بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمـــة
الحمد لله رب العالمين الذي له ملك السموات والأرض وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الذي تفضل وجعل فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، نفخ فيه من روحه وأبى إلا أن تستديم الصلة بينه وبين الناس صلة ملاكها الرحمة واللطف والهداية من الله لتجتمع هذه النعم الثلاث في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشمولها للناس جميعاً ، وفي خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا .
وليس من حصر لمصاديق هذه الصلة العامة والخاصة مع كل إنسان ، ومنها تفضله ببعث مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي ، أولهم آدم الذي أكرمه الله عز وجل بالخلق بالجنة وأهبطه إلى الأرض نبياً رسولاً ، وكل نبي يقوم بالبشارة والإنذار ، البشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات في الدنيا ، والثواب باللبث الدائم في النعيم الأخروي .
والإنذار للذين كفروا بضيق الصدور وتعدد الإبتلاء في الدنيا ومن غير أجر ، وبالعذاب في الآخرة بالإقامة في النار .
ولقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بآيات من الإكرام والتفضيل منها في مقام النبوة :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين .
الثاني : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ذرية إبراهيم وإسماعيل ، وقد ناداه بعضهم (يا ابن الذبيحين).
الثالث : من معاني اختتام النبوة والرسالة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توثيق النبوات السابقة والمجئ بتمام الشريعة السمحاء .
الرابع : نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انفراده بقطع الإختلاف بين أهل الملل والنحل ، وهل وسيلة هذا القطع القرآن وحده أم تشمل السنة النبوية ، الجواب هو الثاني .
الخامس : قانون سلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان .
السادس : قانون مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل ساعة من ساعات حياته من حين بعثته ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
السابع : كثرة صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فهذه الكثرة بفضل ولطف وهداية من عند الله عز وجل .
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة مهاجراً خائفاً وليس معه إلا أحد أصحابه بعد أن عزم رجالات قريش على قتله في فراشه وعندما علموا أن الذي يبيت في فراشه هو الإمام علي بن أبي طالب جعلوا جعلاً وهدية مائة ناقة لمن يأتي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حياً أو ميتاً مما يدل على إدراكهم لنجاح الدعوة إلى الله بالهجرة خاصة وأنهم يعلمون بدخول رجال ونساء من الأوس والخزرج الإسلام .
ليعود النبي بعدها بثماني سنوات ومعه أكثر من عشرة آلاف من الصحابة ويفتح مكة سلماً من غير قتال ، وهل هذا الفتح وكيفيته من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، قال تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
والمشهور والمختار نزول الآية أعلاه في صلح الحديبية وعند عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الصلح ولكنه لا يمنع من شمول الآية لفتح مكة والبشارة بوقوعه.
وهذا الكتاب الذين بين يديك هو الجزء الثاني من (خصائص النبي محمد (ص)) بعد أن صدر الجزء الأول قبل أسبوعين بفضل ولطف وفيض من عند الله عز وجل الذي يبارك بكل جهد يتعلق بالنبوة والتنزيل.
الحمد لله الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ وتبين وقائع أيام النبوة المصاديق القولية والفعلية لكره المشركين للرسالة الخاتمة ، ومن القولية نعتهم النبي محمداً بأنه كذاب وأنه ساحر ومجنون ، مع عدم اجتماع السحر والجنون لأن السحر يستلزم العقل والحيل وإدارة العقل ، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منزه عن السحر ، وهو الذي كانوا يسمونه قبل البعثة النبوية (الأمين) و(الصادق الأمين).
لتكون هذه التسمية حجة على قريش في لزوم التصديق باعلانه رسالته ، خاصة وأنها اقترنت بالمعجزات الحسية والعقلية المتتالية .
ومن توالي المعجزات الباهرة حديث الإسراء وإنشقاق القمر ، قال تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُوسلام الحجر على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، ثم توالت المعجزات الحسية في المدينة ، ومنها حنين الجذع الذي كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يخطب عنده ، وجريان الماء بين يديه ، ونصره في معركة بدر ومعارك الإسلام الأولى ، ونسبة النصر فيها إلى الله عز وجل ، وفي التنزيل وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
ومن مصاديق توالي المعجزات العقلية ، نزول آيات القرآن على مساقط النجوم وحسب الوقائع والأحداث وعدد سور القرآن هو (114) سورة منها مكي ومدني.
قسمة تفصيلية للمكي والمدني
عدد السور عدد الآيات عدد الكلمات عدد الحروف
السور المكية 89 4742 49589 204547
السور المدنية 25 1494 28202 118209
المجموع 114 6236 77791 322756
أي أن عدد السور المكية أكثر من ثلاثة أضعاف السور المدنية وعدد آيات سورة البقرة وهي مدنية (286) آية ، وعدد كلماتها هو (6144) كلمة ، وعدد حروفها (25613) حرفاً .
فمثلاً من آيات سورة البقرة وهي مدنية آية الدَين وعدد كلماتها 129 كلمة ، وحروفها (551) حرفاً ، وكلماتها أكثر من كلمات سبع سور من قصار السور المكية :
1 سورة الكوثر 42 حرفاً
2 سورة الإخلاص 47 حرفاً
3 سورة العصر 70 حرفاً
4 سورة قريش 73 حرفاً
5 سورة النصر 79 حرفاً
6 سورة الناس 80 حرفاً
7 سورة المسد 81 حرفاً
المجموع 472 حرفا
وعدد آيات سورة آل عمران وهي مدنية (200) آية وعدد كلماتها (3503) كلمة ، وعدد حروفها (14605) حرفاً .
إذ نزلت السور المدنية في بيان أحكام الشريعة وتثبيتها ، وإعانة المسلمين على الإمتثال لها ، وضبطها ، وهو من خصائص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الرسالات ، ومن خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم تثبيت وبيان الأحكام بالسنة النبوية القولية والفعلية .
وفي حديث (مالك بن الحويرث قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة ، فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)( ).
وبخصوص حج بيت الله الحرام قال (لتأخذوا عني مناسككم).
وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وقال وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
أشهد أن لا أله إلا الله إلهاً واحداً فرداً صمداً حياً قيوماً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وليس له شريك في الملك ، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبده ورسوله جاء بالحق من عنده وصدق المرسلين .
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان ، وتفضل علينا بصدور الجزء السادس والستين بعد المائتين من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان) ولا زلت في تفسير سورة آل عمران ، إذ اختص الجزء الخامس والستون بعد المائتين منه بتفسير آية واحدة منها وهو قوله تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، ونسأل الله عز وجل المزيد من فضله ومصاديق كرمه ، وألوان إحسانه التي لا تحيط الخلائق بها كماً وكيفاً ، وقد تحدى الله عز وجل الناس إذ قال وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ومن هذه النعم الخصائص التي اختص الله عز وجل بها النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ومنافعها الخاصة والعامة المستديمة .
وقد تضمن الجزء الأول من هذا السِفر أكثر من مائتين من الخصائص مع مائة وخمسة وثلاثين قانوناً تختص بذات موضوع خصائص المصطفى النبوية في آية علمية.
لقد كان العرب قبل رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حال جهالة جهلاء ، وضلالة ظلماء .
يهدون الهدايا والذبائح إلى الأصنام في طلب النفع ودفع الضرر عنهم ، ويتبركون بالأشجار والأحجار ، ويخافون من القمر.
ويستجيرون بالشياطين خاصة في الأسفار والبوادي ، فكانوا في كرب وفقر مدقع وفاقة ، وحرمان شديد ، ويلجأون للنهب والسلب وسفك الدماء .
فتفضل الله عز وجل وبعث النبي محمداً رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وقال تعالى في الثناء عليه وبيان وظائفه الرسالية يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا.
ووردت كلمة [سِرَاجًا] أربع مرات في القرآن تتعلق ثلاثة بعالم الأفلاك ، وواحدة خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أما كلمة [مُنِيرًا] فقد وردت مرتين في القرآن ، واحدة بخصوص القمر ، قال تعالى تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا والسراج الشمس لقوله تعالى وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا .
وواحدة بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية أعلاه وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه القمر الحاضر في الأرض ، وأن ضياء نبوته يشع على الناس جميعاً ، وأن ملائكة السماء تراه حياً وميتاً بتقوى أمته ، واتباع أجيال المسلمين له في طاعته لله عز وجل وأداء الفرائض العبادية .
وإفاضات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمر ظاهر جلي في كل زمان كالقمر وضياء الشمس .
(قال جرير بن عبد الله : حدثني يا رسول الله عن السماء الدنيا والأرض السفلى . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما السماء الدنيا ، فإن الله خلقها من دخان ، ثم رفعها وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً ، وزينها بمصابيح النجوم وجعلنا رجوماً للشياطين ، وحفظها من كل شيطان رجيم)( ).
وخطب الإمام علي عليه السلام (بذي قار فحمد الله وأثنى عليه: ثم قال : أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته .
ومن عهود عباده إلى عهوده، ومن طاعة عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، عودا وبدءا وعذرا ونذرا، بحكم قد فصله وتفصيل قد أحكمه.
وفرقان قد فرقه وقرآن قد بينه ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه، وليقروا به إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه، فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه )( ).
ولم يرد [سِرَاجًا مُنِيرًا] في القرآن إلا في وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين العالم العلوي والعالم السفلي ، وهو من مختصاته ، ولم ترد كلمة [َدَاعِيًا] في القرآن إلا مرة واحدة في وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والثناء عليه ، ومن مصاديقها ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
ويتصمن هذا الجزء أكثر من مائة وستين خصيصة من الخصائص المباركة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , مع مائة وخمسة من القوانين ذات الصلة بخصائصه وعظيم النعم الإلهية عليه .
والجامع المشترك بين خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو فضل الله عليه ، وتشريفه وعصمته وإكرامه ، وتمييزه عن الناس برشحات الرسالة ، وهذه الخصائص على وجوه :
الأول : الإكرام والتشريف ، ومنه نكاح أكثر من أربعة نسوة.
الثاني : التغليظ الخاص في الأوامر والنواهي ومنه صوم الوصال ، والوتر ، والأضحية (روي عنه صلى الله عليه واله أنه قال: ثلاث كتب علي، ولم يكتب عليكم: السواك، والوتر، والاضحية)( ).
وعن (موسى بن عبد الرحمن الصنعانى عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة على فريضة وهى لكم سنة الوتر والسواك وقيام الليل.
موسى بن عبد الرحمن هذا ضعيف جدا ولم يثبت في هذا اسناد والله اعلم)( ).
و(عن أبي جحيفة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تفطر قدماه فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً)( ).
والنسبة بين معجزات وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي العموم والخصوص المطلق ، فالخصائص أعم ، وكل معجزة هي من خصائصه .
الثالث : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسوة للناس في سبل الهداية والصلاح والسعي للبث الدائم في الجنة ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
حرر في الثاني عشر من شهر شوال 1446
11/ 4/2025
الإستجابة الأولى
من خصائص ووجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استجابته لأمر الله عز وجل وهو والناس في عالم الذر.
و(عن سهل بن صالح الهمداني قال سألت أبا جعفر محمد بن علي كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث ، قال إن الله تعالى لما اخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول من قال بلى ولذلك صار يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث.
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد.
واخرج احمد والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني عند الله في ام الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته)( ).
وقد سئل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الآية أعلاه التي هي من ذخائر الغيب ، إذ ورد (عن مسلم بن يسار الجهني ، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال : أن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون .
فقال الرجل : يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (إن الله عزوجل لما أراد أن يخلق آدم عليه السلام أرسل الماء على الطين ، ثم قبض قبضة فعركها ثم فرقها فرقتين بيده، ثم ذراهم فإذا هم يدبون.
ثم رفع لهم نارا، فأمر أهل الشمال أن يدخلوها فذهبوا إليها فهابوها، ولم يدخلوها، ثم أمر أهل اليمين أن يدخلوها، فذهبوا فدخلوها.
فأمر الله عزوجل النار، فكانت عليهم بردا وسلاما. فلما رأى ذلك أهل الشمال.
قالوا: ربنا أقلنا، فأقالهم، ثم قال لهم: ادخلوها فذهبوا فقاموا عليها ولم يدخلوها، فأعادهم طينا وخلق منها آدم عليه السلام.
وقال أبو عبد الله عليه السلام : فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، قال: فيرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله أول من دخل تلك النار ، فلذلك قوله عزوجل قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ))( ).
فأول من استجاب من البشر في عالم الذر وعندما خلق الله الأرواح قبل الأجساد لأمر الله عز وجل في عالم الذر هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليفوز بالمرتبة السامية .
و(عن عبد الله بن سلام قال : صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله . ويفتح به أعينا عمياً ، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفا .
وأخرج الدارمي عن كعب قال : في السطر الأول : محمد رسول الله عبدي المختار ، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام .
وفي السطر الثاني : محمد رسوله الله أمته الحمادون ، يحمدون الله في السراء والضراء ، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف ، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة ، ويأتزرون على أوساطهم ، ويوضئون أطرافهم ، وأصواتهم بالليل في جوّ السماء كأصوات النحل .
وأخرج ابن سعد والدارمي وابن عساكر عن أبي فروة عن ابن عباس : إنه سأل كعب الأحبار كيف قد نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة ، فقال كعب : نجده محمد بن عبد الله ، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة ، ويكون ملكه بالشام ، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق .
ولا يكافىء بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر .
أمته الحمادون يحمدون الله في كل سراء ، ويكبرون الله على كل نجد ، ويوضئون أطرافهم ، ويأتزرون في أوساطهم ، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم ، دويهم في مساجدهم كدوي النحل ، يسمع مناديهم في جوّ السماء)( ).
الولادة المباركة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إدراك الأهل والجيران البركة والفيض من حين ولادته بعلامات محسوسة .
(وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنْ أُمّهِ أُمّ عُثْمَانَ الثّقَفِيّةِ وَاسْمُهَا : فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللّهِ قَالَتْ ” حَضَرْت وِلَادَةَ رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – فَرَأَيْت الْبَيْتَ حِينَ وُضِعَ قَدْ امْتَلَأَ نُورًا ، وَرَأَيْت النّجُومَ تَدْنُو حَتّى ظَنَنْت أَنّهَا سَتَقَعُ عَلَيّ)( ) .
وكانت ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عام الفيل الموافق سنة 571 ميلادية ، وقد ذكر القرآن ولادة موسى عليه السلام ، وولادة عيسى عليه السلام .
وجاءت السنة النبوية بالإخبار عن ولادة إبراهيم ، وتضمنت أخباراً عن ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة إلى روايات النساء اللاتي شهدن ولادته ، وقد ولد مختوناً مقطوع السرة ، وتجلى عدد من المعجزات ليلة الولادة المباركة في مكة وخارجها و(كانت أمه آمنة بنت وهب تحدث بأنها حين حملت به لم تجد ما تجده الحوامل من ثقل ولا وحم( ).
والوحم أو الوحام ما تشتهيه الحامل في الأسابيع والأشهر الأولى للحمل)( ).
ولقد لقنت أم رسول الله اعاذته بالله عز وجل ، وقال ( محمد بن إسحاق: فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الامة، فإذا وقع إلى الارض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد وكل عبد رائد، يذود عني ذائد، فإنه عند الحميد الماجد .
وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملا قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الارض، واسمه في الانجيل أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الارض، واسمه في القرآن محمد.)( ).
(عن ابن عباس قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عنده جده بكبش وسماه محمدا.
فقيل له: يا أبا الحارث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه ؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض)( ).
ولم يسمه عبد المطلب من عنده ، وكان العرب يسمون أبناءهم بأسماء الآباء ، والمشاهير الشجعان والكرام من الرجال ، ولكن عبد المطلب (رأى فِي مَنَامِهِ كَأَنّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ لَهَا طَرَفٌ فِي السّمَاءِ وَطَرَفٌ فِي الْأَرْضِ وَطَرَفٌ فِي الْمَشْرِقِ وَطَرَفٌ فِي الْمَغْرِبِ .
ثُمّ عَادَتْ كَأَنّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ وَإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَأَنّهُمْ يَتَعَلّقُونَ بِهَا ، فَقَصّهَا ،
فَعُبّرَتْ لَهُ بِمَوْلُودِ يَكُونُ مِنْ صُلْبِهِ يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَلِذَلِكَ سَمّاهُ مُحَمّدًا)( ).
وعن ( تفسير بقى بن مخلد الحافظ، أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحين أنزلت الفاتحة)( ).
تسمية محمد
لقد أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرؤيا منزلة رفيعة، فلقد كان قولـه وسنته تفسيراً للقرآن وبياناً لأحكامه وآياته وبشاراته قال صلى الله عليه وآله وسلم: انا دعوة ابي ابراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي.
وذكر ان آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة (أنها حين وضعته كفأت عليه برمة( ) حتى تتفرغ له قالوا فوجدت البرمة قد انشقت عن نور أضاءت منه لها عن قصور كثيرة من قصور الشام)( ).
ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مبشراً به وباسمه كما أخبر بذلك القرآن على لسان عيسى عليه السلام وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. فان اسمه وتحديده من قبل الله عز وجل سابق لولادته ، وهو من خصائصه بأن أكرمه الله عز وجل وجعل اسمه حاضراً بين الناس بصفة النبوة وقبل ولادته .
عن الباقر عليه السلام قال رأت آمنة في المنام وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسميه أحمد. وعن ابن اسحاق ان تسميه محمدا ( ).
صحيح أن الاسم غير المسمى ولكن عند اختيار الاسم من عند الله أو بالوحي والتحديث ففيه دلالات تؤكد التوافق والتطابق بين الاسم والمسمى ، ففي كل زمان يبقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محموداً عند الله والناس.
وعن ابن إسحاق أن آمنة بنت وهب (اتيت حين حملت به فقيل لها انك قد حملت بسيد هذه الامة وفيه ثم سميه محمدا)( ).
(وأخرج أبو نعيم عن بريدة وابن عباس قالا رأت آمنة في منامها فقيل لها انك قد حملت بخير البرية وسيد العالمين فإذا ولدتيه فسميه أحمدا ومحمدا وعلقي عليه هذه فانتبهت وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب عليها أعيذه بالواحد من شر كل حاسد.
وكل خلق رائد من قائم وقاعد عن السبيل ، عائد على الفساد جاهد من نافث او عاقد وكل خلق مارد يأخذ بالمراصد في طرق الموارد أنهاهم عنه بالله الأعلى واحوطه منهم باليد العليا والكف الذي لا يرى يد الله فوق أيديهم وحجاب الله دون عاديهم لا يطردوه ولا يضروه في مقعد ولا منام ولا مسير ولا مقام أول الليالي)( ).
ويلاحظ في هذا الدعاء والحرز لغة التوحيد ، وتسمية النبي محمد باسمين (أحمد ومحمد) .
و(ويروى ان عبد المطلب انما سماه محمدا لرؤيا رآها زعموا انه رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الارض وطرف في المشرق وطرف في المغرب.
ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا اهل المشرق والمغرب يتعلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه اهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والارض فلذلك سماه محمدا مع ما حدثته به امه)( ).
وكل من اسم محمد ، وأحمد يبعث المسلمين وأهل الكتاب وعامة الناس على الشكر والحمد لله عز وجل .
لذا يتلو كل مسلم مسلمة سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )، ولم يكن اسم محمد معروفاً عند العرب خاصة وأنهم عبدة أوثان ، وهو صيغة مبالغة من الحمد.
ولكن عندما قربت أيام ولادته ، وتجلت العلامات الكونية والحساب بقرب أوان بعثته ، وما يذكره أهل الكتاب وأصحاب الصومعات خاصة وأن قريشاً يعملون بالتجارة .
أم النبي محمد (ص) تتحدث عن رؤياها
ورد عن ابن عباس أن آمنة بنت وهب أم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانت (تحدث عن نفسها وتقول أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة اشهر فوكزني برجله في المنام وقال يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا فإذا ولدتيه فسميه محمدا واكتمي شأنك قال وكانت تحدث عن نفسها( ).
وتقول لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم ذكر ولا أنثى وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه قالت فسمعت وجبة شديدة الواجبة الصرعة وسقوط شئ إلى الأرض كالجدار ، قال تعالى [وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] ( ) وأمرا عظيما فهالني ذلك ، وذلك يوم الاثنين.
ورأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كنت أجد.
ثم التفتُ فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا وكنت عطشانة فتناولتها فشربتها فأصابني نور عال ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بي فبينا أنا أعجب وأقول واغوثاه من أين علمن بي واشتد بي الأمر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول وإذا أنا بديباج أبيض قد مدّ بين السماء والأرض وإذا قائل يقول :
خذوه عن أعين الناس قالت رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح مني عرق كالجمان( ) أطيب ريحا من المسك الأزفر وأنا أقول ياليت عبد المطلب قد دخل علي.
قالت ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي مناقيرها من الزمرد وأجنحتها من اليواقيت فكشف الله لي عن بصيرتي فأبصرت من ساعتي مشارق الأرض ومغاربها ورأيت ثلاث علامات مضروبات علم بالمشرق وعلم بالمغرب وعلم على ظهر الكعبة.
فأخذني المخاض واشتد بي الطلق جدا فكنت كأني مسندة إلى أركان النساء وكثرن علي حتى كأني مع البيت وأنا لا أرى شيئا فولدت محمدا فلما خرج من بطني درت .
فنظرت إليه فاذا هو ساجد وقد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته فغيب عن عيني فسمعت مناديا ينادي يقول طوفوا بمحمد صلى الله عليه و سلم شرق الأرض وغربها وأدخلوه البحار كلها ليعرفوه باسمه ونعته وصورته , ويعلموا أنه سمي الماحي لا يبقي شيء من الشرك إلا محي به.
قالت ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فاذا أنا به مدرج في ثوب صوف أبيض اشد بياضا من اللبن وتحته حريرة خضراء وقد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض وإذا قائل يقول :
قبض محمد مفاتيح النصر .
ومفاتيح الريح.
ومفاتيح النبوة)( ).
وكل فرد من أفراد هذا القول الثلاثة من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
بشارة ملك اليمن ببعثة النبي محمد (ص)
عن(محمد بن إسحاق : وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، فرأى رؤيا هالته وفظع بها ، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبروني بها وبتأويلها.
فقالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها.
فقال : إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها، لانه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها.
فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه) ( ).
لقد كان ربيعة هذا من أضعف ملوك التابعة ، وعندما رأى الرؤيا جمع الكهنة والسحرة والمنجمين من أهل مملكته وأخبرهم عن وقوع الرؤيا له ، وأراد منهم ذكر ذات الرؤيا فعجزوا عنه .
والمختار أن الرؤيا سر بين الله والعبد ، لا يطلع عليها أحد من الناس ، إلا أن يكون نبياً يتكلم بالوحي ومعصوماً ، وليس بعلم خاص به كالكهانة ، إلا أن يكون التأويل بمعرفة تأريخ النبوة وبشارات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والفراسه بأنه لم يفزع الملك إلا ما يخص ملكه الذي هو زائل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فأخبره الملك بأنه يريد أن يسمع منه ذات الرؤيا .
قال سطيح : نعم أفعل ، أنا أخبرك بالرؤيا التي رأيتها أنت أيها الملك، ثم قدم عليه شق فكتمه ما قال سطيح فقال شق (رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة.
فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد، إلا أن سطيحا قال : وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة) ( ).
والحممة قطعة من النار والتهمة أرض منخفضة ومنه سميت تهامة ، والمراد من كل ذات جمجة أي أكل أكلت كل حي .
فأمضى الملك كلامه ، وأعلن عن صدق إخباره عن رؤياه ثم سأله عن تأويله .
قال سطيح (أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرّتَيْنِ مِنْ حَنَشٍ لَتَهْبِطَن أَرْضَكُمْ الْحَبَشُ فَلَتَمْلِكَن مَا بَيْن أَبْيَنَ إلَى جُرَش ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ وَأَبِيك يَا سَطِيحُ إنّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ فَمَتَى ، هُوَ كَائِنٌ .
أَفِي زَمَانِي هَذَا ، أَمْ بَعْدَهُ .
قَالَ لَا ، بَلْ بَعْدَهُ بِحِينِ أَكْثَرَ مِنْ سِتّينَ أَوْ سَبْعِينَ يَمْضِينَ مِنْ السّنِينَ قَالَ أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِمْ أَمْ يَنْقَطِعُ .
قَالَ لَا ، بَلْ يَنْقَطِعُ لِبِضْعِ وَسَبْعِينَ مِنْ السّنِينَ ثُمّ يُقْتَلُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا هَارِبِينَ قَالَ وَمَنْ يَلِي مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ .
قَالَ يَلِيهِ إرَمُ ( بْنُ ) ذِي يَزَنَ ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنَ ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ قَالَ أَفَيَدُوم ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِ أَمْ يَنْقَطِعُ .
قَالَ لَا ، بَلْ يَنْقَطِعُ قَالَ وَمَنْ يَقْطَعُهُ .
قَالَ نَبِيّ زَكِيّ ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيّ) ( ).
ثم سأل الملك : وممن هذا النبي الذي يقطع الله به ملك الحبشة ونحوهم على اليمن ، ويكون اليمن تحت حكم النبي .
قال سطيع (رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ .
قَالَ وَهَلْ لِلدّهْرِ مِنْ آخِرٍ .
قَالَ نَعَمْ يَوْمٌ يُجْمَعُ فِيهِ الْأَوّلُونَ وَالْآخِرُونَ يَسْعَدُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ وَيَشْقَى فِيهِ الْمُسِيئُونَ قَالَ أَحَقّ مَا تُخْبِرُنِي .
قَالَ نَعَمْ وَالشّفَقُ وَالْغَسَقُ وَالْفَلَقُ إذَا اتّسَقَ إنّ مَا أَنْبَأْتُك بِهِ لَحَقّ) ( ).
بشارات نبوة محمد (ص) في أروقة الملوك
لقد جاءت البشارات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على لسان الأنبياء السابقين ، والكتب السماوية المنزلة عليهم ، فلا غرابة أن يكون معلوماً عند أتباعهم وعند الكهنة ، وعند المنجمين الذين يطلعهم الجن ، ويستقرأون الوقائع التي تقع على الأرض لأن ما يحدث في الأرض يرى في السماء على نحو الإجمال لعظيم قدرة الله في الترابط بين العالم العلوي والعالم السفلي .
ليتهيئ الناس جميعاً لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن يتبع الأنبياء ، ويُصدق بالتنزيل يتلقى البشارات من الكتب السماوية السابقة، ومن يأخذ بأخبار الكهنة والسحرة والمنجمين يسمع بالبشارات بالنبوة منهم لأنه انقلاب في الحياة الإجتماعية نحوالإصلاح والأمن والسلم ، ولتقوم الحجة على الناس .
ويمكن القول بأن إخبار الكهنة ونحوهم عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرع البشارات النبوية ، وما ورد في الكتب السماوية السابقة ، وهؤلاء الكهنة يتوارثون ما جاء به الأنبياء من علوم الغيب ليظهروا للناس أنهم يعلمون حوادث المستقبل باجتهادهم وعلمهم ، وما يلقيه عليهم الجن وفيه حجة على الناس للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته .
ومن أخبار الأنبياء ما فُقدت ولم يتوارثها أهل بيتهم وأنصارهم ، ولكن الكهنة تلاقفوها يداً بيد ليتخذوا منها وسيلة لكسب المال ، وللتقرب إلى الملوك ، والاحتراز لقادم الأيام ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) إذ ينقل الكهنة البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه يأتي بتحريم الكيانة والسحر والتنجيم لأنهم يعلمون أنه ليس من سبيل إلى منع ظهور دولته.
فلابد أن تعلو راية الإسلام خاصة وأن الكهنة ليس عندهم جنود أو دول أو أتباع ، إنما يعتمدون على جهدهم الشخصي في جذب الناس لكشف ما يلقون من الأحداث ، وشطر من أقوالهم غير صحيحة لعدم إطلاعهم على أسرار الغيب ، ولأن الله عز وجل يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ.
خاتم النبوة
من فضل الله عز وجل تعدد النعم في الموضوع المتحد ، وقد تفضل بشواهد على نبوة محمد من حين ودلاته ومدة الرضاعة والصبا ، لتكون مقدمة للتصديق بنبوته ، وتعضيداً للوحي والمعجزات الحسية والعقلية.
ومن علامات نبي آخر الزمان خاتم النبوة وهو نتوء لحمي بارز مثل حجم بيضة الحمامة تضرب إلى السواد أقرب إلى الشامة وعليها شعرات مجتمعات.
وليس فيها كتابة ولا أصل لما قيل بأنه مكتوب عليها لفظ الجلالة أو (محمد) أو غيرها من الكلمات .
(عن عائشة قالت : كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في مجلس قريش: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود .
فقال القوم: والله ما نعلمه.
فقال الله أكبر، أما إذا أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس( )، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتا من الجن أدخل أصبعه في فمه فمنعه الرضاع.
فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون.
من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: قد والله ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا.
فالتقى القوم فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي وهل بلغكم مولد هذا الغلام ؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي فأخبروه الخبر.
قال فاذهبوا معى حتى أنظر إليه.
فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة فقالوا: أخرجي إلينا ابنك.
فأخرجته وكشفوا له عن ظهره.
فرأى تلك الشامة، فوقع اليهودي مغشيا عليه، فلما أفاق قالوا له: مالك ويلك .
قال : قد ذهبت والله النبوة من بنى إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب .
وتمر الأيام ويبعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبياً رسولاً في مكة ويتلقى أكثر رجالات قريش رسالته بالتكذيب وهموا بقتله ، فهاجر إلى المدينة ليجهزوا الجيوش لقتاله فيسقط سبعون منهم قتلى في معركة بدر ، واثنان وعشرون في معركة أحد ، ثلاثة في معركة الخندق وقيل أربعة.
وكانوا هم الغزاة فيها ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يبدأ القتال ، إنما يدعوهم وسط الميدان للتوحيد بندائه (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)( )، قال تعالى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
وقيل (والحكمة في كون الخاتم عند نغض كتفه الأيسر أنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع منه يوسوس لابن آدم)( ).
وعن جابر بن سمرة قال (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد شمط مقدم رأسه ولحيته وكان إذا ادهن لم يتبين وإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية فقال رجل وجهه مثل السيف قال لا بل كان المثل الشمس والقمر وكان مستديرا ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده)( ).
وسيأتي بيان موضوعية خاتم النبوة في إسلام الصحابي الجليل سلمان الفارسي .
قانون الوحي أسمى مراتب الوحي
لقد تجسدت فلسفة الوحي بأسمى معانيها بنزول القرآن فهو أعظم الكتب السماوية، وكان ولا زال المسلمون يتلقون الروايات التي تؤكد عظمته بالتسليم للمصداق العملي الذي يتجلى في آياته وما فيها من الخزائن والإعجاز، والآن وبعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة وتداخل الحضارات وارتقاء العلوم أثبت القرآن تلك العظمة، ونشعر بالتقصير والتخلف عن إظهار علومه المناسبة والتي تفيد تقدمه على علوم العصر، وكان الأولى استظهار العلوم منه، وجعل الأمم تدرك حقيقة ثابتة هي أن القرآن مصدر للعلوم كما هو مصدر للأحكام.
وهل الوحي هو الطريق الوحيد لصلة الملائكة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أم هناك طرق أخرى لتبليغه وتبليغ الأنبياء الرسالة والوحي من عند الله.
الجواب هو الثاني وهل انفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببعض منها تشريفاً .
المختار نعم ومنه الحديث القدسي المتعدد ، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
والوحي معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ] ( ) وقال تعالى [قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ] ( ).
ومن رحمة الله تعالى أن الوحي الإنساني لم ينحصـــر بالأنبياء بــل شمل غيرهم ولكنه مقيد بصيغة الفعل الشخصي أمراً أو نهياً ، كما في قوله تعالى [إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمِّكَ مَا يُوحَى] ( ).
وقوله تعالى (ما يوحى) يفيد أنه وحي حقيقة إلا أنه لا يتعلق بالأحكام الشرعية، ولكن بإتيان فعل يكون مقدمة وتعاهداً وحفظاً للنبوة، كما مبين في الآية التالية لها [أن اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسَّاحِلِ] ( ).
فالوحي جاء بالعرض مع حصره بفعل محدد مما لا يكون إلا بإرادة إلهية، ولطف يصل إلى أم موسى خصوصاً وأنه مقدمة لفعل يدل في ظاهره على الهلاك ، وكما في نداء الملائكة لمريم أم عيسى عليه السلام ، قال تعالى إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ.
قانون الملازمة بين العصمة والوحي
من مستلزمات الوحي امتلاك شخصية النبي للكمالات الإنسانيـة بفضل الله، كمقدمة عقائدية واجتماعية ومصدر توفيق وسبيل مبارك لتصديق الناس واستماعهم لـه .
فمن لا يكون صادقاً مع الناس في سيرته ومعاملاته وكلامه لا يصدقه الناس بدعوى النبوة.
وأطلق الباحثون في علم الكلام هذه المقولة على نحو الموجبة الكلية، وعلى القول المختار بعصمة الأنبياء مطلقاً قبل وبعد النبوة فإن الله عز وجل إذا أراد أمراً أتقنه وأحكمه وقيض أسبابه .
ويمكن الاستشهاد بالمعجزة فهي دليل قاطع على صدق النبي، وقد يكون الإنسان صادقاً في كل حياته ثم يدعي النبوة كاذباً او وهماً او خيالا وإن كان هذا على سبيل الفرض .
فمن اعتاد الصدق وتلبس به كفرد من أفراد الصلاح تتبلور في قراءة نفسه حواجز أدبية وأخلاقية، وتكون عنده طبائع حميدة تحول دون إدّعاء الزور والكذب،وفيه مسائل :
الأولى : قانون العصمة رحمة .
الثانية : قانون عصمة الأنبياء عنوان تخفيف عن النبي والناس ومقدمة علمية للتصــديق بدعواه.
الثالثة : صيرورة العصمة إعداداً الهياً لمنصب النبوة والامامة.
ووجود أسباب وشرائط الصحة من طرف الفاعل والقابل لأن الله تعالى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
وعلى فرض وجود خلل سابق في القابل، فإن الأسباب من طرف الفاعل والعلة الغائية كافية في التنجيز وتحقيق غايات النبوة لعظيم قدرة الله تعالى، واستجابة المخلوقات جميعاً لإرادته.
وهذا القول يفتح آفاقاً لإستمرار الوحدة العقائدية للمسلمين ، وإن اختلفت مذاهبهم الكلامية ليصبح تباين الأقوال في عصمة الأنبياء قبل النبوة نزاعاً صغروياً ، وليس في ذلك إغراء للمكلفين باتباع الكاذب، لموضوعية المعجزة في ثبوت دعوى النبوة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إتصافه بالأخلاق الفاضلة ، ومنها أنه كان يسمى قبل البعثة (الصادق الأمين) وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ .
و(عن ابن عباس قال : لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ورهطك منهم المخلصين خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد على الصفا فنادى يا صباحاه ، فقالوا من هذا الذي يهتف .
قالوا : محمد . فاجتمعوا إليه ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ قالوا : نعم . ما جربنا عليك إلا صدقاً قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .
فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ))( ).
ومن أسماء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الأمين) ، وحينما قامت قريش بهدم البيت وإعادة بنائه اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه ، وكادوا يتقاتلون .
وعن ابن اسحاق (أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم -وكان عامئذ أسن قريش كلهم -قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم، فيه. ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هَلُمَّ إليَّ ثوبًا فأتي به، فأخذ الركن -يعني الحجر الأسود-فوضعه في بيده.
ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم قال: ارفعوه جميعا ففعلوا ، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بنى عليه.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن قريشاً كانت تسمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين)( ).
(وقال ابن مسعود: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصّادق المصدوق، وفي التّوراة فيما بلغنا أنّه حرز للأمّيّين، وأنّ اسمه المتوكّل.
ومن أسمائه الفاتح، وقثم ، ومعنى قثم : الرجل الجامع للخير والمعطاء.
وقال عليّ بن زيد بن جدعان: تذاكروا أحسن بيت قالته العرب فقالوا: قول أبي طالب في النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:
وشقّ له من اسمه ليجلّه … فذو العرش محمود وهذا محمد)( ).
ذخائر الوحي
للوحي أسرار وأحكام تبعث دراستها الشوق في النفوس سواء ما تعلق بكل من :
الأول : كيفية الوحي .
الثاني : موضوعية الوحي في حياة الناس .
الثالث : قانون حاجة النبوة للوحي ، فلا ينال النبي مرتبة النبوة إلا بالوحي من عند الله عز وجل .
الرابع : مراتب الوحي بين النبي والرسول .
الخامس : مقدمات الوحي .
السادس : بدايات الوحي .
السابع : موضوع الوحي .
الثامن : قانون عدم مغادرة الوحي للنبي إلى حين انتقاله إلى الرفيق الأعلى .
التاسع : غايات الوحي العامة والخاصة .
العاشر : قانون توثيق القرآن لوحي الأنبياء ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توثيق القرآن الذي أنزله الله عليه لوحي الأنبياء ، وذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية للأنبياء وصبرهم وجهادهم ، قال تعالى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا.
الحادي عشر : قانون المنافع الأخروية للوحي .
الثاني عشر : المنافع العقائدية والاجتماعية والأخلاقية للوحي .
الثالث عشر : موضوعية الوحي والتنزيل في دخول الناس الإسلام .
وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشاهد على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف إنما انتشر بالمعجزة .
والنسبة بين المعجزة والوحي عموم وخصوص مطلق ، فالمعجزة أعم .
الرابع عشر : تعدد كيفية الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس عشر : صفات الملك الذي يأتي بالوحي وهيئته .
قانون الوحي تعضيد
لقد كان الوحي المدد السماوي والعون ، والمؤازر الأول للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في الدعوة إلى الإسلام، وكانت رسالة السماء سـلاحاً وواقية وحرزاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا لا يمكن الإحاطة بمنافــع الوحي وآثاره، ويتطلب الأمر دراسات مستحدثة في الإسلام تخص الوحي وعلومه المتعددة وتستنبط منه المسائل والأحكام والقوانين وأن لا تنحصر أبحاثها بتأريخ الوحي أو كيفيته، ومن الدراسات في المقام ما تصلح أن تكون رسالة ماجستير ودكتوراه ومنها على سبيل المثال:
الأول : موضوعية- الوحي في تثبيت وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إعلان الدعوة.
الثاني : منافع الوحي في نجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلامته من الغيلة والكيد.
الثالث : أهمية الوحي في اختيار المواقف الحاسمة للمسلمين وسبل نجاتهم من كيد المشركين ، وهل الوحي من مصاديق مكر الله في قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( )، الجواب نعم .
الرابع : قانون موضوعية الوحي في كيفية الدفاع في معارك المسلمين الأولى.
الخامس : قانون كشف الوحي للمنافقين.
السادس : تصدي الوحي لأعداء الإسلام ومنع دبيب ضررهم للناس.
السابع : إخبار الوحي عن المغيبات.
الثامن : إيمان وإسلام الكثيرين بسبب الوحي.
التاسع : قانون الإصغاء إلى الوحي وانتظار ما يأتي به.
العاشر : قانون إستجابة المسلمين للوحي، الأسباب والنتائج.
الحادي عشر : منافع الوحي في الهيكل الاجتماعي للمسلمين.
الثاني عشر : مساهمة الوحي في تثبيت المسلمين في منازل الإيمان ، وتحدي الكفار والمشركين.
الثالث عشر : بشارات وإنذارات الوحي ، قال تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
الرابع عشر : تصديق الوحي بالنبوات السابقة واللاحقة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تصديقه بالأنبياء السابقين وتأكيد القرآن بأنه خاتم النبيين وليس من نبي بعده.
و(عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وأجملها وترك فيها موضع هذه اللبنة لم يضعها ، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ، ويقولون : لو تم موضع هذه اللبنة ، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة .
وأخرج ابن مردويه عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي ، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي .
وأخرج أحمد عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون ، منهم أربع نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي)( ).
الخامس عشر : إخبار الوحي على لسان الأنبياء السابقين بنبوة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس عشر : تتبع مراحل الوحي وتطوره.
السابع عشر : ضبط وتوثيق المسلمين للوحي، والفصل بين القرآن والحديث القدسي ، والسنة النبوية.
الثامن عشر : قبح إدعاء الوحي الرسالي لغير الأنبياء، وسرعة فضحه ولحوق صاحب الدعوى الخزي والعار، قال تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ] ( ).
التاسع عشر : موضوعية الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نسخ الشرائع السابقة، وتجلي الإعجاز الذاتي والغيري لهذا النسخ.
العشرون : شهادة أهل الكتاب والمليين في زمان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نبوته، وكان بنو إسرائيل ينتظرون بعثته، قال تعالى [وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذِينَ كَفَرُوا] ( ).
وقد شهد ورقة بن نوفل على أن الذي أوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الناموس الذي أنزل على موسى عليه السلام.
الواحد والعشرون : قانون الوحي مدد من الله للأنبياء وأصحابهم وأتباعهم من أهل زمانهم والأزمنة اللاحقة .
الثاني والعشرون : قانون الوحي نوع طريق للنصر ، وهو من مصاديق العون الإلهي وأسباب النصر في قوله تعالى [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ] ( ).
الثالث والعشرون : منافع الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في زماننا الحاضر .
الرابع والعشرون : قانون حضور الوحي بنظام الحكم في الإسلام.
الخامس والعشرون : هداية الناس بالوحي شاهد على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف إنما بالمدد الإلهي ، وملازمة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القول والعمل بالوحي وفي كل مناسبة ، ليكون قوله وفعله حجة وعلة لهداية الناس ، وزاجراً عن معاداته ، قال تعالى وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.
السادس والعشرون : موضوعية الملائكة في نزول الوحي ، وتبليغ الأنبياء ، قال تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ.
السابع والعشرون : دراسة مقارنة بين الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والوحي للأنبياء السابقين , والنسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، فمادة الالتقاء هي الملازمة بين النبوة والوحي، قال تعالى [إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا] ( ).
ومادة الإفتراق أن الوحي للأنبياء مجمل، والوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مبين ومفصل بالقرآن والحديث القدسي والسنة ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
الثامن والعشرون : قانون الوحي سبب لهداية الناس للإسلام .
التاسع والعشرون : قانون موضوعية الوحي في حقن الدماء وقلة معارك الإسلام .
الثلاثون : الوحي سبب في نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الإغتيال.
الواحد والثلاثون : قانون تأكيد الوحي اليومي لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والوحي مدد سماوي ، ومن بدائع فضل الله عز وجل على الأنبياء والناس جميعاً ، وهو من البركة التي تتغشى وتصاحب نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فالوحي خير عضد له في تبليغ رسالته ، وفي إختيار القول والفعل الأمثل ، وسبيل النجاة ، والهداية .
وهل يمكن تقدير قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، بالوحي وتعضيده في القول والعمل ، الجواب نعم .
الجمع بين الوحي والتنزيل
الأنبياء في تلقي الوحي على مراتب متعددة ، وقد اختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحضور ومصاحبة الوحي له ، فلم يفارقه الوحي ، قال تعالى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى.
و(عن جندب قال : أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون : قد ودع محمد فأنزل الله مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ))( ).
والنسبة بين الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول جبريل عليه السلام عموم وخصوص مطلق ، فالوحي أعم ، إنما قصد المشركون نزول آيات القرآن.
وفيه شاهد بأن ما ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من آيات وسور القرآن في مكة يبادر إلى قراءتها على الناس ويسمعها والمشركون ، ويعتني ويتدبر الناس في مضامينها ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن أنس قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟ قال : ما أدري حتى أسأل جبريل ، وكان قد أبطأ عليه فقال : لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة ، فقال وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ))( ).
لقد فاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء بمصاحبة الوحي له من جهات :
الأول : يسأل النبي الله عز وجل جهراً فيأتيه سواء بآية قرآنية أو بالوحي.
الثاني : يسأل النبي محمد الله عز وجل في قلبه ، فيأتيه الجواب والهداية في القول والفعل من عند الله عز وجل .
الثالث : يأتي الوحي من الله عز وجل ابتداء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : يسأل المسلمون وغيرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فيأتي الجواب من الله ، وهو على شعبتين :
الأولى : الجواب بآية قرآنية ، لذا ورد لفظ (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن ، أربع عشرة منها يقترن بها الجواب من عند الله ، منها قوله تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا *لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا.
الثانية : مجئ الجواب من الله عز وجل بالوحي والتنزيل .
وكل وجه من الوجوه أعلاه من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ترى أي الوجوه أعلاه هو الأكثر ، المختار هو الوجه الثالث ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
قانون الوحي إلى السماوات
وفي قوله تعالى [ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا] ( )، أودع الله عز وجل في كل سماء السنن والأنظمة الكونية الخاصة بها ، وما يصلح السماوات والأرض وما فيهن ، ولم تقل الآية : وأوحى إلى كل سماء بل وردت الآية بحرف الجر في [فِي كُلِّ سَمَاءٍ] لبيان ثبوت واستدامة أنظمة السموات العلا .
والظاهر أن المعنى أكثر سعة ومضموناً، وأن الآية تدل على أن الوحي لم ينحصر بالأنبياء تلقياً أو بالإنسان موضوعاً، وأن النظام الكوني محتاج في استدامة الأحكام الشرعية في أطرافه التي يعجز العقل البشري عن إدراك ما بينها من البعد الهائل إلى الوحي، وأن الملائكة القائمين في أمور السماوات وشؤونها يأتيهم الوحي ليس فقط بخصــوص السماء وما يتعلق بها من المسائل الكونية بل وما يهم عباداتهم، ومصاديق الإرادة التكوينية.
و(عن ابن عباس في قوله فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قال: قال الله تعالى للسموات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي. وقال للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك ، فقالتا : [أَتَيْنَا طَائِعِينَ])( ).
وتدل عليه أمور :
الأول : لغة المضارع والاستقبال في صيغة الأمر الإلهي الوارد في قوله تعالى يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ .
الثاني: اجتماع صيغتي الماضي والمضارع الذي يدل على الاثنينية والتعدد في الأمر كما في قوله تعالى يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا قُوا أنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
الثالث : تعدد وظائف الملائكة , الأمر الذي يدل على أهمية موضوع الوحي في عالم المخلوقات مطلقاً إذ لابد من طريق مبارك لتلقي الأحكام من عند الله تعالى.
ولكن الوحي بآيات القرآن له خصوصية , ويمتاز بصفات ملكوتية تتطلب دراسته وتحقيقه .
ففيه إكرام للأنبياء ولبني الإنسان عامة، ومن فلسفة الوحي توكيد حاجة الناس المستمرة إلى رحمة الله عز وجل .
صفة النبي محمد (ص) بالوحي إلى شعيب
من خصائص الملازمة بين الوحي بيان الصلة بين الأنبياء وإن تباعدت أزمانهم ، فالأول يبشر بالآخر ، والآخر يجتهد ويجاهد في تصديق الأنبياء الذين سبقوه ، وقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بالإخبار إلى عدد من الأنبياء في صفاته وأمته ، ومنه ما أخرجه (ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن وهب بن منبه قال : أوحى الله تعالى إلى شعيب إني باعث نبياً أمياً أفتح به آذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً ، وأعيناً عمياً.
مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام.
عبدي المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب المتحبب المختار.
لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح.
رحيماً بالمؤمنين ، يبكي للبهيمة المثقلة ويبكي لليتيم في حجر الأرملة.
ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوّال للخنا.
يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته ، ولو يمشي على القصب الرعراع يعني اليابس لم يسمع من تحت قدميه.
أبعثه مبشراً ونذيراً ، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم.
أجعل السكينة لباسه ، والبرَّ شعاره ، والمغفرة والمعروف حليته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإِسلام ملته ، وأحمد اسمه.
أهدي به من بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة.
وأسمي به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغنى به بعد العيلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به بين قلوب ، وأهواء متشتتة وأمم مختلفة ، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس.
آمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ، وتوحيداً لي وإيماناً بي وإخلاصاً لي وتصديقاً لما جاءت به رسلي ، وهم رعاة الشمس .
طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي ، أُلهمهم التسبيح والتكبير والتمجيد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم.
ويصفُّون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي ، هم أوليائي وأنصاري.
أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان ، يصلون لي قياماً وقعوداً وسجوداً ، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفاً ، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً .
اختم بكتبهم الكتب ، وشريعتهم الشرائع ، وبدينهم الأديان .
من أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني وهو مني بريء ، واجعلهم أفضل الأمم ، واجعلهم أمة وسطاء شهداء على الناس ، إذا غضبوا( ) هللوني ، وإذا قبضوا كبَّروني .
وإذا تنازعوا سبَّحوني.
يطهرون الوجوه والأطراف ، ويشدون الثياب إلى الأنصاف ، ويهللون على التلال والأشراف.
قربانهم دماؤهم ، وأناجيلهم صدورهم ، رهبان بالليل ليوث بالنهار ، مناديهم في جو السماء ، لهم دوي كدوي النحل.
طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم ، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم)( ).
ولم يرفع وهب بن منبه الحديث ، وهو من التابعين من أبناء الفرس في اليمن (34-114) للهجرة النبوية يكثر من الإسرائيليات وصحائف أهل الكتاب.
صفة النبي محمد (ص)
في وصف هيئة وبديع خلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورد عن ابن عباس وأنس والبراء بن عازب وأبي جحيفة وأبي الطفيل وغيرهم كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أزهر اللون أدعج أبحل أشكل أهدب الأشفار أبلج أزج أقنى أفلج.
مدور الوجه واسع الجبين كث اللحية تملأ صدره سواء البطن والصدر.
واسع الصدر عظيم المنكبين ضخم العظام عبل العضدين والذراعين والأسافل رحب الكفين والقدمين سائل الأطراف.
أنور المتجرد دقيق المسربة ربعة القد.
ليس بالطويل البائن ولا القصير المتردد ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله صلى الله عليه وسلم رجل الشعر إذا افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رئ كالنور يخرج من ثناياه.
أحسن الناس عنقا ليس بمطهم ولا مكلثم متماسك البدن ضرب اللحم.
قال البراء ما رأيت من ذى لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجرى في وجهه وإذا ضحك يتلألأ في الجدر.
وقال جابر بن سمرة وقال له رجل: كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل السيف ؟ فقال لا بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرا.
وقالت أم معبد في بعض ما وصفته به: أجمل الناس من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب وفى حديث ابن أبي هالة يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر وقال علي (عليه السلام) في آخر وصفه له: من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم)( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على نظافة بدنه والتنزه عن الأقذار ، وفي حديث ضعيف السند (عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الإسلام نظيف فتنظفوا فإنه لا يدخل الجنة إلا نظيف قال نعيم يعني النظيف في الدين من الذنوب)( ).
ولكن الحديث يحمل على ظاهره لأصالة الظاهر ، والتبادر الذي هو من علامات الحقيقة ، فالمراد من النظافة نظافة البدن لتكون ملازمة للإيمان ومقدمة لأداء الفرائض العبادية كالصلاة والصيام والحج.
(عن ثابت عن أنس قال دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : عندنا فعرق فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها.
فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين.
قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ثابت قال أنس بن مالك ما شممت عنبرا قط ولا مسكا أطيب ولا مسست شيئا قط ديباجا ولا خزا ولا حريرا ألين مسا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ثابت فقلت يا أبا حمزة ألست كأنك تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنك تسمع إلى نغمته قال بلى إني والله إني لأرجو أن ألقاه يوم القيامة .
فأقول يا رسول الله خويدمك قال خدمته عشر سنين بالمدينة وأنا غلام ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون ما قال لي فيها أف وما قال لي لم فعلت هذا أو ألا فعلت هذا)( ).
أطراف الوحي
الوحي صلة ملكوتية بين أهل السماء والأرض بفضل ولطف من الله عز وجل وهو سبيل الرشاد والهداية العامة ، وفي الوحي أطراف وهي :
الأول : الذي يأتي بالوحي من الله عز وجل وهو جبرئيل الذي لا تصل إليه الشياطين وعموم الجن ، قال تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى.
الثاني : موضوع ومادة الوحي وهو إعلام في خفاء ، وهو على جهات :
الأولى : الوحي للنبي في هدايته لأمر خاص أو عام ، وهل يصح القول بقانون سكوت النبي في مفهومه وحي ، الجواب نعم ، والنسبة بينه وبين السنة التقريرية عموم وخصوص مطلق .
الثانية : السنة القولية والفعلية ، والأوامر والنواهي التي تأتي بالوحي بلحاظ أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
الثالثة : التنزيل وآيات القرآن ، والنسبة بين الوحي وبينها عموم وخصوص مطلق ، فالوحي أعم .
الرابعة : الموحى إليه وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : الذي ينزل عليه وحي النبوة ، وهم الأنبياء وعددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي.
ومن الآيات معرفة الناس لأولهم وآخرهم ، فأولهم آدم أبو البشر ، وآخرهم الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا، ولم يرد لفظ (خاتم) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
ومن خصائص النبي محمد قانون سلامة الوحي والتنزيل من الخطأ أو الزيغ أو الخلل ، وفيه مسائل :
الأولى : ذات الوحي الذي يوحيه الله عز وجل يصل إلى النبي محمد بواسطة ملك أمين والله عز وجل من فوق جبرئيل يرى ويسمع ما يبلغه.
الثانية : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعمل بالوحي وتبليغه.
الثالثة : قانون استدامة عمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي وتلاوة ذات آيات التنزيل ، قال تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى.
التحنث في غار حراء
لقد اختار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العزلة أياماً في غار حراء، ودرسها كل واحد منا في صباه وعلى مستوى العالم الإسلامي ومدارسه.
والتحنث : التعبد ، إذ حبّب الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخلوة والعزلة عن الناس للتفكر في بدائع خلق الله ، قال تعالى [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] ( )( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتزود بالطعام والماء ويخرج من بيوت مكة ليصعد جبل حراء الذي يبعد عن البيت الحرام مسافة (4) كم تقريباً ليتعبد في غار في أعلاه.
وغار حراء فجوة في قمة الجبل طولها أربعة أذرع وعرضها ذراع وثلاثة أرباع ، وبابها إلى الشمال وإرتفاع الجبل (634 )كم .
ليبقى هذا الجبل شاهداً على الوحي الذي أختتمت به النبوة والرسالات ، والذي صار فيه ابتداء كمال الدين والنعمة ، قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا] ( ).
ومن الآيات أنه من المواضيع المدرسية التي سرعان ما ترسخ في الأذهان وتبقى عالقة فيها، ويشترك طلاب الصف على اختلاف وتباين مداركهم في وعيها ومتابعتها بشوق وإجلال، ليكون شاهداً وسراً من أسرار حفظ الوحي، ولكن من غير بيان وذكر العلة واستقراء الدروس والعبر من هذه العزلة.
فلم تكن عزلة حكمـاء أو فلاسفــة بل كانت جــزء علة للوحي، فلابد أن تكون هناك أسباب سماوية لتلك العزلة، إنها مقدمة وباب للإستعداد للوحي ورياضة النفس في مسالك العرفان والإنقطاع إلى الله تعالى .
التعبد في الغار
لقد استقبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النبوة والوحي بالإنقطاع إلى التفكر والتدبر في الخلائق ، والسياحة في عالم الأكوان ، والإقرار بالعبودية لله عز وجل ، قال تعالى أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ.
إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى ما عليه قومه من الكفر والضلالة وعبادة الأوثان مع جوارهم للبيت الحرام ، ووراثتهم لسنن من الحنيفية الإبراهيمية .
وقد ورد في خطاب إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا.
لبيان أن اعتزال الأنبياء لقومهم في بدايات الدعوة سنة ، وصلاح وتهيئة للنفس لتلقي الوحي ، فاتخذ النبي محمد العزلة وسيلة لعبادة الله والتنزه عن الانقياد لأوهام المشركين في التزلف إلى الأصنام ، والإنشغال بالتوسل إليها وطلب الحاجات منها .
والتحنث : التعبد ، وقد حبّب الله عزو جل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخلوة عن الناس ، وهذه الخلوة سابقة لنزول جبرئيل بالقرآن زماناً وموضوعاً.
ويبقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار خمسة أيام أو أسبوعاً ثم يرجع إلى بيته في مكة ، ويبقى أياماً ثم يتزود لعزلة أخرى في الغار .
ولم تكن عزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء عزلة حكماء وفلاسفة بل هي لطف من الله بتقريبه إلى مرتبة تلقي الوحي ، ووطأة ثقله.
وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدايات العزلة وأثناء التحنث ينتظر نزول الوحي عليه، الجواب : نعم ، إذ أصلح الله عز وجل النبي محمداً لها مقدمة لقبول الوحي والتصديق به والعمل بمضامينه خاصة وأن هذه العزلة ليست مجردة إنما هي مناسبة لعبادة الله وتبرئ من عبادة الناس للإصنام.
ليس من نبي سبق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتحنث في غار حراء أو أي موضع خارج مكة بمفرد عن الناس .
وهل كان هذا التحنث والعزلة نوع احتجاج على الناس في عبادتهم للأوثان ، وإرتكابهم المعاصي والفواحش والظلم ، الجواب نعم .
صدور الجزء الأول
قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
قد صدر بفضل ولطف وفيض من الله عز وجل الجزء الأول من كتابي (خصائص النبي محمد (ص)) في 315 صفحة والحمد لله الذي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.
وقد صدرت الأجزاء (245-247-258) من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان) بخصوص (علم الإحصاء القرآني غير متناه).
وهناك مسألة لم أذكرها في الجزء الأول هذا وهي هل خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يحصيها إلا الله عز وجل أم يمكن لنا إحصاؤها ، المختار هو الأول .
اللهم فأجعل حمدنا وشكرنا لك وثناءنا عليك من اللامتناهي .
وذكر المحقق الحلي خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صفحة واحدة من شرائع في باب النكاح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج أكثر من أربع.
والذي قمت بتدريسه قبل ثلاثين سنة في الحوزة العلمية وصدرت من شرحي له (دار السلام في شرائع السلام) الأجزاء السادس ، والعاشر ، والرابع عشر ، ولا زالت الأجزاء الأخرى مخطوطة .
لقد شارك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأنبياء السابقين بمعجزات وخصائص متعددة واستقل بطائفة منها ، إذ كانت معجزات الأنبياء السابقين حسية ، كناقة صالح وعصا موسى عليها السلام .
وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات الحسية أيضاً واستقل بالمعجزة العقلية وهو القرآن .
وهل تدل عليه الآية المتقدمة إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا عليه ، الجواب نعم ، إذ يلتقي مع الأنبياء بالبشارة والإنذار ويستقل بالشهادة على الناس ، ثم تأتي الآية التي بعدها وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا.
وكذا يستقل في عموم الرسالة وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ونطبع أجزاء التفسير المتتالية ، وكتبي الفقهية والأصولية والكلامية على نفقتنا الخاصة وهي من أفضل موارد الخمس والحقوق الشرعية قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
قانون الإيمان واقية من الظلم
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يحصي كثرة عدد الذين انتفعوا من رسالته في السلامة من الظلم للذات والغير إلا الله عز وجل .
ومن أسرار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزته العقلية، وهي آيات القرآن ، وتلاوة كل مسلم ومسلمة لها سبع عشرة مرة في اليوم ، لتكون حصانة من الظلم وسبب نجاة من النار من جهات :
الأولى : الأجر والثواب على الإمتثال لأمر الله عز وجل باقامة الصلاة، قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
الثانية : مضاعفة الحسنات على تلاوة القرآن والتسبيح والتهليل في الصلاة من غير بذل لها بالصدقة ونحوها .
وورد عن أبي سعيد الخدري (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله اصطفى من الكلام أربعاً : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر .
فمن قال سبحان الله؛ كتبت له عشرون حسنة ، وحطت عنه عشرون سيئة ، ومن قال الله أكبر؛ مثل ذلك ، ومن قال لا إله إلا الله؛ مثل ذلك ، ومن قال الحمد لله رب العالمين . من قبل نفسه له ثلاثون حسنة ، وحطت عنه ثلاثون سيئة)( ).
الثالثة : قانون التلاوة مدرسة أخلاقية تمنع من الهّم بالمعصية وتعصم الجوارح من الظلم والتعدي ، ويفاجئ المسلم يوم القيامة بالإطلاع على أفراد قانون منع القرآن من المعصية ، قال تعالى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي قانون التضاد بين انتفاء الأنصار للظالمين ، وبين فوز المسلمين بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،وقانون التضاد بين الإيمان والكفر وبين الأبرار والظالمين للناس ، قال تعالى هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
اتساع مكة وما حولها
لقد جعل الله عز وجل القرآن وثيقة سماوية ، ومرآة لواقع المجتمعات قبل البعثة النبوية ، وأيام البعثة وما بعدها ، وتتجلى في تبدل أحوال الناس على نحو الأحسن وهي خصيصة من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبركات القرآن ، لذا قال تعالى وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا فذكرت الآية القرآنية ما حول مكة بصفة القرى ، ومنها الطائف ومساكن القبائل العربية ويثرب ، وهو الذي تدل عليه الأخبار ومعالم الآثار .
والقرية تجمع سكاني صغير تتقارب منازلها مع سعة الأرض ، ومن أسبابه قلة وتآلف السكان أو خشية غزو الأعداء والطامعين .
ويتصف أهل القرى العربية أنهم أبناء عمومة واحدة يندر وجود عشير وحليف بينهم ، وقد يهجرون قراهم تبعاً للماء والكلأ ، أو خشية الثأر والإنتقام.
لبيان أن من معاني وصف مكة (أم القرى) استدامة وجودها ، وعدم مغادرة أهلها حتى عندما قدم أبرهة الأشرم بجيوشه ، فيترك أهل القرية قريتهم ،ولكن مكة تجذب الناس إليها بالسكن أو الزيارة أو العمرة ، قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
أما المدينة فهي منطقة حضرية تضم الكثير من المنازل وساكنيها ، وهي مركز للتجارة والعمل والإبداع في الثقافة والأدب ، ويهاجر إليها أبناء القرى رجاء فرص العمل والمكاسب والأجور الأفضل ،والتحصيل العلمي ، ووجود القرى سابق لوجود المدن .
ولم تبين الآية أعلاه لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا هل مكة مدينة أم قرية ، ولكن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، إذ ورد ذكرها بأنها قرية ، قال تعالى وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍوالمراد من القريتين هما مكة والطائف وعليه الإجماع .
واختلف في الرجلين في الآية أعلاه اللذين ظن المشركون البعثة لهما ، والمختار أنهما الوليد بن المغيرة المخزومي ، وعروة بن مسعود الثقفي ، وكان يحتمل الديات ، وكان عم المغيرة بن شعبة فأبطل الله عز وجل قولهم ، وقال أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ ومنها النبوة والقرآن.
ويكون من معاني الجمع بين الآية وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وقوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا أن مكة قرية ولكنها قرية كبيرة ببركة البيت الحرام ، ولبيان أن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ارتقاؤها إلى مدينة من أكبر مدن العالم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فمع بناء إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام وفدائهما بين الناس بالحج ، ومرور نحو ألفي سنة على رفع إبراهيم القواعد من البيت الحرام حتى بعثه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانها لم ترق إلى صفة المدينة ، ليكون إتساعها مع وقوعها في واد تحيط به الجبال الصخرية الجرداء ، وقلة أمطارها من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أما المدينة المنورة فلم تمر بضعة سنين على هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة (يثرب) حتى اتسعت وامتدت وتضاعف عدد سكانها بالمهاجرين ، وأبناء القرى ، ومجئ الأموال والغنائم ، وتنشيط التجارة فيها ، فنعتها الله عز وجل بصفة المدينة في قوله تعالى يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ .
ونزلت هذه الآية عند رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من كتيبة بني المصطلق في شهر شعبان سنة ست.
وقد ورد ذكر مصر بصفة المدينة في آيات منها ما يخص فرعون ، ومنها ما يتعلق بقصة يوسف عليه السلام وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ووقائع قصة يوسف عليه السلام متقدمة بمئات السنين عن وقائع فرعون وموسى عليه السلام ، وفي التنزيل قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
لبيان مسائل من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الأولى : إرتقاء مدن في الحضارة والتوسعة وزيادة السكان ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : حفظ صفة المدينة على مدن تأريخية ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعدم حدوث إندثار وزوال لها .
الثالثة : إنشاء مدن جديدة في البلاد الإسلامية والإنتفاع الأمثل من الأراضي الزراعية للألفة والأمن والتآخي بين المسلمين ، قال تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
استدامة حج البيت
لقد جعل الله عز وجل حج البيت الحرام ملازماً لعمارة الإنسان الأرض من أيام آدم عليه السلام ، وهل الحج من أسباب استدامة هذه العمارة ونزول البركة على الناس ، الجواب نعم ، لذا قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
فلابد من ثواب عاجل وآجل للإمتثال للأمر الواجب من عند الله عز وجل.
وقد اختص الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأمته بعمارة البيت الحرام في كل يوم من أيام السنة وإلى يوم القيامة ، قال تعالى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.
ويحتمل متعلق الأمر بتطهير البيت وجوهاً :
الأول : الطائفون العاكفون والركع السجود أيام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام .
الثاني : ما بعد أيام إبراهيم وإسماعيل ولحين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : هذا التطهير مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعون ومدد له .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية .
لقد ذكرت الآية أعلاه ثلاثة أصناف من المؤمنين :
الأول : الطائفون بالبيت الحرام .
الثاني : العاكفون والمنقطعون لعبادة الله في البيت الحرام .
الثالث : المصلون ، وورد ذكرهم بصفة وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ لوجوب تعاهد الركوع والسجود وركنية كل منهما في الصلاة ، ولبيان الحاجة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد ان ترك الناس الركوع والسجود ، حتى إذا جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة التي تضمنت الركوع والسجود قابله المشركون بالإستهزاء والأذى الشديد .
وتوجه الأمر في الآية أعلاه إلى إبراهيم وإسماعيل معاً لإعانة إسماعيل لأبيه إبراهيم في بناء البيت ووظائف الرسالة والتبليغ ومقدمة لنبوته ، ليتعاهد عمارة البيت الحرام والنداء للناس بأداء الحج بقوله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. فصحيح أنه موجه لإبراهيم عليه السلام ولكنه يشمل إسماعيل وذرية إبراهيم.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه نادى الناس جميعاً للحج ، وثبّت فريضة حج بيت الله الحرام إلى يوم القيامة.
فحج بيت الله الحرام ركن من أركان الإسلام ، ووردت أحاديث نبوية كثيرة تؤكد وجوبه ، وترّغب في المندوب منه ، وتبين أن ثوابه الجنة.
و(عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة . قيل : وما بره؟ قال : إطعام الطعام ، وطيب الكلام ، وفي لفظ وإفشاء السلام .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن جراد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن)( ).
وجاء الأمر في الآية الثانية في ذات موضوع تطهير البيت الحرام خاصاً بإبراهيم عليه السلام بقوله وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِوذكرت الآية [بَوَّأْنَا] والمراد من البيت في الآية هو الكعبة وقواعدها التي وضعها آدم عليه السلام بأمر وإعانة من جبرئيل عليه السلام .
والفرق بين الآيتين هو ذكر إسماعيل في الآية الأولى إلى جانب إبراهيم ، وورد ذكر العاكفين ، بينما ذكرت هذه الآية القائمين بدل العاكفين لأنها بدايات نداء وعوة إبراهيم لحج بيت الله الحرام ، بينما تدل الآية التي جمعت الأمر إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام على طول مدة النداء وزيادة عدد المؤمنين ، فصار مع إقامة الصلاة الإعتكاف في البيت الحرام ، وتحقق إقامة الصلاة على مدار السنة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من الخصائص التي اختصه الله عز وجل بها ، وليجمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته بين الطواف والإعتكاف والقيام والصلاة كل يوم في البيت الحرام وإلى يوم القيامة ، وهو من وجوه تفضيله على الأنبياء .
لا أصل لحديث الغرانيق
لم يرد هذا الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يروه الصحابة الأوائل ، أو عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، أو حتى أحد المشركين آنذاك ، سواء أيام جاهليته أو بعد دخوله الإسلام .
والحديث ضعيف رواية ودراية ، والرواية نص ومتن الحديث الذي اضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الصحابي أو الإمام المعصوم.
والقسم الثاني وهو علم الحديث دراية فهو الذي يبحث حال الرواة من جهة القبول والرد وهو ما يعرف بسند الحديث .
(ومن طريق سليمان التيمي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وهو بمكة ، فأتى على هذه الآية أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى فألقى الشيطان على لسانه : إنهن الغرانيق العلى ، فأنزل الله [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ])( ).
والحديث ضعيف سنداً بمجهول (عمن حدثه) ونزلت هذه الآية وعبد الله ابن عباس لم يولد بعد ، إذ أنه ولد قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث سنين .
كما ورد الحديث مرسلاً عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ سورة النجم ، فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى قال : إن شفاعتهن ترتجى ، وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرح المشركون بذلك.
فقال : إلا إنما كان ذلك من الشيطان ، فأنزل الله وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ حتى بلغ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ))( ).
وقد قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة ولد في أيام عمر بن الخطاب ، وكان مكفوفاً ، توفى سنة 94 هجرية .
فلم تثبت هذه الواقعة وهي خلاف منهاج وقوانين السنة النبوية .
والغرانيق : الذكور من طير الماء واحدها غرنوق سمي به لبياضه وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم إلى الله فسميت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع .
وقال المجلسي في البحار بعد ساق حديث الغرانيق بالتفصيل (حديث الغرانيق من الخرافات التى روتها العامة، وهو موضوع مما لا أصل له)( ).
لقد كانت مدة بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً وعشرين سنة ينزل عليه فيها القرآن ، وبضبط فيها كل ما ينزل عليه ، فلابد أن هذه الواقعة لا أصل لها .
وقال المجلسي (روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة( ) أنه سئل عن هذه القصة فقال :هذا من وضع الزنادقة، وصنف فيه كتابا.
وقال الامام أبو بكر البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وآله قرأ سورة (والنجم) وسجد فيها المسلمون والمشركون والانس والجن وليس فيه حديث الغرانيق ، وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق)( ).
وكثيرة هي آيات القرآن التي تدل على عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مثل هذا الحديث بالإضافة للتنزيل والتي تنفي مثل هذه الواقعة.
لقد كانت مدة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً وعشرين سنة نزلت فيها (6236) آية ليس فيها إلا الضبط في التلاوة من قبل الملك جبرئيل والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فلا عبرة بحديث لا أصل له.
والمختار أن القرآن خال من الزيادة أو النقيصة وأن الذي بين الدفتين هو الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
واستدل على مسألة الغرانيق العلى بقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
ولكن موضوع الآية أعلاه ومعاني الأمنية اجنبية عن الوحي والتنزيل إذ أن الأمنية كيفية نفسانية ورغبة خاصة تطرأ على ذهن الإنسان أو تجري على لسانه.
ومن معاني قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى صبغة الإطلاق التي تتغشى كلام وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي تستلزم عموم قوله وفعله وفي كل الأحوال من حين البعثة النبوية .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحي يتفصد عرقاً في اليوم البارد ، وهو من خصائصه .
ولم يرد في خبر الغرانيق أن علامات الوحي وثقل التنزيل ظهرت وبانت عليه ، مما يدل على انتفاء التنزيل في ذات الموضوع.
نفي آيات القرآن لحديث الغرانيق
لقد جعل الله القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومنه التبيان الذاتي لآياته.
ومن إعجاز القرآن قانون بيان عدة آيات لمضمون الآية الواحدة منه ، وقانون تنقيح آيات القرآن للسنة بيان الحديث الصحيح أو الموضوع الذي لا أصل له ، ومنه حديث الغرانيق.
ومن الآيات التي تدل على عدم صحة هذا الحديث :
الأولى : قوله تعالى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
ومن الباطل وحي وعبث الشياطين ، ترى على من تعود الهاء في قوله تعالى [يَأْتِيهِ] الجواب من وجوه :
الأول : الوحي والتنزيل .
الثاني : ذات القرآن وتبيانه .
الثالث : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته القولية والفعلية.
الثانية : قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
وتتضمن هذه الآية شهادة الله عز وجل بأن القرآن ذكر ونازل من عنده تعالى ، وان الله عز وجل حافظ للقرآن من جهات :
الأولى : نزول جبرئيل بتمام آيات القرآن ، كل آية في أوانها في ليل أو نهار .
الثانية : حفظ القرآن في نزوله إلى اللوح المحفوظ ثم إلى جبرئيل ، من غير تحريف أو زيادة أو نقص .
الثالثة : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوحي والصلاة والسلام على النبي المصطفى وآله ، ومن اقتفى سنته المباركة .
الحمد لله على ما أظهر من الحجج ، وأوضح من البراهين والدلائل كل ساعة على عظيم قدرته ، وسعة سلطانه .
وتفضل الله عز وجل وأكرم النبي محمداً بانزال القرآن عليه ، فأزاح به ظلمات الجهل ، ومفاهيم الوثنية عن الأذهان والمجتمعات ، وفتح للناس طريق الهداية والنجاة في الدنيا والآخرة .
الحمد لله الذي تفضل وبعث النبي محمداً بالوعد باللبث الدائم في الجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات بآيات قرآنية كثيرة وبالسنة النبوية ، ومما اختص الله عز وجل به النبي محمداً توثيق السنة .
سبحان الله الذي تنزه عن النظير ، ومنع من الشريك وتقدس عن المثل ، قال تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
عالمية المثل القرآني
لم يكن القرآن عربياً بلغته فقط بل بمصاديق أخرى منها المثل القرآني فالأمثال حكمة العرب ومنهم من عدّها حكمتهم في الجاهلية والإسلام، ولا يتم ذلك إلا بلحاظ الأمثلة القرآنية، وربما جعلوا من البيت الشعري ما يشبه المثل.
فجاء القرآن باعجاز في هذا الباب وأحسن توظيفه والانتفاع العام الأمثل منه .
فمن أسرار المثل القرآني انه يلائم الخاص والعام، وهو قريب من الناس أفراداً وجماعات لينهلوا من مدرسة الموعظة فيه , قال تعالىوَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.
وتدل صيرورة المثل أحد مصاديق وصيغ الخطاب القرآني على الإرتقاء الفكري والحضاري عند العرب، (وقد إعتبر المستشرق بروكلمان المثال من بقايا أقدم النثر العربي لأن بعضها وقائع وأمور حدثت في الماضي، أي أن المثل جاء توثيقاً لها في الجملة ولو نسى الناس تفاصيلها.
ويمكن القول بأن من إعجاز القرآن إرتقاء علوم العرب وتهذيب أخلاقهم ومن هذا النوع المثال عندهم وجاء القرآن بلغة العرب وما يعتنون به في زمان التنزيل , وقد إستعمل العرب في الإمثال (فلان أسمع من قراد) والقراد دويبة تتعلق بالبعير والماشية ، و(أعز من مخ البعوضة) و(أطير من جراد) و(أجرأ من الذباب) ونحوه كثير ، في قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ….
معنى ضرب أثبت وألزم، نحو ضربت عليه الذلة وضربت عليهم الجزية، ويحتمل أن يكون من الضريب الذي هو المثل، وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله تعالى في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن الشيطان خدعهم)( ).
وعن ابن عباس (أن الأصنام كانت ثلثمائة وستين صنماً حول الكعبة، وكانوا يضمخونها بأنواع الطيب ويطلون رؤوسها بالعسل، وكان الذباب يذهب بذلك، وكانوا يتألمون من هذه الجهة.
فجعلت مثلاً وقالوا : أجرأ من ذبابة وأهون من ذبابة ، واطيش وأخطأ من الذباب ، لأنه يلقي نفسه في الشيء الحار، والشيء الذي يلتصق به ولا يمكنه التخلص وقالوا : أوغل من ذباب : قال الشاعر :
أوغل في التطفيل من ذباب … على طعام وعلى شراب
لو أبصر الرغفان في السحاب … لطار في الجو بلا حجاب)( ).
ولابد من دراسة وجوه الالتقاء والتداخل بين المثل والحكمة، وقيل : المثل من أبلغ الحكمة ، وقال إبراهيم النظام : يجتمع في المثل أربعة لا يجتمع في غيره من الكلام إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة .
ومنهم من قال :الأمثلة أبلغ الحكمة لاجتماع الناس عليها وهم لا يجتمعون على ناقص.
ليجتمع الناس على المثل القرآني ، وصيرورته مدرسة يومية تحضر في الشواهد والأمثلة تتغير على نحو الجزئية والأفراد والألفاظ بل والمعاني إلا أمثال القرآن فانها ثابتة راسخة ورسوخها لجزئيتها من القرآن ولما فيها من دلالات الحكمة وفيه مسائل :
الأولى : قانون المثل القرآني حكمة متعالية .
الثانية : قانون حاجة الناس للمثل القرآني .
الثالثة : تجدد معاني ودلالات المثل القرآني في كل زمان ، وهو من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه للمثل القرآني ، والتأكيد على لزوم العناية العامة ، ويقرب معانيها إلى الأذهان للإتعاظ والمبادرة إلى فعل الخير واجتناب الشر .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقتبس أمثلته من القرآن ، ويتخذه شاهداً ، و(لما نزلت [وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ] ( ) انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربوة من جبل ، فعلا أعلاها حجراً ثم قال : يا بني عبد مناف أني نذير لكم إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه إلى أهله ، فجعل يهتف : يا صباحاه . . يا صباحاه . . أتيتم . أتيتم)( ).
و(عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء! فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكَذب ما جئت به من الحق)( ).
وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث (إنما مثل المؤمن مثل النخلة وقعت فأكلت طيباً ولم تفسد ولم تكسر ، ومثل المؤمن كمثل القطعة الذهب الأحمر أدخلت النار فنفخ عليها ولم تتغير ووزنت فلم تنقص)( ).
الرابعة : قانون إرتقاء وعلو المثل القرآني على أمثلة الشعوب والأمم .
مدرسة المثال في السنة النبوية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سنته بيان وتفسير ومرآة للقرآن ، لذا تضمنت السنة النبوية الأمثلة المستقرأة من آيات القرآن ومنها عن (ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ ثُمَّ يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَالَّذِي يَقِيءُ ثُمَّ يَأْكُلُ قَيْئَهُ)( ).
وعن أبي (حبيبة الطائي قال أوصى رجل بدنانير في سبيل الله فسئل أبو الدرداء فحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل الذي يعتق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع)( ).
عن عبد الله بن مسعود (قال : نَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على حَصِيرٍ ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوِ اتخذنا لَكَ فِرَاشاً ، فَقَالَ : مَالِي ومَا لِلدُّنْيَا ، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل تَحْتَ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (قال مثل الذى لا يتم صلوته كمثل الحبلى حملت حتى إذا دنا نفاسها اسقطت فلا حمل ولا هي ذات ولد ومثل المصلى كمثل التاجر لا يخلص له ربح حتى يخلص له رأس ماله كذلك المصلى لا تقبل له نافلة حتى يؤدى الفريضة)( ).
و(عن أنس عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ، طعمها طيب وريحها طيب .
ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة ، طعمها طيب ولا ريح لها .
ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ، طعمها مر ، ولا ريح لها)( ).
وعن ابن (عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير في هذه مرة ، وفي هذه مرة لا تدري أيها تتبع)( ).
وتدعو مدرسة المثال في السنة النبوية الى تدوين وتوثيق السنة ، ودراسة الأمثلة التي قالها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودلالاتها ومنافعها فهي شعبة من الوحي .
المثل الجامع للحقيقة والمجاز / علم مستحدث
وهذا الجمع علم مستحدث في هذا التفسير ، فالمعروف بأن الحقيقة غير المجاز ، وهما لا يجتمعان في كلمة واحدة ، فالحقيقة هي اللفظ الذي وضع للمعنى الخاص به ، كلفظ أسد للحيوان المفترس المعروف .
أما المجاز فهو إستعمال اللفظ في غير معنى آخر غير الذي وضع له لعلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي ، أو لقرينة صارفة له عن معناه الحقيقي ، كما لو قلت رأيت أسداً في ميدان المعركة ، والقرينة قد تكون لفظية أو حالية أو معنوية.
والمختار وقولي الجديد في علوم القرآن إمكان إجتماع الحقيقة والمجاز في اللفظ القرآني الواحد ، ومنه مثلاً قوله تعالى وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، فقال العلماء في الآية حذف ، وتقدير الآية : وأسال أهل القرية وأسأل أصحاب العير.
وهذا صحيح ، ولكن المختار أعم ، وأن اللفظ يشمل الحقيقة والمجاز.
فمن الحقيقة أن أبناء يعقوب قالوا له إنك نبي وأن الجمادات تكلمك ، فأسأل بيوت وأشجار وطيور القرية مثلما تسأل أهلها تبين لك صدقنا فيما وقع لأخينا بنيامين ، وهو وصية أخيهم الكبير الذي بقي عند عزيز مصر.
وفي قوله تعالى وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا، وكان معهم في القافلة رجال من كنعان جيران يعقوب لإرادة سؤال يعقوب لهم ، وهو من باب المجاز وحذف المضاف ، وتقدير الآية (واسأل أصحاب العير).
كما تحمل الآية على الحقيقة والمراد بلحاظ أن يعقوب نبي يكلم الإبل بفضل الله عز وجل لتخبره عن صدقنا ، ويلاحظ أنهم حينما ألقوا يوسف في الجب لم يرجوا شهادة لأنهم كاذبون.
لبيان قانون علوم القرآن أعم وأوسع من أن تحيط بها قواعد البلاغة والنحو ، ومن أمثلة القرآن في المقام قوله تعالى أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، وجمع الظلمات لبيان شدتها لأن الظلمة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وكأنها في قعر البحر ، وقوله تعالى [لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا] حقيقة ، وهي من باب المجاز والمبالغة في وصف الظلمة.
والنور في الآية جاء بمعنى الحقيقة والمجاز ، ولبيان وجوه :
الأول : قانون الإيمان نور في الدنيا والآخرة ، (قال ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من زنى نزع الله نور الإيمان من قلبه ، فإن شاء أن يرده عليه رده ، وإن شاء أن يمسكه أمسكه)( ).
الثاني : قانون النور نعمة من عند الله عز وجل.
الثالث : قانون الحاجة إلى النور والهداية من الله عز وجل ، لذا يتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في كل يوم اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَفي الصلوات الخمسة وعلى نحو الوجوب العيني .
تعدد أسماء النبي محمد (ص)
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة أسمائه ، ودلالة كل اسم على معاني إعجازية ، ومنافع للعباد متصلة.
و(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ : أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:”لِي أَسْمَاءٌ، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا)( ).
و(عن أبي الطفيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لي عشرة أسماء عند ربي قال أبو الطفيل : حفظت منها ثمانية : محمد وأحمد وأبو القاسم والفاتح والخاتم والماحي والعاقب والحاشر ، وزعم سيف أن أبا جعفر قال : الاسمان الباقيان طه ويس)( ).
والنبي محمد هو المصطفى والمختار من عند الله عز وجل من وجوه :
الأول : خاتم الأنبياء والمرسلين .
الثاني : نزول القرآن على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : المصطفى من أطهر الأنساب ، وأسمى الأحساب .
الرابع : المصطفى للشفاعة في الآخرة .
ولا يقدر على إصفاء العبد لمرتبة النبوة والإمامة إلا الله عز وجل .
والمصطفىَ -بالفتح- اسم مفعول من اصطفى ، بمعنى ، ولم يرد بصيغة المفرد في القرآن ، ولكنه ورد بصيغة الجمع ، قال تعالى وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ.
وعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام (قال : لما نزلت هذه الآية طسم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطاء طور سيناء والسين الاسكندرية والميم مكة.
وقال جعفر الصادق عليه السلام : الطاء طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم)( ).
و(عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول اللّه عليه السلام : إن اللّه عزّ وجلّ اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل ، واصطفى من بني كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم)( ).
و(عن عبد الله بن عباس قال : قام رسول الله صلى الله عليه واله فينا خطيبا فقال: الحمد لله على آلائه وبلائه عندنا أهل البيت ، وأستعين الله على نكبات الدنيا وموبقات الآخرة .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني محمدا عبده ورسوله، أرسلني برسالته إلى جميع خلقه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ واصطفاني على جميع العالمين من الاولين و الآخرين ،أعطاني مفاتيح خزائنه كلها، واستودعني سره، وأمرني بأمره، فكان القائم، وأنا الخاتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم واتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ))( ).
والمصطفى : المنتجب والمنتقى ، والمختار لأفضليته .
(واصْطَفَيْتُهُ: اخترته. وأَصْفَيْتُهُ بالشيء، إذا آثرتَه به)( ).
واصطفيته على وزن افتعلته من الصفاء ، قال تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا.
شواهد من إسلام الطفيل الدوسي
في إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي أنه قدم إلى مكة ، وكان رجلاً شريفاً لبيبياً شاعراً ، فمشى إليه رجال من قريش ، وقالوا له إن النبي محمداً فرق جماعتنا وشتت أمرنا ، وفرق بين الرجل وأبيه ، والأخ وأخيه ، وبين الرجل وزوجته .
يقصدون دخولهم الإسلام .
وقالوا له بصيغة التحذير والإنذار (وَإِنّا نَخْشَى عَلَيْك وَعَلَى قَوْمِك مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا ، فَلَا تُكَلّمَنّهُ وَلَا تَسْمَعَنّ مِنْهُ شَيْئًا)( ).
واستمع الطفيل لهم ولكنه عدل وأنصت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو القرآن ، ليكون من معجزات القرآن جذب الناس طوعاً وقهراً للإنصات لآياته .
(قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه
قال : فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي عند الكعبة .
فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله .
فسمعت كلاما حسنا .
فقلت في نفسي : واثكل أمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته .
فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه .
فقلت : يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعته قولا حسنا فاعرض علي أمرك .
فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه .
فأسلمت وشهدت شهادة الحق)( ).
لبيان أن مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عرض الإسلام على الأفراد والجماعات مع قراءته آيات وسور من القرآن الذي أنزل عليه في مكة لبيان قانون القرآن عضد وعون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العلامة والآية بالدعاء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اعطاؤه بالدعاء آية وعلامة لبعض أصحابه لتصديق الناس بدعوته ، فعندما أسلم الطفيل سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية يصدقه معها الناس في دعوته.
فصحيح أنه مهاب عند قومه بني دوس ولكن الأمر عظيم ، عقيدة مستحدثة ، ودعوة تمحو وتنسف ما عليه هم وآباؤهم من عبادة الأوثان خاصة وأن النبي محمداً ليس معه جيش ، فلا يرون إلا معجزات حسية وآيات القرآن ، وهي معجزة عقلية باهرة .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم اجعل له آية .
قال الطفيل (فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا بي مُثْلًةَ وقعتَ في وجهي لفراق دينهم، فتحول النور فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضرون( ) يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق .
فأتاني أبي فقلت له: إليك عني فإنك لست من ديني، ولست منك، قال : ولم يا بني ، قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد، قال: يا بني ديني دينك.
فقلت : فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ففعل فجاء فعرضت عليه الإسلام، ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني فلست منك ولست مني، قالت: ولم بأبي أنت.
قلت: فرق بيني وبينك الإسلام، إني أسلمت واتبعت دين محمد، فقالت: ديني دينك ، فأسلمت.
لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نفاذ الإيمان إلى القلوب وسرعة استجابة أهل المسلم لدعوته إلى الإسلام وهي من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في انتشار الإسلام بما يحول دون إتساع أذى قريش ، وإيجاد حلفاء كثيرين لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقتاله بعد هجرته إلى المدينة .
حسد أمية أبي الصلت
الحسد تمني زوال النعمة عن الغير ، وهو قبيح ومذموم ، ومن الرذائل ، ويجلب النفرة والعداوة وهو ، وقد جاء القرآن بالحرب على الحسد ولزوم التنزه عنه ، قال تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا.
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه الحسد له من قومه إذ كرهوا أن تكون النبوة في بني هاشم ، ومن الأشخاص الذين اعتزلوا المشركين ويرجون أن تأتيهم نبوة آخر زمان التي صارت حديث الناس حينئذ وبأن أوانها قد أطل عليهم .
وهذا الحسد لم يكن على نحو العين والعاين فحسب بل اتصف بالعداوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجحود برسالته مع رؤيتهم للمعجزات ، قال تعالى أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ.
ومن الذين أظهروا الحسد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمية بن أبي الصلت وهو عبد الله بن أبي ربيعة الثقفي ، وأمه من بني أمية رقية بنت عبد شمس وهو من رؤساء ثقيف ، وكان من الأحناف.
وكان يقرأ التوارة والكتب القديمة ، فلبس المسوح تعبداً ، وحرم شرب الخمر.
ورث الشعر من والده ، وكان يبغض عبادة الناس للأوثان ، وهو من أبرز الشعراء ، واتصف شعره بالإلهيات والحنفية ، ووردت في شعره ألفاظ مجهولة لا تعرفها العرب ، لذا لم يحتج علماء اللغة بشعره .
وقد سمع أمية من علماء النصارى البشارات ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي من ميراث عيسى عليه السلام ، قال تعالى وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
وعن أبي سفيان في حديث طويل أنه خرج مع أمية بن أبي الصلت وطليق بني أمية (إلى الشام فكلما نزلنا منزلا أخرج أمية سفرا فقرأها علينا قال فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى قال فجاءوه وأكرموه وذهب معهم إلى بيعتهم .
ثم رجع وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما وقال يا أبا سفيان هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب تسأله عما بدا لك.
قلت لا أرب لي فيه والله لئن حدثني ما أحب لا أثق به ولأن حدثني بما أكره لأوجلن منه .
فذهب ويخالفه شيخ من النصارى فدخل علينا فقال ما منعكما أن تذهبا إلى هذا الشيخ .
قال قلنا لسنا على دينه قال فإنكما تسمعان عجبا وتريانه قال أثقفيان أنتما .
قلنا لا ، ولكن قرشيان قال فما يمنعكما من الشيخ ، فوالله إنه ليحبكم ويوصي لكم)( ).
فمكث أمية بن أبي الصلت عند عالم النصارى إلى قريب منتصف الليل وأصبح حزيناً كئيباً لا يكلم أحداً ثم ارتحلوا ، وبعدد ليلتين تكلم أمية وهو في حال خوف ورهبة إذ أظهر إيمانه بالمعاد وبعث الناس للحساب بعد أن سمع كلام عالم النصارى ، وقال (يا أبا سفيان لنبعثن ثم لنحاسبن وليدخلن فريق الجنة وفريق النار .
قلت ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك قال لا علم لصاحبي بذلك ثم لا فيّ ، ولا في نفسه)( ).
أي أنه لا يعلم حاله في الآخرة ولا حال أمية بن أبي الصلت ، وهو الأمر الذي جعل أمية في حال خوف وفزع .
قال أبو سفيان (حتى قبلنا غويطة دمشق وإياها كنا نعمد فبعنا متاعنا وأقمنا بها شهرين ثم ارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى)( ).
ولم يعلم أبو سفيان ورجالات قريش أن دمشق تكون بالإسلام ، وبأمر من عمر بن الخطاب دار حكم لولده يزيد ثم معاوية بن أبي سفيان.
أسلم يزيد يوم الفتح وكان من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وأعطاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة .
وفتح قيسارية بالشام .
وعن أبي العالية قال حدثني (أبو مسلم قال غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس فغنموا فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل فاغتصبها يزيد فأتى الرجل أبا ذر فاستعان به عليه فقال له رد على الرجل جاريته فتلكأ عليه ثلاثا .
فقال إني فعلت ذاك لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد .
فقال له يزيد بن أبي سفيان نشدتك بالله أنا منهم ، قال لا ، قال فرد على الرجل جاريته)( ).
توفى يزيد سنة ثماني عشرة (ولما احتضر استعمل أخاه معاوية على عمله، فأقره عمر على ذلك احتراما ليزيد ، وتنفيذا لتوليته)( ).
وممن مات في تلك (السنة في الطاعون أبو عبيدة أمين الامة، ومعاذ بن جبل سيد العلماء، والامير المجاهد شرحبيل بن حسنة حليف بني زهرة، وابن عم النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، الفضل بن العباس وله بضع وعشرون سنة، والحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومي أبو عبد الرحمن من الصحابة الاشراف، وهو أخو أبي جهل، وأبو جندل بن سهيل بن عمرو العامري)( ).
بشارة علماء النصارى بخاتم الأنبياء
لقد اتصل أمية بن أبي الصلت بأحد علماء النصارى في طريق عودته إلى مكة وقال له (أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر .
قال هو رجل من العرب ، قلت قد علمت أنه من العرب فمن أي العرب هو قال من أهل بيت تحجه العرب.
قلت وفينا بيت تحجه العرب ( ) .
قال هو من إخوانكم من قريش .
فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط وخرج من يدي فوز الدنيا والآخرة ، وكنت أرجو أن اكون إياه قلت فإذا كان ما كان فصفه لي.
قال رجل شاب حين دخل في الكهولة بدو أمره يجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم ويأمر بصلتها وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة ، أكثر جنده من الملائكة)( ).
ليكون من خصائص البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم زجرها عن محاربته ، فالذي جنده الملائكة لا يغلبه وأصحابه الناس ، قال تعالى وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
لقد واجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل الحسد والإستكبار والجحود بالصبر والبينة لذا قال تعالى وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
ولقد حسد رؤساء قريش بني هاشم بأن يكون نبي آخر زمان منهم ، واتصل هذا الحسد حتى بعد الهجرة ، وهو من أسباب معركة بدر ، وأحد ، والأحزاب.
واتضح يوم حنين ، إذ أظهروا الشماتة عند هزيمة جيش المسلمين في بداية معركة حنين مع أنها وقعت بعد فتح مكة ، ولكن المشركين كانوا في المدة التي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبعضهم .
ومنهم كَلَدَة بن الحنبل الذي صرخ (ألا بطل السحر اليوم، فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لان يربنى رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن)( ).
وكلدة هذا أخو صفوان لأمه على قول ، وفي رواية قال كَلَدة (بطل سحر ابن أبي كبشة اليوم)( ).
وفي عودة لأمية بن الصلت من الشام بعد معركة بدر ، مرّ على موضع بدر وكان محطة للمسافرين فقيل له هنا في هذا القليب أُلقي عتبة وشيبة ابنا ربيعة وهما ابنا خال أمية فأخذته حمية الجاهلية الأولى وجدع أذني ناقته حزناً عليهما ، واتخذ من الشعر وسيلة لتحريض قريش للأخذ بثأرهما إذ قال في رثاء قتلاهم يوم بدر:
(أَلّا بَكَيْتِ عَلَى الْكِرَا … مِ بَنِي الْكِرَامِ أُولِي الْمَمَادِحْ
كَبُكَا الْحَمَامِ عَلَى فُرُو … عِ الْأَيْكِ فِي الْغُصْنِ الْجَوانِحْ
يَبْكِينَ حَرّى مُسْتَكِي … نَاتٍ يَرُحْنَ مَعَ الرّوَائِحْ
أَمْثَالُهُنّ الْبَاكِيَا … تُ الْمُعْوِلَات مِنْ النّوَائِحْ
مَنْ يَبْكِهِمْ يَبْكِ عَلَى … حُزْنٍ وَيَصْدُق كُلّ مَادِحْ)( ).
في قصيدة طويلة ، ونال فيها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتقوم عليه الحجة ، ولبيان شدة الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، حتى من الذي كان موحداً حنيفاً يعبد الله ، ولم ينظر أمية إلى وقائع معركة بدر ويتدبر في أسبابها.
مدح أمية لعبد الله بن جدعان
لقد قال أمية بن أبي الصلت أيام الجاهلية شعراً في مدح عبد الله بن جدعان على كرمه ، وذكر ابن قتيبة في غريب الحديث (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان في الهاجرة .
قال ابن قتيبة : كانت جفنته يأكل منها الراكب على بعيره، وسقط فيها صبي فغرب، أي: مات.
ومنها على ما قاله ابن هشام بن الكلبي : كان له مناديان ينادي أحدهما بأسفل مكة، والآخر بأعلاها، وكان أحدهما سفين بن عبد الأسد، والآخر أبا قحافة، وكان أحدهما ينادي: ألا من أراد اللحم والشحم، فليأت دار ابن جدعان، وينادي الآخر: إن من أراد الفالوذج، فليأت دار ابن جدعان، وهو أول من أطعم الفالوذج بمكة؛ ذكر هذا الفاكهي في أخبار مكة.
ومنها: أن أمية بن أبي الصلت قبل أن يمدح ابن جدعان كان قد أتى بني الريان من بني الحارث بن كعب؛ فرأى طعام بني الريان لباب البر والشهد والسمن، وكان طعام ابن جدعان التمر والسويق ويسقي اللبن، فقال أمية: من الكامل :
ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم … فرأيت أكرمهم بني الرّيّان
ألبرّ يلبك بالشّهاد طعامهم … لا ما يعلّلنا بنو جدعان
فبلغ خبر شعره عبد الله بن جدعان، فأرسل ألفي بعير إلى الشام تحمل إليه البر والشهد والسمن، وأمر منادياً ينادي على الكعبة: ألا هلموا إلى جفنة عبد الله بن جدعان، فقال أمية بن أبي الصلت عند ذلك: من الوافر
له داع بمكّة مشمعلٌّ … وآخر فوق كعبتها ينادي
إلى ردح من الشّيزى عليها … لباب البرّ يلبك بالشّهاد)( ).
وكان أمية يمدح عبد الله بن جدعان فينال من عطاياه .
ومن شعر أمية بن أبي الصلت مدحه لسهيل بن عمرو رئيس وفد كفار قريش في صلح الحديبية :
أبا يزيد رأيت سيبك واسعاً … وسجال كفك يستهل ويمطر)( ).
وبينما كان أمية بن أبي الصلت يمدح رؤساء الشرك فانه صار بعد البعثة النبوية وبعد معركة أحد ينال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
لبيان شدة عداء الذين كفروا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وتحمله لهذا العداء بالصبر.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام تفضل الله عز وجل بمده بآيات القرآن ، وتوالي دخول الناس في الإسلام.
سماع النبي (ص) لشعر أمية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرام الذوات الذين لهم ابداع وشأن في باب عملهم وإن كانوا أعداء له .
لبيان تشجيع النبي محمد للمواهب ، ومنه انصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لشعر أمية بن أبي الصلت مع محاربته للإسلام ، وتوجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكون الإبداع في طاعة الله وتعظيم شعائره.
وعن (عمرو بن الشريد أن أباه أخبره أنه أنشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من شعر أمية بن أبي الصلت مائة قافية فقال: كاد يسلم -يعني أمية والله)( ).
وقدمت أخته الفارعة بنت أبي الصلت الثقفي (على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح الطائف ، وكانت ذات لب وعفاف وجمال وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعجب بها ، وقال لها يوماً : هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً .
فأخبرته خبره وما رأت منه وقصت قصته في شق جوفه وإخراج قلبه ثم صرفه مكانه وهو نائم وأنشدت له الشعر الذي أوله :
باتت همومي تسري طوارقها … أكف عيني والدمع سابقها
نحو ثلاثة عشر بيتاً منها قوله :
ما رغب النفس في الحياة وإن … تحيا قليلاً فالموت سائقها
يوشك من فر من منيته … يوماً على غرة يوافقها
من لم يمت غبطة يمت هرماً … للموت كأس والمرء ذائقها
وفي الخبر لما حضرت وفاته قال عند المعاينة :
إن تعف يا ربي تعف جما … وأي عبد لك لا ألما
ثم قال :
كل عيش وإن تطاول دهراً … صائر مرة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في قلال الجبال أرعى الوعولا
ثم مات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا فارعة كان مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين)( ))( ).
لبيان أن الأولوية ليست في الشعر والإمارة والجاه والمال إنما بالإيمان ، ولزوم تسخير الإنسان ما رزقه الله ، وما فضله به على غيره في طاعة الله وهو سبيل للنجاة في النشأتين ، قال تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
حديث الرحالة ابن وهب
قال المسعودي (ومن طرائف أخبار ملوك الصين أن رجلاً من قريش من ولد هَبَّار بن الأسود( ) لما كان من أمر صاحب الزنج بالبصرة ما كان واشتهر، خرج هذا الرجل من مدينة سيراف، وكان من أرباب البصيرة وأرباب النعم بها، وفي الأحوال الحسنة، ثم ركب منها في بعض مراكب بلاد الهند، ولم يزل يتحول من مركب إلى مركب، ومن بلد إلى بلد، يخترق ممالك الهند، إلى أن انتهى إلى بلاد الصين فصار إلى مدينة خانفوا.
ثم دعته همته إلى أن صار إلى دار ملك الصين .
وكان الملك يومئذ بمدينة خمدان ، وهي من كبار مدنهم، ومن عظيم أمصارهم، فأقام بباب الملك مدة طويلة يرفع الرقاع ويذكرأنه من أهل بيت نبوة العرب .
فأمر الملك بعد هذه المدة الطويلة بإنزاله في بعض المساكن وإزاحة العلة من أموره وجميع ما يحتاج إليه، وكتب إلى الملك المقيم بخانفوا يأمره بالبحث عنه، ومسألة التجار عما يدعيه الرجل من قرابة نبي العرب صلى الله عليه وسلم .
فكتب صاحب خانفوا بصحة نسبه، فأذن له في الوصول إليه، ووصله بمال واسع، وأعاده إلى العراق، وكان شيخاً فهماً، أخبر أنه لما وصل إليه، وسأله عن العرب، وكيف أزالوا ملك العجم، فمّال له: باللهّ عز وجل .
وما كانت العجم عليه من عبادة النيران والسجود للشمس والقمر من دون الله عز وجل .
فقال له : لقد غلبت العرب على أجَلِّ الممالك، وأنفسها، وأوسعها رَيعاً، وأكثرها أموالاً، وأعقلها رجالاً، وأهداها صوتاً، ثم قال له: فما منزلة سائر الملوك عندكم. فقال: ما لي بهمِ علم .
فقال للترجمان قل له: إنا نعدُّ الملوك خمسة، فأوسعهم ملكاَ الذي يملك العراق، لأنه في وسط الدنيا، والملوك مُحْدِقَة به، ونجد اسمه ملك الملوك، وبعده ملكنا هذا، ونجده عندنا ملك الناس، لأنه لا أحد من الملوك أسوس منا، ولا أضبط لملكه من ضبطنا لملكنا، ولا رعية من الرعايا أطوع لملكها من رعيتنا، فنحن ملوك الناس .
ومن بعده ملك السباع، وهو ملك الترك الذي يلينا، وهم سباعُ الِإنْس، ومن بعده ملك الذيلَةِ، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة أيضاً، لأن أصلها منهم .
ومن بعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال، لأنه ليس في الأرض أتم خلقاً من رجاله، ولا أحسن وجوهاً منهم، فهؤلاء أعيان الملوك، والباقون دونهم .
ثم قال للترجمان : قل له : أتعرف صاحبك إن رأيته. يعني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال القرشي: وكيف لي برؤيته وهو عند اللّه عزّ وجلّ؟ فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت صورته، فقلت: أجل، فأمر بسَفَطٍ فأخرج فضع بين يديه، فتناول منه درجاً .
وقال للترجمان : أره صاحبه، فرأيت في الدرج صور الأنبياء، فحركتُ شفتيَّ بالصلاة عليهم، ولم يكن عندهم أني أعرفهم، فقال للترجمان: سَلْه عن تحريكه لشفتيه، فسألني، فقلت: أصلي على الأنبياء: ومن أين عرفتهم؟ فقلت: بما صُوِّرَ من أمورهم .
هذا نوح عليه السلام في السفينة ينجو بمن معه لما أمر اللّه عزّوجلّ الماء فعمَّ الماء الأرض كلها بمن فيها وسلمه وَمَنْ معه .
فقال : أما نوح فصدقت في تسميته، وأما غرق الأرض كلها فلا نعرفه، وإنما أخذ الطوفان قطعة من الأرض ولم يصل إلى أرضنا، وإن كان خبركم صحيحاً فعن هذه القطعة .
ونحن معاشر أهل الصين والهند والسند وغيرنا من الطوائف والأمم لا نعرف ما ذكرتم، ولا نَقَلَ إلينا أسلافنا ما وصفتم، وما ذكرت من ركوب الماء الأرض كلها فعن الكوائن العظام التي تُفزع النفس إلى حفظة وتتداوله الأمم ناقلة له، قال القرشي: فَهِبْتُ الرد عليه وإقأمة الحجة؛ لعلمي بدَفْعِهِ ذلك .
ثم قلت: وهذا موسى صلى الله عليه وسلم وبنو إسرائيل، فقال: نعم على قلة البلد الذي كان به وفساد قومه عليه .
ثم قلت : هذا عيسى ابن مريم عليه السلام على حماره الحواريُّونَ معه، فقال: لقد كان قليل المدة، إنما كان أمَده يزيد على ثلاثين شهراً شيئاً يسيراً، وعلا من سائر الأنبياء وأخبارهم ما اقتصرت على ذكر بعضه .
ويزعم هذا القرشي وهو المعروف بابن هبار أنه رأى فوق كل صورة كتابة طويلة قد دوِّن فيها ذكر أسمائهم، ومواضع بلدانهم، ومقادير اعمارهم، وأسباب نبواتهم وسيرهم .
وقال : ثم رأيت صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جمل وأصحابه مُحْدِقون به في أرجلهم نعال عربية من جلود الِإبل، وفي أوساطهم الحبال، قد علقوا فيها المساويك، فبكيت .
فقال للترجمان: سله عن بكائه، فقلت: هذا نبينا وسيدنا وابن عمنا محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، لقد ملك قَومه أجَلّ الممالك، إلا أنه لم يعاين من الملك شيئاً، إنما عاينه من بعده ومن تولى الأمر على أمته من خلفائه.
ورأيت صور أنبياء كثيرة منهم من قد أشار بيده جامعاً بين سبَّابته وإبهامه كالحلقة، كأن يصف أن الخليقة في مقدار الحلقة، ومنهم من قد أشار بسبابته نحو السماء كالمُرْهِبِ للخليقة بما فوق، وغير ذلك .
ثم سألني عن الخلفاء وزيّهم وكثير من الشرالى فأجبته على قدر ما أعلم منها .
ثم قال: كم عمر الدنيا عندكم؟ فقلت: فقد تنوزع في ذلك، فبعض يقول: ستة آلاف سنة، وبعض يقول. دونها، وبعض يقول: أكثر منها .
فقال : ذلك عن نبيكم. فقلت: نعم، فضحك ضحكاً كثيراً ووزيره أيضاً، وهو واقف على إنكار ذلك .
وقال: ما حسبت نبيكم قال هذا، فزللت فقلت: بلى هو قال ذلك، فرأيت الِإنكار في وجهه، ثم قال للترجمان: قل له ميز كلامك فإن الملوك لا تكلم إلا عن تحصيل، أما زعمت أنكم تختلفن في ذلك، فإنكم اختلفتم في قول نبيكم .
وما قالت الأنبياء لا يجب أن يختلف فيه، بل هو مسلم لها، فاحذر هذا وشبهه أن حكيه، وذكر أشياء كثيرة ذهبت عنيِ لطول المدة)( ).
وفي هذا الزمان بذل بعض الذوات جهداً رسمياً في الصين للعثور على (هذه الصور أو تحصيل خبر عنها فلم يجد) .
وخبر ابن وهب هذا ضعيف رواية ودراية ، ولكن الشواهد على علم الأمم السابقة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متعددة ، وفيه دعوة للناس للتصديق برسالته , والإمتناع عن الحرب على القرآن والإسلام.
قانون استئصال الوأد
حينما أخبر الله عز وجل الملائكة عن جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، تساءلوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، أجابهم سبحانه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ].
ووأد البنات من الفساد في الأرض ، ومن سفك الدماء لذا تفيد الواو في [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] العطف لإجتماع الفساد والسفك بالوأد ، وتفيد الإستئناف ، فقد يقوم الإنسان بالقتل ظلماً من غير أن يفسد في الأرض .
وفي آية الوأد مسائل :
الأولى : من علم الله عز وجل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعناية المسلمين بالبنات بلطف وفضل من الله ، والذي تدل عليه آية السياق بقوله تعالى أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى التي تتضمن في مفهومها النعي عن قتل البنات ، ودفنهن أحياءًً.
(روي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : ما من بيت فيه البنات إلا نزلت كل يوم عليه اثنتا عشرة بركة و رحمة من السماء ، و لاينقطع زيارة الملائكة من ذلك البيت يكتبون لأبيهم كل يوم و ليلة عبادة سنة)( ).
و(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : لَا تُكْرِهُوا الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ)( ).
وعن (عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ان الله حرم عليكم عقوق الامهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال)( ).
لبيان قانون تعضيد السنة النبوية للقرآن ، بتأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحرمة وأد البنات .
الثانية : النهي عن التشاؤم وإظهار الأسف عند ولادة البنت ، قال تعالى وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ.
فنزلت آية النهي عن الوأد ليتلقى المسلم ولادة البنت بالشكر لله عز وجل ، والعناية بها ، ولا يعيّر الناس أحدهم إذا ولدت له بنت .
الثالثة : لقد كان وأد البنات يهدد المجتمعات في وجودها ، فنزلت بضع كلمات من القرآن لتستأصله وتمنعه إلى يوم القيامة بقوله تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ .
لبيان قانون حاجة الناس للآية القرآنية وما فيها من التشريع ، ومن مصاديق قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ انفاذ محبة البنت إلى قلب أبيها طوعاً وانطباقاً ، سواء في صغرها أو عندما تكبر وتتزوج وتكون أماً ، وكانوا في الجاهلية محرومين من هذه النعمة وما فيها من البركة.
الرابعة : آية حرمة الوأد ، وانقطاعه إلى يوم القيامة دعوة للمسلمات والنساء جميعاً للشكر لله عز وجل على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن ، وحفظه وأحكامه ، قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد وكثرة أسباب شكر المسلمين لله عز وجل على بعثته ، ومن الآيات في المقام تلاوة كل مسلم ومسلمة قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سبع عشرة مرة في اليوم والليلة .
معجزة انقطاع الوأد
لقد نزلت آية الوأد في مكة وفيها دعوة للناس لإجتناب عادات قبيحة ومذمومة معتادين عليها .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تحريم الوأد في بدايات الإسلام لم يصبح سبباً لعزوف الناس عن الإسلام وقبول ما فيه من التكاليف ، إنه التنزيل الذي يخاطب العقول ولا يخشى الظالمين ، ولا يلحظ العواطف والأهواء المخالفة للقوانين والقواعد العامة في خلافة الإنسان في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
ولم يتأخر نزول حرمة الوأد إلى ما بعد الهجرة النبوية والفتح ، بل نزلت أوان اشتداد أذى قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه .
ومن الآيات عدم اتخاذ المشركين هذه الحرمة لصرف الناس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنها من الفطرة السليمة ، ولقانون حجب المشركين عن تشويه التنزيل ، وقانون عجز الذين كفروا عن صرف الناس عن آيات التنزيل والإصغاء لها.
وتبين آيات السور المكية إكرام الإسلام للمرأة مع صيغ الإنذار والوعيد للذين كفروا .
ليتجلى قانون الإسلام دين صلاح المجتمعات في العبادات والمعاملات ، وهو من مصاديق خلافة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض ، وقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
فقد منع الله عز وجل برسالته الفساد ، وسفك الدماء ، ووأد البنات عنوان جامع للفساد وسفك الدماء .
قانون قطع الوأد بآية واحدة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنقطاع الوأد بآية واحدة من القرآن وإلى يوم القيامة ، وهو من إعجاز القرآن الغيري .
فلا تستطيع الدول على قطعه وتنزيه المجتمعات منه إلا بقوانين صارمة وانفاق أموال كثيرة ، وفتح السجون للمخالفين ، وقد يعود من جديد ، فنزلت آية في مكة من بضع كلمات لتقطع الوأد إلى يوم القيامة .
وقانون تعضيد السنة النبوية اليومي للآية القرآنية ، وعن عبد الله بن مسعود قال (سَأَلْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ : أَىُّ الْكَبَائِرِ أَكْبَرُ ، قَالَ : أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيٌّ ، قَالَ : أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ أَجْلَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ)( ).
وتأتي السنة النبوية بالنهي العام عن قتل النفس البريئة ليدل على النهي عن الوأد فقد ورد (عن عبد الله بن مسعود قال : لا يزل الرجل في فسحة من دينه ما نقيت كفه من الدم ، فإذا أغمس يده في الدم الحرام نزع حياؤه)( ).
وعن عمر بن الخطاب (جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية فقال أعتق عن كل واحدة منهن رقبة قال إني صاحب إبل قال: اهد إن شئت عن كل واحدة منهن بدنة)( ).
لبيان النفع العظيم للآية القرآنية ، وبقائها غضة طرية إلى يوم القيامة مع سلامتها من التحريف فلا تستطيع دول ومؤسسات وأموال طائلة أن تنفع الناس في سبل الصلاح مثل الآية القرآنية .
وهو من الشواهد على إعجاز القرآن ، وحاجة الناس له تنزيلاً وموضوعاً وتلاوة وحكماً ، وفيه مسائل :
الأولى : إنتفاء أسباب الوأد وهو غزو القبائل بعضها بعضاً لتبدل الحال وصيرورة الناس إخوة بالإيمان ، قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
وحتى لو تجدد الغزو ظلماً وتعدياً فانه قليل ، ولا يقع فيه وأد للبنات .
الثانية : عناية وإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنساء ، وفي خطبة الوداع قال (ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.
ألا وإن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً . فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ، وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)( ).
الثالثة : تهيئة أسباب ومقدمات أداء المرأة للفرائض العبادية ، وتيسير أدائها لحج بيت الله الحرام .
وإنصافها في الإرث بعد أن كان العرب لا يعطون المرأة من الميراث شيئاً فنزل قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
الرابعة : قانون الأمن من الوأد سبب لكثرة الزواج في الإسلام ، وزيادة النسل والأولاد لأنه لا يتم إلا بطرفين ، الزوج والزوجة ، مع إباحة تعدد الزوجات للرجل إلى أربعة وهذه مسألة نضيفها في بيان علة ومنافع تعدد الزوجات مع شرط العدالة بينهن ومنها استئصال الوأد.
فلا تكون البنت عالة على أهلها إنما تصبح أماً وقد أوصى القرآن والسنة بإكرام الأم ، قال تعالى وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
و(عن سعيد بن هلال ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : تناكحوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)( ).
الخامسة : قانون تنمية ملكة الأخلاق الحميدة عند المسلمين والمسلمات.
السادسة : قانون صلاح مجتمعات المسلمين.
السابعة : قانون نشر شآبيب الرأفة والرحمة بين الناس ، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده لاقتداء المسلمين بسيرته وسنته في العناية بالبنت وإكرامها والتنزه عن الوأد ، وعن إيذاء البنت.
قانون مصاحبة الوهن للنفاق
لقد كان أثر وضرر المنافقين على المؤمنين في الميدان قليلاً إذ توالت آيات القرآن في النزول وتتضمن مسائل وأحكاماً :
الأولى : ذم المنافقين وبيان قبح أفعالهم.
الثانية : ذكر المنافقات مع المنافقين في الذم ولغة التوبيخ في خمس آيات من القرآن ، مع أن ذكر المنافقين بصيغة المذكر شامل لهن ، ومن الآيات ما جمعت بينهم وبين المشركين مع نطق المنافقين بالشهادتين ، وكانوا يحضرون الصلاة ولكنهم يخفون الكفر في قرارة أنفسهم ، قال تعالى لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
الثالثة : قلة عدد المنافقين بالنسبة لكثرة المسلمين الناطقين بالشهادتين.
الرابعة : حداثة النفاق ، إذ بدأ بعد انتصار المسلمين في معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وخشية الكفار من الذين آمنوا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تناقص عدد المنافقين على نحو مطرد مع توالي نزول آيات القرآن ، وتجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والنقلية .
وانتفاء الحاجة إلى أشخاص المنافقين ، ففي الطريق إلى معركة أحد انسحب عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق مع ثلاثمائة من أصحابه راجعين إلى المدينة بذريعة أنهم لا يظنون وقوع قتال ، وقد أخزاهم الله عز وجل بذات هذا الإدعاء.
إذ قال عبد الله بن أبي (ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله.
فقال يا قوم اذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم .
قالوا لو نعلم انكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال.
فلما استعصوا عليه وأبوا الا الانصراف قال ابعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه صلى الله عليه وسلم وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ))( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إزدياد عدد المسلمين على نحو مطرد في الأسبوع والشهر ، وزيادة أموالهم ومؤنهم .
ومنها اقتداء المسلمين به في الثبات في مقامات الإيمان ، وإعراضهم عما يقوله المنافقون ، وفي معركة حنين كان وجود المنافقين ضعيفاً ففي خمس سنوات بين معركة أحد ، ومعركة حنين إنحسر النفاق وقلّ أهله ، وهو من معجزات ومختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
نزول ملائكة لم ينزلوا من قبل
من بدائع خلق الله عز وجل الملائكة في خلقهم وهيئاتهم ، وكثرتهم التي لا يحيط بهم وبعددهم إلا الله ومنهم ملائكة لهم وظائف خاصة ، منهم:
الأول : جبرئيل وهو من أكبر الملائكة ومدخل بالوحي والتنزيل .
الثاني : ميكائيل وهو موكل بالقطر ونزول المطر .
و(عن ابن عباس : أن إسرائيل وميكائيل وجبريل وإسرافيل كقولك عبد الله)( ).
وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام (قال : اسم جبريل عبد الله ، واسم ميكائيل عبيد الله ، واسم اسرافيل عبد الرحمن ، وكل شيء راجع إلى ايل فهو معبد لله عز وجل)( ).
ولا يعني هذا حصر عمل الملك بفعل مخصوص بدليل ما ورد (عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا : بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص مني ، فرجع ولم يأخذ شيئاً وقال : يا رب إنها أعاذت بك فأعذتها .
فبعث الله ميكائيل كذلك . فبعث ملك الموت فعاذت منه.
فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء ، وبيضاء ، وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به ، فبل التراب حتى صار طيناً لازباً)( ).
الثالث : إسرافيل وهو الملك الموكل بالصور ونفخه عند ما يحين موعد يوم القيامة ، و(عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهدني لما اختلفت من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول جبرئيل عليه بالوحي والتنزيل ، ونزول ملائكة آخرين منهم ملك الجبال إلى جانب حديثه مع عدد من الملائكة في الإسراء والمعراج .
و(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا قَالَ : أَرْبَعَةٌ حَفَظَةٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ مَعَ جِبْرِيلَ، لَيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا)( ).
محاولات قتل النبي (ص) قبل الهجرة
لقد أدركت قريش بأن آيات القرآن مستمرة في النزول وأنها لا تنزل إلا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبقتله يتوقف نزولها ، وقد توالى نزول الآيات التي تذم الكفار ، وعبادة الأوثان ، وفي الآيات التي تتضمن سوء عاقبة المشركين تعريض بأبائهم ، فاجتهدوا بمكر لقتله على نحو القضية الشخصية من وجوه :
الأول : القضية الشخصية بالإغتيال والغدر ، قال تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ كما في عزم قريش على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه في الليلة التي هاجر فيها إلى المدينة إذ أخبره جبرئيل في النهار بما عزمت عليه قريش ، ترى لماذا لم ينتقم جبرئيل من قريش ليلتئذ وتكون آية لأهل مكة .
الجواب أراد الله عز وجل دخول الناس الإسلام طواعية وإقامة الحجة على قريش بتجهيزهم الجيوش لقتال النبي ومنها بعث رجال من قريش أشخاصاً لإغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة.
الثاني : تعريض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتل من قبل السفهاء بنعته بأنه مجنون وأن الشياطين يوحون له .
الثالث : حبس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثلما يفعلون مع الشعراء الذين يذمون ويهجون الناس في أشعارهم ، قال تعالى[وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) ومعنى [لِيُثْبِتُوكَ] على جهات :
الأولى : الشد في الوثاق والقيد باليدين والرجلين ، قال ابن عباس (ليثبتوك في الوثاق)( ).
الثانية : ليثبتوك في الحبس ، قاله عطاء والسدي .
الثالثة : معنى (ليثبتوك) أي يخرجوك ، كما يقال : قد اثبته في الحرب أي أخرجه .
والصحيح هو الأول .
خطط المشركين لقتل النبي (ص) في مكة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعرضه للاغتيال والقتل أيام دعوته في مكة ، لذا كان يحرص على سِرية الدعوة قدر الأمكان ، نعم كان ينشط بالدعوة أيام موسم الحج لأنه في شهر ذي القعدة وذي الحجة وهما من الأشهر الحرم ، ولقدوم رجال القبائل لأداء مناسك الحج ، ومن خطط ومحاولات كفار قريش قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
الأول : عزم أبي جهل على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا لشئ إلا لأنه كان يصلي في البيت الحرام .
و(عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه ، فأنزل الله { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ( )حتى بلغ هذه الآية { لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية }( ) فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فقيل : ما يمنعك؟
فقال : قد اسودّ ما بيني وبينه .
قال ابن عباس : والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه .
وأخرج البزار والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن العباس بن عبد المطلب قال : كنت يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل فقال : إن لله عليّ إن رأيت محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته . فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى دخلت عليه ، فأخبرته بقول أبي جهل .
فخرج غضبان حتى جاء المسجد ، فعجل أن يدخل الباب فاقتحم الحائط . فقلت هذا يوم شرّ فاتزرت ثم تبعته ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ { اقرأ باسم ربك الذي خلق }( ) فلما بلغ شأن أبي جهل { كلا إن الإِنسان ليطغى }( ) قال إنسان لأبي جهل : يا أبا الحكم هذا محمد .
فقال أبو جهل : ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سد أفق السماء عليّ .
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخر السورة سجد)( ).
الثاني : لقد سعى عقبة بن أبي معيط في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحاول قتله (عن عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفناء الكعبة إذ أقيل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
الثالث : وفي حديث احتضار عمرو بن العاص أنه ولى وجهه إلى الحائط وجعل يبكي (ثم أقبل بوجهه فقال إن أفضل ما تعد علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني قد رأيتني على أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد من الناس أبغض إلي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أحب إلي من أن أكون استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال كنت من أهل النار .
فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت يا رسول الله أبسط يدك لأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي فقال ما لك يا عمرو فقلت أردت أن اشترط .
فقال تشترط ماذا قلت يغفر لي قال أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله فبايعته .
فما كان أحد أجل في عيني منه إني لم أكن أستطع أن أملأ عيني إجلالا له فلو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة .
ثم ولينا أشياء لا أدري ما حالي فيها فإذا أنا مت فلا تتبعني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني في قبري فسنوا علي التراب سنا فإذا فرغتم من دفني فأقيموا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى أعلم ما أراجع به رسل ربي فإني استأنس بكم)( ).
الرابع : بعد أن رأى رجالات قريش دفاع أبي طالب وبني هاشم عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويئسوا من تفريط أو خذلان أبي طالب له .
إذ كانوا يرون أنه يفضل النبي محمداً على أولاده مشوا إليه وعرضوا عليه تسليم عمارة بن الوليد بن المغيرة له مقابل اعطائهم النبي محمداً ليقتلوه إذ قالوا (هَذَا عُمَارَةُ قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُ فَخُذْهُ فَلَك عَقْلُهُ وَنَصْرُهُ وَاِتّخِذْهُ وَلَدًا فَهُوَ لَك ، وَأَسْلِمْ إلَيْنَا ابْنَ أَخِيك هَذَا ، الّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَك وَدِينَ آبَائِك ، وَفَرّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِك ، وَسَفّهُ أَحْلَامَهُمْ فَنَقْتُلَهُ فَإِنّمَا هُوَ رَجُلٌ بِرَجُلِ فَقَالَ وَاَللّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمْ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ هَذَا وَاَللّهِ مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا .
فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ : وَاَللّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَك قَوْمُك ، وَجَهَدُوا عَلَى التّخَلّصِ مِمّا تَكْرَهُهُ فَمَا أَرَاك تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلْمُطْعِمِ وَاَللّهِ مَا أَنْصَفُونِي ، وَلَكِنّك قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيّ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك ، أَوْ كَمَا قَالَ . فَحَقَبَ الْأَمْرُ وَحَمِيَتْ الْحَرْبُ وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ وَبَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ عِنْدَ ذَلِكَ يُعَرّضُ بِالْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ وَيَعُمّ مَنْ خَذَلَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَمَنْ عَادَاهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ ، وَيَذْكُرُ مَا سَأَلُوهُ وَمَا تَبَاعَدَ مِنْ أَمْرِهِمْ :
أَلَاقُلْ لِعَمْرٍو وَالْوَلِيدِ وَمُطْعِمٍ … أَلَا لَيْتَ حَظّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ بَكْرُ
مِنْ الْخُورِ حَبْحَابٌ كَثِيرٌ رُغَاؤُهُ … يَرُشّ عَلَى السّاقَيْنِ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرُ
تَخَلّفَ خَلْفَ الْوِرْدِ لَيْسَ بِلَاحِقِ … إذَا مَا عَلَا الْفَيْفَاءَ قِيلَ لَهُ وَبْرُ
أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمّنَا … إذَا سُئِلَا قَالَا إلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ
بَلَى لَهُمَا أَمْرٌ وَلَكِنْ تَجَرْجَمَا…كَمَا جُرْجِمَتْ مِنْ رَأْسِ ذِي عَلَقِ الصّخْرِ
أَخُصّ خُصُوصًا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا … هُمَا نَبَذَانَا مِثْلَ مَا يُنْبَذُ الْجَمْرُ
هُمَا أَغْمَزَا لِلْقَوْمِ فِي أَخَوَيْهِمَا … فَقَدْ أَصْبَحَا مِنْهُمْ أَكُفّهُمَا صِفْرُ
هُمَا أَشْرَكَا فِي الْمَجْدِ مَنْ لَا أَبَا لَهُ … مِنْ النّاسِ إلّا أَنْ يُرَسّ لَهُ ذِكْرُ
وَتَيْمٌ وَمَخْزُومٌ وَزُهْرَةُ مِنْهُمْ … وَكَانُوا لَنَا مَوْلًى إذَا بُغِيَ النّصْرُ
فَوَاَللّهِ لَا تَنْفَكّ مِنّا عَدَاوَةٌ … وَلَا مِنْهُمْ مَا كَانَ مِنْ نَسْلِنَا شَفْرُ
فَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُهُمْ وَعُقُولُهُمْ…وكانوا كَجَفْر بئس ما صنعت جَفْر)( ).
الخامس : اختيار قريش عشرة من شبابها ليضربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسيوف ضربة رجل واحد ليلة المبيت ، فنزل جبرئيل بالأمر بالهجرة إلى المدينة .
وأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي عليه السلام (أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَطَلّعُونَ مِنْ صَيْرِ الْبَابِ وَيَرْصُدُونَهُ وَيُرِيدُونَ بَيَاتَهُ وَيَأْتَمِرُونَ أَيّهُمْ يَكُونُ أَشْقَاهَا فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْهِمْ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْبَطْحَاءِ فَجَعَلَ يَذَرُهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ وَهُوَ يَتْلُو [وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ] ( ))( ).
السادس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشدة الأذى الذي لاقاه أن عمه أبا لهب كان أشد أعدائه وتبعه ابناه في ايذائهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي وقت كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكرمهم ، إذ زوج رقية من عتبة بن أبي لهب ، وزوج أم كلثوم من عتيبة بن أبي لهب ، وقاما بتطليقهما قبل الدخول بهما عندما نزل قوله تعالى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.
إذ أمرهما أبوهما بمفارقتهما وكان عقد الزواج قبل البعثة النبوية ، والطلاق قبل تحريم نكاح المشركين .
وجاء عتيبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فقال له كفرت بدينك وفارقت ابنتك لا تحبني ولا أحبك ثم سطا عليه وشق قميصه وهو خارج نحو الشام تاجرا فقال صلى الله عليه وسلم أما انى أسأل الله ان يسلط عليك كلبه .
فخرج في تجار من قريش حتى نزلوا مكانا من الشام يقال له الزرقاء ليلا فأطاف بهم الاسد تلك الليلة فجعل عتيبة يقول يا ويل أمي هو والله آكلى كما دعا على محمد أقاتلي ابن أبى كبشة وهو بمكة وأنا بالشام فعدا عليه الاسد من بين القوم فأخذ برأسه ففدغه)( ).
واسم أبي لهب : عبد العزى .
أما عتبة بن أبي لهب فقد اسلم هو وأخوه معتب يوم فتح مكة (وكانا قد هربا فبعث العباس فيهما فأتى بهما فأسلما فسر النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهما ودعا لهما وشهدا معه حنيناً والطائف ولم يخرجا عن مكة ولم يأتيا المدينة ولهما عقب عند أهل النسب)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد إسلام الذين نزل القرآن بذم أبيهم وأمهم معاً في التنزيل ، ويتلو المسلمون السورة أعلاه كل يوم .
وأسلمت أختهم درة بنت أبي لهب وهي من المهاجرات ، وعن عمار بن ياسر قال (قدمت درة بنت أبي لهب المدينة مهاجرة فنزلت في دار رافع بن المعلى فقال لها نسوة من بني زريق : أنت ابنة أبي لهب الذي يقول الله له تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ فما تغني عنك هجرتك؟ فأتت درة النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : اجلسي ، ثم صلى بالناس الظهر.
وجلس على المنبر ساعة ثم قال : أيها الناس ما لي أوذى في أهلي؟ فو الله إن شفاعتي لتنال قرابتي حتى ان صداء وحكماً وسلهباً لتنالها يوم القيامة)( ).
وفي رواية (انه ليرجوا شفاعتي صُداء أو سلهب) وصداء وحكم قبائل من أهل اليمن.
السابع : عندما علم رجالات قريش بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة استشاطوا غضباً وأدركوا أنه سيفد على أنصار وأعوان له فجعلوا جعلاً مقدار الدية وهي مائة ناقة لمن يقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه أو أسره.
قال سراقة بن مالك بن جشعم (جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه.
قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي الى كنانتي فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصبت الازلام.
فجعل فرسي يقرب بي حتى اذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الارض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها فأهويت ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت الازلام.
فخرج الذي اكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرداني ولم يسألاني إلا أن قالا اخف عنا.
فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد روى محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة إلا أنه ذكر أنه استقسم بالازلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذي يكره لا يضره وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات وكل ذلك يستقسم بالازلام ويخرج الذي يكره لا يضره حتى ناداهم بالامان.
وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكتب لي كتابا في عظم أو رقعة أو خرقة وذكر أنه جاء به الى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف.
فقال له يوم وفاء وبر أدنه فدنوت منه وأسلمت.
قال ابن هشام هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم وهذا الذي قاله جيد ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده.
وقال كفيتم هذا الوجه فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل الى المدينة جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان من قضية جواده واشتهر هذا عنه فخاف رؤساء قريش معرته وخشوا أن يكون ذلك سبباً لاسلام كثير منهم وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حديث الذين كفروا بمعجزاته الحسية إلى جانب تناقلهم لآيات القرآن ، قال تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
ولما سمع أبو جهل (قصة سراقة أنشأ هذين البيتين : من الطويل :
بني مدلج إنّي أخاف سفيهكم … سراقة يستغوي بنصر محمّد
عليكم به ألاّ يفرّق جمعكم … فيصبح شتّى بعد عزّ وسؤدد
ولما سمع سراقة شعر أبي جهل قال: من الطويل
أبا حكم والله لو كنت شاهداً … لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأنّ محمّداً … رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكفّ القوم عنه فإنّني … أرى أمره يوماً ستبدو معالمه
بأمر يودّ النّاس فيه بأسرهم … بأنّ جميع النّاس طرّاً يسالمه)( ).
بيعة العقبة الأولى
في موسم الحج من السنة الثانية عشرة للبعثة النبوية قدم مع وفد الحاج من أهل يثرب جماعة من المسل مين ومن الآيات أنهم من الأوس والخزرج مع أنه كان نوع عداوة وقتال بينهم أي أنهم نبذوا الحرب والقتال بينهم ، وهو من النواة والمصاديق الأولى لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
وكان الأوس والخزرج يسمعون يهود المدينة وهم يتوعدونهم ببعثة نبي آخر الزمان .
قال ابن عباس (كانت اليهود (يستفتحون) أي يستنصرون على الاوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وآله قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا .
فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنه مبعوث، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشئ نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم)( ).
لتتجلى معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية والعقلية للأوس والخزرج .
وسميت بيعة العقبة نسبة إلى تلة صغيرة في مشعر منى تم فيها لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الأنصار بعيداً عن عيون قريش ، وهي في هذا الزمان مسجد من طابق واحد بجانب الطوابق والأدوار الشاهقة لجسور رمي الجمرات .
فقد حضر في موسم الحج اثنا عشر من الأنصار ، إذ حضرها خمسة من الستة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الموسم السابق ، وتخلف جابر بن عبد الله بن رئاب ، وهو غير جابر بن عبد الله الأنصاري.
والذين حضروا بيعة العقبة الأولى من الأوس والخزرج هم :
الأول : أسعد بن زرارة.
الثاني والثالث : عوف ومعاذ ابنا عفراء.
الرابع : رافع بن مالك.
الخامس : ذكوان بن عبد قيس.
السادس : عبادة بن الصامت.
السابع : يزيد بن ثعلبة.
الثامن : العباس بن عبادة.
التاسع : عقبة بن عامر.
العاشر : عامر بن حديدة.
الحادي عشر : أبو الهيثم مالك بن التيهان.
الثاني عشر : عويم بن ساعدة.
الخروج من مكة
لقد أراد المشركون إخراج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بطائح مكة ليهيم على وجهه وإن وصل إلى قرية أو قبيلة تقوم قريش بالتحريض عليه ، وهو من مصاديق قوله تعالى في الآية أعلاه [أَوْ يُخْرِجُوكَ].
بينما خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً إلى المدينة بأمر من جبرئيل وبالوقت الملائم الذي أراده الله بعد أن صار في المدينة أنصار يقدم عليهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسبقه إليها عدد من الصحابة وأولهم مصعب بن عمير سفيره إلى الأوس والخزرج ، قال تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ.
وعن(عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله و سلم وهو واقف بالحزورة في سوق مكة يقول والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه في كل مرة يريد المشركون قتله ينقذه الله ويفضح الذين كفروا ويلحقهم الخزي والكآبة واليأس .
أزواج النبي (ص)
أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هن :
الزوجة الأولى : خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وكانت قبله تحت عتيق بن عائذ المخزومي تزوجها وهي بكر (يقال: ولدت له جارية وهي ام محمد بن صيفي المخزومي، ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة هند بن زرارة التيمي ، فولدت له هند بن هند، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله)( ).
وهي أول امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يوحى إليه ، وأول الناس إسلاماً ، وكانت من نساء قريش اللائي يتصفن بالعفة والوقار وكثرة المال ، وتدعى في الجاهلية (الطاهرة).
تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعمره خمس وعشرون سنة ، وكان عمر خديجة أربعين سنة ، وهو المشهور (وقال ابن حماد( ): بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج خديجة على اثنتى عشرة أوقية ذهبا وهي يومئذ ابنة ثماني وعشرين سنة)( ).
وولدت له القاسم (وبه كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكنى) وعبد الله (وهو الطاهر والطيب) وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ، ومنهم من يرى أن فاطمة هي ابنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوحيدة .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية تعضيد خديجة له بنفسها وجاهها ، وتصديقها له من أول يوم بعث به ، وإنفاقها مالها في سبيل الله ، وحينما نزل جبرئيل بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ).
ولقد شدت خديجة من عضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأزرته .
خطبة النبي (ص) لخديجة
لقد كانت خديجة امرأة ذات مال تضارب به الرجال أو تستأجرهم ، وكثير من نساء قريش يشتغلن بالتجارة ، ولما بلغها عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمانته وصدق حديثه وكرم أخلاقه ، أرسلت إليه ، وعرضت عليه أن يخرج بمالها إلى الشام ، وتعطيه أكثر مما تعطي غيره ، فقبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العرض وأرسلت معه غلاماً لها اسمه ميسرة ، وعند العودة من الشام رأت خديجة الربح الوافر الذي جلبه لها .
كما نقل لها ميسرة حسن أخلاقه ، والكرامة التي يتمتع بها ، فاعجبت به ، وعرضت عليه الزواج فخطبها لأبيها خويلد بن أسد وبه قال محمد بن إسحاق وقيل خطبها لعمها .
والقى أبو طالب عم النبي خطبة الزواج التي اثنى فيها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً ، وأشار إلى معجزاته في قادم الأيام للدلالة على حضور البشارات بنبوته وتصديق بني هاشم بها.
إذ ابتدأها بالقول (الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا.
وجعلنا الحكام على الناس وبارك لنا في بلدنا الذي نحن به.
ثم أن ابن أخي محمد بن عبد الله لا يوزن برجل من قريش إلا رجح ولا يقاس بأحد إلا عظم عنه، وأن كان في المال قل فإن المال رزق حائل وظل زائل، وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة وصداق ما سألتموه عاجلة من مالي، وله والله خطب عظيم ونبأ شائع ، فتزوجها وانصرف)( ).
و(وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ : قَالَ إنّ عَمْرَو بْنَ أَسَدٍ هُوَ الّذِي أَنْكَحَ خَدِيجَةَ رَسُولَ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – وَأَنّ خُوَيْلِدًا كَانَ قَدْ هَلَكَ قَبْلَ الْفِجَارِ وَخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ هُوَ الّذِي نَازَعَ تُبّعًا الْآخَرَ حِينَ حَجّ وَأَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَ الرّكْنَ الْأَسْوَدَ مَعَهُ إلَى الْيَمَنِ ، فَقَامَ فِي ذَلِكَ خُوَيْلِدٌ وَقَامَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ ثُمّ إنّ تُبّعًا رُوّعَ فِي مَنَامِهِ تَرْوِيعًا شَدِيدًا حَتّى تَرَكَ ذَلِكَ وَانْصَرَفَ عَنْه)( ).
وبعد زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خديجة لم يسافر في تجارة إلى الشام أو غيره بل بقي مقيماً في مكة إلى حين بعثته ثم الهجرة إلى المدينة باستثناء الخروج إلى الطائف رجاء إيوائه ومنعه من بطش قريش.
الزوجة الثانية : تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة خديجة في السنة العاشرة للبعثة النبوية سودة بنت زمعة بن قيس من بني عامر في مكة سنة عشرة للبعثة النبوية.
وكانت قبله تحت ابن عمها السكران بن عمرو الذي هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ومات فيها.
وذكر أن سودة بنت زمعة كانت معه مهاجرة في الحبشة ، وولدت له ابناً اسمه عبد الرحمن قتل في حرب جلولاء التي وقعت في السنة السادسة عشرة للهجرة بعد معركة المدائن بين المسلمين وجيش كسرى والتي سميت جلولاء لأن قتلى المشركين جللوا وجه الأرض على كثرتهم.
وقيل قتل منهم في آخر يوم للقتال مائة الف ، ومن المسلمين ثلاثون ألف ، وهو عدد مبالغ فيه .
فبعثوا الأخماس إلى المدينة ووزعها عمر بن الخطاب بين الصحابة بعد أن استمع إلى زياد بن أبي سفيان يصف له شدة المعارك في جلولاء ، وقسّم سعد بن أبي وقاص أربعة أخماس على المقاتلين.
لقد خطبت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون سودة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ بشرتها بالخير والبركة التي دخلت عليها وعلى أهلها.
وهي مقدمة كريمة ومستحقة في الخطبة ، فقالت سودة (وما ذاك ، قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخطبك عليه. قالت: وددت ذلك، ادخلي على أبي واذكري له ذلك)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيوع نعته وهو في مكة وتعريفه بالنبوة وأنه رسول الله فلم تقل لهم خطبها محمد أو ابن عبد المطلب ، إنما ذكرته لهم بصفة الرسالة ومن غير ذكر اسمه.
وكان هذا في موسم الحج ، وكان زمعة شيخاً كبيراً قد تخلف عن الحج ولم يخرج إلى منى وعرفات .
فقال : كفؤ كريم ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوّجه إياه ، وعندما جاء أخوها عبد الله وعلم بهذا الزواج (جعل يحثو التراب على رأسه أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سودة بنت زمعة. فلما أسلم قال: إني لسفيه يوم أحثو التراب على رأسي أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أختي)( ).
وكان مالك بن زمعة بن قيس أخو سودة بنت زمعة قديم الإسلام ، وممن هاجر إلى الحبشة هو وامرأته عمرة بنت السعدي العامرية( ).
وبعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة واستقر فيها بعث زيد بن حارثة ومعه أبو رافع مولاه إلى مكة فجاءوا بأم كلثوم وسودة بنت زمعة ومعهم عائشة واختها أسماء زوجة الزبير ، وأم أيمن زوجة زيد ، وأسامة بن زيد ، ومعهم طلحة بن عبيد الله ، إذ اتفق أنه يريد الهجرة.
وكانت سودة (امرأة ثقيلة ثبطة( ))( ).
الزوجة الثالثة : تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عائشة بنت أبي بكر بعد الهجرة النبوية ، وبنى بها في المدينة وعمرها تسع سنوات.
وقيل أنه خطبها في مكة في ذات الوقت الذي خطب فيه سودة بنت زمعة ، خطبتهما معاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون ، ولم يثبت.
و(عن ابن عباس قال: خطب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أبي بكر عائشة فقال أبو بكر: يا رسول الله لقد كنت وعدت بها أو ذكرتها لمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف لابنه جبير فدعني حتى أسلها منهم. ففعل، ثم تزوجها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن أبيه عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قالت: سمعت عائشة تقول: تزوجني رسول الله صفي شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة لثلاث سنين وأنا ابنة ست سنين .
وهاجر رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فقدم على المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأعرس بي في شوال على رأس ثمانية أشهر من المهاجر، وكنت يوم دخل بي ابنة تسع سنين.
وعن عروة عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وإني لألعب مع الجواري، فما دريت أن رسول الله تزوجني حتى أخذتني أمي فحبستني في البيت عن الخروج فوقع في نفسي أني تزوجت، فما سألتها حتى كانت أمي هي التي أخبرتني)( ).
وقيل تزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة بسبعة أشهر في شوال ، وبقيت معه تسع سنين وخمسة أشهر ، وماتت سنة ثماني وخمسين للهجرة.
وعن ابن عمر مرفوعاً (العرب أكفاء قبيلة بقبيلة وحي بحي إلا حائكاً أو حجاماً)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب زواجه أنه لم ينظر إلى الغنى أو الشأن أو الجاه ، انما كان يتزوج الأرامل واللاتي قاربن سن اليأس وهو من مصاديق قوله تعالى لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
الحديث عن النبي محمد (ص)
لقد صار التابعون وكتاب السيرة من الأمصار يأتون أهل البيت عليهم السلام وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسماع الأحاديث مباشرة خاصة في موسم الحج.
وفي حديث الإستسقاء قالت عائشة (شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قحوط المطر ، فأمر بمنبر فوضعه في المصلى ، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه ، فخرج حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر ، فكبر وحمد الله .
ثم قال : إنكم شكوتم جدب دياركم ، واستئخار المطر عن إبان زمنه عنكم ، وقد أمركم الله أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم.
ثم قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لا إله إلا الله يفعل ما يريد ، اللهم أنت لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزل قوّة وبلاغاً إلى حين)( ).
وبسند ضعيف عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (لما أهبط الله آدم إلى الأرض قام وجاء الكعبة فصلى ركعتين ، فألهمه الله هذا الدعاء.
اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي ، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي . اللهم أسألك إيماناً يباشر قلبي ، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي ، وأرضني بما قسمت لي.
فأوحى الله إليه : يا آدم قد قبلت توبتك ، وغفرت ذنبك ، ولن يدعوني أحد بهذا الدعاء إلا غفرت له ذنبه ، وكفيته المهم من أمره ، وزجرت عنه الشيطان ، واتجرت له من وراء كل تاجر ، وأقبلت إليه الدنيا راغمة وإن لم يرده)( ).
آدم عليه السلام أبو البشر وهو نبي رسول لبيان فضل الله عز وجل على الناس بمصاحبة الوحي للإنسان من حين هبوطه إلى الأرض ولا يعلم عدد مدة الأحقاب والأجيال بين آدم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والأحقاب بين نزول القرآن وبين قيام الساعة ، قال تعالى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
ويتوارث الناس النفرة من الإرهاب والظلم من أيام آدم عليه السلام إلى يوم القيامة.
و(عن عائشة : أنَّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم قرأ هذه الآية : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، فقال صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم : إذا رأيتم الَّذين يسألون عمَّا تشابه منه ويجادلون فيه الَّذين عنى اللّه عزَّ وجل فاحذروهم ولا تخالطوهم)( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال: إن اناسا تكلموا في هذا القرآن بغير علم، وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ فالمنسوخات من المتشابهات، والمحكمات من الناسخات…..) الحديث ( ).
الزوجة الرابعة : في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة ، وعلى رأس ثلاثين شهراً من الهجرة تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حفصة بنت عمر ، بعد أن مات زوجها خنيس بن حذافة القرشي الذي مات بالمدينة على رأس خمسة وعشرين شهراً بعد رجوعه من معركة بدر ، وقيل شهد معركة أحد ونالته جراحات يومئذ ثم مات منها .
ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج حفصة قبل معركة أحد، مما يدل على أن زوجها الأول مات بعد رجوعه من معركة بدر.
وروت حفصة أحاديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها (عن حفصة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه جعل كفه اليمنى تحت خده الايمن وكان يصوم الاثنين والخميس)( ).
ومنها (عن حفصة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُقبل وهو صائم)( ).
وعن (عن انس قال لما طلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفصة أُمر أن يراجعها فراجعها)( ).
وتوفيت حفصة سنة خمس وأربعين للهجرة.
الزوجة الخامسة : ثم تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم (زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة العامرية.
ولم يختلفوا في نسبها، كانت تدعى أم المساكين في الجاهلية، وكانت تحت عبد الله بن جحش قتل عنها يوم أحد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة ثلاث ولم تلبث عنده إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياته)( ).
ويرجع نسب عامر بن صعصعة إلى بكر بن هوازن من قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان من ذرية إسماعيل عليه السلام.
وقيل إنما كانت قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم زوجة الطفيل بن الحارث بن المطلب خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب( ) الذي استشهد في معركة بدر بعد أن برز هو والإمام علي وحمزة بن المطلب عليهما السلام إلى عتبة بن ربيعة وأخيه شيبة وابنه الوليد.
لأن عتبة لم يرض بالأنصار الثلاثة الذين برزوا لقتالهم في خبث ودهاء من عتبة لأنه إذا قُتل رجال من الأنصار لم يكن لقتلهم شأن عند أهل مكة ، أما اذا قُتل واحد أو أكثر من بني هاشم فسيشيع الأمر في مكة كما أن هذا القتل يؤذي النبي محمداً ، وفي هذه المبارزة نزل قوله تعالى هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ.
وقتل المشركون الثلاثة أعلاه في المبارزة ، إذ قتل الإمام علي عليه السلام الوليد ، وقتل حمزة عتبة بن ربيعة ، وتبادل شيبة مع عبيدة الذي هو أكبر سناً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضربتين ، فقتل شيبة وجرح عبيدة جرحاً بالغاً ، فمات شهيداً في الصفراء في طريق العودة إلى المدينة.
والصحيح أن زينب بنت خزيمة كانت زوجة لعبد الله بن جحش الذي قتل عنها يوم أحد.
وحينما خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعلت أمرها إليه ولم تعش زينب بنت خزيمة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا قليلاً وتوفيت وعمرها ثلاثون سنة ، وصلى عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودفنها في البقيع.
واُختلف في مدة بقائها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أقوال :
الأول : شهران .
الثاني : ثلاثة أشهر .
الثالث : ثمانية أشهر .
وقيل توفيت في ربيع الثاني من السنة الرابعة للهجرة ولم تمت في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أزواجه غير خديجة التي ماتت في مكة ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها في حياتها ، ومدفنها بمقبرة الحجون في مكة.
وزينب بنت خزيمة تزوجها وماتت في المدينة ، وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ترو عنه أحاديث ، ليكون من بركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصداق أمومة أزواجه للمؤمنين طول أعمار أغلبهن .
وزينب هذه أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمها ، والتي هي آخر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة زينب بنت خزيمة بنحو أربع سنوات.
دخلت زينب بنت خزيمة الإسلام وهي صغيرة وقيل كانت حاضرة معركة بدر تضمد الجرحى وتقدم الطعام لهم ، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ لقتال عن قصد.
وقد تقدم المختار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يخرجوا للإستيلاء على قافلة أبي سفيان وقال تعالى وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ.
إنما الود هو كيفية نفسانية لا تترجل إلى الخارج إلا بفعل ونية وعزم.
وأرادت زينب (أن تعتق جارية لها سوداء فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا تفدين بها بني أخيك أو بني أختك من رعاية الغنم)( ).
وقال ابن سعد (خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين فجعلت أمرها إليه فتزوجها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وأشهد وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا .
وكان تزويجه إياها في شهر رمضان على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت في آخر شهر ربيع
الآخر على رأس تسعة وثلاثين شهرا، وصلى عليها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ودفنها بالبقيع.
أخبرنا محمد بن عمر قال: سألت عبد الله بن جعفر: من نزل في حفرتها.
فقال: إخوة لها ثلاثة. قلت: كم كان سنها يوم ماتت.
قال : ثلاثين سنة أو نحوها)( ).
والأوقية هي أربعون درهماً من الفضة أما النشأ فهو نصف أوقية ، فيكون مجموع صداق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للزوجة الواحدة من أزواجه هو خمسمائة درهم فضة ، واختلف في مقدار درهم الفضة .
لتنال صفة (أم المؤمنين) وان نزل قوله تعالى وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، بعد موتها ، وأسباب نزول الآية ليست خاصة بالأحياء من أزواج النبي ، لأصالة الإطلاق ، وصدق صفة الزوجية عليها.
الزوجة السادسة : أم سلمة اشتهرت بكنيتها إلى ولدها سلمة بن أبي سلمة هند وهي بنت أبي أمية من بني مخزوم من قريش ، واسم أبي أمية حذيفة بن المغيرة ، وهو ممن لقب بزاد الراكب ، أي لا يجعل الذي يسافر معه يحمل زاداً ، بل يكفي الذين يسافرون معه في قافلته من الطعام والشراب وهو خلق من أخلاق عدد من سادات قريش , وسيأتي في الجزء الرابع باب (زاد الراكب).
وفي أمثال العرب (أقرى من زاد الراكب)( ) , وأم سلمة ابنة عم خالد بن الوليد وأبي جهل , ويتجلى فضلها في سبق دخولها الإسلام وهجرتها إلى الحبشة والمدينة وسط قوم مشركين .
وفي تاج العروس (أقرى من زاد الرّكب) و(زادُ الرَّكْبِ : فَرَسٌ معروف من الخيل التي وَصفَهَا الله عز وجل بالصافِنات الجِيَادِ . سُمِّيَ به لأَنه كان يَلْحَق الصَّيْد.
فكان الوَفدُ إذا نزَلوا رَكِبه أَحدُهم فصادَ لهم ما يَكْفِيهم أَعطاهُ سُليمانُ صَلَوَاتُ الله عليه وسلامُه وعلى نَبيِّنا للأَزْد القَبيلة المشهورة لمَّا وَفَدُوا عَلَيْه فتنَاسلَ عندَهم وأَنجبَ قاله أَبو الثدي قيل : ومنه أَصْلُ كلِّ فرس عَربيِّ) ( ).
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد من بني مخزوم وقد ارتضع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارضعتهما ثويبة أمة أبي لهب.
وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارتضع منها أولاً حمزة بن عبد المطلب ثم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم عبد الله بن عبد الأسد .
وكان قد هاجر إلى المدينة .
وحبست عنه امرأته أم سلمة حبسها بنو المغيرة أي منعوها من اللحاق به إلا بعد سنة.
(فانطلقت وحدها مهاجرة حتى إذا كانت بالتنعيم لقيت عثمان بن أبي طلحة أخا بنى عبد الدار وكان يومئذ مشركا فشيعها حتى أوفى على قرية بنى عمرو بن عوف بقباء قال لها هذا زوجك في هذه القرية ثم انصرف راجعا إلى مكة فكانت تقول ما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن ابى طلحة) ( ).
وذكر ان أبا سلمة وأم سلمة ممن هاجروا إلى الحبشة( ) وولدت لهما في الحبشة زينب .
وقد خرجا مع عثمان بن مظعون ، وقبل أن يخرج إلى الحبشة جعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس وولد لهما هناك عبد الله بن جعفر .
وأبو سلمة من المسلمين الأوائل ، ولاقى الأذى الشديد من قريش قبل الهجرة إلى الحبشة ، إذ استجار بأبي طالب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خال أبي سلمة ، فمشى إليه رجال من بني مخزوم رهط أبي جهل لأن أبا سلمة منهم .
فقالوا له (يا أبا طالب، هذا منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا .
قال: إنه استجار بى، وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي.
فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد.
قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة.
وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبقوا على ذلك.) ( ).
وأم أبي سلمة برة بنت عبد المطلب أخت أبي طالب في أبي لهب وصار يحرضه لنصرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو لا أقل كف أذاه عنه :
(وَإِنّ امْرَأً أَبُو عُتَيْبَةَ عَمّهُ … لَفِي رَوْضَةٍ مَا إنْ يُسَامُ الْمَظَالِمَا
أَقُولُ لَهُ وَأَيْنَ مِنْهُ نَصِيحَتِي … أَبَا مُعْتِبٍ ثَبّتْ سَوَادَك قَائِمًا
وَلَا تَقْبَلَنّ الدّهْرَ مَا عِشْتَ حظّةً … تُسَبّ بِهَا إمّا هَبَطْت الْمَوَاسِمَا
وَوَلّ سَبِيلَ الْعَجْزِ غَيْرَك مِنْهُمْ … فَإِنّك لَمْ تُخْلَقْ عَلَى الْعَجْزِ لَازِمَا
وَحَارِبْ فَإِنّ الْحَرْبَ نُصْفٌ وَلَنْ تَرَى … أَخَا الْحَرْبِ يُعْطَى الْخَسْفَ حَتّى يُسَالَمَا
وَكَيْفَ وَلَمْ يَجْنُوا عَلَيْك عَظِيمَةً … وَلَمْ يَخْذُلُوك غَانِمًا أَوْ مُغَارِمَا
جَزَى اللّهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا … وَتَيْمًا وَمَخْزُومًا عُقُوقًا وَمَأْثَمَا
بِتَفْرِيقِهِمْ مِنْ بَعْدِ وُدّ وَأُلْفَةٍ … جَمَاعَتَنَا كَيْمَا يَنَالُوا الْمَحَارِمَا
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللّهِ نُبْزَى مُحَمّدًا…وَلَمّا تَرَوْا يَوْمًا لَدَى الشّعْبِ قَائِمَا )( ).
وهل يعلم ابو طالب أن سورة المسد دليل على حجب أبي لهب عن نفسه التوبة ، المختار نعم ، فهي من إعجاز القرآن ومن علم الغيب بالعواقب ، قال تعالى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.
خطبة النبي (ص) لأم سلمة
وعن أم سلمة قالت (لما انقضت عدتها أرسل أبو بكر يخطبها فأبت، فأرسل إليها عمر يخطبها فأبت .
قالت : فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبها.
فقالت : مرحبا برسول الله إن في خلالي ثلاثا أخافهن على رسول الله إني امرأة شديدة الغيرة وإني امرأة مصبية يعني: لها صبيان ، وفي رواية: إني ذات عيال ، وإني امرأة ليس ها هنا أحد من أوليائي شاهد يزوجني.
وفي حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، فقالت: ما مثلي ينكح، أما أنا، فلا ولد في، وأنا غيور، وذات عيال فسمع عمر بما ردت به على رسول الله فغضب لرسول الله أشد ما غضب لنفسه حين ردته فلقيها فقال: إن التي تردين رسول الله .
قالت: يا بن الخطاب إن في كذا وكذا، فأقبل رسول الله إليها فقال : أما ما ذكرت أنك غيرى فسأدعو الله عز وجل يذهب غيرتك وأما ما ذكرت أنك مصبية فإن الله سيكفيك صبيانك.
وفي رواية : وأما العيال فإلى الله ورسوله وأما أنه ليس ههنا أحد من أوليائك يزوجك فإنه ليس أحد شاهد ولا غائب من أوليائك يكرهني.
وهو دعاء ووعد ، دعاء لأن يرزقهم الله رزقاً كريم ، ووعد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكفل أولاد أم سلمة لتتفرغ لواجبات الزوجية مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العناية بأولاد الزوجة الأيتام ، وفيه دعوة للمسلمين للتأسي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه الأجر والثواب .
وفي حديث أبي بكر في لفظ : فإنه ليس أحد منهم شاهد ولا حاضر يسترضاني وأنا أكبر منه فقالت لابنها عمر : زوجني رسول الله .
قال : فزوجه إياها فقال رسول الله : أما إني لم أنقصك مما أعطيت أختك فلانة، قال ثابت لابن أم سلمة: ما كان أعطى فلانة.
قال : أعطاها درهمين تجعل منهما صاحبتها( ) ورحلتين ووسادة حشوها ليف.
هجرة أم سلمة إلى المدينة
والمشهور أن أم سلمة هاجرت الهجرتين ، إلى الحبشة ثم عادت وزوجها إلى مكة ثم خرجا متفرقين إلى المدينة.
وكادت تحدث فتنة في قريش بسبب هجرتها وزوجها إلى المدينة ولكن الله صرفها وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتيسير مقدمات الهجرة للصحابة رجالاَ ونساءَ.
قالت أم سلمة (لَمّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ ثُمّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي ، ثُمّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ فَلَمّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا هَذِهِ نَفْسُك غَلَبْتنَا عَلَيْهَا ، أَرَأَيْت صَاحِبَتَك هَذِهِ ؟ عَلَامَ نَتْرُكُك تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ.
قَالَتْ فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذُونِي مِنْهُ . قَالَتْ وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالُوا : لَا وَاَللّهِ لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا .
قَالَتْ فَتَجَاذَبُوا بَنِي سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ حَتّى خَلَعُوا يَدَهُ وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ . قَالَتْ فَفَرّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي .
قَالَتْ فَكُنْت أَخْرُجُ كُلّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطُحِ فَمَا أَزَالُ أَبْكِي ، حَتّى أَمْسَى سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حَتّى مَرّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمّي ، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ أَلَا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ فَرّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا.
قَالَتْ فَقَالُوا لِي : الْحَقِي بِزَوْجِك إنْ شِئْت . قَالَتْ وَرَدّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إلَيّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي . قَالَتْ فَارْتَحَلْت بَعِيرِي ثُمّ أَخَذْت ابْنِي فَوَضَعْته فِي حِجْرِي ، ثُمّ خَرَجْت أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ . قَالَتْ وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللّهِ . قَالَتْ فَقُلْت : أَتَبَلّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتّى أَقْدَمَ عَلَيّ زَوْجِي ، حَتّى إذَا كُنْت بِالتّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
فَقَالَ لِي : إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيّةَ ؟
قَالَتْ فَقُلْت : أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ .
قَالَ أَوَمَا مَعَك أَحَدٌ ؟
قَالَتْ فَقُلْت : لَا وَاَللّهِ إلّا اللّهُ وَبُنَيّ هَذَا .
قَالَ وَاَللّهِ مَا لَك مِنْ مَتْرَكٍ فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي بِي ، فَوَاَللّهِ مَا صَحِبْت رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطّ ، أَرَى أَنّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي ، ثُمّ اسْتَأْخَرَ عَنّي ، حَتّى إذَا نَزَلْت اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي ، فَحَطّ عَنْهُ ثُمّ قَيّدَهُ فِي الشّجَرَةِ ، ثُمّ تَنَحّى وَقَالَ ارْكَبِي . فَإِذَا رَكِبْت وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ فَقَادَهُ حَتّى يَنْزِلَ بِي .
فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ ، فَلَمّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ قَالَ زَوْجُك فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ – وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا – فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكّةَ . قَالَ فَكَانَتْ تَقُولُ وَاَللّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ ، وَمَا رَأَيْت صَاحِبًا قَطّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَة)( ).
دخول النبي (ص) بأم سلمة
لقد جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أم سلمة (ثم انصرف عنها ثم أتاها الثانية وهي ترضع زينب فلما رأته مقبلا جعلت الصبية في حجرها.
فسلم ثم رجع فأتاها أيضا الثالثة فلما رأته جعلت الصبية في حجرها قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حييا كريما، فرجع، قال عمر: فجاء عمار بن ياسر حتى انتزعها من حجرها.
وفي لفظ : ففطن لذلك عمار بن ياسر وكان أخاها لامها فانتشط زينب من حجرها.
فقال: هاتي وفي لفظ: دعي عنك هذه المسقوحة التي منعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أتاها رسول الله فجعل يقلب بصره في البيت فلم ير الصبية في حجرها وكان اسمها زينب.
فقال : أين زناب ، فقالت: جاء عمار فأخذها وفي حديث أبي بكر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : تجداني أتيتكم الليلة.
قالت : فوضعت ثقالي وأخرجت حبات من شعير كانت في جرن، وأخذت شحما فعضدت به فبات ثم أصبح فقال حين أصبح : إن لك على أهلك كرامة إن شئت أن أسبع لك سبعت للنساء .
قال عمر : فكانت في النساء كأنها ليست منهن لا تجد من الغيرة شيئا)( ).
وروى الطبراني بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطبها بنفسه وهو ولا يتعارض مع بعثه عمر لخطبتها له .
و(عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى العصر دخل على نسائه واحدة واحدة، يبدأ بأم سلمة لانها أكبرهن، وكان رسول الله يختم بي.
وروى الامام أحمد عن موسى بن عقبة عن أمه عن أم كلثوم، قالت: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم سلمة، قال لها: يا أم سلمة، إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأوقية مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة فهي لك.
فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وردت عليه هديته فأعطى كل واحدة من نسائه أوقية وأعطى أم سلمة المسك والحلة)( ).
وقيل (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أسفاره ومعه في ذلك السفر صفية بنت حيي وأم سلمة، فأقبل رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، إلى هودج صفية بنت حيي وهو يظن أنه هودج أم سلمة.
وكان ذلك اليوم يوم أم سلمة، فجعل رسول الله يتحدث مع صفية فغارت أم سلمة، وعلم رسول الله بعد أنها صفية فجاء إلى أم سلمة.
فقالت: تتحدث مع ابنة اليهودي في يومي وأنت رسول الله.
قالت ثم ندمت على تلك المقالة، فكانت تستغفر منها، قالت: يا رسول الله استغفر لي فإنما حملني على هذا الغيرة)( ).
وعن عمر بن أبي سلمة (قال: كان الذى جرح أبى أبو أسامة الجشمى، فمكث شهرا يداويه فبرأ، فلما برأ بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المحرم، يعنى من سنة أربع، إلى قطن، فغاب بضع عشرة ليلة، فلما دخل المدينة انتقض به جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى.
قال عمر: واعتدت أمي حتى خلت أربعة أشهر وعشر، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودخل بها في ليال بقين من شوال، فكانت أمي تقول: ما بأس بالنكاح في شوال والدخول فيه، قد تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شوال وبنى فيه.
قال: وماتت أم سلمة في ذى القعدة سنة تسع وخمسين) ( ).
والمختار أنها ماتت سنة احدى وستين للهجرة.
وقد ذكرت هذا الخبر في الجزء السابع والأربعين من معالم الإيمان في تفسير قوله تعالى [الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
حكمة أم سلمة يوم الحديبية
في صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، وبعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كتابة عقد الصلح مع وفد كفار قريش برئاسة سهيل بن عمرو (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس .
فقالت أم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك ؟
قال : نعم
قالت : فاخرج ثم لا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك
فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك : نحر بدنه ودعا بحالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما)( ).
وسبب إبطاء الصحابة بالنحر والحلق أنهم كانوا يأملون زيارة البيت الحرام في تلك الرحلة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدهم ، ولكنه لم يقيد وعده بتلك السنة ، فنزل قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
وتوفيت أم سلمة في السنة الواحدة والستين وقد تجاوزت الرابعة والثمانين من عمرها ، أي توفت بعد أن استشهد الحسين عليه السلام في العاشر من محرم من ذات السنة بأشهر معدودة.
قانون السلم منهاج نبوة محمد (ص)
سيبقى صلح الحديبية شاهداً على صبغة السلمية والموادعة التي نزل بها القرآن وترجلت بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل صلح الحديبية من مصاديق وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا، الجواب نعم ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي مال وجنح للسلم ابتداء ، وهو الذي رضي بشروط كفار قريش ليكون من معاني وتقدير الآية أعلاه (وان جنحوا للسلم فاجنح لها ، واجنح لها انت وأصحابك ابتداءً).
لبيان قانون السلم منهاج نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من خصائصه ، فان مال الكفار للسلم أجابهم كما أنه هو الذي يبادر للسلم وعقد الصلح والميثاق كما في ميثاق المدينة .
لبيان قانون كره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للحرب مطلقاً ، قال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ.
والإرهاب في مفهومه المعاصر أشبه بالحرب ويطرأ الفعل منه على الناس بغتة ، فلابد من تركه وهجرانه والتنزه عنه ، وهو ضد للسلم ، وحرب على الأمن العام الذي بعث الله عز وجل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لاستدامته في الأرض ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
مسند أم سلمة
روت أم سلمة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة , وذكر الذهبي في مسندها ثلاثماة وثمانين حديثاً ، واتفق البخاري ومسلم على ثلاثة عشر ، وهي الثانية من أزواج النبي في عدد الروايات عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وأكثر روايات أم سلمة عن أحكام النساء وما فيه التعليم وضبط النساء للأحكام الشرعية ، منها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبلها وهو صائم وأنها تغتسل معه من الجنابة في إناء واحد.
وعن (أبي سعيد الخدري قال : كان يوم أم سلمة أم المؤمنين ، فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً }( ) قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحسن ، وحسين ، وفاطمة ، وعلي ، فضمهم إليه ، ونشر عليهم الثوب .
والحجاب على أم سلمة مضروب ، ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي ، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً . قالت أم سلمة : فانا معهم يا نبي الله؟ قالت : أنت على مكانك ، وإنك على خير)( ) .
و(بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي يومًا إذ قال الخادم: إن فاطمة وعليا بالسدّة قالت: فقال لي: “قومي فَتَنَحي عن أهل بيتي.
قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبًا، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبَّلهما، واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى، وقَبَّل فاطمة وقَبَّل علياً , وأغدق عليهم خَميصَة سوداء وقال: “اللهم، إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي.
قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله؟ صلى الله عليك.
قال: وأنت)( ).
الزوجة السابعة : أم حبيبة : لقد تزوج النبي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان , وهي ابنه عمة عثمان بن عفان ، ولدت قبل البعثة النبوية لسبع عشرة سنة ، وتزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سنة ست.
وهي في الحبشة بعد أن تنصر زوجها ، وبنى بها سنة سبع للهجرة.
وخطبها له النجاشي ، وقيل تزوجها بعد عودتها إلى المدينة ، وزوجه إياها عثمان بن عفان .
(وتوفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين)( )
أم حبيبة مهاجرة
لقد كانت أم حبيبة من المهاجرات إلى الحبشة ، وفي اسلامها وهجرتها شاهد صدق على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن أباها كان مقيماً على الكفر ، ورأس من رؤوس المشركين ، وأم حبيبة أخت معاوية لأبيه ، إذ أن أمها هي صفية بنت أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس ، وشقيقها حنظلة بن أبي سفيان ، وبه كان يكنى .
وكان حنظلة شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقتل حنظلة في معركة بدر كافراً في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، قتله الإمام علي عليه السلام .
وتزوجت أم حبيبة عبيد الله بن جحش ، وأم بني جحش كلهم : أميمة بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وبنو جحش حلفاء لحرب بن أمية وولدت له حبيبة .
و(عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه ففزعت، فقلت تغيرت والله حاله، فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك.
وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأرى في النوم كأن آتيا يقول يا أم المؤمنين، ففزعت فأولتها أن رسول الله يتزوجني.
و(روى الزهري عن عروة : أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت : يا رسول الله انكح أختي قالت : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أو تحبين ذلك؟
قلت : نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إنّ ذلك لا يحلّ لي.
فقلت : والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال : بنت أم سلمة؟
فقلت : نعم .
قال : والله إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن) ( ).
وفي القسمة بين الأزواج في السنة إذا تزوج البكر يقيم عندها سبع ليالي على التوالي ، أما إذا كانت ثيباً فثلاث ليال ، ثم يساوي بين الكل .
وإذا أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعاً فعل ثم يقضيه للبواقي ، (لأن النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم لما تَزَوَّج أمَّ سَلَمَة أقام عِنْدَها سَبْعاً ، ثم قال : لَيْس بك هَوانٌ على أهْلِكِ ، إن شِئْت سَبَّعْت لَكِ ، وإن سَبَّعْت لك سَبَّعْت لِنِسَائي)( ).
ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام عند أم سلمة ثلاثاً وليس سبعاً ، إذ اختارت أم سلمة ثلاث ليالي كيلا تطول غيبته عنها ، وقوله (لَيْس بك هَوانٌ على أهْلِكِ) أي لا يضيع من حقك شيئاً ، ولبيان أن حكم الثيب البقاء معها ثلاث ليال عند الدخول ، ثم تدخل القسمة بين الزوجات ، أما البكر فحقها سبع ليال ثم تدخل في القسمة .
معجزة خطبة أم حبيبة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خطبة النجاشي له أم حبيبة ، قالت أم حبيبة فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت إن الملك يقول لك إن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، كتب إلي أن أزوجكه. فقالت: بشرك الله بخير.
لقد كانت رؤيا أم حبيبة بشارة وأملاً ومواساة ، ودعوة من علم الغيب للثبات على الإسلام ، وعدم محاكاة زوجها ، وفي زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منع من شماتة المشركين بها .
قالت أم حبيبة : يقول لك الملك وكلي من يزوجك.
فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجليها وخواتيم فضة كانت في أصابع رجليها سرورا بما بشرتها.
فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال : الحمد لله الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، صلى الله عليه وسلم، أما بعد فإن رسول الله كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وقد أصدقتها أربع مائة دينار.
ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله رسول الله.
ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا.
قالت أم حبيبة: فلما وصل إلي المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي فهذه خمسون مثقالا فخذيها فاستعيني بها.
فأبت، فأخرجت حقا فيه كل ما كنت أعطيتها فردته علي وقالت: عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئا وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه، وقد اتبعت دين محمد رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وأسلمت لله، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر.
قالت فلما كان الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت بذلك كله على النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يراه علي وعندي فلا ينكره.
ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله مني السلام وتعلميه أني قد اتبعت دينه.
قالت: ثم لطفت بي وكانت التي جهزتني فكانت كلما دخلت علي تقول: لا تنسي حاجتي إليك. قالت فلما قدمت على رسول الله أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي أبرهة، فتبسم رسول الله، وأقرأته منها السلام فقال: وعليها السلام ورحمة الله وبركاته)( ).
ورواه أبو داود في سننه مختصراً ومجملاً وكذا النسائي وأحمد ، وذكر أن اسناده صحيح.
الزوجة الثامنة : جويرية بنت الحارث : ولدت قبل البعثة بسنتين.
و(عن جويرية قالت: تزوجني رسول الله وأنا بنت عشرين سنة)( ).
وكانت في سبي المسلمين في كتيبة بني المصطلق .
وزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية وما صاحبه من الأحداث من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد كانت جويرية زوجة لابن عمها صفوان بن مالك الذي كان شديد العداوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقتل في كتيبة بني المصطلق.
وكانت جويرية في سهم ثابت بن قيس ، فكاتبته على تسع أواق من الفضة ، وجاءت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتسأله أن يعينها.
وكانت امرأة جميلة فدخلت عليه وهو في بيت عائشة وقد ورد في الجزء السادس والتسعين بعد المائة من كتاب الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) الحديث عنها , وكيف أن عائشة كرهت دخولها على النبي لاحتمال خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها .
و(عروة بن الزبير عن خالته عائشة قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأةً حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها.
فوالله ما هي إلا أن رأيتها فكرهتها وقلت: يرى منها ما قد رأيت.
فلما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من البلايا ما لم يخف عليك وقد كاتبت على نفسي فأعني على كتابتي.
فقال : أو خير من ذلك ، أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك .
فقالت: نعم. ففعل ذلك)( ).
ولما كلمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبرته أنها بنت الحارث سيد قومه ، وسألته إعانتها في فكاكها ، سألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن خير من الفكاك ، فقالت ما هو ، قال لها أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك ، قالت نعم يارسول الله .
ولما سمع الصحابة بخبر هذا الزواج وأن بني المصطلق صاروا أصهار النبي عتقوا من في أيديهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن جويرية دخلت عليه مباشرة من غير حاجب أو تفتيش أو استئذان ظاهر ، مع أنها حديثة عهد بالسباء هي وقومها وهي ابنة الرئيس ، وقتل زوجها ، فيمكن أن تنتقم , وهذا الدخول ومثله من رجال ونساء غيرها من مصاديق قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
ولبيان أن من خصائصه ميل الناس بالفطرة إلى رسالته ، ومودته ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا.
والنبي هو الإمام في الإيمان وعمل الصالحات والذي يدل ويهدي المسلمين إليها .
ومن مختصاته أنه ينفرد من بين الناس بسنخية هذه الهداية لأنها بالوحي من عند الله وهو الهادي للناس جميعاً في كل زمان ، قال تعالى إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ.
كتيبة بني المصطلق منع لسفك الدماء
كان بنو المصطلق حلفاء لقريش ، وشاركوا في الغزو والهجوم على المدينة في معركة أحد ، وكانوا يقطعون الطريق على المسلمين ، ثم صاروا يعدون العدة للهجوم على المدينة .
فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بريدة بن الحصيب الأسلمي من بني أسلم لهم للتأكد من الأمر .
ولم يكن بريدة من الأنصار وأهل المدينة ، لذا فإنه لا يثير شكوك بني المصطلق عندما أظهر لهم مجيؤه لإعانتهم والإنضمام إليهم في حربهم ، وبقي معهم أياماً ورآى كيف يقوم رئيسهم الحارث بن أبي ضرار بتنظيم صفوفهم ، وجمع الأسلحة لهم ، ثم رجع بريدة إلى المدينة وأخبر النبي فسار في سبعمائة من أصحابه ليس للغزو إنما لدرء الفتنة وتفريق القوم ومنع الإقتتال.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم تكرار أحداث معركة أحد بزحف ثلاثة آلاف من المشركين ووصولهم إلى أطراف المدينة وفيه دليل على إصرارهم على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وتلقاهم بغتة ، نعم زحفت قريش بعدها في عشرة آلاف رجل في معركة الأحزاب التي تلقاها المسلمون بالإيمان والتسليم بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لقوله تعالى وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا .
وهل سار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني المصطلق بأمر من عنده ، الجواب لا ، إنما سار بالوحي للتخفيف عن أصحابه وعن المشركين ، ولمنع المنافقين من الإكثار من الإرجاف في المدينة ، ولبعث اليأس في نفوس كفار قريش الذين ما لبثوا يؤلبون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وتقع ديار بني المصطلق في وادي القديد وهو واد طويل يبدأ من مسافة (150)كم عن مكة ، وهم بطن من خزاعة والوا كفار قريش طمعاً وجهالة، وفي ديارهم الصنم (مناة) وهم يدافعون عنه ، قال تعالى [أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىوَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى] ( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يسيرون في الليل مسرعين ، وحالما بلغ بني المصطلق قدومهم تفرقوا وهربوا إلى رؤوس الجبال .
ولا يعلم ما دفع الله عز وجل من الإقتتال وسفك الدماء بمسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني المصطلق ، لقد كان هذا المسير على وجوه:
الأول : قانون الحرب على التعدي والظلم والإرهاب .
الثاني : درأ الفتنة .
الثالث : قانون زيادة إيمان المسلمين .
الرابع : زجر حلفاء قريش عن الهجوم على المدينة .
الخامس : تجلي معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : قانون ترغيب الناس بدخول الإسلام.
السابع : منع سفك دماء المسلمين ، والغزاة من بني المصطلق وحلفائهم ، ولما احتج الملائكة على جعل فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ فمن علم الله عز وجل بعث النبي محمد بالقرآن والوحي لحقن الدماء ، ومنع الفتن والغزو بين القبائل .
الثامن : هذه الكتيبة من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
التاسع : بعث الخوف في قلوب المشركين ، ومنعهم من جمع الجيوش للإغارة على المدينة .
العاشر : تدبر الناس في خصائص ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أسماء كتيبة بني المصطلق
تسمية كتيبة على غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصطلاح مستحدث مني ، وقد صدرت لي والحمد لله تسعة وعشرون جزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بخصوص قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) وآخرها الجزء السادس والعشرون بعد المائتين من هذا السٍفر المبارك .
وفي تسمية كتيبة بني المصطلق ثلاثة أسماء :
الأولى : غزوة بني المصطلق نسبة إلى القوم ونسبهم .
الثاني : غزوة المريسيع نسبة إلى الماء الذي يقيمون حوله .
الثالث: غزوة نجد .
وكذا اختلف في سنة وقوع هذه الكتيبة بعد الإتفاق بأنها في شهر شعبان ، والمختار أنها في شهر شعبان من السنة السادسة للهجرة ( ).
لقد أراد بعض الصحابة في معركة أحد بقاء النبي محمد في المدينة ، وقتال جيوش المشركين فيها مع أنهم على أطراف المدينة لا يبعدون عن المسجد النبوي سوى (5) كم.
أما في كتيبة بني المصطلق فقد ساروا نحو مائتي كيلو متر لتفريق المشركين قبل غزوهم المدينة ، وقطع امداد قريش لهم بالأموال والأسلحة والرجال من غير أن يختلف الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،وكان عددهم سبعمائة ، ذات عددهم في معركة أحد .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتفاع واتعاظ أصحابه من الوقائع والأحداث ، وقلة جدالهم معه مع مشاورته لهم ، قال تعالى وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
لقد رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من كتيبة بني المصطلق من غير قتلى وجرحى إنما رجعوا بالغنائم والسبايا وتأديب المشركين ، وصد من خلفهم عن غزو المدينة.
فلا غرابة أن تكون هبة من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم زواجه من جويرية خاصة وأنه لم يطلبها إنما دخلت عليه ، فلم يتردد في طلب الزواج منها ، وتم هذا الطلب النبوي بالوحي ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المبادرة إلى ما يؤمر به بالوحي مثلما يقوم بتلاوة الآية والآيات القرآنية حالما ينفصل عنه الوحي ، ويغادره الملك جبرئيل ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
منافع زواج جويريه
ولا يحصى منافع تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الله عز وجل , وفي زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية منافع عديدة منها:
الأول : إصلاح أمة .
الثاني : قانون تآلف القبائل .
الثالث : فكاك أسرى بني المصطلق رجالاً ونساءً .
الرابع : عتق جويرية ونيلها مرتبة أم المؤمنين ، قال تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ…] ( ).
الخامس : هذا الزواج مصداق لقوله تعالى وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
السادس : قانون ترغيب أفراد القبائل بدخول الإسلام .
السابع : إشاعة السلم والأمن في ربوع الجزيرة .
الثامن : زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ابنة الذي أراد قتله وأصحابه بالإغارة على المدينة معجزة في أخلاق النبوة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
التاسع : دبيب الندم في نفوس بني المصطلق .
العاشر : لم يسأل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جويرية الزواج منها إلا بالوحي ، وكذا بخصوص المهر بمكاتبتها وعتقها ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الحادي عشر : لقد أخبر الله عز وجل عن سنخية بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها رحمة وخير محض ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
الثاني عشر : تلقي أهل البيت والصحابة زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية بالرضا وعتق ما في أيديهم من الأسرى حالما بلغهم الخبر ، والذي سرعان ما انتشر في المدينة .
الثالث عشر : دخل الحارث بن أبي ضرار رئيس بني المصطلق المدينة بعد الواقعة ، وقد آلمه وأحزنه وقوع الأسرى والسبايا من قومه في أيدي المسلمين ليفاجئ بأنه أصبح صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن ابنته صارت ( أم المؤمنين ) وأن جميع الأسرى والسبايا قد أطلق سراحهم لأنهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مما دفعهم لدخول الإسلام .
الرابع عشر : زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية من مصاديق قوله تعالى وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
وورد لفظ (فضل الله عليك) في الآية أعلاه مرتين إذ ابتدأت واختتمت به ، ولم يرد هذا التعدد في آية أخرى من القرآن ، وهو من إعجاز انفراد أو تعدد اللفظ في القرآن .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يحصي كثرة فضل الله عز وجل كماً وكيفاً عليه إلا الله سبحانه وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
وذكرت الآية أعلاه حجب همّ طائفة من الناس أن يضلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القضاء بالحق.
وزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية وبعض أزواجه الأخريات من حجب وصرف الهمّ بالإضرار بالنبوة ، لما في هذا النكاح من المصاهرة والموادعة والتقارب السببي ، وصيرورته وسيلة لبيان معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الزوجة التاسعة : زينب بنت جحش : وهي أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رئاب من بني أسد ، أمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً لنسائه : أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً. قالت: فكن يتطاولن أطول يداً قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق)( ).
وكانت وفاتها سنة عشرين للهجرة ، وعمرها (53) سنة أي أنها ولدت قبل الهجرة بـ(33) سنة.
وفي مقدمات زواج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش ، ورد عن ابن عباس أنه قال (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلق ليخطب على فتاة زيد بن حارثة ، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية ، فخطبها قالت : لست بناكحته قال : بلى .
فانكحيه قالت : يا رسول الله أوامر في نفسي .
فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً . . . . }( ) قالت : قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً قال : نعم .
قالت : إذن لا أعصي رسول الله ، قد أنكحته نفسي )( ) وموضوع الآية أعم بدليل ما ورد عن ابن عباس نفسه انه سئل عن ركعتين بعد العصر إلى الأعلى.
وهي وإخوانها من أوائل الأسر التي هاجرت إلى المدينة .
آية قرآنية في زواج النبي (ص) من زينب
لقد وردت آية قرآنية في زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من زينب بنت جحش بقوله تعالى وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.
لبيان فضل ونعمة الله عز وجل على زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنعام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل ورود اسم زيد في القرآن من نعمة الله عز وجل على زيد الجواب نعم , وهي من أعظم النعم إذ أنه ذكر بصيغة الثناء لتوالي النعم عليه من حين اشتراه حكيم بن حزام من سوق حباشة لعمته خديجة بأربعمائة درهم من مالها الخاص , إذ كان زيد أصابه سباء في الجاهلية.
و(وهبته خديجة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك وتتبع اهله خبره حتى دلوا عليه فأتوا في طلبه فخيره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المكث عنده أو الرجوع مع اهله فاختار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقام عنده)( ).
يدل قوله تعالى أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ.
على أن زيداَ جاء مستشيراَ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في طلاقها وامتناع زيد عن الأخذ بالنصيحة ليس معصية لأنه في باب الإستشارة.
والمختار أنه أخذ بنصيحة رسول الله على نحو الندب وللحجة .
والوطر : الحاجة والهمة ومتعلق الرغبة.
ويدل قول النبي محمد (أمسك عليك زوجك) على أن رغبته بزينب بنت جحش لا تصل إلى درجة السعي الجاد للزواج منها ، إذ ترك لزيد الأخذ بنصيحته ، نعم قد يهيئ الله عز وجل سبباً آخر لزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها .
والمختار أن زيداً عمل بوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفترة وجيزة ، ثم قام بطلاقها كما في قوله تعالى فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا.
ليكون تقدير الآية : أمسك عليك زوجك فقضى زيد منها وطراً.
أي تحقق هذا الإمساك الذي أمره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو من الإعجاز في نظم الآية ، والتقديم والتأخير فيها .
ولم يرد لفظ (وطر) بالرفع أو النصب أو الجر في القرآن إلا في هذه الآية إذ ورد فيها مرتين بصيغة النصب .
ولم يرد لفظ (وانعمت عليه) (مبديه) (تخشاه) (زوجناكها) (ادعيائهم) (قضوا) في القرآن إلا فيها .
وتزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برضاها ، وبهداية الله لتمتلأ نفسها بالغبطة والسعادة للإمتثال لأمر الله عز وجل ، فصحيح أن الخطاب في (زوجناكها) موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن النكاح نوع مفاعلة ، فلابد من رضا الزوجة، خاصة وأن أمرها بيدها لأنها ثيب .
وزينب بنت جحش ابنة عمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي مهاجرة ، ومع هذا زوجها لمولاه ، وكان يقال له عبد محمد، ورضيت زينب بما اختار لها الله ورسوله ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزوجها إلا بالوحي ، ولبيان أن المؤمن كفؤ المؤمنة .
(ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه أتى زيداً ذات يوم لحاجة ، فأبصرها قائمة في درع وخمار فأعجبته ، وكأنّها وقعت في نفسه.
فقال : سبحان الله مقلِّب القلوب وانصرف.
فلمّا جاء زيدٌ ، ذكرت ذلك له ففطن زيد ، كرهت إليه في الوقت ، فألقي في نفس زيد كراهتها ، فأراد فراقها)( ).
فجاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره رغبته بعزمه على طلاقها .
فقال النبي : أرابك منها شئ ، فقال زيد أنه لم ير منها إلا خيراً.
ولكنها تتعاظم عليه ونسبها وشرفها ، وتؤذيه بلسانها ، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعثه على رأس سرايا من المهاجرين والأنصار ، الأمر الذي جعله لا يطيق استصغاره من قبل زوجته.
فقال له النبي أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ.
أي أن الأسباب التي ذكرت ليس علة تامة للطلاق ، وحتى على القول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يود مفارقة زيد لها ، فان المدار على القول والفعل ، وليس على الود الذي هو كيفية نفسانية ثم أن زيداً طلقها ، ولما انقضت عدتها بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها زيداً ليخطبها له.
لبيان شاهد على رضا زيد بزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها وزينب بنت جحش هي الزوجة التاسعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(قال زيد : فانطلقت ، فإذا هي تخمّر عجينها، فلمّا رأيتها، عظمت في صدري حتى ما أستطيع أنْ أنظر إليها حين علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرها فولّيتها ظهري.
وقلت : يا زينب أبشري فإنّ رسول الله يخطبك ، ففرحت بذلك.
وقالت : ما أنا بصانعة شيئاً حتّى أوامر ربي ، فقامت إلى مسجدها وأُنزل القرآن {زَوَّجْنَاكَهَا} فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللّحم حتّى امتد النهار)( ).
فخفف الله عز وجل عن المسلمين والمسلمات بهذا الزواج بجواز زواج نساء الأدعياء والموالي إذا فارقوهن شرعاً.
وكانت زينب تفخر على أزواج النبي ، و(أما أنتن زوّجكن آباؤكن ، وأما أنا فزوّجني ذو العرش)( ).
نزول آية الحجاب
في رواية عن أنس أن آية الحجاب نزلت في زينب بنت جحش ،وهو قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا] ( ) .
(قال أنس بن مالك : أنا أعلم الناس بآية الحجاب ، ولقد سألني عنها أُبيّ بن كعب لمّا بنى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بزينب بنت جحش أولم عليها بتمر وسويق وذبح شاة ،وبعثت إليه أُمّي أُمّ سليم بحيس في تور من حجارة ، فأمرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنْ أدعو أصحابه إلى الطعام ،فدعوتهم فجعل القوم يجيئون ويأكلون ويخرجون،
ثمّ يجيء القوم فيأكلون ويخرجون.
فقلت : يا نبيّ الله قد دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه،
فقال : ارفعوا طعامكم فرفعوا وخرج القوم .
وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون في البيت، فأطالوا المكث، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقمت معه لكي يخرجوا ، ثمّ رجع فأتى حجر نسائه فسلّم عليهنّ.
فدعون له ربّه.
ورجع إلى بيت زينب.
فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون في البيت.
وكان النبيّ (عليه السلام) شديد الحياء.
فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلمّا رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولّى عن بيته خرجوا .
فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته وضرب بيني وبينه ستراً ، ونزلت هذه الآية)( ).
ونسب إلى أكثر المفسرين نزولها في زينب بنت جحش .
وقال قتادة ومقاتل كان هذا في بيت أم سلمة ) ولكن لو كان في بيت أم سلمة لذكرته في أحاديثها .
و(عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: صليت مع عمر على أم المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت أول نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفاة)( ).
الإخبار السماوي عن أزواج النبي (ص)
قال تعالى تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ.
لقد اختص الله عز وجل لنفسه بعلوم الغيب والتي لا يحصيها كثرة وكيفاً إلا هو سبحانه ، ولا تحيط العقول بماهيتها ، وتفضل الله عز وجل وأنزل آيات تخبر عن علوم من الغيب كما أخبر النبي محمداً بأفراد من علم الغيب ، وهي على أقسام :
الأول : من الغيب الخاص ، وهل أخبر الله عز وجل النبي محمداً بكل ما يهمه من أحواله ، الجواب لا ، وفي التنزيل يأمر الله النبي محمداً قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، فانفراد الله عز وجل بالغيب حتى في الجزئيات ، ومنه يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
الثاني : أمور من الغيب تتعلق بأحوال المسلمين .
الثالث : أمور الغيب في أحوال الأمم وقصص الأنبياء .
الرابع : الغيب في حوادث الأزمنة اللاحقة منها آخر الزمان .
وعن الإمام علي عليه السلام (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن من أشراط الساعة أن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لن تذهب الدنيا حتى تصير للكع بن لكع .
وأخرج أحمد والبخاري وابن ماجة عن عمرو بن تغلب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر ، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة.
وأخرج النسائي عن عمرو بن تغلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أشراط الساعة أن يقبض العلم ويفشو المال وتفشو التجارة ويظهر القلم ، قال عمرو : فإن كان هذا الرجل ليبيع البيع فيقول حتى استأمر تاجر بن فلان ويلتمس في الحواء العظيم الكاتب فلا يوجد .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون بين يدي الساعة أيام فيرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر في الهرج .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن ربيب الجندي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا الوليد يا عبادة بن الصامت إذا رأيت الصدقة كتمت وغلت واستؤجر في الغزو ، وعمر الخراب ، وخرب العامر ، والرجل يتمرس بأمانته كما يتمرس البعير بالشجرة ، فإنك والساعة كهاتين وأشار بأصبعه السبابة والتي تليها .
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)( ).
ووردت أخبار متواترة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خروج الإمام المهدي في آخر الزمان منها ما ورد (عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يكون عطاؤه حثياً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً منا يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة)( ).
وقيل للإمام الرضا عليه السلام فما قصة داود مع أوريا قال : (إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا.
وأول من أباح الله عزوجل أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود عليه السلام فتزوج بامرأة اوريا لما قتل وانقضت عدتها منه ، فذلك الذي شق على اوري وأما محمد صلى الله عليه وآله وقول الله عز وجل له وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ.
فإن الله عز وجل عرف نبيه أسماء أزواجه في دار الدنيا، وأسماء أزواجه في الآخرة، وأنهن أمهات المؤمنين، وأحد من سمى له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة،
فأخفى صلى الله عليه وآله اسمها في نفسه ولم يبد له لكيلا يقول أحد من المنافقين، إنه قال في امرأة في بيت رجل: إنها أحد أزواجه من امهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، قال الله عزوجل: ” والله أحق أن تخشاه “( ) في نفسك، وأن الله عزوجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم، وزينب من رسول الله صلى الله عليه وآله، وفاطمة من علي عليه السلام)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله بإخباره عن أزواجه في الدنيا بأسمائهن وزيادتهن على الأربعة ، وأنهن أمهات المؤمنين .
وهل يعرفن بذات الصفة الكريمة في الآخرة ، المختار نعم ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة الإشارة إلى أزواجه بأنهن أمهات المؤمنين .
الزوجة العاشرة : صفية بنت حبيّ بن أخطب : وهي إحدى أمهات المؤمنين ، تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد واقعة خيبر التي وقعت في بداية السنة السابعة للهجرة بعد صلح الحديبية ، وهي ابنة رئيس بني النضير ، ومن سبط لاوي بن يعقوب ثم من ولد هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام ، وأمها برة بنت سموأل .
وكانت تتحدث بأن أباها وعمها يحبانها أكثر من بقية أولادهما ، وكأنه من علامات زواجها من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصيرورتها أم المؤمنين ، وهو بشارة واقعية ومن الإستصحاب القهقري في علم الأصول ومن المغيبات في مودة وميل النفوس.
رؤيا صفية
من الرؤيا ما تكون بشارة وسط الآلام ، وهو من اللطف والرحمة الإلهية بفرد أو جماعة أو أمة .
(ومن الرؤيا ما كانت في باب غير متوقع ولوجه بعيد مناله، ومنها ما ترى تحقيقها يتم بسرعة وانقلاب واستحالة. لما اتي بصفية بنت حيي الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم شاهد النبي صلى الله عليه واله وسلم اثراً في وجهها لم يزل بعد لم يندمل سألها ما هو.
فاخبرته انها كانت قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن ابي الحقيق ان قمراً وقع في حجرها وقصت رؤياها على زوجها.
فقال : ما هذا الا انك تتمنين ملك الحجاز محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها.
وزفت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهي لم تزل بعد.
وقد تحقق مصداق الرؤيا، وإذا كان القمر يطل على أهل الأرض هلالاً رفيعاً ثم يأخذ بالإتساع إلى أن يصبح بدراً في ليالي البيض .
ويأخذ بالنقصان التدريجي القهري فيختفي في ليالي المحاق .
ثم يبدأ دورته من جديد في آية كونية، فإن أنوار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تطل على الأرض في الليل والنهار وعلى مدار السنة في آية تشريعية تتضمن الهداية للناس وإرشادهم لسبل الصلاح ومنها اتخاذ الهلال آلة مناسبة للعبادات مثل الحج والصيام قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
لقد أنعم الله عز وجل بالرؤيا كبشارة للاقتران الكريم لصفية بنت حبيّ بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي تدل بالدلالة التضمنية على تحقق النصر للمسلمين ، وأراد الله عز وجل بها انذاراً لزوجها وقومه، فلو أيقن بها وأسلم لظل على حاله ومنزلته ، وكذا لو اجتنب قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يخف الكنز لذا يجب عدم التفريط برؤيا الانذارات) ( )وولدت صفية في المدينة المنورة التي كانت تسمى يثرب .
إخفاء كنز بني النضير
تزوجت صفية بنت حبيّ من سلام بن مشكم القريظي ثم فارقته ، فتزوجت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، ولم تلبث عنده أياماً حتى قتل .
وكان سبب قتل كنانة بن أبي الحقيق أنه أخفى كنز بني النضير الذي حملوه معهم من المدينة ، وهو عنده ، ويتعاهده فأنكره ( وقال أنه لا يعلم مكانه (فأتى رسول الله برجل من اليهود فقال لرسول الله عليه السلام : إنّي قد رأيت كنانة يطيف هذه الخزنة كلّ غداة ، فقال رسول الله لكنانة : أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك ، قال : نعم.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخزنة ، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثمّ سأله ما بقي، فأبى أن يؤدّيه)( ).
لقد سعى كنانة في الصلح مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورضي بشروط الصلح مع عدم كتمان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمراَ ولكنه نكث بإخفاء موضع كنز بني النضير.
(قال ابن عباس: فدعا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – رجلا من الانصار فقال : إذهب إلى قراح كذا وكذا، ثم ائت النخل فانظر نخلة عن يمينك، أو عن يسارك مرفوعة فاتني بما فيها ” فجاءه
بالآنية والأموال ، فقومت بعشرة آلاف دينار، فضرب أعناقهما، وسبي أهليهما بالنكث الذي نكثاه) ( ).
ودفعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى محمد بن مسلمة ليختار ما يفعل به العفو أو الفكاك ببدل أو القتل لأنهم قتلوا أخاه محمود – أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر بقتله مع تنجز الشرط ، ولكن ترك للأنصاري العفو عنه أو فكاكه بعوض.
قال ابن اسحاق : فضرب محمد بن مسلمة (عنقه بأخيه محمود بن مسلمة، وكانت اليهود ألقت عليه حجراً عند حصن ناعم ، فقتله، كان أوّل حصن افتتح من حصون خيبر)( ).
حقن دماء سكان خيبر
ولم تكن صفية وأبوها من أهل خيبر إنما هما من بني النضير فلما اجلاهم النبي من المدينة أقاما في خيبر ، وعندما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم حصن بني أبي الحقيق وقعت في الأسر .
و(قال ابن إسحاق : ولمّا افتتح رسول الله عليه السلام القموص حصن بني أبي الحقيق أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفية بنت حي بن أخطب ، وبأُخرى معها، فمرّ بهما بلال، وهو الذي جاء بهما على قتلى من قُتل من اليهود، فلمّا رأتهما التي مع صفية، صاحت، وصكّت وجهها، وحثت التراب على رأسها.
فلمّا رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أغربوا عنّي هذه الشيطانة. وأمر بصفية، فجرت خلفه وألقى عليها رداءه، فعلم المسلمون أنّ رسول الله قد اصطفاها لنفسه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبلال لمّا رأى من تلك اليهودية ما رأى : أَنُزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما)( ).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حاصر أهل خيبر في حصنين لهم هما :
الأول : الوطيح .
الثاني : السلالم .
فلما أحسوا بالعجز ، وأدركوا قرب فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحصنهم بعد اعانتهم أعداء الإسلام ، سألوه الأمان وأن يحقن لهم دماءهم ، فرضي لأنه لا يريد سفك الدماء .
ومشى بينهم محيَصة بن مسعود ، ثم عرضوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبقوا في خيبر وصالحوه على النصف في الأموال ثم قالوا (نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْمَرُ لَهَا ؛ فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ عَلَى النّصْفِ عَلَى أَنّا إذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ)( ).
وهذا الشرط الأخير لمنعهم من إيواء وإعانة المشركين ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
زواج النبي (ص) من صفية
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينوي الزواج من صفية أو اتخاذها سرية .
وفي حديث عن أنس أنهم دخلوا خيبر عنوة (فَجُمِعَ السَّبْيُ قَالَ فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ قَالَ اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً قَالَ فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ.
فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَاللَّهِ مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ.
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ادْعُوهُ بِهَا فَجَاءَ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا)( ).
و(عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى صفية بنت حيى بسبعة أرؤس) ( )، وهو بعيد وقيل (أعطاه ابنتي عمها)( ).
ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن أكل لحوم الحمر وأكل ذي ناب من السباع.
و(عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في الخيل)( ).
وبيع المغانم حتى تقسم لأنه قد لا تقع في سهم البائع ، وأن لايصيب أحد امرأة من السبي حتى يستبرء منها ، ولا يجوز اتيان الحبالى من النساء.
(لما حلت صفية من استبرائها دخل بها بمكان يقال له سد الصهباء في أثناء طريقه إلى المدينة) ( ).
وعن أنس بن مالك قال (أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبني عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته وما كان فيها من خبز ولحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالا بالانطاع فبسطت فألقى عليها التمر والاقط والسمن، فقال المسلمون: احدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه.
فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه.
فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب)( ).
ولم يُكرهها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الزواج منه ، إنما خيرها بين أن يعتقها وتلحق بأهلها ، أو يعتقها وتكون زوجته (فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ)( ).
و(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا)( ).
وعن أبي اليقظان (إن قريشاً لم ترغب في أمهات الأولاد حتى ولدن ثلاثاً هم خير أهل زمانهم : علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله. وذلك أن عمر أُتى بنات يزدجرد بن شهريار بن كسرى سبيات، فأراد بيعهن .
فقال له علي عليه السلام : إن بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوموهن، فأعطاه أثمانهن ، فقسمهن بين الحسين بن علي، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عمر، فولدن الثلاثة)( ).
وصفية بنت حيي بن أخطب سيد بني قريظة ، وقد حلوا على بني النضير سكنة خيبر بعد أن أخرجهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بسبب نصرتهم لكفار قريش.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرجو حتى الساعة الأخيرة أن يسلم حيي بن أخطب ، ولكنه أبى ، وكانت له هو وأخوه أبو ياسر بن أخطب احتجاجات وجدال مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة في بدايات الهجرة.
وكانا يظهران الحسد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
حساب الجمل
لقد كانت وتبقى الحروف المقطعة في أوائل شطر من سور القرآن من أسرار القرآن ، وذخائر علومه وكان حيي بن أخطب يتبع مفرداتها التي تنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويحسبها بلحاظ حساب الجمل .
وورد (عن إبن عباس عن جابر بن عبد الله قال : مر أبو ياســر بن أخطـب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو سورة البقرة [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ] فأتاه أخوه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون؟ والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ] فقالوا أنت سمعته: قال: نعم.
فمشى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ]، قال: نعم، قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه؟ وما أجل أمته غيرك.
فقال حيي بن أخطب واقبل على من كان معه: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه أحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي انما مدة ملكه واجل امته احدى وسبعون سنة .
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا غيره .
قال : نعم قال: ماذا.
قال : المص( )، قال: هذا اثقل، واقوى الألف واحدة واللام ثلاثون والميم اربعون والصاد تسعون فهذه مائة واحدى وستون سنة هل مع هذا يا محمد غيره.
قال: نعم، قال: ماذا؟
قال: الر( ) قال: هذا اثقل واطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه احدى وثلاثون ومائتا سنة فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: المر، قال: فهذه اثقل واطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم اربعون والراء مائتان فهذه احدى وسبعون سنة ومائتان.
ثم قال: لقد لبس علينا امرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً اعطيت أم كثيراً.
ثم قاموا فقال ابو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار ما يدريك لعله قد جمع لمحمد احدى وسبعون، واحدى وستون ومائة، واحدى وثلاثون ومائتان فذلك سبعمائة واربع وثلاثون فقالوا: لقد تشابه علينا امره ونزلت هذه الآيات هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ … ( ).
وروى مثله القمي في تفسيره عن الباقر عليه السلام، وليس في الرواية ما يدل على إمضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدعواهم او تقريره لها.
ولكن إستماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره الشريف دلالة خاصة في المقام وأن لم ترق إلى السنة التقريرية، وفيها توكيد لما للحروف المقطعة من المضامين القدسية.
وقيل أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس، وهذه الآيات أعم في دلالتها من حساب الجمل، ومدة النبوة، خصوصاً وان الحساب لا ينحصر بالحروف المقطعة وحدها من القرآن، وجاءت شواهد الآيات لتدل على قانون بقاء الإسلام الى يوم القيامة ، وقال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
العتق صداق
لقد جعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عتق صفية صداقاً لها ، وقال بعض العلماء إنه من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه حكم عام لأن العتق مال معتبر وفي الغالب ليس بالقليل .
ولم تلد صفية لأحد ، وكانت جميلة وعمرها يوم تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبع عشرة سنة( ) على المشهور والمختار.
لقد أولم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زواجه من صفية ، ولم يولم بلحم أو شحم مع إمكانه ، وقرب عهد بغنائم خيبر والحصون الأخرى ، إنما أولم بتمر وسويق ولبن .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الزهد ، ولتأديب المسلمين بعدم الإسراف في مناسبات النكاح والفرح وغيرها .
وماتت صفية في شهر رمضان سنة خمسين للهجرة (ودفنت بالبقيع وورثت مائة ألف درهم بقيمة أرض وعرض ، وأوصت لابن أختها بالثلث وكان يهوديا)( ).
مما يدل على وجود يهود في المدينة إلى أيام عمر بن الخطاب وجواز الوصية للكتابي بالمال إذا كان ذا رحم.
اخراج النبي بعض أزواجه في الكتائب
لقد تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل بعثته خديجة بنت خويلد ، وكانت عوناً وعضداً له ، إذ آمنت برسالته حالما بعثه الله عز وجل نبياً ، وسخرت أموالها في سبيل الله ، ثم شاركت بني هاشم أذى الحصار الذي فرضه كبار رجالات قريش عليهم اقتصادياً واجتماعياً لمدة ثلاث سنوات من السنة السابعة إلى العاشرة للبعثة النبوية .
ومع أنها تكبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السن ، إذ كان عمرها يوم تزوجها أربعين سنة وعمره خمساً وعشرين سنة ، وكانت ثيباً فانه لم يتزوج عليها .
وتزوج بعد وفاتها ، وفي شوال سنة عشرة من البعثة سودة بنت زمعة وهي تكبره في العمر أيضاً ، وكان عمره يوم تزوجها خمسين سنة ، وهي ثيب والتي هاجرت معه .
وبعد الهجرة تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من واحدة كما سيأتي.
وكان حينما يخرج في الكتائب والتي تسمى في كتب السيرة الغزوات يُخرج معه بعض نسائه بأن يقرع بينهن ، لتدل هذا القرعة على مساواة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بينهن ، وفي هذا الإخراج مسائل :
الأولى : إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه .
الثانية : بيان استحباب مرافقة المرأة لزوجها في السفر .
الثالثة : البشارة بالعودة إلى المدينة بأمان من غير تعرض إلى هزيمة أو سبي.
وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخرج معه زوجة أو أكثر من زوجاته ولم يتعرضن للأذى مع شدة هجوم المشركين ومباغتتهم في الميدان .
الرابعة : رضا الصحابة بمرافقة أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ، وإكرامهم لهن خاصة وقد نزل قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
الخامسة : حال السكينة والطمأنينة عند مرافقة الزوجة في السفر والكتائب ، وهو من مصاديق بعث الرحمة والشفقة عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الناس جميعاً ، قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
وفي صلح الحديبية عندما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إملاء كتاب الصلح وإمضائه ورد عن المسور بن مخرمة في حديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا .
قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما)( ).
فقد سمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مشورة أم سلمة فنحر بعيراً ليقتدي به الصحابة .
وهل كان سماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقول أم سلمة ، وأخذه به من الوحي ، الجواب نعم.
السادسة : مصاحبة بعض أزواج النبي معه في الكتائب والسفر ، من مصاديق أمومتهن للصحابة بقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
وقد ورد بخصوص بنت شعيب ومشورتها لأبيها في العناية بموسى عليه السلام قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ.
إذ تبعث الآية أعلاه على الإستماع إلى مشورة النساء ، وتلقيها بالإنصات والتدبر في قبولها أو عدمه .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقرع بين أزواجه في السفر ، فأي واحدة منهن خرج اسمها تصاحبه في سفره ، وقد يأخذ اثنتين منهن.
الزوجة الحادية عشرة : ميمونة بنت الحارث : وكانت عند أبي رهم بن عبد العزى من بني عامر بن لؤي ، ثم تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة السابعة ، وهي ذات السنة التي تزوج فيها صفية بنت حيّ بن أخطب ، إذ تزوج ميمونة في عمرة القضاء في شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة .
وقد زوّجه إياها عمه العباس بن عبد المطلب وأصدقها العباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعمائة درهم ، ويقال أنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن وصلت إليها خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بعيرها (فَقَالَتْ الْبَعِيرُ وَمَا عَلَيْهِ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ وَيُقَالُ إنّ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ زينب بنت جحش)( )، وهذا القول ضعيف .
وكان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة القضاء نحو ألفين من أصحاب الحديبية الذين صدّوا عن العمرة ومن إنصاف لهم .
ولما صار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قريباً من مكة بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى مكة ، ومما أمره به خطبة ميمونة بنت الحارث العامرية له.
فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب لأن أختها أم الفضل زوجته ، فزوجها العباس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان عمرها يوم تزوجها (26) سنة أما عمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو (59) سنة.
واختلف في أوان زواجه :
الأول : تزوجها قبل أن يحرم بعمرته .
الثاني : تزوجها وهو محرم وهو قول ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها (وَهُوَ مُحْرِمٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ)( )، وقال الحنفية يصح نكاح المحرم بحج أو عمرة حتى وإن كان الزوجان محرمين ، واستدلوا بقول ابن عباس هذا ، ولكنه معارض بقول ميمونة بنت الحارث نفسها .
(عن يزيد بن الاصم العامري، عن خالته ميمونة بنت الحارث، قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن حلالان بسرف)( ).
(وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ تَزَوّجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْت الرّسُولَ بَيْنَهُمَا)( ).
لذا (قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ : وَوَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ وَإِنْ كَانَتْ خَالَتَهُ مَا تَزَوّجَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إلّا بَعْدَ مَا حَلّ) ( ).
ولم يحضر عبد الله بن عباس عمرة القضاء ، وكان صغيراً يبلغ من العمر نحو عشر سنوات مما يدل على أنه سمع من غيره ، بينما أبو رافع كان حاضراً وهو الرسول بينهما ، وتدل وقائع عمرة القضاء على إنقطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمناسك والعناية بأصحابه مع الخشية من كفار قريش ، فحالما دخل مكة طاف بالبيت الحرام ثم سعى بين الصفا والمرة ، وحلق وحلّ ، ولم يتزوج في الطريق .
وتقدمت رواية يزيد بن الأصم الذي هو ابن أخت ميمونة بنت الحارث ، فهي خالته مثلما هي خالة ابن عباس ، وقيل بحمل كلام ابن عباس (وهو محرم) أي في الشهر الحرام أو البلد الحرام ، وهو بعيد للتبادر وأصالة الظاهر.
وقال الإمامية والمالكية والشافعية والحنابلة بعدم جواز نكاح المحرم سواء كان زوجاً أو زوجة أو وكيلاً في عقد النكاح ، وهو المختار .
وعن عثمان بن عفان قال ( قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَح)( ).
ودفنت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث في سرف ذات المكان الذي دخل بها فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راجعة من الحج إلى المدينة.
و(عن يزيد بن الأصم قال: حضرت قبر ميمونة فنزل فيه ابن عباس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأنا وعبيد الله الخولاني، وصلى عليها ابن عباس. قال محمد بن عمر: توفيت سنة إحدى وستين ، وهي آخر من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لها يوم توفيت ثمانون أو إحدى وثمانون سنة، وكانت جلدة)( ).
و(عبد الرحمن الأعرج يحدث في مجلسه بالمدينة يقول: أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ميمونة بنت الحارث بخيبر ثمانين وسقاً تمراً وعشرين شعيراً، ويقال قمحاً)( ).
فدك
قال تعالى وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون له المال الذي يأتي من غير قتال ولا إيجاف خيل اي سرعة السير والإجتهاد فيه ، ومنه مال بني النضير ينفق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه على أهله نفقة سنة ، وما بقي يجعله في السلاح والكراع في سبيل الله .
ليكون من خصائصه أيضاً عدم ادخار المال ، وأنه وعياله لا يكثرون من الإنفاق على المعيشة ليوفر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المال وينفقه في سبيل الله ، ومصالح الإسلام العامة .
وقوله تعالى كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْخطاب للأنصار لأن المهاجرين آنذاك فقراء ليس فيهم أغنياء .
لبيان قانون حجب الفئ عن الأغنياء كيلا يزدادوا غنى مع شدة حاجة الفقراء ، وفيه مواساة للفقراء ، ومنع من الكدورة والإستياء بينهم .
قال الزجاجي سميت فدك لأن فدك بن حام ( ) أول من سكنها وقيل يعود اسمها إلى أحد إخوان سلمى بنت حام من بني عمليق واسمه فدك واحتلها ملوك بابل ، وتسمى في هذا الزمان مدينة الحائط.
وتكثر فيها الأسوار والقلاع والبساتين ، وبلغ طول سورها (7) كم يحيط بالبلدة على نحو دائري ، وتشتهر بزراعة النخيل أيام النبوة وإلى أيامنا هذه وفيها نحو (30) الف نخلة ، وفي سنة 2010م أحصي عدد سكانها وقراها فكانوا (14) ألف شخص .
وتبعد فدك عن المدينة المنورة نحو (280)كم وعن مدينة خيبر نحو (160) كم .
ولما رأى أهل فدك فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحصون خيبر ، ومصالحته لأهلها على النصف أرسلوا إليه قبل أن يصل إليهم بأن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم ، فاجابهم.
فهي لم يوجف عليها بخيل أو ركاب ، فهي ملك خاص لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وولى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قرى عرينة وهي فدك وغيرها الحكم بن سعيد بن العاص) ( ).
ولما ولي معاوية الحكم ، وجعل مروان بن الحكم على المدينة كتب مروان (إلى معاوية يطلب إليه فدك فأعطاه إياها فكانت بيد مروان يبيع ثمرها بعشرة آلاف دينار كل سنة، ثم نزع مروان عن المدينة وغضب عليه معاوية فقبضها منه فكانت بيد وكيله بالمدينة، وطلبها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان من معاوية فأبى معاوية أن يعطيه ، وطلبها سعيد بن العاص فأبى معاوية أن يعطيه .
فلما ولى معاوية مروان المدينة المرة الآخرة ردها عليه بغير طلب من مروان ورد عليه غلتها فيما مضى فكانت بيد مروان فأعطى عبد الملك نصفها وأعطى عبد العزيز بن مروان نصفها)( ).
ومقدار عشرة آلاف دينار أي عشرة آلاف مثقال ذهب عيار ثماني عشرة حبة ، ويمكن حساب قيمتها مقابل العملة الورقية في هذا الزمان .
قال ياقوت الحموي (فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدَكَ إلى ولد فاطمة عليها السلام فكانت في أيديهم في أيام عمر بن عبد العزيز فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها.
فلم تزل في أيدي بني أمية حتى ولي أبو العباس السفاح الخلافة فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فكان هو القيم عليها يفرقها في بني علي بن أبي طالب.
فلما ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم فلما ولي المهدي بن المنصور الخلافة أعادها عليهم ثم قبضها موسى الهادي ومن به إلى أيام المأمون فجاءه رسول بني عليّ بن أبي طالب فطالب بها فأمر أن يسجل لهم بها فكُتب السجل وقُرأ على المأمون فقام دِعبل الشاعر وأنشد :
أصبحَ وجهُ الزمان قد ضحكا … برد مأمون هاشم فدَكا)( ).
هبة المرأة نفسها للنبي(ص)
من شرائط النكاح المهر يدفع للمرأة ، وهو من إكرام الإسلام للمرأة، وحفظ الشريعة لحقوقها مع أنه قد تكون رغبتها بالزواج أكثر من رغبة الزوج ، ولا يصح أن تهب المرأة نفسها إلا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهذه الهبة من مختصاته.
واختلف في المرأة التي وهبت نفسها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أقوال :
الأول : أنها أم المؤمنين ميمونة ، عن عبد الله بن عباس وورد حديث عن عكرمة عن ابن عباس يعارضه.
الثاني : أم شريك الأزدية ، وهو الوارد عن الإمام زين العابدين( ).
الثالث : هي خولة بنت حكيم السلمية ( )، وخولة هذه من السابقات إلى الإسلام ، ومن أجمل نساء قومها ، وتزوجت من عثمان بن مظعون ، وبعد موته قيل وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه أرجأها.
الرابع : هي ليلى بنت الحطيم .
الخامس : امرأة من الأنصار من غير تعيين اسمها ، إذ ورد عن الإمام الباقر عليه السلام قال (جاءت امرأة من الانصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخلت عليه وهو في منزل حفصة، والمرأة متلبسة متمشطة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقالت: يا رسول الله إن المرأة لا تخطب الزوج، وأنا امرأة أيم لا زوج لي منذ دهر ولا ولد، فهل لك من حاجة.
فإن تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيرا، ودعا لها، ثم قال: يا اخت الانصار جزاكم الله عن رسول الله خيرا، فقد نصرني رجالكم، ورغبتْ فيّ نساؤكم، فقالت لها حفصة: ما أقل حياءك وأجرأك وأنهمك للرجال.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : كفي عنها يا حفصة فإنها خير منك ، رغبت في رسول الله فلمتيها وعيبتها .
ثم قال للمرأة انصرفي رحمك الله، فقد أوجب الله لك الجنة برغبتك في، وتعرضك لمحبتي وسروري وسيأتيك أمري إنشاء الله، فأنزل الله عزوجل وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
قال: فأحل الله عزوجل هبة المرأة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وآله ولا يحل ذلك لغيره) ( ).
و(عن عكرمة عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة وهبت نفسها له)( ).
ليكون نكاح الهبة من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى على القول بأنه لم تكن من بين زوجاته نكاحها عن هبة.
لقد وثق التنزيل مسألة هبة احدى النساء نفسها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان إكرام الله عز وجل له ، ورغبة المؤمنات بالزواج منه لمقام النبوة ، ولقوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وهل ذكر هذه المرأة وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ، هل هي واقعة متحدة أم أن أكثر من امرأة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأن الآية جاءت بصيغة التنكير في سياق الإثبات ، والمختار هو الأول .
خلاصة في زواج النبي (ص)
وهذا ملخص بأزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
ت الزوجة تأريخ الزواج
1 خديجة بنت خويلد في السنة 15 قبل البعثة
2 سودة بنت زمعة في السنة الحادية عشرة للبعثة النبوية
3 عائشة بنت أبي بكر السنة الثانية للهجرة
4 حفصة بنت عمر السنة الثالثة للهجرة
5 زينب بنت خزيمة الثالثة للهجرة
6 أم سلمة الرابعة للهجرة
7 زينب بنت جحش الخامسة للهجرة
8 جويرية بنت الحارث الخامسة للهجرة
9 أم حبيبة السابعة للهجرة
10 صفية بنت حي بن أخطب السابعة للهجرة
11 ميمونة بنت الحارث السابعة للهجرة
وتوفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تسع زوجات وهن :
الأولى : سودة بنت زمعة العامرية .
الثانية : عائشة بنت أبي بكر .
الثالثة : حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية.
الرابعة : أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية .
الخامسة : زينب بنت جحش الأسدية .
السادسة : أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية.
السابعة : ميمونة بنت الحارث الهلالية .
الثامنة : جويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار المصطلقية.
التاسعة : صفية بنت حيى بن أخطب النضرية الهارونية.
وكانت له سريتان وهما :
الأولى : مارية بنت شمعون القبطية المصرية من كورة أنصناء وهى أم ولده إبراهيم عليه السلام .
الثانية : ريحانة بنت شمعون القرظية، أسلمت ثم أعتقها فلحقت بأهلها ، ومن الناس من يزعم أنها احتجبت عندهم والله أعلم ( ).
وعن أبي شهاب الزهري (وطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العالية بنت ظبيان ، وفارق أخت بني عمرو بن كلاب.
وفارق أخت بني الجون الكندية من أجل بياض كان بها.
وتوفيت خديجة ، وزينب بنت خزيمة الهلالية ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي.
وبلغنا أن العالية بنت ظبيان التى طلقت تزوجت قبل أن يحرم الله النساء، فنكحت ابن عم لها من قومها وولدت فيهم)( ).
ولم يثبت زواجها بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال ابن عبد البر (العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف بن عبد بن أبي بكر بن كلاب الكلابية. تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فبلغه أن بها برصاً فطلقها ولم يدخل بها، وقيل إنها التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتعوذت منه حين أدخلت عليه فقال لها : لقد عذت بمعاذ ، فطلقها وأمر أسامة بن زيد فمتعها بثلاثة أثواب)( ).
وفي قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ] (قال عكرمة : نزلت في المرأة التي وهبت نفسها للنبي عليه السلام)( ).
وقيل دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاث عشرة امرأة .
وقال أبو عمر في الإستيعاب: اللواتي لم يختلف أهل العلم فيهن.
هن إحدى عشرة إمرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ست من قريش، وواحدة من بني إسرائيل من ولد هارون عليه السلام، وأربع من سائر العرب.
(وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام وعشرين وسقا من شعير)( ).
لبيان توفير مؤونة سنة لكل واحدة منهن ، مع إنفاق الرسول عليهن في اليوم والأسبوع.
مارية القبطية
مارية بنت شمعون القبطية سرية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليست من أزواجه فلا يصدق عليها أنها من أمهات المؤمنين وهي من المنيا من مصر .
وقد أهداها هي وأختها سيرين المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة السابعة للهجرة ، وأهدى معها (خصياً يقال له مأبور)( ).
وفي طريق العودة إلى المدينة عرض عليهما حاطب الإسلام ، ورغبهما فيه فاسلمتا ، وقيل إنما بادرت مارية بالنطق بالشهادتين عندما دعاهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يجمع بين الأختين ، فقد وهب اختها سيرين لحسان بن ثابت الشاعر الأنصاري فولدت له عبد الرحمن .
و(عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة من النساء جعدة، وأعجب بها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان فكانت جارتنا.
فكان رسول الله عامة النهار والليل عندها حتى فرغنا لها فجزعت.
فحولها إلى العالية فكان يختلف إليها هناك فكان ذلك أشد علينا ، ثم رزق الله منها الولد وحرمنا منه)( ).
وعلى قول أن قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( )، نزلت فيها بعد أن اختلى بها في بيت حفصة.
ولادة ابراهيم ابن النبي محمد (ص)
وبعد سنة من تسري النبي صلى الله عليه وآله وسلم بماريا ولدت له ابناً له يشبهه فسماه إبراهيم تيمناً باسم جده النبي إبراهيم .
وفرح به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ لم يبق عنده من الأولاد إلا فاطمة عليها السلام ، وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم ولد إبراهيم يقارب ستين سنة .
وتوفى ابراهيم وعمره سنة وست أشهر بعد أن مرض ، واشتد وجِده وحزن عليه رسول الله .
و(عن عبد الرحمن بن عوف قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني النخل فإذا إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره حتى خرجت نفسه، فوضعه ثم بكى .
فقلت (تبكي يا رسول الله وأنت تنهى عن البكاء ؟ قال: (إني لم أنه عن البكاء، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة لهو، ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: لطم وجوه، وشق جيوب، وهذه رحمة ، ومن لا يرحم لا يرحم).
فمع شدة مصيبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بابراهيم وهو يموت في حجره فانه يقوم بالجواب والبيان والتعليل ، ومنع اللبس والريب.
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا إبراهيم لولا أنه وعد صادق وقول حق وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط ربنا عز وجل)( ).
وانكسفت الشمس يوم مات إبراهيم (عن جابر قال : انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال الناس : إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ست ركعات في أربع سجدات ، بدأ فكبر ، ثم قرأ فأطال القراءة ، ثم ركع نحوا مما قام ، ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءة دون القراءة الأولى ، ثم ركع نحوا مما قام.
ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءة دون القراءة الثانية ، ثم ركع نحوا مما قام ، ثم رفع رأسه من الركوع ، ثم انحدر بالسجود فسجد سجدتين.
ثم قام فركع أيضا ثلاث ركعات ليس منها ركعة إلا التي قبلها أطول من التي بعدها ، وركوعه نحوا من سجوده ، ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهى إلى النساء ، ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه فانصرف حين انصرف.
وقد أضاءت الشمس فقال : يا أيها الناس إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، وإنهما لا ينكسفان لموت بشر ، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا حتى تنجلي ما من شيء توعدونه إلا وقد رأيته في صلاتي هذه حتى جيء بالنار ، وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها ، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار ، كان يسرق متاع الحاج بمحجنه فإن فطن له.
قال : إنه تعلق بمحجني ، وإن غفل عنه ذهب به .
وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعا ثم جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي.
ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ، ثم بدا لي أن لا أفعل فما من شيء توعدونه إلا وقد رأيته في صلاتي هذه.
رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة ومن نظر في قصة هذا الحديث ، فقصة حديث أبي الزبير ، عن جابر ، علم أنها قصة واحدة ، وأن الصلاة التي أخبر عنها ، إنما فعلها مرة واحدة ، وذلك يوم توفي ابنه إبراهيم عليه السلام)( ).
لقد ظن الصحابة أن كسوف الشمس يوم موت إبراهيم آية كونية كمواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوفاة ابنه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يترك هذا القول والمفهوم يشيع بين الناس ، ويتغنى كتّاب السيرة بمعجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي كسوف الشمس لوفاة ابنه ، بل صعد المنبر ونفى الصلة بين الكسوف ووفاة إبراهيم وبيّن للناس أن كلاً من كسوف الشمس وخسوف القمر آية من عند الله ، تلزم المبادرة إلى الصلاة وتلاوة القرآن والإستغفار .
و(عن ابن عباس ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما امرأة ولدت من سيدها ، فهي حرة بعد موته)( ).
، وتوفيت ماريا بنت شمعون في السنة السادسة عشرة للهجرة.
ودفنت في البقيع مع أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما ملك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ريحانة بنت شمعون النضرية وهي سرية له.
علة زواج النبي (ص) من أكثر من أربع
لقد جعل الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصية إذ أباح له النكاح لأكثر من أربع نساء ، وهي نعمة خاصة على الرسول الأكرم ، ولا بأس بتحري أسباب وآثار ومنافع هذه الخصوصية ، والحكمة فيها .
وفيه وجوه :
الأول : إكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، وتدل الآية أعلاه أن كل مرة يتزوج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقع اختياره على امرأة ويعرض عليها الزواج هو من الوحي .
وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن تعدد أزواجه من الوحي ، ومصاديق قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى .
الثاني : ثناء الله عز وجل على المسلمين في قبول خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرضا بها .
الثالث : اجتماع التكاليف الشاقة للنبي أيضاً مع الزواج من أكثر من أربع .
الرابع : سنة الأنبياء في تعدد الأزواج لعدد منهم .
الخامس : مواساة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأرامل والمطلقات.
السادس : ترغيب المسلمين بالنكاح من الأرامل ومنهن أزواج الشهداء وإيواء ورعاية الأيتام .
السابع : الصلة الحميدة والمصاهرة مع بيوتات وقبائل العرب ، وقد تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صفية وهي ابنة حيي بن أخطب سيد بني النضير .
الثامن : تعدد اللاتي رزقهن الله عز وجل صفة (أم المؤمنين) .
التاسع : إكرام المسلمين لأزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العاشر : إنصات المسلمين لرواية أزواج النبي محمد عنه ، سواء في سنته القولية أو الفعلية .
وقال تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا] ( ).
وكان الرجل منهم عنده مال لأيتام ، فيكون على وجوه :
الأول : يتزوج اليتيمة طمعاً بمالها .
الثاني : يتزوج اليتيمة من غير أن يدفع لها صداقاً .
الثالث : يأخذ مال اليتيم ذكراً أو أنثى فيتزوج به وان كانت عنده نساء متعددات ، ويتزوج اليتيمة حرصاً على مالها ، فمنع الله عز وجل من الزواج من أكثر من أربع نساء ، وإن خشي أكل مال اليتيم يكتفي بواحدة .
(عن ابن عباس قال : قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى) ( ).
وهذا الأمر ليس علة تامة لتقييد النكاح بأربع نسوة خاصة وأن مسألة أموال اليتيم ليست عامة ، ولا يأتي حكم عام للأجيال على مسألة قليلة الوقوع .
ولم يرد لفظ (طاب) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وكأنه إشارة إلى إنفراد الزواج بحسن وطيب خاص ، وفيه ترغيب بالزواج .
قانون تعدد أزواج النبي (ص) مواساة
لقد أصر المشركون على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، كما في معركة بدر، وسقوط أربعة عشر شهيداً ، وكما في غزوهم المدينة في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وصيرورتهم على مشارفها ووقوع معركة أحد عندئذ ، وسقوط سبعين شهيداً ستة من المهاجرين منهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأربعة وستون من الأنصار .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تضحية أصحابه في سبيل الله ، وكثرة القتلى بينهم ، قال تعالى وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ.
ليزداد عدد الأرامل خاصة وأن من الصحابة من كان عنده أكثر من زوجة .
ومواساة أزواج الشهداء وأهليهم بأن يقترنّ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصير أعظم مواساة للأرامل في التأريخ ، إذ نالت كل واحدة من أزواجه صفة (أم المؤمنين).
وصار ذكرها على نحو الإجمال يكرر كل يوم إلى يوم القيامة يتلوه عموم المسلمين في مشارق ومغارب الأرض لقوله تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ..] ( ) وهذه المواساة أعم من أن تنحصر بأزواج الشهداء ومنها :
الأولى : زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حفصة بنت عمر وكانت زوجة لخنيس بن حذافة السهمي الذي استشهد في كتيبة بدر ، وقد عرضها عمر بعد استشهاد زوجها على أبي بكر ، فلم يتزوجها ثم عرضها على عثمان وكانت رقية بنت رسول الله قد ماتت ، فلم يجبه عثمان .
فذهب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مغاضباً يشكو إعراض صاحبيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (تتزوج حفصة خيرا من عثمان ويتزوج عثمان خيرا من حفصة ثم تزوج عليه السلام حفصة وزوج ابنته أم كلثوم عثمان) ( ).
وطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفصة تطليقة ثم راجعها بأمر من جبرئيل .
الثانية : زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين (وكانت تحت عبد الله بن جحش قتل عنها يوم أحد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث ولم تلبث عنده إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياته.
وقال قتادة: كانت زينب بنت خزيمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند الطفيل بن الحارث والقول الأول قول ابن شهاب.
وقال أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني النسابة: كانت زينب بنت خزيمة عند الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث)( ).
ابن عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي جرح في معركة بدر جرحاً بالغاً واستشهد في الصفراء عند الرجوع إلى المدينة .
الثالثة : أم سلمة هند بنت أبي أمية صارت أرملة بعد ان استشهد زوجها عبد الله بن عبد الأسد في أعقاب معركة أحد بعد أن جرح فيها والتأم جرحه ثم انفجر عليه.
الرابعة : كانت أم حبيبة قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الذي تنصر هناك فانفصلت عنه ، فخطبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي في الحبشة ، ووكيله في العقد النجاشي.
ثم دخل بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد عودتها إلى المدينة من الحبشة .
الخامسة : صفية بن حيي بن أخطب سيد بني النضير ، قتل أبوها وزوجها في خيبر ، فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاختارت الزواج منه ، لقد اختارت المواساة والعز في النشأتين ، وقد اتصفت في حياتها بالتقوى .
ومن معاني المواساة في تعدد زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترغيب الصحابة في الزواج من الأرامل .
العناية بالأيتام
لقد ذكر الله عز وجل اليتيم في خمس آيات من القرآن للدلالة على إكرامه ومعاملته بلطف وإحسان ، وهذه الآيات هي :
الأولى : قوله تعالى وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
الثانية : قوله تعالى وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا.
الثالثة : قوله تعالى كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ.
الرابعة : قوله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ.
الخامسة: قوله تعالى فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ.
لقد حضّ القرآن والسنة على رعاية اليتيم ، وهو الصبي الذي فقد أباه قبل بلوغه سن البلوغ ، وتولي مأكله ومشربه ومسكنه وتعليمه وعلاجه ، بالإنفاق عليه من الزكاة والخمس أو الصدقة المندوبة والبر والإحسان والعناية الخاصة والتي فيها أجر عظيم وهو من عمومات قوله تعالى وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
وأخرج (ابن سعد وأحمد عن عمرو بن مالك القشيري . سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم محرره بعظم من عظامه ، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله .
ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحسن إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وهو في الجنة كهاتين . وقرن بين أصبعيه )( ).
ولقد تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم سلمة وضم إليه أولادها الذين هم أيتام بعد أن استشهد زوجها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد من بني مخزوم .
(شهد أبو سلمة بدراً وأحداً ورمى بها بسهم في عضده فمكث شهرا يداويه ثم برأ الجرح .
وبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والانصار إلى قطن وهو جبل بناحية فيد فغاب تسعا وعشرين ليلة ثم رجع إلى المدينة فانتفض جرحه فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع) ( ).
وكانا من المهاجرين إلى الحبشة (قال ابن الأثير: قيل: توفيت أم سلمة فى شهر رمضان أو شوال سنة تسع وخمسين، قال: وكانت هى وزوجها أول مَن هاجر إلى الحبشة)( ).
ولما انقضت عدتها خطبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتزوجها ، فكان أولادها في حجره لترغيب المسلمين بالعناية بالأيتام خاصة أولاد الزوجة .
و(عن عمر بن أبى سلمة قال : كان الذى جرح أبي أبو أسامة الجشمى، فمكث شهرا يداويه فبرأ، فلما برأ بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المحرم، يعنى من سنة أربع، إلى قطن، فغاب بضع عشرة ليلة، فلما دخل المدينة انتقض به جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى.
قال عمر: واعتدت أمي حتى خلت أربعة أشهر وعشر، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودخل بها في ليال بقين من شوال، فكانت أمي تقول: ما بأس بالنكاح في شوال والدخول فيه، قد تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شوال وبنى فيه.
قال: وماتت أم سلمة في ذى القعدة سنة تسع وخمسين)( ).
(وقال بن حبان: ماتت في آخر سنة إحدى وستين بعد ما جاءها نعي الحسين بن علي)( ).
(قال ابن عساكر : هذا هو الصحيح) ( ).
ولما حلت أم سلمة للزواج خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مرارا، فتذكر أنها امرأة غيرى، أي شديدة الغيرة وأنها مصبية، أي لها صبيان يشغلونها عنه ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: أما الصبية فإلى الله وإلى رسوله)( ).
أي أن رزقهم على الله ، ونفقتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه وعد كريم وغاية التخفيف ، ودعوة لأم سلمة لتؤدي واجبات الزوجية .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها : وأما الغيرة فأدعو الله فيذهبها لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء باصلاح الكيفية النفسانية وما يترتب عليها في عالم الفعل ورجاء استجابة الله عز وجل له .
وفي حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلق حفصة ثم راجعها ، وفي سند الحديث ضعف بسويد بن معين ولكنه حديث مشهور ، والشهرة جابرة لضعف السند ، بالإضافة إلى روايته بطرق متعددة ، وذكر أنه كان إيلاءً ، والمشهور أنه طلاق.
و(عن ابن سيرين في قوله [لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا] ( ) قال : في حفصة بنت عمر طلقها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ] إلى قوله [يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا] ( ) قال : فراجعها)( ).
سبع خصائص حميدة في آية واحدة
لقد أثنى الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تضمن هذه الآية سبع خصال حميدة من صفاته بشهادة من الله عز وجل على فضله تعالى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي :
الأولى : محمد رسول الله .
الثانية : [مِنْ أَنْفُسِكُمْ]من قبائلكم تعرفون نسبه وصدقه وأمانته ، ويتكلم بلغتكم ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
الثالثة : صفة عزيز للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : يشق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يضر المسلمين في دنياهم أو دينهم ، لتدل الآية في مفهومها على اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصرف الأذى والضرر عن المسلمين .
الخامسة : سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لسلامة المسلمين ، وتوبة وإيمان الكفار لقوله تعالى [حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ] وعن (سعد بن أبي وقاص قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له : إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا .
قال : ولم سألتم هذا؟
قالوا : نطلب الأمن ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ…الآية ))( ).
السادسة : رأفة وعطف وإحسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين .
السابعة : رحمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين المؤمنات ، وعن الإمام علي عليه السلام (ومحمد صلى الله عليه وآله صبر في ذات الله وأعذر قومه إذ كُذِب وشُرد وحصب بالحصى، وعلاه أبو لهب بسلا شاة ، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال أن شق الجبال، وانته إلى أمر محمد صلى الله عليه وآله، فأتاه فقال له: إني قد امرت لك بالطاعة فإن أمرت أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها.
قال صلى الله عليه وآله: إنما بعثت رحمة رب اهد امتي فإنهم لا يعلمون)( ).
ولقد تفضل الله عز وجل وخصّ النبي محمداً من بين الأنبياء والناس جميعاً وذكر اسمين من أسمائه تعالى له وهما [رَءُوفٌ رَحِيمٌ].
نعم قيدت الآية رأفة ورحمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين لبيان أن الرحمة المطلقة بالناس خاصة بالله عز وجل ، ولا يقدر عليها غيره سبحانه.
ولبيان حاجة النبي محمد لرحمة الله ، ومن رحمته تعالى بالنبي محمد أن جعله رؤوفاً ورحيماً ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، قال تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أفراد رأفته ورحمته بالمؤمنين بالوحي والأمر من الله عز وجل في كل مرة منها لتكون تثبيتاً لهم في مقامات الإيمان ، وترغيباً للناس بالإسلام ، ودعوة للمنافقين للتوبة والإنابة ، لبيان وجوه :
الأول : قانون معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هداية وصلاح .
الثاني : قانون إنفراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنيل مراتب من الوحي لم ينلها قبله أحد من الأنبياء .
الثالث : اشتراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتراحم بين الناس ، واختصاصه بالرحمة للمؤنين بالوحي من الله .
الرابع : قانون الرأفة والرحمة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي أعظم بمراتب من الرحمة فيما بين الناس .
الخامس : دعوة العلماء لإحصاء موارد رأفة ورحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين ، والتدبر في منافعها .
و(عن عثمان ابن أبي العاص قال : قال رسول الله : في الأرض أمانان : أنا امان ، والاستغفار أمان ، وأنا مذهوب بي ويبقى أمان الاستغفار ، فعليكم بالاستغفار عند كل حدث وذنب)( ).
وعن الإمام الباقر عن الإمام علي عليه السلام (قال: كان في الارض أمانان من عذاب الله سبحانه، وقد رفع أحدهما، فدونكم الآخر فتمسكوا به، أما الامان الذي رفع فهو رسول الله صلى الله عليه اله وأما الامان الباقي فالاستغفار، قال الله عز من قائل وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ))( ).
أمهات المؤمنين وحجة الوداع
لقد حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع في السنة العاشرة ومعه أزواجه كلهن ، وفيه مسائل :
الأولى : قانون إكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه.
الثانية : قانون أولوية أداء المناسك .
الثالثة : تجلي مصاديق صفة أمهات المؤمنين باكرام المسلمين لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : الشكر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه بمصداق لقوله تعالى ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب.
الخامسة : قانون الحج زيادة في الإيمان .
السادسة : قانون الحج مادة وسبب للزواج وتعاهده .
السابعة : قرب مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، ليكون توديع نسائه عند البيت الحرام .
الثامنة : قانون تنمية ملكة الإيمان عند الأهل بأدائهم حج بيت الله الحرام .
التاسعة : أداء أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الإسلام ، والحج المستحب .
العاشرة : بيان مصداق عملي بأن أمهات المؤمنين بين ظهرانيهم في الطريق إلى مكة ، وفي أداء المناسك والعودة إلى المدينة.
الحادية عشرة : صيرورة أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني المؤمنين وفي منسك عام وتحقق مصداق عملي عام لقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، فحجة الوداع أكبر اجتماع اسلامي جمع المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه .
الثانية عشرة : التخفيف عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة عشرة : الحج زيادة في الإيمان ، وأداء للمناسك بقصد القربة إلى الله ، ولباس التقوى ، قال تعالى وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ.
الرابعة عشرة : لما قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع لتأخذوا عني مناسككم صارت أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهداً ومصدراً للحديث عن كيفية مناسك الحج ، وروايتها للتابعين والتابعات لهن ، مع كثرة المسلمين في حجة الوداع ، وعلى قول أنهم مائة الف ، أو سبعون ألفاً ، وكثرة الأصحاب هذه من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة عشرة : ترغيب المسلمين باعانة نسائهم في أداء حج البيت الحرام فريضة أو ندباً ، خاصة مع وجوبه على كل مكلف ومكلفة مع الإستطاعة ، قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا لبيان أنه من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعليم إرشاد المسلمين إلى الأحكام التكليفية بالقول والفعل .
السادسة عشرة: دعوة المسلمين إلى العناية بأداء فريضة الحج وتهيئة مقدماتها ، وإن لم تجب مقدمة الواجب .
السابعة عشرة : الأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه بأن يقرن في بيوتهن ، بعد حجة الوداع.
و(من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجته : هَذِه ثُمَّ ظُهُورَ الحُصْر ، يعني : ثم الزَمْنَ ظُهور الحصر، ولا تخرجن من البيوت)( ).
و(عن محمد بن سيرين قال : نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما لك لا تَحُجِّين ، ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك.
فقالت : قد حججت ، واعتمرت ، وأمرني الله أن أقر في بيتي ، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت .
قال : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن مسروق قال : كانت عائشة إذا قرأت وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بكت حتى تبل خمارها)( ).
ولعله لذهابها الى البصرة وحضورها معركة الجمل وما فيها من سفك للدماء .
و(عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لنسائه عام حجة الوداع هذه ، ثم ظهور الحصر قال : فكان كلهن يحجن إلا زينب بنت جحش ، وسودة بنت زمعة ، وكانتا تقولان : والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
والحصر جمع حصير ، وهو ما يفرش في البيت .
والمراد من ظهور الحصر كناية عن لزوم القرار في البيوت ، وعدم مغادرتها ولو لحج أو عمرة .
وفيه توكيد لأمومتهن والهالة من الإكرام والتقدير التي تخاطب بها أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحج والأماكن العامة .
مواساة الأرامل
لقد أكرم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأرامل مطلقاً وأحسن إليهن ، ورغّب المسلمين في الزواج منهن ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعله المسلمين في كل زمان يتخذون هذا الترغيب باعثاً ومادة للزواج من الأرامل ، ورجاء الأجر والثواب .
وأحسن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أرامل الشهداء من المسلمين إذ (أصر المشركون على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، كما في معركة بدر، وسقوط أربعة عشر شهيداً ، وكما في غزوهم المدينة في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وصيرورتهم على مشارفها ووقوع معركة أحد عندئذ ، وسقوط سبعين شهيداً ليزداد عدد الأرامل خاصة وأن من الصحابة من كان عنده أكثر من زوجة).
وكانت مؤاساة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورعايته للأرامل على شعب :
الأولى : العناية والرأفة والعطف على كل أرملة .
الثانية : الزواج عدد من الأرامل .
الثالثة : ترغيب الصحابة وعامة المسلمين بالزواج من الأرامل والسعي عليهن ، وهو من التكافل الإجتماعي .
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ والمِسْكِينَ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيْلِ اللهِ وأحسبه قال وَكَالقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ مِنْ صَلاَةٍ وَكَالصَّائم لاَ يُفْطِرُ)( ).
ومجموع اللاتي تزوجهن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إحدى عشرة امرأة ، والأرامل منهم هن :
الأولى : خديجة بنت خويلد ، الزوجة الأولى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأم أولاده عدا إبراهيم الذي أمه ماريا القبطية إذ كانت خديجة زوجة لأبي هالة النباش بن زرارة ، حليف بني عبد الدار ، وولدت له هند وهالة ثم هلك عنها ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : سودة بنت زمعة ، وهي ثاني زوجة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها في مكة قبل الهجرة ، وهي أرملة ابن عمها السكران بن عمرو الذي هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ومات فيها .
وقد تقدم ذكر رؤيا السكران بقرب أجله .
الثالثة : حفصة بنت عمر ، إذ مات زوجها خنيس بن حذافة متأثراً بجراحه في معركة بدر .
الرابعة : زينب بنت خزيمة ، إذ استشهد زوجها عبد الله بن جحش يوم معركة أحد ، فتزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة ، وتوفيت في حياته .
وقيل أن زوجها الثاني هو عبيدة بن الحارث بن المطلب الذي جرح في معركة بدر في المنازلة الأولى في معركة بدر التي نزل فيها قوله تعالى هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ومات في موضع اسمه الصفراء في طريق العودة إلى المدينة .
الخامسة : أم سلمة هند بنت أبي أمية استشهد زوجها عبد الله بن عبد الأسل في أعقاب معركة أحد التي جرح فيها ، ثم انتفض عليه جرحه ، ولما خرجت من العدة تزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأكرمها وأعتنى بأولادها .
وأم سلمة من أكثر أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رواية للحديث عنه .
السادسة : أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان والتي هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الذي تنصر هناك وأكب على الخمر حتى مات.
السابعة : صفية بنت حيي بن أخطب وكانت تحت كنانة بن الربيع الذي قتل في خيبر .
أزواج النبي والأحاديث
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأسرار زواجه لأكثر من أربع نسوة تصديق أزواجه برسالته ، وروايتهن الأحاديث النبوية للصحابة والتابعين من الرجال والنساء خاصة في موسم الحج عند قدوم آلاف المسلمين من مختلف الأمصار إلى المدينة ومكة ، ومنهم طلاب الحديث بعد أن أمد الله عز وجل في أعمارهن .
ولينقلن صفحات مشرقة من سنته الفعلية ، وحياته اليومية ، وحسن عشرته ، وأحواله المعاشية ، وزهده ، وصبره ، وكيف أنه إمام المتقين ، وهل قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، دعوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للعناية بأزواجه وإكرامهن ، الجواب نعم .
وبلحاظ كثرة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون الترتيب كالاّتي :
الأولى : عائشة بنت أبي بكر ، وقد روت الفين ومائتين وعشرة أحاديث ، وهي من أصحاب المئين ، أي أنها روت مئات الأحاديث .
الثانية : أم سلمة هند بن أبي أمية المخزومي ، روت ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثاَ ، وأكثر روايتها في الأحكام ، وهي من أصحاب المئين .
الثالثة : ميمونة بنت الحارث الهلالية ، والتي تزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة القضاء في السنة السابعة للهجرة وهي آخر امرأة تزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وروت ستة وسبعين حديثاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان عبد الله بن عباس يدخل عليها ويسألها لأنها من محارمه فهي خالته ، وخالة خالد بن الوليد .
الرابعة : أم حبيبة بنت أبي سفيان ، روت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وستين حديثاً ، منها حديث حرمة نكاح الربيبة المشهور ، و(روى الزهري عن عروة : أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت : يا رسول الله انكح أختي قالت : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أو تحبين ذلك؟
قلت : نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ ذلك لا يحلّ لي.
فقلت : والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال : بنت أم سلمة؟
فقلت : نعم،
قال : والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن )( ).
الخامسة : حفصة بنت عمر ، وقد روت ستين حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
السادسة : زينب بنت جحش ، وقد روت أحد عشر حديثاً وهي ابنه عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاشت مع النبي خمس سنوات ، وعشرة بعده .
السابعة : صفية بنت حيي بن أخطب ، روت عشرة أحاديث ، منها حديث الإعتكاف ، قالت (قالت كان رسول الله معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد.
فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي أسرعا فقال النبي على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا أو قال شيئا)( ).
الثامنة : جويرية بنت الحارث ، روت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة أحاديث منها في الصوم المندوب (قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا صائمة يوم الجمعة قال أصمت أمس قلت لا قال أتصومين غدا قلت لا قال فافطري)( ).
التاسعة : سودة بنت زمعة ، ولها خمس أحاديث ، ومنها (عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ قَالَتْ
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحُجَّ قَالَ أَرَأَيْتَكَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ قُبِلَ مِنْكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاللَّهُ أَرْحَمُ حُجَّ عَنْ أَبِيكَ)( ) .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : رواية أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سنته .
الثاني : دلالة رواية أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إيمانهن برسالته .
الثالث : إقبال التابعين رجالا ونساء على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته لسماع الحديث منهن ، وكتابته وتدوينه .
والتفاخر بأنهم أخذوا الحديث من أمهات المؤمنين ومن غير واسطة.
الرابع : نقل أزواج النبي سيرته وأحواله داخل البيت والسكن .
الخامس : سماع أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه مباشرة من غير واسطة ، ومن الآيات قيامهن بسؤاله عن آيات القرآن والأحكام وإجابته على أسئلتهن وأسئلة غيرهن من نساء الأنصار ، وتوثيقهن لهذه الأسئلة .
السادس : قد غادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تسع زوجات وبقين بعدة سنوات استمع وأنصت لهن المسلمون في روايتهن عنه .
ليكون سماع أزواج النبي وأهل البيت وعامة الصحابة مئات الأسئلة الموجهة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوابه عليها وثائق في السنة النبوية القولية والفعلية .
ومنها ورود كلمة (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن والتي وردت مع بيان أجوبتها من عند الله عز وجل باستثناء واحدة في السؤال عن الساعة في قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا *إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا.
وقد جاء الجواب عنها وعلى نحو متعدد في آية قرآنية أخرى في قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وهو من إعجاز القرآن خاصة وأنه ذات ماهية السؤال قد تكرر في الآيتين قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا].
حرمة نكاح أزواج النبي (ص)
وأزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أقسام بلحاظ حرمة الزواج منهن :
الأول : اللاتي توفى عنهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعددهن تسعة .
الثاني : التي طلقها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يدخل بها وذكرت ثلاثة وهن :
الأولى : ابنة الجون وهي أسماء بنت النعمان الكندية ، إذ ورد عن عائشة (أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها : لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك)( )، وتزوجها فيما بعد الأشعث بن قيس ، وقيل عكرمة بن أبي جهل ، وقيل أن عمر بن الخطاب همّ برجمها فقالت لم وما ضرب عليّ النبي حجاباً ولا دُعيت أم المؤمنين فتركها .
الثانية : فاطمة بنت الضحاك الغفارية (وخيرها حين نزلت آية التخيير فاختارت الدنيا فطلقها ثم كانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول أنا الشقية اخترت الدنيا)( ).
الثالثة : أميمة بنت شراحيل ، إذ ورد (عن عباس ابن سهل بن سعد، عن أبيه وأبى أسيد، قالا : تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين)( ).
وقيل تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم (شارف أخت دحية الكلبي، وخولة بنت الهذيل وقيل بنت حكيم وهي التي وهبت نفسها له وقيل تلك أم شريك)( ).
ولم يثبت زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهما .
الثالث : التي دخل بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم طلقها في حياته .
تيسير الزواج
قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تيسير الزواج والتخفيف في مقدار المهر وشرائط الزواج .
وعن (أسماء بنت عميس قالت : لما أهديت فاطمة إلى علي بن أبي طالب لم نجد في بيته إلا رملا مبسوطا ووسادة حشوها وجرة وكوز فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي : لاتحدثن حديثا أو قال لا تقربن أهلك حتى آتيك .
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أثم أخي ؟ فقالت أم أيمن وهي أم أسامة بن زيد وكانت حبشية وكانت امرأة صالحة : يا رسول الله هذا أخوك وزوجته ابنتك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم آخا بين أصحابه وآخا بين علي ونفسه قال : أن ذلك يكون يا أم أيمن قالت : فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء فيه ماء فقال فيه ما شاء الله أن يقول ثم مسح به صدر علي ووجهه.
ثم دعا فاطمة فقامت إليه تعثر في مرطها من الحياء فنضح عليها من ذلك.
وقال لها ما شاء الله أن يقول ثم قال لها : إني لم آلك أن أنكحتك أحب أهلي إلي ثم رأى سوادا من وراء الستر أو من وراء الباب.
فقال : من هذا ، قالت : أسماء قال : أسماء بن عميس ؟ قالت : نعم يا رسول الله قال : جئت كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابنته.
قالت : نعم إن الفتاة ليلة يبنى بها لابد لها من امرأة تكون قريبا منها إن عرضت لها حاجة أفضت بذلك إليها.
قالت : فدعا لي بدعاء فإنه لأوثق عملي عندي ثم قال لعلي : دونك أهلك ثم خرج فولى قالت : فما زال يدعو لهما حتى توارى في حجره)( ).
كان مقدار مهر أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة درهم ،وكذا مهر الزهراء عليها السلام.
وفي رسالتي العملية (الحجة) والمسجلة بدار الكتب والوثائق في وزارة الأعلام برقم 345 لسنة 2001 في باب الزكاة (ويكون وزن الدرهم 2,52 غرام تقريباً ، وقد تختلف الدراهم في وزنها , وكانت الدراهم في بداية الإسلام طبرية، وبغلية وهي السود، فجعلا درهماً واحداً).
فيكون مهر كل زوجة من أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة درهم فضة وهو ما يعادل ثلاثة ملايين دينار عراقي أي نحو (2300) دولار في هذا الأيام، وليس من مهر مؤجل .
لتخلد كل واحدة منهن بقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، وتخلد الزهراء بنيل مرتبة سيدة النساء وأم الحسنين عليهما السلام .
ظهور الحصر
لقد أمسك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سودة بنت زمعة حتى توفى عن أزواجه.
توفيت سودة آخر زمان عمر بن الخطاب( ).
وفي حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه ،( عن أبى واقد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لازواجه في حجة الوداع هذه ثم ظهور الحصر)( ).
وكن يحججن كلهن إلا سودة وزينب قالتا لا تحركنا والله دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال قالت سودة حججت واعتمرت فأنا أقعد في بيتي كما أمرني الله ، وكانت قد أخذت بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (هذه الحجة ثم ظهور الحصر) فلم تحج حتى توفيت)( ).
وروي الحديث أيضاً عن ابن أبي واقد الليثي عن أبيه وهو صحابي قال (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأزواجه في حجة الوداع هذه ثم ظهور الحصر( ))( )، وكذا ورد الحديث عن أم سلمة.
وظهور الحصر ، جمع ظهر الحصير والحصير هو الذي يبسط في البيوت كناية أي إلزمن بيوتكن ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ.
ومنع عمر بن الخطاب أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحج.
ثم أذن لهن في آخر سنواته إذ خاف من منعهن فحجت جميع زوجات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء سودة بنت زمعة التي آثرت لزوم بيتها .
وعلة المنع أن في الحج مشقة وتعباً ، واختلاطاً مع مزاحمة مع الرجال ، وقد أَدَين الحج الواجب.
وتوفيت اثنتان من أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياته هما :
الأولى : خديجة بنت خويلد.
الثانية : زينب بنت خزيمة.
وانتقل هو إلى الرفيق الأعلى عن تسع نسوة.
تحريم أزواج النبي على غيره
تحرم زوجات النبي محمد صلى الله عليه وآله على غيره، فإذا مات عن زوجة دخل بها فلا تحل لغيره أبداً ، وعليه الكتاب والسنة والإجماع ، قال تعالى وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا.
وتشمل الآية الزوجة التي تزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يدخل بها لأصالة الإطلاق ، وظاهر الآية الكريمة ، وقيل تختص الحرمة بالتي دخل بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما روي عن الأشعث بن قيس .
وقال بعض الفقهاء لا يجب على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القسمة بين أزواجه لقوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ… وتبين الآية السعة والمندوحة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تقريب التي يشاء من أزواجه .
وعن مجاهد (قال : كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تسع نسوة فخشينا أن يطلقهن فقلن : يا رسول الله اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت ، ولا تطلقنا فأنزل الله { ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء }( ) إلى آخر الآية . قال : وكان المؤويات خمسة : عائشة . وحفصة . وأم سلمة . وزينب . وأم حبيبة . والمرجآت أربعة : جويرية . وميمونة . وسودة . وصفية)( ) .
وعن ( ابن عباس في قوله { ترجي من تشاء منهن } قال : أمهات المؤمنين { وتؤوي } يعني نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويعني بالارجاء يقول : من شئت خليت سبيله منهن ، ويعني بالايواء يقول : من أحببت أمسكت منهن . وقوله { ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن }( ).
يعني بذلك النساء اللاتي أحلهن الله له من بنات العمة ، والخال ، والخالة ، وقوله {اللاتي هاجرن معك } يقول : إن مات من نسائك التي عندك أحد ، أو خليت سبيلها ، فقد أحللت لك مكان من مات من نسائك اللاتي كن عندك ، أو خليت سبيلها ، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتي أحللت لك ، ولا يصلح لك أن تزاد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئاً)( ).
ولا تدل الآية على تعطيل القسمة في الليالي بين الزوجات ، لذا ورد عن عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية { ترجي من تشاء منهن } فقلت لها : ما كنت تقولين؟ قالت : كنت أقول له : إن ذاك إلي فإني لا أريد أن أوثر عليك أحداً .)( ) والإستئذان في الرواية أعم من أن يكون للمبيت مع امرأة أخرى من أزواجه.
وذكر أن قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا نسخ تحريم الزواج اللاحق على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لأن التحريم كان في حال ضيق المعاش والمكنة فمع زوالها زال السبب الموجب للتحريم ، ونقل عن عائشة أنها قالت (ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ له النساء ، يعني اللاتي حظرن عليه)( ).
ونذكر هنا مسألة مستحدثة وهي هل يمكن الإستدلال بقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ على تحريم زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير نسائه بعد نزول هذه الآية من جهتين:
الأولى : إرادة الرجال والنساء في قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وأن أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين والمؤمنات ، وهو الذي قالت به أم سلمة .
الثانية : صيرورة أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنات فلا يتزوج النبي منهن ، ولا من غيرهن ، الجواب لا دليل عليه.
إكرام المسلمين لأزواج النبي (ص) بعد وفاته
لقد أسنت سودة بنت زمعة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل همّ بطلاقها ، فقالت : لا تطلقني ، وجعلت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حل من شأنها لا تكون لها ليلة في القسمة بين أزواجه ، وقالت (إنما أود أن أحشر في زمرة أزواجك)( ).
وكان قولاً حكيماً منها ،ويدل على تصديقها لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو أمر ذو أهمية لأنها تعاشره ومعه في البيت ، وقد فازت ببقائها في ذمة وكنف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفوز بمرتبة أم المؤمنين لقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ….
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوز أزواجه باكرام المسلمين والمسلمات لهن أيام حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى .
وعن ( أم معبد بنت خالد بن خليف قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجا بنساء رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فرأيت على هوادجهن الطيالسة( ) الخضر.
وهن حجرة من الناس يسير أمامهن بن عفان على راحلته يصيح إذا دنا منهن أحد: إليك إليك، وابن عوف من ورائهن يفعل مثل ذلك، فنزلن بقديد قريبا من منزلي اعتزلن الناس وقد ستروا عليهن الشجر من كل ناحية، فدخلت عليهن وهن ثمان جميعا. فلما رأيتهن نشجت فقلن: ما يبكيك.
فقلت: ذكرت رسول الله. فبكين.
وقلت: هذا منزله علي، فعرفني ورحبن بي وأجزرتهن جزورا ولبنا فقبضن ذلك كله مني.
فوصلتني كل امرأة بصلة وقلن لي: إذا قدمنا إن شاء الله وأخرج أمير المؤمنين العطاء فاقدمي علينا. قالت فقدمت عليهن فأعطتني كل امرأة منهن خمسين ديناراً)( ).
وعن عائشة قالت (لما كان عمر منعنا الحج والعمرة إذا كان آخر عام فأذن لنا فحججنا معه، فلما توفي عمر وولي عثمان اجتمعت أنا وأم سلمة وميمونة وأم حبيبة فأرسلنا إليه نستأذنه في الحج.
فقال : قد كان عمر بن الخطاب فعل ما رأيتن وأنا أحج بكن كما فعل عمر فمن أراد منكن تحج فأنا أحج بها. فحج بنا عثمان جميعا إلا امرأتين منا، زينب توفيت في خلافة عمر ولم يحج بها عمر، وسودة بنت زمعة لم تخرج من بيتها بعد النبي، صلى الله عليه وآله وسلم. وكنا نستر)( ).
عربية القرآن
من خصائص نزول القرآن أمور :
الأول : نزول آيات وسور القرآن على نحو التوالي والتتابع في مدة ثلاث وعشرين سنة من حين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمره أربعون سنة إلى وفاته وعمره ثلاث وستون سنة .
الثاني : نزول القرآن في شهر رمضان ، قال تعالى شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ولم يذكر اسم شهر في القرآن إلا شهر رمضان ، وموضوع ذكره هو نزول القرآن لبيان نعمة عظمى وهي تثبيت أسماء وأوان شهور السنة وفق ضابطة كلية وهي نزول القرآن ، ثم تخصيص الآية التي نزل فيها القرآن وهي ليلة القدر ، قال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
والزمان ملك لله عز وجل ، ومن ملكيته له تسمية الله عز وجل أسماء بعض الشهور والليالي والأيام ، فهذه التسمية تثبيت لأسماء الأيام والشهور إلى يوم القيامة.
الثالث : قانون العربية لغة القرآن ، وقد وردت كلمة (عربي) بصيغة الرفع والنصب اثنتي عشرة مرة ، كلها بخصوص القرآن ، قال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
معاني كلمة عربي
ومن معاني كلمة عربي وجوه :
الأول : الإبانة والوضوح .
الثاني : اللسان عربي ، قال تعالى وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.
ومن المجاز عربي محض (وعربي قُحٌّ وكحّ : خالص ، وعَرِبيّة قُحَّة وكُحَّة)( ).
و(رُوي عن ابن عباس : أول من تكلم بالعربية المحضة إسماعيل، وأَرادَ به عربيةَ قريش التي نزل بها القرآن، وأما عربية قَحْطان وحِمْير فكانت قبلَ إسماعيل عليه السلام)( ).
و(عن ابن عباس، أن آدم عليه السلام كان لغتُه في الجنّة العربيةَ، فلما عَصَى سلَبه اللّهُ العربية فتكلّم بالسريانية، فلما تاب ردَّ اللّه عليه العربية)( ).
وقيل أن بنو قحطان عتلوا اللسان العربي من بني إسماعيل حينما نزلو اليمن)( ).
والعربية لغة القرآن ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لبيان أن التنزيل حجة على الناس يتصف بالوضوح والبيان ومعرفة الناس بمضامينه .
وقد اثنى الله عز وجل على القرآن بأنه عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، أي واضح خال من اللبس أو الإجمال والترديد ، قال تعالى الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، ولم يصف الله عز وجل القرآن بأنه عربي محض .
و(عن قتادة عن كعب قال قال موسى حين ناجاه ربه أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك قال الله يا موسى أنا جليس من ذكرني ثم قال يا موسى أتريد أن أقرب مني مجلسك يوم القيامة فلا تنهر السائل ولا تقهر اليتيم وجالس الضعفاء وارحم المساكين وأحب الفقراء ولا تفرح بكثرة المال فإن كثرة المال تفسد القلب وتقسيه يا موسى اسمع وانصت واحفظ وأمر بني إسرائيل أن يتبعوا راكب الحمار ابن العذراء البتول يبعث من جبل صهيون يصنع بالآيات والعجائب ويحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئة الطير بإذني يبشر بالنبي العربي الأمي من ولد قيدار بن إسماعيل يبعث من بين جبلي قدس صاحب الجمل صاحب الهراوة وهي العصا والتاج وهي العمامة والنعلين يبعث في آخر الزمان على فترة من الرسل اسمه محمد في القرآن وفي الإنجيل أحمد وفي التوراة أحيد أفتح به وأختم لم تلد النساء مثله قبله ولا بعده الأكحل العينين الصلت الجبين المقرون الحاجبين البادي العنفقة الرجل الشعر الشثن البنان الحسن الثغر المفلج الثنايا الكث اللحية النكاح للنساء ذو النسل القليل نسله من صديقة لها في الجنة قصر من ذهب ليس فيه صدع ولا وصل ولا نصب ولا صخب له منها ابنة لها فرخان يستشهدان…الحديث)( ).
وجاء لفظ الأعراب ، وهم سكان البادية من العرب .
والنسبة بين البدو وبينهم العموم والخصوص المطلق ، فالذي يسكنون البادية ويتنقلون في الأرض طلباً للمرعى يسمون البدو ، في مقابل سكان الحاضرة في القرى والأمصار ، أما الأعراب فهم البدو من العرب فكل أعرابي هو بدوي وليس العكس .
وتضمن القرآن ذماً للأعراب ، مع استثناء طائفة منهم مدحهم القرآن ، أما الذم ففي قوله تعالى الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
وأما المدح فقوله تعالى وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
لبيان تترتب المدح أو الذم على الإيمان أو عدمه ، وليس على العرق أو النسب.
حفظ العربية
حفظ لغة النبي محمد من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول الوحي والقرآن بلغته وفيه إكرامه وجوه :
الأول : نزول القرآن بلغة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولغة قومه وهي العربية .
الثاني : قانون العربية لغة أهل الجنة .
الثالث : حفظ اللغة بين الناس إلى يوم القيامة .
فلولا نزول القرآن بالعربية لم تحفظ هذه اللغة خاصة وأن العرب كانوا أيام التنزيل بين دولتين كل واحدة منها دولة عظيمة تميل إلى أكل أرض الغير والإستيلاء عليها ، وتغيير معالم السكن فيها بينهما حروب ، وهما الدولة الرمانية والدولة الفارسية ، قال تعالى غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ.
ومن إعجاز الآية أعلاه ذكر الروم لأنهم أهل كتاب واتباع عيسى ، ولم تذكر الآية دولة كسرى ، لأن الروم أهل كتاب .
وعن عبد الله بن مسعود (قال : كان فارس ظاهرين على الروم ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم .
فلما نزلت الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ قالوا : يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين . قال : صدق.
قالوا : هل لك إلى أن نقامرك؟ فبايعوه على أربعة قلائص إلى سبع سنين ، فمضى السبع سنين ولم يكن شيء .
ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين ، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما بضع سنين عندكم؟ قالوا : دون العشر . قال : اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل .
قال : فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بذلك ، وأنزل الله الم * غُلِبَتِ الرُّومُ إلى قوله وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ))( ).
وكانت اليمن تحت حكم كسرى ملك فارس ، ولم تمر الأيام والسنين حتى دخلت فارس في الإسلام ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبقيت دولة الروم التي ذكرها القرآن.
و(عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا.
قال : فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم قال : هذا وقومه ، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس)( ).
ليكون من معاني ذكر القرآن للروم دون الفرس مسائل :
الأولى : بيان المائز لأهل الكتاب .
الثانية : بشارة فتح كل بلاد فارس ، ودخولهم في الإسلام .
الثالثة : كان كفار قريش يفرحون بنصر فارس للوثنية التي تجمعهم وقريش ويرجو المسلمون نصر الروم .
الرابعة : القرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.
قيل إن هذا القرآن لو لم يكن بلسان قريش لما اجتمع له العرب البتة( )، ولا ملازمة بين تصديق العرب للقرآن ولغة قريش فمقومات وأسباب تصديقهم أعم وأوسع، ولم تنحصر بلغة القرآن بل بإعجاز القرآن، ووجوهه المختلفة، وبالآيات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وباللطف الإلهي الذي شمل كل مسلم بما فيهم غير العرب.
وهناك لهجات في القرآن غير لغة قريش كلغة بني سعد بن بكر الذين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسترضعاً فيهم، ولغات جشم بن بكر، وثقيف، وقيل إن تلك أفصح لغات العرب .
وعن الواسطي : في القرآن من أربعين لغة عربية منها قريش وهذيل وكنانة وخثعم والخزرج وأشعر ونمير وقيس عيلان وجرهم واليمن وأزد شنوءة وكندة وتميم وحمير ومدين ولخم وسعد العشيرة وحضرموت وسدوس والعمالقة وأنمار وغسان ومذحج وخزاعة وغطفان وسبأ وعمان وبنو حنيفة وثعلب وطي وعامر بن صعصعة وأوس ومزينة وثقيف وجذام وبلي وعذرة وهوازن والنمر واليمامة( ).
ويكون حفظ العربية بنزول القرآن على جهات :
الأولى: للقرآن موضوعية في حفظ اللغة العربية.
الثانية: اللغة العربية ساعدت على حفظ القرآن .
الثالثة : لكل من القرآن والعربية خصوصية في حفظ الذات.
الرابعة : أن كلاً منهما ساهم في حفظ الآخر.
الخامسة : كل من القرآن والعربية حفظ ذاته وساهم في حفظ غيره.
السادسة : ان القرآن حفظ ذاته وحفظ العربية.
والمختار هو الأخير وهو من إعجاز القرآن الذاتي والغيري، وإن كانت للعربية خصوصية وأهلية للدوام.
عدم جريان الشعر على لسان النبي (ص)
قال تعالى وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ.
(قال الخليل: الرَّجَزُ المشطور والمنهوك ليسا من الشِّعر، وقيل له: ما هُما؟ قال: أنصاف مَسجَّعةٌ، فلما ردَّ عليه قال: لأحتجَّنَّ عليهم بحجَّةٍ فإن لم يقرّوا بها عسفوا فأحتجُّ عليهم بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يجري على لسانه الشِّعرُ.
وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
سَتُبدي لكَ الأيامُ ما كنت جاهلاً … ويأتيك بالأخبارِ من لم تُزَوِّدِ
فكان يقول عليه السلام:
ستبدي لكَ الأيامُ ما كنت جاهلاً … ويأتيك من لم تُزَوِد بالأخبارِ.
فقد علمنا أنّ النِّصف الذي جرى على لسانه لا يكون شعراَ إلا بتمامِ النصف الثاني على لفظهِ وعروضه، فالرَّجَزُ المشطورُ مثل ذلك النِّصف.
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق :
هل أنتَ إلاّ إصبعً دَميتِ … وفي سبيل الله ما لَقِيتِ
فهذا على المشطورِ.
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:
أنا النَّبيُّ لا كَذِب … أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِب
فهذا من المنهوك، ولو كان شعراً ما جرى على لسانه ، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول : وما علَّمناه وما ينبغي له قال فعَجبنا من قوله حين سمعنا حجَّته)( ).
الإطلاق الزماني لمعجزات النبي محمد (ص)
قال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ.
ابتدأت هذه الآية بقوله تعالى[وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] فهل المراد هم المشركون ، الجواب نعم ، ويتضمن طلبهم ورغبتهم أمرين :
الأول : أرادوا أن يكلمهم الله من غير واسطة ملك أو نبي، ويخبرهم معاينة بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبي ورسول من عند الله تعالى.
الثاني : سؤال آية ومعجزة خاصة بهم، وهم الذين يختارونها موضوعاً وزماناً وحكماً وقد ورد في ذم الذين يستهزءون بالمسلمين، قوله تعالى أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ.
ويفيد الجمع بين الآيتين أعلاه أن سؤال المحالات من السفاهة وخفة العقل، ويحتمل سؤالهم وجوهاً:
الأول: سأل قوم منهم أن يكون كلام الله معهم.
الثاني: منهم من أراد نزول آية ومعجزة له خاصة.
الثالث: فريق منهم سألوا بلغة الترديد أما كلام الله أو آية خاصة بهم تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الآية إعجاز من جهة التباين بين زمان الأنبياء السابقين وزمان نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وبينت الآية وجه الصلة بين أهل الشك والريب وهي تشابه قلوب الذين ألحوا على الأنبياء السابقين بسؤال المحال، وبين الذين يسألون أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه جاء بالبراهين والدلالات الباهرات وإتصافها بالعناد والحسد والإستكبار عن الإقرار بالحق.
وفي الآية ذم لأهل العناد، وتحذير من التعنت والإصرار المترشح من الشك والريب، فالأصل أن الآيات التي من عند الله تتضمن التحدي والأمر الخارق.
ومن خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آيات نبوته معجزة في زمان نزول القرآن وأفراد الزمان الطولية وإلى يوم القيامة.
ومن وجوه تفضيله على الأنبياء تجدد آيات ومعجزات القرآن والشواهد على صدق نبوته، وإجتهاد المسلمين في طاعة الله، وتعاهد التنزيل، قال تعالى[عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا] ( ).
والقرآن هو الكتاب الذي يدعو الناس للإقرار بالعبودية لله، وإقامة الفرائض وعمل الصالحات، فإذا كانت الطبقة المصاحبة لأيام التنزيل تريد آيات ومعجزات خاصة بها، فإن الطبقات الأخرى تأتي إلى الدنيا والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد إنتقل إلى الرفيق الأعلى.
فجاء القرآن معجزة وآية عظمى لكل الناس على مختلف أزمانهم وأمصارهم وألسنتهم وألوانهم، وفيه زجر عن سؤال المحال، ومنه كلام الله لغير الأنبياء ، وآيات القرآن للتدبر في معجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية فإن فيها كفاية لتحصيل اليقين بصدقه في نبوته.
لقد جاء القرآن بالأمر باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته وقتال الكافرين تحت لوائه، ومن الناس من يختار العناد ولا يريد أداء الفرائض والتكاليف، ولا الخروج لميادين الجهاد فتوجه لسؤال المحال، فنزلت الآيات هذه الآية لفضحه وتوكيد حقيقة وهي أن الله عز وجل تفضل ببيان الآيات والمعجزات ، وقد آمن وصدّق بها أرباب العقول الذين انشرحت صدورهم لقبول الحق ، وكانوا مستعدين للتدبر في الآيات وإعلان التصديق بها لوجود المقتضي وفقد المانع.
وفيه توكيد لحقيقة أن الله عز وجل غني عن الذي يسأل الآيات الخاصة والأمر المحال، قال تعالىوَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
وهل عربية القرآن إكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقومه ، الجواب نعم ، وهو من خصائصه ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
الإعجاز في اجتماع الضدين
نزل القرآن بالإخبار الإلهي بان محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبي رسول، وان الله عز وجل اختاره لمقامات الرسالة ونيله مراتب القرب والمشاهدة الحضورية .
ومن اللطف الإلهي إجتماع الضدين في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الإجتماع رحمة بالناس فهو البشير الذي يبشر بالجنة والمغفرة، وهو النذير الذي ينذر الكفار والمنافقين بالعذاب الأليم، وهذا الإجتماع من خصائص الرسالة العامة للناس جميعاً، بإعتبار ان الناس يوم القيامة على قسمين، ليس من قسيم ثالث لهما، فأما في الجنة وأما في النار، وكل من البشارة والإنذار لطف مستقل، كما ان الجمع بينهما لطف إضافي بالناس لأنه حث على الإيمان ودعوة للفوز بالجنة، وزجر عن الكفر، وتحذير من العذاب يوم القيامة.
ولقد بشر الأنبياء السابقون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحينما ولدته أمه رأت نوراً أضاء له قصور الشام.
وعن العرباض بن سارية عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني عبدالله، وخاتم النبيين، وأبي منجدل في طينته، وأخبركم عن ذلك أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نوراً أضاءت لها قصور الشام ، ثم تلا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا إلى قوله {منيراً})( ).
المنجدل هو الطريح الملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه ويقال للقتيل منجدل.
فان قلت أن امتناع اجتماع الضدين محصور بما إذا كانا في محل واحد ، والبشارة غير الإنذار ، والجواب تدل البشارة على الإنذار في مفهومها ، وكذا العكس فان منطوق الإنذار يدل في مفهومه على البشارة إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.
السواك
وهو تنظيف ودلك الأسنان بغصن من أغصان شجرة برية تسمى شجرة الأراك بأمر من جبرئيل أو دلكها بغصن من شجرة الرمان ، والسواك سنة مستحبة ، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند وضوء كل صلاة)( ).
و(لولا) حرف إمتناع لوجود غيره ، قال تعالى لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ أي أن فضل الله عز وجل في علمه الأزلي حجب عنهم العذاب العظيم ، فدل الأمر في الحديث أعلاه على انتفاء الأمر النبوي بالسواك لثبوت المشقة عليهم في السواك .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : نظفوا طريق القرآن ، قيل : يا رسول الله ، وما طريق القرآن ؟ قال : أفواهكم ، قيل : بماذا قا)( ) .
وبالإسناد (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام ُأَنَّهُ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ ، وَقَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَسَوَّكَ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَامَ الْمَلَكُ خَلْفَهُ ، فَتَسَمَّعَ لِقِرَاءَتِهِ فَيَدْنُو مِنْهُ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ فَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ ، إِلاَّ صَارَ فِي جَوْفِ الْمَلَكِ ، فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلْقُرْآنِ)( ) وكثيرة هي النصوص التي تتضمن الأمر بالسواك والتي تحمل على الإستحباب .
وعن (مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ
أَنَّهُ قَالَ ثَلَاثٌ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالسِّوَاكُ وَيَمَسُّ مِنْ طِيبٍ إِنْ وَجَدَ)( ).
والحديث ضعيف سنداً للإبهام المتعدد في سنده برجل من الأنصار ، ثم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولورود أحاديث عديدة بالنص (حق على كل مسلم) تحمل على الندب والإستحباب ، منها استحباب صلاة الوتر .
(عن ابي ايوب الانصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوتر حق على كل مسلم فمن احب ان يوتر بخمس فليفعل ومن احب ان يوتر بثلاث فليفعل ومن احب ان يوتر بواحدة فليفعل)( ).
وإجماع علماء الإسلام استحباب السواك ، وذهب أبو داود الظاهري إلى وجوبه مع بطلان الصلاة بتركه ، وهو قول شاذ لا موضوعية له ، وكذا قال إسحاق بن راهويه بوجوب السواك وأن تركه عمداً مبطل للصلاة .
نعم وجوب السواك من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو سنة في حق أمته ، ومشهور علماء الإسلام ، قالوا باستحبابه على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأمة .
و(عن ام سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت على اضراسي)( ).
كما ورد ذات الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام قال ( قال النبي صلى الله عليه واله : ما زال جبرئيل يوصيني بالسواك حتى خفت أن أحفي أو أدرد)( ) .
ولا ينحصر استعمال السواك بمقدمات الصلاة وبعد الوضوء ، إذ كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يستاك كلما قام من نومه .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : نظفوا طريق القرآن ، قيل : يا رسول الله ، وما طريق القرآن ؟ قال : أفواهكم ، قيل : بماذا ؟ قال : بالسواك)( ).
وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (طيبوا أفواهكم فإن أفواهكم طريق القرآن)( ).
وهل يجزي استعمال معجون الأسنان عن السواك ، وهل فيه الأجر والثواب ، الجواب نعم مع قصد إرادة تطهير الفم قربة إلى الله سواء للصلاة أو لقراءة القرآن أو مطلقاً .
منبر الجمعة غض طري
لقد خلّد الله عز وجل صلاة الجمعة بآية واحدة بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ليتعاهد أداءها المسلمون في مشارق ومغارب الأرض كل جمعة وإلى يوم القيامة .
وسميت تمام السورة باسم سورة الجمعة ، ولم يرد لفظ (الجمعة) إلا في الآية أعلاه .
وصلاة الجمعة ركعتان عند زوال الشمس وقت صلاة الظهر ، ولها شروط وأحكام منها خطبة الجمعة وهي بدل الركعتين من صلاة الظهر ، ويرتقي فيها الإمام المنبر قبل الصلاة .
و(عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ)( ).
لبيان استحباب الغسل والتزيين لصلاة الجمعة ، وهو من مصاديق قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ولم يرد لفظ [زِينَتَكُمْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .
ويمكن تقسيم منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أقسام :
الأول : المنبر في الحضر .
الثاني : المنبر في السفر (المنبر المؤقت).
الثالث : منبر الجمعة .
الخامس : منبر الاستسقاء خارج المدينة.
وفي المقام مسائل :
الأولى : قانون البشارة والإنذار في منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : المنبر النبوي ألة الموعظة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثالثة : دراسة مقارنة بين خطبة صلاة الجمعة وصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر في غيرها , وبينهما عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء إرتقاء المنبر وذكر الله.
ومادة الإفتراق من وجوه :
الأول : وجوب خطبة الجمعة.
الثاني : يلحق إصغاء المسلمين للخطبة بذات الصلاة، لذا صارت صلاة الجمعة ركعتين بدلاً من أربع ركعات التي هي صلاة الظهر.
الثالث: يؤتى بخطبة صلاة الجمعة في وقت مخصوص عند زوال الظهر من يوم الجمعة، أما صعود المنبر فهو أعم، ويكون في أي وقت من الليل والنهار، وفي الحضر والسفر، وفيه مسائل :
الأولى : إنه مناسبة ووسيلة في تعظيم شعائر الله .
الثانية : بعث المسلمين على الجهاد والتقوى والصلاح .
الثالثة : إنذار الناس من الكفر والجحود.
وعن أنس قال (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينزل من المنبر يوم الجمعة، فيكلمه الرجل في حاجته، فيكلمه، ثم يتقدم إلى مصلاه)( ).
الرابع : خطبة صلاة الجمعة في وقت مخصوص عند الزوال من ظهر يوم الجمعة ، وهي جزء من العبادة .
قانون المنبر النبوي نعمة عظمى
بعد أن كانت قريش تضيق على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه في مكة ، وتؤذيه حتى وهو يؤدي الصلاة في المسجد الحرام ، صار يصعد المنبر في المسجد النبوي ويصغي له الناس بصفة الرسالة بأمن وعز وسلام مما أغاظ قريشاً ولعله من أسباب تجهيزهم الجيوش في معركة بدر وأحد والخندق لقتاله ، ومن منافع المنبر وجوه :
الأول : تنمية ملكة الفقاهة عند المسلمين ، ومعرفة آيات السجدة ، وعن أبي سعيد الخدري قال (قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر “ص” فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه.
فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تَشَزّن الناس للسجود.
فقال : إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تَشَزّنْتُم ، فنزل وسجد وسجدوا)( ).
الثاني : قانون المنبر واقية ودفاع وإصلاح .
الثالث : المنبر وتقسيم الهبات .
الرابع : قانون المنبر أمن وأمان.
الخامس : المنبر وعلم الغيب.
السادس : قانون موضوعية المنبر في الإمامة، وعدم صعود غير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر في المسجد النبوي في حياته.
السابع : قانون المنبر النبوي حجة.
الثامن : قانون حرب المنبر النبوي على الشرك.
التاسع : أهل البيت في رحاب المنبر النبوي ، عن بريدة قال (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام عليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشق وواحداً من ذا الشق.
ثم صعد المنبر فقال : صدق الله ، قال { إنما أموالكم وأولادكم فتنة}( ) إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما) ( ).
العاشر : ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للجنة والنار وهو على المنبر .
الحادي عشر : المنبر والصلاة.
الثاني عشر : فلسفة المنبر، ودلائل الإعجاز فيه.
الثالث عشر : المنبر والزكاة والخمس.
الرابع عشر : المنبر والحج فريضة وندباً، قال تعالىوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.
الخامس عشر: موضوعية المنبر النبوي في السنة النبوية.
السادس عشر: أثر المنبر في إسلام فريق من الناس.
السابع عشر : شكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله وهو على المنبر.
الثامن عشر : معاني العبودية لله التي يظهرها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو وعلى المنبر.
التاسع عشر : بكاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر.
العشرون : المنبر وعلوم القرآن.
الحادي والعشرون : المنبر وإصلاح المسلمين لمراتب التقوى.
الثاني والعشرون : المنبر والفقاهة في الدين .
الثالث والعشرون : تأريخ المنبر ، عن سعد بن إبراهيم عن أبيه وهو إبراهيم بن الصحابي عبد الرحمن بن عوف الزهري ( قال : أول من خطب على المنبر إبراهيم عليه السلام حين أسر لوط واستأسرته الروم ، فغزا إبراهيم حتى استنقذه من الروم)( ).
ولم يثبت هذا الغزو ، وراوي الحديث تابعي ، ولم يرفعه.
الرابع والعشرون : قصص الأنبياء التي ذكرها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر.
الخامس والعشرون : آداب ومستحبات المنبر.
السادس والعشرون : مدرسة المنبر في الإحتجاج وذم المنافقين.
السابع والعشرون : صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر خارج المدينة، ويمكن تسميته (المنبر المؤقت).
الثامن والعشرون : المنبر والملائكة وذكر النبي لها.
التاسع والعشرون : قراءة قرآنية في المنبر النبوي، فأول آية نزلت من القرآن هياقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، وإرتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر من المصاديق العملية لإمتثاله لمضامين الآية أعلاه.
وأول آية في ترتيب القرآن بعد البسملة هيالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر مناسبة لشكر الله والثناء عليه وتأديب للمسلمين بلزوم شكر الله تعالى.
الثلاثون : منبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية حسية في حياته وبعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى، لما فيه من الدلالات ومعاني البركة ووحدة المسلمين.
الحادي والثلاثون : عناية المسلمين بالخطب والكلام الذي كان يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، والأخبار التي تتعلق بالمنبر وتناقلهم وتوثيقهم لها.
الثاني والثلاثون : المنبر النبوي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث والثلاثون: المنبر النبوي والصيام.
الرابع والثلاثون : مصاديق قوله تعالى[وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ) عند صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر، ومنها:
الأول: ليس من منع على دخول السلاح المسجد النبوي.
الثاني: إنعدام الفحص والتفتيش ونحوه في باب المسجد.
الثالث: عدم وجود الحرس قرب المنبر ساعة صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه ، وإن كان الحال لا ينفي الحيطة والحذر عند المسلمين، وحرصهم على الحفاظ على رسول الله عليه وآله وسلم والذب عنه.
الرابع: إمكان وصول أي شخص للجلوس بقرب المنبر، وعدم حجز الأماكن القريبة لكبار الصحابة ، نعم هناك عدد قليل من الصحابة يكونون قريباً من المنبر طواعية لمنع التعدي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس والثلاثون : المنبر مقدمة ودعوة الإنتفاع الأمثل من المنابر الإعلامية في هذا الزمان الصوتية والمرئية والمكتوبة.
السادس والثلاثون : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السلم ودفعه لمقدمات الفتن وهو على المنبر .
والنبي القائد في ميدان المعركة والذي يبعث سرايا الإستطلاع والدفاع ، ويقوم بتقسيم الغنائم وأموال الزكاة، وكل هذا من الوحي الــذي تفضل الله عز وجل به لتكون سنته ضياء ينير دروب الهداية للمسلمين ، قال تعالىلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
والمنبر النبوي من الشواهد على تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخلافة في الأرض من قوله تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توبة وهداية كثير من الناس بأنصاتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر ، وكذا من الأجيال اللاحقة لتوثيق السنة النبوية ، وإمكان إطلاع الناس على اختلاف مشاربهم على منهاج وهدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
ومن الآيات أنه (في سنة خمسين : حج معاوية وأمر بحمل المنبر من المدينة إلى الشام، فكسفت الشمس، ورئيت الكواكب، فجزع لذلك وأعظمه ورده إلى موضعه، وزاد فيه ست مراقٍ)( ).
إفشاء السلام
قال تعالى وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا.
معنى التحية هو الدعاء بالحياة ، ويقال حياك الله أي أبقاك وأدامك.
وجاءت الآية بصيغة العموم والإطلاق من جهات :
الأولى : توجه الخطاب فيها إلى أجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة.
الثانية : وجوب رد التحية ، وهو وجوب كفائي إذا رده أحدهم أجزى وكفى عن الآخرين ، وإن امتنعوا عن الرد أثموا .
الثالثة : حصر الرد بين أمرين أما بمثل التحية أو أحسن منها ، كما لو قال السلام عليكم ، وأجيب : عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
الرابعة : لا ينحصر موضوع التحية بالقول ، فيجوز بالإشارة وضرب اليد والمصافحة وبالرأس حسب العرف .
الخامسة : الأجر والثواب بافشاء السلام ، ورد التحية مطلقاً.
والنسبة بين التحية والسلام هي العموم والخصوص المطلق ، فكل سلام هو تحية وليس العكس.
ومن أسماء الله السلام ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، من وجوه :
الأول : مبادرته بالسلام .
الثاني : حسن رده للتحية والسلام .
الثالث : حضّ المسلمين على افشاء السلام.
الرابع : بيان قانون السلام من الأخلاق الكريمة والصلات الحميدة بين الناس.
و(عن طارق بن شهاب قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم يختصم الملأ الأعلى .
قال : في الدرجات ، والكفارات . فأما الدرجات : فاطعام الطعام ، وافشاء السلام ، والصلاة بالليل والناس نيام . وأما الكفارات : فاسباغ الوضوء في السبرات ، ونقل الاقدام إلى الجماعات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة .
وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما سري بي إلى السماء السابعة قال : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فذكر الحديث)( ).
والسلام عنوان الأمن والسكون والطمأنينة ، لذا ورد في ضيف إبراهيم إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا.
أي مسالمين لكم فلا تفزعوا من هيئتنا ، إذ رأى إبراهيم عدم ظهور علامات السفر على ضيوفه ، منهم بكامل الهيئة وحسن اللباس والمظهر وليسوا على هيئة البشر ، فاجابهم قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.
وهل تدل هاتان الآيتان على أن الرفع أفضل من النصب لأنهم قالوا سلاماً ، وهو قال سلام بالرفع ، الجواب لا .
وقد ورد اسم الجلالة في القرآن مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً ، ولو شاء الله لجعله بحال الرفع في كل الأحوال .
وأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتقديم السلام قبل السؤال ، كما في حديث ابن عمر ، وجعلها السلام بديلاً عن الإستئذان .
إذ ورد (عَنْ كَلَدَةَ بِنْ حَنْبَلٍ ، أَنّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ بَعَثَهُ بِلَبَنٍ وَلِبَإٍ وَجَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَعْلَى الْوَادِي قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلّمْ ، وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ فَقَال النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ارْجِعْ فَقُلْ السّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُل ؟ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَكَانَ إذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ فَيَقُولُ السّلَامُ عَلَيْكُمْ السّلَامُ عَلَيْكُمْ)( ).
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن السلام اسم من أسماء الله جعله بين خلقه ، فإذا سلم المسلم على المسلم فقد حرم عليه أن يذكره إلا بخير .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفشوا السلام بينكم فإنها تحية أهل الجنة ، فإذا مر رجل على ملأ فسلم عليهم كان له عليهم درجة وإن ردوا عليه ، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم الملائكة)( ).
إبدال الأسماء للأحسن
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترغيبه وميله للاسم الحسن ، وكرهه للاسم القبيح ، ومع أن الاسم غير المسمى ، فان النبي محمداً جعل من التسمية باباً للهدى والإيمان ، وكانت أحب الأسماء إليه اسماء العبودية لله عز وجل مثل عبد الله ، وكان يبدل الأسماء التي تفيد الشرك ، والأسماء المنكرة والقبيحة ، وهذا التبديل مدرسة في هداية الآباء والأمهات لاختيار الأسماء الحسنة لأبنائهم ،وهو من حق الأبناء على الأباء إذ كان يقوم بابدال أسماء بعض الأشخاص نحو الأحسن ، ومحو أسماء العبودية للأوثان والذوات ، فمثلاً كان اسم زوجته جويرية بنت الحارث بَره فبدل اسمها وسماها جويرية ، فقد (كره أن يقال خرج من عند برة)( ).
وكان اسم بكر بن جبلة عبد عمرو ، فسماه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكراً .
(عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ] ( ) الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب)( ).
وبينما رضي وفرح سهل بن سعد الساعدي باسمه الجديد الذي سماه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فان جد سعيد بن المسيب لم يرض به ، إذ ورد عن سعيد بن المسيب (عن أبيه أن جده حزنا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك ؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي، السهل يوطأ ويمتهن قال سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة.)( ).
وكان اسم سهل بن سعد الساعدي حزناً فسماه سهلاً ، وقليل سماه كثيراً ، وأسود سماه أبيض ، وجعيل سماه عمراً .
وعن (أسامة بن أخدري أن رجلا من بني شقرة يقال له أصرم وكان في النفر الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم فأتاه بغلام حبشي اشتراه في تلك البلاد .
فقال يا رسول الله إني اشتريت هذا فأحببت أن تسميه وتدعو له بالبركة فقال ما اسمك أنت قال أصرم قال بل أنت زرعة فما تريده قال أريده راعيا قال فهو عاصم وقبض كفه)( ).
وكان اسم راشد السلمي غويا ، فاسماه راشداً ، وقد سمّى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين .
و(قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيَّرَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- اسْمَ الْعَاصِ وَعَزِيزٍ وَعَتَلَةَ وَشَيْطَانٍ وَالْحَكَمِ وَغُرَابٍ وَحُبَابٍ وَشِهَابٍ فَسَمَّاهُ هِشَامًا وَسَمَّى حَرْبًا سَلْمًا وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفِرَةَ سَمَّاهَا خَضِرَةَ وَشِعْبَ الضَّلاَلَةِ سَمَّاهُ شِعْبَ الْهُدَى وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِى الرِّشْدَةِ وَسَمَّى بَنِى مُغْوِيَةَ بَنِى رِشْدَةَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا لِلاِخْتِصَارِ)( ).
أسماء المدينة
لقد أبدل النبي محمد (ص) أسماء عديدة نحو الأحسن والأصلح ، ومنها تبديل اسم مدينة (يثرب) وقد سمّاها الله عز وجل المدينة ،إذ ورد ذكرها في القرآن أربع مرات باسم المدينة منها [وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ] من بين تسع مرات ذكر فيها لفظ المدينة في القرآن.
كما ورد اسمها في القرآن (يثرب) مرة واحدة حكاية عن المنافقين في معركة الخندق وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ… لبيان أنهم يصرون عن تسميتها القديمة ويسعون للشماتة بالمؤمنين .
ومن أسمائها التي سماها بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي :
الأول : طَيْبة.
الثاني : طَيِّبَّةُ .
الثالث : طابَةُ .
الرابع : المُطَيَّبة .
الخامس : الجابِرةُ.
السادس : المَجْبورة.
السابع : الحَبِيبة.
الثامن : المُحَبَّبة.
(قال ابنُ الأَثير : يَثْرِبُ : اسْمُ مَدِينَةِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قديمة فغَيَّرَهَا وسَمَّاهَا طَيْبَةَ وطَابَةَ كَرَاهِيَةَ التَّثْرِيب وهُوَ اللَّوْمُ والتَّعْيِير قال شيخُنَا : ونَقَل شُرَّاحُ المَوَاهبِ أَنه كانَ سُكَّانُها العَمَالِيق ثُمَّ طَائِفَة مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ثم نَزَلَهَا الأَوْسُ والخَزوْرَجُ لَمَّا تَفَرَّقَ أَهْل سَبَإٍ بسَيْلِ العَرِم)( ).
قال الشاعر فأَصْبحَ مَيْموناً بطَيْبةَ راضِيا .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حبه للمدينة وإكرامه لأهلها ، والتوصية بهم وبأبنائهم وأبناء أبنائهم خيراً .
وسمّى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المدينة طَيبة على وزن شَيبة إذ كان اسمها يثرب.
ومن معاني الثرب الفساد ، فسماها طيبة لخلوها من مفاهيم الشرك ، ولأن العيش فيها مع الإيمان صار طيباً ، وتبقى طيبة تّشتاق لها ولزيارتها أجيال المسلمين إلى يوم القيامة .
اطمئنان النبي (ص) للذي يدخل الإسلام
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الداخلين إلى الإسلام وعلى نحو يومي ، ويمكن معرفة الأمر بأن الذين هاجروا إلى المدينة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقبله نحو مائة من الصحابة وأهل البيت ليتوجه بعد ثماني سنوات ومعه عشرة آلاف من الصحابة لفتح مكة ، وينقلب من مكة ومعه من مسلمة الفتح ألفان آخران .
ويأتي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحجة الوداع ومعه مائة ألف من الصحابة ، ليس بينه وبين أي فرد منهم حواجز أو موانع ، وهو من تجليات قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
وبعد معركة بدر ، قام صفوان بن أمية الذي قتل أبوه وأخوه فيها بتحريض عمير بن وهب على قتل النبي محمد في المدينة ، وأغراه إن قتل بوفاء ديونه ، وضم بنات عمير إلى بناته ، وكان لعمير ولد أسير عند المسلمين.
وكان عمير معروفاً بالخبث وهو الذي حرش بين الفريقين يوم بدر وضرر عدد المسلمين في الميدان للمشركين .
وحينما وصل المدينة أناخ بعيره على باب المسجد ، ومشى إلى المسجد متوشحاً بسيفه الذي كان مسموماً ، فأراد عمر أخذ سيفه منه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ اُدْنُ يَا عُمَيْرُ ، فَدَنَا ثُمّ قَالَ انْعَمُوا صَبَاحًا ، وَكَانَتْ تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيّةِ بَيْنَهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَكْرَمَنَا اللّهُ بِتَحِيّةِ خَيْرٍ مِنْ تَحِيّتِك يَا عُمَيْرُ بِالسّلَامِ تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَنّةِ.
فَقَالَ أَمَا وَاَللّهِ يَا مُحَمّدُ إنْ كُنْتُ بِهَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ قَالَ فَمَا جَاءَ بِك يَا عُمَيْرُ ؟ قَالَ جِئْت لِهَذَا الْأَسِيرِ الّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ قَالَ فَمَا بَالُ السّيْفِ فِي عُنُقِك.
قَالَ قَبّحَهَا اللّهُ مِنْ سُيُوفٍ وَهَلْ أَغْنَتْ عَنّا شَيْئًا ؟ قَالَ اُصْدُقْنِي ، مَا الّذِي جِئْتَ لَهُ ؟ قَالَ مَا جِئْتُ إلّا لِذَلِك .
قَالَ بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ .
ثُمّ قُلْت : لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتّى أَقْتُلَ مُحَمّدًا ، فَتَحَمّلَ لَك صَفْوَانُ بِدَيْنِك وَعِيَالِك ، عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ وَاَللّهُ حَائِلٌ بَيْنَك وَبَيْنَ ذَلِكَ .
قَالَ عُمَيْرٌ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ قَدْ كُنّا يَا رَسُولَ اللّهِ نُكَذّبُك بِمَا كُنْت تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السّمَاءِ وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْك مِنْ الْوَحْيِ وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلّا أَنَا وَصَفْوَانُ فَوَاَللّهِ إنّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاك بِهِ إلّا اللّهُ.
فَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ ثُمّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ . وَأَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ فَفَعَلُوا)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم الخشية من المشرك الغادر إذا نطق بالشهادتين ، فحالما يدخل الإسلام يطمئن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ولم يخش أن نطقه بالشهادتين مكر ودهاء .
و(عن عمران بن حصين قال : كنا عند النبي صلى الله عليه و سلم فجاء رجل فسلم فقال : السلام عليكم فرد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال : عشر ثم جاء أخر فسلم فقال : السلام عليكم ورحمة الله.
فرد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال : عشرون ثم جلس.
ثم جاء آخر فسلم فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال : ثلاثون.
وقد جاء هذا الخبر مفسرا وهو أن من قال لأخيه المسلم : سلام عليكم كتب له عشر حسنات فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة.
فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة وكذلك لمن رد من الأجر والله أعلم)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (من قال: السلام عليكم فهي عشر حسنات ومن قال : (ال) سلام عليكم ورحمة الله فهي عشرون حسنة ومن قال: (ال) سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهي ثلاثون حسنة)( ).
وفي فتنة خلق القرآن التي ابتدأت أيام المأمون ، ادخلوا شيخاً كبيراً على الخليفة الواثق ، فقال : السلام عليكم يا أمير المؤمنين ، فقال : لا سلم الله عليك ، فاجابه الشيخ : بئس ما أديك مؤدبك ، قال الله تعالى وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا.
والخبر ضعيف سنداً ، ففي طريقه مجاهيل .
تشريع الأذان
قال ابن هشام : رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه النداء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال له : يا رسول الله إنه طاف بي هذه الليلة طائف، مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده.
فقلت له : يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس ؟ قال: وما تصنع به.
قلت : ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال : تقول : الله أكبر .
ثم ذكر الأذان : فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها، فإنه أندى صوتا منك.
فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يجر رداءه وهو يقول: يا نبي الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فلله الحمد .
وفي هذا المعنى وردت روايات من أكثر من طريق اسناد ، ولكن لم يرو البخاري ومسلم هذه الرؤيا فلم يخرجاها في صحيحيهما أصلا، لا عن ابن زيد، ولا عن عمر بن الخطاب، ولا عن غيرهما .
نعم أخرجا في باب بدء الأذان عن ابن عمر ، قال : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر : ألا تبعثون رجلا ينادي للصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا بلال قم فأذن)( ).
لقد شرع الأذان في ليلة الإسراء ولا تعارض للأخبار أعلاه معها.
وعلى فرض مجئ الأذان برؤيا لبعض الصحابة فانه تأكيد لحديث الإسراء ، ولأن إمضاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم له من السنة القولية والتقريرية.
تخاذل وخذلان المنافقين
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شدة الأذى الذي لاقاه وأصحابه ، فقد توالى غزو وهجوم مشركي قريش وحلفائهم على النبي وأصحابه .
فوقعت معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة بنفير وإصرار من قبل رؤساء الكفر من قريش .
وأنهزم فيها المشركون ، واقترنت هزيمتهم بالخسارة في الرجال والعتاد والمؤن ، فسعوا للثأر من حين رجوع فلولهم إلى مكة .
حتى حشدوا الجيوش بعد سنة وفي شهر شوال من السنة الثالثة زحف ثلاثة آلاف منهم وأشرفوا على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يرومون استباحتها ، إذ صاروا على بعد (5) كيلو متر من المسجد النبوي ، فخرج لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألف من أصحابه وانخزل ثلاثمائة منهم وسط الطريق وعادوا إلى المدينة بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول الذي صار يقول (مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُل أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيّهَا النّاسُ فَرَجَعَ بِمَنْ اتّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ وَالرّيْبِ)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خذلان المنافقين له في ساعة الحرج والشدة وحاجته للصحابة والسواد من غير أن يضره والإسلام هذا الخذلان ، لقد أنسحب ثلث جيش المسلمين ، وبقي سبعمائة بأسلحة بدائية للقاء ثلاثة آلاف مدججين بالأسلحة والدروع ومعهم مائتان من الخيل ، لم تركب ظهورها مع كثرة المؤن .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبره وأهل بيته وأصحابه في ملاقاة جيوش المشركين ، وهو من مصاديق قوله تعالى كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
ووقعت معركة أحد في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وسقط سبعون شهيداً من المسلمين ، واصيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجراحات متعددة وكسرت رباعيته ، ونادى ابن قمئة بصوت جهوري (قتلت محمداًً).
وسرعان ما انتشر الخبر في صفوف الجمعين ، وبلغ أسماع الصحابة ، ومن خصائص النبي محمد في المقام مسائل :
الأولى : قلة الصحابة في الميدان لم تؤد إلى هزيمته .
الثانية : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان ، فمع انسحاب أكثر أصحابه وتفرقهم عنه ، فانه بقي في الميدان ومعه عدد قليل من أهل البيت والصحابة .
الثالثة : تجلي مصداق لقانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً) إذ كان المشركون هم الغزاة في معركة بدر وأحد ، وقد صدرت لي تسعة وعشرون جزءً من (معالم الإيمان) إلى الأن بخصوص هذا القانون ، وفيها شواهد كثيرة من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : قانون لحوق الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة للذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم الضرر من خذلان المنافقين ، لقد نزل قوله تعالى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ، في خطاب للمسلمين ، فهل يختص الذم في الآية بالذين كفروا بدليل آخرها ، أم أنه يشمل المنافقين معهم ، الجواب هو الثاني ، من وجهين :
الأول : مجئ الأذى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المنافقين في حال الحرب والسلم .
الثاني : ترشح أذى الذين كفروا على المنافقين بتحريضهم وإثارتهم الريب والخوف في المدينة .
وقد جمع التنزيل أذى الكفار والمنافقين والوقاية منه باللجوء إلى الله في آية واحدة بقوله تعالى وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
إنذار المنافقين
من إعجاز القرآن نزول آيات متعددة تتضمن ذم النفاق وبيان قبحه ، والوعيد للمنافقين بسوء العاقبة ، والخلود في قعر جهنم ، وفيه مدد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام مسائل :
الأولى : تحذير وإنذار وتوبيخ المنافقين .
الثانية : قانون عصمة المؤمنين والمؤمنات من النفاق ومفاهيمه .
الثالثة : الصبر في مقامات النبوة والوحي على المنافقين .
الرابعة : حث المنافقين على التوبة والإنابة .
الخامسة : تلاوة الآيات التي تتضمن ذم النفاق والمنافقين في الصلاة وخارجها .
وجاء قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويحتمل وجوهاً:
الأول : إرادة المسلمين لأن القرآن نزل بلغة إياك اعني واسمعي ياجارة).
الثاني : المراد المسلمون والمسلمات إلى يوم القيامة.
الثالث : يحمل معنى الآية على ظاهر اللفظ، والمراد خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالآية من خصائصه ويدل عليه سبب النزول.
الرابع : الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمراد هو وأجيال الأمة المتعاقبة.
والصحيح هو الرابع، لوجوه:
الأول : أصالة الإطلاق.
الثاني : من إعجاز القرآن توجه الخطابات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلحاق الأمة به.
الثالث : عموم ابتلاء المسلمين بالمنافقين الذين يعيشون بين ظهرانيهم.
الرابع : لزوم بذل الأمة الوسع لمحاربة النفاق ودفع أضراره.
فان قلت كيف يعجب قول المنافق بخصوص الدنيا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى .
والأصل أنه يعلم بالعلم اللدني والوحي كذب إدعاء المنافق، والجواب من وجوه:
الأول : الإعجاب بالقول غير النطق والحكم.
الثاني : يعلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأمور بالوحي وإخبار جبرئيل والتنزيل.
الثالث : آية البحث من مصاديق الوحي في المقام، ففي ذات الوقت الذي أخبرت فيه عن إعجاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقول المنافق فانها أخبرت عن أمور:
الأول : إفتراء المنافق على الله.
الثاني : إشهاد الله على أمر لا أصل له في قراره نفسه.
الثالث : إخبار الآية عن عداوة المنافق للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الرابع : عدم اكتفاء الآية بذكر عداوة المنافق بل وصفته بأنه ألد وأشد الأعداء.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل أمور:
الأول : إتخاذ الواقعة مناسبة لبيان موضوع وما يترتب عليه من حكم.
الثاني : الآيتان موعظة ومثال لشواهد متجددة مع تقادم الأيام.
الثالث : دوران المعنى والتأويل على عموم اللفظ وليس سبب النزول ، وفي الآية مصداق لقوله تعالىوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، من وجوه :
الأول : عدم وجود حواجز وموانع دون وصول الناس إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو لم يختص بصلاته على خاصة أصحابه أو أهل بيته فحتى المنافق والكافر يستطيع الوصول إليه.
الثاني : كلام الناس في حضرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على تجلي معاني النبوة في أخلاقه.
الثالث : عدم خشية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهل النفاق والكفر على نفسه.
الرابع : في الآية شاهد على إطمئنان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه، ووثاقته من إيمانهم، وأن المنافق حينما يتقرب إليه بالكلام الحسن في الدنيا لاينخدع به، لأن هذه الآية واقية وحرز.
وجاءت آيات القرآن والسنة النبوية لعصمة المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة من الإفتتان بالمنافق وقوله الحسن في الدنيا.
ومن معاني مجئ الآية بالخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين منع الغرور وطرد الغفلة والكسل عن المسلمين في أجيالهم اللاحقة .
فلا يأتي بعضهم فيما بعد أيام التنزيل ليقول أن المسلمين صاروا أقوياء وكثر عددهم وانتشروا في مشارق ومغارب الأرض ، فلا نلتفت لكيد المنافقين لأنه لايضر المسلمين بعد أن قامت دولتهم وأصبح أداؤهم للفرائض، وتقيدهم بأحكام الحلال والحرام في المعاملات ملكة وتركة كريمة يعمل بها الوارث في زمان المورث وبعده .
الإستسقاء
الإستسقاء : هو طلب السقيا ، والدعاء والصلاة عند الجفاف وغور الأنهار ، وندرة الأمطار رجاء نزول الغيث ، وصلاة الإستسقاء نافلة ومستحبة .
عن (ابن عباس : سافر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حر ، فعطش الناس عطشاً شديداً حتى كادت أعناقهم أن تنقطع من العطش ، فذكر ذلك له قالوا : يا رسول الله لو دعوت الله فسقانا ، قال لعلّي إن دعوت الله فسقاكم لقلتم هذا بنوء كذا وكذا قالوا : يا رسول الله ما هذا بحين أنواء ، ذهبت حين الأنواء ، فدعا بماء في مطهرة فتوضأ ثم ركع ركعتين ، ثم دعا الله فهبت رياح وهاج سحاب ، ثم أرسلت فمطروا حتى سال الوادي ، فشربوا وسقوا دوابهم ، ثم مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل وهو يغترف بقعب معه من الوادي وهو يقول : نوء كذا وكذا سقطت الغداة ، قال : نزلت هذه الآية وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ * فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ يقول : النفس وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ))( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإستسقاء والدعاء رجاء الغيث والمطر ، وتفضل الله عز وجل بالإستجابة له في غير موسم الأمطار ، قال تعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا.
سؤال العفو
العفو هو ترك المؤاخذة ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الإستغفار والدعاء وسؤال العفو من الله عز وجل ، ويحث المسلمين على سؤال العفو والتسامح فيما بينهم ، وعن عبد الله بن عمرو (ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب)( ).
وعن (أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم : اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفينه إنما أنا بشر فأي المؤمنين أذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فأجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الثواب لمن شتمه أو جلده النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولو تنزلنا عن مناقشة الحديث رواية ودراية فان القدر المتيقن منه هو نطق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الوحي ، ويكون لعنة أو جلد النبي محمد لأحدهم لمن تقوم عليه البينة سبباً لرجاء العفو عنه لأن الله عز وجل لا يعاقب مرتين ، فاذا عاقبه في الدنيا فانه تعالى يعفو عن ذات الذنب في الآخرة .
وإن استدل مسلم في صحيحه بهذا الحديث على مزية لمعاوية للحديث الوارد (عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ادع لي معاوية فقلت أنه يأكل فقال في الثالثة لا أشبع الله بطنه فما شبع بطنه أبدا)( ).
تقسيمات معجزات النبي (ص)
المعجزة : هي ما يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها ، وهي في الإصطلاح كل أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدي ، وسالم من المعارضة ، وتتجلى المعجزة على أيدي الأنبياء لتكون شاهداً ودليلاً على صدق نبوتهم ، ولزوم اتباع الناس لهم في طاعة الله .
ومما اختص الله عز وجل به النبي محمداً كثرة معجزاته كماً ونوعاً وكيفاً.
ويمكن تقسيم معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقسيماً مستحدثاً من وجوه :
الأول : تقسيم المعجزات إلى
الأولى : المعجزات الذاتية .
الثانية : المعجزات الغيرية التي تجري للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غيره ، كما في أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعدد من أصحابه وإخباره عن قادم أيامهم ، منها دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنس بن مالك بن النضر الذي (خدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدة مقامه بالمدينة عشر سنين، فما عاتبه على شئ أبدا، ولا قال لشئ فعله: لم فعلته ؟ ولا لشئ لم يفعله، ألا فعلته.
وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، هي التى أعطته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبله، وسألته أن يدعو له فقال : اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره وأدخله الجنة .
قال أنس: فقد رأيت اثنتين وأنا أنتظر الثالثة، والله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليتعادون على نحو من مائة.
وفى رواية : وإن كرمى ليحمل في السنة مرتين، وإن ولدى لصلبي مائة وستة أولاد)( ) ومات سنة ثلاث وتسعين للهجرة على المشهور ، وبلغ من العمر تسعاً وتسعين سنة ، وقيل تعدى مائة سنة ، وهو آخر من بقي من الصحابة في البصرة إذ انتقل إليها .
ومنها حينما تخلف أبو ذر عن كتيبة تبوك بسبب بعيره ، فأخذ متاعه (فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مَاشِيًا .
وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هَذَا الرّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطّرِيقِ وَحْدَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ كُنْ أَبَا ذَرّ .
فَلَمّا تَأَمّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هُوَ وَاَللّهِ أَبُو ذَرّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ رَحِمَ اللّهُ أَبَا ذَرّ ، يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ)( ).
الثاني : تقسيمها تقسيماً آخر إلى :
الأولى : المعجزات الحسية , التي تلاحظ بالحواس كالبصر والسمع .
الثانية : المعجزات العقلية التي تخاطب العقول ، ويتجلى إدراكها بالتدبر والعلم ، وهي آيات القرآن .
الثالث : تقسيم أخر إلى :
الأولى : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في آيات القرآن والتي تفيد الثبات والبقاء بين الناس ، فهي ضياء للبصائر في كل زمان ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آيات القرآن التي أنزلت عليه تتلى من قبل كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم .
ومن خصائصه أنه لا تمر دقيقة على أهل الأرض إلا وهناك أذان أو أقامة أو تشهد في الصلاة يذكر فيها اسمه ، وفي خطاب من الله عز وجل إلى أجيال المسلمين المتعاقبة [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ] ( ).
الثانية: المعجزات في السنة النبوية ، وهي على وجوه :
الأول : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية .
الثاني : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته الفعلية .
الثالث : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته الدفاعية والأسرية .
الرابع : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته التدوينية ، ومنها كتبه إلى ملوك زمانه يدعوهم فيها إلى الإسلام ، وإختياره أوان بعث هذه الكتب بواسطة بعض الصحابة بعد صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة .
الأولى : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيام النبوة.
الثانية : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته والتي تجلت في سيرة أهل البيت والصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، وتتجلى إلى يوم القيامة باتباع المسلمين لمنهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .
ولا يحصيها كثرة وكيفاً وموضوعاً إلا الله عز وجل الذي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
السماحة في الصلح
عقد صلح الحديبية بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووفد مشركي قريش ويسمى أيضاً على وجوه :
الأول : عمرة الحديبية .
الثاني : غزوة الحديبية كما عن ابن كثير / السيرة النبوية في السيرة النبوية 2/355 ،وابن هشام22/608 ، وجوامع السيرة لابن حزم ، في جوامع السيرة 1/16 ، والروض الأنف 4/38 ، ومغازي الواقدي 1/255 ، والكامل في التأريخ 1/351 ، وتأريخ اليعقوبي 1/124.
وفي تأريخ الرسل والملوك للطبري (ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الحديبية إلى المدينة أقام بها ذا الحجة وبعض المحرم)( ) وغيرها من الكتب.
مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يخرجوا لقتال ولم يلقوا قتالاً .
وفي صلح الحديبية وبينما يكتب الإمام علي عليه السلام بنود الصلح باملاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
(قال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن لك من العام المقبل فكتب.
فقال سهيل : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا .
فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمر ويرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترد إلي .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد .
قال : فوالله لا أصالحك على شيء أبدا .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فأجزه لي .
قال : ما أنا بمجيزه
قال : بلى فافعل
قال : ما أنا بفاعل
فقال أبو جندل : أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت في الله ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله.
لبيان صبر وتحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الأذى الشديد من أجل الصلح الذي ما أن تم عقده لينزل في طريق العودة إلى المدينة قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
إرادة قتل النبي (ص) يوم حنين
جرت محاولة اغتيال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة حنين من قبل شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ثأراً لأبيه الذي قتله الإمام علي عليه السلام في معركة أحد .
وهذه المحاولة تختلف عما تعرض له النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد والخندق ومحاولات الإغتيال ، ففي معركة حنين كان الذي أراد قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين صفوف جيش المسلمين ، وهو أشد خطورة وأذى ، لبيان أن نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه المحاولة ومثلها هو من خصائصه ومعجزة له .
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ . قُلْت : الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمّدٍ وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمّدًا . قَالَ فَأَرَدْت بِرَسُولِ اللّهِ لِأَقْتُلَهُ فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتّى تَغَشّى فُؤَادِي ، فَلَمْ أُطِقْ ذَاكَ وَعَلِمْت أَنّهُ مَمْنُوعٌ مِنّي)( ).
وبالإسناد (عن عكرمة مولى ابن عباس عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين قد عرى، ذكرت أبي وعمى وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: فذهبت لاجيئه عن يمينه، فإذا بالعباس بن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله.
قال: ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله.
قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بينى وبينه كأنه برق، فخفت أن يمحشني ، فوضعت يدي على بصرى ومشيت القهقرى .
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : يا شيب ادن منى، اللهم أذهب عنه الشيطان ، قال : فرفعت إليه بصرى ولهو أحب إلى من سمعي وبصري.
فقال : يا شيب قاتل الكفار) ( ).
مقدمة للخروج إلى الحديبية
من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأكيد القرآن للرؤيا التي يراها ، وصيرورتها وسيلة لاتباع الصحابة له في مضامينها وهي مقدمة لفتح عظيم إذ قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا )( ).
وقبل خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة رأى كأنه ومن معه من المسلمين يدخلون مكة .
وبلحاظ قوله تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ] تكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : قانون رؤيا الوحي من الله عز وجل.
الثانية : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برؤيا الوحي .
الثالثة : تسمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية بالرسول ، وفيه شاهد بأن هذه الرؤيا من وحي الرسالة ، وتحذير للناس بعدم ترتيب الحكم على رؤاهم ، لأن رؤيا النبي هذه من مصاديق النبوة والرسالة .
الرابعة : البشارة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بتحقق دخولهم البيت الحرام بأمان ومن غير خوف أو فزع .
قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني قد رأيت انكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين .
فلما نزلوا بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك( )، وغلب الفرح والسرور على المسلمين ساعة الرواية واعلان نبأ الرؤيا ، وانتظروا ساعة تحقيقها لأن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحي وحق لا سبيل للظن بأنها أضغاث.
وكان المسلمون يدركون ان رؤاه رحمة وتخفيف ، وتتضمن البشارة والإنذار ، لذا اخذوا ينظرون لها كوحي ورتبوا عليها الآثار، وكانت كثرة التدقيق وتقصي تتابع الاحداث تصديقاً تأريخياً راسخاً لرؤياه المباركة، حيث انعم الله على المسلمين بالبشارة والوعد لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
وهل يمكن القول بقانون لولا الوحي لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الحديبية ، الجواب نعم.
لقد كان إعلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخروج إلى الحديبية أمراً مفاجئاً للناس ، فلم تمر إلا سنة على معركة الخندق التي غزا فيها عشرة آلاف من المشركين المدينة يبتغون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل أصحابه من المهاجرين والأنصار بين قتيل وأسير مع سبي النساء والصبيان ، ووقف تنزيل القرآن ، فدفع الله عز وجل شرورهم وكيدهم ، قال تعالى إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا.
وإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو أصحابه للخروج إلى العمرة والدخول على كفار قريش في عقر دارهم ، ولكنه البلد الحرام الذي يأمن فيه الناس جميعاً ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أولى الناس بالأمن فيه بلطف ومشيئة من عند الله عز وجل.
وتخلفت قبائل متعددة حول المدينة عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم خشية إجهاز خيل المشركين عليهم منهم جهينة ، ومزينة وأسلم خشية بطش قريش.
ومن مصاديق الوحي في المقام الرؤيا التي رأها لأنها من الوحي.
والرؤيا الصادقة لعامة الناس بكثرة منافع رؤيا الوحي ، واستمرارها إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار توثيقها في القرآن الكريم( ).
صبر النبي على المنافقين
اتصفت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين النبوات بوجود طائفة من المنافقين بين ظهراني المسلمين ، ويدل قوله تعالى جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ على شدة الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المنافقين ، وسعيهم في إعانة المشركين عن قصد أو دون قصد ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : المدد والعون من القرآن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فضح وذم المنافقين بآيات عديدة منها قوله تعالى إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ… .
الثاني : صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنافقين والمنافقات .
الثالث : تفقه المسلمين في الدين ، ومعرفتهم بأحوال الرجال ببركة القرآن ، وفيض النبوة، قال تعالىوَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وبعد بيان احكام الحج والإرشاد الى كيفية الدعاء ومسالك التقوى، جاءت الآية أعلاه للتحذير والتنبيه من المنافقين وكشف سماتهم وما يتصفون به من الخداع وصيغ الإخفاء، ومحاولة كـتمان حقيقة ما يظنون والتضليل على المسلمين مما يكون سبباً بالإضرار بالدين وارباك مناهج المسلمـين في الفتـح والبناء، لقد نزلت هذه الآية لدرء ودفع الضرر وما يسببه هؤلاء من متاعب ومشاق.
وفيه بيان لنصرة القرآن للمسلمين ودفاعه عنهم وفضح الرياء والنفاق .
وتبين الآية حب المنافقين للدنيا واهتمامهم بها والإعتناء بموضوعها واصرارهم على الإعراض عن الآخرة وهي دار المقام.
والآية خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا انها عامة وموجهة لكل المسلمين خصوصاً اهل الحل والعقد منهم كي لا يغتروا بالمنافقين من المخادعين والذين يريدون ان يتسللوا الى مصادر القرار، ويحوزوا على المنافع والمصالح الخاصة من غير خشية من الله تعالى اولئك الذين لم يلتفتوا الى ذكر الله تعالى ووجوب تعظيم مقام الربوبية .
لقد جــاءت الآية بعد بيان شطر من صفات المتقين وحثت على التحلي بها بفضح المنافقـين وما يـتوددون به الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بكلام يروق لهم ويسرهم سماعه.
لذلك ترى الآية جاءت بلفظ (من الناس) في ارادة الجنس البشري واشارة لتنزيه المسلمين وان هذا القول ليس منهم.
وقيد [ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ] يتعلق حسب الظاهر بموضوع كلامهم، أي انهم يتكلمون كلاماً ساراً ومتضمناً التفاؤل في أحوال الدنيا وتنظيم شؤونها، وهذا وحده لا يدل على الذم المحض لأنه لو كان علة تامة للذم لما اعجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لا يرضى الا بالحق وما لا يتعارض معه وان كان بخصوص الأمور الدنيوية.
الصبر على الاستحواذ على دور النبي (ص) والصحابة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحليه بالصبر على الإستيلاء على دور بني هاشم ، وحثّه الصحابة للصبر ، وعندما تم فتح مكة لم يقم بانتزاع الدور من الذين سكنوها أو باعوها ، ولم يطالب بالأموال التي استولوا عليها .
لقد استحوذ أبو سفيان على دارهم وباعها لعمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي ، فجاء عبد الله بن جحش أخو زينب شاكياً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللّهِ أَنْ يُعْطِيَك اللّهُ بِهَا دَارًا خَيْرًا مِنْهَا فِي الْجَنّةِ ؟ قَالَ بَلَى ، قَالَ فَذَلِكَ لَك)( ).
وعبد الله بن جحش ابن عمة النبي محمد أميمة وهاجر وزوجته (خزيمة بنت الحارث) والظاهر أنها لم تهاجر معه إلى الحبشة ، بخلاف أم حبيبة زوجة أخيه عبيد الله التي هاجرت معه إلى الحبشة فتنصر هناك ، ليتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وهاجر عبد الله إلى المدينة وقيل لم يدرك أبوه جحش بن رئاب جحش الإسلام.
أما أمه أميمة عمة النبي فذكر وأنها أسلمت وهاجرت وأطعمها رسول الله أربعين وسقا من تمر خيبر.
واستشهد عبد الله بن جحش في معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة ولما تم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة كلم أخوه أبو أحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن دارهم التي باعها أبو سفيان ، وكانت الفارعة بنت أبي سفيان تحته ، وأخته زينب بنت جحش أم المؤمنين ، وحمنة بنت جحش زوجة مصعب بن عمير ثم طلحة بن عبيد الله وأم حبيب بنت جحش .
فابطأ عليه رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجبه ، فقال الصحابة لأبي أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يَكْرَهُ أَنْ تَرْجِعُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أُصِيبَ مِنْكُمْ فِي اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَأَمْسَكَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ)( ).
ولقد سكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع عقيل لأموال بني هاشم التي في مكة عندما هاجروا إلى المدينة ، ومنها الدار التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عندئذ قال أبو أحمد شعراً في أبي سفيان :
(أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ … عَنْ أَمْرٍ عَوَاقِبُهُ نَدَامَهْ
دَارَ ابْنِ عَمّك بِعْتَهَا … تَقْضِي بِهَا عَنْك الْغَرَامَهْ
وَحَلِيفُكُمْ بِاَللّهِ رَبّ … النّاسِ مُجْتَهَدُ الْقَسَامَهْ
اذْهَبْ بِهَا ، اذْهَبْ بِهَا … طُوّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَهْ)( ).
ومن أمثال العرب تقلدها طوق الحمامة ، إذا جاء بهنة أو فعل قبيح يلزمه عاره.
الصلح خير
هذا العنوان شطر آية من سورة النساء وهي مدنية أي مع شدة القتال مع المشركين ورجحان كفة المسلمين بالمعجزة والمدد الملكوتي نزل من الله عز وجل الترغيب بالصلح ، ومن معانيه وجوه :
الأول : الصلح خير وإن كان الفتح قريباً .
الثاني : ذات الصلح فتح مبين بدليل نزول قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، في طريق عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من صلح الحديبية .
الثالث : الصلح خير لكم في إقامة الفرائض العبادية في أوقاتها ، وفي معركة الخندق ورد (عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء.
ثم قال : ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم)( ).
في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة تم صلح الحديبية بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووفد مشركي قريش برئاسة سهيل بن عمرو فنزل قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لبيان أمور :
الأول : قانون الصلح فتح .
الثاني : ترغيب المسلمين والناس جميعاً بالصلح.
الثالث : قانون الملازمة بين الإيمان والدعوة إلى الصلح .
الرابع : ترشح المنافع العظيمة على الصلح .
الخامس : قانون الصلح فضح للظالمين ، وكشف لجرائمهم .
السادس : قانون الصلح خزي للمعتدين واسقاط لما في أيديهم.
السابع : صلح الحديبية معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : قانون صلح الحديبية رحمة ونعمة عامة ، وهو من مصاديق وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وهل كان صلح الحديبية فتحاً أو نصراً للذين أشركوا ، الجواب لا ، لذا كانوا مضطرين إليه بعد أن أنهكهم غزوهم المتكرر للمدينة المنورة وقتالهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في معركة بدر ، وأحد ، والخندق .
نعم كان الصلح خيراً للمسلمين وللمشركين لقوله تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
وصحيح أن موضوع الآية أعلاه هو الإصلاح بين الزوجين وتمام الآية هو وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، ولكن قوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] سورة الموجبة الكلكية وقانون عام في كل زمان ومكان وبين الناس جميعاً ، والشواهد التأريخية عليه جلية ، وحتى في زماننا هذا.
وترى الناس تظهر البهجة والغبطة يوم إيقاف إطلاق النار مع الخسائر الجسيمة في الأرواح والممتلكات هذه الخسائر التي أنذر الله عز وجل منها بذكر القرآن لتساؤل الملائكة حينما أخبرهم الله بجعل الإنسان [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً] إذ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ومن إعجاز القرآن تجدد الشواهد والمصاديق الواقعية للآية القرآنية في كل زمان ، ومن أسرار قوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] سعي الناس للصلح بين المتخاصمين ، والرغبة العامة بالصلح ، والنفرة من استمرار القتال ، وما تترشح عن الحروب المآسي والأضرار .
وقد عقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلحاً مع يهود المدينة وسُمي ميثاق المدينة في الأشهر الأولى لهجرته إليها .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم امتناعه عن الإبتداء بالقتال ، ووصاياه إلى رؤساء السرايا باجتناب القتال .
وهو من الشواهد على قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) والذي صدرت بخصوصه تسعة وعشرون جزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) آخرها الجزء السادس والستون بعد المائتين .
أسباب صلح الحديبية
تحتمل الأسباب المباشرة لصلح الحديبية وجوهاً :
الأول : وقوع صلح الحديبية صدفة واتفاقاً .
الثاني : تم صلح الحديبية اضطراراً .
الثالث : سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لصلح الحديبية .
الرابع : سعي مشركي قريش لصلح الحديبية .
الخامس : سعي كل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين لصلح الحديبية .
والمختار هو الثالث أي أن النبي محمداً هو الذي سعى لصلح الحديبية ، وهل كان هذا السعي عن رأي منه أم أنه بالوحي.
الجواب هو الثاني ، قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
بعد معركة الخندق بنحو سنة أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نه رأى في المنام بأنه يدخل وأصحابه المسجد الحرام معتمرين ، فأخبرهم برؤياه ففرح المسلمون لإدراكهم أن رؤيا النبي محمد شعبة من الوحي .
وهل قوله تعالى [لَا تَخَافُونَ] خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم الحديبية أو يوم فتح مكة أم أنه قانون سماوي متجدد إلى يوم القيامة ، المختار هو الأخير .
وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى القبائل حول المدينة بعزمه على الذهاب إلى مكة لأداء مناسك العمرة ، فتخلف كثير منهم خشية من سيوف قريش ، خاصة وأنهم حديثو عهد بالإسلام ، ومع توالي هجوم المشركين على المدينة واستمرار تهديدهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه .
فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة في شهر ذي القعدة أول الأشهر الحرم الثلاثة السرد ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه وفي رواية ألف وخمسمائة وكلا الروايتين عن جابر بن عبد الله الأنصاري .
وليس معهم أسلحة إلا سلاح الراكب وهي سيوف قصيرة في أغمادها كالخناجر ، وعندما وصلوا إلى وادي الحديبية أناخت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القصواء وشح الماء وعطش الصحابة .
معجزة تدفق الماء في الحديبية
لقد سار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه نحو الحديبية بالوحي من عند الله عز وجل وهو سبحانه الذي يتكفل أمورهم ، قال تعالى فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجاته وأصحابه من العطش والجوع في الحديبية مع قلة ماء البئر ، وكثر الصحابة مع النبي محمد يومئذ ، وطول مدة بقائهم في الحديبية إذ أقاموا (بالحديبية تسعة عشر يوما، ويقال عشرين ليلة، ذكره محمد بن عمر، وابن سعد)( ).
وعن سالم قال جابر بن عبد الله (عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكم ؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا ما نشرب إلا ما في ركوتك.
فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون.
قال : فشربنا وتوضأنا ، فقلنا لجابر: كم كنتم يومئذ .
قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : قانون حضور الهجرة عند الحاجة .
الثاني : قانون طرد المعجزة للخوف من المشركين .
الثالث : قانون معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبب في زيادة الإيمان .
الرابع : فضل الله في طرد العطش والجوع عن الصحابة ، وفيه بشارة طردها عن عامة المسلمين .
الخامس : نبع الماء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأن مياه الآبار في الجزيرة آنذاك قليلة ، تكفي للركب من الذين يمرون عليها كأفرادهم وإبلهم .
أما أن يأتي ألف وخمسمائة ويتوجهون مرة واحدة نحو البئر وهم يريدون الشرب والتوضأ فهو أمر لم يحدث في الجزيرة ، فسال الماء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع عدم إضطرار المسلمين للتسليم للمشركين طلباً للنجاة ، قال تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ.
الأمر بالأمر بالشئ (بحث أصولي)
في علم الأصول مسألة وهي هل الأمر بالأمر بالشئ أمر ، فاذا توجه الأمر من الوزير إلى المدير بأن يقوم الموظف الفلاني بضبط سجل ، فهل هذا الموظف مأمور من قبل الوزير أيضاً أم مأمور من قبل المدير وحده ، وقع الخلاف فيه .
ولم أجد عند الأصوليين الذين بحثوا هذه المسألة استشهاداً بالقرآن ، والمختار لزوم اجتهاد الأصولي بذكر المثال والدليل من القرآن .
وفي المقام شواهد من آيات عديدة منها الأمر الإلهي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى.
فهل الأمر بالصلاة إلى أهل البيت متوجه لهم من الله عز وجل ومن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أم من النبي وحده .
والمختار هو الأول ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا، وقال تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وكذا في إسماعيل بقوله تعالى وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا.
وفيه مسألة مستحدثة وهي قد يأتي مأمور ثاني في الأمر الأول سواء بالمفهوم أو ضروب المفاعلة كما في قوله تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ.
فهل يتوجه الأمر إلى النساء أيضاً بالإمتناع عن الوطئ والجماع أم هو خاص بالرجال ، الجواب هو الأول لعموم التكليف ، وأصالة الإطلاق.
وهل قوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ متوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة والحكام والعلماء من بعده أم يتوجه الخطاب إلى المسلمين أيضاً باخراج الزكاة .
الجواب هو الثاني وتدل عليه آيات منها وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.
وأصل الزكاة : الطهارة والنماء والزيادة ، بالإضافة إلى الأحاديث النبوية بخصوص الزكاة التي تتضمن البشارة لمن يخرج زكاة أمواله ، والأحاديث التي جاءت بالإنذار والوعيد لمن يتخلف عن دفع الزكاة والحقوق الشرعية .
و(عن أبي بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حبس قوم الزكاة إلاّ حبس الله عنهم القطر)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار من علم الغيب عن العقوبات الواقعية العاجلة على التخلف عن أداء الفرائض العبادية ، ومنها الصلاة والزكاة والذي يدل في مفهومه على ترغيب المسلمين بأداء الزكاة والحقوق الشرعية ، وأن في أدائها الخير والبركة ، قال تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
رسائل النبي (ص) إلى ملوك عصره
بعد صلح الحديبية بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة عدد من أصحابه برسائل إلى ملوك عصره يدعوهم إلى الإسلام ، ومنهم هرقل ملك الروم ، والمقوقس حاكم مصر ، والنجاشي ملك الحبشة ، وكسرى ملك فارس.
وقال الشافعي باتحاد اسم هرقل وقيصر ، إذ قال : هرقل اسم علم ، وقيصر لقب له.
وتتصف رسائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه بأمور :
الأول : ابتداء الرسالة بالبسملة .
الثاني : تقديم اسم النبي محمد وبصفة الرسالة : من محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى …
الثالث : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملوك عصره للإسلام .
الرابع : وجوب نبذ الشرك بالله .
وبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (دحية الكلبى إلى قيصر ملك الروم.
وعبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى ملك فارس.
وعمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي ملك الحبشة.
وحاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية.
وعمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكى عمان، وسليط بن عمرو العامري إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن على الحنفيين ملكى اليمامة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين.
وشجاع بن وهب الاسدي إلى الحارث بن أبى شمر الغساني ملك تخوم الشام ويقال بعثه إلى جبلة بن الايهم الغساني، والمهاجر بن أبى أمية المخزومى إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى ملك اليمن)( ).
وسيأتي في الجزء الثالث نص بعض رسائل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملوك عصره وأجوبة بعضهم .
أسماء الملوك
(قيصر لقب لكل مَلَكَ الروم، ويقال لكل من مَلَكَ الفرس: كسرى، والترك: خاقان، والحبشة: النجاشى، والقبط: فرعون، ومصر: العزيز، وحمير: تبع.
وكان قيصر بالشام وكتب إليه النبى صلى الله عليه وسلم كتابه ، وهِرَقل، بكسر الهاء وفتح الراء، هذا هو المشهور. وقال الجوهرى: يقال أيضًا: هرْقل، بإسكان الراء، ولا ينصرف للعجمة والعلمية.
وتنازع ابنا عبد الحكم في أنه هل كان يقال له: هرقل أم قيصر؟ وترافعا إلى الشافعى فقال : هو هرقل، وهو قيصر، فهرقل اسم علم له، وقيصر لقب)( ).
والأخشيذ لقب ملوك فرغانة (اوزبكستان) ومعناه ملك الملوك و(أصبهبذ لقب ملك طبرستان اشترك في فتحها الحسن والحسين عليهما السلام سنة ثلاثين هجرية .
وصول لقب ملوك جرجان (شمال إيران).
وخاقان لقب ملوك الترك , والأفشين لقب ملوك أشروسنة (تركمستان).
وسامان لقب ملوك سمرقند (اوزبكستان).
وقيصر لقب ملوك الروم ، وكسرى لقب ملوك العجم ، والنجاشي والحطي لقب ملوك الحبشة ، وفرعون قديما لقب ملوك مصر وحديثاً السلطان)( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذى نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)( ).
سؤال النبي (ص) أصحابه عن رؤاهم
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من سؤال أصحابه هل رأى أحد منكم رؤيا ثم يقوم بتأويلها ، وكان أحياناً يلتفت لهم بعد صلاح الصبح ليسألهم عن رؤاهم ، وهو من خصائص النبي محمد وفيه تأسيس لعلم الرؤيا في الإسلام ، واستقراء الدروس والمواعظ منه.
و(عن ابن زَمْل الجهني قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح قال، وهو ثان رجله : سبحان الله وبحمده. أستغفر الله، إن الله كان توابا ، سبعين مرة .
ثم يقول : سبعين بسبعمائة ، لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة .
ثم يقول ذلك مرتين، ثم يستقبل الناس بوجهه، وكان يعجبه الرؤيا، ثم يقول : هل رأى أحد منكم شيئاً .
قال ابن زمل : فقلت: أنا يا رسول الله ، فقال : خير تلقاه ، وشر توقاه ، وخير لنا، وشر على أعدائنا، والحمد لله رب العالمين. اقصص رؤياك.
فقلت : رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب ، والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك، إذ أشفى ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله ، يرف رفيفا يقطر ماؤه، فيه من أنواع الكلأ.
قال : وكأني بالرعلة الأولى حين أشفوا على المرج كبّروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه يمينا ولا شمالا. قال: فكأني أنظر إليهم منطلقين.
ثم جاءت الرعلة الثانية وهم أكثر منهم أضعافا، فلما أشفوا على المرج كبّروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث. ومضوا على ذلك ، قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا : هذا خير المنزل .
كأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا فلما رأيت ذلك، لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل أقنى، إذا هو تكلم يسمو فيفرع الرجال طولا وإذا عن يسارك رجل ربعة باذ كثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم إكراما له. وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها، كلكم تؤمونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها.
قال : فامتقع لون رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم سري عنه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمّا ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب ، فذاك ما حملتم عليه من الهدى وأنتم عليه. وأما المرج الذي رأيت، فالدنيا مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء، ولم تتعلق منا، ولم نردها ولم تردنا.
ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافا، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ونجوا على ذلك .
ثم جاء عظم الناس، فمالوا في المرج يمينا وشمالا فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وأما أنت ، فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني. وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفا.
وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل، فذلك موسى، عليه السلام، إذا تكلم، يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه. والذي رأيت عن يساري الباز الربعة الكثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى ابن مريم، نكرمه لإكرام الله إياه.
وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقا ووجها فذاك أبونا إبراهيم، كلنا نؤمه ونقتدي به.
وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها، فهي الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي .
قال : فما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيء الرجل، فيحدثه بها متبرعاً)( ).
والترغيب بالإخبار عن الرؤيا من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ يحض الصحابة بالإخبار عن رؤاهم وثقته بصدقهم فيما يخبروه عنه ، وقيامه بتأويل الرؤيا واستقراء المسائل منها .
وهل كان هذا التأويل من الوحي أم أنه اجتهاد من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب هو الأول ، وهو من عمومات قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
ولبيان عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، وشمول هذه الرحمة المطلقة لعالم الرؤيا ، وبيان موضوعيته في الواقع اليومي للمسلمين والناس جميعاً .
خصائص النبي (ص) في علم الرؤيا
من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تأويل الرؤيا أمور:
الأول : تأسيس قانون العناية بالرؤيا وتأويلها.
الثاني : الدعاء لتنجز مصداق رؤيا البشارة منها.
الثالث : الدعاء والصدقة لصرف رؤيا الإنذار وصرف الرؤيا المكروهة ومصداقها الواقعي .
الرابع : حث أجيال المسلمين على عدم التفريط في الرؤيا.
الخامس : قصّ الرؤيا على اللبيب العارف ، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فإذا رأى أحدكم الشيء يعجبه فليقصها على ذي رأى ناصح و ليقل خيرا أو ليتأول خيرا فإن رؤيا العبد الصالح جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة)( ).
و(عن أبي قتادة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا على ثلاثة منازل فمنها ما يحدث بها الرجل نفسه فليس ذلك بشئ ومنها ما يكون من الشيطان فإنها لن تضره ومنها رؤيا من الله فإذا رأى أحدكم الشئ يعجبه فليعرضه على ذي رأي ناصح فليتأول خيرا وليقل خيرا فإن رؤيا العبد الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة قال عوف بن مالك والله يا رسول الله لو كانت حصاة من عدد الحصا لكان كثيرا ما يفعل إذا رأى في منامه ما يكره وما يقول)( ).
فمثلاً قد يرى الإنسان كأن بعض أسنانه قد سقطت وتأويلها موت أحد أهل بيته ، لتتضمن السنة النبوية البعث على الدعاء والصدقة لصرف هذه الرؤيا ، وهو من مصاديق قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
هذه الآية التي هي مدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته فيما اختصه الله تعالى به .
وفيه ترغيب للعلماء باعانة عامة المسلمين في تأويل رؤاهم بما فيه تعظيم شعائر الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعاء لتنجز رؤيا البشارة ومحو الرؤيا المكروهة وأثرها .
وهل تختص رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المنام بالمؤمنين والمؤمنات ، الجواب لا ، إذ يراه البر والفاجر ، والمسلم وغير المسلم ، وهو من عمومات قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ومن معاني ودلالات سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عن رؤاهم ترغيبهم بقص الرؤيا عليه.
ودعوة أجيال المسلمين والمسلمات لقص رؤاهم على العلماء ، والذي يستطيع استقراء الدروس والمعاني من الرؤيا ، ومع هذا لم يهمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أضغاث الأحلام التي قد يتعرض لها المسلمون لإرادة التفقه في علم الرؤيا ، وقاعدة نفي الحرج في الدين ، ومنع الخوف والهلع بسبب الرؤيا المكروهة .
قانون رؤيا النبي (ص) حجة
في التنزيل رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وتأويل الرؤيا الصادقة والإنتفاع منها ، والإجتهاد بالدعاء لمحو المكروهة من الحكمة في الآية أعلاه ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤى متعددة وأخبر أصحابه بها ، فوقعت كما أخبر ، منها بخصوص معركة أحد.
إذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إني رأيت بقراً تنحر ، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها)( ).
وعند عودة فلول المشركين إلى مكة سعوا في الثأر لقتلاهم وهزيمتهم في معركة بدر ، وما لحقهم بها من الذل ثم زحفوا في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ثلاثة آلاف رجل .
وهل لهذه الرؤيا وتأويلها من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أثر في خسارة المسلمين في معركة أحد ، الجواب لا ، إنما جاءت الخسارة بترك الرماة مواضعهم التي أقعدهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها ، عندما رأوا بدايات هزيمة المشركين.
لقد سأل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه المشورة وفق هذه الرؤيا والواقع بقدوم جيوش المشركين قال تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكره الخروج من المدينة لقتال المشركين عند جبل أحد لبيان أن رؤيا النبي حجة.
وكان عبد الله بن أبى ابن سلول يرى ذات رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء في المدينة وقال (يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم) ليقاتلوهم في الأزقة ولكن رهطاً من الصحابة ألحوا بالخروج لملاقاة المشركين خاصة ممن فاتهم حضور معركة بدر ، وقالوا نخشى أن يقولوا جبّنا وخفنا .
اللجوء إلى القرآن لتأويل الرؤيا
الحمد لله الذي جعل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومنه استنباط تأويل الرؤيا الصادقة من آيات القرآن ممن له علم بآيات التنزيل وأسباب النزول ، ومعاني ودلالات الآية القرآنية.
وعن (محمد بن يوسف القاضي يقول اعتل أبي علة شهورا فأتيته ذات يوم ودعا بي وبإخوتي أبي بكر وأبي عبد الله فقال لنا رأيت في المنام كان قائلا يقول كل (لا) واشرب (لا) فإنك تبرأ فقال له أخي أبو بكر إن (لا) كلمة وليست بجسم ولا ندري ما معنى ذلك وكان بباب الشام رجل يعرف بأبي علي الخياط حسن الدراية بعبارة الرؤيا فجئنا به فقص عليه المنام.
فقال ما أعرف تفسير ذلك ولكني اقرأ في كل ليلة نصف القرآن فاخلوني الليلة حتى أقرأ رسمي من القرآن وافكر في ذلك فلما كان من الغد جاءنا.
فقال مررت البارحة وأنا أقرأ هذه الآية شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ فنظرت إلى (لا) وهي شجرة الزيتون اسقوه زيتا وأطعموه زيتونا قال ففعلنا فكان سبب عافيته) ( ).
واتفق أهل التعبير على ان كلمة (أف) مثلاً في المنام تعني عقوق الوالدين لقولـه تعالى فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ .
ولقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى وجوب الرجوع الى القرآن في تأويل الرؤيا ودراستها ولا غرابة في ذلك لأن فيه تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، عن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يغترن أحدكم بالرؤيا يراها أو ترى لـه ولكن ليعرض نفسه على كتاب الله عز وجل فان كان عاملاً به فليفرح وان كان غير ذلك فليعلم انها من الشيطان( ).
ومعنى (ترى له) أي يراه آخر في المنام فيأتيه فيقص عليه رؤياه ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور :
الأول : قانون العناية بالرؤيا الصادقة.
الثاني : قانون النهي عن التفريط بالرؤيا الصادقة .
الثالث : قانون الإنتفاع العام الأمثل من الرؤيا .
الرابع : بيان قانون الرؤيا الصادقة من علم الغيب .
الخامس : قانون الرؤيا لطف من عند الله .
السادس : قانون الشكر لله عز وجل على نعمة الرؤيا .
وقد ذكرت سبعة من الرؤيا والمنامات في القرآن ، قال تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وقال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله عز وجل باخباره عن مقدمات النصر على المشركين وبشارة فتح مكة بأمان ، وهل تدل الآية أعلاه على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة سلماً وليس عَنوة أو صلحاً ، الجواب نعم .
الانتفاع مما يراه النبي (ص) في المنام
من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ما يراه في المنام ذو أهمية ومكانة ليس فيها إلا الصدق والصلاح والعلم وهذا ما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين حين قال : بينما انا نائم اذ اتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري أحسن الحال وكثرة النعمة يخرج من بين اظافري.
فجاء جواب المسلمين دلالة الإيمان في ارتقائه عن جواب الملأ لملك مصر في سورة يوسف.
قالوا : بما أوّلت ذلك يا رسول الله، ويدل سؤالهم على خلفية الاعتقاد الصادق وعلى بذور ونشأة علم مكتسب.
لقد كان المسلمون يستثمرون رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسماع أقواله لاقتطاف الثمار والمنافع التي هي لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ليأخذوا منه ويتعلموا ويتزودوا ويورثوا ابناءهم والاجيال اللاحقة ومنها أهل هذا الزمان.
فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: العلم.
ومع ذلك فأنه لم يهمل تلك الأضغاث من الأحلام التي قد يتعرض لها بعض المسلمين فحدد معالمها واشكالها وكيفية اجتناب أضرارها.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ وَهْوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ عُنُقِى ضُرِبَتْ وَسَقَطَ رَأْسِى فَاتَّبَعْتُهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَعَدْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِى مَنَامِهِ فَلاَ يُحَدِّثَنَّ بِهِ النَّاسَ)( ).
فمع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب على المنبر فانه قطع خطبته وأجاب عن رؤيا أحدهم بما فيه تفقه الناس في الرؤيا والإعراض عن الرؤيا المكروهة وأضغاث الأحلام .
وهو جواب لم ترق الى بعض من مستوى تأثيره ونجاحه مدارس التحليل النفسي ، فقد جعل فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلم طبيب نفسه وبيده علاجها الفعال وقد ادرك مسبقاً أن عليه الإعراض عن ايذاء الشيطان ونزوات الإغواء ومواطن الحيرة، وسهل عليه التغلب على كيد الشيطان بكشف حيله وكيفية قهره وطرده.
قصّ النبي (ص) رؤياه على أصحابه
من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبادرته بالحديث عن الأمور ذات الشأن بخصوص الدين والدنيا ، لتنمية الملكة وتفقه المسلمين في الدين وإرتقائهم في المعارف .
وعن (عبد الرحمن بن سمرة قال خرج النبى عليه السلام على اصحابه فقال : رأيت الليلة عجبا رأيت رجالا يعلقون بألسنتهم فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، وفى الحديث القدسى : من آذى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة)( ).
وفي بعض الايام يبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقص رؤياه مع تأويله لها لتكون درساً وبلاغاً وموعظة تتكرر منافعها وفوائدها كل يوم.
عن ابن عباس قال: ذُكر لي ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: بينما انا نائم أريت انه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما فكرهتهما، فأذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان.
وفي حديث ابي سعيد الخدري: فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمن وصاحب اليمامة.
فأصبحت تلك الرؤيا وما تحمله من انذارات وعناصر الصدق التي تمسك بعنانها واقتران تأويل النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعلانها سلاحا وحرزا ذا حدين.
وكانت سداً لمنع الانخداع بهما وبشارة للمسلمين في حتمية القضاء عليهما ودحرهما.
وهل كان لتلك الرؤيا حضور في محاربة الردة ، حين ازداد نشاط مسيلمة الكذاب وهو احدهما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، المختار نعم.
ضحك النبي (ص) من رؤيا أحدهم
(قيل لمحمد بن سيرين إن فلانا يضحك قال ولم لا يضحك فقد ضحك من هو خير منه حُدثت أن عائشة قالت ضحك النبي صلى الله عليه و سلم من رؤيا قصها عليه رجل ضحكا ما رأيته ضحك من شيء قط أشد منه.
قال محمد بن سيرين وقد علمت ما الرؤيا وما تأويلها رأى كأن رأسه قطع فذهب يتبعه ، فالرأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم والرجل يريد أن يلحق بعمله عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يدركه)( ).
وعن (أبي مجلز قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني رأيت في المنام أن رأسي قطع، وأني جعلت أنظر إليه، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: (بأي عين كنت تنظر إلى رأسك إذا قطع.
فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك إلا قليلا حتى توفي، قال: فأولوا قطع رأسه بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونظره باتباع سنته)( ).
و(عن أبي قتادة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا على ثلاثة منازل .
فمنها ما يحدث بها الرجل نفسه فليس ذلك بشئ ومنها ما يكون من الشيطان فإنها لن تضره .
ومنها رؤيا من الله فإذا رأى أحدكم الشئ يعجبه فليعرضه على ذي رأي ناصح فليتأول خيرا وليقل خيرا فإن رؤيا العبد الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.
قال عوف بن مالك والله يا رسول الله لو كانت حصاة من عدد الحصا لكان كثيرا ما يفعل إذا رأى في منامه ما يكره وما يقول)( ).
و(عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدا بتلعب الشيطان به في المنام)( ).
إنصات وتأويل النبي (ص) لرؤى أصحابه
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرامه لأهل بيته وأصحابه ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، ومن أسباب زيادة إيمانهم ، وصلاحهم ، ودعوة نبوية لاتباع سنته .
ومن هذا الإكرام الإنصات لهم ، وسؤاله عن أحوالهم والإجابة على اسئلتهم والإستماع لهم .
ومن مختصاته صلى الله عليه وآله وسلم تحريضهم على قصّ رؤاهم لمنع الإستهانة بها ، ولبيان موضوعية قانون تأويل الرؤيا تأويلاً صحيحاً.
أخرج الترمذي وابن ماجة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال : يا رسول الله إني رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي عند شجرة ، وكأني قرأت سورة السجدة ، فسجدت فرأيت الشجرة سجدت بسجودي ، وكأني أسمعها وهي تقول اللهم اكتب لي بها عندك ذكراً ، وضع عني بها وزراً ، واجعلها إليّ عندك ذخراً ، وأعظم بها أجراً ، وتقبل مني كما تقبلت من عبدك داود .
قال ابن عباس فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السجدة ، فسمعته يقول في سجوده كما أخبر الرجل عن قول الشجرة ( ) .
ليكون فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الإمضاء للرؤيا والتعبير العملي لها .
وعن (حَسَنُ بْنُ مُوسَى وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى شِيَخَةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَجَاءَ شَيْخٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا لَهُ فَقَالَ الْقَوْمُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا فَقَامَ خَلْفَ سَارِيَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ الْجَنَّةُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُهَا مَنْ يَشَاءُ وَإِنِّي رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ رُؤْيَا رَأَيْتُ كَأَنَّ رَجُلًا أَتَانِي فَقَالَ انْطَلِقْ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَلَكَ بِي مَنْهَجًا عَظِيمًا فَعَرَضَتْ لِي طَرِيقٌ عَنْ يَسَارِي .
فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْلُكَهَا فَقَالَ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا ثُمَّ عَرَضَتْ لِي طَرِيقٌ عَنْ يَمِينِي فَسَلَكْتُهَا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى جَبَلٍ زَلِقٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي فَإِذَا أَنَا عَلَى ذُرْوَتِهِ فَلَمْ أَتَقَارَّ وَلَا أَتَمَاسَكْ فَإِذَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي ذُرْوَتِهِ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ .
فَقَالَ اسْتَمْسِكْ فَقُلْتُ نَعَمْ فَضَرَبَ الْعَمُودَ بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ رَأَيْتَ خَيْرًا أَمَّا الْمَنْهَجُ الْعَظِيمُ فَالْمَحْشَرُ وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَسَارِكَ فَطَرِيقُ أَهْلِ النَّارِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا .
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَمِينِكَ فَطَرِيقُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَمَّا الْجَبَلُ الزَّلِقُ فَمَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ وَأَمَّا الْعُرْوَةُ الَّتِي اسْتَمْسَكْتَ بِهَا فَعُرْوَةُ الْإِسْلَامِ فَاسْتَمْسِكْ بِهَا حَتَّى تَمُوتَ قَالَ فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ وَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) ( ).
وعن أنس قال: أتى رسولَ الله أسقف فذكر أنه رأى في منامه الأُمم كانوا يمنعون على الصراط , حتى أتت أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غرّاً محجلين .
قال : فقلت: من هؤلاء الأنبياء .
قالوا: لا، قلت: مرسلون؟ قالوا: لا، فقلت: ملائكة؟ قالوا: لا، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: أُمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غرّاً محجلين عليهم أثر الطهور، فلما أصبح الأسقف أسلم)( ).
وفيه دعوة للمسلمين إلى إقتباس الدروس والمواعظ من رؤيتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومطلق الرؤيا الصادقة والتدبر فيها ، والإنتفاع منها .
العبد الشكور
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بالنبوة مع تشرفه بمنزلة العبودية الخالصة لله عز وجل ، في آيات عديدة منها :
الأولى : قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ] ( ).
الثانية: قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.
الثالثة : قوله تعالى [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا] ( ).
الرابعة : قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] ( ).
الخامسة : قوله تعالى [ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى] ( ).
السادسة : قوله تعالى [هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ] ( ).
وهذه ست آيات ذكر فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة العبودية لله ، كما وردت آية أخرى بخصوص زكريا فيها لفظ [عَبْدَهُ] بقوله تعالى ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّالبيان إتصاف كل نبي بالعبودية لله عز وجل ، وفيه دعوة سماوية لمنع الغلو بالأنبياء مع كثرة معجزاته ونصر الله عز وجل له من غير مرجحات في العدد أو العدة والسلاح والكراع ، لذا تكرر وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعبودية لله ، مع أن وصفه بالنبي والرسول أكثر .
و(عن عطاء بن أبي رباح قال : دخلت مع ابن عمر إلى عائشة فقال ابن عمر : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله؟
فبكت فأطالت ثم قالت : كل أمر رسول الله عجب .
أتاني في ليلتي فدخل معي في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال : يا عائشة هل لك أن تأذني لي في عبادة ربّي عزّ وجلّ؟
فقلت : والله يا رسول الله إني لأحبّ قربك وأحبّ هواك قد أذنت لك.
فقام عليه الصلاة والسلام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ، ولم يكثر صب الماء .
ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حجره،
ثم رفع يده فجعل يبكي حتى رأيت الدموع قد بلت الأرض،
فأتاه بلال بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال : يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
فقال : يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً ثم قال : ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى في هذه الليلة عليَّ {إن في خلق السماوات والأرض}( ) الآية ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها)( ).
لينفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعبادة وقيام الليل بما يصرف أجيال الناس عن الغلو في شخصه الكريم ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصبر في كثرة أدائه الصلاة من غير ملل أو ضجر ، وورد لفظ [اصْطَبِرْ] في القرآن ثلاث مرات :
الأولى : اصطبار وصبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الصلاة وأدائه لها ، قال تعالى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة صلاته مع أمره لأهله بأداء الصلاة اليومية في أوقاتها .
الثانية : صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عبادته لله عز وجل بأدائه للتكاليف العامة والتكاليف الخاصة لقوله تعالى وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ … والنسبة بين العبادة والصلاة عموم وخصوص مطلق ، فالعبادة أعم .
الثالثة : وردت كلمة [اصْطَبِرْ] بخصوص الرسول صالح ومعجزة الناقة، قال تعالى إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ.
إنها عبودية عمل وتقوى وانقياد تام لأوامر الله عز وجل ، وتسليم بربوبيته المطلقة ، وانقطاع إلى الصلاة والفرائض العبادية ، كما ورد في التنزيل رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا لبيان صرف وقهر الناس عن التسمية باسم الله عز وجل ، وأسمائه التي تدل على ربوبيته للناس والخلائق جميعاً ، وليس لله شبيه أو مثيل أو شريك.
ليكون من عمومات قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في الاسم والمسمى.
تجهيز أم قِرفة جيشاً لقتل النبي (ص)
وأم قِرفة -بكسر القاف- هي فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية والتي تزوجت مالكاً بن حذيفة بن بدر ، وولدت له ثلاثة عشر ولداً ، أكبرهم قرفة وبه كانت تكنى .
وساد أولادها في قومهم ، وكانت شاعرة ويضرب بعلو شأنها المثل ، ولكنها كانت تؤلب الناس على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقاتل ضد المسلمين ، وذكر أنها كانت مسلمة , ولكنها ارتدت في معركة أحد ، ولم يثبت .
وكانت تسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتسعى في قتله.
وهي عجوز كبيرة وكنيت بابنها قرفة ، وكانت في بيت شرف ، ويضرب بها المثل في العز ، إذ كان (يُعَلّقُ فِي بَيْتِهَا خَمْسُونَ سَيْفًا (لِخَمْسِينَ فَارِسًا) كُلّهُمْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ) ( ).
(لقد جهزت أم قرفة جيشاً قوامه أربعين رجلاً من أولادها وأحفادها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجعل حراساً حول المدينة عند الليل ولكن هؤلاء إن أغاروا ليلاً وقت السحر وفجأة فقد يصلون إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان دفعهم حاجة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
و(عن الزهري، عن عروة، عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلغه أن امرأة من بني فزارة يقال لها أم قرفة جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها .
فقالت : اقدموا المدينة فاقتلوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: اللهم أثكلها بولدها.
وبعث إليهم زيد بن حارثة، فقتل بنى فزارة، وقتل ولد أم قرفة، وبعث
بدرعها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنصبه بين رمحين) ( ).
ولما قدم زيد بن حارثة من المدينة توجه إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرع الباب ، فقام اليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله (فأخبره زيد بما ظفر الله تعالى به) ( ).
و(أخرج أبو نعيم عن عائشة ان امرأة من بني فزارة يقال لها أم قرفة جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اثكلها بولدها وبعث اليهم زيد بن حارثة في سرية فالتقوا فقتل ام قرفة وولدها جميعا)( ).
ولم يثبت قتل أولادها من قبل زيد ، وأكثر أولادها قتلوا مع طليحة في الردة ، واستبقى زيد ابنتها .
لقد أرادوا الإغارة ليلاً على المدينة وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيته وقت السحر ، قال تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وفيه شاهد بأن أم قرفة لم تصل إلى المدينة ولم يمثل بها .
في السنة السادسة للهجرة خرج زيد بن حارثة وعدد من الصحابة للتجارة ولما مروا على بني فزارة قتلوا عدداً من أصحابه غدراً وظلماً ، وظنوا أن زيداً قتل ولكنه جرّ نفسه من بين القتلى ورجع إلى المدينة هو واثنان من أصحابه .
وآلى على نفسه أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يهجم على بني فزارة ، أي أنه يبقى على تيمم إلى أن يطأ ديارهم ، ولعله لجراحاته أنه لايغتسل ، لقد فوجئ زيد بن حارثة وأصحابه بهجوم بني فزارة عليهم ، فلم يقصدوا قتالاً.
فلما التأمت جراحاته بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني فزارة في جيش وأصاب فيهم .
لقد قتل زيد بن حارثة بعضهم ، وقتلها ، لقد كان قتلهم دفاعاً عن النبوة وعن الإسلام , والسلم المجتمعي , وتأمين الطرق العامة، وبعد أن قتلوا رجال قافلة زيد بن حارثة أي أن زيداً بن حارثة وأصحابه لم يكونوا سرية قتال إنما كانت عندهم تجارة وبضاعة في طريقهم إلى الشام فضربهم وقتلهم بنو فزارة ، فالمشركون هم الذين تعرضوا لهم وقتلوهم .
ونسب قتلها إلى أبي بكر وأنه كان أمير السرية التي قتلت فيها( ) .
وقيل أن أم قرفة أسرها زيد بن حارثة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر زيداً بن حارثة أن يقتلها (بين بعيرين وأرسلهما حتى شقاها نصفين)( ).
ولا دليل عليه ، ولو كان لبان ولذكره الصحابة في المدينة من الرجال والنساء ، وقال العسقلاني في ذات كتاب الإصابة ، أن زيداً قتلها يوم غزا بني فزارة أي لم يأت بها إلى المدينة وفي ترجمة (ورد بن قتادة: من بني مداس بن عبد الله بن دبيان بن الحارث بن سعد هديم.
قال ابن الكلبي: هو الذي ربط أم قرفة الفزارية بين فرسين فشقها نصفين وكان ذلك بأمر زيد بن حارثة لما غزا بني فزارة. وأسر أم قرفة)( ).
ولكن متن الخبر منكر ، واسناده منقطع ، ورواته ضعفاء ، وهو من رواية عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري وهو من طبقة صغار التابعين ولم يرفع الخبر.
وقيل الذي تولى قتلها هو قيس بن المحسر في ذات الغزوة ، ولم تحضر إلى المدينة ، نعم ذكر أن زيداً (أرسل بدرعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنصبه بالمدينة بين رمحين) ( ).
ويدل إرتداؤها الدرع على أنها تقاتل ، إذ أنه يلبس في الحرب للحماية والأمن من السيف والمقذوفات مثل السهام والرماح .
ويكون نصب رمحها في المدينة حجة للمسلمين بأنهم لم يقتلوا امرأة على تحريضها الجيوش ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما قتلوها لأنها مقاتل تفتك بالمسلمين .
وفيه توبيخ للذين كفروا وأن لا يلتفتوا للذين يحرضون على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النساء او الرجال وهو من عمومات قوله تعالى[وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ] ( ).
النهي عن قتل الذراري والنساء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه رحمة مهداة من الله عز وجل للناس جميعاً ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وفيه شاهد بأن أي خبر ضعيف رواية أو دراية يتعارض مع مضامين هذه الآية الكريمة يطرح خاصة مع تعدد الآيات والنصوص والأخبار التي تدل على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان في حال دفاع ، ومضطر للقتال في معارك الإسلام الأولى وكان يكثر من العفو عن الأعداء.
وكان ينهى عن قتل كل من :
الأول : الصبيان .
الثاني : النساء .
الثالث : الشيوخ .
الرابع : العسيف ، وهو الأجير على حفظ الدواب والزرع ونحوه .
الخامس : رجل الدين ، واصحاب الصوامع ودور العبادة لله .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه يخرج مشيعاً للسرايا ، لتوصيتهم بالصبر والتقوى ، والإمتناع عن التعدي والظلم ، والدعاء لهم .
وفي شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة ، وبعد فتح مكة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشيعاً لأهل مؤته حتى بلغ ثنية الوداع فوقف ووقفوا معه ، ومما أوصاهم به قال (وَسَتَجِدُونَ فِيهَا (أي في الشام) رِجَالًا فِي الصّوَامِعِ مُعْتَزِلِينَ لِلنّاسِ فَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ)( ).
وقال (وَلَا تَقْتُلْنَ امْرَأَةً وَلَا صَغِيرًا مُرْضِعًا وَلَا كَبِيرًا فَانِيًا، لَا تُغْرِقُنّ نَخْلًا وَلَا تَقْطَعْنَ شَجَرًا، وَلَا تَهْدِمُوا بَيْتًا)( ).
ومصداق هذا النهي قوله تعالى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
و(عن الأسود بن سَرِيع التميمي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه ، فأصبت ظهرا ، فقتل الناس يومئذ، حتى قتلوا الولدان.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية .
فقال رجل: يا رسول الله، أما هم أبناء المشركين .
فقال : ألا إنما خياركم أبناء المشركين
ثم قال : لا تقتلوا ذرية ، لا تقتلوا ذرية .
وقال : كل نسمة تولد على الفطرة ، حتى يُعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها)( ).
وهل يدل النهي النبوي المتعدد هذا على حرمة أسلحة الدمار الشامل ، الجواب نعم ، لأنها تقتل الناس بالجملة وعلى نحو عشوائي .
وكان بحثنا في علم الأصول في الحوزة العلمية هذا اليوم السبت التاسع عشر من شهر رنيسان من السنة الخامسة والعشرين بعد الألفين هو (النواهي) .
ونضيف هنا ويحتمل نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه المتعدد : لا تقتلوا ذرية ، لا تقتلوا ذرية وجوهاً :
الأول : يا أيها الصحابة لا تقتلوا ذرية ، لا تقتلوا ذرية .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا ذرية.
الثالث : يا أيها الناس لا تقتلوا ذرية.
المختار هو الأخير لعموم النهي النبوي إلا مادل الدليل على التخصيص.
والعموم مستقرأ من الجمع بين قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
وقد تواترت الأخبار عن نهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن المثلة ، وعن قتل النساء والأطفال.
وعن (رباح بن ربيع أخى بنى حنظلة الكاتب، أنه أخبره أنه رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد .
فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما كانت هذه لتقاتل ، فقال لاحدهم : الحق خالدا فقل له : لا يقتلن ذرية ولا عسيفا)( ).
وفيه شاهد بأن لفظ الذرية في الإصطلاح يشمل النساء .
وعن (رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَىْءٍ فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ : انْظُرْ عَلاَمَ اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ فَجَاءَ فَقَالَ عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ.
فَقَالَ : مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ، قَالَ وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ : قُلْ لِخَالِدٍ لاَ يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلاَ عَسِيفًا)( ).
العفو عن المجرم
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عفوه عن المجرم الذي أسرف في القتل والظلم والتعدي .
وفي معركة حنين شفّع أخته بالرضاعة الشيماء في بِجادٍ مع إيذائه للإسلام وقتله مسلماً مسالماً وتمثيله به إذ جاءه رجل مسلم ، وعندما علم باسلامه قطعه عُضواً عُضواً ثم حرقه بالنار.
وبجاد من بني سعد وخرج مع المشركين من هوازن وثقيف في معركة حنين ، وعندما انهزم المشركون ولى بجِاد هارباً على وجهه لمعرفته بجرمه .
ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قال (إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ فَلَا يُفْلِتَنّ مِنْكُم)( ).
أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر بطلبه والسعي في البحث عنه ، ولم يستبح دمه إنما ذكره بصيغة الجملة الشرطية (إن قدرتم) فأخذته خيل المسلمين ، وضموه إلى الأسرى والسبايا ومنهم الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة وأمها حليمة بنت السعدية التي كانت تقول للأنصار (إنّي وَاَللّهِ أُخْتُ صَاحِبِكُمْ وَلَا يُصَدّقُوهَا)( ).
حتى جاءت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقالت له (يا محمد أنا أختك وعرفته بعلامة عرفها فرحب بها وبسط لها رداءه فأجلسها عليه ، ودمعت عيناه .
وقال : إن أحببت فأقيمي عندي فأقيمي مكرمة محببة ، وإن أحببت أن ترجعي إلى قومك أوصلتك .
فقالت : بل أرجع إلى قومي فأسلمت فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعبد وجارية وأعطاها نعما وشاء)( ).
وسألها عن أمه وأبيه من الرضاعة فاخبرته بموتهما في الزمان ، وأسلمت الشيماء ، وحينما خرجت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلمتها النسوة في بجِاد (فَرَجَعَتْ إلَيْهِ فَكَلّمَتْهُ أَنّهُ يَهَبُهُ لَهَا وَيَعْفُو عَنْهُ. فَفَعَلَ ثُمّ أَمَرَ لَهَا بِبَعِيرٍ أَوْ بَعِيرَيْنِ وَسَأَلَهَا : مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ ، فَأَخْبَرَتْهُ بِأُخْتِهَا وَأَخِيهَا وَبِعَمّهَا أَبِي بُرْقَانَ وَأَخْبَرَتْهُ بِقَوْمٍ سَأَلَهَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْجِعِي إلَى الْجِعِرّانَةِ تَكُونِينَ مَعَ قَوْمِك، فَإِنّي أَمْضِي إلَى الطّائِفِ)( ).
ويفيد ظاهر رواية سلمة بن الأكوع أن أم قرفة لم تقتل إنما جاءت مع الأسرى وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استوهب منه ابنتها وفادى بها (قال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علينا أبا بكر فغزونا ناسا من بنى فزارة
فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة عليهم قال فوردنا الماء فقتلنا به من قتلنا , قال فأبصرت عنقا من الناس وفيهم النساء والذراري قد كادوا يسبقون إلى الجبل فطرحت سهما بينهم وبين الجبل.
فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم إلى أبى بكر وفيهم امرأة من بنى فزارة عليها قشع أدم معها ابنة لها من أحسن العرب قال فنفلني أبو بكر ابنتها قال فقدمت المدينة فلقيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسوق فقال يا سلمة لله أبوك هب لى المرأة .
فقلت يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا .
قال فسكت عني حتى إذا كان من الغد لقيني في السوق فقال يا سلمة لله أبوك هب المرأة .
فقلت يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله .
قال فبعث بها رسول الله إلى مكة , ففادى بها أسارى من المسلمين كانوا في أيدى المشركين) ( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سعيه لفك أسرى المسلمين ، الذين عند المشركين ، وأنه لم يأخذ الشابة الجميلة لنفسه كما كان يظن سلمة ، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخبره بقصده لفكاك الأسرى ، فاذا لم يرض سلمة فالله عز وجل واسع كريم.
وكانت أم قرفة تقول (اقتلوا أسرى المسلمين) أي الذين عند المشركين.
وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهب ابنة أم قرفة لخاله حزن بن أبي وهب ، ولم يثبت .
(قال الكلبى فيما ذكر له ان رسول اله صلى الله عليه كان يقول لقريش : ارايتم ان قتلت (ام قرفة) وهى فاطمة بنت ربيعة بن بدر ابن عمرو بن جوية بن لوذان اتؤمنون ، فيقولون : ايكون ذلك .
فلما قتلها زيد بن حارثة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برأسها فدير به في المدينة ليعلم قتلها وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
والخبر ضعيف ، ولم تعين جهة صحة الصدور ، كما أن سرية زيد بن حارثة كانت في شهر رمضان من السنة السادسة للهجرة وسميت السرية باسمها (سرية أم قرفة بوادي القرى).
ولم تكن سرية قتال ابتدائي إنما كانت بسبب قتل بني فزارة للمسلمين الذين هم في طريقهم إلى الشام في بضاعة وتجارة.
وقام المنافقون بتحريض المؤمنين على القعود عن الخروج للتجارة وفي السرايا ، كما ورد في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
ليكون من أسباب الحسرة في قلوب الكافرين والمنافقين أن المسلمين اقتصوا من الذين قتلوا المسلمين الذين ضربوا في الأرض للتجارة والكسب ، ولتأمين طرق التجارة للناس جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ولو لم يرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيداً لدفعهم لتعطلت طرق التجارة ، وخاف الناس في المسالك والطرق العامة على أنفسهم وأموالهم ، وخاف المسلمون خاصة على دينهم وأنفسهم وأموالهم ، بالإضافة إلى أن أم قرفة أرسلت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها إلى المدينة ، وقالت أقتلوا محمداً ، أي يغيرون على المدينة وقت السحر بغتة ويهجمون على بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالىوَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
بعث المصدّقين
لقد عاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح مكة ومعركة حنين ، وحصار الطائف إلى المدينة في أواخر السنة الثامنة للهجرة لأن فتح مكة كان في العاشر من شهر رمضان من ذات السنة .
فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدداً من أصحابه عمالاً لجمع الصدقات والجزية والأموال والأنعام المستحقة من الزكاة ، قال تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
وتدل تسمية الصدقات على أنها لم تؤخذ من أصحابها عِنوة ، والمفرد الصدقة وهي تعطى إلى الفقراء ، وفي سبيل الله بقصد القربة إلى الله عز وجل .
واللفظ مأخوذ من الصدق لبيان قانون الزكاة فرع الإيمان ومرآة له ، وهل يفيد قوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وجوب بعث المصّدقين الذين يجمعون الحقوق الشرعية أيام النبوة وما بعدها.
الجواب نعم ، لتوجه الخطاب والأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [خُذْ].
فمن الناس من يكون عنده مال الزكاة والخمس ولا يعرف الوجوب ، أو كيفية وأصناف الزكاة ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعث المصّدقين وصيرورته سنة للخلفاء والفقهاء من بعده .
وقد بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المصّدقين بعد معركة حنين وهم :
الأول : الإمام علي بن أبي طالب إلى نجران لجمع الصدقة والجزية كليهما .
الثاني : عُيَيْنَةُ بن حصن إلى بني تميم.
الثالث : يزيد بن الحُصَيْن إلى أسْلَم وغِفَار.
الرابع : عَبَّاد بن بشير الأشهلي إلى سُلَيْم ومُزَيْنَةَ.
الخامس : رافع بن مَكِيث إلى جُهَيْنَة.
السادس : عمرو بن العاص إلى بني فَزَارَة.
السابع : الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب.
الثامن : بشير بن سفيان إلى بني كعب.
التاسع : ابن اللُّتِْبيَّة الأزدي إلى بني ذُبْيَان.
العاشر : المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء ـ وخرج عليه الأسود العنسي وهو بها.
الحادي عشر : زياد بن لبيد إلى حضرموت.
الثاني عشر : عدي بن حاتم إلى طيئ وبني أسد.
الثالث عشر : مالك بن نُوَيْرَة إلى بني حَنْظَلَة.
الرابع عشر : الزِّبْرِقَان بن بدر إلى طائفة من بني سعد.
الخامس عشر : قيس بن عاصم إلى بني سعد ـ إلى طائفة أخرى منهم.
السادس عشر : العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.
ولم يكن بعثهم كلهم في بداية السنة التاسعة للهجرة .
عصمة النبي (ص) من ترك ميدان القتال
من معجزات وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا ينهزم من ساحة الميدان ، وهو من الشواهد على حفظ الله عز وجل له ورجوع الصحابة إليه خلافاً للمتبادر بقيام القائد بتسهيل انسحابه ، أو فراره وترك ميدان المعركة عند الشعور بقرب الهزيمة .
ولكن النبي محمداً بقي في موضعه يوم حنين وليس معه إلا نحو مائة من الصحابة في وجه عشرين ألفا من المشركين مندفعين في القتال.
ويدل قول جابر بن عبد الله الأنصاري (فَانْطَلَقَ النّاسُ إلّا أَنّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ نَفَرٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ)( ).
لقد كانت خطط مالك بن عوف وجيش المشركين من هوازن وثقيف يوم حنين محكمة لولا فضل الله في تحقيق النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معجزة حسية ، إذ نزلت الملائكة للنصرة ، وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما فعله في معركة بدر إذ أخذ قبضة من تراب الأرض ورماها في وجوه القوم ، فملأت عيونهم وأفواههم مع كثرتهم .
و(قيل للبراء : كان النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ولى دبره يوم حنين قال : والذي لا إله إلاّ هو ما ولّى رسول الله دبره قط ، لقد رأيناه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب والعباس آخذ لجام الدابة.
وهو يقول : أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب .
قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : ناد يامعشر المهاجرين ويامعشر الأنصار وكان العباس رجلاً صويّتاً.
ويروى من شدة صوت العباس أنه أُغير يوماً على مكة فنادى : واصباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها.
لقد انحاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهة اليمين كيلا يحول دون المنهزمين في إنسحابهم لأن نصره من عند الله ، ولأن هؤلاء المنهزمين سيعودون للقتال وهم على خيلهم وإبلهم ، وأخذ ينادي (أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ ، هَلُمّوا إلَيّ ، أَنَا رَسُولُ اللّهِ أَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ)( ).
قطع الخطبة لسؤال
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنايته بالمسلمين في أحوالهم الخاصة ومع وظائف النبوة والتبليغ ، ومسؤوليات الإمامة الكبرى فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يصغي لأسئلة المسلمين ، والمسائل التي يعرضونها عليه.
لذا تكرر لفظ (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن ، كلها خطاب من عنده الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ وَهْوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ عُنُقِى ضُرِبَتْ وَسَقَطَ رَأْسِى فَاتَّبَعْتُهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَعَدْتُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِى مَنَامِهِ فَلاَ يُحَدِّثَنَّ بِهِ النَّاسَ)( ).
فمع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب على المنبر فانه قطع خطبته وأجاب عن رؤيا أحدهم بما فيه تفقه الناس في الرؤيا والإعراض عن الرؤيا المكروهة وأضغاث الأحلام .
وهو جواب لم ترق الى بعض من مستوى تأثيره ونجاحه مدارس التحليل النفسي ، فقد جعل فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلم طبيب نفسه وبيده علاجها الفعال ، وقد ادرك ان عليه الإعراض عن ايذاء الشيطان ونزوات الإغواء ومواطن الحيرة، وسهل عليه التغلب على كيد الشيطان بكشف حيله وكيفية قهره وطرده.
الرؤيا طريق لزواج النبي (ص)
لقد رأى بعض الصحابة ونساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل زواجهن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤى صادقة تتضمن البشارة بالزواج منه ، وهو من المقدمات الغيبية لنيلهن مرتبة أمهات المسلمين ومنه :
الأولى : رؤيا أبي بكر في زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خديجة ، ففي خطبتها للنبي توجه بنو عبد المطلب (إلى دار خويلد، وقد عمد أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه واله وألبسه أحسن الثياب، وقلده سيفا، وأركبه على جواده، ودار حوله عمومته وكلهم محدقون به، فلقاهم أبو بكر بن أبي قحافة.
وقال : إلى أين تريدون يا أولاد عبد المطلب ؟ لقد كنت قاصدا إليكم في حاجة خطرت ببالي.
فقال له العباس: وما هي اذكرها، قال: رأيت في منامي كأن نجما قد ظهر في منزل أبي طالب وارتفع إلى افق السماء، وأنار واستنار إلى أن صار كالقمر الزاهر، ثم نزل بين الجدران فتبعته، فإذا هو قد دخل في بيت خديجة بنت خويلد، ودخل معها تحت الثياب، فما تأويله .
قال له أبو طالب: ها نحن لها قاصدون، وعلى خطبتها معولون)( ).
وفي رواية (فما أصدق رؤياك يا ابن أبي قحافة فقال بالله عليكم خذوني معكم فقال أبو طالب سر معنا ثم ساروا حتى دخلوا منزل أبي خديجة فسبقتهم الجواري) وأخبر خويلد وكان يشرب الخمر .
الثانية : رؤيا سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لقد كانت سودة بنت زمعة تحت السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري وهاجرا الى الحبشة ، وولدت له عبد الرحمن .
وروي عن ابن عباس أنها رأت في المنام كأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقبل يمشي حتى وضع رجله على رقبتها ، فأخبرت زوجها وقصت عليه الرؤيا ، فقال لها لئن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجنك محمد)( ).
أي أنه لم يقل ليتزوجك رسول الله ، ثم رأت في المنام ليلة أخرى أن قمراً انقض عليها وهي مضطجعة ، فأخبرت زوجها .
وقولها (أن قمراً انقض عليها) بيان إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الرؤيا ، فالذي ينقض من السماء الصقر ونحوه ، ولكن الرؤيا جاءت برمز (القمر) لبيان أن الصلة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نور وبركة ، ولأن هذه الرؤيا مقدمة لنيل سودة بنت زمعة مرتبة سامية لم تنلها في تأريخ الإنسانية غير نساء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي أمومة المؤمنين .
فأدرك زوجها أن الأمر قريب وقوعه ، ظاهر تأويله .
فقال لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيراً حتى أموت ، وتتزوجين من بعدي ، فاشتكى السكران من يومه ذلك( )، فلم يلبث إلا قليلاً حتى مات وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتفوز بصفة أم المؤمنين ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
الثالثة : في زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أم سلمة ورد بالإسناد عنها أنها (قالت : أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به قال : لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول : اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا فعل به.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته المسلمين إلى الإسترجاع عند المصيبة ورجاء فضل الله عز وجل بالبدل والعوض الأحسن ، وهو من مصاديق قوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
قالت أم سلمة : فحفظت ذلك منه ، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت : اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها ثم رجعت إلى نفسي فقلت : من أين لي خيرا من أبي سلمة .
فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهابا لي فغسلت يدي من القرظ وأذنت له فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها فخطبني إلى نفسي)( ).
الرابعة : عن عروة بن الزبير (قالت جويرية بنت الحارث: رأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث ليال( ) كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري .
فكرهت أن أخبر به أحدا من الناس حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما سبينا رجوت الرؤيا .
قالت: فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجني، والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر، فحمدت الله تعالى)( ).
لتكرر تشبيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رؤيا الزواج بهيئة القمر ونوره الخلاب .
لقد عرض عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزواج فقبلت ، فقال الصحابة (أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق فلقد أعتق بها مائة أهل بيت من بني المصطلق)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عتق أسرى وسبايا المشركين بسبب مصاهرته لهم وزواجه من إحداهن ، ولتنتقل التي تزوجها من صفة السبية المستضعفة إلى أم للمؤمنين ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
الخامسة : عندما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفية بنت حيي بن أخطب ليتزوجها رأى بعينها (خُضْرة، فقال: يا صفية ما هذه الخضرة ؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرا وقع في حجري، فأخبرته بذلك فلطمني وقال: تتمنين ملك يثرب.
قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إلى، قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إلي ويقول : إن أباك ألب علي العرب وفعل ما فعل، حتى ذهب ذلك من نفسي)( ).
معجزة ضبط الصيام
قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
لقد فّرض الله عز وجل الصيام على المسلمين والمسلمات ، ومن الآيات ضبط الصيام في القرآن من جهات :
الأولى : أوان الصيام هو شهر رمضان من كل سنة ، قال تعالى شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
الثانية : تعيين أول وآخر أوقات الصيام اليومي ، إذ يبدأ من طلوع الفجر إلى أول الليل ، قال تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.
الثالثة : إكمال صيام أيام شهر رمضان لقوله تعالى [وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ].
الرابعة : الرخصة للمريض والمسافر بقوله تعالى فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وللشيخ والشيخة والذي يتحملون الصيام ولكن بمشقة لقوله تعالى [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ].
(وقرأ ابن عباس ومجاهد : وعلى الذين لا يطيقونه)( ).
و(عن ابن عباس نحوه غير أنه لم يقل: حين يُفطر وحين يَتسحر)( ).
وكذا ورد عن الإمام جعفر الصادق في الآية (الذين كانوا يطيقون الصوم وأصابهم كبر أو عطاش او شبه ذلك فعليهم لكل يوم مد)( ).
وروي عن حفصة أنها قرأت (وعلى الذين لا يطيقونه).
ومصحف حفصة هو الذي جمعه أبو بكر ، ولما توفي بقي عند عمر بن الخطاب الذي أوصى بأن يكون المصحف عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أسماء قوانين هذا الجزء المبارك
الأول : قانون سلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان .
الثاني : قانون مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل ساعة من ساعات حياته من حين بعثته .
الثالث : قانون الوحي أسمى مراتب الوحي.
الرابع : قانون الملازمة بين العصمة والوحي.
الخامس : قانون العصمة رحمة .
السادس : قانون عصمة الأنبياء عنوان تخفيف عن النبي والناس ، ومقدمة علمية للتصــديق بدعواه.
السابع : قانون حاجة النبوة للوحي ، فلا ينال النبي مرتبة النبوة إلا بالوحي من عند الله عز وجل.
الثامن : قانون عدم مغادرة الوحي للنبي إلى حين انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، وفي التنزيل مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى.
التاسع : قانون توثيق القرآن لوحي الأنبياء.
العاشر : قانون المنافع الأخروية للوحي .
الحادي عشر : قانون الوحي تعضيد.
الثاني عشر : قانون موضوعية الوحي في كيفية الدفاع في معارك المسلمين الأولى.
الثالث عشر: قانون كشف الوحي للمنافقين.
الرابع عشر : قانون الإصغاء إلى الوحي وانتظار ما يأتي به.
الخامس عشر : قانون استجابة المسلمين للوحي، الأسباب والنتائج.
السادس عشر : قانون الوحي مدد من الله للأنبياء وأصحابهم وأتباعهم من أهل زمانهم والأزمنة اللاحقة .
السابع عشر : قانون الوحي نوع طريق للنصر ، وهو من مصاديق العون الإلهي وأسباب النصر.
الثامن عشر : قانون حضور الوحي بنظام الحكم في الإسلام.
التاسع عشر : قانون الوحي سبب لهداية الناس للإسلام .
العشرون : قانون موضوعية الوحي في حقن الدماء ، وقلة معارك الإسلام .
الواحد والعشرون : قانون تأكيد الوحي اليومي لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني والعشرون : قانون الوحي إلى السماوات.
الثالث والعشرون : هل يصح القول بقانون سكوت النبي في مفهومه وحي ، الجواب نعم ، والنسبة بينه وبين السنة التقريرية عموم وخصوص مطلق .
الرابع والعشرون : قانون سلامة الوحي والتنزيل من الخطأ أو الزيغ أو الخلل.
الخامس والعشرون : قانون استدامة عمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي وتلاوة ذات آيات التنزيل.
السادس والعشرون : قانون الإيمان واقية من الظلم.
السابع والعشرون : قانون التلاوة مدرسة أخلاقية تمنع من الهّم بالمعصية وتعصم الجوارح من الظلم والتعدي.
الثامن والعشرون : قانون منع القرآن من المعصية .
التاسع والعشرون : قانون التضاد بين انتفاء الأنصار للظالمين ، وبين فوز المسلمين بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثلاثون : قانون التضاد بين الإيمان والكفر ، وبين الأبرار والظالمين للناس .
الواحد والثلاثون : قانون بيان عدة آيات قرآنية لمضمون الآية الواحدة منه.
الثاني والثلاثون : قانون تنقيح آيات القرآن للسنة.
الثالث والثلاثون : قانون المثل القرآني حكمة متعالية .
الرابع والثلاثون : قانون حاجة الناس للمثل القرآني .
الخامس والثلاثون : قانون إرتقاء وعلو المثل القرآني على أمثلة الشعوب والأمم .
السادس والثلاثون : قانون علوم القرآن أعم وأوسع من أن تحيط بها قواعد البلاغة والنحو.
السابع والثلاثون : قانون الإيمان نور في الدنيا والآخرة .
الثامن والثلاثون : قانون النور نعمة من عند الله عز وجل.
التاسع والثلاثون : قانون الحاجة إلى النور والهداية من الله عز وجل.
الأربعون : قانون القرآن عضد وعون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الواحد والأربعون : قانون بآية قرآنية قصيرة استؤصل الوأد إلى يوم القيامة.
الثاني والأربعون : قانون تعضيد السنة النبوية للقرآن .
الثالث والأربعون : قانون حاجة الناس للآية القرآنية وما فيها من التشريع.
الرابع والأربعون : قانون حجب المشركين عن تشويه التنزيل.
الخامس والأربعون : قانون عجز الذين كفروا عن صرف الناس عن آيات التنزيل والإصغاء لها.
السادس والأربعون : قانون الإسلام دين صلاح المجتمعات في العبادات والمعاملات.
السابع والأربعون : قانون إكرام الإسلام للبنت قطع الوأد بآية واحدة .
الثامن والأربعون : قانون تعضيد السنة النبوية اليومي للآية القرآنية.
التاسع والأربعون : قانون الأمن من الوأد سبب لكثرة الزواج في الإسلام ، وزيادة النسل والأولاد لأنه لا يتم إلا بطرفين.
الخمسون : قانون تنمية ملكة الأخلاق الحميدة عند المسلمين والمسلمات.
الواحد والخمسون : قانون صلاح مجتمعات المسلمين.
الثاني والخمسون : قانون نشر شآبيب الرأفة والرحمة بين الناس .
الثالث والخمسون : قانون مصاحبة الوهن للنفاق.
الرابع والخمسون : قانون السلم منهاج نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس والخمسون : قانون كره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للحرب مطلقاً .
السادس والخمسون : قانون الحرب على التعدي والظلم والإرهاب .
السابع والخمسون : قانون زيادة إيمان المسلمين .
الثامن والخمسون : قانون ترغيب الناس بدخول الإسلام.
التاسع والخمسون : قانون تآلف القبائل .
الستون : قانون ترغيب أفراد القبائل بدخول الإسلام .
الواحد والستون : قانون بقاء الإسلام إلى يوم القيامة.
الثاني والستون : قانون حجب الفئ عن الأغنياء كيلا يزدادوا غنى مع شدة حاجة الفقراء ، وفيه مواساة للفقراء.
الثالث والستون : قانون تعدد أزواج النبي (ص) مواساة.
الرابع والستون : قانون معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هداية وصلاح .
الخامس والستون : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنيل مراتب من الوحي لم ينلها قبله أحد من الأنبياء .
السادس والستون : قانون الرأفة والرحمة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي أعظم بمراتب من الرحمة فيما بين الناس .
السابع والستون : قانون إكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه.
الثامن والستون : قانون أولوية أداء المناسك .
التاسع والستون : قانون الحج زيادة في الإيمان .
السبعون : قانون الحج مادة وسبب للزواج وتعاهده .
الواحد والسبعون : قانون تنمية ملكة الإيمان عند الأهل بأدائهم حج بيت الله الحرام .
الثاني والسبعون : قانون العربية لغة القرآن .
الثالث السبعون : قانون العربية لغة أهل الجنة .
الرابع والسبعون : قانون البشارة والإنذار في منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس والسبعون : قانون المنبر النبوي نعمة عظمى.
السادس والسبعون : قانون المنبر واقية ودفاع ، وإصلاح .
السابع والسبعون : قانون المنبر أمن وأمان.
الثامن والسبعون : قانون موضوعية المنبر في الإمامة.
التاسع والسبعون : قانون المنبر النبوي حجة.
الثمانون : قانون حرب المنبر النبوي على الشرك.
الواحد والثمانون : قانون السلام من الأخلاق الكريمة والصلات الحميدة بين الناس.
الثاني والثمانون : قانون لحوق الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة للذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث والثمانون : قانون عصمة المؤمنين والمؤمنات من النفاق ومفاهيمه.
الرابع والثمانون : قانون رؤيا الوحي من الله عز وجل.
الخامس والثمانون : قانون بالوحي خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الحديبية .
السادس والثمانون : قانون الصلح فتح .
السابع والثمانون : قانون الملازمة بين الإيمان والدعوة إلى الصلح .
الثامن والثمانون : قانون الصلح فضح للظالمين ، وكشف لجرائمهم .
التاسع والثمانون : قانون الصلح خزي للمعتدين واسقاط لما في أيديهم.
التسعون : قانون صلح الحديبية رحمة ونعمة عامة .
الواحد والتسعون : قوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] سورة الموجبة الكلكية قانون عام في كل زمان ومكان وبين الناس جميعاً.
الثاني والتسعون : قوله تعالى [لَا تَخَافُونَ] قانون سماوي متجدد إلى يوم القيامة .
الثالث والتسعون : قانون حضور الهجرة عند الحاجة .
الرابع والتسعون : قانون طرد المعجزة للخوف من المشركين .
الخامس والتسعون : قانون معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبب في زيادة الإيمان .
السادس والتسعون : تأسيس قانون العناية بالرؤيا وتأويلها.
السابع والتسعون : قانون رؤيا النبي (ص) حجة.
الثامن والتسعون : قانون العناية بالرؤيا الصادقة .
التاسع والتسعون : قانون النهي عن التفريط بالرؤيا الصادقة .
المائة : قانون الإنتفاع العام الأمثل من الرؤيا .
الواحد بعد المائة : قانون الرؤيا الصادقة من علم الغيب .
الثاني بعد المائة : قانون الرؤيا لطف من عند الله عز وجل .
الثالث بعد المائة : قانون الشكر لله عز وجل على نعمة الرؤيا .
الرابع بعد المائة : قانون تأويل الرؤيا تأويلاً صحيحاً.
الخامس بعد المائة : قانون الزكاة فرع الإيمان ومرآة له.
المحتويات
المقدمـــة 3
قسمة تفصيلية للمكي والمدني 6
الإستجابة الأولى 12
الولادة المباركة 15
تسمية محمد 17
أم النبي محمد (ص) تتحدث عن رؤياها 19
بشارة ملك اليمن ببعثة النبي محمد (ص) 21
بشارات نبوة محمد (ص) في أروقة الملوك 23
خاتم النبوة 24
قانون الوحي أسمى مراتب الوحي 26
قانون الملازمة بين العصمة والوحي 28
ذخائر الوحي 31
قانون الوحي تعضيد 32
الجمع بين الوحي والتنزيل 37
قانون الوحي إلى السماوات 39
صفة النبي محمد (ص) بالوحي إلى شعيب 40
صفة النبي محمد (ص) 42
أطراف الوحي 44
التحنث في غار حراء 46
التعبد في الغار 47
صدور الجزء الأول 49
قانون الإيمان واقية من الظلم 50
اتساع مكة وما حولها 51
استدامة حج البيت 55
لا أصل لحديث الغرانيق 57
نفي آيات القرآن لحديث الغرانيق 61
عالمية المثل القرآني 62
مدرسة المثال في السنة النبوية 65
المثل الجامع للحقيقة والمجاز / علم مستحدث 67
تعدد أسماء النبي محمد (ص) 68
شواهد من إسلام الطفيل الدوسي 71
العلامة والآية بالدعاء 72
حسد أمية أبي الصلت 73
بشارة علماء النصارى بخاتم الأنبياء 77
مدح أمية لعبد الله بن جدعان 79
سماع النبي (ص) لشعر أمية 80
حديث الرحالة ابن وهب 82
قانون استئصال الوأد 86
معجزة انقطاع الوأد 88
قانون قطع الوأد بآية واحدة 89
قانون مصاحبة الوهن للنفاق 92
نزول ملائكة لم ينزلوا من قبل 93
محاولات قتل النبي (ص) قبل الهجرة 95
خطط المشركين لقتل النبي (ص) في مكة 96
بيعة العقبة الأولى 104
الخروج من مكة 106
أزواج النبي (ص) 107
الزوجة الأولى : خديجة بنت خويلد. 107
خطبة النبي (ص) لخديجة 108
الزوجة الثانية : سودة بنت زمعة 109
الزوجة الثالثة : عائشة بنت أبي بكر 111
الحديث عن النبي محمد (ص) 112
الزوجة الرابعة : حفصة بنت عمر . 115
الزوجة الخامسة : زينب بنت خزيمة بن الحارث 116
الزوجة السادسة : أم سلمة 119
خطبة النبي (ص) لأم سلمة 122
هجرة أم سلمة إلى المدينة 123
دخول النبي (ص) بأم سلمة 126
حكمة أم سلمة يوم الحديبية 128
قانون السلم منهاج نبوة محمد (ص) 129
مسند أم سلمة 130
الزوجة السابعة : أم حبيبة 131
أم حبيبة مهاجرة 131
معجزة خطبة أم حبيبة 133
الزوجة الثامنة : جويرية بنت الحارث 135
كتيبة بني المصطلق منع لسفك الدماء 137
أسماء كتيبة بني المصطلق 139
منافع زواج جويريه 141
الزوجة التاسعة : زينب بنت جحش 143
آية قرآنية في زواج النبي (ص) من زينب 144
نزول آية الحجاب 148
الإخبار السماوي عن أزواج النبي (ص) 150
الزوجة العاشرة : صفية بنت حبيّ بن أخطب 153
رؤيا صفية 153
إخفاء كنز بني النضير 154
حقن دماء سكان خيبر 155
زواج النبي (ص) من صفية 157
حساب الجمل 159
العتق صداق 161
اخراج النبي بعض أزواجه في الكتائب 162
الزوجة الحادية عشرة : ميمونة بنت الحارث . 164
فدك 167
هبة المرأة نفسها للنبي(ص) 169
خلاصة في زواج النبي (ص) 172
مارية القبطية 174
ولادة ابراهيم ابن النبي محمد (ص) 175
علة زواج النبي (ص) من أكثر من أربع 178
قانون تعدد أزواج النبي (ص) مواساة 180
العناية بالأيتام 182
سبع خصائص حميدة في آية واحدة 186
أمهات المؤمنين وحجة الوداع 189
مواساة الأرامل 192
أزواج النبي والأحاديث 194
حرمة نكاح أزواج النبي (ص) 198
تيسير الزواج 199
ظهور الحصر 201
تحريم أزواج النبي على غيره 203
إكرام المسلمين لأزواج النبي (ص) بعد وفاته 205
عربية القرآن 207
معاني كلمة عربي 208
حفظ العربية 211
عدم جريان الشعر على لسان النبي (ص) 214
الإطلاق الزماني لمعجزات النبي محمد (ص) 215
الإعجاز في اجتماع الضدين 217
السواك 218
منبر الجمعة غض طري 221
قانون المنبر النبوي نعمة عظمى 224
إفشاء السلام 228
إبدال الأسماء للأحسن 231
أسماء المدينة 233
اطمئنان النبي (ص) للذي يدخل الإسلام 234
تشريع الأذان 238
تخاذل وخذلان المنافقين 239
إنذار المنافقين 241
الإستسقاء 244
سؤال العفو 245
تقسيمات معجزات النبي (ص) 246
السماحة في الصلح 249
إرادة قتل النبي (ص) يوم حنين 250
مقدمة للخروج إلى الحديبية 252
صبر النبي على المنافقين 254
الصبر على الاستحواذ على دور النبي (ص) والصحابة 256
الصلح خير 257
أسباب صلح الحديبية 260
معجزة تدفق الماء في الحديبية 262
الأمر بالأمر بالشئ (بحث أصولي) 263
رسائل النبي (ص) إلى ملوك عصره 265
أسماء الملوك 266
سؤال النبي (ص) أصحابه عن رؤاهم 267
خصائص النبي (ص) في علم الرؤيا 270
قانون رؤيا النبي (ص) حجة 272
اللجوء إلى القرآن لتأويل الرؤيا 273
الانتفاع مما يراه النبي (ص) في المنام 275
قصّ النبي (ص) رؤياه على أصحابه 276
ضحك النبي (ص) من رؤيا أحدهم 277
إنصات وتأويل النبي (ص) لرؤى أصحابه 279
العبد الشكور 281
تجهيز أم قِرفة جيشاً لقتل النبي (ص) 284
النهي عن قتل الذراري والنساء 289
العفو عن المجرم 292
بعث المصدّقين 295
عصمة النبي (ص) من ترك ميدان القتال 297
قطع الخطبة لسؤال 299
الرؤيا طريق لزواج النبي (ص) 300
معجزة ضبط الصيام 304
أسماء قوانين هذا الجزء المبارك 305
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
1047 لسنة 2025