بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمـــة
الحمد لله مالك السموات والأرض وما فيهن ملك تصرف ومشيئة ، وفي التنزيل وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
لقد أحصى الله عز وجل كل شئ عدداً , وجعل لكل شئ أمداً ، ولكل انسان أجلاً ليغادر بعدها إلى عالم البرزخ ، ثم عالم النشور والحساب ، ثم الجزاء إذ قال تعالى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
اللهم اغفر لنا وارحمنا ، وتقبل منا القليل وبارك لنا في أرزاقنا ، وأعنا على طاعتك وعبادتك ، وتقبل منا ، وتجاوز عن سيئاتنا فانك عظيم العفو حسن التجاوز .
وأدخلنا الجنة التي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، ونجنا من النار ، والإلتقاء فيها مع المشركين عبدة الأوثان ، وأجرنا من خزي الدنيا ، وعذاب الآخرة.
اللهم لك الحمد أن أنعمت علينا بصدور الأجزاء 245-247-258 من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بخصوص (علم الإحصاء القرآني غير متناه).
اللهم فاجعل حمدنا وشكرنا لك من اللامتناهي .
الحمد لله على نعمه التي لا تحصى ، سواء على الفرد أو الجماعة ، وعلى البر والفاجر .
إذ تفضل الله عز وجل وجعل الدنيا دار رحمته ، وهباته وإحسانه لبيان أن رحمته تعالى في الآخرة أكبر وأعظم ، وفيه فضل من الله يبعث الطمأنينة في النفوس ، ولطف لتقريب الناس إلى منازل الإيمان ، وأداء الفرائض العبادية ورجائهم العفو والمغفرة من عند الله عز وجل.
و(عن سلمان قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السموات والأرض ، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض ، فأهبط منها رحمة إلى الأرض ، فيها تراحم الخلائق ، وبها تعطف الوالدة على ولدها ، وبها يشرب الطير والوحوش من الماء ، وبها تعيش الخلائق.
فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثم أفاضها على المتقين ، وزاد تسعاً وتسعين رحمة ، ثم قرأ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ))( ).
ومن مصاديق قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ عجز الإنسان عن إحصاء النعم الإلهية عليه ، وعجز الناس عن حساب وعدً النعم الإلهية عليهم سواء النعم الظاهرة للحواس ، أو غيرها ، وأيهما أكثر .
الجواب إن النعم الخفية هي الأكثر ، ومن وجوه تقدير الآية أعلاه : وان تعدو نعمة الله الظاهرة لا تحصوها ، وان تعدوا نعمة الله غير الظاهرة لا تحصوها .
الحمد لله الذي أنعم علينا بالنعم الكثيرة التي لسنا أهلاً لها ، فتفضل الله عز وجل ورزقنا قول (الحمد لله) ليكون ثناء وشكراً له تعالى على النعم.
وهل الإكثار من قول الحمد لله سبب لاستدامة النعم ، الجواب نعم ، قال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ.
سبحان الله الذي لا يقال لغيره سبحان ، والذي تفضل وأنزل القرآن اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.
ولا يقال لغير القرآن من الكتب السماوية قرآناً ، وزاد الله عز وجل من فضله علينا وعلى الناس بأن عصم القرآن من التحريف والزيادة والنقيصة .
الحمد لله حمداً لا ينقطع آخره ، ونسأله تعالى أن يبقيه متجدداً نامياً بين السماء والأرض بعد موتنا ، وأن يدخله معنا في القبر ليكون واقية من مساءلة منكر ونكير .
الحمد لله الذي جعل عالم الأكوان آيات للناس للتوحيد ونبذ الشرك ، ومفاهيم الضلالة ، ومن بديع صنع الله في المقام تجدد الآيات والبراهين في ذات عالم الأكوان والإنسان لمنع الملل والسأم في التفكر والتدبر في الخلائق ، إذ قال تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
الحمد لله الذي لا معبود إلا هو سبحانه ، ولا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلا هو ، الذي جعل كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أصل الدين ، ومنهاج الفلاح ، وطريق الهداية والرشاد ، وسبيل النجاة .
الحمد لله الذي تفضل علينا بصدور الجزء السادس والستين بعد المائتين من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان في تفسير القرآن) وهو الجزء التاسع والعشرون الذي يختص بقانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً).
وهذا السِفر الذي بين يديك آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلا ، وفيه ذخائر من العلم والمعارف العالية وآلاف القوانين التي يصح كل واحد منها أو أكثر موضوعاً لدراسة أكاديمية ، وصدور جزئين من (قوانين البرزخ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
أما هذا الكتاب فهو الجزء الأول من (خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهو الأول في بابه كموسوعة كلامية تزداد بالتحقيق واستنباط القوانين والمسائل ، وهو كتاب مستقل بالرجوع إلى الدليل من الكتاب والسنة والبراهين العقلية بعيداً عن الغلو والإفراط ، والجفاء والتفريط.
ومن أقسام الخصائص :
الأول : تشريعية ، إذ تمت أحكام الشرائع برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تفضيلية .
الثالث : إعجازية فقد اختص الله عز وجل النبي محمداً باجتماع المعجزة العقلية والحسية ، وكانت معجزات الأنبياء السابقين حسية مثل ناقة صالح ، وفي التنزيل فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا، وعصا موسى ، وابراء عيسى الأكمه والأبرص ، وفي التنزيل وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وكل آية قرآنية معجزة عقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتجدد فيوضاتها إلى يوم القيامة .
الرابع : ذاتية .
الخامس : غيرية ، ليس من حصر لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية والتي تتجدد في كل زمان بطاعة المسلمين لله وللرسول محمد , ومحاكاتهم له في أداء الفرائض والواجبات العبادية ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السادس : في عالم الدنيا ، يتكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي ، وبجوامع الكلم ، ولا يبدأ قتالاً ، ولا ينهزم في المعركة ، ويعفو ويغفر ، قال تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
وليس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ظل ، ولا يقع عليه الذباب ، ولا يحتلم ، ولم يتثابب لأن التثاءب من الشيطان ، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه ، وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وولد مختوناً ، وتعرفه الدواب وتسرع إليه .
السابع : في عالم الآخرة ، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول من تنشق عنه الأرض (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه الأرض ، وأول شافع، وأول مشفع)( ).
و(عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ – آدم فمن سواه – إلا تحت لوائي ، وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر)( ).
ومن حديث الإسراء الطويل عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ثمّ انصرفت مع صاحبي وأخي جبرئيل لايفوتني ولا أفوته حتّى انصرف بي إلى مضجعي وكان كل ذلك ليلة واحدة من لياليكم هذه فأنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وإليَّ مفاتيح الجنة يوم القيامة ولا فخر)( ).
لقد تفضل الله عز وجل وخصّ الإنسان بأن جعله فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، ليغدق الله على الناس بالنعم الظاهرة والخفية لتتقوم خلافة الإنسان بامتيازات متعددة من بين الخلائق ، الأمر الذي يلزم منه الحمد والشكر المتصل من الناس لله عز وجل ، فتولى هذه المسؤولية العقائدية الأنبياء واتباعهم ليرثهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته.
ولتتضمن الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة الشكر القولي والفعلي من الأمة لله عز وجل ، وهو من مصاديق وراثة المسلمين للأنبياء في عباداتهم ، ومنه الصيام ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما تجلى في سيرة أمته ومنها أداء الصلاة والصيام والزكاة والخمس وحج بيت الله الحرام.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.
وتحتمل وراثة المسلمين للأنبياء وجوهاً :
الأول : انها من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إنها ملحقة بخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : هي خاصة بالمسلمين .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام المسلمين في أداء الفرائض العبادية وقد توجهت خطابات وتكاليف له ، ويراد من أكثرها إلحاق الأمة به ، ومنها قوله تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (صلّوا كما رأيتموني أصلّي)( ).
وقال (لتأخُذوا عني مناسككم)( ).
الحمد لله الذي أنزل القرآن تبياناً للعلوم وتفسيراً للوقائع والأحداث ، وذات الوقائع تفسر آيات من القرآن من غير أن يلزم الدور بينها ، ومنه علم أسباب النزول ، قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ.
وتتجلى بلحاظ الآية أعلاه مسائل:
الأولى : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من التبيان القرآني .
الثانية : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هدى للمسلمين والناس .
الثالثة : لقد تفضل الله عز وجل واختص النبي محمداً بفيض وسنن لتكون دعوة للناس للإسلام ، ونوع طريق للهداية والرشاد .
الرابعة : قانون تلقي المسلمين خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والرضا ، والتدبر في الجانب الإعجازي فيها .
الخامسة : خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق الرحمة في الآية أعلاه وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ.
والأولى تخصيص دراسات أكاديمية لمختصات النبي في جهات منها :
الأولى : ما انفرد به النبي محمد من فضل الله ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
الثانية : التكاليف العبادية التي انفرد بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها مثلاً قيام الليل ، وصوم الوصال .
الثالثة : انفراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات العقلية.
الرابعة : المعجزات الحسية التي خصّ الله عز وجل بها النبي محمداً من بين الأنبياء .
الخامسة : وراثة علماء أمة النبي محمد للأنبياء ، والإسلام دين الأنبياء جميعاً ، ومن معانيه الإستسلام لأمر الله ، وحسن عبادته .
الحمد لله الذي جعل آدم عليه السلام فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ومن وظائف هذه الخلافة بشارته برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون هذه البشارة وتوارثها من مصاديق قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا.
و(عن ابن عباس قيل: يا رسول الله متى كنت نبياً قال : وآدم بين الروح والجسد)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ختام النبوة في الأرض برسالته ، فلابد أن خصائص النبوة التي تغشى ذكرُها أيام الحياة الدنيا كلها كثيرة , والمدار في تعيين هذه الخصائص على الدليل من الكتاب والسنة والإجماع , ومجيئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشريعة المتكاملة ، وآيات القرآن التي تفضل الله وجعلها سالمة من التحريف أو الزيادة أو النقصان.
وهو من مصاديق الوعد الإلهي المتصل والمستمر في حفظ القرآن بقوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
وقد ذُكر في بعض كتب الفقه أن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمس عشرة خصلة , كما في شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام .
وصدر هذا الكتاب وما فيه من الفرائد بفضل ولطف من الله عز وجل ليتضمن أكثر من ( مائتين ) من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب الرسالة والتنزيل والأحكام والسنن , وحال السلم والحرب , والإجتماع والمغيبات وغيرها بالدليل والتحقيق.
وبعد ان فرغتُ من الجزء السادس والستين بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) جاء هذا الكتاب المبارك .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم انبعاث الأنوار العقائدية والأخلاقية من سنته ذات صبغة الوحي والتي تخترق شغاف القلوب وتكون منهاج صلاح وحجة متجددة إلى يوم القيامة ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
ليكون هذا المنهاج المبارك من مصاديق الصراط الذي يرجو المسلمون نهجه ، إذ يقرأ مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة وعلى نحو الوجوب العيني قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
والخصائص جمع خصيصة واختصاص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخصال معينة علم خاص ويذكر أهل البيت والصحابة شطراً منها ، بلفظ الخصال والاختصاص مثلاً :
(أخرج الدارمي والبيهقي وأبو نعيم عن جابر بن عبد الله قال كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم خصال لم يكن في طريق فيتبعه أحد إلا عرف انه قد سلكه من طيب عرقه أو عرفه , ولم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له)( ).
وتتصف خصال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها شعبة من الوحي وترجمة للقرآن وتفيض بالبركة , يتضمن هذا الجزء (135) قانوناً.
وكل خصيصة وخصلة اتصف بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي نعمة من عند الله ، ومصداق لقوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا وهل هي نعمة وفضل على أجيال المسلمين والمسلمات والناس جميعاً ، الجواب نعم ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
حرر في السابع والعشرين من شهر رمضان 1446هـ
28/3/2025
الخصائص لغة وإصطلاحاً
الخصائص جمع خصيصة وخاصة وهي الصفة والسمة التي تميز الفرد أو الشئ عن غيره .
والخصوص نقيض العموم ، وقد يستعمل بمعنى لاسيما ، فقول يستحب الإستهلال خصوصاً في شهر رمضان وشوال لقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
والخصائص النبوية في الإصطلاح هي الفضائل والنفائس والفضائل والآيات التي انفرد بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء والتي من بين عموم الناس ، وفي التنزيل قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ( ).
وقد أكرم الله عز وجل الني محمدً بخصال وخصائص في الدنيا وأخرى في الآخرة ، وفق القرآن والسنة وفيه دعوة سماوية للتصديق برسالته واتباعه ، قال تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
السكينة لأم النبي محمد (ص)
قال الطبري (224-320) هجرية (حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال يزعمون فيما يتحدث الناس والله أعلم ان آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تحدث أنها أتيت لما حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لها انك قد حملت بسيد هذه الامة فإذا وقع بالارض فقولي :
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه وقد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه)( ).
وهل يدل هذا الخبر على أن آمنة أم النبي من الموحدين ، المختار نعم .
وفي الخبر دلالة على وقاية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الله من حين الحمل به .
وصار البيت الذي ولد فيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسجداً.
وظل الخلفاء والولاة والحكام يتعاهدون هذا المسجد ، ويقومون بترميمه إلى أن صار آيلاً إلى السقوط في بدايات القرن العشرين ، فتم تحويله إلى مكتبة مكة العامة .
وقال ابن جبير في رحلته الأولى (579-581) هجرية فمن مشاهدها أي مشاهد مكة (التي عايناها قبة الوحي، وهي في دار خديجة أم المؤمنين، ، وبها كان ابتناء النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وآله وسلم، بها، وقبة صغيرة أيضاً في الدار المذكورة فيها كان مولد فاطمة الزهراء ، وفيها أيضاً ولدت سيدي شباب أهل الجنة : الحسن والحسين (عليهم السلام) ( ) وهذه المواضع المقدسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها. ومن مشاهدها الكريمة أيضاً مولد النبي، صلى الله عليه وآله وسلم ، والتربة الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الطاهر.
بني عليها مسجد لم ير أحفل بناء منه، أكثره ذهب منزل به. والموضع المقدس الذي سقط فيه، صلى الله عليه وآله وسلم ، ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين محفوف بالفضة.
فيا لها تربة شرفها الله بأن جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الأنام، صلى الله عليه وسلم الله عليه وعلى آله وأهله وأصحابه الكرام وسلم تسليماً.
يفتح هذا الموضع المبارك فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الاثنين منه، لأنه كان شهر مولد النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وفي اليوم المذكور ولد،صلى الله عليه وآله ، وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها ، وهو يوم مشهود بمكة دائماً)( ).
تعدد البشارة ببعثة النبي محمد (ص)
من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الرؤيا كانت مدداً له في نبوته ، وللناس في التصديق بها .
إذ كانت رؤيا البشارة بنبوته تزور القريب والبعيد ، ومن بديع صنع الله عز وجل في خلق الإنسان موضوعية الرؤيا عند أهل كل زمان ، حتى إذا بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم استحضر الناس تلك الرؤى وبادروا إلى التصديق برسالته ،ومنه من كانت الرؤيا سبباً لإمتناعه عن إيذائه ومحاربته .
(عن عمرو ابن مرة الجهني قال : خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى وصل إلى جبال يثرب أشعر جهينة فسمعت صوتا في النور وهو يقول :
انقشعت الظلماء ، وسطع الضياء ، وبعث خاتم الأنبياء
ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن فسمعت صوتا في النور وهو يقول :
ظهر الإسلام ، وكسرت الأصنام ، ووصلت الأرحام
فانتبهت فزعا وقلت لقومي : والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث . وأخبرتهم بما رأيت.
فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا أن رجلا يقال له : أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته ما رأيت .
فقال : يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام.
وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان من اثنى عشر شهرا فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار فآمن بالله يا عمرو يؤمنك الله من هول جهنم .
قلت : أشهد أن لا آله إلا الله وأنك رسول الله وآمنت بكل ما جئت به بحلال وحرام وأن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام . ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وكان لنا صنم وكان أبي سادنا له فقمت إليه فكسرته ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه و سلم وأنا أقول :
شهدت بأن الله حق وإنني . . . لآلهة الأحجار أول تارك
وشمرت عن ساقي الإزار مهاجرا … إليك أجوب الفوز بعد الدكادك
لأصحب خير الناس نفسا ووالدا… رسول مليك الناس فوق الحبائك
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : مرحبا بك يا عمرو بن مرة .
فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ابعثني إلى قومي لعل الله أن يمن بي عليهم كما من بك علي . فبعثني عليهم فقال : عليك بالرفق والقول السديد ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا ، فأتيت قومي.
فقلت : يا بني رفاعة يا معاشر جهينة إني رسول رسول الله صلى الله عليه و سلم إليكم أدعوكم إلى الجنة وأحذركم النار وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان شهر من اثني عشر شهرا فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار . يا معشر جهينة إن الله عز و جل جعلكم خيار من أنتم منه وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم – من أنهم كانوا يجمعون بين الأختين ويخلف الرجل منهم على امرأة أبيه والغزاة في الشهر الحرام فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي بن غالب تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة وسارعوا في ذلك يكن لكم فضيلة عند الله .
فأجابوه إلا رجلا واحدا قال : يا عمرو بن مرة – أمر الله عليك – تأمرنا أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا ونخالف دين آبائنا إلى ما يدعو إليه هذا القرشي من أهل تهامة ؟ لا ولا حبا ولا كرامة . ثم أنشأ الخبيث يقول :
إن ابن مرة قد أتى بمقالة . . . ليست مقالة من يريد صلاحا
إني لأحسب قوله وفعاله . . . يوما وإن طال الزمان رياحا
أيسفه الأشياخ ممن قد مضى . . . من رام ذاك فلا أصاب فلاحا
فقال عمرو بن مرة : الكاذب مني ومنك أمر الله فمه وأبكم لسانه وأكمه عينيه وأسقط أسنانه . قال عمرو بن مرة : فوالله ما مات حتى سقط فوه وكان لا يجد طعم الطعام وعمي وخرس.
فخرج عمرو بن مرة ومن تبعه من قومه حتى أتوا النبي صلى الله عليه و سلم فرحب بهم وحباهم وكتب لهم كتابا هذه نسخته :
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله جل وعز على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم كتاب صادق وحق ناطق لعمرو بن مرة الجهني لجهينة بن زيدان لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها ترعون نباته وتشربون صافية على أن تقروا بالخمس وتصلوا صلاة الخمس وفي التيعة( ) والصريمة( ) شاتان إذا اجتمعتا وإن تفرقتا فشاة شاة ليس على أهل المثيرة( ) صدقة وشهد على نبينا ومن حضرنا من المسلمين بكتاب قيس بن شماس فذلك حين يقول عمرو بن مرة الجهني :
ألم تر أن الله أظهر دينه . . . وبين برهان القرآن لعامر
كتاب من الرحمن يجعلنا معا . . . وأخلافنا في كل باد وحاضر
إلى خير من يمشي على الأرض كلها . . . وأفضلها عند اعتكار الضرائر
أطعنا رسول الله لما تقطعت . . . بطون الأعادي بالظباء الخواطر
فنحن قبيل قد بني المجد حولنا . . . إذا اختليت في الحرب هام الأكابر
بنو الحرب نفريها بأيد طويلة . . . وبيض تلألأ في أكف المغاور
ومن حوله الأنصار يحموا أميرهم . . . بسمر العوالي والسيوف البواتر
إذا الحرب دارت عند كل عظيمة… ودارت رحاها بالليوث الهواصر
تبلج منه اللون وازدان وجهه . . . كمثل ضياء البدر بين الزواهر( ).
لبيان إمامة ورئاسة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه يقوم بتخصيص الأراضي لأقوام وأشخاص لزراعتها وعمارتها مع تعيين تعداد الزكاة ، والأعيان المعفو عنها من الزكاة .
أخبار بعثة النبي (ص)
تعددت الرؤى التي تبشر ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي ملك اليمن التي تأولها سطيح وشق.
ذكر الرواة من أهل العلم ان ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته وفظع بها فلما رآها بعث في أهل مملكته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا قائضا ولا منجما إلا احضره إليه فلما جمعهم .
قال لهم اني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبروني بتأويلها قالوا اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها قال اني ان اخبرتكم بها لم اطمئن الى خبركم عن تأويلها انه لا يعرف تأويلها الا من يعرفها قبل ان اخبره بها.
فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم ان كان الملك يريد هذا فليبعث الى سطيح وشق فانه ليس أحد اعلم منهما فهما يخبرانك بما سئلت فلما قيل له ذلك بعث اليهما فقدم عليه سطيح قبل شق ولم يكن مثلهما من الكهان.
فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له يا سطيح اني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبرني بها فانك ان اصبتها اصبت تأويلها .
قال افعل رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فرفعت بارض تهامة فاكلت منها كل ذات جمجمة قال له الملك ما اخطأت شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها فقال احلف بما بين الحرمين من حبش ليهبطن ارضكم الحبش فلتملكن ما بين اثنين الى جرش.
قال له الملك وابيك يا سطيح ان هذا لغائظ موجع.
فمتى هو كائن يا سطيح أفي زماني ام بعده قال لا بل بعده بحين اكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين ثم يقبلون بها اجمعون ويخرجون منها هاربين.
قال الملك من ذا الذي يلي ذلك من قبلهم واخراجهم قال يليه ارم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم احدا باليمن قال افيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع.
قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي.
قال وممن هذا النبي قال من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه الى آخر الدهر.
قال وهل للدهر يا سطيح من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الاولون والاخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون .
قال احق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم والشفق والليل إذا اتسق ما انباتك به لحق.
فلما فرغ قدم عليه شق فدعاه فقال له يا شق اني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبرني عنها فانك ان اصبتها اصبت تأويلها كما قال السطيح وقد كتمه ما قال السطيح لينظر ايتفقان ام يختلفان قال نعم رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة واكمة فاكلت منها كل ذات نسمة قال له الملك ما اخطأت منها.
فما عندك في تأويلها .
قال احلف بما بين الحرمين من انسان لينزلن ارضكم الحبشان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين اثنين الى نجران .
فقال له الملك وابيك ان هذا لنا لغائظ موجع فمتى كاين أفي زماني ام بعده قال بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم الشأن ويذيقهم اشد الهوان .
قال : ومن هذا العظيم الشأن .
قال غلام ليس بدني ولا مدني يخرج من بيت ذي يزن قال فهل يدوم سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه يوم الفصل.
قال وما يوم الفصل قال يسمع منها الاحياء والاموات ويجمع الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال احق ما تقول يا شق قال اي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض ان ما انباتك لحق ما فيه امض( ).
ويدل هذا الخبر على البشارة بالإسلام والإنذار من التمادي في الجحود، كما يبين وجود من يعرف القواعد الكلية للرؤيا في زمن الكفر والضلالة لإتمام الحجة على الناس.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد البشارات بنبوته من جهات :
الأولى : بشارة الأنبياء برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : أخبار أتباع الأنبياء وأهل الملل .
الثالثة : رؤيا الملوك لمنامات تتضمن البشارة برسالته .
الرابعة : تأويل المعبرين لرؤيا البشارات بما يكون تعضيداً لإخبار الأنبياء برسالته ، وللدلالة على قرب زمان بعثته وحلول أوانه بالرؤيا وعلامات كونية واجتماعية .
الحرز عند الولادة
عن ابن إسحاق أن آمنة بنت وهب (اتيت حين حملت به فقيل لها انك قد حملت بسيد هذه الامة وفيه ثم سميه محمدا)( ).
(وأخرج أبو نعيم عن بريدة وابن عباس قالا رأت آمنة في منامها فقيل لها انك قد حملت بخير البرية وسيد العالمين فإذا ولدتيه فسميه أحمدا ومحمدا وعلقي عليه هذه فانتبهت وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب عليها.
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وكل خلق رائد من قائم وقاعد عن السبيل عائد على الفساد جاهد من نافث او عاقد وكل خلق مارد يأخذ بالمراصد في طرق الموارد أنهاهم عنه بالله الأعلى واحوطه منهم باليد العليا والكف الذي لا يرى يد الله فوق أيديهم وحجاب الله دون عاديهم لا يطردوه ولا يضروه في مقعد ولا منام ولا مسير ولا مقام أول الليالي)( ).
ويلاحظ في هذا الدعاء والحرز لغة التوحيد ، وتسمية النبي محمد باسمين (أحمد ومحمد) .
و(ويروى ان عبد المطلب انما سماه محمدا لرؤيا رآها زعموا انه رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الارض وطرف في المشرق وطرف في المغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا اهل المشرق والمغرب يتعلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه اهل المشرق والمغرب ويحمده اهل السماء والارض فلذلك سماه محمدا مع ما حدثته به امه)( ).
وكل من اسم محمد ، وأحمد يبعث المسلمين وأهل الكتاب وعامة الناس على الشكر والحمد لله عز وجل .
لذا يتلو كل مسلم مسلمة سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )، ولم يكن اسم محمد معروفاً عند العرب خاصة وأنهم عبدة أوثان ، وهو صيغة مبالغة من الحمد ، ولكن عندما قربت أيام ولادته ، وتجلت العلامات الكونية والحساب بقرب أوان بعثته ، وما يذكره أهل الكتاب وأصحاب الصومعات خاصة وأن قريشاً يعملون بالتجارة .
بشارة الرسول عيسى (ع)
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (انا دعوة ابي ابراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي.
وذكر ان آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة (أنها حين وضعته كفأت عليه برمة( ) حتى تتفرغ له قالوا فوجدت البرمة قد انشقت عن نور أضاءت منه لها عن قصور كثيرة من قصور الشام)( ).
ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مبشراً به وباسمه كما أخبر القرآن وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
فان اسمه وتحديده من قبل الله عز وجل جاء بعلامات وإشارات وإخبار من نبي رسول وهو عيسى عليه السلام.
وتحتمل بشارة عيسى عليه السلام بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوهاً :
الأول : تلقي عيسى عليه السلام هذه البشارة وراثة عن الأنبياء السابقين.
الثاني : جاءت البشارة بالوحي إلى عيسى ابتداء من عند الله .
الثالث : كانت البشارة المتوارثة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أما الاسم (أحمد) فجاء بالوحي إلى عيسى عليه السلام .
والمختار هو الأول ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يتوارث الأنبياء البشارة برسالته مع ذكرهم لاسمه.
عن الباقر عليه السلام قال رأت آمنة في المنام وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسميه أحمد. وعن ابن اسحاق ان تسميه محمدا ( ).
صحيح أن الاسم غير المسمى ولكن عند اختيار الاسم من عند الله أو بالوحي والتحديث ففيه دلالات تؤكد التوافق والتطابق بين الاسم والمسمى ، ففي كل زمان يبقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محموداً عند الله والناس.
سلامة النبي (ص) وهو حمل في بطن أمه
و(عن خالد بن مَعْدَانَ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك ، قال : دعوة أبي إبراهيم ، وبُشْرَى عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام)( ).
في رؤيا آمنة بنت وهب بخروج نور منها وهي حامل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوة لها للعناية بحملها ، ومواساة بوفاة زوجها ، وإخبار سماوي بأن المولود سيكون له جاه وشأن عظيم يتعدى حدود مكة والجزيرة , والشام هنا كناية عن بلدان العالم .
وفيه نكتة وهي أنه حينما جاء أبرهة وجنوده لهدم البيت الحرام كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حملاً في بطن أمه فان الله عز وجل أراد أن يشد عضدها ويلقي عليها الصبر على الحمل ، والعناية به ، وعدم الجزع أو الخوف من أبرهة وجنوده ، إذ قد يسبب الفزع الشديد للحامل بالإسقاط ، ولبيان لطف الله عز وجل بأمه بأن يكون هذا الحمل سبباً لبعث السكينة في نفسها , ونزول سخط وغضب الله بأبرهة وجيشه.
ولو دخل أبرهة وجنوده مكة لاستبيحت ، وبقرت بطون النساء ، فرد الله عز وجل كيد أبرهة وهو الذي توثق من السماء بقوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ *فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.
ابتداء النبوة بالرؤيا الصالحة
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى الرؤيا الصالحة التي يأتي مصداقها وكأنها إخبار من عالم الغيب ، ليس لرياضة روحية وتجرد عن الماديات بل هو من الفضل الإلهي في إصلاح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمقامات النبوة وتلقي الوحي ، ولجعله في حال يقين وطمأنينة لصحة نهجه وعزلته عن الناس ، فلجأ إلى التحنث في غار حراء .
وعن عائشة (أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد( ) قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة ، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.
فجاءه الملك فقال (اقرأ) قال : قلت : ما أنا بقارىء . قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارىء . قال : فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارىء ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني زملوني( ).
فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل)( ) ( ).
وظاهر هذا الخبر حدوث التحنث في غار حراء في بدايات النبوة وأنه لم يستمر كثيراً إذا اختتم بنزول جبرئيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالآيات الأولى من سورة القلم .
و(عن عبادة بن الصامت : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)( ).
ومن معاني هذا الحديث أن مدة النبوة ثلاث وعشرون سنة وتكون نسبة الستة أشهر واحد إلى ست وأربعين بلحاظ ضرب 23 سنة×2=46 كل واحد منها يعدل ستة أشهر .
لقد حفظت لنا السنة النبوية سجلاً وثائقياً ومساراً استقام ليكون درب هدى يقتدي المسلمون باتخاذه طريقاً ومنهجاً في ذخائر النبوة وعلم الرؤيا وتعبيرها وابوابها الواسعة. قال تعالى وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وأول ما بدء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرؤيا الصالحة وكان كثير الرؤيا ولا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح.
عن الباقر عليه السلام في البصائر في الفرق بين الرسول والنبي والمحدث: واما النبي فأنه يرى في منامه على نحو ما رأى ابراهيم عليه السلام، ونحو ما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أسباب النبوة قبل الوحي.
حتى أتاه جبرائيل من عند الله بالرسالة الى ان قال الباقر عليه السلام: من الأنبياء من جمع لـه النبوة ويرى في منامه بأنه الوحي فيكلمه ويحدثه من غير ان يكون رآه في اليقظة.
ومن خصائص النبوة تمييز النبي بفضل من الله بين كل من :
الأولى : رؤيا الوحي .
الثانية : الرؤيا الصادقة .
الثالثة : أضغاث الأحلام .
وبالإسناد (عن عبدالله بن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم انه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم انه رأى في المنام رؤيا فشق ذلك عليه فذكر ذلك لصاحبته خديجة بنت خويلد.
فقالت له أبشر فان الله لا يصنع بك إلا خيرا فذكر لها أنه رأى ان بطنه أخرج فطهر وغسل ثم أعيد كما كان.
قالت هذا خير فأبشر ثم استعلن به جبريل فأجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه وبشره برسالة ربه حتى اطمأن.
ثم قال اقرأ قال كيف أقرأ قال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ))( ).
ومن الإعجاز في إصلاح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة الخاتمة فصله وتمييزه بين رؤيا الوحي ، والرؤيا الصادقة ذات التأويل ورؤيا أضغاث الأحلام.
أي أنه يرى هذه الأنواع من الرؤى ، وهل هذا الفصل والتمييز ساعة الرؤيا أم عند الإستيقاظ ، المختار هو الأول .
وفي الحديث (أن ابن صوريا وجملة من يهود فدك لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة سألوه فقالوا : يا محمد كيف نومك ، فإنه قد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان.
فقال : تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ ، قالوا : صدقت يا محمد)( ).
وبين عامة الناس والأنبياء بخصوص الرؤيا عموم وخصوص مطلق ، إذ يرى كل إنسان رؤيا صادقة ويرى أضغاث أحلام ومنهم الأنبياء ولكن الأنبياء يمتازون بأمور :
الأول : رؤيا الوحي .
الثاني : الفصل والتمييز بين رؤيا الوحي والرؤيا التي من غير الوحي ، وإن كانت رؤيا صادقة ، فليس كل رؤيا صادقة للنبي هي رؤيا وحي ، نعم رؤيا الوحي صادقة ومن البلاغ واليقين .
وليس من ملازمة بين الرؤيا الصادقة وبين تحقق مصداقها الواقعي ، فقد تكون الرؤيا الصادقة رؤيا إنذار فيدعو الإنسان ويتصدق فيمحو الله عز وجل مصداق الإنذار.
أو تأتي رؤيا الإنذار ثم يمحو الله مصداقها ويحول دون تنجزها بفضل ولطف وإحسان منه تعالى، وهو من عمومات قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، فلا يتعلق المحو في المقام على الدعاء والصدقة ونحوها ، إذ قد يتم إبتداء من عند الله عز وجل ، وقد ينسى المؤمن رؤيا الإنذار ، ولا يدعو بخصوصها ، ولكن الله عز وجل لا ينساها ، وهو الذي يتفضل بمحو موضوعها وصرف مصداقها نعمة من عنده تعالى ، وهو الذي ينكشف للعبد في الآخرة ، قال تعالى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام مسائل:
الأولى : تحقق مصداق الرؤيا التي يراها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة لتصديق الناس بنبوته ، إذ يخبرهم بما رآى في المنام ويتحقق مصداق الرؤيا واقعاً.
الثالثة : قانون رؤيا الوحي ترغيب للناس للإنصات للنبي.
الرابعة : تعبير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرؤيا مدرسة وعلم مستقل.
الوحي لغة وإصطلاحاً
الوحي لغة : هو الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام وكل ما ألقيته إلى غيرك ، وهو إعلام في خفاء، ولذا سمي الإلهام وحياً، والوحي من الكليات المشككة فهو يقع على مسميات متعددة ومراتب متعددة ذات معنى واحد، ومنه ما يكون ظاهراً للرسول .
والوحي مصدر وحى إليه، والأصل فعول مثل فلوس، ويقال الوحا الوحا أي بسرعة، وهو منصوب بفعل مضمر، وموت وحي أي سريع لفظاً ومعنى.
وهو في الإصطلاح وعلم الكلام تعليم وإلقاء الله عز وجل للأنبياء ما يتعلق بأمور الدين بواسطة الملائكة من غير واسطة بشر.
وقيل هو الكلام الخفي من جهة ملك إلى نبي في حال اليقظة ، ولكنه أعم لغة وإصطلاحاً .
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أن رؤيا الأنبياء وحي)( ).
فهل هو وحي مجازاً أم أن منامهم ملحق باليقظة كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : تنام عيناي وقلبي يقظان)( ).
الجواب أنه وحي على الحقيقة وملحق بالوحي حكماً ، ويدل عليه قوله تعالى في إبراهيم عليه السلام فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ.
وفي حديث ابن صوريا أنه قال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أخبرني عن ثلاث خصال أسألك عنهنّ،
قال : ما هي .
قال : أخبرني عن نومك،
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : تنام عيناي وقلبي يقظان قال له : صدقت، فأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من شبهه أمه شيء أو شبهه أمه فيه ليس فيه من شبهه أبيه شيء، قال : أيّهما علا وسبق ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له قال له : صدقت، فأخبرني ماللرجل من الولد وما للمرأة منه؟
قال : فأغمي على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً ثم خلي عنه محمراً وجهه يفيض عرقاً فقال صلى الله عليه وآله وسلم اللحم والدّم والظفر والشعر للمرأة والعظم والعصاب والعروق للرجل قال له : صدقت أمرك أمر نبي فأسلم ابن صوريا عند ذلك وقال : يا محمد من يأتيك من الملائكة .
قال : جبرئيل. قال : صفه لي، فوصفه له النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أشهد إنه في التوراة كما قلت وإنّك رسول اللّه حقّاً فلما أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموه) ( ).
لبيان قانون الوحي سبب لدخول الذوات وعامة الناس الإسلام ، وأن الناس دخلوا الإسلام بالمعجزة والوحي ، وهو من الشواهد على قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً ) وقد صدرت بالعنوان أعلاه تسعة وعشرون جزء من كتابنا الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن).
آدم والوحي
وردت مادة (وحي) في نحو سبعين موضعاً من القرآن، وهناك آيات أخرى تتعلق بالوحي، ولكن بغير لفظه , كما في قوله تعالىوَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلاَئِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ.
وفي خطاب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ، وفَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، ووَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ.
ولا يدرك الناس كنه وكيفية تعليم الله لآدم لأنه حدث في السماء، ولعل له نواميس تختلف عن نواميس وأحكام الأرض، وبينهما عموم وخصوص من وجه، وهل يكون هذا التعليم لآدم بمثل الوحي بواسطة الملك أو لا، الجواب هو مرتبة أعلى وأظهر من الوحي .
وآدم هو أول الأنبياء وأول البشر الذي تلقى الوحي في الأرض بعد أن كلّمه الله ، وتجلى البيان في قوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، لبيان أن نعمة تكليم الله عز وجل لآدم قبلاً تكررت في الأرض بفضل ولطف من عند الله عز وجل.
وقال أبو ذر (قلت : يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب .
قال : مائة وأربع كتب ، منها على آدم عشر صحف ، وعلى شيث خمسين صحيفة ، وعلى أخنوح ، وهو إدريس ثلاثين صحيفة ، وهو أوّل من خطّ بالقلم ، وعلى إبراهيم عشر صحائف ، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان)( ) .
وبعد أن تم تعليم آدم عليه السلام قالت الملائكة [لاَ عِلْمَ لَنَا] ( )، ومن المستبعد أن ينقل الملك ما لا يعلمه، أي أن الملك لم ينقل هذا الوحي إلا على فرض أن الملك الذي نقل الوحي والتعليم إلى آدم لم يكن مشمولاً بسؤاله وأمره تعالى[أنبئوني].
والمختار أن الله عز وجل علم آدم الأسماء من غير واسطة من الملائكة وبكيفية خاصة .
إن تعليم الله لآدم نعمة عامة على الناس ، ومقدمة لخلافة الإنسان في الأرض ، وفاتحة الوحي من الله للأنبياء ليفوز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمصاحبة الوحي له من الأيام الأولى لبعثته ليرافقه ثلاثاً وعشرين سنة إلى حين مفارقته إلى الرفيق الأعلى .
وهل الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق نصر الله عز وجل للنبي محمد لقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الجواب نعم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله عز وجل عليه بنزول الوحي والتنزيل ، وكثرة نزول جبرئيل عليه .
قانون الوحي حجة
الوحي أعم من النبوة ومعرفــة التكاليف وهو حجة وبرهان ونعمة عظمى على أهل الأرض ، ويأتي للأنبياء ، ويأتي لغيرهم أيضاً ولكنه ليس كوحي النبوة ، وفي خطاب إلى موسى عليه السلام قال تعالى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي.
ويدل على عموم قدرة الله تعالى وإتصالها ابتداء وخلقاً واستدامة ، فكل ممكن يمتنع حصوله وبقاؤه بدون علة، والوحي يدل على انقطاع سلسلة الممكنات بواجب الوجــود لذاتـــه، وحاجة الناس والخلائق إلى رحمة ولطف الله تعالى ، ويدل أيضاً على أن الموجودات لا تستطيع الإستغناء عن مشيئته تعالى لملازمة الحاجة للإمكان.
ويتجلى قانون الملازمة بين الوحي والنبوة وإن كان بعض الأنبياء ممن يتنبأ في منامه ومنهم من يسمع الصوت ولا يرى الملك، وصحيح أن الأنبياء من البشر، ولكنهم اختلفوا عن الناس بما خصهم الله عز وجل به من الفضل والوحي وقانون الملازمةبين النبوة والمعجزة وشرف النبوة وعظيم وظائفها ، وفي خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ] ( ).
والوحي إلى الأنبياء لم يكن على مرتبة وكيفية واحدة، وهو أعم من أن يكون لفظاً، وتفضل الله وجمع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه الوحي.
وقد ينقطع الإنسان إلى التسبيح والعبادة ويمارس رياضة روحية وقسوة في نوع الغذاء وكميته، وقد يحصل على كشف أهل العرفان أو إلهام أهل الوصل، ولكنه حس ذاتي ووجدان نفسي وتوظيف للا شعور او الحاسة السادسة او إفاضة ربانية، ويختلف في الماهية والموضوع عن الوحي السماوي الذي هو فيض من الكمال اختص الله به الأنبياء على نحو الحصر تشريفاً ومرتبة ووظيفة ملكوتية كمبعوثين لأهل الأرض برسالة السماء.
ولقد انتفع الصحابة وأجيال المسلمين من الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعظم انتفاع ، وهو من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد حضّ الله عز وجل المسلمين على اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بسننه ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وليكون من معاني (واتبعوه) في قوله تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أحكام القرآن وفي السنة النبوية القولية والفعلية ، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم (صلّوا كما رأيتموني أصلّي)( ).
وفي السنة الفعلية ومنها قوله بخصوص الحج (لتأخذوا عني مناسككم)( ).
فلسفة الوحي
فلسفة الوحي والحكمة منه أكبر من أن تدركها أوهام البشر فهو عنوان الإتصال الدائم بين الخالق والخلق، فكما نفخ الله سبحانه من روحه في آدم عليه السلام فأنه تعالى أبى أن يترك الإنسان الذي أسجد له الملائكة وكلفه بالعبادات من غير مادة للإتصال ومعرفة ما يجب عليه وما ينتهي عنه فتفضل بالوحي إلى الأنبياء.
ليكون الوحي قواعد سماوية وتشريعية ثابتة لإنارة دروب الهداية ، وفضح صيغ الضلالة ووجوه الكفر.
لقد جعل الله عز وجل الوحي حجة من جهات :
الأولى : قانون الوحي مادة تصديق الناس بدعوة الأنبياء .
الثانية : قانون الوحي لطف عام .
الثالثة : قانون الوحي هداية للناس .
وقد يكون معنى الوحي في القرآن أخص من معناه في اللغة، فلم يرد لفظ الوحي فيه موضوعاً بين الناس بعضهم مع بعضهم الآخر، نعم ورد بخصوص زكريا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا، مما يدل على أهمية المعنى الاصطلاحي له ولإعطائه صبغة عقائدية ولتوكيد أهميته، نعم ورد في زكريا [فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ المِحْرَابِ فَأَوْحَى اليْهِمْ أن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا] ( ).
وقال المفسرون أن الوحي هنا الإشارة، ولكنه أعم ، فإنه وحي بالواسطة ودعوة صامتة وتلك الدعوة قد تجمع أحياناً بين الوظيفة الشرعية والأمن على النفس، وفيه دلالة على موضوعية التسبيح في الدعوة إلى الله وإتخاذ المواظبة عليه طريقاً إلى التقوى ، وسبيلاً إلى الإنصات إلى الأنبياء في تبليغهم ونقلهم لرسالة السماء، وبيان لحقيقة وهي أن الدعوة الصامتة فرد من مصاديق جذب الناس إلى الإيمان .
لقد أوحى إليهم زكريا أن سبحوا الله، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالأحكام والشريعة الحقــة لفظاً وفعلاً وتقريراً، مما يدل على علو درجته في عالم النبوة.
وفي دراســة مقارنة تظهر نعمة الله تعالى على المسلمـين بالوحي فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يرون ما يصيبه من الكرب وأن جبينه يتفصد عرقاً في اليوم الشديــد البرد ساعـة نزول الوحي كآية محسوسـة لفلسفة الرسالــة ومشقــة تحملها.
وفيه دعوة سماوية للمسلمين للعناية بالوحي ، وما يصدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عالم الملكوت والتنزيل .
كيفية الوحي للنبي (ص)
تتعدد هيئة وطريقة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأنه أعم من التنزيل ، وقد يأتي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملك آخر غير جبرئيل .
روى الحرث بن هشام أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس أي صوت الجرس- وهو أشده علي فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول( ).
ليكون من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد كيفية الوحي ومجئ الملك له بالوحي والأمر من عند الله ، وتدل خاتمة الخبر أعلاه على أن النبي رسول من عند الله ، فمن خصائص الرسول أنه يرى ويسمع الملك ، بينما النبي يسمع الملك من غير أن يراه .
وعن عبادة بن الصامت قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحــي كرب لذلك وتربد وجهه) ( ).
وفي رواية أخرى عنه (أن النبيَّ صلى الله عليه و|آله وسلم كان إذا نزل عليه الوحي نكَّس رأسه، ونكَّس أصحابه رؤوسهم، فلما سُرِّي عنه رفع رأسه) ( ).
وفي حديث الوحي كأنه صلصلة على صفوان .
والصلصلة صوت الحديد، إشارة إلى وجود المشقة والصعوبة في تلقي الوحي،إن مقام النبـوة منزلة لا تنال الا بفضل وتعاهد وعناية من الله تعالى، فمن لا يعدّه الله لتلقي الوحي لا يستطيع تحمله، أي أن الإعداد للنبوة يسبق مرحلة الوحي، وهذا الاعداد لاينحصر بايجاد المقدرة البدنية على تلقي الوحي بل يشمل المدارك والملكات والأخلاق والأعمال، فلا غرابة إذن أن يسبق نزول الوحي على النــبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخلوته في غار حراء.
معجزة نزول القرآن
لقد انفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين مائة وأربعة وعشرين ألف نبي بالمعجزة العقلية ، وهي سور وآيات القرآن .
وهل القرآن معجزة عقلية متحدة أم متعددة ، الجواب هو الثاني من جهات :
الأولى : ذات نزول القرآن معجزة .
الثانية : نزول الملك جبرئيل بالقرآن .
الثالثة : حال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما يتغشاه حال نزول القرآن ، إذ كان يتصبب عرقاً في اليوم البادر إلى حين ينفصل عنه الوحي.
الرابعة : نزول القرآن نجوماً وعلى نحو متعاقب في مدة ثلاث وعشرين سنة ، وكان المشركون يتساءلون لماذا لم ينزل عليه القرآن جملة واحدة مثل الأنبياء السابقين .
و(عن ابن عباس قال : قال المشركون : إن كان محمد كما يزعم نبياً فلم يعذبه ربه ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة ، ينزل عليه الآية والآيتين والسورة .
فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً] ( ) إلى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ))( ).
الخامسة : نزول آيات من القرآن حسب الوقائع والأحداث ، ومنه علم أسباب النزول .
السادسة : بيان القرآن للوظائف العبادية والتكاليف ، ومجئ السنة النبوية بأدائها على الوجه الأكمل .
السابعة : عدم مغادرة جبرئيل من عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند نزول الآيات حتى يحفظها.
الثامنة : مسارعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة الآيات التي تنزل عليه حالما يفارقه الوحي ، ومن غير خشية من المشركين او أسباب الحسد والكيد ووجوه الأذى خاصة وأن القرآن تضمن الإنذار والوعيد للذين كفروا .
التاسعة : قراءة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السور والآيات التي تنزل عليه في الصلاة اليومية ليحفظها الصحابة ويتدبروا في معانيها ودلالتها .
اختصاص نبوة محمد (ص) بالحروف المقطعة
لقد افتتح عدد من السور المكية بالحروف المقطعة منها قوله تعالى كهيعص الذي افتتحت به سورة مريم ، [الم] في أول سورة آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة ، ومنها (طس) أول سورة النمل.
وقوله تعالى [الر] في أول سورة يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر .
وسورة الحواميم أي التي بدأت بـ(حم) وهي سبع سور وكلها مكية نزلت ولاء وهي أيضاً مرتبة في القرآن بذات التوالي وهو من الشواهد على أن ترتيب سور القرآن توقيفي ، وهي سورة غافر ، سورة فصلت ، سورة الشورى ، سورة الزخرف ، سورة الدخان ، سورة الجاثية ، سورة الأحقاف.
ونزلت عليه سورة الشورى بالحروف (عسق).
ومن الإعجاز في ابتداء هذه السور بالحروف المقطعة جذب انتباه الناس أيام نزولها إلى آيات القرآن ، ومنع المشركين من التصفيق والصفير عند سماع الآيات ، وفيه مسائل :
الأولى : قانون الحروف المقطعة مقدمة لتلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن .
الثانية : قهر الحروف المقطعة للعرب في بلاغتهم وفصاحتهم .
الثالثة : قانون الحروف المقطعة تنزيل من عند الله سبحانه.
الرابعة : توثيق حروف الهجاء سماوياً .
الخامسة : الحروف المقطعة عون ومادة لمنع التحريف في نزول القرآن.
السادسة : قانون الحروف المقطعة وسيلة لإنتباه الناس لتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للقرآن .
السابعة : دعوة العلماء المسلمين وغيرهم من الأجيال المتعاقبة للتدبر في أسرار ومعاني الحروف المقطعة ، فمن أسرار حروف وكلمات القرآن عدم حصر موضوعها بزمان وأسباب التنزيل .
الثامنة : الأجر والثواب بتلاوة المسلم والمسلمة للحروف المقطعة من وجوه :
الأول : الأجر والثواب بتلاوة الحروف المقطعة من القرآن ، و(عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له به حسنة ، لا أقول (بسم الله) ولكن باء ، وسين ، وميم.
ولا أقول (الم) ولكن الألف ، واللام ، والميم .
وأخرج محمد بن نصر السلفي في كتاب الوجيز في ذكر المجاز والمجيز عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له عشر حسنات : بالباء ، والتاء ، والثاء)( ).
الثاني : تسليم المسلمين بان الحروف المقطعة نازلة من عند الله عز وجل ، وهي جزء من القرآن .
الثالث : التدبر في معاني الحروف المقطعة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تثبيت الحروف المقطعة في اوائل السور ، وتلاوتها في الصلاة وخارجها ، وتدوين كتاب الوحي والصحابة لها .
اختصاص النبي بنزول القرآن
من خصائص الأنبياء أمران :
الأول : الوحي .
الثاني : اظهار البرهان وإقامة الحجة على وجوب عبادة الله ، والامتناع عن المعاصي ، وعلى الحساب في الآخرة.
ومما توارثوه عن آدم بيان حتمية عالم الجزاء في الآخرة ، قال تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
ومع أن عدد الرسل هو ثلاثمائة وثلاثة عشر من بين مجموع الأنبياء فانه لم ينزل كتاب على كل رسول ، ومنهم من نزلت عليه صحف منهم آدم ، وشيت ، وإدريس ، وفيها الدعوة إلى التوحيد ، والشكر لله ، والإحسان إلى الناس ، والنصائح العامة ، والبعث على فعل الصالحات ، والبشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى.
وقد أنزل الله عز وجل التوراة على موسى عليه السلام ، والزبور على داود وفيه أدعية وصلوات .
وأنزل الله عز وجل الإنجيل على عيسى عليه السلام ، وفيه دعوة للتوحيد والأخلاف الحميدة والرفعة بالناس ، وتأكيد للشرائع التي جاءت في التوراة ، قال تعالى وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
وعندما بلغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أربعين سنة اختصه الله بنزول القرآن وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.
قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
فمن مكر الله عز وجل أمور :
الأول : لطف الله بهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : عصمة القرآن من التحريف .
الثالث : عجز المشركين عن حجب القرآن وعلومه عن الناس ومنع إنصاتهم له.
ليكون من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول القرآن ، فلم ولن ينزل على غيره من البشر .
الثاني : نزول تمام آيات القرآن قبل أن يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا ، قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا] ( ).
الثالث : سلامة القرآن من التحريف .
و(عن قتادة في قوله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وقال في آية آخرى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ والباطل إبليس . قال : فأنزله الله ثم حفظه ، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلاً ولا ينقص منه حقاً ، حفظه الله من ذلك)( ).
ولكن معنى الباطل أعم من ابليس ومنه التحريف ، وسوء التأويل ، والإهمال والنسيان .
وتتضمن الآية الوعد من عند الله بسلامة القرآن رسماً ولفظاً وتلاوةً وعمل المسلمين بمضامينه ، وأحكامه إلى يوم القيامة ، وهو من خصائص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن امتك ستفتتن من بعدك ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سئل ما المخرج منها .
فقال : كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، من ابتغى العلم في غيره أضله الله ، ومن ولي هذا الأمر فحكم به عصمه الله ، وهو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط المستقيم ، فيه خبر من قبلكم ، ونبأ من بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل)( ).
النسبة بين الوحي والقرآن
وبين الوحي والقرآن عموم وخصوص مطلق، فكل قرآن هو وحي، وليس كل وحي قرآناً .
وأول ما بدء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء , وكان يخلو في غار حراء فيتحنث فيه ، وهو التعبد في الليالي ذوات العدد، (أي إحصاء وحصر هذه الليالي)، قبل أن ينزع إلى أهله ويرجع إلى خديجة ويتزود لمثلها حتى جاء الحق وهو في غار حراء .
فجاءه الملك فقال: إقرأ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني.
فقال : اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية ثم أرسلني فقال اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الانسَان مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ * عَلَّمَ الانسَان مَا لَمْ يَعْلَمْ.
لقد أوحى الله عز وجل إلى الأنبياء والرسل واختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمور :
الأول : قانون إجتماع الوحي ونزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العبادات والمعاملات ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
الثالث : قانون الوحي مدد وعون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره في الوقائع والأحداث ، وتوجيه الأسئلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد ورد لفظ [َيَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن ، كلها خطابات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كل واحدة منها تقترن بالجواب من عند الله بلفظ (قل) باستثناء واحدة ورد الجواب بجملة خبرية وهي [يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا] ( ) مع ورود آيات فيها سؤال عن يوم القيامة والإجابة من الله عز وجل بلفظ [قل].
وقال تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا] ( ) وقال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) والأنفال هي الغنائم التي أحرزها المسلمون في المعركة.
ونزلت الآية أعلاه في معركة بدر ، وقال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
النسبة المنطقية بين الوحي والتنزيل
الوحي لغة هو الإعلام الخفي السريع وفي الإصطلاح الشرعي هو إعلام الله تعالى لمن اصطفاهم من عباده بانواع الهداية والعلم بكيفية خافية عن الناس .
لقد جعل الله عز وجل الوحي حجة من جهات :
الأولى : قانون من الإرادة التكوينية وهو الوحي مادة الصلة بين الله وبين الناس بواسطة الأنبياء .
الثانية : قانون الوحي هو المصداق المتجدد لقوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
الثالثة : قانون الوحي مادة خلافة الإنسان في الأرض ، قال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ليكون من معاني رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ] أن الله لا يترك الناس وشأنهم ، إنما يأمرهم وينهاهم بالوحي والتنزيل وبما فيه هدايتهم وصلاحهم .
وهذا التأويل للآية مستحدث هنا ، نعم بانتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى انقطع كل من :
الأول : النبوة ، قال تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
ومن علم الله تعالى في المقام بقاء آيات القرآن وأحكام الشريعة في الأرض سالمة من التحريف ووجود أمة واجيال متعاقبة تعمل بها إلى يوم القيامة وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : وحي النبوة .
الثالث : التنزيل :
الرابع : السنة القولية والفعلية.
وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولكن القرآن وأحكامه وما فيه من الأوامر والنواهي باقية إلى يوم القيامة وهو من الشواهد على سلامته من التحريف والزيادة والنقصان .
والنسبة بين الوحي والتنزيل هو العموم والخصوص المطلق ، فكل تنزيل هو وحي وليس كل وحي هو تنزيل ، ويمكن تقسيم الوحي والتنزيل بلحاظ الفرق بين النبي والرسول.
فعدد الأنبياء هو مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كل واحد منهم يأتيه الوحي من عند الله باليقظة أو المنام .
أما عدد الرسل هو ثلاثمائة وثلاثة عشر ، هم الذين جاءهم الوحي والتنزيل أو الصحف ، فآدم عليه السلام نبي رسول كما في حديث أبي ذر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد أنزلت عليه عشرة صحف.
الوحي أول النزول
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإعجاز في كيفية نزول الوحي عليه ، والمختار أن كل نبي يأتيه الوحي بكيفية خاصة ، وهو من عظيم قدرة الله وسعة سلطانه ، إذ ابتدأ الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرؤيا الصادقة ورآى وهو في غار حراء جبرئيل.
و(قال ابن إسحاق : وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير، قال سمعت عبد الله ابن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثى: حدثنا يا عبيد: كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل.
قال: فقال عبيد وأنا حاضر، يحدث عبد الله ابن الزبير ومن عنده من الناس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهرا يتحنث.
قال : وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية، والتحنث: التبرر.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته.
حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله به فيه ما أراد من كرامته من السنة التى بعثه فيها، وذلك الشهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ.
قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لى بمثل ما صنع بى.
فقال اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
قال: فقرأتها ثم انتهى وانصرف عنى، وهببت من نومى فكأنما كتب في قلبى كتابا.
قال : فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل.
قال: فرفعت رأسي إلى السماء، فأنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل.
فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه في آفاق السماء فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك.
فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى، فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عنى.
وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت ؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلى ثم حدثتها بالذى رأيت فقالت: أبشر يا ابن العم واثبت، فو الذى نفس خديجة بيده إنى لارجو أن تكون نبى هذه الامة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذى نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الاكبر الذى كان يأتي موسى، وإنه لنبى هذه الامة، وقولى له فليثبت)( ).
لبيان أن البشارات ببعثة نبي آخر الزمان وحلول زمانه شائعة في مكة وغيرها ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن تنتشر أخبار ثبوته ويتطلع الناس لها قبل بعثته ، وفيه تخفيف وعون للناس للإيمان ، ومدد سابق للبعثة النبوية ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
وهل كانت مبادرة خديجة بالتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزة له ، الجواب نعم ، لأنها تدرك من الشواهد القريبة صدق نبوته ، وقد لحق بها في الإسلام الفوري الإمام علي عليه السلام .
وهل كان اسلامهما واقية من الضرر المترشح عن جحود وإرهاب أبي لهب عم النبي ، الجواب نعم ، فنزلت سورة كاملة في ذمه ، قال تعالى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.
ذهاب خديجة إلى ورقة
لقد كان الوحي أمراً عظيماً في نزوله وأثره على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، ليكون من معاني قوله تعالى لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، أن الخشية عند تلقي نزول القرآن لا تختص بذات البقعة التي ينزل عليها القرآن بل تشمل الجبل كله ، مع أن الجبل جماد.
ولم يرد لفظ (على جبل) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
فمن باب الأولوية يكون أثر نزول الوحي على النبي عظيماً عليه وعلى غيره ممن حوله فتلقت خديجة ما رزق الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من المرتبة السامية ، وما ظهر عليه من الآثار ، بالرضا والغبطة والتصديق .
وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خديجة بأمر الوحي ، وفي التنزيل قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
عندئذ نهضت خديجة لتذهب إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها اعتزل الأوثان قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وامتنع عن أكل ما يذبحون لها ، وتنصر ، وقرأ الكتب ، وما كتب أهل الكتاب من الأخبار والمغيبات ، وقال ورقة بن نوفل :
إن بك حقاً يا خديجة فاعلمي … حديثك إيانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما … من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز فيها بتوبة … ويشقى به العاتي الغوي المضلل
فريقان منهم فرقة في جنانه … وأخرى بأحواز الجحيم تغلل
إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت … مقاطع في هاماتهم ثم من عل
فسبحان من تهوى الرياح بأمره … ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها … وأقضاؤه في خلقه لا تبدل
وقال ورقة في ذلك أيضاً:
يا للرجال لصرف الدهر والقدر … وما لشيء قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها … وما لها بخفي الغيب من خبر
جاءت لتسألني عنه لأخبرها … أمراً أراه سيأتيالناس من اخر
فخبرني بأمر قد سمعت به … فميا مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره … جبريل إنك مبعوث إلى البشر
فقلت على الذي ترجين ينجزه … لك الإله فرجي الخير وانتظرى
وأرسليه إلينا كي نسائله … عن أمر ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقاً عجباً … يقف منه أعالي الجلد والشعر
إني رأيت أمين الله واجهني … في صورة أكملت في أهيب الصور
ثم استمر فكاد الخوف يذعرني … مما يسلم ما حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدري أيصدقني … أن سوف يبعث يتلو منزل السور
وسوف أبليك إن أعلنت دعوتهم … من الجهاد بلا من ولا كدر) ( ).
لماذا الذهاب إلى ورقة
لقد كانت طائفة من العرب وغيرهم قبل الإسلام على الحنيفية ، دين إبراهيم عليه السلام ولم تتبع الشيطان ولم تعبد الأصنام وهم طلاب الدين ومنهم (حبيب النجّار ، وقيس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء السّندي، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبحيرا( ) الراهب.
ووفد النجاشي. آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فمنهم من أدركه وتابعه ، ومنهم من لم يدركه)( ).
وقيل كان عبد الله والد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأجداده ، ووالدته آمنة بنت وهب على دين إبراهيم أيضاً , وهو المختار .
ومن الشواهد عليه قوله تعالى الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ.
و(عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال لخديجة : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء .
فقالت ما يفعل الله بك إلا خيرا فو الله إنك لتؤدي الأمانة و تصل الرحم و تصدق الحديث قالت خديجة : فانطلقنا إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى هو ابن عم خديجة .
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بما رأى فقال له ورقة : إذا أتاك فاثبت له حتى تسمع ما يقول ثم أتيني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل له ذلك .
فقال له أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك .
فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني ورقة .
وروي أن ورقة قال في ذلك :
فإن يك حقا يا خديجة فأعلمي … حديثك إيانا فأحمد مرسل
و جبريل يأتيه و ميكال معهما …من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز عزا لدينه …و يشقى به الغاوي الشقي المضلل
فريقان منهم فرقة في جنانه … و أخرى بأغلال الجحيم تغلغل)( ).
وفي ذهاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ورقة بن نوفل مسائل :
الأولى : شهادة ورقة بن نوفل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وفيه حجة على أهل مكة إذ كانوا يقرون لورقة بمعرفة التوراة والإنجيل، وقيل هو المقصود بالعلم بالكتاب في قوله تعالى [كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ] ( ), وموضوع الآية أعم وهي مكية.
و(عن أبي عمر زاذان عن ابن الحنفية {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} قال : هو علي بن أبي طالب)( ).
الثانية : منع قريش من إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومع هذه الشهادات فانهم نعتو النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر والجنون.
الثالثة : بعث السكينة في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
الرابعة : ذهاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ورقة بن نوفل في بداية الوحي ، وما له من الثقل وشدة الوطئ ، قال تعالى لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
الخامسة : في عرض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم علامات ودلائل نبوته على ورقة بن نوفل وجوه :
الأول : إعلان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبعثته وأنه نبي آخر الزمان الذي بشرت به الكتب السماوية السابقة.
الثاني : دعوة للناس للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إنه شاهد على ابتداء النبي محمد دعوته بأهل العلم والمعرفة ، وهو من مصاديق صبغة العلم في التنزيل إذ كانت أول آية أنزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ.
الرابع : إقامة الحجة على ورقة بن نوفل ، وعلى كفار قريش من باب الأولوية القطعية .
الخامس : جعل أهل المعرفة دعاة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : ذهاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لورقة بن نوفل من مصاديق قوله تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، وصحيح أن هذه الآية مدنية ، ونزلت في غدير خم عند بيعة الغدير للإمام علي عليه السلام إلا أن موضوعها أعم ، ولبيان قانون الأثر الرجعي للآية القرآنية مع الشواهد .
السابع : تثبيت خديجة بنت خويلد في مقامات الإيمان ، وتسخيرها أموالها في الدعوة إلى الله خاصة وأنها تثق بما عند ابن عمها ورقة بن نوفل من علوم الأولين .
ولتمر الأيام فتدخل خديجة في شعب أبي طالب مع بني هاشم وبني المطلب في الحصار الشديد الذي فرضه رجالات قريش عليهم.
الثامن : غلق الباب بوجه الذين يدّعون النبوة زوراً ، خاصة وقد شاع بأن هذا الزمان هو زمان بعثة نبي آخر زمان , وفي مكة .
التاسع : قطع الطريق أمام الذين كانوا يظنون أن النبوة ستأتيهم.
فقد استبان الحق ونزل الملك على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين , والخيرة لله عز وجل ، قال تعالى وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
و(عن ابن عباس قال : لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك ، ومن أنكر منهم قالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد ، فأنزل الله أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ.
فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا : وإذا كان بشراً فغير محمد كان أحق بالرسالة لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يقولون : أشرف من محمد يعني الوليد بن المغيرة من مكة ، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف ، فأنزل الله رداً عليهم أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ))( ).
والمراد من القريتين : مكة والطائف .
وفي حديث طويل عن الإمام الحسن العسكري أنه سأل أباه الإمام الهادي عليه السلام : هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يناظر ويحاج المشركين وأهل الكتاب قال الإمام الهادي (بلى مرارا كثيرة منها: ما حكى الله من قولهم : وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ إلى قوله [رَجُلًا مَسْحُورًا].
لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا إلى قوله كِتَابًا نَقْرَؤُهُ.
ثم قيل له في آخر ذلك : لو كنت نبيا كموسى لنزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك ، لان مسألتنا أشد من مسألة قوم موسى لموسى.
قال : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم: الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبوالبختري بن هشام وأبوجهل بن هشام، والعاص بن وائل السهمي، وعبدالله بن أبي امية المخزومي، وكان معهم جمع ممن يليهم كثير، ورسول الله صلى الله عليه وآله في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ويؤدي إليهم عن الله أمره ونهيه.
فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمد، وعظم خطبه…الحديث).
السادسة : في رواية أن خديجة ذهبت بمفردها إلى ورقة بن نوفل ابتداءً منها لتخبره عن علامات الوحي خاصة وأنه قرأ التوارة والإنجيل وتنصر .
ولا يحتاج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذهاب إلى ورقة ولكنه لإقامة الحجة والشاهد على صدق نبوته ، وفيه تخفيف عنه وعن أهل البيت ، ودعوة للناس لدخول الإسلام .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حبب إليه الخلا والإنفراد عن الناس في غار حراء في ليال ذات عدد فكانت بداية الوحي.
والغار : الفجوة في الجبل، وإذا اتسع سُمي كهفاً ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتزود بالطعام والماء ويخرج إلى الغار يتعبد الليالي ذوات العدل من شهر رمضان ، ومعنى ذات العدد قبل العبثة النبوية أي ليال معدودة يحددها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويبلغ ارتفاع الجبل عن سطح البحر نحو 634 م وترى منه أبنية مكة .
و(قال ورقة : هذا والله الناموس الذي انزل على موسى وعيسى عليهما السلام وإني أرى في المنام ثلاث ليال أن الله أرسل في مكة رسولا اسمه محمد وقد قرب وقته، ولست أرى في الناس رجلا أفضل منه، فخرج صلى الله عليه وآله إلى حراء فرأى كرسيا من ياقوتة حمراء، مرقاة من زبرجد، ومرقاة من لؤلؤ ، فلما رأى ذلك غشي عليه .
فقال ورقة: يا خديجة فإذا أتته الحالة فاكشفي عن رأسك، فإن خرج فهو ملك، وإن بقي فهو شيطان، فنزعت خمارها فخرج الجائي، فلما اختمرت عاد، فسأله ورقة عن صفة الجائي فلما حكاه قام وقبل رأسه وقال: ذاك الناموس الاكبر الذي نزل على موسى وعيسى عليهما السلام.
ثم قال: أبشر فإنك أنت النبي الذي بشر به موسى وعيسى عليهما السلام وإنك نبي مرسل، ستؤمر بالجهاد .
فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ليتني فيها جَذعا أكونُ حيا حين يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أومخرجيَّ هُم .
فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يُدركني يومك أنصُرْكَ نصرًا مُؤزرًا)( ).
وتوجه نحوها وأنشأ يقول: فإن يك حقايا خديجة فاعلمي حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز عزا لدينه ويشقى به الغاوي الشقي المضلل فريقان منهم: فرقة في جنانه واخرى بأغلال الجحيم تغلل ومن قصيدة له :
يا للرجال لصرف الدهر والقدر … وما لشئ قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لاخبرها … وما لنا بخفي العلم من خبر.
فخبرتني بأمر قد سمعت به … فيما مضى من قديم الناس والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره … جبريل أنك مبعوث إلى البشر
ومن قصيدة له :
فخبرنا عن كل خير بعلمه … وللحق أبواب لهن مفاتح
وإن ابن عبد الله أحمد مرسل … إلى كل من ضمت عليه الاباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا … كما ارسل العبدان نوح وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له … بهاء ومنشور من الذكر واضح)( ).
و(عن جابر بن عبدالله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي فقال في حديثه : فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض ، فجثيت منه رعباً ، فرجعت فقلت : زمّلوني ، زمّلوني.
فدثّروني ، وأنزل الله سبحانه يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى قوله سبحانه وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ.
قبل : أن تفرض للصلاة ، وهي الأوثان ، ثم كان ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن بعد اقرأ والمدثر ، {وَالْقَلَمِ} إلى قوله : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ثم {وَالضُّحَى})( ).
السابعة : تصديق ورقة للوحي في بداياته دعوة للناس للتصديق بنزول القرآن من عند الله عز وجل.
الثامنة : بيان مصاحبة النصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بدايات الوحي ، واقرار ورقة بن نوفل بالوحي إلى النبي محمد وأنه نبي آخر زمان حجة وتخفيف عن الناس ، وتثبيت لقلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وترغيب للناس بدخول الإسلام ، قال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا.
و(عن خباب بن الأرت قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له عند الكعبة أن يدعو الله لنا قلنا ألا تستنصر لنا قال فجلس مغضباً محمراً وجهه.
فقال كان الرجل من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ولينصرن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)( ).
التاسعة : إعلان وشهادة ورقة بن نوفل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ، وتحييد لكثير من الناس ، ومنعهم من مؤازرة كفار قريش في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
العاشرة : لقد كان أهل الكتاب يتوارثون أنباء بعثة نبي آخر الزمان ، وأنه حان أوانها ، وقد يأتي من يدعي النبوة ، أو يقوم بعض أهل الكتاب بتكذيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذكر علامات أخرى لخاتم النبيين .
فجاءت شهادة وإقرار ورقة بن نوفل واقية من الدعوة الزائفة للنبوة ، ومن افتراء وتكذيب بعضهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الحادية عشرة : قانون الذكر الحسن لمن عضّد نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأعانه ونصره ، فيتوارث المسلمون خبر تصديق ورقة بن نوفل لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من الدعوة العامة للإنصات لآيات القرآن .
الثانية عشرة : اِيجاد مادة وموضوع لتحريض بني هاشم وبني المطلب لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتحمل الأذى في نصرته والذب عنه ، فلم تمر الأيام حتى فرض رجالات قريش حصاراً إجتماعياً واقتصادياً عليهم استمر لثلاث سنوات ، وتحمله مؤمنهم وكافرهم بصبر.
الملازمة بين الوحي والتبليغ
من خصائص النبي محمد أمور :
الأول : قانون سبق البشارات بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : وجود أفراد ذوي وثاقة عند الناس يشهدون بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حالما نزل عليه الوحي .
الثالث : بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنهوض باعباء الرسالة من بدايات الوحي ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
وصحيح أن هذه الآية مدنية ، ومن سورة المائدة وهي من أواخر سور القرآن نزولاً ، ونزلت في بيعة الغدير إلا أن هذا لا يمنع من المعنى الأعم للآية .
ومن بدايات الوحي لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، وللإستصحاب القهقري ، وان لم نقل به في علم الأصول ، ولكنه جار في آيات القرآن مع الدليل والإمكان وانتفاء المعارض .
الرابع : تجلي شواهد حسية على فضل الله بتهيئة مقدمات الرسالة والتبليغ .
قانون الوحي معجزة
من خصائص الوحي أنه سور جامع في باب المعجزة للأنبياء جميعاً ، فكل نبي يأتيه الوحي من عند الله، نعم الوحي من الكلي المشكك في كيفيته وكمه ، وقد اختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بملازمة الوحي له من جهات :
الأولى : مجئ الملك بالتنزيل وآيات القرآن .
الثانية : يأتي الملك بالسنة النبوية
الثالثة : الوحي من عند الله بوسائط وفيض من عند الله ، وفي التنزيل [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ] ( ).
وكانت معجــزات الأنبياء السابقين في الغالب حسية آمن بها الذي حضرهــا وشاهدهـا، أما معجزة القرآن فهي الوحي والتنزيل الذي تبقى إطلالته وإشراقاته بالقرآن وأســراره وبلاغتــه وعلومــه إلى يوم القيامة، وفيه دلالة وبرهان على عظمة الإسلام والإرتقاء الفكري عند المسلمين والمجتمــع الذي نزل فيه الوحي، لأن الوحي وآيات القرآن أثبتت معجزات الأنبياء توكيداً وتوثيقاً كسفينــة نوح، وناقة صالح، ونجــاة ابراهيـم، وعصــا موسى، وعصمة يوسف، والآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام.
لذا يمكن استقراء إعجاز قرآني وقانون وهو : بنزول القرآن ظلت معجزات الأنبياء معــروفة وحاضرة.
وبين الإعجاز والوحي عموم وخصوص مطلق، فكل وحي إعجاز وليس كل إعجاز هو وحي، مع عدم إمكان التفكيك بينهما، وكل واحد منهما شاهد صدق ودليل ومتمم للآخر.
والوحي من عالم الأمر، وفيه شاهد على علو مرتبته , وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه)( ).
ويمكن معرفة المقصود من اللفظ بلحاظ القرائن والأمارات وهل المقصود من قوله صلى الله عليه وآله وسلم “اوتيت” خصوص القرآن أم يشمل الأحاديث النبوية وما فيها من علوم الغيب وجزالة المعاني مع إعجاز ووضوح اللفظ ،الجواب هو الثاني .
وفيه توكيد لإرتقاء القرآن على الكتب السماوية الأخرى، واستغراق علومه في عالم الملكوت وهو كمال حقيقي وتحصيل في العلوم يترشح عنه إنطباقاً الإيمان واليقين، وترجمة واقعية لعالم الغيب بالدليل والبرهان ، وإستدلال بالشاهد الحسي على الغائب العقلي.
والوحي عنوان القدرة الالهية، وكلام الله تعالى غير منحصر بالأصوات والحروف أو الالفاظ أو المعاني والأعراض، لذا قيل بأن نزول الوحي إنما هو مجاز، ولكنه حقيقة عقائدية ورحمة عامة ، ونعمة على الأنبياء وبواسطتهم الناس جميعاً ، وفيه شاهد على اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي الذي هو معجزة عقلية وحسية حاضرة .
وفسر المعتزلة الوحي بأن الله يخلق أصواتاً وحروفاً على لسان جبرئيل لأن الله عز وجل سمّى القرآن بأنه كلامه ، قال تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ] ( ).
وقال الأشاعرة بأن الله يخلق في اللوح المحفوظ كتابة فيقرأها الملك ويحفظها ، وتارة تكون أصواتاً في جسم معين يأخذها جبرئيل مع علم ضروري بأنها كلام الله.
والمختار أن هذا القول صحيح ، وتبقى كيفية وطرق الوحي متعددة ، وأكثر وأخف من أن تحيط بها أوهام البشر .
وهل الكلام مصدر، أم اسم مصدر، والأول ما دل على الحدث مثل تكليم مصدر كلّم، والثاني ما دل على لفظ، وهذا اللفظ يدل على الحدث ، مثل كلام اغتسال المصدر ، والغسل اسم مصدر.
والكلام اسم مصدر ، وهو لغة الأصوات والحروف المتتابعة الصادرة من المتكلم، وعند جماعة من النحويين المركب من المسند والمسند إليه، والحروف المنتظمة والأصوات المسموعة.
ومنهم من جعله المعنى القائم في نفس المتكلم , ويبرز إلى الخارج بالحروف والأصوات المسموعة .
وأكثر المتكلمين على الأول، والنزاع صغروي لأن تلك الحروف لا تصــدر من المتكلم الا علـى نحو الإخبار والبيان لما يريــده وما قــام في نفســه، لذا أختلـف في إطلاق الكلام على المعاني النفسانية .
وهل هو إطلاق حقيقي أم مجازي، الأرجح هو الثاني.
ذم تحريف الكتب السماوية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذم التحريف ووقف هذا التحريف ، وهذا الوقف بضبط آيات القرآن وعصمتها من التحريف ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده من أجل إستدامة هذه العصمة .
وحرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على إمامة الصلاة خمس فرائض في اليوم وكان يتلو القرآن ، وفيه ترغيب ودعوة لحفظ آيات القرآن والتدبر في معانيها ودلالاتها.
ومن خصائصه أنه كان يأمر ومن بداية التنزيل بكتابة القرآن فيكتب في الرقاع والأكتاف واللخاف وهي الحجارة الرقاق البيض ، وفي العسب أي جريد النخل ، ويكتبون على الجلد .
وقد أمر أبو بكر زيد بن ثابت بكتابة القرآن ، وقال زيد (فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال ومن الرقاع ومن الأضلاع ومن العسب قال ففقدت آية كنت أسمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أجدها عند أحد فوجدتها عند رجل من الأنصار (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر).
فألحقتها في سورتها فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات ثم كانت عند عمر حتى مات ثم كانت عند حفصة)( ).
ولقد ذم الله عز وجل الذين [يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ] ( ) أي يميلونه عنها ويغيرونه لفظاً ومعنى، أو هما معاً، ويحملونه على خلاف الظاهر وما تدل عليه القرائن، لقد سعوا في كتم البشارات برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت بها الكتب السماوية السابقة وأرادوا كتم الحقيقة بتغيير المعنى والتأويل.
ومما هو متسالم وثابت واقعاً ووجداناً أن القرآن باق إلى يوم القيامة، والبقاء لا يكون تاماً إلا بحفظ الأجزاء والمفردات والكلمات وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في أجيالهم المتعاقبة بذلوا الوسع بتعاهد قانون جعل القرآن أسمى تركة متوارثة.
ومن معاني قوله تعالى[إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَأنا لَهُ لحافظون] ( ) أنه وعد كريم وبشارة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وطمأنينة عامة من تلاعب أهل البدع بالقرآن من بعده، ولابد من إعداد دراسة خاصة تتعلق بما تتضمنه السنة النبوية الشريفة بخصوص تعاهد القرآن وحفظ آياته وكلماته، وفي جمعه وسلامته من التحريف والتغيير لكي يبقى محفوظاً إلى يوم القيامة.
النسبة بين الخلافة والوحي
لقد رزق الله عز وجل الإنسان منزلة لم ينلها أي جنس من الخلائق بما فيهم الملائكة ، وهي مرتبة الخلافة في الأرض ، قال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ثم توالت النعم على آدم منها تعليم الله عز وجل له الأسماء والإحتجاج به على الملائكة ، والأمر من الله للملائكة بالسجود له .
ويمكن إستقراء مسائل من خلافة آدم في الأرض, منها :
الأولى : قانون الملازمة بين الخلافة والوحي بلحاظ أمرين :
الأول : النبي هو الخليفة.
الثاني : الخلافة أعم, ولكن الوحي خاص بالأنبياء, لأنهم أئمة الناس في سبل الهدى , قال تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا.
الثانية : مراحل الوحي إلى الأنبياء واختتامه بالقرآن الكتاب الجامع لأحكام الشريعة, والسالم من المعارضة , والممتنع عن التحريف وفيه شاهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين .
الثالثة : تثبيت الخلافة في الأرض بالوحي والتنزيل, وتعاهد المسلمين للوحي بالتصديق والعمل بمضامينه القدسية , وهو من عمومات قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
الرابعة : الوحي بيان وتفسير لمعاني الخلافة في الأرض, وأن الله عز وجل لم يترك الناس وشأنهم في الأرض, بل جعل صلة قدسية بينه وبينهم, وتفضل وأمر الملائكة بالنزول بالوحي إلى الأنبياء ، قال تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى لبيان قانون توجه الأوامر والنواهي للإنسان وقانون الحساب يوم القيامة .
وقد وردت مادة (وحي) في القرآن ثماني وسبعين مرة, وهو عدد ليس بقليل , لتكون فيه موعظة, ومناسبة لإستنباط المسائل والبراهين من القرآن وكلها في الوحي إلى الأنبياء بإستثناء عدد قليل منها , مثل قوله تعالى [وَأَوْحَى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الجِبَال بُيُوتًا] ( ).
وموضع نزول أول الوحي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو غار جبل حراء والذي يقع على نحو ثلاث كيلو مترات من المسجد الحرام من جهة الشمال ويطل على منى، ويكون على يسار المتوجه إلى عرفات.
وعن أنس بن مالك: قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما تجلى الله عز وجل للجبل، طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، وثلاثة بمكة، ووقع بالمدينة أحد، وورقان ورضوى، ووقع بمكة حراء وبثير وثور .
أي التجلي في قوله تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا.
وسمي حراء جبل النور لنزول أول سورة من القرآن على النبي حينما كان يتعبد في غار في الجبل، وفي الغار مكان يجلس فيه إنسان وتصير الكعبة أمامه.
لقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وأنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) ( ).
السنة النبوية وحي
من آيات الله في العالمين ومعجزة النبوة الكيفية المتعددة والقاهرة التي يتلقى بها الأنبياء الوحي ، وتبليغه وترسيخه في الأرض وما انفرد به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب واستحق شرف الإرتقاء والسيادة في التبشير والإنذار.
وينفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن سنته وحي ، سواء كانت السنة القولية أو الفعلية ، لذا تفضل الله تعالى وقال وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ويتوجه الخطاب في الآية أعلاه لأجيال المسلمين والمسلمات المتعاقبة ، وفيه دعوة سماوية لتوثيق السنة النبوية .
وعن علقمة (قال : قال عبدالله بن مسعود : لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحُسن( )، المغيرات لخلق الله .
فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه فقالت : إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت ، قال : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو في كتاب الله.
قالت : لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاً من هذا قال : لئن كنت قرأته لقد وجدته أما قرأت وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه والله أعلم) ( ).
لقد رزق الله عز وجل الإنسان منزلة لم ينلها أي جنس من الخلائق بما فيهم الملائكة ، وهي مرتبة الخلافة في الأرض ، قال تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ] ( ) .
ثم توالت النعم على آدم عليه السلام منها تعليم الله عز وجل له الأسماء والإحتجاج بها على الملائكة لبيان أهليته للخلافة في الأرض ، والأمر من الله للملائكة بالسجود له .
أقسام وكيفية الوحي للإنبياء
للوحي كيفيات متعددة يمكن إستقراؤها من السنة وتتبع الأخبار والنصوص منها :
الأول : أن يأتي الملك للنبي في المنام (لأن رؤيا الأنبياء وحي) ( ).
الثاني : أن ينفث الملك في روع النبي الكلام نفثاً، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم : أن روح القدس نفث في روعي( ).
الثالث : أن يأتي الملك للنبي مثل صلصلة الجرس لما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: اسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض)( ).
والصلصلة الصوت أي مثل صوت الجرس.
لبيان مقدمة الوحي وثقله وحضور الملك وإخباره بما جاء به من عند الله ليفرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلبه له، “وقيل هو صوت خفق أجنحة الملك وأنه ينزل هكذا اذا نزلت آية وعيد وتهديد( )، وهو تأويل حسن، ولكن الأمر أعم مما ذكر لتعلقه بخصوصية الوحي وإختلافه عن نواميس الأرض والتعامل بين أهلها، إنها سنخية السماء التي لا تتصل ولا تنفصل عن الموجود الأرضي إلا باحتكاك وحال لا يخفى معها عدم التجانس رغم سلامة توجهه إلى الغاية، والقصد الذي لا يمكن أن يخطئه.
والنفث شبيه بالنفخ ولكنه بحروف مميزة وهو أقل من التفل لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، والنفث نفخ لطيف بلا ريق، ويمكن القول أنه في الإصطلاح القاء المعنى في القلب بما يوقعه في البال ويكون مبيناً عند المتلقي.
الرابع : أن يسمع النبي الصوت من غير أن يرى الملك.
الخامس : يسمع الرسول الصوت ويرى الملك في صورة رجل بهي الطلعة، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فاعي ما يقول( )، وتلك الحالة يختص بها الرسول دون النبي.
السادس : رؤية الرسول للملك بهيئته الأصلية، وفي قوله تعالى [فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى] ( ) قال عبد الله بن مسعود : رأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جبريل له ستمائة جناح) ( ).
و(عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن ورقة بن نوفل قال: قلت: يا محمد كيف يأتيك الذي يأتيك؟ قال : يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ وباطن قدميه أخضر)( ).
وعبد الله ابن عباس لم يسمع عن ورقة بن نوفل ، الذي هو متقدم في زمانه على ابن عباس ، ولم يرد في الأخبار أن ورقة بن نوفل قد أسلم ، وإن شهد للنبي محمد بصدق نوبته .
وقال ورقة بن نوفل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي) ( ) أي يعاديه الذين كفروا.
إسلام طفيل الدوسي
(عن ابن إسحاق قال : كان الطفيل بن عمرو الدوسي يُحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل شريفاً شاعراً لبيباً.
فقالوا: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل بين أظهرنا، قد عضل بنا وفرّق جماعتنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبينه وبين زوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك، فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه، حتى حشوت أذني كرسفاً، فرقا أن يبلغني من قوله، وأنا أريد أن لا أسمعه.
قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي عند الكعبة .
قال: فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني قوله، فسمعت كلاماً حسناً .
قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل شاعر لبيب ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع هذا الرجل ما يقول! إن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته.
قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته، فتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لي كذا وكذا، ثم إن الله أبى إلا أن أسمع قولك، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض علي أمرك.
قال: فعرض علي الإسلام، وتلا علي القرآن، وقال: فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤٌ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية، تكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه فقال : اللهم اجعل له آية .
قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثينة تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح.
فقلت: اللهم، في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة لفراقي دينهم.
فتحولت في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخاً كبيراً، فقلت: إليك عني أبة، فلست منك ولست مني.
قال: ولم، أي بني؟
قلت: إني أسلمت.
قال: أي بني، فديني دينك، فأسلم.
ثم أتتني صاحبتي، فقلت لها مثل ذلك، فأسلمت، وقالت: أيخاف عليّ من ذي الشرى – صنم لهم ( )- فقلت: لا، أنا ضامن لذلك.
ثم دعوت دوساً فأبطئوا عن الإسلام، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقلت: يا رسول الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم.
فقال: اللهم اهد دوساً، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم.
قال: فرجعت، فلم أزل بأرض قومي دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وقضى بدراً وأحداً والخندق، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو بثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين.
ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى فتح الله، عز وجل، عليه مكة، فقلت: يا رسول الله، ابعثني إلى ذي الكفين – صنم عمرو بن حممة – حتى أحرقه.
فخرج إليه طفيل يقول وهو يحرقه، وكان من خشب : الرجز
يا ذا الكفين لست من عبادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا
ثم رجع طفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان معه بالمدينة، حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين مجاهداً أهل الردة حتى فرغوا من نجد، وسار مع المسلمين إلى اليمامة .
فقال لأصحابه : إني رأيت رؤيا فاعبروها، إني رأيت رأسي حلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فادخلتني في فرجها .
وأرى ابني عمراً يطلبني طلباً حثيثاً، ثم رأيته حبس عني .
قالوا: خيراً،
قال : أما أنا فقد أولتها، أما حلق رأسي فقطعه، وأما الطائر فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي، فأغيّب فيها .
وأما طلب ابني لي ثم حبسه عني فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني، فقتل الطفيل باليمامة شهيداً، وجرح ابنه عمرو بن الطفيل ثم عوفي، وقتل عام اليرموك) ( ).
لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أنه رأى رؤيا بأنه يدخل وأصحابه المسجد الحرام.
فأعلن التوجه إلى مكة ، وصدّهم المشركون عند الحديبية ، وتم صلح الحديبية ، وعندما رجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من صلح الحديبية قال بعض الصحابة : لقد حدثتنا بأنا سنطوف بالبيت الحرام ، فقال بلى ، ولم أخبركم انا نأتيه بعامنا هذا ، وفي السنة الثانية وهي السابعة للهجرة تمت عمرة القضاء مصداقاً لرؤيا النبي .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ الآية أعلاه :
الأول : قانون الرؤيا مدد من الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : قانون رؤيا النبي وحي .
الثالث : عمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمضمون الرؤيا مع ما فيها من الأخطار والأضرار ، لقانون امتثال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأوامر الإلهية التي تأتي بالوحي .
خصائص النبوة الخاتمة في السور المكية
ومن الإعجاز اتصاف السور والآيات المكية التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة بأمور :
الأول : قصر الآيات مما ييسر حفظها والتفكر في معانيها ودلالتها .
الثاني : تضمن السور المكية الإنذار والتخويف والوعيد للذين كفروا منها قوله تعالى الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ* يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ.
الثالث : دعوة السور المكية للتوحيد ، وبيانها لوجوب عبادة الله عز وجل ، ونبذ تقديس وعبادة الأوثان ، ومن مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( )، أن ذم السور المكية لعبادة الأوثان بشارة فتح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمكة سلماً ، قال تعالى إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ.
الرابع : تأكيد عالم الحساب والجزاء ، ومن مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
الخامس : توارث الأمم والشعوب قانون عالم الحساب والجزاء بعد الموت ، ويدل عليه الحوار الذي دار بين ابني آدم ، ومنه قول هابيل لأخيه إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ.
ثم توالي حمل الأنبياء ألوية التوحيد ، مع كثرة عددهم ، وتوزع أماكن بعثتهم بدقة ونظام من الإرادة التكوينية.
لتكون دعوة الأنبياء للتوحيد وما لاقوه من الأذى في سبيل الله ، ثم نصرهم من مصاديق أحسن القصص في قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ.
وهل نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معارك الإسلام الأولى نصر للأنبياء السابقين ، الجواب نعم ، وهو نصر للموحدين إلى يوم القيامة .
عصمة القرآن
قال تعالى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
العصمة لغة الحفظ والوقاية ، وفي مصطلح علم الكلام هي ملكة اجتناب المعاصي والخطأ والزلل .
وكما ذكرت في بحث سابق عصمة العبادات من التحريف ، وهذا شهر رمضان قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وقول النبي (صلوا كما رأيتموني أصلي) و(لتأخذوا عني مناسككم).
والإجماع على عصمة الأنبياء في تبليغ الوحي ، فلا يكذبون ولا يسهون ولا ينسون .
وفي الثناء على النبي محمد ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى وقال تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى.
واختلف في عصمة الأنبياء قبل النبوة ، وفي فعل الصغائر بعدها ، والمختار صبغة الإطلاق في عصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها ، ومن الكبائر والصغائر ، وفي الوحي والأحكام التكليفية .
وموضوعنا هنا مستحدث ليس فيه اختلاف بين عامة المسلمين ، وكذا بين العلماء منهم .
وهو عصمة القرآن من التحريف ومن الزيادة والنقصان ، وهذه العصمة بآية وفضل ولطف من عند الله عز وجل.
وقد تجلى الوعد من الله بتعاهد وحفظ وسلامة القرآن منها قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
والتحريف لغة هو الإمالة والعدول بالشئ عن موضعه ، وتحريف الكلام تغييره وتبديل معناه والقصد والغاية منه ، قال تعالى يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ بصيغة الغائب (يحرفون) لإرادة وقصد غير المسلمين.
ومنه تغيير صفة النبي التي وردت في البشارات به في الكتب السماوية السابقة .
ويتسالم المسلمون على حفظ الله عز وجل للقرآن ، وعدم طرو التحريف عليه ، وأجمع المسلمون على عدم وجود زيادة في القرآن فما بين الدفتين كله قرآن ، ولا عبرة بالقليل النادر والروايات ضعيفة السند ، والشاذة ، في وجود نقص في القرآن ، فما بين الدفتين هو الكتاب الذي أنزله الله عز وجل على النبي محمد من غير زيادة أو نقصان .
وهل من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ تلاوة كل مسلم ومسلمة سور وآيات من القرآن في الصلاة اليومية وعلى نحو الوجوب العيني ، الجواب نعم .
وقبل سبع وعشرين سنة صدر لي الجزء الخامس من (معالم الإيمان) وفيه فصل بعنوان (سلامة القرآن من التحريف) وهذا الكتاب علم مستحدث اسمه خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أرجو أن يكون باكثر من جزء ببركة دعائكم .
(ولا أصل للقول بالنقص في القرآن : لقد تعاهد المسلمون القرآن حفظاً ودراسة وعناية، ومن إعجاز القرآن أن المسلمين في كل جيل يدركون أن من واجبهم حفظ القرآن، ومع أن الإعجاز في القرآن يتعدى موضوع البلاغة، فإن بلاغته وفصاحته تثبت بالواسطة أن يد التحريف لم ولن تصل إلى القرآن مع أن اللغة العربية مملوءة بالمشترك اللفظي ، والحقيقة والمجاز ، والتصريح والكناية)( ).
وقال صاحب شرائع الإسلام (خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي خمسة عشر خصلة) وهو سهو من النساخ ، والصحيح خمس عشرة خصلة .
وتصل خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خذا الكتاب إلى أكثر من مائة خصلة وبالشواهد من الكتاب والسنة والإجماع .
معجزة الصلة بين آيات القرآن
إجماع علماء الإسلام على إعجاز القرآن ، وليس من حصر لوجوه ومصاديق الإعجاز القرآني ، ومنها علم جديد أشرق بوضوح في هذا السِفر المبارك من جهات :
الأولى : تضمن تفسير كل آية من القرآن علم الصلة بينها وبين الآيات المجاورة ، وهي على وجهين :
الأول : الصلة بين الآية محل البحث والآيات المجاورة السابقة لها ، وقد صدر بهذا الخصوص الجزء (125) بالصلة بين الآية (152) بالآية (151) من سورة آل عمران .
الثاني : الصلة بين الآية محل البحث بالآيات المجاورة التالية لها ، ، وقد صدر بهذا الخصوص الجزء (192) بالصلة بين الآية (180) بالآية (181)من سورة آل عمران.
الثانية : صدور أجزاء متعددة لصلة آية من القرآن مع آيات مجاورة لها إذ صدرت ستة أجزاء من تفسيرنا كلها في صلة الآية (110) بالآيات 64-109 من سورة آل عمران ، وهذه الأجزاء هي (76-77-78-79-80-81).
الثالثة : تفسير آية من ست كلمات وهي قوله تعالى هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، بخمسة أجزاء من التفسير هي الجزء (105-106-107-108-109).
الرابعة : الصلة بين كل آية من القرآن مع مجموع القرآن ، آية آية ، وفيه هداية للناس .
إن المسائل والقوانين من الصلة بين آيات القرآن أكثر من أن تحصى ، وفيها علوم مستحدثة في علم التفسير ، وتجليات في دلالات كلام الله.
وقد صدرت من تفسير (معالم الإيمان) أجزاء بهذا الخصوص لتكون نواة ومنهاجاً ابتدائياً للغوص في بحار وذخائر الصلة بين آيات القرآن ، وبيان ما خصّ الله عز وجل به النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من كنوز التنزيل من بين الأنبياء ، وهذه الأجزاء هي :
(76-77-78-79-80-81-125-126-129-151-192).
وجرت عادة العلماء في تفسير آيات القرآن آية آية ابتداء من سورة الفاتحة ، ولكن علم الصلة بين الآيات خزائن وذخائر سماوية لم تفتح بعد ، ومنها ما يكون وفق المنهاج الآتي :
الأول : تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم تفسير الجمع بينها وبين كل آية من آيات سورة الفاتحة ، وآيات سورة البقرة ، ثم آيات القرآن كلها .
الثاني : تفسير آية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) ثم التفسير بالجمع بينها وبين آيات سورة الفاتحة الباقية ، ثم آيات سورة البقرة آية آية وهكذا إلى آيات سورة الناس.
وكذا بالنسبة لآيات سورة الفاتحة آية آية ، وصلتها بآيات القرآن كلها مع استحضار أمهات القوانين في هذا السِفر والتي صدرت بخصوص كل واحد منها أجزاء متعددة منه مثل قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) والذي صدرته بخصوصه تسعة وعشرون جزءً .
وقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة) والذي صدر بخصوصه أحد عشر جزءً وهي الأجزاء 206-207-208-214-215-233-240-241-242-248-260.
وقانون (آيات الدفاع سلام دائم) والذي صدرت بخصوصه سبعة أجزاء وهي 142-205-217-218-231-232-257 .
و(علم الإحصاء القرآني غير متناه) والذي صدرت بخصوصه ثلاثة أجزاء وهي 245-247-258 وقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) وصدرت بخصوصه ثمانية عشر جزءً.
وتدعو منهجيتها وقوانينها لاستنباط القواعد والسنن الدلالة والبراهين من علوم الصلة بين كل آيتين من القرآن وفق الكتاب والسنة واللغة .
الثالث : أخذ الحروف المقطعة من سورة البقرة وصلتها مع الآيات الأخرى .
الرابع : تفسير قوله تعالى ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، ويفتح هذا العلم الباب للعلماء في الأجيال اللاحقة لاستقراء المسائل والعلوم والتأويل من الصلة بين آيات الفاتحة وسورة البقرة وآيات السور القرآنية الأخرى سورة سورة إلى سورة الناس.
وصلة كل آية من القرآن مع كل آية أخرى فيه إلى آخر آيتين في نظم القرآن وهما الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، إذ أن القرآن حرز من الجن وشرور وأذى الناس.
وتتجلى شهادة الصلة بين آيات القرآن على الإعجاز وتؤكد صدورها من عند الله مع إنتفاء الإضطراب والتزاحم أو التعارض بينها لفظاً ودلالة وحكماً.
قانون تثوير القرآن
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيان ونشر علوم وذخائر القرآن وجوه :
الأول : قانون استدامة سلامة القرآن من التحريف( ).
الثاني : قانون تعاهد المسلمين لعلوم القرآن ، والسعي في تثوير القرآن .
وفي الحديث (أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين وفي رواية أخرى : من أراد العلم فليثور القرآن)( ).
ومن وجوه تثوير القرآن أمور :
الأول : الإكثار من تلاوة القرآن .
الثاني : الإحتجاج بآيات القرآن .
الثالث : تدارس آيات القرآن .
الرابع : إتخاذ القرآن دليلاً ومنهاجاً .
الخامس : بيان علوم القرآن .
السادس : الغوص في خزائن القرآن ، واظهار علومه ، ومنها ما يستقرأ من الصلة بين آيات القرآن.
لينفرد القرآن من بين الكتب السماوية باستقراء العلوم ، واستنباط المسائل والأحكام والقوانين من الصلة بين آياته ، وإن تعددت السور التي تجمع الآيات منها .
ويكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده سلماً في البيان اليومي لإعجاز القرآن واتخاذ هذا البيان وسيلة مباركة ودعوة للناس لدخول الإسلام .
وفي الثناء على القرآن ، قال تعالى ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.
تسليم الحجر والشجر
من لطف الله عز وجل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرامه بالنبوة ومقدماتها اصلاح لتلقي الوحي وثقل وطأة التنزيل ، قال تعالى لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
وليس من حصر لوجوه هذا الإصلاح وتهيئة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة ودعوة الناس لها بصبر وجدّ وإجتهاد ، ومنها تكليم الجمادات له .
إذ كان الحجر يسلم عليه ، و(عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – حِينَ أَرَادَهُ اللّهُ بِكَرَامَتِهِ وَابْتَدَأَهُ بِالنّبُوّةِ كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتّى تُحْسَرَ عَنْهُ الْبُيُوتُ وَيُفْضِي إلَى شِعَابِ مَكّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا ، فَلَا يَمُرّ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – بِحَجَرِ وَلَا شَجَرٍ إلّا قَالَ السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللّهِ.
فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَوْلَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلْفَهُ فَلَا يَرَى إلّا الشّجَرَ وَالْحِجَارَةَ . فَمَكَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ اللّهِ وَهُوَ بِحِرَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَان)( ).
و(عن ابى الزبير عن جابر: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر في طريق فيتبعه احد إلا عرف انه سلكه من طيب عرفة)( ).
وهل كلام الحجر من خلق الله الحياة فيه ساعة مرور النبي عليه ، والتسليم عليه ، أم أن الحياة وقابلية النطق موجودة عند الحجر والعجماوات( ) من الأصل.
المختار هو الثاني ، ولا يصدر إلا باذن من عند الله عز وجل .
وقيل أن الحجر يحيا ويمرض ويهرم ويموت ، وأن حياة الجماد لا تختلف عن حياة الإنسان والحيوان والنبات ، ولكن لا تصل النوبة إلى هذه المساواة.
نعم الجمادات مادة تتغير وتتبدل ، وهي وفق القياس المنطقي :
الكبرى : كل مخلوق متغير .
الصغرى : الجماد مخلوق .
النتيجة : الجماد متغير .
ومنها تسليم الحجر عليه
ومنها وتسليم الحجر عليه من قبل أن يبعث ، إذ ورد (عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لأعرف حجرا بمكة ، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث ، إني لأعرفه الآن)( ).
وورد مثله عن الإمام (علي بن موسى عن أبيه عن جده عن آبائه عن النبي صلى الله عليه و آله قال : إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)( ).
(وعن جابر : لم يمر النبي صلى الله عليه وآله في طريق فيتبعه أحد إلاعرف أنه قد سلكه من طيب عرفه)( ).
وفي تكليم الحجر لبعض الرسل ورد عن عيسى عليه السلام أنه قال (رأيت حجرا مكتوبا عليه: قلبني ،فقلبته فإذا على باطنه: من لا يعمل بما يعلم مشوم عليه طلب ما لا يعلم، ومردود عليه ما علم)( ).
خصائص الدعوة النبوية في مكة
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن النسبة بين مصاديق الدعوة في مكة وفي المدينة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للالتقاء ، ومادة للافتراق بينهما .
أما مادة الإلتقاء فمن وجوه متعددة منها :
الأول : نزول آيات وسور القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في مكة أو المدينة .
الثاني : توالي المعجزات الحسية التي تجري على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : مواظبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أداء الصلاة في أوقاتها .
الرابع : اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة إلى الإسلام .
الخامس : ملكة الصبر عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس : شدة الأذى من مشركي قريش ، وعداوتهم له ، قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.
السابع : دخول الناس الإسلام ، سواء في مكة أو المدينة .
الثامن : احتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الذين كفروا.
التاسع : مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
العاشر : تعدد محاولات قريش لاغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في مكة أو المدينة .
الحادي عشر : أذى قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، وأذاهم للنبي وأصحابه في المدينة هو الأكثر إذ هجموا بجيوش عظيمة ، وسيوف مهندة( ).
أما مادة الإفتراق : فتتصف الدعوة في مكة بوجوه :
الأول : ابتداء البعثة النبوية في مكة .
الثاني : كان النبي يتحنث ، ويميل الى الإنفراد عن قومه لما هم عليه من الضلال وعبادة الأوثان ، وكلما قربت أيام البعثة إزداد ميله للخلوة ، وكان التحنث في غار حراء من عادة العُباد والزهاد .
الثالث : نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء وهو ابن أربعين سنة ، وقبلها بثلاث سنوات كان يرى الرؤيا التي تتضمن الإخبار بأنه نبي .
ويبتعد جبل حراء عن البيت الحرام (4) كم على يسار الذاهب إلى عرفات .
ملاقاة أشد الأذى
لقد ورد في بني إسرائيل قوله تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
إذ رموه بالأُدرة وهي نفخة في الخصية و(يقال رجل آدَرُ بَيْنُ الأَدَرِ غيرُه الأَدَرُ والمأْدُورُ الذي يَنْفَتِقُ صِفاقُهُ فيَقعُ قُصْبُه ولا يَنْفَتِقُ إِلاَّ من جانبه الأَيسرِ وقيل هو الذي يُصيبهُ فَتْقٌ في إِحدى الخُصْيتينِ ولا يقال امرأَةٌ أَدْراءُ إِما لأَنه لم يُسْمَعْ وإِما أَن يكون لاختلاف الخِلْقَة وقد أَدِرَ يأْدَرُ أَدَراً فهو آدَرُ والاسم الأُدْرَةُ وقيل الأدَرَةُ الخُصْيَةُ والخُصْيَةُ الأَدْراءُ العظيمةُ من غير فَتْقٍ.
وفي الحديث أَنَّ رجلاً أَتاه( ) وبه أُدْرَةٌ فقال ائْتِ بِعُسٍّ فحَسا مَجَّه فيه وقال انْتَضِحْ به فذهبت عنه الأُدْرَةُ.
ورجل آدَرُ بَيْنُ الأَدَرَةِ بفتح الهمزة والدال وهي التي تسميها الناسُ القَيْلَةَ ومنه الحديث إِن بني إِسرائيلَ كانوا يقولونَ إِن موسى آدَرُ من أَجل أَنه كان لا يغتَسل إِلاَّ وحدَه)( ).
ويسمى طبياً : الفتق الأربي .
وقيل آذوه (بالتكذيب والشتم) ( ).
مع إقرار أكثر قريش برسالته ، وفيه مواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لشدة ما لاقاه من الأذى ، لذا قال صلى الله عليه وآله وسلم (رحمة الله على موسى : لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)( ).
ويدل قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (بأكثر من هذا) على التقييد وقضية مخصوصة ، ولا يعني أن الأذى الذي لاقاه موسى أكثر من الأذى لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدليل الشواهد من الكتاب والسنة على شدة الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال (ما اوذي نبي مثل ما اوذيت)( ).
ومنه إيذاء فرعون وقومه لموسى ومنه إيذاء قارون له وهو يصبر عليه ويداريه لصلة القربى التي بينهما.
وموضوع هذا الحديث : أن النبي محمداً قام بتقسيم مال على أصحابه ، فقال رجل (إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، فغضب وقال : رحم الله أخي موسى ، لقد أوذي أكثر من هذا فصبر)( ).
وهذا الأذى الذي لاقاه موسى أعم من النفاق ، والأذى الصادر من المنافقين والمنافقات اختص بتلقيه وتحمله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وورد قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
مع التباين في الجهاد بين الطائفتين ، فلم يقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحداً من المنافقين كما نهى عن قتلهم ، أما الكفار فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يسع إلى قتلهم أيضاً ولكنهم حشدوا الجيوش وشهروا الأسلحة لقتله وأصحابه فاضطر للدفاع .
لقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المشقة والأذى في جذب قومه من قريش وحلفائهم إلى الإيمان .
الأذى الشديد عند قراءة القرآن
لقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأذى الشديد عند قراءته القرآن في المسجد الحرام وانحاء مكة ، وتلاوة القرآن حاجة عامة للناس لقوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
وقد تفضل الله عز وجل بنزول السور المكية قليلة الكلمات والآيات وتتضمن الإنذار والوعيد لتيسير حفظ الناس لها والتدبر في معانيها ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..، أم أن القدر المتيقن من الآية أعلاه هو التخفيف في أحكام الصوم ، الجواب هو الأول .
واجتهد الصحابة في تلاوة وتدارس آيات القرآن ، وكانوا قبل الهجرة من مكة يخرجون خارج البلدة لتدارس القرآن وعلمت قريش بهم فآذوهم ، قال تعالى [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ] ( )( ) .
وقال (قال أبوعبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرءون القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة. وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا)( ).
لقد كان كفار قريش ينهى بعضهم بعضاَ عن سماع القرآن سواء السماع من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو من الصحابة أو من عامة الناس الذين يبهرهم إعجاز القرآن ، وتتعلق نفوسهم بآياته وما لها من الدلالات ، قال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
وتناجى الصحابة فيما بينهم لإسماع كفار قريش القرآن كاعلان عن سنخية الإيمان والتصديق بالقرآن بجوار البيت الحرام .
وقالوا : من يُسمع قريشاً القرآن يجهر به .
وعن عروة عن أبيه (فقال ابن مسعود : أنا.
فقالوا : إنّا نخشى عليك منهم ، وإنّما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه .
فقال : دعوني فإنّ الله سيمنعني ، ثم قام عند المقام فقال : بسم الله الرَّحْمن الرحيم الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ، رافعاً بها صوته ، وقريش في أنديتها فتأمّلوا وقالوا : ما يقول ابن أُم عبد ، ثم قاموا إليه فجعلوا يضربونه وهو يقرأ حتى يبلغ منها ما شاء ، ثم انصرف إلى أصحابه ، وقد أثّروا في وجهه ، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شدة الأذى الذي لاقاه وأصحابه في تلاوة القرآن وبجوار البيت الحرام لتمر الأيام والسنين سريعاً فيهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدخل مكة بعد الهجرة بثماني سنين فاتحاً لها ، مزيحاً للأصنام المنصوبة في البيت الحرام ، وليتلوا الملايين من المسلمين القرآن في البيت الحرام من غير خوف أو خشية من أحد ، قال تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.
انشقاق القمر
لقد جمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعجزة العقلية والمعجزة الحسية من جهات :
الأولى : إنفراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء بالمعجزة العقلية وهو آيات القرآن ، إذ تخاطب آيات القرآن الأجيال المتعاقبة والناس وتدعو لإستنباط الدروس والمواعظ منها.
الثانية : جريان المعجزات الحسية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : ذكر معجزات الأنبياء في القرآن بما يجعلها حاضرة بالوجود الذهني والدراسات من غير أن يطرأ عليها نقص أو تحريف أو غلو .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انشقاق القمر لدعائه بعد أن سأله كفار قريش أن يريهم آية تدل على صدق نبوته .
و(عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت قريش : هذا سحر ابن أبي كبشة .
فقالوا : انتظروا ما يأتيكم به السفار( ) فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم ، فجاء السفار فسألوهم فقالوا : نعم قد رأيناه فأنزل الله اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ))( ).
وقد وثّق القرآن هذه المعجزة ودلالتها على اقتراب قيام الساعة ، قال تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
وفي هذه الآية مسائل :
الأولى : اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة انشقاق القمر .
الثانية : رؤية المسلمين والكفار آية الإنشقاق .
الثالثة : إعراض الكفار عن آية انشقاق القمر ، فنزل القرآن بذمهم وتبكيتهم ، قال تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
الرابعة : القمر خلق مما خلق الله وهو مستجيب لأمر الله عز وجل .
الخامسة : معجزة إنشقاق القمر من مصاديق تسخير القمر للناس ، ودعوتهم للتصديق بالأنبياء والإيمان ، قال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
و(عن ابن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنى فانشق القمر حتى صار فرقتين ، فتوارت فرقة خلف الجبل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اشهدوا)( ).
السادسة : قانون انشقاق القمر دعوة للناس على اختلاف مشاربهم للإيمان ، والتباين في مداركهم لدخول الإسلام .
السابعة : زجر الناس عن إعانة كفار قريش في إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامنة : يجمع قوله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ المعجزة الحسية والعقلية ، فالحسية هي حدوث إنشقاق القمر بمرآى ومسمع من أهل مكة ، والعقلية خلود هذه المعجزة في القرآن بالآية أعلاه ، ونقل الصحابة الأوائل وقائع هذه المعجزة .
التاسعة : إتخاذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزة انشقاق القمر حجة على الذين كفروا ، ودعوة لهم للإيمان بقوله عند حدوث الإنشقاق (اشهدوا) وفي حديث عبد الله بن عمر (اللهم اشهد) ( ).
العاشرة : جاءت آية انشقاق القمر بعد سؤال أهل مكة للنبي محمد بآية تدل على صدق نبوته .
و(عن ابن عباس قال : انتهى أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : هل من آية نعرف بها أنك رسول الله .
فهبط جبريل ، فقال : يا محمد قل : يا أهل مكة إن تختلفوا هذه الليلة فسترون آية فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبريل ، فخرجوا ليلة أربع عشرة ، فانشق القمر نصفين نصفاً على الصفا ونصفاً على المروة.
فنظروا ثم مالوا بأبصارهم فمسحوها ثم أعادوا النظر فنظروا ، ثم مسحوا أعينهم ، ثم نظروا ، فقالوا : يا محمد ما هذا إلا سحر ذاهب ، فأنزل الله اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ))( ).
ويدل وصفهم لمعجزة انشقاق القمر بأنه (سحر ذاهب) على فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالمعجزة العقلية الدائمة وهي القرآن.
الإعجاز الغيري في آية الوأد
يدل قوله تعالى فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ )( ) على تفضل الله باكرام المسلمين رجالاً ونساءً ، والبشارة بالثواب العظيم على عمل الصالحات وتؤسس لقانون التفاؤل ووجوب العناية بالبنت وحسن تربيتها .
لقد ذكرت الآية عدم تضييع عمل النساء في طاعة الله بقوله تعالى أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
وهل ينتفع الوالدان من عمل البنت المؤمنة ، الجواب نعم ، وكذا ينتفع منه زوجها وأولادها .
ومن آيات إكرام القرآن للبنت من حين ولادتها قوله تعالى في ولادة مريم وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، وما فيه من إظهار المائز والفضل للمشبه به وهو الأنثى .
وقال (قتادة وغيره : وبدأَتْ بذكْرِ الأَهَمِّ في نفْسها ، وإِلاَّ فسياق قصَّتها يقتضي أنْ تقول : وليس الأنثى كالذَّكَر)( ).
ولكن جاءت الآية أعلاه بصيغة التشبيه بأداة التشبيه الكاف بين المشبه وهو الذكر والمشبه به وهي الأنثى لبيان علو شأنها كما يقال : البستان جميل كالجنة.
وفي الآية إخبار بأن الله عز وجل يرزق هذه الأنثى كرامة وعزاً وتلد عيسى عليه السلام ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرامه والأجيال المتعاقبة من أمته لمريم عليها السلام ومنع الإفتراء عليها ، ومن غير غلو بشخصها أو شخص الرسول عيسى عليه السلام .
فورد الإصطفاء في الآية من جهتين مطلقاً ومقيداً على نساء أهل زمانها ، لبيان قانون نهي آيات إكرام المرأة عن إيذائها .
القضاء على الوأد
من الإعجاز الغيري في آية وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، مسائل :
الأولى : التوثيق السماوي لحالات الوأد وذبح البنات عند العرب في الجاهلية .
والموؤودة هي الأنثى المولودة حديثاً تدفن حية خشية سبي الأعداء لها ، أو خشية الفقر والفاقة (وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته)( ).
ونزل القرآن بالوعد الكريم برزق الأولاد مع الآباء ، قال تعالى وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا.
والشواهد اليومية على تنجز وعد الله عز وجل بالرزق الكريم للآباء والأبناء ظاهرة في كل زمان .
الثانية : ذم القرآن للوأد .
الثالثة : بعث الذين وأدوا بناتهم قبل الإسلام للإستغفار والكفارة وإظهار الندم .
الرابعة : بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لمحاربة الوأد في الأرض .
الخامسة : بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنفع العظيم للبنت صغيرة كانت أو كبيرة وهي وسيلة المصاهرة وإنجاب الأسباط.
و(عن عمر بن الخطاب في قوله وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ قال : جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية .
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعتق عن كل واحدة رقبة ، قال إني صاحب إبل . قال : فأهد عن كل واحدة بَدنَة)( ).
ووفد قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع وفد تميم في السنة التاسعة للهجرة وأعلنوا إسلامهم .
وكان سبب وأد قيس لبناته أنه سبيت له بنت من قبل أعداء لهم ، ولما تم الصلح وعاد السبي أبت ابنته العودة وبقيت مع زوجها ، فحلف قيس أن يوأد كل بنت تولد له ، وهذه اليمين باطلة ونَسختها وحرمتها آية الوأد.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استئصال أسباب الوأد إذ انقطع بنبوته الغزو بين القبائل فصار الناس ينامون ليلهم بأمان ، ولا تخشى المرأة السبي عند غيابت الصبح ، وليكون من معاني قوله تعالى وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، أي أنه تنفس بالأمن والأمل والإيمان ليصاحب إشراقته على النفوس إشراقة الشمس ببركة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
و(عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعمتان مكفورتان الامن والعافية)( ).
ومعنى مكفورتان أي مستورتان لا يحس بهما الناس لمصاحبتهما اليومية لهما .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحقق نعمة الأمن في الجزيرة وإلى يوم القيامة ، وهو باب لتقيد الناس بأداء الوظائف العبادية.
وأضرار الغزو بين القبائل لا تنحصر بوأد البنات ومنها أضرار في الدنيا وأضرار آخروية ، وقد ذكر القرآن سوء عاقبة الذي يئد ابنته بقوله تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
وفيه دعوة للناس للإقرار باليوم الآخر فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإجتهاد في الإنذار من أهوال البرزخ والحساب يوم القيامة.
وعن أبي خديجة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : إني قد ولدت بنتا وربيتها حتى إذا بلغت فألبستها و حليتها ثم جئت بها إلى قَليب فدفعتها في جوفه ، وكان آخر ما سمعت منها وهي تقول يا أبتاه.
فما كفارة ذلك ، قال : ألك أم حية ، قال: لا، قال: فلك خالة حية؟ قال: نعم، قال : فابررها فإنها بمنزلة الأم يكفر عنك ما صنعت، قال أبوخديجة: فقلت لابي عبدالله عليه السلام: متى كان هذا .
فقال : كان في الجاهلية وكانوا يقتلون البنات مخافة أن يسبين فيلدن في قوم آخرين)( ).
مسائل نبوية في انقطاع الوأد
لقد كان انقطاع الوأد من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته المباركة ، وفيه مسائل :
الأولى : قانون قبح الوأد واتصال مضامين هذا القانون إلى يوم القيامة ببركة القرآن .
الثانية : جذب قلوب النساء إلى الإيمان ، وبعث النفرة في نفوسهن من الكفر ورجالاته وفيه انشاء قواعد لتربية الناشئة تربية إيمانية.
الثالثة : قانون ملاحقة آية الوأد للذين كفروا في أسفارهم وتقلبهم في البلاد كما في قوله تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، فمن خصائص الفطرة الإنسانية الكره لمن يقوم بقتل المولودة خشية الإملاق والفقر .
الرابعة : نزول القرآن سبب لإنقطاع الوأد وامتناع أسبابه وهي الغزو بين القبائل ، وخشية سبي البنات ، وخشية الفقر .
الخامسة : قانون مصاحبة الرزق الكريم للإيمان إذ توالت النعم على المسلمين وأهل الجزيرة ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
و[ لَوْ] حرف إمتناع لإمتناع لبيان تحقق مصداق الإيمان والتقوى بأهل المدينة ومكة وعامة المسلمين ببركة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وكيف أن الله عز وجل فتح عليهم بركات من السماء والأرض ، ولبيان قانون إذا كذّب قوم بالرسالة فان الله عز وجل يأتي بقوم يؤمنون بها ، فتتوالى عليهم الخيرات .
ويبين تنزيه الأرض من وأد البنات في آية واحدة من القرآن خصائص مباركة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم ينلها نبي آخر قبله ، ولا يصل إليها مصلح أو نظام أو دستور .
لبيان قانون القرآن دستور سماوي ثابت اختص الله تعالى به النبي محمداً وأمته .
وتتجلى فيه منافع قوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
بأن الذي يأتي به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيه خير الدنيا والآخرة وأنه لا ينهى إلا عن القبيح ومنه قتل البنت المولودة .
ومع أن الوأد حرام بذاته فمن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جاء بقانون ازالة أسباب الوأد والغزو بين القبائل كما أنه بشًّر وأخبر عن الوعد من الله عز وجل بأنه يرزق الناس وأولادهم جميعاً ، هذا القانون الذي تتجلى مصاديقه في كل زمان ، قال تعالى في خطاب إلى أجيال الناس جميعاً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا.
أقسام معجزات النبي محمد (ص)
لابد من بيان قانون وهو كل خصلة يختص بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء هي نعمة عظمى ، لا يقدر عليها غير الله تعالى ، وهي لطف وفضل من الله على النبي محمد وأصحابه وأهل بيته وأجيال المسلمين لذا فان إحصاء خصائص النبي محمد وتوثيقها والتدبر في معانيها ودلالاتها ومنافعها في الدنيا والآخرة علم مستقل ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
وأذكر هنا علماً مستحدثاً وهو شطر معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قسمين :
القسم الأول : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذاتية التي تجري على يديه منها :
الأولى : قانون إختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلقي نزول القرآن ، وانحصار هذا التلقي به وحده من بين الأولين والآخرين نعمة عظمى .
الثانية : الإسراء والمعراج ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، ليتجلى الإسراء بأول الآية أعلاه ، والمعراج إلى السماء بقوله تعالى [لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ] وللأحاديث النبوية التي تبين عروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السماء .
كما تشمل عجائب ذات الإسراء إذ تقطع المسافة بين المسجدين مسيرة شهر ، بينما قطعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدقائق معدودة ، وهي معجزة حسية وثقها وخلّدها القرآن بالآية أعلاه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيته الأنبياء في الإسراء (حتى وصفهم واحداً واحداً)( ) لبيان الصلة بين أهل الدنيا وعالم البرزخ .
الثالثة : حضور الوحي عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء وفي كل حين ، ومنه حين العزم على فعل أو الإجابة على سؤال ، فصحيح أن قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ] ورد خمس عشرة مرة في القرآن ، كلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لكن أسئلة الناس له أضعاف هذا العدد ومنها ما تم توثيقه في السنة النبوية ، ويتجلى قانون كل إجابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي من الوحي .
القسم الثاني : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية التي تقع في غيره بما يدل على أنها من إفاضات رسالته ، ومنه إيمان المسلمين وتلقيهم الأوامر الإلهية بالقبول والعمل .
أسباب إيذاء قريش للنبي (ص)
الأول : إعلان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثته نبياً من عند الله .
الثاني : شدة تعلق رجالات قريش بتقديس وعبادة الأصنام .
الثالث : إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة في المسجد الحرام ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أداء الصلاة بين ظهراني الكفار ،وفيه دعوة لنبذ ثلاثمائة وستين صنماً منصوبة في البيت الحرام .
الرابع : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم زائري المسجد الحرام إلى الإسلام .
الخامس : إجهار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة القرآن في مكة ، وتضمن الآيات المكية ذم عبادة الأوثان ، والوعيد على الكفر والجحود.
السادس : إيمان الصحابة الأوائل برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأداؤهم الصلاة ، وشوقهم وسعيهم للإستماع لآيات القرآن ، وحفظهم لها .
(عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهرانى حرتين، فإما أن تكون هجر أو تكون يثرب) ( ).
وقد كانت قريش تؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، كما في اعتدائهم بالضرب على أبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود .
وعن (عبد الله بن مسعود قال اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه.
فقال عبد الله بن مسعود أنا قالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه فقال دعوني فإن الله سيمنعني فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قال (بسم الله الرحمن الرحيم – رافعا بها صوته الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ.
ثم استقبلها يقرأ فيها قال وتأملوا وجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد ثم قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد.
فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه.
فقالوا هذا الذي خشينا عليك قال ما كان أعداء الله أهون على منهم اليوم لئن شئتم لاغادينهم غدا بمثلها قالوا لا حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون) ( ).
لقد كانت تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للقرآن سبباً لدخول طائفة من الناس الإسلام ، وانبهار أساطين اللغة ، وأقرارهم بنزوله من عند الله ، ودخول أكابر من القوم الإسلام لسماعهم آيات من القرآن .
هجرة الحبشة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته الغيرية التي تجلت عند غيره من أهل البيت والصحابة وعامة الناس بما يدل على أنه معجزة للنبي ، خارج قانون العلة والمعلول ، والسبب والمُسبب .
وكل من المعجزات الذاتية والغيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من اللطف الإلهي لتقريب الناس إلى منازل الهداية والإيمان .
ومن المعجزات الغيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هجرة رهط من الصحابة رجالاً ونساءً إلى الحبشة مع بعد المسافة بين مكة والحبشة وقطع البراري والفلوات( ).
فلما اشتد أذى كفار قريش على النبي وأهل بيته وأصحابه أشار على طائفة منهم بالهجرة إلى الحبشة وقال لهم (لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا)( ).
والمراد من ملك الحبشة هو النجاشي واسمه أصحمة ، لأن النجاشي اسم الملك كقول : قيصر لملك الروم ، وكسرى لملك فارس .
قال المجلسي (فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا، وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمان بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة ، وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير .
وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة ، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن بيضاء، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار)( ).
ليكتب الله عز وجل لهم سلامة في أنفسهم ودينهم في الحبشة .
حال النبي محمد (ص ) عند الإيحاء له
إذا انعم الله عز وجل على الناس بنعمة فلابد أنها تكون معروفة عندهم في الجملة ، ومنها نعمة الوحي والتنزيل ، إذ تظهر الأمارات للناس التي تدل على أن النبي يتلقى الوحي .
وقد يأتي الوحي لخاصة النبي لتعضيده ونصرته ، قال تعالى [فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] ( ) وهذا الوحي ليس وحي نبوة إنما هو تحديث وقذف في قلوبهم.
والوحي هبة الله عز وجل ورسالته إلى أنبيائه، ولكن ماذا يرى منه الناس، وما يستبين لهم منه بالعرض وحسب الظاهر، فيه وجوه محتملة :
الأول : كل من كان حاضراً عند النبي يسمع الوحي.
الثاني : بعض الحاضرين يفوز بهذا الشرف على نحو القضية في الواقعة.
الثالث : لا يسمع الوحي الا الذي له قدم وسبق في التقوى والصلاح دون غيره.
الرابع : من يأذن له النبي بالسماع يستطيع السمع.
الخامس : لا يسمع أحد الوحي إلا النبي.
السادس : لو كان إلى جانب النبي الموحى إليه نبي آخر فهل يشترك بسماع الوحي بالجامع التشريفي الاعتباري بينهما أم لا، الأقوى لا إلا أن يكون الوحي مشتركاً.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه ليس من نبي في زمانه غيره.
السابع : قد يسمع الوحي بعض الناس للحجة الخاصة بهم او العامة.
الثامن : يرى المؤمنون والناس الآثار الخارجية الدالة على الوحي على نحو الإعجاز.
التاسع : وجود اختلاف نوعي في الوحي عند الأنبياء، فربما كان مما يوحى إلى الأنبياء قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمع من قبل بعض الناس او الحاضرين منهم كآية حسية.
والمتيقن هو الوجه الخامس أعلاه، لإختصاص النبي بالوحي , وفي طوله رؤية الآثار الخارجية الدالة على الوحي، ولا يمنع من وجود آيات أخرى عرضية، ولكن الوحي سر السماء الملقى إلى الأنبياء على نحو الخصوص والحصر.
نعم قد تقع بعض الحوادث النادرة بأن يسمع بعض أهل البيت أو الصحابة بعض الكلمات اثناء الوحي للنبي بفضل من الله ، ولتثبيت الإيمان في القلوب.
سِرّية الإجتماع
لقد عقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتماعاته مع وفد الأنصار بعيداً عن أعين كفار قريش مع شدة مراقبتهم ورصدهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحذيرهم الوفود في موسم الحج منه ومن دعوته .
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً وجعله سيد المرسلين ، وأنزل عليه القرآن اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.
لقد جعل الله عز وجل الوحي مصاحباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من خصائصه والفرائد الملكوتية التي انفرد بها ومع هذا فانه كان يلتقي بأصحابه سراً ، وعندما يفاتح بنبوته القادم إلى مكة للزيارة والعمرة أو الحج ، ويدعوه للإسلام يسأله كتمان الأمر ، وعدم إطلاع قريش فيأتيه الأذى المقترن بالإستهزاء منهم ، مع أن الأرض وما عليها ملك لله عز وجل ، ملك تصرف ومشيئة ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
ليكون من معاني الحياة في الآية أعلاه الهداية والإيمان ، وحياة القلوب ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هداية أكثر الناس للتصديق برسالته ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
و(وسئل الحسن بن علي بن محمد عليه السلام عن الموت ما هو ؟ فقال: هو التصديق بما لا يكون. حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الصادق عليه السلام قال : إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا، فإن الميت هو الكافر، إن الله عزوجل يقول [يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ] ( ) يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن)( ).
و(عن ابن عباس [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ] ( ) قال : كان كافراً ضالاً فهديناه [وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا] هو القرآن [كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ] الكفر والظلالة)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : تكرر لقاء النبي محمد مع وفد الأوس والخزرج أربع مرات ، في كل سنة مرة .
الثاني : يتجلى الإعجاز والخصوصية بعقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الإجتماعات الإيمانية مع شدة مراقبة وبطش كفار قريش ، وكانوا يجعلون رجالاً مختصين لمتابعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدّ الناس عن الإتصال به .
الثالث : الإزدياد في عدد الرجال والنساء في عضوية وفد الأنصار في كل مرة .
إلا أنهم اشترطوا وصوله إلى المدينة ليذبوا عنه .
وعن عبادة بن الصامت (إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنة)( ).
لقد التقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأهل يثرب من الأوس والخزرج في سني الدعوة المكية ، ويلتقي بهم أفراداً وجماعات ومن هذه اللقاءات :
الأول : لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسويد بن الصامت أخي بني عمرو بن عوف الأوسي ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام ، فلم يبعد ولم يجب ، ثم انصرف إلى المدينة ، فقتل في بعض حروبهم .
لتمر الأيام ويهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، وتقع معركة بدر ثم معركة أحد ، فقام ابنه الحارث بن سويد بقتل المجذر بن زياد الذي قتل أباه في بعض حروب الجاهلية إذ استغل الحارث الإرباك الذي حصل يوم أحد فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمر بن الخطاب بقتل الحارث إن ظفر به ففاته فكان بمكة ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة.
وعن ابن عباس فانزل الله فيه (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم) إلى آخر القصة) عن الواقدي ( ).
الثاني : قدوم وفد من أهل يثرب يطلبون الحلف من قريش ، فالتقاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليدعوهم إلى خير الدنيا والآخرة ، ويتلو عليهم آيات القرآن لينسوا الغاية التي جاءوا لها ، وكأنه من قانون تقديم الأهم على المهم طوعاً وانطباقاً وقهراً ، وقانون إزاحة الخير للشر في النوايا والمقاصد وعالم الفعل.
الثالث : قدوم مائة من بني عبد الأشهل إلى مكة برئاسة أبي الحيسر أنيس بن رافع يلبون الحلف من قريش (فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام .
فقال إياس بن معاذ منهم وكان شاباً حدثاً: يا قوم، هذا والله خير مما جئنا له. فضربه أبو الحيسر وانتهره، فسكت.
ثم لم يتم لهم الحلف، فانصرفوا إلى بلادهم بالمدينة، ومات إياس بن معاذ، فقيل إنه مات مسلماً)( ).
ولا تعني هذه اللقاءات بوقوع لقاء واحد فقط في كل سنة ، فقد يتداخل في سنة واحدة أكثر من لقاء في موسم الحج في البيت الحرام أو في منى ، أو عرفة ، أو في غير موسم الحج عند البيت الحرام .
الرابع : لقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند العقبة في موسم الحج بستة نفر من الخزرج ، وقد ورد ذكر أسمائهم في الجزء السادس والستين بعد المائتين من كتابنا (لم يغز النبي (ص) أحداً) وهم :
الأول : (أبو أمامة أسعد بن زرارة ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، واسم النجار: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة.
الثاني : عوف بن الحارث بن رفاعة (بن الحارث) بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابن عفراء.
الثالث : رافع بن مالك بن العجلام بن عمرو بن عامر بن زريف بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم ابن الخزرج.
الرابع : قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد (بن عليّ بن أسد بن) ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة.
الخامس : عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة.
السادس : جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة.
اقتران الدعوة بشدة الأذى
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده بدأب في الدعوة إلى الله مع ما يلقاه من شدة أذى الذين كفروا من وجوه :
الأول : شدة الأذى في جسد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن عبد الله بن مسعود (قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه.
فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبي معيط: أنا ، فأخذه فألقاه على ظهره ، فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم عليك بهذا الملا من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبى جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة ابن أبي معيط، اللهم عليك بأبي بن خلف – أو أمية بن خلف – شعبة الشاك (وهو أحد رواة هذا الخبر).
قال عبد الله : فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى، أو أمية بن خلف، فإنه كان رجلا ضخما فتقطع)( ).
وكان سجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الكعبة .
الثاني : حصار قريش لبني هاشم ثلاث سنوات من شهر محرم من السنة السابعة للهجرة ، وكان حصاراً اقتصادياً واجتماعياً ، ولقد بذل أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوسع في منعه ونصرته والذب عنه وقام وبنو هاشم دونه ، وهو يواصل أداء الصلاة في المسجد الحرام وتلاوة الآيات ومنها التي تعيب على قريش عبادتهم الأوثان .
الثالث : إيذاء رؤساء قريش للصحابة الأوائل ، وتحريض آبائهم وأمهاتهم على سجنهم واكراههم على ترك الإسلام ، واللقاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : إصابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأوائل بالجوع والإفتقار حتى ربط على بطنه الحجر .
و(عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد وأخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال)( ).
لقد دخلت آيات القرآن بيوت مكة وسار بها الركبان ، ومن خصائص القرآن قانون الوحدة العامة لآيات القرآن، وقانون القرآن سور جامع على الخير والصلاح.
لقد كانت هذه اللقاءات تتم بحذر وحيطة من عيون قريش ورصد رؤسائها المباشر لما يقوم به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة مع إتصال إيذائهم له في ذات الوقت الذي يعرضون عليه الأموال والثروة وكثرة الزوجات ، والرئاسة العامة على قريش وحلفائها لقاء ترك الدعوة إلى الله.
ولكنه أبى إلا الجهاد السلمي في الدعوة إلى الله ، وترك الدعة والرخاء والجاه والسلطان ، وهو من مختصاته صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على صدق نبوته .
كما كان الذين يلتقون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويسمعون آيات القرآن يتعرضون لتوبيخ وتهديد قريش خاصة وأن التحذير صدر من قريش للذين يدخلون مكة بلزوم عدم الإنصات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
أسباب خشية الأنصار أيام العقبة
لقد كان المسلمون من الأوس والخزرج يتحدثون وهم في المدينة وفي الطريق إلى مكة لماذا يبقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين الكفار مع احتمال قتلهم له ، وكيف السبيل إلى انقاذه من الطرد والخوف في جبال مكة .
وعندما وصل وفد الأوس والخزرج إلى مكة سعوا إلى لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا يخشون من جهات :
الأولى : المشركون الذين قدموا معهم من المدينة إلى يثرب .
الثانية : رؤساء قريش وسطوتهم وقسوتهم .
الثالثة : تآلف المشركين عليهم في الموسم .
فصار الأنصار ينشدون سراً وبحذر رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرسلوا إليه واتفقوا على الإجتماع في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند الهضبة قرب الجمرة الأولى من منى في ظلمة الليل وبسرية تامة .
وعندما حان الموعد صاروا ينسلون الواحد والاثنين من أماكنهم بهدوء وخفية متوجهين إلى العقبة .
فمن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقد هذا الإجتماع السري الذي غيرّ مجرى التأريخ نحو الأحسن إلى يوم القيامة .
ولم يعلموا أنهم سيدخلون مكة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاتحين بعد تسع سنين لتهدم الأصنام ، ويستأصل الشرك ومفاهيم الضلالة ، والفواحش ، وكان مصعب قد قدم مع وفد من الأنصار ، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن دخول كثير من أهل يثرب الإسلام ، وعمر مُصعب يوم بيعة العقبة الثانية نحو ست وثلاثين سنة .
ومما رواه جابر بن عبد الله عن بيعة العقبة الثانية (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم مجنة وعكاظ وفي المواسم بمنى يقول (من يؤويني ، ومن ينصرني ، حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة).
الإسراء والمعراج
قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
تبين هذه الآية أموراً :
الأول : نسبة الإسراء إلى الله عز وجل ، فلا يستطيع الإنسان في الأرض ببدنه وان كان نبياً رسولاً الصعود في السماء إلا بفضل ومدد من عند الله عز وجل .
وقد اختص الله عز وجل النبي محمداً بهذه النعمة والمعجزة الخارقة ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
لتكون هذه النعمة متاحة للناس بسلطان العلم والتحصيل وركوب الطائرات والمركبات الفضائية ، وحتى هذه المركبات لم تبلغ ما بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معراجه في السماوات العلى.
لذا ابتدأت الآية بكلمة التنزيه لمقام الربوبية ، وقد ورد قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي] أربع مرات في القرآن تبين عظيم قدرة الله .
والثلاثة الأخرى غير آية الإسراء هي :
الأولى : قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ.
الثانية : قوله تعالى فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
الثالثة : قوله تعالى لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ.
ومن معاني الجمع بين هذه الآيات وآية الإسراء بيان حقيقة أن الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية عظمى ونعمة تفضل الله عز وجل عليه وعلى الأجيال المتعاقبة من المسلمين ، إذ تتعدد خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في آية الإسراء ، وهل منها نزول آية الإسراء ، الجواب نعم .
ومنها وقوع الإسراء والمعراج في مكة بين المشركين وفي السنوات الأولى للبعثة النبوية مع شدة إيذائهم وتكذيبهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحيث خشيت أم هانئ بنت أبي طالب أن يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشركين بآية الإسراء .
وهل رزق بعض الأنبياء السابقين الإسراء والمعراج مجتمعين ، الجواب لا.
نعم رزق الله عز وجل إبراهيم الصعود في السماء الدنيا ، قال تعالى وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.
وإذ خصت الآية أعلاه نعمة الصعود في السماء لإبراهيم ليكون من الموقنين .
فقد ترشح نعمة الإسراء بالنبي محمد تصديق الصحابة وأجيال المسلمين بها ، وما فيها من إكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي من مختصاته لتكون موعظة للأجيال ، وسبباً في الهداية وزيادة الإيمان ، ودعوة للعلماء للسياحة في عالم السموات .
وأخرج ابن مردويه عن الإمام علي عليه السلام (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك.
ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا فهلك ، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه.
فأوحى الله إليه : أن يا إبراهيم أنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي ، فإنهم مني على ثلاث : إما أن يتوب فأتوب عليه ، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح ، وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن إبراهيم لم يرق ويصعد إلى السموات العلى التي عرج إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصحبة جبرئيل .
لقاء النبي محمد (ص) بآدم في المعراج
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا في حديث الإسراء ، تعرض عليه أرواح الناس الذين يموتون فيستقبل المؤمنين بالإكرام والأمر بجعلها في عليين ، قال تعالى [إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ] ( ) ويستقبل المشركين بالذم مع نقل أرواحهم إلى سجين ، قال تعالى إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ.
وهل [عِلِّيِّينَ]و[سِجِّينٍ] من بدائع خلق السموات والأرض، الجواب نعم وهما مما يتفكر به المؤمنون ليجتهدوا في عمل الصالحات والفوز بصيرورتهم إلى عليين ، ويحرصوا على الإمتناع عن فعل السيئات للنجاة من سجين .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إن المؤمن إذا حضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر ريحان ، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين .
ويقال : أيتها النفس الطيبة أخرجي راضية مرضيّاً عنك إلى روح الله وكرامته ، فاذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وذهب به إلى عليين.
وإن الكافر إذا حضر أتته الملائكة بمسح فيه جمر فتنزع روحه انتزاعاً شديداً ، ويقال : أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى هوان الله وعذابه ، فاذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة ، فإن لها نشيشاً ويطوى عليها المسح ويذهب به إلى سجين) ( ).
لقد رآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آدم بهيئة البشر ، وأدرك أنه ليس من صنف الملائكة ، فسأل جبرئيل عنه ، فأخبره بأنه آدم أبو البشر ، ومع كثرة الآباء بين آدم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان جبرئيل قال له هذا أبوك آدم ، لبيان أن الجد وإن ارتفع فهو بمنزلة الأب ، وفي التنزيل أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
لقد ابتدأ آدم النبي محمداً السلام وهو نوع إكرام ، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته لم يتغير منه شيء وإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول : روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفار الفجار فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين .
فقلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا أبوك آدم فسلم علي ورحب بي فقال : مرحبا بالابن الصالح)( ).
وفيه بشارة للمسلمين عند الموت بحسن استقبال آدم لهم .
وفيه تشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهد على تفضيله على الأنبياء ، ويلاحظ قلة كلام آدم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإنشغاله باستقبال الأرواح ولسنخية الحديث في عالم البرزخ ، وهناك مسألتان :
الأولى : هل كان آدم ينتظر معراج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : هل عمل آدم في السماء مما يتفكر به المؤمنون .
أما المسألة الأولى فالجواب نعم ، وهو ظاهر اللقاء وحسن الترحيب ، وقد كان آدم في حياته يبشر ببعثته ورسالته .
وأما المسألة الثانية فالجواب نعم ، فذات خلق آدم وذريته من مصاديق إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )( ).
قانون الإسراء تفضيل
من صفات الله تعالى (السبوح، القدوس) وهو المنزه عن كل نقص وسوء، والقدوس المبارك، وقيل ليس في كلام العرب بناء على فعول بضم أوله غير هذين الاسمين الجليلين.
وسبحات وجه الله : أنواره ، و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : هل ترى ربك؟ قال : إن بيني وبينه لسبعين حجاباً من نار أو نور ، لو رأيت أدناها لاحترقت)( ).
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الإسراء (ثمّ قال لي جبرئيل : إنطلق يا محمّد إلى الجنة حتّى أُريك مالكَ فيها فتزداد بذلك في الدنيا زهادة إلى زهادتك وفي الآخرة رغبة إلى رغبتك فسرنا نهوي منفضين أسرع من السهم والريح حتّى وصلنا بإذن الله إلى الجنة فهدأت نفسي (وثاب) إليَّ فؤادي وأنشأت أسأل جبرئيل عما كنت رأيت (في الجنة) من البحور والنار والنور وغيرها.
فقال : سبحان الله تلك سرادقات عرش رب العزة التي أحاطت بعرشه فهي سترة الخلائق من نور الحجب ونور العرش لولا ذلك لأحرق نور العرش ونور الحجب من تحت العرش من خلق الله ومالم تره أكثر وأعجب.
قلت : سبحان الله ما أكثر عجائب خلقه.
قلت : يا جبرئيل ومن الملائكة الذين رأيتهم في تلك البحور الصفوف بعد الصفوف كأنهم بنيان مرصوص قال : يا رسول الله هم الروحانيون الذين يقول الله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ ومنهم الروح الأعظم .
ثمّ بعد ذلك قلت : ياجبرئيل فمن الصف الواحد الذين في البحر الأعلى فوق الصفوف كلها قد أحاطوا بالعرش .
قال : هم الكروبيون أشراف الملائكة وعظمائهم ولايجتري أحد من الملائكة أن ينظر إلى ملك من الكروبيين وهم أعظم شأنا من أن أصف صفتهم لك وكفى مارأيت منهم.
ثمّ طاف بي جبرئيل في الجنة بإذن الله فما نزل منها مكاناً إلاّ رأيته وأخبرني عنه فرأيت القصور من الدر والياقوت والاستبرق والزبرجد ورأيت الأشجار من الذهب الأحمر قضبانهم اللؤلؤ وعروقهن الفضة راسخة في المسك فلأنا أعرف بكل قصر وبيت وغرفة وخيمة ونهر وثمر في الجنة مني بما في مسجدي هذا.
قال : ورأيت نهراً يخرج من أصله ماء أشد بياضاً من اللبن واحلى من العسل على رضراض دُرّ وياقوت ومسك أذفر. فقال جبرئيل : هذا الكوثر الذي أعطاك الله عزّ وجلّ وهو التسنيم يخرج من دورهم وقصورهم وبيوتهم وغرفهم يمزجون بها أشربتهم من اللبن والعسل والخمر فذلك قوله وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ )( ))( ).
ويبين هذا الحديث موضوعية وأثر حديث الإسراء في سلم الأفضلية والإكرام لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد ورد لفظ [سُبْحَانَ] في القرآن احدى وخمسين مرة، وهي مدرسة في تقديس وتعظيم الله عز وجل ودفع الوهم والضلالة عن النفوس, ودعوة للجوء إلى التوحيد والتقديس المطلق لمقام الربوبية لذا فان ورود لفظ [سُبْحَانَ] في بداية آية الإسراء وسورته له دلالات تستحق الدراسة والإستنباط بلحاظ موضوع الإسراء والنبوة مطلقاً.
وقصا المكان قصواً من باب قصى: أصبح بعيداً، والشاة القاصية أي المنفردة، يقال قصي المكان يقصو قصواً: بعد، والقاصي: البعيد، والقصوى مؤنث الأقصى وهو الأبعد.
والبركة: النماء والحسن والإفاضة والزيادة.
أسرى: يقال سريت سرى وأسريت: إذا سرت ليلاً، قال لبيد :
فبات وأسرى القوم آخر ليلهم … وما كان وقافا بغير معصر
وفي التنزيل وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ أي ان الليل يمضى وينقضي، كأنه يسير في ذاته وهو من الإعجاز البلاغي بإطلاق صفة الحال على المحل، والإسراء خاص بالليل، والسير يختص بالنهار او يشمله والليل.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ارتقاؤه في السماوات العلى بجسده وروحه وفيه تشريف وإكرام له وللمسلمين ، وبيان أن فضل الله عز وجل بخلق وإقامة آدم عليه السلام في الجنة برهة من الزمن تكررت في رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثلما تكررت ولادة عيسى عليه السلام من غير أب ، كما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام من غير أب .
والعبد : هو الإنسان مطلقاً حراً او رقاً، ذكراً او أنثى، كبيراً أو صغيراً، ويرد العبد بمعنى المملوك ويعرف بالقرينة والإنسان عبد الله لأنه مربوب ومخلوق لله، ويقال للمسلمين: عباد الله، والعابد هو الموحد، وقال إبن منظور: عَبَدَ الله يعبده عبادة ومعبدة (تأله له)( ).
والمعنى أعم وان (عبده) في قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ أي خضع له وذل له وأطاعه، والبركة: النفع والنماء والزيادة.
ومن معاني تسمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية (عبده) تأكيد بأن معجزة الإسراء والمعراج آية من آيات الله ، ونعمة عظمى ، وليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون منع الغلو بشخصه الكريم ، لذا وردت آية الإسراء بصفة العبودية بقوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا.
وفيه دعوة للمؤمنين للإجتهاد بالدعاء لنيل الرغائب وقضاء الحاجات , بآية ولطف من عند الله ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ , والفخر بمنزلة العبودية لله .
من فرائد الإسراء
مما اختص به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء والرسل في قوله تعالى لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا وجوه :
الأول: إرادة تعدد وكثرة الآيات الكونية .
الثاني: حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند بيت المقدس هذه البقعة المباركة.
الثالث : من خصائص خاتم النبيين وطأ الأرض المباركة ودخول بيت المقدس , والذي تحيط به أشجار الزيتون والكروم والبساتين ، والمزارع ، وهو من مصاديق قوله تعالى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ.
الرابع : العروج بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء.
الخامس: منها أن أراه الله الأنبياء وصلى بهم ، ثم تحدث مع عدد منهم.
السادس: العجائب والعبر والبينات التي أخبر الناس بها.
لنريه من آياتنا: لبيان أن الإسلام دين يخاطب العقول وينفذ إلى أعماق النفس الإنسانية بالدليل الروحي الحي، والبرهان المنطقي ليعرض على العقول نظام الخلق وآياته، وبعضاً مما صنع الجبار .
لتكون آية الإسراء نقطة تحول وإرتقاء للفت الأنظار نحو السماء وآياتها وبشارة متقدمة في زمانها لنتائج البحوث العلمية المستفيضة منذ القرن الماضي وثورة السياحة الفضائية في هذه السنين والتي أسفرت عن كشف بعض الأسرار المادية للكون .
ولتثبيت قلوب المسلمين فلا يغزوها إرتياب مع تقدم وإتساع تلك الإكتشافات، وقد قال الله تعالى يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ.
وقد سئل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام عليه السلام : لأي علة عرج الله بنبيه إلى السماء ومنها الى سدرة المنتهى ومنها إلى حجب النور وناجاه هناك والله لا يوصف بمكان.
فقال : إن الله لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكن الله عز وجل أراد أن يشرف به ملائكته، وسكان سماواته، ويكرمهم بمشاهدته ويريه من عجائب عظمته وما يخبر به بعد هبوطه وليس ذلك على ما يقوله “المشبهون” سبحان الله وتعالى عما يصفون)( ).
على فترة من الرسل
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالوحي إلى النبي محمد بعد فترة وانقطاع من الرسل والتنزيل نحو ستمائة سنة بين عيسى عليه السلام وبينه ، قال تعالى عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.
يقال فتر الشئ فتوراً إذ اسكنت حدته ، وصار أقل .
ولم يرد لفظ (فترة) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان فيمن خلا من اخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي ، ثم كان عيسى بن مريم ، ثم كنت أنا بعده)( ).
وقيل بعث الله بعد عيسى عليه السلام نبياً من العرب اسمه خالد بن سنان (قال سماك بن حرب : سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ذاك نبي أضاعه قومه ، وإن ابنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مرحباً بابن أخي)( ).
ولم يثبت هذا القول وسماك بن حرب تابعي ، و(عن ابن المبارك سماك ضعيف في الحديث)( )، ومنهم من وثقه .
وقد ذكر عكرمة عن ابن عباس خبر خالد بن سنان كصاحب كرامة في قومه ولم يذكر أنه نبي .
وعدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، وقد يبعث الله عدداً من الأنبياء في زمان واحد أو رسول ونبي معاً ، بينما جاءت بعثة النبي محمد بعد مئات السنين من بعثة عيسى عليه السلام ونسيان أكثر الناس للشرائع ، وتركوا العمل بأحكامها وشاعت عبادة الأوثان.
لبيان المنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله والمدد العظيم الذي تفضل الله به عليه بنصرة الملائكة وصالح المؤمنين له ، قال تعالى فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ.
لتدل الآية على فوز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصائص من بين الأنبياء والرسل ، بأن الله عز وجل هو مولاه وحافظه وناصره ، واختصاص الولاية بالله عز وجل ، وأن جبرئيل والمؤمنين والملائكة ظهير وعضد له ، وصالح المؤمنين من المهاجرين والأنصار عون له في التصديق برسالته ، والدعوة إلى الله فذات التصديق بالرسالة عون .
لبيان سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ووقايته من الضرر والمكر وإرادة المشركين اغتياله ، وذكرت وجوه في معنى (صالح المؤمنين).
منها ما ورد (عن أسماء بنت عميس قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : وصالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب)( ).
وصحيح أن موضوع الآية هو أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن المدار على عموم الآية وهي غضة طرية إلى يوم القيامة .
قانون توثيق السنة
لقد تضمنت السنة النبوية توثيق الحوادث والوقائع التي رافقت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول :السنة القولية , وهي ما قاله وما نطق به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص المعركة سواء قبل أو أثناء أو بعد المعركة ومنها مشاورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ، قال تعالى وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
وهل الرؤيا التي يراها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص المعركة من الوحي , الجواب إنها من الوحي والذي يتجلى بالموضوع والمصداق والدلالة.
فمثلا في معركة احد وحينما نزل جيش المشركين بجوار جبل أحد والذي يبعد عن المدينة نحو خمسة كيلو متر (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رأيت بقراً تنحر ، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها)( ).
لبيان قانون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رؤياه مدد وعون للمسلمين , وسبيل هداية لهم في ساعة الضيق ولمنع الإرباك والاختلاف والتنازع الاجتهادي في إختيار كيفية الفعل في التصدي للذين كفروا في عدوانهم .
الثاني : السنة الفعلية الخاصة بالمعارك , ومنها ما نزل بها قرآن مثل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
وقد تجتمع السنة القولية والفعلية في موضوع متحد .
فحينما وقع أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي الشاعر في الأسر عند المسلمين , وكان محتاجاً وذا بنات .
قال (يَا رَسُولَ اللّهِ لَقَدْ عَرَفْتَ مَا لِي مِنْ مَالٍ ، وَإِنّي لَذُو حَاجَةٍ وَذُو عِيَالٍ فَامْنُنْ عَلَيّ فَمَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَلّا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ أَحَدًا فَقَالَ أَبُو عَزّةَ فِي ذَلِكَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ فِي قَوْمِهِ
مَنْ مُبَلّغٌ عَنّي الرّسُولَ مُحَمّدًا … بِأَنّك حَقّ وَالْمَلِيكُ حَمِيدُ
وَأَنْتَ امْرُؤٌ تَدْعُو فِي الْحَقّ وَالْهُدَى … عَلَيْك مِنْ اللّهِ الْعَظِيمِ شَهِيدُ
وَأَنْتَ امْرُؤُ بُوّئْتَ فِينَا مَبَاءَةً … لَهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعُودُ
فَإِنّك مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ … شَقِيّ وَمَنْ سَالَمَتْهُ لَسَعِيدُ
وَلَكِنْ إذَا ذُكّرْتُ بَدْرًا وَأَهْلَهُ … تَأَوّبَ مَا بِي : حَسْرَةٌ وَقُعُود) ( ) .
وأخذ عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم موثقاً على أن لا يظاهر عليه وقد دعا المسلمون عندما وقع في الأسر إلى الإسلام فقال : لا , حتى أضرب في الخزرجية يوماً إلى الليل) ولكن أغراه المشركون تخرج معهم في معركة أحد فقتل .
الثالث : السنة التقريرية وهي ما فُعل في حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسكت عنه ولم يمنعه , لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يسكت على الباطل , ومنه بخصوص معركة بدر حينما خرج فتية من الأنصار لمبارزة عتبة بن ربيعة وأخيه شيبة , وابنه الوليد بن عتبة , والذين سألوا المبارزة , فلم يمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء الفتية حينما خرجوا للمبارزة وهم :
الأول : عوف بن الحارث .
الثاني : معوذ بن الحارث , ونسبتهما إلى أمهما عفراء بنت عبيد من بني النجار( ).
الثالث : عبد الله بن رواحة .
ولكن المشركين وبعد أن تعرفوا عليهم وأنهم من الأنصار أبوا مبارزتهم و(قَالُوا : مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ ثُمّ نَادَى مُنَادِيهِمْ يَا مُحَمّدُ أَخْرِجْ إلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ وَقُمْ يَا عَلِيّ فَلَمّا قَامُوا دَنَوْا مِنْهُمْ قَالُوا : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالَ عُبَيْدَةُ عُبَيْدَةُ وَقَالَ حَمْزَةُ حَمْزَةُ وَقَالَ عَلِيّ : عَلِيّ ، قَالُوا : نَعَمْ أَكْفَاءٌ كِرَامٌ)( ) .
لتتعقب السنة القولية السنة التقريرية , وتتضمن السنة القولية في المعركة الأمر والنهي وهما شعبتان من الوحي , ومن أسباب النصر ومصاديق قوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.
ترى لماذا أصر المشركون على قتال المهاجرين من قريش على نحو الحصر ، الجواب لأنهم إذا قتلوا واحداً منهم يشيع خبر قتله في مكة ، ويشمت الكفار ، ولمنع المسلمين الذين في مكة عن الهجرة .
فتدخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخرج للمبارزة أقرب الناس إليه من أهل بيته وهو من خصائصه لبيان صدق نبوته وليعود علي وحمزة سالمين ، ويجرح عبيدة ليموت في موضع اسمه الصفراء في طريق العودة إلى المدينة ، قال تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
خصائص تفسير النبي (ص) للقرآن
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أول من فسر القرآن ، بعد تفسير القرآن الذاتي ، وفيه مسائل :
الأولى : موضوعية علم التفسير في تكامل الشريعة الإسلامية .
الثانية : حاجة الأمة والأجيال المتعاقبة إلى تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن .
ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وفي الثناء على القرآن ، قال تعالى يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
الثالثة : التأسيس السليم والصحيح لمناهج علم التفسير ، وهو مانع من التأويل الخاطئ والتحريف في الآيات وعلم التفسير .
الرابعة : ترغيب العلماء بتفسير القرآن .
الخامسة : بعث تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن المسلمين على العمل بأحكام الآية القرآنية التي فسرها النبي وآيات القرآن الأخرى ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المتجددة إلى يوم القيامة ، لبيان أن علم التفسير مطلوب لذاته ولغاياته الحميدة.
السادسة : التفسير النبوي وسيلة لجني المسلمين الحسنات بالعمل بأحكام وسنن القرآن واجتناب المعصية.
عن محمد بن شجاع البلخي قال (كنت أقرأ بقراءة الكسائي {مالك يَوْمِ الدين}( )، بالألف ، فقال لي بعض أهل اللغة : الملك أبلغ في الوصف ، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ {مالك يَوْمِ الدين} ، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي : لم حذفت الألف من مالك.
أما بلغك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : اقْرَؤُوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً ، فلم أترك القراءة ب : ملك حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي : لم حذفت الألف من مالك.
أما بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة.
فلما أصبحت أتيت قطرباً وكان إماماً في اللغة فقلت له : ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال : بينهما فرق كثير . فأما ملك فهو ملك من الملوك ، وأما مالك فهو مالك الملوك . فرجعت إلى قراءة الكسائي)( ).
السابعة : من أسرار حفظ المسلمين لكلمات آيات القرآن ونظمه تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن فكان أهل البيت والصحابة يتلقون الآية وتفسيرها والبيان النبوي لها .
الثامنة : تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن معجزة وشاهد على أمور :
الأول : صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل ، قال تعالى وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
الثاني : صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : عدم قيام النبي محمد باضافة أو حذف كلمة من التنزيل.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على دعوة كتبة الوحي حال نزول الآية أو الآيات لكتابتها كما يقوم بقراءتها في الصلاة اليومية ، فمن لم يكن حاضراً ساعة نزول الآية يسمعها في الصلاة ، وفي حال خشوع وخضوع لله عز وجل .
و(عن عثمان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ، ما لم يأت كبيرة ، وذلك الدهر كله)( ).
ليقوم الصحابة بتلاوة الآيات ونقلها إلى غيرهم ، مع التوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال عن المجمل منها أو الأحكام والمغيبات فيها.
لبيان معجزة أخرى بقانون تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للآيات حال نزولها دعوة لحفظها وكتابتها ، ومنع السهو أو الخطأ فيها.
التاسعة : نقل الصحابة آيات القرآن وتفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولي والعملي إلى إخوانهم والتابعين وإلى غير المسلمين من أهل الكتاب والمشركين ، وفيه دعوة للإسلام ، وحض على اجتناب قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفرق صحابته في الأمصار ، وقيامهم بتبليغ آيات القرآن والتفسير النبوي لها.
لبيان قانون وهو في تلاوة وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن سلام وأمن ، وغنى عن الغزو والقتال.
وهل هو وسيلة دفاعية ضد المشركين في هجومهم على النبي وأصحابه في معركة بدر وأحد ، والخندق ، وحنين.
الجواب نعم ، لما في هذه التلاوة والتفسير من البيان والبرهان والحكمة ، قال تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
صدور الشهادة العامة
قال تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
ليمتاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصلة زائدة على الأنبياء وهي الشهادة على الناس .
و(أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال : لما نزلت يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وقد كان أمر علياً ومعاذ أن يسيرا إلى اليمن ، فقال : انطلقا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا ، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا ، فإنه قد أنزل عليَّ [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا] قال : شاهداً على أمتك ، ومبشراً بالجنة ، ونذيراً من النار ، وداعياً إلى شهادة لا إله إلا الله [بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا])( ).
و(عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال : أجل والله انه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن[يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا])( ).
ويدل قوله تعالى [شَاهِدًا] على أصالة الإطلاق والعموم في شهادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الناس وهي نوع سيادة وتنزيه وعصمة.
قانون تلاوة النبي (ص) القرآن في البيت الحرام
لقد اختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء بأن معجزته عقلية وهو القرآن إلى جانب معجزاته الحسية الكثيرة .
ومن خصائص آيات القرآن أمور :
الأول : قانون تعدد وجوه الإعجاز في الآية القرآنية .
الثاني : قانون تجدد إعجاز الآية القرآنية في كل زمان .
الثالث : قهر رجال البلاغة والشعر مع بلوغ العرب أيام نزول القرآن وذروة الفصاحة والبلاغة .
الرابع : سهولة حفظ آيات القرآن ، خاصة الآيات المكية ومنها ما تكون حروفاً مقطعة في أول السورة أو من كلمة واحدة وتكررها في الآية اللاحقة على نحو السؤال ثم الإجابة والإخبار بصيغة الوعيد كما في قوله تعالى الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ *وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ.
وقوله تعالى الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ.
ولم تكن تلاوة القرآن في البيت الحرام أو في مكة عامة بالأمر السهل إذ كانت محفوفة بالأذى مع السخرية والإستهزاء من قبل رؤساء الشرك ، فكانوا يصفقون ويصفرون اثناء تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن كيلا يسمعه زائروا البيت الحرام ، وهو من أسباب نزول الحروف المقطعة أوائل عدد من سور القرآن .
وليس من الأنبياء السابقين من كان يقوم بتلاوة آيات القرآن بين ظهراني المشركين وفي البيت الحرام .
ولم تنزل آيات القرآن إلا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ترى لماذا يسعى المشركون في منع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتلاوة آيات القرآن في البيت الحرام ، الجواب من وجوه :
الأول : قانون تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن شاهد على نبوته .
الثاني : تضمن آيات القرآن ذم عبادة الأصنام وسوء عاقبة الذين عبدوها ويعيدونها .
الثالث : كانت نفوس المشركين تنفر من كلمة التوحيد ووجوب العمل وفق مضامينها.
فلما شاعت أخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصيرورة اتباع له وتناقل الناس آيات القرآن التي تدل على الوعيد للذين كفروا وسوء عاقبتهم ، اشتد غيظ رؤساء قريش فمشى جماعة منهم إلى أبي طالب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخلوا عليه وابتدأوا كلامهم بالثناء عليه إذ قالوا (أنت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا، وقد رأيت هذا الذي فعل هؤلاء السفهاء مع ابن أخيك من تركهم آلهتنا وطعنهم علينا وتسفيههم أحلامنا)( ).
ثم أشاروا بالتلميح إلى النية بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يكف عن الطعن بالهتهم وعبادتها ، وما فيه من الذم لآبائهم .
وسألوا أبا طالب احضار النبي للحديث معه من أجل التوصل إلى حل يكون فيه انصاف وترضيه له .
فأرسل أبو طالب في طلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولما حضر قال له أبو طالب (يا ابن أخي هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا ينصفونك، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قولوا أسمع، قالوا: تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك)( ).
فطلب منهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا كلمة وقال (إن أنتم تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: إن هذه لكلمة مربحة، نعم وأبيك لنقولنها وعشر أمثالها، قال: قولوا لا إله إلا الله، فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، ويقال: المتكلم بهذا عقبة بن أبي معيط، وقالوا: لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن يغتال محمد)( ).
لبيان أن عزم قريش على قتل النبي لم يبدأ عند نهار ليلة هجرته إل المدينة .
ولم يقف بنو هاشم صامتين أزاء هذا التهديد الصريح وافتقد أبو طالب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فقام بجمع بني هاشم وبني المطلب وعزموا على التوجه إلى البيت الحرام وكل واحد منهم يحمل حديدة صارمة ويجلس كل واحد بقرب واحد من رؤساء قريش ومنهم أبو جهل.
ورأى أبو طالب زيد بن حارثة والذي كان يسمى زيد بن محمد ، فقال له (يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبداً حتى أراه، فخرج زيد سريعاً حتى أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في بيت عند الصفا ومعه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر.
فجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي أين كنت؟ أكنت في خير؟ قال: نعم، قال: أدخل بيتك، فدخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم)( ).
فهدأت النائرة ، ولأن تهديد قريش بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لازال قائماً سار أبو طالب ومعه فتيان بني هاشم وبني المطلب ووقفوا على أندية قريش فانذرهم أبو طالب ، وبيّن لهم أنه عزم على الإنتقام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاطل رؤساء قريش لو كانوا أصابره بشر وقال لهم (يا معشر قريش: هل تدرون ما هممت به.
قالوا : لا، فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: أكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحداً حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدهم انكساراً أبو جهل)( ).
وهل هذه الحادثة من أسباب فرض قريش الحصار على بني هاشم ثلاث سنوات ، المختار نعم .
قانون تعاهد النبي (ص) الصلاة مع التهديد بقتله
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : عزم قوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قتله لتلاوته القرآن .
الثاني : عدم توقف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة وقراءة القرآن في المسجد الحرام قبل الهجرة حتى مع الأذى الشديد ، والتهديد بقتله .
الثالث : دفاع عشيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنه ، مؤمنهم وكافرهم .
الرابع : هل كان أكثر الهاشمين والمطلبيين يومئذ مسلمين أم كفاراً على دين قومهم ، المختار هو الثاني ، ليكون اجتماعهم في الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، واستباق تهديد قريش بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتهديد بقتل رؤساء قريش ولو أدى لفناء الفريقين من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
باستثناء عمه أبي لهب ، الذي نزل القرآن بذمه ، قال تعالى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ازدياد إيمان الصحابة الأوائل بسبب صبره وإتصال جهاده في كل الأحوال .
عشر خصائص في حديث واحد
في حديث الإسراء وبعدما اثنى الأنبياء على الله عز وجل لما رزقهم من النعم ، قال النبي مخاطباً الأنبياء وشاكراً لله عز وجل (كلكم أثنى على ربه وإني مثن على ربي .
فقال : الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين ، وكافة للناس بشيراً ونذيراً ، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان لكل شيء ، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس ، وجعل أمتي أمة وسطاً ، وجعل أمتي هم الأولون والآخرون ، وشرح لي صدري ، ووضع عني وزري ، ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحاً وخاتماً)( ).
ويبين هذا الحديث خصائص وخصالاً متعددة انفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بها وهذه الخصائص هي :
الأولى : رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين من الجن والإنس .
الثانية : الرسول محمد رسول من الله عز وجل رسول للناس جميعاً بشيراً بالجنة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ، ونذيراً للمشركين بالخلود في الجحيم .
الثالثة : تفضل الله عز وجل بنزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعله تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
الرابعة : نيل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسمى المراتب ، وتتجلى علة نيل هذه المرتبة بقوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
الخامسة : أمة الإسلام هي الأمة الوسط العدل الممتنعة عن الغلو والتفريط ، و(عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلغت؟ فيقول : نعم . فيدعو قومه فيقال لهم : هل بلغكم؟ فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد .
فيقال لنوح : من يشهد لك؟ فيقول : محمد وأمته ، فذلك قوله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال : والوسط العدل ، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم)( ).
السادسة : تدخل أمة محمد الجنة أولاً مع أنها آخر الأمم في الحياة الدنيا.
وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة قال : يا رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون فاجعلها أمتي ، قال تلك أمة أحمد)( ).
السابعة : تفضل الله عز وجل بجعل صدر النبي رحيباً واسعاً مملوءً باليقين ، سمحاً خالياً من الحقد والحسد والكدورة ، قال تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وقال تعالى فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ.
الثامنة : التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمدد بالملائكة وصالح المؤمنين ، وإنصات الناس لدعوته وتوالي دخول الناس في الإسلام ، قال تعالى وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ.
و(عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سألت ربي مسألة ووددت أني لم أكن سألته ، فقلت : قد كانت قبلي الأنبياء منهم من سخرت له الريح ، ومنهم من كان يحيي الموتى.
فقال تعالى : يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت : بلى يا رب)( ).
التاسعة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكره في الأذان خمس مرات في اليوم مع ذكر الله عز وجل من حين الهجرة إلى المدينة وإلى يوم القيامة .
لتكون المصاديق اليومية لقوله تعالى وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ، شواهد ودلائل على صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل ، و(عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل فقال : إن ربك يقول : تدري كيف رفعت ذكرك ، قلت : الله أعلم ، قال : إذا ذكرت ذكرت معي)( ).
العاشرة : لقد فتح الله عز وجل باب الهدى للناس برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجلت مظاهر الدعوة إلى الله والعمل الصالح والبشارة بالجنة لأهل الإيمان ، ونبذ ختم الله الأنبياء لبيان استضاءة طريق الهدى للناس للعمل بأحكام الشريعة .
وفي حديث الإسراء وما تفضل الله عز وجل به على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنه (وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي ، وجعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم ، وجعلتك أول النبيين خلقاً ، وآخرهم بعثاً ، وأولهم يقضى له.
وأعطيتك سبعاً من المثاني لم أعطها نبياً قبلك ، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، لم أعطها نبياً قبلك.
وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم : الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلتك فاتحاً وخاتماً .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : فضلني ربي وأرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً ، وألقى في قلب عدوي الرعب من مسيرة شهر ، وأحل لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً)( ).
ومن الإعجاز أن المسلمين الأن من مختلف الأمم والشعوب والأجناس ينتشرون في المشرق والمغرب ، ولا تمر دقيقة من الليل أو النهار إلا وهناك من يصلي احدى الفرائض اليومية الخمسة وفي أول وقتها ، هذا يصلي الصبح وهذا الظهر وذاك العشاء بحسب التباين في الوقت بين بقاع وقارات الأرض.
وتطلع الأمم وأهل الملل على آيات القرآن وما فيها من البشارة بالجنة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ، والإنذار والوعيد للكافرين بالعذاب الأخروي وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته ، ومن الأسرار في قوله تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
قانون إزاحة الأصنام إلى الأبد
من خصائص الأنبياء محاربة تقديس وعبادة الأصنام ، وهي من أهم وظائفهم في البعثة الرسالية ، ولقد تحملوا وأصحابهم وأتباعهم بسببها الأذى الكثير من غير أن ينقرض ويزول ظلم الكفار لأنفسهم بهذه العبادة ، فما أن تضعف عبادة الأوثان في بعثة أحد الأنبياء في بلد ما إلا وتنمو في بلاد أخرى وتزدهر صناعتها ، ويختص رجال بتجارتها.
ليكون استئصال عبادة الأوثان في الأرض برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحتى الذي يقدس الأوثان في أماكن من الأرض صار مفضوحاً ، يفكر مع نفسه كيف يقدس أحجاراً وتماثيل ، قال تعالى وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.
ومن مصاديق قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ما ورد بخصوص محاربة إبراهيم عليه السلام لعبادة الأصنام إذ جاء لقومه وبيّن لهم قبحها ، فلم ينصتوا له ، فقام بتكسيرها فما كان منهم إلا أن جمعوا له الحطب وشدوا وثاقه وجعلوه وسط الحطب ثم اشعلوا النار لولا أن أنجاه الله ، قال تعالى ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ.
ولم يكتف إبراهيم بتهشيم الأصنام بل استمر في الإحتجاج عليهم مما زاد في غيظهم وحنقهم بدل أن ينصاعوا إلى الحق .
كما ورد في التنزيل قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ.
فتفضل الله عز وجل بمعجزة حسية بالأمر إلى النار بالإمتناع عن حرق إبراهيم قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، لبيان استجابة الجمادات لأمر الله عز وجل وبما فيه نفع البشر.
مما يدل على بقاء عبادة الأوثان أيام نمرود ، وانتقل إبراهيم عليه السلام بزوجه هاجر وابنه إسماعيل إلى الحرم المكي وقال رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
ليرفع قواعد البيت الحرام التي كان آدم عليه السلام قد بناها بأمر وعون من جبرئيل وقام إبراهيم بدعوة الناس لحج البيت الحرام بأمر من الله عز وجل بقوله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
وهل يختص هذا الأمر بالحج لتكون العمرة من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم يشمل الأمر الإلهي إلى إبراهيم بالعمرة وزيارة البيت الحرام .
المختار هو الثاني ، فكما أن حج البيت الحرام مشرع قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذا العمرة ، قال تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.
وبعد أيام إبراهيم وإسماعيل دبّت عبادة الأصنام في مكة وأقدس بقعة ونصبت الأصنام في البيت الحرام ، لبيان حاجة الناس إلى رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لاستئصال عبادة الأوثان في الأرض .
إذ جاهد لإزاحة حب الأصنام من النفوس وجعل الناس ينفرون منها ، وهو أمر لم يتم لولا فضل الله بنزول القرآن ، وصيرورة المسلمين والمسلمات يتلون آياته خمس مرات في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني على كل واحد منهم ، وإذ ألقي إبراهيم في النار عندما كسر الأصنام.
وأعاد قومه نصبها بحلة جديدة ، فان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كسّر الأصنام التي في البيت الحرام بأمان من عند الله لتزول ومن غير عودة لها إلى يوم القيامة ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووجوه تفضيله .
رسالة النبي (ص) للناس جميعاً
من الأنبياء من بعث لنفسه أو أسرته أو قومه ، وفي يونس عليه السلام قال تعالى وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ.
و(عن أُبيّ بن كعب قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال : يزيدون عشرين ألفاً)( ).
وفي بعث الله للأنبياء تكرر قوله تعالى [إِلَى قَوْمِهِ] بخصوص أنبياء منه قوله تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ.
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ.
كما بعث الله عز وجل الأنبياء إلى الملوك والطواغيت ، إذ بعث الله عز وجل إبراهيم إلى نمرود ، وموسى إلى فرعون ، كجزء من رسالة كل منهما ، وبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى رؤساء قريش وملوك الأرض أيام نزول القرآن ، وفي كل زمان ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
وهل ينتفع غير المسلمين من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، خاصة مع تقارب بلدان المسلمين مع الأمصار الأخرى ، وحسن المعاشرة بين المسلمين وأهل الكتاب ، ونزول القرآن بالرفق والتراحم بين الناس ، ومنه في المقام ابتداء كل سورة من القرآن بقول [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ].
وجاء زمان العولمة لتتضح معالم وأحكام الإسلام للناس ، وقد صدرت لي إلى الآن والحمد لله تسعة وعشرون جزءً بقانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) وهي (164-165-166-168-169-170-171-172-174-176-177-178-180-181-182-183-187-193-194-196-204-212-216-221-229-239-256-261-266).
كما صدر لي ثمان عشر جزءً بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) وهي : 184-185-188-195-198-199-203-210-211-219-235-236-238-243-244-246-252-263).
ويبعث قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ المسلمين إلى اللطف والإحسان إلى الناس جميعاً مع اختلاف مشاربهم ومذاهبهم.
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس جميعاً وبصفة الرسالة بقوله تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.
توثيق محاربة الأنبياء للأصنام
تبين آيات القرآن جهاد الأنبياء في ذم عبادة الأصنام والزجر عنها وأكثر الأنبياء ذكراً في القرآن بخصوص تقبيح عبادة الأصنام والزجر عنها هو إبراهيم عليه السلام ، لذا أكرمه الله عز وجل بالنجاة من النار التي أعدوها لحرقه بها ، منها قوله تعالى إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ.
وتضمن القرآن التصريح بأن قوم إبراهيم كانوا يعبدون الأصنام وليس التقرب بها إلى الله زلفى فقط ، وفي التنزيل وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، وقوله إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا.
كما أعلن للملأ أنه سيكيد بأصنامهم ، من غير خوف أو خشية منهم وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ.
والنسبة بين الكيد بالأصنام وتكسيرها عموم وخصوص مطلق ، فهو لم يقل بأنه سيكسرها ويحطمها خشية بطشهم به قبل تنجز الفعل ، وهذا من إعجاز دقة الألفاظ في القرآن ، فانتظر إبراهيم عليه السلام خروج قومه لعيد لهم خارج البلد ، فقالوا له : ألا تخرج معنا .
فاعتل بأنه مريض ، فذهب إلى أهله وجاء بطعام فقربه إلى آلهتهم ، فقال : ألا تأكلون ، كما ورد في التنزيل فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ.
ترى ما هي منافع توثيق القرآن لجهاد الأنبياء في محاربة الأصنام وعبادتها ، الجواب من وجوه :
الأول : قانون التضاد بين علة خلق الناس وعبادة الأوثان ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
الثاني : دعوة الأنبياء للتوحيد ، وهي من أهم وظائفهم .
الثالث : مجئ الوحي بالتوحيد ، وبعث الأنبياء للجهاد في جعل كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
وهذا الجهاد من الكلي المشكك الذي هو على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
الرابع : قانون الملازمة بين بعثة الأنبياء وصلاح الناس ، ولا يتم هذا الصلاح إلا بالتوحيد ، وترك عبادة الأوثان والتقرب إليها .
الخامس : عندما خلق الله عز وجل العقل سأله وأمتحنه .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خلق الله العقل فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال: ما خلقت خلقا أحب إلى منك)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب محاربة الأصنام استئصالها وبيان حرية عبادتها والتزلف والتقرب بها إلى يوم القيامة .
قانون بعث النفرة من الأصنام
لقد دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة في عمرة القضاء في السنة السابعة للهجرة ولم يتعرض هو وأصحابه للأصنام التي في البيت الحرام ، أما في فتح مكة فقد توجه في اليوم الأول إلى البيت الحرام وأدى مراسم الزيارة ، وقام بكسر جميع الأصنام التي في البيت الحرام .
و(عن عبد الله بن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نُصُبٍ، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور:
الأول : بعث النفرة في النفوس من عبادة الأصنام ، وهو من أسرار نزول القرآن في مدة ثلاث وعشرين سنة .
الثاني : تضمنت السور التي أنزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة ذم عبادة الأوثان ، واتخاذها وسائط للتقرب إلى الله عز وجل ، منها قوله تعالى قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ.
الثالث : كانت الأمم والطوائف إذا مات نبي أو عبد صالح نصبوا له تمثالاً يتقربون ويستشفعون به إلى الله ، ثم صاروا يسألونه حاجاتهم ، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة التوحيد ، والإنقطاع إلى الله عز وجل ، وفي التنزيل يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
وعن الإمام علي عليه السلام (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب)( ).
والمراد من الصورة في الحديث أعلاه التمثال ، قال تعالى وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وانقطعت برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبادة الأصنام في الجزيرة والبلاد الإسلامية وصار الناس يدركون في كل زمان وإلى يومنا هذا قبح عبادة الأصنام والتوسل بالأحجار والتضرع إليها .
و(قال سلمان : دخل رجل الجنة في ذباب ، ودخل رجل النار في ذباب.
قالوا : وما الذباب؟ فرأى ذباباً على ثوب إنسان فقال : هذا الذباب .
قالوا : وكيف ذلك؟ قال : مر رجلان مسلمان على قوم يعكفون على صنم لهم ، لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً .
فقالوا لهما : قربا لصنمنا قرباناً . قالا : لا نشرك بالله شيئاً . قالوا : قربا ما شئتما ولو ذباباً . فقال أحدهما لصاحبه : ما ترى قال أحدهما : لا أشرك بالله شيئاً . فقتل فدخل الجنة . فقال الآخر : بيده على وجهه ، فأخذ ذباباً فألقاه على الصنم ، فخلوا سبيله ، فدخل النار)( ).
صفات النبي (ص)
ليس من صورة متوارثة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم تكن العرب تميل إلى رسم صور الأشخاص وإن كانت هذه الصناعة موجودة في أمم أخرى ، نعم وردت الأخبارالمستفيضة في بيان صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن الزهري عن أنس قال لم يكن أحدٌ أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي وأخرج البخاري في الحسين نحو هذا أيضاً من حديث محمد بن سيرين قال : أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين (عليه السلام) فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئاً ، فقال أنس كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان مخضوباً بالوسمة)( ).
وتعددت الأخبار في صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان التابعون وتابعو التابعين تواقين لمعرفة صفاته عليه السلام.
وقد انتقل الإمام علي عليه السلام إلى الكوفة وجعلها دار حكمه ، وصار أهلها يسألونه في علوم التفسير والفقه والأصول والمجتمع وغيرها ، ومنه (أنهم قالوا : يا علي صف لنا نبينا صلى الله عليه واله كأننا نراه ، فإنا مشتاقون إليه.
فقال : كان نبي الله صلى الله عليه وآله أبيض اللون ، مشرباً حمرة ، أدعج( ) العين ، سبط الشعر( ) ، كثف اللحية( ) ، ذا وفرة ( )، دقيق المسربة ، كأنما عنقه إبريق فضة ، يجري في تراقيه( ) الذهب.
له شعر من لبته( ) إلى سرته كقضيب خيط إلى السرة ، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفين( ) والقدمين، شثن الكعبين، إذا مشى كأنما يتقلع( ) من صخر ، إذا أقبل كأنما ينحدر من صبب.
إذا التفت التفت جميعا بأجمعه كله( ) ، ليس بالقصير المتردد ، ولا بالطويل المتمعط ، وكان في الوجه تدوير .
إذا كان في الناس غمرهم( )، كأنما عرقه في وجهه اللؤلؤ، عرفه أطيب من ريح المسك .
ليس بالعاجز ولا باللئيم، أكرم الناس عشرة ، وألينهم عريكة( )، وأجودهم كفا.
من خالطه بمعرفة أحبه ، ومن رآه بديهة هابه، عزه بين عينيه( )، يقول باغته لم أر قبله ولا بعده مثله ، صلى الله عليه وآله تسليماً)( ).
و(عن جابر قال : قلت لابي جعفر عليه السلام: صف لي نبي الله عليه السلام قال : كان نبي الله عليه السلام أبيض مشرب حمرة، أدعج العينين، مقرون الحاجبين ، شثن الاطراف كأن الذهب افرغ على براثنه عظيم مشاشة المنكبين .
إذا التفت يلتفت جميعا من شدة استرساله، سربته سائلة، من لبته إلى سرته كأنها وسط الفضة المصفاة و كأن عنقه إلى كاهله إبريق فضة، يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء، وإذا مشى تكفأ كأنه ينزل في صبب، لم ير مثل نبي الله قبله ولا بعده صلى الله عليه وآله)( ).
وإجماع علماء الإسلام على تحريم تصوير شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو نحته مجسماً بتمثال وهو لا يكون مطابقاً للأصل ، فلا يعدو أن يكون كذباً .
وهل هو من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، الجواب لا ، لأن القدر المتيقن من الحديث هو الكذب في الحديث ، ونسبة قول للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يقله .
وعن (أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعداً من بين عيني جهنم .
قالوا : يا رسول الله وهل لجهنم من عين؟
قال : نعم . أما سمعتم الله يقول { إذا رأتهم من مكان بعيد }( ) فهل تراهم إلا بعينين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك عن رجل من الصحابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من يقل عليَّ ما لم أقل أو ادعى إلى غير والديه ، أو انتمى إلى غير مواليه ، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً . قيل : يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال : نعم .
أما سمعتم الله يقول { إذا رأتهم من مكان بعيد }( ) )( ) .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة.
(قال أبو رافع : جاء جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ وأخذ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم رداءه فخرج فقال : قد أذنا لك يا رسول اللّه ، قال : أجل يا رسول اللّه ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو)( ).
والمراد من الصورة التمثال والصنم ، ومن معناها التشبيه بخلق الله عز وجل ، مع العجز عن الإتيان بمثله ، لذا تحرم تماثيل ذوات الأرواج وقيل أنها وسيلة للشرك.
ولا يشمل النهي والحرمة الرسم والتصوير الفوتغرافي المتعارف في هذا الزمان خاصة وأنه حاجة ووثيقة في المعاملات والمراد من التصوير الوارد في الحديث هو التمثال والنحت والأصنام ، ولم يكن العرب أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعرفون رسم الصور والفوتغراف إنما كان النهي لاجتناب عبادة الأصنام التي كانت في الجزيرة العربية .
ومن أسباب صناعة الأصنام أنه إذا مات الرجل الصالح حزنوا عليه ، وبنوا له تمثالاً ليزوروه ، ويعظموه .
ومن الأقوام من يبني على قبر الصالح من قومهم مسجداً ليعبدوا الله فيه.
قانون الإيمان حاجة
تصاحب الحاجة الإنسان في كل يوم من أيام حياته ، ولا تنحصر هذه الحاجة بالفرد بل تلازمه الحاجة للأسرة والجماعة والطائفة والأمة والناس جميعاً .
لذا ورد خطاب [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] في القرآن عشرين مرة في أمور العبادات والمعاملات ، وأحوال الدنيا والآخرة ، وحاجة الإنسان وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : كل ممكن محتاج .
الصغرى : الإنسان ممكن .
النتيجة : الإنسان محتاج .
ومن رحمة الله عز وجل أنه لم يترك الإنسان حبيس حاجته بل جعل الدنيا دار قضاء الحاجات الخاصة والعامة ولأمور الدين والدنيا ، لذا تفضل وبعث الأنبياء لصلاح أجيال الناس ، والإنتفاع الأمثل من نعم الله عز وجل ، قال تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
وليس من حصر لمواضيع البشارة والإنذار التي جاء بها الرسل وقد اختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام بأمور :
الأول : بيان القرآن لحاجات الدنيا والآخرة ، قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ.
الثاني : قانون السنة النبوية هداية وصلاح للناس .
الثالث : مجئ الإسلام بتكامل الفرائض العبادية بما يجعل المؤمن منقطعاً إليها ، وصيرورته في غبطة وسعادة عند أدائها ، قال تعالى أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
شواهد على مكر وخبث المشركين
مصاديق [وَيَمْكُرُونَ] في ذم الذين كفروا من قريش كثيرة منها :
الأول : يمكرون لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه .
الثاني : ويمكرون بهجومهم في معركة بدر .
الثالث : ويمكرون بغزوهم المدينة في معركة أحد ، والتي يسميها المفسرون وكتاب السيرة والمؤرخون غزوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمشركين في معركة أحد بينما جاء ثلاثة آلاف منهم بأسلحتهم وخيلهم وأشرفوا على المدينة يرومون استباحتها .
الرابع : ويمكرون في معركة الخندق بزحف عشرة آلاف من المشركين لقتال النبي وأصحابه .
الخامس : بعث رؤساء قريش أشخاصاً لإغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة .
ومنه بعث صفوان بن أمية عمير بن وهب لقتل النبي ومكائد أبي سفيان قبل إسلامه ، لبيان اتصال مكر قريش ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى في يوم معركة حنين .
وهل قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ] خاص بكفار قريش ، الجواب لا ، لأصالة الإطلاق .
السادس : تقدير قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (ويمكر كفار قريش ويمكر غيرهم).
ليكون في الآية إخبار عن قيام هوازن وثقيف بالهجوم على المسلمين في معركة حنين بعد فتح مكة .
وصحيح أن الآية جاءت بصيغة جمع المذكر (يمكرون) إلا أنها تشمل مكر الكوافر من النساء ومنهن اللائي جئن مع المشركين في معركة أحد لتحريضهم على القتال بالأشعار وضرب الدفوف.
ومن مكر النساء ما قامت به زينب بنت الحارث أخت مرحب إذ دست السم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المكر والكيد المتكرر من الذين كفروا .
الثاني : تحلي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر والحلم والدعوة إلى الله ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
الثالث : تجدد وتوالي مكر الكفار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعدد وجوه هذا المكر .
الرابع : صرف الله عز وجل مكر الكفار عن النبي محمد ، وفي التنزيل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
خصائص ليلة الهجرة
مثلما هاجر كثير من الأنبياء فقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن هجرته تتصف عن هجرة الأنبياء بمسائل إعجازية ، وآيات باهرة وتوثيق من عند الله عز وجل منها :
الأولى : لم يهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلا بعد أن عزم المشركون على قتله في تلك الليلة التي هاجر فيها .
إذ أمر الله عز وجل جبرئيل أن يهبط إلى الأرض ويخبر النبي محمداً بخطة قريش ويأمره بألا يبيت في فراشه ليهاجر إلى المدينة ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر الإذن بالهجرة فجاء الأمر على نحو الإضطرار الفوري والضرورة ، وهو من مصاديق قوله تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
ومن الشواهد على حضور الملك والوحي عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإذن الله عند الحاجة ، فليس ثمة مسافة بين السماء والأرض ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
و(عن أبي رافع في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال: وخلفه النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم – يعني خلف علياً – يخرج إليه بأهله، وأمره أن يؤدي عنه أمانته ووصايا من كان يوصي إليه، وما كان يؤتمن عليه من مال، فأدى عليّ أمانته كلها .
وأمره أن يضطجع على فراشه ليلة خرج، وقال: إن قريشاً لم يفقدوني ما رأوك. فاضطجع على فراشه .
وكانت قريش تنظر إلى فراش النبي صلى الله عليه وسلم فيرون عليه علياً، فيظنونه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أصبحوا رأوا عليه علياً عليه السلام.
فقالوا : لو خرج محمد لخرج بعلي معه، فحبسهم الله بذلك عن طلب النبي حين رأوا علياً، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أن يلحقه بالمدينة، فخرج علي في طلبه بعدما أخرج إليه أهله يمشي الليل ويكمن النهار، حتى قدم المدينة .
فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قدومه قال: ادعوا لي علياً. قيل: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي. فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه اعتنقه وبكى، رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دماً .
فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في يديه، ومسح بهما رجليه، ودعا له بالعافية فلم يشتكهما حتى استشهد رضي الله تعالى عنه)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الهجرة في ذات الليلة التي أراد المشركون قتله فيها على فراشه بمكر وخطة متقنة ، قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
ولو غاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن فراشه تلك الليلة من غير أن يغادر مكة فهل يكفون عنه ، أم يقتلوه ولو في وضح النهار ، الجواب هو الثاني .
الهجرة نجاة من القتل
من خصائص الأنبياء اجتهادهم في الجهاد في سبيل الله بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وتلقيهم الأذى الشديد في سبيل الله .
وقد اضطر عدد من الأنبياء إلى الخروج من أرضهم ومغادرة قومهم ، وقد هاجر إبراهيم عليه السلام في الأرض ، وتنقل بين العراق والشام ، ونزل السبع( ) من أرض فلسطين وأرض الحجاز فراراً بدينه ، واجتهاداً في الدعوة إلى الله مع طلب الأمان ، وخرج مع إبراهيم عليه السلام لوط عليه السلام ، قال تعالى فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
وقال تعالى [وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ] ( ) يعني الشام ،وبركتها أنّ منها بعث أكثر الأنبياء وهي أرض خصبة كثيرة الأشجار والأنهار والثمار يطيب فيها عيش الفقير والغنيّ.
وروى العوفي عن ابن عباس في قوله [إِلَى الأرض الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ] قال : يعني مكّة ونزول إسماعيل)( ).
ومن أسباب تسمية عيسى بن مريم المسيح أنه كان يسيح في الأرض .
(كان يمسي بأرض ويصبح بأخرى)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هجرته من مكة بعد أن صار القتل قريباً منه ، ولم يفصله عنه إلا ثلاث أو أربع ساعات إذ اجتمع نفر من شباب قريش عند باب داره وانتظروا وقت السحر ليقتلوه في فراشه .
فأمره جبرئيل بالهجرة إلى المدينة ، فلم تقع مثل هذه الهجرة لأي من الأنبياء خاصة وأنه سار في طريق مملوء بالمخاطر ، ويلاحقه رجال قريش ، إذ جعلوا جعلاً وجائزة لمن يأتي بالنبي محمد حياً أو ميتاً .
وعن (سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ، قَالَ لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ مَكّةَ مُهَاجِرًا إلَى الْمَدِينَةِ ، جَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ مِائَةَ نَاقَةٍ لِمَنْ رَدّهُ عَلَيْهِمْ . قَالَ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنّا ، حَتّى وَقَفَ عَلَيْنَا .
فَقَالَ وَاَللّهِ لَقَدْ رَأَيْت رَكَبَةً ثَلَاثَةً مَرّوا عَلَيّ آنِفًا ، إنّي لَأَرَاهُمْ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ قَالَ فَأَوْمَأْت إلَيْهِ بِعَيْنِي : أَنْ اُسْكُتْ ثُمّ قُلْت : قَلِيلًا ، إنّمَا هُمْ بَنُو فُلَانٍ يَبْتَغُونَ ضَالّةً لَهُمْ قَالَ لَعَلّهُ ثُمّ سَكَتَ . قَالَ ثُمّ مَكَثْت ثُمّ قُمْت فَدَخَلْت بَيْتِي ، ثُمّ أَمَرْت بِفَرَسِي ، فَقِيدَ لِي إلَى بَطْنِ الْوَادِي ، وَأَمَرْت بِسِلَاحِي ، فَأُخْرِجَ لِي مِنْ دُبُرِ حُجْرَتِي ، ثُمّ أَخَذْت قِدَاحِي الّتِي أَسْتَقْسِمُ بِهَا ، ثُمّ انْطَلَقْت ، فَلَبِسْت لَامَتِي ثُمّ فَخَرَجَ السّهْمُ الّذِي أَكْرَهُ لَا يَضُرّهُ.
قَالَ وَكُنْت أَرْجُو أَنْ أَرُدّهُ عَلَى قُرَيْشٍ ، فَآخُذَ الْمِائَةَ النّاقَةَ . قَالَ فَرَكِبْت عَلَى أَثَرِهِ فَبَيْنَمَا فَرَسِي يَشْتَدّ بِي عَثَرَ بِي ، فَسَقَطْت عَنْهُ . قَالَ فَقُلْت : مَا هَذَا ؟ قَالَ ثُمّ أَخْرَجْت قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْت بِهَا فَخَرَجَ السّهْمُ الّذِي أَكْرَهُ ” لَا يَضُرّهُ .
قَالَ فَأَبَيْت إلّا أَنْ أَتّبِعَهُ . قَالَ فَرَكِبْت فِي أَثَرِهِ فَبَيْنَا فَرَسِي يَشْتَدّ بِي ، عَثَرَ بِي ، فَسَقَطْت عَنْهُ .
فَقُلْت : مَا هَذَا ؟ ، قَالَ ثُمّ أَخْرَجْت قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْت بِهَا فَخَرَجَ السّهْمُ الّذِي أَكْرَهُ ” لَا يَضُرّهُ ” قَالَ فَأَبَيْت إلّا أَنْ أَتّبِعَهُ فَرَكِبْت فِي أَثَرِهِ . فَلَمّا بَدَا لِي الْقَوْمُ وَرَأَيْتهمْ عَثَرَ بِي فَرَسِي ، فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الْأَرْضِ وَسَقَطْت عَنْهُ ثُمّ انْتَزَعَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ وَتَبِعَهُمَا دُخَانٌ كَالْإِعْصَارِ . قَالَ فَعَرَفْت حِينَ رَأَيْت ذَلِكَ أَنّهُ قَدْ مُنِعَ مِنّي ، وَأَنّهُ ظَاهِرٌ .
قَالَ فَنَادَيْت الْقَوْمَ فَقُلْت : أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ : أَنْظِرُونِي أُكَلّمْكُمْ فَوَاَللّهِ لَا أُرِيبُكُمْ وَلَا يَأْتِيكُمْ مَعِي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : قُلْ لَهُ وَمَا تَبْتَغِي مِنّا ؟ قَالَ فَقَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ قُلْت : تَكْتُبُ لِي كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَك . قَالَ اُكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْمٍ أَوْ فِي رُقْعَةٍ أَوْ فِي خَزَفَةٍ ثُمّ أَلْقَاهُ إلَيّ فَأَخَذْته ، فَجَعَلْته فِي كِنَانَتِي ، ثُمّ رَجَعْت ، فَسَكَتّ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمّا كَانَ حَتّى إذَا فُتِحَتْ مَكّةُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ وَالطّائِفِ ، خَرَجْت وَمَعِي الْكِتَابُ لِأَلْقَاهُ فَلَقِيته بِالْجِعْرَانَةِ . قَالَ فَدَخَلْت فِي كَتِيبَةٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ .
قَالَ فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَنِي بِالرّمَاحِ وَيَقُولُونَ إلَيْك إلَيْك ، مَاذَا تُرِيدُ ؟ قَالَ فَدَنَوْت مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وَاَللّهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ كَأَنّهَا جُمّارَةٌ . قَالَ فَرَفَعْت يَدِي بِالْكِتَابِ ثُمّ قُلْت .
قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرّ اُدْنُهُ قَالَ فَدَنَوْت مِنْهُ)( ).
النبوة والغيب
من خصائص الأنبياء الإخبار عن الغيب مما أذن الله عز وجل لهم وتحتمل النسبة بين ما علمه النبي من الغيب وما أخبر به الناس وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي بين ما علمه النبي والرسول وما أخبر به الناس .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وأن الذي يخبر به النبي الناس أخص مما علّمه الله .
الثالث : نسبة التساوي عند شطر من الأنبياء ، ونسبة العموم والخصوص المطلق عند الشطر الآخر .
المختار هو الثاني ليكون من خصائص النبي محمد احاطته بعلوم من الغيب لا يعلمها أحد من المسلمين ، وقيد نفي علم المسلمين به لإحتمال علم الأنبياء السابقين به ، وأنه من مصاديق قوله تعالى وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلاَئِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ.
وعن أنس (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)( ).
(وعن أبى ذر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حتى ختمها، ثم قال: إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجدا لله.
والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجارون إلى الله عزوجل)( ).
وهل من خصائص النبي محمد أن علمه أكثر من علم الأنبياء السابقين ، الجواب نعم وهذا القول لا يتعارض مع ما ورد أعلاه ، ومن الشواهد عليه قوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
قال تعالى قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
وقال تعالى تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
الإخبار عن المغيبات
من مصاديق التوحيد اختصاص الله عز وجل وحده بعلم الغيب والإحاطة به ، وتعجز الخلائق وان اجتمعت عن الإحاطة بمعشار من علم الغيب .
نعم يتفضل الله عز وجل على طائفة من خلقه كالملائكة والأنبياء بعلم جانب ومصاديق من الغيب ، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد المرسلين ، وقد أمره الله عز وجل بالقول قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ .
وفيه دعوة للمسلمين لمعرفة علوم من الغيب ومنها في ثنايا آيات القرآن ، ومنها في الوقائع والأحداث الحاضرة ، والتي في المستقبل.
ومن حوادث كتيبة بني المصطلق أنه هاجت ريح شديدة ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلاً وعند الصباح قال (مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة .
قيل : من هو ؟ قال: رفاعة، فقال رجل من المنافقين : كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته ، ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي .
فأتاه جبرئيل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة ، وأخبر رسول الله بذلك أصحابه .
وقال : ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه ، ولكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي هي في الشعب ، فإذا هي كما قال فجاؤا بها وآمن ذلك المنافق ، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أن (موسى والخضر عليهما السلام اعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما هو كائن، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله اعطي علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فورثناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة)( ).
ومن علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمغيبات إخباره الذين يريدون اغتياله بنيتهم وعزمهم على قتله ومنها في ساعة التنفيذ .
و(عن ابن عباس قال : رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي والناس يطأون عقبه.
فقال في نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال. فجاءه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ضرب بيده في صدره، فقال: إذاً يخزيك الله. قال: أتوب إلى الله وأستغفر الله.
وروى نحوه، مرسلاً، أبو إسحاق السبيعي، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم.
وقال موسى بن أعين، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة، لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا. فقال أبو سفيان لهند: أترى هذا من الله – ثم اصبح فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له : قلت لهند أتري هذا من الله، نعم، هذا من الله .
فقال: أشهد أنك عبد الله ورسوله. والذي يحلف به أبو سفيان، ما سمع قولي هذا أحد من الناس إلا الله وهند)( ).
أي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبره ابتداء بما جرى بينه وبين زوجته هند بنت عتبة لبيان أن قيام الصحابة بالتكبير والتهليل والطواف حول البيت حتى الصباح معجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشاهد على صدق رسالته وهو من رشحات قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
فمع أن الآية أعلاه نزلت بخصوص صلح الحديبية فهي مقدمة لفتح مكة سلماً من غير قتال .
وصبغة السلم في فتح مكة من مصاديق صفة (المبين) للفتح ، وكذا سعته ، ومنه رسائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لملوك عصره يدعوهم إلى الإسلام .
وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المغيبات من الوحي ، وما أخبره الله عز وجل به ، وفيه مسائل :
الأولى : إنه من اللطف الإلهي بالناس لتصديقهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : تقريب الناس إلى منازل الهدى والرشاد .
الثالثة : زيادة إيمان المسلمين .
الرابعة : نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من محاولات الاغتيال بالمعجزة .
الخامسة : إنقاذ الناس من الآثام والتعدي على النبوة والتنزيل ، وهذا الإنقاذ من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
قانون جهاد الصبر
لقد قام المشركون باخراج شطر من الأنبياء من أوطانهم ، فتلقوا الإخراج من الديار بالصبر والقبول لقوله تعالى وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وتقدير الآية : وأخرج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق ، إذ القرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.
وأيهما أفضل وأحسن للمسلم البقاء في الديار بين ظهراني الكفار ، أو الثواب الذي يترتب على الإخراج من الديار ، الجواب هو الثاني ، وهو الذي تدل عليه آية السياق لما فيها من الوعد الإلهي ، وقال تعالى وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
لقد كانت قريش تؤذي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عند أدائهم الصلاة ، فهاجرت طائفة منهم إلى الحبشة ، وهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأكثر أصحابه الأوائل إلى المدينة فصاروا يصلون الصلوات الخمسة بأمان وطمأنينة ، وبنى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسجده في المدينة ليكون مزاراً لوفود المسلمين من مختلف البلاد في كل أيام السنة وإلى يومنا هذا.
ومن الآيات في المقام أنه لما تم فتح مكة لم يبق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها ويدير أمور الإمامة والتبليغ في أم القرى ، بل بقي فيها عدة أيام وانقلب راجعاً إلى المدينة (عن ابن عباس قال: أقام رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بمكة تسعة عشر يوما يصلى ركعتين.
وفي لفظ : أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة تسعة عشر نقصر الصلاة)( ).
ليصبح الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم من أم القرى في حال ندامة وخزي وأسف.
معجزة نجاة النبي (ص) من الإغتيال المتكرر
قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
هذه الآية هي الآية الثلاثون من سورة الأنفال وهي مدنية نزلت بعد معركة بدر وسميت هذه السورة باسم سورة بدر ، وتتناول كيفية توزيع الأنفال والغنائم التي تركها مشركو قريش الغزاة ومنع الإختلاف بين المسلمين وجاءت الآية بصيغة (وإذ يمكر).
والمراد من يثبتوك هو يحبسوك في السجن والوثاق ، فعندما سمع رؤساء المشركين في قريش نبأ مبايعة الأنصار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتمعوا في دار الندوة لتدارك الأمر واستحضروا هجرة ثلاثة وثمانين رجلاً وتسع عشرة امرأة من المسلمين إلى الحبشة وهجرة أكثر الصحابة إلى المدينة ولم يبق إلا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام وأبو بكر، وامتناع النجاشي عن إعادتهم لقريش مع أنهم أرسلوا وفداً من عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة .
وأوصوهما بالإبتداء بالبطارقة والملأ الذين يحضرون مجلس النجاشي وقدموا لهم الهدايا وافتروا بحضرتهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الصحابة ، وهو من المكر الذي تذكره الآية أعلاه .
و(عن أنس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ان اجتماعهم في دار الندوة كان يوم السبت)( ).
فاتفق رأي رؤساء قريش على اقتراح أبي جهل بأن يأخذوا من كل بطن غلاماً ويعطوه سيفاً فيضربون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو نائم في فراشه ضربة رجل واحد ، فلا يقدر بنو هاشم على أخذ الثأر من قريش كلها.
فاذا طلبوا الدية دفعوها لهم ، فنزل جبرئيل وأخبر النبي محمداً وأمره بالهجرة في ذات الليلة وأن يأمر علياً عليه السلام للمبيت في فراشه .
وهل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة في تلك الليلة من مصاديق [يُخْرِجُوكَ] وما نواه المشركون من إخراج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب بينهما عموم وخصوص من وجه .
فمادة الإلتقاء نسبة الإخراج لهم تحقق خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة.
أما مادة الإفتراق فان المشركين أرادوا إخراج النبي إلى البيداء وتركه في الصحراء ليقتل أو باغراء بعض القبائل بقتله ولكن هجرة النبي طريق إعلاء كلمة التوحيد .
فهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب عزم المشركين على إخراجه وحده ، ولكن الحجة قامت عليهم بقوله تعالى إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ فأخرجه الله بالكيفية التي تضمن سلامته ، وفيه وعد بسلامته ونجاته ، وهو من مصاديق مكر ولطف الله في قوله تعالى وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
ترى هل تخبر آية البحث عن إتحاد أو تعدد مكر قريش ، الجواب هو الثاني .
إذ تفيد الواو في [وَيَمْكُرُونَ] التعدد والغيرية بالنسبة لمكرهم الأول فقوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ] يتضمن إخبار واو العطف على أن مكرهم هم وغيرهم من الكفار متجدد وأنه سابق لما اتفقوا عليه في دار النبوة بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه .
صوم الوصال
صوم الوصال هو صوم يومين متتابعين مع الليلة التي بينهما أو ثلاثة أيام مع الليلتين اللتين بينها أو اكثر من ذلك فملاكه وصل يوم الصيام باليوم الآخر من غير أن يأكل أو يشرب طيلة هذه المدة ، سواء في النهار أو الليل ، وهو أمر شاق على الإنسان ، وأبعد من التكليف قوله تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ .
ليكون صوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صوم الوصال تخصيصاً للآية أعلاه لشخص النبي محمد وحده مع بيان فضل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم باطعامه وسقيه مدة الوصال ليكون هذا الإطعام مقدمة لدخول الجنة .
ويتقيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأحكام الآية أعلاه في صيام أيام شهر رمضان ، وقد يواصل فيها.
وعن (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- وَاصَلَ فِى آخِرِ الشَّهْرِ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ : لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ. إِنَّكُمْ لَسْتُمْ كَهَيْئَتِى إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِى )( ).
وكان يكثر من صيام التطوع بين الفجر وغروب الشمس ، وهو الأكثر ، وقد يصوم صوم الوصال لبيان خصوصية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إجهاد النفس في طاعة الله ، والتنزه عن زينة الدنيا مع إنه كان الإمام والحاكم وكانت يجبى له الذهب والفضة فيوزع الزكوات والأنفال والغنائم على المسلمين ، ويبقى صائماً ليومين والليلة التي بينهما أو لثلاثة أيام والليلتين اللتين بينهما .
وصوم الوصال من خصائص الرسول الإكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومما شرفه الله تعالى به، اذ ان خصائصه على قسمين :
الأول : نعمة تفوق ما يؤذن بها للآخرين كما في تعدد زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم وزيادتهن على الأربع .
الثاني : أمور عبادية تكليفية ومنها صوم الوصال وقيام الليل.
فان النبي صــلى الله عليه وآله وســلم يصومه ولكنه نهى عنه، لذا فان اجماع علماء الاسلام على النهي عن صوم الوصال وان اختلفوا هل هو نهــي تحــريم او نهي تنزيــه والأول هو المختار .
ونسب الثاني إلى أكثر أهل العلم ، والأصل في النهي هو الحرمة إلا مع الدليل الصارف إلى الكراهة .
وقال المالكية بجواز الوصال إلى السحر ، لحديث أبي سعيد الخدري (أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا تواصلوا ، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر .
قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله .
قال : إني لست كهيئتكم ، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني)( ).
ولكن ذات الحديث يدل على التباين الموضوعي بين وصال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيره .
بينما يرجى الصائم وجبة الأكل إلى السحر ليكون أخف لبدنه في أداء الصلاة والعبادة ، هذا إذا كان هذا الإرجاء خال من المشقة .
ويدل هذا الحديث على المعنى الإصطلاحي للوصال وهو صيام يومين مع الإمتناع عن الأكل والشرب والجماع في الليلة التي بينهما ، كما ورد عن (عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)( ).
وهو من مصاديق قوله تعالى أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، والعزيمة هي الواجب المؤكد ، وقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه)( ).
مسائل في صوم الوصال
في صوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صوم الوصال مسائل :
الأولى : إنه من مصاديق الوحي ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] ( )، وصحيح أن الآية أعلاه ذكرت النطق والقول إلا أن موضوعها أعم ويشمل صيغ الفعل من باب الأولوية ، كما أن النبي يصرح بأنه يصوم صوم الوصال ، وينهل المسلمون من صومه .
الثانية : بيان قانون شمول خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للتكاليف الشاقة.
الثالثة : بيان فضل الله عز وجل بأن الله يطعم ويسقي النبي محمداً في صيامه ووصاله .
الرابعة : شكر المسلمين لله عز وجل على حصر الصيام بساعات النهار ، ولمدة شهر من بين اثني عشر شهراً أيام السنة ، قال تعالى أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
الخامسة : مع أن الله عز وجل أذن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بزيادة الزوجات على الأربع ، فانه يصوم بعض لياليه عن الأكل والشرب والجماع ، كجزء من صوم الوصال .
وفيه شاهد بأن كثرة زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس عن شهوة جامحة منه ، إنما للمقاصد السامية ومنها التآلف بين القبائل ، وفوزهم بمصاهرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه ثناء على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع نيلهن لمرتبة أمهات المؤمنين ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
وبالإسناد ورد في نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن صوم الوصال يا رسول الله تواصل؟ فقال: اني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني.
مسائل في الصوم
الأولى : الذي أسلم في يوم الصيام سواء تناول المفطر او لا ، لايجب عليه صيام ذلك اليوم فيمسك فيه تأدباً .
الثانية : الصبي اذا بلغ في اثناء النهار.
المجنون إذا أفاق اثناء النهار بل والمغمي عليه اذا افاق اثناءه ولم تسبق منه نية الصيام.
الثالثة : إذا رأى المكلف في المنام ما يوجب الإحتلام وتحركت شهوته ولم يخرج المني الى الخارج، ولكنه علم انه اذا بال او استبرء خرج المني ولم يستطع حبس البول الى الغروب، فلو بال قبل الغروب لا شيء عليه.
الرابعة : إذا اتفق ان يكون عمله في الســفر خلال شــهر رمضــان دون سائر اشهر السنة فالأقوى انه يقصر ويفطر الا اذا صدق عنوان (من عمله في السفر) أوان السفر مقدمة لعمله .
الخامسة : إذا اجنب شخص ولم يحصــل على المــاء للإغتسـال وهو يجهل ان التيمم يكون بدلاً عن الغسـل في هذه الصورة، فلم يصم ذلك اليوم لإعتقاده بطلان صومه وجب عليه القضاء دون الكفارة لعدم تحقق صورة العمد.
السادسة : اذا ظنت احدى النساء أن حدّ النفاس أربعون يوماً واتفق ان نفاسها بدأ في العشرين من شعبان مثلاً، وبعد مدة علمت وجوب الصيام عليها فهل يجب عليها الكفارة او القضاء فقط، الاقوى هو الثاني أي القضاء فقط دون الكفارة.
قانون النصر بنداء التوحيد
بعد أن هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة صار وأصحابه يؤدون صلاة الجماعة في المسجد النبوي الذي بناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند وصوله المدينة ، ومساجد أخرى فاغتاظ كفار قريش ، قال تعالى قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( ).
وأصابهم الحنق مع نصرة الأوس والخزرج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله وصاروا يتدارسون الإنتقام والبطش بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فجهزوا الجيوش لقتاله ، فوقعت معركة بدر وأحد والخندق .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يلاقي جيوش المشركين بنداء التوحيد وهو أقوى سلاح مصاحب للنبوة.
لقد نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معارك الإسلام الأولى بنداء (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)( )، مع قلة أصحابه في الميدان والنقص في أسلحتهم وخيلهم ومؤنهم .
ففي معركة بدر مثلاً كان عدد المشركين تسعمائة وخمسين ، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير ، بينما كان عدد أصحاب النبي محمد ثلاثمائة وثلاثة عشر ، وليس معهم إلا فرس واحدة ، وقيل معهم فرسان .
ويعتقبون سبعين بعيراً (قال ابن إسحاق : وكان معهم فرسان على أحدهما المقداد بن الاسود واسمها بعزجة، ويقال سبحة، وعلى الاخرى الزبير بن العوام واسمها اليعسوب.
وكان معهم لواء يحمله مصعب بن عمير، ورايتان يحمل راية المهاجرين على ابن أبى طالب ( عليه السلام) والتى للأنصار يحملها سعد بن عبادة)( ).
وقيل (كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرسان( ) وستون درعا.
هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكة ومسيرهم إلى بدر)( ).
ويدل على الإعجاز في معركة بدر نسبة الله عز وجل النصر له بقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
هجرة النبي إلى أنصار ومهاجرين
لقد كانت مدة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً وعشرين سنة إذ جاءه الوحي وعمره أربعين سنة في جوار البيت الحرام ، فبدأ دعوته على نحو القضية الشخصية بمفاتحة أهل بيته وأصدقائه والمقربين منه ، فأمنت به خديجة بنت خويلد والإمام علي عليه السلام حالما عرض عليهما الإسلام.
وذهب خديجة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان عالماً بالنصرانية والتوراة فبشرها بأنه نبي آخر الزمان.
ولاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله في مكة أشد الأذى من كفار قريش ، ولم يرد عليه تعديهم ولم يشهر سيفاً حتى عزموا على قتله في فراشه فنزل جبرئيل في نهار تلك الليلة التي نووا فيها قتله ، وأمره بالهجرة إلى المدينة حيث قيض الله عز وجل له أنصاراً يستقبلونه فيها.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قدومه على أمة من الصحابة من الأنصار والمهاجرين ، قال تعالى وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
لقد هاجر أنبياء سابقون ولم يلقوا من المودة والعون مثل الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من خصائصه بين الأنبياء .
فقد هاجر إبراهيم وتعرض وأهله للأذى من قبل ملك مصر ، وهاجر لوط وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وهاجر موسى عليه السلام من أرض مصر وتاه وقومه في الصحراء أربعين سنة .
ليهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مدينة يثرب ليستقبله الرجال والنساء بالبهجة والغبطة رسولاً وإماماً وينشى من أول يوم دخلها مسجداً في وسطها شاء الله أن يكون منارة للعالمين .
قانون الإجتهاد اليومي في الدعوة إلى الله عز وجل
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يفتر في دعوته إلى الله نتيجة شدة إيذاء المشركين له ولأهل بيته وأصحابه ، وفي التنزيل وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ.
وتبين الآية أعلاه موضوعية تلاوة القرآن في جذب الناس إلى الإسلام ، وتثبيت معالم الإيمان في الأرض ، وسيادة أحكام الشريعة السماوية واستدامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى زائراً للبيت الحرام قادماً من خارج مكة جلس بجواره وسأله عن نسبه وقبيلته وأخبره بنبوته ، وتلا عليه آيات من القرآن ، وسأله أن يكتم أمره عن رجالات قريش .
ومن إعجاز القرآن سرعة حفظ السامع لآيات القرآن ليكون هذا المستمع رسولاً لقومه ، ولا يكتفي بالإخبار عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل يأتيهم بالشواهد على نبوته بتلاوته لآيات من القرآن واستيائه من إيذاء قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومدى خشيته منهم.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية الغيرية شواهد من إسلام عدد من الصحابة وسط حملة العداء والإفتراء المنظمة التي تظافرت جهود رؤساء الكفر فيها وأنفقت قريش الأموال الطائلة في محاربة النبوة والتنزيل.
نشوء النفاق
عندما بلغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سن الأربعين رزقه الله عز وجل النبوي بجوار البيت الحرام وحيث مولد النبي محمد ، فآمنت به زوجه خديجة بنت خويلد والإمام علي عليه السلام في اليوم الثاني للبعثة ثم توالى دخول الصحابة الأوائل الإسلام .
ولكن واجهه رؤساء قريش بالإنكار ، إنكار الرسالة والتنزيل ، وصاروا يستهزءون منه ومن لأهل بيته ولأصحابه الأوائل .
ومن مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الذي يدخل الإسلام لا يرتد ولا يفارق أحكامه وسماع آيات القرآن ، وهو من إعجاز القرآن بأن الذي يصدق بتنزيله تثبت أقدامه في منازل الهدى والإيمان .
ومن المدد الإلهي في المقام نزول آيات القرآن تباعاً وعلى حسب الوقائع والأحداث ، وكل آية نازلة من عند الله تتضمن العلوم والذخائر وتكون لها موضوعية في منهاج الإسلام ، وسيرة المسلمين ، وعز ورفعة الإسلام المتنامية وهو من مصاديق قوله تعالى إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.
ولم يكن في أيام إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة نفاق والذي هو إخفاء للكفر والتظاهر بالإيمان والتصديق بالرسالة ، إنما كان المجتمع في مكة وما حولها على أقسام :
الأول : الصحابة المؤمنون .
الثاني : الكفار الجاحدون برئاسة أبي جهل ، وأمية بن خلف وغيرهما.
الثالث : عامة الناس الذين يرصدون ما يحدث ، ويرون الآيات تترى على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن الآيات في المقام بلوغ آيات القرآن لأسماع أهل مكة رجالاً ونساءً وهو من أسباب دخول كثير منهم الإسلام .
ولقد اضطر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة إلى المدينة عندما عزم المشركون على قتله في فراشه ، قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وقد سبقه مصعب بن عمير سفيراً إلى أهل يثرب ، وساهمت هذه السفارة في دخول عدد كبير من أهل المدينة الإسلام ، ومنهم بعض الرؤساء ، إذ كان مصعب بن عمير يزورهم في بيوتهم ، ويحضر منتدياتهم ، فيتلو عليهم القرآن ، ويبين معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه السفارة وجهتها إلى يثرب ، وأوانها من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعندما قدم مصعب مع وفد الأنصار إلى مكة في بيعة العقبة الثانية أخبر النبي محمداً عن عمله وانتشار الإسلام في المدينة ، ليكون هذا الإخبار دعوة ضمنية لهجرة النبي محمد إليها .
وعندما وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وبنى المسجد النبوي لم يكن هناك نفاق فيها ، إذ كان أهل المدينة بالخيار في دخول الإسلام ، ولكن عندما انتصر المسلمون في معركة بدر وقويت شوكة الإسلام بدأ النفاق .
وصار المنافقون يبثون الإشاعات المغرضة في المدينة ويسعون في إخافة الناس من كفار قريش ، وفي صدّ الصحابة عن الدفاع عن بيضة الإسلام ، ومنهم من استحوذ على فعله الحسد للنبي ومن هؤلاء رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول مع أن أكثر هؤلاء المنافقين يحضرون الصلاة اليومية مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا دليل على وجود طائفة من المنافقين في حياة الأنبياء السابقين .
الأنفال من خصائص النبي (ص)
قال تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
نزلت الآية أعلاه في معركة بدر وعندما انتهت وكثرت الغنائم عند المسلمين والتي تركها مشركو قريش وفروا من الميدان .
لقد سأل الصحابة البدريون عن مسألة ، فجاءتهم خمسة أوامر .
وتدل صيغة الجمع [يَسْأَلُونَكَ] على تعدد السؤال من الصحابة إلى النبي محمد خاصة بعد اختلافهم في قسمتها وتوزيعها وتملكها .
فجاء الإعجاز أن الأصل هو حجب الأنفال والغنائم عنهم ، إنما هي لله والرسول ، وتوجهت إليهم خمسة أوامر من الله وهي :
الأول : الأنفال لله والرسول وليس لكم .
الثاني : وجوب طاعة الله .
الثالث : وجوب طاعة الرسول محمد .
الرابع : لزوم تقوى الله والخشية منه ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، ومن إعجاز القرآن أنه مع كل معركة من معارك الإسلام تنزل آية تحث المسلمين على تقوى الله ، لمنع الغرور والتفريط والغلو والإنشغال بالدنيا .
الخامس : تعاهد المسلمين لحسن الصلات ومنع الإختلاف والشقاق بينهم ، قال تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا.
ورد لفظ (يسألونك) في القرآن خمس عشرة مرة ، وكلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم .
وتقدير الآية : يسألونك يا رسول الله .
إذ تبين ماهية الأسئلة ومنها الاسئلة عن الساعة ويوم القيامة بأن الناس يرجعون إلى النبي محمد بلحاظ الرسالة والتسليم بنبوته وانتظار الوحي أو للإختبار، لذا جاء الجواب في هذه الأسئلة من عند الله (قل) باستثناء واحدة .
وسبب وموضوع نزول هذه الآية هو واقعة بدر وانتصار المسلمين فيها ، ووقوع غنائم بأيدي المسلمين ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ومن تقوى الله التسليم بأن الأنفال لله والرسول .
وقد تكرر الأمر بتقوى الله في كل من الآيتين آية ببدر وآية الأنفال أعلاه لموضوعية الإستقامة والخشية من الله عز وجل في باب الأموال والمكاسب والغنائم .
ولم يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه القتال أو الغزو في معركة بدر التي وقعت في اليوم السابع عشر من شهر رمضان ، وهذا اليوم هو الحادي عشر منه لسنة 1446.
فالمشركون هم الغزاة والذين أصروا على القتال وبدأوا ، فانهزموا وتركوا الغنائم فوقع الخلاف بين المسلمين في كيفية قسمتها .
فهذه الغنائم هي الأنفال .
وعن سعد بن ابي وقاص (قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف ، فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : نفلني هذا السيف فأنا من علمت .
فقال : رده من حيث أخذته فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لأمتني نفسي ، فرجعت إليه فقلت : اعطنيه . فشدَّ لي صوته وقال : رده من حيث أخذته ، فأنزل الله [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ])( ).
و(عن عبادة بن الصامت قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً ، فالتقى الناس فهزم الله العدوّ .
فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون ، واكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه .
وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدوّ منه غرة .
حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب .
وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ : لستم بأحق بها منا ، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم . وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرة واشتغلنا به ، فنزلت يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدوّ نفل الربع ، وإذا أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال ويقول : ليرد قويُّ المسلمين على ضعيفهم)( ).
وقوله (وكان يكره الأنفال) من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيكره الإستيلاء على أموال المشركين ، إذ أنه يرجو لهم الهداية والإيمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وفي الصحيح (عن علي بن مهزيار قال : قال لي أبو علي بن راشد ، قلت له : أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك ، فقال لي بعضهم : وأي شيء حقه ؟ فلم أدر ما اجيبه ، فقال( ): يجب عليهم الخمس ، فقلت : ففي أي شيء ؟ فقال : في أمتعتهم وصنائعهم ، قلت : والتاجر عليه والصانع بيده ؟ فقال : إذا أمكنهم بعد مؤونتهم)( ).
ليان أن الغنيمة أعم من غنائم الحرب .
وروى الشيخ الطوسي في خبر ضعيف عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام قال : على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة ، ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس).
يوم الفرقان
وفي يوم معركة بدر السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة اصطف الفريقان ، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جهة ومشركو قريش من جهة أخرى.
ولم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يريد القتال ولم يثبت ما توارثه العلماء بأنه قصد الإستيلاء على قافلة أبي سفيان التي كانت تتألف من ألف بعير محملة بالبضائع .
وقد بينتُ في أجزاء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في كتيبة إستطلاع ومرابطة متنقلة ، وعرض للإسلام وأحكامه وإقامة الصلاة خارج المدينة .
ولم يثبت أنه غزا قرية أو بلدة ، لذا صدرت سبعة وعشرون جزء من تفسيري للقرآن بخصوص قانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحدا) وهي الأجزاء :
*الجزء الرابع والستون بعد المائة.
- الجزء الخامس والستون بعد المائة.
- الجزء السادس والستون بعد المائة.
- الجزء الثامن والستون بعد المائة.
- الجزء التاسع والستون بعد المائة.
- الجزء السبعون بعد المائة .
- الجزء الحادي والسبعون بعد المائة .
- الجزء الثاني والسبعون بعد المائة .
- الجزء الرابع والسبعون بعد المائة .
- الجزء السادس والسبعون بعد المائة.
- الجزء السابع والسبعون بعد المائة .
- الجزء الثامن والسبعون بعد المائة .
- الجزء الحادي والثمانون بعد المائة .
- الجزء الثاني والثمانون بعد المائة .
- الجزء الثالث والثمانون بعد المائة.
- الجزء السابع والثمانون بعد المائة .
- الجزء الثالث والتسعون بعد المائة .
- الجزء الرابع والتسعون بعد المائة .
- الجزء السادس والتسعون بعد المائة .
- الجزء الرابع بعد المائتان .
- الجزء الثاني عشر بعد المائتين .
- الجزء السادس عشر بعد المائتين .
- الجزء الواحد والعشرون بعد المائتين .
- الجزء التاسع والعشرون بعد المائتين.
- الجزء التاسع والثلاثون بعد المائتين .
- الجزء السادس والخمسون بعد المائتين .
- الجزء الواحد والستون بعد المائتين .
- الجزء السادس والستون بعد المائتين .
رمي قبضة تراب يوم بدر
قد تنزل آية قرآنية أو تحدث واقعة تجمع بين المعجزة العقلية والمعجزة الذاتية والمعجزة الغيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، إذ نزلت هذه الآية يوم بدر فقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من تراب فرمى بها جيش المشركين (فقال : شاهت الوجوه فانهزموا)( ).
لبيان أن المعجزة من عند الله (عن مكحول قال : لما كرَّ علي وحمزة على شيبة بن ربيعة ، غضب المشركون وقالوا : اثنان بواحد؟! فاشتغل القتال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إنك أمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا خلف لوعدك .
وأخذ قبضة من حصى فرمى بها في وجوههم فانهزموا بإذن الله تعالى ، فذلك قوله وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ))( ).
ورمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم التراب والحصيات من المعجزات الحسية الذاتية ، أما امتلاء عيون ومناخر المشركين بالتراب من تلك القبضة فهو من المعجزات الغيرية .
وعلى هذا المنوال يمكن للعلماء دراسة المعجزات الذاتية والغيرية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن والسنة النبوية لتتجلى لهم وللناس آلاف المعجزات .
فضح النفاق في الكتاب والسنة
النفاق كيفية نفسانية وسلوك وأفعال تدل على ضعف الإيمان ، وعدم التخلص من الكفر في النوايا والمقاصد .
لقد تكرر ذكر المنافقين والمنافقات في القرآن ، وتضمنت آيات عديدة من القرآن ذمهم بذكر سوء فعلهم ، وضررهم على الإسلام لبيان حاجة الناس إلى التنزه عن أخلاق النفاق ، وانعكاس مفاهيم الضلالة على السلوك ، ومن هذه الآيات قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ.
وتدل كثرة ذكر المنافقين في القرآن وذكر المنافقات أيضاً مع تعدد الموضوع واتحاد الحكم في سوء عاقبتهم على الضرر الذي يجلبه النفاق والمنافق لولا فضل الله بنزول الآيات بخصوصه ، وما فيها من حصانة المؤمنين من الإصغاء لهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور :
الأول : مجئ السنة القولية والفعلية بالنهي عن النفاق .
الثاني : قانون فضح المنافقين والتحذير منهم .
الثالث : قانون غنى الإسلام والمسلمين عن المنافقين .
الرابع : من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، تضاؤل النفاق ، والنقص في عدد المنافقين والمنافقات ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
الجواب القدر المتيقن من الآية أعلاه هو ميدان القتال يوم معركة أحد وغيرها ، وحال السلم أيضاً بخصوص الذين كفروا ، أما المنافقون فهم قوم يظهرون الإيمان ويخفون الكفر ، ويحضرون الصلوات اليومية ، ويخرجون في السرايا .
وكل من حضور الصلاة والخروج في السرايا تهذيب للنفوس ، وإصلاح لعمل الجوارح نعم هلاك طائفة من الذين كفروا ، زاجر للمنافقين ، ودعوة لهم للتوبة والإنابة لبيان قانون تضاؤل النفاق وأثره في المجتمعات من مصاديق قانون تعدد منافع الآية القرآنية ، فترد الآية في موضوع مخصوص ولكن منافعها أعم وأكثر .
وكما اختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلقي الأذى بظهور النفاق والمنافقين أيام رسالته ، فانه اختص بنقص عدد المنافقين بين ظهراني المسلمين ولم يغادر إلى الرفيق الأعلى إلا وقد انحسرت أضرار النفاق ببركة آيات القرآن التي تفضح المنافقين وبقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتحذير من النفاق ولتوالي المعجزات .
قانون تضاؤل النفاق
النفاق هو إظهار الإيمان قولاً أو فعلاً مع إضمار الكفر وإخفاء الجحود برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محاربته للنفاق ووجود طائفة من المنافقين بين ظهراني المسلمين ومحاربة القرآن والنبي لهم ، ويحضر المنافقون معهم صلاة الجماعة ، ويخرجون معهم في الكتائب والسرايا ، ولكن ما أن يجدوا فرصة للنيل من الإسلام حتى يظهروا ما في سرائرهم ويثبطوا العزائم ، وينشروا الإشاعات التي تبعث الإرباك والكدورة في نفوس المسلمين وعوائلهم ، قال تعالى لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا.
لقد كانت مدة النبوة ثلاثاً وعشرين سنة ، منها عشرة سنة قضاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، وليس فيها نفاق ومنافقون ، وكذا في السنة الأولى من هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن النفاق نشأ في المدينة بعد انتصار المسلمين في معركة بدر بمعجزة ومدد من عند الله عز وجل .
فأظهر الكفار الإيمان ونطقوا بالشهادتين من غير تسليم برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أنذرهم الله عز وجل ، قال تعالى لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا.
وذكرت هذه الآية ثلاثة أصناف :
الأول : المنافقون .
الثاني : الذين في قلوبهم مرض .
الثالث : المرجفون في المدينة ، الذين يشيعون الأخبار الكاذبة عن سرايا الإسلام ويقعون في الناس بأنهم قتلوا أو سيهزمون ويقتلون .
ويحتمل وجهين :
الأول : التعدد في هذه الفئات .
الثاني : الإتحاد وأنهم داخلون في المنافقين .
والمختار هو الأول لأصالة الظاهر بافادة واو العطف المغايرة والتعدد ، ليتجلى إعجاز الآية باشتراك هذه الفئات والجماعات بمحاربة الإسلام والسعي للإضرار بالنبوة والتنزيل ، وفي داخل المدينة وخارجها ، ومنه القيام ببث الأخبار الكاذبة عن قوة جيوش المشركين ، وعن وقوع قتلى وأسرى في صفوف سرايا الإسلام كذباً.
فيقولون للمرأة قُتل زوجُك ، ويقولون للأب لم أذنت بخروج ولدك في السرية الفلانية وأنه سيكون إما مقتولاً أو أسيراً .
وأيهم أكثر ضرراً على الإسلام من هؤلاء الأفراد الثلاثة ، المختار هم المنافقون بلحاظ تتبع صفاتهم المذمومة في القرآن والسنة وتعدد ضررهم اليومي وإتساع دائرته لوجودهم بيم ظهراني المسلمين .
وعن عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ثلاث من كن فيه فهو منافق . إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . وتلا هذه الآية وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ إلى آخر الآية)( ) وفيه تحذير إلى يوم القيامة من خصال النفاق .
وفي المرسل عن الإمام الصادق عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ثلاث من كن فيه كان منافقا وان صام وصلى وزعم أنه مسلم، من إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، إن الله عزوجل قال في كتابه : ان الله لا يحب الخائنين)( ).
قانون نزول الملائكة لنصرة النبي (ص)
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تفضل الله عز وجل بها نزول الملائكة لنصرته عند اشتداد القتال ، وهل يختص نزولها بالآيات الواردة بخصوص معركة بدر ، ومعركة أحد ، والخندق ، الجواب لا ، قال تعالى بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ إذ تدل صيغة المضارع على تجدد نزول الملائكة ، وهو أحد طرق نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي قوله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، أخرج ابن جرير عن الإمام علي عليه السلام (نزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله عنه ، ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة)( ).
(وقال ابن عباس : بينما رجل من المسلمين يشتدّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت لفارس يقول قدم حيزوم ونظر إلى المشرك أمامه خرّ مسلتقياً.
فنظر إليه فإذا هو قد حُطم وشُق وجهه كضربة السوط فجاء الرجل فحدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت ذلك من مدد السماء فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين)( ).
وهل نزول الملائكة من مصاديق نسبة النصر في معركة بدر إلى استجابة الدعاء ، الجواب هو من وجوه نسبة النصر إلى الله في قوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ولقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
قانون الإمتناع عن الفرار
من معجزات وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا ينهزم من ساحة الميدان ، وهو من الشواهد على حفظ الله عز وجل له بالمعجزة ورجوع الصحابة إليه خلافاً للمتبادر بقيام القائد بتسهيل إنسحابه ، أو فراره وترك ميدان المعركة عند الشعور بقرب الهزيمة ، ولكن النبي محمداً يبقى في موضعه وكما في معركة حنين ليس معه يومئذ إلا نحو مائة من الصحابة في وجه عشرين ألفا من المشركين من هوازن وثقيف مندفعين في القتال ، ويدل قول جابر بن عبد الله الأنصاري (فَانْطَلَقَ النّاسُ إلّا أَنّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ نَفَرٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ)( ).
وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين مثل ما فعله في معركة بدر إذ أخذ قبضة من تراب الأرض ورماها في وجوه القوم ، فملأت عيونهم وأفواههم مع كثرتهم.
وفي معرفة المسلمين بقانون ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان القتال ، مسائل :
الأولى : لما انهزم أكثر الصحابة في بداية هجوم هوازن وثقيف حضر في الوجود الذهني الشخصي والنوعي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يزال في مكانه ، وأنهم يعرضونه للقتل فصار هذا الحضور سبباً لإنقلابهم إلى ميدان القتال بشدة بأس.
الثانية : إدراك المسلمين لقانون ثبات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان طريق النصر والظفر .
الثالثة : من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشجاعة والنجدة والصبر والبأس المقرون بحسن التوكل على الله .
الرابعة : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان ، وعصمته من الفرار في أصعب المواقف معجزة حسية له .
الخامسة : قانون الثبات في ميدان القتال تدبير نبوي ، وفيه دعوة للمسلمين للإمتناع عن الفرار .
وثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان من أسباب إصابة المشركين بالخوف والرعب ، وهو من مصاديق قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
خيبة المشركين في معركة أحد
لقد زحف مشركو قريش وحلفاؤهم في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة لغزو المدينة ثأراً لقتلاهم السبعين يوم معركة بدر ونصر المسلمين فيها ، ولم يعلموا أن هذا النصر كان من عند الله وبمشيئته التي لا ترد ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وصحيح أن الآية أعلاه تخبر عن نصر المسلمين في معركة بدر إلا أنها تتضمن بالدلالة الإلتزامية الوعد من عند الله بالنصر في المعارك اللاحقة ، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، نعم قال تعالى بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.
وفي سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل يوم أحد ، والمسلمين من الهزيمة شاهد على تحلي المسلمين بالصبر والتقوى ، فجاءت الأخبار بنزول الملائكة يوم بدر ويوم أحد .
وروى مسلم باسناده عن سعد بن أي وقاص (قال : رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأبتهما قبل ولا بعد ، يعني : جبريل وميكائيل)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حضور الملائكة عضداً له في معارك الدفاع ، وهو من الشواهد على أن المشركين هم الغزاة المعتدين .
ونزلت المصيبة بالمسلمين في معركة أحد بسقوط سبعين شهيداً عدا الجرحى من غير أن يخسروها خاصة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقى في الميدان يدافع إلى أن انسحب المشركون بخزي في نفس يوم المعركة ، قال تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
الشهادة على ثبات النبي (ص) في الميدان
من مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم انبعاث الأنوار العقائدية والأخلاقية من سنته ذات صبغة الوحي والتي تخترق شغاف القلوب لتبقى منهاج صلاح وحجة متجددة إلى يوم القيامة .
ومنها أنه الإمام في الصالحات ، والأسوة في الصبر في حال اليسر والعسر ، والحرب والسلم .
إن الأجيال المتعاقبة من المسلمين والمسلمات تنتظرها وقبل أن تخلق سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون لهم نبراساً وصراطاً ، فكان لا يفعل ولا يقول إلا ما يوصيه الله عز وجل له .
ومنها ثباته في ميدان الدفاع يوم بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين ، بتوكل وحفظ من عند الله عز وجل ، قال تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
و(قيل للبراء : كان النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ولى دبره يوم حنين قال : والذي لا إله إلاّ هو ما ولّى رسول الله دبره قط ، لقد رأيناه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب والعباس آخذ لجام الدابة.
وهو يقول : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب .
قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : ناد يامعشر المهاجرين ويامعشر الأنصار وكان العباس رجلاً صويّتاً.
ويروى من شدة صوت العباس أنه أُغير يوماً على مكة فنادى : واصباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها.
فجعل ينادي : ياعباد الله ، يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، وعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها فقالوا : يا لبيك يا لبيك يا لبيك وجاؤوا عنقاً واحداً فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصابة من الأنصار فقال : هل معكم غيركم .
فقالوا : يا نبي الله لو عمدت إلى برك العماد من ذي يمن لكنّا معك ، ثم أقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون ، وتنادى الأنصار : يامعشر الأنصار ثم( ) قصرت الدعوة على بني الحرث والخزرج .
فتنادوا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس ، فأخذ بيده كفّاً من (الحبِّ) فرماهم وقال : شاهت الوجوه.
ثم قال : انهزموا ورب الكعبة ، انهزموا ورب الكعبة.
قال : فوالله مازال أمرهم مدبراً وجدّهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى)( ).
خصائص الميدان
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بخصائص في ميدان الدفاع تتصف بصبغة المعجزة .
يلزم تأليف مجلد أو أكثر يختص بمعجزات الميدان من وجوه :
الأول : نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي واقعة بدر نزل قوله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، ووردت النصوص والأخبار بنزول الملائكة للقتال والنصرة .
الثاني : قانون نصر الله للأنبياء .
وهل نصر الله عز وجل للأنبياء بكيفية واحدة أم متعددة ، المختار أن كل نصر من الله لنبي يختلف عن نصره للأنبياء الأخرين ، وهو من سعة فضل الله عز وجل وبيان عظيم قدرته وسلطانه ليكون نصر الله عز وجل للنبي محمد أسناها وعلى نحو متعدد مع كثرة الوسائط ، وفي كل معركة من معارك الإسلام ينصر الله عز وجل النبي محمداً نصراً يختلف عن غيره ، قال تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الثالث : قانون نصر الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : نصر الله للأنبياء وإن طال الزمن واشتد أذى المشركين لهم ولأصحابهم ، قال تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
الخامس : كيفية نصر الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ففي كل واقعة كيفية وسبل للنصر تختلف عن غيرها .
السادس : قانون الدعاء لجلب النصر .
السابع : قانون قلة عدد قتلى المسلمين في الميدان في مواجهة كثرة المشركين.
الثامن : مقدمات النصرالحسية والعقلية .
التاسع :مصاديق الرحمة في الميدان لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدفاعية ، لعمومات قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
العاشر : بيان أفراد وشواهد لقانون لا يبدأ النبي القتال .
الحادي عشر : النصر بالوحي والآيات الكونية .
الثاني عشر : نتائج وفيض وبركة النصر الإلهي .
آية الدَين مدرسة
لقد نزلت ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يكتب وعدم كتابته معجزة له ، وشاهد على صدق نزول القرآن .
ومن الآيات ما هي طويلة وكثيرة الكلمات ، وأطول آية في القرآن هي آية الدَين وعدد كلماتها (129) كلمة ، وعدد حروفها (551).
وسميت آية الدَين لأن موضوعها التداين بين المسلمين والشهادة عليه وتوثيقه بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً وخصه بآية الدَين وتعدد الأحكام فيها ، وعمل أجيال المسلمين بها ، وسلامتها من التحريف .
وهناك ثلاث وثلاثون سورة من سور القرآن عدد كلمات كل واحدة منها أقل من عدد كلمات سورة الدَين أعلاه .
ويكون عدد كلمات آية الدَين أكثر من عدد سبع سور مجتمعة من القرآن.
وابتدأت آية الدَين بنداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وفيه دعوة للمسلمين والمسلمات من جهات :
الأولى : التدبر في مضامين هذه الآية .
الثانية : التفقه في الدين .
الثالثة : العمل بمضامين آية الدَين .
وإذا كان التداين يلزم نزول هذه الآية فان أحكام المعاملات تلزم الرجوع فيها إلى القرآن والسنة.
وكأن مجئ آية الدين من باب المثال الأمثل في مصاديق أحكام المعاملات ولزوم العناية بها وضبطها كالبيع والشراء والإجارة , والرهن , والشفعة , وقواعد الصرف , والشركة ,والمضاربة , والمساقاة , والوصية , والوديعة , والكفالة ، والضمان ، والميراث ، وغيرها واستنباط أحكامها وسننها من القرآن والسنة ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وهل الآية أعلاه من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم .
الرابعة : موضوعية الإشهاد في القرض والبيع .
الخامسة : الأجر والثواب في التداين ، وإمهال المعسر ، قال تعالى وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، و(عن أبي اليسر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)( ).
الخامسة : قانون ضبط القرآن والسنة للمعاملات ، ومنع الجهالة والغرر فيها.
ومن معاني قوله تعالى [إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] لزوم تعيين أجل الدَين والسلف .
و(عن ابن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث ، فقال : من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى أجل معلوم)( ).
وقد وردت في آية الدَين ست عشرة كلمة لم ترد في غيرها من آيات القرآن وهي :
الأولى : (كاتب) بصيغة المفرد والرفع، ولم يرد في القرآن الا ثلاث مرات كلها في هذه الآية، وورد مرة واحدة منصوباً في الآية التالية.
الثانية : (يملّ).
الثالثة : (يبخس) مضارعاً أو ماضياً.
الرابعة : (سفيهاً) منصوباً.
الخامسة : (شهيدين) بصيغة المثنى.
السادسة : (تضل) بصيغة التأنيث.
السابعة : (يأب) مرتين في هذه الآية احداهما تتعلق بالكاتب, والاخرى بالشهود.
الثامنة : (التداين).
التاسعة : (امرأتين) بصيغة المثنى المنصوب.
العاشرة : (ترضون)
الحادية عشرة : (ارتاب) بصيغة المفرد او الجمع.
الثانية عشرة : (حاضرة) صفة للتجارة.
الثالثة عشرة : (تكتبوها).
الرابعة عشرة : (تبايعتم).
الخامسة عشرة : (يضار) بصيغة المذكر.
السادسة عشرة : (يملل) مرتين في هذه الآية .
إنشاء النبي محمد (ص) سوق المدينة
كان في المدينة (يثرب) أيام قدوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها سوق لليهود يبيعون فيه الذهب والفضة وأدوات الزراعة لأن أهل المدينة أصحاب نخيل وزراعات .
فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنين الأولى للهجرة بتأسيس سوق للمسلمين فيها .
وعن أبي أسيد الساعدي (أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : بأبي أنت وأمي إني قد رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه.
قال : بلى ، فقام معه حتى جاء موضع السوق فلما رآه أعجبه وركضه برجله ثم قال : نعم سوقكم هذا فلا ينتقض ولا يضربن عليه خراج)( ).
لبيان المنع من أخذ الضرائب على محلات السوق كيلا ترتفع الأسعار ، وليكون عالم البيع والشراء مفتوحاً للجميع وتكون المحلات من غير إيجار أو بدل يثقل كاهل البائع أو المشتري.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا ينتقض) أي لا تبنى في ذات الموضع دور أو ممتلكات عامة أو خاصة .
واشتهر هذا السوق باسم (سوق المناخة) لأن الجزء الشمالي منه كان موضعاً لمناخة الإبل وسباق الخيل .
وإلى سنوات قليلة سابقة كان عندنا في النجف الأشرف سوق يسمى سوق المناخة في شارع المدينة لأن الإبل والخيول والرواحل تنوخ فيه ويأتي سكان البادية وأرباب الغنم للتبضع من النجف فتنوخ إبلهم فيه .
وفي تسعينيات القرن الماضي كنت إمام الجماعة في مسجد وحسينية الحاج شمران الكعبي في شارع المدينة وكان أحياناً يأتي بعض أهل البادية يصلون صلاة المغرب لمبيتهم في المناخة .
فهم لا يعودون للبادية وإلى مناطق الرهيمة والرحبة ومظلوم إذا حلّ عليهم الظلام خشية السلب أو فقدان الأثر أو بانتظار بيع منتوجهم قبل شبكة التبليط واقتنائهم السيارات .
لذا تجد من هذا السوق صناعة الخيم والجوادر والحطب والمواد الغذائية.
ويقع هذا السوق بين مسجد المصلى ومسجد السبق ، ولا تزال معالمه باقية إلى اليوم .
ويتصف هذا السوق بأمور :
الأول : خلو السوق من المباني والمحلات الخاصة .
الثاني : من حضر أولاً في الصباح ووضع بضاعته يبقى يتاجر إلى المساء أو حين مغادرته السوق أو المكان فالسوق لمن سبق .
الثالث : عدم تحديد الأسعار في السوق ، لقاعدة الناس مسلطون على أموالهم .
الرابع : ليس من حدود معينة لسوق المناخة ، ولكنها ظاهرة على المتعارف ، وقيل بين حدي السوق نحو الف ومائتين وخمسين متراً.
الخامس : ليس من ضرائب أو خراج تفرض على أهل السوق سواء كانت يومية أو شهرية أو سنوية .
السادس : تعطيل الأسواق ساعة النداء لصلاة الجمعة ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وسميت هذه السوق بأسماء متعددة :
الأول : سوق المناخة ، وهو المشهور .
الثاني : سوق المدينة .
الثالث : سوق بقيع الخيل .
الرابع : سوق المصلى .
الخامس : سوق البقيع .
السادس : سوق البطحاء .
السابع : سوق الزوراء .
ولم يرد في تأريخ وقصص الأنبياء قيامهم بانشاء الأسواق لينفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الخصوصية من بينهم ، وفيه شاهد على بناء دولة الإسلام وضبط القواعد التي تبعث على الأمن والنشاط التجاري ، وهو من البشارات باتساع تجارة المسلمين ليشكر المسلمون الله عز وجل على توالي واستدامة النعم ، قال تعالى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
تنزيه الأسواق
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنزيه الأسواق ، ومنع الغبن والغرر والضرر في البيع والشراء والسلف وترغيب الناس باقراض غيرهم ، وذكر ما فيه من الأجر والثواب .
وعن ابن عباس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن أُحد وثبير وطور سيناء حسنات)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما رزقه الله من الوحي وجوه :
الأول : قانون البعث على فعل الصالحات .
الثاني : قانون استحضار الآخرة وعالم الجزاء في المعاملات اليومية.
الثالث : تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن ترغيب للمسلم للتفقه في الدين والإحسان إلى الآخرين .
الرابع : قانون اليسر في جني واكتساب الحسنات ، قال تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا.
ومنع بيع السَلَم إلى الحصاد والجذاد الذي يختص بوقت معلوم .
والنسبة بين القرض والسلم عموم وخصوص مطلق ، فالقرض أعم ويقع في المال وغيره ، أما بيع السلم فهو بيع جائز في الذمة .
والسَّلم – بفتح السين- من أنواع البيوع إذ يقوم المشتري بتسليم الثمن في مجلس العقد ، بينما يسلم البائع السلعة في وقت وأجل معلوم ، كأوان الحصاد( ).
وفيه تيسير للناس ، ويسمى هذا البيع في الفقه (بيع المحاويج) .
إذ أن صاحب الثمرة محتاج المال للإنفاق عليها أو لأمور أخرى ، وهذا البيع مستثنى من نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده .
وأكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على موضوعية البركة في البيع ، وتأتي هذه البركة بالصدق في المعاملة ، والإبتعاد عن الغش .
(وروى حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما ، فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)( ).
وقد نزل القرآن بأحكام السرقة التي هي آفة الأسواق قبل وأثناء وبعد الشراء والبيع ، قال تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
قانون عالمية واستدامة الرسالة الخاتمة
قال الله تعالى مخاطباً النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
لقد بعث الله عز وجل مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ، منهم من بعث إلى قومه كما في قوله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ.
وفي صالح قال تعالى وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وفي إبراهيم قال تعالى وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وفي لوط قال تعالى وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ.
وتكرر قوله تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ.
كما ورد حكاية عن شعيب في التنزيل وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ.
وبخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وقال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
لبيان وظيفة النبوة الخاتمة بأنها بشارة للمؤمنين الذين يطيعون الله وإنذار للكافرين الظالمين العصاة في النشأتين ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.
وأخبر الله عز وجل بأن وسيلة البشارة والإنذار النبوية هي القرآن ، قال تعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا.
قانون الترغيب بتلاوة القرآن
لقد جعل الله عز وجل القرآن معجزة خالدة ، يترشح منها النفع العظيم للمسلمين والناس جميعاً ، وقد اثنى الله عز وجل على القرآن في آيات كثيرة منها قوله تعالى الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
ووصفه الله عز وجل بأنه مبارك ولم يأت هذا الوصف مجرداً ، قال تعالى وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
ليجمع الثناء الإلهي التوراة والإنجيل والصحف التي نزلت على الأنبياء ، وقال تعالى وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
لبيان وجوب اتباع الأوامر التي جاء بها القرآن ، والإنزجار عما نهى الله عنه في القرآن ، وتشمل البركة قراءة الآية والسورة من القرآن.
(وعن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقرأوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة)( ).
ولا تختص البركة بسورة البقرة بل تشمل قراءة كل سورة من القرآن وإن كانت قليلة الآيات .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن إكثاره من الترغيب بتلاوة القرآن ، وهو يعلم أنها نوع مقدمة وطريق سبل هداية ورشاد ، بالإضافة إلى الأجر والثواب بذات التلاوة ، وهل تلاوة القرآن من الصراط المستقيم في قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، الجواب نعم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يكثر من تلاوة القرآن على المنبر ، وفي المسجد ، ويستشهد ويحتج به ، ويقوم بتفسير آياته ، ويطلب من بعض أصحابه تلاوة القرآن عليه .
وعن عبد الله بن مسعود (قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : اقرأ عليّ القرآن ، قلت : عليك أقرأ وعليك أنزل ، قال : إني أحب أن أسمعه من غيري)( ).
ومن ترغيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته وأصحابه بتلاوة وحفظ آيات وسور القرآن ما ورد (عن فضالة بن عبيد ، وتميم الداري ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قرأ عشر آيات في ليلة كتب له قنطاران من الأجر ، والقنطار خير من الدنيا وما فيها ، فإذا كان يوم القيامة يقول ربك : اقرأ ، وارق لكل آية درجة ، حتى ينتهي إلى آخر آية معه ، يقول ربك للعبد : اقبض ، فيقول العبد بيده ، يقول يا رب أنت أعلم ، يقول : بهذه الخلد وبهذه النعيم) ( ).
و(جاء أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني أخاف أن أتعلم القرآن ولا أعمل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يعذب الله قلبا أسكنه القرآن.
وعن عقبة بن عامر الجهني: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار)( ).
و(عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها طيب ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر.
وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها.
وعن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خيركم من تعلم القرآن وعلمه فإن الله يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع آخرين)( ).
و(عن ابن نباتة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله عزوجل ليهم بعذاب أهل الارض جميعا حتى لا يريد أن يحاشي منهم أحدا إذا عملوا بالمعاصي، واجترحوا السيئات، فإذا نظر إلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات، والولدان يتعلمون القرآن ،رحمهم وأخر عنهم ذلك)( ).
و(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه ، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب.
ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات ، أما أني لا أقول ألم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة)( ).
قانون اتصال المعجزة الحسية
المراد من المعجزة الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي ، السالم من المعارضة ، وهي شاهد ودليل على صدق نبوة النبي والرسول ودعوته إلى الله ، وهي على أقسام :
الأول : المعجزة الحسية : وهي التي تدرك بالعيان فيعلمه الإنسان بواسطة حاصة البصر أو السمع أنها بينة وبرهان قاطع على صدق النبوة لأنها تغيير للماهية والحقيقة والنظام وبذا تختلف وتسمو بمراتب عن السحر الذي هو تخييل وخداع.
وتنقطع المعجزة الحسية بموت النبي الذي جاء بها ليبقى سماع الناس لها وتلقي المؤمنين لها بالتصديق .
ومن معجزات الأنبياء سفينة نوح وكيف أنه كان يعمل في بنائها لسنوات في أرض يابسة ليس من نهر أو بحر قريب منه ، وينذر قومه من الشرك ومن عذاب الله إلى أن جاء الطوفان بغتة فانجاه الله عز وجل ومن ركب معه في السفينة ، قال تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
و(عن ابن عباس قال : كان في سفينة نوح ثمانون رجلاً أحدهم جرهم).
وقال (محمد بن كعب القرظي: لم يكن في السفينة إلا ثمانية نفر : نوح ، وامرأته ، وثلاثة بنين له سام وحام ويافث ، ونساؤهم.
وقال الأعمش : كانوا سبعة نوح وثلاثة بنين له ، وثلاث كنائن له .
وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا.
وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفرًا رجلا وامرأةً وبنيه الثلاثة ونساءَهم، فجميعهم ثمانية وسبعون، نصفهم رجال ونصفهم نساء)( ).
وعن البطائني عن الإمام الكاظم عليه السلام (قال : إن سفينة نوح كانت مأمورة فطافت بالبيت حيث غرقت الأرض ثم أتت منى في أيامها، ثم رجعت السفينة وكانت مأمورة وطافت بالبيت طواف النساء ، والحديث ضعيف سنداً بالبطائني.
قال السيد ابن طاوس في سعد السعود، وجدت في التوراة المترجم أن الطوفان بقي على وجه الأرض مائة وخمسين يوما ، وأن الذين كانوا معه في السفينة من الإنس بنوه الثلاثة : سام وحام ويافث ونساؤهم، وأن جميع أيام حياة نوح تسعمائة وخمسين سنة ، وأن حياته بعد الطوفان كانت ثلاث مائة وخمسين سنة)( ).
ومعجزة النبي صالح الناقة التي خرجت من صخرة صماء وكانت تذكرهم كل يوم بأنها آية من عند الله إذ ترو الماء يوماً في كل يومين لتعطي القوم حليباً يكفيهم يومهم جميعاً .
وكانت معجزة إبراهيم عليه السلام سلامته من النار التي القاه فيها قوم نمرود ، بعد قيامه بتحطيم أصنامهم ، وفي التنزيل قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.
وتعددت معجزات الرسول موسى عليه السلام ، وأظهرها عصاه التي له فيها استعمالات اعجازية متعددة وصاحبته في حياته ، ومنها قوله تعالى فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ.
أما معجزات النبي عيسى فهي متعددة منها ولادته من غير أب ، وتكليمه الناس وهو في المهد بما فيه ذكر لله وتعظيم شعائره ، فحينما أشارت مريم على الناس أن يكلموه وهو في المهد أصابتهم الدهشة والإنكار فبادر هو إلى تكليمهم قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا*وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا.
أما معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية فانها تمتاز بكثرتها وتعدد موضوعها ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تداخل معجزاته الحسية مع العقلية وهو من وجوه تفضيله ومنها ما وثق في القرآن ومنها ما ثبت في السنة النبوية القولية والفعلية ، لتدل آيات القرآن على لزوم التصديق بها ، والتدبر في دلالتها ، لقوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الثاني : المعجزة العقلية ، وهي التي تخاطب العقول وتتصف بالبقاء والتجدد ، والحضور الدائم بين الأجيال المتعاقبة ، ولا تدرك بالحواس الخارجية كالسمع والبصر ، نعم تكون الحواس فيها عضداً للعقول ، ووسيلة للتدبر في شواهدها .
والقرآن هو المعجزة العقلية الخالدة التي تبهر العقول وتدل على صدق نزوله من عند الله عز وجل ، ليكون داعية إلى التوحيد والنبوة في كل زمان ، والعقل هو آلة الإدراك للمفاهيم والأمور الكلية ويدرك العقل والوجدان أن كل آية من القرآن خزينة متجددة من العلوم ، إلى جانب الثواب العظيم في قراءة آياته .
وقد اختص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنزول القرآن على صدره .
الثالث : المعجزة الحسية العقلية : والتي تجمع بينهما في آن واحد ، كما في قوله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، فالمعجزة الخالدة هي الآية أعلاه ، أما الإعجاز الحسي فيها فينقسم إلى شعبتين :
الأولى : المعجزة الحسية الذاتي وهي قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأخذ حفنة من تراب من الأرض ورماها في وجوه المشركين وهو يقول (شاهت الوجوه).
الثانية : المعجزة الحسية الغيرية ، بوصول ذرات هذه الحفنة إلى عيون ومناخر أفراد جيش المشركين مع أن عددهم أكثر من تسعمائة .
و(عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء وقال : شاهت الوجوه . فانهزمنا ، فذلك قول الله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن جابر قال : سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست ، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين فانهزموا ، فذلك قوله [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ].
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : ناولني قبضة من حصباء ، فناوله فرمى بها في وجوه القوم ، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء ، فنزلت هذه الآية [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ])( ).
الإمتناع عن الدعاء على المشركين
لما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي ليرجع إلى قومه ويدعوهم بصدق وجد إلى الإسلام ويبذل لهم النصيحة فأسلم والداه ، ولكن أكثرهم أعرض عنه لاتباعهم الهوى .
قال الطفيل (ثم دعوت دوساً إلى الإسلام فأبطأوا عليَّ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: قد غلبتني دوس فادع الله عليهم، فقال : اللهم اهد دوساً .
وقال لي : أخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم)( ).
ويدل خبر إيمان الطفيل على بداية قانون انحسار نفوذ وسلطان قريش ، لقانون غلبة المعجزة النبوية على سطوة المشركين ، كما في معجزة إبراهيم عليه السلام ونجاته من النار ، وفضح النمرود ، وكما في عصا موسى عليه السلام ، ولحوق الخزي بفرعون ثم هلاكه وجنوده في البحر .
وفي رواية عنه (فقلت : يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم قال : اللهم اهد دوسا ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم)( ).
لبيان مسألة من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي امتناعه عن الدعاء على المشركين إذا سئل أن يدعو عليهم ، إنما يقوم بالدعاء لهم بالهداية والإيمان مع علمه بايذائهم للمسلمين ، وقد تجلت هذه المسألة في معركة أحد .
و(عن أنس قال : لمّا كان يوم أُحد شجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في فوق حاجبه وكسرت رباعيته وجرح في وجهه ، فجعل يمسح الدم في وجهه؛ وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربّهم ، فأنزل الله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ))( ).
زواج النبي (ص) بأكثر من أربع
لقد ورد قوله تعالى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا،
فالأصل في الخطاب القرآني للمسلمين العموم والمسلمات إلا مادلّ الدليل على خروجه منه بالتخصص أو التخصيص وهو نكاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأكثر من أربع.
ولا يجوز لغيره من المسلمين الجمع بين أكثر من أربع حرائر في النكاح.
لقد نزل تقييد النكاح بأربع نساء مع أولوية الزوجة الواحدة ، قال تعالى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا.
وقد لا تكفي الرجل المرأة الواحدة ، ولا يكتفي بها خاصة مع تعرضها للحيض والحمل والنفاس ، وكثرة أسفار الرجل ، ولوقوع الحروب والمعارك واصابة عدد الرجال بالنقص ، وكثرة الشهداء .
وللمندوحة والسعة لمن أنعم الله عز وجل عليه بالسعة في الرزق والقدرة على الإنفاق على العيال ، ولإرادة كثرة الإنجاب عند المسلمين لعمارة الأرض بالصلاة والذكر وصيام شهر رمضان ، والتدافع في حج بيت الله الحرام .
ومن معاني تسمية مكة بكة بقوله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، أن الناس يتباكون ويزدحمون فيها رجالاً ونساءً ، ولا يقع هذا في بلد آخر .
ومع موضوعية مكة في تأريخ الإسلام ، والمناسك فلم يرد كل من لفظ بكة أو مكة في القرآن إلا مرة واحدة ، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا.
وتفضل الله عز وجل وخصّ النبي محمداً بالزواج بأكثر من أربع نساء لحكمة بالغة .
ولتتجلى العصمة النبوية في عدل النبي محمد بين أزواجه وحسن معاشرته لهن ، وصون الله له من الخطأ والتعدي في المقام .
وكما اختص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بواجبات عبادية تشق على غيره مثل قيام الليل وصوم الوصال فان الله عز وجل خصه بمزايا منها الزيادة على أربع في النكاح ، وليس عن شره في الجماع إنما إكرام من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاكاة له مع الأنبياء السابقين .
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (قال سليمان بن داود : لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة)( ).
وقيل كانت عنده سبعمائة امرأة ، ولا يخلو من مبالغة .
مصاهرة مقام النبوة
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة الخاتمة لتترشح الكرامة والبركة على أهل البيت والصحابة ، والذين تجمعهم المصاهرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلباس الإيمان ، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا.
وقد تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق الذين أرادوا الهجوم على المدينة وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
وأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابي بريدة ليتحرى أمرهم ، فتأكد من قيام الحارث بجمع الجيوش للإغارة على المدينة ، وتأكد من سوء قصدهم وما عزموا عليه فباغتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهر شعبان من السنة السادسة للهجرة على الأرجح ومعه خمسمائة من المهاجرين والأنصار .
ووقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس ، فكاتبته على مبلغ من المال فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته تستعين به لسداد مكاتبتها .
(قَالَ فَهَلْ لَك فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ أَقْضِي عَنْك كِتَابَتك وَأَتَزَوّجُك ؛ قَالَتْ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ قَدْ فَعَلْت .
وَخَرَجَ الْخَبَرُ إلَى النّاسِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ تَزَوّجَ جُوَيْرِيَةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ.
فَقَالَ النّاسُ أَصْهَارُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ قَالَتْ فَلَقَدْ أُعْتِقَ بِتَزْوِيجِهِ إيّاهَا مِئَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِق)( ).
وقيل تعدد الازواج للوثوق بعدله بينهن ، ولكنها أعم ، فهي نعمة خص الله عز وجل بها النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وتلقاها المسلمون بالقبول والتصديق.
ومجموع اللاتي تزوجهن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمس عشرة امرأة ، وجمع بين احدى عشرة ، ودخل في ثلاث عشرة ، وفارق امرأتين في حياته :
الأولى : الكلبية التي رأى النبي بياضاَ بين خاصرتها إلى الضلع الخلف من لدن السرة ، فقال : الحقي بأهلك .
الثانية : التي تعوذت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما دخل عليها وهي اسماء بنت النعمان الكندية .
و(عن سهل بن سعد، وأبي أسَيد أنهما قالا تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنما كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازِقِيَّين)( ).
وفي قصة ذات المرأة ورد في (حَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيّةِ فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ فِي نَخْلٍ وَمَعَهَا دَابّتُهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ هَبِي لِي نَفْسَكِ .
فَقَالَتْ وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسّوقَةِ فَأَهْوَى لِيَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْك فَقَالَ ” قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ ثُمّ خَرَجَ فَقَالَ ” يَا أَبَا أُسَيْدٍ اُكْسُهَا رَازِقِيّيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ ذَكَرْت لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ امْرَأَةً مِنْ الْعَرَبِ فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهَا فَأَرْسَلَ إلَيْهَا فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَة َ فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى جَاءَهَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكّسَةٌ رَأْسَهَا فَلَمّا كَلّمَهَا قَالَتْ أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْك قَالَ : قَدْ أَعَذْتُكِ مِنّي .
فَقَالُوا لَهَا : أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا ؟ قَالَتْ لَا قَالُوا : هَذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَاءَك لِيَخْطُبَك قَالَتْ أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ)( ).
وهي أخبار في قصة امرأة واحدة ، والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتزوجها فلم يقع طلاق إنما دخل عليها بعنوان الخطبة والعقد الذي يتقوم بالقبول والإيجاب ، قال الله تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.
أزواج النبي (ص) أمهات المؤمنين
لقد أكرم الله عز وجل نساء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمرتبة لم تنلها غيرهن من نساء الأرض بأن فزن بدرجة سامية وصفة أمهات المؤمنين ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أزواجه أمهات أجيال المسلمين .
وحرمة نكاح المسلمين لهن ، وللتوقير والإكرام ، إذ أن مسألة التزويج وحرمته تنقطع بموتهن ، قال تعالى وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا.
و(عن قتادة قال : قال طلحة بن عبيد الله : لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة ، فنزلت وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ))( ).
وذكره ابن عباس بصيغة الكناية إذ (قال : قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لو قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة . أو أم سلمة ، فأنزل الله وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ )) ( ).
أما الإكرام والتعظيم فهو مستمر إلى يوم القيامة ، لأن المدار على عموم اللفظ وليس سبب النزول وحده لبيان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولي وأبو المسلمين ، أبوة عقائدية بصبغة الإيمان ، و(عن ابن عباس : أنه كان يقرأ هذه الآية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم)( ).
وفي قراءة أبي بن كعب (وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم).
و(عن بجالة قال : مرّ عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم فقال : يا غلام حكها فقال : هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله ، فقال أبي : إنه كان يلهيني القرآن ، ويلهيك الصفق بالأسواق)( ).
والمدار على ما مرسوم في المصاحف .
و(عن عائشة أن امرأة قالت لها : يا أمي فقالت : أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم .
بينما أخرج ابن سعد عن أم سلمة قالت : أنا أم الرجال منكم والنساء)( ).
لبيان العموم في قول أم سلمة.
لقد اختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء بأن أزواجه أمهات المؤمنين ، وهو من أسرار تعدد زوجات النبي لأكثر من أربعة ، إذ يترشح هذا التشريف على ذويهن وقبائلهن ، كما أنه مناسبة لرجوع المسلمين إلى نساء النبي لمعرفة سيرته في بيته ومع عياله ، وسماع أخبار من سنته وفرائد العلم التي تفضل بها ، مع حرمة الزواج من نسائه بعد وفاته.
والاقتباس عن سيرته في حسن العشرة ، وصلاح الأسرة ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
إحصاء منافع تعدد زوجات النبي
مع تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكثير منهن دخل بهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد جاوزن الخمسين من العمر عند الدخول .
ومن منافع هذه الكثرة أمور :
الأول : قانون تآلف القبائل ، ومحاربة الإرهاب ومنع قريش من التحريف والإفتراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
الثاني: إكرام البيوت والقبائل بمصاهرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومناسبة وجوه بين الناس التي تنقطع بمغادرته الحياة الدنيا.
و(عن المسور بن مخرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي ، وسببي ، وصهري .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري)( ).
الثالث : استماع أزواج النبي للتلاوة والسنة النبوية القولية .
الرابع : توثيق أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسنة النبوية الفعلية .
الخامس : صيرورة أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم آمرات بالمعروف وناهيات عن المنكر ، لذا اكرمهن الله عز وجل بمرتبة سامية هي أمهات المؤمنين ، قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.
ومن معاني الأمومة في المقام دعوة أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السلم والصلح والموادعة ، ونبذ الخصومات ، والسوء في القول والعمل.
السادس : إكرام أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأغلب أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبيرات في السن.
وهذه الأمور ليست علة تامة لزواج النبي لأكثر من أربعة ، إنما هو فضل من عند الله على رسوله ، وبيان الفارق الرتبي في حكم مخصوص ورخصة للنبي من بين عامة أفراد الأمة .
وهذا الزواج ليس مطلقاً بل هو مقيد أيضاً ، إذ نزل قوله تعالى [لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا] ( ).
ونزلت سورة الأحزاب بعد واقعة الخندق في السنة الخامسة للهجرة ، ونزلت آيات منها بعد صلح الحديبية.
وذكر أن (أول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ، ثم الأنفال ، ثم آل عمران ، ثم الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ، ثم الزلزلة ، ثم الحديد ، ثم محمد ، ثم الرعد ، ثم الرحمن ، ثم الإنسان ، ثم الطلاق ، ثم ألم يكن ، ثم الحشر ، ثم النصر ، ثم النور ، ثم الحج ، ثم المنافقون ، ثم المجادلة ، ثم الحجر ، ثم التحريم ، ثم الصف ، ثم الجمعة ، ثم التغابن ، ثم الفتح ، ثم التوبة ، ثم المائدة) ( ).
وآخر امرأة تزوجها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي ميمونة بنت الحارث بمكة عندما حلّ من عمرة القضاء ، وعمرة القضاء في شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة .
إفاضات زواج النبي
ومن معاني زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأكثر من أربع مسائل :
الأولى : زواج النبي لأرامل بعض الشهداء ، فمع انه تزوج ثلاث عشرة امرأة فليس فيهن باكر إلا عائشة ، وفيه دعوة للمسلمين للعناية بالأرامل والعجائز بالزواج منهن أو بالإنفاق والإحسان إليهن.
ولم يدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بامرأتين غيرهن هما : عمرة وسبا.
ومنهم من قال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج أكثر من هذا العدد وأنه تزوج خمساً وعشرين امرأة .
وكان في ملك يمينه احدى وعشرون امرأة.
ولا أصل لهذا القول ، وخلاف الواقع.
ولم تذكر إماء متعددة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما كانت أخباره الأسرية المتواترة تتعلق بازواجه وحسن عشرته معهن.
نعم كانت عنده سرية وهي ماريا أم إبراهيم ابن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخرى وهي ريحانة الخندقية .
و(عن أنس قال : توفي إبراهيم بن النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن ستة عشر شهرا فقال رسول الله : ادفنوه في البقيع فإن له مرضعا يتم رضاعه في الجنة .
وقال أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عمرو بن سعيد عن أنس قال : ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله كان ابراهيم مسترضعا في عوالي المدينة وكان ينطلق ونحن معه فيدخل إلى البيت وإنه ليدجن وكان ظئره فينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع)( ).
الثانية : إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنساء ، والعدل بين أزواجه مع كثرتهن .
الثالثة : طلب التعضيد والنصرة واستمالة القلوب بالمصاهرة ، ودفع الشرور والأذى بها .
الرابعة : إصلاح أهل البيت لتقوى الله ، لذا ورد قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا.
لتأكيد زهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانقطاعه إلى الدعوة إلى الله بالنفس والمال .
وقد تزوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة خديجة بنت خويلد وكانت تكبره بخمس عشرة سنة ، ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت في السنة العاشرة للبعثة النبوية ، وكان كثيراً ما يذكرها ويثني عليها ويستغفر لها إلى آخر أيام حياته .
التورية على الكفار
التورية كتمان الشئ والتعريف والإشارة إلى غيره ، وكان النبي إذا أراد التوجه إلى جهة ورى بغيرها حقناً للدماء ، وللمنع من الملاقاة بالسيوف فيحنما يعلم الكفار الذين اجتمعوا لقتاله وغزو المدينة بقربه منهم تفرقوا ، لتكون التورية من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن مصاديق قوله تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ .
قال ابن إسحاق بسند منقطع : عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خيبر قدم عليه الحجاج بن عِلاط السّلمي وأسلم ، وكان له مال كثير عند تجار مكة ، وله معادن في أرض بني سُليم ، وزوجته في مكة أم شيبة أخت بني عبد الدار سدنة البيت ، وحملة لواء المشركين في معركة بدر وأحد.
فقال الحجاج يا رسول الله أن لي أموالاً عند أهل مكة ، وذهباً عند امرأتي ، وإذا علمت وأهلها باسلامي يستحوذون عليه ، ولا يعطوني منه شيئاً ، فاذن لي لاسرع السير قبل أن يسبق خبر إسلامي وفتح خيبر فيزداد حنق وغيظ قريش .
فاذن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن الحجاج لم يكتف بالإذن إنما سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأذن له بالنيل منه عند أهل مكة تورية وتقية.
(فقال: إنه لابد لي يا رسول الله من أن أقول.
قال : قل)( ) فتوجه الحجاج إلى مكة يطوي الأرض ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منع طرو الحرج والأذى على الصحابة .
ولما قارب الحجاج أطراف مكة وجد بثنية البيضاء ، وهي قريبة من التنعيم رجالاً من قريش يتسمعون الأخبار لأنهم علموا بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر .
وكان الركبان والمسافرون ينقلون الأخبار بين المدن ، ولم يكن هناك بريد لدولة في الجزيرة .
فعندما رآى رجال قريش الموجودون في ثنية البيضاء الحجاج بن عِلاط استبشروا.
وقالوا عنده والله الخبر ، ولم يعلموا باسلامه.
وقالوا أخبرنا (فَإِنّهُ قَدْ بَلَغْنَا أَنّ الْقَاطِعَ قَدْ سَارَ إلَى خَيْبَرَ ، وَهِيَ بَلَدُ يَهُودُ وَرِيفُ الْحِجَازِ) ( ).
أي أنهم لا يسمون النبي باسمه بل يسمونه القاطع وأنه قطع الأرحام باسلام طائفة من قريش ، وبسقوط قتلى من قريش في معركة بدر وأحد والخندق .
وفيه شاهد على شدة الحرب والإفتراء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على أن دخول الناس الإسلام تم بالمعجزة وسيلة وسبباً وسبيل هداية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوته وكل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة كل يوم اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، في الصلاة بقصد القرآنية والخشوع لله عز وجل .
ليكون دعاءً لأنفسهم وللناس ، وهذا العموم من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ، ومنه قانون دعاء المسلمين لأنفسهم وللناس بالهداية ورجاء رحمة الله .
إنما بعثه الله عز وجل ليقطع على الناس طريق النار ، ويأخذ بأيديهم إلى الأمن والبركة في الدنيا ، واللبث الدائم في النعيم ، فاجابهم الحجاج : عندي من الخبر ما يسركم ، فسارعوا إلى ناقته والتفوا عليها ، وهم يلحون عليه بأخبارهم بما هو سار .
قال الحجاج (هُزِمَ هَزِيمَةً لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطّ ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ قَتْلًا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطّ ، وَأُسِرَ مُحَمّدٌ أَسْرًا ، وَقَالُوا : لَا نَقْتُلُهُ حَتّى نَبْعَثَ بِهِ إلَى أَهْلِ مَكّةَ ، فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ .
قَالَ فَقَامُوا وَصَاحُوا بِمَكّةَ وَقَالُوا : قَدْ جَاءَكُمْ الْخَبَرُ) ( ).
وتباشروا بينهم ، وصاروا ينتظرون قتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، فقال لهم الحجاج أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي ، فأني أريد أن أقدم المدينة (يثرب) وأصيب من أصحاب محمد الذين فروا وأسروا قبل أن يسبقني التجار .
فصاروا يجمعون له ماله ، وجاء إلى زوجته وسألها المال الذي جعله عندها فدفعته له : وفيه شاهد على شدة عداوة قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حتى بعد صلح الحديبية ، وشاع الخبر في مكة ليظهر المشركون الشماتة ويحزن المسلمون والمسلمات من أهل مكة ، وحزن بنو هاشم حزناً شديداً وصاروا حيارى.
وقد يقال هل تنطلي هذه التورية على قريش ولم يشكوا بأمر الحجاج هذا ، وهم أهل معرفة بأحوال الأمم ، وخبرة بالوقائع .
الجواب نعم لأنهم يظنون أن حصون خيبر لا تقهر ، ولعله بلغهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاصرها ، إذ دامت مدة الحصار أربعة عشر يوماً من أيام بقيت من محرم إلى شهر صفر من السنة السابعة للهجرة .
أكثر يهود الجزيرة من العرب
لقد توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر وهي أشد قرى وحصون الجزيرة منعة.
وفيها نحو سبعمائة من الرجال بين دارع وحاسر ، وفيهم الفرسان الشجعان مثل مرحب وأخيه.
وليس كلهم من أصول يهودية ، فكثير منهم من العرب الذين اعتنقوا اليهودية لإدراكهم قبح عبادة قريش الأصنام ، ولإنقياد الإنسان بالفطرة إلى الديانة السماوية ومبادئ التوحيد، وهو من العهد والميثاق الذي يتضمنه قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، عند خلق آدم أبي البشر.
وقد تظهر هذه الحقيقة وغيرها بخصوص الأنساب بالدقة المرتقبة لتحليل DNA ، وذكر أن بني النضير وبني قريظة ينتميان إلى قبيلة جُذام اليمنية التي هاجرت إلى الحجاز .
وروى الترمذي (لَمَا أَنَزَلَ اللّهُ فِي سَبَأٍ مَا أَنَزَلَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا سَبَأٌ : امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ .
قَالَ : لَيْسَ بِامْرَأَةِ وَلَا أَرْضٍ وَلَكِنّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنْ الْعَرَبِ ، فَتَيَامَنْ مِنْهُمْ سِتّةً وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ .
فَأَمّا الّذِينَ تَشَاءَمُوا : فَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَعَامِلَةُ وَغَسّانُ.
وَأَمّا الّذِينَ تَيَامَنُوا : فَالْأَزْدُ وَالْأَشْعَرُونَ وَحِمْيَرُ وَمُذْحِجُ وَكِنْدَةُ وَأَنْمَارٌ ، قَالَ الرّجُلُ وَمَنْ أَنْمَارٌ .
قَالَ : الّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبَجِيلَةُ)( ).
ودان السمؤال بن عاديا باليهودية وهو عربي من الأزد ، وترجع أسرة مرحب إلى قبيلة حمير .
وكان يقام بخيبر أحد أسواق العرب الكبيرة في الجاهلية واسمه سوق نطاة خيبر ، ويدل تسمية سوق خيبر بأنه من أسواق العرب على صبغة العربية على تلك الأماكن وسكانها .
وقال(محمد بن الحسن بن ثريد الأزدي، في إسناد ذكره أن أسواقَ العرب الكبيرة كانت في الجاهلية ثلاث عشرة سوقاً.
فأولها قياماً: سوق دومة الجندل: وهي على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة، وعلى عشر مراحل من الكوفة، وعلى عشر مراحل من دمشق، حصنها ممرد وبها التقى الحكمان ، بعد وقائع صفين وفي سنة ثمان وثلاثين للهجرة .
ثم صار ثم دبا ثم الشحر ثم رابية حضرموت ثم ذو المجاز ثم نطاة خيبراً، ثم المشقر ثم حجر باليمامة ثم منى، ثم عكاظ ثم عدن ثم صنعا.
وكانت هذه الأسواق منها ما يقوم في الأشهر الحرم ولا يقوم في غيرها، ومنها ما لا قوم في الأشهر الحرم، ويقوم في غيرها. لكنه لا يصل أحد إليها إلا بخفير ولا يرجع إلا بخفير) ( ).
لحاجة الناس لاتصال الأسواق على مدار السنة وهي مناسبة متجددة لنشر مبادئ الإسلام وآيات القرآن وبعث النفرة من الأوثان.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : الصبر على شدة الأذى .
الثاني : الإذن لبعض أصحابه النيل منه لنجاتهم من القتل ، وهو من فروع قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، بلحاظ أن صدور الإذن من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
الثالث : استمرار كيد ومكر قريش ضد النبوة والإسلام .
الرابع : نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمدد وعون من عند الله ولحوق الخزي للذين كفروا بنبوته وهم في الدنيا ، قال تعالى فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
إنصراف النبي (ص) من عمرة القضاء
ولما تمت الأيام الثلاثة لوجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في مكة جاء حويطب بن عبد العزى وسهيل بن عمرو الذي عقد صلح الحديبية مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطلبا منه الخروج بأصحابه من مكة وأراد منهم أن يمهلوه حتى يبني بميمونة فابوا.
فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى سرِف بكسر الراء ويبعد عن مكة نحو (5) كم ويسمى في هذا الزمان مدينة (النوارية) إذ أقام به النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وبعث إلى ميمونة فبنى بها فيه في محضر من جميع الصحابة الذين معه وعددهم ألفان ، مما يدل على رضاهم بزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبولهم له قبولاً حسناً ، وإدراك موضوعيته في الإصلاح بين القبائل ، ولم يسألوه عن زواجه من اكثر من أربع مع كثرة أسئلتهم في أمور الدين والشريعة .
وميمونة هي برة بنت الحارث الهلالية ، وهي إحدى أخوات أربع سماهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الأخوات المؤمنات).
وفي كيفية زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها وجوه :
الأول : أن ميمونة مات عنها زوجها أبو رهم بن عبد العزى العامري وعمرها ست وعشرون سنة فامضت أمرها إلى شقيقتها الكبيرة أم الفضل ، فأخبرت زوجها العباس بن عبد المطلب.
فمضى العباس من فوره إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعرض عليه الزواج منها فاستجاب له .
الثاني : عندما قارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعفر بن أبي طالب لخطبتها له ، وهو زوج أختها لأمها أسماء بنت عميس .
الثالث : قيل أنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمختار خلافه ، وقيل نزل فيها قوله تعالى [وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ] ( ) والمختار أن التي وهبت نفسها للنبي غيرها .
وقال تعالى [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] ( ).
توالي النعم
هل في آية (الأنفال) بشارة توالي النعم والمكاسب على أجيال المسلمين كما في هذا الزمان ووجوب اصلاح ذات بينهم ، وعدم اتخاذها وسيلة للقتال بينهم ، إذ تبين الآية أولوية إصلاح ذات البين ، قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، الجواب نعم.
وذكرت كلمة الأنفال مرتين في أول هذه السورة ، ولم تذكر في آية أخرى من القرآن ، وكذا ذكر لفظ (غنمتم) في القرآن مرتين قال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وقال تعالى فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، واختلف في معنى الغنيمة هل المراد خصوص ما أخذ من الكفار بقوة الخيل والقتال من السلاح ومتاع الدنيا ، وهو المشهور .
والمختار أن النسبة بين الغنيمة والأنفال عموم وخصوص مطلق ، وأن الأنفال تختص بالحرب وما يقع في أيدي المسلمين من أموال الكفار الذين يحاربونهم في الميدان أما الغنيمة فهي أعم ولا تختص بالحروب وزمان القتال.
وكذا ذات النسبة بين الغنيمة بمعناها اللغوي والفيئ بغلبة وحرب
وكل منهما ورد في سورة الأنفال .
قانون التقييد في القتال
من إعجاز القرآن ورود العام والخاص ، والناسخ والمنسوخ ، والمطلق والمقيد ، والمحكم والمتشابه ، وقد يأتي التقييد في ذات الآية كما في قوله تعالى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، فورد تقييد القتال في الآية أعلاه من جهات :
الأولى : قانون حصر قتال المسلمين في سبيل الله .
ومن معانيه أمور :
الأول : النية والقصد وإرادة القربة إلى الله .
الثاني : عدم قصد الطمع وحيازة الغنائم .
الثالث : إجتناب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتال الذين لا يحاربون المسلمين .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقده ميثاق المدينة مع اليهود الساكنين فيها من بني قريظة والنضير وقينقاع .
الثانية : قانون قتال الذين يقاتلون المسلمين دون غيرهم من الناس وإن كانوا كفاراً .
ولا يختص هذا التقييد بمضمون ذات الآية أعلاه ، وهل يشمل تقييد الإطلاق في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
وتقدير الآية أعلاه : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار الذين يقاتلونكم.
أم أن قتالهم مقدمة لحفظ الثغور وأمن المسلمين في أوطانهم وزجر الكفار عن إعانة قريش في قتالها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أو أن الآية أعلاه ناسخة للآية المقدمة من سورة البقرة ، الجواب ليس من نسخ بين الآيتين .
وفي قوله تعالى قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ (قال ابن عباس : مثل قريظة والنضير وخيبر وفدك ونحوها)( ).
الثالثة : قانون حرمة التعدي في حال الحرب والسلم لقوله تعالى [وَلَا تَعْتَدُوا].
الرابعة : قانون النهي عن التعدي والظلم في حال الحرب والسلم لبيان التضاد بين مبادئ الإسلام والتعدي ، ولأن المعتدين محرومون من حب الله.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيئة بالنهي عن التعدي والظلم .
ذريعة المشركين لقتال النبي (ص)
عند قدوم قافلة لأبي سفيان من الشام التي تتألف من ألف بعير محملة بالبضائع منها الذهب والفضة والأقمشة والحبوب والقطن أدعوا أن النبي محمداً في كتيبته يروم الإستيلاء على القافلة ، وأرادوا الكيد والمكر فأرسلوا إلى قريش ضمضم بن عمرو يستصرخهم لإنقاذ القافلة .
فاعلنت قريش النفير في ثلاثة أيام ليخرجوا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أنه من خصائص النبي محمد تلقي مكر المشركين لإيجاد ذريعة لقتاله والإجهاز عليه قبل أن يكثر أصحابه خاصة مع بلوغهم أخبار بناء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسجد النبوي ، وإنشاء بعض الصحابة مساجد لهم في أحياء المدينة ، مع توالي أخبار توافد المهاجرين إلى المدينة وعناية الأنصار بهم ، وعملهم مجتمعين بقوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بين كل اثنين من أصحابه بعد ستة أشهر من الهجرة .
فجهزت قريش جيشاً من ألف رجل مع تعييرهم لمن يريد التخلف ، فمثلاً مع علو شأن أمية بن خلف في قريش وكونه رئيس جمح فانه لما (أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال : يا أبا علي استجمر فإنما أنت من النساء.
قال : قبحك الله ما جئت به ، ثم تجهز وخرج مع الناس)( ).
وقد سبق وأن أنذره سعد بن معاذ وأخبره عن قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يقتل أمية بن خلف ، حينما قدم سعد إلى مكة معتمراً بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وكان ينزل على أمية بن خلف.
وكان سعد بن معاذ سيد الأوس ، وإذا مرّ أمية بن خلف بالمدينة فانه ينزل على سعد ، ويبدو أن أمية كان يجتنب الإحتكاك بين سعد ورؤساء قريش ، إذ ورد عن عبد الله بن مسعود في حديث (فقال أمية لسعد انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت قال فبينما سعد يطوف إذا أتاه أبو جهل فقال من هذا الذي يطوف بالكعبة.
فقال سعد بن معاذ انا سعد فقال أبو جهل أتطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه فتلاحيا.
فقال أمية لسعد لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل هذا الوادي.
فقال له سعد والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن عليك متجرك بالشام فجعل أمية يقول لسعد لا ترفع صوتك ويسكته.
فغضب سعد فقال دعنا عنك فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك قال إياي ؟ قال نعم.
قال والله ما يكذب محمد إذا حدث)( ).
ثم قامت امرأة أمية بنهيه عن الخروج لأنهم يدركون أن كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق إذ كان يسمى في مكة قبل البعثة (الصادق الأمين) وهذه التسمية من خصوصياته .
رؤيا البشارة في المعارك
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا الوحي التي هي أسمى مرتبة من الرؤيا الصادقة ، ومن رؤيا الوحي البشارة مقدمة لقتال المشركين ، وقد وثّق القرآن بعض هذه الرؤى .
وقد نزلت آيات قرآنية بخصوص رؤيا البشارة في مقدمات معركة بدر ، قال تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ،
ومن مفاهيم رؤيا البشارة أنها رؤيا إنذار وتخويف وزجر للمشركين والنسبة بين ما رآه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رؤيا الوحي وما ذكر منها في القرآن عموم وخصوص مطلق ، فهذه الرؤى أعم مما ذكر في القرآن .
ليكون من خصائص الآية القرآنية تصديق السنة النبوية .
لذا ورد بعضها في السنة النبوية مع ترتيب الأثر عليها كما في مقدمات معركة أخد كما في الخبر (ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى ليلة الجمعة رؤيا فأصبح، فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم : رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح، والله خير، ورأيت سيفى ذا الفقار انقصم من عند ضبته، أو قال: به فلول، فكرهته، وهما مصيبتان، ورأيت أنى في درع حصينة وأنى مردف كبشا .
فلما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤياه، قالوا: يا رسول الله، ماذا أولت رؤياك .
قال : أولت البقر الذى رأيت بقرا فينا وفى القوم، وكرهت ما رأيت بسيفي .
ويقول رجال: كان الذى رأى بسيفه: الذى أصاب وجهه، فإن العدو أصاب وجهه يومئذ، وقصموا رباعيته وخرقوا شفته، يزعمون أن الذى رماه عتبة بن أبى وقاص، وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ.
وقال: أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو يقتله الله، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا واجعلوا الذرارى في الآطام، فإن دخل علينا القوم في الازقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت)( ).
لبيان ترتب الأثر على رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنه دعوته لأصحابه ليرضوا بخطته في ملاقاة الغزاة ، ولكن الذين لم يشهدوا بدراً قالوا (كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير.
وقال رجل من الانصار : متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا ؟ وقال رجال: ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرب بروع ؟ وقال رجال قولا صدقوا به ومضوا عليه، منهم حمزة بن عبدالمطلب، قال: والذى أنزل عليك الكتاب لنجادلهم.
وقال نعيم بن مالك بن ثعلبة، وهو أحد بنى سالم: يا نبى الله لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لادخلنها.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم ؟ قال: بأنى أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت ، واستشهد يومئذ.
وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه، ولو رضوا بالذى أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر)( ).
تقليل عدد المشركين
من خصائص النبي محمد ملاقاته وأصحابه لجيش المشركين في عدة معارك ، وفي كل واحد منها يكون عدد الصحابة في الميدان أقل من ثلث عدد جيش المشركين.
أما بالنسبة للعدة والسلاح فان الأضعاف في الفارق تزداد ، فمثلاً عند المسلمين فرس واحد في معركة بدر ، وعند المشركين مائة وقيل مائتين لم تركب ظهورها ، ومنافع الخيل في المعركة معروفة فهي سبب في جلب النصر ، فنزلت معجزة من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهتين :
الأولى : تقليل عدد جيش المشركين في أعين الصحابة ، فمع أن عددهم تسعمائة وخمسون صاروا كأنهم سبعون أو مائة .
الثانية : تكثير عدد صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أعين المشركين .
قال السدي : قال أُناس من المشركين : إن العير قد انصرفت فارجعوا. فقال أبو جهل : الآن إذا (ينحدر لكم) محمد وأصحابه فلا ترجعوا حتّى تستأصلوهم ولا تقتلوهم بالسلاح خذوهم أخذاً كي لا يعبد الله بعد اليوم ، إنّما محمد وأصحابه أَكَلَةَ جُزور فاربطوهم بالحبال)( ).
أما الإحتجاج بقوله تعالى [وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ] فهذا خطاب خاص للصحابة ، ولا يشمل الملائكة ، ويصح بأنه عند التقاء الصفين واثناء القتال ، كما أنه لا يتعلق بكثرة الصحابة الذين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل يخص كيفية في الأبصار ببديع قدرة الله عز وجل .
فحتى مع وجود الملائكة وبنحو محسوس عند الفريقين فان الله عز وجل قادر على أن يجعل الذين كفروا يظنون أنهم قليل .
ولو دار الأمر بين يقللكم أنتم والملائكة في أعينهم ،وبين يقللكم وحدكم ، فالصحيح هو الثاني ، لبيان أن التقليل من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ إذ أنه تقليل لكل طرف في عيون الطرف الآخر ، حتى قال المشركون : أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أكَلَةَ رأس .
أي أنهم قليل يشبعهم رأس واحد ، فكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم بدر قلة ويظهر بوضوع النقص في أسلحتهم وعدتهم والتمرين على السلاح ، وليس معهم إلا فَرَسان ، وفي قول فرس واحدة , وكان مع المشركين مائة من الخيل للإغارة والهجوم.
وليس من مدد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ولا بلدة غير المدينة يأوون إليها ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غازياً أو مهاجماً في معركة بدر ، ولم يبدأ القتال ، فنزل الملائكة لدفع المشركين ومنعهم من قتلهم.
وأن سلاح الإيمان يجعل الصحابة في قوة ومنعة ، وهو قوله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
وفي الآية أعلاه (قال مقاتل : ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل (لقاء) العدو فأخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بما رأى. فقالوا : رؤيا النبيّ حق.
القوم قليل .
فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين وأصدق رؤيا النبيّ صلى الله عليه آله وسلم .
قال عبد الله بن مسعود : لقد قُللوا في أعيننا يوم بدر حتّى قلت لرجل إلى جنبي : (نراهم سبعين) قال أراهم مائة فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟
قال : ألفاً. ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم)( ).
وبعد إبتداء معركة بدر صار المشركون ينظرون إلى المسلمين وكأنهم ضعف عدد المشركين لبعث الرعب والخوف في قلوبهم قال تعالى قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ )( ).
وفي الآية أعلاه (قال مقاتل : ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل (لقاء) العدو فأخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بما رأى. فقالوا : رؤيا النبيّ حق ، القوم قليل .
فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين وأصدق رؤيا النبيّ صلى الله عليه آله وسلم .
قال عبد الله بن مسعود : لقد قُللوا في أعيننا يوم بدر حتّى قلت لرجل إلى جنبي (نراهم سبعين) قال أراهم مائة فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟
قال : ألفاً. ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم) ( ).
جدول تفصيلي لمعارك النبوة
من الإعجاز إزدياد عدد وعدة وخيل وإبل الجيوش زيادة طردية وتناقص عدد القتلى .
في المعركة اللاحقة عن المعركة السابقة في كل مرة كما في الجدول أدناه
ت اسم المعركة تأريخها عدد المسلمين عدد شهداء الإسلام عدد المشركين عدد قتلى المشركين
1 معركة بدر 17 رمضان الثانية للهجرة 313 14 950 70
2 معركة أحد 15 شوال الثالثة للهجرة 700 70 3000 22
3 معركة الأحزاب شوال الخامسة للهجرة 3000 10000
4 معركة حنين شوال الثامنة للهجرة 12000 4 30000 10
والأصل هو مع إزدياد الجيوش تشتد المعارك وتزداد الخسائر ، ولكن المعجزة حاضرة في المقام ، ومنه قوله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
و(قال عبد الله بن مسعود : لقد قُللوا في أعيننا يوم بدر حتّى قلت لرجل إلى جنبي : (نراهم سبعين) قال أراهم مائة فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم .
قال : ألفاً. ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم.
قتل الذي يتوعد النبي (ص) بالقتل
لقد قتل المشرك أبي بن خلف بحربة من يد النبي محمد بعد تقدمه نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقتله وهو يقول (لا نجوت إن نجا).
وهو الوحيد الذي قتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده وكان قد أعلن في مكة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة عزمه على قتل النبي فتوعده النبي.
ورد (عن عروة بن الزبير قال: كان أبى بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد.
فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع إلى الارض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم.
فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له (مَا أَجْزَعَك ، إنّمَا هُوَ خَدْشٌ فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى فَمَاتَ بِرَابِغٍ)( ).
قانون النجاة من النبل والسهام
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سلامته من نبل وسهام المشركين يوم معركة أحد والتي كانت تصله كالمطر ، إذ كان عددهم ثلاثة آلاف رجل ، وغايتهم الأولى قتل النبي محمد ، فوجهوا النبال والسهام نحوه يرشقونه بها من كل صوب مع قلة الصحابة الذين حوله يومئذ وقد اثخن بعضهم بالجراحات بسبب هذه النبال .
و(عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتى من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه .
ولقد رأيت عبدالله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية .
فقال : والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إليه)( ).
ولقد أثخنت الجراحات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصارت السهام تتوجه إليه ، فدافع عنه عدد من الصحابة باجسادهم وأجسامهم لم يستحضروا ذكر العيال والأولاد والأزواج .
وقام أبو دجانة يحمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجسده والسهام تقع عليه.
و(عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لحمه القتال يوم أحد، وخلص إليه ودنا منه الأعداء، ذب عنه المصعب بن عمير حتى قتل، وأبو دجانة سماك بن خرشة حتى كثرت فيه الجراح.
وأصيب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلمث رباعيته وكلمت شفته وأصيبت وجنته .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظاهر يومئذ بين درعين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من رجل يبيع لنا نفسه؟ فوثب إليه فتية من الأنصار خمسة منهم زياد بن السكن فقاتلوا حتى كان آخرهم زياد بن السكن فقاتل حتى أثبت، ثم ثاب إليه ناس من المسلمين فقاتلوا عنه حتى أجهضوا عنه العدو.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزياد بن السكن : ادن مني ، وقد أثبتته الجراحة، فوسده رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه حتى مات عليها)( ).
و(عن أنس بن مالك أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، يوم أحد والنبي، صلى الله عليه وسلم، خلفه يتترس به. وكان راميا، فكان إذا ما رفع رأسه ينظر أين وقع سهمه، فيرفع أبو طلحة رأسه ويقول: هكذا بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك. وكان أبو طلحة يشور نفسه بين يدي رسول الله)( ).
اختتام المعركة بالدعاء
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اختتامه المعركة بالدعاء والثناء على الله عز وجل ، قال تعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ.
وعن رفاعة الزرقي وهو بدري (لما كان يوم أحد و انكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : استووا حتى أثني على ربي عز وجل فصاروا خلفه صفوفا فقال :
اللهم لك الحمد كله اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مبعد لما قربت اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.
اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف .
اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا .
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين .
اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين .
اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق)( ).
شروط الكفار في عمرة القضاء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كل شرط يشترط عليه الكفار يكون لصالحه ، ولمنفعة الإسلام ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، ولقد اشترطت قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة أن يرجع وأصحابه إلى المدينة ، ولا يدخلوا مكة في تلك السنة كيلا تقول العرب أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة عنوة عليهم ، ولا أصل لهذا العذر ، وهو من مصاديق عدم أهليتهم لولاية البيت الحرام ، قال تعالى وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وأن يدخل النبي وأصحابه مكة معتمرين في قابل ، ليس معهم إلا سلاح الراكب وهي سيوف صغيرة في أغمادها ، وظنت قريش أن هذا الشرط نصر لهم ، ولكن تبين خلافه ، إذ أنكرت العرب هذا الشرط وصدّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن العمرة ، وهو من رشحات ومصاديق قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، وإرادة صلح الحديبية في هذه الآية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مصاديق قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، أن كل شرط شرطته قريش هو لصالح النبوة والإسلام بالدليل الواقعي الآني واللاحق ودخول الناس في الإسلام ، وضعف جبهة الكفار ، وصارت هذه الشروط حجة عليهم ومقدمة لفتح مكة .
وعندما جاء الموعد في السنة التالية وفي شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة كان نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل جلياً.
وحينما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة في عمرة القضاء (لم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه عليه السلام بها تلك الثلاثة الايام) ( ).
ولم تخرج قريش كلها من مكة بل بقي شطر منهم ، خصوصاً المسلمين.
ترى لماذا خرجوا من مكة يومئذ ، قيل أنهم كرهوا رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، والمختار أنهم أيضاً خشوا استيلاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على مكة ، وعجز قريش عن إيجاد الناصر لهم وأخذ رؤساء الشرك أسرى ، إذ صارت القبائل يومئذ على أقسام :
الأول : قبائل دخلت الإسلام مثل خزاعة بعد صلح الحديبية ، وكثير منهم الذين دخلوا الإسلام قبل صلح الحديبية .
الثاني : قبائل اختارت الوقوف والتريث حتى يتجلى الأمر بسيادة الإسلام .
ومن الخصال المستحدثة لهذه القبائل النفرة من عبادة الأوثان ، وإدراك قبحها ومجانبة قريش والإبتعاد عنها .
الثالث : الذين بقوا مع قريش مثل بنو الديل من بني بكر ، وهل أدرك رجالات قريش هذا التقسيم ، وأن العرب صارت تميل إلى الإسلام بوضوح ، الجواب نعم .
لذا قامت قريش باشعال فتنة بمد بني الديل بالسلاح وقاتلوا معهم ضد خزاعة مباغتة وخلافاً للشروط وحازوا خزاعة إلى الحرم وأجهزوا عليهم فيه بأصرار قبيح وجحود من رئيس بني الديل نوفل بن معاوية ، ولم تكن بنو بكر كلها اشتركت في هذا العدوان .
دلالات عمرة القضاء
عندما حان شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ألفان من أصحابه عدا النساء والصبيان لأداء العمرة التي تسمى عمرة القضاء لأنه قاضي فيها قريشاً ولأنها قضاء عن العمرة التي صدّه المشركون عنها في العام الماضي وإن كانت عمرة تامة إذ حلقوا رؤسهم بالحل بجوار الحرم فحملت الريح شعورهم وألقتها بالحرم كما تسمى عمرة القصاص .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : عقد الصلح مع المشركين.
الثاني : الصبر عن أداء العمرة للعام التالي.
الثالث : أولوية الأمن وحقن الدماء وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وعندما وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى مكة خرجت قريش إلى عكاظ فأقاموا فيها ثلاثة أيام واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف ، ولا يخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معه ، فنحر الهدي مكانه وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل من تلك الأيام دخل مكة ، وجاء بالبدن معه ، وجاء الناس معه.
فدخل المسجد الحرام فأنزل الله عليه لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ))( ).
أي أن الله عز وجل هو الذي جعل رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصبح صدقاً وواقعاً.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم امتثال الصحابة وعامة المسلمين لمضامين رؤياه.
ليكون من بركات الوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : التحدي للمشركين.
الثاني : حصول الفتح.
الثالث : العمرة في العام التالي.
ولا يضر به تساؤل بعض الصحابة بأنهم لم يعتمروا في ذات السنة وهي السادسة للهجرة ، ومع هذا أجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لم يقل بوقوع العمرة في ذات السنة .
ونزل في طريق عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الحديبية إلى المدينة قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
وعن عبد الله مسعود قاله (لما أقبلنا من الحُديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نائم، قال: فقلنا أيقظوه، فاستيقظ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
فقال : افْعَلُوا كمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، فكذلك من نام أو نسي.
قال : وفقدنا ناقة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فوجدناها قد تعلَّق خطامها بشجرة ، فأتيته بها، فركب فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي .
قال : وكان إذا أتاه اشتدّ عليه; فلما سري عنه أخبرنا أنه أُنزل عليه إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ))( ).
لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بركات الرؤيا التي يراها وكيف وقف بعدها القتال بين المسلمين والمشركين حتى تم فتح مكة سلماً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون رؤيا النبي تتفرع عنها المعجزات المتجددة.
وهل من ملازمة بين الرؤيا الصادقة وبين وقوع مصداقها في الواقع ، الجواب لا ، لذا لابد من الإجتهاد بالدعاء لتنجز الرؤيا النافعة ورؤيا البشارة ، والدعاء لصرف رؤيا الإنذار.
التوجه نحو الحديبية
ورد في قوله تعالى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
في صحيحة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق عليه السلام إنه قال (كان سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم أن الله عزوجل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين .
فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج، فخرجوا، فلما نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة وساقوا البدن، وساق رسول الله صلى الله عليه وآله ستة وستين بدنة وأشعرها عند إحرامه، وأحرموا من ذي الحليفة ملبين بالعمرة، وقد ساق من ساق منهم الهدي معرات مجللات .
فلما بلغ قريش ذلك بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا ليستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فكان يعارضه على الجبال، فلما كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر فأذن بلال وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس، فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم في الصلاة لاصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، ولكن يجيئ لهم الآن صلاة اخرى أحب إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم .
فنزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله بصلاة الخوف في قوله وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ.
الآية فلما كان في اليوم الثاني نزل رسول الله صلى الله عليه وآله الحديبية وهي على طرف الحرم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستنفر الاعراب في طريقه معه، فلم يتبعه منهم أحد.
ويقولون : أيطمع محمد وأصحابه أن يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم، إنه لا يرجع محمد وأصحابه إلى المدينة أبدا فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله الحديبية خرجت قريش يحلفون باللات والعزى لا يدعون محمدا يدخل مكة وفيهم عين تطرف.
فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله أني لم آت لحرب وإنما جئت لاقضي نسكي ، وأنحر بدني ، واخلي بينكم وبين لحماتها : فبعثوا عروة بن مسعود الثقفي وكان عاقلا لبيبا وهو الذي أنزل الله فيه وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
لبيان أن نعمة الفتح المبين بقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا بشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدخول المسجد الحرام فكان الفتح هو صلح الحديبية لبيان أن الإسلام دين السلام والأمن.
وهل من الفتح المبين هذا ورشحات هذا الزحف النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي وثقها القرآن إلى يوم القيامة أمور :
الأول : توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وألف وأربعمائة من أصحابه إلى الحديبية .
الثاني : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الطريق والإقامة في الحديبية .
الثالث : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الحديبية بصلح ووقف للقتال .
الجواب نعم لبيان قانون منافع رؤيا النبي عامة ومتجددة وتبقى عبرة وموعظة.
مقدمات صلح الحديبية
بعد غزو عشرة آلاف من المشركين مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شوال من السنة الخامسة للهجرة واضطرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لحفر خندق حول المدينة بمشورة من سلمان الفارسي ومحاصرة المشركين المدينة نحو عشرين ليلة ، ثم انسحبوا بعد أن قتل الإمام علي عليه السلام فارس مضر عمرو بن عبد ود العامري ، وهبوب ريح شديدة عليهم ، قال تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام بأمان ومنهم من حلق رأسه ومنهم من قصّره لبيان أدائهم مناسك العمرة.
فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بهذه الرؤيا المباركة ولم يكتمها ، وفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يمر عام على معركة الخندق ليبشر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالعمرة.
قال لهم (إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين)( ).
وهذه الرؤيا شعبة من الوحي ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : ترتب الحكم على رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تلقي الصحابة أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق.
الثالث : تأديب المسلمين بأن رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شعبة من الوحي ، فندب الصحابة معه لأداء العمرة ، فكان صلح الحديبية الذي هو نصر عظيم .
فدعى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل المدينة ومن حولها إلى التوجه إلى العمرة لبيان إقامته حكماً عاماً على الرؤيا وخرج معه ألف وأربعمائة من الصحابة ليس معهم سلاح إلا سلاح الراكب ، وهي سيوف صغيرة في أغمادها.
حتى إذا وصلوا إلى موضع الحديبية على حدود الحرم ، وتبعد عن مكة نحو (22) كم تصدت خيل ورجال قريش لمنعهم من دخول الحرم ، ثم جرت مفاوضات بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووفد قريش برئاسة سهيل بن عمرو وكاد أن يقع بينهم قتال ، وبعد أخذ ورد تم الصلح كما بيّناه بالتفصيل في أجزاء من معالم الإيمان في تفسير القرآن منها الجزء (260) والجزء (261).
ومن شروطه أن يرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثم يأتون في العام القادم للعمرة وهو الذي حصل وتسمى عمرة القضاء.
(فقالت قريش : نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع ، حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام ، ففعل.
الإنقلاب من الحديبية
لقد رجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلح الحديبية إلى المدينة وأيهما أطول على الصحابة طريق الذهاب إلى الحديبية أم طريق العودة منها إلى المدينة ، الجواب هو الأول .
إذ صاحبهم في الذهاب الحرج واحتمال هجوم المشركين ، خاصة وأن جيشاً من خيالة قريش برئاسة خالد بن الوليد تلقوهم في الطريق ، بينما عادوا من الحديبية بالعز والأمن والفتح إذ نزل وهم في طريق العودة قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
رجاء حسن العاقبة
ورد في التنزيل وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
في الآية دعوة سماوية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبراءة من علم الغيب ، وتأديب للمسلمين.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنع من الغلو بشخصه الكريم إذ أكدت آيات القرآن عبوديته لله عز وجل وأنه سخر نفسه في الدعوة إلى الإيمان بالله عز وجل وطاعته ، وفي التنزيل وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.
(عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء -وهي امرأة من نسائهم-أخبرته -وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم-قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمانُ بن مظعون. فاشتكى عثمان عندنا فَمرَّضناه، حتى إذا توفي أدْرَجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وما يدريك أن الله أكرمه.
فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي .
قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدا بعده أبدا. وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينا تجري، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ذاك عمله)( ).
يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتأويل رؤيا الصحابيات ، ومنه تأويله لرؤيا أم الفضل في بشارة ولادة الإمام الحسين عليه السلام.
و(عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعجبه الرؤيا الحسنة ، فجاءت امرأة فقالت : يا رسول الله رأيت في المنام كأني أخرجت فأدخلت الجنة ، فسمعت وجبة التجّت لها الجنة ، فإذا أنا بفلان وفلان حتى عدت اثني عشر رجلاً .
وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية قبل ذلك ، فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل : اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ ، فغمسوا فيه ، فخرجوا وجوههم كالقمر ليلة البدر ، وأتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها ، وجيء بصحفة من ذهب فيها بسرة ، فأكلوا من بسره ما شاؤوا ، فما يقلبونها لوجهة إلا أكلوا من فاكهة ما شاؤوا ، فجاء البشير فقال : يا رسول الله كان كذا وكذا . . . وأصيب فلان وفلان ، حتى عدَّ اثني عشر رجلاً.
فقال : عليّ بالمرأة فجاءت فقال : قصي رؤياك على هذا فقال الرجل : هو كما قالت أصيب فلان وفلان)( ).
الإستسقاء بالنبي
وعن مالك الدار وكان خازن عمر على الطعام (قال : أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : استسق لأمتك ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال ائت عمر فأقرئه السلام وقل له إنكم مُسقون فعليك بالكيس ، قال فبكى عمر وقال يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه)( ).
(وَقَدْ رَوَى سَيْف فِي الْفُتُوح أَنَّ الَّذِي رَأَى الْمَنَام الْمَذْكُور هُوَ بِلَال بْن الْحَارِث الْمُزَنِيُّ أَحَد الصَّحَابَة)( ).
وبلال بن الحارث هو حامل لواء مزينة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة .
ولقد استسقى أهل مكة بعبد المطلب ببركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا زال في سنّ الصبا (اخرج ابن سعد وابن ابي الدنيا والبيهقي والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر من طرق عن مخرمة بن نوفل عن امه رُقيقة بنت صيفي وكانت لدة( ) عبد المطلب .
قالت تتابعت على قريش سنون جدبة أقحلت الجلد وأدقت العظم فبينا أنا نائمة أو مهومة إذا هاتف يصرخ بصوت صحل يقول يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلكم ايامه وهذا أبان مخرجه فحي هلا بالحياء والخصب ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا عظاما جساما أبيض بضا ( )أوطف الأهداب سهل الخدين أشم العرنين له فخر يكظم عليه وسنة يهدي اليه فليخلص هو وولده وولد ولده .
وليهبط إليه من كل بطن رجل فليشنوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم ليستلموا الركن وليطوفوا بالبيت سبعا .
ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤمن القوم فغثتم( ) ما شئتم إذا قالت .
فأصبحت مذعورة قد اقشعر جلدي ووله عقلي واقتصصت رؤياي فقمت في شعاب مكة فما بقي بها أبطحي إلا قالوا هذا شيبة الحمد وتتامت إليه رجالات قريش وهبط إليه من كل بطن رجل فشنوا من الماء ومسوا من الطيب واستلموا وطافوا ثم ارتقوا أبا قبيس .
حتى إذا استووا بذروة الجبل قام عبد المطلب ومعه رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} غلام قد أيفع أو كرب.
فقال عبد المطلب اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة انت عالم غير معلم ومسؤول غير مبخل وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك يعني أفنية حرمك يشكون إليك سنتهم أذهبت الخف والظلف .
اللهم فامطرنا غيثا مغدقا ومريعا .
فما راموا حتى انفجرت السماء بمائها والط الوادي بثجيجه فلسمعت شيخان قريش ، وفي رواية ذكرت بعض اسمائهم وهم :
الأول : عبد الله بن جدعان .
الثاني : حرب بن أمية .
الثالث : هشام بن المغيرة ( ).
يقولون لعبد المطلب هنيئا يا ابا البطحاء هنيئا أي عاش بك أهل البطحاء وفي ذلك تقول رقيقة
بشيبة الحمد اسقى الله بلدتنا … لما فقدنا الحيا وأجلوذ المطر
فجاد بالماء جونى له سبل … سحا فعاشت به الأنعام والشجر
منا من الله بالميمون طائره … وخير من بشرت يوما به مضر
مبارك الأمر يستسقي الغمام به … ما في الآنام له عدل ولا خطر) ( ).
الإستسقاء والإستجابة له
وإذ غادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى فقد ترك للمسلمين سنته وسنة الأنبياء السابقين بالإستسقاء وكيفيته وصلاته المخصوصة وهي ركعتان مثل صلاة العيد مع الإلحاح في الدعاء.
وتعددت طرق استسقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها :
الأول : استسقى رسول الله في خطبة الجمعة وهو على المنبر.
الثاني : استسقى بالدعاء من غير اقتران هذا الدعاء بصلاة مخصوصة.
الثالث : استسقى وهو جالس في المسجد النبوي برفع يديه بالدعاء .
ومما حفظ من دعائه حينئذ (اللّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيعًا طَبَقًا عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ نَافِعًا غَيْرَ ضَار)( ).
الرابع : الإستسقاء بسؤال بعض المسلمين .
وعن (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ النَّاسَ فَأَتَاهُ أَعْرَابِىٌّ .
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ ، وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْنِى يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِى السَّمَاءِ قَزَعَةً فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَتْ سَحَابٌ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنِ الْمِنْبَرِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ ، وَمِنَ الْغَدِ ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ وَالَّذِى يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِىُّ أَوْ قَالَ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا.
فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا .
قَالَ فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلاَّ انْفَرَجَتْ حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ ، وَسَالَ الْوَادِى وَادِى قَنَاةَ شَهْرًا ، وَلَمْ يَجِىءْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِى إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجُودِ)( ).
الخامس : استسقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر في غير خطبة الجمعة.
ويأتي الماء وينزل المطر بفضل من الله ويصيب البر والفاجر رحمة من الله بالناس وفضل منه على خلفاء الأرض ، واستدامة ارزاقهم ، وتارة يأتي بدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصالحين ، وفي قوله تعالى َوتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.
ورد عن أبي حرزة( ) (قال : نزلت الآية في رجل من الأنصار في غزوة تبوك ، ونزلوا بالحجر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحملوا من مائها شيئاً ثم ارتحل ثم نزل منزلاً آخر ، وليس معهم ماء ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يصلي ركعتين ، ثم دعا فأرسل سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها.
فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يتهم بالنفاق : ويحك قد ترى ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم فأمطر الله علينا السماء فقال : إنما مطرنا بنوء كذا وكذا ، فأنزل الله َوتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ))( ).
والمراد من النوء النجم ، ويكون بمعنى مفرد أنواء وهي منازل القمر الثمانية والعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة احدى هذه المنازل أو قريباً منها ، قال تعالى وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ.
وكان العرب في الجاهلية يظنون أنه إذا سقط نجم كذا طلع نجم آخر بدله فينزل المطر ، فينسبون المطر إلى هذه الأنواء .
صلاة الإستسقاء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تشريعه صلاة الإستسقاء عند الحاجة إلى المطر وهي سنة مؤكدة بالتوجه إلى الله بالدعاء والصلاة ، وفيها إقرار بأن الغيث بيد الله عز وجل ، وبالحاجة العامة إلى فضل الله ورحمته ، وهي ركعتان بدون أذان.
تستحب صلاة الإستسقاء عند الجدب وغور الأنهار وقلة الأمطار وكيفيتها مثل صلاة العيدين.
والإستسقاء طلب الماء من الله ، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ.
يسأل المصلون الله عز وجل في القنوتات الرحمة بارسال الغيث واستعطافه عز وجل على خلقه ، ومع الإستغفار من المعاصي والذنوب وأسباب منع قطر السماء، ويصح القنوت والدعاء بكل ما تيسر من وجوه السؤال والتضرع والسكينة، والأفضل المأثور الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعصومين عليهم السلام.
يستحب فيها أمور منها :
الأول: ان يصوم الناس ثلاثة ايام، وان يكون الخروج في اليوم الثالث، وان يكون الثالث يوم الإثنين أو يوم الجمعة.
الثاني : استحباب الغسل للإستسقاء
الثالث : يستحب خروجهم الى الصحراء حفاة على سكينة ووقار إلا في مكة كيلا يخلو المسجد الحرام من عماره ، قال تعالى [وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] ( ).
الرابع : يستحب اخراج الشيوخ والأطفال والعجائز معهم واهل الصلاح والتقوى، وان يفرقوا بين الأطفال وامهاتهم.
الخامس : اذا خرج الإمام من الصلاة يستحب له بعد أن يستقبل القبلة تحويل رداءه بأن يجعل ما على يمينه على يساره وبالعكس، لوجهين :
أولاً : التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : تفاؤلاً بتحويل الجدب خصباً .
ثم يستقبل القبلة ويكبر مائة تكبيرة رافعاً بها صوته، ثم يلتفت الى يمينه ويسبح مائة تسبيحة ثم الى يساره ويهلل مائة تهليلة ثم يستقبل الناس ويحمد الله مائة تحميدة، والمأمومون يتابعونه في ذلك كله، ثم يخطب الإمام ويبالغ في تضرعاته وان تأخرت الإجابة كرر ذلك حتى تدركهم الرحمة وينزل الغيث.
السادس : الخروج بهيئة الخضوع والمسكنة من غير زينة أو تبرج أو ترف ، وكذا بالنسبة للمركبة إلى موقع الصلاة .
السابع : عدم حصر التضرع على أوان الصلاة ، إذ يجتهد المسلمون بعدها بالإستغفار والتوسل والإبتهال إلى الله عز وجل ، وفي نوح ورد قوله تعالى [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا] ( ).
الثامن : إذا لم ينزل المطر يستحب إعادة الصلاة .
(مسألة 995) صلاة الإستسقاء سنة مؤكدة على الرجال والنساء خصوصاً اهل التقوى .
ذو الشهادتين
في ترجمة خزيمة بن ثابت الأوسي الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماه “ذا الشهادتين” إذ كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرس يدعى المرُتجز .
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : كان للنبى صلى الله عليه وآله وسلم فرس يقال له المرتجز، وحمار يقال له عفير) ( ).
وقيل (وكان له فرس يقال له المرتجز سمى بذلك لحسن صهيله كأنه ينشد رجزا وكان أبيض وهو الذى شهد له فيه خزيمة بن ثابت فجعل شهادته شهادة رجلين) ( ).
قال محمد بن عمر فسألت محمد بن يحيى بن سهل عن المرتجز فقال هو الفرس الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت وكان الأعرابي من بني مرة .
إذ جاء خُزيمة بن ثابت الأنصاري والأعرابي يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أبعك الفرس وذلك أنهم أعطوه به أكثر من الثمن الذي ابتاعه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فرجع عن البيع ورسول الله صلى الله عليه وآله سلم يقول له قد بعتنيه فقال الأعرابي من يشهد لك بذلك .
فقال خزيمة أنا أشهد أنك قد بعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخزيمة كيف شهدت بهذا قال أشهد أن كل من قلت هو الحق والصدق فجعلت شهادة خزيمة كشهادة رجلين( )، ليكون التصديق بالوحي والتسليم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مناسبة للإرتقاء في سلم المعارف ، وسبباً للإكرام الخاص ، وتسمية ذي الشهادتين بشارة لأجيال المسلمين والمسلمات بالأجر والثواب من عند الله عز وجل .
ويدل الحديث على موضوعية الوحي في إسلام الكثير من المسلمين ورسوخ الإيمان في صدورهم ، وصيرورته ملكة ومرتكزاً للمعاملة مع إلتزامهم بالامتثال له أمراً ونهياً .
وجاءت إفاضات الوحي والتصديق به على نحو القضية الشخصية في الشرف العظيم الذي ناله خزيمة وبواسطته المسلمين جميعاً لتصديقهم بالوحي ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته التصديق بجميع الأنبياء والمرسلين ، قال تعالى قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
قانون تعزية النبي لأصحابه
من شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، مسائل :
الأولى : تفقّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه في الصلاة ، والحضور في المسجد النبوي .
الثانية : سؤال النبي عمن يفقده من الصحابة ثلاثة أيام , ومعرفة سبب انقطاعه عن صلاة الجماعة ، وعن الحضور للمسجد النبوي , والدعاء له .
الثالثة : عيادة المرضى والمساكين والدعاء لهم ، وعن أبي (أمامة بن سهل بن حنيف أن مسكينة مرضت، فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضها.
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المساكين ويسأل عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مات فآذنوني ، قال: فخرج بجنازتها ليلاً، وكرهوا أن يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بالذي كان من شأنها .
فقال : ألم آمركم أن تؤذنوني بها ، فقالوا : يا رسول الله، كرهنا أن نخرجك ليلاً أو نوقظك.
قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صف بالناس على قبرها)( ).
الرابعة : مجالسة أصحابه والمشي معهم .
الخامسة : إجابة دعوة الذي يدعونه إلى طعام ، وإن جاء معه شخص آخر استأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يدخل .
السادسة : حسن مواساة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ، وتعزيته لهم عند المصيبة.
ومن خصائص تعزية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : قانون تعزية النبي وحي .
الثاني : اقتران تعزية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء.
الثالث : صيرورة تعزية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء سنة نبوية حميدة .
و(عن بريدة قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه ، فلما دخل عليها قال : أما أنه قد بلغني أنك جزعت؟ فقالت : ما لي لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد .
فقال : إنما الرقوب التي يعيش ولدها ، إنه لا يموت لامرأة مسلمة ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا وجبت لها الجنة . فقال عمر : واثنين؟ قال : واثنين)( ).
وعن قرة بن إياس المزني (قالَ كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهَلَكَ فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ لِذِكْرِ ابْنِهِ فَحَزِنَ عَلَيْهِ فَفَقَدَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : مَا لِى لاَ أَرَى فُلاَنًا .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ بُنَيَّهُ الَّذِى رَأَيْتَهُ هَلَكَ ، فَلَقِيَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ : يَا فُلاَنُ أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمْرَكَ أَوْ لاَ تَأْتِى غَدًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ ، قَالَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ بَلْ يَسْبِقُنِى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهَا لِى لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ ، قَالَ : فَذَاكَ لَكَ)( ).
منهاج الصفح
يبين قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، منهاج نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعصمته من إيذاء الناس أو الإضرار ببعضهم ، لذا فانه يجتنب القتال ، ورد الأذى والكيد .
وكان يقابل الأذى بالعفو والصفح ، ولم يعرف الثأر والإنتقام والبطش لسنته سبيلاً أبداً ، وهو من وجوه العصمة التي يتحلى بها .
ومن الإعجاز في المقام أن كلمة (اصفح) وردت ثلاث مرات في القرآن كلها أمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من خصائصه ، وليس عند النبي إلا الإمتثال التام لهذه الأوامر خاصة وأن قوله وفعله شعبة من الوحي :
الأولى : قوله تعالى فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
الثانية : قوله تعالى وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ.
الثالثة : قوله تعالى فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
ووردت مرة واحدة بصيغة الجمع في أمر إلى المسلمين وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
لبيان وجوه :
الأول : قانون رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالة صفح ولانه خاتم النيين فقد أراد الله عز وجل أن يبقى الصفح والعفو هو ملاك الصلات بين الناس .
الثاني : لو تعارض خبران في السنة النبوية نأخذ بالذي يتضمن الصفح.
الثالث : الأمر العام من الله للمسلمين بان يتخذوا الصفح والعفو منهاجاً فيما بينهم ومع الناس جميعاً وهو الذي تدل عليه صيغة العموم بقوله تعالى وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
دعاء النبي (ص) لوفد الحاج
قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، ومن الإعجاز في هذه الآية ورودها بصيغة العموم الإستغراقي للناس جميعاً لشمول آدم وحواء بوجوب الحج ، وفي رواية أن آدم حج سبعمائة حجة ، ويخرج الكفار بالتخصيص لقوله تعالى فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، ولإمتناع بالإختيار ينافي الإختيار.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج، وروي ان علي بن الموفق حج عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حججاً قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فقال لي يا ابن الموفق حججت عني، قلت: نعم، قال: ولبيت عني، قلت: نعم، قال: فاني اكافئك بها يوم القيامة وآخذ بيدك في الموقف فادخلك الجنة والخلائق في كرب الحساب.
حكى معروف القاص : ان الحجيج كانوا يجتمعون في الدعاء بعرفات وفيهم رجل من التراكمة ساكت، لا يحسن ان يدعو فحرج صدره ووقع عليه البكاء .
فقال بلغته الهي انت تعلم اني لا احسن شيئاً من دعواتهم فاسألك ما يطلبون منك بما دعوا فرأى بعض الصالحين في منامه ان الله قبل حج الناس بدعوة تركماني الى نفسه بالفقر والفاقة”( ).
في اشارة الى قبول الله القليل والميسور المتحد ويعطي عليه الكثير المتعدد، وان الرؤيا تأتي بشارة ورحمة وحثاً على الإجتهاد في الدعاء في الحج وغيره.
الصبر على شدة أذى المشركين
لقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأهل بيته أشد الأذى من كفار قريش مدة ثلاث عشرة سنة في مكة قبل هجرته إلى المدينة.
وعندما اشتد أذى قريش عليهم قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لطائفة من أصحابه (لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا)( ).
وفيه وجوه :
الأول : تأكيد اجتناب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصدام مع المشركين .
الثاني : بيان صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتأديب أصحابه على الصبر والتحمل .
الثالث : انشطار الصحابة الأوائل الى شعبتين :
الأولى : الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة .
الثانية : الذين هاجروا إلى الحبشة .
الرابع : درء الفتنة ، وصرف الصحابة الأوائل عن التصادم مع المشركين.
الخامس : موضوعية نزول آيات القرآن في هداية الناس للإيمان ، فلم يشهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سيوفاً ، إنما كان سلاحهم آيات وسور القرآن التي تفضل الله بنزولها على التوالي والتعاقب .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاؤه ثلاث عشرة سنة في مكة مع وطأة شدة الأذى من قريش له ولأصحابه وأهل بيته ، ولم يرد عليهم بالمثل .
نعم ، كانت آيات القرآن تترى في نزولها وهي تتضمن توبيخ وتبكيت الذين كفروا وتدعوهم للتوبة والإنابة ، وتأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالصبر ، ومنه سورة العصر ، قال تعالى وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
فمن خصائص النبي محمد من بين الأنبياء دفاع القرآن عنه .
وأمر طائفة من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مع بعدها ولم يأمرهم بالذهاب إلى بلدة قريبة مثل الطائف أو المدينة كي يكونوا قريبين منه لندبهم عند الحاجة .
وفيه شاهد على حسن توكله على الله عز وجل وأنه يرجو النصر وتبليغ الرسالة بمدد من عند الله عز وجل وتتجلى في هذا الأمر ودلالاته موضوعية الوحي ، ومصاحبته للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لم يبدأ النبي محمد (ص) قتالاً
لقد وقعت عدة معارك بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وبين المشركين منها :
الأولى : معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
الثانية : معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة .
الثالثة : معركة الخندق في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة .
الرابعة : معركة حنين في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وبعد فتح مكة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يبدأ القتال في هذه المعارك إنما المشركون هم الذين كانوا يبدأون القتال بعد إصرارهم عليه .
لقد كانوا يبدأون برمي السهام والنبال ، فيصاب ويقتل عدد من المسلمين ، ومع هذا يصبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويكتفي بسلاح النداء العام (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)( ).
وفيه وجوه :
الأول : إنه حجة على المشركين .
الثاني : بيان صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
الثالث : تجلي الشواهد لقانون : التنزيل أقوى وأمضى سلاح .
الرابع : تحلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرأفة والرحمة العامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وحرصه على حقن الدماء .
الخامس : إصابة المشركين بالخيبة والخسران عند انتهاء كل معركة ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
تدارس جبرئيل القرآن مع النبي (ص)
لقد كان جبرئيل يتدارس القرآن مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرة في كل سنة ، وفي السنة التي انتقل فيها النبي إلى الرفيق الأعلى عارضه في القرآن مرتين ، و(عن فاطمة (عليها السلام) أسر إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي)( ).
والنسبة بين المعارضة بالقرآن وبين ختمه عموم وخصوص مطلق ، فالمعارضة أعم وتشمل التلاوة والاستحضار وتدارس آيات القرآن.
و(عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة)( ).
وقد جمع عثمان المصحف على العرضة الأخيرة ، ويستحب ختم القرآن ودراسته والتدبر في معانيه في شهر رمضان خصوصاً أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن ، قال تعالى شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ومن الآيات أنه لم يذكر اسم أحد شهور السنة في القرآن غير شهر رمضان كما في الآية أعلاه.
قانون الإعتكاف
(عَكَفَهُ أي حبسه ووقفه، يعكُفُهُ ويعكِفُهُ عَكْفاً. ومنه قوله تعالى وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا ويقال: ما عَكَفَكَ عن كذا. ومنه الاعتِكافُ في المسجد، وهو الاحتباس .
الاعتكاف لغة : الاحتباس , ولزوم الشئ , وحبس النفس عليه .
أما في الإصطلاح فالاعتكاف هو اللبث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى .
والإعتكاف سنة ، وعليه إجماع علماء الإسلام ويدل عليه قوله تعالى [وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ] ( ).
وقد ورد ذكر الاعتكاف في الأمر من الله عز وجل إلى إبراهيم واسماعيل ، قال تعالى [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] ( ).
وبين الآيتين من جهة الموضوع وسعته عموم وخصوص مطلق فآية تخص أحكام البيت الحرام ، وآية مطلقة للدلالة على استحباب الإعتكاف في شهر رمضان وفي أي بلدة أو قرية وهذه المقارنة بينهما مستحدثة هنا في هذه المحاضرة .
وهو علم جديد في الدراسة المقارنة بين الآيات من جهة الموضوع والمناسبة وهو أعم من أسباب النزول.
تعاهد الجمع بين الركوع والسجود
يدل قوله تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، على أمور :
الأول : قانون الملازمة بين الإيمان وأداء الصلاة .
الثاني : سبق وجوب أداء الصلاة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي من الحنيفية الإبراهيمية.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التخفيف عنه ببعثته في مكة حيث ميراث إبراهيم وإسماعيل وإقامة الصلاة في البيت الحرام ، وأن الركوع والسجود ركنان في الصلاة قبل بعثته ولكن الناس غادروا إلى عبادة الأوثان فاعادهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحنيفية ، قال تعالى قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
وورد قوله تعالى في خطاب إلى بني إسرائيل [ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] المطلوب هو الركوع والسجود .
لتتجلى علوم :
الأول : قانون الملازمة بين الركوع والسجود.
الثاني : سبق الصلاة والركوع والسجود لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : قانون مصاحبة الركوع والسجود لبعثة الأنبياء .
الرابع : قانون كل من الركوع والسجود من أركان الصلاة .
الخامس : ترغيب الناس بدخول الإسلام .
السادس : الندب إلى صلاة الجماعة ، وما فيها من أداء المسلمين الركوع والسجود بنسق وهيئة واحدة ، وهو من مصاديق [ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ].
وعندما قدم وفد ثقيف الى المدينة لدخول الإسلام في السنة التاسعة للهجرة سألوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفيهم من الركوع ، فقال قانوناً متجدداً إلى يوم القيامة (لاخير في دين لا ركوع فيه)( ).
وفي رواية (لاخير في دين لا صلاة فيه).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعضيد القرآن في تثبيت الركوع الذي هو ركن في الصلاة لا تصح بتركه سهواً أو عمداً.
نعم أجابهم إلى مسألتهم باعفائهم من كسر أصنامهم بأيديهم وأن لا يحشروا لقتال وجهاد ولا يؤخذ من أموالهم العشر ، وهو من مصاديق فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سرعان ما يتخلى هؤلاء عن شروطهم ، ليبادروا إلى أداء الصلاة والزكاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الحكمة من الاعتكاف
الاعتكاف هو لزوم المسجد قربة إلى الله بقصد التعبد وتفريغ القلب والجوارح من شوائب الدنيا ، وهو سنة مشروعة ، وفعلته أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان في العشر الاولى ، ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى ، ثم اعتكف في الثالثة في العشر الاواخر ، ثم لم يزل صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف في العشر الاواخر)( ).
والحكمة في تشريع الإعتكاف من وجوه :
الأول : التفرغ لعبادة الله .
الثاني : الإبتعاد عن مشاغل الدنيا .
الثالث : العناية بتلاوة تلاوة آيات القرآن وتعاهد حفظه وسلامته من التحريف والزيادة والنقصان .
الرابع : الإنقطاع عن الناس لاجتناب الغيبة والنميمة والسلامة من الأذى والإيذاء .
الخامس : الاجتهاد في الدعاء ، قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ).
السادس : أداء صلاة الفريضة في أوقاتها ، وتعاهد النوافل اليومية .
السابع : استحباب الصيام مع الإعتكاف في غير رمضان .
وقال الإمامية والمالكية بشرط الصيام في الإعتكاف ، وهو مشهور الحنفية .
ولا يرى الشافعي وأحمد بن حنبل شرطية الصيام ، وذهب بعض الشافعية إلى وجوبه ، وكذا في رواية عن أحمد بن حنبل.
وكل من الصوم والإعتكاف عبادة مستقلة .
وبشرط الصيام عند الإعتكاف قال الإمام علي عليه السلام وابن عباس وابن عمر .
واعتكف النبي صلى الله عليه وآله وسلم (مَرّةً فِي الْعَشْرِ الْأَوّلِ ثُمّ الْأَوْسَطِ ثُمّ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمّ تَبَيّنَ لَهُ أَنّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَدَاوَمَ عَلَى اعْتِكَافِهِ حَتّى لَحِقَ بِرَبّهِ عَزّ وَجَلّ .
وَكَانَ يَأْمُرُ بِخِبَاءٍ فَيُضْرَبُ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ يَخْلُو فِيهِ بِرَبّهِ عَزّ وَجَلّ . وَكَانَ إذَا أَرَادَ الِاعْتِكَافَ صَلّى الْفَجْرَ ثُمّ دَخَلَهُ فَأَمَرَ بِهِ مَرّةً فَضُرِبَ فَأَمَرَ أَزْوَاجَهُ بِأَخْبِيَتِهِنّ فَضُرِبَتْ فَلَمّا صَلّى الْفَجْرَ نَظَرَ فَرَأَى تِلْكَ الْأَخْبِيَةَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوّضَ ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوّلِ مِنْ شَوّالٍ .
وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلّ سَنَةٍ عَشَرَةَ أَيّامٍ فَلَمّا كَانَ فِي الْعَامِ الّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا .
وَكَانَ يُعَارِضُهُ جِبْرِيلُ بِالْقُرْآنِ كُلّ سَنَةٍ مَرّةً فَلَمّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ أَيْضًا فِي كُلّ سَنَةٍ مَرّةً فَعَرَضَ عَلَيْهِ تِلْكَ السّنَةِ مَرّتَيْنِ . وَكَانَ إذَا اعْتَكَفَ دَخَلَ قُبّتَهُ وَحْدَهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ فِي حَالِ اعْتِكَافِهِ إلّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ .
وَكَانَتْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ . فَإِذَا قَامَتْ تَذْهَبُ قَامَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا ، وَلَمْ يُبَاشِرْ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ لَا بِقُبْلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا .
وَكَانَ إذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ وَوُضِعَ لَهُ سَرِيرُهُ فِي مُعْتَكَفِهِ ، وَكَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ مَرّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ عَلَى طَرِيقِهِ فَلَا يَعْرُجْ عَلَيْهِ وَلَا يَسْأَلْ عَنْهُ.
وَاعْتَكَفَ مَرّةً فِي قُبّةٍ تُرْكِيّةٍ ، وَجَعَلَ عَلَى سُدّتِهَا حَصِيرًا) ( ).
وكان الاعتكاف عبادة معروفة ويأتيه المؤمنون والنساك، وان قلّ في هذا الزمان الالتفات اليه واتخاذه وسيلة للتقرب واعلاناً لصدق العبودية والاخلاص فيها والانقطاع الى الله.
وعن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين وعمرتين.
(مسألة 1) يصح الإعتكاف في كل وقت يصح فيه الصوم وخير أوقاته شهر رمضان وافضله العشر الأواخر منه( ).
(مسألة 2) الإعتكاف مستحب وقد يأتيه الوجوب بالعرض كما لو وجب بنذر او عهد أو يمين او شرط في ضمن عقد أو اجارة ونحوها.
(مسألة 3) الاعتكاف المندوب يجوز قطعه في اليومين الأوليين منه , ومع تمامهما يجب الثالث.
(مسألة 4) يعتبر في الإعتكاف الواحد وحدة المسجد.
(مسألة 5) قبرا مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ليسا من مسجد الكوفة.
(مسألة 6) لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل والمرأة، فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدته للصلاة في بيتها ولا في مسجد القبيلة والمحلة، إلا على القول بصحة الاعتكاف فيهما كمحل لاقامة صلاة الجماعة .
(مسألة 7) يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لإقامة الشهادة او لحضور الجماعة او لتشييع جنازة، وكذا في سائر الضرورات العرفية او الأمور الشرعية الواجبة الراجحة.
يجوز الإتيان بالاعتكاف عن النفس وعن الميت نيابة.
توثيق معجزات الأنبياء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توثيق القرآن والسنة معجزات الأنبياء بما يعطيها صفة المعجزة العقلية الدائمة ، لنزول آيات القرآن من عند الله من سيرتهم ونهجهم المبارك ، ولسلامتها من التحريف والزيادة والنقص امس واليوم وغداً ، وانتفاع المسلمين والناس ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
لقد أخبر القرآن عن خلق آدم عليه السلام في الجنة ، وأن الله كلّمه قبلاً ، وعلمه الأسماء ، وأخبر عن معجزة سفينة نوح ، ونجاته وأهل بيته في السفينة بعد أن كان يصنعها في اليابسة .
وعن تكليم الله لموسى ورزقه معجزة العصا وتحولها إلى حَيَّةٌ تَسْعَى، ومعجزة نجاة بني اسرائيل وعبورهم القلزم وهو البحر الأحمر ، ومعجزات عيسى التي وردت مرتين في القرآن بصيغتين :
الأولى : تفضل الله عز وجل ببيان نعمته على عيسى إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.
الثانية : صيغة المتكلم على لسان عيسى عليه السلام كما ورد في التنزيل وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وقد ورد لفظ [اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ] خمس مرات في القرآن كلها خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكلها بخصوص الأنبياء إلا واحدة بخصوص مريم عليها السلام لإفادة إكرامها .
والإخبار عن رسالة عيسى لولادتها له من غير أب كما ذكرت ولادة مريم ذاتها بصيغة الإكرام وبخصوص أمها قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
فيوضات قصص الأبنياء
لقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وفيه حجة على الناس ، ودعوة لهم للهداية والإيمان ، وتضمن القرآن قصص الأنبياء وما لاقوه من الأذى الشديد في سبيل الله ، وذكر القرآن أسماء خمسة وعشرين نبياً وهم :
الأول : آدم عليه السلام .
الثاني : إدريس عليه السلام.
الثالث : نوح عليه السلام.
الرابع : هود عليه السلام .
الخامس : صالح عليه السلام .
السادس : يونس عليه السلام.
السابع : إبراهيم عليه السلام .
الثامن : لوط عليه السلام.
التاسع : إسماعيل عليه السلام .
العاشر : إسحاق عليه السلام .
الحادي عشر : يعقوب عليه السلام .
الثاني عشر : يوسف عليه السلام .
الثالث عشر : شعيب عليه السلام .
الرابع عشر : أيوب عليه السلام .
الخامس عشر : موسى عليه السلام .
السادس عشر : هارون عليه السلام .
السابع عشر : ذو الكفل عليه السلام .
الثامن عشر : داود عليه السلام .
التاسع عشر : سليمان عليه السلام .
العشرون : اليسع عليه السلام .
الحادي والعشرون : إلياس عليه السلام .
الثاني والعشرون : زكريا عليه السلام .
الثالث والعشرون : يحيى عليه السلام .
الرابع والعشرون : عيسى عليه السلام .
الخامس والعشرون : محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد تكررت أسماء أكثرهم في القرآن ، وذكر الله عز وجل ثمانية عشر نبياً في أربع آيات متجاورات من القرآن لبيان بديع صنعه في نظم وأسرار القرآن ، إذ قال تعالى وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ* وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ.
ومن الآيات والمنافع في ورود قصص الأنبياء في القرآن وجوه :
الأول : بيان فضل الله عز وجل في بعث الأنبياء ، وكيف أن كل نبي له معجزة خاصة ملائمة لتحدي وإعجاز أهل زمانه .
الثاني : حب الله عز وجل للناس ورأفته بهم باتصال بعث الأنبياء بالمعجزات الخارقة لهدايتهم .
الثالث : تجدد مصداق خلافة الإنسان في الأرض بصغة النبوة وإنقياد شطر من الناس لها .
الرابع : اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول القرآن الذي يتضمن قصص الأنبياء .
الخامس : موضوعية السنة النبوية في بيان وتوثيق قصص الأنبياء سواء الذين ورد ذكرهم في القرآن وعددهم خمسة وعشرون نبياً أو الذين لم يرد ذكرهم في القرآن.
منها مثلاً ما ورد عن (جابر بن عبد الله قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك قام فخطب الناس فقال : يا أيها الناس ، لا تسألوا نبيكم عن الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم عليه السلام أن يبعث الله عز وجل لهم آية.
فبعث الله لهم الناقة ، فكانت الناقة ترد من هذا الفج ، فيشربون من مائهم يوم وردها ، ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يرتوون من مائها يوم غبها.
قال : فكانت تصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها ، فوعدهم الله تبارك وتعالى وعدا عليه غير مكذوب.
ثم جاءتهم الصيحة ، فأهلك الله تعالى من كان تحت مشارق السموات ومغاربها منهم ، إلا رجلا كان في حرم الله عز وجل ، فمنعه حرم الله من عذاب الله)( ).
و(عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان نبيا من الانبياء غزا بأصحابه فقال لا يتبعني رجل بنى دارا لم يسكنها أو تزوج امرأة لم يدخل بها أو له حاجة في الرجوع فلقي العدعند غيبوبة الشمس .
فقال اللهم إنها مأمورة وإني مأمور فاحبسها علي حتى تقضي بيني وبينهم فحبسها الله عليه ففتح عليه فجمعوا الغنائم فلم تأكلها النار.
قال وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله عليها النار فتأكلها فقال لهم نبيهم إنكم قد غللتم فليأتني من كل قبيلة رجل فليبايعوني فأتوه فبايعوه.
فلزقت يد رجلين منهم بيده فقال لهما إنكما قد غللتما.
قالا أجل غللنا صورة رأس بقرة من ذهب فجاءا بها فألقياها إلى الغنائم فبعث الله عليها النار فأكلتها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك إن الله أطعمنا الغنائم رحمة رحمنا بها وتخفيفا خففه عنا لما علم من ضعفنا)( ).
السادس : بيان الشواهد لقوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
لبيان خصيصة من خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحلية الغنائم .
السابع : إكرام المسلمين للأنبياء والتسليم بصدق نبوتهم ، وفي التنزيل آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
الثامن : زيادة إيمان المسلمين بالاقتداء بالأنبياء واستقراء الدروس من سيرتهم ، قال تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ.
التاسع : الإنزجار عن فعل السيئات والمعاصي .
العاشر : ترغيب الناس بالصدود والإعراض عن عبادة الأوثان ، وبيان إنذار الناس منها في كل زمان .
الحادي عشر : بيان حضور المشيئة واللطف الإلهي مع أجيال الناس ، وبعثة مائة وأربعة وعشرين نبياً من مصاديق قوله تعالى أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ.
وأخبر القرآن عن جهاد إبراهيم في حربه على عبادة الأصنام ، وقيامه بتكسير أصنام قومه ، والإحتجاج على الطاغوت ، وتفضل الله عز وجل بانقاذه من النار.
وليس من مسلم أو مسلمة وفي كل زمان إلا ويعلمان بأن الله انقذ إبراهيم من النار التي ألقي فيها مع أن النار علة الإحراق ، ومن الآيات الحاضرة في منتديات ومجالس المسلمين ، قوله تعالى قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.
ليتجلى قانون التفقه في قصص الأنبياء من خصائص المسلمين .
الاضطرار للدفاع
لقد أكرم الله عز وجل الأنبياء بتبليغ الوحي والتنزيل , وامتحنهم بالصبر في الدعوة إلى الله عز وجل , ومن مصاديق المعجزة الحاضرة مع كل نبي مسألتان بينهما تضاد , وهما :
الأولى : إتباع طائفة من الناس للنبي في دعوته , وتصديقهم لمعجزته .
الثانية : عداوة المشركين للأنبياء .
وكل طائفة منهما من الكلي المشكك في العدد والفعل , وقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتنامي كثرة أصحابه مع شدة عداوة المشركين له , وحملهم السيوف لقتله وأصحابه ، وفيه وجوه :
الأول : قانون إضطرار المسلمين للدفاع وعدم ترك الإيمان وسنته , قال تعالى وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ.
الثاني : قانون اجتناب المسلمين الهجوم والغزو .
الثالث : عدم الإبتداء بالقتال حتى عندما يكون هذا الإبتداء نوع مباغتة للعدو , وسبباً بتحقيق النصر على الذين كفروا .
فليس من طرف في القتال يطمئن إلى أن عدوه لا يباغته في ساعة غفلة أو ثغرة في صفوفه إلا بالنسبة لحال قتال المشركين مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أنه لا يبدأ القتال , مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : الحرب خدعة .
مما يدل على أن الإبتداء بالقتال ليس من الخدعة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرجو تفرق جيش العدو وعدم وقوع القتال.
وإذا تفرق الجيشان فإن المشركين يرجعون إلى أهليهم بما سمعوه في الميدان من آيات القرآن , ونداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتوحيد (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) الذي كان يصدح به في أزقة مكة.
وكما يوجد بين ظهراني الصحابة في المدينة منافقون فان في مجتمعات المشركين مؤمنين يخفون إسلامهم ، وأناس لا يرضون بمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (والضد يظهر حسنه الضد).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تضاؤل عدد وأثر المنافقين .
وفي حديث عن عاصم بن عمر بن قتادة وزيد بن رومان أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان في أيام الحج (يَسْأَلُ عَنْ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً وَيَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ قُولُوا : لَا إلَهَ إلَا اللّهُ تُفْلِحُوا وَتَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ وَتَذِلّ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ فَإِذَا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنّةِ.
وَأَبُو لَهَب ٍوَرَاءَهُ يَقُولُ لَا تُطِيعُوهُ فَإِنّهُ صَابِئٌ كَذّابٌ فَيَرُدّونَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَقْبَحَ الرّدّ وَيُؤْذُونَهُ وَيَقُولُونَ أُسْرَتُك وَعَشِيرَتُكَ أَعْلَمُ بِكَ حَيْثُ لَمْ يَتّبِعُوك.
وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَيَقُولُ اللّهُمّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا قَالَ وَكَانَ مِمّنْ يُسَمّى لَنَا مِنْ الْقَبَائِلِ الّذِينَ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَعَاهُمْ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَة وَمُحَارِبُ بْنُ حصفة.
وَفَزَارَةُ وَغَسّانُ وَمُرّةُ وَحَنِيفَةُ وَسُلَيْمٌ وَعَبْسُ وَبَنُو النّضْر ِ وَبَنُو الْبَكّاءِ وَكِنْدَةُ وَكَلْبٌ وَالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ وَعُذْرَةُ وَالْحَضَارِمَةُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ مِنْهُمْ أَحَد)( ).
وقد ورد حديث (الحرب خدعة) في باب التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة الخندق , إذ جاءه نعيم بن مسعود يومئذ وقال (فقال : يا رسول الله إنّي قد أسلمت وإنَّ قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت .
فقال له رسول الله صلّى الله عليه : إنّما أنت فينا رجل واحد ، فخَذِّل عنّا إنْ استطعت فإنّ الحرب خدعة.
فقال لهم : إنّ قريشاً وغطفان جاءوا لحرب محمّد.
وقد ظاهرتموهم عليه ، وإنّ قريشاً وغطفان ليسوا (كهيئتكم) البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أنْ تحولوا عنه إلى غيره ، وإنّ قريشاً وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره ، وإنْ رأوا نهزة وغنيمة أصابوها ، وإنْ كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل.
والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إنْ خلا بكم ، فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أنْ يقاتلوا معكم محمّداً حتى تناجزوه .
فقالوا : لقد أشرتَ برأي ونصح. ثمّ خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : يا معشر قريش قد عرفتم ودّي إيّاكم وفراقي محمّداً .
وقد بلغني أمر رأيت أنَّ حقّاً عليَّ أنْ أبلّغكموه نصحاً لكم فاكتموا عليَّ. قالوا : نفعل.
قال : تعلمُون أنَّ معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا في ما بينهم وبين محمد .
وقد أرسلوا إليه أنْ قد ندِمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك عنّا أنْ نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم (فنعطيكم) فتضرب أعناقهم ، ثمّ نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل إليهم أنْ نَعَم)( ).
خصائص معارك النبوة
ومن خصائص معارك النبوة مسائل :
الأولى : حضور المعجزة , وهو من مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
الثانية : تعدد مصاديق المعجزة الدفاعية إذ تكون على قسمين :
الأول : المعجزة الحسية , ومنها نزول المطر ليلة معركة بدر حال النعاس عند الصحابة في معركة أحد عندما ترك الرماة المسلمون مواضعم ، وجاءت خيل المشركين من خلف المسلمين وكثر القتل بين الصحابة ، إذ ورد (عن أنس أن أبا طلحة قال : غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد ، حدث أنه كان ممن غشيه النعاس يومئذ.
قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، وسقط وآخذه ، فذلك قوله ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ والطائفة الأخرى؛ المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم ، أجبن قوم وأرعبه وأخذ له للحق يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية كذبهم إنما هم أهل شك وريبة في الله)( ).
الثاني : المعجزة العقلية , ومنها حال الفزع الذي ملأ قلوب الكفار , ومجىء الوحي في المعركة , ونزول الآيات التي تخص المعركة , وهو على أقسام :
أولاً : نزول آيات من القرآن قبل المعركة بما يفيد الإخبار عن وقوعها وتثبيت قلوب المؤمنين , والبشارة بالنصر , منه قوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ *وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] ( ) .
ثانياً : نزول القرآن أثناء المعركة , إذ يتغشى الوحي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الميدان , وهو من الإعجاز في نبوته لصيرورة أجنحة الملائكة واقية له ولأصحابه من سهام وسيوف المشركين .
وعن عبد الله بن عباس قال حدثنا (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: “لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ)( ) .
ثالثاً : نزول آيات من القرآن بعد المعركة بما يتعلق بموضوعها , وتوثيق المعجزات فيها , وتوكيد حقيقة اعتداء الذين كفروا وكون إصرارهم على القتال والظلم هو السبب في نشوب القتال , فنزلت بهم الخسارة واختاروا الهزيمة , ولحقهم الذل , منها قوله تعالى بخصوص معركة أحد لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
ليكون هذا النعاس نوع أمنة , ولبيان قانون وهو أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين ويصد الذين كفروا إذ تفضل بإنزال الملائكة لنصرتهم , قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] ( ).
الثالث : المعجزة الحسية العقلية ومنها نزول الملائكة مددا وعونا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثالثة : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الإنكسار والهزيمة في الميدان .
تقسيمات خصائص النبي محمد (ص)
لقد أكرم الله عز وجل جنس الإنسان بالخلافة في الأرض ، وأباح لهم الإجتهاد في الإنتفاع من ثرواتها وكنوزها التي في أعماقها والظاهرة بالسقي والحرث ، وتبادل المنافع والسعي في جني الصالحات للفوز بالإقامة بالنعيم الدائم ، وأفاض الله عز وجل على الأنبياء بالوحي والتنزيل .
وخص المؤمنين بنعم ظاهرة وخفية منها صرف البلاء المستحق ، قال تعالى [يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
وخصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم المستقرأة من القرآن كثيرة ويمكن تقسيمها عدة تقسيمات منها :
الأولى : تعدد الوظائف الرسالية يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وقد جمعت هذه الآية خمسة منها وهي مجتمعة ومتفرقة تدل على صبغة السلم في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : قانون اقتران وجوب طاعته بطاعة الله عز وجل ، قال تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
الثالثة : قانون حرمة محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنها محاربة لله عز وجل ، قال تعالى إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا.
ومع هذا عفا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كفار قريش عندما فتح مكة ، ولم يكرههم على الإيمان بل سأله بعضهم امهاله فأمهله ، وبذل للمؤلفة قلوبهم من غنائم حنين واعطى كل واحد منهم مائة ناقة.
الرابعة : قانون آيات السلم وسيلة سماوية مباركة لإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وترك محاربته .
الخامسة : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الإمتثال للأوامر والنواهي الإلهية .
السادسة : الرفق العام وملكة الإحسان ، والخلق الحميد ، قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
المنبر النبوي
المنبر لغة هو (مَرْقاةُ الخاطب سمي مِنْبَراً لارتفاعه وعُلُوِّه) ( ).
لقد كان كل فرد من السنة النبوية آية إعجازية تقتبس منها الدروس والمواعظ، وضياءً يبعث على الإيمان والإجتهاد في طاعة الله، والإقتداء برسول الله في مناهج الصلاح ، ومنها منبر رسول الله .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية بعد الهجرة المنبر النبوي وتفرع ملايين المنابر عنه أمس واليوم وغداً ومنها منبر الجمعة المتجدد كل اسبوع في مشارق ومغارب الأرض ، في موضوعه ونفعه.
فبعد أن وصل إلى المدينة للنجاة من بطش قريش وإرادتهم قتله ، قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببناء المسجد النبوي ، وهو ثاني مسجد يبنى في المدينة بعد مسجد قباء ، والصلاة فيه عن ألف صلاة في مسجد آخر عدا المسجد الحرام .
وعن (محمد بن المنكدر قال : رأيت جابراً وهو يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : ههنا تسكب العبرات ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) ( ).
وبنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسجده في شهر ربيع الأول من السنة الأولى لهجرته ، وقيل كان طول المسجد سبعين ذراعاً وعرضه ستين ذراعاً أي نحو (35×30 )م ، وكان محلاً لجمع التمور ليتيمين من بني النجار بطن من الخزرج من الأزد القحطانية .
قال الزهري بخصوص أول دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنورة (فلبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وابتنى المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه.
ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راحلته فسار ومشى بين الناس حتى بركت به عند مسجد رسول الله بالمدينة وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين أخوين في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة من بني النجار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بركت به راحلته : هذا المنزل إن شاء الله ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغلامين فساومهما بالمربد يتخذه مسجدا
فقالا : لا بل نهبه لك يا رسول الله
فأبى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقبله منهما حتى ابتاعه منهما، وبناه مسجدا ، وطفق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينقل معهم اللبن في بنائه وهو يقول :
هذا الجمال لا جمال خيبر
هذا أبر ربنا وأطهر
إن الأجر أجر الآخرة
فارحم الأنصار والمهاجرة
ويتمثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي قال ابن شهاب : ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تمثل ببيت من الشعر تاما غير هؤلاء الأبيات ولكن يرجزهم لبناء المسجد) ( ).
وكانت المدينة صغيرة حتى أن البقيع هو خارج المدينة ، وأصبح جدار المسجد ملاصقاً له بعد التوسعات .
نعم قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلح الحديبية بتوسعة المسجد الشريف بشراء قطعة أرض مجاورة لأنه أصبح لا يستوعب عدد المصلين ، وكانت الإنارة بأسرجة توقد بالزيت ، ومشاعل من جريد النخل.
مثلما قام حينئذ ببعث الكتب إلى ملوك وأمراء عصره يدعوهم إلى الإسلام.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من صعود المنبر ، وهذا الصعود وتعدده نوع جهاد، ومدرسة عقائدية ، وفي هذا الصعود المتكرر للمنبر وجوه محتملة :
الأول : يأتي الإذن الإجمالي للنبي في صعود المنبر ووعظ الناس، وهو يختار الوقت المناسب.
الثاني : لا يصــعد النبي المنبــر في كل مرة إلا بوحي وأمر وإذن من الله عز وجل.
الثالث : ليس من وحي في صعود النبي للمنبر، والقدر المتيقن من قوله تعالىوَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، هو الكلام واللفظ ، وليس الفعل ومقدمات الكلام والإرشاد.
الرابع : التفصيل في حال الصعود من جهات :
الأولى : كل مرة يصعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر بالوحي.
الثانية : مرة يكون فيها مخيراً، بين صعود المنبر وعدمه.
الثالثة : صورة يكتفي بها النبي بالكلام والبشارة والإنذار من غير إرتقاء للمنبر.
الرابعة : يصعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر إبتداء من غير وحي وأمر، ولكن كلامه على المنبر لا يكون إلا وحياً.
والصحيح هو الجهة الأولى من الوجه الرابع أعلاه، فلا يصعد النبي المنبر إلا بالوحي والأمر من الله ، وهو من عمومات قوله تعالى وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
والمنبر من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن وارتقاؤه أمراً معهوداً في الجزيرة ليقترن بالنبوة ، ويكون وسيلة لتبليغ الأحكام وصلة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعامة الناس لا يحجبه عنهم حاجب أو بواب .
ومن الإعجاز في نبوته ورود لفظ (يسألونك) في القرآن خمس عشرة مرة ، ولم يرد يشتكون عندك ، لبيان أن المنبر آلة تلقي الاسئلة ، والنطق بالأجوبة والفتوى بالوحي والتنزيل .
وانتفع خلفاء وأئمة الإسلام وعامة المسلمين من المنبر وصلاة الجمعة انتفاعاً كبيراً.
وأنشئت ملايين المنابر، والملايين صيغة جمع ، وأقل الجمع اثنان ، ويستدل عليه [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ] ( ) قد لا يكون هذا الإستدلال تاماً لأن المراد من الخصمين اسم جنس .
و(عن أبي ذر أنه كان يقسم قسماً إن هذه الآية هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ… إلى قوله إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم : حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث ، وعليّ بن أبي طالب ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة . قال علي عليه السلام : أنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة) ( ).
و(عن أبي العالية قال : لما التقوا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة : لا تقتلوا هذا الرجل ، فإنه إن يكن صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه ، وإن يكن كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه .
فقال أبو جهل بن هشام : لقد امتلأت رعباً .
فقال عتبة : ستعلم أينا الجبان المفسد لقومه . قال : فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.
فنادوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فقالوا : ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلهم . فوثب غلمة من الأنصار من بني الخزرج ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجلسوا .
قوموا يا بني هاشم . فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فبرزوا لهم ، فقال عتبة : تكلموا نعرفكم أن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم . قال حمزة : أنا حمزة بن عبد المطلب . . . أنا أسد الله وأسد رسوله . فقال عتبة : كفء كريم! فقال علي : أنا علي بن أبي طالب . . . فقال : كفء كريم.
فقال عبيدة . أنا عبيدة بن الحارث . . . فقال عتبة : كفء كريم! فأخذ حمزة شيبة بن ربيعة ، وأخذ علي بن أبي طالب عتبة بن ربيعة ، وأخذ عبيدة الوليد .
فأما حمزة ، فأجاز على شيبة ، وأما علي فاختلفا ضربتين ، فأقام فأجاز على عتبة ، وأما عبيدة فأصيبت رجله . قال : فرجع هؤلاء وقتل هؤلاء ، فنادى أبو جهل وأصحابه : لنا العزى ولا عزى لكم ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . فأنزل الله { هذان خصمان اختصموا في ربهم . . . } .) ( ).
ويحتمل تنجز وأوان ملايين المنابر وجوهاً :
الأول : تحقق عدد ملايين المنابر الإسلامية قبل هذا الزمان .
الثاني : تحقق مصداق ملايين المنابر في هذا الزمان .
الثالث : يتحقق هذا الرقم والكم من المنابر في مستقبل الأيام .
وعلى المعنى المقصود بأنه المنبر المنصوب في المساجد ودور عبادة المسلمين فان هذا العدد قد تحقق في هذا الزمان إذ أنه يشمل الكرسي الموقت لخطيب الجمعة ومطلقاً ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإفاضات النبوة التي ترشحت بركتها على المسلمين والناس جميعاً.
قانون المنبر النبوي أعلام متجدد
لم يكن المنبر النبوي معجزة متحدة بل هو من المعجزة المتعددة في ذاته جامعة متنقلة وموضوعه وأثره ، ولم يعهد العرب المنبر ووظائفه ، وإن كان زمانه سابقاً لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه مسائل:
الأولى : قانون المنبر النبوي تشريف وإكرام للنبي والمسلمين.
الثانية : قانون المنبر شاهد على عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل.
الثالثة : قانون بيان موضوعية حال إرتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ، وإنجذاب المسلمين له.
الرابعة : دعوة المسلمين والناس جميعاً إلى التدبر في كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر
ويدعو المنبر النبوي أهل العلم والمحققين إلى دراسات وبحوث علمية وتأليف مجلدات ورسائل دكتوراه خاصة بحال صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر من جهات :
الأولى : أسباب صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر.
الثانية : قانون حاجة المسلمين لصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمنبر.
الثالثة : قانون إصغاء المسلمين لكلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر.
الرابعة: قانون المنبر وسيلة إعلامية عظيمة يصل صوت النبي من خلالها إلى أجيال المسلمين المتعاقبة جميعاً.
وهو من الشواهد على أن منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم معجزة ومن وجوه المعجزة في المنبر النبوي المنابر التي تفرعت عنها في أرجاء الأرض ولا يحصي عددها إلا الله عز وجل وكذا ضروب وأسباب الصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تلقى من فوقها وهي مستمرة إلى يوم القيامة.
الخامسة : قانون تثبيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقواعد السلم بواسطة المنبر ليكون من عمومات قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
الإعجاز في المنبر النبوي
وفيه وجوه :
الأول : قانون المنبر أداة للتبليغ، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا] ( ).
الثاني : الوحي والتنزيل الذي جاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر ، وسيأتي في الجزء الثاني إن شاء الله حديث حنين الجذع الذي كان يخطب إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما اتخذ المنبر.
الثالث : الآيات القرآنية التي تلاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر مع ذكر المناسبة والموضوع، والإنتفاع من هذا الباب في علوم التفسير، وأسباب النزول في شطر منها.
الرابع : شواهد النبوة والإمامة من منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : قانون فزع الكفار من المنبر, وخوف المنافقين من صعود النبي له.
السادس : تأريخ المنبر النبوي.
السابع : قانون دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر، وموضوعه وقانون انتفاع المسلمين من هذا الدعاء ، ومنه دعاؤه للإستسقاء أثناء خطبته .
إذ قال (اللّهُمّ أَغِثْنَا اللّهُمّ أَغِثْنَا اللّهُمّ أَغِثْنَا اللّهُمّ اسْقِنَا اللّهُمّ اسْقِنَا اللّهُمّ اسْقِنَا.
الثّانِي : وعد النبي محمد صَلّى اللّه عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ النّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ إلَى الْمُصَلّى فَخَرَجَ لَمّا طَلَعَتْ الشّمْسُ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذّلًا مُتَخَشّعًا مُتَرَسّلًا مُتَضَرّعًا فَلَمّا وَافَى الْمُصَلّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ – إنْ صَحّ وَإِلّا فَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ – فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَكَبّرَهُ وَكَانَ مِمّا حُفِظَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَدُعَائِهِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.
اللّهُمّ أَنْتَ اللّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ اللّهُمّ لَا إلّا إلَه إلّا أَنْتَ أَنْتَ الْغَنِيّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَهُ عَلَيْنَا قُوّةً لَنَا وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ .
ثُمّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَأَخَذَ فِي التّضَرّعِ وَالِابْتِهَالِ وَالدّعَاءِ وَبَالَغَ فِي الرّفْعِ حَتّى بَدَا بَيَاضُ إبْطَيْهِ ثُمّ حَوّلَ إلَى النّاسِ ظَهْرَهُ .
وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوّلَ إذْ ذَاكَ رِدَاءَهُ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ وَظَهْرَ الرّدَاءِ لِبَطْنِهِ وَبَطْنَهُ لِظَهْرِهِ.
وَكَانَ الرّدَاءُ خَمِيصَةً سَوْدَاءَ وَأَخَذَ فِي الدّعَاءِ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ وَالنّاسُ كَذَلِكَ .
ثُمّ نَزَلَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلَا نِدَاءٍ الْبَتّةَ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ.
وَقَرَأَ فِي الْأُولَى بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ سَبّحْ اسْمَ رَبّكَ الأعَلَى وَفِي الثّانِيَةِ هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)( ).
الثامن : قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنبر النبوي.
التاسع : الغايات السامية من صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر.
العاشر : دلالات عدم ترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صعود المنبر إلى حين مغادرته إلى الرفيق الأعلى
الحادي عشر : إخبار الصحابة وأهل البيت عن صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر.
الثاني عشر :تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأسئلة الخاصة والعامة على المنبر.
الثالث عشر: توجيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأسئلة الخاصة والعامة وهو على المنبر ، فان لم يسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبادر هو للسؤال لبيان موضوعية مسائل مخصوصة ، وعناية المسلمين بها.
الرابع عشر: فضائل صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس عشر: هل من شرائط وموانع لصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ، الجواب لا ، وهو من خصائصه.
السادس عشر : إظهار النبي معاني الرحمة والإحسان والرأفة والخشية من الله وهو على المنبر ، وعن عبد الله بن عباس عن أخيه الفضل قال : جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم موعوكا قد عصب رأسه.
فقال خذ بيدي فأخذت بيده فأقبل حتى جلس على المنبر ثم قال ناد في الناس.
فصحت في الناس فاجتمعوا إليه.
فقال أما بعد أيها الناس فانى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلا هو وانه قد دنا منى حقوق من بين أظهركم.
فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقض منه .
ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقض منه ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يقول رجل إني أخشى الشحناء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ألا وان الشحناء ليست من طبيعتي ولامن شأني ألا وان أحبكم إلى من أخذ حقا إن كان له أو حللني فلقيت الله وأنا طيب النفس( ).
السابع عشر : لا يصعد النبي محمد المنبر إلا بالوحي .
قانون المنبر النبوي أمن وسلامة
المنبر لغة مرقاة يرتقيها الخطيب والواعظ ليكون في حال يكون مرئياً ومسموعاً من الجميع .
ومن الإعجاز في السنة النبوية , وموضوعية الوحي فيها اقتباس المسلمين والناس جميعاً الدروس والمواعظ من السنة القولية والفعلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية (المنبر النبوي) وهو حالة مستحدثة في الجزيرة لم يعهدها الناس .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يواظب على ارتقاء المنبر وإلقاء المواعظ منه ، ويقوم بتفسير الآيات ، والإخبار عما يوحى إليه ، ويجيب على الاسئلة وهو على المنبر ، ولا ينفعل أو يغضب عند مقاطعة الناس له ، لبيان وجوب عصمة المسلم من الغضب الذي قد يكون مقدمة للعنف والجدال بالمغالطة .
ولا يختص الجلوس تحت منبره بالمسلمين ، بل يجلس الكتابي والكافر ويجيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأسئلة وهو على المنبر لبيان أنه مدرسة نبوية ملاكها الهداية والإصلاح، وتثبيت سنن السلم المجتمعي .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إحداث المنبر والأمن والسلامة وهو على المنبر والذي لم يتم إلا بواقية وحرز من الله عز وجل .
و(عن محمد بن المنكدر قال : رأيت جابراً وهو يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : ههنا تسكب العبرات ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)( ).
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية إنشاء المسلمين لملايين المنابر في المساجد ودور العبادة والمضائف,وحتى في البيوت لما فيه تعظيم شعائر الله .
وعدد المساجد في العالم نحو ثلاثة ملايين وستمائة ألف ، وفي اندنوسيا وحدها تسعمائة ألف مسجد ، وعند احتساب وتقدير عدد المنابر تحتسب المساجد والمنابر في بدايات الدعوة الإسلامية والتي في هذا الزمان وحده .
لقد أراد كفار قريش قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه ، فنزل جبرئيل يحمل نبأ الهجرة إلى المدينة ، وأمره بالمغادرة فوراً ، قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
عام الوفود
هل من موضوعية لصلح الحديبية وفتح مكة والنصر في معركة حنين في توالي وفود القبائل على المدينة ودخولهم الإسلام بعد بضعة أشهر من النصر في معركة حنين ، الجواب نعم ، حتى سمي العام التاسع للهجرة عام الوفود .
لقد أدركت قبائل العرب أن النصر الثنائي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفتح مكة ثم معركة حنين إنما تم بمعجزة وتعضيد من الملائكة ، وأنها نهاية حقبة الوثنية والعصبية الجاهلية .
وهل علمت قبائل العرب بتفاصيل فتح مكة وكيف أنه تم سلماً من غير قتال يعتد به ، فدخل أهلها الإسلام ، الجواب نعم وهو من مصاديق قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
لتتضمن هذه الآية وحدة الموضوع في تنقيح المناط واشتراك مكة والقرى والمدن التي حولها التي يأتي أهلها للحج والعمرة بتلقي الإنذار النبوي.
لقد كان قدوم الوفود إلى المدينة لدخول الإسلام مستمراً منذ السنوات الأولى للهجرة النبوية ولكنهم كان على نحو الإفراد ، الشخص الواحد والإثنين والثلاثة ، ثم إزداد العدد بعد صلح الحديبية وما تضمنه من إيقاف القتال بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين وجواز دخول الناس في عقد النبي محمد ومبادرة خزاعة للدخول فيه ، ليصبح بعد فتح مكة من غير قتال يذكر .
وبعد خروج ثلاثين ألفاً مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك لملاقاة الروم ، وعودتهم سالمين ، ازداد عدد الوفود القادمين على المدينة للقاء النبي محمد وإعلان إسلامهم ، وإسلام قومهم من خلفهم ، وبلغ عدد الوفود في السنة التاسعة للهجرة نحو سبعين وفداً منهم.
وفد بنو حنيفة وفيهم مسيلمة الكذاب ، ووفد بني سعد بن بكر ، ووفد نجران ، ووفد الأشعريين من اليمن ، ووفد قبيلة طي ، ووفد ثقيف .
وكان النبي محمد يستضيف بعض الوفود ويعلمهم أحكام الإسلام ، ويأمر عدداً من أصحابه ليفقهوهم في الدين ، ويتلقى منهم الهدايا ، ويقدم لهم الهدايا.
و(عن ابن عباس قال قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إن بيننا وبينك كفار مضر ولا نصل إليك إلا في أشهر الحرم فمرنا بأمر ننتهي إليه وندعو إليه من وراءنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وخمس ما غنتم ونهاهم عن الدباء( ) والحنتم( ) والمزفت( ) والنقير( ))( ).
وكان في وفد عبد قيس الجارود ، وكان نصرانياً فاسلم ، وبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معهم العلاء بن الحضرمي عاملاً على الصدقات .
ويأتي إن شاء الله في أجزاء (معالم الإيمان في تفسير القرآن) التفصيل في قدوم الوفود إلى المدينة ، وكثرتها من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واطمئنان نفوس عامة الناس لرسالته وتلقي أحكام الإسلام بالقبول والرضا .
وهو من مصاديق قوله تعالى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، لبيان أن نصر الله أعم من النصر في المعارك ، ومن مظاهره السامية نطق الناس بالشهادتين ، وتلقي أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج بالقبول والرضا والإمتثال .
وقدم وفد بني أسد وفيه ضرار بن الأزور ، وطلحة بن خويلد ، وفيهم نزل قوله تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
إذ أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أسلمنا وقاتلك العرب ولم نقاتلك ، عن ابن عباس .
وفي قول (أنهم قالوا في بعض الأوقات للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت محارب خصفة وهوازن غطفان وغيرهم)( ).
وفيه شاهد بان المشركين هم الذين كانوا يغزون المدينة ويبدأون القتال في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
إنذار النبي (ص) بقرب رحيله
لقد اختص الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بنزول القرآن ، وجعل نزوله نجوماً وعلى نحو التوالي مدة ثلاث وعشرين سنة ، وفيه وعد من الله عز وجل بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل والموت إلى حين نزول تمام سور القرآن ، فنزل قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
و(عن أم حبيبة قالت : لما نزلت إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله ، وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل ، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة .
فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي فتبسمت .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي بن أبي طالب ، يا فاطمة بنت محمد جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبحان ربي وبحمده واستغفره إنه كان توابا)( ).
وورد (عن عكرمة قال : لما نزلت إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال المشركون بمكة : لمن بين أظهرهم من المؤمنين ، قد دخل الناس في دين الله أفواجاً ، فاخرجوا من بين أظهرنا ، فعلام تقيمون بين أظهرنا ، فنزلت وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ))( ).
وهو خلاف منطوق آية النصر أعلاه والنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأهل البيت في المقام ، إذ نزلت هذه الآية وقد ساد الإسلام في الجزيرة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام إخباره عن قرب أجله وفيه مسائل :
الأولى : بيان فضل الله عز وجل على سيادة مبادئ وأحكام الإسلام في الجزيرة.
الثانية : نزول الفرائض العبادية كالصلاة والصوم والزكاة والحج ، وقيام المسلمين على أدائها وتعاهدها وتوارثها ، قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
الثالثة : دعوة الصحابة وأهل البيت لسؤال البني محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور الدين والدنيا .
الرابعة : إشعار المسلمين بنزول تمام القرآن .
دس السم للنبي (ص)
لقد نزل قوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
لبيان أنه بشر يأتيه الموت أو يقتل من قبل المشركين ، ونجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل من قبل قريش قبل الهجرة ، وبعدها في معارك الإسلام الأولى معجزة له ، إذ كان القتل قريباً منه في كل معركة إلى جانب محاولات الإغتيال التي صرفها الله عز وجل عنه ، وهذا الصرف ودفع القتل عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مختصاته لما فيه من صبغة الإعجاز .
و(عن ابن عباس قال ولد نبيكم يوم الاثنين ونبيء يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة يوم الاثنين ودخل في المدينة يوم الاثنين وفتح مكة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين.
وأخرج أبو نعيم عن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : المدينة مهاجري ومضجعي من الأرض)( ).
وهل مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فراشه أم قتل ، مشهور المسلمين أنه دسّ له السم ، وهو المختار .
و(عن عبدالله بن مسعود، قال: لئن أحلف تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا أحب إلى من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك أن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا)( ).
وقال محمد بن إسحاق (فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لها الذراع.
فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها وقال الواقدي (فعمدت إلى عنزٍ لها فذبحتها، ثم عمدت إلى سمٍّ لابطى.
قد شاورت اليهود في سموم فأجمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتفين.
فلما غابت الشمس صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغرب وانصرف إلى منزله، ويجد زينب جالسةً عند رحله فيسأل عنها.
فقالت : أبا القاسم ، هدية أهديتها لك. ومن خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة( ).
فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهدية فقبضت منها ووضعت بين يديه.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه وهم حضور، أو من حضر منهم : ادنوا فتعشوا! فدنوا فمدوا أيديهم.
وتناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذراع ، وتناول بشر بن البراء عظماً، وأنهش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهشاً وانتهش بشر ، فلما ازدرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكلته ازدرد بشر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كفوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة)( ).
ولاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلفظها ثم قال : إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم.
ثم دعا بها فاعترفت ، فقال : ما حملك على ذلك “.
قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان كذابا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم علمه بالسم الذي دسّ إليه ، وهذا العلم بالوحي ، وحديث ذات العظم والذراع المسموم ، وإن كان عذر زينب بنت الحارث ليس كافياً ، فقد يكون نبياً ولكنه يأكل المسموم لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
ويدل الحديث على خصيصة من خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي عفوه عمن دسّ السم في طعامه عن قصد وإرادة قتله ، قال تعالى وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ.
فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومات بشر من أكلته التي أكل.
قال ابن إسحاق : وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال في مرضه الذي توفى فيه – ودخلت عليه أم( ) بشر بن البراء بن معرور : يا أخت( ) بشر إن هذا الاوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الاكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر.
قال ابن هشام: الابهر: العرق المعلق بالقلب.
قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة)( ).
وفي بحار الأنوار 17/395 يذكر رواية عن الإمام علي عليه السلام أن التي وضعت السم في الشاه من أجل سم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي زينب بنت الحارث ، وقال المجلسي (وفي خبر إن البراء بن معرور أخذ منه لقمة أول القوم: فوضعها في فيه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لا تتقدم رسول الله في كلام له جاءت به هذه وكانت يهودية، ولسنا نعرف حالها، فإن أكلته بأمر رسول الله فهو الضامن لسلامتك منه، وإذا أكلته بغير إذنه وكلك إلى نفسك، فنطق الذراع وسقط البراء ومات وروي أنها كانت زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مسلم، والآكل كان بشر بن البراء بن معرور، وأنه دخلت امه على النبي صلى الله عليه وآله عند وفاته فقال: يا ام بشر ما زالت اكلة خيبر التي اكلت مع ابنك تعاودني، فهذا أوان قطعت
أبهري، ولذلك يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله مات شهيدا.
وعن عروة بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله بقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي مات فيه.
وفي رواية أربع سنين وهو الصحيح)( ).
قانون الوحي حاجة
لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً ووفق القياس الإقتراني :
الكبرى : كل مخلوق محتاج .
الصغرى : الإنسان مخلوق .
النتيجة : الإنسان محتاج .
والوحي للأنبياء حاجة للناس جميعاً لما فيه من سبل الهداية والبشارة والإنذار ، قال تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ..] ( ) وقد تلقى آدم الوحي بأبهى محل وهي الجنة قبل هبوطه إلى الأرض ليصاحبه في الحياة الدنيا ، ويكون ضياء في عالم البرزخ ويوم القيامة .
ولم يبدأ الوحي مع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وموضوع الوحي ملازم لوجود الإنسان على سطح الأرض وقبل أن ينزل لتفضل الله بتعليم آدم الأسماء في السماء وأمره لآدم أن يعلمها الملائكة [قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ] ( ) وإن إنقطع الوحي فترات معينة، ولكنه رفع بإنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
وقيـل مما أوحى الله إلى أبينا آدم عليه السلام (أن المستنبطين للعلوم عندي أفضل من عمار الأرض بالصنائع، ومن إستنبط علماً ودونه في كتاب فهو بمنزلة آدم الصفي) .
وورد في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام (روحك من روحي وطبيعتك على خلاف كينونتي)( ).
وذكر الطبري ما نسبه إلى القيل :أنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وحروف المعجم في احدى وعشرين ورقة.
وعدم ذكر السند ونسبته إلى القيل نوع تضعيف للحديث إلا أن هذا كله لا يمنع من الإقرار بتلقي آدم الوحي للملازمة بين النبوة والوحي وللإجماع وورود النصوص على نبوته، بالإضافة إلى ظاهر وإطـلاق قوله تعالى[ أني جَاعِلٌ فِي الارْضِ خَلِيفَةً] ( )، وقوله تعالى وَعلم آدم الاسْمَاءَ كُلَّهَا .
والتعليم في قوله تعالى [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا..] ( )، مرتبة أعلى من الوحي موضوعاً وكيفية لقيام الحجة في أهليته للخلافة في الأرض وإصلاحه وذريته لها.
ويتجلى قانون اتصال واستمرار النعمة ، فاذا أنعم الله عز وجل على عبد أو طائفة أو أمة بنعمة فانه لا يقطعها ، إلا مع الجحود للإطلاق في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.
وقد صاحبت النبوة آدم عليه السلام من حين هبوطه إلى الأرض ، ومن معاني هذه المصاحبة قانون ملازمة الوحي للنبوة .
قانون عصمة الإسلام والمسلمين من الإستئصال
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سلامة أمته من الإستئصال عذاباً وسوء عاقبة .
وهذه السلامة من اللطف الإلهي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشكره وأمته على الجهاد في سبيل الله بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وتعاهد أداء الفرائض العبادية من غير تحريف أو زيادة أو نقصان .
لقد جعل الله عز وجل القرآن مدرسة الإتعاظ من الأمم السالفة ، قال تعالى وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.
ومن أظهر أسباب هلاك الأمم الكفر والجحود ، وطغيان الفساد ، وكثرة الفسوق والخبث ، وانقطاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو عدم الإصغاء له من عامة الناس ، وملاقاته بالسخرية والإستخفاف .
وهلاك الأمم على قسمين :
الأول : هلاك استئصال وزوال .
الثاني : هلاك ضعف .
و(عن مسعر قال بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال : يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه : أن به فابدأ لم يتمعر وجهه في ساعة قط)( ).
ومسعر بن كدام من التابعين توفى سنة 153 هجرية ، ولم يرفع الحديث.
وورد عن أبي بكر قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده)( ).
و(عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مثل الفاسق في القوم كمثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل إنسان منها نصيب فأخذ رجل منهم فأساً فجعل ينقر في موضعه.
وقال له أصحابه : أي شيء تصنع، تريد أن تغرق وتغرقنا .
قال : هو مكاني ، فإن أخذوا على يده نجوا ونجا وإن تركوه غرق وغرقوا)( ).
وفي عاد قال تعالى قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ، في احتجاج وإنذار الرسول هود لقومه عاد ، وإقامة الحجة عليهم بعد أن امتنعوا عن عبادة الله عز وجل وحده .
وتجرأوا وتحدوه ، وقالوا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا، أي من العذاب.
وظاهر الآية أن الذي أنذرهم هود منه وتحداهم بانتظاره هو هلاكهم ، إذ بعث الله عز وجل عليهم ريحاً شديدة البرودة سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فماتوا جميعاً إلا هوداً والذين آمنوا معه ، لتبقى مساكنهم على حالها عبرة وموعظة ، وشاهداً على خزي الكافرين في الدنيا ، وفيه إنذار للناس وهو شعبة من قانون ترتب العذاب العاجل على الكفر والجحود العام بعد رؤية الآيات والمعجزات الرسالية.
ويتعقب هذا العذاب أشد منه في القبر ، ثم يوم القيامة ، لقد نزلت آيات القرآن عبرة وموعظة للناس ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
قوانين هذا الجزء
مما يفتخر به المسلمون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تفضل الله عز وجل بها عليه سواء تلك التي في القرآن أو تتجلى في السنة القولية أو الفعلية أو التقريرية .
وقد تم والحمد لله تأليفي للجزء الأول من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي بين يديك , وتأتي أجزاء أخرى إن شاء الله , وإذ يذكر المحقق الحلي صاحب شرائع الإسلام خمس عشرة خصلة هي مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتبعه علماء آخرون بذكر هذا العدد , أو زادوها إلى الضعف .
ولي أربعة عشر جزءً في شرح شرائع الإسلام تدريسي في الحوزة العلمية قبل ثلاثين سنة طبعت منها أربعة أجزاء فقط بعنوان (دار السلام في شرائع الإسلام) وهي كل من الجزء 6، 10 ، 14.
ويتضمن هذا الجزء القوانين التالية :
الأول : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من التبيان القرآني .
الثاني : قانون خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هدى للمسلمين والناس .
الثالث : قانون تلقي المسلمين خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والرضا ، والتدبر في الجانب الإعجازي فيها .
الرابع : قانون اتصال المعجزة الحسية.
الخامس : توارث الأمم والشعوب قانون عالم الحساب والجزاء بعد الموت ، ويدل عليه الحوار الذي دار بين ابني آدم.
السادس : قانون الحروف المقطعة مقدمة لتلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن .
السابع : قانون الحروف المقطعة تنزيل من عند الله سبحانه .
الثامن : قانون الحروف المقطعة وسيلة لإنتباه الناس لتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للقرآن.
التاسع : قانون ضبط القرآن والسنة للمعاملات ، ومنع الجهالة والغرر فيها.
العاشر : قانون البعث على فعل الصالحات .
الحادي عشر : قانون استحضار الآخرة وعالم الجزاء في المعاملات اليومية.
الثاني عشر : قانون اليسر في جني واكتساب الحسنات.
الثالث عشر: قانون عالمية واستدامة الرسالة الخاتمة.
الرابع عشر : قانون الترغيب بتلاوة القرآن.
الخامس عشر : قانون تثوير القرآن.
السادس عشر : قانون استدامة سلامة القرآن من التحريف.
السابع عشر : قانون تعاهد المسلمين لعلوم القرآن ، والسعي في تثوير القرآن .
الثامن عشر : قانون الإجتهاد اليومي في الدعوة إلى الله عز وجل.
التاسع عشر : قانون انحسار نفوذ وسلطان قريش ، لقانون غلبة المعجزة النبوية على سطوة المشركين.
العشرون : قانون تآلف القبائل ، ومحاربة الإرهاب ومنع قريش من التحريف والإفتراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الواحد والعشرون : قانون الذكر الحسن لمن عضّد نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأعانه ونصره.
الثاني والعشرون : قانون سبق البشارات بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث والعشرون : قانون دعاء المسلمين لأنفسهم وللناس بالهداية ورجاء رحمة الله .
الرابع والعشرون : قانون التقييد في القتال.
الخامس والعشرون : قانون حصر قتال المسلمين في سبيل الله .
السادس والعشرون : قانون قتال الذين يقاتلون المسلمين دون غيرهم من الناس وإن كانوا كفاراً .
السابع والعشرون : قانون حرمة التعدي في حال الحرب والسلم.
الثامن والعشرون : قانون النهي عن التعدي والظلم في حال الحرب والسلم لبيان التضاد بين مبادئ الإسلام والتعدي.
التاسع والعشرون : قانون تلاوة النبي (ص) القرآن في البيت الحرام .
الثلاثون : قانون تعدد وجوه الإعجاز في الآية القرآنية .
الواحد والثلاثون : قانون تجدد إعجاز الآية القرآنية في كل زمان .
الثاني والثلاثون : قانون تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن شاهد على نبوته .
الثالث والثلاثون : قانون تعاهد النبي (ص) الصلاة مع التهديد بقتله.
الرابع والثلاثون : قانون الإيمان حاجة.
الخامس والثلاثون : قانون السنة النبوية هداية وصلاح للناس .
السادس والثلاثون : قانون إزاحة الأصنام إلى الأبد.
السابع والثلاثون : قانون بعث النفرة من الأصنام.
الثامن والثلاثون : قانون التضاد بين علة خلق الناس وعبادة الأوثان .
التاسع والثلاثون : قانون الملازمة بين بعثة الأنبياء وصلاح الناس ، ولا يتم هذا الصلاح إلا بالتوحيد ، وترك عبادة الأوثان والتقرب إليها .
الأربعون : قانون جهاد الصبر.
الواحد والأربعون : قانون شمول خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للتكاليف الشاقة.
الثاني والأربعون : قانون التفاؤل ووجوب العناية بالبنت وحسن تربيتها.
الثالث والأربعون : قانون دلالة آيات إكرام المرأة على النهي إيذائها .
الرابع والأربعون : قانون قبح الوأد واتصال مضامين هذا القانون إلى يوم القيامة ببركة القرآن .
الخامس والأربعون : قانون ملاحقة آية الوأد للذين كفروا في أسفارهم وتقلبهم في البلاد.
السادس والأربعون : قانون مصاحبة الرزق الكريم للإيمان إذ توالت النعم على المسلمين وأهل الجزيرة ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع والأربعون : قانون إذا كذّب قوم بالرسالة فان الله عز وجل يأتي بقوم يؤمنون بها ، فتتوالى عليهم الخيرات .
الثامن والأربعون : قانون القرآن دستور سماوي ثابت اختص الله تعالى به النبي محمداً وأمته .
التاسع والأربعون : قانون ازالة أسباب الوأد والغزو بين القبائل.
الخمسون : قانون كل خصلة يختص بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء هي نعمة عظمى ، لا يقدر عليها غير الله تعالى.
الواحد والخمسون : قانون اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلقي نزول القرآن ، وانحصار هذا التلقي به وحده من بين الأولين والآخرين نعمة عظمى.
الثاني والخمسون : قانون كل إجابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي من الوحي .
الثالث والخمسون : قانون انشقاق القمر دعوة للناس على اختلاف مشاربهم للإيمان، والتباين في مداركهم لدخول الإسلام .
الرابع والخمسون : قانون النصر بنداء التوحيد.
الخامس والخمسون : قانون الإمتناع عن الفرار.
السادس والخمسون : معرفة المسلمين بقانون ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان القتال.
السابع والخمسون : قانون ثبات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان طريق النصر والظفر .
الثامن والخمسون : قانون الثبات في ميدان القتال تدبير نبوي ، وفيه دعوة للمسلمين للإمتناع عن الفرار .
التاسع والخمسون : قانون نزول الملائكة لنصرة النبي (ص).
الستون : قانون نصر الله للأنبياء .
الواحد والستون : قانون نصر الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني والستون : قانون الدعاء لجلب النصر .
الثالث والستون : قانون قلة عدد قتلى المسلمين في الميدان في مواجهة كثرة المشركين.
الرابع والستون : قانون لا يبدأ النبي القتال .
الخامس والستون : قانون تضاؤل النفاق.
السادس والستون : قانون فضح المنافقين والتحذير منهم .
السابع والستون : قانون غنى الإسلام والمسلمين عن المنافقين .
الثامن والستون : قانون تضاؤل النفاق وأثره في المجتمعات.
التاسع والستون : قانون تعدد منافع الآية القرآنية .
السبعون : قانون تقديم الأهم على المهم طوعاً وانطباقاً وقهراً ، وقانون إزاحة الخير للشر في النوايا والمقاصد وعالم الفعل.
الواحد والسبعون : قانون الوحدة العامة لآيات القرآن، وقانون القرآن سور جامع على الخير والصلاح.
الثاني والسبعون : قانون النجاة من النبل والسهام.
الثالث السبعون : قانون الملازمة بين الخلافة والوحي .
الرابع والسبعون : قانون توجه الأوامر والنواهي للإنسان وقانون الحساب يوم القيامة .
الخامس والسبعون : قانون الوحي معجزة.
السادس والسبعون : قانون وهو : بنزول القرآن ظلت معجزات الأنبياء معــروفة وحاضرة.
السابع والسبعون : قانون القرآن أسمى تركة متوارثة.
الثامن والسبعون : قانون الوحي سبب لدخول الذوات وعامة الناس الإسلام ، وأن الناس دخلوا الإسلام بالمعجزة والوحي.
التاسع والسبعون : قانون إجتماع الوحي ونزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثمانون : قانون مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العبادات والمعاملات .
الواحد والثمانون : قانون الوحي مدد وعون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره في الوقائع والأحداث .
الثاني والثمانون : قانون الوحي مادة تصديق الناس بدعوة الأنبياء .
الثالث والثمانون : قانون الوحي لطف عام .
الرابع والثمانون : قانون الوحي هداية للناس .
الخامس والثمانون : قانون من الإرادة التكوينية وهو الوحي مادة الصلة بين الله وبين الناس بواسطة الأنبياء .
السادس والثمانون : قانون الوحي هو المصداق المتجدد .
السابع والثمانون : قانون الوحي مادة خلافة الإنسان في الأرض .
الثامن والثمانون : قانون الوحي حجة.
التاسع والثمانون : قانون الملازمة بين الوحي والنبوة وإن كان بعض الأنبياء ممن يتنبأ في منامه ومنهم من يسمع الصوت ولا يرى الملك.
التسعون : قانون رؤيا الوحي ترغيب للناس للإنصات للنبي.
الواحد والتسعون : قانون الرؤيا مدد من الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني والتسعون : قانون رؤيا النبي وحي .
الثالث والتسعون : قانون امتثال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأوامر الإلهية التي تأتي بالوحي .
الرابع والتسعون : قانون منافع رؤيا النبي عامة ومتجددة وتبقى عبرة وموعظة.
الخامس والتسعون : قانون رؤيا النبي تتفرع عنها المعجزات المتجددة.
السادس والتسعون : قانون الوحي حاجة.
السابع والتسعون : قانون اتصال واستمرار النعمة ، فاذا أنعم الله عز وجل على عبد أو طائفة أو أمة بنعمة فانه لا يقطعها .
الثامن والتسعون : قانون ملازمة الوحي للنبوة .
التاسع والتسعون : قانون تعزية النبي لأصحابه.
المائة : قانون تعزية النبي وحي .
الواحد بعد المائة : قانون عصمة الإسلام والمسلمين من الإستئصال.
الثاني بعد المائة : قانون ترتب العذاب العاجل على الكفر والجحود العام بعد رؤية الآيات والمعجزات الرسالية.
الثالث بعد المائة : قانون رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالة صفح ولانه خاتم النيين فقد أراد الله عز وجل أن يبقى الصفح والعفو هو ملاك الصلات بين الناس .
الرابع بعد المائة : قانون الإعتكاف.
الخامس بعد المائة : قانون الملازمة بين الإيمان وأداء الصلاة .
السادس بعد المائة : قانون الملازمة بين الركوع والسجود.
السابع بعد المائة : قانون مصاحبة الركوع والسجود لبعثة الأنبياء .
الثامن بعد المائة : قانون كل من الركوع والسجود من أركان الصلاة .
التاسع بعد المائة : قانون التفقه في قصص الأنبياء من خصائص المسلمين.
العاشر بعد المائة : قانون اضطرار المسلمين للدفاع وعدم ترك الإيمان وسنته.
الحادي عشر بعد المائة : قانون اجتناب المسلمين الهجوم والغزو .
الثاني عشر بعد المائة : قانون وهو أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين ويصد الذين كفروا.
الثالث عشر بعد المائة : قانون تفضل بإنزال الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الرابع عشر بعد المائة : قانون توثيق السنة.
الخامس عشر بعد المائة : قانون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رؤياه مدد وعون للمسلمين.
السادس عشر بعد المائة : قانون اقتران وجوب طاعة الرسول بطاعة الله عز وجل .
السابع عشر بعد المائة : قانون حرمة محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنها محاربة لله عز وجل.
الثامن عشر بعد المائة : قانون آيات السلم وسيلة سماوية مباركة لاتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وترك محاربته.
التاسع عشر بعد المائة : قانون تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للآيات حال نزولها دعوة لحفظها وكتابتها ، ومنع السهو أو الخطأ فيها.
العشرون بعد المائة : قانون في تلاوة وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن سلام وأمن ، وغنى عن الغزو والقتال.
الواحد والعشرون بعد المائة : قانون المنبر النبوي أعلام متجدد .
الثاني والعشرون بعد المائة : قانون المنبر النبوي تشريف وإكرام للنبي والمسلمين.
الثالث والعشرون بعد المائة : قانون المنبر شاهد على عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل.
الرابع والعشرون بعد المائة : قانون بيان موضوعية حال إرتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ، وإنجذاب المسلمين له.
الخامس والعشرون بعد المائة : قانون حاجة المسلمين لصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمنبر.
السادس والعشرون بعد المائة : قانون اصغاء المسلمين لكلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر.
السابع والعشرون بعد المائة : قانون المنبر وسيلة إعلامية عظيمة يصل صوت النبي من خلالها إلى أجيال المسلمين المتعاقبة جميعاً.
الثامن والعشرون بعد المائة : قانون تثبيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقواعد السلم بواسطة المنبر .
التاسع والعشرون بعد المائة : قانون المنبر أداة للتبليغ.
الثلاثون بعد المائة : قانون فزع الكفار من المنبر, وخوف المنافقين من صعود النبي له.
الواحد والثلاثون بعد المائة : قانون دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر، وموضوعه وقانون انتفاع المسلمين من أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها دعاؤه للإستسقاء أثناء خطبته .
الثاني والثلاثون بعد المائة : قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنبر النبوي.
الثالث والثلاثون بعد المائة : قانون المنبر النبوي أمن وسلامة.
الرابع والثلاثون بعد المائة : قانون الإسراء تفضيل .
الخامس والثلاثون بعد المائة : قانون منع الغلو بشخصه الكريم ، لذا وردت آية الإسراء بصفة العبودية.
الفهرس
المقدمـــة 3
الخصائص لغة وإصطلاحاً 14
السكينة لأم النبي محمد (ص) 14
تعدد البشارة ببعثة النبي محمد (ص) 16
أخبار بعثة النبي (ص) 19
الحرز عند الولادة 22
بشارة الرسول عيسى (ع) 23
سلامة النبي (ص) وهو حمل في بطن أمه 24
ابتداء النبوة بالرؤيا الصالحة 25
الوحي لغة وإصطلاحاً 29
آدم والوحي 31
قانون الوحي حجة 33
فلسفة الوحي 35
كيفية الوحي للنبي (ص) 36
معجزة نزول القرآن 38
اختصاص نبوة محمد (ص) بالحروف المقطعة 39
اختصاص النبي بنزول القرآن 41
النسبة بين الوحي والقرآن 44
النسبة المنطقية بين الوحي والتنزيل 46
الوحي أول النزول 47
ذهاب خديجة إلى ورقة 50
لماذا الذهاب إلى ورقة 52
الملازمة بين الوحي والتبليغ 61
قانون الوحي معجزة 62
ذم تحريف الكتب السماوية 64
النسبة بين الخلافة والوحي 66
السنة النبوية وحي 68
أقسام وكيفية الوحي للإنبياء 69
إسلام طفيل الدوسي 71
خصائص النبوة الخاتمة في السور المكية 74
عصمة القرآن 76
معجزة الصلة بين آيات القرآن 78
قانون تثوير القرآن 81
تسليم الحجر والشجر 82
خصائص الدعوة النبوية في مكة 84
ملاقاة أشد الأذى 86
الأذى الشديد عند قراءة القرآن 88
انشقاق القمر 90
الإعجاز الغيري في آية الوأد 93
القضاء على الوأد 94
مسائل نبوية في انقطاع الوأد 97
أقسام معجزات النبي محمد (ص) 99
أسباب إيذاء قريش للنبي (ص) 100
هجرة الحبشة 102
حال النبي محمد (ص ) عند الإيحاء له 103
سِرّية الإجتماع 105
اقتران الدعوة بشدة الأذى 109
أسباب خشية الأنصار أيام العقبة 111
الإسراء والمعراج 112
لقاء النبي محمد (ص) بآدم في المعراج 114
قانون الإسراء تفضيل 117
من فرائد الإسراء 120
على فترة من الرسل 121
قانون توثيق السنة 123
خصائص تفسير النبي (ص) للقرآن 126
صدور الشهادة العامة 129
قانون تلاوة النبي (ص) القرآن في البيت الحرام 130
قانون تعاهد النبي (ص) الصلاة مع التهديد بقتله 133
ثماني خصائص في حديث واحد 134
قانون إزاحة الأصنام إلى الأبد 138
رسالة النبي (ص) للناس جميعاً 141
توثيق محاربة الأنبياء للأصنام 143
قانون بعث النفرة من الأصنام 145
صفات النبي (ص) 147
قانون الإيمان حاجة 151
شواهد على مكر وخبث المشركين 152
خصائص ليلة الهجرة 154
الهجرة نجاة من القتل 156
النبوة والغيب 158
الإخبار عن المغيبات 160
قانون جهاد الصبر 163
معجزة نجاة النبي (ص) من الإغتيال المتكرر 165
صوم الوصال 167
مسائل في صوم الوصال 169
مسائل في الصوم 170
قانون النصر بنداء التوحيد 171
هجرة النبي إلى أنصار ومهاجرين 172
قانون الإجتهاد اليومي في الدعوة إلى الله عز وجل 174
نشوء النفاق 175
الأنفال من خصائص النبي (ص) 177
يوم الفرقان 180
رمي قبضة تراب يوم بدر 182
فضح النفاق في الكتاب والسنة 183
قانون تضاؤل النفاق 185
قانون نزول الملائكة لنصرة النبي (ص) 187
قانون الإمتناع عن الفرار 188
خيبة المشركين في معركة أحد 190
الشهادة على ثبات النبي (ص) في الميدان 191
خصائص الميدان 192
آية الدَين مدرسة 194
إنشاء النبي محمد (ص) سوق المدينة 197
تنزيه الأسواق 200
قانون عالمية واستدامة الرسالة الخاتمة 201
قانون الترغيب بتلاوة القرآن 203
قانون اتصال المعجزة الحسية 206
الإمتناع عن الدعاء على المشركين 210
زواج النبي (ص) بأكثر من أربع 211
مصاهرة مقام النبوة 213
أزواج النبي (ص) أمهات المؤمنين 215
إحصاء منافع تعدد زوجات النبي 217
إفاضات زواج النبي 219
التورية على الكفار 221
أكثر يهود الجزيرة من العرب 224
إنصراف النبي (ص) من عمرة القضاء 226
توالي النعم 228
قانون التقييد في القتال 229
ذريعة المشركين لقتال النبي (ص) 230
رؤيا البشارة في المعارك 232
تقليل عدد المشركين 234
جدول تفصيلي لمعارك النبوة 237
قتل الذي يتوعد النبي (ص) بالقتل 238
قانون النجاة من النبل والسهام 239
اختتام المعركة بالدعاء 240
شروط الكفار في عمرة القضاء 241
دلالات عمرة القضاء 243
التوجه نحو الحديبية 246
مقدمات صلح الحديبية 248
الإنقلاب من الحديبية 249
رجاء حسن العاقبة 250
الإستسقاء بالنبي 251
الإستسقاء والإستجابة له 254
صلاة الإستسقاء 256
ذو الشهادتين 258
قانون تعزية النبي لأصحابه 259
منهاج الصفح 261
دعاء النبي (ص) لوفد الحاج 263
الصبر على شدة أذى المشركين 264
لم يبدأ النبي محمد (ص) قتالاً 265
تدارس جبرئيل القرآن مع النبي (ص) 267
قانون الإعتكاف 268
تعاهد الجمع بين الركوع والسجود 269
الحكمة من الاعتكاف 270
توثيق معجزات الأنبياء 273
فيوضات قصص الأبنياء 275
الاضطرار للدفاع 280
خصائص معارك النبوة 283
تقسيمات خصائص النبي محمد (ص) 285
المنبر النبوي 286
قانون المنبر النبوي أعلام متجدد 292
الإعجاز في المنبر النبوي 293
قانون المنبر النبوي أمن وسلامة 296
عام الوفود 298
إنذار النبي (ص) بقرب رحيله 300
دس السم للنبي (ص) 302
قانون الوحي حاجة 306
قانون عصمة الإسلام والمسلمين من الإستئصال 308
قوانين هذا الجزء 310
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
1046 لسنة 2025