تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

التجلي والشهود

المقدمـــة
الحمد لله الذي له ملك الحياة الدنيا والآخرة , وجعل الأولى نعمة واختباراً، والثانية داراً للجزاء ثواباً وعقاباً ، وتفضل الله وجعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وهل الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرع الخلافة في الأرض ، الجواب نعم .
ولقد اختار من الناس أفضلهم لمقام النبوة وجعل لهم مقاما ومنزلة مقدسة شريفة .
ثم كان التفضيل بين الأنبياء بالرسالة فالرسول اخص وأكبر درجة من النبي، ومنهم الرسل الخمسة أولو العزم .
والنسبة بين النبي والرسول عموم وخصوص مطلق ، فكل رسول هو نبي وليس العكس .
ثم حاز خاتم النبيين ذروة التفضيل , وتجلى هذا التفضيل والإكرام بتلقيه للقرآن كتاباً نازلاً من السماء، وبصعوده بشخصه الكريم الى السماء ليبقى هذا الارتقاء شهادة على أهلية الإنسان للخلافة في الأرض، وتذكيراً للملائكة بسجودهم لآدم .
لقد تفضل الله عز وجل بآية الإسراء سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، كما وردت آيات من سورة النجم تتضمن الشواهد السماوية على عروج النبي محمد في السموات العلى .
وجاءت السنة النبوية المتواترة بالإخبار عن وقائع ليلة الإسراء ، وانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وصعوده في السماء وهبوطه في ذات الليلة المباركة .
والمعراج بداية القوس الصعودي في مراتب الإيمان مقترنة ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليترشح عنه ثبات وديمومة الإسلام إلى يوم القيامة.
وفيه خروج عن قانون التتابع بين السبب والمسبب، والعلة والمعلول .
وهو عنوان لاختراق الزمان وطي الأرض لمبادئ الإسلام .
وآية الإسراء تشريف واكرام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار لعظيم قدرة الله تعالى وبشارة وأمل ورحمة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( ).
ويحرص المسلمون رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً ، وفي كل زمان على الإطلاع على تفاصيل حديث الإسراء والمعراج، ويتشوقون لمتابعة تفاصيله بصيغة التحقيق وبما يؤدي الى تثبيت الإيمان والتفاخر بالسياحة النبوية في عالم الملكوت ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
والإسراء موضوع قدسي مبارك يخترق عالم الثورة المعلوماتية بمطابقته لقوانينها ومكتشفات العلم الحديث.
وهذا الكتاب دعوة متواضعة لرحلة مباركة في عالم الإسراء وعروج الروح في آفاق السماء، وسيبقى موضوع الإسراء يدعو العلماء والمحققــين الى الغــوص في أعماقه واستخراج درره ، والإقتطاف من ثماره العلمية والعقائدية والشرعية تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.
والإسراء اشعاع ينفذ الى القلوب وينور بواطن المسلم بأنوار الهداية وكأن الإسراء حضــور ســماوي في المجـتــمع الاسلامي يدفع الافــراد الى الحــق ويحول دون التردي في هــاوية الضلالة والشرك، وهو توكيد على قرب عالم الآخرة ، وسياحة الروح في السماء.
ويبقى الإسراء وثيقة ، ودرساً حياً ومستديما في بعث المحبة الإيمانية واستغراقها لجميع المسلمين لانه تزكية لهم وثناء عليهم واعانة على ادائهم الفرائض والمناسك لما فيه من الصفاء والتقوى، وطرد لظلمة الدنيا .

 
آية الإسراء
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
هذه الآية مكية وسورة الإسراء كلها مكية الا قوله تعــالى[وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا] ( ) فهذه الآيات مدنيات نزلت حين جاء وفد ثقيف.
وتسمى السورة ايضاً عند أهل البيت وعند كثير من المفسرين سورة بني اسرائيل.
اللغة
يقال سبحت الله تسبيحاً: أي نزهته تنزيهاً وفي التهذيب، سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً بمعنى واحد، فالمصدر تسبيح، والاسم سبحان يقوم مقام المصدر.
(عن ابن شميل : رأيت في المنام كأن انساناً فسر لي سبحان الله فقال اما ترى الفرس يسبح في سرعته ، وقال : سبحان الله السرعة اليه والخفة في طاعته)( ).
ولكن علوم القرآن وأسرار كلماته ومضامينها القدسـية أعم وأدق من ان تؤخذ من أخبار عن منام .
وفي اللغة وعلم التفسير والتأويل مندوحة وسعة وغنى عن اللجوء الى توثيق منامات واتخاذ رؤيا غير المعصوم دليلاً وأمارة قد تبتعد في بيانها عن الإحاطة بجلالة المعنى القدسي المبارك للفظ القرآني بالاضافة إلى انعدام التثبت من صحة المنام ومن ثم الوصول إلى تحديد القسم الذي تنتمي اليه من اقسام الرؤيا وهل هي صادقة أم لا.
ومن جلالة علوم القرآن وأحكام الشريعة أنها خالية من المنامات واعتبارها في الحجية .
من معاني (سبحان)
وعن الازهري: قيل ان العرب تقول: سبحان من كذا اذا تعجبت منه وزعم ان قول الاعشى في معنى البراءة ايضاً :
أقول لمّا جاءني فَخْرُه … سبحان مِنْ علقمةَ الفاخِر( ).
ولكن (سبحان) كلمة تعظيم لله عز وجل لا تصلح لغيره .
وسبحان معرفة لانه علم للبراءة كما تقول شتان اسم علم للتفرق ولو كان نكرة لانصرف ، وقد اجتمع فيه الالف والنون مثل عمران وعثمان مما يمنع من صرفه ، ولا يضر باصل القاعدة وروده منوناً نكرة في بيت شعر كما في قول زيد بن عمرو بن نفيل :
سبحانه ثم سُبحاناً يعود له … وقبلنا سبح الجوديُّ والجمد( ).
ويقال سبح الرجل ، أي قال سبحان الله، وفي التنزيل [كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ] ( )، واختلف في سبحان هل هو مصدر سبح أم سّبح بالتشديد، والاقوى هو الثاني.
ومن صفاته تعالى (السبوح، القدوس) وهو المنزه عن كل نقص وسوء، والقدوس المبارك، وقيل: ليس في كلام العرب بناء على فعول بضم اوله غير هذين الاسمين الجليلين.
وسبحات وجه الله : انواره وعظمته (وفي الحديث أن جبرئيل عليه السلام قال: لله دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لاحرقتنا سبحات وجه ربنا)( ).
و(من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور لو رفع الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره.
ثم قرأ أبو عبيدة [أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ))( ).
ويبين هذا الحديث موضوعية حديث الإسراء في سلم الافضلية والاكرام للنبوة .
وقد ورد لفظ [سُبْحَانَ] في القرآن إحدى وخمسين مرة ، وهذا التعدد في مقام تقديس مقام الربوبية مدرسة في تعظيم الله عز وجل ودفع الوهم والضلالة عن النفوس ، ودعوة للجوء الى التوحيد والتقديس المطلق لمقام الربوبية .
لذا فان ورود لفظ [سُبْحَانَ] في بداية آية الإسراء وسورته له دلالات تستحق الدراسة والاستنباط بلحاظ موضوع الإسراء والنبوة مطلقاً.
بيان كلمات الآية
قصا المكان قصواً من باب قصى : أصبح بعيداً ، والشاة القاصية أي المنفردة، يقال قصي المكان يقصو قصواً: بعد، والقاصي: البعيد، والقصوى مؤنث الاقصى وهو الأبعد.
والبركة: النماء والحسن والإفاضة والزيادة والثبوت .
ومن معاني البركة الثبوت والإستدامة ، ومنها البقاء في المكان ، وقد وردت صفة البركة في مواضيع متعددة من القرآن منها تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ، وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ.
وفي إبراهيم عليه السلام قال تعالى وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ.
وفي عيسى عليه السلام ورد في التنزيل وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا.
أسرى : يقال سريت سرى وأسريت : إذا سرت ليلا، قال لبيد :
(فَبَاتَ وَأَسْرَى الْقَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ… وَمَا كَانَ وقافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ)( ).
وفي التنزيل وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ أي ان الليل يمضى وينقضي، كأنه يسير في ذاته وهو من الاعجاز البلاغي باطلاق صفة الحال على المحل .
والإسراء خاص بالليل، والسير يختص بالنهار او يشمله والليل.
و(وقال علي بن أبي طالب عليه السلام في بعض خطبه: والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها ؟ فقلت: اعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى)( ).
وعند الصباح هنا كناية عن اليوم الآخر وعالم الحساب .
وقال الصحابي (عبد الله بن رواحة :
عند الصباح يحمد القوم السُرَى … وتنجلي عنهم غيابات الكرى)( ).
والعبد : هو الانسان مطلقاً حراً او رقيقاً، ذكراً او انثىَ، كبيراً او صـغيراً، ويرد العبــد بمعنــى المملوك ويعـرف بالقرينة والانسان عبد الله لانه مربــوب ومخــلوق لله، ويقال للمسلمين: عباد الله، والعابد هو الموحد، وقال ابن منظور: عبد الله يعبده عبادة ومعبدة: (تأله له) ( ).
والظاهر ان المعنى بخلافه وان عَبدَه أي خضع له وذل له واطاعه، نعم يمكن ان يقال: ألهه، والبركة: النفع والنماء والزيادة.
وحول الشيء: جانبه الذي يمكن ان يحول اليه، لذا سمي العام حولاً بلحاظ الدوران وعودة الشهور والأيام.
والآيات: جمع آية وهي العلامة والدلالة .
لنريه : اللام للتعليل ونريه: فعل مضارع منصوب بان مضمرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن ويعود لله عز وجل، والهاء مفعول به يعود للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
بعبده : إظهار لمنافع العبودية وآدابها ودرس في الإيمان ، وقيل لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انا بك ، كان الجـواب له: ان كنت بي فانا لك ، فان الياء واللام متعاقبان .
فعرج الى المحل الرفيع والمقام العالي، حيث انقطعت عنده علوم غيره من ولد آدم وصار في مكان الدنو والإقتراب يناجي رب العزة والجبروت فضلاً من الله ورحمة على نبيه وعلينا معشر المسلمين.
شرف مقام العبودية
لقد نسب الله عز وجل لنفسه الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبر بوقوع الإسراء بصفة العبودية ، فلم تقل الآية (سبحان الذي أسرى برسوله أو بنبيه).
وفيه بشارة النقل الجوي ، والمركبات الفضائية للناس جميعاً ، المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، فهي نعمة عامة وهو الذي تحقق في هذا الزمان ، ولا يعلم المنافع العامة في الأزمنة اللاحقة من قوله تعالى [بِعَبْدِهِ] إلا الله عز وجل.
وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام (: عن أبيه قال : أحبوا بحب الإسلام فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا)( ).
وإذ رزق الله تعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الإسراء به والعروج به في السماء وفضله بصفة الكرم والإحسان وقابله بالبر واللطف والهبات فانه مأمور بالرأفة بالناس وان يزداد بهم رحمة وبراً وليقوم باعباء الرسالة مستعداً لتحمل الأذى، صابراً في جنب الله بما رأى من عظيم ملكه وواسع سلطانه وجبروته .
قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وقال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
وفي الإسراء دروس لمعرفة وجوه الفلاح لأولئك الذين يختارون دين الإسلام ولزوم اكرامهم واعانتهم باظهار وجوه السماحة في الشريعة وبيان البشارات واسباب الحث والترغيب، وبمقدار من الحرص على هداية الناس والعزيمة والصبر.
وفي المرسل عن (عكرمة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : جاء جبرئيل فقال لي يا محمد ان ربك يقرئك السلام وهذا ملك الجبال قد ارسله الله اليك وأمـره ان لا يفعل شــيئاً الا بأمرك .
فقال ملك الجبال: ان الله امرني ان لا افعل شيئاً الا بامرك ان شئت دمدمت عليهم الجبال وان شئت رميتهم بالحصباء وان شئت خسفت بهم الأرض .
قال يا ملك الجبال فاني أأنى بهم لعله ان يخرج منهم ذرية يقولوا لا اله الا الله، فقال ملك الجبال: انت كما سماك ربك رؤوف رحيم)( ).
من المسجد الحرام : لقد كان الإسراء من نفس المسجد الحرام ذكره الحســن وقتــادة ، وفي بعض الروايــات ان الإسراء ابتدأ من بيت أم هـاني ذكر ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخذ اولاً الى البيت الحرام وركب من هناك، وقالوا ان مكة والحرم كلها مسجد .
المسجد الأقصى
قوله تعالى إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هو بيت المقدس وانما قال تعالى الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ، ولانه لم يكن وراءه مسجد ، وفيه تنبيه وتوكيد واعلان لموضوعية آية الإسراء في مواجهة المشركين وبيان لبعض منافع الإسلام وحقائقه .
وهل فيه دعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل على انتشار المساجد في عموم الأرض ، الجواب نعم .
ومن خصائص المسجد الأقصى كثرة شجر الزيتون واحاطتها به وفي قوله تعالى [شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ] ( ) قيل هي شجرة الزيتون لما فيها من المنافع المتعددة فبالإضافة الى طيب ثمرها ووفرته فان دهنها يستعمل للعلاج والإسراج وحطبها يوقد به، وذكر انها أول شجرة نبتت بعد الطوفان وان سبعين نبياً باركوا فيها منهم إبراهيم عليه السلام .
من إعجاز الآية
على المنهجية التي شرعنا فيها في علم التفسير بإفراد باب للإعجاز في تفسير كل آية على شعبتين :
الأولى : الإعجاز الذاتي للآية .
الثانية : الإعجاز الغيري للآية .
ففي كل آية إعجاز متعدد ، ونتعرض لما في آية الإسراء من الإعجاز خصوصاً وانه ينطبق عليها بوضوح التقسيم الإستقرائي الذي ذكرناه للإعجاز وهو الإعجاز الذاتي والإعجاز الغيري للقرآن .
فمن إعجاز آية الإسراء إن اسرارها وعلومها باقية الى يوم القيامة، تدعو الناس جميعاً للبحث العلمي والإستقراء الفلسفي والسياحة في عالم الملكوت وآفاق السموات وتمنع من الغرور والتجبر والعتو عند تحقق نعمة الصعود في السماوات بواسطة الارتقاء العلمي الحديث.
وتبين الآية نسبة فعل الإسراء وانه فضل من عند الله تعالى وابتداءه ونهايته والغاية منه ضمن تقديسه وتعظيمه سبحانه، ومن اعجازها الذاتي ابتداؤها بتنزيهه وتعظيمه تعالى واختتامها بصفاته الحسنى، والآية تتحدى الناس بفعل خارق للعادة والأسباب مما لم يدركه العقل البشري والإرتقاء العلمي والتقني.
وتبقى الآية وموضوعها عزاً ومعجزة واكليلاً مباركاً يعلو هامات المسلمين، وتظهر ما تمتاز به النبوة الكريمة لسيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما يمكن تلمس منافع واقعة الإسراء وآيته في الميادين الفقهية والعقائدية والإجتماعية والعسكرية للمسلمين.
قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى]
سبحان : منصوب على المصدر والمعنى اسبح لله تسبيحاً.
وهي كلمة تنزيه وتقديس لله عز اسمه تتضمن ارشاد العقول الى كيفية تعظيمه سبــحانه، ولبيان عظيم قدرة الله والوثوق به، وطرد ما لا يليق به من الصفات، ليفــوز من آمن به وتوكل عليه واخلص العبادة له.
سئل الإمام علي عليه السلام عن كلمة سبحان الله فقال : كلمة رضيها الله تعالى لنفسه فاوصى بها( ).
ولكلمة سبحان معاني قدسية اضافية تتعلق بالقرائن ومناسبة المقام لابد من الكشف عنها وبيانها، ومن معانيها في الآية التوكيد بأن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء بأمر الله تعالى وارادته، فهو سبحانه الذي قضى بالإسراء لنبيه وفي ذلك مدخل للتسليم به وعدم التردد في قبول موضوعه، ولكي لا يكون هناك ذم ولا حرج على اولئك الذين يؤمنون بالإسراء ايماناً عفوياً.
وهو لا يمنع من التحري والبحث العلمي والإستقصاء الموضوعي ذي صبغة الصلاح ليزداد المسلمون هدى وايماناً وبصيرة.
ان الله عز وجل يثني على نفسه في القرآن ويبين بديع صنعه فتتجلى مضامين التنزيه لمقام الربوبية في حديث الإسراء كآية كونية وشرعية عظيمة وهو امــر يتضح لك ايضاً من خلال تفاصيل ووقائع الإسراء.
ان ورود عناوين التنزيه لله تعالى في مقدمة آية الإسراء برزخ وحائل دون التأويل الخاطئ لموضوع الإسراء وأوانه وغاياته ، فالله عز وجل هو الفاعل المختار والواهب المنان.
لقد كان الإسراء من العلوم والمعارف التي خص بها الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهذه الأمة المرحومة، قال تعالى [ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] ( ).
والإسراء مدرسة اخلاقية وتشريعية واجتماعية وتأديب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللأمة ، وتعليم ورياضة للنفس على التقوى والصلاح ومحاسن الاخلاق، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول (اللَّهُمَّ أرِنَا الأشْيَاء كَمَا هِيَ)( ).
وقد أنعم عليه سبحانه بأن اطلعه على احوال السماء وأسرار الكون .
رؤية الآيات
قوله تعالى لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا.
لبيان ان الإسلام دين يخاطب العقول وينفذ الى اعماق النفس الإنسانية بالدليل الروحي الحي ، والبرهان المنطقي ليعرض على العقــول نظام الخلق وآياته وبعضاً مما صنع الجبار .
لتكون آية الإسراء نقطة تحول وارتقاء للفت الأنظار نحو السماء وآياتها وبشارة متقدمة في زمانها لنتائج البحـوث العلمية المستفيضة منذ القرن الماضي والتي اسفرت عن كشف بعض الأسرار المادية للكون .
ولتثبيت قلوب المســلمين فلا يغــزوها ارتياب مع تـقدم واتسـاع تلك الإكتشــافات ، وقد قال الله تعالى يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ.
و(عن يونس بن عبد الرحمان قال: قلت لابي الحسن موسى ابن جعفر عليه السلام : لاي علة عرج الله بنبيه إلى السماء ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور وخاطبه وناجاه هناك والله لا يوصف بمكان .
فقال عليه السلام: إن الله لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنه عزوجل أراد أن يشرف به ملائكته وسكان سماواته، ويكرمهم بمشاهدته. ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبهون سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ))( ).
و(عن الباقر عليه السلام أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبراق أصغر من البغل وأكبر من الحمار مضطرب الأذنين عينيه في حافره وخطاه مد بصره .
وزاد في الكافي فإذا إنتهى إلى جبل قصرت يداه وطالت رجلاه فإذا هبط طالت يداه وقصرت رجلاه أهدب العرف الأيمن له جناحان من خلفه .
وفي العيون عن النبي صلى الله عليه وآله إن الله تعالى سخر لي البراق وهي دابة من دواب الجنة ليست بالقصير ولا بالطويل فلو أن الله أذن لها لجالت الدنيا والاخرة في جرية واحدة وهي أحسن الدواب لونا)( ).
ومكان (من) في قوله تعالى [مِنْ آيَاتِنَا] يعني بعض الآيات وان يحضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه البقعة المباركة وليعرج به الى السماء ومنها ان اراه الله الأنبياء وصلى بهم وغير ذلك من العجائب والعبر والبينات التي اخبر الناس بها.
(قَالَ عِيَاض : رُؤْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث إِنْ كَانَ مَنَامًا فَلَا إِشْكَال فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْيَقِظَة فَفِيهِ إِشْكَال)( ).
وليس من إشكال في المقام لأن الإسراء والمعراج معجزة خارقة للعادة ، وللتسليم بأن الأنبياء أحياء في عالم البرزخ.
وفي سياق الآيات جاءت الآية متصدرة لسورة الإسراء مما يدل على اهميتها واعتبار موضوعها في الحجية والبيان والإعتبار كما ان تسمية السورة باسمها يعني تسالم المسلمين على حصول الإسراء كسبب ونتيجة وعلى علو شأنه في تأريخ الإسلام كمعجزة عقلية وحسية ونعمة ارضية سماوية، وبعد هذه الآية تأتي آية اخرى تتعلق ببني اسرائيل، وكأنه من الإلتفات الموضوعي والإلتفات البلاغي فبعد صيغة الغيبة.
جاءت صيغة المتكلم بقوله تعالى وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا.
وقوله تعالى إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ جاءت الآية التالية بصيغة الحضور والخطاب كما ان عطف الآية على آية الإســراء بالواو (وآتينا) يفتــح الباب للدراســة المقارنة ولبيــان عظيم فضل الله تعالى على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بآية الإسراء وانه زيادة في السمو والشرف في مراتب النبوة وتفضيل المسلمين على الملل الأخرى.
لماذا الإسراء في الليل
الإسراء لا يحصل الا في الليل، فالآية تحدد اوان الإسراء وانه حصل في الليل ولكن لماذا في الليل وليس في النهار، وهل هما بمرتبة عرضية واحدة، أي سواء كان الإسراء في الليل او النهار فهو واحد ام ان الامر مختلف.
الأقوى هو الاخير وهناك خصــوصية لليل في حصول الإســراء وان كان الله واسعــاً كريماً ولو جاء الإسراء في النهار لكانت الآيات ذاتها بفضله تعالى .
ومن الآيات في حصول الإسراء في الليل :
الأولى : الليل مناسبة للمناجاة والتسبيح ، قال تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ.
الثانية : قال تعالى فَلَمَّــا جَــنَّ عَلَيْهِ اللَّيْــلُ رَأَى كَوْكَبًــا قالَ هَــذَا رَبِّي أي ان ظلام الليل وما يتغشى الارض من السكون يجعل العبد يتوجه الى عالم الغيب والملكوت.
الثالثة : حصول الإسراء في الليل باخبار القرآن دعوة للمسلمين للتدبر في الآيات الافاقية وأسرار السماوات ، وفي إبراهيم عليه السلام ورد في التنزيل فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ.
الرابعة : الآية تنفي الوحشة عن قلب المؤمن في ظلمة الليل الحالكة أي شديدة السواد، وتجعله ينتقل مع عالم الإسراء وعلومه المكنونة ويسيح فكره في عالم السماوات شكراً لله واقراراً ببديع صنعه وعظيم فضله على المسلمين بالإسراء.
الخامسة : يعيش المؤمن في الليل إسراء روحياً يحاكي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يتأسى به في العبادات واعمال البر والصلاح.
السادسة : حصول الإسراء في الليل دعوة سماوية للاجتهاد في العبادة ساعات الليل البهيم( ).
السابعة : عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانقطاعه الى الله تعالى مستمر في الليل والنهار.
الثامنة : قانون النبوة جهاد متصل في جميع آنات الليل والنهار.
التاسعة : قانون ابواب الكسب العلمي والموهبة لا تنحصر بساعات النهار.
العاشرة : في ساعات الليل وفترات السكون افاضات من الفضل الإلهي مما لا تدركه عقول البشر.
الحادية عشرة : صبح الاسلام قادم وانه يطل على الناس بآية كونية سماوية ، قال تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.
الثانية عشرة : تتنزل رحمة الله تعالى في كل ساعة من ساعات الليل والنهار من غير حصر بوقت محدد.
الثالثة عشرة : الناس في سكينة ويخلدون الى النوم ، لينتقل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء في اكرام وتشريف خاصين وعمل جهادي متصل.
الرابعة عشرة : يأتي الوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين الناس، واما الإسراء فانه احتاج الى انتقاله فأخذته الملائكة حينما انفرد عن الناس.
الخامسة عشرة : ساعات الليل اكثر مناسبة للنجوى، ورؤية الآيات، ونفاذ البصيرة.
السادسة عشرة : في ظلمة الليل ووسط مجتمعات الكفر والشرك ينبثق صوت الاسلام بصعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى السماء.
السابعة عشرة : النبي صلى الله عليه واله وسلم ليس وحيداً في الدنيا، وغير مستوحش من إعراض الكفار وصدود مشركي قريش ، وفي التنزيل وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ.
وأبواب السماء مفتحة له وهو عنوان المدد الملكوتي ومقدمة لنزول الملائكة لنصر وتثبيت رسالته كما حصل في معركة بدر ، قال تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ] ( ).
ومن وجوه تفضيل النبي صلى الله عليه وآله على الأنبياء الآخرين ان موسى عليه الســلام وهو من الرسل أولي العـزم بُعث الى بني اسرائيل وكان يخاف من فرعون، والنبي محمد صــلى الله عليه وآله واجــه الكــل بما في ذلك قريـش وأهل مكة، وفي التنزيل قُلْ يَا أَيُّهَـــا الْكَافِــرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُــدُونَ.
الثامنة عشرة : انه استقبال للنهار وللجهاد العلني في سبيل الله عز وجل، وكأن الليل عنوان الدعوة السرية في بداية البعثه النبوية.
التاسعة عشرة : قانون جريان الإعداد للإمامة والرياسة العامة في أمور الدين والدنيا في الليل والنهار،في الليل يكون الانقطاع الى الله وفي النهار الجهاد والدعوة الى الله عز وجل.
العشرون : عن أمير المؤمنين عليه السلام : عند الصباح يحمد القوم السُرى)( ) أي المسير بالليل وقطع المسافة بدل بقاء القوم في نفس المكان، وفيه حث على السعي والكسب واستثمار الفرص.
الواحد والعشرون : الإسراء مقدمة جهادية لمعرفة الاحكام الشرعية وتبليغها.
الثانية والعشرون : الليل والنهار من خلق الله تعالى ومستجيبان لامره وهما جزء من سلطانه تعالى ، وجعل كل منهما آية من آياته ومناسبة كريمة لاحتواء أدق الآيات واعظم الاسرار ، والإسراء من مصاديق قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
الثالثة والعشرون : الآية حث على عدم استغلال الليل في معصية الله والفواحش، فقد شرف الله الليل بأن جعله وعاءً زمانيا لاعظم آية جامعة وهي الإسراء والمعراج الى السماء.
الرابعة والعشرون : تبين الآية التشريف والتفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الانبياء السابقين بخصوص الإسراء في الليل وان كان موضوع الإسراء تشريفاً ظاهراً ومستديماً .
والتفضيل في الآية بلحاظ ماورد في نبي الله موسى، قال تعالى فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ.
فكان إسراء موسى عليه السلام في الارض مع وجل وخوف ورجاء النجاة من فرعون ، وإسراء النبي صلى الله وعليه وآله وسلم الاكرم صلى الله وعليه وآله وسلم الى السماء بتكريم وعز وتحصيل للمعارف.
الخامسة والعشرون : لقد اخلص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عبادته وانقطاعه لله تعالى، وقد جاء مدحه في القرآن بقوله تعالى[ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ] ( ).
السادسة والعشرون : جاءت نعمة الإسراء دفعة واحدة، بينما ورد في موسى عليه السلام ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعشْرٍ ولم يكن عروجاً الى السماء كما في حديث الإسراء.
السابعة والعشرون : ذكر الليل جاء في آية الإسراء مطلقاً وعلى نحو التنكير (ليلاً) ويعنى انه في شطر وجزء من الليل، فالتنكير يدل على التبعيض والجزئية والاخبار بان الإسراء لم يستوعب تمام الليل لبيان الاعجاز، ولمسيرة شهر كامل مع الاسباب والرواحل فتم الإسراء بجزء من الليل من غير آلة ووسيلة ظاهرة .
بالاضافة الى دفع وهم وسد الطريق امام الذي يدعي في الصباح أنه قد رأى النبي اول الليل مثلاً، لذا ترى المشركين لم يحتجوا بذلك لمحاولة إنكارهم حصول الإسراء، كما تؤكد النصوص والروايات حصول الإسراء في جزء وشطر من الليل، واسشهد بقراءة عبد الله بن مسعود وحذيفة (من الليل) بدلاً من (ليلاً).
نسبة الإسراء إلى الله
ونسبة الإسراء إلى الله تعالى بقوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، فيها مسائل :
الأولى : الآية حجة قرآنية.
الثانية : تثبيت للمعجزة وشهادة قرآنية على انها تمت بامره وبفضله تعالى.
الثالثة : قطع للشك والريب في معجزة الإسراء .
الرابعة : منع للتساؤل المرتكز على المادة والاسباب الظاهرية فحسب.
الخامسة : دعوة للناس للتوجه إلى الله تعالى في سؤال ما هو خارق للعادة ومفارق للاسباب والقدرة الشخصية ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
فقد يحصل تعارض بين آمال الإنسان وبين قدراته فغالباً ما تتخلف القدرات والامكانيات عن الآمال والطموحات فتأتي نسبة الإسراء إلى الله تعالى لتبعث في آمال ورغائب المؤمن الحياة وتجعل نفسه مستبشرة مطمئنة.
السادسة : في هذه التسمية المباركة بشارة التوفيق وتحقيق الاماني.
السابعة : تشجع الآية على الطموحات السائغة شرعاً.
الثامنة : في الآية دروس في التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته الشريفة فما يفعله انما هو من الله تعالى وبامره.
التاسعة : قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى فكذا قول وفعل وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفعلية لا تصدر الا من الله تعالى، والإسراء صادر بالأولوية باذنه تعالى لما فيه من الاعجاز والامر الخارق .
العاشرة : تشريف وامان للمسلمين اذ ان اكرام الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم على نحو القضية الشخصية ينحل ليشمل عموم المسلمين وفي جميع الازمنة.
الحادية عشرة : هذه التسمية موضوع للاحتجاج على الاخرين ورد على الذين يفتخرون بان موسى كليم الله الامر الذي ثبته القرآن ولم ينكره ولكنه بين ما انفرد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخصائص والمعجزات التي تدعوهم الى ضرورة الإيمان برسالته واتباعه.
قوله تعالى[بِعَبْدِهِ لَيْلاً]
يتعلق موضوع الآية بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باجماع المسلمين، وقال جماعة من اهل العرفان: انها تدل على شرف العبودية أي الإخلاص في العبادة وارتقائها وعلوها على النبوة، وانه تعالى لم يقل اسرى بنبيه.
ولكن هذا الاستدلال في تفضيل العبودية على النبوة لا يخلو من قلة الإنصاف لمقام النبوة لشرفها وانها تفضيل وصفة تكريم زائدة، ونخشى من يأتي ويقول ان العبد باخلاصه وصلاحه خير من النبي، وان في آخر الزمان رجالاً اشرف واعظم من الأنبياء ويلبس القول لباس العرفان او يأتي ببعض وجوه المقارنة مما يحتاج الى تنقيح يحول دون استغلاله .
فليس من صفة افضل من النبوة التي تمثل اعلى مراتب الكمال الإنساني، نعم يمكــن ان تستقرأ اطروحات جديدة من هذه الآية وغيرها في ذكر صفة العبودية دون النبوة من غير ان تتعارض مع افضلية وشــرف النبــوة التي تنفــرد بخصوصية تشريف، وهي تلقي النبي الوحي من الله عز وجــل من غير واسطة من البشر .
وتقدير الآية (سبحان الذي أسرى بعبده النبي الرسول) وهذا التقدير مستقرأ من مضامين المعجزة العقلية والحسية للإسراء ، ودلالتها على اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بها الذي انفرد من بين الأنبياء بالجمع بين المعجزة الحسية والعقلية .

الإسراء نعمة عظمى
صحيح أن الإسراء والمعراج جرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ، لبيان أن منافع الإسراء عامة للناس ، ولا تختص بجيل دون آخر .
وفي الآية مسائل :
الأولى : الإسراء تشريف حدث في ايام التكليف والعبودية لبيان خصوصية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما شرفه الله به من دون العباد فان رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنبياء في السماء تشريف بعد الموت للأنبياء بل ولغير الأنبياء من الأولياء والشهداء ، قال تعالى وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ، واختص وانفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء والعروج في السموات.
الثانية : دراسة الصلة بين سجود الملائكة لآدم عليه السلام، ورفض ابليس للسـجود وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا إلى جانب معجزة وصعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السماء تشريفاً.
الثالثة : انه اخبار اعجازي متقدم زماناً لما يحصل في هذا الزمان من الصعود الى السماء، والإرتقاء السريع بالسياحة في بعض ارجائها كما انه نوع تحد.
الرابعة : ارادة المعنى الأعم والحث على التقوى والصلاح، وان العبودية والاخلاص في العبادة يفتح ابواباً في طهارة النفس وصفاء السريرة والعلوم التي تأتي هبة او اكتساباً ، وفي التنزيل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
الخامسة : الآية تمنع من الحسد وازدياد وتيرة العداوة والبغضاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فان الكفار والمنافقين ينشغلون بامر الله تعالى ومشيئته في الإسراء وتنصرف ابصارهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن نسبة الإسراء إلى الله تعالى تجعل الموضوع الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس اسراء النبي .
وكأن الإسراء معلول لعلة وهي بعث وامر الله الأكيد بالإسراء ومسـبب لسبب وهو ارادته، وقوله تعالى [لَيْلاً] يفيد ان الإسراء- رواحاً ومجيئاً- كان في ليلة واحدة قبل ان يطلع فجرها مما يعدل مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين الف عام .
العلة الفاعلية
فالعلة في الإسراء ليست مادية وهي العلة الداخلية التي يكون المعلول معها بالقوة، بل هو من العلة الفاعلية الخارجة عن قدرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لذا ورد قوله تعالى [بِعَبْدِهِ] لنفي القدرة على الإسراء بالإنسان عن غير الله عز وجل فهو وحده سبحانه القادر عليها.
ونضيف مسألة مستحدثة في علم التفسير والكلام.
ترى كم مرة ورد لفظ (بعبده) في القرآن ، الجواب هو مرة واحدة ، وفي آية الإسراء وهو من الإعجاز العددي في القرآن ، باختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء والمعراج .
صحيح أن الآية وردت بصفة عبودية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل ولكن يمكن تقديرها من وجوه :
الأول : سبحان الذي أسرى بعبده النبي ، وكلمة سبحان تنزيه لمقام الربوبية ، ويدل ابتداء الآية بها على أن الله عز وجل وحده القادر على سياحة من يشاء في السماء .
الثاني : سبحان الذي أسرى بعبده الرسول .
الثالث : سبحان الذي أسرى بعبده ولم يسر بغيره من الناس .
نعم ورد لفظ (عبده) من غير حرف جر ست مرات في القرآن خمسة منها بخصوص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وواحدة فقط بخصوص زكريا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، مع الفارق بذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة (عبده) من غير إضافة بينما ورد ذكر زكريا بالإضافة.
والاسراء لا يحصل الا بالليل ومع هذا قال تعالى [لَيْلاً] للتوكيد ولبيان خصوصية في الليل كوعاء للاسراء لما فيه من سكون وانقطاع الى الله وقلة حــركة بني آدم، ولامتحان الناس في تصديق الآية، وليتطلع المسلمون الى فضل الله تعالى ونزول رحمتــه ليلاً كما يرجونها نهاراً، وليكون مناسبة للسياحة في عالم الملكوت بالاستغفـار والتدبر في آيات الآفاق ومعجزة الاسراء.
الإرتقاء في العلوم
من إعجاز القرآن ورود أول كلمة منه بالحض على طلب العلم النافع ، قال تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
وما وصل اليه العلماء بعد نحو الف واربعمائة سنة من معجزة الإسراء المباركة وبعد جهود متصلة واموال طائلة انفقت وتنفق في هذا الباب لم يبلغ معشار ما حاز شرفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعجاز للإخبار بان الجديد المستحدث موجود عند اشرف المخلوقات ومن خلاله عند اوليائه والمؤمنين .
وحصتنا منه العبادات واحكامها ومعرفة احوال الآخرة والتسليم بحصول الإسراء وتلقي المعارف الإلهية بالواسطة وعبر السنة القولية والفعلية .
فقد شرعت بعض احكام الصلاة والأذان عند عروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى السماء.
وفي الإسراء حث للناس على طلب العلم والسعي في الإرتقاء الى السماء وافلاكها واخبار عن حصوله بالكسب والتحصيل وردع عن اصابتهم بالغرور فيما سيبلغون من سياحة في السماء لأنها محدودة وجزئية بالقياس الى آية الإسراء، فالعروج الى السماء بمسيرة خمسين الف سنة تم في شطر من ليلة اذ لم تكن ثمة مسافة.
وفي دراسة مقارنة من خلال قوله تعالى [ تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ] ( ) يظهر لك التفضيل والتشريف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعروج الى الســماء في شـطر من ليلة وكأنها أقل من المسافة الشرعية التي يترتب فيها على المسافر حكم القصر في صلاته والإفطار.
ويتجلى التضاد بين معصية إبليس بعد تشريفه وارتقائه إلى السماء وطرده منها ثم صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى السماء طائعاً خاضعاً بصفة العبودية التي تعني الإنقياد التام والخضوع في توثيق سماوي وبيان لشرف الإنسان وأهليته لوراثته الأرض.

من إفاضات الإسراء
لقد أكرم الله عز وجل الإنسان باخباره تعالى للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ثم جاء المعراج لبيان أهلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للخلافة والإمامة العامة بالرسالة للناس جميعاً وتبليغ أحكام الشريعة ومنها ما تلقاها في السماء ليلة المعراج ، وفيه وجوه :
الأول : أراد الله عز وجل ان يرى الملائكة اهلية الفرد الكامل من البشر للتشريف والإكرام الخاص، واستحقاقه للخلافة في الأرض وسجود الملائكة لآدم يوم خلقه الله من طين ونفخ فيه من روحه .
وفيه ايضاً دعوة للناس للصلاح والتأسي والسعي ونيل الدرجات السامية بالتقوى وملكة الإيمان، خصوصاً وان الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأنه يحمل نور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الخبر.
الثاني : مما هو ثابت في علم الكلام ان ما ناله الأنبياء من المقامات والآيات الإعجازية هو عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه منتهى الكمالات الإنسانية، وفي الإسراء آية اعجازية اخرى وهي ان الذي سيناله الناس فيما بعد بالعلم والكسب والتحصيل من ارتقاء وسياحة محدودة في عالم السماء حصل عليها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضل من الله تعالى ، ولكي لا يصاب هؤلاء بالغرور وفيه دعوة للعلم الكسبي في هذا الباب.
الثالث : ورد في كلام بعض العرفاء: النبي برزخ بين الخالق والمخلوق .
ولكن لا واسطة بين الخالق والمخلوق، بين واجب الوجود والممكنات، نعم النبوة مرتبة تعني الرفعة والكمال الإنساني تولد بصفة تشريفية زائدة هي ايضاً بفضل وارادة منه تعالى ومن غير مغادرة لمنازل الامكان ، وفي التنزيل قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
الرابع : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: اتخذني الله عبداً قبل ان يتخذني نبياً ليبين مقام العبودية واهليته وموضوعيته في حياة الناس ، وقيل (الصلاة معراج المؤمن) انها معراج مجازاً وان العبد يرتقي بها في السماء.
الخامس : الإسراء رأفة ولطف الهي واحسان خاص وعام، خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وعام للمسلمين والناس والملائكة وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
السادس : الإسراء مدخل ليقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأعباء النبوة والرسالة بعد ما رأى من عظيم الآيات، وسعة ملك الله سبحانه وجبروته وقوته.
السابع : الآية لا تدل على افضلية صفة العبودية على النبوة وان كان الإسراء معجزة الا انه لا يعني انفراد واستقلال صفة العبودية عند النبي، بل العكس هو الصواب ، فالإسراء بصفة العبودية يدل على تفضيل النبوة وانها تتضمن أسراراً وهبات عظيمة .
ويمكن القول أن في الآية حذفاً وهو : سبحان الذي أسرى بعبده النبي الرسول .
ويمكن تقدير آية الإسراء على وجوه :
الأول : سبحان الذي أسرى بعبده النبي .
الثاني : سبحان الذي أسرى بعبده الرسول .
الثالث : سبحان الذي أسرى بعبده خاتم النبيين .
دلالات صفة العبودية
لورود الإسراء بصفة عبودية النبي لله عز وجل دلالات منها الترغيب بطاعة الله ، والوعد الكريم بالبشارة بفضل الله على عباده المؤمنين ، والله بيده مقاليد الأمور .
وفي سورة الفاتحة التي يقرأها المسلمون كل يوم في فرائض الصلاة وفيها قوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ( ) فقدمت العبادة والاقرار بالعبودية على الاستعانة وكأنه مقدمة للحاجة بلسان الذل والخضوع.
كما ان المسلمين يأتون بالشهادتين في الصلاة وفيها (اشهد ان محمداً عبده ورسوله) فقدمت صفة العبودية في حال الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشــهادة بنبوتــه، وفيه بيان لموضوعية صفة العبودية وما يترشــح عنها من الفضــل والشــرف والعز .
لقد بالغ اقوام في منازل الانبياء وقاربوا بها الربوبية، فجاء الاسلام ليتصدى الى تلك المبالغة بنفس الصيغ الجهادية والتربوية التي رسخها في إكرام الانبياء، ومعرفة حقيقة ارتقائهم على البشر منزلة وعلماً وكرامة.
(فعن صهيب ان معاذاً لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال: يا معاذ ما هذا .
قال: ان اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها. ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت : ما هذا ، قالوا : تحية الانبياء.
فقال عليه السلام: كذبوا على انبيائهم)( ).
وبذا تظهر الحاجة للإسلام في منع الغلو في الدين وفضح التحريف.
واستمر الصحابة والائمة عليهم السلام في التصدي لصيّغ الغلــو وأماراته ليتجه الناس إلى التوحيد والإخلاص في العبادة.
فعن الثوري عن سماك بن هاني قال : دخل الجاثليق على علي بن أبي طالب فاراد ان يسجد له.
فقال له علي: اسجد لله ولا تسجد لي( ).
ولما رأى النصارى الآيات من عيسى باحيائه الموتى وابرائه الاكمه والابرص جرده بعضهم من صـــفة العبودية واتخــذوه معبوداً لـذا ورد في التنزيل لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
وعن الامام محمد الباقر عليه السلام قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وعنده جبرئيل، اذ نظر جبرئيل نحو السماء فامتقع لونه حتى صار كأنه الكركمة.
ثم لاذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى حيث نظر جبرئيل فاذا شــيء قد مــلأ ما بين الخافقــين مقبلاً حتى كان كقاب من الأرض، ثم قال: يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: اني رسول الله اليك اخبرك ان تكون ملكاً احب اليك او تكون عبداً رسولاً.
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى جبرئيل وقد رجع اليه لونه فقال جبرئيل: بل كن عبداً ورسولاً .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل اكن عبداً رسولاً فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد سماء الدنيا، ثم رفع الأخرى فوضعها في الثانية، ثم رفع اليمنى فوضعها في الثالثة، ثم انتهى الى السماء السابعة، بعد كل سماء خطوة وكلما ارتفع صغر حتى صار آخر ذلك مثل الصرد.
(فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى جبرئيل وقال: لقد رأيتك ذعراً وما رأيته شيئاً كان اذعرني من تغيير لونك؟ فقال: يا نبي الله لا تلمني اتدري من هذا، قال: لا قال اسرافيل حاجب الرب فلم يزل من مكانه منذ خلق الله السماوات والأرض .
فلما رأيته منحطاً ظننت انه جاء بقيام الساعة، فكان الذي رأيت من تغيير لوني لذلك، فلما رأيت ما اصطفاك الله به رجع لوني ونفسي، او ما رأيته كلما ارتفع صغر اذ ليس شيء يدنو من الرب الا يصغر لعظمته، ان هذا حاجب الرب واقرب الله منه، واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، اذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه فنظر فيه ثم القاه الينا فنسعى به في السموات والأرض) ( ).
عذوبة العبودية لله
لا بد ان اختيار صفة العبودية في الإسراء اعظم نفعاً واجرا،ً فاختارها الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا غرابة ان يرزقه الله عز وجل الإسراء إلى بيت المقدس والعروج في السماء في ليلة واحدة بصفة العبودية مع ملازمتها لشرف الرسالة .
فذكر صفة العبودية في آية الإسراء يلازمها انطباقاً ذكر الرسالة، ليكونا معا حقيقة خارجية واحدة اتصف بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليكون مؤهلاً لأعلى الدرجات في السماء.
ان العروج بصفة العبودية دلالة على الارتقاء النوعي الانساني بالإسراء وتخلصه من الكدورات الظلمانية بالاسلام وانتقاله من حضيض البهيميــة الى عالم الافاضــة الملكيــة .
وتقسم قوة النفس بحسب علم العرفان إلى قسمين :
الأول : القوة النظرية , وهي استعداد النفس لقبول صور الموجودات الغيبية , وتسعى هذه القوة في مسالك المعرفة وأشرف مصاديقهــا بلوغ منازل التوحيـد وشهادة أن لا إله إلا الله .
الثاني : القوة العملية وتتجلى بقابلية التصـرف المادي فيما حولها , وارتقائهــا في مزاولــة الصالحــات وتعاهــد مناسـك العبادة.
والعبودية لله عز وجل وصف إكرام وثناء ، ولقد اجتهد الأنبياء في إظهار العبودية لله عز وجل ، وفي عيسى عليه السلام قال تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، وقال تعالى وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ.
فلم تخرجهم النبوة والشأن والجاه العريض بين الناس من صفة العبودية لله ، وقال تعالى في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.
لبيان قانون لا يرتقي في السماء إلا من اخلص في عبوديته لله ومنهم الملائكة .
ووصف الله عز وجل للنبي بالعبودية له تعالى صفة كمال وتكريم ومدح ، قال تعالى وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.
قوله تعالى [مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ]
من : حرف جر أصلي له عدة معان منها ابتداء للغاية، وهي على قسمين : أما زمانية كقوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ أو مكانية كما في هذه الآية الكريمة.
فالآية تدل على ان ابتداء الإسراء كان من البيت الحرام ، وفيه مسائل :
الأولى : ورد لفظ [الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] في القرآن أربع عشرة مرة، تتعلق بتعيينه قبلة للمسلمين وبسعي المسلمين للوصول اليه وأداء مناسك الحج ومحاولات المشركين صد المسلمين عنه ، وقال تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.
وذكر الإسراء ضمن مواضيع المسجد الحرام يدل على موضوعيته في العبادات وفي الاحتجاج على الكفار خصوصاً وانه حصل قبل الهجرة النبوية الشريفة.
الثانية : تبين الآية شرف هذا الموضع المبارك وانه أم الأرض , لذا فان النصوص وردت بدحو الارض أي انبساطها من تحت الكعبة في اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، وان صيامه يعدل صيام ستين سنة.
الثالثة : جاء وصف الحرام للمسجد لما له من الحرمة والمنعة والتنزيه والأحكام الخاصة .
فيحرم فيه ما لا يحرم في غيره سواء كمسجد وتشمله احكام المسجدية ام لعنوانه الخاص وانه البيت الحرام واحكامه التي يشترك معه فيها المسجد النبوي كعدم جواز اجتياز ومرور الجنب والحائض فيهما، او احكامه الخاصة التي ينفرد بها مثل الطواف والاعتمار او عدم اخراج اللاجئ اليه وان كان جانياً.
الرابعة : قد يرد اسم المسجد الحرام ويراد منه مطلق الحرم سمي به جملة الحرم تسمية للشىء باشرف اجزائه واهمها كما الإنسان في قوله تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ والمراد تحرير العبد .
إن ذكر المسجد الحرام بالخصوص كمنطلق وموضع لبدء الإسراء دلالة قرآنية على شرف الإسراء وعظمته حتى على فرض ان الإسراء حصل من بيت ام هاني كما هو المشهور، أي ان الامر ليس من اطلاق الجزء وارادة الكل فحسب بل من اضفاء قدسية وحرمة البيت الحرام على معجزة الإسراء وان بدأت من حول المسجد الحرام .
ووقع الاختلاف بين الفقهاء في حرمة دخول الكافر الى المسجد الحرام، فقال مالك بالحرمة، وقال ابو حنيفة بجوازه وقالت الامامية بعدم جواز دخوله الحرم وكذا الشافعي لعمومات قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا.
وقيل قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] وانما اسري به من بيت خديجة أو بيت أم هانئ، فالآية دالة اما على المسجد فقط ، أو على المحرم كله ، وبيت خــديحــة هــو الذي ولــدت فيه فاطمة الزهراء عليها السلام.
الخامسة : ان مبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت ام هانئ اعم من بدء الإسراء من بيتها ، وان اخرجه الملكان من البيت، خصوصا وان بيوت قريش عامة كانت قريبة من البيت الحرام ومحيطه به .
فالبيت الذي ولد فيه النبي محمد صلى الله وعليه وآله وسلم مجاور للمسجد الحرام، والبيوت محيطة بالمسجد الحرام ولم يكن البيت بالسعة التي عليها اليوم.

قدسية البيت الحرام
يبين قوله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ الشأن العظيم للبيت الحرام منذ عمارة الإنسان للأرض وقيام آدم وحواء بحج البيت الحرام .
وعن الإمام (الصادق عليه السلام : لما أفاض آدم عليه السلام من منى تلقته الملائكة بالابطح فقالوا : يا آدم بُر حجك أما إنا قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجه بألفي عام)( ).
ومن خصائص نبوة محمد تعاهد رفعة وقدسية البيت الحرام إلى يوم القيامة ، وفي فتح مكة في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة وجد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حول البيت ثلاثمائة وستين صنماً وفي يدي النبي محمد قضيب فجعل يضرب رؤوسها ويقول جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.
فتتهاوى الأصنام إلى الأرض وعلى نحو التأبيد ، فلا يعبد في البيت إلا الله عز وجل إلى يوم القيامة ، وكان الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة إنقطاع عبادة الأوثان .
ان بدء الإسراء من المسجد الحرام توكيد للاهمية العقائدية للمسجد الحرام فهو قبلة المسلمين يتوجهون لجهته في صلاتهم كل يوم ، قال تعالى وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
وهو مطاف الحج والعمرة، فقلب كل مسلم يشتاق للمسجد الحرام، وانطلاق الإسراء من المسجد الحرام يؤكد ان موضوع الإسراء يهم كل مسلم لذا ترى انه تضمن تشريعات واحكاماً عندما عرج بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الى السماء .
بداية موضع الإسراء
وفي موضع بداية الإسراء وجوه :
الأول : من المسجد الحرام.
الثاني : من بيت ام هانئ.
الثالث : من بيت خديجة.
الرابع : من الحرم وان مكة والحرم كلها مسجد.
ولا تعارض بين هذه الوجوه ويمكن الجمع بينها بان النبي انتقل من بيت خديجة الى بيت ام هانئ ومنه اخذه جبرئيل الى المسجد الحرام للاسراء به بالاضافة الى حمل الكلام العربي على ظاهره أي ان الآية صريحة بحصول الإسراء من المسجد الحرام .
وهذا التعدد والاختلاف بمنطلق الإسراء وبدايته شاهد على الإجماع على حدوث الإسراء ، ويجب ان لا يكون حائلاً دون المواعظ والدروس والعبر ووجوه الحكمة في حصول الإسراء من المسجد الحرام بالذات .
علينا ان نتلمس مضامين الفضل الالهي والمزايا التي ينفرد بها البيت الحرام وحصول الإسراء منه كمكرمة اضافية وتشريف اعتبارى للمسجد وعماره وللنبي محمد ومعجزة الإسراء ، أي ان الإسراء نعمة وفضل الهي على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين والمسجد الحرام وعلى الناس جميعاً.

قوله تعالى [إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى]
إلى : حرف جر له سبعة معان منها انتهاء الغاية وهو ينقسم إلى قسمين:
الأول : إنتهاء الغاية الزمانية كما في قوله تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ] ( ).
الثاني : انتهاء الغاية المكانية كما في هذه الآية الكريمة.
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم انتهي به الإسراء الى المسجد الاقصى والمراد به بيت المقدس ، وعليه اجماع علماء المسلمين والمفسرين، وفي الخبر بالإسناد عن الامام موسى بن جعفر عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الله تبارك وتعالى اختار من البلدان اربعة فقال عز وجل [وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ] ( ) التين المدينة، والزيتون بيت المقــدس، وطور السنين الكوفة، وهذا البلد الامين مكة.
ويستحب الصلاة في المسجد الاقصى وفي الخبر عن علي عليه السلام صلاة في بيت المقدس تعدل ألف صلاة.
وورد عن مسائل ابن سلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اخبرني عن موضع الباب الذي فتح من السماء فنزلت منه الملائكة بالرحمة على بني اسرائيل أي موضع هو ؟ قال: مقابل الصخرة التي ببيت المقدس ومعراج الانبياء والاولياء والملائكة المقربين.
ولقد أكرم الله عز وجل بيت المقدس بنزول آية فيه وفي قوله تعالى [وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا… ] ( ) فقد ذكر انها نزلت في بيت المقدس ليلة الإسراء.
وكما يستعمل لفظ الاقصى بمعنى البعيد فانه يستعمل بمعنى الانفراد يقال الشاة القاصية أي المنفردة عن القطيع البعيدة عنه، لذا ورد الحديث أن الشيطان كالذئب يأخذ القاصية والشاذة أي انه يتسلط على المبتعد عن الجماعة .
و(عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد)( ).
ويروى الحديث موقوفاً على معاذ بن جبل كما في المحرر الوجيز( ).
وهل في اطلاق اسم الاقصى على بيت المقدس إشارة قرآنية إلى فتحه مع بعده ، أو إلى الحروب التي تقع بسببه والى احتلاله من قبل اليهود ومنعهم المسلمين من اداء الشعائر فيه، او ان فيها تنبيهاً للمسلمين بلزوم عدم تركه منفرداً ، ودعوة لهم ان لا يبتعدوا عنه في سكناهم وعدتهم ، الجواب نعم .
ولو تأملت التاريخ لوجدت انعدام التخطيط والاحتراز السياسي والعسكري والاجتماعي بخصوص بيت المقدس وانه لم يؤخذ من ايدي المسلمين بكثرة جيوش او معدات او بأمر ذي شأن خطير .
و(عَنْ ذِي الْأَصَابِعِ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ ابْتُلِينَا بَعْدَكَ بِالْبَقَاءِ أَيْنَ تَأْمُرُنَا قَالَ عَلَيْكَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْشَأَ لَكَ ذُرِّيَّةٌ يَغْدُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَرُوحُونَ)( ).
وفيه دعوة نبوية للسكن في بيت المقدس وعمارته.
وقيل انه سمي الأقصى لبعده عن التدليس والأقذار .
وقد وردت اخبار ونصوص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يخبر فيها عن فتح المسلمين للمسجد الأقصى والشام وانهما جزء من الكيان الإسلامي.
وهل تدل الآية على دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى المســجد الاقصى أم أنه وصــل اليه، قال الــرازي (ليس في اللفظ دلالة عليه)( )، ولكن الآيــة الكريمة تــدل على دخـوله صلى الله عليه وآله وسلم المســجد لحمـل الكلام على ظاهره ولدخول الغاية في المغيى في حال وحدة الجنس، هذا بالاضافة الى النصوص البيانية والاخبــار .
وتســمى مدينة بيت المقــدس إيلياء.
و(قال الفرزوق :
وبَيْتانِ بَيْتُ الله نَحن وُلاتُه … وبَيْتٌ بأَعْلى إِيلِياءَ مُشَرَّف)( ).
فضل بيت المقدس
لقد ذكر الله عز وجل بيت المقدس عدة مرات في القرآن ، من وجوه :
الأول : الأرض المباركة كما في قوله تعالى في قصة إبراهيم وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ.
الثاني : القرية ، قال تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ.
وعن مجاهد أن (باب حطة) (هو الباب الثامن من بيت المقدس)( ).
الثالث : الأرض المقدسة ، كما وقد حكاية عن موسى في التنزيل يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
الرابع : مبوأ صدق : كما في قوله تعالى وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ، أي في محل محمود ومختار ، وقيل المراد في الآية الشام وبيت المقدس.
ولقد صلى رسول الله وأصحابه ستة عشر شهراً إلى بيت المقدس وهو في المدينة ثم صرفت القبلة إلى البيت الحرام .
و(عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنمر على المسجد فنصلي فيه ، فمررنا يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر .
فقلت : لقد حدث أمر فجلست .
فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ حتى فرغ من الآية ، فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكون أول من صلى فتوارينا فصلينا ، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ إلى الكعبة)( ).
و(عن حريز قال أبو جعفر عليه السلام: استقبل القبلة بوجهك، ولا تقلب وجهك فتفسد صلاتك، فان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وآله في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ))( ).
ووردت أحاديث نبوية بخصوص شرف بيت المقدس منها ما ورد (عن أبي ذَرقال : قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مَسجِد وُضِع في الأرض أوَّلُ؟ قال: الْمسْجِدُ الْحَرَامُ .
قلت : ثم أَيُّ ، قال : الْمسجِدُ الأقْصَى.
قلت : كم بينهما ، قال : أرْبَعُونَ سَنَةً .
قلتُ : ثم أَيُّ ، قال : ثُم حَيْثُ أدْرَكْت الصَلاةَ فَصَلِّ ، فَكُلُّهَا مَسْجِدٌ)( ).
ولقد سكن الكنعانيون بيت المقدس قبل اكثر من خمسة آلاف سنة قادمين من الجزيرة العربية , وقبل اليهودية والنصرانية بل وقبل ابراهيم عليه السلام واسسوا فيها حضارة ومدنية، وشرفه الله بعدد غير قليل من الأنبياء والرسل واحتل منزلة عظيمة في التأريخ الإنساني.
وقد كان لذكره في حديث الإسراء حث للمسلمين على فتحه وتعاهده كحاضرة اسلامية ، وباباً لوحدة المسلمين .
ولقد شرف الله بيت المقدس وجعله الله ثالث الحرمين واولى القبلتين، وعقدت فيه حلقات الدرس وبرز منه علماء كثيرون فقال الغزالي (450-505) للهجرة انه كان في المسجد الأقصى ثلاثمائة وستون مدرساً.
والى الآن يسمى الجدار الغربي للمسجد الأقصى بحائط البراق نسبة الى البراق وهو مركوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه ربطه في ذات المكان ليلة الإسراء .
قوله تعالى [الَّذِي بَارَكْنَا حوْلَهُ]
لقد جعل الله عز وجل بيت المقدس مقر الأنبياء ومهبط الملائكة ومطهراً من الشرك، وهو اقرب موضع من الأرض الى السماء ولأن صخرة بيت المقدس تقابل باب السماء .
وقيل لا ينزل ملك من السماء إلى الأرض الا على الصخرة، ولا يصعد ملك الى السماء الا من الصخرة .
وفيه محاريب الأنبياء وآثارهم فقد كان متعبداً للأنبياء ومقاماً لهم .
كما جعل الله الخير والنماء في الأشجار والثمار والنبات والأمن والخصب حواليه، لذلك لا يحتاج من بناحيته الى ان يجلب البر من موضع آخر وتنال البركة المطيفين به ليجمع الله فيه بركات الدين والدنيا.
عن مكحول ان ميمونة سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيت المقدس قال: نعم المسكن بيت المقدس، ومن صلى فيه صلاة بألف صلاة فيما سواه قالت فمن لم يطق ذلك، قال فليهد اليه زيتاً) ( ).
وجاءت الآية بصيغة الماضي (باركنا) والمراد صيغة الإستمرار والعموم هبة وفضلاً من عند الله عز وجل الذي لا يقطع البركة والخير ، فبيت المقدس مبارك في كل زمان .
وهل من بركته السلام والأمن من حوله ، الجواب نعم .
قوله تعالى [لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا]
إكرام وتشريف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لتفضل الله سبحانه باطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الآيات.
وصحيح ان (من) تفيد التبعيض الا انه لا يعني القلة، ولو قلنا انه يفيد الكثرة لكان هو الاصح، فكل آية هي عالم وجامعة وخزينة تنفتح على كنوز عديدة، كما يتعلق موضوع الآيات بالإسراء كآية من آياته تعالى وهو نفسه أي موضوع الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونقله وانتقاله ينحل الى عدة آيات عظيمة لذا فان مارآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الآيات اكبر واعظم مما رآه ابراهيم في قوله تعالى [وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ] ( ) كما أن الآيات التي رآها النبي أوسع وأعم وتشمل تكاليف شرعية واجتماعاً بالانبياء السابقين وغيرها مما سيرد في حديث الإسراء.
وهذه الرؤية هل كانت خاصة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ام انتفعت منها الامة .
الجواب هو الاخير بل انتفع منها الناس جميعاً، فكما ان القرآن نزل على صدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلقاه المسلمون بالواسطة وكأنه انزل عليهم مع الاقرار والتسليم والرضا بانه انزل اليهم لتقويم سلوكهم ولهدايتهم الى سبل الرشاد وطرق الجنة والنعيم الخالد .
كذلك فان الآيات التي تفضل سبحانه باراءتها للنبي صلى الله وعليه وآله وسلم انما هي ايضاً للمسلمين لينتفعوا منها .
فالآية تحث على التدبر في حديث الإسراء وأسراره وأنه هبة خاصة وعامة، وباب من ابواب السماء فتحه الله لاشرف خلقه دلالة على استحقاق الانسان لخلافة الارض .
والإسراء عيد عالمي ومنطلق للعلوم الفلكية والكونية وفق نظريات المعرفة الإلهية.

قوله تعالى [إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]
إن الله يبصر أذى قريش ومكرهم وعداءهم للإسلام وجحودهم الآيات فلقد احاط علمه بجميع الخلائق دقيقها وجليلها ، وفي التنزيل قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
يسمع الله دعاء عبده المؤمن ويبصر مكانه، ويستجيب له بعظيم قدرته واحسانه ورحمته التي فتح منها باباً فيه فضل على عباده المؤمنين.
وقد سمع الله عز وجل قول خولة بنت ثعلبة التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشتكي زوجها أوس بن الصامت التي ظاهرها وقال (يا رسول الله أَكَلَ شبابي ، ونَثَرت له بطني ، حتى إذا كَبُرَت سِنِّي، وانقطع ولدي ، ظَاهَر مِنِّي ، اللهم إني أشكو إليك ، قالت : فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ))( ).
فالله سبحانه هو السميع لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقواله، ولما يتلقاه من المشركين، والبصير بأفعاله وما يعانيه من الاذى.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما اوذيت)( ).
والله هو السميع والبصير بآثار ونتائج معجزة الإسراء والتي هي خير محض يتجدد في كل زمان فيلزم عدم الوقوف عند تكذيب قريش له ، ولا يعلم كثرة عدد الذي آمنوا لسبب معجزة الإسراء إلا الله ، وكذا النفع العظيم من أحاديث ووقائع الإسراء والعروج بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السموات العلى .
فالآية تدل على استمرار تفضل الله بتعاهده لإفاضات آية الإسراء وموضوعها وتثبيتها في الأرض وتهيئة الأسباب لاستخراج العلوم منها ، والل هو الذي يبصر ويسمع مضامين ايمان المسلمين بالإسراء وينزل عليهم البركات.
الإسراء بالبدن والروح
هل حصل الإسراء بالبدن وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسري به فعلاً وواقعاً وانتقل شخصه الكريم الى المسجد الاقصى الجواب نعم ، وهو ظاهر ونص الآية الكريمة وظواهر القرآن حجة ، وتدل عليه الأحاديث النبوية المستفيضة والمتواترة .
وقوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ] ( ) يدل بالدلالة التضمنية على ان الإسراء حصل بالبدن من وجوه :
الأول : ان الآية جـــاءت للثنــاء على الله تعالى ، وتنزيهاً لمقام الربــوبية ولبيــان عظيم قدرتــه بالإســراء بالنبـــي صلى الله عليه وآله وســـلم إلى الســماء مما يــدل علــى ذكــر هــذه الآيــة العظمى.
الثاني : يفيد قوله تعالى [بِعَبْدِهِ] ارادة البدن والروح وليس الروح وحدها، كما يدل عليه قوله تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْدًا إِذَا صَلَّى وغيرها من الآيات ولو كانت بالروح وحدها أو أنها رؤيا منام فلا يوافقها لفظ العبد.
الثالث : إذا أعطى الله عز وجل فانه يعطي بالأوفى والأتم، ولابد انه سبحانه أسرى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم جسداً وروحاً.
الرابع : الآية عنوان افتخار ابن آدم عند اهل السماء وإخبار عن دخول الحياة البشرية مرحلة جديدة من الإيمان والهداية.
أصالة الإطلاق
لو دار الأمر بين المطلق والمقيد تقدم اصالة الإطلاق وتلك قاعدة عقلائية، خصوصاً مع عدم وجود قرينة على التقييد والتخصيص بالروح وحدها.
واجماع علماء المسلمين على حصول الإسراء بالجسد والروح، وليس بالروح فقط ولا عبرة بالشاذ والنادر.
وقد ورد في رواية شريك بن عبد الله عن انس قال: “ليلة اسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مسجد الكعبة انه جاء ثلاثة نفر قبل ان يوحى اليه وهو نائم في المسجد الحرام .
فقال اولهم ايهم هو .
فقال اوسطهم هو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم .
فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى اتوه ليلة اخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام اعينهم ولا تنام قلوبهم . في حديث طويل ختمه بقوله (واستيقظ وهو في مسجد الحرام) ( )، وهذا الحديث لا يصلح لمعارضة الأخبار والظواهر والآثار والتسالم على حدوث الاسراء بالبدن والروح .
وقال النووي: وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب اوهام انكرها عليه العلماء وقد نبه مسلم على ذلك بقوله فقدم وأخر وزاد ونقص منها( )، كما ان شريكا قال عن انس انه قبل انه يوحى اليه وهذا مخالف للإجماع بحصول الإسراء بعد البعثة الا ان يقال انه لايريد ليلة الإسراء بذاتها بدليل قوله “حتى اتوه ليلة اخرى” وقالوا ان شريكاً ليس بالحافظ عند اهل الحديث.
وحكى ابن العربي قولاً جامعاً لتصديق المذهبين وهو ان الإسراء حصل مرتين، احداهما في نومه توطئة ومقدمة وتيسيراً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
واستدل على حصول الرؤيا الصالحة في بدء نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ليسهل عليه امر النبوة فانه عظيم تضعف عنه العلوم البشرية وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا لأن هوله عظيم).
ولكن هذا التوفيق لا يرضى بها المتخاصمان والنقاش في الكبرى فهذا التعدد يحتاج الى دليل فمسألة الإسراء في المنام لم تثبت وليس من تشابه بين مسألة النبوة ومقدماتها من الرؤيا وبين الإسراء اذ ان الإسراء من مصاديق النبوة وآياتها الباهرات.
وحكي قول بالتفصيل وان الإسراء بالجسد كان الى بيت المقدس في اليقظة، ثم أسري بروحه عليه السلام إلى فوق سبع سماوات، ولذلك شنع الكفار على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اتيت المقدس في ليلتي ولم يشنعوا عليه قوله فيما بعد سوى ذلك)( ).
ولم يتعرضوا لحديث السماوات لأنهم لا يعرفون عن اسرارها شيئاً .
ولا دليل على هذا التفصيل وظاهر النصوص اطلاق حال اليقظة على الإسراء الى بيت المقدس والمعراج الى السماء، ثم ان النصوص خالية من حصول اغماءة او نوم له صلى الله عليه وآله وسلم في بيت المقدس، بل ان الحديث جاء متتالياً بعضه يتعقب بعض ,كما ان الإجماع على حصوله باليقظة.
أصالة اليقظة
ويمكن ان نشرع قاعدة كلامية وهي لو دار الوحي او حدوث أمر بين اليقظة والمنام , فالاصل هو اليقظة وهو المتبادر عقلاً وشرعاً وعرفاً، ولكن القول بان الإسراء بالروح وحدها ليس بالجديد فقد نسب الى عائشــة ومعاويــة وحذيفـــة، وروي عنــه انه قال: ذلك رؤيا، وانه ما فقد جســد رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانما اسري بروحه.
وهذه النسبة تحتاج الى تحقيق رجالي وقال به بعض المعتزلة ، ونستدل على تفضل الله تعالى بجعل الجوهر الأساسي لشخص الزهراء من موجودات الجنة ليكون نبراساً للفضيلة وفيضاً ملكوتياً مباركاً ودليلاً على تشريفه تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته، الأمر الذي يدل بالدلالة التضمنية وبحسب النصوص بأن الإسراء حدث بالجسد والروح.
فقد روي عن ابي سعيد الخدري وابن عباس والإمام جعفر الصادق عليه السلام وعن عائشة ايضاً انها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اسري بي الى السماء ادخلت الجنة فوقعت على شجرة من أشجار الجنة لا أحسن منها ولا أبيض ورقاً ولا أطيب ثمرة فتناولت من ثمرتها فاكلتها فصارت نطفة في صلبي .
فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فاذا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة)( ).
أي ان عائشة تقول بان الإسراء حصل بالروح والجسد .
أما بالنسبة لحذيفة فهذا الاسم على الظاهر يقصد به حذيفة بن اليمان ، ولكن ذكر اكثر من واحد باسم حذيفة وانه من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعضهم مجهول.
ترجمة حذيفة
حذيفة بن اليمان نسبة الى اليمن لأن جده جردة اصاب دماً في قومه فهرب الى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه باليمان لأنه حالف الأنصار وهم في المدينة، وقيل ان اليمان مأخوذ من اليمين وهو الحلف ، والأول انسب.
وتوفي حذيفة والياً في المدائن بعد بيعة الإمام علي عليه السلام باربعين يوماً وجلالة قدره ووثاقته وورعه عليه الإتفاق والإجماع، وكان يعرف المنافقين باعيانهم واشخاصهم، عرفهم ليلة العقبة لما ارادوا ان ينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منصرفهم من تبوك، وكان حذيفة تلك الليلة قد اخذ بزمام الناقة يقودها ، وعمار من خلف الناقة يسوقها.
وروي ان عدد اصحاب العقبة اثنا عشر واختلف هل هم من الأنصار كما عليه الجمهور، ام هم من الأنصار والمهاجرين، وروي عنه انه (قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه عن الخير وكنت اسأله عن الشر مخافة ان أقع فيه)( ).
وفي هذا الخبر دلالة على السعة والعلم عند عدد من الصحابة وانتقال علوم القرآن للمسلمين بواسطتهم وأهل البيت وبسعيهم.
وقد قتل ابوه في أحد قتله المسلمون خطأ يحسبونه من العدو وحذيفــة يصيـح بهم فلم يفقهــوا قوله حتى قتــل .
فلما رأى حذيفة ان اباه قد قتل استغفر للمسلمين فقال يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فبلغ ذلك رســول الله صلى الله عليه وآله وسلم فـزاده عنده خيراً.
وفي أسد الغابــة انه شـــهد حذيفة الحرب بنهاوند فلما قتل النعمان بن مقرن امير ذلك الجيش اخذ الراية وكان فتح همدان والري( ) والدينــور( ) على يده ، كما شهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين وتزوج فيها.
وان ثبت القول عنــه بأن الإسراء بالروح فقط فان الجــواد قد يكبـو والصارم قد ينبو والعصمة لمن ســدده الله عز وجل وعصـمه لأن مثل هذا القول خلاف الدلائل والواقع ولكن اثبات هذا الحديث ونسبته لهذا الصحــابي الجليــل بعيــد، كما يمكــن ان يناقـش القــول دلالة وتأريخاً.
الإجماع على الإسراء بالجسد
قال الرازي (اختلف في كيفية الإسراء ، فالاكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على انه اسري بجسد رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم، والاقلون قالوا: إنه ما اسري الا بروحه)( ).
ولكن هذا التفصيل ليس بتام من وجوه :
الأول : إن الاجماع على حصول الإسراء بالبدن والروح ولا عبرة بمن شذ.
الثاني : نسبة القول بالخلاف الى الاقلين في مقابل الاكثرين يحتاج الى ذكر المصاديق.
الثالث : نسبة الإسراء بالروح الى ثلاثة من الصحابة لم يثبت كما تقدم، ولم تجد له أثراً معتبراً عند أهل البيت والتابعين.
ومنهم من قال : إن الإجماع الضروري للمسلمين على عروجه بجسمه الشريف وان الذي يقول ان معراجه روحاني، وانكر معراجه الجسماني ملحد وخارج عن الدين .
ولكن لا تصل النوبة الى التكفير والرمي بالإلحاد مع وجود الإسلام الحكمي ، والذهاب الى القول بالإسراء بالروح عن قول ينسب الى بعض الصحابة او شبهة أو ظن .
وعلى المسلمين ان يتنزهوا من رمي بعضهم بعضاً بالكفر او الفسوق لقول او رأي او شبهة لا تتعلق بضـرورات الدين وتنطلق من الاقـرار برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فهي ثابتة حصـل الإسراء ام لم يحصل، وعلى هذا التسليم والاقرار من عامة المسلمين وهو كاف للوصف بالاسلام وحلية المناكح وحقن الدماء.
وقال العلامة المجلسي ان الأخبار الدالة على الإسراء بالروح والبدن آلاف لا تحصــى ولا اعتبار لشبــهات المتكلمـين والحكماء، ومن انكر المعــراج الجسماني لامتناع الخرق والالتيام في السماوات فقد رد على الله والرسول وهو على حــد الشــرك .
ولكن القــول بعدم حصول الإسراء الجسماني لا يصدق عليه انه رد على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصــل إلى الشرك.
شواهد قرآنية
من إعجاز القرآن وعلومه أنه يفسر بعضه بعضاً ، فتجد الآية تفسر غيرها, وغيرها تفسرها سواء ذات الآية المفسرة ومن نفس السورة أو غيرها ، وفي ذلك حجة وتخفيف لقطعية صدور القرآن من عند الله تعالى ولخلوه من الزيادة والنقيصة ولان يد التحريف لم ولن تصل إليه .
ويمكن الاستشهاد من القرآن على حصول الإسراء بالبدن ، قال تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى] ( ) ولا شك ان المراد هنا مجموع الروح والجســد .
وورد في سورة الجن [وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يدْعُوهُ] ( ) والقيام والدعاء حاصل بالبدن والاركان من الجوارح والتلفظ باللسان.
وبالإسناد (عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا ترفعوني فوق حقي فان الله تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا)( ).
ويدل هذا الحديث على إن الإسراء بالبدن وانه اعداد وتأهيل للنبوة في بداياتها ومقدمة للإمامة التي تعني الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا وظهــرت آثاره المباركــة في التبليغ وفي حسن إستجابة المسلمين .
المعراج في القرآن
في حديث التلبيــة في الحـج “لبيك ذا المعارج لبيك”، والمعارج جمع معراج وهو المصــعد والمرقــى، يقال: عــرج يعـرج عروجاً : صعد وارتقى، قال تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.
واختلف في المرئي في الآية أعلاه والظاهر انه جبرئيل خصوصاً وان النزول والصعود من صفات الأجسام والمخلوقات والله منزه عن الحركة والسكون فالمعنى اللغوي للكلمة قرينة تنفي تعلق الرؤية بالباري تعالى في الإسراء وفي غيره بالإضافة الى النصوص .
ولقد كان لجبرئيل نزلات عديدة، ونزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدة ثلاث وعشرين سنة منها نزلتان كانتا بصورته الحقيقية وانه بسط جناحيه وقد ستر الجانب الشرقي وسده وقد تقدم ان جبرئيل نزل على النبي أربعاً وعشرين الف مرة.
والرؤية عند سدرة المنتهى لأن الظرف يعود للرائي كما يقال: اين رأيته، (والمنتهى) أي ذروة العلم والمعرفة التي تبلغها الخلائق مما يؤكد فضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وترجيحه على غيره من الأنبياء.
ان الوصول الى شجرة المنتهى درجة تفضيل لا تنال الا بفضل الله تعالى فهو ارتقاء وصعود في سلم الكمالات ووسام عز على جبين كل مسلم وعنوان فخر لكل انسان فقد حل الصعود والإرتقاء محل الهبوط، واصبحت الحياة على الأرض قريبة من السماء.
إن قوله تعالى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى منع للتردد والشك والريبة في قبول حديث المعراج وتوكيد على توظيف البصر والبصيرة في الإسراء وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغش عليه كما أصيب موسى عليه السلام بالصعقة، وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يلتفت ولم يطلب شيئاً وراء السدرة وهو الأمر الذي يؤكده قوله تعالى [وَمَا طَغَى] وفيه تزكية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيان لأهليته للمعراج.
التوثيق السماوي
تنتهي عند سدرة المنتهى أعمال العباد ليكتبها ويوثقها الملائكة الحفظة الكرام البررة وهم دون السدرة يكتبون ما ترفع إليهم الملائكة كما عن الإمام الباقر عليه السلام( ).
ونطرح مسألة وهي هل هذا التوثيق من قبل الكرام البررة ثابت ونهائي ، الجواب لا ، لعمومات قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
وينتفع الإنسان من استغفاره وعمله الصالحات بل وحتى بعد وفاته تمحى سالسيئات وتضاعف الحسنات لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المستفيض عند المسلمين (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به ،أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له)( ).
وجاء قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.
فهل ينفع المؤمن تلاوته هذه الآية في الحياة الدنيا للإرتقاء عند الموت لمنزلة الأبرار ، وتفضل الله بمحو سيئاته ، الجواب نعم وهو من مصاديق قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.

رؤية الآيات الكبرى
لقد ختمت آيات المعراج في سورة النجم بقوله تعالى [لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى] ( ) وهو توكيد لعدم رؤية الباري عز وجل لإستحالتها وان رؤية بعض الآيات الكبرى فضــل عظيـم لم ينله أحد ، وهي دعوة للمسلمين والناس جميعاً الى تلمس وقائع الإسراء وما حصل منها والوقوف عند كل آيــة دراسـة وتحقيقاً وحفظاً ومناسبة لإستنباط الأحكام والمسائل وقيل ان المراد من بعض الآيات هنا (جبرئيل).
ولكن الحصر بهذا المعنى حاجز وبرزخ دون استثمار نعمة الإسراء في ميادين الفقــه والأخلاق والإجتماع والتأريخ، وبما ان الســنة النبويــة الشـريفة بيان وتفسير للقرآن فان الآيات التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تؤكدها وتدل عليها السنة النبوية الشــريفة ابتــداء من مجـــئ جبرئيـل وميكائيل واسرافيل للإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وركوب البراق، فالآية مطلقة ومجملــة، والبيــان والتفصـيل ورد في السنة الفعلية والقولية والتقريرية.
فلا غرابة ان يكرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث الإسراء في مناسبات متعددة للإعتبار والإتعاظ والإنتفاع، خصوصاً وان تفضل الله تعالـى برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآيات ليســـت امراً مطلوباً بذاته فحسب .
فاليقين قد ملأ قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو مقدمة وسبب لتثبيت لواء التوحيد في الأرض وعبارة عن تصديقات وشواهد تؤدي الى صلاح الأمة وتلك نكتة ووجه من وجوه الإسراء والمعراج يجب الوقوف عندها وان لم يشر اليها لذا يجب ان يكون الإحتفال السنوي بالإسراء مدرسة وفرصة لإستظهار الأحكام والدروس والعبر من الإسراء، تشارك فيها الأمة ومؤسساتها المختلفة ولا يضر الإختلاف في تأريخ الإسراء .بل انه يدل على الاجماع على حدوثه .
معجزة لقاء الأنبياء السابقين
وفي قوله تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ وورد في الآية عن ابن عباس انه قال : لما أسري بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد الأقصى بعث الله له آدم وجميع المرسلين من ولده .
فاذن جبريل ثم اقام فقال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة .
قال له جبرئيل عليه السلام: واسأل يا محمد من ارسلنا من قبلك من رسلنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا اسأل لأني لست شاكاً فيه).
وهذه الآية سماوية النزول في مقابل الأرضي منه.
وقال الرازي (فهنا سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع، فكان المراد منه انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبــر فيها بفهمــك والله اعلم)، وقال الــرازي في معنى تأويل الآية: (واسأل مؤمني اهل الكتاب أي اهل التوراة والإنجيل فانهم سيخبرونك انه لم يرد في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام) ( ).
ولكن الكلام العربي يحمل على ظاهـره ولا ينتقل الى المجاز الى مع القرينة او تعذر الظاهر، بالإضافة الى النصوص التي تدل على حصـول اللقاء بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء في الإسراء والمعراج وهــو امــر مشهور عنـد عموم المسلمين وفي كل زمان ومكــان .
وهناك قاعـدة قرآنية وهي ان الآية قد يكون صدرها في شــيء ووســطها في شيء وآخــرها في شيء وامر آخر، فسؤاله صلى الله عليه وآله وسلم للأنبياء اعم من نفــي الشرك، خصـوصاً وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم على يقين من ربه .
ان السؤال مناســبة كريمــة لتبادل الإخبار والأخبار بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أحوال الدنيا والرسالة الخالدة وبين الأنبياء السابقين عن أمور وأهوال الحســاب في عالم البرزخ.
وفي الآية دلالة على تضمن الإسراء لأمور واحكام اعم مما شاهده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوقائع والمشاهد لأن السؤال لا ينحصر بحال الإسراء بل هو اعم ويشمل الماضي والحاضر والمستقبل، واحوال الناس والملك وغيرها .
وتدل على فضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسؤاله وانتفاعه من الأنبياء وما واجههم في جهادهم، وكذا الإستماع لهم في نصائحهم واقوالهم ومنها اقتراح موسى عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يرجـع إلى الله عز وجل للسؤال بتخفيف الصلاة عن المسلمين واستثمار قصصهم في شؤون الدين والدنيا لذا جاء في الآية التي سبقتها [ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْألُونَ] ( ).
إبطال القول بالإسراء بالروح فقط
يمكــن مناقشة القول بأن الإسراء حصل بالروح فقط من وجوه :
الأول : لم يترتب على هذا القول اثر في النقل والإستدلال من قبل التابعين وتابعي التابعين ، و(عن حذيفة أنه قال : كل ذلك كان رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أسري بروحه)( ).
ولكن الرؤيا اعم من حصول الإسراء وان كانت اسراء روحياً ، كما ان ذكر الآية في القرآن وهي من غرر الآيات يدل على رجحان وأفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يناسبه دعوى وتفسير الرؤيا .
والأصــل حمــل الكــلام على الحقيقــة واليقظـة وعدم الانتقال إلى المجاز والمنام الا مع القرينــة الصارفـة وهي معــدومــة في المقام، أي ان الإسـراء يحمــل على حقيقتـه وهـو حصوله بالجسـد والروح معاً.
الثاني : يمكن مناقشة دعوى النسبة الى حذيفة وعائشة سندا فهي دعوى ضعيفة بالارسال والانقطاع ولم ترد في الكتب المعتبرة المسندة عند عموم المسلمين، فليست بحجة كما انها قاصرة عن معارضة الأدلة والظاهر والنصوص.
الثالث : لو قلنا بصحة النسبة الى هؤلاء الصحابة فان حديثهم لا يرقى الى معارضة الأخبار المتواترة عن الإسراء بالروح والجسد منطوقاً ومفهوماً، خصوصاً وانه ورد عن عائشة ما يدل على حصول الأسراء بالجسد والروح معاً.
الرابع : كثر في باب المواعظ والاخبار احاديث القصاص والوعاظ اذ كانوا يجلسون بعد الصــلاة يتحدثــون بالأخبار الضعيفــة والمرسلة وربما الموضــوعة، فلابد من الرجوع إلى الاسانيد والكتب المعتبرة.
الخامس : القول بحصول الإسراء بالروح ذهب اليه بعض المعتزلة ولعله لاعتمادهم مباحث عقلية صرفة , والاعجاز أعم وأوسع.
السادس : الجسم هو جوهر كل مادة، ومعنى البدن هو ذلك الجسم المتحرك بالارادة.
السابع : العقل مناط التكليف، اذ يحصل بواسطته العلم بالواجبات ولزومها وتحديد الضروريات ومعرفة المستحبات، وهو قوة التمييز بين الحق والباطل .
وعند الفلاسفة هو جوهر بسيط أو انه مادة وطبيعة، وعرف بأنه جسم لطيف محله الرأس .
والإسراء فعل جمع فيه العقل والروح والبدن على نحو الاجتماع بدليل اطلاق لفظ العبد الشامل لجميع أجزاء البدن على نحو السور الجامع لها والكيان المتكامل.
الثامن : ان حصول الإسراء بالبدن والروح فرع مترشح عن موضوع الإسراء الاساسي وهو مركب من أمرين :
الأول : قدرة الله تعالى على جميع المقدورات.
الثاني : إرادة الله تعالى التفضل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين والإسراء رسالة سماوية للناس جميعاً للإقرار بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة للإسلام.
تأريـخ الإسراء
كثيرة هي الدلالات التي جاء بها القرآن ظاهرة ، وباطنة يفهمها أهل التحقيق والعلم لما فيها من إشارات الإستنباط وأسباب البحث، وبما يؤدي الى تقوية الصـلات بين الدين والعلم ليعملا معاً على توجيه الناس نحو عبادة الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك آية الإسراء وحديثه وما ورد فيه من الوقائع التي أيدها العلم الحديث، وذكر الراحلة التي ركبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أهمية التمسك بالأســباب وانه لا يتنافــى مع عظيم قدرة الله تعالى على الإسراء بعبده من غير وسيلة فتطوى له الأرض فيجد نفسه على باب المسجد الأقصى ، وفي التنزيل إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.
وكل صفة للراحلة الملكوتية التي انتقل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى بيت المقدس كانت ذات معنى أثبت العلم الحديث صحتها والحاجة اليها فمثلاً قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (له جناحان يحفزانه من خلفه)( ) دلالة علمية وبرهان يوضح قوة الدفع كما تدفع المحركات النفاثة- اليوم- الطائرة الى الأمام .
وحتى اسمها (البُراق) يعني سرعة الحركة وشـدة بريقه ولابد ان سرعته تفوق سرعة الضوء التي يقدرها العلماء بثلاثمائة الف كيلو متر في الثانية .
وقد اثبت العلماء اخيراً ان أمواج الجاذبية مثلاً تقطع المسافات دون ان تستغرق أي وقت يذكر، أما تاريخ الإسراء والمعراج فقد اختلف فيه على اقوال :
الأول : بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخمسة عشر شهراً.
الثاني : ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة.
الثالث : أسري به صلى الله عليه وآله وسلم وقد فشا الاسلام بمكة والقبائل، عن ابن اسحاق، وفيه اخبار اجمالي عن أوانه ولكنه ، ليس في بداية البعثة.
الرابع : في السنة الثانية للبعثة، عن ابن عباس.
الخامس : في السنة الثالثة.
السادس : في السنة الخامسة، وبه قال الزهري ومال اليه جماعة، بتقريب ان خديجة صلت مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد فرض الصلاة عليه، ولا خلاف انها توفت قبل الهجرة بثلاث سنين .
السابع : قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً من مكة الى السماء، عن الواقدي من طريق ابن سعد.
الثامن : في السنة السادسة.
التاسع : قبل الهجرة بسنة وخمسة اشهر.
العاشر : في رواية شريك (ان الاسراء قبل ان يوحى الى النبي، وكونه قبل البعثة ضعيف، وقال القاضي عياض: وهذا غلط لم يوافق عليه)( ).
الحادي عشر : في السنة الثانية من الهجرة، نقل عن كتاب التذكرة، وهو بعيد للاجماع على حصول الاسراء في مكة قبل الهجرة.
الثاني عشر : قبل الهجرة بسنة ، نسبه القاضي عياض الى غير واحد( ).
وأختلف في يوم الإسراء وسنته ، وهل هو في شهر ربيع الأول أو في رجب أو في رمضان ، وقيل في شوال ، وأدعى ابن حزم الإجماع على أنه قبل الهجرة بسنة ، ولم يثبت الإجماع.
ويدل الإختلاف في تأريخ الإسراء كاجماع مركب على أنه صدق وحق ، ويجب أن لا يشغلن هذا الإختلاف وكذا الإختلاف في مكان وموضع الجنة عن التدبر في معجزة الإسراء ودلالاتها والقوانين والمسائل المستنبطة منها.
ليلة الإسراء
كما اختلف في السنة التي اسري بها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد اختلف في الليلة المباركة للإسراء على أقوال :
الأول : في ليلة السادس عشر من شهر رمضان ، وهو الكتاب الوحيد له.
الثاني : في السابع عشر من شهر رمضان ليلة السبت .
(وفي رواية الواقدي بأسانيده في أول حديث الإسراء كان النبي صلى الله عليه و سلم يسأل ربه ان يريه الجنة والنار فلما كانت ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا وهو نائم في بيته ظهرا أتاه جبريل وميكائيل فقالا انطلق إلى ما سألت فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم فأتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظرا فعرجا به إلى السماوات فلقي الأنبياء وانتهى إلى سدرة المنتهى ورأى الجنة والنار وفرض عليه الخمس)( ) أي الصلوات اليومية الخمسة .
الثالث : في ليلة احدى وعشرين من رمضان قبل الهجرة بستة أشهر.
الرابع : في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، وهو المشهور.
الخامس : ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة وبعد المبعث بتسع او اثني عشر على حسب اختلافهم.
السادس : في ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة عن الحربي( ).
السابع : في ليلة السابع والعشرين من رجب من السنة الثانية من الهجرة.
وكما جعلنا موضوع ولادة الزهراء عليها السلام دليلاً على الإسراء بالروح والبدن ، فانه يمكن الاستدلال على تأريخه بأوان ولادتها عليها السـلام، بتقريب وهو ان تأريخ الإسراء كان قبل ولادة فاطمة الزهراء بمقدار أيام حمل خديجة المبارك بها.
أما تأريخ ولادتها ففيه اقوال:
الأول : في السنة الخامسة للبعثة النبوية الشريفة وهو ما اختاره ابن شهر آشوب وغيره.
الثاني : في السنة الثانية للبعثة، وهو الذي ذهب اليه الشيخ المفيد، وقال: ان جميع اولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولدوا قبل الاسلام الا فاطمة وابراهيم فانهما ولدا في الاسلام.
الثالث : قبل النبوة وقريش تبني الكعبة، عن أبي فرج بسنده عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام .
وعن جابر بن عبد الله قال في حديث (ولدت فاطمة بمكة بعد النبوة بخمس سنين ، وبعد الاسراء بثلاث سنين ، في العشرين من جمادى الآخرة ، وأقامت مع أبيها بمكة ثماني سنين ، ثم هاجرت معه إلى المدينة فزوجها من علي بعد مقدمها المدينة بسنتين ، أول يوم من ذي الحجة)( ).
وما فيه من التفكيك بين الإسراء وولادة الزهراء قد لا يرقى لمعارضة النصوص التي تفيد الجمع بينهما بفارق مدة الحمل المبارك .
وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وعن أبي جعفر الإمام الباقر عليه الســلام عن جــابر بن عبد الله قال : قيــل يا رسول الله انك تلثم فاطمة وتلتزمها وتدنيها منك وتفعــل بها ما لا تفعلـــه بأحد من بناتك؟ فقال: ان جبرئيل عليه السلام أتاني بتفاحة من تفاح الجنة فاكلتها فتحولت ماء في صلبي ثم واقعت خديجة فحملت بفاطمة فانا أشم منها رائحة الجنة)( ).
ان الاجمال والتعدد في تأريخ الإسـراء دعوة كريمة للإيمان الفطري بالإسراء كموضوع وآية ومعجزة وتشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه لطيفة وهي رجاء المسلمين بصعود دعائهم ومسألتهم في كل آن ، وان أبواب السماء مفتحة لأعمالهم الصالحة ومناجاتهم.
والمختار أن معجزة الإسراء وقعت في السنة الخامسة للبعثة النبوية الشريفة للرواية الواردة عن الإمام الباقر عليه السلام ، ولأن مدة خمس سنوات كافية لشيوع معجزات النبي محمد وتناقل الناس لآيات القرآن وما فيها من الإعجاز العقلي ، والبشارة والإنذار كأسباب لإصغاء الناس للنبي محمد وهو يحدث عن وقائع الإسراء .
قصة المعراج
لقد وردت في الإسراء والمعراج أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر عن جم غفير من الصحابة كالإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وعمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وبريدة وحذيفة بن اليمان وصهيب وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد وأبي بن كعب وأبي ذر وأبي الحمراء وأبي الدرداء وعروة وعائشة وأم سلمة وأم هاني وأسماء بنت أبي بكر كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( ).
كما وردت أحاديث عن أئمة أهل البيت بخصوص الإسراء والمعراج.
ان تواتر حديث الإسراء بصيغ متشابهة يدل على موضوعيته في تأريخ النبوة ومصاديق الإعجاز في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وما فيه من عبر وعظـات يجب ان تنتفع منه الإنسانية وليكن باب هدى ورحمة وسعي للفوز باللبث الدائم في النعيم .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقيت ابراهيم ليلة اسري بي فقال يا محمد اقرأ أمتك مني السلام واخبرهم ان الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وان غرسها سبحان الله والحمــد لله ولا اله الا الله والله واكبر ولا حول ولا قوة الا بالله( ).
لبيان أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن الجنة قريبة من الناس ليس بينهم وبينها إلا ذكر الله ، وفي التنزيل إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
انها بشارة مركبة، اذ تدل بالدلالة التضمنية على ان الجنة مستقر المسلمين وهذا الحديث مصداق لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ… .
ذكر حديث الإسراء في عدة روايات متفرقة ولكنها متقاربة المضمون تشير الى معنى دلالي واحد هو:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينما أنا نائم في بيت أم هانيء بنت أبي طالب وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي وفي رواية في الحجر- بعد ان صليت العشاء الآخرة واخذت مضجعي إذ جائني جبرئيل فهمزني بقدمي فجلست فلم أر شيئاً فعدت لمضجعي .
فجاءني فجلست فلم أر شيئاً فعدت لمضجعي، فجاءني فجلست، وعن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس قالا: فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من أنت؟ فقال أنا جبرئيل، فقال: مرحباً بك .
قال: اجب ربك يا محمد فان الله عز وجل بعثني اليك وامرني ان آتيه بك فقم، فان الله يكرمك كرامة لم يكرم بها أحداً قبلك ولا بعدك، فابشر وطب نفساً.
وفيه دلالة على المراتب العالية والمضامين القدسية للتشريف الذي ناله الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في المعراج.
هيئات الملائكة
تفوق أشكال وصور وأحوال الملائكة التصور الذهني وتحار فيها العقول ، وكل ملك له هيئة يمتاز بها .
وسكن الملائكة في السماء ، وقال تعالى في الدقة والعظمة في خلق السموات ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ.
وهل من ملازمة بين هيئة الملك والوظيفة التي يقوم بها كنزول جبرئيل بالوحي ، وملك الموت الذي يقطف أرواح العباد ، وإسرافيل الذي ينتظر الأمر بالنفخ في الصور .
الجواب من خصائص الملك التشكل بهيئات مختلفة ، فجبرئيل الذي له ستمائة جناح تملأ الخافقين يهبط بهيئة دحية الكلبي عند الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
عن الإمام (الصادق عليه السلام: خلق الله الملائكة مختلفة، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل وله ستمائة جناح على ساقه الدر مثل القطر على البقل، قد ملأ ما بين السماء والارض.
وقال: إذا أمر الله ميكائيل بالهبوط إلى الدنيا صارت رجله اليمنى في السماء السابعة، والاخرى في الارض السابعة، وإن لله ملائكة أنصافهم من برد وأنصافهم من نار، يقولون : يا مؤلف بين البرد والنار، ثبت قلوبنا على طاعتك)( ).
وكان جبرئيل يأتي النبي صلى الله عليه واله وسلم في غير ذلك الوقت على صور شتى وانما شاهده ليلة الإسراء على صورته وله ستمائة جناح إذا نشر منها اثنتين ستر الخافقين .
الإغتسال بطست الذهب
لقد أراد الله عز وجل إصلاح النبي محمد للإسراء ، ولكمال التطهير ، ومقدمة لمناجاته في السماء ، وهو في أكمل الأحوال في أمور خارقة للعادة للتهيئة لأحوال في السماء ترتقي عن نواميس الأرض .
إذ تدلى اليه جبرئيل واتى ومعه كأس فيه ماء من الجنة وأمره ان يغتسل وصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ركعتين فإذا هو بميكائيل وإسرافيل ومع كل واحد منهما سبعون الف ملك فسلم عليهم فبشروه.
يمكن تقسيم معجزات ليلة الإسراء إلى :
الأولى : مقدمات الإسراء ، ومنها شق صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغسله ثلاثاً من ماء زمزم .
الثانية : معجزات الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس .
الثالثة : المعجزات التي حدثت في بيت المقدس .
الرابعة : معجزات الصعود في السماء .
السادسة : المعجزات في كل سماء ارتقى لها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من السماء الأولى إلى السماء السابعة .
السابعة : المعجزات عند سدرة المنتهى .
الثامنة : معجزات الهبوط .
التاسعة : معجزات إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقريش صبيحة الإسراء عن إسرائه .
وذكرأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (ان جبرئيل قال لميكائيل آتني بطست( ) من ماء زمزم كيما اطهر قلبه واشرح صدره فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات واختلف اليه ميكائيل عليه السلام بثلاث طساس من ماء زمزم فشرح صدره ونزع ما فيه من غل وملأه علماً وايماناً ويقيناً واسلاماً وختم بين كتفيه بخاتم النبوة.
وبغض النظــر عن ســند الحديث يمكـن توجيهه دلالة وتأويل الشـق بنواميس ملكوتيــة مجــردة أي من غير حصول شــق لبطنه الطاهر واقعاً، انما هو اخبار عن فعل معنوي يكون مقدمة للإرتقاء في آفاق السماء وهو امـر يحصل بشرب الماء ونحوه، والاقوى ان المراد من شرح الصدر وشــق البطن هـو الإغتسال بالماء الوارد في الرواية اعلاه لاسيما وان نواميس أهل السماء لها خصوصية معينة وتأثير كبير.
وشق البطن والقلب أمر متعلق بصفة خاتم الأنبياء ، فهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسالة الخاتمة , وعن الإمام الرضا عليه السلام بخصوص السكينة الواردة في قوله تعالىوَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، قال: “تلك السكينة في التابوت وكانت في طست تغسل فيه قلوب الأنبياء، وكان التابوت يدور في بني إسرائيل مع الأنبياء( ).
وعن القاضي في رواية البرقاني : ثم انزلت عليّ طست من ذهب مملؤة حكمة وايماناً.
واستعمال الذهب ربما كان قبل تحريمه او انه من خصائص الملائكــة، او ان هذا الاستعمال يخـرج بالتخصص من الحرمة والنهي.
وذكر ان غسل قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقعة متقدمة في التأريخ على ليلة الإسراء بكثير.
والمختار تعدد هذا الغسل مرتين ليكون غسلاً عاماً في الطفولة حال إرضاعه عند حليمة السعدية والتي توفت قبل البعثة ، ولكنها فازت برؤية معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طفولته ، ونزلت عليه البركة لتوليهم إرضاعه .
وقد ورد حديث شق بطن النبي محمد وعمره ثلاث سنين في حديث مرضعته حليمة السعدية إذ (قالت: فخرج مع أخويه في الغنم، فبيناهم يترامون بالجلة يعني البعر إذ هبط جبرائيل وميكائيل ومعهما طست من ذهب فيه ماء وثلج فاستخرجاه من الغنم والصبية فأضجعاه وشقا بطنه، وشرحا صدره، فاستخرجا منه نكتة سوداء وغسلاه بذلك الماء والثلج، وحشيا بطنه نورا ، ومسحا عليه فعاد كما كان.
قالت: فلما رأى أخواه ذلك أقبل أحدهما اسمه ضمرة يعدو وقد علاه النفس وهو يقول: يا امه أدركي أخي محمدا ” وما أراك تدركينه، قالت: فقلت: وما ذاك .
قال: أتاه رجلان عليهما ثياب خضر فاستخرجاه من بيننا وبين الغنم فأضجعاه وشقا بطنه، وهما يتوطئانه، قالت: فخرجت أنا وأبوه ونسوة من الحى فإذا أنا به قائما ينظر إلى السماء، كأن الشمس تطلع من وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، ووالله لكأنما غمس في المسك غمسة)( ).
وقيل: ان هذا التقديس والتطهير حدث مرتين، الأولى في حال الطفولية لينقى قلبه من مغمز الشيطان، والثانية عندما اراد الله ان يرفعه الى الحضرة المقدسة وليصلي بملائكة السماوات وهو المختار ، واستدل بقوله تعالى [وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا] ( )، ولكن موضوع الآية اعم .
البُراق
لقد أخذ جبرئيل ليلة الإسراء ببضـع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واخرجه من الباب، وعلى الباب ملك معه دابة يقال لها البراق، مربوطة بسلسلة من ذهب، وهي دابة إبراهيم عليه السلام التي كان يزور عليها البيت الحرام.
وعن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا ارى دابة ادنى شبهاً بدوابكم هذه فوق الحمار ودون البغل في تشــبيه يقــرب به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصف مركبة فضائيــة ملكوتيــة بحجـم وتناسق ذي اعجاز سماوي.
قال صلى الله عليه وآله وسلم (أنا معاشر الأنبياء امرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم)( ).
فجاء ذكر الدابة ووصفها للبيان التقريبي لذا قال صلى الله عليه وآله وسلم ووجهها كوجه الإنسان وخدها كخــد الفرس وعرفها من لؤلؤ ممرط واذناها من زمرد اخضر .
وعيناها مثــل كوكب الزهــرة والمــريخ يتوقدان مثل النجمين المضــيئين، لها شــعاع مثل شــعاع الشمس منحــدر عن نحــرها الجمــان ، ذنبها كذنــب البقـر من فضل مسبوج العظام منسوج الياقوت والمرجــان .
أظلافها كاظــلاف البقــر من زمرد بطنها كالفضة، وعنقها وصدرها وظهرها كالذهب المنسوج يلوح مثل بين السماء والأرض.
له جناحان يحفزانه من خلفه، وفي رواية في فخذيه، اهدب العرف الأيمن عليه لجام من ياقوتة حمراء، وسرج من ياقوت فيه من كل لون طويلة اليدين والرجلين لها نفس كنفس الآدميين تسمع الكلام وتفهمه، عليها رحل من الجنة .
و(عن عبد الصمد بن بشير قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بالابطح بالبراق، أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، عليه ألف ألف محفة من نور، فشمس البراق حين أدناه منه ليركبه .
فلطمه جبرئيل عليه السلام لطمة عرق البراق منها، ثم قال: اسكن فإنه محمد، ثم رف به من بيت المقدس إلى السماء فتطايرت الملائكة من أبواب السماء .
فقال جبرئيل: الله أكبر، الله أكبر، فقالت الملائكة عبد مخلوق ، قال: ثم لقوا جبرئيل فقالوا: يا جبرئيل من هذا قال: هذا محمد فسلموا عليه، ثم رف به إلى السماء الثانية)( ).
وقال النجاشي (عبد الصمد بن بشير العرامي العبدي مولاهم، كوفي، ثقة ثقة)( ).
والمحفة – بكسر الميم- مركب كالهودج، وهذا الوصف يؤكد انها من دواب الجنة جيئ بها خصيصاً للعروج بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقوم بوظيفة اختراق حجب السماوات بسرعة تفوق حد التصور، وفيه دلالة على معاني الإكرام واللطف الإلهي الذي تغشى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معراجه، فهي ليلة المباهاة والمفاخرة بالفضل والنعم الإلهية على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين عامة.
وفي صحيفة الرضا عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الله تعالى سخر لي البراق، وهي دابة من دواب الجنة ليست بالطويل ولا بالقصير فلو ان الله عز وجل أذن لجالت الدنيا والآخرة في جرية واحدة وهي احسن الدواب لوناً) ( ).
تسمية البُراق
والبُراق – بضم الباء – سميت به لوجوه :
الأول : لنصوع لونها.
الثاني : لشدة بريقها.
الثالث : لسرعة حركتها، لأنها تشبه سرعة البرق.
الرابع : لأنها بيضاء.
الخامس : قال القاضي : يحتمل ان سمي بذلك لكونه ذا لونين، يقال شاة برقاء.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وتصلح كلها وصفاً للبراق خصوصاً لسرعة جريها، ولأنه ورد في الحديث (بانه أبيض)، كما ان وجود طاقات من لون آخر لا يضر بتسميتها بيضاء.
وفي رواية انه مضطرب الإذنين عيناه في حافره.
وعن (ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وآله في جواب نفر من اليهود: سخر الله لي البراق، وهو خير من الدنيا بحذافيرها، وهي دابة من دواب الجنة، وجهها مثل وجه آدمي، وحوافرها مثل حوافر الخيل، وذنبها مثل ذنب البقر، فوق الحمار، ودون البغل، سرجه من ياقوته حمراء وركابه من درة بيضاء، مزمومة بسبعين ألف زمام من ذهب، عليه جناحان مكللان بالدر والجوهر والياقوت والزبرجد، مكتوب بين عينيه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله)( ).
ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجعل آلة وراحلة الإسراء حجة على المليين ووسيلة للتصديق بنبوته، وآية اعجازية تتضمن التحدي والدعوة إلى الاسلام، ولم يقابله الآخرون بالنفي والتكذيب وان اصروا على الجحود.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لما جاء جبرئيل ليلة الإســراء بالبــراق وامــره عن امـر الله بالركوب، قال ما هذه قال: دابــة خلقــت لأجلــك ولها في جنــة عــدن الف ســـنة، فقال لـه النبي: وما سير هذه الدابة فقال ان شئت ان تجوز بها السماوات السبع والأرضين فتقطــع الــف عــام وسبــعين الف مــدة كلمــح البصــر.
أي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له الخيار في مقدار سرعة البراق اثناء إسرائه ومعراجه مما يدل على عالمية الإسلام وعموم بعثته صلى الله عليه وآله وسلم الى الخلائق وسيادته وتشريفه، فالله عز وجل واسع كريم اذا اعطى يعطي بالأوفى.

الإسراء مكرمة
الإسراء تعضيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ، ولا يختص هذا التعضيد بأيام حياته بل هو متجدد في منافعه إلى يوم القيامة بتوثيق القرآن والسنة النبوية له ، وهو من الشواهد على صبغة الإعجاز العقلي لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
عن الصادق عليه السلام قال : لما جاء جبريل وميكائيل واسرافيل بالبراق الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاخذوا باللجام وواحد بالركاب وسوى الآخر عليه ثيابه( ).
والحديث يدل على اجلال الملائكة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والتعاون في استضافته في السماء , كما ان حضور اكبر واعظم الملائكة هذه المناسبة وتوليهم تجهيز وتهيئة أسباب ومقدمات الإسراء يؤكد على ما فيه من خصوصية تبين منزلة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما ينتظره في السماء وما ستكون عليه عقيدة التوحيد في الأرض باعلاء كلمة الإسلام وتثبيت دعائمه وبدأ العمل باحكام القرآن الكريم والى يوم القيامة.
فشمس البراق( ) حين ادناه منه ليركبه، وروي انها حادت نحو جبريل فمســح جبريل عرفهــا وقال الا تستحي يا براق فانما يركبك خير البشـــر احب خلق الله اليه انه محمد فوالله ما ركبك احد قط اكرم على الله منه( ).
ولم يسكن البراق لركوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا بعد شرطه ان يكون مركوبه يوم القيامة، أي انها جاءت لتسأل امراً وهو ان تتشرف بأن تكون مركوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، فيومها تتباهى الناس باكفانهم مثلاً لذا جاء النص بالتنوق بها لأن الناس يبعثون فيها، ويتباهى المسلمون بمركوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكون دعوة لحثهم على اللجوء اليه للشفاعة.
ليكون حسرة على الذين كفروا وكذبوا بمعجزة الإسراء ليكون حديث الإسراء من الإنذار القولي والفعلي ومن مصاديق قوله تعالى وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
في الطريق إلى بيت المقدس
لقد رقت البراق بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ورفعته ارتفاعاً ليس بالكثير .
وأخرج بالإسناد (عن شداد بن أوس قال : قلنا يا رسول الله ، كيف أسري بك؟ فقال : صليت بأصحابي العتمة بمكة معتماً ، فأتاني جبريل بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل وقال : اركب ، فاستصعبت علي فأدارها بأذنها ثم حملني عليها ، فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضاً ذات نخل ، فقال : انزل .
فنزلت فقال : صَلِّ . فصليت ، ثم ركبنا فقال : أتدري أين صليت؟ قلت : الله أعلم .
قال : صليت بيثرب ، صليت بطيبة ، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ، ثم بلغنا أرضاً.
فقال : انزل . فنزلت . فقال : صلِّ فصليت ، ثم ركبنا فقال : أتدري أين صليت.
قلت : الله أعلم . قال : صليت بمدين ، صليت عند شجرة موسى ، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ، ثم بلغنا أرضاً بدت لنا قصورها .
فقال : انزل فنزلت ، ثم قال : صَلِّ فصليت ، ثم ركبنا فقال : أتدري أين صليت .
فقلت : الله أعلم . فقال : صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم ، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني… الحديث)( ).
وفي حديث وانطلق بي حتى انتهيت الى ريف فلسطين فاذا انا بامرأة مشبوحة الأكارع( ) ترفل في زينة من الثياب، عليها عقد من لؤلؤ قد نظم عقدها في صدرها الى ما يلي تراقيها كاشفة عن ذراعيها، واقفة وسط العين.
فقالت: يا محمد يا محمد، فالتفتُ اليها .
فقال جبرئيل: هل تدري من هذه؟ قلت: الله اعلم: قال: هذه الدنيا زينت لك، قلت: لا حاجة لي في الدنيا، وروي انها عجوز وان جبريل قال: اما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا الا كما بقي من عمر تلك العجوز.
والحديث يرمز إلى أمور :
الأول : زينة الدنيا وما فيها من المباهج واللذات التي تشغل عن ذكر الله تعالى.
الثاني : ان الرســول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أظهر استغناءه عن الدنيا وزينتها فهو منقطع الى الباري عز وجل في مقام الشكر الذي هو في العرفان احد اهم مقامات السالكين وعدوه من منــازل الدين، وذكروا تفصيلاً لماهيتــه وقالوا فيه علم وحال وعمل، والعلم هو معرفة المنعم ونوع النعمة التي تفضل بها.
والحال عبارة عن السعادة والغبطة التي تملأ جوانح العارف بسبب تلقي النعمة ليأتي بعد ذلك العمل وهو السعي والإمتثال في مرضاة المنعم، والمعروف ان مواضع الشكر غير مواضع الصبر فما يصيب الإنسان من الأذى والبلاء والمصيبة في النفس والمال يستلزم الصبر.
لذا جاء الإسراء ليكون مدرسة جامعة وحرزاً وواقية ، وعوناً على تلقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين العناء والبلاء والأذى في جنب الله وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : ما اوذي نبي مثل ما اوذيت( ).
الثالث : الإخبار عن قرب انقضاء أيام الدنيا يستلزم الإستعداد النوعي العام من الناس ليوم القيامة وما فيه من الأهوال بالصلاح والتقوى واتباع النبي الذي أسري به الى السماء في آية اعجازية لم ينلها أحد غيره.
الرابع : ان تأويل المرأة في الرؤيا بالدنيا مدرسة للإعتبار والموعظة وفيه اخبار عن وجوه الشبه بين المرأة والدنيا في اللذات والتمتع والمباهج التي قد تشغل عن ذكر الله، وفيه زجر عن الإنقطاع الى الدنيا لأنها تنسي ذكر الله من غير اهمال لحاجاتها، فكما تكون المرأة قريناً وزوجة وصاحبة وانساً وسكناً واماً للأولاد، كذلك الدنيا فانها مزرعة الآخرة ومناسبة كريمة لإكتناز الصالحات.
ومن الآيات ان الدنيا في حديث الإسراء تمثلت بهيئة امرأة وكذلك في المنام فلا غرابة ان تكون الرؤيا الصالحة جزء من ستة واربعين جزء من اجزاء النبوة كما ورد في الحديث ( ).
وفي تفسير ابن كثير فسار ما شاء الله ان يسير فاذا شيء يدعوه متنحياً عن الطــريق، فقال: هلم يا محمــد، فلم يلتفــت النبي صـلى الله عليه وآله وسلم اليه، فقال جبريل: ذاك عدو الله ابليس أراد ان تميل اليه.
والظاهر ان النداء حصل في الإسراء الى بيت المقدس لإستباق ابليس في محاولته الإفتتان، ولكن كيده ضعيف ، قال تعالى إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا.
وفي الخبر دلالة على استمرار البلاء حتى في الإسراء كي يكون الأجر عظيماً، وفيه درس بان الإسراء لم يتم الا باعجاز لا سبيل للإغواء والسحر والشعوذة اليه.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فلما مضيت اذ مناد ينادي عن يميني يقول يا محمد الى الطريق مرتين، فقال جبرئيل: امض ولا تكلم احداً فالتفت اليه فقال: هل تدري ما هذا .
قلت الله اعلم، قال هذا دين اليهود يدعوك ولو اجبت لتهودت امتك فقلت لا حاجة لي في دين اليهودية.
ثم مضينا فنادى مناد عن يساري الى الطريق يا محمد، وفي رواية نادى يا محمد فالتفت اليه فقال جبرئيل هل تدري ما هذا؟ قلت الله اعلم، قال: هذا دين النصارى يدعوك ولو اجبت لتنصرت امتك فقلت لا حاجة لي فيه.
وفي الخبر دليل على تكامل شريعة الإسلام في ليلة الإسراء او قل استغناءها عن غيرها من الشرائع وهي الناسخة لها، فهذا النداء والإعراض عنه حتى بصيغته المجردة الظاهرة اخبار سماوي على عدم حاجة الإسلام الا الى الله عز وجل وقد انعم على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء وتلقي الأحكام من السماء ونزول القرآن ، قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
في بيت المقدس
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثم انطلق -أي البُراق- بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، وذكر ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ظهر على بيت المقدس ليلة اسري به فاذا عن يمين المسجد وعن يساره نوران ساطعان قال صلى الله عليه وآله وسلم فقلت يا جبريــل ما هذان النــوران، قال اما هــذا الذي عن يمينـك فانه محراب اخيك داود واما هذا الذي عن يسارك فعلى قبر اختك مريم.
وفي الحديث آية تتمثل بالأثر النوراني الباقي للأنبياء والصالحين حتى بعد وفاتهم، فانبعاث النور من محراب داود ومن ظهر قبر مريم يدل على عظيم المنزلة التي نالها كل منهما، ففي هذا النور علامة للملائكة وامارة يهتدي بها اهل السماء عند نزولهم الى الأرض .
ولقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء هذين النورين مما يعني ان ابواباً من العلم انفتحت له ليلتها بحيث اخذ يرى ما يراه اهل السماء.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:حتى انتهيت الى بيت المقدس ايليا وانزلاني عنده ونزلت الملائكة من السماء بالبشارة والكرامة من رب العزة( ).
ان نزول الملائكة للتهنئة بهذا الحدث العظيم يدل على عظيم وقعه واثره عند ملائكة السماء فيكون انتقالاً وارتقاء للإنسان في سلم الكمالات واهليته في بلوغ اقصى القوس الصعودي في السماء بعد هبوط آدم عليه السلام الى الأرض ليكون الإسراء يوم المغفرة والعفو الإلهي والرضا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين، وبشارة انفتاح ابواب السماء لأهل الاسلام ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )( ).
وفي الحديث (فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط به الأنبياء صلوات الله عليهم)، وهذا الربط بلحاظ الاسباب ويبين سنخية الدابة واستجابتها لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وللأخذ بالأسباب ولاقامة الشاهد والبرهان على موضع الربط.
وفي بيت المقدس فيه لغتان :
الأولى : بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال، وهي الأشهر ، والمختار.
الثانية : بضم الميم وفتح القاف.
ولفظ المقدس يعني الطهر والتنزيه من الاصنام وابعاده عن الدنس، وعدم تلويثه بالذنوب والخطايا.
وبيت المقدس هو نفسه المسجد الأقصى لوروده في الحديث النبوي بذات الاسم ، وعن جابر بن عبد الله قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لما كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فَمَثَّلَ الله لي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقتُ أُخْبرُهُم عَنْ آياتِهِ وأنا أنْظُرُ إلَيْهِ)( ).
شرب النبي (ص) اللبن
لقد طعن جبرئيل باصبعه الإسطوانة في بيت المقدس فثقبها( ) ودخل المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر فصليت في المسجد حيث شاء الله واخذني العطش اشد ما اخذني فاذا نحن بثلاث آنية مغطاة .
فقال جبريل: يا محمد الا تشرب مما سقاك ربك .
فتناولت إحداها ، فاذا هو ماء فشربت منه قليلاً ثم تناولت الآخر، فاذا هو لبن فشربت منه حتى رويت .
فقال الا تشرب من الثالث؟ قلت قد رويت قال: وفقك الله…وكان الثالث خمراً، وفي رواية لما اخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللبن قال له جبرئيل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، ولو اخذت الخمر غوت امتك( ).
وفي رواية (اخترت الفطرة) بمعنى ان شرب الماء واللبن علامة الاسلام والاستقامة ودوام حياة الإيمان، قال تعالى [وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ] ( )، كما ان الحياة جاءت بمعنى الإيمان والهدى، قال تعالى [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس] ( )، واللبن عنوان الرزق الكريم والسهولة والطهارة وحسن العاقبة.
حرمة الخمر
يبين الحديث أعلاه الهداية والتوفيق الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللأمة من بعده، لذا ترى اجماع علماء المسلمين على حرمة الخمر وعدم التهاون في احكامها، فكل ما كان كثيره مسكراً فقليله حرام .
وعن الإمام (جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الخمر حرام، ولعن الله الخمر بعينها ، وآكل ثمنها، وعاصرها، ومعتصرها، وبايعها، ومشتريها، وشاربها، وساقيها، وحاملها ، والمحمولة إليه)( ).
ويلاحظ في الحديث تعدد الاطراف التي تشملها اللعنة بسبب الخمر ولم تنحصر بشاربها، بل انه لم يأت الا سابعاً مما يعني شمول السبب والمباشر على نحو التعدد في تعاطيها، وقد يكون الشخص نفسه عاصرها وحاملها أو محمولة اليه وشاربها، ولا تتداخل هنا اللعنة بل تتضاعف على الشخص ويزداد إثمه.
وقول جبرئيل: ولو اخذت الخمر لغوت امتك، يدل في مفهومه وبالدلالة الإلتزاميــة على ان امة محمـد باقية على الهداية والرشاد ولن تصلها الغواية، كما يبين ضرر الخمر وسوء عاقبته في الدنيا والآخرة.
وان قلت: ان بعض المسلمين لم يلتزم بأحكام حرمـة الخمر، قلــت: ان هــؤلاء عصــاة لم يعملوا بما أمروا به، ثم ان الالتزام بالنهي عن الخمر يتجلى بعدم طرو التحريف على آيات القرآن، وثبوت المنع عنه في السنة النبوية الشريفة والذي عليه اجماع علماء الاسلام.
لقد جاء حديث الإسراء سابقاً لأوان تحريم الخمر، فالاسراء حدث في مكة، وتحريم الخمر نزل في المدينة، مما يعني ان حديث الاسراء تضمن أصول التشريع وسنن الاحكام، وفيه مدرسة تأديبية للمسلمين والاستعداد لقبول الأوامر والنواهي، ولعله مقدمة وسبب لسؤال المسلمين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الخمر كما في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَ] ( ).
دخول المسجد الأقصى
عن انس : فلما استويا في صرحة المسجد قال جبرئيل يا محمد هل سألت ربك ان يريك الحور العين؟ فقال نعم فقال انطلق الى اولئك النسوة فسلم عليهن وهن جلوس عن يسار الصخرة .
قال فاتيتهن فسلمت عليهن فرددن عليّ السلام، فقلت: من انتن؟ فقلن: نحن خيرات حسان، نساء قوم ابرار نقوا فلم يدرنوا، واقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا.
والحور جمع حوراء -بفتح الحاء- وهي الشديدة بياض العين مع شدة سوادها لأن الطرف أي العين يحار بها ولإستدارة الحدقة ورقة الجفون، وبياض ما حواليها، وقيل مع شدة بياض الجسد، وانه لا تسمى حوراء حتى يجتمع مع حور عينيها بياض لون جسدها، لذا فان اسم الحور العين اعم من انحصاره بالحور في العين بل ان الحوراء بيضاء ايضا، والأعراب تسمي نساء الأمصار حوريات لبياضهن ونظافتهن وعدم لحوق قشف وقسوة حياة البوادي بهن.
وفي الحديث: الحور العين خلقن من تربة الجنة النورانية ويرى مخ ساقيها من وراء سبعين حلة، واستقبال الحور العين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بشارة واظهار لما اعده الله عز وجل له للمسلمين في الآخرة .
العروج الى عالم الملكوت
انها مدرسة السماء ووحدة المخلوقات وعنوان اتصال الارض بالسماء وعدم التنافر بين العالم العلوي والعالم السفلي، انه سلطان النبوة الذي جعل الله نوره ممتداً ومتصلاً افقياً وعمودياً.
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ثم انصرفت فلم البث الا يسيراً حتى اخذ جبرئيل بيدي الى الصخرة فاقعدني عليها، وفي الحديث: الصخرة من الجنة أي صخرة بيت المقدس ثم نادى جبرئيل ميكائيل، وميكائيل ملكاً آخر ثم ذلك الملك ملكاً آخر الى يمينه وهم خزان الجنة.
فارسـلوا المعراج الذي كانت تعرج عليه ارواح بني آدم فلم ير الخلائق احسن من المعراج .
أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحاً الى السماء عجبه بالمعراج، وحمـــل المعـراج من جنة الفردوس منضوداً باللؤلؤ عليه نصاف الدرج كأحسن شيء خلقه الله من ياقوت احمر واصفر ولؤلؤ وفضة وذهب وزمرد حتى ادلي من السماء الدنيا الى بيت المقدس .
عن يمين المعراج أربعمائة الف ملك وبين يديه الف ملك ومن خلفه الف ملك لكل ملك جناحان اخضران معه خمسمائة من الملائكة ووجوههم كالقمر كلهم يقولون: مرحباً بك يا محمد بين كل درجتين مسيرة اربعين يوما.
فالدرجة الأولى عليها الف من الملائكة وعلى الثانية الفان، وعلى الثالثة ثلاثة آلاف، وعلى هذا النحو ذكروا الى خمسين درجة( ).
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم رأيت ملائكة في الهواء لا يحصون فسألت جبريل عنهم فقال هؤلاء ملائكة يسبحون في الهواء منذ خلقت السماوات والأرض رؤوسهم تحت اجنحتهم لم ينظر احدهم الى شيء من جسده قط خوفــاً من الله يسبحون ويبكون لا يدري اين تذهب دموعهم.
قال تعالى يُسَبِّحُونَ الليْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ كل ملك له كيفية خاصة في الإنقطاع للتسبيح والتحميد والذكر وشأن الملائكة الطاعات والإتيان بالأفعال الشاقة امتثالاً وطاعة له سبحانه.

باب الحفظة
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ثم سمعت صوتاً افزعني فقال لي جبريل تسمع يا محمد، قلت: نعم، قال: هذه صخرة قذفتها على شفير جهنم منذ سبعين عاماً فهذا حين استقرت، عن ابي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اصعدني صاحبي بالمعراج حتى انتهى الى باب من الأبواب .
يقال له باب الحفظة عليه ملك يقال له اسماعيل وهو صاحب الخطفة التي قال الله تعالى إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ وتحته سبعون الف تحت كل ملك سبعون الف ملك .
فقال : يا جبريل من هذا معك، فقال: محمد، قال: وقد بعث، قال: نعم ثم فتح الباب، فسلمت عليه، وسلم عليّ، واستغفرت له، واستغفر لي، قال مرحباً بالأخ الصالح.
رؤية النار وخازنها
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (تلقتني الملائكة حتى دخلت السماء الدنيا فما لقيني ملك الا ضاحك مستبشر حتى لقيني ملك من الملائكة لم أر خلقاً اعظم منه كريم المنظر ظاهر الغضب فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء الا انه لم يضحك ولم ار فيه الإستبشار مما رأيت من الملائكة .
فقلت من هذا يا جبرئيل فاني قد فزعت منه فقال يجوز ان يفزع منه فكلنا نفزع منه ان هذا مالك خازن النار لم يضحك قط ولم يزل منذ ولاه الله جهنم يزداد كل يوم غضباً وغيضاً على اعداء الله واهل معصيته فينتقم الله به منهم .
ولو ضحك الى احد كان قبلك او كان ضاحكاً الى احد بعدك لضحك اليك ولكنه لا يضحك .
فسلمت عليه فرد عليّ السلام وبشرني بالجنة .
فقلت وجبريل بالمكان الذي وصفه الله مطاع ثم أمين الا تأمره ان يرني النار، فقال له جبريل: يا مالك أر محمداً النار، فكشف عنها غطاء وفتح باباً منها فخرج منها لهب ساطع في السماء، وفارت وارتفعت حتى ظننت ليتناولني مما رأيت .
فقلت: يا جبريل قل له فليرد عليها غطاءها فامرها فقال ارجعي فرجعت الى مكانها الذي خرجت منه( ).
وورد ذكر مالك خازن النار في الحديث النبوي منه ما ورد (عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يلقى على أهل النّار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فاذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم .
فيقولون ادعوا خزنة جهنم .
فيقولون ألم تك تأتكم رسلكم بالبينات ، قالوا : بلى .
قالوا : فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ، قال : فيقولون إدعوا مالكاً ، فيدعون : يا مالك ليقض علينا ربّك ، فيجيبهم إنّكم ماكثون)( ).
وفي رواية (وأري مالكــاً خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه)، ومنهم من أنكره وقال انه لحن لأن لفظة مالك منصوبة فلماذا اســقطت الألــف، وأجيب بأنها اسـقطت كتابة مع بقائها قراءة.
ومن اسماء الله تعالى المالك والملك، والواحد من الملائكة يقال له ملك بالتحريك من الألوكة وهي الرسالة، ومالك اسم خازن النار ولابد من مناسبة بين اسمه واشتقاقه وبين وظيفته وعمله .
فليس في عالم السماء صدفة واتفاق ولعل في تسميته مالك دلالة على عظيم عفوه ومغفرته تعالى فاطلق اسم مالك على خازن النار وان كان هذا الإطلاق لا يعني ملكيته لها.
ان رحمة الله تعالى سبقت غضبه، والكافرون بايديهم اختاروا الدخول الى النار، والإضطرار بالإختيار لا ينافي الإختيار .
ومع ان مالكاً لا يضحك لما يستلزمه عمله من الشدة والقسوة على اهل الجحود والضلالة والكفر وحزنه عليهم لجنايتهم على أنفسهم واتباعهم الشيطان وهوى النفس، فانه لم يغفل عن تبشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة .
وهو امر لا يتعلق بالإسراء وحده بل بمجموع اعمال وافعال وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحياة الدنيا وحتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى .
فتدل البشارة بالدلالة التضمنية على سلامة افعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعصمته بغض النظر عن اختلاف المسلمين في عصمة الأنبياء قبل النبوة، بعد قول الأكثر بها فيما بعد النبوة .
والمختار أن عصمة الأنبياء مطلقة قبل النبوة وبعدها وما ورد في بعض آيات القرآن بخصوص اخطاء للأنبياء في ظاهرها لابد من تأويلها تأويلاً مناسباً وحملها على ترك الأولى او للبيان واتعاظ الأمة.
الغيبة وقبحها
الغيبة هي الوقوع في انسان بذكره بسوء في حال غيابه ، وهذا السوء فيه فعلاً كما لو قلت فلان بخيل ، والغيبة قبيحة عقلاً ومنهي عنها شرعاً، فيحرم اظهار النقص المستور للمسلم ويكره سماعه من الغير .
ومن الغيبة ذكر عيوب الآخرين بالتظلم والتأذي واظهار العطف والرأفة عليهم، ويستحب ستر عيب المؤمن والمؤمنة، والغيبة اقل درجة من البهتــان في باب الذنوب والآثام، يقال بهته بهتا: أي اخذه بغتة، وهو في الإصطلاح ذكر الغير بسوء لم يفعله وليس فيه.
والبهتان اشد حرمة من الغيبة لأنه كذب، فبينهما عموم وخصوص من وجه، فمادة الالتقاء هي ذكر الشخص بما يؤذيه، ومــادة الافتــراق ان الغيبــة اخبار عن عيب موجود، اما البهتــان فهــو ذكره بعيــب غير موجــود عنـده، وكلاهما من الاخلاق المذمومة.
ويفرق بين البهتان والإفتراء بأن البهتان بحضرة المقول فيه مما لا أصل له ، سمي البهتان لأنه كذب يبهت صاحبه ويجعله يندهش ويتحير .
والإفتراء : الكذب في حق الغير بما لا يرضيه .
ومن حديث لأبي ذر أنه سأل (رسول الله، ما الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكرهه. قلت يا رسول الله، فإن كان فيه ذاك الذي يذكر به. قال إعلم إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته)( ).
ويمكن القول أن البهتان والإفتراء إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
وعن ابن كثير مرفوعاً نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء في النار فاذا قوم يأكلون الجيف، قال: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس.
وهذا القول يحتمل وجهين:
الأول : حمل الكلام على ظاهره وان المراد اكل لحم الناس حقيقة.
الثاني : حمله على الإستعارة والمتبادر الإصطلاحي للفظ وهو الغيبة.
والأصح ان المراد هو الوجه الثاني، قال تعالى [وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًاأَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ] ( ) .
والحديث أعلاه مدرسة في علم الأخلاق , وفيه توكيد سماوي للآية وبيان للأضرار الناتجة عن الوقوع في الناس والتعرض لخصوصياتهم وما حرصوا على ستره عن الآخرين، وما ينتظر صاحبها من الأذى.
وورد عن أنس في حديث الإسراء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم باظافيرهم فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء فقال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم.
وظاهر الواو هنا الترتيب في (ويقعون) وليس الجمع بين الصفتين والاتحاد بين الفردين، وبينهما عموم وخصوص من وجه فالمغتاب والذي يقع في اعراض الناس بعرض واحد في العقاب ، لبيان أن الغيبة من الكليات المشككة ، وان الحرام منها لا يختص بالوقوع في أعراض الناس بل انه يشمل الغيبة مطلقاً، فمن مصاديق الغيبة ما لم يكن وقوعاً بالأعراض كذكر الانسان بنقص خلقي تكويني، او عادة او فعل مشين وخلاف العرف ونحوه، كما انه من الصعب الفصل بين الغيبة والوقوع في اعراض الناس.
ولا تعارض بين الحديثين فكل واحد منهما مستقل عن الآخر في موضوعه ويؤكد على وجوه العذاب البرزخي والأخروي للمغتاب لبيان سوء عاقبة الغيبة واضرارها العاجلة والآجلة، ويمكن الجمع بينهما فالمغتاب يأكل لحم الجيفة ويخمش وجهه.
انه وعيد وتخويف من الغيبة وتوكيد بانها معصية كبيرة، والحديث انذار عام للناس جميعاً على نحو العموم الإستغراقي والبدلي ولا ينحصر بالقيام بالغيبة بل انه يحذر من الإستماع لها ايضاً.
ان بيان الشارع لقبح الغيبة دعوة للرقابة على النفس وكبح جماح الغضب والوقاية من شرور اللسان، وان الغيبة مع حرمتها الذاتية فانها مقدمة لحرام آخر من وجوه الظلم والهتك والطغيان واقحام النفس في متاهات تشغلها عن العبادة بل تضر المستمع، ومن يتعرض للغيبة عند علمه بالغيبة.
وهجران وترك الغيبة امر وجودي وليس عدمياً لذا فانه يستحق الأجر والثواب، كما انه مناسبة وتمهيد ومقدمة للإشتغال في العبادة والطاعة والتدبر في عيوب النفس، ومن وسائل علاج الغيبة الإستغفار. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “ما عمّر مجلس بالغيبة الا خرب بالدين، فنزهوا اسماعكم من استماع الغيبة فان القائل والمستمع لها شريكان في الإثم( ).
لقد كان حديث الاسراء مدرسة في الاخلاق، ومناسبة لتأسيس قواعد كلية وضوابط اجتماعية لتنظيم شــؤون الأمة، وفي وقائعه توكيد على تهــذيب النفـوس وتنقيــة المجتمعات من الامراض والرذائل النفسية.
عاقر الناقة
وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى في النار رجلاً احـمر ازرق جداً، قال: من هذا يا جبريل؟ قال هذا عاقر الناقة.
قال تعالى فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ وكانت الناقة قد خلقها الله عز وجل بدعاء نبي الله صالح بعد سؤال قومه له للإمتحان وطلب البرهان فسأل ربه وصلى وتضرع، وخرجت من الجبل بعد ان انصدع صدعاً وهم ينظرون وكادت تطير عقولهم من هول ما رأوا .
ثم سألوا فصيلاً لها، فرمت به في الحال ودب حولها، وكان عددهم سبعين من عظمائهم، ولكنهم عندما عادوا الى قومهم ارتد منهم خمسة وستون .
وعاقر الناقة هو قدار بن سالف ، كمن لها في أصل صخرة فرماها بسهم وطعنها ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها، وكان يقال له احمر ثمود واحيمر ثمود وهو أشقى الأولين.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورأيت رجالاً لهم مشافر الإبل في ايديهم قطع من النار كالأنهار يقذفونها في افواههم فتخرج من ادبارهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل، فقال: اكلة اموال اليتامى ظلماً.
وفي تفسير علي بن ابراهيم بالإسناد عن هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اسري بي الى السماء رأيت قوماً يقذف في افواههم النار، وتخرج من ادبارهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون اموال اليتامى ظلماً ، والحديث يدل على شدة العذاب آكل مال اليتيم ظــلماً وعدواناً قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا] ( ).
والحديث تفسير للآية اذ ان الذي يتعدى على مال اليتيم يأتي يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه ويخرج لهب النار من فمه، فيعرف الناس يوم القيامة انه آكل مال اليتيم ظلماً .
ففي الحديث تحذير وتنبيه ودعوة لنبذ التعدي على أموال اليتامى ، لقد كانت مفاهيم الآية الكريمة والسنة النبوية الشريفة في هذا الباب واعزاً اخلاقياً ورادعاً شرعياً ساهم في استقرار المجتمعات والتوجه الى العبادة والذكر.
حرمة وعاقبة الزنا
الزنا إدخال الحشفة في فرج المرأة من دون عقد زواج شرعي ولا ملك ولا شبهة وهو في علم الكلام إدخال فرج في فرج محبوب طبعاً محرم شرعاً ، وفيه الحد والعقوبة .
ونزلت آيات عديدة في حرمة الزنا منها قوله تعالى وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا.
والزنا من أكبر الذنوب لذا قرنه الله عز وجل بالشرك بالله وقتل النفس ، قال تعالى وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا.
وفي الآية أعلاه ثناء على المؤمنين لحفظهم فروجهم عن الفواحش لإرادة حفظ الإنساب والعفة وتوارث سنن التقوى .
والزنا هو ايلاج الذكر فرجه في فرج امرأة محرمة عليه ومن غير عقد نكاح بينهما ولا ملك ولا شبهة تدفع الحد .
والزنا محرم بكل الشرائع، وهو مبغوض ومستهجن عند الإمم والناس جميعاً، وفيه فساد للنفوس وللأولاد وقد يكون حاجزاً عن التوجه الى الوظيفة الأساسية للعباد في اصل الخلق وهي العبادة قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ورأيت رجالاً بين ايديهم لحم سمين طيب الى جنبه غث منتن يأكلون الغث، ويتركون السمين الطيب فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال الذين يرتكبون ما حرم الله عليهم هؤلاء الزناة.
والزنا من الأصول الخمسة التي اجمع على حرمتها العقلاء اذ ان العقل شرع داخلي، والشرع عقل خارجي ، والأصول الخمسة المحرمة وهي :
الأول : الزنا .
الثاني : القتل .
الثالث : السرقة .
الرابع : ترك الصنايع .
الخامس : الظلم.
لذا فان عذابه شديد ، واحكام الإسلام افضل مدرسة لمنع الزنا والحد من اضراره، وهذا امر ظاهر محسوس ويمكن تلمسه ومعرفته باجراء دراسات مقارنة سواء على احكام الشرائع او بين المجتمع الإسلامي والمجتمعات الأخرى حتى مع لحاظ تخلف بعض افراد المجتمع الإسلامي عن التقيد باحكام الشريعة على نحو السالبة الجزئية .
والحديث يظهر تفسيراً اخروياً للآية القرآنية، وان الأكل في الآية ليس من باب المجاز والتمثيل بل انه حاصل واقعاً ولكن في دار الثواب والعقاب، دار الحساب من غير عمل.
والمراد من الزناة في حديث الإسراء الاطلاق، فيشمل كل زان من كل ملة وجماعة الا من تدركه التوبة والمغفرة، والمراد من اللحم السمين الطيب هو الوطء الشرعي والذي يتم بعقد النكاح لذا ترى الإسلام يحث على الزواج وهو وان كان في الأصل مباحاً الا انه قد يكون واجباً او مستحباً، ولا يختص العذاب البرزخي بالرجال دون النساء بل يشمل النساء الزواني.
شواهد من المعراج
في حديث الإسراء أن جبرئيل وميكائيل قالا للنبي : انطلق ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فانطلقت معهما فأتيا على بيت مبني مثل بناء التنور أعلاه ضيق (وأسفله واسع) يوقد فيه النار فأطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب من أسفل (ضجّوا)، قلت لهما : ما هؤلاء .
قالا لي : إنطلق فانطلقنا فأتينا على نهر من دم أحمر وإذا في البحر سابح يسبح فإذا على شاطىء النهر رجل عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فيذهب فيسبح مايسبح ثمّ يرجع إليه كما رجع إليه فيفغر له فاه فألقمه حجراً .
فقلت ما هذا ، قالا : إنطلق فإنطلقت فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما رأيت رجلاً وإذا هو عنده نار (يحشها ويسعى) حولها قلت لهما : ما هذا.
قالا : إنطلق فإنطلقنا فأتينا على روضة (معتمة) فيها من كل نوع الربيع وإذا شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ طويل فإذا حوله صبيان كأكثر ولدان رأيتهم قط. قال : قلت ما هؤلاء .
قالا : إنطلق فإنطلقنا فأتينا على دوحة عظيمة لم أرَ دوحة قط أعظم منها ولا أحسن.
قالا لي : أرق فارتقينا فانتهينا إلى مدينة مبنية من ذهب ولبن فضة فأتينا باب المدينة فأستفتحناها ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما رأيت وشطر كأقبح مارأيت .
قالا لهم : إذهبوا فقعوا في ذلك النهر وإذا نهر معترض يجري كأنه المخيض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا وقد ذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة .
فقلت لهما والله إني ما رأيت مثل الليلة عجباً فما هذا الذي رأيت .
قالا إنا سنخبرك أما الذي أتيت عليه يشدخ رأسه بالحجر فإنه رجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة .
وأما الذي أتيت عليه يشرشر شدقه وعينه ومنخره إلى فقاه فإنه رجل يغدوا من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق .
وأما الرجل والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني.
وأما الرجل الذي يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا .
وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها فإنه مالك خازن النار .
وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام.
وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة)( ).
وهل ينحصر هذا العذاب بالمحصن فلا يشمل الأعزب ام انه مطلق ، الظاهر هو الثاني لأصالة الإطلاق ، وقوله : بين ايديهم لحم سمين طيب” أي زوجة ونكاح شرعي، سواء على سبيل الفعل او القوة والمتيسر، وعلى فرض انحصاره بالمحصن فانه لا يعني انعدام العذاب والعقاب عن الأعزب الذي يرتكب جريمة الزنا ، لأن بامكانه الزواج الشرعي وحفظ الفرج أو الصبر والصيام ، ولأن العقوبة على مراتب، لذا ترى الحدود متباينة في الرتبة فغير المحصن يجلــد ثمانين جلدة بينما يرجم المحصن عند تحقق الشروط ، كما ان العقوبة اعلاه لا تنحصر بالزاني بل تشمل الزانية ايضاً.
من عقوبة الزنا
الزنا جناية يشترك فيها طرفان على نحو المفاعلة ولا ينحصر العقاب بالرجل دون المرأة او العكس، واحياناً تكون جناية المرأة في الزنا ضارة بها وبأسرتها وزوجها واولادها، لذا يكون عقابها أشد كما يتجلى في صحيحة (هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال : لما أسري بي مررت بنسوان معلقات بثديهن فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال: هؤلاء اللواتي يورثن أموال أزواجهن أولاد غيرهم.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اشتد غضب الله على امرءة أدخلت على قوم في نسبهم من ليس منهم، فاطلع على عوراتهم، وأكل خزائنهم)( ).
ويبين الحديث موضوعية الرواثة والجينات في السلوك .
وهذه النساء اللائي يتعرضن لهذا العقاب على وجوه محتملة :
الأول : الزانية مطلقاً سواء كانت محصنة او غير محصنة.
الثاني : الزانية المحصنة.
الثالثة : الزانية المحصنة التي تلد من الزنا.
الرابعة : التي تدخل الولد في الأسرة وتنسبه لزوجها بغير صبغة وحق شرعي وان لم تكن زانية.
الظاهر انها الثالثة والرابعة اعلاه ولا يعني هذا عدم العذاب لغيرها، لأنه كما ورد في الحديث المتقدم يأكل اللحم الغث النتن من قبل الزاني والزانية، ويقال احصن الرجل اذا تزوج فهو محصن، والمحصنة تطلق على الحرة والعفيفة والمسلمة لأن الإسلام يحصنها، كما تحصنها العفة والحرية والزواج، والمراد بالإحصان في الإصطلاح هو الزواج.
الدعوة الى الاسلام
عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بعثني الله ليلة اسري بي الى يأجوج ومأجوج فدعوتهم الى دين الله وعبادته فابوا ان يجيبوني فهم في النار مع من عصى من ولد آدم وولد ابليس)( ).
وهذا من الإعجاز في حديث الإسراء وبيان لوظائف رسالية حصلت في ليلة الإسراء وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام بالدعوة الى الإسلام فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث الرسل والوفود الى الأمراء والملوك ورؤساء القبائل.
إذ بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملوك عصره ، وأمراء أطراف الجزيرة العربية فبعث الصحابي دحية الكلبي إلى قيصر الروم ، وكان دحية يتردد على الشام للتجارة ، وفي قدوم قافلته التجارية إلى المدينة أوان خطبة صلاة الجمعة .
ورد (عن جابر ابن عبد اللّه قال : أقبلت عيرٌ ونحن نصلّي مع النبّي عليه السلام الجمعة فانفضّ الناس إليها فما بقي غير إثني عشر رجلا أنا فيهم فنزلت وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا ))( ).
وكانت العير تُستقبل بالطبل والتصفيق .
و(عن مقاتل بن حيان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين ، حتى كان يوم الجمعة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، وقد صلى الجمعة .
فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف ، فخرج الناس ولم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ، فأنزل الله وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة)( ).
وبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلح الحديبية عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس بكتاب وفيه (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللّهِ فَإِنّي أَنَا رَسُولُ اللّهِ إلَى النّاسِ كَافّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا وَيَحِقّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ أَسْلِمْ تَسْلَمْ فَإِنْ أَبَيْت فَعَلَيْكَ إثْمُ الْمَجُوسِ.
فَلَمّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ مَزّقَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ : مَزّقَ اللّهُ مُلْكَهُ)( ).
وبعث (عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي ملك الحبشة .
وحاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية)( ).
وبعث غيرهم إلى ملك اليمامة ، والبحرين ، وملك اليمن ، وإلى جبلة بن الأيهم الغساني .
اما يأجــوج ومأجوج فانهم قوم في اقصــى الأرض كما ان طبيعــة احوالهم يتعــذر معها وصول الرسل وايجاد صيغة من التفاهم معهم، فجاء الإعجاز السماوي لإقامة الحجة عليهم، قال تعالى قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا.
لقد شكى اقوام لذي القرنين عند منصرفه عن المشرق من اذى وشر يأجوج ومأجوج وانهم يقومون بقتل بعض الأقوام ممن جاورهم ويأكلون لحومهــم ودوابهم، وقيــل انهم يعتدون عليهم في ايام الربيع، ويخرجون فيأتون على كل ما هو اخضر ويأكلونه ودوابهم ويحملون معهم ما هو يابس، وقيل انهم سيفسدون في المستقبل عند خروجهم.
وفي الحديث إخبار عن بلوغ دعوة الاسلام الى الناس جميعاً، ومن الشواهد في الوقت الحاضـر الثورة المعلوماتية وتداخل الحضارات وبلوغ مفاهيم الاسلام الى كل بيت في الارض ولو على نحو الاجمال.
صورة من النار
وورد في الخبر عن حذيفة قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عرضــت عليّ النار فاذا فيها غضـب الله وزجره ونقمته ولو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم اغلقت دوني وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة حين حديثه ورؤيته للنار قيل يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال وجدتها مثل الحمئة السخنة ثم انصرف بي.
والحمأة: أي حامية وذات مرارة شديدة والحمأة الطين الأسود المتغير، ويظهــر من الحديــث ان السؤال عن رؤيـة النبي صلى الله عليه وآله وســـلم للنار قد تكــرر من قبل المســلمين، وانه صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر الحديث للإتعاظ والعبرة، وان الصحابة متســالمــون على حصــول الإســراء بالبــدن والــروح وان النار مخلوقة ، وهو المختار .
والحديث تذكير بالنار واستحضار للعقاب عند الاقدام على فعل او ترك معين، فهو واعز يتضمن الوعيد والتخويف والزجر عن المعاصي، وينمي ملكة الحرص على النجاة من النار في الآخرة.
رؤيا الأنبياء وحي
رؤيا الأنبياء وحي من عند الله عز وجل ، وهي معصومة من الشيطان وعليه الإجماع .
نعم ليس كل رؤيا للنبي وحي ، نعم يدرك النبي عند الرؤيا وبعدها أنها رؤيا وحي وليست رؤيا أضغاث .
وقد ذكر القرآن رؤيا إبراهيم ، ورؤيا يوسف عليهما السلام .
وفي النبي محمد ورد قوله تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
ليتجلى مصداق الرؤيا في الواقع يوم بدر ، و(عن عبد الله بن مسعود قال : لقد قُلِّلُوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جانبي : تراهم سبعين ، قال : لا بل هم مائة ، حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه ، قال : كنا ألفا)( ).
وعندما أقبل ثلاثة آلاف من المشركين لقتال النبي محمد في معركة أحد وصاروا على بعد (5) كم من المسجد النبوي ، أخذ عدد من شباب الأنصار يحثون النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخروج لقتالهم .
ارتقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر (فحمد الله وأثني عليه ثم قال : أيها الناس إني رأيت في منامي كأني في درع حصينة ، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته ، ورأيت بقرا تذبح ، ورأيت كأني مردف كبشا .
قال الناس: يا رسول الله فما أولتها ؟ قال أما الدرع الحصينة فالمدينة فامكثوا فيها، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح فقتلي في أصحابي .
وأما إني مردف كبشا فكبش الكتيبة نقتله إنشاء الله.
وروي عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله قال : أما انقصام سيفي فقتلة رجل من أهل بيتي . وروي أنه قال : ورأيت في سيفي فلا فكرهته ، هو الذي أصاب وجهه)( ).
لقد أخبرت آيات الرؤيا أنها في المنام ، أما حديث الإسراء فقد جرى حقيقة وفي اليقظة ، وقد وثقته آية الإسراء بقوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، فصفة العبودية شاهد على الإسراء بالجسد والروح.
الإسراء وولادة الزهراء
لقد جعل الله عز وجل من ولادة الزهراء عليها السلام وصحبتها لأبيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثيقة ارضية وتكوينية على صحة واقعة الإسراء ، وشاهداً مصاحباً لحياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أكل من ثمار الجنة ليلة الإسراء فكانت فاطمة عليها السلام كما في الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
وعن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وعن عائشة : وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اذا اشتاق الى ريح الجنة شمّ ريح فاطمة( ).
وفيه اعجاز آخر وهو ان الله عز وجل أراد لنعمة الإسراء ان تكون باقية في الارض بشخص فاطمة وسيرتها وسمو منزلتها وذريتها .
فقد نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السماء بأحكام الصلاة وبهدية شخصية كريمة هي الزهراء لتكون أم أبيها وأم الأئمة من اهل البيت عليهم السلام.
لقد كانت ولادة الزهراء عليها السلام آية تكوينية وعنواناً للصلة بين دار الإختبار ومنازل البقاء لبيان التوفيق في العمل، فقد روي عن علي الهمداني عن علي عن ابيه عن الهروي عن الإمام الرضا عليه السلام قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لما عرج بي الى السماء اخذ بيدي جبرئيل عليه السلام فادخلني الجنة فناولني من رطبها فاكلته فتحول ذلك نطفة في صلبي فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء انسية فكلما اشتقت الى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة)( ).
و(عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليلة عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله علي حب الله الحسن والحسين صفوة الله فاطمة أمة الله على باغضهم لعنة الله)( ).
هكذا تتجسد البركة وتنزل على أهل الأرض سحائب اليمن بولادة فاطمة الزهـراء فتشــرق ربوع الأرض مبتهجــة بهذا النور الذي اراد الله له ان يكون مبعثاً للإيمان والعز والفضيلة، وفخراً متجدداً على الدوام لعموم المسلمين ، وهو من اتصال رحمة الله تعالى وحضورها في جميع جوانب الكيانات الأســاسية للبناء العام لمجتمعاتهم وهياكل اسسها .
اذ تفضل الله تعالى بجعــل الجوهــر الأساسي لشخص الزهراء من موجودات الجنة ليكون نبراساً للفضيلة وفيضاً ملكوتياً مباركاً.
وتأتي رواية علل الشرائع متناسبة مع الأقوال المتباينة في تأريخ ولادة فاطمة الزهراء مما بعد البعثة الشريفة لخلوها من التحديد الزماني السنوي والموقــع المكاني لتلك الأكلة المباركة، فقد جاء عن القطان عن الســكري عن الجوهـــري عن ابن عمارة عن ابيه عن جابر عن ابي جعفر الإمــام الباقر عليه الســلام عن جــابر بن عبد الله قــال .
قيل يا رسول الله انــك تلثــم فاطمــة وتلتزمهــا وتدنيهـا منك وتفعل بها ما لا تفعلــه بأحد من بناتك؟ فقال: ان جبرئيل عليه الســلام اتاني بتفاحــة من تفـاح الجنــة فاكلتهــا فتحــولت ماء في صـلبي ثم واقعــت خــديجــة فحملــت بفاطــمــة فانا اشــم منها رائحــة الجنــة( ).
انها عناية سماوية وبداية مباركة لنشأة الزهراء السامية تحث على التدبر والتريث الفكري للتأمل واستنباط الدروس الموضوعية والحكمية الكريمة في المقام ووجوه المنافع فيها سواء تلك التي تتعلق بشخصية الزهراء عليها السلام ، أو بأهل البيت خاصة او ما يهم عموم المسلمين والمسلمات وما يرتبط مباشرة باولئك الذين عاصروا الزهراء وشاهدوا تلك الحياة القدسية التي كانت تنبعث منها أنوار الزهد والتقوى لتملأ جوانحهم واركان حياتهم، اذ لم تكن كرامة التكوين محجوزة في ذلك القدر ومراحل الولادة، فالله واسع كريم يأبى الا ان تكون رحمته متصلة دائمة تتغشى في بقائها ما هو خارج دائرة الحدوث وإن كانت ذات أفق رحب.
الولادة المباركة
لقد أراد الله عز وجل لولادة الزهراء ان تبقى مناراً للأجيال وفخراً للإسلام كما يمكن جعل هذا الإكرام عنصراً في اسباب التفضيل على من تقدمت في زمانها ممن اصطفى الله كمريم بنت عمران عليها السلام.
وكان اليوم العشرون من شهر جمادى الآخرة الوعاء الزماني المبارك لولادتها عليها السلام كما نسبه صاحب البحار الى الشيخ المفيد وكتاب دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري وكتاب مصباح الكفعمي الذي ذكر فيه ان اليوم كان يوم الجمعة وهو عنوان اكرام اضافي.
وذكر انها ولدت في آخر جزء من ليلة الجمعة وهي من افضل الساعات وفيها يستجاب الدعاء.
وكما اختلف في تاريخ الإسراء اختلف في سنة ولادة الزهراء فقد ذكرت بعض الروايات انها ولدت سنة خمس من المبعث ( ففي الخبر عن حبيب السجستاني قال سمعت ابا جعفر الباقر عليه السلام يقول: “ولدت فاطمة بنبت محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنين .
وتوفيت ولها ثماني عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً( ).
سرعة اللحوق بالنبي (ص)
لقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام عند مرضه الذي توفى فيه أنها أول أهل بيته لحوقاً به ، كما ورد أنه قال لعلي عليه السلام (يا علي إن فاطمة بضعة مني وهي نور عيني و ثمرة فؤادي يسوؤني ما ساءها ويسرني ما سرها وإنها أول من يلحقني من أهل بيتي فأحسن إليها بعدي، وأما الحسن والحسين فهما إبناي وريحانتاي وهما سيدا شباب أهل الجنة فليكرما عليك كسمعك وبصرك)( ).
والحزن الذي أصاب الزهراء مركب من فقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانقطاع موضوع الوحي وهجوم الأذى والبلاء بعد فقد شخصه الكريم وهو عنوان الصلة بين الأرض والسماء، وبه تجتمع خصائص نشأتها المباركة، وكان اخباره لها باللحوق به بشارة وسكينة ونوع مواساة، ولعله من مضامين حديث البضعة وان الحديث فيه اخبار عن سرعة لحوقها به صلى الله عليه وآله وسلم عند انتقاله الى الرفيق الأعلى ونيله أعلى المقامات.
لقد خص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء عليها السلام بحديث قرب أجله وفيه إكرام لها ونوع مواساة , ودعوة للإستعداد للآخرة , والتزود من الدنيا بالصالحات .
فقد روى البخاري بسنده عن عائشة انها قالت (ان كنا ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، فاقبلت فاطمة سلام الله عليها تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي ثم اجلسها عن يمينه او عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديداً، فلما رأى حزنها سارها الثانية، فاذا هي تضحك فقلت لها: انا من بين نسائه خصك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسر من بيننا ثم انت تبكين.
فلما قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألتها عما سارها قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سره، فلما توفي قلت لها: عزمت عليك لما اخبرتني .
قالت: اما الآن فنعم، فاخبرتني قالــت: اما حين ســارني في الامــر الأول، فانه اخبرني ان جبرئيــل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وانه قد عارضه به العام مرتين ولا أرى الأجل الا قد اقترب اليّ واصبري فاني نعــم السلف انا لك .
قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعــي ســارني الثانية، قال: يا فاطمة الا ترضين ان تكوني ســيدة نســـاء المؤمنين او سيدة نساء هذه الأمة( ).
دلائل اللحوق السريع
في إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام بأنها أول أهله لحوقاً به دلالات عقائدية خاصة اهمها :
الأولى : معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإخبار عن مفردة من علم الغيب .
الثانية : إنه يؤكد بصورة عملية الحديث النبوي المستفيض والمتواتر فاطمة بضعة مني.
وبالإسناد (عن المِسْوَر – هو ابن مَخْرَمَة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاطمة بَضْعَةٌ مني، يَقْبِضُني ما يقبضها، ويَبْسُطني ما يبسطها وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري)( ).
وهل هذا الحديث النبوي تخصيص لقوله تعالى فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ أم أن موضوع الآية أعلاه خاص بأوان النفخ في الصور ، وحين البعث من القبور .
المختار هو الثاني ، وقد ورد (عن ابن عباس أنه سئل عن قوله فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ وقوله وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ فقال : إنها مواقف ، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا ، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون)( ).
الثالثة : المنزلة السياسية والأهمية الخاصة للزهراء عليها السلام وأمهات المسلمين في بناء الإسلام واستحقاقها للإنفراد بسر ذي شأن عظيم ويتعلق بانعطاف كبير في تأريخ الإسلام.
ان القول بأهلية الزهراء لتحمل مسؤولية هذا السر كتماناً واستعداداً لا تعني بالضرورة التعريض بازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكل له وظيفته ومقامه، ويؤكد قولنا هذا اطلاق عائشة للحديث من غير تحفظ او تردد، كما ان قولها انا كنا أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، دعوة لإكرام الزهراء.
الرابعة : إكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء باخبارها بالطارئ من أمر الوحي النازل وعرضه عليها دليل ، وأمارة على قرب الفراق وأوان المغادرة إلى الرفيق الأعلى .
الخامسة : إجلال وإكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء عليها السلام بالترحيب ودنو المجلس حال وصولها، وفيه حث للصحابة وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المبالغة في اكرامها وتعاهد اجلالها والنظر اليها فهي فرع النبوة والبضعة المباركة.
السادسة : امر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء عليها السلام بالصبر بعد وفاته على ألم فراقه بعد انتقاله الى الرفيق الأعلى.
السابعة : حرص الزهراء عليها السلام على كتمان اسرار النبوة مع بيان قدرتها على تحمل ذلك العبئ التأريخي الكبير من بين عامة المسلمين بما فيهم كبار الصحابة وازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثامنة : الاقرار الواقعي العام والتسليم بأهلية الزهراء للمسؤوليات الجسام والسيادة المطلقة على النساء.
وسيبقى موضوع ولادة الزهراء وما يترشح عنه من الكرامات شاهداً حياً على صحة حديث الإسراء وحدوثه بالجسم والروح وتأثير ما وقع خلاله في سنن العبادات والمعالم والاحكام.
ماهية الروح
قال تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.
لقد ورد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن ، كلها خطابات إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتتضمن الإجابة من عند الله عز وجل.
وفيه تشريف متعدد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتوثيق السماوي للإسئلة التي ترده من الناس ، وتفضل الله بالإجابة عليها .
كما تفضل الله عز وجل وأخبر ابتداء عن سؤال الناس للنبي بقوله تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.
وورد لفظ (يسألك) في القرآن مرتين وكلاهما خطاب موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الأولى : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا.
الثانية : يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا.
والنسبة بين الناس وأهل الكتاب عموم وخصوص مطلق فالناس أعم.
ومن معاني الروح في الآية الروح التي فيها الحياة وإنها من علم الله الذي استأثر به سبحانه إذ أن الروح لها عدة معان منها :
الأول : القرآن ، قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
الثاني : ملك من الملائكة.
الثالث : جبرائيل نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، ويرد باسم روح القدس قال تعالى [قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ] ( ) أضيف الى القدس وهو الطهر والنزاهة والخلو من العيوب .
فالملك جبرائيل روح ، والقرآن روح ، والوحي روح ، لبيان تعدد مصاديق الروح في الموضوع الواحد .
والنسبة بين الوحي والقرآن عموم وخصوص مطلق ، فالوحي أعم ، ويشمل الحديث القدسي والسنة النبوية ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
الرابع : جوهر الحياة التي يكون فيها قوام الكائنات .
الخامس : بركات القدس والملكوت.
السادس : المراد الوحي ، وفي قوله تعالى يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ، ورد عن ابن عباس أي بالوحي( ).
السابع : قوله تعالى [يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ] ( ) أي بالقوة التي جعلها الله فيهم .
الثامن : في حديث الأصبغ بن نُباته عن الإمام علي عليه السلام ومنه في قوله تعالى يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فالروح غير الملائكة وقال لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ )]( ).
التاسع : المدد والعون الذي يأتي للمؤمنين من عند الله ، قال تعالى أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
العاشر : الروح بمعنى الرحمة واللطف الإلهي ، قال تعالى وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ.
الحادي عشر : ملك من الملائكة ، وفي مريم قال تعالى وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ليجري روح المسيح فيها كما في نفخ الهواء ، لنفخ جبرئيل في جيب درعها .
وفي المرسل عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال : لم يعش مولود قط لستة أشهر غير الحسين وعيسى بن مريم عليهما السلام)( ).
الثاني عشر : روح الانسان وعنها سأل جماعة من اليهود، وفي تعريفها وبيان ماهيتها وجوه :
الأول : هواء بارد في القلب.
الثاني : الحياة المتشابكة للجسد.
الثالث : الذي يحيى به البدن.
الرابع : هي الحياة.
الخامس : الهواء المردد في مخارق الحي فهو مادة الحياة وعلته المادية.
السادس : هو المدرك الفعال للمكلف.
السابع : مادة النفس.
الثامن : شرط الحياة.
التاسع : الهواء المستنشق من الكائن الحي.
العاشر : بعض الجسم الحي.
الحادي عشر : جوهر بسيط مزروع في المدرك.
الثاني عشر : امتزاج الطبائع.
الثالث عشر : جسم لطيف.
الرابع عشر : الدم الصافي .
الخامس عشر : عرض في الانسان وليس بجسم ولا جوهر وهي غير النفس.
السادس عشر : أجسام لطيفة متشابكة للاجسام المحسوسة، جعلها الله عز وجل علة مادية وسبباً مستديما حاضرا لدوام حياة الاجسام مادامت متداخلة معها ومتعلقة بها، أي بمفارقتها يحصل الموت.
السابع عشر : هو الدم.
الثامن عشر : هو القوة الفاعلة التي تحرك الدم وتسيره.
التاسع عشر : ريح مخصوص.
العشرون : الشئ الذي يبقى من الانسان بعد الموت الذي لا يلحقه الفساد.
الواحد والعشرون : جوهر مركب من بخارية الاخلاط ولطيفها.
الثاني والعشرون : جوهر مسكنه الاعضاء الرئيسة من البدن، وهي القلب والدماغ والكبد ومنها ينقل الى أجزاء البدن الأخرى والاعصاب والعروق.
الثالث والعشرون : هو أجسام لطيفة متكونة من بخارية الاخلاط تنبعث من القلب لتنفذ في العروق .
الرابع والعشرون : هواء رقيق يتصف بنوع برودة ويتردد في مجاري النفس.
الخامس والعشرون : انه التنفس الذي يقوم به الانسان.
السادس والعشرون : جزء من القلب لا ينفك عنه.
السابع والعشرون : المزاج المعتدل.
الثامن والعشرون : تخاطيط الاعضــاء والجــزء الذي لا يتغـير من اول عمره الى آخره.
التاسع والعشرون : جسم لطيف بخاري يتكون من لطافة الاخلاط ينبعث من التجويـف الايسـر من القلب، ويسري الى البدن بواسطة الشرايين.
وهذه الوجوه والتعريفات مع كثرتها تظهر ان الروح جزء من الانسان وليس الانسان كله .
فالانسان مركب من الروح والجسد وبه يتعلق التكليف، والإسراء ليس موضوع مكاشفة وزوالاً للحجب الدنيوية وتحرراً من القيود الجسمانية، او انه عبارة عن مشاهد وتجلي فقط بل هو فضل إلهي ونعمة على الإنسان والخلائق ، وهو سبحانه اذا أعطى فانه يعطي بالاوفى والاوسع والاشمل.
والنزاع الصغروي وتعدد هذه الأقوال متعلق بموضوع واحد هو روح الإنسان ، ويدعي بعضهم أن الإسراء تم به على نحو مجرد ولكن لو تأملت التعريفات المتعددة له ومع انها تمثل ثروة علمية .
وتدل على الارتقاء في المباحث الكلامية عند المسلمين فانها جميعاً قاصرة عن امتلاك الأهلية لعظمة الآية التي اخبر الله تعالى عنها في القرآن من حصول الإسراء كمعجزة خالدة بالروح والبدن.
تقسيمات الروح
لقد قسمت الروح تقسيماً استقرائياً إلى :
الأول : الروح الحساس : وهو اصل وظيفة الروح الانساني وملازم له منذ اول حياته، يتلقى وظائف الحواس الخمس.
الثاني : الروح الخيالي : وهو الذي يخزن ما يرد على الحواس، ويعرضه على الروح العقلي.
الثالث : الروح العقلي : وهو الذي ينفرد به الانسان المدرك مما لا يكون عند البهائم والصبيان، ووظيفته ادراك المعارف الضرورية الكلية.
الرابع : الروح الفكري : هو مدرك المعارف العقلية المحضة، ويؤلف بينها ويستنتج منها المعارف ويستخرج منها النتائج ويقوم بشطرها وتفريعها.
الخامس : الروح القدسي : وهو الذي يختص به الانبياء وبعض أولياء الله ، وتتجلى فيه جوانب من علم الغيب، وعلوم ملكوت السماوات والارض، ويصل إلى أبواب من المعرفة يقصر الروح العقلي والفكري عن إدراكها.
وهذا اصطلاح خاص بأصحاب الكمالات الإنسانية من البشر ، أما روح القدس الذي ورد ذكره في القرآن أربع مرات فهو جبرئيل في قوله تعالى وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.
كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن روح القدس نفث في روعي : أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)( ).
و(عن ابن عباس قال : روح القدس الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى)( ).
وصحيح ان هذا التقسيم استقرائي لكنه لا يعني تعدد الموضوع، فهو عنوان الترتيب الطولي لمنازل الروح ووظائفها، والإسراء لابد وان يتعلــق بالروح القدســي لما فيه من العلوم والمعارف الخارقة للعادة لكن النوبة لم تصل الى الحصر والفصل ويبقى مرجوحاً ، نعم الروح التي في البــدن الذي أسري به هو روح النبوة والوحي لانها ساعة تجلي وشهود لا تجافي.
الإسراء عقلاً
العقل جوهر مجرد قائم بذاته ومفارق للأجسام، واختلف الاصوليون هل للعقل حكم مستقل بحسن الشئ او قبحه أو لا، واسست على هذا القول قاعدة التحسين والتقبيح العقليين , وقد بيناها تفصيلا في البحث الخارج الأصولي وان كانت من مسائل علم الكلام ولكنها بحســب اللحــاظ مما يقع في طريق الحكم الشرعي .
فالعقل يدرك لزوم الامتثال او الامتناع، وان المطيع يستحق المدح والثناء ، بخلاف العاصي وفاعل القبيح فانه يستحق الذم عقلاً.
ونعمة العقل من اعظم النعم على الانسان وفيها حجة عليه بلزوم توظيفها احسن توظيف في ترسيخ الاحكام الشرعية والعمل بالسنن واتيان الصالحات وقد ورد عن الامام الباقر عليه السلام (قال : لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، ولا اكملك إلا فيمن احب أما إني إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك اثيب)( ).
لقد جعل الله عز وجل العقل رسولاً دائماً وهو يلح بقبول الإسراء بالجسد للكبرى، وهي ان القرآن كتاب نازل من عنده تعالى وانه حق , والصغرى وهي ان القرآن جاء بالإسراء ببيان واضح يدل في الظاهر على حصوله بالجسد بالإضافة الى النصوص التي تدل ضمن سياقها ومضامينها على حصوله بالجسد والروح والتقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالانبياء الآخرين.
قاعدة الحسن والقبح العقليين
ينكر الأشاعرة قاعدة الحسن والقبح العقليين وهي من الادراك ، والثاني ادراك العقل لمدح فاعل الحسن وان فاعل القبيح يستحق الذم ، والاجماع على الاقرار بمعرفة موضوعية العقل في الادراك والتكليف والعلم بالفرائض والنواهي.
والعقل كاشف لحكم الأفعال ، أما الشارع فهو مؤسس ومثبت وكاشف لها .
وذهب الأشاعرة للقول بعدم وجوب شئ أو حرمة آخر على المكلف قبل ورود الشرع لتبعية الحسن والقبح لأمر الشارع ونهيه بالأدلة السمعية.
فالحسن ما حسنه الشرع بالثناء على فاعله ، والمراد بالقبيح ما ورد الشرع بذم فاعله .
أما المعتزلة فقالوا أن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع بما دل عليه العقل ، كوجوب شكر المنعم ، وهو مكلف عقلاً بمحاسن الأخلاق .
وقال الشهرستاني توفي سنة (548 هجرية) (وأما السمع والعقل : فقد قال أهل السنة : الواجبات كلها بالسمع والمعارف كلها بالعقل . فالعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يقتضي ولا يوجب والسمع لا يعرف أي لا يوجد المعرفة بل يوجب
وقال أهل العدل : المعارف كلها معقولة بالعقل واجبة بنظر العقل وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح)( ).
والمراد من العدلية هم المعتزلة ، قال الشهرستاني (أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية والعدلية)( ).
وقد يقال أن المراد من العدلية هم المعتزلة والإمامية ، وان علة الجمع هو قول الإمامية والمعتزلة بالعدل الإلهي ، وأن الله عز وجل يجازي العباد في الآخرة حسب أعمالهم .
ولا أصل لهذا الجمع فلا صلة للإمامية بالمعتزلة , والإلتقاء بمسألة كلامية من بين مئات المسائل لا تعني وحدة العقيدة ، واستدل الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين بوجوه .
ولا يختص القول بالحسن والقبح العقليين بالمعتزلة ، بل قال به متقدمو الحنفية ، وغيرهم .
ونبين مسألة وهي أن الشرع لم يتأخر زماناً عن ملاك العقل ، إذ هبط آدم إلى الأرض بصفة النبوة ، لبيان الملازمة بين حكم الشرع وعمارة الإنسان للأرض ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
(وقال أبو ذر : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء ، قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.
قلت : يا رسول الله كم المرسلون منهم ، قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيّتهم أنبياء .
قلت : أكان آدم نبياً ، قال : نعم كلمه الله سبحانه وخلقه بيده .
يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب : هود وصالح وشعيب ونبيك .
قلت : يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب ، قال : مائة وأربع كتب ، منها على آدم عشر صحف ، وعلى شيث خمسين صحيفة ،وعلى أخنوخ ، وهو إدريس ثلاثين صحيفة ،وهو أوّل من خطّ بالقلم ،وعلى إبراهيم عشر صحائف ، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان)( ).
الرد على القول الإسراء بالروح
استدل بعضهم في موضوع الإسراء وانه بالروح باستبعاد وصعود الجسم الكثيف وان صعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجسمه ممتنع عقلاً، ويناقش من وجوه :
الأول : الملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل واذ كانت هذه الملازمة مأخوذة من دليل عقلي فهي ملازمة عقلية وفي علم الاصول مباحث مستقلة لها تثبت الكبريات العقلية التي ترد في مقدمات الحكم الشرعي واثباته.
الثاني : العقل لا يمتنع عن قبول صعود الجسم الكثيف لان الصعود والإسراء لم يحصل بالاسباب العادية بل بالاعجاز .
والمعجزة هي الامر الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم من المعارضة، فالإسراء بشخص النبي صلى الله وعليه وآله وسلم الشريف وبدنه معجزة تفوق قوانين الاسباب والمسببات , ولكنها لا تتعارض مع حكم العقل.
الثالث : أثبت الارتقاء العلمي في هذا الزمان امكان صعود الجسم الكثيف في الفضاء وانه غير ممتنع عقلاً مع تحقق اسبابه المادية.والشواهد كثيرة ومتعددة والمركبات الفضائية اليوم تسبح في الفضاء
وبذا يكون التطور التقني عوناً على اثبات الحقائق القرآنية ، وفضحاً لأولئك الذين أشكلوا على علوم القرآن , وهذا وجه من وجوه الاعجاز القرآني، كما ان هذه الحقائق مقدمة وطريق يفتح افاق العلم وتتمثل صيغ الاشكال بثلاثة وجوه :
الأول : صعود الجرم الثقيل الى السماوات غير معقول.
الثاني : الحركة البالغة في السرعة الى هذا الحد غير معقولة.
الثالث : صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماوات يوجب انخراق الأفلاك.
وبالنسبة للأول والثاني فان العلم الحديث وهو أدنى بمراتب من الإعجاز وموضوع مستقل يختلف عن الإعجاز لما في الإعجاز من مميزات خارقة لعقول البشر ويأتي بلحاظ العلم الحديث ايضاً وان صعود اهل العلوم الحديثة في طبقات السماء والى الكواكب لا يصل بهم الا حيث يأذن الله، ثم يتوقف العلم وقدرة البشر بخلاف ارتقائه صلى الله عليه وآله وسلم في السماوات العلى .
أما الثالث فان الفضاء والكواكب مخلوقات مستجيبة لأمر الله تعالى ، وفي التنزيل ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
إسراء الأنبياء
ذكر ان ادريس هو أول الأنبياء من أولاد آدم الذي عرج به الى السماء، وهو أول نبي خط بالقلم، وأول من نظر في النجوم، وعلم الحساب بتعريف سماوي، وكان رجلاً صالحاً يرفع له من العمل ما يرفع لأهل الأرض، فاستأذن الملك الذي كان يصعد إليه عمله ربه في زيارته فأذن له، وحمله الملك على جناحه فصعد به الى السماء .
وقيل ان ملك الموت هو الذي زاره، واراه النار ثم ادخله الجنة بأمر الله ثم قال له اخرج لنرجع فقال [وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ] ( ) فلا اخرج منها فقال الله سبحانه للملك دعه يلبث فيها.
وفي حديث الإسراء ورد (عن قتادة في قوله وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا قال : حدثنا أنس بن مالك ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة)( ).
و(عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر ، فقال له: ما قول الله عز وجل لإدريس وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا.
فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة.
فقال : إن الله أوحى إليّ كذا وكذا ، فكلم لي ملك الموت، فَلْيؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم مَلَك الموت منحدرًا ، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس .
فقال: وأين إدريس ، فقال: هو ذا على ظهري. قال ملك الموت: فالعجب بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة .
فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك ، فذلك قول الله وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ))( ).
ورفع نبي الله إبراهيم عليه السلام من على صخرة بيت المقدس واشرف على الناس فلما نظر اليهم وهم يعصون .
قال : اللهم دمر عليهم، فقال الله أنا ارحم بعبادي منك فلعلهم يتوبوا أو يرجعوا أو استخرج من صلبهم ولداً صالحاً.
(وروي عن سلمان الفارسي أنه قال : لما رأى إبراهيم ملكوت السموات ، رأى عَبْداً على فاحشة ، فدعا عليه فهلك ، ثم رأى آخر على فاحشة ، فدعا عليه فهلك ، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه ، قال الله تعالى : أنْزِلوا عبدي كي لا يهلك عبادي .
ويقال : إنه كان يقول : أنا أرحم الخلق . فلما رأى المعصية فدعا عليهم ، قال الله تعالى : أنا أرحم بعبادي منك ، اهبط لعلّهم يرجعون)( ).
ومع أن آيات القرآن والسنة تدل على مكانة إبراهيم بين الأنبياء وعلى جهاده في سبيل الله وسعيه للصلاح ، فان هذا الحديث في مفهومه وبلحاظ المقارنة مع إسراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يظهر بجلاء وجوه الرأفة والرحمة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتي أدت الى هداية الناس .
إذ أخبر الله تعالى (فلعلهم يتوبوا او يرجعوا او استخرج من صلبهم ولداً صالحاً) فان الشطر الأخير تحقق باتباع الناس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهدايتهم بالإسلام.
الدعاء للناس
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته للمؤمن والكافر ، فيسأل الله عز وجل ان يزيد إيمان المؤمن ، وأما الكافر فيدعو له بالتوبة والهداية والصلاح والدعوة العامة بالهدى والإيمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ولما شكى الطفيل وأصحابه من دوس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جحود وكفر أكثر رجالات قبيلة دوس ، وسألوه أن يدعو الله عليهم استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القبلة ورفع يديه .
فقال الناس : هلكوا .
فقد ظنوا أنه سيدعو عليهم ، ولكنه قال (اللهم أهد دوساً) ( ).
والتفت إلى الطفيل وقال له (ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ . قَالَ فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَام)( ).
ومرت السنين وجاء الطفيل إلى المدينة ومعه سبعون أو ثمانون بيتاً من قبيلة دوس .
وفي معركة أحد حيث كان مشركو قريش وحلفاؤهم هم الغزاة المعتدون وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل ، قدموا من مكة حتى أشرفوا على المدينة وصاروا على بعد (5 كم) من المسجد النبوي ، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ألف من أصحابه للقائهم .
وبتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول انخزل ثلاثمائة منهم في الشوط وسط الطريق إلى جبل أحد حيث ميدان المعركة ، فبقي سبعمائة أي أقل من ربع جيش المشركين .
ومع هذا كان النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مع قلة أسلحتهم وخيلهم لولا ترك الرماة المسلمين مكانهم ومجئ خيل المشركين من الخلف فسقط سبعون شهيداً من المسلمين منهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصيب النبي محمد بجراحات منها :
الأول : شج في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسال منه الدم ، فقامت فاطمة عليها السلام تغسله بالماء ، وعلي عليه السلام يصب عليها ، فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة ، أخذت قطعة حصير فاحرقته حتى اذا صار رماداً الصقته بالجرح فاستمسك الدم( ).
الثاني : كسر رباعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي السن بين الثنية والناب .
الثالث : جرح وجنة النبي ، والوجنة ما ارتفع من الخد ، والنسبة بين الخد والوجنة عموم وخصوص مطلق .
الرابع : شق شفة النبي السفلى .
الخامس : سقوط النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق ، وجحشت ركبته أي قشطت وهو دون الخدش.
السادس : تهشيم البيضة التي على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي الخوذة .
السابع : وصول حجارة المشركين إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكثرت وتوالت هذه الحجارة حتى سقط على جنبه ، مما يدل على قرب أفراد جيش المشركين منه ، وأن نجاته يومئذ معجزة حسية جلية.
وهل من موضوعية لمعجزة الإسراء والمعراج في إصلاح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصبر وتحمل الأذى ، والإجتهاد بالدعاء لعامة الناس ، الجواب نعم ، وهذا الإجتهاد من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.

الصبر سلاح النبوة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التحلي بالصبر في أشد الأحوال ، وهذا الصبر بالوحي من عند الله ، وهو فرع الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا ، وفيه دعوة للناس للإيمان وتأديب للمسلمين لدرء السيئة بالحسن .
وفي قوله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ورد (عن الربيع قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وقد شج في وجهه وأصيبت رباعيته.
فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم .
فقال : كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى الشيطان ، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة ، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار؟ فهمَّ أن يدعو عليهم . فأنزل الله [لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ] الآية فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عليهم)( ).
و(عن خالد بن أبي عمران قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت ، فقال يا محمد : إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً ، وإنما بعثك رحمة للعالمين ، ولم يبعثك عذاباً لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ.
ثم علمه هذا القنوت : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك .
اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، إليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك ، إن عذابك الجد بالكفار ملحق)( ).
وفي معركة حنين ومع أن هوازن وثقيفاً هم المعتدون الغزاة الذين كمنوا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في شعاب وأودية حنين ليهجموا عليهم هجمة رجل واحد بالنبال والرماح والسيوف .
وفرت الطلائع الأولى من المسلمين ، بعد أن سقط عدد منهم قتلى كما في قوله تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.
فنزلت الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانهزمت فلول المشركين ، وثم تم حصار الطائف .
قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ . يَوْمَ ظَعَنَ عَنْ ثَقِيفٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ اُدْعُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ)( ).
ولم يمر عام حتى جاء رؤساء هوازن وثقيف إلى المدينة ليدخلوا الإسلام وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
وتجلت منافع دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقريب والبعيد بالهداية والصلاح وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

إسراء سليمان
سليمان بن داود عليه السلام نبي من أنبياء بني إسرائيل ، وأصبح ملكاً عليهم ، وسخر الله عز وجل له الريح لتنقله الى الأماكن البعيدة في ساعات قليلة وعندما تشتد تنتقل به الى حيث يريد في لحظات معدودات .
قال تعالى وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ والأرض المباركة هنا هي (بيت المقدس والشام) ( )، و(عاصفة) أي تجري من كل جانب .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما فرغت من أمر السموات والأرض قلت يا رب : إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته ، اتخذت إبراهيم خليلاً ، وموسى كليماً ، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين ، وأحييت لعيسى الموتى ، فما جعلت لي .
قال : أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟ أن لا أذكر إلا ذكرت معي ، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً ، ولم أعطها أمة ، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي : لا حول ولا قوّة إلا بالله)( ).
ولقد احضر وزيره آصف بن برخيا بما آتاه الله من علم عرش ملكة سبأ من اليمن الى بلاد الشام بأقل من لمح البصر سواء بطي الأرض او بخسف الأرض بينه وبين سرير بلقيس .
فتناوله بيده ثم عادت الأرض كما كانت اسرع من طرفة عين كما في الخبر، او انه مد بصره ثم مد يده فاذا هو ممثل بين يديه وقال بيده هكذا فاذا هو بعرش اميرة سبأ والأول أرجح قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي….
ولم يكن سليمان عليه السلام يعجز عن احضاره بنفسه وبدون الإستعانة بآصف وغيره، ولكنه اراد ان يري جنوده العلوم التي عند آصف لكي يدركوا انه الحجة من بعده لتبقى كلمة التوحيد وسيادتها، ولمنع الفرقة والإنشقاق كما بيّن داود عليه السلام إمامة سليمان لبني اسرائيل .
ولم يكن عند آصف الا حرفاً واحداً من الإسم الأعظم فتكلم به واحضر العرش، وعند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اثنان وسبعون حرفاً منه، وتجد شواهد هذا في القرآن فالآية الكريمة تقول [قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ] ( ) بينما قال تعالى في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلت كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب وفي بعض الروايات انه الإمام علي عليه السلام.
معراج السيد المسيح
يشير القرآن الى معراج مستمر للسيد المسيح [ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ… ] ( ) وتقول المسيحية بقيامة المسيح بعد مضي ثلاثة أيام على وفاته كما في إنجيل مرقص وإنجيل لوقا.
لذلك فان قيصــر ملك الروم لما دخل عليه دحية الكلبي مبعوثاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه كتاب معنون من محمد رسول الله الى قيصر صاحب الروم ويدعوه للإسلام ، جمع الأساقفة والبطارقة وأرسل يبتغي قوماً يسألهم فجمع له أبو سفيان وأصحابه .
فقال اخبرني عن هذا الرجل الذي بعث فيكم فلم يأن ان يصغر أمره، يقول أبو ســفيان حتى ذكــرت قولــه ليلة اسـري به قلت: أيها الملك أنا أخبرك عنه خبراً تعــرف انه قد كذب قال: وما هو قلت: انه يزعم لنا انه خرج من أرضنا ارض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد ايليا ورجع الينا في تلك الليلة قبل الصباح.
قال وبطريق ايليا عند رأس قيصر قال البطريق: قد علمت تلك الليلة فنظر اليه قيصر فقال: ما علمت بهذا قال: اني كنت لا أبيت ليلة حتى اغلق أبواب المسجد فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني كلهم فعالجته فلم نستطع ان نحركه كأنما نزاول به جبلاً .
فدعوت الناجرة فنظروا اليه فقالوا: سقط عليه النجاف والبنيان فلا نستطيع ان نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى فرجعت وتركته مفتوحاً .
فلما أصبحت غدوت فإذا الحجر الذي من زاوية الباب مثقوب وإذا فيه اثر مربط الدابة فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة الا على نبي فقد صلى الليلة في مسجدنا( ).
والنجاف بالكسر (سَهْمٌ نَجِيفٌ : هو العَرِيضُ الواسِعُ الجُرْحِ . ونَجَفَه يَنْجُفُه نَجْفاً : بَراه)( ).

معجزة الإسراء المتعدد
لقد اختار الله لنبيه كرامــة الإسراء وكذلك أكابــر الأنبيــاء والأولى والأنفع التصديق بالإسراء لوجوب التسليم بقدرة الله عز وجل وحــق النبوة عنده، إذ ان اكثر أرباب الملل والنحل يقرون بوجود إبليس وانه يقوم بالوسوسة في قلوب بني آدم وتمكنه من الحركة بسرعة ليحضر هنا وهناك.
فمن باب الأولوية الإقرار بأن الله عز وجل رزق نعمة الإسراء للأنبياء ، وهذا الإسراء المتعدد والمعراج من مصاديق قول الله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وتبين الآية أعلاه أربعة أمور تدل على بديع صنع الله في الإسراء وهي :
الأول : ملك الله عز وجل للسموات السبع .
الثاني : ملك الله عز وجل للأرض .
الثالث : اتحاد السموات والأرض في ملكية الله عز وجل لها ، وامتثالها لأمر الله عز وجل ، وسياحة الملائكة والأنبياء فيها حيث يشاء الله عز وجل.
الرابع : الإطلاق والعموم في عظيم قدرة الله عز وجل ، ومنها نقل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج به في ملك الله عز وجل في السموات العلا وعودته في ذات الليلة إلى بيت المقدس ثم مكة .
ليجاهد في اكمال رسالته والصبر على الأذى ، ويعلم أن الله عز وجل هو ناصره .

الإسراء فقاهة وعلم
لقد اجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة الى الإسلام مع كثرة ما لاقاه من مشركي قريش والكفار عموماً من الأذى حتى قال : ما اوذي نبي مثل ما أوذيت( )، أي بالإمكان معرفة الأذى الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطرق منها :
الأول : آيات القرآن ، قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
الثاني : إخبار الأنبياء السابقين.
الثالث : السيرة والوقائع التأريخية.
الرابع : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : ما رواه الصحابة من المهاجرين والأنصار .
السادس : ذكر الوقائع أيام النبوة الخاتمة .
ولابد من معرفة الدروس والخصائص التي يتصف بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنبياء السابقين سواء فيما وصل اليه مما لم يبلغه غيره من رسول او ملك مقرب او في آية الإسراء ذاتها .
و(عن أبي بصير قال : سمعت الصادق عليه السلام يقول : إن جبرئيل عليه السلام احتمل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى به إلى مكان من السماء ، ثم تركه ، وقال : ما وطئ نبي قط مكانك)( ).
وحينما يكون الحديث عن صعود الأنبياء السابقين لم يقل أحد انه بالروح فلماذا عند الحديث عن سيدهم وخاتمهم واعظمهم منزلة عند الله يقول بعضهم اننا لا نؤمن الا بالمحسوس وإن الإسراء كان بالروح ، مع ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوتي ما أعطي للأنبياء السابقين ومنهم من صعد إلى السماء بالجسد والروح .
فتكون النتيجة وفق القياس الاقتراني أنه صلى الله عليه وآله وسلم صعد بالجسد والروح من باب الأولوية.
الإسم الأعظم
من الاسرار الملكوتية في الارادة التكوينية موضوع (الاسم الاعظم) الذي هو كنز وذخيرة من كنوز النبوة، وباب علم للناس جميعاُ، ويمكن تعريفه بانه كنز يفتح خزائن متعددة من العلوم والمعجزات والكرامات المتصلة والاسرار الربانية التي تتعلق بالحوادث والمغيبات والأمور الكونية وهو سلاح وعون دائم لتثبيت اركان التوحيد في الأرض وهو اسم الله الذي يستجيب له كل شيء بإذنه تعالى .
وقد يرد في النصوص بعنوان اسم الله الأعظم أو اسم الله الأكبر أو السر الأعظم ، وهو حرز ووسيلة مباركة في الدعاء ، وتقريب البعيد .
ولقد حجبه الله عز وجل عن العباد الا من اصطفى، واختلف في موضع وجوده من القرآن هل هو في آية معينة او مجموعة آيات، والاخفاء سر من اسـرار المعرفة الإلهية وجزء من الحجب والستر واحكام الغيب ومعارفه، وهذه صـغرى، أما الكبرى فهي هل هو موجود في القرآن؟ الجواب نعم، ويدل عليه قوله تعالى [ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ).
والأنبياء رُزقوا اياه ولكن بأجزاء مختلفة في الكم والكيف والاثر وقد ورد عن الامام الصادق عليه السلام قال : كان مع عيسى ابن مريم حرفان يعمــل بهما .
وكان مع موســى عليه السلام أربعة احرف، وكان مع إبراهيم ستة احرف .
وكان مع آدم خمسة وعشرون حرفاً، وكان مع نــوح عليه الســلام ثمانية.
وجمع ذلك كله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ان اسم الله ثلاثة وسبعون حرفاً وحُجب واحد.
وتلاحظ في التقسيم البياني حصر الحروف بالرسل اولي العزم مع اضافة آدم عليه السلام ابو البشر لما له من وظائف النبوة وقيامه بتهيئة وتأسيس أسباب وقواعد العيش لذريته في الأرض .
وهل ورثه الأنبياء والأوصياء من الرسل ، المختار نعم ، ومن الشواهد ما ورد (عن ابن عباس قال : كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم ، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه.
فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً ، وقالوا : هذا الذي كان سليمان يعمل به ، فاكفره جهال الناس وسبوه ، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله على محمد وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ))( ).
وعن أبي بصير أنه سمع الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقول (إن سلمان علم الاسم الأعظم)( ).
والمشهور في علم الاصول ان التحديد بالعدد لامفهوم له ولا يصلح وحده علة تامة للمقارنة فكل حرف له خصوصية وقد تكون العلوم المترشحة من حرف واحد أكثر من أبواب العلم التي تنفتح من عدة حروف.
والعدد هو الكمية المتألفة من الواحد، لذا قيل بانه يختص بالمتعدد، ولكن النحاة قالوا ان الواحد من العدد الاصل الذي يبنى عليه , وهو الأصح.
وتفضل الله عز وجل بجمع حروف الاسم الأعظم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء حرف واحد منها اختص الله عز وجل به لنفسه ، وهو من مصاديق ما ورد في التنزيل حكاية عن عيسى عليه السلام تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
مما يدل على بلوغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المراتب السامية التي بلغها جميع الانبياء السابقين مع الارتقاء في درجات الرفعة والعلم ومنازل الاعجاز .
ولقد حاز بعض الانبياء شرف الإسراء كادريس، وابراهيم عليه السلام وسليمان فلابد ان النبي صلى الله وعليه وآله وسلم ينال هذه النعمة والكرامة التي حصلوا اليها تشريفاً واثباتاً لاحسانه تعالى بتفضيله عليهم واتماماً للنعمة على المسلمين وتعاهدا للشريعة الباقية الى يوم القيامة، فجاءت آية الإسراء شاهداً ووثيقة ودليلاً وفخراً وعزاً.
الإسراء والأذان
الأذان شعار الإسلام الخالد واعلان يومي مبارك للشريعة المقدسة يتكرر خمس مرات في اليوم ، ودعوة متجددة للتوحيد يسمعها الناس طوعاً وكرهاً تخترق القلوب لتكون رحمة لهم، وحجة عليهم .
والأذان مناسبة للتدبر في الخلق وتذكير بوظائف العبد وما عليه من التكاليف واستحضار الدروس العقائدية في كل فصل من فصوله، وتدارك الذنوب واستثمار الوقت لإقتناء الصالحات لأن الدنيا مزرعة الآخرة .
وفي تكراره وتعدد فصوله واحكامه آية من فضل الله تعالى فهو مناسبة كريمة للإستغفار وبعث عام على الطاعة .
وهو رسالة أهل الأرض الإعلامية الى سكان السماء بتعاهد كلمة التوحيد وما جاءت به النبوة، وعمل عبادي ذو فلسفة عقائدية .
وعن الإمام الرضا (عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة)( ).
ومن معانيه عملهم الصالحات ، وتطلعهم لتلقي الإذن لهم بدخول الجنة ، ومن مفاهيمه الأمن للمؤذن من النار .
والأذان علم وسنخية تفوق في نظريتها ومقاصدها حدود العمل الإعلامي المؤسساتي الذي هو نتاج العقل البشري الجماعي ، إذ يتضمن تشريعاً وفصولاً وكيفية ومحلاً وتكراراً لمفاهيم يتم استقراؤها والإنتفاع الأمثل منها في بناء صرح العقيدة والشخصية المسلمة وتآلف أفراد المجتمع في مرضاة الله كدعوة إلى الكمالات ، والأذان حاجز ذكري مبارك يحث بإلحاح على الابتعاد عن الإنغماس في ملذات الدنيا.
تشريع الأذان
إجماع المسلمين على تشريع الأذان والإقامة ايام النبوة إلا أنه أختلف في مناسبة وكيفية تشريعه، فمشهور الجمهور ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخذه من رؤيا عبد الله بن زيد في منامه، وفي رواية برؤيا أُبي بن كعب، واجماع الإمامية على انه شرع ليلة الإسراء .
وفي صحيحة هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام قال (لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحضرت الصلاة أذن جبرئيل وأقام الصلاة، فقال جبرئيل عليه السلام: يا محمد تقدم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقدم يا جبرئيل فقال له: انا لا نتقدم على الآدميين منذ امرنا بالسجود لآدم)( ).
واشكل بعضهم على اخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عظيم مقام النبوة هذا الحكم العام البلوى من رؤيا احد اصحابه وشخص من امته .
ولكن المدار على الأخذ اذا تم فهو من السنة التقريرية وهي حجة ودليل معتبر، واعم من ان ينحصر موضوعها بعالم اليقظة والمناط على النصوص وصحتها .
ولو تنزلنا عن موضوع السند وصحته فانه لا تعارض بين القولين فيمكن ان يكون التالي وهو الرؤيا اواناً وسبباً لتثبيت تشريع الأذان في الأرض وبرهاناً وواقية من اهل الحسد والنفاق والكفر، وتوكيداً وشاهداً على صحة الإسراء وما فيه من المسائل والأحكام، ودليلاً على بلوغ أوان اعلان الأذان واحداثه في الارض والى يوم القيامة.
أن أخذ الأذان من الإسراء يدل على موضوعية مركبة من وجوه :
الأول : موضوعية الأذان في العقيدة والأحكام الشرعية.
الثاني : منافع الإسراء في بيان وتثبيت الأحكام.
الثالث : التشريف لحكم الاذان والتوكيد على لزوم ايلائه عناية خاصة وعدم التفريط به .
لذا فمع انه مستحب استحباباً مؤكدا في الفرائض اليومية وليس واجباً وهو مختص بها، فانك ترى المنافع العظيمة للاذان في المجتمعات الاسلامية وفي تثبيت الفرائض خصوصاً ان الصيام هو الآخر ترتبط بدايته ونهايته بالأذان ، والآية الكونية من طلوع الفجر وغروب الشمس .
فباذان الفجر يمسك الصائم، وباذان المغرب يتناول المفطر.
ويمكن ان يفتح باب للدراسة عنوانه “الاذان والعولمة” لنعلم اسرار التوكيد عليه وتلقي النبي صلى الله وعليه وآله وسلم له في السماء ليعم آفاق المعمورة وكأنه جزء من الهداية التكوينية الى جانب جزئيته من الهداية الشرعية واستثمار التداخل الحضاري للدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

الصلاة والإسراء
الصلاة واجزاؤها من أهم وأسنى مواضيع الإسراء ولاغرابة في ذلك فهي عمود الدين والفيض المبارك المتصل الذي تترشح عنه صيغ التقوى وهي الضمان الشرعي لبقاء الحياة على الارض وعنوان العبادة قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) وهي الماحية للذنوب .
وذكر الصلاة ووجوبها في القرآن وفي آيات كثيرة مدرسة في بيان فلسفة الصلاة ومنافعها الفكرية والإخلاقية والصحية والإجتماعية الشخصية والنوعية في الدنيا والآخرة، وما جاء من النصوص في فضلها واهميتها اكثر من ان يحصى ، وهي واجب عيني على المكلفين .
لقد ورد عن النبي صلى الله وعليه وآله وسلم أنه قال (المصلي يناجي ربه)( ).
فالصلاة سياحة في عالم الملكوت وفيها توكيد عملي لتنزيهه تعالى عن نقائص الامكان .
لقد شاء الله عز وجل ان يكون تشريع الصلاة في العالم العلوي ليلة الإسراء وفي حال تنزه عن ادران الدنيا وظلمة مشاغلها وما يحتمل فيها من اسباب الغفلة ليحتسب العبد ساعة الصلاة في حالة عروج في السماء ، وقول مشهور هو (الصلاة معراج المؤمن).
لقد كانت الصلاة هبة تلك الليلة المباركة مما يعني عظمة الصلاة .
و(عَنِ الْبَيَاضِىِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُصَلِّى مُنَاجٍ رَبَّهُ ، فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ بِهِ ، وَلاَ يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الْقِرَاءَةِ)( ).
ولقد احتلت الصلاة منزلة خاصة في وقائع الإسراء وتعلق باكثر من جزء منها بالاضافة الى ذات الصلاة وادائها وكيفيتها وعدد الركعات .
فمثلاً الركوع والسجود وكل منهما واجب ركني في الصلاة بمعنى ان تركه عمداً أو سهواً مبطل للصلاة .
المراد من الوجوب الركني في السجود هو السجدتان معاً في كل ركعة .
ومن واجبات الركوع والسجود الذكر أي التلفظ بالذكر والتسبيح حال الركوع وحال السجود وعليه الاجماع والنصوص، وفيها ما ورد في تشريع التسبيح في الركوع والسجود عند الإسراء وفي السماء.
جاء في خبر هشام بن الحكم عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام (في حديث: قلت له لاي علة يقال في الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده؟ ويقال في السجود: سبحان ربي الأعلى وبحمده .
قال : يا هشام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسرى به وصلى وذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه فابترك على ركبتيه واخذ يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، فلما اعتدل من ركوعه قائماً نظر إليه في موضع أعلى من ذلك الموضع خرّ على وجهه وهو يقول: سبحان ربي الأعلى وبحمده فلما قالها سبع مرات سكن ذلك الرعب، فلذلك جرت به السنة)( ).
وفي الإسراء نوع تخفيف في الاحكام بتيسيرها بتلقي شطر منها في السماء وعلى نحو بياني وتفصيلي يستلزم الالتفات والإتقان من المسلمين ويعينهم على ادائها بشوق ولهفة ، مع الشكر لله عز وجل على هذه النعمة ، ولذا ورد عن النبي صلى الله وعليه وآله وسلم انه قال: بعثت بالشريعة السهلة السمحة.
وتبقى الصــلاة عنواناً لطاعة الله في الأرض واظهاراً للخضوع لسلطانه وشوقا للامتثال بين يديه، واستعداداً للتضحية من اجل اســتمرار بقاء راية التوحيــد في الأرض بالوقــت وراحة البدن واختبار النفس اذ تحبــس ســاعة الصلاة لغــرض الصــلاة واداء افعالها.
الصلاة في السماء
الصلاة افضل الاعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله ويرجو بها رضاه، وهي أحب افعال العباد إلى الله عز وجل لأنها توظيف واقعي للمعرفة والتزام من البدن والجوارح بالإيمان ضمن تفاعل مع الروح وانبعاثه في فعل عبادي لا يراد به إلا وجه الله ، قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
والصلاة قربان كل مؤمن ورمز التقوى ولباس الهدى وليسيح العبد في ذكر الله ويعيش في كنف الربوبية ملتجئاً في خشوع وانقياد.
فلا غرابة اذن ان يكون موضوع الصلاة وكيفيتها من مسائل الإسراء.
عن اسحاق بن عمار قال : سألت موسى بن جعفر عليه السلام كيف صارت الصلاة ركعة وسجدتين، وكيف اذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين( ).
فقال : اذا سألت عن شيء ففرغ قلبك لتفهم ان أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انما صلاها في السماء بين يدي الله تبارك وتعالى قدام عرشه جل وجلاله – الى ان قال.
قال : يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصلٍّ لربك.
فدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى حيث امره الله تبارك وتعالى فتوضأ واسبغ وضوءه ثم استقبل الجبار تبارك وتعالى قائماً، فأمره بافتتــاح الصلاة ففعل.
فقال يا محمد اقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ… الى آخرها، ففعل ذلك، ثم أمره ان يقرأ نسبة ربه تبارك وتعالى [بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ] ( )، ثم امسك عنه القـول ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: [ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ] ( )…الحديث( ).
وفي صحيحة ابن اذينة عن الصادق عليه السلام في حديث الإسراء قال رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم ثم اوحى الله لي يامحمد ادن من صاد واغتسل مساجدك وطهرها وصل لربك فدنا رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الايمن.
وبالاسناد عن سفيان بن سعيد الثوري انه قال الامام جعفر الصادق عليه السلام: ما معنى قوله تعالى عز وجل ص قال: ص عين تنبع من تحت العرش وهي التي توضأ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عرج به , وجبرئيل عليه السلام كل يوم دخله فيه فينغمس فيها ثم يخرج منها فينفض اجنحته فليس من قطـرة تقطر من اجنحته الاخلق الله تبارك وتعالى منها ملكاً يسبح الله ويقدسه ويكبره ويحمده الى يوم القيامة( ).

بحث عرفاني
للإسراء أبعاد روحية ووجدانية وسلوكية ، إنه عنوان تطهير وازالة للكدورات وتصفية للقلب ، وتجريد للباطن ، وطرد لمادية الطبيعة وسيطرة النفس الشهوانية والحيوانية والدرن المترشح عن حالة التعامل اليومي، وفيه تخلص من طاعة الهوى وإغواء الشيطان.
والإسراء عنوان محبة الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودرجة هذه المحبة ، وفي الإسراء دعوة للناس للإرتقاء عن حضيض الحيوانية وهموم البشرية وهو تسامي في مدارك العقل وسلم الكمالات بملاك المعرفة والإخلاص .
وفيه تشريف للانسانية بسيادة العلم وهياكل التقوى، وانذار للناس جميعاً بقرب يوم الحساب، والانذار هو الإخبار مع التخويف.
انه حلقة الاتصال والتداخل بين الانسان وعالم الملكوت ويدل على فتح ابواب التقارب بين الإنسان والملك بميادين المعرفة , والإسراء ارتفاع للحجب عن القلوب وتهذيب للنفوس، وفيه تحد واذابة للمشاق الجســمانية وغلبة لآثــار الملكوت على النفس الإنسانية، وطرد للغفلات ومنع لسيطرتها أو إحتلالها بقعة في وقت وعمل المسلم ، قال تعالى أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
والإسراء والمعراج حاجز دون اللذة وشوائب المشاغل , والحاجات الجسمية، انه من عالم العقل والفكر ومدخل لانتفاء الجهالة واثر الشيطان اذ يشعر المسلم بحصة له في السماء ويتلقى منها الاحكام الشرعية والاخلاقية مباشرة ومن غير واسطة كعنوان لعز المسلمين واكرامهم , وحفاوة أهل السماء بنبيهم وبهم وبأحكامهم.
إنه رياضة في سماء المعرفة الإلهية ومدرسة جامعة في الاذكار والاوراد وهو يوم الاهلية، اهلية الانسان للارتقاء في سلم الملكوت بسلطان الاخلاص لله عز وجل وفوز المسلمين بكنوز المعرفة اذ ان آثار العبادة تنعكس على القلب .
والإسراء عنوان إكرام اضافي ومنه منافع واثار أفعال الجوارح العبادية في اتساع المعارف الانسانية والإسراء لطف وإطفاء للشهوة ، وفي التنزيل مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ.
فتنور القلوب وتصلح النفوس فأي شرف اعظم من الارتقاء في عالم الملكوت للنزول بثروة وتجارة لن تبور واحكام في العبادات من اجل تكميل النفوس وتهذيبها مع معرفة للحق وتعظيمه وتوحيده.
وهو قوة روحية تبعث انوارها في اركان البدن، لقد اراد الله عز وجل للاسراء ان يصبح تصفية للروح ودرء لوساوس الشيطان والهواجس النفسانية فلا غرابة ان يتلقى فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم احكام الصلاة ويلتقي بالملائكة والانبياء ويرى ما يواجه الكفار والمجرمون من وجوه العذاب.
الإسراء والدعاء
يرد الدعاء بمعنى الاستغاثة وهو ذكر وعبادة وفيه رغبة ولجوء الى الله عز وجل والتجاء اليه، والدعاء ذخيرة السماء في الارض وهو سلاح الانبياء، وهو سفر روحي يصعد بالعبد الى عالم الملكوت فهو عالم خاص له قواعده وآدابه واحكامه ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
لقد جعل الله عز وجل الإنسان محتاجاً وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الملازمة بين عالم الإمكان والحاجة .
الصغرى : الإنسان ممكن .
النتيجة : الإنسان محتاج .
وجعل الله عز وجل الدعاء باباً ووسيلة مباركة لقضاء الحوائج ، وكانت ليلة الإسراء مناسبة ليدعو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الله عز وجل لرفعة الإسلام وتثبيت الإيمان في الأرض ، والنجاة من القوم الظالمين .
و(عن يحيى بن سعيد قال : لما اسري بالنبي صلى الله عليه وآله رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من النار كلما التفت رآه فقال جبرئيل عليه السلام: ألا اعلمك كلمات إذا قلتهن طفيت شعلته وصرفته ، قل: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ينزل إلى الارض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن)( ).
وفي الآيات الاخيرة من سورة البقرة التي تلقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشافهة ليلة الإسراء .
ورد (عن محمد بن المنكدر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر سورة البقرة : إنهن قرآن ، وإنهن دعاء ، وإنهن يدخلن الجنة ، وإنهن يرضين الرحمن)( ).
و(عن أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش ، فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم ، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء)( ).

الإسراء ونزول القرآن
النزول : الحلول ، ونزله وانزله بمعنى , ومنهم من فرق بين نزلت وانزلت , والاخير للتكثير، وقد يكون النزول للكل والدفعة، والتنزيل للتدريج والتعدد، والنزول والصعود من صفات الاجسام وايضاً الحركة والسكون، لمناسبته الاجزاء والمراحل.
ومن علوم القرآن معرفة المكي والمدني، وان ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة النبوية المباركة فهو مدني على المشهور والمختار من وجوه التقسيم , وهو علم شريف يساعد على معرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، ويكون عوناً على الإستنباط والتحليل والاستنتاج في بعض المسائل والعلوم، ومن هذا العلم تعدد التقسيم مثل ما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل في السفر او في الحضر، وما نزل في الليل او النهار، وما نزل في الشتاء او الصيف، او بين السماء والارض.
وما تلقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإســراء يمكن أن نفـرد له اصطلاحاً خاصاً وهو (مكي سماوي)، وبالاضــافة الى المسائل المســتنبطة من هذا العلم فان هذا التقسيم نوع تشريف واكرام .
وفي تفسير علي ابراهيم عن هشام عن الصادق عليه السلام ان هذه الآيات مشافهة الله تعالى لنبيه ليلة اسري به الى السماء، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما انتهيت الى محل سدرة المنتهى، فاذا الورقة منها تظل أمة من الأمم، فكنت من ربي كقاب قوسين او ادنى، كما حكى الله عز وجل، فناداني ربي تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ .
فقلت انا مجيباً عني وعن امتي وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فقال الله لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فقلت رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.
وقال الله: لا اؤاخذك، فقلت [رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا] ( ) فقال الله لا احملك ، فقلت رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فقال الله: قد اعطيتك ذلك لك ولأمتك.
(قال الصادق عليه السلام : ما وفد إلى الله تعالى أحد أكرم من رسول الله حيث سأل لأمته هذه الخصال)( ).
والإسراء والتصديق به أمان من نوازل السماء ، واستضاءة لبديع صنع الله ، والمرتبة السامية التي خص بها رسوله الكريم ، وواقية للنفس من الشك والريب .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال: أيما عبد أقبل قبل ما يحب الله عزوجل أقبل الله قبل ما يحب ومن اعتصم بالله عصمه الله ومن أقبل الله قبله وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الارض أو كانت نازلة نزلت على أهل الارض فشملتهم بلية، كان في حزب الله بالتقوى من كل بلية ، أليس الله عزوجل يقول إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ))( ).

الإسراء والحج
مع أن الحج أداء المناســك على الارض في وقــت مخصوص من كل سنة , قال تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، فهو سياحة في عالم الملكوت، تتعلق فيها نفوس الحاج بشآبيب الرحمة وتخترق حجب السماوات بسلطان وسلاح (لبيك اللهم لبيك ) كما ان الوقوف في المشاعر المباركة والطواف بالكعبة المشرفة تشرفاً وتزلفاً الى الله عز وجل سؤال عملي للتوبة .
والحج عبادة بدنية ومالية مركبة وســفر روحــي وعقائدي تتجلى فيه آيات العرفان ، وعروج إلى السماء وعنــوان الفضيلة، وفعل جوارحــي لتهــذيب الســجايا والطباع، وهو ســفر من الخلق الى الحق.
والحج واجب , وعليه الكتاب والســنة والإجمـاع والعقل، على كل مكلف رجلــاً كان او امرأة عند تحقق شرائطه ، قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فتجب المبادرة اليه في عام الإستطاعة ولا يجوز تأخيره عنه، وفيه جملة من النصوص.
يجب الحج مرة واحدة في تمام العمر وتسمى (حجة الإسلام) لإبتناء الإسلام عليها , كما في الفرائض الاخرى الصلاة والصيام والخمس والزكاة.
والحج استحضار ليوم الحشر لذا سمي بالحشر الأصغر، ومناسبة للإرتقاء في مراتب العبادة والتحلي بالأخلاق الحميدة، واظهار لعبادة المنعم، وترك الإصغاء للنفس الشهوانية، والغضبية .
فالحج عمل للقلب والجوارح، ورياضة فيها اصلاح للروح وهداية للحق، وهو جهاد مبارك ودائم ، وانفاق في سبيل الله .
قال الإمام الصادق عليه السلام (الحج جهاد الضعفاء ونحن الضعفاء)( ).
كما تؤدى العمرة في كل أيام السنة ، (وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أربعة لا ترد لهم دعوة حتى تفتح لهم أبواب السماء وتصير إلى العرش: دعوة الوالد لولده، والمظلوم على من ظلمه، والمعتمر حتى يرجع، والصائم حتى يفطر)( ).
وعالم الحج مدرسة فقهية مستقلة لا تنحصر مسائلها بموسم الحج او تخص وفد الحاج بل انها تنبسط على ايام السنة وتشمل جميع المكلفين وفي مختلف الأمصار ، لذا تفضل الله عز وجل بشمول احكام وحديث الإسراء لفريضة الحج، وبعض مسائله.
وفي العلل انه لما سئل الصادق عليه السلام (لاي علة أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله من مسجد الشجرة ولم يحرم من موضع دونه؟ قال: لانه لما أسرى به إلى السماء وصار بحذاء الشجرة وكانت الملائكة تأتي إلى البيت المعمور بحذاء المواضع التي هي مواقيت سوى الشجرة فلما كان في الموضع الذي بحذاء الشجرة .
نودي يا محمد قال لبيك قال ألم اجدك يتيما فآويت ووجدتك ضالا فهديت .
قال النبي صلى الله عليه وآله: ان الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبيك، فلذلك أحرم من الشجرة دون المواضع كلها)( ).
عن المفضل بن عمر في حديث انه قال لأبي عبد الله الصادق عليه السلام ان مسجد الكوفة لقديم فقال:نعم وهو مصلى الأنبياء ولقد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث انطلق به جبرئيل مع البراق فلما انتهى به الى دار السلام وهو ظهر الكوفة وهو يريد بيت المقدس، قال له يا محمد هذا مسجد ابيك آدم ومصلى الأنبياء ، إن مسجد الكوفة لقديم ؟ فقال: نعم وهو مصلى الانبياء ولقد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله حيث انطلق به جبرئيل على البراق، فلما انتهى به إلى دار السلام وهو ظهر الكوفة وهو يريد بيت المقدس .
قال له: يا محمد هذا مسجد أبيك آدم ومصلى الانبياء فانزل فصل فيه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى، ثم انطلق به إلى بيت المقدس فصلى، ثم إن جبرئيل عرج به إلى السماء)( ).
قال ابن جريج : بلغني أن بني إسرائيل ، لما قتلوا أنبياءهم ، وكفروا وكانوا اثنتي عشرة سبطا ، تبرأ سبط منهم مما صنعوا ، واعتذروا ، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم ، ففتح الله لهم نفقاً من الأرض ، فساروا فيه سنة ونصف سنة ، حتى خرجوا من وراء الصين ، فهم هناك حنفاء مسلمون ، يستقبلون قبلتنا .
وقيل : إن جبرائيل إنطلق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج إليهم ، فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكة، فآمنوا به ، وصدقوه، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ، ويتركوا السبت، وأمرهم بالصلاة والزكاة، ولم يكن نزلت فريضة غيرهما ففعلوا .
قال ابن عباس: وذلك قوله: وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا يعني عيسى بن مريم يخرجون معه( ).
بين الحب والعشق
النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه وليس التساوي ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما .
وقال أبو هلال العسكري (الفرق بين العشق والمحبة: أن العشق شدة الشهوة لنيل المراد من المعشوق إذا كان إنسانا والعزم على مواقعته عند التمكن منه، ولو كان العشق مفارقا للشهوة لجاز أن يكون العاشق خاليا من أن يشتهي النيل ممن يعشقه، إلا أنه شهوة مخصوصة لا تفارق موضعها وهي شهوة الرجل للنيل ممن يعشقه، ولا تسمى شهوته لشرب الخمر وأكل الطيب عشقا .
والعشق أيضا هو الشهوة التي إذا أفرطت وإمتنع نيل ما يتعلق بها قتلت صاحبها ولا يقتل من الشهوات غيرها ألا ترى أن أحدا لم يمت من شهوة الخمر والطعام والطيب ولا من محبة داره أو ماله ومات خلق كثير من شهوة الخلوة مع المعشوق والنيل منه)( ).
و(في ترتيب الحب وتفصيله عن الأئمة أول مراتب الحب الهوى ثم العلاقة، وهي الحب اللازم للقلب ثم الكلف، وهو شدة الحب ثم العشق وهو اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب ثم الشغف وهو إحراق الحب القلب مع لذة يجدها وكذلك اللوعة واللاعج، فإن تلك حرقة الهوى، وهذا هو الهوى المحرق ثم الشغف وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب .
وهي جلدة دونه وقد قرئتا جميعاً شَغَفَهَا حُبًّا وشغفها ثم الجوى، وهو الهوى الباطن ثم التيم، وهو أن يستعبده الحب، ومنه سمي تيم الله أي عبد الله، ومنه رجل متيم ثم التبل، وهو أن يسقمه الهوى ومنه رجل متبول ثم التدليه وهو ذهاب العقل من الهوى. ومنه رجل مدله ثم الهيوم، وهو أن يذهب على مجهه لغلبة الهوى عليه. ومنه رجل هائم)( ).
والأصل في لفظ العشق ما يكون بسبب الصبابة والهوى بين الرجل والمرأة .
و(العِشْقُ والمَعْشَقُ، كمَقْعَدٍ عُجْبُ المُحِبِّ بمَحْبوبِه، أو إفْراطُ الحُبِّ، ويكونُ في عَفافٍ وفي دَعارةٍ، أو عَمَى الحِسِّ عن إدْراكِ عُيوبِهِ، أو مَرَضٌ وسْواسِيٌّ يَجْلُبُه إلى نَفْسِه بتَسْليطِ فِكْرِهِ على اسْتِحْسانِ بعضِ الصُّوَر، عَشِقَهُ، كعَلِمَه، عِشْقاً، بالكسرِ وبالتحريكِ، فهو عاشِقٌ، وهي عاشِقٌ وعاشِقَةٌ. وتَعَشَّقَهُ تَكَلَّفَهُ، وكسِكِّيتٍ كثيرُه. وعَشِقَ به، كفرِحَ لَصِق)( ).
بحث كلامي
من مباحث علم الكلام والفلسفة نفي رؤية الناس لله عز وجل كحقيقة ثابتة مترشحة عن وجوب وجوده تعالى، وامتناع رؤيته تعالى ثابتة بالنقل والوجدان والعقل واكثر العقلاء على استحالة رؤيته، وعليه عامة المسلمين ولا عبرة بمن شذ .
فالله تعالى ليس بجسم , فالجسم له طول وعرض وعمق والله تعالى منزه عن التشبيه، وهو في كل مكان أي عالم بما في كل مكان ، محيط بالاشياء جميعاً وهي مستجيبة لقدرته، وليس في جهة دون أخرى ، وفي التنزيل وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وقال الكرامية وهم فرقة من المجســمة في القــرن الثالث الهجري لم يبق لها اثر، انه سبحانه في جهة ثم اختلفوا في بيانها وتحديدها، فالهيصيــة قالوا بانه فوق العرش في جهة لا نهاية لها وبينه وبين العــرش بعد غير متنــاه، والعابديــة منهــم على ان بينهما بعداً متناهيا.
ومنهم من قال انه تعالى على العرش بلا فصل، ولعلهم استدلوا بظاهر بعض الآيات والنصوص مثل قوله تعالى [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعرْشِ اسْتَوَى] ( ) وقوله تعالى [يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ] ( ).
وقوله تعالى [وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ] ( ) ولكن مع ثبوت امتناع الجسمية والجهتية ولواحقهما عنه تعالى بالادلة النقلية والعقلية فلابد من تأويل هذه الآيات، فاستواؤه على العرش في الآية اعلاه يعني الحكم والملك، والفوقية تعني العلو والسلطان والرفعة ومقام الربوبية ولزوم خضوعهم لها من منازل الذل والعبودية .
فالله سبحانه ليس في جهة ولا في محل لانه مستغن عنهما، و الافتقار الى الجهة والمحل من علامات الامكان فكل ممكن حادث.
العجز عن الرؤية
من مصاديق قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تفضله بجعل الخلائق ومنها الناس عاجزين عن رؤية الذات المقدسة بأصل سنخية خلقهم .
وقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار ومنه الإيمان بالغيب ، وليس هي دار مشاهدة ، وجعل الله عز وجل الناس عاجزين عن اكتشاف عوالم السموات حتى مع الإرتقاء العلمي والمركبات الفضائية في هذا الزمان ، قال تعالى الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ.
ومن عظيم قدرة الله عز وجل في المقام أمور :
الأول : عجز الناس عن رؤية الله عز وجل قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.
الثاني : جعل الله عز وجل العقول وعالم التصور قاصرة عن إدراك كنه الذات المقدسة مع أن الله عز وجل قريب منا جميعاً ، قال تعالى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، وقال تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
الثالث : لقد نهى النبي محمد عن التفكر في ذات الله ، إذ قال (تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله فتهلكوا .
وعنه صلى الله عليه وآله : تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره .
وعن الإمام الصادق عليه السلام : إياكم والتفكر في الله، فإن التفكر في الله لا يزيد إلا تيها، إن الله عزوجل لا تدركه الأبصار ولا يوصف بمقدار .
وعنه عليه السلام : من نظر في الله كيف هو ، هلك .
وعنه عليه السلام : يا سليمان ! إن الله يقول وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى فإذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم على قوم يتفكرون، فقال: ما لكم تتكلمون ؟ فقالوا: نتفكر في خلق الله عزوجل، فقال: وكذلك فافعلوا، تفكروا في خلقه، ولا تتفكروا فيه)( ).
وقد ورد قوله تعالى وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وقد صدر الجزء السابع والثلاثون بعد المائتين من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان) خاصاً بتفسير هذه الآية.
استحالة الرؤية
نسب الى الاشاعرة القول بأن الله تعالى مع تجرده تجوز رؤيته ولكن الرؤية منتفية عنه ضرورة، اي لا يمكن للمخلوقات ان تراه لانتفاء الجهة والحيز عنه سبحانه، واحتجوا بان سؤال موسى عليه السلام للرؤية يدل على امكان الرؤية، ولو كانت الرؤية ممتنعة لما قام موسى وهو كليم الله بسؤال الرؤية.
الجواب: ان سؤال موسى عليه السلام لإقامة الحجة على قومه وللبيان ولا يصح الاستدلال بالسؤال وحده بل لابد من الرجوع الى نوع الاجابة، وموضوعها وهو الأهم في المسألة، فقد علق سبحانه الرؤية في سؤال موسى عليه السلام على استقرار الجبل .
و(عن ابن عباس قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال : قال الله عز وجل : يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده ، ولا رطب إلا تفرق ، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم)( ).
كما استدلوا بانه موجود , وكل موجود يرى مع نفيهم للتجسيم، وواجب الوجود يختلف عن الموجودات الاخرى , فهو ليس كالاشياء.
واستدلوا بقوله تعالى إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.
ولكن النظر هنا يحمل على النظر الى آياته وعظيم صنعه , وواسع رحمته التي تتجلى يوم القيامة بابهى صورها وانبساطها وشمولها للخلائق، او ان المراد بالنظر العقل والبصيرة وليس العين والبصر حال حركته او استقراره مطلقاً.
(عن الشعبي قال: لقي ابن عباس كعبًا بعرفة، فسأله عن شيء فكَبَّر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتي)( ).
قال مسروق: فدخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد تكلمت بشــيء قفَّ( ) له شــعري قلت: رويداً ثم قرأت [ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ] ( ) قالت: اين يذهب بك؟ انما هو جبريل، من اخبرك ان محمداً رأى ربه او كتم شيئاً مما امر به او يعلم الخمس التي قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ فقد اعظم الفرية( ) ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته الا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في جياد( ) له ستمائة جناح قد سدَّ الأفق( ).
وعن تفسير عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وذكر انكار عائشة ان رآه، فقال الزهري : ليست عائشة أعلم عندنا من ابن عباس”( )، ولكن الموضوع أعم من سند وجهة صدور الحديث، لحصول الاجماع والعقل والنصوص الاخرى على عدم الرؤية .
و في حديث احمد بن محمد بن ابي نصر عن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال لي: يا أحمد ما الخلاف بينكم و بين اصحاب هشام بن الحكم في التوحيد فقلت: جعلت فداك قلنا نحن بالصورة للحديث الذي روي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب و قال هشام بن الحكم بالنفي للجسم .
فقال : يا أحمد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اسري به الى السماء وبلغ عند سدرة المنتهى خرق له في الحجب مثل سم الابرة فرأى من نور العظمة ما شاء الله ان يرى واردتم انتم التشبيه، دع هذا يا احمد لا ينفتح عليك منه أمر عظيم.
(قال ابن عباس رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ربه بفؤاده ، وروي ذلك عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي عليه السلام وهذا يكون بمعنى العلم أي علمه علما يقينا بما رآه من الآيات الباهرات كقول إبراهيم عليه السلام وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وإن كان عالماً قبل ذلك .
وقيل إن الذي رآه هو جبرائيل على صورته التي خلقه الله عليها عن ابن عباس وابن مسعود وعائشة وقتادة .
وقيل إن الذي رآه هو ما رآه من ملكوت الله تعالى وأجناس مقدوراته.
عن الحسن قال وعرج بروح محمد صلى الله عليه وآله وسلّم إلى السماء وجسده في الأرض( ).
ليتخذ الإمام عليه السلام حديث الإسراء حجة ودليلاً ، ومانع من الخلاف في مسألة كلامية تعددت فيها الأقوال .
سؤال موسى (ع) الرؤية
ورد في التنزيل قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي.
و(عن علي بن محمد بن الجهم قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليهما السلام فقال له المأمون : يا ابن رسول الله أليس من قولك: إن الانبياء معصومون .
قال : بلى ، فسأله عن آيات من القرآن فكان فيما سأل أن قال له: فما معنى قول الله عز وجل [وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي] الآية( ).
كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران عليه السلام لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله عن هذا السؤال .
فقال الرضا عليه السلام : إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله تعالى عن أن يرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه الله عزوجل وقربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عزوجل كلمه وقربه وناجاه .
فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت وكان القوم سبعمائة ألف رجل.
فاختار منهم سبعين ألفا، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة .
ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل .
وصعد موسى عليه السلام إلي الطور، وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره ، وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام.
لأن الله عزوجل أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا: لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة.
فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عز و جل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لانك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله إياك ؟ فأحياهم الله وبعثهم معه .
فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنطر إليه لاجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته ! فقال موسى عليه السلام: يا قوم إن الله لا يري بالابصار ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتي تسأله فقال موسى عليه السلام: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم .
فأوحي الله جل جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى عليه السلام رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ وهو يهوي [فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ] بآياته [جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ] يقول: رجعت إلي معرفتي بك عن جهل قومي.
[وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ] ( )منهم بأنك لا ترى ، فقال المأمون : لله درك يا أبا الحسن. الخبر)( ).
وفي الحديث عن ابراهيم بن محمد الخزاز ومحمد بن الحسين قالا: دخلنا على الرضا عليه السلام فحكينا له: ان محمداً رأى ربه في صورة الشاب الموفق في سن ابن اء ثلاثين سنة وقلنا ان هشام بن سالم وصاحب الطاق والميثمي يقولون انه اجوف الى السرة والبقية.
صمد فخر ساجداً ثم قال: ما عرفوك وما وحدوك، فمن اجل ذلك وصفوك يا محمد إلى أن قال : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نظر الى عظمة ربه كان في هيئة الشاب الموفق في ســن ابن اء ثلاثين سنة والموفق من التوفيق وفسر بتناسب الأعضاء وفي بعض النسخ الشاب الموفق من قولهم انيق أي حسن معجب والأول هو الأشهر.
الرؤية في الآخرة
بالنسبة للرؤية يوم القيامة فقد اختلف المتكلمون فيها فالاشاعرة اثبتوها لقولـه تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.
ومنهم من قال ان معنى الرؤية هو ان ينكشف لعباده المؤمنين في الآخرة انكشاف البدر المرئي، مع نفى الرؤية التي بمعنى الإنطباع اوخروج الشعاع فهي حالة تنتج عن رؤية الشيء والعلم به .
وقال الرازي : ان الرؤية بالإرادة لا بقدرة العبد، وقال ايضاً في الرؤية (والمسألة مختلف فيها بين الصحابة في الوقوع و اختلاف الوقوع مما ينبئ عن الاتفاق على الجواز) ( ).
والإختلاف حاصل في ماهية الرؤية وهل تتعلق بالذات المقدسة ام بآياته تعالى وقد وردت نصوص فيها ما ورد عن ابي ذر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم نور أنى اراه).
بالاضافة الى اطلاقات الآيات القرآنية كما في قوله تعالى لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ.
ومشهور المتكلمين يفرق بين الرؤية في الإسراء ، والرؤية في الآخرة، ويقول برؤية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لآيات ربه في الإسراء.
ونفى المعتزلة الرؤية وقالوا أن النظر أعم من الرؤية وانه يعني تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته.
ويمكن جعل هذا النزاع صغروياً وهو ليس محلاً للإبتلاء ولا يترتب عليه اثر شرعي او وضعي ، ونواميس يوم القيامة تتعدى أوهام وعقول البشر، فلذا ترى بعض العلماء يترك التأويل في المقام، ويتبع اطلاق الكتاب والسنة ولا يخوض في تأويله.
والذات الإلهية واحدة وتبدل العوالم لا يغير لوازم المجرد الضرورية او يزيحها عنه، ويحمل النظر في الآية على النظر بالعقل والبصيرة بل بالعين والبصر ولكن الى آيات الله وبديع صنعه وعظيم عفوه ورحمته يوم القيامة، والناس تنظر وتنتظر المزيد من الفضل الإلهي وما ينشره سبحانه من رحمته.
فقد ورد (عن جندب بن عبد الله البجلي قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ، ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نادى : اللهمَّ ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حظرت رحمة واسعة ، أن الله خلق مائة رحمة ، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها ، وعنده تسعة وتسعون)( ).
روى الصدوق في كتاب التوحيد عن عاصم بن حميد قال: ذاكرت الإمام الصادق عليه السلام فيما يروون من الرؤية فقال: الشمس جزء من سبعين جزء من نور الستر فان كانوا صادقين فليملأوا عيونهم من الشمس ليس دونها حجاب.
لقد كان الإسراء هبة سماوية للذين قالوا بالرؤية في الآخرة والذين نفوا حصولها أيضاً فهي رؤية قلبية وعروج بروح المسلم ونظرة تلبية وباب للمعرفة ودعوة للتضرع الى الله عز وجل والتوجه بالرجاء الى فضله تعالى وشكر وثناء.
وحينما سأل جبرئيل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم (عن الإحسان قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)( ).
وهذا التشبيه للرؤية هو الذي يترشح عن حديث الإسراء ويلح على أولي البصائر ويدعوهم لاستحضاره والإيمان به.
هل الجنة والنار مخلوقتان
الجنة والنار محل ثواب الله وعذاب يوم القيامة، والجنة – بالفتح – لغة هي البستان من النخل والشجر ، وأصلها من الستر لكثرة نعيمها وتكاثف اوراقها والتفاف اغصانها ، وهي في الإصطلاح دار النعيم الدائم التي يقيم بها المؤمنون الذين عملوا الصالحات في الحياة الدنيا .
والمشهور والمختار ان الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن وهو قول اكثر المتكلمين وعلماء المسلمين، وقال الأقل بانهما لم يخلقا بعد.
ومن أظهر وجوه الإستدلال على خلقهما الكتاب والسنة ، وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل الجنة ، وأنه رأى سدرة المنتهى ، ورأى جنة المأوى ، قال تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.
رآه : مع أن الكلمة من ثلاثة حروف فهي تتضمن ماضياً والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود للنبي محمد ومفعولاً به هو جبرئيل فلقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبرئيل بصورته الحقيقية وله ستمائة جناح مرتين ، مرة في بدايات البعثة النبوية وأخرى عند المعراج .
فلا تدل الآية على رؤية النبي محمد الله عز وجل وعندما سئل عن الرؤية قال : نور أنى أراه .
ولقد أكل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ثمار الجنة ، وهبط إلى الأرض ووطئ زوجته خديجة فكانت فاطمة عليها السلام ، لذا فان فاطمة حوراء انسية وفيه شاهد بأن الجنة في السماء .
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص ليلة الإسراء أنه قال (ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيتها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ( ) اللؤلؤ وإذا ترابها مسك)( ).
ورأى النار حين عرج به الى السماء .
واختلف المعتزلة فيما بينهم في موضوع خلق الجنة والنار، وجرياً على عادة العلماء والباحثين في ذكر الأقوال المختلفة في كونهما مخلوقتين ام لا، قام السيد الشريف الرضي المتوفي سنة 406 بذكر ادلة الفريقين واختار القول بعدم خلقهما .
إذ قال (فصل الجنة والنار مخلوقتان ام تخلقان ؟ في ذكر الجنة والنار، هل هما مخلوقتا الآن ام تخلقان بعد فناء العباد. وقد اختلف العلماء في ذلك : فمنهم من قال: هما الآن مخلوقتان وقال بعضهم: إن الجنة خاصة مخلوقة، والصحيح انهما تخلقان بعد)( ).
والقائل بخلقهما احتج بآيات منها قوله تعالى أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ] ( ) يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ.
وصيغة الماضي اعم من اثبات المدعى، فقد يراد منها القطع والحكم والاخبار ، نعم لابد من الإحتجاج بتمام الآية ، وفي جنة آدم ورد قول عن الإمام الصادق عليه السلام انها من جنات الدنيا .
و(عن ابن سنان قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: إن يونس يقول: إن الجنة والنار لم يخلقا، قال: فقال: ماله لعنه الله فأين جنة آدم)( ).
والقائل بأنهما ليستا مخلوقتين احتج بآيات منها قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ فلو كانت الجنة مخلوقة الآن لوجب هلاكها، واجيب ان المراد دوام المأكول بالنوع والمراد من الهلاك الخروج من الإنتفاع وأن الهلاك يتعلق بافراد عالم الدنيا .
ويمكن ان نضيف للجواب وجهاً آخر وهو خروج الجنة والنار بالتخصص من موضوع الآية، فالمراد من الهلاك هلاك الخلائق الحية من الملائكة والناس والجن ونحوها.
لقد جاء حديث الإسراء والمعراج بياناً لأحكام شرعية ، وشواهد على كون الجنة والنار مخلوقتين ، وهذا الحديث متواتر ، رواه جماعة عن جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يفيد القطع .
ويدل الإختلاف في خلق الجنة والنار الأن أو عدمه على الإجماع المركب بمعنى التسليم العام من جميع المسلمين بحقيقة الجنة والنار.
عالم البرزخ
يمكن أن يستدل على الخلق الجنة والنار ووجودهما فعلاً بقوله تعالى [النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ] ( ) وهو استدلال لطيف، ورد بان المراد هي النار البرزخية وانه لا يصح الإستدلال بها، اقول: هذا التقسيم للجنة وللنار أي جنة اخروية وبرزخية وكذا بالنسبة للنار وان كان استقرائياً , يحتاج الى دليل، وهو مفقود في المقام، بل ان الآية تظهر لنا وظائف اخرى للنار غير التي تكون يوم القيامة، فتعدد العنوان والوظيفة وزمانها لا يعني تعدد المعنون.
والآية حجة في خلق النار وابطال للقول بان خلق الجنة والنار الآن عبث , فلهما وظائف عديدة قبل يوم الحساب ،ومنها حديث الإسراء والمعراج ، وإطلاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليهما ، ونقله الوقائع والشواهد لأجيال المسلمين إلى يوم القيامة ، وحتى مع عدم الوظيفة، فلا عبث في فعل الله تعالى لأنه حكيم منزه عن اللهو والعبث والقبيح .
واستدل على ارادة البرزخية بقوله تعالى في الآية وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ وانه لا يصح لنا الإستدلال بلفظ الجنة والنار على الإطلاق بل لابد من امعان النظر ليعلم ما هو المراد منها .
وما ورد في ذيل الآية لا يدل على تقسيم النار ووجود النار البرزخية في مقابل النار في الآخــرة، انما يبين مراتــب العذاب وتحقق دخول الكفار والنار يوم القيامة، أي هناك وظائف برزخية للنار وليست ناراً برزخية.
وقد ورد عن ابن عباس انه قال: قدم يهوديان فسألا أمير المؤمنين عليه السلام فقالا: اين تكون الجنة؟ واين تكون النار؟ قال: اما الجنة ففي السماء، واما النار ففي الأرض قالا: فما السبعة؟ قال: سبعة ابواب النار متطابقات، قال: فما الثمانية ، قال: ثمانية ابواب الجنة، والخبر ضعيف لأن راويه عكرمة( ) وذكر عنه انه يكذب على عبد الله بن عباس.
ولكن يمكن النظر للحديث وفق قاعدة التسامح بادلة السنن بالإضافة لما ورد بطرق اخرى واخبار عديدة عن اهل البيت تفيد خلقهما ذكرها المجلسي في بحار الأنوار في باب: الجنة ونعيمها من كتاب العدل والمعاد.
وقال (واما مكانهما فقد عرفت ان الأخبار تدل على ان الجنة فوق السماوات السبع، والنار في الأرض السابعة وعليه اكثر المسلمين)( )، ولعل نسبة هذا القول لأكثر المسلمين بلحاظ موضعهما لم تثبت ، قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
ان الجنة والنار خلق وعالم مستقل من خلق الله عز وجل ينظر الى موضوع مكانهما وفق الكبرى الكلية وهي أن الله تعالى لا تستعصي عليه مسألة , ان حديث الإسراء دليل وبرهان على خلقهما ووجودهما.
دخول النبي (ص) الجنة
روى الصدوق في توحيــده عن الهــروي قال (قلت للرضـا عليه السلام : يا ابن رسول الله اخبرني عن الجنة والنار اهما اليوم مخلوقتــان؟ فقال: نعــم، وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد دخل الجنـة ورأى النــار لما عرج به الى السماء .
قال: فان قوماً يقولون انهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين فقال عليه السلام : ما اولئك منا ولا نحن منهم، من انكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذبنا وليس من ولايتنا على شيء وخلد في نار جهنم).
ويلاحظ في الحديــث استدلال الإمام الرضــا عليه السلام بخبر المعــراج في خلق الجنـــة والنار، وهذا الحديـث يساهم في الإنتفاع من الإســـراء في البرهان والإستشهاد على مسائل كلامية مهمة، واســتدل عقلاً على عدم خلقهمـا بان خلقهمــا قبل يوم الجــزاء عبث لا يليق بالحكيم كما في شرح المقاصد ، ويمكن ان يناقش من وجوه :
الأول : ان المخلوقات اعم من ان تنحصر وظائفها الفعلية بزمان معين فقوله تعالى يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا يدل على وجود وظائف للنار في عالم البرزخ .
الثاني : من وظائفهما دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجنة واطلاعه على النار في المعراج.
الثالث : قوة التأثير والانفعال في آيات البشارة بالجنة والتخويف من النار.
الرابع : الأحكام والإعتبارات المتعلقة بالملائكة ووظائفهم الخاصة بأهل الأرض.
الخامس : ان عالم الخلق اعم من ان تحيط به وبالتداخل بين عناصره عقول البشر، كما انه سبحانه لا يسئل عما يفعل لمقام الربوبية ولأنه الحكيم، والقبيح ممتنع عليه سبحانه.
السادس : روي عن أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : والذي نفســي بيده , لقد خلقــت ملائكة جهنم قبــل ان تخلـق جهنم بالف عام، فهم كل يوم يزدادون قوة الى قوتهم)( )، ومالك هو رئيسهم.
السابع : ان خلقهما حاجة للناس وانذار وحجة، فالناس اذا علموا بخلق الجنة والنار يكونون اكثر سعياً واجتهاداً للوصول الى الجنة واكثر حذراً وخشية من دخول النار.
الثامن : في حديث الإسراء وردت الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوجود من يعذب في النار اوان الإسراء.
التاسع : ليس من مانع من إعداد الثواب والعقاب قبل الإستحقاق، كتهيئة الهدية للمتسابقين، او احضار الجعالة للعامل، أو آلة العقاب للمذنب.
العاشر : خلق الجنة يفيد القطع بيوم القيامة , وحتمية الحساب وفيه منع للتردد والشك والريب.
الحادي عشر : تكون النصوص في المقام تبياناً وتفسيراً وإخباراً يترشح عنها العلم بخلقهما فلا معنى للتأويل وفق العقل الذي يتخلف عن ادراك فلسفة الخلق وأسرار الموجودات والحكمة الإلهية في المخلوقات او المعارف في الإرادة التكوينية والتشريعية.
الثاني عشر : يساهم خلق الجنة والنار في الصلاح والإصلاح والموعظة والإعتبار وترسيخ احكام الدين وتهذيب النفوس وصلاح الأخلاق وتعاهد القيم.
الثالث عشر : من رآهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعذبون في النار كما في بعض الأخبار فيه عدة وجوه :
الأول : انهم من المسلمين.
الثاني : من الملل الأخرى والأمم السابقة.
الثالث : انهم من الأجناس السابقة لخلق آدم للخبر الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام : ان الله عز وجل خلق ألف ألف آدم.
الرابع : انهم منهم جميعاً أي من الوجوه الثلاثة المتقدمة.
الخامس : انه من عذاب البرزخ والقبر أول منازل الآخرة وليس من عذاب النار الذي يكون بعد النشور والحساب يوم القيامة.
السادس : انه على التمثيل أي انه يحصل للأجسام المثالية التي تتلبس فيها الأرواح قبل النشور وعودتها الى الأجسام الأصلية.
لقد جاء فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بريته الجنة والنار للإعتبار والإتعاظ ولتمامية مدرسة الإسراء والمعراج وتحصيل غاياتها وانهم ليسوا من المسلمين بل من الأمم السابقة من ذرية آدم خاصة مع وقوع الإسراء في السنين الأولى للبعثة النبوية .
اطلاع جبرئيل على النار
في الخبر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل قال: اطلعت في النار فرأيت وادياً في جهنم يغلي فقلت: يا مالك لمن هذا؟ فقال لثلاثة: المحتكرين، والمدمنين الخمر، والقوادين.
والظاهر ان هذه الرؤية ليست في الإسراء إنما إخبار من جبرئيل لحالة موجودة لذا ترى الشريعة تؤكد على حرمة كل واحدة من هذه الثلاثة، والإحتكار: حبس الطعام انتظاراً به الغلاء مع حاجة الناس له حرام.
ويتحقق الإحتكار في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن وما يحتاج اليه الناس من الطعام .
وإذا كان هناك طعام غير هذه الخمسة يحتاج اليه الناس عرفاً فتشمله ادلة الإحتكار، كما في بعض البلدان يكون الغذاء الرئيسي فيها الرز او الذرة ونحوها .
وقد جاءت الأخبار بالنهي عن الإحتكار، وبذل اولو الأمر واهل الحل والعقد في العالم الإسلامي الوسع في الحد منه واجتناب مقدماته، وعن علي عليه السلام في كتابه الى مالك الأشتر: فامنع من الإحتكار فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منع منه.
مسائل في الإحتكار
(مسألة 1) يحرم الإحتكار وهو حبس الطعام انتظاراً به الغلاء مع حاجة الناس له.
(مسألة 2) يتحقق الإحتكار في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن وما يحتاج اليه الناس من الطعام بحسب البلاد والزمان.
(مسألة 3) لو كان هناك طعام غير هذه الخمسة يحتاج اليه الناس عرفاً فتشمله ادلة الإحتكار، كما في بعض البلدان يكون الغذاء الرئيسي فيها الرز او الذرة ونحوها.
(مسألة 4) المحتكر يجبر من قبل الحاكم على البيع، ولا يعين له السعر، بل يكفي اخراج بضاعته الى السوق وله ان يبيع بما شاء، نعم لو اجحف يجبر على تخفيض السعر من دون تسعير عليه.
(مسألة 5) يصدق عنوان الإحتكار في الخصب بمرور اربعين يوماً على حاجة الطعام للناس مع وجوده عنده، اما في الشدة والغلاء فثلاثة ايام، وقد تختلف المدة بحسب الحاجة وربما تكون في بعض مراتب القحط والابتلاء ساعات معدودات.
(مسألة 6) لو ادخر طعاماً حصل عليه بالحصاد او الشراء او الإرث او الهبة ونحوهما مما يزيد عن حاجته وكان في السوق طعام معروض للبيع مثل الطعام المدخر فلا يصدق على هذا الادخار عنوان الإحتكار.
(مسألة 7) للحاكم الشرعي ان يحدد السعر اذا شعر بالحاجة له، او يمضي تحديد من يتولى امور السلطنة، ولا يجوز حينئذ ان يبيع المالك بالأكثر لوجوب انفاذ حكم الحاكم، ولو حدث البيع بالأكثر صح البيع ويجوز رجوع المشتري على البائع بالزائد.
(مسألة 8) قد تكون بعض مراتب الإحتكار مكروهة كما لو كان هناك بديل في السوق للطعام المحتكر.
وشرب الخمر حرام قليلاً كان أو كثيراً ، وجاء الحديث أعلاه بالتشديد في عقوبة الإدمان عليها ، وهو عدم القدرة على التوقف عن تناولها في اليوم والليلة ، ومن مصاديق قانون الوفاق بين الحكم الشرعي والصحة ، أن شرب الخمر سبب للأمراض الفتاكة ، وهو سبب للتعجيل بالوفاة ومن غير تدارك بالتوبة .
والقوادين : جمع قواد ، وهو الساعي بين الرجل والمرأة للفجور ، والأنثى : قوادة .
الإسراء والأخلاق
الإسلام مدرسة الأخلاق المستديمة تنبسط أحكامه على جميع نواحي الحياة , وتتزود بعلوم السماء وتنفذ من اسرار آفاق السماوات والأرض مادة وموضوعاً .
ولقد ساهم الإسراء وموضوعاته في تهذيب سجايا النفوس وموجبات السلوك ودخل ضمن المرتكزات النفسية للسيرة والأفعال الشخصية .
و(عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَا مِنْ شَىْءٍ يُوضَعُ فِى الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ)( ).
ويبحث علم الأخلاق في السجايا واصل مزاج الإنسان وما يحركه نحو الغضب والإنفعال او التروي والتأني والشجاعة والإقدام او الجبن والفزع والضحك والحزن .
ويمكن جعل الأخلاق الحميدة من فروع النبوة لأنه ملازم لوجود الإنسان في الأرض , أي ان ابينا آدم عليه السلام وهو اول نبي على الأرض هو الذي نزل به وقام بتأسيس هذا العلم ووضع قواعده.
وقد اكرم الله عز وجل النبي محمداً ، إذ قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
واذا نظرت الى أوان اول واقعة قتل حدثت في الأرض وحدوثها بين ولدي آدم اذ قتل قابيل اخاه هابيل وما سبقها من مقدمات وخصومة، علمت الحاجة الى الإسراء واحاديثه البيانية وما فيه من الشواهد فكل واحد منها مدرسة وعبرة وموعظة.
فاخبار حديث الإسراء وما شاهده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عروجــه الى السماء تنمي الفضيلة في النفس , وتهذب الأعمال سواء تلك التي تكون غايتها جلب منفعة او دفع مضرة وتخاطب القوة الناطقة العاقلة وتبعث فيها النشاط والغبطة بفعل الصالحــات، كما تســاهم في قمـع القوة الشهوية والغضبية وتكون عوناً في السعي الدؤوب للسعادة الحقيقية وبلوغ منازل التقوى والإيمان.
قد تتغير المجتمعات وانماط السلوك والتشريعات والقوانين الوضعية فيها وما يكون لها من اثر وتأثير قهري انطباقي، ولكن احاديث الإسراء تبقى ملائمة لكل زمان ومجتمع وقد يقول قائل: ان اخبار السماء يمكن ان تذكر في القرآن او يخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببصيرة الهداية وعلوم الوحي والعلم الحضوري من غير ان تصل النوبة الى الإسراء.
الجواب: ان الله واسع كريم تفضل باراءة الناس أسباباً وطرقاً من العلم غير متعارفة، وفيه اكرام للمسلمين بان تتعدد طرق التشريع عندهم لتساهم هذه الكثرة وموضوعاتها في تزكية النفوس وتغشي الأخلاق الحميدة المجتمعات ، اذ ان مصادر التشريع الإسلامي كلها تعمل على جعل حسن الخلق ملكة نفسانية ثابتة عند المسلم ولتصدر عنها الأفعال الصالحة بيسر ومن غير فكر وروّية، وبيان الثواب والعقاب يترتب عليه اثر فعلي على الجوارح والأركان بجماح القوة الشهوية والبهيمية والغضبية.
وفي حديث الإسراء مسائل عديدة تتعلق بعلم الأخلاق منها ما ورد في عيون الأخبار جاء في صحيحة الحسن بن علي الوشا عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما اسري بي الى السماء رأيت رحماً متعلقة بالعرش تشكو الى الله رحماً لها .
فقلت : كم بينك وبينها من أب، فقالت: نلتقي في اربعين اباً( ).
والحديث حجة في صلة الرحم ولزوم تعاهده وان ابتعد، بل انه يدل وفق قواعد الأولوية وفحوى الخطاب على لزوم صلة الرحم القريب والأقارب بواسطة العمودين أي الأب والأم من الأعمام والأخوال وابنائهم ، قال تعالى فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وقال تعالى وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
لقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (ادبني ربي فاحسن تأديبي) ( ) ومن اهم دروس التأديب حديث الإسراء موضوعاً ومسائل واحكاماً.
النبوة والإسراء
لقد اكرم الله عز وجل بني آدم بالنبوة وهي أشرف واسطة بين واجب الوجود والناس ، ولم يترك الأرض من غير حجة ظاهرة او مستترة ، وكان القرآن رسول السماء الدائم في الأرض والشاهد على صدق النبوات، والنبي هو الانسان الذي اختاره الله عز وجل للإخبار عنه ومن غير واسطة انسان آخر .
والرسول هو ايضاً نبي ولكنه يمتاز بان له شريعة مبتدأة فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل رسول هو نبي وليس كل نبي هو رسول.
قال تعالى [سنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] ( ) وهذه الآيــة الكريمة مطلقــة وتنحـل الى مصاديق غير متناهية تستغرق الأشياء جميعها بما في ذلك نفس الإنسان شخصاً ومجتمعاً وتأريخياً وعقيـــدة وخلقاً وتكوينـاً، بالإضافة الى الآيات في اعضاء البدن، فيمكن ان نســتدل بعمومـــات هـذه الآية على الإسراء ، ونزول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأخبار السماء .
ومن الآيات النبوة والإســراء بصـــفة العبوديــة كما في قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا.
لبيان شـرف الإنسان وما يستحقه بصلاحــه وتقواه والمنزلــة الرفيعــة للأنبياء ونيلهم درجة لم يصلها احد من البشر فكانوا افضل سائر خلقه تعالى، وعدد الأنبياء مائة واربعة وعشـرون الف نبي من ضمنهم الرسل وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً.
وهناك فــروق بين الرســول والنبي ومميزات ينفرد بها الرسول منها ان الرسول يعايــن الملك ويســمع الصوت، والنبي يسـمع الصوت ولا يرى الملك الذي يأتيه بالوحي والبلاغ، والرسول نزل عليه كتاب ويأتيه الملك ظاهراً ويأمره بدعوة الخلق .
ولقد حرص الأنبياء واوصياؤهم وأنصارهم على حفظ ميثــاق النبــوة، كل رســول يبشر بالذي بعده.
عن الصدوق في اكمال الدين في حديث طويل يسنده الى الامام محمد الباقر عليه السلام (فلما انقضت نبوة آدم عليه السلام واستكملت أيامه أوحى الله تعالى إليه آن يا آدم إنه قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار النبوة في العقب من ذريتك عند ابنك هبة الله .
فإني لن أقطع العلم والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار النبوة في العقب من ذريتك إلى يوم القيامة .
ولن أدع الارض إلا وفيها عالم يعرف به ديني ويعرف به طاعتى ويكون نحاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح، وذكر آدم عليه السلام وقال : إن الله تعالى باعث نبيا اسمه نوح وإنه يدعو إلى الله عزوجل فيكذبوه فيقتلهم الله بالطوفان، وكان بين آدم وبين نوح عليهما السلام عشرة آباء كلهم أنبياء الله، وأوصى آدم إلى هبة الله: أن من أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه وليصدق به فإنه ينجو من الغرق)( ).
عن أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين من قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام .
قلت: فأين كنتم يا رسول الله؟ قال: قدام العرش، نسبح الله ونحمده ونقدسه ونمجد .
قلت: على أي مثال؟ قال: أشباح نور، حتى إذا أراد الله عز وجل أن يخلق صورنا صيرنا عمود نور، ثم قذفنا في صلب آدم .
ثم أخرجنا إلى اصلاب الآباء وأرحام الامهات، ولا يصيبنا نجس الشرك، ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون .
فلما صيرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين، فجعل نصفه في عبد الله، ونصفه في أبي طالب، ثم أخرج الذي لي إلى آمنة، والنصف الذي الى علي إلى فاطمة بنت أسد، فأخرجتني آمنة، وأخرجت فاطمة عليا .
ثم أعاد عز وجل العمود إلي فخرجت مني فاطمة، ثم أعاد عز وجل العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسين – يعني من النصفين جميعا – فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن، وما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الائمة من ولده إلى يوم القيامة( ).
وفي تسمية (اولي العزم) من الرسل وجوه واقوال منها انهم بعثوا الى مشارق الأرض ومغاربها وجنها وإنسها، وانهم اولوا الجد والثبات والصبر.
وهم اصحاب الشرائع والذين امــروا بالقتال والجهاد، وصبروا على مكروه الدنيا وعهد اليهم في محمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته ، قال تعالى فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، ولم يرد لفظ (العزم) في القرآن إلا في هذه الآية .
وحديث الإسراء يبين بلوغ المراتب العالية في السماء ليكون المعراج حجة على الناس جميعاً ودعوة سماوية لاتباعه صلى الله عليه وآله وسلم، وما فيه من التفاوت في المرتبة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين موسى عليه السلام وحث لبني اسرائيل لدخول الإسلام وبرهان حاضر بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولقد خر موسى عليه السلام مغشياً عليه عندما رأى التجلي الحاصل على الجبل وما حل به بقوله تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى الآيات في السماء العالية وتلقى الأحكام وصلى بالأنبياء.
وعن بعض المشايخ (ان الله تعالى اوحى الى رسول الله في ليلة المعراج: يا محمد كنت دائم الأوقات ناظراً ومستمعاً فانا الله سامع وناظر، وانت القابل، والمنظور اليه فاوحى الى عبده ما اوحى) ( ) وهذا من باب الحكاية والتقريب والخطاب العرفاني.
الإسراء والوحي
الوحي لغة : هو الإشارة والكتابة والرسالة والالهام وكل ما القيته الى غيرك ، وهو اعلام في خفاء ، وسمي الإلهام وحياً ، ولكن الوحي من الكليات المشككة فهو يقع على مسميات متعددة ذات معنى واحد، ومنها ما يكون الوحي ظاهراً للرسول، وهو مصدر وحى اليه .
والأصل فعول مثل فلوس، يقال الوحا الوحا أي بسرعة , وهو منصوب بفعل مضمر، وموت وحي أي سريع لفظاً ومعنى.
والوحي في الإصطلاح وعلم الكلام تعليم والقاء الله عز وجل للأنبيــاء ما يتعلق بأمور الدين بواسطة الملائكة من غير واسطة بشر.
وبين الوحي والقرآن عموم وخصوص مطلق، فكل قرآن وحي وليس كل وحي قرآناً ، واول ما بدء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم .
فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب اليه الخلاء وكان يخلو في غار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد في الليالي ذوات العدد، قبل ان ينزع الى اهله ويرجع الى خديجة ويتزود لمثلها حتى جاء الحق وهو في غار حراء .
فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما انا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم ارسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية ثم ارسلني فقال [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ).
جهاد الوحي
لقد اجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإعتزال عن الناس في غار حراء فجاء الإسراء فضلا وثناءً ولتحصل المشـاهدة للآيات الكونية مقرونة بالأحكام الشرعية، ولم يكن اعتكاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء فعلاً شخصياً ورياضة روحية واشتغالاً بالتسبيح والنسك، بل كان مقدمة لتلقي النبوة وتهيأة نفسية وروحية وبدنية لنزول القرآن خصوصاً مع شدة وطأته وكأنه قراءة قلبية للآيات.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده في مقدمات الوحي وفي تلقيه والعمل بمضامينه وأحكامه من غير خشية من الذين كفروا ، وفي التنزيل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
وقد يحصل أهل العرفان على الكشف ، وأهل الوصل على ما يسمى بالإلهام وهو حس ذاتي، ووجدان نفسي ، وتوظيف للاشعور أو الحاسة السادسة , ويكون من العلم الكسبي وليس الوهبي ، ولا يرقى إلى الوحي بمعناه الإصطلاحي.
لقد كان اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرون ما يصيبه من الكرب وان جبينه يتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد عند نزول الوحي في آية من آيات النبوة تتجلى ساعة الاتصال بالسماء وعالم الملكوت، وجزء من فلسفة الرسالة ومشقة تحملها .
لذا فمن مستلزمات الوحي امتلاك شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكمالات الإنسانية كملكة عقائدية واجتماعية بفضل ولطف واصلاح من عند الله عزو جل ، ومصدر توفيق ومدخل لتصديق الناس واستماعهم لـه، فمن لا يكون صادقاً مع الناس في سيرته ومعاملاته وكلامه لا يصدقه الناس بدعوى النبوة.
والوحي من عالم الأمر، وعنوان القدرة الإلهية وتجسيد مبارك لإتصال نفخ الروح في آدم عليه السلام باسمى معانيه فهو غير منحصر بالأصوات والحروف والإلفاظ او المعاني والأعراض .
فالإسراء يظهر الجانب العملي المبارك للوحي، ومرحلة متقدمة منه ليرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآيات من غير واسطة .
فجبرئيل عليه السلام هو الواسطة والملك الموكل بالنزول بالوحي على الأنبياء عامة وبالنزول بآيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.
وسأل الحارث بن هشام النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كيف يأتيك الوحي ، فقال :أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني، فقد وعيت ما قال .
وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول .
وروي أنه كان إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل)( ).
و(قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه القرآن تلقاه بلسانه وشفتيه ، كان يعالج من ذلك شدة ، فنزل لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ.
وكان إذا نزل عليه الوحي وجد منه ألما شديدا ، ويتصدع رأسه، ويجد ثقلا ، قوله إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، وسمعت أنه نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله ستين ألف مرة)( ).
ورؤية الملك يختص بها الرسول دون النبي، واراد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان ينفرد بحالة تشريفية خاصة لم ولن يبلغها انسان وهي السياحة والإرتقاء في عالم السماوات العلا.
الإسراء فيض متعدد
بالإسراء تعددت أسباب الفيض الإلهي وشعاب رحمة الله وروابط جوده على المسلمين خاصة والناس عامة لعمومات قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وازدادت به وبالمعجزات الأخرى سبل المعرفة الإلهية والشهود العياني والقلبي ، انها كمال النبوة ومن الصفات التي هي مؤهلات للنبوة العصمة من الزلل والمعصية لأن القلوب لا تنجذب الى صاحب المعصية، وان يكون النبي أفضل أهل زمانه بجميع الفضائل والمحاسن والكمالات لقبح تقديم المفضول على الفاضل، وان يكون أميناً .
وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمى “الصادق الأمين”، وان يكون شجاعاً لا تاخذه في الله لومة لائم، ونحوها من الاخلاق والصفات الحميدة.
ومن الشواهد على صبر وشجاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عصمته من الفرار والتولي في القتال في معارك الإسلام الأولى مثل معركة بدر وأحد والخندق وحنين ، مع اتصاف هذه المعارك بأمور ترجح كفة المشركين في القتال منها :
الأولى : عدد المشركين في الميدان أكثر من ضعف عدد الصحابة من المهاجرين والأنصار في كل معركة من المعارك أعلاه .
الثانية : أسلحة وخيل ومؤن المشركين أضعاف ما عند المسلمين ، فمثلاً في معركة بدر كان عند المسلمين فرس واحدة ، وقيل فرسان ، بينما أحضر مشركو قريش معهم مائة فرس ، فجاء النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
الثالثة : المشركون هم الغزاة في معارك الإسلام الأولى ، وهذا القول منا خلاف المتوارث في كتب السيرة والتفسير والتأريخ بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد غزا ستاً وعشرين غزوة أو سبعاً وعشرين غزوة .
وبينته بالشواهد القرآنية والنبوية والتأريخية ، وقد صدرت ثلاثون جزءً من تفسيري (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بقانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً) وهي الأجزاء :
(164-165-166-168-169-
170-171-172-174-176-
177-178-180-181-182-
183-187-193-194-196-
204-212-216-221-229-
239-256-261-266-271)
الرابعة : من منافع ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان عودة الذين فروا من الصحابة إلى ميدان المعركة ، وهو من أسباب السلامة من الهزيمة يوم أحد ، ومن أسباب النصر يوم حنين ، قال تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.
بحث عرفاني آخر
الإسراء والمعراج تجريد عن جهات الجسم والمكان في الدنيا وحوداث الزمان فلقد اراد الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان يسمع كلامه سماعاً قلبياً روحياً وان يشعر بقربه من الحضرة الإلهية .
وتجلى ضياؤه في آيات القرآن لذا ترى نفسك وانت تقرأ القرآن تحس بارتقائك في عالم المعرفة وتسمو في مراتب النفس وكمالات الروح.
وكأن قلبك قد تعلق بموضوع التنزيل، لانه اسراء بالواسطة أي بقراءة كلام الله يصبح الانسان من ضمن دائرة اشعاع أنوار الحضرة الإلهية، ولا يرى في الوجود الا الله سبحانه .
ويغلب سلطان العقيدة والإيمان على النفس وتنطلق سائمة في مواطن الآخرة تستقر بالجنة حينما يمر على آية من آياتها، ويخاف ويحزن ويضطرب عندما يقرأ آية تجسد أهوال النار وكأنه واردها.
وفي الإسراء خلق لحال الاستعداد والتلقي للعلوم ، ولتكون مضامينه واحكامه وما نزل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المعارف والعلوم والأحكام قوة في العقيدة وكمالاً في النفس والمؤسسات الاسلامية وطلباً للصعود والارتقاء العقائدي وطرداً للجهل والوحشة والضعف.
والإسراء عنوان محبة للمعشوق وسعي للعكوف على باب رحمته , وورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (تخلقوا بأخلاق الله)( ).
ومنه ما ورد في الحديث القدسي عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله تعالى يقول: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)( ).
ليبقى الانسان في جوار حضرة الكمال والجلال متخلصاً من سنخ الظلمات وحب المال والشهوات , وما يؤدي الى الامتناع الانطباقي عن تلقي رحمة الله.
لقد كان الإسراء عنوان فخر وعز للمؤمنين ومدرسة عرفانية مستقلة تفيض بسعادات ذات مراتب ووجوه متعددة , وتبحث عن الكمالات النفسانية وهو حرز وواقية للمؤمن .
وفي أصول الكافي عن الامام الباقر عليه السلام قال: لما اسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رب ما حال المؤمن عندك: قال يا محمد من اهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وانا اسرع شيء الى نصرة اوليائي.
الإسراء حق
إن اخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإسراء حق وصدق وهو جزء وفرع من النبوة وتفسير وبيان لآيات القرآن التي هي قطعية الصدور وقطعية الدلالة ، وكما يصح ان نستدل بالبرهان اللمي أي من العلة على المعلول في المقام ، كذلك يمكن ان نستدل بالبرهان الإني أي من المعلول الى العلة .
فإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء دليل على صدقه في الأخبار عن النبوة لأن حديث الإسراء يتضمن اسراراً لا يمكن للإنسان ان يطلع عليها بقدرته الشخصية بل التسخيرية للجماعات, فقد بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم منازل لم يطأها أحد غيره.
وقال السيوطي (في كيفية الوحي ان يكلمه الله اما في اليقظة كما في ليلة الإسراء)( )، أي ان الوحي ليلة الإسراء اتصف بخصوصية التكليم من غير واسطة فكما كان موسى عليه السلام كليم الله فكذلك الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلمه الله ليلة الإسراء.
وفي الخبر عن الصادق عليه السلام عن ابيه عليهما السلام عن جده أمير المؤمنين عليه السلام : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَخَذَتْهُ نَعْسَةٌ وَ هُوَ عَلَى مِنْبَرِهِ .
فَرَأَى فِي مَنَامِهِ رِجَالاً يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقِرَدَةِ يَرُدُّونَ النَّاسَ عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى فَاسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ جَالِساً وَالْحُزْنُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهذِهِ الآية و ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْياناً كَبِيراً.
ورد عن ابن كثير في تفسير الآية واما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم كما اخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم، أي ليلة الإسراء، فكذبوا بذلك حتى قال ابو جهل هاتوا لنا تمراً وزبداً وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا)( ).
والمشهور ان الآية نزلت في ملك بني امية وفي تفسير الرازي عن ابن عباس الشجرة الملعونة بنو أمية يعني الحكم بن ابي العاص قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ان ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على ابي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاشتد ذلك عليه، وظهر ان الحكم كان يتسمع اليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ).
ولا مانع من تعدد وجوه تأويل الآية وموضوع النزول , وتفسير رؤيا النبوة التي هي بمنزلة الوحي، والآية وان كانت مكية ، وليس عنده صلى الله عليه وآله وسلم منبر فيها، الا انه لا يمنع من الرؤيا وما فيها من الإخبار عن منبره في المدينة وسلطان دولة الإسلام.
المعراج والملائكة
الملائكة : جمع ملك واصله مالك، تركت الهمزة لكثرة الاستعمال، واكثر اللغويين على انه مشتق من الالوكة، وهي الرســالة لانها تؤلك في الفم أي تمضغ وتنقل بعناية لسانية زائدة وتحتاج الى بيان، قال لبيد:
وغُلامٌ أرْسَلَتْهُ أمُه … بألوكٍ، فَبَذَلْنا ما سَألْ( )
ولا يعني هذا ان الملائكة جميعهم رسل، بل هو اسم جنس جاءت الصفة لتلبس كثير منهم بالرسالة لقوله تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسلاً وَمِنْ النَّاسِ...
والملائكة اجسـام نورانية لطيفة وهو المشهور، لها القــدرة على تغيير اشــكالهــا وهيئاتهـا بصور مختلفــة، وهي دائبة على الطــاعــة ومسكنها السـماوات، ولكنهــا قد تنزل الى الارض لأمــر مــا، كما في نــزول جــبرئيل عليه الســلام المتكرر، وظهوره للنبي محمــد صــلى الله عليه وآله وســلم احيانــاً بصــورة دحيــة الكــلبــي.
ومن وظائفهم العبادية وطاعتهم انهم رسل لله امناء، فهم يقومون بتبليغ الانبياء بالوحي من غير تحريف او سهو او غفلة، وعن الامام جعفر الصادق عليه السلام (قال ليس خلق أكثر من الملائكة إنه لينزل كل ليلة من السماء سبعون ألف ملك، فيطوفون بالبيت الحرام ليلتهم وكذلك في كل يوم)( ).
وقيل ان الملائكة والجن والشياطين متحدون في النوع ومختلفون بالافعال.
فالملائكة لا يفعلون الا الخير.
والجن منهم من يفعل الخير ومنهم من يفعل الشر.
اما الشياطين فلا يفعلون الا الشر.
ولم يثبت اتحاد النوع بينهم ، الأصل بخلافه .
والملائكة مع عظيم خلقهم فانهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فغذاؤهم التسبيح ونسيم العرش لأنهم دائبون على العبادة منقطعون الى عبادة الله تعالى، سائحون في آفاق آياته.
لقد كان الإســراء مناســبة كريمة لترى الملائكة فضل الله تعالى على بني آدم واكرامه للإنســان وبلــوغ النبوة اعلى مراتبها واسمى درجاتها، وفيه بالدلالة التضمنية اخبار عن استقرار عقيدة التوحيد وبدء مرحلة تغشــي الإسلام الأرض ونيل الإهلية للإرتقاء في مراتب الإيمان وسلم التقوى.
التفضيل بين الملائكة والأنبياء
اختلف علماء الإسلام في افضلية الملائكة على الأنبياء او العكس، فالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي واكثر الأشاعرة قالوا بافضلية الأنبياء على الملائكة لأن الله عز وجل امر الملائكة بالسجود لآدم، وقال المعتزلة بان الملائكة العلوية افضل.
ولكل أدلته واحتجاجه في مباحث كلامية بيناها في علم التفسير وما يتعلق بالمقام :
الأول : افضلية النبي على الملك منها ما روي بان جبرئيل عليه السلام اخذ بركاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى اركبه البراق ليلة المعراج ولما وصل الى بعض المقامات تخلف عنه جبرئيل وقال: لو دنوت انملة لأحترقت ) أي ان جبرئيل يتعذر عليه التقدم الى الموضع الذي بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأخذ جبرئيل عليه السلام بركابه صلى الله عليه وآله وسلم من الوجــوه التي احتــج بها على افضــلية الرســول الأكرم صـلى الله عليه وآله وسلـم على آدم الذي اســجد الله له الملائكة وانه تعالى صلى بنفسه على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وامر الملائكة والمؤمنين ان يصلوا عليه ،قال تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
والأمر للملائكة للسجود تأديباً، وان السجود كان لأجل نور محمد الذي في جبهته والصلاة دائمة على النبي، وليس مرة واحدة كالسجود، بدلالة صيغة المضارع فيها [يُصَلُّونَ] ودلالتها على الإستمرار والتجدد والتعدد ، وكذا بالنسبة للأمر إلى أجيال المسلمين والمسلمات بالصلاة عليه وعن (كعب بن عجرة قال : قال رجل يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه فكيف الصلاة عليك؟ قال قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)( ).
كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كنت نبياً وآدم بين الطين والماء ، ونسب القول بأفضلية الأنبياء إلى مشهور الإسلام .
الثاني : قال جمع بأن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة ، أي أن التفضيل لايختص بالأنبياء بل يشمل أهل التقوى والصلاح من المؤمنين ، قال تعالى وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ، وقال تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.
وأن لفظ العالمين يشمل الملائكة والجن والإنس ، وقد يراد من لفظ العالمين بني آدم على اختلاف مشاربهم ، وفي التنزيل أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ.
واستدل القائل بتفضيل الملائكة بوجوه منها قوله تعالى في إكرام بني آدم وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.
وورد في التنزيل حكاية عن خطاب وإغواء إبليس لآدم وحواء وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، بتقريب أفضلية الخالد على الفاني .
ورد القائل بافضلية الملائكة بانه خبر واحد، والمشهور على حجية خبر الواحد اذا كان معتبراً سنداً، وخبر الواحد هو الخبر الذي اتحد طريق سنده ولم يحصل منه القطع بثبوت مؤداه في قبال الخبر المتواتر الذي يرويه جماعة عن جماعة مع امتناع تواطئهم على الكذب مما يفيد العلم.
هذا بالإضافة الى قاعدة التسامح في ادلة السنن , وعدم معارضة الحديث للكتاب والسنة لأن المقصود بالمعراج هو معراج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : التوقف والإمتناع عن تفضيل الأنبياء أو الملائكة فلكل منهم قدسيته ومنزلته الرفيعة .
وزيران في السماء
روي ان النبي محمداً صــلى الله عليه وآله وسلم قال : ان لي وزيرين في السماء، واشار الى جبرئيل وميكائيل ، ونوقش الحديث سنداً وثبوتاً.
ويبين الحديث تفضل الله عز وجل بإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومدّه بالوحي بواسطة الملائكة ، واتخاذه الملائكة للمشورة والإعانة .
وهل يدل هذا الحديث على تفضيل الأنبياء على الملائكة ، الأقوى لا ، لأنه يتضمن ذكر خصلة مباركة واحدة من وظائف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله ، ويتصف الملائكة بطول أعمارهم .
ومنهم من استدل على افضلية الملائكة بقوله تعالى [وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ] ( ) .
فدخول الملائكة بالسلام والتحية والإكرام دليل على تقدمهم رتبة وشرفاً، والإستدلال غير تام وقد يكون العكس خلافه لأن اهل الجنة وصلوا الى منازلها الرفيعة بعد الإمتحان والإختبار فجاء الملائكة معترفين بفضلهم واستحقاقهم.
وهل يمكن القول بالتفصيل ، وأن من الملائكة من هو أكرم وأفضل من الأنبياء دون الجميع للتباين في خلق وأعمار ووظائف الملائكة ، الجواب لا دليل على هذا التفصيل .
وهذا الحديث بيان للحديث بأن جبرئيل عليه السلام تخلف عن منازل القرب التي تشرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوصول اليها، وان الوزير أدنى رتبة ممن استوزره.
ان الحضور الملائكي في الإسراء بدأ من اول ساعاته فجبرئيل وميكائيل هما اللذان قاما باعداد الرحلة وتهيئة اسبابها، وفي الخبر المشهور عند المسلمين، والشهرة جابرة لضعف السند: ان جبرئيل اخذ بركاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى اركبه البراق ليلة المعراج.
وذكر ان جبرئيل نزل على ابراهيم عليه السلام خمسين مرة وعلى موسى عليه السلام اربعمائة مرة , وعلى عيسى عشر مرات وعلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم اربعة وعشرين ألف مرة، وملائكة السماوات هم رسل الله تعالى الى الأنبياء وكل ملك امة في التسبيح والإجتهاد في الطاعة والإنقطاع الى الذكر قال تعالى لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
ومن ا لملائكة حملة العرش وهم الثابتة في الأرضين السفلى اقدامهم لأن العرش احاط بكل شيء من الخلائق، وعن ميسرة: ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم اشد خوفاً من اهل السماء السابعة .
واهل السماء السابعة اشد خوفاً من اهل السماء السادسة وهكذا الى سماء الدنيا ولا يعني هذا انهم على مراتب في الطاعة والإمتثــال بل ان القــرب من العرش يترشح عنه فزع أشد.
ويجب ألا يشغلنا الإختلاف في الأفضلية بين الملائكة والأنبياء عن التدبر في بديع صنع الله عز وجل ، وكل فرد من الملائكة والأنبياء آية كبرى من آيات الله ، ولا يحصي كثرة عدد الملائكة إلا الله عز وجل .
ولابد من الوقوف عند معجزة الإسراء التي وردت في القرآن في آيات منها قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .
وأكثر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذكر وقائع وشواهد الإسراء منها قبل الهجرة وبعدها ، وعلى المنبر ، وفي مناسبات أخرى ، وفي حديثه مع أصحابه ، مما يبعث على طاعة الله ورسوله ، لذا قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
بديع خلق الملائكة
لقد كان الإسراء مناسبة ليطلع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أحوال سكنة السموات ، وبدائع خلق الله ، وينقل ما رأى وسمع إلى المسلمين والناس جميعاً ، وفيه تقريب للمدركات العقلية بالأمور الحسية ، وليزداد المسلمون فقاهة وإيماناً .
لبيان أن التخصيص في التفقه في الدين الوارد في قوله تعالى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ لا يمنع من فقاهة عموم المسلمين في أمور الدين على نحو الإجمال .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (ان لله ملائكة انصافهم من برد وانصافهم من نار ، وان لله ملكاً بعد ما بين شحمة اذنه الى عينيه مسيرة خمسمائة عام خفقان الطير)( ).
الملائكــة من بدائع خلق الله , وليس لها قوى شــهوية أو بهيميــة تطلب الغذاء , أو تشتاق إلى اللذات الحســية، وليس لهم نفس ســبعية تجنح إلى الغضب والترفع بل انهم منقطعون إلى التسبيح فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون.
وقال شطر من الفلاسفة إن الملائكة ذوات مجردة ليست من الماديات، وقال المسلمون منهم إنها جواهر مجردة، أما المتكلمون منهم فقالوا بأنها أجسام لطيفة.
وغذاؤهم التسبيح ويعيشون بنسيم العرش، ومن ينقطع الى الله عز وجــل ويســخر نفســه لطاعته فان الله عز وجل أعد له مقاماً حسناً ويرزقه رزقــاً كريماً، وتلك قاعــدة كلية جارية في الخلائق على نحو العموم الإستغراقي .
وعن الإمام الصادق عليه السلام: وان لله ملائكــة ركعــاً ســجداً الى يوم القيامة وما في ملكــه شيء، أي لا يملك شيئا , فكل ما يملكه هو سلاح التسبيح تزلفاً وخشية وطاعة لله عز وجل.
لقد كان الإسراء عيداً للملائكة إذ كانوا يتطلعون لبعثته و مناسبة كريمة ليروا الثواب العاجل للمسلمين لدلالة عروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى السماء وتصديقهم برسالته ووقائع المعراج ، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من اهل الدنيا وفي بدايات البعثة النبوية ليكون الإسراء مدداً وتوفيقاً وهداية ورشاداً للمسلمين عامة.
وقد ورد في حديث الإسراء ان جبرئيل عليه السلام قال: اقرب الخلق الى الله انا واسرافيل.
فهو من اقرب الملائكة الى الله، وعن الإمام علي عليه السلام: هو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم ولا صفتهم الا الله رب العالمين)( ).
وقيل لم يره أحد من الأنبياء في صورته غير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرتين ، ومرة في الأرض ، مرة في السماء ، قال تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى.
ان عظيم ورفعة منزلة جبرئيل لا يختلف فيها اثنان من المليين، ويمثل عند المسلمين مقاماً سامياً فهو الواسطة الكريمة الذي نزل بالقرآن على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال :
ان الله تبارك وتعالى اختار من كل شيء اربعة، اختار من الملائكة جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت ، وفي التنزيل نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ.
لقد امر الله جبرئيل ليدمر مدائن لوط بعد شيوع الفاحشة بينهم وقال مخبراً عن قوته لما سأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها حملت المدائن من الأرضين السفلى الى السماء حتى سمع اهل السماء صياح ديكتهم، بريشة واحدة من جناحي انتظر امر ربي الى الصبح ).
ومع هذا تراه عليه السلام يتخلف عن الموضع الذي بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السماء السابعة ولا يتقدمه في الصلاة , ويبالغ في اكرامه وفي ذلك دعــوة للناس جميعـاً للإنقياد لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه خصوصاً وان الله عز وجل قد زكــى قوله وفعلــه ونســبه اليه بالواســطة قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).

خصائص الملائكة
من بديع صنع الله خلقه الملائكة وكثرتهم وطول أعمارهم ، ويمكن تقسيم خصائص الملائكة تقسيماً استقرائياً مستحدثاً إلى قسمين :
الأول : الخصائص العامة التي يلتقي بها كل الملائكة منها اتخاذهم السماء مسكناً ، وطاعتهم المطلقة لله عز وجل ولا يأكلون ولا يشربون ، وليس عندهم شهوة ، ولا يوصفون بالأنوثة ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى.
الثاني : الخصائص الخاصة بكل ملك من الملائكة من جهة الخلق والهيئة والوظيفة ونحوها .
وفي محاورة اليهود مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان ابن صوريا قال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصلة واحدة ان قلتها آمنت بك واتبعتك : أي ملك يأتيك بما ينزل الله عليك .
فقال: صلى الله عليه وآله وسلم جبرئيل.
قال ابن صـوريا ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب.
وميكائيل ينزل باليسر والرخاء .
فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنــا بك .
وكان جبرئيل عند مجيئه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل بصــورة الصحابي دحية الكلبي وكان جميلاً حسن الهيئة وبدا له مرتين بصورته الحقيقية وله ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت، وقد يأتيه بمثال يسمع الصوت ويرى الضوء.
ومن خصائص الملائكة ووجوه تفضيلها أمور :
الأول : سكن الملائكة السماء .
الثاني : طول أعمار الملائكة ، وكل ساعة منها تمر عليهم هي في طاعة الله .
الثالث : إنقطاع الملائكة لعبادة الله، وإنشغالهم التام بالتسبيح ، وكل همتهم وجهدهم لطاعة الله ، وليس من شهوة عندهم ، وليس عليهم حساب في الآخرة لإنتفاء الإختيار والإبتلاء ، نعم سلامتهم من الحساب نوع إكرام لهم .
ويكرم الله عز وجل الأنبياء في الآخرة بالشفاعة واللبث الدائم في النعيم ، وما رآه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإسراء من عالم الأفلاك والملكوت سيراه أهل الجنان .
الإسراء حجة
من خصائص القرآن صيرورته سبباً سماوياً للإرتقاء العلمي والفكري عند المسلمين خاصة وعند الناس عامة، والإسراء مدرسة السماء المتدلية لأهل الأرض والتي تبعث أنوارها في القلوب وتشع على النفوس وتجعلها تتطلع الى آفاق العلوم والمعرفة الإلهية وتساهم في إصلاح النفوس وتنمية الخصال الحميدة لتظهر على اللسان ، وفي السلوك الشخصي والنوعي.
وكما ان الإسراء صعود في السماء فانه ارتقاء علمي للأمة وباب للبحث في آفاق السماء ودعوة للتحقيق العلمي في افراد الكون وزاجر عن المنع عن استقصاء الحقائق الكونية ورصد الظواهر الكونية، وهو مناسبة كريمة وحجة للإقرار بالنبوة واللجوء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإطلاع على اسرار عالم الفلك وكشف المتيسر من خزائن عالم الملكوت وما له من الوظائف وكيف ان الله سخر الاجرام السماوية للإنسان ، قال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .
ولعل في سؤال المسلمين عن الأهلة يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ دلالة على التسليم بحصول الإسراء وسعياً للإنتفاع من عروج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في عالم السماء ليكون الوحي والملك مصاحباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجملة.
نعم في حديث الإسراء وعندما سألت قريش النبي صلى الله عليه وآله وسلم صبيحة واقعة الإسراء ان يصف لهم بيت المقدس ليتأكدوا من صدقه واخبرهم عن بعض معالمه احضر الله بيت المقدس امامه فاخذ يصفه وهو يراه.
أما في هذه الآية فان الجواب يأتي من عند الله [قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ] ( ) سواء كان السائل نفراً من المسلمين.
و(عن ابن عباس في قوله يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قال : نزلت في معاذ بن جبل ، وثعلبة بن غنمة ، وهما رجلان من الأنصار قالا : يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط ، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير ، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد .
فنزلت [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ] في محل دينهم ، ولصومهم ، ولفطرهم ، وعدة نسائهم ، والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لم جعلت الأهلة .
فأنزل الله [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ] الآية . فجعلها لصوم المسلمين ، ولإِفطارهم ، ولمناسكهم ، وحجهم ، ولعدة نسائهم ، ومحل دينهم في أشياء ، والله أعلم بما يصلح خلقه)( ) وذكر أن اليهود هم الذين سألوا كما عن معاذ والأرجح حصول التعدد في السؤال بلحاظ المقاصد والغايات .
فالمسلم يسأل للمعرفة والبيان ، وغيره يسأل للإختبار والإمتحان او بضميمة التزود بالعلوم، او لمحاولة ايجاد الذريعة عند الإمتناع عن اجابته بان حصول الإسراء يعني بالدلالة التضمنية الإطلاع على الأفلاك .
فمن عرج به إلى السماء لابد ان يعرف ولو في الجملة أسرار الفلك ووظائف الكواكب وانظمتها، لذا جاء الجواب من عند الله عز وجل قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ… وفيه وجوه :
الأول : نزول الجواب من عند الله عز وجل على الأسئلة التي توجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصرة عظيمة في تأريخ الإنسانية .
الثاني : توكيد حديث الإسراء .
الثالث : لقد تكرر لفظ [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن كلها خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتفضل الله عز وجل بالإجابة عنها ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى جانب إجابته تعالى على الأسئلة بالوحي .
الرابع : زيادة إيمان المسلمين ، مع التفقه في الدين .
الخامس : ترغيب الناس بالإسلام .
السادس : البرهان على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع : إقامة الحجة على الكافرين ، قال تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
انها مدرسة النبوة الشاملة ذات الوجوه المباركة المتعددة التي تنمي مدارك الأمة والأفراد وتقود إلى رسوخ ملكة التقوى وتهدي الى سبل النجاة بالسعي الحثيث في العبادات وأحكام المعاملات اذ جاء الإسراء بياناً لها وضياء سماوياً مباركاً، وسلاحاً وعوناً لتلمس أسباب التوفيق والهداية والسياحة في عالم الملكوت.
الإيمان بالمعراج
المعراج من غرر المعجزات التي انفرد بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحاز شرفها المسلمون جميعاً، وهو مدرسة تترشح عنها دروس وعبر ومواعظ بل واحكام شرعية لذا وردت نصوص تؤكد على لزوم الإيمان بالمعراج ( عن ابن عمارة، عن أبيه قال: قال الصادق عليه السلام: من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج، والمسألة في القبر، والشفاعة.)( ).
وهل المراد الإيمان بها على نحو العموم المجموعي أم العموم البدلي الأصح هو الأول أي يلزم الإيمان بكل واحد منها مستقلاً وعدم انكار أي منها، وثلاثة من افــراد الحديث يتعلقان بمستقبل الإنسان وعالم ما بعد الموت .
والمعراج وحده يتعلق بما مضــى كمعجزة نبوية مما يدل على موضوعية المعراج في دائرة عقيدة التوحيد والإيمان بالمعاد، والمراد من المعراج هو صعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى السماء ليلة الإسراء .
والسنة بيان للقرآن فصحيح ان الآية تعلقت بالإسراء من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الا ان السنة توسع حديث الإسراء وتخبر عن تفاصيله وتبين انه يتكون من معراجين.
وليس من فصل بين الإسراء والمعراج من حيث الفعل وزمانه فقد بدأ المعراج من المسجد الأقصـى بعد ان صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في محاريب الأنبياء في المسجد الأقصى .
ومن اللطف الإلهي في نواميس النبوة والقواعــد الكونية حصول المعراج الى السماء من المسجد الأقصى، وكذا الهبوط سواء كان للنبي او الملك الا ان يشاء الله عز وجل، وذكر بعض المستشرقين ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرب من الله سبحانه حتى سمع صرير القلم وانه استجار ربه للحضور عنده، فقرب منه الى حد لم يبق بينه وبين ربه الا قاب قوسين.
ولكن ثبت في علم الصفات السـلبية لواجب الوجود، وما يجب ان يسلب عنه، انه تعالى ليس في محل لأن المحل مقرون بالمادة والإفتقار الى الحلول فيه، والله غني غير محتاج خلافاً للنسطورية من النصارى الذين قالوا انه حل في المسيح، كما انه ليس في جهة يشار اليها باليد والحس ويسعى اليها عن قصد، فالله سبحانه في كل مكان أي بمعنى انه مدبر وعالم بما يحصل في كل مكان، موجود فيه لأن الأشياء جميعاً مستجيبة له فهو سبحانه ليس في مكان وكل مكان حاضر عنده.
وارتقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى سدرة المنتهى تشريف له ببلوغه المواضع التي لا يرقى اليها الملائكة المقربون، وروي ان ابا بصير سأل الإمام الصادق عليه السلام: جعلت فداك وكم عرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: مرتين( )، والتعدد هنا فيه امران :
الأول : المعنى الظاهري وهو تكرار المعراج.
الثاني : انه مركب من الإسراء الى المسجد الأقصى، والعروج الى السماء، فكل منهما معراج.
ويمكن تقسيم مراحل المعراج الى:
الأول : من مكة إلى بيت المقدس.
الثاني : من بيت المقدس إلى سماء الدنيا.
الثالث : من السماء الدنيا إلى السماء السابعة.
الرابع : من السماء السابعة إلى سدرة المنتهى.
الخامس : من سدرة المنتهى إلى قاب قوسين.
السادس : الهبوط إلى بيت المقدس ، والصلاة بالأنبياء .
السابع : العودة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة في ذات الليلة التي بدأ فيها الإسراء .
الإسراء والهبوط
لقد بلغت الكمالات الانسانية غايتها بالنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم فهو سيد البشر بما آتاه الله من فضله من الدرجة الرفيعة والمنزلة السامية التي يغبطه عليها الأولون والآخرون.
ومن صفات الله تعالى الثبوتية انه عالم، عالم بكل شيء، يعلم الحوادث والجزئيات قبل حدوثها بعلمه الازلي ، وتغير المعلومات لا يعني ابداً تغير ذاته، لان التغير في الاضافات , وهي امور اعتبارية لا اثر لها في العلم الذاتي.
ولقد وردت نصوص كثيرة تؤكد اقرار آدم عليه السلام بمنزلة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم منها ما ورد (عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما أكل آدم من الشجرة رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا رحمتني .
فأوحى الله إليه : ومن محمد .
فقال : تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب : لا إله إلا الله محمد رسول الله ” فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرا ، ممن جعلت اسمه مع اسمك .
فأوحى الله إليه: يا آدم إنه لآخر النبيين من ذريتك فلولا محمد ما خلقتك)( ).
وسيبقى موضوع هبوط آدم الى الارض بعد عروجه في السماء نعمة متصلة عليه وعلى ذريته والمسلمين ، وصحيح ان الهبوط بالقياس والمقارنة مع سكن الجنة حرمان وخسارة، الا ان النظر الى وجود آدم في الارض بشكل مستقل بعيداً عن المقارنة يظهر رحمة الله تعالى في اكرام آدم وذريته وبداية الخلافة في الارض وعمارتها بالعبادة والذكر، الى جانب تهيئة أسباب الرزق فيها.
الإسراء نعمة ورحمة
لقد شرّف الله الرسـول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بآية من القــرآن تدل على التقـاء المسلمين في محبته ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ..] ( ) الآية، انه غاية التشريف وهو ابلغ من تشــريف آدم بســجود الملائكة له، ويتصــل تفضـيل النبي محمــد صلى الله عليه واله وســلم بالآخــرة حيث الدرجة الرفيعــة والمقام الموعــود الذي ينعــم الله عز وجــل به عليه دون غيره.
وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم : أن آدم عليه السلام تحت لوائه يوم القيامة ، وعن (أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا أولهم خروجاً إذا خرجوا ، وأنا قائدهم إذا وفدوا ، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا ، وأنا مستشفعهم إذا جلسوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، الكرامة والمفاتيح بيدي ، ولواء الحمد بيدي ، وآدم ومن دونه تحت لوائي ، ولا فخر ، يطوف عليهم ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور)( ).
إنه إخبار وبشارة وعنوان الإكرام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين عامة اذ يلتقون بعرض واحد مع الأنبياء في الإنضمام للواء الحمد والنبوة وفي حديث الإسراء والتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء الذين سبقوه مناسبة لتجديد ميثاق الأنبياء وعهدهم للاقــرار بتقدمـه في منازل العز والفخر ومراتب السمو.
وأفضلية النبي محمد صلى الله عليه واله وســلم على الانبياء وآدم عليه الســلام خاصــة في باب المعجزة معروفة وظاهرة وكانت بياناً لدوام الاكــرام وتمام الحجــة .
ففي الخرايج عن موســى ابن جعفر عن آبائه عليهم الســلام : ان يهوديــاً سـأل الإمام علي عليه السلام عن معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقابل معجـزات الانبياء فقال: هذا آدم اسجد الله له ملائكته فهل فعل بمحمــد شيئاً مثل هذا .
فقال علي عليه السلام: لقد كان ذلك ولئن اسجد الله لآدم ملائكته لم يكن سجود طاعة، انهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل، ولكن اعترافاً لآدم بالفضيلة ورحمة من الله له.
ومحمد عليه السلام أعطي ما هو افضل من هذا، ان الله جل جلاله صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه فهذا زيادة له يا يهودي( ).
لقد اجمع المسلمون على أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على آدم، وفي القرآن والسنة شواهد كثيرة ومصاديق تؤكد سيادته صلى الله عليه وآله وسلم.
وآدم عليه السلام الذي جعله الله عز وجل خليفة في الارض، اتخذ له خاتماً. وكان نقشه لا اله الا الله محمد رسول الله، وهذا الخاتم هبط معه من الجنة، وهو المروي عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام.
وفي الحديث دلالات منها ان أبا البشر يدعو لسيد النبيين ويبشر برسالته، ويجعل موضوعها زينة له ووساماً، قال تعالى [ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] ( ).
لقد كان هبوط آدم وحواء للأرض مناسبة للإبتلاء والإمتحان والإختبار فجاء الإسراء بالإتجاه المعاكس للهبوط، وكأنه عنوان رضاه تعالى على الإنسان وثبوت اهليته لخلافة الأرض، وهو بشارة دخول الجنة فهو الرزق الإلهي العاجل والإفاضة النورانية التي تبعث في الأرض السكينة والأمل والإعلان عن الصلة الوثيقة بين السماء والأرض.
انه سفر روحي يصعد بالعبد الى عالم الملكوت ويجتمع هذا الحدث مع اكل آدم عليه السلام من الشجرة ليظهر استحقاق الإنسان للخلافة والتوفيق الذي تغشاه للتمسك بأحكام الشريعة على الأرض وهو عنوان الغبطة والسعادة بنيل الدرجات العلى ومناسبة للإطلاع والتزود من المعارف الإلهية واسرار الملكوت والعالم العلوي .
والمعراج حجة تدل على تعلق روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسماء وانه منقطع عن الدنيا وفيه بيان لتعدد وجوه الفضل الإلهي في كيفية تلقي الوحي ، وفي تحويل القبلة إلى المسجد الحرام تجلى تّطلع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء كما في قوله تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ .
الإسراء والجن
قال تعالى وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ
الجان والجنة – بالكسر- جمع جن، سموا جنة لإستتارهم عن العيون، فالجن ليسوا اجساماً كثيفة تحل في محل وتكون ظاهرة للعيان بل هي جواهر قائمة بذاتها، تمتلك القدرة على تبديل هيئاتها، ولها عقول وقدرة على الإنتقال السريع واتيان الأعمال الشاقة .
ومن الفلاسفة من انكر وجود الجن ، وقال ابن سينا ان الجن حيوان هوائي متشكل باشــكال مختلفة، وقال الــرازي (وهذا شرح للإسم يدل على ان هذا الحد شرح للمراد من هذا اللفظ وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج) ( ).
ولكن ظاهر الكلام لا ينفي وجوده خصوصاً مع النص القرآني الذي يؤكد وجود الجن .
وقد وردت سورة من القرآن باسم سورة الجن .
وقد استمع نفر من الجن إلى تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن ف يطريق عودته من الطائف بعد إيذاء أهلها له ، فآمنوا .
و(عن ابن عباس في قوله وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قال : لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلوا القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن ، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ))( ).
والنقل والاخبار المتواترة والشواهد والوجدان تثبت وجود الجن ، والذين ينكرونه طائفة من الفلاسفة غير المسلمين.
واطلق شطر من الفلاسفة على الجن الأرواح السفلية، وقال بوجودها اتباع الأنبياء وارباب الملل منذ القدم .
ولا يعلم عدد قبائل الجن واصنافهم الا الله عز وجل وذكر ان صنف الشيصبان هم اكثر الجن عدداً ، وعامة جنود ابليس منهم، والجن اجسام مختلفة في ماهيتها.
لقد احتج ابليس على الأمر الإلهي بسجوده لآدم بأنه خلق من نار فقال [خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ] ( ) فوقع في الضلال والتيه بقياسه ، ولو يعلم شرف الطين الذي خلــق منه آدم واضـافة النفخ من الروح اليها لأدرك كنه نورانية آدم عليه السلام وانها أسـمى من النار، وفي التنزيل وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
كما ان النار التي خلق منها ابليس هي مما ترشح من الطين ولكن بالواسطة بنمو الشجرة وصيرورتها حطباً ، قال تعالى [الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ] ( ).
بين الخلافة والإسراء
لقد تفضل الله عز وجل على الملائكة وعلى الناس معاً باخبار الملائكة بخلق آدم وجعله فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فاحتج الملائكة قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ولم يحتج الملائكة على موضوع وحكم الخلافة في الأرض ، ولا شخص الخليفة ، ولكنهم احتجوا على الذين يفسدون في الأرض ، ويريقون الدماء ويقتلون بغير الحق .
فأجابهم الله عز وجل بأنه يعلم عمارة الناس في الأرض ، وبعثه للأنبياء وإصلاحهم بالعبادة ، وحسن عاقبة الذين آمنوا ، وخلود المفسدين والظالمين في النار ، قال تعالى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
ومن علم الله عز وجل وفادة ومعراج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السموات العلى ، وحديثه مع الملائكة وهو الخليفة في الأرض .
لقد كان الإســراء آية ارضــية سـماوية اراد الله عز وجل منها بيان شــرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهلية الإنسان لخلافة الأرض، ويطلع الجن عليها سواء لإقامة الحجة عليهم او لوجودهم في الأرض وبين الأرض والسماء، وهي حرب عليهم ودعوة لهم للإسلام ، ورادع لمنعهم من ايذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين خصوصاً وان الجن مكلفون، وتكليفهم بحسب شريعة نبي زمانه لأن اعمارهم طويلة.
وما دامت الجن قد سخرت لسليمان بفضل الله تعالى , فلابد انها تكون مسخرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضل من الله عز وجل ، فما عند الأنبياء السابقين هو عند الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
والقرآن يؤكد حقيقة وجود الجن وفيه سورة كاملة تتعلق الجن ، والسنة تؤكده ، قال تعالى [وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ] ( ) وهناك شواهد على مر الزمان على وجودها وقد تتلبس باشكال جسمية، وتفضل الله سبحانه وجعل واقية على السماوات تصد الشياطين وتمنعهم من التعدي والتجرأ , قال تعالى إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ والمارد الخارج عن الطاعة.
وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى عفريتاً من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رآه .
فقال جبرئيل عليه السلام : ألا أعلمك كلمات اذا قلتهن طفئت شعلته وخر لغيه .
قل : اعوذ بوجه الله الكريم، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما نزل الى الأرض وشر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار .
ومن شر طوارق الليل والنهار الا طارق يطرق بخير يا رحمن( ).
الإسراء وملك الموت
قال تعالى [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ…] ( )
اسم ملك الموت عزرائيل ، واسمه شائع على الألسنة كل بلغته ولهجته، وهو معروف عند كل انسان، ومن الآيات والتذكير بعالم الآخرة ان معرفته ملازمة للانسان حالما يمتلك القدرة على التمييز الحسي بين الأشياء قبل البلوغ والوصول الى مرحلة التمييز العقلي .
ومضمون الآية الكريمة اعلاه فيه نوع اعجاز وقد افردنا باباً في تفسيرنا (معالم الإيمان) يتعلق باعجاز كل آية ، وهو على قسمين :
الأول : الإعجاز الذاتي للآية .
الثاني : الإعجاز الغيري للآية .
فكل آية من القرآن لها اعجاز على نحو مستقل، بالاضافة الى اعجازها منضمة الى الآيات الاخرى.
والتوكيل هنا تولي الأمر وعدم الغفلة عن الناس ولا شغل ولا وظيفة لملك الموت الا قبض الأرواح عند حلول اجلها، نعم معرفة الناس له واستحضار ذكره من الكليات المشككة اذ يتفاوت ذكره ويتناسب طردياً مع المعرفة والتقوى والصلاح، وذكر انه يتصرف في عالم الملكوت وعالم الملك ووجهه مقابل اللوح المحفوظ، والخلق كلهم بين عينيه وله اعوان كثيرون.
وفي الصحيح: عن الصادق عليه السلام (ما من اهل بيت شعر ولا وبر الا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم خمس مرات)( ).
أي ان حديث الإسراء موعظة واعتبار ودعوة للإحتراز من الموت ولزوم الإستعداد له بالعمل الصالح، وفيه تذكرة بعالم البرزخ والحساب , وواقية من الأهوال والشدائد.
وذكر الصدوق باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اسري بي الى السماء رأيت في السماء الثالثة رجلاً رجل له في المشرق، ورجل له في المغرب، وبيده لوح ينظر فيه ويحرك رأسه قلت يا جبرئيل من هذا قال ملك الموت)( ).
وعن ابن شهر آشوب في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يا ابا ذر لما اسري بي الى السماء مررت بملك جالس على ســرير من نـور على رأسه تاج من نور واحدى رجليه في المشــرق، والأخـرى في المغرب .
بين يديه لوح ينظر فيه والدنيا كلها بين عينيه والخلق بين ركبتيه ويده تبلغ المشرق والمغرب .
فقلت يا جبرئيل من هذا فما رأيت من ملائكة ربي جل جلاله اعظم خلقاً منه؟ قال: عــزرائيــل ملك الموت،ادنُ فســلم عليه، فدنوت منه فقلت: سلام عليك حبيبــي ملك الموت .
فقال : وعليك السلام يا احمد ما فعل ابن عمك علي بن ابي طالب عليه السلام ، فقلت وهل تعرف ابن عمي؟ قال: وكيف لا اعرفه فان الله جل جلاله وكلني بقبض الأرواح ما خلا روحك وروح علي بن ابي طالب فان الله يتوفاكما بمشيئته( ).
لقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ملك الموت وكيف يقوم باداء واجبه ويتلقى الأمر بحلول اجل من انقطع رزقه في الدنيا , وحضر أوان انتقاله الى عالم الآخرة، وهذا المشهد تذكير وموعظة للمسلمين ومناسبة للإعتبار.
ان لقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بملك الموت في الإسراء أمر ذو أهمية ففيه موعظة خصوصاً وانه يتولي قبض الأرواح باذن الله ، ويتضمن هذا اللقاء الوعد الكريم والبشارة والتأييد وتزكية للمسلمين.
صلة ملك الموت بالأنبياء
لقد أكرم الله عز وجل الأنبياء بالوحي والتنزيل ، وجعلهم وسطاء بينه وبين أهل الأرض ، وتفضل وجعل الملائكة ينزلون بالوحي إليهم ، ومن فضل الله عز وجل إتصال ولقاء ملك الموت بعدد من الأنبياء والرسل للحجة والموعظة ، والدعوة للإستعداد للموت وشدة سكراته ، قال تعالى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
واستحضار ذكر عالم الملكوت وضيق القبر ومساءلة منكر ونكير .
ولقد كان ملك الموت يأتي الأنبياء السابقين ويخبرهم عن بعض أحوال عالم البرزخ وقبض الأرواح وآجال بعض الأشخاص , ممن لم يحن أجله، وربما أخبرهم هو إبتداء، وإن لم يكن إخباره على نحو الحتم والقطع دائماً لقوله سبحانه يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
قال تعالى ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
وهذا الإخبار نعمة على الأنبياء وهبة إلهية لهم لدوام اتصالهم بعالم الملكوت , ومعرفة خفايا الروح وعالم البرزخ( )، وفيها اعانة على أداء وظائف النبوة.
وعن سدير بن يعقوب (انه سأل الإمام الباقر عليه السلام عن يعقــوب حين قال لولده اذهبوا فتحسسوا من يوسف أكان على علم ان يوسف حــي وقد فارقــه منذ عشــرين سنة وذهبــت عيناه من البكاء عليــه .
قال الإمام الباقــر عليه السلام : نعم حيث انه دعا ربه في السحر ان يهبط عليه ملك الموت فهبط عليه ملك الموت في اطيب رائحة واحسن صورة .
فقال له من انت، قال: انا ملك الموت أليس ســألت الله ان ينزلني عليــك قال: نعــم، قال: فما حاجتك يا يعقوب؟ قال له: اخبرني عن الأرواح تقبضها جملة او تفاريقاً، قال: يقبضها اعواني متفرقة ثم تعرض عليّ مجتمعة .
قال يعقوب : فاسألك بإله ابراهيم واسحق ويعقوب هل عرض عليك في الأرواح روح يوسف ، فقال : لا ، فعند ذلك علم انه حي فقال لولده اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ )( ).
لقاء ملك الموت
جاءت النصوص المتعلقة بلقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بملك الموت على نحو التعدد , وتضمنت تفاصيل خالية من التعارض او التزاحم فيما بينها ومما تدل عليه شـدة عذاب الكافرين والظالمين في قبض أرواحهم وما ينتظرهم .
وتحــث على لزوم الوقاية منها بالتقوى والعمل الصالح , مع إدراك دنو الأجل واحتماله في كل ساعة وهو الظاهر، والشــواهد عليه كثيــرة ولا يفــوت ملك الموت احد من الناس اذا حـــان اجله .
وقال الإمام الصادق عليه السلام قيل لملك الموت كيف تقبض الأرواح وبعضها في المغرب وبعضها في المشرق في ساعة واحدة، قال: ادعوها، فتجيبني وقال ملك الموت: ان الدنيا بين يدي كالقصعة بين يدي احدكم يتناول منها ما يشاء…( )الحديث.
والحديث عن الموت والتذكير به من اهم الطرق التي يتبعها الأنبياء واتباعهم للهداية وادراك كنه الحياة الدنيا وسرعة زوالها وانها مزرعة الآخرة ثم انها خطاب للعقول وتثوير للبصائر واخبار عن امر حتمي الوقوع وفيه طرد للغفلة .
وقد فضل الله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمســلمين جميعاً بالإسراء، لما فيه من اللقاء بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وملك الموت وهو قائم بوظيفته ومع هذا فانه زف البشــارة للمسلمين، وفيهــا بالدلالة التضــمنية نوع ســكينة متقدمـــة وسابقـــة على الموت قبل طروه من غير ان تحول دون اخذ الحذر من الموت والإستعداد له وشد الأزر له بالعمل الصالح.
وفي تفسير علي بن ابراهيم بالإسناد عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث الإسراء، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ثم مررت بملك من الملائكة جالس على مجلس واذا جميع الدنيا بين ركبتيه .
واذا بيده لوح من نور ينظر فيه مكتوب فيه كتاب ينظر فيه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً الا مقبل عليه به كهيئة الحرير .
فقلت من هذا يا جبريل ادنني منه حتى اكلمه فادناني منه .
قال هو ملك الموت فسلمت عليه وقال له جبريل هذا نبي الرحمة ارســله الله الى العبـاد فرحب بي وحياني بالســلام .
وقال ابشر يا محمـد فاني ارى الخير كله في امتك فقلت الحمد لله المنان ذي النعم على عباده ذلك من فضل ربي ورحمته عليّ.
فقال جبريل هو اشد الملائكة عملاً فقلت أكل من مات او هو ميت فيما بعد هذا تقبض روحه قال نعم .
قلت: وتراهم حيث كانوا وتشهدهم بنفسك .
فقال: نعم فقال ملك الموت ما الدنيا كلها عندي فيما سخره لي ومكنني عليها الا كالدرهم في كف الرجل يقلبه كيف يشاء، وما من دار الا وانا اتصفحه كل يوم خمس مرات واقول اذا بكى اهل الميت على ميتهم، لا تبكوا عليه فان لي فيكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم احد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفى بالموت طامة يا جبرئيل، فقال جبريل ان ما بعد الموت اطم واطم من الموت( ).
إنه حديث مبارك يطرد الغفلة عن المسلم ويدعو الناس جميعاً للإسلام لتشملهم الرحمة، وهذه البشارة والسكينة تتغشى المسلمين على نحو العموم الإستغراقي والعموم والبدلي، وذيل الحـديث مدرسة في المعرفة الإلهية فان جبرئيل استثمر المناسبة وللتأكيد على ما بعد الموت كي لا يشـغل المسلم ذكر الموت عما بعده او يذهله عن عمل الصالحات.
(وكان رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا ما يوصي أصحابه بذكر الموت، فيقول أكثروا ذكر الموت، فإنه هادم اللذات، حائل بينكم وبين الشهوات. يا عباد الله، ما بعد الموت لمن لم يغفر له أشد من الموت القبر، فاحذروا ضيقه و ضنكه و ظلمته وغربته .
إن القبر يقول كل يوم أنا بيت الغربة، أنا بيت التراب ، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود والهوام، والقبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران، إن العبد المؤمن إذا دفن قالت له الأرض، مرحبا وأهلا .
لقد كنت ممن أحب أن يمشي على ظهري، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك، فتتسع له مد البصر.
وإن الكافر إذا دفن قالت له الأرض لا مرحبا ولا أهلا، لقد كنت من أبغض من يمشي على ظهري، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك، فتضمه حتى تلتقي أضلاعه .
وإن المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوه عذاب القبر، إنه يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا، فينهشن لحمه، ويكسرن عظمه، ويترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث، لو أن تنينا منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعا أبدا.
اعلموا يا عباد الله أن أنفسكم الضعيفة، وأجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير تضعف عن هذا، فإن استطعتم أن تجزعوا لأجسادكم وأنفسكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه، فاعملوا بما أحب الله واتركوا ما كره الله. يا عباد الله ، إن بعد البعث ما هو أشد من القبر، يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر منه الكبير، ويسقط فيه الجنين، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوم عبوس قمطرير، ويوم كان شره مستطيرا. إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم…الحديث)( ).
والطامة : الداهية لأنها تطم على كل شيء أي تعلوه، وقول جبرئيل هذا يؤكده القرآن فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الكُبْرَى أي القيامة وفيه نكتة وهي ان الملائكة يساهمون في تفسير وبيان آيات القرآن.
أي ان حديث الأسراء موعظة واعتبار ودعوة للإحتراز من الموت ولزوم الإستعداد له بالعمل الصالح وفيه تذكرة بعالم البرزخ والحساب وما فيه من الأهوال والشدائد.
الإسراء والعلم
من الإعجاز القرآني احاطة كلمات القرآن المحدودة بالعلوم الحديثة اخباراً او اشارة اوتحريضاً على البحث العلمي والتحقيق، ومن الآيات انعدام التعارض او التزاحم بين ماجاء به القرآن والتطور العلمي الحديث مع ما فيه من المخترعات السريعة المذهلة .
ولا ينحصر الأمر بعدم التعارض وان كان حجة تدل على سماوية القرآن، بل هناك توافق والتقاء بينهما يبقى اعلاناً متجدداً .
وقد تكون آية قرآنية اعجــازية ترى لها شبيهاً في الكم والكيف في هذا الزمان .
ولكن من غير اعجاز بل بالتحصـيل والسعي العلمي والإجتهاد لعدم اجتماع شــرائط المعجــزة فيها، فهي في هذا الزمان ليست أمراً خارقاً للعادة او سالماً عن المعارضة او مقروناً بالتحدي، ولكنه مصداق لفضل الله تعالى.
والكبرى الكليــة هي ان الله عز وجــل اذا انزل نعمـة فانه اكرم من ان يرفعهــا، أي تأتي النعمة معجــزة وكرامة، ثم تأتي مرة اخرى وبعد نأي بالمــدد والإعانة الإلهيــة، وما حصـل عند الناس من علم مع بقاء المعجزة على حالها لإختلاف الموضوع وتبعية الحكم للموضــوع قهـراً .
فمثلاً فضل الله تعالى على مريم عليها السلام في احضار فاكهة الصــيف لها في الشــتاء، وفاكهة الشــتاء في الصيف، كما قال تعالى كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
فجاءت الآن الزراعة المغطاة والنقل السريع للفاكهة والخضر، ووسائل الخزن والتجميد الحديثة كفضل ولطف نوعي على الناس وعلى نحو مستديم ومتعدد كماً وكيفاً وافراداً يستحق الشكر لله تعالى .
والكل يعلم انه ليس بمعجزة ولم يؤثر على اصل المعجزة لمريم عليها السلام، كذلك فان حديث الإسراء، معجزة اراد الله عز وجل ان يحصل شطر منها في هذا الزمان بالعلم والتحصيل والمركبات الفضائية من غير ان يؤثر على اصل الإعجاز في الإسراء بل ان الإسراء حجة تحول دون غرور الإنسان وزهوه .
فالعلوم الآن تنتقل بسرعة وترتقي في عالم السماء الدنيا ولا يزداد الناس معها الا اقراراً بالتوحيد والرسالات، وهذا من الإعجاز المتجدد للقرآن وللآيات التي رزق الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من الإسراء ونحوه.
الإسراء والعلوم المعاصرة
لقد رافق الإسراء فرح وغبطة عمت السماء وسكانها من الملائكة مع نفر قليل من المؤمنين والمؤمنات في الأرض وواجهها بالرفض والسخرية الملأ من قريش واصحاب الحل والعقد في مكة بلد الوحي والتنزيل والبيت الحرام الذي جعله الله أمناً ورحمة للناس ولابد من صلة بين هذا الجعل وبين الإسراء، ويأبى الله الا ان يتم كلماته، فاصبحت ذكرى الإسراء عيداً عالمياً يعم ارجاء الأرض بمباهج ومواعظ وتكون التطورات العلمية الحديثة مناسبة لإستقراء الدروس من الإسراء واثباتاً لحقيقته.
فسياحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عالم الملكوت بالإعجاز فتحت آفاق العلم في أسرار السماء لما فيها من الحث على الإرتقاء والسعي للصعود في السماء والبحث في كنوز الفضاء .
وحديث الإسراء دليل على الحفظ الإلهي لرسالة الإسلام وتعاهد السماء لشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن، فوسط الجحود والكفر والأمية والبدائية ووعثاء السفر ومشقة الطريق يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم باخبار اعجازي واعلان عن قطعه لمســيرة شـهر بشطر ليلة واحدة من غير تردد او تخوف من اقطاب الضلالة.
وقد عدّ علماء الإسلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الف معجزة، الإسراء واحدة منها ولها خصوصية وموضوعية وتكشــف عن اسرار متجددة في كل زمان ، ولكن الإسراء يتضمن معجزات متعددة حسية وعقلية .
وهل يدخل صعود الإنسان الى القمر والكواكب الأخرى في هذا الزمان المعجزة، العقلاء جميعاً يتفقون على النفي، ويقرون بوجود فوارق وتناف بينهما، اذ ان غزو الفضاء تم بالأسباب المادية والعلوم وسلسلة من الدراسات والمقدمات والإبتكارات وليس فيه خرق للأسباب المتعارفة في هذا الزمان والمستويات التي وصل اليها العلم.
لقد ظل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحدث عن مواضيع الإسراء مرة قال صلى الله عليه وآله وسلم (لقد أسرى ربي بي فأوحى إلي من وراء الحجاب ما أوحى، وشافهني إلى أن قال لي: يا محمد من أذل لي وليا فقد أرصد لي بالمحاربة)( ).
مما يدل على حرمة المؤمن ، وجاء التحذير من ايذائه في ليلة الإسراء ومن على سبع سماوات، والحديث يبين المضامين الأخلاقية والعقائدية لحديث الإسراء.
وقد حارب كفار قريش النبي محمداً وأصحابه وفرضوا الحصار الإقتصادي والإجتماعي والنفسي على بني هاشم لثلاث سنين في شعب أبي طالب ، ثم قادوا الجيوش الكبيرة لقتاله ، فاذاقهم الله عز وجل الخيبة والخزي .
وبخصوص معركة بدر التي وقعت في اليوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة نزل قوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وفي معركة أحد التي إدعى مشركو قريش أنهم انتصروا فيها نزل قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
وقد جاءت آية الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل حصار قريش لبني هاشم الذي ابتدأ في السنة السابعة للبعثة النبوية.
ليكون الإسراء إنذاراً لقريش ودعوة لهم ولغيرهم للإيمان خاصة وأن القبائل كانت تفد إلى مكة للحج والعمرة والميرة وفض الخصومات وهو من بركة البيت الحرام في قوله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ.
عاقبة الربا
قال صلى الله عليه وآله وسلم : ثم مضيت فاذا انا باقوام يريد احدهم ان يقوم فلا يقدر من عظم بطنه فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ واذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً يقولون ربنا متى تقوم الساعة، وقال ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم ار مثله قط يعرضون على النار لا يستطيعون ان يتحولوا من مكانهم ذلك فقلت يا جبريل من هؤلاء ، فقال هؤلاء أكلة الربا.
ويبين الحديث ومناسبة ذكره في ابتداء حديث الإسراء كيف ان اهل الربا هم اول الناس الذي اطلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حالهم والعذاب الذي هم فيه .
فالربا محرم بالقرآن والسنة والإجماع والعقل، والنصوص متواترة على النهي والزجر عنه والأخبار عن عاقبة السوء التي تنتظر صاحبه .
والربا في الإصطلاح هو الإقراض مع شرط الزيادة للمقرض سواء كانت الزيادة عينية كما لو اقرضه مائة دينار واشترط ان يؤدي مائة وخمسة، او كانت عملاً كخياطة ثوب او منفعة كسكن الدار مجاناً او صفة بان يقرضه حنطة رديئة على ان يؤدي حنطة جيدة.
وحرمــة الربا مطلقــة في حــال الإختيار أو الإضطرار، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ] ( ) وعد الربا من الكبائر لما ورد من توكيد على حرمته لما فيه من فساد الأموال والظلم وذهاب المعروف وترك القرض.
وفي خبر حماد وانس بن محمد عن ابيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام عن النبي في وصيته لعلي عليه السلام (يا علي، الربا سبعون جزء فايسرها مثل ان ينكح الرجل أمّه في بيت الله الحرام)( ).
وهذا التمثيل حث للناس على ترك الربا وإجتناب لما ينتظر صاحبه من العذاب الأليم كما يدل عليه حديث الإسراء، وعلى الرغم من شمول حرمة الربا للآخذ والشاهد والكاتب فان العذاب الوارد في حديث الإسراء جاء للآخذ خاصة، ويشاهد في الحديث رؤية صنف من اهل العذاب ممن يزاول الربا.
وقد صدرت الأجزاء (94-95-96-97) من كتابي (معالم الإيمان في تفسير القرآن) خاصة بتفسير الآية الكريمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ماشطة بنت فرعون
من بديع قدرة الله عز وجل إقامة الحجة على الظالمين والطواغيت وجعل الدعوة إلى التوحيد تأتيهم من داخل بيوتهم مع الثبات على الإيمان ، والصبر على الأذى ، ليوثق القرآن والسنة النبوية شواهد منها .
و(عن الإمام علي عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة فقلت يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: ماشطة بنت فرعون واولادها، كانت تمشطها، فسقط المشط من يدها .
فقالت بسم الله، فقالت ابنة فرعون : ابي، قالت بل ربي وربك ورب أبيك، قالت: ألك رب غير أبي؟ قالت نعم .
قالت: فاخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم فاخبرته فدعاها، فقال: ألك رب غيري .
قالت: نعم ربي وربك الله الذي في السماء .
فامر ببقرة من نحاس فاحميت ثم أمر بها لتلقى فيها واولادها قالت ان اليك حاجة قال وما هي؟ قالت تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعاً، قال ذلك لك لما لك علينا من حق فالقوا واحداً واحداً حتى بلغ رضيعاً فيهم .
قال قعي يا امة ولا تقاعسي فذاك على الحق( ) فالقيت هي وولدها.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (تكلم أربعة صغاراً ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام)( ).
وذكره الطبي بالإسناد إلى عبد الله بن عباس وقال (لم يرفع هذا القول الأخير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإسناده إسناد صحيح)( ).
جاء الطيب والمسك وعنوان السعادة الخالدة وموضوعه البسملة والجهاد في سبيل الله والبسملة من محاور العمل العبادي للمسلمين وشاهد ايماني، وللأخبار بان الأمم السابقة قد تحملت من اهل الجحود الشيء الكثير من اجل تعاهد البسملة في الأرض، وهي شعار الموحدين وقد جاء في التنزيل [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( ) في دعوته لبلقيس.
وفي الخبر دعوة من الماشطة الى فرعون وابنته للإسلام وهو حاصل واقعاً وقهراً لنجاته من الهلاك غرقاً هو وجنوده وليبقى في سلطانه وصولجانه.
كتابة فرعون التسمية
قد ورد في الخبر ان فرعون مع ادعائه الربوبية فان الله عز وجل اخر عنه العذاب لكتابته “بسم الله” على باب داره وفيها امان من الهلاك وترى هلاكه لم يحصل في بلده بل عند خروجه خلف موسى عليه السلام تجبراً وعتواً.
وعن (ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى موسى: أن أسر ببني إسرائيل من مصر، فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا فأتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الاناث، وكان موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفا، فلما عاينهم فرعون قال إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ إلى قوله حَاذِرُونَ.
فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون ، فقالوا : يا موسى أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا هذا البحر أمامنا ، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه.
فقال موسى عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ.
فقال له يوشع بن نون: بم امرت ؟ قال: امرت أن أضرب بعصاي البحر، قال: اضرب، وكان الله أوحى إلى البحر : أن أطع موسى إذا ضربك، قال: فبات البحر له أفكل أي رعدة لا يدري في أي جوانبه يضربه، فضرب بعصاه البحر فانفلق وظهر اثنا عشر طريقا، فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه، فقالوا: إنا لا نسلك طريقا نديا، فأرسل الله ريح الصبا حتى جففت الطريق كما قال : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا فجروا، فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: مالنا لا نرى أصحابنا .
فقالوا لموسى: أين أصحابنا ، فقال: في طريق مثل طريقكم، فقالوا: لا نرضى حتى نراهم .
فقال موسى عليه السلام : اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك هكذا وهكذا يمينا وشمالا، فأشار بعصاه يمينا وشمالا فظهر كالكو ينظر منها بعضهم إلى بعض، فلما انتهى فرعون إلى ساحل البحر وكان على فرس حصان أدهم فهاب دخول الماء تمثل له جبرئيل على فرس انثى وديق وتقحم البحر .
فلما رآها الحصان تقحم خلفها، ثم تقحم قوم فرعون وميكائيل يسوقهم، فلما خرج آخر من كان مع موسى من البحر ودخل آخر من كان مع فرعون البحر أطبق الله عليهم الماء فغرقوا جميعا ونجا موسى ومن معه)( ).
فرعون اسم لملوك
فهــل من تنــاقـض بين الخبريــن بين قتــل الماشــطــة لإيمانهــا وكتابة فرعــون التسمية على بــاب داره، الجواب: هــو النفــي من جهات :
الأولى : ان فرعون اسم لا ينصرف والواو والنون زائدتان ، وذكر انه اسم اعجمي وقد ورد معنى اسمه بالعربية والفرعنة : الكبر والتجبر .
ومعناه بلغة القبط التمساح، ولو عرف في حال تنكره لأنصرف وهو اسم جامع لملوك مصر القدماء، يقال تفرعن وهو ذو فرعنة أي ذو دهاء ومكر.
الثانية : ذكر ان فرعون اسم لثلاثة ملوك :
الأول : فرعون ابراهيم الخليل عليه السلام واسمه سنان.
الثاني : فرعون يوسف عليه السلام واسمه الريان بن الوليد، وذكره القرآن بصفة الملك وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى، وورد في الخبر: انه اسلم.
الثالث : فرعون موسى عليه السلام واسمه الوليد بن مصعب، قاله ابن الجوزي.
والظاهر ان اسم فرعون وصف لملوك مصر في تلك الفترة مثل كسرى ملك فارس ، وقيصر ملك الروم خصوصاً وانه بين اليوم الذي دخل فيه موسى عليه السلام مصر رسولاً وبين اليوم الذي دخلها يوسف عليه السلام نحو اربعمائة سنة.
الثالثة : لعل ماشطة بنت فرعون في زمان احد الفراعنة الجبابرة وليس هو فرعون موسى عليه السلام الذي وضع بسم الله على باب داره، وفي الحديث حث للمسلمين على تعاهد البسملة وادراك عظيم فضل الله تعالى باداء المناسك والفرائض بامان وتحت لواء الإسلام وفي كنفه.
و(روي عن علي بن موسى الرّضا عليه السّلام أنّه قال : بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها)( ).
الرابعة : لا مانع من اجتماع الأمرين معاً يقتل الماشطة لأنها تجهر بعقيدة التوحيد ويكتب “بسم الله” على باب داره لأنه يعرف عظيم نفعها ولكنه يحجب الحقيقة واسباب الإيمان عن رعيته، أي التناقض والنفاق والجحود في سيرة فرعون، والخبران مجتمعان ومتفرقان يفضحانه.
الخامسة : لقد كان في نطق الرضيع آية اعجازية وحجة على الظالمين الجاحدين خصوصاً وان الماشطة رضيت ان يخبر فرعون بايمانها وهي تعلم ما ينتظرها من الأذى في جنب الله، وبشارة للأم في اول قدومها على عالم الآخرة.
والنفاق: اظهار الإسلام واخفاء خلافه في قرارة النفس، وهو اسم وجد مع الإسلام وبعد انتصار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر ، ولم يكن معروفاً بهذا المفهوم قبله وقيل ان اشتقاقه من نفقت الدابة نفوقاً اذا ماتت لأن اختيار طريق النفاق هلاك ، قال تعالى الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: انا كنا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب( ).

أهل البيت حرقوا بالنار
عن ابن مســعود: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ليلة اســري بي مــررت بواد فنفخ علينا من ريــح المسك فسألت جبريل ما هذا الريــح فقال هؤلاء اهــل بيت من المسلمين حرقوا بالنار في الله عز وجل( ).
وموضوع الحديث هو عالم البرزخ ، لبيان وجود بصمة وأثر للصبر والجهاد في سبيل الله عز وجل ، وأن الملائكة تشم هذا العطر الطيب ، وتعلم بموضوعه وسببه .
وهل المقصود ماشطة بنت فرعون وأولادها، وورد على نحو الإجمال وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخبر علياً عليه السلام تفصيلاً واخبر ابن مسعود ومن مان حاضراً معه اجمالاً أو أنه يتعلق بأسرة أخرى من أسر المسلمين ، المختار هو الثاني لوجوه :
الأول : لاصالة التعدد.
الثاني : عدم الدليل على الحصر والإتحاد.
الثالث : لبيان عظيم فضل الله تعالى.
الرابع : الأرجح ان عنوان (اهل بيت) يشمل الأب أيضاً.
الخامس : تعدد الخبر في ذات موضوع الطيب يدل على التواتر في حديث الإسراء وعناية المسلمين بموضوعاته.
السادس : التباين في جواب جبرئيل عليه السلام الذي يحكيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
السابع : توالي الأذى والقتل على المسلمين على مر الدهور عند ولاية الطواغيت.
و(عن عوف قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : كان المجوس أهل كتاب ، وكانوا مستمسكين بكتابهم ، وكانت الخمر قد أحلت لهم ، فتناول منها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله ، فتناول أخته أو ابنته فوقع عليها ، فلما ذهب عنه السكر ندم ، وقال لها : ويحك ما هذا الذي أتيت؟ وما المخرج منه .
قالت : المخرج منه أن تخطب الناس فتقول أيها الناس إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات والبنات ، فإذا ذهب ذا في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته .
فقام خطيباً فقال : يا أيها الناس إن الله أحل لكم نكاح الأخوات أو البنات .
فقال الناس جماعتهم : معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقر به ، أو جاءنا به نبي ، أو نزل علينا في كتاب ، فرجع إلى صاحبته فقال : ويحك إن الناس قد أبوا عليّ ذلك .
قالت : إذا أبوا عليك ذلك فابسط فيهم السوط ، فبسط فيهم السوط ، فأبوا أن يقروا ، فرجع إليها فقال : قد بسطت فيهم السوط فأبوا أن يقروا . قالت : فجرد فيهم السيف ، فجرد فيهم السيف ، فأبوا أن يقروا .
قالت : خدّ لهم الأخدود ، ثم أوقد فيه النيران فمن تابعك فخلّ عنه . فخدَّ لهم أخدوداً وأوقد فيه النيران ، وعرض أهل مملكته على ذلك ، فمن أبى قذفه في النار ، ومن لم يأب خلّى عنه ، فأنزل الله فيهم قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ إلى قوله وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ))( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال :بعث الله نبيا حبشيا إلى قومه فقاتلهم، فقتل أصحابه وأسروا وخدوا لهم أخدودا من نار ثم نادوا: من كان من أهل ملتنا فليعتزل، ومن كان على دين هذا النبي فليقتحم النار، فجعلوا يقتحمون ، وأقبلت امرأة معها صبي لها فهابت النار ، فقال لها: اقتحمي، قال : فاقتحمت النار، وهم أصحاب الاخدود)( ).
و(عن ميثم التمار قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام وذكر أصحاب الاخدود فقال: كانوا عشرة)( ).
والأخدود : الشق في الأرض ، والجمع الأخاديد .
إحضار المعراج
عندما وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين ، وقام جبرئيل بالصلاة ركعتين أيضاً.
وهل كان جبرئيل عندما صلى في بيت المقدس على هيئة الآدمي أم بهيئة أخرى ، المختار هو الأول لبيان تعبد الملائكة بالصلاة عندما يكونون في الأرض ، ولقدسية المكان .
وقد كان يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحياناً بهيئة الصحابي دِحية الكلبي الذي كان يتصف بصورة جميلة .
وأحضر المعراج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليصعد به إلى السماء ، وهو كالمركبة الفضائية في هذا الزمان ، ويتصف بالحسن وتفوق سرعته أضعافاً سرعة المركبة الفضائية .
و(عن أبي سعيد الخدري أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج ولم أر شيئاً قط أحسن منه وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر .
فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة عليه ملك من الملائكة يقال له إسماعيل تحت يديه اثنا عشر ألف ملك تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك – قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
فلما دخل بي قال من هذا يا جبريل قال محمد قال أوقد بعث قال نعم قال فدعا لي بخير)( ).
لبيان أن المعراج غير البُراق ، والعروج بالنبي محمد في السماء ثابت من وجوه :
الأول : آيات سورة النجم ، منها قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، والضمير الهاء في [رَآهُ] يعود لجبرئيل .
الثاني : آية الإسراء ذاتها سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فهو معجزة النقل السريع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : أحاديث المعراج النبوية الواردة في جميع كتب المسلمين ، مع تعدد الرواة على نحو متواتر .
الرابع : التداخل والتعاقب بين الإسراء والمعراج خاصة وأنهما حدثا في ليلة واحدة ، والله عز وجل يهب بالأتم والأوفى .

استحضار الدعاء
من إعجاز القرآن بعثه المسلمين للدعاء وسؤال الحاجات والرغائب من الله عز وجل ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، كما يدعو القرآن المسلمين للإستغفار والإنابة والتوبة ، قال تعالى وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وتبين وقائع الإسراء مصاديق من البشارة والإنذار التي يتصف بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، واجتهاده في الدعاء وسؤال الله عز وجل ليلة الإسراء والمعراج .
ومن أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء ما يتعلق بنزول خواتيم سورة البقرة ، ومنها دعاؤه (يا رب أعطيت أنبياءك فضائل فأعطني، فقال الله: قد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا منجى منك إلا إليك .
قال: وعلمتني الملائكة قولا أقوله إذا أصبحت وأمسيت : اللهم إن ظلمي أصبح مستجيرا بعفوك، وذنبي أصبح مستجيرا بمغفرتك، وذلي أصبح مستجيرا بعزتك .
وفقري اصبح مستجيرا بفناك، ووجهى البالي أصبح مستجيرا بوجهك الدائم الباقي الذي لا يفنى .
وأقول ذلك إذا أمسيت).
وغيرها من الأدعية التي وردت في ثنايا هذا الكتاب .
ورأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء بعض الملائكة يسألون الله عز وجل منها (ورأيت ملكين يناديان في السماء احدهما يقول: اللهم اعط كل منفق خلفاً، والآخر يقول اللهم اعط كل ممسك تلفاً( ).
لقد كانت ليلة الإسراء ليلة الدعاء والمناجاة وتجليات الفضل الإلهي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأجيال المسلمين.
في السماء الدنيا
في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ثم عرج بنا الى السماء فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل له: من أنت، قال جبريل، قيل ومن معك، قال: محمد، قيل: وقد بعث اليه، قال: قد بعث اليه.
وعرج: تحتمل قرائتين، بفتح العين والراء على المبني للمعلوم، وبضم العين وكسر الراء على البناء للمجهول، والأول اظهر.
وبعث اليه: بضم الباء مبني للمجهول ويراد منه أمران:
الأول : اصل البعثة النبوية.
الثاني : صعوده الى السماء.
والثاني هو الاظهر.
ويلاحظ في الحديث وجود حفظة موكلين بكل سماء ولزوم الاستئذان منهم، وهذا الاستئذان لا يختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه صعد الى السماء وهو من أهل الارض بل انه يشمل جبرئيل ايضاً والملائكة الذين يصعدون الى السماء، وهل يحتاج الذي ينزل من السماء العليا الى الأدنى ان يستأذن كالملك النازل من السماء الرابعة الى الأولى، الاقوى نعم.
ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السماء الدنيا اذا هو برجل جسيم تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خلق الناس تعرض عليه ارواح بني آدم فيقول لبعضها خيراً ويبشرهم بالخير ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة المطففين على رأس سبع عشرة آية [كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ] ( ) ويقول لبعضها شراً ويعبس، ويقول ريح خبيث .
قلت: من هذا يا جبريل؟ قال هذا ابوك آدم يعرض عليه ارواح ذريته، قال فأتينا آدم فسلمت عليه، فقال: مرحباً بالإبن الصالح والنبي الصالح المبعوث في الزمن الصالح واستغفرت له واستغفر لي ودعا لي بخير.
قال صلى الله عليه وآله وسلم: وعلى يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، اذا نظر الى الباب الذي عن شماله بكى وحزن .
فقلت لجبريل: ما هذا البابان قال هذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، اذا نظر الى من يدخله من ذريته من روح مؤمن قال: روح طيب وريح طيبة اجعلوا كتابه في عليين، واذا كان روح كافر قال: روح خبيثة وريح خبيثة اجعلوا كتابه في سجيل( ).
صفة آدم
لقد وردت النصوص بما يدل على ان آدم عليه السلام خلق بهيئة تفوق المتعارف من هيئة الناس في هذه الأزمان ، وبالإسناد (عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن آدم كان رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق ستين ذراعاً ، كثير شعر الرأس)( ).
وفي الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام انه سئل (كم كان طول آدم على نبينا وآله وعليه السلام حين هبط به إلى الأرض وكم كانت طول حواء ؟ قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن الله عزوجل لما أهبط آدم وزوجته حواء على الأرض كانت رجلاه على ثنية الصفا ورأسه دون افق السماء وأنه شكا إلى الله ما يصيبه من حر الشمس فصير طوله سبعين ذراعا)( ).
وفي حديث النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم مع فاطمة عليها السلام في وصف علي عليه السلام: وأما ما قُلتِ أنزع عظيم العينين فأن الله خلقه بصفة آدم( ) أي أن صفة آدم والتمثيل بها محط فخر واعتزاز.
ولأن آدم عليه السلام خلقه الله عز وجل بيده ونفخ فيه من روحه فقد كان ذا جمال وحسن وخلقة بهية اذ جعله الله آية عظمى بين الملائكة وسكان السماوات لدرجة ان يوسف ومع ما اشتهر عنه من الجمال والحسن فانه يشــبه بجمـال آدم وحسنه.
والمعروف في البلاغة ان المشبه به اظهر واقرب إلى الأذهان من المشبه، والتشبيه امر عرفه العقلاء والناس جميعاً وهو عبارة عن مماثلة بين اثنين او اكثر من خلال الإشتراك بصفة ما، وقد جاء القرآن ببيان قصة يوسف، وتضمن معاني حسنه والتفسير ودلالــة افتتان امرأة العزيز به وما حكى القرآن من قصة النسوة حينما رأينه أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ يدل على بهائه وحسنه.
ويوسف يشبه بآدم لمعرفة جماله وحسنه، والحديث يبين فضل الله تعالى على آدم وعلى الناس اذ انعم الله عز وجل عليه وخلقه بأحسن صورة واسكنه الجنة، وتاب عليه واعاده بعد موته الى السماء خصوصاً وانه كان نبياً بعد ان عمّر في الأرض .

آدم وأبناؤه
لقد أكرم الله عز وجل آدم بأن أهبطه إلى الأرض بصفة النبوة ، نزل عليه الوحي وهو في الأرض ليرسخ مبادئ التوحيد وسنن الإيمان عند أولاده وأحفاده ، ولا يضر بهذا الأمر قيام ولده قابيل بقتل أخيه هابيل الذي هو ظلم وجريمة ، وعبرة وأمر شاذ بين أبناء آدم .
وبالإسناد عن الإمام الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : عاش آدم ابو البشر تسعمائة وثلاثين سنة( ).
ولقد اجتهد آدم عليه السلام في تأديب اولاده وتعليمهم معالم الدين واحكام الشريعة ليرسخ لواء التوحيد في الأرض وتطلع الى التوبة منه تعالى لجميع اولاده .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما أهبط الله آدم إلى الأرض مكث فيها ما شاء الله أن يمكث ، ثم قال له بنوه : يا أبانا تكلم . فقام خطيباً في أربعين ألفاً من ولده وولد ولده فقال : إن الله أمرني فقال : يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري)( ).
أي ان آدم عليه السلام كان يرجو الرجوع الى جوار الله تعالى وان الهبوط الى الأرض كان مناسبة للعبادة واظهار الطاعة وزرع عقيدة التوحيد في الأرض والتهئية للنجاة في عالم البرزخ ويوم القيامة .
ولأنه كان نبياً واباً للناس جميعاً تراه في حديث الإسراء يفرح ويستبشر حينما ينظر الى الباب الذي تخرج منه رائحة طيبة ولأنه يؤكد منافع تأديبه وابوته والإنتفاع النوعي من توبته، وهذا الباب على جهة اليمين مصداق لقوله تعالى [وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ] ( ).
لذا يستحب التيامن في كل شيء تأسياً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والباب الذي على الشمال يلج منه اهل المعاصي والسيئات، وجاء الوصف بالروح لأنه في عالم البرزخ والأرواح، والخبث وهو ضــد الطيب، قال تعالى [لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ] ( ).
والسجيل: الصلب من الحجارة الشديدة، وقيل حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها اسماء اصحابها.
واذا كان آدم عليه السلام ابو البشر له مثل هذه الكرامة في عالم البرزخ فان الله عز وجل قد فضل الإسلام وجعل الإمام علي عليه السلام قسيماً للجنة والنار يوم القيامة، وكونه قسيماً للجنة والنار يحمل على حقيقته وظاهره وليس على المجاز، او ان المدار على دخول الجنة بمحبته ودخول النار على بغضه فحسب، وعالم الآخرة تكون السيادة فيه للإسلام والفوز بالإيمان باذن الله تعالى.
لقد استبشر آدم عليه السلام ليلة الإسراء بقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورحب به واطلق صفة الزمن الصالح على زمانه وهو وصف عام يدل على سيادة العدل والإنصاف والصلاح بنشر لواء الإسلام وهذا ما اكده الواقع لأن دعوته صلى الله عليه وآله وسلم عالمية المضمون، تخاطب العقول وتقود طوعاً وكرهاً الى الصلاح .
وليس من احد على وجه الأرض الا وقد اخذ منها ولو على نحو محدود وتأثر بها على نحو الموجبة الجزئية او الكلية، والزمان يجري نحو الأفضل والأحسن مع انتشار مبادئ الإسلام ولا عبرة بالشاذ والنادر ووقائع التعدي والظلم التي تنبذها الشرائع والعقل.

في رحاب الملكوت
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم رأيت ملكاً من الملائكة جعل الله امره عجباً، نصف جسده النار، والنصف الآخر ثلج فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفي النار وهو ينادي بصوت رفيع ويقول: سبحان الذي كف حر هذه النار فلا تذيب الثلج وكف برد هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار .
اللهم يا مؤلف بين الثلج والنار الف بين قلوب عبادك المؤمنين .
فقلت من هذا يا جبريل؟ فقال هذا ملك وكله الله باكناف السماء واطراف الأرضين وهو انصح ملائكة الله لأهل الأرضين من عباده المؤمنين يدعو لهم بما تسمع منذ خلق( ).
وكل ملك من ملائكة الله آية عظمى تدل على وجود الصانع اذ يتجلى بديع خلقه وعظيم قدرته وكرمه ورحمته وهذا الملك ينادي شكراً لله تعالى على بديع خلقه، لإقامة الحجة على الخلائق، ويربط بشكل عجيب بين الاجتماع الإعجازي في خلقه وبين التآلف بين قلوب المؤمنين، أي انه يشير الى مسألة وهي قد تتباين آراء واهواء ومنافع المؤمنين وغاياتهم .
فجاء دعاء الملك وفق قاعدة تقديم الأهم على المهم وهي من القواعد العقلائية النظامية واستعملت ايضاً في الأحكام الشرعية .
فالدعاء يدل على اولوية التآلف والتآخي بين المؤمنين قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وفي تغشي المودة بينهم عون على آداء عباداتهم وسلاح ضد اعداء الدين.
وينفي الحديث تعذر الوفاق بين المتضادين في المعرفة الإلهية، والمتضادان هما العرضان الوجوديان من نوعين ولا يمكن اجتماعهما، ولا يتوقف تصور احدهما على الآخر كالبياض والسواد والحرارة والبرودة.
ومن نصح هذا الملك الكريم للمؤمنين ان دعاءه مستديم ومتصل، وينظر بعين الرحمة والرأفة بالمؤمنين.
دعاء ملكين في الإنفاق
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ورأيت ملكين يناديان في السماء احدهما يقول: اللهم اعط كل منفق خلفاً، والآخر يقول اللهم اعط كل ممسك تلفاً( ).
ورد دعاء الملكين على نحو الإطلاق في طرف الإنفاق وطرف الإمساك ولكنه ينصرف بالتبادر والنصوص الى الإنفاق في سبيل الله والإمساك في الواجبات والمندوبات ، اذ ان صرف المال تنطبق عليه الأحكام الخمسة :
الأول : يكون في الواجبات المالية كالزكاة والخمس.
الثاني : يكون مستحباً كالصدقة المندوبة، واطعام الطعام، واكرام الضيف والإنفاق في اصلاح ذات البين في بعض مراتبه.
الثالث : يكون مباحاً كالهدية للمودة.
الرابع : يكون مكروهاً في الأغراض والغايات المكروهة شرعاً.
الخامس : يكون حراماً عندما ينفق في معصية او مقدمة للمعصية، والمراد من الإنفاق في الدعاء أعلاه هو الجائز بالمعنى الأعم الذي يشمل الواجب والمستحب والمباح مع قصد القربة.
اذ ان المباح يندر ان يبقى مجرداً مستقلاً، فبالإنفاق مع الراجح وقصد القربة يرتقي الى المستحب انطباقاً وجرياً، فالمراد من الإنفاق ما كان في سبيل الله وهو عنوان جامع يشمل كل ما يرتجى فيه الثواب والأجر وتعظيم شعائر الله واحقاق الحق وابطال الباطل.
قــال تعالى وَأَنفِقُــوا فِي سَــبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُــوا بِأَيْدِيكُــمْ إِلَى التَّهلُكَــةِ ودعاء الملك الآخر على الممسك لما في البخل والشح وحجب الحقوق الشرعية من اضـرار بالمستحقين ومحاولة التأثير السلبي الانطباقي على نشــر احكام الدين، فجاء الدعاء بابتلائه بضياع ماله وفساده، بينما يكون في الإنفاق في سبيل الله نماء وبركة في المال لذا سميت الزكاة زكاة أي نماء تؤدي الى نماء المال وزيادته وكثرته.
حفاوة الملائكة بالنبي (ص)
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ثم مررنا بملائكة من ملائكة الله عز وجل خلقهم الله كيف شاء ووضع وجوههم كيف شاء، ليس شيء من اطباق اجسادهم الا وهو يسبح الله ويحمده من كل ناحية باصوات مختلفة، اصواتهم مرتفعة بالتحميد والبكاء من خشية الله.
فسألت جبرئيل عنهم فقال كما ترى خلقوا ان الملك منهم الى جانب صاحبه ما كلمه كلمة قط ولا رفعوا رؤوسهم الى ما فوقها ولا خفضوها الى ما تحتهم خوفاً من الله وخشوعاً.
فسلمت عليهم فردوا عليّ ايماء برؤوسهم لا ينظرون الي من الخشوع.
فقال لهم جبريل: هذا محمد نبي الرحمة ارسله الله الى العباد رسولاً نبياً وهو خاتم النبيين وسيدهم افلا تكلمونه؟ قال فلما سمعوا ذلك من جبريل اقبلوا عليّ بالسلام واكرموني وبشروني بالخير لي ولأمتي( ).
ويدل الحديث على حفاوة الملائكة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستبشارهم بقدومه وكيف انهم يردون التحية بالإيماء لأولوية التسبيح والتحميد وانشغالهم بهما، ولما علموا بمجيء النبي اقبلوا عليه بالإكرام والبشارة .
ويبين الحديث الكيفية الكريمة والصفات السامية التي وصف بها جبرئيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما يشاهد في فصول حديث الإسراء ووقائعه ان البشارة من الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنحل الى أمرين :
الأول : بشارة خاصة لشخصه الكريم .
الثاني : بشارة عامة للمسلمين ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
في السماء الثانية
في صحيحة ابن اذينة عن الإمام الصادق عليه السلام: ان الله عز وجل لما عرج بنبيه الى سموات السبع اما اولهن فبارك عليه، والثانية علمه فرضه فانزل الله محملاً من نور فيه اربعون نوعاً من انواع النور كانت محدقة بعرش الله تغشي ابصار الناظرين .
أما واحد منها فاصفر فمن اجل ذلك الصفرة اصفرت، وواحد منها احمر فمن اجل ذلك احمرت الحمرة .
وواحد منها ابيض فمن اجل ذلك ابيض البياض، والباقي على ساير عدد الخلق من النور فالألوان في ذلك المحمل حلق وسلاسل من فضة عرج به الى السماء فنفرت واجتمعت الى اطراف السماء وخرت سجداً .
وقالت سبوح قدوس ما اشبه هذا النور بنور ربنا .
فقال جبرئيل الله اكبر الله اكبر، ثم فتحت ابواب السماء واجتمعت الملائكة فسلمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم افواجاً، .. الحديث.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا فيها رجلان متشابهان ، فقلت: من هذان يا جبرئيل.
فقال لي: ابنا الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام ، فسلمت عليهما وسلما علي واستغفرت لهما، واستغفرا لي ، وقالا: مرحبا بالاخ الصالح، والنبي الصالح، وإذا فيها من الملائكة وعليهم الخشوع قد وضع الله وجوههم كيف شاء ليس منهم ملك إلا يسبح الله ويحمده بأصوات مختلفة)( ).
وعن أنس في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (أتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه . . . فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء.
ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت ، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن فقال جبريل : اخترت الفطرة . ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بآدم ، فرحب بي ودعا لي بخير .
لقاء عيسى (ع)
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بإبني الخالة ، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ، فرحّبا بي ودعوا إلي بخير) ( ).
وفي النبوي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصف عيسى بانه رجل احمر بين القصير والطويل سبط الشعر كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس كأن رأسه يقطر ماء وما به ماء اشبه من رأيت به عروة بن مسعود( )، والديماس: الكن الذي يستتر به، وقيل انه الحمام، والسرب، وفي الوصف اشارة الى نضارته وبهائه.
ورد في التنزيل بخصوص قصة عيسى عليه السلام وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا والرفع هنا غاية التشريف ويتضمن بالدلالة التضمنية النجاة وعدم الخضوع لحكم غير حكمه تعالى لحصول الرفع اليه تعالى.
لقد جاء رفع عيسى عليه السلام بعد البلاء والعناء وارادة قتله من ذوي البأس والسلطان ففتح الله عز وجل له ابواب السماوات ليكون في سعادة ابدية .
وجاء الإسراء شاهداً مستديماً على عظيم منزلة عيسى عليه السلام في السماء، وبذا يكون الإسراء وثيقة سماوية تخلد اخبار وشؤون الأنبياء في السماء وتتضمن الإخبار عن احوال الصالحين .
ولا يخفى ان حديث الإسراء جزء من السنة النبوية الشريفة القولية والفعلية، وقد حرص المسلمون في كل جيل من اجيالهم على تعاهد السنة واخبارها وجعلها مناراً وطريقاً وسبيلاً للهداية.
تسمية عيسى (ع)
لما اشتد أذى قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبني هاشم والصحابة الأوائل ، أظهروا الصبر والتحمل ، ولم يلجأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السلاح ورد التعدي بالمثل ، إنما اقترح على رهط من أصحابه الهجرة إلى الحبشة .
و(قال: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملكاً لا يظلم أحد عنده، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه)( ).
ولم يتركهم كفار قريش بل بعثوا وفداً إلى النجاشي لطلب إعادتهم إليهم وجادلوا في عيسى عليه السلام ، إذ ورد عن عبد الله بن مسعود (قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلاً ومعنا جعفر بن أبي طالب .
وبعثت قريش عمارة ، وعمرو بن العاص ، ومعهما هدية إلى النجاشي.
فلما دخلا عليه سجدا له وبعثا إليه بالهدية ، وقالا : إن ناساً من قومنا رغبوا عن ديننا وقد نزلوا أرضك .
فبعث إليهم حتى دخلوا عليه فلم يسجدوا له ، فقالوا : ما لكم لم تسجدوا للملك ، فقال جعفر : إن الله بعث إلينا نبيه فأمرنا أن لا نسجد إلا لله .
فقال عمرو بن العاص : إنهم يخالفونك في عيسى وأمه . قال : فما يقولون في عيسى وأمه؟ قالوا : نقول كما قال الله : هو روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسسها بشر ، فتناول النجاشي عوداً فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يزن هذه.
مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده ، فأنا أشهد أنه نبي ، ولوددت أني عنده فأحمل نعليه ، فانزلوا حيث شئتم من أرضي .
وأخرج البخاري عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبدالله ورسوله)( ).
وتسمية عيسى بن مريم المسيح عنوان تشريف واكرام وفيها وجوه :
الأول : ما مسح ذا عاهة الا برئ، عن ابن عباس.
الثاني : لسياحته في الارض في الدعوة الى الله.
الثالث : لكونه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له.
الرابع : انه مسيح القدمين، أي انهما ملساوان لينتان، ليس فيهما تكسر ولا شقاق، فاذا اصابهما الماء نتأ عنهما.
الخامس : لمسح زكريا إياه.
السادس : لمسحه الارض أي قطعها، أي فعيل بمعنى مفعول من مسح الارض.
السابع : لأنه اخرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.
الثامن : لأنه مسح بالبركة حين وُلد.
التاسع : لأن الله تعالى مسحه أي خلقه خلقاً حسناً.
العاشر : ان اصله بالعبرانية مشيحا فعربته العرب وغيرت لفظه كما في موسى، اذ قيل ان اصله موشى او ميشا بالعبرانية، وعلى هذا لا اشتقاق له.
والمشهور انه مشتق , وهو المختار لعمومات عربية القرآن، فكما لو تردد بين اصالة الاطلاق والتقييد تعتبر اصالة الاطلاق وغيرها من القواعد كقاعدة الحليّة والطهارة في باب الفقه، فكذا في لغة القرآن فما تردد بين العربية وغيرها فيكون اللفظ عربياً.
ويسمى عيسى بن مريم مسيح هدى , في مقابل الدجال الذي يسمى احياناً مسيح ضلالة.
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصف عيسى عليه السلام: “انه جعد مربوع( ).
والمراد جعودة الجسم وهو اجتماعه واكتنازه، قال ابن منظور (الجعد من الرجال المجتمع بعضه الى بعض)( )، وليس المراد في المقام جعودة الشعر لأنه يقال حينئذ رجل جعد الشعر.
كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصف عيسى عليه السلام : بأنه سبط الرأس ، وهو قرينة على حصر ارادة جعودة الجسم، وفيه ثناء على عيسى عليه السلام في هيئته.
والمربوع : الذي ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتدني.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفه للأنبياء السابقين ، فمع أنه بين أيام عيسى عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو ستمائة سنة فانه التقى معه في السماء الثانية في المعراج.
في السماء الثالثة
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثم صعدنا الى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل الباب ففتح له واذا فيها ملائكة عليهم من الخشوع مثل ما وصفت في السماء الأولى والثانية قال لهم جبريل في امري ما قال للآخرين، وصنعوا في مثل ما صنع الآخرون .
وكنت لا أمر باحد من الملائكة الا رحب بي، وسلم عليّ واذا فيها رجل فضل حسنه على سائر الخلق كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، فقلت يا جبريل من هذا الذي فضل على الناس في الحسن .
فقال هذا اخوك يوسف بن يعقوب، فسلمت عليه وسلم عليّ واستغفرت له واستغفر لي فقال لي مرحباً بالنبي الصالح والأخ المبعوث في الزمن الصالح.
ان ذكر نبي واحد او اكثر في كل سماء لا يعني انفراده في السماء، او انحصار لقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم به خصوصاً وان عدد الأنبياء مائة واربعة وعشرون الف نبي، الا ان الذكر المخصوص لبعض الأنبياء جاء من باب البيان والتوكيد والحجة ولتعلق بعض المواضيع بلقائهم.
نعم ذكر يوسف عليه السلام هنا واللقاء به نوع اكرام خاص له ودلالة على عظيم منزلته عند الله، وهذه المنزلة نالها بما لاقاه من الأذى في جنب الله وحسن صبره واخلاصه وجهاده لإصلاح امة، ومنع الفجور والحيلولة دون هلاكهم بالجفاف والجدب .
والحديث دعوة لكل شاب وشابة من المسلمين بالعفة والتنزه عن الفواحش والرذائل، والشوق لنيل منزلة يوسف عليه السلام بالتقوى والصلاح والتقيد باحكام الإسلام.
ان نعت يوسف عليه السلام زمان الإسلام بالزمن الصالح بشارة سماوية على تنقيح الأخلاق عند المسلمين ونجاتهم في الجملة من صيغ الكيد والمكر وآفات الحسد، سواء كانت هذه البشارة اخباراً من يوسف عليه السلام او ان مجرد اللقاء يدل على نيل المسلمين لهذه المرتبة، وانه يدل بالدلالة التضمنية على فضله تعالى بجعل واقية وحرز عليهم في مجتمعاتهم ومنتدياتهم.
في السماء الرابعة
ثم صعدنا الى السماء الرابعة واذا فيها رجل، فقلت: من هذا يا جبرئيل، فقال: هذا ادريس رفعه الله مكاناً علياً فسلمت عليه وسلم عليّ واستغفرت له واستغفر لي( ).
وفي حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس، قال هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح)( ).
قال تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا* وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا وذكر ان ادريس هو جد أبي نوح عليه السلام واسمه اخنوخ.
واذا كان ادريس جداً لنوح ونوح من آباء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يقول له مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح فيخاطبه بصفة الأخوة مع ان آدم وابراهيم عليهما السلام خاطباه بالبنوة ، والجواب على وجوه :
الأول : المراد هو أخوة الإيمان والنبوة ودلالة على بلوغه صلى الله عليه وآله وسلم أعلى الدرجات وأرفع المنازل.
الثاني : قيل ادريس ليس جداً لنوح.
الثالث : جواز وصحة الخطاب سواء بالنبوة أو البنوة .
وقد جاء في بعض الأخبار أن إدريس رفع الى السماء والى الجنة وانه لم يمت، والرفعة هنا في المكان والمنزلة، وكان له خليل من الملائكة فسأله ادريس ان يكلم ملك الموت ليؤخر قبض روحه فحمله الملك بين جناحيه وصعد به الى السماء .
فلما كان في السماء الرابعة فاذا ملك الموت يقول: بعثت وقيل لي اقبض روح ادريس في السماء الرابعة وان اقول كيف ذلك وهو في الأرض، فالتفت ادريس فرآه ملك الموت فقبض روحه هناك.
وفي دراسة مقارنة مع اسراء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتجلى افضلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء الآخرين، لأنه اسري به الى السماء السابعة وليس الرابعة فقط، ثم انه نزل الى الأرض ليتلقى الآيات القرآنية ويقود الأمة نحو سبل النجاة والإرتقاء والرفعة، وقد تقدم في باب اسراء الأنبياء ذكر لقصة ادريس عليه السلام.
و(عن أبي سعيد الخدري قال : لما مر النبي صلى الله عليه و سلم بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة قال : مرحبا بالأخ الصالح الذي وعدنا أن نراه فلم نره إلا الليلة قال فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصرا من لؤلؤ ولأم موسى بن عمران سبعون قصرا من مرجانه حمراء مكللة باللؤلؤ أبوابها وأسرتها من عرق واحد)( ).
لقد وردت الآيات القرآنية باكرام مريم بنت عمران، وجاءت السنة النبوية الشريفة بالإخبار عن تفضيل اربعة من النسوة في الآخرة .
و(عن ابن عباس قال: خَطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط، وقال : أتدرون ما هذا ، قالوا: الله ورسوله أعلم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل نساء أهل الجنة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم ابنة عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)( ).
والتفضيل هو الترجيح والتمييز والزيادة في العناية والدرجة ، وقال أبو بكر بن داود : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (فاطمة بضعة مني ولا أعدل ببضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احداً)( ).
وحديث الإسراء دعوة لإكرام المرأة المؤمنة ، وإكرام الزهراء عليها السلام في شخصها الكريم وفي ذريتها.
في السماء الخامسة
ثم صعدنا الى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، فقالوا: من هذا، فقال: جبرئيل، قالوا: ومن معك، قال: محمد، قالوا: او قد ارسل اليه، قال: نعم، قالوا حياه الله من اخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم المجئ جاء .
(فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها قلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا المحبب في قومه هذا هرون بن عمران ومعه نفر كثير من قومه فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي)( ).
في السماء السادسة
قال ثم صعدنا الى السماء السادسة فاستفتح جبريل ففتح له واستقبلنا الملائكة بالترحيب واذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات وفيها رجل اسحم سبط آدم طويل كأنه من رجال أزد شنوءة( ) شديد الخلق كثير الشعر ولولا ان له قميصين لنفذ شعره فيهما .
وسمعته يقول : يزعم بنو اسـرائيل اني اكرم ولد آدم على الله عز وجل وهذا رجل اكرم على الله مني فقلت: من هذا يا جبرئيل .
فقال هذا اخوك موسى بن عمران فسلمت عليه وسلم علي، قال: من هذا معك يا جبريل، قال: هذا احمد قال مرحباً بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه .
(فلما جاوزته بكى فقيل ما يبكيك يا موسى؟ فقال يا رب هذا نبي بعثته من بعدي يدخل من امته من الجنة اكثر مما يدخل من أمتي) ( ).
وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ان موسى قال وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وانا في اخرى فلو انه بنفسه لم ابال ولكن مع كل نبي أمته( ).
ولا يعني هذا اعتراضاً او رداً او حسداً من موسى لأنه منزه ومعصوم في الدنيا، ففي الآخرة تكون العصمة من باب الأولوية، ولكنه اراد توكيد وتثبيت عظيم المنزلة والرفعــة التي بلغهــا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وامته، انه اقرار وشهادة نبوية من عالم الآخرة بان محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سيد المرسلين.
وفي بكاء موسى عليه السلام دلالة على اقــرار الأنبياء بأفضــلية الرسـول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم خصــوصاً وان موسى عليه السلام من الأنبياء الخمسة أولي العــزم .

قصة زكريا من السماء
زكريا بن دان من أنبياء بني إسرائيل يصل نسبه إلى النبي سليمان بن داود الذي يتصل نسبه بـ(يهوذا بن يعقوب) عليه السلام .
وقد ورد في الحديث أنه كان نجاراً أي ذات عمل نوح عليه السلام ، وكذا لقمان ، و(عن ابن عباس قال : إن زكريا بن دان أبا يحيى كان من أبناء الأنبياء الذين كانوا يكتبون الوحي ببيت المقدس)( ).
وذكر زكريا سبع مرات في القرآن ، وسأل الله الذرية ، وفي التنزيل هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.
وقد اجتهد في دعوة قومه إلى التقيد بأحكام الشريعة ، والتقى به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج .
في الدر المنثور عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة اسري به رأى زكريا في السماء فسلم فقال له يا ابا يحيى خبرني من قتلك كيف كان، ولم قتلك بنو اسرائيل، قال: يا محمد ان يحيى كان خير اهل زمانه وكان اجملهم واصبحهم وجهاً وكان كما قال الله سيداً وحصوراً وكان لا يحتاج الى النساء فهويته امرأة ملك بني اسرائيل وكانت بغية فارسلت اليه، وعصمه الله وامتنع يحيى وابى عليها.
واجمعت على قتل يحيى ولهم عيد يجتمعون فيه كل عام، وكانت سنة الملك ان يوعد ولا يخلف ولا يكذب، فخرج الملك للعيد فقامت امرأته فشيعته وكان بها معجباً، ولم تكن تسأله فيما مضى، فلما ان شيعته، قال الملك سليني فما تســأليني شــيئاً الا اعطيتك قالت اريد دم يحيى بن زكريا، قال لها: سليني غيره، قالت: هو ذلك، قال هو لك.
فبعثت جلاوزتها الى يحيى وهو في محرابه يصلي وانا الى جانبه اصلي فذبح في طست وحمل رأسه ودمه اليها ووضع بين يديها فلما امسوا خسف الله بالملك واهل بيته وحشمه .
فلما اصبحوا، قالت بنو اسرائيل لقد غضب اله زكريا لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا، فخرجوا في طلبي ليقتلوني فجاءني النذير فهربت منهم وابليس امامهم يدلهم عليّ، فلما ان تخوفت ان لا اعجزهم عرضت لي شجرة فنادتني فقالت الي الي، فانصدعت لي فدخلت فيها وجاء ابليس حتى اخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة.
وجاء بنو اسـرائيل فقال ابليس اما رأيتموه دخل هذه الشجرة هذا طــرف ردائه دخــل هذه الشـجرة، فقالوا نخرق هذه الشجرة، فقال ابليس شقوه بالمنشـار شقاً، قال فشققت مع الشجرة بالمنشار فقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يا زكريا هل وجدت له مساً او وجعاً، قال: لا انما وجدت تلك الشجرة جعل الله روحي فيها( ).
لقد كان انصداع الشجرة ودخوله فيها آية عظمى ومناسبة للإتعاظ وسبيلاً للإيمان والكف عن ملاحقة زكريا والبطش به.
حب الله
يتجلى قانون حب العبد لله عز وجل مرآة لمعرفته ، وشاهد على صدق إيمانه وباعث لحسن العبادة ، والشوق للقائه ، وهو واقية من ارتكاب السيئات .
ومن إعجاز القرآن الغيري أن تلاوته تنمي ملكة حب الله في النفس وتجعلها تتغشى الجوارح .
ففي آيات القرآن بيان لأسماء الله الحسنى وعظيم قدرته وسلطانه ، وإحاطته علماً بكل شئ ، وتدارس تفاصيل ووقائع الإسراء ذكر لله عز وجل ، وتسليم بربوبيته المطلقة .
وفي الحديث عن الإمام علي عليه السلام بخصوص ليلة المعراج أن الله عز وجل قال (يا أحمد إنّ المحبّة لله هي المحبّة للفقراء والتقرّب إليهم، قال: ومن الفقراء؟ قال: الذين رضوا بالقليل، وصبروا على الجوع، وشكروا الله تعالى على الرخاء، ولم يشكوا جوعهم ولا ظمأهم، ولم يكذبوا بألسنتهم، ولم يغضبوا على ربّهم، ولم يغتمّوا على ما فاتهم، ولم يفرحوا بما أتاهم.
يا أحمد محبّتي محبّة الفقراء، فادن الفقراء وقرّب مجلسهم منك ادنك، وأبعد الأغنياء وأبعد مجلسهم عنك فإنّ الفقراء أحبّائي.
يا أحمد لا تتزيّن بلبس اللباس، وطيب الطعام، وطيب الوطأ، فإنّ النفس مأوى كلّ شر، وهي رفيق كلّ سوء تجرّها إلى طاعة الله وتجرّك إلى معصيته، وتخالفك في طاعته وتطيعك فيما يكره، وتطغى إذا شبعت، وتشكو إذا جاعت، وتغضب إذا افتقرت، وتتكبّر إذا استغنت، وتنسى إذا كبرت، وتغفل إذا أمنت، وهي قرينة الشيطان، ومثل النفس كمثل النعامة تأكل الكثير وإذا حمل عليها لا تطير، ومثل الدّفلي لونه حسن وطعمه مرّ.
يا أحمد ابغض الدنيا وأهلها، واحبّ الآخرة وأهلها، قال: يا ربّ ومن أهل الدنيا ومن أهل الآخرة؟ قال: أهل الدنيا من كثر أكله وضحكه ونومه وغضبه، قليل الرضا، لا يعتذر إلى من أساء إليه، ولا يقبل عذر من اعتذر إليه، كسلان عند الطاعة، شجاع عند المعصية، أمله بعيد وأجله قريب، لا يحاسب نفسه، قليل الفقه ، كثير الكلام، قليل الخوف، كثير الفرح عند الطعام، وانّ أهل الدنيا لا يشكرون عند الرخاء، ولا يصبرون عند البلاء، كثير الناس عندهم قليل .
يا أحمد إنّ عيب أهل الدنيا كثير، فيهم الجهل والحمق، لا يتواضعون لمن يتعلّمون منه، وهم عند أنفسهم عقلاء، وعند العارفين حُمقاء.
يا أحمد إنّ أهل الخير وأهل الآخرة رقيقة وجوههم، كثير حياؤهم قليل حمقهم ، كثير نفعهم قليل مكرهم، الناس منهم في راحة وأنفسهم منهم في تعب، كلامهم موزون، محاسبين لأنفسهم متعبين لها، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة، إذا كتب الناس من الغافلين كتبوا من الذاكرين في أوّل النعمة يحمدون وفي آخرها يشكرون، دعاؤهم عند الله مرفوع، وكلامهم مسموع، تفرح بهم الملائكة، ويدور دعاؤهم تحت الحجب، يحبّ الربّ أن يسمع كلامهم [كما تحبّ الوالدة الولد] ، ولا يشغلهم عنه طرفة عين، ولا يريدون كثرة الطعام، ولا كثرة الكلام، ولا كثرة اللباس، الناس عندهم موتى والله عندهم حيّ كريم، يدع المدبرين كرماً، ويزيد المقبلين تلطّفاً، قد صارت الدنيا والآخرة عندهم واحدة.
يا أحمد هل تعرف ما للزاهدين عندي؟ قال: لا يا رب، قال: يبعث الخلق ويناقشون الحساب وهم من ذلك آمنون، إنّ أدنى ما اُعطي الزاهدين في الآخرة أن أعطيهم مفاتيح الجنان كلّها حتّى يفتحون أيّ باب شاؤوا، ولا أحجب عنهم قال: يا ربّ من هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم؟ قال: الزاهد هو الذي ليس له بيت يخرب فيغم لخرابه، ولا له ولد يموت فيحزن لموته، ولا له شيء يذهب فيحزن لذهابه، ولا يعرفه انسان يشغله عن الله طرفة عين، ولا له فضل طعام يُسأل عنه، ولا له ثوب ليّن.
يا أحمد وجوه الزاهدين مصفرّة من تعب الليل وصوم النهار، ألسنتهم كلال من ذكر الله تعالى، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة صمتهم، قد أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوف نار ولا من شوق جنّة، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض فيعلمون أنّ الله سبحانه أهلٌ للعبادة.
يا أحمد هذه درجة الأنبياء والصدّيقين من اُمتك واُمّة غيرك، وأقوام من الشهداء، قال: يا ربّ أيّ الزهّاد أكثر، زهّاد اُمّتي أم زهّاد بني اسرائيل؟! قال: إنّ زهّاد بني اسرائيل في زهّاد اُمّتك كشعرة سوداء في بقرة بيضاء، فقال: يا ربّ وكيف ذلك وعدد بني اسرائيل أكثر؟ قال: لأنّهم شكّوا بعد اليقين، وجحدوا بعد الاقرار، قال النبي صلى الله عليه وآله: فحمدت الله وشكرته ودعوت لهم بالحفظ والرحمة وسائر الخيرات.
يا أحمد عليك بالورع فإنّ الورع رأس الدين ووسط الدين وآخر الدين، إنّ الورع يقرّب إلى الله تعالى.
يا أحمد إنّ الورع زين المؤمن، وعماد الدين، إنّ الورع مثله مثل السفينة، كما أنّ في البحر لا ينجو إلاّ من كان فيها كذلك لا ينجو الزاهدون إلاّ بالورع.
يا أحمد ما عرفني عبد فخشع لي إلاّ خشع له [كلّ شيء] .
يا أحمد الورع يفتح على العبد أنواع العبادة، فيكرم به العبد عند الخلق، ويصل به إلى الله عزوجل.
يا أحمد عليك بالصمت فإنّ أعمر مجلس قلوب الصالحين والصامتين، وانّ أخرب مجلس قلوب المتكلّمين بما لا يعنيهم.
يا أحمد إنّ العبادة عشرة أجزاء سبعة منها طلب حلال، فإذا طيّبت مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي، قال: يا ربّ ما أوّل العبادة؟ قال: أوّل العبادة الصمت والصوم، قال: يا ربّ وما ميراث الصوم؟ قال: يورث الحكمة، والحكمة تورث المعرفة، والمعرفة تورث اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح بعسر أم بيسر)( ).
في السماء السابعة
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ثم انطلقنا حتى انتهينا الى السماء السابعة واذا هي نور، وفوقها البحر المسجور وبين السماء وبين البحر مسيرة خمسمائة عام، وفوق البحر وهو تحت العرش، والعرش فوقها خلق الله العرش من جوهرة خضراء من نور .
للعرش الف لسان يسبح كل لسان بسبعين الف لغة لكل لسان للعرش الف امة في الأرض، ستمائة امة في البحر واربعمائة امة في البر، سيد هذه الأمم كلها محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وليس في العرش مكان الا وفيه وجه مما خلق الله من كل خلقة يسبحه، وخلق الله الكرسي من نور وهو محيط بالسماوات والأرض مثل الحلقة الملقاة في الفلاة وهي في جوف الكرسي فذلك قوله عز وجل وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ.
و(عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتدري ما الكرسي؟ قلت : لا . قال : ما في السموات وما في الأرض وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ألقاها ملق في الأرض ، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقاها الملق في الأرض ، وما الماء في الريح إلا كحلقة ألقاها ملق في ارض فلاة ، وما جميع ذلك في قبضة الله عز وجل إلا كحبة وأصغر من الحبة في كف أحدكم ، وذلك قوله وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))( ).
والكرسي في المقام عنوان القدرة والسلطان جاء من باب الإستعارة اذ ان القرآن يأتي بالكليات العقلية والأمثلة الحسية.
وفوق البحر المسجور بحار وفيها ملائكة كثيرون لكل واحد سبعون الف رأس، في كل رأس سبعون الف وجه، في كل وجه سبعون الف لســان، يسبح كل لســان بلغة لا يسـبح بها اللسان الآخر، وملائكة هناك لكل واحد ستمائة الف جناح، لكل جناح سبعون الف ريشة فاذا سبح لسانه الكبير خرج من كل مكان من ريشه ملك من الملائكة يسبح لله تعالى لا يسأم ولا يعي ولا يكسل ولو اشرف على ملائكة السماء الســابعة لإحترقت ملائكــة السماء السابعة من نوره.
لقاء إبراهيم عليه السلام
إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء ، ولد في مدينة أور جنوب العراق ، كان قومه يعبدون الأصنام فاجتهد في دعوتهم للإيمان بتجاهر وتحد وفضح لقبح عبادة الأوثان وقام بتحطيمها ، فأوقدوا له النار وألقوه فيها ، فكانت المعجزة كما قال تعالى قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.
وتقييد الآية بذكر إبراهيم لبيان اختصاصه بهذه المعجزة .
وفي الخبر قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم صعد بي الى السماء السابعة استفتح جبريل، فقيل: من هذا، قال: جبرئيل، قالوا: ومن معك، قال: محمد، قالوا، او قد ارسل اليه، قال: نعم .
قالوا: حياه الله من اخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجئ جاء .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاذا برجل اشمط( ) جالس عند باب الجنة مسند ظهره الى البيت المعمور جالس على كرسي وعنده قوم جلوس بيض الوجوه امثال القراطيس وقوم في الوانهم شيء .
فقام هؤلاء الذين في الوانهم شيء فدخلوا نهراً فأغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من الوانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فأغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من الوانهم شيء، ثم دخلوا نهراً فأغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلت الوانهم فصارت مثل الوان اصحابهم( ) .
فقلت: يا جبريل ما هذا الأشمط الذي في السماء السابعة على باب البيت المعمور في جوار الله، ومن هؤلاء الذين في الوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها وقد صفت الوانهم، فقال: يا محمد هذا ابوك ابراهيم وهذا محلك ومحل من اتقى من امتك.
وفي حديث : واذا انا بشيخ جليل مهيب اشمط الرأس واللحية، لم أر رجلاً اشبه بصاحبكم منه ، وفي رواية : رأيت ابراهيم وانا اشبه ولده به( ).
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
واما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا ايمانهم بظلم واما هؤلاء الذين في الوانهم شيء فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتابوا فتاب الله عليهم واما الأنهار فالأول رحمة الله والثاني نعمة الله والثالث سقاهم ربهم شراباً طهوراً( ).
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ثم صعدنا إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم وإذا هو جالس مسند ظهره إلى البيت المعمور ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي .
وقال : مرحبا بالابن الصالح فقيل لي : هذا مكانك ومكان أمتك ثم تلا إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ وإذا بأمتي شطرين : شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطر عليهم ثياب رمد ثم دخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد وهم على خير)( ).
تذاكر الساعة
يتصف سكان السموات بالخشوع لله عز وجل ، ومنهم الملائكة والأنبياء الذين غادروا الدنيا إلى الرفيق الأعلى .
وعن جابر بن عبد الله (قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليلة أسري بي مررت بجبريل ، وهو بالملأ الأعلى ملقى كالحلس البالي من خشية الله)( ).
إذ يبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حال الخشية والتصاغر والمسكنة لله عز وجل التي عليها جبرئيل وهو في الملأ الأعلى وفيه دعوة نبوية للناس للتطامن والخشوع لله عز وجل والحرص على أداء الواجبات العبادية ، ومنها الوقوف بين يدي الله عز وجل في الصلاة .
لقد استمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج إلى ثلاثة من كبار الأنبياء يتذاكرون قيام الساعة ، وانقطاع الحياة في الدنيا .
إذ ورد (عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ، فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم .
فقال : لا علم لي بها ، فردوا أمرهم إلى موسى فقال : لا علم لي بها ، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال : أما وجبتهُّا فلا يعلم بها أحد إلا الله ، وفيما عهد إليّ ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان ، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص فيهلكه الله إذا رآني ، حتى أن الحجر والشجر يقول : يا مسلم ، إن تحتي كافراً فتعال فاقتله .
فيهلكهم الله ، ثم يرجع الناس إلى بلادهم لا يأتون على شيء إلا أهلكوه ، ولا يمرون على ماء إلا شربوه ، ثم رجع الناس يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجري الأرض من نتن ريحهم .
وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر . وفيما عهد إلي ربي ، إذا كان ذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها ليلاً أو نهاراً .
قال ابن مسعود : فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ قال : جميع الناس من مكان كانوا جاؤوا منه يوم القيامة فهو حدب)( ).
ويبين هذا الحديث أن الأنبياء مع انتقالهم إلى عالم الآخرة كما في إبراهيم وموسى عليهما السلام وحياتهم في السماء فانهم لا يعلمون أوان النفخ في الصور وقيام الساعة ، فهو علم اختص الله عز وجل به نفسه.
غراس الجنة
لقد وردت كلمة (غراس الجنة) في الحديث النبوي عند التقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبي إبراهيم عليه السلام ليلة المعراج إذ قال النبي محمد (أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن حبان عن أبي أيوب الأنصاري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم خليل الرحمن.
فقال إبراهيم : يا جبريل ، من هذا الذي معك؟ فقال جبريل : هذا محمد ، فرحب بي وقال : مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة ، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة .
فقال له النبي : صلى الله عليه وسلم وما غراس الجنة؟ قال : لا حول ولا قوة إلا بالله)( ).
وحصر لفظ (غراس الجنة) في كتب الحديث بالمعراج وأنه من كلام إبراهيم عليه السلام وهو في الآخرة شاهد على الضبط الذي يتصف به رواة الحديث وكتّاب التفسير والسيرة ، وبيان لموضوعية قول (لاحول ولا قوة إلا بالله).
ولم يرد هذا اللفظ في آيات القرآن ، ولكنه مستقرأ من مضامينها ، منها قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، ولورود النصوص النبوية المستفيضة بخصوصه .
لما فيها من حسن التوكل على الله وإدراك أن مقاليد الأمور بيد الله عز وجل وأنه المتصرف في عالم الأكوان .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله) ويحث عليه .
وقد سماه كنزاً من كنوز الجنة ، إذ ورد (عن أبي ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أدلك عن كنز من كنوز الجنة قلت : بلى يا رسول الله . قال : لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة .
قلت : فالصلاة يا رسول الله؟ قال : خير موضوع ، فمن شاء أقل ومن شاء أكثر . قلت : فالصوم يا رسول الله؟ قال : قرض مجزىء . قلت : فالصدقة يا رسول الله .
قال : أضعاف مضاعفة وعند الله مزيد . قلت : فأيها أفضل؟ قال : جهد من مقل وسر إلى فقير)( ).
الروح التي في السماء
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ثم رأينا ملكاً قد افترقت رجلاه من الأرضين السفلى وافترق رأسه من السماء السابعة العليا غلظ كل جناح من اجنحته مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل جناحين مسيرة خمسمائة عام للراكب المسرع .
ومن لدن رأسه الى منتهى قدميه ممتلئ وجوهاً ونوراً، وفي كل جزء منه وجوه كثيرة يسبح كل لسان في هذه الوجوه بلغة اخرى، لا يشبه وجه وجهاً، ولا لغــة لغـة، ولا عين عيناً .
وليس فيه عين الا وفيه من البرق والنور ما لا يحصى، في جانب من جسـده نور احمر، وفي جانب نور اصفر، وفي جانب نور اخضر، وفي جانب نور ابيض وليس في جسده وفي اعضائه وريشه وبشرته وشعره جزء الا وهو يسبح بتسبيح آخر فيخرج كل يــوم من تســبيحه بعدد ما خلـق الله من الملائكة يسـبحون لو اراد ان يلتقم السماوات والأرض بلقمة واحدة لأطاقه، لا يسـتطيع احد من الملائكة ان ينظر اليه من نوره ولا جبريل ولا ميكائيل ولا الكروبيون، وهو الروح المذكور في القرآن يرفع اليه امور اهل السماوات والأرضين وهو يرفعها الى الله فهو صاحب الحجب وسرادقات العرش وهو كاتب الرحمن.
بحار النور
قد ورد في آية الإسراء قوله تعالى لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا، ففي كل سماء آيات باهرات ، والظاهر أن الآيات التي في السماء السابعة ولقربها من العرش أكثر من الآيات التي في سماء أخرى .
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ورأيت في السماء السابعة بحاراً من نور تتلألأ تلؤلؤها يخطف الأبصار وفيها بحار من ظلمة وبحار من ثلج ترعد، فكلما فزعت ورأيت هؤلاء سألت جبرئيل، فقال ابشر يا محمد واشكر كرامة ربك واشكر الله بما صنع اليك، فثبتني الله بقوته وعونه حتى كثر قولي لجبرئيل وتعجبي، فقال جبريل: يا محمد تعظم ما ترى .
انما هذا خلق من خلق ربك فكيف بالخالق الذي خلق ما ترى، وما لا ترى اعظم من هذا مما خلق ربك، ان بين الله وبين خلقه سبعين الف حجاب واقرب الخلق الى الله انا واسرافيل وبيننا اربعة حجب، حجاب من نور وحجاب من الظلمة وحجاب من الغمامة وحجاب من الماء( ).
ورأيت العجائب التي خلق الله وسخر على ما اراده ديكاً في تخوم الأرضين السابعة ورأسه عند العرش، وهو ملك من ملائكة الله تعالى خلقه كما اراد رجلاه في تخوم الأرضين السابعة .
ثم اقبل مصعداً حتى خرج في الهواء الى السماء السابعة وانتهى فيه مصعداً حتى انتهى قرنه الى قرب العرش وهو يقول: سبحان ربي حيثما كنت لا تدري اين ربك من عظيم شأنه، وله جناحان في منكبه، اذ نشرهما جاوزا المشرق والمغرب فاذا كان في السحر نشر جناحيه وخفق بهما .
وصرخ بالتسبيح يقول: سبحان الله الملك القدوس، سبحان الله الكبير المتعال لا اله الا الله الحي القيوم، واذا قال ذلك سبحت ديوك الأرض كلها وخفقت باجنحتها واخذت بالصراخ، فاذا سكت الديك في السماء سكتت ديوك الأرض.
ولذلك الديك زغب اخضر، وريش ابيض كاشد بياض ما رأيته قط وله زغب اخضر ايضاً تحت ريشه الأبيض كاشد خضرة ما رأيتها قط( ).
السياحة على ظهر السماء السابعة
ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة فقال طأطأ رأسك انظر ماذا ترى؟ فطأطأت رأسي فنظرت الى بيت مثل بيت نبيكم هذا وحرم مثل حرمكم هذا لو القيت شيئاً بين يدي لم يقع الا عليه .
فقلت للملك ما هذا قال هذا بناء بناه الله للملائكة يدخله كل يوم سبعون الف ملك يسبحون الله ويقدسونه لا يعودون اليه وهو البيت المعمور تعمره الملائكة كل يوم فدخلته فصليت فيه ركعتين ومعي اناس من اصحابي عليهم ثياب جدد وآخرين عليهم ثياب خلقات فدخل اصحاب الجدد وجلس اصحاب الخلقات والكل على خير.
وعن علي بن ابراهيم باسناده عن الامام محمد الباقر عليه السلام عن امير المؤمنين عليه السلام قال ان الله تعالى لما اراد ان يخلق خلقاً بيده وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الارض سبعة الاف سنة فكشـف عن اطباق السماوات وقال للملائكة انظروا الى اهل الارض من خلقي من الجن والنسناس .
فلما رأوا ما يعملون فيها بالمعاصي عظم ذلك عليهم، فقالوا ربنا انت العزيز القـادر وهذا خلقك الضعيف يعيشــون برزقك ويعصــونك ولا تنتقم لنفســك فلما سمع ذلك من الملائكة قال إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يكون حجة في ارضي، فقالت الملائكة سبحانك تجعل فيها من يفسد فيها كما افسدت بنو الجان فاجعل ذلك الخليفة منا فانا لا نعصيك ونسبح بحمدك ونقدس لك.
فقال عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ] ( ) اريد ان اخلق خلقاً بيدي واجعل من ذريته انبياءً وعباداً صالحين وائمة مهديين اجعلهم خلفاء على خلقي في ارضي، واطهر ارضي من النسناس وانقل مردة الجن العصاة عن خلقي واسكنهم في الهواء وفي اقطار الارض، واجعل بين الجن وبين خلقي حجاباً، فقالت الملائكة يا ربنا افعل ما شئت فباعدهم الله من العرش مسيرة خمسمائة عام فلاذوا بالعرش واشاروا بالاصابع.
فنظر الرب اليهم ونزلت الرحمة، فوضع لهم البيت المعمور، فقال طوفوا به ودعوا العرش، فطافوا به وهو البيت الذي يدخله كل يوم سبعون الف ملك ولا يعودون اليه ابداً، فوضع البيت المعمور توبة لاهل السماء ووضع الكعبة توبة لاهل الارض.
و(عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما عرج بي إلى السماء ، رأيت نهراً يطرد عجاجاً مثل السهم ، أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى من العسل ، حافتاه قباب من در مجوف ، فضربت بيدي إلى جانبه ، فإذا مسكة ذفراء ، فضربت بيدي إلى رضراضها ، فإذا در . قلت : يا جبريل ، ما هذا النهر؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاك ربك .
وأخرج ابن مردويه ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت إبراهيم ليلة أسري بي وهو أشبه من رأيت بصاحبكم.
الروحانيون
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ثمّ قال لي جبرئيل : إنطلق يا محمّد إلى الجنة حتّى أُريك ما لكَ فيها فتزداد بذلك في الدنيا زهادة إلى زهادتك وفي الآخرة رغبة إلى رغبتك فسرنا نهوي منفضين أسرع من السهم والريح حتّى وصلنا بإذن الله إلى الجنة فهدأت نفسي (وثاب) إليَّ فؤادي وأنشأت أسأل جبرئيل عما كنت رأيت (في الجنة) من البحور والنار والنور وغيرها .
فقال : سبحان الله تلك سرادقات عرش رب العزة التي أحاطت بعرشه فهي سترة الخلائق من نور الحجب ونور العرش لولا ذلك لأحرق نور العرش ونور الحجب من تحت العرش من خلق الله ومالم تره أكثر وأعجب.
قلت : سبحان الله ما أكثر عجائب خلقه.
قلت : يا جبرئيل ومن الملائكة الذين رأيتهم في تلك البحور الصفوف بعد الصفوف كأنهم بنيان مرصوص.
قال : يا رسول الله هم الروحانيون الذين يقول الله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ، ومنهم الروح الأعظم .
ثمّ بعد ذلك قلت : ياجبرئيل فمن الصف الواحد الذين في البحر الأعلى فوق الصفوف كلها قد أحاطوا بالعرش .
قال : هم الكروبيون أشراف الملائكة وعظمائهم ولايجتري أحد من الملائكة أن ينظر إلى ملك من الكروبيين وهم أعظم شأنا من أن أصف صفتهم لك وكفى مارأيت منهم .
ثمّ طاف بي جبرئيل في الجنة بإذن الله فما نزل منها مكاناً إلاّ رأيته وأخبرني عنه فرأيت القصور من الدر والياقوت والاستبرق والزبرجد ورأيت الأشجار من الذهب الأحمر قضبانهم اللؤلؤ وعروقهن الفضة راسخة في المسك فلأنا أعرف بكل قصر وبيت وغرفة وخيمة ونهر وثمر في الجنة مني بما في مسجدي هذا.
الكوثر
قال تعالى إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ.
لم ترد كلمتا (اعطينا) (الكوثر) إلا في الآية أعلاه وسميت السورة بسورة الكوثر وهي أقصر سورة في القرآن ، ونزلت في مكة .
ومن معاني الكوثر : الخير الكثير ، والقرآن ، وحوض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة .
(وقيل هو كثرة النسل والذرية وقد ظهرت الكثرة في نسله من ولد فاطمة عليها السلام حتى لا يحصى عددهم واتصل إلى يوم القيامة مددهم وقيل هو الشفاعة)( ).
وفي سبب نزول السورة (قال ابن عباس : نزلت هذه السورة في العاص بن وائل ابن هشام بن سعيد بن سهم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدّثا وأناس من صناديد قريش في المسجد جلوس ، فلما دخل العاص .
قالوا له : من الذي كنت تحدث ، قال : ذاك الأبتر ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم .
وكان قد توفى قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من خديجة ، وكانوا يسمّون من ليس له ابن أبتر ، فسمّته قريش عند موت إبنه أبتر وصنبوراً فأنزل الله سبحانه إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ))( ).
وقد رأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نهر الكوثر في ليلة المعراج (قال : ورأيت نهراً يخرج من أصله ماء أشد بياضاً من اللبن واحلى من العسل على رضراض( ) دُرّ وياقوت ومسك أذفر.
فقال جبرئيل : هذا الكوثر الذي أعطاك الله عزّ وجلّ وهو التسنيم يخرج من دورهم وقصورهم وبيوتهم وغرفهم يمزجون بها أشربتهم من اللبن والعسل والخمر فذلك قوله وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عباد الله.
ثمّ انطلق بي يطوف في الجنة حتّى انتهينا إلى شجرة لم أر شجرة مثلها ، فلما وقفت تحتها رفعت رأسي فإذا أنا لا أرى شيئاً من خلق ربي غيرها لعظمها وتفرق اغصانها ووجدت فيها ريحاً طيبة لم أشم في الجنة ريحاً أطيب منها فقلّبت بصري فيها فإذا ورقها حلل طرايف من ثياب الجنة من بين أبيض وأحمر وأخضر .
وثمارها أمثال القلال العظام من كل ثمرة خلقها الله في السماوات والأرضين من ألوان شتى وطعوم شتى وريح شتى ، فعجبت من تلك الشجرة ومارأيت من حسنها.
قلت : ياجبرئيل ما هذه الشجرة .
قال : هذه التي ذكرها الله عزّ وجلّ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ولكثير من أمتك ورهطك في ظلها حسن مقيل ونعيم طويل ورأيت في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كل ذلك مفروغ عنه معدّ إنما ينتظر به صاحبه من أولياء الله عزّ وجلّ وما غمني الذي رأيت قلت لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ))( ).
سدرة المنتهى
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ثم انتهيت الى سدرة المنتهى فقيل لي هذه سدرة ينتهي اليها كل واحد خلا من امتك على سنتك، فاذا هي شجرة تخرج من اصلها انهار من ماء غير آسن وانهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين وانهار من عسل مصفى .
وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها، ساقها ذهب احمر، نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة ، وفي رواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم الورقة منها تغطي الأمة .
والورقة منها تظل الدنيا، ورقها زمرد اخضر مثل ريش الطاووس في الحسن على كل ورقة ملك كأن وجهه الوارق مكتوب على جباههم سكان سدرة المنتهى .
يقولون سبحان الله الأول سبحان الله الآخر، سبحان الله الظاهر، سبحان الله الباطن سبحان الله الملك، سبحان الله وبحمده، يتنزه اطفال اهل الجنة عند سدرة المنتهى، وينحشر اليها طير الجنة يسبحون باصوات لم يسمع صوت احسن منها.
واذا اربعة انهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال اما الباطنان فنهران في الجنة، واما الظاهران فالنيل والفرات.
وفي اصل الشجرة عين تجري قد تشعبت شعبتين فقال هذا نهر الرحمة، واما هذه فهو نهر الكوثر الذي اعطاكه الله، فاذا هو نهر يطرد عجاجاً مثل السهم اشد بياضاً من اللبن واحلى من العسل حافتاه من قباب من در مجوف فضربت بيدي الى رخراخها، فاذا هو نهر.
وعلى النهر خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعليه طير اخضر انعم طير رأيت فقلت يا جبريل ان هذا الطير لناعم، قال: يا محمد اكله انعم منه .
فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، ثم اخذت على الكوثر حتى دخلت الجنة( ).
ولقد ورد في التنزيل وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى والسدر شجر النبق، والواحدة منه سدرة، وفي نعتها بسدرة المنتهى وجوه :
الأول : عن الإمام الباقر عليه السلام (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى يعني عندها وافا به جبرئيل حين صعد إلى السماء، قال: فلما انتهى إلى محل السدرة وقف جبرئيل دونها وقال: يا محمد إن هذا موقفي الذي وضعني الله عزوجل فيه، ولن أقدر على أن أتقدمه، ولكن امض أنت أمامك إلى السدرة، فوقف عندها، قال: فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السدرة وتخلف جبرئيل عليه السلام، قال أبو جعفر عليه السلام: إنما سميت سدرة المنتهى لان أعمال أهل الارض تصعد بها الملائكة الحفظة إلى محل السدرة ، والحفظة الكرام البررة دون السدرة يكتبون ما ترفع إليهم الملائكة من أعمال العباد في الارض، قال: فينتهون بها إلى محل السدرة)( ).
الثاني : اليها ينتهي علم الملائكة، عن ابن عباس.
الثالث : منتهى علم الخلائق.
الرابع : منتهى ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله، عن عبد الله بن مسعود.
الخامس : لا يعلم احد ما وراءها.
السادس : تنتهي اليها ارواح الشهداء.
السابع : انها شجرة طوبى وكأنها منتهى الجنة.
الثامن : عندها جنة المأوى وهي جنة الخلد التي يصير اليها المتقون.
التاسع : منتهى العلم والمعرفة للخلائق.
العاشر : انها المدخل الى جنة المأوى.
الحادي عشر : تصعد اليها ارواح المؤمنين .
الحجب
لقد ورد في الدعاء الثالث من ادعية الصحيفة السجادية الخاص بالصلاة على حملة العرش (وكل ملك مقرب والروح الذي هو على ملائكة الحجب).
والحجب: جمع حاجب وهو الستر وما يكون حائلاً بين شيئين والمقصود هنا ما فوق السماوات من الكلمات والآيات وسحائب النور وصحاريه مما لا يعلم ماهيتها وما فوقها الا الله عز وجل، عن وهب ان امير المؤمنين عليه السلام سئل عن الحجب قال: اول الحجب سبعة غلظ كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام وبين كل حجاب منها والحجاب الثاني سبعون حجاباً بين كل حجابين مسيرة خمسمائة عام، حجبة كل حجاب منها سبعون الف ملك قوة كل ملك منها قوة الثقلين…الحديث.
وقد ذكر البزار بالاسناد (عن الإمام علي عليه السلام خبراً عن الإسراء وذكر مسير جبرئيل عليه السلام على البراق حتى أتى الحجاب وذكر كلمة وقال خرج ملك من وراء الحجاب فقال جبريل والذى بعثك بالحق ان هذا الملك ما رأيته منذ خلقت وانى أقرب الخلق مكانا وفى حديث آخر فارقني جبريل وانقطعت عنى الاصوات)( ).
مما يدل على تعدد الحجب في السماء وبلوغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى مقام لم يبلغه غيره.
عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهي به الى سدرة المنتهى واعطي ثلاثاً: الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من امنه الا المقحمات) والمراد من المقحمات الذنوب العظام التي تقذف بصاحبها في النار( ).
وحكي ان سدرة المنتهى عن يمين العرش فوق السماء السابعة تمرها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيول، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً، كما يدل الحديث على كثرة عدد الملائكة وانه لا يحصي عددهم الا الله كما دلت عليه النصوص المستفيضة.
بين القرض والصدقة
عن انس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رأيت ليلة اسري بي مكتوباً على باب الجنة الصدقة بعشر امثالها والقرض بثمانية عشر، قلت يا جبريل ما بال القرض افضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يسأل الا من حاجة.
و(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت على باب الجنة مكتوباً : والقرض بثمانية عشر ، والصدقة بعشر فقلت : يا جبرئيل ما بال القرض أعظم أجراً.
قال : لأن صاحب القرض لا يأتيك إلاّ محتاجاً ، وربّما وقعت الصدقة في غير أهلها)( ).
وفي الجمع بين أحاديث الإسراء مسائل :
الأولى : لقد حدث الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة بسنوات ، ومع هذا فانه استمر يحدث بوقائع الإسراء بعد الهجرة ، لذا ترى عدداً من الأنصار يذكرون سماع هذه الأحاديث من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير واسطة ، مثل أنس ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي أمامة ، وعدد من أمهات المسلمين .
الثانية : أحاديث الإسراء مناسبة لتفقه المسلمين والناس جميعاً بالدين ، ومعرفة جانب من عالم السموات .
الثالثة : تأكيد النبي محمد لمعجزة الإسراء وأنها بالروح والجسد .
الرابعة : ترغيب المسلمين بالصالحات ، ومنها الصدقة والقرض ، وبيان أن المستحب أحياناً أكثر أجراً من الواجب .
الخامسة : بيان قانون الملازمة بين الإيمان وفعل الخيرات .
السادسة : قانون الإيمان وعمل الصالحات طريق إلى الجنة بدليل شواهد من السماء ، وحياة الأنبياء وطائفة من الصالحين فيها ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ.
شواهد من الجنة
عن أبي بن كعب قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (رأيت الجنة من درة بيضاء، فقلت: يا جبريل انهم يسألوني عن الجنة، قال: اخبرهم ان ارضها قيعان وترابها المسك)( ).
عن الإمام الصادق عليه السلام (قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسرى بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت قصرا من ياقوتة حمراء يرى داخلها من خارجها وخارجها من داخلها من ضيائها وفيها بيتان من در وزبرجد فقلت يا جبرئيل لمن هذا القصر فقال هذا لمن اطاب الكلام وادام الصيام واطعم الطعام وتهجد بالليل والناس نيام.
فقال امير المؤمنين يارسول الله وفي امتك من يطيق هذا فقال ادن مني يا علي فدنا منه فقال اتدري ما اطابة الكلام قال الله ورسوله اعلم قال من قال سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر.
اتدري ما ادامة الصيام قال الله ورسوله اعلم قال من صام رمضان ولم يفطر منه يوما.
وتدري ما اطعام الطعام قال الله ورسوله اعلم قال من طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس .
وتدري ما التهجد بالليل والناس نيام قال الله ورسوله اعلم قال من لم ينم حتى يصلي العشاء الآخرة)( ).
و(عن الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ورأيت في الجنة قيعان بيضاء رأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة وربما امسكوا فسألتهم فقالوا: حتى تجيئنا النفقة فقلت لهم وما نفقتكم؟ فقال: قول المؤمن في الدنيا سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر، فاذا قال بنينا واذا امسك امسكنا) ( ).
واتيت على نهر يسمى البيذخ عليه خيام اللؤلؤ والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر فنوديت السلام عليك يا رسول الله، فقلت: يا جبريل ما هذا النداء؟ قال هؤلاء المقصورات في الخيام استأذن ربهن في السلام عليك فاذن لهن فطفقن يقلن نحن الراضيات فلا نسخط ابداً ونحن الخالدات فلا نظعن ابداً، وتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ.
الجلوس في الجنة
لقد أُسري بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء ليرى آيات الله العظمى ، ثم تفضل الله عز وجل وأدخله الجنة وأجلسه فيها وأكل من ثمارها ، وهذا الجلوس إكرام إضافي ، وبشارة ومقدمة اللبث الدائم فيها يوم القيامة .
(وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لما أسرى بي إلي سبع سماواته أخذ جبرئيل بيدي وأدخلني الجنة، وأجلسني على درنوك( ) من درانيك الجنة .
وناولني سفرجلة فانفلقت نصفين، وخرجت منها حوراء، فقامت بين يدي وقالت: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا رسول الله .
فقلت : وعليك السلام، من أنت .
قالت: أنا الراضية المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة أنواع: أعلاي من الكافور، ووسطي من العنبر وأسفلي من المسك، عجنت بماء الحيوان، قال لي ربي : كوني فكنت)( ).
واخرج احمد عن ابي امامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فمضيت فاذا اكثر اهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين ولم ار اقل من الأغنياء والنساء، قيل لي: اما الأغنياء فهم بالباب يحاسبون ويمحصون واما النساء فالهاهن الأحمران الذهب والحرير) ( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال حدثني أبي ، عن أبيه، عن جده صلوات الله عليهم ، عن علي عليه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن السخاء شجرة من أشجار الجنة، لها أغصان متدلية في الدنيا، فمن كان سخيا تعلق بغصن من أغصانها، فساقه ذلك الغصن إلى الجنة .
والبخل شجرة من أشجار النار لها أغصان متدلية في الدنيا، فمن كان بخيلا تعلق بغصن من أغصانها، فساقه ذلك الغصن إلى النار)( ).
والظاهر أن هذا الحديث ليس من وقائع ليلة الإسراء لذا جمع بين المتضادين بين ذكر شجرة من أشجار الجنة ، وأغصان شجرة البخل التي تقود إلى النار .
في حضرة القدس
لقد كانت رؤية النبي محمد لجبرئيل بالصورة التي خلقه الله عز وجل بها مرتين :
الأولى : في البطحاء وقبل الإسراء بالنبي ، كما في قوله تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.
الثانية : رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لجبرئيل ليلة الإسراء في السماء السابعة وهو الذي يدل عليه قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، ونزلت سورة النجم بعد ليلة الإسراء .
وعن الصادق عليه السلام (لما عرج برسول الله صلى الله عليه وآله انتهى به جبرئيل إلى مكان فخلى عنه، فقال له: يا جبرئيل تخيلني على هذه الحالة؟ فقال : امضه فوالله لقد وطئت مكانا ما وطئه بشر وما مشى فيه بشر قبلك)( ).
فكان قاب قوسين او ادنى، فدفع اليه كتابين كتاب اصحاب اليمين بيمينه، وكتاب اصحاب الشمال بشماله .
فاخذ كتاب اصحاب اليمين بيمينه وفتحه ونظر فيه فاذا فيه اسماء اهل الجنة وأسـماء آبائهم وقبائلهم ، فناداني سبحانه وتعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ فاجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجيباً عنه وعن امته فقال وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.
فقال جل ذكره لهم الجنة المغفرة عليّ ان فعلوا ذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اما اذا فعلت ذلك بنا سبحانك فغفرانك ربنا واليك المصير يعني المرجع في الآخرة، قال فاجابه الله عز وجل وقد فعلت ذلك بك وبامتك.
ثم قال الله عز وجل اما اذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الأمم فابوا ان يقبلوها وقبلتها امتك فحق عليّ ان ارفعها عن امتك وقال لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ من خير وعليها ما اكتسبت من شر .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع ذلك اما اذا فعلت ذلك بي وبامتي فزدني قال سل .
قال رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قال الله تعالى لست اواخذ امتك بالنسيان او الخطأ لكرامتك عليّ وكانت الأمم السالفة اذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم ابواب العذاب وقد رفعت ذلك عن امتك لكرامتك عليّ .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم اذا اعطيتني ذلك فزدني .
فقال الله له سل قال [رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا] ( ) يعني بالأصر الشدائد التي كانت على من كان قبلنا، فاجابه الله الى ذلك.
فقال تبارك وتعالى قد رفعت عن امتك الأصار التي كانت على الأمم السالفة كنت لا اقبل صلاتهم الا في بقاع من الأرض معلومة، اخترتها لهم وان بعدت .
وقد جعلت الأرض كلها لأمتك مسجداً وطهوراً فهذه من الأصار التي كانت على الأمم السالفة اذا اصابهم اذى من نجاسة قرضوه من اجسادهم.
وقد جعلت الماء طهوراً لأمتك فهذه من الأصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك .
وكانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على اعناقها الى بيت المقدس فمن قبلت ذلك منه ارسلت اليه ناراً فاكلته فرجع مسروراً، ومن لم اقبل ذلك منه، رجع مثبوراً .
وقد جعلت قربان امتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه ضاعفت ذلك له اضعافاً مضاعفة ومن لم اقبل منه رفعت عنه عقوبات الدنيا وقد رفعت ذلك عن امتك وهي من الأصار التي كانت على الأمم من قبلك.
وكانت الأمم السالفة صلاتها مفروضة عليها في ظلم الليل وانصاف النهار وهي من الشدائد التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك وفرضت عليهم صلاتهم في اطراف الليل والنهار في اوقات نشاطهم، وكانت الأمم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتاً .
وهي من الأصار التي كنت عليهم فرفعتها عن امتك وجعلتها خمساً في خمس اوقات وهي احدى وخمسون ركعة وجعلت لهم اجر خمسين صلاة وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئتهم بسيئة وهي من الأصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك وجعلت الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة.
وكانت الأمم السالفة اذا نوى احدهم حسنة ثم لم يعملها لم تكتب له، وان عملها كتبت له حسنة، وان امتك اذا هم احدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وان عملها كتبت له عشر، وهي من الأصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك .
وكانت الأمم السابقة اذا هم احدهم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه وان عملها كتبت عليه سيئة، وان امتك اذا هم احدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وهذه من الأصار التي كانت عليهم فرفعت ذلك عن امتك.
وكانت الأمم السالفة اذا اذنبوا كتبت ذنوبهم على ابوابهم وجعلت توبتهم من الذنوب ان حرمت عليهم بعد التوبة احب الطعام اليهم .
وقد رفعت ذلك عن امتك وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم وجعلت ســتوراً كثيفـــة وقبلت توبتهم بلا عقوبة ولا اعاقبهم بان احرم عليهم احب الطعام اليهم .
وكانت الأمم السالفة يتوب احدهم من الذنب الواحد مائة سنة او ثمانين سنة او خمسين سنة ثم لا اقبل توبته دون ان اعاقبه في الدنيا فرفعتها عن امتك .
وان الرجل من امتك ليذنب عشــرين سنة او ثلاثين او اربعين سنة او مائة سنة ثم يتوب وينــدم طرفة عين فاغفر له ذلك كله .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم رب اذا اعطيتني ذلك كله فزدني، قال سل .
قال رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قال تبارك اسمه قد فعلت ذلك بــك وبامتــك وقد رفعـت عنهم عظيم بلايا الإمم وذلك حكمي في جميع الأمم ان لا اكلف خلقاً فوق طاقتهم .
قال صلى الله عليه وآله وسلم وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا، قال الله عز وجل قد فعلــت ذلك بتائبـي امتك، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
قال الله جل اسمه ان امتــك في الأرض كالشامة البيضاء في الثور الأسود هم القادرون وهم القاهــرون يَستخدمــون ولا يُستخدمون لكرامتك عليّ وحق عليّ ان اظهر دينك على الأديان حتى لا يبقى في شــرق الأرض وغربهـا دين الا دينك او يؤدون الى دينك الجزية.
قال الصادق عليه السلام: ما وفد الى الله تعالى احد اكرم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سأل لأمته هذه الخصال) ( ).
ثم طوى الصحيفة فامسكها بيمينه وفتح الأخرى صحيفة اهل الشمال فاذا فيها اسماء اهل النار واسماء آبائهم وقبائلهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ان هؤلاء قوم لا يؤمنون فقال الله يا محمد فاصفح عنهم فقل سلام فسوف يعلمون .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكلمني ربي سبحانه وبحمده فقال يا محمد هل تعلم فيم اختصم الملأ الأعلى، قلت يا رب انت اعلم بذاك .
فقال اختلفوا في الدرجات فهل تدري ما الدرجات وما الحسنات فقلت انت اعلم يا رب .
فقال الدرجات اسباغ الوضوء في المكروهات، والمشي على الأقدام الى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والحسنات افشاء السلام، واطعام الطعام، والتهجد بالليل والناس نيام.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يا رب أعطيت أنبياءك فضائل فأعطني، فقال الله: قد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا منجى منك إلا إليك .
قال: وعلمتني الملائكة قولا أقوله إذا أصبحت وأمسيت : اللهم إن ظلمي أصبح مستجيرا بعفوك، وذنبي أصبح مستجيرا بمغفرتك، وذلي أصبح مستجيرا بعزتك .
وفقري اصبح مستجيرا بفناك، ووجهى البالي أصبح مستجيرا بوجهك الدائم الباقي الذي لا يفنى .
وأقول ذلك إذا أمسيت. ثم سمعت الاذان فإذا ملك يؤذن لم ير في السماء قبل تلك الليلة .
فقال: الله أكبر، الله أكبر، فقال الله: صدق عبدي أنا أكبر ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله .
فقال الله: صدق عبدي، أنا الله لا إله غيري، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، فقال الله: صدق عبدي، إن محمدا عبدي ورسولي أنا بعثته وانتجبته .
فقال: حي على الصلاة حي على الصلاة، فقال: صدق عبدي ودعا إلى فريضتي، فمن مشى إليها راغبا فيها محتسبا كانت له كفارة لما مضى من ذنوبه.
فقال: حي على الفلاح حي على الفلاح، فقال الله: هي الصلاح والنجاح والفلاح، ثم أممت الملائكة في السماء كما أممت الانبياء في بيت المقدس)( ).
تشريع الصلاة
لا يختلف اثنان من المسلمين بان الصلاة عمود الدين ، قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا وبتعاهدها اليومي جاءت النصوص ويدل عليه العقل والوجدان وما يترشح عن الصلاة من المنافع الإجتماعية والأخلاقية والإفاضات اكثر من ان يحصى، وهي افضل الأعمال واحبها الى الله عز وجل واول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، وهي كالنهر الجاري في غسلها للذنوب.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ليس مني من استخف بصلاته)( ).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم (لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته)( ).
وعن الصادق عليه السلام : ما اعلم شيئا بعد المعرفة افضل من هذه الصلاة، الا ترى الى العبد الصالح عيسى بن مريم عليه السلام قال: [وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ).
واجماع علماء المسلمين على صلاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السماء، وان ليلة الاسراء كانت مناسبة كريمة لأداء الصلاة وبيان احكامها، وفيه افاضة وهبة الهية ودلالة على استقرار الصلاة في الأرض وتعاهد المسلمين لها , وفضل الله اعانته ولطفه تعالى لهم بادائها والتمكين منها.
وفي موثقة اسحاق بن عمار قال : سألت الامام موسى بن جعفر عليه السلام: كيف صارت الصلاة ركعة وسجدتين، وكيف إذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين؟ فقال: إذا سألت عن شيء ففرغ قلبك لتفهم.
أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انما صلاها في السماء بين يدي الله تبارك وتعالى قدام عرشه جل جلاله .
وذلك انه لما اسري به وصار عند عرشه تبارك وتعالى فتجلى له من وجهه حتى رآه بعينه قال يا محمد ادن من صاد فغسل مساجدك وطهرها وصلٍّ لربك، فدنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حيث امره الله تبارك وتعالى فتوضأ واســبغ وضوءه، ثم اسـتقبل الجبار تبارك وتعالى قائماً، فامر بافتتاح الصلاة ففعل فقال : يا محمد اقرأ [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .. ] ( ) إلى اخرها( ) ففعل ذلك.
ثم أمره أن يقرأ نسبة ربه تبارك وتعالى [بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ] ( )، ثم امسك عنه القول، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ] ( )، فامسك عنه القول .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كذلك الله ربي، كذلك الله ربي، كذلك الله ربي، فلما قال ذلك قال اركع يا محمد فركع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له وهو راكع قل سبحان ربي العظيم وبحمده ففعل ذلك ثلاثا .
ثم قال ارفع رأسك يا محمد ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقام منتصباً بين يدي الله عز وجل.
فقال اسجد يا محمد لربك، فخر رسول الله صلى الله عليه وآله ساجداً فقال: سبحان ربي الاعلى وبحمده، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً، فقال: استوي جالساً يا محمد ففعل، فلما استوى جالساً ذكر جلال الله جل جلاله .
فخر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجداً من تلقاء نفسه لا لأمر امره ربه عز وجل فسبح أيضاً ثلاثاً، فقال: انتصب قائماً، ففعل فلم ير ما كان رأى من عظمة ربه جل جلاله، فقال اقرأ يا محمد وافعل كما فعلت في الركعة الاولى، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم سجد سجدة واحدة.
فلما رفع رأسه ذكر جلالة ربه تبارك وتعالى الثانية فخر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجداً من تلقاء نفسه لا لأمر امره ربه عز وجل فسبح أيضاً، ثم قال له ارفع رأسك ثبتك الله واشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور .
اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت ومننت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم تقبل شفاعته في أمته وارفع درجته، فقال: سلم يا محمد فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه تبارك وتعالى وتقدس وجهه مطرقاً فقال: السلام عليك.
فأجابه الجبار جل جلاله فقال: وعليك السلام يا محمد، بنعمتي قويتك على طاعتي، وبرحمتي اياك اتخذتك نبياً وحبيباً .
ثم قال ابو الحسن: وانما كانت الصــلاة التي أمر بها ركعتــين وسجدتين وهو صلى الله عليه وآله وسلم انما سجد سجدتين في كل ركعة عما اخبرتك من تذكره لعظمة ربه تبارك وتعالى فجعله الله عز وجل فرضا .
قلت: جعلت فداك وما صاد الذي امر أن يغتســل منه؟ فقال: عـين تنفجر من ركن من اركان العرش يقال له ماء الحياة وهو ما قال الله عز وجل [ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ] ( ) وانما أمره أن يتوضأ ويقرأ ويصلي( ).
أكاليل التفضيل من الجنة
من الثابت عند المليين جميعاً ان الدنيا دار امتحان وبلاء، والآخرة دار حساب وجزاء من غير عمل، وكان الإسراء مناسبة لإعلان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين اهل السماء ليكون حجة على اهل الأرض الى يوم القيامة.
لقد اســتثمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارتقاءه في السماوات العلا بالدعاء والتضرع وسؤال الدرجة الرفيعة, وليكون ما عند الأنبياء السابقين عنده وافاضة من الله تعالى عليه، ونوراً على الأجيال المتعاقبة ليوم القيامة لتبقى الهبات الإلهية بالإسلام حية ومستديمة.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ثم ناداني ربي اني قد فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة وفرضتها عليك وعلى امتك فقم بها انت في امتك ثم سمعت الأذان .
فاذا ملك يؤذن لم ير في السماء قبل تلك الليلة فقال : الله اكبر الله اكبر فقال الله عز وجل صدق عبدي انا اكبر فقال اشهد ان لا اله الا الله فقال الله تبارك وتعالى صدق عبدي انا الله لا اله الا انا ولا اله غيري .
فقال اشهد ان محمداً رسول الله اشهد ان محمداً رسول الله، فقال الله عز وجل صدق عبدي محمد عبدي ورسولي انا بعثته وانتجبته .
ثم قال حي على الصلاة حي على الصلاة فقال الله صدق عبدي ودعا الى فريضتي فمن مشى اليها راغباً محتسباً كانت له كفارة لما مضى من ذنوبه .
فقال حي على الفلاح حي على الفلاح فقال الله عز وجل حي الفلاح والنجاح والصلاة .
ثم اوحى الله الي يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك فدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن .
فتلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الماء بيده اليمنى فمن اجل ذلك صار الوضوء باليمنى.
ويتجلى اللطف والعناية الإلهية في موضوع الصلاة ان الإسراء تضمن الى جانب أحكام الصلاة وادائها مقدماتها واحكام الوضوء، وفيه اشارة الى البركات التي تتغشى المسلم عند وضوئه وما فيه من عظيم الثواب والمغفرة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا رب اعطيت انبياءك فضائل فاعطني فقال الله عز وجل: قد اعطيتك فيما اعطيتك كلمتين من تحت العرش لا حول ولا قوة الا بالله ولا منجا منك الا اليك .
قال صلى الله عليه وآله وسلم: وعلمتني الملائكة قولاً اقوله اذا اصبحت وأمسيت .
اللهم ان ظلمي اصبح مستجيراً بعفوك، وفقري اصبح مستجيراً بغناك، ووجهي الفاني اصبح مستجيراً بوجهك الباقي الذي لا يفنى)( ).
دعاء النبي (ص) في السماء
لقد كان الإسراء والمعراج مناسبة ليسأل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الله عز وجل إذ قال (قلت يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً واعطيته ملكاً عظيماً وكلمت موسى تكليماً واعطيت داود ملكاً عظيماً، والنت له الحديد، وسخرت له الجبال، واعطيت سليمان ملكاً عظيماً الجن والشياطين، وسخرت له الريح، واعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والانجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى باذن الله، واعذته وامه من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل.
فقال الله عز وجل: قد اتخذتك حبيباً وخليلاً وهو مكتوب في التوراة حبيب الله ارسلتك الى الناس كافة بشيراً ونذيراً ، وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك .
ورفعت لك ذكرك فلا اذكر الا ذكرت معي وجعلت امتك وسطاً وجعلت امتك هو الأولون والآخرون .
وجعلت امتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا انك عبدي ورسولي وجعلت من امتك اقواماً قلوبهم اناجيلهم وجعلتك اول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً واولهم من يقضي له واعطيتك سبعاً من المثاني لم يعطها نبي قبلك، واعطيتك الكوثر .
واعطيتك ثمانية اسهم في الإسلام والهجرة والجهاد والصدقة والصلاة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلتك فاتحاً وخاتماً .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلني ربي بست :
الأول : اعطاني فواتح الكلم وخواتيمه.
الثاني : جوامع الحديث.
الثالث : ارسلني الى الناس كافة بشيراً ونذيراً.
الرابع : قذف في قلوب عدوي الرعب من مسيرة شهر.
الخامس : احلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي.
السادس : جعلت لي الأرض كلها طهوراً ومسجداً( ).
لبيان فضل الله عز وجل بسرعة الإستجابة لدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في السماء ، وإعطائه بالأتم والأوفى .
وفي رواية (وكلمتك على بساط النور، وأعطيت سليمان ملكا فانيا، وأعطيتك ملكا باقيا في الجنة .
أنا المحمود وأنت محمد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتلته، وانزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إياك، وأني لم أبعث نبيا إلا جعلت له وزيرا، وأنك رسولي، وأن عليا وزيرك .
وروي أنه لما بلغ إلى السماء السابعة نودي: يا محمد إنك لتمشي في مكان ما مشى عليه بشر)( ).
وقال الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وأرسلتك إلى أهل الأرض جميعاً أبيضهم وأسودهم وإنسهم وجنّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبياً قبلك وجعلت الارض كلها برّها وبحرها طهوراً ومسجداً لك ولأمتك وأطعمتك وأمتك الفيء ولم أطعمه أمة قبلهم ونصرتك بالرعب على عدوك مسيرة شهر ، وأنزلت عليك سيد الكتب كلها ومهيمناً عليها قرآناً فرقناه ورفعت لك ذكرك فتذكر كلما ذكرت في شرائع ديني ، وأعطيتك مكان التوراة المثاني ومكان الانجيل المبين ومكان الزبور الحواميم ، وفضلتك بالمفصّل وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس وجعلتهم أمة وسطاً وجعلتهم الأولين وهم الآخرون فخذما أتيتك وكن من الشاكرين)( ).
دخول الجنة والإطلالة على النار
من الأدلة على أن الجنة والنار مخلوقتان آيات القرآن والأحاديث النبوية عن دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجنة ، ورؤيته النار ، وفيها تعضيد وبيان لآيات القرآن بهذه الخصوص منها قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، وقوله تعالى وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وقوله تعالى وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ في حال آل فرعون مدة البرزخ .
وفي حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيتها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها مسك)( ).
والجنابذ : جمع جنبذة وهي القبة وفي صحيحة زرارة (عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حيث اسري به لم يمر بخلق من خلق الله إلا رأى منه ما يحب من البشر واللطف والسرور به، حتى مر بخلق من خلق الله فلم يلتفت إليه ولم يقل له شيئا فوجده قاطبا عابسا .
فقال: يا جبرئيل ما مررت بخلق من خلق الله إلا رأيت البشر واللطف والسرور منه إلا هذا، فمن هذا ؟ قال: هذا مالك خازن النار .
هكذا خلقه ربه، قال: فإني احب أن تطلب إليه أن يريني النار، فقال له جبرئيل عليه السلام: إن هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وقد سألني أن أطلب إليك أن تريه النار، قال: فأخرج له عنقا منها فرآها فلما أبصرها لم يكن ضاحكا حتى قبضه الله عز وجل.
وعن ابن أبي عمير، عن ابن بكير مثله، وفيه: وقد سألني أن أسألك أن تريها إياه، قال: فكشف له طبقا من أطباقها، قال: فما افتر رسول الله صلى الله عليه وآله ضاحكا حتى مات)( ).
تلقي الأحكام في الإسراء
لقد تلقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحكاماً شرعية في الإسراء ومنها سماعه الأذان ، وقيل أن الأذان برؤيا الصحابي عبد الله بن زيد الأنصاري قال (كان المسلمون حيث أندى منك صوتاً ).
ولا يتعارض هذا الخبر مع حديث الإسراء وسماع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأذان والإقامة في ليلة الإسراء عندما صلى بالأنبياء .
و(قال عطاء عن ابن عباس لما اسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله إلى المسجد الاقصى بعث الله تعالى له آدم عليه السلام وجميع المرسلين من ولده عليهم السلام فأذن جبرئيل، ثم أقام، و قال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من الصلاة قال له جبرئيل عليه السلام: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية، فقال صلى الله عليه وآله : لا أسأل لاني لست شاكا فيه)( ).
ومن الأحكام التي تلقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبينت له ليلة الإسراء :
الأول : فرض الصلوات اليومية الخمس .
الثاني : تشريع الأذان .
الثالث : تلقي الآيات خواتيم سورة البقرة .
الرابع : تفضل الله عز وجل بتكليم النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من غير واسطة ليكون من الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، ومنهم موسى عليه السلام ، قال تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا.
ومع أن الله عز وجل كلّم آدم كما في قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
كما كلم الله عز وجل النبي محمداً فقد سمي موسى عليه السلام كليم الله ، لأنه في الأرض عندما كلمه الله ، بينما كلّم الله آدم في الجنة قبل هبوطه إلى الأرض ، وكلّم النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم حال عروجه في السماء .
الخامس : تحريم الخمر والزنا والربا ، وبيان شدة عقوبة كل منها .
السادس : بيان حرمة الغيبة والنميمة وسوء عاقبة كل منهما ، وورد (عن النبي صلى الله عليه واله قال: مررت ليلة اسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخدشون وجوههم وصدورهم .
فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ، قال: هم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)( ).
السابع : اثبات حياة الناس في عالم البرزخ .
نسبة الإسراء إلى الله عز وجل
معجزة الإسراء والمعراج تتخطى العقل ، وتتجاوز التصور الذهني وقوانين الفيزياء جاء تأكيدها بكلام الله عز وجل وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المتواترة عند جميع المسلمين .
ومن لطف الله عز وجل نسبته الآيات العظمى له تعالى ، مثل خروج الناقة معجزة صالح من صخرة انشقت الصخرة فخرجت منها حاملاً بهيئة عظيمة ، ونسبها الله عز وجل لنفسه فقال سبحانه [نَاقَةُ اللَّهِ] مرتين في القرآن:
الأولى : قوله تعالى وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
الثانية : قوله تعالى وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ.
كما ورد لفظ الناقة ثلاث مرات في القرآن بذات المعنى ، وإرادة معجزة النبي صالح.
ونسب الله عز وجل الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه بقوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية بصفة العبودية للزجر عن الغلو فيه ، ولأن آية الإسراء ليست من فعله ، إنما هو فضل ولطف من عند الله عز وجل في كل جزء ومرحلة من مراحل الإسراء والمعراج في السماء .
وفي نسبة نعمة الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله سبحانه وجوه:
الأول : تأكيد معجزة الإسراء .
الثاني : منع الإختلاف في وقوع الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : قطع الشك والريب في الإسراء .
الرابع : ترغيب الناس بالإسلام ، ودعوة المؤمنين للإجتهاد بالدعاء لنيل الرغائب ، وإن كانت خلاف قاعدة السبب والمسُبب ، والعلة والمعلول ، والقدرة الشخصية .
الخامس : منع الغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكن الإسراء بقدرته ، إنما بفضل من الله عز وجل عليه كنبي ورسول .
السادس : بيان إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
وعن سهل بن سعد قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أسرى بي جبريل ، سمعت تسبيحاً في السماوات العلى ، فرجف فؤادي فقال لي جبريل عليه السلام : تقدم يا محمد ولا تخف ، فإن اسمك مكتوب على العرش ، لا إله إلا الله محمد رسول الله )( ).
السابع : تأكيد ملكية الله المطلقة للسموات والأرض ، والصلة والتقارب بينهما ، قال تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( ).
الدنيا بهيئة امرأة
لقد تضمنت معجزة الإسراء دلالات تتضمن معرفة كنه وحقائق الأشياء ، منها أن الدنيا متاع وزينة .
وفي صحيحة (ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل بالبراق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذ واحد باللجام، وواحد بالركاب، وسوى الآخر عليه ثيابه.
فتضعضعت البراق فلطمها جبرئيل، ثم قال لها: اسكني يا براق فما ركبك نبى قبله ولا يركبك بعده مثله .
قال: فرقت به صلى الله عليه وآله ورفعته ارتفاعا ليس بالكثير، ومعه جبرئيل يريه الآيات من السماء والارض .
قال : فبينا أنا في مسيري إذ نادى مناد عن يميني: يا محمد، فلم اجبه ولم ألتفت إليه .
ثم نادى مناد عن يساري: يا محمد، فلم اجبه ولم ألتفت إليه .
ثم استقبلني امرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كل زينة الدنيا فقالت: يا محمد انظرني حتى اكلمك، فلم ألتفت إليها، ثم سرت فسمعت صوتا أفزعني فجاوزت.
فنزل بي جبرئيل (عليه السلام) فقال: صل فصليت، فقال: تدري أين صليت ؟ فقلت: لا، فقال: صليت بطيبة، وإليها مهاجرتك)الحديث ..( ).
لبيان فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باخباره بأنه سيهاجر ، وفيه بعث له للتهيئ والإستعداد للهجرة إلى المدينة .
وعندما أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جبرئيل عن المرأة التي لاقته وعليها من كل زينة الدنيا وأنه لم يكلمها ولم يلتفت إليها قال له جبرئيل (تلك الدنيا، ولو كلمتها لاختارت امتك الدنيا على الآخرة)( ).
لبيان أن الدنيا تبدو جميلة تتزين بزينة أهل زمانها من الذهب والدر والأصباغ الحديثة .
و ممن كشف له الغطاء بماهية الدنيا عيسى عليه السلام ، إذ روي أنه رآها (في صورة عجوز هتماء( )، عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت ؟ فقالت: لا أحصيهم، قال: وكلهم مات عنك أو كلهم طلقك.
قالت: بل كلهم قتلت، فقال عيسى عليه السلام: بؤسا لازواجك الباقين كيف تهلكهم واحدا واحدا ولم يكونوا منك على حذر)( ).

السبع الطوال والمثاني والمفصل
السبع الطوال البقرة وآل وعمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، وقيل ان السابعة سورة يونس .
والمئون : السور التي تلي السبع الطوال، سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية اوتقاربها منها سورة التوبة، سورة يوسف.
والمثانـي: هي الســور التي تأتي بعد المئين ســميت المثاني لأنها ثنتها وجاءت بعدها فتكــون المئون لها اوائل، او انها السور التي تكون آياتها اقل من مائــة، وقيل لأن الأمثــال تثنــى فيها بالعبر والخير، ولكن هذا القول لم يثبت والمثاني اسم من أسماء سورة الفاتحة.
أما المفصل فهو ما جاء بعد المثاني من قصــار السور سمي به لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة، وقيل لقلة المنسوخ فيه، وسماه سعيد بن جبير المحكم، واختلف في بداية سوره على اثني عشر قولاً منها انها تبدأ بـ ق، الحجرات، الصافات، سورة محمد وتسمى سورة القتال، ومنهم من قسمه الى ثلاثة اقسام طوال واوساط وقصار.

صرير الإقلام
وعن انس قال رسول الله: لما عرج بي رأيت مكتوباً على ساق العرش لا إله الا الله محمد رسول الله أيدته بعلي( ).
وعن سهل بن سعد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اسري بي جبريل سمعت تسبيحاً في السماوات العلى فرجف فؤادي فقال لي جبريل تقدم يا محمد ولا تخف فان اسمك مكتوب على العرش.
وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الاقلام( ).
وصريف الاقلام : تصويتها وظهور ما يدل على جريان وحصول الكتابة، وقيل: هو ما تكتبه الملائكة وما ينسخونه من اللوح المحفوظ من القضاء والأمر الإلهي.
وعن انس قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما اسري بي الى السماء قربني ربي تعالى حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين او ادنى لا بل ادنى وعلمني المسميات .
قال يا محمد قلت لبيك يا رب قال هل غمك ان جعلتك آخر النبيين.
قلت : يارب لا، قال عز وجل: فهل غم امتك ان جعلتهم آخر الأمم؟ قلت: يا رب لا، قال تعالى: ابلغ امتك مني السلام واخبرهم اني جعلتهم آخر الأمم لأفضح الأمم عندهم ولا افضحهم عند الأمم.
ثم رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين حملة العرش وسكان سدرة المنتهى من الملائكة خمس سماوات سرادقات من النور والنار والثلج والغمام والبرد ولولا ذلك لأحترق سكان سدرة المنتهى من نور حملة العرش، يضيء شعاعهم سدرة المنتهى ويضيء النور من سدرة المنتهى الى السماء الدنيا وان جبريل ينزل الى نهر يقال له الشرقي فيغتسل فيه، فيخرج وينفض اجنحته فيقطر من اجنحته سبعون الف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكاً يدخلون البيت المعمور ثم لا يعودون اليه.
ولما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مناجاة ربه رد الى البيت المعمور فاذن جبرئيل واقام للصلاة وقال يا محمد تقدم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقدم يا جبريل، فقال انا لا نتقدم الآدميين منذ امرنا بالسجود لآدم.
بركة رحلة الهبوط
لقد دار الزمان الى دورته الأولى بحديث الإسراء، فبعد هبوط آدم وحواء من الجنة وبداية الحياة الانسانية على الارض ورحلة الامتحان والابتلاء، جاء الهبوط الثاني كعنوان لثبات الاسلام وبزوغ شمس الهداية واختراق مبادئ التوحيد لكل بقاع الارض، انه هبوط سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم بعد تشرفه بالعروج في السماوات وتلقي الاحكام لينزل بالبشارة والمندوحة والهبات الإلهية.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثم انحدرت حتى مررت على ابراهيم فلم يسألني عن شيء حتى انتهيت الى موسى فقال ما صنعت يا محمد؟ فقلت قال ربي: فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة وفرضتها عليك وعلى امتك فقال موسى : اني خبرت الناس قبلك وقد لقيت من بني اسرائيل شدة وعالجتهم اشد المعالجة .
يا محمد ان امتك آخر الأمم واضعفها وان ربك لا يزيده شيء وان امتك لا تستطيع ان تقوم بها فارجع الى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرجعت وخررت ساجداً ثم قلت يا رب فرضت عليّ وعلى امتي خمسين صلاة ولا اطيق ذلك ولا امتي فخفف عني فوضع عشراً .
فرجعت الى موسى فاخبرته فقال ارجع فرجعت وخررت ساجداً فوضع عني عشراً وفي كل مرة يقول موسى ارجع الى ان قال بكم أمرت قلت بخمس .
قال ارجع الى ربك فاسأله التخفيف فان امتك اضعف الأمم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رجعت الى ربي حتى استحييت( )، ما انا براجع اليه .
فقيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: اما انك قد صبرت نفسك على خمس صلوات فانهن يجزين عنك خمسين صلاة فان كل حسنة بعشر امثالها .
ومن همّ من امتك بحسنة يعملها فعملها كتبت له عشراً وان لم يعملها كتبت له واحدة، ومن هم من امتك بسيئة فعملها كتبت عليه واحدة وان لم يعملها لم اكتب عليه، فرضي النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل الرضا وكان موسى اشده عليهم حين مر به وخيرهم حين رجع اليه ، قال الصادق عليه السلام: جزى الله موسى عن هذه الأمة خيراً)( ).
ان سؤال موسى عليه السلام المراجعة شهادة على رفعة الاسلام وعلو شأن المسلمين في سلم الايمان وتقدمهم على كل الملل السابقة، وفيه دلالة على استعداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للعمل بكل الأوامر التي تنزل من عند الله تعالى، وكثرة عدد المسلمين الذين يفوزون بالجنة.
الصلوات اليومية
عن زيد بن علي قال سألت زين العابدين فقلت له يا ابت اخبرني عن جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما عرج به الى السماء وامره ربه عز وجل بخمسين صلاة كيف لم يسأل التخفيف عن امته حتى قال موسى بن عمران ارجع الى ربك فاسأله التخفيف فان امتك لا تطيق ذلك .
فقال : يا بني ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقترح على ربه عز وجل ولا يراجعه في شيء يأمره به .
فلما سأله موسى ذلك وصار شفيعاً لأمته اليه لم يجز له ان يرد شفاعة اخيه موسى فرجع الى ربه عز وجل فسأله التخفيف الى ان ردها الى خمس صلوات .
فقلت يا ابت فلم لم يرجع الى ربه عز وجل ولم يسأله التخفيف من خمس صلوات وقد سأله موسى ان يرجع الى ربه ويسأله التخفيف .
فقال : يا بني اراد ان يجعل لأمته التخفيف مع اجــر خمسين صلاة لقوله عز وجل مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا.
الا ترى انه لما هبط الى الأرض نزل عليه جبرئيل فقال يا محمد ان ربك يقرئك السلام ويقول انها خمس بخمسين مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
فقلت : يا ابت أليس الله جل ذكره لا يوصف بمكان فقال بلى تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
قلت فما معنى قول موسى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارجع الى ربك؟ فقال: معناه قول إبراهيم إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، ومعنى قول موسى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ومعنى قوله عز وجل فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ.
وقد ناقش بعضهم كيف لا يرجو النبي صلى الله عليه وآله وسلم التخفيف في الصلاة حتى اقترح موسى عليه السلام .
والأولى هو قبول الحديث ثم تلمس المعارف الإلهية ووجوه الفلسفة العقائدية فيه فهو دليل على علو منزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جاء ليتلقى الأحكام له ولأمته وهو يعلم حسن امتثالها واستعدادها لوجوه العبادة الشاقة واليسيرة .
وعندما اقترح موسى عليه السلام وما كان له ان يتكلم الا باذن الله استجاب له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسن خلقه واكرامه للأنبياء خصوصاً من منازلهم في الآخرة.
النسخ
لقد اجمع علماء الإسلام على امكان ووقوع النسخ في القرآن وعليه الكتاب والسنة ، قال تعالى مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ).
والنسخ في الاصطلاح هو ارتفاع حكم كلي استغراقي ثابت في اصل الشريعة بدليل شرعي دل على ارتفاعه او انتهائه ، قال تعالى وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ.
وقد احتج من خالف وهو نادر وقال بعدم وقوع النسخ بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه امر ليلة المعراج بخمسين صلاة ثم راجع الى ان عادت الى خمس .
ومنهم من احتج بهذه المراجعة على جواز نسخ الشيء قبل فعله، ولكن الموضوع لا يصلح لاستدلال الفريقين وان كان قولاهما متنافيين .
فالقدر المتيقن من النسخ ما يقع فيما بين الدفتين من القرآن.
هذا من جهة ومن جهة اخرى فان المراجعة في الاسراء حصلت في السماء وبطلب من موسى عليه السلام، ونواميس السماء لا تنطبق تماماً مع نواميس الارض من جهة الرخصة والعزيمة، ومقدار الاذن وان أصل التشريع ووجوب خمسين صلاة في اليوم لم ينزل إلى الأرض.
الصلاة بالأنبياء السابقين
وردت الأخبار التي تفيد بصلاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء السابقين عند وصوله إلى بيت المقدس قادماً على البُراق من مكة .
وفي رواية عنه صلى الله عليه وآله وسلم ووجدت في بيت المقدس ابراهيم وموسى وعيسى فيمن شاء الله من انبياء الله عليهم السلام فقد جمعوا لي واقيمت الصلاة فلما استووا اخذ جبرئيل بعضدي فقدمني واممتهم ولا فخر.
سأل نافع الإمام الباقر عليه السلام عن قوله تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ من الذي سأل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان بينه وبين عيسى عليه السلام خمسمائة عام، فتلا الباقر عليه السلام هذه الآية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
فكان من الآيات التي اراها الله تبارك وتعالى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم حيث اسرى به الى البيت المقدس ان حشر الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم امر جبرئيل فاذن واقام وتقدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بالقوم فلما انصرف قال لهم: على ما تشـهدون؟ ما كنتم تعبدون .
قال نشهد ان لا اله الا الله الا الله وحده لا شريك له وانك رسول الله اخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا .
وكان عيسى عليه السلام في أيام حياته يبشر برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، كما ورد في التنزيل وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
لبيان توارث الأنبياء ومن أيام آدم عليه السلام البشارة برسالته ، وتجلى الأمر في حديث الإسراء عند لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء السابقين .
وورد في الروايات ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالأنبياء في بيت المقدس قبل عروجه الى السماء وانه ام سبعين نبياً وهبط مع جبرئيل ملك لم يطأ الأرض قط معه مفاتيح خزائن الأرض قال ان شئت كنت نبيا عبداً وان شئت ملكاً نبياً فاشار اليه جبرئيل ان تواضع يا محمد فقال بل اكون عبداً نبياً.
وهو من مصاديق الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة العبودية ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

آية النجوى
(وذكر السيوطي من اقسام النسخ نسخ المأمور به قبل امتثاله وهو النسخ على الحقيقة كآية النجوى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ولكن آية النجوى تم العمل بها على نحو القضية الشخصية قبل ان ترد الرخصة برفعها .
فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال (إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
إنه كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فجعلت اقدم بين يدي كل نجوة اناجيها النبي صلى الله عليه وآله درهما ، قال: فنسختها أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ أأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ))( ).
فقال عليه السلام : بي خفف الله عن هذه الأمة فلم ينزل في أحد بعدي)( ).
(وعن ابن عمر : كان لعليّ ثلاث : لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحب إليّ من حمر النعم : تزوجه فاطمة ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوى)( ).
قال الحسن ابن الشهيد الثاني بعد مطالبته بصحة الرواية: ان فيها طعناً على الأنبياء بالإقدام على المراجعة في الأوامر المطلقة)( ).
وليس فيها طعن بالأنبياء انما هي من مصاديق قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ بالإضافة الى عمومات الشفاعة، كما انها جزء من نواميس السماء واحكامها، ويمكن الإستدلال على امكان الواقعة من القرآن وهو الذي جعله الله تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وحجة دائمة، قال تعالى [وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا] ( ) وفيها اذن عام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على السؤال والإستماع الى الأنبياء الآخرين واقتراحاتهم .
لقد اراد الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثواب خمسين صلاة كل يوم بعزمهم ونيتهم على ادائها عند تشريعها وتلقيها بالقبول، وما كان من العفو فضلاً منه تعالى.
و(عن سهل بن سعد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما نزلت الى السماء الدنيا نظرت الى اسفل مني فاذا انا بوهج ودخان واصوات فقلت ما هذا يا جبريل قال: هذه الشياطين يحومون على اعين بني آدم الا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض ولولا ذلك لرأوا العجائب)( ).
العودة من بيت المقدس
وفي طريق عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيت الحرام مرت البراق على عير محملة لقريش ، ورد عن الباقر عليه السلام وفي حديث أبي سعيد الخدري أيضاً ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ان جبرئيل قال لي ليلة أسري بي حين رجعت وسألته هل لك حاجة قال حاجتي ان تقرأ خديجة من الله ومني السلام .
وقالت خديجة حين لقيها نبي الله وابلغها بالذي قال جبرئيل قالت ان الله السلام ومنه السلام واليه السلام وعلى جبرئيل السلام .
وفي صحيح مسلم عن ابي ذر انه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى اراه( ).
و(عن أبي العالية قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ، قال : رأيت نهراً ، ورأيت وراء النهر حجاباً ، ورأيت الحجاب نوراً لم أره غير ذلك)( ).
وفي طريق العودة مرّ النبي محمد وهو على البراق على قافلتين لقريش إحداهما لأبي سفيان والأخرى لعشيرة من قريش وهو من الشواهد على كثرة قوافل قريش ، ومصاديق قوله تعالى لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
وما أنعم الله عز وجل به على قريش وما يلزم من الشكر لله بالإقامة على التوحيد ، والتصديق بالمعجزات العقلية والحسية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما حدث في القافلتين عند مرور البُراق عليهم وتقدير أوان وصولهم إلى مكة لتكون علامات وشواهد على صدق رحلته كما سيأتي .
صبيحة الإسراء
عن أم هانئ –وهي اخت الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام- اتيت المسجد الحرام صبيحة الإسراء فصليت الغداة فتعلقت برداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقلت انشدك الله يا ابن العم ان تحدث بها قريشاً فيكذبك من صدقك فضربت بيدي على ردائه فانتزعه من يدي قال: والله لأحدثهم فقلت لجاريتي ويحك اتبعيه وانظري ماذا يقول وماذا يقال له.
ويلاحظ عدم وجود أثر للشيطان او افتتان به عند العروج من بيت المقدس الى السماء لأن الرحلة ملكوتية محضة، كما انه أمر يرجح حصول الإسراء في شهر رمضان لأن الشياطين تصفد فيه وتمنع من الحركة، وفيه بشارة للمسلمين بالنجاة من كيده ومكره عند الانقطاع الى الله والاخلاص في العبادة.
عن الإمام علي عليه السلام قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صبيحة يوم الليلة التي اسري به فيها وهو بالحجر يصلي فلما قضى صلاته وقضيت صلاتي سمعت رنة شديدة .
فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة؟ قال: الا تعلم، هذه رنة الشيطان علم انه أسري بي الليلة الى السماء فايس من ان يعبد في هذه الأرض)( ).
وفي الحديث دلالة على موضوعية حديث الاسراء في تثبيت دعائم الدين، واخبار عن اتصال افاضاته وتجلي ما تلقاه الرسول الأكرم من الأحكام في حياة المسلمين العبادية.
و(عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة ، فظعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي ، فقعد معتزلاً حزينًا ، فمرّ به عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه ، فقال له كالمستهزئ : هل كان من شيء ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، قال : وما هو ، قال : إني أسري بي الليلة)( ).
ان فضل ونعم الله تعالى على الناس اكثر من ان تعد او تحصى، ومنها ما هو خاص ومنها ما هو عام، ومنها ما يتعلق بالإطلاع على الغيب واسراره المكتومة، وقد يترشح عنه اذن بالإعلان والإخبار او لا .
والإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية نوعية عامة تخص كل انسان وهي دعوة للتصديق بالنبوة، فجاء اخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس عنها، ولكن الإخبار الابتدائي جاء بخصوص الشطر الأرضي منه وهو الإسراء الى بيت المقدس، وهو كاف للحجية والإنذار واثبات النبوة لاسيما وانه حصل منهم الإختبار عن معالمه ليصلح مناسبة كريمة لإسلام عدد من المشركين وكف اذى آخرين.
وقال ابو جهل: الى اين؟ قال الى بيت المقدس، قال ثم اصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم فلم يرَ أن يكذبه مخافة ان يجحد الحديث ان دعا قومه اليه، فقال: ارأيت ان دعوت قومك اتحدثهم بما حدثتني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، فقال يا معشر بني كعب بن لؤي فانفضت اليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا اليهما، قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اني أسري بي الليلة، فقالوا الى اين؟ قال: الى بيت المقدس، ركبت على البراق وقد اتاني جبرئيل بها وهي دابة خطوتها مد البصر فلما صرت عليه فصعدت الى السماء، ورأيت الجنة وما فيها واطلعت على الملك.
قالوا: ثم اصبحت بين ظهرانينا قال: نعم، واذا هم بين مصفق او واضع يده على رأسه متعجباً( ) .
وقالوا: يا محمد كذب بعد كذب يأتينا منك لئن لم تنته عما تقول وتدعي، لنقتلنك شر قتلة تريد ان تأفكنا عن الهتنا وتصدنا عما كان يعبد آباؤنا الشم الغطاريف( ) فقال يا قوم انما اتيتكم بالخير فان قبلتموه فاقبلوا فان لم تقبلوه فارجعوا وتربصوا بي اني متربص بكم واني لأرجو ان ارى فيكم ما اؤمله من الله فسوف تعلمون .
سؤال العلامة
لقد رأت قريش النبي محمداً يتكلم بثقة وطمأنينة وإخبار فاتجهوا إلى سؤاله عن علامة وبينة تدل على صدق كلامه وأنه أسري به في تلك الليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .
فأخبرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر من علامة جلية ، وشواهد في الطريق تجلت صحتها مع طلوع الشمس والحمد لله .
إذ قالت قريش اخبرنا عما رأيت قال رأيت عيراً لك يا ابا سفيان وهي ثلاثة وعشرون جملاً، وفيها غلامان لك احدهما صبيح والآخر رياح، ولما مرت البراق في ظلمة الليل على عير محملة فنفرت العير من دفيف البراق فنادى الذي في آخر العير غلاماً في اول العير ان يا فلان ان العير قد نفرت وان فلانة القت حملها وانكسرت يدها قالوا هذه آية واحدة.
ومررت ببطن البلقاء بعير بني فلان وقد اضلوا بعيراً لهم وهم في طلبه وفي رحلهم قعب مملوء ماء، فقلت يا جبريل قد عطشت فتناوله جبريل وشربت منه ثم غطيته فسألوهم هل وجدوا الماء في القدح قالوا هذه آية اخرى، ثم قالوا فاخبرنا عن عيرنا قال: مررت بها بالتنعيم( )، وبين لهم احمالها وهيئاتها وقال يقدمها جمل اورق عليه فزارتــان محيطتــان وتطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا هذه آية اخرى.
وقال رجل انا اعلم الناس ببيت المقدس وهيئته وقناديله واسطواناته وكيف قربه من الجبل فان يك محمد صادقاً فسأخبركم وان يك كاذباً فسأخبركم فجاء ذلك المشرك واخذ يسأل النبي .
عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما زلت انعت حتى التبس عليّ بعض النعت قال فجيء بالمسجد وانا انظر اليه حتى وضع دون دار عقيل( )، فنعته وانا انظر اليه وكان مع هذاالنعت لم احفظه، وقالوا هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى، قال: نعم، قالوا فصفهم لنا فوصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم خرجوا يشتدون نحو التيه وهم يقولون: لقد قضى محمد بيننا وبينه قضاء بيناً وجلسوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه؟ فقال قائل: والله ان الشمس قد طلعت وقال آخر: والله هذه الأبل قد طلعت يقدمها بعير اورق فبهتوا وسألوهم عن الإناء فاخبروهم انهم وضعوه مملوء ماء ثم غطوه وانهم وجدوه مغطى ولا ماء فيه.
وسألوهم عن البعير الذي ند لهم فاخبروهم انهم فقدوا بعيراً وسمعوا صوت رجل يدلهم اليه ثم اخذوه .
وعن الصادق عليه السلام ان قريشاً ارسلت الرسل وقالوا لهم حيث ما لقيتم العير فاحبسوها ليكذبوا بذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضرب الله وجوه الإبل فاقتربت على الساحل .
واصبح الناس فشرفوا فما رؤيت مكة اكثر مشرفاً ولا مشرفة منها يومئذ لينظروا ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقبلت الإبل ناحية الساحل وكما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وخرج المسلمون يومها فرحين بفضل الله، واسلم ساعتها عدد كبير من الناس وله الحمد في الأولى والآخرة.
الإسراء وبيت المقدس
من إعجاز القرآن الغيري مصاديق عديدة منبسطة على كل زمان ، ومن آياته الإعجازية ان نجد المسألة الإبتلائية التي تهم كل مسلم بل وكل انسان موجودة في القرآن ومذكورة بما يصلح للبحث والدراسة والإستنباط والإستنتاج لتتأكد حقيقة ثابتة وهي قانون القرآن تبيان ، قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
والإعجاز في بيت المقدس مركب، لما تعلق به من آيات في القرآن ولما له من منزلة عند المسلمين تجسدت بجعله القبلة الأولى لهم مع ان البعثة النبوية والتنزيل بدأ باشرف بقعة وهي مكة واسـتمر اتخاذه قبلة لمدة سبعة عشر شهراً من حين هجرة النبي والمسلمين الى المدينة وروي انه صلى الله عليه وآله وسلم كان قبل ذلك اذا صلى في مكة جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.
واختلف في التوجه الى بيت القدس هل كان فرضـاً لا يصح غيره ام كان على نحو التخيير ، وعن ابن عباس انه كان فرضاً محققاً بلا تخيير وعنه ايضاً ان أمر القبلة اول ما نسخ في القرآن .
والنسخ في الإصطلاح يعني وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن كآية منه تعالى ، نعم ان قوله تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
يدل في مفهومه على النسخ كفعل وهو ثابت عن طريق الأخبار والســيرة ومن الإعجاز ان القرآن خلد بيت المقدس كموضع عرج النبي منه الى السماء في دلالة على موضوعية له في معراج الأنبياء، ومهبط الملائكة بعد ان صلى فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ان الإسراء الى بيت المقدس بجسد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروحه ثم العروج به الى السماء يعطي موضوعية لبيت المقدس في اتصال الأرض بالسماء وعالم الأمر .
والمسلمون هم حملة لواء التوحيد وورثة الأرض بالإضافة الى اهميته واعتباره في عباداتهم بان كان القبلة الأولى، لقد اخبر القرآن عن احاطة بيت المقدس بالبركة السماوية الأولى وإخبر عن إحاطة بيت المقدس بالبركة السماوية بقوله تعالى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ.
وفي الخبر ان البركة تتعلق بالثمار والأشجار فاهله لا يحتاجون الى ان يجلب لهم من بلاد اخرى ومن افراد البركة كونه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة، وان البركة بمصداقها الأهم تكون بالمسلمين وبشعائر الإسلام واقامة الجمعة والجماعة في كل وقت .
وفي هذا اخبار عن دوام وجود المسلمين والإسلام فيه بيسر كما حصـل في المرة الأولى ، فالآية بشارة في فتحه ومن البركة المحبة والإستقرار والهداية التي يجب ان تكون في بقاعه.
كما ان في الآية مواساة للمسلمين وتخفيفاً لما يتعرض له بيت المقدس ومن الأذى والحجب احياناً من الوصول اليه، خصوصاً وان حديث الأسراء في مفهومه دعوة لزيارته، المواساة تجمع هنا مع البشارة بالفتح كما في قوله تعالى فإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً.
والقرآن معنا في السراء والضراء ، فمن اراد ان يرى صورة الفتح وحساباته فليرجع الى اول دخول للمسلمين الى بيت المقدس ودخول المسجد يعني فتح المدينة ودخول البلد كما اشار بالمسجد الحرام الى الحرم ومعناه وليستولوا على البلد لأنه لا يمكنهم دخول المسجد الا بعد الإستيلاء ولعل ما ذكروه قياس مع الفارق فمكة كان يحكمها الكفار من قريش والمؤمنون هاجروا منها.
اما بيت المقدس فالإخبار الإلهي عن نشر البركة حوله بالنعم والشعائر الإسلامية والوجود الإسلامي موجود فيه ابتداء واستدامة وفيه نوع تخفيف عن المسلمين ومدد ومقدمة للنصر .
ان التوكيد القرآني على اهمية بيت المقدس آية اعجازية حالت دون الإفتراء وادعاء قلة اهتمام المسلمين به، فقد اولاه المســــلمون عناية خاصة في صبرهم ومناسكهم .
لذا ترى العناية به فتحاً وعمارة وزيارة وسكناً منذ القرن الأول الهجري، ثم قام عبد الملك بن مروان في القرن الثاني ببناء قبة الصخرة وصحيح ان ذلك تم عندما ســيطر عبد الله بن الزبير على مكة والبيت الحرام الا انه لا يمنع من الدلالة على عناية المسلمين به ، قال تعالى يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
والمقدسة أي التي طهرها الله ، وهي بيت المقدس ويسمى ايليا .
وروى عن عكرمة عن ابن عباس (أن الأرض المقدسة أريحا)( ).
وعن الزهري انه لما قتل الحسين عليه السلام لم ترفع في بيت المقدس حصاة الا وجد تحتها دم عبيط ( )، واهتمت الدولة الفاطمية بالمسجد لما حدث زلزال كبير عام 424 هجري ولا يزال قسم من بنائه قائماً ويحظى المسجد الأقصى باهتمام المسلمين وعنايتهم .
ومن الأخبار ان المهدي ينزل ببيت المقدس ويصلي فيه .
اسم فِلَسطين
العرب ممن سبقوا غيرهم في سكن هذه البلاد وباسمهم سميت فلسطين بكسر الفاء ثم فتح اللام، ومن الإخطاء الشائعة ان الناس تقرأها بكسر اللام .
قال ابن منظور (فِلَسْطِينُ بكسر الفاء وفتح اللام الكورَةُ المعروفة فيما بين الأُرْدُنّ وديار مصر حماها الله تعالى)( ).
واختلف في تسميتها على أقوال :
الأول : نسبة الى فلسطين بن سام بن أرم بن سام بن نوح عليه السلام( ).
الثاني : باسم فلسطين بن كلثوم من ولد فلان بن نوح( ).
الثالث : باسم فلسطين بن كسلوخين بن صدقيا بن كنعان بن حام بن نوح.
الرابع : ان شعباً من شعوب البحر المتوسط يسمى بالفلسطينيين العرب هاجر اليها.
الخامس : (سمّيت فلسطين بفلسطين بن كسلوخيم من بني يافث بن نوح)( ).
السادس : (سميت باسم فلسطين بن فلان بن يونان بن يافث عليه السلام لنزوله بها)( ).
وقدر بعضهم هجرة هذه القبائل من جزيرة العرب الى هذه الأصقاع والى أرض الشام خاصة بالمدة المحصورة بين (3500-2500) قبل الميلاد وكانوا عبارة عن قبائل أشباه رحل .
وتدل هذه الهجرة على ان البلاد ذات خير ودار سكنى وانها ذات حضارة عريقة كجزء من البركة التي جعلها الله حول المسجد الأقصى لا على نحو الإستصحاب القهقري لما قبل ايام نزول القرآن بل لأن نعم الله تعالى متصلة وان ذلك السكن والبركة موجودان قبل ان يخلق بنو اسرائيل اذ ان التوراة تجعل ولادة أبناء يعقوب وهم اسباط اسرائيل الإثنا عشر نحو سنة الف وثمانمائة قبل الميلاد.
وَمِنْ الْبَرَكَةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحَوْلَهُ تَوَالِي بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تِلْكَ الْبُقَعِ الْمُبَارَكَةِ وَشُيُوعِ الْإِيمَانِ وَمَضَامِينِ التَّوْحِيدِ فِيهَا وَفِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ حَيْثُ كَانَ الْمُشْرِكُونَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ اضْعَافِ الْمُسْلِمِينَ وَاكْثَرَ عِدَّةً .
فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامِ اعْطِنِي قَبْضَةً مِنْ حَصَا الْوَادِي فَنَاوَلَهُ كَفًّاً مِنْ حَصًى عَلَيْهِ تُرَابٌ فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ وَقَالَ شَاهَتْ الْوُجُوهُ وَكَانَتْ بِدَايَةَ هَزِيمَةِ الْمُشْرِكِينَ وَفَزَعِهِمْ وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكنَّ اللَّهَ رَمَى.

البيت المعمور
في خطبة ملك يقال له راحيل في البيت المعمور في جمع من اهل السماوات السبع برواية الصدوق عن بعض الكتب:
الحمد لله الأول قبل اولية الأولين، الباقي بعد فناء العالمين، نحمده اذ جعلنا ملائكة روحانيين، وبربوبيته مذعنين وله على ما انعم علينا شاكرين.
حجبنا من الذنوب وسترنا من العيوب اسكننا السماوات وقربنا الى السرادقات وحجب عنا النهم للشهوات، وجعل شهوتنا في تقديسه وتسبيحه.
الباسط رحمته الواهب رحمته جل عن الحاد اهل الأرض من المشركين وتعالى بعظمته عن افك الملحدين ثم قال بعدها اختار الملك الجبار صفوة كرمه، وعبد عظمته لأمته سيدة النساء( ).
في الخبر عن الصادق عليه السلام: ان بعض قريش قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باي شيء سبقت الأنبياء وفضلت عليهم وانت بعثت آخرهم وخاتمهم؟ قال: اني كنت اول من أقر بربي جل جلاله، واول من اجاب حيث اخذ الله ميثاق النبيين واشهدهم)( ).
وفي الحديث دلالة على تفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن ثمرات وامارات هذا التفضيل حصول الإسراء مع خصوصيات انفرد بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمن الأنبياء من رزقه الله الاسراء في الأرض وطيها له ولكن الدرجة التي بلغها خاتم النبيين لم يصلها غيره من الأنبياء.

شذرات في الإسراء
لقد ذكرت في الجزء الثالث من كتابي الموسوم (خصائص النبي محمد (ص)) عناوين وقوانين بخصوص الإسراء منها :
الأول : الإسراء معجزة خالدة .
الثاني : الإسراء مدد .
الثالث : الإسراء تفضيل .
الرابع : قانون الانتفاع العام من الإسراء .
الخامس : تلقي الأحكام في الإسراء .
السادس : دلائل الإسراء من المسجد الحرام .
السابع : قانون الإسراء فيض ورحمة من الله .
الثامن : دخول المسجد الأقصى .
التاسع : رؤية الآيات الباهرات .
العاشر : الإسراء بالجسد والروح .
الحادي عشر : من دلائل الإسراء بالروح والجسد .
الثاني عشر : الإسراء بالبدن .
الثالث عشر : الإسراء عنوان المحبة .
الرابع عشر : السياحة في عالم السماء .
الخامس عشر : الإيمان بالمعراج .
السادس عشر : لقاء النبي محمد (ص) موسى (ع) .
السابع عشر : لقاء النبي محمد (ص) الأنبياء السابقين .
الثامن عشر : بلوغ سدرة المنتهى .
التاسع عشر : تجليات المعراج .
العشرون : سؤال الأنبياء حقيقة أم مجاز .
الواحد والعشرون : الإرتقاء العلمي في الإسراء .
الثاني والعشرون : شهادة العقل على تحقق الإسراء .
الثالث والعشرون : قانون الانتفاع العام من الإسراء.
الرابع والعشرون : قانون الإسراء مناسبة التخفيف عن أجيال المسلمين .
الخامس والعشرون : قانون الإسراء فيض ورحمة من الله.
السادس والعشرون : قانون الإسراء تشريف وأمان للمسلمين إذ أن إكرام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على نحو القضية الشخصية ينحل ليشمل عموم المسلمين، وفي جميع الأزمنة.
السابع والعشرون : قانون معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ونعمة عامة.
الإسراء معجزة
لا يقع الإسراء إلا بالليل ، وهو الذي اخبرت عنه آية الإسراء .
يقال : سريت مسرى وسرى وأسريت إسراءً .
(قال رُؤبةُ بن العجاج :
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيت… ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاها لَيْتُ)( ).
وفي حصول الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلاً وليس في النهار وجوه :
الأول : الليل مناسبة للمناجاة والإنقطاع إلى الله عز وجل ، قال تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ.
الثاني : هدوء الأصوات وقلة الحركة وتغشي السكون للأرض في جوف الأرض ، وفي إبراهيم عليه السلام ورد قوله تعالى فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي.
الثالث : إخبار القرآن عن حدوث الإسراء بالنبي محمد ليلاً دعوة للمسلمين للتفكر في بدائع صنع الله والآيات الآفاقية ، وفي التنزيل وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الرابع : الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صاحب كريم للمؤمن يطرد عنه وحشة الليل ، ويدعوه لاتخاذه وعاء للذكر والتسبيح ، قال تعالى كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ.
الخامس : التأسي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعبادة والذكر في الليل والنهار .
السادس : بيان اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طاعة الله عز وجل في الليل والنهار ، قال تعالى طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى.
السابع : الإخبار بأن أذى المشركين له في مكة لم يمنع من نزول الآيات الحسية والعقلية عليه .
الثامن : بيان الفضل الإلهي على المؤمنين في الليل .
التاسع : إطلالة الصباح على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والناس بآية كونية عظمى وهي العروج به إلى السماء ، وبقاء هذه الآية محل فخر عند المسلمين ، ويتلونها في الصلاة اليومية ، ومن الإعجاز تسمية سورة كاملة باسم (سورة الإسراء) مع ورود آيات في سورة النجم بذات الموضوع.
العاشر : بيان قانون عدم انحصار الكسب العلمي بساعات النهار.
الحادي عشر : قانون ساعات الليل مناسبة لنزول الفيض الإلهي على النبي وعلى الأمة .
الثاني عشر : بيان قانون إشراقة صباح الإسلام على الأرض ، فكأن الإسراء إيذان وبشارة بفجر الإسلام .
الثالث عشر : بعث الطمع في نفوس المسلمين بنزول رحمة الله في ساعات الليل ، وفي التنزيل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.
الرابع عشر : بيان معجزة للنبي محمد فالناس نيام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في سياحة في ملكوت السموات .
الخامس عشر : بيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفوزه برؤية الآيات الكونية العظمى ، ونقل إخبارها إلى المسلمين قبل الهجرة وبعدها لتكون ثروة ومادة للإتعاظ والتدبر .
السادس عشر : يبعث الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السموات الشوق في نفوس المسلمين للجنة .
السابع عشر : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من صدود الذين كفروا وانتفاء ضرره فهو ليس وحيداً في الدنيا بل معه الملائكة .
الثامن عشر : من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية أنه حالما هبط من السماء إلى بيت المقدس ثم انتقل الى مكة صار يخبر كفار قريش بهذه الآية العظمى .
وفيه دعوة لهم ولعامة الناس للإسلام ، وزجر لهم عن إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسع عشر : بيان شاهد على أن أبواب السماء مفتحة ، والمنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العشرون : إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كفار قريش بوقائع ليلة الإسراء به إلى بيت المقدس ، ثم العروج به إلى السماء جهاد علني في سبيل الله .
الواحد والعشرون : الإسراء شاهد على تفضل الله عز وجل باصلاح النبي محمد في الليل والنهار للإمامة الكبرى ، قال تعالى فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
الثاني والعشرون : لقد أكرم الله عز وجل موسى عليه السلام وقومه من بني إسرائيل بالإستجابة لدعائه ونجاتهم من قوم فرعون ، إذ قال تعالى فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ.
فكان إسراء موسى عليه السلام في الأرض على وجل وخوف من فرعون وجنوده ، ليرزق الله عز وجل خاتم النبيين محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الصعود في السموات العلى في ليلة واحدة بين ظهراني قوم مشركين ، وتبقى آية الإسراء مدرسة وذخيرة في العلوم والمعارف الإلهية .
النهي عن محاربة النبي (ص)
الإسراء معجزة لنهي المشركين عن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالملائكة الذين حملوه إلى بيت المقدس ثم عرجوا به إلى السماء يحضرون لنصرته في ميدان المعركة ، وهو الذي تحقق بفضل الله .
ففي معركة بدر انقطع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدعاء.
وعن الإمام علي عليه السلام (لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا لانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل، قال: فجئت فإذا هو ساجد يقول : يا حى يا قيوم يا حى يا قيوم ، لا يزيد عليها.
فرجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، فذهبت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا، حتى فتح الله على يده)( ).
و(عن عبدالله بن مسعود، قال: ما سمعت مناشدا يشند أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر، جعل يقول : اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد ، ثم التفت وكأن شق وجهه القمر وقال: كأنى أنظر إلى مصارع القوم عشية)( ).
فنزل قوله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
لقد اثبت القرآن والسنة النبوية والوقائع التأريخية قانون خسارة الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل يختص هذا القانون بحياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب أنه ينبسط على أيام الحياة الدنيا ، وقال تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ )( ).
والنسبة بين المحاربة والقتال عموم وخصوص مطلق ، فالمحاربة أعم .

وقائع الإسراء
موضوع للإحتجاج وبيان لما إنفرد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخصائص والمعجزات التي تدعو الناس جميعا إلى ضرورة الإيمان برسالته وإتباعه .
وقد دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجنة، وصلى بالأنبياء، للدلالة على موضوعية الصلاة في الحياة اليومية للعباد، وقيل (الصلاة معراج المؤمن)( ).
فذات الصلاة عروج في عالم الملكوت، وتأكيد عملي لتنزه الله عز وجل عن نقائص الإمكان، لذا جاء تشريع الصلاة في العالم العلوي ليلة الإسراء في حال الإبتعاد عن أدران الدنيا ومشاغلها، وأسباب الغفلة فيها.
وتتجلى موضوعية الصلاة بلحاظ آية البحث بالملازمة بينها وبين الإيمان ويدل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا) الذي ورد في القرآن تسعاً وثمانين مرة على تعاهد المسلمين للصلاة بلحاظ أنها (عمود الدين)( ).
وبناء على هذه الملازمة يكون تقدير الآية(يا أيها الذين أقاموا الصلاة) نعــم الإيمان إقرار بالقلب وأمر عقائدي ، لذا يشترط القربة في العبادات .
والصلاة ترجمة عملية لهذا الإقرار وشاهد عليه، أراد الله عز وجل من المسلمين إتيانه على نحو يومي متكرر، والصلاة واقية من المعصية ، وزاجر عنها ، فسبحان الذي جعل الزاجر عن المعاصي يومياً ، لسلامة ذات وفعل كل مسلم ومسلمة من الدرن.
ليكون من مصــاديق إيمان وإقرار المسلم بقلبه بالربوبية لله عز وجل الإنزجار اليومي عن السيئات ، قال تعالىوَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ.

سوء عاقبة الربا
الربا لغة : هو الزيادة والتجاوز ، وفي الإصطلاح هو زيادة أحد النوعين من المال على النوع الآخر إذ كانا من جنس واحد ، فلا يصح بيع المسلم ديناراً بدينارين .
وتضمن حديث الإسراء شواهد على سوء عاقبة آكلي الربا.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الإسراء: ثم مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر من عظم بطنه فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاءالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ وإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً يقولون : ربنا متى تقوم الساعة ، ولا يعلمون أن الساعة أدهى وأمر)( ).
وفي صفة أكلة الربا في الآخرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ثُمّ رَأَيْت رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ يَمُرّونَ عَلَيْهِمْ كَالْإِبِلِ الْمَهْيُومَةِ حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النّارِ يَطَئُونَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ . قَالَ قُلْت : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرّبَا)( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة ، فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق ، قال : وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل .
قال : هؤلاء أكلة الربا .
فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا بِرَهَج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحرفون على أعين بني آدم ألا يتفكرون في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب)( ).
ويبين الحديث أعلاه أن أهل الربا من أوائل الناس من أصحاب النار الذين إطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم في حال العذاب في عالم البرزخ، وفي الحديث بيان لتفسير الآية أعلاه.
البشارة والإنذار في الإسراء
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة الخاتمة ، والوظائف الرسالية التي يؤديها إذ قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
وتتضمن معجزة الإسراء الشهادة في عالم الملكوت والبشارة للمؤمنين والإنذار للكافرين والظالمين ومنه الإنذار ببيان شواهد عذابهم في عالم البرزخ.
وحديث الإسراء مدرسة في الإنذار والتحذير من قبائح الأعمال التي تجلب الخلود في العذاب، وهو آية في عالم التكوين، وإتحاد سنخية الخلائق في عائديتها إلى الله عز وجل، وقدرته تعالى في تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأحكام في السماء مثلما يتلقاها في الأرض، وهو من عمومات قوله تعالىسَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ.
وجاءت الآية بصيغة الجمع وصيغة الخبر .
والإسراء آية آفاقية جرت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بروحه وبدنه على نحو قضية عين شخصية ، اختصه الله تعالى بها من بين الناس في أجيالهم المتعاقبة لبيان أنه دعوة للتوبة والإنابة والصلاح وتهذيب المعاملات من الحرام .
والأولى إنشاء عنوانين بتتبع حديث الإسراء لاستقراء أمور :
الأول : مضامين البشارة في حديث الإسراء ومنها إخبار الأنبياء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما شاهده ليلة الإسراء .
الثاني : الإنذارات في حديث الإسراء .
معجزة الصعود إلى سدرة المنتهى
السدرة هي شجرة النبق ، والنبق هو ثمرتها ، وجمع السدرة : السدر .
وتتصف هذه الشجرة بالظل المديد ، والطعام اللذيذ ، والرائحة الطبية .
ولقد ورد ذكرها في القرآن مرتين في قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ،هذه السورة التي تذكر حديث المعراج ، مثلما ذكرت سورة الإسراء حديث الإسراء إذ وقع الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ، وتتضمن هذه الآيات الإخبار عن رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لجبرئيل عليه السلام ، ولم يرد لفظ [نَزْلَةً] في القرآن إلا في الآية أعلاه.
وأختلف في هذه الرؤية على أقوال :
الأول : (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه ولم يره ببصره)( ) عن أي ذر .
الثاني : رآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جبرئيل عند سدرة المنتهى (عن ابن مسعود وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى قال : رأى جبريل معلقاً رجله بسدرة عليه الدر كأنه قطر المطر على البقل)( ).
الثالث : رؤية آيات الله العظمى كما ورد في ذات سورة النجم ، وبإسناد الكليني عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلي أبى الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه، فسأله عن الحلال والحرام والاحكام حتي بلغ سؤاله التوحيد، فقال أبو قرة: إنا روينا أن الله عزوجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسم لموسى عليه السلام الكلام ولمحمد صلى الله عليه واله الرؤية .
فقال أبو الحسن عليه السلام : فمن المبلغ عن الله عزوجل إلى الثقلين الجن والانس: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ أليس محمد صلى الله عليه واله .
قال: بلى، قال: فكيف يجيئ رجل إلي الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ)( ).
وهل في هذا الخبر شاهد على سلامة القرآن من التحريف ، ولزوم عرض الروايات عليه ، الجواب نعم ، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رآى الله عز وجل ، إنما ورد عنه قول (نور أنى أراه ) وهو بيان لقوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ….
وفي سدرة المنتهى (وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكا قائما يسبح الله تعالى، وقيل: يغشيها من النور والبهاء والحسن والصفاء الذي يروق الابصار ما ليس لوصفه منتهى عن الحسن، وقيل: يغشيها فراش من ذهب عن ابن عباس ومجاهد، وكأنها ملائكة على صورة الفراش يعبدون الله تعالى والمعنى أنه رأى جبرئيل على صورته في الحال التي يغشى فيها السدرة من أمر الله)( ) .
وفي حديث مالك بن صعصعة في حديث طويل حدثهم به رسول الله عن ليلة أسري به (ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا أربعة أنهار يخرجن من أصلها : نهران باطنان : ونهران ظاهران .
فقلت : يا جبريل ، ما هذه الأنهار ، فقال : أما الباطنان ، فنهران في الجنة . وأما الظاهران فالنيل والفرات ، ثم رفع إليَّ البيت المعمور قلت : يا جبريل ، ما هذا؟ قال : هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه ، آخر ما عليهم)( ).
لبيان إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبلوغه أعلى المراتب ، وإطلاعه على عالم السماء ، وفيه بشارة الشفاعة لأمته ، وهل في معجزة الإسراء دعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل على هذه النعمة العظمى .
الجواب نعم ،وهو من معاني ابتداء آية الإسراء بقوله تعالى (سبحان) لما في هذه الكلمة من تنزيه لمقام الربوبية ، وبيان عظيم قدرة الله عز وجل ، وفيه دعوة لهم وللناس جميعاً للتدب في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والتفكر في بديع صنع الله عز وجل ، والترابط بين أهل السماء وأهل الأرض ، وهل معجزة الإسراء والمعجزات من مصاديق قوله تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( )، الجواب نعم.
وكما ابتدأت آية الإسراء بقوله تعالى [سبحان]فان الآية أعلاه تضمنت تقديس مقام الربوبية بقوله تعالى [سُبْحَانَكَ]لبيان صدق إيمان المسلمين والمسلمات بالنطق اليومي بالكلمات القدسية التي تنزه مقام الربوبية ، وكلمة (سبحان ) لا تصح إلا لله عز وجل ، وهي ملحقة باسم الجلالة .
لقد لاقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد الأذى من كفار قريش ، فاكرمه الله عز وجل بمعجزة الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السماء في ذات ليلة الإسراء ، وفيه مواساة ودعوة له ولأهل البيت والصحابة الأوائل بالصبر وتحمل الأذى ، وحجة على الذين كفروا .
ذخائر الإسراء
الإسراء آية وفضل من عند الله عز وجل وشاهد على اتحاد ملكية السموات والأرض ، وأنها مجتمعة ومتفرقة ملك لله عز وجل ، وفيه وجوه :
الأول : معجزة الإسراء واستحضارها ذكر لله عز وجل .
الثاني : تلاوة آية الإسراء والآيات الخاصة به من سورة النجم مناسبة لشك المسلمين لله عز وجل على نعمة آية الإسراء .
الثالث : الإسراء معجزة حسية وعقلية ، إذ أن توثيقها السماوي في القرآن معجزة عقلية .
الرابع : قانون معجزة الإسراء حجة متجددة على الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
الخامس : قانون الإسراء عنوان تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن (ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام)( ).
السادس : إنفراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء والمعراج به إلى السموات العلى ، وهبوطه في ذات الليلة ، وهو الذي يدل عليه ذكر الليل في قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ .
السابع : الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعروج به إلى السموات دليل على إنعدام الشريك والند لله عز وجل .
الثامن : الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيبة للشيطان وأعوانه .
التاسع : الإسراء من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( ).
العاشر : لقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن إبتداء حيث الإسراء من مكة (كان أبو ذر يحدث أن رسول الله قال : فرج سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بما زمزم .
ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء ، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل عليه السلام لخازن السماء : افتح .
قال : من هذا؟ قال : جبريل .
قال : هل معك أحد؟ قال : نعم ، معي محمد .
قال : أرسل إليه؟ قال : نعم . ففتح ، فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره أسودة ، فإذا نظر قبل يمينه تبسم وإذا نظر قبل شماله بكى .
فقال : مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح ، قلت لجبريل : من هذا؟ قال : هذا آدم ، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنة . والأسودة التي عن شماله أهل النار ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر عن شماله بكى ، ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح . فقال له خازنها مثل ما قال الأول ، ففتح)( ).
نزول الملائكة يوم بدر
الإسراء شاهد على تفضل الله بفتح أبواب السماء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه بشارة استدامة أحكام الإسلام والرزق الكريم للمسلمين ، ونزول الملائكة من السماء لنصرته في ميادين الدفاع ضد المشركين ، قال تعالى بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.
وبالإسناد عن الإمام علي عليه السلام في حديثه عن وقائع معركة بدر ومقدماتها (قال لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتخبر عن بدر .
فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر وبدر بئر فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين منهم رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط .
فأما القرشي فأنفلت وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له كم القوم قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له كم القوم قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم .
فجهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبره كم هم فأبى ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا في كل يوم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القوم ألف كل جزور لمائة وتبعها.
ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ربه ويقول اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد قال فلما أن طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحرض على القتال .
ثم قال إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل فلما دنا القوم منا وصافناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا علي ناد لي حمزة وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن يكن في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر.
فجاء حمزة فقال هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم يا قوم إني أرى قوما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير يا قوم أعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة وقد علمتم أني لست بأجبنكم.
قال فسمع ذلك أبو جهل فقال أنت تقول هذا والله لو غيرك يقول لأعضضته قد ملأت رئتك جوفك رعبا فقال عتبة إياي تعني يا مصفر استه ستعلم اليوم أينا الجبان قال فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا من يبارز فخرج فتية من الأنصار ستة .
فقال عتبة لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بني عمنا من بني عبد المطلب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قم يا علي وقم يا حمزة وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين .
فجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا فقال العباس يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم.
فقال الأنصاري أنا أسرته يا رسول الله فقال اسكت فقد أيدك الله بملك كريم.
فقال علي فأسرنا من بني عبد المطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث)( ).
و(عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لأبي اليسر: كيف أسرت العباس يا أبا اليسر .
فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ولا بعد، هيئته كذا وهيئته كذا، فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لقد أعانك عليه ملك كريم)( ).

قوانين الجزء
وفيه القوانين التالية :
الأول : قانون التتابع بين السبب والمسبب، والعلة والمعلول .
الثاني : قانون النبوة جهاد متصل في جميع آنات الليل والنهار.
الثالث : قانون ابواب الكسب العلمي والموهبة لا تنحصر بساعات النهار.
الرابع : قانون جريان الإعداد للإمامة والرياسة العامة في أمور الدين والدنيا في الليل والنهار،في الليل يكون الانقطاع الى الله وفي النهار الجهاد والدعوة الى الله عز وجل.
الخامس : قانون لا يرتقي في السماء إلا من اخلص في عبوديته لله ومنهم الملائكة .
السادس : قانون الوفاق بين الحكم الشرعي والصحة ، أن شرب الخمر سبب للأمراض الفتاكة ، وهو سبب للتعجيل بالوفاة ومن غير تدارك بالتوبة .
السابع : يتجلى قانون حب العبد لله عز وجل مرآة لمعرفته ، وشاهد على صدق إيمانه وباعث لحسن العبادة ، والشوق للقائه ، وهو واقية من ارتكاب السيئات .
الثامن : قانون الملازمة بين الإيمان وفعل الخيرات .
التاسع : قانون الإيمان وعمل الصالحات طريق إلى الجنة بدليل شواهد من السماء ، وحياة الأنبياء وطائفة من الصالحين فيها .
العاشر : قانون عدم انحصار الكسب العلمي بساعات النهار.
الحادي عشر : قانون ساعات الليل مناسبة لنزول الفيض الإلهي على النبي وعلى الأمة .
الثاني عشر : قانون إشراقة صباح الإسلام على الأرض ، فكأن الإسراء إيذان وبشارة بفجر الإسلام .
الثالث عشر : قانون خسارة الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل يختص هذا القانون بحياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب أنه ينبسط على أيام الحياة الدنيا .
الرابع عشر : قانون معجزة الإسراء حجة متجددة على الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
الخامس عشر : قانون الإسراء عنوان تفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

المحتويات
المقدمـــة 3
آية الإسراء 6
اللغة 6
من معاني (سبحان) 7
بيان كلمات الآية 9
شرف مقام العبودية 11
المسجد الأقصى 12
من إعجاز الآية 13
قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى] 14
رؤية الآيات 15
لماذا الإسراء في الليل 18
نسبة الإسراء إلى الله 22
قوله تعالى[بِعَبْدِهِ لَيْلاً] 24
الإسراء نعمة عظمى 26
العلة الفاعلية 27
الإرتقاء في العلوم 28
من إفاضات الإسراء 30
دلالات صفة العبودية 32
عذوبة العبودية لله 34
قوله تعالى [مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] 35
قدسية البيت الحرام 38
بداية موضع الإسراء 39
قوله تعالى [إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى] 40
فضل بيت المقدس 42
قوله تعالى [الَّذِي بَارَكْنَا حوْلَهُ] 45
قوله تعالى [لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا] 45
قوله تعالى [إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ] 47
الإسراء بالبدن والروح 48
أصالة الإطلاق 49
أصالة اليقظة 50
ترجمة حذيفة 51
الإجماع على الإسراء بالجسد 53
شواهد قرآنية 54
المعراج في القرآن 55
التوثيق السماوي 56
رؤية الآيات الكبرى 57
معجزة لقاء الأنبياء السابقين 58
إبطال القول بالإسراء بالروح فقط 59
تأريـخ الإسراء 61
ليلة الإسراء 63
قصة المعراج 66
هيئات الملائكة 67
الإغتسال بطست الذهب 68
البُراق 71
تسمية البُراق 73
الإسراء مكرمة 75
في الطريق إلى بيت المقدس 76
في بيت المقدس 79
شرب النبي (ص) اللبن 81
حرمة الخمر 82
دخول المسجد الأقصى 83
العروج الى عالم الملكوت 84
باب الحفظة 86
رؤية النار وخازنها 86
الغيبة وقبحها 88
عاقر الناقة 91
حرمة وعاقبة الزنا 92
شواهد من المعراج 94
من عقوبة الزنا 96
الدعوة الى الاسلام 97
صورة من النار 99
رؤيا الأنبياء وحي 100
الإسراء وولادة الزهراء 101
الولادة المباركة 103
سرعة اللحوق بالنبي (ص) 104
دلائل اللحوق السريع 105
ماهية الروح 107
تقسيمات الروح 113
الإسراء عقلاً 114
قاعدة الحسن والقبح العقليين 115
الرد على القول الإسراء بالروح 117
إسراء الأنبياء 118
الدعاء للناس 120
الصبر سلاح النبوة 123
إسراء سليمان 125
معراج السيد المسيح 126
معجزة الإسراء المتعدد 128
الإسراء فقاهة وعلم 129
الإسم الأعظم 130
الإسراء والأذان 132
تشريع الأذان 133
الصلاة والإسراء 135
الصلاة في السماء 137
بحث عرفاني 139
الإسراء والدعاء 140
الإسراء ونزول القرآن 142
الإسراء والحج 144
بين الحب والعشق 147
بحث كلامي 148
العجز عن الرؤية 149
استحالة الرؤية 151
سؤال موسى (ع) الرؤية 154
الرؤية في الآخرة 156
هل الجنة والنار مخلوقتان 158
عالم البرزخ 161
دخول النبي (ص) الجنة 163
اطلاع جبرئيل على النار 165
مسائل في الإحتكار 166
الإسراء والأخلاق 167
النبوة والإسراء 170
الإسراء والوحي 173
جهاد الوحي 174
الإسراء فيض متعدد 176
بحث عرفاني آخر 178
الإسراء حق 179
المعراج والملائكة 181
التفضيل بين الملائكة والأنبياء 182
وزيران في السماء 185
بديع خلق الملائكة 187
خصائص الملائكة 190
الإسراء حجة 191
الإيمان بالمعراج 194
الإسراء والهبوط 196
الإسراء نعمة ورحمة 197
الإسراء والجن 199
بين الخلافة والإسراء 201
الإسراء وملك الموت 203
صلة ملك الموت بالأنبياء 205
لقاء ملك الموت 206
الإسراء والعلم 210
الإسراء والعلوم المعاصرة 211
عاقبة الربا 213
ماشطة بنت فرعون 215
كتابة فرعون التسمية 216
فرعون اسم لملوك 218
أهل البيت حرقوا بالنار 220
إحضار المعراج 222
استحضار الدعاء 224
في السماء الدنيا 225
صفة آدم 226
آدم وأبناؤه 228
في رحاب الملكوت 230
دعاء ملكين في الإنفاق 231
حفاوة الملائكة بالنبي (ص) 232
في السماء الثانية 233
لقاء عيسى (ع) 234
تسمية عيسى (ع) 235
في السماء الثالثة 238
في السماء الرابعة 239
في السماء الخامسة 241
في السماء السادسة 241
قصة زكريا من السماء 243
حب الله 244
في السماء السابعة 247
لقاء إبراهيم عليه السلام 249
تذاكر الساعة 251
غراس الجنة 252
الروح التي في السماء 253
بحار النور 254
السياحة على ظهر السماء السابعة 255
الروحانيون 257
الكوثر 258
سدرة المنتهى 260
الحجب 262
بين القرض والصدقة 263
شواهد من الجنة 264
الجلوس في الجنة 266
في حضرة القدس 267
تشريع الصلاة 273
أكاليل التفضيل من الجنة 276
دعاء النبي (ص) في السماء 278
دخول الجنة والإطلالة على النار 280
تلقي الأحكام في الإسراء 281
نسبة الإسراء إلى الله عز وجل 283
الدنيا بهيئة امرأة 285
السبع الطوال والمثاني والمفصل 288
صرير الإقلام 289
بركة رحلة الهبوط 290
الصلوات اليومية 291
النسخ 293
الصلاة بالأنبياء السابقين 294
آية النجوى 296
العودة من بيت المقدس 298
صبيحة الإسراء 299
سؤال العلامة 301
الإسراء وبيت المقدس 303
اسم فِلَسطين 306
البيت المعمور 308
شذرات في الإسراء 309
الإسراء معجزة 310
النهي عن محاربة النبي (ص) 313
وقائع الإسراء 315
سوء عاقبة الربا 316
البشارة والإنذار في الإسراء 317
معجزة الصعود إلى سدرة المنتهى 318
ذخائر الإسراء 321
نزول الملائكة يوم بدر 323
قوانين الجزء 326
المحتويات 328

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
82 لسنة 2026