بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمـــة
الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما ، والذي أحصى كل شئ عدداً ، الحمد لله الذي جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وسخر للناس ما في السموات والأرض لتكون الدنيا دار امتحان واختبار وابتلاء ، ومزرعة للآخرة .
الحمد لله الذي جعل عبادة الناس له علة لخلقهم وانتشارهم في الأرض ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
الحمد لله الذي هدانا لحمده وشكره ، ونسأله تعالى أن يجعل هذا الحمد حرزاً لنا من مساءلة منكر ونكير في عالم البرزخ ، وسبباً وثواباً للتخفيف من أهوال الآخرة عنا .
الحمد لله الذي جعل الخلق والرزق والإحياء والإماتة بيده سبحانه .
وهذا الكتاب هو قراءة في حياة وجهاد وسيرة الإمام الحسين عليه السلام ، ومصيبة الأمة والإنسانية في كربلاء يوم استشهد الإمام الحسين عليه السلام وثلة من أهل بيته وأصحابه.
وقد صدرت لي الطبعة الأولى سنة 1994 بعنوان (الحسين سبط من الأسباط) على نحو الإيجاز ، فجاء هذا الكتاب بتأليف جديد وإضافات وتنقيح بفضل ولطف من عند الله عز وجل .
فالحمد لله واهب العطايا ، المانع من الأذى والضرر ومعوقات العمل الصالح .
وقد تم هذا الأسبوع والحمد لله الجزء الخامس والسبعون بعد المائتين من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) ويختص بتفسير الآية الأولى من سورة النساء يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
وتتضمن أجزاء هذا التفسير (20800) قانوناً والحمد لله ، وكل قانون أو أكثر تصلح أن تكون رسالة ماجستير أو إطروحة دكتوراه ، وأقوم بتأليف وتصحيح ومراجعة كتبي في التفسير والفقه والأصول والكلام بمفردي بمدد وعون من عند الله عز وجل ، وفي التنزيل وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
لقد أراد الله عز وجل لسيرة الحسين أن تكون مدرسة في الأخلاق الحميدة والصلاح ، لينهل الناس من علوم أهل البيت ، وهو من مصاديق حديث الثقلين المتواتر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وواقعة كربلاء لواء ثورة في حقوق الإنسان ودعوة للسلم المجتمعي ، ورفض الحكم الظالم المخالف للقوانين والأعراف الإسلامية.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لقد أوحى الله فيما مضى قبلكم إلى جبرئيل فأمره أن يخسف ببلد يشتمل على الكفار والفجار فقال جبرئيل يا رب أخسف بهم إلا بفلان الزاهد ؟ فيعرف ماذا يأمره الله به.
فقال الله تعالى: بل اخسف بهم وبفلان قبلهم فسأل ربه، فقال رب عرفني لم ذلك وهو زاهد عابد .
قال : مكنت له واقدرته فهولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، وكان يتوفر على حبهم وفي غضبي لهم .
فقالوا: يا رسول الله فكيف بنا ونحن لا نقدر على إنكار ما نشاهده من منكر .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمكم الله بعذاب .
ثم قال: من رأى منكرا فلينكره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، فحسبه ان يعلم الله من قلبه إنه لذلك كاره)( ).
لقد أراد الله أن يكون قبر الحسين عليه السلام مزاراً ومصدر إشعاع إيماني ، قال تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ.
حرر في اليوم الخامس والعشرين من محرم الحرام 1448هـ
9/7/2026
الولاة المباركة
في اليوم الثالث من شعبان من السنة الرابعة للهجرة (10 يناير 626م) ولد الإمام (الحسين بن علي بن أبي طالب أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدة نساء العالمين يكنى أبا عبد الله)( ).
ليشرق على الأرض نور إمامة عامة في أمور الدين والدنيا كتب الله لضيائه ان يُرى بين المشرق والمغرب وأن تنفذ أشعة وبريق طريق صبره وجهاده إلى شغاف القلوب بولادة سيد شباب الجنة الحسين بن علي عليه السلام .
(قالت أم الفضل بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم رأيت رؤيا اعظمها ان اذكرها لك. ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمض معها في انكارها والاقلال من شأن الرؤيا كطريق لتحليل رموزها واقترابها من واقع الحدوث وجريان الامور بشارة كانت أو إنذاراً.
فقال: اذكريها. وقولـه هذا عبرة للمسلمين فرب اخفاء لرؤيا يحول دون الدعاء والعمل ويمنع من فتح باب الاحتياط وما فيه من المندوحة والسعة والرحمة وطرق النجاة.
فقالت رأيت كأن بضعة منك قطعت فوضعت في حجري.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن فاطمة حبلى تلد غلاماً أسميه حسيناً وتضعيه في حجرك.
وكم كان الفرق كبيراً بين ظنها في الرؤيا وتأويل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها .
وهكذا ساهم تأويل الرؤيا في ترسيخ الإيمان وتوكيد صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجمعه وحيازته للعلوم والمعارف والكمالات بقسميها الكسبي والهبة فضلاً من الله ورحمة وحجة ودعوة للايمان.
قالت أم الفضل (فدخل علي يوماً وحسين معي فأخذه يلاعبه ساعة ثم ذرفت عيناه فقلت ما يبكيك قال هذا جبريل يخبرني أن أمتي تقتل ابني هذا)( ).
ومن ألقابه : سيد شباب أهل الجنة ، السبط ، ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، خامس أهل الكساء ، الإمام ، المطهر ، الشهيد ، التابع لمرضاة الله .
وظل المسلمون يفتخرون باستذكار ساعة ولادة الحسين عليه السلام وعن بشر بن غالب قال كنت مع أبي هريرة فرأى الحسين بن علي فقال يا أبا عبد الله لقد رأيتك على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد خضبتهما دماً حين أتي بك اليه حين ولدت فسررًلك ولفك في خرقة.
ولقد تفل في فيك وتكلم بكلام ما أدري ما هو ولقد كانت فاطمة سبقته بقطع سرة الحسن .فقال لا تسبقيني بها ( ) .
وكانت مدة حمل الزهراء عليها السلام بالحسين عليه السلام سته أشهر كما كانت ولادة يحيى بن زكريا وقيل كذا عيسى بن مريم .
وتؤكد ذلك القاعدة الشرعية المستنبطة ان أقل مدة الحمل ستة أشهر.
روى المفيد في الارشاد وغيره أن عمر بن الخطاب أتى بامرأة ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها فقال له الإمام علي عليه السلام إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إن الله يقول وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ويقول عز وجل وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ فاذا تممت المرأة الرضاعة سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً كان الحمل منها ستة أشهر فخلى عمر سبيل المرأة .
و(قال الواقدي علقت فاطمة بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة وروى جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال لم يكن بين الحسن والحسين إلا طهر واحد وقال قتادة ولد الحسين بعد الحسن بسنة وعشرة أشهر لخمس سنين وستة أشهر من التاريخ وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما عق عن أخيه وكان الحسين فاضلاً ديناً كثير الصيام والصلاة والحج)( ).
وما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام هو الأصح .
إشراقة مباركة على الأرض
لقد أشرقت الأرض في الثالث من شعبان من السنة الرابعة للهجرة بولادة الإمام الحسين عليه السلام ليثبت نهج الإصلاح والعدل ، إذ سرّ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي اختار له اسم الحسين ، ويذكر بعض المؤرخين باسم حسن وحسين من غير لام التعريف ، وأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أذنه اليمنى ، وأقام في أذنه اليسرى.
لقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العناية بالحسن والحسين عليهما السلام من حين الولادة لبيان منزلتهما السامية ، وفيه دعوة للمسلمين للعناية والرأفة بهما وبذريتهما بما فيه وراثة مبادئ التوحيد وأحكام الشريعة السمحاء .
و(عن ابن عباس وعق عنه في اليوم السابع كبشين ، وكذا عن الحسن قبله أي ذبح عنه عقيقتين كما في سنن النسائي)( ) والكبش ذكر الضأن .
لتكون سنة عند المسلمين إلى يوم القيامة.
وروى الترمذي عن أنس بن مالك سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي أهل بيتك أحب إليك ، قال الحسن والحسين ، وكان يقول لفاطمة أدعي لي ابنيّ فيشمهما ويضمهما إليه.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدعو المسلمين لحب الحسن والحسين .
وهل هذه الدعوة زجر ووعيد من التعدي عليهما ، والتحذير من سم الحسن ومن واقعة كربلاء ، الجواب نعم .
كما جاء هذا الوعيد والتحذير بنصوص واضحة من السنة النبوية منها إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن واقعة كربلاء .
وعن (ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، قال : استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي صلى الله عليه وسلم ، فأذن له ، وكان في يوم أم سلمة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أم سلمة ، احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد .
قال : فبينما هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي ، فاقتحم ، ففتح الباب ، فدخل ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يلتزمه ويقبله ، فقال الملك : أتحبه.
قال : نعم . قال : إن أمتك ستقتله ، إن شئت أريتك المكان الذي تقتله فيه .
قال : نعم . قال : فقبض قبضة من المكان الذي قتل به ، فأراه فجاء سهلة – أو تراب أحمر – فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها ، قال ثابت : فكنا نقول : إنها كربلاء)( ).
و(عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال : بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخا عظيما عاليا من بيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و آله فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها، و أقبل أهل المدينة إليها الرجال و النساء.
فلما انتهيت إليها قلت يا أم المؤمنين، ما بالك تصرخين و تغوثين فلم تجبني، و أقبلت على النسوة الهاشميات و قالت يا بنات عبد المطلب أسعدنني و ابكين معي .
فقد والله قتل سيدكن وسيد شباب أهل الجنة ، قد والله قتل سبط رسول الله وريحانته الحسين .
فقيل يا أم المؤمنين : و من أين علمت ذلك قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام الساعة شعثا مذعورا، فسألته عن شأنه ذلك.
فقال قتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم فدفنتهم ، والساعة فرغت من دفنهم .
قالت فقمت حتى دخلت البيت و أنا لا أكاد أن أعقل، فنظرت فإذا بتربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلاء، فقال إذا صارت هذه التربة دما فقد قتل ابنك ، وأعطانيها النبي صلى الله عليه وآله.
فقال اجعلي هذه التربة في زجاجة أو قال في قارورة و لتكن عندك، فإذا صارت دما عبيطا فقد قتل الحسين، فرأيت القارورة الآن و قد صارت دما عبيطا تفور.
قال وأخذت أم سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها ، وجعلت ذلك اليوم مأتما ومناحة على الحسين عليه السلام .
فجاءت الركبان بخبره، و أنه قد قتل في ذلك اليوم. قال عمرو بن ثابت قال أبي فدخلت على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام منزله ، فسألته عن هذا الحديث ، و ذكرت له رواية سعيد بن جبير هذا الحديث عن عبد الله بن عباس .
فقال أبو جعفر عليه السلام حدثنيه عمر بن أبي سلمة ، عن أمه أم سلمة)( ).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين : اللهم اني احبهما فاحبهما وأحبب من يحبهما( ).
و(عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وآله والحسن والحسين جالسان على فخذيه : من أحبني فليحب هذين ، أبو صالح وأبو حازم عن ابن مسعود ، وأبو هريرة قالا : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه الحسن والحسين ، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا ، فقال له رجل : يا رسول الله إنك لتحبهما ، فقال : من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني)( )
وقال صلى الله عليه وآله وسلم من أحب الحسن والحسين أحببته ، ومن أحببته أحبه الله ومن أحبه الله أدخله الجنة ، ومن أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار.
و(عن زيد بن أرقم قال أني لعند رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم إذ مرّ علي وفاطمة والحسن والحسين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أنا حرب لمن حاربهم سلم لمن سالمهم)( ).
وروى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من أراد أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة سوى عيسى ويحيى، فلينظر إلى الحسين بن علي( ).
المولود المبارك
قال تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
(عن جابر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ قال : ما سألني عنها أحد : هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، وفي الآخرة الجنة)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحياناً يسأل أصحابه بعد صلاة الصبح هل رآى أحد منكم من رؤيا ، ليبادر إلى تأويل الرؤيا في جزء من رسالته وهو المبعوث رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
لتنمية ملكة العناية بالرؤيا والإنتفاع من تأويلها بشارة كانت أو إنذاراً لتكون عنايته بالرؤيا تعبيراً وتفسيراً وترجمة لنزول آيات قرآنية خاصة بالرؤيا ابتداء من رؤيا إبراهيم بذبح ابنه لولا صرف الله عز وجل الذبح بفداء بكبش ، قال تعالى وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، أي خروف كبير .
وعدد الرؤى في القرآن سبعة ، وأفردت لإحصائها باباً في الجزء الثاني من كتابي الموسوم (فلسفة الرؤيا في الإسلام) وذكرت آيات عديدة أخرى تتصل بها بخصوص تأويلها وأثرها ونفعها .
ومن آخر ما كتبت في الكتاب أعلاه :
الأول : قانون الرؤيا الصادقة شعبة من الخلافة في الأرض .
الثاني : قانون الرؤيا الصادقة من نفخ الروح في آدم .
وجاءت أم الفضل بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالت : رأيت رؤيا أعظمها أن أذكرها لك ، أي أن الرؤيا هالتها وأفزعتها وخشيت من روايتها للنبي كيلا تحزنه .
فقال : اذكريها ، لبيان عدم إخفاء الرؤيا ذات الإعتبار والإتعاظ ، وللدلالة على دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى عدم التفريط بالرؤيا سواء كانت رؤيا بشارة أو إنذار ، ولامكان الدعاء لمحو مصداق الإنذار ، وإن كان ظاهر كلام أم الفضل أنها رؤيا إنذار .
فقالت رأيت كأن بضعة منك قطعت فوضعت في حِجري.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن فاطمة حبلى تلد غلاماً أسميه حسيناً وتضعيه في حجرك.
ليكون هذا التأويل ، وتحديد جنس المولود من الوحي ، وهذه النعمة الخاصة ببيت النبوة صارت عامة للناس في هذا الزمان بالإرتقاء الطبي وكشف المختبر والسونار في هذا الزمان ، لأن الله عز وجل إذا أنعم على أهل الأرض بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها .
ولبيان البون الشاسع بين خشية أم الفضل من الرؤيا وبين تأويل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها وهو من قانون انقياد تفسير الرؤيا بالضد للوحي ، ليشرق على الأرض نور ولادة الحسين في الثالث من شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة ، وشاء الله أن يشع بريق صبره وجهاده ما بين المشرق والمغرب .
قالت أم الفضل : فولدت فاطمة حسيناً فكان في حجري أربيه .
وهكذا ساهم تأويل الرؤيا في ترسيخ الإيمان وتوكيد صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجمعه وحيازته للعلوم والمعارف والكمالات بقسميها الكسبي والهبة فضلاً من الله ورحمة وحجة ودعوة للايمان.
وقالت أم الفضل (فدخلت به يوما على النبي فوضعته في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله تهرقان بالدموع ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لك.
قال : أتاني جبرئيل فأخبرني أن أمتي تقتل ابني هذا وأتاني بتربة حمراء من تربته)( ).
عن أم سلمة قالت : بينا رسول الله ذات يوم جالسا والحسين جالس في حجره إذ هملت عيناه بالدموع ، فقلت له يا رسول الله ما لي أراك تبكي جعلت فداك ؟ قال: جاءني جبرئيل فعزاني بابني الحسين وأخبرني أن طائفة من أمتي تقتله، لا أنالها الله شفاعتي.
ولادة الأمام الحسن (ع)
قال تعالى قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
ولد الإمام الحسن بن علي في ليلة النصف من رمضان للسنة الثالثة للهجرة ، وأبوه الإمام علي عليه السلام وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ( وعن أنس بن مالك قال :لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن علي عليهما السلام)( ).
ولما ولد الحسن سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن ، وعقّ عنه كبشاً وبه احتج الشافعي بأن العقيقة سنة في المولود.
وقال لفاطمة عليها السلام (أحلقي رأسه وتصدقي بوزن الشعر فضة ففعلت ذلك، وكان وزن شعره يوم حلقه درهما، وشيئا.
فتصدقت به فصارت العقيقة، والتصدق بزنة الشعر، سنة ، بما شرعه النبي صلى الله عليه وآله في حق الحسن عليه السلام ، وكذا اعتمد في حق الحسين عليه السلام) ( ).
و(عن عقبة بن الحارث قال رأيت أبا بكر يحمل الحسن بن علي على عاتقه وهو يقول :
بأبي شبيه بالنبي … ليس شبيها بعلي
وعلي معه يتبسم)( ).
إمامة الحسن (ع)
هناك مسألتان :
الأولى : هل استحضار ذكر الإمام الحسن عليه السلام في ذكرى يوم ولادته من المودة بأهل البيت .
الثانية : هل الإمام الحسن بن علي إمام مفترض الطاعة عند المسلمين أم أن هذا الفرض خاص بطائفة وشطر منهم .
أما المسألة الأولى فالجواب نعم ، والمودة كيفية نفسانية ورحمة تظهر مصاديقها بالقول والفعل الحسن ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ) .
وفيه تزكية لأهل البيت عليهم السلام في سيرتهم ، وهو الذي يدل عليه حديث الثقلين أو الخليفتين .
(عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض .
وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لكم فرط وإنكم واردون عليّ الحوض ، فانظروا تخلفوني في الثقلين قيل : وما الثقلان يا رسول الله؟ .
قال : الأكبر كتاب الله عز وجل . سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا ، والأصغر عترتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض .
وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا ، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم) ( ).
أما المسألة الثانية , فالجواب أن الإمام الحسن بن علي إمام وخليفة راشد عند كل المسلمين ، أما الإمامية فيقولون أنه إمام بالنص ، وأما مشهور المسلمين فيقولون أنه الخليفة الراشد الخامس لأنه بقى في الحكم نحو ستة أشهر ، لما ورد عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم يكون ملكاً عضوضاً ,
و(في رواية ثم يكون بعد ذلك ملكا)( ) , (أي من غير عَضُوض) ( ).
عن ابن عساكر (اخبرنا أبو غالب بن البناء أنا أبو الحسين بن الآبنوسي أنا عبيد الله بن عثمان الدقاق أنا إسماعيل بن علي الخطبي نا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبو علي سويد الطحان نا علي بن عاصم أنا أبو ريحانة عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الخلافة من بعدي ثلاثون سنة .
قال رجل كان حاضرا في المجلس قد دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية.
فقال من ها هنا أتيت تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن علي بايعه أربعون ألفا أو اثنان وأربعون ألفا) ( ).
الأجر والثواب
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الأجر والثواب واكتناز الحسنات لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ.
سواء في أداء العبادات أو في المعاملات والأخلاق ، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، قال تعالى وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا.
والأجر هو الجزاء مقابل العمل ، والعوض عنه ، والإنتفاع منه .
و(عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)( ).
ونقل عن كتاب المحاسن لأحمد بن محمد البرقي تـ(274 هجرية) في بحار الأنوار قال (المكارم: من كتاب المحاسن عن الصادق عليه السلام قال: أقذر الذنوب ثلاثة: قتل البهيمة وحبس مهر المرأة، ومنع الاجير أجره)( ).
ولم أجد هذا الحديث باللفظ أو المعنى في كتاب المحاسن مع أن مسائله واردة في أحادي أخرى .
ولم يرد لفظ (في القربى) إلا في الآية أعلاه من سورة الشورى بقوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ، وفي آية أخرى وفي خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً] ( ).
لبيان أن مودة أهل البيت واتباع نهجهم سبيل رشاد , وطريق هداية إلى الله عز وجل ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، بينما ورد ذكر الأنبياء وسؤالهم الأجر من الله عز وجل كما في نوح عليه السلام في قوله تعالى [وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
وورد الشطر أعلاه في هود النبي في سورة الشعراء الآية 127 .
وفي صالح عليه السلام في الآية 145 من سورة الشعراء .
وفي لوط عليه السلام في سورة الشعراء الآية 164 .
وفي شعيب عليه السلام في سورة الشعراء الآية 180 .
كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذات السؤال كما في قوله تعالى [قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ) وبصيغة الماضي (ما سألتكم) .
ولا تعارض بين الأمرين , لبيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تعدد مصاديق الأجر التي رزقه الله عز وجل , في نفسه ورسالته وذريته وذوي قرباه .
وتولى الإمام الحسن عليه السلام الخلافة يوم استشهاد الإمام علي عليه السلام في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة بمبايعة المسلمين له ، واستمر إلى الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة الحادية والأربعين للهجرة .
هل كان الإمام الحسن مطلاقاً
قيل أن الإمام الحسن عليه السلام كان مزواجاً مطلاقاً وأنه أحصن سبعين أو تسعين امرأة وذكره ابن كثير ولكنه نسبه إلى القيل مما يدل على تمريض وضعف الخبر إذ قال (قالوا وكان كثير التزوج وكان لا يفارقه أربع حرائر , وكان مطلاقا مصداقا , يقال أنه أحصن سبعين امرأة , وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم واحد من بني أسد وأخرى من بني فزارة فزارية , وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف , وبزقاق من عسل.
وقال للغلام اسمع ما تقول كل واحدة منهما ، فاما الفزارية فقالت جزاه الله خيرا ودعت له , وأما الأسدية فقالت متاع قليل من حبيب مفارق , فرجع الغلام إليه بذلك فارتجع الأسدية وترك الفزارية .
وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزارى وقيل هند بنت سهيل فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها فلما استيقظ قال لها ما هذا .
فقالت : خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب , فأعجبه ذلك منها واستمر بها سبعة أيام بعد ذلك .
والصحيح أن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن مزواجاً مطلاقاً .
وهو الإمام الذي يعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحيد عنها ، منها كراهة الطلاق على نحو القضية الشخصية ، فيكون من باب الأولوية كراهيته الشديدة في الطلاق المتعدد ، وكان جبرئيل يوصي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باجتناب الطلاق .
إذ ورد (عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالنِّساءِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُحَرِّمُ طَلاَقَهُنَّ .
وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالمَمَالِيكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهُمْ مُدَّةً إذَا انْتَهَوْا إِلَيْها أُعْتِقُوا .
وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَن يُحْفِي فَمِي ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِقِيَامِ اللَّيْلِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ خِيَارَ أُمَّتِي لَمْ يَنَامُوا لَيْلاً)( ).
ومن سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العملية التي يعمل بها أهل البيت والمؤمنون قلة الطلاق .
ومن أسباب النزول بخصوص قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ .
ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلق حفصة بنت عمر ثم راجعها ، لييسر على المسلمين الرجوع بالمطلقة وصيرورته أمراً مستحباً ، ولا يأخذ الرجل العناد والحدة والحزم والإصرار على إيقاعه الطلاق .
(وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين في قوله لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا قال : في حفصة بنت عمر طلقها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ] إلى قوله [يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا] قال : فراجعها)( ).
وقال الحافظ العراقي في ألفية السيرة : وليعلم الطالب أن السير تجمع ما صحّ وما قد أنكر أي ليس صحيحاً ما حكي عن كثرة زوجات الإمام الحسن عليه السلام .
وهن عشرة وبعضهن باسم امرأة من آل فلان ومنهن خولة الفزارية , وجعدة بنت الأشعث ومنهن أمهات أولاد .
وذكر أن المغيرة بن شعبة كان مطلاقاَ (عن الهذلي يعني أبا بكر قال : كان المغيرة يقول لنسائه إنكن لطويلات الأعناق وكريمات الأخلاق ولكني رجل مطلاق اعتددن.
كتب إلي أبو نصر القشيري أنا أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ حدثني علي ابن حمشاذ العدل نا إسماعيل بن قتيبة نا علي بن قدامة قال سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول سمعت ابن المبارك يقول : كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة قال : فصففن بين يديه فقال إنكن حسنات الأخلاق طوالات الأعناق ولكني رجل مطلاق أنتن طلاق) ( ) .
و (قال المغيرة بن شعبة أحصنت ثمانين امرأة فأنا أعلمكم بالنساء كنت أحبس المرأة لجمالها ، وأحبس المرأة لولدها ،وأحبس المرأة لقومها ، وأحبس المرأة لمالها) ( ).
وقال أبو جعفر الباقر جاء رجل إلى الحسين بن علي فاستعان به في حاجة فوجده معتكفا فاعتذر إليه فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته , وقال لقضاء حاجة أخ لي في الله أحب إلي من اعتكاف شهر) ( ).
وطلاق ثمانين امرأة أمر كثير ، خاة مع وجود الإماء والسريات جمع سرية وهي الأمة التي يتخذها الرجل للفراش وليس للخدمة والعمل .
وكان الإمام الحسن عليه السلام لا يرى في أي أحوآله إلا ذاكراً لله عز وجل .
وعن الإمام الصادق عليه السلام(قال : حدثني أبي، عن أبيه عليهما السلام أن الحسن بن علي عليهما السلام كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشيا ، ورمى ماشيا وربما مشى حافيا .
وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى.
وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله الجنة، وتعوذ بالله من النار) ( ) .
تجليات الثقلين
ومن مصاديق حديث الثقلين تجلي معاني الخشوع لله عز وجل في حياة أهل البيت اليومية وتنمية ملكة التقوى عند المسلمين , قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا .
وتحتمل النسبة بين مودة القربى في [قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] ( ) وبين السبيل في قوله تعالى [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً] ( ) وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي وأن السبيل مساو لمودة ذوي قربى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بين مودة القربى وبين السبيل إلى الله .
الثالث : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهي على شعبتين :
الأولى : مودة القربى أعم من السبيل إلى الله .
الثانية : السبيل إلى الله أعم من المودة .
الرابع : نسبة التباين بين مودة القربى والسبيل إلى الله .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثالث أعلاه فمودة ذوي قربى رسول الله مصداق من مصاديق سبيل الله .
وليس من حصر لسبيل الله ، ومنه :
الأول : أداء الفرائض العبادية .
الثاني : الحرص على اتيان الواجبات العبادية في أوقاتها .
الثالث : تعاهد مسالك الهدى .
الرابع : عمل الصالحات ورجاء الثواب من عند الله ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
الخامس : إتيان النوافل والمستحبات .
السادس : إخلاص النية وقصد القربة .
السابع : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثامن : الإمتناع عن المعصية وارتكاب الفاحشة .
التاسع : الإنفاق في طاعة الله عز وجل والصبر في جنب الله ، قال تعالى [لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] ( ).
غلق الأبواب
قال تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ.
ورد عن أنس بن مالك وبريدة قالا قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية (فقام رجل فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله .
قال : بيوت الأنبياء .
فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها لبيت عليّ وفاطمة.
قال : نعم من أفاضلها)( ).
ووردت أخبار مستفيضة بأن النبي محمداً أمر في السنة الأولى للهجرة بغلق أبواب الصحابة التي على المسجد النبوي إلا باب علي عليه السلام ، منها عن زيد بن أرقم قال (كَانَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْوَابٌ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ .
قَالَ فَقَالَ يَوْمًا سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ النَّاسُ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَمَرْتُ بِسَدِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ وَقَالَ فِيهِ قَائِلُكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا سَدَدْتُ شَيْئًا وَلَا فَتَحْتُهُ وَلَكِنِّي أُمِرْتُ بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْتُهُ)( ).
وفيه معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصداق عملي لمودة وإكرام أهل البيت ، وأن النبي محمداً لا يقول ولا يفعل إلا بالوحي .
وممن تكلم فيه العباس بن عبد المطلب وحمزة .
و(عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: لما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله المدينة لم تكن لهم بيوت فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا .
ثم إن القوم بنوا بيوتا حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وإن النبي صلى الله عليه وآله بعث إليهم معاذ بن جبل فنادى أبا بكر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرك أن تخرج من المسجد وتسد بابك، فقال: سمعا وطاعة، فسد بابه وخرج من المسجد.
ثم أرسل إلى عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرك أن تسد بابك الذي في المسجد وتخرج منه، فقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله غير أني أرغب إلى الله تعالى في خوخة في المسجد.
فأبلغه معاذ ماقاله عمر، ثم أرسل إلى عثمان وعنده رقية، فقال: سمعا وطاعة فسد بابه وخرج من المسجد، ثم أرسل إلى حمزة فسد بابه وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله، وعلي عليه السلام على ذلك متردد لا يدري أهو فيمن يقيم أو فيمن يخرج، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد بنى له في المسجد بيتا بين أبياته، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أسكن طاهرا مطهرا.
فبلغ حمزة قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام فقال: يا محمد تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب .
فقال له نبي الله: لو كان الامر إلي ما جعلت دونكم من أحد، والله ما أعطاه إياه إلا الله وإنك لعلى خير من الله ورسوله، ابشر، فبشره النبي صلى الله عليه وآله فقتل يوم احد شهيدا)( ).
وقيل أن غلق الأبواب المفتوحة على المسجد إلا بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيت الإمام علي عنوان الخلافة بعد النبي خاصة وأن هذا الغلق بالوحي .
ولم يأت العتاب إلا من عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعم كثر القول فيه مما حمل النبي محمد أن يصعد المنبر ويقطع الأقاويل بالإخبار بأن غلق الأبواب دون باب الإمام علي وفاطمة .
وهو تفضيل له بالوحي وكان الصحابة يعدون بقاء باب الإمام علي منقبة وشاهد تفضيل خاصة مع غلق بابي حمزة والعباس عما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن سعد بن أبي وقاص قال: كانت لعلي عليه السلام مناقب لم يكن لاحد كان يبيت في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر، وسد الابواب إلا باب علي .
وبالاسناد عن البراء بن عازب قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أبواب شارعة في المسجد، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سدوا هذه الابواب غير باب علي، قال: فتكلم في ذلك اناس، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فحمد الله وأثني عليه.
ثم قال: أما بعد فإني امرت بسد هذه الابواب غير باب علي، فقال قائلكم، ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكني امرت بشئ فاتبعته .
وباسناد المقدم عن سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالابواب فسدت وترك باب علي، فأتاه العباس فقال: يارسول الله سددت أبوابنا وتركت باب علي، فقال: ما أنا فتحتها ولاسددتها)( ).
وهل كان جهر سعد بن أبي وقاص بتفضيل الإمام علي عليه السلام ببقاء بابه على المسجد الحرام مفتوحاً دون الصحابة زاجراً لابنه عمر بن سعد عن محاربة وقتل الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء في السنة الواحدة والستين من الهجرة ، الجواب نعم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى وقد صدرت لي إلى الأن خمسة أجزاء من كتابي الموسوم (خصائص النبي محمد (ص)) وتتضمن (2110) خصلة وخصيصة .
بيت فاطمة (ع)
وفي هذا البيت وهو عبارة عن غرفة ، بنى علي عليه السلام بفاطمة عليها السلام، وشهد هذا البيت ولادة الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وكان بينه وبين بيت عائشة نوع ممر أو دهليز .
وعن عبد الله بن يزيد الهذلي، قال: رأيت منازل أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين هدمها عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة في خلافة عبد الملك، فزادها في المسجد.
وكانت بيوتاً مبنية باللبن ، ولها حجر من جريد مقوى بالطين ، والمراد من الحجر أعلاه الفسحة التي تكون أمام الغرفة محجرة أي محاطة بما يمنع الناس من دخولها ، قال تعالى وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا.
وقال الهذلي : عددت تسعة أبيات بحجرها وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزل أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله.
ورأيت بيت أم سلمة وحجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها، فقال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دومة الجندل بنت أم سلمة حجرتها بلبن، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنظر إلى اللبن فدخل عليها أول نسائه .
فقال : ما هذا البناء ، قالت : أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس ، فقال : يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلم البنيان( ).
أذى الكفار للنبي محمد (ص)
لقد أخبر الله عز وجل عن علة خلق الناس بقوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
وتبين آيات القرآن والسنة النبوية والوقائع والأحداث شدة الأذى الذي لاقاه من الكفار مع تزاحم المعجزات بين يديه ، وأن تحقيق العبادة في الأرض يستلزم الصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ونعتوه بالساحر ، وتجاهره بالسخرية منه ، وحضوا الناس على الإمتناع عن الإستماع له ، وقال تعالى وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ولاقى هو وأصحابه الأذى الجسدي منهم .
وماتت الصحابية سمية بنت خباط أم عمار بن ياسر تحت التعذيب ، وهي أول شهيد في الإسلام ، وفرضت قريش حصاراً اقتصادياً وإجتماعياً على بني هاشم لمدة ثلاث سنوات من الأول من شهر محرم من السنة السابعة للبعثة النبوية فلا يبايعونهم ولا يناكحوهم ، وأشتد إيذاؤهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة أبي طالب .
وعن عبد الله بن مسعود قال (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلى ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه.
فقالوا: من يأخذا هذا السلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبى معيط: أنا.
فأخذه فألقاه على ظهره.
فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم عليك بهذا الملا من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبى جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة ابن أبى معيط، اللهم عليك بأبى بن خلف – أو أمية بن خلف – شعبة الشاك)( ).
ثم أراد كفار قريش قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه فنزل جبرئيل في ذات اليوم الذي أرادوا قتله في الليل وأمره بالهجرة إلى المدينة (يثرب )، وبعد الهجرة جهزوا الجيوش لقتاله في معركة بدر ، وأحد ، والخندق وكان المشركون هم الغزاة فيها ، وأن نسبت كتب التفسير والسيرة الغزو فيها إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد صدرت ثلاثون جزء من كتابي (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بعنوان (لم يغز النبي (ص) أحداً) وهذه الأجزاء هي :
(164-165-166-168-169-
170-171-172-174-176-
177-178-180-181-182-
183-187-193-194-196-
204-212-216-221-229-
239-256-261-266-271).
لقد كتب الله عز وجل الموت على كل إنسان ، ولنا في مصيبة فقد رسول الله أسوة وموعظة ، قال تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.
تسمية النبي محمد (ص) للحسين
ولد الإمام الحسين عليه السلام في يوم الخميس , وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمر على بيت فاطمة بعد ولادته كل صباح ويدعوهم للصلاة وبالإسناد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر لما نزلت هذه الآية، قريبا من ستة أشهر، يقول : الصلاة يا أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )( ).
وعن الإمام (محمد بن علي عن أبيه عليهما السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أمرت أن اسمي ابني هذين حسنا وحسينا .
قال الصادق عليه السلام : لما ولد الحسن بن علي أهدى جبرئيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله اسمه في سرقة من حرير من ثياب الجنة فيها حسن واشتق منها اسم الحسين .
فلما ولدت فاطمة الحسن أتت به رسول الله صلى الله عليه وآله فسماه حسنا فلما ولدت الحسين أتته به فقال: هذا أحسن من ذاك فسماه الحسين.
قوله (سرقة) أي أحسن الحرير)( ).
منبر النبي (ص)
المنبر لغة هو المرقاة التي يرتقيها الخاطب والواعظ ، سمي به لعلوه وارتفاعه عن محل جلوس الناس.
لقد تفضل الله عز وجل وبعث النبي محمداً في مكة بجوار البيت الحرام بين ظهراني قومه من قريش الذين كانوا على الشرك وعبادة الأوثان مع إكرامهم للبيت الحرام ، وعماره وسدانتهم له ، فأظهروا العداوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولأهل البيت ، ولمن أمن رسالته ، وبقي يدعو الناس للإسلام ثلاث عشرة سنة في مكة ، وآيات وسور القرآن تترى في نزولها عليه ، ولم يكن عنده منبر في مكة ، ولكنه كان يزاول الخطابة على الناس في البيت الحرام ، وفي أسواق مكة كسوق عكاظ ، وسوق مجنة ، وذي المجاز في موسم الحج حيث يجتمع للناس في الأشهر حرم يمتنع المشركون فيها عن إيذائه لأن هذا الإيذاء يسبب سخط القبائل عليهم ، ويتعقبه ميل الناس لرسالته .
واجتمع رؤساء قريش في دار الندوة المجاورة للبيت الحرام والتي بناها قصي بن كلاب جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاجمعوا على اختيار عشرة شبان كل واحد من بيت من بيوتات قريش ، ويقومون بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه ، فنزل جبرئيل في ذات اليوم الذي ينوون قتله في ليلته وأمره بالهجرة إلى المدينة ، فتكون هذه الهجرة معجزة حسية متعددة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بناؤه المسجد النبوي حالما وصل إلى المدينة ، لبيان أولوية إقامة الصلاة، وإقامتها جماعة بإمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما يخطب في صلاة الجمعة وغيرها يستند إلى جذع خلفه إلى أن تم صناعة منبر له .
و(عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه فإن لي غلاماً نجاراً. فقال: إن شئت. فعمل له المنبر)( ).
وعمل المنبر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة السابعة للهجرة ، ويتألف من درجتين ومقعد .
ولما نصب المنبر تجاوز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجذع ليرتقي المنبر فحن (الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة حتى ارتاع الناس وقام بعضهم على رجليه .
وأقبل رسول الله حتى مسه بيده فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المنبر فقام عليه)( ).
وعن سهل بن سعد (ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه ، وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته .
ثم أقبل على الناس ، فقال : أيها الناس إنما صنعت لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي)( ).
وفي معالم الإيمان في تفسير القرآن ذكرتُ عدة قوانين بخصوص المنبر النبوي منها :
الأول : قانون المنبر النبوي سلم ونور الجزء 215 ص 97.
الثاني : قانون المنبر النبوي مانع من الإرهاب الجزء 263 ص 111.
الثالث : قانون المنبر النبوي دعوة سلام وأمن الجزء 267 ص 65.
الرابع : قانون المنبر أمن وسلام الجزء 267 ص244 .
الخامس : قانون المنبر النبوي سلم ونور الجزء 267 ص109 .
السادس : المنبر النبوي واقية من الإرهاب الجزء 267 ص63 .
عن الإمام الحسين بن علي قال : أتيت على عمر بن الخطاب وهو على المنبر فصعدت إليه فقلت انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك فقال عمر لم يكن لأبي منبر وأخذني وأجلسني معه ، فجعلت أقلب حصى بيدي ، فلما نزل انطلق بي إلى منزله .
فقال لي من علمك ، فقلت : والله ما علمنيه أحد .
قال : يا بني لو جعلت تغشانا.
قال فأتيته يوما وهو خال بمعاوية وابن عمر بالباب فرجع ابن عمر ورجعت معه .
فلقيني بعد فقال لم أرك .
فقلت يا أمير المؤمنين إني جئت وأنت خال بمعاوية وابن عمر بالباب فرجع ابن عمر ورجعت ، معه فقال أنت أحق بالإذن من ابن عمر وإنما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثم أنتم( ).
العقيقة
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الإمتثال للأوامر الإلهية والمبادر في الواجبات والمستحبات ، وقد عق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن والحسين في اليوم السابع من ولادة كل منهما وأمر برأس الحسين فحلق , وتمر الأيام ليطاف برأس الحسين على الرماح بين البلدان .
وتصدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوزن شعره من الفضة ، لتتغش الرحمة والبركة الإمام الحسين عليه السلام من حين ولادته .
عن سلمان الفارسي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمى هارون ابنيه شبراً وشبيرا , وإني سميت ابني الحسن والحسين بما سمى هارون ابنيه شبراً وشبيراً .
(قال عكرمة: لما ولدت فاطمة الحسن أتت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه: حسناً، فلما ولدت حسيناً أتت به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا أحسن من هذا، فشق له من اسمه وقال: هذا حسين.
وكنية الحسين عليه السلام: أبو عبد الله.
وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرته لابن عباس فقال: أذكرت حسين بن علي حين رأيته؟ قلت نعم، والله ذكرته بابنه حين رأيته يمشي، قال: إنا كنا نشبهه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن علي بن أبي طالب قال: كان الحسن بن علي أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من شعر رأسه إلى سرته، وكان الحسين بن علي أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لدن قدميه إلى سرته، اقتسما شبهه)( ).
وعن الصادق عن آبائه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنه سمى الحسن يوم سابعه وأنه اشتق من حسن حسينا وذكر أنه لم يكن بينهما إلا الحمل)( ).
ابنا الفواطم
لقد وعد الإمام الحسن بن علي في المدينة في النصف من شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة ، وسماه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسن بأمر من جبرئيل ، وعاش مع جده سبع سنين وأشهراً ، ومع أبيه الإمام علي عليه السلام ثلاثين سنة ، وكان عمر الحسن عليه السلام يوم بويع بالخلافة في السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة الأربعين للهجرة سبعاً وثلاثين سنة ، وبعد الصلح مع معاوية خرج الحسن عليه السلام من الكوفة إلى المدينة فأقام بها عشر سنين .
وكان الحسن والحسين يسميان ابني الفواطم لأن أمهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدتهما فاطمة بنت أسد أم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام .
وأم خديجة جدتهما فاطمة بنت زائدة بن الأصم.
وجدة جدهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسمها فاطمة بنت عبد الله بن عمرو من بني مخزوم ، كما كانا يسميان الحسنين وهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (إن كل بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم)( ).
وفي قوله تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا، أي البالغين من الرجال المسلمين في وقت نزول الآية.
وكان الحسن والحسين آنذاك صغيرين وهم الإمامان قاما أو قعدا (عن ابى سعيد عقيصا قال قلت للحسن بن علي بن ابى طالب يابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته وقد علمت ان الحق لك دونه وان معاوية ضال باغ.
فقال : يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماما عليهم ابى عليه السلام ، قلت بلى .
قال : ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولاخى الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت بلى .
قال : فانا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذ لو قعدت .
يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني اشجع ولاهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب ان يسفه رأيى فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وان كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا .
ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضى هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض أحد إلا قتل)( ).
ومن معاني قوله أعلاه صحة قيام الحسين على يزيد ، وصحة صلح الحسن مع معاوية والضرورات تقدر بقدرها .
وبقى اسم الحسين يضفي نوراً على من ينطق به أو يتسمى به تبركاً واقتداءاً , وكان الناس يهتدون إلى الحسين إذا جلس في المكان المظلم ببياض جبينه ونحره فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان كثيراً ما يقبل جبينه ونحره.
وكما كانت ولادة الإمام علي عليه السلام في الكعبة وسمى وليد الكعبة كذلك ولد الحسين عليه السلام في بيوت المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة ، وهو بيت الإمام عليه السلام وفاطمة عليهما السلام المجاور لبيت عائشة .
وعن أبي الحمراء (عن أبي مسلم الملائي عن حبة العرني قالا: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسد الأبواب التي في المسجد شق عليهم قال حبة: إني لأنظر إلى حمزة بن عبد المطلب وهو تحت قطيفة حمراء وعيناه تذرفان وهو يقول أخرجت عمك… الحديث)( ).
مما يدل على أن حديث سد الأبواب تم قبل معركة أحد التي وقعت في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة حيث استشهد حمزة فيها.
وبالإسناد (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : خَرَجَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم فَوَجَّهَ هَذَا الْمَسْجِدَ فَقَالَ : أَلاَ لاَ يَحِلُّ هَذَا الْمَسْجِدُ لِجُنُبٍ وَلاَ حَائِضٍ إِلاَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَعَلِىٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أَلاَ قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمُ الأَسْمَاءَ أَنْ لاَ تَضِلُّوا)( ).
ولما كانت أيام الوليد بن عبد الملك أمر عامله على المدينة ومكة عمر بن عبد العزيز بالزيادة في المسجد النبوي فهدم بيت فاطمة عليها السلام . وكانت فيه يومئذ فاطمة بنت الحسين وزوجها وابن عمها حسن بن الحسن بن علي وولدهما .
وكان الحسن بن الحسن قد خطب إلى عمه الحسين عليه السلام إحدى ابنتيه فقال له الحسين : اختر يا بني أحبهما إليك فاستحيى الحسن ولم يحر جواباً فقال له الحسين : إني إخترت لك ابنتي فاطمة , فهي اكثرهما شبهاً بفاطمة أمي بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )( ).
لبيان إبتداء الإمام الحسين بالنصيحة والإختيار ، فأختار لابن أخيه التي تشبه فاطمة الزهراء عليها السلام أسماً ومسمى ، وفيه شاهد على توارث الشبه بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت وبين بنات الأئمة والزهراء عليها السلام .
مسائل في العقيقة( )
الأول : أصل العق هو الشق والقطع، والعقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن الولد وهي من المستحبات الأكيدة للذكر والأنثى ويستحب ان يعق عن الذكر ذكراً وعن الأنثى انثى وان يكون في اليوم السابع للولادة وان تأخرت عنها لعذر او لغير عذر لم يسقط ولو لم يعق عن الصبي او الصبية حتى بلغا وكبرا عقا عن نفسيهما.
الثاني : ما يجري في هذا الزمان بالعق عن الميت بعد وفاته صحيح ، ولكنه خلاف الأولى وهو العق عنه في حياته خصوصاً وان هناك آثاراً مباركة للعقيقة تتعلق بالحياة الدنيا ايضاً.
الثالث : لابد ان تكون من احد الأنعام الثلاثة الغنم ضأناً كان او معزاً والبقر والإبل، ولا يجزي عنها التصدق بثمنها فلو تعذرت العقيقة صبر حتى يجدها.
الرابع : يستحب ان تجتمع في العقيقة شروط الأضحية من كونها سليمة من العيوب ولا يكون سنها اقل من خمس سنين كاملة في الإبل، ولا اقل من سنتين من البقر، واقل من سنة كاملة في المعز، واقل من ثمانية شهور في الضأن.
الخامس : يجوز ان يفرق لحم العقيقة لحماً نيئاً او مطبوخة او يدعى عليها جماعة من المؤمنين والأولى ان لا يكونوا اقل من عشرة وان زاد فهو افضل ويدعون للولد، ولا بأس باضافة شيء من الحبوب اثناء الطبخ ويجزي بالماء والملح ويستحب ان تخص القابلة منها بالرجِل والورك والذي يسمى بالفخذ.
السادس : يستحب ذكر اسم المولود واسم ابيه عند ذبح العقيقة والدعاء بالمأثور ومنه المعتبر عن الصادق عليه السلام قال: في العقيقة اذا ذبحت تقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفاً مسلماً وما انا من المشركين، ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، اللهم منك ولك، اللهم هذا عن فلان ابن فلان .
السابع : يكره كسر عظم العقيقة، كما يكره للوالدين ان يأكلا منها خصوصاً الأم الا مع المشقة والحرج او العوز والحاجة فلا كراهة.
الثامن : يجزي ان يعق عن المولود غير الأب بل يستحب ذلك.
التاسع : يجوز ذبح العقيقة في الليل والأولى في النهار إذ أن العق في اليوم السابع ، والمراد من اليوم السابع من طلوع الشمس إلى غروبها.
تسمية الحسين (ع)
الاسم هو اللفظ الدال على معنى مخصوص وحروف مؤلفة تنصرف إلى معنى يتبادر إلى الذهن عند استماعه ، قال تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا.
وهناك فرق بين كل من :
الأول : التسمية .
الثاني : الاسم .
الثالث : المسمى .
ومنهم من جعل الاسم عين المسمى ، ونسب إلى الإشاعرة .
والمشهور والمختار الاسم غير التسمية وغير المسمى ويدل عليه قوله تعالى [وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ] ( ).
فالاسم : مريم ،والتسمية اختيار هذا الاسم من قبل أمها .
والمسمى هو شخص مريم .
وهو اسم المرأة الوحيد في القرآن ،
قال تعالى فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
والاسم دلالة وقد يتبدل أو يختلف بلحاظ اللغة والزمان والمكان ، والاسم متأخر في وجوده عن المسمى ، وقد يتقدم عليه ، ولكن الشئ والمسمى لا يتقدم على نفسه ولا يتأخر .
وقد تكون للذات أسماء متعددة وهو المسمى (بالمترادف) مثل أسد ، ليث ، ضرغام ، ومنه كرة أسماء السيف عند العرب ، وقد يكون لفظ الاسم واحداً ولكنه يقع على أعيان عديدة وهو المسمى (بالمشترك اللفظي)
وهو اسم تشترك فيه عدة معاني مثل (العين).
إذ يطلق على مسميات متعددة من غير أن تشترك بالحد والحقيقة والماهية منها :
الأول : الآلة الباصرة .
الثاني : عين الماء المتفجرة من الأرض .
الثالث : عين الشمس .
الرابع : الجاسوس .
الخامس : النقد من الذهب والفضة ، كما يقال اشتريت بالدَّين لا بالعين ، وحوالةُ بالدَّين لا بالعين.
ومن المشترك المعنوي الإنسان الذي يدل على كل أفراد نوع بني آدم ، فكل واحد منهم انسان ، والقلم ، والكتاب على الكتب مع تعددها واختلافها ، والشجر .
فاللفظ متحد ، وكذا المعنى متحد ، ولكن المصاديق الخارجية متعددة ، وان اتحدت في أصل المعنى .
مع ظهور الفرق بين الاسم والمسمى.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة)( ).
وقد استنبط الإمام جعفر الصادق عليه السلام هذه الأسماء من سور القرآن .
(وأخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال : سألت أبي جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة .
فقال : هي في القرآن ، ففي الفاتحة خمسة أسماء . يا ألله ، يا رب ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا مالك .
وفي البقرة ثلاثة وثلاثون اسماً : يا محيط ، يا قدير ، يا عليم ، يا حكيم ، يا علي ، يا عظيم ، يا تواب ، يا بصير ، يا ولي ، يا واسع ، يا كافي ، يا رؤوف ، يا بديع ، يا شاكر ، يا واحد ، يا سميع ، يا قابض ، يا باسط ، يا حي ، يا قيوم ، يا غني ، يا حميد ، يا غفور ، يا حليم ، يا إله ، يا قريب ، يا مجيب ، يا عزيز ، يا نصير ، يا قوي ، يا شديد ، يا سريع ، يا خبير .
وفي آل عمران : يا وهَّاب ، يا قائم ، يا صادق ، يا باعث ، يا منعم ، يا متفضل .
وفي النساء : يا رقيب ، يا حسيب ، يا شهيد ، يا مقيت ، يا وكيل ، يا علي ، يا كبير .
وفي الأنعام : يا فاطر ، يا قاهر ، يا لطيف ، يا برهان .
وفي الأعراف : يا محيي ، يا مميت .
وفي الأنفال : يا نعم المولى ، يا نعم النصير . وفي هود : يا حفيظ ، يا مجيد ، يا ودود ، يا فعال لما يريد .
وفي الرعد : يا كبير ، يا متعال . وفي إبراهيم : يا منَّان ، يا وارث . وفي الحجر : يا خلاق .
وفي مريم : يا فرد .
وفي طه : يا غفّار .
وفي قد أفلح : يا كريم .
وفي النور : يا حق ، يا مبين .
وفي الفرقان : يا هادي . وفي سبأ : يا فتَّاح .
وفي الزمر : يا عالم .
وفي غافر : يا غافر ، يا قابل التوبة ، يا ذا الطول ، يا رفيع .
وفي الذاريات : يا رزاق ، يا ذا القوة ، يا متين .
وفي الطور : يا بر .
وفي اقتربت : يا مليك ، يا مقتدر .
وفي الرحمن : يا ذا الجلال والإِكرام ، يا رب المشرقين ، يا رب المغربين ، يا باقي ، يا مهيمن.
وفي الحديد : يا أول ، يا آخر ، يا ظاهر ، يا باطن .
وفي الحشر : يا ملك ، يا قدوس ، يا سلام ، يا مؤمن ، يا مهيمن ، يا عزيز ، يا جبار ، يا متكبر ، يا خالق ، يا بارىء ، يا مصوّر .
وفي البروج : يا مبدىء ، يا معيد .
وفي الفجر : يا وتر .
وفي الإِخلاص : يا أحد ، يا صمد)( ).
ومن حق الولد على ابيه إختيار الاسم الحسن له .
وقد اشتهر عند الناس قول : خير الأسماء ما حمد وعبد ، أي بالعبودية لله ، ولم يرد هذا القول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة عليهم السلام أو الصحابة .
ألقاب الحسين عليه السلام
تدل ألقاب الإمام الحسين عليه السلام على سمو ذاته وعظيم منزلته في الاسلام ، وكلها انتزعها أو نالها بما أنعم عليه الله ورسوله ، وفيها مسائل :
الأولى : دعوة الناس للتدبر في المنزلة السامية للحسين ، واقتباس هذه المنزلة والفوز بها بفضل الله عز وجل على أهل البيت عامة ، والحسين عليه السلام خاصة .
الثاني : لزوم إكرام المسلمين للحسين عليه السلام .
الثالث : الزجر عن التعدي على الحسين وأهل بيته ، وكل لقب للحسين ذو دلالات إيمانية وتربوية ، وقد تلقى المسلمون ألقاب الحسين بالقبول والرضا لما فيها من الصدق والبركة ، ومن هذه الألقاب الكريمة :
الأول : سيد شباب أهل الجنة
لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : من أراد أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي .
وبالإسناد (عن حذيفة قال النبي صلى الله عليه وآله في خبر : أما رأيت العارض الذي عرض لي قلت: بلى قال : ذاك ملك لم يهبط إلى الارض قبل الساعة فاستأذن الله تعالى أن يسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة( ).
لبيان إتحاد سنخية الإمامة العامة ، وأن سيرة الحسين عليه السلام اقتداء بنهج ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تثبيت معالم التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وفي الحديث تزكية نبوية لعمل الحسين عليه السلام ، ودعوة للحسين للإصغاء له ، والإستماع له في علوم الكتاب والسنة ، ويدل الحديث على تواضع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحبه للحسين ، ونصرته له ، وشفقته عليه .
الثاني : السبط
لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :حسين سبط من الأسباط ، أي أمة من الأمم في الخير .
وفي الحديث : الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي طائفتان وقطعتان منه ( ).
و(عن يعلي العامري أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طعام دعي إليه .
فإذا حسين مع غلمان يلعبون في طريقه ، فاسرع رسول اللّه أمام القوم ثم بسط يده ، فطفق الصبي يفر ها هنا مرة ، وها هنا مرة.
وجعل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يضاحكه .
ثم أخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه ، والأخرى تحت قفاه ، ثم أقام رأسه ، فوضع فاه على فيه ، وقال : حسين مني ، وأنا من حسين ، رحم اللّه من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط.
والسبط في المقام له معنيان :
الأول : أنه قطعة وبضعة من رسول الله .
الثاني : أنه أمة في الخير .
الثالث : ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عليه السلام : أوصيك بريحانتي خيراً قبل أن ينهد ركناك.
فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .قال الإمام علي عليه السلام هذا أحد الركنين.
فلما ماتت فاطمة عليها السلام قال : هذا الركن الآخر ، وأراد بريحانتيه الحسن والحسين عليهما السلام . وسمي الولد ريحاناً لأن الريحان يطلق على الرحمة والرزق وكل نبت طيب الريح ، ولأن الولد الصغير يشم كما يشم الريحان ، وتبعث رؤيته وضمه السكينة في النفس .
وفي الحديث إعجاز في الآجال وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة يأتيهم الأجل قبل الإمام علي عليه السلام .
وبشارة نجاة الإمام علي عليه السلام في سوح معارك الدفاع الأولى في الإسلام ، ومنها معركة الخندق وحنين إلى جانب السرايا الأخرى.
وعن (عن ابن عمر حين سأله رجل عن دم البعوض سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : هما ريحانتاي من الدنيا – يعني الحسن والحسين.
ومن حديث ابن سيرين عن أنس قال: كان الحسن والحسين أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد الصالح ريحانة من الله قسمها بين عباده وإن ريحانتي من الدنيا الحسن والحسين، سميتهما باسم سبطين من بني إسرائيل شبرا وشبيرا)( ).
لبيان أن لفظ الريحانة يطلق على كل ولد مطيع لله عز وجل بر بوالديه ، وهو من مصاديق قوله تعالى فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، وعن السكوني عن الصادق عليه السلام (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة.
وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سعادة الرجل الولد الصالح)( ).
وبالإسناد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مر عيسى ابن مريم عليه السلام بقبر يعذب صاحبه ثم مر به من قابل فإذا هو لا يعذب، فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان يعذب ومررت به العام فإذا هو ليس يعذب .
فأوحى الله إليه أنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما فلهذا غفرت له بما فعل ابنه .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ميراث الله عز وجل من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده .
ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام آية زكريا عليه السلام فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ))( ).
الرابع : الإمام :
في الحديث المشهور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا .
والإمامة الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا ، والأسوة والقدوة في الصالحات وسنن التقوى .
الخامس : خامس أهل الكساء
إصطلاح أهل الكساء مقتبس من قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، وقد وردت أحاديث متواترة أن هذه الآية نزلت في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
وروى خبر المباهلة بأكثر من خمسين طريقاً من الصحابة في كتب الحديث المباهلة باب معرفة المنزلة الحقيقية للإمام علي عليه السلام وللحسنين عليهم السلام وفاطمة سيدة النساء في بناء الأسلام .
ولهم بها جهاد في الاسلام ايام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشده عضده والتصدي لاعدائه من غير لمعان السيوف .
وحديث المباهلة وتفاصيله بحضور الخمسة أصحاب الكساء للمباهلة متواتر ، وعليه إجماع المسلمين .
وبالإسناد عن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه (كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه،
فقال لها : ادعي زوجكِ وابنَيْكِ،
قالت : فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري،
قالت : وأنا في الحجرة أُصلّي فأنزل الله تعالى هذه الآية إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
قالت : فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثمّ قال : اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت : فأدخلت رأسي البيت فقلت : وأنا معكم يا رسول الله؟
قال : إنّك إلى خير ، إنَّكِ إلى خير.
وأخبرني الحسين بن محمد بن عبدالله الثقفي عن عمر بن الخطّاب عن عبدالله بن الفضل عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون عن العوّام بن حوشب حدّثني ابن عمّ لي من بني الحرث بن تيم الله يقال له : (مجمع)،
قال : دخلت مع أُمّي على عائشة ، فسألَتها أُمّي ، فقالت : أرأيت خروجك يوم الجمل .
قالت : إنّه كان قدراً من الله سبحانه ، فسألتها عن علي .
فقالت : تسأليني عن أحبّ النّاس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه ، وزوج أحبّ الناس كان إلى رسول الله .
لقد رأيت عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً جمع رسول الله صلّى الله عليه بثوب عليهم ثمّ قال : اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
قالت : فقلت : يا رسول الله أنا مِن أهلك .
قال : تنحّي فإنّكِ إلى خير)( ).
ووردت الرواية بذات الأمر عن زينب بنت جحش ، وعن عائشة ، وعن الصحابي أبي سعيد الخدري ، والصحابي وائلة بن الأسقع الذي روى أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إن اللّه عزّ وجلّ اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشاً.
واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)( ).
لبيان اصطفاء الخمسة أهل الكساء ، وسميت قريشاً من التقرش ، وهو التكسب والسعي لجمع المال ، والطلب ، وهو الذي تدل عليه سورة قريش ، قال تعالى ِإِيلَافِ قُرَيْشٍ* إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
ولم يذكر لفظ قريش في القرآن إلا مرة واحدة في السورة أعلاه التي تسمى سورة قريش .
لبيان أن نجاتهم من أصحاب الفيل ومن غزو القبائل لمكة وأهلها مع كثرة أموالهم فضل من الله عز وجل عليهم ، ودعوة لهم للتوحيد والتصديق برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والتنزه عن عبادة الأوثان ، والإمتناع عن إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ، وعن محاربته في معركة بدر وأحد والخندق التي كانت قريش فيها هم الغزاة .
السادس : المطهرُ
بالإسناد عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، في بيت أم سلمة.
فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة وحسناً وحسيناً والإمام علي عليه السلام فجللهم ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
قالت أم سلمة , وانا معهم يا نبي الله ، قال : أنت على مكانك وأنت إلى خير . وروي الحديث عن أم سلمة .
السابع : الشهيد
روي بالإسناد عن أم سلمة قالت :دخل الحسين بن علي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففزع رسول الله فقالت أم سلمة : ما لك يا رسول الله قال : إن جبرئيل أخبرني إن ابني هذا يقتل وإنه اشتد غضب الله على من يقتله( ).
وتمر الأيام ليتحقق مصداق إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيستشهد الإمام الحسين في كربلاء في دعوته إلى الكتاب والسنة ومناداته بالإصلاح ، ورفضه للظلم والإستئثار بالحكم .
و(عن زيد بن علي عن أبيه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : للشهيد سبع خصال من الله : أول قطرة من دمه مغفور له كل ذنب ، والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين ، وتمسحان الغبار عن وجهه.
وتقولان : مرحبا بك ، ويقول هو مثل ذلك لهما ، والثالثة يكسى من كسوة الجنة ، والرابعة تبتدره خزنة الجنة بكل ريح طيبة أيهم يأخذه معه ، والخامسة أن يرى منزله ، والسادسة يقال لروحه : اسرح في الجنة حيث شئت ، والسابعة أن ينظر الى وجه الله وانها لراحة لكل نبي وشهيد)( ).
الثامن : التابع لمرضاة الله
لقد كان الإمام الحسين عليه السلام يجتهد في طاعة الله ورسوله ، وهو الإمام المعصوم من الخطأ والزلل ، وكان يبين للناس تفسير آيات القرآن ، ويفتيهم في مسائل الحلال والحرام ، إذ ينهل الناس من علوم أهل البيت .
بالإسناد عن أنس بن الحارث يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن ابني ذا يعني الحسين يقتل بأرض يقال لها كربلاء , فمن شهد ذلك منكم فلينصره.
شهادة زيد بن أرقم
الصحابي زيد بن أرقم من الخزرج من الأنصار ، خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبع عشرة كتيبة .
وحضر كتيبة بني المصطلق والتي تسمى غزوة المريسيع في شهر شعبان من السنة السادسة للهجرة ، وكان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها سبعمائة من الصحابة .
وكان زيد بن أرقم حاضراً في جماعة الأنصار فسمع (عبد الله ابن أبي يقول : إن الله قد صدقك يا زيد).
وقد صدرت لي ثلاثون جزء من معالم الإيمان في تفسير القرآن بخصوص (لم يغز النبي (ص) أحداً) وهذه الأجزاء هي :
(164-165-166-168-169-
170-171-172-174-176-
177-178-180-181-182-
183-187-193-194-196-
204-212-216-221-229-
239-256-261-266-271).
أنتقل زيد بن أرقم إلى الكوفة ، وبنى داراً في كندة أي قريباً من مسجد الكوفة ، وتوفي في الكوفة سنة ست وستين للهجرة .
وروى ابن أبي عاصم عن أنس عنه قال : لما قتل الحسين ، وجيء برأسه إلى ابن زياد ، فجعل ينكت بقضيب على ثناياه ، وكان حسن الثغر .
فقلت في نفسي : لأسوءنك ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل موضع قضيبك من ثنيته)( ).
إنها قبلة رحمة وأبوة ، ودعوة للمسلمين للرفق بأهل البيت (وعن سعيد بن معاذ وعمرو بن سهل أنهما حضرا عبيد الله يضرب بقضيبه أنف الحسين وعينيه ويطعن في فمه.
فقال زيد بن أرقم : ارفع قضيبك إني رأيت رسول الله واضعا شفتيه على موضع قضيبك، ثم انتحب باكيا فقال له: أبكى الله عينيك عدوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، لضربت عنقك .
فقال زيد : لاحدثنك حديثا هو أغلظ عليك من هذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله أقعد حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى، فوضع يده على يافوخ كل واحد منهما وقال: اللهم إني أستودعك إياهما وصالح المؤمنين، فكيف كان وديعتك لرسول الله صلى الله عليه وآله)( ).
مبايعة الحسين (ع) للنبي محمد (ص)
وعن الإمام جعفر الصادق (عن أبيه قال : بايع رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسنُ والحسين وعبد اللهّ بن جعفر وهم صغار، ولم يُبايع قطُّ صغيرٌ إلا هم. عليُ بن عبد العزيزِ عن الزُّبير عن مُصعب بن عبد اللّه قال: حَجِّ الحُسين خمسةً وعشرين حِجَّة مُلبِّياً ماشياً. وقيل لعلّي بن الحسين: ما كان أقلً ولدِ أبيك! قال: العَجب كيف وُلدتُ له؟ كان يصلِّي في اليوم والليلة ألْفَ ركعة، فمتى كان يتفرّغ للنساء)( ).
قال ابن الأثير (وكان الحسين عليه السلام فاضلاً كثير الصوم والصلاة والحج والصدقة وأفعال الخير جميعها)( ).
وللإمام الحسين عليه السلام ألقاب أخرى مباركة تناسب رفيع مقامه وعلو شأنه منها الرشيد ، والمبارك ، والوفي ، والبر ، والتقي ، والطيب .
كان الإمام الحسين عليه السلام يكنى بأبي عبد الله ، ويكنى بأبي علي وكناه الناس بعد إستشهاده بأبي الشهداء وأبي الأحرار.
التربية في حِجر النبي (ص)
قال تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
وفيه دعوة سماوية ونبوية للمسلمين لحفظ قرابة وعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومودتهم وإكرامهم .
كان الحسين عليه السلام منذ ولادته يهتدي بنور ورحمة من الله عز وجل ، رضع من منبع المكارم والتقوى , ونهل من العلم والاستقامة ، ورزقه الله مرتبة الإمامة ، مما يؤهله لأبرز الأنوار التأريخية في أيام بناء الإسلام وترسيخ قواعد إنطلاق أفق إصلاحه للمجتمعات شرق وغرب الجزيرة العربية .
فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي بيت أمير المؤمنين كل يوم ويتفقد الحسنين أتى فاطمة عليها السلام يوماً فقال : أين ابناي ؟ فقالت : ذهب بهما علي ، فتوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجدهما في مشربة وبين أيديهما فضل من تمر ,فقال : يا علي ألا تقلب إبنيّ قبل الحر.
لبيان محبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للحسن والحسين وعنايته بهما ، والحرص على توفير أسباب الراحة لهما ، وفي الحديث شاهد بأن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن حديث النبي أعلاه من الوحي ومن السنة القولية .
وكان الحسنان يخاطبان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولان يا أبتاه , ويقول الحسن لأمير المؤمنين : يا أبا الحسين ويقول الحسين له : يا أبا الحسن ، إلى أن توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخاطبا الإمام علي يا أبتاه .
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون معه حريصين على الإنتفاع من ساعات وأيام وحياة النبي لينهلوا من علوم الوحي ، وذخائر بيان التنزيل ولإكمال نصوص الشريعة .
ومثلما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم احياناً يبدأ ببيان معالم الدين وأوجه مصالح الأمة والأفراد كذلك يكون أثر كل فعل مبارك يقوم به ومنه الإشراف المباشر على إعداد وتنشئة الحسنين بلحاظ موقعهما كقطب للإسلام , وأحد أركان صرح التقوى , وتجليات سمات الوحدانية والعدل والحق بتقوى أهل البيت والذي تنبعث في الأرجاء نشوة العز والكرامة لتساهم في بعث روح التقوى وزيادة في الإيمان بما يجلب النفع وخير الدارين للأجيال المتعاقبة وما يستبشر به المسلمون من فضل الله وتغبطهم عليه الأمم إلى جانب ما فيه من مهابة وعلو وشأن ورفعة.
وقد أكدت دراسات علماء النفس في هذا الزمان موضوعية التربية والبيئة في تكوين شخصية الفرد وتأثيرهما في سلوكه وتصرفاته في الكبر .
وقد انفرد الحسنان من بين أولاد المسلمين بأنهما تربيا في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي غذاهما بالعلوم بعناية يومية وملاحظة أبوية دقيقة بشعبة من الوحي , وإن كانت أصابع وبصمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تربية وإعداد كل مسلم ظاهرة وثابتة ،قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
عن يزيد بن أبي زياد قال : خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسيناً يبكي فقال لفاطمة : أي بنية ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني.
هذا إلى جانب ما للحسين من حظوة عند ملائكة السماء ذات مدلولات بالغة الأهمية روي ان جبرئيل عليه السلام نزل يوما فوجد الزهراء نائمة , وحسين في مهده يبكي ,فجعل يناغيه ويسليه حتى استيقظت فسمعت صوت من يناغيه فألتفتت فلم ترى احداً فأخبرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه كان جبرئيل.
النشأة المباركة
لقد كان الحسين عليه السلام أسوة حسنة في التربية والاعداد وتوجه النبي من خلاله إلى تعليم الأمة الاسلامية وابنائها . وإلى اعداد وتكامل عنصر الإمامة وتهيئة حصون الشريعة ودوام علو كلمة التوحيد في الأعقاب لقوله تعالى [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] ( ) .
روى إن الزهراء عليها السلام سُئلت عن شهر رمضان فقالت : اليوم شهر رمضان. فقالوا : هل رأيتم الهلال . قالت لم نر الهلال ولكن ابني الحسين ترك الرضاعة منذ السحر .
ليكون هذا الترك أمارة على شهر الصوم.
ولقد اقترنت نشأة الحسين عليه السلام مع تجلى معالم الاسلام وتشييد صرحه العقائدي وأسسه الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية وتداخلت معه تفاعلاً والتزاماً ضمن هذى القرآن والسنة قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا….
فأصبح ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يطيق ان يرى التفريط المضر والهدام في بعض اجزاء هيكل الاسلام في الرأس في الحكم خاصة لأنه تغذى بهدي النبي وتولى اعداده حتى ساعة وفاته .
عن أنس بن مالك قال : جاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المرض الذي قبض فيه فانكبت عليه فاطمة وجعلت تبكي فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : مه يا فاطمة ونهاها عن البكاء وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يستعبر الدموع : اللهم أهل بيتي وانا مستودعهم كل مؤمن . قاله ثلاث مرات .
وفي رواية أم سلمة دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً يوم توفي فحنا عليهم ثم قال اللهم اني استودعهم وصالح المؤمنين ( ) .
قالت الزهراء عليها السلام يا رسول الله هذان ابناك تورثهما شيئاً . قال : اما حسن فأن له هيبتي وسؤددي واما حسين فأن له جرأتي وجودي .وفي ذكر الجرأة اشارة لخروج الحسين عليه السلام ضد الباطل وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر باليد واللسان والنفس والأهل والأصحاب قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ) .
يجمع الإمام الحسين عليه السلام بين صفتين ، أنه من آل البيت ومن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لذا فهو يروي أحاديث عديدة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان المسلمون يأتون إليه لسماع أحاديث نزول القرآن وتفسير آيات وأخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، كما كانت له حلقة في المسجد النبوي تضم عدداً من الطلبة والقراء .
وفي المرسل عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (أن جبرئيل نزل على محمد صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام، ويبشرك بمولود يولد من فاطمة عليها السلام تقتله امتك من بعدك، فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله امتي من بعدي.
قال : فعرج جبرئيل ثم هبط فقال له مثل ذلك فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله امتي من بعدي .
فعرج جبرئيل إلى السماء ثم هبط فقال له: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويبشرك أنه جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية فقال: قد رضيت أرسل إلى فاطمة: أن الله يبشرني بمولود يولد منك تقتله امتي من بعدي فأرسلت إليه: أن لا حاجة لي في مولود يولد مني تقتله امتك من بعدك فأرسل إليها أن الله جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية فأرسلت إليه أني قد رضيت)( ).
زواج فاطمة من السماء
عن الباقر عليه السلام عن آبائه عن الرسول صلى الله عليه آله وسلم : انما انا بشر مثلكم اتزوج فيكم وازوجكم إلا فاطمة فانزل تزويجها من السماء .
ولم يتزوج الإمام علي عليه السلام غير الزهراء حتى توفيت عنده وكان له منها الحسن والحسين وابن اخر يقال له محسن والسقط. وزينب الكبرى وام كلثوم وأما زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين ، فتزوجت ابن عمها محمد بن عقيل ولدت له القاسم وعبدالله وعبد الرحمن قال الحسن البصري ما كان في الدنيا اعبد من فاطمة عليها السلام كانت تقوم حتى تتورم قدماها( ).
ذكر ان اعرابياً جاء من الشام وابن عباس كان في المسجد الحرام يفتي فسأل عن ابناء رسول الله صلى الله عليه آله وسلم وبناته فأخبره ان ابناه كانوا خمسة القاسم والطاهر والمطهر والطيب وهم من خديجة وابراهيم من مارية . وبناته كن اربعاً زينب وام كلثوم وفاطمة ورقية من خديجة كلهم ماتوا في حياة النبي صلى الله عليه آله وسلم إلا فاطمة فأنها بقيت أياماً معدودات من بعده قال النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم : ان الله عز وجل يغضب لفاطمة ويرضى لرضاها .
زواج الإمام علي عليه السلام بعد وفاة الزهراء
زواج الإمام علي عليه السلام بعد وفاة الزهراء كان من أجل إنجاب إخوة للحسنين يشد الله عضدهما بهم في يوم عصيب ، وهو الذي تجلى يوم عاشوراء .
وتزوج الإمام علي عليه السلام ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية فولدت له عبد الله وأبا بكر قتلا مع الحسين .
وللإمام علي عليه السلام من أسماء بنت عميس الخثعمية محمد الاصغر ويحيى قتل محمد مع الإمام الحسين عليه السلام.
الحنان الأبوي
ولبيت أمير المؤمنين عليه السلام باب على المسجد النبوي يمثل الإتصال والتداخل الروحي والجسدي في بيت النبوة وليساهم في تكوين واقع نفسي وتشريعي هادف ويرسخ المكانة المناسبة للحسنين في قلوب المسلمين ولينعم الله عز وجل على النبي مرة أخرى فإلى جانب إصطفائه بالوحي أزال الله الحواجز بينه وبين أهل بيته وذريته.
وليعطي معنى في الحب والتربية ويرسي أسس وهياكل مدرسة إجتماعية وتربوية تدعو علماء الاجتماع وحتى غير المسلمين لإقتباس المواعظ منها والتزود من قيمها ودروسها خدمة للبشرية (دخل الاقرع بن حابس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرآه يقبل إما حسنا وإما حسينا فقال تقبله ولى عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إنه من لا يرحم لا يرحم) اخرجاه.
وعن يعلى بن مرة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الحسين وقنع رأسه ووضع فاه على فيه فقبله)( ).
ان ذلك يمثل تغييراً حسناً في أصول التربية في المجتمع . وهي مادة لدراسات مقارنة تبين دور الاسلام في بناء الشخصية الجديدة للإنسان كما انتفعت المجتمعات من قضاء الاسلام على وأد البنات .
ومع حاجة الاسلام إلى الرجال في تثبيت الدين ونشر الرسالة وبسط سلطان التوحيد وأحكامه شرقاً وغرباً فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتردد في توضيح الاعتبارات والقواعد الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية التي تنشأ وتقترن بتربية المولود ونشأته.
عن يعلي قال جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ أحدهما فضمه إلى ابطه وأخذ الآخر فضمه إلى أبطه الآخر. وقال هذان ريحانتاي من الدنيا من احبني فليحبهما . ثم قال : الولد مجبنة مبخلة مجهلة ( ).
لبيان الإنعطاف الكبير في مرحلة النشأة في حياة المسلم ولتتهيأ فرص جديدة مناسبة لإعداد الشباب وللتخفيف عن الكبار .
لقد كانت نشأت الحسنين توأماً لبناء الإسلام واتساعه . عن أنس ابن مالك ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لفاطمة :ادعي لي ابني فيشمهما ويضمهما( )
التمرين على الصلاة
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحث على تعليم الصبيان الصلاة لتنمية ملكة حب الصلاة ، وملازمتهما من أيام الصبا .
وعن الإمام جعفر الصادق قال (إنا نأمر صبياننا بالصلوة والصيام ما أطاقوا إذا كانوا أبناء سبع سنين .
وروى عن أبيه عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : مروا صبيانكم بالصلوة إذا بلغوا سبع سنين)( ).
عن الصادق عليه السلام قال : ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في الصلاة وإلى جانبه الحسين فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يحر الحسين التكبير ثم كبر رسول الله فلم يحر الحسين التكبير ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبر ويعالج الحسين التكبير فلم يحر حتى اكمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع تكبيرات فأحار الحسين عليه السلام التكبير في السابعة .
قال الصادق عليه السلام :فصارت سنة وشارك الحسنان وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهما في معرفة الاستدلال بالآيات القرآنية وتعليم المسلمين صيغ الانتفاع بعلوم القرآن .
(عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران فيهما فنزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقطع كلامه فحملهما ثم عاد إلى المنبر ثم قال صدق الله أموالكم وأولادكم فتنة رأيت هذين يعثران في قميصيهما فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما)( ).
الفوز بالعناية النبوية
لقد أكرم الله عز وجل الحسن والحسين بعناية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهما ، وهو من أسباب بقاء باب علي وفاطمة عليهما السلام مفتوحاً على المسجد دون أبواب الصحابة .
إذ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باغلاقها ، حيث صعد المنبر وأخبر بأنه لم يغلق الأبواب ، ويبقى باب علي عليه السلام مفتوحاً إلا بأمر من عند الله .
ومن منافعه إصلاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسنين للإمامة على نحو يومي ، ومن صغرهما .
وعن ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع أحدهما على فخذه والآخر في حجره : فقلت يا رسول الله أذهب بهما إلى امهما ؟ قال :لا. فبرقت برقه : فقال : الحقا بأمكما .
فلم يزالا في ضوء تلك البرقة حتى لحقا بامهما ( ) .كأن نوراً يمشي بين أيديهما سخره الله في الحياة الدنيا لسيدي شباب الجنة إلى جانب فوزهما بحجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتفقده التربوي لهما .
وتتعدد صور من دلالات حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحسين ولم تشغله عن وظائف الرسالة ، وعن ذكر الله طرفة عين . بل كانت باباً من ابواب الدعاء وتوظيف العاطفة بما يخدم الاسلام ولينتفع من شجرة النبوة ومعدن الرسالة .
كان الحسين يتلقى الاحكام الشرعية من محل الرسالة . يأخذ دروس في الفقه والتفسير وذخائر الحكمة من منبع التشريع ومصدر الوحي في الارض.
عن أبي ليلى قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت تمر الصدقة ودخل الحسين فأخذ تمرة فجعلها في فيه .فاستخرجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فيه وقال : ان الصدقة لاتحل لنا ( ).
الرباب
تزوج الإمام الحسين عليه السلام (الرباب بنت امرئ القيس بن عدي الكلبي ، وهي أم سكينة بنت الحسين ، وهي التي يقول فيها الحسين : من الوافر
لعمرك إنني لأحب داراً … تكون بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي … وليس لعاتب عندي عتاب
كانت الرباب من أفضل النساء وأجملهن وخيارهن ، خطبت بعد قتل الحسين فقالت: ما كنت لأتخذ حمواً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
وقد أقامت الرباب العزاء على الحسين ، ورثته بشعر يحكي سمو أخلاقه ، وتقواه ، ووصفته بأنه مقتول غير مدفون إشارة لقوله تعالى وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ.
وكأنها تنظر إلى خلود ثورة الحسين ، والضياء الذي يشع من قبره والطيب الذي يبعثه فتنجذب له النفوس .
إذ قالت ترثي الحسين عليه السلام (من البسيط :
إن الذي كان نوراً يستضاء به … بكربلاء قتيل غير مدفون
سبط النبي جزاك الله صالحة … عنا وجنبت خسران الموازين
قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذ به … وكنت تصحبنا بالرحم والدين
من لليتامى ومن للسائلين ومن … يغني ويأوي إليه كل مسكين)( ).
أولاد الحسين (ع)
لقد كان الإمام الحسين عليه السلام منقطعاً إلى عبادة الله ، وتلاوة القرآن وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة كما ورد عن الإمام السجاد عليه السلام وأولاد الإمام الحسين عشرة ستة ذكور وأربعة إناث .
والذكور هم :
الأول : على الأكبر الذي أستشهد في كربلاء مع الحسين عليه السلام.
الثاني : على الأوسط وهو زين العابدين عليه السلام .
الذي ورث الإمامة من أبيه ، ونجا بكرامة في واقعة كربلاء مع أن جيش عمر بن سعد أرادوا قتله ، ثم ابن زياد في الكوفة أراد قتله ، ثم يزيد بن معاوية عندما احتج عليه الإمام في مجلسه ، قال تعالى يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
الثالث : على الأصغر بن الحسين عليه السلام .
الرابع : محمد بن الحسين عليه السلام.
الخامس : جعفر بن الحسين عليه السلام ، توفي وهو صغير .
السادس : عبد الله وهو الرضيع الذي قتل في حجر أبيه يوم عاشوراء ، وعمره ستة أشهر ، وكان الحسين يطلب له الماء بعد أن استشهد بعطشه وعطش أهل البيت ، رماه حرملة بن كاهلة الأسدي بسهم أصاب نحره فذبحه من الوريد إلى الوريد .
وبالإسناد (عن المنهال بن عمرو، قال دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام منصرفي من مكة فقال لي يا منهال، ما صنع حرملة بن كاهلة الأسدي فقلت تركته حيا الأمالي للطوسي بالكوفة، قال فرفع يديه جميعا، فقال اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار.
قال المنهال فقدمت الكوفة، و قد ظهر المختار بن أبي عبيد، و كان لي صديقا، قال فكنت في منزلي أياما حتى انقطع الناس عني، و ركبت إليه فلقيته خارجا من داره . فقال يا منهال، لم تأتنا في ولايتنا هذه، و لم تهنئنا بها، و لم تشركنا فيها .
فأعلمته أني كنت بمكة، و أني قد جئتك الآن، و سايرته و نحن نتحدث حتى أتى الكناس، فوقف وقوفا كأنه ينتظر شيئا، و قد كان أخبر بمكان حرملة بن كاهلة، فوجه في طلبه، فلم نلبث أن جاء قوم يركضون وقوم يشتدون حتى قالوا أيها الأمير، البشارة، قد أخذ حرملة بن كاهلة، فما لبثنا أن جيء به، فلما نظر إليه المختار قال لحرملة الحمد لله الذي مكنني منك.
ثم قال الجزار الجزار، فأتي بجزار، فقال له اقطع يديه، فقطعتا، ثم قال له اقطع رجليه، فقطعتا، ثم قال النار النار، فأتي بنار و قصب فألقي عليه و اشتعلت فيه النار.
فقلت سبحان الله فقال لي يا منهال، إن التسبيح لحسن، ففيم سبحت.
فقلت أيها الأمير، دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكة على علي بن الحسين عليهما السلام فقال لي يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهلة الأسدي فقلت تركته حيا بالكوفة .
فرفع يديه جميعا فقال اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار.
فقال لي المختار أسمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول هذا فقلت و الله لقد سمعته قال، فنزل عن دابته و صلى ركعتين فأطال السجود، ثم قام فركب، و قد احترق حرملة، و ركبت معه و سرنا، فحاذيت داري، فقلت أيها الأمير، إن رأيت أن تشرفني و تكرمني و تنزل عندي و تحرم بطعامي.
فقال يا منهال، تعلمني أن علي بن الحسين دعا بأربع دعوات فأجابه الله على يدي ثم تأمرني أن آكل ، هذا يوم صوم شكرا لله عز و جل على ما فعلته بتوفيقه)( ).
وعقب الإمام الحسين عليه السلام من الإمام علي بن الحسين زين العابدين .
وعن كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (كان للحسين عليه السلام ستة أولاد: علي بن الحسين الاكبر، كنيته أبو محمد امه شهربان بنت كسرى يزدجرد، وعلي بن الحسين الاصغر قتل مع أبيه بالطف .
وقد تقدم ذكره فيما سلف، وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية، وجعفر بن الحسين لا بقية له، وامه قضاعية وكانت وفاته في حياة الحسين وعبد الله بن الحسين قتل مع أبيه صغيرا جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه .
وسكينة بنت الحسين وامها الرباب ، بنت امرء القيس بن عدي كلبية معدية، وهي ام عبد الله بن الحسين عليه السلام .
وفاطمة بنت الحسين، وامها ام إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تيمية.
ذكر صاحب كتاب البدع وصاحب كتاب شرح الاخبار أن عقب الحسين من ابنه علي الاكبر وأنه هو الباقي بعد أبيه، وأن المقتول هو الاصغر منهما، وعليه نعول، فان علي بن الحسين الباقي كان يوم كربلا من أبناء ثلاثين سنة، وإن ابنه محمدا الباقر كان يومئذ من أبناء خمس عشر سنة، وكان لعلي الاصغر المقتول نحو اثنتا عشرة سنة.
وتقول الزيدية (أن العقب) من الاصغر وأنه كان في يوم كربلا ابن سبع سنين، ومنهم من يقول أربع سنين، وعلى هذا النسابون كتاب النسب عن يحيى بن الحسن قال يزيد لعلي بن الحسين عليهما السلام: واعجبا لابيك سمى عليا وعليا ؟
فقال عليه السلام: إن أبي أحب أباه فسمى باسمه مرارا)( ).
وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام ما كان أقل ولد أبيك قال اتعجب كيف ولدت له كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة فمتى كان يتفرغ للنساء( ).
نقل عن ابي الزبير محمد بن مسلم المكي انه قال: كنا عند جابر بن عبد الله فاتاه علي بن الحسين ومعه ابنه محمد وهو صبي فقال علي لإبنه: قبل رأس عمك، فدنا محمد من جابر فقبل رأسه فقال جابر: من هذا – وكان قد كف بصره- فقال له عليه السلام: هذا ابني محمد فضمه جابر اليه وقال: يا محمد! محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ عليك السلام فقالوا لجابر: كيف ذلك يا ابا عبد الله؟ فقال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسين في حجره وهو يلاعبه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا جابر يولد لإبني الحسين ابن يقال له علي اذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين فيقوم علي بن الحسين، ويولد لعلي ابن يقال له محمد، يا جابر ان رأيته فاقرءه مني السلام واعلم ان بقاءك بعد رؤيته يسير، فلم يعش بعد ذلك الا قليلاً ومات( ).
وقد ادرك جابر الإمام محمد الباقر عليه السلام وابلغه بامانة وود واستبشار تحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذ ان جابر بن عبد الله عمر وكان موته سنة ثمان وسبعين وقال الهيثم بن عدي انه مات سنة اربع وسبعين للهجرة بينما كانت ولادة الباقر عليه السلام سنة سبع وخمسين من الهجرة النبوية المباركة، ولذلك وبراً بابيه وتيمناً باسمه كان الإمام الحسين عليه السلام يحب تسمية ابنائه بعلي لما يضفيه هذا الاسم من معاني الإيمان والشجاعة والعز وما يبعثه من اشعاع روحي يرسخ في النفوس الولاء والإقتداء به.
خاتم الحسين (ع)
من السنة النبوية اتخاذ الخاتم ، والتختم باليمين ، وقد لبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً بيده ، لذا يستحب التختم بالعقيق ونحوه من الأحجار الكريمة ، وهذا الإستحباب شامل للرجل والمرأة .
وروي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام (أنه قال: علامات المؤمن خمس: صلاة الاحدى والخمسين، وزيارة الاربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)( ).
و(عن أنس بن مالك قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب إلى بعض الاعاجم فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا بخاتم، فاتخذ خاتما من فضة، ونقش فيه: محمد رسول الله)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال : كان للحسين بن علي عليه السلام خاتمان نقش أحدهما : لا إله إلا الله عدة للقاء الله، ونقش الآخر: إن الله بالغ أمره، وكان نقش خاتم علي بن الحسين عليه السلام : خزي وشقي قاتل الحسين بن علي عليه السلام)( ).
وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام (في خاتم الحسن والحسين عليهما السلام : حسبي الله).
وفي رواية : وكان نقش خاتم الحسين بن علي : علمت فأعمل.
وعن الإمام الحسن العسكري عليه السلام (عن آبائه عليهم السلام أنهم قالوا : كان لفاطمة عليها السلام خاتم فضه عقيق .
فلما حضرتها الوفاة دفعته إلى الحسن عليه السلام، فلما حضرته الوفاة دفعه إلى الحسين عليه السلام.
قال الحسين عليه السلام فاشتهيت أن أنقش عليه شيئا .
فرأيت في النوم المسيح عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليه السلام، فقلت له: يا روح الله ما أنقش على خاتمي هذا .
قال: انقش عليه لا إله إلا الله الملك الحق المبين، فإنه أول التوراة وآخر الانجيل)( ).
ولا مانع من تعدد الخاتم ، ونقشه عند الإمام الحسين مع توالي سني العمر ، وكلها في تعظيم شعائر الله .
الطيب والخضاب
وكان الطيب محبباً إليه والمسك لا يفارقه في حله وترحاله .
عن الصادق عليه السلام قال :خضب الحسين عليه السلام بالحناء والكتم( ).
عن سفيان قلت لعبيد الله بن أبي يزيد : رأيت الحسين بن علي ؟ قال: نعم اسود الرأس واللحية إلا شعرات هاهنا في مقدم لحيته فلا أدري اخضب وترك ذلك المكان شبهاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لم يكن شاب من غير ذلك .
وكانت رؤيته تذكر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتجدد الشوق له وتبعث ميلاً في النفوس إلى الحسين عليه السلام
لقد سأل زكريا عليه السلام ربه (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ…)( )فبشره الله بيحيى والناس في كل زمان يفرحون ويستبشرون بالمولود الذكر .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتولى تربية الحسنين للبنوة والإمامة ، وجاءت أخبار السنة النبوية والقولية والفعلية بتعاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتربية الحسن والحسين .
وعن (عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله آخذا بيد الحسن والحسين عليهما السلام فقال: إن ابني هذين ربيتهما صغيرين، ودعوت لهما كبيرين .
وسألت الله لهما ثلاثا فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة: سألت الله لهما أن يجعلهما طاهرين مطهرين زكيين فأجابني إلى ذلك .
وسألت الله أن يقيهما وذريتهما وشيعتهما النار فأعطاني ذلك .
وسألت الله أن يجمع الامة على محبتهما فقال: يا محمد إني قضيت قضاء وقدرت قدرا وإن طائفة من أمتك ستفي لك بذمتك في اليهود والنصارى والمجوس وسيخفرون ذمتك في ولدك .
وإني أوجبت على نفسي لمن فعل ذلك ألا أحله محل كرامتي، ولا أسكنه جنتي، ولا أنظر إليه بعين رحمتي يوم القيامة)( ).
بالأسناد عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة عرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنة مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله علي حبيب الله الحسن والحسين صفوة الله فاطمة خيرة الله وعلى باغضهم لعنه الله ( ) .
لقد حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بيان حبه للحسين ليكون حقيقة إسلامية يهتدى بها في أفق البحث العقلي والنقلي ويستنار بها في التمييز والارتقاء في الواقع التاريخي ومراحل سمو الذات.
تفضيل الحسين في السنة
و(عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه الحسن والحسين، هذا على عاتق وهذا على عاتق، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة، فقال له جبرئيل: إنك تحبهما ؟ قال: إني احبهما واحب من يحبهما فإن من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني)( ).
(روى زاذان عن سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في الحسن والحسين عليهما السلام : اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحبب من أحبهما وقال صلى الله عليه وآله : من أحب الحسن والحسين أحببته ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار)( ).
ومع حب النبي يأتي الاصطفاء والاستخلاص ليتجلى في كل جيل شعاع وضياء تتصل خطوطه بالسنة النبوية .
عن حبشي بن جناد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تعالى اصطفى العرب من جميع الناس واصطفى قريشاً من جميع العرب واصطفى بني هاشم من قريش في نفر من أهل بيتي : علي وحمزة وجعفر والحسن والحسين( ).
ومن نتائج هذ التفضيل والفضل الإلهي ، وكان الإتحاد والتفاعل والترابط المتصل في بيت النبوة .
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين للناس أحكام الشريعة ، ومسائل الحلال والحرام ، والمنزلة الرفيعة لأهل البيت ، وهذا البيان ترجمان للقرآن ودعوة للناس للرجوع اليهم والصدور عنهم ، ومنها تفضيل أهل الكساء .
و(عن ربيعة السعدي قال لما اختلف الناس في التفضيل رحلت راحلتي وأخذت زادي وخرجت حتى دخلت المدينة فدخلت على حذيفة بن اليمان فقال لي من الرجل قلت من أهل العراق فقال لي من أي العراق قال قلت رجل من أهل الكوفة.
قال مرحبا بكم يا أهل الكوفة قال قلت اختلف الناس علينا في التفضيل فجئت لأسألك عن ذلك فقال لي على الخبير سقطت .
أما إني لا أحدثك إلا ما سمعته أذناي ورعاه قلبي وأبصرته عيناي خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه كما أنظر إليك الساعة حامل الحسين بن علي على عاتقه كأني أنظر إلى كفه الطيبة وأضعها على قدمه يلصقها بصدره.
فقال يا أيها الناس لأعرفن ما اختلفتم فيه يعني في الخيار بعدي هذا الحسين بن علي خير الناس جدا جده محمد رسول الله سيد النبيين وجدته خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله هذا الحسين بن علي خير الناس أبا وخير الناس.
أما أبوه علي بن أبي طالب أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووزيره وابن عمه وسابق رجال العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله .
وأمه فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين هذا الحسين بن علي خير الناس خير الناس عما وخير الناس عمة عمه جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء .
وعمته أم هانئ بنت أبي طالب هذا الحسين بن علي خير الناس خالا وخير الناس خالة خاله القاسم بن محمد رسول الله وخالته زينب بنت محمد رسول الله ثم وضعه عن عاتقه فدرج بين يديه وحبا .
ثم قال يا أيها الناس هذا الحسين بن علي جده وجدته في الجنة وأبوه وأمه في الجنة وعمه وعمته في الحنة وخاله وخالته في الجنة وهو وأخوه في الجنة إنه لم يؤت أحد من ذرية النبيين ما أوتي الحسين بن علي ما خلا يوسف بن يعقوب)( ).
حديث السفينة
من أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح . ومنها : قوله صلى الله عليه وآله : ان عليا يزهر في الجنة . ومنها : قوله صلى الله عليه وآله : لعن الله من من انتمى إلى غير ابيه او توالى غير مواليه . ومنها : قوله صلى الله عليه وآله : خيركم خيركم لاهلي بعدى . ومنها : قوله صلى الله عليه وآله : سلام عليك يا ابا الريحانتين)( ).
بالإسناد عن علي بن عقبة عن (أبيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن لنا خادمة لا تعرف ما نحن عليه، فان أذنبت ذنبا وأرادت أن تحلف بيمين قالت: لا وحق الذي إذا ذكرتموه بكيتم، قال: فقال: رحمكم الله من أهل بيت)( ).
و(عن مسند أحمد بن حنبل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله قال: حب آل محمد يوما خير من عبادة سنة، ومن مات عليه دخل الجنة)( ).
شرور المشركين
لقد كان المشركون يؤذون النبي محمداً وأهل البيت والصحابة الأوائل وهو في مكة قبل الهجرة ، مدة ثلاث عشرة سنة ، وهذا الأذى من جهات :
الأولى : الأذى الشخصي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقول والفعل عند صلاته وتلاوته القرآن داخل المسجد الحرام ، وايذاؤه خارجه .
و(عن عبد الله قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلى ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه.
فقالوا: من يأخذا هذا السلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبى معيط: أنا.
فأخذه فألقاه على ظهره فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم عليك بهذا الملا من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبى جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة ابن أبى معيط، اللهم عليك بأبى بن خلف .
قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى، أو أمية بن خلف، فإنه كان رجلا ضخما فتقطع)( ).
وقتل أبي بن خلف في معركة أحد بعد أن أصر على الهجوم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإرادة قتله .
الثانية : إيذاء بني هاشم ، ومنه فرض قريش الحصار الإقتصادي والإجتماعي عليهم لثلاث سنين من شهر محرم من السنة السابعة للهجرة.
الثالثة : إيذاء الصحابة خاصة المستضعفين منهم كما في تعذيب بلال وخباب بن الأرت وتعذيب أبي جهل وبني مخزوم لآل ياسر إذ كانوا يخرجونهم في الظهيرة للتعذيب ، فماتت سمية أم عمار تحت التعذيب ، وكانت أول شهيد في الإسلام ، وكان النبي محمد يمر عليهم وهم يعذبون فيقول : أبشروا آل ياسر فان موعدكم الجنة .
(عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه. فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت : لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث .
قال : فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد ، فأعطيتك ، فأنزل الله أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا إلى قوله وَيَأْتِينَا فَرْدًا ))( ).
ومن شدة ايذاء رجالات قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كان كل بيت وكل قبيلة يعذبون من دخل الإسلام منهم ، وأفتتن بعضهم فعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم على طائفة منهم الهجرة مع تعيين الجهة وهي الحبشة ، وبيان سبب اختيارها دار هجرة عدالة الملك فيها.
وقال (إن بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يُظلم عنده أحد)( ).
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يزرع في قلوب المسلمين أجر حمل الرسالة ويدعوهم ليكون لود آل محمد أثر فعال في انماط السلوك الذي تتجلى معالمه واضحة فيما تتوارث اجيالهم .
الرفق بالمساكين
لذلك ترى الحسين يمر على مساكين فيبادر إلى السلام عليهم وكانوا يأكلون كسر لهم على كساء . فدعوه إلى طعامهم فجلس معهم وقال إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ.
واردف بتواضع : لولا انه صدقة لأكلت معكم ، وورد عبد الملك بن المغيرة وهو تابعي من بني هاشم (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا بني عبد المطلب إن الصدقة أوساخ الناس فلا تأكلوها ولا تعملوا عليها)( ).
كي يلتفت هؤلاء وغيرهم إلى وجوب استحضار القواعد الشرعية في نوع الطعام وموردهم . والتذكير بما خص به الله عز وجل آل محمد .
ثم قال قوموا إلى منزلي وفي رواية (قد أجبتكم فأجيبوني قالوا نعم فمضى بهم إلى منزله فقال للرباب أخرجي ما كنت تدخرين) ( ).
فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم .
ليجسد مكارم الاخلاق ولياتي بالأفعال التي تصدق وتحكي اعتقاد الناس بشمائل الإمامة وبقيه النبوة في شخص الإمام واتصافة بمكارم الاخلاق وتولى النبي الكريم اعداده بنفسه .
عن الإمام علي عليه السلام قال (زارنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبات عندنا، والحسن والحسين نائمان .
فاستسقى الحسن، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قربة لنا، فجعل يعصرها في القدح، ثم جاءَ يسقيه.
فتناوله الحسين ليشرب، فمنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبدأَ بالحسن فقيل : يا رسول الله ، كأَنه أَحبهما إِليك ، فقال : لا ، وَلَكِنهُ استسقى أول مرة .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا فاطمة إني وإياك وهذين وهذا الراقد – يعني علياً – في مكان واحد يوم القيامة)( ).
ومرة اخرى يصطرع الحسن والحسين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي : ايه حسن فأخذ حسيناً . فقالت فاطمة :استنهض الكبير على الصغير .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا جبريل يقول ايه حسين خذ الحسن . قال الإمام علي عليه السلام فاصطرعا فلم يصرع واحد منهما صاحبه( ).
كربلاء في علم الغيب
كان أصحاب النبي وازواجه ملتزمين جانب الطاعة والرضا لأوامر ونواهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم كجزء من واجبات المسلم لقوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
لذلك كانوا آذاناً صاغية لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه : لا تبكوا هذا الصبي – يعني حسيناً فلما كان يوم أم سلمة قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخل الداخل وقال لأم سلمة :لا تدعي احداً يدخل علي . فجاء الحسين فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في البيت اراد ان يدخل فأخذته أم سلمة فأحتضنته وجعلت تناغيه وتسكته.
فلما اشتد في البكاء خلت عنه فدخل حتى جلس في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :أن أمتك ستقتل ابنك هذا: فتناول جبرئيل تربة وقال بمكان كذا وكذا .
فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً فظنت أم سلمة انه غضب من دخول الصبي عليه .
فقالت: يا نبي الله جعلت لك الفداء إنك قلت لنا: لا تبكوا هذا الصبي وأمرتني ان لا أدع احداً يدخل عليك فجاء فخلت عنه .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا أم سلمة وديعة عندك هذه التربة قالت : فشمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : ريح كرب وبلاء .
وقال يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دماء فأعلمي أن ابني قد قتل . فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر اليها كل يوم وتقول :أن يوماً تحولًين دماء ليوم عظيم( ).
لماذا الإخبار بقتل الحسين
وفي أحاديث النبي محمد لى عن قتل الحسين في كربلاء إعجاز وإخبار من علم الغيب من وجوه:
الأول : حضور تربة كربلاء عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : جعل هذه التربة وديعة عند أم سلمة.
الثالث : بيان الملازمة الزمانية بين قتل الحسين عليه السلام وصيرورة التربة حمراء كأنها دم.
الرابع : دلالة الحديث بالدلالة الإلتزامية على حدوث مصيبة قتل الحسين بعد مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.
الخامس : بيان أن يوم قتل الحسين يوم عظيم في تأريخ الإنسانية ووقائع الإسلام، وفيه تحذير من قتل الحسين أو الإشتراك فيه.
السادس : إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، عن مقتل الحسين من مصاديق قوله تعالىوَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
السابع : بيان الوظائف الملكوتية المتعددة لجبرئيل عليه السلام بالإضافة إلى نزوله بآيات القرآن وبالوحي ، والنسبة بين الوحي وآيات القرآن عموم وخصوص مطلق ، فالوحي أعم ، وتارة يأتي بواسطة جبرئيل ، وأخرى من عند الله عز وجل من غير واسطة ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الثامن : بيان ماهية عظمة يوم قتل الحسين بأنه مصيبة كبرى من جهات:
الأولى : دلالة ذات الحديث أعلاه لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما شم التربة قال: ريح كرب وبلاء.
الثانية : تسمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسين عليه السلام بأنه ابنه.
الثالثة : عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذات التربة التي أحضرها جبرئيل عليه السلام .
ترى لماذا أحضرت هذه التربة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجواب من وجوه:
الأول : بيان عظيم منزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل.
الثاني : مواساة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفقد الحسين، ليكون أول من تلقى التعازي بقتله.
الثالث : شهادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قتل ولده.
الرابع : تحذير وإنذار المسلمين كافة من الإشتراك بقتل الحسين وهو من مصاديق الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووصفه بأنهبِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
الخامس : دعوة المسلمين لنصرة الحسين لقوله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.
السادس : زجر الناس عن نصرة أو إعانة الذين يقتلون الحسين عليه السلام أو الميل إليهم ، وإقامة الحجة على الذين يقتلون الحسين ، قال تعالى وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ.
حب الحسين واجب
تبين طائفة من الأحايث النبوية الملازمة بين حب المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحبهم للحسين عليه السلام .
وعن عبد الله بن مسعود قال :كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فاذا وثب الحسن والحسين على ظهره فاذا أرادوا ان يمنعوهما أشار عليهم ان دعوهما .فاذا قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال من احبني فليحب هذين( ).
وروى الطبراني في الكبير، عن علي عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : من أحَب هذا – يعني الحسين – فقد أحبني.
وعن ( يعلي زاد ابن العلاف أبو أمية قال جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ أحدهما فضمه إلى ابطه وأخذ الآخر فضمه إلى إبطه الآخر وقال هذان ريحانتاي من الدنيا من احبني فليحبهما ثم قال الولد مبخلة مجبنة مجهلة)( ).
وأخرج الترمذي (عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط ، قال أبو عيسى هذا حديث حسن)( ).
وهل في هذه الأحاديث الصحيحة السند والمستفيضة عند المسلمين إنذار من محاربة الحسين ، الجواب نعم .
سمو منزلة الحسين عليه السلام
يتسالم المسلمون على علو ورفعة منزلة الحسين عليه السلام ، تلك المنزلة المقتبسة من الكتاب والسنة ، كما أنه خامس أهل الكساء الذين خصهم الله بتشريف وإكرام بيت النبوة وعصمة الإمامة.
وحين جاء نعي الإمام الحسين عليه السلام إلى أم سلمة لعنت قاتليه وقالت (قَتَلَهُمْ اللَّهُ غَرُّوهُ وَذَلُّوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ غَدِيَّةً بِبُرْمَةٍ قَدْ صَنَعَتْ لَهُ فِيهَا عَصِيدَةً تَحْمِلُهُ فِي طَبَقٍ لَهَا حَتَّى وَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ .
فَقَالَ لَهَا أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ .
قَالَتْ هُوَ فِي الْبَيْتِ قَالَ فَاذْهَبِي فَادْعِيهِ وَائْتِنِي بِابْنَيْهِ .
قَالَتْ فَجَاءَتْ تَقُودُ ابْنَيْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدٍ وَعَلِيٌّ يَمْشِي فِي إِثْرِهِمَا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُمَا فِي حِجْرِهِ .
وَجَلَسَ عَلِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ وَجَلَسَتْ فَاطِمَةُ عَنْ يَسَارِهِ .
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَاجْتَبَذَ مِنْ تَحْتِي كِسَاءً خَيْبَرِيًّا كَانَ بِسَاطًا لَنَا عَلَى الْمَنَامَةِ فِي الْمَدِينَةِ .
فَلَفَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَأَخَذَ بِشِمَالِهِ طَرَفَيْ الْكِسَاءِ .
وَأَلْوَى بِيَدِهِ الْيُمْنَى إلى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَهْلِي أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا اللَّهُمَّ أَهْلُ بَيْتِي أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا اللَّهُمَّ أَهْلُ بَيْتِي أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا .
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِكَ قَالَ بَلَى فَادْخُلِي فِي الْكِسَاءِ قَالَتْ فَدَخَلْتُ فِي الْكِسَاءِ بَعْدَمَا قَضَى دُعَاءَهُ لِابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ وَابْنَيْهِ وَابْنَتِهِ فَاطِمَةَ عليهم السلام( ).
و(عن سويد بن غفلة: أنّ رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره أنّ خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له ، فقال : إنّه لم يمت ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب ابن جمّاز فقام رجل من تحت المنبر فقال : يا أمير المؤمنين ، والله إنّي لك شيعة، وإنّي لك محبّ ، وأنا حبيب بن جماز.
فلمّا كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان بعث ابن زياد بن سعد إلى الحسين ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته ، وحبيب بن جمّاز صاحب رايته ، فسار بها حتّى دخل المسجد من باب الفيل . وهذا الخبر مستفيض في أهل العلم بالآثار من أهل الكوفة)( ).
و(عن جابر قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، وفي لفظ: إلى سيد شباب الجنة، فلينظر إلى الحسين بن علي، وإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك .
وروى أبو القاسم البغوي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: خلونا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل الحسين، فجعل ينزو على ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى بطنه، فبال، فقمنا إليه، فقال – عليه الصلاة والسلام – : دعوه، ثم دعا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بماء فصبه على ثوبه.
حبُ الحسين حسنة
الحب نقيض البغض مأخوذة من حبب لإرادة اللزوم والثبات .
والحب كيفية نفسانية تتجلى بالإنجذاب إلى الشئ وشعور وجداني عاطفي ، وخير الحب هو حب الله عز وجل ، وحب الرسول وأهل بيته ، وتدل عليه آية المودة وحب الوالدين ، وحب لقاء الله عز وجل .
وبالإسناد عن (عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ حَدَّثَنِي أَخِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ (عليهما السلام) فَقَالَ مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)( ).
روى سعيد بن منصور والترمذي وحسنه عن يعلى بن مرة العامري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حسين مني ، وأنا من حسين ، أحب اللّه من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط.
عن يعلي بن مرّة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الحسنُ والحسين سِبطانِ من الأسبَاطِ( ).
وروى أبو القاسم البغوي بسنده، قال: خرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من بيت عائشة، فمر على باب فاطمة عليها السلام فسمع حسيناً يبكي، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : أما تعلمين أن بكاءه يؤذيني.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يُرقي الحسن والحسين بالدعاء ، قال الإمام علي عليه السلام (رقا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسنا وحسينا فقال : اعيذكما بكلمات الله التامة وأسمائه الحسنى كلها عامة من شر السامة والهامة، ومن شر كل عين لامة، ومن شر كل حاسد إذا حسد .
ثم التفت النبي صلى الله عليه وآله إلينا فقال : هكذا كان يعوذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق (عليهم السلام))( ).
إخبار الملائكة عن قتل الحسين
لقد بعث الله عز وجل مائة وأربعة وعشرين ألف نبي وأولهم آدم عليه السلام إذ ورد في حديث أبي ذر قال (قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟
قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قال : قلت : يا رسول الله كم المرسلون منهم؟
قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيّتهم أنبياء قلت : أكان آدم نبياً؟
قال : نعم كلمه الله سبحانه وخلقه بيده،
يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب : هود وصالح وشعيب ونبيك. قلت : يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟
قال : مائة وأربع كتب، منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوح، وهو إدريس ثلاثين صحيفة، وهو أوّل من خطّ بالقلم، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان)( ).
وكان الملائكة ينزلون على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويخبروه عن علوم من الغيب مما أطلعهم الله عز وجل عليها ، وأذن لهم باخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بها ، منها قتل الحسين عليه السلام في أرض كربلاء .
روى الطبراني (عن عائشة عنها قالت : دخل الحسين بن علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو منكب ولعب على ظهره.
فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتحبه يا محمد ؟ قال : يا جبريل وما لي لا أحب ابني .
قال : فإن أمتك ستقتله من بعدك فمد جبريل عليه السلام يده فأتاه بتربة بيضاء فقال في هذه الأرض يقتل ابنك هذا يا محمد واسمها الطف .
فلما ذهب جبريل عليه السلام من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتربة في يده تبكي فقال : يا عائشة إن جبريل عليه السلام أخبرني أن الحسين ابني مقتول في أرض الطف وإن أمتي ستفتتن بعدي ثم خرج إلى أصحابه فيهم علي و أبو بكر و عمر و حذيفة و عمار و أبو ذر وهو يبكي .
فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه)( ).
وروى الإمام أحمد، عن ثابت، عن أنس قال: استأذن ملك المطر أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأذن له، فقال – عليه الصلاة والسلام لأم سلمة: ” احفظي، علينا الباب لا يدخل أحد ” ، فجاء الحسين فوثب حتى دخل، فجعل يصعد على منكب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال له ملك المطر: أتحبه؟.
فقال – عليه الصلاة والسلام – نعم، قال: إن أمتك تقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه .
قال: فضرب بيده، فأراه تراباً أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب، فصيرته في طرف ثوبها،، قال: فكنا نسمع أن يقتل بكربلاء ( ).
وروى البيهقي من حديث وهب بن ربيعة بن زياد، قال: أخبرتني أم سلمة أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم اضطجَعَ ذات يوم، فاستيقظ وهو حائر، ثم اضطجع، فرقد، ثم استيقظ وهو حائر دون ما رأيتُ منه في المرة الأولى، ثم اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء، وهو يقلبها، فقلت: ما هذه التربة، يا رسول اللّه.
قال : أخبرني جبريل؛ أن ابني هذا يقتل بأرض العراق، قال: فقلت: يا جبريل، أرني تربة الأرض، فقال: هذه تربتها.
وروى البزار عن ابن عباس قال: كان الحسين جالساً في حجره – عليه الصلاة والسلام – فقال له جبريل: أتحبه؟. فقال: كيف لا، وهو ثمرة فؤادي، فقال: إن أمتك ستقتله؛ ألا أريك موضع قبره .
ولم ينحصر إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن مقاتل أهل البيت والصحابة بخصوص قتل الحسين ، فمما أخبر عنه ما رواه (أيوب بن بشير قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر من أسفاره، فلما مر بحرة، زهرة، وقف فاسترجع .
فساء ذلك من معه وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما الذي رأيت .
فقال رسول الله: أما إن ذلك ليس من سفركم، قالوا: فما هو يا رسول الله ؟ قال: يقتل بهذه الحرة خيار امتي بعد أصحابي .
قال أنس بن مالك: قتل يوم الحرة سبع مأة رجل من حملة القرآن فيهم ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله .
وكان الحسن يقول: لما كان يوم الحرة قتل أهل المدينة حتى كاد لا ينفلت أحد، وكان فيمن قتل ابنا زينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وهما ابنا زمعة بن عبد الله بن الاسود .
وكان وقعت الحرة يوم الاربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين .
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في ابن عباس : لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علما.
فكان كما قال وقوله في زيد بن أرقم وقد عاده من مرض كان به: ليس عليك من مرضك بأس، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت ، قال : إذا أحتسب وأصبر ، قال : إذا تدخل الجنة بغير حساب).
فقبض قبضة وإذا تربة حمراء.
إخبار الإمام علي (ع) عن قتل الحسين (ع)
وروى الإمام أحمد، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، أنه سار مع أمير المؤمنين علي عليه السلام فلما حازَى شط الفرات، قال: صبراً أبا عبد الله، قلت: ومما ذاك، يا أمير المؤمنين؟ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعيناه تفيضان بالدمع، فقلت: مم ذلك يا رسول الله، صلى اللّه عليك ، فقال: قام من عندي جبريل عليه الصلاة والسلام وأخبرني أن ابني الحسين يقتل بشط الفرات .
وقال: هل لك أن أنعمك من تربته؟ فقلت: نعم، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا.
وأخرج ابن سعد قال : مر علي عليه السلام بكربلاء عند مسيره إلى صفين ، وحاذى نينوى اسم قرية على الفرات فوقف وسأل عن اسم هذه الأرض، فقيل له: كربلاء، فبكى حتى بلت دموعه الأرض، ثم قال: هاهنا مناخ ركابهم، هاهنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمد يقتلون بهذه العرصة، تبكي عليهم السموات والأرض)( ).
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تدع أحدَاً يدخل، فجاء الحسين فمنعته، فبكى فخليته فدخل حتى قعد في حجره صلى الله عليه وآله وسلم فقال جبريل عليه الصلاة والسلام : إن أمتك ستقتله .
فقال عليه الصلاة والسلام : تقتله، وهم مؤمنون؟
قال : نعم ، وأراه من تربته. وفي رواية: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبريلُ، أفلا أراجع ربي عز وجل. قال: لا؛ إنه أمر قد قضى وفُرغَ منه.
وروى الإمام أحمد، عن فاطمة عليها السلام أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: لقد دَخَلَ جبريل علي البيت، ولم يدخل علي قبلها، فقال: ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت، أريتك التربة التي يقتل بها، فأخرج تربة حمراء.
أم سلمة ومقتل الحسين (ع)
وعن أم سلمة أنها قالت : ناولني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفاً من تراب أحمر، وقال: إن هذا من تربة الأرض التي يقتل بها ابني – يعني الحسين – فمتى صار دماً فاعلمي أنه قد قتل. قالت أم سلمة: فوضعته في قارورة.
وكنت أقول: إن يوماً يتحول فيه دمَاً ليوم عظيم. وفي رواية: فأصبته يوم قتل الحسين، وقد صار دمَاً، قالت أم سلمة: فلما كانت ليلة قتل الحسين، سمعت قائلاَ يقول: من الخفيف:
أَيُّهَا القَاتِلُونَ جَهلا حُسَيناً … أبشِرُوا بِالعَذَابِ وَالتَنْكِيلِ
قالت: فبكيت وفتحت القارورة، فإذا الحصيات قد خرجت دمَاً.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (أصبحت يوما ام سلمة تبكي فقيل لها: مم بكاؤك .
فقالت: لقد قتل ابني الحسين الليلة، وذلك أنني ما رأيت رسول الله منذ مضى إلا الليلة فرأيته شاحبا كئيبا فقالت: قلت: ما لي أراك يا رسول الله شاحبا كئيبا .
قال: ما زالت الليلة أحفر القبور للحسين وأصحابه عليه وعليهم السلام)( ).
ومن الإعجاز في مفهوم هذه الأحاديث الإخبار عن حياة أم سلمة حتى ترى قتل الحسين عليه السلام واختلف في تأريخ وفاة أم سلمة على قولين:
الأول : أنها ماتت سنة تسع وخمسين للهجرة .
الثاني : أنها ماتت سنة إحدى وستين بعد ورود خبر قتل الحسين وهو الأرجح ، وقال ابن عساكر : ويقال توفيت سنة إحدى وستين أخبرتنا أم البهاء فاطمة بنت محمد قالت أخبرنا أبو طاهر بن محمود أخبرنا محمد بن إبراهيم بن المقرئ حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عبيد الله بن سعد حدثنا عمي وقرأته أنا بخطه ماتت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله و سلم سنة إحدى وستين حين جاء نعي الحسين وهذا هو الصحيح( ).
وروى ابو نعيم الاصفهاني مثل ذلك في دلائل النبوة عن أنس بن مالك وان ملك القطر هو الذي قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن شئت اريتك المكان الذي يقتل فيه الحسين قال: نعم .
فأراه أياه فجاء بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها . ولابد ان ذلك قد تكرر لعظيم المسألة وأهمية ما تفرزه من نتائج وتتركه من آثار شاء الله أن تبقى في تفاعل لتساهم في تثبيت قواعد الاسلام وفي ديمومة بروز وجهه المشرق الخالي من الظلم والبغي فلا يلتقي معها في التشريع .
وقد روى عن عائشة قالت : بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راقد اذا جاء الحسين يحبو اليه فنحيته عنه ثم قمت لبعض أمري فدنا منه. فأستيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي فقلت :ما يبكيك.
قال :ان جبرئيل أراني التربة التي يقتل عليها الحسين ، فاشتد غضب الله على من سفك دمه . قالت : وبسط النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده فاذا فيها قبضة من بطحاء .
فقال :يا عائشة والذي نفسي بيده إنه لحزنني فمن هذا من أمتي الذي يقتل حسيناً من بعدي( ).
وتدل أحاديث إخبار جبرئيل عليه السلام النبي محمداً عن قتل الحسين عليه السلام في كربلاء على كثرة نزول جبرئيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن نزوله لا يختص بالنزول بآيات القرآن ، وكان أحياناً يأتيه بصورة الصحابي دِحية الكلبي .
والنسبة بين الوحي ونزول جبرئيل عموم وخصوص مطلق ، فالوحي أعم ، ومنه ما يأتي من فضل الله من غير أن ينزل جبرئيل ، قال تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
ولم يقتصر إخبار النبي عما يحدث للحسين على أهل بيته وأزواجه وهو المأمور بالتبليغ وأداء ما حمل من عباء الرسالة لقوله تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ فأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى أصحابه يوماً وهم جلوس فقال لهم ان أمتي يقتلون ابني هذا .
كما لا ينحصر أهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحسين وعظيم رزيته بمصيبته في ساعة وجوده بين ظهرانهم وقريب منهم .
يروي ابن عباس قائلاً : لما أتت على الحسين سنتان من مولده خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر له ، فلما كان في بعض الطريق وقف فاسترجع , ودمعت عيناه فسئل عن ذلك فقال : هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشاطئ الفرات يقال لها كربلا , يقتل ولدي الحسين بن فاطمة
الحسين عليه السلام في القرآن
لقد جاء الانبياء بمعجزات حسية ملموسة لم تنقض بانقضاء عصرهم وهلاك الأجيال التي عاصرتهم بسبب معجزة القرآن العقلية التي تستمر إلى يوم القيامة ، وفيه الآيات التي تشاهد بالبصيرة وفيه من الأوامر والنواهي قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
قال الإمام علي عليه السلام سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال : كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم .
ومن تركه من جبار قصمه الله . ومن ابتغى الهدى في غير اضله الله .
وهو حبل الله المتين ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثير الرد ولا تنقضي عجائبه . هو الذي لم تنته الجن اذ سمعته حتى قالوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إلى الرُّشْدِ.
من قال به صدق ومن عمل به اجر ومن حكم به عدل ومن دعا اليه هدى إلى سراط المستقيم( ).
وكان التفسير وهو بيان تأويل الآيات القرآنية وكشف المراد عن مقاصدها والبحث عن مداليلها ومعرفة أحكامها – من أقدم الاشتغالات العلمية التي تعهد بالعناية بها المسلمون منذ أيام نزول القرآن ومنه تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآيات من القرآن الكريم وآياته والذي يسمى التفسير بالمأثور( ) ومنه تفسير الاستدلال بآية على آية وتفسير الإمام علي والائمة من ولده عليهم السلام والطبقة الأولى من مفسري المسلمين وهم جماعة من الصحابة اعتنوا بهذا الشأن.
وثم شيوع البحوث الكلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم واختلاط المسلمين بالفرق المختلفة فاحتاج المؤمنون الإحتجاج بكتاب الله في انتزاع الحقوق وبيان طرق الحكمة وكشف الغطاء بالتعبد المحض وبحث المعارف الدينية ودراسة الجهات الأدبية للفظ وقراءته ونستعرض هنا بعض من الآيات القرآنية التي للحسين فيها سهم وحق على المسلمين .
لقد تضمن عدد من آيات القرآن إكرام أهل البيت عليهم السلام ، ولتبينه السنة النبوية القولية والفعلية.
و(عن الحكم بن عتيبة قال لقى رجل الحسين بن على بالثعلبية وهو يريد كربلا فدخل عليه فسلم عليه فقال له الحسين عليه السلام من اى البلدان أنت .
فقال من اهل الكوفة .
قال يا أهل الكوفة اما والله لو لقيتك بالمدينة لاريتك اثر جبرئيل من دارنا ونزوله على جدى بالوحى .
يا اخا اهل الكوفة مستقى العلم من عندنا أفعلموا وجهلنا هذا مالا يكون)( ).
وتمر الأيام ويقول يحيى بن عبد الله (سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول – وعنده انا من أهل الكوفة -: عجبا للناس إنهم اخذوا علمهم كله عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فعملوا به واهتدوا ويرون أن أهل بيته لم يأخذوا علمه .
ونحن أهل بيته وذريته في منازلنا نزل الوحي، ومن عندنا خرج العلم إليهم، أفيرون أنهم علموا واهتدوا وجهلنا نحن وضللنا، إن هذا لمحال)( ).
آية المباهلة
تلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على وفد نصاري نجران الذين جاءوا إلى المدينة في السنة التاسعة للهجرة قوله تعالى [إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ] ( ).
قراها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على النصارى ودعاهم إلى المباهلة أي نخلص ونجتهد في الدعاء واللعنة على الكاذب منا .
وقال ان الله اخبرني ان العذاب ينزل على المبطل عقب المباهلة ويبين الحق من الباطل لذلك .
فاجتمع رؤساؤهم وهم الأسقف وعبد المسيح والعاقب على المشورة واتفق رأيهم على استنظار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صبيحة غد من يومهم ذلك فلما رجعوا إلى رحالهم .
قال لهم الاسقف: انظروا محمدا في غد فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غير شئ .
فلما كان من الغد جاء النبي صلى الله عليه وآله آخذا بيد علي بن أبي طالب عليه السلام، والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه يمشيان وفاطمة عليها السلام تمشي خلفه .
وخرج النصارى يقدمهم اسقفهم فلما رأى النبي قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقيل له: هذا ابن عمه وزوج ابتنه وأحب الخلق إليه وهذان ابنا بنته من علي، وهذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه وأقربهم إليه .
وتقدم رسول الله فجثا على ركبتيه، فقال أبو حارثة الاسقف: جثا والله كما جثا الانبياء للمباهلة، فرجع ولم يقدم على المباهلة .
فقال له السيد: ادن يا حارثة للمباهلة .
قال: لا إني لارى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا، ولئن كان صادقا لم يحل علينا الحول والله وفي الدنيا نصراني يطعم الماء .
فقال الاسقف: يا أبا القاسم، إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك، فصالحنا على ما ننهض به .
فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله على ألفي حلة من حلل الاواقي قيمة كل حلة أربعون درهما، فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك، وعلى عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمحا، وثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد، ورسول الله صلى الله عليه وآله ضامن حتى يؤديها .
وكتب لهم بذلك كتابا، وروي أن الاسقف قال لهم: إني لارى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله .
وروى خبر المباهلة بأكثر من خمسين طريقاً من الصحابة في كتب الحديث.
وهذه المباهلة باب معرفة المنزلة الحقيقية للأمام علي عليه السلام وفاطمة وللحسنين عليهم السلام في بناء الإسلام ، ولهم بها جهاد في الاسلام ايام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشد عضده والتصدي لاعدائه .
قال الثعلبي (فلمّا قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ثمّ نأتيك غداً. فخلا بعضهم ببعض ، فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ماترى.
فقال : واللّه يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمداً نبيٌ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، واللّه ما لاعن قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن نعلم ذلك لنهلكنّ .
فإن رأيتم إلاّ البقاء لدينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرّجل وانصرفوا إلى بلادكم .
فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وقد غدا رسول اللّه محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي (عليه السلام) خلفها وهو يقول لهم : إذا أنا دعوت فأَمّنوا.
فقال أسقف نجران : يا معشر النّصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك ، وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا .
فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكُن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما عليهم .
فأبوا. قال : فإنّي أُنابذكم بالحرب .
فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تُخيفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي سكّة ألفاً في صفر وألفاً في رجب .
فصالحهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده إنّ العذاب قد نزل في أهل نجران ولو تلاعنوا لمُسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتّى الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا)( ).
لذلك روى مسلم في صحيحه ان معاوية بن ابي سفيان أمر سعداً فقال : ما يمنعك ان تسب أبا تراب .
قال اما ما ذكرت ثلاثاً قالهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن أسبه لأن يكون لي واحد منهم أحب الي من حمر النعم . سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي . وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله قال : فتطاولنا لها فقال . ادعو لي عليا فأتى به ارمد العين فبصق في عينيه ودفع الراية اليه ففتح الله على يده .
ولما نزلت هذا الآية فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ… الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي .
أي أن اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرفوا منذ ذلك الحين المنزلة القدسية والحصانة والعزة التي جعلها الله لأهل هذه الآية.
آية التحريم
قال تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًاالتي تؤكد ان الحسن والحسين هما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صلبه.
والصلب الظهر والانتساب بالولادة المباشرة كالابن او غير المباشرة كابن الابن وابن البنت يسمون الأولاد الصلب .
مقابل الربيب وهو ابن امرأة الرجل من غيره . وولد التبني الذي كان شائعاً قبل الاسلام فأبطله الاسلام ، والولد الرضاعي .
في الكافي قال الإمام الباقر عليه السلام : يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين .
قلت ينكرون علينا انهم ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال فأي شيء احتججتم عليهم .
قلت احتججنا عليهم بقول الله عز وجل في عيسي ابن مريم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى فجعل عيسى بن مريم من ذريته نوح .قال: فأي شيء قالوا لكم .
قلت : قالوا قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب .
قال : قال فأي شيء احتججتم عليهم قلت : احتججنا عليهم بقوله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ … ثم قال أي شيء قالوا .
قلت قالوا قد يكون في كلام العبد رجل وآخر من صلب ابنائنا .
فقال ابو جعفر عليه السلام لاعطينك من كتاب الله عز وجل انهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لايرد .
قلت : واين ذلك جعلت فداك ؟ قال : من حيث قال الله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ….. يا أبا الجارود وهل كان يحل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نكاح حليلتيهما .
والجواب لا لأنهما ابناه لصلبه . والحليلة بمعنى المحللة اسم مشتق من الحلال والمراد الزوجة وروى قريب منه في تفسير علي بن ابراهيم .
الإحتجاج على الحجاج
روى عن الشعبي انه قال : كنت بواسط وكان يوم اضحى فحضرت صلاة العيد مع الحجاج . فخطب خطبة بليغة . فلما انصرف جاءني رسوله فأتيته فوجدته جالسا مستوفزاً وقال : احضروا الشيخ فاتوا به . فاذا هو يحيى بن يعمر( ).
فأغتممت غماً شديداً. فقال له الحجاج : أنت تزعم أنك زعيم أهل العراق ؟ فقال يحيى أنا فقيه من فقهاء أهل العراق .
قال: فمن أي فقهك زعمت ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: ما أنا بزاعم ذلك بل قائله بحق .
ثم قال بكتاب الله عز وجل .
فنظر إلي الحجاج وقال: اسمع ما يقول فأن هذه مما لم اكن اسمعه عنه.
اتعرف انت في كتاب الله عز وجل ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفكر الحجاج ملياً ثم قال ليحيى : لعلك تريد قول الله عز وجل بـفَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج للمباهلة ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين .
قال الشعبي فكأنما اهدي إلى قلبي سروراً فقلت في نفسي : قد خلص يحيى ، وكان الحجاج حافظاً للقرآن .
فقال له يحيى والله انها لحجة في ذلك بليغة . ولكن ليس هي احتج لما قلت : فأصفر وجه الحجاج ملياً ثم رفع رأسه إلى يحيى وقال له : ان انت جئت من كتاب الله بغيرها في ذلك فلك عشرة الآف درهم ، وان لم تأت بها فأنا في حل من دمك .
قال : نعم : قال : الشعبي : فغمني قوله وقلت : اما كان في الذي نزع به الحجاج ما يحتج به يحيى ويرضه بأنه قد عرفه وسبقه اليه ويتخلص منه حتى يرد عليه وأفحمه فان جاءه بعد هذه بشيء لم آمن ان يدخل عليه من القول ما يبطل به حجته لئلا يدعي انه قد علم ما قد جهله هو .
فقال يحيى للحجاج : قول الله عز وجل وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ… من عنى بذلك .
قال الحجاج : ابراهيم : قال : فداود وسليمان من ذريته .
قال : نعم . قال يحيى : ومن نص الله عليه بعد هذا انه من ذريته ، فقرأ الحجاج وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
قال يحيى ومن قال وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى قال يحيى: ومن أين كان عيسى من ذرية إبراهيم ولا أب له ؟ قال: من قبل امه مريم .
قال يحيى : فمن أقرب مريم من إبراهيم أم فاطمة من محمد صلى الله عليه وآله، وعيسى من إبراهيم، أم الحسن والحسين من رسول الله ؟ قال الشعبي : فكأنما ألقمه حجرا ، فقال: أطلقوه قبحه الله ، وادفعوا إليه عشرة آلاف درهم لا بارك الله له فيها .
ثم أقبل علي فقال: قد كان رأيك صوابا ولكنا أبيناه، ودعا بجزور فنحره وقام فدعا بالطعام فأكل وأكلنا معه، وما تكلم بكلمة حتى انصرفنا ولم يزل مما احتج به يحيى بن يعمر واجما)( ) .
ووجه الإستدلال أن عيسى عليه السلام يتصل نسبه بإبراهيم عليه السلام بواسطة أمه مريم لأنه ليس له أب ، وبين مريم وإبراهيم بطون عديدة ، بينما فاطمة الزهراء عليها السلام البنت الصلبية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(وكَتب عبدُ الملك بن مروان إلى الحجَّاج بن يوسف: جنِّبْني دماء أهل هذا البيت، فإني رأيت بني حَرب سُلبوا مُلْكهم لما قتلوا الحُسين)( ).
آية الغنيمة
وهي قوله تعالى [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] الآية( ) .
لقد جعل الله سهماً لأهل البيت تنزيهاً لهم ولأيتامهم ومساكينهم وعوضاً عن صدقات الناس وكرامة من الله لهم ليرفعهم عن ابواب الذل وثوب الهوان . وكذلك أدب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين.
و(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : سألت عليا فقلت : أخبرني كيف كان يصنع أبو بكر وعمر في الخمس نصيبكم ؟ فقال : أما أبو بكر فلم يكن في ولايته أخماس وما كان فقد أوفاه .
وأما عمر فلم يزل يدفعه في كل خمس حتى كان خمس السوس جنديسابور فقال وأنا عنده : هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس وقد أخل ببعض واشتدت حاجتهم فإن أحببتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم فيه .
فقلت : نعم فوثب العباس فقال : لا تعرض في الذي لنا .
فقلت له : يا أبا الفضل السنا أحق من أرفق المسلمين وشفع عمر فقبضه فتوفي عمر قبل أن يأتيه مال فوالله ما قضاه ولا قدرت عليه في ولاية عثمان.
ثم أنشأ علي يحدث فقال : إن الله حرم الصدقة على رسوله فعوضه سهما من الخمس ما حرم عليه وحرمها على أهل بيته خاصة دون أمته فضرب لهم مع رسول الله سهما عوضا مما حرم عليهم)( ).
وهناك ابحاث كلامية وفقهية فيه خارجة عن منهج البحث .
الغنيمة هي ما أخذ من الكفار المحاربين بالقوة والقتال ، وهي على شعبتين :
الأولى : ما تكون في القتال والدفاع كما في معركة بدر ، وفي معركة حنين في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة الموافق سنة(630)ميلادية ، وحنين واد يبعد عن مكة (27) كم من جهة عرفات، جاءت غنائم كثيرة يومئذ ، وهي أربعة وعشرون ألف بعير وأكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضّة إذ أن مالك بن عوف رئيس هوازن حارب الله ورسوله واضله الله إذ سار بعشرين ألف رجل .
ولم يتعظ من معجزة فتح مكة ، وحمل معه النساء والصبيان والأموال والأنعام ، وكان عدد المسلمين اثني عشر ألف رجل ومنهم مسلموا الفتح وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فانتصر المسلمون بمدد من عند الله ، فوقع في السبي ستة آلاف من النساء والذراري ، أعادهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم , مما يدل على أنه وأصحابه لا يطمعون بالمال والجواري .
وتقسم الغنائم إلى خمسة أقسام أربعة للمقاتلين ، وواحد يقسم ستة أسهم ثلاثة للإمام وثلاثة لأيتام ومساكين وابناء سبيل آل محمد .
الثانية : ما يستفيده الإنسان من أرباح التجارات والمكاسب والصنايع ، (واستدل بقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ عام في جميع ذلك، فمن خصصه فعليه الدلالة) ( ).
فانها تخمس فاربعة أخماسها للمقاتلين والخمس الباقي لبيت مال المسلمين وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وقال مالك أن القسمة في أمر الغنيمة مفوض أمرها إلى الإمام حسب مصلحة الأمة ، وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما أن حصة بيت المال من الغنيمة هو خمس الخمس وهو سهم المصالح ، اي يكون بنسبة 4% من المجموع ، أما الباقي فهو على ما جاء في سورة الأنفال [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) .
وسهم ذي القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب ، وذكر اسم الله بقوله تعالى [فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ] تبركاً ، أما الحنفية فقالوا بان القسمة تكون على ثلاثة أسهم :
الأول : سهم اليتامى .
الثاني : سهم المساكين .
الثالث : سهم أبناء السبيل .
وان اسم الله ذكر للبركة ، أما سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد سقط بعد موته ، لأنه يأخذ بصفة الرسالة وليس بصفة الإمامة ، وكذا سهم ذوي القربى فانهم كانوا يأخذونه أيام النبوة بنصرتهم للرسول وبعد وفاته بالنفر فانقطعت النصرة ، ولم يرد اسم الله للبركة وحدها .
وفي رواية أبي العالية : كان رسول الله يجعل سهم الله للكعبة (عن عطاء في قوله [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ] ( )قال خمس الله وخمس رسوله واحد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحمل منه , ويعطي منه , ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء) ( ).
ولم ينقطع سهم الرسول وسهم ذوي القربى ، فسهم الله بما فيه تعظيم الشعائر ، ومنها قوله تعالى [وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا] ( ) .
وفي روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام أن الخمس يقسم على ستة أسهم بحسب الآية الكريمة ، ويكون سهم الله وسهم رسوله وذي القربى للإمام بلحاظ العنوان يضعه حيث يشاء وفق المصلحة ، أما الأسهم الثلاثة الأخرى فهي لإيتام ومساكين وأبناء سبيل بني هاشم وبني المطلب .
وقد ورد في كتب وعهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على أن الخمس من الغنائم التي هي بمعنى مكاسب (عن يزيد بن الشخير قال بينا أنا مع مطرف بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم فقال كتب لي هذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فهل أحد منكم يقرأ قلت أنا أقرأ فإذا فيها من محمد لبني زهير بن أقيس أنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وفارقوا المشركين , وأدوا الخمس من غنائمهم , وسهم النبي وصفيه , فإنهم آمنون بأمان الله ورسوله) ( ).
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (في الركاز الخمس) ( ).
ولابد من الرجوع إلى كتب اللغة ومعنى الغنيمة فيها وإلى السيرة : ويقال غنم الشئ أي فاز به وربحه ، وهو عكس غرم ، لذا قيل الغُنم بالغُرم أي الذي يفوز بالمغنم يتحمل ما فيه من غرم.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: كل مال لا مولى له ولا ورثة فهو من أهل هذه الآية يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.
وفى رواية ابن سنان قال عليه السلام: هي القرية قد جلى أهلها وهلكوا، فخرجت فهي لله وللرسول.
وقال: هي كل أرض جلى أهلها من غير أن يحمل عليهم خيل ولاركاب، فهي نفل لله وللرسول.
وفي رواية (ومنها البحرين لم يوجف بخيل ولاركاب) ( ).
آية حق ذي القربى
قوله تعالى وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ … .
عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام انه لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ادعو لي فاطمة فدعوها له .فقال يا فاطمة قالت لبيك يا رسول الله فقال : إن فدكاً لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وهي لي خاصة دون المسلمين.
(وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدكاً .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس قال : لما نزلت [وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ] أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فدكا) ( ).
الأمر بالصلاة
لقد جعل الله عز وجل الصلاة ملازمة لوجود الإنسان في الأرض وعمارته لها ، وهو مصداق استحقاق الخلافة في الأرض ، وعبادة الله عز وجل ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
وأول من تعاهد الصلاة آدم عليه السلام ، وفي صحيحة (مسعدة بن صدقة، عن الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر)( ).
قال تعالى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا….. ورد الخطاب والأمر خاصاً لفظاً إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه عام إلى المسلمين ، نعم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام والأسوة في الإمتثال لمضامين الآية ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ….
إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يواظب على حث الإمام علي وفاطمة وأزواجه على الصلاة في أول وقتها .
وعن الإمام الرضا عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيء إلى باب علي وفاطمة عليهما السلام بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر في كل يوم عند حضور كل صلاة مرات فيقول : الصلاة يرحمكم الله( ).
الصلاة على النبي وآله
قوله تعالى [) إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] . عن كعب ابن عجرة ان رجلاً قال : يا رسول الله اما السلام عليك فقط علمناه فكيف الصلاة عليك ؟
قال قل اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد( ) .
وعن أم سلمة قالت في بيتي نزلت [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا] وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكساء كان عليه ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
قالت أم سلمة : فأنا معهم يا رسول الله ؟ قال انت على مكانك وانت على خير( ) .
آية المودة
قوله تعالى [قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] روى ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين اوجبت علينا مودتهم ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : علي وفاطمة وابناهما( ).
لذلك يقول الإمام الشافعي :
يا أهل بيت رسول الله حبكم … فرض من الله في القرآن انزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم …من لم يصل عليكم لا صلاة له( ).
وعن الإمام الحسين بن علي عليه السلام انه اجتمع المهاجرون والانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا له : ان لك مؤونة في نفقتك وفي من يأتيك من الوفود . وهذه أموالنا مع دمائنا فأحكم فيها باراً مأجوراً أعطي ما شئت وامسك ما شئت من غير حرج قال : فأنزل الله الآية .
قوله تعالى إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا .
روى جمهور المفسرين والمحدثين أن الآية أعلاه نزلت في أهل البيت عليهم السلام وكان السبب في ذلك ان الحسن والحسين مرضا فعادهما جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع نفر من أصحابه وطلبوا من علي عليه السلام أن ينذر لله صوماً ان عافاهما مما ألم بهما من السقم .
فنذر أمير المؤمنين عليه السلام صوم ثلاثة أيام , ولما برئ الحسنان من المرض صاموا جميعاً واستقرض الإمام علي عليه السلام ثلاثة أصوع من الشعير . فعمدت الصديقة في اليوم الأول إلى صاع فطحنته وخبزته .
فلما آن وقت الإفطار طرق مسكين الباب يسألهم فقاموا جميعاً وأعطوا طعامهم واستمروا بصيامهم ليس لهم إلا الماء إفطاراً .
وفي اليوم الثاني طرق الباب وقت الافطار يتيم جائع فتصدقوا جميعاً بقوتهم .
وفي اليوم الثالث طحنت سيدة النساء ما فضل من الشعير وخبزته فلما حان وقت الإفطار طرق أسير الباب فمنحوه طعامهم .
وقال ابن عباس فلما اصبحوا أخذ علي عليه السلام بيده الحسن والحسين واقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع .
قال: ما أشد ما يسوئني ما أرى بكم .
وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبرئيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة .
قوله تعالى قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا في الكهف ، هل يمكن الرجوع إلى هذه الآية تأويلاً وتطبيقاً واستنباطاً في بناء مسجد على قبر الحسين عليه السلام ، المختار نعم .
قوله تعالى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
(عن ابن عباس قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال : سأل بحق محمد ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، إلا تبت علي فتاب عليه)( ).
لبيان المنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب الكساء معه من يوم خلق الله عز وجل آدم عليه السلام.
وفي تفسير فرات الكوفي( ) والبحار ورد (عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما نزلت الخطيئة بآدم وأخرج من الجنة أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا آدم ادع ربك .
قال :يا حبيبي جبرئيل ما أدعو .
قال قل: رب أسألك بحق الخمسة الذين تخرجهم من صلبي آخر الزمان إلا تبت علي ورحمتني .
فقال له آدم: يا جبرئيل سمهم لي .
قال : قل : اللهم بحق محمد نبيك وبحق علي وصي نبيك وبحق فاطمة بنت نبيك وبحق الحسن والحسين سبطي نبيك إلا تبت علي فارحمني)( ).
مسند الحسين عليه السلام
ذكر محمد بن شهاب البزازي الكردري( ) أنه روى ان سبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان على شط الفرات إذ نظرا إلى شيخ أعرابي خفف الوضوء والصلاة فقال : لوقلنا له غلطت ربما لا ينقاد إلى الحق فقالا له : نحن شابان وانت شيخ ربما تكون اعلم بأمر الوضوء والصلاة منا فنتوضأ أو نصلي عندك فإن كان عندنا قصور فعلمنا فتوضأ وصليا كما رأيا من جدهما صلى الله عليه وآله وسلم فتاب الشيخ ورجع عن صنيعته .
وللأمام الحسين مسند فيه ما رواه الإمام عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزدان به كتب الحديث والسيرة والفقه وهو حافل بآداب السلوك وتهذيب الاخلاق وقيم رفيعة لا غنى للمجتمع عنها كما تلقى اضواء ومدلولات للفترة ذات الخصب والنفع التي قضاها ملازماً لجده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
روى علي بن الحسين عليه السلام عن ابيه الإمام الحسين عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ( ).
روى ابو سعيد الميثمي قال : سمعت الحسين بن علي عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لبس ثوب شهرة كساه الله ثوب نار( ).
روى الحسين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ان البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي .
روت فاطمة بنت الحسين عليه السلام عن ابيها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما اخذ الله ميثاق العباد جعله( ) في الحجر( ) فمن الوفاء بالبيعة استلام الحجر( ).
ورد بالإسناد عن محمد بن إسحاق (عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، قال : وجدت مع قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحيفة مربوطة : إن أشد الناس على الله عداء القاتل غير قاتله ، والضارب غير ضاربه ، ومن جحد نعمة مواليه فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
والمراد من قتل غير قاتله أي الثأر والقصاص ، فلا يصح قتل غير القاتل كأخيه أو ابن عمه ، قال تعالى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى لينجو المسلمون من حمية الجاهلية الأولى ، فكما قضى الإسلام على الإغارة والنهب والسلب بين القبائل قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فانه أنذر من الإنتقام والبطش على نحو القضية الشخصية .
لقد اكد ابن كثير في كتابه البداية والنهاية القول :وصحب الحسين النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ان توفى وهو عنه راض .
سلسلة الذهب
يرد هذا الإصطلاح في علم الرجال للتأكيد على صحة ووثاقة السند وإتصاله برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وهو خاص بأهل البيت عليهم السلام لتسليم المسلمين ومنهم رواة الحديث على صدق أهل البيت وروايتهم أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
إذ يبدأ عن الإمام علي بن موسى قال حدّثني أبي ، موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي ، جعفر بن محمّد ، قال: حدّثني أبي ، محمّد بن عليّ ، قال :حدّثني أبي ، عليّ بن الحسين ، قال : حدّثني أبي ، الحسين بن عليّ ، قال : حدّثني أبي ، عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، قال : قال رسول الله عليه السلام : يقول الله عزّ وجلّ : لا إله إلاّ الله حصني ، فمن دخل حصني أمِنَ مِنْ عذابي.
وفي سنن ابن ماجه عن أبي (الصَّلْتِ الْهَرَوِىُّ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِىِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : الإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ .
قَالَ أَبُو الصَّلْتِ لَوْ قُرِئَ هَذَا الإِسْنَادُ عَلَى مَجْنُونٍ لَبَرَأَ)( ).
من مسند أبي يعلى الموصلي( )
وفي مسند أبي يعلى باب اسمه مسند الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وفيه.
(حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق الجرمي حدثنا جعفر بن سليمان عن النضر بن حميد الكندي عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عن جده (أي الإمام الحسين عليه السلام) قال : أتى جبريل النبي – صلى الله عليه و سلم – فقال : يا محمد ! إن الله يحب من أصحابك ثلاثة فأحبهم : علي بن أبي طالب وأبو ذر و المقداد بن الأسود.
قال فأتاه جبريل فقال له : يا محمد إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة من أصحابك – وعنده أنس بن مالك فرجا أن يكون لبعض الأنصار قال : فأراد أن يسأل رسول الله – صلى الله عليه و سلم – عنهم فهابه فخرج.
فلقي أبا بكر فقال : يا أبا بكر إني كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا فأتاه جبريل فقال : إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة من أصحابك فرجوت أن يكون لبعض الأنصار فهبته أن أسأله فهل لك أن تدخل على نبي الله صلى الله عليه وسلم فتسأله.
فقال : إني أخاف أن أسأله فلا أكون منهم ويشمت بي قومي ثم لقيني عمر بن الخطاب فقال له مثل قول أبي بكر قال : فلقي عليا فقال له علي : نعم إن كنت منهم فأحمد الله وإن لم أكن منهم فحمدت الله فدخل على نبي الله – صلى الله عليه وسلم.
فقال : إن أنسا حدثني أنه كان عندك آنفا وإن جبريل أتاك فقال : يا محمد إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة من أصحابك قال : فمن هم يل نبي الله.
قال : أنت منهم يا علي و عمار بن ياسر وسيشهد معك مشاهد بين فضلها عظيم خيرها وسلمان وهو منا أهل البيت وهو ناصح فاتخذه لنفسك.
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا سفيان قال : قلت لعبيد الله بن أبي يزيد رأيت حسين بن علي ، قال : أسود الرأس واللحية إلا شعيرات ها هنا في مقدم لحيته فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان تشبها برسول الله – صلى الله عليه وسلم أو لم يكن شاب منه غير ذلك قال : ورأيت حسنا – وقد أقيمت الصلاة – سجد بين الإمام وبين بعض الناس فقيل له : إجلس فقال : قد قامت الصلاة .
حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا فرح بن فضالة عن عبد الله بن عامر عن محمد بن عبد الله بن عمرو ابن عثمان عن أمه فاطمة بنت الحسين عن أبيها حسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تديموا النظر إلى المجذمين وإذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم قيد رمح).
والمجذومون : جمع مجذوم وهو المصاب بمرض جلدي ، وضرر وفقدان الإحساس في الأطراف ، ويسمى (داء هانسن) وهو مرض معدِ.
والمقصود تحذير النبي محمد لى من المصاب بأمراض معدية ، وقد يستحي الإنسان من المصاب ، فيؤاكله ويجلس معه .
فجاء الحديث النبوي أعلاه لمنع هذا الإستحياء ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
ويروي الحسين عليه السلام الحديث للناس ، لتأخذ الأجيال المتعاقبة الحائطة والعمل بما أمر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واجتناب إدامة النظر بالذي أبتلي بمرض مزمن ظاهر .
(حدثنا يعقوب بن عيسى جار أحمد بن حنبل حدثنا إبراهيم بن سعد عن عبد العزيز بن المطلب عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله عن زيد بن علي بن حسين عن أبي عن جده قال : قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم – : من قتل دون حقه فهو شهيد .
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال قال : حدثني عمارة بن غزية الأنصاري قال : سمعت عبد الله بن علي بن حسين يحدث عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ).
لصيغة الأمر إلى المسلمين في قوله تعالى صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
و(عن كعب بن عجرة قال : لما نزلت [إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] ( )قلنا : يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك ، قال : قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد مجيد)( ).
(حدثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي حدثنا هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين أنها سمعت أباها : الحسين بن علي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول
ما من مسلم ولا مسلمة تصيبه مصيبة وإن قدم عهدها فيحدث لها استرجاعا إلا أحدث الله له عند ذلك وأعطاه ثواب ما وعده عليها يوم أصيب بها ).
وهو بيان وتفسير لقوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
(حدثنا حوثرة حدثنا هشام أبو المقدام : بإسناده نحوه حدثنا جبارة حدثنا يحيى بن العلاء عن زيد بن أسلم عن طلحة بن عبيد الله العقيلي عن الحسين بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن في الجمعة لساعة لا يحتجم فيها أحد إلا مات.
حدثنا جبارة حدثنا يحيى بن العلاء عن مروان بن سالم عن طلحة بن عبيد الله عن حسين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من ولد له فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان .
حدثنا جبارة حدثنا يحيى بن العلاء عن مروان بن سالم عن طلحة بن عبيد الله عن الحسين بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا أن يقولوا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ .
حدثنا عبد الله بن محمد بن سالم حدثنا حسين بن زيد عن الحسن بن زيد عن أبيه عن الحسين بن علي أن النبي – صلى الله عليه و سلم – : كان يتوضأ فغسل موضع سجوده بالماء حتى يسيله على موضع السجود .
حدثنا كامل بن طلحة حدثنا أبو هشام القناد عن الحسين بن علي يرفعه إلى النبي – صلى الله عليه و سلم – قال : المغبون لا محمود ولا مأجور ).
وفيه دعوة للناس لحفظ أموالهم ، وعدم التفريط بها ، وقال تعالى وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ( ).
(حدثنا أبو خيثمة حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد عن يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم : للسائل حق وإن جاء على فرس قال حسين سليم أسد : إسناده جيد.
حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا عمر ابن شبيب عن يوسف الصباغ
عن الحسين : ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من شهد أمرا فكرهه كان كمن غاب عنه ،ومن غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده .
حدثنا خلف بن هشام حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي مريم عن أبي الحوراء قال : قال الحسين بن علي علمني رسول الله – صلى الله عليه و سلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر : رب اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنك لا تذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت)( ).
وكذا أفرد أحمد بن حنبل باباً في مسنده باسم مسند الحسين بن علي ، وكذا مسند البزار (البحر الزخار ) لأحمد بن عمرو العتكي ت سنة 292 هجرية .
وقد وردت بعض الأحاديث النبوية في ثنايا هذا الكتاب .
قال أبو عمر روى الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه .
هكذا حدث به العمري عن الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ذكرنا الاختلاف في إسناد هذا الحديث في كتاب التمهيد لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الموطأ والحمد لله.
و(عن الزهري : عن سنان بن أبي سنان أنه سمع حسين بن علي (عليه السلام) يحدث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبأ لابن صائد دخانا فسأله عما خبأ له فقال : دخ فقال : اخسأ فلن تعدو قدرك.
فلما ولى قال النبي صلى الله عليه و سلم : ما قال ؟ فقال بعضهم : دخ وقال بعضهم : بل قال : زخ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : قد اختلفتم وأنا بين أظهركم فأنتم بعدي أشد اختلافا)( ).
سؤال الصحابة للحسين (ع)
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا القاسم حدثنا الخشني حدثنا ابن أبي عمر حدثنا ابن عيينة عن عبد الله بن شريك عن بشر بن غالب قال سمعت ابن الزبير وهو يسأل حسين بن علي يا أبا عبد الله ما تقول في فكاك الأسير على من هو.
قال على القوم الذين أعانهم وربما قال قاتل معهم قال سفيان يعني يقاتل مع أهل الذمة فيفك من جزيتهم.
قال وسمعته يقول له يا أبا عبد الله متى يجب عطاء الصبي قال إذا استهل وجب عطاؤه ورزقه).
واستهل أي بكى ورفع صوته عند ولادته .
(وسأله عن الشرب قائماً فدعا بلقحة له فحلبت وشرب قائماً وناوله وكان يعلق الشاة المصلية فيطعمنا منها ونحن نمشي معه)( ).
فضل الله يوم القيامة
عن الصحابي أبي رافع (أن علياً دخل على النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو مغضب ، فشكا إليه بغض قريش له، وحسد الناس إياه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : يا علي أما ترضى أن أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين.
وعن علي قال: شكوت إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حسد الناس لي ، فقال : يا علي أما ترضى أنّ أوّل أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين ، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرارينا خلف أزواجنا وأشياعنا من ورائنا.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : ما في القيامة راكب غيرنا نحن أربعة ، فقام إليه عمه العباس بن عبد المطلب فقال: ومن هم يا رسول الله .
فقال : أما أنا فعلى البراق، وجهها كوجه الإنسان، وخدها كخدّ الفرس، وعرفها من لؤلؤ ممشوط، وأذناها زبرجدتان خضراوان .
وعيناها مثل كوكب الزهرة تتقدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاع مثل شعاع الشمس ، بلقاء محجّلة تضيء مرة وتنمي أخرى، ينحدر من نحرها مثل الجمان، مضطربة في الحلق أذناها.
ذنبها مثل ذنب البقرة، طويلة اليدين والرجلين .
وأظلاف البقر من زبرجد أخضر، تجدّ في مسيرها تمرّ كالرّيح وهو مثل السّحابة، لها نفس كنفس الآدميين، تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ، ودون البغل.
قال العباس : ومن يا رسول الله ، قال : وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه.
قال العباس: ومن يا رسول الله ، قال : وعمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، سيّد الشهداء على ناقتي .
قال العباس : ومن يا رسول الله ، قال : وأخي عليّ على ناقة من نوق الجنة، زمامها من لؤلؤ رطب، عليها محمل من ياقوت أحمر، قضبانه من الدّرّ الأبيض، على رأسه تاج من نور، لذلك التّاج سبعون ركناً، ما من ركن إلاّ وفيه ياقوتة حمراء تضيء للراكب المحث ، عليه حلتان خضراوان، وبيده لواء الحمد، وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فتقول الخلائق : ما هذا إلاّ نبيّ مرسل أو ملك مقرّب، فينادي منادٍ من بطنان العرش: ليس هذا ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب وصي رسول ربّ العالمين ، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجّلين)( ).
ونجد أمير المؤمنين اشترط على عبد الله بن جعفر في تزويجه زينب عليها السلام شرطاً ضمن العقد أن لا يمنعها من الخروج مع أخيها الحسين عليه السلام .
قراءة القرآن
لقد خصّ الله عز وجل النبي محمداً من بين الأنبياء بالمعجزة العقلية وهو القرآن ، إذ جعله الله ِتبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ لذا فان تلاوة آياته والتدبر في معانيها هداية ومادة للصلاح وباعث للطمأنينة في النفس ، وبركة في الرزق ، ويحضر القرآن شفيعاً يوم القيامة .
وكان الإمام الحسين عليه السلام ملازماًَ للقرآن وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة .
كان الحسين عليه السلام يكثر من قراءة القرآن ويحض عليها ، ويجيب على الأسئلة التي تخص القرآن وتفسيره ، ويرغّب في تلاوته والإستماع له ، قال تعالى وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
وبالإسناد (عن بشر بن غالب الاسدي، عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: من قرأ آية من كتاب الله عزوجل في صلاته قائما يكتب له بكل حرف مائة حسنة، فإذا قرأها في غير صلاة كتب الله له بكل حرف عشر حسنات .
وإن استمع للقرآن كتب الله له بكل حرف حسنة، وإن ختم القرآن ليلا صلت عليه الملائكة حتي يصبح .
وإن ختمه نهارا صلت عليه الحفظة حتى يمسي وكانت له دعوة مجابة وكان خيرا له مما بين السماء إلى الارض .
قلت: هذا لمن قرأ القرآن فمن لم يقرأ .
قال: يا أخا بني أسد إن الله جواد ماجد كريم، إذا قرأ ما معه أعطاه الله ذلك)( ).
الترغيب بحب أهل البيت (ع)
ورد (عن بشر بن غالب الأسدي قال حدثني الحسين بن علي عليه السلام قال قال لي يا بشر بن غالب من أحبنا لا يحبنا إلا لله جئنا نحن و هو كهاتين و قدر بين سبابتيه و من أحبنا لايحبنا إلا للدنيا فإنه إذا قام قائم العدل وسع عدله البر و الفاجر)( ).
لبيان سعة فضل الله عز وجل وأنه يقبل اليسير ويعطي الكثير ، ويتفضل بالأجر والثواب على كل الذين يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وإن كان حبهم لمنافع دنيوية .
وهل يشمل الثواب العشرات الذين خرجوا مع الحسين من مكة عند توجهه إلى العراق وما لبثوا أن تفرقوا عندما تقدمت جيوش ابن زياد نحوهم في كربلاء.
الجواب نعم ، خاصة وأن الحسين عليه السلام أعطى إذناً عاماً للذين معه بالإنصراف .
ومن أعجاز القرآن تنمية ملكة حب أهل البيت في نفوس المسلمين ، وهم مع إختلاف مذاهبهم الفقهية والكلامية يلتقون في هذا الحب لصبغة الوجوب التي نزل بها ، إذ قال تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وجاء حديث الثقلين وأحاديث نبوية أخرى ثابتة في طرق اسناد المسلمين بياناً وتفسيراً لهذه الآية الكريمة .
إذ ورد بالإسناد (عن أبي حمزة الثمالي قال : قال علي بن الحسين عليهما السلام : كنت مع أبي الليلة التي قتل صبيحتها . فقال لاصحابه : هذا الليل فاتخذوه جملا فان القوم إنما يريدونني ، ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم ، وأنتم في حل وسعة .
فقالوا : لا والله ، لايكون هذا أبدا .
قال : إنكم تقتلون غدا كذلك لايفلت منكم رجل . قالوا : الحمد الله الذي شرفنا بالقتل معك… الحديث)( ).
وبالإسناد عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام (إني والله لجالس مع ابي في تلك الليلة وانا عليل وهويعالج سهاما له وبين يديه جون مولى ابي ذر الغفاري إذ ارتجز الحسين عليه السلام :
يا دهر أف لك من خليل …كما لك في الاشراق والاصيل
من صاحب وماجد قتيل… والدهر لا يقنع بالبديل
والامر في ذاك إلى الجليل…وكل حي سالك السبيل
قال : واما انا فسمعته ورددت عبرتي.
واما عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة والجزع فشقت ثوبها ولطمت وجهها ، وخرجت حاسرة تنادي: واثكلاه ! واحزناه ! ليت الموت اعدمني الحياة .
ياحسيناه ياسيداه يا بقية أهل بيتاه استقلت ويئست من الحياة.
اليوم مات جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وامي فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن يابقية الماضين وثمال الباقين.
فقال لها الحسين : يا أختي لو ترك القطا لنام)( ) .
والجملة الأخيرة مثل عربي لشكوى الذي لايترك وشأنه بل يلاحق من غير سبب .
والقطا طائر جميل الشكل غالي الثمن لا يقدر على النوم ليلاً خوفاً وفزعاً لكثرة مطاردة الناس له.
السنة رفعة منزلة الحسين (ع)
كان الصحابة يستحضرون قول وفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واقوآله وهي المصدر الثاني للتشريع فأصبح من الواجب حب آل محمد . وسعوا إلى التبرك والإنتفاع منهم والصدور عنهم واذا طاف الحسنان بالبيت الحرام يتدافع ويتزاحم الناس للسلام عليهما .
ولما دون عمر بن الخطاب الديوان وفرض العطاء ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما مع أهل بدر لقرابتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأنهما ولداه ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف .
عن الإمام الحسين عليه السلام : قال أتيت على عمر بن الخطاب وهو على المنبر فصعدت اليه فقلت له :انزل عن منبر أبي وأذهب إلى منبر أبيك .فقال عمر :لم يكن لأبي منبر وأخذني وأجلسني معه .
فلما نزل انطلق بي إلى منزله فقال لي :من علمك هذا؟
فقلت والله ما علمنيه احد .
قال : يا بني لو جعلت تغشانا .
قال فأتيت يوماً وهو خال بمعاوية وابن عمر بالباب فرجع ابن عمر ورجعت معه فلقيني بعد فقال لم أرك تأتينا فقلت : يا امير المؤمنين اني جئت وانت خال بمعاوية وابن عمر بالباب . فرجع ورجعت معه .
قال : انت أحق بالإذن من ابن عمر وإنما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثم انتم ( ) .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن ابيه انه اقدم على عمر حلل من اليمن فكسا الناس فراحوا في الحلل وهو بين القبر والمنبر جالس والناس يأتونه فيسلمون عليه ويدعون .
فخرج الحسن والحسين ابنا علي من بيت امهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتخطيان وكان بيت فاطمة في جوف المسجد وليس عليهما من تلك الحلل شيء وعمر قاطب صار بين عينيه ثم قال : والله ما هنأ لي ما كسوتكم قالوا لم يا أمير المؤمنين وقد كسوت رعيتك وأحسنت.
قال : من اجل الغلامين يتخطيان الناس ليس عليهما منهما شيء كبرت عنهما وصغرا عنها ، ثم كتب إلى صاحب اليمن ان ابعث إلي بحلتين لحسن وحسين وعجل فبعث اليه بحلتين فكساهما ( ).
ان منزلة الإمام الحسين عليه السلام عند الصحابة عظيمة ويلتمسون البركة بالصلة معه.
لقد نهض الحسين بأعباء ووظائف الإمامة والرئاسة من صغره وظهرت العلوم على لسانه وتجلت العصمة في أفعاله وعظيم قدره لم يمنعه من مشاركة الناس في اعمالهم وحضور احزانهم ومواساتهم ولا يزيده ذلك عند الصحابة إلا حباً وإجلالاً .
حلقة الدرس
في قوله تعالى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، ورد في المرسل عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (إنه لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعملون إلا الكف عنه والتثبت فيه والرد إلى أئمة المسلمين حتى يعرفوكم فيه الحق ويحملوكم فيه على القصد قال الله عز وجل فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ))( ).
ولقد كانت للإمام الحسين عليه السلام حلقة في المسجد النبوي يجتمع طلاب العلم حوله لينهلوا من علمه في الفقه والتفسير ، وأحكام الحلال والحرام مما أورثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك يشير معاوية بن أبي سفيان يقول لرجل من قريش :اذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة ابي عبدالله مؤتزراً على انصاف ساقيه ليس فيها من الهزل شيء ( ).
كان يروي عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن ابيه وعن امه يقصده طلاب العلم ورواد الزيادة في الإيمان ويجيب على المسائل التي تستعصي على غيره خاصة تلك التي تتعلق بسر الوجود وهي مسألة التوحيد ليتصدى للمارقين .
وقال معاوية لرجل من قريش (إذا دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله مؤتزرا على أنصاف ساقيه ليس فيها من الهزيل شئ)( ).
لبيان أن إعطاء الإمام الحسين الدروس والفتيا في المسجد النبوي أمر معروف وظاهر .
ورد (عن الفضل بن أبي قرة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كتب رجل إلى الحسين صلوات الله عليه: عظني بحرفين ، فكتب إليه: من حاول أمرا بمعصية الله كان أفوت لما يرجو وأسرع لمجيئ ما يحذر)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (أن رجلا من المنافقين مات فخرج الحسين بن علي صلوات الله عليهما يمشي معه فلقيه مولى له ، فقال له الحسين عليه السلام : أين تذهب يافلان قال : فقال له مولاه : أفر من جنازة هذا المنافق أن اصلي عليها.
فقال له الحسين عليه السلام : انظر أن تقوم على يميني فما تسمعني أقول فقل مثله ، فلما أن كبر عليه وليه قال الحسين عليه السلام : الله اكبر اللهم العن فلانا عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللهم اخز عبدك في عبادك وبلادك وأصله حر نارك وأذقه أشد عذابك فإنه كان يتولى أعداءك ويعادي أولياك ، ويبغض أهل بيت نبيك صلى الله عليه وآله)( ).
وكان الإمام علي عليه السلام يحث الناس على معرفة ما عند الحسين من العلم فيأمره بأن يخطب الناس وأن يجيب عن الأسئلة تمهيداً لإمامته واصغاء الناس له .
و(عن سعيد بن المسيب قال : سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرني إن كنت عالما، عن الناس، وعن أشباه الناس وعن النسناس.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا حسين أجب الرجل فقال الحسين عليه السلام : أما قولك : أخبرني عن الناس، فنحن الناس، ولذلك قال الله تبارك وتعالى ذكره في كتابه ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ.
فرسول الله صلى الله عليه وآله الذي أفاض بالناس، وأما قولك: أشباه الناس، فهم شيعتنا وهم موالينا، وهم منا ولذلك قال إبراهيم صلى الله عليه فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وأما قولك : النسناس ، فهم السواد الاعظم)( ).
(عن مدرك عمارة قال : رأيت ابن عباس آخذاً بركاب الحسن والحسين فقيل له : اتأخذ بركابهما وانت أسن منهما.
فقال : ان هذين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اوليس من سعادتي ان أخذ بركابهما ( ).
عن ابن سابط قال دخل حسين بن علي المسجد فقال جابر بن عبد الله من أحب أن ينظر إلى سيد شباب الجنة فلينظر إلى هذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )( ).
وجاء بلال إلى المدينة زائراً وكان قد سكن في خولان من الشام ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه وهو يقول ما هذه الجفوة يا بلال ما آن لك ان تزورنا فأنتبه حزيناً .
فركب إلى المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه فأقبل الحسن والحسين فقالا نشتهي ان تؤذن في السحر فعلا سطح المسجد .
فلما قال الله اكبر الله اكبر ارتجت المدينة فلما قال اشهد الا إله الا الله زادت رجتها .
فلما قال أشهد ان محمداً رسول الله (خرج العواتق من خدورهن فقالوا أبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما رئي يوم أكثر باكيا ولا باكية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك اليوم)( ).
وظل المسلمون الأوائل يطلبون ود الحسين عليه السلام قاصدين الإمساك بخيوط صلة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعملاً وترجمة لقوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
إستحضار واقعة صفين
اجتاز الحسين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جماعه فيهم عبدالله بن عمرو بن العاص فسلم عليهم فردوا عليه السلام فأنبرى اليه عبدالله فرد عليه السلام بصوت عال وأقبل على القوم فقال لهم : الا أخبركم بأحب أهل الارض إلى أهل السماء ؟ قالوا بلى قال هذا الماشي وأشار إلى الحسين ما كلمني كلمة منذ ليالي صفين ولئن يرضى عني أحب إلي من ان يكون لي حمر النعم .
وانبرى اليه ابو سعيد الخدري فقال : ألا تعتذر اليه ؟ فأجابه إلى ذلك وخفا إلى بيت الإمام فاستأذنا منه فأذن لهما . ولما استقر بهما المجلس أقبل الإمام على عبدالله فقال له :اعلمت يا ابا عبدالله اني أحب أهل الارض إلى أهل السماء قال : أي ورب الكعبة .
قال الحسين : ما حملك على ان تقاتلني وأبي يوم صفين فوالله لأبي كان خيراً مني :
قال عبدالله : اجل ولكن عمرو يعني اباه شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له : ان عبد الله يقوم الليل ويصوم النهار .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صم ونم وصم وأفطر وأطع عمرو . فلما كان يوم صفين أقسم علي فخرجت اما والله ما اخترطت سيفاً ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم . وما زال يتلطف بالإمام حتى رضي عنه( ).
لبيان الندامة على الإشتراك في محاربة الإمام علي عليه السلام في معركة صفين لأنه الإمام المفترض الطاعة عند عموم المسلمين .
وقد أوصى المقداد بن الاسود صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحد السابقين الأولين للإسلام ان تدفع للحسين ستة وثلاثين الفاً من تركته بعد وفاته .
توديع أبي ذر
ولما خرج ابو ذر إلى الربذة خرج الإمام علي عليه السلام وعقيل اخوه والحسن والحسين عليهما السلام في توديعه وعمار .
فطلب منهم الإمام علي عليه السلام ان يودعوه فتكلم عقيل ثم الحسن.
ثم تكلم الإمام الحسين عليه السلام فقال : يا عماه اسأل الله الصبر والنصر واستعد به من الجشع والجزع فأن الصبر من الدين والكرم وان الجشع لا يقدم رزقاً والجزع لا يؤخر أجلاً.
ثم تكلم عمار فبكى ابو ذر وكان شيخاً كبيراً وقال رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة اذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم.
الدفاع يوم الدار
لقد اجتهد الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام في الذب عن عثمان ومنع سفك الدماء يوم الدار ، واستمرار حصار عثمان ، وقد منع عنه وعن عياله الماء (وكانت مدة ما حوصر عثمان في داره تسعة وأربعين يوماً، وقيل : أكثر من ذلك)( ).
وكان الذين حاصروه طالبوه بتسليم مروان بن الحكم فامتنع عن تسليمه ، ولما بلغ الإمام علي عليه السلام طلب عثمان الماء (بعث إليه بثلاث قِرَبٍ ماء، فما وصل إليه ذلك حتى خرج جماعة من موالي بني هاشم وبني أمية، وارتفع الصوت، وكثر الضجيج، وأحْدَقُوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان، فأبى أن يخلِّيَ عنه .
وفي الناس بنو زُهْرة لأجل عبد اللّه بن مسعود لأنه كان من أحلافها، وهذيل لأنه كان منها .
وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغِفَار وأحلافها لأجل أبي ذر، وتَيْم بن مرة مع محمد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممن لا يحمل كتابنا ذكره.
فلما بلغ عليَاَ أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله.
وبعث طلحة ابنه محمداً، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم إقتداء بمن ذكرنا، فصدُوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجُرح الحسن، وشُبئَ قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوَّرُوا عليها)( ).
المسيرة إلى طبرستان
وفي سنة ثلاثين سار سعيد بن العاص إلى طبرستان ومعه الحسن والحسين وابن عباس وعبدالله بن عمر وحذيفة بن اليمان وابن الزبير وناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفتحوا طبرستان وصالحوا أهل جرجان ( ) .
وكان أهل البيت متوافرين على ان الحسين يقتل بكربلاء كما وكان الصحابة يعرفون جانباً مما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما أوحاه الله اليه في الحسين .
عن عمار الدهني قال مر علي على كعب( ) فقال : يخرج من ولد هذا رجل يقتل في عصابة لا يجف عرق خيولهم حتى يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فمر حسن فقالوا : هذا هو يا أبا اسحاق ؟قال : لا.
فمر حسين فقالوا هذا هو ؟ قال :نعم .
وكان بعض الصحابة من يجلس إلى الحسين في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
إخبار الحسين عن مقتله من أيام النبوة
قال ابن طاووس (بإسنادنا إلى محمد بن جرير بن رستم الطبري في كتاب دلائل الإمامة بإسناده عن حذيفة قال سمعت الحسين بن علي عليه السلام يقول: والله ليجتمعن على قتلي طغاة بني أمية ويقدمهم عمر بن سعد وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت أنبأك بهذا رسول الله؟ قال لا فأخبرت النبي بذلك فقال عملي عمله وعلمي علمه فإنا نعلم بالكائن قبل كينونته)( ).
لبيان تلقي الإمام الحسين العلوم من صغره ، وهو من الشواهد على عظيم منزلة أهل البيت عليهم السلام ، وتلقيهم العلوم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
وهذا الإخبار من علم الغيب الذي خص الله عز وجل به النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأذن له بإخبار الحسين به .
ليكون حجة ودعوة للناس لإجتناب نصرة الذين ظلموا واجتمعوا على قتل الحسين يوم عاشوراء .
الحسنان وصية رسول الله (ص)
بالأسناد عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه آله وسلم خير رجالكم علي بن ابي طالب وخير شبابكم الحسن والحسين وخير نسائكم فاطمة بنت محمد ( ) .
وكان الحسنان وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووديعته عند الإمام علي عليه السلام والمسلمين .
وأول نساء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خديجة بنت خويلد ، ولم يتزوج غيرها إلى أن ماتت وهي أم فاطمة عليها السلام .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعاً : آسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم)( ).
ثم تزوج (سودة بنت زمعة. ثم عائشة ولم يتزوج بكراً غيرها.
ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب.
ومن زوجاته أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان. وزينب بنت جحش. وأم سلمة. وجويرية بنت الحارث. وصفية بنت حيي بن أخطب . وميمونة بنت الحارث وزينب بنت الحارث.
وأولاده: القاسم وبه كان يكنى.
وعبد الله ويسمى الطيب. وزينب ورقية. وأم كلثوم وفاطمة. وكلهم من خديجة.
وولد له بالمدينة: إبراهيم من مارية القبطية ومات وهو طفل.
وكلهم ماتوا في حياته صلى الله عليه وآله وسلم. إلا فاطمة فتوفيت بعده.
وأسلم من أعمامه وعماته: حمزة. والعباس. وصفية. وهي أم الزبير بن العوام ومواليه صلى الله عليه وآله وسلم: زيد بن حارثة. وابنه أسامة. وأبو كبشة سليم. وشقران. وأبو رافع. وسفينة. وغيرهم.
وجواريه: سلمى. وأم رافع. وبركة. ومارية. وريحانة. وخضرة. ورضوى وغيرهن).
وواصل الإمام علي سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحسنين يصحبهما معه إلى الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون يتبركون بهما ويلتمسون فيهما قبساً من نور رسول الله صلى الله عليه آله وسلم.
أم البنين
تزوج الإمام علي عليه السلام فاطمة بنت مزاحم الكلبية باشارة من أخيه عقيل بن أبي طالب وكان عالماً بأنساب وأخبار العرب .
وتكنت أم البنين إذ قتل أولادها الأربعة .
ولم تحضر أم البنين واقعة كربلاء ، لكنها كانت تخرج بعدها إلى البقيع ومعها حفيدها عبيد الله بن العباس ترثيهم .
ويبكي أهل المدينة معها بما فيهم مروان بن الحكم .
وابناؤها هم : العباس ، جعفر ، عبد الله ، عثمان ، ابناء الإمام علي عليه السلام ، قتلوا جميعاً يوم عاشوراء .
ومع مصيبتها بفقد الحسين وإخوته فانها كانت تتفاخر ببطولتهم يوم عاشوراء .
ومن رثائها (
يا من رأى العباس كر … على جماهير النقد
ووراه من أبناء حيدر … كل ليث ذي لبد
انبئت أن ابني اصيب … برأسه مقطوع يد
ويل على شبلى أما … ل برأسه ضرب العمد
لو كان سيفك في يد … يك لما دنا منه أحد
وقولها :
لا تدعوني ويك ام البنين … تدكرينى بليوث العرين
كانت بنون لي ادعى بهم … واليوم أصبحت ولا من بنين
أربعة مثل نسور الربى … قد واصلوا الموت بقطع الوتين
تنازع الخرصان أشلائهم … فكلهم أمسى صريعا طعين
يا ليت شعرى اكما أخبروا … بأن عباسا قطيع اليمين)( ).
ولم تعش أم البنين طويلاً إذ توفت بعد واقعة كربلاء بثلاث سنوات.
عمر بن علي
للإمام علي عليه السلام من الصهباء بنت ربيعة التغلبية عمر بن علي ورقية ، وقيل أنها من سبي عين التمر .
فعمر عمر حتى بلغ خمساً وثمانين سنة ، وخرجت مع الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء ومعها ابنتها رقية الكبرى بنت الإمام علي عليه السلام وزوجة ابن عمها مسلم بن عقيل .
روى عمر عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من صنع إلى أحد من أهل بيتي يداً كافئته يوم القيامة .
وأبناء الإمام علي عليه السلام كلهم من أهل البيت ومنهم عبيد الله قتله مصعب بغدر في معركة المذار سنة 67 هجرية .
وذكر أنه (قال : نزلت هذه الآية على النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في بيته إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فخرج فدخل المسجد والنّاس يصلّون بين راكع وقائم ، إذا سائل ، فقال : يا سائل أعطاك أحد شيئاً ، قال : لا ، إلاّ الرّاكع لعليّ عليه السّلام أعطاني خاتمه)( ).
وعن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعم الرّجل الفقيه، إن احتيج إليه انتفع به، وإن استغني عنه أغنى نفسه( ).
قال خليفة بن خيّاط : عمر بن أبي طالب أمّه الصّهباء ببنت عبّاد، من بني تغلب، سباها خالد بن الوليد في الرّدّة اشتراها الإمام علي عليه السلام باربعين ديناراً .
توفي عمر بن علي الملقب بالأطرف ، لأن شرفه من طرف واحد من جهة أبيه سنة سبع وستين .
وكان آخر من توفى من أبناء الإمام عليه السلام .
وبالإسناد عن محمد بن عمر بن أبي طالب (قال : سمعت أبي عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام يحدث أخوالي آل عقيل قال : لما امتنع أخي الحسين عليه السلام عن البيعة ليزيد بالمدينة، دخلت عليه فوجدته خالياً.
فقلت له : جعلت فداك يا أبا عبدالله حدثني أخوك أبو محمد الحسن، عن أبيه عليهم السلام، ثم سبقتني الدمعة وعلا شهيقي، فضمني إليه وقال: حدثك أني مقتول.
فقلت : حوشيت يابن رسول الله ، فقال: سألتك بحق أبيك بقتلي خبرك؟ فقلت: نعم، فلولا ناولت وبايعت.
فقال : حدثني أبي : ان رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بقتله وقتلي ، وأن تربتي تكون بقرب تربته، فتظن أنك علمت مالم أعلمه، وإنه لا أعطي الدنية من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية مالقيت ذريتها من أمته، ولا يدخل الجنة أحدٌ آذاها في ذريتها)( ).
حدّث المصعب بن عبد الله قال : كان عمر آخر أولاد عليّ بن أبي طالب، وقدم مع أبان بن عثمان على الوليد بن عبد الملك يسأله أن يولّيه صدقة أبيه عليّ بن أبي طالب وكان يليها يومئذ ابن أخيه الحسن بن الحسن بن عليّ فعرض عليه الوليد الصّلة وقضاء الدّين.
فقال : لا حاجة لي في ذلك، إنّما جئت في صدقة أبي، أنا أولى بها، فاكتب لي ولايتها. فكتب له الوليد رقعةً فيها أبيات من السريع :
إنّا إذا مالت دواعي الهوى … وأنصت السّامع للقائل
واصطرع القوم بألبابهم … نقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقاً ولا … نلطّ دون الحقّ بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا … فنخمل الدّهر مع الخامل
ثم دفع الرّقعة إلى أبان، وقال: ادفعها إليه وأعلمه أني لا أدخل على ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيرهم. فانصرف عمر غضبان، ولم يقبل منه صلةً)( ) قال العجليّ : تابعي ثقةً .
الظاهر أن عمر بن علي إدعى أنه الوحيد الباقي من أولاد الإمام علي عليه السلام الصلبيين ، ولكن الأولوية لأولاد الإمام علي عليه السلام من فاطمة ، وإن كانوا من الأحفاد لأنهم ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
لا أصل لتسمية محمد بن الحنفية
تزوج الإمام علي عليه السلام بعد وفاة الزهراء عليها السلام بناءً على وصيتها له بنت أُخِتها أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعناية بالحسنين ، وولدت له منها محمد الاوسط .
وتزوج الإمام علي عليه السلام خولة بنت جعفر من بني حنيفة وله منها محمد بن علي ويلقبه بعضهم بـ(الأكبر) .
ويسمى ابن الحنفية نسبة لأمه خولة بنت جعفر الحنفية ولد سنة (21) للهجرة .
وقالوا في تعليل هذه النسبة للتمييز بينه وبين الحسن والحسين ولدي فاطمة عليها السلام ولكن هناك أولاد آخرون للإمام علي وينسبون إلى الإمام علي .
ولا أصل لهذه التسمية لقوله تعالى ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
وعن أمير بن علي عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام (قال : كان أمير المؤمنين يقول : إن المحامدة تأبى أن يعصى الله عز وجل. قلت ومن المحامدة قال: محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أمير المؤمنين عليه السلام. أما محمد بن أبي حذيفة ابن عتبة بن ربيعة وهو ابن خال معاوية)( ).
وتسمية محمد بن الحنفية من المشهور الذي لا أصل له ، ومن المشهور المخالف لنص القرآن الكريم .
وصية الحسين (ع) لأخيه محمد بن علي
لقد ورد اسم ابن الحنفية في وصية للحسين لأخيه محمد وفيها (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي صلى الله عليه وآله.
اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي ابن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق .
ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب. قال: ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه وخرج في جوف الليل)( ).
وهذه الوصية ليس لها سند ، وقد ذكرها المجلسي في البحار عن محمد بن أبي طالب الموسوي وهو من رجال القرن العاشر الهجري توفي سنة (955 هجرية) (1548م).
خلو أخبار أهل البيت من تسمية ابن الحنفية
لا أصل لتسمية محمد بن علي بن أبي طالب بالنسبة إلى أمه ابن الحنفية وهو خلاف النص القرآني والحديث عن الإمام المعصوم .
وأخبار أهل البيت منها قول عمر بن علي بن أبي طالب : لما قبض الحسن بن علي، ووقف على قبره أخوه محمد بن علي قال: يرحمك الله أبا محمد، فإن عزت حياتك لقد هدت وفاتك .
ولنعم الروح روح تضمنه بدنك، ولنعم البدن بدن تضمنه كفنك.
وكيف لا يكون هكذا وأنت سليل الهدى، وحليف أهل التقى، وخامس أصحاب الكساء، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام، ورضعت ثدي الإيمان.
وطبت حياً وميتاً وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك، فلا نشك في الخيرة لك، رحمك الله ثم انصرف عن قبره) ( ) .
أي المتعارف في بيت النبوة أن اسمه محمد بن علي بن أبي طالب.
وقد ذكرت في هامش الصفحة (301) من الجزء الأول من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) المطبوع قبل أكثر من ثلاثين سنة والحمد لله (أنه ورد اسمه في بعض الكتب والأخبار منسوباً إلى إلى أمه فيقال محمد ابن الحنفية وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة، وتلك تسمية مخالفة لمنطوق القرآن قال تعالى ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ….
وإذا لم يكن في هذه التسمية تنقيص وتوهين وانها محض تعريف فان نسبته الى الإمام علي عليه السلام أقرب الى التعريف وفيها تمام الشرف).
بعض كتب التأريخ
وردت هذه التسمية (الحنفية) في بعض كتب التأريخ مثل الإصابة ، ولكن ذكرته كتب السيرة باسم محمد بن علي بن أبي طالب في أكثر من موضع في كل من السيرة النبوية لابن كثير( ) والسيرة النبوية لابن هشام( ) والروض الأنف( ) والسيرة النبوية لان اسحاق( ) وجوامع السيرة لابن حزم الأندلسي (384-456هجرية) وتأريخ المدينة المنورة ( )، ولكن المجلسي ذكره في البحار باسم ابن الحنفية (252) مرة ، ولا أصل له .
و(خولة بنت إياس بن جعفر الحنفية والدة محمد بن علي بن أبي طالب رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منزله فضحك ثم قال: ” يا علي أما إنك تتزوجها من بعدي وستلد لك غلاماً فسمه باسمي وكنه بكنيتي وأنحله
رويناه في فوائد أبي الحسن أحمد بن عثمان الأدمي من طريق إبراهيم بن عمر بن كيسان عن أبي جبير عن أبيه قنبر حاجب علي قال: رآني علي… فذكره وسنده ضعيف وثبوت صحبتها مع ذلك يتوقف على أنها كانت حينئذ مسلمة)( ).
الوصية باتباع الحسنين
أبى الله عز وجل إلا أن يحفظ نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحسن والحسين .
وبينه وبين نسل الإمام علي عليه السلام عموم وخصوص مطلق فنسل الإمام علي أعم إذ يلتقيان بالحسن والحسين وذريتهما .
وينفرد الإمام علي عليه السلام بأولاده من أزواجه اللاتي تزوجهن بعد وفاة الزهراء عليها السلام .
وكان نسله من الإمام الحسن والحسين ومحمد بن علي والعباس وعمر وكان الإمام علي يوصي أولاده باتباع الحسنين والسماع منهما وإكرامهما ويعطيهم والمسلمين دروساً في رعايته لهما.
ورد (عن إسماعيل الفراء عن رجل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام : أليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله في أبي ذر رحمة الله عليه: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
قال: بلى، قال: قلت: فأين رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين ؟ وأين الحسن والحسين ؟ قال: فقال لي: كم السنة شهرا ؟ قال: قلت: اثنا عشر شهرا، قال: كم منها حرم ؟ قال: قلت: أربعة أشهر قال: فشهر رمضان منها.
قلت لا ، قال: إن في شهر رمضان ليلة أفضل من ألف شهر ،إنا أهل البيت لا يقاس بنا أحد)( ).
عناية الإمام علي بالحسين
عن الصادق عليه السلام ان الحسين بن علي خرج معتمراً فمرض في الطريق فبلغ ذلك علياً عليه السلام وهو بالمدينة . فخرجه في طلبه فأدركه بالسقيا , موضع بين المدينة ووادي الصفراء وهو مريض بها .
فقال: يا بني ما تشتكي . قال : اشتكي رأسي , فدعا علي عليه السلام ببدنة فنحرها وحلقه رأسه ورده إلى المدينة فلما برأ من وجعه إعتمر.
وقد قاتل الإمام الحسين عليه السلام في معركة الجمل ومعركة صفين والنهروان .
وقال الإمام علي عليه السلام (في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن عليه السلام يتشرع إلى الحرب املكوا عني هذا الغلام لا يهدني ، فإنني أنفس بهذين ( يعني الحسن والحسين عليهما السلام ) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله)( ).
وصايا الإمام علي (ع)
لم يوص الإمام علي عليه السلام في أموال وتركة للورثة انما أوصى بأموآله صدقة للمسلمين مع أنه جمعها بكد يده وعمله واصلاحه للعيون والبساتين.
نعم أوصى الحسنين بتقوى الله ، وأكد على الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
إذ كانت وصيته على قسمين :
الأول : الوصية الخاصة للحسن والحسين ، إذ دعاهما بعد إصابته فقال (أوصيكما بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شئ زوى عنكما .
وقولا الحق وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا واعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم.
ثم نظر إلى محمد بن (علي) فقال هل حفظت ما أوصيت به أخويك قال نعم قال فإنى أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك العظيم حقهما عليك فاتبع أمرهما ولا تقطع أمرا دونهما .
ثم قال أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما ان أباكما كان يحبه .
وقال للحسن أوصيك أي بنى بتقوى الله وإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها وحسن الوضوء فإنه لا صلاة إلا بطهور ولا تقبل صلاة من مانع زكاة .
وأوصيك بغفر الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عند الجهل والتفقه في الدين والتثبت في الامر والتعاهد للقرآن وحسن الجوار والامر بالمعروف والنهى عن المنكر واجتناب الفواحش)( ).
الثاني : الوصية العامة عندما حضرته الوفاة وهي (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
ثم إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدى وأهلي بتقوى الله وبكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا.
فإنى سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب .
الله الله في الايتام فلا تعنوا أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم .
والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم ما زال يوصى به حتى ظننا أنه سيورثه والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم فإنه إن ترك لم يناظر والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم.
والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب والله الله في ذمة نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم والله الله في أصحاب نبيكم فان رسول الله أوصى بهم والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم .
والله الله فيما ملكت أيمانكم الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فيولى الامر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم .
وعليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله.
ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض (عليه السلام) وذلك في شهر رمضان من السنة الأربعين وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص)( ).
ومن وصية الإمام علي عليه السلام العامة (انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام، فلا تعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم. والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم، ما زال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه. والله الله في القرآن؛ فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم)( ).
(ومن وصية له عليه السلام بما يعمل في أموآله كتبها بعد منصرفه من صفين : هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اَللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ اِبْتِغَاءَ وَجْهِ اَللَّهِ لِيُولِجَهُ بِهِ اَلْجَنَّةَ وَيُعْطِيَهُ بِهِ اَلْأَمَنَة)( ).
وقال ابن أبي الحديد (أن عليا عليه السلام استخرج عيونا بكد يده بالمدينة وينبع وسويعة وأحيا بها مواتا كثيرا ثم أخرجها عن ملكه و تصدق بها على المسلمين ولم يمت وشي ء منها في ملكه ألا ترى إلى ما تتضمنه كتب السير والأخبار من منازعة زيد بن علي وعبد الله بن الحسن في صدقات علي عليه السلام.
ولم يورث علي بنيه قليلا من المال ولا كثيرا إلا عبيده وإماءه وسبعمائة درهم من عطائه تركها ليشتري بها خادما لأهله قيمتها ثمانية وعشرون دينارا على حسب المائة أربعة دنانير .
وهكذا كانت المعاملة بالدراهم إذ ذاك و إنما لم يترك أبو بكر قليلا و لا كثيرا لأنه ما عاش و لو عاش لترك أ لا ترى أن عمر أصدق أم كلثوم أربعين ألف درهم و دفعها إليها و ذلك لأن هؤلاء طالت أعمارهم فمنهم من درت عليه أخلاف التجارة و منهم من كان يستعمر الأرض و يزرعها و منهم من استفضل من رزقه من الفيء)( ).
قضاء حاجة المسلم
عن صفوان الجمال أنه كان جالساً مع الإمام جعفر الصادق عليه السلام (إذ دخل عليه رجل من أهل مكة يقال له: ميمون فشكا إليه تعذر الكراء عليه فقال لي: قم فأعن أخاك، فقمت معه فيسر الله كراه، فرجعت إلى مجلسي.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما صنعت في حاجة أخيك؟ فقلت: قضاها الله بأبي أنت وامي فقال : أما إنك أن تعين أخاك المسلم أحب إلي من طواف اسبوع بالبيت مبتدئا.
ثم قال: إن رجلا أتى الحسن بن علي عليهما السلام فقال: بأبي أنت وامي أعني على قضاء حاجة، فانتعل وقام معه فمر على الحسين صلوات الله عليه وهو قائم يصلي .
فقال له : أين كنت عن أبي عبد الله تستعينه على حاجتك، قال: قد فعلت بأبي أنت وامي فذكر أنه معتكف، فقال له: أما إنه لو أعانك كان خيرا له من اعتكافه شهرا)( ).
والكراء هنا تأجير الجمال ، وأمر الإمام الصادق عليه السلام صفوان الجمال لأنه صاحب قافلة من الإبل .
(وكان في لسان الحسين بن علي عليه السلام رتة في غره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ورثَها منْ عمِهِ مِوسَى وقيل : زالت بكمالها لقوله تعالى قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ))( ).
قد ورد قوله تعالى خطاباً إلى النبي زكريا يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا،
وفي حديث الصادق عليه السلام (وكذلك الحسين عليه السلام لم يكن له من قبل سميا و لم تبك السماء إلا عليهما أربعين صباحا قيل له و ما كان بكاؤها قال كانت تطلع حمراء و تغيب حمراء و كان قاتل يحيى ولد زنا و قاتل الحسين عليه السلام ولد زنا)( ).
من علوم الغيب
من مصاديق التوحيد اختصاص الله عز وجل وحده بعلم الغيب والإحاطة به ، وتعجز الخلائق وان اجتمعت عن الإحاطة بمعشار من علم الغيب ، قال تعالى قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
نعم يتفضل الله عز وجل على طائفة من خلقه كالملائكة والأنبياء بعلم جانب وأفراد من الغيب .
والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد المرسلين ، وقد أمره الله عز وجل بالقول قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ .
وفيه دعوة للمسلمين لمعرفة علوم من الغيب ومنها في ثنايا آيات القرآن ، ومنها في الوقائع والأحداث الحاضرة ، والتي في المستقبل.
ومن حوادث كتيبة بني المصطلق أنه هاجت ريح شديدة ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلاً وعند الصباح قال (مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة .
قيل : من هو ؟ قال: رفاعة، فقال رجل من المنافقين : كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ، ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي .
فأتاه جبرئيل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة ، وأخبر رسول الله بذلك أصحابه .
وقال : ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه ، ولكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي هي في الشعب ، فإذا هي كما قال فجاؤا بها وآمن ذلك المنافق ، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت)( ).
وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المغيبات من الوحي ، وما أخبره الله عز وجل به وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( )، وفيه مسائل :
الأولى : إنه من اللطف الإلهي بالناس لتصديقهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : تقريب الناس إلى منازل الهدى والرشاد .
الثالثة : زيادة إيمان المسلمين ، قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
الرابعة : نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من محاولات الاغتيال بالمعجزة ، قال تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
الخامسة : إنقاذ الناس من الآثام والتعدي على النبوة والتنزيل ، وهذا الإنقاذ من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
شرطة الخميس
وشرطة الخميس أي فدائيو الجيش .
وشرط الخميس : أعيان الجيش وهم غير الشرطة .
وفي الخبر أن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري بمنزلة صاحب الشُّرطة من الأمير بالنسبة للنبي محمد .
والمفرد : الشُرطي – بضم الشين -.
يتبادر إلى الذهن أن المراد هم شرطة لحفظ النظام في المدن وحماية الأرواح والممتلكات وانقاذ القانون ولكن الأمر مختلف أيام الإمامة .
والمراد من الخميس هو الجيش ، إذ كان يسمى الخميس .
لأن الجيش خمسة أقسأم : الميمنة ، الميسرة ، المقدمة ، القلب ، والساقة وهو الضعفاء وكبار السن ونحوهم.
والشَرَط : بفتحتين : الجند .
سموا شُرطة : من الشرط وهو العلامة إذ يعرفون بالشرط ، وورد هذا الإصطلاح قبل دخول الإمام علي عليه السلام مدينة الكوفة ، إذ دخلها سنة 36 هجرية بعد معركة الجمل في البصرة.
وفي حديث الإمام علي عليه السلام لعبد الله بن يحيى الحضرمي يوم الجمل : ابشر يابن يحيى فانك وأباك من شرطة الخميس أي من نخبه وأعيانه المتقدمين على الجند وهم أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للحرب .
وسئل الأصبغ بن نباتة : كيف تسميتم شرطة الخميس يا اصبغ : قال : لأنا ضمنا له الذبح أي التضحية ، ضمن لنا الفتح ، يعني الإمام علي عليه السلام وفي رواية ضمن لنا الحنة ومع هذا فان أفراداً من شرطة الخميس يخرجون مع الإمام علي لضبط الأسواق ويحضرون مجلس القضاء عند حكم الإمام بين الناس .
وهل وظائهم هذه بصفة شرطة الخميس أم لأنهم من أعيان أصحابه ، المختار هو الثاني لانحصار اصطلاح وصفة شرطة الخميس بالجيش أي صفوة الجيش وفدائي الجيش .
واصطلاح شرطة الخميس اقترن بأيام حكم الإمام علي وهو في الكوفة لشدة الفتن والحروب التي حدثت في أيام حكمه ، وذكر أن عدد شرطة الخميس هو خمسة آلاف رجل .
وكان حبيب بن مظاهر الأسدي من شرطة الخميس أيام خلافة وحكم الإمام علي عليه السلام .
وشرطة الخميس فرقة تباغت العدو ، وتقاتل بشراسة تجعله يرتبك وانتفع منهم الإمام علي خصوصاً في حنين .
ولم يشترطوا على الإمام علي عليه السلام الذهب أو الفضة أو الغنائم إنما اشترطوا عليه الجنة .
التهيئة لواقعة كربلاء
وكان الإمام علي عليه السلام يهيئ أهل البيت لاستيعاب احداث ووقائع عاشوراء فمرة يكلم ابنته زينب ويخبرها بما ينتظرها من المسؤولية والبلاء في كربلاء بأسلوب التلميح والتعريض والإشارة رفقاً بها.
فتجيبه اني اعلم هذا لقد أخبرتني به أمي الزهراء .
والمعروف ان الزهراء توفيت ولم تتجاوز عمر زينب الخامسة من عمرها . لذلك يقول ابن عباس كنا أهل البيت متوافرين ان الحسين يقتل بكربلاء (عن جابر عن عبد الله بن نجي عن علي عليه السلام قال : إن ابني فاطمة يشرك في حبهما البر والفاجر ، وإني كتب لي أن يحبني كل مؤمن ، ويبغضني كل منافق) ( ) .
وهناك من الاماكن الدينية والتاريخية ما دل عليها الإمام علي عليه السلام وبين موقعها واضفى صبغة التوكيد والاهمية عليها كمنطقة ذي الكفل ومسجد براثا .
ويروى عبدالله بن نجي عن انه سافر مع الإمام علي عليه السلام وكان صاحب مطهرته فلما حاذوا نينوى – وهو منطلق إلى صفين – نادى علي عليه السلام صبراً أبا عبدالله صبراً أبا عبدالله بشط الفرات . قلت: من ذا أبو عبدالله ؟
قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعيناه تفيضان فقلت: يانبي الله أغضبك أحد ؟ ماشأن عيناك تفيضان ؟
قال : ما أغضبني أحد بل قام من عندي جبرئيل قبل فحدثني ان الحسين يقتل بشط الفرات .قال: هل لك ان أشمك من تربته ؟ قلت : نعم فمد يده فقبض من تراب فأعطيناها فلم املك عيني ان فاضتا ( ) .
تسمية قاتل الحسين قبل قتله بسنوات
هذا إلى جانب لوم الإمام علي عليه السلام وعتابه لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبب تقصيرهم في حق الحسين اذا حلت واقعة الطف .
روى يحيى بن المساور العابدي عن سماعيل بن زياد قال : ان علياً عليه السلام قال للبراء بن عازب ذات يوم يا براء يقتل ابني الحسين عليه السلام وانت حي لا تنصره .
فلما قتل الحسين عليه السلام كان البراء بن عازب يقول صدق والله علي بن أبي طالب عليه السلام قتل الحسين ولم انصره ثم اظهر الحسرة على ذلك والندم( ) .
وكما كان الإمام علي عليه السلام يعرف أشقى الآخرين الملعون الخارجي ابن ملجم وهو ليس من أهل الكوفة. كذلك كان يعرف قتلة الحسين كما كان يقول :
فأنما بين الجوانح علم جم .
يقول لعمر بن سعد : كيف انت اذا قمت مقاماً تخير فيه بين الجنة النار لتختار النار . لذلك كان الناس يتنادون اذا دخل عمر بن سعد المسجد هذا قاتل الحسين . من قبل ان يقتل الحسين بسنوات .
وعن سويد بن غفلة قال : انا عند أمير المؤمنين اذ أتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين جئتك من وادي القرى وقد مات خالد بن عرفطة فقال له أمير المؤمنين انه لم يمت فاعادها عليه فقال علي عليه السلام : لم يمت والذي نفسي بيده فأعادها عليه الثالثة فقال : سبحان الله اخبرك انه مات , وتقول لم يمت .
فقال له علي : والذي نفسي بيده لا يموت حتى يقود جيش ضلالة يحمل رايته حباب بن جماز .
فولله ما مات حتى بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته وحبيب بن جماز حامل رايته . وكان خالد هذا قد عين رئيساً على ربع تميم وهمدان من قبل زياد بن ابيه ( ) .
تعضيد الحسين
ومثلما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأن امير المؤمنين كان لا يخفي تأييده وتعضيده ورضاه لما سيختار الحسين وان في ذلك منفعة المسلمين وإستحسانهم .
عن المسيب بن نجبة قال : سمعت علياً يقول : الا أحدثكم عني وعن أهل بيتي … إلى ان قال واما انا وحسين فنحن منكم وانتم منا .
وعن رجل من ال ابي رافع ان الإمام علي عليه السلام قال : ان ابني هذا يعني الحسن سيخرج من هذا الامر وأشبه أهلي بي الحسين .
وهذا القول تنزيه للحسين وشهادة على سلامة وصواب نهجه وحث لأصحابه على اتباعه هذا مع حرص الإمام علي عليه السلام على الحفاظ على الحسنين وتجنبهما الاخطار وكان يقول في بعض حروبه املكوا علي هذين الغلامين فأني أنفس بهما عن القتل لئلا ينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( ).
وسئل محمد بن علي عن سبب تقديم ابيه له في معركة الجمل وحرصه على الحسنين فقال هما عينه وانا يده . وكان الإمام الحسين عليه السلام أحد قادة الإمام علي عليه السلام إلى صفين .
خطبة الحسين (ع) بأهل الكوفة
عندما عزم الإمام علي عليه السلام على المسير إلى الشام للقاء معاوية وأصحابه صعد المنبر فخطب بالناس ودعاهم إلى الدفاع .
ثم قام ابنه الحسن فخطبهم ثم قام الحسين فحمد الله واثنى عليه قال : يا أهل الكوفة انتم الاحبة الكرماء والشعار دون الدثار جدوا في اطفاء ما وتر بينكم وتسهيل ما توعر عليكم .
الا ان الحرب شرها مريع وطعمها فظيع فمن أخذ لها أهبتها واستعد لها عدتها ولم يألم كلومها قبل حلولها فذاك صاحبها ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمن أي أهل وجدير ان لا ينفع قومه وان يهلك نفسه نسأل الله بقوته ان يدعمكم بالفيئه .
ثم نزل وهذا كلام فيه البلاغة والايجاز ذو المعاني والغايات إذ اظهر منزلتهم وهيبتهم وبين ما يجب عليهم وان يتأهبوا وسأل الله ان يعودوا إلى اهلهم منتصرين وكان الإمام علي عليه السلام يعلم منزلة الإمام الحسين عليه السلام عند الله عز وجل وأراد ان يعرفها الناس من أهل العراق عسى ان تنفعهم تلك المعرفة ويزدادو ايماناً .
عن الصادق عليه السلام عن ابيه عن جده عليه السلام قال : جاء أهل الكوفة إلى علي عليه السلام فشكو اليه إمساك المطر .
وقالوا له : استسق لنا . فقال للحسين قم واستسقى فقام وحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : اللهم معطي الخيرات ومنزل البركات ارسل السماء علينا مدراراً وأسقنا غيثاً مغزاراً واسعاً غدقاً مجللاً سخاً سفوحاً فجاجاً تنفس به الضعف عن عبادك وتحيى به الميت من بلادك آمين رب العالمين.
فما فرغ من دعائه حتى انزل الله غيثاً بغتة وأقبل اعرابي من بعض نواحي الكوفة فقال: تركت الأودية والاكام يموج بعضها في بعض ( ) .
ولما دخل شهر رمضان من سنة اربعين أي الشهر الذي استشهد فيه الإمام علي عليه السلام ، كان الإمام علي يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبدالله بن جعفر لا يزيد على ثلاث لقم يقول :أحب ان يأتيني أمر الله وأنا خميص وانما ليلة او ليلتان فلم تمض ليلة حتى قتل عليه السلام .
الحجة والبرهان
(عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين من قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام( ).
قلت : فأين كنتم يا رسول الله؟ قال: قدام العرش، نسبح الله ونحمده ونقدسه ونمجد، قلت: على أي مثال؟ قال: أشباح نور، حتى إذا أراد الله عز وجل أن يخلق صورنا صيرنا عمود نور، ثم قذفنا في صلب آدم، ثم أخرجنا إلى اصلاب الآباء وأرحام الامهات .
ولا يصيبنا نجس الشرك، ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون، فلما صيرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين، فجعل نصفه في عبد الله، ونصفه في أبي طالب، ثم أخرج الذي لي إلى آمنة، والنصف الذي الى علي إلى فاطمة بنت أسـد ، فأخرجتنـي آمنة ، وأخرجت فاطــمة علياً .
ثم أعاد عز وجل العمود إلي فخرجت مني فاطمة، ثم أعاد عز وجل العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسين – يعني من النصفين جميعا – فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن، وما كان من نوري صار في ولد الحسين، فهو ينتقل في الائمة من ولده إلى يوم القيامة)( ).
روى عكرمة عن ابن عباس انه بينما كان يحدث الناس , إذ قام اليه نافع بن الأزرق فقال له يا ابن عباس تفتي الناس في النملة والقملة ؟ صف لي إلهك الذي تعبد فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله : وكان الحسين جالساً ناحية.
فقال : إلي يا ابن الأزرق قال ابن الأزرق لست إياك اسأل ولعل هذا الجفاء بسبب إنحراف الخوارج عن أمير المؤمنين عليه السلام .
قال ابن عباس : يا ابن الأزرق إنه من بيت أهل النبوة وهم ورثة العلم فأقبل نافع نحو الحسين فقال له الحسين : يا نافع إن من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الإلتباس سائلاًً ناكباً عن المنهاج . طاعناً بالإعوجاج ضالاً عن السبيل قائلاً غير الجميل .
يا ابن الأزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه واعرفه بما عرف به نفسه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس .
قريب غير ملتصق وبعيد غير منقص يوحد ولا يبعض معروف بالآيات موصوف بالعلامات لا إله إلا هو الكبير المتعال . فبكى ابن الأزرق .
وقال : يا حسين ما أحسن كلامك قال له الحسين عليه السلام بلغني انك تشهد على أبي وعلى اخي بالكفر وعلي ؟
قال ابن الأزرق وهو رأس الخوارج اما والله : يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منار الاسلام ونجوم الاحكام .
فقال له الحسين : اني سألك عن مسألة ؟ قال : اسأل فسأله عن هذه الآية وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ…. يا ابن الأزرق من حفظ في الغلامين؟ قال ابن الأزرق : أبوهما . قال الحسين عليه السلام : فأبوهما خير ام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( ).
وكان الإمام الحسين عليه السلام يجيب على الرسائل والمسائل التي ترد اليه من الأمصار يبين أحكام الشريعة ويدحض اباطيل النفاق ويدفع أسباب الشك والريب عن القرآن والملة بأسلوب متماسك بليغ يعكس المعاني العميقة لجوهر العبودية الخالصة لرب العالمين ليبني اعمدة الدفاع والحصانة الفكرية عند المسلمين لما طرقهم بعد ذلك بزمن من الفلسفة الأغريقية وأعرافها .
في صفات الله الحسنى
كتب إلى الإمام الحسين جماعة يسألونه عن معنى الصمد في قوله تعالى اللَّهُ الصَّمَدُ فكتب لهم أما بعد… فلا تخوضوا في القرآن ولا تجادلوا فيه ولا تتكلموا بغير علم فقد سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده في النار .
وان الله قد فسر الصمد فقال الله احد .الله الصمد ثم فسره فقال : لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد .لم يلد لم يخرج منه شيء كثيف كالولد وسائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين ولا شيء لطيف كالنفس ولا يتشعب منه البداوات كالسنة والنوم والخطرة والهم والحزن والبهجة والضحك والبكاء الخوف والرجاء والرغبة والسامة والجوع والشبع .
تعالى عن ان يخرج منه شيء وان يتولد منه شيء كثيف او لطيف ولم يولد ولم يتولد منه شيء .
ولم يخرج منه شيء كما تخرج الاشياء الكثيفة من عناصرها والدابة من الدابة . والنبات من الارض والماء من الينابيع والثمار من الأشجار . ولا كما تخرج الاشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين والسمع من الإذن والشم من الأنف والذوق من الفم والكلام من اللسان والمعرفة والتميز من القلب وكالنار من الحجر.
لا بل هو الله الصمد الذي لا من شئ ولا في شيء ولا على شيء مبدع الأشياء وخالقها ومنشيء الأشياء بقدرته يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته ويبقى ما خلق للبناء بعلمه .
فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال لم يكن له كفواً أحد( ) .
علم الكلام
لما برزت مسألة القدر وآثر شطر من الناس الكلام عنها واشتد النقاش كان الإمام الحسين عليه السلام كأبيه يحول دون التشعب المركب الضار ويقطع الطريق أمام مريدي الفتنة كما في رسالته للحسن بن الحسن البصري التي يتعرض يبين فيها مسائل كلامية مهمة ومما ورد فيها :اتبع ما شرحت لك في القدر مما افضي الينا أهل البيت فأنه من لم يؤمن بالقدر خيره وشره كفر .
ومن حمل المعاصي على الله عز وجل فقد افترى على الله إفتراءاً عظيماً وان الله لا يطاع باكراه ولا يعصى بغلبة.
كانت علامات الزهد وسيماء التقوى مجتمعة عند الحسين مع نور النبوة قيل للحسين عليه السلام ما اعظم خوفك من ربك ؟قال : لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف الله في الدنيا( ) .
و(قيل لعلّي بن الحسين: ما كان أقلً ولدِ أبيك! قال: العَجب كيف وُلدتُ له؟ كان يصلِّي في اليوم والليلة ألْفَ ركعة، فمتى كان يتفرّغ للنساء)( ).
كثرة الصيام والحج
وروي ان الإمام الحسين عليه السلام كان كثير الصيام وقلما يعرف الآخرون ذلك دعاه يوماً عبدالله بن الزبير وأصحابه فأكلوا ، ولم يأكل الحسين فقيل له : ألا تأكل ؟ قال اني صائم ولكن تحفة الصائم . قيل وما هي ؟ قال الدهن والمجمر( ) .) ( ) .
كان الحسين عليه السلام يولي الحج عناية خاصة وقال له بعض مواليه خرج الحسين بن علي إلى مكة سنة ماشياً فورمت قدماه فقال له بعض مواليه : لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم . وان نجائبه تقاد معه .
وعرف الإمام الحسين بحرصه على حضور موسم الحج وكان بعض السنين أميراً للحاج عن عبدالله بن عبيد بن عمير قال : حج الحسين بن علي خمساً وعشرين حجة ماشياً ( ) .
ولقد احب الإمام الحسين الصلاة وقراءة القرآن منذ ان نشأ في مهبط الوحي والتنزيل حيث كانت سيرته مرآة وترجمة لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
قال الباقر عليه السلام : جاء رجل إلى الحسين بن علي فاستعان به في حاجة فوجده معتكفاً فاعتذر اليه فذهب إلى الحسن فقضى حاجته وقال لقضاء حاجة أخ لي في الله احب إلي من اعتكاف شهر ( ) . كان الحسين زاهداً بالدنيا راضياً بأمر الله واستعد للبلاء مؤمناً محتسباً صابراً شاكراً . قال الشافعي : مات ابن للحسين فلم ير عليه كآبة فعوتب في ذلك فقال : انا أهل بيت نسأل الله فيعطينا فاذا أراد ما نكره فيما يحب رضينا.
كثرة العتق
قال أنس كنت مع الحسين فدخلت عليه جارية فحيته بطاقة ريحان . فقال أنت حرة لوجه الله .فقلت: تجيئك بطاقة ريحان لاخطر لها فتعتقها قال كذا أدبنا الله . قال الله [َإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا]وكان أحسن منها عتقها ( )لبيان أن المراد من التحية في الآية أعم عن السلام .
وجنى غلام له جناية توجب العقاب عليه فأمر به ان يضرب فقال يا مولاي [والكاظمين والغيظ ] ( ) . قال : خلوا عنه فقال يا مولاي [والعافين عن الناس ] قال : قد عفوت عنك . قال : يا مولاي [والله يحب المحسنين] قال : انت حر لوجه الله ولك ضعف ما كنت اعطيك .
فعندما يرى الإمام الحسين عليه السلام دليلاً على إيمان غلمانه وحسن إسلامهم يبادر إلى تشجيعهم واثابتهم وإكرامهم بما يحملون من القرآن .
التأسي بالحسين (ع)
لما أجمع مصعب بن الزبير (الخروج من الكوفة يريد عبد الملك خرج وقد اصطف له الناس بالكوفة صفين وقد اعتم عمته ، وهو مقبل على دابته ثم نظر في وجوه القوم يمينا وشمالا فوقعت عينه على عروة بن المغيرة بن شعبة فقال يا عروة قال لبيك .
قال ادن فدنا فسار معه فقال أخبرني عن حسين بن علي كيف صنع حين نزل به قال فأنشأت أحدثه عن صبره وإبائه ما عرض عليه وكراهية أن يدخل في طاعة عبيد الله بن زياد حتى قتل .
قال فضرب بسوطه على معرفة برذونه ثم قال .
إن الألى بالطف من آل هاشم … تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
قال فعرفت والله أنه لن يفر وأنه سيصبر حتى يقتل قال والشعر لسليمان بن فَتَّة ( ))( ) .
والطف أرض من ناحية الكوفة في طريق البرية حيث استشهد الحسين ، وقومه تأسوا : أي صار بعضهم أسوة لبعض في الصبر والمصير إلى الموت في سبيل الله من غير خوف ورهبة .
لقد صارت ثورة الحسين منهاج إباء ورجاء تثبيت لأحكام الشريعة ، وإصلاح للنفوس ، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر بالسيف والنفس والأهل ، وتثبيت أحكام الشريعة .
و(قال النبي صلى الله عليه وآله: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شئ)( ).
والسنة الحسنة العمل الصالح الذي يكون ضياءً ومنهاجاً يقتدى به .
كرم الحسين عليه السلام
الكرم باب ينفذ منه الفرد إلى مركز ومقام في المجتمع وفي قلوب الناس بما ينفق من ماله وملكه وعامة ما رزقه الله . ولم يتخلف آل محمد عمن ذاع صيته في السخاء والكرم إلا انهم البسوه حلة زاهية جديدة نافعة اذ صار مقترناً في الغالب بالتفقه في الدين وقصد القربة إلى الله وتعظيم الشعائر وزيادة الايمان في النفوس ، جاء اعرابي \لحسين فسلم عليه وسأله حاجته قال :سمعت جدك يقول : اذا سألتم حاجة فأسالوها من أربعة اما عربي شريف او مولى كريم او حامل القرآن او صاحب وجه صبيح .
فأما العرب فشرفت بجدك واما الكرم فدأبكم وسيرتكم .
وأما القرآن ففي بيوتكم نزل .
أما الوجه الصبيح فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: اذا اردتم ان تنظروا الي فأنظروا إلى الحسن والحسين .
وفيه بيان ان الحسين كان يشبه جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال الحسين : ما حاجتك ؟ فكتبها الاعرابي على الارض.
فقال له الحسين عليه السلام : سمعت أبى علياً يقول : المعروف بقدر المعرفة فأسالك عن ثلاث مسائل فأن أجبت عن واحدة اعطيتك ثلث المال وان اجبت عن اثنتين اعطيتك ثلثي المال وان اجبت عن الكل اعطيتك الكل.
فقال: الاعرابي يا ابن رسول الله امثلك يسأل من مثلي ، وانت من أهل العلم والشرف . سل عما بدا لك فأن اجبت وإلا تعلمت منك ولا قوة إلا بالله .
فقال الحسين عليه السلام : أي الأعمال أفضل ؟ فقال الاعرابي : الإيمان بالله .
فقال الحسين عليه السلام : فما النجاة من الهلكة فقال الاعرابي : الثقة بالله فقال الحسين : فيما يزين الرجل ؟ فقال الاعرابي علم مع حلم فقال : فأن اخطأه ذلك فقال مع مروءة . فقال : فأن اخطأه ذلك فقال : فقر مع صبر . فقال الحسين عليه السلام : فأنه اخطأه ذلك ؟ قال الاعرابي : فصاعقة تنزل من السماء وتحرقه فأنه أهل لذلك .
فضحك الحسين عليه السلام ورمى بصرة اليه فيها ألف دينار واعطاه خاتمه وفيه فص قيمته مائتا درهم وقال : يا أعرابي إعط الذهب إلى غرمائك . واصرف الخاتم في نفقتك فأخذها الاعرابي وقال [اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ] ( ).
مكارم الأخلاق
قد أثنى الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)( ) ليقتبس أهل البيت ذات الأخلاق الحميدة ويسيرون على هدى القرآن والنبوة ، وكان الإمام الحسين عليه السلام الأسوة الكريمة في محاكاة نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم يتردد الإمام في إنفاق ما إدخره من مؤونة عياله اذا رأى الحاجة قد اطبقت على مسلم .عن الذيال بن حرملة قال : خرج سائل يتخطى أزقة المدينة حتى أتى باب الحسين بن علي فقرع الباب , وانشأ يقول:
لم يَخَبِ اليَوم مَنْ رجاكَ ومَنْ * حرّكَ من خلف بابك الحَلَقَهْ
فأنْتَ ذو الجودِ أنْتَ معدِنُه * أبوكَ قد كان قاتلَ الفَسَقَهْ
وكان الحسين قائماً يصلي فخفف من صلاته ,وخرج إلى الأعرابي فرأى عليه أثر ضر وفاقة ونادى بقنبر فأجابه لبيك يا ابن رسول الله . قال : ما تبقى معك من نفقتنا ؟ قال مائتا درهم أمرتني بتفريقها في أهل بيتك قال الإمام عليه السلام فهاتها فقد أتى من هو أحق بها منهم . فأخذها من قنبر وخرج فدفعها إلى الأعرابي وانشأ يقول .
خُذْها فإنّي إليك معتذِر * واعلم بأنّي عليك ذو شَفَقَهْ
لو كان في سيرنا الغداة عصاً * كانَتْ سمانا عليك مُنْدَفقهْ
لكنّ ريبَ الزمان ذو نَكَدٍ * والكف منّا قليلة النَفَقهْ
فأخذها الاعرابي وهو مستبشر بقضاء حاجته ويرى صدق الكرم وغاية والجود وهو ينشد تلك الأبيات الخالدات :
مُطَهرونَ نقيّات ثيابُهم * تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا
فأنتمُ أنتمُ الأعلونَ عندكمُ * علمُ الكتاب وما جاءتْ به السورُ
من لم يكنْ علويّاً حين تنسبُه * فما له في جميع الناس مُفتخرُ.
الرواية عن النبي محمد (ص)
كان الإمام الحسين عليه السلام يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان الصحابة والتابعون يتلقون هذه الروايات منه بالقبول والرضا ، ففي بيوتهم نزل القرآن ، وكانت صحبتهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومية ، وكان يعلم أهل البيت ويخبرهم ابتداءً ، وإذا سألوه أجابهم .
(روي عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من عبد ولا أمة يضن بنفقة ينفقها فيما يرضي الله إلا أنفق أضعافها فيما يسخط الله .
وما من عبد يدع الحج لحاجة من حوائج الدنيا إلا رأى المخلفين قبل أن يقضي تلك الحاجة يعني حجة الإسلام وما من عبد يدع المشي في حاجة أخيه المسلم قضيت أو لم تقض إلا ابتلي بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر فيه)( ).
كرم الإمام الحسين (ع)
ودخل الإمام الحسين عليه السلام على اسامة بن زيد وهو مريض . فأنتهز اسامة فرصة حضور الإمام ليلتمس من نعم النبي عليه وعلى ابيه فقال :واغماه فقال له الحسين : وما غمك يا أخي ؟
قال : ديني هو ستون الف درهم . ولم يرجع الإمام إلى تخلف اسامة عن نصرة امير المؤمنين في زمن خلافته بل استحضر حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأسامة فقال : هي علي .قال :اني اخشى ان اموت .
فقال الحسين لن تموت حتى اقضيها عنك فقضاها قبل موته( ).
وكان الحسين عليه السلام (يقول : شر خصال الملوك الجبن من الاعداء والقسوة على الضعفاء ، والبخل عند الاعطاء . وفي كتاب انس المجلس : ان الفرزدق أتى الحسين لما اخرجه مروان من المدينة فأعطاه ( ع) اربعمائة دينار ، فقيل له : شاعر فاسق مشهر ، فقال ( ع : ) ان خير مالك ما وقيت به عرضك ، وقد اصاب رسول الله كعب بن زهير ، وقال في عباس بن مرداس اقطعوا لسانه عني .)( ).
. ومرة دخل اعرابي المدينة فسأل عن اكرم الناس بها فدل على الحسين عليه السلام فدخل المسجد فوجده مصلياً فوقف بأزائه وانشأ:
لم يخب الآن من رجاك و من * حرك من دون بابك الحلقه –
أنت جواد و أنت معتمد * أبوك قد كان قاتل الفسقه –
لولا الذي كان من أوائلكم * كانت علينا الجحيم منطبقه –
قال : فسلم الحسين ( عليه السلام ) ، و قال : ” يا قنبر ، هل بقي من مال الحجاز شيء ” قال : نعم أربعة آلاف دينار ، فقال : ” هاتها ، قد جاءها من هو أحق بها منا ” ثم نزع برديه و لف الدنانير فيها ، و أنشأ :
خذها فإني إليك معتذر * و اعلم بأني عليك ذو شفقه –
لو كان في سيرنا الغداة عصا * أمست سمانا عليك مندفقه –
لكن ريب الزمان ذو غير * و الكف مني قليلة النفقه “( ) .
فأخذها الاعرابي وبكى فقال له الإمام لعلك استقللت ما اعطيناك . قال : لا ولكن كيف يأكل التراب جودك .
تعليم الأبناء الفاتحة
روي أن رجلاً يسمى عبد الرحمن كان معلماً للأولاد في المدينة فعلم ولداً للحسين يقال له جعفر سورة الفاتحة فلما قرأها على ابيه اعطاه الإمام الف دينار وألف حلة وحشا فاه دراً فقيل له في ذلك فقال : واين يقع هذا من اعطائه يعني تعليمه .
ليبين الإمام الحسين للناس لزوم تعليم ابنائهم القرآن وطرد الشح والبخل من طريق رقي المجتمع والتزود من الحكمة وإكرام أهلها . قال تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.
والحديث مدرسة أخلاقية وأدبية وإجتماعية تدل على الشأن العظيم لتعلم سورة الفاتحة بالنسبة للصبيان لأنها عون على أداء الصلاة لا بمعنى أنها واجب في الصــلاة فحســب، بل لأنها قوام إتيان الصــلاة بالنسـبة للصبي فإذا حفظ سورة الفاتحة تمكن من أدائها وسهل عليه تعلم أجزائها الأخرى مثل التسبيح وأقبل عليها بشوق وإفتخار وفي أول أوقاتها، وإذا شق عليه حفظها فانه قد لا يميــل إلى أداء الصلاة أو يشعر معها بالحرج والخوف، خصوصاً وأنها ليســت واجبـة عليه قبل البلوغ ولهيبة وجلالة منزلة الصلاة في نفسه وخشيته من إقتحام هذا الفعل العبادي والدخول فيه.
ولقد أعطى الإمام الحسين للمسلمين درساً في أولوية تعليم الأبناء سورة الفاتحة وكونه مدرسة وميداناً للتعلم والسير في طريق الحكمة والمعرفة واظهر في هذا الباب كرماً وجوداً وفرحاً بفضل الله واعتزازاً بمناسبة تعلم أحد أبنائه سورة الفاتحة وما فيها من البشارة وتعظيم شعائر الله، وهي عبرة لبيان عظيم النعمة بحفــظ الابن لســورة الفاتحة وما يتعقبه من الخير والفضل والأجر، وتعلم الفاتحة طريق ومدخل لأداء الصلاة فانه حاجة مقصودة ذاتاً، وعرضاً( ).
ولبيان فضل سورة الفاتحة وحفظها خاصة ، وأن المسلم يقرأها سبع عشرة مرة يومياً في الصلوات اليومية الخمسة
إن المضامين الملكوتية الرفيعة التي تشتمل عليها سورة الفاتحة وإفتتاح القرآن بها ينبئ عن أسرار عظيمة في هذه السورة، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: “ان فاتحة الكتاب اشرف ما في كنوز العرش) ( ).
أي ان للسورة منزلة رفيعة في أسمى مراتب السماء وأنها نعمة تفضل الله بها على المسلمين وفضلهم بها على العالمين وجعلها كنزاً في الكتاب الذي خص نبيهم به لتكون سلاحاً وعوناً ومرشداً , ونزولها وتلاوتها في الصلاة والإنتفاع الأمثل منها من عمومات قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( )( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتخذ سورة الفاتحة وقاءً وعلاجاً , وفيه دعوة للمسلمين لإدراك موضوعيتها والإنتفاع منها وبيان المواضع التي يمكن إستحضارها، عن السكوني عن الصادق عليه السلام قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كسل أو أصابته عين أو صداع بسط يديه فقرأ فاتحة الكتاب والمعوذتين ثم مسح بها فيذهب عنه ما كان يجده( ).
لقد أشار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قانون إتخاذ سورة الفاتحة حرزاً عند ساعة النوم وعندما يغط الإنسان في سبات وسكون يجهل معه ما يحدث حوله ( ).
هبات الحسين
ومثلما يأتي الناس إلى مجلس الحسين عليه السلام للتفقه في أمور دينهم كان الإمام الحسين يتفقد أصحابه ويذكر بيوتات المدينة . روي ابو هشام القناد البصري .قال : كنت احمل المتاع من البصرة إلى الحسين بن علي . فكان يماكسني فيه فلعلي لا اقوم من عنده حتى يهب عامته . فقلت : يابن رسول الله أجيئك بالمتاع من البصرة تماكسني فيه فلعلي لا اقوم من عندك حتى تهب عامته .
فقال :ان ابي حدثني يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه .قال: الغبون لا محمود ولا مأجور( ) .
من خطب الحسين (ع)
لقد كان الإمام الحسين يخطب في الناس ، فقد خطب الإمام الحسين عليه السلام فقال (يا أيها الناس نافسوا في المكارم و سارعوا في المغانم و لا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا و كسبوا الحمد بالنجح و لا تكتسبوا بالمطل ذما فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافاته فإنه أجزل عطاء و أعظم أجرا .
واعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم فتحور نقما و اعلموا أن المعروف مكسب حمدا و معقب أجرا .
فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين و لو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب و تغض دونه الأبصار.
أيها الناس من جاد ساد و من بخل رذل و إن أجود الناس من أعطى من لا يرجو .
وإن أعفى الناس من عفى عن قدرة و إن أوصل الناس من وصل من قطعه .
والأصول على مغارسها بفروعها تسموا فمن تعجل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا .
ومن أراد الله تبارك و تعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته و صرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه .
ومن نفس كربة مؤمن فرج الله عنه كرب الدنيا و الآخرة و من أحسن أحسن الله إليه و الله يحب المحسنين)( ).
ومن خطبه عليه السلام
• خطبته في منى في مكة في ذكر فضائل الإمام علي عليه السلام قبل موت معاوية بسنة ، وذكرت في خاتمة رسالتي (مناسك الحج ) دعاء الإمام الحسين يوم عرفة الذي كان يدعو به عندما يدنو غروب الشمس وأوله (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذى لَيْسَ لِقَضآئِهِ دافِعٌ، وَلا لِعَطائِهِ مانِعٌ، وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانِع، وَهُوَ الْجَوادُ الْواسِعُ، فَطَرَ اَجْناسَ الْبَدائِعِ، واَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعَ، لا تَخْفى عَلَيْهِ الطَّلائِعُ، وَلا تَضيعُ عِنْدَهُ الْوَدائِعُ، جازى كُلِّ صانِع، وَرائِشُ كُلِّ قانع،…)( ).
• خطبة الحسين عليه السلام بحضور معاوية عندما قدم إلى المدينة واحتجاجه على توليه يزيد .
• خطبة الحسين عندما عزم على الخروج من مكة إلى العراق .
• خطبة الحسين عليه السلام حين ملاقاته الحر الرياحي عند نزوله بكربلاء .
• خطبته يوم عاشوراء واحتجاجه على القوم .
شذرات من كلام الحسين (ع)
لقد ضبط المسلمون كلاماً كثيراً للحسين في مكارم الأخلاق والمعارف الانسانية والأدعية المأثورة .
وروي عنه ابنه علي بن الحسين عليه السلام وابنته فاطمة وابن اخيه زيد بن الحسن وشعيب بن خالد وطلحة بن عبد لله ويوسف بن الصباغ وعبيد بن حنين وهمام بن غالب وآخرون ومن أقوآله عليه السلام :
*- شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء والقسوة على الضعفاء والبخل عن العطاء ( ).
*- اذا سمعت احداً يتناول اعراض الناس فأجتهد ان لا يعرفك فأن أشقى الاعراض به معارفه ( ).
*- لا تتكلف مالا تطيق ولا تتعرض لما لا تعد بما لا تقدر عليه ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما صنعت ولا تفرح إلا بما نلت من طاعة الله تعالى ولا تتناول إلا ما رأت نفسك له اهلاً.
*- من احبنا لله وردنا نحن وهو على نبينا هكذا – وضم اصبعيه – ومن احبنا للدنيا فأن الدنيا تسع البر والفاجر . وان حبنا يساقط الذنوب كما تساقط الريح الورق.
أيها الناس نافسوا في المكارم ، وسارعوا في المغانم (قيل للحسين بن علي (عليهما السلام) : كيف أصبحتَ يابن رسول الله ؟
قال : أصبحتُ ولي رب فوقي ، والنار أمامي ، والموت يطلبني ، والحساب محدق بي ، وأنا مرتهن بعملي ، ولا أجد ما أحب ، ولا أدفع ما أكره ، والأمور بيد غيري ، فإن شاء عذبني ، وإن شاء عفا عني ، فأي فقير أفقر مني)( ).
مبايعة الحسن (ع)
أصيب أمير المؤمنين عليه السلام على يد أشقى الآخرين في شهر رمضان من السنة الأربعين للهجرة دخل عليه جندب بن عبد الله فقال : ان فقدناك لا نفقدك فنبايع الحسن قال: ما أمركم ولا أنهاكم أنتم ابصر.
ثم دعا الحسن والحسين عليهما السلام فقال لهما : أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وأن بغتكما ولا تبكيا على شيء زوي عنكما .
وقولا الحق وأحما اليتيم وأعينا الضائع وأصنعا للآخرة وكونا للظالم خصيماً وللمظلوم ناصراً وإعملا بما في كتاب ولا تاخذكما في الله لومة لائم.
وقد وردت عن أمير المؤمنين تسميته محمد بن علي ، وجاءت على لسان الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ، إذ قال (كان أمير المؤمنين يقول: إن المحامدة تأبى أن يعصى الله عز وجل. قلت ومن المحامدة قال: محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أمير المؤمنين عليه السلام)( ).
وفاة الحسن (ع)
وبالإسناد (عن عمير بن إسحاق قال كنا عند الحسن بن علي فدخل المخرج ثم خرج فقال لقد سقيت السم مراراً وما سقيته مثل هذه المرة لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبها بعود معي فقال له الحسن يا أخي من سقاك قال وما تريد إليه أتريد أن تقتله قال نعم.
قال لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة ولئن كان غيره ما أحب أن تقتل بي بريئاً.
المراد من الكبد هنا أي أن الإمام تقيأ بعض أحشائه ، وجدار المعدة ، وليس الكبد ذلك العضو من الإنسان ، وقطع الكبد لا تخرج بالقيأ بواسطة المعدة إلا أن يقال بأن قطعاً من الكبد صارت بسبب السم صغيرة وجرت بواسطة الجهاز الهظمي .
(الكَبِدُ والكِبْدُ: واحدة الأكْبادِ، ويقال أيضاً: كَبْدٌ للتخفيف. وكَبِدُ السماء: وسطها يقال: كَبَّدَ النجمُ السماءَ، أي توسَّطها. وتَكَبَّدَتِ الشمسُ، أي صارت في كَبِدِ السماءِ.
وتَكَبَّدَ اللبنُ: غَلُظَ وخَثُرَ. وكُبَيْداتُ السماءِ، كأنَّهم صغَّروا كُبيدَةً ثم جمعوا. وكَبِدُ القوسِ: مَقبِضها. يقال: ضَع السهمَ على كَبِدِ القوسِ، وهي مل بين مقبِضها ومجرى السهم منها.
وكَبَدْتُ الرجلَ: أصبْت كَبِدَهُ؛ فهو مَكْبودٌ.
والأكْبَدُ : الضخمُ الوسطِ، ولا يكون إلا بطيءَ السيرِ. وامرأةٌ كَبْداءُ بيِّنة الكَبَدِ، بالتحريك. وقوسٌ كَبْداءُ، إذا ملأ مَقبِضُها الكفَّ. والكَبَدُ: الشِدَّةُ. قال تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ.
وكابَدْتُ الأمرَ، إذا قاسيتَ شدَّته. والكُبادُ: وجعُ الكَبِدِ. الأصمعيّ: يقال للأعداء: سودُ الأكبادِ، كما يقال لهم: صُهْبُ السِبالِ، وإن لم يكونوا كذلك. قال الأعشى:
فما أُجْشِمَتْ من إتْيانِ قومٍ … هُمُ الأعداءُ والأكبادُ سودُ
وقولهم: فلان تُضْرَبُ إليه أكْبادُ الإبل، أي يُرْحَلُ إليه في طلب العِلم وغيره)( ).
وقال ابن عبد البر أن الإمام الحسن عليه السلام قال للحسين عليه السلام عندما سُقي السم (وقد كنت طلبت إلى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت نعم .
وإني لا أدري لعلها كان ذلك منها حياء فإذا أنا مت فاطلب ذلك إليها فإن طابت نفسها فادفني في بيتها.
وما أظن القوم إلا سيمنعونك إذا أردت ذلك فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك وادفني في بقيع الغرقد فإن فيمن فيه أسوة .
فلما مات الحسن أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها فقالت نعم وكرامة فبلغ ذلك مروان فقال مروان كذب وكذبت والله لا يدفن هناك أبدا منعوا عثمان من دفنه في المقبرة يريدون دفن الحسن في بيت عائشة .
فبلغ ذلك الحسين فدخل هو ومن معه في السلاح فبلغ ذلك مروان فاستلأم في الحديد أيضا فبلغ بعض الصحابة ، فقالوا والله ما هو إلا ظلم يمنع الحسن أن يدفن مع أبيه والله إنه لابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ناشدوا الحسين بالله الإكتفاء بدفن الحسن عليه السلام في البقيع.
وقالوا له أليس قد قال أخوك إن خفت أن يكون قتال فردوني إلى مقبرة المسلمين فلم يزالوا به حتى فعل وحمله إلى البقيع فلم يشهده يومئذ من بني أمية إلا سعيد بن العاص وكان يومئذ أميرا على المدينة.
وخالد بن الوليد بن عقبة ناشد بني أمية أن يخلوه يشاهد الجنازة فتركوه فشهد دفنه ، ودفن في البقيع ، ومقبره معلم محدد إلى يومنا هذا .
فأنكر عدد من الصحابة ما قام به مروان ، ومع هذا أخذ الحسين عليه السلام الحسن عليه السلام عند حدوث المنع أن يدفن في مقبرة المسلمين في البقيع .
وتوفى الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام مسموماً في السابع من شهر صفر من السنة الخمسين للهجرة ، وعمره (47) سنة ، وعندما واراه الحسين عليه السلام في قبره رثاه بابيات :
(سأبكيك ما ناحت حمامة ايكة … وما اخضر في دوح الحجاز قضيب
أأدهن رأسي ام تطيب مجالسي … وخدك معفور وأنت سليب
غريب وأكناف الحجاز تحوطه … الاكل من تحت التراب غريب
فلا يفرح الباقي ببعد الذي مضى … فكل فتى للموت فيه نصيب
بكائي طويل والدموع غزيرة … وأنت بعيد والمزار قريب
وليس حريباً من أصيب بماله … ولكن من وارى اخاه حريب).
ولم تمر الأيام حتى يقتل الحسين عليه السلام غريباً في كربلاء ثم صارت كربلاء مزاراً يأتي الناس لزيارة قبر الحسين فيها من جميع أنحاء العالم.
قال الشاعر :
(تعدو الذئاب على من لا كلاب له…وتتقي حوزة المستنفر الحامي)( )( ).
(وقال أبو هريرة لمروان: علامَ تمنع أن يُدفن مع جده؟ فلقد أشهدُ أني سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الحسنُ والحُسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال له مروان: لقد ضيع الله، حديثَ نبيه إذ لم يَرْوِه غيرك)( ).
قال : أما انك إذ قلت ذلك لقد صحبته حتى عرفته من أحبَّ ومن أبغض ومن نفى ومن أقرّ ، ومن دعا له ومن دعا عليه .
تعريضاً بالحكم بن أبي العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف ، إذ كان يتجسس على رسول الله ويستهزء به ، وبقي طريداً في أيام أبي بكر وعمر ، ولما ولي عثمان أواه ورده إلى المدينة ، ومعه ابنه مروان فجعله كاتبه وصاحب تدبيره .
وذكر معمر عن الزهري عن أنس قال لم يكن فيهم أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن.
وقال أبو جحيفة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحسين يشبهه.
قال أبو عمر حفظ الحسن بن علي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث ورواها عنه منها حديث الدعاء في القنوت ومنها: ” إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة.
وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه أنه قال في الحسن والحسين : إنهما سيدا شباب أهل الجنة.
وقال : اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما.
أبو حذيفة
أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة خال معاوية واسمه مهشم ، أسلم قبل أن يدخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيت الأرقم بن أبي الأرقم ، وحضر معركة بدر إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وطلب مبارزة أبيه فمنعه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وما لبث أبوه عتبة بن ربيعة أن خرج هو وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة وطلبوا المبارزة ، فخرج لهم ثلاثة شبان من الأنصار ، وهم :
الأول : عوف بن الحارث .
الثاني : مُعوذ بن الحارث .
الثالث : عبد الله بن رواحة .
فقال لهم عتبة : من أنتم ؟ قالوا رهط من الأنصار، قال مالنا بكم من حاجة (ثُمّ نَادَى مُنَادِيهِمْ يَا مُحَمّدُ أَخْرِجْ إلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ وَقُمْ يَا عَلِيّ ، فَلَمّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ قَالُوا : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالَ عُبَيْدَةُ عُبَيْدَةُ وَقَالَ حَمْزَةُ حَمْزَةُ وَقَالَ عَلِيّ : عَلِيّ ، قَالُوا : نَعَمْ أَكْفَاءٌ كِرَامٌ)( ).
لقد علموا أن قتل الأنصاري لا يكون له أثر وصدى في مكة أما قتل المهاجرين من قريش فيحدث أثراً بليغاً في مكة ويمنع المسلمين فيها من الهجرة وعامة الناس من أهل مكة من دخول الإسلام ، ولكن َيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إذ كان في هذا الكلام حتفهم ، فعندما سمع الني محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلامهم قال (قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ وَقُمْ يَا عَلِيّ ، فَلَمّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ قَالُوا : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالَ عُبَيْدَةُ عُبَيْدَةُ وَقَالَ حَمْزَةُ حَمْزَةُ وَقَالَ عَلِيّ : عَلِيّ ، قَالُوا : نَعَمْ أَكْفَاءٌ كِرَامٌ . فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ وَكَانَ أَسَنّ الْقَوْمِ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَبَارَزَ عَلِيّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ . فَأَمّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ وَأَمّا عَلِيّ فَلَمْ يُمْهِلْ الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ كِلَاهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ وَكَرّ حَمْزَةُ وَعَلِيّ بِأَسْيَافِهِمَا عَلَى عُتْبَةَ فَذَفّفَا عَلَيْهِ وَاحْتَمَلَا صَاحِبَهُمَا فَحَازَاهُ إلَى أَصْحَابِهِ)( ).
وفي رواية أن الإمام علي عليه السلام هو الذي قتل الثلاثة ، ولقد انتهت معركة بدر بنصر حاسم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ونزل قوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
لبيان نسبة نصر المسلمين مع قلة عددهم وأسلحتهم ، وخيلهم ، إذ كان عدد المشركين أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين ، أما المؤن والأسلحة فأكثر من هذا الضعف .
أما الخيل فقد كانت عند المشركين مائة فرس ، وعند المسلمين فرس واحدة ، وأثر ومنافع الفرس في القتال يؤمئذ معروفة ، عندما انتهت المعركة أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسحب قتلى المشركين إلى القليب وهي بئر جف ماؤها .
وعندما سحب عتبة بن ربيعة إلى القليب (َنَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – فِيمَا بَلَغَنِي – فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ فَإِذَا هُوَ كَئِيبٌ قَدْ تَغَيّرَ لَوْنُهُ فَقَالَ يَا أَبَا حُذَيْفَةَ لَعَلّك قَدْ دَخَلَك مِنْ شَأْنِ أَبِيك شَيْءٌ ؟ أَوْ كَمَا قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَقَالَ لَا .
وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا شَكَكْتُ فِي أَبِي وَلَا فِي مَصْرَعِهِ كُنْتُ أَعْرِفُ مَنْ أَبِي رَأْيًا وَحِلْمًا وَفَضْلًا .
فَكُنْت أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ ذَلِكَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمّا رَأَيْتُ مَا أَصَابَهُ وَذَكَرْتُ مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ بَعْدَ الّذِي كُنْتُ أَرْجُو لَهُ أَحْزَنَنِي ذَلِكَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِخَيْرٍ وَقَالَ لَهُ خَيْرًا)( ).
وأبو حذيفة من أنصار الإمام علي عليه السلام لذا تقدم وذكره بأنه أحد المحامدة الأربعة .
فبايع الناس الحسن بن علي وأول من بايعه قيس بن سعد الأنصاري وقال له : ابسط يديك ابايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلين .
فقال له الحسن عليه السلام أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله فأنهما يأتيان على كل شرط فبايعه الناس وبقى ما يقرب من ستة اشهر ثم تم صلحه مع معاوية.
وانكر بعضهم على الإمام الحسن الصلح مع معاوية واختلفت صيغ الأنكار واشكاله قال سليمان بن صرد الخزاعي : لا ينقضي تعجبي من بيعتك معاوية ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق .
ودخل بعضهم على الإمام الحسين يستحثه للحيلولة دون اتمام الصلح وكان قد شق عليه تسليم الأمر لمعاوية .
ولكن الإمام الحسن حثه على السكينة والصبر. ودخل معاوية الكوفة سنة إحدى واربعين وخرج الحسن والحسين بحشمهم وأثقالهم فخطب الحسن في مسجد الكوفة فقال : يا أهل الكوفة اتقوا الله في جيرانكم وضيفانكم وفي أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فجعل الناس يبكون ثم تحملوا إلى المدينة ( ).
وما ان وصلوا إلى القادسية حتى لحقهم رسول معاوية يدعوه لقتال الخوارج الذين حلوا بالنخيلة عند الكوفة يريدون معاوية .
فلم يرجع الحسن والحسين .
وكتب الحسن إلى معاوية لو اثرت ان اقاتل احداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك فأني تركتك لصلاح الأمة وحقن دمائها.
ومع ان معاوية لم يف بشروط الصلح والمالية منها ايضاً . إلا انه كان يبالغ احياناً في تكريم الحسنين . أمر لهما يوماً بمائتي ألف درهم وقال :خذاها وانا ابن هند ما اعطاها احداً احد قبلي ولا يعطيها احد بعدي.
فقال الحسين عليه السلام : والله ما أعطى احد قبلك ولا أحد بعدك لرجلين أشرف ولا أفضل منا. وأنكر يزيد يوماً عطاء دفعه ابوه للحسن وهو يقول : يا ابت انه استقبلك بكل مكروه واعطيته فقال يا بني ان الحق والله حقهم واخذناه أفلا نردفهم يا بني على دابتهم التي ركبناها .
وكان معاوية قد أشار بالبيعة إلى يزيد في حياة الحسن وعرض بها ولكنه لم يكشفها ولا عزم عليها إلا بعد موت الحسن.
كبير بني هاشم
كان بنو هاشم يرجعون إلى الحسين ولا يقطعون امراً دونه . كما كان عليه السلام وقاءاً لهم وحرزاً . كتب معاوية إلى مروان وهو عامله على الحجاز يأمره ان يخطب ام كلثوم بنت عبدالله بن جعفر لابنه يزيد .
فأتى عبدالله بن جعفر فأخبره بذلك فقال عبدالله : ان أمرها ليس إلي وانما هو إلى سيدنا الحسين عليه السلام وهو خالها فأخبر الحسين بذلك فقال : استخير الله تعالى : اللهم وفق لهذا الجارية رضاك من آل محمد .
فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اقبل مروان حتى جلس إلى الحسين وعنده من الجلساء وقال: ان معاوية أمره بذلك وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ مع صلح بين هذين الحيين مع قضاء دينه .
فأجاب الحسين عليه السلام : اما قولك مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ .فلعمري لو اردنا ذلك ما عدونا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بناته وأهل بيته. وهي إثنتا عشرة اوقية يكون اربعمائة وثمانين درهماً .
وأما قولك مع قضاء دين ابيها فمتى كان نساؤنا يقضين عنا ديوننا.
(ثم قال بعد كلام : فاشهدوا جميعا اني قد زوجت ام كلثوم بنت عبد الله ابن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على اربعمائة وثمانين درهما وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة ، أو قال ارضى بالعقيق ، وان غلتها في السنة ثمانية آلاف دينار ففيها لها غنى انشاء الله)( ).
وان بني هاشم كغيرهم من المسلمين يعلمون ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : حسين مني وانا من حسين .
عن الصادق عليه السلام : انه جرى بين الإمام الحسين وبين اخيه محمد بن علي بن ابي طالب كلام فكتب محمد إلى الحسين عليه السلام (أما بعد يا أخي فأن ابي وأباك علي . لا تفضلني فيه ولا افضلك . وامك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان من الارض ذهبا ملك امي ما وفت بامك .
فإذا قرأت كتابي هذا فصر الي حتى تترضاني فأنك احق بالفضل مني والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ففعل الحسين عليه السلام ذلك فلم يجر بعد ذلك بينهما شيء)( ).
لبيان تواضع الإمام الحسين وتعاهد الأخوة ، وحرصه على صلة الرحم ، والتقيد بوصية أمير المؤمنين ، قال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ.
كان بنو هاشم لا يتحرجون من الاعلان لاتباعهم وطاعتهم للحسين عليه السلام صغيرهم وكبيرهم .
شهادة الحسن (ع)
لما دخل عبدالله بن عباس على معاوية بعد شهادة الحسَن قال له : يا ابن عباس : مات ابو محمد ؟ قال: نعم رحمه الله وساق الحديث إلى ان قال معاوية فأنت سيد القوم . قال : اما ابو عبدالله الحسين بن علي باق . وسقي الحسن سماً ثم افلت ثم سقي فأفلت ثم سقي الآخرة توفى فيها .
فلما حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف اليه هذا رجل قطع السم امعاءه فقال الحسين : يا أبا محمد أخبرني من سقاك . قال : ولم يا أخي ؟ قال : اقتله والله قبل ان أدفنك ولا أقدر عليه.
أو يكون بأرض اتكلف الشخوص اليه ، فقال : يا أخي انما هذا الدنيا ليال فانية دعه حتى التقي انا وهو عند الله( ) .
وفي رواية ان يكن الذي اظن فالله اشد بأساً واشد تنكيلاً. ولما أراد بنو هاشم دفنه عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتسلحوا وأعترض مروان وقيل غيره .
قيل للحسين : ننشدك الله وصية أخيك فأن القوم لن يدعوك حتى تكون بينكم وبينهم دماء .
فأمر الحسين عليه السلام ان يعدلوا به إلى البقيع وحمل مروان بن الحكم سريره وهو يبكي .
فقال له : الحسين عليه السلام تحمل اليوم جنازته وكنت بالأمس تجرعه الغيظ ؟ قال مروان : نعم : كنت أفعل ذلك بمن يوزن حلمه الجبال .
وروي ابن عساكر ان الحسين عليه السلام وقف على قبر أخيه الحسن عليه السلام لما مات فقال : رحمك الله يا أبا محمد ان كنت لناصراً للحق وتؤثر الله عند مداحض الباطل في مكان التقية بحسن الردية وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين حاذرة وتقبض عليها بيد طاهرة .
وتردع ما يريده اعداؤك بأيسر المؤونة عليك وانت ابن سلالة النبوة ورضيع لبان الحكمة .
فالى روح وريحان وجنة نعيم أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأسى عليه .
وكانت وفاة الحسن عليه السلام سنة تسع واربعين من الهجرة .
الحسين عليه السلام ومعاوية
لما انتقل الإمام الحسَن عليه السلام إلى الرفيق الأعلى تحرك الشيعة بالعراق وقدم وفد منهم إلى الحسين يرأسه المسيب بن نجبة وهم يدعون لخلع معاوية وقالوا : قد علمنا رأيك ورأي اخيك .
فقال :اني لأرجو ان يعطي الله أخي على نيته وان يعطيني على نيتي في حب جهاد الظالمين وامتنع عليهم وذكر ان بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لايجوز نقضه حتى تمضي المدة.
دخل الإمام الحسين عليه السلام على معاوية وعنده أعرابي يسأله حاجة فأمسك وتشاغل بالحسين عليه السلام فقال الأعرابي لبعض من حضر من هذا الذي دخل ؟
قالوا: الحسين بن علي .
فقال الاعرابي للحسين عليه السلام : اسألك يا ابن بنت رسول الله لما كلمته في حاجتي .
فكلمه الحسين في ذلك وقضى حاجته فقال الأعرابي :
أتيت العبشمي فلم يجد لي….. إلى ان هزه ابن الرسول
هو ابن المصطفى كرماً وجوداً …..ومن بطن المطهرة البتول
وان لهاشم فضلاً عليكم …… كما فضل الربيع على المحول
فقال معاوية :يا اعرابي اعطيك وتمدحه ؟ فقال الاعرابي : يا معاوية اعطيتني من حقه وقضيت حاجتي بقوله( ) .
ويروي المؤرخون ان الحسين كان في الجيش الذي غزا القسطنطينية في سنة احدى وخمسين . وكتب اعوان معاوية في المدينة مرة يخبرونه بقدوم الوفود إلى الحسين وكتب مروان إلى معاوية : اني لست آمن ان يكون حسين مرصداً للفتنة واظن ان يومكم من حسين طويلا .
فكتب معاوية إلى الحسين عليه السلام …أما بعد فقد انتهت ألي منك أمور لم أكن اظنك بها رغبة عنها وإن احق الناس بالوفاء لمن اعطى بيعة من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي انزلك الله بها . فلا تنازع إلى قطعيتك واتق الله ولا تردن هذه الأمة في فتنة .
وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ( ).
كتاب الحسين (ع) إلى معاوية
وكتب الحسين عليه السلام إلى معاوية جواباً على كتابه وتهديده : اما بعد …فقد جاءني كتابك تذكر فيه انه انتهيت اليك عني أمور لم تكن تضنني بها رغبة بي عنها وان الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد اليها إلا الله تعالى وأما ما ذكرت أنه رقي اليك عني فأنما رقاه الملاقون المشاءون بالنميمة المفرقون بين الجمع . وكذب الغاوون المارقون ما أردت حرباً ولا خلافاً.
واني لأخشى الله في ذكرك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلين حزب الظالم واعوان الشيطان الرجيم .
ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة جراءة على الله وأستخفافاً بعهده.
أولست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلفت وأبليت وجهه العبادة فقتلته من بعد ما أعطيتهم من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من شغف الجبال.
أولست المدعي زياداً في الإسلام فزعمت أنه ابن أبي سفيان .
وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم سلطته على أهل الاسلام بقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وبصلبهم على جذوع النخل .
سبحان الله يا معاوية لكأنك لسن من هذا الأمة وليسوا منك أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب اليك فيه زياد أنه على دين علي عليه السلام .
ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وآله وسلم الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه .
ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف ابائك تجشم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف أرادة التذكير بقوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
وكيف ان قريشاً كان يرحلون إلى اليمن في الشتاء وإلى الشام في الصيف لجلب البضائع فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم وقلت فيما قلت : لا ترد هذه الأمة في فتنة .
وأني لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها .
وقلت فيما قلت : أنظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد واني والله ما أعرف أفضل من جهادك فأن أفعل فأنه قربة إلى ربي وأن لم أفعله فاستغفر الله لديني وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى .
وقلت فيما قلت : متى تكدني أكدك فكدني يا معاوية فيما بدا لك فلعمري لقديماً يكاد الصالحون وأني لأرجو ان لا تضر الا نفسك ولا تمحق الا عملك فكدني ما بدا لك وأتق الله يا معاوية .
وأعلم ان لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
واعلم ان الله ليس بناس لك قتلك بالظنة واخذك بالتهمة وأمارتك صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ما أراك إلا وقد أوبقت نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعية والسلام ( ) .
فلما قرأ معاوية الكتاب (قال : أن أثرنا بأبي عبد لله إلا أسداً)( ).
قال الكشي ودخل عبدالله بن عمرو بن العاص فقال معاوية أما رأيت ما كتب به الحسين ، قال وما هو .
قال : فأقرأه الكتاب فقال وما يمنعك أن تجيبه بما يصغر اليه نفسه وانما قال ذلك في هوى معاوية .
فقال يزيد رأيت يا أمير المؤمنين رأيي ، فضحك معاوية وقال اما يزيد فقد اشار علي بمثل رأيك .قال عبد لله قد أصاب يزيد.
فقال معاوية اخطأتما ارأيتما لو اني ذهبت لعيب علي محقاً فما عسيت ان اقول فيه ومثلي لا يحسن يعيب بالباطل وما لا يعرف ومتى ما عبت رجلاً بما لا يعرفه الناس لم يحفل به ولا يراه الناس شيئاً وكذبوه ما عسين ان اعيب حسيناً ووالله ما أرى للعيب فيه موضعاً وقد رأيت ان اكتب اليه اتوعده واتهدده ثم رأيت الا أفعل .
مكاتبة بين معاوية والإمام الحسين (ع)
كان معاوية يراقب الحسين عليه السلام ويجعل عليه العيون والرصد وكتب له عينه على الحسين عليه السلام يوماً ان الحسين بن علي أعتق جارية له وتزوجها .
فكتب معاوية إلى الحسين عليه السلام أما بعد فأنه بلغني أنك تزوجت جاريتك وتركت أكفاءك من قريش ممن تستنجيه للولد وتمجد به الصهر فلا لنفسك نظرت ولا لولدك انتقيت .
فكتب اليه الحسين عليه السلام : أما بعد فقد بلغني كتابك وتعيرك اياي فأني تزوجت مولاتي وتركت اكفائي من قريش فليس فوق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منتهى في شرف ولا غاية في نسب وانما ملك يميني خرجت عن يدي بأمر التمست فيه ثواب الله ثم ارتجعتها على سنة نبيه .
وقد رفع الله في الاسلام الخسيسة ووضع عتاب النقيصة فلا لوم على امريء مسلم إلا في أمر مأثم وانما اللوم لوم الجاهلية .فلما قرأ معاوية كتابه نبذ إلى يزيد فقرأه .
وقال لشد ما فخر عليك الحسين عليه السلام ، لبيان موضوعية الإسلام والتقوى في الكفاءة بين الزوجين ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
ويبين مثل هذا الخبر تحامل يزيد على الحسين عليه السلام من أيام معاوية.
قد ورد هذا الخبر في مكاتبة بين عبد الملك بن مروان والإمام علي بن الحسين ، إذ ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (إن علي بن الحسين صلوات الله عليهما تزوج سرية كانت للحسن بن علي عليهما السلام، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فكتب إليه في ذلك كتابا إنك صرت بعل الاماء، فكتب إليه علي بن الحسين عليهما السلام: إن الله رفع بالاسلام الخسيسة، وأتم به الناقصة، وأكرم به من اللؤم، فلا لؤم على مسلم.
إنما اللؤم لؤم الجاهلية، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أنكح عبده ونكح أمته، فلما انتهى الكتاب إلى عبد الملك قال لمن عنده: أخبروني عن رجل إذا أتى ما يضع الناس لم يزده إلا شرفا.
قالوا: ذاك أمير المؤمنين قال: لا والله ما هو ذاك ؟ قالوا: ما نعرف إلا أمير المؤمنين قال: فلا والله ما هو بأمير المؤمنين ولكنه علي بن الحسين)( ).
وركب الإمام الحسين عليه السلام دين فحمل اليه معاوية بعين ابي بنزر مائتي ألف دينار وهي في ينبع.
وكان الإمام علي عليه السلام قد اشتراها واصلحها بيده ثم دعا بصحيفة ودواة فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به عبدالله علي امير المؤمنين تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين ابي بنزر والبغيبغة على فقراء المدينة وابن السبيل لقي الله بهما وجهه من النار يوم القيامة لا تباعا ولا تورثا حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين الا ان يحتاج اليهما الحسن والحسين فهما اطلق لهما ليس لأحد غيرهما .
لذلك ترى الإمام الحسين يأبى بيعهما وقال : انما تصدق بها ابي ليقي الله بها وجهه حر النار .
وكان قد اشترط في صلح الحسن ان يرسل معاوية إلى الحسين بن علي في كل عام ألف ألف درهم . وربما تأخر عنه . لذلك يتعرض الإمام الحسين عليه السلام لقافلة محملة ارسلها إلى معاوية أحد عماله فأخذ منها الإمام عشرة أحمال فيعزلها ويقول : هذا حقي وبقى لي أكثر منه ، فلما بلغ ذلك معاوية كتب اليه :
لَيْسَ بَعْدي لَكَ مَنْ يَحمِلُها … لَيْسَ بَيْنَ المالِ والوَثْبِ عَمَلْ
إنَّما أّحْذَرُ أَنْ تُبْلى بِمَنْ … عُذْرُهُ : قَدْ سَبَقَ السَّيْفُ العَذَلْ)( ).
الحسين سيد قومه
لقد جعل الله عز وجل شأناً ومنزلة رفيعة لأهل البيت عليهم السلام بالتنزيل وبالسنة النبوية ، ولا يختلف اثنان من المسلمين على عظيم منزلة الحسين عليه السلام .
(ولم يكن الحسين كبير بني هاشم فحسب بل كان سيد قومه جمع مع الشجاعة الكرم . كان بينه وبين الوليد بن عتبة منازعة في ضيعة.
فتناول الحسين عليه السلام عمامة الوليد من رأسه وشدها في عنقه وهو يومئذ وال على المدينة . فقال مروان بالله ما رأيت كاليوم جرأة رجل على أميره : فقال الوليد :والله ما قلت هذا غضباً لي ولكنك حسدتني على حلمي عنه . وانما كانت الصنيعة له :فقال الحسين عليه السلام : الضيعة لك يا وليد وقام ( ) .
وقال رجل يوماً للحسين : ان فيك كبراً فقال : كل الكبر لله وحده ولا يكون في غيره قال الله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
أي أن الذي تراه فيّ إنما هو من العزة التي تفضل الله عز وجل بها علينا وليس هو من الكبر والتعالي .
وحج الحسين عليه السلام البيت الحرام قبل موت معاوية بسنتين فجمع بني هاشم ونساءهم ومواليهم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبناءهم والتابعين المعروفين بالصلاة والنسك سرادقه .
وقام الحسين خطيباً فحمد الله واثنى عليه وقال أني اريد ان اسألكم عن أشياء فأن صدقت فصدقوني : وان كذبت فكذبوني .فما ترك الحسين عليه السلام شيئاً انزل الله فيهم من القرآن إلا قاله ونشره ولا شيئاً قاله الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أبيه وأمه وأهل بيته الا رواه .
وقام معاوية باستدعاء مروان بن الحكم فقال له : اشر علي في الحسين .
فقال : أرى ان تخرجه معك إلى الشام ، وتقطعه عن أهل العراق وتقطعهم عنه .
فقال: أردت والله ان تستريح منه . وتبتليني به فإن صبرت عليه صبرت على ما أكره وان اسأت اليه قطعت رحمه . فأقام .
وبعث إلى سعيد بن العاص . فقال له : يا أبا عثمان أشر علي في الحسين . فقال والله أنك والله ما تخاف الحسين إلا على من بعدك وانك لتخلف له قرناً ان صارعه ليصرعنه وان سابقه ليسبقنه فذر الحسين بمنبت النخلة يشرب الماء ويصعد في الهواء ولا يبلغ إلى السماء .
وقال بعض أهل العلم ان الوليد بن عتبة حجب أهل العراق عن الحسين فقال له الحسين عليه السلام : يا ظالماً لنفسه عاصياً لربه علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقي ما جهلته أنت وعمك معاوية ( ).
ومع ذلك كان الإمام الحسين عليه السلام يأبي ان يخرج مع من يطلب منه ذلك من أهل الكوفة .
وقدم منهم قوم على أخيه محمد بن علي يطلبون اليه ان يخرج معهم فأبى.
وجاء إلى الحسين يعرض عليه امرهم . فقال له الحسين ان القوم انما يريدون ان يأكلوا بنا ويستطيلوا بنا ويستنبطوا دماء المسلمين ودمانا .
يزيد ولي للعهد
في سنة ست وخمسين بايع الناس ليزيد بن معاوية بولاية العهد وقيل أول اعلان ذلك كان مكراً ودهاءً وحباً للدنيا من المغيرة بن شعبة الذي سمع ان معاوية يريد ان يعزله عن الكوفة ويستعمل عوضه سعيد بن العاص .
فقال المغيرة الرأي ان اشخص إلى معاوية ليظهر للناس انه يريد استعفاءه لكراهته الولاية .
وفي الطريق إلى الشام قال لأصحابه وهو يقترب من معاوية : ان لم اكسبكم الآن ولاية وأمارة لا ذلك ابداً .
ولما وصل دخل على يزيد وقال له : انه قد ذهب أعيان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله وكبراء قريش وذووا اسنانهم وانما بقى ابناؤهم وانت من افضلهم واحسنهم رأياً واعلمهم بالسنة والسياسة ولا ادري ما يمنع أمير المؤمنين ان يعقد لك البيعة . قال : او ترى ذلك يتم ؟ قال : نعم .
فدخل يزيد على ابيه واخبره بما قال المغيرة فأحضر المغيرة فقال لمعاوية : يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان وفي يزيد منك خلف فأعقد له فأن حدث بك حادث كان كهفاً للناس وخلفاً منك ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة .فقال معاوية : ومن لي بهذا .
قال :اكفيك أهل الكوفة ويكفيك زياد أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين احد يخالفك.
قال له معاوية : فأرجع إلى عملك وتحدث مع من تثق اليه في ذلك وترى ونرى فودعه.
ورجع إلى اصحابه فقالوا : مه . قال : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق ابداً .
وارسل المغيرة من الكوفة عشرة او اكثر واعطاهم ثلاثين ألف درهم وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة وقدموا على معاوية فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها .
فقال معاوية : لا تعجلوا بأظهار هذا وكونوا على رأيكم ثم قال لموسى : بكم اشترى ابوك من هؤلاء دينهم ؟ قال :بثلاثين ألفاً . قال: لقد هان عليهم دينهم ( ) .
الإحتجاج على بيعة يزيد
لقد كتب معاوية إلى الامصار بتقريظ يزيد ووصفه وطلب من عماله ان يدعوا إلى بيعة يزيد وان يوفدوا اليه الوفود من الأمصار .
وقام مروان في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال :ان أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل وقد استخلف ابنه يزيد بعده.
فقام عبد الرحمن بن ابي بكر فقال :كذبت والله يا مروان وكذب معاوية ما الخيار اردتما لأمة محمد ولكنكم تريدون ان تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل ، في إشارة إلى أنهم في بلاد الشام التي كان هرقل فيها.
فقال مروان: هذا الذي انزل الله فيه [وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا] ( ) . الآية .فسمعت عائشة مقالته فقامت من وراء الحجاب وقالت : يا مروان . يا مروان فأنصت الناس واقبل مروان بوجهه فقالت : انت القائل لعبد الرحمن انه نزل فيه القرآن كذبت والله ما هو به ولكنك فضض من لعنة نبي الله .
وقام الإمام الحسين عليه السلام فأنكر ذلك وفعل مثله ابن عمر وابن الزبير ولم تتم بيعة ليزيد في المدينة . وكتب مروان لمعاوية : ان قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك فأنظر رأيك .
فلما بلغ معاوية كتاب مروان عرف ان ذلك من قبله أي أن مروان يميل إلى عدم بيعة يزيد وكأنه يطمع بها لنفسه فعزله عن عمله وولى المدينة سعيد بن العاص .
وكتب معاوية اليه ان يأخذ أهل المدينة بالبيعة ليزيد . اخذاً بغلظة وشدة ولا يدع احداً من المهاجرين والانصار وابنائهم حتى يبايعوا . وامره ان لا يحرك هؤلاء النفر ولا يهيجهم أي الحسين عليه السلام والذين اعترضوا واحتجوا على بيعة يزيد. فأخذ سعيد أهل المدينة بالبيعة اعنف ما يكون من الأخذ واغلظه .
فلم يبايعه احد إلا اليسير فكتب إلى معاوية انك امرتني ان ادعو الناس لبيعة يزيد ، وان اكتب اليك بمن سارع ممن أبطأ واني أخبرك ان الناس عن ذلك بطاء لاسيما أهل البيت من بني هاشم . فأنه لم يجبني منهم احد . وبلغني عنهم ما أكره واما الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الأمر فعبد الله بن الزبير ولست اقوى عليهم الا بالخيل والرجال او تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك والسلام( ).
وكتب معاوية إلى سعيد بن العاص اما بعد فقد اتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من ابطاء الناس عن البيعة ولا سيما بني هاشم . لتشتد عزيمتك ولتصلب شكيمتك وتحسن نيتك وعليك بالرفق وإياك والخرق فان الرفق رشد والخرق نكد .
وانظر حسيناً خاصة . فلا يناله منك مكروه . فأن له قرابة وحقاً عظيماً لا ينكره مسلم ولا مسلمة وهو ليث عرين ولست امنك إن شاورته ان تقوى عليه .
فاما من يرد مع السباع اذا وردت ويكنس اذا كنست فذلك عبدالله بن الزبير فاحذره اشد الحذر . ولا قوة إلا بالله . وانا قادم عليك ان شاء الله . والسلام ( )
دعوة الوفود لبيعة يزيد
لما جاءت وفود الامصار إلى معاوية طلب معاوية من الضحاك بن قيس الفهري ان يدعو إلى بيعة يزيد ويحثه عليها . وقام معاوية خطيباً عندما اجتمعت الوفود عنده فتكلم فعظم أمر الاسلام وحق الخلافة وذكر يزيد وفضله وعرض ببيعته .
فعارضه الضحاك فحمد الله واثنى عليه ثم قال : يا أمير المؤمنين انه لابد للناس من وال وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما احقن للدماء واصلح للدهماء وآمن للسبيل وخيراً في العاقبة .
والأيام عوج رواجع والله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ويزيد ابن امير المؤمنين في حسن هديه وقصد وسيرته على ما علمت وهو من افضلنا علماً وحلماً وأبعدنا رأياً فوله عهدك واجعله لنا علماً بعدك ومفزعاً نلجأ اليه في ظله .
وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من ذلك .
ثم قام يزيد بن المقنع العذري فقال : هذا أمير المؤمنين وأشار إلى معاوية فان هلك فهذا وأشار إلى يزيد ، ومن أبي فهذا وأشار إلى سيفه فقال معاوية : اجلس فأنت سيد الخطباء .
وتكلم من حضر من الوفود : فقال معاوية للأحنف بن قيس وكان حاضراً في وفد البصرة : ما تقول يا أبا حرب ؟
فقال :نخافكم ان صدقنا ونخاف الله ان كذبنا في كلام فقام رجل من أهل الشام فقال :ما ندري ما تقول هذ المعدية العراقية وانما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف ( )
مبايعة يزيد قهراً
لقد أصابت الدهشة الصحابة وأهل البيت من إصرار معاوية على بيعة يزيد ، وفي المقام مسائل :
الأولى : الأصل أن البيعة للحسن عليه السلام ، وهو من بنود الصلح ، ولما دُس السُم للإمام الحسن عليه السلام فأن البيعة تنتقل للحسين عليه السلام .
الثانية : يفتقر يزيد للكفاءة ، وهو غير معروف بالصلاح .
الثالثة : ليس في الإسلام ولاية عهد ، ولا وراثة في الملك ، قال تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.
ليعلن ان أهل الشام يصرون على بيعة يزيد ومستعدون لإجبار الآخرين عليها . وكان معاوية يتلطف المباعد ويعطي المقارب ويجتذب أهل العراق والشام ومصر لبيعة يزيد .
وقدم سعيد بن عثمان على معاوية وشكا اهماله وقال لمعاوية : قدمت عليّ هذا يعني يزيد بن معاوية وبايعت له ووالله لأنا خير منه أباً وأماً ونفساً ولقد اصطنعك أبي ورقاك فولاه حرب خراسان( )
وقام معاوية بحرمان بني هاشم حقهم وجفاهم واعرض عنهم فأتاه بن عباس فقال له : ما بالك جفوتنا ؟ قال معاوية : ان صاحبكم أي الحسين عليه السلام لم يبايع يزيد فلم تنكروا ذلك عليه.
فقال : يا معاوية اني لخليق ان انحاز إلى بعض السواحل فأقيم فيه ثم انطلق بما تعلم حتى ادع الناس كلهم خوارج عليك .قال : يا أبا عباس تعطون وترضون وتزادون .
وذلك لما علم معاوية من بني هاشم اتباعهم وطاعتهم للحسين .
وبعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بعد أن أبى البيعة ليزيد بمائة ألف درهم فردها اليه عبد الرحمن بن أبي بكر وأبي ان يأخذها وقال ابيع ديني بدنياي وخرج إلى مكة ومات بها قبل ان تتم البيعة ليزيد . وهناك من قال ان وفاة عبد الرحمن بن ابي بكر كانت سنة ثلاث وخمسين .
لقاء الحسين (ع) بمعاوية
وفي شهر رجب سنة ست وخمسين توجه معاوية لأداء العمرة عن طريق المدينة فلما لقيه الإمام الحسين بن علي عليه السلام وعبد الله بن عباس قال معاوية : مرحباً بابن بنت رسول الله وابن صنو أبيه ثم انحرف إلى الناس فقال : هذان شيخا بني عبد مناف واقبل عليهما بوجهه وحديثه فرحب وقرب وجعل يواجه هذا مرة ويضاحك هذا اخرى .
استئذان معاوية على عائشة
اقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام . حتى اتى عائشة فأستأذن فأذنت له وحده ولم يدخل عليها ومعه أحد وعندها مولاها ذكوان .
فقالت عائشة : يا معاوية أكنت تأمن أن اقعد لك رجلاً فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر .
فقال معاوية :ماكنت لتفعلي ذلك . لأني في بيت آمن . بيت رسول الله .
وكان قد بلغها انه ذكر الحسين وأصحابه . فقالت له بلغني انك تهددهم بالقتل فقال : يا أم المؤمنين هم أعز من ذلك ، ولكني بايعت ليزيد وبايعه غيرهم أفترين ان انقض بيعة قد تمت .
قالت : إتق الله في هؤلاء الرهط ولا تعجل فيهم فلعلهم لا يصنعون إلا ما أحببت فلما قام معاوية .
قالت عائشة يا معاوية قتلت حِجر وأصحابه العابدين المجتهدين ) قال :دعي هذا . كيف انا في الذي بيني وبينك في حوائجك ؟ قالت صالح قال : فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا .
وفي رواية انه قال : انما قتلهم الذين شهدوا عليهم .
معاوية في المدينة لبيعة يزيد
فلما كان صبيحة اليوم الثاني أمر بفراش فوضع له . وسويت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله . وقعد على سريره واجلس كتاب منه بحيث يسمعون ما يأمر به وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وان قرب ثم أرسل إلى الحسين بن علي عليه السلام وعبدالله بن عباس , فسبق ابن عباس فسلم واقعده في الفراش عن يساره واخذ معاوية يحادثه في ذكر الاعمار على اختلاف الغرائز والطبائع .
حتى أقبل الإمام الحسين عليه السلام فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه فدخل الحسين فسلم فأجلس على يمينه مكان الوسادة فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم فأخبره.
ثم قال معاوية : اما بعد فالحمد الله ولي النعم ومنزل النقم واشهد ان لا إله إلا لله المتعالي عما يقول الملحدون علواً كبيراً وان محمداً عبده المختص المبعوث إلى الجن والأنس كافة لينذرهم بقرآن لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فأدى عن الله وصدع بأمره وصبر على الأذى في جنبه حتى وضح دين الله وعز اولياؤه وقمع المشركون .
وظهر أمر الله وهم كارهون فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بذل له واختار من الترك ما سخر له زهاده واختياراً لله وانفة وإقتداراً على الصبر بغياً لما يدوم ويبقى فهذه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ان قال وما اعلم منه فوق ما تعلمان وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم اليه وإلى تجويزه .
وقد علم الله ما أحاول به في أمر الرعية . من سد الخلل ولم الصدع بولاية يزيد بما ايقظ العين واحمد الفعل هذا معناي في يزيد وفيكما أفضل القرابة وحظوة العلم وكمال المروءة . وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة . ما اعياني مثله عندكما .وعند غيركما من علمه بالسنة وقراءة القرآن والحلم الذي يرجع بالصم الصلاب .
وقد علمنا ان الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدم على الصديق والفاروق ومن دونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سنة مذكورة .
فقادهم الرجل يريد عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل من مشارف الشام وهي قبل فتح مكة إذ كان أبو بكر وعمر تحت أمرته بأمره وجمع بهم صلاتهم وحفظ عليهم فيأهم وقال فلم يقل معه وفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسوة حسنة .
فمهلاً ابني عبد المطلب . فأنا وانتم شعباً نفع وجد . وما زلت ارجو الانصاف في اجتماعكما فما قول القائل الا بفضل قولكما . فردا على رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما . واستغفر الله لي ولكما ( ) .
خطبة الحسين بحضور معاوية
تهيأ ابن عباس للكلام فأشار اليه الحسين عليه السلام وقال : على رسلك فأنا المراد ونصيبي في التهمة أوفر فأمسك ابن عباس فقام الحسين فحمد الله وصلى على الرسول ثم قال اما بعد يا معاوية : فلن يؤدي القائل وان اطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من جميع جزءاً . وقد فهمت ما ليس به الخلف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ايجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ النعت .
وهيهات يا معاوية : فضح الصبح فحمة الدجى وبهرت الشمس انوار السرج ولقد فضلت حتى أفرطت وأستأثرت حتى أجحفت ومنعت حتى محلت وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حق من اسم حق بنصيب حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ونصيبه الأكمل .
وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد تريد ان توهم الناس في يزيد كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص .
وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش والحمام السبق لأترابهن .
والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده باصراً .
ودفع عنك ما تحاول فما اغناك ان تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما انت لاقيه فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص .
ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر ومنعتنا عن آبائنا تراثاً ولقد – لعمر الله – اورثنا رسول الله عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت لنا بها أما حججتم به القائم عند موت رسول الله فأذعن للحجة بذلك ورده الايمان إلى النصف .
فركبتم الاعاليل وفعلتم الافاعيل وقلتم كان ويكون حتى اتاك الامر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فهناك فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ.
وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأميره له وقد كان لذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له وما صار – لعمر الله – يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته وكرهوا تقديمه وعدوا عليه افعاله .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري فكيف نحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام واولاها بالمجمع عليه من الصواب ام كيف صاحبت بصاحب تابعاً . وحولك من لا يؤمن في صحبه ولا يعتمد في دينه وقرابته وتتخطاهم إلى مسرف مفتون . وتريد ان تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها في آخرتك ان هذا لهو الخسران المبين . واستغفر الله لي ولكم( ).
فنظر معاوية إلى ابن عباس وقال : ما هذا يا ابن عباس ؟
ولما عندك أدهى وأمر .
فقال ابن عباس : لعمر الله انها لذرية الرسول واحد أصحاب الكساء وفي البيت المطهر فسأله عما تريد فأن لك في الناس مقنعاً حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين .
رضا معاوية بامتناع الحسين عن بيعة يزيد
فقال معاوية : أعود الحلم التحلم وخيره التحلم عن الأهل انصرفا بحفظ الله ثم ارسل معاوية إلى عبد الله بن عمر وإلى عبد لله بن الزبير وحذرهم وقال : ان أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم . وأجاب كل منهم بأنكار بيعة يزيد وفي رواية عن عبد الرحمن ابن أبي بكر كان معهم ثم أمرهم بالانصراف .
واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج ثم خرج فأمر المنادي في الناس ان يجتمعوا لأمر جامع فأجتمع الناس في المسجد وقعد هؤلاء حول المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر يزيد ومدحه ثم قال : يا أهل المدينة لقد هممت ببيعة يزيد وما تركت قرية ولا مدرة الا بعثت اليها في بيعته .
فبايع الناس جميعاً وسلموا واخرت المدينة بيعته وقلت بيضته وأصله ومن لا أخافهم عليه وكان الذين أبوا البيعة منهم من كانوا أجدر ان يصله ووالله لو علمت مكان احد خير للمسلمين من يزيد لبايعت له ( ) .
قال معاوية ذلك في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث المهاجرين والانصار وخامس أهل الكساء . فقام الحسين عليه السلام وقال : والله لقد تركت من هو خير منه اباً واماً ونفساً ؟
فقال معاوية : كأنك تريد نفسك ؟
فقال الحسين عليه السلام : نعم أصلحك الله (فقال معاوية: إذا أخبرك، أما قولك: خير منه أما، فلعمري: أمك خير من أمه، ولو لم تكن إلا أنها امرأة من قريش لكان لنساء قريش فضلهن، فكيف وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ثم فاطمة في دينها وسابقتها، فأمك لعمر الله خير من أمه.
وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله، فقضى لابيه على أبيك .
فقال الحسين : حسبك جهلك، آثرت العاجل على الآجل. فقال معاوية: وأما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفسا، فيزيد والله خير لامة محمد منك.
فقال الحسين : هذا هو الافك والزور، يزيد شارب الخمر، ومشتري اللهو خير مني ؟ فقال معاوية: مهلا عن شتم ابن عمك، فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك)( ).
ثم التفت معاوية إلى الناس وخاطبهم وقال : رأيت ان ابايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف .
وذكر ان عبد الله بن الزبير قام إلى معاوية وقال : ان شئت ان تدع الناس على ما تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيختارون لأنفسهم وان شئت ان تستخلف من قريش كما استخلف ابو بكر وان شئت ان تصنع مثل ما صنع عمر تختار رهطاً من المسلمين وتزويها عن ابنك فافعل.
بيعة بالإكراه
فنزل معاوية عن المنبر وانصرف إلى منزله وأمر من حرسه وشرطته قوماً ان يحضروا هؤلاء النفر الذين أبو البيعة وهم الحسين بن علي عليه السلام وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن ابي بكر واوصاهم معاوية لما حضروا فقال : احببت ان اتقدم اليكم انه قد اعذر من أنذر اني كنت أخطب فيكم فيقوم القائم إلي منكم فيكذبني على رؤوس الناس فأصفح وإني قائل بمقالة .
فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع اليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه فلا يبقن رجل إلا على نفسه ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال : اقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف فأن ذهب رجل منهم يرد على كلمة بتصديق او تكذيب فليضرباه بسيفيهما.
ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال : ان هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبتز أمر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم وأنهم رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله فبايع الناس وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر .
قال ابن قتيبة (فلما كان العشي، خرج معاوية، وخرج معه هؤلاء النفر، وهو يضاحكهم، ويحدثهم، وقد ألبسهم الحلل.
فألبس ابن عمر حلة حمراء.
وألبس الحسين حلة صفراء.
وألبس عبد الله بن عباس حلة خضراء.
وألبس ابن الزبير حلة يمانية. ثم خرج بينهم، وأظهر لاهل الشام الرضا عنهم : أي القوم، وأنهم بايعوا)( ).
(ثم ركب رواحله وانصرف إلى المدينة، فلقي الناس أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا تبايعون فلم أرضيتم وأعطيتم وبايعتم؟ قالوا: والله ما فعلنا. فقالوا: ما منعكم أن تردوا على الرجل؟ قالوا: كادنا وخفنا القتل)( ).
وقال :بعضهم انه لم تتم بيعة في ساعتها من أهل المدينة . وانما فعل كل ذلك بعد ان قال إني خارج العشية إلى أهل الشام فاخبرهم ان هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا .
وان معاوية : قال على المنبر يا أهل الشام ان هؤلاء النفر قد دعاهم أمير المؤمنين فوجدهم واصلين مطيعين والقوم سكوت لم يتكلموا شيئاً حذر القتل فوثب اناس من أهل الشام فقالوا : يا أمير المؤمنين ان كان رابك منهم ريب . فحل بيننا وبينهم . حتى نضرب أعناقهم متجاهلين بجفاء عظيم منزلتهم ووضوح حقهم ودليل حجتهم ، وأنهم في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال معاوية : سبحان الله ما أحل دماء قريش عندكم يا أهل الشام . لا أسمع لهم ذاكراً بسوء فأنهم قد بايعوا وسلموا وارتضوني فرضيت عنهم رضى الله عنهم .
ثم ارتحل معاوية إلى مكة وقال بعض المؤرخين ان ذلك وقع في مكة التي لجأ اليها الحسين عليه السلام وابن الزبير حال دخول معاوية المدينة ، والأصح أنه وقع في المدينة .
وضيق معاوية على أهل المدينة في معايشهم كما يظهر حينما دخل نفر من قريش والانصار فيما بعد على عامل يزيد وكلموه في أموال الحرة وقالوا : قد علمت ان هذه الأموال كلها لنا.
وان معاوية آثر علينا في عطائنا . ولم يعطنا قط درهماً فما فوقه ، حتى مضنا الزمان . ونالتنا المجاعة . فأشتراها منا بجزء من مئة من ثمنها( ).
يزيد بن معاوية
ولد يزيد بن معاوية في (25) من ذي الحجة من السنة (26) للهجرة أيام عثمان بن عفان .
وأمه ميسون بنت مجدل الكلبية ، التي طلقها معاوية وهي حامل بيزيد.
وبالإسناد (محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عتبة بن أبي سفيان عن أبيه قال جلست ميسون بنت بحدل الكلبية ترجل ابنها يزيد بن معاوية وميسون يومئذ مطلقة ومعاوية وفاخته بنت قرظة (وكانت حظية عنده) ينظران إليها ويزيد وأمه لا يعلمان فلما فرغت من ترجيله نظرت إليه فأعجبها وقبلت بين عينيه.
فقال معاوية بيتا من شعر:
إذا مات لم تفلح مزينة بعده … فنوطي عليه يا مزين التمائما
قال ومضى يزيد فأتبعته فاختة بصرها وقالت لعن الله سواد ساقي أمك فقال معاوية أقد رأيتها أما والله على ذلك لما فرجت عنه وركاها خير مما تفرجت عنه وركاك وكان لمعاوية من بنت قرظة عبد الله وكان أحمق الناس)( ).
ولم يسمع يزيد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأحاديث النبوية التي تدل على عصمة الحسين وعظيم منزلته في الإسلام ولزوم حبه وعدم معاداته ، ولكنه لابد وأن سمعها من الصحابة إذ أنها متواترة.
وفي اليوم الخامس عشر من شهر رجب من السنة الستين من الهجرة تولى يزيد الحكم بعد أبيه معاوية الذي هو بالأصل من الطلقاء ، وعمر يزيد آنذاك (34) سنة.
مع وجود الصحابة وأهل البيت، وعدم الأهلية الشخصية له ، وإصراره على أخذ البيعة من الحسين.
ودام حكم يزيد ثلاث سنوات ، قتلوا فيها الحسين عليه السلام واستباح المدينة المنورة ثلاثة أيام في واقعة الحرة سنة 63 للهجرة ، وحاصر المدينة اثناء ثورة عبد الله بن الزبير ، وضرب جيشه الكعبة الشريفة بالمنجنيق .
قال ابن الأثير : ولم يكن ليزيد همة إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية بيعته، فكتب إلى الوليد( ) يخبره بموت معاوية، وكتاباً آخر صغيراً فيه: أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا، والسلام.
فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه وبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه. وكان مروان عاملاً على المدينة من قبل الوليد، فلما قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارهاً .
فلما رأى الوليد ذلك منه شتمه عند جلسائه، فبلغ ذلك مروان فانقطع عنه ولم يزل مصارماً له حتى جاء نعي معاوية، فلما عظم على الوليد هلاكه وما أمر به من بيعة هؤلاء النفر، استدعى مروان فلما قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه، واستشاره الوليد كيف يصنع( ).
قال : أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، أما ابن عمر فلا يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفواً.
فأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو غلامٌ حدثٌ، إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما، فوجدهما في المسجد وهما جالسان، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال: أجيبا الأمير. فقالا: انصرف، الآن نأتيه. وقال ابن الزبير للحسين: ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها؟
فقال الحسين: أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر. فقال: وأنا ما أظن غيره، فما تريد أن تصنع.
قال الحسين: أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب وأدخل عليه. قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت. قال: لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع( ).
ويعلم مروان أن كلامه ليس صحيحاً ، ولكنه يريد الفتنة.
لقد مات معاوية في شهر رجب من السنة الستين للهجرة (كتب يزيد في أول شعبان إلى الوليد يأمره بأخذ البيعة على أهلها وخاصة على الحسين ويقول إن امتنع عليك فاضرب عنقه و ابعث برأسه إلي فأحضر مروان بن الحكم وأخذ رأيه فأشار بإحضار الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن مطيع وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر و أخذ بيعتهم فإن أجابوا وإلا فاضرب أعناقهم .
فقال الوليد ليتني لم أك شيئا مذكورا لقد أمرتني بأمر عظيم وما كنت لأفعل.
ثم بعث الوليد إليهم فلما حضر رسوله قال الحسين للجماعة أظن أن طاغيتهم هلك رأيت البارحة أن منبر معاوية منكوس و داره تشتعل بالنيران)( ).
قال ابن الزبير فما تريد أن تصنع قال الحسين عليه السلام ثقة بعلمه وعزمه على أن لا يأتيه إلا وهو قادر على التصرف في الموقف مع كثرة أعوانه وحضورهم .
خطبة الحسين لأرينب بنت إسحاق
طلق عبد الله بن عامر زوجته أرينب بنت اسحاق وقيل أسمها زينب وكانت (مثلاً بين أهل زمانها في جمالها وتمام كمالها وشرفها وكثرة مالها)( ).
واشهد ابا الدرداء وابا هريرة على طلاقها ، طلقها بخدعة ، إذ اغروه بالزواج من هند بنت معاوية . ولما انقضت اقراؤها وجه معاوية ابا الدرداء خاطبا لها على ابنه يزيد .
فقال ابو الدرداء مما ينبغي لذي الحجا والمعرفة والتقى ان يبدأ بالحسين عليه السلام ويؤثره على مهم امره . لما يلزمه حقه ويجب عليه حفظه وهذا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب اهل الجنة يوم القيامة فلست بناظر في شيء قبل الإلمام به والدخول عليه والنظر إلى وجهه الكريم وأداء حقه والتسليم عليه ثم استقبل بعد ان شاء الله ما جئت له . فأتى الحسين عليه السلام .
فلما رآه الحسين قام اليه فصافحه اجلالاً له ومعرفته لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وموضعه .
ثم قال الحسين عليه السلام : مرحباً بصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجليسه يا أبا الدرداء احدثت لي رؤيتك شوقاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واوقدت مطلقات أحزاني عليه .
فأني لم أر منذ فارقته احداً كان له جليساً واليه حبيباً . الا هملت عيناي واحرقت كبدي أسى عليه وصبابة اليه ، لبيان إجتهاد الإمام الحسين في استحضار ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخباره وسنته .
ففاضت عينا أبي الدرداء لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : جزى الله لبانة – أي الحاجة والغرض – اقدمتنا عليك وجمعتنا بك ثم قال وجهني معاوية خاطباً على ابنه يزيد لزينب (أرينب) بنت اسحاق . فرأيت ان لا ابدأ بشيء قبل احداث العهد بك والتسليم عليك فشكر له الحسين عليه السلام ذلك .
وقال : لقد كنت ذكرت نكاحها وأردت الإرسال اليها بعد انقضاء اقرائها .
فلم يمنعني من ذلك الا تخيير مثلك فقد أتى الله بك فأخطب رحمك الله علي وعليه فلتختر من اختاره الله لها وأنها امانة في عنقك حتى تؤديها اليها وأعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه .
فقال أبو الدرداء : افعل ان شاء الله . فلما دخل عليها قال لها أيتها المرأة ان الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته فجعل لكل شيء قدراً .
ولكل قدر سبباً فليس لأحد عن قدر الله مستحاص ولا عن الخروج علمه مستناص فكان مما سبق لك وقدر عليك . الذي كان من فراق عبد الله بن عامر اياك ولعل ذلك لا يضر وان يجعل الله لك فيه خيراً كثيراً .
وقد خطبك أمير هذا الأمة وابن الملك وولي عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية .
وخطبك ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن أول من آمن به من آمته وسيد شباب أهل الجنة وقد بلغك سناهما وفضلهما . وجئتك خاطباً عليهما . فاختاري أيهما شئت ؟ فسكتت طويلاً .
قالت : أختر لي أرضاهما لديك . والله شهيد عليك . واقض فيه قضاء ذي التحري المتقي ولا يصدنك عن ذلك اتباع هوى فليس أمرهما عليك خفياً وما أنت عما طوقتك عمياً .
اختيار الحسين (ع) زوجاً
فقال أبو الدرداء : أيتها المرأة إنما علي إعلامك وعليك الإختيار لنفسك.
قالت : لا يمنعك رهبة أحد من قول الحق . فقد وجب عليك اداء الأمانة فيما حملتك . والله خير من روعي وخيف انه بنا خبير لطيف .
قال : بنية ، ابن رسول الله احب الي وأرضاهما عندي ، والله اعلم بخيرهما لك وقد كنت رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضعهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قالت : قد اخترته ورضيته .
فاستنكحها الحسين بن علي عليه السلام وساق اليها مهراً عظيماً . فبلغ معاوية ذلك فتعاظمه كثيراً ولام ابا الدرداء لوماً شديداً .
(من يرسل ذا بلاهة وعمى … يركب في أمره خلاف ما يهوى
ورأيى كان من رأيه أسوأ … ولقد كنا بالملامة منه أولى
حين بعثناه ، ولحاجتنا انتخلناه)( ).
اما عبد الله بن عامر فقد رفضته ابنة معاوية وقالت انه غير ملائم ولا موافق لما تريد لنفسها.
وعلم عبد الله بن عامر انه قد خدع . وذاع امره في الناس وشاع ونقلوه إلى الأمصار ، وتحدثوا به في الاسمار وقالوا : خدعه معاوية حتى طلق امرأته وإنما أرادها لابنه . فبئس من استرعاه الله أمر عباده . ومكنه في بلاده واشركه في سلطانه. وغضب معاوية على عبد الله بن عامر وقطع جميع روافده عنه لسوء قوله فيه . ولام عبدالله بن عامر نفسه على المقام لديه .
طلاق الحسين (ع) لأرينب
وأشتدت حاجة عبد الله بن عامر ، وذكر ماله الذي استودعه عند أرينب ، وهو بدرات أي صرات مملوءه دراً وجواهر ، وهو أعظم ماله ، وأحبه إليه ، فخرج من الشام وذهب إلى الإمام الحسين عليه السلام ، (فسلم عليه ثم قال : قد علمت جعلت فداك الذي كان من قضاء الله في طلاق أرينب بنت إسحاق .
وكنت قبل فراقي إياها قد استودعتها مالا عظيما درا وكان الذي كان ولم أقبضه، ووالله ما أنكرت منها في طول ما صحبتها فتيلا.
ولا أظن بها إلا جميلا ، فذكرها أمري ، واحضضها على الرد على.
فإن الله يحسن عليك ذكرك ، ويجزل به أجرك ، فسكت عنه .
فلما انصرف الحسين إلى أهله قال لها : قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن الثناء عليك، ويحمل النشر عنك ، في حسن صحبتك ، وما أنسه قديما من أمانتك فسرني ذلك وأعجبني، وذكر أنه كان استودعك مالا قبل فراقه إياك، فأدى إليه أمانته ، وردى عليه ماله ، فإنه لم يقل إلا صدقا ، ولم يطلب إلا حقا .
قالت : صدق قد والله استودعني مالا لا أدري ما هو ، وإنه لمطبوع عليه بطابعه ما أخذ منه شئ إلى يومه هذا ، فأثنى عليها الحسين خيرا، وقال : بل أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه إليك)( ).
مما يدل على أن الحسين عليه السلام لم يسأل زوجته عما عندها من المال ، ولم يأخذ من أزواجه مالاً ، واستلم عبد الله بن عمر البدرات كما هي من غير أن تفتحها .
واعاد عليه الحسين زوجته قائلاً : اشهد الله انها طالق اللهم إنك تعلم اني لم استنكحها رغبة في مالها ولا جمالها . ولكني أردت إحلالها لبعلها.
وثوابك على ما عالجته في أمرها . فأوجب لي بذلك الأجر . واجزل لي عليه الذخر إنك على كل شيء قدير .
ولم يأخذ مما ساق إليها في مهرها قليلاً ولا كثيراً .
وقال : الذي أرجو عليه من الثواب خير لي منه فتزوجها عبد الله قال ابن قتيبة : وعاشا متحابين متصافين حتى قبضهما الله وحرمها الله على يزيد والحمد لله رب العالمين( ).
ومرة يلقى الحسين عليه السلام معاوية بمكة عند ردم بني جمح فأخذ بخطام راحلته فأناخ به ثم ساره طويلاً وأنصرف فزجر معاوية راحلته . فقال له يزيد : لا يزال رجل قد عرض لك فأناخ لك ؟قال دعه لعلها يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله( ).
خطبة الحسين (ع) في بني هاشم
وحج الحسين عليه السلام البيت الحرام قبل موت معاوية بسنتين فجمع بني هاشم ونساءهم ومواليهم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين المعروفين بالصلاة والنسك في سرادقه .
وقام الحسين عليه السلام خطيباً فحمد الله واثنى عليه وقال اريد ان أسألكم عن اشياء فان صدقت فصدقوني . وان كذبت فكذبوني .
فما ترك الحسين شيئا انزل الله فيهم من القرآن الا قال ونشر وكان الحسين عليه السلام يلتزم الحجر الاسود ويقول : الهي نعمتني فلم تجدني شاكراً وابتليتني فلم تجدني صابراً فلا انت سلبت النعمة بترك الشكر ولا أدمت الشدة بترك الصبر الهي ما يكون من الكريم الا الكريم .
ولم ينقطع الحسين عليه السلام عن وعظ الناس وحثهم على طريق الخير وأتباع سبيل الهدى وقال عليه السلام في خطبة خطبها : أيها الناس نافسوا في المكارم وسارعوا في المغانم واكتسبوا الحمد بالمنح واعلموا ان المعروف يكسب حمداً ويعقب اجراً من جاد ساد ومن بخل ذل .
وان أجود الناس من أعطى من لا يرجوه وأعف الناس من عفا عن قدرة واوصل الناس من وصل من قطعه ومن احسن احسن اليه والله يحب المحسنين .
لقد كانت سيرة الحسين عليه السلام وأقوآله وحكمه ومواعظه توكيدا ومصداقاً لآية التطهير التي نزلت بحق أهل البيت
حديث الثقلين
عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فأنظروا كيف تخلفوني فيهما( )
وحديث الثقلين حديث متواتر رواه أكثر من عشرين صحابياً كوثيقة وآية محكمة غير منسوخة تجعل من أهل البيت رديفاً للقرآن ودليلاً اليه وسبيل هدى ونوراً ينتشر في الارض ورحمة ونعمة ، كان الحسين عليه السلام فيها مباركاً وهادياً مهدياً .
والحديث المتواتر على قسمين :
الأول : المتواتر اللفظي ، وهو ما تواتر لفظه ومعناه .
الثاني : المتوتر المعنوي ، وهو ما تواتر معناه دون لفظه ، ومنه أحاديث رفع اليدين .
ومن سوى المتواتر هو حديث الآحاد الذي يرويه في احدى طبقاته فرد واحد ، ومنه الصحيح والحسن والموفق والضعيف ، وقد بينته تفصيلاً في كتابي (معراج الأصول) وهو تقريرات بحثي الخارج .
وحديث الثقلين من المتواتر اللفظي .
((في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته بغَدِير خُمّ: “إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض
ومن مصاديق الثقلين استمرار أهل البيت عليهم السلام على ذات نهج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الزهد والتقوى وفيه شواهد كثيرة)( ).
لقد أصبح المسلمون في عز وكفاية من جهة عقيدة التوحيد وأحكام الشريعة ، وفقاهة العلماء في الدين ، والمعرفة الإجمالية للحياة في عالم البرزخ ، وأهوال يوم القيامة ، قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا… .
ولقد أحاط النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل البيت عامة والحسن والحسين خاصة بعناية وتأديب وإصلاح لمقام الإمامة.
و(عن عبد الله بن العباس، قال لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته، فقيل له يا رسول الله، ما يبكيك فقال أبكي لذريتي، و ما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي، كأني بفاطمة ابنتي و قد ظلمت بعدي و هي تنادي يا أبتاه، يا أبتاه فلا يعينها أحد من أمتي.
فسمعت ذلك فاطمة عليها السلام فبكت ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله لا تبكين. يا بنية. فقالت لست أبكي لما يصنع بي من بعدك.
ولكن أبكي لفراقك، يا رسول الله. فقال لها أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي، فإنك أول من يلحق بي من أهل بيتي)( ).
وصية معاوية لابنه
ولما مرض معاوية المرض الذي مات فيه دعا ابنه يزيد فقال : يا بني أني قد كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد فأنظر أهل الحجاز فأنهم أصلك وأكرم من قدر عليك منهم وتعاهد من غاب .
وأنظر أهل العراق فأن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فأفعل فأن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف .
وأنظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك فان رابك من عدوك شيء فانتصر بهم فاذا أصبتهم فأردد أهل الشام إلى بلادهم فأنهم أن قاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم .
وأني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر الا أربعة نفر من قريش . الحسين بن علي . وعبدالله بن عمر. وعبدالله بن الزبير .
فأما الحسين بن علي فهو رجل لن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه فأن خرج وظفرت به فأصفح عنه فان له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من محمد صلى الله عليه وآله وسلم( ) .
وخطب معاوية الناس قال : أني كزرع مستحصد وقد طالت أمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ولن يأتيكم بعدي الا من أنا خير منه كما أن من قبلي كان خيراً مني .
وبلغه أن قوماً يفرحون بموته وكان في مرضه ربما أختلط في بعض الأوقات فقال مرة :كم بيننا وبين الغوطة فصاحت بنته وأحزناه .
ومات معاوية بدمشق في رجب سنة ستين .وكان ملكه منذ صالحه الحسن عليه السلام تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر .
وذكروا أن نافع بن جبير قال : إني بالشام يوم موت معاوية ويزيد كان غائباً .وأستخلف معاوية الضحاك بن قيس بعده حتى يقدم يزيد وكانوا قد كتبوا له يومئذ بحوران لما اشتد بمعاوية المرض .
ولما دفن معاوية أرسل الضحاك البريد إلى يزيد يعزيه بأبيه ويطلب منه الإسراع في القدوم . ووصل يزيد دمشق بعد ثلاثة أيام من دفن معاوية ورقي المنبر وقال : كان معاوية عبداً من عبيد الله أنعم الله عليه ثم قبضه اليه وهو خير من الذي بعده ودون من قبله.
ولا أزكيه على الله عز وجل فأنه أعلم به ان عفا عنه فبرحمته وان عاقبه فبذنبه .
وقد وليت الأمر من بعده ولست أس على طلب ولا أعتذر من تفريط واذا أراد الله شيئاً كان ، ولقد كان معاوية يغزوكم في البحر واني لست حاملاً احداً من المسلمين في البحر وكان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتياً أحداً بأرض الروم كان يخرج عطاءكم أثلاثاً أجمعه لكم( ).
وأقبل الناس يهنونه ويعزونه فقال يزيد : أبشروا يا أهل الشام فأن الخير لم يزل فيكم .
وستكون بيني وبين أهل العراق ملحمة وذلك اني رأيت في منامي . منذ ثلاث ليال كأن بيني وبين أهل العراق نهراً يطرد بالدم جرياً شديداً وجعلت أجهد نفسي لأجوزه فلم أقدر حتى أجازه بين يدي عبيد الله بين زياد وأنا أنظر اليه .
فصاح أهل الشام أمض بنا حيث شئت معك سيوفنا التي عرفها أهل العراق في صفين ففرق فيهم أموالاً جزيلة . وكتب يزيد إلى الأمصار بوفاة معاوية وأخذ البيعة له و عمر يزيد آنذاك أربع وثلاثون سنة .
وكتب يزيد إلى واليه في المدينة ليكون أول من يبايعك من قومنا وأهلنا : الحسين . وعبد لله بن عمر . وعبد لله بن عباس . وعبد لله بن الزبير وعبد لله بن جعفر .ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة . ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها . وجزية رقيقهم وطلاق نسائهم بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم . ولا قوة الا بالله . والسلام ( )
وهذا التشديد غير المسبوق في البيعة باعث للنفرة والتحدي .
تولية عمرو بن سعيد على المدينة
وقدم عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس والياً على المدينة . وجده قتل يوم بدر كافراً قتله علي بن ابي طالب عليه السلام ( )
ويحتمل تبديل يزيد لوالي المدينة وجوهاً :
الأول : تبديل وتدوير يزيد بن معاوية لأمراء الأمصار في أول أيام حكمه بعد أخذ البيعة له من الناس .
الثاني : تبديل خصوص والي المدينة .
الثالث : تبديل بعض ولاة الأمصار .
والمختار هو الثالث إلا أن تنصيب عمرو بن سعيد على المدينة بقصد أخذ البيعة بغلظة من الإمام الحسين عليه السلام خاصة مع علمه بعجز معاوية عن أخذها منه ليزيد .
ولما استوى عمرو على المنبر( ) . رعف فقال أعرابي مستقبله : مه مه جاءنا والله بالدم فتلقاه رجل بعمامته فقال :مه عم والله الناس ثم قام يخطب فناوله آخر عصا لها شعبتان فقال : مه شعب والله الناس .
وعن ابن ابي زريق مولى معاوية يقول : لما هلك معاوية بعثني يزيد إلى الوليد بن عتبة ولم يكن بسيرته بأس .
وكتب اليه بموت معاوية وأن يبعث إلى هؤلاء الرهط فيأخذهم بالبيعة .
وقدمت المدينة ليلاً فأستأذنت على الوليد فلما قرأ كتاب يزيد بموت معاوية جزع جزعاً شديداً وجعل يقوم ويرمي بنفسه على فراشه .
إحضار بني هاشم
قام الإمام الحسين عليه السلام فجمع إليه أصحابه وبني هاشم ومواليه ثم أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه : أني داخل فاذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فأدخلوا بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج اليكم.
فلما رآى الإمام الحسين عليه السلام مروان عنده قال : الصلح خير من القطيعة والصلح خير من الفساد وقد أن لكما أن تجتمعا) لما كان من الجفاء والقطيعة بين الوليد ومروان .
وكان الإمام عليه قميص قوهي وأزار مصبوغ بزعفران وهو يطلق ازاره فلما جلس أقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة فأسترجع الحسين.
وقال : أما البيعة فان مثلي لا يبايع سراً ولا يجتزيء بها مني سراً فاذا خرجت إلى الناس ودعوتهم إلى البيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً . فقال الوليد وكان يحب العافية : أنصرف وقيل كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه فقال الوليد : أن هجنا بأبي عبدالله الا أسداً .
فقال له مروان : لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه أحبسه فأن بايع ولا ضربت عنقه فوثب عند ذلك الحسين وقال : يا أبن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمت ثم خرج وكان الوليد يأبي أن يكون أداة تنفيذ لما يحاك ضد الحسين وهو غني عن ذلك .
فقال مروان للوليد : عصيتني لا والله لا يمكنك من نفسه بمثلها أبداً . فقال الوليد ويح غيرك يا مروان والله ما أحب ان لي ما أطلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسيناً ، والله أني لا أظن أن امرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عبدالله .
يوم القيامة .قال مروان : قد أصبت .
ولما صار الوليد إلى منزله قالت له أمرأته أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أسببت حسيناً ؟ قال هو بدأ فسبني . قالت : وان سبك حسين تسبه وان سب أباك تسب أباه ؟ فقال :لا.
وروي ان الحسين عليه السلام لما وثب وخرج خرج معه ابن الزبير وهو يقول هو يزيد الذي نعرف والله ما حدث له حزم ولا مروءة وأرسل الوليد إلى ابن عمر ليبايع فقال : اذا بايع الناس بايعت فتركوه وكانوا لا يتخوفون منه فأغلق بابه ولم يأذن لأحد .
الخروج إلى مكة
وجاء رسول خالد بن العاص إلى ابن عباس وهو على مكة يدعوه للبيعة فقال له : قل له أقض حاجتك فيما بينك وبين من حضرك فاذا أمسينا جئتك فرجع الرسول ، فقال : لابد من حضورك فمضى فبايع .
وخرج ابن الزبير من ليلته متوجهاً إلى مكة فأخذ الطريق الأقرع هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث . فسرحت الرجال في طلبه فلم يدركوه وتشاغلوا به عن الحسين ليلتهم .
وكان للحسين فضل وعلم ومنزلة وشجاعة تزيد من هيبته فضلاً عن حرمته ثم بعثوا إلى الإمام الحسين عليه السلام فقال أصبحوا ثم ترون ونرى وخرج الحسين من تحت ليلته وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة ستين متوجهاً إلى مكة ومعه أبناؤه وإخوته وبنو أخيه الحسن وأهل بيته ومعه نفر من بني عبد المطلب ولزم الطريق الأعظم.
فقال له بعض أهل بيته لو تنحيت عن الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب فقال : والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض وخرج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة وهو يقرأ [فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ] ( ) .
ولقي الإمام الحسين عليه السلام في الطريق عبدالله بن مطيع فقال للإمام : جعلت فداك أين تريد ؟ قال :أما الآن فمكة وأما بعد فأني أستخير الله قال أخار الله لك وجعلنا فداك فاذا أتيت مكة فأنك سيد العرب لا تعدل بك أهل الحجاز أحداً ويتداعى اليك الناس من كل جانب فو الله لئن هلكت لنسرقن بعدك.
وكان ابن مطيع يحفر بئره فقال أن بئري هذه قد رشحتها وهذا اليوم أوان ما خرج الينا في الدلو ماء فلو دعوت الله لنا فيها بالبركة قال هات من مائها فشرب الإمام منه ثم تمضمض ثم رده في البئر فأعذب وأمهي وبورك فيه .
دخل الحسين عليه السلام مكة وهو يقرأ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل وكان دخوله أياها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان ونزل في بيت العباس .
فأقبل أهلها يختلفون اليه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الأفاق يستثمرون فرصة وجوده بين ظهرانيهم فيستفتون في أمور دينهم ويزدادون أيماناً لما يعرفون من منزلة الحسين وعلمه والحاجة إلى الأخذ منه.
الحسين (ع) في مكة
روى أبو سعيد الخدري قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول أنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وإنما مثل أهل بيتي فيكم باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له( ) واجتمع إلى الإمام الحسين عليه السلام مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز . ونفر من أهل البصرة . انضافوا إلى أهل بيته ومواليه .
وكان ابن الزبير يأتي إلى الحسين فيمن يأتيه اليومين المتوالين ، ويأتيه بين كل يومين مرة ثم لزم الحجر ولبس المعافري( ) وجعل يحرض الناس على بني أمية .
وأقام الحسين عليه السلام بمكة باقي شعبان وشهر رمضان وشوالاً وذا القعدة والناس تقدم عليه وينتفعون بما يسمع منه ويضبطون ما يروون عنه .
كتب أهل الكوفة
لقد أقام الحسين في الكوفة مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مدة حكمه وكان احد قادته الى صفين ولم يغادرها الا بعد دخول معاوية لها سنة احدى واربعين من الهجرة، وعقد الإمام الحسن بن علي بن ابي طالب عليه السلام الصلح مع معاوية حيث خرج الحسن والحسين ومعهما أهل بيت النبوة بحشمهم واثقالهم عائدين الى مدينة جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد اثنى الأمام علي عليه السلام على الكوفة وأهلها في نصوص وخطب عديدة منها :
الكوفة كنز الإيمان وحجة الإسلام وسيف الله ورمحه يضعه حيث يشاء).
(تربة نحبها وتحبنا).
(الكوفة قبة الإسلام).
(مدينتنا ومحلنا ومقر شيعتنا)( ).
وكان الحسين وديعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الإمام علي عليه السلام فكان يحرص على سلامته وحسن تربيته وإعداده للإمامة العامة .
و(عن ابن عباس قال: كان علي يخاف انقطاع النسل فقال يوم صفين وقد رأى الحسين يتسارع الى القتال، املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فاني انفس به عن الموت لئلا ينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
ويدل هذا الخبر على شجاعة الإمام الحسين عليه السلام .
ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن البيعة أرجفوا بيزيد واجتمع جماعة منهم في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله وأثنوا عليه فقال سليمان بن صرد
أن معاوية قد هلك وأن حسيناً قد تقبض على القوم ببيعة وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه ونقتل أنفسنا دونه فأكتبوا الية وأعلموه وأن خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه قالوا لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه .
لقد اجتهد سليمان بن صرد ونفر من وجوه الكوفة في الدعوة للحسين والتأكد من نصرة الناس له عند قدومه عليهم ، لذا قاموا بالكتابة إليه يدعونه بالقدوم عليهم ، وهل كانوا متعجلين في هذه الدعوة ، وعدم دراسة الأحوال المحيطة بهم ، وتجربة أهل الكوفة بعد التحكيم بعد معركة صفين في السنة السابعة والثلاثين للهجرة ، واستشهاد الإمام علي عليه السلام في شهر رمضان من السنة الأربعين في مسجد الكوفة ، ثم إرادة قتل الإمام الحسن عليه السلام ، وإصابته بجروح في فخذه بمنطقة ساباط المدائن من قبل بعض الخوارج ، الجواب لا ، فلم يكتبوا الكتب إلى الحسين إلا بعد أخذ المواثيق والعهود من الناس لنصرة الحسين عليه السلام .
وكتبوا اليه : بسم الله الرحمن الرحيم .
للحسين بن علي عليهما السلام.
من : سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة .
سلام عليك فأنا نحمد اليك الله الذي لا إله الا هو أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذا الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيأها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها .
أنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق .
والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت الينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله تعالى.
ثم سرحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني وعبد الله بن وال وأمروهما بالنجاء فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين عليه السلام بمكة لعشر مضين من شهر رمضان .
ولبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب ، وانفذوا قيس بن مسهر الصيداوي وعبد لله وعبد الرحمن ابني شداد الأرحبي وعمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسين عليه السلام ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة .
ثم كتبوا اليه: أما بعد فحي هلا فأن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل ثم العجل العجل والسلام .
ثم كتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمرو التيمي .
أما بعد فقد أخضر الجناب وأينعت الثمار ، فأذا شئت فأقبل على جند لك مجندة( ) .
وشبث بن ربعي الرياحي التميمي كان مؤذن سجاح ، إذ إدعى كل من مسيلمة الكذاب وسجاح النبوة وعندما التقيا تزوجا (ثم انصرفت إلى قومها ، فقالوا : ما عندك ؟
قالت : كان على الحق فاتبعته فتزوجته ، قالوا : فهل أصدقك شيئاً ؟ قالت : لا .
قالوا : ارجعي إليه ، فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق ! فرجعت.
فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن ، وقال : ما لك ؟ قالت : أصدقني صداقاً ، قال : من مؤذنك ؟ قالت : شبث بن ربعي الرياحي ، قال : علي به .
فجاء فقال : ناد في أصحابك أن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد : صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر.
قال : وكان من أصحابها الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب ونظراؤهم.
وذكر الكلبي أن مشيخة بني تميم حدثوه أن عامة بني تميم بالرمل لا يصلونهما – فانصرفت ومعها أصحابها ، فيهم الزبرقان ، وعطارد بن حاجب ، وعمرو بن الأهتم ، وغيلان بن خرشة ، وشبث بن ربعي ، فقال عطارد بن حاجب :
أمست نبيتنا أنثى نطيف بها … وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا)( ).
وفي تأريخ اليعقوبي (وكان الأشعث بن قيس مؤذنها)( ).
وقد إرتد الأشعث مع قومه من قبيلة كندة ، فحاصرهم المسلمون في حصن (النجير) حتى استسلم ، وقيّد وادخل على أبي بكر ، فاطلقه وزوجه أخته أم فروة لتلد له محمد وقيس.
ثم صار محمد بن الأشعث من قادة مصعب ، الذي بعثه على مقدمته في قتاله المختار ، فقتل في معركة المذار سنة سبع وستين للهجرة.
ومحمد بن الأشعث هو الذي بعثه ابن زياد لقتال مسلم بن عقيل الذي قاتلهم بمفرده ولكن محمد بن الأشعث أعطاه الأمان إن ألقى سلاحه ، ولم يف بهذا الأمان ولم يأخذ به عبيد الله بن زياد .
توالي وكثرة كتب أهل الكوفة
لم يطلب الحسين عليه السلام الثورة ، إنما خرج إلى مكة في 28 من رجب ووصل إليها في الثالث من شعبان من السنة الستين للهجرة وبقي فيها إلى الثامن من شهر ذي الحجة أربعة أشهر وبضعة أيام وحينما علم أهل الكوفة بأن الإمام الحسين عليه السلام امتنع عن بيعة يزيد وأنه أكره على ترك المدينة ، وفي خطر على حياته في مكة صارت كتب رؤسائهم وأشرافهم تصل اليه يدعونه للقدوم إليهم ، وبعض نصوصها موجود وثابت وذكر بعضهم أنها (150) كتاباً.
فبعث ابن عمه مسلم بن عقيل سفيراً لأهل الكوفة الذي رآى إقبال الناس عليه جماعات ليتعهدوا للحسين عليه السلام بالتأييد.
وأمر الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل (أن ينزل على هانئ بن عروة المرادي، وينظر إلى اجتماع الناس عليه، ويكتب إليه بخبرهم، فقدم مسلم الكوفة مستخفياً، وأتته الشيعة، فأخذ البيعة منهم .
وكتب إلى الحسين: إني قدمت الكوفة، فبايعني منهم – إلى أن كتبت إليك – ثمانية عشر ألفاً بالدعوة السرية، فعجل القدوم، فإنه ليس دونها مانع. فلما أتاه كتاب مسلم أغذ السير حتى انتهى إلى زبالة( )، فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مئة ألف)( ).
دعوة الحسين (ع) بني هاشم إلى مكة
وبعث الحسين إلى المدينة وقدم عليه من خف من عبد المطلب . وهم تسعة عشر رجلاً ونساء وصبيان وتبعهم محمد بن علي بن أبي طالب وأعلمه ان الخروج ليس له برأي يومه هذا .
وحبس محمد ولده فلم يبعث منهم أحداً حتى وجد الحسين في نفسه على محمد.
وقال : ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه ؟ فقال :وما حاجتي إلى أن تصاب ويصابون معك وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم .
وفي هذا بيان ودلالة معرفة الحسين عليه السلام وأهل البيت لما ستكون عليه الأمور وما تفرزه من سفك دمائهم في كربلاء .
عيون السلطة
لقد بقي الإمام الحسين عليه السلام في مكة نحو أربعة أشهر بقية شعبان ،وشهر رمضان ، وشوال ، وذي القعدة من السنة الستين للهجرة .
وكانت عيون يزيد ووالي مكة منتشرة في المسجد الحرام ، وفي أسواق مكة ، ويرون قدوم وفود أهل الكوفة وفي غير موسم حج أو عمرة ، ودخولهم على الحسين ، وتجاهر بعضهم ببغض حكم بني أمية فكتب يزيد إلى عبدالله ابن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة .
وقال : ونحسبه أنه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنوه الخلافة . وعندك منهم خبرة وتجربة فان كان فعل فقد قطع واشج القرابة فأكففه عن السعي في الفرقة و(كتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش: من البسيط
يا أيّها الراكب الغادي لطيّته … على عذافرةٍ في سيرها قحم
أبلغ قريشاً على نأي المزار بها … بيني وبين حسين الله والرّحم
وموقفٌ بفناء البيت أنشده … عهد الإله وما توفى به الذّمم
عنّيتم قومكم فخراً بأمّكم … أمّ لعمري حصان برّة كرم
هي التي لا يداني فضلها أحدٌ … بنت الرسول، وخير الناس قد علموا
وفضلها لكم فضل وغيركم … من قومكم لهم في فضلها قسم
إني لأعلم أو ظنا كعالمه … والظنّ يصدق أحياناً فينتظم
أن سوف يترككم ما تدّعون بها … قتلى تهاداكم العقبان والرّخم
يا قومنا لا تشبّوا الحرب إذ سكنت … ومسكوا بحبال السّلم واعتصموا
قد غرّت الحرب من قد كان قبلكم … من القرون وقد بادت بها الأمم
فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً … فرب ذي بذخٍ زلت به القدم)( ).
فكتب اليه عبدالله بن عباس : أني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه ولست أدع النصيحة في كل ما يجمع الله به الألفة وتطفئ به النائرة ودخل ابن عباس على الحسين فكلمه ليلاً طويلاً وقال : أنشدك الله أن لا تأتي العراق وإن كنت فاعلاً فاقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم على ما يصدرون وترى رأيك ذلك في أول ذي الحجة سنة ستين .
وقال ابن عباس هذا والكل يعلم أن الحسين كان يدافع عن عثمان يوم الدار .
لماذا عزم الحسين على الخروج من مكة
قال الإمام الحسين عليه السلام لعبد الله بن عباس لأن أُقتل بمكان كذا وكذا أحب الي من أن تستحل بي يعني مكة فبكى ابن عباس : وقال لما أخبره الحسين عليه السلام أني سائر إلى العراق في أحد يومين هذين إن شاء الله تعالى.
قال : أعيذك يا أبا عبد لله بالله من ذلك خبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم . فأن كانوا فعلوا ذلك فسر اليهم وأن كانوا أنما دعوك اليهم وأميرهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فأنما دعوك إلى الحرب ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا اليك فيكونوا أشد الناس عليك .
فقال الحسين : فأني استخير الله وأنظر ما يكون .
الحديث مع ابن الزبير
وأتى عبد الله بن الزبير إلى الحسين فحدثه ساعة ثم قال :لا أدري ما تركنا هؤلاء القوم وقد كففنا عنهم ونحن أبناء المهاجرين . وولاة هذا الأمر دونهم خبرني ما تريد أن تصنع ؟
فقال الحسين لقد حدثت نفسي بأتياني الكوفة ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشراف أهلها وأستخير الله .
(فقال له ابن الزبير أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها قال ثم إنه خشى أن يتهمه .
فقال أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الامر ههنا ما خولف عليك إن شاء الله فقال له الحسين تعريضاً به : أن أبي حدثني ان لها كبشاً به تستحل حرمتها فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش . فقال ابن الزبير فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع فلا تعصى .
قال : ولا أريد هذا أيضاً .ثم أنهما أخفيا كلامهما فالتفت الحسين إلى من هناك وقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا ندري جعلنا الله فداءك .
قال . أنه يقول أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس ، ثم قال له الحسين عليه السلام : والله لأن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إلي من أن أقتل فيها ولان أقتل خارجاً بشبرين أحب إلى من أقتل خارجاً منها بشبر . وأيم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لأستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في السبت .
و(عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الحسين عليه السلام خرج من مكة قبل التروية بيوم( )، فشيعه عبد الله بن الزبير فقال: يا أبا عبد الله قد حضر الحج وتدعه وتأتي العراق ؟ فقال: يا ابن الزبير لان ادفن بشاطئ الفرات أحب إلي من أن ادفن بفناء الكعبة)( ).
فلما خرج ابن الزبير قال الحسين : أن هذا ليس شيء من الدنيا أحب اليه من أن أخرج من الحجاز . وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له .
الحوار مع ابن عباس
قال فلما كان من العشي أو من الغد أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال يا ابن عم إني أتصبر ولا أصبر إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال .
إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم ثم أقدم عليهم .
فإن أبيت إلا أن تخرج .
فسر إلى اليمن فإن بها حصونا وشعبا وهى أرض عريضة طويلة ولابيك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذى تحب في عافية .
فقال له الحسين يا ابن عم إنى والله لاعلم أنك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير .
فقال له ابن عباس فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه .
ثم قال ابن عباس لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها وهو يوم لا ينظر إليه أحد معك .
والله الذى لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني لفعلت ذلك .
ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بعبد الله بن الزبير فقال قرت عينك يا ابن الزبير ثم قال .
يا لك من قنبرة بمعمر … خلالك الجو فبيضي واصفرى
ونقرى ما شئت أن تنقري هذا حسين يخرج إلى العراق وعليك بالحجاز)( ).
لقد خشي الحسين أن يقتل في مكة ، أما خروجه إلى اليمن فهو غير مأمون العواقب ، وليس من أنصار له يتجاهرون بنصرته .
وولي معاوية بسر بن أرطاة على اليمن وليس له صحبة (و قد سبى مسلمات باليمن، فأقمن للبيع.
وقال ابن إسحاق: قتل قثم وعبد الرحمن ابني عبيد الله بن العباس صغيرين باليمن، فتولهت أمهما عليهما.
وقيل: قتل جماعة من أصحاب علي، وهدم بيوتهم بالمدينة.
وخطب، فصاح: يا دينار ! يا رزيق ! شيخ سمح عهدته ها هنا بالامس ما فعل ؟ يعني عثمان – لولا عهد معاوية، ما تركت بها محتلما إلا قتلته)( ).
ومعنى تولهت أي أشتد حزنها حتى كاد يذهب عقلها ، وكانت تطوف في الموسم وهي تسأل عن ابنيها .
و(دخلت سنة أربعين وعلي بالعراق ومعاوية بالشام، وله معها مصر، وكان علي يقنت في الصلاة ويدعو على معاوية، وعلى عمرو بن العاص، وعلى الضحاك، وعلى الوليد بن عقبة، وعلى الأعور السلمي.
ومعاوية يقنت في الصلاة ويدعو على علي، وعلى الحسن وعلى الحسين، وعلى عبد الله بن جعفر.
رؤيا ابن عباس
وردت كلمة (الرؤيا) سبع مرات وبألفاظ أخرى في القرآن ، وهي كالآتي :
وردت مرتين بلفظ (الرؤيا) للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
واحدة في إبراهيم عليه السلام قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
جاءت الرؤيا بلفظ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ في إبراهيم عليه السلام.
أربع مرات في قصة يوسف عليه السلام .
لفظ أضغاث أحلام ، وتأويل الأحلام في رؤيا ملك مصر ، ووردت بلفظ (أراني) مرتين في حديث الغلامين اللذين مع يوسف في السجن .
جاءت الرؤيا وكأنها حال يقظة عند إخبار الساقي رسولاً من الملك إلى يوسف يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ.
لفظ [يُرِيكَهُمُ] و[أَرَاكَهُمْ] بخصوص معركة بدر ، قال تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
والرؤيا الصادقة من مصاديق قوله تعالى ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وهي صلة بين الله عز وجل وبين العباد ، وهل هي من عمومات الخلافة في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، الجواب نعم .
وتارة تكون الرؤيا للبشارة وأخرى للإنذار ، وقد تكون أضغاث أحلام.
ومن رؤيا الإنذار ما ورد عن (سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبه قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا عمار بن عمار عن ابن عباس قال رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما يرى النائم نصف النهار وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا قال : هذا دم الحسين لم أزل ألتقطه منذ اليوم ، فوجد قد قتل في ذلك اليوم.
وهذا البيت زعموا قديماً لا يدرى قائله :
أترجوا أمة قتلت حسيناً … شفاعة جده يوم الحساب
وبكى الناس الحسين فأكثروا( ).
وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال (فحدثت به ابن عباس ، وأَخبرته أَني قد رأَيته فقال : رأَيته ، قال: إِي واللّه لقد رأَيته.
قال: فذكرت الحسن بن علي عليهم السلام فقلت: إِني والله لقد ذكرته وتُقْيَاهُ في مشْيَته ، فقال ابن عباس : إِنه كان يشبهه)( ).
رؤيا النبي (ص) في المنام
لقد جعل الله عز وجل الرؤيا الصالحة صلة بين أرواح العباد وبينه سبحانه ، وسبباً للهداية والتوبة ،وبشارة وإنذاراً ، وهي من المصاديق المتجددة لقوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ بخصوص آدم عليه السلام ومن بعده ذريته .
(وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله قال :رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة)( ).
ومن الرؤيا الصالحة رؤية المسلم والمسلمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فهي صدق .
وعن الحسن بن فضال أن رجلاً من أهل خراسان قال للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
(يا ابن رسول الله رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام كأنه يقول لي: كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي، واستحفظتم وديعتي وغيب في ثراكم نجمي.
فقال له الرضا عليه السلام: أنا المدفون في أرضكم وأنا بضعة من نبيكم، وأنا الوديعة والنجم.
ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقي وطاعتي.
فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنا شفعاءه يوم القيامة نجى، ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والانس.
ولقد حدثني أبي عن جدي، عن أبيه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رآني في منامه فقد رآني لان الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة واحد من أوصيائي، ولا في صورة أحد من شيعتهم، وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوة)( ).
لبيان أن النبي محمداً يواسي المسلمين بوفاة أبنائه ، وهم أحياءً وأمواتاً وديعة عند المسلمين .
وعن (سلمى المدنية قالت : دفع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ام سلمة قارورة فيها رمل من الطف .
وقال لها: إذا تحول هذا دما عبيطا فعند ذلك يقتل الحسين، قالت سلمى: فارتفعت واعية من حجرة أم سلمة ، فكنت أول من أتاها، فقلت: ما دهاك يا ام المؤمنين .
قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام والتراب على رأسه.
فقلت : ما لك ، فقال: وثب الناس على ابني فقتلوه، وقد شهدته قتيلا الساعة، فاقشعر جلدي فوثبت إلى القارورة، فوجدتها تفور دما قالت سلمى : فرأيتها موضوعة بين يديها)( )
و(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِمَثَلِي)( ).
ويمكن القول بقانون وهو كل إنسان تأتيه رؤى صادقة لا يتمثل فيها الشيطان وليست من أضغاث الأحلام ، وكذا فان الصالحين يتمثلون للناس في الرؤيا من غير أن يتلبس بهيئتهم الشيطان ، لتكون هذه الرؤيا بشارةً أو إنذاراً..
وروى فطر عن منذر الثوري عن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قتل مع الحسين سبعة عشر رجلاً كلهم من ولد فاطمة.
وقال أبو موسى عن الحسن البصري أصيب مع الحسين بن علي ستة عشر رجلاً من أهل بيته ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه.
بطش بسر بن أرطأة
وفي هذه السنة سير معاوية بسر بن أرطأة في عسكر إلى الحجاز، فأتى المدينة وبها أبو أيوب الأنصاري عاملا لعلي، فهرب ولحق بعلي، ودخل بسر المدينة وسفك فيها الدماء واستكره الناس على البيعة لمعاوية، ثم سار إِلى اليمن وقتل ألوفاً من الناس، فهرب منه عبيد الله بن العباس، عامل علي باليمن، فوجد لعبيد الله ابنين صبيين فذبحهما، وأتى في ذلك بعظيمة فقالت أمهما – وهي عائشة بنت عبد الله ابن عبد المدان – تبكيهما:
ها من أحسّ بابني اللذين هما … كالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بابني اللذين هما … قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف
من ذل والهة حيرى مدلهة … على صبيين ذلا إِذ غدا السلف
خبرت بسراً وما صدقت ما زعموا … من إِفكهم ومن القول الذي اقترفوا
أنحا على ودجي ابني مرهفة … مشحوذة وكذاك الإثم يقترف)( ).
وكان عبيد الله بن عباس عامل الإمام علي عليه السلام على اليمن وعندما بلغه مسير بسر بن أرطاة إلى اليمن فرّ إلى أمير المؤمنين في الكوفة ، وأكثر بسر من إراقة الدماء في اليمن ، فكيف يذهب لها الإمام الحسين وهذه حالتها .
كثرة الرسل من أهل الكوفة
تلاقت الرسل كلها عند الحسين وسألهم عن الناس ثم كتب الإمام الحسين عليه السلام مع آخر من وصله من الرسل ، وهما هاني بن هاني وسعيد بن عبد لله :
بسم الله الرحمن الرحيم من .
الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين .
أما بعد فأن هانياً وسعيداً قدما عليه بكتبكم وكانا آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت الذي أقتصصتم وذكرتم مقالة جلكم إنه ليس علينا أمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى .
وأني باعث اليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل فان كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم .
فأني أقدم اليكم وشيكاً إن شاء الله فلعمري ما الإمام الا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الداين بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله والسلام ( ).
مسلم بن عقيل سفير الحسين
لقد سرح الإمام الحسين عليه السلام مسلم ابن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبد الله وعبد الله وعبد الرحمن ابني شداد الأرحبي وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف .
وليكشف له حقيقة هذا الامر فان رأى الناس مجتمعين مستوسقين بعث اليه ليركب الإمام الحسين عليه السلام في أهله وذويه .
فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وودع أهله .
واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به في براري مهجورة المسالك يتنكبان الطريق فاضلا وأصابهما عطش شديد وعجز الدليلان عن السير .
فأشارا إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهما ذلك وماتا . فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر .
أما بعد فأني أقبلت من المدينة مع دليلين فجازا عن الطريق فضلا واشتد عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج الا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت وقد تطيرت من توجهي هذا فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري والسلام .
فكتب اليه الحسين أن أمض لوجهك الذي وجهتك وأمره أن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم ويطلع على الواقع وملائمة الحال عن كثب وليكتب له من داخل الكوفة ليستخبر خبرها .
فأقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة وأقبل الناس يختلفون اليه .
وكلما اجتمع اليه جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين وهم يبكون وبايعه ثمانية عشر ألفاً .
فكتب إلى الحسين أما بعد فأن الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف .
فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي فإن الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى والسلام.
خروج الحسين يوم التروية
يوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة ، وسُمي بيوم التروية لوجوه :
الأول : إن جبرئيل عليه السلام أتى إبراهيم عليه السلام وقال له يا إبراهيم إرتو من الماء لك ولأهلك، ولم يكن بين مكة وعرفات ماء.
الثاني : لأنهم كانوا يستقون من مكة الماء عند الخروج الى عرفة التي ليس فيها ماء، و(عن الصادق عليه السلام كان بعضهم يقول لبعض: ترويتم من الماء ؟ على نحو السؤال ، فسميت التروية.
الثالث : (إن إبراهيم عليه السلام رأى في تلك الليلة رؤيا ذبح ولده، فأصبح يروي في نفسه أهو حلم أم من الله تعالى؟ فسمي يوم التروية.
فلما كانت ليلة عرفة رأى ذلك أيضاً فعرف أنه من الله تعالى، فسمي يوم عرفة وفي التنزيل فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ))( ).
ومن مسائل حج بيت الله الحرام التي تتعلق بيوم التروية :
الأولى : يستحب للإمام وأمير الحاج إستحباباً مؤكداً الخروج إلى منى يوم التروية ، والأصل إنشاء احرام للحج وهو في مكة في وقت يعلم أنه يدرك الوقوف بعرفة، والأفضل إيقاعه في يوم التروية أي الثامن من ذي الحجة .
الثانية : يستحب الخروج إلى منى عصر يوم التروية وقضاء ليلة عرفة فيها، أو البقاء في مكة، والأولى عدم الذهاب إلى عرفة ليلتها لأن عرفة ليست من الحرم ولا يجب الوقوف فيها إلا عند الزوال.
على نحو يصلي الظهر فيها، ويستحب له الإصباح فيها حتى تطلع الشمس.
الثالثة : إنشاء احرام الحج وهو في مكة في وقت يعلم أنه يدرك الوقوف بعرفة، والأفضل إيقاعه في يوم التروية أي الثامن من ذي الحجة .
الرابعة :يستحب الخروج إلى منى عصر يوم التروية وقضاء ليلة عرفة فيها، أو البقاء في مكة، والأولى عدم الذهاب إلى عرفة ليلتها لأن عرفة ليست من الحرم ولا يجب الوقوف فيها الإ عند الزوال.
حديث عبد الله بن عمر
لقد كانت الصلة بين الحسين عليه السلام ، وعبد الله بن عمر حسنة ، وكان يجتمعان على عدم أهلية يزيد للخلافة ويمتنعان عن بيعته هما وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر .
و(عن الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه كان بماء له فبلغه أن الحسين ع قد توجه إلى العراق فجاء إليه و أشار عليه بالطاعة و الانقياد و حذره من مشاققة أهل العناد .
فقال يا عبد الله أما علمت أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا ع أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل أما تعلم أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يبيعون و يشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام .
ثم قال له اتق الله يا أبا عبد الرحمن و لا تدعن نصرتي)( ).
خطبة الحسين عند الخروج من مكة
لما أراد الحسين عليه السلام التوجه من مكة إلى العراق قام في اليوم السابع من ذي الحجة خطيباً يخبر عن عزمه السفر في اليوم التالي يوم التروية ، ويدعو الناس للخروج معه ، مع إخباره بأن القتل ينتظره في أرض كربلاء.
لقد القى خطبة يبين فيها ما سيلقاه وأهل بيته من الشهادة في مسيره ، ويذّكر بالموت ، ويخبر بأن الشهادة تنتظر من يلحق به ويسير معه إلى العراق ، لبيان أنه على بينه من أمره .
(قام خطيبا فقال الحمد لله وما شاء الله و لا قوة إلا بالله .
خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة .
وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه كأني وأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات( ) بين النواويس( ) وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا و أجربة سغبا .
لا محيص عن يوم خط بالقلم رضي الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه و يوفينا أجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته و هي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه و ينجز بهم وعده من كان باذلا فينا مهجته و موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل فإني راحل مصبحا إن شاء الله)( ).
ولما أراد الإمام الحسين عليه السلام التوجه إلى العراق طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل وجعلها عمرة . لأنه لم يتمكن من إتمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة .
ثم خرج يوم التروية فأعترض يحيى بن سعيد بن العاص وثلاثون من شرطته لمنع الحسين فأبى عليهم ومضى وتضاربوا بالسياط وامتنع الحسين وأصحابه .
وساروا فمروا بالتنعيم ( ) فرأى بها عيرا قد أقبلت من اليمن بعث بها بحير بن ريسان من اليمن إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن وعلى العير الورس والحلل .
فأخذها الحسين وقال لأصحاب الأبل : من أحب منكم أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا أعطينا نصيبه من الكراء ، فمن فارق منهم أعطاه حقه ومن سار معه أعطاه كراءه وكساه ثم سار ( ).
لقاء الفرزدق
قال الفرزدق بن غالب حججت بأمي فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج وذلك في سنة ستين اذ لقيت الحسين بن علي خارجاً من مكة معه أسيافه وأتراسه .
فقلت لمن هذا القطار فقيل للحسين بن علي فأتيته فقلت بأبي وأمي يا بن رسول الله ما أعجلك عن الحج فقال لو لم أعجل لأخذت ثم سألني ممن أنت .
فقلت له امرؤ من العراق قال فو الله ما فتشني عن أكثر من ذلك وقال أخبرني عن الناس خلفك فقلت القلوب معك والسيوف مع بني أمية والقضاء بيد الله والله يفعل ما يشاء .
فقال الحسين : صدقت لله الأمر يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن أن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر وان حال القضاء دون الرجاء فلم يتمد من كان الحق نيته والتقوى سريرته( ).
ثم سألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها . ثم مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم وهيئته حسنة فأتيته فاذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص فسألني((فأخبرته بلقاء الحسين بن علي .
فقال لي ويلك فهلا أتبعته فوالله ليملكن ولا يجوز السلاح فيه وفي رواية أما أنه لا يحيك فيه السلاح.
فقلت له : تقول هذا فيه وانت الذي قاتلته وأباه يعني في الجمل وصفين فسبني فسببته .
قصيدة الشاعر ابن معتوق البصري وأصله من الأهواز ، وولد وتوفي في البصرة سنة 1077 هجرية 1676 م وعمره (62) سنة إذ أصيب بداء الفالج :
(هَلَّ الْمُحَرَّمُ فَاسْتَهِلَّ مُكَبِّرَا … وَانْثُرْ بِهِ دُرَرَ الدُّمُوعِ عَلَى الثَّرَى
وانظر بغرتهِ الهلال إذا انجلى … مسترجعاً متفجعاً متفكراً
واقطفْ ثمارَ الحزنِ من عرجونهِ … وَاْنْحَرْ بِخَنْجِرِهِ بِمُقْلَتِكَ الْكَرَى
وانس العقيقَ وأنسَ جيرانِ النقا … واذكر لنا خبر الصفوفِ وما جرى
واخلعْ شعارَ الصبرِ منكَ وزرمنْ … خلعِ السقامِ عليكَ ثوباً أصفرا
فَثِيَابُ ذِي الأَشْجَانِ أَلْيَقُهَا بِهِ … ما كان منْ حمرِ الثيابِ مزررا
شهر بحكمِ الدهرِ فيهِ تحكمتْ … شراً الكلاب السود في أسدِ الشرى
لله أيُّ مصيبة ٍ نزلتْ بهِ … بَكَتِ السَّمَاءِ لَهَا نَجِيعاً أَحْمَرَا
خَطْبُ وَهى الإسْلاَمُ عِنْد وُقُوعِه … لبستْ عليهِ حدادها أمُّ القرى
أو ما ترى الحرمَ الشّريفَ تكادُ منْ … زَفَرَاتِهِ الْجَمَرَاتُ أَنْ تَتَسَعَّرَا
وأبا قبيسِ في حشاهُ تصاعدت ْ … قبساتُ وجدٍ حرها يصلي حرا
علمَ الحطيمُ به فحطمهُ الاسى … وَدَرَى الصَّفَا بِمُصَابِهِ فَتَكَدَّرَا
واستشعرتْ منهُ المشاعرُ بالبلا … وعفا محسرها جوى وتحسرا
قتل الحسينُ فيالها من نكبة ٍ … أضحى لها الإسلامُ منهدمَ الذرا
قتلٌ يدلكَ إنما سرُّ الفدا … في ذلكَ الذبحِ العظيمِ تأخرا
رؤيا خليل الله فيهْ تعبرتْ … حَقّاً وَتَأْوِيلُ الْكِتَابِ تَفَسَّرَا
رُزْءٌ تَدَارَكَ مِنْهُ نَفْسٌ مُحَمَّدٍ … كَدَراً وَأَبْكَى قَبْرَهُ وَالْمِنْبَرَا
أَهْدَى السُّرُورَ لِقَلْبٍ هِنْدٍ وَابْنِهَا … وَأَسَاءَ فَاطِمَة ً وَأَشْجَى حَيْدَرَا
ويلٌ لقاتلهِ أيدري أنهُ … عَادَى الْنَبِيَّ وَصِنْوَهُ أَمْ مَا دَرَى
شلتْ يداه لقد تقمصَ خزية ً…يَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْحِسَابِ مُؤَزَّرَا
حزني عليه دائمٌ لا ينقضي … وَتَصَبُّرِي مِنِّي عَلَيَّ تَعَذَّرَا
وارحمتاهُ لصارخاتٍ حولهُ … تبكي لهُ الأجلُ المتاحُ تقدرا
لهفي على ذاكَ الذبحِ من القفا … ظلماً وظلَّ ثلاثة ً لنْ يقبرا
ملقى على وجهِ التراب تظنهُ … داود في المحرابِ حينَ تسورا
لهفي على العاري السليبِ ثيابهُ … فَكَأَنَّهُ ذُو الْنُونِ يُنْبَذُ بِالْعَرَا
لهفي على الهاوي الصريع كأنهُ … قَمَرٌ هَوَى مِنْ أَوْجِهِ فَتَكَوَّرَا
لهفي على تلك البنانِ تقطعتْ … لو أنها اتصلتْ لكانتْ أبحرا
لهفي على العباسِ وهو مجندلٌ … عرضتْ منيتهُ لهُ فتعثرا
لحقِ الغبارُ جبينهُ ولطالما … في شأوه لحق الكرامَ وغبرا
سَلَبَتْهُ أَبْنَاءُ اللِّئَامِ قَمِيصَهُ … وَكَسَتْهُ ثَوْباً بِالنَّجِيعِ مُعَصْفَرَا
فكأنما أثر الدماءِ بوجههِ … شفقٌ على وجهِ الصباح ِ قد انبرى
حُرٌّ بِنَصْرِ أَخِيهِ قَامَ مُجَاهِداً … فهوى المماتَ على الحياة وأثرا
حَفِظَ الإِخَاءَ وَعَهْدَهُ فَوَفَى لَهُ … حَتَّى قَضَى تَحْتَ السُّيُوفِ مُعَفَّرَا
من لي بأن أفدي الحسينَ بمهجتي … وأرى بأرض الطيفَ ذاكَ المحضرا
فَلَوِ اسْتَطَعْتُ قَذَفْتُ حَبَّة َ مُقْلَتِي … وَجَعَلْتُ مَدْفِنَهُ الشَّرِيفَ المَحْجِرَا
روحي فدى الراسِ المفارقِ جسمه … ينشى التلاوة ليلة ُ مستغفرا
ريحانهُ ذهبتْ نضارة ُ عودها … فكأنها بالتربِ مسكاً أذفرا
عضبٌ يدُ الحدثانِ فلتْ غربهُ … وَلَطَالَمَا فَلَقَ الْرُّؤُوسَ وَكَسَّرَا
ومثقفٍ حطمَ الحمامُ كعوبه ُ … فَبَكَى عَلَيْهِ كُلُّ لَدْنٍ أَسْمَرَا
عجباً لهُ يشكو الظماء وإنهُ … لَوْ لاَمَسَ الصَّخْرَ الأَصَمَّ تَفَجَّرَا
بَلِحُ الْغَبَارَ بِهِ جَوَادٌ سَابح … فَيَخُوضُ نَقْعَ الصَّافِنَاتِ الأَكْدَرَا
طلبَ الوصولَ إلى الورود فعاقهُ … ضَرْبٌ يَشُبُّ عَلَى النَّوَاصِي مِجْمَرَا
ويلُ لمنْ قتلوه ظمآناً أما … علموا بأنَّ أباه يسقي الكوثرا
عرضتْ لهم شبهُ اليهودِ تصورا … لعنَ الإلهُ بني أمية َ مثلما
داود قد لعنَ اليهودَ وكفرا … وَسَقَاهُمُ جُرَعَ الْحَمِيمِ كَمَا سَقَوْا
جرع الحمامِ ابن النبي الأطهرا … ياليتَ قومي يولدونَ بعصرهِ
أو يسمعون دعاءهُ مستنصرا … وَلَوَ انَّهُمْ سَمِعُوا إِذاً لأَجَابَهُ
منهم أسود شرى مؤيده القرى … مِنْ كُلِّ أَنْمُلَة ٍ تجُودُ بِعَارِضٍ
وَبِكُلِّ جَارِحَة ٍ يُرِيْكَ غَضَنْفَرَا … قَوْمٌ يَرَوْنَ دَمَ الْقُرُونِ مُدَامَة ً
وَرِيَاضَ شُرْبِهِمِ الْحَدِيدَ الأَخْضَرَا … يا سادتي يا آل طه إنَّ لي
دَمْعاً إِذَا يَجْرِي حَدِيثُكُمُ جَرَى … بِي مِنْكُمُ كَاسْمِي شِهَابٌ كُلَّمَا
أطفيتهُ بالدمعِ في قلبي ورى … شَرَّفْتُمُوْنِي فِي زَكِيِّ نِحَارِكُمْ
فدعيتُ فيكمْ سيداً بينَ الورى… أهوى مدائحكمْ فأننظم بعضها
فأرى أجل المدحِ فيكمْ أصغرا … ينحطُّ مدحي عنْ حقيقة ِ مدحكمْ
ولو أنني فيكمْ نظمتُ الجوهرا … هيهاتَ يستوفي القريضُ ثناءكمْ
لو كان في عددِ النجومِ وأكثرا … يَا صَفْوَة َ الرَّحْمنِ أَبْرَأُ مِنْ فَتى ً
فِي حَقِّكُمْ جَحَدَ النُّصُوصَ وَأَنْكَرَا … وَأَعُوذُ فِيْكُمْ مِنْ ذُنُوبٍ أَثْقَلَتْ
ظهري عسى بولائكمْ أنْ تغفرا … فَبِكُمْ نَجَاتِي فِي الْحَيَاة ِ مِنَ الأَذَى
وَمِنَ الْحَجِيْمِ إِذَا وَرَدْتُ الْمَحْشَرَا … فَعَلَيْكُمُ صَلَّى الْمُهَيْمِنُ كُلَّمَا
كرَّ الصباحُ على الدجى وتكورا)( ).
كتاب عبد الله بن جعفر
أرسل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولديه عوناً ومحمداً إلى الإمام الحسين عليه السلام وكتب اليه كتاباً يقول فيه أما بعد فأني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي فأني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستيصال أهل بيتك.
وأن هلكت اليوم طفيء نور الارض فأنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين ولا تعجل بالمسير فإني في أثر كتابي والسلام .
وذهب عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فكلمه وقال أكتب إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان وتمنيه فيه البر والصلة .
وتوثق له في كتابك وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك وقيل كتب عمرو بن سعيد إلى الإمام الحسين عليه السلام : أما بعد فأني اسأل الله أن يصرفك عما يوبقك وأن يهديك لما يرشدك بلغني أنك قد توجهت إلى العراق وأني أعيذك بالله من الشقاق فإني أخاف عليك فيه الهلاك .
وقد بعثت اليك عبدالله بن جعفر ويحيى بن سعيد فأقبل إلي معهما فان لك عندي الأمان والصلة والبر وحسن الجوار ، والله علي بذلك شهيد وكفيل ومراع ووكيل والسلام عليك .
وكان عمرو بن سعيد عامل يزيد على مكة ثم جمع له معها المدينة في شهر رمضان من سنة ستين وعزل الوليد بن عتبة لقلة شدته مع الحسين ولحق عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد بالحسين واقرأه الكتاب .
فاعتذر الحسين ومما اعتذر به قال أني رأيت رؤيا فيها رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم وأمرني بأمر أنه ماض له علي كان أو لي فقالا له فما تلك الرؤيا قال ما حدثت أحداً بها وما أنا محدث بها حتى القى به ربي .
وكتب الحسين عليه السلام جواباً إلى عمرو بن سعيد أما بعد فأنه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله عز وجل وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين وقد دعوت إلى الأمان والبر والصلة فخير الأمان أمان الله ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا .
فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبري فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة والسلام( ).
وكتبت اليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد من اجابة أهل الكوفة وتخبره أنه أنما يساق إلى مصرعه وتقول اشهد لحدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يقتل الحسين بأرض بابل . فلما قرأ الحسين عليه السلام كتابها قال : لا بد لي اذن من مصرعي ومضى . وأمر عبد لله بن جعفر ابنيه عوناً ومحمداً بلزومه والمسير معه.
واستشهد يوم عاشوراء ، وقتل محمد عشرة رجال .
خرج محمد بن جعفر إلى الميدان وهو يقول (
نشكو إلى الله من العدوان … قتال قوم في الردى عميان
قد تركوا معالم القرآن … ومحكم التنزيل والتبيان
وأظهروا الكفر مع الطغيان
ثم قاتل حتى قتل عشرة أنفس ، ثم قتله عامر بن نهشل التميمي .
ثم خرج من بعده عون بن عبد الله بن جعفر وهو يقول :
إن تنكروني فأنا ابن جعفر … شهيد صدق في الجنان
أزهر يطير فيها بجناح أخضر … كفى بهذا شرفا في المحشر
ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلا ، ثم قتله عبد الله بن بطة الطائي)( ).
وكانت أمهما زينب بنت أمير المؤمنين حاضرة يوم عاشوراء ، وفي الطريق من مكة إلى العراق هل كان الإمام الحسين عليه السلام يدرب أهل بيته وأصحابه على استعمال السلاح وفنون المبارزة ، المختار نعم ، إلى جانب اشتراك أكثرهم في معارك الجمل وصفين والنهروان وغيرها .
بيعة أهل الكوفة لمسلم بن عقيل
كانت الكوفة كلها تهتم بخبر مسلم بن عقيل حيث وصل عدد من بايعه أربعين ألفاً وأطمأنوا إلى قوتهم .
وقام عابس بن أبي شبيب الشاكري عند مسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فأني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم.
والله أحدثك عما أنا موطن نفسي عليه والله لأجيبنكم اذا دعوتم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله لا أريد بذلك الا ما عند الله .
فقام حبيب بن مظاهر فقال رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ثم قال وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه .
ثم قال الحنفي مثل ذلك ، وسئل (محمد بن بشر فهل كان منك أنت قول فقال أن كنت لاحب إن يعز الله أصحابي بالظفر وما كنت لأحب أن أقتل وكرهت أن أكذب)( ).
وإنتشر خبر مسلم واختلفت الشيعة إليه وعلم مكانه فبلغ ذلك النعمان بن بشير . قال أبو مخنف حدثني نمر بن وعلة عن أبي الوداك قال خرج الينا النعمان بن بشير عامل يزيد على الكوفة .
فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فأن فيهما يهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال . وكان يحب العافية .
فقال إني لم أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب علي ولا أشاتمكم ولا أتحرش بكم ولا أخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ولكنكم أن أبديتم صفحتكم لي ونكثتم بيعتكم وخالفتم أمامكم فو الله الذي لا اله غيره لاضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن لي منكم ناصر.
أما أني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل . قال : فقام اليه عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال أنه لا يصلح ما ترى الا الغشم أن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين .
فقال أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب الي من أن أكون من الأعزين في معصية الله ثم نزل ( ).
تحريض يزيد على مسلم بن عقيل
وخرج عبدالله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية أما بعد فان مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي فان كان لك بالكوفة حاجة فأبعث اليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك فان النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعف .
وكان أول من كتب اليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه .
ثم كتب اليه عمر بن سعد بن أبي وقاص بمثل ذلك ، واجتمعت الكتب عند يزيد وليس بين وصول أولها وآخرها الا يومين .
وهل كان من أسباب إختيار عمر بن (23-66) لأمرة الجيش الذي يقاتل الحسين بعثه كتاباً إلى يزيد لتحريضه على مسلم بن عقيل وأهل الكوفة ، المختار نعم ، لذا حينما وصل عبد الله بن زياد إلى الكوفة والياً عليها ، وجعل عمر بن سعد على رأس جيش من أربعة آلاف لحكم الري (جنوب طهران ودستبي( ).
هذا إلى جانب سابقة أبيه في الإسلام ، وأبوه بدري ومن المهاجرين ، وأعاد تمصير الكوفة ، وأنه من بني زهرة من قريش ، فأراد عبيد الله بزيادة الإنتفاع منه أمام أهل الكوفة ليزداد الإثم عليهما .
فعرف حجم الخطر الذي يهدد دولته فاستدعى سرجون الأموي كاتب معاوية وصاحب أمره . فقال ما رأيك فأن الحسين قد توجه نحو الكوفة ومسلم بن عقيل يبايع للحسين .
وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيء وأقرأه كتبهم وقال له فما ترى من أستعمل على الكوفة فقال سرجون : أرأيت معاوية لو نشر لك أكنت آخذاً برأيه ؟قال : نعم .
فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة فقال هذا رأي معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب .
وكان يزيد عاتباً على عبيد الله بن زياد فلم يمنعه ذلك من القرار فضم المصرين البصرة والكوفة إلى عبيد الله وبعث بعهده على الكوفة وكتب يزيد إلى ابن زياد.
أما بعد فأنه كتب الي شيعتي من أهل الكوفة يخبروني ان ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين فأن كان لك جناحان فطر بهما فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفنه فتوثقه أو تنفيه والسلام( ).
وبعثه اليه مع مسلم بن عمرو الباهلي .
كتاب الحسين (ع) إلى أهل البصرة
فلما وصل كتاب يزيد إلى عبيد الله أمر بالتجهيز ليبرز من الغد وإذا المنذر بن الجارود يأتي برسول الحسين إلى أهل البصرة عبدالله بن يقطر.
وكان الحسين قد كتب نسخة واحدة أيضاً إلى الأشراف في البصرة فكتب إلى مالك بن مسمع البكري والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم وعمر بن عبيد لله بن معمر وفيه .
أما بعد فأن الله أصطفى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله اليه.
وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته.
وأحق الناس بمقامه في الناس فأستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية.
ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم .
وقد بعثت رسولي اليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فأن السنة قد أميتت وان البدعة قد أحييت وان تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
فكلهم كتم كتابه وكتب له الأحنف بن قيس : أما بعد فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ.
وإدعى المنذر بن الجارود أنه خاف أن يكون دسيساً من ابن زياد وكانت ابنة المنذر حربية تحت ابن زياد .
تهديد ابن زياد لأهل البصرة
وضرب ابن زياد عنق رسول الحسين وخطب بالناس وقال . أما بعد فوالله ما بي تقرن الصعبة وما يقعقع لي بالشنان وأني لنكل لمن عاداني وسلم لمن حاربني وأنصف القارة من راماها .
يا أهل البصرة أن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة وأنا غاد اليها الغداة وقد أستخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد فإياكم والخلاف والإرجاف فو الله لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لاقتله وعريفه ووليه ولاخذن الأدنى بالاقصى حتى تستقيموا.
ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق وأني أنا ابن زياد أشبهته من بين وطأ الحصى.
فلم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم ، وبنى عبيد الله بن زياد تلك الليلة بأهله أم نافع بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط .
أي تزوج بها ، ويعود أصل هذه الكلمة (بنى بها) لقيام الرجل قديماً إذا تزوج امرأة بنى لها قبة أي خيمة ، لتكون محل ليلة الزفاف والخلوة الشرعية.
وكان عبيد الله في طفولته مع أخوين قد حبسهما بسر بن ارطأة وأراد قتلهم لأن زياد لم يقدم على معاوية ، وكان زياد على فارس قد أرسله إليها الإمام علي عليه السلام .
فرفض القدوم وكتب زياد لست بارحاً مكاني حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك وأن قتلت ولدي فالمصير إلى الله ومن ورائنا الحساب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
فجاء ابو بكرة إلى بسر وقال له : قد أخذت ولد أخي غلمان بلا ذنب وقد صالح الحسن معاوية على أصحاب علي حيث كانوا فليس لك عليهم ولا على أبيهم سبيل وأجلهم أياما فجاءه بكتاب من معاوية يوم الميعاد وقد أخرج بسر أولاد زياد مع طلوع الشمس ينتظر بهم الغروب ليقتلهم؟
واجتمع الناس لذلك وهم ينتظرون أبا بكرة اذ رفع لهم عن برذون يكده والاح بثوبه وكبر وكبر الناس معه فدفع إلى بسر الكتاب فاطلقهم .
ثم تصالح معاوية مع زياد وضمه اليه وولاه البصرة ثم الكوفة .
ولما مات زياد قدم ابنه عبيد الله على معاوية ذلك في سنة أربع وخمسين فقال معاوية : لو أستعملك أبوك لاستعملتك فقال عبيد الله : أنشدك الله أن يقولها لي أحد بعدك لو إستعملك أبوك وعمك لأستعملتك فولاه خراسان وكان عمره خمساً وعشرين سنة ( )
ثم ولاه معاوية البصرة سنة خمس وخمسين وجاء بألفين من البخارية كلهم جيد الرمي بالنشاب .
دخول ابن زياد الكوفة
خرج عبد الله من البصرة مسرعاً ومعه مسلم بن عمرو الباهلي . وشريك ابن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته وقيل كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه.
فكان أول من سقط من الناس شريك ورجوا أن يقف عليهم ويسبقه الحسين إلى الكوفة.
فلم يقف على أحد منهم دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال الإمام الحسين عليه السلام .
فظنوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين فأخذ لا يمر على جماعة من الناس الا سلموا عليه وقالوا مرحباً بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم ولما اكثروا ووصل عبيد الله قريباً من القصر .
قال مسلم بن عمرو :تأخروا هذا الامير عبيد الله بن زياد وكان معه بضعة عشر رجلاً( ).
وقال عيسى بن يزيد الكناني ، وهو راوية أخبار من معاصري الدولة العباسية (لما جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد، انتخب من أهل البصرة خمسمائة ، فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل، وشريك بن الأعور – وكان شيعةً لعلي.
فكان أول من سقط بالناس شريك، فيقال: إنه تساقط غمرةً ومعه ناس – ثم سقط عبد الله ابن الحارث وسقط معه ناس، ورجوا أن يلوي عليهم عبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة، فجعل لا يلتفت إلى من سقط، ويمضي حتى ورد القادسية، وسقط مهران مولاه.
فقال: أيا مهران، على هذه الحال، إن أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مائة ألف، قال: لا، والله ما أستطيع. فنزل عبيد الله فأخرج ثياباً مقطعة من مقطعات اليمن، ثم اعتجر بمعجرة يمانية، فركب بغلته، ثم انحدر راجلاً وحده ، كما ذكر الطبري في تأريخه( ).
فجعل يمر بالمحارس فكلما نظروا إليه لم يشكوا أنه الحسين، فيقولون: مرحباً بك يابن رسول الله! وجعل لا يكلمهم، وخرج إليه الناس من دورهم وبيوتهم .
وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته، وانتهى إليه عبيد الله وهو لا يشك أنه الحسين، ومعه الخلق يضجون ، ويظنون أنه الحسين ، فكلمه النعمان.
فقال : أنشدك الله إلا تنحيت عني! ما أنا بمسلم إليك أمانتي، وما لي في قتلك من أرب؛ فجعل لا يكلمه. ثم إنه دنا وتدلى الآخر بين شرفتين، فجعل يكلمه فقال: افتح لا فتحت، فقد طال ليلك، فسمعها إنسانٌ خلفه، فتكفى إلى القوم.
فقال: أي قوم، ابن مرجانة، والذي لا إله غيره! فقالوا: ويحك! إنما هو الحسين، ففتح له النعمان، فدخل، وضربوا الباب في وجوه الناس، فانفضوا)( ).
فلما دخل القصر وعرفه الناس دخلهم من ذلك حزن شديد وارتباك ، وقال أحدهم أنه ابن مرجانة . وكان النعمان قد أغلق عليه باب القصر وهو لا يشك أنه الحسين .
وكونه دخل الكوفة وحده راجلاً أمر بعيد ، والمختار أن عبيد الله بن زياد حينما دخل الكوفة كان معه بضعة عشر رجلاً وعياله ممن نزلوا معه من البصرة ، إلا أن يقال أنه تركهم خلفه يسيرون ، وتعجل هو دخول الكوفة ، بناء على أمر يزيد له ، لكن لو جاء بمفرده راجلاً لا يتلقاه الناس مرحبين بأنه الحسين .
قال ابن كثير : دخل عبيد الله بن زياد الكوفة (في سبعة عشر راكباً)( ).
بينما خرج من البصرة في خمسمائة .
و(عن ابي مخنف فحدثني المصعب بن زهير عن ابي عثمان: ان زيادا اقبل من البصرة ومعه مسلم بن عمر الباهلي والمنذر بن عمرو بن الجارود وشريك بن الاعور وحشمه واهله حتى دخلوا الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو ملتثم والناس ينتظرون قدوم الحسين عليهم فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه وقالوا: مرحبا بك يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله قدمت خير مقدم ورآى من الناس تباشرهم بالحسين ما ساءه)( ).
أول خطبة لابن زياد في الكوفة
حالما دخل ابن زياد الكوفة خطب بالناس بلغة الإنذار والوعيد إذ أصبح في اليوم التالي لوصوله فجلس على المنبر وقيل : بل خطبهم من ساعته .
فقال : أما بعد فأن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم أمرني بإنصاف مظلومكم وأعطاء محرومكم وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مربيكم وعاصيكم وأنا متبع فيكم أمره ومنفذ فيكم عهده.
فانا لمحسنكم كالوالد البر ولمطيعكم كالأخ الشقيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي فليبق أمرؤ على نفسه ثم نزل .
فأخذ العرفاء الناس أخذاً شديداً وقال : اكتبوا لي الغرباء ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية( ) وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق.
فمن كتبهم الي برئ ومن لم يكتب لنا أحداً فليضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا فيهم مخالف ولا يبغ علينا منهم باغ فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله .
وأيما عريف وجد في عرافته بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه الينا صلب على باب داره .
وألغيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة( ).
وذاعت مقالة عبيد الله وتهديده وتخويفه وغيضه وحنقه اذ قال أيها الناس أني لأعلم أنه قد سار معي وأظهر الطاعة لي من هو عدو للحسين حين ظن أن الحسين قد دخل البلد وغلب عليه والله ما عرفت منكم أحدا( ).
أراد إظهار الحلم والمكر وأنه لا يتخذ ضدهم أجراء لمنع الناس من الثورة عليه .
تخفي مسلم بن عقيل
لقد شهد مسلم بن عقيل هذا التحول السريع في الكوفة ، وامتلاء قلوب الناس خوفاً من السلطان وجنوده فاحتاط وأزداد حذراً وانتقل إلى دار هانئ بن عروة وكان أصحابه يختلفون اليه بكتمان لم يمنع من وصول الخبر لإبن زياد وقيل له أن مسلم بن عقيل قدم قبلك بليلة وأنه بناحية الكوفة.
فدعا ابن زياد مولى له وقيل مولى لبني تميم يقال له معقل فأعطاه ثلاثة آلاف درهم.
وقال انتحل هذا الأمر وأعنهم بالمال وأطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه وقل لهم إستعينوا بها على حرب عدوكم.
وأعلمهم أنك منهم ثم أغد عليهم ورح حتى تعرف مستقر مسلم بن عقيل .
فجاء معقل إلى مسجد الكوفة فسمع الناس يقولون هذا يبايع للحسين ويقصدون مسلم بن عوسجة الاسدي وكان يصلي .
فجاء معقل فجلس حتى فرغ من صلاته فقال له . يا عبد الله أني أمرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب هذا البيت وحب من أحبهم فهذه ثلاثة آلاف درهم معي أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة اذ سمعت نفراً من المسلمين يقولون هذا رجل يحب أهل هذا البيت .
فقال مسلم بن عوسجة : أحمد الله على لقائك إياي فقد سرني ذلك لتنال ما تحب ولينصر الله بك أهل البيت.
ولقد ساءني معرفتك إياي بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة ابن زياد وسطوته فأخذ بيعته قبل أن يبرح وأخذ عليه المواثيق الغليظة ليناصحن وليكتمن فأعطاه من ذلك ما رضى به . ثم قال له إختلف الي أياماً في منزلي فأنا طالب لك الأذن على صاحبك .
وجاء شريك بن الأعور شاكياً حيث تساقط في الطريق عن ابن زياد ونزل عند هانيء وقال ان عبيد الله يعودني .وكان كريماً على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء .
وكان قد شهد صفين مع عمار فارسل اليه ابن زياد أني رائح اليك العشية.
فقال لمسلم : إن هذا الفاجر عائدي العشية فاذا جلس أخرج اليه فأقتله ثم أقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه فإن برئت من وجعي سرت إلى البصرة حتى أكفيك أمرها .
وقال هانيء لا أحب أن يقتل في داري.
الغدر بهانئ بن عروة
ثم أن مولى ابن زياد الذي دسه بالمال أدخل على مسلم بن عقيل فأخذ بيعته وأمر أبا ثمامة الصائدي بقبض المال منه وأخبر معقل ابن زياد بمكان إقامة مسلم وما أطلع عليه من أسرارهم .
فدعا عبيد الله محمد بن الاشعث وأسماء بن خارجة فسألهم عن هانيء وانقطاعه فقالوا ما ندري وقد قيل أنه يشتكي قال قد بلغني أنه قد بريء وهو على باب داره فألقوه ومروه إلا يدع ما عليه من حقنا فأني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.
فجاءا يلحان عليه وقالا أقسمنا عليك لما ركبت معنا.
فدعا بثيابه فلبسها ثم دعى ببغلة فركبها حتى إذا دنى من القصر كأن نفسه أحست ببعض الذي كان قال :أني والله لهذا الرجل لخائف . فلما دخل على عبيد الله بن زياد قال عبيد الله : أتتك بخاين رجلاه . فلما دنا هانيء من ابن زياد التفت الأخير لشريح القاضي وقال :
أريد حياته ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد
فقال هانيء : وما ذاك ؟ فقال : ياهانيء ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين جئت بمسلم فأدخلته دارك وجمعت له السلاح وظننت ان ذلك يخفى علي.
فأبي هانيء إلا مجاحدته ومناكرته فدعى ابن زياد معقلاً ذلك العين.
فلما رأه هانئ أسقط في يده ثم إستدرك فقال ما كذبت والله ما دعوته إلى منزلي حتى جاءني يسألني النزول فاستحييت من رده ودخلني من ذلك ذمام فضيفته وآويته .
فإن شئت أعطيك الآن موثقاً الا أبغيك سوءاً ، وأمر أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض .
فقال ابن زياد : والله لا تفارقني أبداً حتى تأتيني به . قال لا أتيك به . أجيئك بضيفي تقتله.
ولما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي وهو من أهل الشام فخلا بهاني ناحية وقال له أني لأنفس بك عن القتل أن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه .
فأدفعه اليهم ليس عليك بذلك مخزاة ولامنقصة انما تدفعه إلى السلطان.
فقال هانيء والله ان علي في ذلك الخزي والعار وأن أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح كثير الأعوان . فقال ابن زياد ائتوني به.
فقال له : ما حملك على ان تجير عدوي وتنطوي عليه ، فقال هانيء وكان يومئذ ابن بضع وتسعين سنة .يا ابن أخي أنه جاء يحق هو أحق من حقك وحق أهل بيتك .
فقال ابن زياد والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك قال :إذن والله تكثر البارقة حول دارك وهو يرى ان عشيرته ستمنعه فقال ابن زياد : أبالبارقة تخوفني ، وضربه بالقضيب وألقي في بيت وأغلق عليه .
وجاءت مدحج وأحاطوا بالقصر فخرج شريح القاضي اليهم وطمأنهم قائلاً : نظرت إلى صاحبكم وأنه حي لم يقتل فأنصرفوا .
خروج مسلم بن عقيل في الكوفة
وأتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه يا منصور أمت وكان شعارهم وكان حوله من أصحابه في الدور أربعة آلاف فاجتمع اليه ناس كثير وأقبل نحو القصر . وكان عبيد الله لما ضرب هانئاً وخشي ان يثب الناس عليه خرج وصعد المنبر ومعه من أشراف الناس وشرطه وحشمه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فأعتصموا بطاعة الله وطاعة ائمتكم ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتحرموا أن أخاك من صدقك وقد أعذر من أنذر.
فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون قد جاء ابن عقيل فدخل ابن زياد القصر مسرعاً وأغلق أبوابه وأمر منادياً فنادى يا خيل الله أركبي فلا أحد يجيبه وأمتلأ المسجد والسوق من الناس يسبوه وأباه .
وأقبل وجوه الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلى دار الروميين.
وتسمى أيضاً سكة دار الرومين لأنها كانت محلة للنصارى .
تفرق الناس عن مسلم
لقد دعا ابن زياد جماعة منهم وأمرهم أن يخرجوا فيمن أطاعهم ليخذلوا الناس عن ابن عقيل ويخوفونهم . وأمر آخرين ان يشرفوا على الناس فيمنوا أهل الطاعة ويخوفوا أهل المعصية ففعلوا .
فأخذ الناس يتفرقون حتى أن المرأة تأتي ابنها وأخاها .
وتقول : أنصرف الناس يكفونك وقال كثير بن شهاب وقد أشرف على الناس من فوق القصر هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت وأنذرهم وخوفهم وحذرهم .
فأخذ الرجل يأتي إلى ابنه وأخيه فيقول غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر فيذهب به فما زالوا يتفرقون حتى أمسى مسلم بن عقيل وصلى المغرب وما معه الا ثلاثون نفساً في المسجد .
وروي أن ابن الأشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعي قاتلوا مسلماً وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالاً شديداً وان شبثاً جعل يقول إنتظروا بهم إلى الليل يتفرقون .
طوعة
فلما رأى مسلم قلة عدد من معه خرج من المسجد فما بلغ الباب الا وليس معه منهم الا عشرة . فلما خرج من الباب التفت فلم يجد من يدله على الطريق فمضى في أزقة الكوفة فانتهى إلى باب امرأة قائمة وكانت تنتظر مجئ ابنها فسلم عليها مسلم وقال يا أمة الله أسقيني ماء.
فدخلت فسقته فجلس فقالت إذهب إلى أهلك عافاك الله فأنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحله لك.
فقام وهو يقول يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي مكافئك به بعد اليوم.
قالت : يا عبد الله وما ذاك . قال أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم وغروني .
قالت : أدخل . فأدخلته بيتاً في دارها غير الذي تكون فيه وفرشت له وعرضت العشاء فلم يتعش .
لتدخل هذه المرأة التأريخ في الولاء لأهل البيت ، وإيواء الطريد ، واسمها طوعة ، وهي جارية للأشعث بن قيس الكندي اعتقها فتزوجها أسيد بن مالك فولدت له ولداً يدعى بلالاً ، وهو الذي أخبر ابن زياد عن وجود مسلم في دارهم.
خروج ابن زياد من القصر
لقد أغلق عبيد الله بن زياد أبواب القصر عليه ، وخاف خوفاً شديداً ، ويوجه أصحابه لتفريق الناس عن مسلم بن عقيل حتى صار قبل صلاة العشاء لا يسمع أصوات أصحاب مسلم بن عقيل . فقال لأصحابه أشرفوا فانظروا فأشرفوا فلم يروا أحداً . ولكنه لم يغادر الحذر لما أصابه من فزع فقال لعلهم تحت الظلال قد كمنوا فدلوا القناديل تشد بالحبال ثم تدلى حتى تنتهي إلى الأرض فلم يروا شيئا فأخبروا ابن زياد . ففتح باب السدة التي في المسجد ثم خرج فصعد المنبر وأصحابه معه فأمرهم أن يحيطوا به ويجلسوا حوله وذلك قبيل العتمة ( ).
وأمر عمرو بن نافع فنادى الا برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب أو المقاتلة صلى العتمة – أي صلاة العشاء – إلا في المسجد.
فلم يكن إلا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس ثم أمر مناديه فأقام الصلاة فقال الحصين بن تميم إن شئت صليت بالناس أو يصلي بهم غيرك ودخلت أنت فصليت في القصر فأني لا أمن أن يغتالك بعض أعدائك.
فأقام الحرس خلفه وصلى بالناس العشاء وبعد الصلاة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم نال من مسلم وقال قد أتي ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت ذمة الله رجل وجدناه في داره من جاء به فله من ديته أتقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً.
يا حصين بن نمير ثكلتك أمك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة( ) أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به وقد سلطتك على دور أهل الكوفة وأصبح غداً فاستبريء الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل ويقصد مسلم .
وكان الحصين على شرطته وهو من تميم ثم عقد ابن زياد راية لعمرو بن حريث وهو من أغنى أهل الكوفة وأمره على الناس .
محاصرة مسلم بن عقيل
وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذي آوت أمه مسلماً فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فأخبره بمكان مسلم عندهم فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو في مجلس ابن زياد فساره.
فقال ابن زياد ما قال لك أجاب أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا فنخس ابن حريث وهو في المسجد خليفته على الناس أن إبعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين من قيس ولم يرسل معه من قومه كنده لان كل قوم يكرهون ان يصادف فيهم مثل ابن عقيل وربما يتفقون على غير الذي بعثهم فيه ابن زياد .
وأتوا الدار التي فيها ابن عقيل فأحس مسلم بهم وسمع وقع حوافر الخيل.
قتال مسلم
استعد مسلم للقتال وخرج اليهم بسيفه وشد عليهم وأخذ يضربهم بسيفه حتى هزمهم وأخرجهم من الدار التي هو فيها.
وطلب ابن الاشعث مدداً وأخذوا أيضاً يلهبون النار في أطناب القصب ثم يلقونها عليه من فوق البيت.
فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتاً بسيفه في السكة . ولما كانوا حديثي عهد بشجاعة عمه الإمام علي عليه السلام اتجهوا إلى أسلوب الخديعة فقال له محمد بن الاشعث يا فتى لك الأمان فاستمر يقاتلهم وهو يقول :
(أقسمت لا أقتل إلا حراً … وإن رأيت الموت شيئاً نكرا
أو يخلط البارد سخناً مراً … رد شعاع الشمس فاستقرا
كل امرىءٍ يوماً يلاقي شراً … أخاف أن أكذب أو أغرا)( ).
فقاتل له محمد بن الأشعث أنك لا تكذب ولا تغر فلا تخدع ان القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك وكان قد أثخن بالحجارة وأخذ يسند ظهره إلى جنب الدار فأعاد عليه ابن الأشعث القول لك الأمان .
فقال مسلم آمن قال : نعم فقال مسلم موجهاً خطابه إلى القوم في السكة وسطوح المنازل ألي الأمان قالوا : نعم إلا عبيد الله الاسلمي فلم يجب وقال لا ناقة لي في هذا ولا جمل .
فقال مسلم : أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم وأتي ببغله فحمل عليها فأنتزعوا سيفه وأحاطوه فقال مسلم : هذا أول الغدر .
قال محمد ابن الأشعث (أرجو أن لا يكون عليك بأس)( ).
فقال مسلم بحنكة دلت على احتفاظه بشجاعته وفراسته وعدم ارتباكه . وما هو الا الرجاء أين أمانكم أنا لله وأنا اليه راجعون .
(وما لبث الا أن ذكر الحسين . فأقبل على ابن الأشعث يسأله أن يبعث رجلاً للحسين يبلغه بالحال ويطلب منه الرجوع).
قال مسلم : يا عبد الله إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني أن يبلغ حسينا فاني لا أراه إلا وقد خرج اليوم أو خارج غدا وأهل بيته .
ويقول له : إن ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في يد القوم لا يرى أنه يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك: ارجع فداك أبي وامي بأهل بيتك ولا يغررك أهل الكوفة فانهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل.
إن أهل الكوفة قد كذبوك وليس لمكذوب رأي، فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك) ( ).
وكان خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة كما ظن مسلم في نفس اليوم الذي خرج فيه مسلم وهو يوم التروية الثامن من ذي الحجة سنة ستين للهجرة . ودخل ابن الأشعث على ابن زياد ولما أخبره ما كان من شجاعة مسلم وأمانه له سخر ابن زياد بوعد محمد بن الأشعث وأمانه وقال وما أنت والأمان إنما أرسلناك لتأتينا به .
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (ذِمّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ)( ).
وصية مسلم
جلس مسلم على باب القصر حيث بعض وجوه القوم ينتظرون الإذن ورأي مسلم جرة فيها ماء فأحس بالعطش فأبوا أن يسقوه ثم أن أحدهم بعث غلاماً له فجاء بقلة عليها منديل وقدح فصب فيه الماء . فأخذ مسلم كلما شرب امتلأ القدح دماً من فيه ، فعل ذلك ثلاثاً فقال : لو كان من الرزق المقسوم لشربته وحمد الله .
وأدخل على ابن زياد فلم يسلم عليه بالأمرة فقال له الحرسي إلا تسلم على الأمير فقال ان كان يريد قتلي فما سلامي عليه وان كان لا يريد قتلي ليكثرن سلامي عليه .
قال ابن زياد : لعمري لتقتلن . قال مسلم كذلك ؟ قال نعم قال مسلم فدعني أوصي إلى بعض قومي : قال : إفعل . فأستعرض مسلم وجوه جلساء عبيد الله بن زياد وكان عمر بن سعد أقربهم اليه نسباً وصهراً . وكان قريباً من الحسين وأهل البيت في صباه .
فقال : يا عمر إن بيني وبينك قرابة ولي اليك حاجة وقد يجب لي عليك نجح حاجتي وهي سر .
فامتنع عمر أن يسمع منه لحرصه على منزلته عند ابن زياد إلى أن اشار عليه ابن زياد وقال لا تمتنع من حاجة ابن عمك.
فقام معه فقال مسلم في الدقائق الأخيرة من عمره : أن علي بالكوفة ديناً إستدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فبع سيفي ودرعي فأقضها عني فإذا قتلت فاستوهب جثتي من ابن زياد فوارها .
وأبعث إلى الحسين من يرده فاني كتبت اليه أعلمه ان الناس معه ولا أراه الا مقبلاًَ .
وكانت تلك الوصية والإختيار كانذار لعمر بن سعد وتحذير كي يتنحى ويتجنب قتل الحسين وانه أقرب من غيره إلى الحسين تلك القربة وسابقة أبيه ومنزلته في الإسلام تكفي لبناء جاه له عند بني أمية وغيرهم ولكنه ما ان اكمل مسلم مقالته حتى التفت إلى ابن زياد .
وقال أتدري أيها الأمير ما قال : قال كذا وكذا .
فقال ابن زياد أنه لا يخونك الأمين ولكنه قد يؤتمن الخائن تعرفهما بعمر بن سعد .
ثم أجاب على المسألة أما مالك فهو لك ولسنا نمنعك ان تصنع به ما أحببت ، وأما جثته فانا لا نبالي اذا قتلناه ما صنع بها .
وأما حسين فان هو لم يردنا لم نرده.
احتجاج مسلم
قال ابن زياد لمسلم : يا ابن عقيل أتيت الناس وهم جمع فشتت بينهم وفرقت كلمتهم وحملت بعضهم على بعض .
قال مسلم كلا لست لذلك أتيت ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب . وجرى بينهما كلام وجدال .
فقال مسلم برباطة جأش وإحتجاج شديد : أما أنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك .
شهادة مسلم بن عقيل
قال ابن زياد : أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف فدعي بكير بن حمران فقال إصعد فلتكن أنت الذي تضرب عنقه . فألتفت مسلم لمحمد بن الأشعث وقال : أما والله لولا أنك أمنتني ما أستسلمت قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك .
فصعد مسلم وهو يكبر ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ورسله ويقول اللهم أحكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا وأشرف به على موضع الجزارين فضربت عنقه رضوان الله عليه والقوا بجسده من على القصر فلما نزل بكير قال له ابن زياد : ما كان يقول وأنتم تصعدون به قال . كان يسبح الله ويستغفر .
فقلت : أدن مني فضربته ضربة لم تغن شيئاً .
فقال . أما ترى في خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد فقال ابن زياد : وفخراً عند الموت . قال : ثم ضربته الثانية فقتلته( ).
(وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مَضَيْنَ من ذي الحجة سنة ستين، وهو اليوم الذي ارتحل فيه الحسين من مكة إلى الكوفة، وقيل: يوم الأربعاء يوم عرفة لتِسْع مَضَينَ من ذي الحجة سنة ستين) والأول أصح.
(ثم أمر ابن زياد بجثة مسلم فصلبت، وحمل رأسه إلى دمشق، وهذا أول قتيل صلبت جثته من بني هاشم، وأول رأس حمل من رؤوسهم إلى دمشق)( ).
سؤال الأمان لهانئ بن عروة
قام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد في هانيء بن عروة وقال أنك عرفت منزلته في المصر وبيته في العشيرة وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه اليك فأنشدك الله لما وهبته لي فأني أكره عداوة قومه وهم أعز أهل المصر فوعده أن يفعل ذلك ولكنه ما لبث حتى أخرج هانيء وامر بضرب عنقه في السوق .
ولم يف عبيد الله بوعده لمحمد بن الأشعث .
وكان هانئ رئيس قبيلة مذحج ، وقتله بالسوق تحد لقبيلته ، والقاء بالخوف في قلوب أهل الكوفة ورؤسائها ، لعلم ابن زياد أن قلوبهم مع الحسين عليه السلام ، وحكم وعدالة الإمام علي عليه السلام في الكوفة قريبة منهم (فأخرج بهانىء حتى أنتهي إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم وهو مكتوف، فجعل يقول: وامذحجاه! ولا مذحج لي اليوم! وامذحجاه ، وأين مني مذحج ، فلما رأى أن أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف .
ثم قال: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش به رجلٌ عن نفسه .
ووثبوا إليه فشدوه وثاقاً، ثم قيل له: امدد عنقك، فقال: ما أنا بها مجدٍ سخي، وما أنا بمعينكم على نفسي.
فضربه مولىً لعبيد الله بن زياد – تركي يقال له رشيد – بالسيف، فلم يصنع سيفه شيئاً، فقال هانىء: إلى الله المعاد! اللهم إلى رحمتك ورضوانك! ثم ضربه أخرى فقتله.
فبصر به عبد الرحمن بن الحصين المرادي بخازر، وهو مع عبيد الله بن زياد؛ فقال الناس: هذا قاتل هانىء بن عروة؛ فقال ابن الحصين: قتلني الله إن لم أقتله أو أقتل دونه! فحمل عليه بالرمح فطعنه فقتله)( ).
لقد أحدث قتل مسلم وهانيء ألماً في النفوس وحزناً يصفه عبد الله بن الزبير الأسدي ( ) ويقال الفرزدق في أبيات منها :
(فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري .. إلى هانئ في السوق و ابن عقيل
ترى رجلاً قد جدع السيف أنفه … و آخر يهوي من طمارٍ قتيل
ترى جسداً قد غير الشمس لونه … ونضح دم قد سال كل مسيل)( ).
لقد حذرت الملائكة الناس من سفك الدماء وكثرة القتل يوم أخبرهم الله عز وجل عن خلق آدم وجعله خليفة في الأرض وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ومن علم الله عز وجل بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالزجر عن القتل والتخويف من سفك الدماء ومنع الغزو بين القبائل ، كما أمر الله عز وجل الحكام بالرأفة والحكم بالعدل وعدم الأخذ بالظنة ، قال تعالى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ولكن عبيد الله بن زياد القى نفراً من أهل الكوفة في السجن .
ثم قام باخراج بعضهم وقتلهم فأحضر ابن زياد بعض من سجنه يوم خروج مسلم وكان قد رفع راية أمان يومها . فقال ابن زياد لعبد الأعلى الكلبي حين دعاه أخبرني بأمرك . فقال : أصلحك الله خرجت لانظر ما يصنع الناس وكان قد أخذ في بني فتيان جاء به كثير بن شهاب .
فقال ابن زياد له (فعليك وعليك، من الأيمان المغلظة، إن كان أخرجك إلا ما زعمت! فأبى أن يحلف، فقال عبيد الله: انطلقوا بهذا إلى جبانة السبيع فاضربوا عنقه بها .
قال: فانطلق به فضربت عنقه)( ).
واخرج عمارة بن صلخب الازدي وكانوا يظنون انه ممن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل لنصرته. فلم يستطلع ابن زياد حقيقة موقفه وأكتفى بأن سأله ممن أنت ؟
قال : من الأزد .
قال : أنطلقوا به إلى قومه فضربت عنقه فيهم . وفعل كما كان أبوه حين أتى له باعرابي عندما كان عاملاً لمعاوية على البصرة فسأله عن خروجه ليلاً قال للأعرابي هل سمعت النداء ، أي نداء منع التجول ليلاً .
قال : لا والله قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع فأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير . قال : أظنك والله صادقاً ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة ثم أمر به فضربت عنقه ( ).
قال الطبري (وكان زياد أول من شدد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وجرد سيفه، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناس خوفاً شديداً حتى أمن بعضهم بعضاً، وحتى كان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه، ولا يغلق أحد بابه)( ).
وقد قال الله تعالى في خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وفي الآية دعوة لحكام المسلمين للتأسي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
وقال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( ).
الكتابة إلى يزيد
ثم أن ابن زياد أمر كاتبه وهو عمرو بن نافع ان يكتب إلى يزيد فلما نظر ابن زياد للكتاب قال ما هذا التطويل وما هذا الفضول . أراد أن تكون أفعاله هي التي تخبر وترضي يزيد عنه ، متفاخراً بسفك الدماء بغير حق.
فقال أكتب : أما بعد فالحمد الله الذي أخذ لأمير المؤمنين حقه وكفاه مؤنة عدوه أخبر أمير المؤمنين أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانيء بن عروة المرادي واني جعلت عليهما المراصد والعيون ودسست اليهما الرجال وكدتهما حتى استخرجتهما وأمكن الله منهما وضربت أعناقهما.
وقد بعثت اليك برأسيهما مع هانيء بن ابي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب من أمرهما فان عندهما علماً وصدقاً وورعاً والسلام( ).
الحبس على الظنة
فسر يزيد بذلك وأقر فعله وأعلن رضاه و كتب لإبن زياد : أما بعد فأنك لم تعد ان كنت كما أحب عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظني بك ورأيي فيك وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت فأستوص بهما خيراً .
وانه قد بلغني أن الحسين بن علي قد توجه نحو العراق فضع المناظر والمسالح واحبس على الظن وخذ على التهمة غير أن لا تقتل إلا من قاتلك وأكتب الي في كل ما يحدث من الخبر والسلام .
إن إكرام يزيد وأظهاره الأحترام والتقدير لمن جاء برأس مسلم يبين شديد حرصه وكثير أهتمامه بالذي يجنبه خروج الكوفة عليه وخشيته من عواقب أمرها .
فبعث ابن زياد الحصين بن نمير صاحب شرطته وأمره أن ينزل القادسية بأربعة آلاف وان يضع المسالح والخيل ما بين القادسية إلى خفان وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى القلع وقدم الحر بن يزيد الرياحي في الف فارس بين يديه .
أخذ رسول الحسين إلى أهل الكوفة
ولما انتهى الحصين إلى القادسية أخذ رسول الحسين إلى أهل الكوفة قيس بن مسهر الصيداوي فبعث به إلى عبيد الله بن زياد ومعه كتاب من الحسين فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فأني أحمد اليكم الله الذي لا إله لا هو.
أما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا .
فسألت الله الذي أن يحسن لنا الصنع وان يثيبكم على ذلك أعظم الأجر وقد شخصت اليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية فاذا قدم عليكم رسولي فأكمشوا أمركم وجدوا فاني قادم عليكم أيامي هذه إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وكان مسلم قد كتب اليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة وكتب اليه أهل الكوفة أن لك هنا مائة الف سيف ولا تتأخر ( ).
فلما دخل قيس بن مسهر الصيداوي على عبيد الله بن زياد قال له عبيد الله إصعد القصر فسب الحسين فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم نادى أيها الناس إن هذا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا رسوله اليكم وقد فارقته في الحاجر فأجيبوا .
ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه واستغفر لعلي بن أبي طالب عليه السلام فأمر عبيد الله بن زياد بقتله.
توجه الحسين إلى الكوفة
توجه الحسين عليه السلام نحو الكوفة لا يلوي على شيء منذ ان جاءه كتاب مسلم بن عقيل ومعه اخوته من بني هاشم وعدد كبير من أصحابه حيث اجتمع اليه مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز إنضافوا إلى أهل بيته ومواليه . ونفر من أهل البصرة من مثل يزيد بن نبيط الذي عزم على الخروج إلى الحسين وهو من عبد القيس وكان له بنون عشرة .
فقال : أيكم يخرج معي فخرج معه ابنان له . عبد الله وعبيد الله فساروا فقدموا عليه بمكة ثم ساروا معه فقتلوا معه ( ).
حدث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من الحج نساير الحسين عن بعد ونحن نتجنب أن ننازله في منزل الا منزلاً لم نجد بداً من أن ننازله فاستدعى الحسين عليه السلام زهير بن القين فأطرق وسكتنا .
فقالت امرأة زهير دلهم بنت عمرو : سبحان الله أيبعث اليك ابن بنت رسول الله ثم لا تأتيه لو أتيته فسمعت من كلامه ثم أنصرفت .
فأتاه زهير فما لبث أن جاء مستبشراً فأمر بفسطاطه وثقله ورحله ومتاعه فقوض وحمل إلى الحسين عليه السلام ثم قال لإمرأته انت طالق الحقي بأهلك فأني لا أحب ان يصيبك بسببي الا خيرا ثم قال لأصحابه : من أحب منكم أن يتبعني والا فأنه آخر العهد وسأحدثكم حديثاً غزونا بلنجر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم.
فقال لنا سلمان الفارسي : اذا ادركتم سيد شباب أهل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم( ) .
والرواية تؤكد أن الإمام الحسين أنما عجل بمغادرة مكة خشية الطلب حيث لحق به العائد من الحج .
خبر مقتل مسلم
لما نزل الإمام الحسين عليه السلام الثعلبية ممسياً وقيل نزل زبالة جاءه خبر مقتل مسلم بن عقيل وهانيء فاسترجع وترحم عليهما ، ثم نظر إلى بني عقيل فقال ما ترون فقد قتل مسلم .
فقالوا : والله لا نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق . قال الإمام الحسين لمن أشار عليه بالرجوع ساعتها : لاخير في العيش بعد هؤلاء وبلغ الحسين عليه السلام مقتل رسوله إلى أهل الكوفة .
(ووصل إلى حاجر فقال خذلتنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه وليس عليه منا ذمام فتفرق الناس عنه أيادى سبا يمينا وشمالا حتى بقى فى أصحابه الذين جاؤا معه من مكة وإنما فعل ذلك لأنه ظن أن من اتبعه من الأعراب إنما اتبعوه لأنه يأتى بلدا قد استقامت له طاعة اهلها .
فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على م يقدمون وقد علم أنه إذا بين لهم الأمر لم يصحبه إلا من يريد مواساته فى الموت معه)( ).
وقد قطع الإمام الحسين عليه السلام المسافة بين مكة وكربلاء بأربعة وعشرين يوماً ، ومقدار المسافة (1400 )كم أي كان يسير وأصحابه 62 كم في اليوم تقريباً ، وكان يركبون الإبل والخيل ، وقيل بعضهم سيراً على الأقدام ، ووصل إلى كربلاء في اليوم الثاني من محرم ، ومجموع المنازل التي مرّ بها (38) منزلاً ، وبات في (24) منزلاً منها .
ثم أخرج للناس كتاباً فقرأه عليهم .
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فأنه أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة وعبد الله بن يقطر ومما جاء فيه فمن أحب منكم الأنصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذمام .
فتفرق الناس عنه ولم يبق مع الحسين عليه السلام الا أهل بيته وأصحابه الذين جاءوا معه من المدينة .
ورد (عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشمل الاسديين قالا لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه .
فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين قالا فوقف الحسين كأنه يريده ثم تركه ومضى ومضينا نحوه .
فقال أحدنا لصاحبه اذهب بنا إلى هذا فلنسأله فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه فمضينا حتى انتهينا إليه فقلنا.
السلام عليك قال وعليكم السلام ورحمة الله ثم قلنا فمن الرجل قال أسدى فقلنا فنحن أسديان .
فمن أنت قال أنا بكير بن المثعبة فانتسبنا له ثم قلنا أخبرنا عن الناس وراءك .
قال نعم لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة فرأيتهما يجران بأرجلهما في السوق .
قالا فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسيا فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا فقلنا له يرحمك الله إن عندنا خبرا فإن شئت حدثنا علانية وإن شئت سرا قال فنظر إلى أصحابه وقال ما دون هؤلاء سر فقلنا له أرأيت الراكب الذى استقبلك عشاء أمس قال نعم.
وقد أردت مسألته فقلنا قد استبرأنا لك خبره وكفيناك مسألته وهو ابن امرئ من أسد منا ذو رأى وصدق وفضل وعقل إنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة وحتى رآهما يجران في السوق بأرجلهما فقال إنا لله وإنا إليه راجعون رحمة الله عليهما فردد ذلك مرارا .
فقلنا ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف أن تكون عليك قال فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبى طالب .
(قال أبو مخنف) حدثنى عمر بن خالد عن زيد بن على بن حسين وعن داود بن على ابن عبد الله بن عباس أن بنى عقيل قالوا لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا .
(قال أبو مخنف) عن أبى جناب الكلبى عن عدى بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشعل الاسديين قالا فنظر الينا الحسين فقال لا خير في العيش بعد هؤلاء قالا فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير قالا فقلنا خار الله لك فقال رحمكما الله قالا فقال له بعض أصحابه إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قدمت الكوفة لكان الناس اليك أسرع)( ).
فلما كان السحر أمر أصحابه ان يستقوا من الماء وأن يكثروا ثم نزل ببطن العقبة فنزل عليها .
ثم سار حتى نزل شراف وتهيئوا من السحر بالإستقاء والإكثار من الماء
رؤية طلائع ابن زياد
بعد أن صلى الله عليه وآله وسلم الحسين عليه السلام بأهل بيته وأصحابه صلاة الصبح إنطلقوا نحو الكوفة حتى اذا كاد النهار ان ينبه لصلاة الظهر وحلول وقتها وهم يسيرون اذ كبر رجل من أصحاب الحسين .
فقال له الحسين عليه السلام الله أكبر لم كبرت قال رأيت النخل فأنكر جماعة وجود نخلة في ذلك المكان فاهتم الإمام الحسين عليه السلام بالأمر لخطر هذا السواد وأثره فقال فما ترونه قالوا نراه والله آذان الخيل قال : أنا والله أرى ذلك .
ثم أظهر حسن تدبيره في أدارة وفنون اللقاء قال : هل لنا ملجأ نلجأ اليه فنجعله في ظهورنا لنستقبل القوم بوجه واحد فقالوا له : بلى هذا ذو الحسم( ) إلى جنبك فعدل اليه الحسين عليه السلام بأهله وأصحابه . فطلعت عليهم هوادي الخيل وأسنة الرماح تجللها الرايات .
وأمر الحسين بأبنيته فضربت ووقف الحسين عليه السلام وأصحابه معتمون متقلدون سيوفهم فجاء القوم وهم زهاء ألف فارس عليهم الحر بن يزيد الرياحي التميمي كانت هيئة القوم ومسيرهم ينبيء عن الغاية التي جاءوا لأجلها مع وجود قرائن منها خبر مقتل مسلم وهانيء .
ولكن الحسين عليه السلام استقبلهم بما أدبه به الله ورسوله وبما عرف من سجايا آل محمد فقال لفتيانه أسقوا القوم وأروهم من الماء ورشفوا ترشيفاً .
قال علي بن الطعان المحاربي كنت آخر من جاء من أصحاب الحر فلما رأى الحسين مابي وفرسي من العطش قال : انخ الراوية والراوية عندي السقاء ثم قال يا ابن الأخ أنخ الجمل فأنخته فقال اشرب فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسين عليه السلام أخنث السقاء أي أعطفه فلم أدر كيف افعل يقول فقام الحسين فخنثه فشربت وسقيت فرسي( ).
حضور صلاة الظهر
لقد حضرت صلاة الظهر وأمر الحسين عليه السلام الحجاج بن مسروق ان يؤذن فلما حضرت الإقامة خرج الحسين عليه السلام في أزار ورداء ونعلين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إني لم أتكلم حتى أتتني كتبكم وقدمت على رسلكم أن أقدم علينا فأنه ليس لنا أمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى فأن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأن تعطوني ما أطمئن اليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم وان لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه اليكم فسكتوا عنه ، فقال للمؤذن أقم فأقام للصلاة.
فقال الإمام الحسين عليه السلام للحر أتريد ان تصلي بأصحابك . قال الحر : لا بل تصلي ونصلي بصلاتك( ).
لعلمهم بامامة الإمام الحسين وعلمه وتقواه وأفضليته وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا ليكون من معاني الحديث إمضاء صلح الحسن وقيام الحسين وامتناعه عن بيعة يزيد.
ولما قضيت الصلاة تفرق القوم فدخل الإمام الحسين خيمته واجتمع اليه من أصحابه جماعة بينما عاد آخرون إلى صفهم الذين كانوا فيه ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها .
وما لبثوا الا قليلاً أمر الحسين عليه السلام ان يتهيئوا للرحيل .
وخرج الإمام الحسين من خيمته فأمر مناديه فنادى للعصر وأقام فتقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم .
الإحتجاج بكثرة كتب أهل العراق
بعد أداء صلاة العصر جماعة بإمامة الحسين عليه السلام انصرف بوجهه إلى الحر وأصحابه بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فأنكم آن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى الله .
ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان وان أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم وقدمت به علي رسلكم انصرفت عنكم .
وكان الحر قد زود بأوامر مشددة وأن لا يفارق الحسين حتى يقدمه الكوفة ووضعت عليه العيون من بين أصحابه .
فقال إنا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر وكانت تلك الكتب قد شاع أمرها
حيث كانت ترد للحسين منذ أيام معاوية . فقال الإمام الحسين عليه السلام : يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيها كتبهم إلي .
فأخرج خرجين مملؤين صحفاً كان أهل العراق قد بعثوا بها إلى الحسين بعد تولي يزيد الخلافة فنشرها حيث يرونها . فقال الحر : فأنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا اليك ثم أضاف مبيناً أسلوب تنفيذ الأوامر التي كان يحملها . لا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد .
فقال له الإمام الحسين عليه السلام الموت أدنى اليك من ذلك ثم أمر أصحابه بالركوب فركبوا . حتى اذا ركبت النساء أمرهم الإمام بالإنصراف فلما هموا بذلك حال الحر وأصحابه دون أنصرافهم واختيار الجهة التي يريدون .
فقال الإمام الحسين عليه السلام للحر ثكلتك أمك ما تريد ؟ قال : أريد أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد .
قال له الحسين إذن لا أتبعك قال : إذن والله لا أدعك .
ثم سأل الحر الإمام الحسين عليه السلام قائلاً : فأذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة تكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت الكتاب تكتب اليه أو إلى عبيد الله بن زياد أن شئت فلعل الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشىء من أمرك.
فخذ ههنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية فسار الحسين والحر يسايره وينتظر جواب ابن زياد وأمره ولكن الحسين عليه السلام لم يفتأ يعظ القوم ويحذرهم .
قال أبو مخنف عن عقبة بن أبي العيزار أن الحسين خطب أصحاب الحر بالبيضة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالأثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل الاقوال كان حقاً على الله أن يدخله مدخلة ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود
وأستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غيري وقد أتتني كتبكم .
وقدمت علي رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فأن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم .
فأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهلكم فلكم في أسوة وان لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ماهي لكم بنكر.
لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم والمغرور من إغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وسيغني الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته( ).
وسكت القوم ولكن الذي أظهره الحر يوم عاشوراء يبين كون وقع تلك الكلمات في النفوس موثراً ولانماط السلوك مغيراً.
الخطبة في ذي حسم
قام الحسين عليه السلام (بذي حسم فحمد الله واثنى عليه ثم قال : انه قد نزل من الامر قد ترون ، وان الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت جدا ، فلم يبق منها الاصبابة كصبابة الاناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل .
الا ترون أن الحق لا يعمل به ، وأن الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فاني لا ارى الموت الا شهادة ولا الحياة مع الظالمين الا برما.
فقام زهير بن القين البجلى فقال لاصحابه : تكلمون أم أتكلم ، قالوا : لا بل تكلم فحمد الله واثنى عليه .
ثم قال : قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك ، والله لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين الا ان فراقها في نصرك ومواساتك لاثرنا الخروج معك على الاقامة فيها .
قال : فدعى الحسين له ثم قال له خيرا)( ).
وكان الحر يساير الإمام الحسين عليه السلام ويستمع له فقال : يا حسين أني أذكرك الله في نفسك فأني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى.
فقال له الحسين أفبالموت تخوفني وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وأقول لك ولكن كما قال أخو الأوس لأبن عمه ولقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له أين تذهب فأنك مقتول فقال
(سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى … إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما
وواسى رجالاً صالحين بنفسه … وخالف مثبوراً وفارق مجرما
فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم…كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما)( ).
فلما سمع الحر ذلك أدرك عجزه وكذلك غيره عن بث الوهن في نفس أبي عبد الله والله عز وجل يقول [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( )، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات وكان بها هجائن النعمان من إبله ترى هناك . فأقبل أربعة رجال : نافع بن هلال المرادي وعمرو الصيداوي وسعيد بن أبي ذر الغفاري وعبيد الله المذحجي ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه الذي أنشأ يقول في أبيات وهو يأخذ بزمام ناقة الحسين عليه السلام :
(يا ناقتي لا تذعري من زجري …وشمرى قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر … حتى تحلى بكريم النجر
الماجد الحر رحيب الصدر … أتى به الله لخير أمر
ثمت أبقاه بقاء الدهر)( ).
وكريم النجر : كريم الأصل ، والحسب الرفيع .
فترقرقت عينا الحسين عليه السلام ولم يملك دمعه ثم قال[فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] ( ) .
اللهم أجعل لنا ولهم الجنة نزلاً وأجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك .
عرض قبيلة طي
يقول الطرماح بن عدي أني دنوت من الحسين.
فقلت له والله أني لأنظر فما أرى معك أحداً ولو لم يقاتلك الا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفي بهم وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة اليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه.
فسألت عنهم فقيل أجتمعوا ليعرضوا ثم يسرحون إلى الحسين فأنشدك الله أن قدرت على أن لا تقدم عليهم شبراً الا فعلت فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذي يدعى أجا امتنعنا والله به من ملوك غسان وحمير من النعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر.
والله أن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية ثم نبعث إلى الرجال ممن في أجا وسلمى من طي فو الله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيىء رجالاً وركباناً ثم أقم فينا ما بدا لك .
فان هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين الف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم والله لا يوصل اليك أبداً ومنهم عين تطرف.
فقال له الإمام الحسين عليه السلام جزاك الله وقومك خيراً أنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الإنصراف ولا ندري على ما تنصرف بنا وبهم الأمور في عواقبها.
قال الطرماح : فودعته وقلت له دفع الله عنك شر الجن والأنس أني أمترت لأهلي من الكوفة ميرة ومعي نفقة لهم فأتيهم فأصنع ذلك فيهم ثم أقبل اليك إن شاء الله فأن الحقك فو الله لأكونن من أنصارك . قال الحسين عليه السلام . فأن كنت فاعلاً فعجل رحمك الله.
قال: فعلمت أنه مستوحشٌ إلى الرجال حتى يسألني التعجيل؛ قال: فلما بلغت أهلي وضعت عندهم ما يصلحهم، وأوصيت، فأخذ أهلي يقولون: إنك لتصنع مرتك هذه شيئاً ما كنت تصنعه قبل اليوم، فأخبرتهم بما أريد، وأقبلت في طريق بني ثعل حتى إذا دنوت من عذيب الهجانات، استقبلني سماعة بن بدر، فنعاه إلي، فرجعت .
لقد رآى الحر بن يزيد الرياحي وجيشه قدوم النفر الأربعة على الحسين عليه السلام ، ودخولهم في معسكره ، فأقبل الحر إلى الحسين (فقال إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك وأنا حابسهم أو رادهم فقال له الحسين لامنعنهم مما أمنع منه نفسي إنما هؤلاء أنصارى وأعواني .
وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لي بشئ حتى يأتيك كتاب من ابن زياد فقال أجل لكن لم يأتوا معك قال هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي فان تممت على ما كان بينى وبينك وإلا ناجزتك قال فكف عنهم الحر .
قال ثم قال لهم الحسين أخبروني خبر الناس وراءكم فقال له مجمع بن عبد الله العائذى وهو أحد النفر الاربعة الذين جاءوه أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم يستمال ودهم ، ويستخلص به نصيحتهم فهم ألب واحد عليك وأما سائر الناس بعد فان أفئدتهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك)( ).
النزول في قصر مقاتل
ويسمى أيضاً قصر بني مقاتل ،وهو بين عين تمر والشام منسوب إلى مقاتل ابن حسان بن ثعلبه ، وقد بُني أيام مملكة المناذرة في صحراء العراق ، ليكون مسلحة ويطل على الطرق والجادة العامة في الصحراء.
ومضى الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل، فنزل به، فإذا هو بفسطاط مضروب قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، أن الحسين بن علي عليه السلام قال: لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبيد الله بن الحر الجعفي؛ قال: ادعوه لي، وبعث إليه، فلما أتاه الرسول، قال: هذا الحسين بن علي يدعوك.
فقال عبيد الله بن الحر: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما أريد أن اراه ولا يراني.
فأتاه الرسول فأخبره، فأخذ الحسين نعليه فانتعل، ثم قام فجاءه حتى دخل عليه، فسلم وجلس، ثم دعاه إلى الخروج معه، فأعاد عليه ابن الحر تلك المقالة .
فقال (فإلا تنصرنا فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك .
قال أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله ثم قام الحسين عليه السلام من عنده حتى دخل رحله)( ).
فلم يلح عليه الحسين بنصرته ولكنه اكتفى بدعوته مرة واحدة ثم أنذره من قتاله.
محطات مسير الحسين (ع)
المسافة من مكة المكرمة الى كربلاء نحو 1470 كيلومتر .
وخرج الإمام الحسين من مكة المكرمة يوم الثلاثاء الموافق 8ذي الحجة سنة 60 هجرية .
ووصل الإمام الحسين كربلاء يوم الخميس الثاني من شهر محرم سنة 61 هجرية ، ومر الحسين عليه السلام بـ38 محطة ، وبات في (24) منها.
إذ وصل إلى كربلاء في اليوم الثاني من شهر محرم ، وشهر محرم من الأشهر الحرم .
وقيل عدد خيام الحسين ستون خيمة ، وعدد الفرسان من أصحاب الحسين (32) فارساً .
رؤيا إنذار
من الرؤيا ما تكون رؤيا بشارة ، ومنها ما تكون رؤيا إنذار كما في رؤيا الحسين عليه السلام ، وقد تلقاها أهل البيت بالقبول والإستعداد للقاء الله مضرجين بدمائهم .
و(قال ابومخنف: فحدثني عبدالرحمن بن جندب عن عتبة بن سمعان الكلبي قال: لما ارتحلنا من قصر ابن مقاتل وسرناساعة خفق رأس الحسين خفقة ثم انتبه فأقبل يقول:(إنا لله وإنا اليه راجعون) و(الحمد لله رب العالمين) مرتين.
فأقبل اليه علي بن الحسين وهو على فرس فقال له: ياأبت جعلت فداك مم استرجعت؟ وعلام حمدت الله؟ قال الحسين: يابني إنه عرض لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري اليهم فعلمت انها أنفسنا نعيت الينا فقال: يا ابتاه لا اراك الله سوء ابدا السنا على الحق؟ قال: بلى والذي يرجع اليه العباد.
فقال: يا أبت فاذاً لانبالي قال: جزاك الله خير ما جزى ولد عن والده)( ).
فلما وقت صلاة الصبح فنزل الإمام الحسين عليه السلام ونزلوا فصلوا الفجر لليوم الثاني من محرم وعجل الإمام الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه ضمن قصد تفريقهم فيأتي الحر وأصحابه فيردهم نحو الكوفة رداً شديداً ولكنهم يمتنعون عليه حتى إذا انتهوا إلى نينوى .
وهي قرية كانت قربية من سواد الكوفة مع قرى أخرى في المنطقة كانت عامرة قبل الإسلام ، وبقيت إلى أيام الإمام جعفر الصادق ، ومنها النواويس ، وهي التي تقع قرب مرقد الحر بن يزيد الرياحي الحالي ، والذي يدل على أن قوماً من بني أسد كانوا يسكنون فيها.
جواب بن زياد للحر
عندما كان الحسين عليه السلام في نينوى اذا راكب يبدو من بعيد ولما قرب بدا وعليه السلاح وقوس قد تنكبه وقد أقبل من الكوفة فوقفوا جميعاً ينتظرون ترى هل يكون مثل الرجال الأربعة الذين جاءوا قبله لنصرة الحسين.
فلما وصل اليهم سلّم على الحر وأصحابه ولم يسلم على الحسين وأصحابه ، ودفع للحر كتاباً من عبيد الله بن زياد فيه جواب على كتابه وفيه.
أما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله الا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بانفاذك أمري( ) .
فاطمة بنت الحسين
وهي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولدت في المدينة بعد رجوع الحسن والحسين من الكوفة بعد الصلح مع معاوية .
وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التي كانت تتصف بالجمال وحسن الهيئة ، وكانت النساء يتحامين أن يقفن إلى جانبها لإستقباح منظر التي تقف إلى جانبها ، وقيل أن أمها شهربانو بنت يزدجرد الثالث آخر الأكاسرة الساسانيين .
وقد حضرت فاطمة بنت الحسين واقعة كربلاء مع والدها سنة 61 هجرية وتزوجت من ابن عمها الحسن المثنى .
ولفاطمة بنت الحسين عدد من الأحاديث المرفوعة إلى النبي عن طريق أبيها الحسين عليه السلام ، وعن طريق الزهراء عليها السلام وإن لم تدركها.
و(عَنْ أَبِيهَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ)( ).
وعنها عن أبيها الحسين عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كان اذا دخل المسجد قال : اللهم افتح لي ابواب رحمتك ، فاذا خرج قال : اللهم افتح لي أبواب رزقك.
وروته مرسلاً عن جدتها فاطمة الزهراء عليها السلام (قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال : اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك .
وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال : اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب فضلك .
ورواه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن وإسناده ليس بمتصل ؛ لأن فاطمة بنت الحسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى)( ).
وأخرج ابن ماجه بالإسناد (عن فاطمة بنت الحسين عن ابيها قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب)( ).
خطبة فاطمة بنت الحسين
وفاطمة بنت الحسين هي التي خطبت في مجلس يزيد، وقالت: يا يزيد بنات رسول الله سبايا؟ فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الأصوات( ).
وكان نفر من أهل الشام يهنئونه بالفتح فقام رجل منهم أحمر أزرق فنظر إلى فاطمة بنت الحسين و كانت وضيئة فقال يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية فقالت فاطمة لعمتها يا عمتاه أوتمت فقالت زينب لا و الله و لا كرامة لك و لا له إلا أن يخرج من ديننا فأعاد الأزرق الكلام فقال له يزيد وهب الله لك حتفا قاطعا( ).
ثم تمثل بأبيات ابن الزبعري :
ليت أشياخِي ببَدرِ شَهِدُوا … جَزَع الخَزْرج مِن وَقْع الأسَلْ
فأهلوا واستهلوا فرحاً …ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القوم من ساداتهم … وعدلناه ببدر فاعتدل)( ).
ومعنى وقع الأسل : أي طعن الرماح .
والأسل نبات عشبي طويل تطلقه العرب على الرماح لأنها تشبهه في الطول ودقة الأطراف .
وابن الزَبعري عبد الله قيس من بني سهم من قريش ، وكان شديداً في شعره على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، توفي مسلماً سنة (15) للهجرة .
لتعانق الأرض السماء بنور الإمامة وكنوز أهل بيت النبوة.
لقد إحتجت الملائكة عندما أخبرهم الله عز وجل على جعل الإنسان خليفة في الأرض كما ورد في التنزيلأَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.
والمختار أن سؤال الملائكة ليس إنكارياً إنما التمسوا من الله عز وجل أن يكون أهل الأرض مثل أهل السماء بالإنقطاع إلى عبادة الله وذكره، والإنشغال الدائم بالتسبيح، هذا الإنقطاع الذي يفوق في كيفيته عالم التصور الذهني للإنسان.
لقد أراد الملائكة ألا يقتل الحسين وأصحابه من قبل القوم الظالمين، وأن تنثني الوسادة للأولياء فيحكمون بما أنزل الله، وأرادوا صرف واقعة كربلاء وعدم وقوعها فاجابهم الله عز وجلإِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ* وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
فاعلن الملائكة التسليم لأمر الله وعلموا أن في خلق الإنسان حكمة بالغة وأن الدنيا دار إمتحان وإختبار لتكونالآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ.
حيث الخلود التي يكون على شقين بينهما تضاد وتباين لم تشهد الحياة الدنيا مثيلاً له من جنسه فاما اللبث الدائم في النعيم للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، وأما الخلود في الجحيم للكافرين والظالمين، قال تعالىيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.
تربة الحسين
وعن السهمودي في كتابه وفاء الوفاء ج2 ص 544 ” كانو ا يعني الصحابة و غيرهم يأخذون من تراب القبر يعني قبر رسول الله (ص) فأمرت عائشة فضرب عليهم وكانت في الجدار كوة فكانوا يأخذون منها فامرت بالكوة فسدت.
ولم يكن هذا الفعل منهم إلا رجاء البركة ودوام الصلة مع صاحب القبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو كان فيه دبيب من الشرك لأشارت إليه عائشة وزجر عنه كبار الصحابة.
ولم تمنع عنه بالقول والفعل واكتفت بالجدار لأن أخذ التراب على نحو مستمر يوجب الخراب في البقعة المباركة.
وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي ، ونصرت بالرعب فيرعب العدوّ وهو مني مسيرة شهر ، وقال لي : سل تعطه . فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من لقي الله لا يشرك به شيئاً ، وأحلت لأمتي الغنائم( ).
وتتصف أرض كربلاء بالبركة بجسد الحسين عليه السلام لذا تتخذ مسجداً.
و(عن الإمام الصادق عليه السلام قال: السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينور إلى الأرضين السبعة ، ومن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين عليه السلام كتب مسبحاً وإن لم يسبح بها ( ).
والشفاء بيد الله عز وجل ، قال تعالى وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ.
وفي الإرشاد قال: كان الصادق عليه السلام: لا يسجد إلا على تربة الحسين تذللاً لله وإستكانة إليه للجمع بين اتخاذ الأرض مسجداً وبين التأٍسي بالحسين عليه السلام الذي كانت ثورته بناء في صرح الإيمان.
وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، قالت الجنة : يا رب وعدتني أن تزينني بركنين من أركانك قال : أولم أزينك بالحسن والحسين( ).
وعن عمران بن سليمان قال : الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة , لم يكونا في الجاهلية .
واستشهد الإمام الحسين عليه السلام في اليوم العاشر من محرم الحرام من السنة الحادية والستين للهجرة وعمره سبع وخمسون سنة .
قراءة قرآنية
هناك مسائل وهي :
الأولى : هل تختص المودة في قوله تعالى قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، بالخمسة أهل الكساء أم تشمل الأئمة المعصومين .
الثانية : هل زيارة الأربعين من هذه المودة التي وردت في الآية أعلاه ، أم أن القدر المتيقن من الآية أيام حياة الأئمة عليهم السلام .
الثالثة : هل تنهى هذه الآية عن الإرهاب والتفجيرات العشوائية وترويع الناس .
أما المسألة الأولى فالآية أعم في موضوعها فتشمل الأئمة المعصومين لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، وصفة الإمامة، وإستدامة مصاديق الآية القرآنية في كل زمان .
وأخرج (ابن جرير عن أبي الديلم ، قال : لما جيء بعلي بن الحسين – عليه السلام أسيراً ، فأقيم على درج دمشق ، قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم ، فقال له علي بن الحسين – عليه السلام – أقرأت القرآن.
قال : نعم .
قال : أقرأت آل حم .
قال : لا .
قال : أما قرأت قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قال : فإنكم لأنتم هم .
قال : نعم) ( ).
وأما المسألة الثانية فالمختار أن زيارة الأربعين بهيئتها في هذا الزمان وزحف الملايين نحو ضريح الإمام الحسين عليه السلام من المودة لقربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الأجر والشكر من المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على صبره وجهاده وتبليغه الرسالة ، لأن هذا الود شكر متجدد ومستمر إلى يوم القيامة من المسلمين والمسلمات إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص الآية القرآنية بقاؤها غضة طرية إلى يوم القيامة ، فلا تنقطع المودة لأهل البيت بانتقال الخمسة أهل الكساء إلى الرفيق الأعلى ، فهي متجددة ، وتدعو آية المودة إلى السلم المجتمعي ، ونبذ الإرهاب والنفرة منه .
وقد تم بفضل الله عز وجل إنجازي للجزء الخامس والسبعين بعد المائتين من تفسيري للقرآن ، ويختص هذا الجزء بتفسير الآية الأولى من سورة النساء يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
و(عن ابن عباس وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً قال : المودة لآل محمد) ( ).
تولية عمر بن سعد
قال : وكان عبيد الله بن زياد قد ولى عمر بن سعد الري فلما بلغه الخبر وجه اليه ان سر إلى الحسين اولا فاقتله فاذا قتلته رجعت ومضيت إلى الري فقال له: اعفني أيها الامير.
قال: قد اعفيتك من ذلك ومن الري قال: اتركني أنظر في أمري فتركه فلما كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش لقتال الحسين فلما قاربه وتوافقوا قام الحسين في أصحابه خطيبا فقال: اللهم إنك تعلم انى لا اعلم اصحابا خيرا من اصحابي، ولا أهل بيت خيرا من أهل بيتي فجزاكم الله خيرا فقدآزرتم وعاونتم، والقوم لا يريدون غيري ولو قتلوني لم يبتغوا غيري احدا فاذا جنكم الليل فتفرقوا في سواده وانجوا بأنفسكم.
فقال اليه العباس بن علي أخوه، وعلي ابنه، وبنو عقيل فقالوا له: معاذ الله والشهر الحرام فماذا نقول للناس إذا رجعنا اليهم إنا تركنا سيدنا وابن سيدنا وعمادنا( ).
وعن أبي سعيد الخدري قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا)( ).
و(عن حُمران بن أعين أنه قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يحدث عن آبائه (عليهم السلام) أن رجلا كان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام مريضا شديد الحمى، فعاده الحسين بن علي عليه السلام فلما دخل باب الدار طارت الحمى عن الرجل، فقال له قد رضيت بما أوتيتم به حقا حقا والحمى تهرب منكم)( ).
(عن سلمى قالت : دخلت على أم سلمة، وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله ، قال : شهدت قتل الحسين آنفا)( ).
وبالإسناد (عن شهر بن حوشب قال إنا لعند أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قال فسمعت صارخة فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة فقالت قتل الحسين قالت قد فعلوها ملأ الله بيوتهم أو قبورهم عليهم نارا ووقعت مغشيا عليها وقمنا)( ).
التباين العددي يوم عاشوراء
لم يكن هناك تكافؤ في معركة كربلاء إذ كان عدد جيش يزيد أربعة آلاف ، وقيل ثلاثين ألف .
واختلف في عدد أصحاب الحسين عليه السلام يوم كربلاء ولكن المشهور هو (72) وبه رواية أبي مخنف عن الضحاك بن عبد الله ، (32) منهم خيالة و(40) رجالة.
وكان بنو هاشم من ذرية أبي طالب ومواليهم (26) منهم مسلم بن عقيل.
وهل كان عدد من جيش عمر بن سعد ممن بعث بالرسائل إلى الحسين ، وعدد ممن بايع مسلم بن عقيل ، الجواب نعم .
وذكر أن عدد أصحاب الحسين نحو مائة وكانوا نحو خمسمائة ولكن تفرق وانسحب أكثرهم بعد بلوغهم نبأ مقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، ومنهم من غادر ليلة عاشوراء وقد أذن لهم الحسين عليه السلام.
لقد منعت ثورة الحسين من التمادي والتفريط بأحكام الإسلام.
ليلة عاشوراء
كانت هذه الليلة من أشد الليالي على أهل البيت ، طائفة قليلة من أهل البيت تقابل آلافاً من الأعداء ممن ينطقون بالشهادتين ويصلون الخمس أيضاً ، وكثير منهم من شيعة الإمام علي عليه السلام ، وقاتلوا تحت لوائه ، ولكنها سطوة السلطان والإغواء
الجمع بين الصحبة والآل
المراد من أهل البيت لغة وجوه :
الأول : أهل الرجل .
الثاني : ذووا القربى .
الثالث : الزوجة والأولاد .
الرابع : الذين يسكنون في البناء خاص أو يجمعهم مأوى متحد .
وورد لفظ [أَهْلَ الْبَيْتِ] مرتين في القرآن مرة بخصوص إبراهيم عليه السلام وقول الملائكة لزوجته قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وأخرى قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
وورد لفظ (أهل بيت) في قصة موسى عليه السلام وإخبار أخته آل فرعون بوجود مرضعاً له وهي أمه كما ورد في التنزيل وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ.
والمراد من أهل البيت في الإصطلاح هم أهل بيت النبوة علي عليه السلام ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، ويلحق بهم الأئمة التسعة المعصومين من ذرية الحسين عليه السلام ، فالطهارة والتزكية التي وردت في آية التطهير تشمل أيضاً الأئمة المعصومين.
ومن خصائص أهل البيت إنفرادهم بالجمع بين صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أنهم آل الرسول وأهل بيته ، وهذا الجمع تشريف واكرام خاص يملي على المسلمين إكرامهم والإنصات لهم وحبهم وولايتهم ، وهل فاطمة الزهراء والحسن والحسين من الصحابة ، الجواب نعم .
ليكون في آية التطهير إنذار وزجر من كل من :
الأول : محاربة الإمام علي عليه السلام في الجمل وصفين ونهروان .
الثاني : اغتيال الإمام علي عليه السلام في مسجد الكوفة في التاسع عشر من شهر رمضان من السنة الأربعين للهجرة الموافق 29/1/661م بسيف مسموم .
و(عن الضحاك بن مزاحم قال : قال رسول الله عليه السلام : يا عليّ أتدري مَنْ أشقى الأوّلين ، قال : قلت : الله ورسوله أعلم.
قال : عاقر الناقة .
قال : أتدري مَنْ أشقى الآخرين ، قال : الله ورسوله أعلم ، قال : قاتلك)( ).
وبخصوص ناقة صالح ورد قوله تعالى إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا* فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا* فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انبعث لها رجل عزيز عارك منيع في قومه قالوا : هو قدار بن سالف ، جعلت له امرأة من قومه ابنتها إن عقر الناقة ، ففعل فكان أشقى الأولين ، أما أشقى الأخرين : عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقد جعلت له امرأة من بني عجل اسمها قطام نفسها إن قتل الإمام علي .
فالمناسبة بينها من جهات :
الأول : قتل نبي وأمام معصوم في خلافته .
الثاني : الإصرار على الجريمة .
الثالث : الغواية من قبل امرأة ، وشهوة فرج .
الرابع : الإلتقاء بصفة أشقى الناس من الأولين والأخرين .
وأطلق عليهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذه الصفة وقوله هذا شعبة من الوحي ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
ويبين هذا الحديث حرمة محاربة أهل البيت والإعتداء عليهم .
الثالث : الإنذار والزجر دس السم للإمام الحسن بن علي عليه السلام .
الرابع : الإنذار والزجر والتخويف من قتل الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه في العاشر من محرم الحرام من السنة الواحدة والستين الهجرة الموافق اليوم 12/10/680م.
قتل الصحابي عمرو بن الحمق الخزاعي
أسلم عمرو بن الحمق الخزاعي بعد صلح الحديبية وشهد المشاهد بعدها ، ثم صحب الإمام علي عليه السلام ، فلما آل الأمر إلى معاوية إنحاز إلى شهر زور من الموصل (وكتب إليه معاوية: أما بعد فإن الله أطفأ النائرة، وأخمد الفتنة، وجعل العاقبة للمتقين .
ولست بأبعد أصحابك همة ولا أشدهم في سوء الاثر صنعا ، كلهم قد أسهل بطاعتي وسارع إلى الدخول في أمري وقد بطؤ بك ما بطؤ فادخل فيما دخل فيه الناس يمح عنك سالف ذنوبك ومحى داثر حسناتك .
ولعلي لا أكون لك دون من كان قبلي إن أبقيت واتقيت ووقيت وأحسنت فاقدم علي آمنا في ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وآله محفوظا من حسد القلوب وإحن الصدور وكفي بالله شهيداً.
فلم يقدم عليه عمرو بن الحمق فبعث إليه من قتله)( ).
فلما هرب الصحابي الجليل عمرو بن الحمق الخزاعي من الكوفة عند طلب زياد بن أبيه له ليقتله ، كتب معاوية إليه أن أحمل زوجته فالقى زياد القبض عليها وهي آمنة بنت الشريد وحملها أسيرة إلى معاوية فأمر بها إلى السجن فسجنت حتى جئ برأس زوجها عمرو إلى الشام بعد أن ألقى القبض عليه في غار قرب الموصل ، وطعن بتسع طعنات ثم قطع رأسه وحمل على قناة إلى معاوية.
فقال معاوية للحرس انطلق بهذا الرأس وضعه في حجر زوجته آمنة وأحفظ ما تقول فلم تلتفت وهي في السجن إلا ورأس زوجها عمرو في حجرها ، فضمته إلى صدرها وبكت .
وقالت غيبتموه عني طويلاً وأهديتموه إليّ قتيلاً فأهلاً وسهلاً بها من هدية غير قالية ولا مقلية.
ثم قالت للحرس أبلغ معاوية عني ما أقول ، وقل له أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر الله لك ذنبك وعجل لك الويل من نقمة وطلب منك بدمه ، فلقد جئت شيئاً فريا ، قتلت بارا تقيا ، فلما سمع كلامها أمر بأحضارها في المجلس .
إذ (بلغ الرسول ما قالت، فبعث إليها فقال لها: أنت القائلة ما قلت؟ قالت: نعم غير ناكلة عنه ولا معتذرة منه، قال لها: اخرجي من بلادي قالت: أفعل فوالله ما هو لي بوطن ولا أحن فيها إلى سجن ، ولقد طال بها سهري واشتد بها عبري وكثر فيها ديني من غير ما قرت به عينى.
فقال عبد الله بن أبي سرح الكاتب: يا أمير المؤمنين إنها منافقة فألحقها بزوجها، فنظرت إليه فقالت: يا من بين لحييه كجثمان الضفدع ألا قلت من أنعمك خلعا واصفاك كساء؟ إنما المارق المنافق من قال بغير الصواب واتخذ العباد كالارباب فانزل كفره في الكتاب، فأومى معاوية إلى الحاجب بإخراجها.
فقالت : واعجباه من ابن هند يشير إلي ببنانه ويمنعني نوافذ لسانه، أما والله لابقرنه بكلام عتيد كنواقد الحديد أو ما أنا بآمنة بنت الشريد)( ).
من الصحابة الذين استشهدوا يوم عاشوراء
لقد صاحب الحسين عليه السلام عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع قلة الصحابة يومئذ لوفاة اكثرهم ، وتقادم السنين ، إذ وقعت معركة كربلاء في العاشر من شهر محرم من السنة الواحدة والستين للهجرة .
وبعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخمسين سنة ، ومع أن الإمام الحسين عليه السلام أعطى إذناً عاماً لمن معه بالمغادرة وأخبرهم بأن القوم يطلبونه على نحو القضية الشخصية فان عدداً من الصحابة لازموا الحسين ليفوزوا بالشهادة والخلود في دار النعيم ، قال تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
ومنهم أنس بن الحارث الكاهلي الأسدي وهو من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شارك في معركة بدر وحنين إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل مع الحسين عليه السلام)( ).
واستشهد في واقعة كربلاء مع الحسين بعد أن قتل ثمانية عشر رجلاً من جيش يزيد ، وكان يقاتل وهو يقول :
قد علمت كاهلنا وذودان .. والخندفيون وقيس علان
بان قومي آفة للاقران … يا قوم كونوا كأسود خفان
آل علي شيعة الرحمن … وآل حرب شيعة الشيطان
وقال البخاري (ت256 هجرية) (أنس بن الحارث قتل مع الحسين بن علي ، سمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ).
وقال ابن ابي حاتم (أنس بن الحارث له صحبة قتل مع الحسين بن علي عليه السلام سمعت أبي يقول ذلك).
ومنهم جون مولى أبي ذر الذي كان خبيراً باصلاح السيوف والدروع وآلة القتال ، وأذن له النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل بدء المعركة ولكنه أصر على الدفاع عن أهل البيت .
وكان إذن الإمام الحسين ليلة عاشوراء بالإنصراف على وجوه :
الأول : الإذن العام لكل من معه .
الثاني : الإذن لأهل البيت .
الثالث : الإذن لأصحابه الذين قدموا معه من مكة أو التحقوا به في الطريق .
الرابع : الإذن الخاص والشخصي ، ومنه الإذن لجون مولى أبي ذر ، إذ قال له الإمام الحسين عليه السلام (أنت في إذن مني فإنما تبعتنا للعافية فلا تبتل بطريقنا .
فقال يا ابن رسول الله أنا في الرخاء الحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم والله إن ريحي لمنتن وحسبي للئيم ولوني لأسود فتنفس علي بالجنة فيطيب ريحي و يشرف حسبي و يبيض وجهي لا و الله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم ثم قاتل حتى قتل)( ).
ومنهم الصحابي حبيب بن مظاهر على قول ، وكان عمره يوم شهادته (75) سنة .
كما جمع الإمام الحسين عليه السلام بين صفة الآل وصحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ليكونوا حجة على جيش يزيد ، وهل كان في جيش يزيد صحابي ، الجواب لا ، إذ ولد عمر بن سعد قائد جيش يزيد سنة (23) للهجرة أي بعد انتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى باثنتي عشرة سنة ، وقتل سنة (66) للهجرة على يد المختار بن أبي عبيدة الثقفي.
ليكون من الصحابة الذين قتلوا (يوم عاشوراء) الإمام الحسين عليه السلام .
دعوة الحسين للسلم
وحتى عندما جعجع الحر بن يزيد الرياحي بالحسين عليه السلام وركبه، عرض عليه الحسين عليه السلام أموراً :
الأول : أن يرجع من حيث أتى .
الثاني : الذهاب إلى يزيد .
الثالث : المغادرة إلى ثغر من ثغور المسلمين يدافع فيه عن الإسلام ، وتنقطع مسألة تجهيزه جيشاً ضد يزيد .
وكان الإمام الحسين عليه السلام لا يريد سفك الدماء ، وعن أنس بن الحارث قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره) ( ).
فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء ، فقتل مع الحسين ، وقال بعضهم الحديث مرسل ، ومشهور الرجاليين قالوا بأن له صحبة وذكروه في الصحابة منهم ابن السكن وابن منده وأبو نعيم وغيرهم.
لقد كان خروج الحسين عليه السلام إلى مكة ثم إلى العراق رسالة للسلم ، ودعوة لتثبيت أحكام الشريعة ، وجعل موضوعية للصحابة وأهل البيت آنذاك في تنصيب الخليفة بملاك التقوى.
الإنذار من قتل الحسين
عن الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني وهو فقيه ومن الرواة وقراء القرآن في الكوفة ومن أصحاب وخواص الإمام عليه السلام (قال : دخلت المسجد (أي مسجد الكوفة) فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث .
فأتيت علياً (عليه السلام) فقلت : ألا ترى أن الناس قد وقعوا في الأحاديث .
فقال : وقد فعلوا ، فقلت : نعم.
فقال : أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنها ستكون فتنة ، قال : قلت : فما الخروج منها يا رسول الله .
قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله .
فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن .
ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته إلاّ أن قالوا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا.
من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور)( ).
وهل في هذا الحديث النبوي الإنذار والوعيد على قتل الحسين عليه السلام ، الجواب نعم ، خاصة وأن الصحابة والتابعين متسالمون على فضله وذكره في آيات القرآن والسنة النبوية كأحد أهل البيت .
وأنه أقام الحجة على جيش يزيد وسألهم العودة إلى المدينة ، أو يخرج إلى أي ثغر من ثغور المسلمين حقناً للدماء .
(ولما رأى الحسين عليه السلام نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى ومددهم لقتاله، أنفذ إلى عمر بن سعد: أنني اريد أن ألقاك، فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا ثم رجع عمر إلى مكانه.
وكتب إلى عبيد الله بن زياد: أما بعد فان الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الامة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين: له ما لهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده.
فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لك رضى وللامة صلاح .
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه، فقام إليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه، وقد نزل بأرضك وأتى جنبك.
والله لئن رحل عن بلادك ولم يضع يده في يدك، ليكونن أولى بالقوة، ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة، فانها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فان عاقبت فأنت أولى بالعقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك .
فقال ابن زياد : نعم ما رأيت الرأي رأيك أخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فان فعلوا فليبعث بهم إلي سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فان فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.
و(أكحل النبي رجلاً في المنام من دم الحسين فعمي، وذلك أنه حضر قتل الحسين.)( ).
وعن السدي قال (كنا غلمة نبيع البز في رستاق كربلاء قال فنزلنا برجل من طئ قال فقرب إلينا العشاء قال فتذاكرنا قتلة الحسين قال فقلنا ما بقي أحد ممن شهد كربلاء من قتلة الحسين إلا وقد أماته الله ميتة سوء أو بقتلة سوء قال فقال ما أكذبكم يا أهل الكوفة تزعمون أنه ما بقي أحد ممن شهد قتلة الحسين إلا وقد أماته الله ميتة سوء أو قتلة سوء وإني لممن شهد قتلة الحسين وما بها أكثر مالا مني قال فنزعنا أيدينا عن الطعام قال وكان السراج يوقد قال فذهب ليطفئ السراج قال فذهب ليخرج الفتيلة بإصبعه قال فأخذت النار بإصبعه قال ومدها إلى فيه فأخذت بلحيته قال فحضر أو قال فأحضر إلى الماء حتى ألقى نفسه فيه قال فرأيته يتوقد فيه النار حتى صار حممة)( ).
زيارة قبر الحسين قبل استشهاده
الإمام علي عليه السلام هو من أوائل الذين زاروا قبر الحسين قبل قتله والقبر مدفن الانسان .
كان الإمام علي عليه السلام في مسيرته إلى صفين يجعل طريقه على أرض كربلاء ، وردعن هرثمة بن سلمى قال : خرجنا مع علي في بعض غزوه فسار حتى انتهى إلى كربلاء فنزل إلى شجرة فصلى اليها فأخذ تربة من الارض فشمها ثم قال وأهالك من تربة ليقتلن بك قوم يدخلون الجنة بغير حساب .
قال : فقفلنا من غزوتنا وقتل علي ونسيت الحديث .
ثم كنت في الجيش الذي ساورا إلى الحسين فلما انتهيت اليه نظرت إلى الشجرة فذكرت الحديث فتقدمت على فرس لي فقلت : ابشرك يا ابن بنت رسول الله وحدثته الحديث .
فقال : فأنت معنا أو علينا ؟ قلت لا معك ولا عليك . تركت عيالاً وتركت كذا .
قال : اما لا فول في الارض فو الذي نفس حسين بيده لا يشهد قتلنا اليوم رجل الا دخل جهنم . فأنطلقت هارباً مولياً حتى خفي علي مقتله .
وكان الإمام علي عليه السلام يعظ المسلمين ويمنع من التباس الفتنة فيجتهد في بيان جانب الحق والطريق إلى مرضاة الله عز وجل .
عن ميمون عن شيبان بن محزم كان عثمانياً يبغض علياً .قال : رجعنا مع علي من صفين فأنتهينا إلى موضع فقال الإمام علي عليه السلام ما يسمى هذا الموضع ؟ قلنا كربلاء قال كرب وبلاء …ثم قعد على رابية .
قال : يقتل هنا منا قوم افضل شهداء على ظهر الارض ليس مثلهم شهداء إلا شهداء بدر وثم كان رجل حيوان .
فقلت لغلامي : خذها فأرقدها في المقعد الذي كان فيه قاعداً فلما قتل الحسين إنطلقت مع بعض اصحاب لي فإذا جثة الحسين بن علي عليه السلام واذا اصحابه ربضة حوله( ) .
ومرة أخرى يخبر الإمام علي عليه السلام عن المصيبة بلغة الإنذار وإلقاء الحجة قال يوماً وهو بشاطئ الفرات ليحلن ها هنا ركب من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمر بهذا المكان فتقتلونهم فويل لكم منهم وويل لهم منكم .
عمر الحسين (ع)
قتل الحسين عليه السلام يوم الجمعة لعشر مضين من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بموضع من أرض الكوفة يدعى كربلاء قرب الطف وقضى الله عز وجل أن قتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة سبع وستين قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب وبعث برأسه إلى المختار وبعث به المختار إلى ابن الزبير فبعث به ابن الزبير إلى علي بن الحسين عليه السلام .
واختلف في سن الحسين يوم قتله فقيل قتل وهو ابن سبع وخمسين وقيل قتل وهو ابن ثمان وخمسين ، وهو الأصح.
وذكر المازني عن الشافعي عن سفيان بن عيينة قال: قال لي جعفر بن محمد توفي علي بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين سنة وقتل الحسين بن علي وهو ابن ثمان وخمسين سنة وتوفي علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة وتوفي محمد بن علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
قال سفيان وقال لي جعفر بن محمد وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين فتوفي فيها رحمة الله عليهم.
قال مصعب الزبيري حج الحسين بن علي خمساً وعشرين حجة ماشياً وذكر أسد عن حاتم بن إسماعيل عن معاوية بن أبي مزرد عن أبيه قال سمعت أبا هريرة يقول أبصرت عيناي هاتان وسمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بكفي حسين وقدماه على قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : ترق عين بقة.
قال فرقى الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : افتح فاك ، ثم قبله ثم قال : اللهم أحبه فإني أحبه .
كتاب ابن زياد لعمر بن سعد
وكتب إلى عمر بن سعد : لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتعتذر عنه، ولا لتكون له عندي شفيعا .
انظر فان نزل حسين وأصحابه على حكمي، واستسلموا، فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فانهم لذلك مستحقون .
فان قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره فانه عات ظلوم، ولست أرى أن هذا يضر بعد الموت شيئا، ولكن علي قول قد قلته لو قد قتلته لفعلت هذا به .
فان أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فانا قد أمرناه بأمرنا والسلام)( ).
كتاب ابن زياد ليزيد بن معاوية
وكتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين عليه السلام وأهل بيته .
وخبر النساء والصبيان من أهل البيت وكيف يجعلهم سبايا ، فتقدم يزيد (إلى عبد الملك بن أبي الحارث السلمي فقال: انطلق حتى تأتي عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة، فبشره بقتل الحسين عليه السلام قال عبد الملك: فركبت راحلتي وسرت نحو المدينة فلقيني رجل من قريش فقال: ما الخبر ؟ فقلت: الخبر عند الامير تسمعه.
قال: إنا لله وإنا إليه راجعون قتل والله الحسين، فلما دخلت على عمرو بن سعيد قال: ما وراك ؟ فقلت: ما سر الامير قتل الحسين بن علي فقال: اخرج فناد بقتله فناديت .
فلم أسمع والله واعية قط مثل واعية بني هاشم في دورهم على الحسين بن علي حين سمعوا النداء بقتله.
ثم دخلت على عمرو بن سعيد فلما رآني تبسم إلي ضاحكا ثم أنشأ متمثلا بقول عمرو بن معدي كرب :
عجت نساء بني زياد عجة … كعجيج نسوتنا غداة الارنب.
ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان، ثم صعد المنبر فأعلم الناس بقتل الحسين عليه السلام ودعا ليزيد ونزل.
وقال صاحب المناقب: قال في خطبته: إنها لدمة بلدمة وصدمة بصدمة، كم خطبة بعد خطبة، وموعظة بعد موعظة، حكمة بالغة فما تغني النذر، والله لوددت أن رأسه في بدنه، وروحه في جسده أحيانا كان يسبنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله كعادتنا وعادته ولم يكن من أمره ماكان، ولكن كيف نصنع بمن سل سيفه يريد قتلنا إلا أن ندفعه عن أنفسنا.
فقام عبد الله بن السائب فقال: لو كانت فاطمة حية فرأت رأس الحسين لبكت عليه، فجبهه عمرو بن سعيد وقال: نحن أحق بفاطمة منك أبوها عمنا، وزوجها أخونا، وابنها ابننا، لو كانت فاطمة حية لبكت عينها، وحرت كبدها، ومالامت من قتله ، ودفعه عن نفسه.
ثم قال المفيد: فدخل بعض موالي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فنعى إليه ابنيه فاسترجع، فقال أبو السلاسل مولى عبد الله: هذا ما لقينا من الحسين بن علي فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله.
ثم قال: يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا والله لو شهدته لاحببت أن لاافارقه حتى اقتل معه، والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما ويعزي عن المصاب بهما أنهما اصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه ثم أقبل على جلسائه فقال: الحمدلله، عز علي مصرع الحسين، إن لاأكن آسيت حسينا بيدي فقد آساه ولداي.
فخرجت ام لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين عليه السلام حاسرة ومعها أخواتها ام هانئ وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل تبكي قتلاها بالطف وهي تقول :
ماذا تقولون إذ قال النبي لكم … ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي … منهم اسارى وقتلى ضرجوا بدم
ماكان هذا جزائي إذ نصحت لكم…أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي)( ).
عصر اليوم التاسع من محرم
بعد أن جاء شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد قاطعاً ثمانين كيلو متر على الفرس بين الكوفة وكربلاء ليخبر عمر بن سعد بين قتال الحسين فوراً وبين التنحي وتولي شمر بن ذي الجوشن رئاسة الجيش.
(نهض عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام عشية الخميس لتسع مضين من المحرم وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين وقال: أين بنو اختنا).
أمرهم الحسين عليه السلام أن يجيبوه (فخرج إليه جعفر والعباس وعبد الله وعثمان بنو علي عليه السلام فقالوا: ما تريد ؟ فقال: أنتم يا بني اختي آمنون، فقال له العباس : لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له.
ثم نادى عمر: يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري .
فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر والحسين عليه السلام جالس أمام بيته محتبئ بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت اخته الصيحة، فدنت من أخيها وقالت: يا أخي أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت.
فرفع الحسين عليه السلام رأسه فقال: إني رأيت رسول الله الساعة في المنام، وهو يقول لي: إنك تروح إلينا، فلطمت اخته وجهها، ونادت بالويل.
فقال لها الحسين: ليس لك الويل يا اخته اسكتي رحمك الله.
وفي رواية السيد قال: يا اختاه إني رأيت الساعة جدي محمدا وأبي عليا وامي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون: يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب وفي بعض الروايات: غدا، قال: فلطمت زينب عليها السلام على وجهها وصاحت، فقال لها الحسين عليه السلام: مهلا لا تشمتي القوم بنا)( ).
الإشتراك بدم الحسين (ع)
قتل الحسين عليه السلام يوم الجمعة لعشر خلت من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بموضع يقال له كربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة ويعرف الموضع أيضاً بالطف قتله سنان بن أنس النخعي ويقال له أيضاً سنان بن أبي سنان النخعي وهو جد شريك القاضي.
ويقال بل الذي قتله رجل من مذحج وقيل بل قتله شمر بن ذي الجوشن وكان أبرص وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير جز رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد وقال :
أوقر ركابي فضة وذهباً … إني قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أماً وأباً … وخيرهم إذ ينسبون نسبا
وقال يحيى بن معين أهل الكوفة يقولون إن الذي قتل الحسين عمر بن سعد بن أبي وقاص قال يحيى وكان إبراهيم بن سعد يروى فيه حديثاً إنه لم يقتله عمر بن سعد.
قال أبو عمر إنما نسب قتل الحسين إلى عمر بن سعد لأنه كان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد إلى قتال الحسين وأمر عليهم عمر بن سعد ووعده أن يوليه الري إن ظفر بالحسين وقتله وكان في تلك الخيل والله أعلم قوم من مضر ومن اليمن.
(عن الصادق عليه السلام في أن قتلة الحسين عليه السلام في جبل يقال له: الكمد ، في طريق مكة والمدينة)( ).
الدعاء عند قبر النبي (ص)
عندما ألح والي المدينة الوليد بن عتبة على الحسين عليه السلام ليبايع يزيد ، خرج الإمام الحسين عليه السلام ليلاً إلى قبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وصلى ركعات .
فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت نبيك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللهم إني احب المعروف، وأنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام بحق القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى ، ولرسولك رضى .
ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فاغفي، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتى ضم الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال: حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملا بدمائك، مذبوحا بأرض كرب وبلاء، من عصابة من امتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى .
وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قدموا علي وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة .
قال : فجعل الحسين عليه السلام في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك .
فقال له رسول الله: لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فانك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة، حتى تدخلوا الجنة .
فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعا مرعوبا .
فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشد غما من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أكثر باك ولا باكية منهم)( ).
لبيان حقيقة وهي تلقي أهل البيت إخبار الحسين عليه السلام عن رؤياه بالتصديق التام ، وإقرارهم بأن رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام حق ، وإخباره عنها صدق ، وهذا الإقرار شعبة من الإيمان .
لقد كان خروج الإمام الحسين عليه السلام في أهل بيته وثلة من أصحابه وخروجه مصداق لقوله تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )( ).
وعندما عزم الحسين عليه السلام على الخروج إلى الكوفة جاءه أخوه محمد بن علي بن أبي طالب وأشار عليه بأن يخرج إلى مكة وإذا لم تطمئن به الدار وتمت مضايقته من بني أمية خرج إلى بلاد اليمن ، وقال (فانهم أنصار جدك وأبيك، وهم أراف الناس وأرقهم قلوبا ، وأوسع الناس بلادا، فان اطمأنت بك الدار، وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال .
وجزت من بلد إلى بلد، حتى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين .
فقال الحسين عليه السلام : يا أخي والله لو لم يكن ملجأ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقطع محمد بن علي الكلام وبكى .
فبكى الحسين عليه السلام معه ساعة ثم قال: يا أخي جزاك الله خيرا، فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكه.
وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي.
وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا لا تخفي عني شيئا من امورهم)( ).
ولقد اجتهد الإمام الحسين عليه السلام في اجتناب القتال وسفك الدماء وفي خطبته يوم عاشوراء قال مخاطباً جيش عبيد الله بن زياد (فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟ أو مال لكم استهلكته ؟ أو بقصاص من جراحة ؟ فأخذوا لا يكلمونه)( ).
نقل الغراب نبأ قتل الحسين (ع)
روي في كتاب المناقب القديم بالإسناد (عن المفضل بن عمر الجعفي، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليهم السلام.
قال : لما قتل الحسين بن علي جاء غراب فوقع في دمه ثم تمرغ ثم طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام وهي الصغرى فرفعت رأسها فنظرت إليه فبكت بكاء شديدا وأنشأت تقول :
نعب الغراب فقلت … من تنعاه ويلك يا غراب
قال الامام فقلت من … قال الموفق للصواب
إن الحسين بكربلا … بين الاسنة والضراب
فابكى الحسين بعبرة … ترجي الاله مع الثواب
قلت الحسين ؟ فقال لي … حقا لقد سكن التراب
ثم استقل به الجناح … فلم يطق رد الجواب
فبكيت مما حل بي … بعد الدعاء المستجاب
قال محمد بن علي: فنعتته لاهل المدينة فقالوا: قد جاءتنا بسحر عبد المطلب فما كان بأسرع أن جاءهم الخبر بقتل الحسين بن علي عليهما السلام)( ).
والمسافة بين كربلاء والمدينة المنورة نحو (1000)كم ، ويستطيع الغراب قطع مسافة (150)كم في اليوم ، أي يلزمه سبعة أيام لقطع المسافة ، ولكن الأمر بفضل وآية من عند الله عز وجل .
أسماء كربلاء
تتصف كربلاء بأنها كانت قرى متقاربة قبل الإسلام ، وشعبة من حضارة البابليين لقربها إلى بابل ، وهي طريق للنقل والتجارة بين بلاد الشام والجزيرة العربية ، وملتقى طريق برية كبرى بين فارس وبلاد الروم ، وتتصف أرضها بالخصوبة ، وأنها صالحة للزراعة لذا اتخذتها بعض القبائل محل سكناهم .
ومن أسمائها وأسماء القرى التي فيها : كربلاء ، الغاضرية ، نينوى ، عمورا ، شاطئ الفرات ، شط الفرات ، مارية ، النواويس ، الطف.
وأرض كربلاء مباركة وهي قطعة من الجنة لذا تتخذ تربتها موضعاً للسجود .
كما سمي بالحائر ، والحائر الحسيني .
وبالإسناد (عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله كانت سبحتها من خيط صوف مفتل معقود عليه عدد التكبيرات ، وكانت عليها السلام تديرها بيدها تكبر وتسبح حتى قتل حمزة بن عبد المطلب فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس، فلما قتل الحسين صلوات الله عليه عدل بالأمر إليه فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية)( ).
وبالإسناد عن (عبد الله بن دانية الطوري قال : حججت سنة سبع وأربعين ومائتين ، فلما صدرت من الحج صرت إلى العراق فزرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على حال خيفة من السلطان، وزرته .
ثم توجهت إلى زيارة الحسين عليه السلام فإذا هو قد حرثت أرضه ومخر فيها الماء ، وأرسلت الثيران العوامل في الأرض ، فبعيني وبصري كنت أرى الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتى إذا حاذت مكان القبر حادت عنه يمينا وشمالا.
فتضرب بالعصي الضرب الشديد فلا ينفع ذلك فيها ، ولا تطأ القبر بوجه ولا سبب ، فما أمكنني الزيارة ، فتوجهت إلى بغداد ، وأنا أقول في ذلك :
تالله إن كانت أمية قد أتت … قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاك بنو أبيه بمثلها… هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا … في قتله فتتبعوه رميما
فلما قدمت بغداد سمعت الهائعة، فقلت ما الخبر قالوا سقط الطائر بقتل جعفر المتوكل، فعجبت لذلك وقلت إلهي ليلة بليلة)( ).
أسماء شهداء كربلاء مع الحسين بن علي (ع)
الأول : علي الاكبر .
الثاني : عبد الله بن الحسين (الرضيع) .
الثالث : عبد الله بن امير المؤمنين .
الرابع : العباس بن امير المؤمنين .
الخامس : جعفر بن امير المؤمنين .
السادس : عثمان بن امير المؤمنين .
السابع : محمد الأصغر بن امير المؤمنين .
الثامن : أبو بكر بن الحسن الزكي .
التاسع : عبد الله بن الحسن بن علي الزكي .
العاشر : القاسم بن الحسن بن علي .
الحادي عشر : عون بن عبد الله بن جعفر الطيار .
الثاني عشر : محمد بن عبد الله بن جعفر الطيار .
الثالث عشر : جعفر بن عقيل .
الرابع عشر : عبد الرحمن بن عقيل .
الخامس عشر : عبد الله بن مسلم بن عقيل .
السادس عشر : أبو عبد الله بن مسلم بن عقيل .
السابع عشر : محمد بن ابي سعيد بن عقيل .
الثامن عشر : سليمان مولى الحسين (ع) .
التاسع عشر : قارب مولى الحسين (ع).
العشرون : منجح مولى الحسين (ع).
الواحد والعشرون : مسلم بن عوسجة .
الثاني والعشرون : سعد بن عبد الله الحنفي .
الثالث والعشرون : بشر بن عمر الحضرمي .
الرابع والعشرون : يزيد بن حصين الهمداني المشرقي .
الخامي والعشرون : عمران بن كعب الانصاري .
السادس والعشرون : نعيم ابن عجلان الانصاري .
السابع والعشرون : زهير بن القين البجلي .
الثامن والعشرون : عمرو بن قرطة الانصاري .
التاسع والعشرون : حبيب بن مظاهر الاسدي .
الثلاثون : الحر بن يزيد الرياحي .
الواحد والثلاثون : عبد الله بن عمير الكلبي .
الثاني والثلاثون : نافع بن هلال البجلي المرادي .
الثالث والثلاثون : انس بن كاهل الاسدي .
الرابع والثلاثون : قيس بن مسهر الصيداوي .
الخامس والثلاثون والسادس والثلاثون : عبد الله وعبد الرحمن ابنا عروة بن حراق الغفاريين .
السابع والثلاثون : جون مولى ابي ذر الغفاري .
الثامن والثلاثون : شبيب بن عبد الله النهشلي .
التاسع والثلاثون : الحجاج بن يزيد السعدي .
الأربعون والواحد والأربعون : قاسط وكرش ابنا زهير التغلبيين.
الثاني والأربعون : كنانة بن عتيق .
الثالث والأربعون : ضرغامة بن مالك التغلبي ، بايع مسلم بن عقيل في الكوفة ، ثم خرج مع جيش عمر بن سعد ، ولكنه التحق بالحسين وقتل عدداً كبيراً من جيش يزيد .
الرابع والأربعون : جوين بن مالك الضبعي .
الخامس والأربعون : عمرو بن ضبيعة الضبعي .
السادس والأربعون : يزيد بن ثبيت القيسي البصري ، عندما وصلت رسالة الإمام الحسين عليه السلام لأهل البصرة أعلن يزيد أنه سيلتحق بقافلة الحسين ، وكان له عشرة أبناء صاحبه اثنان منهم .
وتوجهوا وهم وجماعة نت أهل البصرة نحو مكة والتقوا مع الحسين عليه السلام في أبطح قرب مكة ، وعندما علم الإمام الحسين عليه السلام بقدوم يزيد ذهب إلى خيمته ، ولكن يزيد كان قد خرج ذاهباً إلى خيمة الحسين ، فأخبروه أن الحسين عليه السلام ذهب إلى خيمتك فرجع مسرعاً فلما رأى الحسين تلا قوله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
وسلم على الحسين وأخبره عن حال أهل البصرة والجماعة الذين قدموا معه ، ودعا له الحسين عليه السلام وانضموا إلى القافلة المتوجهة صوب الكوفة واستشهد يوم كربلاء هو وولداه .
السابع والأربعون والثامن والأربعون : عبد الله وعبيد الله ابنا يزيد بن ثبيت القيسي .
التاسع والأربعون : عامر بن مسلم العبدي البصري جاء من البصرة والتحق بقافلة الحسين عليه السلام.
الخمسون : سيف بن مالك العبدي البصري جاء من البصرة والتحق بقافلة الحسين عليه السلام .
الواحد والخمسون : زهير بن بشر الخثعمي .
الثاني والخمسون : بدر بن معقل الجعفي .
الثالث والخمسون : الحجاج بن مسروق الجعفي .
الرابع والخمسون والخامس والخمسون : مسعود بن الحجاج وابنه.
السادس والخمسون : مجمع بن عبد الله العائدي .
السابع والخمسون : عمار بن حسان بن شريح الطائي .
الثامن والخمسون : حيان بن الحارث السلماني الازدي .
التاسع والخمسون : جندب بن حجر الخولاني .
الستون : عمر بن خالد الصيداوي .
الواحد والستون : سعيد مولاه .
الثاني والستون : يزيد بن زياد بن المظاهر الكندي .
الثالث والستون : زاهر مولى عمرو بن حمق الخزاعي .
الرابع والستون : جبلة بن علي الشيباني .
الخامس والستون : سالم مولى بني المدينة الكلبي ، بايع مسلم بن عقيل ، وقبض عليه لما تخاذل الناس عن مسلم ، وأراد كثير بن شهاب التميمي تسليمه وجماعة معه إلى عبيد الله بن زياد فاختفى ، ولما سمع بنزول الحسين في كربلاء سار من الكوفة والتحق بالحسين عليه السلام ، وقيل قُتل في أول حملة .
السادس والستون : اسلم بن كثير الازدي .
السابع والستون : قاسم بن حبيب الازدي .
الثامن والستون : عمر بن الاحدوث الحضرمي .
التاسع والستون : أبو تمامة عمر بن عبد الله الصائدي .
السبعون : حنضلة بن اسعد الشامي .
الواحد والسبعون : عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الارحبي .
الثاني والسبعون : عمار بن ابي سلامة الهمداني .
الثالث والسبعون : عابس بن شبيب الشاكري .
الرابع والسبعون : شوذب مولى شاكر .
الخامس والسبعون : شبيب بن الحارث بن سريع .
السادس والسبعون : مالك بن عبد الله بن سريع .
السابع والسبعون : سوار ابن ابي حمير .
باب في رثاء الحسين بعد قتله مباشرة
لما قتل سنان بن أنس الحسين عليه السلام اجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي .
(حمل رأسه إلى ابن زياد، وقال: الرجز:
أوقر ركابي فضةً وذهباً … فقد قتلت السيد المحجبا.
قتلت خير الناس أماً وأباً … وخيرهم إذ ينسبون نسباً.
وقيل: إن سنان بن أنس لما قتله قال له الناس: قتلت الحسين بن علي، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي عنها، أعظم العرب خطراً، أراد أن يزيل ملك هؤلاء، فلو أعطوك بيوت أموالهم لكان قليلاً! فأقبل على فرسه، وكان شجاعاً به لوثة، فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد، وأنشده الأبيات المذكورة.
فقال عمر: أشهد أنك مجنون، وحذفه بقضيب وقال: أتتكم بهذا الكلام! والله لو سمعه زياد لقتلك)( ).
وقاطع الناس بعد مقتل الحسين عمر بن سعد ، و(مر عمر بن سعد بن أبي وقاص بمجلس بني نهد حين قتل الحسين فسلم عليهم فلم يردوا عليه السلام قال مالك فحدثني أبو عيينة البارقي عن عبد الرحمن بن حميد في هذا الحديث قال فلما جاز قال :
أتيت الذي لم يأت قبلي ابن حرة …فنفسي ما أحرت وقومي أذلت)( ).
روى (سليمان بن مسلم أبو المعلى العجلي قال سمعت أبي أن الحسين لما نزل كربلاء فأول من طعن في سرادقه عمر بن سعد فرأيت عمر بن سعد وابنيه قد ضربت أعناقهم ثم علقوا على الخشب ثم ألهب فيهم النار وقال غيره بعث المختار بن أبي عبيد إلى عمر بن سعد مولاه أبا عمر فقتله وقتل حفص بن عمر بن سعد)( ).
نياحة الجن على الحسين (ع)
لقد آمنت أمة من الناس برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.
كما استمع فريق من الجن لتلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن أثناء عودته إلى مكة من الطائف بعد الأذى الشديد الذي لاقاه من أهلها ، قال تعالى قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا.
ويبين قوله تعالى وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
وقد ناحت الجن على الحسين عند قتله ،وكان الناس يسمعون بكاءها ، والنصوص في المقام مستفيضة ومتواترة .
والجن على فريقين ، منهم المؤمنون ومنهم الكافرون ، وفي التنزيل وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا.
ويحشر الجن يوم القيامة ، ويحاسبون لأنهم مكلفون بعبادة الله وطاعته ، وفي إنذار الجن والإنس من أهوال يوم القيامة وعالم الجزاء والإحتجاج على الذين كفروا قال تعالى قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ.
فهل الجن الذين ناحوا على الحسين عليه السلام من المؤمنين أم صدرت النياحة على الحسين من عموم الجن مؤمنهم وكافرهم ، المختار الأول ، والنوح هو البكاء بجزع وعويل .
وتعددت شواهد نياحة الجن على الحسين عليه السلام منها :
الأولى : كان الجن تنوح في المدينة المنورة ، يسمع عدد من الصحابة نوحهم ، فيبكون ، منهم المسور بن مخرمة .
الثانية : ورد بالإسناد عن أم سلمة زوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أنها قالت : سمعت الجن تنوح على الحسين رضي الله عنه )( ).
الثالثة : عن عكرمة أنه سمع ليلة قتل الحسين عليه السلام (بالمدينة مناد يسمعونه و لا يرون شخصه )( ).
الرابعة : (عن عمار بن أبي عمار ، عن ميمونة ، قالت : سمعت الجن ، تنوح على الحسين)( ) والمراد من ميمونة بنت الحارث الهلالية آخر زوجات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن تأيمت من أبي رهم ، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب .
أيها القاتلون جهلا حسينا … أبشروا بالعذاب و التنكيل
كل أهل السماء تبكي عليكم … من نبي و ملاك و قبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود … و موسى و صاحب الإنجيل)( ).
الرابعة : روي أن هاتفاً سمع بالبصرة ينشد ليلاً :
(أن الرماح الواردات صدورها … نحو الحسين تقاتل التنزيلا
و يهللون بأن قتلت و إنما … قتلوا بك التكبير والتهليلا
فكأنما قتلوا أباك محمدا … صلى عليه الله أو جبريلا)( ).
الخامسة : قال دعبل ( حدثني أبي، عن جدي عن امه سعدى بنت مالك الخزاعية أنها سمعت نوح الجن على الحسين عليه السلام:
يا ابن الشهيد ويا شهيدا عمه … خير العمومة جعفر الطيار
عجبا لمصقول أصابك حده … في الوجه منك وقد علاك غبار)( ) .
السادسة: وكان ابن عبّاس يتوقّعُ خبرَ الحسين بن عليّ إلى أنْ أتاهُ آتٍ ، فسارّه بشيىءِ ، فأظهر الاسترجاع ، قال الراوي : فقلنا : ما حدثَ يا أبا العبّاس؟ قال : مصيبةٌ عظيمةٌ عندَ الله نحتسبها( ) .
السابعة : قالت أُمّ سلمة : سمعتُ الجنّ تنوحُ على الحسين يوم قُتِلَ ، وهنّ يقلن:
أيّها القاتلون ظلماً حسيناً … أبْشِروا بالعذاب والتنكيلِ
كلّ أهل السماء يدعو عليكم … من نبيّ ومرسَل وقتيلِ
قد لُعنتم على لسان ابن داو د و موسى وصاحب الإنجيلِ( )
وجنيّة تنوح :
ألا يا عينُ فاحتفلي بجهدِ … ومن يبكي على الشهداء بعدي
على رهطٍ تقودهم المنايا … إلى متجبّرٍ في ملك عبدِ ( )
الثامنة : قال أبو جناب الكلبيّ : أتيتُ كربلاء ، فقلتُ لرجلٍ من أشراف العرب بها : بلغني أنّكم تسمعون نوح الجنّ ؟ .
قال : ما تلقى حرّاً ، ولا عبداً ، إلاّ أخبرك أنّه سمع ذاك . قلتُ : أخبرني ما سمعتَ أنتَ , قال : سمعتُهم يقولون :
مسحَ الرسولُ جبينَهُ … فلهُ بريقٌ في الخدودِ
أبواهُ من عَلْيا قريشٍ … جدّهُ خيرُ الجدودِ ( ).
التاسعة : كان الجصّاصون إذا خرجوا في السحر سمعوا نَوْحَ الجنّ على الحسين ينشدون ذلك الشعر .
العاشرة : ولمّا قتل الحسين بن عليّ سُمع منادٍ ينادي ليلاً ، يُسمعُ صوتُه ولم يُرَ شخصُه :
عقرتْ ثمودٌ ناقةً فاستُؤصِلوا … وجرتْ سوانِحُهم بغير الأسعدِ
فبنو رسول الله أعظمُ حرمةَ … وأجلّ من أُمّ الفصيل المقصدِ
عجباً لهم ولما أتوا لم يُمسخوا … والله يملي للطغاة الجُحَدِ( ).
الحادية عشرة : ذكر (ان ام سلمة سمعت نوحهم :
ألايا عين يا عين فاحتفلي بجهدي …ومن يكبي على الشهداء بعدي
على رهط تقودهم المنايا … إلى متجبر في ملك عبد)( ).
الثانية عشرة : ومن نوح الجن على الحسين عليه السلام الذي سمعه كثير من الناس :
(ألا يا عين فاحتفلي بجهد … ومن يبكي على الشهداء بعدي)( ).
الثالثة عشرة :
خير نساء الجن يبكين شجيات … ويلطمن خدوداً كالدنانير نقيات
ويلبسن ثياب السود القصيات
والله ما جئتكم حتى بصرت به … بالطف منعفر الخدين منحورا
وحوله فتية تدمى نحورهم … مثل المصابيح يغشون الدجى نورا
كان الحسين سراجاً يستضاء به … الله يعلم أني لم أقل زورا
مات الحسين غريب الدار منفرداً . ظامي الحشاشة صادي القلب مقهورا
مسح النبي جبينه … فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قريش … جده خير الجدود
قتلوك يا بن الرسول … فاسكنوا نار الخلود
عقرت ثمود ناقة فاستوصلوا … وجرت سوانحهم بغير الأسعد
فبنو رسول الله أعظم حرمة … وأجل من أم الفصيل المقعد
عجباً لهم لما أتوا لم يمسخوا … والله يملي للطغاة الجهد)( ).
الرابعة عشرة : (لما قتل الحسين وجد حجر مكتوب عليه:
لابد أن ترد القيامة فاطمة … وقميصها بدم الحسين ملطخ
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه … والصور في يوم القيامة ينفخ)( ).
الخامسة عشرة : (وجد مكتوباً على بعض جدران دير:
أترجو أمة قتلوا حسيناً … شفاعة جده يوم الحساب
فلما سألوا الراهب عن السطر ومن كتبه، قال: مكتوب ههنا من قبل أن يبعث نبيكم بخمسمائة عام)( ) .
السادسة عشرة : (احتفر رجل من أهل نجران حفيرة فوجد فيها لوحاً من ذهب مكتوب فيه:
أترجو أمة قتلت حسيناً … شفاعة جده يوم الحساب )( ).
السابعة عشرة : (انشق جدار فظهر منه كف مكتوب فيه بالدم:
أترجو أمة قتلت حسيناً … شفاعة جده يوم الحساب)( ).
الثامنة عشرة : (لما قتل الحسين واحتزوا رأسه وقعدوا في أول مرحلة ليشربوا النبيذ خرجت عليهم يد من الحائط معها قلم حديد، فكتبت سطراً بدم:
أترجو أمة قتلت حسيناً … شفاعة جده يوم الحساب)( ).
النسبة المنطقية بين الجن والأنس
لقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومنه إخباره عن عالم الجن ، وإيمان شطر منهم .
وبينهم وبين الناس عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول : كل من الجن والإنس خلق من الخلائق التي خلقها الله .
الثاني : وجوب عبادة الله عز وجل لقوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
الثالث : التناكح التوالد والتناسل والتكاثر .
الرابع : عدم الإنقراض إلى أن يشاء الله .
الخامس : الأكل والشرب مع التباين في سنخية الأكل والشرب .
السادس : الحياة والموت .
السابع : وجوب اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته.
الثامن : استماع كل من الجن والإنس لقراءة النبي محمد القرآن وعرضه الإسلام عليهم ، قال تعالى قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا.
التاسع : في كل من الجن والإنس مؤمن وكافر ، وصالح وطالح ، وورد حكاية عن الجن في التنزيل وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا.
العاشر : إيمان أمة من الإنس وطائفة من الجن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أما مادة الإفتراق بين الجن والإنس فمن جهات :
الأولى : التباين في الخلقة والهيئة ،وقد أكرم الله عز وجل الإنسان بقوله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
الثانية : خلافة الإنسان في الأرض ليكون الجن تابعين للإنس.
الثالثة : إنقياد الجن للرسل من الإنس ، ومنه لزوم إيمانهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد نزلت سورة كاملة في القرآن باسم (سورة الجن).
الرابعة : التباين في أصل الخلق إذ خلق الله الجن من النار ، وخلق آدم أبا البشر من الطين ، وكان هذا التباين سبباً بافتتان وجحود إبليس وامتناعه عن السجود لآدم ، مع أن هذا السجود طاعة لأمر الله عز وجل ، قال تعالى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ.
الخامسة : الجن عالم غيبي ، خفي عن الناس ، قال تعالى إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ.
السادسة : تصور الجن بهيئات مختلفة ، وسرعة تنقلهم ، أما الإنس فان هيئتهم ثابتة ، وقدرتهم في الحركة محدودة وظاهرة .
السابعة : تقدم خلق الجن على خلق آدم عليه السلام بدليل قوله تعالى وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، ولأن إبليس كان مع الملائكة يوم خلق الله عز وجل آدم ، وإبليس من الجن وإن كانت الملائكة يظنون أنه منهم لشدة عبادته ، ولتواجده معهم في السماء .
الثامنة : من معاني تسمية الجن استتارهم واختفاؤهم عن الأبصار .
وعن ابن عباس (أن الجن ولد الجان وليسوا شياطين ، والشياطين ولد إبليس).
قال تعالى وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا.
التاسعة : كانت العرب في الجاهلية يستعيذون بالجن ، فاذا نزل أحدهم في أرض (قال : إني أعوذ بكبير هذا الوادي – يعني من الجن – من سفهاء قومه)( ).
فلما هدى الله عز وجل الناس للإسلام صاروا يستعيذون بالله وحده ، وفي التنزيلوَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ.
لتكون الإستعاذة بالله من الشياطين جملة وفي حال الحضر والسفر .
العاشرة : الجن أقدر من الإنس في سرعة الحركة والقدرة والتخفي والخوارق والقيام بالعمل الشاق .
الحادية عشرة : الإنس أفضل عند الله من الجن ، واقوى في مراتب الإيمان .
الثانية عشرة : تسخير الأنبياء الجن باذن الله ، وكانت الجن يبنون لسليمان المحاريب ، والقصور ، والصروح العالية ، والغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان ، وكان سليمان يعاقب الجني الذي يتمرد أو يزيغ .
الثالثة عشرة : عدم إمكان التزاوج بين الإنس والجن ، قال تعالى وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا.
الرابعة عشرة : أيهما أكثر عدداً الجن أم الإنس ، المختار هم الإنس .
الخامسة عشرة : أيهما أطول في متوسط العمر الجن أم الإنس ، الجواب هم الجن ، وقد أنظر الله إبليس وهو من الجن إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ أي يوم النفخة الأولى حيث يموت ابليس ، ولا يعني هذا أن الجن مثله ، ولكنه شاهد على قابلية الجن لطول العمر .
السادسة عشرة : الإنس أجمل وأحسن خلقة من الجن ، قال تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
السابعة عشرة : التباين بين سنخية الأكل والشرب ، فقد أنعم الله عز وجل على الناس بأكل الطيبات .
أما الجن فقد أباح لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكل العظام والبعرة والروثة ، والظاهر أن هذه الإباحة لخصوص المؤمنين من الجن.
توبيخ الحجاج الثقفي
ولد الحجاج بن يوسف الثقفي سنة (140 للهجرة )وهو من هوازن في الطائف ، وكان فيها معلماً للصبيان مع أبيه ، وأنتقل إلى الشام ، وصار من شرطة روح بن زنباغ نائب عبد الملك بن مروان ، وأظهر القسوة والجرأة في سفك الدماء ، فبعثه عبد الملك بن مروان لقتال عبد الله بن الزبير بجيش كبير ، وضرب الكعبة بالمنجنيق وقتل عبد الله بن الزبير ، ثم ولاه عبد الملك العراق ، وبقي في الإمارة عشرين سنة ، وكان سفاحاً سفاكاً سُمي المبير أي المبيد ((روي ان الحجاج بن يوسف الثقفي كتب الى عبد الملك بن مروان: ان اردت ان يثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين، فكتب عبد الملك اليه: اما بعد فجنبني دماء بني هاشم واحقنها فاني رأيت آل ابي سفيان لما اولغوا فيها لم يلبثوا ان ازال الله الملك منهم.
وبعث بالكتاب سراً فكتب علي بن الحسين عليه السلام في الساعة التي انفذ الكتاب الى الحجاج: وقعت على ما كتبت في دماء بني هاشم وقد شكر الله لك وثبت لك ذلك، وزاد في عمرك وبعث به مع غلام له بنفس الساعة التي انفذ فيها عبد الملك كتابه الى الحجاج فلما قدم الغلام اوصل الكتاب اليه فقرأه عبد الملك وكان فيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتاني في النوم فعرفني ما كتبت به اليك وبالشكر من ذلك.
ووجد عبد الملك ان تأريخ الكتاب مطابق وموافق لتأريخ كتابه الى الحجاج، فلم يشك في صدق زين العابدين ففرح بذلك وبعث اليه بوقر دنانير وسأله ان يبسط اليه جميع حوائجه وحوائج اهل بيته ومواليه)( ).
زيارة القبور
من خصائص زيارة القبور تذكير الإنسان بالموت وأن عاقبته تحت التراب ، وفيه بعث للتوبة والصلاح وتعاهد عمل الصالحات .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدعو أصحابه لذكر الموت وسماه هادم اللذات ، والحائل بين الناس والشهوات .
واستحضر الإمام علي عليه السلام هذا القول النبوي في كتابه إلى (محمد بن أبي بكر : عباد الله إن الموت ليس منه فوت فاحذروا قبل وقوعه وأعدوا له عدته، فإنكم طرد الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم .
الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوي خلفكم .
فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، وكفى بالموت واعظا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا ما يوصي أصحابه بذكر الموت فيقول : أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات، حائل بينكم وبين الشهوات)( ).
وزيارة القبور من الناسخ والمنسوخ في السنة النبوية ، وعن الصحابي بريدة بن الحصيب الأسلمي الذي أسلم عام الهجرة .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فان زيارتها تذكرة .
ونهيتكم عن الاشربة أن تشربوا إلا في ظروف الادم، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا .
ونهيتكم عن لحوم الاضاحي أن تأكلوها بعد ثلاث فكلوا واستمتعوا)( ).
وقد صدرت ثلاثة أجزاء من كتابي الموسوم (قوانين البرزخ) ومن القوانين التي وردت فيها :
الأول : قانون الإحتضار .
الثاني : قانون سكرة الموت .
الثالث : قانون اليسر في قبض روح المؤمن .
الرابع : قانون الحضور النبوي المبارك .
الخامس : قانون التقوى نجاة من عذاب القبر .
السادس : قانون الموت طالب حثيث .
السابع : قانون بقاء العصعص .
الثامن : قانون المقابر عقب التكاثر .
التاسع : قانون الشفاعة ذخيرة .
وقد ورد ذكر لفظ (القبور) خمس مرات في القرآن ، ولم يذكر فيه بلفظ المفرد (القبر) .
وروى (أنّ الحسين عليه السلام أتى المقابر بالبقيع فطاف بها ، وقال :
ناديتُ سُكّان القبور فأُسْكتوا … وأجابني عن صمتهم ندب الجثى
قالت أتدري ما صنعتُ بساكني … مزّقتُ ألْحُمَهم وخرّقتُ الكِسا
وحشوْتُ أعينهم تراباً بعدما … كانتْ تؤذى بالقليل من القذى
أمّا العظام فإننّي فرّقتها … حتّى تباينتِ المفاصل والشوى).
المصيبة الكبرى
من خصائص ثورة الحسين أن الحزن تغشى المسلمين والمسلمات عند مقتله ، لتعدد المصيبة من وجوه :
الأول : فقد خامس أهل الكساء الذين ورد ذكرهم في آية التطهير .
الثاني : إجماع الأمة على ورع وتقوى الإمام الحسين عليه السلام .
الثالث : الإمام الحسين هو الصلة النسبية بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين الناس ، لذا خاطب جيش يزيد يوم عاشوراء (أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في غيركم)( ).
الرابع : قتل الإمام الحسين من قبل قوم ظالمين استحوذوا على الحكم لذا خاطب جيش يزيد .
(ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟ أو مال لكم استهلكته ؟ أو بقصاص من جراحة ؟ فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي يا حجار بن أبجر يا قيس بن الاشعث يا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجندة)( ).
وقام يزيد بحمل نساء وصبيان أهل البيت إلى المدينة ، فلما دخلوها خرجت (ام لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين عليه السلام حاسرة ومعها أخواتها ام هانئ وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل تبكي قتلاها بالطف)( ).
(وهي تقول :
ماذا تقولون ان قال النبي لكم … ماذا فعلتم وانتم آخر الامم
بعترتي وباهلي بعد مفتقدي … منهم اسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم … ان تخلفوني بشر في ذوي رحمي
وقال أبو نعيم أبو عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال اوحى الله إلى محمد اني قد قتلت بيحيى ابن زكرياء سبعين وإني قاتل بابن بنتك سبعين الفا وسبعين الفا .
وقال خلف بن خليفة عن أبيه لما قتل الحسين اسودت السماء وظهرت الكواكب نهارا.
وقال محمد بن الصلت الاسدي عن الربيع بن منذر الثوري عن أبيه جاء رجل يبشر الناس بقتل الحسين فرأيته اعمى يقاد .
وقال يعقوب بن سفيان ثنا سليمان ابن حرب ثنا حماد بن زيد عن معمر قال أول ما عرف الزهري تكلم في مجلس الوليد ابن عبدالملك فقال الوليد ايكم يعلم ما فعلت احجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي.
فقال الزهري بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط.
وقال ابن معين حدثنا جرير ثنا يزيد بن أبي زياد قال قتل الحسين ولي أربع عشرة سنة وصار الورس( ) الذي في عسكرهم رمادا واحمرت آفاق السماء ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها النيران.
وقال الحميدي عن ابن عيينة عن جدته أم أبيه قالت لقد رأيت الورس عادت رمادا ولقد رايت اللحم كأن فيه النار حين قتل الحسين .
وقال حماد بن زيد عن جميل بن مرة :اصابوا ابلا في عسكر الحسين يوم قتل فنحروها وطبخوها قال فصارت مثل العلقم( ) فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا.
وقال قرة بن خالد السدوسي عن أبي رجاء العطاردي لا تسبوا أهل هذا البيت فانه كان لنا جار من بني الهجيم قدم علينا من الكوفة قال اما ترون إلى هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله فرماه الله بكوكبين في عينيه فذهب بصره.
وقال ثعلب حدثنا عمر بن شبة النميري حدثني عبيد بن جنادة اخبرني عطاء بن مسلم قال قال السدي اتيت كربلاء ابيع البز بها فعمل لنا شيخ من جلى طعاما فتعشينا عنده .
فذكرنا قتل الحسين فقلنا ما شرك في قتله احد إلا مات بأسوء ميتة فقال ما اكذبكم يا اهل العراق فانا ممن شرك في ذلك .
فلم يبرح حتى دنا من المصباح وهو يتقد فنفط فذهب يخرج الفتيلة باصبعه فأخذت النار فيها فذهب يطفيها بريقه فأخذت النار في لحيته فعدا فالقى نفسه في الماء فرأيته كأنه حممة.
وقال إبراهيم النخعي ولو كنت ممن قاتل الحسين ثم ادخلت الجنة لاستحييت أن انظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرى النائم بنصف النهار اشعث أغبر وبيده قارورة فيها دم فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا قال هذا دم الحسين واصحابه لم ازل التقطه منذ اليوم فاحصى ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ.
وقال حماد أيضا عن عمار عن أم سلمة : سمعت الجن تنوح على الحسين.
وقال أبو الوليد بشر بن محمد التميمي حدثني أحمد بن محمد المصقلي حدثني أبي قال : لما قتل الحسين بن علي سمع مناديا ينادي ليلا يسمع صوته ولم ير شخصه :
عقرت ثمود ناقة فاستوصلوا … وجرت سوانحهم بغير الاسعد
فبنو رسول الله اعظم حرمة … واجل من أم الفصيل المقعد
عجبا لهم لما اتوا لم يمسخوا … والله يملي للطغاة الجحد
قال الزبير عن ابن عيينة عن جعفر بن محمد عليه السلام : قتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين .
قال ابراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس استشارني الحسين في الخروج إلى العراق فقلت لولا أن يزري بك وبي لنشبت يدي رأسك (أي لازمتك ولم أفارقك).
وقال الشعبي كان ابن عمر قدم المدينة فاخبر أن الحسين قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين فنهاه فقال هذه كتبهم وبيعتهم فقال ان الله خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة وانكم بضعة منه لا يليها أحد منكم وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير فأبى فاعتنقه ابن عمرو وقال استودعك الله من قتيل.
رحلة السبي
وفي الأحياء السنوي لواقعة كربلاء واستشهاد الحسين عليه السلام والحوادث التي ترشحت عنها منها : تعرض أهل بيت النبوة للسبي ، إكتمال المشهد المأساوي ، ودروس من الصبر التي أعطتها نساء وصبيان بيت النبوة بعد قتل رجال بني أمية الحسين عليه السلام وقتلوا اثنين وسبعين من أهل بيته وأصحابه ، ومع حرمة التمثيل بالجثة ، إذ نهى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن المُثلة بضم الميم ، فقد جرت الخيل على جسده الطاهر قاموا بنهب الخيام ، وسلب ما على النساء والأطفال .
ثم أضرموا النار في الخيام في شهر محرم الذي يحرم فيه القتال منذ أيام الجاهلية ثم نزل القرآن بتأكيده ، فخرجت النسوة حافيات باكيات ، وباتوا تلك الليلة في العراء لحرق خيام الحسين كلها ، لإصرارهم على الإثم والجريمة بخلاف ما أمر الله عز وجل من المودة لأهل بيت النبوة والإنصات لهم .
وعن الإمام الرضا عليه السلام (وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، واضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا)( ).
وأقام عمر بن سعد (بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس ثم رحل بمن تخلف من عيال الحسين عليه السلام وحمل نساءه على أحلاس أقتاب بغير وطاء مكشفات الوجوه بين الاعداء، وهن ودائع خير الانبياء)( ).
لقد كان في إستحضار سبي نساء وصبيان بيت النبوة خير مواساة ودعوة للصبر والتحمل والرضا بقضاء الله ، ورجاء الأجر والثواب .
وعن (عمرو بن أبي المقدام أنه لما قتل الحسين عليه السلام سمعوا صوت هاتف من السماء يقول :
أيها القاتلون جهلا حسينا … أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم … من نبي ومرسل وقتيل
قد لعنتم على لسان بن داود …وموسى وصاحب الانجيل)( ).
في رثاء الحسين (ع)
ورد في زيارة الحسين (لعن الله ابن زياد وابن مرجانه)
وهذا العطف من العطف بالتفسير الذي من معانيه الإيضاح وكشف الغموض ومنع اللبس .
ويرد أحياناً للتشريف والإكرام ، قال تعالى جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ.
وقد يأتي للتوهين كما في ذكر عبيد الله باسم أمه وهي امرأة مجهولة .
يقال ابن مرجانة ، ومرجانة بنت نوف أمة لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت ، وباعها عبد الرحمن ، وقيل أنها سبي من المجوس .
وكان عبيد الله يغضب إذا قيل ابن مرجانة ، ومع هذا أنكرت عليه أمه قتل الحسين .
وقال شريك عن مغيرة قال قالت مرجانة لابنها عبيد الله يا خبيث قتلت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا ترى الجنة أبدا)( ) .
وقيل للحسن البصري (يا أبا سعيد قتل الحسين بن علي عليهما السلام فبكى حتى اختلج جنباه ثم قال وا ذلاه لأمة قتل ابن دعيها ابن بنت نبيها)( ).
ويقصد بالدعي هو زياد بن أبيه الذي ضمه معاوية إليه بالنسب .
و(عن المنهال بن عمرو قال دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام فقلت له كيف أصبحت يا ابن رسول الله فقال أصبحنا و الله بمنزلة بني إسرائيل من آل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وأصبح خير البرية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يلعن على المنابر وأصبح من يحبنا منقوصا حقه بحبه إيانا) ( ).
زيارة الأربعين
لقد وردت نصوص في زيارة الأربعين ، منها ما ورد عن الإمام العسكري أنه قال (علامات المؤمن خمس: صلاة الاحدى والخمسين، وزيارة الاربعين ، والتختم باليمين، وتعفير الجبين ، والجهر ببسم الله الرحمن الرحم)( ).
وكانت تسمى عند أهل العراق زيارة مرد الرؤوس .
ومنها قول الإمام الباقر عليه السلام (إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحا بالدم، وإن الارض بكت أربعين صباحا) ( ).
ومنها الزيارة المخصوصة زيارة الأربعين والتي رواها صفوان الجمال عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (تزور عند ارتفاع النهار وتقول: السلام على ولي الله وحبيبه، السلام على خليل الله ونجيه ، السلام على صفي الله وابن صفيه.
السلام على الحسين المظلوم الشهيد ، السلام على أسير الكربات، وقتيل العبرات، اللهم إني أشهد أنه وليك وابن وليك، وصفيك وابن صفيك، الفائز بكرامتك، أكرمته بالشهادة، وحبوته بالسعادة ،واجتبيته بطيب الولادة ، وجعلته سيداً من السادة… إلى آخر الزيارة)( ).
ومنها زيارة جابر بن عبد الله الأنصاري ، إذ وفد إلى قبر الحسين عليه السلام يوم الأربعين مع غلامه عطا ، وعدد من رجالات بني هاشم ، واتفق مجئ حرم الحسين عليه السلام من الشام في طريقهم إلى المدينة ، وطلبت زينب بنت علي عليهما السلام بأن يعرج عليهم إلى أرض كربلاء .
وقد ذكر عدد من العلماء المتقدمين هذه الزيارة .
زيارة جابر بن عبد الله قبر الحسين
ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما من شئ مما خلق الله عز وجل أكثر من الملائكة وأنه ليهبط في كل يوم أو في كل ليلة سبعون ألف ملك .
فيأتون البيت الحرام فيطوفون به ثم يأتون رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يأتون أمير المؤمنين عليه السلام فيسلمون .
عليه ثم يأتون الحسين عليه السلام فيقيمون عنده فإذا كان عند السحر وضع لهم معراج إلى السماء ثم لا يعودون أبدا)( ).
(عن عطية العوفي قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام فلما وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثم ائتزر بازار، وارتدى بآخر، ثم فتح صرة فيها سعد فنثرها على بدنه .
ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله حتى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه فألمسته فخر على القبر مغشيا عليه فرششت عليه شيئا من الماء فأفاق.
ثم قال : يا حسين – ثلاثاً – ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: وأنى لك بالجواب، وقد شحطت أوداجك على أثباجك وفرق بين بدنك ورأسك فأشهد أنك ابن النبيين وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى.
وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء.
وما لك لا تكون هكذا وقد غذتك كف سيد المرسلين، وربيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الايمان، وفطمت بالاسلام، فطبت حيا وطبت ميتا غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة لفراقك ولا شاكة في الخيرة لك.
فعليك سلام الله ورضوانه وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا.
ثم جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيها الارواح التي حلت بفناء الحسين، وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين والذي بعث محمدا بالحق لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.
قال عطية: فقلت لجابر: وكيف ولم نهبط واديا، ولم نعل جبلا، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرق بين رؤسهم وأبدانهم، واوتمت أولادهم وأرملت الازواج.
فقال لي: يا عطية سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل القوم اشرك في عملهم.
والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه، خذوا بي نحو أبيات كوفان)( ).
رثاء على قبر الحسين (ع)
حالما استشهد الحسين عليه السلام وقف الشعراء على محل مصرعه يرثونه ، ويوثقون تلك المصيبة التي حلت بالأمة ويحفظ الناس تلك القصائد للولاء العام لأهل البيت وإنكار ما فعله جيش ابن زياد إذ (مرّ الشاعر سليمان بن قتة الخزاعي مولى بني تميم بكربلاء بعد مقتل الحسين بثلاث ليال فنظر إلى مصارعهم فاتكأ على فرس له عربية وأنشأ ما يدل على الاشتراك في دم الحسين فمن قوله في ذلك :
(وإنّ قتيل الطّفّ من آل هاشمٍ … أذلّ رقاباً من قريشٍ فذلّت
فإن تتبعوه عائذ البيت تصبحوا … كعادٍ تعمّت عن هداها فضلّت
مررت على أبيات آل محمدٍ … فألفيتها أمثالها حيث حلّت
وكانوا لنا غنماً فعادوا رزيّةً … لقد عظمت تلك الرّازيا وجلّت
فلا يبعد الله الديار وأهلها … وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت
إذا افتقرت قيسٌ جبرنا فقيرها … وتقتلنا قيسٌ إذا النّعل زلّت
وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا … سنجزيهم يوماً بها حيث حلّت
ألم تر أنّ الأرض أضحت مريضةً … لفقد حسين والبلاد اقشعرّت
يريد أنهم لا يرعوون عن قتل قرشي بعد الحسين)( ).
وفيها يقول:
إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها … وتقتلنا قيس إذا النعل زلت
وعند غني قطرة من دمائنا … سنجزيهم يوماً بها حيث حلت
ومنها أو من غيرها:
وقد أعولت تبكي السماء لفقده … وأنجمها ناحت عليه وصلت
في أبيات كثيرة.
وقال خليفة بن خياط الذي ولى قتل الحسين بن علي شمر بن ذي الجوشن وأمير الجيش عمر بن سعد.
وقال مصعب الذي ولى قتل الحسين بن علي سنان بن أبي سنان النخعي لا رحمه الله ويصدق ذلك قول الشاعر:
وأي رزية عدلت حسيناً … غداة تبيره كفا سنان
وقال منصور النمري:
ويلك يا قاتل الحسين لقد … بؤت بحمل ينوء بالحامل
أي حباء حبوت أحمد في … حفرته من حرارة الثاكل
تعال فاطلب غداً شفاعته … وانهض فرد حوضه مع الناهل
ما الشك عندي في حال قاتله … لكنني قد أشك في الخاذل
كأنما أنت تعجبين ألا … تزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وما … ربك عما ترين بالغافل
ما حصلت لامرئ سعادته … حقت عليه عقوبة الآجل( ).
ووردت نصوص عديدة عن أهل البيت في زيادة الحسين وثوابها بفضل من عند الله عز وجل منها
عن زيد الشحام قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام (ما لمن زار الحسين عليه السلام قال: كمن زار الله في عرشه ، قال: قلت: فما لمن زار أحدا منكم ؟ قال: كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله)( ).
عن هارون بن خارجة عن ابا عبد الله الصادق عليه السلام وكل الله بقبر الحسين عليه السلام أربعة ألاف ملك شعث غبر يبكون إلى يوم القيامة ، فمن زاره عارفاً بحقه شيعوه حتى يبلغوه مأمنه ، وإن مرض عادوه غدوه وعشية ، وإن مات شهدوا جنازته واستغفروا له إلى يوم القيامة ( ).
قال أبو الحسن عليه السلام (أدنى ما يثاب به زائر أبي عبد الله عليه السلام بشط الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)( ).
عن الباقر عليه السلام قال (مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين بن علي عليه السلام، فان إتيانه يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفروض على كل مؤمن يقر للحسين بالامامة من الله)( ).
محل رأس الحسين (ع)
قال تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ.
لقد انفرد الحسين عليه السلام بكرامة خاصة وهي تعدد وكثرة المواضع التي قيل أن رأسه دفن فيها ، وهو شاهد على حب المسلمين له وتلمسهم البركة في زيارته وشدة حنقهم على الذين قتلوه وأهل بيته ظلماً.
استشهد الحسين عليه السلام في العاشر من محرم سنة 61 للهجرة وفي مدفنه وجوه :
الأول : إعادة الرأس الشريف إلى كربلاء , وقام الإمام زين العابدين بدفنه ورؤوس الشهداء مع الأجساد عند مرورهم على كربلاء عائدين من الشام .
الثاني : حفظ الرأس الشريف في خزانة يزيد بن معاوية وبعد موت يزيد بسنوات وجده سليمان بن عبد الملك فطيبه ودفنه في دمشق عند باب الفراديس ، والذي يسمى حالياً باب العِمارة .
الثالث : في الجامع الأموي ، وموضع الرأس فيه معلم معروف .
الرابع : قام يزيد بإرسال الرأس إلى عمرو بن سعيد بن العاص والي يزيد على المدينة , فدفنه بالبقيع .
ولكن لو كان الرأس وصل إلى المدينة لشاع الخبر ، ورآه وروى خبره جماعة ، ولوردت أخبار عن بني هاشم وبيوت المهاجرين والأنصار ، بينما اختص الخبر أعلاه بعمرو بن سعيد ومروان بن الحكم مع الخلاف والكدورة التي كانت بينهما .
وقال عمرو بن سعيد (وددت أنه لم يبعث به إلي، ثم أمر به، فدفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة (عليها السلام))( ).
وذكر خبر دفن رأس الحسين بالمدينة عند قبر الزهراء عليها السلام ابن سعد وابن الجوزية في تذكرة الخواص ، والواقدي ، والذهبي في تأريخ الإسلام ، والبلاذري ت279 هجرية في كتابه أنساب الأشراف .
قالوا عند قبر أمه فاطمة الزهراء , وفي موضع قبرها : ثلاثة أقوال :
الأول : بين القبر والمنبر وهو المذكور في مرسلة ابن أبي عمير التي هي كالصحيحة.
الثاني : في بيتها وهو في المسجد منذ أن وسعته بنو أمية لصحيحة البزنطي عن الإمام الرضا عليه السلام التي رواها المشايخ الثلاثة.
الثالث : دُفنت عليها السلام في البقيع وهو ضعيف وبعيد ، واستبعده بعض الفقهاء المتقدمين .
وعندما سئل الإمام الهادي عليه السلام : أهي في طيبة أو كما يقول الناس في البقيع، فكتب: هي مع جدي صلوات الله عليه.
الخامس : طيف بالرأس الشريف في البلاد إلى أن وصل عسقلان فدفنه أميرها هناك , وبقي حتى استولى الافرنج على عسقلان في الحروب الصليبية.
السادس : بعد أن استولى الافرنج على عسقلان , بذل لهم الصالح طلائع (495-556 هجرية) وزير الفاطميين مبلغ ثلاثين ألف درهم لينقله إلى القاهرة ، فدفن في القاهرة ، ومشهده فيها مزار عظيم .
السابع : عن سبط ابن الجوزي أن الرأس بمسجد الرقة على الفرات .
الثامن : إنه مدفون بظهر الكوفة أي في النجف دون قبر أمير المؤمنين عليه السلام.
وهذا التعدد في موضع دفن الحسين من البركة في شهادته في سبيل الله ، وصيرورة محل دفن رأسه الشريف مزاراً في مدن وأمصار متعددة ، قال تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، وكأنه من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
وفي بحار الأنوار قال (وروى مسلم في صحيحه أنه قال: استأذنت ربي في زيارة قبر امي فأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت)( ).
وهل زيارة رأس الحسين في القاهرة والشام وعسقلان وغيرها من مصاديق زيارة القبور ، بفضل ولطف من عند الله ، المختار نعم .
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (زوروا القبور فانها تذكركم الآخرة).
قتل المختار وزوجته
لقد قتل المختار في شهر رمضان من السنة (67 للهجرة) على يد جيش مصعب بن الزبير .
(وذبحت عمرة بنت النعمان بن بشير صبرا، لانها شهدت أن زوجها المختار عبد صالح)( ).
وكان مصعب بعث لزوجتي المختار (فقال لهما: ما تقولان في المختار؟ فقالت أم ثابت : ما عسيت أن أقول فيه إلا ما تقول فيه أنت، فقالوا لها: اذهبي.
وأما عمرة فقالت : رحمة الله عليه إن كان عبداً من عباد الله الصالحين. فرفعها مصعبٌ إلى السجن وكتب فيها إلى عبد الله بن الزبير، إنها تزعم أنه نبي.
فكتب إليه : أن أخرجها فاقتلها. فأخرجها بين الحيرة والكوفة بعد العتمة، فضربها مطر ثلاث ضرباتٍ بالسيف ومطر تابع لآل فهر من بني عبد الله بن ثعلبة، كان يكون مع الشرط.
فقالت : يا أبتاه ، يا أهلاه ، يا عشيرتاه ، فسمع به بعض الأنصار وهو أبان بن النعمان بن بشير، فأتاه فلطمه فقال: يا بن الزانيات قطعت نفسها قطع الله يمينك .
فلزمه فتى رفعه إلى مصعب، فقال: إن أمي مسلمة، وادعى شهادة بني ثعل فلم يشهد له أحد .
فقال مصعب: خلوا سبيل الفتي فإنه رأى أمراً فظيعاً .
فقال عمر بن أبي ربيعة القرشي في قتل مصعب عمرة بنت النعمان بن بشير : من الخفيف :
إن من أعجب العجائب عندي … قتل بيضاء حرةٍ عطبول
قتلت هكذا على غير جرمٍ … إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا … وعلى الغانيات جر الذيول)( ).
وهي لم تقل أنه نبي إنما قالت عبد صالح ، وقيل أن مصعباً قتلها بغير أمر أخيه عبد الله بن الزبير (فكتب إليه يعنفه على ذلك)( )، وهو الأرجح .
(فقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك ، من الطويل :
أتى راكبٌ بالأمر ذي النبأ العجب…بقتل ابنة النعمان ذي الدين والحسب
بقتل فتاةٍ ذات ذل ستيرةٍ … مهذبة الأخلاق والخيم والنسب
مطهرة من نسل قرمٍ مطهر … من المؤثرين الخير في سالف الحقب
خليل النبي المصطفى ونصيره … وصاحبه في الحرب والنكب والكرب
أتاني بأن الملحدين توافقوا … على قتلها لا جنبوا القتل والسلب
فلا هنأت آل الزبير معيشةً … وذاقوا لباس الذل والخوف والحرب
كأنهم إذ أبرزوها وقطعت … بأسيافهم فازوا بمملكة العرب
ألم يعجب الأقوام من قتل حرةٍ … من المحصنات الدين محمودة الأدب
من الغافلات المؤمنات بريئةٍ … من الذم والبهتان والشك والكذب)( ).
هل تحقق الإصلاح
بعد أن توالت رسائل وجهاء ورؤساء قبائل أهل العراق إلى الحسين عليه السلام وهو في مكة المدينة ثم في مكة تدعوه للقدوم عليهم ويعدونه بالولاء والنصرة ، واستمر تضييق وطلب بني أمية له إلا أن يبايع يزيد بعد أن تولى الحكم بعد موت معاوية ، عزم على الخروج إلى العراق ، وكتب ليلة مغادرته مكة وصية لأخيه محمد بن علي بن أبي طالب .
ومما ورد فيها (ابن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي صلى الله عليه وآله اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي) ( ).
ولا يقدح بهذه الوصية عدم السند ولأن طلب الإصلاح هو غاية الحسين عليه السلام في خروجه ، فيحتمل طلب الإصلاح في المقام جهات :
الأول : إرادة طلب الإصلاح في تولي الحكم ، فلا يتحقق إلا مع تولي الإمام الحسين عليه السلام الحكم .
الثاني : تحقق الإصلاح بذات الخروج إلى العراق .
الثالث :تحقق الإصلاح بالشهادة في سبيل الله ، لأن الإمام الحسين عليه السلام يعلم أنه مقتول في كربلاء لإخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذلك إلا أن يشاء الله.
الرابع : تحقق الإصلاح سواء تولى الإمام الحسين الحكم أو سقط مضرجاً بدمائه .
والمختار هو الرابع أعلاه فاذا استلم الإمام الحسين الحكم سار على نهج النبوة وحكم بين الناس بالعدل ، أما وقد استشهد فان تجليات الإصلاح ظاهرة في المجتمعات من جهات :
الأولى : خشية أمراء بني أمية من عامة المسلمين وإجتنابهم التجاهر بالفسق أو إشاعة الظلم .
الثانية : الذم العام ليزيد بن معاوية على قتله الحسين عليه السلام وعلى قبح سيرته .
الثالثة : التفات المسلمين إلى واجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورصد ما يفعل الأمراء .
الرابعة : توالي الثورات على بني أمية وإعلانهم إرادة الإصلاح ورفض الظلم .
وبعد ثورة الحسين صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الخامسة : لا ملازمة بين تنصيب الخليفة وبين وجوب البيعة العامة له إلا مع سنن التقوى .
السادسة : الصلاح غاية كل مسلم .
سور الموجبة الكلية والغاية التي يسعى لها أغلب الناس .
ومن بركات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مضاعفة أعداد المسلمين بسرعة .
فالبصرة التي أفتتحت في السنة الرابعة عشرة للهجرة وكانت بداية لتأسيسها لم تمر سنوات عليها حتى صار عدد سكانها أكثر من مائة الف ، فحينما مات يزيد كان عبيد الله بن زياد والياً على البصرة ، فأصابه الفزع وخاف من أهلها فقام خطيباً ، وذكر عدد سكان البصرة .
إذ ورد بالإسناد عن (محمد بن أبي عيينة عن شهرك شهدت ابن زياد حين جاءه وفاة يزيد بن معاوية قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل البصرة إن تنسبوني فجدودي مهاجري ومولدي وداري فيكم ، وقد وليتكم وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا أربعين ألفا وقد أحصي إلى اليوم أربعين ومائة ألف وما تركت لكم ظنة أخافها عليكم إلا وهي في سجنكم هذا .
وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد توفى وولى ابنه معاوية بن يزيد .
وزاد ابن أبي عيينة عن شهرك وقد اختلف أهل الشام فأنتم اليوم أكثر عددا وأعرضه فيئا وأغناه عن الناس وأوسعه بلادا فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم فأنا أول من رضي به وتابع وأعان بنصيحته وماله وقوته .
فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون وإن كرهتم ذلك كنتم على حديلتكم حتى تعطوا حاجتكم فما لكم إلى شئ من البلاد حاجة وما يستغني الناس عنكم)( ).
وبايعوه وطلبوا منه إخراج السجناء أي عفواً عاما ،ً فاخرجهم وانصرف الناس (وهم يقولون أيظن ابن مرجانه أن نستقاد له في الجماعة والفرقة كذب والله)( ).
السابعة : حرص الأمراء على إظهار العدل ، والتقرب إلى الناس.
الثامنة : إجماع المسلمين على ذم وإدانة قتلة الحسين وأهل بيته ، وهل هذا الإجماع من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، الجواب نعم .
التاسعة : إحياء أجيال المؤمنين المتعاقبة وإلى يومنا هذا لذكرى ثورة الحسين باقتباس الدروس والمواعظ منها ، وإحياء مبادئ الإنسانية والسلم المجتمعي ، والشجاعة في الدعوة إلى الحق ودحض الظلم والجور .
حزن السماء
من بدائع صنع الله السموات السبع ، والإحكام في خلقها بوجودها المحسوس وإرتفاعها عن أهل الأرض من الإنس والجن .
ويدل قوله تعالى فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، على أن كلاً من السماء والأرض تتلقى الأوامر من عند الله عز وجل ، وتستجيب لهذه الأوامر ، وقد بكت السماء على الحسين عليه السلام
قال ابن سيرين : لم تبك السماءُ على أحدٍ بعد يحيى بن زكريّا ، إلاّ على الحسين بن عليّ ( ).
قالت نصرة الأزديّة : لمّا أنْ قُتلَ الحسينُ بن عليّ مَطَرَتْ السماءُ دماً فأصبحت وكلّ شيءِ لنا ملآَنُ دماً ( ).
وقالت امرأة : كُنّا زماناً بعد مقتل الحسين ، وإنَّ الشمس تطلع محمرّة على الحيطان والجدران بالغداة والعشيّ ( ).
قالت : كانوا لا يرفعون حجراً إلاّ وجدوا تحته دماً، قال خليفة : لمّا قُتِلَ الحسينُ اسودّت السماءُ وظهرت الكواكبُ نهاراً ، حتّى رأيتُ الجوزاء عند العصر ، وسقطَ الترابُ الأحمرُ ( ).
وقال عيسى بن الحارث الكندي : لمّا قُتِلَ الحسينُ مكثنا سبعةَ أيّام إذا صلّينا العصرَ ، نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنّها الملاحفُ المعصفرة ، ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضاً ( ) .
وقال أبو قبيل : لمّا قُتِلَ الحسينُ بن عليّ كسفت الشمسُ كسفةً بدت الكواكبُ نصفَ النهار حتّى ظننّا أنّها هي( ).
قالت أُمّ حبّان : يوم قُتِلَ الحسينُ اظلمّتْ علينا ثلاثاً ، ولم يمسّ أحدٌ من زعفرانهم شيئاً فجعله على وجهه إلاّ احترقَ ، ولم يقلبْ حَجَرٌ ببيت المقدِس إلاّ أصبحَ تحتَهُ دمٌ عبيطٌ ( ).
قال معمر : أوّلُ ما عُرِفَ الزُهْريّ : تكلّمَ في مجلس الوليد بن عبد الملك .
فقال الوليد : أيّكم يعلمُ ما فعلتْ أحجار بيت المقدس يوم قُتِلَ الحسين بن عليّ ? فقال الزُهْريُّ : بلغني أنّه لم يقلبْ حَجَرٌ إلاّ وُجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ ( ).
الأسى بمقتل الحسين
لقد دخل الحزن بقتل الحسين قلوب المسلمين جميعاً ، وظهرت الندامة على الذين قتلوه حالما انتهت معركة كربلاء بمقتله ، وقد لاقاهم أهليهم باللوم والتوبيخ ، وظهر اللوم في مجالس بني أمية أنفسهم خاصة الخلفاء بعد يزيد بن معاوية .
وكانت أم سلمة تستطلع أخبار الحسين من حين خروجه من المدينة ، وقالت لجارية لها بعد واقعة كربلاء أُخرجي فخبّريني ، فرجعت الجارية ، فقالتْ : قُتِلَ الحُسينُ ! فشهقتْ شهقةً غشيَ عليها، ثمّ أفاقتْ ، فاسترجعتْ ، قالتْ : قتلوه ? قتلهم الله ، قتلوه ? أذلّهم الله ، قتلوه ? أخزاهم الله .
قالت : قد فعلوها ? ملأ الله بيوتهم – أو قبورهم – ناراً , ووقعت مغشيّاً عليها ( )
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
3514 لسنة 2026