بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بيان رقم : 51
15ذو القعدة 1425هـ
جواز ركوب السيارة والطائرة والقطار حال الإحرام بلا كفارة
لقد جعل الله عز وجل حج البيت الحرام فريضة عبادية، وسياحة ملكوتية في أشرف بقاع الأرض، والحج واجب مرة واحدة في العمر ، قال تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً].
إذ يترتب على الإحرام تروك ومحظورات الإحرام , أي التي تحرم على الحاج والمعتمر مادام محرماً ، ومنهم من جعلها عشرين تركاً ، ومنهم من أوصلها إلى ثمانية وثلاثين كما عن ابن حمزة في الوسيلة،
ولكن لم يرد منها في القرآن إلا بعدد أصابع اليد كالرفث والفسوق والجدال والصيد ، قال تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ] وجاءت بعض التروك في السنة النبوية وقول المعصوم وهذه التروك على أقسام :
الأول : ما يشترك به الرجل والمرأة ومنه الذي جاء في القرآن كالصيد والرفث .
الثاني : ما يختص به الرجل مثل لبس المخيط .
الثالث : ما تختص به المرأة كالنقاب اذ يحرم عليها ستر وجهها فاحرام المرأة في وجهها.
ويجوز عند المذاهب الأربعة التظليل بالمظلة على أن لا تلامس الرأس ، ولكن لا يجوز بالرداء لأنه يعد ساتراً بالعرف ولملامسته للرأس.
(وروى مسلم وأبو داود والنسائي كما في بحار الأنوار 61/ 220 عن أم الحصين الاخمصية أنها قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ خطام ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة.
وقال العلامة الحلي (ت 726 هـ) في التذكرة7/326 جاز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضطراً أو أنه في حال النزول .
ولكن لو دار الأمر بين الإختيار والإضطرار فالأصل هو الأول إلا مع القرينة الصارفة وظاهر الحديث أنه في حال الركوب , ومزاولة فعل رمي العقبة .
وجرت العادة في هذا الزمان أن تنتقل قوافل المؤمنين عند الإحرام للركوب في أحواض سيارات مكشوفة بطيئة وقديمة في الجملة، وسيارات حمل البضائع حرصاً على الإمتثال الأحسن أو حصر الإحرام في الليل، ولكن الشريعة سمحاء وتتضمن أدلة التخفيف المطلقة والخاصة في الحج ,وقاعدة نفي الحرج سيالة وحاكمة من باب الطهارة إلى الديات.
ونسبت حرمة تظليل المحرم سائراً إلى المشهور, كما قال في المدارك وجامع المدارك والحدائق .
وقال العلامة الحلي (وروي أنه لا بأس أن تستظل المرأة وهي محرمة، ولا بأس أن يضرب على المحرم الظلال ويتصدق بمد لكل يوم) مختلف الشيعة 5/162، ونسب هذا القول إلى الصدوق ، أي الفدية ليس شاة.
وفي المنتهى جعل ابن الجنيد(297–385 هجرية) ترك التظليل مستحباً، وليس واجباً، كما قال باستحباب الفدية، وتدل نصوص على الحرمة , وظهرت أخبار عديدة بالكراهة وعدم البأس، منها صحيحة الحلبي قال:سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحرم يركب في القبة؟ قال: ما يعجبني ذلك إلا أن يكون مريضاً.
ومفاد الجمع بين النصوص ، وموضوعية عدم تحمل أهل هذا الزمان حرارة الشمس لحياة الدعة وبحبوحة العيش التي هم عليها من أسباب الحكم في هذا الزمان بكراهة التظليل .
وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن الرجل المحرم ، وكان إذا أصابته الشمس شق عليه وصدع فيستتر منها ، فقال : هو أعلم بنفسه ، إذا علم أنه لا يستطيع أن تصيبه الشمس فليستظل منها ، ولم يذكر الإمام عليه السلام كفارة أو فدية في المقام.
وفي صحيحة إسحاق بن عمار ، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : سألته عن المحرم يظلل عليه وهو محرم ؟ قال : لا إلا مريض أو من به علة ، والذي لا يطيق الشمس)
وأغلب وفد الحاج والمعتمرين في هذا الزمان لا يطيقون الشمس.
وفي خبر محمد بن منصور عنه عليه السلام قال : سألته عن الظلال للمحرم ، فقال : لا يظل إلا عن علة أو مرض ، وارتفاع درجة الحرارة في الصيف ، والبرد في الشتاء.
وفي صحيحة عثمان بن عيسى الكلابي قال : قلت لأبي الحسن الأول ( عليه السلام ) ، إن علي بن شهاب يشكو رأسه والبرد شديد , ويريد أن يحرم ، فقال : إن كان كما زعم فليظلل ، وأما أنت فاضح لمن أحرمت له ، أي كن بارزاً للشمس إظهاراً للعبودية لله ويحمل الإضحاء على الإستحباب .
ولم ترد رواية بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحرم التظليل ، وجاءت النصوص عن الأئمة عليهم السلام بالتخفيف منها جواز التظليل مع المشقة للتعرض للشمس ، واستثناء المريض والذي لا يطيق حر الشمس من التظليل ، وكذا الشيخ الكبير ، ومن به علة ومن يشكو رأسه ، والبرد الشديد ، وموارد الحرج والضرر والإضطرار ، ولا يلزم أن يكون الضرر شديداً ، انما يكفي مسمى الضرر ، وما يشير به الأطباء في هذا الزمان .
ولا تدخل السيارة والقطار والطائرة في الحرمة أو الكراهة حال الإحرام لوجوه :
الأول: القدر المتيقن من النصوص وفتاوى الفقهاء المتقدمين والمتأخرين هو المحمل والهودج والقبة والعمارية المظللة على البعير كمثال حاضر للمصداق ومتعلق الأمر والنهي وسقف السيارة ونحوها من أصل صناعتها فالسيارة كالخيمة التي لا يحرم ظلها.
الثاني: الإختيار وقصد التظليل قيد في نشر الحرمة على القول بها ، بدليل أن المشي تحت الظلال والأشجار جائز، فليس بمقدور الحاج رفع سقف القطار والطائرة والسيارة التي جاء بها من الآفاق والبلدان البعيدة، والتكليف بما لا يطاق قبيح، وأحكام الشريعة الإسلامية منزهة وخالية مما لا يطاق وما فيه مشقة وعسر.
الثالث: حكومة قاعدة نفي الحرج، ولا ضرر ولا ضرار في المقام، ولابد أن الإحتراز والتوقي موافق للأوامر والنواهي كما هو ظاهر الأدلة خصوصاً مع القول بان الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها.
الرابع: أدلة نفي التشديد على النفس، بالإضافة إلى فلسفة الوسط في الإسلام.
الخامس: أولوية وحدة المسلمين وتوكيد الأئمة المعصومين عليها في خصوص الحج.
السادس: إطلاقات أحكام التقية المداراتية، ومن وجوه الحكمة فيها، تحصيل الإئتلاف ورفع الإختلاف ، ودفع المنافرة.
السابع: لزوم دفع الأذى المحتمل المتحد والمتعدد , والشخصي والنوعي.
الثامن: صيانة المؤمنين ومنع الغيبة والإساءة لهم، والإحتراز من الجدال خاصة في الحج .
التاسع: التباين الموضوعي بين المحمل والدابة وبين السيارات والطائرات،وتعدد العنوان موجب لتعدد المعنون.
العاشر: إذا أنعم الله بنعمة على أهل الأرض، فالمؤمن أولى بها، والطائرات والسيارات المكيفة من نعم الله عز وجل على الإنسان في هذا الزمان، ولم يثبت خروج موضوع الإحرام من إستخدامها.
الحادي عشر : لقد أصبحت أبدان الناس في هذا الزمان معتادة على التبريد والتدفئة، وتكون أكثر عرضة للأمراض حين الإنكشاف بسيارات مكشوفة ساعات عديدة، وقاعدة نفي الحرج بخلافه بالإضافة إلى النصوص في المنع من تعريض النفس للأذى .
ومن الأدلة والبينة في المقام ما ورد في الصحيح عن سعد بن سعد الأشعري عن الرضا عليه السلام سألته عن المحرم: يظلل على نفسه، فقال: من علة؟ فقلت: يؤذيه حر الشمس وهو محرم، فقال: (هي علة يظلل ويفدي)، فمجرد الأذى من الشمس إحتسبه الإمام عليه السلام سبباً كافياً للتظليل، وليس من أحد في هذا الزمان إلا ويؤذيه حر الشمس وشدة البرد إلا النادر، والحكم لا يكون على القليل النادر.
الثاني عشر : الحاجة إلى السلامة من الأمراض للإنقطاع إلى الدعاء والعبادة وأداء المناسك، ألا ترى مجيء النهي عن صيام يوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء.
الثالث عشر : وردت الرخصة بجواز التظليل للمريض، والمرض أعم من التلبس به، فمن مصاديقه وجود الظن المعتبر للإصابة والتعرض للأخطار بالسيارات القديمة المكشوفة في هذا الزمان، خصوصاً مع إحتمال سرعة إنتشار الأمراض والأوبئة في موسم الحج وإن كانت تدرء بفضل وعناية الله تعالى بوفد الحاج.
الرابع عشر : قد إقترحت في البيان رقم 12 الصادر في 4 شوال 1424هـ إنشاء سكةحديد عالمية تربط أكثر عواصم العالم الإسلامي بمكة المكرمة والمدينة المنورة حسب الإمكان، وسيأتي يوم ينتفع المسلمون والعالم بأسره من هذا المشروع الحيوي لما فيه من المنافع العقائدية والأخلاقية والإجتماعية والإقتصادية، وظهورِ وإزدهار مدن عديدة تقع على طريقه، وترغيبٍ بالحج والعمرة، ولابد أن يكون الإحرام داخل القطار .
والأدلة منصرفة عن المركبات الكبيرة الحديثة التي تشهد تطوراً متصلاً أمس واليوم وغداً ، كما في قطار المشاعر المقدسة وهو الذي يربط منى وعرفة ومزدلفة فلا كفارة على الذي يركبه ، كما اقترحنا ان يرتبط به قطار سميناه قطار الطواف بأن يطوف الحاج في البيت سبعة اشواط وهو راكب ، وإجماع المسلمين على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف على ناقته لإرادة التخفيف عن المسلمين والمسلمات خاصة في هذه الأزمنة.
الخامس عشر : في باب الطهارة والنجاسة قالوا إن الماء المضاف إذا كان كثيراً ولاقى قطرة من النجاسة فانه ينجس ، وأطلقوا الحكم أي أنه قد يشمل ناقلة النفط ونحوها، وقد بيّنت في الجزء الأول من رسالتي العملية “الحجة” المسجلة بدار الكتب والوثائق في بغداد برقم 345 لسنة 2001ورسالتي (حجة النساء) وهي أول رسالة عملية للمرأة أن القدر المتيقن هو الحوض والخابية والآنية الصغيرة، وكذلك بالنسبة لراحلة الحاج فقد كانت فردية كالبعير والناقة، ويمكن التصرف بها إختياراً، أما في هذا الزمان فواسطة السفر جماعية عامة مصنوعة من الحديد.
السادس عشر : هناك قاعدة كلية أصولية وهي إذا تغير الموضوع تبدل الحكم لأن الحكم تابع للموضوع، والمرتكز في أذهان المتشرعة في الأزمان السالفة هو الهودج والمحمل والقبة وهو البناء من الشعر على البعير وهي محمل خشبي مظلل لجلوس النساء والأثرياء إثناء السفر، فالأدلة منصرفة عن السيارات والطائرات موضوعاً وحكماً، وهذا الدليل حجة شرعية وعقلية.
السابع عشر : الحج عيد عبادي تطلع شعوب العالم كافة على معظم مناسكه في زمن العولمة بواسطة الفضائيات ونحوها، ومن الأولى أن يظهر المسلمون بأبهى صورة تبعث الشوق في نفوس الآخرين للحج والعلوم العقائدية، فمثلاً مع حرمة لبس الحرير يجوز لبسه في الدفاع في ساحة المعركة كي يبدو المسلمون أغنياء وفي مندوحة وسعة ولدعوة الناس لدخول الاسلام ، وقد صدرت ثلاثون جزءً من تفسيري للقرآن بعنوان(لم يغز النبي(ص) أحداً)( )، والركوب بأحواض سيارات الحمل وعلى سطح السيارة لم يثبت دليله ولا يخلو من الأخطار والضرر .
الثامن عشر : يوقف بعضهم السيارة عند نزول المطر، وهو خلاف قاعدة نفي الحرج في الدين وقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة الميسور، وجواز بل استحباب الإتقاء من المطر ، ترى ماذا لو استمر المطر لساعات أو أيام, والأصل أن ما يحل في حال الحلّ ، يحلّ للمحرم إلا ما ورد الدليل على تحريمه أو كراهته.
التاسع عشر : ما ذكرناه أعلاه بفضل ورأفة الله تعالى أدلة شرعية، وفيه تيسير ضمن أحكام الشريعة، وسيتلقى أولو المعرفة هذه الفتوى بالقبول الحسن لما فيها من تخفيف عن المؤمنين وإزاحة للعناء الذي يلاقونه كل عام ولزوم دفع العسر والمشقة .
وقد تكون سبباً لمنع عزوف الكثيرين عن الحج المستحب وتكرار العمرة بسبب المشقة في واسطة الإحرام والموانع المصاحبة لها ذاتاً وتقييداُ، وفي هذه الفتوى عزّ وأمن، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ].
الفتوى :
المسألة الأولى : كراهة التظليل في الإحرام في النهار دون الليل فلا كراهة .
المسألة الثانية : يجوز التظليل ، وتزول الكراهة مع حرارة الشمس أو البرد أو أي علة أخرى ، وكذا في ركوب السيارة والطائرة والقطار ، فلا حرمة ولا كراهة للتظليل حينئذ لأن القدر المتيقن من النصوص هو العمارية والهودج والمظلة .
المسألة الثالثة : يستحب التصدق عن كل يوم عن التظليل في الإحرام بمُد (ثلاثة أرباع الكيلو) من الطعام .
المسألة الرابعة : استحباب الإحرام في النهار بعد صلاة الظهر تأسياً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا] مع جوازه في أي وقت.
وقد صدرت لي والحمد لله مائتان وثلاثة وسبعون جزءً من (معالم الإيمان في تفسير القرآن)
اللهم تفضل علينا باللطف والإحسان في هذه المسألة الإبتلائية، وإهدنا للتي هي أقوم في هذا العام وكل عام، إنك أنت اللطيف الخبير.