع القول بصيغة المفرد وعمل صالحاً ، فانه هنا يحمل على اسم الجنس ، وقد جعل الله عز وجل ساعات وأيام الحياة الدنيا وعاءً زمانياً للعمل الصالح ، والمبادرة إليه والتسابق فيه.
ومن خصائص هذا التسابق الإعراض والعزوف عن الإرهاب والظلم ، ونفرة النفس منه .

الآية الثالثة من آيات [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا]
قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ) .
ولم يرد لفظ [أَخْبَت] أو [وَأَخْبَتُوا] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، والإخبات الخشوع والتسليم وتفويض الأمور إلى الله ، والطمأنينية إلى ذكره تعالى.
وجاءت هذه الآية وفق نظم القرآن بعد عدة آيات في ذم الذين كفروا.
وأختتمت بتأكيد سوء عاقبتهم بقوله تعالى [لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ] ( )ومن مصاديق خسارة الكافر والظالم يوم القيامة:
الأول : الحشر أعمى وأبكم وأصم ، قال تعالى [وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا..] ( ).
الثاني : قانون طول وقوف وعكوف الكافرين في عرصات يوم القيامة .
الثالث : شدة العطش والجوع ، وكأنهم يقفون لسنوات ، ولم يؤذن لهم بالإقتراب من حوض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند حلول مرحلة الحوض .
الرابع : شدة الحساب ، وعجز الكافرين عن النطق ، ولقيام الحجة عليهم ، قال تعالى [الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ]( ).
الخامس: قانون إنعدام الشفاعة للكافرين ، وعجزهم عن الإفتداء .
السادس : قانون سوق الكافرين إلى النار كقطعان الماشية ، يصاح بهم ، وينهرون بغلظة .
السابع : قانون إقامة الكافرين والظالمين في النار ، مع شدة العذاب فيها ، قال تعالى [كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
لقد نزلت آية البحث لتخبر عن حسن حال المؤمنين الذين يعملون الصالحات في الآخرة جزاء لجمعهم بين الإيمان وعمل الصالحات ، لتأتي الآية التي بعدها ببيان التباين والتضاد بين حكمة وصلاح المؤمنين وحسن إختيارهم وبين جهالة وضلالة الكافرين بقوله تعالى [مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ]( ).
وعلى المسلم التفقه في أمور الدين والدنيا بأن يدرك قبح الظلم والإرهاب ومنافاته لسنن الإيمان والصلاح فيبتعد عنه.

مسائل في الخلافة
لقد تسأل الملائكة عن جعل الإنسان [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، مع وجود [مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، وفيه مسائل :
الأولى : لم تذكر الملائكة الشرك بالله .
الثانية: لم تذكر الملائكة إغواء الشيطان للإنسان .
الثالثة : ما هي النسبة بين الخلافة في الأرض وبين الفساد في الأرض .
الرابعة : هل الإرهاب من الفساد الذي ذكرته الملائكة .
أما المسالة الأولى فتحتمل وجوهاً :
الأول : عدم معرفة الملائكة بحصول الشرك في الأرض، لذا قالوا [قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا] ( ).
الثاني: لا يستبق إلى أذهان الملائكة وجود خلق يشرك بالله .
الثالث : من علامات الحقيقة التبادر ، إذ يتبادر أذهان إلى الملائكة إنتفاء الشرك في مقامات الخلافة في الأرض .
الرابع : قياس الأولوية ، فاذا كان الملائكة لا يفتر أي واحد منهم عن عبادة الله عز وجل وهم ليسوا خلفاء في السماء ، فمن باب الأولوية أن الخلفاء في الأرض يجتهدون في طاعة الله ، ولا يفترون عن عبادة الله عز وجل ، فلذا تساءلوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية الكريمة.
وأما المسألة الثانية فان الملائكة نسبت الإفساد إلى الإنسان لأنه الذي يباشره ، وهو الذي يبوء باثمه ولإقامة الحجة عليه عند الله ، ولقانون الخلافة في الأرض زاجر عن الفساد ، وقانون الخلافة في الأرض مانع من الإرهاب ، ولقد كان إبليس مع الملائكة ، مجتهداً في العبادة وعن الإمام جعفر الصادق قال (ركعتين ركعهما في السماء في أربعة آلاف سنة) ( ).
وكان تساؤل الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، قبل امتناع إبليس عن السجود لآدم ، وهل كانت الملائكة تعلم أنه سيهبط إلى الأرض مطروداً من رحمة الله ، المختار لا ، فبعد أن علّم الله عز وجل آدم الأسماء وأخبرها الملائكة أمرهم أن يسجدوا له ، فسجدوا طاعة لله عز وجل ، وأبى إبليس ، قال تعالى [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ]( ).
أما المسألة الثالثة فان النسبة بين الخلافة والفساد هي التباين
والتضاد ، ومن الشكر لله عز وجل على نعمة الخلافة وجوب الإمتناع عن الفساد ، والتعاون في هذا الإمتناع لذا جعل الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات العبادية ، وبتركه تشيع الجهالة ويكثر الفساد والظلم ، ويظهر الفسوق وجهه القبيح ، قال تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
ويدل نزول أول آية من القرآن بوجوب التعلم بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، على ضرورة التعليم والتكافل فيه ، ومنع الجهالة والغرر ، وإتخاذه سلاحاً للوقاية من إغواء إبليس في فعل المنكرات .
والنسبة بين العلم والإرهاب هي التضاد ،وكلما ارتقى الإنسان في ميادين العلم تنزه عن الإضرار بالناس ، وامتنع عن قتل نفسه والغير ، إذ يدرك معه قبح الظلم ، وعدم الحاجة إليه.
وعن أبي بكر أنه قرأ (هذه الآية [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ]( )، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا رأى الناسُ المنكر فلم يغيِّروه ، والظالم فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب)( ).
وأما المسألة الرابعة فان الإرهاب وسفك الدماء بغير حق وترويع الناس من الفساد المركب ، فلابد من إجتنابه ، وصرف الشباب عنه وعن الميل إلى مفاهيمه بالنصح والموعظة ، والتعليم ، والغلبة على الفقر والبطالة .

التضاد بين عمل الصالحات والإرهاب
ترى ما هي النسبة بين عمل الصالحات وبين الإرهاب ، الجواب هو التضاد ، فلابد للمؤمن الذي يسعى للأجر من عند الله عز وجل ، التنزه عن الإرهاب ، والإبتعاد عن مقدماته والشبهات وأسباب الدنو من فعله وما فيه من الأضرار.
وهل تحتمل الآية الخلط والجمع بين عمل الصالحات وضدها في قوله تعالى [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا]( )، الجواب لا.
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : وعملوا الصالحات من الواجبات والمستحبات ، لذا ذكرت الآية السابقة الصدقات على نحو الإطلاق .
الثاني : وعملوا الصالحات وأهمها الفرائض العبادية .
الثالث : وعملوا الصالحات من مقامات الإيمان وإرادة مرضاة الله عز وجل .
الرابع : وعملوا الصالحات مجتمعين ومتفرقين .
الخامس : وعملوا الصالحات وأحسنوا إلى غيرهم من الناس .
السادس : وعملوا الصالحات وأفعال الخير ، والبر والرفق الناس .
وكل فرد منها ضد للإرهاب وزاجر عنه.
السابع : وعملوا الصالحات في حال السراء والضراء .
الثامن : وعملوا الصالحات حباً لله عز وجل ورجاء الأجر والثواب .
التاسع : وعملوا الصالحات وامتنعوا عن السيئات .
العاشر : وعملوا الصالحات فيرثها الأبناء .
الحادي عشر : وعملوا الصالحات وامتنعوا عن الظلم والإرهاب ، قال تعالى [وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] ( ).
الثاني عشر : وعملوا الصالحات التي جاء بها القرآن والسنة .
الثالث عشر : وعملوا الصالحات رجالاً ونساءً ، قال تعالى [وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا] ( ).
الرابع عشر : وعملوا الصالحات ليكونوا في أمان وحرز في الحياة الدنيا.
الخامس عشر : وعملوا الصالحات ليفوزوا بحب الله لهم ، قال تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
السادس عشر : وعملوا الصالحات ليزيدهم الله إيماناً ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ..] ( ).
السابع عشر : وعملوا الصالحات رجاء المغفرة والتوفيق من عند الله عز وجل .
الثامن عشر : وعملوا الصالحات بالصبر على الأذى ، ومنه الصبر على أذى الجار ، وإماطة الأذى عن الطريق.
و(عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ)( )، ليكون من باب الأولوية الإمتناع عن نشر الأذى والفزع في الطرق العامة بالإرهاب وترويع الناس .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار عمل وكسب وإمتحان ، وقرّب الناس من الإيمان ، قال تعالى [إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ] ( )ولم يرد لفظ [يَصْعَدُ] [الْكَلِمُ الطَّيِّبُ][ الْعَمَلُ الصَّالِحُ] [يَرْفَعُهُ] في القرآن إلا في آية البحث ، نعم ورد لفظ (يصعّد) بالتشديد في ذم الكافر الذي يتخلف عن الإيمان بعناده ، ويجد صعوبة في قبول المعجزات ، ومفاهيم الإيمان مع تجليها بوضوح .
قانون بشارة الإيمان مانع من الإرهاب
لقد تضمنت آيات القرآن البشارة للذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح بقوله تعالى [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ) .
ومن إعجاز القرآن مجئ آيات بالبشارة بالجنة على أقسام :
الأول : البشارة للذين آمنوا في قوله تعالى [أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ] ( ) .
الثاني : البشارة للذين آمنوا وعملوا الصالحات كما في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ] ( ).
الثالث : مجئ التفصيل والعطف المتكرر كما في آية البحث باضافة [وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ] ( ) .
وتحتمل النسبة بين هذه الأقسام وجوهاً :
الأول : أصالة الإطلاق ، وكفاية وصف الإيمان مثلاً في الأجر والثواب.
الثاني : إرادة تقييد الإطلاق ، وأن الإيمان لابد أن يقترن بالعمل الصالح ، كما يلزم صدور فعل الصالحات من منازل الإيمان وإرادة مرضاة الله ، وفيه تعيين لسنخية هذه الصالحات خاصة أن الأمر لا ينحصر بذات العمل الصالح ، بل يشمل :
الأولى : الأسباب والمقدمات .
الثانية : مصدر العمل الصالح كما لو كان إنفاقاً من الكسب الحلال .
الثالثة : موضوع العمل الصالح .
الرابعة : الذي يتوجه إليه العمل الصالح وينتفع منه ، وفي الزكاة وتعيين أصناف المستحقين قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ) .
الثالث : المعنى الأعم ، فتارة يكفي الإيمان وأخرى لابد وأن يقترن بعمل الصالحات وإقامة الصلاة وإتيان الزكاة .
والمختار هو الثاني ، ففي القرآن مطلق ومقيد ، فمن عمل الصالحات أداء الفرائض العبادية للتكليف بفروع الدين ، كالتكليف بالأصول ، وهل يتنافى الإرهاب مع أصول وفروع الدين ، الجواب نعم .
آيات الصفح
يقال : صفح عنه يصفح صفحاً أي أعرض .
(ومن الوجوهِ السَّهْلُ الحَسَنُ. والصَّفوحُ الكريمُ)( ).
و(الصَّفْحُ: الجَنْبُ من كلِّ شيءٍ. وصَفْحا السَيْف: وَجْههاهُ. وصَفْحةُ الرجلِ: عُرْضُ صَدره وسَيْفٌ مُصَفَّحٌ ومُصْفَح وصَدرٌ مُصْفَحٌ: أي عَريض، قال:
وصَدري مُصْفَحٌ للمَوتِ نَهْدٌ … إذا ضاقَت عن المَوتِ الصُدُورُ
وقال الأعشى:
أَلَسْنا نحنُ أكرَمَ إن نُسْبنا … وأضْرَبَ بالمُهَنَّدة الصِّفاحِ
وقال لبيد:
كأنَّ مُصَفَّحاتٍ في ذُراه … وأنواحاً عَلَيهِنَّ المَآلي)( ).
والصفح مأخوذ من صفحة العنق ، لأن الذي يصفح يعرض بصفحة عنقه عن المسئ فلا يؤاخذه.
وقال تعالى [أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ]( )، لبيان لطف ورحمة الله عز وجل بالناس جميعاً بارسال الرسل وانزال الكتب السماوية وتبليغ الذين كفروا وإن اعرضوا وأسرفوا في الذنوب والمعاصي ، ولبيان مؤاخذة الكافرين على إسرافهم وتماديهم في الظلم والفسوق.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الصفح والعفو منه سبحانه لوجوه كريمة منها :
الأول : العفو والصفح من الرحمة والإحسان الذي أمر الله عز وجل , وفي التنزيل [وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
الثاني : عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) فقد أراد الله عز وجل تغشي الرحمة على أهل الأرض بالرسالات السماوية .
الثالث : تفضل الله عز وجل ببلوغ رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس جميعاَ وهو الذي يدل قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ) وبلوغ الرسالة أعم من دخول الإسلام , لتصل آيات القرآن وأحكام الشريعة إلى الناس , وفيه دعوة للشباب المسلم بإيصال قيم التسامح والعفو والصفح بين الناس والإمتناع عن إخافتهم وترويعهم ، وعن قصد الإضرار بهم وبممتلكاتهم .
الرابع : النسبة بين التراحم والصفح عموم وخصوص مطلق , لذا نزل القرآن بالأمر بالأعم الأحسن والأنفع ، قال تعالى [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ] ( ).
والمرحمة نوع مفاعلة ومبادلة وتقابل كل فرد وجماعة ترحم الأخرى وتحتاج إلى الرحمة منها.
وهل من صلة بين قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وبين سيادة قانون الصفح في الأرض ، الجواب نعم .
ومن آيات الصفح في القرآن :
الأولى : [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
الثانية : [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الثالثة : [وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ]( ).
الرابعة : [وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الخامسة : [أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ]( ).
السادسة : [فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ]( ).
قانون التضاد بين الصفح والإرهاب
تلتقي آيات الصفح بآيات العفو والإحسان ونشر شآبيب المودة والمحبة بين الناس ببركة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والنسبة بين الصفح والإرهاب هو التضاد والتنافي ، ومن معاني آيات الصفح تأديب المسلمين ، ودعوتهم لإصلاح الذات ، وقيامهم بالدعوة إلى الصلاح ، إذ تبين هذه الآيات الثواب العاجل والآجل للصفح عن الناس.
وذكر أن آية [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا]( ) خاصة بأهل الكتاب لنظم وسياق الآيات الكريمة , وصحيح أن موضوع الآية هم أهل الكتاب ولكنها أعم في أحكامها ودلالاتها , واستدامة حكمها .
(وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري وقتادة في قوله {ودّ كثير من أهل الكتاب }( ) قالا : كعب بن الأشرف) ( ).
ولكن الآية وردت بصيغة (ودّ كثير) مما يدل على الجماعة وبصيغة الماضي (ودّ) ولو دار الأمر بين إطلاق الكثرة على المفرد أو الجماعة من الكفار , فالصحيح هو الثاني , نعم ورد في (سبب نزولها ، ما رُوِيَ أن نفراً من اليهود ، منهم فنحاص ، وزيد بن قيس ، دعوا حذيفة وعمار إلى دينهما ، وقالوا نحن أهدى منكم سبيلاً ، فقال لهم عمار : وكيف نقض العهد عندكم.
قالوا : شديد ، قال عمار : فإني عاهدت ربي ألا أكفر بمحمد أبداً ، ولا أتبع ديناً غير دينه ، فقالت اليهود : أما عمار فقد صبأ وضل عن سواء السبيل ، فكيف أنت يا حذيفة؟
فقال حذيفة : الله ربي ، ومحمد نبيي ، والقرآن إمامي ، أطيع ربي ، وأقتدي برسولي ، وأعمل بكتاب ربي .
فقالا : وإلهِ موسى ، لقد أُشْرِبَتْ قلوبُكُما حبَّ محمد ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية)( ).
والود كيفية نفسانية لا تترجل إلى الخارج إلا بعالم الفعل والجوارح وأكدت الآية هذا الود المكروه بأنها آفة الحسد مع القبح المركب للحسد من جهات :
الأولى : قانون ذات آفة الحسد خلق مذموم , والحسد أول معصية , إذ عصى إبليس الله عز وجل بالإمتناع عن السجود لآدم عليه السلام في النار , ثم تكرر الحسد في الأرض بقتل قابيل بن آدم لأخيه هابيل .
الثانية : زحف دبيب الحسد إلى قلوب فريق من أهل الكتاب من بعد قيام الحجة والبرهان على صدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزل القرآن من عند الله عز وجل .
الثالثة : تبعث الآية المسلمين على الدعاء للأمن والسلامة من الحسد والإحتراز من العاين .
(عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جبريل أتاه وهو يوعك فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من حسد حاسد ، وكل عين ، اسم الله يشفيك .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أو عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشتكى فأتاه جبريل فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من كل كاهن وحاسد ، والله يشفيك) ( ).
الرابعة : في الآية إنذار وتحذير للمسلين وغيرهم من الحسد وأضراره ، وجاءت السنة النبوية ببيان قبح الحسد والأذى الذي يجلبه على الحاسد نفسه .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) ( ).
وفي الآية ثناء على المسلمين وبشارة تعاهدهم لسنن الإيمان وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا أعفوا واصفحوا .
وهل العفو والصلح هنا عن خصوص الذين ذكرتهم آية البحث من الحساد , الجواب لا , لوجوه :
الأول : إرادة الإطلاق وعدم وجود مقيد في المقام .
الثاني : قانون الحسن الذاتي للعفو والصفح .
الثالث : دلالات اجتماع العفو والصفح في الآية .
الرابع : قانون استدامة التضاد بين العفو والإرهاب .
الخامس : قانون التضاد بين الصفح والإرهاب في كل حال .
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فاعفوا واصفحوا عن الناس .
الثاني : فاعفوا واصفحوا ولا تبطشوا .
الثالث : فاعفوا واصفحوا فليس في العفو والصفح إلا الخير وحسن العاقبة .
الرابع : فاعفوا واصفحوا واعلموا أن الإرهاب ضد للعفو والصفح .
الخامس : اجعلوا العفو والصفحة ملكة وسجية ثابتة عندكم.
السادس : عجلوا بالعفو والصفح لمقام الفاء في فاعفوا التي تفيد التعجيل والمبادرة .

قانون منع الخصال الحميدة للمؤمنين من الإرهاب
لا تنحصر الخصال الحميدة للمؤمنين في صفاتهم التسعة التي ذكرت في آية [التَّائِبُونَ] ( )، إذ تتضمن آيات القرآن صفات حميدة أخرى ، وتفصيلاً لهذه الصفات ، وثناء على المؤمنين ، ومنه قوله تعالى [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ) .
ومن إتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإمتناع عن إدخال الخوف في بيوت عامة الناس بالإرهاب ، ومنه التنعم بالطيبات شكراً لله عز وجل ، وعدم القاء النفس بالتهلكة والهلاك ، والإصر بالإنتحار والتشديد على النفس.
لقد وضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المسلمين الشدائد في العبادة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ].
وهل الإرهاب من هذه الشدائد والإصر الذي ذكرته الآية أعلاه ، الجواب إنما هو أشد منها ، وخلاف أحكام الشريعة ، لإفادة الآية أعلاه النهي عنه وإدراك حرمته بواسطة المتعدد من الحجج في مضامين إذ تستقرأ حرمة الإرهاب في الآية أعلاه من جهات :
الأولى : عطف الآية [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ) من سورة الأعراف أعلاه على الآية السابقة التي وصفت المؤمنين بالتقوى وإيتاء الزكاة .
والإيمان بصدق نزول آيات القرآن من عند الله عز وجل ، إذ أختتمت بقوله تعالى [وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ] ( ) إذ تبعث الآية السابقة المسلم وغير المسلم على السعي إلى رحمة الله بالتقوى والخشية من الله عز وجل والتقيد بسنن الإيمان .
الثانية : من معاني خاتمة الآية السابقة [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ] ( ) التقيد بما في آيات القرآن والسنة النبوية من حرمة الإرهاب وما فيه من ظلم الذات والغير ، وتدعو هذه الخاتمة المسلم والمسلمة إلى العمل بمضامين آية البحث لابتدائها بالاسم الموصول (الذين ).
الثالثة : من إعجاز القرآن ابتداء عدد كثير من آياته بالاسم الموصول .
وورد لفظ (الذين ) في بداية الآية (75 ) مرة ، للدلالة على صلة الآية موضوعاً وحكماً بالآية السابقة .
وقد ترد آيات متتالية تبدأ بالاسم الموصول (الذين ) كما في قوله تعالى [ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ] ( ) .
وجاء الاسم (الذين ) مكرراً في آيات عديدة ، ومنها قليلة الكلمات كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ]( )، وفيه دلالة على أمور :
الأول : قانون التضاد بين التقوى والإرهاب .
الثاني : قانون التعاون بين المؤمنين لنبذ الإرهاب من التقوى .
الثالث : قانون التنافي بين الإحسان والإرهاب ، وإدراك العقل لهذا التنافي بأدنى تفكر .
الرابع : قانون بعث القرآن على الإحسان مانع من الإرهاب .
وورد لفظ (الذي ) ثلاث مرات في آية واحدة مع الإختلاف في الضمير العائد لكل منها ، كما في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ).
ويحتمل ما يتصف به المؤمنون من الخصال الحميدة التي تمنع من الإرهاب وجوهاً :
الأول : إمتناع ذات المؤمنين عن الإرهاب لعدم إجتماع الضدين.
الثاني : قانون إلتقاء الجار والقريب والبعيد على كراهية الإرهاب لإقتباس الشاب منهم .
الثالث : إفراد الناس بالحسن الذاتي للخلق الحميد ، وأثر هذا الإقرار على الجوارح ، ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وهو من أسرار قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] ( ) .
(الذين) اسم موصول مبني على الفتح
من مصاديق الاسم الموصول (الذين ) الذي يدل على معين متعدد بواسطة جملة أو شبهها تأتي بعده مباشرة للبيان .
وتسمى صلة الموصول سواء كانت جملة اسمية أو فعلية ،أو شبه جملة كالجار والمجرور .
ومن الجملة الفعلية [وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ] ( ) لتبعث الآية المسلمين للتفقه في الدين ومعرفة وجوه التقوى والخشية -من الله عز وجل رجاء السلامة والنجاة ، ومن التقوى التنزه عن الإرهاب جملة وتفصيلاً .
وقالوا في الصناعة النحوية بحاجة الاسم الموصول دائماً إلى جملة بعده تسمى صلة الموصول يتم معها المعنى ، وهذا لا يليق باسم الجلالة والأسماء والصفات الحسنى لله عز وجل لأنه [غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ] ( ) وهو ليس محتاج سواء من جهة الاسم أو المسمى مع التباين بينهما ، والقول في المقام بأن جملة صلة الموصول تحتاج إلى الاسم الموصول الذي يدل على الباري عز وجل إنما لقانون في اللغة العربية والصناعة النحوية، وهو حاجة جملة صلة الموصول إلى اسم الله الذي سبقها ، وإن ورد بلفظ (الذي).
ولابد من وجود عائد من الجملة بعد الاسم الموصول .
حتى في الأسماء الموصولة العامة المشتركة التي تختص بالله عز وجل مثل : من ، ذو .
والاسم الموصول اسم معرف يدل على معين بواسطة جملة تذكر بعده ، سمي موصولاً ، لأنه موصول بها دائماً ، فلا يتم المعنى والجملة إلا به ، وإذا تم ترك هذه الجملة يكون الكلام ناقص المعنى وغير تام كما لو قيل : أن المحسن هو الذي ، ولم تكمل الكلام .
ولا يستعمل الاسم الموصول (الذي) إلا للعاقل.والمختار في الصناعة النحوية عند ورود أحد الأسماء الحسنى ومجئ الاسم الموصول الذين للتعريف به وبيانه لا يقال أنه محتاج لذات الجملة بل ذات الجملة محتاجة إليه ، كما في فعل الأمر ، فانه حيث يتوجه السؤال من العباد إلى الله فنسميه فعل سؤال ، وهل يصلح تسميته فعل طلب ، الجواب نعم ، ولكنه خلاف الأولى للتباين بين السؤال والطلب في علم المنطق .
وفي الفقه قالوا : ما يقول به النحوي يقول به الفقيه ، وليس بتام فالفقه أعم وله قواعده وصيغ الإستنباط فيه .
أما في علم التفسير فالمختار قانون اللفظ القرآني أعم من الصناعة النحوية وقواعدها ، للزوم عدم حصر معنى اللفظ القرآني بالمتحد من الإعراب النحوي ، خاصة وأن اللفظ القرآني له ظاهر وباطن .
و(عن عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث تحت العرش : القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد ، والرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني ، والأمانة)( ).
وفي الحديث إنذار من الإرهاب إذ يحاج القرآن يوم القيامة الذين استحلوا الإرهاب خلاف ظاهر وباطن القرآن ، وقطعوا بالإرهاب الرحم ، إذ أن ذوي القربى لا يرضون بالإرهاب وما يجلبه لهم من الأذى ، وكذا فان الأمانة تقام تحت العرش لتكون حجة وشاهداً على قبح الفعل الإرهابي لأنه غدر وخيانة للأمانة والجوار والقوانين الوضعية ، وقواعد المواطنة التي تسالم عليها الناس .
و(عن ابن عباس قال : إن القرآن ذو شجون ، وفنون ، وظهور ، وبطون . لا تنقضي عجائبه ، ولا تبلغ غايته . فمن أوغل فيه برفق نجا ، ومن أوغل فيه بعنف غوى . أخبار وأمثال ، وحرام وحلال ، وناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ، وظهر وبطن . فظهره التلاوة ، وبطنه التأويل . فجالسوا به العلماء ، وجانبوا به السفهاء ، وإياكم وزلة العالم)( ).
قانون تحريم مفهوم الآية للإرهاب
مفهوم الآية القرآنية على وجهين :
أولاً : المفهوم في الدلالة اللفظية بمعنى ذات المعنى والصورة الذهنية للآية القرآنية وهو مقابل المصداق وهو تنزيل الصورة الذهنية للآية في الواقع ، وما ينطبق عليه المفهوم ، ومصداق [إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( )، اتيان الفرائض اليومية للصلاة في أوقاتها.
وجاءت آيات القرآن بمفهوم قبح الإرهاب وشدة ضرره الخاص والعام ، وما أن يقع عمل إرهابي حتى يتضح للناس واقعاً شدة ضرره ، وخلوه من النفع لصاحبه وغيره .
ثانياً : المفهوم في اصطلاح المنطق وهو الذي دلّ عليه اللفظ ولكن ليس في محل النطق في مقابل المنطوق وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق ، ويشمل :
الأول : النص .
الثاني : الظاهر .
الثالث : المؤول : وهو حمل اللفظ على المرجوح الذي هو خلاف الظاهر ، كما في قوله تعالى [وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ]( )، فليس للإنسان جناح ولكنه التأدب والبر ، ومنه عدم الميل إلى الإرهاب ومفاهيمه.
الرابع : الإقتضاء .
الخامس : الإشارة .
والمفهوم هو ما دل عليه اللفظ في محل السكوت ، إذ يستقرأ الحكم عن طريق دلالة اللفظ ، وليس من نطقه والمتبادر منه وينقسم المفهوم إلى شعبتين:
الأولى : مفهوم الموافقة : وهو أن المسكوت عنه موافق للمنطوق به في الإثبات والنفي دون الكثرة والقلة مثلاً.
الثانية : مفهوم المخالفة ، وهو خروج ما لم يذكر في وصف المحكوم عن الحكم ، فيدل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين) ( ) والسائمة : دائمة الرعي ، في مفهوم المخالفة أن الإبل إذا لم تكن سائمة في المرعى فليس فيها زكاة .
ومشهور الأصوليين على حجية مفهوم المخالفة ، وخالف الحنفية وذكر من الأمثلة في المقام قوله تعالى [وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ] ( )، ولكنه قياس مع الفارق ، إذ ذكرت الآية الفرد الغالب ، فلا يجوز نكاح الربيبة وإن لم تكن في حجر زوج الأم .
من وجوه تقدير [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )
الأول : الحمد لله على نعمة الإسلام والهداية .
الثاني : الحمد لله الذي جعلني من الذين خاطبهم في القرآن تسعاً وثمانين مرة بـ[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثالث : الحمد لله على نعمة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : الحمد لله على نعمة نزول القرآن وسلامته من التحريف.
الخامس : الحمد لله على نعمة الآية القرآنية ، وتجلي ووضوح تفسيرها الظاهر.
السادس : الحمد لله أمس واليوم وغداً .
السابع : الحمد لله على النعم المتحققة ، والنعم المنتظرة .
الثامن : الحمد لله على النعم الدنيوية ، ونعمة الدعاء وسؤال النعم الأخروية.
التاسع : الحمد لله على نعمة الصحة والعافية .
العاشر : الحمد لله على نعمة البيوت والسكن فيها.
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)( ).
والمغبون الذي يبيع الكثير بالقليل ، إذ يفرط الإنسان بحال الصحة والفراغ ، فلم يسخرهما للذكر والعبادة والأعمال الصالحة.
فلا يصح الزهد بها والإنشغال بأمور حقيرة ودنيوية فانية ، ليكون التخطيط للفعل الإرهابي وتنفيذه من الذنوب والمعاصي المخالفة للحمد لله على نعمة الصحة والفراغ.
الحادي عشر : الحمد لله الذي سخّر لنا الشمس والقمر والنجوم والرياح.
الثاني عشر : الحمد لله على نعمة الرزق الوافر الكريم .
الثالث عشر : الحمد لله الذي علا فقهر، وملك فقدر ، وخلق ونشر وعلم وستر ثم عفا وغفر .
وعن بكر بن محمد عن الإمام الصادق عليه السلام (قال: من قال حين يأخذ مضجعه ثلاث مرات : الحمد لله الذي علا فقهر، والحمد لله الذي بطن فخبر، والحمد لله الذي ملك فقدر، والحمد لله الذي يحيى الموتى، وهو على كل شئ قدير ، خرج من الذنوب كهيئة يوم ولدته امه)( ).
الرابع عشر : الحمد لله على نعمة الولاية ، قال تعالى [إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ]( ).
قال السدي (هذه الآية في جمع المؤمنين ولكن علياً بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه .
وروي في ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من بيته وقد نزلت عليه الآية فوجد مسكيناً فقال له هل أعطاك أحد شيئاً فقال نعم ، أعطاني ذلك الرجل الذي يصلي خاتماً من فضة ، وأعطانيه وهو راكع ، فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا الرجل الذي أشار إليه علي بن أبي طالب .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الله أكبر وتلا الآية على الناس)( ).
الخامس عشر : الحمد لله للتوفيق على أداء الفرائض .
السادس عشر : الحمد لله على عجز الناس عن إحصاء النعم ، قال تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا]( ).
السابع عشر : الحمد لله على نعمة الأبوة ، ليكون الإمتحان في بر الوالدين نعمة أخرى للمؤمنين ، فقال تعالى [َفلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا]( ). فجاء النهي في الآية وتعقب الأمر له ليكونا من مكارم الأخلاق التي يبعث عليها القرآن.
وتبين الآية حرمة مقاطعة أو هجران الوالدين أحدهما أو كلاهما ، لحمل [وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا] على الوجوب في ذات القول وفي صفة الكريم واللطف والرفق .
ولم يرد لفظ (قل له) في القرآن ، وورد (قل لهما) مرة واحدة في الآية أعلاه من سورة الإسراء .
الثامن عشر : الحمد لله على نعمة البنوة في كون الإنسان أبناً لوالديه ، ثم يجعله الله عز وجل أباً ووالداً ، ويجعل البنت أماً ، قال تعالى [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا]( ) وهل الأبوة من زينة الحياة الدنيا لبيان الفارق بين الإبن الذي يعيش في كنف أبيه وبين اليتيم ، الجواب نعم .
لبيان أن العمل الصالح هو زينة الحياة الدنيا والآخرة وهو من معاني اسم التفضيل (خير) الذي ورد في الآية مكرراً.
و(عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : استكثروا من الباقيات الصالحات ، قيل : وما هن يا رسول الله.
قال : التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله)( ).
و(عن خالد ابن عمران أن النبّي صلى الله عليه وآله وسلم خرج على قومه ، فقال : خذوا جُنّتكم.
قالوا : يا رسول الله ، من عدوّ حضر؟
قال : بل من النار. قالوا : وما جنتنا من النار؟
قال : الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدّمات مجنِّبات ومعقِّبات ، وهنّ الباقيات الصالحات)( ).
والظاهر أنه خالد بن أبي عمران ، وليس ابن عمران ، قال الذهبي في حوادث سنة تسع وعشرين ومائة ، وقيل سنة خمس وعشرين ومائة ، وسبع وعشرين ومائة .
(وفيها توفي( ) المغرب وعابدها خالد بن أبي عمران التجيبي قاضي افريقية. روى عن عروة وطبقته)( ).
وخالد هذا قاضي أفريقيا مولى عمرو بن الحارثة.
و(عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال {المال والبنون} حرث الدنيا ، والعمل الصالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما الله لأقوام) ( ).
من قوانين الجزء السابق
يدرك العقل الإنساني القبح الذاتي للإرهاب ، وجاءت الشرائع السماوية بتحريمه ، وكان من علل محاربة رؤساء الشرك والطواغيت للأنبياء مثل محاربة نمروذ لإبراهيم عليه السلام في دعوته لإرادة نمروذ ببقاء قومه على عبادة الأوثان كوسيلة لتجهيلهم وتثبيت حكمه وسلطانه المطلق.
ودلالة شواهد الحوار بين موسى عليه السلام وفرعون وما فيه من العبر والمواعظ ، إذ إدعى فرعون الربوبية فأمر الله عز وجل موسى وهارون بالتوجه إليه وإبلاغه براهين التوحيد بلطف ، وفي التنزيل [قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى]( ).
ونزل القرآن بالحجة على قريش والمشركين ، في نبذ عبادة الأوثان ، ولكنهم قابلوا رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتكذيب وتجهيز الجيوش لقتاله وإرادة قتله واغتياله ، وهو من أظهر وأشد ضروب الإرهاب ، فانعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة بالنصر وفتح مكة ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
لبيان خيبة المشركين في إرهابهم ، وسقوط ما في أيديهم .
ويمكن القول أن كل آية من آيات القرآن تدعو في نزولها ومنطوقها وتلاوتها ومفهومها إلى الإمتناع عن الإرهاب.
لقد صدر الجزء السابق وهو الثالث والأربعون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بخصوص ذات عنوان هذا الجزء( التضاد بين القرآن والإرهاب) ، وفيه قوانين ومسائل وعناوين كثيرة تبين تحريم التنزيل للإرهاب ، ومنها كما في فهرست الجزء أعلاه :
 تعريف الإرهاب.
 مادة رهب في القرآن.
 قانون خلو القرآن من لفظ الإرهاب .
 قانون التضاد بين الرهبة والإرهاب .
 قوانين في الرهبة من الله سبحانه.
 قانون نهي القرآن عن الإرهاب.
 قراءة حاضرة في إرهاب قريش.
 قانون التضاد بين الإيمان والإرهاب.
 قانون الإرهاب مصادرة للحقوق.
 هل الإرهاب من كبائر أم صغائر الذنوب.
 قانون حق الجوار ضد للإرهاب.
 قانون الجوار أمن وسلم.
 الحكم الشرعي للإرهاب.
 قانون عالمية الرسالة سلام دائم.
 قانون دلالة التنزيل والسنة على حرمة إشاعة القتل.
 حرمة القتل في الكتاب والسنة.
 قانون الآية القرآنية سكينة.
 قانون حرمة الرضا بالإرهاب.
 قانون التضاد بين السنة النبوية والإرهاب.
 آيات مادة رهب.
 قانون اتحاد الرهبة.
 قانون بيان القرآن لحرمة الإرهاب .
 قانون توثيق القرآن للملل.
 جمع الآية للملل دعوة للسلم المجتمعي.
 قانون قهر إرهاب المشركين.
 من منافع بشارة عيسى.
 معجزة تدفق الماء.
 قانون ذكر النعمة واجب.
 قانون السحر تثبيت زائف للملك.
 قانون إبطال القرآن للسحر.
 قانون (اقرأ) نبذ للإرهاب.
 قانون التعليم حصن من الإرهاب.
 آيات [أقرأ].
 قانون استحالة رؤية الله.
 الأسفار الخمسة.
 تقدير [لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ].
 [لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ] زاجر عن الإرهاب.
 قانون حرمة الإرهاب في السنة النبوية.
 التضاد بين آية الأمر بالعدل وبين الإرهاب.
 الصلة بين الغضب والإرهاب.
 نعم الله على بني إسرائيل .
 قراءة فقهية في حرمة الإرهاب.
 أقسام التكاليف.
 قانون التضاد بين الرحمة والإرهاب.
 إسلام عدي بن حاتم.
 تحريض عدي بن حاتم القيصر على النبي (ص).
 دعوة سفّانة للإسلام.
 وفادة عدي بن حاتم إلى المدينة.
 سياحة في أجزاء هذا التفسير.
 دلالة آية [كَافَّةً لِلنَّاسِ] على حرمة الإرهاب.
 قانون الخيبة المتكررة للمشركين.
 أوان نزول [وَأَعِدُّوا لَهُمْ].
 القدر المتيقن من [وَأَعِدُّوا لَهُمْ].
 خاتمة آية [وَأَعِدُّوا لَهُمْ].
 تقدير (وأعدوا لهم).
 تقدير (ترهبون).
 الضمير (هم) في [وَأَعِدُّوا لَهُمْ].
 قانون الصبر في (وأعدوا لهم).
 قانون رهبة داود (ع) من الله.
 الدعوة النبوية مانع من الإرهاب.
 قانون عدم ترتب القتال على آية (وأعدوا لهم).
 أسماء مستحدثة لآية (واعدوا).
 الصلة بين (أعدوا) وصلح الحديبية.
 معنى الراهب .
 قانون القرآن كتاب الرهبة من الله.
 قانون استئصال الوحدانية للإرهاب.
 قانون التوحيد عصمة من الإرهاب.
 قانون حرمة الشرك بالله .
 قانون حساب المفسدين .
 قانون القرآن بلاغ بحرمة الظلم.
 حرف (الواو) أول الآية .
 قوانين في قبح الإرهاب .
 قانون التضاد بين الرهبة من الله والخوف من الإرهاب.
 تقدير [فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ].
 قانون الضرورات الخمس قاطع للإرهاب .
 الضرورة الأولى : حفظ الدين والملة.
 الضرورة الثانية : حفظ النفس.
 الضرورة الثالثة : حفظ العقل .
 قانون دفاع النبي (ص) لحفظ الضرورات.
 الضرورة الرابعة : حفظ النسل.
 الضرورة الخامسة : حفظ المال.
 الطيرة والزجر.
 قوله تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ] تحريم للإرهاب.
 تقدير [فَاذْكُرُونِي] بالعطف.
 قانون نهي السور المكية عن الإرهاب.
 قانون العالمية المتجددة للقرآن.
 بحث أصولي : كيف يحصل القطع.
 الحروف الهجائية والأبجدية والصوتية.
 قانون الإرهاب خسارة في الأموال.
 قانون فضل الله زاجر عن الإرهاب.
 قراءة في الجزء (189) من هذا التفسير.
 قانون القلب الواحد ( ).
ومن الشواهد على عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عفته أيام البلوغ ، مع عصمته من الفواحش والزنا والميل إلى الهوى مدة شبابه ومن حيث بلوغه مع أنه كان في مجتمع يبيح هذه المعاصي ولا يلتفت إليها وهي شائعة .
لقد صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تزوج خديجة ذات الحسب والعفة والمال وهو في سن الخامسة والعشرين ، فكانت مدداً وعوناً له في تبليغ الرسالة ، وهو من معجزاته وفيه دعوة للشباب المسلم للصبر وحبس النفس عن الشهوات المحرمة ، وعن الإنقياد للنفس الغضبية والعنف والإرهاب ، قال تعالى [سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا]( ).
وورد لفظ (سيجعل) في القرآن مرتين ، مع نسبة كل منهما لله عز وجل وفي آيتين :
الأولى : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( )، للترغيب بالعمل الصالح والإحسان إلى الناس .
وتدل الآية في مفهومهاً على أن العمل الإرهابي لا يجعل لصاحبه وداً عند الناس ، ولا عبرة بدائرة ضيقة من الأصحاب.
الثانية : قوله تعالى [سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا] ( )، لتطرد الآية اليأس عن المسلمين ، وتمنع من إتخاذ الطريق الخطأ تعجلاً ، أو لغلبة الطمع أو الغضب ومنه الإرهاب الذي لا يجلب إلا الأذى والضرر العام والخاص .
قانون التضاد بين الإنفاق في السراء والضراء وبين الإرهاب
في حديث ابن عباس في موضوع وسبب نزول قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]( )، مسائل :
الأولى : كانت الزهراء تعلم باستشهاد الحسين عليه السلام في كربلاء باخبار من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : وجود جيران من اليهود للمسجد النبوي وبيوت النبي وأهل البيت حتى بعد صلح الحديبية وواقعة خيبر , إذ ولد الحسين عليه السلام في الثالث من شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة مما يدل على نزول هذه الآية في المدينة ونزلت آية [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]( ) بالإضافة إلى ذكرها للأسير , ولم يكن عند المسلمين أسير إلا بعد معركة بدر وكثرة هجوم وغزو المشركين المدينة المنورة ووقوع الأسرى منهم في أيدي المسلمين , ومقابلتهم بالرأفة والإحسان ولم يكونوا في سجن ، إنما كانوا طلقاء في المدينة, وتدل أسباب نزولها على عدم حجز الأسرى .
الثالثة : إنفاق أهل البيت عليهم السلام في حال الضراء والفاقة.
الرابعة : ترغيب أهل البيت عليهم السلام المسلمين بالإنفاق في الشدة والعسر , وكذا من باب الأولوية في حال السراء .
الخامسة : عناية المسلم بالإنفاق صرف له عن الظلم والتعدي والإرهاب لقانون إقتران الرأفة والرحمة بالإنفاق .
السادسة : لقد كان المسلمون يظنون أنهم لا يؤجرون على إنفاق القليل فنزل قوله تعالى [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه] ( ).
ليأتي إنفاق أهل البيت في الخير في حال الصيام والنسك في الوفاء بالنذر والضيق والعسر ترجمة لهذه الآية , وبعث للمسلمين للإنفاق .
السابعة : هذا الإنفاق في سبيل الله وفيه تنمية لملكة الإيمان , وهو باعث للسكينة في النفوس , لذا نزلت الآيات بالأجر والثواب على الإنفاق بقصد القربة , قال تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ).
وهل هذا الإطعام من مصاديق حديث الثقلين إذ ورد (عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي وأهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض) ( ).
أم أن القدر المتيقن من الحديث هو ما بعد انتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
الجواب هو الأول لإرادة الإطلاق والإستصحاب , وكما يجب على المسلمين العمل بأحكام القرآن في حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم يتبعون أهل البيت في مرضاة الله عز وجل , ومنه إطلاق المودة في قوله تعالى [وَأَسِيرًا] ( ) على أمور :
الأول : إطعام أهل البيت للمشرك الحربي فلم يكن آنذاك من الأسرى إلا المشركين , كما في وقوع سبعين أسيراَ من قريش بيد المسلمين في معركة بدر .
نعم معركة بدر متقدمة زماناً على زواج الإمام علي من الزهراء عليهما السلام في السنة الثانية للهجرة بعد معركة بدر وقبل معركة أحد , وكأنه مكافأة من الله عز وجل للإمام علي عليه السلام في جهاده وشجاعته وتضحيته يوم بدر .
الثاني : يدل إطعام أهل البيت للمشرك وأنه جزء من النذر ، وتقرير وإمضاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على وجوب الرأفة بالناس جميعاَ , وحرمة الإرهاب وقتل الأبرياء وسفك الدماء ومع شدة وطأة الفقر والفاقة , فإن الله عز وجل أمر المسلمين بالإنفاق على كل حال .
وعن (أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كاد الفقر أن يكون كفراً ، وكاد الحسد أن يغلب القدر) ( ).
الثالث : بيان صدق إيمان المسلمين بقهر الفقر بالإنفاق والصبر وأداء الصلاة ليكون من معاني قوله تعالى [يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ]( ) .
عدم صيرورة الفقر سبباَ للسرقة والعدوان والإرهاب .
الرابع : وقد صدرت لنا في قانون (لم يغزُ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحداَ) أجزاء متعددة من تفسير معالم الإيمان وهي:
الأول : الجزء الرابع والستون بعد المائة .
الثاني : الجزء الخامس والستون بعد المائة .
الثالث: الجزء السادس والستون بعد المائة .
الرابع : الجزء الثامن والستون بعد المائة .
الخامس : الجزء التاسع والستون بعد المائة .
السادس :الجزء السبعون بعد المائة .
السابع :الجزء الواحد والسبعون بعد المائة .
الثامن :الجزء الثاني والسبعون بعد المائة .
التاسع :الجزء الرابع والسبعون بعد المائة .
العاشر :الجزء السادس والسبعون بعد المائة .
الحادي عشر :الجزء السابع والسبعون بعد المائة .
الثاني عشر :الجزء الثامن والسبعون بعد المائة .
الثالث عشر :الجزء الثمانون بعد المائة .
الرابع عشر :الجزء الواحد والثمانون بعد المائة .
الخامس عشر :الجزء الثاني والثمانون بعد المائة .
السادس عشر :الجزء الثالث والثمانون بعد المائة
السابع عشر :الجزء السابع والثمانون بعد المائة .
الثامن عشر : الجزء الثالث والتسعون بعد المائة .
التاسع عشر :الجزء الرابع والتسعون بعد المائة .
العشرون : الجزء السادس والتسعون بعد المائة.
الواحد والعشرون : الجزء الرابع بعد المائتين .
الثاني والعشرون : الجزء الثاني عشر بعد المائتين .
الثالث والعشرون : الجزء السادس عشر بعد المائتين .
الرابع والعشرون : الجزء الواحد والعشرون بعد المائتين .
الخامس والعشرون : الجزء التاسع والعشرون بعد المائتين .
السادس والعشرون : الجزء التاسع والثلاثون بعد المائتين .
قانون بناء البيت الحرام سلام دائم
لقد خلق الله سبحانه السموات والأرض بابداع ومشيئة منه تعالى وأبى إلا أن تكون ملكاً مؤبداً له سبحانه لا يناله فيها أحد إلا أن تطوى عند قيام الساعة ، قال تعالى [يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ]( ).
ولم يرد لفظ نطوي في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ومن ملك الله عز وجل للأرض أنه جعل بيتاً له يأتيه الناس للحج في وقت مخصوص من السنة ، قال تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( ).
وتؤدى مناسك العمرة طيلة أيام السنة ، والبيت الحرام سابق لأيام آدم وحواء ، إذ قاما بحجه بتعليم من جبرئيل .
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كان البيت قبل هبوط آدم ياقوتة من يواقيت الجنة ، وكان له بابان من زمرد أخضر ، باب شرقي وباب غربي ، وفيه قناديل من الجنة .
والبيت المعمور الذي في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة حذاء الكعبة الحرام ، وأن الله عز وجل لما أهبط آدم إلى موضع الكعبة وهو مثل الفلك من شدة رعدته ، وأنزل عليه الحجر الأسود وهو يتلألأ كأنه بيضاء فأخذه آدم فضمه إليه استئناساً .
ثم أخذ الله من بني آدم ميثاقهم فجعله في الحجر الأسود ، ثم أنزل على آدم العصا ، ثم قال : يا آدم تخط . فتخطى فإذا هو بأرض الهند ، فمكث هناك ما شاء الله ثم استوحش إلى البيت ، فقيل له : احجج يا آدم . فأقبل يتخطى .
فصار كل موضع قدم قرية وما بين ذلك مفازة حتى قدم مكة .
فلقيته الملائكة فقالوا : بر حجك يا آدم ، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام . قال : فما كنتم تقولون حوله؟
قالوا : كنا نقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وكان آدم إذا طاف بالبيت قال هؤلاء الكلمات ، وكان آدم يطوف سبعة أسابيع بالنهار)( ).
لقد ولد إبراهيم في كوثى من العراق وهي منطقة أور قريباً من مدينة الناصرية ، وهي من سواد بابل والكوفة والقي في النار فيها من قبل نمرود ملك المشرق .
و(عن ابن عباس قال : لما هرب إبراهيم من كوثى وخرج من النار ، ولسانه يومئذ سرياني ، فلما عبر الفرات من حران غيّر الله لسانه فقلب عبرانياً حيث عبر الفرات ، وبعث نمرود في نحو أثره وقال : لا تدعوا أحداً يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به ، فلقوا إبراهيم يتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته)( ).
وهاجر لوط من كوثى أيضاً ، وفيه قوله تعالى [وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ).
ولم يرد لفظ (مهاجر) بالرفع في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وورد مرة واحدة بالنصب لبيان فتح باب الهجرة للمؤمنين ، ولم يختص بالأنبياء ، قال تعالى [وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]( ).
لقد أراد الله عز وجل للبيت الحرام أن يكون محلاً للذكر والعبادة ، وملاذاً للناس وأمناً ، فبعد أن أنقذ الله عز وجل إبراهيم من الحرق بالنار التي ألقاه فيها نمرود وقومه لقيامه بكسر أصنامهم هاجر إلى الشام ، وكانت هجرته في سبيل الله ، ونشراً لمبادئ التوحيد ، وأحكام الإسلام ، ثم ذهب إلى مصر ومعه زوجته سارة ، وعاد إلى الشام ومعهما هاجر التي وهبها جبار مصر إلى سارة التي يئست من الإنجاب فوهبت هاجر لإبراهيم فولدت إسماعيل ، قبل أن تأتي الملائكة للبطش بقوم لوط ، وتبشر سارة بالولد .
لقد لاقى الأنبياء الأذى الشديد من الطواغيت ، وصبروا مما يملي على المؤمنين الصبر والشكر لله عز وجل على الإيمان والسلام ، وإختيار الإيمان ، ومن معاني قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ..] ( )، إتعاظ المسلمين بالتنزه عن الإرهاب والظلم .
قانون النهي عن مقدمات الإرهاب
يشمل النهي الشرعي عن الحرام الزجر والنهي عن مقدماته ومنه مقدمات الإرهاب وهي على شعبتين :
الأولى : المقدمات البعيدة التي لا تقود بالضرورة إلى الإرهاب والتي يمكن أن تنقطع .
الثانية : المقدمات التي تقود إلى إرتكاب الفعل الحرام والتي لا يبقى معها اختيار في تركه.
فتجمع بين الحرمة النفسية والغيرية ، إذ أن تقسيم مقدمة الحرام إلى نفسية ذاتية ، وإلى غيرية هو تقسيم استقرائي ، ومنه مراتب حرمة مقدمات الزنا ، والتي هي من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، وتجلى هذا العلم الأصولي في قوله تعالى [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ]( ).
فحتى المقدمات القريبة للحرام يمكن أن تنفك عنه ولا تؤدي إليه إذ أرادت إمرأة العزيز الزنا فحجبه الله بعصمة يوسف عليه السلام ، وسرعة مجئ زوجها وذي قرباها.
لبيان قانون الحاجب الإضافي عن الحرام ، فليس بين الهمّ الذي هو مقدمة وبين مجئ العزيز ثمة فترة ، فان لم ينفع الحاجب الأصلي يأتي الحاجب الإضافي ، وهو من لطف الله بالناس ، وإقامة للحجة عليهم ، والذي ينوي الفعل الإرهابي يأيته الحاجب المتعدد من النفس والشواهد والغير ، فلابد أن يتعظ منها .
وتستغرق عملية الوطئ ومقدماته من المداعبة وغيرها نحو عشر دقائق كما كانت امرأة العزيز مشغولة بأحكام غلق الأبواب وبتغطية الصنم ، مع امتناع يوسف عن الزنا ومقدماته من الأصل ، ولم يتجه نحو الإحتجاج وبيان حرمة الزنا إذ لا ينفع معها تلك الساعة فاضطر إلى الهرب والفرار منها وهو معجزة له.
فحالما امتنع عنها يوسف عليه السلام كان العزيز قد وصل إلى الباب وهو معنى الحاجب الإضافي ، وكانت قد [غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ]( )، مما يدل على طرقه بقوة ، وإثارة الشك ، وتعرض يوسف عليه السلام للسجن أيضاً ولكن بالتهمة والريب ، وتصديق شهادة إمرأة العزيز زوراً عليه وفيه نكتة وهي قانون تعدد الموانع دون المعصية ، لذا يجب الإمتناع عن مقدمات الحرام ، ومنها مقدمات الإرهاب البعيدة والقريبة.
ولابد من الفرار من الإرهاب ومقدماته ، وإجتناب أهله وأربابه ، وإن لاقى يوسف عليه السلام السجن من القوم الظالمين لامتناعه عن الحرام وكان سبب توليه الوزارة في مصر ، فان الفرار من الإرهاب والإمتناع عن فعله سلامة في الدين والدنيا ، ونجاة من الأذى ، وهو نهي ذاتي عن الفساد وصفحة من الإنذار بمفاهيمه ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( ).
دلالة الأمارات على حرمة الإرهاب – بحث أصولي
الأمارة بالفتح لغة : العلامة ، تقول : اجعل أمارة بيني وبينك أي علامة .
وقال ابن فارس : الصفة الأمارة الملازمة للشئ .
ولم يرد لفظ (أمارة) بالفتح أو الكسر في القرآن إنما ورد اللفظ مرة واحدة بالتشديد في قصة يوسف عليه السلام حكاية عن امرأة العزيز بعد الإحتجاج عليها في مجلس الملك ، وثبوت كيدها ليوسف عليه السلام قال تعالى [وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ) ، وذكر أن هذا القول حكاية عن يوسف عليه السلام ، ونسب إلى أكثر المفسرين .
والأمّارة هنا كثيرة الأمر بالسوء لبيان أن النسبة بينه وبين فعل السوء عموم وخصوص مطلق ، فتهم النفس بالفحشاء والسوء ، والسرقة ، والإرهاب ، والزنا ، فيصرفه الله وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ]( ).
والأمارة ليست من مصطلحات علم الفقه ولكنها من مصطلحات علم الأصول .
وقال الآمدي (والأصوليون يفرقون بين ما أوصل إلى العلم، وما أوصل إلى الظن ، فيخصون اسم الدليل بما أوصل إلى العلم، واسم الامارة بما أوصل إلى الظن.
وعلى هذا، فحده على أصول الفقهاء: أنه الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري)( ).
والهاء في فحده تعود للدليل .
ولا مانع من نعت الأمارة بانها دليل ظني لأن التقييد بالظن يخرج الدليل القطعي .
ولا تصل الأمارة إلى مرتبة العلة لموضوعية العلة في البعث على الفعل أو الترك ، فمثلاً أمارة سوق المسلمين لا تجعل كل ما في السوق مذكى .
وهل الأمارة من الكلي المتواطئ الذي يكون على مراتب متساوية أم أنها من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة.
المختار هو الثاني ، سواء الأمارة في الموضوع الواحد أو الأمارات المختلفة كما في التباين في الموضوع المتحد في ظهور وتعيين القبلة بين الأمارات كالجدي وسهيل .
وإذ لا يجوز مخالفة العلم ، فهل يجوز مخالفة الأمارة ، الجواب نعم ، إلا اذا تحقق الإجماع عليها .
فاذا ثبت الحكم بالأمارة فلا يصح مخالفتها ، ومنهم من قال ببطلان الحكم بالأمارة ، ولكن لابد من تعيين موضوع هذا البطلان ، والأمارات من الكلي المشكك فهي على مراتب من جهة الحجية والدلالة .
وحتى في حال الإرتقاء في الأمارة من جهة الأثر المترتب عليها فانها لا تفيد أكثر من الكشف عن متعلقها.
فاذا كانت أمارة على رؤية الهلال كشاهدين عدلين ، فلا موضوعية لها في إيجاد الهلال أو عدمه ، وحتى العلم بالهلال لا يغير الواقع كرؤية المكلف للهلال التي هي علم وحكم واقعي وليس أمارة أو حكماً ظاهرياً ومع هذا لا يغير من الواقع ، إنما يفيد تنجز صيام اليوم التالي وكذا في حكم الأمارة والبينة.
ويكون الكشف عن الواقع والحكم والمطلوب على قسمين :
الأول : العلم وهو الذي يكشف الواقع بما يفيد القطع واليقين ولا يحتمل معه الخلاف .
الثاني : الكشف الناقص وغير التام عن الواقع وهو الذي يسمى في علم الأصول (الأمارة).
وهل هذا التقسيم والعمل به من التفقه في الدين في قوله تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( ).
الجواب نعم ، لبيان أن علم أصول الفقه شعبة من الفقه بمعناه الأعم.
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين ، وقال : إنما أنا قاسم والله يعطي)( ).
والقصد من طلب العلم هو عبادة الله ، وهو الذي يدل عليه التقييد بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ).
ويمكن أن نضيف نسبة خامسة إلى النسب الأربعة بين الكليين في علم المنطق وهي نسبة الدرجة والرتبة بأن يكون أحدهما أعلى رتبة من الآخر ، فالإختلاف بينهما طولي وأفقي وليس عرضياً وقد تكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق ، فكل علم هو أمارة وليس العكس .
ونسبة العموم والخصوص المطلق هي إنطباق أحد الكليين على بعض مصاديق الثاني ، بينما ينطبق الثاني على كل مصاديق الأول ، مثل الإنسان والمسلم ، كل مسلم إنسان ، وليس كل إنسان مسلماً.
وقد يطلق على الأمارة الظن ، تسامحاً في اللفظ ، ولكن النسبة بينهما أقرب إلى نسبة السبب والمسبّب ، ويطلق على الأمارة الطريق والدليل متسامحاً.
ويمكن تقسيم الأمارة عدة تقسيمات منها :
الأول : الأمارة الشرعية : وهي التي نصبها الشارع حجة كأصالة الظهور ، وخبر الواحد الثقة .
ومع دلالة النص ومنطوق آيات القرآن والأحاديث النبوية الشريفة على حرمة الإرهاب .
فان الأمارات الشرعية وأخبار الثقة في وجوب تنزيه الإسلام عن مسلك الإرهاب.
الثاني : الأمارة العقلية : وهي الظنون التي يجعلها العقل حجة ومقدمة للحكم الشرعي ، ومن الأمارات التقيد بما يفيد الظن بدخول وقت الصلاة ، مثل صياح الديك ثلاثاً ولاء في يوم الغيم، وهل توقيت الساعة وضبط الوقت بواسطتها من القطع أم من الظن والأمارة ، الجواب إنه من القطع في الجملة مع صحة التوقيت ودقة الساعة وضبط أهل الخبرة أو الرصد الفلكي لأوقات الصلاة.
الثالث : ويمكن أن نضيف الأمارة القرآنية كما في قوله تعالى [وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ]( )، إذ يتغير ويتبدل نسيم الصبح ، وقد أدركناه بالوجدان في السجن في غيابت الأمن.
الرابع : الأمارة الكونية ، الخاصة بالعبادات وهل تفيد القطع أم الأمارة .
الجواب منها ما يفيد القطع ومنها ما يفيد الأمارة ، قال تعالى [وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ]( )، فمثلاً [أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( )، يفيد القطع كل من هذه الأفراد الكونية الثلاثة.
فيدل دلوك الشمس على حلول وقت صلاة الظهر ، فزوال الشمس عن كبد السماء إيذان بدخول وقت صلاة الظهر .
وتدل ظلمة الليل على حلول صلاة العشاء ويدل طلوع الفجر على وقت صلاة الصبح .
ومن الأمارات الكونية في الصلاة النجم الجدي وهو نجم الشمال الذي يستدل به بجعل أهل وسط العراق خلف المنكب الأيمن ، والمنكب ما بين الكتف والعنق.
وفي البصرة عند الأذن اليمنى .
ولمعرفة الجدي فهناك كوكبتان لامعتان قرب الجدي دائمتا الظهور .
ويبعد الجدي عن الأرض (430) سنة ضوئية وضياؤه (1500) ضعف ضياء الشمس.
وتبلغ سرعة الضوء في الثانية الواحدة 300 ألف كيلو متر ، ويكون مقدار المسافة التي يقطعها الضوء بين الأرض والنجم الجدي نحو (9461) تريليون كيلو متر.
وفيه دعوة للناس للتطامن والخشوع لله عز وجل ، والإقرار بربوبيته المطلقة .
وهل هذه الآيات الكونية والتفكر فيها زاجر عن الإرهاب ، الجواب نعم ، وهي تدعو إلى الصبر والحلم والإمتناع عن التعدي.
ومنها النجم سهيل وهو عكس الجدي ، والذي يربط العرب ظهوره بالسماء بفصل الصيف ، وبين رؤية أهل الحجاز وأهل العراق له عشرون ليلة .
و(عن اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن على بن ابي طالب عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : [وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ]( )، قال : هو الجدى لانه نجم لا تزول وعليه بناء القبلة ، وبه يهتدي أهل البر والبحر)( ).
ولا يعلم الناس عدد وكثرة الذين نجوا بسبب الجدي من المفازة والصحراء ، ومن الغرق في البحر إلا الله عز وجل .
وهو من لطف الله عز وجل وتسخيره الآيات الكونية لحفظ الإنسان ، وليتخذ أيام الحياة الدنيا وعاء ومناسبة للعبادة.
وحجية العلم ذاتية .
أما الأمارة فانها أدنى مرتبة من العلم ، وليس لها حجة ذاتية في نفسها وإن أفادت ظناً قوياً فيحتاج العمل بذات الأمارة إلى دليل قطعي لحجيتها من الكتاب والسنة.
كما في البينة وقبول شاهدين عدلين ، قال تعالى [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى]( )، وورد لفظ (احداهما) خمس مرات في القرآن منها مرتان في الآية أعلاه .
والأمارة حكم ظاهري بترجيح أقوى الإحتمالين على أضعفهما باحتمال واحد راجح .
وقد يطرأ وينكشف العلم فيتقدم على الأمارة ولا تتخذ حينئذ طريقاً مثل القرعة فهي أمارة على قول.
ولكن علوم المختبر الحديثة قد تفيد القطع واليقين فينتفي المشكل في خصوص موضوعها إذا لم تعارض مع الحكم الشرعي.
وفي قضاء الإمام علي عليه السلام ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال (كان لرجل على عهد علي عليه السلام جاريتان، فولدتا جميعا في ليلة واحدة إحداهما ابنا والاخرى بنتا، فعمدت صاحبة الابنة فوضعت ابنتها في المهد الذي فيه الابن، وأخذت ام الابنة ابنها، فقالت صاحبة الابنة: الابن ابني، وقالت صاحبة الابن: الابن ابني فتحاكمتا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأمر أن يوزن لبنهما، وقال: أيتها كان أثقل لبنا فالابن لها)( ).
وهو من مصاديق قوله تعالى [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ]( ).
والحكم فيما بعد للأمر المشكل القرعة ، ولكن في الحالة أعلاه يعتمد الحامض النووي DNA ، ولكن تبقى القرعة للأمر المشكل لمنع الفتنة.
وهل الحامض النووي حجة في تعيين الأب ، الجواب لا ، فاذا تعارض مع قاعدة الولد للفراش تقدم هذه القاعدة ، وقد بينته في علم الفقه.
ومن الأمارات :
الأولى : أمارة اليد على الملكية .
الثانية : أمارة بلاد المسلمين .
الثالثة : أمارة سوق المسلمين .
الرابعة : أمارات قٍبلة الصلاة .
الخامسة : الظواهر : وهو ما يدل عليه ظاهر الألفاظ والتركيب اللغوي دلالة مظنونة والمشهور على حجيتها ، ومنها حجية ظواهر القرآن.
وحينما سأل زرارة الإمام عليه السلام : من أين علمت أن المسح ببعض الرأس ، قال لمكان الباء أي [وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ]( ).
السادسة : قول اللغوي : في بيانه لدلالة الكلمات ومعانيها.
السابعة : الإجماع المنقول : وبه قال القدماء ، وانكره المتأخرون ، والمختار أنه أمارة .
الثامنة : إخبار الثقة العادل لدليل الإنسداد ، وحكم العقل بحجية مطلق الظن المعتبر .
وأظهرها خبر الثقة إلى جانب بعض الأدلة الشرعية ، والسيرة العقلائية.
ودليل الإنسداد هو إمتناع وجود طرق مستحدثة تؤدي إلى العلم بالأحكام الشرعية فيلجأ المجتهد إلى حجية الظن المطلق ويشكل عليه أن الله عز وجل قال [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
إلا أن يقال بأن اللجوء إلى الأمارة حينئذ من هذا التبيان.
التاسعة : أمارة دخول شهر رمضان بمضى ثلاثين يوماً من شعبان.
ولا تكشف الأمارة عن الواقع كشفاً تاماً ، إنما تفيد وتؤدي إلى الظن المعتبر ، ولكن ليس هي مرادفة للظن إنما يترشح عنها الظن الراجح عند إفتقاد الدليل القطعي .
وإذا شهد شاهدان عدلان برؤية الهلال فهو أمارة ، ولكن إذا لم تثبت رؤية الهلال وتمت ثلاثين ليلة فهل هذا التمام دليل قطعي لأن الشهر القمري لا يزيد على ثلاثين يوماً ، أم أنه أمارة لإحتمال وجود الهلال في الليلة السابقة ولكن تعذرت رؤيته.
الجواب فيه تفصيل فاذا ثبت عدم إمكان رؤية الهلال بالوسائل العلمية وتأخرت ولادته في ليلة الشك فهو دليل قطعي وحجيته ذاتية للملازمة بين القطع والحجة .
أما إذا كان هناك غيم والرؤية محتملة في الليلة السابقة ليلة الشك فيكون إكمال العدة أمارة والعلم عند الله.
وقد ذكرت في معراج الأصول وفيه (هل من أمارة على حرمة الإرهاب ، الجواب نعم ، فمن الآيات في أحكام الشريعة الإسلامية إجتماع الدليل القطعي والأمارة الظنية على حرمة الإرهاب).
ومن أدلة عدم القطع بالأمارة أن الأصل هو عدم الحجية ، فلابد من دليل قطعي على إحتساب أمارة مخصوصة حجة شرعاً وعقلاً ، كحجية الظهور ، والبينة وخبر الثقة لذا فان حجية الأمارة جعلية اعتبارية وليست ذاتية قطعية كحجة العلم.
والشهادة أمانة ، وقد تكون واجباً عينياً أو كفائياً ، قال تعالى [وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ]( ).
والشهادة لغة الخبر القاطع .
وفي الإصطلاح الشرعي إخبار عن شئ بلفظ خاص وعلى مشروعية الشهادة الكتاب والسنة والإجماع.
وأهم شروط الشهادة العدالة والعقل والبلوغ والتمييز بأن يدرك ويعي الإنسان ما شاهده وهو حافظ له ، لقوله تعالى [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ]( ).
ولا تقبل شهادة المرأة في حق الله تخفيفاً عنها ولإحتمال انها تنسى.
وقد لا يتطابق الواقع مع الأمارة لأنها تفيد الظن كما لو شهد شاهدان بان زيداً هو الجاني ثم تبين خلافه.
ولو تبين خطأ الشهود ورجعوا عن الشهادة ففيه تفصيل وهو على وجوه :
الأول : قبل الحكم .
الثاني : بعد الحكم .
الثالث : بعد تنفيذ الحكم.
وفيه الضمان والدية مع الخطأ في الشهادة ، والقصاص مع العمد في شهادة الزور.
ويتحمل الشهود عند الرجوع عن الشهادة ما فات المشهود عليه وما لحقه من الضرر بسبب هذه الشهادة ، ولو القي في السجن احترازاً ثم رجعوا عن الشهادة فهل يتحملون ضمان مالحقه في السجن من الأذى وتعطيل العمل ، الجواب نعم .
ويجوز عند تعدد الورثة ان يعفو بعضهم عن الدية ، وفيه وجهان:
الأول : إذا عفى بعض الورثة يسقط القصاص، وهو المختار وبه نصوص عديدة منها: معتبرة إسحاق بن عمار ، عن جعفر ، عن أبيه ، أن عليا (عليه السلام ) كان يقول : من عفا عن الدم من ذي سهم له فيه فعفوه جائز وسقط الدم وتصير دية، ويرفع عنه حصة الذي عفا).
وبه قال الحنفية والحنابلة والشافعية.
الثاني : يسقط منها بقدر حصته ولو كان القتل عمداً وأراد بعض الورثة حينئذ القصاص فعليه ان يرد على الجاني عند القصاص نصيب من فاداه من الدية، كما لو كان للمقتول عمداً ولدان زيد وعمرو، فعفا زيد عن الجاني ولكن عمرو اراد القصاص لأن القتل ليس خطأ ، فعليه أي عمرو أن يعطي للجاني نصف الدية الشرعية قبل القصاص وهو نصيب أخيه زيد ، ومع عجز عمرو لا يكون القصاص.
وإذا كان الميراث للنساء فالعفو لهن.
وما يجري من التكافل الإجتماعي بين العشائر والمشاركة في الديات أمر حسن ، وفيه صلة للرحم ولكن يجب ان يكون وفق القواعد الشرعية فمثلاً لا يؤخذ كرهاً من العاقلة وافراد العشيرة ليدفع عمن قتل او جنى عمداً، كما لا يجــوز أخذ العشــيرة وما يســمى بصندوق العشيرة من دية المقتول او المجني عليه بل تعــود الدية للورثة ولهم ان يتبرعوا بجزء منها الى صندوق العشيرة ولو بالمقدار المتفق عليه بينهم، نعم لو كان في الورثة قاصر أو قاصرون قاصرون لا يجوز التبرع من حصصهم الا بأمر وليهم مع الغبطة.
وكما يتقدم القطع على الأمارة ، فان الأمارة تتقدم على الأصل العملي مرتبة ، فمع القطع الطريقي أو الموضوعي لا تصل النوبة إلى الأمارة ، وكذا مع الأمارة كالبينة وخبر الثقة لا تصل النوبة للأصل العملي كأصالة الطهارة.
الأمارات والطرق الظنية أدلة إجتهادية الحكم الظاهرية على قسمين :
الأول : الحكم الذي يجعل الإحراز الواقع ولو على نحو الإجمال ، ويسمى بالأمارة فعل خبر الثقة الواحد ويسمى الحكم الظاهري بالحجية .
الثاني : الحكم الظاهري عينه الشارع لوظيفته العملية تجاه الحكم المشكوك ، ولا يدل على إحراز الواقع ، ويسمى الأصل العملي .
وإنما إلتقاء الحكم الواقعي والظاهري لا يكون من إجتماع المثلين ، وأن أنتفا ، ولا مضادة بين الإنشائين في ما إذا اختلفا .
ويدل القطع على حرمة الإرهاب وترويع الناس ، لقبحه الذاتي ، ونهي الكتاب والسنة عنه , وتسليم العقل بكراهيته ولزوم إجتنابه لأنه ضرر محض ، وقال تعالى [وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]( ).
ومع ورود الدليل على حرمة الإرهاب لا تصل النوبة إلى الأمارة , وهي أيضا تفيد حرمة الإرهاب وتنهى عنه ، وكذا الأصل العملي كأصل الإحتياط والإستصحاب والقياس .
والفعل الإرهابي ضد لأصل البراءة لعدم ورود تكليف به ، ولأنه سبب للإثم والوزر في الدنيا والآخرة.

سماحة آية الله العظمى الشيخ صالح الطائي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سؤال لسماحتكم راجين الإجابة عليه لكثرة اللغط الموجود واجتهاد بعضهم غير ما هو متسالم بين الناس…
الموجود في الكتب الصلاة على النبي هي (اللهم صل على محمد وال محمد) منهم من قال انك ترجع الأمر على الآمر.
راجين توضيح هذا اللبس وكيفية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
جمع من المؤمنين
10\12\2022
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

                                                العدد : 2121/22
                        التاريخ : 16/12/2022

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] وجاءت السنة النبوية القولية والفعلية وأحاديث المعصومين تفسيراً وكشفاً للمضامين القدسية لآيات القرآن.
ولقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً وأهل بيته وأمته إلى يوم القيامة بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] فالواجب الشكر لله عز وجل على هذه النعمة الإلهية على صاحب الكمالات الإنسانية في النشأتين .
ومن معاني الصلاة من الله عز وجل على النبي محمد وجوه :
الأول : الرحمة .
الثاني : الثناء .
الثالث : التزكية ، وعندما سأل أبو بصير الإمام الصادق عليه السلام (عن هذه الآية كيف صلاة الله على رسوله، فقال: يا أبا محمد تزكيته له في السماوات العلى)( ).
الرابع : التفضيل على الأنبياء ، إذ ينفرد النبي محمد من بين الأنبياء بقيام الملايين من أمته في كل يوم بالصلاة عليه في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني على كل مسلم ومسلمة ، وإلى جانب أفراد الصلاة المستحبة ، وما فيها من الأجر والثواب العظيم .
الخامس : المغفرة .
السادس : صلاة الله على النبي محمد مقدمة لشفاعته لأهل الكبائر من أمته ، وعامة من صلوا عليه في الدنيا من المسلمين .
وكيفية الصلاة على النبي (ص) هي (اللهم صل على محمد وآل محمد) وفيها وجوه :
الأول : إنه من مصاديق الدعاء في قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]، فقول رد الأمر إلى الآمر مغالطة .
الثاني : يحب الله عز وجل للعباد أن يدعوه ويسألوه في أمور الدين والدنيا .
الثالث : هذا القول والصلاة من التعبد بالنص إذ ورد في إسناد أبي حمزة الثمالي عن الصحابي كعب بن عجرة قال (لما نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه، كيف الصلاة عليك ، قال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، و بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد).
الرابع : تجلي معجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدعاء المسلمين في مشارق ومغارب الأرض كل يوم له وهو من الشواهد على تسليمهم المتجدد برسالته ، وسؤال الله عز وجل أن يرحمه.
وهل من معاني الرحمة في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ] رحمة المسلمين في معاشاتهم وحياتهم وهدايتهم للصراط المستقيم والإقتداء بالنبي محمد في سنته القولية والفعلية ، الجواب نعم ، ليكون من تقدير الآية : اللهم أرحم محمداً في أمته وصلاحها .
الخامس : الثواب العظيم للذي يسأل الله عز وجل الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ، والعلم عند الله.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة