تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

خصائص النبي محمد (ص) الجزء الرابع

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمـــة
الحمد لله الذي هدانا للحمد له والثناء عليه ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
الحمد لله في السراء والضراء ، والرخاء والشدة .
ومن بركة وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التخفيف عن المسلمين والناس الشدائد ، وصرف البلاء عن المؤمنين ، وهو من مصاديق قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
الحمد لله رب العرش العظيم الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما ، تفضل وجعل النبي محمداً خاتماً للنبيين ، لتبقى رسالته خالدة إلى يوم القيامة في مضامينها ، وليعمل المسلمون بأحكامها إلى يوم القيامة.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعاهد المسلمين لأحكام الشريعة وإلى يوم القيامة في آية وفضل على الناس برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
الحمد لله على طول العمر ، وسعة في الوقت والتوفيق للتدريس والإفتاء ، وتأليف مائتين وثمانية وستين جزء من معالم الإيمان في تفسير القرآن إلى الآن وكله تأويل للآيات واستنباط للقوانين والمسائل في تثوير لعلم التفسير ، وشاهد جلي على قانون علوم القرآن غير متناهية.
ترى ما هي النسبة بين فضائل وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالفضائل أعم ، ليتجلى التخصيص بأمور :
الأول : المعجزات العقلية والصفة الخاصة لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية .
الثاني : المناقب الحميدة .
الثالث : الفضائل التي ينفرد بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : من مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم المعجزات والكرامات الخاصة به.
الخامس : نزول آيات وسور القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ جعله الله تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
السادس : الخصائص والخصال التي ينفرد بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته القولية والفعلية والتقريرية والتدوينية والدفاعية.
لقد قام عدد من الفقهاء وكتاب السيرة بتأليف عدة كتب في خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وغلبت عليها صبغة الفقه الحديث عن الواجبات والمباحات ، كزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأكثر من أربع ، وصيامه صوم الوصال ، والمحظورات مثل الصدقة ، وخائنة الأعين.
ويمكن تقسيم خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أقسام متعددة منها :
الأول : الأمور التي انفرد بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحكم عن المسلمين مثل الزواج من أكثر من أربعة .
الثاني : المسائل التي اختص بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمن سبقه من الأنبياء ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم (عن أبي امامة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فضلت على الأنبياء بأربع : أرسلت إلى الناس كافة ، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجداً وطهوراً ، فأينما رجل أدركه من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره ، ونُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي ، وأحل لنا الغنائم)( ).
الثالث : ما أكرمه الله عز وجل في الدنيا مثل عالمية رسالته ، وفي الآخرة ومنها الشفاعة الكبرى وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : أدخرت شفاعتي .
الحمد لله بديع السموات والأرض وما بينهما من غير حاجة لها ، وتفضل وجعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لينتفع الناس ، البر والفاجر من كنوز الأرض وذخائرها التي ادخرها الله عز وجل للأجيال المتعاقبة من الناس ، لينفخ في الصور وهناك فضل عظيم من الرزق لم ينفذ .
ولما بلغ سكان الأرض أكثر من ثماني مليارات تجلت أمارات انتفاع الناس من عالم الفضاء والكواكب ، وهل هو من مصاديق بسط الرزق للناس في قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ، الجواب نعم فلم تقيد الآية الرزق بأنه في الأرض على نحو الحصر ، ليتجلى قانون وجوب الشكر لله عز وجل.
وصدور هذا الشكر من الناس جميعاً ، وتنبيه العلماء الناس بأن استدامة الحياة والزيادة في الأرزاق ليست بأسبابها المادية بل بفضل من عند الله عز وجل ، وهو الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لتختص أمته بتعاهد الشكر لله عز وجل على كل نعمة شخصية أو عامة ، قال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام في الحمد والشكر لله عز وجل .
و(أخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخوف زماناً .
فلما نزلت إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اجتهد ، فقيل له : تجهد نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر . قال : أفلا أكون عبداً شكوراً)( ).
والحسن البصري تابعي ولد سنة (21) للهجرة وأبوه يسار مولى زيد بن ثابت ، ولم يرفع الحسن هذا الحديث والتعاقب بين موضوع الآيتين ، وليس من نسخ موضوعي بين الآيتين ، وكل واحدة منها محكمة خاصة مع مجيئها بصيغة الجملة الخبرية .
وهذا الكتاب الذي بين يديك هو الجزء الرابع من كتابي الموسوم (خصائص النبي محمد (ص) ) في آية علمية جامعة مانعة ، وقد ألف العلماء كتباً بخصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثرها من جزء واحد ، نعم ليس المدار على الكم إنما هو الكيف ، والإستقراء والإستنباط والإستدلال ، ومنهم من أعطى موضوعية وتفصيل في المقام لزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأكثر من أربعة ، ومنهم من قسم هذه الخصائص بلحاظ الأحكام التكليفية ، الوجوب ، والمندوب ، والمباح ، والمحظور مع إضافة الكرامات والمعجزات ومحاسن الأخلاق ، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ومنهم من قسمها إلى :
الأول : خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحياة الدنيا .
الثاني : خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة ، ومنهم من جمع وخلط الفضائل والخصائص النبوية مع أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، وأن الفضائل أعم وأكثر ، وقد يلتقي معه بها الأنبياء السابقون .
ومن فضل الله عز وجل تضمنت الأجزاء الثلاثة المباركة السابقة نحو تسعمائة خصيصة وخصلة مباركة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ما لم يطرأ على الأذهان .
وتضمن هذا الجزء نحو (660) ستمائة وستين خصيصة وخصلة مباركة والحمد لله .
ومن الآيات التي تتضمن الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيان جهاده وصبره وعظيم منزلته قوله تعالى قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ.
حرر في 16 محرم الحرام 1447
12/7/2025
 
لماذا خصائص النبي محمد (ص)
تتصف خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمور :
الأول : إنها مدرسة وموعظة للأجيال .
الثاني : إنها من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً، وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضل ورحمة من الله به وبالمسلمين والناس جميعاً .
الثالث : بيان بديع صنع الله ، وعظيم قدرته ، والشواهد في خلافة الإنسان للأرض.
الرابع : بيان مصاديق لأفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكونه خاتم النبيين .
الخامس : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شواهد على صدق نبوته ، فلما أمره الله عز وجل بإخبار أجيال الناس بأنه رسول الله جاءت الخصائص المباركة التي ينفرد بها ، تعضيداً لهذا النداء المبارك ، قال تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ….
السادس : دعوة الناس للإيمان ، وتثبيت أقدام المسلمين في منازل الهدى والرشاد .
السابع : بيان مصاديق لقانون السنة النبوية تفسير للقرآن .
الثامن : دعوة المسلمين للإجتهاد بالدعاء للإنتفاع الأمثل من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ أن كل خصيصة هي نعمة من عند الله حاضرة في الواقع الذهني واليومي ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
إحصاء مئات الأسماء والصفات للنبي محمد (ص) في القرآن
في ثناء الله عز وجل على نفسه ورد في التنزيل وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.
والمختار أن كل فعل وأمر يتحول عند الله إلى رقم وعدد من غير أن يُنسخ احصاؤه في هيئته وكيفيات أخرى .
وعلم الإحصاء فرع علم الرياضيات ، ويفيد جمع البيانات والمعلومات وتنظيمها وترتيبها ، وضبطها ، وتحليلها لغرض الإستنتاج أو الإستقراء أو الإستنباط والإستدلال .
ويكون الإحصاء تارة مطلوباً لذاته ، وأخرى مطلوباً لغيره ، والثاني هو الأكثر ، فليس من علم إلا ويحتاج علم الإحصاء مثل علم الإقتصاد ، والإجتماع ، والصناعة ، والطب ، والهندسة ، وإدارة الدولة والمؤسسات.
وعلم الإحصاء القرآني علم مستقل تترشح عنه وجوه من الإعجاز ومنافع عظيمة لصبغة السماوية التي يتصف بها ، ولأنه كلام الله الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
ومن خصائص القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الترغيب بعلم الإحصاء القرآني ، وبيان أنه بحر متلاطم الأمواج وتجد الدعوة إلى الإحصاء في آيات القرآن ، وفي الحديث النبوي ، وقد تأتي الدعوة إلى الإحصاء المتعدد في آية واحدة فيدعو قوله تعالى مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، على إحصاء النسخ في القرآن من جهات :
الأول : الآيات الناسخة .
الثاني : الآيات المنسوخة .
الثالث : موضوع النسخ .
والمشهور في علم التفسير أن آية السيف فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ نسخت أكثر من مائة آية من آيات السلم والموادعة .
والمختار أنها لم تنسخ أي آية منها ، وقد صدر لي من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) اثنا عشر جزء بعنوان (آيات السلم محكمة غير منسوخة).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإستدلال بسنته القولية والفعلية على سلامة آيات السلم والصلح والموادعة من النسخ ، إذ كان يختار الصلح ، ولغة الحوار والإحتجاج ، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة ، ويجتنب القتال .
وقد ترد وفي حديث واحد أبواب متعددة للإحصاء كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه ، وغرائبه فرائضه وحدوده . فإن القرآن نزل على خمسة أوجه : حلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال . فاعملوا بالحلال ، واجتنبوا الحرام ، واتبعوا المحكم ، وآمنوا بالمتشابه ، واعتبروا بالأمثال)( ).
وفيه حث على احصاء فرائض وحدود القرآن ، وحلاله وحرامه ، والمحكم والمتشابه ، والأمثلة والقصص والوقائع التي فيه .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الهداية إلى سبل العلم والإرتقاء في المعارف خاصة وأن أول آية نزلت من القرآن هي [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ).
والنسبة بين القراءة والإحصاء عموم وخصوص مطلق ، فالقراءة أعم .
ولابد من إحصاء عدد المرات التي ذكر بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن من جهات :
الأولى : عدد المرات التي ذكر فيها اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ ورد اسمه (محمد) أربع مرات في القرآن ، وورد مرة واحدة باسم (أحمد) على لسان عيسى عليه السلام وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
الثانية : صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن ، وقد ترد عدة صفات في آية واحدة ، فمثلاً وردت سبع خصال خاصة به في آيتين قصيرتين متجاورتين بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا.
ووردت ست صفات في آية واحدة بقوله تعالى لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
الثالثة : آيات العصمة ، قال تعالى وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى.
الرابعة : أسماء عدد من السور بأسماء وصفات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل سورة المزمل ، المدثر ، طه ، سورة محمد ، ودلالة هذا الإختصاص .
الخامسة : ورود الأمر من الله إلى النبي محمد (قل) (328) مرة ، وتقديره : قل يا رسول الله .
السادسة : نداء يا أيها النبي الذي ورد في القرآن ثلاث عشرة مرة .
السابعة : نداء [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ] الذي ورد مرتين في القرآن ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
أكثر الأنبياء أجراً
لقد وردت حصر الأنبياء الأجر أربع مرات في القرآن وهي :
الأولى : خطاب نوح عليه السلام لقومه وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ.
الثانية : خطاب هود عليه السلام لقومه يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
وردت آيتان بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهما :
الثالثة : قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ.
الرابعة : قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
وفيه مسائل :
الأولى : ذكر خطاب نوح وهود لقومهم من باب المثال الشامل للأنبياء لبيان قانون وجوب الجزاء العاجل الحسن من الناس للأنبياء .
الثانية : سؤال نوح وهود (يا قوم) أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فذكر في الآيتين على نحو الإطلاق [قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] ليجتمع الإطلاق وإرادة العموم الإستغراقي للناس ، وتقدير كل من الآيتين في الثالثة والرابعة أعلاه (قل يا أيها الناس لا أسالكم أجراً إلا المودة في القربى).
وهو من مصاديق العموم والعالمية في قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
الثالثة : لقد اختصت أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنهن أمهات المؤمنين بقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، فقد اختص الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم بمودة المسلمين والناس لهم بأمر من عند الله عز وجل .
لبيان قانون ترشح خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأقربين ، وانتفاع عامة الناس منها .
ولبيان أن من خصائصه وجوه :
الأول : أكثر الأنبياء أجراً بين الناس في الدنيا هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لتكون الحياة الدنيا في باب الأجر مرآة للآخرة ، ونيل النبي محمد المقام المحمود .
الثاني : ينفرد النبي محمد بشكر أجيال أمته له في كل زمان .
الثالث : مجئ الجزاء والثواب لكل مسلم ومسلمة ممن يودون قربى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم طاعة لله عز وجل .
الرابع : قانون تجدد مجئ الأجر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الناس كل يوم .
الخامس : لا يعلم كثرة مصاديق الأجر للنبي محمد بود الناس لأهل بيته إلا الله عز وجل .
السادس : تثبيت حديث الثقلين بين الناس بالمودة لأهل البيت .
و(عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله يقول : يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله جل جلاله من السماء وعترتي أهل بيتي)( ).
السابع : مودة ذوي القربى صلة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووسيلة مباركة للفوز بشفاعته يوم القيامة .
الثامن : لا يحصي مصاديق قانون لا يعلم كثرة منافع مودة قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا الله عز وجل .
التاسع : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاء الأجر له من الناس في الأرض إلى يوم القيامة ، وقانون استدامة مودة قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة ، ففي كل زمان هناك أمة تود ذوي القربى ، وتتبع أئمة أهل البيت عليهم السلام.
و(عن حبشي بن جنادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله تعالى اصطفى العرب من جميع الناس واصطفى قريشا من العرب واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من قريش واختارني في نفر من أهل بيتي علي وحمزة وجعفر والحسن والحسين)( ).
وترى هل من صلة بين آية المودة المتقدمة ، وبين آية أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ الجواب نعم ، وهو من مصاديق تفسير القرآن بالقرآن .
وتذكير الناس بوجوب عبادة الله عز وجل ، وهدايتهم في مقدمات وسبل الصراط المستقيم ، ومما يدل عليه حديث المنزلة .
قانون البيان
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه أحكام الشريعة للناس ، وتلاوته آيات التنزيل عليهم ، والإحتجاج والمجئ بالبرهان على التوحيد ولزوم عبادة الله وحده .
وقد وردت كلمة (لتبين) مرتين في القرآن ، كلاهما خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي سورة واحدة وهما :
الأولى : قوله تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
الثانية : قوله تعالى وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آتاه الله جوامع الكلم والفصاحة والحجة وسرعة البديهية.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (أنا أفصح العرب ربيت في أخوالي بني سعد بيد أني من قريش)( ) أي من أجل أني منهم .
(قال عِياضٌ في شِفَاهُ: وأما كلامُهُ صلى الله عليه وسلم المعتادُ ، وفصاحَتُه المعلومةُ ، وجوامُع كَلِمِهِ ، وحِكَمُه المأثورةُ ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً ، ولا يبارَى بلاغةً)( ) ( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ)( ).
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (النَّاسُ كَأَسْنَانِ المِشْطِ)( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)( ).
و(عن ابن مسعود قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوما، ولم يلحق بهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب)( ).
ومن جوامع الكلم والموعظة قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل الذي يرى لنفسه)( ).
(الناس معادن ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا)( ).
(مَا هَلَكَ امرء عَرَفَ قَدْرَهُ) ( ).
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ وهو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم) ( ).
في وصف رسول الله (ص)
لقد اعتنى أهل البيت والصحابة والتابعون بوصف ونعت هيئة وصورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكيفية مشيه وكلامه ، ومن الآيات تجد التشابه والتوافق في بيان أهل البيت والصحابة لصفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع تعدد جهة الصدور .
ومن خصائص النبي محمد تجلي البركة وإشراقة نور النبوة في هيئته.
وعن (أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ، وليس بالابيض الامهق ولا بالآدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط ، بعثه الله عزوجل على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله عليه رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء)( ).
وكان الإمام علي عليه السلام (إذَا نَعَتَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَمْ يَكُنْ بِالطّوِيلِ الْمُمّغِطِ ، وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدّدِ وَكَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا السّبْطِ كَانَ جَعْدًا رَجُلًا.
وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهّمِ وَلَا الْمُكَلْثَمِ وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا ، أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ جَلِيلَ الْمُشَاشِ الْكَتَدِ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ أَجْرَدَ شَثْنَ الْكَفّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ إذَا مَشَى تَقَلّعَ ، كَأَنّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا.
بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النّبُوّةِ وَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ أَجْوَدَ النّاسِ كَفّا ، وَأَجْرَأَ النّاسِ صَدْرًا ، وَأَصْدَقَ النّاسِ لَهْجَةً وَأَوْفَى النّاسِ ذِمّةً وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ.
وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبّهُ يَقُولُ نَاعَتْهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صِفَةُ النّبِيّ فَصْلٌ.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا مشى يَتَكفَّأ كأنّما يَنحطُّ من صَبَبٍ ، إذا التَفَتَ التَفتَ بجميعهِ ضَخْمَ اليدين لَيِّنهما كثَّ اللحيّة واسعها أسودَ الشعرِ بادناً متماسكاً سواءَ البطن والصدرِ عريض الصدْر بعيدَ ما بين المَنْكبين ، أنورَ المتجرِّد موصولَ ما بين اللبَّة والسُّرَّة بشَعرٍ يجري كالخيط أَشعرَ الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر .
عاريَ الثديَين والبطن ممّا سوى ذلك إذا طوَّل شعرَه فإلى شحمة ِأذنيه ومع كتفيه وإذا قَصَّره فإلى أنصاف أُذنيه لم يبلغ شيبُ رأسِه ولحيته عشرين شعرة ً ليس لِرجليه أَخمص قليلَ لحم العَقِبيْن.
إنْ صَمتَ فِعليهِ الوقَارُ وإنْ تكلّم سما وعلاه البهاءُ أجملَ الناس وأبهاه من بعيدٍ وأحسنَه وأحلاه من قريبٍ حلوَ المنطق بين كتفيه خاتَمُ النبوّة مثل بيضة ِحمامة وقيل على نُغْضِ كتفه الأيسر لون جسده عليه خِيْلان يقول واصفه لم أرَ قبلَه ولا بعدَه مِثلَه)( ).
 
نسب قريش
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرام الله عز وجل له في نبوته ورسالته ، ونزول القرآن عليه ، ومصاحبة الوحي له وجريان المعجزة على يديه ، وصدور المسلمين والمسلمات عن أمره ، كما أكرمه الله عز وجل بطهارة وعلو النسب ، وذكر عشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً في القرآن وأفرد لذكرهم سورة كاملة مع بيان وجوب الإيمان والإنذار من الكفر والجحود ، قال تعالى لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
وهذه السورة هي السورة الوحيدة في القرآن التي ابتدأت بحرف اللام للدلالة على صلة موضوعها بالسورة التي قبلها من سورة الفيل وآخرها فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.
وقد ذكرت في الجزء الأول من رسالتي العملية الحجة ص283 (الجمع في القراءة في الصلاة بين سورة الضحى والإنشراح ، وسورة الفيل وقريش مرتين مع الفصل بينهما بالبسملة ، ولو قرأ المصلي احدى السورتين في الركعة الواحدة أجزأه).
ومعنى قريش لغة الأمر الشديد ، وقبيلة قريش من قبائل العرب التي تتخذ من جوار البيت الحرام سكناً، وتقوم بخدمة وفد الحاج .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة اسم قبيلته أشهر أسماء القبائل في التأريخ بتخليد القرآن لذكرها واختصاصها بسورة من القرآن ، كما ذكرت في القرآن قبيلة ثمود ، وعاد ، وقوم تبع ، إنما عرفت الأجيال هذه القبائل ببركة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن .
وتسمى قريش نسبة إلى فهر بن مالك (وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله تبارك وتعالى في خيرهما فأخرجت من بين أبوين فلم يصبني شئ من عهر الجاهلية.
وأخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا)( ).
ومن ينتسب إلى فهر فهو من قريش ، أما من ينتسب إلى الآباء الأعلى منه فيسمى من كنانة ، وقيل نسب قريش إلى النضر ، وفي تسمية قريش وجوه :
الأول : التقريش وهو التكسب والتجارة ، ولأن قريشاً أصحاب تجارة وليسوا أصحاب زراعات وضرع .
الثاني : من الإجتماع لأن معنى التقريش ، التجمع في الحرم أيام قصي بن كلاب ، وهو الجد الرابع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد التفرق .
الثالث : لما ملك قصي بن كلاب الحرم ، قام بأفعال حميدة فقيل له قريشاً وهو أول ما سمي به لأنه جمع قبائل قريش وأنزلها مكة وأخذ مفتاح البيت من خزاعة ، وبنى دار الندوة بجوار البيت الحرام ، وصاروا يجتمعون فيه.
الرابع : كان اسم النضر بن كنانة قريشاً( ).
الخامس : سميت قريش على تسمية سمكة القرش التي كانت لقوتها تأكل دواب البحر .
(وأنشدوا : وقريش هي التي تسكن البحر بها سُميت قريش قريشا)( ).
وغير هذا من الأقوال في أصل تسمية قريش ، وأوصلها بعض أهل الأخبار إلى عشرين سبباً محتملاً لهذه التسمية ، والمختار هو الأول ، وتدل عليه مضامين سورة قريش وإخبارها عن تجارتهم .
وعن سعيد بن محمد بن (جبير بن مطعم : أن عبد الملك بين مروان سأل محمد بن جبير: متى سميت قريش قريشاً ؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصياً كان يقال له القرشي، ولم تسم قريش قبله)( ).
بهاء الصفات الوصفية
من السنة الوصفية والصفات الخلقية -بفتح الخاء- للنبي محمد ما ذكره أهل البيت والصحابة وأزواجه صلى الله عليه وآله وسلم في صفاته ، وهيئته ، وخلقته ، وطوله ، وبهاء بشرته.
ومنها قول الإمام علي عليه السلام لأعرابي في صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عرفته ليس بالطويل المتثنى، ولا القصير الفاحش، أبيض مشرب حمرة، ربعة، أحسن الناس، شعره إلى شحمة اذنه، عريض الجبهة، ضخم العينين، أقرن الحاجبين مفلج الثنايا، أسيل الخد، كث اللحية، على شفته السفلى خال.
وقيل : ضخم الكراديس ليس على ظهره ولا بطنه إلا شعر كقضيب الفضة يجري، شثن الكفين، كأن كفه من لينها متن أرنب، إذا مشى مشى متقلعا، كأنه يهبط من صبب .
وإذا التفت التفت بأجمعه ، وإذا صوفح لم ينزع يده حتى ينزع الآخر.
وإذا احتبى إليه رجل لم يحل حبوته حتى يكون الرجل هو الذي يحل حبوته، وإذا ضحك تبسم، يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة الحسنة، ليس بسخاب في الاسواق.
ثم قال : المتثنى : الذاهب طولا، يستعمل في طول لا عرض له، لا يستمسك طوله من غير عرض كأنه ينحني، قوله: إذا احتبى إليه رجل، من عادة العرب إذا جلس أحدهم متمكنا أن يحتبي بثوبه، فإذا أراد أن يقوم حل حبوته، يعني إذا جلس إليه رجل لم يقم من عنده حتى يكون الرجل هو الذي يبدء بالقيام)( ).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخضب بالحناء والكتم
وتبعث صفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السكينة في قلب المسلم ، وتدعوه إلى الرأفة بالناس وعدم اختيار سبيل العنف والإرهاب .
وقد وثقت السنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية من قبل الصحابة وأهل البيت ، كما قام العلماء باسقاط الموضوع فيها ، وأشاروا إلى الحديث الضعيف رواية أو سنداً ، خاصة وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى قانون عرض السنة على القرآن .
لبيان أن من خصائص النبي محمد تأسيس علم الحديث رواية ودراية والتأكيد على أن الأصل هو آيات القرآن .
وهل تدل أحاديث العرض على سلامة القرآن من التحريف والتغيير والتبديل ، الجواب نعم .
أما السنة الفعلية فهي جميع ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة حياته ، وكل من السنة القولية والفعلية حجة ودليل ولكن السنة القولية أقوى في مراتب الحجة لوضوحها واتصافها بالتصريح والإعلان وهي الأكثر في باب الأفراد والمصاديق من السنة الفعلية .
والسنة النبوية المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن.
ومن أقسام السنة النبوية السنة التقريرية بأن رأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعلاً من أحد أصحابه فسكت عنه ، فهو نوع امضاء لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يسكت على باطل .
وإذا تعارض الدليل بين السنة القولية والفعلية والتقريرية فتقدم السنة القولية لظهورها وخلوها من الترديد ، وبلحاظ الموافقة لآيات القرآن ومضامينها القدسية .
بين الخُلق والخَلق
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التقاء السنة الخُلقية مع هيبته وبهائه في بعث هيبته في النفوس ، والإصغاء لما ينطق به من الوحي والتنزيل ، وفي التذكير بالله عز وجل ولزوم اتباع الرسول ، قال تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )( ).
وهناك فرق بين :
الأولى : السنة الخُلقية ، أي التي تتعلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحميدة لقوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وتملي هذه الآية الكريمة على المسلمين توثيق قول وعمل وتقرير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتعلق بالأخلاق والآداب العامة لأنها أسوة وثروة وتركة نبوية خالدة ليس لها مثيل .
الثانية : الصفات الخَلقية –بفتح الخاء- التي تتعلق بهيئة وصفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البدنية وهي ليست حجة في الأحكام الشرعية إنما تتجلى فيها مصاديق النبوة ، وبديع صنع الله ، وتفضله باصلاح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة ، وجذب قلوب الناس له .
ومنها كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخضب بالحناء والكتم
وتبعث صفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السكينة في قلب المسلم ، وتدعوه إلى الرأفة بالناس وعدم اختيار سبيل العنف .
ومن خصائص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لزوم الإنصات له ، والإنتفاع الأمثل من وجوده ، والوحي الذي يصاحبه بالسؤال والإنصات والإمتثال لما يأتي به الفلاح والنجاح ، وفي انقياد المسلمين للأوامر والنواهي ، وهو برزخ دون الظلم والتعدي ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
ومن إعجاز الآية عدم إكتفائها بالنهي [لَا تَقُولُوا رَاعِنَا] إنما تضمنت الأمر المتعدد من جهتين :
الأولى : قول انظرنا أي أقبل علينا وأمهلنا بما فيه فهم الحكم .
الثاني : لزوم إنصات المسلمين والمسلمات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في تلاوة الآيات والعمل بأحكامها وبالسنة النبوية القولية والفعلية ، ليكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ، وعن ابن عباس ([لَا تَقُولُوا رَاعِنَا]أرعنا سمعك)( ).
الثاني : يا أيها الذين آمنوا قولوا انظرنا .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا اسمعوا .
لبيان عدم كفاية العمل بالنهي مع قول انظرنا بل لابد من المبادرة إلى العمل بالأوامر والنواهي التي نزل بها القرآن ، وجاءت بها السنة النبوية ، وبعد صيغة الجملة الإنشائية وما فيها من النهي ثم الأمر المتعدد انتقلت الآية إلى صيغة الجملة الخبريةوَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إقامة الحجة على الذين كفروا بالتوحيد في الدنيا بايمان المسلمين وانصاتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وامتثالهم للأوامر والنواهي الإلهية .
ليكون من معاني النهي والأمر في الآية لزوم إنشغال المسلم بالواجبات العبادية وشؤون الأسرة ، والإخلاص في عمله ووظيفته الذي هو من سنن التقوى مع الصبر لأن عاقبة الذين كفروا الإقامة في النار إلا من تدركه التوبة والإنابة ، قال تعالى وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.
من السنة الوصفية
لقد حرص أهل البيت والصحابة على بيان صفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينهم ، وللتابعين الذين لم يروه ، خاصة وأن التابعين يكثرون من السؤال .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن التابعين وتابعي التابعين يسألون عن خصاله وصفاته وسنته القولية والفعلية بما لم يحدث في التأريخ مثل تلك الأسئلة عن نبي أو رسول أو أي شخص .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضبط أحاديثه رواية ودراية ، فلم ولن يحدث في التأريخ العناية الفائقة من العلماء في حديث مثل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
(عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَفلج الثَّنيتَيْن والرُباعيَّتين، إِذا تكلّم رئي من بين ثناياه كالبرق.
حدثنا أَبو داود قال : حدثنا شُعْبةُ، عن سمَاك بن حَرْب قال، سمعت جابرَ بن سَمُرة يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَشْكَلَ العين، ضَليعَ الفم، مَنْهُوس العَقب.
وعن جابر بن سمرة قال : كان في ساقي رسول الله حموشة، وكان لا يضحك إِلا تبسمًا، وكنت إِذا نظرت إِليه قلت: أَكحل العينين وليس بأكَحل.
وعن البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً مربوعًا، بعيدًا ما بين المنكبين، عظيم الجمة إِلى شحمة أُذنيه، عليه حلة حمراء، ما رأَيت شيئًا قط أَحسن منه صلى الله عليه وسلم)( ).
لا أصل لحديث بعثت بالسيف
لقد صاحبت صبغة السلم الأنبياء والرسل ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه رسول السلام والأمن المجتمعي .
وتدعو آيات القرآن إلى الأمن والسلم ونبذ الحروب والإفتتان ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يحمل سيفاً ، ولم يشهر سلاحاً ، إنما كان سلاحه التنزيل ، وتلاوة آيات القرآن ، وهو من إعجاز القرآن الغيري .
عن الشريد بن سويد الثقفي (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من قتل عُصفورا عبثا عج إلى الله عزوجل يوم القيامة يقول يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة)( ).
ليدل الحديث بالأولوية القطعية على حرمة العنف وسفك الدماء والإضرار بالناس.
وقد صدر لي أحد عشر جزءاً من معالم الإيمان بعنوان (آيات السلم محكمة غير منسوخة) آخرها الجزء الستون بعد المائتين .
أما حديث (عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن حسان بن عطية، عن أبي المنيب الجرشي الشامي ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بُعِثتُ بالسيف بين يَدَي الساعة حتى يُعبَد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظِلّ رُمْحي، وجعل الذلة والصِّغار على من خالف أمري، ومن تَشبَّه بقوم فهو منهم)( ).
فهو حديث ضعيف سنداً ودلالة لضعف عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، ضعفه أحمد بن حنبل وابن معين والنسائي ، وابن الجوزي والذهبي ، وكما تفرد برواية هذا الحديث عن ابن عمر أبو المنيب كما في الأسناد أعلاه ، وهو غير معروف من الرواة عن ابن عمر ، ولو كان لبان كذا روي الحديث بطريق ضعيف عن الأوزاعي ، والأوزاعي من التابعين (88-157) هجرية .
كما روي عن إسماعيل بن عياش عن الحسن البصري في المرسل قال (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله بعثني بسيفي بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم)( ).
وهو ضعيف بارسال الحسن البصري الذي ولد لسنتين بقيتا من أيام عمر بن الخطاب ، والمرسل ليس بحجة ، كما أنه ضعيف .
وفي السند إسماعيل بن عياش ، وقال فيه أحمد بن حنبل (عن إسماعيل بن عياش قال كنت أمر بهشام بن عروة وعنده ولده وولد ولده فيقول لي يا حمصي سمعت حديثنا وتمر ولا تسلم علينا قال فأقول أصلحك الله اني لمن أشد الناس معرفة لحقك ، حدثنا عبد الوهاب بن أبي عصمة حدثنا أبو طالب احمد بن حميد قال سمعت احمد بن حنبل يقول إسماعيل بن عياش ما روى عن الشاميين صحيح وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح)( ).
وهو هنا يروي عن الحسن البصري ، كما أن مثل هذه الأحاديث ضعيفة دلالة لمخالفتها للقرآن والسنة النبوية ، والمنع من القتال والإبتداء به مع شواهد السلم والعفو والصفح في القرآن والسنة أزاء الناس جميعاً ، قال تعالى وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ* فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
ومن آيات السلم والبلاغ التي تنفي حديث السيف قوله تعالى لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وآيات البلاغ ومنها التي تتضمن الخطاب والأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ والألف واللام في الرسول في الآية أعلاه للعهد ، والمراد الرسول محمد ، ومنه بصيغة المضارع فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
وقال تعالى فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍولو كان حديث بعثت بالسيف صحيحاً لذكره أبو بكر والصحابة في حروب الردة ، وذكره الإمام علي عليه السلام على منبر مسجد الكوفة وفي حربه للخارجين عليه .
لبيان أن حديث (بعثت بالسيف) لا أصل له وهو ضعيف رواية ودلالة قبل أن تصل النوبة للنظر في سنده .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاؤه ثلاث عشرة سنة في مكة من مدة نبوته وهي ثلاث وعشرون سنة لم يرفع فيها سلاحاً أو سيفاً ، كما أنه حينما وصل إلى المدينة مهاجراً عقد ميثاق المدينة مع اليهود وابتدأ القتال مع المشركين في معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة باصرار من رؤساء قريش على القتال ، فجاء النصر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من عند الله ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وفيه دعوة للمسلمين للصبر وعدم اللجوء إلى العنف والقتال رجاء فضل الله عز وجل ، وفي التنزيل قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
وقد اذن الله عز وجل للنبي والمسلمين بالقتال دفاعاً واضطراراً بعد لحوق الظلم بهم من الكفار بغير حق لإيمانهم بالله عز وجل ، قال تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ *الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.
أحكام أقسام السنة النبوية
قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وقال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
والنسبة بين موضوع الآيتين العموم والخصوص المطلق ، فالآية الأولى أعلاه أعم في موضوعها وأحكامها إذ تشمل الأوامر والنواهي ، والبشارات والإنذارات النازلة في آيات القرآن من عند الله عز وجل ، والأوامر والنواهي الصادرة من عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أما آية وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى فهي تخص السنة القولية للنبي محمد وتلحق بها السنة الفعلية .
والمراد من السنة القولية هي أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حين بعثته بالرسالة ، وهي شعبة من الوحي .
لذا فان السنة القولية نعمة عظمى على المسلمين وعلى أهل الأرض ، وهي مرآة وتفسير للقرآن .
وقد أسست قسمين في السنة النبوية :
الأول : السنة التدوينية لكتب ورسائل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملوك عصره مثل قيصر ملك الروم وكسرى ملك فارس ، والمقوقس ملك مصر .
الثاني : السنة الدفاعية وما يخص سنة النبي محمد القولية والفعلية والتقريرية في ميادين القتال ومقدمات الدفاع ، وما يتعقب المعركة .
حرب السنة النبوية القولية على الظلم
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بنزول الكتب السماوية ليختمها بالقرآن ، وتبعث تلاوته الرهبة والخوف ثم اللين في النفوس ، قال تعالى كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
وتفضل الله عز وجل بالسنة النبوية القولية والفعلية بياناً وتفسيراً للقرآن ، ومصدراً ثابتاً للتشريع .
وجاءت السنة القولية بالصلاح والنهي عن الفساد .
ومن آيات الوحي في القرآن والسنة الإخبار عن المغيبات ، وإيجاد الحل والعلاج المناسب للفتنة قبل وقوعها ، ليكون المسلمون على بصيرة في أمور الدين والدنيا ، وفي حرز من الفتن الطارئة ، وتقلبات الزمان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نهيه عن الظلم والإرهاب ، وعن غصب حقوق الناس .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، قيل : يا رسول الله هذا نصرته مظلوما ، فكيف أنصره ظالما ، قال : تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه)( ).
لبيان وجوب نهي المسلم عن الظلم مطلقاً للقريب والبعيد ، ولا يصح ظلم أي إنسان مهما كانت ملته ومذهبه وبلده ، ولا يجوز السكوت على الظلم بل يجب منعه والحيلولة دونه ومنها إصلاح وتسليح الشباب بالفقاهة وبيان قبح الظلم والغصب والتعدي ، قال تعالى وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
ولبيان أن النسبة بين الظلم والتعدي هي العموم والخصوص المطلق ، فالظلم أعم.
قانون الملازمة بين أيام النبوة والسلم
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلو وسلامة أكثر مدة نبوته من القتال ، فمدة البعثة النبوية ثلاث وعشرون سنة ، منها ثلاث عشرة سنة قضاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة لم يحمل فيها سيفاً ، إنما كان سلاحه الصبر والجهر بآيات القرآن .
وعندما أرادت قريش قتله في فراشه نزل جبرئيل وأمره بالهجرة إلى المدينة ، ولم يأمره بالقتال ونصب الكمين للفتية الذين اختارتهم قريش بقتله في تلك الليلة التي هاجر فيها ، والإجهاز عليهم هو ومن معه يومئذ ، إذ كان معه الإمام علي عليه السلام وأهل بيته وعدد من الصحابة سئموا اضطهاد قريش لهم ، مع أنهم على الحق .
وكان عدد من الصحابة يسأل النبي محمداً حمل السلاح والدفاع ضد أذى واضطهاد قريش ولكنه يأمرهم بالصبر ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنع من الإبتداء بالقتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
وفيه عدم إيجاد موانع تحول دون تدبر الناس بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومنه أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرهط من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة وعددهم ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة ، وفيه شاهد بأن النبي محمداً يدفع أسباب ومقدمات القتال ، ويتجنب سفك الدماء ، وفيه عبرة وموعظة للشباب المسلم ، بوجوب التنزه عن الإرهاب وسفك الدماء .
النهل من خصائص النبي (ص)
لا يحصي منافع خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا الله عز وجل وهي متجددة وحاضرة في الوجود اليومي للمسلمين ، فان قلت هل تدل آيات القرآن على انتفاع غير المسلمين من هذه الخصائص الحميدة.
الجواب نعم ، لقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ويأتي هذا الإنتفاع من جهات متعددة منها :
الأولى : رشحات عمل واقتداء المسلمين بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : سيادة الخصال الحميدة بين الناس .
الثالثة : سنخية الإنسان بقبول الأمر الحسن ، والنفرة من الأمر القبيح .
الرابعة : صبغة القرآنية في خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الشواهد على أن معجزاته عقلية بلوغ خصاله الحميدة للناس جميعاً وانتفاعهم منها .
وهل يختص هذا الإنتفاع بأمور الدنيا ، الجواب لا ، إذ يشمل عالم الآخرة فخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعث على التوبة والصلاح طوعاً وانطباقاً .
لذا تجد كراهة الناس على اختلاف مشاربهم للظلم والتعدي والفحشاء.
و(عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجيء الظالم يوم القيامة ، حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة ، والوعرة لقيه المظلوم فعرفه ، وعرف ما ظلمه به.
فما يبرح الذين ظلموا يقضون من الذين ظلموا ، حتى ينزعوا ما في أيديهم من الحسنات ، فإن لم يكن لهم حسنات أدرك عليهم من سيئاتهم مثل ما ظلموا ، حتى يوردوا الدرك الأسفل من النار)( ).
ويبين الحديث أصالة الإطلاق والعموم يقبح الظلم وسوء عاقبته ، فلا يحجب هذا الوصف بسبب ملة أو نحلة أو جنس ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن ظلم الناس عموماً ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
والظلم ضد للتعارف الذي تذكره الآية أعلاه ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سنته القولية والفعلية مرآة للقرآن.
وقد اختص الجزء الخامس والستين بعد المائتين من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بتفسير آية من خمس كلمات وهو قوله تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ.
عالمية الرسالة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه دعوته الرسالية للناس جميعاً وليس لقوم أو أمة مخصوصة ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ليختص بصفة الدعوة العالمية من أول دعوته فلا غرابة أن تجد فيها أيام النبوة الفارسي والرومي والحبشي ، مع التباعد والإنغلاق وقلة وسائط النقل بين الأمصار ، ودخول عدد من أهل الكتاب الإسلام مع الرضا والتسليم بأن هذا الدخول نعمة عظمى ليزداد عدد المسلمين بما يجعل النبي محمداً يباهي بهم الأمم يوم القيامة .
(وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أول شفيع يوم القيامة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة)( ).
وهذا القول من النبي محمد معجزة من علم الغيب بأن يكون المسلمون أكثر الأمم.
وذكرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الأتباع له لبيان أهليتهم للفوز بشفاعته ، ولحضور النطق بالشهادتين في الآخرة كعهد وولاء وموضوع للثواب والجزاء الحسن.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية إزدياد عدد المسلمين على نحو مطرد مع تقادم الأيام ، وانتشارهم في الأرض ، فلا تمر دقيقة على أهل الأرض إلا وهناك أذان أو إقامة أو صلاة ، وهو من الأسرار في تعدد الصلوات اليومية الخمسة وتعلقها بآيات كونية مختلفة وثابتة كطلوع الفجر ، وزوال الشمس عند الظهيرة ، والغروب مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، قال تعالى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
وكثرة المسلمين وثباتهم في مقامات الإيمان نعمة عظمى تستلزم منا الشكر لله عز وجل ، ومن مصاديق هذا الشكر حسن المعاملة والمعاشرة مع الناس جميعاً ، والتعاون الفردي والجماعي للتنزه عن الظلم والإرهاب ، والإمتناع عن الإضرار بسمعة الإسلام ، وهذا الإمتناع دعوة حية للإسلام.
رؤية جبرئيل
الأنبياء على مراتب في تلقي الوحي ، منهم من يتلقاه في المنام ، ويجعله الله عز وجل يدرك أنه وحي ، كما في إبراهيم عليه السلام قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
ولابد أن شواهد متعددة سابقة لهذه الرؤيا أخبر إبراهيم ابنه برؤى تفيد أنها وحي من عند الله بحيث أجابه بما يدل على أن هذه الرؤيا أمر من الله.
ومن الأنبياء من يسمع الملك ولا يراه ، ومن الرسل من يرى الملك ويسمع كلامه في اليقظة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يرى الوحي في الرؤيا في الأشهر الستة الأولى النبوية ، ثم صار يسمع ويرى الملك ، وكان يأتيه جبرئيل بهيئة دحية الكلبي ، كما رأه بهيئته الحقيقية بفضل وإكرام ولطف من عند الله عز وجل.
و(عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسد الأفق ، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد ، فذلك قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى قال : خلق جبريل.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن مسعود قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق ، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت)( ).
تهديد المشركين النبي (ص) بالقتل
لقد آتى الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم النبوة وسط قوم مشركين وبين ظهرانيهم ، وهذا لم يمنعه من إعلان نبوته وتلاوته آيات القرآن وسط أهل مكة ، وصارت هي ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية حديث الركبان حتى صار رؤساء قريش يؤذون النبي محمداً من أجل ترك دعوة التوحيد ، وقد تقدمت بعض الشواهد في الأجزاء السابقة ثم صاروا يهددونه بالقتل .
و(عن عروة بن الزبير قال : كان أبى بن خلف أخو بنى جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
فلما كان يوم أحد أقبل أبى في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد.
فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار يقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبى بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة ( ) فطعنه فيها بالحربة فوقع إلى الارض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم.
فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش.
فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتل أبيا، ثم قال: والذى نفسي بيده، لو كان هذا الذى بى بأهل ذى المجاز لماتوا أجمعون ، فمات إلى النار، فسحقا لاصحاب السعير)( ).
زيارة النبي للمسلمين في المنام
لقد جعل الله عز وجل الرؤيا في المنام صلة بينه وبين أرواح العباد ، لتتضمن البشارة والإنذار ، ومن فضل الله عز وجل عدم اختصاص الرؤيا الصادقة بالصالحين ، إذ تأتي للبِر والفاجر ، وهي سبيل للتوبة والإنابة ، وزاجر عن فعل السيئات .
وقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بأن جعله يزور أجيال المسلمين في المنام ، وقد تقدم إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قانون عدم تمثل الشيطان به في الرؤيا ليتلقى المسلمون رؤيتهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المنام بالتصديق وفيه زيادة للإيمان ، ودعوة للعمل بمضامين الرؤيا.
و(عن يزيد الفارسي قال: رأَيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في النوم زمن ابن عباس- وكان يزيد يكتب المصاحف.
قال : فقلت لابن عباس: إِني رأَيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال : أَما إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إِن الشيطان لا يستطيع أَن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني، فهل تستطيع أَن تنعت لي هذا الرجل الذي رأَيت .
قلت : نعم ، رأَيت رجلاً بين الرجلين جسمه ولونه أَسمر إِلى البياض، حسن الضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأَت لحيته من هذه إِلى هذه حتى كادت تملأُ نحره.
قال ابن عباس : لو رأَيته في اليقظة ما استطعت أَن تنعته فوق هذا)( ).
(قال أَبي : فحدثت به ابن عباس وأَخبرته أَني قد رأَيته فقال: رأَيته? قال: إِي واللّه لقد رأَيته .
قال : فذكرت الحسن بن علي فقلت : إِني والله لقد ذكرته وتُقْيَاهُ في مشْيَته. فقال ابن عباس : إِنه كان يشبهه)( ).
و(عن النبي صلى الله عليه وآله : من رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتشبه بي)( ).
أي أن رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المنام رؤيا صادقة وليست أضغاث أحلام أو تخيلات .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم امتناع تخيل الشيطان بصورته ، وفيه وجوه :
الأول : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الشيطان حتى في عالم الرؤيا .
الثاني : رؤيا المسلم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المنام موعظة ، وبشارة أو إنذار .
الثالث : قانون رؤيا المسلم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبيل للصلاح .
الرابع : قانون استدامة الصلة بين النبي محمد وأجيال المسلمين بما فيه تعظيم لشعائر الله .
الخامس : تذكير الناس بالصلة بين أهل الدنيا وعالم البزرخ .
السادس : حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل.
قانون النطق بالشهادتين عهد
من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أجل كلمة التوحيد .
و(عن عبد الله بن سلام قال : صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله . ويفتح به أعينا عمياً ، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفا .
وأخرج الدارمي عن كعب قال : في السطر الأول : محمد رسول الله عبدي المختار ، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام)( ).
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي أرست شواهد الإيمان اليومية في مشارق ومغارب الأرض الصلاة اليومية ، وتعاهدها وجعلها جزء من الفطرة وحاجة وضرورة يومية للمسلمين ، وهو من أبهى معاني الرحمة في الدنيا والسبل للنجاة للآخرة ، فمن خصائص النبي محمد أخذه بيد أجيال المسلمين والمسلمات للبث الدائم في الجنة .
و(عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صفتي أحمد المتوكل مولده بمكة ومهاجره إلى طيبة ، ليس بفظ ولا غليظ ، يجزي بالحسنة الحسنة ولا يكافىء بالسيئة .
أمته الحمادون يأتزرون على أنصافهم ، ويوضئون أطرافهم ، أناجيلهم في صدورهم ، يصفون للصلاة كما يصفون للقتال ، قربانهم الذي يتقربون به إلى دمائهم ، رهبان بالليل ليوث بالنهار)( ).
وهل النطق بالشهادتين عهد ، الجواب نعم ، لما يلزم معه من العمل بالأوامر والنواهي القرآنية ، وما ورد في السنة النبوية التي هي شعبة من الوحي.
اسم النبي في الشهادتين
لقد اختص الله النبي محمداً بأن قرن اسمه مع اسم الله في الشهادتين في آية لم ينلها أحد من الأنبياء ، ولا يصح إسلام المرء إلا بنطقه بالشهادتين ، ومن لا يقدر على النطق لخلل في لسانه كالأخرس أقر بمعناهما بلغة الإشارة.
ولو قال الداخل في الإسلام لا إله إلا الله ، أحمد رسول الله يصح لما ورد حكاية عن عيسى عليه السلام في التنزيل وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.. وكذا لو قال أبو القاسم رسول الله ، ولكنه خروج عن النص .
ثم أن المسلم يحتاج النطق بالشهادتين في صلاته اليومية ، ويتلو مضمونها في آيات القرآن ، ولم ترد الشهادتان مجتمعين في القرآن ، وكل واحدة منهما وردت في آيات من القرآن .
وتكررت شهادة التوحيد في آية واحدة وهي شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل رفعه إلى مقام ومنزلة لم يرق إليها أي من الأنبياء من الأولين والآخرين بأن أخذ الله له الميثاق من جميع الأنبياء ، وتوارثوا البشارة برسالته ، واقتران اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع اسم الله بالشهادتين من مصاديق قوله تعالى وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ.
لتدل الآية أعلاه على اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة رفيعة في الدنيا (عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أتاني جبريل فقال : إن ربك يقول : تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت : الله أعلم . قال : إذا ذكرت ذكرت معي)( ).
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما فرغت من أمر السموات والأرض قلت يا رب : إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته ، اتخذت إبراهيم خليلاً ، وموسى كليماً ، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين ، وأحييت لعيسى الموتى ، فما جعلت لي.
قال : أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟ أن لا أذكر إلا ذكرت معي ، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً ، ولم أعطها أمة ، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي : لا حول ولا قوّة إلا بالله)( ).
لبيان كثرة خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي تفضل الله عز وجل بها عليه وعلى المسلمين .
وفي فتح مكة جاء العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَالَ وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَك أَنْ تَعْلَمَ أَنّهُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ .
قَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي مَا أَحْلَمَك وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك ، وَاَللّهِ لَقَدْ ظَنَنْت أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللّهِ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنّي شَيْئًا بَعْدُ.
قَالَ وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَك أَنْ تَعْلَمَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ ، قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ، مَا أَحْلَمَك وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك أَمّا هَذِهِ وَاَللّهِ فَإِنّ فِي النّفْسِ مِنْهَا حَتّى الْآنَ شَيْئًا .
فَقَالَ لَهُ الْعَبّاسُ وَيْحَك أَسْلِمْ وَاشْهَدْ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُك ، قَالَ فَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ)( ).
و(عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا كما يقول وصلوا علي فانه ليس أحد يصلي علي صلوة الا صلى الله عليه عشرا وسلوا الله لي الوسيلة فان الوسيلة منزلة في الجنة لا ينبغي ان تكون الا لعبد من عباد الله وأرجو ان أكونه ومن سألها لي حلت له شفاعتي يوم القيامة)( ).
 
تعذيب الصحابة الأوائل
في خطاب إلى المسلمين قال الله تعالى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
هذه الآية من سورة الأنفال ، ونزلت في المدينة بعد سورة البقرة ، وبعد معركة بدر التي وقعت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
وفي الآية أعلاه توثيق سماوي لقلة عدد المسلمين في بدايات الدعوة ، وللأذى الذي لحق النبي محمداً وأهل بيته وأصحابه الأوائل من أعداء الله مشركي قريش وحلفائهم وأتباعهم .
وهل يدل قوله تعالى [أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ] على العموم وأن جميع الصحابة الأوائل مستضعفون ، يتلقون الأذى باللسان والجوارح من المشركين ، الجواب نعم .
نعم كان هذا الأذى من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وممن لاقوا العذاب الشديد من رؤساء قريش آل ياسر.
وكان ياسر بن عامر المذحجي أول من أسلم منهم ، وغضب عليهم بنو مخزوم وهم حلفاء ياسر ، وموالي سمية واشتد تعذيبهم ليرتدوا عن الإسلام ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمر عليهم وهم يعذبون فيقول (صبراً يا آل ياسر أن موعدكم الجنة)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبر أصحابه في التعذيب لأنهم آمنوا به ، وهو يمر عليهم فلم يفتتنوا ولم يقولوا لماذا نحن نعذب بسببه وهو لا يعذب .
وأغلظت سمية لأبي جهل فطعنها فقتلها ، فهي أول شهيد في الإسلام ، ومات ياسر من فرط التعذيب .
ولاقى بلال بن رباح أشد العذاب من قبل سيده أمية بن خلف ، وكان ينزع عنه ثيابه ويلبسه درعاً من حديد ويعرضه لأشعة الشمس اللاهبة ويأمره بالكفر بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيجيب بلال (أحد أحد) ثباتاً منه على التوحيد .
فيمر عليه ورقة بن نوفل (وهو على ذلك فيقول : أحد أحد يا بلال والله لئن قتلتموه لأتخذنه حَناناً كأنه يقول لأتمسَّحنّ به وقال ورقة في ذلك :
لقد نَصحتُ لأقوامٍ وقلت لهم … أنا النذيرُ فلا يَغرركُمُ أحَدُ
لا تَعبدنَّ إلهاً غيرَ خالقكم … فإن دّعوكم فقولوا بيننا جَدَد
سبحانَ ذي العرش سبحانٌ يعود له … وقبلُ قد سبّحته الجودُ الجُمُد
مسخَّرٌ كلُّ ما تحت السماءِ له … لا ينبغي أن يناوِي مُلكَه أحَد
لا شيءَ ممّا نَرى إلاّ بشاشَتَه … يبقى الإله ويُودي المالُ والوَلَد لم تُغن عن هُرمُزٍ يوماً خزائنُه … والخُلدَ قد حاولت عادٌ فما خَلَدو
ولا سليمان إذ دان الشُعوب له … والجنّ والإنسُ تجري بينها البُردُ)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبره وصبر أهل بيته وأصحابه الأوائل في منازل الإيمان على عذاب المشركين الشديد لهم .
لينفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصبر أصحابه قبل الهجرة ، وبالهجرة وبالقتال الدفاعي ضد المشركين ، قال تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن صبره وصبر أهل البيت والصحابة قبل الهجرة مقدمة للدفاع وهم قلة في ملاقاة جيوش الكفار الكبيرة ، الجواب نعم .
صبر النبوة
من نعمة توثيق القرآن لقصص الأنبياء بيان شدة الأذى لاقوه من قومهم ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اشتداد أذى قومه له على نحو يومي من حين نزول أول آيات القرآن عليه ، وحتى بعد فتح مكة في شهر رمضان من السنة الثامنة تفاجئ وأصحابه بهجوم قبيلتي هوازن وثقيف المباغت في وادي حنين لولا فضل الله برمي المشركين بالخيبة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصر الله له بسلاح الرعب ، قال تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
ولقد تعرض عدد كثير من الصحابة للتعذيب ، وفيه مسائل :
الأولى : إيذاء كفار قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعد وجحود.
الثانية : تعذيب رؤساء قريش للمسلمين الأوائل إرهاب وظلم .
الثالثة : تعدي الذين كفروا في ظلمهم إلى النساء وقيامهم بتعذيبهن لحملهن على ترك الإسلام وهو خلاف أخلاق وأعراف العرب .
الرابعة : حصار بني هاشم حصاراً قاسياً وحرمانهم من الطعام ، ومن الصلات الإجتماعية والنكاح من الغير .
الخامسة : تحقق النصر للنبي محمد مع شدة الأذى وهو من الشواهد على صدق رسالته .
السادسة : وجوب تنزه المسلمين عن الظلم والتعدي ، خاصة مع منع القرآن من إكراه الناس في الدين والإعتقاد ، قال تعالى لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
وتضمنت هذه الآية هداية المسلمين إلى سبل الدعوة إلى الله بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ مع بيان التوفيق في الدنيا ، والثواب العظيم في الآخرة لمن يختار الإيمان منهاجاً.
ولم يرد لفظ (إكراه) في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان أن الدنيا دار امتحان وأختيار للأحسن وما فيه النفع والفوز في الدنيا والآخرة.
الإتصال اليومي للدعوة إلى الله
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتصال دعوته إلى الله على نحو يومي متصل من حين البعثة من وجوه :
الأول : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن على الملأ وفي المسجد الحرام ، وعلى نحو القضية الشخصية عندما يجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجوار الزائر للبيت الحرام ، ليتجلى قانون كل مرة يتلو فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن هي دعوة إلى الله ، والنطق بالشهادتين .
الثاني : أداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة في المسجد الحرام بين ظهراني المشركين ، فمن خصائصه انفراده من بين أهل الأرض بذات الكيفية من الصلاة التامة .
الثالث : تحلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر في مرضاة الله لما كان يلاقيه من أذى قريش .
الرابع : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من فتنة وافتتان كفار قريش ، قال تعالى وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
وقد تكررت شكاية رجالات قريش من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند عمه أبي طالب ، وكانوا يجمعون بين الترغيب والتهديد .
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتصال دعوته على نحو يومي مع شدة الأذى الذي يلاقيه ، وهو من الشواهد على صدق نبوته ، وفيه دعوة للصحابة للصبر وتحمل الأذى في سبيل الله .
(وعن الواقدي توفيت خديجة قبل أبى طالب بخمس وثلاثين ليلة وقيل غير ذلك فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الاذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبى طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا.
فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه احدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهى تبكى ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا تبكى يا بنية فان الله مانع أباك.
ويقول بين ذلك ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب.
قال ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قال بعضهم لبعض إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها فانطلقوا بنا إلى أبى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فانا والله ما نأمن أن ينتبزونا أمرنا فمشوا إلى أبى طالب وكلموه وهم أشراف قومه عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم فقالوا يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى
وتخوفنا عليك وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه وليدعنا وديننا وندعه ودينه)( ).
هجرة النبي (ص) إلى الطائف
من خصائص الأنبياء الهجرة من الأوطان ، إذ هاجر عدد من الأنبياء مثل إبراهيم ولوط وهجرة آل يعقوب ، وموسى عليهم السلام ، ومن الآيات التوفيق للنبي في هجرته .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد هجرته ، وملاقاته أحسن وأبهى مصاديق النجاح والتوفيق والفلاح في هجرته .
لقد توفى أبو طالب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة العاشرة للبعثة وله سبع وثمانون سنة فاشتد أذى قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقبل وفاته بأشهر توفت خديجة بنت خويلد زوج النبي ، وقيل توفت قبله بخمس وثلاثين ليلة ، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذات السنة إلى الطائف مهاجراً لأمور :
الأول : الابتعاد عن أنظار قريش .
الثاني : تعطيل مكر قريش للبطش به خاصة مع استمرار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله وتوالي نزول آيات القرآن ، ودخول طائفة من الناس الإسلام ، ونفاذ آيات القرآن إلى البيوت والمنتديات .
الثالث : دعوة الناس خارج مكة للإسلام .
الرابع : رجاء إيجاد من يأويه .
وحالما وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف توجه إلى رؤسائهم من ثقيف ، وعرض عليهم الإسلام ، وبيّن لهم بالحجة والبرهان صدق رسالته وأنها سبيل النجاة في النشأتين.
و(عن محمّد بن كعب القرظي، قال : لمّا انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم اخوة ثلاثة : عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمر بن عمير ، عندهم امرأة من قريش من بني جمح.
فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله تعالى وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. فقال أحدهم، هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله تعالى أرسلك، وقال الآخر : أما وجد الله أحد يرسله غيرك .
وقال الثالث : والله لا أُكلّمك كلمة أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول ، لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أُكلّمك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقال لهم : إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموه .
وكره رسول الله أن يبلغ قومه عنه فيديرهم عليه ذلك، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم، وعبيدهم يسبّونه، ويصيحون به، حتّى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة، وشيبة ابني ربيعة، هما فيه، ورجع عنه سفهاء ثقيف.
ولقد لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك المرأة من بني جمح ، فقال لها : ماذا لقينا من أحمائك)( ).
سفارة القرآن في الطائف
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوته القرآن على من يلتقي من أهل الطائف لبيان معجزاته العقلية ولنشر آيات القرآن .
لتبقى هذه الآيات سفيراً سماوياً لرسالته في مدينة الطائف ، وهل لها موضوعية في دخول طائفة من أهل الطائف الإسلام ، ثم مجئ أشراف الطائف إلى المدينة في عام الوفود لدخول الإسلام.
الجواب نعم ، وهو من عمومات قوله تعالى إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا.
ومن أسرار تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آيات وسور القرآن القصيرة على الناس جعلهم يتدبرون فيها ، وينقلونها إلى غيرهم.
وفي خطبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع (ليبلغ الشاهد الغائب مرتين فرب مبلغ هو اوعى من سامع)( ).
وتبعد مدينة الطائف عن مكة نحو (75)كم ، ويرتبط أهلها بصلات إجتماعية واقتصادية مع رؤساء مكة ، ويخشون سخطهم خاصة وأنهم سدنة البيت الحرام ، فكان استقبالهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته بالصدود والجفاء من جهات :
الأولى : الإعراض عن الدعوة الرسالية .
الثانية : أظهر رؤساء الطائف (الإستهزاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : إغراء السفهاء والعبيد لإيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابعة : خشية أهل الطائف على أولادهم من جذب النبي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم في دعوته .
الخامسة : جلب عدد من صبيانهم وعبيدهم في الطريق صفين يرمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحجارة، وإدماء رجليه .
السادسة : دعوة أهل الطائف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج من الطائف وقالوا : اُخْرُجْ مِنْ بَلَدِنَا وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ فَوَقَفُوا لَهُ سِمَاطَيْنِ وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتّى أَصَابَهُ شِجَاجٌ فِي رَأْسِهِ فَانْصَرَفَ رَاجِعًا مِنْ الطّائِفِ إلَى مَكّةَ مَحْزُونًا ( ))( ).
قانون الدعاء واقية
لقد جعل الله عز وجل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وجعل الدنيا دار امتحان واختبار وهبط إبليس مع آدم وحواء للفتنة ، فتفضل الله عز وجل وجعل سبل الوقاية والنجاة والمغفرة أقرب لكل إنسان من مسالك ووسائل الغواية ، ومن سبل الوقاية الدعاء ، وهو حرز حاضر.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التوجه إلى سلاح الدعاء في حال الرخاء والشدة ، ليبقى دعاؤه ثروة وتركة لأجيال المسلمين ، فلما رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جفاء أهل الطائف وإيذاءهم له .
توجه الدعاء (اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي ، وَقِلّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ، إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي.
أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك)( ).
والتقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطائف بعداس النصراني الذي أمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملازمته للدعاء ، ولم يتركه يوماً ما في الشدة والرخاء وهي من جوامع الكلم ، وكل فرد من أدعيته مأثور وفيه البركة .
ومن خصائصه تعليم أهل البيت والصحابة طائفة من الأدعية.
وعن أبي بردة عن الإمام علي عليه السلام (قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل اللهم اهدني وسددني ونهاني أن أضع الخاتم في هذه وهذه وأشار بشر بالسبابة والوسطى)( ).
لقاء نفر من الجن
اضطر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرجوع من الطائف إلى مكة بعد أن يئس من نصرة أهل الطائف له ، وفي طريق رجوعه وفي موضع يقال له نخلة صرف الله عز وجل إليه نفراً من الجن سبعة من أهل نصيبين ، وقيل تسعة .
ويطلق النفر على الذكور دون النساء أي كلهم كانوا ذكوراً .
وسبب استماع الجن للقرآن أنهم طردوا من استراق السمع من السماء برجم النجوم لهم ، فقالوا لابد أن أمراً في الأرض قد وقع ، فصاروا يطوفون في الأرض بحثاً عن السبب ، فسمعوا قراءة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورأوا أن هذه القراءة كذات ما أنزل على موسى عليه السلام.
و(سمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الفجر في سوق عكاظ)( )، وقيل في صلاة العشاء .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استماع الجن لقراءته للقرآن ودخولهم الإسلام .
وعن ابن عباس (قال : صُرِفَتِ الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين ، وكانوا( ) أشراف الجن بنصيبين)( ).
و(عن ابن عباس قال : لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام ، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع ، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حرست السماء شديداً ورجمت الشياطين ، فانكروا ذلك ، فقالوا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا فقال إبليس : لقد حدث في الأرض حدث ، فاجتمعت إليه الجن ، فقال : تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الحدث الذي حدث في السماء؟ وكان أول بعث بعث ركب من أهل نصيبين ، وهم أشراف الجن وساداتهم ، فبعثهم إلى تهامة ، فاندفعوا حتى بلغوا الوادي وادي نخلة فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة ، ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه ، وهو يقرأ القرآن ، فلما قضى يقول : لما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين يقول : مؤمنين)( ).
و(عن علقمة قال : قلت لابن مسعود : هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد ، قال : ما صحبه منا أحد ، ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير ما فعل .
قال : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حرا ، فأخبرناه فقال : إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم)( ).
والمراد من (العالمين) في قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ الثقلان الإنس والجن .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثته إلى الإنس والجن .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التفضيل المطلق ، إذ ورد عنه في حديث الإسراء (فضلني ربي وأرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً ، وألقى في قلب عدوي الرعب من مسيرة شهر ، وأحل لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً ، وأعطيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي صلاة العشاء الآخرة ، فاستمعوا للقرآن فأسلموا ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
وفيه مواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، كما أرسل الله في طريق العودة إلى مكة عند قرن الثعالب ملك الجبال ، وقد أمر الله بطاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن يطبق على قومه أخشبي( ) مكة ، وهما جبلان إن أراد .
و(عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إهل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله عزوجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
قال : فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يدع على قومه ، ولم يأمر بالبطش بهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
الرجوع إلى مكة بالإجارة
من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم صبره على أذى قومه وأذى أهل الطائف التي ذهب إليها رجاء دخول أهلها الإسلام في السنة التاسعة للهجرة .
وعندما عاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل مكة إلا في جوار مطعم بن عدي ، وذكرها حسان بن ثابت في رثائه حين مات كافراً في السنة الثانية للهجرة .
وكيف أنه نقض صحيفة الحصار التي كتبتها قريش على بني هاشم عندما حصروهم في شعب أبي طالب .
(أَيَا عَيْنُ فَابْكِي سَيّدَ الْقَوْمِ وَاسْفَحِي … بِدَمْعٍ وَإِنْ أَنْزَفْتِهِ فَاسْكُبِي الدّمَا
وَبَكّي عَظِيمَ الْمَشْعَرَيْنِ كِلَيْهِمَا … عَلَى النّاسِ مَعْرُوفًا لَهُ مَا تَكَلّمَا
فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلَدُ الدّهْرَ وَاحِدًا … مِنْ النّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمَا
أَجَرْتَ رَسُولَ اللّهِ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا … عَبِيدَك مَا لَبّى مُهِلّ وَأَحْرَمَا)( ).
فعندما عاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف ووصل إلى شعب حراء وهو معتمر ، أمر رجلاً من خزاعة وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم في حلف مع بني هاشم بالذهاب إلى مكة (فقال له : ائت سهيل بن عمرو فاسأله أن يجيرني حتى أطوف بالبيت وأسعى، فأتاه وأدى إليه قوله، فقال له : لا أفعل)( ).
فقال أذهب إلى مُطعم بن عدي إسأله ادخل مكة في جوارك وأطوف وأسعى ، فقال مُطعم : نعم ، ودعا بنيه واختانه وأخا طعيمة بن عدي وأمرهم بلبس السلاح وأن يتوزعوا في أركان البيت ، وبيّن لهم الموضوع ، إذ قال أني قد أجرت محمداً.
فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيت الحرام (ورآه أبو جهل فقال : يا معشر قريش هذا محمد وحده، وقد مات ناصره، فشأنكم به، فقال له: طعيمة بن عدي: يا عم لا تتكلم فإن أبا وهب قد أجار محمدا.
فوقف أبو جهل على مطعم بن عدي فقال: أبا وهب أمجير أم صابئ ؟ قال: بل مجير، قال: إذا لا نخفر جوارك.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من طوافه وسعيه جاء إلى مطعم فقال : أبا وهب قد أجرت وأحسنت، فرد علي جواري، قال: وما عليك أن تقيم في جواري.
قال: أكره أن اقيم في جوار مشرك أكثر من يوم، قال مطعم: يا معشر قريش إن محمدا قد خرج من جواري)( ).
وفيه شاهد على شجاعة النبي محمد وحسن توكله على الله عز وجل وتحديه للذين كفروا.
وبخصوص قول أبي جهل أعلاه (هذا محمد وحده) فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعرضه للإغتيال ، وهو وحده ، فينجيه الله عز وجل ويدفع عنه بالمعجزة .
لبيان شدة الأذى الذي كان يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رؤساء قريش ، فاذا خرج من مكة لا يدخلها إلا بالإجارة وأن بعضهم امتنع عن إجارته ، وبعضهم أراد البطش به فانجاه الله عز وجل ، وفي التنزيل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
مودة القربى
قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
لقد اختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن جعل الله عز وجل أجره على الرسالة السماوية مودة ذوي قرباه في إكرام له ولأهل بيته ، ودعوة متجددة للناس للإستقامة بالإقتداء بسنته وسيرة ذوي قرباه .
إذ تجمع الآية أعلاه بين البشارة والإنذار ، البشارة بالثواب والأجر لمن يود أهل البيت عليهم السلام ، والإنذار لمن يبغضهم ، وفي الآية تخويف ووعيد
وهل تتضمن الآية النهي عن قتل الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه والذي وقع في كربلاء يوم العاشر من محرم من السنة الواحدة والستين للهجرة في كربلاء ، الجواب نعم .
والسنة النبوية بيان وتفسير للقرآن ترى من هم قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين ذكرتهم الآية .
ورد (عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
قالوا : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال : علي وفاطمة وولداها)( ).
وقوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا، ورد ثلاث مرات في القرآن ، مرتين في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهما :
الأولى : قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ.
الثانية : قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
أما الآية الثالثة فوردت بخصوص خطاب هود لقومه يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
وليس في الآية أعلاه الأمر من الله قل.
إذ أن الأمر من الله (قل) في المقام اختص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو تشريف وإكرام له .
وقد ورد الأمر (قل) في القرآن (332) ثلاثمائة واثنتين وثلاثين مرة ، باستثناء أربعة منها في موسى وفرعون ، والبواقي كلها خطاب وأمر وإكرام خاص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلحق به أمته .
ومن خلال هذا الخطاب يمكن القول بقانون أن أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن هو النبي محمد ، فكل مرة منها هي ذكر للنبي محمد .
وهل تعدد ذكر سؤال الأجر للنبي محمد هذا من خصائصه في الآيتين أعلاه ، الجواب نعم .
وفي حديث للإمام الصادق عليه السلام قال (تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين عليه السلام وأصحابه بكربلا، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسين عليه السلام وأصحابه وأيقنوا أنه لا يأتي الحسين ناصر ، ولا يمده أهل العراق بأبي المستضعف الغريب)( ).
لبيان أن استضعاف الحسين عليه السلام وغربته وقلة ناصره ، وقيام جيش عبيد الله بن زياد بقتله خلاف لآية المودة التي هي دعوة للتنزه عن إيذائه وأهل بيته.
وقد صدر لي والحمد لله الجزء السابع والستون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً.
وقد ثبت في الفلسفة عدم اجتماع الضدين في محل وزمان واحد كالأبيض والأسود ، والإيمان والكفر .
شرف منزلة العبودية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل جعله أسوة حسنة للمسلمين والناس جميعاً .
ومنه وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن بأنه عبد لله عز وجل منها قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وقوله تعالى وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا، وقوله تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى.
وإجماع المفسرين على أن المراد من عبد الله في الآية أعلاه هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن قتادة في الآية (قال : نزلت في عدوّ الله أبي جهل ، وذلك أنه قال : لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه ، فأنزل الله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى قال : محمداً أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني بذلك أبا جهل فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ قال : قومه وحيه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ قال : الزبانية في كلام العرب الشرط)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبره على أذى المشركين الذين كانوا يتفاخرون في إيذائه ويتناجون للإضرار به وقتله ، وفي الآية أعلاه (روي أن أبا جهل قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا: نعم .
قال : فبالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لاطأن على رقبته ، فقيل له: ها هو ذلك يصلي ، فانطلق ليطأ على رقبته فما فاجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقى بيديه.
فقالوا : ما لك يا أبا الحكم ؟ قال: إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة .
وقال نبي الله : والذي نفسي بيده لودنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ، فأنزل الله سبحانه أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى إلى آخر السورة أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى يعني محمداً صلى الله عليه وآله)( ).
وفيه مسائل :
الأولى : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رفعة مقام العبودية ، وليكون ذكر صفة العبد قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ، ثناءً ومدحاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لاقترانه بآية الإسراء والمعراج.
الثانية : الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة لنيله منزلة الوسيلة .
و(عن يحيى بن سعيد ، قال : كنا عند علي بن الحسين فجاء قوم من الكوفيين ، فقال علي : يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام ، سمعت أبي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس ، لا ترفعوني فوق قدري ، فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه، رسولا وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما، فلما جمع له الاشياء قال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال: لا يكون السفيه إمام التقي)( ).
الثالثة : من نواميس يوم القيامة سيادة صفة العبودية لعموم أهل المحشر ، نعم في مواطن يكون الحوض والشفاعة ، ولا تخرجهه عن صفة العبودية.
التبادر من علامات الحقيقة
التبادر في اصطلاح علم الأصول هو انسياق المعنى إلى فهم السامع من ذات اللفظ وأصل وضعه مجرداً من القرينة التي يحتاجها المعنى المجازي .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حالما أعلن نبوته مال الناس إلى تصديقه لقانون مصاحبة المعجزة العقلية والحسية لإعلان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنبوته ، وبادروا إلى دخول الإسلام فاول من أمن بنبوته زوجه خديجة بنت خويلد والإمام علي عليه السلام ، وفيه معجزة حسية للنبي محمد لما فيه من التخفيف عنه باسلام زوجته وابن عمه.
ثم أمن عدد من الصحابة منهم أبو بكر ، هذا قبل أن ينزل قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، لبيان مرتبة للذين آمنوا قبل نزول هذا الإنذار.
وعن الإمام علي عليه السلام (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الإثنين وأسلمت يوم الثلاثاء)( ).
و(عن ابن عباس قال : ولد نبيكم يوم الاثنين ، ونبأ يوم الاثنين ، وخرج من مكة يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين ، وفتح مكة يوم الاثنين ، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] وتوفي يوم الاثنين)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه دعوته الرسالية للناس جميعاً وليس لقوم أو أمة مخصوصة ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ليختص بهذا من أول دعوته فلا غرابة أن تجد فيها أيام النبوة الفارسي والرومي والحبشي ، ودخول عدد من أهل الكتاب الإسلام مع الرضا والتسليم بأن هذا الدخول نعمة عظمى ليزداد عدد المسلمين بما يجعل النبي محمداً يباهي بهم الأمم.
و(عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِىٌّ يَخْدُمُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ.
فَقَالَ لَهُ : أَسْلِمْ . فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَسْلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم وَهْوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)( ).
(وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أول شفيع يوم القيامة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة)( ).
وهذا القول من النبي محمد معجزة من علم الغيب بأن يكون المسلمون أكثر الأمم.
ومن التبادر في نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تسليم الناس بمعجزاته وأنها شاهد على صدق نبوته سواء الحسية منها أو العقلية التي هي آيات القرآن والتي سرعان ما انتشرت في مكة والقرى والمدن القريبة ، فمن خصائص النبي محمد رجوع وفد الحاج بتحفة إلى أهليهم وهي آيات القرآن وتجلي الإعجاز البلاغي والمضامين القدسية لها.
ومن خصائصه خفوت سوق الشعر وصيرورة أسواق مكة مثل سوق عكاظ وسوق ذي المجاز مناسبة للإنصات لآيات القرآن والتدبر في معانيها ودلالاتها ، قال تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
خلافة الأرض
لقد تفضل الله عز وجل بجعل خليفة في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، لتختص الأرض من بين الأجرام والكواكب بأنها دار الخلافة.
فكان آدم عليه السلام أول خليفة في الأرض ، ونزلت آيات تدل على استدامة الخلافة الخاصة والعامة ، أما الخاصة فقوله تعالى يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى.
وأما العامة ففي عاد قوم هود الذي وجه لهم اللوم بالتذكير بالخلافة التي يجب أن يقابلها الشكر لله بالإيمان والصلاح إذ قال لهم وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
وكذا في ثمود قوم صالح في قوله تعالى وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وراثته الخلافة الخاصة إلى يوم القيامة بآيات القرآن وسلامتها من التحريف والزيادة والنقصان ، ووراثة أمته الخلافة العامة والتي وردت بصيغة المضارع [َيَجْعَلُكُمْ] في قوله تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ.
ومعاني ومصاديق الخلافة على وجوه :
الأول : الوحي للأنبياء .
الثاني : نزول الكتب السماوية .
الثالث : النبوة وتعاقب مائة وأربعة وعشرين ألف نبي على الأرض ، آخرهم وسيدهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن لطف الله عز وجل وإقامته الحجة على الناس اجتماع الوجوه الثلاثة أعلاه عند آدم ، وعند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد في المقام وجوه :
الأول : كثرة واتصال الوحي عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : لقد نزلت على آدم عشر صحف ، ونزل على النبي محمد الكتاب الجامع للأحكام وهو القرآن ، الذي جعله الله عز وجل تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
الثالث : كثرة صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم يغادر الحياة الدنيا إلى الرفيق الأعلى إلا وكان عدد أصحابه أكثر من سبعين ألف ، وهو من الشواهد على صدق نبوته .
والمراد من الصحابي في الإصطلاح هو الذي رأى النبي محمداً ورآه وهو مسلم ، فيخرج أبو لهب وأبو جهل ونحوهما لرؤيتهما النبي وهما كافران .
الرابع : المسلمون أكثر الناس واتباع الأنبياء عدداً .
الخامس : بقاء شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالمة من التحريف إلى يوم القيامة .
السادس : تولي المسلمين وعلمائهم الحكم في الأمصار بقواعد الشريعة ، والصدور عن الكتاب والسنة .
الأمر للأهل بالصلاة
قال تعالى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى.
تبين الآية أموراً من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الأول : تعاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة وأداؤها على كل الأحوال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا].
الثاني : وجوب أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته وأزواجه بالصلاة اليومية .
وهل الأمر بالشئ هو أمر للمأمور الثاني ، هل تتضمن الآية أعلاه الأمر من الله عز وجل إلى المأمور الثاني وهم الأهل بالصلاة ، أم أن الأمر يأتيهم من المأمور الأول وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
المختار هو الأول ، وقد وردت آيات عديدة تبين وجوب الصلاة على كل مسلم ومسلمة.
الثالث : اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة الإصطبار على الصلاة وملازمتها ، وبين الإصطبار والصبر عموم وخصوص مطلق ، فقد يكون الصبر مؤقتاً ، أو أنه ينفذ ، ولكن الإصطبار ملازم للصلاة مع بذل الوسع بالحرص في أدائها في أوقاتها .
و(عن ايوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثنى من لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثة وهى حائض فامر أن يراجعها، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت ابا غلاب يونس بن جبير الباهلى وكان ذا ثبت فحدثنى أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلق امرأته تطليقة وهى حائض فامر ان يراجعها، قال قلت: افحسبت عليه؟ قال: فمه أو إن عجز واستمحق)( ) أي تحسب تطليقة .
و(عن أنس بن مالك قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : الصلاة يا أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ))( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : التفسير العملي للآية القرآنية .
الثاني : تعيين أهل البيت .
الثالث : دعوة المسلمين والمسلمات لإكرام أهل البيت .
الرابع : تجلي شكر أهل البيت لله عز وجل على آية التطهير باقامة الصلاة والإستقامة وإخلاص العبادة .
الخامس : الصلاة علة للتطهير ، وهي عنوان التطهير ، وسبيل للتطهير من غير أن يلزم الدور بين هذه الوجوه .
السادس : إرشاد المسلمين لأمر أهليهم بالصلاة وتعاهدها خاصة صلاة الفجر ، وهو من مصاديق أسوة وإمامة النبي محمد للمسلمين ، والإقتداء بسنته القولية والفعلية ، وفي اسماعيل قال تعالى وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا.
و(عن ثابت قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله بالصلاة : صلوا صلوا ، قال ثابت : وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : رفع القلم عن ثلاث : عن الصبي حتي يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المعتوه حتى يبرأ)( ).
و(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِع)( ).
وقال عبد الله بن عمر لنافع مولاه (ويحك يا نافع، ولا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس)( ).
(وعن سعيد بن المسيب: كان يقول لغلام له يقال له: بُرد: يا برد، لا تكذب علىَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس)( ).
قانون توثيق معجزات الأنبياء
من خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون التوثيق الخالد لمعجزات الأنبياء الحسية وصيرورتها معجزات عقلية بذكرها في القرآن مع أنها حسية ، وهو من الشواهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لبيان تعدد المنافع والمقاصد السامية في قوله تعالى خَاتَمَ النَّبِيِّينَ ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : انقطاع النبوة والوحي بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
الثاني : شهادة القرآن بالنبوات السابقة ، وملل التوحيد في الأرض .
الثالث : تفقه المسلمين في الدين ، قال تعالى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
الرابع : التمييز بين أهل الكتاب والكفار .
الخامس : بشارة وشهادة الأنبياء السابقين ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : منع الإفتراء وإدعاء النبوة ، فمن خصائص النبي محمد تكذيب مدع النبوة في أيام حياته ، وما بعدها ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
السابع : برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صارت عند الناس حصانة من الإفتتان بمن يدعي النبوة مع الزجر عن مثل هذه الدعوى.
الثامن : بيان القرآن والسنة النبوية لإقتران المعجزة بالنبوة .
ليكون من خصائص وتفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوة المسلمين والمسلمات للآيات التي تتضمن قصص ومعجزات الأنبياء في مشارق ومغارب الأرض كل يوم في الصلاة اليومية .
ومن خصائص القرآن أنه الكتاب السماوي الذي سلمت فيه هذه القصص والمعجزات من التحريف أو الزيادة أو النقصان ، قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
لقد أنعم الله عز وجل على أهل الأرض وجعل عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ، ذكر في القرآن ستة وعشرون منهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين ذكرت معجزاتهم في القرآن الأقل منهم ، وإن كانت ذات صفة النبوة معجزة .
وذكر القرآن أسماء آباء بعضهم ، منهم إسحاق بن إبراهيم ، وإسماعيل بن إبراهيم ، ويعقوب بن إسحاق ، ويوسف بن يعقوب ، وموسى بن عمران ، وأخوه هارون النبي ، وسليمان بن داود ، ويحيى بن زكريا ، كما ذكر أزر أبو ابراهيم بقوله تعالى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
وعن أبي بصير أنه سأل الإمام جعفر الصادق عليه السلام (عن قول الله [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ] ( ) قال : كان اسم أبيه آزر)( ).
و(عن مجاهد قال : آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : اسم أبيه تارح ، وأسم الصنم آزر)( ).
و(قال الزجاج : أجمع النسابة أن اسم أبي إبراهيم تارخ)( ).
تعدد أسماء سورة الفاتحة
تسمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لسورة الفاتحة بأسماء متعددة شعبة من الوحي لقوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
وفيه ترغيب للمسلمين بتلاوة الفاتحة ، والتدبر في معانيها.
ومن علوم السنة النبوية ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لكل اسم للفاتحة بيان لموضوعيته وما له من دلالة , فمع أن الاسم غير المسمى فان هذه التسمية دعوة للتفقه في الدين , واكتساب للمعارف .
ومن هذه الأسماء التي سمى بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سورة الفاتحة ، سورة الحمد ، أم القرآن ، الصلاة ، السبع المثاني ، الحمد لله رب العالمين .
و(عَنْ أَبِى سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أُصَلِّى فَدَعَانِى فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِىَ .
فَقُلْتُ كُنْتُ أُصَلِّى ، فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ثُمَّ قَالَ : أَلاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِى الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَذَهَبَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم لِيَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَذَكَّرْتُهُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِىَ السَّبْعُ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِى أُوتِيتُهُ)( ).
(وعن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : أوّل من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء)( ).
وفيه ترغيب بالحمد لله ، وأمل في الدنيا والآخرة للذي يتعاهد الحمد لله ، وهذا التعاهد واقية من اللجوء إلى الظلم والتعدي .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الحمد لله ، لا يفارقه الحمد لله في كل ساعة من ساعات وأيام حياته .
(وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النوّاس بن سمعان قال : سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لئن ردها الله لأشكرن ربي ، فوقعت في حي من أحياء العرب فيهم امرأة مسلمة ، فوقع في خلدها أن تهرب عليها .
فرأت من القوم غفلة فقعدت عليها ثم حركتها فصبحت بها المدينة ، فلما رأها المسلمون فرحوا بها ، ومشوا بمجيئها حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما رأها قال (الحمد لله) فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوماً أو صلاة؟ فظنوا أنه نسي فقالوا : يا رسول الله قد كنت قلت لئن ردها الله لأشكرن ربي . قال : ألم أقل (الحمد لله))( ).
قدسية الإسراء
لقد ابتدأت آية الإسراء بالتقديس والتسبيح ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ويأتي التسبيح وتقديس مقام الربوبية في الأمور العظام ، لبيان ما اختص الله عز وجل به النبي محمداً من الشأن العظيم.
وجاءت الآية بصفة العبودية [بِعَبْدِهِ] لبيان أن الإسراء بالروح والجسد ، وهل هو بشارة النقل الجوي بالطائرات ، والمركبات الفضائية ، الجواب نعم ليركب بها عباد الله .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يرزقه الله المعجزة العظمى لتكون فيما عند الناس بالعلم ولو على نحو الموجبة الجزئية.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم ورود لفظ [بِعَبْدِهِ] في القرآن إلا في آية الإسراء ، وورد لفظ [عَبْدِهِ] سبع مرات في القرآن كلها في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا آية واحدة بخصوص زكريا ، وهذه الآيات السبعة هي :
الأولى : قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .
الثانية :قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا .
الثالثة: قوله تعالى كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا .
الرابعة: قوله تعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا .
الخامسة: قوله تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ .
السادسة: قوله تعالى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى .
السابعة: قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ .
وتكرر لفظ [الْعِبَادِ] في القرآن ومنه وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ كما ورد لفظ العبيد في القرآن خمس مرات كلها في نفي الظلم عن الله للناس ، منها وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .
ولم يرد في القرآن لفظ (عبيده) لبيان سمو مرتبة العباد ، وحب الله لعبادة الناس لله تعالى ، وهذه العبادة من مقام العبودية والإستكانة ، وكذا أسرى الله عز وجل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه شاهد على مقام إخلاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عبوديته لله .
وهو من خصائصه ، وهل يمكن القول أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإسراء والمعراج في السموات في ليلة واحدة ، الجواب نعم ، وهو باب فتحه الله عز وجل مرة واحدة له ثم غلقه إلى يوم القيامة .
وعن عبد الله بن عباس (قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : يا جبرئيل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا ، فأنزل الله سبحانه وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ))( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : مخاطبة ومحادثة ومناجاة النبي محمد مع جبرئيل ، وهو من سادة الملائكة .
الثانية : زيارة جبرئيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه الزيارة غير نزوله بآيات القرآن ، ومن خصائص النبي محمد أنه كان يتصبب عرقاً في اليوم البارد عند نزول آيات القرآن عليه .
الثالثة : سؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لجبرئيل بالإكثار من زيارته لما فيها من البركة والفيض السماوي .
الرابعة : قانون كل زيارة من زيارات جبرئيل للنبي مناسبة لتلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العلوم .
الخامسة : مجئ الرد على دعوة النبي محمد لجبرئيل بكثرة الزيارة من عند الله عز وجل وبآية قرآنية .
 
حديث الإسراء عند قيصر
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته ملوك عصره لدخول الإسلام ومخاطبته لهم بصفة الرسالة ، وتقديم اسمه في الكتاب على أسمائهم ، بعد صلح الحديبية ، وبعث دحية الكلبي( ) إلى قيصر مبعوثاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه كتاب معنون من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم ويدعوه للإسلام ففتح الكتاب وكان عنده جمع الأساقفة والبطارقة وأرسل يبتغي قوماً يسألهم.
مما يدل على العناية الفائقة التي أولاها قيصر لكتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إما للأخبار التي وردت في كتبهم عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لما تناقله الناس عن معجزاته وازدياد عدد المسلمين وإنتصارهم في معارك الإسلام الأولى بدر وأحد والخندق لأن دحية وفد على قيصر رسولاً من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سنة ست للهجرة.
قال تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الحسرة تصاحب وتطارد أعداءه فبعد أن كان أبو سفيان يجهز الجيوش الكبيرة لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإذا هو خلال أشهر يرى رسول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قصر قيصر يدعوه للإسلام، ويرسل قيصر رجال القصر لجلب شهود من غير تعيين بشخص أو جماعة فيؤتى بأبي سفيان وأصحابه لأنهم من قوم وعشيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فيأتي أبو سفيان بحجة وشاهد يريد منه الإنتقاص من النبي ونبوته، وهو حديث الإسراء، فيكون الرد من حاشية قيصر وكبار رجاله تصديق الإسراء بالآية الحسية والدليل العملي.
إذ جمع لقيصر أبو سفيان وأصحابه فقال اخبرني عن هذا الرجل الذي بعث فيكم فلم يأن ان يصغر أمره .
يقول أبو سفيان حتى ذكرت قوله ليلة أسري به قلت: ايها الملك أنا أخبرك عنه خبراً تعرف انه قد كذب.
قال : وما هو.
قلت : انه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيليا ورجع الينا في تلك الليلة قبل الصباح قال وبطريق ايليا عند رأس قيصر.
قال البطريق : قد علمت تلك الليلة فنظر إليه قيصر فقال: ما علمت بهذا قال: إني كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني كلهم فعالجته .
فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلاً فدعوت الناجرة فنظروا اليه فقالوا: سقط عليه النجاف والبنيان فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى فرجعت وتركته مفتوحاً.
فلما أصبحت غدوت فإذا الحجر الذي من زاوية الباب مثقوب ، وإذا فيه أثر مربط الدابة فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة الا على نبي فقد صلى الليلة في مسجدنا( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحوق الخزي بالذي يريد الإنتقاص منه ، وطمس معجزاته ، وفي التنزيل هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
و(عن جندب قال : رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر في أصبعه فقال : هل أنت إلا أصبع دميت ، وفي سبيل الله ما لقيت ، فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم فقالت له امرأة : ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فنزلت وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ))( ).
(عبد الله بن مليل سمعت عليا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لم يكن قبلي نبي إلا قد أعطاه الله سبعة رفقاء وزراء وأني أعطيت أربعة عشر فذكرهم وفيهم أبو ذر وعن ابن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بحب أربعة من أصحابي وأخبرني الله أنه يحبهم علي وأبو ذر وسلمان والمقداد)( ).
قانون الرؤيا سلم وأمن
هل من صلة بين آيات السلم والرؤيا التي يراها النبي سواء يراها بصفة النبوة أم لا ، المختار نعم ، قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ] ( ) وقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة بعد سنة من صلح الحديبية بسلام وأمن ، ومن غير إراقة دم ، وهو من الشواهد على دلالة السنة النبوية والوقائع على سلامة آيات السلم من النسخ .
وتبين الآية أعلاه قانوناً وهو رؤيا النبي شعبة من الوحي ، وتتصف بالصدق ، ويتنجز مصداقها الواقعي .
قوله تعالى [وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] ( ).
الرؤيا الصالحة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء نبوته بالرؤيا الصادقة لتهيئته وإصلاحه لتلقي الوحي ، والوثوق بما سيأتيه من عند الله ، فيرى في المنام ثم تقع الوقائع مثلما رأى ، ليدرك حقائق من علم الغيب.
وتشمل هذه الرؤى الصادقة الماضي والحاضر والمستقبل.
وأن هذه الرؤى مدد وفضل من عند الله اختصه من بين الناس ، ومن حوله مشغولون بالتجارة وزينة الدنيا وعبادة الأوثان التي هي برزخ وحاجب دون الرؤيا الصادقة.
عن الامام الباقر عليه السلام قال : أول ما بدء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا الا جاءت كفلق الصبح ثم حبب اليه الخلاء( ).
(وقد روي أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة) .
وتأويله أن مدة الرؤيا ستة أشهر من أصل ثلاث وعشرين سنة، مدة النبوة والوحي، وفيها تهيئة للنفس لمرحلة سمع وتكليف ومعاينة الملك ، وتلقي الأحكام والسنن .
لقد تحنث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء في بدايات البعثة النبوية ، ولم يستمر الحال كثيراً ، فمدته في الأشهر الأولى للنبوة ، ثم نزل جبرئيل بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ).
قانون رؤيا النبوة من الوحي
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رؤاه الصادقة التي هي جزء من الوحي لا تنحصر بالأشهر الستة الأولى للنبوة بل صاحبته في أيام النبوة لبيان اختصاصه برؤيا الوحي إلى جانب الرؤيا الصادقة التي يشترك بها مع الناس.
وهذا الجمع في الرؤيا من مصاديق قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
وقد ورد عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في (قوله لهم البشرى في الحياة الدنيا قال : الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن ، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة.
فمن رأى ذلك فليخبر بها وادّاً ، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه ، فلينفث عن يساره ثلاثاً وليسكت ولا يخبر بها أحداً) ( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الرؤيا الصادقة متقدمة زماناً على حب الخلوة ومقترنة بها لخلق العزم والقوة على تلقي الوحي بطمأنينة بعيداً عن الشك في أمره أو التردد في تبليغ ما يحمله من أحكام.
وما يراه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جزء من وظائف النبوة لذا فانه يحرص على ذكره لأصحابه مع تأويله لما فيه من المنافع وأسباب الصلاح .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى في المنام كأنه يهاجر من مكة إلى أرض ذات نخل وشجر .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة رؤيا الوحي مقدمة للسنة الفعلية والجهاد بالنفس والمال .
ومن خصائصه أن الرؤيا مدد وعون له فلا يتردد عندما يحين أوان الهجرة ، خاصة وأن التخلف عنها والبقاء في مكة لبضع ساعات يكون سبباً لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل كفار قريش الذين عزموا على قتله في فراشه ليلة الهجرة .
وفي هذه الرؤى النبوية تخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ، وهي من مكر الله في قوله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
لبيان قانون مكر الله لطف ورحمة ففيه نجاة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودوام لنزول سور القرآن وإكمال أحكام الشريعة .
و(عن ابن عباس : لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا فيها فرجا مما هم فيه من أذى المشركين ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك.
فقالوا : يا رسول الله متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت .
فسكت النبي صلى الله عليه وآله و سلم فأنزل الله تعالى وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا ثم قال : إنما هو شيء رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يوحى إلي)( ).
لبيان أن الرؤيا للبشارة أو الإنذار، والمدار على الوحي والتنزيل ولقانون انتفاء الملازمة بين الرؤيا وتحقق مصداقها الواقعي إلا أن يشاء الله لعمومات قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
إخبار النبي (ص) عن رؤياه
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره أصحابه عن رؤاه وسؤالهم له لتأويل الرؤيا ، واقتباس الدروس والمواعظ واستشراق المستقبل منها .
(قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً لأصحابه بينما انا نائم اذ اتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري يخرج من بين أظافيرى ، قالوا: بما أولت ذلك يا رسول الله ، قال : العلم)( ).
وفي رواية أخرى (فشربت منه حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم)( ).
وكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصر به ، ليكون من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع الرؤيا والواقع الخارجي في وقت وموضوع واحد .
فجاء جواب المسلمين دلالة الإيمان في ارتقائه عن جواب الملأ لملك مصر في سورة يوسف اذ كان المسلمون يستثمرون رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسماع أقواله لاقتطاف الثمار والمنافع التي هي لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ليأخذوا منه ويتعلموا ويتزودوا ويورثوا ابناءهم والأجيال اللاحقة ، ومنهم أهل هذا الزمان في الإتعاظ من البشارة والإنذار في الرؤيا.
قالوا : بما أوّلت ذلك يا رسول الله، ويدل سؤالهم على خلفية الاعتقاد الصادق وعلى بذور ونشأة علم مكتسب.
فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً : العلم.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التأكيد على موضوعية العلم في الإسلام ، والحاجة العامة إليه .
ومن فضل الله عز وجل أن الرؤيا الصادقة تأتي للبر والفاجر في كل زمان ، وكل بلد ومدينة من مدن أهل الأرض ، ولكن رؤيا النبي محمد التي خصه الله عز وجل بها شعبة من الوحي لتفيد العلم والبشارة أو الإنذار .
خصائص الوحي
الوحي لغة هو الإعلام والإخبار بخفاء ، ويأتي بمعنى الإشارة والكتابة والإيماء كما في قوله تعالى في زكريا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا.
والوحي في الإصطلاح كلام من الله عز وجل لأنبيائه ، قال تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ.
والوحي على أقسام :
الأول : الوحي للأنبياء .
الثاني : نزول الكتب السماوية .
الثالث : النبوة وتعاقب مائة وأربعة وعشرين ألف نبي على الأرض ، آخرهم وسيدهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن لطف الله عز وجل وإقامته الحجة على الناس اجتماع أحكام النبوة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد في المقام وجوه :
الأول : كثرة واتصال ومصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : نزلت على آدم عشر صحف ، ونزل على النبي محمد الكتاب الجامع للأحكام وهو القرآن ، الذي جعله الله عز وجل تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وعدد آياته ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية.
الثالث : كثرة صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم يغادر الحياة الدنيا إلى الرفيق الأعلى إلا وكان عدد أصحابه أكثر من سبعين ألف ، وهو من الشواهد على صدق نبوته.
والمراد من الصحابي في الإصطلاح هو الذي رأى النبي محمداً ورآه وهو مسلم ، فيخرج أبو لهب وأبو جهل ونحوهما لرؤيتهما النبي وهما كافران .
الرابع : المسلمون أكثر الناس واتباع الأنبياء عدداً .
الخامس : بقاء شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالمة من التحريف إلى يوم القيامة .
السادس : تولي المسلمين وعلمائهم الحكم في الأمصار بقواعد الشريعة ، والصدور عن الكتاب والسنة .
 
النسبة بين الوحي والخصائص
قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الحمد لله الذي جعل النبي محمداً خاتم النبيين ، وخصه من بين الأنبياء بنزول القرآن ، فنزل عليه نجوماً في ثلاث وعشرين سنة ، وصاحبه الوحي مدة النبوة هذه .
لتكون السنة النبوية القولية والفعلية من رشحات الوحي ، وبعد صدور الجزء السادس والستين بعد المائتين من تفسيري للقرآن تم إصدار الجزء الثاني من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه أكثر من مائة وسبعين خصيصة ، ثم صدر الجزء الثالث منه ويتضمن أكثر من خمسمائة خصيصة.
والمختار أن النسبة بين الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخصائصه على شعبتين بلحاظ التعدد الموضوعي في ماهية الخصائص .
فالوحي أعم ، وهو حاضر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل آن.
نعم كل فرد من الخصائص والمعجزات من الوحي الذي هو سور جامع للسنة القولية والفعلية ، ويمكن تقسيم خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قسمين :
الأول : الخصائص الذاتية التي تصدر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والنسبة بين الوحي وبينها عموم وخصوص مطلق.
الثاني : الخصائص الغيرية والشواهد التي تدل على انفراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكرامة ومعجزة خاصة.
والنسبة بين الوحي وبينها عموم وخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء ، وأخرى للإفتراق بينهما .
تتجلى خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : نزول آيات القرآن ، وهي الحجة والأصل والبرهان ، لتكون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق البيان في قوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
ولابد من إحصاء خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في القرآن نصاً ودلالة ، منطوقاً ومفهوماً .
الثانية : السنة النبوية القولية والفعلية فلم تأت السنة النبوية إلا عن الوحي .
الثالثة : الوقائع والشواهد أيام النبوة وما بعدها ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجيب بالتنزيل تارة ، وبالوحي أخرى ، ولا ثالث لهما ، ومن التنزيل يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وقوله تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إجتماع المعجزات والخصائص والكرامات وضروب التفضيل له بلطف من الله عز وجل به وبالمسلمين والناس جميعاً ، لبيان قانون كل خصيصة ومعجزة للنبي محمد هي لواء إيمان وسبيل هداية ورشاد وإصلاح .
 
الرؤية البصرية حقيقة
يدل قوله تعالى لِنُرِيَهُ في آية الإسراء على أن الإسراء بالجسد والروح لاستباق الذهن إلى الرؤية البصرية على نحو الحقيقة ، أما رؤيا المنام فتأتي مع القرينة الصارفة كما في إبراهيم عليه السلام ، قال قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ وحتى قول ملك مصر إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ فانه قيد هذه الرؤية بقول (رؤياي) في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ] ( ) وفي رد الملأ وتأويلهم قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ.
ومن الرؤية حقيقة قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ.. وقوله تعالى وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ فلابد أن المراد من الرؤيا هنا الحقيقة .
لبيان عظيم قدرة الله بنزول العذاب بالمشركين إذا لم يتداركوا أمرهم بالتوبة والإنابة .
وروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال( إن الله بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس)( ).
لقد كانت معجزة الإسراء والمعراج من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : نزول القرآن بالإخبار عن معجزة الإسراء ، ومن خصائص الأخبار القرآنية أنها حق وصدق .
الثانية : إجتماع الإسراء من مكة إلى بيت المقدس مع العروج بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء وعودته إلى مكة في ليلة واحدة.
الثالثة : صعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السموات ، سماء بعد سماء ، ولقاء بالأنبياء في السموات حتى بلغ السماء السادسة .
الرابعة : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحكاماً شرعية في المعراج .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكره لوقائع الإسراء والمعراج في مناسبات متعددة وهو من الشواهد وأسباب التسليم بأنه وقع في اليقظة وبالروح والجسد معاً وهو من بديع صنع الله ، وعظيم قدرته وبيان وحدة ملكية وعائدية السموات والأرض لله عز وجل ، ملكية تصرف ومشيئة .
فالإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعروج به في السموات في اليقظة آية عظمى لبيان قانون تضمن الواقعة الواحدة عدة خصائص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضل ولطف من عند الله عز وجل .
إسراء النبي (ص) في التوراة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة الأنبياء السابقين بنبوته ، وقد تجلت منافع هذه البشارة بتوثيق القرآن لقصص وجهاد الأنبياء ، وبتلاوة المسلمين والمسلمات كل يوم الآيات التي تبين صبر الأنبياء في مرضاة الله ، وهو من شكر الله عز وجل لهم في الدنيا ، مع الثواب العظيم للمسلمين من وجوه :
الأول : تلاوة آيات قصص الأنبياء .
الثاني : إتعاظ المسلمين بصبر وجهاد الأنبياء .
الثالث : اقتداء المسلمين بسنن الأنبياء .
الرابع : حضور قصص الأنبياء في الواقع اليومي للمسلمين وغيرهم.
الخامس : تجلي تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية والفعلية على الأنبياء ، وما رزقه الله عز وجل من المعجزات والكرامات.
وبالإسناد (عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي.
فقال الله : يا آدم ، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه ؟ قال : يا رب ، لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك .
فقال الله : صدقت يا آدم ، إنه لأحب الخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك)( ) ، ورواه البيهقي في دلائل النبوة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكر التوراة لعروجه في السماء إذ ورد في التوراة حكاية عن النبي دانيال :
7:13 كنت ارى في رؤى الليل و اذا مع سحب السماء مثل ابن انسان اتى وجاء الى القديم الايام فقربوه قدامه .
7:14 فاعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والامم والالسنة سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض .
7:15 اما انا دانيال فحزنت روحي في وسط جسمي وافزعتني رؤى رأسي .
7:16 فاقتربت إلى واحد من الوقوف وطلبت منه الحقيقة في كل هذا فاخبرني وعرفني تفسير الأمور( ).
لقد ورد ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة لذا دعا الصحابي عبد الله بن سلام (إبني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما : قد علمتما إنّ الله عزّ وجلّ قال في التوراة : إنّي باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون .
فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم)( ).
فنزل قوله تعالى وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
قانون خيبة وخسارة أعداء النبي محمد (ص)
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزاته الغيرية التي تتجلى بالشواهد الحسية الآنية واللاحقة في غيره من الناس ، منها عز وغنى المؤمنين ، وخيبة وخسارة عاجلة للكافرين الذين يحاربونه ، ومنها مسائل :
الأولى : رجوع المشركين من معركة بدر وأحد والخندق خائبين لم ينالوا شيئاَ .
الثانية : كثرة انفاق قريش في الهجوم على المدينة ، وتحملهم أعباء الديون.
الثالثة : قتل بعض صناديد وشجعان قريش مثل عمرو بن عبد ود العامري .
(وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ هذا الحرف وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بعلي بن أبي طالب)( ).
ليكون قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ، حكماً عاماً لا يختص بمعركة أحد إنما يشمل كل معارك الإسلام اللاحقة لها.
لتجمع هذه الآية وذات الكلمات منها البشارة والإنذار ، البشارة للمسلمين والإنذار للذين كفروا ، ومن خصائص النبي محمد نزول آيات القرآن لزجر الذين كفروا عن قتاله ، والكيد له.
الرابعة : عودة المشركين من ساحات قتالهم ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنهم هم الغزاة والذين يبدأون القتال كل مرة ، وفيه وجوه من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الأول : إقامة الحجة في الدنيا والآخرة على أعدائه .
الثاني : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منتصراً من كل معركة له مع المشركين .
الثالث : قانون كل معركة من معارك الإسلام الأولى سبب لدخول رهط وطائفة من الناس الإسلام .
الرابع : المدد من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل معركة من معارك الإسلام ، وفي معركة الأحزاب قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا.
كما أنزل الله عز وجل جنوداً في معركة حنين بعد أن نفذ الخوف إلى قلوب كثير من الصحابة وفرت الطلائع الأولى منهم من الميدان ولكن النبي محمداً ثبت في موضعه ، قال تعالى ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ.
الخامس : قد نزلت السكينة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار ثور عند الهجرة إلى المدينة .
وفي معركة بدر أخبر الله عز وجل عن تحقق النصر من عنده للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهي مرتبة أعلى من نزول السكينة وجامعة لها مع النصر ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
لتبين السنة النبوية نزول الملائكة يومئذ ، و(عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنبة وميكائيل في خمسمائة)( ).
وفي معركة أحد قال تعالى بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.
السادس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي قانون ملازمة الخيبة لأعداء النبي محمد في حياته وبعد وفاته.
تعاهد الصفا والمروة
قال تعالى إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ.
من خصائص القرآن أنه يتضمن الحقيقة والمجاز ، ومن المجاز حذف المضاف كما في المقام ، وإجماع علماء التفسير بأن المراد من الآية أعلاه : إن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله.
وجئُت بقانون جديد في علوم القرآن ، بقسيم ثالث للحقيقة والمجاز ، وهو اجتماع الحقيقة والمجاز في اللفظ القرآني الواحد كما في الآية المتقدمة .
فهي تحمل على الحقيقة وأن ذات جبل الصفا وجبل المروة المجاورين للبيت الحرام من شعائر الله المكانية ، ويجب تعاهدهما وحفظهما ، كما يتضمن هذا اللفظ المعنى المجازي بأن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله .
لبيان أن اللفظ القرآني أعم من القواعد البلاغية والنحوية والكلامية ، وإذا ثبت قولي بالقسيم الثالث للحقيقة والمجاز الجامع بينهما ، وأن من معاني حرف العطف العطف أو الإستئناف أو الجامع للعطف والإستئناف .
فلابد من إعادة كتابة شطر من علم التفسير بهذا الخصوص لما فيه من الإعجاز مع أني ذكرت شواهد على كل منهما .
و(عن سعيد بن جبير قال : سألت قريش اليهود فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات .
فأخبروهم أنه كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله .
فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد به يقيناً ونتقوّى به على عدونا .
فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه . فأوحى الله إليه : إني معطيكم ذلك ، ولكن إن كذبوا بعد عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين .
فقال : ذرني وقومي فأدعوهم يوماً بيوم ، فأنزل الله عليه إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فخلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل الصفا ذهباً)( ).
و(عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس: ممن أنت؟ قلت: من بني أسد ، قال من عربهم أو من مواليهم؟ قلت: لا بل من مواليهم. قال: فقل أنا ممن أنعم الله عليه من بني أسد)( ).
وسعيد بن جبير مولى بني والبة بن الحارث من بني أسد بن خزيمة.
وحديث جعل الصفا ذهباً ورد عن ابن عباس( ).
ولو صار الصفا ذهباً لكسروه بالفؤوس ولقالوا انه سحر من محمد ، وتقاتلوا عليه ثم يأتي جيل بعدهم ينكر هذه الآية ، بينما الصفا في كل عام هو ذهب ومورد عظيم لأهل مكة إلى يومنا هذا وهي آية جلية وظاهرة للعيان فأغناهم الله عن رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، إذ يأتي وفد الحاج والمعتمرين طيلة أيام السنة .
لبيان قانون من الإرادة التكوينية أن لكل فرد من شعائر الله نفع عظيم للناس ، وبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتعظيم شعائر الله ، وثبيت السنن العبادية .
الثاني : اقتداء المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نسكه وعبادته ، لذا قال (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
الثالث : منع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإختلاف والنزاع بين المسلمين في أجيالهم المتعاقبة في كيفية أداء المناسك ، إذ قال (لتأخذوا عني مناسككم)( )، وقال (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)( ).
وأيهما أهم المعنى الحقيقي أو المجازي في الآية ، وفي كل منهما للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من خصائصه تعددها في الحقيقة والمجاز للفظ الواحد ، والمختار أن المعنى الحقيقي الذي وضع له اللفظ هو الأهم إلا مع الأمارة أو الدليل على الخلاف.
وقد ورد قوله تعالى وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ مرتين في القرآن ، والأخرى في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
و(عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء ، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ، ثم قرأ عبد الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ))( ).
ويحتمل قوله (كنا نغزو) البيان ، أو أنه من نقل رجال سند الحديث بالمعنى ، وكما أنه لا يراد منه الغزو على القبائل والمدن إنما هو كتائب للإستطلاع والدعوة إلى الإسلام خارج المدينة إذ يدل لجوء الصحابة إلى النكاح المنقطع وبالثوب على عدم وجود سبايا أو غنائم ، فتدبر .
ومع التباين في معنى العطف والإستئناف ، فالأول هو اشتراك الجملة التي بعد حرف العطف بحكم وإعراب الجملة السابقة لها ، أما الإستئناف فهو استقلال الجملة التي بعد حرف الإستئناف بالمعنى والدلالة .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول آيات القرآن عليه ، ومع أن كلماتها محدودة فانها تحيط باللامحدود من الوقائع والأحداث .
 
القرآن فرقان
وردت كلمة (الفرقان) سبع مرات في القرآن أكثرها بخصوص القرآن ، قال تعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا.
كما ورد بخصوص التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام.
واختص الله عز وجل يوم بدر بأن سمّاه يوم الفرقان ، قال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ليشكر المسلمون الله عز وجل على نعمة النصر يوم بدر ، ومن معاني الشكر التحلي بخصال الإيمان ، وعدم الإضرار بالناس.
والتسليم بأن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : قانون مصاحبة النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون حضور المدد من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة .
والنسبة بين المدد من الله وبين نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو العموم والخصوص المطلق ، لبيان أن من خصائصه اتصال المدد الإلهي له في حال الحرب والسلم ، وهل نزول الآية القرآنية مدد من عند الله ، الجواب نعم .
لقد فرق القرآن بين الإيمان والكفر ، وبين الحق والباطل ، وبين الطريق إلى الجنة ، والطريق إلى النار ، قال تعالى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
ومن خصال المسلم السعي لدخول الجنة والذي يأتي بالإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا….
ويثني الله عز وجل على نفسه بانزاله القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ لبيان ان نزول القرآن آية عظمى ، ونعمة سماوية حاضرة بين الناس في كل يوم .
الثالث: من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنذار والوعيد لمن يحاربه ويعرض عن دعوته إلى التوحيد .
لقد وردت إنذارات القرآن بصيغة العموم الإستغراقي للناس ، لبيان وصول بلاغات القرآن ، وما فيه من البشارة والإنذار ، والحجة والبرهان إلى الناس جميعاً لينتفعوا منها ، والمسلمون أولى الناس بهذا الإنتفاع من وجوه:
الأول : قانون إنذارات القرآن رحمة عامة .
الثاني : قانون إنتفاع المسلمين اليومي من إنذارات القرآن .
الثالث : من منافع إنذارات القرآن إمتناع الناس عن الظلم والفجور .
الرابع : قانون حاجة الناس لإنذارات القرآن .
ومن معاني تسمية القرآن بالفرقان ابتداء الحسم في صراط الإيمان والكفر بغلبة الإيمان ، وبنزوله انقطعت عبادة الأوثان ، والطواغيت ، وادعاء بعض الملوك الربوبية وتجلى هذا الإنقطاع في الواقع العملي منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة ، ويدل عليه تسمية معركة بدر بأنها يَوْمَ الْفُرْقَانِ أي التفريق بين الحق والباطل مع غلبة الحق ، ونصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل الإيمان ، مما يستلزم الشكر لله عز وجل بالمحافظة على السلم المجتمعي ، والتنزه عن الظلم والتعدي .
ومن خصائص القرآن وصفته تفريقه بين الذي يطمئن الناس له ، وبين الذي يخافه الناس ، وتنفر نفوسهم منه ، مع بيان بأن المؤمن عنوان الطمأنينة للناس ، إذ تمـتلأ نفسه بالسكينة ، قال تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعاهده الصلاة اليومية وجماعة قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة على نحو الوجوب ، وقراءة السور القصار وأغلبها سور مكية تتضمن الوعد والوعيد ، والإنذار من الظلم والتعدي كما في سورة العصر قال تعالى وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
لبيان اختصاص النجاة يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح والأمر بالمعروف والصبر ، والنهي عن المنكر ، والإرهاب ضد للحق والصبر .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته إلى السلم وبسطه الأمن في الجزيرة بعد أن كانت القبائل يغزو بعضهم بعضاً ، بما فيهم أبناء العمومة الواحدة ، وأنزل الله عز وجل سور القرآن وكل سورة منها تدعو إلى الأمن والسلم المجتمعي ، وتجذب المسلم للسياحة في كنوزها ، وتصده عن الحرام والممنوع ، وتصلح حاله ، وتنهاه عن الظلم والتعدي ، وإخافة الناس.
وتدعو كل من سور القرآن إلى السلم المجتمعي والتراحم سواء السور المكية التي أنزلت على النبي محمد قبل الهجرة , والسور المدنية هي التي نزلت من عند الله عز وجل عليه بعد هجرته إلى المدينة وإن كانت بعض آياتها نزلت خارج المدينة وحتى في مكة كما في آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا التي نزلت في غدير خم الذي يبعد عن مكة (157)كم ، وعن المدينة (250)كم ، وهو مجتمع للحجيج في الجادة العامة .
قانون التلاوة إصلاح للنفوس
من خصائص القرآن أن كل آية من آياته غضة طرية في كل زمان ، ومنافعها متجددة كل يوم وإلى قيام الساعة.
وهو من أسرار وجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن لقانون ترشح المنافع الخاصة والعامة عن تلاوة كلام الله في الصلاة وحال الطهارة بالوضوء ، والخشوع ، والخضوع وإحضار القلب بين يدي الله ، وهل يحصي الله عز وجل حال الخشوع والخشية من الله عز وجل ، وإقبال القلب في الصلاة لكل مسلم ومسلمة ، الجواب نعم .
وهو من مصاديق وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، فتكون حال الخشوع على هيئة عدد ورقم يضاف إلى حسنات المسلم ، ويكون هذا العدد كثرة وقلة حسب الإنقطاع إلى الله في الصلاة ، وعدم الإنشغال اثناءها بأمور الدنيا .
وفي فتح مكة قطع لطرف ورؤساء من الكفار وعاداتهم ، ومنه قولهم الوارد في التنزيل إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، بلحاظ إرادة المعنى الأعم من أمور :
الأول : عموم الكفار , وعدم إنحصار القطع بالذين حضروا معركة بدر أو أحد أو الخندق.
الثاني : قطع الطرف لا يختص بالقتل , فيشمل انحسار سلطان قريش, وزوال هيبتها بين القبائل ، وتراكم الديون على قريش لتعطل تجارتهم إلى الشام واليمن .
الثالث : مفهوم النصر في قوله تعالى في الآية السابقة لآية قطع الطرف, وقوله تعالى وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كل يوم يمر على المسلمين هم في عز وثبات على الإيمان ، ومندوحة في أداء الفرائض هو نصر لهم ، ومن مصاديق النصر التقيد بسنن تقوى الله وإصلاح الأسواق وضبط الميزان ، ومنع الظلم والقهر في المعاملات وصيغ العقود.
وهل من موضوعية لهذا المنع في اعتداء قريش على الإسلام، الجواب نعم، فقد أدرك أرباب الأموال، والملأ من قريش أن الإسلام دين جامع للأحكام , ومبادئه تشمل ميادين الكسب والتجارة، وفيها نجاة للضعفاء، فسعوا إلى حربه وإلا فإن الأصنام وعبادتها ليس علة تامة للمبادرة لزحف هذه الجيوش وقياداتها التي أظهرت براعة في التهيئة للقتال، وحماساً له , وبذل للنفوس والأموال في ميادين القتال ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ.
لقد خرجت عامة القبائل وطائفة من المستضعفين مع قريش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبعث إلا من أجلهم، ونفعهم في الدنيا والآخرة، وخروجهم هذا من مصاديق احتجاج الملائكة أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، أي يأتيهم النبي بخير النشأتين، ورفع الظلم والجور عنهم ، ومنع الإنضواء بغفلة وتفريط تحت لواء الظالمين والطواغيت ، وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
وكان الرد من الله عز وجل على الملائكة إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، لأنه تعالى جعل المعجزات تتوالى على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتفيق وتصحو تلك القبائل , ويلتفت المستضعفون إلى وظائفهم العبادية، ويدركون زيف ما يدعيه أرباب الشرك والضلالة.
ومن مصاديق الإعجاز العقلي للقرآن أن تلاوته هدى وصلاح للنفوس وزاجر للجوارح والأركان ، ومنها أنها مدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله ، ونصره على الذين كفروا .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء مجئ المدد له من السماء بالملائكة والتنزيل وبقاء هذا المدد إلى يوم القيامة .
تلاوة المسلم والمسلمة كل يوم القرآن من خصائص النبي وفيه تهذيب ، وواقية من المعاصي .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يغادر الدنيا إلا وقد ساد الإسلام وأحكامه الجزيرة وهو من مصاديق قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
وهل تعلم الملائكة أن أعداد المسلمين تصل إلى المليارات في هذه الأزمنة ، الجواب نعم ، إذ جعل الله عز وجل الملائكة متهيئين لكتابة أعمال الناس من يوم خلق الله عز وجل آدم عليه السلام .
الإستعاذة مقدمة التلاوة
قال تعالى فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
فاذا : الفاء حرف استئناف مبني على الفتح ، وحرف الإستئناف هو الذي تقع بعده جملة لا صلة لها بما قبلها معنى وإعراباً ، لذا يسمى حرف ابتداء
إذا : ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه مبني على السكون في محل نصب وهو حرف شرط غير جازم .
قرأت : فعل ماض مبني على السكون لإتصاله بضمير الرفع المتحرك ، التاء : تاء المخاطب ضمير مبني في محل رفع فاعل .
القرآن : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره .
فاستعذ : الفاء واقعة في جواب الشرط ، ومن معانيها هنا الفورية والمبادرة إلى الإستعاذة .
استعذ : فعل أمر مبني على السكون .
والفاعل ضمير مستتر فيه وجوباً تقديره : أنت ، والخطاب والأمر موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الخطاب الخاص له يشمل أجيال المسلمين المتعاقبة ، لبيان المنافع العظيمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أمن ووقاية أجيال أمته من الرجال والنساء من شرور واغواء وفتنة إبليس عند قراءة القرآن والإنتفاع منها .
ومن خصائص الإستعاذة عنه قراءة القرآن وجوه :
الأول : التدبر في آيات القرآن .
الثاني : طرد الغفلة عند التلاوة .
الثالث : العمل بمضامين آيات القرآن .
الرابع : استحضار أحكام القرآن في القول والعمل .
بالله : الباء حرف جر مبني على الكسر .
واسم الجلالة اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة .
وجاءت الفاء في [فَإِذَا قَرَأْتَ] لبيان المبادرة إلى قراءة القرآن في الصلاة وخارجها في القراءة الواجبة والمستحبة .
وتكرر الأمر [اسْتَعِذْ] أربع مرات في القرآن كلها أمر وخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلحق به الأمة ، وهي بعدد ذكر اسم (محمد) في القرآن.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقي الأمر الإلهي بالإستعاذة من الشيطان وامتثاله وأمته لهذا الأمر .
وقد تأتي الفاء حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب ، أو الترتيب والسببية مثل فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ والآية فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ.. .
الفاء في [فَوَكَزَهُ] حرف عطف مبني على الفتح أي دفعه بجميع كفه ، وقال الكسائي : لكمه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في تعاهد الإستعاذة والإستجارة بالله عز وجل من الشيطان الرجيم .
الثاني : تعدد صيغ استعاذة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الشيطان وهمزة ووسوسته ونفثه .
وعن عبد الله بن مسعود (عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه . قال : همزه الموتة ، ونفثه الشعر : ونفخه الكبرياء)( ).
الثالث : تعدد صيغ استعاذة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الشيطان ، وتعدد موضوع سؤال الإستعاذة.
الرابع : استعاذة النبي محمد عند دخوله في الصلاة من الشيطان .
الخامس : استعاذة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من همزات شياطين الجن والإنس ، قال تعالى وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، لإرادة شياطين الجن والإنس ، ونفخهم ونفثهم وكيدهم وإغوائهم .
السادس : هداية المسلمين إلى اللجوء إلى الإستعاذة للسلامة من الفتنة والإفتتان ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ.
إكرام النبي (ص) لعشيرته
وهذا التقسيم على جهات :
الأولى : خصائص ومنافع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبني هاشم ، قال تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمتثال لأمر الله عز وجل حالما تنزل عليه الآية القرآنية ، أو يأتيه الوحي ، فلما نزلت الآية أعلاه جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني هاشم وأخبرهم أنه رسول الله ودعاهم للتصديق به ونصرته ، واعلن الإمام علي عليه السلام يومئذ الإيمان برسالته ونصرته.
وعن (الجزرى في النهاية : لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ بات يفخذ عشيرته ، أي يناديهم فخذا فخذا وهم أقرب العشيرة إليه)( ).
وترتيب الإنساب في قبائل العرب على مراتب تبدأ من الأبعد وهي :
الأول : الشعب : وهو النسب الأبعد مثل عدنان وقحطان ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
الثاني : القبيلة : مثل ربيعة ومضر ، وقد ورد ذكرهما في الحديث .
الثالث : العمارة : والجمع عمارات وعمائر مثل قريش .
الرابع : البطن : مثل بني عبد مناف وبني مخزوم ، ومنهم من قدم الفصيلة على العمارة .
الخامس : الفخذ : مثل بني هاشم ، وبني أمية .
السادس : العشيرة : وتسمى أحياناً الفصيلة ، قال تعالى وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ.
واكثر ما يذكر القبيلة ثم البطن ، وقد ذكر القرآن الشعوب ، والقبائل ، والعشيرة ، والفصيلة ، لبيان موضوعية الإنساب في الدعوة إلى الله ، وبيان جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار الله لرسالته من بين القبائل والبطون الكثيرة .
الثانية : منافع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل البيت ، قال تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
الثالثة : خصائص ومنافع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
الرابعة : منافع وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمهاجرين .
الخامسة : منافع رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار ، ومدينة يثرب (المدينة) وورود اسمها في القرآن.
والنسبة بين معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين خصائصه عموم وخصوص مطلق ، فالمعجزات أعم ، فقد يشترك رسول من الرسل السابقين مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المعجزات الحسية .
المنافع العامة لخصائص النبي (ص)
قد تقدمت الإشارة إلى هذا القانون في الجزء الثالث من هذا السِفر ، وهو مبحث مستحدث ، ويمكن تقسيم منافع بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخصائص رسالته عدة تقسيمات منها :
الأول : بلحاظ التباين والتوالي في العوالم مع لزوم البيان والتفصيل والشواهد ، من جهات تصلح كل واحدة منها لدراسة دكتوراه وهي :
الأولى : المنافع الدنيوية .
الثانية : المنافع في عالم البرزخ .
الثالثة : المنافع الأخروية .
التقسيم الثاني على جهات :
الأولى : منافع خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين.
الثانية : منافع خصائص النبي لأهل الكتاب .
الثالثة : منافع خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعامة الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
الثالث : تقسيم آخر من جهتين :
الأولى : منافع خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على العلماء والحكام المسلمين .
الثانية : منافع خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على عامة المسلمين .
خصائص النبي (ص) في [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ]
لقد أسس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النظم السياسية والإجتماعية والأخلاقية ، وصارت سنته منهاجاً ، ومن منافعها اهتداء المسلمين بنور سنته والعمل بها .
ومنع الإختلاف بينهم في الأحكام والقواعد العامة للسلوك ، وهو من مصاديق حبل الله في قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، هو القرآن والسنة النبوية الشريفة .
وهل قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا…، موجه للصحابة بلحاظ مضمون الآية وبخصوص الفيئ والأنفال أم أنه خطاب عام لأجيال المسلمين ، الجواب هو الثاني .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ الآية أعلاه وجوه :
الأول : أخذ أجيال المسلمين بأحكام القرآن والسنة .
الثاني : قانون الأحكام التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة وذات نفع عام .
الثالث : قانون النجاة بالعمل بالكتاب والسنة .
الرابع : دلالة آية وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا… على تكامل الشريعة الإسلامية ، وملائمة أحكامها لكل زمان ومكان .
(لقي عبد الله بن مسعود رجلا محرماً وعليه ثيابه ، فقال : انزع عنك. فقال الرجل : اتقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله.
قال : نعم وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ))( ).
الخامس : هداية الناس للإيمان ، وشيوع الأخلاق الحميدة ، وحسن المعاملة بين الناس ، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
السادس : قانون سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرب على الشرك ودفع للظلم والتعدي .
السابع : بيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببقاء العمل بالقرآن والسنة النبوية إلى يوم القيامة .
وروى زيد الشحام عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (ما أعطى الله نبيا من الانبياء شيئا إلا وقد أعطى محمدا صلى الله عليه واله، قال لسليمان عليه السلام : فامنن أو أمسك بغير حساب ، وقال لرسول الله صلى الله عليه واله وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ))( ).
الثامن : بيان مصاديق لعظيم قدرة وسلطان الله ، وتفضله بالهبات للأنبياء والأولياء بما يفيد استدامة كلمة التوحيد في الأرض .
التاسع : الأجر والثواب العظيم في الآخرة لمن يعمل بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الإعتصام بحبل الله
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأخوة والتآخي بين المسلمين ، وكان بين الأوس والخزرج خصومة واقتتال ، وهو سبب نزول الآية وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما أن حلّ بالمدينة حتى انقطعت هذه الخصومة ، وعند الشدائد تذهب الأحقاد والضغائن .
أما في المقام فيتجلى قانون التضاد بين الإيمان والاحقاد فلا أحقاد وضغائن بين المؤمنين .
فاجتمع الإيمان عند المهاجرين والأنصار ، مع الشدائد بملاقاة جيوش المشركين فكانت آية [وَاعْتَصِمُوا] حاجة لهم.
ومن خصائص النبي محمد سيادة السلام والأمن في بلاد المسلمين ، والطرق العامة ، ولا عبرة بالقليل الذي تنفر منه النفوس ، ويدرك المعتدي أن العذاب الأليم ينتظره في الآخرة .
وقد ذكرت في الجزء الواحد والسبعين من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) والذي اختص بتفسير هذه الآية أن (الحبل هو السبب الذي يوصل الى الغاية والمقصد، وأصل الحبل المفتول، وجاء استعماله هنا للإستعارة وبيان حاجة العبد للنجاة، وانها محصورة بالتمسك بوسيلة مخصوصة للتقرب الى الله ونيل السلامة بالتمسك بالقرآن والسنة).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه لمعنى الحبل في الآية بما يمنع من الإجمال والتحريف .
و(عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)( ).
وتلاوة آيات القرآن ، ووجود السنة النبوية عند المسلمين ، واستحضارهم لها في الوقائع من مصاديق الاعتصام بحبل الله.
والوسيلة أعلى درجة في الجنة ، ولا ينالها إلا عبد واحد من عباد الله ، وقيل الوسيلة أقرب أماكن الجنة إلى العرش .
ولقد سئل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا وفي الآية ورد عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا [وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى] ( ))( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة فوزه بالمقام المحمود ، والشفاعة العظمى (عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا قمت المقام المحمود تشفعت في أصحاب الكبائر من امتي فيشفعني الله فيهم، والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي)( ).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ، حَلّتْ له شفاعتي يوم القيامة)( ).
قانون اختصاص الإنسان بالخلافة
لقد أكرم الله عز وجل الملائكة باخبارهم بخلق الإنسان وجعله فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
ومن معاني هذه الخلافة استدامة موضوعها إلى يوم ينفخ في الصور.
لقد احتجت الملائكة ولكنها لم تحتج على ذات الخلافة فهي جزء من ملك الله عز وجل للأرض ، ومشيئته المطلقة ، قال تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
ولكنهم احتجوا على قيام شطر من الناس بالإفساد في الأرض وسفك الدماء لبيان أن كلاً منهما مخالف لأحكام الخلافة في الأرض ، وهذا الإحتجاج نوع دعاء وتوسل.
فمن إعجاز آية الخلافة هذه الذي لم يتوقف عنده علماء التفسير أن احتجاج الملائكة لم يتعلق بذات خلافة الإنسان في الأرض سواء على معناها الخاص وارادة آدم عليه السلام ، أو الأنبياء ، أم على معناها العام وإرادة عموم الناس ، إنما يتعلق الإحتجاج بالذين يخرجون عن سنن الخلافة في الأرض ، وما يخالف الضوابط والقوانين لهذه الخلافة والتي جاءت من وجوه :
الأول : الوحي للأنبياء .
الثاني : نزول الكتب السماوية .
الثالث : النبوة وتعاقب مائة وأربعة وعشرين ألف نبي على الأرض ، آخرهم وسيدهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن لطف الله عز وجل وإقامته الحجة على الناس اجتماع أحكام النبوة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد في المقام وجوه :
الأول : كثرة اتصال ومصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : نزلت على آدم عشر صحف ، ونزل على النبي محمد الكتاب الجامع للأحكام وهو القرآن ، الذي جعله الله عز وجل تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وعدد آياته ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية.
الثالث : كثرة صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يغادر الحياة الدنيا إلى الرفيق الأعلى إلا وكان عدد أصحابه أكثر من سبعين ألف ، وهو من الشواهد على صدق نبوته ، والمراد من الصحابي في الإصطلاح المشهور هو الذي رأى النبي محمداً ورآه وهو مسلم ، فيخرج أبو لهب وأبو جهل ونحوهما لرؤيتهما النبي وهما كافران .
الرابع : المسلمون أكثر اتباع الأنبياء عدداً .
الخامس : بقاء شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالمة من التحريف إلى يوم القيامة .
السادس : تولي المسلمين وعلمائهم الحكم في الأمصار بقواعد الشريعة ، والصدور عن الكتاب والسنة .
 
السبق في الخلق
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقدم خلق نوره في أصل الخلق وبداياته .
وقد وردت النصوص بتوكيد تقدم خلقه صلى الله عليه وآله وسلم ففي خبر سفيان الثوري عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام : ان الله تبارك وتعالى خلق نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل ان يخلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وقبل ان يخلق آدم ونوحاً وإبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان، وقبل أن يخلق الانبياء كلهم بأربعمائة ألف سنة وأربع وعشرين ألف سنة (إلى آخر الخبر)( ).
و(عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : خلقني الله نوراً تحت العرش قبل ان يخلق آدم عليه السلام باثني عشر الف سنة فلما ان خلق الله آدم عليه السلام القى النور في صلب آدم عليه السلام .
فاقبل ينتقل ذلك النور من صلب الى صلب حتى افترقنا في صلب عبد الله بن عبد المطلب وابي طالب، فخلقني ربي من ذلك النور لكنه لا نبي بعدي)( ).
لبيان أن السبق في الخلق يختص بالنور وليس البدن الذي هو في الدنيا من ذرية آدم عليه السلام .
وهذا الإختصاص النبوي لطف وفضل من عند الله ودعوة للناس للمبادرة الى الإيمان ، وقد ورد الخبر عن الصادق عليه السلام (ان بعض قريش قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأي شيء سبقت الأنبياء وفضلت عليهم وانت بعثت آخرهم وخاتمهم .
قال : اني كنت اول من أقر بربي جل جلاله، واول من اجاب وحيث اخذ الله ميثاق النبيين واشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم ؟ قالوا: بلى، فكنت أول نبي قال (بلى) فسبقتهم إلى الاقرار بالله عزوجل)( ) أي عالم الذر.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيام الأنبياء السابقين بالدعوة له والتبشير بنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ومن يدعى له أفضل من الداعي إلا مع القرينة ، وهي معدومة في المقام .
الكنعانيون
الكنعانون عرب ، وقد انشأوا المدن في فلسطين ، ويقول المؤرخون أن مدينة أريحا أقدم بلدة في التأريخ ، ومن الصعب تعيين مدينة في الأرض أنها أول مدينة انشئت لأنتشار الناس في الأرض حسب الكلأ والماء .
وبقيت فلسطين تسمى أرض كنعان حتى عام 1200 ق .م إلى أن غزتها القبائل الكريتيه التي استقرت في يافا وغزة ، وسميت المنطقة باسم فلسطين ، وقيل سبب تسمية فلسطين من كلمة (فلستا) التي اطلقها الكتاب اليونانيون على الذين سيطروا على الأرض في القرن الرابع أو الخامس قبل الميلاد ، واحيا الرومان هذا الاسم إذ أطلقوا مصطلح (سوريا فلسطين).
وذكرت فلسطين في العهد القديم ، وسمي أهلها الفلستيين (PHILISTIN).
وهاجر إبراهيم عليه السلام من مدينة أور في جنوب العراق إلى أرض فلسطين.
وتعاقبت الدول السيطرة على فلسطين ، خاصة الرومان ، ثم الفرس ، كما أسس بنو إسرائيل برئاسة داود وسليمان نحو 1000 قبل الميلاد مملكة لليهود قبل أن تسيطر الدولة الفارسية على فلسطين ، وقام نبوخذ نصر الكلداني بالهجوم من العراق على فلسطين نحو سنة 597 ق.م ، واستولى على القدس عاصمة مملكة يهوذا ، وأخذ ملكها وأسرته ومعظم قادتها أسرى إلى بابل في العراق ، ولم يقتلهم ، إنما جعلهم تحت المراقبة ونصب ملكاً جديداً على فلسطين ، وعاد إلى بلاده.
وتمرد بقايا اليهود في فلسطين على سلطان بابل ، فعاد نبوخذ نصر فغزاها مرة أخرى ، ودمر القدس ليعود الكنعانيون للسيطرة على فلسطين ، وتوالت هجرة الأفراد والجماعات إلى أرض فلسطين لما فيها من الخيرات والزراعات ، ليكون من معاني البركة في وصف ما حول بيت المقدس في قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تغشي أحكام شريعته أرض فلسطين ، واستدامة انتمائها للإسلام ، وتعاهد أهلها الصلاة والصيام والفرائض العبادية الأخرى إلى يوم القيامة .
ومن خصائص ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية أن الذين يغزون بلاد المسلمين يدخلون الإسلام ، ويحسن إسلامهم .
فمثلاً بعد هجوم المغول المدمر بقيادة جنكيز خان إذ ابتدأ غزوه لسمرقند عاصمة الدولة الخوارزمية سنة 1220م 617 هجرية ، وسمرقند الأن جزء من أوزربكستان ، وقد فتحها المسلمون سنة 709 ميلادية (91) للهجرة ، وقد احتلها الإسكندر سنة 329 قبل الميلاد.
ومجازر استبلاتهم على ايران ، وافغانستان ، وتركيا ، والعراق حيث بغداد عاصمة الدولة الإسلامية ، واحتلالهم لأجزاء من اوربا الشرقية ، ولم تمر السنون حتى دخل المغول (التتار) الإسلام وصاروا يحكمون وفق القرآن والسنة ، واصبحوا أكثر المدافعين عن الإسلام وأنشأوا معالم وآثار إسلامية ومعالم ظاهرة إلى الآن .
 
توالي الهجرات إلى فلسطين
فِلَسطين بكسر الفاء وفتح اللام ، قال ابن منظور (( فلسطن ) فِلَسْطِينُ بكسر الفاء وفتح اللام الكورَةُ المعروفة فيما بين الأُرْدُنّ وديار مصر حماها الله تعالى وأُمُّ بلادها بيتُ المَقْدِسِ)( ).
وحكم اليهود فيها نحو أربعة قرون كثرت فيها الحروب فيما بينهم ، ومع غيرهم ، ثم غزا الفرس فلسطين عام 539 ق.م واحتلوها بعد أن احتلوا بابل وحكموها لنحو قرنين من الزمان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتشار الإسلام في أرض فلسطين والشام ، وصيرورتها بلاداً إسلامية ، وهذا لم يتم إلا بالمعجزة والفضل من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
وورد ذكر فلسطين في الحديث الشريف كجزء من بلاد الشام ، وعن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا)( ).
وكما هاجر الكنعانيون إلى فلسطين فقد هاجر إليها الأموريون قادمين من جزيرة العرب ، وكان الناس يقصدون الكلأ والماء والأمن ، واستقر اليبوسيون في موضع مدينة القدس .
وجاءت إلى فلسطين شعوب من جزيرة كريت من البحر المتسوط بعد أن أصابت أهلها مجاعة.
 
زاد الراكب
من معاني قوله تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ )( ).
تحذير المسلمين وعامة الناس من الافتتان بتقلب المشركين من قريش في الأمصار وهم في لين العيش , وحسن اللباس .
وكثرة أسفارهم وتنقلهم من مكان إلى آخر وتجارتهم إلى الشام واليمن ، والجاه الذي لهم في القبائل ، والبلاد اسم جنس .
ومن كفار قريش من كان يعرف بزاد الراكب للدلالة على جوده أثناء السفر ، إذ لم يحمل معه أحد من رفقته زاداً أو متاعاً بل هو الذي يكفيهم ومنهم أبو أمية حذيفة بن المغيرة بن عبد الله من بني مخزوم ، والد أم المؤمنين أم سلمة واسمها هند.
ومع حال الغنى التي عند أبيها فانها اختارت الإسلام والهجرة إلى الحبشة ، وتحملت الأذى والمخاطر والغربة والفقر لتفوز فيما بعد بصفة أم المؤمنين ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وفيه مسائل :
الأولى : إسلام أم سلمة شاهد على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : فيه مصداق عملي لعدم التفات وافتتان المسلمين والمسلمات بتقلب الذين كفروا في البلاد ، وكثرة أسفارهم وزهوهم بكثرة أموالهم.
الثالثة : صبر وجهاد المسلمات في الإمتثال لمضامين آيات القرآن ، والعصمة من الإفتتان بأموال وجاه المشركين حتى قبل نزول آية البحث التي هي مدنية .
وتمت هجرة أم سلمة إلى الحبشة والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يزال في مكة ، ولا غرابة فاول شهيد في الإسلام هي امرأة وهي سمية أم عمار بن ياسر .
ومن الذين لقبوا بزاد الراكب عياض بن غنم (كان يطعم رفقته ما كان عنده وإذا كان مسافرا آثرهم بزاده فإن نفد نحر لهم جمله)( ).
وأسلم قبل الحديبية وحسن إسلامه واستخلفه ابن عمته أبو عبيدة على حمص .
ومن الذين يسمون (زاد الراكب) زمعة بن الأسود بن عبد المطلب ، الذي قتل كافراً يوم بدر ، فهو من الذين حذرت آية البحث من الإفتتان بهم وبأموالهم .
ويطلق لفظ زاد الراكب في الإصطلاح الشرعي على الزهد وقلة المؤونة والمال .
وعن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير المحمدي (حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزع. قالوا: وما يجزعك يا أبا عبد الله، وقد كانت لك سابقة في الخير ، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغازيَ حسنة، وفتوحاً عظاماً .
قال : يجزعني أن حبيبنا صلى الله عليه وسلم حين فارقنا عهد إلينا قال : ليكفِ الرجل منكم كزاد الراكب، فهذا الذي أجزعني ، فجُمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر ديناراً)( ).
وجاء قوله تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلحق به الأمة لمنع افتتان المسلمين بأموال وكرم المشركين , لأن المدار والنجاة في الإيمان ، ولا ينفع الإنسان الكرم مع اتصافه بالكفر .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التبدل النوعي حتى في الإصطلاحات ومعاني الألفاظ باشراقة بعثته على الأرض .
فصار زاد الراكب يقترن بالتقوى والزهد والصلاح .
بين المعاهد والمواطنة
المعاهد هو الشخص الذي بينه وبين المسلمين معاهدة وعهد إلى مدة يلزم المسلمين تعاهدها ، أما الذمي فهو الكتابي الذي يعيش في بلاد المسلمين ويحظى بذبهم عنه وعن ماله وعياله ، وأما المستأمن فهو الذي طلب الأمان من المسلمين أو سألهم الإيواء ، وهو أعم من اصطلاح اللاجئ السياسي والتأشيرة والإقامة للمضطر في هذا الزمان .
لقد نزل القرآن وجاءت السنة بوجوب حفظ الذمة والوفاء بالعهد ، قال تعالى وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا.
فيسأل الله عز وجل صاحب العهد عن تعاهده لعهده ، وناقض العهد عن نقضه له ، براً كان أو فاجراً .
وقال تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (والعقود : العهود في لغة بني حنيفة)( ).
و(عن قتادة في قوله [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] أي بعقد الجاهلية ، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : أوفوا بعقد الجاهلية ، ولا تحدثوا عقداً في الإسلام)( ).
ومن العقد الحرص على سلامة المعاهد وأهل الكتاب ، وجاء القرآن بآية الجزية على أهل الكتاب لحمايتهم وأمنهم ، ودفاع المسلمين عنهم ، وهم في مصالحهم وتجارتهم لا يخرجون للقتال ،ولا يقيمون في الثغور ، فتكون الجزية جزء قليلا من الأرباح التي يكسبونها بسبب غياب المسلمين من منافستهم في ذات المهنة أو الصنعة أو التجارة ، لأن المسلمين مشغولون بالدفاع والقتال والمرابطة ، والنسبة بين المعاهد والذمي عموم وخصوص مطلق ، فالمعاهد أعم ، وقد لا يكون من أهل الذمة.
أما في هذا الزمان فالضابطة هي المواطنة ، والفيصل هو الدستور والقانون العام الذي يساوي بين الناس في الواجبات والحقوق .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتفاء التعارض بين سنته وبين القوانين والأنظمة في هذا الزمان .
فليس من جزية في هذا الزمان ، وهي في انتفاء موضوعها مثل كفارة تحرير رقبة ، إذ ليس من عبيد في هذا الزمان.
ولا تلغي المواطنة الهوية الخاصة للأفراد والإنتماء العقائدي ، ولكنها تبعث على المؤاخاة والرأفة ضمن الإنتماء للوطن مما يملي على المسلم اجتناب إيذاء الناس ، والإضرار بالمصالح العامة .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على إعطاء اليهودي والنصراني حقه ويجتنب إيذائهم ، ويدعو المسلمين إلى الرحمة والشفقة عليهم ، والإمتناع عن ظلمهم ، والتجاوز على حقوقهم .
وعن الإمام علي عليه السلام (أن يهودياً كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير ، فتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ما عندي ما أعطيك . قال : فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني .
قال : إذن أجلس معك يا محمد فجلس معه فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتهددون اليهودي ويتوعدونه ، فقالوا : يا رسول الله ، يهودي يحبسك.
قال : منعني ربي أن أظلم معاهداً ولا غيره ، فلما ترحل النهار أسلم اليهودي ، وقال : شطر مالي في سبيل الله.
أما والله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة : محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحشاء ولا قوّال للخنا)( ).
ويفيد قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (منعني ربي أن أظلم معاهداً ولا غيره) صيغة العموم الإستغراقي للناس جميعاً ، كانوا معاهدين أو لا ، من أهل الكتاب أو غيرهم .
ليدل الحديث بالدلالة التضمنية على حرمة إخافة أي جماعة أو طائفة من الناس ، سواء كانوا من أهل البلد أو غيرهم ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
ويحتمل منع الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الظلم وجوهاً:
الأول : أنه خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنبوة والعصمة ولقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
الثاني : شمول المسلمين بذات المنع .
الثالث : إرادة الناس جميعاً بتعاهد السلم المجتمعي .
والمختار هو الأخير ، ليكون من معاني الآية أعلاه لحوق الناس جميعاً بالأوامر الإلهية ذات صبغة العموم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واقتداؤهم بسيرته المباركة في التراحم العام والأخلاق الحميدة ، وحسن العشرة ، والإمتناع عن الظلم.
الرحمة العامة
لم يرد وصف لنبي أو ملك مخصوص بأنه رحمة للناس كافة إلا للنبي محمد بقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وهذه الآية كاملة ليس معها كلمات أخرى ، وهي من سورة الأنبياء ، التي هي سورة مكية نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل هجرته إلى المدينة ، ولم تكن الآية رحمة للناس وحدهم ، إنما للعالمين لتشمل الآية الجن ، وعالم الحيوان ، والزراعة ، والمياه بنظام متكامل ، ويتجلى في القرآن والسنة .
وعن ابن عباس في الآية (قال : من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب؛ من المسخ والخسف والقذف)( ).
وهذا وجه ومصداق من مصاديق الرحمة في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمختار معنى أعم وهو ظاهر الآية بعموم الجنس في قوله تعالى [رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ].
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة العامة في دعائه .
وقيل يارسول الله : ادع على المشركين ، ولعله لما ورد في سورة نوح ودعائه على قومه ، فقال (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة)( ).
وحتى نوح لم يدع إلا بعد أن يأس من الكفار من قومه ، ومن رحمة الله وفي رسالة النبي محمد صلاح المسلمين ، وحسن معاشرتهم ، ورأفتهم بالناس ، وامتناعهم عن الإضرار بهم ، لاتخاذهم سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهاجاً وطريقاً .
ويدل الحديث أعلاه على النهي عن التعدي والظلم والغصب من باب الأولوية القطعية ، فاذا كان النبي محمد يمتنع عن لعن الغير وان كان كافراً ، فلابد من الإمتناع عن الإضرار بالناس في أموالهم وأنفسهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ تقدير آية الرحمة المطلقة على وجوه :
الأول : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً] للمسلمين والمسلمات ، باقامة الفرائض العبادية والتقيد بسنن التقوى والصلاح .
الثاني : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً] لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.
الثالث : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً] للناس جميعاً لهدايتهم ونجاتهم في الآخرة.
ومن رحمة الله في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقيد المسلمين بأحكام السلم والرأفة والمودة مع الناس ، وترك الضغائن والأحقاد.
الرابع : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) بايقاف الغزو بين القبائل ، ووأد البنات .
الخامس : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] بالقضاء على الظلم .
السادس : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] بقطع تقديس وعبادة الأوثان إلى يوم القيامة .
السابع : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) بتعاهد المسلمين لعبادة الله وحفظ معالم الإيمان وسنن التوحيد في الأرض .
الثامن : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] في عالم البرزخ ويوم القيامة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيادة الأمن في الجزيرة ، وهذا الأمن مترشح عن الإيمان إذ يجمع أهل الجزيرة وغيرها الوقوف بين يدي الله عز وجل خمس مرات في اليوم ، فانقطع الإرهاب والإخافة العامة واصطبغت الجادة العامة بالأمن .
ويجب أن يتعاهد المسلمون نعمة الإنقطاع هذا ، وهو من مصاديق استدامة شريعة الإسلام وأحكام آيات القرآن إلى يوم القيامة ، لقانون الإستدامة الفعلية لأحكام الإسلام إلى يوم القيامة بقانون تقيد المسلمين بأحكام الشريعة السمحاء .
وعن عبد الله بن مسعود (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الاول كفل من دمها وذلك أنه أول من سن القتل)( ).
وهل يدل هذا الحديث النبوي على أن الذي يؤسس للقتل يأتيه الإثم والعقاب ، من فعل الذين يقتدون به ويحاكونه في فعله وقوله ، الجواب نعم.
رأفة النبي محمد (ص) بقومه
لقد اتصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشمائل الإحسان وخصال الرحمة والرأفة بالناس عامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عطفه على الأطفال ، وكان يرق لهم ، ويضمهم ويقبلهم (أَبْصَرَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَ صلى الله عليه وآله وسلم وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ الْحُسَيْنَ أَوِ الْحَسَنَ فَقَالَ إِنَّ لِى مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّهُ مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ)( ).
ولقد نزل قوله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ يوم أحد بعد انقضاء المعركة ، إذ شج في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكسرت رباعيته من أسنانه ، وسال الدم من وجهه ، ونادى ابن قمئة في الميدان (قتلت محمداً).
وقتل حمزة بن عبد المطلب في معركة أحد ، قتله وحشي بن حرب ، كما حضر وحشي معركة الخندق مع المشركين ، وقام بقتل الصحابي الطفيل بن مالك يومئذ .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم معركة أحد (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ))( ).
فامتنع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الدعاء عليهم لبيان صبره على أذى قومه ،وامتثاله للأمر القرآني ، وإن جاء بصيغة الخبر ، والإستبشار به لما فيه من البشارة بدخولهم الإسلام ، فلم تمر خمس سنوات على معركة أحد حتى تم فتح مكة ، فدخل أهلها الإسلام وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
وفي نوح ودعائه على قومه ورد عن ابن أبي عمير عن ابن سنان عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال : بقي نوح في قومه ثلاث مائة سنة يدعوهم إلى الله فلم يجيبوه، فهم أن يدعو عليهم فوافاه عند طلوع الشمس اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة سماء الدنيا وهم العظماء من الملائكة.
فقال لهم نوح: ما أنتم ؟ فقالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الدنيا وإن غلظ مسيرة سماء الدنيا خمسمائة عام ومن سماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وخرجنا عند طلوع الشمس ووافيناك في هذا الوقت، فنسألك أن لا تدعو على قومك.
قال نوح : أجلتهم ثلاثمائة سنة، فلما أتى عليهم ستمائة سنة ولم يؤمنوا هم أن يدعو عليهم فوافاه اثنا عشر ألف قبيل من قبائل سماء الثانية فقال نوح: من أنتم .
قالوا نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة سماء الثانية، وغلظ سماء الثانية مسيرة خمسمائة عام، ومن سماء الثانية إلى سماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وغلظ سماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام .
ومن السماء الدنيا إلى الدنيا مسيرة خمسمائة عام، خرجنا عند طلوع الشمس ووافيناك ضحوة، نسألك أن لا تدعو على قومك، فقال نوح: قد أجلتهم ثلاثمائة سنة.
فلما أتى عليهم تسعمائة سنة ولم يؤمنوا هم أن يدعو عليهم فأنزل الله عز وجل أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.
فقال نوح رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا.
فأمره الله عزوجل أن يغرس النخل فأقبل يغرس النخل فكان قومه يمرون به فيسخرون منه ويستهزؤون به .
ويقولون : شيخ قد أتى له تسعمائة سنة يغرس النخل، وكانوا يرمونه بالحجارة، فلما أتى لذلك خمسون سنة وبلغ النخل واستحكم أمر بقطعه فسخروا منه .
وقالوا : بلغ النخل مبلغه قطعه، إن هذا الشيخ قد خرف وبلغ منه الكبر وهو قوله وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
فأمره الله أن يتخذ السفينة وأمر جبرئيل أن ينزل عليه ويعلمه كيف يتخذها، فقدر طولها في الأرض ألفا ” ومائتي ذراع، وعرضها ثمان مائة ذراع، وطولها في السماء ثمانون ذراعا “، فقال: يا رب من يعينني على اتخاذها .
فأوحى الله إليه ناد في قومك : من أعانني عليها ونجر منها شيئا صار ما ينجره ذهباً وفضة ، فنادى نوح فيهم بذلك فأعانوه عليهم( ) وكانوا يسخرون منه ويقولون: يتخذ سفينة في البر)( ).
قانون استدامة منافع المعجزة
من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته العقلية والحسية أمور :
الأول : عدم إنحصار موضوع معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون تعدد منافع كل معجزة من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : قانون النفع العام من المعجزة النبوية المحمدية.
الرابع : تجدد النفع من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : قانون دخول رهط من الناس في الإسلام مع كل معجزة حسية أو عقلية يأتي بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : قانون المعجزة النبوية سلام وأمن .
السابع : دعوة المسلمين والمسلمات إلى التفكر في معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإتخاذها نبراساَ وحرزاَ من الظلم والتعدي ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .
لقد كان في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صلح الحديبية ومقدماته , ووقوع الصلح مع مشركي قريش , ورضا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزات متعددة تفيد الصلاح والإصلاح وفضح النفاق منها ما ورد عن أبي قتادة في جريان ماء البئر القليلة لتكفي الصحابة كلهم.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حضور المعجزة لإنقاذ أصحابه من العطش ، وليزدادوا إيماناً.
و(عن أبي قتادة، قال: لما نزلنا على الحديبية، والماء قليل، سمعت الجد بن قيس يقول: ما كنا خروجنا إلى هؤلاء القوم بشيء! نموت من العطش عن آخرنا.
فقلت: لا تقل هذا يا أبا عبد الله، فلم خرجت؟ قال: خرجت مع قومي. قلت: فلم تخرج معتمراً؟ قال: لا والله، ما أحرمت.
قال أبو قتادة : ولا نويت العمرة؟ قال: لا! فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل فنزل بالسهم، وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدلو ومج فاه فيه، ثم رده في البئر، فجاشت البئر بالرواء.
قال أبو قتادة : فرأيت الجد ماداً رجليه على شفير البئر في الماء، فقلت: أبا عبد الله! أين ما قلت؟ قال: إنما كنت أمزح معك، لا تذكر لمحمد مما قلت شيئاً.
قال أبو قتادة : وقد كنت ذكرته قبل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فغضب الجد وقال: بقينا مع صبيانٍ من قومنا لا يعرفون لنا شرفاً ولا سناً، لبطن الأرض اليوم خيرٌ من ظهرها.
قال أبو قتادة : وقد كنت ذكرت قوله للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابنه خيرٌ منه.
قال أبو قتادة : فلقيني نفرٌ من قومي فجعلوا يؤنبونني ويلومونني حين رفعت مقالته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقلت لهم : بئس القوم أنتم ويحكم عن الجد بن قيس تذبون؟ قالوا: نعم، كبيرنا وسيدنا. فقلت: قد والله طرح رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤدده عن بني سلمة، وسود علينا بشر بن البراء بن معرور ، وهدمنا المنامات( ) التي كانت على باب الجد وبنيناها على باب بشر بن البراء، فهو سيدنا إلى يوم القيامة.
قال أبو قتادة : فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة فر الجد بن قيس فدخل تحت بطن البعير، فخرجت أعدو وأخذت بيد رجلٍ كان يكلمني فأخرجناه من تحت بطن البعير، فقلت: ويحك! ما أدخلك ها هنا؟ أفراراً مما نزل به روح القدس؟ قال: لا، ولكني رعبت وسمعت الهيعة.
قال الرجل: لا نضحت عنك أبداً، وما فيك خير. فلما مرض الجد بن قيس ونزل به الموت لزم أبو قتادة بيته فلم يخرج حتى مات ودفن .
فقيل له في ذلك فقال: والله، ما كنت لأصلي عليه وقد سمعته يقول يوم الحديبية كذا وكذا، وقال في غزوة تبوك كذا وكذا، واستحييت من قومي يرونني خارجاً ولا أشهده)( ).
وتوفى الجد بن قيس أيام عثمان .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحوق الخزي بالمنافقين مع فضحهم وعجزهم عن الإضرار بالرسالة الخاتمة .
مرجحات النبوة
من صفات النبي أي نبي بالإضافة إلى خصال العصمة والتنزه عن المعاصي ، وأن يكون أفضل أهل زمانه بجميع الفضائل والمحاسن والكمالات، والنبوة وحدها موضوع ترجيح وتفضيل بفضل الله تعالى ، ويكون النبي أميناً كي تطمئن القلوب لما يأتي به من عند الله عز وجل .
وأن يكون شجاعاً لا تأخذه في الله لومة لائم ونحو ذلك من الأخلاق والصفات الحميدة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اختيار الله له للنبوة في عالم الذر، أي أن هذا الاختيار يدل في مفهومه على الإعداد وحسن المقدمات، فلم يتولد من سفاح صعوداً إلى بدايات النكاح والزواج، ومن أيام آدم عليه السلام.
ومن إعجاز القرآن الغيري ما يتعلق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيتها، وهو مدرسة عقائدية ولا يمنع أن يبحث مستقلاً ومعه أثر نبوته، وشخص الرسول في تبليغ آيات القرآن ، وتثبيت أحكامه للتداخل والمفاعلة وتبادل التأثير بينها.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبة معجزته في مخاطبة العقول إلى يوم القيامة بآيات القرآن والسنة النبوية ، قال تعالى هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ, وفيه دلالة على أهلية المسلمين لتحمل الرسالة وحفظها بعد وعي وجوهها العقلية، أي أنهم مؤهلون للتصديق بالآيات العقلية، وكان من بركاتها أن كتب الله لها الدوام وصارت ضياء ودعوة للإيمان ، وآلة لحفظ الأديان السماوية الأخرى.
ولا يُنكر فضل الأنبياء الآخرين في جهادهم والتمهيد والتبشير بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن في الديانات السماوية الأخرى شر بل هي خير محض، إنما جاء التحريف بالعرض ولا يلحق بالديانات.
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم محاكاته الأنبياء من قبله في قوله وفعله ، ومن خصائصه دعوته للإيمان بالأنبياء جميعاً على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي ، وفي خطاب للمسلمين والمسلمات ، قال الله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
إعانة جند السماء والأرض
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إعانة الله عز وجل له حتى في حجب غمز العين وفي عالم النوايا والمقاصد ، وهو من أسباب ظهوره على المشركين من غير أن يشهر عليهم السيف ، ولبيان أن من خصائصه نصر الله عز وجل له من وجوه :
الأول : نصره الله عز وجل في حال الحرب والسلم ، ويدل على موضوعية نصر الله آيات منها قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وليس من حصر لمصاديق نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة الملائكة ونزولهم مدداً له كما في قوله تعالى بخصوص معركة بدر إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وعن ( ابن عباس قال: وأمد الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبة، وميكائيل في خمسمائة مُجَنِّبة)( ).
الثالث : نزول آيات القرآن من السماء وهو كلام الله الذي خصّ الله عز وجل النبي محمداً .
ومن خصائص الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الرسل نزول آيات القرآن بالتوالي والترادف ، ومنها ما نزل حسب الوقائع والأحداث ، وأسباب النزول .
الرابع : صدور السنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية والتدوينية عن الوحي من عند الله ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الخامس : تصديق أهل البيت والصحابة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ.
ترى ما هي النسبة بين المؤمنين والصحابة الجواب هو العموم والخصوص المطلق فلفظ الصحابة أعم على القول بأن الصحابي هو من رأى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهو مسلم فلا يشمل الذين ماتوا على الكفر مثل عمرو بن هشام (أبي جهل) وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة إذ رأوا النبي وهم كفار .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد النصرة السماوية والأرضية له بما لم ينلها نبي أو رسول غيره .
دلائل قرب الأجل
لقد أخبر الله عز وجل عن موت أو قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( ) لمنع الغلو بشخصه .
ولبعث أهل البيت والصحابة للإستعداد لما بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والزجر عن الإرتداد ولمحاربة المرتدين ، وأختتمت الآية بقوله تعالى [وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] ( ) لبيان أن الثبات في منازل الإيمان من الشكر لله عز وجل ، مع البشارة بترتب الأجر والثواب عليه.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثناء الله عز وجل على أصحابه المؤمنين في التنزيل واتصال هذا الثناء إلى ما بعد مغادرته إلى الرفيق الأعلى ، وفيه قرة عين وبعث للطمأنينة في نفسه ، وأن الإسلام وأحكامه باقية ومتوارثة إلى يوم القيامة ، ومن خصائصه إخبار التنزيل له بحدوث الإرتداد بعد وفاته والقضاء عليه بدليل الآية أعلاه .
وقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام بقرب أجله وعلامة هذه القرب بتدارس جبرئيل القرآن معه مرتين في السنة بينما كان يتدارسه معه مرة واحدة في السنة بأن يقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجبرئيل يستمع مع ترتيب نظم الآيات .
وهذه المعارضة والتدارس للقرآن مع جبرئيل عليه السلام من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن عائشة (قالت: اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يغادر منهم امرأة في وجعه الذي مات فيه وما رأيت أحدا أشبه سمتا وهديا ودلا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه .
وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض جاءت تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال : مرحبا يا بنتي فأجلسها عن يمينه أو عن شماله فأكبت عليه تقبله، فسارها بشئ ، فبكت ، ثم سارها فضحكت.
فقلت : ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عن ذلك قلت لها: ما خصك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسرار وتبكين فلما أن قامت قلت لها: أخبريني بما سارك .
قالت : ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما أن توفي قلت لها : أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني قالت أما الآن فنعم : سارني فقال : إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين .
وإنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش بعده نصف عمر الذي كان قبله( )، ولا أرى ذلك إلا اقترب أجلي – وفي لفظ – فقالت إنه أخبرني أنه يقبض في وجعه، فاتقي الله واصبري .
إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزنة منك فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرا فنعم السلف أنا لك فبكيت ثم سارني فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)( ).
ترى لماذا عارض جبرئيل النبي محمداً بالقرآن مرتين في السنة التي فارق فيها إلى الرفيق الأعلى ، الجواب من جهات :
الأولى : تثبيت آيات وسور القرآن عند المسلمين .
الثانية : منع وقوع التحريف في آيات القرآن .
الثالثة :تكرار التدارس والمعارضة هذا من مصاديق قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
و(عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، قَالَت : لَمَّا نَزَلَتْ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلا عُمِّرَ فِي أُمَّتِهِ شَطْرَ مَا عُمِّرَ النَّبِيُّ الْمَاضِي قَبْلَهُ، وَإِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذِهِ لِي عِشْرُونَ سَنَةً وَأَنَا مَيِّتٌ فِي السَّنَةِ، فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقًا بِي”، فَتَبَسَّمَتْ)( ) .
وروي هذا الحديث بطرق أربعة ثلاثة نعتت بالضعف لعلة في بعض رجال سند الحديث أو للارسال .
نوم العين دون القلب
من خصائص الأنبياء نوم العين ، مع بقاء القلب يقظاً ، لذا فان رؤيا الأنبياء وحي ، وفي إبراهيم عليه السلام ورد قوله تعالى قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
والمختار أن الذبيح في الآية أعلاه هو إسماعيل ، ويدل جوابه على التسليم بأن رؤيا الأنبياء وحي ، ومن مصاديقه يقظة القلب اثناء الرؤيا بما يعلم النبي أن هذه الرؤيا شعبة من الوحي ، وليس رؤيا صادقة فقط أو أضغاث أحلام .
لقد جاء نفر من أحبار اليهود إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه عن مسائل تتعلق بالنبوة بغية التصديق به واتباعه ومن هذه المسائل ، (فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ نَوْمُك ؟ فَقَالَ أَنْشُدُكُمْ بِاَللّهِ وَبِأَيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنّ نَوْمَ الّذِي تَزْعُمُونَ أَنّي لَسْتُ بِهِ تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ يَقْظَانُ ؟ فَقَالُوا : اللّهُمّ نَعَمْ قَالَ فَكَذَلِك نَوْمِي ، تَنَامُ عَيْنِيّ وَقَلْبِي يَقْظَانُ)( ).
وفي الخبر لما قدم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أتاه اليهود (عبدالله بن صوريا، فقال: يا محمد كيف نومك ؟ فإنا قد اخبرنا عن نوم
النبي الذي يأتي في آخر الزمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: تنام عيني وقلبي يقظان، قال: صدقت يا محمد)( ).
ولم ينحصر قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا عند الإحتجاج مع جماعة من اليهود إنما كان يقول تنام عيني ولا ينام قلبي ، وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (ونم نومة المتعبدين، ولا تنم نومة الغافلين فان المتعبدين الاكياس ينامون استرواحا.
وأما الغافلون ينامون استبطارا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تنام عيني ولا ينام قلبي)( ).
إتصال الوحي
من خصائص الأنبياء الوحي ، فليس من نبي إلا ويأتيه الوحي من عند الله ، ومنهم منة يأتيه الوحي من عند الله ، ومنهم من يأتيه الوحي باليقظة ومنهم بالمنام ، ومجئ الوحي للأنبياء من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة كثرة وقلة.
و(الوحي لغة : هو الإشارة والكتابة والرسالة والالهام وكل ما ألقيته إلى غيرك ، وإعلام في خفاء، ولذا سمي الإلهام وحياً، والوحي من الكليات المشككة فهو يقع على مسميات متعددة ذات معنى واحد، ومنه ما يكون ظاهراً للرسول .
والوحي مصدر وحى إليه، والأصل فعول مثل فلوس، ويقال الوحا الوحا أي بسرعة، وهو منصوب بفعل مضمر، وموت وحي أي سريع لفظاً ومعنى.
وهو في الإصطلاح وعلم الكلام تعليم وإلقاء الله عز وجل للأنبياء ما يتعلق بأمور الدين بواسطة الملائكة من غير واسطة بشر.
وقيل هو الكلام الخفي من جهة ملك في حق نبي في حال اليقظة، ولكنه أعم لغة وإصطلاحاً , وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : “أن رؤيا الأنبياء وحي .
فهل هو وحي مجازاً أم أن منامهم ملحق باليقظة كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : تنام عيناي ولا ينام قلبي، الجواب أنه وحي على الحقيقة وملحق بالوحي حكماً ويدل عليه قوله تعالى في إبراهيم عليه السلام فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
والوحي مصدر التكاليف والشرائع، وبه تعرف النبوة وقيل لولاه لإنقطعت أخبار السماء، أقول : أنه نوع طريق للتبليغ والله واسع كريم , فاذا لم يكن الوحي فإن الله تعإلى يختار أنبياءه، ويبلغ الأحكام بما يبتدعه.
وأنفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمصاحبة الوحي له في كل ساعة من الليل والنهار ، وحتى عند نومه ، وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (تنام عيني ولا ينام قلبي)( ).
ومن مصاديق مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب الوحي ما قاله الإمام علي عليه السلام يلي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيزه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد إنقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنبياء وأخبار السماء)( ).
فليس من نبي يوحى إليه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبمغادرته الحياة الدنيا انقطعت أخبار السماء التي كان جبرئيل والملائكة ينزلون بها .
وقال أبو ذر (قلت : يا رسول الله كم الأنبياء .
قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، قال : قلت : يا رسول الله كم المرسلون منهم .
قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيّتهم أنبياء قلت : أكان آدم نبياً؟
قال : نعم كلمه الله سبحانه وخلقه بيده، يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب : هود وصالح وشعيب ونبيك. قلت : يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب .
قال : مائة وأربع كتب، منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة،
وعلى أخنوح، وهو إدريس ثلاثين صحيفة، وهو أوّل من خطّ بالقلم، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان)( ).
ومن خصائص اتصال الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : قانون اتصال الوحي عون ومدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إنه سبب لتصديق الناس برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : فيه حجة على الناس .
الرابع : قانون إتصال الوحي دليل عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
كيفية الوحي
تتعدد وجوه ومصاديق الوحي للأنبياء ،وليس من حصرها ، ولكن النبي أي نبي يدرك أن الذي يتلقاه وحي من عند الله ، ومن صنع الوحي :
الأول : مجئ الوحي للنبي في المنام ، وعن الإمام (علي ابن موسى، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب )عليهم السلام(، قال لما صرفت القبلة أتى رجل قوما في الصلاة، فقال إن القبلة قد صرفت، فتحولوا و هم ركوع.
حدثنا ابن الصلت، قال أخبرنا ابن عقدة، قال أخبرنا علي بن محمد الحسيني، قال حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى، قال حدثنا عبيد الله بن علي قال حدثنا علي بن موسى عن أبيه عن جده عن آبائه عن علي عليهم السلام قال : رؤيا الأنبياء وحي)( ).
الثاني : نفث الملك في ورع ونفس النبي ووجوده الذهني و(قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع : ألا إن الروح الامين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق أن تطلبوه بشئ من معصية الله، فإن الله تعالى قسم الارزاق بين خلقه حلالا ، ولم يقسمها حراما فمن اتقى الله وصبر أتاه رزقه من حله، ومن هتك حجاب ستر الله عز وجل وأخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال وحوسب عليه)( ).
الثالث : سمع صلاصل وهو كصوت الجرس ، وسئل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (هل تحس بالوحي؟ فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسي تقبض)( ).
وقبل هذه الصلصلة صوت خفق أجنحة الملائكة ، وليستعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي ، قال تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى وهذه الحالة هي أشد حالات الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : مجئ الوحي بهيئة رجل ، وهي على شعبتين :
الأولى : لا يرى صورة الملك إلا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وورد عنه أنه قال (يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول)( ).
الثانية : يتمثل الملك بهيئة رجل على نحو الحقيقة ، إذ كان جبرئيل يأتي الملك أحياناً بهيئة دحية الكلبي .
الخامس : تكليم الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة كما في حديث الإسراء ، لبيان أن نواميس السماء غير نواميس الأرض .
وقد كلّم الله عز وجل آدم وحواء في الجنة ، مع أن حواء ليست نبية ، قال تعالى وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ.
إذ ابتدأت الآية بخطاب الأمر من الله إلى آدم فيما يخص سكنه وزوجته في نعيم الجنة ، ليأتي الأمر والنهي لهما معاً بألف الاثنين أربع مرات في الآية.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انفراده بتلقي الأحكام الشرعية في السماء في المعراج .
(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته .
قلت : يا ربّ إنك آتيت سليمان بن داود ملكاً عظيماً .
وآتيت فلاناً كذا .
وآتيت فلاناً كذا .
قال : يا محمد ألمْ أجدك يتيماً فآويتك؟
قلت : بلى أي رب .
قال : ألمْ أجدك ضالا فهديتك؟
قلت : بلى يا رب .
قال : ألمْ أجدك عائلا فأغنيتك؟
قلت : بلى أي رب )( ).
واختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلقيه الوحي بكل هذه الكيفيات والوجوه ، وزاد الله عز وجل عليه بنزول آيات وسور القرآن .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيته جبرئيل بصورته التي خلق بها .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح ينفض من ريشه التهاويل والدر والياقوت)( ).
دعوة الأفراد إلى الإسلام
لقد ابتدأ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة إلى الإسلام على نحو القضية الشخصية بإخبار الأفراد من أهل البيت والمقربين بأنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويدعوهم إلى التوحيد ، فآمنت خديجة والإمام علي عليه السلام وبعض الصحابة حتى نزل قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ هذه الآية وجوه :
الأول : الدعوة الجماعية لأكثر من واحد دفعة واحدة ، إلى جانب الدعوة الفردية.
الثاني : عدم وجود فترة طويلة بين أول البعثة وإظهار الرسالة ، وتبليغ آيات القرآن .
الثالث : بيان صبغة البشارة والإنذار للنبوة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
الرابع : هذه الآية مقدمة لنزول قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وليكون في الآية أعلاه حذف وهي المودة في القربى المؤمنين ، والآية أعلاه من سورة الشورى التي هي سورة مكية باستثناء هذه الآية والآيات الأربعة التي بعدها .
بينما آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، من سورة الشعراء وهي مكية ، وتبين أسباب النزول أعلاه بأن هذه الآية مكية ، ليكون من معاني الجمع بين الآيتين المودة في القربى الذين تلقوا الإنذار بالقبول والإيمان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا رآى زائراً للبيت الحرام جاء من خارج مكة يجلس بجواره ، ويسأله عن بلده ثم يخبره أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتلو آيات من القرآن ، ويطلب منه أن يتم أمره خشية بطش قريش ، ولكنهم التفتوا للأمر مع تكراره ، ولتسريب الأخبار فازداد أذاهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن دعوته على وجوه :
الأول : الدعوة الفردية للشخص الواحد .
الثاني : ترغيب الأسر والأب والأبن والعوائل بالإسلام .
الثالث : دعوة القبائل في موسم الحج بأن يقصدهم في محل إقامتهم .
الرابع : مناداة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أسواق مكة بالتوحيد وتلاوة آيات القرآن .
الخامس : الدعوة العامة إلى التوحيد والإسلام بالنداء في موسم الحج .
السادس : الإجهار بكلمة التوحيد بين الصفين قولوا لا إله إلا الله.
ومن خصائص النبي محمد صل استمرار دعوته الفردية للأشخاص الغني والفقير ، والكبير والصغير ، والسيد والعبد ، للإسلام حتى في المدينة ، وبعد أن انتشر وساد الإسلام .
المبادرة إلى الهجرة
هذا العنوان مستحدث في تأريخ الإسلام ، والمراد منه هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة من غير تردد ، الموافق لسنة (622)م .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة الطريق من مكة إلى المدينة طريق المعجزات والتي ابتدأت من مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم داره في شعب أبي طالب بالقرب من الصفا والمروة .
ومن أشق الأمور على الإنسان مغادرة الوطن ، ومرابض الصبا والأهل ، وإذا كان ينوي الهجرة فانه يتردد ويسوف ويؤجل .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مغادرة مكة حالما أخبره جبرئيل بأن القوم يريدون قتله في ذات الليلة ، وأن عليه المغادرة إلى المدينة مع حبه لمكة والبيت الحرام محل مولده ومولد آبائه .
ليكون من أفراد العلة التامة بوجود المقتضي وفقد المانع ، لينزل قوله تعالى إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ…، إذ نزلت هذه الآية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الجحفة في طريق الهجرة بين مكة والمدينة ، فهي ليست مكية ولا مدنية.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عودته إلى مكة بعد مرور ثماني سنوات على أول الهجرة فاتحاً بسلم وأمن للبيت وهداية لأهل مكة وإزاحة للأصنام فيها إلى يوم القيامة ، وهو أمر اختص وانفرد به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قانون صبر النبي محمد (ص) على أذى المشركين
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً بين قوم مشركين يفتخرون بمحاكاة آبائهم في تقديس وعبادة الأوثان ، مع أنهم مجاورون للبيت الحرام ، ويقومون بأداء الحج كل عام ، فنزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليذم الذين عبدوا الأوثان ، ويدعو الناس لعبادة الله وحده ، ولإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إتيان الصالحات وإجتناب السيئات ، وهو تقييد يومي لعالم الأقوال والأفعال، أي أنه لم يقف عند الدعوة إلى التوحيد بل جاء بما ينفذ إلى البيوت والمنتديات بتعاهد الصلاة خمس مرات كل يوم ، والإمتناع عن الربا والزنا وشرب الخمر والقمار بآيات قرآنية سماوية صريحة ، فتلقى رؤساء الشرك أحكام الشريعة بالإنكار ، وبذلوا الأموال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأغروه بالملك عليهم وكثرة الزوجات ، ولكنه امتنع عن إجابتهم بما جعلهم يسلمون بأنه ماض في دعوته .
وتكرر ذهابهم لأبي طالب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكف عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأظهر أبو طالب بذل الوسع لمنع أيديهم من الوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : أَوْ مَنْ مَشَى مِنْهُمْ . فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ إنّ ابْنَ أَخِيك قَدْ سَبّ آلِهَتَنَا ، وَعَابَ دِينَنَا ، وَسَفّهُ أَحْلَامَنَا ، وَضَلّلَ آبَاءَنَا ؛ فَإِمّا أَنْ تَكُفّهُ عَنّا ، وَإِمّا أَنّ تُخِلّي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَإِنّك عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ فَنَكْفِيكَهُ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا ، وَرَدّهُمْ رَدّا جَمِيلًا ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده في الدعوة للإسلام ، يفاتح الأشخاص من قريش والموالي والعبيد ، وأفراد القبائل ، وأهل يثرب ، والطائف الذين يأتون للحج أو العمرة ، يرى أحدهم في المسجد الحرام فيقوم ويجلس بجواره ، ويسأله عن قبيلته ثم يخبره بنبوته ، ويتلو عليه آيات من القرآن .
ودخل رهط من الناس الإسلام ، وصارت قريش تسمع آيات القرآن من رجال ونساء في المسجد الحرام ، وفي البيوت ، وخارج مكة ، فازداد غيظهم ، فمشوا مرة أخرى إلى أبي طالب ، ولكن بصيغة التهديد والوعيد ، وقالوا له : أما أن تكف محمداً عن شتم آباءنا وتقبيح أفعالنا في تقديس الأوثان وذمها (أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيّاكَ فِي ذَلِكَ حَتّى يَهْلِكَ أَحَدُ قَالُوا لَهُ ثُمّ انْصَرَفُوا عَنْهُ)( ).
وهل قولهم هذا من الإرهاب ، الجواب نعم ، وفيه إخافة ووعيد بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمه أبي طالب ، خاصة وأن قريشاً هم الأكثرون في الرجال والسلاح والمال .
فبعث أبو طالب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأجلسه وأخبره بما قالوه ، وذكره بمكر وكيد المشركين ، ودفاعهم عن عبادة الأوثان ، وتعاهدهم لأصنام القبائل التي نصبوها في البيت الحرام .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمته الخالدة (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يمينى، والقمر في يساري على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته)( ).
وفي رواية أن أبا طالب دعا النبي محمداً في حضرة رؤساء قريش الذين حضروا عنده ، وعرض عليه ما قالوا من تركهم له وعبادته لله ، وأن يكف عنهم .
فرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما فيه خير الدنيا والآخرة لقريش ، قال (يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ ، وَتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ بِهَا العَجَمُ ، قَالُوا : وَمَا هِيَ .
فَإنَّا نُبَادِرُ إلَيْهَا ، قَالَ : لاَ إله إلاَّ اللَّهُ؛ فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ ، وَقَالُوا : مَا يُرْضِيكَ مِنَّا غَيْرُ هذا .
قال : واللَّهِ ، لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي الأَرْضَ ذَهَبَاً وَمَالاً ، وفي روايةِ : لَوْ جَعَلْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي والقَمَرَ فِي شِمَالِي مَا أرضى مِنْكُمْ غَيْرُهَا ، فَقَامُوا عِنْدَ ذَلِكَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ويُرَدِّدُونَ هذا المعنى)( ).
ولا تعارض بين الروايتين لتكرار وإلحاح رؤساء قريش على أبي طالب وعلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتوقف عن الدعوة خاصة وأن آيات القرآن تترى في نزولها ، وتتضمن البشارة والإنذار والوعد والوعيد .
ومن خصائص السور المكية قصرها ، وقلة كلمات آياتها ، لقد استمر وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة يبلغ آيات القرآن التي تتضمن ذم الذين كفروا وسوء عاقبة عبادة الأوثان ، لذا تتعدد طرق وإغراء قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذا أصحابه الأوائل لصرفهم عن الإسلام ، ثم لجأت قريش إلى الإرهاب والتعذيب الشديد للصحابة ، فلم ينفعهم هذا التعذيب ، ولم يرتد الصحابة رجالاً ونساء ، فكان ثباتهم في منازل الإيمان حجة تأريخية متجددة على الذين كفروا ، وهو من الشواهد على قبح الشرك ، وأنه ضلالة تجلب الخسارة ، وتبعث على النفرة منه.
 
قانون الملازمة بين النبوة والإستحياء
الحياء انقباض النفس من القبيح تنزهاً وخشية الذم .
لقد جعل الله الأنبياء أصحاب كمالات إنسانية ، وأسوة لقومهم وغيرهم ، وتجلت صفات الإستحياء بسيرة الأنبياء ، وفي آدم وحواء ورد قوله تعالى فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ.
ولأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول للناس جميعاً فان معاني الإستحياء ظاهرة في سيرته وسنته .
و(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذرَاءِ فِي خِدْرِهَا ، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ)( ).
و(عن سهل بن سعد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حييا لا يسأل عن شئ إلا أعطى .
وروى البيهقي عن هند بن أبي هالة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خافض الطرف، جل نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة)( ).
وعن (ابن عباس قال: قال أبو طالب لاخيه: يا عباس اخبرك عن محمد أني ضممته فلم افارقه ساعة من ليل أو نهار، فلم أئتمن أحدا حتى نومته في فراشي، فأمرته أن يخلع ثيابه وينام معي، فرأيت في وجهه الكراهية.
فقال: يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي وأدخل فراشي، فقلت له: ولم ذاك .
فقال: لا ينبغي لاحد أن ينظر إلى جسدي، فتعجبت من قوله وصرفت بصري عنه حتى دخل فراشه، فإذا دخلت أنا الفراش إذا بيني وبينه ثوب، والله ما أدخلته في فراشي، فأمسه فإذا هو ألين ثوب، ثم شممته كأنه غمس في مسك .
وكنت إذا أصبحت فقدت الثوب، فكان هذا دأبي ودأبه، وكنت كثيرا ما أفتقده في فراشي، فإذا قمت لاطلبه بادرني من فراشي، ها أناذا يا عم فارجع إلى مكانك.
وكان النبي صلى الله عليه وآله يأتي زمزم فيشرب منها شربة، فربما عرض عليه أبو طالب الغداء فيقول لا اريده أنا شبعان.
وكان أبو طالب إذا أراد أن يعشي أولاده أو يغديهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني، فيأتي رسول الله فيأكل معهم فيبقى الطعام)( ).
في الغار
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حضور المعجزة في حله وترحاله ، وقد تكون الحاجة إليها في السفر أكثر لملاقاة أناس غير الذين في الحضر ، ولقد نجا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين ليلة الهجرة التي عزموا فيها على قتله فيها ، وبات الإمام علي عليه السلام في فراشه .
لتصاحبه سبل النجاة في طريق الهجرة ، ومن فضل الله عدم حصر هذه السبل ذات صبغة الإعجاز منها أن الطلب خرج في أثره من مكة بعد أن جعلت قريش مائة بعير لمن يأتي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حياً أو ميتاً .
ولم يذكر التأريخ أن قريشاً جعلت هذا الجعل لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على علمهم بمنافع الهجرة للإسلام ، وضررها على سلطانهم بالباطل ، إذ اقتفوا أثر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووصلوا إلى جبل ثور ، فاختلط عليهم ، وليس من شاهد يبين الجهة التي توجه إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت .
فقالوا: لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال)( ).
ليكون من خصائصه اشتراك الحشرات في حمايته ونجاته ، واللبس على المشركين .
وبخصوص لبث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الغار وما فيه من الأذى نزل قوله تعالى إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا.. .
والآية أعلاه من سورة التوبة وهي من أواخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وموضوع الآية أعلاه هو كتيبة تبوك ، إذ يذكر الله عز وجل الذين يتخلفون عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواقعة الخروج من مكة ، وليس من ناصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا الله عز وجل .
وعندما دخل الغار ليس معه إلا واحد من أصحابه ، ووصل المشركون إلى فم الغار يبحثون عنه ، وكانوا خبراء بالقيافة وتتبع آثار الأقدام ، وهي ظاهرة للبيان .
النجاة المتكررة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : النجاة ليلة الهجرة وخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن بين الفتية الذين اختارهم المشركون لقتله ليلتئذ .
الثاني : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة وليس معه سلاح مع أخطار الطريق ، وتعقب المشركين له .
الثالث : انتقال الإسلام من الضعف والقلة إلى القوة والمنعة وكثرة المسلمين .
الرابع : قانون سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الخوف من المشركين في أشد الأحوال ، وليس معه في طريق الهجرة إلا واحد من أصحابه مع شدة الطلب ، وكثرة الذين خرجوا خلفه مدججين بالسلاح طلباً للجعل والحصول على مائة ناقة لمن يأتي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لبيان سلامته من الخوف منهم بعد الهجرة وكثرة المسلمين من باب الأولوية .
الخامس : قانون من الإرادة التكوينية وهو أن رحمة الله عز وجل مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل أحواله ، وفي التنزيل مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى.
لماذا في الغار
ترى لم يخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الغار بمرآى ومسمع من المشركين كما خرج ليلة الهجرة وهم يحيطون بداره من غير أن يروه ، وكان يتلووَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ .
وفي دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غار ثور في طريق الهجرة إلى المدينة وجوه :
الأول : اختفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار بيان لجهاده وصبره في مرضاة الله .
الثاني : تجلي أبهى مصاديق الصبر بالبقاء في الغار ثلاث ليالِ ، والمشركون يسعون في الوصول إليه ونيل مائة بعير من قريش .
الثالث : دخول الغار معجزة مستقلة ، إذ وصلت الآثار للغار ثم اختفت ، وآية بيت العنكبوت في فم الغار .
الرابع : انتظار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توقف الطلب ليخرج من مصاديق قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر يتبع سبل الحيطة والحذر ، كما أنه لم يدخل في الغار ويمكث فيه ثلاثة أيام إلا بالوحي .
الخامس : تعليم المسلمين درساً في الصبر ، وترتب الثواب عليه ، وهدايتهم إلى اتباع السبل وتهيئة مقدمات العمل الإيماني وفق قاعدة العلة والمعلول ، والسبب والمسبب .
السادس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن اختفاءه في الغار من الوحي واللطف الإلهي، قال تعالى وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
خصائص الهجرة
لقد هاجر عدد من الأنبياء من عمل سكناهم ومنهم إبراهيم عليه السلام ، إذ ورد قوله تعالى إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ولوط ، وموسى ، ويعقوب عليهم السلام .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء في باب الهجرة وجوه :
الأول : هجرة رهط من أصحابه إلى البلاد البعيدة إلى الحبشة (قال ابن إسحاق : وكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر منهم وهو يشك فيه)( ).
والمختار أن عمار ياسر لم يهاجر إلى الحبشة ، وكان عدد المهاجرات تسع عشرة امرأة ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثه أكبر سفارة في التأريخ إلى الحبشة .
الثاني : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأولى إلى الطائف في السنة العاشرة للهجرة بعد موت عمه أبي طالب ، واشتداد أذى قريش عليه .
الثالث : بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير سفيراً مع وفد الأنصار الذين بايعوه في العقبة الثانية .
الرابع : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه بالهجرة من مكة إلى المدينة (يثرب) والتي تبعد عن مكة نحو (450) كم.
الخامس : لم يهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويغادر جوار المسجد الحرام إلا بعد أن عزم المشركون على قتله في فراشه ، و(عن عبدالله بن عدي بن الحمراء قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول لمكة : والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أخرجت منك ما خرجت)( ).
السادس : توالي هجرة المئات من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة .
السابع : وجود أمة من الأنصار في المدينة يتلقون المهاجرين بالود ويد العون ومعاني الأخوة الإيمانية ، قال تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
الثامن : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، والتآخي بين كل اثنين منهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
التاسع : بناء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسجد النبوي وسط المدينة حالما وصل إليها .
العاشر : صيرورة المدينة دار الهجرة ، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال (ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِكُلِّ نَبِىٍّ حَرَمٌ وَحَرَمِى الْمَدِينَةُ اللَّهُمَّ إِنِّى أُحَرِّمُهَا بِحُرَمِكَ أَنْ لاَ يُؤْوَى فِيهَا مُحْدِثٌ وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلاَ تُؤْخَذُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ)( ) و(وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا) أي لا يقطع نباتها الطب الرقيق.
ومعنى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي انه حرمها ، وتصان لأنها دار إقامته وحكمه ، ونزول آيات القرآن عليه ، وسمّاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم طيبة لطهارتها من الشرك إلى يوم القيامة .
و(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الْفِتْنَةِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جَابِرٍ فَقِيلَ لِجَابِرٍ لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْهُ فَخَرَجَ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ فَنُكِّبَ.
فَقَالَ تَعِسَ مَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا يَا أَبَتِ وَكَيْفَ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَقَدْ مَاتَ.
قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَيَّ)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حثه المسلمين والناس جميعاً لتعاهد حرمة المدينة و(عَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا)( ).
صلاة الجماعة دعوة للصلاح
قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ تتضمن الآية الأمر بصلاة الجمعة والنداء إليها وهو الأذان ، وجاء قوله تعالى [إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ] بصيغة الجملة الشرطية لتكون وعداً من الله عز وجل بتنجز صلاة الجمعة بأمان .
وسورة الجمعة مدنية نزلت في المدينة ، وقيل نزلت سنة ست للهجرة وهي سنة خيبر ، لبيان أن إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لصلاة الجمعة سابق لنزولها بسنوات ، وتضمنت الآية مسألة ورود عير تجارة من الشام أثناء صلاة الجمعة وعدد آياتها إحدى عشرة آية .
والسنة النبوية كاشفة عن هذا الأمر ، إذ كان بلال ينادي للصلاة خمس مرات في اليوم بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان الأذان للجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في باب المسجد ، وقيل بين يديه .
وورد عن مالك إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه ، وكان الأذان للجمعة واحداً ثم زاد عثمان النداء على الزوراء ليسمع الناس .
والزوراء موضع مرتفع وسوق في المدينة ، ولعثمان دار بالقرب منها و(عن ابن عباس قال : الأذان نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع فرض الصلاة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ))( ).
ولم يصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجمعة وهو في مكة قبل الهجرة خشية أذى قريش له ولأصحابه خاصة وأنهم يزدادون غيظاً عند سماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلو آيات القرآن ، ويُذكر اسمه مع اسم الله عز وجل .
و(عن أبى إسحاق، عن عمرو ابن ميمون، عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلى ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه.
فقالوا: من يأخذا هذا السلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبي معيط : أنا ، فأخذه فألقاه على ظهره .
فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم عليك بهذا الملا من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبى جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة ابن أبى معيط، اللهم عليك بأبى بن خلف – أو أمية بن خلف – شعبة الشاك.
قال عبد الله بن مسعود : فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى، أو أمية بن خلف، فإنه كان رجلا ضخما فتقطع)( ).
لقد كانت بيعة العقبة الأولى أول بيعة جماعية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خارج مكة و(عن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض علينا الحرب، على ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.
قال : فمن وفى ذلك منكم فأجره على الله)( ).
وعندما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير مع وفد الأنصار بعد بيعة العقبة كتب له (أما بعد : فأنظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فأجمعوا نسائكم وأبناءكم ، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين قال : فهو أول من جمع حتى قدم النبي صلى الله عليه وآل وسلم المدينة فجمع بعد الزوال من الظهر وأظهر ذلك)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يترك سفيره مصعب بن عمير وشأنه بل كان يوجه له الأوامر ويخبره والأنصار بالآيات والسور التي نزلت عليه .
ويوم الجمعة هو أحد أيام الأسبوع ، وهو سيد الأيام ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرامه ليوم الجمعة ، وبيان فضله.
وورد ذكره في القرآن هو ويوم السبت من بين أيام الأسبوع ، وانفردت (الجمعة) بأن وردت تسمية لسورة من القرآن باسم سورة الحمعة.
وتستحب قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة ، وتقرأ في الثانية سورة المنافقون.
وصلاة الجمعة ركعتان ، وتسقط ركعتان من صلاة الظهر فيها لمكان الخطبة التي تسبق الصلاة ، ولا تجب صلاة الجمعة على النساء والمرضى والمسافرين ،فلهم أن يؤدوا صلاة الظهر ، ووقتها بعد زوال الشمس من يوم الجمعة ، وتؤدى صلاة الجمعة جماعة .
وصلاة الجمعة رسالة سلام إلى الناس جميعاً ، إذ يجلس المسلمون تحت منبر الجمعة ليستمعوا للخطيب وهو يتلو آيات القرآن ، ويحث على إتباع نهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن خصائص صلاة الجمعة أنها إجتماع أسبوعي متجدد في طاعة الله عز وجل ، ويفيض بالمودة وشآبيب الرحمة على الناس ، لذا فهو دعوة لنشر الأمن والطمأنينة بين الناس أيام الأسبوع ، وهي عنوان الطهارة القلبية والبدنية.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه لقدسية يوم الجمعة ، وترغيبه المسلمين بصلاة الجمعة ، وبيان عظيم الثواب بأدائها.
و(عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم أتدري ما يوم الجمعة قلت الله ورسوله أعلم قال لكني أنا أحدثك عن يوم الجمعة لا يتطهر رجل ثم يمشي إلى الجمعة ثم ينصت حتى يقضي الامام صلاته إلا كانت كفارة لما بينهما وبين الجمعة التي قبلها ما اجتنبت المقتلة)( ) لبيان وجوب حرص المسلم على إجتناب سفك الدماء والقتل وأسباب الفتنة .
 
المنبر النبوي
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حالما وصل إلى المدينة مهاجراً بنى المسجد النبوي وأنشأ فيه صلاة الجماعة في مظهر إيماني لم تعهده الأرض.
واتخذه النبي محلاً لتبليغ الرسالة واستقبال الوفود ، والإحتجاج ، ويرتقي فيه المنبر لالقاء خطبه وهي مرآة وتفسير للقرآن ، ومن خصائصه توارث الأجيال لخطبه توثيقاً وحفظاً وعملاً بمضامينها .
فالنسبة بين مكان خطب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمنبر عموم وخصوص مطلق ، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب على المنبر وخارج المسجد ، وفي المدينة وخارجها .
وأيهما أكثر خطب النبي محمد على المنبر أم خطبه بدون المنبر ، المختار هو الثاني خاصة وأن المنبر النبوي نصب في السنة الثامنة للهجرة .
لقد ابتدأت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة وسط قوم مشركين ، يؤذونه إذا صلى ، ويصفقون ويصفرون إذا تلا آيات القرآن في الصلاة أو خارجها ، وبقي في مكة ثلاث عشرة سنة نبياً رسولاًً قبل أن يهاجر إلى المدينة عندما عزم المشركون على قتله .
وليس من منبر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، ولكن هذا لم يمنعه من الخطبة والنداء في المسجد الحرام وفي موسم الحج والطواف على القبائل في محل إقامتها في منى وفي أسواق مكة أيام الموسم وفي الأشهر الحرم ، فلا ملازمة بين خطابات النبي محمد الخاصة والعامة للناس، وبين المنبر .
و(عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف : يا صباحاه .
فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد فاجتمعوا إليه فقال : يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب فاجتمعوا إليه فقال أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا قال : فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
فقال أبو لهب : تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا ؟ ثم قال فنزلت هذه السورة تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ))( ).
و(عن البراء قال : لمّا نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً ، الرجل منهم يأكل المسنّة ويشرب العس ، فأمر عليّاً برِجْل شاة فأدمها ثم قال : ادنُوا باسم الله فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا.
ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم : اشربوا باسم الله ، فشرب القوم حتى رووا فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما يسحركم به الرجل ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ فلم يتكلّم .
ثمَّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ثم أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إنّي أنا النذير إليكم من الله سبحانه والبشير لما يجيء به أحد منكم.
جئتكم بالدنيا والآخرة فأسلموا وأطيعوني تهتدوا ، ومَن يواخيني ويؤازرني ويكون وليّي ووصيي بعدي ، وخليفتي في أهلي ويقضي ديني ، فسكت القوم ، وأعاد ذلك ثلاثاً كلّ ذلك يسكت القوم .
ويقول علي : أنا فقال : أنت فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أُمِّر عليك)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاء منبره ضياء يومياً في الأرض إلى يوم القيامة وسبباً بصرف البلاء عن الناس.
المعراج سبيل هداية
لقد اختار الله عز وجل لنبيه كرامة الإسراء وكذلك أكابر الأنبياء ، والأولى والأنفع هو التسليم بقدرة الله عز وجل وحق النبوة عنده، إذ أن أكثر أرباب الملل والنحل يقرون بوجود إبليس وأنه يقوم بالوسوسة في قلوب بني آدم وتمكنه من الحركة بسرعة ليحضر هنا وهناك ، فمن باب أولى منح الله عز وجل هذه الصفة للرسول لتكون معجزة وسبباً للصلاح وحرباً على ابليس وجنوده .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة الى الإسلام مع كثرة ما لاقاه من مشركي قريش والكفار عموماً من الأذى حتى قال: ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)( ).
وبالإمكان معرفة الأذى الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إجمالاً بطرق متعددة منها :
الأول : إخبار الأنبياء السابقين.
الثاني : آيات القرآن .
الثالث : السيرة والوقائع التأريخية.
الرابع : حديث النبي صلى الله عليه وأله وسلم.
الخامس : أخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والحوادث اليومية ومعجزاته الحسية .
السادس : حديث الصحابة من المهاجرين والأنصار ، وإقرار المشركين برؤيتهم للمعجزات تترى على يديه ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا الإقرار سبب لدخولهم الإسلام .
ولابد من معرفة الدروس والخصائص التي يتصف بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنبياء السابقين سواء فيما وصل إليه مما لم يبلغه غيره من رسول او ملك مقرب أو في آية الإسراء ذاتها .
وعن الإمام جعفر الصادق : إن جبرئيل إحتمله حتى انتهى به الى مكان من السماء ثم تركه وقال له ما وطأ نبي قط مكانك( ).
وحينما يكون الحديث عن صعود الأنبياء السابقين لم يقل أحد إنه بالروح فلماذا عند الحديث عن سيدهم وخاتمهم وأعظمهم منزلة عند الله يقول بعضهم اننا لا نؤمن إلا بالمحسوس وأن الإسراء كان بالروح، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوتي ما أعطي للأنبياء السابقين وهم صعدوا إلى السماء بالجسد والروح، فتكون النتيجة وفق القياس الإقتراني أنه صلى الله عليه وآله وسلم صعد بالجسد والروح من باب الأولوية ، قال تعالى وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يصل الأنبياء السابقون الذين عرج بهم من قبل كإبراهيم وموسى إلى معشار ما وصل إليه في صعوده إلى السماء السادسة وشجرة المنتهى وتوثيق إسرائه ومعراجه في القرآن ليكون جامعاً للمعجزة الحسية والعقلية.
السور المدنية
تقسم سور القرآن تقسيماً استقرائياً على المشهور إلى قسمين :
الأول : السور المكية : وهي السور التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة إلى المدينة وعددها (89) سورة.
الثاني : السور المدنية وهي السور التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة النبوية وإن نزلت في مكة ، وعدد السور المدنية هو (25)سورة .
وتتصف السور المدنية بأمور :
الأول : تفصيل التشريع وقوانين الحقوق الخاصة والعامة .
الثاني : آيات الدفاع مع تقييده في سبيل الله ، وعدم التعدي كما في قوله تعالى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
الثالث : من خصائص السور المدنية ذكر وذم المنافقين وبيان وقبح النفاق في عدد منها ، لأن النفاق ابتدأ بعد نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر ، وصار رهط من الناس يظهر الإيمان ، ويحضر الصلاة ، ويخرج في الكتائب ، وهم يخفون الكفر والشك والريب بالرسالة ، قال تعالى إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
الرابع : كل آية ورد فيها نداء التشريف [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] فهي مدنية ، وقد ورد هذا النداء في القرآن تسعاً وثمانين مرة .
الخامس : كل سورة ذكرت فيها الفرائض والحدود فهي مدنية .
السادس : ورود الإحتجاج على أهل الكتاب في السور المدنية ، وفيه دعوة سماوية للمسلمين لإجتناب إيذائهم والإمتناع عن الإضرار بالذات والعقيدة والناس الآخرين.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سلاحه المعجزة والإحتجاج من منازل الوحي ، لذا ورد قوله تعالى [َيسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة ، منها أربع عشرة مرة يتفضل الله عز وجل بالإجابة فيها مثل.
المنافع العقائدية للإسراء
الإسراء من عالم العقل والفكر والفعل المعجز ، وهو مدخل لإنتفاء الجهالة وأثر الشيطان، إذ يشعر المسلم بحصة له في السماء ويتلقى منها الأحكام الشرعية والأخلاقية مباشرة ومن غير واسطة كعنوان لعز المسلمين وإكرامهم ، وقد اختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحفاوة أهل السماء به.
وكلام الله عز وجل معه ، وتلقيه طائفة من الأحكام الشرعية في السماء ، وعجز المشركين عن تكذيب معجزة الإسراء ساعة وقوعها لتجلي الشواهد الحسية المعجزة .
والإسراء بشارة انتفاع الإنسان من كنوز السماء ، والذي تجلت شآبيبه بالإكتشافات السريعة في الفضاء هذه الأيام .
إنه رياضة في سماء المعرفة الإلهية، ومدرسة جامعة في الأذكار والأوراد وهو يوم الأهلية، أهلية الإنسان للإرتقاء في سلم الملكوت بسلطان الإخلاص لله عز وجل، وفوز المسلمين بكنوز المعرفة إذ أن آثار العبادة تنعكس على القلب ، قال تعالى إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ.
و(وقال ابن عباس المعنى : إن استطعتم بأذهانكم وفكركم أن تنفذوا فتعلموا علم أقطار السماوات والأرض . والأقطار : الجهات)( ).
والمختار هو النفاذ حقيقة لأصالة الحقيقة ، وحجية ظواهر القرآن وجاءت المركبات الفضائية في هذا الزمان مصداقاً واقعياً للآية أعلاه ، وهو من إعجاز القرآن العلمي والمراد من السلطان : العلم وما يترشح عنه.
وفي الإسراء عنوان إضافي وهو وجود منافع وآثار لأفعال الجوارح في إتساع المعارف الإنسانية وكيف أنها تنور القلوب وتصلح النفوس.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نيله شرف المعراج ، والإرتقاء في عالم الملكوت وتوثيقه في آيات من القرآن ، والنزول بثروة وتجارة لن تبور، وأحكام في العبادات من أجل تكميل النفوس، وتهذيبها مع معرفة للحق وتعظيمه وتوحيده.
وفي الإسراء التصديق به قوة روحية تنفذ أنوارها في أركان البدن، لقد أراد الله عز وجل للإسراء أن يصبح صفاء للروح ودرءً لوساوس الشيطان والهواجس النفسانية .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلقيه أحكام الصلاة في المعراج والتقائه بالملائكة والأنبياء ، ورؤيته ما يواجه الكفار والمجرمين من وجوه العذاب.
إنه تجريد عن جهات الجسم والمكان في الدنيا وحوادث الزمان فلقد أراد الله للمسلم أن يسمع كلامه سماعاً قلبياً روحياً وأن يشعر بقربه من الحضرة الإلهية لذا ترى نفسك وأنت تقرأ القرآن تحس بإرتقائك في عالم المعرفة وتسمو في مراتب النفس وكمالات الروح ، وكأن قلبك قد تعلق بموضوع التنزيل ، وهو من بركات إسراء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فهو إسراء بالواسطة أي بقراءة كلام الله يصبح الإنسان من ضمن دائرة إشعاع أنوار الحضرة الإلهية، ولا يرى في الوجود إلا الله سبحانه ويغلب سلطان العقيدة والإيمان على النفس وتنطلق سائمة في مواطن الآخرة وكأنها تستقر بالجنة حينما يمر على آية من آياتها، ويخاف ويحزن ويضطرب عندما يقرأ آية تجسد أهوال النار وكأنه واردها.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إسرائه وجوه :
الأول : خلق لحال الإستعداد والتلقي للعلوم .
الثاني : التوثيق السماوي لمضامين وأحكام الإسراء .
الثالث : نزول المعارف والعلوم والأحكام على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : إنه قوة في العقيدة .
الخامس : فيه كمال في النفس .
السادس : سعي المسلمين المتجدد للإرتقاء للصعود العقائدي .
السابع : طرد الجهل والوحشة والضعف.
الإسراء معجزة عقلية حسية
العقل جوهر مجرد قائم بذاته ومفارق للأجسام، واختلف الأصوليون هل للعقل حكم مستقل بحسن الشئ أو قبحه أو لا، وأسست على هذا القول قاعدة تسمى قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وهي وان كانت من مسائل علم الكلام ولكنها بحسب اللحاظ مما يقع في طريق الحكم الشرعي.
والعقل يدرك لزوم الإمتثال أو الإمتناع، وأن المطيع يستحق المدح والثناء بخلاف العاصي وفاعل القبيح فانه يستحق الذم عقلاً.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبة معجزاته للعقول وحملها على الإيمان لوجود المقتضي وفقد المانع ، قال تعالى كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ.
وقيل أن الاشاعرة نفوا الأمرين أي قاعدة الحسن والقبح العقليين وهي من الادراك، والثاني إدراك العقل لمدح فاعل الحسن وأن فاعل القبيح يستحق الذم وهو من الحكم .
والإجماع على الإقرار بمعرفة موضوعية العقل في الإدراك والتكليف والعلم بالفرائض والنواهي.
ونعمة العقل من أعظم النعم على الإنسان ، وفيها حجة على الإنسان بلزوم توظيفها أحسن توظيف في ترسيخ الأحكام الشرعية والعمل بالسنن وإتيان الصالحات .
و(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما خلق الله العقل قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، فقال : وعزتي ما خلقت خلقا أعجب إلي منك ، بك آخذ ، وبك أعطي ، وبك الثواب ، وعليك العقاب)( ).
لقد جعل الله عز وجل العقل آلة التصديق بخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع كثرتها ، ومنها الإسراء ، وهو من الشواهد على أن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية .
ومن معاني الإسراء عدم منافاته للعقل لأنه من بديع قدرة الله عز وجل ، وهو من الإعجاز بابتداء آية وسورة الإسراء بقوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فالإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من بديع صنع الله عز وجل .
ويسلم العقل بقانون قدرة الله عز وجل على كل شئ ، وبما يفوق عالم التصور والإمكان العقلي ، قال تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )( ).
وليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعضيد معجزاته بتقديس مقام الربوبية .
و(عن ابن عباس في قوله [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] ( ) قال : هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم ، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره ، ومن لم يؤمن بذلك فلم يؤمن بالله حق قدره [إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ] ( ))( ).
المعجزة الحسية العقلية
وكما أن الإسراء معجزة عقلية فهو معجزة حسية لإنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببدنه وروحه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماء السادسة في ليلة واحدة ، ومن الشواهد الحسية البينة في عجز المشركين عن تكذيبه .
فحينما رجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة من الإسراء أراد الخروج إلى المسجد الحرام وإخبار رجالات قريش بالإسراء.
وعن أم هانئ بنت أبي طالب قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم ما رأيت فأخذت بثوبه ، فقلت إني أذكرك الله ، إنك تأتي قوماً يكذبونك وينكرون مقالتك ، فأخاف أن يسطوا بك ، قالت : فضرب ثوبه من يدي.
ثم خرج إليهم فأتاهم وهم جلوس ، فأخبرهم ، فقام مطعم بن عدي فقال : يا محمد ، لو كنت شاباً كما كنت ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا .
فقال رجل من القوم : يا محمد ، هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال : نعم ، والله وجدتهم قد أضلوا بعيراً لهم فهم في طلبه .
قال : هل مررت بإبل لبني فلان قال : نعم وجدتهم في مكان كذا وكذا ، قد انكسرت لهم ناقة حمراء ، فوجدتهم وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها .
قالوا : فأخبرنا عن عدتها وما فيها من الرعاء ، قال : قد كنت عن عدتها مشغولاً فقام وأتى بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاء .
ثم أتى قريشاً فقال لهم : سألتموني عن إبل بني فلان ، فهي كذا وكذا ، وفيها من الرعاء فلان وفلان ، وسألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا وفيها من الرعاء ابن أبي قحافة وفلان وفلان وهي مصبحتكم الغداة الثنية فقعدوا إلى الثنية ينظرون أصدقهم ما قال ، فاستقبلوا الإبل فسألوا ، هل ضل لكم بعير.
قالوا : نعم . فسألوا الآخر ، هل انكسر لكم ناقة حمراء؟ قالوا : نعم)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انفراده من بين الأنبياء بانقسام معجزاته إلى خمسة أقسام :
الأول : المعجزات الحسية : مثل انشقاق القمر ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير الطعام والشراب ، وحنين الجذع الذي كان يخطب بالإتكاء عليه ومنها إخباره عن المغيبات .
الثاني : المعجزات العقلية : هي آيات القرآن .
الثالث : المعجزة العقلية الحسية : مثل الإسراء والمعراج وتوثيقه في القرآن بآية بدأت بتنزيه مقام الربوبية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
الرابع : صيرورة معجزات الأنبياء الحسية ذات صبغة عقلية بتوثيقها في القرآن وتلاوة المسلمين والمسلمات لها كل يوم في الصلاة وخارجها مثل معجزة نوح ، وناقة صالح ، ونجاة إبراهيم عليه السلام من النار التي القي في وسطها ، وعصا موسى عليه السلام ، ومعجزات عيسى عليه السلام ، قال تعالى وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وقصة يوسف والأنبياء الآخرين.
الخامس : من خصائص ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منع تحريف قصص الأنبياء والوقائع التأريخية إلى يوم القيامة ، لسلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقيصة ، وهو من الدلائل السماوية على أن التأريخ علم وليس فناً .
الذكرى السنوية للإسراء
إحياء ذكرى الإسراء السنوي مدرسة وفرصة لإستظهار الأحكام والدروس والعبر من الإسراء، تشارك فيها الأمة ومؤسساتها المختلفة وفيها بيان متجدد لخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أكرمه الله عز وجل به.
وقد وردت أقوال في تأريخ الإسراء منها :
الأول : أنه وقع لسبع ليال .
الثاني : الثلاث بقين من شهر رمضان .
الثالث : وقع في اليوم السادس عشر منه.
الرابع : في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب .
الخامس : ليلة الثاني عشر .
السادس : السابع عشر من شهر ربيع الأول.
والأولى اتفاق العلماء على تأريخ واحد بلحاظ النصوص والأخبار ، وقيل بتعدد إسراء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أما في سنة الوقوع فهي على وجوه وأقوال أيضاً :
الأول : في السنة الثانية للبعثة ، وهو المروي عن ابن عباس ، وهو المختار.
الثاني : السنة الثالثة للبعثة .
الثالث : السنة الخامسة للبعثة.
الرابع : عشر سنوات وثلاثة أشهر بعد البعثة .
الخامس : السنة الثانية عشرة بعد البعثة ، أي قبل الهجرة بسنة .
السادس : بعد سنة وثلاثة أشهر قبل الهجرة .
السابع : بعد ستة أشهر قبل الهجرة .
ومع هذا الإختلاف وتعدد الأقوال فانها تدل على الإجماع ، والقطع على الإسراء بالنبي محمد والعروج به إلى السماء الذي يدل عليه الكتاب والسنة .
ويتجلى إحياء ذكرى الإسراء بقيام الليل والتهجد وقراءة القرآن والدعاء والشكر لله عز وجل على اختصاص النبي محمد بالإسراء به وصعوده في السموات العلا ، والتفقه في الدين ، ومعرفة إجمالية لوقائع ليلة الإسراء .
موضع ابتداء الإسراء
يحتمل الموضع الذي أسري منه بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : من المسجد الحرام .
الثاني : من بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : من بيت أم هانئ ، إذ ورد عن أم هانئ أنها (قالت : ما أسري برسول الله إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة ، فصلى العشاء الآخرة ، ثم نام ونمنا ، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فلما صلى الصبح وصلينا معه قال صلى الله عليه وآله وسلم : يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين)( ).
والرواية ضعيفة وفي طريقها محمد بن السائب الكلبي وهو متروك الحديث ، كما ورد عن أم هانئ أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسري به من المسجد الحرام .
ووردت رواية أخرى عن أم هانئ تتجلى فيها خصائص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قالت (دخل علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغلس وأنا على فراشي ، فقال : شعرت أني نمت الليلة في المسجد الحرام فأتاني جبريل .
فذهب بي إلى باب المسجد ، فإذا دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل مضطرب الأذنين فركبته ، فكان يضع حافره مد بصره ، إذا أخذ بي في هبوط طالت يداه وقصرت رجلاه ، وإذا أخذ بي في صعود طالت رجلاه وقصرت يداه ، وجبريل لا يفوتني حتى انتهينا إلى بيت المقدس ، فأوثقته بالحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها.
فنشر لي رهط من الأنبياء عليهم السلام منهم إبراهيم وموسى وعيسى فصليت بهم وكلمتهم ، وأتيت بإناءين أحمر وأبيض ، فشربت الأبيض.
فقال لي جبريل عليه السلام : شربت اللبن وتركت الخمر ، لو شربت الخمر لارتدت أمتك ، ثم ركبته فأتيت المسجد الحرام ، فصليت به الغداة ، فتعلقت بردائه.
وقلت : أنشدك الله يا ابن عم ، إن تحدث بها قريشاً ، فيكذبك من صدقك ، فضربت بيدي على ردائه فانتزعته من يدي ، فارتفع عن بطنه فنظرت إلى عكنه فوق ازاره كأنها طي القراطيس ، وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد يختطف بصري ، فخررت ساجدة.
فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج ، فقلت لجاريتي : ويحك اتبعيه ، وانظري ماذا يقول وماذا يقال له.
فلما رجعت أخبرتني أنه انتهى إلى نفر من قريش فيهم المطعم بن عدي وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة .
فقال : إني صليت الليلة العشاء في هذه المسجد وصليت به الغداة وأتيت فيما بين ذلك ببيت المقدس فنشر لي رهط من الأنبياء فيهم إبراهيم وموسى وعيسى فصليت بهم وكلمتهم .
فقال عمرو بن هشام –أي أبو جهل- كالمستهزئ – : صفهم لي .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أما عيسى ففوق الربعة ودون الطويل عريض الصدر جعد الشعر يعلوه صهبة كأنه عروة بن مسعود الثقفي ، وأما موسى فضخم آدم طوال كأنه من رجال شنوأة كثير الشعر غائر العينين متراكب الأسنان مقلص الشفة خارج اللثة عابس ، وأما إبراهيم فوالله لأنا أشبه الناس به خلقاً فضجوا وأعظموا ذاك.
فقال المطعم : كل أمرك قبل اليوم كان أمماً غير قولك اليوم ، أنا أشهد أنك كاذب ، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً تزعم أنك أتيته في ليلة! واللات والعزى لا أصدقك .
فقال أبو بكر يا مطعم : بئس ما قلت لابن أخيك جبهته وكذبته ، أنا أشهد أنه صادق ، فقالوا : يا محمد ، صف لنا بيت المقدس ، قال : دخلته ليلاً وخرجت منه ليلاً .
فأتاه جبريل عليه السلام فصوّره في جناحه ، فجعل يقول : باب منه كذا في موضع كذا ، وباب منه كذا في موضع كذا)( ).
وهذه الرواية أصح من رواية محمد بن السائب الكلبي أعلاه وان كان اسنادها ضعيفاً أيضاً ، ففيها محمد بن إسماعيل الوساوسي ، وهو ضعيف ، إلا أن هذه الرواية تتضمن تفاصيل وردت في روايات أخرى، وتدل أن الإسراء من البيت الحرام وهو المختار .
والمختار أن التواتر السندي جابر لضعف الرواية .
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَصَفَ لِأَصْحَابِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى حِينَ رَآهُمْ فِي تِلْكَ اللّيْلَةِ فَقَالَ أَمّا إبْرَاهِيمُ فَلَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ ( قَطّ ) بِصَاحِبِكُمْ وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ وَأَمّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ أَقْنَى كَأَنّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَأَمّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، فَرَجُلٌ أَحْمَرُ بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطّوِيلِ سَبْطُ الشّعَرِ كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ كَأَنّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ تَخَالُ رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً وَلَيْسَ بِهِ مَاءٌ أَشْبَهُ رِجَالِكُمْ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ)( ).
الإسراء نعمة
قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
ابتدأت الآية بتقديس مقام الربوبية ، وتنزيه الله على نحو الإطلاق ولبيان أنه لا يقدر على الإسراء بالإنسان إلا الله عز وجل وفي التنزيل وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وملكيته تعالى ملكية تصرف ومشيئة مطلقة .
وأن الإسراء تم بالروح والبدن لدلالة التقديس في المقام على أن آية الإسراء عظيمة ، وهي لطف من عند الله عز وجل ، وليشكر المسلمون الله عز وجل على نعمة الإسراء.
وقال بعض الفلاسفة أن الله عز وجل لا يعلم بالجزئيات إنما يعلم بالكليات ، فهو منزه عن العلم بالجزئيات ، ولأن أحوال الأشخاص متغيرة ومتشكلة وقالوا أن سلب علم الله عنها صفة كمال لأنها تدرك بالحواس والله منزه عن الحواس إنما يعلم أسبابها وعللها.
وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، ليقطع القرآن الشبهات التي لا أصل لها.
إنما الله عز وجل يبصر كل الأشياء دقيقها وكبيرها من غير آلة باصرة ، ويسمع الأصوات جميعاً من غير آلة سامعة ، وقال تعالى في آخر آية الإسراء إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
لماذا [أَسْرَى بِعَبْدِهِ]
تدل كلمة أسرى على السير وانتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المسجد الأقصى والعروج إلى السماء في ليلة واحدة والإسراء مسير القافلة ليلاً .
وعن الإمام علي عليه السلام (عند الصباح يحمد القوم السرى)( ).
فعند الصباح يستبشر رجال القافلة لما قطعوه من المسافات بالسير في الليل بدل أن يبقوا نياماً ويضرب المثل في تحمل الإنسان المشاق من أجل بلوغ الغايات ، وتتجلى في قوله تعالى [أَسْرَى بِعَبْدِهِ] خصائص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : بيان أن الإسراء نعمة على أهل الأرض .
الثاني : المنع من الغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإفتتان بحديث الإسراء ، فهو من عند الله عز وجل ، ورزق للنبي محمد بصفة العبودية .
الثالث : آية الإسراء بشارة عروج الناس في السموات بالطيران ، وإخبار عن تنقل الناس في السموات بالمركبات الفضائية ، وهو من أسرار مجئ الآية بلفظ (بعبده) وعدم القول أسرى برسوله .
وفي حديث الإسراء قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة سنة .
أي يسير الفرس من غير فتور ، ولو حسبنا تقدير مسافة السير فالمسافة بين الأرض والمريخ (225) مليون كيلو متر حسب وكالة ناسا.
وهو من الإعجاز في خلق السموات والأرض ليرى الإنسان كيف هو ضعيف وضئيل وإلى هلاك ، في هذه العوالم الثابتة التي لا يحصيها ولا يعلم بها إلا الله تعالى .
أما مسير الفرس في خمسمائة سنة فهو مقارب لهذا الرقم ، فمعدل سير الفرس هو خمسون كيلو متر في الساعة 50×24 ساعة في اليوم الواحد × 355 يوم عدد أيام السنة ×500 سنة سير متصل يكون المجموع (213) مليون كيلو متر من غير كسور .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التقارب بين الإخبار النبوي ، وبين الإكتشافات العلمية الحديثة في السيارات والقطارات السريعة التي تطي الأرض طياً ، وهو من الإسراء في الأرض ، وبشارته بانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبراق وهي دابة جاء بها جبرئيل أكبر من الحمار وأصغر من البغل ، خطوتها مدّ البصر بما يشبه المركبة المأهولة هذا الزمان.
وقال بعضهم لو كانت سرعة البراق هكذا لمزقت الريح ثياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الأرض تطوى للبراق وهو من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ واستجابتها لأمر الله .
ولم يرد لفظ (بعبده) في القرآن إلا في هذه الآية لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين عموم الناس والرسل أنه وحده الذي أسري به وعرج به إلى السماء ، لإفادة الألف واللام العهد.
وإذا أنعم الله على أهل الأرض بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الإسراء نعمة حسية خاصة ، صارت في هذا الزمان عامة بوسائط النقل السريع .
آية الإسراء تنزيه لمقام الربوبية
قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
ابتدأت هذه الآية من سورة الإسراء بقوله تعالى [سُبْحَانَ] وهي كلمة تنزيه لله عز وجل وتقديس لمقام الربوبية ، فلا تصح إلا لله عز وجل.
واذكر هنا مسألة مستحدثة لماذا بدأت السورة التي سميت سورة الإسراء وتسمى أيضاً سورة بني إسرائيل بقوله تعالى [سُبْحَانَ] والجواب من جهات :
الأولى : وجوب تنزيه الناس لله عز وجل ، وذكره بأسمائه الحسنى.
الثانية : الإسراء من بديع صنع الله ، فصحيح أنه معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه بالأصل شاهد على أن السموات والأرض ملك طلق لله عز وجل ، ومن بديع قدرته أنه اختص النبي محمداً بالإسراء والمعراج خلاف قواعد العلل والأسباب ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الثالثة : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما لم ينله أحد من الأنبياء السابقين.
الرابعة : النهي عن التشكيك بإسراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : المنع من القول بأن الإسراء بالروح دون البدن كما ذهب إليه معاوية بن أبي سفيان الذي كان أوان الإسراء كافراً .
السادسة : الإسراء عنوان وشاهد على أن السموات والأرض ملك لله عز وجل وأن الصلة بين السماء والأرض ليست الفصل التام .
أو القول بأن الإسراء رؤيا منام كما ذهب إليه الحسن البصري ، وهو من التابعين ، وأبوه وأمه من سبي ميسان ، ونسب إلى عائشة قولان متعارضان.
وليس المقام مقام التساقط عند التعارض كما في علم الأصول ، ولكن اذكر رأياً مستحدثاً في المقام بترجيح الموافق للإجماع أو المشهور مع التساوي في وثاقة رجال السند وإن كانت طفلة صغيرة عند الإسراء .
وهو رجحان اجماع الصحابة وأهل البيت وعلماء الإسلام على أن الإسراء بالجسد والروح ، ولا عبرة بالشاذ النادر ويدل عليه قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ] والمراد من العبد الجسد والروح .
إلى جانب النصوص المتواترة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه ركب البراق ، ولا يركب البراق إلا الأجساد وليس المجردات.
ومن مصاديق ابتداء آية وسورة الإسراء بقوله تعالى [سُبْحَانَ] تأكيد أن الإسراء فضل على كل من النبي محمد والمسلمين والناس جميعاً.
بناء المسجد النبوي
عندما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بنى مسجده في أوسطها ، وتم تعيين موضعه بعلامة وآية من عند الله عز وجل ظهرت في سير وبروك ناقته .
لقد كان الأنصار الذين يمر على أحيائهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبادرون إلى سؤاله النزول عندهم ، فيقول (دعوها فانها مأمورة ).
(حَتّى إذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ ، بَرَكَتْ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِرْبَدٌ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النّجّارِ ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ وَهُمَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ ، سَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو .
فَلَمّا بَرَكَتْ – وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآل وَسَلّمَ عَلَيْهَا – لَمْ يَنْزِلْ وَثَبَتَ فَسَارَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآل وَسَلّمَ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يُثْنِيهَا بِهِ ثُمّ الْتَفَتَتْ إلَى خَلْفِهَا فَرَجَعَتْ إلَى مَبْرَكِهَا أَوّلَ مَرّةٍ فَبَرَكَتْ فِيهِ ثُمّ تَحَلْحَلَتْ وَرَزَمَتْ وَوَضَعَتْ جِرَانَهَا.
فَنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآل وَسَلّمَ فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ رَحْلَهُ فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ وَنَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآل وَسَلّمَ وَسَأَلَ عَنْ الْمِرْبَدِ لِمَنْ هُوَ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ : يَتِيمَانِ لِي ، وَسَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ فَاِتّخَذَهُ مَسْجِدًا)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عمارته للمساجد ، وجعلها خاصة لعبادة الله ، لتكون سبيلاً لنزول الرحمة والبركة من السماء ، قال تعالى وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا.
إزاحة الفساد
هل يدل قوله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا على قانون كل مسلم يناجي الله يومياً ، الجواب نعم ، وفيه دعوة للبراءة من الظلم والفساد ، والتنزه عنه .
وفي آيات القرآن إنذار لكل من يفسد في الأرض ، ويشيع القتل بغرور وزهو وطغيان وهو من الشواهد على كون القرآن معجزة عقلية ، وأن أحكام آياته متجددة وفي كل زمان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إزاحته الفساد من الأرض بمحاربته الشرك ، وقضائه على الغزو بين القبائل ، ووأد البنات بآيات قرآنية من عند الله .
مما يلزم كل مسلم التقيد بأحكام آيات القرآن في دعوتها للصلاح ، ونهيها عن الفساد .
ومن صفات الملائكة ورفقهم بالناس توسلهم إلى الله عز وجل بتنزيه الأرض من المفسدين ، فحالما أخبرهم الله عز وجل بأنه جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، سألوا الله أن لا يكون في الأرض مع الخليفة ومع أهل التقوى أي أنهم لم يحتجوا على أهل الخلافة لبيان توسل ومناجاة الملائكة لمنع محاربة المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن هذه المحاربة من الفساد وسفك الدماء ، فاجابهم الله عز وجل إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
وفيه وعد من الله عز وجل بنصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليهم وهو الذي هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
فمن خصائص النبي محمد دعاء الملائكة له ، ونجاته من عداوة المشركين.
تحريم استبدال النبي (ص) لنسائه
قال تعالى لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا يتوجه الحكم الإلهي في هذه الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحرمة استبدال أزواجه ، فازواجه التسع مثل الأربعة بالنسبة لرجال أمته ، ويحتمل الإستبدال وجوهاً :
الأول : طلاق بعضهن وتزوج غيرهن .
الثاني : كان العرب في الجاهلية يطلق أحدهم زوجته ليتزوجها غيره ، ويطلق الآخر زوجته ليتزوجها الأول بالمبادلة في عقد النكاح ، وهذا الوجه بعيد .
الثالث : لا يحل لك الزواج من الكتابيات .
والمختار هو الوجه الأول لأصالة الإطلاق ويكون الثاني في طوله ، وقوله تعالى [وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ] جواز نظر الرجل للمرأة التي يريد الزواج منها ، وكذا النظرة العرضية .
وتضمنت الآية استثناء الإماء مما ملكت يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ماريا أم إبراهيم ابن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتسرى بها ، واللاتي لا يلزم معهن عقد نكاح ، وقيل الآية منسوخة بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ… .
وقيل العكس بالنسخ ، والمختار أن آية البحث محكمة غير منسوخة ، إذ أكرم الله عز وجل أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمرتبة أمهات المسلمين ، فلا يستبدلهن بغيرهن ولا يطلقن ، لبيان ترشح الإكرام على هذه المرتبة في الدنيا باستدامة عقد النكاح والزوجية مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو الذي يدل عليه مفهوم قوله تعالى وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ.
أي أنه في أيام حياته ليس من مطلقة من أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو مفارقة لعصمة زوجيته إلا بالموت ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الموت لاينفي عن أزواجه صفة أمومة المؤمنين عند موت بعض أزواجه في حياته مثل موت خديجة بنت خويلد ، وزينب بنت خزيمة التي كانت تسمى أم المساكين .
ولبيان الثناء عليهن لصبرهن مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جهاده ، وتحملهن الفقر .
إلى جانب كثرة عددهن ، فليس من المسلمين غير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنده أكثر من أربع زوجات .
وتتضمن الآية حكماً تكليفياً خاصاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أن أحكام النكاح وضعية في الغالب .
لقد نزل قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ..، وترشح عن هذه الآية الكريمة عصمة أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الطلاق بآية قرآنية .
وهل تتضمن الآية تحريم نكاح الإماء بالعقد على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المختار نعم .
ومع أن الطلاق بيد من أخذ بالساق ، فان امتناع طلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه جاء بالتنزيل ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه شاهد بأن أي امرأة من أزواج النبي التسعة سعيدة بزواجها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنها لا ترغب بالطلاق ، وهو من خصائصه ، ولما أسنت سودة بنت زمعة آثرت البقاء مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها بعد وفاة خديجة عليها السلام .
وقد أثنى الله عز وجل على نساء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ.
كما أمرهن الله عز وجل بقوله وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.. لبيان توجه الأوامر من الله عز وجل إلى أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإصلاحهن لمنزلة أمهات المؤمنين.
وفيه تخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ارتقاء أسرته وتقيد أزواجه وأهل البيت بأحكام الشريعة.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه الخطابات من الله إلى أزواجه ، وفيه إكرام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ورد في القرآن ذم لبعض أزواج الأنبياء .
كما في قوله تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ، وهذه الخيانة ليست زنا ، إذ ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (ما بغت امرأة نبي قط)( ).
وعن ابن عباس في الآية قال (ما زنتا ، أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس : إنه مجنون ، وأما خيانة امرأة لوط ، فكانت تدل على الضيف ، فتلك خيانتها)( ).
وجوب التخيير بين نسائه بين إرادته ومفارقته إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا لا يجب على غيره ، لأن الطلاق بيد الرجل .
حجرات النبي (ص) شاهد الزهد
لقد بنى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسجد النبوي في المدينة ، وكانت قبلته يومئذ إلى بيت المقدس قبل أن ينزل تحويل القبلة إلى البيت الحرام في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة وقيل في شهر شعبان ، والأول أصح ، قال تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
وكانت هذه الحجرات من جريد النخل مغطى من الخارج بمسوح الشعر , وطول الحجرة من الداخل نحو عشرة أذرع ، أي أقل من خمسة أمتار.
واختلف في مكان نزول الآية أعلاه على أقوال :
الأول : مسجد بني سلمة وهو المعروف بمسجد القبلتين .
الثاني : المسجد النبوي .
الثالث : مسجد قبيلة بني سالم بن عوف ، وهو الذي أقام فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول صلاة جمعة .
وإذا أحدث النبي صلى الله عليه وآله وسلم زواجاً بنى غرفة.
لقد بنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ بِاللّبِنِ وَسَقّفَهَا بِالْجَرِيدِ وَالْجُذُوعِ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الْبِنَاءِ بَنَى بِعَائِشَةَ فِي الْبَيْتِ الّذِي بَنَاهُ لَهَا شَرْقِيّ الْمَسْجِدِ قِبْلِيّهُ وَهُوَ مَكَانُ حُجْرَتِهِ الْيَوْمَ ، وَجَعَلَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَة بَيْتًا آخَرً)( ).
واللبن جمع لبنة وهي قالب من الطين مربع أو مستطيل يبنى به.
(اللَّبِنَة واللِّبْنة – التي يُبْنَى بها وهي مُرَبَّعة من طِين ، والجمع لَبِن وأصل التَّلْبين التربيعُ وقد لَبَّنْتها، أبو عبيد، السَّافُ في البِنَاء – كل صَفٍّ من اللَّبِن وأهل الحجاز يُسَمُّونه المِدْماكَ، غيره.
السِّعيدة – اللِّبْنة والأجُرُّ – طَبيخ الطِّين، قال سيبويه، والأجُرُّ فارِسي معرَّب)( ).
ولما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة دومة الجندل قامت أم سلمة ببناء حجرتها من اللبن (فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى اللبن ودخل عليها أول نسائه فقال : ما هذا البناء ، فقالت : أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس.
فقال : يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلم البنيان)( ).
ومن خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن حجراته مسمى البناء وصرف الطبيعة لتقيه وأزواجه الحر والبرد مع كثرة الأموال والغنائم والأنفال التي كانت تصل إليه ، ولكنه يقوم بتوزيعها حال وصولها .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الأموال التي تصله ، وسرعة إنفاقها وتوزيعها ، فليس من بيت مال مخصوص عنده يدخر فيه الذهب والفضة والغنائم .
وورد عن عبد الله بن مسعود (قَالَ : اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)( ).
قانون اقتران التقوى بالزهد
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : قانون إتصاف النبي محمد بالزهد والتواضع .
الثاني : أولوية الإنفاق في سبيل الله وإعانة الفقراء على بناء الدور بالزهد والتواضع.
الثالث : قانون إنقطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عالم الآخرة ، وفيه درس للمسلمين في إجتناب الإنشغال بالبناء .
وعن عبد الله بن مسعود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنا أهلُ بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ))( ).
وفي ذم أصحاب الحجر ، قال تعالى وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ.
وأصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا الرسول صالح بعد أن جاءهم بمعجزة ولادة الناقة من صخرة صماء بناء على سؤالهم وشرطهم للتصديق برسالته.
وبناؤهم في الصخر من البطر والترف ومن غير حاجة له.
وعندما مرّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوادي الحجر في طريقه إلى تبوك (فَقَنَّع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: “لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتناب محاكاة المترفين من الأمم السابقة ، وتحذير المسلمين من صنيعهم ، والاستعاذة بالله من سوء عاقبتهم .
وقد وصف عدد من الصحابة والتابعين حجرات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنها بقيت قائمة إلى أيام الوليد بن عبد الملك.
واستمر في الحكم إلى سنة جمادى الآخرة سنة 96 للهجرة ، وكان شديداً قاسياً ، وهو الذي أمر بهدم حجرات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب أرسله إلى عمر بن عبد العزيز الوالي على المدينة الذي ولاه الوليد عليها سنة 87 للهجرة ، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة 91 للهجرة ثم عزله بعد أن أكثر عمر له من النصح وما كان يكتبه له من الظلم والجور والضيق الذي لحق أهل العراق بولاية الحجاج عليهم فضاق به ذرعاً.
وكتب عمر إلى الوليد عندما أراد الحجاج الحج بأن لا يمر على المدينة فلم يدخلها الحجاج .
ثم أن الحجاج صار يكيد لعمر بن عبد العزيز ، ويكتب للوليد بن عبد الملك بأن أهل العراق يفرون إلى المدينة ، وأشار عليه بعزل عمر بن العزيز وتولية خالد بن عبد الله القسري أو عثمان بن حيان خاصة.
فعزل الوليد عمر بن عبد العزيز ، وولى عليها عثمان بن حيان سنة 93 للهجرة ، وصار عثمان هذا يؤذي خاصة عمر بن عبد العزيز ، فلما ولى سليمان بن عبد الملك الخلافة عزل عثمان بن حيان عن المدينة سنة 96 للهجرة وولى عليها أبا بكر بن محمد بن حزم.
الإمامة في الزهد
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب الزهد أنه توفى ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاع من الشعير لنفقة عياله( ).
و(عن أنس قال : لقد دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة .
قال أنس : ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : والذى نفس محمد بيده ما أصبح عند آل محمد صاع بر ولا صاع تمر)( ).
و(عن أنس أن يهودياً دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه)( ) وإهالة : الزيت .
لبيان قبول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة الكتابي التي من الخبز والزيت ونحوه .
وعن سهل بن سعد (ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعتين في يوم حتى فارق الدنيا)( ).
وعن أم سلمة قالت (لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما للمسلمين من منخل) أي كانوا يأكلون الشعير من غير نخل لقشوره ، فبعد الطحن البدائي تنفخ قشورها فتطير أو تنسف نسفاً .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعوذه من الجوع إذ كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع)( ).
الدفاع الإضطراري
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيادته لأصحابه في ميادين الدفاع، وعدم فراره من الميدان مع شدة وطأة القتال ، وكثرة جيوش وأسلحة المشركين ، وإقدامهم ومناجاتهم في القتال ، فقد كانوا ينعتون المسلمين بأنهم (أَكلَةَ رأَس).
لإرادة قلتهم وسهولة الإنقضاض عليهم فقتالهم مثل اجتماع جماعة على أكل رأس بعير فاخزاهم الله عز وجل بنصر المسلمين في معركة بدر ، ونسبة هذا النصر لله سبحانه بقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ومن مصاديق النصر في المقام قطع دابر إرهاب المشركين ، ليعم السلام الأرض ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد أمات القرآن إرهاب المشركين ، ولن يتجدد إلى يوم القيامة ، وإذا قام به بعضهم فسرعان ما يزول من غير أن يترك أثراً إلا الضرر والخسارة ، قال تعالى [وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا] ( ).
وعندما اقبلت جيوش المشركين في معركة أحد ،وصاروا على مشارف المدينة ، وأخذوا يرمون بالسهام كل من يرون من اهلها وارسلوا خيلهم وإبلهم ترعى وتعبث في مزروعاتها ، رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا أهالته .
فقال لأصحابه (إني رأيت بقراً تنحر ، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها)( ).
وفيه شاهد بأن النبي محمداً يتجنب مقدمات القتال ، ويرجئ أوان القتال رحمة بالناس ، ورجاء فضل الله عز وجل بصرفه ، ولكن رهطاً من الصحابة خاصة الشباب والذين لم يحضروا معركة بدر ألحوا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج من المدينة لقتال المشركين عند جبل أحد .
(فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل فلبس لامته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الانصار يقال له مالك بن عمرو أحد بنى النجار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم خرج إليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن لنا ذلك)( ).
وخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته متأهباً للخروج كما قال تعالى وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )( ).
(ثم أذن في الناس بالخروج.
فلما رأى ذلك رجال من ذوى الرأى قالوا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحى من السماء.
فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا.
فقال: ما ينبغى لنبي إذا أخذ لامة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم
إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقدمه المهاجرين والأنصار في الدفاع عن بيضة الإسلام ، ليكون من مصاديق قوله تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
 
النفع العام
من خصائص النبي محمد ما رزقه الله من مرتبة سامية بين الخلائق ، إذ جعله رحمة للناس جميعاً ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وهذه المنزلة لم ينلها أحد قبله أو بعده ، ولقد انتفع المسلمون وأهل الكتاب من هذه الرحمة ، ولا يحصي موارد الإنتفاع العام والخاص منها إلا الله عز وجل .
وهل انتفع منها الذين كفروا ، الجواب نعم ، لأصالة العموم في الآية وللشواهد الكثيرة ، منها هداية الناس للإيمان ، وفضح قبح عبادة الأصنام وإمتناع الناس عن الوأد وعن الميل إلى الحروب والقتال .
وعندما اجتمع رؤساء قريش في دار الندوة في مكة لدراسة كيفية مواجهة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد شيوع الإسلام ودخوله إلى بيوتهم باسلام ابنائهم من الذكور والإناث .
قال أبو جهل (أرى أن تأخذوا من كل قبيلة غلاما جلدا ، ثم نعطيه سيفا صارما ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فلا تدري بنو عبد مناف ما تصنع بعد ذلك ، ونسوق إليهم ديته).
لبيان أن من خصائص النبي محمد تعاون وتآزر رؤساء الكفر في الكيد له ، والغدر به ، وليس معه ناصر إلا الله عز وجل ، وفي التنزيل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
والمراد من (عبده) في الآية هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قيل (قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لتكفن عن شتم آلهتنا أو لتأمرنها فلتخبلنك ، فنزلت [وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ] ( ))( ).
ونزل جبرئيل فاخبره بما عزموا عليه وأمره بالهجرة بذات الليلة وأن يبيت الإمام علي عليه السلام في فراشه .
ليتوالى نزول الآيات على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دار الهجرة ، لتثبيت نظام الرحمة والتراحم بين الناس إلى يوم القيامة .
و(عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وأجملها وترك فيها موضع هذه اللبنة لم يضعها ، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ، ويقولون : لو تم موضع هذه اللبنة ، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة)( ).
من وظائف الملائكة
الملائكة عباد مكرمون ، مخلصون في عبادتهم لله عز وجل ، منقطعون إليها ، ومن عظيم قدرة الله بديع خلقهم ، وعظيم هيئاتهم ، وطول أعمارهم ، ومسكنهم في السماء ، وانشغالهم بعبادة الله ، والقيام بالتسبيح ، ليس لهم طمع أو شهوة ، ولا يخالفون الله فيما يأمرهم ، إنما يبادرون إلى فعل ما يأمرهم به الله عز وجل ، وفي التنزيل لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.
وقد كلّف الله عز وجل الملائكة بوظائف في عالم الأكوان وفي شؤون الخلائق ومنها الناس ، ومنها حمل العرش مع الإنشغال بالتسبيح من فقام الإيمان واليقين بالربوبية المطلقة لله عز وجل ، قال تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.
ومن الملائكة من يعجز الناس وإن اجتمعوا على أداء وظيفته ولو لساعة واحدة فكيف والملائكة دائبون على أداء وظائفهم.
و(عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تتفكروا في عظمته ولكن تفكروا فيما خلق الله تعالى من الملائكة ، فإن خلقاً من الملائكة يقال له : إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى ، وقد مرق رأسه من سبع سماوات وأنه ليتضأل من عظمة الله تعالى حتّى يصير كأنه الوضيع.
وروى موسى بن عقبة عن محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أُذِنَ لي أن أُحدّث عن ملك من ملائكة الله من حملة عرشه ما بين شحمة أُذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مائة عام)( ).
ويحصي الملائكة أعمال بني آدم ، ويغادر كل جيل من الناس الحياة الدنيا ، ويبقى الملائكة في وظائفهم ، ويزدادون يقيناً برؤية الناس والظالمين منهم مغادر الدنيا إلى عالم البرزخ ثم الحساب بحضور الملائكة شهوداً عليهم.
وقد أكرم الله عز وجل الناس بنزول الملائكة على الأنبياء ، وخص الله عز وجل النبي محمداً بنزول جبرئيل بآيات وسور القرآن مدة ثلاث وعشرين سنة على نحو التتابع والتعاقب .
وعن عبد الله بن عباس (قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : يا جبرئيل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا ، فأنزل الله سبحانه وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ))( ).
ويقوم الملائكة بحمل عرش الرحمن مع التسبيح الدائم .
و(عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه الله لملائكته ، سبحان ربي وبحمده وفي لفظ سبحان الله وبحمده)( ).
خصائص النبي محمد (ص) في معركة بدر
لقد وقعت معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة بإصرار من رؤساء المشركين من قريش على القتال ، فجاء نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من عند الله عز وجل إذ قتل من المشركين سبعون وتم أسر سبعين أخرين منهم ، وانهزم الباقون مع أن عددهم كان أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين في الميدان ، فنزل قوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
ولقد أختص الجزء الثامن والثمانون من كتابي (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بتفسير الآية أعلاه والآية التي بعدها ، ومبحث خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل معركة من معارك الإسلام مبحث مستحدث .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر أمور:
الأول : كان خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة على جهات :
الأولى : في سرية استطلاع .
الثانية : عرض لسنخية الإيمان .
الثالثة : إقامة الصلاة في أفواه القرى .
الرابعة : دعوة الناس للإسلام .
الخامسة : بيان قوة الإسلام وكثرة عدد المسلمين .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء الإسلام ضعيفاً ونماء قوته بسرعة إعجازية فائقة فصار المشركون يخافون من أي سرية مسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
الثاني : لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس معه سيف حينما وصل إلى ميدان معركة بدر مما يدل على أنه لم يخرج لقتال .
الثالث : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنداء بين الصفين (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
ومن منافع هذا الدعاء بعث العزيمة والقوة في نفوس المؤمنين ، والإرباك والوهن في صفوف المشركين .
الرابع : رجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم وقوع القتال عن تقابل الصفين ، إذ حشدت قريش الجيش واستعدوا للقتال ورآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحد رجالاتهم يسير بينهم .
(فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” يا على ناد حمزة “، وكان أقربهم من المشركين، من صاحب الجمل الاحمر ؟ فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة.
وهو ينهى عن القتال ويقول لهم: يا قوم اعصبوها برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة.
وقد علمتم أنى لست بأجبنكم)( ).
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا)( ).
وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن علم بمقاصد صاحب الجمل الأحمر ، وأنه يريد صرف قريش عن القتال ، وفيه شاهد بأن النبي محمداً لا يريد قتالاً .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخول الناس في الإسلام من غير حاجة إلى السيف ، لما رزقه الله عز وجل من المعجزات العقلية والحسية .
تخيير الصحابة في الدفاع
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تخييره أصحابه في الدفاع عن النبوة والتنزيل من غير إكراه لهم مع أنه حق ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.
ولما علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن قافلة أبي سفيان قد توجهت إلى مكة ، وأن جيش قريش قد أقبل بذريعة منعها ، وأنهم يريدون القتال جمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، وأخبرهم أمر قريش ، وزحف جيوشهم ، وقرن هذا الإخبار بالإستشارة فتكلم عدد من الصحابة منهم المقداد بن عمرو الذي أظهر الإستعداد لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أشق الأحوال إذ قال (يَا رَسُولَ اللّهِ امْضِ لِمَا أَرَاك اللّهُ فَنَحْنُ مَعَك ، وَاَللّهِ لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ سِرْت بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَك مِنْ دُونِهِ حَتّى تَبْلُغَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرًا ، وَدَعَا لَهُ بِهِ)( ).
والمقداد من المهاجرين ، وتكلم بصيغة الجمع (فنحن معك) وكأنه يتكلم نيابة عن الصحابة .
ولكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعاد القول (أشيروا علي أيها الناس) فعلم الأنصار أنه يريدهم لأنهم أكثر الصحابة ولأنهم قالوا في بيعتهم في العقبة (إنا براء من ذمتك حتتى تصل إلى دارنا، ثم أنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع آباءنا ونساءنا)( ).
ويخشى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا تشمل البيعة نصرتهم له خارج المدينة ، أو أن الأمر يحتاج إعلان النصرة من جديد وهو سيد الأوس (بأبي أنت وامي يارسول الله كأنك أردتنا ، فقال: نعم .
فقال : بأبي أنت وامي يا رسول الله، إنا قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منها ما شئت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، ولعل الله أن يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله)( ).
عندئذ استبشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفرح بصدق إيمان الصحابة وكشف لهم من علم الغيب هلاك رؤساء جيش المشركين إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم (سيروا على بركة الله وابشروا فإنّ الله قد وعدكم إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم)( ).
وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ.
وغير ذات الشوكة هي القافلة ، وكلمة (تودون) لا تدل على قيام المسلمين بالغزو ، إنما الود كيفية نفسانية لا تترجل إلى الخارج إلا بقول أو فعل ، وفي ذكرها في الآية أعلاه شاهد على أن الله عز وجل يعلم مَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
وبيان قانون وهو أن المشيئة الإلهية لا تتوافق دائماً مع ما يوده الفرد أو الجماعة ، قال تعالى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
الإنقطاع إلى الدعاء عشية لقاء العدو
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انقطاعه إلى الدعاء عشية وصباح معركة بدر ، وبني له عريش خاص ليتفرغ للدعاء والعبادة ، ولم ينم تلك الليلة إذ كان قائماً عابداً خاصة بعد أن رآى قلة عدد وأسلحة المسلمين ، وكثرة أفراد جيش المشركين وخيلهم وأسلحتهم الذين كان عددهم تسعمائة وخمسين رجلاً ، بينما كان عدد المهاجرين والأنصار في الميدان ثلاثمائة وثلاثة عشر ، كما كان عند المشركين مائة فرس ، ولم يكن عند المسلمين سوى فرسين ، وقيل فرس واحد .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هداية المسلمين إلى سلاح الدعاء عند الشدائد ، وأنه لا يمنع من العمل والسعي في سبيل الله إذ قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صباح يوم المعركة بتفقد أصحابه وحضهم على الصبر وحسن التوكل على الله والتقوى.
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك الليلة وهو مستقبل القبلة (قال : اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض ، فما زال يهتف ربه مادا يديه حتى سقط رداؤه من منكبه، فأنزل الله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ الآية)( ).
(ثم أصابه الغشي فسري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه فقال: هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين)( ).
لبيان أن من خصائص دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي النفع ونزول المدد والعون من عند الله ، وليس ثمة مدة بين دعائه وبين الإستجابة من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة بدر بقاؤه مستيقظاً منشغلاً بالدعاء والصلاة ، وليس من الصحابة إلا وقد نام .
المبارزة الأولى
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان وأصحابه في الطريق إلى معركة بدر منشغلين بذكر الله ، وتلاوة القرآن ، وإقامة الصلاة جماعة في أوقاتها .
أما جيش قريش فانهم كانوا في الطريق يكثرون من الأشعار والتفاخر والغناء ودق الطبول إذ جلبوا معهم القيان ، وكانوا يتوعدون النبي محمداً وأصحابه حتى إذا ما التقى الجمعان برز ثلاثة من رؤساء قريش ومن أسرة واحدة وهم عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وطلبوا المبارزة ، فبرز إليهم ثلاثة من شباب الأنصار وهم معاذ ومعوذ ابنا الحارث ، وعبد الله بن رواحة .
فقال لهم عتبة من أنتم ، أراد معرفة الذين ينازلونهم وهل هم من فرسان أو أشرف أهل المدينة (يثرب) (رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، قَالُوا : مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ . ثُمّ نَادَى مُنَادِيهِمْ يَا مُحَمّدُ أَخْرِجْ إلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا)( ).
أرادوا السوء بأنه إذا قتل مسلم من قريش يشيع خبره في مكة ، ويعد انتصاراً لهم ، ليخزيهم الله ويقتل الثلاثة في نفس الساعة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ.
إذ مر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرجوع وفيه مسائل :
الأولى : إصرار كفار قريش على القتال .
الثانية : قطع كفار قريش الرحم بسفك الدماء ، وهو من مصاديق قوله تعالى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يأمر غير بني هاشم لأول مبارزة في الإسلام مع وجود عشرات المهاجرين من قريش في الميدان ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا بني هاشم، قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيكم، إذ جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور الله. فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد المناف، فمشوا إليهم.
فقال عتبة : تكلموا نعرفكم وكان عليهم البيض( ) فأنكروهم فإن كنتم أكفاء قاتلناكم. فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله. قال عتبة: كفءٌ كريمٌ. ثم قال عتبة: وأنا أسد الحلفاء، ومن هذان معك؟ قال: علي ابن أبي طالب وعبيدة بن الحارث. قال: كفآن كريمان.
قال ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: لم أسمع لعتبة كلمة قط. أوهن من قوله أنا أسد الحلفاء، يعني بالحلفاء الأجمة. ثم قال عتبة لابنه: قم يا وليد. فقام الوليد، وقام إليه علي، وكان أصغر النفر، فقتله علي عليه السلام. ثم قام عتبة، وقام إليه حمزة، فاختلفا ضربتين فقتله حمزة . ثم قام شيبة، وقام إليه عبيدة بن الحارث وهو يومئذٍ أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضرب شيبة رجل عبيدة بذباب السيف، فأصاب عضلة ساقه فقطعها. وكر حمزة وعلي على شيبة فقتلاه، واحتملا عبيدة فحازاه إلى الصف، ومخ ساقه يسيل.
فقال عبيدة : يا رسول الله، ألست شهيداً؟ قال: بلى. قال: أما والله، لو كان أبو طالب حياً لعلم أنا أحق بما قال منه حين يقول:
كذبتم وبيت الله نخلى محمداً … ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ونزلت هذه الآية هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ))( ).
لبيان صدقه في إعلان نبوته ، وتصديق وولاء أهل البيت له ، ويتجلى قانون ذات الهجرة في سبيل الله تصديق عملي بالنبوة .
لقد أراد المشركون قتل رجال من قريش ليشيع نبأ قتلهم في مكة ، في رسالة إلى مسلمي مكة بالإمتناع عن الهجرة ، ومنع عامة الناس من دخول الإسلام ، وقال تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
النصرة بالملائكة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول الملائكة في معركة بدر لنصرته ، وهو من أسرار إضافة الله عز وجل النصر لنفسه في معركة بدر ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وليس من حصر لوسائل وأسباب نصر الله ، وهو فرع قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ، فلله عز وجل جنود في الهواء وجنود في الماء ، وجنود من الجن .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرام الله عز وجل له بنزول الملائكة من السماء لنصرته وأصحابه على إبليس والمشركين فقد حضر ابليس مع المشركين (في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال لهم : أنا جار لكم، ادفعوا إلي رايتكم، فدفعوا إليهم راية الميسرة وكانت الراية مع بني عبد الدار، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لاصحابه : غضوا أبصاركم، وعضوا على النواجد ورفع يده فقال : يا رب إن تهلك هذه العصابة لا تعبد)( ).
لقد كان نزول الملائكة بأمر من عند الله لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر نعمة عظمى على أجيال المسلمين ، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة ، وشواهد متعددة من الصحابة ، قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين.
وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لقد رأينا يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه من جسده قبل أن يصل إليه السيف.
قال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة، فبينا نحن هناك إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعنا قائلا يقول: أقدم حيزوم وقال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم بدر: هذا جبرئيل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب، أورده البخاري في الصحيح)( ).
الثبات في الميدان
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
المراد من نداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] جميع المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة الا ما ورد فيه التخصيص في الموضوع أو الحكم ، كما في الآية أعلاه فهي خاصة بالرجال القادرين على حمل السلاح فلا يشمل الشيوخ كبار السن ولا المرضى والمعذورين ، ولا النساء لأن القتال ساقط عنهن ، نعم قوله تعالى [وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا] في الآية أعلاه شامل للرجال والنساء ، ومنه اثناء المعركة بالدعاء بالنصر .
وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا من الرجال والنساء اذكروا الله كثيراً وادعو الله عز وجل اثناء المعركة وبعدها ، لقانون الدعاء مجلبة للنصر ، قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
ويدل قوله تعالى [فَاثْبُتُوا] على وجوه :
الأول : قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين دفاع محض.
الثاني : نفي صفة الغزو عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : نزول القرآن بالدفاع والصبر عند ملاقاة العدو .
الرابع : التخفيف بذكر عدو المسلمين (فئة) أي أنهم ليسوا أمة لبيان قانون أكثر الناس يمتنعون عن قتال المسلمين .
الخامس : النهي عن فرار المسلمين من القتال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ.
السادس : نهي المسلمين عن الفرار من القتال لأنهم على الحق ، والله ناصرهم ، ومن يقتل منهم فهو حي يرزق عند الله عز وجل.
ومن معاني قوله تعالى [اثْبُتُوا] انتفاء قصد الهجوم والغزو عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، إنما أمرهم الله عز وجل بالثبات الذي يدل في مفهومه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبدأ قتالاً.
وقد صدرت لي تسعة وعشرون جزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) خاصة بعنوان (لم يغز النبي (ص) أحداً) وهي :
(164-165-166-168-169
170-171-172-174-176
177-178-180-181-182
183-187-193-194-196
204-212-216-221-229
239-256-261- 266)
وهل تدل آية الثبات أعلاه على وعد من الله للمسلمين بأن الثبات في الميدان طريق النصر ، الجواب نعم ، لأنه يضاف معه الدعاء والذكر وموضوعية المعجزة في هداية الناس .
ومن خصائص النبي محمد الإمتثال للأوامر والنواهي القرآنية فحينما قال تعالى [فَاثْبُتُوا] في سورة الأنفال فانه لم يفر في أي معركة من معارك الإسلام .
ومن خصائصه تأسي المسلمين به في الثبات في الميدان ، وتدارك ما وقع من بعضهم في معركة أحد ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
وتجلى ذكر النبي محمد لله عز وجل في الميدان ليلة معركة بدر إذ أنه لم ينم تلك الليلة إنما كان قائماً ساجداً ويدعو الله عز وجل ، ثم صار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينادي بين الصفين في الميدان قبل القتال واثناء وبعده (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
ومع الأمر من الله عز وجل للمسلمين بالثبات في الميدان فقد تفضل وأمر الملائكة بأن يثبتوهم في الميدان مع الوعد منه تعالى بالقاء الرعب والفزع في قلوب المشركين ، وفي التنزيل إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ.
 
اللقاء (ببدر)
لقد سمّى الله عز وجل واقعة بدر بأنها يَوْمَ الْفُرْقَانِ، ومع كثرة الوقائع في تأريخ النبوة وقصص القرآن فلم يرد هذا اللفظ إلا لخصوص واقعة بدر مما يدل على موضوعيتها في التأريخ ومنافع نصر المسلمين فيها أمس واليوم وغداً .
والتقى الجمعان عند آبار بدر ، ولم يبدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتال ، ولكن المشركين أصروا عليه فسقط منهم سبعون قتيلاً ومن المسلمين أربعة عشر شهيداً ، لبيان أن من خصائص النبي محمد لحوق الخسارة والخزي للذي يحاربه .
لقد كان المشركون هم الغزاة في معارك الإسلام ، لتكون ذات معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين ، حجة عليهم ، وسبباً لزوال سلطانهم وشأنهم إلى جانب ما ينتظرهم من سوء العذاب في الآخرة ، قال تعالى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، إلا من رحم الله ودخل الإسلام .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن المشركين الذين حاربوه هم الأكثر عدداً وعدة من المسلمين في كل معركة فينصره الله عليهم ، لذا فان من معاني قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ )( ) أمور :
الأول : قلة أيام القتال ، وسرعة انقضاء المعركة التي تقع بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين .
وهل من موضوعية لقوله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى في هذه السرعة ، الجواب نعم ، إذ تصيب المشركين الخيبة والإرباك.
الثاني : تناقص أعداد ومؤن الذين كفروا في الميدان وقبل الدخول في المعركة لتعطل تجارتهم ، وتاكل أموالهم ، وتلف إبلهم .
الثالث : لحوق الندامة والحسرة للمشركين بعد المعركة ، وهو الذي تدل عليه خاتمة الآية أعلاه [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ].
ليتجلى قانون مصاحبة الخيبة للمعتدين ، وهو من أسرار آية ونعمة خلافة الإنسان في الأرض فمن تقيد بأحكام وسنن الخلافة حسب التنزيل فاز بمصاديق قانون الأمن والسلامة في النشأتين للمتقين ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
ومن خالف أحكام التنزيل والنبوة والعقل يبوء باثمه ويخسر النشأتين ، ومن هذه المخالفة الظلم وسفك الدماء بغير حق .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عصمته من التعدي ، ولقد نزل القرآن بحرمة التعدي بقوله تعالى وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، لبيان قانون تأسيس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقانون التنزه العام من التعدي ، وإدراك الناس لقبحه وأنه ضرر محض على أصحابه.
 
النجاة في الميدان
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقايته من القتل والإغتيال مع أن المشركين كانوا يخططون لاغتياله ، أما في ميدان القتال فانهم يجعلون قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أول وأهم غاياتهم لذا نزل قوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر إحاطة طائفة من أصحابه به ، وكذا في معركة أحد حتى أن وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم عجز عن الإقتراب من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرميه بالحربة التي كان يرمي بها رمي الحبشة ، ولكن تفرقت طائفة من الصحابة عن النبي محمد يومئذ عندما اشتد القتال بعد ترك الرماة المسلمين مواضعهم كما يوثق القرآن تلك الوقائع بقوله تعالى إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ )( ).
فصارت نبال وحجارة المشركين تصل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصابته الجراحات ، فمن خصائص النبي محمد النجاة من القتل وان اقترب منه في أحوال متعددة .
و(عن نافع بن جبير قال : سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتى من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه .
ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية .
فقال : والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إليه)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخوله أربع معارك وكل واحدة تنتهي بذات اليوم الذي ابتدأت به ، ولكنها غيرت مجرى تأريخ الإنسانية وهي :
الأولى : معركة بدر في اليوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
ليكون من معاني نصر الله في قوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ سرعة نصر الله ، وانتهاء المعركة بذات يوم نشوبها وهزيمة المشركين ، لأن الله عز وجل يعطي بالأتم والأوفى ، ولتكون الآية أعلاه بشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقانون كل معركة تقع في ملاقاة المشركين تنتهي بذات يوم وقوعها وبهزيمة وخزي للمشركين ، وفي معركة أحد ، قال تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
الثانية : معركة أحد ووقعت في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة.
الثالثة : معركة الخندق ووقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة الموافق (آذار 627م).
الرابعة : معركة حنين والتي وقعت في السابع من شهر شوال من السنة الثامنة من الهجرة النبوية (630م) في وادي حنين قرب مكة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جهة وقبيلتي هوازن وثقيف من جهة أخرى.
السنة الدفاعية
تقسم السنة النبوية أقسام :
الأول : السنة القولية .
الثاني : السنة الفعلية .
الثالث : السنة التقريرية .
واضفت لها السنة التدوينية ، والسنة الدفاعية والتي هي فرع السنة القولية والفعلية والتقريرية .
ولكنها نوع اختصاص ومصداق جامع لأقسام السنة أعلاه وحصر موضوعي لما لها من دلالات في باب معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والخصائص التي رزقه الله وكيف أنه انتصر على الكفار في معارك الإسلام وهو في حال دفاع محض وهم أكثر عدداً وعدة في كل معركة ، ومن أسباب إصرارهم على القتال وابتدائهم به ظنهم بالنصر والغلبة لتكون خيبتهم وخسارتهم في كل معركة منها من مصاديق قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وهل يمكن القول أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السنة الدفاعية ، الجواب نعم .
لقد اعتمد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيغة الدفاع من وجوه:
الأول : الصبر والتحمل .
الثاني : الردع والدفاع في ميدان القتال .
الثالث : المنع ، بتفريق حشود المشركين قبل قيامهم بغزو المدينة ، كما في كتيبة بني المصطلق ودومة الجندل .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : قانون كل كتيبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرب على الشرك ومفاهيم الضلالة لما فيها من مظاهر العبودية لله وشواهد الإيمان.
الثاني : قانون كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للصلاح ، وهذه الدعوة بذاتها رحمة عامة ، لبيان قانون التنافي بين الرحمة ومفاهيم الضلالة.
الثالث : قانون كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نشر للسلم وقطع للغزو والتعدي بين القبائل والطوائف .
الرابع : قانون كتائب النبي احتراز ، ومنع للمشركين من غزو المدينة ، وهي أشبه بحماية الثغور.
وهل كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ أم من مقدمات هذا الإعداد.
الجواب وهو الأول ، لبيان التخفيف من الله عز وجل في تحقق إخافة المشركين بخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة في سرايا استطلاع وبلاغ ثم عودتهم من غير وقوع قتال أو جلب غنائم من أموال الكفار المشركين .
فمن خصائص محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعث الرهبة في قلوب المشركين من غير وقوع قتال ، وهذه الرهبة زاجر لهم عن الغزو ، وسبب لبث الذعر في صفوفهم ، وكسر لعقوبات مشركي قريش الإجتماعية والإقتصادية.
وتعطيل وإرباك لمناجاتهم وسعيهم لغزو المدينة .
لتكون كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للسلم ونشر للأمن ، ومنع من الغزو والإقتتال ، وموعظة وأسوة للمسلمين ، إذ قال الله تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
قانون الإحسان النبوي العام
لقد نزل القرآن بالإحسان إلى الناس جميعاً ووعد كريم بالثواب ، وإنذار من الكفر والظلم لأن كلاً منهما اساءة للذات والغير ، قال تعالى وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.
ومن خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحلم والصفح والعفو عن الناس ، والتسامح حتى مع إعدائه الذين قاتلوه بظلم وعناد منهم ، قال تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ.
ومنها نهيه عن إيذاء أهل الكتاب أو إلحاق الغبن بهم .
وعن صفوان بن سليم (عن ثلاثين من ابناء اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن آبائهم دنية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ألا من ظلم معاهدا وانتقصه وكلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فانا حجيجه يوم القيامة.
وأشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باصبعه إلى صدره ، ألا ومن قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله حرم الله عليه ريح الجنة وان ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفا)( ) .
ومن معاني المعاهد في هذا الزمان حقوق المواطنة ، والذين تشملهم أحكام الدستور والقانون للبلاد ، مما يدل على لزوم التآلف والتآخي ، وإجتناب إخافة ابناء الوطن الواحد مع لزوم تقيد الغريب والزائر بقوانين البلد ، والإمتناع عن الإضرار بهم أو مخالفة القوانين .
عصمة كتائب النبي محمد من سفك الدماء
لقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة إلى نبوته والتنزيل ثلاث عشرة سنة في مكة لم يشهر سيفاً ، ولم يقتل أحداً ، وتعرض فيها هو وبنو هاشم والصحابة الأوائل لأشد أنواع الأذى والتنكيل ، ومنهم من لاقى التعذيب الجسدي كبلال الحبشي وآل ياسر ، وماتت سمية بنت خباط أم عمار بن ياسر تحت التعذيب .
وفيه شاهد على قانون : المشركون هم الذين أسسوا الإرهاب ، مما يلزم تنزه المسلمين عنه ، لوضوح قبحه ، وضرره.
وعندما اضطر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة إلى المدينة بنى المسجد النبوي في وسطها ليكون مكاناً لأداء الصلاة وذكر الله ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقوم بالخروج مع أصحابه في كتائب ، ويبعثهم في سرايا حول المدينة لأمور وغايات حميدة منها :
الأولى : الإستطلاع .
الثانية : تأمين المدينة ، وللإحتراز من غزو المشركين لها.
الثالثة : التعريف بالإسلام ، وتلمس الناس لمعجزات النبوة .
الرابعة : التقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة من المهاجرين والأنصار مع عامة الناس .
ويتقوم هذا اللقاء بالدعوة إلى الله ، وهو أمر مستحدث في الجزيرة ، وجاذب للناس للتدبر في معانيها ودلالتها.
الخامسة : بعث الأمن والسكينة في نفوس الناس من الإسلام ، ومنع الإنصات إلى أقاويل وافتراء كفار قريش ، وتخويفهم الناس من النبوة والرسالة السماوية .
السادسة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقامته وأصحابه الصلوات الخمس في الجادة العامة وأفواه القرى خاصة وأن أغلب أهلها من المشركين .
ليكون من معاني قوله تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ أن صلاتك أيها المسلم تنهى الغير عن الفحشاء والظلم والتعدي.
فهذا النهي يتعلق باصلاح ذات المصلي ، والذي يراه ويستمع لتلاوته ، والذي يعلم بصلاته ، ليكون تعاهد فرائض الصلاة اليومية الخمس مدرسة للصلاح ، قال تعالى وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
السابعة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سراياه وكتائبه رسالة سلام للناس ، ودعوة للنجاة في عالم الآخرة .
الثامنة : صبغة الأمن والسلم من خصائص كتائب وسرايا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للمسلمين لتعاهد ذات نهج السلم ، ونشر مفاهيم المودة والإحسان بين الناس ، واتخاذ المعجزة والحجة والحكمة دعوة إلى الله ، قال تعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.
النهي عن سفك الدماء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة نهيه عن القتل والجراحات ، ومع أنه ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته فانه أنذر في أحاديث عديدة ، ومنها ما ورد (عن جندب البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم ، أن يهرقه كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه)( ).
ليكون من معاني (كف من دم) النهي عن الجراحات وكيف أنها برزخ دون دخول الجنة ، للنهي عن القتل وبيان سوء عاقبته من باب الأولوية .
وجاءت الأحاديث النبوية بالإنذار من القتل على أقسام :
الأول : قتل المؤمن .
الثاني : قتل المسلم .
الثالث : قتل الإنسان مطلقاً بغض النظر عن ملته ما لم يكن حربياً معتدياً ، وقد ورد (عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزال المؤمن مُعنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بَلَّح)( ).
ومعنقاً أي مستعفاً سالماً .
وهذا النهي النبوي من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ] ( ) عندما احتجوا على فساد الإنسان في الأرض واشاعته القتل ، إذ تفضل الله عز وجل وبعث الأنبياء ، مصلحين ومبشرين بالجنة لمن يمتنع عن القتل ، ومنذرين لمن يسرف في الدماء .
ومن علم الله عز وجل اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسيادة أحكام الإسلام وتشريع حكم القصاص وإنحسار القتل برسالته ، قال تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه مع إزدياد عدد أصحابه وقوتهم على نحو مطرد حتى بلغوا أكثر من سبعين ألفاً فانه لم يثأر لعمه حمزة بن عبد المطلب ، وقتلى المسلمين ، ولم يغز بلدة أو قرية .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدفع إقامة حد السرقة أو الزنا أو القتل ويسعى لدرئه بظهور الشبهات ، وكان يقوم بالتعريض للزاني مثلاً لينجو من الحد ، ويستر على نفسه والله غفور رحيم .
وجاء رجل من أسلم (إلى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم : أَبِكَ جُنُونٌ ، قَالَ لَا .
ئَالَ : أَحْصَنْتَ ،قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فِي الْمُصَلّى فَلَمّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتّى مَاتَ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرًا وَصَلّى عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا : أَنّهُ قَالَ لَهُ أَحَقّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ ” قَالَ وَمَا بَلَغَك عَنّي قَالَ ” بَلَغَنِي أَنّكَ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ بَنِي فُلَانٍ ، فَقَالَ نَعَمْ ، قَالَ : فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ ثُمّ دَعَاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ، فَقَالَ : أَبِكَ جُنُونٌ ، قَالَ لَا ، قَالَ : أَحْصَنْتَ ، قَالَ نَعَمْ ، ثُمّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ .
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا : فَلَمّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ ، قَالَ لَا ، قَالَ : أَحْصَنْتَ ، قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : اذْهَبُوا بَهْ فَارْجُمُوه .
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيّ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَعَلّكَ قَبّلْتَ أَوْ غَمَزْت أَوْ نَظَرْتَ .
قَالَ : لَا يَا رَسُولَ اللّهِ ، قَالَ : أَنِكْتَهَا ، لَا يَكُنّي ، قَالَ : نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ : أَنّهُ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ كُلّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ قَالَ أَنِكْتَهَا ، قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : حَتّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا ، قَالَ نَعَمْ ، قَالَ : كَمَا يَغِيبُ الْمِيلُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرّشَاءُ فِي الْبِئْرِ ، قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : فَهَلْ تَدْرِي مَا الزّنَى ، قَالَ : نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا .
قَالَ ” فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ ، قَالَ أُرِيدُ أَنْ تُطَهّرَنِي ، قَالَ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ مَسّ الْحِجَارَةِ ، قَالَ : يَا قَوْمِ رُدّونِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرّونِي مِنْ نَفْسِي وَأَخْبَرُونِي أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَيْرُ قَاتِلِي .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : فَجَاءَتْ الْغَامِدِيّة فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهّرْنِي وَأَنّهُ رَدّهَا فَلَمّا كَانَ مِنْ الْغَدِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَ تَرُدّنِي لَعَلّك أَنْ تَرُدّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا ؟ فَوَاَللّهِ إنّي لَحُبْلَى قَالَ إمّا لَا فَاذْهَبِي حَتّى تَلِدِي.
فَلَمّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصّبِيّ فِي خِرْقَةٍ ، قَالَتْ : هَذَا قَدْ وَلَدْته.
قَالَ : اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتّى تَفْطِمِيهِ ، فَلَمّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصّبِيّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ : هَذَا يَا نَبِيّ اللّهِ قَدْ فَطَمْته وَقَدْ أَكَلَ الطّعَامَ.
فَدَفَعَ الصّبِيّ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النّاسَ فَرَجَمُوهَا ، فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَانْتَضَحَ الدّمُ عَلَى وَجْهِهِ فَسَبّهَا .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ : مَهْلًا يَا خَالِدُ فَوَ اَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ)( ).
خصائص النبي محمد (ص) زاجر عن الإرهاب
من خصائص النبوة أنها مدرسة الأجيال ، فلابد لكل جيل أن ينهل منها ، ويسير بهداها ، وفي اللثناء على الأنبياء ، وترغيب الناس للعمل بسنتهم ، قال تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه خاتم النبيين ، وجاء بسنن النبوة بتوثيق سماوي خالد ودائم في الأرض وهو آيات وسور القرآن لتكون على وجوه :
الأول : الموعظة للأجيال ، والتنزه عن العادات المذمومة التي تخالف سنن الأنبياء .
الثاني : هداية الناس لمسالك الإيمان .
الثالث : بيان حب الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الرابع : قانون الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خصاله الحميدة ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
الخامس : إشاعة معاني السلم والأمن في الأرض ، فمن أظهر خصال النبي محمد الرأفة والرفق والرحمة والعفو ، قال تعالى مخاطباً وأمراً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
السادس : بيان عظيم منزلة الأنبياء عند الله عز وجل .
السابع : حضور المشيئة الإلهية في الواقع اليومي .
الثامن : دلالة خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكثرتها على أن معجزاته حسية وعقلية .
التاسع : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لطف خاص وعام ، وتأديب للمسلمين ، واصلاح للمجتمعات إلى يوم القيامة.
العاشر: قانون حاجة الناس للسنة النبوية .
تقسيم استقرائي للخصائص
ويمكن تقسيم خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدة تقسيمات ، مع بيان موضوعية كل قسم في سبل الصلاح ، ومن هذه الأقسام مثلاً :
الأول : البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل ولادته .
الثاني : خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل بعثته ، إذ كان يلقب بـ(الصادق الأمين).
الثالث : خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التنزيل والآيات التي تتضمن وصفه والثناء عليه ، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وهذه الآية دعوة لكل مسلم ومسلمة للإقتداء بالخلق الحميد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنها العصمة من الظلم .
وقد حفظ ووثّق القرآن السنة النبوية ومنهاج النبوة الذي هو صلاح محض ، وسبيل هداية .
الرابع : خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان القتال ، وكيف أنه لم يغز قرية أو بلدة ، ولم يبدأ قتالاً .
الخامس : قانون موضوعية الصبر والسلم في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة ، وفوز المسلمين بشفاعته ، مما يستلزم من المسلم العمل للأهلية لهذه الشفاعة بالتقوى والتنزه عن الظلم والتعدي .
(وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صنفان من أمتي لن تنالهم شفاعتي . إمام ظلوم غشوم ، وكل غال مارق .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة)( ).
ولم يقيد الحديث صفة وعقيدة المظلوم ، بل ورد مطلقاً لبيان وجوب اجتناب ظلم أي إنسان أو التعدي على حقوقه .
السابع : خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العبادية واجتهاده في الصلاة والصيام ، وفي الشكر لله عز وجل .
و(عن أنس قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه -أو قال ساقاه- فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : أفلا أكون عبدًا شكورًا)( ).
الترغيب بالنكاح
من خصائص السنة النبوية القولية والفعلية الترغيب بالنكاح ، وهو مرآة لقوله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحضّ على المهر القليل ، ويسعى في إزاحة الموانع دونه ، وقال (اعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة)( ).
للحض على قلة المهر ، وإزاحة الموانع دونه .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم (النكاح سنتي ، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ( ).
ومع أن الزهراء سيدة النساء ، فقد كان مهرها خمسمائة درهم فضة وهو فصل مبارك من تلك المدرسة العقائدية الخالدة ومناسبة واقعية لترسيخ أسس الزواج السليم واتساع رقعته والتقليل من قيوده وشروطه.
لقد باع الإمام علي عليه السلام درعه مهراً للزهراء عليها السلام كما روي بالإسناد عن معاوية بن وهب عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال : زوّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة على درع حطمية، وكان فراشها أهاب كبش يجعلان الصوف إذا اضطجعا تحت جنوبهما.
لقد كانت الزهراء مباركة في سيرتها وتتصل تلك البركة عند عموم المسلمين وفي اجيالهم المتعاقبة في تيسير مقدمات الزواج فيما بينهم وعدم تحملهم لمعاناة كثيرة بعد الزواج وما ينجم عنها من آثار سلبية واضرار كما ورد (عن الإمام علي عليه السلام قال : لا تغالوا بمهور النساء فيكون عداوة.
وعن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: ما من امرأة تصدقت على زوجها بمهرها قبل أن يدخل بها إلا كتب الله لها بكل دينار عتق رقبة، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله فكيف الهبة بعد الدخول ؟ قال: إنما ذلك من المودة والالفة)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة لتيسير الزواج والتخفيف من المهر ، والإخبار عن الثواب العظيم للمرأة في اسقاط مهرها أو شطر منه هذا في السنة القولية ، وتجلى الأمر في السنة الفعلية .
وبخصوص مهر أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومهر فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين لبيان أن من خصائص النبي الإمامة في العمل بسنن التخفيف والترغيب في النكاح.
قلة مهر الزهراء أسوة مباركة
لقد أصبح مهر الزهراء سنة متبعة ومرغوب فيها ، وتتصدى لرغائب النفس ، وتمنع ترك الزمام في المقام للهوى وغلبة الحرص، وكانت محل الرضا وعين القبول .
ففي خطبة للزواج من أم الفضل بنت المأمون قال الإمام محمد الجواد عليه السلام : الحمد لله اقراراً بنعمته ، ولا إله إلا الله إخلاصا لوحدانيته وصلى الله على محمد سيد بريته، والاصفياء من عترته. أما بعد فقد كان من فضل الله على الانام، أن أغناهم بالحلال عن الحرام .
وقال سبحانه وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
ثم إن محمد بن علي بن موسى يخطب ام الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد عليها السلام وهو خمس مائة درهم جيادا فهل زوجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور .
فقال المأمون: نعم قد زوجتك يا أبا جعفر ام الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح ، قال أبو جعفر عليه السلام: قد قبلت ذلك ورضيت به)( ).
وقد يبدو مهر الزهراء الآن امراً مقبولاً ومحل افتخار المسلمين بعد ادراك منافعه واهميته ولكنه في يوم اعلانه لم يكن كذلك بالنسبة الى نفر من المسلمين لإعتبارات العرف والمنزلة، فقد روى بالإسناد عن موسى بن ابراهيم المرزوي عن موسى بن جعفر عن ابيه عن جده عليه السلام عن جابر بن عبد الله قال: “لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من علي أتاه أناس من قريش فقالوا: إنك زوجت علياً بمهر خسيـس .
فقال : ما انا زوجت علياً ولكن الله عز وجل زوجه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى فاوحى الله الى السدرة ان انثري ما عليك فنثرت الدر والجواهر والمرجان، فابتدر الحور العين فالتقطن، فهن يتهادينه ويتفاخرن ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم( ).
وتفشى ذلك الإحتجاج الى معاشر النساء .
لبيان خصائص أهل البيت بإكرامهم من عند الله في باب النكاح ، كما خصّ الله عز وجل النبي محمداً بالزواج من زينب بنت جحش بآية من التنزيل فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.
من منافع خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الترغيب بالزواج من المطلقة والأرملة .
ولابد من إنشاء علم خاص وهو المنافع العامة لخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنها في المقام أيضاً تيسير الزواج ، وقلة المهر .
ليكون للنساء في المقام فعل حســن ومــبادرة بعيداً عن التشديد ، وهو من منافع وميراث خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي المناقب عن معقل بن يسار وابي قبيل وابن إسحاق وحبيب بن ابي ثابت وعمران بن الحصين وابن غسان والإمام الباقر عليه الســـلام مع اختــلاف الروايات واتفاق المعنى، ان النسوة قلن : يا بنت رسول الله خطبك فلان وفلان فردهم ابوك وزوجك عائلاً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله زوجتني عائلاً .
فهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده معصمها وقال: لا يا فاطمة ولكن زوجتك أقدمهم ســلماً ، وأكثرهم علماً وأعظـمهم حلماً، اما علمت يا فاطمة انه اخــي في الدنيا والآخــرة .
فضحكت وقالت : رضيت يا رسول الله( ).
وفي رواية ابي قبيل : لم ازوجك حتى أمرني جبرئيل .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول جبرئيل بالوحي حتى في تزويجه فاطمة من الإمام علي عليهما السلام ، وفيه إكرام وتشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومقدمة ولادة الحسن والحسين ، وتوارث صفة ذوي القربى إلى قيام الساعة .
ولتتجلى صفحة ومقدمة لحديث الثقلين ، إذ ورد عن أبي سعيد الخدري (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين .
أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض)( ).
وفي رواية عمران بن الحصين وحبيب بن ابي ثابت : أما اني قد زوجتك خير من أعلم ، وفي رواية ابن غسان : زوجتك خيرهم.
وفي كتاب ابن شاهين: عبد الرزاق عن معمر عن ايوب عن عكرمة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : انكحك أحب اهلي اليّ( ) وفيه شاهد على حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للزهراء ، وهذا الحب في الله ولله.
الوصية بالنساء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثناءه على نفسه بخصوص إكرامه ورأفته بأزواجه وأهله وعن (ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ : خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)( ).
وأوصى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنساء والموالي والإماء عامة .
ويروى أن امرأة معاذ قالت (يا رسول الله ما حق الزوجة على زوجها؟
قال : أن لا يضرب وجهها، وأن لا يقبحها، وأن يطعمها مما يأكل ، ويلبسها مما يلبس ولا يهجرها)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خطبته في حجة الوداع والمسائل والأحكام التي ذكرها فيها بحضور نحو سبعين ألف من الصحابة .
ومما قاله (ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ألا وإن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً .
فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ، وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)( ).
لقد قال الله تعالى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا.
وجاءت السنة النبوية في تقييد القوامة بالرحمة والرأفة والإعالة وحسن المعاشرة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارته للمرأة بالجنة على حسن التبعل و(عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أيما امرأة باتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة)( ).
أنه أمر النساء بالشكر لله على نعمة الزواج وإنجاب الأولاد و(عن أسماء بنت يزيد قالت : مر بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في نسوة فسلم علينا فقال : إياكن وكفران المنعمين.
قلنا يا رسول الله وما كفران المنعمين؟ قال : لعل إحداكن تطول أيمتها بين أبويها وتعنس فيرزقها الله زوجاً ، ويرزقها منه مالاً وولداً ، فتغضب الغضبة فتقول : ما رأيت منه خيراً قط) ( ).
وعن كعب بن مالك (قال : عهدي بنبيكم صلى الله عليه وآله وسلم قبل وفاته بخمس ليال ، فسمعته يقول : الله الله فيما ملكت أيمانكم ، أشبعوا بطونهم ، واكسوا ظهورهم ، وألينوا القول لهم)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حتى في آخر أيامه يوصي بالنساء والعيال والخدم ، ويبين ما يجب لهم ، لما فيه من صلاح المجتمعات ، والأجر والثواب ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصيته بقلة المهر ، وجعله مهر فاطمة الزهراء عليها السلام أسوة وموعظة .
الأخذ بمشورة المرأة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مشاورته المرأة ، والأخذ بمشورتها ، كما في حديث أم سلمة يوم الحديبية ، قال الزهري (فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات .
فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك ، اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما)( ).
ورب قائل يقول أين الوحي المصاحب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والجواب يتجلى الوحي في المقام بقبول النبي محمد لمشورة أم سلمة ، فهذا القبول من الوحي .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون قبوله المشورة بالوحي ، قال تعالى وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.
لقد جعل الله عز وجل السنة بياناً وتفسيراً قولياً وعملياً للقرآن ، وإحياء للسنن الأنبياء السابقين ، وفي قصة موسى عليه السلام لما سقى لبنتي شعيب عليه السلام ، ورد في التنزيل قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ.
فأخذ شعيب بمشورة ابنته ، وزوجها لموسى .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إصغاؤه للمشورة سواء التي تأتي من الرجل أو المرأة .
لقد أخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمشورة أم سلمة ، وفيه شاهد على رجحان عقلها ، وإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبول مشورة المرأة ، وهذا القبول بالوحي في دعوة للمسلمين للإستماع إلى مشورة النساء.
 
قانون قلة المهر تيسير وتخفيف
لقد بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدداً من الصحابة بالمهر الذي سلمه الإمام علي عليه السلام لشراء الذي يصلح لفاطمة عليها السلام ولبيتها .
قال أبو بكر (وكانت الدراهم التي أعطانيها ثلاثة وستين درهما فانطلقت واشتريت فراشا من خيش مصر محشوا بالصوف، ونطعا من أدم، ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل، وعباءة خيبرية، وقربة للماء وكيزانا، وجرارا، ومطهرة للماء، وستر صوف رقيقا .
وحملناه جميعا حتى وضعناه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فلما نظر إليه بكى وجرت دموعه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف)( ).
والخَزَف هو الذي يُعمل من الطين ويحرق بالنار فيصير فخاراً .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام في الزهد ، ومتابعة أهل البيت له في الزهد والتقوى .
وهو من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى الجواب نعم ، بتقريب أن هذا الزهد المتوارث سبب لإنجذاب التقوى لقربى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانتفاء أسباب النفرة العرضية.
قال الإمام علي عليه السلام (ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله باقي ثمن الدرع إلى أم سلمة فقال : اتركي هذه الدراهم عندك، ومكثت بعد ذلك شهرا لا أعاود رسول الله صلى الله عليه وآله في أمر فاطمة بشئ استحياء من رسول الله صلى الله عليه وآله، غير أني كنت إذا خلوت برسول الله يقول لي: يا أبا الحسن ما أحسن زوجتك وأجملها، أبشر يا أبا الحسن فقد زوجتك سيدة نساء العالمين)( ).
فلما كان بعد شهر جاء عقيل بن أبي طالب إلى الإمام علي عليه السلام وأخبره عن غبطته وسروره بزواج علي عليه السلام من فاطمة ، وطلب منه أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدخلها عليه لتتم السعادة والهناء باجتماع النورين .
فأظهر الإمام علي عليه السلام رغبته بالدخول ولكنه يستحي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الهيبة والوقار ، قال فقمنا نريد رسول صلى الله عليه وآله وسلم فلقينا في طريقنا أم أيمن( ) مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرنا ذلك لها فقالت: لا تفعل ودعنا نحن نكلمه فان كلام النساء في هذا الأمر أحسن وأوقع بقلوب الرجال.
ثم انثنت راجعـة فدخلـت الى أم سلـمة فاعلمتها بذلـك وأعلمت نسـاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاجتمعن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان في بيت عائشة فاحدقن به وقلن: فديناك بآبائنا وامهاتنا يا رسـول الله قد اجتمعنا لأمـر لو ان خديجـة في الإحياء لقرت بذلك عينها.
قالت ام سلمة: فلما ذكرنا خديجة بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: خديجة واين مثل خديجة صدقتني حين كذبني الناس ووازرتني على دين واعانتني عليه بمالها، ان الله عز وجل أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) الحديث ( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنصات إلى كلام أزواجه وإظهاره الوفاء لأم المؤمنين خديجة ، وذكره لخصالها والخصائص التي تحلت بها من بين أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل في هذا الذكر تعريض بأزواجه اللاتي يسمعن كلامه ، الجواب لا .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يمدح إنساناً تعريضاً بغيره ، خاصة وأن أزواج النبي محمد لم يكن حاضرات الأيام الأولى للدعوة ، نعم في الثناء على خديجة ترغيب لأزواج النبي محمد والمسلمات بالإجتهاد في طاعة الله ورسوله وتعظيم شعائر الله ، والتحلي بالتقوى والخشية من الله بالغيب ، خاصة وأن أجرهن مضاعف ، قال تعالى يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا.
و(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربعة يؤتون أجرهم مرتين . منهم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عليه السلام يجري أزواجه مجرانا في الثواب والعقاب)( ).
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل نساء العالمين خديجة ، وفاطمة ، ومريم ، وآسية امرأة فرعون .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعاً : آسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن حبان والحاكم عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم)( ).
رؤية الآيات الكبرى
لقد اختص الله عز وجل النبي محمداً بالدرجة الرفيعة ومنها الإسراء والعروج في السماء ، ومع أن هذا العروج نعمة عظمى فقد صاحبته رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات باهرات من بديع صنع الله في عالم السموات لا تصل إلى تصورها عقول البشر.
فوصفها الله عز وجل بأنها آيات كبرى ونسبها الله عز وجل إليه لبيان أن رؤيتها ومعرفتها لا ينالها إلا الفرد الأمثل.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوزه بالآيات الكبرى.
وهل هذا الفوز خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب إنه فوز للأنبياء وللمسلمين جميعاً .
لقد ختمت آيات المعراج في سورة النجم بقوله تعالى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى وهو توكيد لعدم رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للباري عز وجل لإستحالتها وأن رؤية تلك الآيات الكبرى من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنها فضل عظيم لم ينله أحد قبله ولا بعده.
وهي دعوة للمسلمين والناس جميعاً إلى تلمس وقائع الإسراء وما حصل منها والوقوف عند كل آية دراسة وتحقيقاً وحفظاً ومناسبة لإستنباط الأحكام والمسائل وقيل أن المراد من بعض الآيات هنا (جبرئيل) ولكن الحصر بهذا المعنى حاجز وبرزخ دون إستثمار أوسع نعمة الإسراء في ميادين الفقه والأخلاق والإجتماع والتأريخ.
وبما أن السنة النبوية الشريفة بيان وتفسير للقرآن ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ فان الآيات التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تؤكدها وتدل عليها السنة النبوية الشريفة ابتداء من مجئ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام للإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وركوب البراق خصوصاً فانه رأى جبرئيل على الأرض بهيئته وأجنحته.
فالآية مطلقة ومجملة، والبيان والتفصيل ورد في السنة القولية والفعلية والتقريرية .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكراره لحديث الإسراء في مناسبات متعددة قبل وبعد الهجرة للإعتبار والإتعاظ والإنتفاع، خصوصاً وأن تفضل الله تعالى برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآيات ليست أمراً مطلوباً بذاته فحسب فاليقين قد ملأ قلبه.
الخصائص النبوية في صلح الحديبية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي الإعجاز في أفراد وفرائد سنته القولية والفعلية ، ومن خصائصه في صلح الحديبية وجوه:
الأول : شدة وطأة القتال عن الصحابة ، وهو من عمومات قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ] ( ) .
الثاني : الصلح مناسبة لبيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأحكام الحلال والحرام .
الثالث : الصلح مقدمة لحفظ المسلمين والمسلمات آيات وسور القرآن والتدبر في معانيها .
الرابع : وقف القتل في الصحابة .
الخامس : منع القتل في المشركين ، خاصة وأن هذا القتل يؤدي بهم إلى النار ، وهذا المنع من مصاديق العموم في قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
السادس : إنطلاق قوافل التجارة إلى الشام ، واليمن ، وغيرها من الأمصار .
وحينما يفد تجار قريش إلى الشام يعلم أهلها أنهم لم يصلوا لولا صلحهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لبيان صيرورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حال عز ورفعة ومنعة ، قال تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
لتكون مضامين سورة قريش وتجارة قريش معلقة على الصلح مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل من فوائد صلح الحديبية إزدهار تجارة قريش ، الجواب نعم ، لأن هذه التجارة مذكورة في القرآن ، قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
السابع : تلاوة المسلمين القرآن على نحو جهري ، وأداؤهم الصلاة بصورة علنية .
الثامن : إزاحة المانع من دخول القبائل الإسلام ، إذ كان الكثير من الناس يخشون قريشاً ، ويتقيدون بالحلف الذي معها ، ويرتبطون معها بتجارة وأموال ، ويحرصون على الحج والعمرة حيث كانت الأمرة والولاية لقريش .
التاسع : إدراك الناس بأن صلح الحديبية نصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العاشر : إنصات الناس لسماع آيات القرآن ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الحادي عشر : رمي كفار قريش بالوهن والضعف ، والخزي بين القبائل وهو من أسباب تسمية صلح الحديبية فتحاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور :
الأول : تسمية صلح الحديبية فتحاً تحد وبرهان تجدد مصاديقه في خيبر وفتح مكة والقضاء على حرب الردة .
الثاني : هذا الفتح خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [فَتَحْنَا لَكَ] لينتفع منه المسلمون في أجيالهم المتعاقبة .
الثالث : صلح الحديبية فتح مبين وجلي ومنافعه ظاهرة للعيان .
ومن خصائص النبي محمد أن تجارة قريش بين مكة والشام ، وبين مكة واليمن مقدمة لبعثته ، ودعوة لقريش للتصديق بها ، فلما جحدوا بها تعطلت هذه التجارة ، فتفضل الله عز وجل بصلح الحديبية لتعود هذه التجارة لأن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الرحمة المزجاة وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
صلح الحديبية معجزة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي انفرد بها تعضيد المعجزة له في التبليغ والإحتجاج وفي ميدان القتال ، ومجئ المعجزة بالوقت والكيفية المناسبة فتكون واقية ودرعاً وآلة لصد ودفع وفضح المشركين.
لقد اتخذ كفار قريش محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهاجاً واعطوه الأولوية ، فعطلوا تجارتهم ، ورِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، ، وسخروا إبل وأموال التجارة لتجهيز الجيوش في معركة بدر ، وأحد ، والخندق .
ليأتي صلح الحديبية بعد معركة الخندق بسنة وفيه نصر للنبي محمد والإسلام ، وعقد هذا الصلح والرضا بشروط كفار قريش من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو معجزة له من جهات :
الأولى : صلح الحديبية معجزة من السنة القولية .
الثانية : إنه معجزة من السنة الفعلية .
الثالثة : صلح الحديبية من السنة الدفاعية .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سنته الدفاعية أعم من القتال ولمعان السيوف ، فتشمل الصلح والرضا بشروط المشركين من أجل السلم وبسط الأمن الذي يكون كالوعاء لمعرفة الناس بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والتدبر في آيات القرآن وما فيها من الإعجاز.
لبيان قانون صلح الحديبية مطلوب بذاته ولغيره من الغايات الحميدة لذا ما أن تم صلح الحديبية حتى نزل قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
الرابعة : الصلح رحمة وآية في علم الإجتماع والسياسة والإقتصاد .
الخامسة : رضا النبي محمد بصلح الحديبية إمامة ، وتتجلى فيه مناسبة الوحي النبوي للإمامة العامة للناس في أمور الدين والدنيا .
وهل تختص منافع صلح الحديبية بأيام النبوة ، الجواب لا ، فالمختار أن فوائد صلح الحديبية متجددة إلى يوم القيامة ، ومن المعجزات التأريخية أن العلماء في كل زمان يستقرأون منه آيات وبراهين تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحسن اختياره الصلح .
وهناك مسألة وهي هل تم هذا الصلح من دون الوحي والتنزيل ، المختار لا ، فقد قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنازلات متعددة للمشركين ، وهو لم يحصل لولا الوحي .
وقد اجهدت الحروب قريشاً واضطروا للصلح ، وكان المسلمون في حال عز وإزدياد ومع هذا رضوا بالصلح لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته رسالة سلام وأمن للناس جميعاً.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقي أصحابه ما يأمر به وما يفعله بالقبول والرضا لعلمهم بأنه َمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
قانون مصاحبة المعجزة للنبي محمد (ص)
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً فجعل من خصائصه مصاحبة وملازمة المعجزة له ، وهذه الملازمة بذاتها مدد ونصر وواقية من عند الله .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : قانون تجلي شواهد سمعية وبصرية وعقلية متجددة لصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إنذار المشركين وزجرهم عن قتاله .
الثالث : الوعد من الله عز وجل لإظهار رسالته وسيادة أحكامها في الأرض ، قال تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
الرابع : تعدد وتوالي معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسية وبما فيه النفع العام ، وأسباب الهداية .
الخامس : تتابع نزول آيات القرآن ، وكل آية معجزة عقلية ، ودعوة للناس للتدبر في أسرار التنزيل .
ومن منافع المعجزة زيادة إيمان المسلمين وبعثهم على أداء الفرائض العبادية في أوقاتها ، واجتناب الظلم والإرهاب .
فمن معاني قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا اتصاف المسلمين بالإستقامة في القول والعمل ، ومن الكمال التفقه في أمور الدين والدنيا وجوب التصديق بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وليس للإنسان أن ينصب نفسه قاضياً يحكم على الناس بالكفر وهم يقولون كلمة التوحيد ويقيمون الصلاة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه بين الناس في أسواق مكة وموسم الحج (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) لبيان أن كلمة التوحيد تعصم الدماء ، وتنقذ الإنسان من العذاب في الآخرة .
وعن (عبد الله بن عمرو عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال : إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل.
ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخابٍ في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح بها أعيناً عمياء وآذاناً صماء وقلوباً غلفاً)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجئ الكتب السماوية السابقة بخصائصه وما ينفرد به بين الناس من الكرامة ، ودلائل النبوة وفيه دعوة للناس للمبادرة إلى التصديق برسالته .
وهل هذا التصديق من مصاديق قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الجواب نعم ، لبيان قانون التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبيل للعفو والمغفرة من عند الله عز وجل .
وفي (قوله وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا فإنها نزلت في عبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة رحمة الله عليها، وذلك أنه قال هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله بمكة قبل الهجرة، فلما خرج رسول الله إلى فتح مكة استقبل عبد الله ابن أبي أمية فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يرد السلام عليه فأعرض عنه ولم يجبه بشئ.
وكانت اخته ام سلمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل إليها وقال: يا اختي إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قبل إسلام الناس كلهم ورد إسلامي، فليس يقبلني كما قبل غيري .
فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على ام سلمة قالت: بأبي أنت وامي يا رسول الله سعد بك جميع الناس إلا أخي من بين قريش والعرب، رددت إسلامه وقبلت إسلام الناس كلهم إلا أخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أم سلمة إن أخاك كذبني تكذيبا لم يكذبني أحد من الناس ، هو الذي قال لي لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا إلى قوله كِتَابًا نَقْرَؤُهُ.
قالت ام سلمة : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ألم تقل: إن الاسلام يجب ما كان قبله ، قال: نعم، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله إسلامه)( ).
ومن دلائل مصاحبة المعجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه:
الأول : الرحمة والرأفة بالناس ، وفيه قانون تقريب الناس للهداية بالمعجزة ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن مجيئه بالمعجزة العقلية والحسية معاً تيسير وتعجيل لدخول الناس في الإسلام ، وصلاح المجتمعات .
الثاني : منع المشركين من قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان قلت لقد أراد المشركون قتله ليلة هجرته إلى المدينة ، فالجواب نعم ، هذا صحيح ، ولكنه بقي قبلها ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو إلى الله ، وتنزل عليه الآيات التي تذم عبادة الأوثان ، ومع هذا فان المشركين لم يقدموا على قتله بحجب وواقية وحصن من الله عز وجل.
وهو من مصاديق صرف الله عز وجل شرورهم ، ومن عمومات قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
الثالث : دعوة أجيال المسلمين للتقيد بسنن التقوى ، ومنها تعاهد الفرائض العبادية والتنزه عن الظلم ومقدماته ، والإمتناع عن تمويله أو الثناء على القائمين به .
لقد أنعم الله عز وجل على الأنبياء خاصة والناس جميعاً بقانون الملازمة بين النبوة والمعجزة ، فكل نبي يأتي بمعجزة أو معجزات متعددة تشهد على صدق نبوته ، وتدعو الناس إلى الإقرار بالتوحيد واتباع النبي.
والمعجزة لغة هي اثبات العجز ، والتخلف عن فعل الشئ وهي ضد القدرة ، أما في الإصطلاح فهي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم عن المعارضة خص الله عز وجل به الأنبياء .
ومعجزات الأنبياء حسية مثل سفينة نوح ، وناقة صالح ، ونجاة إبراهيم من النار التي جعله قومه وسطها ، وتعدد معجزات موسى عليه السلام منها العصا وتكرار حضورها في الشدائد ومعجزات عيسى عليه السلام .
لبيان أن المعجزة النبوية مادة لترغيب الناس في الإسلام ، وإدراكهم لعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الله.
ومعجزات الأنبياء دعوة للإيمان والصلاح ، وقد اتصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة معجزاته الحسية والعقلية فانتفع وينتفع الناس منها أعظم انتفاع وإلى يوم القيامة .
التساؤل عن فتح الحديبية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه انتصر انتصاراً ساحقاً على أعدائه ، ولم يكن هذا الإنتصار بالسيف إنما بآيات القرآن والمعجزة والبرهان ، والصبر في السلم وميادين القتال ، قال تعالى وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وفي آية أخرى وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا.
ولما تم صلح الحديبية مع إرجاء دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة إلى العام التالي وهو السابع للهجرة تساءل بعض الصحابة كيف يكون الصلح فتحاً .
وهذا الكلام وإن صدر من فرد واحد أو اثنين إلا إنه قد يكون حاضراً في التصور الذهني عند عدد قليل من الصحابة من بين ألف وأربعمائة مجموع المهاجرين والأنصارالذين حضروا الحديبية خصوصاً المهاجرين الذين كانت أنفسهم تتوق لدخول مكة والطواف بالبيت ، ورؤية الأهل والأحبة .
والتنجز الحال لرؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تلقوها بالتسليم بأنها شعبة من الوحي ، والتي كانت سبب خروجهم نحو الحديبية ، إذ قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
(وأخرج البيهقي عن عروة قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية راجعاً ، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والله ما هذا بفتح ، لقد صددنا عن البيت وصدَّ هدينا ، وعكف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول رجال من أصحابه : إنّ هذا ليس بفتح .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بئس الكلام ، هذا أعظم الفتح .
لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإِياب ، وقد كرهوا منكم ما كرهوا ، وقد أظفركم الله عليهم ، وردكم سالمين غانمين مأجورين ، فهذا أعظم الفتح .
أنسيتم يوم أحد ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد) ( )، وأنا أدعوكم في أخراكم ، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا( ).
قال المسلمون : صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا . فأنزل الله سورة الفتح) ( ).
ولكن قول وإحتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس عن تفكر منه في قولهم (ما فكرنا فيما فكرت فيه) وهذه العبارة بعيدة عن لغة الصحابة في خطابهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أنهم يعلمون أنه الوحي والحجة من عند الله عز وجل ، قال تعالى وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
والرواية من المرسلات وراويها عروة بن الزبير ، وهو تابعي ولد سنة 23 للهجرة وتوفى سنة (94) .
ولم يخرج مع أبيه الزبير وطلحة بن عبيد الله إلى معركة الجمل وقيل لصغر سنه .
كما اعتزل القتال والفتن بين أخيه عبد الله بن الزبير وبين الأمويين .
ولم يتول ولاية أو قضاء لأخيه ، وكان قريباً من الإمام علي بن الحسين عليه السلام .
ويدل صلح الحديبية بالأولوية على وجوب إجتناب المسلمين القتال فيما بينهم ، وعلى استحضار آيات السلم في الصلات والمعاملة مع أهل الكتاب والناس جميعاً والإنتفاع الأمثل المتجدد من صلح الحديبية المتجددة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحذيره المسلمين من الإقتتال بينهم .
 
دلائل السلم في الصلح
هل صلح الحديبية من مصاديق قوله تعالى وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، الجواب نعم ، مع قصد النبي محمد ابتداءً للسلم والصلح .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سعيه لصلح الحديبية مع المشركين الذين حاربوه وقتلوا عدداً من أصحابه ، وهل هذا الصلح معجزة متحدة أم متعددة ، الجواب هو الثاني .
ومنه الإعجاز في مفاهيم السلم في صلح الحديبية من جهات :
الأولى : عزم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الخروج لأداء العمرة بعد سنة واحدة من زحف عشرة آلاف مشرك من مكة وما حولها لقتاله وإرادة قتله وأصحابه بابادة عامة في معركة الخندق .
الثانية : إبلاغ النبي محمد بالخروج للعمرة كلاً من :
الأول : المهاجرون .
الثاني : الأنصار .
الثالث : القبائل التي حول المدينة .
وتحتمل هذه القبائل بلحاظ قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، وجوهاً :
الأول : إنهم ممن حول مكة .
الثاني : هم ممن حول المدينة ، فكما انشأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المسجد النبوي في المدينة ، فكذا صار رجال مؤمنون حول المدينة.
وهم كالدرع وحماة الثغور للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل المدينة .
الثالث : انهم ممن حول أم القرى وحول المدينة .
المختار هو الأخير أعلاه .
وقد تخلف كثير من أفراد القبائل التي حول المدينة عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في التنزيل سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا.
وعن مجاهد في الآية أعلاه قال (أعراب المدينة جهينة ومزينة استنفرهم لخروجه إلى مكة ، فقالوا : نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم في ديارهم ، فاعتلّوا له بالشغل ، فأقبل معتمراً فأخذ أصحابه أناساً من أهل الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فذلك الأظفار ببطن مكة)( ).
الثالثة : لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية بلواء السلم ورايات (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن خروجه للعمرة دعوة للسلم ووقف القتال ، وهو من إعجاز النبوة .
ومن خصائصه المباركة المبادرة للعمل برؤيا الوحي مع ما يحيط به من أهوال ومخاطر ، وفي التنزيل وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
لقد أخذت العزة بالإثم قريشاً ، فلا يلجأون إلى الصلح ووقف القتال ، فسار لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه ، وكأنهم فدائيون يعرضون أنفسهم للقتل في سبيل الله وإرادة السلم ، ولكنه الوحي والتنزيل ورؤيا النبي التي هي شعبة من الوحي ، قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ.
وهل كان مسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو الحديبية وحشد أصحابه بذات الرؤيا وحدها أم عضدها التنزيل والوحي وعلى نحو متعدد ، الجواب هو الثاني .
أما تعضيد التنزيل فالآية أعلاه ، وأما الوحي فان النبي محمداً لم يأمر أصحابه بالتجهيز ولم يخرج من المدينة إلا بالوحي لعمومات قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الرابعة : من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم توجهه وأصحابه نحو مكة من غير أسلحة أو دروع أو خيل للإغارة ، وكثير منهم كانوا يتناوبون على ركوب الإبل ، فيقطع بعضهم مائة ومائتي كيلو متر سيراً على الأقدام من الطريق بين المدينة والحديبية ، وهي موضع بئر تبعد عن مكة نحو عشرين كيلو متر ، وهو من الشواهد على أن النبي محمداً يعرض نفسه للضرر في سبيل السلم ، وإن كان هذا الضرر مدفوعاً بفضل الله عز وجل ، قال تعالى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم امتناعه عن مقدمات الفتنة والإفتتان ، واجتنابه سخط كفار قريش ، مع أنهم ليسوا أولياء للبيت الحرام ، قال تعالى َمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرصه على اجتناب ملاقاة خيل المشركين التي خرجت من مكة طليعة وسرية استطلاع عندما قرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة في الطريق إلى الحديبية في السنة السادسة للهجرة إذ قال لإصحابه كما في حديث المسور بن مخرمة (إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش( ) فانطلق يركض نذيرا لقريش)( ).
وهل تشمل أحكام الآية [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] المسلمين في القتال فيما بينهم ، الجواب نعم .
فكل طرف يلزمه المبادرة إلى اختيار الصلح ووقف القتال ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأسيس القواعد لإطفاء الفتنة بين المسلمين .
وهل يتضمن القرآن والسنة ابتداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالميل والدعوة إلى السلم والصلح ، ووقف القتال ، الجواب نعم .
قانون إنقطاع الشرك بفتح مكة
من خصائص بعثة الأنبياء أنها باب واسع لإكتناز الحسنات فذات التدبر بالمعجزة حسنة ، والتصديق بها حسنة ، واتباع النبي حسنة.
وقد فاز أهل البيت والصحابة بالدفاع عن النبوة والتنزيل ، والجهاد لإستئصال عبادة الأوثان في الجزيرة مقدمة لمحوها وعبادة الفرد لها في الأرض .
وقد سار عشرة آلاف من الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفتح مكة لإزاحة رئاسة الشرك عن البيت الحرام في السنة الثامنة للهجرة ، قال تعالى وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، ليكون هذا الفتح قطعاً للإرهاب ، ومانعاً من إتساعه ومناسبة لأداء المسلمين مناسك الحج وأداء الصلاة في مكة وأنحاء الجزيرة بأمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)( ).
والحديث في ذم الذي يؤخر صلاة العصر إلى وقت اصفرار الشمس قبل غروب الشمس وسقوط القرص، لقبح الإرجاء والتأخير في الصلاة عن وقتها إلى حين قرب خروجه ، ولأن الكفار يسجدون للشمس عند طلوع وغروب الشمس .
وكان المشركون قد نصبوا الأصنام في البيت الحرام وصارت عبادتهم لها عادة ، ويقومون بالنذر لها ، ويتوسلون بها ، ويجعلونها وسائط بينهم وبين الله عز وجل ، ونزل القرآن بذمهم وقرب عذاب الله عز وجل لهم ، لقوله تعالى وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن بعثته رحمة لكفار قريش أيضاً ، ونجاة لهم بالتوبة من الهلاك والعذاب في الدنيا والآخرة ، وتدعو الآية أعلاه النبي وأصحابه إلى فتح مكة لما تبينه من قانون حصر ولاية البيت بالمتقين الذين يخشون الله ،والذين يمنعون عبادة الأوثان في مكة وغيرها ، وهو من مصاديق قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
ليكون ذكر أم القرى في الآية أعلاه جامعاً للحقيقة والمجاز ، أما الحقيقة فالإنذار إلى أم القرى بهدم وكسر الأصنام ، بحيث يدخل الداخل لها فلا يجد فيها أصنامه ، خاصة وأنه كان لكل قبيلة صنم خاص في البيت الحرام وكان عدد هذه الأصنام ثلاثمائة وستين صنماً.
وأما المجاز فتقدير الآية : لتنذر أهل أم القرى.
ولو انحصر المعنى بالمجاز والتقدير أعلاه ، لما شمل وفد الحاج والمعتمرين وأفراد القبائل الذين اعتادوا الطواف على أصنامهم التي في البيت والنذر إليها فجاء لفظ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، جامعاً مانعاً وعطف ضمير العاقل (من) على أم القرى دليل على إرادة حذف المضاف بخصوص :
الأول : أهل مكة .
الثاني : وفد الحاج لأنهم في مكة موسم الحج .
الثالث : المعتمرون وزوار البيت ومكة والوافدون إلى مكة مطلقاً ، من التجار وأفراد القبائل خاصة إذ أن قريشاً كانوا أهل تجارة ، كما في قوله تعالى لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ.
ومن الإعجاز في المقام أن النسبة بين ساكني أم القرى وبين قريش عموم وخصوص مطلق .
ليكون تقدير [لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى] أي تنذر قريشاً وغيرهم من ساكني مكة من الأحرار والعبيد والحلفاء والأحابيش وأفراد القبائل المتفرقة ، أما من حولها فالمراد المدينة والطائف والقبائل والبلدان القريبة والبعيدة من مكة ، لقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ومن أعظم النعم بعثة الأنبياء ونزول الكتب السماوية ، وقد أنعم الله عز وجل على قريش ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين ظهرانيهم ، فكفروا برسالته ، وتمادوا في إيذائه وعزموا على قتله بخطة محكمة فنزل جبرئيل وأمره بالهجرة إلى المدينة ، لتنتقل نعمة وجوده الشخصي إليها ، ومن الآيات بناؤه المسجد النبوي حال وصوله إليها ، قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.
ومن النعم في هذا الزمان السعة والغنى ، والتنقل في الأمصار ، وقد ذم الله عز وجل الذين كفروا لجحودهم بنعمة هذا التنقل ، إذ قال تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ )( ).
وتوضئ النبي بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وقال (هَذَا وُضُوئِى وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِى)( ).
لبيان قانون الوضوء متوارث بين الأنبياء كمقدمة للصلاة ، وهل كانت صلاة الأنبياء السابقين مثل صلاتنا .
الجواب إن الصلاة كانت مفروضة على الأنبياء السابقين والمؤمنين ، وهي في الجملة تشبه صلاتنا لآيات عديدة منها الآية أعلاه من سورة البقرة وقوله تعالى في مريم يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ.
نعم من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بأركان وأجزاء الصلاة كاملة وهو من مصاديق قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
وقد أوصى الله عز وجل عيسى عليه السلام وهو في المهد بالصلاة كما ورد في التنزيل .
معجزة فتح مكة
لقد جاءت البشارة بفتح مكة بعد صلح الحديبية مع قريش ، ولا يعلم ما يعقبه إلا الله خاصة وأن أجل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حضر بعد صلح الحديبية بخمس سنوات وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسير إلى قرب أجله ، فكان أوان فتح مكة ضرورة وحاجة للمسلمين والناس جميعاً ، قال تعالى فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنجز فتح مكة سلماً بالوقت المناسب ديناً ودنيا.
ومن معاني (قريباً) في الآية أعلاه وجوه :
الأول : بيان قرب أوان فتح مكة ، فليس بين صلح الحديبية وبينه إلا سنتان .
الثاني : تأكيد أن صلح الحديبية فتح ، قال تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
الثالث : من معاني (قريباً) أي سهلاً يسيراً فأعظم الفتح هو الصلح ، وصيرورة صلح الحديبية فتحاً معجزة ، وقيل المراد فتح خيبر وهو ضعيف .
فان قلت لو بقيت مكة بيد المشركين بعد مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى تجري عليها أحكام حروب الردة ، كما قضى على إرتداد بعض القبائل وحركة مسيلمة الكذاب في اليمامة ، وسجاح بنت الحارث التميمية التي ادعت النبوة مثله أيضاً ، وكانت شاعرة عارفة بالأخبار.
والجواب إنه قياس مع الفارق ، ففتح مكة في أوانه في السنة الثامنة للهجرة يسر للصحابة قيادة حروب الردة والقضاء عليها في مهدها.
ولو كانت مكة بيد المشركين يوم وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتوسع تمرد القبائل ، وقادت قريش هذا التمرد ، وسارت بالجيوش للإنتقام من أهل البيت والصحابة من المهاجرين والأنصار .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إصلاح المسلمين والمجتمعات للإحتراز والوقاية من الردة العامة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : قانون فتح مكة وقاية من الردة العامة .
الثانية : قانون فتح مكة سلماً من مصاديق وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ.
الثالثة : قانون فتح مكة نصر خالد متجدد فلا يحصي كثرة منافعه في كل يوم إلا الله عز وجل.
الرابعة : فتح مكة معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فبعد هجوم وغزو المشركين للمسلمين في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عشرة آلاف من أصحابه مكة من غير قتال يعتد به ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.
كتاب النبي (ص) إلى كسرى
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثه الرسائل والكتب إلى ملوك عصره يدعوهم إلى الإسلام ، ومنها اختيار الوقت المناسب لبعث هذه الرسائل ، وهو بعد عقد صلح الحديبية وتوقف القتال بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي قريش ، وتغشية الجزيرة العربية بالأمن والسكينة ، وحمل قريش على عدم الذهاب إلى ملك الروم أو الفرس لتحريضهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أو العكس بتسخير بعض ملوك العصر قريشاً لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتزويدهم بالمال والسلاح ، خاصة مع صلات قريش التجارية بالروم والفرس وغيرهم ، كما في قوله تعالى لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ.
إذ كانت قريش تسير بإبل التجارة في الصيف إلى الشام ، وفي الشتاء إلى اليمن واحياناً يذهبون على مدار السنة إلى اليمن أو الشام حسب حال السوق والتجارة خاصة وأن موسم الحج الذي تعمر فيه أسواق مكة يأتي مرة بالشتاء وأخرى بالصيف.
وتباينت ردود الملوك على رسائل ودعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأشدها وأقبحها رد كسرى بن هرمز على الصحابي عبد الله بن حذافة ، وقيام كسرى بتمزيق كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ونص الكتاب هو (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بداعية الله عز وجل، فإني أنا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الناس كافة، لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك)( ).
فلما قرأ كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مزقه ، فبلغ النبي محمداً فقال : مزق الله ملكه.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبة ملوك عصره من مقام الرسالة ، واستجابة الله لدعائه بقتل كسرى وضياع ملكه .
لقد قدم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اسمه في الكتاب على كسرى لبيان أن الكتاب من العالي إلى الأدنى ، فغضب كسرى (وقال : يكتب إلى بهذا الكتاب وهو عبدي)( ).
ثم بعث كسرى إلى باذان عامله في اليمن (أَنّهُ بَلَغَنِي أَنّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْش خَرَجَ بِمَكّةَ ، يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ ، فَسِرْ إلَيْهِ فَاسْتَتِبْهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلّا فَابْعَثْ إلَيّ بِرَأْسِهِ . فَبَعَثَ بَاذَانُ بِكِتَابِ كِسْرَى إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُقْتَلَ كِسْرَى فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا.
فَلَمّا أَتَى بَاذَانَ الْكِتَابُ تَوَقّفَ لِيَنْظُرَ وَقَالَ إنْ كَانَ نَبِيّا فَسَيَكُونُ مَا قَالَ .
فَقَتَلَ اللّهُ كِسْرَى فِي الْيَوْمِ الّذِي قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : قُتِلَ عَلَى يَدَيْ ابْنِهِ شِيرَوَيْه ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ حِقّ الشّيْبَانِيّ :
وَكِسْرَى إذْ تَقَسّمْهُ بَنُوهُ … بِأَسْيَافٍ كَمَا اُقْتُسِمَ اللّحّامُ
تَمَخّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ … أَنّى وَلِكُلّ حَامِلَةٍ تِمَامُ
قَالَ الزّهْرِيّ : فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ بَاذَانَ بَعَثَ بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْفُرْسِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَتْ الرّسُلُ مِنْ الْفُرْسِ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مَنْ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ أَنْتُمْ مِنّا وَإِلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْت)( ).
لقد أرادوا النسب القبلي بعد اندثار حكم كسرى وانفصالهم عنه بدخولهم الإسلام ، إذ كانوا في اليمن حكاماً وولاة لكسرى وقد خشيوا بعد دخولهم الإسلام أن يكونوا من غير انتماء قبلي ، فاجابهم الله عز وجل بأنكم من أهل البيت.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرام عامة المسلمين ، وتعضيدهم ، وطرد الوحشة وأسباب الغربة عنهم ، وهو من مصاديق أولوية التقوى في قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
وله شاهد على نحو القضية الشخصية بخصوص سلمان يوم الخندق إذ احتج (المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي ، وكان رجلاً قوياً ، فقال المهاجرون : سلمان مِنّا. وقال الأنصار : سلمان منّا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سلمان منّا أهل البيت)( ).
فقد فرحت قريش وظنوا أن الحرب ستقع بين النبي من جهة وبين كسرى وجيوشه العظيمة ، وظنوا بالتبادر وحسابات المعارك أن النصر يكون إلى جانب كسرى ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سيقعون بين قتيل وأسير .
طاعة الصحابة حجة على المشركين
لقد قرن الله عز وجل طاعة الرسول محمد بطاعته في أحد عشر موضعاً ، وكلها بصيغة الأمر منها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ.
وقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ.
وقد تتضمن ذات الآية الأمر بطاعة الله والنهي عن الخصومة والخلاف ، قال تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وهل خطابات الطاعة هذه خاصة بالصحابة ، الجواب لا ، فهي شاملة لكل أجيال المسلمين والمسلمات .
ويمكن احصاء شواهد من طاعة أهل البيت والصحابة لله والرسول ، خاصة في ميدان القتال ، وفي العبادات .
وهذه الشواهد من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمنزلة الرفيعة التي رزقه الله .
ففي صلح الحديبية انبهر المشركون من ولاء وطاعة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصابهم اليأس من احتمال ارتداد بعض المسلمين.
وهل هو من أسباب رضا رؤساء قريش بالصلح يومئذ ، الجواب نعم.
وجعل حويطب بن عبد العزى أحد أعضاء وفد قريش يتعجب مما يصنعون، ويقبل على مكرز بن حفص ويقول: ما رأيت قوماً أحوط لدينهم من هؤلاء القوم.
ولما تم الصلح وثبت خزاعة ودخلت في عهد وعقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويومئذ وفي مجلس صلح الحديبية قال حويطب بن عبد العزى لسهيل بن عمرو (ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر قال سهيل : إياك أن تسمع هذا منك بنو بكر فإنهم أهل شؤم، فيقعوا بخزاعة فيغضب محمدٌ لحلفائه، فينقض العهد بيننا وبينه.
قال حويطب : حظوت والله أخوالك بكل وجه ، فقال سهيل: ترى أخوالي أعز علي من بني بكر؟ ولن والله لا تفعل قريش شيئاً إلا فعلته.
فإذا أعانت بني بكر على خزاعة فإنما أنا رجلٌ من قريش، وبنو بكر أقرب إلي في قدم النسب، وإن كان لهؤلاء لخؤولة، وبنو بكر من قد عرفت، لنا منهم مواطن كلها ليست بحسنةٍ، منها يوم عكاظ)( ).
السعي الدائم للسلام
من صفات الأنبياء قانون سعي الأنبياء للسلام في كل الأحوال ، وقد تجلى هذا الأمر في خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو رائد السلام وكان يقابل أذى الذين أشركوا بالصبر ، والمعجزة والبرهان وتلاوة آيات البشارة والإنذار ، لينعكس بميل طائفة من الناس إلى الإسلام ، ونبذ الحروب والكراهية ، قال تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة يريدون العمرة وهم في حال حرب وقتال مع مشركي مكة ومن والاهم من القبائل.
ليكون هذا الخروج من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ ما فيه من حسن التوكل على الله، وهو شاهد على الوحي من عند الله عز وجل , فلا يمكن أن يقع وفق حسابات الجيوش والأمم المتناحرة , لذا امتنعت طائفة من الأعراب والقبائل التي حول المدينة عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية خشية إجهاز قريش وحلفائها عليهم .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن صدود وتخلف الناس عن خطط ومنهاج سيرته لم يمنعه من الشروع فيها لأنها شعبة من الوحي.
وعندما اقترب الجمع المبارك من مكة ووصلوا إلى عسفان لقيهم بشر بن سفيان الكعبي (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ ، قَدْ سَمِعْت بِمَسِيرِك ، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الْعُوذُ ( ) الْمَطَافِيلُ( ) قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النّمُورِ وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى ، يُعَاهِدُونَ اللّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا ، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدّمُوهَا إلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ)( ).
لإرادة إخافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , وصدهم عن البيت الحرام , وبعث الصحابة على المناجاة بالعودة من حيث أتوا , خاصة وأنه لم يكن معهم إلا سلاح الراكب , سيوف صغيرة في أغمادها .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن جوابه معجزة في الصبر والدفاع بانتقاله بالقول إلى شدّ عضد أصحابه وتقوية قلوبهم وإظهار ضعف قريش إذ قال (يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الّذِي أَرَادُوا ، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوّةٌ فَمَا تَظُنّ قُرَيْشٌ.
فَوَاَللّهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الّذِي بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالِفَةُ) ( ).
لقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إضرار قريش بانفسهم بكثرة الحروب والمعارك والإنفاق عليها من أموال التجارة وهلاك طائفة منهم بالمعارك .
ليكون قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا تفسيراَ لقوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) .
وعندما سمع الصحابة هذا القول أدركوا أنهم متوجهون إلى مكة من غير خشية من المشركين .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة لعدم الإلتفات إلى التخويف والوعيد الذي تضمنه قول بشر بن سفيان وحال النفير عندهم خصوصا وأنه ينحصر بقوله (يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداَ) .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ظهور الضعف والوهن على الذين حاربوه بعد معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، واتضاح عجزهم عن الهجوم والغزو ، واكتفاؤهم بالإمتناع عن دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى مكة معتمرين .
اجتناب الأخلاق المذمومة
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار التراحم والتوادد ، وتتجلى فيها الشواهد اليومية الكثيرة التي تبين قبح الأخلاق المذمومة ، منها آفة الحسد ، والغيبة ، والتجسس والسرقة ، والغصب .
ومنها الإسراف وسوء الظن ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ.
ومن خصائص النبي محمد تحذيره وإنذاره من الغضب وما يترشح في خطبه وفي وصاياه وإجاباته على أسئلة الصحابة .
و(عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلى مغيربان الشمس ، حفظها ونسيها من نسيها ، وأخبر ما هو كائن إلى يوم القيامة ، حمد الله وأثنى عليه .
ثم قال : أما بعد فإن الدنيا خضرة حلوة ، وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون . ألا فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء . ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى .
فمنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً ، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً.
ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً ، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً .
ألا إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم . ألم تروا إلى حمرة عينيه ، وانتفاخ أوداجه .
فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئاً فليلزق بالأرض . ألا إن خير الرجال من كان بطيء الغضب ، سريع الفيء . وشر الرجال من كان بطيء الفيء ، سريع الغضب .
فإذا كان الرجل سريع الغضب سريع الفيء فانها بها ، وإذا كان بطيء الغضب بطيء الفيء فإنها بها .
ألا وإن خير التجار من كان حسن القضاء حسن الطلب ، وشر التجار من كان سيء القضاء سيء الطلب . فإذا كان الرجل حسن القضاء سيء الطلب فإنها بها ، وإذا كان الرجل سيء القضاء حسن الطلب فإنها بها . ألا لا يمنعن رجلاً مهابة الناس أن يقول بالحق إذا علمه .
ألا إن لكل غادر لواء بقدر غدرته يوم القيامة . ألا وإن أكبر الغدر أمير العامة .
ألا وإن أفضل الجهاد من قال كلمة الحق عند سلطان جائر .
فلما كان عند مغرب الشمس قال : ألا إن ما بقي من الدنيا فيما مضى منه كمثل ما بقي من يومكم هذا فيما مضى)( ).
معركة حنين مقدمة لعام الوفود
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النصر عند ملاقاته للكفار في ميدان المعركة وقد استعدوا لها استعداداً كاملاً واختاروا المكان والزمان المناسب لهم ، ورسموا الخطط المحكمة للإجهاز على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، مع كثرة الكفار في كل معركة ، وهو من أسباب لحوق الخزي للمشركين.
ولقد اجتهدت هوازن وثقيف في الإعداد لمعركة حنين حرباً على الإسلام والنبوة بأمور :
الأول : حسن التنظيم .
الثاني : الإنضباط العام .
الثالث : حبس الجنود في مواضعهم بانتظار قدوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للغدر بهم .
الرابع : الهجوم من كل الشعاب والمضائق في لحظة واحدة .
الخامس : شدة البأس والقتال .
لبيان قانون نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة حنين معجزة له ، و(عن أنس بن مالك قال فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء من وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم النعم قال ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد.
قال فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا قال فلم نلبث أن انكشف خيلنا وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس قال.
فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ياللمهاجرين يا للمهاجرين يا للأنصار قال أنس هذا حديث عمته .
قال قلنا لبيك يا رسول الله قال وتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قال وأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله قال فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا الى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا الى مكة)( ).
ويبين هذا الحديث أن عدد المسلمين يومئذ ستة آلاف ومن ضمنهم مسلمة الفتح ، وهو خلاف المشهور ، وقول أنس أنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة ، وإنما كانت مدة الحصار نحو عشرين ليلة ، وفيه بيان لتسليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأن النصر يومئذ بفضل ولطف من عند الله عز وجل .
وهل من موضوعية لهذا النصر في توالي وفود القبائل على المدينة ودخولهم الإسلام بعد بضعة أشهر من النصر في معركة حنين ، الجواب نعم ، حتى سمي العام التاسع للهجرة عام الوفود .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد أسباب دخول رجال القبائل وعامة الناس الإسلام .
العفو في معركة حنين
بعد أن فتح مكة في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة سلماً ومن غير قتال يعتد به خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ومعه اثنا عشر الف من المسلمين ، عشرة آلاف حضروا معه من المدينة ، وألفين من مسلمة الفتح من أهل مكة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الأصحاب ، وسرعة دخول الناس في الإسلام ، وتلقيهم أحكام الشريعة بالقبول .
ولقد شاع خبر فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة بين القبائل ، ومن خصائصه بعثه السرايا لهدم الأصنام التي في القرى ، وفي الجادة العامة ، وقد تلقيت أكثر القبائل فتح مكة بالقبول والتسليم بالمعجزة إلا أن بعض القبائل خافوا على أصنامهم ونهجهم في الحياة بجاهلية وهم قبليتا (هوازن) و(ثقيف) فقد ارتأوا المبادرة إلى قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من قبل أن تستقر له الأمور في مكة وما حولها .
وكانت قبيلة هوازن أكثر رجالاً وعدة ومسكنهم مدينة الطائف ، وسلموا رياستهم إلى مالك بن عوف رئيس هوازن ، وكان شاباً وعمره نحو ثلاثين سنة ، فخرج مالك بن عوف النصري بقومه جميعاً رجالاً ونساءً وصبياناً ، وأخرج معه أنعامهم كلها ، ليس لعدم وجود من يتعاهدها في الطائف عند خروجهم ، ولكن من أجل أن يقاتل الرجال دون نسائهم وأولادهم خشية سبيهم ، ودون أموالهم كيلا تكون غنائم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
وكان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عيون في نواحي الجزيرة ، كما زاد عدد المسلمين وانتشروا في القرى ، وصاروا يأتون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأخبار سواء التي تتضمن البشارة أو التي تتضمن الإنذار ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ.
فعلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتهيئ هوازن وثقيف للقتال ، ثم أخبر بخروجهم من الطائف بجموع كثيرة متوجهين نحو مكة للقتال ، فاستعار النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائة درع من صفوان بن أمية الذي قال (أغصبا يا محمد ؟ قال: لا، ولكن عارية مضمونة قال: لا بأس بهذا)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العهد باعادة ما يستعير ، وعدم الإستيلاء على مال الغير .
ومن خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم بعثه العيون لرصد أخبار المشركين ، وأخذ الحيطة منهم ، إذ بعث (عبد الله بن أبي حدرد عينا فسمع ابن عوف يقول: يا معشر هوازن إنكم أحد العرب وأعده، وإن هذا الرجل لم يلق قوما يصدقونه القتال، فإذا لقيتموه فاكسروا جفون سيوفكم، واحملوا عليه حملة رجل واحد، فأتى ابن أبي حدرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إظهاره حسن التوكل على الله ، والثبات عند الزلازل وعدم الخوف إلا من الله عز وجل.
وكان مع جيش هوازن دريد بن الصمة وقيل عمره مائة وستين سنة قال الإمام الصادق عليه السلام (وكان مع هوازن دريد بن الصمة خرجوا به شيخا كبيرا يتيمنون برأيه فلما نزلوا بأوطاس قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير .
قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم، قال: فأين مالك ؟ فدعي مالك له فأتاه.
فقال : يا مالك أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الايام، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء .
قال : أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم.
قال: ويحك لم تصنع شيئا، قدمت بيضة هوازن في نحور الخيل، وهل يرد وجه المنهزم شئ، إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، قال: إنك قد كبرت و كبر عقلك.
فقال دريد : إن كنت قد كبرت فتورث غدا قومك ذلا بتقصير رأيك وعقلك، هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه، ثم قال : حرب عوان
يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حدوث الخلاف والشقاق بين رؤساء الكفار الذين يحاربونه ، وبما يتفرع عنه الإرباك في صفوف المقاتلين منهم وهو من مصاديق قوله تعالى بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ.
النصر المتعدد
من اللطف الإلهي أن الله تعالى يعطي بالأوفى والأتم وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وليفوز الأنبياء بالنصيب الأعلى من العطاء ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل رزقه ما رزق الأنبياء السابقين ، وزاد عليه من فضله ، ومنه تعدد وتوالي النصر على جيوش المشركين الغازية مع أن أعدادها ومؤنها أضعاف ما عند المسلمين .
ولقد أدركت قبائل العرب أن النصر الثنائي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفتح مكة ثم معركة حنين إنما تم بمعجزة وتعضيد من الملائكة ، وأنها نهاية حقبة الوثنية والعصبية الجاهلية .
وهل علمت قبائل العرب بتفاصيل فتح مكة ، وكيف أنه تم سلماً من غير قتال يعتد به ، ودخول أهلها الإسلام ، الجواب نعم وهو من مصاديق قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
فذات فتح مكة سلماً إنذار لأهلها ومن حولها ، وهو من فضل الله بالقول المستحدث مني أن مكة لم تفتح عنوة أو صلحاً وفيه تخطئة لتعريف الإجماع المركب بأنه إذا اختلف العلماء في مسألة إلى فريقين فانه يدل على عدم وجود قول ثالث فيها ، إذ أن قولنا فتحها النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلماً هو قول ثالث بالدليل.
لتتضمن هذه الآية وحدة الموضوع في تنقيح المناط باشتراك مكة والقرى والمدن التي حولها التي يأتي أهلها للحج والعمرة بتلقي الإنذار النبوي.
ونصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة حنين مع استعداد هوازن لها ، وحسن تخطيطهم وتدبرهم ، مع كثرة الغنائم التي وقعت بيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين وسخائه في توزيعها ، والذل الذي لحق هوازن بسبي جميع نسائهم وصبيانهم مع كثرة القتلى منهم معجزة ، لتمتلأ قلوب الذين كفروا بالرعب وهو من مصاديق قوله تعالى وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ… .
لقد أدرك العرب أن أي تجمع وتحشيد لهم ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلغ عدد الجيوش التي جمعتها هوازن وثقيف ، وأن الفرصة التي سنحت لهم في مباغتة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في وادي حنين لم تتكرر لغيرهم .
ومع هذا خسروا المعركة ، واقترنت هذه الخسارة بالعار والخزي بين العرب ، والذل والهوان إلى يوم القيامة ، إلى جانب ما ينتظرهم في عالم البرزخ ، وإن قلت هل صارت العرب تعلم بعالم الحساب بعد الموت ، الجواب نعم ، لتوالي نزول آيات القرآن التي تتضمن الإنذار والوعيد.
وهذا العلم ليس مستحدثاً عند العرب وغيرهم ، إنما هو من ميراث إبراهيم عليه السلام والأنبياء السابقين ، فأحياه القرآن في الوجود الذهني العام ، وفي المجتمعات بآيات سماوية يتجلى فيها البيان والوضوح ، وهي مجتمعة ومتفرقة معصومة عن التحريف .
ومن خصائص النبي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون عجز المشركين عن حجب تلاوته عن الناس ومن الأيام الأولى للتنزيل.
ومنها قانون إمتناع آيات القرآن عن الإخفاء العام ، فلا تستطيع جهة أو سلطان منع وصولها إلى الناس أو حجبهم عن تلاوتها وسماعها ، وهو من أسرار وجوب قراءة كل مسلم ومسلمة آيات من القرآن خمس مرات في اليوم والليلة ، قال تعالى فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.
التنزه عن خائنة الأعين
قال تعالى يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
لم يرد لفظ [خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وهي من سورة غافر التي هي سورة مكية ، نزلت قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المدينة .
وورد في الآية عن ابن عباس قال (الرجل يكون في القوم ، فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها ، وإذا غفلوا لحظ إليها ، وإذا نظروا غض بصره عنها ، وقد اطلع الله من قلبه أنه ودَّ أنه ينظر إلى عورتها)( ).
وموضوع الآية أعم ، وهي من آيات الإنذار وتتضمن زجر المشركين عن التعاون بالتلميح والإشارة في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإخبار بأن الله لم يترك الناس سدى بل هو سبحانه مطلع على حركة جوارح كل إنسان ، ويعلم ما يخفيه صدره من النوايا والمقاصد والآمال والرغائب ، وهو وحده سبحانه القادر عليها .
ومن معاني خائنة العين غمز العين والنظر إلى مانهى الله عز وجل عنه ، وتقطيب الجبين .
لقد بذلت قريش الأموال لرؤساء ووجهاء القبائل للإعانة في حربهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت الآية إنذاراً لهم ولحلفائهم ولمن تراوده نفسه على نصرتهم وقبول رشاويهم.
ومن مصاديق الإنذار في آية البحث ما ورد (عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركه مخافتي، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه)( ).
لبيان الأجر والثواب في غض البصر عن المحارم ، قال تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ.
ولما تم فتح مكة في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة أعطى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أماناً للناس جميعاً باستثناء أربعة نفر وامرأتين وقيل تسعة نفر وهم (عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ الْعُزّى بْنُ خَطَلٍ وَالْحَارِثُ بْنُ نُفَيْلِ بْنِ وَهْبِ وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ وَهَبّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَقَيْنَتَانِ لِابْنِ خَطَلٍ كَانَتَا تُغَنّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَارَةُ مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ)( ).
عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي سبق وان هاجر إلى المدينة وصار يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ارتد مشركاً ، وعاد إلى مكة وصار ينال من التنزيل .
إذ يقول لقريش (إني كنت أصرف محمداً حيث أريد، كان يملي علي : عزيز حكيم ، فأقول : أو عليم حكيم ، فيقول : نعم ، كل صواب .
فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، وقتل عبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة)( ).
وادعاؤه هذا غير صحيح ، ثم أن جبرئيل كان يعارض النبي محمداً بالقرآن مرة في السنة ، ويتدارس معه آياته ، وفي السنة التي انتقل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى عارضه فيها مرتين ، فعلم النبي محمد أنه قرب الأجل ، وهذا من خصائصه بأن يعلم بواسطة نزول الملك جبرئيل قرب أجله .
فاختبأ عبد الله بن سعد يوم الفتح عند عثمان بن عفان الذي قدم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو أخوه من الرضاعة أرضعت أمه عثمان .
وبعد أن هدأت الأمور في مكة واقبل الناس على بيعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء به عثمان إلى رسول الله واستأمنه ، وقال (يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى يبايعه ، ثم أقبل على أصحابه .
فقال : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله.
فقالوا : ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ، هلا أومأت إلينا بعينك ، قال : أنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين)( ).
لبيان غلبة الخلق الرفيع وحضوره حتى في ساعة النصر ، وتأكيد بأن من خصائص النبي محمد التنزه عن خائنة الأعين مطلقاً ، والعصمة من استحواذ النفس الغضبية ، فقد منح الأمان لعبد الله بن سعد بن أبي سرح مع شدة إيذائه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل إذ اتخذ كفار قريش أقواله مادة لصد الناس عن الإسلام ، وتحريضهم لقتال النبي محمد ولينزل في المدينة قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ )( ).
و(عن أم معبد قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم طهر قلبي من النفاق ، وعملي من الرياء ، ولساني من الكذب ، وعيني من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)( ).
مدرسة التفاؤل بالأسماء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفاؤله بالأسماء الحسنة ، وفيه استبشار ورضا بما تأتي به الأيام والوقائع ، وإتخاذ من علم الإشارة دلالة في المسميات ، ومناسبة في الأحداث ، وهو موافق لميل النفوس نحو الحسن والجميل وشآبيب الخير .
ومن خصائصه توصية أصحابه بتسمية أولادهم تسميات حسنة ، وأنهم ينادون يوم القيامة باسمائهم وأسماء آبائهم ، إذ ورد (عن أبي الدرداء بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال انكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم)( ).
ولما ولد الإمام الحسن عليه السلام اختار له النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا الاسم ، وكذا بالنسبة للإمام الحسين عليه السلام.
وقيل للإمام الصادق عليه السلام (إنا نسمي بأسمائكم وأسماء آبائكم فينفعنا ذلك ، فقال: إي والله وهل الدين إلا الحب .
قال الله إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ))( ).
ومع أن الاسم غير المسمى فقد تفاؤل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأسماء في مقدمات صلح الحديبيبة عندما جاء سهيل بن عمرو ورآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (مقبلا قال قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل) ( ).
وعندما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة القضاء بقي ثلاثة أيام في مكة (فجاءه سهيل بن عمرو في نفر من أصحابه من أهل مكة فقال يا محمد أخرج عنا اليوم آخر شرطك) ( ).
وقد كان سهيل بن عمرو من أسرى معركة بدر وأسلم يوم الفتح ، وعندما انتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وارتدت طوائف ، وقف سهيل بن عمرو وهو لسان وخطيب قريش ، وخطب في الناس في مكة ، وثبتهم على الإسلام .
وأُختلف في وفاته ، والأظهر أنه مات في طاعون عمواس في الشام في السنة الثامنة عشرة للهجرة (639م).
وعمواس اسم قرية قريبة من بيت المقدس ، ابتدأ الطاعون منها بسبب كثرة القتلى وعدم دفن كثير من قتلى البيزنطيين ، ثم انتشر في بلاد الشام واستمر لمدة شهر مات فيه نحو خمسة وعشرين ألف من المسلمين منهم أبو عبيدة الجراح ومعاذ بن جبل وابنه عبد الرحمن ، وشرحبيل بن حسنة ، ويزيد بن أبي سفيان ، والفضل بن العباس بن عبد المطلب ، وسهيل بن عمرو ، وأبو جندل بن سهيل.
وقيل أصاب الطاعون أيضاً مدينة البصرة ، ومات فيها ناس كثير ، وسميت هذه السنة عام الرمادة لحدوث المجاعة في المدينة المنورة .
وعن (عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فراراً منه)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اصدار القوانين والإرشاد في باب الصحة والطب والوقاية من الأمراض.
وتجلت منافع الطب النبوي في أيام الأوبئة في هذا الزمان مثلما حصل الإبتلاء العالمي بجائحة كورونا قبل سنتين .
وقى الله عز وجل المسلمين وأهل الأرض جميعاً من الأوبئة والأمراض ومقدمات الأسقام ، ويسر لهم اللقاح وسبل العلاج ، قال تعالى وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ.
 
علم جديد في (لا)
(لا) حرف يأتي على قسمين :
الأولى : (لا) النافية التي تسبق الاسم أو الفعل وتفيد نفي حدوثه .
الثانية : (لا) الناهية التي تفيد الكف عن فعل مخصوص ، وهي جازمة ، كما ورد في التنزيل وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا.
ويمكن إضافة قسمين جديدين إلى معنى (لا) وهما :
الأول : (لا) الدعاء والمسألة ، وجاءت آيات عديدة في القرآن والسنة ، قال تعالى لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، وهذه الآية آخر آية من سورة البقرة وابتدأت بـ(لا) النافية.
وورد فيها نداء الربوبية المطلقة (ربنا) ثلاث مرات بعد أن ذكرت اسم الجلالة للدلالة على صدور الدعاء من مقام العبودية لله والتنزه عن الشرك ، ووردت فيها (لا) الدعاء ثلاث مرات ، ثم السؤال والطلب أربع مرات [َاعْفُ عَنَّا] [َاغْفِرْ لَنَا][ ارْحَمْنَا] [فَانْصُرْنَا].
الثاني : (لا) التي هي ضد النهي .
وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، على نحو السالبة الكلية ، فهي لغة نهي ، ولكنها توسل وسؤال فعل ، وهو هلاك الكافرين .
وإذ دعا نوح على قومه بعد أن أخبره الله أن لا يذر بعد من قومه أحد ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمتناعه عن الدعاء على قريش مع شدة محاربتهم له ، وعندما اشتكى عنده الطفيل الدوسي .
وقال اللهم أعني عليه بسبع مثل سبع يوسف فاصابهم القحط والجد سبع سنين حتى اكلوا القد والعظام.
فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال (يا محمد ننشدك الله والرحم لقد أكلنا العليز يعني الوبر بالدم فانزل الله ولَقَدْ أَخَذْنَاهُمَْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ، فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكشف الله عنهم .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رمي أعدائه الذين يحاربونه بالفاقة والجوع ، ولبيان أن من معاني نزول سورة قريش لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ الإنذار للذين كفروا.
بسبب عدائهم ومحاربتهم بالسيوف والرماح للنبوة والتنزيل ، وكان عدد إبل التجارة في قافلة أبي سفيان التي كانت سبب معركة بدر في السنة الثانية للهجرة ألف بعير محملة بالبضائع ، ومنها الذهب والفضة ، والحنطة والشعير ، والقماش ، وليس من أهل بيت في مكة إلا واشتركوا بأموالهم في هذه التجارة .
والنهي لغة المنع وهو ضد الأمر ، أما في الإصطلاح فهو طلب الكف من فعل على جهة الإلزام على وجه الإستعلاء فخرج الأمر لأنه طلب فعل وهو ضد الكف ، وخرج بتوجه النهي من الأعلى إلى الأدنى ومن الخالق إلى المخلوقين ، ومن الرب إلى المربوبين سؤال المنع من الأدنى إلى الأعلى.
ويحتمل ينهون عن المنكر في قوله تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وجوهاً :
الأول : إرادة النهي لغة ، فليس فيه استعلاء ، إذ يصدر من المسلم إلى أخيه المسلم أو عامة الناس .
الثاني : إرادة المعنى الإصطلاحي ، وصبغة الإستعلاء من الناهي عن المنكر إلى المنهي عنه .
الثالث : العنوان الجامع للمعنى اللغوي والإصطلاحي .
والمختار هو الثالث فقد يأتي النهي عن المنكر من الأدنى إلى الأعلى ، ومن التابع إلى المتبوع ، ومن الابن إلى الأب وبالعكس ، وقد يأتي من الفرد إلى الجماعة والطائفة والأمة ، ومنه نداء الأنبياء للصلاح ، قال تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ.
ويأتي النهي من الأدنى إلى الأعلى نسباً ، كما في قول إبراهيم يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، نعم ، هو نهي من مؤمن إلى كافر ، نهي من رسول من الرسل الخمسة أولي العزم إلى كافر.
ويفيد الجمع بين الآية أعلاه وقوله تعالى وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المصاحبة في الدنيا بالمعروف.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمره للمسلمين بالتقيد بالأوامر والنواهي القرآنية ، كما كان ينهى المسلمين والناس عامة عن المنكر والفواحش .
بشارة المؤمنين
ورد قوله تعالى [بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ] خمس مرات في القرآن كلها خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء واحدة في موسى عليه السلام بقوله تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فقد خاف بنو إسرائيل من أذى فرعون إذا أعلنوا صلاتهم ، وقد قام فرعون بتخريب بيعهم وكنائسهم ، ومنعهم من الصلاة ، فأمروا بالصلاة في بيوتهم لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هجرته إلى المدينة وبناءه المسجد النبوي ، وصلاته وأصحابه فيه من غير خوف من كفار قريش ، ثم تعددت المساجد في المدينة ، وتمر السنون لتنتشر المساجد في أقطار الأرض ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته للناس جميعاً .
وآيات بشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين هي :
الأولى : قوله تعالى نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .
الثانية : قوله تعالى التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
الثالثة : قوله تعالى وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا.
الرابعة : قوله تعالى وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وهذا التعدد لبيان قانون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة المؤمنين الذين يقيمون الصلاة .
خصائص النبي محمد (ص) في المعاملات
لقد ضبط القرآن والسنة التصرفات المالية للناس بما يشيع العدل والإنصاف ، ويمنع من الظلم والتعدي والغصب ، ومن مصاديق وصف القرآن بالفرقان كما في قوله تعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، تفريقه بين المعاملات الصحيحة والمعاملات الباطلة ، ومنه قوله تعالى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، وقد أباح الإسلام الملكية الفردية وحفظ حقوق الناس ، مع لزوم إخراج الزكاة عند بلوغ النصاب .
ووردت السنة النبوية ببيان أحكام المعاملات ، ففي باب الرشوة مثلا ورد (عن ثوبان قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي والرائش ، يعني الذي يمشي بينهما)( ).
وعن جابر بن عبد الله قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هدايا الأمراء سحت)( ).
ونهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإحتكار ، والمراد من احتكار الطعام حبسه ليندر وجوده في السوق فيشتد طلبه فيرتفع سعره .
وعن (حفص بن عمر الحوضي قال : مرجى بن رجاء عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم التيمي عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا يحتكر إلا خاطيء لم يرو هذا الحديث عن مرجى إلا أبو عمر الحوض)( ).
وهذا الإنفراد في الرواية أمارة الضعف .
سوق المناخة
لقد أنشا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سوقا للمسلمين في المدينة المنورة ، وعيّن مكانه ، ويسمى سوف المناخة ، وسوق المدينة قريب من ثنية الوداع ، أي التي يودع فيها الناس المسافر والسريا عند خروجها ، وكان مركزاً لسباق الخيل ، وقد حضر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جانباً من هذا السباق ، وسابق بين الخيل .
وكان في المدينة عدد من الأسواق ، فمثلاً كان لبني قينقاع (حي القربان في الوقت الحاضر) ويبعد 3كم عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمي القربان لكثرة الأشجار فيه ، إذ اختص بنو قينقاع بالصياغة والأسلحة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تركه لليهود في المدينة التحاكم إلى شريعتهم ، وإذا رجعوا إليه عند الإختلاف يحكم بينهم ، قال تعالى فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
و(عن أبي أسيد : أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، إني قد رأيت موضعا للسوق، أو لا تنظر إليه .
قال : بلى ، فقام معه حين جاء موضع السوق فلما جاءه أعجبه، وركضه، برجله، وقال: نعم سوقكم، فلا ينقض ولا يضربن عليكم خراج)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منع فرض الضرائب على أصحاب المحلات في السوق لتشجيع التجارة ، ورخص الأسعار ، ومن خصائصه مجئ حديثه بصبغة القانون ، فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لن أضرب عليكم خراجاً ، بل قال على نحو العموم والإستدامة (لايضربن عليكم خراج).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يختار هذا السوق قد ذهب إلى سوق النبيط فنظر إليه ، وقال ليس لكم هذا بسوق ، ثم ذهب إلى سوق آخر ، فقال : هذا ليس لكم بسوق .
وعن الصحابي بريدة بن الحصيب قال (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل السوق قال : اللهم إني أسألك من خير هذا السوق ، وأعوذ بك من الكفر والفسوق)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان ابتداء الدخول في السوق بالدعاء للتوفيق للأحسن في الرزق والبيع والشراء مع الإستعاذة من إغواء الشيطان .
إصرار المشركين على القتال
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بلواء المحبة والمودة والرأفة ، وهو لم يعاد أحداً وكان يمتنع عن الدعاء على المشركين رجاء دخولهم الإسلام ، إذ أنه يعلم بقانون الموت على الكفر طريق الإقامة في النار .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبره على أذى قريش وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده الذي مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ووقعت أول معركة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين وهي معركة بدر باصرار من قبل المشركين على القتال ، يومئذ يوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
ترى لماذا أصرت قريش على القتال يومئذ ، الجواب من وجوه :
الأول : إدعاء عزم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على الإستيلاء على قافلة أبي سفيان ، ولا دليل على هذه الدعوى .
كان أبو سفيان قادماً من الشام بقافلة فيها ألف بعير محملة بالبضائع ومنها الذهب والفضة والقماش والطعام وغيرها ، ظنوا أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يريدون مهاجمة القافلة ، ولم يكن مع أبي سفيان إلا ثلاثون أو أربعون رجلاً عندئذ قام باستئجار ضمضم بن عمرو وأرسله إلى قريش ليخبرهم أن القافلة تتعرض للسلب والإستيلاء من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
وأبو سفيان لم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم ير أصحابه في الطريق من الشام إلى مكة ، وليس عنده دليل على عزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإستيلاء على القافلة .
نعم كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرج من المدينة في كتائب حواليها يقيم صلاة الجماعة في الجادة العامة ، وفي مداخل القرى متى ما حان وقتها ، وفيه دعوة للإيمان.
واتفق عند قدوم القافلة أنه وأصحابه كانوا خارج المدينة ، وقد بلغهم نبأ قدوم قافلة أبي سفيان من الشام ، قال تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] ( ) .
وحينما وصل رسول أبي سفيان إلى مكة مستغيثاً نادبا لنجدة القافلة ، أعلنت قريش النفير ، وكانوا يعلمون على نحو التقريب أعداد المسلمين الذين يخرجون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب في كل مرة ، وهم نحو مائتين إلى ثلاثمائة ، فزجت قريش بألف رجل مدججين بسيوف حادة قاطعة، إذ أنهم لكثرة أموالهم وتجارتهم ورحلاتهم في البلدان يشترون ويقتنون النوع الجيد من السلاح والخيل والدروع واللباس ، فاجتمع منهم ألف رجل في ثلاثة أيام.
الثاني : لقد أغاض كفار قريش سيادة الإسلام في المدينة ، وهجرة المسلمين اليها ، وبناء المسجد النبوي ، وميل عامة الناس للإسلام حتى داخل مكة فارادوا الإجهاز على الإسلام .
الثالث : قصد قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووقف نزول آيات القرآن ، والعمل بأحكامه .
الرابع : نصرة قريش والقبائل للأصنام التي يعبدون .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقابلته إصرار المشركين على القتال بالدعوة إلى السلم ، ورجاء صرف القتال ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنقطاعه إلى الصلاة والدعاء في حال الشدة والرخاء.
وعن الإمام علي عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) ( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يحض أصحابه على الدعاء ويرغّب فيه .
ومن أسباب نزول قوله تعالى وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، أن أبا جهل رأى أحد المسلمين يدعو الله في صلاته ويدعو الرحمن ، فقال (أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً ، فما بال هذا يدعو ربين اثنين .
فأنزل الله تعالى وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بها، الرحمن الرحيم الملك القدوس ونحوه . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الرجل فقال : ادْعُ الله أَوْ ادْعُ الرحمن رَغْماً لأَنْفِ المُشْرِكِينَ)( ).
قانون قتال النبي محمد ( ص) دفاع
لقد أثنى الله عز وجل على الأنبياء وأخبر القرآن بأن شطراً من الأنبياء قاتلوا دفاعاً عن بيضة الإسلام وعن أنفسهم ومعهم طائفة من الصحابة ، قال تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.
مع بيان الآية أعلاه بأن قتال الأنبياء في سبيل الله ، وليس لغايات دنيوية ، وأن الأذى الذي لحقهم جاء من المشركين ، ولم يملوا من القتال ومن الدعوة إلى الله عز وجل .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تضمن رسالته توثيق جهاد الأنبياء السابقين وأصحابهم في سبيل الله ، وهذا التوثيق متجدد في كل يوم من أيام الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة بتلاوة المسلمين والمسلمات لآيات وسور القرآن في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني.
ويدل إخبار القرآن عن توالي بعثة الأنبياء على بشارتهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل يعلم الأنبياء بأن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحفظ لهم جهادهم في سبيل الله هم وأصحابهم ، فلذا يقومون بالبشارة بها ، والمختار نعم ، وان كانت بشارتهم برسالته بالوحي وأمر من عند الله عز وجل .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن آيات القرآن تعضيد له ولأهل بيته وأصحابه في الصبر على الأذى ، والثبات في ميدان الدفاع ، وعدم الفرار لدلالة آية البحث على صبر الأنبياء وأصحابهم ، وتدعو الآية المسلمين إلى الصبر كما صبر في ميدان القتال ،ومطلقاً كما صبر الأنبياء وأصحابهم الربانيون ، لذا أختتمت الآية بقوله تعالى فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
الوعيد بقيام الساعة
ورد قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن ، وكل واحدة منها خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الإجابة من عند الله عز وجل على تلك الأسئلة منها مرتين بخصوص قيام الساعة ويوم القيامة يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَاويَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
ومن الإعجاز تكرار يسألونك عن الساعة أيان مرساها ، فجاء الجواب من عند الله مرة واحدة ، ولم يتكرر في الآية الأخرى .
وتدل صيغة الجمع [يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ]على تعدد هذا السؤال ، وكثرة السائلين بخصوص أوان يوم القيامة ، وفيه دلالة على إقرار الناس بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل يأتي هذا السؤال من باب الإختبار ، الجواب نعم ، إلا أن ظاهر الآيتين إرادة العلم والمعرفة (عن ابن عباس قال : إن مشركي أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : متى تقوم الساعة استهزاء منهم ، فنزلت يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا يعني متى مجيئها)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعضيد ونصرة الله عز وجل له حينما يريد المشركون اختباره بنزول الإجابة على اسئلتهم من عند الله عز وجل ، وفيه دعوة لهم ومن خلفهم في كل زمان للتوبة والإنابة .
ومن الإعجاز أن الله عز وجل لم يترك هذه الأسئلة سدى ولكنه تفضل وأجاب عليها ، ولم يخبر عن تعيين وقت مخصوص لأوان يوم القيامة , إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينذر كفار قريش ويتلو عليهم الآيات التي تتضمن الوعيد بانقطاع الحياة الدنيا ، وقيام يوم القيامة مثل قوله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا.
كما جاءت سور وآيات عديدة مكية ومدنية منها سورة الهمزة وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ وسورة التكاثر أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ *حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ وسورة القارعة الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُوَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ وقوله تعالى أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وسورة الزلزلة لبيان حال الرعب الشديد الذي يصاحب أوان قيام الساعة ، وقوله تعالى إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَاوَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا* بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا* يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعضيد آيات وسور القرآن له في دعوته ، ومن وجوه هذا التعضيد :
الأول : مخاطبة العقول .
الثاني : الإخبار عن حق وصدق وبيان خاتمة الدنيا ، ووقوف الناس بين يدي الله للحساب .
الثالثة : هذا الوعيد من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
الرابع : توبة طائفة من الناس للخشية من يوم القيامة ، والإستعداد له .
الخامس : جعل يوم القيامة حاضراً في الوجود الذهني ، وفي المنتديات .
السادس : زجر المشركين عن محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع : إدراك الناس بأن الإيمان سبيل النجاة في عالم البرزخ ويوم القيامة.
الثامن : الإستعداد ليوم القيامة بالعمل الصالح ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مات فقد قامت قيامته ، فليس ثمة فترة بين الموت وعالم الحساب ، ومنه مسألة منكر ونكير في القبر في عالم البرزخ .
ومعنى أَيَّانَ مُرْسَاهَا أي متى قيامها ووقوعها ، ومن أسباب نزول هذه الآيات أن قريشاً قالوا (يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة قال يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ))( ).
وأشراط الساعة هي علامات وأمارات اقترابها ودنو أوانها ، وسميت الساعة لسرعة حدوثها .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره عن علامات الساعة بأحوال ظاهرة وجلية وعامة عند الناس .
علامات الساعة
لقد كان المسلمون والناس يكثرون من سؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أوان يوم القيامة فتأتي الإجابة من جهتين :
الأولى : نزول آيات من القرآن تتضمن الجواب الإجمالي عن قيام الساعة ، قال تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
لبيان أن مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سماع الله عز وجل للأسئلة التي توجه إليه مع نزول الإجابة من عند الله سبحانه .
الثانية : ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشراط الساعة في أحاديث متعددة تتضمن البيان الجلي سواء قبل الهجرة أو بعدها ، وإجابته على الأسئلة أو حديثه عن علامات وأشراط الساعة وكيفيتها ابتداء على المنبر أو في المسجد وخارجه من غير تعيين أوان محدد لقيام الساعة للآية أعلاه.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنفراده من بين الأنبياء بتعدد أحاديثه الساعة عن ، وكل حديث يتضمن علامات غير التي يذكرها في الأحاديث الأخرى ، وكما أنها من خصائصه فهي من معجزاته ، وانتفاع أجيال الناس من رسالته .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره عن أحوال الناس آخر الزمان إذ ورد عن الشعبي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً فيقال ابن ليلتين)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار عن تغيرات كونية تؤثر في أوان العبادات ، ومنه قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره عن تغير المناخ في هذا الزمان وتطوره فيما بعد للتأثير النسبي القليل في التوقيت ونحوه .
وفي هذا الإخبار منع للإختلاف والشقاق بين المسلمين في تعيين أوان العبادات.
وأخرج (ابن أبي الدنيا والبزار عن علي عليه السلام قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : متى الساعة؟ فزبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا صلى الفجر رفع رأسه إلى السماء فقال : تبارك خالقها ورافعها ومبدلها وطاويها كطي السجل للكتاب.
ثم تطلع إلى الأرض فقال تبارك خالقها وواضعها ومبدلها وطاويها كطي السجل للكتاب ثم قال : أين السائل عن الساعة .
فجثا رجل من آخر القوم على ركبتيه فإذا هو عمر بن الخطاب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عند حيف الأئمة ، وتكذيب بالقدر ، وإيمان بالنجوم ، وقوم يتخذون الأمانة مغنماً والزكاة مغرماً والفاحشة زيارة ، فسألته عن الفاحشة زيارة ، قال : الرجلان من أهل الفسق يصنع أحدهما طعاماً وشراباً ويأتيه بالمرأة فيقول اصنع لي كما صنعت فيتزاورون على ذلك قال : فعند ذلك هلكت أمتي يا ابن الخطاب)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التحذير والإنذار من الفسوق والأخلاق المذمومة ، وبيان علة تعيين النفخ في الصور وانقطاع الحياة على الأرض بمخالفة القواعد الشرعية ، وبشيوع الفساد والفجور.
السلام على المعرفة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إحياء السلام تحية ، ليعيد إلى الأرض اشاعة وإفشاء سلام الملائكة ، وسلام آدم عليه السلام .
(فقد ثبت في الخبر : أن اللَّه تعالى خلق آدَمَ ، ثم قَالَ لَهُ : اذْهَبْ إِلى أُولَئِكَ النَّفَر مِنَ المَلاَئِكَةِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ ، فَجَاءَهُمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا لَهُ : وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ : هَذِهِ تَحِيَّتُكَ ، وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَة)( ).
لبيان أم من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تثبيت سلام الملائكة في الأرض ييوم ينفخ في الصور ، لتكون التحية عنوان الود والسلام والرأفة ، وفي قول (السلام عليكم) ورده أجر وثواب .
(وقال رسول الله صلى الله عليه وآله :إذا قام أحدكم من مجلسه فليودعهم بالسلام، وقال عليه السلام : أفشوا السلام تسلموا.
وقال عليه السلام : إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام)( ).
و(عن ابن جرير قال : أخبرت أن قوله (سلام عليكم) قال : كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال : سلام عليكم ، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً)( ).
لبيان أن النبي محمداً يبادر إلى السلام على الصحابة والأهل وإن هم الذين دخلوا عليه مجلسه ، ليخبر عن علامة من علامات قيام الساعة وهي أن الإنسان يسلم على من يعرفه دون غيره.
و(عن علقمة قال : لقي عبد الله ابن مسعود أعرابي ونحن معه فقال : السلام عليك يا أبا عبد الرحمن فضحك فقال : صدق الله ورسوله سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة وإن هذا عرفني من بينكم فسلم علي وحتى تتخذ المساجد طرقا فلا يسجد لله فيها وحتى يبعث الغلام الشيخ بريدا بين الأفقين ، وحتى يبلغ التاجر بين الأفقين فلا يجد ربحا)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعليم المسلمين سبل إرجاء قيام الساعة بالعمل الصالح ، ومنه إفشاء السلام على الجميع .
و(عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض ، فافشوا السلام بينكم)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال: جمع رسول الله صلى الله عليه واله بني عبد المطلب فقال: يا بني عبد المطلب أفشوا السلام، وصلوا الارحام، وتهجدوا والناس نيام، وأطعموا الطعام، وأطيبوا الكلام تدخلوا الجنة بسلام)( ).
لبيان مسألة وهي أن اشراط الساعة لا تأتي دفعة بل على نحو تدريجي وفي مواضيع متعدد.
خمسون شرطاَ في حديث واحد
من خصائص النبي محمد الإجتهاد في بيان أشراط وعلامات يوم القيامة ، والإخبار عن هذه العلامات من الإعجاز ، من جهات :
الأولى : بيان أحوال الناس في آخر الزمان .
الثانية : تأكيد قانون وجوب تعاهد سنن الإيمان .
الثالثة : قانون ارجاء قيام الساعة بأداء الفرائض العبادية والعمل الصالح.
الرابعة : قانون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لتعجيل النفخ في الصور .
الخامسة : الإنذار النبوي من سوء الأخلاق ، وسيادة الفسوق في المجتمعات .
وقد ورد في حديث ابن عباس أدناه ابتداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإخبار عن أشراط الساعة في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة .
فاكثر سلمان المحمدي السؤال بخصوصه ، ليجيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي فتنتفع أجيال المسلمين وعامة الناس من السنة النبوية لما فيه تعاهد سبل الصلاح ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وفيه دلالة على تفقه سلمان في الدين.
فذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسين شرطاً وعلامة للساعة في هذا الحديث ، كل شرط يلزم الشرح والتفصيل بصيغة البشارة والإنذار ، من قبل العلماء ، قال تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وقمت بترقيم هذه الأشراط للبيان .
ليسمع وفد الحاج خاصة وقد حضر نحو مائة ألف هذا الموسم ، إذ (أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال : أيها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة؟ فقام إليه سلمان فقال : أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله.
قال : إن من أشراط الساعة :
1- إضاعة الصلاة .
2- والميل مع الهوى .
3- وتعظيم رب المال . فقال سلمان : ويكون هذا يا رسول الله؟ قال : نعم والذي نفس محمد بيده ، فعند ذلك يا سلمان .
4- وتكون الزكاة مغرماً .
5- والفيء مغنماً .
6- ويصدق الكاذب.
7- ويكذب الصادق .
8- ويؤتمن الخائن .
9- ويخون الأمين .
10- يتكلم الرويبضة .
قال : وما الرويبضة ، قال : يتكلم في الناس من لم يتكلم .
11- وينكر الحق تسعة أعشارهم .
12- ويذهب الإِسلام فلا يبقى إلا اسمه .
13- ويذهب القرآن فلا يبقى إلا رسمه.
14- وتحلى المصاحف بالذهب .
15- وتتسمن ذكور أمتي .
16- وتكون المشورة للإِماء .
17- ويخطب على المنابر الصبيان .
18- وتكون المخاطبة للنساء .
19- فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع .
20- وتطول المنائر .
21- وتكثر الصفوف .
22- مع قلوب متباغضة .
23- وألسن مختلفة .
24- وأهواء جمة .
قال سلمان : ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال : نعم والذي نفس محمد بيده .
25- عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة .
26- يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره .
27- ويكتفي الرجال بالرجال .
28- والنساء بالنساء .
29- ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر ، فعند ذلك يا سلمان.
30- يكون أمراء فسقة .
31- ووزراء فجرة .
32- وأمناء خونة .
33- يضيعون الصلوات.
34- ويتبعون الشهوات ، فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها .
35- عند ذلك يا سلمان يجيء سبي من المشرق .
36- وسبي من المغرب .
37- جثاؤهم جثاء الناس( ).
38- وقلوبهم قلوب الشياطين .
39- لا يرحمون صغيراً .
40- ولا يوقرون كبيراً .
41- عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً وأغنياؤهم للتجارة .
42- ومساكينهم للمسألة .
43- وقراؤهم رياء وسمعة .
44- قال : ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال : نعم والذي نفسي بيده ، عند ذلك يا سلمان يفشو الكذب .
45- ويظهر الكوكب له الذنب .
46- وتشارك المرأة زوجها في التجارة .
47- وتتقارب الأسواق .
48- قال : وما تقاربها؟ قال : كسادها وقلة أرباحها عند ذلك يبعث الله ريحاً فيها حيات صفر .
49- فتلتقط رؤساء العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه .
50- قال : ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال : نعم والذي بعث محمداً بالحق)( ).
ولا تنحصر أشراط الساعة بما ورد في هذا الحديث إذ وردت أحاديث نبوية عديدة بهذا الخصوص ، لبيان أن من خصائص النبي محمد ذكره لعلامات كثيرة تقرب وتنبئ عن يوم القيامة .
وهو من الشواهد على فضل الله عز وجل باطلاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعلامات الساعة ، وهو من مصاديق قوله تعالى تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
الإنذار من تقريب الساعة
من خصائص الإنذار القرآني ، والإنذار الرسالي أنهما رحمة للناس ، ودعوة للإحتراز والإحتياط واجتناب منازل مساقط الهلكة ومهاوي الغواية والضلالة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنذار العام من الأفعال والسيئات التي تقرب أوان يوم القيامة .
ترى كيف يقرب الناس أوان الساعة ، وهو أمر بيد الله عز وجل ، الجواب قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
فاذا امتنع الناس عن عبادة الله عز وجل انتفت علة وجودهم وحياتهم وحان أوان الحساب والجزاء .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه لأشراط الساعة من أجل إصلاح الناس وعمارتهم الأرض بالذكر والعبادة وتلاوة التنزيل .
و(عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)( ).
و(عَنْ سَلَامَةَ ابْنَةِ الْحُرِّ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُومُونَ سَاعَةً لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ)( ).
و(عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون أمام الدجال سنون خوادع يكثر فيها المطر ويقل فيها النبت ويكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها المين وتنطق فيها الرويبضة ، قيل يا رسول الله وما الرويبضة ، قال : من لا يؤبه له)( ).
وعن (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أُمَّتِي يَسُوقُهَا قَوْمٌ عِرَاضُ الْأَوْجُهِ صِغَارُ الْأَعْيُنِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْحَجَفُ ثَلَاثَ مِرَارٍ حَتَّى يُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ أَمَّا السَّابِقَةُ الْأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَيَهْلِكُ بَعْضٌ وَيَنْجُو بَعْضٌ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيُصْطَلُونَ كُلُّهُمْ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ التُّرْكُ)( ).
وهل يشير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أحاديثه إلى الحرب التكنولوجية ، المختار نعم .
وعن حذيفة (قال : إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر ، قال : قلت : يا رسول الله ، أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله يكون بعده شر كما كان قبله ، قال : نعم .
قلت : يا رسول الله ، فما العصمة من ذلك ، قال : السيف .
قلت : وهل للسيف من بقية ، قال : نعم ، قلت : ثم ماذا ، قال : ثم هدنة على دخن .
قال : جماعة على فرقة ، فإن كان لله عز وجل يومئذ خليفة ضرب ظهرك وأخذ مالك ، فاسمع وأطع وإلا فمت عاضا بجذل شجرة .
قلت : ثم ماذا ، قال : يخرج الدجال ومعه نهر ونار ، فمن وقع في ناره أجره وحط وزره ، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره .
قلت : ثم ماذا ، قال : ثم إنما هي قيام الساعة)( ).
و(أخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم ، وصححه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله ، وحتى تمر المرأة بقطعة النعل فتقول : قد كان لهذه رجل مرة وحتى يكون الرجل قيم خمسين امرأة ، وحتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض)( ).
وعن أنس بن مالك (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة على رجل يقول : لا إله إلا الله ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان قانون موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في استدامة الحياة الدنيا ، وكأن النبي محمداً يقول لا تفرطوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانه قوام حياتكم الدنيا ، وباب الأجر والثواب في الآخرة .
و(عَنْ عِلْبَاءَ السُّلَمِيِّ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى حُثَالَةِ النَّاسِ)( ).
والحثالة : ما يسقط من قِشر الشعير والتمر والأُرز عند تنقيته ، وحُثالة الناس : رُذالهم .
و(أخرج أحمد ومسلم عن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم لا يدركني زمان لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)( ).
و(أخرج أحمد عن سهل بن سعد الساعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم لا يدركني زمان ولا تدركون زماناً لا يتبع فيه العليم ولا يستحيا من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب)( ).
و(أخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمر قال : لا تقوم الساعة حتى تضطرب اليات نساء حول الأصنام)( ).
و(أخرج الطبراني عن عبدالله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن من أشراط الساعة أن تعزب العقول وتنقص الأحلام)( ).
و(أخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال : كان يقال من اقتراب الساعة موت الفجأة)( ).
و(أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في البعث عن طلحة بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن من أشراط الساعة هلاك العرب)( ).
الذكاء الإصطناعي
و(أخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام وفشو القلم وظهور الشهادة بالزور وكتمان شهادة الحق)( ).
المراد من قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (بين يدي الساعة) أي العلامات التي تدل على اقتراب النفخ في الصور وانقطاع الحياة الدنيا ، وفيه بعث للسكينة في نفوس المسلمين عليهم وعلى ذراريهم للأمن من قرب يوم القيامة للتحلي العام بخصال الإيمان .
والمراد من (تسليم الخاصة) أي أن السلام حسب المعرفة ، فمن لا يعرفه لا يسلم عليه .
و(فشو التجارة) أي كثرة الأسواق وأنواع المعروض فيها وكثرة الشراء ، وعمل المرأة مع زوجها في المشاريع التجارية.
أما (فشو القلم) فالمراد منه كثرة الكتابة والتآليف في العلوم والوقائع .
وهل يدل على ثورة الأنترنيت في هذا الزمان ، وقيام الذكاء الإصطناعي بالتآليف واعداد الدراسات ، الجواب نعم .
وهل منه معرفة لغة الحيوان ، أو صناعة الحيوان الآلي ، المختار نعم ، فقد ورد (عن أبي سعيد الخدري ، قال : بينا راع يرعى بالحرة إذ عرض ذئب لشاة من شائه ، فجاء الراعي يسعى فانتزعها منه ، فقال للراعي : ألا تتقي الله ، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي ؟ قال الراعي : العجب للذئب – والذئب مقع على ذنبه – يكلمني بكلام الإنس ، قال الذئب للراعي : ألا أحدثك بأعجب من هذا ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحرتين ، يحدث الناس بأنباء ما قد سبق ، فساق الراعي شاءه إلى المدينة ، فزواها في زاوية من زواياها ، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له ما قال الذئب ، فخرج رسول الله وقال للراعي : قم فأخبر ، فأخبر الناس بما قال الذئب ، وقال صلى الله عليه وسلم : صدق الراعي ، ألا من أشراط الساعة كلام السباع الإنس ، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس ، ويكلم الرجل نعله ، وعذبة سوطه ، ويخبره فخذه بحديث أهله بعده)( ).
و(أخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين ، وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرفه ، وأن يبرد الصبي الشيخ لفقره ، وأن تتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان)( ).
وتدل خاتمة الحديث على كثرة البناء وارتفاع البيوت والسكن ، وبلوغ البناء إلى القرى ومساكن الأعراب والرعاة دلالة على استقرارهم في السكن بعد أن كانت الخياة مساكنهم ، مع كثرة الرحيل وراء الكلأ والماء .
و(أخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر مرفوعاً يكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف ، العنوهن فإنهن ملعونات لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمتهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم فقلت لأبي : وما المياثر؟ قال : سروجٌ عظام)( ).
و(عن أبي أمامة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يخرج من هذه الأمة قوم معهم سياط كأنها أذناب البقر يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه)( ).
و(عن أبي أمامة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يزداد الأمر إلا شدة ، ولا يزداد الزمان إلا إفاضة ، ولا يزداد الناس إلا شحا ، ولا تقوم الساعة إلا على شرار خلقه)( ).
و(عن أبي ذر قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فلما رجعنا تعجل الناس فدخلوا المدينة ، فسأل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر أنهم تعجلوا إلى المدينة ، فقال : يوشك أن يدعوها أحسن ما كانت ، ليت شعري متى تخرج نار من جبل الوراق فتضيء لها أعناق البخت بالبصرى سروجا كضوء النهار)( ).
و(عن رافع بن بشر السلمي ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن تخرج نار من حبس ، تسير سير بطيئة الإبل ، تسير بالنهار ، وتكمن بالليل ، يقال : غدت النار أيها الناس فاغدوا ، قالت النار : أيها الناس فقيلوا ، راحت النار أيها الناس فروحوا ، من أدركته أكلته)( ).
و(أخرج الحاكم عن أبي البداح بن عاصم الأنصاري بسند ضعيف قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثان ما قدم فقال : أي حبس سيل؟ قلنا : لا ندري فمر بي رجل من بني سليم ، فقلت : ومن أين جئت؟ قال : من حبس سيل . فأتيت فقلت يا رسول الله : إن هذا الرجل يخبر أن أهله بحبس سيل .
فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : أخر أهلك فإنه يوشك ان تخرج منه نار تضيء أعناق الإِبل ببصرى) ( ).
و(عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تزال الأمة على شريعة ما لم تظهر فيهم ثلاث : ما لم يقبض منهم العلم ، ويكثر فيهم ولد الخبث ، ويظهر فيهم السقارون قالوا : وما السقارون يا رسول الله ، قال : بشر يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن)( ).
و(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَكْثُرُ الصَّوَاعِقُ عِنْدَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ حَتَّى يَأْتِيَ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَيَقُولَ مَنْ صَعِقَ تِلْكُمْ الْغَدَاةَ فَيَقُولُونَ صَعِقَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ)( ).
و(عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت)( ).
الرفق بالحيوان
قال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.
لتشمل الآية أعلاه الحيوانات والطيور والنباتات والجمادات ، وقد يرتقي العلم قريباً إلى اثبات أن لكل جنس من الحيوانات لغة خاصة بها لأصالة العموم في الآية أعلاه .
ويبين قوله تعالى وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ إكرام الله عز وجل للأنبياء وتسبيح الجماد والطير مع بعضهم.
وهذه المعجزة ورثها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واختص الله عز وجل النبي محمداً بسلام الحجر عليه وهو في مكة ، وتسبيح الحصى بين يديه ، وشكوى بعض الحيوانات عنده.
(عن أنس بن مالك قال : مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قوم قد صادوا ظبية فشدوها إلى عمود فسطاط فقالت : يا رسول الله إني وضعت ولدين خشفين فاستأذن لي أن أرضعهما ثم أعود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلوا عنها حتى تأتي خشفيها فترضعهما وتأتي إليكما .
قالوا : ومن لنا بذلك يا رسول الله .
قال : أنا ، فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها .
قال : تبيعوها .
قالوا : يا رسول الله هي لك ، فخلوا عنها فأطلقوها فذهبت .
رواه الطبراني في الأوسط وفيه صالح المري وهو ضعيف .
وعن أم سلمة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحراء فإذا مناد يناديه : يا رسول الله فالتفت فلم ير أحداً ثم التفت فإذا ظبية موثوقة فقالت : ادن مني يا رسول الله، فدنا منها فقال : حاجتك.
فقالت : إن لي خشفين في هذا الجبل فخلني حتى أذهب فأرضعهما ثم أرجع إليك ، قال : وتفعلين.
قالت : عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل ، فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت فأوثقها، وانتبه الأعرابي فقال : ألك حاجة يا رسول الله .
قال : نعم تطلق هذه ، فأطلقها فخرجت تعدو وهي تقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
رواه الطبراني وفيه أغلب بن تميم وهو ضعيف .
والمختار أن تعدد الروايات الضعيفة في الأخبار والمستحبات يقوي بعضها بعضاً .
سفينة والأسد
سفينة لقب صحابي واسمه مهران وقيل أحمر ، وقيس ، وكنيته أبو عبد الرحمن ، وهو مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عبداً لأم سلمة اعتقته وشرطت عليه خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عاش.
و(عن أحمر مولى أم سلمة قال كنا في غزاة فجعلت اعبر الناس في واد أو نهر فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت في هذا اليوم إلا سفينة)( ).
وهل هذا اللقب مدح له ، الجواب نعم ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الثناء على الذي يجد في العمل ، ويظهر الصبر وحسن السمت .
لقد سخّر الله عز وجل الأسد لسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا وجهه إلى معاذ باليمن فلقي الأسد فعرفه أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابه، فهمهم وتنحى عن الطريق، وذكر في منصرفه مثل ذلك.
وذكر البيهقي بسنده عن سفينة قال (ركبت سفينة في البحر فانكسرت فركبت لوحا منها فاخرجني إلى أجمة فيها أسد إذ أقبل الأسد فلما رأيته قلت يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله فأقبل نحوي حتى ضربني بمنكبه ثم مشى معى حتى أقامني على الطريق قال ثم همهم ساعة وضربني بذنبه فرأيت أنه يودعني)( ).
(أن سفينة مولى رسول الله أخطأ الجيش بأرض الروم أو أسر في أرض الروم فانطلق هاربا يلتمس الجيش فإذا هو بالأسد فقال له يا أبا الحارث إني مولى رسول الله كان من أمري كيت وكيت فأقبل الأسد يبصبصه حتى قام إلى جنبه كلما سمع صوتا أهوى إليه ثم أقبل يمشي إلى جنبه فلم يزل كذلك حتى بلغ الجيش ثم رجع الأسد والله تعالى هو أعلم)( ).
بالإسناد عن سعيد بن جمهان (قلت لسفينة ما اسمك قال ما أنا بمخبركم ثم قال سماني رسول الله سفينة.
قلت ولم سماك سفينة قال خرج رسول الله ومعه أصحابه فثقل عليهم متاعهم.
فقال لي رسول الله ابسط كساءك فبسطته فجعلوا فيه متاعهم فحملوه علي.
فقال رسول الله احمل فإنما أنت سفينة فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي إلا أن يخفو) ( ).
لبيان أن سفينة يكتفي باظهار الاسم الذي نعته به رسول الله.
تكليم الحيوانات
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكليمه الحيوانات ، وهذا التكليم ليس مطلقاً إنما على نحو الموجبة الجزئية حيث يأذن الله ، ولزيادة إيمان المسلمين وإخلاصهم في طاعة الله عز وجل ، ولبيان أن الحيوانات تسبح لله ، قال تعالى يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
وعن سفينة قال : خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين ، وروي له عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة عشر حديثاً .
وعن سفينة (قال : احجتم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: خذ هذا الدم فادفنه من الطير والدواب والناس، فتغيبت فشربته ثم سألني أو أخبر أني شربته فضحك ، وقال سريج (نا) حشرج قلت لسعيد بن جمهان : أين لقيت سفينة ؟ قال: ببطن نخلة زمن الحجاج)( ).
روي عن إبراهيم بن حماد بسنده من كلام الحمار الذي أصابه بخيبر، وقال له: اسمي يزيد بن شهاب.فسماه النبي صلى الله عليه وسلم يعفورا، وأنه كان يوجهه إلى دور أصحابه، فيضرب عليهم الباب برأسه، ويستدعيهم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات، تردى في بئر جزعاً وحزناً ، فمات).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يوصي وفي أحاديث عديدة بالرفق بالحيوان ، وإجتناب تعذيبها .
وعن (ابنِ عمر : أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا ، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ .
ثم أسند أبو عُمَرَ : أَنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم دَخَلَ حَائِطاً مِنْ حِيطَانِ الأَنْصَارِ ، فَإذَا جَمَلٌ قَدْ أُتِيَ فَجُرْجِرَ ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ ، فَسَكَنَ ، فَقَالَ : مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ .
فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ ، فَقَالَ : هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ في هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ؛ إنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ)( ).
لبيان حرمة إيذاء الإنسان من باب الأولوية القطعية ، ولجعل المسلم يحترز في قوله وعمله ، ولا يضر إنساناً أو حيواناً .
وعن (النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّه قال : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ ، يَأْكُلُ الثرى مِنَ العَطَشِ.
فَقَالَ الرَّجُلُ : لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي ، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً ، فَقَالَ : في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الترغيب بالعناية والرفق بالحيوان للفوز بالثواب ، وكذا فان الإحسان للناس فيه ثواب وأجر أعظم للأولوية وفيه تنمية لملكة الشفقة والرأفة عند المسلمين والناس جميعاً .
وروى الطبراني عن ابن عباس أن رجلا من الانصار كان له فحلان فاغتلما فأدخلهما حائطا، فسد عليها الباب، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يدعو له، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد معه نفر من الانصار.
فقال : يا رسول الله، إني جئت في حاجة، وإن فحلين لي اغتلما، وإني أدخلتهما حائطا، وسددت عليهما الباب، فأحب أن تدعو لي أن يسخرهما الله عز وجل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه : قوموا معنا ، فذهب حتى أتى الباب ، فقال : إفتح ، فأشفق الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : افتح ، ففتح ، فإذا أحد الفحلين قريب من الباب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتني بشئ أشد به رأسه وأمكنك منه.
فجاء بخطام فشد رأسه وأمكنه منه ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الاخر ، فلما رآه وقع ساجدا له ، فقال للرجل : ائتني بشئ أشد به رأسه ، فشد رأسه وأمكنه منه ، فقال : اذهب فإنهما لا يعصيانك)( ).
أسماء قوانين هذا الجزء المبارك
الأول : قانون وجوب الشكر لله عز وجل.
الثاني : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شواهد على صدق نبوته.
الثالث : قانون السنة النبوية تفسير للقرآن.
الرابع : قانون أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن هو النبي محمد ، فكل مرة منها هي ذكر للنبي محمد.
الخامس : قانون وجوب الجزاء العاجل الحسن من الناس للأنبياء .
السادس : قانون ترشح خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأقربين ، وانتفاع عامة الناس منها .
السابع : قانون تجدد مجئ الأجر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الناس كل يوم .
الثامن : قانون لا يعلم كثرة منافع مودة قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا الله عز وجل .
التاسع : قانون استدامة مودة قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة ، ففي كل زمان هناك أمة تود ذوي القربى ، وتتبع أئمة أهل البيت عليهم السلام.
العاشر : قانون البيان.
الحادي عشر : قانون الملازمة بين أيام النبوة والسلم.
الثاني عشر : قانون كل مسلم يناجي الله يومياً.
الثالث عشر: قانون الدعاء مجلبة للنصر.
الرابع عشر : قانون أكثر الناس يمتنعون عن قتال المسلمين .
الخامس عشر : قانون كل معركة تقع في ملاقاة المشركين تنتهي بذات يوم وقوعها وبهزيمة وخزي للمشركين.
السادس عشر : قانون النطق بالشهادتين عهد.
السابع عشر : قانون الأحكام التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة وذات نفع عام .
الثامن عشر : قانون النجاة بالعمل بالكتاب والسنة .
التاسع عشر : قانون سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرب على الشرك ودفع للظلم والتعدي .
العشرون : قانون التضاد بين الإيمان والاحقاد فلا أحقاد وضغائن بين المؤمنين .
الواحد والعشرون : قانون مصاحبة المعجزة العقلية والحسية لإعلان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنبوته.
الثاني والعشرون : قانون مصاحبة الخيبة للمعتدين ، وهو من أسرار آية ونعمة خلافة الإنسان في الأرض ، فمن تقيد بأحكام وسنن الخلافة حسب التنزيل فاز بمصاديق قانون الأمن والسلامة في النشأتين للمتقين.
الثالث والعشرون : قانون تأسيس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقانون التنزه العام من التعدي ، وإدراك الناس لقبحه وأنه ضرر محض على أصحابه.
الرابع والعشرون : قانون توثيق معجزات الأنبياء.
الخامس والعشرون : قانون التوثيق الخالد لمعجزات الأنبياء الحسية وصيرورتها معجزات عقلية بذكرها في القرآن مع أنها حسية ، وهو من الشواهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس والعشرون : قانون كل زيارة من زيارات جبرئيل للنبي مناسبة لتلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العلوم .
السابع والعشرون : قانون قدرة الله عز وجل على كل شئ ، وبما يفوق عالم التصور والإمكان العقلي.
الثامن والعشرون : قانون الرؤيا سلم وأمن.
التاسع والعشرون : قانون رؤيا النبي شعبة من الوحي ، وتتصف بالصدق ، ويتنجز مصداقها الواقعي .
الثلاثون : قانون رؤيا النبوة من الوحي.
الواحد والثلاثون : قانون مكر الله لطف ورحمة ففيه نجاة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودوام لنزول سور القرآن وإكمال أحكام الشريعة.
الثاني والثلاثون : قانون انتفاء الملازمة بين الرؤيا وتحقق مصداقها الواقعي إلا أن يشاء الله.
الثالث والثلاثون : قانون كل خصيصة ومعجزة للنبي محمد هي لواء إيمان وسبيل هداية ورشاد وإصلاح .
الرابع والثلاثون : قانون تضمن الواقعة الواحدة عدة خصائص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضل ولطف من عند الله عز وجل .
الخامس والثلاثون : قانون خيبة وخسارة أعداء النبي محمد (ص).
السادس والثلاثون : قانون كل معركة من معارك الإسلام الأولى سبب لدخول رهط وطائفة من الناس الإسلام .
السابع والثلاثون : قانون ملازمة الخيبة لأعداء النبي محمد في حياته وبعد وفاته.
الثامن والثلاثون : قانون جديد في علوم القرآن ، قسيم ثالث للحقيقة والمجاز ، وهو اجتماع الحقيقة والمجاز في اللفظ القرآني الواحد كما في الآية المتقدمة .
التاسع والثلاثون : قانون من الإرادة التكوينية أن لكل فرد من شعائر الله نفع عظيم للناس.
الأربعون : قانون مصاحبة النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الواحد والأربعون : قانون حضور المدد من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة .
الثاني والأربعون : قانون إنذارات القرآن رحمة عامة .
الثالث والأربعون : قانون إنتفاع المسلمين اليومي من إنذارات القرآن .
الرابع والأربعون : قانون حاجة الناس لإنذارات القرآن .
الخامس والأربعون : قانون صلح الحديبية مطلوب بذاته ولغيره من الغايات الحميدة لذا ما أن تم صلح الحديبية حتى نزل قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا].
السادس والأربعون : قانون مصاحبة المعجزة للنبي محمد (ص).
السابع والأربعون : قانون تجلي شواهد سمعية وبصرية وعقلية متجددة لصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن والأربعون : قانون التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبيل للعفو والمغفرة من عند الله عز وجل .
التاسع والأربعون : قانون تقريب الناس للهداية بالمعجزة.
الخمسون : قانون الملازمة بين النبوة والمعجزة.
الواحد والخمسون : قانون التلاوة إصلاح للنفوس.

الثاني والخمسون : قانون ترشح المنافع الخاصة والعامة عن تلاوة كلام الله في الصلاة وحال الطهارة بالوضوء ، والخشوع ، والخضوع وإحضار القلب بين يدي الله.
الثالث والخمسون : قانون إنقطاع الشرك بفتح مكة.
الرابع والخمسون : قانون حصر ولاية البيت بالمتقين الذين يخشون الله ،والذين يمنعون عبادة الأوثان في مكة وغيرها.
الخامس والخمسون : قانون الوضوء متوارث بين الأنبياء كمقدمة للصلاة.
السادس والخمسون : قانون كل كتيبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرب على الشرك ومفاهيم الضلالة لما فيها من مظاهر العبودية لله وشواهد الإيمان.
السابع والخمسون : قانون كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للصلاح ، وهذه الدعوة بذاتها رحمة عامة.
الثامن والخمسون : قانون التنافي بين الرحمة ومفاهيم الضلالة.
التاسع والخمسون : قانون كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نشر للسلم وقطع للغزو والتعدي بين القبائل والطوائف.
الستون : قانون كتائب النبي احتراز ، ومنع للمشركين من غزو المدينة ، وهي أشبه بحماية الثغور.
الواحد والستون : قانون الإحسان النبوي العام.
الثاني والستون : قانون المشركون هم الذين أسسوا الإرهاب ، مما يلزم تنزه المسلمين عنه ، لوضوح قبحه ، وضرره.
الثالث والستون : قانون الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خصاله الحميدة.
الرابع والستون : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لطف خاص وعام ، وتأديب للمسلمين ، واصلاح للمجتمعات إلى يوم القيامة.
الخامس والستون : قانون حاجة الناس للسنة النبوية .
السادس والستون : قانون موضوعية الصبر والسلم في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع والستون : قانون اقتران التقوى بالزهد.
الثامن والستون : قانون إتصاف النبي محمد بالزهد والتواضع .
التاسع والستون : قانون إنقطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عالم الآخرة ، وفيه درس للمسلمين في إجتناب الإنشغال بالبناء .
السبعون : قانون اختصاص الإنسان بالخلافة.
الواحد والسبعون : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون قبوله المشورة بالوحي.
الثاني والسبعون : قانون قلة المهر تيسير وتخفيف.
الثالث السبعون : قانون فتح مكة وقاية من الردة العامة .
الرابع والسبعون : قانون فتح مكة سلماً .
الخامس والسبعون : قانون فتح مكة نصر خالد متجدد فلا يحصي كثرة منافعه في كل يوم إلا الله عز وجل.
السادس والسبعون : قانون سعي الأنبياء للسلام في كل الأحوال.
السابع والسبعون : قانون العام الذي يساوي بين الناس في الواجبات والحقوق .
الثامن والسبعون : قانون الإستدامة الفعلية لأحكام الإسلام إلى يوم القيامة.
التاسع والسبعون : قانون تقيد المسلمين بأحكام الشريعة السمحاء .
الثمانون : قانون نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة حنين معجزة له.
الواحد والثمانون : قانون عجز المشركين عن حجب تلاوته عن الناس ومن الأيام الأولى للتنزيل.
الثاني والثمانون : قانون إمتناع آيات القرآن عن الإخفاء العام ، فلا تستطيع جهة أو سلطان منع وصولها إلى الناس أو حجبهم عن تلاوتها وسماعها.
الثالث والثمانون : قانون إستدامة منافع المعجزة.
الرابع والثمانون : قانون تعدد المنافع من المعجزة .
الخامس والثمانون : قانون النفع العام من المعجزة .
السادس والثمانون : قانون دخول رهط من الناس في الإسلام مع كل معجزة .
السابع والثمانون : قانون المعجزة النبوية سلام وأمن .
الثامن والثمانون : قانون نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة الملائكة ونزولهم مدداً له.
التاسع والثمانون : قانون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة المؤمنين الذين يقيمون الصلاة .
التسعون : قانون الموت على الكفر طريق الإقامة في النار .
الواحد والتسعون : قانون قتال النبي محمد ( ص) دفاع.
الثاني والتسعون : قانون اتصال الوحي عون ومدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث والتسعون : قانون إتصال الوحي دليل عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع والتسعون : قانون وجوب تعاهد سنن الإيمان .
الخامس والتسعون : قانون ارجاء قيام الساعة بأداء الفرائض العبادية والعمل الصالح.
السادس والتسعون : قانون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لتعجيل النفخ في الصور .
السابع والتسعون : قانون موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في استدامة الحياة الدنيا.
الثامن والتسعون : قانون أن المشيئة الإلهية لا تتوافق دائماً مع ما يوده الفرد أو الجماعة.
التاسع والتسعون : قانون ذات الهجرة في سبيل الله تصديق عملي بالنبوة .
المائة : قانون كل مرة يتلو فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن هي دعوة إلى الله ، والنطق بالشهادتين.
الواحد بعد المائة : قانون الدعاء واقية.
الثاني بعد المائة : قانون سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الخوف من المشركين في أشد الأحوال.
الثالث بعد المائة : قانون من الإرادة التكوينية وهو أن رحمة الله عز وجل مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل أحواله.
الرابع بعد المائة : قانون الملازمة بين النبوة والإستحياء.
الخامس بعد المائة : قانون عدم تمثل الشيطان بالنبي محمد في الرؤيا ، ليتلقى المسلمون رؤيتهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المنام بالتصديق وفيه زيادة للإيمان ، ودعوة للعمل بمضامين الرؤيا.
السادس بعد المائة : قانون رؤيا المسلم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبيل للصلاح .
السابع بعد المائة : قانون استدامة الصلة بين النبي محمد وأجيال المسلمين بما فيه تعظيم لشعائر الله.
الثامن بعد المائة : قانون عرض السنة على القرآن .
التاسع بعد المائة : قانون النسبة بين الظلم والتعدي هي العموم والخصوص المطلق ، فالظلم أعم.
العاشر بعد المائة : قانون صبر النبي محمد (ص) على أذى المشركين.
  
المحتويات
المقدمـــة 3
لماذا خصائص النبي محمد (ص) 8
إحصاء مئات الأسماء والصفات للنبي محمد (ص) في القرآن 9
أكثر الأنبياء أجراً 12
قانون البيان 15
في وصف رسول الله (ص) 17
نسب قريش 19
بهاء الصفات الوصفية 21
بين الخُلق والخَلق 23
من السنة الوصفية 25
لا أصل لحديث بعثت بالسيف 26
أحكام أقسام السنة النبوية 29
حرب السنة النبوية القولية على الظلم 30
قانون الملازمة بين أيام النبوة والسلم 31
النهل من خصائص النبي (ص) 32
عالمية الرسالة 34
رؤية جبرئيل 35
تهديد المشركين النبي (ص) بالقتل 36
زيارة النبي للمسلمين في المنام 37
قانون النطق بالشهادتين عهد 39
اسم النبي في الشهادتين 40
تعذيب الصحابة الأوائل 44
صبر النبوة 46
الإتصال اليومي للدعوة إلى الله 47
هجرة النبي (ص) إلى الطائف 49
سفارة القرآن في الطائف 50
قانون الدعاء واقية 52
لقاء نفر من الجن 53
الرجوع إلى مكة بالإجارة 56
مودة القربى 58
شرف منزلة العبودية 60
التبادر من علامات الحقيقة 63
خلافة الأرض 65
الأمر للأهل بالصلاة 67
قانون توثيق معجزات الأنبياء 70
تعدد أسماء سورة الفاتحة 72
قدسية الإسراء 74
حديث الإسراء عند قيصر 77
قانون الرؤيا سلم وأمن 79
الرؤيا الصالحة 80
قانون رؤيا النبوة من الوحي 81
إخبار النبي (ص) عن رؤياه 83
خصائص الوحي 84
النسبة بين الوحي والخصائص 86
الرؤية البصرية حقيقة 88
إسراء النبي (ص) في التوراة 89
قانون خيبة وخسارة أعداء النبي محمد (ص) 91
تعاهد الصفا والمروة 94
القرآن فرقان 98
قانون التلاوة إصلاح للنفوس 101
الإستعاذة مقدمة التلاوة 104
إكرام النبي (ص) لعشيرته 107
المنافع العامة لخصائص النبي (ص) 109
خصائص النبي (ص) في [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ] 110
الإعتصام بحبل الله 112
قانون اختصاص الإنسان بالخلافة 114
السبق في الخلق 116
الكنعانيون 117
توالي الهجرات إلى فلسطين 119
زاد الراكب 120
بين المعاهد والمواطنة 122
الرحمة العامة 125
رأفة النبي محمد (ص) بقومه 127
قانون استدامة منافع المعجزة 130
مرجحات النبوة 133
إعانة جند السماء والأرض 134
دلائل قرب الأجل 136
نوم العين دون القلب 138
إتصال الوحي 139
كيفية الوحي 142
دعوة الأفراد إلى الإسلام 145
المبادرة إلى الهجرة 147
قانون صبر النبي محمد (ص) على أذى المشركين 148
قانون الملازمة بين النبوة والإستحياء 151
في الغار 152
النجاة المتكررة 153
لماذا في الغار 154
خصائص الهجرة 155
صلاة الجماعة دعوة للصلاح 158
المنبر النبوي 163
المعراج سبيل هداية 165
السور المدنية 166
المنافع العقائدية للإسراء 168
الإسراء معجزة عقلية حسية 170
المعجزة الحسية العقلية 172
الذكرى السنوية للإسراء 174
موضع ابتداء الإسراء 175
الإسراء نعمة 178
لماذا [أَسْرَى بِعَبْدِهِ] 179
آية الإسراء تنزيه لمقام الربوبية 181
بناء المسجد النبوي 183
إزاحة الفساد 184
تحريم استبدال النبي (ص) لنسائه 185
حجرات النبي (ص) شاهد الزهد 188
قانون اقتران التقوى بالزهد 190
الإمامة في الزهد 192
الدفاع الإضطراري 193
النفع العام 196
من وظائف الملائكة 197
خصائص النبي محمد (ص) في معركة بدر 199
تخيير الصحابة في الدفاع 201
الإنقطاع إلى الدعاء عشية لقاء العدو 203
المبارزة الأولى 204
النصرة بالملائكة 206
الثبات في الميدان 208
اللقاء (ببدر) 211
النجاة في الميدان 213
السنة الدفاعية 215
قانون الإحسان النبوي العام 217
عصمة كتائب النبي محمد من سفك الدماء 218
النهي عن سفك الدماء 220
خصائص النبي محمد (ص) زاجر عن الإرهاب 223
تقسيم استقرائي للخصائص 224
الترغيب بالنكاح 226
قلة مهر الزهراء أسوة مباركة 227
الوصية بالنساء 230
الأخذ بمشورة المرأة 232
قانون قلة المهر تيسير وتخفيف 234
رؤية الآيات الكبرى 237
الخصائص النبوية في صلح الحديبية 238
صلح الحديبية معجزة 240
قانون مصاحبة المعجزة للنبي محمد (ص) 242
التساؤل عن فتح الحديبية 246
دلائل السلم في الصلح 249
قانون إنقطاع الشرك بفتح مكة 252
معجزة فتح مكة 256
كتاب النبي (ص) إلى كسرى 258
طاعة الصحابة حجة على المشركين 261
السعي الدائم للسلام 262
اجتناب الأخلاق المذمومة 265
معركة حنين مقدمة لعام الوفود 266
العفو في معركة حنين 268
النصر المتعدد 270
التنزه عن خائنة الأعين 272
مدرسة التفاؤل بالأسماء 275
علم جديد في (لا) 278
بشارة المؤمنين 281
خصائص النبي محمد (ص) في المعاملات 282
سوق المناخة 283
إصرار المشركين على القتال 284
قانون قتال النبي محمد ( ص) دفاع 287
الوعيد بقيام الساعة 288
علامات الساعة 292
السلام على المعرفة 294
خمسون شرطاَ في حديث واحد 296
الإنذار من تقريب الساعة 300
الذكاء الإصطناعي 303
الرفق بالحيوان 307
سفينة والأسد 308
تكليم الحيوانات 310
أسماء قوانين هذا الجزء المبارك 312
من الردود الكريمة على عدد من أجزاء سِفر (معالم الإيمان في تفسير القرآن) 321
المحتويات 338

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
3258 لسنة 2025