تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

خصائص النبي محمد (ص) الجزء الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمـــة
الحمد لله الذي جعل الحمد له واجباً على العباد ، وقال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ وهل يجزي الحمد لله مرة واحدة في العمر كما قيل ، الجواب لا ، إنما جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الحمد لله سبحانه من جهات متعددة منها :
الأولى : وجوب عبادة الله ، والنسبة بين العبادة والحمد والشكر لله عز وجل العموم والخصوص المطلق فالحمد شعبة من العبادة ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ .
الثانية : زيادة ومضاعفة النعم الإلهية على العبد عند شكره لله ، قال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌومن تقدير الآية : لئن شكرتم على كل نعمة لأزيدنكم .
الثالثة : صرف البلاء ودفع الضرر عن الناس بشكرهم لله عز وجل ، قال تعالى وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا.
الرابعة : تفضل الله عز وجل على المسلمين بوجوب قراءة كل واحد منهم سورة الفاتحة سبع عشرة مرة في اليوم ، ومنها قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وفيه دلالة على وجوب إكثار العبد من الحمد لله .
والشكر عرفان الإحسان ومقابلته بالرضا والثناء حالاً ومالاً ، ويكون الشكر بالقلب بتصور النعمة والإقرار بها ، وعلى اللسان وفي الجوارح ، وهناك مراتب عديدة بين الشكر باللسان والقلب ، فالأفضل والأحسن هو الشكر باللسان والثناء والدعاء ، وتسخير الجوارح في طاعة الله ، والإمتناع عن معصيته ، وهل هو من مصاديق الشكر لله ، الجواب نعم .
ليكون الشكر لله سبيل النجاة في النشأتين ، قال تعالى مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا وتبين الآية أعلاه اسمين من أسماء الله عز وجل وهما [شَاكِرًا عَلِيمًا] ولا يحصي ويعلم شكر الله للعباد إلا هو سبحانه .
وهو من أسرار الجمع بين الاسمين أعلاه من الأسماء الحسنى ومن مصاديق وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ليتجلى يوم القيامة أي الأمم وأهل الملل أكثر حمداً لله عز وجل.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أكثر الأنبياء حمداً لله وأن أمته هي أكثر الأمم حمداً لله عز وجل ، ومنه قول كل مسلم ومسلمة في كل يوم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، على نحو الوجوب العيني سبع عشرة مرة بعدد ركعات الصلاة اليومية.
ومن الآيات دلالة اسم النبي محمد على مصاحبة الحمد لله له في حياته ، واتباع المسلمين له في مقامات الحمد والشكر والثناء على الله عز وجل .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوحي والتنزيل وبقاء إطلالته وإشراقاته بالقرآن وأســراره , وبلاغتــه وعلومــه إلى يوم القيامة .
وفيه دلالة وبرهان على عظمة الإسلام والإرتقاء الفكري عند المسلمين والمجتمــع الذي نزل فيه الوحي، لأن الوحي وآيات القرآن أثبتت معجزات الأنبياء توكيداً وتوثيقاً كسفينة نوح ، وناقة صالح، ونجــاة إبراهيـم، وعصــا موسى ، وعصمة يوسف ، والآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام.
ليكون من معاني صفة (خاتم النبيين) التي اختص وفاز بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توثيق رسالته لمعجزات الأنبياء السابقين.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وضعه القواعد الكلية والمنهجية السليمة والضوابط الصحيحة لعلم التفسير والتأويل بالمصاديق وبيان تفسير جملة من الآيات والتي تصلح أن تكون قواعد كلية في علم التفسير.
لقد شاء الله عز وجل حفظ المؤمنين وتعاهد أجيالهم ليكونوا ممهدين ومبشرين بظهور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومادة الدعوة الإسلامية وموضوعها الذي به وفيه تترشح وتنتشر بركات للنبي صلى الله عليه وآله وسلم متقدمة على زمانه.
ولا تنحصر بما بعد ولادته وبعثته صلى الله عليه وآله وسلم بل كانت البشارات بنبوته عنوان عز وفخر للمؤمنين المتقدمين منهم والمتأخرين وسبباً لبعث الهيبة لهم في نفوس السلاطين والملوك، ولعلها تقف وراء عدم تجرأهم على غزو الجزيرة وأرض الحرمين، لتهيئة المقدمات والتوطئة لبعثته صلى الله عليه وآله وسلم.
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه ، وعظيم سلطانه ، الحمد لله على نعمة الشكر والحمد له ، وعلى نعمة الدعاء واللجوء إليه في المسألة ، هذا اللجوء الذي لا يرجع منه الإنسان إلا ويده مملوءة من ذات موضوع الدعاء أو غيره .
الحمد لله الذي لا يشرك في حكمه أحداً ، وجعل حاجة الخلائق له وحده متجددة ومتصلة .
الحمد لله على رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعلها خاتمة الرسالات ، وتفضل الله ورزقه من النعم والفوائد المباركة التي يختص بها من بين الأنبياء والرسل .
و(عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وأجملها وترك فيها موضع هذه اللبنة لم يضعها ، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ، ويقولون : لو تم موضع هذه اللبنة ، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة)( ).
و(عن ابن عباس قال : لما نزلت يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وقد كان أمر علياً ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن ، فقال : انطلقا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا ، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا ، فإنه قد أنزل عليَّ [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا] قال : شاهداً على أمتك ، ومبشراً بالجنة ، ونذيراً من النار ، وداعياً إلى شهادة لا إله إلا الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا بالقرآن)( ).
وبعد أن أنعم الله عز وجل علينا بصدور الجزء الأول والثاني من كتابنا الموسوم (خصائص النبي محمد (ص)).
صدر هذا الجزء الذي بين يديك هو الثالث من هذه الموسوعة .
ولقد تضمن الجزء الأول أكثر من مائتين من خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،و(195) قانوناً ، وتضمن الجزء الثاني أكثر من مائة وسبعين خصيصة وفيه مائة وخمسة قوانين.
ويتضمن هذا الجزء والحمد لله أكثر من خمسمائة وعشرين من خصائص وخصال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المباركة ، ومائة وثمانية وثلاثين قانوناً , في علم جديد يطل بضيائه على الأرض.
أسأل الله التوفيق لإتمامه بالوجه الذي يحب ويرضاه ، وفي التنزيل قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، ويليه إن شاء الله الجزء الرابع وبعد تأليفي للجزء السابع والستين بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن).
الحمد لله الذي جعل الدعاء وسيلة التقرب إليه ، ومادة رفع الحواجز بين الإنسان وطبقات السماء ، فلا تستطيع الخلائق وإن اجتمعت الحيلولة دون أمور :
الأول : لجوء الإنسان إلى الدعاء جهرة أو إخفاتاً وسراً ، لأن الله عز وجل يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
الثاني : صعود الدعاء في طبقات السماء .
الثالث : نزول الإستجابة من عند الله عز وجل ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
الرابع : ترتب الأثر على الإستجابة عاجلاً وآجلاً .
الخامس : الأجر والثواب في الدنيا والآخرة على الدعاء .
والله تعالى وحده الذي يجيب من ناداه ، ويهب له العطايا الجزيلة .
اللهم أرزقنا لساناً صادقاً ، وقلباً سليماً ، ونسألك خير ما تعلم ، ونستغفرك ونتوب إليك ، ونعوذ بك من شر شياطين الإنس والجن .
الحمد لله الذي جعل النبي محمداً أسوة كريمة في سبل الهداية والرشاد ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
ولابد من إنشاء علم خاص وهو المنافع العامة لخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فاذا كان كل جزء من الأجزاء الثلاثة من هذا السِفر المبارك يتضمن الفيض والكم الكثير من الخصائص المباركة لرسول الله ، فننظر في كل خصيصة أو في أكثرها لتعم الفائدة لاستقراء المواعظ والدروس منها ، ولبيان معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتجدد مصاديق وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وسيأتي في الجزء الرابع ان شاء الله قانون المنافع العامة لخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ترى ما هي النسبة المنطقية بين خصائص ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق فالخصائص أعم .
وهذه الأجزاء لا تحيط بمعجزات أو خصائص النبي .
وقد ذكر المحقق الحلي ت(676) هجرية ان خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمس عشرة خصلة وذكرها في صفحة من كتابه شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام والذي قمت بتدريسه قبل ثلاثين سنة في الحوزة العلمية والحمد لله ، وتقريرات تدريسي له في عشرين جزء تم طبع الجزء 6، 10، 14 آنذاك , والبواقي مخطوطة ، قال تعالى لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( ).

حرر في العاشر من شهر ذي القعدة 1446هـ
8/5/2025


الفزع إلى الصلاة
لقد جعل الله عز وجل الصلاة هي الصلة بينه وبين العباد في كل زمان من حين خلق آدم وإلى يوم القيامة ، وعلى تعاهد أمة منهم فان الله عز وجل يرزق جميع أهل الأرض ببركة الذين يؤدون الصلاة في أوقاتها ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعاهده الصلاة خمس مرات في اليوم ، وفي أوقاتها وحرصه على أدائها جماعة، وهو من أسباب عدم الغلو بشخصه ، ومن خصائصه الاجتهاد في تنمية ملكة حب الصلاة عند المسلمين ، ودعا أجيال المسلمين إلى قضاء الصلاة التي فاتت عن إهمال أو تقصير أو نسيان.
و(عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله قال أقم الصلاة لذكري .
وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : لما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر أسري ليلة حتى أدركه الكرى ، أناخ فعرس.
ثم قال : يا بلال ، أكلأنا الليلة ، قال : فصلى بلال ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر ، فغلبته عيناه فنام ، فلم يستيقظ أحد منهم حتى ضربتهم الشمس ، وكان أولهم استيقاظاً النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال : أي بلال ، فقال بلال : بأبي أنت يا رسول الله ، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك .
فقال رسول الله : صلى الله عليه وآله وسلم : اقتادوا ، ثم أناخ فتوضأ وأقام الصلاة ثم صلى مثل صلاته للوقت في تمكث .
ثم قال : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله قال أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، وكان ابن شهاب يقرؤها للذكرى .
وأخرج الطبراني وابن مردويه ، عن عبادة بن الصامت قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل غفل عن الصلاة حتى طلعت الشمس أو غربت ما كفارتها؟ قال : يتقرب إلى الله ويحسن وضوءه ويصلي فيحسن الصلاة ويستغفر الله فلا كفارة لها إلا ذلك)( ).
و(عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجيء إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول : الصلاة رحمكم الله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ))( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام في تعاهد الصلاة في أوقاتها ، قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
و(عن ثابت قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله بالصلاة : صلوا صلوا ، قال ثابت : وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة)( ).
قانون أداء الصلاة سكينة عامة
لا يجد الإنسان الطمأنينة والسكينة في حال مثل أداء الصلاة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ لما فيها من القرب إلى الله ، وفي الصلاة شفاء وصلاح ورشاد ، ورجاء لنزول رحمة الله .
وعن (ابن عباس، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)( ).
وأداء الصلاة من ذكر الله الذي تصاحبه الطمأنينة ، وتترشح عنه لما بعد الصلاة.
لذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يَقُولُ : يَا بِلالُ ، أَقِمِ الصَّلاةَ)( ).
وفي المرسل (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “يا بلال، أرحنا بالصلاة)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن راحته والسكينة في أداء الصلاة عند الكدورة ، والضيق والشدة بل مطلقاً ، قال تعالى أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
وأداء الصلاة من أبهى مصاديق علة خلق الناس ، بقوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده اليومي لتعاهد المسلمين الصلاة بالكيفية التي أداها هو مدة البعثة النبوية خاصة بعد هجرته إلى المدينة .
اتقان الأمة الصلاة
ليس من أمة تعاهدت الصلاة بذات الكيفية التي أداها الرسول مثل المسلمين ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تثبيت أحكام وكيفية الصلاة في الأرض إلى يوم القيامة ، وفيه منع للإختلاف بين الفقهاء .
وهذا المنع من وجوه :
الأول : نزول آيات القرآن التي تدل على وجوب الصلاة اليومية على كل مسلم ومسلمة والتكليف فيها على شعب :
الأولى : توجه آيات القرآن بالأمر إلى النبي محمد بالصلاة ، قال تعالى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِيوتلحق الأمر بالنبي في هذا الأمر .
الثانية: الخطاب القرآني العام إلى المسلمين باقامة الصلاة ، قال تعالى فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
الثالثة : الأمر الإلهي إلى الأنبياء ، واتباعهم من الأمم السابقة باقامة الصلاة ، وفي خطاب إلى بني إسرائيل وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.
الرابعة : نزول آيات قرآنية تبين أوقات الصلاة اليومية ، بلحاظ آيات كونية ثابتة مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ قال تعالى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
الثاني : الأجر والثواب في إقامة الصلاة .
الثالث : السنة النبوية الفعلية ، إذ يحرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم وفي أوقاتها .
الرابع : حضّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل البيت والصحابة على إقامة الصلاة ، قال تعالى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى.
الخامس : الأحاديث النبوية في الصلاة وثوابها في النشأتين .
أسواق مكة مقدمة للبعثة النبوية
في موسم الحج كانت كل قبيلة تختار مكاناً ومعيناً ومخصصاً لها سواء في أسواق مكة أو في مِنى , وفيه مقدمة لذهاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليهم كل عام في موسم الحج ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإزدياد وعلى نحو الإطراد لكل من :
الأول : الذين يتلقون دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام كل سنة .
الثاني : الذين يستمعون إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبرهم بأنه رسول الله .
الثالث : الذين يحفظون آيات القرآن ويتدبرون في معانيها ، قال تعالى كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ.
الرابع : الذين ينقلون آيات القرآن إلى أهليهم .
ويقترن هذا النقل بالإخبار بأنه تنزيل وبدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس للإسلام .
الخامس : تتبع الناس لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية وجهاده في سبيل الله , ولا يعلم الوقائع المتعددة في تبليغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موسم الحج إلا الله عز وجل ، والإحصاء فرع العلم .
وهل يمكن القول بأن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رهطاً من الناس صاروا يحضرون موسم الحج للإستماع لآيات وسور القرآن التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلال السنة ، وأخبار البعثة النبوية ورؤية شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذه الرؤيا المباركة التي ينجذب إليها الإنسان طوعاً وقهراً وانطباقاً ، الجواب نعم ، وهل دخلوا الإسلام .
الجواب نعم هم ومن ورائهم ، لذا اختتم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خطبته في حجة الوداع (لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَسْعَدُ مِنْ سَامِعٍ)( ).
ويمكن تقسيم تبليغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة في موسم الحج إلى :
الأول : الدعوة السرية في السنين الأولى للبعثة النبوية .
الثاني : الدعوة شبه العلنية قبل خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف .
الثالث : الدعوة في موسم الحج بعد عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف .
منتديات مكة
لقد خصّ الله عز وجل أهل مكة عامة ، وقريشاً خاصة بأفراد متعددة من الرحمة والرأفة ابتداء من بناء البيت الحرام ، ثم دعوة إبراهيم عليه السلام الناس للحج والعمرة ، ثم بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم ، وبجوار أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ.
وأنعم الله عليهم بتولي التجارة بين الشرق والغرب ، قال تعالى لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، إذ ترد تجارة الشرق بوساطة اليمن ، والغرب بواسطة الشام ، حيث انقطعت الطرق بين الشام وفارس بسبب الحرب بينهم ، قال تعالى غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ وتدل الآية أعلاه على استمرار الحروب والمعارك بين الروم والفرس أيام خاتم الأنبياء ، وفيه مناسبة لنشر الدعوة الإسلامية ، ومنع رجالات قريش من تحريض كسرى أو قيصر على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون من خصائص النبي محمد إنشغال الدول العظمى بالحرب بينها ، وامتناعها عن مدّ قريش بالمال أو السلاح أو الرجال .
ومن فضل الله عز وجل على قريش أمور :
الأول : التشريف والإكرام لجوار البيت الحرام .
الثاني : قريش من ذرية إبراهيم خليل الله وإسماعيل ، ولم يغادرا الدنيا حتى قاما ببناء البيت الحرام ، من جديد بعد أن بناه آدم ، قال تعالى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الثالث : تهيئة مقدمات وأسباب مزاولة قريش للتجارة بين الأمصار ، قال تعالى لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ.
الرابع : استقبال أهل مكة وفد الحاج والمعتمرين على مدار السنة ، فتنفرد مكة بخصوصية وهي دخول الوافدين لها كل يوم إما في موسم الحج وإما يأتي الناس للعمرة والزيارة أو التسوق ، ولفك الخصومة .
الخامس : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، ودعوته لله من مقام النبوة والوحي ثلاث عشرة سنة فيها ثم الهجرة إلى المدينة بعد أن عزموا على قتله في فراشه في ذات الليلة التي هاجر فيها ، لبيان أن من خصائص النبي محمد نجاته من الاغتيال المخطط له بأحكام من قبل المشركين.
وهذه النجاة بفضل ولطف من الله به وبالمسلمين والناس جميعاً ، وقد وثق القرآن هذه النجاة كنعمة عامة من عند الله ، قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وتضمنت هذه الآية مع قلة كلماتها خمس أفعال عدوان وتعد من الذين كفروا ، وكلها بصيغة المضارع لبيان تكرار ذات الظلم والتعدي وإعادة محاولات قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ليكون قوله تعالى وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ حرزاً للنبي ووعداً من الله عز وجل له وللمسلمين.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حضور مكر الله عز وجل في وقايته ونجاته من مكر وكيد الذين كفروا.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل يعطيه بالأتم والأوفى ، فلا تختص النجاة بذات ليلة الهجرة بل تتضمن الآية أعلاه الوعد من الله عز وجل للنبي والمسلمين برد كيد ومكر المشركين.
جغرافية مكة
تدل جغرافية مكة الظاهرة للعيان على الإعجاز في موقعها وعمارتها ، فهي في واد غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وليس من أنهار أو أمطار متصلة أو أشجار ، وتحيط بها الجبال الصخرية الجرداء من كل الجهات وكأنها تعلن بأن المكان لا يصلح للسكن إلا بفضل من الله وبالصبر ، إلى جانب قلة الأمطار ، وحرارة الجو في أغلب أيام السنة.
وقيل أن الحجاز (كان آهلا بالعمران وجميع مياهه يشهد بذلك أن داود عليه السلام لما خلع بنو إسرائيل طاعته وخرجوا عليه بابنه أشبوشت فر مع سبط يهوذا إلى خيبر وملك ابنه الشام وأقام هو وسبط ويهوذا بخيبر سبع سنين في ملكه حتى قتل ابنه وعاد إلى الشام)( ).
و(قال المسعودي : وكانت الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله وأكثرها ماء)( ).
ولكن مشيئة الله هي القاهرة ليتدفق الماء من بئر زمزم ، وتقصد الناس البيت الحرام الذي هو سابق في وجوده لأيام إبراهيم عليه السلام الذي يعلم هذه الحقيقة بدليل قوله تعالى رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
وهل علم إبراهيم بمكان البيت الحرام بالوحي أم بتوارث وتواتر الأخبار .
المختار هو الجامع بينهما ، وبدليل وجود قواعد البيت الحرام قبل إبراهيم عليه السلام ليكون رفعها مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسبباً لاتساع أسواق ومنتديات مكة .
ترى ما هي النسبة بينهما ، الجواب هو العموم والخصوص من وجه ، ومن أسواق مكة عكاظ ومجنة وذو المجاز.
وكانت مناسبة للتباري بالشعر والنثر والمكارم ، وتوثيق تأريخ مكة والقبائل ، ومن منتديات مكة دار الندوة المجاورة للبيت الحرام التي انشأها قصي بن كلاب جدّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتصبح أوان البعثة النبوية محلاً لنسج المكائد لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتضييق على بني هاشم وعلى أصحابه.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبره على شدة الأذى الذي لاقاه من قومه.
ليلة الولادة المباركة
مع أن أهل مكة مشركون ، فقد يأتيها اليهودي والنصراني والرومي والفارسي للتجارة أو يقيم فيها لأجل معين.
(وجاء رجل من أهل الكتاب إلى ملأ من قريش فيهم هشام بن المغيرة والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة فقال: ولد لكم الليلة مولود.
قالوا: لا.
قال : أخطأكم والله معشر قريش فقد ولد إذا بفلسطين غلام اسمه أحمد، به شامة كلون الحر الأدكن يكون به هلاك أهل الكتاب ، فلم يريموا حتى قيل لهم إنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام.
فمضى الرجل حتى نظر إليه ثم قال: هو والله هو! ويل أهل الكتاب منه.
فلما رأى سرور قريش بما سمعت منه قال: والله ليسطون بكم سطوة يتحدث بها أهل المشرق والمغرب)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ظهور علامات كونية تدل على تحقق البشارة المتوارثة بولادة نبي آخر الزمان.
وكان لأهل الكتاب باع في علم النجوم ، ودلالة سيرها ومنازلها على الوقائع في العالم السفلي ، نعم ليس لأفلاك العالم العلوي تأثير وفعل فيها ، فالمشيئة لله عز وجل وحده ولكنها تفيد الإخبار.
فمن مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتظار الموحدين لرسالته ، وعلامات ودلالات ثم ظهوره ونصره ، وهل هو من عمومات قوله تعالى وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ.
الجواب نعم ، لتكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دلالة الآيات الكونية على ولادته وعلى بعثته ولزوم نصرته ، قال تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
ولم يرد لفظ (ليظهره) في القرآن إلا مرتين ، كليهما بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشريعته ، فهو من خصائصه في القرآن من بين الأنبياء والرسل .
ومنها كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغزو قريش له وحربهم على الإسلام وفضل الله في صلح الحديبية الذي اضطرت قريش لعقده مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنزل قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
ويستحضر المسلمون والمسلمات وغيرهم دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة في السنة الثامنة للهجرة فاتحاً ومنقذاً من نصب الأوثان في البيت الحرام وعبادتها من غير قتال يذكر.
اسم الرسول محمد (ص) على العرش
لقد بلغت الكمالات الإنسانية غايتها بالنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم فهو سيد البشر، ومن صفات الله تعالى الثبوتية أنه عالم ، عالم بكل شيء، يعلم الحوادث والجزئيات قبل حدوثها بعلمه الازلي، وتغير المعلومات لا يعني أبداً تغير ذاته، لإن التغير في الإضافات وهي أمور اعتبارية لا أثر لها في العلم الذاتي ، قال تعالى قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
ولقد وردت نصوص كثيرة تؤكد اقرار آدم عليه السلام بمنزلة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم مع سمو مرتبة آدم،وفوزه بالنفخ فيه من روح الله قال تعالى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرام الله عز وجل له بوجود اسمه على العرش ، وقبل أن يخلق آدم .
ومن إعجاز القرآن ورود كلمة [نَفَخْتُ] مرتين في القرآن ، كلاهما بخصوص آدم عليه السلام وهما :
الأولى : قوله تعالى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ.
الثانية : قوله تعالى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ.
ووردت كلمة (نفخنا) بخصوص مريم عليها السلام :
الأولى : قوله تعالى وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ، أي أجرينا فيها إنشاء روح عيسى عليه السلام.
والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، إذ ذكرت الآية الثانية اسم مريم بنت عمران على نحو التعيين ، وفيه إكرام وتنزيه لها .
الثانية : قوله تعالى وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ، من الحلال والحرام .
ومن معاني هذا التباين في النفخ أن الله عز وجل خلق آدم من غير واسطة ملك وكان خلقه في السماء .
وسأل أبو ذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا نبي الله أي الأنبياء كان أوّل؟ قال : آدم . قال : أو نبي كان آدم؟ قال : نعم . نبي مكلم ، خلقه الله بيده ، ثم نفخ فيه من روحه ، ثم قال له يا آدم قبلاً)( ).
وقبلاً أي مباشرة من غير واسطة ملك .
أما مريم فقد أرسل الله إليها جبرئيل ، وكان النفخ في الأرض .
فنفخ في جيب درعها ليجري فيها إنشاء روح عيسى عليه السلام .
إكرام النبي محمد قبل خلق آدم
تدل أحاديث نبوية عديدة على إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل خلق آدم ، وفيه إشارة إلى عالم الذر .
(وعن ابن عباس : إن قريشا كانت نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النور في صلبه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم و جعلني في صلب نوح وقذف بي في صلب ابراهيم ثم لم يزل الله تعالى ينقلني من الأصلاب الكريمة و الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط.
ويشهد لصحة هذا الخبر شعر العباس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم المشهور)( ).
وروى الإمام علي بن الحسين عن أبيه عن جده عليهم السلام (مرفوعا : كنت نورا بين يدي ربي عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام)( ).
و(أخرج الطبراني في المعجم الصغير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه ، رفع رأسه إلى السماء فقال : أسألك بحق محمد إلا غفرت لي.
فأوحى الله إليه : ومن محمد؟ فقال : تبارك اسمك . لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك ، فأوحى الله إليه : يا آدم انه آخر النبيين من ذريتك ، ولولا هو ما خلقتك)( ).
وبلحاظ خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث أعلاه مسائل :
الأولى : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكتابة اسمه على العرش .
الثانية : صفة الرسالة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل أن يخلق آدم.
الثالثة : سؤال آدم لله عز وجل أن يعفو عنه بشفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : البشارة السماوية الثابتة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل والإغتيال إلى حين تبليغ الرسالة .
ومن خصائص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تشريف الله سبحانه له بآية من القرآن تدل على إلتقاء المسلمين على محبته قال تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وفيه غاية التشريف والإكرام.
وتتصل خصائص النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم بالآخرة بتفضيله بالدرجة الرفيعة والمقام الموعود الذي ينعم الله عز وجل به عليه دون غيره.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة( )، إنه إخبار وبشارة وعنوان العز والرفعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين عامة اذ يلتقون بعرض واحد مع الأنبياء في الإنضمام للواء الحمد والنبوة.
وفي حديث الإسراء والتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء الذين سبقوه مناسبة لتجديد ميثاق الأنبياء وعهدهم للإقرار بتقدمه في منازل العز والفخر ومراتب السمو.
وأفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء مطلقاً وآدم عليه السلام خاصة في باب المعجزة معروفة وظاهرة وكانت بياناً لدوام الإكرام وتمام الحجة .
ففي الخرايج عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام ان يهودياً سأل الإمام علي عليه السلام عن معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقابل معجزات الأنبياء فقال: هذا آدم أسجد الله له ملائكته فهل فعل بمحمد شيئاً مثل هذا.
فقال علي عليه السلام : لقد كان ذلك ولكن أسجد الله لآدم ملائكته لم يكن سجود طاعة، أو إنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل، ولكن اعترافاً لآدم بالفضيلة ورحمة من الله له، ومحمد عليه السلام أعطي ما هو افضل من هذا، ان الله جل جلاله صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه فهذا زيادة له يا يهودي( ).
الكمال الإنساني
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أتقى وأعلم الناس ، وهو جلي بمصاحبة الوحي له في قوله وفعله.
ومن خصائص النبي محمد أنه كان يلود بالدعاء وافجتهاد في العبادة والذكر ، وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال : كان رسول الله صلى الله عليه واله في بيت ام سلمة في ليلتها، ففقدته من الفراش، فدخلها في ذلك ما يدخل النساء، فقامت تطلبه في جوانب البيت حتى انتهت إليه وهو في جانب من البيت قائم رافع يديه يبكي.
وهو يقول : اللهم لا تنزع مني صالح ما أعطيتني أبداً اللهم لا تشمت بي عدوا ولا حاسدا أبدا، اللهم ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبدا ، اللهم ولا تكلني إلي نفسي طرفة عين أبدا.
قال : فانصرفت أم سلمة تبكي حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه واله لبكائها.
فقال لها : ما يبكيك يا أم سلمة ؟ فقالت: بأبي أنت وامي يا رسول الله ولم لا أبكي وأنت بالمكان الذي أنت به من الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، تسأله أن لا يشمت بك عدوا أبدا، وأن لا يردك في سوء استنقذك منه أبدا، وأن لا ينزع منك صالحا أعطاك أبدا، وأن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين أبدا.
فقال : يا ام سلمة وما يؤمنني ؟ وإنما وكل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين وكان منه ما كان)( ).
و(عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار أنه أخبره أنه قبل امرأته على عهد النبي صلى الله عليه و سلم وهو صائم فأمر امرأته فسألت النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال النبي صلى الله عليه و سلم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعل ذلك فأخبرته امرأته فقال إن النبي صلى الله عليه و سلم يرخص له في أشياء فارجعي إليه فقولي له ذلك فرجعت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فذكرت ذلك له فقال النبي صلى الله عليه و سلم أنا أتقاكم وأعلمكم بحدود الله)( ).
أراد الله عز وجل أن يرى الملائكة أهلية الفرد الكامل من البشر للتشريف والإكرام الخاص، واستحقاقه للسجود إليه يوم خلق الله آدم.
وفيه أيضاً دعوة للناس للصلاح والتأسي والسعي ونيل الدرجات السامية بالتقوى وملكة الإيمان، خصوصاً وأن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأنه يحمل نور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الخبر.
وفي علم الكلام أن ما ناله الأنبياء من المقامات والآيات الإعجازية هو عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه منتهى الكمالات الإنسانية.
وفي الإسراء آية إعجازية أخرى وهي أن الذي سوف يناله الناس فيما بعد بالعلم والكسب والتحصيل من ارتقاء وسياحة محدودة في عالم السماء حصل عليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضل من الله تعالى، وفيه دعوة للعلم الكسبي في هذا الباب، وإظهار معاني العبودية لله والإقرار ببديع صنعه قال تعالىخَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا.
وورد في كلام بعض العرفاء (النبي برزخ بين الخالق والمخلوق)، ولكن لا مرتبة وسط بين الخالق والمخلوق، بين واجب الوجود والممكنات، نعم النبوة مرتبة تعني الرفعة والكمال الإنساني توجد بصفة تشريفية زائدة هي ايضاً بفضل وارادة من الله تعالى ومن غير مغادرة لمنازل الامكان.
و(عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إتخذني الله عبداً قبل ان يتخذني نبياً)( ).
ليبين مقام العبودية وأهليته وموضوعيته في حياة الناس.
وفي الحديث (الصلاة معراج المؤمن)( ) إنها معراج مجازاً وان العبد يرتقي بها في السماء لتكون نعمة الإسراء عند المسلمين عامة، حاضرة إجمالاً في الوجود الذهني ساعة الإنقطاع إلى الله.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن الإسراء رأفة ولطف إلهي وإحسان خاص وعام، خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعام للمسلمين والناس والملائكة.
إنه مدخل ليقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأعباء النبوة والرسالة بعد ما رأى من عظيم الآيات، وسعة ملك الله سبحانه وجبروته وقوته، قال تعالى فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
وهل الإسراء بشارة الجنة ، الجواب نعم .
رؤيا الوحي
قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
لقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا وثقها القرآن وقيدها بالحق لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ أي أن هذه الرؤيا من الوحي ، ومن معاني [بالحق] أيضاً :
الأول : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الآية ، وقد كان يتلو كل آية نزلت عليه .
الثاني : إخبار الصحابة بمضمون الرؤيا ، ومن الإعجاز مجئ الآية بالتفصيل الذي لا يقبل الترديد والخلاف .
الثالث : الإستعداد للتوجه إلى البيت الحرام ، ولابد أنه من تفصيل هذه الرؤيا .
فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه واستبشروا ، ولم تقيد الرؤيا إرادة العمرة أو الحج لأن الحلاقة والتقصير من أعمال العمرة وأعمال الحج ، فسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه ،ولم يكن معهم إلا سلاح الراكب وقبل أن يصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية الذي يبعد عن مكة نحو 20 كم استقبلتهم خيل المشركين برئاسة خالد بن الوليد.
ولم يخف الصحابة ، ولم يظهر عندهم الشك والريب لأنهم جاءوا بالبشارة والوعد الإلهي ، فكيف وقد لاقتهم خيل المشركين ، ليكون هجوم المشركين في معركة الخندق واقية وحرزاً لهم ودرساً في الصبر ، وفيه استصحاب لقوله تعالى هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
قانون وعود النبي محمد (ص) وحي
لقد هجم عشرة آلاف من المشركين على المدينة في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة ، وقطعوا (450) كم قادمين من مكة لإرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل أصحابه بين قتيل وأسير.
فحفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خندقاً حول المدينة بمشورة سلمان الفارسي ، ومع هذا تسمى في كتب التفسير والسيرة غزوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الخندق ، وقد سماها الله عز وجل الأحزاب للدلالة على أن المشركين هم الغزاة ، قال تعالى وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : حال الدفاع والإضطرار إلى قتال المشركين .
الثاني : الوعد من الله والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسلمين بكفاية شرور المشركين ، وبتحقيق النصر .
الثالث : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون البشارة بالنصر في أحلك الأحوال ، وتكالب الأعداء .
وعن عمرو بن عوف المزني قال (خط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق عام الأحزاب ، فخرجت لنا من الخندق صخرة بيضاء مدوّرة، فكسرت حديدنا وشقت علينا ، فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخذ المعول من سلمان ، فضرب الصخر ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة ، حتى لكأن مصباحاً في جوف ليل مظلم .
فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكبر المسلمون ، ثم ضربها الثانية ، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها ، فكبر وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة ، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها.
وكبر وكبر المسلمون ، فسألناه فقال : أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب.
وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، فابشروا بالنصر . فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد لله موعد صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر ، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
وقال المنافقون : الا تعجبون يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل ، يخبر أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ، ومدائن كسرى ، وإنها تفتح لكم ، وإنكم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا ، وأنزل القرآن وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ))( ).
الرابع : تلقي المسلمين وعود وبشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق والرضا مع أنها تتحقق بالمعجزة والأمر الخارق للعادة ، خلافاً لقانون السبب والمسبب ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الإسراء معجزة خالدة
لقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد والمسلمين بإسراء رسول الله وانتقاله في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عروجه في السماء ليلتقي بالأنبياء ، ويتلقى أحكام الشريعة ، قال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.
ورد (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رَأيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عمرانَ رَجُلاً طُوَالاً جَعْداً كَأَنَّهُ مِن رِجَالِ شَنُوءَةَ . وَرَأَيْتُ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ رَجُلاً مَرْبُوعَ الخَلْقِ إِلَى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأُسِ)( ).
وفي الآية أعلاه ورد عن ابن عباس يعني الأنبياء الذين جمعوا له ليلة الإسراء (وكانوا سبعين نبياً منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم)( ).
ولكن لابد وأن يمتثل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأمر الله عز وجل [وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا] ودلت السنة النبوية القولية على الحديث بينه وبين الأنبياء ليلة الإسراء .
وعن أبي الربيع سأل نافع الإمام الباقر عليه السلام (أخبرني عن قول الله وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ من الذي سأل محمد صلى الله عليه وآله وكان بينه وبين عيسى عليه السلام خمسمائة سنة .
قال : فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا فكان من الآيات التي أراها الله محمدا صلى الله عليه وآله حين اسري به إلى بيت المقدس أن حشر الله الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم أمر جبرئيل فأذن شفعا وأقام شفعا)( ).
وفيه شاهد بأن تشريع الأذان في حديث الإسراء وقبل الهجرة بسنوات.
وابتداء ونهاية الإسراء والغاية منه تقديس وتعظيم الله سبحانه، ومن إعجاز آية الإسراء سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الذاتي إبتداؤها بتنزيه وتعظيم الله تعالى وإختتامها بصفاته الحسنى.
والآية تتحدى الناس بفعل خارق للعادة والأسباب مما لم يدركه العقل والحس البشري والإرتقاء العلمي والتقني.
وتبقى الآية وموضوعها عزاً ومعجزة وإكليلاً مباركاً يعلو هامات المسلمين، وتظهر ما تمتاز به النبوة الكريمة لسيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما يمكن تلمس منافع واقعة الإسراء وآيته في الميادين الفقهية والعقائدية والإجتماعية والعسكرية للمسلمين ، وتبين آية الإسراء أموراً :
الأول : عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنقطاعه إلى الله تعالى مستمر في الليل والنهار ، قال تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا.
الثاني : قانون النبوة جهاد متصل في جميع آنات الليل والنهار.
الثالث : أبواب الكسب العلمي والموهبة لا تنحصر بساعات النهار.
الإسراء مدد
من لطف الله عز وجل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة المعجزات الحسية والعقلية التي نالها ، لتكون مدداً وعوناً له في دعوته الناس إلى الإسلام ، وواقية من بطش المشركين بالمسلمين .
وتجتمع في الإسراء المعجزة الحسية والعقلية معاً ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإسراء مسائل :
الأولى : الناس في سكينة ، ويخلدون الى النوم ، والنبي تنتقل في السماء في إكرام وتشريف خاصين وعمل جهادي متصل.
الثانية : يأتي الوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين الناس، وأما الإسراء فانه احتاج إلى إنتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببدنه فأخذه الملائكة حينما إنفرد عن الناس.
الثالثة : ساعات الليل أكثر مناسبة للنجوى، ورؤية الآيات، ونفاذ البصيرة.
الرابعة : في ظلمة الليل ووسط مجتمعات الكفر والشرك ينبثق صوت الاسلام بصعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء.
الخامسة : النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس وحيداً في الدنيا، وغير مستوحش من إعراض الكفار وصدود مشركي قريش،وأبواب السماء مفتحة له وهو عنوان المدد الملكوتي ومقدمة لنزول الملائكة لنصره وتثبيت رسالته كما حصل في معركة أحد قال تعالى إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ.
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله على الأنبياء الآخرين ان موسى عليه السلام وهو من الرسل أولي العـزم بُعث إلى بني إسرائيل وكان يخاف من فرعون ولكنه لم يمتنع من دعوته للإسلام وإنذاره وهو في سلطانه.
والنبي محمد صلى الله عليه وآله واجه كبراء قريش وأهل مكة ولمعان سيوفهم ، وفي التنزيل قُلْ يَا أَيُّهَـــا الْكَافِــرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُــدُونَ.
السادسة : الإسراء استقبال للنهار وللجهاد العلني في سبيل الله عز وجل، وكأن الليل عنوان الدعوة السرية في بداية البعثه النبوية.
السابعة : الإعداد للإمامة والرياسة العامة في أمور الدين والدنيا يجري في الليل والنهار،في الليل يكون الإنقطاع إلى الله، وفي النهار الجهاد والصبر والدعوة إلى الله عز وجل.
وعن الإمام علي عليه السلام قال (عند الصباح يحمد القوم السُرى) أي المسير بالليل وقطع المسافة بدل بقاء القوم في نفس المكان، وفيه حث على الكسب وإستثمار الفرص، وبيان موضوعية السعي في الليل وإستشهد الإمام به لبيان التزود للآخرة، والتحلي بالصبر في الحياة الدنيا إذ قال في خطبة له
(والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ولقد قال لي قائل ألا تنبذها ، فقلت أعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى)( ).
لبيان نجاة المخفين من المسائلة والعذاب يوم القيامة بفضل من الله عز وجل .
وعن طاوس في دعاء الإمام علي بن الحسين (فوا سوأتاه غدا من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا، أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصبر على الأذى المترشح عن تعاون شياطين الإنس والجن في حربهم على رسالته ، قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.
الإسراء تفضيل
إن الليل والنهار من خلق الله تعالى ومستجيبان لامره وهما جزء من سلطانه تعالى ، وجعل كلاً منهما آية متعددة من آياته ومناسبة كريمة لإحتواء أعظم الآيات وأدق الاسرار.
وتبين آية الإسراء التشريف والتفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين بخصوص الإسراء في الليل ليبقى موضوع الإسراء تشريفاً ظاهراً ومستديماً ، وقد ورد في نبي الله موسى عليه السلام ، قال تعالى فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فكان إسراء موسى عليه السلام في الأرض مقروناً بوجل وخوف ورجاء النجاة، وإسراء النبي صلى الله وعليه وآله إلى السماء بتكريم وعز وتحصيل للمعارف ، وتلقي للأحكام ، نعم أسري بموسى عليه السلام في السماء حتى سمع (صرير الأقلام).
لقد أخلص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عبادته وانقطاعه لله تعالى، وجاء مدحه في القرآن بقوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ .
جاء ذكر الليل في آية الإسراء مطلقاً وعلى نحو التنكير ويعنى أنه في شطر وجزء من الليل، فالتنكير يدل على التبعيض والجزئية والإخبار بأن الإسراء لم يستوعب تمام الليل لبيان الإعجاز، ولمسيرة شهر كامل مع الأسباب والرواحل فتم الإسراء بجزء من الليل من غير آلة ووسيلة ظاهرة، بالإضافة إلى دفع وهم وسد الطريق أمام الذي يدّعي في صباح ليلة الإسراء أنه قد رأى النبي أول الليل مثلاً، لذا ترى المشركين لم يحتجوا بذلك لمحاولة نفي حصول الإسراء، كما تؤكد النصوص والروايات حصول الإسراء في جزء وشطر من الليل، واستشهد بقراءة عبد الله بن مسعود وحذيفة (من الليل) بدلاً من (ليلاً) في قوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا.
قانون الانتفاع العام من الإسراء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توالي فضل الله عز وجل عليه ، وانتفاع الناس جميعاً من هذا الفضل ، لتترى عليهم النعم ، ومنه آية الإسراء الذي هو فضل من الله عز وجل على كل من :
الأول : شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : أهل البيت والصحابة الأوائل في مكة ، والذين التحقوا بهم في مكة والمدينة .
الثالث : هل لمعجزة الإسراء موضوعية في إسلام قوم ، الجواب نعم ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخول الناس الإسلام بسبب معجزاته الحسية ، وآخرين بسبب معجزاته العقلية .
الرابع : أجيال المسلمين والمسلمات ، لذا تفضل الله وخلّد آية الإسراء في القرآن ، وسُميت سورة باسمها لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التوثيق السماوي لمعجزاته الحسية ، ومنها انتقاله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في شطر من ليلة ، مع أن المسافة بينهما (1400) كم تقريباً ، ثم عروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السموات الواحدة بعد الأخرى ، اذ ابتدأ بالسماء الدنيا التي هي أقرب السماوات إلى الأرض وإنقلابه راجعاً إلى مكة في ذات الليلة .
وأشكل في هذا الزمان على الإسراء من جهات نظرية منها:
الأول :أن الطيران بسرعة الصوت يمزق الثياب جميعاً ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اذا ارتفع بمقدار (10) كم يتعذر عليه البقاء حياً خاصة وأن الإسراء بالروح والجسد ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصعد في الجو في الإسراء سوا أمتاراً قليلة .
وتم الإسراء بطي الأرض للبراق ، فالخطوة الواحدة له على مدّ البصر .
(عن أبي سعيد الخدري قال : حدثنا رسول الله بالمدينة عن ليلة أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى قال : بينا أنا نائم عشاء بالمسجد الحرام إذ أتاني آت فأيقظني فاستيقظت فلم أر شيئا وإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعه بصري حتى خرجت من المسجد فإذا أنا بدابة أدنى شبهة بدوابكم هذه بغالكم غير أنه مضطرب الأذنين يقال له البراق.
وكانت الأنبياء تركبه قبلي يقع حافره عند مد بصره فركبته فبينا أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني : يا محمد انظرني أسألك.
فلم أجبه ثم دعاني داع عن شمالي يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه.
فبينا أنا سائر إذا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله فقالت : يا محمد أنظرني أسألك فلم ألتفت إليها .
حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء عليهم السلام توثقها بها)( ).
الثاني : قيل اذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسير بسرعة الضوء فانه لا يمكن أن يرى بقعة صغيرة من الأرض وقومه يبحثون عن ناقة ضالة ، ولكن الرواية تدل على أن البراق قد يقف بالنبي ليرى أو ليسمع من غير أن يضر في سرعة سيره ، بمضاعفة البراق الخطوة التالية بفضل من الله عز وجل.
وهل إسراء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل انتقال سليمان عليه السلام بالريح السريعة كما في قوله تعالى وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ،
الجواب لا ، إنما انتقال النبي محمد بين مكة والمسجد الأقصى ثم العودة بطي الأرض بأن تكون كل خطة للبراق مع مد البصر ، مع سرعة الخطى ، وكأنها متقاربة .
الثالث : الدعوة بأن عروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر في القرآن ، والجواب أنه ذكر ، كما أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع ، وهي بيان وتفسير وتفصيل لآية الإسراء و (قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام)( ) وصرير الأقلام أي كتابة ما هو كائن ، وهو من الشواهد على الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بجسده وروحه .
وفي معراج موسى عليه السلام ورد عن الإمام علي عليه السلام قال (قال: إن جبريل، عليه السلام، لما نزل فصعد بموسى إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس قال: وحمل جبريل موسى خلفه، حتى إذا دنا من باب السماء، صعد وكتب الله الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح.
فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده .
قال: نزل موسى، فأخذ العجل فأحرقه. وقال مجاهد: { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ }( ) قال: من تحت حافر فرس جبريل، قال: والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع.)( ) وهو تفسير لقوله تعالى وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا.
تلقي الأحكام في الإسراء
من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع كل من :
الأول : نزول القرآن عليه بالأحكام الشرعية .
الثاني : تلقي الأحكام الشرعية بالوحي الذي هو أعم من نزول الآيات، بدليل قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الثالث : الإسراء والعروج بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء لتلقي الأحكام ، ومنها فرض الصلوات اليومية الخمس .
و (عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه . . . فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء ، ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت.
فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن فقال جبريل : اخترت الفطرة . ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟
قال : جبريل . قيل : ومن معك؟
قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بآدم ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟
قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه .
ففتح لنا فإذا أنا بإبني الخالة ، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ، فرحّبا بي ودعوا إلي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟ قال : جبريل .
قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟
قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بموسى ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح ، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، فإذا ورقها فيها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها .
فأوحى إلي ما أوحى وفرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة.
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمتك؟ قلت : خمسين صلاة .
قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم .
فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب ، خفف عن أمتي . فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمساً ، فقال : إن أمتك لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف .
قال : فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى قال : يا محمد ، إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة ، بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة.
ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشراً.
ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة.
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : صيرورة الإسراء مقدمة للحديث مع الأنبياء السابقين ، والإستماع لهم .
الثاني : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحكاماً شرعية ليلة المعراج .
الثالث : قانون الإسراء مناسبة التخفيف عن أجيال المسلمين .
الرابع : توثيق وشهادة القرآن لحديث الإسراء ، قال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.
الخامس : الإسراء مقدمة لمعرفة الأحكام الشرعية وتبليغها إلى الناس كافة.
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقي الأحكام في الأرض ، وتلقيها وهو في السماء لبيان صرف الرسالة ، ولزوم الإجتهاد في التبليغ ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
مواعظ من سورة يوسف
في قصة يوسف في القرآن وتعدد الرؤى فيها موعظة وعبرة .
إذ وردت أربع رؤى فيها وهي :
الأولى : رؤيا يوسف إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ.
الثانية والثالثة : رؤيا السجينين ، وكان أحدهما ساقياً للملك ، والآخر خبازاً له ، ولأنهما وأهل السجن رأوا صدق وأمانة وعلم يوسف عليه السلام وهو معهم في السجن ، وقدرته على تأويل الرؤيا سأله كل منهما تأويل رؤياه ، قال تعالى وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
وهل في خاتمة الآية أعلاه رجاء وأمل منهما ليكون تأويل الرؤيا نافعاً لهما ، الجواب نعم ، ومن الإحسان إتخاذ يوسف هذه المناسبة لبيان وجوب التوحيد ، ونبذ الشرك ومفاهيم الضلالة .
الرابعة : رؤيا الملك وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ.
مع تأويل يوسف عليه السلام ، ورؤيا الملك .
بما يدل على الإعجاز في التأويل ، فقد كان أهل مصر يمتازون بتأويل الرؤيا وعندهم مكاتب خاصة للتأويل ، فجاء يوسف بمعجزة في هذا الباب بالإخبار عن صدق رؤيا الملك وأنها رؤيا إنذار عام يستلزم الإحتراز الذي انحصر بتولي يوسف عليه السلاة الوزارة كما في التنزيل قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توليه تأويل رؤيا أصحابه وسؤاله لهم ابتداء .
و(عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ فَرُبَّمَا قَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا فَإِذَا رَأَى الرَّجُلُ رُؤْيَا سَأَلَ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ قَالَ .
فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ كَأَنِّي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ بِهَا وَجْبَةً ارْتَجَّتْ لَهَا الْجَنَّةُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا قَدْ جِيءَ بِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ حَتَّى عَدَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا .
وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ سَرِيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ قَالَتْ فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُمْ قَالَ فَقِيلَ اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ أَوْ قَالَ إِلَى نَهَرِ الْبَيْدَجِ .
قَالَ فَغُمِسُوا فِيهِ فَخَرَجُوا مِنْهُ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ ثُمَّ أَتَوْا بِكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ فَقَعَدُوا عَلَيْهَا وَأُتِيَ بِصَحْفَةٍ أَوْ كَلِمَةٍ نَحْوِهَا فِيهَا بُسْرَةٌ فَأَكَلُوا مِنْهَا فَمَا يُقَلِّبُونَهَا لِشِقٍّ إِلَّا أَكَلُوا مِنْ فَاكِهَةٍ مَا أَرَادُوا وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ .
قَالَ فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السَّرِيَّةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَمْرِنَا كَذَا وَكَذَا وَأُصِيبَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ عَدَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَلَيَّ بِالْمَرْأَةِ فَجَاءَتْ قَالَ قُصِّي عَلَى هَذَا رُؤْيَاكِ فَقَصَّتْ قَالَ هُوَ كَمَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ)( ).
وفي قصة يوسف ورد على لسان يعقوب النبي في التنزيل قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
قانون الإسراء فيض ورحمة من الله
نسبة الإسراء بالنبي إلى الله تعالى نعمة عظمى ، وشاهد صدق ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فيها مسائل:
الأول : إنها حجة قرآنية.
الثاني : تثبيت لمعجزة الإسراء وشهادة قرآنية على أنها تمت بأمر الله وبفضله تعالى.
الثالث : قطع الشك والريب في آية الإسراء.
الرابع : منع التساؤل المرتكز على المادة والأسباب الظاهرية فحسب.
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلوغه مرتبة الإسراء والعروج به في السماوات رحمة ودعوة للتوجه الى الله تعالى في سؤال ما هو خارق للعادة ومفارق للأسباب والقدرة الشخصية.
فقد يحصل تعارض بين آمال الإنسان وبين قدراته فغالباً ما تتخلف القدرات والإمكانيات عن الآمال والطموحات.
فتأتي نسبة الإسراء إلى الله تعالى لبيان بديع قدرته، وعظيم إحسانه وبعث آمال المؤمن في الحياة، وجعل نفسه مستبشرة مطمئنة.
وقد ابتدأت آية الإسراء بقوله تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وجاء التسبيح والتقديس لمقام الربوبية في المقام لبيان أن الإسراء والمعراج آية عظمى لا يقدر عليها ولا يتفضل بها إلا الله عز وجل .
لذا تفضل الله عز وجل وفتح باب الدعاء والإستجابة على نحو الإطلاق بقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
ويقتضي مطلق الأمر بالدعاء الوعد الكريم في عامة قضاء الحوائج ، وتبدل الأحوال للأحسن بالأسباب ، والأمور الخارقة للعادة ، فصحيح أن الله عز وجل رزق الأنبياء نعمة المعجزة إلا أنه سبحانه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فيرزق أي إنسان يتوجه له بالدعاء بالآية والنعمة وقانون العلة والمعلول ، والسبب والمسبب ، قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.
السادس : في هذه التسمية المباركة بشارة التوفيق وتحقيق الأماني.
السابع : تشجع نسبة الإسراء إلى الله عز وجل على الرغائب السائغة شرعاً ، والدعاء للحوائج ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
الثامن : فيها دروس في التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته الشريفة فما يفعله إنما هو من الله تعالى وبأمره.
التاسع : قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى وقول وفعل وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تصدر إلا بوحي من الله تعالى ، والإسراء صادر بالأولوية بإذنه تعالى لما فيه من الإعجاز والأمر الخارق.
العاشر : قانون الإسراء تشريف وأمان للمسلمين إذ أن إكرام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على نحو القضية الشخصية ينحل ليشمل عموم المسلمين، وفي جميع الأزمنة.
الحادي عشر : هذه التسمية موضوع للإحتجاج ويفتخر بأن موسى كليم الله، الأمر الذي ثبته القرآن وشهد له ، ولكن الإسراء والمعراج في شطر من ليلة واحدة من بين ما انفرد به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الخصائص والمعجزات.
الثاني عشر : الإخبار عن الواقع على نحو الصدق والحق، لأن الله عز وجل هو الذي أسرى بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يستطيع أحد من الخلائق الإنتقال والسياحة في عالم السماء إلا بأمر الله عز وجل.
الثالث عشر : قانون عصمة آية الإسراء من الحسد وإزدياد وتيرة العداوة والبغضاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فان الكفار والمنافقين ينشغلون بأمر الله تعالى ومشيئته في الإسراء وتنصرف أبصارهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن نسبة الإسراء إلى الله تعالى تجعل موضوع الإسراء بالنبي آية من عند الله وليس إسراء النبي بالذات، وكأن الإسراء معلول لعلة وهي بعث وأمر الله الأكيــد بالإســراء ومســبب لســـبب وهو إرادته ومشيئته.
وقوله تعالى (ليلاً) يفيد أن الإسراء- رواحاً ومجيئاً- كان في ليلة واحدة قبل ان يطلع فجرها مما يعدل مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام.
فالعلة في الإسراء ليست مادية وهي العلة الداخلية التي يكون المعلول معها بالقوة، بل هو من العلة الفاعلية الخارجة عن قدرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لذا ورد قوله تعالى [بِعَبْدِهِ] لنفي القدرة على الإسراء عن غير الله عز وجل فهو وحده سبحانه القادر عليها، قال تعالىلَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
نزول إسرافيل
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار عن مغيبات كثيرة ، وصدق هذا الإخبار لأنه بالوحي من عند الله ، لبيان حاجة الناس إلى الصلة مع السماء ، وما فيها من البصيرة واستقراء المسائل في أمور الدنيا والآخرة ، وقد نزل القرآن بذكر عدد من الملائكة وهم :
الأول : جبرئيل ، وهو مطاع في السماء ، ونزل بالقرآن .
الثاني : ميكائيل ، وهو الملك الموكل بأنزال القطر لحياة الأرض وحياة الحيوان والنبات ، قال تعالى مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ.
وعن (أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لجبريل : ما لي لم أر ميكائيل ضاحكاً قط؟ قال : ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار)( ).
الثالث والرابع : هاروت وماروت : وهما ملكان نزلا إلى الأرض لهداية الناس ، وتعليمهم السحر للتوقي من أذى وفتنة السحرة ، وللتفريق بين المعجزة النبوية وبين السحر .
وفي التنزيل وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
الخامس : الملك مالك : وهو الملك الموكل بالنار ، ويقال له خازن النار ، قال تعالى وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان وظائف الملائكة ممن يذكر اسمه أو لم يذكر اسمه مثل ملك الجبال كما وردت أحاديث نبوية بخصوص إسرافيل الملك الموكل بالنفخ في الصور ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعائه (رَبّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقّ بِإِذْنِك إنّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)( ) .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ذكره لإسرافيل تذكير للناس بالمعاد وبعث الأجساد من القبور ، وإعادة الأرواح لها ، ودعوة الناس للإستعداد للحساب ، قال تعالى إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا.
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وعنده جبرئيل، إذ نظر جبرئيل نحو السماء فامتقع لونه حتى صار كأنه الكركمة.
ثم لاذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى حيث نظر جبرئيل فاذا شيء قد ملأ ما بين الخافقين مقبلاً حتى كان كقاب من الأرض .
ثم قال : يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إني رسول الله إليك أخبرك أن تكون ملكاً أحب إليك أو تكون عبداً رسولاً.
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى جبرئيل وقد رجع إليه لونه فقال جبرئيل: بل كن عبداً ورسولاً .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل أكن عبداً رسولاً فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد سماء الدنيا، ثم رفع الأخرى فوضعها في الثانية، ثم رفع اليمنى فوضعها في الثالثة، ثم إنتهى إلى السماء السابعة، بعد كل سماء خطوة وكلما ارتفع صغر حتى صار آخر ذلك مثل الصرد.
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جبرئيل وقال: لقد رأيتك ذعراً وما رأيته شيئاً كان أذعرني، من تغيير لونك.
فقال : يا نبي الله لا تلمني أتدري من هذا، قال: لا قال إسرافيل حاجب الرب فلم يزل من مكانه منذ خلق الله السماوات والأرض فلما رأيته منحطاً ظننت أنه جاء بقيام الساعة، فكان الذي رأيت من تغيير لوني لذلك، فلما رأيت ما إصطفاك الله به رجع لوني ونفسي، أو ما رأيته كلما إرتفع صغر اذ ليس شيء يدنو من الرب إلا يصغر لعظمته.
إن هذا حاجب الرب وأقرب لله منه.
واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء .
إذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه فنظر فيه ثم القاه الينا فنسعى به في السموات والأرض( ).
دلائل الإسراء من المسجد الحرام
الإسراء معجزة كبرى وخلاف نظام الحياة العامة ، والتنقل بين البلدان ، وهو بشارة سياحة الإنسان في السموات ، وتنقله بالطائرات وغداً بالمركبات الفضائية ، ومع أن هذا الإرتقاء بالعلم ومن مصاديق قوله تعالى عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ إلا أنه لا يرقى إلى معجزة الإسراء من جهات متعددة ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنتقال بالبراق بطي الأرض وكل خطوة له بمد البصر ، ومنها صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السموات ومصاحبة جبرئيل له ، والتقائه بالأنبياء.
لقد أسرى الله عز وجل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام بجسده لبيان بديع قدرة الله ، وإكرامه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللبيت الحرام إذ تم الإسراء من جوار البيت الحرام .
وعلينا ان نتلمس مضامين الفضل الالهي والمزايا التي ينفرد بها البيت الحرام وابتداء الإسراء منه كمكرمة إضافية وتشريف إعتباري للمسجد وعماره، أي أن الإسراء نعمة وفضل إلهي على كل من:
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه توكيد لتشريفه من بين أهل الأرض، وتفضيله على الأنبياء والرسل.
الثاني : الإسراء فضل على المسلمين جميعاً، لما فيه من العلوم ومصاديق الوحي والأحكام الشرعية والمنزلة الرفيعة التي بلغها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء ، وهو مناسبة للإتعاظ والعز والفخر ، قال تعالى لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
الثالث : الناس جميعاً لما في الإسراء من أسباب الهداية والرشاد ، لبيان أن من خصائص النبي محمد قانون معجزاته رحمة ونعمة عامة.
دخول المسجد الأقصى
لقد أكرم الله عز وجل المسجد الأقصى ، وكتب له الخلود ، وفيه دعوة للمسلمين للعناية به إذ ورد ذكره في القرآن ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
ولقد شرّف الله المسجد الأقصى ، ويسمى أيضاً بيت المقدس ومسجد قبة الصخرة ، وفي قوله تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا… فقد ذكر أنها نزلت في بيت المقدس ليلة الإسراء (وقيل إن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جمع الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمهم وقيل له: سلهم فلم يشكك ولم يسأل)( ).
ولكن لابد من الإمتثال لأمر الله عز وجل بالقيام بالسؤال ، والإنتفاع من الإجابة.
وكما يستعمل لفظ الأقصى بمعنى البعيد فإنه يستعمل بمعنى الإنفراد يقال الشاة القاصية أي المنفردة عن القطيع البعيدة عنه، لذا ورد أن الشيطان كالذئب يأخذ القاصية والشاذة أي أنه يتسلط على المبتعد عن الجماعة.
وقيل أنه سمي المسجد الأقصى لبعده عن التدنيس والأقذار.
وقد وردت أخبار ونصوص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يخبر فيها عن فتح المسلمين للمسجد الأقصى والشام وإنهما جزء من الكيان الإسلامي.
وهل تدل الآية على دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد الاقصى أم أنه وصل إليه ،الجواب هو الأول ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخول المسجد الأقصى وهو أول زائر له من المسلمين .
قال الرازي : ليس في اللفظ دلالة عليه( ).
ولكن الآية الكريمة تدل على دخوله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد لحمل الكلام على ظاهره ولدخول الغاية في المغيى في حال وحدة الجنس، هذا بالإضافة إلى النصوص البيانية والأخبار، وتسمي مدينة بيت المقدس إيلياء، وقال الفرزدق:
وَبَيْتَانِ : بَيْتُ اللَّهِ نَحْنُ وُلاَتُهُ … وَبَيْتٌ، بِأَعْلى إيلياءَ، مُشرَّفُ( )
ولقد ذكر الله عز وجل بيت المقدس عدة مرات في القرآن بلفظ القرية والأرض المقدسة والأرض المباركة ، قال تعالى وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَوقال تعالى وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وقال تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وقال تعالى يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ وبيت المقدس بوابة الأرض إلى السماء .
وسكنه الكنعانيون قبل نحو أربعة آلاف سنة قادمين من الجزيرة العربية وقبل اليهودية والنصرانية بل وقبل ابراهيم عليه السلام وأسسوا فيه حضارة ومدنية واختلف في أصل الكنعانيين .
وقيل أصلهم من شبه الجزيرة العربية .
وفي سفر التكوين (10:19 وكانت تخوم الكنعاني من صيدون حينما تجيء نحو جرار الى غزة وحينما تجيء نحو سدوم وعمورة وادمة وصبوييم الى لاشع .
10:20 هؤلاء بنو حام حسب قبائلهم كالسنتهم باراضيهم واممهم)( ).
وكانت أرض فلسطين تعرف بأرض كنعان .
وفي إخوة يوسف (: 29 فجاءوا الى يعقوب ابيهم الى ارض كنعان واخبروه بكل ما اصابهم قائلين.
42:30 تكلم معنا الرجل سيد الارض بجفاء و حسبنا جواسيس الارض
42:31 فقلنا له نحن امناء لسنا جواسيس
42:32 نحن اثنا عشر اخا بنو ابينا الواحد مفقود و الصغير اليوم عند ابينا في ارض كنعان)( )، وشرّفه الله بعدد غير قليل من الأنبياء والرسل واحتل منزلة عظيمة في التأريخ الإنساني.
وقد كان لذكر المسجد الأقصى في حديث الإسراء دعوة سماوية لتعاهده .
ولقد شرّف الله بيت المقدس وجعله ثالث الحرمين وأولى القبلتين.
وقد عقدت فيه حلقات الدرس وبرز في أروقته علماء كثيرون فقال الغزالي (450-505) للهجرة أنه كان في المسجد الأقصى ثلاثمائة وستون مُدرساً.
وإلى الآن يسمى الجدار الغربي للمسجد الأقصى بحائط البراق نسبة إلى البراق وهو مركوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه ربطه في ذات المكان ليلة الإسراء وفيه تسمية أخرى التي أطلقت عليه وهي حائط المبكى، وليس فيها تعارض مع تسمتيه حائط البراق الذي هو كالناسخ لما قبله.
عن مكحول أن ميمونة سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيت المقدس قال: نعم المسكن بيت المقدس، ومن صلى فيه صلاة بألف صلاة فيما سواه ، وقالت فمن لم يطق ذلك، قال فليهد اليه زيتاً( ).
رؤية الآيات الباهرات
من الخصائص التي انفرد بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيته الآيات الكونية ، وتنقله في ليلة واحدة في طبقات السموات ، وهو من مصاديق قوله تعالى لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا في معجزة الإسراء ويدل التبعيض في الآية أعلاه على دقة معنى اللفظ القرآني ، وأن آيات الله لا يحيط بها إلا الله عز وجل وحده ، وفيه إكرام وتشريف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لتفضل الله سبحانه بإطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الآيات.
وصحيح أن (من) تفيد التبعيض إلا أنه لا يعني القلة، ولو قلنا أنه يفيد الكثرة لكان هو الأصح، فكل آية هي عالم وجامعة وخزينة تنفتح على كنوز عديدة، كما يتعلق موضوع الآيات بالإسراء كآية من آيات الله تعالى، وهو نفسه أي موضوع الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونقله وانتقاله ينحل إلى عدة آيات عظيمة لذا فان ما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الآيات أكبر وأعظم مما رآه إبراهيم في قوله تعالى وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ.
والآيات التي رآها النبي أوسع وأعم وتشمل تكاليف شرعية واجتماعاً بالأنبياء السابقين ورؤية الجنة ، ورؤية النار وشواهد من الذين يستحقون دخولها وغيرها مما ورد في حديث الإسراء.
وهذه الرؤية هل كانت خاصة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أم انتفعت منها الأمة .
الجواب هو الأخير ، وانتفع منها الناس جميعاً، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن تأتي الآية والمعجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتنتفع منها أجيال المسلمين ، وتقتبس منها الدروس والمواعظ .
فكما أن القرآن نزل على صدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلقاه المسلمون بالواسطة وكأنه أنزل عليهم مع الإقرار والتسليم والرضا بأنه أنزل لتقويم سلوكهم ولهدايتهم إلى سبل الرشاد وطرق الجنة والنعيم الخالد، كذلك فان الآيات التي تفضل الله سبحانه باراءتها للنبي صلى الله وعليه وآله وسلم إنما هي أيضاً للمسلمين لينتفعوا منها.
فالآية الكريمة تحث على التدبر في حديث الإسراء وأسراره وكيف أنه هبة خاصة وعامة، إنه باب من أبواب السماء فتحه الله لأشرف خلقه وفيه دلالة على استحقاق الإنسان لخلافة الأرض وهو من مصاديق اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخلافة في الأرض من حين بعثته لقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً .
والإسراء عيد عالمي ومنطلق للعلوم الفلكية والكونية وفق نظريات المعرفة الإلهية.
وما نزل في الإسراء يمكن أن نفرد له إصطلاحاً خاصاً وهو مكي سماوي، وبالإضافة إلى العلوم المستنبطة من هذا العلم فان هذا التقسيم نوع تشريف وإكرام .
وعن الصادق عليه السلام إن هذه الآيات مشافهة الله تعالى لنبيه ليلة أسري به إلى السماء، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتهيت إلى محل سدرة المنتهى، واذا الورقة منها تظل أمة من الأمم، فكنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى، كما حكى الله عز وجل ، فناداني ربي تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وفي رواية (وكنت منها كقاب قوسين)( ).
فقلت أنا مجيباً عني وعن أمتي [وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ] ( ).
فقال الله لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فقلت: [رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا] ( ).
وقال الله: لا اؤاخذك، فقلت رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا فقال الله لا احملك.
فقلت [رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] ( ) فقال الله: قد أعطيتك ذلك لك ولأمتك.
فقال الأمام الصادق عليه السلام: ما وفد إلى الله تعالى أحد أكرم من رسول الله حيث سأل لأمته هذه الخصال( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سؤاله الله عز وجل الخير العام والصلاح والمغفرة لأجيال المسلمين المتعاقبة.
الإسراء بالجسد والروح
لقد كان الإسراء بالجسد والروح، والإسراء هو انتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس بآية من عند الله عز وجل ، أما المعراج فهو صعوده في السموات وفي ذات ليلة الإسراء، والإسراء والمعراج للنبي محمد بجسده وروحه وفي عالم اليقظة والحقيقة.
ومن الفلاسفة من أنكر أن تكون للسماوات أبواب لأنها لا تقبل الخرق والإلتئام، وعلم الهيئة ورحلات الفضاء في هذا الزمان تدحض هذا الإنكار.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موافقة العلم الحديث لآيات القرآن ولسنته الشريفة ، لتكون هذه الإكتشافات دعوة عقلية للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الشواهد على أن القرآن معجزة عقلية .
وإجماع علماء الإسلام على ثبوت الإسراء والمعراج بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدليل الكتاب والسنة النبوية المتواترة بنصوص متعددة ، وتلقف الصحابة وأهل البيت لها بالقبول والتسليم ، وبالتبادر بأن الإسراء بالروح والجسد .
والمختار حدوث الإسراء مرة واحدة في مكة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، وقيل أنه قبل الهجرة بسنة ، والمختار أنه قبلها بسنوات ، والإسراء في حال اليقظة ولا عبرة بالقول النادر بأن الإسراء رؤيا منام كما عن الحسن البصري وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا .
(واسم أبي الحسن يسار يقال إنه من سبي ميسان وقع إلى المدينة فاشترته الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك فأعتقته وذكر عن الحسن أنه قال كان أبواي لرجل من بني النجار فتزوج امرأة من بني سلمة فساقهما إليها من صداقها فأعتقتهما)( ).
ونقل عن معاوية بأن الإسراء بالروح فحسب ، وكان معاوية أوان الإسراء مشركاً ، ولو كان الإسراء بالروح وحدها لما أنكره المشركون عندما أخبرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الفجر عن الإسراء ، ولما سألوه آية وعلامة تدل على الإسراء .
ويدل الحمل على البراق على حدوث الإسراء بالروح والجسد فلا تحمل الدواب إلا الإجساد .
وفي حديث ابن عباس (فقال جبرئيل : يابراق أما تستحي فوالله ماركبك مذ كنت قط نبي أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : فأرتعش البراق وأنصب عرقاً حياءً مني ، ثمّ خفض لي حتى لزق بالأرض ، فركبته واستويت عليه قام بي جبرئيل نحو المسجد الأقصى بخطوا البراق مدَّ البصر يرسل إلى جنبي لا يفوتني ولا أفوته حيناً أنا في مسيري)( ).
وقد ركب إبراهيم عليه السلام البراق ، وعن (مجاهد وغيره من أهل العلم: أن الله لما بَوَّأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه بإسماعيل وبأمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحمُلوا على البُرَاق، ومعه جبريل يَدُلّه على موضع البيت ومعالم الحَرم.
وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضِه.
حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضَاة سَلَم وَسَمُر، وبها أناس يقال لهم: “العماليق” خارج مكة وما حولها.
والبيت يومئذ ربوة حمراء مَدِرَة، فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجَرَ أمَّ إسماعيل أن تتخذ فيه عَريشًا ، فقال {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ } إلى قوله لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ))( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حب الله عز وجل له بالإسراء به جسداً وروحاً ، وفي حال اليقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم العروج به إلى السماء .
من دلائل الإسراء بالروح والجسد
قال الرازي (أختلف في كيفية الإسراء، فالاكثرون من طوائف المسلمين إتفقوا على أنه اسري بجسد رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم، والأقلون قالوا: إنه ما أسري إلا بروحه)( ).
ولكن هذا التفصيل ليس بتام من وجوه:
الأول : الإجماع على حصول الإسراء بالبدن والروح ولا عبرة بمن شذ.
الثاني : نسبة القول بالخلاف إلى الاقلين في مقابل الأكثرين يحتاج إلى ذكر المصاديق.
الثالث : التواتر على إسراء وعروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالجسد والروح .
والمختار الإجماع على حدوث الإسراء بالجسد والروح ، ولا عبرة بخلاف النادر الشاذ .
ومنهم من قال: إن الإجماع الضروري للمسلمين على عروجه بجسمه الشريف وأن الذي يقول أن معراجه روحاني، وأن من أنكر معراجه الجسماني ملحد وخارج عن الدين.
ولكن لا تصل النوبة إلى التكفير والرمي بالإلحاد من وجوه:
الأول : وجود الإسلام الحكمي عند القائل بالإسراء بالروح.
الثاني : الذهاب إلى القول بالإسراء بالروح عن قول ينسب إلى بعض الصحابة أو شبهة أو هو ظن .
الثالث : على المسلمين أن يتنزهوا من رمي بعضهم بعضاً بالكفر او الفسوق لقول أو رأي أو شبهة لا تتعلق بضـرورات الدين .
الرابع : موضوعية الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي هي سور الموجبة الكلية الشامل لجميع المسلمين، فهي ثابتة حصـل الإسراء أم لم يحصل.
وهذا الإقرار والتسليم من عامة المسلمين كاف للوصف بالإسلام وحلية المناكح وحقن الدماء.
وقيل أن الأخبار الدالة على الإسراء بالروح والبدن لا تحصى ولا اعتبار لشبهات المتكلمين والحكماء.
ومن أنكر المعراج الجسماني لإمتناع الخرق والإلتيام في السماوات فقد رد على الله والرسول وهو على حد الشرك.
ولكن القول بعدم حصول الإسراء الجسماني لا يصدق عليه أنه رد على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصل إلى الشرك .
ومن اعجاز القرآن وعلومه أنه يفسر بعضه بعضاً، فتجد الآية تفسر غيرها وغيرها تفسرها سواء ذات الآية المفسرة ومن نفس السورة أو من سورة أخرى.
الإسراء بالبدن
هل حصل الإسراء بالبدن وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسري به فعلاً وواقعاً وانتقل شخصه الكريم إلى المسجد الأقصى وهو ظاهر الآية الكريمة وظواهر القرآن حجة ، الجواب نعم .
وإجماع علماء المسلمين على حصول الإسراء بالجسد والروح، وليس بالروح فقط ولا عبرة بالشاذ والنادر.
ولكن القول بأن الإسراء بالروح وحدها ليس بالجديد فقد نسب إلى معاوية وحذيفة وروي عنه انه قال : ذلك رؤيا ، وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما أسري بروحه.
وقال به بعض المعتزلة وهذه النسبة إلى حذيفة تحتاج الى تحقيق رجالي، فنحن مثلاً نستدل على تفضل الله تعالى بجعل الجوهر الأساسي لشخص الزهراء من موجودات الجنة ليكون نبراساً للفضيلة وفيضاً ملكوتياً مباركاً، ودليلاً على اكرام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، الأمر الذي يدل بالدلالة التضمنية وبحسب النصوص بأن الإسراء حدث بالجسد والروح.
فقد روي عن أبي سعيد الخدري وابن عباس وعن الإمام الرضا عليه السلام قال (قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل عليه السلام فأدخلني الجنة فناولي من رطبها فأكلته فتحول ذلك نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة عليها السلام ففاطمة حوراء إنسية فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة)( ).
وبالنسبة لحذيفة فهذا الاسم على الظاهر يقصد به حذيفة بن اليمان وإن ذكر أكثر من واحد باسم حذيفة وأنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعضهم مجهول فلم يثبت أن المراد هو حذيفة بن اليمان .
وحذيفة بن اليمان نسبة إلى اليمن لأن جده جردة أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه باليمان لأنه من اليمن حالف الأنصار وهم في المدينة، وقيل أن اليمان مأخوذ من اليمين وهو الحلف والأول أنسب.
وتوفى حذيفة والياً في المدائن بعد بيعة الإمام علي عليه السلام بأربعين يوماً وجلالة قدره ووثاقته وورعه عليها الإتفاق والإجماع، وكان يعرف المنافقين بأعيانهم وأشخاصهم، عرفهم ليلة العقبة لما أرادوا ينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منصرفهم من تبوك، وكان حذيفة تلك الليلة قد أخذ بزمام الناقة يقودها، وعمار من خلف الناقة يسوقها.
وروي أن عدد أصحاب العقبة إثنا عشر واختلف هل هم من الأنصار كما عليه الجمهور، أم هم من الأنصار والمهاجرين .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن حذيفة قال: إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر كيما أعرفه فأتقيه( ).
وفي هذا الخبر دلالة على السعة والعلم في السنة النبوية وإنتقال علوم القرآن والسنة أو شطر منها للمسلمين بواسطتهم وبسعيهم،
روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار ، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول : إنه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه.
فقال حذيفة : يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك إزداد وقع حذيفة عنده( ).
وفي أسد الغابة أنه شهد حذيفة الحرب بنهاوند فلما قتل النعمان بن مقرن أمير ذلك الجيش أخذ الراية ، وكان فتح همدان والري والدينور على يده، كما شهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين وتزوج فيها.
وإن ثبت القول عنه بأن الإسراء بالروح فقط فان الجواد قد يكبو والصارم قد ينبو والعصمة لمن سدده الله عز وجل وعصمه، لأن مثل هذا القول خلاف الدلائل والواقع ولكن إثبات هذا الحديث ونسبته لهذا الصحابي الجليل بعيد كما يمكن أن يناقش القول دلالة وتأريخياً.
الإسراء عنوان المحبة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي مظاهر حب الله عز وجل وإكرامه له ، واجتمع هذا الحب والإكرام في معجزة الإسراء وما فيها من الوقائع من عالم الغيب والملكوت .
والإسراء عنوان محبة للمعشوق ، وسعي للعكوف على باب رحمة الله عز وجل .
وورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : تخلقوا بأخلاق الله تعالى( )، ليبقى الإنسان في جوار حضرة الكمال والجلال متخلصاً من سنخ الظلمات، وحب المال والشهوات وما يؤدي إلى الإمتناع الإنطباقي عن تلقي رحمة الله.
لقد كان الإسراء عنوان فخر وعز للمؤمنين، ومدرسة عرفانية مستقلة تفيض بسعادات ذات مراتب ووجوه متعددة وتبحث عن الكمالات النفسانية وهو حرز وواقية للمؤمن.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يروي عن ربه ، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ، ولا يهلك على الله إلا هالك ( ).
وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يروي عن ربه عز وج قال : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر( ).
السياحة في عالم السماء
رؤية الملك النازل من السماء يختص بها الرسول دون النبي، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل أراد له أن ينفرد بحالة تشريفية خاصة لم ولن ينالها إنسان وهي السياحة والإرتقاء في عالم السموات ، وبالإسراء تعددت أسباب الفيض الإلهي وشعاب رحمة الله وروابط جوده وسبل المعرفة الإلهية والشهود العياني والقلبي، إنه كمال النبوة .
ومن الصفات التي تكون مؤهلات للنبوة ومن خصالها العصمة من الزلل والمعصية لأن القلوب لا تنجذب إلى صاحب المعصية ، فيكون النبي أفضل أهل زمانه بجميع الفضائل والمحاسن والكمالات ، وأن يكون أميناً.
ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب عن صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال له: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لاَ .
فَقَالَ هِرَقْلُ : أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ لِيَكْذِبَ عَلَى اللهِ( ).
وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمى (الصادق الأمين) ومن خصائص رسول الله أنه شجاع لا تأخذه في الله لومة لائم ، وهي من الاخلاق والصفات الحميدة.
لذا فان إخباره عن الإسراء حق وصدق ، وكما يصح ان نستدل بالبرهان اللمي أي من العلة على المعلول، كذلك يمكن ان نستدل بالبرهان الإني أي من المعلول إلى العلة .
فإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء دليل على صدقه في الإخبار عن النبوة لأن حديث الإسراء يتضمن أسراراً لا يمكن للإنسان أن يطلع عليها بقدرته الشخصية بل التسخيرية لبعض المحكومات فقد بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم منازل لم يطأها أحد غيره .
وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: لما أُسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى ، فأعطي ثلاثاً : أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات( ).
وقال السيوطي : في كيفية الوحي ان يكلمه الله أما في اليقظة كما في ليلة الإسراء أو في النوم)( )، أي ان الوحي ليلة الإسراء اتصف بخصوصية التكليم من غير واسطة وفي حال اليقظة وليس وحي منام فكما كان موسى عليه السلام كليم الله فكذلك الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلّمه الله ليلة الإسراء.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وراثة الكليم موسى عليه السلام ، قال تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا.
وفي الصناعة النحوية إذ تم تأكيد الفعل بالمصدر فانه يكون حقيقة وليس مجازاً ، ويدل عليه تفسير القرآن الذاتي ، قال تعالى وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.
الإيمان بالمعراج
المعراج من غرر المعجزات التي اختص الله عز وجل بها النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وحاز شرفها المسلمون جميعاً، وهو مدرسة تترشح عنها دروس وعبر ومواعظ بل وأحكام شرعية لذا وردت نصوص تؤكد على لزوم الإيمان بالمعراج، (وفي الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام: انه نهى عن انكار اربعة اشياء: المعراج، والمساءلة في القبر، وخلق الجنة والنار، والشفاعة.
وهل المراد الإيمان بها على نحو العموم الإستغراقي أم العموم البدلي الأقوى هو الأول أي يلزم الإيمان بكل واحد منها مستقلاً وعدم انكار أي منها.
وثلاثة من أفراد الحديث تتعلق بمستقبل الإنسان وعالم ما بعد الموت، والمعراج وحده يتعلق بما مضى كمعجزة نبوية مما يدل على موضوعية المعراج في دائرة عقيدة التوحيد والإيمان بالمعاد.
والمراد من المعراج هو صعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء ليلة الإسراء، والسنة بيان للقرآن فصحيح أن الآية تعلقت بالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلا أن السنة توسع حديث الإسراء وتخبر عن تفاصيله، وتبين أنه يتكون من معراجين :
الأول : من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والذي تدل عليه آية الإسراء .
الثاني : المعراج من بيت المقدس إلى السموات .
لقاء النبي محمد (ص) موسى (ع)
في حديث الإسراء : ثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاها فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة ثم إن الله أمرني بأمره وفرض علي خمسين صلاة.
وقال : لك بكل حسنة عشر وإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة فإذا عملتها كتبت لك عشرا وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء فإن عملتها كتبت عليك سيئة .
ثم دفعت إلى موسى فقال : بم أمرك ربك ؟ قلت : بخمسين صلاة قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا يطيقون ذلك فرجعت إلى ربي .
فقلت : يا رب خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم فوضع عني عشرا فما زلت أختلف بين موسى وبين ربي حتى جعلها خمسا فناداني ملك : عندها تمت فريضتي وخففت عن عبادي فأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها ثم رجعت إلى موسى .
فقال : بم أمرت ؟ قلت : بخمس صلوات : قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييته .
ثم أصبح بمكة يخبرهم العجائب : إني رأيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء ثم رأيت كذا وكذا فقال أبو جهل : ألا تعجبون مما يقول محمد ؟ قال : فأخبرته بعير لقريش لما كانت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا وإنها نفرت فلما رجعت رأيتها عند العقبة وأخبرتهم بكل رجل وبعيره كذا ومتاعه كذا .
فقال رجل : أنا أعلم الناس ببيت المقدس فكيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل .
فرفع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت المقدس فنظر إليه فقال : بناؤه كذا وهيئته كذا وقربه من الجبل كذا فقال: صدقت ( ).
إسراء إبراهيم
لقد شهد القرآن لإبراهيم بالعروج في السماء قال تعالى وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.
قال الطبري حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب، عن عوف، عن أسامة: أن إبراهيم خليل الرّحمن حدَّث نفسه أنه أرحمُ الخلق، وأن الله رفعه حتى أشرفَ على أهل الأرض، فأبصر أعمالهم. فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال: اللهم دمِّر عليهم! فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك، اهبطْ، فلعلهم أن يتوبوا إليّ ويُراجِعوا ( ).
ومع دلالة الحديث على مكانة إبراهيم بين الأنبياء وعلى جهاده في سبيل الله وسعيه للصلاح، فانه في مفهومه وبلحاظ المقارنة مع إسراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم تتضح بجلاء وجوه الرأفة والرحمة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتي أدت إلى هداية الناس فما أخبر عنه الله تعالى في هذا الحديث “فلعلهم يتوبوا او يرجعوا أو أستخرج من صلبهم ولداً صالحاً” فان الشطر الأخير تحقق بإتباع الناس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهدايتهم بالإسلام.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : هداية أجيال الناس إلى الإيمان .
الثاني : قانون استدامة حنيفية إبراهيم في الأرض برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
الثالث : كان دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإسراء والمعراج للناس ، وبما ينفعهم في الدنيا والآخرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
لقاء النبي محمد (ص) الأنبياء السابقين
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن بينه وبين آخر الرسل وهو عيسى عليه السلام نحو ستمائة سنة مما يدل على عدم لقائه مع أي من الأنبياء ولكن تفضل الله عليه وأكرمه بلقاء الأبنياء في المعراج ، وهي نعمة ومرتبة رفيعة لم ينلها غيره من البشر .
وفي هذا اللقاء منافع كثيرة ، قال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.
و(عن أبي الربيع قال: سال نافع أبا جعفر عليه السلام عن قوله الله وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ من ذا الذي سأله محمد وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة.
قال : فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا فكان من الآيات التي أراها الله محمدا صلى الله عليه وآله حيث أسرى به إلى بيت المقدس أنه حشر الله الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين ، ثم أمر جبرئيل عليه السلام فأذن شفعا وأقام شفعا.
وقال في إقامته : حي على خير العمل، ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بالقوم ، فأنزل الله عليه [وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ].
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : على ما تشهدون ، وما كنتم تعبدون .
قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله ، اخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر)( ).
و(عن سعيد بن جبير في قوله وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا قال : ليلة اسري به لقي الرسل)( ).
قانون إنذار أم القرى
يحتمل منع مشركي قريش لدخول الناس الإسلام من جهة الكثرة والقلة وجوهاً :
الأول : إرادة خصوص أهل مكة .
الثاني : أهل مكة والقبائل المحيطة بها .
الثالث : أهل زمانهم .
الرابع : أهل زمانهم مع الأجيال اللاحقة .
والمختار هو الأخير .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنذار المتجدد.
ليكون تقدير قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، أمس واليوم وغداً بتقريب أن رجال قريش الذين يصدون عن البشارة والإنذار الذي جاء بهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد أضروا أنفسهم ومن حولهم ، والأجيال اللاحقة لذا كان سقوط سبعين منهم في معركة بدر إزاحة لمانع دون سيادة الإيمان ، قال تعالى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
ومن خصائص نعم الله في القرآن وأحكامه أنها توليدية تتفرع عنها فروع كثيرة كل يوم ، ولا يحصيها إلا الله عز وجل وإن علم بشطر منها الأنبياء والملائكة والمؤمنون .
ترى ما هي النسبة بين الإحاطة المطلقة في قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ] ( )، وبين الإحصاء العام، الجواب هو العموم والخصوص المطلق .
فالإحاطة أعم ، ولا يقدر على الإحاطة بالناس وأفعالهم وأحوالهم ومذاهبهم وعواقب أمورهم إلا الله عز وجل ، ومن معاني هذه الإحاطة تفضل الله عز وجل باصلاح الناس ، وجعل العواقب إلى خير .
وهل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرع هذه الإحاطة الإلهية ومنافعها ، الجواب نعم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يحصي حاجة أجيال الناس المتعاقبة إلى رسالته إلا الله عز وجل .
وهو من مصاديق قوله تعالى وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وهل تستبين يوم القيامة إضاءات هذه الحاجة العامة لرسالته بما يثبت امتيازه وأمته بهذه النعمة والفضل الإلهي ، الجواب نعم ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة .
السجود لله وحده
لقد تفضل الله عز وجل بالوحي وتنزيل الآيات الباهرات قال سبحانه فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، وقيل أوحي إليه، أنّ الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك( ) وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة .
وفي سورة الفاتحة التي يقرآها المسلمون كل يوم في فرائض الصلاة ورد قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فقدمت العبادة والاقرار بالعبودية لله عز وجل على الاستعانة وكأنه مقدمة للحاجة والفقاهة بلسان الذل والخضوع وقصد القربة .
ويأتي المسلمون بالشهادتين في الصلاة وتتضمن الإقرار بالتوحيد والتصديق بالنبوة فقدمت صفة العبودية في حال الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشهادة بنبوته، وفيه بيان لموضوعية صفة العبودية وما يترشح عنها من الفضل والشرف والعز.
لقد بالغ أقوام في منازل الانبياء وقاربوا بها الربوبية، فجاء الاسلام ليتصدى الى تلك المبالغة بنفس الصيغ الجهادية والتربوية التي رسخها في إكرام الانبياء، ومعرفة حقيقة ارتقائهم على البشر منزلة وعلماً وكرامة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تطامنه وخشوعه المتصل لله عز وجل بما يمنع من الغلو بشخصه ، فمثلاً قوله (صلوا كما رأيتموني أصلي)( ) وقوله (خذوا عني مناسككم)( ) دعوة لمحاكاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه منع للغلو بشخصه الكريم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تثبيته مبادئ وأركان التوحيد في الأرض ، ودعوة الناس جميعاً إلى توحيد الربوبية لله وحده .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة قيامه بكسر ثلاثمائة وستين صنماً في البيت الحرام ، لتنقطع عبادة الأوثان إلى يوم القيامة.
والسجود لغة هو التطامن والخضوع ، وفي الإصطلاح وضع الجبهة والمساجد الأخرى على الأرض طاعة لله عز وجل.
والنسبة بين توحيد الله عز وجل وبين السجود له عموم وخصوص مطلق ، فالسجود لله شعبة من التوحيد ، وشاهد عملي عليه .
قانون التعاضد بين القرآن والسنة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التعاضد بين سنته وبين القرآن في الدعوة إلى التوحيد وبيان الأحكام الشرعية ، ويدل هذا التعاضد على انتفاء التزاحم أو التعارض بينهما ، والسنة النبوية مرآة وبيان للقرآن.
و(عن صهيب أن معاذاً لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا معاذ ما هذا قال : إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت : ما هذا قالوا : تحية الأنبياء فقال عليه السلام كذبوا على أنبيائهم)( ).
وبذا تظهر الحاجة للإسلام في منع الغلو في الدين وفضح التحريف.
واستمر الصحابة والائمة عليهم السلام في التصدي لصيّغ الغلو وأماراته ليتجه الناس الى التوحيد والاخلاص في العبادة.
فعن الثوري سماك بن هاني قال: دخل الجاثليق( ) على علي بن ابي طالب فاراد ان يسجد له.
فقال له علي: اسجد لله ولا تسجد لي( ).
ولما رأى النصارى الآيات من عيسى باحيائه الموتى وابرائه الأكمه والأبرص جرده بعضهم من صـــفة العبودية واتخــذوه معبوداً لـذا ورد في التنزيل لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ .
النعمة على بني إسرائيل
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته نعمة ورحمة للناس جميعاً ومنهم بنو إسرائيل وعامة اليهود وأهل الكتاب ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ومن نعم الله على بني إسرائيل في المقام وجوه:
الأول : من نعم الله عز وجل على بني إسرائيل كثرة الأنبياء الذين بعثهم من بين ظهرانيهم .
الثاني : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنها النعمة العظمى والرحمة العامة للناس.
الثالث : هدى الله عز وجل نعمة على بني إسرائيل والناس جميعاً، ولولا هذا الهدى لما نجى بنو إسرائيل من فرعون وبطشه، خصوصاً وأن نجاتهم كانت بمعجزة وآية وهي صيرورة ممر خاص من بين ماء البحر الأحمر ليعبروا فيه .
وتكررت شواهد له في هذا الزمان ولكن بالعلم والعمل والإنفاق وهو إنشاء أنفاق وسكك حديد لمرور المركبات البرية تحت ماء البحر.
الرابع : من نعمة الله على بني إسرائيل أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بشير ونذير لهم وللناس وجاء بالهدى والصلاح.
الخامس : ومن نعمة الله في المقام مجيء القرآن بالزجر عن إتباع الأهواء ، وقد توجه الخطاب والنداء من عند الله عز وجل [يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ] أربع مرات في القرآن منها قوله تعالى يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ .
السادس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم اتباع ملة اليهود أو النصارى .
السابع : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بالعلم وأحكام الشريعة المتكاملة التي هي من مصاديق العلم ، وأول آية نزلت من القرآن هي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ لإفادة وجوب الكسب العلمي والتحصيل المقيد بأنه في طاعة الله .
الثامن : بعث النفرة في نفوسهم والناس جميعاً من الهوى وإتباعه لقبحه الذاتي ولأنه ضد للعلم والإيمان.
تفضيل النبي محمد (ص)
لقد أجمع المسلمون على أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على آدم، وفي القرآن والسنة شواهد كثيرة ومصاديق تؤكد سيادته صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آدم عليه السلام الذي جعله الله عز وجل فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، اتخذ له خاتماً. وكان نقشه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذا الخاتم هبط معه من الجنة .
وفيه دلالات منها أن أبا البشر يدعو لسيد النبيين ويبشر برسالته، ويجعل موضوعها زينة له ووساماً، قال تعالى [ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ] ( ).
لقد كان هبوط الإنسان للأرض مناسبة للإبتلاء والإمتحان والإختبار فجاء الإسراء بالإتجاه المعاكس للهبوط وكأنه عنوان رضا الله تعالى على الإنسان وثبوت أهليته لخلافة الأرض، وهو بشارة دخول الجنة فهو الرزق الإلهي العاجل والإفاضة النورانية التي تبعث في الأرض السكينة والأمل والإعلان عن الصلة الوثيقة بين السماء والأرض، إنه سفر روحي يصعد بالعبد إلى عالم الملكوت.
ويجتمع هذا الحدث مع أكل آدم وحواء عليه السلام من الشجرة التي نهيا عنها ليظهر استحقاق الإنسان للخلافة ، قال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، والتوفيق الذي تغش الإنسان للتمسك بأحكام الشريعة على الأرض وهو عنوان الغبطة والسعادة بنيل الدرجات العلى والإعانة على الإطلاع على أسرار السماء .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن معراجه حجة تدل على تعلق روحه بالسماء ، وأنه منقطع عن الدنيا، وفيه بيان لتعدد وجوه الفضل الإلهي في كيفية تلقي الوحي.

التفضيل بين الملائكة والأنبياء
اختلف علماء الإسلام في أفضلية الملائكة على الأنبياء أو العكس، والمشهور الأكثر قالوا بأفضلية الأنبياء على الملائكة لأن الله عز وجل أمر الملائكة بالسجود لآدم وقيل أن الأدميين أفضل من الملائكة .
ومنهم من استدل على أفضلية الملائكة بقوله تعالى وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ فدخول الملائكة بالسلام والتحية والإكرام دليل على تقدمهم رتبة وشرفاً .
وقد يكون الإستدلال غير تام وقد يكون العكس خلافه لأن أهل الجنة وصلوا إلى منازلها الرفيعة بعد الإمتحان والاختبار فجاء الملائكة معترفين بفضلهم واستحقاقهم.
وقال المعتزلة بأن الملائكة العلوية أفضل.
ولكل ادلته وإحتجاجه في مباحث كلامية وما يتعلق بالمقام ان القائل بافضلية النبي على الملك جاء في الإستدلال بأمرين:
الأول : ما روي بأن جبرئيل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى أركبه البراق ليلة المعراج ولما وصل إلى بعض المقامات تخلف عنه جبرئيل وقال: لو دنوت انملة لأحترقت( )، أي ان جبرئيل يتعذر عليه التقدم إلى الموضع الذي بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن المرتبة السامية التي رزقه الله عز وجل حجة للإستدلال العام .
ومن خصائصه أخذ جبرئيل بركابه ، وهو من الوجوه التي احتج بها على أفضلية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على آدم الذي أسجد الله له الملائكة .
وأن الله تعالى صلى بنفسه على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمر الملائكة والمؤمنين أن يصلوا عليه والأمر بالسجود تأديباً ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وقد ورد النداء التشريفي [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في القرآن تسعاً وثمانين مرة ، كلها في أول الآية إلا الآية أعلاه إذ ورد في أوسطها ، وأن السجود كان لأجل نور محمد الذي في جبهته والصلاة دائمة على النبي، وليس مرة واحدة كالسجود لآدم .
كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ( ).
ورد القائل بأفضلية الملائكة بأنه خبر واحد، والمشهور على حجية خبر الواحد الأصل، وخبر الواحد هو الخبر الذي اتحد طريق سنده ولم يحصل منه القطع بثبوت مؤداه في قبال الخبر المتواتر الذي يرويه جماعة عن جماعة مع إمتناع تواطئهم على الكذب وهو مما يفيد العلم.
هذا بالإضافة إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن وعدم معارضة الحديث للكتاب والسنة لأن المقصود بالمعراج هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس كل الأنبياء .
الثاني : روي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ان لي وزيرين في السماء، وأشار الى جبرئيل وميكائيل( )، وأشكل على الحديث سنداً ورواية.
وهذا الحديث بيان للحديث الأول وان جبرئيل تخلف عن منازل القرب التي تشرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوصول إليها، وأن الوزير أدنى رتبة ممن استوزره،أو صار عنده وزيراً.
وقد ورد ذكر الوزير في القرآن مرتين ، كلاهما بخصوص وزارة هارون لموسى :
الأولى : دعاء موسى عليه السلام ،قال تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي.
الثانية : استجابة الله عز وجل لدعاء موسى عليه السلام ، قال تعالىوَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا.
تجليات تفضيل النبي محمد (ص)
لقد بعث الله عز وجل جبرئيل وحده لهلاك قوم لوط ودمار ما يملكون، فالله سبحانه أنزل آلافاً من الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم بدر وأحد ، قال تعالى إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ، وفيه مسائل:
الأولى: تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء ، وعن الإمام علي عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق الارض عنه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع)( ) .
وعن أبي هريرة قال (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي الناس أكرم؟
قال : أكرمهم عند الله أتقاهم ، قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله ، قالوا : ليس عن هذا نسألك .
قال : فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا : نعم .
قال : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضليته وأنه خير البشر،فهو إمام المتقين .
الثانية: إنه من الشواهد على العناية الإلهية بالمسلمين.
الثالثة :في كثرة عدد الملائكة الذين نزلوا لنصرة النبي والمؤمنين يوم بدر وأحد شاهد على منزلة النبي محمد عند الله ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
الرابع: في المقارنة في المقام إنذار للكفار من التعدي على المسلمين وثغورهم، ودعوة للناس لدخول الإسلام.
وفي محاورة اليهود مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له ابن صوريا خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك و اتبعتك أي ملك يأتيك بما ينزل الله عليك قال جبريل، قال ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة و الحرب و ميكائيل ينزل باليسر و الرخاء فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنا بك( ).
وكان جبرئيل عند مجيئه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل أحياناً بصورة الصحابي دِحية الكلبي الذي كان جميلاً حسن الهيئة وبدا له مرتين بصورته الحقيقية وله ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت، أو أن يأتيه بمثال يسمع الصوت ويرى الضوء.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توالي نزول جبرئيل عليه بالقرآن وبالوحي ، كما ينزل عليه مدداً وعوناً .
وفي معركة بدر ورد عن ابن عباس قال (وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنبة وميكائيل في خمسمائة مجنبة)( ).
الثناء على جبرئيل
مما وصف الله عز وجل في القرآن عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى لجبرئيل قوة في أداء ما أمره الله به ، وهو الذي ينزل بالوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمانة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم وصول الشياطين للوحي إلى حين القاء جبرئيل له عليه [ذُو مِرَّةٍ] أي قوة وخلق حسن ، وجمال وبهاء .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً تفضل الله عز وجل بسلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقيصة ، وتلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الآيات والسور على الناس وتدوين أهل البيت والصحابة لها ، وسلامة علم تفسير وتأويل القرآن من زيغ وأباطيل شياطين الجن والإنس ، قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم منه مسيرة خمسين ألف سنة( ).
وجبرئيل من أقرب الملائكة إلى الله، وذكر أنه من الروحانيين الذين لا يعلم ماهية خلقهم ولا صفتهم الا الله رب العالمين.
ومنزلة جبرئيل الرفيعة لا يختلف فيها اثنان من المليين، ويمثل عند المسلمين مقاماً سامياً فهو الواسطة الكريمة الذي نزل بالقرآن وعن الإمام الكاظم عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ان الله تبارك وتعالى اختار من كل شيء أربعة، اختار من الملائكة جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت.
لقد أمر الله جبرئيل ليدمر مدائن لوط بعد شيوع الفاحشة بينهم وأخبر عن قوته لما سأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها إذ قال :
حملت المدائن من الأرضين السفلى الى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم، بريشة واحدة من جناحي انتظر امر ربي إلى الصبح.
لقد اقتلع جبرئيل قرى قوم لوط الخمسة سدوم ، وهي أكبرها .
(وعامورا ودادوما وضعوه وقتم فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم وصياح ديكتهم لم تنكفيء لهم جرة ولم ينكسر لهم إناء ثم نكسوا على رؤوسهم وأتبعهم الله بالحجارة ، مقاتل : أهلكت أربعة ونجت ضعوه وقيل غير هذا والله أعلم)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبره على أذى قومه إلى أن تم يوم فتح مكة الإسلام ، وهل قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ أمان من الخسف وبطش جبرئيل بكفار قريش ونحوهم ، الجواب نعم .
ومع هذا تراه يتخلف عن الموضع الذي بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السماء السابعة ولا يتقدمه في الصلاة ويبالغ في اكرامه وفي ذلك دعوة للناس جميعاً للإنقياد لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه خصوصاً وان الله عز وجل قد زكى قوله وفعله ونسبه اليه بالواسطة قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
قانون الترغيب بتأويل الرؤيا
قد تأتي الرؤيا على نحو الرموز والإشارات وتستلزم بيانها بالأحسن والأنفع والأصلح ولا يتعجل المعبر بالتأويل الذي يجلب الأذى والشر.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحث أصحابه على ذكر رؤاهم ثم يأولها بما فيه التفاؤل والبشارة والأمل إلا أن تكون رؤيا إنذار فيدعو الله عز وجل لصرفها .
و(عن ابن زَمْل الجهني، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الصبح قال، وهو ثان رجله: “سبحان الله وبحمده. أستغفر الله، إن الله كان توابا” سبعين مرة، ثم يقول: “سبعين بسبعمائة، لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة”.
ثم يقول ذلك مرتين، ثم يستقبل الناس بوجهه، وكان يعجبه الرؤيا، ثم يقول: “هل رأى أحد منكم شيئا؟”
قال ابن زمل: فقلت: أنا يا رسول الله.
فقال : خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا، والحمد لله رب العالمين)( ).
فمن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور :
الأول : العناية بالرؤيا ، وهل هذه العناية باجتهاد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب إنما هي من الوحي .
الثاني : بعث المسلمين لذكر رؤاهم ،والإنتفاع منها بشارة أو إنذاراً وعدم الإستخفاف بها .
الثالث : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سعيه لجعل المسلمين يرجعون إليه في الأمور الخاصة والعامة من غير ملل أو سأم ، فمن خصائصه أنه الرحمة المهداة ، والنعمة المزجاة لأهل الأرض ، وأن جوابه على أسئلتهم وأقواله ونصائحه لهم حجة وشعبة من الوحي .
الرابع : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بتأويل رؤى أصحابه ، وفيه دعوة نبوية لعلماء الإسلام بالعناية بعلم تأويل الرؤيا ، وقد وردت دعوة قرآنية للتأويل بذكر سبع من الرؤيا في القرآن مع تأويلها ، وفي يوسف ورد قوله تعالى إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ .
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه لأقسام الرؤيا ليتفقه المسلمون والناس جميعاً بعلم الرؤيا وتأويلها .
جاء رجل الى الامام الباقر عليه السلام فقال : يا ابن رسول الله عزمت على طلاق امرأتي واني رأيت في المنام كأن كبشين ينتطحان على فرجها. فقال عليه السلام: لا تطلقها وذلك انها لما سمعت بقدومك من السفر عمدت الى الموضع فأخذت شعره بالمقراض.
ليزجر الامام عليه السلام الرجل على فعل قائم على خطأ في التأويل وعلى امر اجنبي عن مدارك الحكم والفتوى. وليدخل البشرى الى بيته وقلوب افراد اسرته بحسن تأويل الرؤيا وصواب التعبير وطرد الظن البعيد عن الواقع اصلاً وفعلاً.
فالرؤيا على اول عابر اذا ما احسن تحليل رموزها واستنباط علومها في الوجه الذي اختاره من الوجوه المحتملة، لذا يلزم التقيد بالحرص على عرض الرؤيا على العالم والمختص ذي الاطلاع والمعرفة والدين.

قانون موضوعية الدعاء في تحقيق الرؤيا
إذ ينعم المسلمون اليوم بالاسلام وقوانينه وأحكامه وقضائه ودولته ومعهم كتاب سماوي منزل. فأن الرؤيا الصادقة وتأويلها صفحة من بناء الاسلام مملوءة بالعلم والاسرار والوحي والإيحاء والمناجاة والهداية.
وهي طريق للهداية والرفعة والنصر كما ساهمت كهبة إلهية في عز المؤمنين وستبقى عندهم ذخيرة من ذخائر الاسلام رسخ قواعد بنائها في صدورهم وكتبهم وحياتهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنته القولية والفعلية وعنايته بالرؤيا وتأويلها الى جانب القرآن.
وزاد الله عز وجل عليهم من فضله فاحسوا بالوجدان والتجربة والبرهان عبر اجيالهم المتعاقبة حضور الرؤيا الصادقة وما فيها من البشارة وعموم النفع الا ان استثمار الدعاء في دفع رؤيا الإنذار وتقريب واتمام ما فيها من البشارة لم يكن مناسباً وهو من مصاديق قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ .
انها تجارة كريمة من غير جهد أو مشقة لما فيها من الدعوة إلى الدعاء وقرب الإستجابة.
ومن فضل الله في قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قانون عدم الملازمة بين رموز الرؤيا وتنجز مصداقها الواقعي ، فقد تأتي الرؤيا بصورة واضحة لوقوع حادثة أو مصيبة ، فيدعو الإنسان الله عز وجل لصرفها ، وينصرف فيمحو الله مصداقها الواقعي ، وهو من مصاديق قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .

خصائص النبي (ص) في العبادات
للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصائص في باب العبادات منها قيامه الليل ، قال تعالى [قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا] ( ) ،ومن خصائصه اجتهاده من حين تحنثه في غار حراء وحالما نزل عليه القرآن جاءه الأمر من عند الله بالمواظبة على الصلاة والذكر ، قال تعالى أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا لبيان أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بذل الوسع في طاعة الله ، ولم يهنأ بنوم أو مأكل وملبس ، إذ كان دائب التسبيح والسعي في إصلاح الناس .
وكان يبادر إلى الصلاة عند الحزن فيقول : أرحنا بها يا بلال .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم (وجعلت قرة عيني في الصلاة )( ).
وكان يصوم صوم الوصال بصوم يومين والليلة التي بينهما أو ثلاثة أيام والليلتين بينهما ، ويقول (إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين)( ).
وعن (مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إطالته الصلاة ، وقراءته السور الطوال في الصلاة من غير تعب أو ملل ، وعن عبد الله بن مسعود (قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأطال حتى هممت بأمر سوء قال : قيل : وما هممت به ؟
قال : هممت أن أجلس وأدعه)( ) .
وهل يشمل قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي( ) طول صلاة وقراءة وركوع وسجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لا فالقدر المتيقن من الأمر النبوي هو اتقان واجبات وأركان الصلاة ، ومحاكاته في صلاة الجماعة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تخفيفه الصلاة في صلاة الجماعة فلا يكون مطولاً ولا ناقراً ، وهو يصلي بالناس وسطاً بين الطول والقصر ، وغالباً ما يقرأ السور القصار من المفصل.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يتدبر الآية القرآنية ، ويظهر عليه الخشوع عند التلاوة .
و(عن رجل من الأنصار إنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وقال : لأنظرنّ كيف يصلي النبي صلى الله عليه وسلم قال : فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ إستيقظ فرفع رأسه إلى السماء فتلا أربع آيات من سورة آل عمران إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ثمّ أهوى بيده إلى القربة وأخذ مسواكاً فأستّن به ثمّ توضأ ثمّ صلى ثمّ نام ثمّ إستيقظ ، فصنع كصنيعه أول مرة)( ).
الإسراء / حديث متواتر
ينقسم الحديث إلى قسمين :
الأول : الحديث المتواتر ، وهو الذي يرويه جماعة عن جماعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمعصوم بما يمتنع معه التواطئ على الكذب أو حدوث الوهم واختلف في عدد الرواة في كل طبقة من طبقات الرواة وقيل ثلاث ، وقيل أكثر .
والملاك هو وثاقة المتعدد ، ويشترط أن يكون سندهم في الحديث بأن يقولوا رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل كذا أو سمعنا رسول الله يقول كذا .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجود أحاديث متواترة عنه حرص أن يقول وأن يفعل أمامه جماعة من المسلمين سواء في مجلس واحد أو عدة مجالس وحالات ، وهو من مصاديق فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ بتقريب .
الثاني : حديث الآحاد ، وهو الذي تفرد بروايته راو واحد أو اثنان ، وما لم يبلغ حد التواتر .
ولقد وردت في الإسراء أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر عن جم غفير من الصحابة من المهاجرين والأنصار ، منهم علي بن أبي طالب عليه السلام وعمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وبريدة وحذيفة بن اليمان وصهيب وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد وأبي بن كعب وأبي ذر وأبي الحمراء وأبي الدرداء وعروة وأم سلمة وأم هاني وأسماء بنت أبي بكر كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه المتعدد لحديث الإسراء للدلالة على أنه معجزة عظمى ، وفيه دعوة لتوثيقه ، وعناية أجيال المسلمين به .
إن تواتر الحديث لفظاُ أو معنى يبين أهمية حديث الإسراء وما فيه من عبر وعظات يجب أن تنتفع منها الإنسانية ولتغدو باب هدى ورحمة وسعي للفوز بدار النعيم ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقيت ابراهيم ليلة اسري بي فقال يا محمد إقرأ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غرسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله واكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله( ).
إنها بشارة مركبة، إذ تدل بالدلالة التضمنية على أن الجنة مستقر المسلمين، ويمكن جعلها مصداقاً لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ… .
بلوغ سدرة المنتهى
في حديث التلبية في الحج “لبيك ذا المعارج لبيك” والمعارج جمع معراج وهو المصــعد والمرقى، يقال: عرج يعرج عروجاً: صعد وارتقى، قال تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى،وأخرج عن ابن مسعود قال : لما أسريَ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها .
{ إذ يغشى السدرة ما يغشى }( ) قال : فراش من ذهب قال : وأعطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات( ).
لقد اختص الله عز وجل النبي محمداً بأرفع منزلة بأن ارتقى إلى شجرة المنتهى في السماء السادسة ، ولم يصل إلى هذا المقام أحد من الأنبياء ، وفيه حجة على الناس بالتصديق برسالته ، ودعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل ، وهل هو من مصاديق الصلاة والثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا الجواب نعم .
ولقد كانت لجبرئيل نزلات عديدة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها نزلتان كانتا بصورته الحقيقية وأنه بسط جناحيه وقد ستر الجانب الشرقي وسده ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول جبرئيل عليه أربعاً وعشرين ألف مرة.
واختلف في المرئي في قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى والظاهر أنه جبرئيل خصوصاً وان النزول والصعود من صفات الأجسام والمخلوقات والله منزه عن الحركة والسكون فالمعنى اللغوي للكلمة قرينة تنفي تعلق الرؤية بالباري تعالى في الإسراء وفي غيره بالإضافة إلى النصوص.
والرؤية عند سدرة المنتهى لأن الظرف يعود للرائي كما يقال: أين رأيته.
(والمنتهى) أي ذروة العلم والمعرفة التي تبلغها الخلائق فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضيله وترجيحه على غيره من الأنبياء، والوصول إلى شجرة المنتهى درجة تفضيل لا تنال إلا بفضل الله تعالى فهو إرتقاء وصعود في سلم الكمالات ، ووسام عز على جبين كل مسلم ، وعنوان فخر لكل إنسان فقد حل الصعود والإرتقاء محل الهبوط، وأصبحت الحياة على الأرض قريبة من السماء.
إن قول الله تعالى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى منع للتردد والشك والريبة فيقبول حديث المعراج ، وتوكيد على توظيف البصر والبصير ة في الإسراء .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يغش عليه كما أصاب موسى عليه السلام الصعقة، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يلتفت ولم يطلب شيئاً وراء السدرة وهو الأمر الذي يؤكده قوله تعالى وَمَا طَغَى ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تزكيته وبيان أهليته للمعراج.
تجليات المعراج
قال تعالى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى وعن ( ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسد الأفق ، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد ، فذلك قوله { وهو بالأفق الأعلى لقد رأى من آيات ربه الكبرى } قال : خلق جبريل)( ).
وجاءت الآية أعلاه بصيغة الجمع في الآيات ، وأنها الكبرى فلابد أنها متعددة وكثيرة ،ويمكن جمع عدد منها من التنزيل والسنة النبوية في المقام .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكره لحديث الإسراء من جهات :
الأولى : ليلة الإسراء وبمحضر من رؤساء قريش أو أيام وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة .
الثانية : بعد هجرته إلى المدينة .
الثالثة : ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإسراء على المنبر .
الرابعة : في تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن .
الخامسة : بلحاظ الوقائع والأحداث أو عندما يسأله بعض المسلمين أو غيرهم .
السادسة : ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإسراء والمعراج ابتدأء بحضور عدد من الصحابة .
فتلك الرؤية مقدمة وسبب لتثبيت لواء التوحيد في الأرض وعبارة عن تصديقات وشواهد تؤدي إلى صلاح الأمة.
وهي نكتة ووجه من وجوه الإسراء والمعراج يجب الوقوف عندها وإن لم يشر إليها.
سؤال الأنبياء حقيقة أم مجاز
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سؤاله الأنبياء السابقين مع أنه بينه وبين آخر الرسل وهو عيسى عليه السلام نحو ستمائة سنة ، وفيه إكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتفضيل ومعجزة له ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انفراده بتلقي الخطاب والأمر من عند الله بسؤال الأنبياء الذين بعثهم الله قبله مع الفترة ومدة إنقطاع النبوة بين آخر الأنبياء السابقين وهو عيسى عليه السلام وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي قوله تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ورد عن إبن عباس أنه: “لما أسري بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى المسجد الأقصى بعث الله له آدم وجميع المرسلين من ولده، فاذن جبريل ثم أقام فقال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة، قال له جبرئيل عليه السلام: واسأل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا أسأل لأني لست شاكاً فيه”( ).
والآية أعلاه سماوية النزول في مقابل الأرضي منه، وقال الرازي: (فهنا سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع، فكان المراد منه أنظر في هذه المسألة بعقلك وتدبر فيها بفهمك والله اعلم).
ولكن سؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأنبياء السابقين حقيقة ومعجزة بفضل من عند الله عز وجل ، ومن معاني المعجزة أنها أمر خارق للعادة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي الصلة بين الأجيال السابقة واللاحقة بشخصه الكريم وما رزقه الله عز وجل من المعجزات ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
دلائل سؤال الأنبياء
قال الرازي في معنى تأويل قوله تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ : واسأل مؤمني أهل الكتاب أي أهل التوراة والإنجيل فانهم سيخبرونك انه لم يرد في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام( ).
والجواب عليه من وجوه:
الأول: يحمل الكلام العربي على ظاهره ، ولا ينتقل إلى المجاز إلا مع القرينة او تعذر الظاهر، ووردت الآية بسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرسل والأنبياء السابقين.
الثاني: ورود النصوص التي تدل على حصول اللقاء بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء في الإسراء والمعراج ، وعليه الإجماع المترشح عن الكتاب والسنة .
الثالث: هناك قاعدة قرآنية وهي أن الآية قد يكون صدرها في شيء ووسطها في شيء وآخرها في شيء وأمر آخر.
فسؤاله صلى الله عليه وآله وسلم للأنبياء أعم من نفي الشرك، خصوصاً وأنه على يقين من ربه.
الرابع: السؤال مناسبة كريمة للإخبار عن أحوال الدنيا والحساب في عالم البرزخ.
الخامس: أراد الله عز وجل بيان منافع عظيمة من الإسراء، ومنها إخبار الأنبياء للمسلمين بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن عالم الآخرة، والمنزلة الرفيعة التي أعدّها الله لهم.
السادس: لقد بقى سؤال النبي محمد صلى إلى الأنبياء وثيقة وتراثاً عند المسلمين، وهو من المصاديق على أن المسلمين ورثة الأنبياء، وتلك منزلة لم تنلها أمة غيرهم .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إحرازه لعلوم لا تأتي إلا في السماء ، ومنها المواعظ من قصص وصبر الأنبياء ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِومن خصائصه إرتقاء أمته في سلم المعارف الإلهية .
السابع: إنه دليل على كون القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
وفيه الإخبار عن عالم السماء ، قال تعالى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ.
وبيان حال المؤمنين بعد الموت وسيلة مباركة لبعث الشوق في نفوسهم للقاء الله.
وفي الآية دلالة على تضمن الإسراء لأمور وأحكام أعم مما شاهده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوقائع والمشاهد لأن السؤال لا ينحصر بحال الإسراء بل هو أعم ويشمل الماضي والحاضر والمستقبل، وأحوال الناس والملك وغيرها.
وتدل الآية على خصيصة من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم المباركة بسؤاله وإنتفاعه من الأنبياء وما واجههم في دعوتهم إلى الله ، وتكذيب قومهم لهم ، قال تعالى إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ، وكذا الإستماع لهم في نصائحهم واقوالهم ، نعم ورد قوله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
لقد اقترح موسى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يرجع للسؤال بتخفيف الصلاة عن المسلمين لينتفعوا منهم في شؤون الدين والدنيا ، وجاء في الآية التي سبقتها، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْألُونَ.
الإرتقاء العلمي في الإسراء
من الإعجاز القرآني إحاطة كلمات القرآن بالعلوم الحديثة إخباراً أو إشارة أوتحريضاً على البحث العلمي والتحقيق، ومن الآيات ان لا ترى تعارضاً بين القرآن والتطور العلمي الحديث مع ما فيه من المخترعات السريعة المذهلة ولا ينحصر الأمر بعدم التعارض فحسب وإن كان حجة تدل على سماوية القرآن، فهناك توافق والتقاء بينهما يكون إعلاناً متجدداً.
وقد تكون آية اعجازية ترى لها ما يشبهها في بعض الجوانب في هذا الزمان ولكن من غير إعجاز بل بالتحصيل والسعي العلمي والإجتهاد لعدم إجتماع شرائط المعجزة فيها، فهي في هذا الزمان ليست أمراً خارقاً للعادة أو سالماً عن المعارضة أو مقروناً بالتحدي، ولكنه مصداق لفضل الله تعالى ، وقوله تعالى عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، والكبرى الكلية وهي ان الله عز وجل إذا أنزل نعمة فإنه أكرم من أن يرفعها، فتأتي النعمة معجزة وكرامة، ثم يأتي المدد والإعانة الإلهية وما حصل عند الناس من علم مع بقاء المعجزة على حالها لإختلاف الموضوع وتبعية الحكم للموضوع قهراً.
فمن فضل الله تعالى على مريم عليها السلام إحضار فاكهة الصيف لها في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، كما قال تعالى كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
فجاءت الآن الزراعة المغطاة والنقل السريع للفاكهة والخضر والاستمطار الصناعي لزيادة هطول الأمطار ودفع الجفاف ، ووسائل الخزن والتجميد الحديثة كفضل نوعي على الناس يستحق الشكر لله تعالى.
والكل يعلم انه ليس بمعجزة ولم يؤثر على أصل المعجزة لمريم عليها السلام.
ولم يرق إلى معشارها فان حديث الإسراء معجزة أراد الله عز وجل أن يحصل الناس على شطر منها بالعلم والتحصيل من غير ان يؤثر على أصل الإعجاز في الإسراء، وهو حجة دائمة تحول دون غرور الإنسان وزهوه فالعلوم الآن تنتقل بسرعة وترتقي في الفضاء ، وعالم السماء الدنيا ولا يزداد الناس معها إلا إقراراً بالتوحيد والرسالات.
وهذا من الإعجاز المتجدد للقرآن وللآيات التي رزق الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من الإسراء والعروج به في السماء ، قال تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى.

قانون الوحي دليل النبوة
الوحي مصدر التكاليف والشرائع، وبه تعرف النبوة ، وقيل لولاه لانقطعت أخبار السماء، أقول : أنه نوع طريق للتبليغ والله واسع كريم , فاذا لم يكن الوحي فإن الله تعالى يختار أنبياءه، ويبلغ الأحكام للناس بكيفيات متعددة ، قال تعالى [قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا] ( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنقطاع الوحي عن أهل الأرض بموته ، وانتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فبعد أن أوحى الله عز وجل إلى مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً من الأنبياء ابتداء من آدم عليه السلام توقف وانقطع الوحي حتى يوم القيامة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاء القرآن وكأنه وحي للمسلمين والناس جميعاً ليتزودوا منه لأمور الدنيا والآخرة .
وقد ورد بصيغة الجمع لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ مع أن نزول القرآن خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سور القرآن التي أنزلت إليه تم تبليغها كاملة إلى المسلمين وأجيالهم المتعاقبة ، وفيه شاهد على سلامة القرآن من التحريف ومن الزيادة والنقصان .
قال الإمام علي عليه السلام وهو يلي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيزه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنبياء وأخبار السماء( ).
حرمة الإحتكار والخمر
الإحتكار هو حبس الطعام إنتظاراً به الغلاء مع حاجة الناس له وهو حرام، ويتحقق الإحتكار في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن وما يحتاج إليه الناس من الطعام.
ولو كان هناك طعام غير هذه الخمسة يحتاج إليه الناس عرفاً فتشمله أدلة الإحتكار، كما في بعض البلدان يكون الغذاء الرئيسي فيها الرز أو الذرة ونحوها.
وفي الخبر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل قال: اطلعت في النار فرأيت وادياً في جهنم يغلي فقلت: يا مالك لمن هذا؟ فقال لثلاثة: المحتكرين، والمدمنين الخمر، والقوادين( ).
والظاهر ان هذه الرؤية غير رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنار في الإسراء إنما إخبار من جبرئيل لحالة موجودة لذا ترى الشريعة تؤكد على حرمة كل واحدة من هذه الثلاثة.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخبار الملائكة له عن أحوال الناس يوم القيامة ، وهو من مصاديق إتصافه بالبشارة والإنذار ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إشاعة الأمن الغذائي ، وقدرة عامة الناس على الحصول على التغذية الكافية خاصة عند حال الجدب والجوع والنكبات .
وقد أختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأحكام زاجرة عن شرب الخمر ، وبيان اضراره ، وقد قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .
ووردت النصوص المتواترة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يفيد حرمة الخمر واللعنة على شاربها.
و(عن جابر بن عبدالله أن رجلاً قدم من اليمن ، فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر؟
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يسكر هو؟
قالوا : نعم .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كل مسكر حرام ، إن الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال .
قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال؟
قال : عرق أهل النار ، أو عصارة أهل النار)( ).
ومن خصائص محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكره المحرمات على نحو التفصيل ، تلك التي تتنافى والأخلاق الحميدة ، ومن المحرمات القيادة بين ذكر وأنثى على الفجور والزنا ، وما يكتسب من المال بسببها سحت ، وهو من التعاون على الإثم والعدوان ، وهو فاحشة ومقدمة للفواحش ، قال تعالى وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا.
والمحتكر يجبر من قبل الحاكم على البيع، ولا يعين له السعر، بل يكفي إخراج بضاعته إلى السوق وله ان يبيع بما شاء، نعم لو أجحف يجبر على تخفيض السعر من دون تسعير عليه.
ويصدق عنوان الإحتكار في الخصب بمرور أربعين يوماً على حاجة الناس للطعام مع وجوده عند المحتكر، أما في الشدة والغلاء فثلاثة أيام، وقد تختلف المدة بحسب الحاجة فتكون في مراتب القحط والإبتلاء ساعات معدودات.
وقد جاءت الأخبار بالنهي عن الإحتكار، وبذل أولو الأمر وأهل الحل والعقد في العالم الإسلامي الوسع في الحد منه واجتناب مقدماته.
النهي عن صوم الصمت
من علامات الحقيقة التبادر ، وعليه الإجماع وهو أظهر علاماتها إذا انسبق المعنى إلى الذهن من اللفظ حال النطق به .
لأن المجاز يتخلف رتبة عن الحقيقة، فلا يتبادر إلى الذهن إلا بالعلاقة بين الحقيقة والمجاز والقرينة الصارفة إلى المجاز ، بالإضافة إلى الإطراد ، وهو صحة إستعمال اللفظ في المعنى المشكوك كونه حقيقة بجميع أفراده ومصاديقه الطولية المتكثرة في الخارج، فلو شككنا في فرد من أفراد الصيام هل هو صيام فإذا كان شاملاً للإمساك ساعات النهار من جميع المفطرات مع النية والقصد فهو صيام.
أما إذا جعل السكوت عن الكلام أو الصيام إلى الزوال صياماً، فانه فرد مشكوك ولا يصدق على جميع أفراده العرضية والطولية فهو يطلق عليه صيام من باب المجاز.
وقد ورد في مريم ابنة عمران عليها السلام، قوله تعالى[إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا] ( )، وفيه معنيان:
الأول: إرادة الصمت والإمساك عن الكلام.
وفي مصحف عبد الله بن مسعود صمتاً بدل صوماً.
الثاني: المراد الصيام عن الأكل والشرب ، إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم.
(وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم الصمت لأنه نسخ في أمته) ( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التخفيف عن أجيال المسلمين بخصوص أنواع عبادات الأمم السابقة ، إذ أكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حصر القرآن وجوب الصيام بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع في شهر رمضان دون غيره من أيام السنة ، قال تعالى وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.
وإنتفاء أي نوع آخر من أنواع الصيام ، ومنه صيام الصمت ، والذي يسمى أيضاً صوم السكون بان لا يتحدث الصائم اثناء ساعات النهار ، أو شطر منه تقرباً إلى الله عز وجل ، وإجماع علماء الإسلام على حرمة صوم الصمت .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نسخ بعض السنن التي في الملل السابقة ، وبما فيه التخفيف عن المسلمين وعن أهل الكتاب ، وهو من مصاديق صيغة العموم في قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
إياك والقوارير
من خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن سنته القولية والعملية مدرسة وكذا أمثاله في الاستعارة والكناية ، ومن خصائصه حاجة أرباب الفن والعلم إلى القرآن والسنة النبوية كقولـه صلى الله عليه وآله وسلم في النساء : إياك والقوارير.
وعن (أنس بن مالك يقول : كان البراء بن مالك رجلا حسن الصوت ، فكان يرجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، فبينما هو يرجز إذ قارب النساء ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياك والقوارير)( ).
كره النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماع النساء صوته ، فقد يكون مادة للإفتتان.
والقوارير جمع قارورة وهي وعاء من زجاج تحفظ فيه السوائل ، وفي بلقيس ملكة اليمن حين قدومها على سليمان ، قال تعالى قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ.
وترمز القارورة للمرأة لضعف خاطرها ، وإنكسارها وسرعة تأثرها.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (إن المرأة خلقت من ضلع ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها)( ).
شهادة العقل على تحقق الإسراء
لقد جعل الله عز وجل العقل رسولاً دائماً ، وهو يلح بقبول الإسراء بالجسد للكبرى، وهي أن القرآن كتاب نازل من عند الله تعالى وأنه حق، والصغرى وهي أن القرآن جاء بالإسراء ببيان واضح يدل في الظاهر على حصوله بالجسد بالإضافة الى النصوص التي تدل ضمن سياقها ومضامينها على حصوله بالجسد والتقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء الآخرين ، قال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.
واستدل بعضهم في موضوع الإسراء وانه بالروح باستبعاد وصعود الجسم الكثيف وأن صعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجسمه ممتنع عقلاً، ويناقش من وجوه:
الأول : الملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل، وإذ كانت هذه الملازمة مأخوذة من دليل عقلي فهي ملازمة عقلية، وفي علم الأصول مباحث مستقلة لها تثبت الكبريات العقلية التي ترد في مقدمات الحكم الشرعي وإثباته.
الثاني : العقل لا يمتنع عن قبول صعود الجسم الكثيف لأن الصعود والإسراء لم يحصل بالأسباب العادية بل بالإعجاز والمعجزة هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم من المعارضة، فمن خصائص النبي محمد صلى الله وعليه وآله وسلم الشريف أن الإسراء ببدنه وروحه معجزة تدخل ضمن التصديق العقلي، وليس للعقل إلا التسليم بالتنزيل، وهذا التسليم من التكليف، ومن الشكر لله على نعمة العقل والإسراء ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
الثالث : أظهر الارتقاء العلمي في هذا الزمان إمكان صعود الجسم الكثيف في الفضاء وانه غير ممتنع عقلاً مع تحقق أسبابه المادية.
وبذا يكون التطور التقني عوناً على إثبات الحقائق القرآنية ، وفضحاً لأولئك الذين أشكلوا على علوم القرآن، وهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآني، وهذه الحقائق مقدمة وطريق يفتح آفاق العلم، وتتمثل صيغ الإشكال التي ذكرها بعضهم بثلاثة وجوه:
الأول : صعود الجرم الثقيل إلى السماوات غير معقول.
الثاني : الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة.
الثالث : الصعود إلى السماوات يوجب انخراق الأفلاك.
وبالنسبة للأول والثاني فان العلم الحديث هو أدنى بمراتب من الإعجاز أمس واليوم وغداً ، وموضوع مستقل يختلف عن الإعجاز الذي له مميزات خارقة لعقول البشر ويأتي بلحاظ العلم الحديث أيضاً فقد صعدت الطائرات والمركبات الفضائية في عالم السماء.
إن صعود أهل العلوم الحديثة في طبقات السماء وإلى الكواكب لا يصل بهم الا حيث يأذن الله، إذ يتوقف العلم وقدرة البشر عن حل مخصوص بخلاف إرتقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السماوات العلى .
أما الثالث فان السماء والكواكب مخلوقات مستجيبة لأمر الله تعالى ، وفي التنزيل ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
إسراء سليمان
لقد سخّر الله عز وجل لسليمان الرياح لتنقله إلى الأماكن البعيدة في ساعات قليلة ، وعندما تشتد تنتقل به إلى حيث يريد في لحظات معدودات .
ولقد أحضر وزيره آصف بن برخيا بما آتاه الله من علم عرش ملكة سبأ من اليمن إلى بلاد الشام بأقل من لمح البصر سواء بطي الأرض او بخسف الأرض بينه وبين سرير بلقيس فتناوله بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين كما في الخبر، أو أنه مد بصره ثم مد يده فاذا هو ممثل بين يديه وقال بيده هكذا فاذا هو بعرش أميرة سبأ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي… .
ولم يكن سليمان يعجز عن إحضاره بنفسه وبدون الإستعانة بآصف وغيره، ولكنه أراد أن يري جنوده العلوم التي عند آصف لكي يدركوا أنه الحجة من بعده لتبقى كلمة التوحيد وسيادتها، ولمنع الفرقة والإنشقاق كما بيّن داود امامة سليمان لبني إسرائيل.
ولم يكن عند آصف الا حرفاً واحداً من الاسم الأعظم فتكلم به وأحضر العرش.
وعند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اثنان وسبعون حرفاً منه، وتجد شواهد هذا في القرآن فالآية الكريمة تقول قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ بينما قال تعالى في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، وفي بعض الروايات انه الإمام علي عليه السلام.
لقد تولى سليمان الحكم في بني إسرائيل بعد وفاة داود عليه السلام ، وقيل كان عمره حينئذ ثلاث عشرة سنة ، وآتاه الله النبوة والملك ، وسخر الله له الإنس والجن والطير والشياطين والريح ، قال تعالى وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ.
إذ كان يأمر الريح فتتوجه إلى إحدى الجهات الأربعة بأمره ، وصاحبته هذه المعجزة مدة حياته .
وقد خصّ الله عز وجل النبي محمداً بالوحي الذي صاحبه مدة أيام نبوته ، ونزول آيات القرآن وطاعة أهل البيت والصحابة وأجيال المسلمين المتعاقبة له ، قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.
واختص النبي محمد بالإسراء والمعراج في طبقات السماوات واللقاء بالأنبياء السابقين .
ويشير القرآن إلى معراج مستمر للسيد المسيح وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، وتقول المسيحية بقيامة المسيح بعد مضي ثلاثة أيام على وفاته كما في إنجيل مرقص وإنجيل لوقا.
اليوم في القرآن
ورد لفظ يوم في القرآن (472) مرة بما يدل على فرد من أفراد الزمان منها ما يخص الحياة الدنيا ، ومنها ما يخص الآخرة منها .
 يوم الفرقان ، الذي نزل بخصوص معركة بدر ، قال تعالى يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ، وفيه إكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشهادة من الله على دفاعه وأصحابه عن بيضة الإسلام.
 يوم الحج الأكبر ، وهو العاشر من شهر ذي الحجة ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضبطه وأمته أداء الشعائر المكانية والزمانية والفعلية الخاصة بيوم الحج الأكبر ومناسك الحج إلى يوم القيامة .
 يوم الزينة وهو عيد يجتمع فيه فرعون وقومه آل فرعون .
 يوم الظلة ، قال تعالى فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إذ اجتهد النبي شعيب عليه السلام في دعوة قومه إلى عبادة الله وحده وإنذارهم من سوء عاقبة المعاصي من نقصهم المكيال والميزان ، وقطع الطريق على الناس ، وإصرارهم على الكفر والجحود ، فنزل بهم عذاب يوم الظلة ، والظلة سحابة أظلتهم فلما تغشتهم صارت عليهم ناراً فأهلكتهم ، إذ أزهقت أرواحهم برجفة وصيحة أخرجت القلوب من ضاجرها فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ.
لبيان أن من خصائص النبي محمد رحمة الله عز وجل بالناس ببعثته إذ أمهل الله عز وجل قريشاً مع شدة عتوهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه مع محاربة المشركين له ، فانه كان يدعو الله لهدايتهم ، وفيه صرف للعذاب عنهم ، إلى أن تم فتح مكة ، فلم يتخلف عن دخول الإسلام إلا أفراد قلائل ضاقت بهم السبل .
 يوم الفتح ، قال تعالى قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ، ومن معانيه يوم فتح مكة ، ويوم القيامة لإنذار الذين كفروا من العذاب في النشأتين.
ويطلق يوم الفتح على فتح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة ، لبيان ما خصه الله عز وجل من الفتح ، وقهر الشرك ، وهدم الأصنام إلى يوم القيامة إذ دخل مكة ومعه عشرة آلاف من أصحابه لتبدأ صفحة ايمان مشرقة في حياة الإنسانية .
 يوم الوقت المعلوم .
 يوم الأحزاب.
 يوم التناد .
 يوم الجمعة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرام الله عز وجل له ولأمته بيوم الجمعة ، وجعله عيداً لهم ، ومناسبة لصلاة مخصوصة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ولم يذكر أحد أيام الأسبوع بصفة يوم إلا (يوم الجمعة) نعم ذكر السبت خمس مرات من غير أن يضاف له لفظ يوم ، وورد أكثرها بصيغة اللوم والإنذار للذين اعتدوا في السبت ، قال تعالى وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا.
 يوم التقى الجمعان ، وهو يوم معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وكذا يوم معركة أحد في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملاقاته أشد الأذى من المشركين بقتاله في الميدان.
ولم تذكر الآية النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص إنما ذكرت الجمعين ، جمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وجمع المشركين للثناء على أهل البيت والصحابة الذين قاتلوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولتوثيق فرار عدد من الصحابة من الميدان يوم معركة أحد ، مع عفو الله عز وجل عنهم برحمته وحلمه ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثباته في الميدان ، وإتعاظ أصحابه من ثباته في معركة أحد ، ليصبروا في المعارك الدفاعية اللاحقة ومنها معركة حنين حيث فاجأت جيوش هوازن وثقيف المسلمين في الوادي عند خروجهم من مكة بعد الفتح.
فانهزمت الطلائع الأولى للمسلمين ، وأنكشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن خصائصه سلامته من القتل حتى مع إنكشافه للمشركين مع قلة من أهل البيت والصحابة إلى أن عاد أكثرهم ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الآن حمى الوطيس)( ). والوطيس شدة المجادلة والمسايفة ، كأنه مثل شدة لهيب النار .
 يوم عصيب .
 أيام معلومات ، قال تعالى لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ.
اليوم بمعنى الحين
يأتي اليوم بمعنى (الحين)والأوان كما في قوله تعالى وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.
ومنه وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ.
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ.
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ.
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ.
لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ.
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.
وأكثر ذكر يوم في القرآن ورود مضافاً إلى القيامة (يوم القيامة) إذ ورد سبعين مرة في القرآن ، وسميت باسم (القيامة) سورة من القرآن هي سورة القيامة التي تبدأ بقوله لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ.
ثم وروده بالإضافة إلى ذات المعنى ولكن بالفاظ أخرى مثل : يوم الدين ، يوم الحسرة ، يوم البعث كما في قوله تعالى لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
ويوم الفصل ، يوم الحساب ، اليوم الآخر .
رؤيا النبي من شواهد القرآن
ومن مصاديق وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وجوه :
الأول : قانون رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شعبة من الوحي.
الثاني : تأويل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرؤياه والإتعاظ منه.
الثالث : تأويل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرؤى المسلمين والمسلمات ، لذا كان يحرص على سؤال أصحابه بعد صلاة الصبح هل رأى أحد منهم رؤيا .
وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترغيب المسلمين بذكر الرؤيا وتعبيرها.
وفي الرؤيا الصادقة وجوه :
الأول : إنها من مصاديق قوله تعالى بخصوص آدم وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، مع موضوعية الروح في خلق الناس كافة .
الثاني : إنها نعمة من علم الغيب ، ليكون من معاني قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، في باب الرؤيا مسائل :
الأولى : عجز الخلائق عن إحصاء الرؤى التي رآها ويراها الناس.
الثانية : لا يميز ويفصل في إحصاء الرؤى الصادقة عن غيرها إلا الله عز وجل.
الثالثة : ذات عالم الرؤيا نعمة عظيمة تستلزم الشكر من العباد ، ليكون من معاني قوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، الزيادة في رؤيا البشارة والإنذار والهداية الخاصة والعامة للعمل بمضامينها ، والتوقي من شرور رؤيا الإنذار.
الثالث : الرؤيا الصادقة آية في بديع خلق الإنسان.
الرابع : بيان بأن حال نوم الإنسان ليس سكوناً تاماً ، إنما فيه البشارة والإنذار.
الخامس : النوم مناسبة للاحتراز والتوبة والسعي والكسب ومنع اليأس والقنوط ، قال تعالى وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.
لماذا يقوم النبي (ص) بتأويل رؤياه
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا الوحي ، إذ تأتي رؤياه كفلق الصبح في المطابقة بين الرؤيا وحدوث مصداقها في الواقع ، وحينما يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤياه فانه يقوم بتأويلها بنفسه ، وفيه وجوه :
الأول : بيان معاني الوحي .
الثاني : منع الإختلاف في تأويل رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : عدم تضييع نعمة رؤيا الوحي .
الرابع : التأكيد على الشأن الرفيع لرؤيا الوحي .
الخامس : الإنتفاع العام الأمثل من رؤيا الوحي .
السادس : تنمية ملكة العناية بالرؤيا الصادقة عند المسلمين .
السابع : فقاهة وفهم المسلمين لرموز الرؤيا.
الثامن : دعوة الناس للجوء للعالم والفقيه في تأويل الرؤيا .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رآي يوماً (أَنّهُ وَأَصْحَابَهُ فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ فَأُتُوا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابَ فَأَوّلَهُ بِأَنّ لَهُمْ الرّفْعَةَ فِي الدّنْيَا ، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَأَنّ الدّينَ الّذِي قَدْ اخْتَارَهُ اللّهُ لَهُمْ قَدْ أُرْطِبَ وَطَابَ)( ).
لقد كانت الرؤيا التي يراها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي وهو من خصائص رسالته ، ولكن ليس كل رؤيا يراها النبي وحياً فقد تكون رؤيا صالحة وهي مع حسنها أدنى مرتبة من الوحي .
وقد تأتي رؤيا البشارة ، ورؤيا الإنذار ، فيقوم بتأويلها فينتفع منها المسلمون في أجيالهم المتعاقبة ، ليبقى علم الرؤيا ثروة بأيديهم ، تترشح منافعها على الناس جميعاً وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
لقد بدأت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرؤيا، فلا يرى رؤيا إلا وجاءت كفلق الصبح ، والنسبة بينها وبين الرؤيا الصادقة عموم وخصوص مطلق ، فالرؤيا الصادقة أعم.
ويمكن أن نطلق عليها اسم رؤيا النبوة ، فمن خصائص النبي محمد أنه يلتقي مع الناس بالرؤيا الصادقة وأضغاث الأحلام ، ولكنه يمتاز عليهم برؤيا النبوة .
وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بهذا المائز الذي هو من مختصاته ، الجواب نعم ، وهو مقدمة للوحي في اليقظة .
قانون التعبير من السنة النبوية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام في تأويل الرؤيا ، والمختار أن تأويله للرؤيا بالوحي وليس عن اجتهاد وتحليل لرموز الرؤيا ، لذا ففي انتقاله إلى الرفيق الأعلى فقد قانون علم تأويل الرؤيا بالوحي ، ولكنه بقي مدرسة بالشواهد التي خلفها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من سنته لذا كان يلتفت لأصحابه بعد صلاة الصبح ، ويسألهم عن رؤاهم .
و(عن عبادة بن الصامت قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قال : هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له)( ).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال (أصْدقُكم رُؤيَا ، أصدقكُمْ حَديثاً)( ).
لبيان الجزاء العاجل على صدق الحديث ، فالذي يصدق في حديثه ويتجنب الكذب والإفتراء يكرمه الله في الدنيا بالرؤيا الصادقة ذات الدلالات والمعاني وهو من مصاديق قوله تعالى رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
فمن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لمدة مديدة اذا ما انتهى من صلاة الصبح التفت الى أصحابه قائلاً: هل من مبشرات وذلك لترسيخ أهمية الرؤيا والانتفاع بها وبتأويلها.
وكانت تلك التربية والتأديب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم طريقة علاجية نفسية من الاسناد الجماعي مثل تلك التي افرزتها التجارب والدراسات من طرق علاج جماعية حديثة مثل (جماعة التلاقي).
وتمضي ايام يسأل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه صباح كل يوم منها هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا فيقصوا رؤاهم عليه فيعبرها لهم ثم سألهم أياماً فلم يقص عليه أحد منهم رؤيا، فقال كيف ترون وفي أظفاركم الرفغ( ).
وذلك ان أظفارهم قد طالت وتعلق بها درن ووسخ ما يحك من مواضعه في البدن كما ان تقليمها من الفطرة لبيان وجوب توفر عناصر ومقدمات الرؤيا التي تبدو سهلة وضرورية عند اجراء دراسة وعرض لمنافع الرؤيا واشاراتها.
وفي سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاصحابه عن رؤاهم مسائل:
الأولى : إنها مدرسة تأديبية .
الثانية : إنها سنة نبوية ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * أن هُوَ الا وَحْيٌ يُوحَى، وسنة كريمة.
الثالثة : فيها تنبيه على موضوعية الرؤيا .
الرابعة : لزوم العناية العامة بالرؤيا وتلمس تأويلها .
الخامسة : التدبر بما في البشارة والإنذار ، فقد تكون هي او تأويلها او هما معاً سبباً للهداية والرشاد والنفع الخاص أو العام .
السادسة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة العلماء للإنصات لمسائل ورؤى الناس من غير ضجر وملل ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه قالوا بلى يا رسول الله فقال من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يأمنهم من مكر الله ولم يؤيسهم من روح الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم الإكتفاء بسؤال الصحابة عن رؤاهم ، إنما كان يقوم بتعبيرها وتأويلها ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الجواب نعم.
مقدمات الرسالة
تتعدد البشارة بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة الماهية والأثر وتسخير الأسباب لنصرة النبوة، ومن لطف الله عز وجل في خصائص النبي محمد في باب مقدمات النبوة أمور :
الأول : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من حين ولادته وحضانته في أيام قحط وجدب إذ ازدهرت ربوع بني سعد حينما حلّ رضيعاَ بين ظهرانيهم.
الثاني : سلامة النسب ، وشرف ورفعة البيت الذي ينتمي إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين العرب عامة وقريش خاصة.
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير العرب مضر ، وخير مضر بنو عبد مناف ، وخير بني عبد مناف بنو هاشم ، وخير بنو هاشم بنو عبد المطلب ، والله ما افترق شعبتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما .
وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أنس قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما ، فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم ، حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً)( ).
الثالث : بداية نزول الوحي بجوار البيت الحرام الذي ، قال فيه الله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ.
ليكون من خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته بركة ونماء لأهل الأرض وأموالهم وحسن سمتهم وسبب للهداية، ونزول شآبيب الرحمة عليهم.
الرابع : من خصائص محمد صلى الله عليه وآله وسلم اصغاء الناس له في دعوته إلى الله لما فيها من التدبر في ماهية الدعوة وما يعضدها من المعجزات.
والنسبة بين الإصغاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين دخول الإسلام عموم وخصوص مطلق ، فالإصغاء أعم ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استماع المسلم والكتابي ، والكافر لآيات القرآن ، ودعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام .
ليزداد المسلم إيماناً ، ويدرك الكتابي موافقة دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرسالات الأنبياء السابقين والذين جاءوا بالبشارة به .
أما الكافر فانه باصغائه واستماعه لرسول الله إما أن يهتدي أو يقوم بنقل ما سمعه من النبي لغيره فينتفع منه .

قانون الحاجة العامة للرسالة الخاتمة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته لطف ورحمة من عند الله بالناس ، فحينما عبد رجالات قريش الأصنام لم ينتقم منهم الله ، ولم ينزل عليهم العذاب كما في أمم سابقة مثل قوم صالح وقوم لوط بعد إنذار الأنبياء لهم ، وفي قوم عاد في الأحقاف بعث الله عز وجل عليهم ريحاً عاتية تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : تفضل الله عز وجل بتهيئة مقدمات رسالته .
الثانية : إزاحة الله عز وجل الموانع دون وصول آيات القرآن للناس عامة.
الثالثة : تجلي حاجة الناس لرسالته.
الرابعة : ظهور علامات كونية واجتماعية تدل على حلول وقتها.
وهو من خصائص بعثته صلى الله عليه وآله وسلم ، وأسباب ميل الناس إلى التصديق بالمعجزات التي جاء بها ، ومن هذه المقدمات :
الأول : حاجة أهل مكة والناس إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
الثاني : الإنحراف والتبديل والتشويه الذي طرأ على الحنيفية الإبراهمية.
الثالث : امتناع وعزوف العرب عن الديانة اليهودية والنصرانية خصوصاً وأنهما جاءتا في بني إسرائيل .
الرابع : طرو التحريف من قبل المشركين على مناسك الحج التي جاء بها إبراهيم عليه السلام .
وقد أبى الله عز وجل إلا أن تبقى سالمة إلى يوم القيامة وشاء الله أن تنحصر هذه السلامة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وترشح المنافع العامة من رسالته المباركة ، قال تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان عقيدة التوحيد والأحكام الشرعية بما منع سلطان الاختلاف بين أهل الملل والنحل على النفوس ، كما في قوله تعالى وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.
ومن خصائصه شيوع بشارات الأنبياء السابقين ، والكتب السابقة برسالته ومصداق هذه البشارات بحلول أوانها.
بشارة ولادة الحسين (ع)
قال تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
(عن جابر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ قال : ما سألني عنها أحد : هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، وفي الآخرة الجنة)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحياناً يسأل أصحابه بعد صلاة الصبح هل رآى أحد منكم من رؤيا ، ليبادر إلى تأويل الرؤيا في جزء من رسالته وهو المبعوث رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
لتنمية ملكة العناية بالرؤيا والإنتفاع من تأويلها بشارة كانت أو إنذاراً لتكون عنايته بالرؤيا تعبيراً وتفسيراً وترجمة لنزول آيات قرآنية خاصة بالرؤيا ابتداء من رؤيا إبراهيم بذبح ابنه لولا صرف الله عز وجل الذبح بفداء بكبش ، قال تعالى وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، أي خروف كبير .
وعدد الرؤى في القرآن سبعة ، وأفردت لإحصائها باباً في الجزء الثاني من كتابي الموسوم (فلسفة الرؤيا في الإسلام) وذكرت آيات عديدة أخرى تتصل بها بخصوص تأويلها وأثرها ونفعها .
ومن آخر ما كتبت في الكتاب أعلاه :
الأول : قانون الرؤيا الصادقة شعبة من الخلافة في الأرض .
الثاني : قانون الرؤيا الصادقة من نفخ الروح في آدم .
وجاءت أم الفضل بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالت : رأيت رؤيا أعظمها أن أذكرها لك ، أي أن الرؤيا هالتها وأفزعتها وخشيت من روايتها للنبي كيلا تحزنه .
فقال : اذكريها ، لبيان عدم إخفاء الرؤيا ذات الإعتبار والإتعاظ ، وللدلالة على دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى عدم التفريط بالرؤيا سواء كانت رؤيا بشارة أو إنذار ، ولامكان الدعاء لمحو مصداق الإنذار ، وإن كان ظاهر كلام أم الفضل أنها رؤيا إنذار .
فقالت رأيت كأن بضعة منك قطعت فوضعت في حِجري.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن فاطمة حبلى تلد غلاماً أسميه حسيناً وتضعيه في حجرك.
ليكون هذا التأويل ، وتحديد جنس المولود من الوحي ، وهذه النعمة الخاصة ببيت النبوة صارت عامة للناس في هذا الزمان بالإرتقاء الطبي وكشف المختبر والسونار في هذا الزمان ، لأن الله عز وجل إذا أنعم على أهل الأرض بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها .
ولبيان البون الشاسع بين خشية أم الفضل من الرؤيا وبين تأويل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها وهو من قانون انقياد تفسير الرؤيا بالضد للوحي ، ليشرق على الأرض نور ولادة الحسين في الثالث من شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة ، وشاء الله أن يشع بريق صبره وجهاده ما بين المشرق والمغرب .
قالت أم الفضل : فولدت فاطمة حسيناً فكان في حجري أربيه .
وهكذا ساهم تأويل الرؤيا في ترسيخ الإيمان وتوكيد صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجمعه وحيازته للعلوم والمعارف والكمالات بقسميها الكسبي والهبة فضلاً من الله ورحمة وحجة ودعوة للايمان.
وقالت أم الفضل (فدخلت به يوما على النبي فوضعته في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله تهرقان بالدموع ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لك ، قال : أتاني جبرئيل فأخبرني أن أمتي تقتل ابني هذا وأتاني بتربة حمراء من تربته)( ).
وقالت أم الفضل (فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي يوماً وحسين معي فأخذه يلاعبه ساعة ثم ذرفت عيناه فقلت ما يبكيك قال هذا جبريل يخبرني أن أمتي تقتل ابني هذا)( ).
عن أم سلمة قالت : بينا رسول الله ذات يوم جالسا والحسين جالس في حجره إذ هملت عيناه بالدموع ، فقلت له يا رسول الله ما لي أراك تبكي جعلت فداك ؟ قال: جاءني جبرئيل فعزاني بابني الحسين وأخبرني أن طائفة من أمتي تقتله، لا أنالها الله شفاعتي.
قانون النجاة من القتل بالمعجزة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجاته من محاولات الاغتيال والقتل مع اجتماع مقدماته ، لبيان معجزة حسية متعددة له ، لأن هذه النجاة والسلامة من القتل تمت بالمعجزة.
ومن خصائصه دخول الذي يريد قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام من ساعته ، ومن خصائص النبي محمد قبول إسلامه ، وأمره إلى أصحابه بتعليمه أحكام الإسلام مع التفقه في الدين وتلاوة آيات القرآن.
ولما جاء عمير بن وهب من مكة بعد معركة بدر بقصد قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسيف مسموم بتحريض من صفوان بن أمية.
وعمير بن وهب من شياطين قريش ، اشترك هو وابنه بمعركة بدر ، ووقع ابنه في الأسر بيد المسلمين فلما دخل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة أخبره النبي محمد وبالوحي بما اتفق عليه هو وصفوان من أرادة قتله .
فقال عمير (أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ قَدْ كُنّا يَا رَسُولَ اللّهِ نُكَذّبُك بِمَا كُنْت تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السّمَاءِ وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْك مِنْ الْوَحْيِ وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلّا أَنَا وَصَفْوَانُ فَوَاَللّهِ إنّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاك بِهِ إلّا اللّهُ.
فَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ ثُمّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ . وَأَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ فَفَعَلُوا)( ).
وفي معركة أحد أقبل أبي بن خلف وهو من رؤساء قريش مقنعاً بالحديد نحو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو (لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا مُحَمّدٌ وَكَانَ حَلَفَ بِمَكّةَ أَنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَقُتِلَ مُصْعَبٌ وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ تَرْقُوَةَ أُبَيّ بْنِ خَلَفٍ مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ الدّرْعِ وَالْبَيْضَةِ فَطَعَنَهُ بِحَرْبَتِهِ فَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ فَاحْتَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَهُوَ يَخُورُ خُوَارَ الثّوْرِ .
فَقَالُوا : مَا أَجْزَعَك ؟ إنّمَا هُوَ خَدْشٌ فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى فَمَاتَ بِرَابِغٍ .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنّي لَأَسِيرُ بِبَطْنِ رَابِغٍ بَعْدَ هُوَيّ مِنْ اللّيْلِ إذَا نَارٌ تَأَجّجُ لِي فَيَمّمْتهَا وَإِذَا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُهَا يَصِيحُ الْعَطَشَ وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لَا تَسْقِهِ هَذَا قَتِيلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ هَذَا أُبَيّ بْنُ خَلَف)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي الشواهد من عذاب البرزخ للذي آذى وحارب النبي محمداً وسعى في قتله ، إذ ظهرت آية للناس .
وأبي بن خلف الجمحي من رؤساء قريش ، ومن أكثر الكفار إيذاءً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان من الرهط الذين أرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة الهجرة .
وعن ابن عباس أن أبي بن خلف قال (والله لا قتلن محمداً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : بل أنا أقتله إن شاء الله . فافزعه ذلك فوقعت في نفسه لأنهم لم يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال قولاً إلا كان حقاً ، فلما كان يوم أحد خرج مع المشركين ، فجعل يلتمس غفلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليحمل عليه .
فيحول رجل من المسلمين بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبينه . فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه : خلفوا عنه فأخذ الحربة فرماه بها ، فوقعت ترقوته .
فلم يخرج منه كبير دم واحتقن الدم في جوفه ، فخار كما يخور الثور فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور وقالوا : ما هذا فوالله ما بك إلا خدش فقال : والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال : أنا أقتله ، والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم .
قال : فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى مات إلى النار ، وأنزل الله فيه وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ إلى قوله وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ))( ).
ولم يقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيده أحد غيره ، ولم يقتله إلا دفاعاً عن النفس بعد أن أصر على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يضربه بالسيف ، إنما خدشه خدشة ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى .
أم أن القدر المتيقن من الآية أعلاه هو الرمي بالحصى والسهام ، الجواب هو الأول .
وعن سعيد بن المسيب أنه في قتل أبي بن خلف نزلت الآية أعلاه ، ولكن المشهور والمختار نزول الآية أعلاه في معركة بدر وانبساط نفعها على معارك الإسلام الأولى .
البرزخ في السنة النبوية
قد تنكشف صورة وفرد من عذاب البرزخ لبعض الصحابة ، وأهل البيت والأتقياء ، ليكون موعظة وعبرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ نعم قد تنكشف لغيرهم أيضاً بفضل من الله عز وجل لأنه سبحانه جعل الدنيا دار الموعظة ، والعبرة ، والبشارة ، والإنذار.
وقد نزلت آيات القرآن ببيان عذاب البرزخ منها قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
وعالم البرزخ هو مدة بقاء الناس في القبر إلى حين النفخ في الصور والبعث من القبر ، قال تعالى يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا، قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اكثاره من الإستعاذة من عذاب القبر وتذكير الناس بأنه حق .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات .
اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم فقال قائل ما أكثر ما تستعيذ من المغرم قال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف)( ).
وكما أن هناك عذاباً للكافر في البرزخ ففيه ثواب للمؤمن إذ يكون قبره روضة من رياض الجنة .
وقد تتبين أحوال الناس في عالم البرزخ في عالم الرؤيا ، وفيه شواهد كثيرة ، خاصة لذوي القربى والمعارف الذين فارقوا حديثاً .
قانون الوحي معجزة
من خصائص الوحي أنه سور جامع في باب المعجزة للأنبياء جميعاً ، فكل نبي يأتيه الوحي من عند الله، نعم الوحي من الكلي المشكك في كيفيته وكمه ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملازمة الوحي له من جهات :
الأولى : مجئ الملك جبرئيل بالتنزيل وآيات القرآن .
الثانية : يأتي الملك بالسنة النبوية
الثالثة : الوحي بوسائط وفيض ولطف من عند الله ، وفي التنزيل وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
وكانت معجــزات الأنبياء السابقين حسية آمن بها الذي حضرهــا وشاهدهـا ، والذين تلقوها منهم .
أما معجزة القرآن فهي الوحي والتنزيل الذي تبقى إطلالته وإشراقاته بالقرآن وأسراره وبلاغته وعلومه إلى يوم القيامة ، إلى جانب معجزاته الحسية وفيه دلالة وبرهان على عظمة الإسلام والإرتقاء الفكري عند المسلمين والمجتمع الذي نزل فيه الوحي، لأن الوحي وآيات القرآن أثبتت معجزات الأنبياء توكيداً وتوثيقاً كسفينة نوح، وناقة صالح، ونجاة إبراهيـم من النار ، وعصا موسى، وعصمة يوسف، والآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام ، وفي التنزيل حكاية عن عيسى وخطابه الى بني إسرائيل أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
و(عن سعيد بن جبير قال : سألت قريش اليهود فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات ، فأخبروهم أنه كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله .
فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد به يقيناً ونتقوّى به على عدونا ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه . فأوحى الله إليه : إني معطيكم ذلك ، ولكن إن كذبوا بعد عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين . فقال : ذرني وقومي فأدعوهم يوماً بيوم ، فأنزل الله عليه إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، فخلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل الصفا ذهباً)( ).
وسعيد بن جبير تابعي ، ولم يرفع الحديث ، نعم ورد قوله تعالى وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ولو صار جبل الصفا ذهباً لقالوا سحر ، ولكسروه بالمعاول وباعوه ، ولكن جبل الصفا من شعائر الله ، ثم أنه صار لأهل مكة ذهباً في كل سنة إذ يفد وفد الحاج والمعتمرون طيلة أيام السنة ، وازدهرت التجارة في مكة .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحقيق الرغائب والأماني التي سألتها قريش ولكن بقيد الإيمان .
لذا يمكن إستقراء إعجاز قرآني وقاعــدة كلاميــة كليــة وهي : بالوحي بقيت معجزات الأنبياء معــروفة وحاضرة.
وبين الإعجاز والوحي عموم وخصوص مطلق، فكل وحي إعجاز وليس كل إعجاز هو وحي، مع عدم إمكان التفكيك بينهما، وكل واحد منهما شاهد صدق ودليل ومتمم للآخر.
والوحي من عالم الأمر، وفيه شاهد على علو مرتبته , وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه( ).
ويمكن معرفة المقصود من اللفظ بلحاظ القرائن والأمارات وهل المقصود من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (اوتيت) خصوص القرآن أم يشمل الأحاديث النبوية وما فيها من علوم الغيب وجزالة المعاني مع إعجاز ووضوح اللفظ ، الجواب هو الثاني .
وفيه توكيد لإرتقاء القرآن على الكتب السماوية الأخرى ، واستغراق علومه في عالم الملكوت وهو كمال حقيقي وتحصيل في العلوم يترشح عنه إنطباقاً الإيمان واليقين، وترجمة واقعية لعالم الغيب بالدليل والبرهان واستدلال بالشاهد الحسي على الغائب العقلي.
الوحي لطف
الوحي عنوان القدرة الإلهية، وكلام الله تعالى غير منحصر بالأصوات والحروف أو الالفاظ أو المعاني والأعراض.
وقيل بأن نزول الوحي إنما هو مجاز، ولكنه حقيقة عقائدية عقلية وحسية.
وفسر المعتزلة الوحي بأن الله يخلق أصواتاً وحروفاً على لسان جبرئيل ولكن الله عز وجل سمّى القرآن بأنه كلامه ، قال تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ.
وقال الأشاعرة بأن الله يخلق في اللوح المحفوظ كتابة فيقرأها الملك ويحفظها، وتارة تكون أصواتاً في جسم معين يأخذها جبرئيل مع علم ضروري بأنها كلام الله.
وهل الكلام مصدر، أم اسم مصدر، والأول ما دل على الحدث مثل تكليم مصدر كلّم، والثاني ما دل على لفظ، وهذا اللفظ يدل على الحدث ، مثل اغتسال المصدر ، والغسل اسم مصدر.
والكلام اسم مصدر ، وهو لغة الأصوات والحروف المتتابعة الصادرة من المتكلم، وعند جماعة من النحويين المركب من المسند والمسند إليه ، والحروف المنتظمة والأصوات المسموعة.
ومنهم من جعله المعنى القائم في نفس المتكلم , ويبرز إلى الخارج بالحروف والأصوات المسموعة.
وأكثر المتكلمين على الأول، والنزاع صغروي لأن تلك الحروف لا تصــدر من المتكلم الا علـى نحو الإخبار والبيان لما يريــده وما قــام في نفســه، لذا أختلـف في إطلاق الكلام على المعاني النفسانية .
وهل هو إطلاق حقيقي أم مجازي، الأرجح هو الثاني.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة الوحي له ، وحضوره في حال اليسر والعسر ، والسلم والحرب ، لبيان تعيين الأحكام الشرعية في الإسلام بالقرآن والوحي ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * أن هُوَ الا وَحْيٌ يُوحَى.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن قوله وفعله من عالم الملكوت مما يلزم تلقف المسلمين له بالقبول والتسليم والشكر لله عز وجل على نعمة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن خصائصه أنه لا يحصي انتفاع المسلمين والناس من الوحي إليه إلا الله عز وجل .
أولو العزم
قال تعالى [وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا] ( ).
العزم : هو ثبات الإرادة ودوامها ، ويقال عزمت عزماً-بالضم- وعزيمة إذا أردت فعل الشيء وقطعت عليه، والوجود هنا نقيض العدم.
ويحتمل في الآية الكريمة أعلاه معنيان :
الأول : إرادة المدح بمعنى: لم نجد له عزماً على إتيان المعصية، ومخالفة العهد والميثاق.
الثاني : لم نجد له عزماً على اجتناب المعصية والتحرز من الإقتراب من الشجرة بقرينة النسيان في الآية، وما تدل عليه الآيات القرآنية الآخرى بالموضوع خاصة وأن القرآن يفسر بعضه بعضاً.
ومن الصعب النظر إلى موضوع العزم في الآية الكريمة بمعناه اللغوي فقط، بل يمكن تأويله وفق المعنى الإصطلاحي وأن الأمر يتعلق بالرسل أولي العزم من الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ.
وهم خمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بالإضافة إلى النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل هم أربعة إبراهيم ونوح وهود ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب بعضهم إلى أنهم ستة : نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب، والأول أصح وأشهر.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه الأمر الإلهي له بالتحلي بأعلى مراتب الصبر ، ومحاكاة كبار الرسل .
وفي تسميتهم أولي العزم وجوه :
الأول : صبروا على مكروه الدنيا وصبروا عن محبوبها، وهو المروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفسيره للقرآن بما يفيد التبصر في تأريخ النبوة وقصص الأنبياء والشواهد التي تدل على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إنهم بعثوا إلى مشارق الأرض ومغاربها، وجنها وإنسها. أي أن رسالاتهم عامة. وقيل إن رسالة موسى وعيسى خاصتان.
الثالث : إنهم أولو الجد والثبات والصبر.
الرابع : المراد في الآية الكريمة جميع الرســــل، وأن (مــن) في قوله تعالى [مِنْ الرُّسُلِ] في الآية أعلاه للبيان. وأن كل نبي ذو عزم وثبات، والأقرب أنها للتبعيض.
الخامس : إنهم محور النبوة وهم أصحاب الشرائع، كل واحد منهم جاء بشريعة نسخت الشريعة التي جاء بها الرسول الذي قبله.
السادس : هم الذين أمروا بالقتال والجهاد، وأظهروا المكاشفة، وجاهدوا في الدين.
السابع : الأنبياء الذين سبقوا إلى الإقرار بالعبودية لله، وأقروا بكل نبي كان قبلهم وبعدهم وعزموا على الصبر مع التكذيب وصنوف الأذى.
الثامن : عن الإمام على بن موسى الرضا عليه السلام قال : سموا أولو العزم لأنهم كانوا أصحاب العزائم والشرائع، وذلك أن كل نبي بعد نوح كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه، إلى زمن إبراهيم الخليل عليه السلام( ).
التاسع : لما عهد إليهم في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فاجمع عزمهم على الإقرار به وأنه كذلك.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة الرسل ببعثته واتباع الأنبياء للرسل في تجديد هذه البشارة في زمانهم وبين قومهم.
لقد وسوس الشيطان لآدم عليه السلام فأكل من الشجرة بعد أن عهد له ولحواء الله عز وجل أن لا يأكلا منها ، فكان ذلك منه نسياناً سواء كان النسيان بمعنى الترك أو نقيض الذكر( )مما يدل على التشريف والتخصيص بنعت أولي العزم، وأنها مدرسة إرتقاء تدل على إجتياز مرحلة الإبتلاء بيقين وثبات وإحترام.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اختتام الأنبياء والرسل مطلقاً برسالته ، لترث أمته علوم النبوة .
خصائص انفرد بها النبي محمد (ص)
للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصائص كثيرة إنفرد بها بين الأنبياء وهي عديدة منها :
الأول : نبوة محمد دعوة للإيمان بالله عز وجل , وعون ومادة لإجتذاب القلوب , وبعث الرعب والفزع في قلوب الكافرين وشعورهم بالتقصير والخطأ.
الثاني : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وصاحب الشريعة الناسخة للشرائع السابقة, وليس من شريعة تنسخ شريعته وإلى يوم القيامة.
الثالث : نزول القرآن على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصيرورته [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ).
الرابع : هو النبي الذي جعل الله أمته آخر الأمم .
الخامس : جاءت معجزات الأنبياء حسية، ومعجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية متجددة في كل زمان وهو القرآن.
السادس : جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخروجه في كتائب بنفسه، وبعث الرعب في نفوس أعدائه مسيرة شهر ، وتحقيق النصر والغلبة لجيوش المسلمين.
السابع : قانون بقاء العمل بأحكام الإسلام إلى يوم القيامة ، قال تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ] ( ).
الخصائص في بيعة العقبة
وفي بيعة العقبة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورد عن عبادة بن الصامت أن النقباء (بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ننتهب ولا نعصي بالجنة إن فعلنا ذلك فإن غشينا من ذلك شيئا كان قضاؤه إلى الله عز وجل)( ).
وعدد الذين حضروا بيعة العقبة الأولى من الأنصار أثنَي عشر رجلاً ، وبعد بيعة العقبة الأولى بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير مع وفد الأوس والخزرج .
فحضر في موسم الحج في السنة الثانية عشرة للهجرة مع مصعب بن عمير ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من الأوس والخزرج ، وأكثرهم من الخزرج .
وهل بيعة العقبة الأولى والثانية من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم من وجوه :
الأول : فضل الله في خروج الدعوة النبوية إلى الأمصار .
الثاني : تحقق استجابة الأنصار لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إيوائه .
الثالث : عدم خشية وفد الحاج من الأوس والخزرج من بطش قريش .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه جاهد ثلاث عشرة سنة في مكة بعد البعثة في مكة وهو يدعو الناس للإسلام ، ويسعى في موسم الحج بين وفد الحاج ، ويذهب إلى منازل القبائل في أسواق مكة مثل عكاظ ، ومجنة ،وذي المجاز ، وكان يدعوهم لأمور:
الأول : دخول الإسلام .
الثاني : إيواء رسول الله ودفع أذى قريش عنه .
الثالث : الإلتجاء إلى قبيلة عربية ينجو بجوارها من القتل .
الرابع : نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والنسبة بين هذا الأمر والأمر الثالث أعلاه العموم والخصوص المطلق ، فالنصرة أعم وأعظم ، وتجتمع هذه الوجوه في إعانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتبليغ الرسالة.
وكان يعدهم بالجنة ، فلا يجد من أكثرهم إلا الإعراض والجفاء ، بل أن الرجل يخرج من اليمن أو من بلدته وقريته قادماً إلى مكة فيحذره الناس من الإنصات إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا مرّ عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إليه بالأصابع تحذيراً لغيره وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
فبعث الله وفد الأنصار من الأوس والخزرج لنصرته ومبايعته ودعوته ليس لقرية إنما لمدينة كبيرة وهي يثرب ، لذا يتفاخر جابر بن عبد الله بالبيان إذ يقول في حديث (حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العز والرفعة في الدنيا والثواب في الآخرة للذين نصروه وآووه ، قال تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
فلسفة النبوة
الحمد لله الذي برأ النسم وتفضل علينا بإتصال النعم ، وأثار فينا لفهم القرآن الهمم ، لنتخذه طريقاً للأمان والعصم، والصلاة والسلام على محمد رسوله الكريم الذي اختاره من بين العباد وجعله شفيعاً لنا يوم المعاد، وعلى أهل بيته وصحبه ذوي الصواب والسداد.
لابد من انحلال هذا البحث إلى موضوعين عام يتعلق بالنبوة والأنبياء مطلقاً، وخاص يتعلق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونبوته ، وما خصه الله به من الفضائل في دراسة مقارنة بينها وبين النبوات الأخرى بل وفضلها ونفعها للنبوات والأنبياء الآخرين.
ولغة سمي النبي نبياً لأنه أنبأ عن الله تعالى أي أخبر وهو فعيل بمعنى مفعل ، وفي التنزيل قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وقيل من النبوة والنباوة وهو الموضع المرتفع من الأرض لإرتفاع النبي بشريعته، وتشريفه بالنبوة على سائر الخلق، وأن أصله غير مهمز ، والمختار الأول.
ففي الإصطلاح النبي هو الإنسان الذي اختاره الله عز وجل للإخبار عنه من غير واسطة إنسان آخر وبقولنا الذي إختاره الله أي أنه نال النبوة بمشيئة الله عز وجل وإرادته وليس من فعل غيره ، وفيه مسائل :
الأولى : النبوة نعمة من عند الله عز وجل .
الثانية : منع الغلو بأشخاص الأنبياء .
الثالثة : المنزلة العظيمة للأنبياء بين أهل السموات والأرض .
الرابعة : حاجة الأنبياء إلى الوحي وإلى المعجزة من عند الله عز وجل .
الخامسة : قيام الأنبياء بتبليغ الرسالة ، وجذب الناس لمنازل الإيمان.
وبتقييده بالإخبار عنه، أي بالاخبار عن الله عز وجل وليس عن غيره كالملائكة ، وأن النبي لا يتكلم عن نفسه [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * أن هُوَ الا وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
ونعت جبرئيل في القرآن بالأمانة والوثاقة كما في قوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ شاهد على أن جبرئيل ناقل لآيات القرآن بأمانة ومن دون تصرف .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع خصال النبوة المباركة بشخصه الكريم وبأرقى معانيها ومضامينها فهو مجمع الكمالات الإنسانية وأشرف المخلوقات، وعز الإسلام والكمال الذي تتباهى به الملائكة وعبوديته وجهاده وتبليغ الرسالة.
ولا يحصي مصاديق الرحمة في النبوة ووظائفها في الأرض كثرة إلا الله عز وجل ، بلحاظ وجود الإنسان على الأرض, قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالأنسَ الا لِيَعْبُدُونِ] ( ).
قانون النبوة هداية ورشاد
النبوة نعمة وفيها بعث لحياة الإيمان ودوام العبودية ، وحسن الإمتثال للأوامر الالهية، والعبادة حاجة ومنفعة للناس وليس لله عز وجل ، فهو سبحانه غير محتاج والحاجة ملازمة للإمكان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه نعمة مزجاة ، ورحمة للناس جميعاً إذ تصاحب نبوته وأحكامها الناس إلى يوم القيامة .
وعبادة الجن والناس أمر تراه الملائكة وغيرهم من خلق الله اذ يرون عبادة المؤمنين وحسن إمتثالهم للأوامر الالهية ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤية وسماع الناس لسعيه الحثيث لتبليغ الرسالة وتسابق أصحابه في الدفاع عن بيضة الإسلام وإختيار الشهادة لما بينّه الإسلام من فلسفتها .
والموت ليس أمراً عدمياً بل هو مناسبة للإنتقال إلى عالم الخلود وأن الدنيا مزرعة للآخرة , قال تعالى خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً.
ويدل عليه الوجدان وقصر أيام الإنسان في الحياة الدنيا بعد طموحه وسعة أمله، والموت قريب منه يهدده بزيارته في كل لحظة ، تلك الزيارة التي لا تتكرر ، يأتي ملك الموت لينقل الإنسان من دار الإمتحان والإختبار إلى دار الحساب والجزاء ، قال تعالى [قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ] ( ).
والنبوة نوع طريقية إلى العبادة وإرشاد الناس لمصالحهم وأحوال معايشهم وحفظ النوع الإنساني ومنع الأضرار والظلم بينهم، لذا ترى الأنبياء جميعاً يشتركون في نبذ الظلم، ويتبعون الشرع الذي يجري وفق أسس الصلاح والنفع العام.
البراهمة والنبوة
بالنسبة لأحوال الآخرة فإن النبوة تهدي الناس إلى الحق وتدلهم على الأعمال الصالحة وسبيل الجنة، ويقر المليون بالنبوة ولا عبرة بمن أنكرها كالبراهمة , ولهم علامة في لباسهم ينفردون بها وهي خيوط ملونة بحمرة وصفرة يتقلدونها تقلد السيوف وهم يقولون بالتوحيد الا أنهم ينكرون النبوات.
البراهمة أعلى طائفة في الديانة الهندوسية مأخوذ من براهما وهو خالق الكون والمعبود الأعلى في الثالوث الهندوسي وهو سيد الآلهة وأنه إله أزلي منزه معنوي وليس مادياً.
وقالوا لما صح أن الله حكيم وكان من بعث رسولاً وما يدري أنه لا يُصدق ، فلا شك أنه متعنت عابث فوجب نفي بعث الرسل لنفي العبث والتعنت عنه تعالى ، وقالوا إذا كانت الغاية من بعث الرسل هداية الناس فقد كان أولى في حكمته وأوثق أن يضطر العقول إلى الهداية والإيمان.
وبعثة الأنبياء عندهم ليس من الممكن بل ممتنعة في ذاتها ، ولكن النبوة من حكمة الله تعالى , وهي رحمة للناس وحاجة لهم وهي رأفة بالبراهمة وشبههم أيضاً لو انتفعوا منها في الدنيا ولم يضيعوها بدعوى أثبت الواقع خلافها.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه لأمور من الأرادة التكوينية :
الأول : قانون النبوة حق وصدق وحاجة للناس .
الثاني : قانون التصديق بالنبوة واجب على الرجال والنساء .
الثالث : قانون الرسول واسطة بين الله والناس.
الرابع : قانون رسالة النبي محمد سبيل هداية وصلاح .
الخامس : قانون إتباع الرسول محمد سلامة ونجاة من النشأتين .
ومن خصائصه مجيؤه بالقرآن ، قال تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهادة الله عز وجل بأنه هو الذي أنزل القرآن وفي التنزيل مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ويدرك العقل أن النبوة رحمة بالناس ممن يؤمن بها أو ينكرها ، وهي من اللطف الإلهي بالعباد إذ جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار.
الإجتهاد في الدعوة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده بدعوة الناس للإسلام وجاء بالمعجزات التي تدل على صدق النبوة والحاجة اليها لإصلاح النفوس والمجتمعات ، وتجنيب الإسلام شر الكفار .
والنبوة رحمة لهم وهو الذي أثبته الواقع والوجدان .
سُئل الإمام الصادق عليه السلام (أين أثبت أنبياء ورسلا ، قال : إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيما لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ويحاجهم ويحاجوه .
فثبت أن له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم: فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الانبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد : من إحياء الموتى، وإبراء الاكمه والابرص) ( ).
ومن الخصال التي يتصف بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : العصمة من الزلل والمعصية ، لأن القلوب لا تنجذب إلى صاحب المعصية.
الثاني : هو أفضل أهل زمانه بجميع الفضائل والمحاسن والكمالات لفضل الله في عدم تقديم المفضول على الفاضل في باب الأحكام والسنن والإمامة العامة .
الثالث : وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمى قبل البعثة (الصادق الأمين).
الرابع : لم تأخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الله لومة لائم ، وكان يتصف بالأخلاق والصفات الحميدة .
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يغادر ميدان المعركة في أشد وأحلك الأحوال كما في معركة أحد ، ومعركة الخندق ، ومعركة حنين ، قال تعالى [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] ( ).
السادس : مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحل والترحال ، والسلم والحرب ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * إن هُوَ الا وَحْيٌ يُوحَى.
السابع : مبادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى العفو والرحمة والرأفة بالقريب والبعيد ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
لم تبدأ النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هي ملازمة للناس من قبل ، فقد تفضل الله سبحانه وجعل آدم عليه السلام أبا البشر نبياً إكراماً لبني الإنسان ولكي لا تنقطع حجته في الأرض ابتداءً وبقاءً .
ويتجلى قانون إتصال الحجة في الأرض بسلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة , قال تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] ( ), وقال تعالى [مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ] ( ).
وفي نبوة آدم عليه السلام توكيد على عدم ترك الناس بلا نبي، فإن كانت هناك فترات بين الأنبياء فبسبب وجود بقية وتركة من الأنبياء السابقين وما يتفرع عنها، ولا بشر قبل آدم عليه السلام فاقتضت الحكمة كون آدم نبياً وأن يُبشر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بعده لأنه سيد الأنبياء، وتدل عليه جملة من النصوص، وأن النبوة الأن موجودة عندنا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوزه بمرتبة النبوة من قبل خلق آدم وبعث الروح فيه .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : كنت نبياً وآدم بين الماء الطين( )، وأن آدم لما أذنب سأل الله بحق محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
نعم جاءت فترات خالية من الرسل أي أيام من السكون والانقطاع كما في قوله تعالى [عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ] ( ) تتخلل بعثة الأنبياء تكون الأرض خالية واقعاً من أشخاص الانبياء من غير أن تخلو من سنن وأتباع الأنبياء وأهل الصلاح، الذين يحملون وصية الأنبياء بلزوم إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وقد يكون أحياناً عدد من الأنبياء في فترة واحدة.
النعمة المسداة
يتجلى الإعجاز في قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، بالبيان للناس في كل زمان بمصاديق الرحمة التي تترشح عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بأحكام شريعة الإسلام التي هي من الكتاب والسنة ، والجامع بينهما هو الوحي كأساس وأصل وسور جامع لأحكام الإسلام ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الرحمة المهداة والنعمة المسداة إلى أجيال الناس المتعاقبة .
لقد جاء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل فبين بعثة عيسى عليه السلام وبعثته نحو ستمائة عام ، فكانت نبوته حاجة للناس بعد الحادهم وجحودهم، وتلك آية في كرامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعظيم منزلته في سلم النبوة.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحمله مسؤولية قيادة أمم الأرض في منازل التوحيد وسبل النجاة وبلوغ المقاصد السامية في السعادة الأخروية.
لقد ظهر أن بعض الديانات القديمة لا تمتلك مقومات القيادة الدائمة للإنسانية ومعاشر الأمم نحو الصلاح والجنة، وهو من مفاهيم قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ الا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ] ( ).
هذه الآية التي يمكن أن نتلمس منها منافع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإنسانية جميعاً، لمن آمن به ومن حاربه وعاداه, وللأجيال من أبنائهم لأن الإسلام ديانة وعقيدة متكاملة فمن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحمل أعظم المسؤوليات بتوفيق ولطف ومدد من عند الله عز وجل ونزل عليه جبرئيل على نحو متصل, قال تعالى [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
من قصص الأنبياء
لقد اجتهد الأنبياء في الدعوة إلى الله ، وتثبيت سنن التوحيد ومعالم الإيمان في الأرض وكانوا الأئمة في الصبر وطاعة الله ، لينزل القرآن بالدعوة السماوية للمسلمين والمسلمات بالإقتداء بهم ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وراثته لمنهاج الأنبياء في سبل التقوى ، وتعاهدها ، وتثبيتها في الأرض إلى يوم القيامة.
فمن الأنبياء من أخبر عنه بعض أصحابه وأتباعه ولم يستوف بعد تمام رسالته وحاربه السلطان أو وكيل السلطان ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى الا وقد تولى الحكم في الأرض بأحكام الشريعة السمحاء ، وتولى المسلمون من بعده الحكم وبإتساع في رقعة حكمهم وسلطان شريعتهم ودخول الأمم الأخرى في الإسلام، حتى أن الشعوب التي أسلمت تفتخر وتعتز وتجاهد من أجل إسلامها والذب عن عقيدتها.
وحاربت طائفة من اليهود المسيحية، وجاء الإسلام ليجعلها بعرض واحد مع اليهودية من حيث المعاملة الحسنة والإعتبار والإقرار كأهل كتاب سماوي .
فلقد فرضت عليهم الجزية دون غيرهم، والجزية إكرام لأهل الكتاب وتثبيت لشريعتهم وإذن سماوي لهم بالبقاء على ديانتهم، وصاروا في ذمة الإسلام والمسلمين.
ولابد من مدرسة كلامية جديدة تبين فضل ملة التوحيد والكتاب السماوي ، ومنافع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن على الأديان الأخرى وعامة الناس، ليكون عندنا باب في إعجاز القرآن هو أثره على الديانات والكتب السماوية الأخرى ، قال تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
ومن إعجاز القرآن الغيري ما يتعلق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيتها، وهو مدرسة عقائدية ولا يمنع أن يبحث مستقلاً ومتداخلاً معه أثر نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشخص الرسول في تبليغ آيات القرآن وتثبيت أحكامه.
لقد كانت آيات الأنبياء السابقين حسية كما في عصا موسى وناقة صالح، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن معجزاته عقلية حسية، مما يؤكد أهلية المسلمين لحمل الرسالة وحفظها ووعي فيوضاتها العقلية، أي أنهم مؤهلون للتصديق بالآيات العقلية، ومن بركاتها أن الدوام كُتب لها، وكانت ضياءً للإيمان وآلة لحفظ الأديان الأخرى.
حفظ القرآن
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة حفظ الله عز وجل للقرآن ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] ( ),وفي موضوع تعلق الحفظ الإلهي في الآية قولان :
الأول : وإنا لمحمد حافظون من أعدائه الذين أرادوا به السوء , حكاه ابن جرير( ).
الثاني : إنا للقرآن حافظون.
والصحيح هو الثاني, وهو المتبادر إلى الأذهان , وفيه تشريف وإكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن, ورحمة بالمسلمين, وهو من الإعجاز الغيري للقرآن أن آياته محفوظة بأمر ومشيئة متصلة ومستديمة من الله عز وجل, فكما يحفظ الله عز وجل السموات والأرض, قال تعالى [وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ] ( ), يحفظ الله عز وجل القرآن لمنع حصول الفناء بالإقتتال بين الناس ، وقد جاءت الآيات بحفظ الله عز وجل للنبي وصرف الكيد والمكر عنه.
ومن العلماء من ذكر أن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزات ما لم يكن لأحد من الأنبياء ، وقد بلغت (أربعة الآف وأربعمائة وأربعين معجزة واقواها وابقاها القرآن) ( ).
ذكرت منها ثلاثة آلاف
وأنها تنقسم إلى أربعة أنواع :
النوع الأول : قبل ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : بعد ميلاده.
الثالث : بعد بعثته الشريفة .
الرابع : بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى .
وهو إحصاء لطيف ويمكن أن يكون التقسيم وتعدد الأنواع أكثر وأبين بتقسيم إستقرائي أكثر تفصيلاً، مع إضافة نوع وهو المعجزات عند ميلاده وما رافقه من آيات إعجازية وتعدد أبوابها وموضوعاتها .
وجاء كتابنا هذا بأجزائه المتعددة آية علمية في باب خصائص ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومدرسة ينهل منها العلماء وتستنبط منها المسائل والمواعظ ، والشواهد على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل.
لقد صاحب علم الإحصاء الإنسان من حين عمارته الأرض ، وليس من إنسان إلا ويلجأ في كثير من أموره إلى العد والإحصاء وتتعدد وجوه أبواب علم الإحصاء في معجزات وخصائص النبي محمد وهي من فضل الله الذي ليس له حد أو منتهى ، قال تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
تعدد وجوه الإعجاز
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : ما يتعلق بالتنزيل.
الثاني : في ميادين التشريع.
الثالث : باب القتال والدفاع .
الرابع : الحكم بين الناس.
الخامس : الإمامة والرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا.
وكل فرد منها مناسبة كريمة للتدبر والاتعاظ واستحضار لزوم الوحدة والأخوة بين المسلمين بعد الإجتماع العبادي في كل سنة مرة بفريضة الحج.
لتكون شاهداً عملياً على حقيقة الوحدة عبر المناسك المشتركة التي يؤديها جميع الحجاج من غير اختلاف أو تباين.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرصه على أداء مناسك الحج من مقام العبودية لله ، وأمره للمسلمين باتيان ذات المناسك التي أداها بقوله (لتأخذوا عني مناسككم)( ).
لفوز المسلمين بالثواب ، ومنع الإختلاف بينهم في الحج.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده وفوزه باجتناب أجيال المسلمين الخلاف والخصومة في موسم الحج ، وكيفية أداء المناسك وهو تعضيد وامتثال عام لقوله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
إنها أرقى حضارة جاءت للبشرية بالشواهد الحسية والعقلية والتكامل في الأحكام والفرائض، بدأت بنزول الوحي وآيات القرآن.
فعندما نزل جبرئيل بآيات القرآن نجوماً تغير وجه الأرض وما عليها ، وبدأت مرحلة النبوة المباركة ذات المرتبة العليا في سلم الرسالات ، والمتضمنة للسنن والشرائع لتشق طريقها سريعاً إلى قلوب الصالحين ، ويقيض الله عز وجل لها جنوداً مهاجرين وأنصاراً .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قول جبرئيل له سلام عليك يا محمد ، أنت صاحب لواء التوحيد، قال تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
وبالبعثة النبوية انفتحت أبواب من الرحمة على أهل الأرض وحق القول على المشركين والكافرين ، ثلاث وعشرون سنة في الدنيا مدة بعثة النبي محمد لا تُعد كثيرة فهي بالذات والقياس الزماني قاصرة عن تحقيق الأماني الشخصية المحدودة.
لكنها بآية من الله تعالى رسخّت أعظم عقيدة في الأرض، ومنها ينبثق القول (حلال محمد حلال حتى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استدامة أحكام شريعته في الأجيال المتعاقبة من غير تحريف .
وهل هذه الإستدامة معجزة لاحقة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم ، ليكون من خصائصه توالي المعجزات في حياته وبعد مماته ، وكل يوم يتقيد فيه المسلمون بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو معجزة مستقلة بذاتها ، مما يستلزم الشكر لله عز وجل ، وفي التنزيل وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا.
السنة مصدر للتشريع
مما أجمع عليه المسلمون أن السنة النبوية هي المصدر الثاني لتفسير القرآن مما يدل على عظيم منزلتها في التشريع الإسلامي وتأريخ الأمة العقائدي والأخلاقي والسياسي، ويترشح عنه بالضرورة لزوم اتفاق المسلمين، ولو على نحو الإجمال في كثير من مواضيعها.
قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * إن هُوَ الا وَحْيٌ يُوحَى, وفيه شهادة وتوثيق سماوي للسنة النبوية القولية.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سنته تفسير وبيان للقرآن ، ومانع دون التحريف في تفسير وتأويل آياته .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن خلقه وسيرته مرآة للقرآن ، وبيان عملي لأحكامه وسنته ، وفيه عون للمسلمين للإمتثال لأوامر الله عز وجل ونواهيه .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سيرته وعمله مستوحى من القرآن وترجمة عملية لآيات القرآن، وهذا يؤكد علم وقانون إرجاع السنة إلى القرآن.
وفي خبر أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام قال : إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عن كتاب الله , ثم قال في حديثه : نهى الله عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال .
فقالوا له أين ذلك في كتاب الله يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْــوَاهُمْ الا مَنْ أَمَرَ بِصَــدَقَةٍ أَوْ مَعْــرُوفٍ أَوْ إِصْـــلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وقال ايضاً [وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمْ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا] ( ) وقال لاَ تَسْالوا عَنْ أَشْيَاءَ أن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأديبه أهل بيته وأصحابه على اللجوء إلى القرآن وصدوره عنه في القول والعمل ، كيف لا، وفيه تبيان كل شيء.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (الا وإني قد أوتيت الكتاب ومثله معه الا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ( ).
ومن خصائصه أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعوته للأخذ بالسنة والعمل بمضامينها ، وكان يحذر وينهى عن الإعراض عن السنة.
وقد أمر الله تعالى بالصلاة وجاء الأمر في القرآن وبينت السنة أوقاتها وعدد فرائضها وركعاتها وأحكامها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: “صلوا كما رأيتموني اصلي( ).
وورد وجوب الحج في القرآن قال تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، مع بيان المناسك وتفصيلها لمنع الإختلاف والفرقة والخصومة, ولتثبيت أعمال الحج وترتيبها إلى يوم القيامة بالقرآن والسنة النبوية المباركة وتوارث المسلمين لها بالسيرة القطعية ، كما قيد المطلق وخصص العام، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : خذوا عني مناسككم) ( ).
الاستعاذة بالله
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بالإستعاذة بالله وتثبيتها في الأرض إلى يوم القيامة بعد نزول القرآن بها ، وأخبر باتخاذ الأنبياء لها سلاحاً.
واختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته باستحضار الإستعاذة عند الشروع بتلاوة القرآن ، وفي الملمات ، والإستعاذة عند قراءة القرآن مستحبة .
والاستعاذة مشتقة من العوذ وهو الإلتجاء والاستجارة ، وقيل أنه بمعنى الإلتصاق يقال أطيب اللحم أعوذه ، وهو الملتصق منه بالعظم ،ولابد أن تعني الإستعاذة بهذا المعنى الإلتجاء إلى رحمة الله ، وعظمته والأشياء جميعاً مستجيبة لإرادته ، وصيغة الإطلاق والعموم ظاهرة في قوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .
والاستعاذة لغة : الاستجارة واللجوء والتحيز إلى الغير بقصد الإمتناع به من الأذى والشر .
وفي الإصطلاح هي الإلتجاء إلى الله ، والتحصن بفضله ، وقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي اللهم احفظني من وسوسته وإغوائه وشروره .
ولا تكون الاستعاذة إلا بالله عز وجل فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وهناك سورتان في القرآن ابتدأت الأولى بعد البسملة بـقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، فمن خصائص النبي ممد صلى الله عليه وآله وسلم اقراره بالعبودية لله عز وجل واستجارته بالله فَالِقُ الْإِصْبَاحِ.
والثانية بـ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وهما آخر سورتين من القرآن ، والخطاب فيهما موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أجيال الأمة المتعاقبة ذكوراً وإناثاً .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم استعاذته بالله ، ومنها (أعوذ بوجهك الكريم الذى أشرقت له السموات والارض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن تحل علي غضبك، أو تنزل بي سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك وجميع سخطك.
لك العتبى عندي خير ما استطعت، لا حول ولا قوة إلا بك)( ).
(اعوذ بكلمات الله التامات).
(اعوذ برضاك من سخطك).
ومن خصائص النبي محمد أن برسالته تجلى قانون الملازمة بين الحياة والإستعاذة بالله ، وقانون الحاجة إلى الإستعاذة .
والإستعاذة ترغيب ومقدمة للإستغفار و(عن النبي صلى الله عليه وآله قال : ألا لا تحقرن شيئاً وإن صغر في أعينكم ، فإنه لا صغيرة بصغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة بكبيرة مع الاستغفار ، ألا وإن الله سائلكم عن أعمالكم حتى عن مس أحدكم ثوب أخيه بين إصبعيه)( ).
و(روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة .
قال : أما إنك لو قلت حين أمسيت ، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ” لم تضرك)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإستماع إلى الناس في همومهم وأحوالهم الخاصة مع هدايتهم للذكر وسبل التقوى ، والنجاة في النشأتين .
مسائل في الإستعاذة
في رسالتي العملية (الحجة ) الجزء الأول والمسجلة بدار الكتب والوثائق في بغداد برقم 345 لسنة 2001 أفردت باباً اسمه الاستعاذة تضمن عدة مسائل وهي :
(مسـألة360) تستحب الاستعاذة استحباباً مؤكداً قبل قراءة الفاتحة ، وصيغتها [أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] ويجوز ان يقول المصلي [أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] وكل منهما نزل به القرآن وجاء به النص، والأولى هي الأشهر.
(مسـألة361) يؤتى بالاستعاذة اخفاتاً وادعي الاجماع عليه، ويجوز ان يؤتى بها جهراً في الصلاة الجهرية، والأول هو الأحوط.
(مسـألة362) في الاستعاذة نوع اقرار واعتراف بضعف النفس والتجاء الى الباري عز وجل وواقية وحرز من اغواء الشيطان ومحاولات اضلاله،واقحام للنفس في دروب الكمالات الانسانية وقهرها على الابتعاد عن رذائل الشيطان وتحصين لها من الكدورات الظلمانية.
(مسـألة363) الظاهر وجود ملازمة اجمالية وتداخل بين الاستعاذة اللفظية والاستعاذة المعنوية، فاللفظية مقدمة للمعنوية وتترشح عنها، لتكون النفس مؤهلة لمنازل الفضيلة والكمال والتماس السعادة الأبدية باخلاص العبودية( ).
ورد عن ابن عباس أن أول ما نزل به جبرئيل على محمد عليه الصلاة والسلام : قل يا محمد أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وفيه بيان لموضوعية الاستعاذة ومنزلتها في مراتب العبادة والصلاح ، ودليل على أنها مقدمة حميدة للتلاوة ، وإصلاح للذات للسياحة في كنوز القرآن .
والاستعاذة مستحبة ، وهي قولك (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
ولا مانع من تعدد صيغتها للنص واتحاد االمعنى والمفهوم .
معجزة الإستعاذة
كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الإستعاذة ، ومن المستعاذ منه فكان يستعيذ من الشيطان ، ومن الفقر ، ومن العجز ، ومما يترشح عن الغنى من الفتنة ، ومن الكسل ، والجبن ، والبخل ، والهرم ، والغفلة ، والعيلة ، والذلة ، والمسكنة ، والشقاق ، والنفاق ، والسمعة ، والرياء ، والصمم ، والبكم ، والجنون ، والجذام ، ومن عذاب البرزخ من عذاب النار ، والبرص ، وسوء الأسقام ، وفيه مدرسة في الإستعاذة ، ودعوة للمسلمين لملازمة الإستعاذة وعدم التهاون أو التفريط فيها .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص الإستعاذة وجوه :
الأول : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأمر الإلهي بالاستعاذة من الشيطان الرجيم .
الثاني : قانون إكثار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الاستعاذة من الشيطان الرجيم .
الثالث : شمول المسلمين بالخطاب القرآني إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالاستعاذة من الشيطان .
الرابع : استعاذة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الشيطان عند الإبتداء بالتلاوة والصلاة ، وعلى المنبر ، وفي أحاديثه ، منها (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْطُوهُ)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد وجوه استعاذته من الشيطان والبلاء الظاهر والخفي ، فقد استعاذ من الدَين وشماته الأعداء ، ومن الهرم ، ومن سوء القضاء ، ومن درك الشقاء ، وجهد البلاء ، ومن الجنون ( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكثاره من الإستعاذة وترغيب المسلمين بالإستعاذة بالله ، وفيه منع من الغلو بشخصه الكريم لأن الإستعاذة إقرار بالحاجة إلى رحمة الله .
قانون الإستعاذة احتراز عام
لقد أمر الله تعالى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالاستعاذة ، ومنه وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه الخطاب والأمر القرآني له ، ولكن المقصود الأمة بأجيالها المتعاقبة وعلى نحو المجموع الإستغراقي للأولوية ومناسبة الحكم والموضوع ، فاذا كان النبي المعصوم مأموراً بالاستعاذة فغيره أجدر بإتيانها والمواظبة عليها .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقتداء المسلمين به في سنته القولية والفعلية ، وأنهم أولى منه بالإكثار من الإستعاذة ، مع تأكيد قانون لا تصح الإستعاذة إلا بالله عز وجل واللجوء إليه .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنمية وتثبيت ملكة الإستعاذة عند أجيال المسلمين إلى يوم القيامة ، وبيان أن الإستعاذة واقية وحرز جعله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تركة عند المسلمين .
ويدل قوله تعالى قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ، على أن فتنة إبليس قريبة من كل إنسان لتكون الإستعاذة حصناً وواقية منها .
والاستعاذة إقرار من العبد بالعجز عن مواجهة الإبتلاء والإفتتان ، فهي نوع معرفة بالله عز وجل وتعلق قدرته بالمقدورات جميعاً لإشتراكها في الإمكان وملازمة الحاجة للممكن ، ولإنتفاء المانع لأن المقتضي قدرة الله تعالى ، وهي مطلقة ومتساوية بالنسبة للجميع لتجردها من الزمان والمكان والجهة.
والاستعاذة مصداق لفظي خارجي في أوانه المحدد ، مع موضوعية الاستعاذة المعنوية باستكمال صفات الصلاح وإحاطة النفوس بقيود الإيمان ،وواقية التقوى لتكون حرزاً من رذائل الأعمال وإغواء الشيطان ، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وتدخل هذه المنافع في العلة الغائية للإستعاذة وفي أصل تشريعها والحكمة منها لتكون من وظائف الاستعاذة ايضاً ، لتصير سلاحاً مركباً ، وحصانة للنفس ، ومناسبة للإلتفات المتجدد إلى صلاحها .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الأمر والخطاب القرآني بالإستعاذة متوجه إليه مع تعدد هذه الخطابات ، وليس في القرآن لفظ(استعيذوا).
وحتى سورة الفلق والناس ابتدأت كل واحدة منها بـ (قل) ففي سورة الفلق قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ.
والتقدير على وجوه :
الأول : قل يا رسول الله أعوذ برب الفلق .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا قولوا نعوذ برب الفلق .
الثالث : يا أيها المسلم قل أعوذ برب الفلق .
الرابع : يا أيتها المسلمة قولي أعوذ برب الفلق .
الخامس : يا أيها الناس قولوا نستعيذ برب الفلق .
وذات الوجوه بالنسبة لسورة الناس وموارد الإستعاذة الأخرى.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام الذي يقتدي به المسلمون والناس في مسالك الإستعاذة من الشيطان ، ومنها انتفاع المسلمين والناس من الخطاب الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة استعاذته بالله ، ونزول شآبيب الرحمة على الناس باستعاذته وتلاوة المسلمين لآيات الإستعاذة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وقوله تعالى فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله استعاذة حذفت الكلام عليه ، ولأن الإستعاذة نوع مقدمة للقراءة .
ومن خالف المشهور والمتبادر قال بأن المراد هو الإستعاذة عند الفراغ من قراءة القرآن .
ومن صيغ الإستعاذة :
الأولى : أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي .
الثانية : أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد .
وكل واحدة منهما لم ترفع إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو أهل البيت .
الوقاية من الآفات
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعليم المسلمين الوقاية من الآفات بالدعاء وابتداء واختتام اليوم بالإستعاذة.
وهل تلاوة المسلم لآيات القرآن من المعنى الأعم للإستعاذة والإستجارة بالله عز وجل ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن .
وعن (علقمة بن قيس قال : قلت لعبد الله بن مسعود : من كان منكم مع النبي صلى الله عليه واله ليلة الجن .
فقال : ما كان منا معه أحد، فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة، فقلنا اغتيل رسول الله صلى الله عليه وآله أو استطير، فانطلقنا نطلبه من الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حرا، فقلنا: يا رسول الله أين كنت لقد أشفقنا عليك .
وقلنا له بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك، فقال لنا: إنه أتاني داعي الجن فذهبت اقرئهم القرآن، فذهب بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. فأما أن يكون صحبه منا أحد فلم يصحبه.
وعن أبي روق قال : هم تسعة نفر من الجن قال أبو حمزة الثمالي : وبلغنا أنهم من بني الشيبان وهم أكثر الجن عددا، وهم عامة جنود إبليس، وقيل: كانوا سبعة نفر من جن نصيبين، رآهم النبي صلى الله عليه وآله فآمنوا به ، وأرسلهم إلى سائر الجن)( ) قال تعالى قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه رسول للإنس والجن ، وهدايته لطائفة من الجن ليتوارثوا الإيمان .
معنى الشيطان
هل المقصود من الشيطان المستعاذ منه إبليس أو الأعم منه .
الجواب إنه أعم من إبليس ، والألف واللام للجنس وليس للعهد لأن المراد بالشيطان ما كان شراً مطبقاً بالذات والعرض .
والمدار على عموم اللفظ لا خصوص السبب فلا تنحصر الاستعاذة بالتوقي من إبليس وحده وإن كان الفرد الأهم والأصل المستديم في الشر والإفتتان إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ.
والشيطان مأخوذ من الشطن وهو البعد ، يقال شيطن دارك أي بعد ، ولأن الشيطان يتلبس بالمعصية والجحود فانه ابتعد عن الرشاد والسداد أو طرد من رحمة الله ، أو كلاهما معاً لما بينهما من نوع ملازمة وتسبيب .
والرجيم : فعيل بمعنى مفعول أي مرجوم ، وفي التنزيل يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا* يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا.
و(عن ابن عباس في قوله {لأرجمنك } قال : لأشتمنك {واهجرني ملياً} قال : حيناً)( ).
ونعت الشيطان بهذا الوصف لأمر الله تعالى الملائكة برمي إبليس بالشهب والثواقب طرداً له من عالم السماوات ، ثم وصف به كل شرير متمرد ، وفي تعميم هذا الوصف وعيد وإنذار وتخويف لهم ، وتحذير للمؤمنين من شرهم ، وجاءت الاستعاذة مطلقة عامة كما وردت شخصية خاصة .
وهل الشيطان من المجردات أم أنه من عالم الخلق والمادة ، وغير مجرد عن الزمان والمكان والجهة ، الأصح هو الثاني لأنه لو كان أمراً عقلياً لما كان مزاحماً أو مضاداً لشيء .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيته للشيطان بحضرة أصحابه ومبادرته للإستعاذة بالله منه مع لعنه للشيطان .
و(عن أبي الدرداء قال : قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فسمعناه يقول أعوذ بالله منك ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا .
فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لاصبح موثقا يلعب بن ولدان أهل المدينة الاخذ بحلق الشيطان وخنقه في الصلاة)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقي الأذى من شياطين الجن إلى جانب الأذى الذي تلقاه من شياطين الأنس ، ومن خصائصه أن الله عز وجل نصره عليهم بالمعجزة ، وفيه دعوة للناس للتصديق برسالته ، قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.
المراد من الشيطان
يحتمل لفظ الشيطان في الإستعاذة وجهين :
الأول : إرادة العهد في الألف واللام في لفظ (الشيطان) والمراد إبليس على نحو الحصر والتعيين .
الثاني : إرادة الجنس ، والمراد شياطين الجن والإنس .
والصحيح هو الثاني ، فالمراد إبليس وأعوانه ، ويشمل كل متمرد عات من الجن والإنس ، قال تعالى شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا…لورود نعت الرجيم ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، والمراد أنه طريد من رحمة الله ، وفي التنزيل َقالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ نعم يكون الوجه الثاني أعلاه في طوله ، وتشمله الإستعاذة كفرع من الأصل .
وجاءت الإستعاذة بصيغة المضارع وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ لأنها دعاء ولجوء إلى الله عز وجل في مستقل الايام ، وهل هي من مصاديق الإستغفار ، الجواب لا ، قال تعالى وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ….
والإستعاذة سلاح الأنبياء والأولياء والمسلمين عامة في جميع الأزمان ، ولما احتجت الملائكة على جعل آدم عليه السلام خليفة في الأرض ، قال الله عز وجل إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ فاذعنوا وأقروا بحكمة الله ، وأن خلافة الإنسان في الأرض من بديع صنع الله ، ومن علمه تعالى أنه علم الإنسان الإستعاذة ، وجعلها سلاحاً وواقية من إبليس وجنوده ، ليكون من عمومات لعن إبليس في قوله تعالى وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ أن المؤمنين يستعيذون بالله منه ، ويطردونه من قلوبهم ويحترزون من إغوائه.
وجاءت الإستعاذة على لسان أم مريم كما ورد في التنزيل وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ الشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العناية بالطفل من حين ولادته

بحث أصولي / معنى الفتح
المتبادر من معنى الفتح هو النصر وقهرالعدو ، ودخول داره والإستيلاء على ماله ، والتبادرمن علامات الحقيقة ، كما بيناه في علم الأصول .
ولكن القرآن جاء بمعنى آخر للفتح وهو الصلح ووقف القتال ، ليكون خصائص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التبدل النوعي في الوقائع ونتائجها ، وفي المسميات لما فيه الرحمة والإحسان والصلاح ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ونزل القرآن بتسمية صلح الحديبية فَتْحًا مُبِينًا .
ويحتمل إطلاق القرآن اسم الفتح على صلح الحديبية وجوهاَ :
الأول : إنه من الحقيقة , ووضع هذا الاسم للصلح .
الثاني : هو من المجاز الذي انتقل إليه الاسم من معنى آخر بينه وبين المعنى الذي وضع له نوع علاقة مشابهة مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي للفتح الذي هو دخول البلد عنوة وقهراَ .
الثالث : إنه من الحقيقة الشرعية , وهو استعمال الشرع للفظ في مسمى آخر غير الذي وضع له في اللغة , بما هو أخص من المسمى اللغوي الذي وضع له اللفظ بتقادم الأيام وكثرة إستعمال اللفظ في المعنى الشرعي .
كما في لفظ (الصيام) الذي هو لغة الإمساك وانصرافه إلى العبادة المعروفة من الإمساك عن الأكل والشرب والجماع .
واستعمال لفظ (الصلاة) و(الحج) و(النكاح) و (الربا) من غير أن يمحى المعنى الذي وضع له اللفظ في أصل اللغة ، قال تعالى [وأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا] ( ).
ومنهم من قيد الحقيقة الشرعية بهجران المسمى الذي وضع له اللفظ في أصل اللغة مطلقاَ ، والواقع بخلافه .
الرابع : هو استعمال اسم الفتح في صلح الحديبية من النقل الموضوع له إلى المعنى المستحدث .
الخامس : إنه من المشترك اللفظي بمعنى وضع اسم الفتح لدخول البلد عنوة للصلح بين طرفين ايضاً.
وعلى فرض هذا المعنى فمثلا يكون الصلح فتحاَ لطرف واحد أم لطرفين , ولابد من قرينة وبيان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن صلح الحديبية فتح خاص له ، ومن ورائه الصحابة والأمة ، لقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
السادس : المراد من الفتح في قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) فتح مكة والذي سيتم بواسطة صلح الحديبية , فالصلح وسيلة وواسطة ومقدمة سلمية .
ولكن السنة النبوية خلاف هذا المعنى إذ أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بان ذات صلح الحديبية فتح بذاته لحديث (مجمع ابن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟
قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف .
فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً }( ) .
فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟ قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح) ( ) .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان وتفسير القرآن بما فيه تفقه المسلمين في الدين ، وشكرهم لله عز وجل ، ومنع الخلاف والإختلاف والريب بينهم .
والمختار هو الأول والثالث والرابع أعلاه .
وأن إطلاق القرآن اسم الفتح على صلح الحديبية وتأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهذا المعنى آية ونعمة ومدرسة من غير أن يمحى المعنى اللغوي والمسمى الذي وضع له اسم الفتح.
الصلح حجة على المشركين
لقد كانت الحديبية صلحاً ، والأصل هو الثناء على طرفي الصلح ، ولكن قانوناً يحكم الحياة الدنيا ، وهو منع وصول المدح والثناء إلى الذين كفروا لتخلفهم عنه بتركهم الواجب ، وعلة الخلق ، وهو التوحيد ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ولإصرارهم على فرض شروط على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهم ينصبون الأصنام في البيت الحرام ، ويقومون بتيسير حج المشركين ، ولكنهم يمنعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار الذين لا غاية عندهم في دخول مكة إلا أداء المناسك ، وقول (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ) وهذا النداء شاهد على استدامة السلم وعدم نسخ آياته .
لقد علم المسلمون أن أداء حج البيت الحرام واجب عيني على المسلم البالغ العاقل المستطيع لقوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، والأحاديث النبوية في وجوب الحج ، فلا يجوز صدّ المشركين لهم عن البيت الحرام .
ومن خصائصه تهيئة المسلمين للصلح ، وفضح المشركين بهذا الصلح ، واثبات عجزهم عن استئصال الإسلام.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كشف رضاه بشروطهم في صلح الحديبية استكبار قريش وأنه أظهر وهنهم وضعفهم وحملهم على الصلح ، وعجزهم عن القيام بغزو المدينة أو التعدي على المؤمنين ، وعدم الممانعة بدخول القبائل في الإسلام لمدة عشر سنوات ، وفضح قبح أفعال صلح الحديبية قريش وحلفائهم من مصاديق تسميته من عند الله [فَتْحًا مُبِينًا] ( ).
وهل صلح الحديبية من مصاديق قوله تعالى وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ نعم ، ليس عند كفار قريش من أسباب دفع العذاب عنهم ، فلا إيمان ولا عمل صالح ولا تعاهد منهم لأمانة ولاية المسجد الحرام ، فلا شئ يمنع من نزول العذاب بساحتهم ، فقد خلوا بينهم وبينه باختيارهم وإصرارهم على الظلم والجور.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن صلح الحديبية مناسبة لتدبر الناس في معجزاته ، والمبادرة لدخولهم الإسلام ، قال تعالى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
شواهد الصلح
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على أنه لا يريد القتال ولا يسعى للغزو وأن آيات السلم محكمة عقده (صلح الحديبية) ورضاه بشروط المشركين.
وقد يقال أن الصلح أمر يقع في كل زمان بين طرفين أو أطراف متخاصمة أو متحاربة ، وقد يتم بلا حرب أو قتال .
والجواب نعم ، ولكن صلح الحديبية تتجلى فيه معالم النبوة ، وسلطان الوحي والتنزيل في عالم السلوك والفعل من جهة المسلمين ، ومن طرف المشركين .
فمن أسرار الوحي عدم انحصار موضوعه وحكمه بالسنة النبوية القولية والفعلية ولا بسيرة ومنهاج المسلمين , إذ تظهر مصاديقه وأثره حتى في أحوال المشركين وعملهم ، وخذلانهم وظهور الإرباك والخوف والفرقة في صفوفهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة الوحي له في معارك الإسلام ومقدماتها ، وهو من سبل نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق قوله تعالى إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ.
ومن إعجاز الآية أعلاه وشواهد نصر الله الذي تذكره الآية عدم خسارة وهزيمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أي معركة من معارك الإسلام مع أن المشركين هم الذين كانوا يختارون أوانها ومكان وقوعها وكيفيتها ، ويأتون بأعداد من الرجال وأسلحة أضعاف المسلمين وما عندهم من العدة .
إذ لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يخفون أمرهم فالدعوة إلى الإسلام علنية ، والنفير إلى الدفاع اختياري في الجملة مع قلة ما في اليد من المال والظهر والسلاح ، قال تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] ( ) .
وهو لا يتعارض مع قوله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ.
ومن الإعجاز في اللفظ القرآني المتحد جمعه بين الماضي والحاضر والمستقبل ، ففي قوله تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا] ( ) إخبار وقطع بنصر الله عز وجل للرسل السابقين ، وهل تشمل هذه الآية الأنبياء ويكون تقديرها إنا لننصر انبياءنا .
الجواب نعم ، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، ولأن لفظ الرسل قد يأتي في القرآن ويراد منه جميع الأنبياء والرسل ، ويدل على إفادة الآية عموم الأنبياء قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ] ( )فلم تقل الآية : وكأين من رسول .
ليكون في الآية أعلاه دعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل فانهم يدافعون مع نبي رسول ينزل عليه الوحي ويصاحبه الملك جبرئيل ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته للناس كافة ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ.
وهل صلح الحديبية نصر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أم أن القدر المتيقن من النصر هو بميدان القتال ، الجواب هو الأول ، ومن إعجاز القرآن بيانه لقانون صلح الحديبية نصر بنزول قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تجلت في صلح الحديبية وجوه :
الأول : مقدمات هذا الصلح البعيدة والقريبة عند الإعداد للخروج من المدينة إلى مكة برؤيا وحي ، وماهية هذا الخروج وهو أداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه العمرة ، أما القريبة فهي اقتراب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية عقد مفاوضات الصلح .
الثاني : بنود صلح الحديبية .
الثالث : نتائج صلح الحديبية .
وفي هذا التقسيم دعوة للعلماء لإستقراء معجزات وخصائص النبي محمد في سعيه للسلم ، وانتفاء الغل والحقد من صدره إذ أنه يبذل الوسع للصلح مع المشركين ويرضى بشروطهم مما يدل على عدم إرادته الإنتقام أو البطش أو الثأر.
والشواهد كثيرة من القرآن والسنة ، وكل فرد منها دليل على صبغة السلام التي تتصف بها رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتجلى قانون الإسلام والسلام توأمان.

قانون منع الغلو بشخص النبي
يبين قوله تعالى [قُلْ أنمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى اليَّ أنمَا الهُكُمْ الهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كان يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا] ( )، لقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الناس بأنه مخلوق وبشر مثلهم ليس بملك، ولكنه امتاز عنهم بإختياره للنبوة والتبليغ.
وفيها تأديب للمسلمين ومنع تأليه مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن مصاديق جهاد النبي محمد منع الغلو بشخصه الكريم إذ كان يقول لأصحابه.
لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله) ( )، لذا لم يثن عليه المسلمون الا بما هو حق.
وقد خشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإفتتان وهو رحمة المنان وأظهر التواضع والعرفان، وهذا ما تدل عليه السيرة والوجدان وبقي سلوكاً لعامة المسلمين على مر الأزمان ، ومن خصائصه أنه كان يقبل دعوة المسكين ويعود المريض ويداعب الأطفال وينشر شآبيب الأمان، ويقوم بحاجة الفقير والضعيف، آثر الفقر والمشقة والجهد على السلطان لتكون حياته مصداقاً، وشاهداً يومياً على صدق نبوته.
ومن خصائصه زهده في الدنيا ، واختياره الآخرة وكان يتوجه إلى الله بالدعاء (اللَّهُمَّ احْيِنِي مِسْكِيناً وَأمِتْنِي مِسْكِينَاً وَاحْشْرْنِي فِي زُمْرَةِ المَساكِين)( ).

قراءة في علم الرجال
تجلت علوم التحقيق في علم الرجال والدراية , وفيه وجوه:
الأول : توثيق الأحاديث الصحيحة والمتواترة وإسقاط الأحاديث الموضوعة من كتب المسلمين المعتبرة .
الثاني : اجتهاد العلماء في تنقيح سند الأحاديث ، ويمكن القول أن باب التفسير أعم من أحكام الفقه وأنه يمكن التسامح فيما يخص المواعظ والقصص ونحوها بقبول الحديث المرسل والضعيف سنداً بشرط عدم معارضته للكتاب والسنة .
ولا يتعارض مع علم الرجال بنظر الإعتبار ولو على الموجبة الجزئية، وبيان نوع الحديث وهل هو من الصحيح أو الحسن او الموثق او الضعيف.
الثالث : صيرورة موضوعية لعلم الرجال في علم التفسير , فالأحاديث الواردة في أبواب الفقه تحقق رجالياً تحقيقاً وثائقياً ووافياً , أما في باب التفسير فإنها تذكر إجمالا في الغالب من غير إشارة إلى صحتها او ضعفها، وحتى الذي لا يقول بجبر المشهور للحديث الضعيف السند ولا يعمل بقاعدة التسامح في أدلة السنن تراه في باب التفسير يتسامح في القواعد الرجالية .
وهناك قولان :
الأول : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيّن جميع ما في القرآن من معاني والفاظ ، ومما استدلوا به أن الصحابة كانوا يتعلمون آيات القرآن بالتوالي .
عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن .
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا) ( )
الثاني : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبين الا الشيء اليسير ولم يفسر إلا آيات قليلة .
ويمكن الجمع بينهما أنه لا إفراط ولا تفريط بل منزلة بين المنزلتين، وأن من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضعه القواعد الكلية والمنهجية السليمة والضوابط الصحيحة لعلم التفسير والتأويل بالمصاديق وبيان تفسير جملة من الآيات والتي تصلح أن تكون قواعد كلية في علم التفسير خاصة وأن من التفسير ما يعلمه العرب ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
لقد شاء الله عز وجل حفظ اتباع الأنبياء وتعاهد أجيالهم ليكونوا مقدمة لظهور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومادة الدعوة الإسلامية وموضوعها الذي به وفيه تترشح وتنتشر بركات للنبي صلى الله عليه وآله وسلم متقدمة على زمانه والتي لا تنحصر بما بعد ولادته وبعثته صلى الله عليه وآله وسلم بل كانت البشارات بنبوته عنوان عز وفخر للمؤمنين المتقدمين منهم والمتأخرين وسبباً لبعث الهيبة لهم في نفوس السلاطين والملوك ، لتقف وراء عدم تجرأهم على غزو الجزيرة وأرض الحرمين .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تهيئة مقدمات بعثته باعجاز ومدد من عند الله عز وجل ، فلا تختص معجزات النبي محمد بما جرت على يديه ، بل منها ما هو سابق لأيامه .
قانون تأكيد التنزيل لصدق النبوة
تؤكد آيات القرآن مجتمعة ومتفرقة صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها آية من عند الله للعالمين جميعاً، وتبين رحمة الله عز وجل بالناس عموماً وهي من مصاديق صفة (الرحمن) لأن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة بالناس ووسيلة سماوية للهداية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ما ينزل عليه يبعث السكينة في قلبه وقلوب المسلمين ، ويتضمن فضح أهل الباطل، لأن الباطل لا يستطيع معارضة الحق والرسالة السماوية ، قال تعالى وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.
ويبين القرآن على نحو يومي بتلاوته في الصلاة الفصل بين أهل الإيمان والكفار، ويدعو الى المسلمين إلى بذل الوسع للتفقه في الدين .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوته القرآن خمس مرات في اليوم في الصلاة الواجبة لإرشاد المسلمين لأحكام الحلال والحرام ، وتنمية الملكة العامة للعمل والتقيد بها .
ومن خصائصه قيامه بحث المسلمين للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإعتصام بالله عز وجل ونبذ الفرقة ، ومن خصائصه تعدد أدعيته لأمته وورد ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم القيامة (أمتي ، أمتي)( ).
وكل آية قرآنية وثيقة سماوية وحرب على أهل الجحود والذين يحاولون نشر الشك والريب .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن نسبة رسالته إلى الله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ وعد كريم لظهور الإسلام واعلان كلمة الحق والمدد الغيبي للمسلمين، ولتكون رسالته هدى للمسلمين ووعيداً وتخويفاً للكافرين، لقد ورد قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ] سبع مرات في القرآن كل واحدة منها خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتضمن التكليف ولزوم بذل الوسع في الدعوة إلى الله وهي :
الأولى : قوله تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.
الثانية : قوله تعالى رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا.
الثالثة : قوله تعالى وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرً.
الرابعة : قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
الخامسة : قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
السادسة : قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
السابعة : قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آيات القرآن بشارة النصر وإخبار عن استدامة العون الإلهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وعز له ، وخيبة للكافرين وإنذار لمن يكفر برسالته ووعيد بأن النار مثواه، وفي قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ دلالة على اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم دعوته إلى الله عز وجل والتوجه لنشر الإسلام وجذب عامة الناس وتمكين أحكام الإسلام من قلوب الناس ، وعدم الإنشغال بأهل الضلالة.
عموم الدعوة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله عز وجل بارساله إلى الناس جميعاً ، العربي وغير العربي ، والأبيض والأسود ، وفي خطاب وأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا….
و(عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن ربكم واحد ، وأباكم واحد ، ولا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا أحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)( ) .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بالمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات ، وسلامة أحكام الشريعة الإسلامية عن الظلم وأسباب الفساد.
ومع عزلة الجزيرة فقد كان عدد من الصحابة من غير العرب منهم سلمان الفارسي ، وبلال بن رباح الحبشي ، وصهيب الرومي ، وذكر أن صهيباً عربي سباه الروم وهو غلام صغير فهو (صهيب بن سنان: بن مالك ويقال خالد بن عبد عمرو بن عقيل ويقال طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمري أبو يحيى.
وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم وهو الرومي قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيراً قال بن سعد وكان أبوه وعمه على الأبلة من جهة كسرى وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه ويقال بل هرب من الروم فقدم مكة فحالف بن جدعان.
وروى بن سعد أنه أسلم هو وعمار ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دار الأرقم ونقل الوزير أبو القاسم المغربي أنه كان اسمه عميرة فسماه الروم صهيباً قال: وكانت أخته أميمة تنشده في المواسم وكذلك عماه لبيد وزحر ابنا مالك)( ).
وهل من صلة بين اختتام النبوة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين عموم دعوته الناس جميعاً للإسلام ، الجواب نعم ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأولى : الجمع بين ختم النبوة برسالته فلا نبي بعده ، وبين توجهه للناس جميعاً بدعوتهم إلى مسالك الهدى والإيمان .
الثانية : إتصال وتجدد دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام في كل زمان ، وهو من مصاديق تلاوة المسلمين للقرآن كل يوم وإلى يوم القيامة .
الثالثة : حضور السنة النبوية في الوقائع والأحداث .
الرابعة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاء صلاته في الأرض يأتي بها الملايين ، خمس مرات في اليوم ، وهو من مصاديق قوله (صلوا كما رأيتموني أصلي)( ).
السنة النبوية شاهد صدق
السنة النبوية خير شاهد على صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد حاربت قريش الرسول الأكرم وأرادوا قتله في فراشه ، قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم ينشغل طويلاً بمخاطبة ودعوة واستعطاف عظماء قريش للإسلام مع الحجة عليهم لحسن حالهم وشأنهم من المنزلة الإجتماعية والسياسية والتأثير في القبائل العربية بل وما لهم من سطوة عانى من آثارها النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسـه والمسلمون الأوائل ، قال تعالى لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
فلم يتوقف نشر الإسلام عليهم ، وحصر الدعوة أو جلّها بهم مضيعة للوقت ومجازفة بجهود أهل الإيمان.
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يتصرف بوحي من الله تعالى فقد هاجـر إلى المدينة وقبلها الى الطائف وكان يتصـل بقبائل العرب ووفودهم في الموسم ، ليصبح الإسلام قوياً من غير رجالات قريش رغم شدة محاربتها له .
وتبين كتب السـيرة والتأريخ ان بعض ساداتهـم لم يسلموا الا عام الفتح وبعد ان فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة سلماً .
ولو وظفت الدراسـات الجغرافية والبعد المكاني بين مكة والمدينة والذي يبلغ نحو أربعمائة وخمسين كيلومتراً ووعورة طريق الهجرة وما فيه من المشاق والمخاطر واعتماد الراحلة وسيلة للنقل لأدرك الناس ما في الهجرة من مضامين الجهاد والصبر ودلالتها على الإيمان، وكذا بالنسبة لموضوع هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الطائف.
انها مدرسة القرآن والنبوة متجسدة بالسنة فقد لا تجد الدعوة اذناً صاغية عند من اعتادوا على افكار وعادات معينة واخذتهم العزة والكبرياء من ان يستجيبوا للدين الجديد ولدعوة تهدد كياناتهم التي انشئت بقواعد الأفكار المتعارفة السائدة وارتكزت على مفاهيم ساذجة محورها الضلالة .
وان مسألة الواجب التعبدي والأفضل والأحسن ، وضرورة ترك الأسوأ لا تطرأ على بالهم ولم يجعلوها في معجم افكارهم، همهم ان يحافظوا على ما هم عليه وما ورثوه من آبائهم ، قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.
فكان من الأمر الإنطباقي ان يقابل هؤلاء الكفار بجهالة الدين الجديد بالرفض وعدم الإستجابة ولو دون التصريح بالرفض والجحود ، قال تعالى مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مواجهة العتاة والطغاة والإعلان بآيات القرآن بلزوم خضوعهم لأحكام المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات ، ونبذ الظلم .
وقد صدر الجزء الخامس والستون بعد المائتين من تفسيري (معالم الإيمان) خاصاً بتفسير آية واحدة من القرآن مع قلة كلماتها وهي لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه الخطاب له وارادة أجيال المسلمين بعدم الإفتتان بما عند المشركين من المال والجاه والنعيم وبشارة زوال سلطان كفار قريش إذ تتضمن الآية التي بعدها هذه البشارة بقوله تعالى مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
ويبرز جحود المشركين خارجاً بلجاج وسؤال تعجيزي ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قهر المشركين بالحجة والبرهان ، لذا ترى عدداً من رؤسائهم يبادرون إلى دخول الإسلام ، ومن خصائصه تلقيهم بالود والرضا ، وكان يقول (والإسلام يجب ما كان قبله) ( ).
أي يمحو دخول الإسلام والتوبة الآثام التي قبله ، ومنها الشرك بالله.
النبوة أمانة
ليس من حصر لمصاديق وأفراد الأمانة التي جعلها الله عز وجل عند الناس ، قال تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا.
ترى ما هي النسبة بين خلافة الإنسان في الأرض وبين حمله أعباء الأمانة ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالأمانة فرع الخلافة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوزه بمرتبة الخلافة وأسمى مراتب الأمانة ، وكان يسمى قبل البعثة (الأمين).
وعن زيد بن أسلم قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأمانة ثلاث : الصلاة ، والصيام ، والغسل من الجنابة)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته أمانة عند المسلمين وعموم أهل الأرض وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
لقد عميت أبصار وبصيرة الذين كفروا عن قانون وهو أن الناس ينقسمون في موضوع النبوة إلى قسـمين :
الأول : نبي مبعوث من عند الله بالمعجزة .
الثاني : متلقي من النبي .
ليتجلى قانون وجوب اتباع الأنبياء، والنبي هـو الواسـطة بين الله عز وجل وبين الناس جميعاً ولكن الناس في صلتهم مع النبـوة على مرتبة وعرض واحد فلا ينقسمون الى درجات ومراتب الا فيما يتعلق بالإمامة والصحبة والتقوى والإخلاص ، قال تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
وليس في نواميس السماء اختصاص فرد او جماعة دون غيرهم بآيات النبوة كحجة وبرهان، بل هي نعمة توجه للناس جميعاً وان جاءت حسية حيث يشاء الله وهي حينئذ ايضاً موجهة للناس من خلال القضية الشخصية والواسطة، ولكن إيمان العبد يجب ان لا يتوقف على رؤية الآية الشخصية او يكون معلقاً عليها، بل عليه ان يكتفي بالآيات العامة والخطابات التكليفية.
ويتضمن قوله تعالى [إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ] اضافة الفعل والأمر إلى الله تعالى وما النبي إلا رسـول يبلغ أوامر الله تعالى .
وهذه النسبة نسبة الفعل إلى الله تعالى نوع إكرام للناس ، وتخويف وتهديد للكفار ، فمن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليس له من الأمر الا التبليغ فلا يطلبون منه كل شيء ، قال تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ.
البعث بالحق
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل هو الذي أرسله للناس بالقرآن والمدد والعون منه تعالى ، ومنه نزول الملائكة لنصرته في دفاعه في معركة بدر ، ومعركة أحد ، والخندق ،قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
ومن أسماء الله تعالى (الحق) وهو الموجود بذاته الدائم المتحقق وجوده وحياته وعظيم قدرته ، وبديع صنعه من غير زوال أو فناء ، وفي التنزيل ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثته من عند الله بالحق ، قال تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، وفي [بِالْحَقِّ] عدة وجوه :
الأول : أي بالقرآن عن ابن عباس ، وقيل دليله بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ والمختار أن معنى الحق في الآية أعلاه أعم .
الثاني : الإسلام وشرائعه .
الثالث : أي بعثناك على الحق .
الرابع : بالصدق .
الخامس : الحق سور الموجبة الكلية للأحكام الشرعية والبشارات والإنذارات .
السادس : تفيد الباء في (بالحق) المصاحبة والملابسة .
لبيان مصاحبة الحق والوحي لشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية والفعلية .
السابع : إخبار النبي محمد بصيغة اليقين عن عالم الحساب والجزاء في الآخرة .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد مصاديق الحق والصدق في رسالته بما يمنع من الشك أو الريب فيها .
وورد لفظ (لاريب) أربع عشرة مرة في القرآن ، وموضوعها على شعبتين :
الأولى : القرآن ، قال تعالى ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.
الثاني : يوم القيامة ، وفي التنزيل رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
فمن الحق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن عليه وإخباره عن اليوم الآخر .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهادة الله بصدق رسالته ووجـوه اليقـين الذي تخـبر عنـه آيات القرآن وما فيهـا من البشـارة وثبـات الدين وانه لا يقبل التفكيك او التفريط ببعض أحكامه ولا يجوز التخاصم فيه اذ لا واسطة وبرزخ بين الحق والباطل للتضاد بينهما ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دلالة آيات القرآن على سيادة شعائر الإسلام، قال تعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ.
فلا غرابة ان يخرج المسلمون في كتائب دفاعية لملاقاة الكفار والمشركين.
صفة البشير النذير
من خصائص النبي محمد اجتماع صفتين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، كما أنهما من رشحات بعثته بالحق وصفته بشيراً ونذيراً ، وتأتي معهما في آية صفة الشاهد التي إذ تكرر الخطاب من الله إلى النبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع هذه الصفات الكريمة له من بين الأنبياء .
لبيان حقيقة وهي أن كل بشارة وكل إنذار نزل به القرآن أو جاء على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله حق وصدق , قال تعالىإِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان وتوثيق قصص الأنبياء بما فيه الموعظة والحجة ، وفيه مسائل :
الأولى : ظهور الآيات وبيان الحقائق وإن من خصائص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم إمكان إخفائها وورد في ذم قوم قوله تعالىوَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
الثانية : تنزه نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الهوى واتباعه , قال تعالىوَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ.
الثالثة : مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشريعة الناسخة المتكاملة.
الرابعة : تتضمن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحكام الحلال والحرام ، والفصل بين الناس وأهل الملل.
الخامسة : من الحق الوعد الكريم بالجنة للمتقين ، قال تعالى وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، ومن الوعيد للكفار بالعذاب الأليم ، قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ.
وقوله تعالى[بِالْحَقِّ] بشارة ظهور الإسلام ومنعة دولته , ولما أخبرت الآية عن كون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشيراً، جاءت ذات الآية بالبشارة له من الله ، فلفظ (بالحق) بشارة من الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسكينة له وللمؤمنين.
ترى لماذا لم تقل الآية بشيراً ونذيراً بالحق , والجواب يكون المعنى حينئذ حصر الحق بالبشارة والإنذار ، بينما رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعم ، منها الشهادة على الناس في قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وفيه دعوة متجددة للإيمان ، قال تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ.
ولإفادة أن الرسالة ذاتها بالحق وأنها وسيلة وموضوع للحق ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه جاء بنجاة الناس من العذاب في الدنيا والآخرة باختيار الإيمان .
مصاحبة البشارة والإنذار للناس
البشارة هي الإخبار الذي يتعلق بقادم الأيام ويتضمن الفرح واليسر والسعادة ، ويدخل الغبطة والإبتهاج إلى النفس ، أما الإنذار فهو الإخبار بصيغة التحذير والتخويف .
ومن فضل الله عز وجل ابتداء البشارة والإنذار لآدم وحواء وهما في الجنة ، إذ جمعتهما آيات منها وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ.
لتستمر البشارات والإنذارات للناس على لسان الأنبياء وفي الآيات الكونية ، والوقائع والحوادث العامة والخاصة ، وما فيه الإتعاظ والإعتبار.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بالبشارة والإنذار في أمور الدنيا والآخرة ، وفيه بيان لوظيفة ومضمون رسالته ويدل بالدلالة التضمنية على شمول موضوعها أمرين :
الأول : الرحمة والبشارة .
الثاني : الوعيد والإنذار .
من غير تعارض بين القسمين، ومن الناس من يتلقى الرسالة بالقبول وبعضهم بالتردد والتشكيك ومنهم الجاحدون الذين كتب الله عليهم الخزي في الآخرة ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي أهوال عالم الآخرة والثواب والعقاب في رسالته .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : نيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صفة البشير النذير .
الثاني : اتصال واستدامة صفة البشير والنذير للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل زمان .
الثالث : دعوة الناس للتدبر في آيات القرآن التي تفيد البشارة والإنذار .
الرابع : السعي لإحصاء آيات البشارة وآيات الإنذار في القرآن ، لبيان موضوعية كل منهما في رسالة النبي ، ومعرفة أيهما أكثر آيات البشارة أو آيات الإنذار .
ومن الآيات ما تجمع بين البشارة والإنذار كما في قوله تعالى فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا.
والآية مدح وثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيان عظيم مسؤولياته وتعددها وتشعبها وأهليته للقيام بها، وهي دعوة للناس للإنتفـاع مما في رسالته من الهداية والآيات الباهرات ، وإنذار ووعيد لأهل التشكيك والجحود .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفه في القرآن بكونه [بَشِيرًا وَنَذِيرًا] والذي ورد أربع مرات في القرآن كلها بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتبين هذه الآيات المسؤوليات العظيمة التي يقوم بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعدد وجوه ومضامين الرسالة ومن خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته لا تنحصر بالمسلمين بل تشمل الناس جميعاً، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ…] ( ).
فالمسلم يتلقى البشارة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه البشارة من عند الله تعالى لأن الله عز وجل هو الذي أرسل النبي محمداً ليبشر المؤمنين ، قال تعالى [وََبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ] ( )، وهو سبحانه الذي أمر النبي محمداً بإنذار وتخويف الكفار بالقرآن وآياته ، قال تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ.
والبشارة أعم من الوعد بالخير موضوعاً وحكماً، قال تعالى وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، وكذا الإنذار فانه أعم من الوعيد والتخويف ، قال تعالى إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ.
كما ورد الإنذار للناس جميعاً ، المؤمن والكافر في آيات عديدة منها ، قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
ويدل الجمع بينها على المنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق من تفضيله على الأنبياء الآخرين.
بناء المسجد النبوي بالوحي
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صدور قوله وفعله عن الوحي ، وفيه دعوة للعلماء لتوثيق سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحض لعامة المسلمين بالإنتفاع الأمثل منها ,
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضيل الله عز وجل له بمصاحبة الوحي له ، والأمر لأجيال المسلمين بالإقتداء بسنته ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وبعد أن وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة مهاجراً بنى مسجده في وسط المدينة ، وهو الذي يسمى في الأزمان المتعاقبة المسجد النبوي ، وهل كان اختيار موضعه وبناؤه بالوحي ، الجواب نعم.
ومن علاماته أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ مـأمورة ، إذ كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يمر على دور الأنصار ، وكل حي يسألونه أن ينزل عندهم ويقفون أمام ناقته يمنعونها من السير حباً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ورجاء الفوز باقامته عندهم .
وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصدق ولاء أصحابه له ، وكان يقول لهم (خلو سبيلها فانها مأمورة) فبعد أن صلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول جمعة في المدينة عند بني سالم بن عوف ركب ناقته ، فجاءه (رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ . أَقِمْ عِنْدَنَا فِي الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ قَالَ خَلّوا سَبِيلَهَا ، فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ لِنَاقَتِهِ فَخَلّوا سَبِيلهَا .
فَانْطَلَقَتْ حَتّى إذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي بَيّاضَةَ ، تَلَقّاهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي بَيّاضَةَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هَلُمّ إلَيْنَا ، إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ قَالَ خَلّوا سَبِيلَهَا فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ فَخَلّوْا سَبِيلَهَا .
فَانْطَلَقَتْ حَتّى إذَا مَرّتْ بِدَارِ بَنِي سَاعِدَةَ ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ .
فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هَلُمّ إلَيْنَا إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ قَالَ خَلّوا سَبِيلَهَا ، فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ فَخَلّوْا سَبِيلَهَا.
فَانْطَلَقَتْ حَتّى إذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هَلُمّ إلَيْنَا إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ قَالَ خَلّوا سَبِيلَهَا ، فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ فَخَلّوْا سَبِيلَهَا .
فَانْطَلَقَتْ حَتّى إذَا مَرّتْ بِدَارِ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ دِنْيَا – أُمّ عَبْدِ الْمُطّلِبِ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو ، إحْدَى نِسَائِهِمْ – اعْتَرَضَهُ سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ ، وَأَبُو سَلِيطٍ أُسَيْرَةُ بْنُ أَبِي خَارِجَةَ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هَلُمّ إلَى أَخْوَالِك ، إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ قَالَ خَلّوا سَبِيلَهَا فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ فَخَلّوْا سَبِيلَهَا.
فَانْطَلَقَتْ حَتّى إذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ ، بَرَكَتْ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِرْبَدٌ( ) لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النّجّارِ ، ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ ، وَهُمَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، سَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو .
فَلَمّا بَرَكَتْ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ عَلَيْهَا لَمْ يَنْزِلْ وَثَبَتَ فَسَارَتْ غَيْرَ بِعِيدٍ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يَثْنِيهَا بِهِ ثُمّ الْتَفَتَتْ إلَى خَلْفِهَا ، فَرَجَعَتْ إلَى مَبْرَكِهَا أَوّلَ مَرّةٍ فَبَرَكَتْ فِيهِ ثُمّ تَحَلْحَلَتْ وَزَمّتْ وَوَضَعَتْ فَنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ .
فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ رَحْلَهُ فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ وَنَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَسَأَلَ عَنْ الْمِرْبَدِ لِمَنْ هُوَ ؟ فَقَالَ لَهُ مَعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ : هُوَ يَا رَسُولَ اللّهِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو ، وَهُمَا يَتِيمَانِ لِي ، وَسَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ فَاِتّخِذْهُ مَسْجِدًا)( ).
وفي بروك ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : إنها علامة حسية ظاهرة على إختيار موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : رضا الأنصار وعامة المسلمين في تحديد موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : منع الخلاف في موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة مع كثرة الأنصار الذين عرضوا على النبي أن يكون المسجد في أحيائهم .
الرابع : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تعيين موضع مسجده بالوحي له من عند الله ، وبعلامة في بروك ناقته خاصة وأنه قدم له بقوله المتكرر (فانها مأمورة فخلوا سبيلها ) .
التحدي بالقرآن
من علامات المعجزة أنها أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدي ، سالم عن المعارضة ، وهو الذي يتجلى في آيات القرآن ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون الآية القرآنية تتضمن التحدي من وجوه :
الأول : قانون التحدي العام عن الإتيان بمثل سورة من القرآن ، قال تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
الثاني : قانون التحدي بمضامين ودلالات الآية القرآنية ، وهو من الشواهد على قانون القرآن معجزة عقلية متجددة .
الثالث : قانون عجز الناس عن إحصاء منافع آيات القرآن من أيام التنزيل وإلى يوم القيامة ، وفي أهوال يوم القيامة قال تعالى وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.
ويبين قوله تعالى وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إعجازاً من جهة التشابه وزمان نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وبينت الآية وجه الصلة بين أهل الشك والريب ، وهي تشابه قلوب الذين ألحوا على الأنبياء السابقين بسؤال المحال، وبين الذين يسألون أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سؤال شك وجحود مع أنه جاء بالبراهين والدلالات الباهرات لإتصاف الذين كفروا بالعناد والحسد والإستكبار عن الإقرار بالحق.
وفي قوله تعالى وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ذم لأهل العناد ، وتحذير من التعنت والإصرار المترشح عن الشك والريب ، فالأصل أن الآيات التي من عند الله تتضمن التحدي والأمر الخارق.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آيات نبوته معجزة في زمان نزول القرآن وأفراد الزمان الطولية وإلى يوم القيامة.
ومن خصائصه :
الأولى : تجدد آيات وشواهد السنة النبوية .
الثانية : كثرة الشواهد على صدق نبوته .
الثالثة : اجتهاد المسلمين في طاعة الله ، وتعاهد التنزيل ، قال تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا.
والقرآن هو الكتاب الذي يدعو الناس للإقرار بالعبودية لله، وإقامة الفرائض وعمل الصالحات، فإذا كانت الطبقة المصاحبة لأيام التنزيل تريد آيات ومعجزات خاصة بها، فإن الطبقات الأخرى تأتي إلى الدنيا والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد انتقل إلى الرفيق الأعلى.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن عليه معجزة وآية عظمى لكل الناس على مختلف أزمانهم وأمصارهم وألسنتهم وألوانهم، وفيه زجر عن سؤال المحال، ومنه كلام الله لغير الأنبياء، وفيه دعوة للتدبر في معجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية فإن فيها كفاية لتحصيل اليقين بصدقه في نبوته.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن من عند الله بنصرته والترغيب بالدفاع ضد المشركين تحت لوائه والثواب عليه.
ومن الناس من يختار العناد ولا يريد أداء الفرائض والتكاليف، ولا الخروج لميادين الدفاع فتوجه لسؤال المحال.
فنزلت الآيات لفضحه وتوكيد حقيقة وهي أن الله عز وجل تفضل ببيان الآيات والمعجزات، وقد آمن وصدّق بها أرباب العقول الذين انشرحت صدورهم لقبول الحق، وكانوا مستعدين للتدبر في الآيات وإعلان التصديق بها مع وجود المقتضي وفقد المانع، وفيه توكيد لحقيقة أن الله عز وجل غني عن الذي يسأل الآيات الخاصة والأمر المحال، قال تعالىوَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.

الإعجاز في اجتماع الضدين
نزل القرآن بالإخبار الإلهي بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبي رسول ، وأن الله عز وجل اختاره لمقامات الرسالة ونيله مراتب القرب والمشاهدة الحضورية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع الضدين في رسالته وهذا الإجتماع رحمة بالناس فهو البشير الذي يبشر بالجنة والمغفرة، وهو النذير الذي ينذر الكفار والمنافقين بالعذاب الأليم.
وهذا الإجتماع من خصائص الرسالة العامة للناس جميعاً، بلحاظ أن الناس يوم القيامة على قسمين فأما في الجنة وأما في النار ، قال تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
وكل من البشارة والإنذار لطف مستقل، كما ان الجمع بينهما لطف إضافي بالناس لأنه حث على الإيمان ودعوة للفوز بالجنة، وزجر عن الكفر، وتحذير من العذاب يوم القيامة.
ويتجلى تأكيد هذا الجمع بلحاظ أن البشارة في مفهومها إنذار للذين يعرضون ويجحدون عنها ، وأن الإنذار للذين كفروا بشارة للمؤمنين.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة الأنبياء السابقين برسالته ومجئ البشارات به عند ولادته ، وحينما ولدته أمه رأت نوراً أضاءت له قصور الشام.
وعن العرباض بن سارية عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إني عبد الله، وخاتم النبيين، وأبي منجدل في طينته، وأخبركم عن ذلك أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين .
وإن أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأت حين وضعته نوراً أضاءت لها قصور الشام ، ثم تلا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا إلى قوله {منيراً})( ).
والمنجدل هو الطريح الملقى الأرض قبل نفخ الروح فيه ويقال للقتيل منجدل.
الخطاب القرآني إلى النبي محمد (ص)
لقد جاءت آيات قرآنية خطاباً شخصياً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصل الخطاب القرآني هو العموم والشمول الا ان يدل دليل على إرادة الخصوص مثل قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا… .
وهذا الدليل ظاهر في المقام فالرسالة والنبوة خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام فلا تشمل المسلمين، الا ان هذا لا يعني عدم ارادة المسلمين في خطابات القرآن مثل قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فيكون الخطاب خاصاً في لفظه عاما في حكمه لتبعث هذه الخطابات في نفوسهم العز والفخر وتدعوهم للثبات في مناهج الإيمان، والمواظبة على العبادات، وتزرع في نفوسهم اليقين بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتبين ان الإسلام سعي وعمل، وتتجلى في الآية العناية الإلهية بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعظيم منزلته عند الله، وما فضله الله عز وجل به على الأنبياء السابقين ويترشح منه الفضل على المسلمين وتغشي رحمة الله بهم.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد أقسام الخطاب القرآني الموجه إليه ، وكذا المقاصد السامية فيه ، وفيه إقرار بمقام الربوبية ودعوة للناس للتسليم بالعبودية له سبحانه، وهو الذي يختار ويبعث الرسل بفضل منه سبحانه، وقد أنعم الله على الناس جميعاً ببعثة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيها من الخصائص التي اختصه الله عز وجل بها :
الأولى : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول ونبي، وبين النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول هو نبي وليس العكس.
الثانية : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشير يأتي بما فيه الغبطة والأمن والسعادة للمؤمنين بنبوته , قال تعالى [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ).
الثالثة : من الوظائف الجهادية العظيمة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه نذير.
ومن خصائص النبي محمد تعدد متعلق وموضوع إنذاراته ، من وجوه :
الأول : قانون إنذار الناس جميعاً من الضلالة والكفر والفسوق , قال تعالى قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.
الثاني : قانون إنذارالمشركين والكفار من محاربة الإسلام والمسلمين .
الثالث : قانون بطش الله عز وجل بالمجرمين الذين يحاربون التنزيل .
الرابع : قانون المسلمون مستعدون للدفاع عن بيضة الإسلام.
الخامس : لا تنحصر إنذارات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالكفار، بل تشمل المؤمنين أيضاً لتحذيرهم من الإرتداد ومن التقصير، وإرتكاب الكبائر والمعاصي مطلقاً ولبيان فضل الله عز وجل في هدايتهم للإيمان، ونزاهتهم من الذنوب والسيئات وفي التنزيل وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ.
السادس : القرآن ذاته نذير، فكل آية منه تتضمن الإنذار في منطوقها ومفهومها.
السابع : الإنذار من عذاب يوم القيامة، والتخويف من الإقامة في جهنم التي أعدها الله للكافرين.
والبشارة والإنذار وظيفة الأنبياء والمرسلين , قال تعالى فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ .
وفي الجمع بين الرسالة والإنذار توكيد بأن الإنذارات التي يوجهها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للكفار إنما هي من عند الله وهو من عمومات قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
ولتجتمع بشارات وإنذارات القرآن والسنة معاً لإصلاح النفوس، وهداية الناس إلى سبل الرشاد .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الذي يخبر عنه من علوم الغيب وعالم الآخرة، وما فيه من أهوال الحساب إنما هو حقً وصدق لأنه رشحة من رشحات الرسالة التي تفضل الله عز وجل بهارَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

تبليغ الرسالة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحمله أعباء ومسؤليات الرسالة الخاتمة ، وهل تختلف هذه الرسالة عن نبوة ورسالة الرسل السابقين وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً .
الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته بجوار البيت الحرام ومن قريش وهم سدنة البيت الحرام .
الثانية : اتصاف شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتكامل ، قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
الثالثة : بقاء واستدامة أحكام الإسلام إلى يوم القيامة .
الرابعة : نزول القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ.
الخامسة : تعاهد وحفظ المسلمين لآيات القرآن ، واستدامة وجودها في الأرض سالمة من التحريف والزيادة والنقيصة إلى يوم القيامة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهادة القرآن له بأداء الرسالة وما فيها من البشارة والإنذار ، وان الكفار تخلفوا عن وظائفهم الشرعية لعنادهم وجحودهم، مع إقامة الحجة عليهم بأن الله عز وجل هو الذي أرسل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة.
ومن خصائصه إصلاح الله عز وجل له لأدائها وساعدته في تبليغ رسالته، بأسباب المدد والنصرة، ومنها نزول الملائكة من السماء لنصرته والمؤمنين، وبعث الفزع والخوف في قلوب الكافرين ، قال تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
وعن ابن عباس رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه يوم بدر وقال (يا رب إن تهلك هذه العصابة ، فلن تعبد في الأرض أبدا.
فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب ، فارم بها في وجوههم.
فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
وقال السُّدِّيّ : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي يوم بدر : أعطني حصبا من الأرض)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم ينشر رسالته بالسيف بل انتشرت بلغة البشارة والإنذار وإقامة الحجة على الناس، وتوالي نزول آيات القرآن.
ومن خصائصه نزول الآيات بالشهادة السماوية له بالرسالة والدفاع عنه والبراءة من القوم الكافرين ، قال تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مفهومها على الشهادة له من الله بأنه أدى وظائف الرسالة بأحسن حال .
ومن خصائصه دخول الناس الإسلام أفواجاً مع نعت أصحاب الجحيم بالكفر والتكذيب بآيات الله، ولم يأت الكفر والتكذيب إلا بعد التبليغ والعلم بالآيات.
والشهادة بلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركن الإسلام الأول ، وجاء الخطاب من الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كفاية شهادة الله عز وجل له بالبعثة النبوية لإثبات رسالته .
ومن معاني هذه الكفاية نفاذ ضيائها إلى شغاف القلوب وهداية الناس للتصديق برسالته .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خروجه خائفاً من مكة ليلة الهجرة إلى المدينة ، واختفاؤه في غار حراء ليس معه إلا واحد من أصحابه ومعهما دليل من أهل الشرك هو عبد الله بن أريقط الليثي ليدخل بعد ثماني سنوات مكة فاتحاً وبالسلم ومعه عشرة آلاف من أصحابه .
الرسول مهاجر سيداً وأميراً وحاكماً
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عودته إلى مكة فاتحاً بعد ثماني سنوات من خروجه منها خائفاً يريد المشركون قتله في فراشه في ذات الليلة التي غادر فيها .
ومن خصائصه أنه لم يخرج من مكة هائماً على وجهه في طلب المأوى ، إنما خرج ليدخل المدينة رسولاً من عند الله وسيداً وأميراً وحاكماً ، وهو أمر لم يتحقق لأحد من الأنبياء .
والناس منذ خلق الله آدم عليه السلام وإلى يوم القيامة.
فبعد أن اشتد أذى قريش على النبي وأصحابه أمر طائفة منهم بالهجرة إلى الحبشة ، وبعد أن تمت بيعة العقبة الأولى بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير مع وفد الأوس والخزرج معلماً وإماماً في الصلاة وداعياً الناس للإسلام .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سلامة الصحابة المهاجرين بأمره سواء إلى الحبشة أو إلى المدينة .
وقال للذين هاجروا إلى الحبشة (لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا)( ).
وقال للذين هاجروا إلى المدينة (إنّ الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيها)( ).
ومن خصائص ومعجزات النبي محمد أن المهاجرين ينزلون على الأنصار ليكون هذا التلاقي زيادة في الإيمان لكل منهم ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.
ليهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتحمل مخاطر الطريق ، وتتعقبه قريش ، وبذلهم المال جعالة لقتله ، فوصل إلى أطراف المدينة ونزل في حي بني عمرو بن عوف إذ نزل على كلثوم بن الهدم الأوسي وبقي عندهم أربعة أيام ، وبنى فيها مسجد قباء لينتقل إلى المدينة ويدخلها يوم الجمعة في شهر ربيع الأول الموافق لشهر أيلول سنة 622 ميلادية ، وكان عمره يومئذ ثلاثاً وخمسين سنة.
كتائب استطلاع وتبليغ
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خروجه في كتائب ، وبعث أصحابه في سرايا حول المدينة للإسطلاع ، ونشر مبادئ وأحكام الإسلام من غير أن يتعرضوا للناس بأذى ، سواء في أنفسهم أو أموالهم ، فلم يبق في المدينة ينتظر من يأتي مسلماً أو يسأل عن الإسلام أو تأتي جيوش المشركين لغزوه في عقر داره .
فما ذكر بأن عدد غزوات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ست وعشرون غزوة أو أكثر إنما هي كتائب نشر مبادئ الإسلام سلماً من غير قتال ، وهو من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم وفيه رحمة للناس ، ودعوة لهم للتدبر في أحكام الإسلام ، واختيار سبيل النجاة في النشأتين بالإيمان.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد منافع كل واحدة من كتائبه وسراياه من جهات :
الأولى : العزم على الخروج والإعداد للكتيبة .
الثانية : طريق الخروج إلى الغاية والمقصد .
الثالثة : حضور الوحي قبل وعند الوصول إلى الغاية كدومة الجندل .
الرابعة : طريق العودة إلى المدينة .
الخامسة : تعظيم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لشعائر الله عز وجل طيلة أيام الكتائب ، قال تعالى ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في طريق العودة يسيرون في الليل ، ويكمنون في النهار بل بالعكس كانوا يسيرون في وضح النهار.
فيتساءل أهل القبائل والمسافرون أين كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهل غزا ، وهل جلب الغنائم والسبايا ، فتتجلى لهم حقيقة حسية ظاهرة في هيئة الصحابة ، فليس معهم غنائم أو سبايا ، إنما تحملوا الأذى ووعورة الطريق وأخطار السفر قربة إلى الله عز وجل ، ونشراً للأمن ، وصرفاً للقتال.
ليكون أهل القرى وغيرهم شهوداً على قانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً) ، ومعجزاته بتفرق أعدائه حالما يصل إليهم ، وهو من مصاديق الرعب الذي يقذفه الله في قلوب المشركين عبدة الأوثان ، وتركه لهم من غير البطش بهم أو الخشية من تجمعهم مرة أخرى.
وفيه دعوة لهم وللناس جميعاً للإسلام ، وتغيير في مناهج وكيفية المعاملة والتصرف بين الأعداء ، فمنهج النبوة هذا دعوة لوقف الغزو بين القبائل والذي تهاوى وانحسر بسبب انتماء الناس من القبائل المختلفة والمتناحرة إلى الإسلام.
منافع كتائب النبي (ص)
يدعو قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، العلماء إلى بيان وإحصاء المنافع في كل قول وفعل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبركته إلى جانب إفاضات آيات القرآن .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذله الوسع في نشر الإسلام ، وتحمل الأذى الشديد لهداية الناس إلى سبل الإيمان .
وقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتائب حول المدينة ، كما قام بالتوجه نحو الذين حشدوا الجيوش لقتاله ، ومن خصائص النبي محمد في المقام :
الأولى : كل كتيبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شكر لله سبحانه على نعمة كثرة المسلمين ، وتنقلهم في المدينة وخارجها.
الثانية : قانون كل كتيبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي سرية استطلاع ، ودعوة للإسلام .
الثالثة : بعث كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخوف والفزع في قلوب المشركين.
الرابعة : قانون كسر شوكة كفار قريش .
الخامسة : قانون عجز المشركين عن منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من السياحة والضرب في الأرض.
السادسة : عدم صحة تسمية الغزوة على خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة .
السابعة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كتائبه وسراياه ترغيب للناس في الإسلام ، وإزاحة للخوف من مشركي قريش وسطوتهم وبطشهم .
الثامنة : ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفرق حشود المشركين قبل وصوله لهم في الأعم الأغلب ، ومنه كتيبة دومة الجندل ، فما أن علم أهلها بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قطع هذه المسافة الطويلة من المدينة حتى وصل إليهم مع ألف من أصحابه ومن دون أن يعلم بهم أحد حتى فرت الجموع التي كانت تعد العدة للهجوم على المدينة.
فاقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدة أيام وبعث أصحابه في كل الجهات للتأكد من عدم بقاء الجموع على حالها ، ولإنذار قبيلة قضاعة .
وبعث رسالة عملية إلى ملك الروم عن قوة الإسلام ، لتكون مقدمة لكتابه الذي بعثه بيد دحية الكلبي بعد صلح الحديبية يدعو فيه قيصر إلى الإسلام.
التاسعة : كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان لخصائصه ، وحجة على الناس في الدعوة لاتباعه ، قال تعالى قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ.

عرض قوة الإسلام
لقد بدأ الإسلام في مكة ضعيفاً ، والإنتماء إليه على نحو القضية الشخصية والأفراد ، ليس لفقد المقتضي إنما لوجود المانع من بطش قريش بالذي يدخل الإسلام ، ونشر الخوف بين الناس ، وإشاعتهم بأن النبي محمداً يفرق بين أبناء الأسرة الواحدة.
وكانوا يشكون للذي يدخل مكة حاجاً أو معتمراً أو زائراً بأن النبي محمداً (قد أعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه وبين الرجل وأخيه)( ).
فلما هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إزداد دخول الناس للإسلام يوماً بعد يوم ، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث السرايا ، ويخرج بنفسه مع أصحابه في الكتائب لتبين هذه الكتائب والسرايا التي بلغت نحو مائة سرية خصائص مباركة في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها :
الأولى : لزوم إمتناع الناس عن نصرة كفار قريش .
الثانية : هذه الكتائب بيان لقوة ومنعة الإسلام .
الثالثة : دعوة رجال ونساء القبائل لدخول الإسلام ، وهو من أسباب عدم قتل أي فرد منهم أثناء هذه الكتائب ، وأكثرها لعرض الإسلام ،ودفاع محض بقصد تفريق الجموع التي تريد القتال الشديد الذي تتهاوى فيه الرؤوس من الطرفين ، ولتأمين الطرق العامة من السلب.
وليكون من معاني قوله تعالى يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، بخصوص معركة أحد : يا أيها الذين آمنوا اخرجوا في كتائب وسرايا لمنع التقاء الجمعين .
الرابعة : الأمن والسلام للمدينة المنورة مدة غياب النبي في الكتائب .
الخامسة : تمرين واعتياد الصحابة على قطع المسافات الطويلة في سبيل الله .
السادسة : تنزه المسلمين عن السلب والنهب ومفاهيم الغزو ، فقد كان أهل دومة الجندل يظلمون الذين يمرون عليهم ، فاقام عندهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أرضهم عدة أيام ولم يبطش بهم على شركهم ، وتعديهم وهو باب للتوبة والصلاح ، ويتجلى قانون كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنذار وهو من خصائصه .
السابعة : بلوغ الدعوة أطراف الشام ، وامكان انتشارها في الجهات الأربعة .
الثامنة : نشر ألوية السلم والأمن في ربوع الجزيرة وأطرافها.
التاسعة : بعث رسالة الى كفار قريش للكف عن قتال النبي محمد ، ومنعهم من الإتصال بأفراد القبائل ، وتحريضهم على قتاله .
لتترشح قاعدة عن كتيبة بني المصطلق ، وكتيبة دومة الجندل وغيرها ، وهي من يجمع الجموع بقصد الهجوم على المدينة يلحقه الخزي ، وهو من الكبت الوارد في قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ )( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحوق الحزن وشدة الغيظ والكبت بالذين يحاربونه .
قانون نصر النبي محمد (ص) من عند الله
كما كان نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم بدر من عند الله عز وجل ، فان الفتح في الحديبية من عند الله عز وجل أيضاً مع الفارق في لغة الخطاب في الآيتين ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، فبخصوص بدر توجه الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعامة المسلمين بقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أما في فتح الحديبية فجاء الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام مسائل :
الأولى : اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالفتح ، ويلحق به المسلمون.
الثانية : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة : تبين آية الفتح علته لقوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا.
واللام في ليغفر لام التعليل ، وقيل هي لام الصيرورة ، ولا تعارض بينهما لأن الحرف القرآني أعم من اصطلاح النحويين ، (وقيل هي لام القسم) ( )، وهو بعيد.
الرابعة : اقتران ظهور الروم وهم أهل كتاب على المجوس بأوان صلح الحديبية.
الخامسة : إرادة انقطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التسبيح والذكر والإستغفار.
و(عن أبي أمامة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس ، فأقام الصلاة ثم صلى بهم . ثم قال : إذا رقد أحدكم فغلبته عيناه فليفعل هكذا . . فإن الله سبحانه وتعالى { يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها)( ).
الترغيب بآيات القرآن
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إظهار حبه لآيات القرآن ، وتقديسها ، وعشق تلاوتها ، والتدبر في معانيها ، وبعث المسلمين على تلاوتها .
ومن اللطف الإلهي وجوب تلاوة القرآن في كل ركعة من الصلاة واجبة أو نافلة ، ولا يحصي منافع هذه التلاوة إلا الله عز وجل .
و(عن أحمد بن المقدام ، قال : ثنا المعتمر ، قال : سمعت أبي يحدّث عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما رجعنا من غزوة الحديبية ، وقد حيل بيننا وبين نسكنا .
فنحن بين الحزن والكآبة ، فأنزل الله عزّ وجلّ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ، أو كما شاء الله.
فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم: لَقَدْ أُنزلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إلي مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعاً)( ).
والمختار أن كلمة (غزوة الحديبية) من أحد رجال السند لشيوع لفظ غزوة عند طائفة من التابعين وتابعي التابعين.
وهل هناك من تعمد ذكر غزوات لكتائب النبي للإساءة خاصة وأن من المؤرخين من كان أبوه أسيراً وعبداً عند المسلمين ، الجواب لا.
لحمل عمل المسلم على الصحة ، وإرادة حسن القصد باستعمال لفظ غزوة والمعنى الأعم لها ، وهو الخروج من المدينة في كتيبة .
وورد عن أنس في ذات المصدر أعلاه حديث آخر يقول فيها (مرجعه من الحديبية) إذ ورد (عن قتادة، عن أنس بن مالك، في قوله إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، قال: نزلت على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم مرجعه من الحديبية ، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فنحر الهدي بالحديبية ، وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن .
فقال : لَقَدْ أُنزلَتْ عَلي آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعا، فَقَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ.. ، إلى قوله [عَزِيزًا] فقال أصحابه هنيئا لك يا رسول الله قد بين الله لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل الله هذه الآية بعدها لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، إلى قوله وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ))( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استماعه لأصحابه ، وهذا الإستماع فرد غير المشاورة في قوله تعالى وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
فمن مصاديق الإستماع الإنصات لما يقوله الصحابة ابتداءً ، وفي أمورهم الخاصة واسئلتهم ، لذا ورد قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة كلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واقترنت باستثناء واحدة بالجواب على الأسئلة من عند الله عز وجل ، ومنها مثلاً قوله تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
ترك المشورة الخالية من المنفعة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه قوله تعالى وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ له بصيغة الأمر الذيي يحمل على الوجوب ، وهل هو خطاب خاص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب إنه خاص لفظاً وعام معنى ، خاص لأن النبي محمداً بعد أن يستمع للمشورة يتخذ القرار الذي هو شعبة من الوحي .
وخطاب عام للمسلمين وأمرائهم بالمشورة ثم اتخاذ الفعل المناسب من غير حضور للوحي ، ولكن القرآن والسنة ضياء ومنهاج ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صدور العلماء والأمراء عن القرآن والسنة النبوية الشريفة ، قال تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصبر على الكافرين ، وتحمل أذاهم ، وعدم البطش أو الإنتقام منهم ، ومنه حينما تم أسر سبعين منهم في معركة بدر ، جعل بدلاً وعوضاً لكل واحد منهم يأخذه المؤسر له ، مع أنه يعلم هؤلاء الأسرى سيرجعون إلى قريش وتخرجهم مرة أخرى لقتاله .
ومن أسرى المشركين يوم بدر سهيل بن عمرو أسره المسلمون ، وقال عمر بن الخطاب (لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا رسول الله انزع ثنيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن ابدا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا امثل به فيمثل الله بي وان كنت نبيا.
وكان سهيل بن عمرو خطيب مكة أي أنه فصيح اللسان ، وكان يقوم بتحريض الناس لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من سادات قريش ، ويكون كلامه مؤثراً .
قال ابن اسحق وقد بلغني ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر في هذا الحديث انه عسى ان يقوم مقاما لا تذمه)( ).
وفي مفاوضات صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، وبعد أخذ ورد وطول مراجعة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفد قريش برئاسة سهيل بن عمرو تقاربوا .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان مراحل كتابة عقد الصلح بصبر وتنازل النبي محمد للمشركين حتى يتم الصلح وتحقن الدماء مع أنهم كانوا على باطل .
ومن خصائصه رضاه بالصلح وشروط الكفار مع أن النصر قريب ، وأن المسلمين في ازدياد مطرد ، والمشركين في تناقص حاد ، وهو من مصاديق قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ )( ).
و(دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً يكتب الكتاب بينهم ، ودعا أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل : لا يكتب إلا أحد الرجلين ، ابن عمك علي أو عثمان بن عفان .
فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام أن يكتب .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف الرحمن، اكتب كما نكتب باسمك اللهم.
فضاق المسلمون من ذلك وقالوا: هو الرحمن.
وقالوا : لا تكتب إلا الرحمن. قال سهيل : إذاً لا أقاضيه على شيءٍ)( ).
موادعة عُيينة بن حصن
عينية بن حصن الفزاري من رؤساء فزارة ، ومن صناديد العرب (عن ابن عباس قال : دخل عُيَيْنَة بن حِصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أَبو بكر وعمر وهم جلوس على الأَرض جميعًا فأَمر لعيينة بنمرقة فأَجلسه عليها وقال : إِذا أَتاكم كريم قوم فأَكرموه)( ).
وعينية بن حصن من الأعراب الجفاة كان يحرض على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويكيد له.
(قالوا : وكان أبو شييم المزني – قد أسلم فحسن إسلامه – يحدث يقول: لما نفرنا أهلها بحيفاء مع عيينة – قدمنا عليهم وهم قارون هادئون لم يهجهم هائج – رجع بنا عيينة، فلما كان دون خيبر بمكانٍ يقال له الحطام عرسنا من الليل ففزعنا .
فقال عيينة: أبشروا إني أرى الليلة في النوم أني أعطيت ذا الرقيبة – جبلاً بخيبر – قد والله قد أخذت برقبة محمد.
قال: فلما قدمنا خيبر قدم عيينة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر وغنمه الله ما فيها، فقال عيينة: أعطني يا محمد مما غنمت من حلفائي فإني انصرفت عنك وعن قتالك وخذلت حلفائي ولم أكثر عليك، ورجعت عنك بأربعة آلاف مقاتل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت، ولكن الصياح الذي سمعت أنفرك إلى أهلك. قال: أجزني يا محمد. قال: لك ذو الرقيبة. قال عيينة: وما ذو الرقيبة؟ قال: الجبل الذي رأيت في النوم أنك أخذته.
فانصرف عيينة فجعل يتدسس إلى اليهود ويقول: ما رأيت كاليوم أمراً؛ والله ما كنت أرى أحداً يصيب محمداً غيركم. قلت: أهل الحصون والعدة والثروة، أعطيتم بأيديكم وأنتم في هذه الصحون المنيعة، وهذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل، والماء الواتن.
قالوا: قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير ولكن الدبول قطعت عنا، وكان الحر، فلم يكن لنا بقاءٌ على العطش. قال: قد وليتم من حصون ناعم منهزمين حتى صرتم إلى حصن قلعة الزبير)( ).
ودخل عيينة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل نزول آية الاستئذان بغير إذن ، ومع هذا لم يغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن خصائصه الصبر والسماحة مع الجفاة ، مع التنبيه بلطف عن الخطأ .
(فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأين الإذن ، فقال : ما إستأذنت على أحد من مضر)( ).
وكان النبي محمد لما عاد من دومة الجندل في السنة الخامسة للهجرة وادع عيينة بن حصن الفزاري الذي كانت أرضه قد جدبت فصار يرعى بتغلين وما والاها إلى المراض ، ولكن عيينة هذا زحف مع مشركي قريش في معركة الأحزاب .
و(قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يصل إلى دومة الجندل ولم يلق كيداً).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موادعة رؤساء القبائل لإجتناب حربهم ، ولتكون عندهم وقومهم فسحة من الوقت للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل هذه الموادعة من مصاديق الدفع بالأحسن في قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، الجواب نعم .
ليحضر عيينة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة ، وواقعة حنين ، ويعطيه النبي مائة من الإبل بجعله من المؤلفة قلوبهم ، كما في قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
وعندما رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم السبي على هوازن وثقيف لم يرض عيينة وقومه فزارة برد ما حازوا من السبي.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم وللأقرع بن حابس وبني تميم (أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي نصيبه ، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم)( ).
وكانت موادعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعيينة وقومه ذات منافع عظيمة إذ كفّ أذاه ، ولكنه قدم مع المشركين في معركة الخندق أي أنه نقض الموادعة ، وأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيه يومئذ ثلث أثمار المدينة لينصرف عن الحصار هو وغطفان ، ويخذل الأحزاب ويدعوهم للإنسحاب ، ولكن عيينة أبى واشترط نصف ثمر المدينة.
فبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على كل من سعد بن معاذ وهو سيد الأوس ، وسعد بن عبادة وهو سيد الخزرج دون قومهما لأنه أراد كتمان الأمر ، ومنع الخلاف بين الصحابة .
فكان ردهما حكمة وثورة إذ قالا (يا رسول الله، إن كنت أمرت بشيء فافعله وامض له وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لم أؤمر بشيء ولو أمُرت بشيء ما شاورتكما وإنما هو رأي أعرضه عليكما)( ).
لبيان أن قول النبي محمد لهما من مصاديق وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ، وان ابتداء المشورة بأذن من الله عز وجل .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن عزمه على الفعل شعبة من الوحي من عند الله سبحانه.
تهدئة الصحابة في صلح الحديبية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توليه إملاء فقرات العقد على الإمام علي عليه السلام فقال له (اكتب باسمك اللهم! هذا ما اصطلح عليه رسول الله.
فقال سهيل : لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ فضج المسلمون منها ضجةً هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات .
وقام رجالٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: لا نكتب إلا محمدٌ رسول الله .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تهدئة أصحابه بلطف ، ودرء الفتنة ، ومنع العناد والتشدد ، وفيه دعوة للمسلمين للميل إلى الصلح والوئام وان استلزم التنازل عن بعض الحقوق ، وعدم تعقب الصلح بفتنة داخلية .
و(عن أبي فروة عن واقد بن عمر قال : حدثني من نظر إلى أسيد بن حضير وسعد بن عبادة أخذا بيد الكاتب فأمسكاها وقالا : لا تكتب إلا محمدٌ رسول الله، وإلا فالسيف بيننا ، علام نعطي هذه الدنية في ديننا .
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم ويومىء بيده إليهم : اسكتوا .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التسامح ومن خصائصه سكوت أصحابه وذهاب غيظهم حالما يشير إليهم بالسكوت.
ومن خصائصه في المقام الصبر عن حكمة ووحي وتهدئة الصحابة بما يدل على البشارة والسلامة .
قانون صيرورة العدو ولياً
لقد نزل قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ خطاباً إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلحق به أجيال المسلمين ، نعم ، وحضور أهل البيت والصحابة أيام التنزيل ، وكانوا عضداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاحبين له في أيام حياته.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجئ الآية القرآنية بالأمر إليه وتعضيد هذا الأمر بالوحي في المصداق العملي وموضوع هذا الأمر ، فاذا تعدى شخص على النبي يقابله النبي محمد بالعفو والإحسان ، وهذه المقابلة امتثال للآية القرآنية أعلاه ، وهي بالوحي في القول والفعل.
وعن ابن عباس في الآية (أمر الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة ، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنّه وليّ حميم)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية صيرورة ألد أعداء النبي من أوفى الناس للإسلام.
لقد اصطلح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفد قريش برئاسة سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ، ونطرح مسألة مستحدثة ، حينما طلبت قريش عشر سنوات هل كانت ترجو قتل أو موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلال هذه المدة ، الجواب نعم ، فيحصل الإرتداد ، وتنقض قريش الصلح .
خاصة وأنهم يعلمون أعمار بني هاشم في الجملة ، بل لم يكن متوسط الأعمار آنذاك يتعدى الستين كثيراً ، وقد انتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى بعد صلح الحديبية بخمس سنوات عن عمر ثلاث وستين سنة ، هذا مع عزمهم إثارة الفتن مثل نصرهم بالسلاح والرجال حلفاءهم بني بكر على خزاعة.
ولم يكن فتح مكة ابتداء من عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعجلاً منه لتثبيت أحكام الشريعة قبل مغادرته الدنيا إنما هو الوحي ، ولأن المشركين مكروا وتعدوا ، ونقضوا عهد وشروط صلح الحديبية باعانتهم بني بكر بالسلاح والرجال على خزاعة حلفاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجئ وفد خزاعة برئاسة بديل بن ورقاء إلى المدينة فأخبروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما لاقوه من الظلم والقتل من قريش ، ليكون فتح مكة من مصاديق قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وأدركت قريش الزلل الذي وقعوا فيه ، ومخالفتهم شروط الحديبية ، فأرسلوا أبا سفيان ، خاصة وأن ابنته أم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليجدد العهد والهدنة ، وأول ما دخل على ابنته قامت بطي الفراش عنه وحينما سألها سؤال استفهام (قالت بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنت مشرك نجس قال والله لقد أصابك بعدي شر)( ).
وهل قول أم حبيبة هذا معجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم .
ومن الإعجاز في أوان فتح مكة أن قريشاً لم ترتد هي وثقيف ، وبذا كانت مكة مع المدينة اللبنة والقدوة في دعوة الناس للبقاء على الإسلام ، فمثلاً توجه عكرمة بن أبي جهل والذي كان هو وأبوه من أشد أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقتال مسيلمة الكذاب ثم إلى عُمان والمهرة .
وهل بقي المرتدون في مدنهم وقراهم ، الجواب لا ، إذ زحفت قبائل منهم بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة مع بعض قبائل غطفان وأسد وعبس وذبيان وبني بكر بن عبد مناة.
لقد أرسلت هذه القبائل وفوداً إلى المدينة ليرجعوا إلى أهليهم (فأخبروا عشائرهم بقلة من أهل المدينة ، وأطمعوهم فيها)( ).
قانون الصلح فتح
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعضيد القرآن له ، ومنه نزول الآيات بتسمية صلح الحديبية فتحاً ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ).
و(عن قتادة عن أنس قال : لمّا رجعنا من غزوة الحديبية ،قد حيل بيننا وبين نسكنا، فنحن بين الحزن والكآبة ، فأنزل الله تعالى عليه إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا الآية كلّها.
فقال رسول الله : لقد نزلت عليَّ آية هي أحبُّ إليَّ من الدُّنيا جميعاً)( ).
إن تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآية الصلح على الدنيا وما فيها شاهد قطعي على اختصاصه لحمل لواء السلم ، وقصد تحقيق الأمن المجتمعي العام .
لقد أزاح التنزيل والسنة النبوية الحزن والكآبة عن الصحابة بسبب عودتهم إلى المدينة من غير أداء مناسك العمرة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التخفيف عن أصحابه في حال السلم والحرب ، وهل إمامته لصلاة الجماعة خمس مرات في اليوم من هذا التخفيف ، الجواب نعم .
إذ كان يتولى القراءة وأداء أركان وأفعال الصلاة ليتابعه الصحابة ، ويتقنوا التلاوة وكيفية الصلاة ، وتكون سهلة يسيرة عليهم ، فمن خصائص النبي محمد أن سنته من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ] ( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رضاه بشروط المشركين في صلح الحديبية لحقن الدماء ، وتوجه المسلمين للتفقه في أمور الدين ، ومعرفة أحكام الشريعة ، والتدبر باعجاز القرآن وتعاهد وحفظ آياته.
وصلح الحديبية شاهد على أن من خصائص النبي محمد إعطاء الأولوية لوقف القتال ، وحقن الدماء ، وعلمه بأن الغلبة تكون للحق والمعجزة ، قال تعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ.
وقد صدرت لي الأجزاء (206-207-208-214-215-233-240-241-242-248-260) من (معالم الإيمان) بعنوان (آيات السلم محكمة غير منسوخة) وبيان أن السنة النبوية مرآة لآيات السلم.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حب الله له ، فصرف عنه وعن أصحابه القتال ، ليكون من معاني قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( )، مقيداً وليس مطلقاً ، إذ انقطع بصلح الحديبية ، ويدل صلح الحديبية على سلامة آيات السلم من النسخ .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد معجزاته الحسية في صلح الحديبية ، وكل معجزة دعوة للسلم ، وشاهد على أن آيات السلم رحمة عامة متجددة في كل زمان .
وهل من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرصه على اجتناب القتل بين المشركين ، الجواب نعم ، ومنه رضاه بالصلح معهم إذ أنه يعلم بهدايتهم إلى الإسلام .
فمن خصائصه بذل الوسع لمنع قتل الكافر على كفره لأن هذا القتل يقوده إلى الخلود في النار ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ومن خصائص النبي محمد رضاه بافتتاح كتاب صلح الحديبية بـ(باسمك اللهم) وترك الأولى بسم الله الرحمن الرحيم.
فحينما طلب سهيل بن عمرو رئيس وفد قريش كتابة كتاب بينهم وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعا الإمام علي عليه السلام وقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
لتكون المبادرة في أول الكتاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب (باسمك اللهم) كما كنت تكتب.
فقال المسلمون : والله ما نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اكتب (باسمك اللهم).
ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله .
فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب : محمد بن عبد الله .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني أكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله.
قال الزهري وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)( ).
ولم تمر سنتان حتى صار سهيل بن عمرو لا يفتتح كلامه إلا ببسم الله الرحمن الرحيم ويقف خمس مرات بين يدي الله في الصلاة اليومية ، وهو من الإعجاز والمعجزات الغيرية في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد اكتفى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذكر اسمه في الكتاب لإمضاء الصلح مع المشركين لما فيه من نفع عام للمسلمين والناس جميعاً ، وهل انتفع أهل الكتاب من صلح الحديبية ، الجواب نعم.
قانون الصلح سكينة
لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار الصلح والوئام ، إذ تزداد الحياة بهجة بالصلح ، وتزول وتنحسر معه الضغائن والكدورات ، ويدرك الناس أن الحرب والقتال ضرر محض .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده من أجل الصلح مع اليهود والنصارى ، ثم مع الكفار في صلح الحديبية ، وفيه وجوه:
الأول : تهيئة مقدمات دخول الناس الإسلام ، فقد كان كثير من القبائل تخشى قريشاً وسطوتها ، فتمتنع عن دخول الإسلام ، وكذا بخصوص الأفراد ، وحالما تم الصلح بادرت خزاعة إلى دخول الإسلام .
الثاني : صلح الحديبية مقدمة لأداء المسلمين العمرة في السنة التالية بسلامة وأمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ) .
الثالث : صلح الحديبية مقدمة لفتح مكة وخلوها من الأصنام والأوثان ، وابتداء دخول المسلمين إليها في كل عام من غير إذن أو صدّ من قبل المشركين، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.
الرابع : صلح الحديبية بداية لإستئصال النفاق ، وحرب عليه من غير خسارة بالأرواح ، ولقد امتنع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل أي منافق ، ليأتي صلح الحديبية لإصلاحهم وتهذيب النفوس ،ومنع الإفتراء ، وبث الأراجيف في المدينة ، قال تعالى لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا.
ومن الآيات أن المنافقين قالوا ستجهز قريش بخيلها وأسلحتها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لأنهم خرجوا عزلاً من السلاح والعدة إلا سلاح الراكب ، السيوف في أغمادها ، وكانت عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين فضحاً وخزياً للمنافقين ، وهل هذا الخزي من مصاديق الفتح المبين في قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( )، الجواب نعم.
لبيان تعدد منافع الصلح ، وعدم انحصارها في موضوعه أو بنود الصلح ، ولا يحصى المنافع والفوائد العامة والخاصة من صلح الحديبية إلا الله عز وجل ومنها بعث السكينة في النفوس ، والبهجة في المجتمعات .
ومنها إزدهار التجارة مع الشام ، والأمن العام في الطرق والجادة العامة، والتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
واستنباط أحكام شرعية من مناسبة صلح الحديبية منها فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة ، قال تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وهو حكم تنتفع منه أجيال المسلمين إلى يوم القيامة.
وفي الآية أعلاه ورد (عن كعب بن عجرة قال كنا : مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون ، وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تساقط على وجهي ، فمر بي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال : أيؤذيك هوام رأسك؟
قلت : نعم .
فأمرني أن أحلق قال : ونزلت هذه الآية فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : صم ثلاثة أيام ، أو تصدق بفرق بين ستة ، أو انسك مما تيسر)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية في الحديبية نبع الماء ببركته بعد أن نفد ماء الصحابة ، وصاروا في حرج شديد ، إذ وجدوا في الحديبية بئراً فيها ماء قليل فما زالوا ينزحون منه حتى انقطع.
فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العطش حينئذ انتزع سهماً من كنانته وأمرهم أن يجعلوه فيه ، وإذا وعاء يجري ويفور فشربوا منه.
النجاة من القتل والإغتيال
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية نجاته من القتل وعدم وجود مدة مديدة بين هجوم المشركين في معركة الأحزاب بعشرة آلاف رجل وصلح الحديبية .
وكانوا يرومون بهجومهم في الأحزاب أموراَ :
الأول : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : منع توالي نزول آيات القرآن , وما فيها من ذم للكفر .
الثالث : انفاق المشركين الأموال الطائلة لمنع الناس من دخول الإسلام ، ولمحاربة الأمر بالصلاة والصيام والفرائض العبادية الأخرى , والنهي عن المعاصي والسيئات , ولغة الإنذار والوعيد باللبث الدائم في النار جزاء على الكفر ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، ولم يرد لفظ (ليصدوا) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
الرابع : قتل طائفة من المهاجرين وأسر طائفة أخرى , بغية إدخالهم مكة مقيدين بالحبال في أيديهم وأعناقهم .
الخامس : الإنتقام من الأنصار بالقتل وسبي النساء والصبيان لأنهم آووا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقاتلوا تحت لوائه .
السادس : محاولة إستئصال الإسلام يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
السابع : تأديب قبائل العرب , وتقوية شأن وجاه كفار قريش عندهم.
الثامن : محاربة ذم عبادة الأوثان وجعل يوم الأحزاب مناسبة شؤم على المسلمين .
فصرف الله كيدهم لبيان قانون اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سلامته والإسلام والتنزيل والصحابة من كيد ومكر المشركين معجزة خالدة له.
ومن خصائصه انقطاعه إلى الله عز وجل وسط تكالب وتآلف المشركين في وغزوهم المدينة بجيوش عظيمة .
ليكون من معاني قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، الوعد الكريم من عند الله عز وجل بصرف أذى وكيد المشركين مع تهيئة أسباب هجرة النبي محمد إلى المدينة ، ووصوله لها بسلام .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رضاه بالشروط منها تلك التي صدرت من الأنصار في بيعة العقبة بالدفاع عنه إذا وصل إليهم ، وهو في مكة أو في الطريق إلى المدينة (يثرب).
وبعد الهجرة بست سنين وافق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على شروط كفار قريش في صلح الحديبية فنزل قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لبيان قانون وهو كل صلح للنبي محمد رحمة وفتح ومقدمة للصلاح العام.
قانون توالي المدد
المدد لغة العون والغوث (وأمْدَدْتُ الجيشَ بِمَدَدٍ. والاستِمدادُ: طلب المَدَدِ. قال أبو زيد: مَدَدْنا القومَ، أي صرنا مَدَداً لهم. وأمدَدْناهم بغيرنا. وأمْدَدْناهُمْ بفاكهة)( ).
قال تعالى وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ والمدد في الإصطلاح الفقهي العون والتعضيد من الإمام للجيش من الرجال والمؤن والسلاح ونحوها .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول المدد له من السماء ، وهذا المدد من الملائكة الذين يعادل قوة الفرد الواحد منهم قوة ملايين البشر ، ومع هذا لم ينزل الله عز وجل لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملكاً واحداً فقط , بل أنزل آلاف الملائكة ، وفي معركة بدر قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
وقبل معركة الأحزاب التي وقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة ومن ضمن استعداد قريش لها , قيامهم باحصاء عدد المسلمين في المدينة وإجمال عدد المقاتلين خاصة , فيبلغ عددهم ثلاثة آلاف رجل لاسيما وأن عدد الذين حضروا ميدان معركة أحد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو سبعمائة ووقعت معركة الأحزاب بعدها بسنتين , لذا جاءت قريش بعشرة آلاف مقاتل ليكونوا أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزول المدد له من الله ليكون واقية له ولاصحابه وهم محصورون خلف الخندق والذي بينّه القرآن كما في قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ.
وتدل معركة الأحزاب وكل معركة من معارك الإسلام على حاجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لقوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ] ( ).
وهل من القوة زيادة الإيمان والصبر والتحمل في طاعة الله عز وجل , الجواب نعم , لقانون الثبات على الإيمان إنذار للذين كفروا وحجة عليهم .
فمن معاني تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ترسيخ مفاهيم الأمن والسلام في الأرض , فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول الآية عليه لتكون حرباً على الإرهاب إلى يوم القيامة بالإستعداد والتهيئ له , والمنع منه , والزجر عنه .
حقن الدماء
وهي من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرضا بأي خطة فيها حقن للدماء معجزة له وشاهد على أنه لا يريد القتال ، وسفك الدماء ، وأنه واثق بأن الله عز وجل ينصره بالمعجزة وآيات القرآن ، ولا يحصي منافعها في المقام كل يوم إلا الله عز وجل.
فاذا كانت الخلائق تعجز عن منافع وفيوضات آيات القرآن فمن باب الأولوية أنها تعجز عن إحصاء النعم الإلهية برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهداية الناس بالقرآن والسنة ، ومنها خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المتعدد من المدينة هو وأصحابه لنشر الإسلام ، ولأداء الصلاة جماعة في أفواه القرى ، فلم يخرج للغزو ، نعم يخرج للدفاع الإضطراري كما في معركة أحد .
وقد صدرت لي تسعة وعشرون جزءً من معالم الإيمان في تفسير القرآن بعنوان (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً ) وهذه الأجزاء هي :
(164-165-166-168-169
170-171-172-174-176
177-178-180-181-182
183-187-193-194-196
204-212-216-221-229
239-256-261- 266)
ولقد تفاجأت واضطربت قريش عندما علمت بقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى مكة لإرادة العمرة بعد أن هجموا عليه في معركة أحد والخندق يريدون قتله وأصحابه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون لولا الوحي لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية .
ومن مصاديق الوحي في المقام الرؤيا التي رآها لأنها من الوحي ، قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
لبيان قانون المائز بين رؤيا الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرؤيا الصادقة لعامة الناس بكثرة منافع رؤيا الوحي ، واستمرارها إلى يوم القيامة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توثيق رؤاه في القرآن الكريم( ) قال تعالى وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا.
وبعد أن تم صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة نزل قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا،ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : قانون رأفة الله عز وجل بالناس جميعاً في صلح الحديبية .
الثاني : صيرورة صلح الحديبية برزخاً دون القتال .
الثالث : ترشح المنافع عن صلح الحديبية من ساعته وإلى يوم القيامة .
الرابع :قانون أداء المسلمين الفرائض العبادية بأمن وسلام.
فضح النفاق
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول آيات القرآن لتكشف عن المنافقين الذين يعلنون الإيمان ويخفون الكفر والريب ، ويظهرون الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويسرون معصيته .
وليس من حصر لوجوه هذا الفضح ، ومن أظهر مصاديقه آيات القرآن ، التي هي مدرسة وموعظة للأجيال المتعاقبة إلى يوم القيامة فلا ينحصر ذم وفضح النفاق بأيام الرسالة خاصة وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم موجود ويتلقى الوحي وتبعه الصحابة ليغادر إلى الرفيق الأعلى وتبقى آيات القرآن تشن الهجوم تلو الهجوم على المنافقين ، وتمنعهم من الصدارة في إتخاذ القرار العام ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ )( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إيذاء المنافقين له ممن يصاحبونه في كتائبه ، ويؤذونه والصحابة حتى ساعة تجلي المعجزة الحسية ، وهناك شواهد عديدة إذ ورد عن (ناجية بن الاعجم يقول دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين شكي إليه قلة الماء فأخرج سهما من كنانته فدفعه إلي ودعا بدلو من ماء البئر فتوضأ ثم مضمض فاه ثم مج في الدلو ثم قال انزل بالدلو فصبها في البئر وانزح ماءها بالسهم ففعلت.
فوالذي بعثه بالحق ما كدت أخرج حتى يغمرني ففارت كما يفور القدر حتى طمت واستوى بشفيرها يغترفون من جانبيها حتى نهلوا من آخرهم.
وعلى الماء يومئذ نفر من المنافقين ينظرون إلى الماء والذي يجيش بالرواء فقال أوس بن خولي لعبد الله بن أبي ويحك يا ابا الحباب أما آن لك ان تبصر ما انت عليه ابعد هذا شيء وردنا بئرا نتبرض ماءها تبرضا لم يخرج في القعب جرعة ماء فتوضأ( ) في الدلو ومضمض فيه ثم أفرغه فيها فحثحثها وجاشت بالرواء .
فقال ابن أبي قد رأينا مثل هذا .
فقال أوس قبحك الله وقبح رأيك .
وأقبل ابن أبي يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أين ما رأيت اليوم قال ما رأيت مثله قط قال فلم قلت ما قلت استغفر الله فقال ابنه( ): يا رسول الله استغفر له فاستغفر له)( ). وابنه هو عبد الله بن أبي بن سلول.
وقيل الذي نزل بالدلو ناجية بن جندب الأسلمي وهو صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
(وقيل : إن الذي نزل بريدة بن الحصيب وقيل البراء بن عازب ويحتمل التعدد)( ).
وناجية بن الأعجم الأسلمي ذكره ابن سعد في الصحابة ، وقال : لا عقب له .
وأخرج الواقدي عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه: حدثني أربعة عشر رجلاً من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ناجية بن الأعجم هو الذي نزل في القليب القليل الماء يوم الحديبية بسهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه إياه من كنانته وأمره أن يغور الماء بسهمه( ).
وذكره ابن أبي حاتم عن أبيه : قال : لا أعرفه ، وقال ابن شاهين : مات بالمدينة آخر أيام معاوية .
ويدل التعدد والإختلاف في شخص الذي نزل البئر على صحة أصل الخبر.
وقال (عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه أصيبت ثنيته يوم أحد فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذ ثنية من ذهب)( ).
لبيان أنه لم يرجع مع أبيه وثلاثمائة من المنافقين من وسط الطريق في معركة أحد ، إنما قاتل مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصيب بالجراح.
وقال ابن حبان بأن الحديث موضوع (وكيف يأمر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم باتخاذ الثنية من الذهب وقد قال أن الذهب والحرير محرمان على ذكور أمتي)( ).
ولكن القدر المتيقن من الحرمة اتخاذ الذهب والحرير زينة وليس للعلاج ودرء أثر جراحه ، ومنه جواز لبس الحرير في ميدان الدفاع للظهور أمام المشركين بالعز وترغيبهم بالإسلام ، ولم تلبث النعم أن توالت على المسلمين وحررنا المسألة في باب الفقه .
التكافل والتعاون لدفع ضرر المنافقين
لم يكن النفاق موجوداً في مكة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا في السنة الأولى وشطر من السنة الثانية للهجرة في المدينة إذ ابتدأ بعد نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر ، وتجلي المنعة والعز للمسلمين ، ودعوة الأوس والخزرج إلى الإسلام .
وأظهر أهل البيت والصحابة حسن الطاعة لله ورسوله ، ليكون من معاني الرحمة في قوله تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الوقاية من شرور المنافقين وفضحهم والإحتراز منهم ، إذ أن صدق الإيمان والطاعة لله والرسول كاشف عن تخلف المنافقين عنها.
وفي صلح الحديبية عندما رآى الصحابي الجليل أبو قتادة الجد بن قيس ماداً رجليه على شفير البئر في الماء ذكّره بقوله قبل ساعة (مَا كَانَ خُرُوجُنَا إلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِشَيْءٍ نَمُوتُ مِنْ الْعَطَشِ عَنْ آخِرِنَا)( ).
قال : إنما كنت امزح معك ، ثم سأله (لَا تَذْكُرْ لِمُحَمّدٍ مِمّا قُلْت شَيْئًا)( ).
أي أنه لم يقل له لا تذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءه الرد سريعاً من أبي قتادة بأنه سبق وأن ذكر كلام الجد لرسول الله لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخلاص الصحابه له ، وهو واقية من النفاق وضرره ، وسبب في فضح المنافقين من جهات :
الأولى : آيات القرآن الخالدة التي تتضمن ذم وإنذار المنافقين والمنافقات ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آيات القرآن ضياء ينير له سبل وكيفية التعامل مع الناس ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .
الثانية : السنة النبوية القولية والفعلية في ذم المنافقين .
الثالثة : معرفة بعض الصحابة للمنافقين بأشخاصهم ، إذ يعرفهم حذيفة وعمار بن ياسر ، وقد ورد عن قنبر عن الإمام علي عليه السلام (عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ألا إن الجنة اشتاقت إلى أربعة من أصحابي ، فأمرني ربي أن أحبهم فانتدب ، صهيب الرومي ، وبلال بن رباح ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وحذيفة بن اليمان ، وعمار بن ياسر ، فقالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الأربعة حتى نحبهم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا عمار ، أنت عرفك الله المنافقين ، وأما هؤلاء الأربعة فأحدهم علي بن أبي طالب ، والثاني المقداد بن الأسود الكندي ، والثالث سلمان الفارسي ، والرابع أبو ذر الغفاري)( ).
الرابعة : إرتقاء المسلمين في سلم المعارف ، وتفقههم في الدين وتعاهدهم للصلاة والصيام ، والزكاة سبب لفضح وخزي المنافقين .
فغضب الجد وقال (بقينا مع صبيان من قومنا لايعرفون لنا شرفاً ولا سناً) أراد بأن ما يقوله يحب أن يستمع وينصت له ، وأن يكون خاصاً بينهم.
ثم قال الجد : لبطن الأرض اليوم خير من ظهرها)( ).
لبيان عدم إنحصار أذى المنافقين داخل المدينة ، فهو لا ينقطع حتى في الكتائب ، وأحرج الأحوال ، ودنو جيش المشركين ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبره على شدة النفاق ، وسلامة نبوته من ضرر المنافقين.
وحينما نقل أبو قتادة قول الجد للنبي محمد لم يغضب وقال صلى الله عليه وآله وسلم (ابنه خير منه)( ).
لبيان بشارة انقراض المنافقين ، وانقطاع النفاق أو ضعفه ووهنه ، وخروج جيل جديد من الشباب الرسالي المؤمن.
ولما لام جماعة من الأنصار أبا قتادة على نقله كلام الجد بن قيس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا أنه كبيرنا وسيدنا ، فلم يسكت ولم يعتذر أبو قتادة لهم ، إنما قال : قد والله طرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيادته على بني سلمة ، وسؤد علينا بشر بن البراء بن معرور.
(وَهَدَمْنَا الْمَنَامَاتِ( ) الّتِي كَانَتْ عَلَى بَابِ الْجَدّ وَبَنَيْنَاهَا عَلَى بَابِ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ فَهُوَ سَيّدُنَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)( ).
وسبق أن سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بني سلمة : من سيدكم ، قالوا: الجد بن قيس على بخل فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأي داء أدوأ من البخل بل سيد بني سلمة الأبيض الجعد بشر بن البراء ، هكذا ذكره ابن إسحاق)( ).
لقد واجه أبو قتادة مع صغر سنه رهطاَ من قومه يدافعون عن الجد بن قيس ليتفضل الله عز وجل بتعضيده وفضح المنافق عندما دعا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيعة تحت الشجرة في موضع الحديبية إذ توارى الجد بن قيس عن الأنظار كي لا يحضر البيعة مع أنهم في مكان مكشوف وقريبون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس مع الصحابة أحد.
ففقد أبو قتادة الجد بن قيس وأراد أن يرى قومه تخلفه عن واجب البيعة والعهد لرسول الله فأخذ معه رجلاً من الذين احتجوا عليه لإيصاله كلام الجد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وصارا يفتشان عن الجد بن قيس حتى وجداه قد دخل تحت بطن بعير ، وكأنه يستظل فأخرجاه ، وأراد أبو قتادة إقامة الحجة عليه ، وقال (وَيْحَك مَا أَدْخَلَك هَاهُنَا ؟ أَفِرَارًا مِمّا نَزَلَ بِهِ رُوحُ الْقُدُسِ ؟ قَالَ لَا ، وَلَكِنّي رُعِبْت وَسَمِعْت الْهَيْعَةَ)( ).
لقد كان الجد بن قيس من سادات بني سلمة من الخزرج فكيف يخاف من المناداة بالبيعة حال سماع الصحابة يدعون إليها .
ومن فضل الله فضح المنافق في بطلان عذره ، فليس من هيعة وخيفة من عدو قادم ، عندئذ قال الرجل الذي صحبه أبو قتادة معه: لا نضحت عنك أبداً.
اي لا أدافع عنك لأي سبب كان .
وعندئذ هل بايع الجد بن قيس ، الجواب لا ، إذ قال جابر بن عبد الله (فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره)( ).
والجد بن قيس السلمي هو الذي نزلت فيه ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي، كما عن ابن عباس إذ قال (قد علمت الأنصار أنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن أعينك بمالي فنزلت وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا.
لبيان تعاون الآية القرآنية والسنة النبوية والصحابة في ذم وتوبيخ المنافقين ، وتحصين المسلمين والمسلمات من النفاق ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تضاؤل النفاق ، وإنحساره وضعفه بتوالي نزول آيات القرآن وصبر وجهاد النبي وصدق إيمان أهل البيت والصحاب النجباء.
قانون عداوة النبي ظلم
لقد كان مشركو قريش ظالمين ، يظلمون أنفسهم وغيرهم ، ويتخذون ولايتهم للبيت الحرام حرباً على التوحيد والنبوة ، فان النبي محمداً كان يصبر على أذاهم ، ويرجو إسلامهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإضطرار للدفاع عن بيضة الإسلام حين هجموا على المدينة لإرادة قتله وأصحابه .
ومن الإعجاز مجئ قوله تعالى يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، ثلاث مرات بخصوص معركة بدر ومعركة أحد.
ولم يرد بخصوص معركة الخندق أو ما بعدها ، فلم يكن يوم صلح الحديبية جمع قتالي كبير للمشركين ، بينما تضاعف جمع أهل الإيمان.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إزدياد عدد المسلمين مع كل معركة ضد المشركين لظهور حقيقة تعدي وظلم المشركين وإشعالهم الحروب ضد النبوة والتنزيل ، ولم يعلموا أن الله عز وجل جعل النفوس تميل بالفطرة إلى الهدى والإيمان ، وهو من مصاديق نفخ الله من روحه في آدم ، واتخاذ الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وقد ورد بخصوص معركة بدر قوله تعالى هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ، وبصيغة الماضي (اختصموا) ولم تقل (يختصمون) لقتل المشركين الثلاثة الذين أصروا على المبارزة يومئذ وهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة.
ومن أسرار الآية أعلاه تعقب صيغة الجمع للمثنى في ذات الآية لبيان موضوع القتال ، وهو التضاد بين الإيمان والكفر ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يقاتلوا طلباً لدنيا ونحوه ، وأن المشركين كانوا في ضلال ، وأن معارك أخرى ستقع فلابد من أخذ المسلمين الحائطة ، وهو لا يتعارض مع القول بأن الاثنين أقل الجمع.
و(عن قيس بن عباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم بالله قسماً : لنزلت هذه الآية في ستة من قريش حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث ، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] ( )، إلى آخر الآية إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إلى آخر الآية)( ).
و(عن جابر عن عكرمة في هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ، قال : هما الجنة والنار اختصمتا ، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقد قصّ الله عليك من خبرهما ما تسمع)( ).
وهذا المعنى بعيد لغة وعقلاً ولا ينهض لمعارضة المشهور وأخبار الصحابة بنزولها بيوم بدر ، وورد اسم الإشارة بصيغة المذكر ، وكذا لفظ (خصمان).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذهاب أموال الذين يقاتلونه هباء مع استيلاء الحسرة والأسى عليهم متفرقين ومجتمعين وزهوق أرواح رؤسائهم مثل عتبة بن ربيعة وأخيه وابنه ، وقتلهم سبب لحسرة وندامة وألم عند الكفار ، قال تعالى إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
قانون الصلح أعظم فتح
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ليكون شاهداً غضاً طرياً على أمور :
الأول : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تنجز الفتح من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ تنسب الآية أعلاه الفتح لله عز وجل ، لبيان قانون لا يقدر على الفتح وهزيمة المشركين مع أنهم أضعاف المسلمين بالعدد والعدة إلا الله عز وجل.
الثالث : صلح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نهاية للمعارك ، فبعد أن قاتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه دفاعاً في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، عقد في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة صلح الحديبية فساد السلام والأمن الجزيرة العربية .
وستبقى تسمية الصلح فتحاً دعوة للمسلمين للصبر والرضا بفضل الله ، والعناية بالأخوة الإيمانية ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( )واللطف مع الناس جميعاً والصبر على الأذى ، قال تعالى يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
وهل سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتحقيق الصلح جهاد في سبيل الله ، الجواب نعم .
ليكون من خصائص النبي محمد قانون الجهاد من أجل السلام ، وجعل العلة الغائية للدفاع تثبيت أسس الأمن والسلم والتعايش المجتمعي إلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق صفة المبين في نعت صلح الحديبية .
وسيبقى صلح الحديبية أعظم فتح في الإسلام , ولم يرد في غيره من المعارك ونحوها أنها فتح لبيان أن الصلح والصبر والموادعة طريق الفلاح والنجاح .
مدرسة الصلح
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حبه للسلم ، وبغضه للقتال والقتل مع اجتهاده في محاربة عبادة الأوثان ، وتأكيده على قبح الظلم والتعدي ، قال تعالى وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
وقد صبر وأصحابه في ميدان الدفاع حتى تم صلح الحديبية .
ومن الغايات الحميدة لتسمية صلح الحديبية فتحاً مسائل :
الأولى : بيان قانون الإسلام دين الأمن والسلام .
الثانية : تنمية حب الصلح والتسامح بين الناس عند الخصومة والشقاق.
الثالثة : جواز الصلح مع المشركين .
الرابعة : صلح الحديبية من الجزاء والشكر من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال سبحانه [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ).
وتدل الآية أعلاه على أن صلح الحديبية مفتاح لتحقق غايات ومقاصد سامية كثيرة ، فالله عز وجل هو الذي فتح لرسوله سبل هداية الناس للإيمان ، وإذا أعطى الله سبحانه فانه يعطي بالأتم والأوفى .
الخامسة : وقف دق طبول الحرب ، وأخبار زحف مشركي قريش على المدينة ، وتهديدهم ووعيدهم بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقتل شطر من المهاجرين والأنصار ، وأسر الشطر الآخر .
السادسة : إمتلاء قلوب المشركين بالحنق عند صلح الحديبية لما فيه من كسر شوكتهم ، من وجوه :
الأول : إضطرار قريش للصلح .
الثاني : الإذن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لدخول مكة للعمرة في العام التالي في السنة السابعة للهجرة ، وهي التي تسمى عمرة القضاء.
الثالث : اخلاء قريش مكة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مدة ثلاثة أيام في عمرة القضاء .
الرابع : عدم ممانعة قريش بخصوص دخول الناس الإسلام .
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة أصحابه في مكة رجالاً ونساءاً يجاهرون باسلامهم وعجز كفار قريش عن الإساءة إليهم ، ليكونوا نواة ومقدمة لدخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة فاتحاً في السنة الثامنة للهجرة .
السادس : صيرورة الهجرة إلى المدينة علنية من غير أذى من المشركين .
السابع : ازدياد قوة ومنعة الإسلام ، وزيادة إيمان المسلمين .
الثامن : إصابة المنافقين باليأس والقنوط بعد أن بثوا الخوف والريب في المدينة ، قال تعالىإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وقد تقدم في الجزء الأول من هذا السِفر (قانون تضاؤل النفاق)( ).
السابعة : حينما عاد المشركون من معركة أحد أظهروا وهم في الطريق الندامة لعدم قتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم سبي المسلمات مع أنهم كسبوا جولة في المعركة ، وجاء صلح الحديبية لييأسوا من قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة ، ومن سبي المسلمات.
الثامنة : صلح الحديبية دعوة للسلم المجتمعي ، ونبذ للحروب والقتال ، وهو ضد للإرهاب ، وزاجر عنه .
التاسعة : ترغيب المسلمين بالصلح ، وإخبارهم بفتح الصلح لأبواب من الخير والسعادة .
(وروى الحاكم عن حنظلة بن قيس أن عبد الله بن عامر بن كريز أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل عليه وعوذه فجعل يتسرع ريق النبي صلى الله عليه وسلم فقال (انه ليشفى) وكان لا يعالج أرضا الا ظهر له فيها الماء)( ).
وهو من خصائص وبركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنها ما ورد عن (عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أبو أسيد وأبو حميد وأبي سهل بن سعد يقولون أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بئر بضاعة فتوضأ في الدلو ورده في البئر ومج في الدلو مرة أخرى وبصق فيها وشرب من مائها وكان إذا مرض المريض في عهده يقول إغسلوه من ماء بضاعة فيغسل فكأنما حل من عقال)( ).
العاشرة : صلح الحديبية مناسبة لإقامة المسلمين الشعائر ، وأدائهم الفرائض العبادية من غير خوف من المشركين وهجماتهم وتعديهم ، وسعيهم في سفك الدماء ، قال تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقيه الأذى ومحاولات الإغتيال من قبل المشركين حتى بعد صلح الحديبية ، لتكون نجاته منها بالمعجزة وفضل الله ، وهو من خصائصه .
معجزة الصلح
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الصلح الذي يعقده يكون فتحاً للإسلام ، وفيه معجزة حسية متجددة له .
ومن الدلائل عليه أنه كان وأصحابه خائفين في مكة ، يأتيهم الأذى كل يوم من قريش ، وبعد الهجرة النبوية صار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعقد الصلح الذي يدل على إقرار الطرف الآخر بالمسلمين .
وصلح الحديبية نعته الله عز وجل بأنه فتح إذ نزل عندما تم الصلح ، وقفل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم راجعاً إلى المدينة [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ).
وهل صلح الحديبية فتح بذاته أم هو من المجاز بأن يطلق عليه فتحاً لما له من موضوعية بفتح مكة وقيل تم معه فتح خيبر ، الجواب الأصل حمل الكلام العربي على ظاهره ، فذات صلح الحديبية فتح ترشحت عنه نعمة دخول مكة وفتوح كثيرة .
فبعد الصلح اختلط الناس وتقاربت المجتمعات لشيوع الأمن ونفاذ عبير نسيم آيات القرآن إلى الجوانح وشغاف القلوب في القرى والأمصار ، وصارت الصلاة علنية فيها ، وبرع المسلمون بالمناظرة بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبراهين الكونية والعقلية فدخلت أفواج من الناس الإسلام .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه عدم تسمية دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة فتحاً ، إنما سمُي دخولاً ، وتستقرأ منه مسائل منها أن مكة أرض الإيمان والإسلام ، ولم يكن المشركون أولياء البيت ، قال تعالى وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ولأن أكثر أهل مكة دخلوا الإسلام قبل فتحها .
وهل من ضمن علم الله بقوله فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا انحصار العلم بموضوع وحوادث وأضرار ما إذا تخلف المسلمون عن فتح مكة إلى ما بعد تمام عشر سنوات الصلح إلا الله ، الجواب نعم ، لما فيه من المهالك .
وهل منه مكر قريش بسؤال مدة الصلح عشر سنوات على أمل موت أو قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلالها وإجهازهم على أهل البيت والصحابة من المهاجرين والأنصار والتنزيل ، الجواب نعم .
وتقدير الآية : فعلم الله أنه لو بقيت مكة بيد المشركين عشر سنوات الصلح ومات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهلكتم وبقيت ثلاثمائة وستون صنماً في البيت الحرام .
ولا يحصي ما علمه الله وحده في المقام إلا الله عز وجل ، وهو لا يمنع من استقراء آلاف المسائل من الوقائع والأحداث ويبقى الأكثر خاصاً بعلم الله وحده الذي أحاط بكل شئ علماً.
وهل يشمل قوله تعالى وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا مايمحوه الله بفضله ، ومنه الأذى والضرر لو تأخر فتح مكة ، الجواب نعم ، وهو الذي يطلع عليه المسلمون والناس جميعاً يوم القيامة ، قال تعالى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
من خصائص الميدان
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بمصاحبة الوحي له ، وبنزول الملائكة لنصرته في ميدان المعركة من غير أن يغادره الوحي والتنزيل فيه ، وهو من خصائصه ولطف الله عز وجل به وبالمسلمين وأهل الأرض كافة .
ومن خصائص النبي محمد مسائل :
الأولى : نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صرف أكثر المعارك ، وعدم وقوعها مع تخطيط المشركين لها ، وهو من عمومات قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
الثانية : سلامة المهاجرين والأنصار من كثرة القتل .
الثالثة : صرف ما يترشح عن كثرة القتل من الأسى والحزن والضجر وإرجاف المنافقين في المدينة ، قال تعالى وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً، وتردد طائفة من الناس في دخول الإسلام.
الرابعة : استدامة حال الخيبة والضعف عند المشركين ، وفيه مقدمة لصلح الحديبية .
الخامسة : لا يركن الطاغوت والمتكبر الذي يظن رجحان كفته إلى الصلح ، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يسعى إلى الصلح بكل حال ، وفي حال كثرة المسلمين وتعدد مواطن النصر ، وتعضيد الملائكة له ، لقوله تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، ولبيان القرآن لقانون (الصلح فتح) لنزول قوله تعالى عندما تم صلح الحديبية إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
السادسة : تجلي معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان ، ومنها قوله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، ومنها التئام جروح عدد من الصحابة في الميدان بريقه ويده المباركة .
الخروج إلى دومة الجندل سلام
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بألف من أصحابه في كتيبة دومة الجندل وهو نفس العدد في خروجه إلى معركة أحد ، التي إنخزل فيها ثلاثمائة من وسط الطريق بأمر رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول مع أن المسافة بين المسجد النبوي وميدان معركة أحد (5) كم.
ولكن الصحابة ساروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى دومة الجندل مع طول المسافة إذ تبلغ ستمائة كيلو متر مما يدل على زيادة إيمان الصحابة ، وضعف النفاق ، وعجز المنافقين عن بث روح الخوف والفزع في صفوف الصحابة .
وهل يدخل المنافقون في لفظ الناس في قوله تعالى الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وأن المنافقين ممن قالوا للمسلمين بأن قريشاً جمعوا لكم وأن أهل دومة الجندل جمعوا لكم فلا تخرجوا إليهم مع بعد المسافة ، الجواب نعم.
وهذا المعنى لا يتعارض مع كون موضوع الآية أعلاه هو كتيبة حمراء الأسد بعد معركة أحد بيوم واحد .
وليكون رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من دومة الجندل حجة على المنافقين ، ودعوة لهم للتوبة إذ ورد في التنزيل يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
واستخلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة عند خروجه إلى دومة الجندل سباع بن عرفطة الغفاري (على رأس تسعة وأربعين شهراً من هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة) ( ).
ولقد كان أهل دومة الجندل يظلمون ويسلبون من يمر عليهم ويسعون للدنو إلى المدينة وغزوها ، فسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ، وكان وأصحابه يسيرون ليلاً ، ويكمنون في النهار كما تقدم.
وقال ابن سعد (وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة)( ).
ولكن إذا كان المسير على الإبل فان المسافة تقطع بخمس ليال بدليل أن رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة (في العشرين من شهر ربيع الآخر)( ).
أي أن مدة غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خمسة وعشرين يوماً مع مدة الإقامة في دومة الجندل وطريق العودة أطول خاصة وأن المسير في الليل عند الذهاب يكون أسرع.
وعن الإمام علي عليه السلام قال (والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك ؟ فقلت: اعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى)( ).
أي أن الذين يسيرون في الليل يستبشرون عند الصباح لأنهم قطعوا المسافات ولم يركنوا إلى النوم في الليل ، وكذا أهل التقوى والزهد يستبشرون يوم القيامة ، وساعات الحساب .
واستصحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معه دليلاً من بني عذرة اسمه (مذكور) يعلم الطريق وهو به خبير ، فسار بالنبي وأصحابه في غير الجادة العامة كيلا يصل خبرهم إلى أهل دومة الجندل فيستعدوا للقتال.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحقيق غايات الكتيبة من غير قتال ، ولمعان السيوف ، وهو من مصاديق قانون (لم يغز النبي (ص) أحدا) ومن الشواهد على مصاحبة معالم الإيمان للكتائب والسرايا النبوية.
و(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أعطيتُ خمساً ولا أقول فخراً : بُعثت إلى الأحمر والأسود، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُحل لي المغنم ولم يحل لأحد كان قبلي، ونُصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر وأُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لم يشرك بالله شيئاً)( ).
لقد اجتنب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإغارة العلنية على دومة الجندل وما فيها من الحصون المنيعة ، وقد يضطر الى محاصرتهم وتطول مدة الحصار ، وبلاد الشام وجيش قيصر ليس بعيداً ، إنما الغاية هي كف أيدي المشركين ، ومنعهم من ظلم الذي يمر عليهم ، وسلب أمواله ، وزجرهم عن الهجوم على المدينة ، وإعانة قريش في عدوانها المتصل والمتكرر.
وأقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دومة الجندل (أياما، وبث السرايا فعادت كل سرية بإبل ولم تلق أحدا) ( ).
وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتخفيف عن الذين آمنوا برسالته ، والذين خرجوا معه في الكتائب.
لقد فرّ وانهزم أهل دومة الجندل من أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يلاحقهم ، نعم جاء له محمد بن مسلمة برجل منهم ، فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قومه.
فقال : هربوا أمس لما سمعوا أنك أخذت نعمهم.
و(عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاسلام أياما فأسلم)( ).
أي أنه لم يسلم من أول دعوة نبوية له ، فمن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكرار دعوته للأفراد من غير إكراه مع كثرة أصحابه الذين يحيطون به ، ولم يؤسره ويحسبه أسيراً أو رهينة أو سجيناً.
إلى أن دخل الإسلام بما رأى من المعجزات ، وهل هذه النعم التي أخذت من أهل دومة الجندل في مقابل ما أخذوه من السلب من الناس ، الجواب نعم ، وفيها تأديب وزجر ، قال تعالى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ.

عدم الإلتفات للتخويف من قيصر
لقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن من أهل دومة الجندل (قالوا : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يدنو إلى أدنى الشام، وقيل له إنها طرف من أفواه الشام، فلو دنوت لها كان ذلك مما يفزع قيصر. وقد ذكر له أن بدومة الجندل جمعاً كثيراً، وأنهم يظلمون من مر بهم من الضافطة، وكان بها سوقٌ عظيمٌ وتجار، وضوى إليهم قومٌ من العرب كثير، وهم يريدون أن يدنوا من المدينة)( ).
و(الضّافِطة من الناس: الحمّالون والمكارون)( ).
وقولهم (يفزع القيصر) تحذير للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الأمر يقود إلى نزاع مسلح مع قيصراً ، وكانت قواته بعشرات الآلاف ومجهزة بأحدث الأسلحة ، وقد خرجوا للتو من معارك طاحنة مع الفرس ، مما يدل على التمرين والخبرة والمراس.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يلتفت إلى مثل هذا التحذير والإنذار ، لأن الملاك هو كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، ولضبط الأمن في الجادة العامة وفي الموانئ والمدن التي تقع على طريق التجار والكسبة ، ويريدون غزو المدينة .
فسار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الخامسة للهجرة ومعه ألف من أصحابه إلى دومة الجندل من غير خشية من القيصر ، بل بقصد بعث الخوف في نفس القيصر نفسه .
وحينما علم أهل دومة بنبأ مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفرقوا ومن خصائص النبي محمد دخول الرعب في قلوب أعدائه الذين يتوجه إليهم مع أنه لا يقصد الغزو .
في المسير إلى دومة الجندل وجوه :
الأول : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يقول ولا يفعل إلا بوحي من عند الله ، قال تعالى وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، وهل ترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لفعل مخصوص أمر وجودي ومن الوحي ، الجواب نعم.
الثاني : هناك من الصحابة من أشار على النبي بالدنو من أطراف الشام لإخافة قيصر ، قال تعالى وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
الثالث : سبق نزول قوله تعالى الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وهذه الآية درع حصينة وباعث للمسلمين للتوكل على الله في التوجه إلى ميدان القتال لصرف الله عز وجل عنهم القتال ، كما في حمراء الأسد و بدر الموعد وغيرها .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ.
الجواب ان الله عز وجل واسع عليم ، وهباته من اللا محدود في سنخيتها وكيفيتها وعددها ، والصرف عن القتال آية عظمى .

إكرام النبي محمد (ص) لمكة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرامه للبيت الحرام ومدينة مكة التي هي جزء من الحرم ، وهل يمكن أن تتوسع مكة في الأزمنة اللاحقة فيكون شطر من بيوتها خارج الحرم ، الجواب نعم ، وهذه التوسعة من خصائص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتشمل البركة التوسعة بلحاظ أن عرفة مع قدسيتها فهي خارج الحرم.
لقد أكرم الله عز وجل مكة إذ وضع فيها المسجد الحرام ، وهو أول مسجد جعله الله عز وجل للناس ، قال تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ.
ولم تكتف الآية أعلاه بالإخبار عن كون البيت الحرام أول بيت لعبادة الله في مكة بل أخبرت الآية بافاضة البركة وأسباب الهداية والصلاح للناس جميعاً منه في كل زمان ، وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل .
وقد تجتمع البركة والهداية العامة في موضوع مستقل كما في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن (أبي ذَر قال قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مَسجِد وُضِع في الأرض أوَّلُ.
قال : الْمسْجِدُ الْحَرَامُ .
قلت : ثم أَيُّ؟ قال : الْمسجِدُ الأقْصَى .
قلت: كم بينهما .
قال : أرْبَعُونَ سَنَةً .
قلتُ : ثم أَيُّ؟ قال : ثُم حَيْثُ أدْرَكْت الصَلاةَ فَصَلِّ، فَكُلُّهَا مَسْجِدٌ)( ).
وقبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنوات تصدعت جدران الكعبة ، وكانت على الحال التي بناها إبراهيم عليه السلام رصفاً للحجارة فوق القامة .
فارادت قريش إعادة بنائها وتسقيفها ، ولكنهم هابوا هدم الكعبة حتى مع قصد إعادة بنائها .
فقال الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد : أنا ابدء في هدمها ، فأخذ المعول وقام بهدمها وهو يتوسل ويعتذر و(يقول: اللهم لا تُرَعْ اللهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنَيْن فتربص الناسُ به تّلك اللَيلةَ، وقالوا: ننظر، فإن أُصيب لم نهدم منها شيئاً، وردَدْناها كما كانت، وإنْ لم يُصِبْه شيء ، فقد رضي الله عز وجل ما صنعناه.
فأصبح الوليد غادياً على عمله، فهدم والناس معه، وتحرك حجر فانتقضت مكة بأسرها وما زالوا حتى انتهى الهدم إلى الأساس، فأفضوا إلى حجارة خُضْر كأنها أسنمة ثم بنوا .
حتى إذا بلِغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه كل قبيلة تُريد أن ترفعه، حتى تواعدوا للقتال، وقرَبت بنو عبد الدار جَفْنة مملوءة دماً، وأدخلوا أيديهم في الدم، وتعاقدوا على الموت، فسُموا لعْقَة الدم، فمكثوا أربع ليال أوخمس ليالٍ كذلك، ثم تشاروا)( ).
واتفقوا على أن أول من يدخل من باب المسجد عليهم هو الحكم بينهم.
فأطل عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطلعته البهية ، فلما رأوه استبشروا ونادوا هذا الأمين ، قد رضينا به هذا محمد ، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر وسألوه الفصل فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه .
فقال : هلموا إليّ ثوباً ، وكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على موعد مع هذه الحادثة وكيفية الحل الذي يبين عظيم شأنه مع رضا جميع بيوتات قريش بمنزلته الرفيعة وقراره الحكيم منع الإقتتال بينهم .
فمن خصائصه أن تساق له مصاديق الكرامة والعز والرفعة بلطف وفضل من عند الله .
فأتي به ( فأخذ الركن فوَضَعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم قال : ارفعوه جميعاً، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده، ثم بنى عليه وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن ينزل الوحي: الأمين)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الفوز بالشرف الذي اقتربت قريش من الإقتتال بسببه ، مع تسليم بأهلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمقام وضع الحجر الأسود في موضعه في الركن ، وفيه مقدمة لبعثته ، ودعوة لقريش وغيرهم للتصديق برسالته .
ويتجلى قانون رضا الناس بحكم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوة وبعدها .
قال تعالى لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ *وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة (إنّ الله حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، لم تحلّ لأحد قبلي ولا يحلّ لأحد بعدي ولم يحلّ لي إلاّ ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ولا نختلي خلالها ولا نفر صيدها ولا يحلّ لقطتها إلاّ المنشد .
فقال العبّاس : يا رسول الله إلاّ الأذخر فإنّه لقيوتنا وقتورنا وبيوتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلاّ الأذخر)( ).
وعن الإمام الصادق عن الباقر عليهما السلام (إن رسول الله صلى الله عليه واله يوم فتح مكة لم يسب لهم ذرية ، وقال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن)( ).
لقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إكرام مكة عند إقامته فيها ، وعند الهجرة ، وكان يؤكد في القول والعمل على حبه لها وعلى حرمتها .
الأصل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد دخول مكة قهراَ على قريش , مع أنه وأصحابه أحق بها ليكون صبره عن دخول مكة وهو فرع الوحي من مصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
قانون التهيئ للدفاع سلام
ليس في قوله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ أمر بالقتال , أو تخطيط وسعي له , إنما هي آية سلام وصبر وإقامة في المدينة .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : امتثال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأوامر والنواهي التي تنزل من الله بآيات القرآن.
الثاني : قانون السنة النبوية مرآة لآيات القرآن .
الثالث : أخذ الحائطة والحذر من المشركين ، وسوء قصدهم في الهجوم والإغارة على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل في امتثال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لمضامين آية (وأعدوا) من رهبتهم وخشيتهم من الله عز وجل , الجواب نعم .
وهو مادة لإستدامة هذه الرهبة من الله عز وجل من جهات :
الأولى : إعداد القوة والسلاح طاعة لله عز وجل .
الثانية : الإدراك العام عند المسلمين بأن الله عز وجل يريد لهم خير الدنيا والآخرة ، ورحمته حاضرة معهم .
الثالثة : استدامة أداء المسلمين الفرائض العبادية مع التهيئ والتمرين والرمي ، واعداد السيوف والدروع لملاقاة المشركين .
الرابعة : لما أمر الله عز وجل المسلمين باعداد القوة والسلاح فإنه سبحانه ضمن لهم تحقيق هذا الإعداد.
الخامسة : من تقدير (ترهبون به) ترهبون به المشركين أعداء الله عز وجل , وتذكرونهم بأهوال يوم القيامة , فتكون الباء في (ترهبون به) للسببية.
فالرهبة من القوة والسلاح , وهي من الله عز وجل , وتكون وسيلة ودعوة لدخول الإسلام , وهجران الإرهاب والإقتتال .
لبيان خروج أهل الكتاب بالتخصيص من مضامين هذه الآية لأنها قيدت الإرهاب والإخافة بأعداء الله .
وتقدير الآية : ترهبون به المشركين الذين يقاتلونكم والذين لم يقاتلونكم.
فان قلت قد ورد الأمر الإلهي للمسلمين بحصر القتال بالذين يقاتلونهم ، كما في قوله تعالى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
والجواب هذا صحيح ، ولكن النسبة بين إعداد الأسلحة لإخافة العدو وبين القتال عموم وخصوص مطلق ، فالمدار القوة أعم ، وهو مانع من القتال لما فيه من بعث الخوف والخشية في قلوب العدو وبين صفوفه .
وهو من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تثبيته لقانون السلام منهاج النبوة في الأرض.
ومن مصاديق القوة في المقام التآخي والتصافي بين المسلمين والتقوى وحسن التوكل على الله ، قال تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
وآية (ترهبون) من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ.
وإن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يجذبون الناس إلى الرهبة من عند الله عز وجل , وفيه تأكيد للآيات التي حضت على الرهبة من الله عز وجل , كما في قوله تعالى [يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] ( )، وقوله تعالى [وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] ( ).
منع سفك الدماء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نشر ألوية السلم وإشاعة الأمن في الأرض .
وعندما احتج الملائكة على جعل الإنسان فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً بأن شطراً من الناس يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن علم الله عز وجل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن خصائصه وجوه :
الأول : إقامة الحدود .
الثاني : حقن الدماء .
الثالث : إصلاح الأجيال المتعاقبة من أمته تعاهد الصلاة والفرائض العبادية ، وهو مرآة عملية لقوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
لذا جاء الأمر في باب الحكم خاصاً وعاماً ، أما الخاص فموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا.
وأن العام فموجه إلى المسلمين وعلمائهم وأمرائهم ، قال تعالى وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.
للزوم العدل في الحكم بين عامة الناس على اختلاف مشاربهم ، ومذاهبهم ، ومللهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : تحقق السلم والأمن في الجزيرة .
الثاني : جعل المشركين عاجزين عن مواصلة القتال وغزو المدينة
الثالث : ركوب الديون الكبيرة مشركي قريش لتجار الشام وغيرهم ، خاصة وأنهم كانوا يقترضون بالربا .
الرابع : اختلاط المشركين بالمسلمين وسماعهم منهم ، ونفاذ الإسلام إلى قلوبهم .
الخامس : توالي دخول الأفراد والجماعات والقبائل الإسلام .
السادس : الشواهد من الكتاب والسنة بأن الإسلام دين السلم والصلح والموادعة .
السابع : صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وتنزههم عن مقابلة الإرهاب بمثله.
الثامن : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوة القرآن في مكة جهراً وعلانية مع شدة أذى قريش.
التضاد بين السنة النبوية والإرهاب
الإرهاب لغة مشتق من الفعل (أرهب).
ويقال (رَهِبْتُ الشَّيْءَ رُهْباً ورَهَباً ورَهْباً ورَهْبَةً: أي خِفْتَه، وأَرْهَبْتُ فلاناً. والرَّهْبَاءُ: اسْمٌ من الرَّهَب. والإرْهَابُ: الرَّدُّ، أرْهِبْ عنكَ الإبلَ: أي رُدَّها)( ).
(والإرْهَابُ بالكَسْرِ : الإِزعاجُ والإِخَافَةُ)( ).
وفيه شاهد بأن المعنى اللغوي للإرهاب متخلف عن المعنى الإصطلاحي للإرهاب في هذا الزمان ومفهومه فلا يختص الذي يقع عليه أثر الإرهاب ، إنما المراد منه المعنى الأعم من وجوه :
الأول : الذي يقوم بالفعل الإرهابي .
الثاني : الفعل الإرهابي .
الثالث : الذين يقع عليهم الفعل الإرهابي.
الرابع : حال الفزع والخوف التي تعم الناس.
ولا يختص الإرهاب باخافة الآخرين ، إنما يشمل الجناية الخاصة التي تترشح عنها إخافة الآخرين ، فيقع فعل إرهابي في محل مخصوص أو سوق أو في مركبة في بلدة مخصوصة ولكن الخوف يشمل الكثير من الناس فيها وفي مدن أخرى قريبة وبعيدة عنها بسبب عالمية الإعلام ، والقبح الذاتي للفعل ، وإنكار الناس له.
وقد صدرت لي (ثمانية عشر) جزءً من (معالم الإيمان) خاصة بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) وهي الأجزاء :
184-185-188-195-198-
199-203-210-211-219-
235-236-238-243-244-
246-252-263.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التضاد بين سنته الشريفة وبين الإرهاب ، من جهات :
الأولى : صبغة السلمية في الدعوة النبوية .
الثانية : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كفاية معجزاته في الدعوة إلى الله عز وجل.
الثالثة : ليس في الرسالة السماوية إلا الخير والفلاح ، والإرهاب قبيح ذاتاً وأثراً .
الرابعة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استئصال الإرهاب والغزو من الأرض ، فلم يغادر الدنيا إلا بعد أن سادت مفاهيم العدل والمساواة والإنصاف وإقامة الصلاة اليومية بين الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.

السلم المجتمعي
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتخاذه الدفاع نوع طريق ومقدمة للصلح ، ويسعى القواد والملوك للفتوحات وتوسعة سلطانهم.
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه يريد الأمن لعامة الناس مسلمين وأهل كتاب ومشركين ، ويجاهد بنفسه وأهل بيته وأصحابه لتحقيق السلم المجتمعي ، وسلامة الناس في بيوتهم ومدنهم وفي الطرقات العامة ، ومنها طرق المسير إلى مكة لأداء الحج ، وطرق قوافل قريش مع شركهم.
لقد أخبر الله بأن الأرض ملك له ، قال تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ومن مصاديق ملكه بعث الأنبياء لنشر الأمن في الأرض ، وإقامة الحجة على الظالمين ، قال تعالى قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.
وهل في الآية أعلاه إنذار للذين كفروا وحاربوا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقرب هلاكهم وإزاحة سلطانهم ، الجواب نعم .
فالسلم الذي يأتي به الرسول ينتفع منه عامة الناس على اختلاف مللهم ومشاربهم ، وهل بلغت هذه الحقيقة الوجودية أهل فارس والروم ، الجواب نعم ، وهو من أسباب امتناعهم عن إعانة المشركين في قتالهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أدركوا أنه مصلح لعموم الأرض ، وفيه بداية لنشر الإسلام في تلك الأمصار.
وتوجه الخطاب من الله عز وجل للذين آمنوا في كل زمان للمبادرة إلى السلم وتعاهده إذ ورد في التنزيل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
قانون الزجر عن محاربة النبي محمد (ص)
لقد جعل الله عز وجل الأنبياء وسائط تبليغ أحكام الشريعة ، وجذب الناس إلى مقامات التوحيد ، وآتاهم المعجزة والشواهد التي تدل على صدق رسالتهم وما يدعون إليه ، ونهى عن معصيتهم والجحود بنبوتهم ، ليكون من باب الأولوية القطعية حرمة محاربتهم .
ونزلت آيات القرآن بالشواهد على سوء عاقبة الذين كذبوا الأنبياء ، قال تعالى كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجود إشارات وأمارات عامة تزجر الناس عن محاربته وقتاله ، وهذا الزجر ليس مجرداً ، إنما هو إنذار ووعيد بسوء عاقبة الذين يحاربونه ، وهو الذي تجلى في معركة بدر بأن سُحب إلى القليب سبعون من رجالاتهم مع التوثيق السماوي لنصرة النبي وأصحابه يومئذ بقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ترى لماذا لم تقل الآية أعلاه (ولقد نصرك الله …) كما في قوله تعالى وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا بصيغة الخطاب للمفرد .
الجواب من جهات :
الأولى : شكر وثناء الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الذين حضروا معركة بدر من المهاجرين والأنصار .
الثانية : شمول صيغة الجمع في الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الإمام في المعركة .
الثالثة : عموم الخطاب القرآني في الآية بما يشمل أجيال المسلمين ، ليدرك كل مسلم ومسلمة أن النصر يوم بدر هو نصر لهما .
الرابعة : مجئ آيات متعددة بصيغة الجمع في نصر الله للمسلمين ، قال تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم التخفيف عن أصحابه وعن المشركين أيضاً.
ومنه قوله في طريقه إلى الحديبية بأن قال (مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الّتِي هُمْ بِهَا) ( ).
لقد أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منع المواجهة واللقاء مع خيل المشركين ، وحرص على دفع الفتنة ، خاصة وأن خيل المشركين يريدون الذريعة للتعدي وهياج الناس .
فسار في طريق وعرة فيها صعود ونزول وشق على الصحابة إلى أن وصلوا إلى أرض سهلة في آخر الوادي مما اضطر خيل المشركين برئاسة خالد بن الوليد للرجوع إلى مكة مسرعين .
ووصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديبية , فبركت ناقته قبل الدخول في الحرم لأن الحديبية خارج الحرم وفي أطرافه ، لبيان أن السير في طريق وعرة غير الجادة العامة أهون من الفتنة والإقتتال ، وفي هذا السير الأجر والثواب المضاعف .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ الجواب نعم .
النبوة باعث للسكينة
يتصف الأنبياء بالسكينة مع الإجتهاد بالدعوة إلى الله ومواجهة الذين كفروا والهلكة ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الأسوة في الصبر والتحمل ، وعدم مغادرة منازل السكينة بفضل ولطف من الله عز وجل عليه وعلى المؤمنين ، قال تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث السكينة في نفوس أصحابه وتهيئة اذهانهم لصلح الحديبية : إذ قال (لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها) ( ).
وهل فيه شاهد على أن آيات السلم محكمة غير منسوخة خصوصاَ وأن صلح الحديبية تعقب هذا القول وفي ذات الموضع ، الجواب نعم , لبيان قانون من جهات :
الأولى : قانون السنة النبوية بيان للقرآن .
الثانية : قانون نفي السنة النبوية للقول بنسخ آيات السلم والصلح .
وقال عدد من العلماء أن آية السيف فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، نسخت جميع آيات الصفح والسلم والكف عن المشركين ، وأمرت بقتالهم ، وقالوا انها نسخت مائة آية من آيات السلم والموادعة والصفح ولا أصل لهذا القول ، وفيه تساهل كثير .
فلابد من دليل مخصوص على النسخ ، كأن الرسول يقول : آية كذا نسخت آية كذا ، أو وجود تعارض مقطوع به بين الآيتين مع معرفة المتقدم المنسوخ والمتأخر الناسخ .
وقد صدر لي (أحد عشر) جزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بعنوان (آيات السلم محكم غير منسوخة) وتصدر بخصوصه أجزاء أخرى إن شاء الله .
الثالثة : قانون تجلي النفع العام بالسلم والصلح في كل زمان .
الرابعة : قانون من الشواهد على صدق النبوة ميل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلح .
الخامسة : قانون دفع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأسباب ومقدمات القتال .
السادسة : قانون تعجيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوقف القتال في حال نشوبه .
ومن بنود صلح الحديبية يأتي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للعمرة في العام التالي ، وهو السابع للهجرة ، و(يكون بينهم صلح متصل عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضاً) ( ).
خطة أبي سفيان لقتل النبي (ص)
عن الواقدي باسناده عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري (كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة ما أحد يغتال محمدا فانه يمشي في الأسواق فندرك ثأرنا.
وفيه شاهد على السكينة التي يتصف بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره بين الناس ، وإصلاحهم ، وعدم الخشية من الذين كفروا لأن الملائكة في صحبته .
فأتى أبا سفيان رجل من العرب فدخل عليه منزله وقال له إن أنت وفيتني وخرجت اليه حتى أغتاله فإني هاد بالطريق خريت( ) معي خنجر مثل خافية النسر.
قال أبو سفيان أنت صاحبنا وأعطاه بعيرا ونمقه وقال اطو أمرك فاني لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه الى محمد.
قال العربي لا يعلمه أحد فخرج ليلا على راحلته فسار خمسا وصبح ظهر الحي يوم سادسه.
ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتى المصلى.
فقال له قائل قد توجه الى بني عبد الاشهل فخرج الأعرابي يقود راحلته حتى انتهى الى بني عبد الاشهل فعقل راحلته ثم أقبل يؤم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجده في جماعة من أصحابه يحدث في مسجده.
فلما دخل ورآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه ان هذا الرجل يريد غدرا والله حائل بينه وبين ما يريده فوقف.
وقال أيكم ابن عبد المطلب فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا ابن عبد المطلب .
فمع أن أمر الأعرابي مريب فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتردد في التعريف بنفسه ، وهو من خصال الشجاعة عنده .
فذهب ينحني على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنه يساره فجبذه أسيد بن حضير وقال تنح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجذب بداخن ازاره فإذا الخنجر.
فقال يا رسول الله هذا غادر فأسقط في يد الأعرابي وقال دمي دمي يا محمد وأخذه أسيد بن حضير يلببه .
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم اصدقني ما أنت وما اقدمك فان معه (نفعك الصدق وان كذبتني فقد اطلعت على ما هممت به.
قال العربي فأنا آمن قال وأنت آمن.
فأخبره بخبر أبي سفيان وما جعل له فأمر به فحبس عند أسيد بن حضير ثم صارا من الغد فقال قد أمنتك فاذهب حيث شئت أو خير لك من ذلك.
قال وما هو فقال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك أنت رسول الله والله يا محمد ما كنت أفرق من الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت.
ثم اطلعت على ما هممت به فما سبقت به الركبان ، ولم يطلع عليه أحد ، فعرفت أنك ممنوع ، وأنك على حق وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان.
فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يتبسم وأقام أياما ثم استأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج من عنده ولم يسمع له بذكر)( ).
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لعمرو بن أمية الضمري ولسلمة ابن أسلم بن حريش أخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه)( ).
ويدل هذا الخبر على أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النجاة من الإغتيال بالمعجزة التي تأتي تارة بعلم الغيب ، وأخرى بالأمارات والدلائل الحسية ، والملاك هو فضل الله .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد أسباب سلامته من الإغتيال مع كثرة أفراد وخطط هذا الإغتيال .
وهو من مصاديق قوله تعالى وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ.
فخرجا ويسمى خروجهما سرية عمرو بن أمية الضمري ودخلا مكة ورأهم معاوية بن أبي سفيان ، وكان عمرو بن أمية فتاكاً في الجاهلية فخافوا منه وأخبر قريشاً بوجوده في مكة ففر عمرو بن أمية وصاحبه.
لبيان أن هذه السرية إنذار للمشركين ، وعدم تحقق اغتيال أبي سفيان.
بعث الشوق للقرآن
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه جعل المسلمين يعشقون القرآن ويشتاقون لقراءته ، ويقبلون عليه بشوق ، وقصد القربة إلى الله تعالى ، ورجاء الثواب واكتناز الحسنات في تلاوته وحفظه الصدور عنه.
وعن (عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار)( ).
والقرآن عنوان الصلة المستديمة بين السماء والأرض ، وهو هبة السماء إلى أهل الأرض ، والكنز الظاهر ، الممتنع عن التحريف ، وهو الكتاب الذي أنزله الله عز وجل لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوته آيات القرآن في الليل والنهار بدوام اعتاد عليه أهل البيت والصحابة .
وفي حديث أم هاني (كنت أسمع صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن)( ) .
وترجيع الصوت لغة ترديده ولكنه في الإصطلاح أعم إذ يعني مدّ الحروف والكلمات ، وتحسين التلاوة مع إظهار الخشوع .
ومن خصائصه رغبته بسماع القرآن من غيره وعن عبد الله بن مسعود(قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اقرأ عليَّ قلت : يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل .
قال : نعم . إني أحب أن أسمعه من غيري .
فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً }( ) فقال : حسبك الآن . . فإذا عيناه تذرفان)( ).
وتدل قراءة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في صلاة الفريضة والنافلة بالقصر في الأولى والإطاعة في الثانية على التقيد بوجوب التلاوة في الصلاة مع التخفيف عن الصحابة في صلاة الفريضة ، وعشق التلاوة في صلاة النافلة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دلالة إطالته للقراءة وكثرتها في صلاة النافلة على حفظه للقرآن ، وقد يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء مجتمعة في ركعة واحدة وبترتيل وإطالة الركوع من السجود.
وورد عن (عن حذيفة قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فافتتح البقرة فقرأ فقلت يركع عند المائة فمضى فقلت يركع عند المائتين فمضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فافتتح النساء فقرأها .
ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع وقال سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده فكان قيامه قريبا من ركوعه)( ).
وأتى بلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإيذان بصلاة الصبح (فرآه يبكي فقال : يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
فقال : يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً ثم قال : وما لي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى في هذه الليلة عليَّ {إن في خلق السماوات والأرض}( ) الآية ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها)( ).
قلة الإرتداد
الإرتداد هو الإنحراف عن العقيدة وترك الإسلام بعد الدخول فيه والنطق بالشهادتين ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قلة عدد المرتدين عن الإسلام ولحوق الخزي بهم ، سواء في فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمكة ، أو هزيمتهم في حروب الردة التي حصلت بعد انتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ليكون من خصائصه سلامة الإسلام وشرائعه وأحكامه أيام حياته وبعد مغادرته إلى الرفيق الأعلى .
(عن ان عباس أن علياً كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله يقول { أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم }( ) والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت .
وأخرج ابن المنذر عن الزهري قال : لما نزلت هذه الآية { ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم } ( )قالوا : يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص؟
قال : إي والذي بعثني بالحق إنه لينقص قالوا : يا رسول الله فهل لذلك دلالة في كتاب الله؟
قال : نعم . ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } فالإنقلاب نقصان لا كفر )( ) والزهري من التابعين ولم يرفع الحديث .
وتتضمن الآية الإخبار بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بشر لابد أن يموت كما مات الأنبياء السابقون ، ولكن من خصائصه أنه لم يغادر الدنيا حتى نزلت عليه جميع آيات القرآن ، ويتم أحكام الشريعة ، وفيه حجة متعددة في الزجر عن الإرتداد لقوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم حصول إرتداد في أيام حياته ، ولا عبرة بالقليل النادر بأفراد بعدد الأصابع .
وكما كان من أكثر الناس إيذاءً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عمه أبو لهب فان من أوائل المرتدين ، وفي أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو عبيد الله بن جحش ، وأمه أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان من المهاجرين إلى الحبشة هو وزوجه أم حبيبة فتنصر هناك .
وبالإسناد (قالت أم حبيبة رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه ففزعت فقلت تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح يا أم حبيبة إنني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية وكنت قد دنت بها ثم دخلت في دين محمد ثم قد رجعت إلى النصرانية.
فقلت والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات)( ).
لبيان أن الرؤيا مدد للمؤمنين والمؤمنات ، ودعوة روحية لهم للصبر برؤية سوء حال المرتد .
ومن المدد في المقام أن أم حبيبة رأت بعد موته رؤيا أخرى ، رؤيا بشارة وأمل إذ رأت (كأن آتيا يقول يا أم المؤمنين ففزعت فأولتها أن رسول الله يتزوجني)( ).
بين الشفق والوسق
قال تعالى فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ *وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
اي اجتمع القمر وتم بدراً .
لم يرد لفظ (الشفق) و(وسق) في القرآن إلا في الآيتين أعلاه .
مع صدور مائتين وواحد وسبعين جزءّ من تفسيري (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) لم أذكر مسألتين بخصوص الآيتين أعلاه وهما :
الأولى : النسبة المنطقية بين الشفق والوسق .
الثانية : هل الشفق والوسق مما سخره الله للناس ، أم هما ضمن قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
أما المسألة الأولى فان النسبة بين الوسق والشفق هي العموم والخصوص المطلق ، فالوسق أعم ، وكل شفق هو من الغسق وليس العكس ، لأن الشفق هي الحمرة التي ترُى في أفق المغرب بعد الغروب سميت به لرقته ومنه الشفقة في القلب بقية ضوء الشمس وبداية زحف الليل على النهار .
أما الوسق فهو ظلمة إذا اجتمعت ، فاذا كان الشفق في الساعة السابعة مساءً مثلاً فان الوسق يكون بعده ، فأول الليل الشفق وظلمته الغسق .
وأما المسألة الثانية فان الله عز وجل سخر للناس كلاً من الشفق والوسق على نحو مستقل ، وهما أيضاً من مصاديق تسخير الشمس والقمر والنهار والليل.
وهما أيضا من آيات دخول الليل في النهار باشارة الآية الكريمة بان الوسق أول الليل ، ومنه دعوة كل منهما الناس إلى التدبر في الآيات الكونية اليومية ، واستحضار ذكر الله ، ولزوم الخشوع لله عز وجل وأداء الفرائض العبادية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه للآيات الكونية ، والثناء على الله عز وجل بنعمة الخلق ، وفي التنزيل بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وتعددت الأقوال في معنى الشفق والوسق ، وهل الشفق النهار كله أم أنه الشمس ، أو أنه اسم للحمرة والبياض( ).
(وزعم الحكماء أنَّ البياض لا يغيب أصلا قال الخليل : صعدت منارة اسكندرية فرمقت البياض فرأيته يتردّد من أفق الى أفق ولم أره يغيب)( ).
والأولى هو بيان أن الله عز وجل يذكر آية كونية متجددة كل يوم بضياء النهار وأول ظلمة الليل لتأكيد بديع صنعه وعظيم قدرته ، وفضله على الناس بأفراد الزمان وأن كل جزء من النهار أو الليل نعمة وآية من عند الله عز وجل تستلزم الشكر من الناس ، ومن مصاديق الشكر في المقام صلاة المسلمين صلاة المغرب والعشاء في ساعة الشفق والوسق وعلى نحو الوجوب العيني في ذات الصلاة ووقت فضيلتها .
قانون السماحة
السماحة البذل تفضلاً وجوداً ، واللين في المعاملة وهي من الأخلاق الحميدة والنسبة بين مضمون قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وبين السماحة عموم وخصوص مطلق ، فهي فرع حسن الخلق .
وهل وصف أهل مكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الأمين) قبل البعثة النبوية من السماحة ، الجواب إنه خلق عظيم مستقل بذاته ، وكل من السماحة والأمانة مقدمة للبعثة النبوية ودعوة للناس للتصديق برسالته.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة السماحة له في مكة وبعد الهجرة لقانون ملازمة السماحة للنبوة وعدم إنفكاكه عنها في حال الرضا والغضب ، وهل سماحة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي ، الجواب نعم فهي من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
وعقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثيقة المدينة في الأشهر الأولى لقدومه لها مع اليهود الذين كانوا قاطنين فيها وهي عقد مواطنة واشبه بالدستور ، وعقد إجتماعي ، وقريب من التساوي في الحقوق والواجبات .
وفي الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة حالما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم موضع الحديبية قال (لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال للناس انزلوا)( ).
وتقديم الرضا بشروط المشركين بقيد صلة الرحم وقبل نزول الجيش من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : تهيئة أذهان الصحابة للصلح .
الثانية : البشارة بعدم حدوث قتال ، إذ كانت طائفة من الصحابة تخشى هجوم المشركين لا سيما وأن المسلمين منزوعو السلاح .
الثالثة : قانون السكينة والرضا بجوار البيت الحرام ، إذ صار الصحابة على بعد عشرين كيلو متر منه ، قال تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا
الرابعة : بيان قانون السلم منهاج النبوة .
الخامسة : قانون تنمية ملكة السماحة ، والميل إلى السلم عند المسلمين وعامة الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وتبعث الآية أعلاه العلماء لإحصاء وجمع مصاديق السلم في سيرة وسنة النبي محمد التي هي مرأة ومصداق لمضامين الآية أعلاه .
فلما قال الله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ جاءت السنة النبوية لبيان كيفية هذا الدخول ، وسبله ، وعدم التردد أو التلكؤ فيه .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن مصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ تثبيت الأخلاق والسنن الحميدة في المنهاج اليومي للمسلمين والجود ، وحسن المعاملة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدعو بالرحمة لمن يتصف بالسماحة .
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى)( ).
و(عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ولا تنفروا)( ).
قانون الإسلام دين السلم
تتجلى معاني السلام بأبهى صورها بآيات الرحمة والعفو القرآنية ، والقوانين المترشحة عن القرآن والسنة في حفظ الحقوق .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التنزه عن الظلم واتباع الهوى ، ومن خصائصه البشارة بالثواب العظيم على عمل الصالحات .
و(عن عبدالله بن سلام قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، انجفل الناس إليه ، فجئته لأنظر في وجهه فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب .
فكان أول شيء سمعت منه أن قال : « يا أيها الناس ، أطعموا الطعام ، وأفشوا السلام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام)( ).
ويدل الحديث أعلاه على أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دلالة سيماء وجهه على صدقه مطلقاً ، في إخبار عن نبوته وفي الأمور كلها ، وهذا الصدق من أهم أسباب زواجه من خديجة بنت خويلد لأنه سار في تجارة لها إلى الشام فربحت أضعافاً ، وسألت غلامها ميسرة الذي أرسلته مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاثنى على أخلاقه وسيرته.
ويدل القرآن والسنة على أن الإسلام دين السلم والصلح والموادعة ، وهل يدل صلح الحديبية على قانون آيات السلم محكمة غير منسوخة( ) ، الجواب نعم.
فبعد شدة قتال المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعركة بدر ، وغزوهم المدينة في معركة أحد ، والخندق إلى جانب هجوم كرز وأصحابه ثم أبي سفيان وأصحابه ، وغيرهم على أطراف المدينة رضوا بالصلح يوم الحديبية مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في حال سلم وموادعة ولباس إحرام .
وهل هو من بركات البيت الحرام ، وأن الصلح لم يتم إلا في أطراف الحرم ، الجواب نعم ، وهو من دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ويتجلى في صلح الحديبية قانون من جهات :
الأولى : قانون التنافي بين الصلح والإرهاب .
الثانية : قانون السعة والمندوحة لتحقيق الصلح .
الثالثة : قانون الصلح حرز ومانع من الإقتتال .
الرابعة : قانون النفع العام بالصلح وإنعدامه بالإرهاب.
ومن خصائص التنكير في لفظ (خير) بقوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] إفادة اطلاق النكرة في مقام الإثبات العموم كما في قوله تعالى عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ.
الخامسة : سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلح مع المشركين تأديب للمسلمين لإختيار الصلح فيما بينهم ، ومع أهل الكتاب ، وعامة الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
في معركة الخندق
تسمى هذه المعركة في كتب السيرة والتأريخ بغزوة الخندق ، أي أنها إحدى غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حال دفاع محض ، واضطروا لحفر خندق حول المدينة لا تزال بعض آثاره ظاهرة للعيان مع مرور أكثر من ألف وأربعمائة سنة مما ينفي نعت هذه المعركة بأنها غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما هي غزوة المشركين للمدينة.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقايا آثار ومعالم تدل على نهجه القويم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة الخندق وجوه :
الأول : ثبات المهاجرين والأنصار في مقامات الإيمان مع شدة الأذى من الكفار , قال تعالى [هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا] ( ).
الثاني : قانون سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من قصد المشركين الإبادة العامة لهم .
الثالث : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة في كتائب وسرايا في دعوة للإيمان والرشاد والهدى , منها خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني قريظة .
وذكر ابن إسحاق من غير سند أن قتلى اليهود فيها ستمائة , وقيل سبعمائة , بينما قال ابن شهاب بسنده قتل منهم أربعون رجلاَ , ومن المقاتلة وفي رواية ثلاثون وإلا فقد يكون العدد أقل كثيراَ لأن جميع الأسرى جمعوا في بيت واحد من بيوت المدينة هو دار رملة بنت الحارث , مما يدل على قلة عددهم .
وابن إسحاق نفسه يروي (فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النّجّارِ)( ).
بينما ورد في سفر التثنية (واما النساء والاطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي اعطاك الرب الهك هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الامم هنا واما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب الهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما) ( ).
الرابع : توالي نزول آيات القرآن التي تدعو إلى الصبر وتبين الأحكام الشرعية , وتذم المنافقين والكافرين , قال تعالى يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
وتتجلى في قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ مصاديق من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صبره على الكفار والمنافقين .
وهو من إعجاز القرآن بأن تكون الآية القرآنية مادة الجهاد , وهي آية سماوية تحقق أهدافها كاملة من غير حاجة للسيف , ولا ينحصر موضوعها بزمان دون آخر , إنما هي سلاح رحمة ولطف متجدد إلى يوم القيامة .
قانون ازدياد عدد المسلمين المطرد
لقد تفضل الله عز وجل وجعل قلوب الناس تميل إلى النبوة الخاتمة ، وهو من إتمام النعمة وكمال الدين ، قال تعالى اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا.
وهذا الميل مقدمة لدخول الناس في الإسلام ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجئ المدد المتصل والمتعدد له من عند الله بتوالي نزول آيات القرآن ، وكل آية برهان على صدق نبوته إلى جانب المعجزات الحسية التي تجري على يديه .
وكان عدد المسلمين يزداد كل أسبوع وكل شهر وهل هو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء ، الجواب نعم .
ومن أسباب هذه الزيادة إلى جانب المعجزة وجوه :
الأول : قانون كل معركة دفاعية للمسلمين تزيدهم إيماناً وتقوي شوكتهم .
الثاني : قانون مع كل معركة يدخل رهط من الناس الإسلام .
الثالث : قانون ضعف ووهن المشركين عقب كل معركة من معارك الإسلام.
الرابع : قانون فضح المشركين بأنهم الغزاة في كل معركة.
الخامس : قانون النقص المتصل والمتتالي في أموال المشركين وإبلهم الخاصة بالتجارة في رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام .
السادس : كل معجزة حسية أو عقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب لدخول رهط من الناس الإسلام .
السابع : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعضيد القرآن له في دخول الناس الإسلام .
لقد كان جهد وتخطيط قريش في محاربة النبوة والتنزيل دقيقاَ ومخيفاَ ومنه التصاعد في أعداد جيوشهم وأسلحتهم وخيلهم وإصرارهم على القتال من جهات وفق الترتيب الزماني :
الأولى : وقعت معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة , وعدد جيش المشركين فيها نحو ألف ومعهم مائة فرس .
الثانية : معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة وزحف فيها نحو المدينة ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس .
لينزل قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ، وهذه الآية نص سماوي يتناقص عدد المشركين.
ومن خصائص النبي محمد رمي أعدائه بالنقص من جهة القتل في الميدان ، ومن جهة توبة شطر منهم ، أو موتهم بآجالهم .
الثالثة : معركة الخندق في شوال من السنة الخامسة للهجرة .
قلة القتلى مدة النبوة الخاتمة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قلة عدد القتلى أيام نبوته مع تعدد المعارك مع المشركين ، والسرايا وقتل الغيلة والغدر ، واستشهاد رهط من المسلمين وهم في حال لم يحملوا معها سلاح .
ويكون مجموع القتلى من حين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وله وسلم وهو في سن الأربعين وفي سنة 610م إلى إنتقاله إلى الرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة للهجرة كالآتي:
الأول : عدد الشهداء من المسلمين هو: 234
الثاني : عدد القتلى من المشركين هو: 212
الثالث : عدد القتلى من اليهود هو: 69
ويكون المجموع الكلي في ثلاث وعشرين سنة هو : 515
خمسمائة وخمسة عشر مجموع القتلى من المسلمين والمشركين واليهود مدة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
مع جعل هامش بمقدار العشر بلحاظ بعض الروايات والأخبار التي لا تخلو من المبالغة في عدد قتلى الطرف الآخر وتقادم الزمان في الرواية إذ أن ابن إسحاق مثلا متأخر في زمانه (85-151) هجرية ,وكان جده من سبي عين التمر التي فتحها المسلمون سنة 12 للهجرة وشرع في كتابة السيرة النبوية في أيام أبي جعفر المنصور الذي تولى الحكم سنة (136-158) هجرية)( ).
ويستغرب أكثر الناس قلة عدد القتلى مدة النبوة الخاتمة ، ولكنها من خصائص ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ولما كان المسلمون في حال دفاع مضطرين إليه ، فلماذا صار عدد قتلاهم أكثر من قتلى المشركين ، والأصل أن الذين في حال دفاع تكون قتلاهم أقل من المهاجمين ، والجواب من جهات :
الأولى : أكثر قتلى المسلمين قتلوا صبراً وغيلة ، ومنهم سمية وياسر والدا عمار بن ياسر .
الثانية : قُتل عدد من المسلمين غدراً ومنه سرية القراء في بئر معونة في السنة الرابعة للهجرة ، وفي قوله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، قيل نزلت هذه الآية في بئر معونة وهم سبعون رجلا من قرّاء أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم أميرهم المنذر بن عمرو،
وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ، ليعلّموا الناس القرآن والعلم ، فقتلهم جميعاً ، عامر بن الطفيل)( ).
والمختار أن عدد القتلى يومئذ (37) شهيداً ( ).
وكذا قتل من المسلمين غدراً عشرة من الصحابة كانوا في سرية تبليغ وتعليم للقرآن قتلتهم هذيل في شهر صفر من السنة الرابعة ( ).
الثالثة : عشق المسلم للشهادة .
الرابعة : وقوع بعض الأخطاء كما في ترك الرماة مواضعهم في معركة أحد ، فسقط سبعون من الشهداء.
الخامسة : الثواب العظيم لمن يقتل في سبيل الله ، قال تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
قانون السلامة من الخوف من الكفار
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتصف بالشجاعة وهي خصلة حميدة مصاحبة للنبوة ، لقانون كل نبي شجاع.
وتتجلى مصاديق هذا القانون من بدايات بعثة النبي وإعلانه النبوة ، وقانون إجهار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة الآيات القرآنية التي تتضمن ذم عبادة الأوثان ، وسوء عاقبة الذين عبدوها ، وما فيها من التعريض بمشركي قريش وآبائهم ، منه قوله تعالى أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شده عضد المسلمين في عدم الخوف من المشركين ، وفيه وجوه :
الأول : إنذار الكفار من محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانهم سيلقون القتل والحزن والخيبة والخسران .
الثاني : دعوة الناس لعدم الخوف والخشية من رؤساء الكفر ، وجعل هذا الخوف سبباً للعزوف عن دخول الإسلام ، أو للخروج مع جيوش المشركين لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فاذا كان في ناحية المسلمين منافقون ومنافقات فان في طرف المشركين أناس كثيرون يبغون دخول الإسلام ، ويخشون من المشركين ، فجاءت خيبتهم في معركة الخندق إزاحة لهذه الخشية ، وهو من أسباب تعجيل المشركين بالموافقة على صلح الحديبية والهدنة لعشر سنوات .
ولم يؤجلوا عقد صلح الحديبية إلى عمرة القضاء ، كما أنهم يعلمون أن الذين يدخلون الإسلام في سني الهدنة أكثر منهم في سني الحرب والخوف من رؤساء الشرك وضلالة وقهر الآباء .
فمن خصائص النبي محمد رضا أعدائه بالصلح مع علمهم بفتح هذا الصلح أبواباً من العز والنصر له ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا.
الثالث : خسارة الكفار للأموال الطائلة في الإعداد لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والإنفاق على المحاربين وإطعامهم ، وتهيئة الإبل لركوبهم والسيوف والرماح والنبال لقتالهم ، وهم يمنون أنفسهم بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انقطاعه وأهل بيته وأصحابه إلى أداء الفرائض العبادية ، وتلقي نزول القرآن في ذات الوقت الذي يعدّ المشركون العدة لأكبر هجوم شهدته الجزيرة العربية في تلك الأزمنة بزحف عشرة آلاف مقاتل من الأحزاب لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإبادة العامة للمهاجرين والأنصار.
فأخبر الله عز وجل عن نزول الملائكة والريح لحفظه وأصحابه وتشريد الذين كفروا ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا.
الرابع : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخول الإسلام إلى بيوت رؤساء الكفر بإيمان شطر من أبنائهم وبناتهم ، وهجرة عدد منهم إلى المدينة .
ومنهم من هاجر بعد صلح الحديبية أيضاً.
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تخلي أكثر القبائل عن نصرة قريش ، وظهر هذا في المفاوضات مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل عقد وإمضاء صلح الحديبية والشهادة عليه ، ولأن كثيراً من أفراد القبائل دخلوا الإسلام .
قانون إيمان النساء
من خصائص محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على صدق رسالته إختيار شطر من النساء دخول الإسلام في أشد حالات الإيذاء من قبل مشركي قريش ، وتعاون الأسر والبيوتات لصد أبنائهم عن دخول الإسلام .
فمن خصائص بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنها معركة عقائدية بين الإيمان والكفر ، وحرب بلمعان السيوف بين المسلمين والمشركين ، والأصل في هذه الحال اعتزال النساء الأمر وقد يقمن بقول الأشعار، ولكن النساء أيام البعثة دخلن الإسلام بتحد للآباء المشركين وهاجرن إلى الحبشة وإلى المدينة .
كما في هجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فأتى أخواها عمارة والوليد إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة لردها.
فأبى الله عز وجل رد النساء إنما كان الشرط بخصوص الرجال ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ] ( ).
وكان إكرام الإسلام للمرأة من أسباب دخول النساء الإسلام من بدايات الدعوة ، إذ أوقف القرآن والسنة الوأد ، قال تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْوأنصف المرأة في الميراث ، قال تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ وأخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن طريق الجنة البر بالأمهات ، وأنها تحت أقامهن .
وعن ( معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال، هل لك من أم ؟
قال: نعم، فقال: الزمها، فإن الجنة تحت رجليها)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الترغيب بتربية البنات ، والصبر في السعي للإنفاق عليهن (عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من كن له ثلاث بنات يؤويهن ، ويرحمهن ، ويكفلهن ، وينفق عليهن ، وجبت له الجنة البتة .
قيل : يا رسول الله فإن كانتا اثنتين؟ قال : وإن كانتا اثنتين . قال : فرأى بعض القوم أن لو قال واحدة لقال واحدة)( ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يا أيها الناس إن النساء عندكم عوان ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن حق ، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً ، ولا يعصينكم في معروف ، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)( ).
الإبتلاء في معركة الأحزاب
لقد كان هجوم الأحزاب على المدينة في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة شدة ومحنة كبرى ، لقد زحف فيها عشرة آلاف رجل من قريش وحلفائها في سابقة في الجزيرة لم تحدث من قبل ، وفيه شاهد على الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجلي معجزة له في السنة الدفاعية ومن خصائصه أن حفظه وسلامته والصحابة بفضل ورحمة من عند الله عز وجل.
وكان مجموع الصحابة بنحو ثلث هذا العدد أو أقل منه , ومنهم من تعذر عليه القتال , وحينما حفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الخندق حول المدينة بقوا محاصرين داخله , وتأتي ليالي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس معه خلف الخندق سوى مائتين أو ثلاثمائة من الصحابة في مقابل عشرة آلاف من المشركين .
(قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرابطا، وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل) ( ).
ولم تكتف قريش بالرمي بل قام نفر من شجعانهم بعبور الخندق من مكان ضيق منهم عمرو بن عبد ود من بني عامر بن لؤي , فكانت المبارزة الخالدة بينه وبين الإمام علي عليه السلام فقتله الإمام علي عليه السلام ، ونزل قوله تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
النسبة بين خصائص ومعجزات النبي محمد (ص)
من أبهى خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزاته الخارقة وهي على أقسام :
الأول : ما انفرد به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء ، وهو المعجزة العقلية آيات القرآن .
و(وقال أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)( ).
الثاني : المعجزات الحسية التي اشترك بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الأنبياء السابقين ومنها الوحي مع استقلال كل نبي ورسول بمعجزة أو أكثر والله واسع كريم .
الثالث : المعجزات الحسية التي استقل بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء جميعاً
الرابع : المعجزة الحسية العقلية الجامعة مثل حديث الإسراء ونزول آيات قرآنية سماوية لتوثيقه إلى يوم القيامة والدعوة للتدبر في دلالاته .
ويمكن أن نؤسس قانوناً وهو كل معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت في القرآن فهي معجزة حسية عقلية لحضورها ووقوعها أيام التنزيل ، وقانون توثيقها في التنزيل كمعجزة الإسراء والمعراج ، وقانون تلاوة المسلمين له كل يوم وإلى أوان النفخ في الصور.
وهل صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومشركي قريش من معجزاته ، الجواب نعم .
فهو معجزة جلية وظاهرة وعامة المنافع المترشحة عنها آنية عاجلة وآجلة ، ومتجددة إلى يوم القيامة ، وهو تأسيس لأنظمة السلم المجتمعي في الأرض ،ودعوة للمؤسسات والمنظمات والأفراد بنبذ العنف والإرهاب ، وبالرجوع إلى الصلح والموادعة ، قال تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
ووردت الآية أعلاه بصيغة الإطلاق في طرفي الصلح وعموم الخير ، وهو من الإعجاز في تقوم الحياة الدنيا بالصلح والموادعة والرأفة .
وتحتمل معجزة صلح الحديبية وجوهاً :
الأول : إنه معجزة حسية .
الثاني : إنه معجزة عقلية بلحاظ صيرورة الصلح وما فيه من التنازل عن حق فتحاً عظيماً متصلاً في نفعه إلى يوم القيامة ، ولذكره في القرآن ومنه أنه فتح .
الثالث : المعنى الجامع ، فصلح الحديبية معجزة حسية وعقلية .
والمختار هو الأخير.
قد تكون المعجزة الواحدة متعددة في موضوعها , وذات نفع عام وفضح للمنافقين , واسقاط لما في أيدي المشركين .
كثرة المعجزات الحسية
تتعدد معجزات الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية وفيها دعوة للتصديق برسالته وتعاهد نعمة الإيمان ، والشكر لله عز وجل على فضله على النبي والمسلمين ، ومنها :
الأولى : تسبيح الحصى بين يدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : شفاء المرضى بواسطة ريقه ، ودعائه .
وعن (يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة ؟ قال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر فقال الناس: أصيب سلمة.
فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة)( ).
و(عن عائذ بن عمرو قال: أصابتني رمية يوم حنين في وجهي فسال الدم على وجهي وصدري فتناول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدم بيده عن وجهي وصدري الى ثندوتي ثم دعا لي .
قال: جئت مع والد عبد الله فرأيت أثر يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى منتهى ما مسح صدره فإذا غرة سائلة كغرة الفرس)( ).
الثالثة : سلام الحجر على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة.
الرابعة : بركة تكثير الطعام بين يديه.
الخامسة : كلامه مع بعض الحيوانات .
السادسة : معجزة الإسراء ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا.
السابعة : إنشقاق القمر ، قال تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
الثامنة : نبع الماء من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسعة : حنين الجذع له ، والذي كان يخطب عليه عندما صنع له منبر.
العاشرة : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل في الميدان وخارجه مع قربه منه ، ومع إصرار وتخطيط المشركين لقتله .
الحادية عشرة : تكليم الحيوانات له .
الثانية عشرة : سماعه لأهل القبور .
الثالثة عشرة : إخباره عن المغيبات في المستقبل القريب وفي أهوال يوم القيامة .
الرابعة عشرة : وصفه لوقائع معركة مؤتة وهو في المدينة ، فكانت كما وصف.
الخامسة عشر : اضاءة المدينة لقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وظلمتها عند وفاته .
و(عن أنس قال : لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة أضاء منها كل شيء فما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه و سلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا)( ).
خصائص حميدة في حديث
تتصف السنة النبوية بأنها المصدر الثاني للتشريع ، وهي مرآة للقرآن الذي يتضمن الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإكرامه ، وبيان خصاله الحميدة ، ووظائف النبوة الخاتمة ومنه (قد روي عن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أمرني ربي بتسع الإخلاص في السر والعلانية.
والعدل في الرضا والغضب.
والقصد في الغنى والفقر .
وأن أعفو عمن ظلمني.
وأصل من قطعني.
وأعطي من حرمني .
وأن يكون نطقي ذكرا.
وصمتي فكرا ونظري عبرة) ( ) .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العفو عن الظالم والمعتدي , وصلة الذي يقطع الرحم وعدم مقابلته بالمثل .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موافقة قوله وفعله لما أمره الله عز وجل به ، سواء الأوامر الخاصة به ، أو الأوامر العامة ، ولقد أمر الله عز وجل المسلمين باتباع أوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واجتناب ما نهى عنه.
وفي علم الأصول باب اسمه هل الأمر بالأمر بالشئ أمر به أم لا ، فاذا قال الوزير للمدير أن يقوم الموظف الفلاني بتنظيم سجل ، فهل الأمر للموظف من الوزير أيضاً أم من المدير فقط ، المختار هو الأول.
لذا فان من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أمره إلى المسلمين والمسلمات هو أمر من عند الله وأن نواهيه لهم هي نهي من عند الله ، وهذه خصائص ومنزلة لم ينلها غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن الأدلة عليه قوله تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.
الحاجة العامة للنداء النبوي
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثته على فترة وانقطاع من الرسل ، فبين عيسى عليه السلام وبينه نحو ستمائة سنة ، قال تعالى يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.
يفتر فتورا : إذا هدأ وسكن .
ليحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسؤولية النداء العام إلى الناس كما في نداء [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] الذي ورد في القرآن عشرين مرة ، والنداء الخاص [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الذي ورد في القرآن تسعاً وثمانين مرة .
ويشهد قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ للنبي محمد بقيامه بتبليغ الرسالة وآيات القرآن من غير زيادة أو نقصان ، وفي الثناء على الأنبياء والرسل قال تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.
واختص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمور :
الأول : الإخبار عن نبوته .
الثاني : الدعوة إلى الله علانية وسراً ، وبالإتصال بالأفراد والجماعات .
الثالث : تلاوة آيات القرآن بين ظهراني رؤساء يعبدون الأوثان ، ويسخرون الناس للبطش بعدوهم وعدو آلهتهم.
وقد تفضل الله عز وجل بحفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلامته ، ودفع الضرر عنه ، قال تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُمع استجابة المسلمين لدعوة الإيمان بالله عز وجل والتي تتضمن العمل بما جاء به رسول الله من الأوامر والنواهي ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
ومن فضل الله عز وجل أنه مع الإيمان يأتي العفو والمغفرة وسؤال النجاة يوم القيامة .
لقانون استدامة فتح باب الدعاء ، وقانون فوز المسلمين بالتوجه إلى الله عز وجل بتعدد المسألة والحاجة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته للشهادتين وهي مصداق للإيمان وأداء الفرائض العبادية ، وليس من فصل بين الدعوة إلى الإيمان وبين إعلان المسلمين إيمانهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتصال وتجدد ندائه للإيمان في كل يوم وهو من الشواهد على انفراده بالمعجزة العقلية التي تخاطب الناس كل يوم مع وجود الإستجابة الكبيرة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يغادر الحياة الدنيا إلا وقد بلغ أصحابه نحو سبعين ألف ، وقيل مائة ألف مع قصر مدة النبوة وهي ثلاث وعشرون سنة .
نعم وردت كثرة بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر هرباً من فرعون ولكنهم كانوا على ملة التوحيد قبل بعثة موسى عليه السلام رسولاً .
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن خصائصه أن الله عز وجل بعثه بين قوم مشركين ، وعلى انقطاع وفترة من الرسل والأنبياء وأرسله الله إلى الناس جميعاً ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ، وانتقل الناس ببركة رسالته من عبادة الأوثان إلى التوحيد وأداء الفرائض العبادية ، والتنزه عن القبائح والرذائل.
وجوب التلاوة اليومي
لقد خصّ الله عز وجل النبي محمداً بنزول القرآن ، وأمره والمسلمين والمسلمات بتلاوة آياته في الصلاة اليومية ، وهل هذه التلاوة من مصاديق قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا الجواب نعم ، لبيان أن الإيمان قول باللسان ، واعتقاد بالجنان ، وفعل بالجوارح والأركان.
ومن خصائص تلاوة المسلم والمسلمة القرآن خمس مرات في اليوم تثبيت معالم الإيمان في القلوب ،وعصمتها من الكآبة والحزن والإضطراب ، وفيها دعوة متجددة إلى الله عز وجل.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترغيب الناس بالإسلام ، وبيان سبل الهداية والرشاد ، وإزاحة الصدأ وأسباب العناد عن القلوب.
وجاء الرسول بالمعجزات وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا.
إذ تقوم الحجة على الناس بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإيمان ، وبينت الآية أعلاه عاقبة الكفر والظلم والتعدي.
لقد ابتدأت الآية رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، بصيغة الجمع ثم المفرد للمنادي للإيمان ، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم جاءت صيغة الجمع في تلقي النداء بالقبول لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلوغ دعوته الأمصار ، فقد نادى للإيمان ، لينادي بعده الملايين من المسلمين في كل زمان للهداية وسنن الإيمان والصلاح وفق الكتاب والسنة . 
قانون الشكر العام على بعثة النبي محمد (ص)
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته واقية من مفاهيم الشرك والضلالة ، ليظهر المسلمون إيمانهم بفخر ، قال تعالى لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
ويكونوا في مراتب من الفقاهة والتدبر ، وإدراك قانون الذي نادي للإيمان هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو لم يدع من نفسه أو لنفسه ، ويتجلى قانون دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإيمان بالوحي والتنزيل المقترن بالحجة والمعجزة .
لقد سمع المسلمون دعوة الإيمان فاستقبلوها بالنداء (ربنا ) الصادر منهم رجالاً ونساءً ، لبيان نبذهم لمفاهيم الشرك وعبادة الأوثان ، لتكون اول كلمة من الآية سلاحاً يومياً متجدداً ، وحرزاً عند المسلمين بشد عضدهم لأداء الفرائض العبادية.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن المسلمين يشكرون الله عز وجل على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويشكرون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على قيامه بالتبليغ والنداء للإيمان.
لذا تفضل الله وأمرهم بالصلاة عليه بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
و(عن كعب بن عجرة قال : لما نزلت[إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ] قمت إليه فقلت : السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك يا رسول الله.
قال : قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)( ).
لقد جاء الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عامة المسلمين لدعوته إلى التوحيد وتبليغه آيات القرآن ، وكل من النبوة والإيمان والنداء له ، والإستجابة له فضل ولطف من عند الله عز وجل ، فهو الهادي إلى سواء السبيل ، قال تعالى قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ .
ويتبادر إلى الذهن عند سماع السلاح هو آلة الحرب والقتال ، والمصنوعة من الحديد او الخشب ونحوه ، ولكن النبي المنادي جاء بسلاح ماض ، سلاح سلام وهو القرآن ، يغزو القلوب ، ويستحوذ على الجوارح بما يجعلها مستجيبة لنداء الإيمان ، وهو من مصاديق (فآمنا) في قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شمول الإيمان إلى جانب الإعتقاد العمل بالأوامر والنواهي التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل تلك النازلة في القرآن ، والواردة على لسانه وفي سنته ومن خصائصه أنه لو رآه أشخاص وهم كفار ثم أسلموا ولم يروه عند إسلامهم فانهم ليسوا من الصحابة ، لشرط الإسلام في الصحابي الذي رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مسلم قد نطق بالشهادتين .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توجه المسلمين جميعاً لله عز وجل بالدعاء على بداية مرحلة جديدة وحال استقامة في تأريخ الإنسانية خالية من مفاهيم الشرك والضلالة لتستمر هذه الإستقامة اليومية مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي معجزة غيرية متجددة له ، ففي كل يوم يتجلى الإيمان الذي نادى به بمصاديق غير متناهية من صلاة المسلمين ، ومن تلاوة الآية القرآنية ملايين المرات كل يوم في هذا الزمان ، وهو من أسرار وجوب قراءة القرآن على كل مسلم ومسلمة في سبع عشرة ركعة في اليوم والليلة ، وهو مصداق جلي لقوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
والله عز وجل هو الوهاب والواهب للعطايا الجزيلة ، ومن أبهى الهبات من الله عز وجل الهداية إلى الإيمان ، وجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مجتمع يعبدون الأوثان لبيان اخلاصه وجهاده وصبره في الدعوة إلى الله ، ومنها النداء النبوي المتكرر للإيمان ، إذ يدل قوله تعالى سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ على قانون دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإيمان جهرية وعلنية عامة .
فمن خصائص النبي محمد أنه المنادي الذي أسمع ويسمع عامة الناس من البر والفاجر صوته ودعوته ، مع تحمله الأذى الشديد لذا قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)( ).
الرحمة المزجاة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته رحمة للناس على نحو يومي عام متجدد من جهات :
الأولى : اقتران رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنشر ألوية السلم في الجزيرة .
الثانية : بيان قبح عبادة الأوثان ، وبعث النفرة في النفوس منها إلى يوم القيامة .
الثانية : الإقرار بتلقي نداء وتبليغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجوب الإيمان .
الثالثة : بيان النفع العام لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتبليغه أحكام الشريعة للناس ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
الرابعة : إعلان المسلمين لقانون وجوب الدعاء والاستغفار ، والإستغاثة بالله عز وجل ، ورحمته غياث للناس أجمعين ، وملاذ للخائفين ، قال تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ.
الخامسة : قانون هداية المسلمين إلى السبيل والصراط إلى الله عندما تنقطع السبل.
ومن خصائص الإنسان إثقال الذنوب التي حملها لكاهله ، ويتصف المسلم باستحواذ الذنوب على تفكيره خوفاً من الله، وخشيته من الإبتلاء العاجل ، والعقاب بالعذاب الأليم في الآخرة ، فهداه الله لآيات التوبة والإستغفار تلاوة وتدبراً ، والله وحده هو الذي يكشف الغم ، ويفرج الكربات ، ويمحو السيئات ، وهو أرحم الراحمين ، ورب العرش العظيم ، قال تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية أعلاه ابتداؤها بالخطاب والأمر له [قل] ليكون واسطة الفيض الإلهي ، وطريق الهداية إلى التوبة والإنابة بالإيمان بالله عز وجل .
و(عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم لغفر لكم . والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ، ثم يستغفرون فيغفر لهم)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الترغيب بالإستغفار المقرون بالتسليم بعالم الحساب والجزاء الأخروي ، والحاجة فيه إلى التوبة والإنابة ، وهذه الخصائص من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
خطبة الحاجة
من خصال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم افتتاح الكلام بصيغة الخضوع والخشوع لله عز وجل والحمد لله تعالى ، ويبدأ خطبته بما يسمى (خطبة الحاجة ) في أبين صور الحمد لله .
وعن عبد الله (ابن مسعود قال : علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة الصلاة وخطبة الحاجة . فأما خطبة الصلاة فالتشهد . وأما خطبة الحاجة فإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
ثم يقرأ ثلاث آيات من كتاب الله { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }( ){ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً }( ) { اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم }( ) ثم تعمد حاجتك)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنمية ملكة الحمد لله عند المسلمين ، وجعلها ارثاً متجدداً وهو الظاهر في كل خطب وكلمات وأحوال المسلمين بابتداء الكلام بالبسملة والحمد لله .
وعن (عن ابن عباس قال : فتح أول الخلق بالحمد لله،
فقال : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض}( ) وختم بالحمد،
فقال : {وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}( ))( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل بعثه بالقرآن وآياته ، مع أن الصلة بين الله والعباد مباشرة ليس ثمة مسافة بين سكان الأرض والعرش ، وهو من أسرار صيرورة الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وهل هو من أسباب تساؤل الملائكة أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، أي كيف يكون قريباً من العرش من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، المختار نعم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده لتقريب الناس من العرش بالإيمان والتقوى ، والتنزه عن الفساد وسفك الدماء .
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة)( ).
وعن أبي ذر أنه سأل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم (فأي آية أنزلها الله عليك أعظم ؟ قال آية الكرسي .
ثم قال: يا أبا ذر ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة.
قلت: يا رسول الله كم النبيون .
قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي قلت: كم المرسلون منهم ؟ قال: ثلاثة عشر جماء غفيراء قلت: من كان أول الانبياء .
قال آدم قلت وكان من الانبياء مرسلا ؟
قال : نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه…الحديث)( ).

المعلم الأول
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده في تعليم المسلمين أحكام الشريعة والأخلاق الحميدة ، فهو المعلم الأول من جهات :
الأولى : صدور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن القرآن والوحي.
الثانية : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه يعلم الناس بالسنة القولية والفعلية التي هي شعبة من الوحي .
الثالثة : تدعو أو آية نزلت من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ النبي محمداً لتعليم المسلمين في مرضاة الله ، وتفقههم في الدين .
الرابعة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سيرته هداية وتعليم للناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
الخامسة : مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشريعة المتكاملة في أمور الدين والدنيا ، قال تعالى [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعليم المسلمين قوانين وأصول الدعاء والمسألة بالإبتداء بالثناء على الله عز وجل بصفة الربوبية المطلقة .
ومن خصائصه الثناء اليومي المتكرر على الله من مقامات العبودية ، وصيرورة المسلمين في حال العز والفخر بالإرتقاء إلى مراتب الإيمان عندما سمعوا النبي محمداً يصدح بآيات القرآن ، ويحض الناس على نبذ الشرك وعبادة الأوثان.
لبيان رشحات ومنافع قوله تعالى إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، لشهادة وإخبار المسلمين عن سماعهم لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستجابتهم لها.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياته إخلاصه العبودية لله عز وجل ، والصبر والجهاد في ذات الله عز وجل ليبقى هذا الإخلاص تركة لأجيال المسلمين .
لبيان قانون تلاوة المسلمين للقرآن كل يوم علو منزلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة ما ورد (عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تَلٍّ ، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي أن أقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك المقام المحمود)( ).
و(عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ، حَلّتْ له شفاعتي يوم القيامة)( ).
والمراد من النداء هو الأذان للصلاة اليومية ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
إنذار الكافرين
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنذار الذين كفروا في أيام سطوتهم وبطشهم بسوء العاقبة ، ودخول النار ، ويتجلى هذا الإنذار بالسور المكية وعلى نحو متكرر ، ومنه قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ويتجلى الإنذار من وجوه :
الأول : إنذار الذين سمعوا نداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصروا على الإقامة في مستنقع الكفر والضلالة .
الثاني : الذين امتنعوا عن قبول النداء وماتوا على الكفر ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
الثالث : الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في سوح القتال ، إذ كان النبي ينادي بين الجمعين (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
الرابع : لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من قراءة القرآن بين الناس في مكة ، وكل آية إنذار للناس ، فمنهم من آمن وهم أهل البيت والصحابة الأوائل .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الذين آمنوا برسالته من الرجال والنساء في أيام حياته ، وآمنوا بالبينة والبرهان من غير إكراه .
وهل في قوله تعالى وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ حرز للمسلمين والمسلمات من النفاق والإرتداد ، الجواب نعم .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضل الله في إصلاح المسلمين للبقاء على الإيمان عند مغادرته إلى الرفيق الأعلى ، قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
الإجتهاد في الشكر لله
لقد أنعم الله عز وجل على أهل الأرض ببعثة مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي بما يقيم الحجة عليهم في الهداية لسبل الإيمان والرشاد ، وهو من مصاديق قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده بالشكر والحمد لله عز وجل في النهار والليل ، والحل والترحال .
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال (قال علي بن الحسين عليه السلام: إن جدي رسول الله صلى الله عليه واله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له وتعبد بأبي هو وامي حتى انتفخ الساق، وورم القدم .
وقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده في الشكر لله عز وجل من مقام النبوة والإمامة العامة للناس ، فلم تشغله سياسة الناس وتدبير شؤون الحكم في المدينة ، والتبليغ اليومي المتصل عن الشكر لله ، مع أن كل فرد من الوظائف أعلاه هو من مصاديق الشكر الفعلي والقولي لله عز وجل .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إجماع أمته على وجوب الشكر لله عز وجل ، ومبادرتهم إلى الشكر والحمد لله ، ويذكر الإجماع في أحكام الشريعة والفتوى ، ولكن إجماع وتوارث المسلمين الشكر لله هو أعظم إجماع .
ومن الآيات تفضل الله عز وجل بتلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم والليلة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
من مصاديق الشكر لله
من فضل الله عز وجل السعة في أفراد ومصاديق الشكر له تعالى ، لقد قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وكل عبادة لله هي شكر له سبحانه سواء بالقول أو الفعل .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعاهده وأمته للشكر اليومي لله عز وجل باقامة الصلاة خمس مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني ، فالصلاة بركوعها وسجودها من أبهى مصاديق الشكر لله ، ومنها وجوه :
الأول : إعلان العبودية لله ، وهل النداء (ربنا) من هذا الشكر ، لبيان قانون مصاديق العبودية كلها شكر وثناء على الله عز وجل ، وتقدير الآية : وأن الله وحده ربنا لا إله ومعبود لنا سواه.
الثاني : من الشكر لله تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين القرآن مع التسليم بأنه كلام الله الذي اختص به النبي محمداً وأمته ، إذ ينقطع المسلمون لعبادة الله عز وجل ، وليس من إجماع في تأريخ الإنسانية مثله عدداً وشرفاً وارتقاء في المعارف الإلهية .
الثالث : الشكر لله عز وجل على وحدة المسلمين في تلاوة القرآن سالماً من التحريف ، وعلى المناجاة والدعاء والمسألة ، وفي التنزيل وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ.
الرابع : إقرار المسلمين على أنفسهم بتبليغهم من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقيدهم بمضامينه القدسية ، ليكون مصداقاً عملياً لآية الميثاق وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ.
الخامس : شكر المسلمين لله عز وجل على تفضيله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وقيامه بتبليغ آيات وسور القرآن مع شدة الأذى الذي لاقاه وأهل بيته .
السادس : الشكر لله عز وجل على حفظه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من شرور الأعداء من الأنس والجن ، ومن خصائصه نجاته في ميدان القتال بمعجزات حسية ظاهرة ، وكذا بالنسبة لسلامته من محاولات الإغتيال المتعددة .
ومن وجوه تقدير قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ : ربنا إننا سمعنا منادياً أنقذته من الإغتيال لينادي للإيمان فبلغنا هذا النداء المبارك .
كثرة الخطاب القرآني إلى النبي (ص)
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الخطابات القرآنية الموجهة إليه ، ولابد من إحصائها بتتبع آيات القرآن آية آية .
ولقد صدرت الأجزاء (245-247 -258) من تفسيري (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) بخصوص علم الإحصاء القرآني غير متناه .
لقد نزل القرآن بالخطابات إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الإكرام : يا أيها النبي ، يا أيها الرسول ، كما ورد بلفظ (قل) 328 مرة ، وبكلمات وأوامر بصيغ أخرى مثل يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ وادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ويَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًاوالنواهي مثل لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقسيم الخطاب من الله له في القرآن إلى أقسام :
الأول : الخطاب الخاص له ، مثل قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ومنه يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُيَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ.
الثاني : الخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتلحق به الأمة ، قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا.
وهناك قول مشهور عند علماء التفسير بوجود خطاب لا دليل على كونه خاصاَ بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا دليل على عمومه ، فيكون خاصاً في لفظه وعاماً في حكمه ، واستشهد عليه بقوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ.
والمختار ليس في القرآن خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مردد بين الخاص والعام ، خاصة مع الرجوع إلى آيات القرآن التي تتضمن تفسيراً لآية النداء ، والأصل في خطابات القرآن العموم .
الثالث : الخطاب الموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمراد الناس جميعاً ، وهذه الخطابات من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ مثل وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِووَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ .
الخطاب القرآني رحمة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رسالته رحمة للناس جميعاً ، ويدل قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ على قانون انتفاع كل إنسان وطائفة من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقانون الإنتفاع العام من الخطاب القرآني الموجه إليه سواء مباشرة أو بالواسطة ، ويؤكده قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ويمكن استقصاء هذه المنافع العالمية ونشر صيغ السلم والمودة بين الناس وسنن عبادة الله في الأرض ببركة آيات القرآن ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة تجلي مصاديق الرحمة العامة للناس برسالته ، وهو من مصاديق قوله تعالى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
وهناك مسائل :
الأولى : أقل هذه الخطابات إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي الخطابات الخاصة.
الثانية : لا بد من إحصاء خطاب القرآن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تشمل الأمة ، وتلك التي تشمل الناس جميعاً ، لمعرفة أيها هي الأكثر ودلالات هذه الكثرة .
مع موضوعية علماء التفسير للفصل والتمييز .
الثالثة : لو دار الأمر بين الخطاب الخاص للنبي أم تلحق به الأمة ، فالصحيح هو الثاني .
الرابعة : لو دار الأمر بين إرادة إلحاق خصوص المسلمين بالخطاب الإلهي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أم المقصود الناس جميعاً ، فالصحيح هو الثاني لقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ولأصالة العموم .
ولقانون الغالب في خطابات القرآن ، أنها عامة حكماً .
قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ.
والخطاب في الآية أعلاه موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر بعد اجتهاد النبي في الدعاء عشية ويوم معركة بدر وهو السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية.
وأيهما أسرع هبوط الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الضوء ، إذ تبعد الشمس عن الأرض مائة وتسعة وأربعين مليون كيلو متر ، ويصل الضوء إلى الأرض في ثماني دقائق وثلاثة أعشار الدقيقة (8،3) دقيقة.
المختار هو الأول فالملائكة اسرع من الضوء ، وهم أجسام نورانية لا تقاس احوالهم وطبائعهم بأحوال وطبائع البشر ، ولعمومات قوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
والله عز وجل قادر على خلق الملائكة في ساحة معركة بدر وقيامهم في الحال بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولكن شاء الله عز وجل أن يرى الملائكة الذين احتجوا على جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً كيف يجاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المهاجرين والأنصار بأنفسهم في سبيل الله ، وأن النبي محمداً يستغيث ويدعو الله لنصرته .
وكل من سرعة نزول الملائكة وسرعة الضوء من مصاديق قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول الملائكة لنصرته ، إستجابة لإستغاثته كما في الآية أعلاه من سورة الأنفال وفيه وجوه :
الأول : نزول الملائكة بالتوالي والتتابع (عن ابن عباس في قوله مُرْدِفِينَ قال : وراء كل ملك ملك)( ) .
الثاني : مردفين أي مسرعين ، ومن مصاديق المدد التعجيل في الإعداد والسير للحاجة إليه .
الثالث : تتابع المدد من الله عز وجل .
وورد عن ابن عباس قال (وأمد الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة وكان جبرئيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة مجنبة)( ) والمجنبة من الجيش جناحه .
ليكون هذا النزول من مصاديق رد الله على الملائكة إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ حين تساءلوا عن جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تزول الملائكة لنصرته من نصرة الله تعالى لأنبيائه والمؤمنين ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ.
اختصاص النبي (ص) بتلقي خطاب الفتح
من إعجاز القرآن تضمنه لأسماء لم تطرأ على الأوهام ، وبيان منافعها واستدامة موضوعها ، وبقائها كنوزاً علمية تقتبس منها القوانين والمسائل ، وما يتعلق بالمسميات في القرآن أكثر من الأسماء في الذخائر والعلوم منها تفضل الله عز وجل بتسمية الصلح فتحاً ونصراً ، وهذه التسمية لطرف واحد من طرفي الصلح وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ قال تعالى بخصوص صلح الحديبية إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
لقد نصر الله عز وجل النبي محمداً وأصحابه في معركة بدر ، وقال سبحانه وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، حيث سلّت السيوف وسقط القتلى من الطرفين ، وأيهما أكبر النصر أم الفتح في المقام ، المختار هو الثاني ، ومع هذا تم من غير إراقة دماء.
ومن خصائص النبي محمد (ص) توجه خطاب الفتح من الله لشخصه ، فلم تقل الآية (انا فتحنا لكم) بل قالت إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ، لبيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله ، وما حفّه به من الكرامة ، نعم هو فتح للمسلمين والمسلمات جميعاً .
وهو نتيجة لصبر وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ضد الإرهاب والظلم وغزو قريش المتكرر للمدينة المنورة لإرادة الإبادة الجماعية للمسلمين.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة الفتح وقهر المشركين بالصلح ليشكر والمسلمون الله عز وجل ببسط الأمن في الأرض ، وتحقيق مصداق الخليفة في الأرض ، ولم تقل الآية (انا فتحنا فتحاً) إنما قيدت الفتح بكونه مبيناً ، بقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا اي ظاهراً جلياً في منافعه العامة والخاصة .
وفيه شاهد بأن النبي محمداً لم يغادر الدنيا إلا بعد أن فتح الله له فتحاً تتفرع عنه الفتوح إلى يوم القيامة ، وهذا التجدد من مصاديق صفة (المبين) للفتح في صلح الحديبية.
من معاني [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ]
هل الفتح يوم الحديبية خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وينقطع بوفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى ، الجواب لا ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : إنا فتحنا لك أيام حياتك فتحاً.
الثاني : إنا فتحنا لك بعد الصبر والدفاع فتحاً.
الثالث : إنا فتحنا لك لاثبات صدق نبوتك.
الرابع : إنا فتحنا لك ولأمتك فتحاً.
الخامس : إنا فتحنا لأجيال أمتك فتحاً باقياً إلى يوم القيامة.
الأول : إنا فتحنا لك فتحاً لإستئصال الظلم والشرك .
الثاني : إنا فتحنا لك فتحاً من غير إراقة الدماء .
الثالث : إنا فتحنا لك فتحاً بالصلح ليتنزه المسلمون عن الظلم والإرهاب.
الرابع : إنا فتحنا لك فتحاً ليتخذ المسلمون الصلح منهاجاً فيما بينهم ، ومع الناس كافة ، قال تعالى وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
الخامس : إنا فتحنا لك فتحاَ بالصلح ليكون شاهداَ على صدق نبوتك .
السادس : إنا فتحنا لك فتحاَ لمعجزات تتوالى بعده .
السابع : إنا فتحنا لك فتحاَ يجعل المسلمين في غنى عن القتال.
الثالث : إنا فتحنا لك فتحاَ فاعملوا لما بعده من سبل الصلاح والرشاد .
ويبين قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا أموراً :
الأول : قانون صلح الحديبية بداية فتح جديد ونهاية للإقتتال بين المسلمين والمشركين .
الثاني : قانون بداية التبليغ العام بين الناس بيسر .
الثالث : قانون اقبال الناس على دخول الإسلام .
الرابع : قانون سعي المسلمين في التفقه في الدين .
الخامس : قانون إشاعة سبل الصلاح والأخلاق الحميدة والسلم المجتمعي .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بكلمة التوحيد وأصول الشريعة من التوحيد والنبوة والمعاد , وفروع الدين واتقانها وضبط قواعدها وأحكامها ، كالصلاة التي هي عمود الدين ، وتتضمن الأجزاء والأركان ، وترتيب أفعالها والتلاوة الواجبة وسط مجتمع من المشركين وعبدة الأوثان ، لتصبح كلمة التوحيد في بضع سنين هي العليا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تخفيف الله عنه بأن منحه الفتح بلطفه وإحسانه ، ومن غير قتال وغزو وفتح مدينة ، فتم صلح الحديبية في أرض جرداء على أطراف الحرم لتفتح المدن بالتوالي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا .
لذا جاءت كلمة [فَتْحًا] بصيغة التنكير [فَتْحًا] والنكرة في سياق الإثبات تفيد العموم ، وقيل لا تفيد النكرة هنا العموم إلا مع القرينة كما في قوله تعالى [عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ] ( ) فانها تفيد العموم بدليل قوله تعالى [هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ..] ( ) .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الفتح الذي رزقه الله أيام الحياة الدنيا ، لأن هذا الفتح من عند الله وما كان من عند الله فهو باق ونعمة لا تغادر الأرض ، لذا وصفه الله بأنه (مبين).
وهن وضعف المشركين
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعضيد نبوته بمدد وعون من عند الله في حال السلم والحرب ، ورمي المشركين الذين يحاربونه بالوهن من جهات :
الأولى : حال الضعف والوهن التي صارت عليها قريش عند توالي هجومها على المدينة وقتالها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : تعطيل تجارات قريش سني القتال والحرب ، وحاجتهم إلى عودة قوافل التجارة ليكون من الإعجاز في قوله تعالى لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، أن التجارة سبب لرضا قريش بصلح الحديبية ، وامتناعهم عن استمرار القتال ، لذا كان من بنود صلح الحديبية المهادنة ووضع السلاح (وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض)( ).
الثالثة : العرف العام المتوارث بوجوب عدم صدّ الناس عن المسجد الحرام، وخشية قريش من الهياج ضدها.
الرابعة : شيوع معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكثرة الذين دخلوا الإسلام علانية وخفية سواء من أهل مكة أو غيرها.
الخامسة : قانون خشية وخوف كفار قريش من الفتنة العامة التي تتفرع قهراً وأنطباقاً عن الجحود بمعجزات النبوة ، وهذا الخوف من مصاديق قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
السادسة : فضل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار ، وتحقيق مقدمات زيارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبيت الحرام ، قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
السابعة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استدامة وتجدد حال الخوف والرعب في قلوب الذين حاربوه ونصب له العداوة ، إذ نزل قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
لبيان مسائل في خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها :
الأولى : ابتداء استيلاء الرعب والفزع والهلع على قلوب المشركين الذين يحاربون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : تغشي الرعب للمشركين مجتمعين ومتفرقين .
الثالثة : حضور الرعب في قرارات الذين أشركوا بما يجعل غشاوة على البصر والبصيرة ، قال تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
الرابعة : ليس من إنقطاع أو ضعف لرعب المشركين في أجل معين ، مما يدل على اتصاله ودوامه .
الخامسة : قانون الملازمة بين الشرك ورعب قلوب المشركين مدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
دنو الأجل
لقد رزق الله عز وجل النبي محمداً المعجزات الحسية والعقلية ، ومنها إخباره بدنو أجله ، وهذا الإخبار حاجة للمسلمين والناس لسعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإتمام تبليغ رسالته ، وتهيئة أذهان المسلمين لمغادرته الحياة الدنيا ، قال تعالى إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شوقه قولاً وفعلاً للقاء الله تعالى .
وعن ام حبيبة قالت (لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح }( ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله ، وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل ، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة : فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي ، فتبسمت)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معرفته لأوان أجله ولو على نحو الإجمال ، وفيه مسائل :
الأولى : فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معرفة أجله ، وقرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى .
الثانية : نزول القرآن بالإشارة إلى قرب أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن الإمام علي عليه السلام قال (نعى الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حين أنزل عليه { إذا جاء نصر الله والفتح }( ) فكان الفتح سنة ثمان بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فلما طعن في سنة تسع من مهاجره تتابع عليه القبائل تسعى فلم يدر متى الأجل ليلاً أو نهاراً .
فعمل على قدر ذلك فوسع السنن ، وشدد الفرائض ، وأظهر الرخص ، ونسخ كثيراً من الأحاديث ، وغزا تبوك ، وفعل فعل مودع)( ) .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التهيئ للإنتقال للآخرة بضبط الأحكام الشرعية ، وعمل المسلمين بها .
الثالثة : بيان معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باخباره المسلمين عن قرب أجله .
الرابعة : تأكيد قانون زيارة الموت لكل إنسان ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.
الخامسة : قانون وقاية المؤمنين من الإرتداد بتهيئتهم لقرب مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا ، قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَحتى اذا ما ارتدت قبائل عديدة من العرب عند وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقي أهل البيت والصحابة في مقامات الإيمان والصبر لعودة الناس إلى الإسلام ، فكانت حروب الردة وخزي الذين كفروا .

أسماء قوانين هذا الجزء المبارك
الأول : قانون أداء الصلاة سكينة عامة .
الثاني : قانون وعود النبي محمد (ص) وحي .
الثالث : قانون بشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر في أحلك الأحوال ، وتكالب الأعداء.
الرابع : قانون النبوة جهاد متصل في جميع آنات الليل والنهار.
الخامس : قانون الانتفاع العام من الإسراء.
السادس : قانون الإسراء مناسبة التخفيف عن أجيال المسلمين .
السابع : قانون الإسراء فيض ورحمة من الله.
الثامن : قانون العلة والمعلول ، والسبب والمسبب.
التاسع : قانون الإسراء تشريف وأمان للمسلمين إذ أن إكرام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على نحو القضية الشخصية ينحل ليشمل عموم المسلمين، وفي جميع الأزمنة.
العاشر : قانون عصمة آية الإسراء من الحسد وإزدياد وتيرة العداوة والبغضاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الحادي عشر : قانون معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ونعمة عامة.
الثاني عشر : قانون استدامة حنيفية إبراهيم في الأرض برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث عشر: قانون إنذار أم القرى.
الرابع عشر : قانون التعاضد بين القرآن والسنة.
الخامس عشر : قانون الترغيب بتأويل الرؤيا .
السادس عشر : قانون موضوعية الدعاء في تحقيق الرؤيا.
السابع عشر : قانون عدم الملازمة بين رموز الرؤيا وتنجز مصداقها الواقعي.
الثامن عشر : قانون الوحي دليل النبوة .
التاسع عشر : قانون رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شعبة من الوحي.
العشرون : قانون التعبير من السنة النبوية.
الواحد والعشرون : قانون علم تأويل الرؤيا بالوحي.
الثاني والعشرون : قانون الحاجة العامة للرسالة الخاتمة.
الثالث والعشرون : قانون الرؤيا الصادقة شعبة من الخلافة في الأرض .
الرابع والعشرون : قانون الرؤيا الصادقة من نفخ الروح في آدم .
الخامس والعشرون : قانون انقياد تفسير الرؤيا بالضد للوحي.
السادس والعشرون : قانون النجاة من القتل بالمعجزة.
السابع والعشرون : قانون الوحي معجزة.
الثامن والعشرون : قانون بقاء العمل بأحكام الإسلام إلى يوم القيامة ، قال تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ] ( ).
التاسع والعشرون : قانون النبوة هداية ورشاد.
الثلاثون : قانون النبوة حق وصدق وحاجة للناس .
الواحد والثلاثون : قانون التصديق بالنبوة واجب على الرجال والنساء
الثاني والثلاثون : قانون الرسول واسطة بين الله والناس.
الثالث والثلاثون : قانون رسالة النبي محمد سبيل هداية وصلاح .
الرابع والثلاثون : قانون إتباع الرسول محمد سلامة ونجاة من النشأتين .
الخامس والثلاثون : قانون إتصال الحجة في الأرض بسلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة.
السادس والثلاثون : قانون إرجاع السنة إلى القرآن.
السابع والثلاثون : قانون الملازمة بين الحياة والإستعاذة بالله.
الثامن والثلاثون : قانون الحاجة إلى الإستعاذة .
التاسع والثلاثون : قانون إكثار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الاستعاذة من الشيطان الرجيم.
الأربعون : قانون الإستعاذة احتراز عام.
الواحد والأربعون : قانون لا تصح الإستعاذة إلا بالله عز وجل واللجوء إليه .
الثاني والأربعون : قانون منع وصول المدح والثناء إلى الذين كفروا لتخلفهم عنه بتركهم الواجب.
الثالث والأربعون : قانون صلح الحديبية نصر ، قال تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ .
الرابع والأربعون : قانون الإسلام والسلام توأمان.
الخامس والأربعون : قانون منع الغلو بشخص النبي.
السادس والأربعون : قانون تأكيد التنزيل لصدق النبوة.
السابع والأربعون : قانون أن الناس ينقسمون في موضوع النبوة إلى قسـمين :
الأول : نبي مبعوث من عند الله بالمعجزة .
الثاني : متلقي من النبي .
الثامن والأربعون : قانون وجوب اتباع الأنبياء .
التاسع والأربعون : قانون الآية القرآنية تتضمن التحدي .
الخمسون : قانون التحدي العام عن الإتيان بمثل سورة من القرآن ، قال تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
الواحد والخمسون : قانون التحدي بمضامين ودلالات الآية القرآنية ، وهو من الشواهد على قانون القرآن معجزة عقلية متجددة .
الثاني والخمسون : قانون عجز الناس عن إحصاء منافع آيات القرآن من أيام التنزيل وإلى يوم القيامة .
الثالث والخمسون : قانون إنذار الناس جميعاً من الضلالة والكفر والفسوق , قال تعالى قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.
الرابع والخمسون : قانون إنذارالمشركين والكفار من محاربة الإسلام والمسلمين، وأن الله يبطش بهم .
الخامس والخمسون : قانون إنذارالمشركين والكفار من محاربة الإسلام والمسلمين .
السادس والخمسون : قانون بطش الله عز وجل بالمجرمين الذين يحاربون التنزيل .
السابع والخمسون : قانون المسلمون مستعدون للدفاع عن بيضة الإسلام.
الثامن والخمسون : قانون كل كتيبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي سرية استطلاع ، ودعوة للإسلام .
التاسع والخمسون : قانون كسر شوكة كفار قريش .
الستون : قانون عجز المشركين عن منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من السياحة والضرب في الأرض.
الواحد والستون : قانون كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنذار وهو من خصائصه .
الثاني والستون : قانون نصر النبي محمد (ص) من عند الله.
الثالث والستون : قانون صيرورة العدو ولياً.
الرابع والستون : قانون الصلح فتح.
الخامس والستون : قانون الصلح سكينة.
السادس والستون : قانون اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سلامته والإسلام والتنزيل والصحابة من كيد ومكر المشركين معجزة خالدة له.
السابع والستون : قانون كل صلح للنبي محمد رحمة وفتح ومقدمة للصلاح العام.
الثامن والستون : قانون توالي المدد .
التاسع والستون : قانون الثبات على الإيمان إنذار للذين كفروا وحجة عليهم .
السبعون : قانون لولا الوحي لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية .
الواحد والسبعون : قانون المائز بين رؤيا الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرؤيا الصادقة لعامة الناس بكثرة منافع رؤيا الوحي ، واستمرارها إلى يوم القيامة.
الثاني والسبعون : قانون رأفة الله عز وجل بالناس جميعاً في صلح الحديبية .
الثالث السبعون : قانون أداء المسلمين الفرائض العبادية بأمن وسلام.
الرابع والسبعون : قانون عداوة النبي ظلم .
الخامس والسبعون : قانون الصلح أعظم فتح.
السادس والسبعون : قانون لا يقدر على الفتح وهزيمة المشركين مع أنهم أضعاف المسلمين بالعدد والعدة إلا الله عز وجل.
السابع والسبعون : قانون الجهاد من أجل السلام ، وجعل العلة الغائية للدفاع تثبيت أسس الأمن والسلم والتعايش المجتمعي إلى يوم القيامة .
الثامن والسبعون : قانون الإسلام دين الأمن والسلام .

التاسع والسبعون : قانون بيان القرآن لقانون (الصلح فتح) لنزول قوله تعالى عندما تم صلح الحديبية إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
الثمانون : قانون رضا الناس بحكم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوة وبعدها .
الواحد والثمانون : قانون التهيئ للدفاع سلام .
الثاني والثمانون : قانون السنة النبوية مرآة لآيات القرآن .
الثالث والثمانون : قانون السلام منهاج النبوة في الأرض.
الرابع والثمانون : قانون الزجر عن محاربة النبي محمد (ص) .
الخامس والثمانون : قانون آيات السلم محكمة غير منسوخة .
السادس والثمانون : قانون السنة النبوية بيان للقرآن .
السابع والثمانون : قانون نفي السنة النبوية للقول بنسخ آيات السلم والصلح .
الثامن والثمانون : قانون تجلي النفع العام بالسلم والصلح في كل زمان
التاسع والثمانون : قانون من الشواهد على صدق النبوة ميل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلح.
التسعون : قانون دفع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأسباب ومقدمات القتال .
الواحد والتسعون : قانون تعجيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوقف القتال في حال نشوبه .
الثاني والتسعون : قانون السماحة.
الثالث والتسعون : قانون ملازمة السماحة للنبوة وعدم إنفكاكه عنها في حال الرضا والغضب.
الرابع والتسعون : قانون السكينة والرضا بجوار البيت الحرام ، إذ صار الصحابة على بعد عشرين كيلو متر منه ، قال تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.
الخامس والتسعون : قانون السلم منهاج النبوة .
السادس والتسعون : قانون تنمية ملكة السماحة ، والميل إلى السلم عند المسلمين وعامة الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
السابع والتسعون : قانون الإسلام دين السلم.
الثامن والتسعون : قانون التنافي بين الصلح والإرهاب .
التاسع والتسعون : قانون السعة والمندوحة لتحقيق الصلح .
المائة : قانون الصلح حرز ومانع من الإقتتال .
الواحد بعد المائة : قانون النفع العام بالصلح وإنعدامه بالإرهاب.
الثاني بعد المائة : قانون سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من قصد المشركين الإبادة العامة لهم .
الثالث بعد المائة : قانون ازدياد عدد المسلمين المطرد.
الرابع بعد المائة : قانون كل معركة دفاعية للمسلمين تزيدهم إيماناً وتقوي شوكتهم .
الخامس بعد المائة : قانون مع كل معركة يدخل رهط من الناس الإسلام .السادس بعد المائة : قانون ضعف ووهن المشركين عقب كل معركة من معارك الإسلام.
السابع بعد المائة : قانون فضح المشركين بأنهم الغزاة في كل معركة .
الثامن بعد المائة : قانون النقص المتصل والمتتالي في أموال المشركين وإبلهم الخاصة بالتجارة في رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام .
التاسع بعد المائة : قانون السلامة من الخوف من الكفار .
العاشر بعد المائة : قانون كل نبي شجاع.
الحادي عشر بعد المائة : قانون إجهار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة الآيات القرآنية التي تتضمن ذم عبادة الأوثان ، وسوء عاقبة الذين عبدوها.
الثاني عشر بعد المائة : قانون إيمان النساء.
الثالث عشر بعد المائة : قانون كل معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت في القرآن فهي معجزة حسية عقلية لحضورها ووقوعها أيام التنزيل .
الرابع عشر بعد المائة : قانون توثيق معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية في التنزيل ، كمعجزة الاسراء والمعراج .
الخامس عشر بعد المائة : قانون تلاوة المسلمين وتوثيقها في التنزيل كل يوم وإلى أوان النفخ في الصور.
السادس عشر بعد المائة : قانون استدامة فتح باب الدعاء .
السابع عشر بعد المائة : قانون فوز المسلمين بالتوجه إلى الله عز وجل بتعدد المسألة والحاجة.
الثامن عشر بعد المائة : قانون الشكر العام على بعثة النبي محمد (ص).
التاسع عشر بعد المائة : قانون الذي نادي للإيمان هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو لم يدع من نفسه أو لنفسه.
العشرون بعد المائة : قانون دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإيمان بالوحي والتنزيل المقترن بالحجة والمعجزة .
الواحد والعشرون بعد المائة : قانون دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإيمان جهرية وعلنية عامة .
الثاني والعشرون بعد المائة : قانون وجوب الدعاء والاستغفار .
الثالث والعشرون بعد المائة : قانون وجوب الإستغاثة بالله عز وجل ، ورحمته غياث للناس أجمعين .
الرابع والعشرون بعد المائة : قانون هداية المسلمين إلى السبيل والصراط إلى الله عندما تنقطع السبل.
الخامس والعشرون بعد المائة : قانون تلاوة المسلمين للقرآن كل يوم علو منزلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس والعشرون بعد المائة : قانون مصاديق العبودية كلها شكر وثناء على الله عز وجل.
السابع والعشرون بعد المائة : قانون انتفاع كل إنسان وطائفة من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثامن والعشرون بعد المائة : قانون الإنتفاع العام من الخطاب القرآني الموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء مباشرة أو بالواسطة ، ويؤكده قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
التاسع والعشرون بعد المائة : قانون الغالب في خطابات القرآن ، أنها عامة حكماً .
الثلاثون بعد المائة : قانون صلح الحديبية بداية فتح جديد ونهاية للإقتتال بين المسلمين والمشركين .
الواحد والثلاثون بعد المائة : قانون بداية التبليغ العام بين الناس بيسر .
الثاني والثلاثون بعد المائة : قانون اقبال الناس على دخول الإسلام .
الثالث والثلاثون بعد المائة : قانون سعي المسلمين في التفقه في الدين .
الرابع والثلاثون بعد المائة : قانون إشاعة سبل الصلاح والأخلاق الحميدة والسلم المجتمعي .
الخامس والثلاثون بعد المائة : قانون خشية وخوف كفار قريش من الفتنة العامة التي تتفرع قهراً وأنطباقاً عن الجحود بمعجزات النبوة ، وهذا الخوف من مصاديق قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
السادس والثلاثون بعد المائة : قانون الملازمة بين الشرك ورعب قلوب المشركين مدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع والثلاثون بعد المائة : قانون زيارة الموت لكل إنسان ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.
الثامن والثلاثون بعد المائة : قانون وقاية المؤمنين من الإرتداد بتهيئتهم لقرب مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا.
المحتويات
المقدمـــة 3
الفزع إلى الصلاة 11
قانون أداء الصلاة سكينة عامة 13
اتقان الأمة الصلاة 14
أسواق مكة مقدمة للبعثة النبوية 15
منتديات مكة 17
جغرافية مكة 19
ليلة الولادة المباركة 20
اسم الرسول محمد (ص) على العرش 22
إكرام النبي محمد قبل خلق آدم 24
الكمال الإنساني 26
رؤيا الوحي 29
قانون وعود النبي محمد (ص) وحي 30
الإسراء معجزة خالدة 32
الإسراء مدد 34
الإسراء تفضيل 36
قانون الانتفاع العام من الإسراء 37
تلقي الأحكام في الإسراء 40
مواعظ من سورة يوسف 43
قانون الإسراء فيض ورحمة من الله 45
نزول إسرافيل 48
دلائل الإسراء من المسجد الحرام 51
دخول المسجد الأقصى 52
رؤية الآيات الباهرات 55
الإسراء بالجسد والروح 58
من دلائل الإسراء بالروح والجسد 60
الإسراء بالبدن 62
الإسراء عنوان المحبة 64
السياحة في عالم السماء 65
الإيمان بالمعراج 67
لقاء النبي محمد (ص) موسى (ع) 67
إسراء إبراهيم 69
لقاء النبي محمد (ص) الأنبياء السابقين 70
قانون إنذار أم القرى 71
السجود لله وحده 72
قانون التعاضد بين القرآن والسنة 74
النعمة على بني إسرائيل 75
تفضيل النبي محمد (ص) 76
تجليات تفضيل النبي محمد (ص) 80
الثناء على جبرئيل 82
قانون الترغيب بتأويل الرؤيا 84
قانون موضوعية الدعاء في تحقيق الرؤيا 86
خصائص النبي (ص) في العبادات 87
الإسراء / حديث متواتر 88
بلوغ سدرة المنتهى 90
تجليات المعراج 92
سؤال الأنبياء حقيقة أم مجاز 93
دلائل سؤال الأنبياء 94
الإرتقاء العلمي في الإسراء 96
قانون الوحي دليل النبوة 98
حرمة الإحتكار والخمر 99
النهي عن صوم الصمت 101
إياك والقوارير 102
شهادة العقل على تحقق الإسراء 103
إسراء سليمان 105
اليوم في القرآن 107
اليوم بمعنى الحين 110
رؤيا النبي من شواهد القرآن 111
لماذا يقوم النبي (ص) بتأويل رؤياه 113
قانون التعبير من السنة النبوية 114
مقدمات الرسالة 117
قانون الحاجة العامة للرسالة الخاتمة 119
بشارة ولادة الحسين (ع) 120
قانون النجاة من القتل بالمعجزة 123
البرزخ في السنة النبوية 125
قانون الوحي معجزة 127
الوحي لطف 129
أولو العزم 131
خصائص انفرد بها النبي محمد (ص) 133
الخصائص في بيعة العقبة 134
فلسفة النبوة 136
قانون النبوة هداية ورشاد 138
البراهمة والنبوة 139
الإجتهاد في الدعوة 140
النعمة المسداة 143
من قصص الأنبياء 144
حفظ القرآن 146
تعدد وجوه الإعجاز 147
السنة مصدر للتشريع 149
الاستعاذة بالله 151
مسائل في الإستعاذة 153
معجزة الإستعاذة 154
قانون الإستعاذة احتراز عام 156
الوقاية من الآفات 158
معنى الشيطان 159
المراد من الشيطان 161
بحث أصولي / معنى الفتح 164
الصلح حجة على المشركين 166
شواهد الصلح 168
قانون منع الغلو بشخص النبي 171
قراءة في علم الرجال 172
قانون تأكيد التنزيل لصدق النبوة 173
عموم الدعوة 176
السنة النبوية شاهد صدق 178
النبوة أمانة 180
البعث بالحق 182
صفة البشير النذير 184
مصاحبة البشارة والإنذار للناس 186
بناء المسجد النبوي بالوحي 188
التحدي بالقرآن 191
الإعجاز في اجتماع الضدين 194
الخطاب القرآني إلى النبي محمد (ص) 195
تبليغ الرسالة 198
الرسول مهاجر سيداً وأميراً وحاكماً 200
كتائب استطلاع وتبليغ 201
منافع كتائب النبي (ص) 203
عرض قوة الإسلام 205
قانون نصر النبي محمد (ص) من عند الله 206
الترغيب بآيات القرآن 208
ترك المشورة الخالية من المنفعة 210
موادعة عُيينة بن حصن 212
تهدئة الصحابة في صلح الحديبية 215
قانون صيرورة العدو ولياً 216
قانون الصلح فتح 218
قانون الصلح سكينة 221
النجاة من القتل والإغتيال 224
قانون توالي المدد 226
حقن الدماء 228
فضح النفاق 230
التكافل والتعاون لدفع ضرر المنافقين 233
قانون عداوة النبي ظلم 237
قانون الصلح أعظم فتح 239
مدرسة الصلح 240
معجزة الصلح 243
من خصائص الميدان 245
الخروج إلى دومة الجندل سلام 246
عدم الإلتفات للتخويف من قيصر 250
إكرام النبي محمد (ص) لمكة 252
قانون التهيئ للدفاع سلام 255
منع سفك الدماء 257
التضاد بين السنة النبوية والإرهاب 259
السلم المجتمعي 261
قانون الزجر عن محاربة النبي محمد (ص) 262
النبوة باعث للسكينة 264
خطة أبي سفيان لقتل النبي (ص) 266
بعث الشوق للقرآن 268
قلة الإرتداد 270
بين الشفق والوسق 272
قانون السماحة 274
قانون الإسلام دين السلم 276
في معركة الخندق 278
قانون ازدياد عدد المسلمين المطرد 280
قلة القتلى مدة النبوة الخاتمة 282
قانون السلامة من الخوف من الكفار 284
قانون إيمان النساء 286
الإبتلاء في معركة الأحزاب 288
النسبة بين خصائص ومعجزات النبي محمد (ص) 289
كثرة المعجزات الحسية 290
خصائص حميدة في حديث 292
الحاجة العامة للنداء النبوي 293
وجوب التلاوة اليومي 295
قانون الشكر العام على بعثة النبي محمد (ص) 297
الرحمة المزجاة 300
خطبة الحاجة 301
المعلم الأول 304
إنذار الكافرين 306
الإجتهاد في الشكر لله 307
من مصاديق الشكر لله 308
كثرة الخطاب القرآني إلى النبي (ص) 310
الخطاب القرآني رحمة 312
اختصاص النبي (ص) بتلقي خطاب الفتح 315
من معاني [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ] 316
وهن وضعف المشركين 319
دنو الأجل 321
أسماء قوانين هذا الجزء المبارك 323
تقريظ تفضل به العلامة المحقق السيد رضا الحكيم “حفظه الله” 333
من الردود الكريمة على عدد من أجزاء سِفر (معالم الإيمان ) 334
المحتويات 352

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
1877 لسنة 2025