بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمـــة
الحمد لله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما ، الغني عن الخلائق ، والذي جعل كل شئ محتاجاً إليه , ويرجو رحمته في استدامة وجوده وحاجة الناس لرحمة الله في الدنيا وبعد الممات ، إذ تفضل الله وخصّ الإنسان بالخلافة في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وهذه الخلافة إكرام انفرد بها جنس البشر مما يستلزم من كل إنسان الشكر القولي والعملي لله عز وجل ، ويتجلى هذا الشكر بالتوحيد وصدق عبادة الله ، وحضور قصد القربة .
الحمد لله على كثرة وسعة وتوالي النعم العامة والخاصة .
ومن بديع صنع الله عز وجل اتصاف النعم الإلهية على الناس بأمور :
الأول : قانون لله عز وجل نعم خاصة على كل إنسان غير موجودة عند غيره من أيام آدم وإلى يوم القيامة .
الثاني : قانون نعم الله عز وجل على كل إنسان أضعاف ما يحتاج إليه ، قال تعالى وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ.
الثالث : قانون كثرة ووفرة وتوالي النعم الإبتدائية تلك التي تأتي ابتداء من عند الله سبحانه .
الرابع : قانون وجوب شكر الله عز وجل على النعم على نحو متكرر ، وهل أداء الصلاة من هذا الشكر ، الجواب نعم ، وهو من أبهى مصاديق الشكر لله .
الخامس : قانون عجز الناس عن إحصاء كثرة نعم الله عز وجل الظاهرة والباطنة عليهم ، وهذا العجز من إنفراد الله عز وجل باحصاء الأشياء والأعمال ، والموجود والمعدوم ، وهو دعوة للناس للتسليم بربوبيته تعالى ، وتفويض الأمور إليه سبحانه ، قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا.
السادس : وجوب ذكر الإنسان لنعم الله عز وجل عليه وذكر الطائفة والأمة وأهل الملة لنعم الله عز وجل عليهم ، وما ميزهم به من بين الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، فهذه الآية وإن جاءت بصيغة المفرد وبصيغة الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنها تتضمن أمرين :
الأول : وجوب حديث المسلم بنعمة الله ، وهذا الحديث مطلوب بذاته وهو وسيلة للإصلاح .
الثاني : ذكر عامة الناس لنعم الله عز وجل عليهم .
وهذا الذكر عبادة وإقرار بأن النعم كلها من عند الله ، وهو مادة للتنزه عن الظلم والفساد .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة من عند الله.
الثانية : نزول القرآن دعوة للإيمان والشكر لله عز وجل .
الثالثة : الآية أعلاه فقاهة في الدين .
الرابعة : توجه الأمر والخطاب من الله عز وجل إلى النبي محمد خاصة وحكمه عام ومتجدد مع الأجيال .
الخامسة : وجود شواهد ظاهرة وجلية لنعم الله على كل إنسان .
ترى ماهي النسبة بين الشكر لله والحديث عن نعمته ، المختار هو العموم والخصوص المطلق , فالشكر أعم , ويشمل القول والعمل .
ولقد فاز الأنبياء بالنعم من جهات متعددة منها :
الأولى : النعم التي تأتي للنبي كواحد من البشر ، قال تعالى في خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
الثانية : نعمة الوحي وحديث الملائكة .
الثالثة : المعجزة الخاصة بالنبي ، فكل نبي له معجزة تختلف عن معجزة غيره من الأنبياء .
الرابعة : نعمة الأصحاب والأتباع ، لقانون كل نبي له أتباع وأنصار .
الخامسة : نعمة بقاء معجزة النبي بين الناس ، فصحيح أن المعجزة الحسية تقع في زمان ومكان محدودين ، ولكن الناس يتناقلون أخبارها إلى أن نزل القرآن بالتوثيق السماوي لها ، وهذا التوثيق سالم من التحريف إلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وقد ذكر القرآن قصص خمسة وعشرين نبياً مع بيان شطر من المعجزات .
السادسة : مواظبة النبي على الصلاة وعبادة الله بالكيفية التي يرضاها الله عز وجل ، لقانون الأنبياء أئمة المتقين .
سبحان الله الوهاب الذي جعل النبوة مصاحبة للناس وهي صلة مباركة بين السماء والأرض ، وشاهد حسي وعقلي على خلافة الإنسان في الأرض ، ومصاديق اللطف الإلهي بالناس .
سبحان الله الذي لا تطلق كلمة (سبحان) إلا له وحده ، سبحان الذي يعطي ابتداء منه من غير سؤال ولا أسباب ، ولا يقدر على عطاء الله إلا هو سبحانه ، وجميع الأشياء مستحيبة له ، سبحان رب البرايا ، وواهب العطايا ، العالم بالنوايا ، وصارف البلايا .
اللهم انا نسألك غفران الزلات والخطايا ، وصلاح القلوب ، ودفع المنايا ، وستر العيوب .
اللهم لك الحمد أن خصصت رسولك الكريم محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بنعم ومعجزات لم ينلها غيره من الأنبياء .
ووردت أحاديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تدل على انفراده بخصائص سامية ، وإكرام خاص لم ينله نبي غيره ، منها :
الأولى : الخصائص التشريعية .
الثانية : الخصائص التفضيلية التي انفرد بها من بين الأنبياء .
ويمكن تقسيمها تقسيماً آخر :
الأولى : الخصائص الدنيوية .
الثانية : الخصائص الأخروية .
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، الحمد لله حمداً تستديم وتتوالى وتتضاعف معه النعم ، قال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ...
الحمد لله في السراء والضراء ، ونسأله تعالى عصمتنا من الغفلة عن الحمد لله على كل حال .
الحمد لله الذي لا يعلم ما صرف عنا من البلايا والفتن وأسباب الأذى والضرر إلا هو سبحانه ، وفي التنزيل يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
الحمد لله على نعمة الإيمان والهداية إلى التفقه في الدين بتلاوة آيات القرآن خمس مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني ، ونسأله تعالى التوبة والمغفرة .
وهذا الكتاب هو الجزء الخامس من كتابي الموسوم (خصائص النبي محمد (ص)) وعندما شرعت بكتابة الجزء الأول كنت ألح بالدعاء أن يتم هذا الجزء لقلة الخصائص النبوية التي ذكرت بالكتب التي اختصت بذات العنوان ، فمثلاً كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام( ) للمحقق الحلي ت (676) هجرية يذكر خمس عشرة خصيصة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبفضل ولطف من عند الله عز وجل فان مجموع خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتابي هذا وفق الجدول الآتي :
الجزء عدد الخصائص النبوية عدد القوانين عدد الصفحات
الجزء 1 200 130 349
الجزء 2 170 105 340
الجزء 3 520 138 360
الجزء 4 660 110 346
الجزء 5 560 130 345
المجموع 2110 613 1740
ومع انشغالي بعلم التفسير وصدور الجزء الثامن والستين بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) في تفسير آيتين من سورة آل عمران في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً ، ومع قيامي بتدريس البحث الخارج في الحوزة العلمية منذ سنة 2000م فقد اجتهدت في سِفر مبارك بخصوص الخصال الحميدة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي هي ثروة وخزائن ومدرسة تنهل منها الأجيال المواعظ ، وتنير دروب الهداية والرشاد ، ويدرك الناس معها مصاحبة المعجزة والوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدة نبوته وهي ثلاث وعشرون سنة ، لبيان أن هذا الكتاب حاجة وذو نفع عام ، وفضل من عند الله عز وجل ونعمة أنعم بها علّي ، ودعوة لطاعة الرسول والإقتداء به ، قال تعالىمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.
وورد في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ.
وقد ورد لفظ (أمرت) اثنتي عشرة مرة كلها بخصوص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمر الله عز وجل له ، منها مرتان في آية واحدة إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
ونزل القرآن بخطابات خاصة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما لا يشاركه فيها أحد مثل قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ والمراد من الكتاب القرآن ، وقوله تعالى يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وقوله تعالى يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ.
ومن معاني ودلالات صدور [ َأُمِرْتُ]من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار السماوي عن عبوديته لله عز وجل ، وقانون العموم في التكاليف العبادية ، وأن سيد الأنبياء مكلف بعبادة الله ، والإقرار بالتوحيد ، ووجوب إتباع الناس له في سنته القولية والفعلية التي تدل على العبودية لله ، وفي هذا الإتباع الأجر والثواب العظيم ، وتنزه عن الغلو , قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
حرر في السادس عشر من شهر ربيع الثاني 1447هـ
9/10/2025
طهارة المولد
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم طهارة المولد للعمومات التي حمل عليه قوله تعالى الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أي تنقله وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا لم يدنسني بدنس الجاهلية)( ).
مما يعني انتفاء الكفر عن آبائه لأن الكافر لا يستحق الوصف بالطهارة لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ .
لقد ولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من نكاح شرعي وعلى الحنيفية ، و(عن ابن عباس في قوله وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال : ما زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : بأبى أنت وأمي أين كنت وآدم في الجنة؟ فتبسم حتى بدت نواجده ثم قال إني كنت في صلبه ، وهبط إلى الأرض وأنا في صلبه ، وركبت السفينة في صلب أبي نوح ، وقذفت في النار في صلب أبي إبراهيم ، ولم يلتق أبواي قط على سفاح ، لم يزل الله ينقلني من الإِصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما .
قد أخذ الله بالنبوّة ميثاقي ، وبالإِسلام هداني ، وبين في التوراة والإِنجيل ذكري ، وبين كل شيء من صفتي في شرق الأرض وغربها ، وعلمني كتابه ، ورقي بي في سمائه ، وشق لي من أسمائه فذو العرش محمود وأنا محمد ووعدني أن يحبوني بالحوض ، وأعطاني الكوثر .
وأنا أول شافع ، وأول مشفع ، ثم أخرجني في خير قرون أمتي ، وأمتي الحمادون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)( ).
والنبي محمد من ذرية آباء كرام فيهم النبوة والسيادة والجاه ليس فيهم خامل أو مغمور .
و(عن أنس قال : خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما ، فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم ، حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً)( ).
جهاد النبي (ص) بالآية القرآنية وليس بالسيف
أول آية من القرآن نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، لبيان أن الإسلام دين العلم ، وأن القرآن يتحدى العلماء في كل زمان في إثباته الذاتي لنزوله من عند الله ، وأن السنة النبوية تعضيد للتنزيل .
وقيدت القراءة وطلب العلم في الآية بأنها (باسم ربك) أي في سبيل الله وفي مرضاته لبيان لزوم تسخير العلم في طاعة الله وتعظيم شعائر الله ، وأداء الفرائض العبادية ، وخدمة الإنسانية .
ولا يختص الأمر بالعلوم الشرعية بل يشمل العلوم الطبيعية ، لبيان أن أول آية نزلت من القرآن تأمر بلحاظ فعل الأمر (اقرأ) بتسخير التكنولوجيا المتطورة للنفع العام وليس للتسابق في التسليح وإشعال الحروب ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاؤه ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو إلى التوحيد ، ويخبر الناس عن رسالته ، ويتلو عليهم آيات القرآن وهي معجزات عقلية ، وينقلها وفد الحاج والمعتمرين إلى أهليهم لذا اتصفت الآيات والسور المكية بالقصر وتضمنت الوعيد الى جانب المعجزات الحسية التي تجري على يديه .
ولم يحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيفاً مدة إقامته في مكة نبياً رسولاً لثلاث عشرة سنة ولاقى وأهل بيته وأصحابه الأذى الشديد من كفار قريش ، إلى أن أرادوا قتله في فراشه فنزل جبرئيل وأمره بالهجرة إلى المدينة في ذات الليلة ، وبات في فراشه الإمام علي عليه السلام .
وأرادوا قتله في طريق الهجرة ، وجعلوا مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، وأيضاً مائة ناقة عن صاحبه .
وعندما وصل إلى المدينة كان الأنصار وعدد من المهاجرين في استقباله فلم يطلب ملكاً أو سلطاناً أو مالاً إنما بنى في أول يوم من وصوله المدينة المسجد النبوي الزاهر لتقام فيه الصلاة علانية خمس مرات في اليوم بخلاف حال الخوف من المشركين في مكة ، وهو من مصاديق الآية أعلاه .
فلم يطق المشركون الأمر فزحف ألف منهم في معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة بذريعة عزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الإستيلاء على قافلة أبي سفيان ، ولم ينو النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإستيلاء عليها ، وإن أجمعت كتب التفسير والسيرة عليه.
وأصرت قريش على القتال يوم بدر ، وحينما التقى الجيشان يوم معركة بدر لم يكن عند النبي سيف إلا سيف الدعاء وهو سلاح الأنبياء ، فنزل قوله تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
وأخبرت آية أخرى بالنصر للنبي وأصحابه وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ويلاحظ في الآيات صيغة الجمع [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ] [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ] على شأن الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين حضروا معركة بدر .
وهل قوله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ بشارة النصر والفتح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، الجواب نعم ، خاصة وأن الآية أعلاه من سورة القصص ، وهي سورة مكية .
قانون الإيمان بالرسل
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره عن قانون سماوي وهو لزوم الإيمان بجميع الأنبياء والرسل ، وجهاده لتثبيت هذا القانون في الأرض الذي نزلت فيه آيات متعددة من القرآن منها قوله تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وقال تعالى وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا.
وقال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
فشهد الله عز وجل بأن كل نبي وكل رسول هو مرسل من عنده تعالى وسمي الرسول رسولاً لأنه يحمل رسالة .
(وجاء جبرائيل عليه السّلام إلى النبي صلّى الله عليه وآله في صورة أعرابي ، والنبي لا يعرفه ، فقال: يا محمّد ما الإيمان ، قال النبي صلّى الله عليه وآله : أن تؤمن بالله ، واليوم الاخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، والبعث بعد الموت .
قالِ : صدقت يا محمّد ، فما الإسلام ، قال : أن تشهد أن لا إِله إلاّ الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ، قال : صدقت)( ).
لذا قيل أن أركان الإسلام والتي تؤتى بأفعال الجوارح هي الصلاة والزكاة والخمس وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا.
أما أركان الإيمان التي هي اعتقاد فهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والإمامة واليوم الآخر ، والإيمان بالقدر خيره وشره.
والنسبة بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق ، فكل مؤمن هو مسلم وليس العكس ، قال تعالى قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ.
ومن خصائص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : إيمان المسلمين بنبوة الرسل جميعاً من آدم علي السلام الذي هو أبو البشر وأول الرسل الذين بعثهم الله عز وجل ، وأنزل عليهم الكتب والصحف لهداية الناس بالإيمان .
الثانية : توارث أجيال المسلمين الإيمان بما وعد الله عز وجل الناس على ألسنة الرسل وفي الكتب السماوية وهو من أسرار إرادة اسم الجنس من الكتاب في بيان اتحاد الكتب السماوية في الوعد للمؤمنين ، والوعيد للذين كفروا ، قال تعالى وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وفي التنزيل رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
الثالثة : تزكية المسلمين للرسل بأنهم لم يخبروا ولم يعدوا الوعود للدنيا والآخرة إلا من عند الله عز وجل .
الرابعة : إقرار وتسليم المسلمين بيوم القيامة ، وأنه حق، وسؤالهم الله عز وجل النجاة من الخزي يومئذ ، وإجماع المسلمين على أن الإيمان باليوم الآخر من أصول الدين .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره عن وقائع في قصص وحياة الأنبياء والرسل بما يدل على صدق رسالتهم ، لتكون السنة النبوية تعضيداً للقرآن في تأكيد الرسالات .
الخامسة : مجئ الرسل بالوعد من الله عز وجل بالنجاة في النشأتين .
السادسة : تصديق كل رسول للرسل الذين جاءوا قبله .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين تصديقه لجميع الرسل السابقين ، واتباع أجيال المسلمين له بهذا التصديق.
السابعة : تصديق كل جيل من المؤمنين برسالات الأنبياء السابقين ، فاليهود يصدقون برسالة إبراهيم عليه السلام ، والنصارى يصدقون برسالة موسى عليه السلام ، والمسلمون يصدقون برسالات جميع الأنبياء السابقين.
الثامنة : بيان قانون كل رسول جاء بالوعد من عند الله بالجنة والثواب العظيم على الإيمان .
النداء العام
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بتبليغ الناس جميعاً بالرسالة وتوجه دعوته إلى الإسلام لأهل مكة والمدن والقبائل التي حولها ، والذين يقدمون إلى مكة للحج أو العمرة او الزيارة ، قال تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاء إنذاراته إلى يوم القيامة ، وتوجهها إلى الناس جميعاً ، وهو من مصاديق اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمجيئه بالمعجزة العقلية المتجددة كلما جد الجديدان .
ومن معاني قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ شهادة المسلمين بأنهم سمعوا دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإيمان ، وسماعهم لآيات القرآن ، وهو من الإعجاز في قصر السور المكية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوته لآيات القرآن قبل وبعد الهجرة وفيه وجوه :
الأول : تلاوة الآيات والسور حال نزولها .
الثاني : قراءة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في صلاته في المسجد الحرام بين ظهراني المشركين قبل الهجرة .
الثالث : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن على زوار المسجد الحرام ، والمعتمرين ، فاذا رأى غريباً في المسجد قام وجلس بجواره، وسأله عن قبيلته وقريته وبلدته ، ثم يخبره بأن الله عز وجل بعثه للناس جميعاً ، ويتلو عليه آيات من القرآن .
وفيه تبدل نوعي في حياة الناس ، إذ تغزو آيات القرآن القلوب فتزيح عنها الغفلة ، وتجعل الإنسان يدرك قدسية الحياة وأنها دار عمل وتعاهد لسنن التقوى ، والإنقطاع إلى حب الله عز وجل ، والإمتثال لأوامره.
ومن خصائص السور المكية اكثارها من التذكير بالآخرة ، وعالم الحساب وبيان التضاد يوم القيامة بين الإنتفاع من الحسنات وتلقي العذاب بفعل السيئات .
وبيان قانون أن الأصنام وعبادتها برزخ دون دخول الجنة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن نداءه للإيمان سبب لنجاة الملايين في كل زمان من سوء العاقبة الذي ينتظر الكافرين في الآخرة بقوله تعالى وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
صفات النبي محمد (ص) في الكتب السابقة
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة الكتب السماوية السابقة ، والأنبياء السابقين برسالته ، وفيه دعوة متوارثة للناس للتصديق بنبوته وهو يأتي بالمعجزات التي تدل على أنه خاتم النبيين المبشر به.
وسأل عمر بن الخطاب (أبا مالك عن صفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة وكان من علماء اليهود.
فقال : صفته في كتاب بني هرون الذي لم يغير ولم يبدّل أحد من ولد إسماعيل بن إبراهيم ومن آخر الأنبياء وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف .
يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه في (عينيه) حمرة وبين كتفيه خاتم النبوّة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا بالطويل.
يلبس الشملة ويجري بالبلغة ويركب الحمار ، ويمشي في الأسواق .
معه حرب وقتل وسبي سيفه على عاتقه لا يبالي مَن لقي مِن الناس.
معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة.
مولده بمكّة ومنشأه بها وبدء نبوّته بها ودار هجرته يثرب بين جرّة ونخل (وسبخة) وهو أُمّي لا يكتب بيده، هو بجهاد، يحمد الله على كل شدة ورخاء ، سلطانه الشام .
صاحبه من الملائكة جبرئيل يلقى من قومه أذىً شديداً. ويحبّونه حبّاً شديداً ثمّ يدال على قومه يحصرهم حصر (الجرين)، يكون له وقعات في يثرب، منها له ومنها عليه .
ثمّ يكون له العاقبة يعدّ معه أقوام هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم قربانهم دماؤهم ، ليوث النهار ورهبان بالليل يرعب منه عدوه بمسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتّى يخرج ويكلم لا شرطة معه ولا حرس يحرسه)( ).
مقدمات نبوية للبعثة
من مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا أن البشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمانة عند الأنبياء السابقين ، إذ تعاهدوها وأبلغوها للناس بأحسن كيفية ، ومن هذا الحسن إدراك الناس لعصمة الأنبياء في إخبارهم عن المغيبات .
ليكون بناء آدم عليه السلام البيت الحرام ، ثم رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعد البيت الحرام وتجدده ثم نداء إبراهيم الناس للحج بقوله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطوافه على وفد الحاج ومفاتحته المعتمرين برسالته والدعوة إلى الإسلام.
لتمر الأيام سريعاً فيضطر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة ، ليعود بعد ثماني سنوات فاتحاً لمكة سلماً ومن غير قتال يعتد به .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده لتصبح َكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وتعمر الأرض بعبادة الله عز وجل إلى يوم القيامة من غير أن تنصب الأوثان في البيت الحرام مرة أخرى ، وهو من أسرار اختتام النبوة برسالته .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توثيق القرآن لمشيه في الأسواق والذي يعني اتخاذه الأسواق محلاً لدعوته إلى الله عز وجل ونشر رسالته ، فلم تقل الآية يجلس في الأسواق ، لأن الذي يريد البيع والتجارة والتكسب في السوق يتخذ فيه مجلساً .
ومن الحجة في المقام أن المشي في الأسواق منهاج الرسل من قبل أيضاً إذ قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه في المدينة المنورة بانشاء سوق خاص للمسلمين واصلاحه لمعاملات البيع والشراء ، والتنزه عن الربا والمعاملات الفاسدة ، قال تعالى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.
وبخصوص اسواق مكة (قال الكلبي : وكانت هذه الأسواق بعكاظ ومجنة وذي المجاز قائمة في الإسلام حتى كان حديثا من الدهر ، فأما عكاظ فإنما تركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الإباضي في سنة تسع وعشرين ومائة ، خاف الناس أن ينهبوا وخافوا الفتنة ، فتركت حتى الآن ، ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك ، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة)( ).
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يأمر الناس بقتل أنفسهم.
ومن خصائص النبي محمد توجه النهي له في القرآن والمراد المسلمون وعامة الناس .
وانشئت الحسبة في الرقابة على الأسواق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وانتهج حكام وأمراء المسلمين تفقد الأسواق ومراقبة وصحة المعاملات فيها.
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام (أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو وال ، يرشد الضال ، ويعين الضعيف ، ويمر بالبقال والبيع فيفتح عليه القرآن ، ويقرأ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ويقول : نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع ، في الولاة وأهل القدرة من سائر الناس)( ).
صدقة المناجاة
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ.
يقال (ناجاه مناجاة ونجاء ككتاب (ساره) وأصله ان يخلو به في نجوة من الارض)( ).
وتفيد الألف واللام في (الرسول) في الآية أعلاه العهد ، وأن المراد هو رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم لورود الآية بصيغة الجملة الشرطية التي تفيد الإستقبال .
وسبب نزول الآية قيام عدد من شباب المسلمين بالإكثار من مناجاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غير حاجة ، لإظهار قربهم من رسول الله ، والذي كان سمحاً لا يمنع الناس من الإنفراد بالحديث معه.
وفي الآية قال ابن عباس: هي منسوخة بالآية التي بعدها، وقيل منسوخة بالزكاة) ( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة الصدقة مقدمة لمناجاته وهو من وجوه تفضيله على الأنبياء السابقين، كما أن تلقي المسلمين الآية بالقبول، وقيام الإمام علي عليه السلام بالإمتثال لمضامينها شاهد على تفضيل المسلمين بأن رزقهم الله عز وجل مناجاة وسؤال خاتم النبيين وسيد المرسلين، وإتخاذ هذه المناجاة طريقاً للتفقه في الدين.
لقد نهى عز وجل المسلمين عن مناجاة رسول الله في أحاديث خاصة حتى يتصدقوا صدقة مقدمة لهذه النجوى ، فلمِ يعمل بهذه الآية إلا الإمام علي عليه السلام إلى أن نسخت.
قال مجاهد (فلم يناجه إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام قدّم ديناراً فتصدّق به ثمّ نزلت الرخصة.
وقال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) : إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً فإنّها فرضت ثم نسخت)( ).
إزاحة القرآن للشعر
لقد كان العرب أيام نزول القرآن أهل فصاحة وبلاغة ، ويتخذون من موسم الحج مناسبة للتباري بالشعر والنثر والخطابة وذكر أمجاد الآباء ، مستفيدين من مناسبة الأشهر الحرم أيام الحج ، وهي شهر ذي القعدة ، وشهر ذي الحجة ، وشهر محرم ، قال تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
لتنزل آيات القرآن فتنسخ ما يعتني به العرب من الشعر والشعراء ، فصار حديث الركبان وأهل موسم الحج آيات القرآن وتلاوتها والتدبر في معانيها.
لبيان أن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تختص بالتبدل النوعي للعادات وإماتة الباطل ، بل إقامة الحجة في باب البلاغة والعلوم ، فلقد كان العرب يولون الشعر عناية خاصة فنزل القرآن لمنع الإفتتان بالشعر ، والإنشغال بالتفاخر بالآباء ، وعبادة الأوثان .
وليدعو الناس إلى الإيمان ، واللجوء إلى كلام الله والتدبر في مضامينه القدسية ومعانيه ودلالاته ، قال تعالى كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، واتخاذ هذا التدبر نوع طريق للإيمان والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعجاز القرآن تغيير أنماط وأولويات عناية الناس بما يقود إلى التصديق برسالته .
الدعوة في موسم الحج
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة في موسم الحج ينادي في أسواق مكة وفي عرفة ومنى (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وأبو لهب وبعض قريش يسخرون منه ، ويرمونه بالجنون .
كما كانوا يجعلون على مداخل مكة يحذرون الوافدين إليها من الإستماع إلى النبي محمد ورأوا أن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التوحيد تهديد لمكانتهم الإجتماعية ، وسيادتهم بين القبائل، وأنماط ما ورثوه من أبائهم من عبادة الأوثان.
(عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا : أَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِمَكّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوّلِ نُبُوّتِهِ مُسْتَخْفِيًا .
ثُمّ أَعْلَنَ فِي الرّابِعَةِ فَدَعَا النّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ عَشْرَ سِنِينَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلّ عَامٍ يَتّبِعُ الْحَاجّ فِي مَنَازِلِهِمْ وَفِي الْمَوَاسِمِ بِعُكَاظٍ وَمَجَنّةَ وَذِي الْمَجَاز ِ يَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتّى يُبَلّغْ رِسَالَاتِ رَبّهِ وَلَهُمْ الْجَنّةُ.
فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُجِيبُهُ حَتّى إنّهُ لَيَسْأَلُ عَنْ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً وَيَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ .
قُولُوا : لَا إلَهَ إلَا اللّهُ تُفْلِحُوا وَتَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ وَتَذِلّ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ فَإِذَا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنّةِ.
وَأَبُو لَهَب ٍوَرَاءَهُ يَقُولُ لَا تُطِيعُوهُ فَإِنّهُ صَابِئٌ كَذّابٌ فَيَرُدّونَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَقْبَحَ الرّدّ وَيُؤْذُونَهُ وَيَقُولُونَ أُسْرَتُك وَعَشِيرَتُكَ أَعْلَمُ بِكَ حَيْثُ لَمْ يَتّبِعُوك وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَيَقُولُ اللّهُمّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا) ( ).
والمختار أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداءه الدعوة الرسالية من حين أول بعثته ونزول القرآن عليه ، ولكنها دعوة محدودة لأهل البيت وذوي القربى والأصدقاء ، بدليل أن خديجة والإمام علي عليه السلام أسلما حالما نزل جبرئيل بقوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .
وعن الإمام (موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألت عن بدء الاسلام كيف أسلم علي ؟
وكيف أسلمت خديجة ؟ فقال: تأبى إلا أن تطلب اصول العلم ومبتدأه، أما والله إنك لتسأل تفقها، ثم قال: سألت أبي (عليه السلام) عن ذلك فقال لي: لما دعاهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي ويا خديجة أسلمتما لله وسلمتما له، وقال: إن جبرئيل عندي يدعو كما إلى بيعة الاسلام فأسلما تسلما، وأطيعا تهديا، فقالا: فعلنا وأطعنا يا رسول الله)( ).
ليهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، وهل انقطع نداء التوحيد في موسم الحج بغيابه وهجرته ، الجواب لا ، إذ بقيت طائفة من المسلمين تردد ذات النداء وتتصل بالقبائل .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاء الدعوة إلى الإسلام في الموضع الذي يحل فيه اثناء وجوده فيه ، وبعد مغادرته له ، لبيان قانون هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذات نفع عام ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
لقد أراد رؤساء قريش قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه فهاجر في ذات الليلة ليصاب هؤلاء الرؤساء بالفزع فارادوا قتله في الطريق ، ونجا بمعجزة ولطف من عند الله عز وجل ، ولم تمر إلا أيام قليلة حتى توالت الأخبار من يثرب بأن النبي محمداً بنى مسجداً يصلي فيه وأصحابه خمس مرات في اليوم .
ومن أسماء الله الحسنى [السَّلَامُ] وفي التنزيل هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
وما أن مرت ست سنوات على هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حتى جاء ومعه ألف وأربعمائة كلهم يقولون لا إله إلا الله ، قد بلغوا درجة الفلاح والنجاح والظفر ، وهل كانت أصواتهم وتلبيتهم عندما كانوا في الحديبية تصل إلى مكة ، الجواب نعم .
وهل الأصل بنود وشروط صلح الحديبية من الكلي المتواطئ ، وأنها على مرتبة واحدة من حيث القوة والأثر ، أم أنها من الكلي المشكك وأن بعضها أقوى من بعض وأكثر أثراً .
المختار هو الثاني .
والمتواطئ هو الكلي الذي يتحقق معناه على أفراده بالسوية مثل الإنسان ، فالمتواطئ لفظ واحد يصدق على كثيرين , بينما المشكك مأخوذ من الشك للتفاوت بين أفراده من جهة الكثرة والقلة ، والقوة والضعف مثل نور السراج ، وبياض الثلج .
قانون النبوة سلام وأمن
من خصائص الحياة الدنيا حاجة الناس إلى السلام والأمن سواء بالنسبة للأفراد أو القبائل أو الأمم ، لذا قال تعالى يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ .
وتدل لام التعليل في لتعارفوا على أن القتال ضد للتعارف والصلات الحسنة بين الناس وسنخية الدنيا ، وهذا التعارف مقيد بوجوب التقوى والخشية من الله ، وهل سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لصلح الحديبية من التقوى ، الجواب نعم .
ومن التقوى رضا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشروط قريش ، لبيان مصداق لقوانين :
الأول : قانون لم يغز النبي (ص) أحداً .
الثاني : قانون يدفع النبي أسباب ومقدمات القتال ، قال تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
الثالث : قانون أولوية الصلح ، ونبذ القتال .
الرابع : قانون الرفق بالكفار عند اصابتهم بالوهن ، فحينما علمت قريش بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم متوجه إلى الحديبية لأداء العمرة خرجت خيلهم برئاسة خالد بن الوليد ، وقدموها الى كراع الغميم ، فصبر عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال : يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الّذِي أَرَادُوا .
وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوّةٌ فَمَا تَظُنّ قُرَيْشٌ .
فَوَاَللّهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الّذِي بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالِفَةُ( ) ثُمّ قَالَ مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الّتِي هُمْ بِهَا( ).
ملك الجبال
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول الملائكة عليه ، فلم ينحصر هذا النزول بجبرئيل عليه السلام ، بل جاءه بعض الملائكة ، ومنهم ملك الجبال .
وفي المرسل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء جبرئيل فقال لي يا محمد إن ربك يقرئك السلام وهذا ملك الجبال قد أرسله الله اليك وامره ان لا يفعل شيئاً إلا بإمرك.
فقال ملك الجبال: إن الله امرني أن لا أفعل شيئاً إلا بأمرك إن شئت دمدمت عليهم الجبال وان شئت رميتهم بالحصباء وإن شئت خسفت بهم الأرض.
قال يا ملك الجبال فاني أأنى بهم لعله أن يخرج منهم ذرية يقولوا لا إله إلا الله.
فقال ملك الجبال: أنت كما سماك ربك رؤوف رحيم ( ).
وجاءت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غمامة (وإذا فيها جبريل، فناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام، وقد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يقابل القتل العمد بالقصاص دائماً ، لتكون النسبة بين حكم القصاص وتنفيذه عموم وخصوص مطلق ، وأيهما أكثر :
الأول : تنفيذ حكم القصاص في قتل العمد .
الثاني : العفو أو قبول الدية .
الجواب هو الثاني وهو من شواهد الرحمة المتجددة في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأيهما أكثر القتل العمد أم القتل الخطأ ، الجواب هو الثاني .
والنسبة بين هذا الإفساد وبين إخافة عامة الناس عموم وخصوص مطلق للزوم التعاون في نشر السلم والأمن وفق الكتاب والسنة .
قانون الملازمة بين النبوة والصلاة
يتجلى هذا القانون بسيرة الأنبياء من أيام آدم عليه السلام وحالما يبعث النبي فانه يصلي ومن يؤمن بنبوته يتوجه له الأمر الإلهي بالصلاة ، قال تعالى فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
وكانت الصلاة مفروضة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الإسراء ركعتين أول النهار ، وركعتين آخره .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتيانه بالصلاة الجامعة للشرائط والأركان ، وإحياؤه الصلاة في المسجد الحرام ، وتحمله الأذى الشديد من قريش بسبب الصلاة .
ليكون من مصاديق الآية أعلاه [إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] أداؤها وإن صاحبها الأذى من المشركين.
ويدل عليه على نحو الإجمال أول سورة المدثر وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ.
ومن خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاته بالأنبياء ليلة الإسراء ، قال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.
أما الذي فرض ليلتئذ فهو خمس صلوات بالكيفية التي يتوارثها المسلمون لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
ويبين قوله تعالى قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ صفحة من أهوال الآخرة وعلة دخول المجرمين النار ، سواء الذين امتنعوا عن الصلاة من الأمم السابقة أم اللاحقة فلا صلة للآية أعلاه بفرض الصلاة ، نعم فيها بعث لأداء المسلم والمسلمة الصلاة في أوقاتها .
وتدل في مفهومها على أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده بآيات القرآن والسنة النبوية لتعاهد الناس الصلاة ، ونجاتهم من الإقامة الدائمة في النار .
و(عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاة)( ).
وورد قوله تعالى [أَقِمِ الصَّلَاةَ] خمس مرات في القرآن ، واحدة بخصوص موسى عليه السلام وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، وواحدة بخصوص لقمان وتأديبه لابنه يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
لبيان وجوب الأمر بالأمر بالصلاة .
ووردت ثلاثة منها أوامر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلحق به أجيال المسلمين المتعاقبة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن بأمره بالصلاة اليومية مع بيان أوقاتها وفق آيات كونية ، قال تعالى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
تكرار جريان الماء من اليد
من المعجزات الحسية التي اختص بعا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكرار نبع الماء في يده منه ما رواه عبد الله بن مسعود قال (قَالَ كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا ، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِى سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ : اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ ، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ .
ثُمَّ قَالَ : حَىَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ)( ).
وعن عبد الله بن مسعود (قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا ماء فأتي بتور فأدخل يده فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول حي على الطهور والبركة معا من الله)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوران الماء من بين يديه في الحديبية بعد أن أشرف الصحابة على العطش .
و(عن جابر قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل على الناس فقال ما لكم قالوا ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك .
فوضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا فقلت لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة)( ).
وتوفر الماء من أعظم النعم الإلهية على الناس وهو من بديع صنع الله ، قال تعالى وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، وكما أن كثرة مياه البحار والمحيطات معجزة في الخلق وكذا جريان الأنهار ونبع الماء من الحجر الأصم ، فان خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبع الماء من بين أصابعه في معجزة حسية وسبب لنجاة الصحابة من الهلاك عطشاً في مواطن شح المياه في البيداء ، ومنه في الحديبيبة .
وفيه زيادة لإيمانهم ، واستئصال للنفاق ، ودعوة عامة للناس لهداية والإنابة والتوبة .
نداء حراء في اليقظة
يسمى غار حراء جبل النور ويقع في أعلى جبل حراء إذ أنه شهد خلوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتفكر في الخلق ، ونزول الوحي عليه ، ويسمى أيضاً جبل الإسلام ، وجبل القرآن.
ويقع جبل حراء شرق مكة المكرمة ويقع على مسافة (4) كم عن المسجد الحرام ، وإلى يسار الذاهب إلى عرفات ، ويقع على ارتفاع (642)م وهو جبل شديد الإنحدار يتسلق بصعوبة .
ومرة خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غار حراء فناداه جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء (يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال : فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء قال : فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك)( ).
وفيه دلالة على أنه في عالم اليقظة ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآية إعجازية في علوم الوحي والنبوة.
لتبدأ رحلة النبوة المباركة التي تتغشانا بالرحمة والفخر والإعتزاز لأن أنوارها تملأ الأكوان، وتطل على النفوس لينهل الناس جميعاً منها كل حسب مشربه.
وشاء الله أن تتم الرسالة وهذا أوانها وأنت يا محمد صاحبها وليس غيرك، أنت الذي ينزل على صدرك القرآن وتتحمل المسؤولية العظمى، بك سيبقى القرآن محفوظاً ومعمولاً بأحكامه في الأرض، وكذلك قضى الله وجرت مشيئته أن ينبعث نور النبوة من جديد مشرقاً على عموم الأرض، منطلقاً من هضاب مكة وأوديتها ليعلن رسوخه ونفاذ أحكامه وامتلاء النفوس رضا بالشريعة التي نزل بها.
قانون الصبر على الأذى سلم
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استقبال أكثر رؤساء الشرك دعوته إلى التوحيد والتصديق برسالته بالسخرية والإستهزاء ، وإغراء السفهاء لإيذائه .
ولما رأوا أن هذه الصيغ لم تمنع الناس من دخول الإسلام فرضوا حصاراً اقتصادياً وإجتماعياً على بني هاشم ، وقاموا بتعذيب عدد من المسلمين الأوائل بالحديد والنار.
ومن خصائصه في المقام أمور :
الأول : التحلي بالصبر المقترن بالإجتهاد بالدعوة إلى الله عز وجل .
الثاني : إزدياد عدد المسلمين والمسلمات باطراد .
الثالث : توالي نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقراءته لها بين ظهراني المشركين .
الرابع : استمرار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأداء الصلاة اليومية وفيها فضح وخزي للذين كفروا ، وإنذار ووعيد لعبادتهم الأوثان ، مما يعني بالدلالة الإلتزامية على اشتداد أذاهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الخامس : طلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رهط من أصحابه الهجرة إلى الحبشة لسلامتهم ودينهم ، ومنع وقوع الفتنة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيغة السلم في رسالته ، وصبره على الأذى الشديد من المشركين ، واجتنابه الفتنة التي كان المشركون يسعون إليها ، ويبذلون المال من أجلها ، قال تعالى وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
الدعاء شعبة من الوحي
الحمد لله الذي تفضل على الناس بالنبوة والرسالة ، وجعلها ملازمة لوجود الإنسان حين هبط آدم وحواء إذ كان آدم نبياً رسولاً ، رسولا لنفسه ولزوجه حواء ، ثم لذريته .
(عن أسماء بنت يزيد : أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يُكثر في دعائه : اللهم (يا) مقلَّب القلوب ثبَّت قلبي على دينك.
قالت : فقلتُ : يا رسول اللّه وإنَّ القلوب لتقلب .
قال : نعم ما خلق اللّه من بني آدمَّ من بشر إلاّ وقلبه بين اصبعين من أصابع الله عزّ وجلّ فإن شاء أزاغه، وإن شاء أقامه على الحق، فنسأل اللّه تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألهُ أن يهبْ لنا من لدنه رحمةً إنَّهُ هو الوهاب.
قالت : قلت : يا رسول اللّه ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟
قال : بلى قولي : اللهم ربَّ محمّد النبي، اغفر لي ذنبي، واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلاّت الفتن ما أحييتني)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعليم الصحابة رجالاً ونساء أدعية مخصوصة .
وهل هذه الأدعية خاصة للذين يعلمهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلك الأدعية ، الجواب لا ، فهي ملك لجميع المسلمين .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أدعيته شعبة من الوحي .
ولقد تجلت أبهى مصاديق الوحي بنزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محاربة الشياطين والذين كفروا لما يوحى إليه ، وفي التنزيل ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.
(وقال معاذ بن جبل : أحتبستُ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يوماً لم أصلِّ معهُ الجمعة. فقال : يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة .
قلت : يا رسول اللَّه كان ليوحنا اليهودي عليَّ أوقية (من تبر) ، وكان على بابي يرصدني ، فأشفقت أن يحبسني دونك.
فقال : أتحب يا معاذ أنْ يقضي اللَّه دينك ، قلت : نعم يا رسول اللَّه. قال : قل اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ إلى قوله بِغَيْرِ حِسَابٍ وقل : يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها تُعطي منها ما تشاء وتمنع منها ما تشاء ، أقضِ عني دَيني. فإنْ كان عليك ملىء الأرض ذهباً قضاهُ اللَّه عنك)( ).
(وقال ابن عباس ، وأنس بن مالك : لما فتح رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم مكة ووعد أمته مُلك فارس والروم ، قالت : المنافقون( ) واليهود : هيهات هيهات من أينَ لمحمد مُلك فارس ، هم أعزَّ وأمنع من ذلك ، ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في مُلك فارس والروم ، فأنزل اللَّه تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))( ).
في تأكيد سماوي للسنة النبوية القولية ، واستدامة الخزي للمنافقين .
خصائص النبوة الخاتمة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما يميزه عن الأنبياء والرسل أمور :
الأول : تكامل أحكام الشريعة الإسلامية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
الثاني : سلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان إلى يوم القيامة ، قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
الثالث : حفظ طائفة من المسلمين القرآن عن ظهر قلب .
الرابع : توارث الأئمة من آل محمد والتابعين القرآن ، وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف إذ تلقفته الأيدي يداً بيد ، ويقرأوه المسلمون من عهد النبوة والصحابة كل يوم خمس مرات في اليوم .
الخامس : سيادة أحكام الإسلام في الجزيرة قبل أن يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى وتنزيه المجتمعات من الغزو ووأد البنات .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الأول : الخصائص التشريعية .
الثاني : وجوه التفضيل التي اختص الله عز وجل بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : اجتماع المعجزة الحسية والعقلية .
الرابع : خصائص الرسالة الخاتمة في عالم الدنيا ، ومنافعها العامة في عالم الآخرة منها الشفاعة الكبرى .
الخامس : الخلافة المتجددة في الأرض .
لقد أمر الله عز وجل إبراهيم أن يسكن زوجه هاجر وابنه إسماعيل عند البيت الحرام كما ورد في التنزيل رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
ومن إعجاز نظم القرآن أن لفظ (من ذريتي) ورد ثلاث مرات في القرآن ، كلها على لسان إبراهيم عليه السلام والاثنتين الأخريين هما :
الأولى : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
الثانية : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ.
لقد ورث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلافة الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وولد النبي محمد في عام الفيل الموافق لسنة 610 ميلادي.
(قال العباس بن مرداس يحدو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
يَا خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطِيَّ وَمنْ مَشَى … فَوْقَ التُّرَابِ إِذَا تُعَدُّ الأَنْفُسُ
بِكَ أَسْلَمَ الطَّاغُوتُ وَاتُّبِعَ الهُدَى … وَبِكَ انْجَلَى عَنَّا الظَّلاَمُ الحِنْدِسُ
إِذْ مَا أَتَيْتَ عَلَى الرَّسُولِ فَقُلْ لَهُ … حَقًّا عَلَيْكَ إِذَا اطْمَأَنَّ المَجْلِسُ)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ وجوه :
الأول : نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولن يولن تنزل على غيره من الأولين والأخرين .
الثاني : قانون القرآن مدرسة الأجيال .
الثالث : اختصاص القصص القرآنية بصفة التنزيل ، وهو حصن لها ، وسور وواقية من التحريف .
الرابع : قانون قصص القرآن فقاهة ، وعلم لتأريخ الأمم والملل والملوك.
الخامس : تأديب وإصلاح المسلمين بقصص القرآن ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
الدعوة في الأسواق
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحضر أسواق مكة الدائمة ، وتلك التي تقام في موسم الحج مثل سوق عكاظ ، فما أن يطل هلال شهر ذي القعدة حتى تتوجه القبائل نحو سوق عكاظ بين مكة والطائف ، وهو أكبر أسواق الموسم ، وكل قبيلة لها موضع مخصوص وراية منصوبة فيه ، حيث يقضون عشرين يوماً .
ثم يتوجهون إلى سوق مجنة ، فيقيمون فيه عشرة أيام ، وإذ رأوا هلال ذي الحجة مضوا إلى سوق ذي المجاز القريب من عرفة ليقيموا فيه ثمانية أيام للبيع والشراء والمقايضة في الحبوب ، والتمور ، والثياب ، والسيوف ، والرماح ، والدروع ، والأنعام كالخيل ، والطيب والمسك ، والبخور ، والاصباغ كالحنة ، وشراء الدقيق والقاء الشعر والنثر.
فلا يختصر الحضور على التجار بل يحضر رؤساء القبائل والشعراء والوجهاء والتفاخر بالآباء والأجداد والبطولات والمغازي وتعقد في تلك الأسواق العهود.
فجاءهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وتلاوته ، إذ كان يخرج لعدد من هذه الأسواق خاصة وأنها تقام في أيام وأشهر حرم ، مما يأمن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معه أذى كفار قريش.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اصطباغ أسواق مكة بصبغة التنزيل والدعوة إلى الله ، وصار الناس يتناقلون آيات القرآن بدل ما كان يلقى في الأسواق من الشعر.
وأدركوا أن بلاغة القرآن فوق كلام البشر ، وأنهم يعجزون عن الإحاطة بعلومه وذخائره .
لقد أغاظ ذهاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أسواق مكة وعرضه الإسلام على روادها المشركين ، كما ورد في التنزيل وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا.
وقولهم هذا شاهد على أقرارهم بأن النبي محمداً رسول من عند الله لأنهم ذكروا النبي محمداً بصفة الرسول .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إعلان المشركين أنه رسول من عند الله ، والآية أعلاه من سورة الفرقان وهي سورة مكية .
قانون استدامة المعجزة العقلية
ليس من قيد أو حد لفضل الله عز وجل على الناس ، ومنه نعمة النبوة ، التي هي سبب دوام الحياة في الأرض لأنها وسيلة عبادة الناس لله عز وجل ، والسر الأعظم في قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
ومن فضل الله اقتران عمارة الإنسان في الأرض بالنبوة ودعوة الناس للإيمان دعوة سماوية ، فمن خصائص هذه الدعوة وجود امتثال وانقياد نوعي لها .
(وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف نسمة والله أعلم)( ).
ليرث شيث وهو هبة الله النبوة من بعده ، وتعاقب الأنبياء مبشرين ومنذرين .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انقطاع النبوة والوحي بانتقاله إلى الرفيق الأعلى ولكن بقي القرآن حجة عقلية على الناس جميعاً ، وكأن النبوة حاضرة بين ظهرانيهم من جهة الأحكام والسنن وقصص الأنبياء ، وتصاريف الزمان ، قال تعالى في سورة المائدة التي هي من أواخر سور القرآن نزولاً والخالية من المنسوخ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
وأخبر القرآن بأن النبي محمداً (خاتم النبيين) كما في قوله تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
ووردت أحاديث نبوية عديدة في الإخبار بأنه آخر الأنبياء ، منها ما ورد (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ قَالَ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي)( ).
وعن جبير بن مطعم (قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن لي أسماء: أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده)( ).
و(عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة ، فكان من دخلها فنظر إليها قال : ما أحسنها إلا موضع اللبنة ، فأنا موضع اللبنة فختم بي الأنبياء)( ).
ترى لماذا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وليس من نبي بعده ، الجواب ان الله سبحانه لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، ومن حكمة الله في المقام أن القرآن معجزة عقلية ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : قانون القرآن لسان النبوة المصاحب للناس إلى يوم القيامة .
الثاني : قانون حفظ القرآن لقصص الأنبياء والأمم السالفة بصيغة إتعاظ عامة الناس منه ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
الثالث : قانون بيان القرآن لأحكام الشريعة السمحاء .
الرابع : قانون توارث أمة وهم المسلمون العمل بأحكام القرآن .
الخامس : قانون قيام القرآن بوظائف النبوة بعد انتقال خاتم النبيين إلى الرفيق الأعلى .
السادس : قانون تعضيد السنة النبوية للقرآن .
قانون النبوة مدرسة الدعاء
لقد علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل البيت والصحابة أدعية خاصة لتبقى ثروة وتركة للمسلمين .
و(ذكر ابن صخر في فوائده وابن بشكوال في كتاب المستغيثين من طريقه بسند له من طريق الحسين بن العلاء عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن علي عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخدم فاطمة ابنته جارية اسمها فضة النوبية وكانت تشاطرها الخدمة فعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاء تدعو به.
فقالت لها فاطمة أتعجنين أو تخبزين فقالت بل أعجن يا سيدتي وأحتطب فذهبت واحتطبت وبيدها حزمة وأرادت حملها فعجزت .
فدعت بالدعاء الذي علمها وهو يا واحد ليس كمثله أحد تميت كل أحد وتفنى كل أحد وأنت على عرشك واحد ولا تأخذه سنة ولا نوم فجاء أعرابي كأنه من أزد شنوءة فحمل الحزمة إلى باب فاطمة)( ).
وفضة النوبية من بلاد النوبة ، وهم على دين ، وكانت فاطمة قد اشتكت يديها من الطحن بالرحى (وكان عند النبي صلى الله عليه وآله أسارى فأمرها علي عليه السلام أن تطلب من النبي صلى الله عليه وآله خادماً .
فدخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلمت عليه و رجعت، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : مالك ؟ قالت: والله ما استطعت أن أكلم رسول الله صلى الله عليه وآله من هيبته .
فانطلق علي معها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال لهما : لقد جاءت بكما حاجة، فقال علي: مجاراتهما فقال صلى الله عليه وآله : لا ولكني أبيعهم وانفق أثمانهم على أهل الصفة، وعلمها تسبيح الزهراء)( ).
وعن (عمر بن داود عن الصادق عليه السلام قال: كان لفاطمة عليها السلام جارية يقال لها فضة ، فصارت من بعدها لعلي عليه السلام، فزوجها من أبي ثعلبة الحبشي ، فأولدها ابنا ،ثم مات عنها أبو ثعلبة. وتزوجها من بعده أبو مليك الغطفاني، ثم توفي ابنها من أبي ثعلبة فامتنعت من أبي مليك أن يقربها)( ).
وكان النبي يرّغب بالدعاء ، ويبين منافعه ويذكر فيه أحاديث قدسية منها (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول الله تعالى : إني لأجدني استحي من عبدي يرفع يديه إليّ ثم أردهما . قالت الملائكة : إلهنا ليس لذلك بأهل .
قال الله : لكني أهل التقوى وأهل المغفرة أشهدكم أني قد غفرت له ،قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ويقول الله : إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإِسلام ثم أعذبهما بعد ذلك في النار)( ).
حضور الملائكة يوم بدر
وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل : من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم) فقال جبريل : يا محمد ما كل أهل السماء أعرف).
وعن علي عليه السلام أنه خطب الناس فقال : بينا أنا أمتح( ) من قليب بدر جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط ثم ذهبت ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قط إلا التي كانت قبلها قال: وأظنه ذكر: ثم جاءت ريح شديدة فكانت الريح الأولى جبريل نزل في الف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان أبو بكر عن يمينه .
وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانا في الميسرة , وعن سهل بن حنيف قال: لقد رأيتنا في بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه .
وعن الربيع بن أنس قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور :
الأول : نصرة الملائكة له .
الثاني : توثيق القرآن لنصرة الملائكة له ، إذ قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
الثالث : إخبار الصحابة وكذا المشركين عن شواهد لحضور الملائكة معركة بدر .
و(عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : قال أبي : يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وان أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف)( ).
و(قال ابن عباس : حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة ، فبينا نحن هناك إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعنا قائلا يقول: أقدم حيزوم وقال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم بدر: هذا جبرئيل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب، أورده البخاري في الصحيح)( ).
العلم بأحاديث المشركين
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله عز وجل بإخباره عما يدور من أحاديث بين رؤساء الشرك تكون حجة عليهم في الدنيا والآخرة ، فقد نزل قوله تعالى أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ… لحديث دار بين أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ، وعمه الوليد بن المغيرة ، إذ كانا يسيران في أحدى الليالي وكان شأن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شغلهم الشاغل.
فقال أبو جهل : والله لأعلم أنه صادق ، فسأله الوليد عما دله على صدق نبوته ، فقال أبو جهل (يا أبا عبد شمس كنا نسميه في صباه الصادق الأمين ، فلما تم عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن ، والله إني لأعلم أنه لصادق ، قال : فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به .
قال : تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة واللات والعزى إن اتبعته أبدا)( ).
وهل يختص علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأحاديث المشركين بآيات القرآن ، الجواب يأتي هذا الإخبار بالوحي ايضاً .
وبما يخبر عند الذين يدخلون الإسلام ، وأسباب فضح المشركين وعند الإحتجاج عليهم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غزو معجزاته القلوب ، وخروج منافع الغزو على الألسنة ، ومنه إقرار المشركين بمعجزاته وصدق نبوته .
فمن خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم وقوع الخلاف بين أعدائه بسبب نبوته ، قال تعالى تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ومن أحاديث ومناجاة المشركين ما هو مكر وكيد بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيكون إخباره بها من مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا وليتخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحائطة والحذر ، وتجلى هذا الإخبار ليلة الهجرة إلى المدينة إذ نزل جبرئيل وأخبر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بعزم قريش على قتله في تلك الليلة ، ليهاجر في ذات الليلة ، وليبيت الإمام علي عليه السلام في فراشه .
قانون الحروف المقطعة مدد
لقد اتصف العرب أيام التنزيل بأنهم أهل فصاحة وبلاغة ، فنزل القرآن بالإعجاز فيما يتباهون به ، ومنه الحروف المقطعة في بداية تسع وعشرين سورة من (114) سورة مجموع سور القرآن .
والحروف المقطعة سر من أسرار القرآن ، ودعوة سماوية للتدبر في تأويلها ودلالتها .
لقد كان كفار قريش يقومون بالتصفيق والصفير واللغو أثناء قراءة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في مكة خاصة في موسم الحج ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصبر على الأذى من وجوه:
الأول : وقوع شطر من موسم الحج في الأشهر الحرم ذي القعدة وذي الحجة , واضطرار قريش للإمتناع عن إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها .
فيجهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة آيات القرآن ، ويكثر من الإتصال بالقادمين إلى مكة لأداء الحج ، وموضوع هذا الإتصال من جهات :
الأولى : الدعوة إلى التوحيد .
الثانية : نبذ عبادة الأوثان .
الثالثة : إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس عن رسالته ، وأنه خاتم النبيين .
الرابعة : دعوة القبائل لإيوائه وحمايته من أذى وشرور كفار قريش .
الثاني : مجئ وفد الحاج من المدن والقرى إلى مكة , وإصغاؤهم لتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآيات طوعاَ وقهراَ وانطباقاَ , وعن ابن اسحاق بإسناده عن ربيعة بن عبًاد (قَالَ إنّي لَغُلَامٌ شَابّ مَعَ أَبِي بِمِنًى ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَقِفُ عَلَى مَنَازِلِ الْقَبَائِلِ مِنْ الْعَرَبِ.
فَيَقُولُ يَا بَنِي فُلَانٍ إنّي رَسُولُ اللّهِ إلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي ، وَتُصَدّقُوا بِي ، وَتَمْنَعُونِي ، حَتّى أُبَيّنَ عَنْ اللّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ . قَالَ وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ لَهُ غَدِيرَتَانِ عَلَيْهِ حُلّةٌ عَدَنِيّةٌ .
فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا دَعَا إلَيْهِ قَالَ ذَلِكَ الرّجُلُ يَا بَنِي فُلَانٍ إنّ هَذَا إنّمَا يَدْعُوكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللّاتَ وَالْعُزّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ وَحَلْفَاءَكُمْ مِنْ الْجِنّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضّلَالَةِ فَلَا تُطِيعُوهُ وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ .
قَالَ فَقُلْت لِأَبِي : يَا أَبَتِ مَنْ هَذَا الّذِي يَتْبَعُهُ وَيَرُدّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ .
قَالَ هَذَا عَمّهُ عَبْدُ الْعُزّى بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ)( ).
الثالث : البيان والبلاغة العالية لآيات القرآن بما يجعلها تنفذ إلى شغاف القلوب .
الرابع : خشية قريش من رجوع وفد الحاج بتحفة إلى أهليهم وهي آيات القرآن , خاصة وأن السور المكية تتصف بالقصر وسهولة الحفظ ، وغزارة المعنى ومنها قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ، أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ.
ومنهم رجال في المدينة وبعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من نظر إلى الحروف المُقطعة بحساب الجمل وعلامات التأريخ فجاءوا إلى النبي (فقالوا : يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ قال : بلى . قالوا : قد جاءك بهذا جبريل من عند الله ، قال : نعم.
قالوا : لقد بعث الله قبلك أنبياء ، ما نعلمه بين لنبي لهم ما مدة ملكه ، وما أجل أمته غيرك فقال حيي بن أخطب : وأقبل على من كان معه الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه احدى وسبعون سنة . أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة.
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد هل مع هذا غيره ، قال : نعم .
قال : ما ذاك ، قال المص قال : هذه أثقل وأطول . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه مائة واحدى وستون سنة .
هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال : نعم . قال : ماذا؟ قال [الر] قال : هذه أثقل وأطول . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة .
فهل مع هذا غيره ، قال : نعم المر قال فهذه أثقل وأطول . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان .
ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أُعطيت ، أم كثيراً .
ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار : ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله . إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ، ومائة ، وإحدى وثلاثون ومائتان ، وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون . فقالوا : لقد تشابه علينا أمره . فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ))( ).
فجاءت الحروف المقطعة لجذب إنتباه المشركين وجعلهم يصغون إلى آيات القرآن الأخرى.
لقد اندهش الناس من الحروف المقطعة فكانت مقدمة ومدخلاَ لأحكام التنزيل وهداية الناس .
وعدد الحروف المقطعة (14) حرفاً من مجموع (29) حرفاً هي حروف اللغة العربية ، تكررت في القرآن (78) مرة في افتتاح (29) سورة من القرآن ، واجتمعت في (30) كلمة ، وقيل هي المتشابه.
وهل انقطعت منافع الحروف المقطعة بعد أيام التنزيل ، الجواب لا ، فمن خصائص الآية القرآنية تجدد منافعها إلى يوم القيامة ، فهي شاهد على جهاد النبي محمد بالتنزيل وأن الآية القرآنية هي سلاحه كما تدعو الحروف المقطعة مجتمعة ومتفرقة إلى التدبر في معانيها ، وفي تلاوة كل حرف منها عشر حسنات .
إقامة الحجة على قريش
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إقامة الحجة على رؤساء قريش من جهات :
الأولى : قبح عبادة الأوثان .
الثانية : الضلالة في اتباع الآباء على كفرهم ، وفي التنزيل وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.
الثالثة : قانون كل معجزة نبوية حجة على الذين كفروا .
الرابعة : التذكير بحنيفية إبراهيم ، وحقوق جوار بيت الله الحرام .
(وعن ابن عمر : أن قريشاً اجتمعت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد ، فقال لهم عتبة بن ربيعة : دعوني حتى أقوم إلى محمد أكلمه ، فإني عسى أن أكون ارفق به منكم . فقام عتبة حتى جلس إليه .
فقال : يا ابن أخي إنك أوسطنا بيتاً ، وأفضلنا مكاناً ، وقد أدخلت في قومك ما لم يدخل رجل على قومه قبلك ، فإن كنت تطلب بهذا الحديث مالاً فذلك لك على قومك أن نجمع لك حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد شرفاً فنحن مشرفوك حتى لا يكون أحد من قومك فوقك ولا نقطع الأمور دونك .
وإن كان هذا عن لمم يصيبك لا تقدر على النزوع عنه بذلنا لك خزائننا في طلب الطب لذلك منه ، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أفرغت يا أبا الوليد .
قال : نعم . فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (حم) السجدة حتى مر بالسجدة فسجد ، وعتبة ملق يده خلف ظهره حتى فرغ من قراءتها ، وقام عتبة لا يدري ما يراجعه به . حتى أتى نادي قومه .
فلما رأوه مقبلاً قالوا : لقد رجع إليكم بوجه ما قام به من عندكم ، فجلس إليهم .
فقال : يا معشر قريش قد كلمته بالذي أمرتموني به . حتى إذا فرغت كلمني بكلام لا والله ما سمعت أذناي بمثله قط ، فما دريت ما أقول له.
يا معشر قريش أطيعوني اليوم ، واعصوني فيما بعده . اتركوا الرجل واعتزلوه ، فوالله ما هو بتارك ما هو عليه ، وخلوا بينه وبين سائر العرب ، فإن يكن يظهر عليهم يكن شرفه شرفكم ، وعزه عزكم ، وملكه ملككم ، وان يظهروا عليه تكونوا قد كفيتموه بغيركم ، قالوا : أصبأت إليه يا أبا الوليد)( ).
لقد كان رد قريش على عتبة بنعته بأنه صبا وترك دينهم , ولكنه لم يتعظ إنما خرج مع قريش إلى معركة بدر عندما جاء رسول أبي سفيان ضمضم بن عمرو يندبهم لإنقاذ قافلة أبي سفيان من استحواذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عليها .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يقصد الإستيلاء على قافلة أبي سفيان يومئذ إنما كان في كتيبة استطلاع ونشر للإسلام حول المدينة .
لتقع معركة بدر بغرور من قريش ، ويبرز عتبة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد للقتال , فقتلهم الذين برزوا لهم من أهل البيت وهم الأمام علي عليه السلام وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته للإسلام بالقرآن والموعظة والبرهان فهي دعوة سلمية محضاً خالية من قصد القتال والغزو والهجوم .
القيام بالتبليغ
أصل البلاغ الوصول والإيصال ، يقال بلغ يبلغ بلوغاً وأبلغه إبلاغاً ، ومنه البلاغة لأنها إبصال المعنى إلى الآخر في أحسن لفظ وصيغة ، قال تعالى في الثناء على القرآن هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بالتبليغ من جهات :
الأولى : الجهر بتلاوة آيات القرآن ، وما فيها من البشارة والإنذار ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
الثانية : بيان أحكام الشريعة الواردة في القرآن والتي تأتي في السنة النبوية .
الثالثة : تبليغ أهوال الآخرة ، وحسن مثوى المؤمنين وسوء عاقبة الذين كفروا .
الرابعة : جهاد النبي محمد بالتبليغ بالسنة العملية باقامته الصلاة اليومية في المسجد الحرام .
(ومن المناقب عن عبدالله بن مسعود قال : إن أول شئ علمته من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله : قدمت مكة في عمومة لي ، فأرشدونا إلى العباس بن عبدالمطلب .
فانتهينا إليه وهو جالس إلى من ثم ، فجلسنا إليه ، فبينا نحن عنده إذا أقبل رجل من باب الصفا تعلوه حمرة ، وله وفرة جعدة إلى أنصاف اذنيه ، أقنى الانف ، براق الثنايا ، أدعج العينين ، كث اللحية ، دقيق المسربة ، شثن الكفين ، حسن الوجه ، معه مراهق أو محتلم تقفوه امرأة قد سترت محاسنها ، حتى قصدوا نحو الحجر فاستلمه ، ثم استلمه الغلام ، ثم استلمته المرأة ، ثم طاف بالبيت سبعا والغلام والمرأة يطوفان معه .
فقلنا يا أبا الفضل : إن هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم او شئ حدث ؟ قال : هذا ابن أخي محمد بن عبدالله والغلام علي بن أبي طالب والمرأة امرأته خديجة بنت خويلد ، ما على وجه الارض أحد يعبد الله تعالى بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة .
ومثله عن عفيف الكندي قال : كنت امرء تاجرا ، فقدمت الحج ، فأتيت العباس ابن عبد المطلب لابتاع منه بعض التجارة وكان امرء تاجرا ، فو الله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خبأ قريب منه ، فنظر إلى الشمس ، فلما رآها قد مالت قام يصلي ، قال : ثم خرجت امرأة من الخبأ الذي خرج ذلك الرجل منه فقامت خلفه فصلت ، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخبأ فقام معه فصلى .
فقلت للعباس : من هذا يا عباس ، قال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي ، قال : فقلت : من هذه المرأة ؟ قال : امرأته خديجة بنت خويلد ، قال : فقلت : من هذا الفتى ؟ قال : علي بن أبي طالب ابن عمه عليهم السلام .
فقلت له : ما هذا الذي يصنع ؟ قال : يصلي وهو يزعم أنه نبي ، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى ، وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر ، وكان عفيف وهو ابن عم الاشعث بن قيس يقول بعد ذلك وقد أسلم وحسن إسلامه : لو كان الله رزقني الاسلام يومئذ فأكون ثانيا مع علي عليه السلام ، وقد رواه بطوله أحمد بن حنبل في مسنده)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تبليغه لآيات القرآن ودعوته إلى الإسلام رحمة بالناس جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، من جهات :
الأولى : الهداية والرشاد للمسلمين والفوز بالنشأتين .
الثانية : تثبيت الإيمان في القلوب ، وطرد الشك والريب منهم .
الثالثة : إقامة الحجة على الناس ، ودعوتهم للإيمان ، ونبذ عبادة الأوثان .
الرابعة : الرحمة بالذين كفروا ، وتقدم الإنذار في الدنيا على العقاب على الكفر والجحود في نار جهنم ، لقانون سبق الإنذار على البلاء أفضل من نزول البلاء من رأس .
وتقدم الإنذار هذا لم يأت عن استحقاق من الكفار له، ولكنه فضل من الله تعالى وهو من مصاديق رحمته تعالى في الدنيا التي تدرك البر والفاجر ، ولقانون إنذارات القرآن حجة على الذين كفروا ، وزجر لهم عن محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن صلاته وتلاوته القرآن في المسجد الحرام قبل الهجرة عز ومقدمة لبعث الخوف والرعب في قلوب المشركين ، وهزيمتهم في معركة بدر ، لذا خاطب الله عز وجل النبي محمداً وأصحابه وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أسواق مكة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية إزدهار أسواق مكة بعد الفتح لأسباب متعددة منها :
الأول : الأمن في مكة والجادة العامة .
الثاني : قانون صيرورة أسواق مكة مرآة للتقوى بصلاح النفوس وصحة المعاملات والإبتعاد عن الغش والخداع .
الثالث : مضاعفة أعداد حجاج بيت الله الحرام أضعافاً كثيرة وازياد البيع والشراء .
الرابع : كثرة الغنائم التي ترد المسلمين .
الخامس : استيطان كثير من أهل القرى والبلاد المفتوحة مكة عشقاً للبيت الحرام .
السادس : وفود أفواج من الموالي ومن غير العرب إلى مكة .
السابع : جلب الصحابة والتابعين الرقيق إلى مكة من بلاد شتى ، ومنهم أصحاب حرف مختلفة.
فصار بعض الصحابة يضاربون في التجارة ويديرون الحرف والصناعات بواسطة مواليهم .
الثامن : الأخوة الإيمانية التي تتغشى الأسواق ، مع خلو الجادة العامة من السلب والنهب .
التاسع : إنقطاع أو ندرة السرقة في الأسواق لشدة حكم الذي يسرق ربع دينار أو أكثر ، قال تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
العاشر : انتفاء الثأر والغدر والغيلة في أسواق مكة .
الحادي عشر : بعد أن كان التفاخر بالآباء على ضلالتهم صار التفاخر في الأسواق بعد البعثة النبوية وسيادة الإسلام بالتقوى والصلاح ، قال تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
الثاني عشر : حرص أرباب أسواق مكة على إقامة الصلاة في أوقاتها ، وهو أمر ظاهر للعيان في كل زمان وإلى يومنا هذا .
الثالث عشر : مضاعفة البضائع وكثرة الأموال والبيع والشراء في أسواق مكة ، سواء في موسم الحج أو خارجه ، وهو من مصاديق قوله تعالى لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ.
الهجرة القهرية
هذا اصطلاح جديد في سنن النبوة نستحدثه هنا ، فقد هاجر كثير من الأنبياء من قراهم ومدنهم للنجاة بدينهم وسلامة أنفسهم ، والدعوة إلى الله ، فأكثر هؤلاء الأنبياء هاجر اضطراراً .
وهل يصدق على بيع أخوة يوسف له على السيارة ووصوله إلى مصر أنها هجرة قهرية ، الجواب نعم ، لما فيها الإكراه والقهر ثم من النفع العام ، ونجاة الناس من القحط ، لبيان الملازمة بين المعجزة والهجرة .
وهجرة الأنبياء من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وقوله تعالى يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ.
وهل كانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة اختيارية أم اضطرارية ، الجواب هو الثاني ، فقد عزم رؤساء قريش على قتله في فراشه ، واختاروا عشرة من الشبان الأقوياء ، كل واحد من قبيلة ليضربوه ضربة رجل واحد .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ابتدائه طريق الهجرة (وهو في سوق الحزورة : والله إنك لخير أرض الله وأحب الارض إلى الله ، ولولا أنى أخُرجت منك ما خرجت)( ).
والحزورة سوق في مكة دخل في توسعة المسجد الحرام في هذا الزمان.
وعندما علمت قريش بخروجه من مكة اشتد الطلب ، وجعلوا مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : الهجرة في الوقت المناسب ، وهو من الوحي ، والتوجيه من جبرئيل بأمر من الله عز وجل .
الثاني : النجاة من المشركين مع أنهم أخذوا الطرق ، وبعثوا الخيل لاعادته إلى مكة .
الثالث : تعدد المعجزات في طريق الهجرة ، مع الشواهد والشهود ، ومنها حديث سراقة بن مالك وحديث أم معبد .
الرابع : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنصار ومؤمنين.
الخامس : اختفاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه في غار ثور ثلاث ليال لينقطع الطلب.
السادس : معجزة نسخ العنكبوت بيتاً على مدخل الغار .
السابع : توثيق القرآن لهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ قال تعالى إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
لبيان قانون وهو توثيق القرآن للحدث النبوي سبيل لتدارس أجيال المسلمين له ، والتدبر فيه .
الثامن : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه في طريق الهجرة ، وسلامة الإمام علي عليه السلام في مبيته في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع إحاطة عشرة من شبان المشركين يرومون الهجوم عليه وقتله عند السحر .
التاسع : هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمة من الأنصار ، وليس خروجاً من مكة إلى غير جهة الذي رغب فيه مشركو قريش.
و(في قوله تعالى [إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ] أي إذ يقول الرسول صلى الله عليه وآله لابي بكر : لا تحزن : أي لا تخف ، إن الله معنا)( ).
و(قال الزهري : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وأبو بكر الغار أرسل الله زوجا من الحمام حتى باضا في أسفل الثقب ، والعنكبوت حتى نسج بيتا، فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت قال: لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسخ بيت العنكبوت فانصرف .
وقال النبي صلى الله عليه وآله : اللهم أعم أبصارهم ، فعميت أبصارهم عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اللجوء إلى الدعاء في أحلك الأحوال واستجابة الله عز وجل له .
مخاطر طريق الهجرة
لقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأذى وتهددته الأخطار في طريق الهجرة إلى المدينة ، واضطر للإختفاء في غار ثور ، قال تعالى إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
ولم يغادر مكة إلا بعد أن نوى كفار قريش قتله في ليلة المغادرة والتي تسمى ليلة الفراش لأن الإمام علي عليه السلام نام في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتورية على المشركين ، ومنعهم من ملاحقته إلى أن يقطع مسافة ، وإن كان خرج مشياً على الأقدام في البداية وإلى غار ثور .
بينما خرجت الخيل لطلبه في الجهات المختلفة حالما علموا بمغادرته مكة ، وهذا الفارق من الشواهد على نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة ، وهو من خصائصه ، فالذي يسير ماشياً لابد أن تدركه الخيل لولا فضل الله عز وجل .
وجعلت قريش قيمة دية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للذي يأتي به حياً أو ميتاً ، وتدرك الخيل الذي يمشي على رجليه أو الذي يركب الناقة ، إذ تقطع الناقة 7-10 كم في الساعة ، بينما يقطع الحصان 40-50 كم في الساعة ، فتستطيع أن تدرك الإبل خاصة مع طول المسافة بين مكة والمدينة وهي نحو (450) كم .
وقد تم فعلاً إدراك سراقة بفرسه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على ناقته في الطريق ، وهو يريد أن يأخذه فكفاه الله شره ، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
وكان الأنصار قد اشترطوا على النبي الذب عنه عندما يصل إليهم ، أي أنهم لا يتحملون أعباء ما يتعرض له في الطريق ، ولا يأتون إلى مكة ويخرجونه منها عنوة على قريش ، وما فيه من أسباب الفتنة ، ولم يصل إلى المدينة إلا بالمعجزة .
وعندما وصل إليها أوفى الأوس والخزرج بوعدهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خير وفاء ودافعوا عنه ، قال تعالى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً.
وخاض الأنصار والمهاجرون الحروب والمعارك إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضد قريش وقبائل المشركين ، ولا يمكن أن يتحملوا يومئذ أعباء القتال إلا بفضل ومدد من عند الله عز وجل في النفوس والجوارح وتجلي المعجزات التي تبعثهم على التفاني في الدفاع عن النبوة والتنزيل .
فمن خصائص النبي محمد إخلاص أصحابه له ، وهذا الإخلاص شعبة من الإيمان ، وفرع له ، وهو من سنن حياة وجهاد الأنبياء بدليل قوله تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.
قانون الهجرة أمان من الإفتتان
من الآيات في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هجرته من مكة حيث جوار البيت الحرام بعد أن عزم المشركون على قتله في ذات الليلة، وقد هاجرت طائفة من المسلمين إلى الحبشة قبل هجرته إلى المدينة بعدما اشتد أذى قريش لهم ، وهجرة الحبشة هذه معجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشاهد وجداني حاضر على صدق نبوته .
ومن الإعجاز في هذه الهجرة السلامة من الإفتتان من جهتين :
الأولى : الإعراض عن قريش ، وسعيها لإكراه هؤلاء الصحابة لترك الإسلام واتباع الرسول.
الثانية : العصمة من الإفتتان بدين أهل الحبشة ، إذ كانوا من النصارى .
ومن الإعجاز في المقام أن النبي محمداً لم يترك المسلمين الأوائل في مكة يلاقون أذى قريش الآخذ بالإطراد والإزدياد ، ولم يأمرهم بالهجرة إنما عرض عليهم الأمر ترغيباً بقوله لهم (لو خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تزكيته لعبادة النصارى ، لقد دخل هؤلاء المهاجرون ارض الحبشة فراراً من عبادة الأوثان ، والسلامة فيها من الإكراه أو ترك الإسلام .
ومن خصائصه عدم تركه هؤلاء المهاجرين مقيمين في مكة عضداً وسنداً له في ملاقاة أذى المشركين ، بل رغبهم بالهجرة وفيه شواهد على خصائصه النبوية من جهات :
الأولى : إنه من الشواهد على شجاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : حال السكينة والطمأنينة عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لسلامته من أذى وضرر المشركين ، وفي التنزيل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
الثالثة : لقد كان المشركون يخوفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالآلهة من الأوثان ، وفي المرسل عن قتادة قال ( قال لي رجل : قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكفن عن شتم آلهتنا أو لتأمرنها فلتخبلنك فنزلت وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ))( ).
لتدل دعوته طائفة من أصحابه للهجرة إلى الحبشة ، وآخرين إلى المدينة على شجاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحسن توكله على الله ، وعدم خشيته من المشركين والأصنام التي يعبدون .
وحتى في يوم فتح مكة عندما سيّر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السرايا لهدم الأصنام حول مكة كان المشركون يخوفون الصحابة من هدمها ، ولا تختص الهجرة بالمسلمين الذين هاجروا من مكة بل تشمل المهاجرين من غير أهل مكة كما أن آيات الهجرة تشمل المؤمنين المهاجرين في كل زمان ، وفي التنزيل إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ إذ هاجر إبراهيم من دار قومه إلى الشام .
الاجتهاد في إعلان الأذان
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده بإعلان الأذان ، خمس مرات في اليوم وذكره للثواب العظيم الذي ادخره الله للمؤذنين.
ولم يقم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالأذان في مكة لشدة أذى قريش لهم ولكن بعد أن هاجر النبي محمد إلى المدينة نزل تشريع الأذان في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة بعد أن كان الصحابة من المهاجرين والأنصار يجتمعون للصلاة في أوقات الصلاة من تلقاء أنفسهم بغير دعوة من النبي ، وأرادوا جعل بوق مثل البوق الذي يدعو به اليهود لصلاتهم ، ولكن النبي محمداً كرهه ، ولم يستعملوا الناقوس ليضرب به اشعاراً بالصلاة.
فرأى عبد الله بن زيد الأنصاري رؤيا الأذان فجاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره (فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُ طَافَ بِي هَذِهِ اللّيْلَةَ طَائِفٌ مَرّ بِي رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ فَقُلْت لَهُ يَا عَبْدَ اللّهِ أَتَبِيعُ هَذَا النّاقُوسَ .
قَالَ وَمَا تَصْنَعُ بِهِ ، قَالَ قُلْت : نَدْعُو بِهِ إلَى الصّلَاةِ ، قَالَ أَفَلَا أَدُلّك عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ قُلْت : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ تَقُولُ اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ ، اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ، أَشْهَد أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ، أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ حَيّ عَلَى الصّلَاةِ حَيّ عَلَى الصّلَاةِ حَيّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيّ عَلَى الْفَلَاحِ اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ .
أَخْبَرَ بِهَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَالَ إنّهَا لَرُؤْيَا حَقّ إنْ شَاءَ اللّهُ ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ فَلْيُؤَذّنْ بِهَا ، فَإِنّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك)( ).
ليكون تشريع الأذان من السنة التقريرية والقولية بامضاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرؤيا الأنصاري وأمره بتشريع الأذان ، وذكر أن عمر بن الخطاب رأى في نفس تلك الليلة ذات الرؤيا .
وورد عن أئمة أهل البيت أن الأذان شرع في ليلة الإسراء إذ ورد بالإسناد (عن سفيان بن الليل ، قال : لما كان من أمر الحسن بن علي ومعاوية ما كان قدمت عليه المدينة وهو جالس في أصحابه ، – فذكر الحديث بطوله – قال : فتذاكرنا عنده الأذان فقال بعضنا : إنما كان بدء الأذان رؤيا عبد الله بن زيد بن عاصم ، فقال له الحسن بن علي : إن شأن الأذان أعظم من ذاك ، أذن جبريل عليه السلام في السماء مثنى مثنى ، وعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقام مرة مرة فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن الحسن حين ولي)( ).
وقد أذن عدد من الصحابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم :
الأول : بلال بن رباح .
الثاني : عبد الله بن أم مكتوم .
الثالث :سعد بن قرظ .
الرابع : أبو محذورة .
منافع الأذان
لا يحصي منافع الأذان الدنيوية والآخروية وتجدده خمس مرات كل يوم في مشارق ومغارب الأرض إلا الله عز وجل منها :
الأول : الإيذان بدخول وقت الصلاة .
الثاني : ندب المسلمين للحضور إلى المسجد ، وأداء الصلاة .
الثالث : تجديد النطق بالشهادتين خمس مرات في اليوم .
الرابع : التأكيد اليومي لقانون كلمة التوحيد هي العليا ، قال تعالى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
الخامس : ترغيب الناس بالإسلام .
السادس : بعث الخوف في قلوب المشركين ، لقانون الأذان تبكيت للكافر ،ودعوة للتوبة .
السابع : بعث المسلمين على العمل والكسب ، وبيان قانون عدم التعارض بين العبادة والسعي في أمور الدنيا ، نعم الأذان تذكير بأن يكون الكسب من الحلال .
الثامن : تأكيد المسلمين في كل زمان لصدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسع : بيان فضل الله عز وجل في اقتران اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع اسمه تعالى بالشهادتين .
العاشر : الأذان مقدمة للصلاة ، وهو مستحب ، وكذا الإقامة .
و(عن الإمام الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة)( ).
و(عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بلال سيد المؤذنين يوم القيامة ولا يتبعه إلا مؤمن ، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)( ).
ويحمل طول الأعناق في المقام على الغبطة والسلامة من الكرب والحزن ، والذل والخيبة والإطراق يومئذ ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، بلحاظ أن تعاهد الأذان والإجهار به من سنن التقوى.
مع الأجر والثواب في ترديد فصول الأذان من قبل المسلمين والمسلمات ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكر المؤذنين وعامة الناس له خمس مرات في اليوم .
وهل قول النبي محمد (فقولوا مثل ما يقول) أي المؤذن يستلزم الوجوب أم الإستحباب ، الجواب هو الثاني ، وفيه تعاهد للشهادتين ، ودعوة للعمل بأحكام القرآن والسنة ، وهو من مصاديق قانون الإكثار من ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه دعوة للصلاح.
الأذان والإقامة
قال تعالى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
وأقف عند الواو في (وكلمة الله) أعلاه إذ قسمت الواو إلى حرف عطف وحرف استئناف وواو الحال .
والمختار علم جديد وهو أن هذه الواو تفيد الوجوه الثلاثة مجتمعة الإستئناف وتفيد الحال كما تفيد العطف الموضوعي .
لبيان أن علوم القرآن أعم من أن تحيط بها قواعد النحو ، وفيه دعوة لعلماء التفسير لتحديثه .
لقد ذكرت في الجزء الأول من رسالتي العملية الحجة والتي تتألف من خمسة أجزاء والمسجلة بدار الكتب والوثائق في بغداد برقم 345 لسنة 2001 أي قبل أربع وعشرين سنة والحمد لله .
والأذان شعار الإسلام الخالد واعلان يومي مبارك متكرر للشريعة المقدسة ودعوة متجددة للتوحيد يسمعها الناس طوعاً وكرهاً وتخترق القلوب لتكون رحمة لهم ، وحجة عليهم ، ومناسبة للتدبر في الخلق وتذكيراً بوظائف العبد وما عليه من التكاليف واستحضار الدروس العقائدية في كل فصل من فصوله، وتدارك الذنوب واستثمار الوقت لإقتناء الصالحات لأن الدنيا مزرعة الآخرة .
وفي تكرار الأذان مع كل فريضة وتعدد فصوله واحكامه آية من فضل الله تعالى كونه مناسبة كريمة للإستغفار وحثاً على الطاعة .
والأذان رسالة اهل الأرض الإعلامية الى سكان السماء بتعاهد كلمة التوحيد وما جاءت به النبوة، وعمل عبادي ذو فلسفة عقائدية وسنخية تفوق في نظريتها ومقاصدها حدود العمل الإعلامي المؤسساتي الذي هو نتاج العقل البشري الجماعي، اذ يتضمن تشريعاً وفصولاً وكيفية ومحلاً وتكراراً لمفاهيم يلزم استقراؤها والإنتفاع الأمثل منها في باب بناء صرح العقيدة والشخصية المسلمة وتآلف افراد المجتمع في مرضاة الله كدعوة الى الكمالات .
والأذان حاجز ذكري مبارك يحث بإلحاح على الابتعاد عن الإنغماس في ملذات الدنيا.
واجماع المسلمين على تشريع الأذان والإقامة ايام النبوة الا انه اختلف في مناسبة وكيفية تشريعه، فمشهور الجمهور ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخذه من رؤيا عبد الله بن زيد في منامه، وفي رواية برؤيا أُبي بن كعب ، وعن الإمام الصادق انه شرع ليلة الإسراء وفي صحيحة ابن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحضرت الصلاة أذن جبرئيل وأقام الصلاة … الحديث).
واشكل على اخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عظيم مقام النبوة هذا الحكم العام البلوى من رؤيا أحد اصحابه وشخص من امته ، ولكن المدار على الأخذ اذا تم فهو من السنة التقريرية وهي حجة ودليل معتبر، واعم من ان تنحصر بعالم اليقظة ولكن المناط على النصوص وصحتها رواية ودراية ، ولو تنزلنا عن موضوع السند وصحته فانه لا تعارض بين القولين فيمكن ان يكون التالي اواناً وسبباً لتثبيت تشريع الأذان في الأرض وبرهاناً وواقية من اهل الحسد والنفاق والكفر.
(مسـألة252) يستحب الأذان والإقامة استحباباً مؤكداً في الفرائض اليومية أداء وقضاء جماعة وفرادى، حضراً او سفراً للرجال والنساء والأحوط عدم ترك الإقامة للرجال في غير موارد السقوط وغير حال الإستعجال والسفر وضيق الوقت( ).
(مسـألة253) الأذان والإقامة مختصان بالفرائض اليومية اما في غيرها فيستحب ترديد قول الصلاة ثلاث مرات، نعم يستحب الأذان في موارد وهي:
الأول : المولود يوم ولادته او قبل ان تسقط سرته، فيؤذن في اذنه اليمنى ويؤتى بالإقامة في اذنه اليسرى تأسياً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و(وعن أبي رافع قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة)( ).
(وعن أسماء بنت عميس قالت قبلت فاطمة بالحسن فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا أسماء هلمى ابني فدفعته إليه في خرقة صفراء فألقاها عنه قائلا ألم أعهد إليكن أن لاتلفوا مولودا بخرقة صفراء فلفيته بخرقة بيضاء فأخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى.
ثم قال لعلي أي شئ سميت ابني قال ما كنت لاسبقك بذلك فقال ولا أنا أسابق ربى فهبط جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك على منك بمنزلة هارون من موسى لكن لانبى بعدك فسم ابنك هذا باسم ولد هرون.
فقال وما كان اسم ابن هرون يا جبريل قال شبر فقال صلى الله عليه وآله وسلم إن لساني عربي فقال سمه الحسن ففعل صلى الله عليه وسلم فلما كان بعد حول ولد الحسين.
فجاء نبى الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكرت مثل الاول وساقت قصة التسمية مثل الاول من أن جبريل عليه السلام أمره أن يسميه باسم ولد هارون شبير فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل الاول فقال سمه حسينا)( ).
الثاني : في الفلوات عند الوحشة وخشية سحرة الجن والضلال عن الطريق والهلكة.
الثالث : في اذن من ساء خلقه.
الرابع : الدابة اذا ساء خلقها.
(مسـألة254) الظاهر ان الأذان واحد وتقسيمه الى إعلامي وصلاتي صغروي.
(مسـألة255) فصول الأذان ثمانية عشر فصلاً:
اللَّهُ أَكْبَرُ (اربع مرات) ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاح ، حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ (كل واحد منها مرتان).
اما فصول الإقامة فسبعة عشر:
ويراعى فيها ذات الترتيب الذي في الأذان الا انها تختلف عنه بوجوه :
الأول : قول (اللَّهُ أَكْبَرُ) يأتي به المقيم مرتين بدل الأربعة التي في الأذان.
الثاني : اضافة (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) مرتين بعد (حَيَّ علَى خَيْرِ الْعَمَلِ).
الثالث : يأتي بـ(لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ) مرة في آخرها بدل مرتين.
(مسـألة256) يستحب في الأذان والإقامة الشهادة لعلي بالولاية وامرة المؤمنين وهي ليست جزء منهما.
(مسـألة257) لا بأس بالتكرير في حي على الصلاة او حي على الفلاح للمبالغة في اجتماع الناس، والأولى عدمه حفاظاً على انتظام هذا الشعار وتعاهده.
(مسـألة258) يجوز للمرأة الإجتزاء عن الأذان بالتكبير والشهادتين بل بالشهادتين، وعن الإقامة بالتكبير وشهادة ان لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وان محمداً عبده ورسوله.
(مسـألة259) يجوز للمسافر والمستعجل الإتيان بواحد من كل فصل من الاقامة، كما يجوز ترك الأذان والإكتفاء بالإقامة او الإكتفاء بالأذان فقط.
(مسـألة260) يكره الترجيع في الأذان، والأقوى انه ترديد الصوت في الحلق كقراءة اصحاب الألحان ومنهم من فسره بانه تكرار الفصول زيادة على الموظف.
(مسـألة261) يسقط الأذان في موارد :
الأول : اذان عصر يوم الجمعة اذا جمعت مع الجمعة او الظهر، اما مع التفريق بينهما فلا يسقط.
الثاني : اذان عصر يوم عرفة اذا جمعت مع الظهر لا مع التفريق.
الثالث : اذان العشاء في ليلة المزدلفة مع الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء لا مع التفريق.
الرابع : اذان العصر للمستحاضة اذا جمعتها مع الظهر، وكذا اذان العشاء اذا جمعتها مع المغرب.
الخامس : المسلوس ونحوه في الحالات التي يجمع فيها بين الصلاتين بوضوء واحد مثلاً.
منافع النبوة الخاتمة للنساء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنافع الخاصة للمسلمات وعموم نساء الأرض ، إلى جانب انتفاعهم من المنافع العامة للمسلمين ومنها :
الأول : جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القضاء على الغزو وسبي النساء ، والإستحواذ على الممتلكات .
الثاني : معجزة القضاء على وأد البنت وهو دفنها حية في التراب حين الولادة أو عند بلوغها ست سنوات .
فبعد البعثة النبوية أصبح الناس يعتنون ببيناتهم ، ولا يخشون عليهم ، قال تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من ولدت له أنثى فلم يئدها ولم ينهها ولم يؤثر ولده – يعني الذكر – عليها ، أدخله الله بها الجنة)( ).
ومعنى (لم يؤثر) أي لم يقدم الولد الذكر عليها في المعاملة اليومية والوصية وفي الميراث .
وهل في الحديث تنبيه وتحذير من جعل الأملاك والتركة باسم الأولاد الذكور وحجبها عن البنات ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
الثالث : سلامة النساء من السبي والعار الذي يتعقبه ويتفرع عنه .
وكان الغزو بين القبائل شائعاً في الجزيرة العربية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استئصاله الغزو بين القبائل والقضاء عليها وعلى الأضرار الإجتماعية والإقتصادية وسفك الدماء الذي يصاحبه ويترشح عنه بالثأر والرد بغزو مماثل ، وتحريك الأحلاف في استدامة الفتنة ، قال تعالى وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
الرابع : إكرام الإسلام للمرأة بتلقيها الأحكام بعرض واحد مع الرجل.
هل الجنة والنار مخلوقتان
الجنة والنار هما دار الجزاء في الآخرة ، وجاء ذكرهما في كل الكتب والشرائع السماوية .
ومن الآيات أن آدم وحواء أبوي البشر سكنا في الجنة قبل أن يهبطا إلى الأرض ، والمختار أنهما مخلوقتان الأن وعليه مشهور علماء الإسلام ، ويدل عليه حديث الإسراء ، ولا عبرة بخلاف بعض المعتزلة كأبي علي الجبائي ، والقاضي عبد الجبار .
والمدار في المقام على الكتاب والسنة ، ومن الكتاب :
الأول : إخبار القرآن بسكن آدم وحواء برهة من الزمن في الجنة مع الملائكة ، قال تعالى وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ.
الثاني : سجود الملائكة لآدم بأمر من الله لنفخه من روحه فيه ، وإختلاط آدم وحواء مع الملائكة ، لقانون سكن الملائكة هو السماء .
الثالث : الآيات التي ذكرت خلق واعداد الجنة بصيغة الماضي منها قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، وكذا اعداد النار قال تعالى وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ.
الرابع : قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى.
وقوله تعالى [أُعِدَّتْ] أي هُيئت.
ومنه النصوص المستفيضة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تتضمن الإخبار والتسليم بأن الجنة والنار موجودتان .
و(عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا وضع المؤمن في قبره ، أتاه ملكان فانتهراه ، فقام يهب كما يهب النائم ، فيقال له : من ربك؟ فيقول : الله ربي والإِسلام ديني ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي . فينادي مناد ، أن صدق عبدي . فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة فيقول : دعوني أخبر أهلي ، فيقال له : اسكن)( ).
ويجتمع الإعجاز العقلي والحسي بآية الإسراء إذ نزل القرآن بوقوعه وهو معجزة عقلية ، ووردت أحاديث نبوية بخصوصه ، وتلقاها المسلمون بالقبول والتصديق .
و(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ : إِنِّى إِمَامُكُمْ فَلاَ تُبَادِرُونِى بِالرُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ وَلاَ بِالْقِيَامِ وَلاَ بِالاِنْصِرَافِ فَإِنِّى أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِى وَمِنْ خَلْفِى.
ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، قُلْنَا مَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ)( ).
وهل المراد رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للجنة والنار في حديث الإسراء كما وردت ذات العبارة (رأيت الجنة والنار) فيه ، أم المراد انكشاف الغطاء في تلك الساعة للنبي وهو بين أصحابه في المدينة فرأى الجنة والنار ، المختار هو العنوان الجامع لهما.
ومن إعجاز هذه الآية أن أسرارها وعلومها باقية إلى يوم القيامة، تدعو الناس جميعاً للبحث العلمي والإستقراء الفلسفي ، والسياحة في عالم الملكوت وآفاق السموات ، وتمنع من الغرور والتجبر والعتو بالصعود في السماوات بواسطة الإرتقاء العلمي الحديث.
وتبين الآية نسبة فعل الإسراء إلى الله عز وجل ، وأنه فضل منه تعالى .
استجابة دعاء النبي محمد (ص)
من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم استجابة الله عز وجل لدعائه في القرآن ، وأخبار السنة النبوية ، وهي كثيرة منها ،ما هو عام ومنها ما هو خاص للرجال والنساء.
و(عن أنس بن مالك : أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم قائما ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا .
فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ثم قال (اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا) .
قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار .
قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت .
قال والله ما رأينا الشمس ستا . ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة – يعني الثانية – ورسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا .
فرفع رسول الله يديه ثم قال ( اللهم حولينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) .
قال فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس .
قال شريك فسألت أنسا أهو الرجل الأول ؟ فقال لا أدري)( ).
وهل يدل هذا الحديث على البشارة بامكانية تسيير السحاب اليوم أو غداً في الإرتقاء العلمي الحديث ، أم أنه خاص بدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب هو الأول ، ولبيان قانون سلاح الدعاء النبوي تعضيد للعلم .
وكانت المدينة المنورة تسمى يثرب ، وتكثر فيها الأمراض والأوبئة ، و (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللّهِ مِنْ الْحُمّى ، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسَقَمٌ فَصَرَفَ اللّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَالَتْ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ، وَبِلَالٌ مَوْلَيَا أَبِي بَكْرٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَأَصَابَتْهُمْ الْحُمّى ، فَدَخَلْت عَلَيْهِمْ أَعُودُهُمْ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ وَبِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلّا اللّهُ مِنْ شِدّةِ الْوَعْكِ فَدَنَوْت مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَقُلْت لَهُ كَيْفَ تَجِدُك يَا أَبَتْ ، فَقَالَ :
كُلّ امْرِئِ مُصَبّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلَيْهِ
فَقُلْت : وَاَللّهِ مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُولُ ، ثُمّ دَنَوْت إلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فَقُلْت لَهُ كَيْفَ تَجِدُك يَا عَامِرُ ، فَقَالَ :
لَقَدْ وَجَدْت الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ … إنّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
كُلّ امْرِئِ مُجَاهَدٌ بِطَوْقِهِ … كَالثّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ
بِطَاقَتِهِ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : فَقُلْت : وَاَللّهِ مَا يَدْرِي عَامِرٌ مَا يَقُولُ قَالَتْ وَكَانَ بِلَالٌ إذَا تَرَكَتْهُ الْحُمّى اضْطَجَعَ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ . ثُمّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ فَقَالَ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَن لَيْلَةً … بِفَجّ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَن يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنّةٍ … وَهَلْ يَبْدُونَ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلٌ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : شَامَةٌ وَطَفِيلٌ جَبَلَانِ بِمَكّةَ)( ).
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمدينة وقال (اللّهُمّ حَبّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبّبْتَ إلَيْنَا مَكّةَ ، أَوْ أَشَدّ وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إلَى مَهْيَعَةَ ومَهْيَعَةُ ، الْجُحْفَةُ)( ).
الدعاء لأهل البيت
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام والأسوة في الدعاء والإنقطاع إليه والى مناجاة الله عز وجل ، ومنها أدعيته لنفسه ولأهل البيت وللمسلمين ، وعامة الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وفي دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل البيت ، وتوثيق القرآن لإستجابة الله عز وجل له ، ورد (عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عليه السلام عند أم سلمة ، فقالت : في بيتي نزلت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
قالت أم سلمة : جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيتي فقال : لا تأذني لأحد .
فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها. ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، ثم جاء علي فلم أستطع أن أحجبه .
فاجتمعوا فَجَلّلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكساء كان عليه، ثم قال : هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط. قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال : إنك إلى خير)( ).
و(عن أسامة بن زيد : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذه والحسن فيقول : اللهم إني أحبهما فأحبهما)( ).
وبالإسناد عن (عبد الله بن الحسن قال : حين نزلت هذه الآية وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ ، قال علي : فما نسيت شيئاً بعد وما كان لي أن أنساه)( ).
عن (الجعيد بن عبد الرحمن قال مات السائب بن يزيد وهو ابن أربع وتسعين سنة وكان جلدا معتدلا وقال قد علمت ما متعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت إن ابن أختي شاكي فادع الله له قال فدعا لي)( ).
وعن عطاء مولى الصحابي السائب يزيد (قال كان وسط رأس السائب أسود وبقية رأسه ولحيته أبيض قال فقلت يا سيدي والله ما رأيت مثل رأسك هذا أبيض وهذا أسود قال أفلا أخبرك يا بني قلت له بلى.
قال إني كنت مع الصبيان ألعب فمر بي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعرضت له فسلمت فقال وعليك من أنت .
قلت أنا السائب بن يزيد أخو النمر بن قاسط ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسي وقال بارك الله فيك .
قال فلا والله لا تبيض أبدا ولا تزال هذه)( ).
مظاهر استجابة دعاء النبي محمد (ص)
لقد ورد الأمر بالدعاء والوعد بالإستجابة في قول الله تعالى وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مبادرته إلى الدعاء من بداية البعثة ولم يفارقه إلى حين مغادرته الحياة الدنيا ، ومن خصائصه تجلي شواهد استجابة الله عز وجل له في أهل البيت وفي الصحابة واستمراره .
هذه الشواهد لما بعد وفاته لتكون موعظة وسبيل هداية ودعوة للإيمان في أيام التابعين .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أدعيته لأصحابه على شعبتين :
الأولى : أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ولأمته ابتداء من عنده .
الثانية : أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسؤال من أهل البيت والصحابة .
وكلاهما بالوحي في مضمونها وأوانها لعمومات قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
وعن (عطاء بن أبي رباح قال : قال لي ابن عباس : يا عطاء ، ألا أريك امرأة من أهل الجنة ، فأراني حبشية صفراء ، فقال : هذه أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : إن بي هذه الموتة – يعني الجنون – فادع الله أن يعافيني . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن شئت دعوت الله فعافاك ، وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة ، فاختارت الصبر والجنة)( ).
و(عن أبي أمامة قال أنشأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوا فلقيته فقلت يا رسول الله أدع لي بالشهادة فقال اللهم سلمهم وفي حديث الباغندي ثبتهم وغنمهم قال فغزونا وسلمنا وغنمنا.
ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوا ثانيا فأتيته فقلت يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة فقال اللهم ثبتهم وفي حديث أبي يعلى فقال اللهم سلمهم وغنمهم وزاد أبو يعلى قال فغزونا فسلمنا وغنمنا .
قال واتفقا فقالا ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوا ثالثا فأتيته فقلت يا رسول الله إني قد أتيتك مرتين أسألك أن تدعو الله لي بالشهادة.
فقال أبو يعلى تدعو لي بالشهادة وزاد فقلت اللهم سلمهم وغنمهم فغزونا فسلمنا وغنمنا ثم أتيته بعد ذلك فقلت يا رسول الله مرني بعمل آخذه عنك فينفعني الله به فقال عليك الصوم فإنه لا مثل له فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يلقون إلا صياما قال فإن رأوا نارا أو دخانا بالنهار في منزلهم عرفوا أنهم قد اعتراهم ضيف)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبوله الدعوة ، ورضاه بالطعام القليل الذي يقدم له ، وصيرورة البركة الجلية فيه.
وبالإسناد عن (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ قَالَ : بَعَثَنِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَدْعُوهُ إِلَى الطَّعَامِ فَجَاءَ مَعِي فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْ الْمَنْزِلِ أَسْرَعْتُ فَأَعْلَمْتُ أَبَوَيَّ فَخَرَجَا فَتَلَقَّيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَرَحَّبَا بِهِ وَوَضَعْنَا لَهُ قَطِيفَةً كَانَتْ عِنْدَنَا زِئْبِرِيَّةً فَقَعَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ أَبِي لِأُمِّي هَاتِ طَعَامَكِ .
فَجَاءَتْ بِقَصْعَةٍ فِيهَا دَقِيقٌ قَدْ عَصَدَتْهُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ خُذُوا بِسْمِ اللَّهِ مِنْ حَوَالَيْهَا وَذَرُوا ذُرْوَتَهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِيهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ وَفَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِمْ وَوَسِّعْ عَلَيْهِمْ فِي أَرْزَاقِهِمْ)( ).
و(عن جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة قال فنفرت وكنت رجلا لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري حتى رأيت أثر أصابعه .
فقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا فأحرقتها بالنار فبعث جرير رجلا منا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقال له أبو أرطأة فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب فبارك على خيل أحمس ورجالها خمس مرات)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سعيه وجهاده لإزاحة الأوثان وأنها كابوس وجاثوم لابد من استئصاله .
و(عن زيد بن أرقم قال : قالت الأنصار : يا رسول الله إن لكل نبي أتباعا وإنا قد اتبعناك فادع الله أن يجعل أتباعنا منا ، فدعا لهم أن يجعل أتباعهم منهم)( ).
اجتماع الحلم والعفو
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه صاحب الكمالات الإنسانية وهو الذي تدل عليه صفاته في القرآن ، وأخبار السنة النبوية وشهادة أهل البيت والصحابة ، وحتى أعداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيام النبوة والتنزيل وبعدها شهدوا بصدقه وأمانته.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تغشي حلمه الكبير والصغير ، والصحابة والأعداء وعامة الناس ، وأظهرت الوقائع والأخبار رفقه بالحيوان ، ورأفته بالأسرى والسبايا وسرعة عتقهم واعادتهم إلى أهليهم كما في أسرى معركة بدر ، إذ جعل أمر عتق الأسير إلى الصحابي الذي أسره الى جانب شرط من علّم عشرة صبيان من صبيان أهل المدينة يعتق ، وأطلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السبايا في معركة حنين دفعة واحدة وعددهم ستة آلاف رأس .
وفي سرية عيينة بن حصن الذين كانوا يسيرون الليل ويكتمون النهار حتى باغتوا أحد مياه بني تميم ، وأخذوا منهم (أحد عشر رجلا ووجدوا في المحلة إحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا فجلبهم إلى المدينة فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث.
فقدم وفد فيه عدة من رؤسائهم عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم والاقرع بن حابس وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد وعمرو بن الاهتم ورباح بن الحارث بن مجاشع.
فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري فعجلوا ، وجاءوا إلى باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنادوا يا محمد اخرج الينا.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكلمونه فوقف معهم ثم مضى ، فصلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم ونزل فيهم إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأسرى والسبي)( ).
والأصل أنهم يتوسلون ويرجون النبي صلى الله عليه وآله وسلم إطلاق السبايا ، ولكنهم تكلموا بغلظة ، ونادوا النبي محمداً باسمه ومن وراء الحجرات وحاولوا تأخيره عن الصلاة .
ولكنه لم يغضب بل بادر إلى إطلاق النساء والذراري في الحال إكراماً لهم ، قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
التباين في التلبية
لقد علم أهل مكة والذين وفدوا إليها يومئذ والقبائل المحيطة بمكة أن النبي محمداً وأصحابه وفدوا لأداء العمرة ، ملبين ، مكبرين .
وهل تختلف تلبية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن تلبية المشركين يومئذ ، الجواب نعم ، فقد كانت تلبية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عنوان التوحيد والدعوة إلى الله (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك) وفيها حرب على الشرك ومفاهيم الضلالة.
أما تلبية المشركين فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال (كانت قريش تلطخ الاصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر، وكان يغوث قبالة الباب ، وكان يعوق عن يمين الكعبة، وكان نسرا عن يسارها، وكانوا إذا دخلوا خروا سجدا ليغوث، ولا ينحنون ، ثم يستديرون بحيالهم إلى يعوق، ثم يستديرون بحيالهم إلى نسر ، ثم يلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك)( ).
و(عن ابن عباس قال : كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك ، فأنزل الله هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ ))( ).
ومن معاني قوله تعالى وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ الكذب ، وتلبية المشركين لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك .
وهل كان هذا التباين من أسباب منع مشركي مكة دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خشية أن يسمع أهل مكة وعمار المسجد الحرام تلبيتهم وما فيها من الدعوة إلى الإسلام ، وقبح عبادة الأوثان ، وذم الذين حاربوا النبي محمداً .
الجواب نعم ، لذا تراهم في عمرة القضاء بعد صلح الحديبية بعام أخلوا مكة وصعدوا إلى رؤوس الجبال .
خصائص النبي (ص) في موسم الحج
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثته في مكة البلد الحرام الذي يأتيه الناس في موسم الحج ، وأيام السنة الأخرى ، وهل من مصاديق قوله تعالى لإبراهيم وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أن هذا الأذان مقدمة لبعثة لنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتصاله مع رجال القبائل وغيرهم ممن يأتون إلى مكة ، الجواب نعم .
ومن الدلائل عليه دعاء إبراهيم وإسماعيل بسؤال بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً كما في التنزيل رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وفي موسم الحج كان لكل قبيلة موضع سنوي خاص في منى ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم طوافه على وفد الحاج ، ليعرض عليهم الإسلام ، ويتلو آيات القرآن ، ويسألهم إيوائه ليقوم بتبليغ رسالة الله عز وجل ، فكانوا يعزفون عن دعوته خشية قريش خاصة وأنهم كانوا يحذرون الناس من الإستماع له ، ولكن قريشاً يمتنعون عن إيذائه جسدياً في موسم الحج لأنها أشهر حرم ، قال تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
وتقع أيام الحج في شهر ذي القعدة وذي الحجة ، وهما من الأشهر الحرم ، ومع هذا فان المشركين لم يتركوا النبي محمداً وشأنه في التبليغ .
وعن ربيعة بن عباد من بني الديل (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية في سوق ذى المجاز وهو يقول : يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب.
يتبعه حيث ذهب.
فسألت عنه فقالوا : هذا عمه أبو لهب)( ).
ترى لماذا أبو لهب بالذات ، الجواب من جهات :
الأولى : شدة عداء أبي لهب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته .
الثانية : خشية قريش من سخط وفد الحاج عليهم عند إيذائهم العلني للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : تكذيب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم له أشد تأثيراً عند الناس ، ليكون من خصائصه إسلام الناس مع هذا التكذيب والعداء.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجئ المدد من الله عز وجل له بالتنزيل ، إذ نزلت سورة قرآنية كاملة تتضمن ذم أبي لهب ، وسوء عاقبته وزوجته ، قال تعالى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.
ومن الإعجاز في هذه السورة دلالتها بأن أبا لهب يموت كافراً ، وليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة القرآن للناس بعدم الإلتفات للذين يحاربونه وإن كانوا من ذوي قرباه ، وقد مات أبو لهب في السنة الثانية للهجرة سنة (624) م بعد معركة بدر بقليل بمرض معد اسمه العدسة قريب من الطاعون .
واسم أبي لهب هو عبد العزى سمي أبا لهب لبياض بشرته وجماله ، وليكون هذا الجمال حجة عليه .
وزوجته أم جميل بنت (حرب بن أمية واسمها فاختة وقيل أروى وهى التي انزل الله فيها حمالة الحطب)( ).
وهي أخت أبي سفيان ، وذكر أنها ماتت في السنة السابعة للهجرة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عصمته من أعدائه مع شدة عداوتهم ، وكثرة كيدهم له ، وقد بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله بصفة الرسالة ، وهاجر ولم يصبه منهم ضرر في نفسه وبدنه بواقية من عند الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وبعد الهجرة النبوية إلى المدينة ومع تكرار هجوم وغزو المشركين للمدينة توجه النبي محمد وألف وأربعمائة من أصحابه إلى زيارة المسجد الحرام بناء على رؤيا رآها وهي شعبة من الوحي ، قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
ليتم عقد صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، وهو نصر وفتح ، ثم جاءت عمرة القضاء بعدها بعام ، ثم فتح مكة سلماً في السنة الثامنة للهجرة ، ثم حجة الوداع في السنة العاشرة التي بيّن بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحكام ومناسك الحج .
السور المكية عضد للنبي (ص)
لقد ابتدأ نزول آيات وسور القرآن في مكة بجوار البيت الحرام ، وعدد السور المكية التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة هو (89) أما عدد السور المدنية فهو (25) .
ومع هذا فان كلمات وآيات السور المدنية أكثر من كلمات وآيات السور المكية ، وهو من إعجاز القرآن ، وموضوعية الأحكام الشرعية في نزوله في المدينة بعد سيادة حكم الرسالة ، واستقرار المجتمعات ، وتتصف السور المكية بأمور :
الأول : الدعوة العامة للتوحيد ووجوب عبادة الله عز وجل وحده ، ونبذ الشرك والتزلف إلى الأصنام .
وهل قوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ من آيات التوحيد والعصمة من الشرك ، الجواب نعم .
الثاني : بيان صفات الله وأنه هو الخالق الرؤوف الرحمن الرحيم .
الثالث : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار السماوية المتعددة عن رسالته ، وأنه مبعوث من عند الله عز وجل ، وتأكيد السور المكية لنبوته ، ودعوتها الناس لإتباعه .
ومن الإعجاز في ترتيب النزول أن أول آية نزلت من القرآن هي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ لبيان قانون الإسلام دين العلم ، وأن التدبر في السور المكية وما فيها من الدعوة إلى التوحيد والإيمان ، والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإقرار باليوم الآخر هو من العلم .
الرابع : الإنذار من الغرور والغي والتمادي في الظلم ، قال تعالى كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى.
الخامس : الإخبار عن يوم القيامة وعالم الحساب ، وأن الدنيا مزرعة للآخرة ، وأنشطار الناس يوم القيامة إلى فريقين ، قال تعالى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ والآية أعلاه من سورة الشورى وهي مكية .
السادس : ذم الذين كفروا وعبادتهم وتحديهم وإبطال سحرهم، وهدم هيبتهم بين الناس ، قال تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ.
السابع : انقطاع أيام الحياة الدنيا بكيفية سريعة ومرعبة بحيث تتعذر الحياة والسكن فيها ، ليبعث الناس من القبور ويقفوا بين يدي الله للحساب ، قال تعالى إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .
الثامن : ذكر السور المكية للجنة ونعيمها ، والنار وعذابها ، مع الترغيب بالجنة ، وبعث النفرة من النار .
ومن الإعجاز في المقام بعث آيات القرآن الناس على المقارنة بينهما ، والشوق إلى الجنة ، وإدراك قانون الفوز بالجنة يستلزم بالسعي لها بالإيمان والعمل الصالح .
وفي سورة المعارج التي هي من أوائل سور القرآن نزولاً وصف للنار والذين يدخلونها ، قال تعالى كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى *وَجَمَعَ فَأَوْعَى.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الآيات أعلاه مدد له ، ودعوة للناس للإيمان.
التاسع : تهذيب المجتمعات من العادات القبيحة ، مع ذكر مساوئ الذين كفروا بالذم والتقبيح ، ومنها وأد البنات ، قال تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
العاشر : كثرة القسم في السور المكية ، قال تعالى لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ .
الحادي عشر : النداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] [يَا بَنِي آدَمَ].
الثاني عشر : افتتاح عدد من السور المكية بحروف التهجي مثل (الم) في فواتح سورة العنكبوت ، والروم ، ولقمان ، والسجدة ، و(الر) في فواتح سورة يونس ، وهود ، ويوسف ، وإبراهيم ، والحج وغيرها من حروف التهجي في سور أخرى.
ليلة المبيت
من أسرار مبيت الإمام علي عليه السلام في فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : إيهام المشركين بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نام في فراشه وقد أرادوا تسلق الجدار فاستحيوا لوجود نساء في البيت .
الثاني : الحيلولة دون قتل المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : المندوحة في الوقت ، ليقطع النبي محمد مسافة من الطريق إلى المدينة قبل أن يكتشف المشركون غيابه ، خاصة وأنه خرج وصاحبه من مكة مشياً على الأقدام ، وبعد الإختفاء ثلاثة أيام في غار ثور خرجا على الإبل ، بينما كانت قريش تبحث عنهما بواسطة الخيل التي تسير أضعاف مسير الإبل .
ترى لماذا ذكرت الآية صاحب النبي محمد في هجرته على نحو التنكير [إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ] في قوله تعالى [إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
الجواب لبيان أن الموضوع هو هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطلب المشركين له ، ولمنع المسلمين من الإختلاف الوقوف عند في شخص الصحابي الذي رافق النبي محمداً في هجرته .
الضرورات الخمس والسنة النبوية
الضرورة الأولى : حفظ الدين
وهو تعاهد كلمة التوحيد ، ومبادئ الإيمان والمواظبة على أداء الفرائض العبادية من الصلاة والصوم والحج .
وقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شتى ضروب الأذى والإرهاب من قريش في دعوته إلى الله .
ومن مكر ودهاء قريش إقتران أذاهم للنبي وأهل بيته وأصحابه بالعروض السخية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليترك الدعوة إلى الله .
ومشوا عدة مرات إلى عمه أبي طالب بصيغ الترغيب والترهيب ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلانه مواصلة الدعوة والتبليغ ما دام حياً ، وحينما ابتدأ دعوته واعلان نبوته واجهته قريش بالتكذيب والإرهاب ، ولم يتدبروا في أمره وفي معجزاته .
ولكن عندما نزلت الآيات بذم الأصنام وعبادتها أظهروا عداوتهم له ، وقيل كان هذا في السنة الرابعة للبعثة .
لقد أوّلت قريش ذم القرآن لأصنامهم بأنه سب وشتم لآبائهم لأنهم كانوا يعبدونها ، ويتزلفون لها ، وأن النبي محمداً يتعرض لذم رجالات قريش ، ونسوا أن القرآن كلام الله ، وليس كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يتجنب خصومتهم ، ولكنه مأمور بالتبليغ ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
وصحيح أن الآية أعلاه مدنية إلا أن أحكامها عامة تنبسط على تبليغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التنزيل والوحي من غير إبطاء .
وفي سورة الأعراف التي هي من أطول السور التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة وعدد آياتها (206) آية وردت آيات متتالية تتضمن ذم عبادة الأوثان لبيان الجهاد بالإحتجاج ، وليس بالإرهاب والعنف والبطش .
ومن هذه الآيات قوله تعالى أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ.
وكل آية منها حرب على الوثنية والشرك والتعدي .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بالإسلام وعقيدة التوحيد والإنقياد لأوامر الله ، والتسليم لإرادته والإقرار بمشيئته .
وأنزل الله عز وجل عليه آيات وسور القرآن نجوماً وعلى نحو التوالي فيقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوتها حال نزولها ، ويكتبها كتاب الوحي ، ويتلوها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمس مرات في الصلاة اليومية فيحفظها أهل البيت والصحابة ، ثم يقومون بتدارسها وتلاوتها في صلاتهم جماعة وفرادا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتشار أصحابه في الأمصار يحملون آيات القرآن والسنة النبوية القولية والفعلية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه يحب أن يسمع أصحابه يقرأون القرآن لبيان وراثتهم حمل لواء القرآن إلى التابعين وفي الأمصار وفيه سلامة للدين .
وفي رواية عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اقرأ عليّ ، قلت : أقرأ عليك وعليك أنزل .
قال : إني أشتهي أن أسمعه من غيري ، قال : فقرأت النساء ، حتى إذا بلغت فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا، قال لي : كفّ أو أمسك ، فرأيت عيناه تذرفان)( ).
إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي لأهوال القيامة ، وشدة وطأة القيام بالشهادة فكيف بالمشهود عليهم ، لذا تفضل الله عز وجل وأخبر بأن من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة والرأفة بالمسلمين خاصة والناس عامة.
وتبين الآية أعلاه المسؤوليات الجسام التي تقع على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بناؤه عقيدة التوحيد وضمان بقائها إلى يوم القيامة .
وتملي ضرورة حفظ الدين والملة الصبر والتقية ، وتقيد المسلمين بالقوانين الوضعية ، والإمتناع عن خرقها ، وعن إلحاق الضرر بالمنشآت أو الأفراد ، وعن التسبب في إثارة المتاعب للقائمين على أمور السياسة والإدارة والقضاء .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول (خياركم أحسنكم أخلاقًا)( ).
الضرورة الثانية : حفظ النفس
نزل القرآن بحفظ النفوس مطلقاً ، وهذا الأمر من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض ، لذا احتجت الملائكة على سفك الإنسان الدماء ، إذ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ.
وهل يشمل إنكار سفك الدماء في الآية أعلاه القصاص والقتل بالحق ، الجواب لا ، من وجوه :
الأول : عطف سفك الدماء في الآية أعلاه على الفساد .
الثاني : لا يتم القصاص إلا بعد ثبوت القتل عن عمد ، وهو المستقرأ من الآية أعلاه ، بقوله تعالى [يَسْفِكُ] أي قيام الإنسان بفعل القتل عن قصد ونية سواء مع الترصد أو عدمه .
الثالث : استثناء القتل بالحق من ذم القتل وسفك الدماء .
وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين الذين يمتنعون عن القتل وسفك الدماء ، قال تعالى وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا.
وفي معنى [أَثَامًا] في الآية أعلاه ورد (عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام ، قلت : وما غي وأثام .
قال : نهران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار ، وهما اللذان ذكر الله في كتابه فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ))( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : الإخبار عن أهوال الآخرة .
الثانية : الإنذار من الأفعال التي تؤدي بالإنسان إلى النار .
الثالثة : جعل عذاب النار حاضراً في الوجود الذهني عند المسلم وغيره ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
الرابعة : زجر للناس عن الشرك وعن سفك الدماء .
وهل المراد من اسم الإشارة (ذلك) للبعيد خصوص الزنا أم المعاصي التي ذكرتها الآية أعلاه من سورة الفرقان .
الجواب هو الثاني ، وهل يمكن القول بالتحذير والإنذار من هذه المعاصي الثلاث ومن الترغيب فيها ، وأن الشرك أكبر من قتل النفس التي حرم الله ، وهذا القتل أكبر وأشد إثماً من الزنا .
المختار نعم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا] ( ).
وكان لقمان يوصي ابنه(يا بني إياك والزنا فإن أوّله مخافة ، وآخره ندامة) ( ).
لقد نزل القرآن ببيان قبح سفك الدماء ليمتنع المسلمون عنه ، عمداً أو خطأ لأصالة الإطلاق ، كما رغّب الله عز وجل بصرف الموت والقتل عن الإنسان ، كإنقاذ الغريق ، قال تعالى [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا] ( ).
وهل المراد من حفظ النفس الذات على نحو التعيين ، واجتناب الإنسان القاء نفسه في التهلكة أم مطلق حفظ نفوس الناس.
المختار الثاني لأن الإعتداء على الغير وإزهاق الأرواح يعرض الإنسان للقصاص والهلاك إلى جانب العقاب الأخروي.
وقد نزل القرآن بحرمة القتل واشعال الفتن والحروب ومقدماتها ، وقال تعالى وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِكما قال تعالى وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْوقال تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
وهل يدخل في حفظ النفس الإحتراز من الأوبئة باتباع الطرق والقواعد الصحية ، الجواب نعم ، سواء بطلب سلامة النفس أو المنع من إنتشار العدوى والوباء ، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار ، وسد الذرائع .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)( )، والمراد من المصح هو السالم من المرض والداء.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إرشاد المسلمين والناس جميعاً إلى سبل الوقاية من الأمراض ، وقيامه بانذار المريض بمرض معد أو غير معد من زيارة السالم من المرض والإختلاط معه.
وعن الإمام الصادق عليه السلام عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث : كره أن يكلم الرجل مجذوما إلا أن يكون بينه وبينه قدر ذراع وقال: فر من المجذوم فرارك من الاسد( ).
والمجذوم هو المصاب بداء الجُذام ويسمة داء الأسد يصيب الجلد ويظهر معه يبس الأعضاء وتناثر اللحم .
و(عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ارجع فقد بايعناك)( ).
وقيل أن الأمر باجتناب المجذوم منسوخ ، والمختار عدم النسخ .
و(عن أسامة بن زيد : سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم َيقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ وَأَنْتُمْ بِأَرْضٍ فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا)( ).
لبيان قانون وهو أن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحفظ النفوس مطلقاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ واستدامة هذه الرحمة في الأجيال إلى يوم القيامة ، وهو الظاهر من معاني الآية أعلاه ، وأسرار كون الآية القرآنية معجزة عقلية متجددة في كل زمان ، ومن مصاديق هذه الرحمة حضور الآية القرآنية في الواقع اليومي للمسلمين والناس من وجوه :
الأول : تلاوة كل مسلم ومسلمة آيات القرآن سبع عشرة مرة .
الثاني : صدور المسلمين عن القرآن في العبادات والمعاملات والأحكام .
الثالث : موافقة الوقائع والأحداث لقوانين وسنن القرآن .
الضرورة الثالثة : حفظ العقل
من أسرار خلافة الإنسان في الأرض ما رزقه الله من نعمة العقل ، هذه النعمة التي جعلت أشرف الخلائق وهم الملائكة يقرون للإنسان بأهليته للخلافة في الأرض إذ أمر الله عز وجل آدم عليه السلام من أول ساعات بعث الروح فيه أن يخبر الملائكة بأسماء لمسميات يجهلونها بعد أن خصه الله عز وجل بتعلمها بقوله تعالى وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا.
لبيان أن نعمة تعليم الله للإنسان في الأحقاب المتعاقبة متجددة ومستمرة بفضل ولطف من الله عز وجل.
ومنه إحاطة آيات القرآن المحدودة بالوقائع والأحداث .
وهل نزول القرآن من مصاديق هذا التعليم ، الجواب نعم ، وهو أسمى مراتب العلم ، لذا ابتدأ نزوله بقوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
ومن خصائص النبي محمد مجيؤه بعلوم التنزيل ، وجريان الوحي على لسانه ، وتعاهد المسلمين لكلمات وآيات القرآن ، وتوثيق المسلمين للسنة النبوية الشريفة .
وليس من إنسان إلا وينتفع من عقله مرات متعددة في اليوم والليلة وهو مناط التكليف ، وبه يدرك الإنسان المصالح فيسعى إليها ، والمفاسد فيجتنبها ، ويظهر التفكر والتدبر في الإرهاب لكل عاقل أنه مفسدة خالية من الملاك والمصلحة ، ولم يطلبها الشارع ، إنما ينهى عنها بالذات .
وقد حرم الإسلام الخمر لبيان وجوب تعاهد نعمة العقل ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، لما فيه من فقدان العقل وإرتكاب المعاصي .
وجاءت المؤثرات العقلية والمخدرات في هذا الزمان ليكون ضررها أكثر على الدين والنفس لما فيها من الوهن وأسباب الموت العاجل ، وضعف العقل ، وهدر وضياع المال ، فيأتي الفعل القبيح بالضرر على هذه الضرورات مجتمعة ومتفرقة.
وعن الإمام الصادق عن أبائه عن الإمام علي عليهم السلام (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله تبارك و تعالى خلق العقل من نور مخزون مكنون ، في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزهد رأسه ، والحياء عينيه ، والحكمة لسانه ، والرأفة همه ، والرحمة قلبه ، ثم حشاه وقواه بعشرة أشياء اليقين ، والإيمان ، والتصديق، والسكينة ، والإخلاص ، والرفق ، والعطية ، والقناعة ، والتسليم ، والشكر.
ثم قال له أدبر ، فأدبر ، ثم قال له أقبل ، فأقبل ، ثم قال تكلم ، فقال الحمد لله الذي ليس له ضد ولا ند ، ولا شبه ولا شبيه ، ولا كفؤ ولا عديل ، ولا مثل ولا مثيل ، الذي كل شي ء لعظمته خاضع ذليل .
فقال الرب تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي ، ما خلقت خلقا أحسن منك ، ولا أطوع منك ، ولا أرفع منك ، ولا أشرف منك ، ولا أعز منك، بك أوحد ، وبك أحاسب ، وبك أدعى ، وبك أرتجى ، وبك أتقى ، وبك أخاف ، وبك أحذر ، وبك الذنب ، وبك العقاب .
فخر العقل عند ذلك ساجداً ، وكان في سجوده ألف عام .
فقال الرب تبارك وتعالى بعد ذلك ارفع رأسك ، وسل تعط واشفع تشفع ، فرفع العقل رأسه فقال إلهي ، أسألك أن تشفعني فيمن جعلتني فيه.
فقال الله تبارك وتعالى للملائكة اشهدوا أني شفعته فيمن خلقته فيه)( ).
الضرورة الرابعة : حفظ النسل (العرض)
يقال نسل نسلاً أي كثر نسله .
وتناسلوا أي توالدوا ، والمراد من النسل الولد والذرية ، وتعقب الأبناء للآباء ، وتوالي الأجيال ، والمراد من حفظ النسل هو بقاء جنس الإنسان والمجتمعات بواسطة التناسل.
وما وجود المجتمعات وكثرة الناس في هذه الأزمنة إلا من حفظ الشرائع وأهل الإيمان للوجود الإنساني لذا فان من الضرورات حفظ النسل.
نعم حفظ النسل وتوارث الأجيال آية ونعمة من عند الله ويدل عليه قوله تعالى يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، أي أن الله أراد من حين هبوط آدم إلى الأرض تكاثر ذريته بقيد العبادة والإمتثال لأوامره سبحانه.
ومن حفظ النسل النكاح والترغيب به ، وضبط قواعده ومن الآيات أن شرائط العفة في النكاح لا تختص بالمسلمين وأهل الكتاب بل تشمل حتى الكفار والمشركين.
وفي قوم فرعون ورد في التنزيل وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ، فمع منزلة وشأن امرأة العزيز والحاجة إلى الرياء معها والخشية من بطشها وأذاها لهن ولإزواجهن في مراتب الحكم فقد استهجنت النسوة في مجالسهن فعل امرأة العزيز مع عدم وقوع الفاحشة فكان الذم في مقدماتها مع دلالة هذا القول في مفهومه على الثناء على يوسف عليه السلام وعصمته.
والنكاح عقد بين زوجين يحل به الوطئ وتنطبق عليه الأحكام التكليفية الخمس ، والأصل فيه أنه مندوب ومستحب ، وقد يكون واجباً إذا خشي الإنسان على نفسه الوقوع في الحرام قال تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
ومن وجوه حفظ النسل تعاهد الأنساب ، والمواريث وزواج المطلقة والأرملة ، وأواصر الأخوة ومنافعها ، وإدراك الإنسان ذكراً أو أنثى للحاجة إلى الذرية والنسل .
ولا يختص حفظ النسل بالقضية الشخصية كالنكاح بل هو مسؤولية الدولة والنظام والتشريعات وعامة المجتمع .
وهل هذه الضرورات بمرتبة واحدة ، الجواب لا ، فحفظ الدين هو الأهم ، ولكن لابد له من موضوع ، فهو كالحكم والمبادئ وموضوع حفظ النفس والعقل والنسل مجتمعة ومتفرقة لبيان التداخل بين هذه الضرورات.
وهل من موضوعية لحفظ الدين في حفظ الضرورات الثلاث أعلاه الجواب نعم .
ومن منافع النكاح والتناسل حب الله والتفكر في بدائع الخلائق ، قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )( ).
و(عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا بالباءة ، وينهانا عن التبتل نهياً شديداً ، ويقول : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة)( ).
والنكاح واقية من الشيطان وغائلة الشهوة ، ومن غلبة النفس الغضبية والتفكير بالبطش والإنتقام ، ويشعر الإنسان مع النكاح والولد بمسؤلياته الشرعية والأخلاقية ، ويدرك حب الناس لأزواجهم وأولادهم ليكون النكاح زاجراً عن العنف والتطرف والإرهاب ومقدماته.
ومن خصائص النكاح أنه طمأنينة ، وسبب للإقبال على العبادة بشوق ، والدعاء للرزق والسعي في مسالكه ، و(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)( ).
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة توصيته بالمرأة ، والإحسان لها ، والرفق بها.
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء)( ).
وبالنسبة للضرورات الخمس وحفظهن ، وورد لفظ (حفظ) في القرآن في الثناء على النساء بقوله تعالى فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ.
ومن معاني [بِمَا حَفِظَ اللَّهُ] بيان لطف الله في إصلاح المرأة للنكاح والنسل وحفظ عقد الزوجية وقلة الطلاق ، وصرف الفاحشة والزنا عنها ، والإجماع على حرمة الزنا ، وأنه من الكبائر.
كما ورد لفظ (حافظات) مرتين في القرآن ، إحداهما في الآية أعلاه ، والأخرى في التأديب وتأكيد لزوم العفة والعصمة من الزنا ، بالنسبة للرجال والنساء ، قال تعالى إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
وورد قوله تعالى وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ في دعوة سماوية على تعاهد اليمين ، وعدم التعجل واللجوء إلى حنثه .
ومن الحفظ على النسل في القرآن النهي عن القتل للذات والأولاد والغير ، ومنه حكم القصاص وما فيه من سلامة للقاتل والمقتول.
ومن فلسفة الحدود حفظ النفوس ، والأعراض والأموال ، وفي معنى قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ أن الإنسان إذا علم أنه يُقاد إذا قتل ، ويقتص منه في الجراحات والأعضاء بالتماثل في الفعل من غير زيادة أو نقصان والتشابه في الموضع والمنفعة فانه يجتنب التعدي وقتل الغير.
فيكون هذا الإجتناب بسبب حكم القصاص حياة للطرفين ، وهناك مسقطات للقصاص منها :
الأول : موت الجاني .
الثاني : العفو عن القاتل من قبل أولياء الدم .
الثالث : الصلح مطلقاً .
الرابع : قبول الدية بدل القصاص والتي يدفعها الجاني وليس العاقلة ، لأنه يشتري رقبته وحياته.
وقد وردت أحاديث عديدة يحث فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على النكاح وطلب الولد ، ومنافعه ، ومنه قوله (تناكحوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)( ).
الضرورة الخامسة : حفظ المال
لقد جعل الله عز وجل المال موضوعاً ومادة لركن من أركان الإسلام وهي فريضة الزكاة ، إذ نزلت هذه الفريضة في السنة الثانية للهجرة.
وكان المهاجرون والأنصار في حال فقر وفاقة ، ويقيم عدد من المهاجرين في الصفّة وهي ظلة من جريد النخل بجوار المسجد النبوي ، وهي اليوم داخل المسجد النبوي بعد توسعته وتسمى (دكّة الأغوات).
ووصف القرآن حال المسلمين يومئذ بأنهم (أذلة) ولم تمنع عنهم هذه الحال النصر في معركة بدر ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ليكون نزول فريضة الزكاة بشارة للصحابة بالرزق الكريم والسعة والغنائم ، ولزوم إعانة الفقراء والمحتاجين ، ونزلت الآيات بوجوب واستحباب الإنفاق في سبيل الله .
ولتصاحب هذه البشارة المسلمين في كل زمان ، قال تعالى وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا، والمال مصداق من مصاديق العز والعيش الكريم ، والإحتراز من الآفات والبلاء ، قال تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
وحض الله عز وجل على الكسب والكد والسعي وطلب الرزق ، قال تعالى فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، لبيان قصر وقت الصلاة فهي لا تأخذ من المؤمن إلا دقائق معدودة أما طلب الرزق وابتغاء فضل الله فيستغرق ساعات النهار.
ونزلت آيات المواريث لتنظيم الحياة الإقتصادية والمعاشية ، ولترغيب الإنسان في الكسب الحلال ليتركه إلى ورثته من بعده ، لذا لم يؤذن في الوصية بأكثر من الثلث .
وهو لا يتعارض مع الإنتفاع الشخصي من المال بعد إخراج حق الله والفقراء ، وقال تعالى وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا.
و(عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير مَخِيلة ولا سرَف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده)( ).
وفي سند الحديث كلام ، فما المراد من الهاء في جده ، فاذا كانت تعود إلى شعيب فان جده هو الصحابي عبد الله بن عمرو فيكون الإسناد متصلاً ، وبه قال الذهبي في سير أعلام النبلاء .
و(قيل لابي داود: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عندك حجة ، قال: لا، ولا نصف حجة، ورجح بهز بن حكيم عليه.
وروى جرير، عن مغيرة، أنه كان لا يعبأ بصحيفة عبد الله بن عمرو)( ).
وعن علي بن المديني وما روى عمرو عن أبيه (ما روى عنه أيوب وابن جريج، فذاك كله صحيح، وما روى عمرو عن أبيه عن جده، فإنما هو كتاب وجده، فهو ضعيف) ( ).
ومع ضعف الخبر فان أخباراً عديدة من السنة النبوية وردت بخصوص حفظ المال ، فعمرو بن شعيب لم ينفرد بأصل.
وعن (أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يتبع الميت ثلاثةٌ ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله)( ).
ويتجلى العمل الصالح الذي يقي وجه المؤمن من النار بعدم الإعتداء على الآخرين ، وإجتناب الظلم ، وبث الرعب في نفوس الناس الذين جعلهم الله عز وجل خلفاء في الأرض يتنعمون بالحياة الدنيا ، ويبعثون للحساب يوم القيامة ، حيث يقفون بين يدي الله عز وجل.
فيجب أن يقتدي المسلم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، وعليه أن يعتني بعمله ويكسب المال من الحلال ، ويختار فعل الصالحات ويتنزه عن الظلم والتعدي الذي فيه الحساب والعقاب الأخروي.
غزو الرعب لقلوب الكافرين
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعث الله عز وجل الرعب في قلوب المشركين عندما قاموا بغزو المدينة ، قال تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
وموضوع الآية أعلاه هو معركة أحد ، ولكن معناها أعم ، إذ دخل الرعب إلى قلوب المشركين ، ولم يغادرها لأصالة الإستدامة( ) إلا أن يدل دليل على زوال الرعب من قلوب الذين كفروا ، أو انقطاعه في حال السلم مثلاً .
فلو دار الأمر بين استدامة الأمر أو انقطاعه فالأصل الإستدامة إلا أن يدل دليل على الإنقطاع ، وهو غير أصالة الإطلاق التي يقابلها التقييد.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استقرار الرعب في قلوب أعدائه أيام حياته وبعد مغادرته الحياة الدنيا .
وهل حضور هذا الرعب من أسباب القضاء على الردة بعد مغادرته إلى الرفيق الأعلى ، الجواب نعم .
و(عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما أنزل الله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه.
فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه وبين رجل يبعث رسوله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا بني عبد المطلب، يا بنى فهر، يا بنى كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ، قالوا : نعم ، قال : فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد.
فقال أبو لهب ، لعنه الله: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا ، وأنزل الله عز وجل تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ))( ).
ليتخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جبل الصفا موضعاَ للإنذار وليدغدغ( ) اسم الصفا والمروة شغاف القلوب , وتميل لهما النفوس , ويشتاق لهما كل مؤمن ومؤمنة , ويكون حجة عليهم وليعود المسلمون إلى مكة فاتحين ويسعون كل يوم بين الصفا والمروة سواء في موسم الحج أو عند أداء مناسك العمرة في أيام السنة الأخرى .
و(روى الضحاك عن ابن عباس . قال : جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : أرنا آية حتى نؤمن بها.
فسأل ربه، فأراهم القمر قد انشق بجزئين، أحدهما على الصفا والآخر على المروة، قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب.فقالوا: هذا سحر مفترى) ( ).
قال ابن هشام (وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين افتتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الانصار فقالوا فيما بينهم : أترون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها ؟ فلما فرغ من دعائه قال : ماذا قلتم .
قالوا: لا شئ يا رسول الله.
فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام في الوفاء والإخلاص والشكر على الإيمان والإحسان ، فلم يترك صحبة الأنصار أو السكن في المدينة ليكون العام التاسع للهجرة عام الوفود إذ دخل أكثر من سبعين وفداً إليها يعلنون إسلامهم وإسلام من خلفهم ، وليفد إليها الملايين في كل عام لزيارة قبر ومسجد الرسول بشوق ويسلمون عليه ، ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم رده السلام بعد وفاته على الذين يسلمون عليه .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من سلم علي عند قبري سمعته، ومن سلم علي من بعيد بلغته، سلام الله عليه وآله ورحمة الله وبركاته)( ).
أقسام الحديث
يقسم علم الحديث إلى قسمين :
الأول : علم الحديث (رواية)
وهو نص الحديث نفسه ، ومنه ما ورد في كتب الحديث المعتبرة ، وضبطه ، وتحرير الفاظه ونقله ، بما اضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله .
وهل نقل بالنص أو المعنى ، والذي ينتهي إليه السند المتصل أو المرسل ، وهو ما نقل عن النبي والمعصوم من قول أو قص أو صفة ، وضبطها وتحريرها ، والوارد في كتب الحديث الموثوقة.
ومنهم اضاف الحديث أيضاً إلى الصحابي والتابعي ، ويشمل الحديث المرفوع الذي يرفع إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء اتصل السند أو انقطع ، وبعضهم يجعل الحديث المرفوع في مقابل المرسل.
والموقوف هو الذي يروى عن الصحابي من قوله وفعله ، فيوقف عليه ولم يجاوزه إلى رسول الله مثل أحاديث حذيفة بن اليمان عن آخر الزمان إذ كان يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الشر بينما يسأله الناس عن الخير .
ومن علم الرواية تقسيم الحديث إلى شعب وهي :
الأولى : الحديث الصحيح وهو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى أن يبلغ جهة الصدور ، كما في صدور الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : الحديث الحسن وهو الذي اتصل سنده بنقل عدل ولكنه قليل الضبط ، ولم يرتق إلى ضبط راوي الحديث الصحيح .
الثالثة : الحديث الضعيف وهو الحديث الفاقد لشرط من شروط الحديث الصحيح أو الحسن .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاجة أجيال الأمة إلى العمل بمضامين حديثه ، لقوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا مما يستلزم ضبط حديثه ووثاقة الرواة عنه ، ورجال السند ، ومن خصائصه انتفاء التعارض بين آيات القرآن وبين أحاديثه .
الثاني : علم الحديث (دراية)
وهو الذي يتعلق بأحوال رجال سند الخبر ووثاقتهم وكيفية تحمله ، وشروط الرواية وأحكامها وهو لا يرتقي إلى مرتبة العلم المستقل لأن العلم قواعد كلية تعرف بواسطتها الجزئيات المتكثرة .
ويشمل علم الحديث دراية أقساماً من العلوم منها :
الأول : علم الرجال وهو علم أحوال الرواة من جهة قبول أخبارهم أو عدمه ، ومنهم الصحابة الذين رووا عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم على شعبتين :
الأولى : الذين رووا عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة ، وسمعوا من فيه ، أو يذكرون فعلاً رأوا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد قام به .
الثانية : الصحابة الذين رووا عن غيرهم من الصحابة ، كما في الأنصاري الذي يروي واقعة أو حديثاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة ، وهو مع سماعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة مباشرة ، إلا أنه يذكر أحاديث سمعها من أهل البيت والصحابة الأوائل ، ومنه أيضاً روايات عبد الله بن عباس عن وقائع التي جرت في مكة قبل الهجرة مع أنه ولد في السنة الثالثة قبل الهجرة .
عدا التي سمعها من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة ، فمن خصائص النبي محمد توثيقه لسنته القولية والفعلية بأحاديث على المنبر أو في الأحاديث العامة أو عند الإجابة على الأسئلة .
ومنها رويات عن أبي هريرة يرفعها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير أن يذكر اسم الصحابي الذي رواها له .
الثاني : تواريخ الرواة ، ويختص بمعرفة مواليد الرواة ووفياتهم ، ومدة أعمارهم ليبين الإتصال أم الإرسال في الحديث .
الثالث : الجرح والتعديل ، ويعتني بالرجال الذين نقلوا حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعصوم والآثار والأخبار وقبولهم أو ردهم وأسباب الرد والجرح.
قانون السنة بيان للقرآن
لقد جعل الله سبحانه آيات القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ لتدخل السنة النبوية في التبيان القرآني ، ومنه قانون السنة بيان للقرآن ، وقانون انتفاء التعارض بين القرآن والسنة ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا….
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سنته القولية والفعلية ترجمان للقرآن ، وتفسير وبيان للمضامين القدسية لآياته .
ومنها تحذير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين من الإكتفاء بالقرآن والوقوف عند آياته ، وعدم الأخذ بالسنة النبوية.
و(عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ألا وإني قد أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه)( ).
والمراد من الأريكة في الحديث أعلاه الكناية عن حال الترف والدعة ، والقعود عن طلب العلم من مصادره الشرعية ومظانه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دفاع الله عز وجل عنه وتزكيته لسنته ، ودعوته الإلهية للأخذ بها ، وعدم التعلق بظاهر القرآن ، وترك السنة النبوية ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : السنة النبوية تعضيد للقرآن ، وكاشف عن صدق نزوله من عند الله عز وجل .
الثاني : قانون خلو الأحاديث النبوية من التعارض فيما بينها ، وكذا بينها وبين السنة الفعلية .
الثالث : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن مدة النبوة ثلاث وعشرون سنة كان يتحدث فيها مع القريب والبعيد ، والمؤمن والكافر ، ومع وفد الحاج ، ويجيب على الأسئلة بالوحي والتنزيل .
ثم صار يرتقي المنبر في المدينة بعد الهجرة ، ليتجلى قانون أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرآة للقرآن ، وقانون خلو أحاديث النبي محمد من التعارض فيما بينها .
تعدد الخصائص في حديث واحد
قد يرد الحديث النبوي وهو يتضمن خصائص متعددة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في الحديث الوارد عن أبي سعيد الخدري قال (في قوله عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قال : يخرج الله قوماً من النار من أهل الإيمان والقبلة بشفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فذلك المقام المحمود)( ).
ويمكن القول بأمور :
الأول : قانون كل نبي له خصائص أخروية .
الثاني: قانون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأنبياء خصائص إكرام وتفضيل في الآخرة ، لبيان علو منزلته ، وجهاده في سبيل الله .
الثالث : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته يوم القيامة .
الرابع : نيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرتبة الشفاعة ، وفوزه بالمقام المحمود والذي ورد ذكره في القرآن بقوله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رزق الله له المقام المحمود في الآخرة ، والذي تغبطه الخلائق كلها عليه وهو مقام لا يناله إلا شخص واحد .
وفي صحيحة محمد بن عمير عن معاوية بن عمار وهشام عن الإمام الصادق عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لو قد قمت المقام المحمود لشفعت في ابي وامي وعمي واخ كان لي في الجاهلية)( ) ولا يعني هذا كفرهم ، إنما يدل على العكس لكبرى كلية وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يشفع لكافر ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (اذا قمت المقام المحمود تشفعت في أصحاب الكبائر من أمتى فيشفعنى الله فيهم والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتى)( ) .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأخروية أنه أول من يشفع ، وأول من يقرع باب الجنة ، ومنها دخول سبعين ألف رجل من أمته الجنة من غير حساب أو عقاب ، وعن (عمران بن حصين ، قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : عرض علي الليلة الأنبياء ، فكان الرجل يجيء معه الرجل ، ويجيء معه الرجلان ، ويجيء معه النفر كذلك ، حتى رأيت سوادا كثيرا ، فظننت أنهم أمتي .
فقلت : من هؤلاء ؟ فقيل : هؤلاء قوم موسى ، ثم رأيت سوادا كثيرا قد سد أفق السماء .
فقلت : من هؤلاء ؟ فقيل : هؤلاء من أمتك ، ففرحت بذلك ، وسررت به ، ثم قيل : إنه يدخل بعد هؤلاء من أمتك الجنة سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب .
ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال القوم : من هؤلاء ؟ فتراجعوا ، ثم أجمع رأيهم أنهم من ولد في الإسلام وثبت فيه ، ولم يدرك شيئا من الشرك .
فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه عنهم ، فقال : الذين لا يكتوون ، ولا يسترقون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون)( ).
ومع شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الكبائر من أمته فانه كان يحذر من صغائر الذنوب ، ويأمر بتركها ، ويقرب التحذير والإنذار أحياناً بصيغة المثل لبيان المدركات العقلية بالمحسوسات .
وعن (قتادة قوله مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا في المحقَّرات من الذنوب .
ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يضرب لها مثلا يقول كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتى نزلوا بفلاة من الأرض، وحضر صنيع القوم( ).
فانطلق كلّ رجل يحتطب، فجعل الرجل يجيء بالعود، ويجيء الآخر بالعود، حتى جمعوا سوادا كثيرا وأجَّجوا نارا، فإن الذنب الصغير ، يجتمع على صاحبه حتى يهلكه)( ).
وقيل صغائر الذنوب : الضحك ، ومعنى الآية أعم .
الصلاة على النبي (ص)
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.
سئلت هذا اليوم من أحد الفضلاء هل صلاة الله على المؤمنين في الآية أعلاه هي نفس صلاته تعالى على النبي محمد في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
والجواب نعم ، وصلاة الله رحمة ومغفرة وثناء وسكينة.
هو : ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ يعود لله عز وجل بقرينة الآيات السابقة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.
الذي : اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر (هو) .
عليكم : جار ومجرور متعلقان بيصلي .
وملائكته : اسم معطوف على الذي مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
وتبين الآية أعلاه علة ومنافع هذه الصلاة من الله بانقاذ المؤمنين من مفاهيم الشرك والضلالة .
ونزلت الآية أعلاه خطاباً للذين آمنوا [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] والمراد كل الذين نطقوا بالشهادتين ويشمل المنافقين والضلال كما عن الإمام الصادق عليه السلام .
لذا ذكرت الآية علة هذه الصلاة وأنها نفع وخير محض للمسلمين والمسلمات جميعاً بانقاذهم من براثن الجهالة ، ومن الفسوق وما هو خلاف أحكام الشريعة باخراجهم من الظلمات إلى النور .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده ضد النفاق إذ تضاءل وانحسر النفاق ، وأصاب النقص عدد المنافقين بالهداية العامة إلى الإيمان برحمة من الله عز وجل .
و(قال السدي : قالت بنو إسرائيل لموسى : أيصلّي ربُّنا ، فكبر هذا الكلام على موسى فأوحى الله إليه أنْ قُل لهم : إنّي أُصلّي ، وإنّ صلاتي رحمتي)( ).
والسدي اسماعيل بن عبد الرحمن الأعور المفسر (ت127) من التابعين وهو مولى لقريش ، حدث عن ابن عباس ، وأنس بن مالك ، قال النسائي : صالح الحديث ، وقال يحيى بن معين : ضعيف.
وقيل للشعبي (إن إسماعيل السدي قد أعطي حظا من علم، فقال: إن إسماعيل قد أعطي حظا من الجهل)( )، ولا يخلو هذا الكلام من القسوة .
ولم يرفع السدي القول أعلاه ولم ينسبه حتى لأحد الصحابة .
أما السدي الصغير محمد بن مروان الكوفي فهو أحد المتروكين .
والصلاة من الله من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة في الكثرة والكم والكيف .
ومن خصائص النبي محمد أن صلاة ورحمة الله عز وجل عليه أعظم مراتب الرحمة ، وتشمل أمته والناس جميعاً .
ليكون من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ وما أرسلناك برحمة الله إلا كافة للناس.
أما صلاة الملائكة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين فهي تزكية ودعاء .
فان قلت هل تدل خاتمة الآية أعلاه من سورة الأحزاب وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، على أن صلاة الله على المؤمنين رحمته من تحصيل الحاصل ، والجواب لا ، ولكن لغة الخطاب تبين نسبة العموم والخصوص بين الذين آمنوا المخاطبين بالآية ، وبين العموم الذي اختتمت به الآية .
وتقدير الآية على وجهين :
الأول : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسالة النبي محمد إن الله يصلي عليكم وملائكته كما أن الله رحيم بالمؤمنين من كل الأمم من أيام أبينا آدم وإلى يوم القيامة .
فالذين خوطبوا في أول الآية تأتيهم الرحمة والثناء من الله ، والدعاء من الملائكة وتدل خاتمة الآية على رحمة الله العامة بالمؤمنين .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا إن الله يصلي عليكم وملائكته ، وهو بالمؤمنين منكم رحيم .
وكلتا الآيتين من سورة الأحزاب ، وهي مدنية نزلت بعد معركة الخندق في السنة الخامسة للهجرة .
قانون ملائمة المعجزة لزمانها
من خصائص الأنبياء مجئ كل نبي بمعجزة تناسب الموضوع والحكم الذي يعتني به قومه وأهل زمانه ، ففي زمان موسى عليه السلام كانت عناية الناس بفنون السحر ، وكانوا يكرمون السحرة ، ولهم منزلة عند الملوك وأولي الشأن فرزق الله عز وجل موسى عليه السلام العصا وكيف أنها تتحول إلى أفعى على نحو الحقيقة وليس التخيل ، فكان السحرة أول من امن بنبوته ، قال تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ.
وإذا أعطى الله عز وجل فانه يعطي بالأتم والأوفى إذ تتعدد وظائف العصا ، ومنه ما ورد في التنزيل وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى.
وفي زمن عيسى عليه السلام ارتقى الطب وأسباب الشفاء من الأدران ، فرزق الله عز وجل عيسى إبراء الأكمه أي الأعمى من حين الولادة ، والأبرص ، وهي أمراض ليس لها علاج إلى هذا الزمان مع أنها تبدو سهلة بلحاظ الإرتقاء في العلم والطب في هذا الزمان وكثرة الأمراض التي وجدت لها علاجات في هذا الزمان لتكون شاهداً على التأريخ .
كما أحيى عيسى عليه السلام عدداً من الموتى ، وهل في معجزاته بشارة اكتشافات العلاج للأمراض المزمنة والعمى في قادم الأيام ، المختار نعم ، وفي التنزيل وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وإدراك الناس أن معجزات عيسى عليه السلام لم تكن من باب المتيسر من العلاج والدواء وقد علموا أن ولادته بمعجزة وأنه مبعوث لهداية الناس.
وبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في زمن تغلب فيه البلاغة والفصاحة والشعر والخطابة ، وتأخذ البلاغة بتلابيب القلوب بسلائق سليمة ، واتخذوها وسيلة للتفاخر بالأنساب ، وبالآباء .
ولم يرض الله عز وجل لهم هذا التفاخر بالآباء الذين يعبدون الأوثان بجوار البيت الحرام كل سنة في موسم الحج فانعم الله عز وجل على الناس بنزول القرآن ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : قانون مناسبة معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل زمانه .
الثاني : قانون دعوة معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التوحيد ، ونبذ عبادة الأوثان ، والتذكير ببليغ الكلام بلحوق الإثم لمن كانوا يعبدونها من الآباء .
الثالث : مجئ النبي محمد بجوامع الكلم بما يفوق بمراتب قواعد الشعر التي يعشقها العرب ، ليدركوا أن آيات القرآن فوق كلام الناس .
الرابع : من خصائص القرآن أنه جامع بين المعجزة الحسية والعقلية ، ففي تحديه لأهل البلاغة وفنون الشعر التي يوليها العرب العناية الفائقة معجزة حسية ، وفي تجدد دلالاته واستنباط المسائل والأحكام والقوانين منه معجزة عقلية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملائمة معجزته وهو القرآن لزمان نزوله بتحدي القرآن للعرب في عنايتهم البلاغة والفصاحة ، وملائمة القرآن لكل زمان وإلى يوم القيامة .
لبيان قانون القرآن معجزة حسية وعقلية إلى جانب معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية مثل الإسراء والمعراج ، ونبع الماء من بين أصابعه وتسبيح الحصى في يده ، وحنين الجذع ، ونجاته من القتل والإغتيال على نحو متعدد مع إحكام المشركين لخطط اغتياله ، قال تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وهذا الجمع أمر اختص به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء ، وهو من لوازم النبوة الخاتمة بمعنى تجدد إعجازها في كل زمان لحاجة الناس للمعجزة ، وليكون القرآن حجة على الناس ، قال تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.
النبي الرسول
النبي هو الإنسان الذي اختاره الله عز وجل للإخبار عنه ومن غير واسطة إنسان آخر، والرسول هو أيضاً نبي ولكنه يمتاز بأن له شريعة مبتدأة، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل رسول هو نبي، وليس كل نبي هو رسول.
ولقد شرّف الله عز وجل الأنبياء وأكرمهم وفضلهم على سائر خلقه وعددهم مائة وأربعة وعشرون الف نبي، من ضمنهم الرسل وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً.
ومن بين الرسل خمسة أولو العزم وهم : نوح ، إبراهيم ، موسى ، عيسى ، محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ذكرهم الله في قوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : إكرام الله عز وجل له إذ جعله نبياً بأن رزقه مرتبة النبوة مع الوحي والمعجزة لقانون اقتران النبوة بالوحي والمعجزة .
الثاني : نيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرتبة الرسالة ، وأنه يرى الملك عند نزوله بالقرآن أو الوحي ، قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
الثالث : مرتبة أحد الخمسة أولي العزم ، قال تعالى فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
الرابع : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين والرسل ، ترى لماذا قالت الآية القرآنية وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ولم تقل وخاتم الرسل ، الجواب لأن كل رسول نبي وليس العكس .
ومن الإعجاز في المقام قطع الطريق على الذين يفترون على الله الكذب ويدعون النبوة .
الخامس : من خصائصه استدامة العمل بشريعته إلى يوم القيامة ، ففي كل زمان هناك أمة يعملون بسنن وأحكام الشريعة السمحاء ، ويدل هذا العمل على سلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان إلى يوم القيامة .
توثيق آيات القرآن عند نزولها
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله عز وجل بأمور :
الأول : نزول القرآن عليه كاملاً .
الثاني : تدوين كتاب الوحي آيات وسور القرآن حال نزولها .
الثالث : تلاوة المسلمين القرآن خمس مرات في الصلاة اليومية .
الرابع : حفظ الصحابة لآيات القرآن حال سماعها .
الخامس : تدارس الصحابة آيات القرآن وتفسيرها .
(وقال عبد الله بن مسعود والذي لا اله الا هو ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا اعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو اعلم مكان احد اعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته .
وقال ايضا كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن وصدور المفسرين من الصحابة علي ثم ابن عباس وهو تجرد لهذا الشأن والمحفوظ عنه اكثر من المحفوظ عن علي الا ابن عباس كان أخذ عن علي)( ).
السادس : انتشار المسلمين في مشارق ومغارب الأرض .
السابع : تعيين أوقات الصلاة وفق آيات كونية ثابتة مثل طلوع الفجر لصلاة الصبح ، وزوال الشمس لصلاة الظهر ، وغروبها لصلاة المغرب ، قال تعالى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
وكل فرد منها من الواجب المؤقت الموسع الذي يكون فيه وقت أداء الصلاة أطول من الأداء الفعلي لها ، فوقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، بينما لا يستغرق أداؤها إلا نحو خمس دقائق ، وهو من مصاديق الرحمة التي خصّ الله عز وجل بها أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الجمع بين النبوة والرسالة
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جمعه بين النبوة والرسالة من وجوه :
الأول : كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمع صوت الملك ، ويعاينه ، إذ كان جبرئيل يأتيه بهيئة دحية الكلبي .
ومن خصاص النبي محمد رؤيته جبرئيل بصورته الحقيقية ، وعن الإمام الصادق عليه السلام (عن قول الله عز وجل لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى قال : رأي جبرئيل على ساقه الدر مثل القطر على البقل ، له ستمائة جناح قد ملأ ما بين السماء والارض)( ).
وعن عبد الله بن عباس (رأى رسول الله جبرئيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح)( )، وورد مثله عن عبد الله بن مسعود .
الثاني : اجتماع المعجزة الحسية والعقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : لقد دعا النبي محمد للكتاب الذي أنزل عليه وهو القرآن ، ولم يدع إلى كتاب أنزل على رسول قبله .
الرابع : تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل والزبور .
و(عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزل على شيث خمسين صحيفة ، وعلى ادريس ثلاثين صحيفة ، وعلى إبراهيم عشر صحائف .
وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف ، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان .
قلت يا رسول الله : فما كانت صحف إبراهيم؟ قال : أمثال كلها أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض.
ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم ، فإني لا أردها ولو كانت من كافر.
وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ويتفكر فيما صنع ، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال.
فإن في هذه الساعة عوناً لتلك الساعات واستجماعاً للقلوب وتفريغاً لها.
وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه ، فإن من حسب كلامه من عمله أقل الكلام إلا فيما يعنيه.
وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث مرمة لمعاش ، أو تزوّد لمعاد ، أو تلذذ في غير محرم .
قلت يا رسول الله : فما كانت صحف موسى.
قال : كانت عبراً كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، ولمن أيقن بالموت ثم يضحك ، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها ، ولمن أيقن بالقدر ثم ينصب ، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل .
قلت يا رسول الله : هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى .
قال : يا أبا ذر نعم قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ))( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عمله والمسلمين بأحكام الآية القرآنية حال نزولها .
معجزة رؤيا الحديبية
لقد سخّرت قريش الأموال الطائلة واستنفرت أهل مكة ورجال القبائل من حولها لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لبيان أن من خصائصه صدّ هجوم وغزو كفار قريش المتكرر على المدينة ، وآخرها مسيرهم نحو المدينة بعشرة آلاف رجل في الأحزاب في شهر شوال من السنة الخامسة ، وأي حساب وفق قواعد القتال ، يبين رجحان كفة جيش المشركين في العدة والعدد .
ثم توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد معركة الأحزاب بنحو سنة نحو مكة حيث زعامات المشركين بجوار البيت الحرام ، وهو وأصحابه يقصدون أداء العمرة .
وكان هذا المسير معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن الخصائص التي ينفرد بها .
وكذا من خصائصه اقتناع أصحابه بالسير معه إذ اخبرهم بأنه رآى رؤيا منام تتضمن زيارتهم البيت الحرام ، لينزل فيما بعد قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسائل :
الأولى : رؤيا الوحي .
الثانية : تعلق موضوع رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمور تغير مجرى التأريخ .
الثالثة : تلقي أهل البيت والصحابة رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق والتسليم بانها شعبة من الوحي .
الرابعة : مبادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للعمل بالرؤيا النبوية .
الخامسة : ترشح الخير والنفع العام عن رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة : قانون موضوعية رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أسباب ومقدمات الفتح .
لقد سار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وألف وأربعمائة من أصحابه نحو مكة ومن غير أسلحة قتالية لتتعرض لهم خيل المشركين ، ويهموا بالهجوم عليهم لولا فضل الله بصبغة السلم ولباس الإحرام الذي عليهم ، وخروجهم في شهر حرام وهو شهر ذي القعدة ليرجعوا بالسلم والأمن ، والهدنة العامة وقبول قريش بزيارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في السنة التالية ودخول الناس في الإسلام من غير خشية أو خوف من قريش ، وحتى الذين لم يدخلوا الإسلام ذهب عنهم الخوف من رؤساء الشرك وهو من الشواهد بأن الإسلام انتصر بالمعجزات الحسية والعقلية وليس بالسيف .
صدق الرؤيا
قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
يحتمل لفظ (الرؤيا) في الآية وجوه :
الأول : اسم مفرد والمراد بها رؤيا مخصوصة .
الثاني : إرادة اسم جنس والمراد كل رؤيا من رؤى النبوة هي حق وصدق ، وأول ما ابتدأ به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرؤيا الصادقة .
و(كان رسول الله صلى الله عليه وآله كثير الرؤيا، ولا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)( ).
والفلق : لغة الشق ، يقال : فلقه فانفلق .
والفلق : الصبح لأن الظلام ينفلق عنه .
وعن الإمام (الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: انشق القمر : بمكة فلقتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اشهدوا اشهدوا)( ).
الثالث : إرادة المعنى الجامع للوجهين أعلاه .
والمختار هو الأخير ، فكأن الآية تذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالرؤى السابقة من أول أيام النبوة وبقانون رؤيا النبي محمد حق وصدق .
وهل فيه دعوة للمسلمين للتصديق برؤى النبي محمد اللاحقة واقتباس الدروس منها ، الجواب نعم.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : كثرة الرؤيا .
الثاني : سبق الرؤيا الصادقة للوحي زماناً .
الثالث : قانون مجئ المصداق الواقعي لرؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : رؤيا النبي محمد بشارة وإنذار .
الخامس : قانون رؤيا النبي محمد شعبة من الوحي .
السادس : توثيق السنة النبوية القولية والعقلية لرؤى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع : ترغيب النبي محمد أصحابه بالإخبار عن رؤاهم وتفسيره لها ، واستقراء الدروس منها .
الخروج إلى الحديبية
لم يلبث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد كتيبة بني المصطلق التي وقعت في شهر شعبان سنة ست للهجرة إلا شهر رمضان وشوالاً ، فخرج في ذي القعدة معتمراً.
إذ رأى رؤيا وهو في المدينة أنه وأصحابه يدخلون المدينة فاخبر أصحابه واستبشروا وعجلوا بالخروج .
(قال ابن إسحاق : واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه ، وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمن معه من المهاجرين والانصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه)( ).
مما يدل على أنه ليس استنفاراً للعرب إنما دعوة لتعظيم شعائر الله.
لقد كانت سنوات الهجرة التي سبقت هذا الخروج مليئة بالحروب والقتال والقتل بين المسلمين وكفار قريش .
وقد زحفت قريش بكل جيوشها ومعها الاحابيش وغطفان وغيرهم للنيل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعجزوا وخابوا .
ثم جاءهم هو وأصحابه من غير سلاح قتال، ومؤونة كافية ، ولبست قريش جلود النمور وقدموا خالد بن الوليد في خيلهم إلى كراع الغميم.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم الخوف أو الفزع من جيوش الذين كفروا وإن كان لا يحمل سلاحاً وفيه شد لعزائم أصحابه ، ومنع من دبيب الخوف إلى نفوسهم ، وتقليل من شأن قريش وأنهم في حال ضعف وإن تظاهروا بالقوة والخيل والخيلاء .
(فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا ويح قريش أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فان هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين .
وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تطن قريش فو الله لا أزال أجاهد على الذى بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة( )، ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتناب ملاقاة جيش المشركين ومقدمات القتال ، لأن سلاحه التنزيل الذي يخاطب العقول ، ويجذب النفوس .
وغيّر المسلمون طريقهم ، وشق عليهم ونزلوا بارض ليس فيها ماء فاخرج النبي سهماً من كنانته فاعطاه رجلاً من أصحابه فغرزه بالقليب( ) فتدفق الماء .
لقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام قبل الخروج إلى الحديبية ، أنهم يدخلون المسجد الحرام . فأخبر الناس بذلك ، فاستبشروا . فلما صدّهم المشركون ، قال المنافقون في ذلك ما قالوا ، فنزل لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ، يعني : يصدق رؤياه بالحق لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ))( ).
الحديبية مقدمة فتح مكة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أخذه أصحابه عزلاً من غير سلاح إلى بلاد عدوه، ومضارب القوم الذين أخرجوه من أرض آبائه ومن البلد الحرام طريداً مهاجراً , قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، وهذا المسير شعبة من الوحي الذي يترشح عنه والأمن والمعجزة المتعددة .
وخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى صلح الحديبية مقدمة لفتح مكة ، وهل هو شاهد متقدم على كون مكة لم تفتح عنوة ، الجواب نعم.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجاته من الضرر والقتل مع شدة مكر قريش وإرادتهم قتله .
ففي الآية أعلاه ورد (عن ابن عباس أنه قال : تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال بعضهم : بل اقتلوه.
وقال بعضهم : بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، فبات علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً عليه السلام يحسبونه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه علياً رد الله مكرهم فقالوا : أين صاحبك هذا؟ قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل، فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال)( ).
وبعد بضعة سنوات من القتال والدفاع ، يخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجأة بأصحابه متوجهين إلى البلد الذي جاءت منه قريش بآلاف من المقاتلين .
وعن السدي في قوله تعالى في قوله تعالى [الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ] قال : لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عُمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ستٍّ من مُهاجَره، صدَّه المشركون وأبوا أن يتركوه، ثم إنهم صالحوه في صُلحهم على أن يُخْلوا له مكة من عام قابل ثلاثةَ أيام، يخرجون ويتركونه فيها، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح خَيْبر من السنة السابعة، فخَلَّوْا له مكة ثلاثة أيام، فنكح في عُمرته تلك مَيمونة بنت الحارث الهلالية)( ).
الحديبية تأسيس للسلم
من الآيات أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو الحديبية وبقصد أداء العمرة مناسبة لكف أيدي قريش عنه وعن أصحابه فلم يقوموا بغزو المدينة المنورة مرة أخرى واكتفوا بأن منعوا النبي عن دخول مكة في عامه ذاك ، وعقدوا معه صلحاً .
لتدرك القبائل حقيقة وهي أن الكفار أصبحوا عاجزين عن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
وليدخل الشطر الأكبر منهم في الإسلام لأن معجزاته العقلية تدعوهم إلى جانب المعجزات الحسية بصلح الحديبية التي أكدت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج وأصحابه من غير سلاح إلا بوحي وأمر إلهي فكان النصر فيها ظاهراً جلياً , قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى أن هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
ومن الإعجاز في عمرة الحديبية أن أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يعترضوا ولم يشكوا بالخروج من غير سلاح، والإقتحام على قريش في ديارهم ولهم هيبة خاصة في مكة، وتخشاهم القبائل وفي صدورهم غل ويطلبون الثأر.
فخرج أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم لا يشكون بأن خروجهم فيه نصر وفلاح. ومنه صلح الحديبية، فكانت قريش تهجم على المدينة بجيوشها، بينما اضطرت لعقد صلح مع النبي مع رجوعه في تلك السنة، وفيه نزل قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، وأدعي الإجماع على نزول الآية أعلاه عند رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية ، وهو المختار .
المقصود من الفتح
وفي المراد بالفتح في قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا وجوه:
الأول : المقصود فتح مكة (وعن جابر قال : ما كنا نعلم فتح مكة إلا يوم الحديبية)( ).
وهذا القول وحده لا يكفي للدلالة على أن المراد فتح مكة إذ لا ملازمة بين العلم بالفتح وبين الآية ، وربما المراد من كلام جابر العلم بمقدمات فتح مكة ، والأعم من فتح مكة ، وأنه يشمل إقامة الحجج, والظفر بالأعداء وعجزهم عن الهجوم مرة أخرى على المسلمين.
الثاني : المراد صلح الحديبية ، وهو أوان نزول الآية ، وعن مجمع بن جارية الأنصارى قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس .
قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه،
فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟
قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً)( ).
لبيان شواهد من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : قانون صلح النبي فتح له.
الثانية : قانون الصلح برزخ دون القتال .
الثالثة : قانون صلح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الكفار كف لأيديهم عن المسلمين .
الرابعة : صلح الحديبية من الشواهد على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم انتصر بالوحي .
الخامسة : قانون الصلح النبوي أمضى من السيف .
السادسة : صلح الحديبية من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
السابعة : قانون ميل ورضا وغبطة المسلمين بالصلح ، وتفضل الله عز وجل لإصلاحهم لهذا الرضا وإلى يوم القيامة ، قال تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
وجاء صلح الحديبية من غير قتال وظهر فيه عجز قريش عن مواصلة القتال ، قال الفراء : الفتح قد يكون صلحا و معنى الفتح في اللغة فتح المنغلق و الصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله , وقال الزهري لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية)( ).
الثالث : المراد فتح خيبر الذي جاء بعد صلح الحديبية ، وبه قال مجاهد.
الرابع : المراد بالفتح الظفر بالأعداء وإقامة الحجة والبرهان بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والمختار أن الفتح في قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) هو صلح الحديبية .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهاده ومسيره وأصحابه من غير أسلحة نحو مكة ليتم عقد صلح الحديبية فصار مقدمة لدخول الناس في الإسلام ، وفتح الباب لإختلاط المسلمين بالقبائل ، وأظهر المسلمون الذين كانوا يخشون من الكفار إسلامهم ، فكان هذا الإظهار والكشف آية إعجازية أسقطت في أيدي رؤساء الكفر وجعلتهم في وهن وجبن .
الطريق الى الحديبية
من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضل الله في التخفيف عنه وعن أصحابه بعد سني القتال بأن خرجوا إلى أداء العمرة نتيجة رؤيا رآها مع أن هذا التخفيف استقبله عدد من الصحابة وكثير من الأعراب بالخوف والحزن وخشية إجهاز قريش عليهم ، وهم موتورون من معركة بدر وأحد والخندق.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تبديد الخوف الذي يعتري أصحابه من شدة بطش المشركين .
فلما وصلوا إلى ميقات ذي الحليفة والذي يبعد عن المدينة (14)كم قلّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهدي وأشعره .
وساق النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمامه سبعين بدنة ، وقيل كان عدد أهل الحديبية سبعمائة لأن كل بدنة عن عشرة ، ولكن هناك مسألتان :
الأولى : من الصحابة من نحر بدنة ساقها ، ولعله عنه وغيره ، مثل طلحة بن عبيد الله ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعثمان بن عفان( ) .
الثانية : ورد عن جابر بن عبد الله أنه قال : ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى ، إنما كان عدد الصحابة يومئذ ألفاً وأربعمائة.
ومعنى التقليد في إصطلاح الحج هو أن يعمل إلى حبل من وبر أو شعر ، ثم يربطه في رقبة الهدي كعلامة على أنه مهدى للحرم ، فلا يتعرض له أحد ولا يسرق ولا يستولى عليه .
وقد يقلّد الهدي بنعلين أو بالأدم والجلود .
أما إشعار الهدى فهو شق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها .
لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطي إخباراً جلياً لقريش وغيرهم بأنه وأصحابه عمار للبيت ، وقد قال الله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ.
لبيان مصداق لرأفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
لقد أراد بعث السكينة في نفوس رجالات قريش ، والمنع من حدوث فتنة في مكة موسم الحج ، وإقامة الحجة عليهم سواء رضوا بأدائه العمرة أو منعوه منها ، وهذا المنع هو الذي حصل ولكنه ليس منعاً على نحو السالبة الكلية ، إنما إرجاء عمرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى السنة القادمة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رضاه بالحل الوسط والقبول بارجاء عمرته وأصحابه وهذا الرضا بالوحي ، فاظهر الصبر على صدّه عن المسجد الحرام مع أنه رسول الله .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن صبره شعبة من الوحي ، وترجمان لآيات عديدة تحض على الصبر على أذى المشركين لبيان أن هذا الصبر مطلوب بذاته ، وهو مقدمة للنصر الذي يأتي بالمعجزات الحسية والعقلية للنبي محمد ، قال تعالى وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )( ).
أولوية الصلح
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه لقانون تمام النعمة ليس بالحرب وتحقيق النصر فيه، إنما بالصبر والصلح المقرون بالثبات على الإيمان .
وفي يوم الحديبية (دَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ اُكْتُبْ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ .
فَقَالَ سُهَيْلٌ لَا أَعْرِفُ هَذَا ، وَلَكِنْ اُكْتُبْ بِاسْمِك اللّهُمّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ اُكْتُبْ بِاسْمِك اللّهُمّ فَكَتَبَهَا .
ثُمّ قَالَ( ) اُكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدٌ رَسُولَ اللّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو.
فَقَالَ سُهَيْلٌ بن عمرو رئيس وفد قريش (لَوْ شَهِدْت أَنّك رَسُولُ اللّهِ لَمْ أُقَاتِلْك ، وَلَكِنْ اُكْتُبْ اسْمَك وَاسْمَ أَبِيك ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ اُكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو)( ).
فان قلت إن إبتداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب الصلح مع سهيل بن عمرو رئيس وفد قريش إلى صلح الحديبية ببسم الله الرحمن الرحيم من الإيمان والثبات عليه ، فلماذا استجاب لطلب سهيل بأمرين :
الأول : ترك البسملة .
الثاني : محو لفظ رسول الله صفة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الجواب من جهات :
الأولى : ليبقى ملايين المسلمين يتلون البسملة في الصلاة اليومية ، وفي تلاوة القرآن .
الثانية : موضوعية السلم ، ومنع القتال في السنة النبوية .
الثالثة : سلامة السنة النبوية ومبادئ الإيمان من الثأر والإنتقام .
الرابعة : بيان قانون مصاحب للحياة الدنيا ، وهو : الصلح فتح.
مصداق احتجاج الملائكة
لما احتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء أجابهم الله إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
ومن علم الله واحتجاجه أعلاه على الملائكة وجوه وخصائص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الأول : إمضاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصلح مع المشركين .
الثاني : رضا النبي محمد بشروط المشركين مثل محو البسملة وصفة الرسالة له.
الثالث : جواز من يدخل في عهدهم من القبائل .
الرابع : عودة النبي محمد وأصحابه من غير أداء العمرة في تلك السنة مع أنهم صاروا على بعد أمتار معدودة من الحرم المكي لأولوية الميل إلى الصلح ، ومصاديق قوله تعالى وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الخامس : بيان مسألة وهي أولوية الصلح إذا لم يتعرض المشركون لسنن التوحيد التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولإقامته وأصحابه الصلاة .
السادس : نزول المطر بالحديبية مراراً ، وكثرة المياه بعد أن رزقوا بالمعجزة وفوران ماء البئر ( ).
وكان همّ قريش قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكف عن ذم عبادة الأصنام ، وتقبيح التوسل بها ، وألحّ وجهاؤهم على أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يترك النبي شتمهم وآباءهم لأنهم يعبدون الأوثان .
وهذا الإلحاح من المكر لذا خابوا وخسروا ، قال تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
تهنئة جبرئيل
في رواية لما نزل جبرئيل بقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قال (يهنيك يا رسول الله فلما هناه جبريل هناه المسلمون) ( ) إذ نزل جبرئيل بالآية أعلاه في ضجنان حيث هنأه .
وهذا الخبر شاهد على خصائص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها :
الأول : نزول جبرئيل بالآية الكريمة ، واقتران النزول بها بالتهنئة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تهنئة جبرئيل شاهد على النصر العظيم بصلح الحديبية ، وأنه فضل من الله عز وجل .
الثالث : اشتراك جبرئيل في علم أسباب النزول .
الرابع : دعوة جبرئيل المسلمين للإقتداء به في تهنئة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل تختص هذه الدعوة بالذين حضروا صلح الحديبية ، الجواب إنها أعم .
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً في المقام تلقي التهنئة من جبرئيل وهو من كبار الملائكة .
السادس : تزكية جبرئيل للسنة النبوية القولية والفعلية .
السابع : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التهنئة من المهاجرين والأنصار اتباعاً لتهنئة جبرئيل مع أنهم لم يروه ولكن النبي محمداً أخبرهم عنها ، فتلقوها بالتصديق والمحاكاة .
لقد دخلت في الإسلام بعد صلح الحديبية إلى حين فتح مكة أعداد من الناس أكثر من الذين دخلوه مدة تسع عشرة سنة التي سبقته من الدعوة قبل الهجرة وبعدها ، وهو من أسباب وعلل تسمية صلح الحديبية فتحاً ، وتهنئة جبرئيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة في صلح الحديبية ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة ، وخرج في فتح مكة بعده بأقل من سنتين ومعه عشرة آلاف من الصحابة .
وذكر أنه هبط على النبي في صلح الحديبية (ثَمَانُونَ مُتَسَلّحُونَ يُرِيدُونَ غِرّتَهُ فَأَسَرَهُمْ ثُمّ مَنّ عَلَيْهِمْ) ( ).
صلاة الخوف
ورد في صحيحة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق عليه السلام وفي قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا إذ قال (كان سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم أن الله عزوجل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين، فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج، فخرجوا .
فلما نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة وساقوا البدن، وساق رسول الله صلى الله عليه وآله ستة وستين بدنة وأشعرها عند إحرامه، وأحرموا من ذي الحليفة ملبين بالعمرة، وقد ساق من ساق منهم الهدي معرات مجللات .
فلما بلغ قريش ذلك بعثوا خالد ابن الوليد في مائتي فارس كمينا ليستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فكان يعارضه على الجبال، فلما كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر فأذن بلال وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس.
فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم في الصلاة لاصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، ولكن يجيئ لهم الآن صلاة اخرى أحب إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم .
فنزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله بصلاة الخوف في قوله وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ.
الآية فلما كان في اليوم الثاني نزل رسول الله صلى الله عليه وآله الحديبية وهي على طرف الحرم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستنفر الاعراب في طريقه معه، فلم يتبعه منهم أحد، ويقولون: أيطمع محمد وأصحابه أن يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم، إنه لا يرجع محمد وأصحابه إلى المدينة أبدا.
فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله الحديبية خرجت قريش يحلفون باللات والعزى لا يدعون محمدا يدخل مكة وفيهم عين تطرف، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله أني لم آت لحرب وإنما جئت لاقضي نسكي، وأنحر بدني، واخلي بينكم وبين لحماتها.
فبعثوا عروة ابن مسعود الثقفي وكان عاقلا لبيبا وهو الذي أنزل الله فيه وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
فلما أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عظم ذلك وقال: يا محمد تركت قومك وقد ضربوا الابنية، وأخرجوا العوذ المطافيل يحلفون باللات والعزى لا يدعوك تدخل حرمهم وفيهم عين تطرف، أفتريد أن تبير أهلك وقومك يا محمد .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما جئت لحرب وإنما جئت لاقضي
نسكي فأنحر بدني واخلي بينكم وبين لحماتها، فقال عروة: بالله ما رأيت كاليوم أحدا صدّ عما صددت (أي مال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : وعلم أن قريشاً على باطل).
فرجع إلى قريش وأخبرهم، فقالت قريش: والله لئن دخل محمد مكة وتسامعت به العرب لنذلن ولتجترئن علينا العرب .
فبعثوا حفص بن الاحنف وسهيل بن عمرو، فلما نظر إليهما رسول الله صلى الله عليه وآله قال : ويح قريش قد نهكتهم الحرب، ألا خلوا بيني وبين العرب .
فإن أك صادقا فإنما أجر الملك إليهم مع النبوة، وإن أك كاذبا كفتهم ذؤبان العرب، لا يسأل اليوم امرأ من قريش خطة ليس لله فيها سخط إلا أجبتهم إليه.
فوافوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا محمد إلى أن ننظر إلى ماذا يصير أمرك وامر العرب على أن ترجع من عامك هذا ، فإن العرب قد تسامعت بمسيرك فإن دخلت بلادنا وحرمنا استذلتنا العرب
واجترأت علينا ونخلي لك البيت في القابل في هذا الشهر ثلاثة أيام حتى تقضي نسكك وتنصرف عنا .
فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك، وقالوا له: وترد إلينا كل من جاءك من رجالنا، ونرد إليك كل من جاءنا من رجالك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله : من جاءكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه، ولكن على أن المسلمين بمكة لا يؤذون في إظهارهم الاسلام ولا يُكرهون ، ولا ينكر عليهم شئ يفعلونه من شرائع الاسلام ، فقبلوا ذلك) ( ).
قاعدة منع الحرج في العبادات
من خصائص الصلاة اليومية أن وقتها موسع وليس مضيقاً ، فمثلاً وقت صلاة الصبح بين الطلوعين ، بينما لا يستغرق أداؤها خمس دقائق .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بالتخفيف والتيسير في العبادات والذكر ، وقد يتخلف الإنسان عن أداء صلاة الصبح في وقتها ، فتؤدى قضاء خارج وقتها لقاعدة منع الحرج في الدين ، ولأن الصلاة تؤدى على كل حال .
وقد ورد (عن ابن مسعود قال لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية عرسنا ليلة فقال من يحرسنا ، فقلت أنا ، فقال انك تنام .
ثم قال من يحرسنا فقلت أنا ، فقال فأنت ، فحرستهم حتى إذا كان وجه الصبح أدركني قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنك تنام فنمت فما استيقظت إلا بالشمس .
فلما استيقظنا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله لو شاء ان لا تناموا عنها لم تناموا ولكنه أراد ان يكون ذلك لمن بعدكم ثم قام فصنع كما كان يصنع .
ثم قال هكذا لمن نام من أمتي ثم ذهب القوم في طلب رواحلهم فجاؤوا بهن غير راحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذهب ههنا .
فذهبت حيث وجهني فوجدت زمامها قد التوى بشجرة فجئت بها .
فقلت يا رسول الله وجدت زمامها قد التوى بشجرة ما كانت تحلها إلا يد)( ) أي أنها لا يمكن أن تبتعد في البيداء .
بيعة الرضوان
حينما وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية صده المشركون عن البيت الحرام ، وحالوا دون وصوله وأصحابه إلى مكة ، واستعدوا للقتال ، فأرسل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليهم خراش بن أمية الخزاعي إخبارهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء معتمراً وليس مقاتلاً ، وأرسله على جمل يسمى الثعلب ( )، ولكن قريشاً عقروا جمل رسول الله وأرادوا قتل خراش فمنعتهم الأحابيش ، فخلوا سبيله.
وكان الشهر شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، وهو شهر حرام ، تحترز قريش فيه من القتل ، ولكنها حمية الجاهلية الأولى .
وعند رجوع خراش دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن عفان (فَأَرْسَلَهُ إلَى قُرَيْشٍ وَقَالَ أَخْبِرْهُمْ أَنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ وَإِنّمَا جِئْنَا عُمّارًا وَادْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ رِجَالًا بِمَكّةَ مُؤْمِنِينَ وَنِسَاءً مُؤْمِنَاتٍ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمْ وَيُبَشّرُهُمْ بِالْفَتْحِ وَيُخْبِرَهُمْ أَنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ مُظْهِرٌ دِينَهُ بِمَكّةَ حَتّى لَا يُسْتَخْفَى فِيهَا بِالْإِيمَان)( ).
وفي موضع الحديبية ترامى الفريقان بالنبل والحجارة وتناجى كل فريق.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته للبيعة يوم الحديبية ، وهذه البيعة تجديد وتكرار وتثبيت للبيعة والعهد والولاء للرسالة ، فتدافع الصحابة يبايعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن البراء قال : تعدون الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع عشرة مائة .
والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا) ( ).
لبيان تجدد بيعة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أشق الأحوال في الحديبية قبل الصلح وإظهارهم الولاء للرسالة ، ولعل منهم من لم يبايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل واكتفى بالشهادتين .
فجاءت هذه البيعة لتتحدي كفار قريش، لما فيها من الإعلان على الإستعداد للتضحية والفداء في سبيل التنزيل والنبوة ، وهذه التضحية ليست للهجوم والغزو والعدوان إنما هي سلام محض ، وفيها استئصال للعنف والتطرف وسفك الدماء والبقاء على الجحود ، وعبادة الأصنام .
(وروي أن النبي صلى الله عليه وآله تفل في بئر معطلة ففاضت حتى سقي منها بغير دلو ولا رشاء ، وكانت امرأة متبرزة وفيها وقاحة، فرأت رسول الله صلى الله عليه وآله يأكل فسألت لقمة من فلق فيه ، فأعطاها فصارت ذات حياء بعد ذلك .
ومسح صلى الله عليه وآله ضرع شاة حائل لا لبن لها فدرت فكان ذلك سبب إسلام ابن مسعود) ( ).
حديث أعطيت خمساً
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوزه بكرامات لم ينلها أحد من الأنبياء غيره .
وتدل عليه المصاديق الواقعية ، وورد بالإسناد عن عطاء بن السائب عن الإمام الباقر (عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه عن النبي صلى الله عليه و آله قال : أعطيت خمسا لم يعطهن نبي كان قبلي أرسلت إلى الأبيض و الأسود و الأحمر، و جعلت لي الأرض طهورا و مسجدا، و نصرت بالرعب، و أحلت لي الغنائم و لم تحل لأحد أو قال لنبي قبلي، و أعطيت جوامع الكلم. قال عطاء فسألت أبا جعفر، قلت وما جوامع الكلم قال القرآن)( ).
وقول النبي محمد أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر لبيان عموم رسالته ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محاربته للعنصرية في كل زمان ، إذ أنه ذكر الناس في الحديث أعلاه بالتساوي من جهة ألوانهم ، ومن الشواهد على هذه المحاربة تقريبه لبلال الحبشي ، والتكافؤ بالإسلام في النكاح .
ولبيان انتفاء الفوارق بين الناس إلا بالتقوى والخشية من الله عز وجل.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً) لبيان أن كل بقعة من الأرض تصلح أن تكون محلاً لأداء الصلاة فريضة أو نافلة .
وهل يدل إطلاق هذا الحديث على جواز الصلاة في المكان المغصوب أم أنه يخرج بالتخصص ، ولو كان ساهياً أو ناسياً أو مضطراً ، فلا ضير عليه ، ولكن في حال العلم بالغصب فالمختار صحة الصلاة ولكنه يؤثم ، لاجتماع الأمر والنهي والأصل عدم جواز الصلاة إلا مع إذن المالك ، وقال تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وأما الطهور فلصحة التيمم مقدمة للصلاة عند تعذر الماء أو المشقة في تحصيله لبيان أن الصلاة لا تترك بحال ، وللتخفيف عن المسلمين.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (نصرت بالرعب) من خصائص النبي محمد بدخول الخوف والرعب إلى قلوب أعدائه من الذين كفروا الذين يريدون قتاله وغزو المدينة .
وهل يدل قوله صلى الله عليه وآله وسلم (نصرت بالرعب) على أن النبي محمداً لم يغز أحداً ، الجواب نعم بتقريب أنه لا تصل النوبة إلى الغزو ، فحالما يتوجه إلى قوم من المشركين فأنهم يتفرقون ، وفيه شواهد عديدة منها كتيبة بني المصطلق .
وقد صدرت لي والحمد لله تسعة وعشرون جزءً من تفسيري (معالم الإيمان) بخصوص (لم يغز النبي (ص) أحدا) وآخرها الجزء السادس والستون بعد المائتين في استدلال وبراهين جلية وواضحة وإن ذكر علماء التفسير والسيرة أن عدد غزوات النبي ست وعشرون غزوة ، وسبع وعشرون غزوة ، حتى معركة الخندق إذ حفر النبي وأصحابه خندقاً حول المدينة بمشورة من سلمان المحمدي ومع هذا يقولون أن غزوة الخندق من غزوات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ويسمون صلح الحديبية غزوة الحديبية .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (وأحلت لي الغنائم) فكان الأنبياء السابقون يحرقون الغنائم .
والمراد من جوامع الكلم أي الكلمات القليلة التي تدل على معاني متعددة .
قال عطاء (فسألت أبا جعفر : وما جوامع الكلم : قال القرآن).
وفي حديث ابن عباس بدل أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر ، وأعطيت الشفاعة .
قانون الصلح فضح للمشركين
لا يمكن أن يتوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ديار المشركين والبلدة التي يقطنون ، ولا استجابة الف وأربعمائة من الصحابة له إلا بالوحي والتسليم بأن ما يختاره ويأمر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الله عز وجل ، قال تعالى [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] ( ).
وهل أدركت قريش وكفارها هذا القانون وموضوعية لغة الوحي في قول وفعل ونداءات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنفير ، هل علمت قريش أنه لم يتوجه إلى العمرة ويعرض نفسه وأصحابه إلى الخطر والضر إلا بالوحي ، المختار نعم ،وهو من مقدمات صلح الحديبية .
ولم تكن قريش سهلة في صلح الحديبية وشروطه إنما كان وفدهم مستعداً لتعطيل أو إبطال الصلح ، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أظهرعزمه على قبول شروط قريش ، وتنازل لهم لأنه يعلم َالصُّلْحُ خَيْرٌ.
وتدرك قريش هذا القانون العام وأن الصلح يفضح المشركين لأنهم على دراية بأخبار الممالك وقصص الماضين ، والوقائع والمعارك والأشعار التي نظمت بخصوصها ، والتي تبين تفاصيل وشواهد منها حاضرة في الوجود الذهني ، ويتوارثون ترجمة للرجال والرؤساء الشجعان .
مقدمات صلح الحديبية غنى عن الإرهاب
الصلح عقد وخاتمة لنزاع ووقف لخصومة ، ومنع من تصعيدها والصلح سلم وموادعة ، وقد يكون إنهاء لحرب واقتتال ، وقد يتم لمنع حدوث القتال ، وهو الأكثر.
لقد حاربت قريش النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غير علة أو سبب عقلائي لهذه المحاربة ، ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على أنه الإمام في السلم والذي يدفع مقدمات الإرهاب والظلم ، أنه هاجر من المدينة بنفسه ونبوته والقرآن ، ولم ينتظر حتى يبيع أملاكه أو يجمع أمواله.
فبين تبليغ جبرئيل له بالهجرة وبين ساعة الصفر في تنفيذ قريش لقتله بضع ساعات فقط حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أداء الأمانات التي عنده لأهلها ، فأوكل هذا الأمر إلى الإمام علي عليه السلام بعد أن أمره بالمبيت في فراشه ليوهم قريش أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغادر المدينة ، مع أن خطتهم كانت الإجهاز عليه وهو نائم ، لبيان فداء الإمام علي نفسه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل في وصية أداء الأمانات بشارة سلامة الإمام علي عليه السلام من القتل ليلتئذ ، الجواب نعم .
و(قال الثعلبي : ورأيت في الكتب إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد الهجرة خَلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه ورد الودايع التي كانت عنده فأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال له : إتشح ببردي الحضرمي الأخضر ، ونم على فراشي ، فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إنشاء الله ، ففعل ذلك عليٌ .
فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالبقاء والحياة .
فإختار كلاهما الحياة فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب عليه السلام آخيت بينه وبين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فبات على فراشه (يفديه) نفسه ويؤثره بالحياة ، إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه.
فنزلا فكان جبرئيل عند رأس علي وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل ينادي : بخ بخ من مثلك يابن أبي طالب ، فنادى الله عزّ وجلّ الملائكة وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ))( ).
حضور القرآن في صلح الحديبية
في صلح الحديبية دروس إلى الحكام وأولي الأمر باختيار الحكمة والإصلاح ومنع انتشاره أو تفشيه ، إذ أوقف صلح الحديبية القتال بين المسلمين والمشركين.
ومن مصاديق الفتح في صلح الحديبية أنه مناسبة لتهذيب النفوس ، وإصلاح المجتمعات .
لم ترض قريش بالجلوس للمفاوضات والصلح بادئ الأمر في صلح الحديبية ، إذ كانت تبعث الوفد بعد الوفد ، وكان خيالتهم برئاسة خالد بن الوليد يهددون لإقتحام مجمع المسلمين في الحديبية ، والذي لا يصدق عليه اسم معسكر لأن الصحابة في لباس العمرة ، وليس معهم أسلحة ، وهم مشغولون بالتكبير والتهليل والتلبية .
ترى كيف كان حضور القرآن في صلح الحديبية ، الجواب من جهات :
الأولى : من خصائص سيادة حال السلم والوئام قهر النفس الغضبية ، ومنع ظهور الحمية ، قال تعالى إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
(وَهِيَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، اسْتَكْبَرَ عَنْهَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، يَوْمَ كَاتَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَلَى قَضِيَّةِ الْهُدْنَةِ)( ).
الثانية : تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في الصلاة خمس مرات في اليوم هو وأصحابه سواء في طريقهم إلى الحديبية ، أو عند الإقامة فيها .
الثالثة : لقد كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية ألف وأربعمائة من أصحابه فهل كانوا يقفون خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الجماعة .
المختار أن طائفة منهم تبقى في حراسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين معه في الصلاة ، بينما يقف عامة الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة ، قال تعالى وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً.
الإستجابة الفورية / فتح خيبر
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضل الله عز وجل عليه بالإستجابة في الحال لأدعيته خاصة تلك التي تخص إعلاء كلمة التوحيد ، ورفعة الإسلام .
فقد ورد عن سلمة بن الأكرع في حديث بخصوص واقعة خيبر قال (فحاصرناهم حتّى أصابتنا مخمصة شديدة ثمّ إنّ الله تعالى فتحها علينا،
وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى اللواء عمر بن الخطّاب ، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر، وأصحابه.
فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحينه أصحابه، ويحينهم، وكان رسول الله قد أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ أبو بكر راية رسول الله، ثمّ نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثمّ رجع، فأخذها عمر، فقاتل قتالاً شديداً، وهو أشدّ من القتال الأوّل، ثمّ رجع.
فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أما والله لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله، ورسوله، ويحبّه الله، ورسوله يأخذها عنوة.وليس ثَمّ علي، فلمّا كان الغد تطاول لها أبو بكر وعمر وقريش رجاء كلّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمة بن الأكوع إلى علي، فدعاه،
فجاء علي على بعير له حتّى أناخ قريباً من خباء رسول الله، وهو أرمد قد عصب عينيه بشقة برد قطري، قال سلمة : فجئت به أقوده إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال رسول الله : ما لكَ؟ قال : رمدت. فقال : إدن منّي . فدنا منه فتفل في عينيه،
فما وجعهما بعد حتّى مضى لسبيله، ثمّ أعطاه الراية .
فنهض بالراية وعليه حلّة أُرجوان حمراء، قد أخرج حملها، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه .
وهو يقول : قد علمت خيبر أنّي مرحب شاكي السلاح بطلٌ مجرّب أطعن أحياناً وحيناً أضرب إذا الحروب أقبلت تلهّب كان حمائي كالحمى لا يقرب .
فبرز إليه علي (عليه السلام) وقال :
أنا الّذي سمّتني أُمّي حيدره … كليثِ غابات شديد قسوره
أكيلكم بالسيف كيل السندره
فاختلفا ضربتين، فبدره علي، فضربه، فقدَّ الحجر والمغفرة، وفلق رأسه حتّى أخذ السيف في الأضراس، وأخذ المدينة، وكان الفتح على يديه)( ).
وراوي الحديث الصحابي مسلمة بن الأكوع صحابي حضر بيعة الرضوان ، وخيبر ومؤتة ، وعنه (قال أردفني النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرارا ومسح رأسي مرارا واستغفر لي ولذريتي عدد ما بيدي من الأصابع)( ).
مما يدل على أن النبي محمداً كان يدعو لأهل بيته وأصحابه فانه يستغفر لهم الله عز وجل .
وهل استجابة الله عز وجل للدعاء في الحال أمر خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو هو والأنبياء السابقين أم عموم المؤمنين ، الجواب هو الأخير ، وهو الذي يتجلى بصيغة الإطلاق في قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام الذي استجاب الله عز وجل لدعائه على نحو الفور ، وهو الأسوة في بعث المسلمين على الدعاء ورجاء الإستجابة الفورية ، وفي التنزيل إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وجاء قوله تعالى في آية السياق [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ]، لبيان تعدد الدعاء ، وموضوع الدعاء ، ولبيان أن خزائن استجابة الله عز وجل لا تنفد .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (ما من رهط أربعين رجلا اجتمعوا فدعوا الله عزو جل في أمر إلا استجاب الله لهم .
فإن لم يكونوا أربعين فأربعة يدعون الله عزوجل عشر مرات إلا استجاب الله لهم، فإن لم يكونوا أربعة فواحد يدعوالله أربعين مرة فيستجيب الله العزيز الجبار له)( ).
المبارزة الشعرية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يلجأ إلى السيف ، إذ تدعو معجزاته الناس للإيمان ، ويتخذ من ديوان الشعر حجة على المشركين .
فيحنما دخل وفد تميم المسجد النبوي (نَادَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ أَنْ اُخْرُجْ إلَيْنَا يَا مُحَمّدُ فَآذَى ذَلِكَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ صِيَاحِهِمْ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ.
فَقَالُوا : يَا مُحَمّدُ جِئْنَاك نُفَاخِرُك ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا ، قَالَ قَدْ أَذِنْت لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ.
فَقَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَالْمَنّ ، وَهُوَ أَهْلُهُ الّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا ، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا)( ).
وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثابت بن قيس من الخزرج بالرد عليه ليرسل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على بلال ، وكان غائباً فأخذ يرتجز الشعر في الطريق :
مَنَعْنَا رَسُولَ اللّهِ إذْ حَلّ وَسْطَنَا … عَلَى أَنْفٍ رَاضٍ مِنْ مَعَدّ وَرَاغِمِ
مَنَعْنَاهُ لَمَا حَلّ بَيْنَ بُيُوتِنَا … بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلّ بَاغٍ وَظَالِمِ
بِبَيْتٍ حَرِيدٍ عِزّهُ وَثَرَاؤُهُ … بِجَابِيَةِ الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَاجِمِ)( ).
حتى إذا القى الزبرقان بن بدر الشعر بالفخر بقومه بني تميم والثناء عليهم بقصيدة مطلعها
(نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيّ يُعَادِلُنَا … مِنّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ
وَكَمْ قَسَرْنَا مِنْ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمْ … عِنْدَ النّهَابِ وَفَضْلُ الْعِزّ يُتّبَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا … مِنْ الشّوَاءِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ الْقَزَعُ
بِمَا تَرَى النّاسَ تَأْتِينَا سُرَاتُهُمْ … مِنْ كُلّ أَرْضٍ هُوِيّا ثُمّ تَصْطَنِعُ
فَنَنْحَرُ الْكُوَمَ عُبْطًا فِي أَرُومَتِنَا … لِلنّازِلِينَ إذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
فَلَا تَرَانَا إلَى حَيّ نُفَاخِرُهُمْ … إلّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرّأْسَ يُقْتَطَعُ
فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ نَعْرِفُهُ … فَيَرْجِعُ الْقَوْمُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
إنّا أَبَيْنًا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ … إنّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نُرْتَفَعُ)( ).
لبيان مكارم الأخلاق النبوية ، إذ يأتي المشرك فيطري ويمدح قومه باعلى مراتب المدح ، وفي المسجد النبوي بحضرة المهاجرين والأنصار ، ولم يقاطعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا فرغ (قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ قُمْ يَا حَسّانُ فَأَجِبْ الرّجُلَ فِيمَا قَال فَقَامَ حَسّانٌ فَقَالَ :
إنّ الذّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ … قَدْ بَيّنُوا سُنّةً لِلنّاسِ تُتّبَعُ
يَرْضَى بِهِمْ كُلّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ … تَقْوَى الْإِلَهِ وَكُلّ الْخَيْرِ يَصْطَنِعُ
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا ضَرّوا عَدُوّهُمْ … أَوْ حَاوَلُوا النّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ … إنّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرّهَا الْبِدَعُ
إنْ كَانَ فِي النّاسِ سَبّاقُونَ بَعْدَهُمْ … فَكُلّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
لَا يَرْقَعُ النّاسَ مَا أَوْهَتَ أَكَفّهُمْ … عِنْدَ الدّفّاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إنْ سَابَقُوا النّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمْ … أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنّدَى مَتَعُوا
أَعِفّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْي عِفّتُهُمْ … لَا يَنْطَبَعُونَ وَلَا يُرْدِيهِمْ طَمَعُ
لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمْ … وَلَا يَمَسّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إذَا نَصَبْنَا لِحَيّ لَمْ نَدِبّ لَهُمْ … كَمَا يَدُبّ إلَى الْوَحْشِيّةِ الذّرِعُ
نَسْمُو إذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا … إذَا الزّعَانُفُ مِنْ أَظْفَارهَا خَشَعُوا
لَا يَفْخَرُونَ إذَا نَالُوا عَدُوّهُمْ … وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خُورٌ وَلَا هُلُعُ
كَأَنّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ … أُسْدٌ بِحِلْيَةِ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ
خُذْ مِنْهُمْ مَا أَتَى عَفْوًا إذَا غَضِبُوا … وَلَا يَكُنْ هَمّكَ الْأَمْرَ الّذِي مَنَعُوا
فَإِنّ فِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ … شَرّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السّمّ وَالسّلَعُ
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللّهِ شِيعَتُهُمْ … إذَا تَفَاوَتَتْ الْأَهْوَاءُ وَالشّيَعُ
أَهْدِي لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ … فِيمَا أُحِبّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
فَإِنّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمْ … إنْ جَدّ بِالنّاسِ جِدّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا)( ).
ليدخل بنو تميم الإسلام .
ولبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هداية الذين يدخلون المدينة ويرون معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية ، وإقامة صلاة الجماعة بإمامته في المسجد النبوي خمس مرات في اليوم ، والنظم الأمنية ، وقانون السلم المجتمعي التلقائي في المدينة بتهذيب القرآن والسنة النبوية للنفوس ، وإصلاحها للمجتمعات ، ونبذها للعنف والغزو والثأر والنهب والسلب ، وأسباب الإقتتال الشخصي والعام.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العفو والرحمة ، ومنع غلبة حال الغضب والبطش والإنتقام ، وفي معركة حنين وعندما انكشفت هوازن وثقيف ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم سليم بأن الله عز وجل كفانا شر هوازن وثقيف وزاد علينا من فضله ، قال تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
ولم يرد وصف لنبي أو ملك بأنه رحمة للناس كافة إلا للنبي محمد بقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
الإستشارة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة الوحي له ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، والأصل الغنى مع الوحي عن الإستشارة ، ولكن توجه الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد باستشارة الصحابة وأهل البيت لبيان أن الإستشارة مقدمة للعمل بالوحي والتنزيل .
ومن شروط المستشار الأمانة والصدق وحب الخير لمن اختصه واختاره بالإستشارة .
وهل في أمر الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ تزكية لأهل البيت وصحابة رسول الله المنتجبين ، الجواب نعم .
وهل يختص الأمر بالصحابة الأوائل ، أو الصحابة المقربين ، الجواب لا.
وفي معركة بدر قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (اشيروا علي أيها الناس)( ).
ولا يخل بهذا المعنى قوله تعالى [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يوحى إليه بخصوص اتخاذ الأمر المناسب ، إنما جاء أمر الإستشارة بالتنزيل وهو أعلى مرتبة من الوحي .
و(عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ)( ).
ولا تختص أمانة المستشار بمصلحة من يستشيره بل تشمل غيره من الناس والمنافع العامة ، لبيان أن الله عز وجل فتح باب الإستشارة لتوظيف عقول الناس في خدمة الفرد والجماعة بما فيه الصلاح ، ونبذ العنف والظلم والتعدي .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يستشير جبرئيل عليه السلام ، ويستشير أصحابه ، وهو الذي لا يفارقه الوحي لإرادة تنمية ملكة الإستشارة عند المسلم ، وطرد الزهو والغرور والإعتداد بالنفس والرأي ، أو اللجوء إلى الجدال والمغالطة .
وفي معركة بدر وعندما علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بزحف جيوش قريش قال النبي (اشيروا علينا في أمرنا ومسيرنا)( ).
فأشار عليه أصحابه وقال (المقداد بن عمرو : إنا لا نقول لك كما قال أصحاب موسى اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون)( ).
فاعاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : أشيروا علي ، وكان النبي محمد يريد أن يسمع الأنصار لأنهم بايعوه في العقبة على الذب عنه عندما يصل إلى المدينة وليس خارجها .
ورأى الأنصار أن النبي محمداً يكرر سؤال المشورة مع إجابة عدد من المهاجرين عليه (فقال سعد بن معاذ لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك ولا يرونها حقا عليهم إلا بأن يروا عدوا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم :
يا رسول الله فاظعن حيث شئت وخذ من أموالنا ما شئت ثم أعطنا ما شئت وما أخذته منا أحب إلينا مما تركت وما ائتمرت من أمر فأمرنا بأمرك فيه تبع فوالله لو سرت حتى تبلغ البركة من ذي يمن لسرنا معك)( ).
عندئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (سيروا على اسم الله فإني قد رأيت مصارع القوم).
لبيان البشارة بالنصر وتثبيت قلوب المؤمنين ، وكذا استشار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عندما قدم ثلاثة آلاف من المشركين وصاروا على بعد (5) كم من المسجد النبوي في معركة أحد.
وكان يرغب بقتالهم في المدينة ، وترميهم النساء والصبيان من سطوح المنازل ، ولكن رهطاً من الصحابة خاصة أولئك الذين لم يشهدوا معركة بدر أصروا على الخروج إليهم عند جبل أحد .
فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته ولبس لأمة القتال .
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإستجابة للصحابة إذا ألحوا على مسألة من المباحات أو المستحبات ، وعندما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرج بلامة الحرب ندموا ، وسألوه الرجوع فأبى توكلاً منه على الله ، ويتجلى هذا التوكل بقوله تعالى يومئذ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة
لقد أشرقت الأرض في الثالث من شعبان من السنة الرابعة للهجرة بولادة الإمام الحسين عليه السلام ليثبت نهج الإصلاح والعدل ، إذ سرّ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي اختار له اسم الحسين ، ويذكره بعض المؤرخين باسم حسن وحسين من غير لام التعريف ، وأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أذنه اليمنى ، وأقام في أذنه اليسرى .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنايته بالحسن والحسين عليهما السلام من حين الولادة لبيان منزلتهما السامية ، وفيه دعوة للمسلمين للعناية والرأفة بأولادهم بما فيه وراثة مبادئ التوحيد وأحكام الشريعة السمحاء .
و(عن ابن عباس وعق عنه في اليوم السابع كبشين ، وكذا عن الحسن أي ذبح عنه عقيقتين كما في سنن النسائي)( ) والكبش ذكر الضأن .
لتكون سنة عند المسلمين إلى يوم القيامة.
وروى الترمذي عن أنس بن مالك سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي أهل بيتك أحب إليك ، قال الحسن والحسين ، وكان يقول لفاطمة أدعي لي ابني فيشمهما ويضمهما إليه.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة المسلمين لحب الحسن والحسين .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في الحسن والحسين : اللهم اني احبهما فاحبهما وأحبب من يحبهما( ).
وهو من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
و(عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وآله والحسن والحسين جالسان على فخذيه : من أحبني فليحب هذين ، أبو صالح وأبو حازم عن ابن مسعود ، وأبو هريرة قالا : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه الحسن والحسين ، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا ، فقال له رجل : يا رسول الله إنك لتحبهما ، فقال : من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني)( ).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم من أحب الحسن والحسين أحببته ، ومن أحببته أحبه الله ومن أحبه الله أدخله الجنة ، ومن أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار.
و(عن زيد بن أرقم قال أني لعند رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم إذ مرّ علي وفاطمة والحسن والحسين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أنا حرب لمن حاربهم سلم لمن سالمهم)( ).
ورورى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من أراد أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة سوى عيسى ويحيى، فلينظر إلى الحسين بن علي( ).
البشارة بالإمام المهدي
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره عن طائفة من المغيبات بما أوحى الله عز وجل إليه ، وفي التنزيل قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
ومن المغيبات ذات صبغة الأمل في مرضاة الله بشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإمام المهدي من آل محمد ، وتملأ هذه البشارات كتب المسلمين جميعاً .
و(عن جابر بن عبد الله : يكون في أمتي خليفة يحثي المال حثيا لا يعده عدا ثم قال : والذي نفسي بيده ، ليعودن الأمر كما بدأ ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ بها حتى يكون كل إيمان بالمدينة .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يخرج رجل من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه ، وليسمعن ناس برخص من أسعار ورزق فيتبعونه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)( ).
وفيه بشارة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه.
وروي عن أبي سعيد الخدري قال (وَاللَّهِ مَا يَأْتِي عَلَيْنَا أَمِيرٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنْ الْمَاضِي وَلَا عَامٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنْ الْمَاضِي لَوْلَا شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقُلْتُ مِثْلَ مَا يَقُولُ وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ أُمَرَائِكُمْ أَمِيرًا يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا وَلَا يَعُدُّهُ عَدًّا.
يَأْتِيهِ الرَّجُلُ فَيَسْأَلُهُ فَيَقُولُ خُذْ فَيَبْسُطُ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ فَيَحْثِي فِيهِ ، وَبَسَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِلْحَفَةً غَلِيظَةً كَانَتْ عَلَيْهِ يَحْكِي صَنِيعَ الرَّجُلِ ثُمَّ جَمَعَ إِلَيْهِ أَكْنَافَهَا قَالَ فَيَأْخُذُهُ ثُمَّ يَنْطَلِقُ)( ).
لبيان أن من خصال الإمام المهدي أنه يعطي المال بالكم الكثير ، ولكل من سأله للدلالة على البركة والسعة والعدل وحال الغنى في أيامه المباركة ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم البشارة بالمهدي والصلاح والأمن والسعة ووفرة المال في زمانه ، وإزاحته الباطل وقضاؤه على الفساد ، ومنعه من الظلم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارته بالإمام من آل محمد وفي أحاديث عديدة منها ما ورد (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْ النَّاسِ وَزَلَازِلَ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الْأَرْضِ يَقْسِمُ الْمَالَ صِحَاحًا)( ).
وبالإسناد عن سلمان الفارسي في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة (إن الله تعالى اختارني من أهل بيتي ، واختار عليا والحسن والحسين وأختارك ، فأنا سيد ولد آدم ، وعلي سيد العرب ، وأنت سيدة النساء ، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ومن ذريتكما المهدي ، يملأ الله عز و جل به الأرض عدلا كما ملئت من قبله جورا)( ).
و(أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضبّ لدخلتم ، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه)( ).
تيسير المعاملات
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأسيسه للقواعد العامة لأحكام المعاملات من البيع والسراء ، والنكاح وعقد الإجارة ، والقرض ، وفك الخصومة وغيرها ، وتيسير هذه القواعد ، قال تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، ومن خصائصه وجوه :
الأول : حضور السنة النبوية القولية والفعلية في أنواع المعاملات .
الثاني : السنة النبوية في المعاملات مرآة لآيات القرآن ، ومن إعجاز القرآن بيانه للأحكام الشرعية في المعاملات ، فمثلاً أطول آية في القرآن هي آية الدَين ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ والدَين والتداين والمداينة هو ما ثبت في الذمة من ثمن بيع أو أجرة أو مهر أو قرض وغيره .
وعن ابن عباس قال (قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث فنهاهم وقال من أسلف سلفا فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)( ).
وفي الوقت الذي كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد حرمة الربا لآيات عديدة تحرم الربا منها قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )( )، فقد كان يوصي بحسن وتيسير القضاء مع الترغيب به ، ويقوم به بنفسه ليقتدي المسلمون بالسنة الفعلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن الصحابي (أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استسلف من رجل بكرا فأتاه يتقاضاه بكره فقال لرجل انطلق فابتع له بكرا فأتاه فقال ما أصبت الا بكرا رباعيا خيارا قال أعطه فإن خير المسلمين أحسنهم قضاء)( ).
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (خيركم خيركم قضاء) أي يؤدي في الأجل مع القدرة من غير تسويف وبأحسن مما اقترض ويزيد في العطاء ، ولبيان أن هذه الزيادة ليست من الربا .
قانون الدنيا دار الإستغفار
لقد نزلت آيات القرآن بالأمر للناس عامة والمسلمين بالإستغفار ، قال تعالى وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى… لبيان المنافع العاجلة للإستغفار ، وأنه نعمة عظمى ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الإستغفار .
و(وفي الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة)( ).
لبيان موضوعية الإستغفار في محو الذنوب ، والإجماع على عصمة الأنبياء ، والمختار عصمة النبي من الكبائر والصغائر ، ومع هذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الإستغفار لنفسه ولأمته ، إذ قال (أني لأتوب في اليوم سبعين مرة) مع إرتقائه في منازل الكمال ، وفيه ترغيب لأجيال الأمة بالإستغفار وإرشادهم للحاجة إلى إليه .
وفي خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ.
ولفظ المؤمنين جمع انحلالي ينحل بعدد افراد المؤمنين وكذا بالنسبة للفظ المؤمنات وهو مستغرق لافرادهم في كل زمان من أيام أبينا آدم إلى يوم القيامة ،وهل يشمل استغفار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأنبياء السابقين والمؤمنين من الأمم السابقة ، الجواب نعم .
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الإستغفار في المجلس الواحد بمرأى ومسمع من الصحابة (فكان يُعدُّ له صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد استغفار مائة مرّة)( ).
وقد نزل عليه قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا*لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وانزلت هاتان الآيتان عند انصراف النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلح الحديبية ، كما نزلت سورة النصر قبل أشهر من انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، وفيها قوله تعالى فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا .
وعن (أبي بردة عن أبيه عن جده قال جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن جلوس فقال ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مائة مرة)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام مسائل :
الأولى : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الإستغفار والمواظبة اليومية عليه .
الثانية : جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمنع الغلو بشخصه الكريم ، إذ يدل الإستغفار على العبودية لله عز وجل ، والحاجة إلى رحمته وعفوه .
الثالثة : اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإستغفار دعوة للمسلمين للإقتداء بشخصه الكريم في الإستغفار .
الرابعة : من السنة النبوية بيان حاجة المسلم للإستغفار ، والترغيب بالإستغفار لمن مات على الإيمان .
و(عن أنس بن مالك قال : لما مات النجاشي قال النبي صلى الله عليه وسلم : استغفروا لأخيكم ، فقال بعض الناس : يأمرنا أن نستغفر له وقد مات بأرض الحبشة ، فنزلت [وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ] ( ))( ).
الخامسة : مع عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الذنوب فانه يجتهد في الإستغفار ، ويواظب عليه كل يوم.
السادسة : قانون ابتداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومه بالإستغفار مدرسة وموعظة .
وعن الإمام علي عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)( ).
ويسمى هذا الدعاء دعاء الإستفتاح .
السابعة : بيان النبي بالسنة القولية والفعلية لقانون الدنيا دار الإستغفار .
الثامنة : تنمية ملكة الإستغفار عند أجيال المسلمين ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ… فليس من أمة أكثر من المسلمين بالإستغفار كل يوم .
التاسعة : قانون السنة النبوية مرآة للقرآن إذ يترجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم آيات الإستغفار عملياً .
أحاديث الفتن
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار وابتلاء ، وأسباب الفرح والحزن مما يلزم المؤمن التحلي بالصبر والإستجارة بالذكر وأداء الفرائض ، ومن طبيعة الإنسان رغبته في استكشاف المستقبل ، وما يحتمل من الوقائع والأحداث في قادم الأيام .
فجاءت الأحاديث النبوية لتبعث المسلمين على الصبر والتحمل والتدبر ، والثبات على الإيمان ورجاء فضل الله وأخذ الحائطة والحذر سواء في فتن الشبهات ، أو فتن الحروب ، أو فتن الشهوات ، أو فتن الأموال والغنى والفقر ، والأمرة والحكم .
و(عن يحيى بن سعيد ، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال : دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يُقطع لهم البحرين، قالوا: لا إلا أن تُقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها ، قال : إما لا فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي أثرة)( ).
(وفي رواية : ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)( ).
وفيه إخبار عما يتعرض له الأنصار من قلة العناية بهم مع صبرهم وجهادهم في سبيل الله ، ودعوة لهم لملازمة الصبر حتى بعد الفتح وانقطاع الشرك في الجزيرة .
ومن الأحاديث النبوية في الفتن (أخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان قال : يكون فتنة فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب ، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب ، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب ، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب ، ثم تكون الخامسة وهي مجللة تنشق في الأرض كما ينشق الماء)( ).
لبيان تعدد الفتن التي تنزل بالمسلمين ، وزوالها مع شدة آخرها.
وعن (حذيفة بن اليمان والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة وما بي إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدثه غيري ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن .
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يعد الفتن منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار ، قال حذيفة : فذهب أولئك الرهط كلهم غيري)( ).
و(أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يكون في هذه الأمة أربع فتن آخرها الغناء)( ).
وعن (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُعُودًا فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ ذِكْرَهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ .
فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ قَالَ هِيَ فِتْنَةُ هَرَبٍ وَحَرَبٍ ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَلُهَا أَوْ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي إِنَّمَا وَلِيِّيَ الْمُتَّقُونَ ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ .
ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً فَإِذَا قِيلَ انْقَطَعَتْ تَمَادَتْ.
يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا.
حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطُ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطُ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ إِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ الْيَوْمِ أَوْ غَدٍ)( ).
وعن (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَهُ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى سَفَرٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً فَمِنَّا مِنْ يَضْرِبُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِى جَشَرِهِ( ) وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ إِذْ نَادَى مُنَادِى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ جَامِعَةً.
قَالَ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَيَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِىٌّ قَبْلِى إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ أَلاَ وَإِنَّ عَافِيَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ فِى أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَفِتَنٌ يُدَفِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا تَجِىءُ الْفِتَنُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِى ثُمَّ تَنْكَشِفُ.
ثُمَّ تَجِىءُ فَيَقُولُ هَذِهِ هَذِهِ ثُمَّ تَجِىءُ فَيَقُولُ هَذِهِ هَذِهِ ثُمَّ تَنْكَشِفُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْتِى إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ)( ).
و(أخرج ابن خزيمة والحاكم عن العداء بن خالد قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ قام قومة له كأنه مفزع ثم رجع فقال : أحذركم الدجالين الثلاث)( ).
وعن ابن مسعود (بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد أخبرتنا عن الدجال الأعور ، وعن أكذب الكذابين ، فمن الثالث ، فقال : رجل يخرج في قوم أولهم مثبور ، وآخرهم مثبور ، عليهم اللعنة دائبة في فتنة الجارفة ، وهو الدجال الأليس يأكل عباد الله)( ).
مثبور أي هالك ، وذاهب الى زوال ، وورد مرة واحدة في القرآن في إنذار موسى عليه السلام لفرعون وهو في عرشه وسلطانه وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا.
و(أخرج الحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب: ستكون فتنة تحصل الناس منها كما يحصل الذهب في المعدن فلا تسبوا أهل الشام وسبوا ظَلَمَتَهُمْ ، فإن فيهم الأبدال ، وسيرسل الله سيباً من السماء فيغرقهم حتى لو قاتلهم الثعالب غلبتهم .
ثم يبعث الله عند ذلك رجلاً من عترة الرسول عليه الصلاة والسلام في إثني عشر ألفاً إن قلوا أو خمسة عشر ألفاً إن كثروا أمارتهم أن علامتهم أمت أمت على ثلاث رايات يقاتلهم أهل سبع رايات ليس من صاحب راية إلا وهو يطمع في الملك .
فيقتلون ويهزمون ثم يظهر الهاشمي فيردّ الله على الناس إلفتهم ونعمتهم فيكونون على ذلك حتى يخرج الدجال)( ).
و(أخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن جبير بن نفير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لتستصعبن الأرض بأهلها حتى لا يكون على ظهرها أهل بيت مَدَر ولا وبر.
وليبتلين آخر هذه الأمة بالرجف فإن تابوا تاب عليهم ، وإن عادوا عاد الله عليهم بالرجف والقذف والمسخ والصواعق)( ).
و(عن سماك عن رجل يقال له مثنى قال جاء قس( ) إلى علي فسجد له فنهاه وقال اسجد لله قال فقال سلوه متى الساعة فقال لقد سألتموني عن أمر ما يعلمه جبريل ولا ميكائيل ولكن إن شئتم أنبأتكم بأشياء إذا كانت لم يكن الساعة كبير لبث إذا كانت الألسن لينة والقلوب نيازك ورغب الناس في الدنيا وظهر البناء على وجه الأرض واختلف الاخوان فصار هواهما شتى وبيع حكم الله بيعا)( ).
سلاح ضد الرجال دون النساء
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره بأن من أشراط الساعة صيرورة أعداد النساء أضعاف عدد الرجال (عن أنس بن مالك قال ألا أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم أحد بعدي سمعه منه أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفشو الزنى ويشرب الخمر ، ويذهب الرجال ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد)( ).
ولعل فيه إشارة إلى هلاك الرجال في الحروب والإقتتال ، وهل يمكن تصور صناعة سلاح يقضي على الرجال دون النساء بلحاظ الجينات ونحوها ، المختار نعم .
ومنه احتمال التحكم بجنس المولود وإن لم يكن بالدقة العقلية .
ومن بديع خلق الله للناس النسبة المتقاربة بين الرجال والنساء في الولادات والمجتمعات في كل زمان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرام البنت المولودة ، والترغيب بتلقي ولادة البنت بالرضا والغبطة ، وقد تقدم أن من خصائصه القضاء على الوأد ، إذ نزل قوله تعالى وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
وهل يتضمن الحديث الإخبار عن التحكم بولادة جنس الجنين طبياً وعلمياً ، المختار نعم ، وهل من علامات آخر الزمان ميل الناس لولادة البنت ، في بعض الأمصار ، المختار نعم.
فلا يعني الإخبار النبوي الإطلاق والعموم ، ولعله يصدق على بلد أو زمان مخصوص.
رفع العلم
من الإعجاز في الشريعة الإسلامية إعطاء موضوعية لخصوص التفقه في الدين وطلب العلم في الميادين المختلفة حتى في زمن الحرب والقتال ومسك الثغور ، قال تعالى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
مع بيان وظيفة الفقهاء في بيان الأحكام ، والإنذار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه مسائل :
الأولى : لم تقل الآية (وما كان الذين آمنوا لينفروا) لأن المنافقين والضلال يدخلون في صفة الذين آمنوا كما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام .
الثانية : لم تقل الآية (وما كان المسلمون) لأن النسبة بين المسلمين والمؤمنين عموم وخصوص مطلق ، والمؤمنون أخص .
الثالثة : بيان الشأن العظيم لمرتبة الفقاهة في الدين ، والقيام بالتبليغ والإنذار العام .
الرابعة : وردت الآية بصيغة الجمع ، وذكر الطائفة مما يدل على التعدد في التفرغ لطلب العلم ، وليس كما ذهب إليه بعضهم بأن المراد من الطائفة الشخص الواحد أيضاً .
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على حجية خبر الواحد لإفادة الطائفة لغة معنى الشخص الواحد ، ولكن وردت الآية بصيغة الجمع وعلى نحو متعدد .
وقد ذكرت في الجزء الثاني من كتابي الموسوم (معراج الأصول) واستدلال بعضهم بالآية للقول بأن لفظ الطائفة يطلق على الواحد فما فوقه، ولكن إستعماله في الواحد خلاف الظاهر والمتبادر من اللفظ المتعدد في الأمر المتحد , وهو من علامات الحقيقة، وكذا هو خلاف المنصرف في الأذهان من المراد من الذين يجب أن يتفقهوا ويعلموا الأحكام .
فلابد من الرجوع إلى الكتاب الكريم والصدور عنه وهو شاهد على سلامته من التحريف، وأن السنة لا تنسخه.
بالإضافة إلى ما ورد في الآية بصيغة الجمع [لِيَتَفَقَّهُوا] [َلِيُنْذِرُوا] و[قَوْمَهُمْ] [إِذَا رَجَعُوا] مما يدل على إرادة معنى الجماعة والمتعدد من لفظ الطائفة.
وفيه دعوة لعلماء الأصول للصدور عن القرآن وتفسيره.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه المعلم الأول ومؤسس علم التفسير والفقه والأصول والكلام بتفسيره للقرآن وبالسنة النبوية المترشحة عن الوحي موضوعاً وحكماً وغاية .
ومن خصائصه تحذيره وبيانه لعلامة من علامات الساعة برفع الِعلم مع بيان كيفية هذا الرفع بموت العلماء من غير أن يرث علمهم غيرهم ، إذ قال (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العلماء ولكن يقبض العالم بعلمه فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)( ).
لبيان الحاجة للعمل بآية النفر ، والعناية بالعلم والعلماء ، وهل الذكاء الإصطناعي وقيامه مقام العالم من رفع العلم والإكتفاء به ، الجواب لا ، فقد يكون عوناً للعلماء .
نور النبوة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة المعجزة العقلية والحسية له من حين بعثته وتوالي نزول آيات القرآن عليه إلى أوان مغادرته إلى الرفيق الأعلى .
ليكون من خصائصه صيرورة المعجزة وسيلة سماوية مباركة لدخول الناس الإسلام ، وواقية له من القتل والإغتيال ، فان قيل كيف كانت هذه المصاحبة ، الجواب من جهات :
الأولى : ملازمة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الثانية : نزول آيات القرآن بخصوص الوقائع والأحداث ، ويسمى في الإصطلاح (أسباب النزول) .
الثالثة : توالي المعجزات الحسية سواء قبل الهجرة أو بعدها ، وذكر الناس لها ، وصيرورتها وآيات القرآن حديث الركبان ، وهذا الذكر العام من خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء والرسل .
الرابعة : فضل الله بتهيئة مقومات الظفر والنصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وصرف الضرر عنه ، قال تعالى َلنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى...
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة الأنبياء السابقين برسالته ، وتطلع مؤمني الأمم السابقة لأيامه ، ومنهم من يتخذ حساب وسير النجوم علامات لبعثته ودلائل النبوة، قال تعالى وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ.
وفيه شواهد عديدة ، وبالإسناد (عَنْ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ وَاَللّهِ إنّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ أَعْقِلُ كُلّ مَا سَمِعْت ، إذْ سَمِعْتُ يَهُودِيّا يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أَطَمَةٍ بِيَثْرِبَ يَا مَعْشَرَ يَهُودِ حَتّى إذَا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ قَالُوا لَهُ وَيْلَكَ مَا لَك .
قَالَ طَلَعَ اللّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدِ الّذِي وُلِدَ بِهِ ، قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَقُلْت : ابْنُ كَمْ كَانَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَقْدَمَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ .
فَقَالَ ابْنُ سِتّينَ ( سَنَةً ) ، وَقَدِمَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَسَمِعَ حَسّانُ مَا سَمِعَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ)( ).
وهل كان من هذه البشارة علم الأنبياء بمصاحبة المعجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدداً من عند الله لدخول الناس الإسلام ، المختار نعم ، فلابد أن هذه البشارة المتواترة والمتوارثة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتضمن ترسيخ مبادى التوحيد في الأرض .
وعن (ابن عباس قال لما انطلق عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من أهل تبالة متهودة قد قرأت الكتب يقال لها فاطمة ابنة مر الخثعمية فرأت نور النبوة في وجه عبد الله.
فقالت يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل فقال عبد الله :
أما الحرام فالممات دونه … والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه
ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فأقام عندها ثلاثا ثم إن نفسه دعته إلى ما دعته إليه الكاهنة .
فأتاها فقالت يا فتى ما صنعت بعدي فأخبرها فقالت والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبى الله أن يصيره إلا حيث أراد)( ).
قانون بشارة النبي (ص) وحي
لقد ورد قوله تعالى [مَا أَرْسَلْنَاكَ] سبع مرات في القرآن كلها خطاب من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع تعدد موضوع الرسالة في هذه الآيات لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضوعية رسالته في التأريخ وحب الله عز وجل ونصرته له في تبليغ أحكام رسالته ، ومنها وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
وتأتي البشارة في القرآن وأخرى في السنة النبوية ، ومنها إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالنصر يوم معركة بدر قبل بدء المعركة.
فمن خصائص بشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه أنها شعبة من الوحي ، لذا تلقاها الصحابة بالقبول والرضا ، والعزم على ملاقاة المشركين ، ليتحقق الإمتثال لقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ.
والنسبة بين حب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأمته وبين بشاراته لهم عموم وخصوص مطلق ، وهو من مصاديق قوله تعالى حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
وعندما هجمت جحافل الأحزاب على المدينة ، قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بحفر خندق حولها بمشورة من سلمان المحمدي ، وجعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كل عشرة من الصحابة يحفرون أربعين ذراعاً .
(قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الانصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى ظهرت لنا صخرة بيضاء مروة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية، فأخبره عنها، فجاء فأخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها – يعنى المدينة – حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك.
وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك النور، فقال: لقد أضاء لى من الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها، ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها.
ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها فأبشروا، واستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صادق.
قال: ولما طلعت الاحزاب قال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما.
وقال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق لا نستطيعون أن تبرزوا فنزل فيهم وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ))( ).
النهي عن الترويع
الترويع هو الإفزاع ، وأدخل الروع في قلبه : أفزعه ، وفي التنزيل فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى.
والمختار أن النسبة بين التخويف والترويع عموم وخصوص مطلق ، وأن الترويع أمر طارئ مفاجئ وغالباً ما يكون سريع الزوال .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نهيه عن ترويع الناس وعن أسباب الإخافة العامة .
وعن (عبد الرحمن بن أبى ليلى قال حدثنا اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم انهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنام رجل مهم فانطلق بعضهم إلى احبل معه فأخذها ففزع فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل لمسلم يروع مسلما)( ).
وعن أبي أمامة في حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان ينهى عن ترويع وتخويف الناس ، قال تعالى وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا لقد أتى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن الكتاب السماوي الذي يدعو إلى السلم والتراحم ، وإعطاء الأولوية لأداء الفرائض العبادية ، والإمتناع عن الإضرار بالناس .
فكانت السنة النبوية سلاماً وأمناً ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إشاعته صيغ العفو والصفح التي نزل بها القرآن وبصيغة الأمر ، قال تعالى فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
وهذا الأمر الإلهي خاص لفظاً ، عام حكماً ، ومن إعجاز القرآن تأكيد الآية القرآنية للحكم الوارد في آية أخرى .
وجاء ذات الأمر إلى جميع المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة بقوله تعالى فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
التأويل النبوي فرع الوحي
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم الناس بتأويل الرؤيا وتعبيرها. مثلما كان يوسف عليه السلام وتأويله لرؤيا السجينين ، ثم رؤيا الملك ، وصيرورة تأويله الرؤيا سبباً للخروج من السجن ، والفوز بالوزارة المطلقة في مصر ، قال تعالى وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، ومن قبله يعقوب في رؤيا يوسف وتأويلها ، وإبراهيم عليه السلام.
ولقد كان هذا العلم الذي آتاه الله رسولـه صلى الله عليه وآله وسلم من بين مستلزمات النهوض بأعباء الرسالة وشؤون الإسلام وبناء دولته.
ليكون من مصاديق دعاء إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ رجاء اتباع قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثته لعمومات قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، وتأويل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرؤيا من أفراد ما ينطق به .
ليكون من خصائصه قانون تأويل النبي محمد للرؤيا شعبة من الوحي ، ومدرسة للهداية ، وبيان لموضوعية الرؤيا في كشف الحقائق وإنارة سبل الرشاد ، والتوقي من الشرور .
وتأويل الرؤيا أيام النبوة على أقسام :
الأول : نزول القرآن بالرؤيا وبيان صدقها وتأويلها وتحقق مصداقها ، قال تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا.
(وعن سمرة قال : كان النبي صلى الله عليه وآله كلما أصبح أقبل على أصحابه بوجهه فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ وإن النبي صلى الله عليه وآله أصبح ذات يوم فقال: رأيت في المنام عمي حمزة وابن عمي جعفرا جالسين وبين يديهما طبق تين وهما يأكلان منه فما لبثا أن تحول رطبا فأكلا منه، فقلت لهما. فما وجدتما أفضل الاعمال في الاخرة ؟ قالا: الصلاة وحب علي بن أبي طالب وإخفاء الصدقة)( ).
وتقييد ذكر الرسول في الآية لبيان قانون تحقق رؤيا الرسول ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقي المسلمين رؤياه بالقبول والرضا والعمل وفق أحكام الرؤيا النبوية .
الثاني : يروي النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين رؤيا رآها ثم يقوم بتاويلها وتعبيرها لتكون نبراساً لهم وبشارة وأملاً ومنعاً للخوف والقنوط من التسلل الى نفوسهم كجزء من وظائفه الرسالية، فهو صلى الله عليه وآله إذا سُئل أجاب ، وان لم يُسأل تكلم ابتداءً اذ يؤدبهم ويعلمهم وفق مناسبة الزمان والمكان والموضوع وهو من مصاديق قوله تعالى كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.
الثالث : مجئ الصحابة برؤاهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقوم بتأويلها ، فيكون تنجز هذا التأويل في الخارج شاهداً على صدق رسالته وهو شعبة من الوحي .
الرابع : سؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بعد صلاة الصبح هل رأى أحد منكم رؤيا .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة إستغفاره بعد الصلاة.
توثيق الرؤيا لصفات النبي (ص)
و(عن أنس : أن رسول الله قال من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي وقال ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)( ).
وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال (فحدثت به ابن عباس ، وأَخبرته أَني قد رأَيته فقال : رأَيته ، قال: إِي واللّه لقد رأَيته.
قال: فذكرت الحسن بن علي عليهم السلام فقلت: إِني والله لقد ذكرته وتُقْيَاهُ في مشْيَته ، فقال ابن عباس : إِنه كان يشبهه)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من تمثل الشيطان في صورته فيما يراه المسلمون في المنام .
الثاني : زيارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين في الرؤيا ، وهو أمر وجداني حاضر في كل زمان ، ويكون موضوعه من مصاديق يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
الثالث : بيان شبه الحسن بن علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و(عن سلمان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحسن والحسين ابناي ، من أحبهما أحبني ، ومن أحبني أحبه الله ، ومن أحبه الله أدخله الجنة ، ومن أبغضهما أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار)( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخباره بأن الحسن والحسين ابناه وحضه المسلمين وعامة الناس على حبهما ، وهو من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ.
وهل في هذا الحديث زجر وإنذار ونهي عن قتل الحسين عليه السلام في كربلاء ، الجواب نعم .
وعن (سلمى المدنية قالت : دفع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ام سلمة قارورة فيها رمل من الطف .
وقال لها: إذا تحول هذا دما عبيطا فعند ذلك يقتل الحسين، قالت سلمى: فارتفعت واعية من حجرة ام سلمة، فكنت أول من أتاها، فقلت: ما دهاك يا ام المؤمنين .
قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام والتراب على رأسه.
فقلت : ما لك ، فقال: وثب الناس على ابني فقتلوه، وقد شهدته قتيلا الساعة، فاقشعر جلدي فوثبت إلى القارورة، فوجدتها تفور دما قالت سلمى : فرأيتها موضوعة بين يديها)( ).
قانون عجز المشركين عن حجب الناس عن النبي (ص)
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الوظائف العقائدية التي أمره الله عز وجل بها ، وإخلاصه في التفاني في إنجازها ، منها قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لبيان خصائص إضافية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومائز على الأنبياء السابقين ، إذ كانوا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ بينما أمتاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشهادة على الناس إلى جانب قيامه بالبشارة والإنذار.
وتدل الآية أعلاه من سورة الأحزاب على فضل الله في تمكين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من تبليغ رسالته ، والإلتقاء بالناس ، وتصحيح أفعالهم ، وقيامه بالأمر والنهي بآيات القرآن وبالوحي الذي يتجلى بالسنة النبوية القولية والفعلية.
ولما نزلت السور المكية التي تتضمن ذم الذين كفروا ، ولحوق الخزي بالذين عبدوا ويعبدون الأوثان .
أشتد أذى قريش ورؤسائها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ، وشمل الأذى والتعذيب الصحابة لوجوه :
الأول : إرادة قريش حمل الصحابة الأوائل على الإرتداد .
الثاني : إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه .
الثالث : منع الناس من دخول الإسلام .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون بلوغ دعوته الرسالية إلى عامة الناس ، وعجز المشركين عن منع الناس عن العلم برسالته ، والميل إليها ، وهذا العجز بلطف وفضل من الله عز وجل ، ومنه نزول الآيات والسور المكية قليلة الكلمات تنفذ إلى شغاف القلوب .
والتي اتصفت بالدعوة إلى التوحيد ، وحرمة الشرك ، ولزوم إجتناب عبادة الأوثان التي كانت شائدة في الجزيرة ، فادرك الناس أن النبوة حق ، وأنها ضياء يطرد الظلمة ، ويزيح الغشاوة عن البصائر والأبصار .
وكان الأولى برجالات قريش المبادرة إلى تصديق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو آمنوا لبقي لهم شأنهم وأموالهم ، ولم يسقط منهم سبعون قتيلاً في معركة بدر مع لحوق الخزي بهم وبالذين انهزموا منقلبين إلى مكة ، ومن صفات المنهزم عجزه عن التأثير أو السلطان على الناس ، لتكون معركة بدر بداية لنصر الرسالة ونفاذها إلى المجتمعات والقلوب ، وزوال الذلة والضعف والإستضعاف عن المسلمين ،وهو من مصاديق نسبة النصر فيها إلى الله عز وجل ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يأمر بعض الصحابة بتعليم الداخلين في الإسلام أحكام الدين ، وآيات القرآن ، وكيفية الصلاة ، ولم يتركهم وشأنهم ، وتارة يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه بتعليم الأفراد أحكام الشريعة .
و(عن فضالة الليثي ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إني أريد الإسلام فعلمني شرائع من شرائع الإسلام ، فذكر الصلاة وشهر رمضان ومواقيت الصلاة .
فقلت : يا رسول الله إنك تذكر ساعات أنا فيهن مشغول ، ولكن علمني جماعا من الكلام ، قال : إن شغلت فلا تشغل عن العصرين ، قلت : وما العصران ، ولم تكن لغة قومي ، قال : الفجر والعصر)( ).
تلقي الملوك كتب النبي (ص) بالقبول
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بالكتابة إلى ملوك وأمراء عصره بعد صلح الحديبية الذي تم في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن بعض الملوك كان ينتظر نبوته ، وتوارث أخبارها وعلامات نبي آخر الزمان من ميراث الأنبياء ، وهذا التوارث من مصاديق قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
لبيان خصيصة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقانون توارث الأجيال للبشارة برسالته ، ومنه تلقي هرقل ملك الروم كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والرضا ، والسؤال عن علاماتها ، وتصديقه لها .
فلم يهمل هرقل كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولابد أن أخبار نبوته قد وصلت إليه وإلى حاشيته خاصة مع تضاؤل قدوم قوافل التجارة من مكة والجزيرة مع حاجة الروم تجارياً لتسوقهم من الشام ، ولحملهم البضائع القادمة من الهند والصين بواسطة اليمن مع إنقطاع الطريق البري عبر العراق لنشوب الحرب بين الروم وفارس.
والتي وثقها القرآن وأخبر بإعجاز عن كون خاتمتها تعضيداً للمسلمين بنصر أهل الكتاب وهم الروم .
فطلب هرقل من رجاله باحضار جماعة من قوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممن في الشام ، فاحضر أبو سفيان وجماعة كانوا تجاراً.
وقد روى أبو سفيان على عبد الله بن عباس تفاصيل حضوره بين يدي هرقل ملك الروم ، وأمر ترجمانه بسؤالهم عدة أسئلة .
وكانت فترة هدنة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكفار قريش ، فكانت مضامين أسئلة هرقل لأبي سفيان محدودة ، ويتضمن الجواب عليها الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان أبوسفيان يخشى الكذب وتكذيب قومه الذين حضروا معه ، ولكنه بادر إلى ذكر مسألة الإسراء للإنتقاص من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال (أيها الملك إلا أخبرك خبراً تعرف به أنه قد كذب قال وما هو .
قلت إنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا ارض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح قال وبطريق إيلياء عند رأس قيصر .
فقال قد علمت تلك الليلة قال فنظر إليه قيصر و قال وما علمك بهذا.
قال إني كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول جبلا .
فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى فرجعت وتركت البابين مفتوحين .
فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب وإذا فيه أثر مربط الدابة فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي وقد صلى الليلة في مسجدنا هذا .
فقال قيصر لقومه يا معشر الروم ألستم تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة نبي بشركم به عيسى ابن مريم ترجون أن يجعله الله فيكم قالوا بلى.
قال فإن الله جعله في غيركم في أقل منكم عددا وأضيق منكم بلدا وهي رحمة الله عز وجل يضعها حيث يشاء)( ).
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن المشرك الذي يريد أن ينتقص منه ، ينقلب الأمر إلى عز وفخر وشهادة بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد أراد أبو سفيان وأصحابه بكثرة أسفارهم تحريف الحقائق وطمس شواهد التنزيل لذا ورد ذمهم والتحذير من الإفتتان بهم ، قال تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ )( )، فأبى الله إلا أظهار معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
قانون السعي للصلح
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سعيه للصلح مع أهل الكتاب كاليهود والنصارى ، ومع المشركين والصلح بين المتحاربين ذو منافع منها :
الأول : إنه سلام.
الثاني : فيه وقف للقتال.
الثالث : الصلح وقف لنزيف الدم.
الرابع : فيه تحريك للإقتصاد والتجارة.
الخامس : فيه منع لاتصال القتل والكدورات والعداوات ، ومن خصائص صلح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع غيره أنه مناسبة لنشر مبادئ الإسلام ، وبلوغ آيات القرآن للناس ودخولها المنتديات والبيوت ، وتدبر الناس في معجزاته ، وإدراكهم لصدق رسالته .
لذا أمر الله عز وجل المسلمين بالمبادرة إلى الصلح وقبول الدعوة إليه ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وليكون المعنى للفظ (كافة) وجوه :
الأول : ارادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة.
الثاني : أمراء السرايا من المسلمين .
الثالث : أجيال المسلمين .
الرابع : الناس كافة.
والصحيح هو الوجوه الثلاثة الأولى أعلاه .
وقد سُمي صلح الحديبية غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما عن الشعبي إذ قال بخصوص قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، أن الآية (نزلتْ بالحديبيةِ وأصاب رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الغزوةِ ما لم يُصِبْ في غزوةٍ حيثُ أصاب أن بويعَ بَيعةَ الرضوانِ ، وغُفرَ له ما تقدمَ من ذنبِه وما تأخرَ ، وبلغ الهديُ محِلَّه ، وأُطعِموا نخلَ خيبرَ ، وظهرت الرومُ على فارسَ ففرحَ به المسلمون) ( )( ).
وليس هي غزوة موضوعاً وحكماً ، إذ خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة لأداء العمرة بسلاح الراكب ، السيوف في الغمد بقصد أداء العمرة في شهر حرام وهو شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، وعادوا إلى المدينة في شهر ذي الحجة من ذات السنة ، وهو أيضاً شهر حرام.
مصاديق السلام في الحديبية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية أمور :
الأول : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لأداء العمرة بعد قيام المشركين بالهجوم والغزو في معركة الخندق.
الثاني : مسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للعمرة إعلان للسلام وطلب له ، ودعوة لنبذ القتال .
الثالث : عدم حمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه السيوف والأسلحة والدورع والخوذ.
حتى على القول بأنهم جاءوا بها ، وجعلوها بعيدة عن الحرم مع حرس عليها إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في موضع الحديبية ، وليس معهم إلا سلاح المسافر –السيوف في القرب- وخيل المشركين تحيط بهم.
الرابع : إعلان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استعداده للصلح ، وقال حالما وصل الحديبية قال (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)( ) وفيه تهيئة لأذهان الصحابة للصلح ، وإن تضمن التنازل ، فالملاك هو تعظيم شعائر الله .
الخامس : جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحقن الدماء ، ونشر الأمن ، وتنشيط الأسواق وعمارة البيت الحرام ، والسلامة في الطرقات العامة.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الحديبية وقبل عقد الصلح (لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها)( ).
السادس : تجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية وهي من مصاديق السلام ، فحينما نزل المسلمون في موضع الحديبية لم يكن هناك ماء ، وان وجد فهو قليل يكفي للمسافرين وللقوافل في مرورها ويكون عدد أفرادها في الغالب ثلاثين أو أربعين رجلاً ، أما أن يأتي ألف وأربعمائة صحابي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقيمون نحو عشرين ليلة في الموضع وحاجتهم للماء أكثر من غيرهم فهو أمر نادر ، وفيه إبتلاء.
إذ يلزمهم للوضوء وغسل الجنابة وعموم الطهارة ، وإن كان يكفي التيمم والطهارة الترابية عند تعذر الماء (فقيل له: يا رسول الله، ليس بالوادي ماء ، فأخرج سهماً من كنانته، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء ، حتى كفى جميع أهل الجيش.
وقيل: إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب ابن عمير بن يعمر بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقيل : بل نزل به البراء بن عازب)( ).
بشارة آدم بالنبي محمد (ص)
يتضمن قوله تعالى وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، بشارة الرسول عيسى عليه السلام برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبينهما نحو ستمائة سنة .
فهل هذه البشارة تختص بعيسى عليه السلام وأنها من قانون كل رسول يبشر بالرسول الذي يأتي بعده ، أم أنها مثال قريب على بشارة الأنبياء السابقين برسالته .
المختار هو الثاني ، ولا ينحصر الأمر بالإستصحاب القهقري والذي لم يثبت في علم الأصول ، إنما تشريع هذه البشارة من أيام آدم عليه السلام فضل ولطف من عند الله عز وجل .
لقد بلغت الكمالات الإنسانية غايتها بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو سيد البشر، جعله الله تعالى خاتم النبيين وسيد المرسلين ومن صفات الله تعالى الثبوتية أنه عالم، عالم بكل شيء، يعلم الحوادث والجزئيات قبل حدوثها بعلمه الأزلي، وتغير المعلومات لا يعني أبداً تغير ذاته، لأن التغير في الإضافات وهي أمور إعتبارية لا أثر لها في العلم الذاتي.
ولقد وردت نصوص كثيرة تؤكد إقرار آدم عليه السلام بمنزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى السماء، فقال : أسألك بحق محمد الا غفرت لي، وأوحى الله إليه : ومن محمد؟ قال : تبارك إسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فاذا فيه مكتوب لا اله الا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس احد عندك أعظم قدراً ممن جعلت إسمه مع إسمك ، فأوحى الله اليه : يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك ولولاه ما خلقتك)( ).
وعن أبي بن كعب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن آدم لما حضرته الوفاة أرسل الله إليه بكفن وحنوط من الجنة ، فلما رأت حواء الملائكة جزعت فقال : خليّ بيني وبين رسل ربي . فما لقيت إلا منك ، ولا أصابني الذي أصابني إلا منك)( ).
ومن وظائف النبوة التبشير بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليتطلع الناس جميعاً إلى إشراقة الإسلام ويستعدوا للحفاظ على أحكامه بنصرة سيد الأنبياء وتصديقه،إنه مدد إلهي سابق للإسلام في زمانه وحجة على تلك الأجيال.
وفي قوله تعالى إن اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، ذكر أنه غاية التشريف وهو أبلغ من تشريف آدم بسجود الملائكة له ، فهذا التفضيل هو اتخاذ آدم قبلة طاعة لله عز وجل .
ويتصل تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالآخرة حيث الدرجة الرفيعة والمقام الموعود الذي ينعم الله عز وجل به عليه دون غيره .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة)( )،إنه إخبار وبشارة وعنوان إكرام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين عامة اذ يلتقون بعرض واحد مع الأنبياء في الإنضمام للواء الحمد والنبوة.
ولعل في حديث الإسراء والتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء الذين سبقوه مناسبة لتجديد ميثاق الأنبياء وعهدهم للإقرار بتقدمه في منازل العز والفخر ومراتب السمو.
لقد كانت أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء مطلقاً وآدم عليه السلام خاصة في باب المعجزة معروفة وظاهرة لتكون بياناً لدوام الإكرام وتمام الحجة .
ففي الخرايج عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام أن يهودياً سأل الإمام علي عليه السلام عن معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقابل معجزات الأنبياء فقال : هذا آدم أسجد الله له ملائكته فهل فعل بمحمد شيئاً مثل هذا .
فقال علي عليه السلام : لقد كان ذلك ولكن أسجد الله لآدم ملائكته لم يكن سجود طاعة أو أنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل، ولكن إعترافاً لآدم بالفضيلة ورحمة من الله له، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم أعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله جل جلاله صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبّد المؤمنين بالصلاة عليه فهذا زيادة له يا يهودي).
خاتم آدم
لقد أكرم الله عز وجل آدم بأن خلقه في الجنة ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة بالسجود له ، واتخاذه قبلة وهو أول من عمرَ الأرض ، وآدم نبي رسول كما ورد في حديث أبي ذر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد أجمع المسلمون على أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على آدم، وفي القرآن والسنة شواهد كثيرة ومصاديق تؤكد سيادته وتقدمه رتبة في درجات النبوة والرسالة .
وآدم عليه السلام الذي جعله الله عز وجل خليفة في الأرض ، قال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، اتخذ آدم له خاتماً .
وعن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال (كان نقشه لا إله الا الله محمد رسول الله ، وهذا الخاتم هبط معه من الجنة)( ).
وفيه شواهد مما يختص به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : دعوة أبي البشر لسيد النبيين ويبشر برسالته، ويجعل موضوعها زينة له ووساماً، قال تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ.
وستبقى بعثته نعمة تكوينية وتشريعية تتغشى الناس جميعاً وتدعوهم للهدى , فهو الطريق إلى الجنة والرافد المبارك لدوام الحياة على الأرض، وهو الإفاضة السماوية التي ينتفع منها كل إنسان وإن لم يقر بالنبوة، بها تتصل النعم وتدوم الحياة ومصداق هذا في قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وليس من مصداق للعبادة بعد البعثة النبوية الا بالتقيد بأحكام وسنن الإسلام.
الثانية : يدل هبوط الخاتم مع آدم عليه السلام من الجنة على موضوعيته ونقشه في خلافة الأرض .
الثالثة : الإخبار السماوي العملي لأولاد وأحفاد آدم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعلهم لها تركة يورثونها لمن بعدهم من الذراي.
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما أهبط الله آدم إلى الأرض مكث فيها ما شاء الله أن يمكث ، ثم قال له بنوه : يا أبانا تكلم . فقام خطيباً في أربعين ألفاً من ولده وولد ولده فقال : إن الله أمرني فقال : يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري)( ).
الرابعة : هل من صلة بين نقش خاتم آدم عليه السلام وبين بشارة عيسى عليه السلام كما ورد في التنزيل وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ الجواب نعم .
الخامسة : من اللطف الإلهي قانون مصاحبة الأمل للفرد والجماعة والأمة ، والبشارة والأمل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمل كل مؤمن ومؤمنة ، من أيام آدم عليه السلام .
السادسة : بيان قانون اتحاد النبوة من حين هبط آدم أيام إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابعة : دعوة الناس للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته ، وإجتناب محاربته .
الثامنة : زيادة إيمان المسلمين ، إذ يعلمون بأن آدم أبا البشر هو الذي بشر برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة عملية بالجمع بين كلمة التوحيد ورسالة النبي محمد إلى جانب الأخبار التي وردت بأن آدم عليه السلام كان يذكر النبي محمداً ويبشر برسالته .
فيكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إجتماع البشارة العملية اليومية والقولية من أيام آدم عليه السلام برسالته .
خاتم النبي محمد (ص)
عندما كتب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشي وأمراء عصره بعد صلح الحديبية يدعوهم للإسلام ، قيل له : إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم ، أي مثل التوقيع في هذا الزمان ، فصاغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً حلقته فضة ، ونقش فيه محمد رسول الله ، وكانت الكتابة من الأسفل إلى الأعلى تعظيماً لشعائر الله :
الله
رسول
محمد
وعن الإمام جعفر الصادق (عن أبيه عليه السلام : أن خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله كان فضة، ونقشه: محمد رسول الله .
قال : وكان نقش خاتم علي عليه السلام (الله الملك) وكان نقش خاتم والدي (العزة لله))( ).
وعن عبد الله(بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتما من ذهب ثلاثة أيام فلما رآه أصحابه فشت عليهم خواتيم الذهب فرمى به فلا ندري ما فعل ثم أمر بخاتم من فضة فأمر أن ينقش فيه محمد رسول الله)( ).
وقيل وقع في بئر أريس من يد عثمان ، وهذه البئر قريبة من مسجد قُباء ، وهي لرجل من اليهود اسمع أُريس ومعناه الفلاح .
أما لبس الشخص عدداً من الخواتيم والمحابس فليس من السنة ، بل ورد في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ الخاتم ليختم به الكتب والرسائل والفتاوى من غير أن يلبسه ، إذ ورد عن ابن عمر (قَالَ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ يُدْخِلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ فَطَرَحَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَطَرَحَ أَصْحَابُهُ خَوَاتِيمَهُمْ ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ وَلَا يَلْبَسُهُ)( )، والمشهور بخلافه .
وبالإسناد (عن عبدالله بن أبى بكر أخبره أن هذا كتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام لعمرو بن حزم في صدقة الغنم ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين شاة فاذا بلغت أربعين شاة ففيها شاة إلى عشرين ومائة فاذا كانت احدى وعشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتى شاة فاذا كانت شاة ومائتى شاة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة شاة فلما زاد ففي كل مائة بزل)( ).
دلائل النبوة
من الخصائص الحميدة التي يتصف بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
الأول : العصمة من الزلل والمعصية لأن القلوب لا تنجذب إلى صاحب المعصية ، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
الثاني : هو أفضل أهل زمانه بجميع الفضائل والمحاسن والكمالات لعدم تقديم المفضول على الفاضل في باب الوحي والإمامة العامة .
الثالث : وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمى قبل النبوة (الصادق الأمين) وفيه توطئة للرسالة وتصديق الناس بنبوته .
الرابع : الشجاعة ، فلا تأخذه في الله لومة لائم، ونحوها من الأخلاق والصفات الحميدة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يغادر ميدان المعركة في أشد وأحلك الأحوال كما في معركة أحد ، ومعركة الخندق ، ومعركة حنين ، قال تعالى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.
فقد خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة في الطريق إلى حنين وهم عشرة آلاف ، وألفان من مسلمة الفتح ، ومنهم حديثو عهد بالإسلام بعد محاربتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، واسلموا عندما رأوا غلبة الإسلام بفتح مكة وامتلاء البيت الحرام ، وأزقة مكة بعشرة آلاف من المؤمنين كان صبرهم وقبض أيديهم عن النهب والسلب والقتل معجزة غيرية ومن خصائص محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لم تبدأ النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هي ملازمة للإنسان في وجوده في الأرض، فقد تفضل الله سبحانه وجعل آدم عليه السلام أبا البشر نبياً إكراماً لبني الإنسان ولكي لا تنقطع حجته على الأرض إبتداءً وبقاءً .
ويتجلى قانون إتصال الحجة في الأرض بسلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة , قال تعالى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ, وقال تعالى مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ.
وفي نبوة آدم عليه السلام توكيد على عدم ترك الناس بلا نبي، فإن كانت هناك فترات بين الأنبياء فبسبب وجود بقية وتركة من الكتب السماوية والأنبياء السابقين وما يتفرع عنها، ولا بشر قبل آدم عليه السلام فاقتضت الحكمة كون آدم نبياً وأن يُبشر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بعده لأنه سيد الأنبياء، وتدل عليه جملة من النصوص، وأن النبوة الآن موجودة عندنا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن معجزة عقلية متجددة إلى يوم القيامة .
تقسيم جديد للواجب
قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
هناك مسألتان :
الأولى : كان بحثتنا الخارج في علم الأصول على فضلاء الحوزة العلمية هذا اليوم بخصوص أقسام الواجب ، إذ قسمه علماء الأصول إلى ثماني تقسيمات ، وقد قسمته والحمد لله تسع تقسيمات أخرى غير هذه الثمانية.
ذكرت منها هذا اليوم تقسيم الواجب إلى الواجب العقائدي والنظري والعملي .
واستدللت بالآية أعلاه لبيان أنها جامعة لهذه الأقسام.
الثانية : أيهما أكثر أفراداً ومصاديق معجزات الأنبياء الحسية أم معجزة القرآن العقلية وهو القرآن كلام الله المعجز الذي نزّله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير واسطة أحد من البشر، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته .
وخرج بكلام الله الحديث القدسي والحديث النبوي ، وقد ورد لفظ (كلام الله) ثلاث مرات في القرآن ، منها قوله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ.
وخرج بالمعجز الحديث القدسي ، وبالمنزل ما لم ينزل أصلاً كسائر كلام البشر .
وتقييد النزول على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتخرج الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والإنجيـل .
وورد انه نـزل على آدم إحـدى وعشــرون صحيفة كتبها آدم عليه السـلام بخطـه علمـه إياهـا جبرئيـل عليه السلام منها كما ذكر الطبري تحـريم الميتــة والـدم ولحـم الخنزير عليه .
وهل ذكر صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى من باب الحصر أو المثال المناسب لموضوع الآية في سورة الأعلى , الجواب هو الثاني .
وخرج بقيد (بغير واسطة أحد من البشر) كلام الإمام والعالم.
وبـ (المكتوب في المصاحف) ما لم يدون في المصحف كالحديث القدسـي ، والسنة النبوية مع أنها شعبة من الوحي .
والقــرآن هو ما بين الدفتين من ســورة الفاتحة إلى سـورة الناس .
وخرج بالمنقول بالتواتر القراءات غير المشهورة والشاذة، وخرج بالمتعبد بتـلاوته الأحاديث النبوية وان تواترت.
ومن أسمائه القرآن وهو أم أسمائه وأكثرها شهرة، إذ ورد لفظ (قرآن) ثماني وستين مرة في القرآن مما يدل على موضوعية هذا الاسم وملازمته لما بين الدفتين وإكرامه واختصاصه به.
وقد يطلق القرآن على جزء منه كما في الصلاة لما فيها من قراءة لبعض سور القرآن تسمية للشيء ببعضه ، قال تعالىوَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا، وعلى القراءة نفسها يقال قرأ يقرأ قراءة وقرآناً، ويطلق على الفاتحة أيضاً لما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال في الفاتحة: هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم.
وأيهما أكثر معجزات الأنبياء الحسية أم المعجزة العقلية وهو القرآن ، المختار هو الثاني ، وكل آية من مجموع آياته البالغة (6236) معجزة مستقلة ، وكذا هي معجزة بصلتها مع آيات أخرى.
لقد بعث الله عز وجل مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ، وكل نبي يأتي بمعجزة حسية أو أكثر لقانون الملازمة بين النبوة والمعجزة .
ومن خصائص خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بالمعجزة العقلية وهو القرآن ، ولا يحصي مصاديق إعجازه الذاتي والغيري كثرة مع توالي الأيام والسنين إلا الله عز وجل الذي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.
ومن خصائص المعجزة الحسية انقضاؤها في أوانها ومكان وقوعها ، أما المعجزة العقلية وهو القرآن فهو يخاطب العقول ، ويبعث الناس على العمل العبادي واجتناب السيئات .
وهل صلاة كل مسلم ومسلمة خمس مرات في اليوم ، وصيامهم شهر رمضان من إعجاز القرآن الغيري ، الجواب نعم ، قال تعالى مخاطباً كل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لذا فالمختار أن أفراد المعجزة العقلية المتجددة أكثر من معجزات الأنبياء الحسية ، والعلم عند الله .
وقد قسمت فضل القرآن إلى ثلاثة أقسام وهي :
الأول : فضل القرآن الذاتي وذكرت في الجزء السادس من (معالم الإيمان في تفسير القرآن)( ) ثمانية وستين وجهاً فيه .
الثاني : إعجاز القرآن الغيري .
الثالث : الجامع للفضل الذاتي والغيري .
ويمكن تقسيم فضل وإعجاز القرآن تقسيمات أخرى منها ما هو بلحاظ تعدد العوالم إلى وجوه :
الأول : فضل القرآن في الدنيا .
الثاني : فضل القرآن في عالم البرزخ ، (قال ابن عباس إن رجلا ضرب خباءه على قبر ولم يعلم أنه قبر، فقرء تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ فسمع صائحا يقول : هي المنجية، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه واله فقال: هي المنجبة من عذاب القبر)( ).
الثالث : فضل القرآن يوم القيامة .
بشارات الكتب السماوية السابقة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارات الكتب السماوية السابقة بنبوته ونزول القرآن من وجوه :
الأول : بالإسناد عن ابن سلام (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَحِرْزاً لِلأُمِّيِّينَ ، أَنْتَ عَبْدِى وَرَسُولِى ، سَمَّيْتُهُ الْمُتَوَكِّلَ ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ ، وَلاَ صَخَّابٍ بِالأَسْوَاقِ ، وَلاَ يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْمِلَّةَ الْمُتَعَوِّجَةَ بِأَنْ يَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَفْتَحُ بِهِ أَعْيُناً عُمْياً وَآذَاناً صُمًّا وَقُلُوباً غُلْفاً)( ).
الثاني: عن أبي صالح قال : قال كعب : نَجِدُ مَكْتُوباً : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لاَ فَظٌّ وَلاَ غَلِيظٌ، وَلاَ صَخَّابٌ بِالأَسْوَاقِ، وَلاَ يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَأُمَّتُهُ الْحَــمَّادُونَ، يُكَبِّــرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيَحْمَدُونَهُ فِى كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّأُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِى فِى جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِى الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِى الصَّلاَةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِىٌّ كَدَوِىِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجِرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ)( ).
وفي رواية أخرى: وَفِى السَّطْرِ الثَّانِى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِى كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةُ الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلاَةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا، وَلَوْ كَانُوا عَلَى رَأْسِ كُنَاسَةٍ وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَأَصْوَاتُهُمْ بِاللَّيْلِ فِى جَوِّ السَّمَاءِ كَأَصْوَاتِ النَّحْلِ)( ).
الثالث : عن أبي فروة عن ابن عباس : أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الأَحْبَارِ : كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى التَّوْرَاة .
فَقَالَ كَعْبٌ : نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُولَدُ بِمَكَّةَ ، وَيُهَاجِرُ إِلَى طَابَةَ ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ ، وَلَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلاَ صَخَّابٍ فِى الأَسْوَاقِ ، وَلاَ يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ .
أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِى كُلِّ سَرَّاءٍ ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ يُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ ، وَيَأْتَزِرُونَ فِى أَوْسَاطِهِمْ ، يَصُفُّونَ فِى صَلاَتِهِمْ كَمَا يَصُفُّونَ فِى قِتَالِهِمْ ، دَوِيُّهُمْ فِى مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِىِّ النَّحْلِ ، يُسْمَعُ مُنَادِيهِمْ فِى جَوِّ السَّمَاءِ)( ).
الرابع : وفي سفر التثنية (18: 17 قال لي الرب قد احسنوا فيما تكلموا.
18: 18 اقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك و اجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما اوصيه به)( ).
الخامس : وفي سفر التثنية (11: 12 ومن ايام يوحنا المعمدان الى الان ملكوت السماوات يغصب والغاصبون يختطفونه .
11: 13 لان جميع الانبياء والناموس الى يوحنا تنباوا .
11: 14 وان اردتم ان تقبلوا فهذا هو ايليا المزمع ان ياتي
11: 15 من له اذنان للسمع فليسمع)( ).
ذكره في الكتب السماوية السابقة (راكب الجمل) (محرم الميتة) (حامل الهراوة العصا الضخمة).
ومن البراهين على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يقرأ التوراة ، ولم يرجع إلى علماء بني إسرائيل ، ولم تكن له صحبة وصلات معهم ، ومع هذا جاءت آيات القرآن جامعة مانعة ، جامعة للحجة في التصديق بنزول القرآن من عند الله ، ومانعة من الكفر والجحود والعناد.
الحض على التدبر في القرآن
قال تعالى كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ.
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سنته ترجمان للقرآن ، وهو يدعو إلى التفكر والتدبر وأخذ المواعظ منها ، ومنع الإختلاف فيها ، واستحضار التأويل الصحيح للآية القرآنية ، وبما فيه النفع العام .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (القرآن ذلول ذو وجوه محتملة فاحملوه على أحسن وجوهه)( ).
وهذا الحديث مدرسة في الفقاهة ، ودعوة لإصدار الفتوى والتفسير يما ينفع الناس ، ويدفع الضرر والأذى ، وهو برزخ دون الإختلاف في تأويل آيات القرآن ، لبيان قانون السنة النبوية تعضيد للقرآن .
الأمر الذي يستلزم السعي الحثيث للغوص في كنوز الآية القرآنية من ذوي الإختصاص والكفاءة العلمية والأهلية والإحاطة في علم التفسير واللغة والبلاغة والقدرة على استخراج ما في المثل القرآني من الذخائر وإزاحة الغطاء عن شطر من علومه وأسراره.
ودراسة الوجوه والنظائر فيه كماً وكيفاً، وحسب موازين التفسير بالقرآن والسنة والقواعد الكلية باتجاه تسخير ما فيها من الحقيقة والمجاز لمصالح الدين والدنيا وبيان ما يكمن فيها من صيغ الإعجاز وإزاحة الكدورات الظلمانية، والإعداد العام للأمة وإصلاح المجتمعات وتهيئة أسباب، ومقدمات توطيد وتثبيت أركان الملة والدين وتعظيم شعائر الله.
(وقال النبي صلى الله وآله وسلم : إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه ، فاضربوا به عرض الحائط)( ).
ولا يتم العرض وصيغ الوفاق بين القرآن والسنة إلا بفهم وتدبر في آيات القرآن .
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بتفسير الآية القرآنية ليؤسس لمنهجية التفسير السليم .
والقرآن هو السلاح في السلم والحرب، فنحن بحاجة الى دراسات تثبت ان القرآن كان في ميادين المعارك قبل السيف في الأثر والتأثير فلا غرابة انه تسبق المعركة موعظة، أويحيي المؤمنون ليلتها بقراءة القرآن.
ومن فضل القرآن الغيري حفظه للغة العربية، روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : أحبوا العرب لثلاث لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي( )، وكون النبي عربياً صبغة كريمة لكل مسلم ومسلمة فيها حصة فهو من الكلي الطبيعي .
لتكون بالقرآن للعربيـة مودة خاصة ومنزلة في النفوس والمجتمعات وهو الذي أدى إلى إنتشـارها وخلودهـا، وجعل الرغبـة في قلوب المؤمنين لتعلم العـربية وجعلهـا سـوراً لسانيـاً جامعاً لعامة المسلمين.
نعمة الرسالة الخالدة
في تفسير الآية وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ورد عن الحسين بن علي عليه السلام : ما انعم الله عليه من دينه .
وعن الصادق عليه السلام : بما فضلك واعطاك واحسن اليك ، ومنهم من حملها على الولاية.
(وعن مجاهد: ان النعمة هي القرآن وان القرآن اعظم ما انعم الله به على محمد عليه السلام والتحديث به ان يقرأه ويقرئ غيره ويبين حقائقه لهم)( ).
ولم تنحصر الآية بنعمة ، بل تشمل مطلق النعم التي نالها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والإنسان او تصل إليه في حياته وبعد مماته، بل وقبل حياته من أسباب تكوينه وطينته وما يتعلق بوالديه، والشكر على ما أنعم الله به على الوالدين، وشكر النعم الخاصة بالواسطة وبر الوالدين والنعم ومصاديقها على مراتب وكل منها فيه أمر بالتحدث بالنعمة من دان الى عال ومن عال إلى دان، ومراتب وسطى بينهما في الطبيعة والعقل والتجرد التام.
والقرآن النعمة العظمى على أهل الأرض لم يكن نعمة على المسلمين وحدهم، نعم هم الذين إنتفعوا منه ، أكثر من غيرهم طولاً وعرضاً، كما وكيفاً، في الدنيا والآخرة وإلا فان جميع الأمم الأخرى إنتفعت من القرآن وقد ثبتت الكتب السماوية الأخرى بالقرآن ، قال تعالى [وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ] ( ).
وفيه آية إعجازية تدل على صدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته، فقد ثبت وايَّد ورسخ في الأرض التوراة والإنجيل والكتب السماوية الأخرى من غير اعتبار لإحتمال تأثير ذلك سلباً على الإسلام إذ أن مجيء القرآن مصدقاً برسالة موسى وعيسى عليهما السلام وإقرار المسلمين وتسليمهم بسماوية الديانة اليهودية والمسيحية آلة وسبب لتقوية اليهود والنصارى في وقت لم يسلم القرآن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم من إعراضهم وإمتناع طائفة منهم عن القبول بما جاء به القرآن من عند الله عز وجل.
وجاءت بشارة التوراة والإنجيل بالنبي محمد وأصحابه ، قال تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
و(عن أبي صالح قال: قال كعب: نَجِدُ مَكْتُوباً : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لاَ فَظٌّ وَلاَ غَلِيظٌ، وَلاَ صَخَّابٌ بِالأَسْوَاقِ، وَلاَ يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ .
وَأُمَّتُهُ الْحَــمَّادُونَ، يُكَبِّــرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيَحْمَدُونَهُ فِى كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّأُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِى فِى جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِى الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِى الصَّلاَةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِىٌّ كَدَوِىِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجِرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ)( ).
و(عن أبي فروة عن ابن عباس: أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الأَحْبَارِ : كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ كَعْبٌ : نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُولَدُ بِمَكَّةَ .
وَيُهَاجِرُ إِلَى طَابَةَ ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ ، وَلَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلاَ صَخَّابٍ فِى الأَسْوَاقِ ، وَلاَ يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِى كُلِّ سَرَّاءٍ ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ يُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ ، وَيَأْتَزِرُونَ فِى أَوْسَاطِهِمْ ، يَصُفُّونَ فِى صَلاَتِهِمْ كَمَا يَصُفُّونَ فِى قِتَالِهِمْ .
دَوِيُّهُمْ فِى مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِىِّ النَّحْلِ ، يُسْمَعُ مُنَادِيهِمْ فِى جَوِّ السَّمَاءِ)( ).
ومع انه آخر الكتب السماوية نزولاً وأنه كلام الله المعجز فانه تقدم عليها رتبة وموضوعاً وأثراً وإتباعاً.
والقرآن موجود حي نابض بالحياة ، يبعث الحياة فنوره متصل واشعاعاته تتعدى النفوس لتشمل الجوارح والأركان، وبركاته تراها على الأرض وفي السماء، نستسقي بالقرآن، يدفع به البلاء وينزل الغيث بالقرآن قراءة وإكراماً وتوسلاً.
وفي التنزيل اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا، والقرآن مصدر الهداية التكوينية اي الهداية العامة للخلق وان يروا أمورهم وما يتعلق بعالم التكوين ، والهداية التشريعية وهي ما يتعلق ويترتب معها الثواب.
وهل نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من النعم التي ذكرتها الآية اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، الجواب نعم ، من وجوه :
الأول : إنها من النعم التي ذكرتها الآية.
الثاني : إرادة النعم في الأزمنة السابقة التي خصهم الله عز وجل بها مثل النجاة من آل فرعون ، وآيات وفيوضات عصا موسى ، ونزول طعامهم من السماء ، قال تعالىوَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
الثالث : البشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من النعم التي ذكرتها الآية , وذات البعثة ونزول القرآن.
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية الكريمة ، ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة على بني إسرائيل وغيرهم ، وهذه الآيات من نعم الله عليهم ، قال تعالىوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
تفسير آيات من القرآن
القرآن هو كلام المعجز الذي أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير واسطة أحد من البشر ، المكتوب في المصاحف ، والمنقول بالتواتر ، والمتعبد بتلاوته .
ومن إعجاز القرآن تفسيره الذاتي ، فتجد الآية القرآنية تفسر الأخرى مع انتفاء التعارض أو التزاحم بين آيات القرآن .
ومن خصائص النبي محمد قيامه بتفسير آيات كثيرة من القرآن إلى جانب سنته العملية التي هي مرآة للقرآن .
وهل انقطع تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن بانتقاله إلى الرفيق الأعلى ، الجواب لا ، فهو متجدد بواسطة حضور سنته القولية والفعلية عند المسلمين ، إذ أن قوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا موجه لكل مسلم ومسلمة من أجيال المسلمين .
ولم يكن تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن باجتهاد منه ، إنما هو بأمر ووحي من عند الله عز وجل ، قال تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ.
وقال تعالى وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
لتشترك السنة النبوية مع القرآن في بيان الأحكام وأسباب الإختلاف .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب التفسير ، تفصيله المجمل ، وبيان الأحكام كما في الصلاة ، والفرائض الخمسة وأوقاتها وعدد ركعات كل فريضة منها ، وأركانها وواجباتها وشرائطها ، ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيره للقرآن ومنافعه المتجددة أمور :
الأول : منع الإختلاف والشقاق بين المسلمين .
الثاني : قطع الطريق على البدعة .
الثالث : توارث أجيال المسلمين الفرائض العبادية من غير تحريف أو زيادة أو نقصان ، لذا قال ( صلوا كما رأيتموني أصلى ، خذوا عنى مناسككم ، حكمي على الواحد حكمي الجماعة ، لا تجتمع أمتى على خطاء ، الاسلام يجب ما قبله)( ).
وكلها مرآة وفروع لآيات القرآن ، وعمومات قوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا يسقط الميسور بالمعسور) وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
(والطلاق بيد من أخذ بالساق) لتنظيم الحياة الأسرية ، ولموضوعية دفع الزوج المهر .
ليكون بياناً وتفسيراً لقوله تعالى وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.
وذكر في الحديث (الضرورات تبيح المحظورات) وهو ليس بحديث نبوي ولكن مضمونه مستقرأ من السنة النبوية ، لقوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
(على اليد ما أخذت حتى تؤديه)( ).
امتثال النبي محمد (ص) لخطابات القرآن (علم جديد)
من خصائص القرآن مجئ خطابات التكليف فيه ، فتجد فيه الأحكام الشرعية الخمسة ، الواجب ، الندب ، الإباحة ، الكراهة ، الحرمة .
وتتضمن السنة النبوية القولية الخطاب الخاص ، والخطاب العام المتعدد في جهته ، واكثر الخطابات الخاصة في القرآن هي الخطابات الموجهة إلى النبي محمد .
وهل هو من وجوه تفضيله وخصائصه ، الجواب نعم ، ولابد من إحصائية تشترك فيها مؤسسات فلابد من تتبع كلمات القرآن كلمة كلمة في خطابات القرآن إلى كل :
الأول : إلى الناس ، ولا يختص بالنداء العام الإستغراقي [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] والذي ورد في القرآن عشرين مرة .
بل يشمل كل خطاب وأمر ونهي موجه إلى الناس .
الثاني : الخطابات التي تأتي للإنسان بلحاظ اتحاد الجنس البشري الشامل للذكر والأنثى ، كما في قوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وصية مع ثلاثة أوامر ، وبشارة .
الثاني : الخطاب إلى المسلمين والمسلمات مثل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إذ وردت في الآية أربعة أوامر .
الثالث : خطابات الأنبياء إلى قومهم مثل أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، ثلاثة أوامر في ثلاث كلمات .
فمن خصائص الأنبياء أمرهم لقومهم بعبادة الله واجتناب إغواء الشيطان ، كما في أمر هود ، ونوح ، وشعيب ، وصالح ، وموسى ، وعيسى ، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ.
الرابع : الخطاب إلى الأنبياء مجتمعين ومتفرقين .
الخامس : الخطابات بين الناس ، وفي الدنيا والآخرة .
السادس : الخطابات من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنها الأوامر والنواهي ، وقد ورد لفظ (قل) (332) مرة في القرآن كلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء أربعة.
حديث الآن نغزوهم
لقد صدرت لي تسعة وعشرون جزءً من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بخصوص قانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً) خلافاً للمتوارث في كتب المسلمين بأنه غزا ستاً وعشرين غزوة ، وهذه الأجزاء هي :
(164-165-166-168-169
170-171-172-174-176
177-178-180-181-182
183-187-193-194-196
204-212-216-221-229
239-256-261- 266)
قد ورد بالإسناد عن سليمان بن صرد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (حِينَ أَجْلَى الأَحْزَابُ عَنْهُ : الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا ، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ)( ).
وهذا القول قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أجلى الله الأحزاب عن المدينة في معركة الخندق التي وقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة .
وسليمان بن صرد صحابي ورع وممن كاتب الحسين عليه السلام لمبايعته ، ولما عجز عن نصرته ، خرج على رأس ألوف من جيش التوابين والتقوا مع جيش عبيد الله بن زياد بعين الوردة سنة خمس وستين ، وقتل يومئذ سليمان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه سار إلى مكة وموطن المشركين من غير سلاح وتم فيه الصلح وهو فتح بمعجزة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا.
وقد تحقق مصداق هذا القول من وجوه :
الأول : بيان إمكان تحقق غزو المسلمين للمشركين ، وعالم الإمكان أعم من عالم الوقوع .
الثاني : من الإعجاز في السنة النبوية ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسنخية هذا الغزو بقوله (نسير إليهم ) والنسبة بين المسير وبين الغزو عموم وخصوص مطلق ، فالمسير أعم ، لبيان قانون وهو بالمسير وحده من غير قتال يكون الفتح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : تجلى هذا الغزو بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في السنة السادسة لأداء مناسك العمرة ، ولنعم الغزو إذ كان غزو تلبية وتكبير وتهليل ، ليس فيه سلاح .
الرابع : عقد صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووفد قريش .
الخامس : نزول قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) لبيان أن نتيجة السير هو عقد الصلح ، ومعنى ومضمون هذا الصلح هو فتح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبداية دخول الناس جماعات وأفواجاً في الإسلام .
ولو أجريت دراسة وإحصائية لتبين أن كثرة الذين دخلوا في الإسلام ما بين صلح الحديبية وفتح مكة سبب لتعجيل فتحها .
وهل كانت هذه الكثرة سبباً لإثارة غيظ المشركين ، وقيامهم باعانة حلفائهم بني بكر ضد خزاعة حلفاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، ولعل هذه المسألة تُذكر هنا لأول مرة في التأريخ ، مما يستلزم التحقيق ، قال تعالى [هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] ( ) .
وفود الحديبية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مظاهر العز والمنعة التي رزقه الله بالمعجزة والبرهان ، فبعد عام على هجوم عشرة آلاف من المشركين في معركة الأحزاب توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى عقر دارهم إلى مكة لأداء العمرة ، وارتبك رؤساء قريش ، وقاموا بارسال الوفود له ، فجاءت الوفود من قريش على نحو متعاقب وهم :
إذ قدم بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي ومعه نفر من خزاعة الذين كانوا قد التقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلموا بطريقه وقصده ، وبُدَيل هذا لم تطلب منه قريش الوساطة ، ولكنه سخّر نفسه لهذه الوظيفة ، فذهب إلى قريش وأخبرهم بمقالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه وأصحابه لم يأتوا لقتال أحد ، إنما جاءوا معتمرين ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد جعل مدة صلح بين الطرفين .
فأنصت رجال قريش لقول بُدَيل ، ولم تكن خزاعة قد دخلت في حلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ، ولكنها في الأصل على حلف مع بني هاشم .
لقد توجه بُدَيل باللوم إلى قريش وقال لهم (يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت.
فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن جاء ولا يريد قتالا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة ولا تحدث بذلك عنا العرب) ( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصر طائفة من المشركين له ، وإقامتهم الحجة على أصحابهم بحسن نواياه.
وفد مكرَز لم تعتمد قريش قول بُدَيل وأتهموه وأصحابه وأرسلت موفداً منها فبعثوا مِكرَزَ بن حَفص العامري (فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مُقْبِلًا قَالَ هَذَا رَجُلٌ غَادِر) ( ).
وكانت قريش قد بعثته على خمسين فارساً وأمروهم أن يطوفوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عسى أن يصيبوا منهم غرة ويأخذوا واحداً أو أكثر من الصحابة ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر أصحابه بالحراسة والتناوب فيها .
واتفق أن كان محمد بن مسلمة على الحرس فأخذ عدداً منهم ، وفرّ مِكرَزَ ومن بقي معه ، ليتبين مصداق لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن مِكرَزَاً هذا رجل غادر .
وعلمت قريش بالأمر ، فهجم جماعة منهم ، وتراموا بالنبل والحجارة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وقُتل أحد الصحابة وهو ابن زنيم إذ أطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون فقتلوه .
و(عن إياس بن سلمة عن أبيه أنه قال لما اصطلحنا نحن وأهل مكة أتيت الشجرة فكسحت شوكها ثم اضطجعت في ظلها فأتاني أربعة نفر من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم قال .
فتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم ثم اضطجعوا فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل ابن زنيم فاخترطت سيفى فشددت على أولئك الاربعة وهم رقود .
فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدى ثم قلت والذى كرم وجه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذى فيه عيناه .
قال فجئت بهم أقودهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده مجففا حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال دعوهم يكن لهم بدء الفجور فعفا عنهم قال فأنزل الله عز وجل وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ.
رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمارة ومحمد بن منصور عن عبيد الله قال سلمة فشددنا على من في أيدى المشركين منا فما تركنا في أيديهم منا رجلا إلا استنقذناه قال وغلبنا على من في أيدينا منهم)( ).
لبيان نصر الله عز وجل في الحديبية مع عدم وجود أسلحة معهم والمشركون على الخيل وهم مدججون بالسلاح ، وهم بجوار مكة حيث المدد من المشركين .
ولكن الصحابة استطاعوا أسر سبعين من المشركين ، ومع هذا عفى عنهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أنه رسول السلام والأمن ، وهو الذي يتعاهد حرمة الأشهر الحرم .
ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعت مكرز بن حفص بأنه رجل غادر حينما رآه مقبلاً ، إلا أنه جلس معه ، وبيّن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغرض من مجيئهم ،وهو أداء مناسك العمرة ، ولا يريد قتالاً مع قريش ، فرجع مكرز إلى قريش وأخبرهم.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اختياره لغة الحوار وكشف الحقائق بما يبعث السكينة في نفوس الناس بما فيهم الأعداء وأهل المكر والغدر ، وهو من مصاديق قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
وليتجلى قانون لم يغادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا إلا وعمل بكل آية تتضمن الخطاب له أمراً ، وجوباً ، أو استحباباً ، أو نهياً ، وهل هذا العمل على نحو متحد أم متعدد ، المختار هو الثاني .
الحليس موفداً ثم بعثت قريش الحليس بن علقمة أحد بني الحارث (وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معرفة أحوال الناس ، وإقامة الحجة عليهم بالتودد إليهم بما فيه تعظيم شعائر الله ، ودفع أذاهم وشرورهم.
فلما رأى الحليس الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ، ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إعظاما لما رأى .
فقال لهم ذلك فقالوا له اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك .
فغضب الحليس عند ذلك وقال يا معشر القوم والله ما على هذا حالفناكم وما على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد فقالوا له كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به)( ).
عروة الثقفي قال عروة بن مسعود الثقفي لقريش (يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي.
قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم)( ) أراد عروة بيان مسألة وهي أنه يختلف عن بُديل الخزاعي الذي اتهموه بالتحُزب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرج عروة من مكة حتى وصل الحديبية .
وجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه بدأ حديثه بتوجيه ما يشبه اللوم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع التهديد إذ قال (يَا مُحَمّدُ أَجَمَعْتَ أَوْشَابَ النّاسِ ثُمّ جِئْتَ بِهِمْ إلَى بَيْضَتِك لِتَفُضّهَا بِهِمْ إنّهَا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ .
قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النّمُورِ يُعَاهِدُونَ اللّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا ، وَاَيْمُ اللّهِ لِكَأَنّي بِهَؤُلَاءِ قَدْ انْكَشَفُوا عَنْك غَدًا)( ).
فرده الصحابة بشدة ، وقد جرت معركة بدر وأحد والخندق ، ولم يتخل عنه أصحابه .
وكان عروة عندما يتكلم يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان المغيرة بن شعبة واقفاً على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابساً الحديد غير مكشوف الوجه أو الرأس ، فجعل يقرع يد عروة إذا لمس لحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول له (اُكْفُفْ يَدَك عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إلَيْك) ( ).
وشكى منه عروة وقال : ما أفظك وأغلظك ، ثم قال : من هذا يا محمد.
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ابن أخيك المغيرة بن شعبة (قَالَ أَيْ غُدَرُ وَهَلْ غَسَلْتُ سَوْأَتَك إلّا بِالْأَمْسِ) ( ).
وكان عروة بن مسعود يلاحظ أنه إذا توضأ ابتدروا وضوءه ،ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه ، فرجع إلى قريش ليقول لهم إني قد جئت كسرى ملك فارس وقيصر ملك الروم ، والنجاشي في سلطانه ، وأني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه.
وقال (وَلَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ لِشَيْءِ أَبَدًا ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ)( ).
بدأ عروة كلامه بالعتاب واللوم وانتهى بالثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإنذار قريش ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إعلان عدوه إقراره بمعجزاته ، وصدق إيمان أصحابه.
دروس الأسماء يوم الحديبية
لما أخذ المسلمون عدداً من المشركين بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومِكرَزَ بن حَفص ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سهيلاً تفاءل بالاسم والشخص وقال (سهل أمركم) ( ).
وهل قول النبي هذا من التفاءل بالأسماء وحده ، أم أنه بالوحي أيضاً ، الجواب هو الثاني بالإضافة إلى إسلام أولاد وإخوة سهيل قبل الحديبية ، وفيه بشارة وإخبار عن إنفراج وتخفيف ، وصرف للقتال.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التفاؤل والأمل وبعث السكينة في نفوس أصحابه في أشق الأحوال ، ثم تنجز هذا الأمل إلى واقع وحق .
ومن الآيات أن سهيلاً هذا بدأ كلامه بما يشبه الإعتذار ، إذ قال (يا محمد إن الذي كان من حبس اصحابك وما كان من قتال من قاتلك لم يكن من راى ذوي رأينا بل كنا له كارهين حين بلغنا، ولم نعلم به، وكان من سفهائنا، فابعث الينا باصحابنا الذين اسرت اول مرة، والذين أسرت آخر مرة) ( ) .
فلم يمانع النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأنه لم يأت ليأسر جماعة من قريش ،ولكنهم هم الذين اعتدوا فاشترط النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ترسل قريش أصحابه الذين دخلوا مكة مع الفارق بين الطرفين ، فهؤلاء الصحابة لم يقاتلوا ، ولم يقصدوا الغدر ، إنما دخلوا إلى أهليهم ولرؤية البيت الحرام ، وقضاء بعض الحوائج ، فقال سهيل وأصحابه : انصفتنا .
فبعثوا الشييم بن عبد مناف التميمي أن اطلقوا عثمان والعشرة الذين معه ، وقيل جاء الخبر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن عثمان قد قتل ، وأتى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منازل بني مازن بن النجار ، إذ كانوا في ناحية من الحديبية وهم بطن من الخزرج ، وهم أخوال عبد المطلب بن هاشم.
الخصال الحميدة
لقد أخبر الله عز وجل عن الخصال والخصائص الحميدة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها أنه رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وأنه ذو خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وأن سجيته العفو والرفق والكرم والشجاعة والزهد والعبد والحكمة والصدور عن الوحي ، وعصمته من الغضاضة وغلظة القلب ، ومنها سعيه إلى الصلح والوئام ، ومنع سفك الدماء ، وامتناعه عن الإبتداء بالقتال ، وعن الغزو والتعدي والظلم .
ويدعو القرآن إلى الصلح ويبين حسنه الذاتي ، وهناك آيات متعددة تدعو إلى الصلح منها قوله تعالى لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وقوله تعالى وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
و(عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ألا أخبركم ، بأفضل من درجة الصيام ، والقيام ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : إصلاح ذات البين ، وفساد ذات البين هي الحالقة)( ).
وقد وردت آيات عديدة في الصلح منها ما يدل على بعث المسلمين للسعي في الصلح بين الناس مطلقاً ، قال تعالى [وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون اقتداء أجيال المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإجتهاد في طلب الصلح وفك الخصومة .
وذكرت الآية أعلاه لفظ الناس لندب المسلمين لإشاعة فلسفة الصلح في كافة أقطار الأرض ، سواء بين الأفراد أو الجماعات أو الدول من غير أن ينظر المسلمون إلى مسألة احتمال الصلح بين فئات مختلفة يكون ضاراً بالمسلمين من الجهة العسكرية أو التجارية أو الإقتصادية أو الإجتماعية .
وقدمت الآية أعلاه التقوى على الإصلاح بين الناس لبيان أن الصلح نوع حكم وشبه قضاء ، فيجب ألا يكون فيه ميل على جهة دون أخرى ،فهذا الميل خلاف التقوى ، ويكون سبباً للضغائن ، واحتمال الفتنة حتى مع الذي قام بالصلح .
ووردت الآيات بالصلح بين الزوجين ، والصلح بين المسلمين ، كما يدل قوله تعالى [وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) على لزوم اجتناب أسباب الفرقة ومقدمات الشقاق بين المسلمين .
قانون وهن عدو النبوة
من مصاديق [َلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] بعث الله عز وجل الأنبياء لهداية الناس للتوحيد ، وسبل العبادة ، والمدد لهؤلاء الأنبياء ، ونصرهم على أعدائهم .
ولقد جعل الله عز وجل النبي محمداً خاتم النبيين ، فليس من نبي بعده كما في قوله تعالى وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
لقد عاداه مشركو قريش ، وعذّبوا أصحابه ، وأرادوا قتله في فراشه فهاجر إلى المدينة ، فجهزوا الجيوش لقتاله ، فكانت معركة بدر أول معركة وهجوم منهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
و(عن مكحول قال : لما كرَّ علي وحمزة على شيبة بن ربيعة ، غضب المشركون وقالوا : اثنان بواحد ، فاشتغل القتال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إنك أمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا خلف لوعدك ، وأخذ قبضة من حصى فرمى بها في وجوههم فانهزموا بإذن الله تعالى ، فذلك قوله [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ))( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رمي عدوه بالوهن والضعف ومنه حال الإنهاك والإجهاد والإعياء التي صار عليها كفار قريش بسبب توالي المعارك ضد النبوة والتنزيل ، وعدم خروجهم بالنفع من أي واحدة منها ، فحتى معركة أحد التي لم ينهزم فيها جيش المشركين فقد أخبر الله عز وجل عن خسارتهم ، ويدل عليه قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )( ).
بينما يخرج المسلمون من كل معركة أكثر قوة ومنعة مع إزدياد عددهم بتوالي الأيام .
مقتل أبي بن خلف
قال تعالى وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا.
من أسباب نزول هذه الآية شدة محاربة أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
والمراد من اليوم هو يوم القيامة ، وليس عض البدين في الآية كتابة عن الندم والحسر والتأسف وحده كما قيل ، إنما عضها على نحو الحقيقة يوم القيامة .
(وأخرج ابن أبي حاتم عن هشام في قوله [وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ] قال : يأكل كفيه ندامة حتى يبلغ منكبه لا يجد مسها)( ).
ومن خصائص النبي محمد أنه لم يقتل أحداً بالسيف ، بل خرج إلى معركة بدر والتي سماها الله عز وجل يوم الفرقان ، من غير أن يحمل سيفاً للدلالة على أنه لا يريد القتال يومئذ ، إنما أصر عليه كفار قريش فلحقتهم الهزيمة والخزي .
وقد صدر لي والحمد لله الجزء السادس والستون بعد المائتين من تفسيري (معالم الإيمان) وهو التاسع والعشرون من سلسلة (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً) إذ تذكر كتب التفسير والسيرة أنه غزا ستاً وعشرين غزوة وأكثر .
وبينت بالشواهد والدلائل على أنه لم يغزو قرية أو بلدة ، إنما كان الغزو بآيات القرآن والمعجزات الحسية والمدد من عند الله عز وجل .
وننضد ونُطبع أجزاء هذا التفسير المبارك المتتابعة على نفقتنا الخاصة وهو من أفضل موارد الخمس والزكاة .
من رؤساء الشرك وكبار كفار قريش أبي بن خلف بن وهب الجمحي ، وهو من ألد خصوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأشدهم عداوة له واستهزاء به .
وهو أخوة أمية بن خلف الذي قتل في معركة بدر هو وابنه كافرين .
وقد توعد النبي محمداً في مكة ليقتله ، إذ قال (والله لاقتلن محمداً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : بل أنا أقتله إن شاء الله)( )، فقيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتل بالمشيئة الإلهية.
فبلغ الخبر أبي بن خلف فأصابه الفزع والرعب لعلمه بتنجز ما يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وخرج أبي بن خلف يوم معركة أحد مع جيش المشركين في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، فجعل يلتمس غفلة من النبي ليحمل عليه ، والصحابة يحولون دون وصوله إليه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه (خلوا عنه) فاخذ الحربة فرماه بها فاصابت ترقوته ، ولم يسيل منه دم كثير ، واحتقن الدم في جوفه ، وأسرع أصحابه واحتملوه وهو يخور ، فقالوا له : ما بك إلا خدش .
فقال (والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال : أنا أقتله ، والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم .
فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى مات إلى النار ، وأنزل الله فيه وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ إلى قوله وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ))( ).
ومات أبي في طريق العودة إلى مكة ، فدفنه أصحابه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يقتل أحداً بيده إلا أبي بن خلف ولم يكن قتلاً مباشرة ، ولم يقتله بالسيف إنما خدشه بحربة أخذها من أصحابه , بعد إصرار أبي بن خلف على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان ، واقترابه منه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن إنذاره للمشركين دعوة لإجتناب الهجوم عليه , لقوله تعالى يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
لبيان أن إنذارات القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
و(عن سعيد بن المسيب قال : لما كان يوم أحد أخذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استأخروا فاستأخروا ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حربته في يده ، فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعاً من أضلاعه .
فرجع أبي بن خلف إلى أصحابه ثقيلاً فاحتملوه حين ولوا قافلين ، فطفقوا يقولون : لا بأس ، فقال أبي حين قالوا له ذلك : والله لو كانت بالناس لقتلتهم ، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله .
فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق فدفنوه ، قال ابن المسيب: وفي ذلك أنزل الله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ الآية) ( ).
(عن عبد العزيز بن (جبير) أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر دعا بقوس فأُتي بقوس طويلة فقال : جيئوني بغيرها، فجاءوا بقوس كبداء ( )فرمى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحصن فأقبل السهم يهوي حتّى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه فأنزل الله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ فهذا سبب نزول الآية)( ).
والمختار أنها نزلت في بدر ، ولا مانع من تكرار موضوعها .
تجهيز المشركين الجيوش
لقد اتجهت قريش بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تجهيز الجيوش والهجوم على المدينة لقتله وقتل عدد من أصحابه وأسر آخرين خصوصاً المهاجرين.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتصال المكائد لقتله ، مكيدة بعد أخرى ونجاته منها .
كما أرسلوا الأفراد لإغتياله ، ولكن الله يدفع كيدهم في كل مرة ، ويبعث الحسرة والخوف في نفوسهم ليكون باعثاً للتوبة والإنابة.
وفي معركة أحد وبعد أن حضر ثلاثة آلاف من المشركين لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسبعمائة من أصحابه ، نزل قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
وهل كان هذا القطع وإصابة قريش بالوهن والكبت سبباً لرضاهم بصلح الحديبية ، الجواب نعم ، ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد أسباب ومقدمات صلح الحديبية كانت على أقسام منها :
القسم الأول : ما كان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهو على جهات :
الأولى : إزدياد ومضاعفة عدد المسلمين مع تقادم الأيام والسنين ، فقد خرج النبي إلى معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ومعه (313) من أصحابه بينما خرج لمعركة أحد في شوال من السنة الثالثة ومعه ألف من أصحابه ، وانخزل من وسط الطريق ثلاثمائة منهم بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول .
الثانية : لم يقصد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحرب والقتال ولا الإستيلاء على قافلة أبي سفيان .
وبين التعرض للقافلة وبين الإستيلاء عليها عموم وخصوص مطلق ، ولم يثبت هذا التعرض أو العزم على الإستيلاء عليها ، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج للتعرض للقافلة ، كما أن قوله تعالى وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، بيان لكيفية نفسانية ورغبة ، وليس قصد التعرض أو الإستيلاء على القافلة.
ولو كان هناك تعرض من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقافلة أبي سفيان لذكرته قريش في أشعارها للتوثيق وتحريض القبائل عليه، وتحشيدها لمحاربته.
الثالثة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصر الله عز وجل له بتوالي نزول آيات القرآن ، وفيها تعليم وتأديب للمسلمين ، وهذا التوالي مناسبة للتفقه في الدين وتقوية قلوب المسلمين ، وتثبيت لأقدامهم في مقامات الإيمان.
الرابعة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإجتهاد في الدعوة إلى الله ، وبيان أحكام الشريعة .
الخامسة : تنمية ملكة التقوى عند المسلمين ، وصار المسلمون يؤدون الصيام والزكاة والخمس ، بينما حجب عنهم المشركون فريضة الحج ، وعمارة المسجد الحرام ليأتي صلح الحديبية رحمة بهم وهو من مصاديق المنّ في قوله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ.
السادسة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كل يوم يمر عليه يزداد فيه أصحابه إيماناً إلى جانب الكثرة في العدد حتى ضاقت أزقة المدينة بالمهاجرين فأنشأ لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الصفّة) بجوار المسجد النبوي للإقامة فيها ، وقد يصل عدد أهل الصفة إلى مائتين وثلاثمائة فيها قبل أن تتهيأ لهم أسباب الإنتقال في السكن ، وتفتح أمامهم أبواب العمل.
السابعة : حال الغبطة والسعادة عند المسلمين لنعمة الهداية والإيمان ، وفي التنزيل قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
الثامنة : تجلي معاني الأخوة بين المهاجرين والأنصار ، والتنزه عن الحقد والخبث .
القسم الثاني : ما كان عند قريش وحلفائهم من المشركين من مقدمات صلح الحديبية ، وهو من جهات :
الأولى : إصابة أموال قريش بالنقص ، وظهور عجزهم عن أداء الديون لتباطئ البيع والشراء ، وانشغالهم عن قوافل التجارة.
الثانية : النقص في الرجال ، فكلما دخل فرد الإسلام فانه نقص وضعف في جانب المشركين .
الثالثة : هجوم الخوف والهلع على قلوب الذين كفروا ، من قريش ومن تابعهم في الحرب على النبوة والتنزيل .
قانون إخافة المشركين
قال تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفاذ الرعب إلى قلوب المشركين الذين حاربوه ولم ينحصر هذا الرعب بميدان المعركة بل هو متصل حتى في حال السلم ، وبعد رجوع المشركين إلى مكة ، وهو من خصائصه ومصاديق نصر الله عز وجل له بالرعب .
و(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أعطيتُ خمساً ولا أقول فخراً : بُعثت إلى الأحمر والأسود ، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً ، وأُحل لي المغنم ولم يحل لأحد كان قبلي ، ونُصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر وأُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمتي يوم القيامة)( ).
لينفذ هذا الرعب إلى نفوس مشركي قريش والذين يريدون قتاله ، وفيه تخفيف عن المؤمنين ، وهو من عند الله ، وفيه أمور :
الأول : إقامة المشركين على الكفر والجحود مع توالي معجزات النبوة بين ظهرانيهم كما تبين الآية بقوله تعالى [بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ].
الثاني : استخفاف واستهزاء المشركين بآيات التنزيل .
الثالث : محاربة كفار قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسيوف والرماح والنبال ، وإرادة قتله وأصحابه .
الرابع : نصب المشركين الأصنام في البيت الحرام ، وترغيب الناس بعبادتها والتزلف إليها .
الخامس : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عجز المشركين عن الحاق الضرر به وبأصحابه مع تجهيزهم الجيوش تلو الجيوش لقتاله وللإغارة على المدينة وأطرافها ، وهو من مصاديق قوله تعالى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى.
فلم تنزل آية القاء الرعب أعلاه إلا بعد معركة أحد التي أظهرت بجلاء أن المشركين هم الغزاة إذ أطل ثلاثة آلاف مقاتل منهم على المدينة للقتال والسلب والنهب ، وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجعل أصحابه بين قتيل وأسير .
السادس : ظلم الكفار لأنفسهم بالجمع بين الكفر والظلم والتعدي ، قال تعالى وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، فالقى الله الرعب في قلوبهم لصرف شرورهم وترغيبهم بالتوبة والإنابة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصر الله عز وجل له مدة حرب وغزو قريش له ثم تم صلح الحديبية ، وفتح مكة ، ليكون هذا الرعب من لطف الله عز وجل ونوع طريق لاستتباب الأمن وسيادة أحكام الشريعة السمحاء وهو شاهد بان النبي محمداً لم ينتصر بالسيف أو الغزو ، إنما بالقاء الله عز وجل الرعب في قلوب المشركين منه.
ومثلما جاء الإنذار من موسى عليه السلام إلى فرعون، فقد ورد الإنذار والتحذير من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مشركي قريش من أمثال أبي جهل بن هشام والنضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية .
مع اقتران الإنذار بالمعجزة والبرهان، ولكنهم يردون الحق بالإفتراء فيدعون أنه كاهن , ويسألون الآيات .
وفي قوله تعالى وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا (قال مجاهد : نزلت في مشركي مكة. قال مقاتل: وهم خمسة نفر عبد الله بن أبي أمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن عامر قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى. وقال الكلبي: نزلت في المستهزئين قالوا: يا محمد ائت بقرآن غير هذا فيه ما نسألك)( ).
وفي قوله تعالى (أَم تُريدونَ أََن تَسئَلوا رَسُولَكُم) الآية. قال ابن عباس نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي كعب ورهط من قريش، قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيراً نؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
تسمية حجة الوداع
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تسمية حجه للبيت الحرام في السنة العاشرة للهجرة بحجة الوداع لوجوه :
الأول : توديع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس بلحاظ أنها السنة الأخيرة من عمره .
الثاني : توديع المسجد الحرام ، فهي آخر زيارة نبوية له فليس بعدها حج أو عمرة .
الثالث :بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأحكام الشرعية في هذه الحجة ، ليكون من معانيه توديع توجيه الأوامر والنواهي في مناسبة عامة ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
الرابع : توديع المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إجتماع عبادي عام.
الخامس : اختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة المكرمة للتوديع العام ، وفي موسم الحج .
السادس : تثبيت مناسك وأحكام الحج في أذهان المسلمين ، وكيفية أدائهم لها ،قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لتأخذوا عني مناسككم)( ).
عن عبد الرحمن بن يَعْمر الدَيلي (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الحج عرفات -ثلاثا -فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك. وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه)( ).
وذكره السيوطي (عبد الله بن يعمر الديلمي)( ) خطأ من النساخ باسم عبد الرحمن وباللقب بدل الديلي كتب الديلمي.
السابع : زاد عدد الوفود التي دخلت المدينة لدخول الإسلام على ستين وفداً ، ومنها وفد بني تميم والذين كان لهم شأن بين قبائل العرب ، ولطول باعهم في الخطاب والشعر .
وحج الببت الحرام وإقامة الشعائر العبادية شاهد على الإنتفاع الأمثل من أيام الحياة الدنيا لخير الدارين .
الثامن : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيانه لقرب مغادرته الحياة الدنيا ، وفيه بعث للمسلمين لسؤاله عن أمور الدين والدنيا والثبات على الإيمان وعدم الإرتداد عند وفاته.
و(عن ابن عباس قال : لما نزلت إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة) ( ).
ولعل في الخبر تصحيف بدل (أخذني) أخذه .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة قالت : لما نزلت إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله ، وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل ، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة ، فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي ، فتبسمت)( ).
الواجب التعبدي والواجب التوصلي
يقسم الواجب بلحاظ القصد والنية الى قسمين :
الأول : واجب تعبدي .
الثاني : واجب توصلي ، وفيه مسألتان :
الأولى : النقاش في الكبرى وهي افادة الصيغة الوجوب بعد الإختلاف فيها وانها قد تفيد الندب او الجامع المشترك بين الوجوب والندب.
الثانية : تقسيم الواجب الى التعبدي والتوصلي اعم من ان ينحصر بالصيغة، بل يشمل الجملة الخبرية التي تتضمن البعث والداعي الى الفعل وتشمل الجملة الإنشائية وما يقصد به الأمر.
(وقال صلى الله عليه وآله : تخللوا فإنه من النظافة ، والنظافة من الايمان، والايمان مع صاحبه في الجنة)( ).
فقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (النظافة من الإيمان) جملة خبرية تبعث على النظافة من الأوساخ.
أما (تخللوا) فهو أمر يتضمن معنى الجملة الإنشائية لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع الخبر والإنشاء في الحديث الواحد له ، وإرادة الوجوب منهما وإن النظافة شعبة من الإيمان ، مع بيان الثواب العظيم على الواجب وإن كان توصلياً كما في النظافة ، ومنها نظافة البدن ، ونظافة الثياب .
والواجب التوصلي مطلوب بذاته من غير صفة زائدة وقصد الداعي الإلهي ، للإجزاء بمجرد وجوده في الخارج بلا شرط سواء كان في أصل التشريع أو في قصد الإمتثال، وقيل : وقد تطلق التوصلية ويراد منها “عدم اعتبار المباشرة او عدم اعتبار الإرادة والإختيار.
وورد البيان والتفصيل في كتابي (معراج الأصول) وهو تقريرات بحثي الخارج على فضلاء الحوزة العلمية ، إنما الموضوع هنا هو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بالواجب التعبدي والواجب التوصلي ، وندب المسلمين إلى فعل الخير .
وقد شرّع غسل الجمعة (وهو مستحب مؤكد ويكره تركه، وفي الخبر الغسل واجب يوم الجمعة ويحمل الوجوب على تأكد الإستحباب لقرائن ونصوص اخرى تدل على انه تطوع وسنة)( ).
قانون عصمة القرآن
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عصمة الكتاب الذي أنزله الله عليه وهو القرآن من الزيادة والنقصان ، ومن التأويل الخاطئ ، وخلاف التأويل السليم ، وهو من مصاديق قوله تعالى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ… .
والقرآن لغة : الجمع وتقول قرأت الشئ قراناً إذا جمعت بعضه إلى بعض
وفي الإصطلاح هو كلام الله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، المعجز بلفظه ومعناه ودلالاته ، والمتعبد بتلاوته المنقول إلينا بالتواتر ، المكتوب في المصاحف ، وأول آية من القرآن نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .
والتحريف في اللغة هو الإمالة والعدول بالشيء عن موضعه، وتحــريف الكــلام تغييره عن مواضــعه، وفي الإصطلاح قد يقصد المعنى اللغوي وقد يراد منه التأويل بخلاف القصد والغاية والمعنى الظاهر المراد منه)( ).
ولقد تعرض عدد من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التحريف وتغيير صفته ، وهو من مصاديق قوله تعالى يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ..، فنزل القرآن ببيان صفاته ، وبشر المؤمنين بسلامته في كل زمان من التحريف في رسم الكلمات ومعانيها ودلالاتها.
ومن عصمة القرآن في المقام تفسير القرآن بالقرآن ، وتجد معنى ودلالة كل آية من القرآن بنص ومضمون آية أخرى منه ، ونزل قوله تعالى [يُحَرِّفُونَ]، أربع مرات في القرآن كلها بصيغة المضارع ، ولم يرد فيه (حرفوا) بصيغة الماضي ، مما يدل على حاجة الناس إلى عصمة القرآن ، ودعوة الناس لعرض أحاديث السنة النبوية على القرآن ، والصدور عنه لسلامته من التحريف ، ولقانون السنة مرآة القرآن .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترغيب أهل بيته وأصحابه بتلاوة وحفظ آيات وسور القرآن وبيانه للثواب العظيم في تلاوته .
وعن (عن فضالة بن عبيد و تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (من قرأ عشر آيات في ليلة كتب له قنطار والقنطار خير من الدنيا وما فيها فإذا كان يوم القيامة يقول ربك عز و جل اقرأ وارق لكل آية درجة حتى ينتهي إلى آخر آية معه يقول ربك عز و جل للعبد اقبض فيقول العبد بيده يارب أنت أعلم فيقول بهذه الخلد وبهذه النعيم)( ).
ويتضمن قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ الوعد من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأجيال المسلمين بحفظ القرآن ، ووصوله للناس جميعاً ، وسلامته من التحريف ، وفيه وجوه :
الأول : قانون عصمة القرآن رحمة عامة .
الثاني : شهادة الله عز وجل بأنه هو الذي أنزل القرآن .
الثالث : أصالة الإطلاق والعموم في وصف القرآن بالذكر ، لما فيه من ذكر الله ووجوب عبادته ، وسبل النجاة في الدنيا والآخرة ، قال تعالى إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ.
الرابع : قانون القرآن أصل يصدر عنه الناس في عبادتهم ومعاملاتهم ، ولما قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فانه تعالى هيئ أسباب ومقدمات العبادة ، وجعلها قريبة من الناس ، ومنها انتفاء البرزخ بين القرآن والناس .
قانون إنتفاء البرزخ بين القرآن والناس
القرآن لغة هو الجمع تقول قرأت الشئ قراناً : اذا جمعت بعضه إلى بعض ، لذا سمي القرآن لأنه يجمع السور ويضمها ، وقيل القرآن اسم علم على كتاب الله ، وأنه ليس مشتقاً ، والقرآن في الإصطلاح كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعجز في كل سورة منه ، والمتعبد بتلاوته ، المنقول إلينا بالتواتر ، والمكتوب في المصاحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس .
وقول : هو كلام الله لبيان أن الله عز وجل متكلم بلفظ ، وليس الكلام النفسي ، قال تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا واسم الجلالة (الله) اسم علم على الإله المعبود بحق ، وهو غير مشتق وهو الأصل للأسماء الحسنى ، فيقال (الرحمن ، الرحيم ، الملك ، الجبار ) من أسماء الله ، ولا يقال أنها من أسماء الحليم أو الوهاب .
ولا يقبل اسم (الله) التثنية أو الجمع ، فالألف واللام في أوله أصليتان ، وليس للتعريف ، وإذا حذف حرف واحد منه تغير المعنى مثل حرف اللام يصبح (إله) وكلمة التوحيد هي لا إله إلا الله ، ويصح قول (يا الله ) والأولى اتباعه بالدعاء .
و(عن جابر بن عبد الله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أفضل الذكر لا إلا إله إلا الله ، وأفضل الشكر الحمد لله)( ).
وخرج بالمنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية وبالإعجاز الأحاديث النبوية والقدسية ، وبسورة منه لبيان الأقل العام في إعجازه .
وقولنا المنزل بيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إكرام الله عز وجل له بنزول القرآن على صدره ، فلم ينزل على غيره من أيام آدم وإلى يوم القيامة ، وللقرآن ثلاث تنزيلات :
الأولى : ثبوت القرآن في اللوح المحفوظ .
الثانية : نزول القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة ، قال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
الثالثة : نزول القرآن منجماً على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على التوالي آية آية ، وسورة سورة في ثلاث وعشرين سنة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إصطفاء الله عز وجل له ، وتفضله بعصمته ، وطيب نسبه ، وأكرام البيت الحرام ، ومكة وجعلها أم القرى ، قال تعالى وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.
والقرآن منقول إلينا بالتواتر عن جبرئيل عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الصحابة وأهل البيت ، وقد جمع الإمام عليه السلام القرآن ، كما جمعه أبو بكر بعد حروب الردة واستشهاد عدد من القراء وحفظة القرآن.
والنسبة بين الوحي والقرآن عموم وخصوص مطلق ، فالوحي أعم سواء الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أو للأنبياء السابقين، أو الوحي للملائكة.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه بشارة الأنبياء بالوحي من عند الله ، وينفرد عنهم بنزول القرآن عليه ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور :
الأول : قانون إجتماع الوحي ونزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العبادات والمعاملات ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الثالث : قانون الوحي مدد وعون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره في الوقائع والأحداث ، وتوجيه الأسئلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
تعدد كيفية الوحي
الوحي لغة هو الإعلام والإخبار في خفاء ، ويأتي بمعنى الإيماء والإشارة ، ومن هذا المعنى قوله تعالى في زكريا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا، أما الوحي في الإصطلاح فهو تفضل الله عز وجل بتعليم أحد الأنبياء ، وإخباره عن حكم شرعي وغيره ، لتكون النسبة بين الوحي في اللغة والإصطلاح هو العموم والخصوص المطلق.
فالوحي في الإصطلاح أخص وأسمى ، قال تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ.
لقد سادت الجزيرة وغيرها مفاهيم الجاهلية والضلالة ، وكثرة الغزو بين القبائل والأفراد ، والثأر بانتقام وتجدد المعارك والحروب بين أفراد القبيلة والعمومة الواحدة .
فتفضل الله عز وجل ببعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإصلاح المجتمات بشريعة سماوية بالقرآن والوحي لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاجة الناس إلى رسالته ، ومن خصائصه تعدد الكيفية التي يأتيه بها الوحي منها :
الأولى : مجئ الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمنام ، لقانون رؤيا الأنبياء وحي ، ومنه قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا، وقال تعالى وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ لبيان أن من خصائص النبي محمد في المقام وجوه :
الأول : تفضل الله عز وجل بارادة رؤيا حق للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي شعبة من الوحي .
الثاني : تعدد رؤيا الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : فصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين كل من :
1- رؤيا الوحي .
2- الرؤيا الصادقة ، إذ يرى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا صادقة كما يرى المؤمن وغير المؤمن .
3- رؤيا إضغاث أحلام ، لبيان أن من خصائص الإنسان مجئ رؤيا الأضغاث له ، ومنها ما فيه إخافة ، ولما رآى ملك مصر رؤيا أفزعته توجه إلى رجال البلاط الذين حوله وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ فأبتدا بذكر الرؤيا ثم طلب منهم الفتيا والحكم ، وهي دعوة وتحذير منه بلزوم عدم التفريط بالرؤيا الصادقة ، وإن كان الذي يراها كافراً ، ومن الإعجاز في الآية السابقة أن الملك حفظ الرؤيا ويعلم أنها إنذار وتخويف يشمل دفة الحكم وشؤون العباد ، وفيها تهديد لعرشه.
فلذا قال المصريون القدامى إن لكل طبقة من الناس نوع رؤيا خاصة ، وأن رؤيا الملوك لها خصوصية ، ويبدو أن الملك أنبه وأكثر فطنة من الملأ ، ولأنه صاحب الرؤيا والمسؤولية ، وذات الرؤيا مفزعة ، وهو من فضل الله عز وجل على الناس بأن يجعل صاحب الرؤيا الصادقة يدرك صدقها ولزوم أخذ الحائطة لها .
من أقسام الوحي
لقد أكرم الله عز وجل الأنبياء بالوحي صلة بينه وبينهم وهم وسائط لهداية الناس ، وهل الوحي للأنبياء من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة ، أم أنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة.
والمختار هو الثاني ، ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم إكرام الله عز وجل له بتعدد صيغ الوحي ، منها :
الأولى : رؤيا الوحي ، إذ يأتي مصداقها الواقعي كفلق الصبح ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ…، الجواب نعم .
الثانية : نفث الملك في روع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفثا (روى ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب)( ) والنفث إلقاء الملك المعنى في النفس .
الثالثة : سماع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما يقول الملك من غير أن يراه ، فنيل مرتبة الرسالة لا يمنع من استمرار خصال مرتبة النبوة .
الرابعة : نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل صلصلة الجرس ، وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حينما سئل عن الوحي (أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليَّ إلا ظننت أن نفسي تُقبَض)( ).
الخامسة : مجئ الملك إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهيئة وصورة إنسان كما في مجئ جبرئيل له بصورة الصحابي دحية الكلبي .
السادسة : رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للملك بهيئة ملكوتية ، و(عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن ورقة بن نوفل قال: قلت: يا محمد كيف يأتيك الذي يأتيك؟ قال : يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ وباطن قدميه أخضر)( ).
وعبد الله بن عباس لم يسمع عن ورقة بن نوفل ، الذي هو متقدم في زمانه على ابن عباس ، ولم يرد في الأخبار أن ورقة بن نوفل قد أسلم ، وإن شهد للنبي محمد بصدق نبوته .
معرفة الناس العام بالوحي
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معرفة المسلمين وأهل الكتاب والكفار لقانون نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه المعرفة بدأت من الأيام الأولى من التنزيل بشواهد وشهادات .
وعندما نزل جبرئيل عليه السلام على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأول آية من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَأجابه النبي محمد : ما أنا بقارئ فضمه وغطه حتى بلغ منه الجهد ، ثم تكرر ذات الأمر مرة ثانية وثالثة .
وأوحى إليه الآيات اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ , فرجع إلى البيت ودخل على زوجته خديجة وقال (زملوني ، زملوني) ولما ذهب عنه الروع أخبر خديجة فاستبشرت لما تعرفه من خصال وخصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قالت (إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكَلّ ، وتُقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق)( ).
فقد ذكرت خديجة في الخبر أعلاه خمس خصال من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحميدة في شهادة قريبة منه ، ثم أنطلقت مع النبي إلى ابن عم لها وهو ورقة بن نوفل ، وكان قد تنصر ، ويكتب باللغة العربية .
وكان يقرأ التوراة والإنجيل ، وهو شيخ كبير وهو عمي فسألته أن يسمع من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاذا أتاه وأنزل عليه ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فعرف ورقة أنه الناموس الذي ينزل على الأنبياء ، فقال له (يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أومخرجي هم.
فقال ورقة : نعم لم يأت رجل قط بما جئتَ به إلاّ عُوديَ وأُوذيَ ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً ، ثم لم ينشب ورقة ان توفي)( ).
ومن علامات معرفة الناس لنزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : حال تصبب وسيل العرق من وجه النبي محمد ، وسأل الحارث بن هشام (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يأتيك الوحي .
قال : أحيانا يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وهو أشده علي وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم ، وإن جبينه ليتفصد عرقاً)( ).
الثاني : انقطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الناس ساعة الوحي وثقله .
الثالث : تجليات مصاديق الوحي بالواقع اليومي والعملي بما يقول أو يفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الشواهد التي تدل على الوحي .
الرابع : إجابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإسئلة المختلفة في أمور الدنيا والآخرة بالوحي .
وقد ورد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن كلها بخصوص سؤال الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع تفضل الله عز وجل بالإجابة عن الأسئلة كما في قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، وقد ورد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] في الآية أعلاه مرتين .
الخامس : شواهد السنة القولية والفعلية والتي تم توثيقها لشهادة الأجيال على أنها شعبة من الوحي ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
قانون اتصال الوحي
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملازمة ومصاحبة الوحي له ، لبيان قانون اتصال السماء بالأرض ، وأنهما جميعاً وما فيهما ملك لله عز وجل ، وفي التنزيل وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( ).
لقد كان الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة عظمى عليه وعلى أجيال المسلمين والناس جميعاً ، وهو عضد ومؤازر له في الدعوة إلى الإسلام ، ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص وحي الله عز وجل له أمور :
الأول: تثبيت الوحي لقلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإجهار بالدعوة مع شدة الأذى ، وقد ورد لفظ [فُؤَادَكَ] بصيغة الخطاب مرتين في القرآن ، وكلاهما خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَوقال وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا.
والفؤاد بمعنى القلب والأحاسيس ، وتسالم أهل اللغة على تسمية القلب بالفؤاد ، وفي العين (وسُمِّيَ الفُؤاد لتفَؤُّدهِ أي لتوقُّده.
وفُئِدَ الرجلُ فهو مَفؤود أي أصابَه داءٌ في فُؤاده)( ).
الثاني : قانون حضور الوحي واقية من القتل ، فقد تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعدة محاولات إغتيال منها قبل الهجرة ، ومنها بعدها فأنجاه الله ، وهذه النجاة من خصائصه ومعجزاته ، ومنها إرادة كفار قريش قتله في فراشه ليلة الهجرة ، وسعيهم لقتله في طريق الهجرة ، وجعلهم مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، كما أن طريق الهجرة لا يخلو من المخاطر.
واستمرت محاولات اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة وحتى في يوم حنين ، ونجاته منها من مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
وفي يوم حنين أراد شيبة بن عثمان بن أبي طلحة اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقتل رجالات بني عبد الدار يوم أحد والذين كانوا حملة اللواء ، ومنهم والده عثمان (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ . قُلْت : الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمّدٍ وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمّدًا . قَالَ فَأَرَدْت بِرَسُولِ اللّهِ لِأَقْتُلَهُ فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتّى تَغَشّى فُؤَادِي ، فَلَمْ أُطِقْ ذَاكَ وَعَلِمْت أَنّهُ مَمْنُوعٌ مِنّي)( ).
فأتى عن يمين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (فوجد عباسا، فأتى عن يساره فوجد أبا سفيان بن الحارث، فأتى من خلفه فوقعت بينهما شواظ من نار، فرجع القهقرى ، فرجع النبي صلى الله عليه وآله إليه وقال : يا شيب يا شيب ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان.
فنظرت إليه ولهو أحب إلى من سمعي وبصري فقال: يا شيب قاتل الكفار، فلما انقضى القتال دخل عليه فقال: الذي أراد الله بك خير مما أردته لنفسك، وحدثه بجميع مازوى في نفسه فأسلم)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سبل نجاته من الإغتيال من مصاديق قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ .
الثالث : كشف الوحي للمنافقين ، فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنذاره للمنافقين ، وحذره وتحذيره منهم بالوحي ، ، وهو مناسبة وسبيل توبة وتنزه عن النفاق والرياء ونحوه من الأخلاق المذمومة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتخاذ الوحي وسيلة سماوية مباركة لتنزيه المجتمعات وبناء صرح الإيمان ، والإعانة على إزاحة ومحو الكفر ومفاهيم الضلالة .
الرابع : قانون الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فالوحي سبب لكثرة الداخلين في الإسلام حتى إذا حلت السنة التاسعة للهجرة جاء نحو سبعين وفداً من قبائل العرب إلى المدينة ليعلنوا دخولهم ومن خلفهم من أهليهم الإسلام .
الخامس : قانون اتصال الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب لتثبيت المسلمين في منازل الإيمان.
السادس : قانون الوحي كاشف عن صدق النبوة ، وبالوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انقطع الإفتراء على الله بادعاء الوحي ، لأنه خاتم النبيين ، قال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ.
(عن أبي سعيد الخدري قال : كان العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمن يحرسه ، فلما نزلت وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحرس( ).
السابع : قانون الوحي طريق ومادة النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل بخصوص معركة بدر إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
ومن مصاديق قانون اتصال الوحي قوله تعالى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، لبيان فضل الله عز وجل في حضور الوحي عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن أنس قال : سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله .
قال : ما أدري حتى أسأل جبريل ، وكان قد أبطأ عليه فقال : لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة ، فقال وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ))( ).
قانون المعجزة دليل النبوة
المعجز والمعجزة لغة ما يعجز معه الخصم عند التحدي ، والهاء للمبالغة (والعَجْزُ : الضعف. تقول: عَجَزْتُ عن كذا أعْجِزُ بالكسر عَجْزاً ومَعْجِزَةً ومَعْجَزَةً ومَعْجِزاً ومَعْجَزاً بالفتح أيضاً على القياس.
وفي الحديث : لا تَلِثُّوا بدارِ مَعْجَزَةٍ ، أي لا تقيموا ببلدة تَعجِزون فيها عن الاكتساب والتعيُّش)( ).
والمعجزة في الإصطلاح أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي ، سالم عن المعارضة، ولا ينالها الكاذب ، للتناقض والتضاد بين النبوة والكذب، ولعصمة الأنبياء مطلقاً، ولأنها فيض وفضل الهي اختص به أشرف خلقه وهم الأنبياء.
والمعجزة دليل قطعي على صدق النبوة سواء كانت حسية أو عقلية ، فأكرم الله عز وجل النبي محمداً وجعل معجزاته حسية وعقلية ، والذي يكون معروفاً عند الناس بالصدق والأمانة في كل أيام حياته تنمو عنده حواجز أدبية وأخلاقية وإجتماعية دون إدعائه النبوة .
ومع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يسمى قبل النبوة (الصادق الأمين) فان الله عز وجل رزقه المعجزات المتعددة ومنها المعجزات الحسية وجعلها تقترن بالمعجزات العقلية التي اختصه بها ، وهي دليل متجدد على صدق نبوته .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن معجزاته العقلية تأكيد سماوي لمعجزاته ومعجزات الأنبياء السابقين الحسية .
ومن خصائصه عصمته من الذنوب الصغائر والكبائر منها وفيه وجوه:
الأول : قانون عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة عامة.
الثاني : قانون عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للناس للهداية والإيمان .
الثالث : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حجة على الذين كفروا ، وسبب لتفريق شملهم .
الرابع : قانون مصاحبة العصمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين مغادرته إلى الرفيق الأعلى .
ويمكن تقسيم منافع الوحي إلى أقسام :
الأول : المنافع الدنيوية للوحي في باب العقائد والعبادة والمعاملات والإجتماع وتهذيب الأخلاق ، وإشاعة مفاهيم الإيمان .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أكثر الأنبياء في انتفاع الناس من الوحي الذي أوحاه الله عز وجل له ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
الثاني : منافع الوحي في عالم البرزخ .
الثالث : منافع الوحي يوم القيامة .
الوحي سور جامع
لما تفضل الله عز وجل وجعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فلم يتركه وشأنه بل تعاهد الناس جميعاً مع كثرتهم وانتشارهم في الأرض ، وصرف أسباب الإبادة العامة عنهم ، ولو شاء الله لرمى آدم أو حواء بالعقم وعدم الإنجاب ، فينقطع وجود الناس في الأرض .
لقد عاش آدم وحواء برهة من الزمن في الجنة وتحدثا مع الملائكة ليهبطا إلى الأرض بذكرى نعم الجنة ، وأخبار العالم العلوي ، ويصاحب الوحي آدم ، وعندما غادر الدنيا نال ابنه شيث وهو هبة الله مرتبة النبوة والوحي لقانون من الإرادة التكوينية من جهتين :
الأولى : قانون وجود نبي بين الناس .
الثانية : قانون ملازمة الوحي للنبوة (فكل نبي يأتيه الوحي من عند الله، نعم الوحي من الكلي المشكك في كيفيته وكمه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملازمة الوحي له من جهات :
الأولى : مجئ الملك بالتنزيل وآيات القرآن .
الثانية : يأتي الملك والوحي بالسنة النبوية
الثالثة : الوحي من عند الله بوسائط وفيض من عند الله ، وفي التنزيل وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انقطاع الوحي بمغادرته الحياة الدنيا ، فليس من نبي بعده ، ولكن الله عز وجل لم يترك الناس ، قال تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى.
فقد تفضل الله عز وجل وجعل القرآن وحياً ناطقاً قريباً من كل إنسان ذكراً أو أنثى ، ليس من برزخ يحول دون اقتباس الدروس واستنباط المسائل منه ، وبفضل من الله عز وجل صدر من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان) ولغاية الآن (268) جزءً ، وتضمنت (19,455 ) قانوناً ، وكل قانون أو أكثر يصلح أن يكون دراسة دكتوراه .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضل الله عز وجل عليه بنزول القرآن وتوثيق قصص الأنبياء الأمم السابقة فيه ، وبما يمنع من التحريف والتبديل وسوء التأويل فيها .
ومنها معجزة سفينة نوح وناقة صالح ، ونجاة إبراهيم ، وعصا موسى ، وعصمة يوسف وآيات ولادة عيسى عليه السلام ، وتكلمه في المهد والآيات التي جاء بها.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حفظ القرآن والسنة لأخبار ومعجزات الأنبياء إلى يوم القيامة .
وهذا الحفظ سبيل لزيادة إيمان المسلمين والمسلمات ، وتنمية ملكة الأخلاق الحميدة عندهم .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بمدرسة معجزات وسيرة الأنبياء ، وبقاؤها حاضرة بين أيدي الناس إلى يوم القيامة بآيات قرآنية لا تقبل التحريف أو التبديل .
وبين الإعجاز والوحي عموم وخصوص مطلق، فكل وحي إعجاز وليس كل إعجاز هو وحي، مع عدم إمكان التفكيك بينهما، وكل واحد منهما شاهد صدق ودليل ومتمم للآخر.
والوحي من عالم الأمر، وفيه شاهد على علو مرتبته .
والوحي إلى الأنبياء لطف من عند الله ، وإخبار خاص للأنبياء وحكم عام للناس جميعاً بأن الله عز وجل على كل شئ قدير ، وأنه قريب من الناس ، وهو الذي يهديهم إلى سواء السبيل ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ.
بين آدم والنبي محمد (ص)
آدم أبو البشر ، وأول إنسان خلقه الله ، وتفضل الله ونفخ فيه من روحه ، وقد ورد ذكره في القرآن باسمه ، ومنه قيامه بتعليم الملائكة الأسماء في الجنة بأمر وتوفيق من عند الله عز وجل قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه نبي من قبل ان يخلق الله عز وجل آدم .
و(سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم متى كُتبتَ نبياً؟
قال : كُتبتُ نبياً وآدم بين الروح والجسد)( ).
وقد كلّم الله عز وجل آدم عليه السلام وكلامه له على وجوه :
الأول : إنه أعظم من الوحي لعدم وجود الواسطة , فلم يجعل الله ملكاً ينقل كلام الله لأدم بل كلمه الله قُبلاً( ), وفي التنزيل وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا.
الثاني : جاء تكليم الله لآدم عندما كان في الجنة وليس بعد هبوطه إلى الأرض, ونواميس السماء تختلف عن نواميس الأرض.
الثالث : وقوع تكليم الله عز وجل لآدم عند أول خلقه ونفخ الروح , وآدم نبي رسول أوحى الله إليه .
الرابع :الوحي إلى آدم بالإيماء والخفاء ، كما في سائر الأنبياء .
الخامس : نزول الملائكة وتكليمهم آدم وهو في الأرض ، فاذا أنعم الله عز وجل على عبد بنعمة فهو سبحانه أكرم من أن يرفعها ، كما أن في كلام الملائكة مع آدم إعانة له ، وباعث للصبر والتحمل والتدبر في الحياة اليومية والعبادات ، ومنها تعليمه مناسك الحج ، وأداؤهم لها وهو وحواء يحاكونهم فيها .
السادس : وحي النبوة من عند الله إلى آدم بصفته نبياً رسولاً .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام رؤية آدم وهو في الجنة اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم – وفيه كلام – عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما اقترف آدم الخطيئة .
قال : يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي ، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد .
فقال : يا رب لانك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوادم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك.
فقال الله: صدقت يا آدم إنه لاحب الخلق إلى، وإذ قد سألتنى بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك)( ).
والحديث ضعيف سنداً ، نعم ورد في التنزيل وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة آدم عن نبوته واخباره أولاده عن رسالته الخاتمة .
إمام العابدين
العبادة خضوع وانقياد بذل للمعبود ، واستكانة مترشحة عن عظمة المعبود ، وكمال مقامه ، وتتقوم العبادة بأطراف :
الأول : المعبود .
الثاني : ماهية العبادة .
الثالث : العابد .
ولا تصح العبادة إلا لله عز وجل ، وهو الذي قهر الخلائق كلها بأن جعلها عابدة له ، كل فرد بحسبه واختص الإنسان بالخلافة في الأرض ليعمرها بالعبادة والصلاح .
وجعل عبادة الناس علة لخلقهم ، وسبباً لتوالي الرزق عليهم ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
وتفضل الله عز وجل وبعث مائة وأربعة وعشرين ألف نبي تباعاً ، ومنهم من قاتل وقتل في سبيل الله ، قال تعالى وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوزه بأعلى مراتب التوفيق والفلاح من بين الأنبياء واختص بوجوه :
الأول : الصبر على الأذى الشديد من المشركين .
الثاني : الثبات في ميدان الدفاع في معارك متعددة حتى في حال رجحان كفة المشركين ، كما في معركة أحد ، أو هجومهم المباغت كما في معركة حنين .
الثالث : نداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (لا إله إلا الله) في كل الأحوال في حال السلم والحرب ، والحضر والسفر .
الرابع : توالي دخول طوائف من الناس الإسلام ، قال تعالى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
الخامس : صيرورة القرآن الذي انزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إماماً للأجيال .
مكاتبة وعتق العبيد
يقال: نجم الشيء ينجم نجوماً ظهر وطلع)( ).
والنجم زمان يحل بانتهائه وإبتدائه قدر معين من مال الكتابة أي القسط الدوري ، أي مقدار المال والقسط السنوي الذي يدفعه.
العبد المكاتب لسيده الذي كاتبه على عتقه بمبلغ من المال .
وعن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (قال : تضع عنه من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه منها ، ولا تزيد فوق ما في نفسك ، قلت : كم ؟ قال : وضع أبوجعفر عليه السلام عن مملوك ألفا من ستة الاف)( ).
وهو الوارد عن ابن عباس أيضاً( ).
وفي الآية دعوة للمسلمين للإعانة في عتق الرقاب ومصداقه آية الصدقات وذكر سهم للرقاب في الزكاة ، قال تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور :
الأول : عدم صيرورة الإنسان عبداً إلا الذي يحارب الإسلام بالسيف ليكون الرق أماناً له ومنه .
الثاني : رؤية العبيد عبادة المسلمين .
الثالث : حسن معاملة العبيد والرفق بهم ، وحض المسلمين على الإحسان لهم ، لقانون تملك العبيد امتحان واختبار .
الرابع : الترغيب بعتق العبيد .
و(عن عمرو بن مالك القشيري . سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من أُعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم محرره بعظم من عظامه .
ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله ، ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة)( ).
الخامس : تشريع الولاء للقبائل لمن اعتق من العبيد ، حتى صار أكثرهم في هذا الزمان جزء من القبائل واختلطت الأنساب .
السادس : إنقطاع الرق في الإسلام .
وقد جعل الله عز وجل عتق العبيد صدقة واجبة ومستحبة ، وفرداً من أفراد الكفارة .
إذ ورد عتق العبيد خمس مرات في القرآن وهي :
الأولى : عتق رقبة مؤمنة عند قتل المؤمن خطأ .
الثانية : قتل المؤمن خطأ عندما يكون مع المشركين الذين يقاتلون المسلمين ، ومن الإعجاز الموضوعي في القرآن ورود لفظ تحرير رقبة ثلاث مرات في آية واحدة من بين خمس مرات ورد في القرآن ، وتقديم العتق على صيام الكفارة ، قال تعالى وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
الثالثة : كفارة قتل مؤمن خطأ من قوم لهم ميثاق وعهد مع المسلمين ، كما ورد لفظ (فك رقبة) لبيان أنه واقية من النار ، وفي الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار .
وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : دلني على عمل أنجو به ، فقال : لئن قصرت القول لقد عرضت المسألة فك رقبة ، وأعتق النسمة ، فقال الأعرابي : أليس هما واحداً؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها)( ).
الرابعة : كفارة حنث اليمين .
الخامسة : كفارة مظاهرة الرجل لزوجته ، ومنه (كانت خولة ابنة ثعلبة تحت أوس بن الصامت، وكان رجلا به لمم، فقال في بعض هجراته أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال.
فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، قالت: لا تقل ذلك، فو الله ما أحبّ الله طلاقا.
قالت: ائت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم فسله، فقال: إني أجدني أستحي منه أن أسأله عن هذا، فقالت: فدعني أن أسأله، فقال لها: سليه.
فجاءت إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم، فقالت: يا نبيّ الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي، وأحبّ الناس إليّ، قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: أنت عليّ كظهر أمي.
فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم: ما أرَاكِ إلا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ، قالت: لا تقل ذلك يا نبيّ الله، والله ما ذكر طلاقا، فرادّت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم مرارا.
ثم قالت: اللهمّ إني أشكو اليوم شدّة حالي ووحدتي، وما يشقّ عليّ من فراقه .
اللهمّ فأنزل على لسان نبيك، فلم ترم مكانها، حتى أنزل الله قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ، إلى أن ذكر الكفارات .
فدعاه النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم فقال: أعْتِقْ رَقَبَةً، فقال: لا أجد، فقال: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ قال: لا أستطيع، إني لأصوم اليوم الواحد فيشقّ عليّ؛ قال: أطعمْ سِتِّينَ مِسْكِينا، قال: أما هذا فَنَعَمْ)( ).
وفي الصحيح عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير ، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين تزوج ميمونة بنت الحارث أولم عليها وأطعم الناس الحيس , والحيس : تمر يخلط بسمن واقط فيعجن ثم يندر منه نواه ، وربما يجعل معه سويق.
ومن الإعجاز ومصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ تقديم الآيات لعتق العبيد على أفراد كفارة الظهار الترتيبية ، إذ قال تعالى وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
نزول القرآن منجماً
لماذا لم ينزل القرآن من السماء جملة واحدة ، فيه وجوه :
الأول : التنجيم صفة زائدة ميَّز الله عز وجل بها القرآن عن الكتب السماوية الأخرى وهو من أسباب حفظه وأفضلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلك الأفضلية متعددة، لاسيما وان الفرق الرتبي موجود بين القرآن والكتب الأخرى بلحاظ الموضوع والأحكام والتشريع. فالقرآن جامع للأحكام .
الثاني : فيه نوع إكرام للملائكة وعلمهم بالترتيب في إنزال القرآن نجوماً ضبطاً وتحقيقاً.
الثالث : إظهار للنعمة على المسلمين في بيان حسن حظهم من عند الله بأن خصهم بالقرآن .
الرابع : إعظام شأن القرآن بين أهل السماء وأهل الأرض في نزوله دفعة واحدة، وهذا لا يمنع من التعظيم الخاص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : تمييز القرآن من بين الكتب السماوية الأخرى إذ كانت تنزل إلى الأرض جملة، لذا اشتبه على الكافرين ، قال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
السادس : يبين نزول القرآن نجوماً موضوعية ومنزلة وأثر أسباب النزول والوقائع الحادثة وتوثيقها من السماء وجعلها عوناً على حسن التفسير والتأويل ، ومنع الزيغ والباطل في تأويل المتشابه.
السابع : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الكتب السماوية التي قبل القرآن نزلت جملة واحدة على الأنبياء، ولكن القرآن نزل إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقاً على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تمييزاً وتشريفاً وتفضيلاً.
ترى ماذا لو نزل القرآن على النبي محمد في مكة أول البعثة جملة واحدة ، فهل يقوم المشركون بالإستهزاء والسخرية خاصة مع قلة الأصحاب والأنصار بسلطانهم وقوتهم .
المختار نعم ، لا سيما وأن القرآن يذم الكفر والكافرين ، ويدعو للقتال دفاعاً ، ثم أن آيات القرآن ما تتعلق أسباب نزولها بالوقائع والأحداث في المدينة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كيفية نزول القرآن سبب لحفظه وسلامته .
الثامن : فيه آية إعجازية وهي قابلية وأهلية كل آية قرآنية على التحدي مستقلة بنفسها من غير إنضمام إلى آيات أخرى .
وهذا التحدي عون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله عز وجل ، فمن خصائص النبي محمد قانون مؤازرة توالي النزول للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وباستثناء بعض السور فأن السورة لا تنزل كلها مرة واحدة، فالتنجيم لا يمنع من نزول بعض السّور جملة واحدة كسورة الأنعام .
روي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنزلت عليّ الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجــل بالتسبيح والتحميــد، فمــن قرآهـا صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعد كل آية من الأنعام وهي مائة وخمس وستون آية .
لبيان قدرة النبي محمد على حفظ السورة الطويلة وكثيرة الآيات إذا نزلت مرة واحدة ، وهذا الحفظ من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مدد من عند الله ، وشاهد على صدق رسالته .
وسورة الأنعام مكية ، وعن ابن عباس غير ثلاث آيات قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ إلى آخر ثلاث آيات .
وأكثر آياتها احتجاج على الذين كفروا ، وتذكير بالبعث والنشور واليوم الآخر .
وعندما نزلت على النبي محمد جملة واحدة قال (سبحان الله العظيم وخر ساجدا ثم دعا الكّتاب فكتبوها من ليلتهم)( ).
التاسع : قانون نزول القرآن نجوماً برزخ دون تحريفه , ويدل على تهيئة الأسباب لحفظ ما بين الدفتين، وصدور القرآن قطعي، سوراً وآيات على نحو العموم المجموعي للكتاب، وعلى العموم الإستغراقي الإفرادي لآياته، فهو صحيح السند وإن نزل منجماً لسلامة الطريق والأمانة ، والقرآن قطعي الصدور قطعي الدلالة .
العاشر : نزول القرآن نجوماً إكرام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودوام للصلة بين الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الحادي عشر : في التنجيم مصالح نوعية ومنافع شخصية وهو نوع تأديب عام وخاص ، وعن الصادق عليه السلام (إن الله عز وجل أدّب نبيه فأحســن تأديبـه فلما أكمــل له الأدب قال تعالى وَإِنَّــكَ لَعَلى خُـــــلُقٍ عَظِـــيمٍ )( ).
توالي نزول آيات القرآن
تتجلى عظمة القرآن بعدم نزوله دفعة واحدة ومشقة تلقيه مرة واحدة.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المشقة إذا نزلت عليه الآية القرآنية قال تعالى لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ، ويظهر عناء الإستقبال، ووطئة التكليف بالرسالة وثقل الأمانة عليه ، وفيه مسائل :
الأولى : التدرج والتوالي في نزول آيات القرآن مناسبة كريمة لحفظ القرآن وتدوينه وكان الصحابة يحفظون الآيات عشرة بعد عشرة.
الثانية : نزول القرآن نجوماً حجة وسبب في إسلام الكثير من الناس.
الثالثة : إضعاف ودحر رؤساء الشرك في المجتمع ، فقد فضح الوحي كفار قريش، وزلزل مكانتهم في تواليه وعدم إنقطاعه.
الرابعة : تكرار وتجدد نزول جبرئيل وما في هذا النزول، وتكراره من مضامين قدسية وحضور ملكوتي في الأرض، وفيه نوع تشريف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفاخر أجيال المسلمين بكثرة نزول جبرئيل عليه السلام ، وهل هذه الكثرة من أسباب العصمة النبوية ، الجواب نعم .
الخامسة : إفادة اليقين ففي كل مرة يكون التحدي وإثبات الصدق والإعجاز ، ليترشح عنه ترغيب الناس بالإسلام ، ومنعهم من محاربة النبوة والتنزيل .
السادسة : جعل الوحي حقيقة يومية يلجأ إليها الناس في شؤونهم ليعتادوا على اللجوء إلى القرآن والإخبار السماوي .
السابعة : إقتران الوحي بحياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم دلالة على بركات وجوده، وإنقطاع الوحي بوفاته وإنتقاله إلى الرفيق الأعلى دلالة على عظيم خسارة المسلمين وأهل الأرض بوفاته .
قال الإمام علي عليه السلام وهو يلي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيزه (بأبي أنت وأمي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والانباء وأخبار السماء)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم انقطاع الوحي أو التنزيل من حين البعثة النبوية وإلى أوان مغادرته الدنيا ، وفي التنزيل مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حضه المسلمين على قراءة القرآن ، وبيان أن هذه القراءة ثروة وفضل وكنز .
وأخرج البيهقي (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه ، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحداً أعطي أفضل مما أُعطي فقد عظم ما صغر الله وصغر ما عظم الله ، وليس ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله)( ).
نزول آيات القرآن على التوالي
في خطاب من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا.
لقد أنزل الله عز وجل القرآن إلى اللوح المحفوظ لبيان وحدة الكائنات وملك الله عز وجل لها جميعاً ، ملك مشيئة وقدرة ، ثم نزل على بيت العزة في السماء الدنيا ، ليقوم جبرئيل بتنزيله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجوماً أي نجماً بعد نجم ، وآية بعد آية ، كل آية حسب وقتها ومناسبتها .
يقال: نجم الشيء ينجم نجوماً ظهر وطلع)( )، والنجم زمان يحل بانتهائه وإبتدائه قدر معين من مال الكتابة أي القسط الدوري، ومنهم من حمل عليه قوله تعالى [وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى] ( ) وقوله تعالى فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ أي نجوم القرآن لأن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة.
ومنهم من قال : ان جبرئيل كان ينزل بمعاني القرآن والرسول يعبر عنها بلغة العرب ، أو أن اللفظ لجبرئيل وان الله كان يوحي إليه المعنى فقط ، وهذا غير صحيح ومعارض بنص القرآن والسنة والإجماع ولا دليل عليه .
فالقرآن كلام الله المعجز وهو من فضل الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واجيال المسلمين المتعاقبة الى يوم القيامة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص نزول القرآن أمور :
الأول : ابتداء نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حين بعثته .
الثاني : أول آية نزلت من القرآن هي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.
الثالث : نزول الملك جبرئيل بآيات القرآن في كل مرة ، فليس من ملك ينيب عنه في نزول القرآن .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقيه القرآن مدة ثلاث وعشرين سنة ، وهذا التلقي بالقلب والجوارح والحواس ليحفظ النبي محمد التنزيل ، ويتلوه حالما يغادره جبرئيل وينفك عنه الوحي ، وكان جبرئيل يقول له ضع هذه الآية في سورة كذا في موضع كذا ، فيطلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كتّاب الوحي ليكتبوا الآية أو الآيات ، ويتلوها في الصلاة اليومية والتي يؤم فيها المسلمين .
قانون منع الاختلاف سبب للنزول
من علوم القرآن علم أسباب النزول أي نزول الآية والسورة القرآنية ، ونزول آيات القرآن على قسمين :
الأول : ما نزل ابتداء من عند الله ، وهو سبحانه أعلم بالنفع العام من أوان النزول .
الثاني : ما نزل عقب واقعة أو سؤال .
وبيان سبب نزول الآية القرآنية نوع طريق لمعرفة معانيها ودلالاتها ، ووجوه الحكمة فيها والحاجة العامة إليها ، وتكون معرفة أسباب نزول الآية بالرواية والسماع ممن حضروا التنزيل وأدركوا أسباب نزول الآية القرآنية ، وإن كان كثير من أخبار أسباب النزول ذكرها التابعون ولم يرفعوها ، ومع هذا نقبلها لوجوه :
الأول : موافقة أسباب النزول لموضوع الآية .
الثاني : حمل عمل العلماء من التابعين على الصحة بأنهم أخذوا هذه الأسباب عن الصحابة .
الثالث : ذكر هؤلاء العلماء لأسباب النزول ثروة وتركة كريمة .
وهناك أحاديث للصحابة عن أسباب النزول ولكنهم لم يحضروها وسابقة لأوان إسلامهم ، كما في أحاديث لعبد الله بن عباس وأبي هريرة عن وقائع في مكة قبل هجرة النبي كأسباب لنزول آيات مكية .
وأضيف لها بخصوص أسباب النزول وجوهاً :
الأول : قانون منع أسباب النزول الإختلاف والشقاق بين المسلمين بخصوص تفسير الآيات ذات الأسباب مع أن هذا التفسير أعم من سبب النزول ، أو بين المسلمين وغيرهم ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن .
الثاني : بعث المسلمين على طاعة الله ورسوله ، وزيادة إيمانهم .
الثالث : إرادة تحقق أمر لا يتم إلا بنزول القرآن الذي يبعث على السعي والعمل والتضامن والتكافل .
لبيان قانون عدم انحصار أسباب النزول بالأمور الحسية الظاهرة ، بل يشمل ما هو معدوم غير محسوس ، ولكنه معلوم عند الله ، وفي التنزيل وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ لذا فان أسباب النزول من إعجاز القرآن ، وهو في الغالب من المغيبات .
الرابع : من أسباب النزول ما يبعث على التفقه العام في الدين .
الخامس : توثيق أسباب النزول جذب لتلاوة القرآن ، والتدبر في معانيه ودلالاته .
وقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا نزلت هذه الآية في صلح الحديبية إذ جعله الله عز وجل فتحاً ، وفتحاً مبيناً ، وفيه دعوة لتلمس منافع ذات الصلح ، ومنع لطرو الشك بعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة إلى المدينة من غير أداء للعمرة .
و(عن مُجَمّعِ بن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كُراع الغميم( ) إذا الناس يوجفون الأباعر (أي يسرعون بها ويدفعونها) فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس .
قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو .
قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح) ( ).
وهل تختص منافع أسباب النزول بأيام الرسالة أم أنها أعم وتشمل أيام الحياة الدنيا وإلى يوم ينفخ في الصور .
المختار هو الثاني ، فيمكن أن تقع حادثة تنطبق على مضامين إحدى آيات القرآن في الأوامر والنواهي أو الجملة الخبرية فيستشهد عليها بالقرآن ، ويكون هذا الإستشهاد باباً للنفع الخاص والعام ، وضياء ونبراساً ، وواقية من الإختلاف والندامة وفيه محو للأذى النفسي ، وهو من الشواهد على الإعجاز العقلي المتجدد للقرآن .
تسمية الأنصار
لقد فاز أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصال حميدة ، ونزل القرآن بالثناء عليهم ، وكانوا على قسمين :
الأول : المهاجرون ، وهم الذين دخلوا الإسلام وهاجروا إلى المدينة المنورة قبل وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها.
وهل هجرة الصحابة إلى المدينة معجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،الجواب نعم .
وشهد الله عز وجل لهم بأن أخرجوا كرهاً عن مكة وعن أموالهم وعن قراهم ، طلباً لمرضاة الله ، قال تعالى لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ .
وقد وثقت أخبار والسيرة السنة النبوية وقائع الهجرة وأغلب أسماء المهاجرين ، ومن الآيات أن هجرتهم لم تكن خالية من الأذى بل يبدأ هذا الأذى من حين مغادرة المسلم مكة إذ تطاردهم قريش لمنعهم ومحاولة قتلهم ، ثم اصطفوا للقتال في معركة بدر وأحد والخندق ، ففي كل مرة كان المشركون هم الغزاة .
الثاني : الأنصار : وهم أهل يثرب الذين نصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم محمداً وينتمون إلى قبيلتي الأوس والخزرج .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية صيرورة المناقب والمآثر الخالدة للأنصار لإيوائهم ونصرتهم له .
والآوس والخزرج إخوان ابنا (حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ولقب الأنصار اختاره الله عز وجل لهم ، وفضلهم به ، قال تعالى لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، ولما هاجر إليهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منعوه ونصروه، وأم الأوس والخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد، ولذلك يقال لهم أبناء قيلة .
الدعاء لذراري الأنصار
لقد اثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأنصار مجتمعين ومتفرقين في أحاديث عديدة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)( ).
ولا ينحصر دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وأبناء أبناء الأنصار) بالأحفاد إنما يشمل العموم الإستغراقي لأجيال وذراري الأنصار ، وفيه دعوة لهم لحفظ انسابهم مع تقادم الأحقاب ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوهاً :
الأول : الدعاء للحاضر والمعدوم والذي لم يولد بعد .
الثاني : إكرام الأنصار ، ودعوة المسلمين لإكرامهم .
الثالث : العناية بالأنساب.
الرابع : سبق دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرحمة للمولود من ابناء الأنصار قبل أن يولد ، وفيه دعوة نبوية لهم لتعاهد الإيمان.
والأوس والخزرج من قبيلة الأزد في اليمن ، بعد أن أخبر الكهنة عمرو بن عامر مزيقياء أن سيل العرم يخرب بلادهم ، ورآى الجرذان الكبيرة تقرض بأساسات السد وتنقب فيه إلى جانب تقادم بناء السد وشدة اندفاع السيول ، إذ تأتي من صنعاء وخولان وذمار وجهران لتندفع مجتمعة بقوة ، وفي وقت ذروة الأمطار إلى جانب انتفاء الصيانة اللازمة على مدى سنوات متعاقبة .
وقال الشاعر :
(ولا تحتقر كيد الضعيف فربما … تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هدم عرش بلقيس هدهد … وخرب فأر قبل ذا سد مأرب
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز … عليه من الانفاق في غير واجب( ).
واجتاز ثعلبة بن عمرو ومن معه المدينة ، وكانت تسمى يثرب ، فتخلف الأوس والخزرج ابنا حارثة فيمن معهما ، وكانت فيها أسواق ، وقبائل من اليهود والعرب .
إنما هذه التسمية من الله ، وفي القرآن وشهد لهم بأنهم سابقون في الإيمان كيلا يدخل معهم غيرهم في هذا العنوان والشرف العظيم ، قال تعالى وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
وكان عدد أفراد قبيلة الخزرج ثلاثة أضعاف قبيلة الآوس ، ومع أنهما أبناء عمومة فبينهم خصومة ومعارك متقطعة منها حرب سمير ، وحرب بُعاث التي كانت قبل بيعة العقبة بنحو سنتين ، وقبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنوات ، لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القضاء على الفتن والحروب بين القبائل وأبناء العمومة الواحدة .
كثرة الصحابة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الله عز وجل بعثه بجوار البيت الحرام في مكة بين قوم مشركين يؤذيهم نزول آيات القرآن بذم عبادتهم للأوثان ، ويتناجون بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومع هذا كان عدد الصحابة يزداد على نحو مطرد ، مع قيام مشركي قريش بتعذيبهم ، ومحاولات حملهم على ترك الإسلام .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : توالي دخول الناس في الإسلام ، وهو من الشواهد على صدق نبوته ، وموضوعية المعجزات التي جاء بها .
الثاني : كثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء .
الثالث : أصحاب رسول الله من قبائل ومدن وقرى متعددة ومختلفة .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون انقطاع العصبية القبلية برسالته ونزول القرآن ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
الرابع : إمتناع الخصومة والثأر بين صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد كانوا يتقاتلون لحمية الجاهلية الأولى .
الخامس : السور الجامع للصحابة هو الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر.
السادس : رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تهذيب واصلاح للمجتمعات .
السابع : جهاد الصحابة ، وقتالهم دون النبوة والتنزيل وشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكم من صحابي قتل وهو يذود عن النبي محمد كما في معركة أحد .
الثامن : ثبات الصحابة على الإيمان عند مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا ومسيرهم في سرايا محاربة الردة.
لبيان استجابتهم لقوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
فهذه الآية وإن جاءت بصيغة الجملة الخبرية إلا أنها تأمر بالثبات على الإيمان ، وتزجر عن الإرتداد عند وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
التضاد بين الوعد والوعيد
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوعد الكريم للذين يؤمنون برسالته ، والوعيد للذين كفروا وحاربوه وسعوا في قتله إذ أخبر القرآن بأن تغلبهم في البلاد للتجارة والسياحة والكيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبال عليهم ، وأنهم وإن كانوا في أمن في الذهاب للشام واليمن في التجارة ، وكثرة الأسفار إلا أنه متاع قليل ولن يستمر.
وهل هو من المتاع الوارد في قوله تعالى وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ )( ).
الجواب النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق .
فالمراد من المتاع في الآية أعلاه أعم ، ومن الوعيد انقطاع هذا المتاع عنهم وهم في الحياة الدنيا بنصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وظهور الإسلام ، وإنحسار عبادة الأوثان .
ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول آيات الإنذار للمشركين بتحقق نصره بمدد وعون من عند الله ، ليتحقق بخصوص واقعة بدر بقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ.. فتبعث آيات القرآن المسلمين على شكر الله عز وجل ، بينما يتلقى الذين كفروا التبكيت بما ينغص عليهم نعمة كثرة الأسفار ، والتصرف بالأموال .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غياب البهجة من نفوس الذين أصروا على الكفر ومحاربته .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إصابة أعدائه بالخوف والفزع منه ، ومن مسيره نحوهم ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم (نصرت بالرعب مسيرة شهر)( ).
المباحات
يلتقي الأنبياء مع الناس في المباحات من الأكل والشرب ، ودخول الأسواق للكسب والتجارة لما في دخولهم هذا من إصلاح للأسواق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبيان حرمة نقص الميزان .
فيقوم الأنبياء في الأمور العامة بتعظيم شعائر الله ، والإصلاح ، وفي الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
لبيان قانون من خصائص الأنبياء الدعوة إلى الله في الأماكن العامة ، كما في موسى عليه السلام بقوله تعالى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى.
و(عن ابن عباس قال : إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى ، ثم قرأ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ يعني (ليلة القدر) قال : ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل موت أو حياة أو رزق كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة إلى مثلها من قابل)( ).
ليكون ذهاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أسواق مكة من مصاديق قانون نداء الرسالة العام للإسلام ، وهو من أسرار بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ومن أوسط أهليها ، فلم تحضر هذه الجموع في أي بقعة من الجزيرة مثلما تحضر في موسم الحج في مكة .
و(عن ابن عباس قال : لما عيّر المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة فقالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .
حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ونزل عليه جبرئيل من عند ربه معزّياً له فقال : السلام عليك يا رسول الله ، ربّ العزة يقرئك السلام ويقول لك [وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ] ( ) ويتّبعون المعاش في الدنيا.
قال : فبينا جبرئيل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدّثان إذ ذاب جبرئيل حتى صار مثل الهردة .
قيل : يا رسول الله وما الهردة .
قال : العدسة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جبرئيل ما لك ذبت حتى صرت مثل الهردة .
قال : يا محمد فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك ، فتحوّل الملك وأنّه إذا فُتح باب من السماء لم يكن فُتح قبل ذلك فتحوّل الملك، إمّا ان يكون رحمة أو عذاباً وإنّي أخاف أن يعذب قومك عند تعييرهم إياك بالفاقة .
فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم وجبرئيل عليه السلام يبكيان إذ عاد جبرئيل فقال : يا محمد أبشر ، هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضى من ربّك .
فأقبل رضوان حتى سلّم ، ثم قال : يا محمد ، ربّ العزة يقرئك السلام ومعه سفط من نور يتلألأ ويقول لك ربّك : هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع ما لا ينتقص لك مما عندي في الآخرة مثل جناح بعوضة .
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبرئيل عليه السلام كالمستشير له فضرب جبرئيل بيده الأرض وقال : تواضع لله ، فقال : يا رضوان لا حاجة لي فيها ، الفقر أحبّ اليّ ، وأن أكون عبداً صابراً شكوراً.
فقال رضوان : أصبت أصاب الله بك.
وجاء نداء من السماء فرفع جبرئيل رأسه فإذا السموات قد فتحت أبوابها الى العرش ، وأوحى الله سبحانه وتعالى الى جنة عدن أن تدلي غصناً من أغصانها عليه عذق عليه غرفة من زبرجدة خضراء لها سبعون ألف من ياقوتة حمراء .
فقال جبرئيل : يا محمد ارفع بصرك فرفع فرأى منازل الأنبياء وغرفهم وإذا منازله فوق منازل الأنبياء فضلاً له خاصة ومناد ينادي : أرضيت يا محمد .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : رضيت ، فاجعل ما اردت أن تعطيني في الدنيا ذخيرة عندك في الشفاعة يوم القيامة.
ويروون أنّ هذه الآية أنزلها رضوان تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ))( ).
أنهم يسألون حضور ملك من السماء معه فنزل قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ….
لبيان خصيصة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله عز وجل بالرد على المشركين نيابة عنه ، وهو فرع قانون دفاع الله عز وجل عن الأنبياء في الحياة الدنيا ، وهل هذا القانون مرآة ومقدمة لشفاعته يوم القيامة ، الجواب نعم .
المناجاة
للمناجاة مع الله عز وجل حلاوة سامية ، وفيها مذاق الحب والإقرار بالعبودية له تعالى ، والإيمان الصادق .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثرة مناجاته مع الله عز وجل ، بل ابتدأت النبوة بالخلوة والمناجاة في غار حراء ، لتستمر هذه المناجاة في أيام حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلها.
وفي حديث طويل عن الإمام علي عليه السلام في تفضل الله عز وجل بمناجاته لرسول الكريم (ثم ألهم الله عزوجل نبيه أن قال رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.
فقال الله سبحانه: أعطيتك لكرامتك يا محمد، إن الامم السالفة كانوا إذا نسوا ما ذكروا فتحت عليهم أبواب عذابي ، و رفعت ذلك عن امتك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَايعني بالآصار الشدائد التي كانت على الامم ممن كان قبل محمد .
فقال عزوجل: لقد رفعت عن امتك الآصار التي كانت على الامم السالفة، وذلك أني جعلت على الامم أن لا أقبل فعلا إلا في بقاع الارض التي اخترتها لهم وإن بعدت .
وقد جعلت الارض لك ولامتك طهورا ومسجدا، فهذه من الآصار وقد رفعتها عن امتك، وقد كانت الامم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت على قربانه نارا تأكله، وإن لم أقبل ذلك منه رجع به مثبورا ، وقد جعلت قربان امتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه اضاعف له الثواب أضعافا مضاعفة، وإن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه به عقوبات الدنيا، وقد رفعت لك عن امتك وهي من الآصار التي كانت .
وكانت الامم السالفة مفروضا عليهم صلاتها في كبد الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت ، وقد رفعتها عن امتك، وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار في أوقات نشاطهم .
وكانت الامم السالفة مفروضا عليهم خمسون صلاة في خمسين وقتا، وهي من الآصار التي كانت عليهم، وقد رفعتها عن أمتك .
وكانت الامم السالفة حسنتهم بحسنة واحدة، وسيئتهم بسيئة واحدة، وجعلتك لامتك الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة ، وكانت الامم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة لم تكتب له ، وإذا هم بالسيئة كتبتها عليه وإن لم يفعلها .
وقد رفعت ذلك عن امتك، فإذا هم أحدهم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة.
وكانت الامم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنب أن احرم عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم .
وكانت الامم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد المائة سنة، والمأتي سنة ، ثم لم أقبل توبته دون أن اعاقبه في الدنيا بعقوبة، وقد رفعت ذلك عن امتك ، وإن الرجل من امتك ليذنب المائة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كله و أقبل توبته.
وكانت الامم السالفة إذا أصابهم إذا نجس قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء طهورا لامتك من جميع الانجاس، والصعيد في الاوقات، وهذه الآصار التي كانت عليهم رفعتها عن امتك.
قال رسول الله صلى الله عليه واله : اللهم إذ قد فعلت ذلك بي فزدني ، فألهمه الله سبحانه أن قال رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قال الله عز وجل : قد فعلت ذلك بامتك، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم، وذلك حكمي في جميع الامم أن لا اكلف نفسا فوق طاقتها) ( ).
وعن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه) ( ).
وأخرج عن قتادة في حديث قال موسى (يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي . قال تلك أمة أحمد . قال : رب أجد في الألواح أمة إذا همَّ بالحسنة كتبت له حسنة وإذا عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي .
قال : تلك أمة أحمد . قال : رب أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بالسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإذا عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد) ( ) .
وتجلى معنى ومفهوم الأحسن هذا في الشريعة الإسلامية إذ أنها قيدت الحكام والقضاة في باب الحدود والسنن والمواريث ونحوها ، ويدل قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ] ( ) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ على حضور وكفاية الحكم السماوي في الوقائع والأحداث.
التقية
التقية لغة هي الحيطة والحذر واجتناب الضرر ، والتقية في الإصطلاح هي تعاهد النفس والعرض والمال من شرور الأعداء.
وفي لزوم أخذ الحائطة من المشركين ، قال تعالى إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً، لبيان أن التقية استثناء ، والمستثنى أقل من المستثنى منه ، ومن التقية المصانعة وقول الإنسان ما يخالف الحق والواقع مع سلامة النية لنجاة النفس والعرض والمال من ضرر الأعداء ، ومن غير اتخاذ الكفار وليجة وبطانة .
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء دعوته إلى الله بالصبر والتحمل والدعوة شبه السرية ولكن من غير ركون او تولي للكافرين، بل بمواجهة شبه علنية مع اقطاب الشرك في مكة المكرمة.
ويقال: اتقيت الشئ وتقيته تقية وتقاء: حذرته، ولكن الآية الكريمة ذكرت التقية في مورد الولاية مما يدل على صدق النبوة وقوة الاسلام.
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتخذ الكافرين اولياء.
وكانت دعوته حرباً عليهم من أيامها الاولى فلا موضوع لتوليهم او استحسان طريقتهم بل كان ينهاهم عن الشرك والمنكر ويعظهم وهو يتلقى منهم اشد انواع الاذى، نعم بدأ الدعوة بصيغ الخفاء والاستقطاب والجذب الشخصي للاسلام وهو وجه من وجوه التقية، ولكن قوله تعالى إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً جاءت بخصوص التقية في الولاية .
مما يدل على جهاد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله بالصبر والحلم ، وما بلغه الاسلام من الرفعة والقوة والحجة بحيث اصبح المسلمون جهة مستقلة تختار صيغة التصرف مع الآخرين بما ينفع مصلحة الاسلام ويزيد من الاجر والثواب لكل مسلم.
وأحتاج المسلمون التقية حتى في ايام النبوة وكانت السنة القولية حجة في بيان صحة التقية واحكامها، وفي الخبر عن الامام الصادق قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لادين لمن لاتقية له، ويقول: قال اللهإِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً في توكيد على موضوعية هذه الآية واعتبار أحكامها في الدين فهي حرز ونجاة للمسلمين، ولمنع المسلم من التشديد على نفسه أو خشيته من عدم ملائمة التقية لاحكام الانتماء الصادق للايمان، فجاء حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستشهاده بالآية لرفع الحرج، ومنع المسلمين من التشديد على انفسهم.
روى الحسن ان مسيلمة الكذاب اخذ رجلين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لاحدهما اتشهد ان محمدا رسول الله ؟ قال : نعم قال : افتشهد انى رسول الله ، قال نعم ! ثم دعا بالاخر فقال : اتشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال نعم ؟ قال له اتشهد انى رسول الله قال : انى اصم ! قالها ثلثا كل ذلك يجيبه بمثل الاول فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : اما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه ، واخذ بفضله ، فهنيئا له ، واما الاخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه( ).
وظاهر الحديث ان التقية رخصة واعلان الايمان جهاد، وفيه اشارة لإنعدام التعارض بينهما ولكن التقية الواردة في الآية وبلحاظ نظمها اخص وتتعلق بولاية الكافرين وملاطفتهم والاحسان اليهم واتخاذهم وليجة الى حين، اذا كان الكفار ظاهرين مع التقيد باحكام الشريعة أي ان ولاية الكافرين لاتؤثر سلباً على اداء المسلم لواجباته الشرعية، فتكون هذه الولاية حصناً وحرزاً وامناً ومناسبة لدعوة الكافر للاسلام لانها تعكس الاتقاء الاخلاقي في معاملات المسلمين وتمنع من نفرة الكافر من الاسلام خصوصاً وانه لايزال مقيماً على عادات وقيم الكفر والشرك.
وهل تستلزم التقية ثبوت الحاجة اليها وظهور امارات الاذى والشر ام يكفي مسمى الخشية وصرف الطبيعة واحتمال وصول الضرر من الكافرين.
الجواب هو الاخير ، لقاعدة نفي الحرج والعسر، ولصدق اسم التقية على مسمى الخشية ولقاعدة تقديم الأهم على المهم، والاهم هو سلامة وحفظ المسلم واحكام الشريعة فتكون التقية نوع طريقية لتثبيت احكام الاسلام، أي ان الخشية من الكافر ذات نفع عظيم.
وهذا النفع مركب من وجوه:
الأول : منعة للاسلام .
الثاني : دفع الأذى عن المسلم.
الثالث : احتراز المسلمين من الكافرين.
الرابع : التألف بين الناس على مختلف مشاربهم ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
وحكم التقية باق الى يوم القيامة لبقاء موضوعه ولان القرآن جاء به بالنص الجلي وهي عنوان السعة في الحنيفية السمحاء ولانها مقدمة لصون النفس وحفظ الدين .
وعن الامام الصادق عليه السلام: التقية دين الله عز وجل، قيل من دين الله: قال: فقال أي والله من دين الله، لقد قال يوسف: ايتها العير انكم لسارقون والله ماكانوا سرقوا شيئاً) ( ).
وروى عوف عن الحسن البصري انه قال: التقية جائزة للمؤمنين الى يوم القيامة ، ومال اليه الرازي( )، وقال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتاً في اول الاسلام لاجل ضعف المؤمنين فاما بعد قوة دولة الاسلام فلا) ولكن القوة والضعف من الكلي المشكك، كما انه متباين بحسب المكان والزمان.
والعلة الغائية من التقية حفظ الله والدين والنفس وهو امر متجدد في كل زمان، وقوله تعالى [يُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ] دليل على استمرار حكم الخطاب لان الخطاب فيه موجه للمسلمين كافة، نعم التقية على مراتب متباينة فقد تكون لازمة في كثير من الوقائع والاحداث اليومية وفي المنتديات وميادين العمل والوظيفة والشارع والبيت وقد تتضيق وتنحصر في واحد منها.
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أول من عمل بالتقية وتحمل الأذى بصبر ، وهل التقية من مصاديق تبليغ آيات القرآن وأحكام الشريعة ، الجواب نعم .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سنته القولية مدرسة في التقية ، فمع أنه كان يواجه المشركين بالدعوة إلى الله ، وتحديهم ، فانه أذن لأصحابه بالتقية .
وعن محمد بن عمار قال (أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم . بخير ، ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال : كيف تجد قلبك ، قال : مطمئن بالايمان ، قال : إن عادوا فعد ، فنزلت إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ))( ).
ولم تمر الأيام حتى تم فتح مكة سلماً فأخزى الله المشركين لبيان موضوعية النية ، وما في القلب ، ولبيان أن الله عز وجل يعلم ما في القلوب ، وفي التنزيل وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا.
لقد عمل المسلمون بالتقية أيام النبوة ، وفيه شواهد من السنة القولية والتقريرية ، وفيه حجة في مصاديق ووقائع من التقية ، وبيان لضروب منها لتفقه المسلمين في الدين .
وفي الخبر عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لادين لمن لا تقية له ، ويقول : قال الله إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً في توكيد على موضوعية هذه الآية واعتبار أحكامها في الدين فهي حرز ونجاة للمسلمين، ولمنع المسلم من التشديد على نفسه أو الظن بعدم ملائمة التقية لاحكام الانتماء الصادق للايمان .
فجاء حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستشهاده بالآية لرفع الحرج ، للتخفيف عن المسلمين وبيان قانون التقية فقاهة .
وروى الحسن( ) ان مسيلمة الكذاب اخذ رجلين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لاحدهما اتشهد ان محمدا رسول الله ، قال : نعم قال : افتشهد انى رسول الله ، قال نعم .
ثم دعا بالاخر فقال : اتشهد ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال نعم ، قال له اتشهد انى رسول الله قال : انى اصم ، قالها ثلثا كل ذلك يجيبه بمثل الاول فضرب عنقه .
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : اما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه ، واخذ بفضله ، فهنيئا له ، واما الاخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه)( ).
لبيان أن اللجوء إلى التقية لا يستلزم ظهور علامات الضرر والتهديد بها وقربها ، إنما يكفي الخشية من وصول القدر من الكافرين للمسلم في نفسه وعرضه وماله ، لتكون التقية نوع طريقية لتثبيت أحكام الإسلام ، ودفع الضرر والأذى .
وهل هي من مصاديق الأحسن ، في قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، الجواب نعم .
ومن خصائص النبي محمد أنه لم يغلق باب التقية عندما ساد الإسلام ربوع الجزيرة ، وتوالت وفود القبائل إلى المدينة في السنة التاسعة للهجرة لدخول الإسلام لبيان قانون استمرار حكم التقية .
والتقية عنوان المندوحة في الشريعة السمحاء ، وهو وسيلة لصون النفس وحفظ الدين وعن الامام الصادق عليه السلام (التقية دين الله عز وجل، قيل من دين الله: قال: فقال أي والله من دين الله، لقد قال يوسف: ايتها العير انكم لسارقون والله ماكانوا سرقوا شيئاً)( ).
وروي عوف عن الحسن البصري انه قال (التقية جائزة للمؤمنين الى يوم القيامة) ( ).
والتقية باللسان .
وقد تضمن الجزء السابع والخمسين من كتابي (معالم الإيمان في تفسير القرآن) بياناً وتفصيلاً لأحكام التقية بخصوص تفسير قوله تعالى إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً.
تسمية الفاتحة بالصلاة
وتبدأ سورة الفاتحة بالبسملة التي هي آية من سورة الفاتحة وفيه أحاديث نبوية عديدة ، واحتج الشافعي بأنها جزء من الفاتحة بالحديث الذي ورد (عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها)( ).
و(عن أنس بن مالك قال بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما قلنا له ما أضحكك يا رسول الله قال نزلت علي آنفا سورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ))( ).
وعن محمد بن مسلم أنه سأل الإمام جعفر الصادق عليه السلام (عن السبع المثاني والقرآن العظيم ، أهي الفاتحة ؟ قال : نعم ، قلت : بسم الله الرحمن الرحيم من السبع ؟ قال : نعم ، هي أفضلهنّ)( ).
القرآن علاج للأمراض وشفاء، وهذا الشفاء تارة يكون بسورة أو بآية وتارة بالقرآن مطلقاً، والشفاء به مركب شفاء من الأمراض التي تصيب البدن ، وشفاء من الأمراض التي تصيب العقيدة .
وعن جابر ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له في خصوص سورة الفاتحة انها شفاء من كل داء الا السأم.
وعن عبد الله بن مسعود قال (قرأت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما بلغت هذه الآية قال لي : ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إليّ قال لي: ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلاالسأم والسأم الموت)( ).
قانون القرآن سور جامع للمسلمين الذي يلتقون في الإعتقاد به، وفي قراءته والعمل بأحكامه.
قد سمّى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الفاتحة بالصلاة إذ ورد (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، فَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ : مَدَحَنِي عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي)( ).
ولم يسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سورة أخرى باسم الصلاة ، وهل فيه تأكيد على وجوب تلاوة سورة الفاتحة في الصلاة ، الجواب نعم إنه تأكيد لتلاوة النبي محمد الفاتحة في كل ركعة بمسمع ومرأى من أهل البيت والصحابة .
لبيان وجوب تلاوتها في الصلاة على كل مسلم ومسلمة الى يوم القيامة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
لبيان أن من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتخاذ التسمية مدرسة للفقاهة إذ تدعو تسميته لسورة الفاتحة باسم سورة الصلاة المسلمين الى لزوم التقيد بتلاوة هذه السورة في الصلاة ، وبيان موضوعيتها وعظيم نفعها ، مع قانون التداخل بين التلاوة والصلاة .
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (ان القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل يا رسول الله : وما جلاؤها ، قال: قراءة القرآن وذكر الموت)( ).
ويجعل القرآن الإنسان يحب لقاء ربه ولا يكره الموت، بل يجعله حاضراً لديه ومقدمة وطريقاً للسعادة الأبدية ويرى الأشياء بحقيقتها ويمنع الغشاوة من السيطرة عليها، قيل لبعضهم : هل تشتاق اليه فقال: إنما الشوق إلى غائب ، والله حاضر لا يغيب.
تقديم الإحسان للوالدين
لقد قرن الله عز وجل الإحسان إلى الوالدين بوجوب عبادته ، والنسبة بين الإحسان للوالدين وطاعتهما عموم وخصوص مطلق ، فالإحسان إليهما أعم ، ومن الإحسان الإنصات لهما ولحاجاتهما ، وخفض الصوت عند الحديث معهما ، وبرهما والإنفاق عليهما ، والدعاء والإستغفار لهما ، وفي التنزيل وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا .
و(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ )( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التأكيد على البر بالوالدين ، وبيان البركة والثواب العظيم لهذا البر على الابن ووالديه، وفي الدنيا والآخرة .
يقسم الواجب إلى قسمين :
الأول : الواجب العيني .
الثاني : الواجب الكفائي .
وقد قمت بتقسيم الواجب العيني إلى( ) :
الأول : الواجب العيني المطلق مثل الصلاة .
الثاني : الواجب العيني السالم من القيد.
الثالث : الواجب العيني المشروط.
كما قمت بتقسيم الواجب الكفائي إلى :
الأولى : الواجب الكفائي العام .
الثانية : الواجب الكفائي الخاص.
الثالثة : الواجب الكفائي المبهم .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله : إني راغب في الجهاد نشيط فقال صلى الله عليه وآله : فجاهد في سبيل الله ، إلى أن قال له – يا رسول الله إن لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي فقال رسول الله صلى الله عليه واله : أقم مع والديك فوالذي نفسي بيده لانسك بهما يوما وليلة خير من جهاد سنة ، بل في آخر)( ).
لأن طاعة الوالدين واجب عيني ، والجهاد واجب كفائي ، والواجب العيني مقدم على الواجب الكفائي ، لبيان قانون وهو عند التزاحم بين الواجب العيني والواجب الكفائي يقدم الواجب العيني إلا أن يرد دليل على الخلاف .
رسائل الإنذار
بعد أن تم صلح الحديبية ، وساد الأمن في الجزيرة ، واطمئن المسلمون سواء الصحابة أو غيرهم كتب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملوك عصره يدعوهم إلى الإسلام .
وكما قال موسى عليه السلام لفرعون وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى فان النبي محمداً كتبها في رسائله إلى هرقل عظيم الروم (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين” فإن أبيت فإن إثم الاكارين عليك.
قال: فلما انتهى إليه كتابه وقرأه أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته، ثم كتب إلى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره عما جاء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكتب إليه، إنه النبي الذى ينتظر لا شك فيه فاتبعه)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثه برسائل الإنذار إلى الجاحدين برسالته لإقامة الحجة عليهم ، ودعوة الناس للإمتناع عن نصرتهم ، ومنها رسالته إلى مسيلمة الكذاب .
فلما كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتابًا صُورَتُه : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك. أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر مَعَكَ، فلك المدر ولي الوبر ، ولكن قريشاً( ) قوم يعتدون ، كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)( ).
الثبات طريق النصر
لقد باغتت هوازن وثقيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم حنين في ظلمة الصبح بهجوم سريع انكشف أكثر الصحابة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه بقي في مكانه ليرجع كثير منهم إلى القتال حينما رأوه ثابتاً في مكانه ، وهو يتعرض للقتل ليكون من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وجوه :
الأول : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان في أشد الأحوال .
الثاني : قانون ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان طريق النصر .
الثالث : قانون ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان بالوحي لعمومات وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الرابع : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدفاع ضد هجوم جموع المشركين بمفرده ومع قلة من أهل بيته وأصحابه ، وبخصوص حنين (قال الكلبي : كان حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنهم.
وقال الآخرون : لم يبق يومئذ مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير العباس بن عبد المطلب وعلي وأيمن بن أم أيمن، وقُتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار لا يألوا)( ).
الخامس : لقد لجأ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ساعة المحنة إلى الدعاء وهو سلاح الأنبياء (قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعوه ويقول : اللهم إنى أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغى لهم أن يظهروا علينا .
ونادى أصحابه وزمرهم : يا أصحاب البيعة يوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم ، ويقال حرضهم فقال : يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج يا أصحاب سورة البقرة)( ) و(قالوا: وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلها وقال : شاهت الوجوه)( ).
السادس : لقد هجم المشركون وعددهم عشرون ألف على المسلمين (حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أدبر الناس فقلت : مائة رجل)( ).
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هجوم عشرين ألف من المشركين هجمة رجل واحد عليه وليس معه إلا مائة من أصحابه ، بل إنه يتقدم إلى الإمام على بغلته في الميدان.
السابع : لما رآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انهزام أكثر الصحابة لم يوبخ أحداً ، ولكنه يندبهم بصفة العبودية لله (يا أصحاب البيعة يوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم ، وحرضهم فقال : يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بنى الخزرج يا أصحاب سورة البقرة) ( ).
الثامن : لقد أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أصحابه ومنهم عمه العباس المناداة للصحابة وشحذ هممهم ، وكان العباس صيتياً (فجعل ينادي : ياعباد الله يا أصحاب الشجرة( )، يا أصحاب سورة البقرة ، وعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها فقالوا : يا لبيك يا لبيك يا لبيك وجاؤوا عنقاً واحداً)( ).
لماذا لا يتمثل الشيطان بالنبي (ص)
لقد جعل الله عز وجل عالم الرؤيا صلة بينه وبين أرواح الناس ، البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، ليس من برزخ دونها ، مثلما جعل القرآن قريباً من الناس جميعاً في رسمه وتلاوته وأحكامه .
وليس من حصر لموضوع الرؤيا ، فمنها :
الأولى : رؤيا الإنذار الشخصي الذي يتعلق بذات الرائي أو غيره .
الثانية : رؤيا الإنذارالعام كما في رؤيا ملك مصر وتأويل يوسف عليه السلام لها ، وكما في رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص معركة أحد ،وقد حط ثلاثة آلاف من جيش المشركين رحالهم على مشارف المدينة ، وسرحوا خيلهم وإبلهم في زراعات الأنصار .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إني رأيت بقراً تنحر ، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها)( ).
الثالثة : رؤيا الضياء والبصيرة وسبل الهداية .
الرابعة : رؤيا البشارة الشخصية والخاصة .
الخامسة : رؤيا البشارة العامة .
ومن فضل الله عز وجل عدم إنقطاع صلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين والناس بعد مغادرته إلى الرفيق الأعلى ، فسنته القولية والفعلية حاضرة بينهم ، كما أنه يزور في المنام بعضهم في أيام حياته وبعد وفاته وإلى يومنا هذا في رؤيا مباركة وبشارة ، ورؤيا صادقة لأن الشيطان لا يتمثل بشخصه ، وهل هذا الإمتناع من عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اللاحقة ، الجواب نعم ، ومن فضل الله عز وجل في إتخاذ الناس رؤيتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام موعظة وعبرة ، والإنتفاع الأمثل منها من دون شك .
صناعة الطير
لقد جاء عيسى عليه السلام بآية خلق الطير ، فكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فاذا ابتعد وغاب عن أعينهم سقط ميتاً لبيان المائز بين خلق الله والمعجزة النبوية ، إذ قال الناس لعيسى عليه السلام وعلى وجه التعنت والتحدي (اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالتك فأخذا طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض)( ).
وكان عمل الطين بهيئة الطير والنفخ فيه من قبل عيسى عليه السلام ، أما الخلق وأهلية الطيران فمن عند الله عز وجل لذا قيده عيسى عليه السلام فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ….
وهل في معجزة عيسى عليه السلام هذه بشارة صناعة الإنسان للطير والطائرات المسيرة ، الجواب نعم .
والخفافيش هي الثدييات الوحيدة القادرة على الطيران ، وترى في الظلام ، ولكن لا تستعمل عيونها الصغيرة إنما تحدد الموقع بالصدى ، ومتوسط عمر الخفاش عشرون سنة ، بينما لا تعيش الجرذان والفئران سوى عامين وتصل سرعة بعض الخفافيش إلى (150) كم في الساعة .
والخفافيش مثل القطط في العناية بنظافتها ، إذ تقوم بتنظيف فراشها ، وتنظيف آذانها لحاجتها لها بتلقي الصدى ، وجاء عيسى بهذه المعجزات لدعوة بني إسرائيل للتصديق برسالته وبشارته برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في التنزيل وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التصديق برسالة عيسى عليه السلام وكلامه في المهد ، وتنزيه أمه مريم ، وإخبار القرآن عن عصمتها ، قال تعالى مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ.
ومن معاني أكلهما الطعام الحاجة إليه ، لنفي الإلوهية عنهما مجتمعين ومتفرقين ، لأن الإله لا يكون محتاجاً .
ومعنى آخر وهو الكناية عن الغائط لأنها صفة تتنافى مع الإلوهية .
اجتماع لام الجنس ولام العهد
قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.
قد تقدم تقسيمي للواجب تقسيماً جديداً إلى قسمين :
الأول : الواجب بالقرآن : كما في قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ].
الثاني : الواجب بالسنة النبوية : كالخِتان وحواء المرأة المتوفى عنها زوجها.
واليوم ذكر مسألة في علم النحو بخصوص الآية المتقدمة إذ تجتمع أقسام اللام العهدية الثلاثة في لفظ الرسول الجنسية ، إذ تنقسم (أل) إلى أقسام أظهرها هما :
الأول : (أل) لإفادة الجنس كما في قوله تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
والمختار كعلم مستحدث في القرآن هو قد تأتي اللام للجنس والعهد معاً في كلمة واحدة كما في قوله تعالى إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ، فالمراد من الشيطان الجنس بلحاظ أنه كل متمرد وعات من الجن والإنس ، والعهد بارادة ابليس .
وحتى لفظ الإنسان في الآية فان الشيطان عدو لجنس الإنسان ابتداء من آدم وحواء وإغوائهما بالأكل من الشجرة ، وهو عدو لكل إنسان على نحو مستقل .
الثاني : (أل) التعريفية أو العهدية التي تنفي التنكير ، وهي على أقسام :
الأول : العهد الذكري يكون منكراً فيأتي معرفاً كما في قوله تعالى كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا* فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، فتدل الألف واللام على إرادة موسى عليه السلام .
فان قلت هل يحتمل إرادة هارون خاصة وأن الله عز وجل خاطبهما اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى.
الجواب لقد كان موسى عليه السلام هو الرسول وهارون نبي ، والرسول أعلى مرتبة ، وكل رسول هو نبي وليس العكس ، ولبيان أن الرسول يبلغ الظالمين والطغاة الرسالة كما قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ رؤساء قريش .
الثاني : العهد الذهني يكون المعنى في ذهن المتكلم أو السامع ، كما في قوله تعالى إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ.
الثالث : العهد الحضوري بالإشارة إلى شخص أو أمر هو حاضر كم افي قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، في يوم غدير خم في الثامن عشر من شهر ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة .
والمختار أن قوله تعالى [مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا للوجوه الثلاثة للعهد الذكري والعهد الذهني والعهد الحضوري .
فالآية جاءت بصيغة المضارع ، من يطع الرسول ، وليس من رسول مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ليس من نبي بين عيسى عليه السلام وبينه نحو ستمائة سنة ، ثم جاءت الجملة الشرطية .
وعلوم القرآن أعم من قواعد النحو مثلما هم أعم من قواعد البلاغة والأصول .
علاج الجراحات
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شفاء عدد من الصحابة على يديه ، خاصة في ميدان القتال ، ومحو أثر الجراحات عن بعضهم ، وهذا لم يمنع من إصابة النبي محمد نفسه بالجراحات ، لإقامة الحجة على الذين كفروا وبيان قانون نجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القتل في الميدان بمعجزة من عند الله عز وجل .
وفقئت احدى عيني قتادة بن النعمان الأنصاري (فقال: يا رسول الله الغوث الغوث، فأخذها بيده فردها مكانها فكانت أصحهما، وكانت تعتل الباقية ولا تعتل المردودة، فلقب ذا العينين، أي له عينان مكان الواحدة، فقال الخرنق الاوسي :
ومنا الذي سالت على الخد عينه …فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لاحسن حالها… فيا طيب ما عيني ويا طيب ما يدي)( ).
وورد أيضاً (قَتَادَةَ بْنِ النّعْمَانِ قَالَ أُصِيبَتْ عَيْنَايَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَسَقَطَتَا عَلَى وَجْنَتِي فَأَتَيْت بِهِمَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَأَعَادَهُمَا النّبِيّ مَكَانَهُمَا وَبَصَقَ فِيهِمَا فَعَادَتَا تَبْرُقَانِ)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام (ما رمدت عيناي منذ مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهى وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية)( ).
و(عن جابر قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : لا تسألوا الآيات ، فقد سألها قوم صالح فكانت -يعني الناقة -ترد من هذا الفَجّ ، وتَصْدُر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها .
وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما ، فعقروها ، فأخذتهم صيحة ، أهمد الله مَنْ تحت أديم السماء منهم ، إلا رجلا واحدًا كان في حرم الله.
فقالوا : من هو يا رسول الله ، قال : أبو رِغال ، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه)( ).
ذم الكفر بالنبوة
من المدد الذي تفضل الله عز وجل به على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آيات القرآن التي تتضمن الإنذار والوعيد على التكذيب بنبوته ، ليدل بالدلالة الإلتزامية على مجيئه بالمعجزات الحسية والعقلية التي تجذب الناس إلى التصديق برسالته بالحجة والبرهان .
ويدل قوله تعالى وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ على خصائص أكرم الله عز وجل النبي محمد منها :
الأول : دعوة الناس جميعاً للتصديق برسالته ، ونهي فرقة أو طائفة أو جماعة أن تكون أول جاحد برسالته ، وتحمل أوزارهم وأوزار الذين يحاكونهم بذات الجحود .
الثاني : إجتناب الكفر مطلقاً بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : عدم المبادرة للجحود والكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن ، فاذا جاء داعية للإسلام إلى قبيلة أو قرية فيجب أن لا يستقبلوه بالكفر والجحود بل لابد من الإنصات له ولدعوته، وما عنده من الحجة التي تندب الناس للإيمان.
ومن الذين كفروا غدروا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين خرجوا من المدينة للتبليغ وليس للقتال ، كما في سرية الرجيع ، إذ جاء رهط (من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه، وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، حليف حمزة بن عبدالمطلب.
قال ابن إسحاق : وهو أمير القوم ، وخالد بن البكير الليثى حليف بني عدى، وعاصم بن ثابت بن أبي الاقلح أخو بنى عمرو بن عوف، وخبيب بن عدى أخو بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة أخو بني بياضة بن عامر، و عبدالله بن طارق حليف بني ظفر.
هكذا قال ابن إسحاق أنهم كانوا ستة، وكذا ذكر موسى بن عقبة وسماهم كما قال ابن إسحاق.
وعند البخاري : أنهم كانوا عشرة، وعنده أن كبيرهم عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح ، فالله أعلم.
قال ابن إسحاق : فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدور الهدأة غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم)( ).
فاجهزوا عليهم وقتلوهم ، وأخذوا الصحابي خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ، إلى مكة فباعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة ليقتلا هناك ، وقد ورد التفصيل والبيان( ).
الرابع : إجتناب إتباع من يكفر بالقرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فعندما يسمع إنسان بالتحذير من السبق في الكفر فانه يتجنب أن يكون سابقاً للناس في كفره وضلالته ، قال تعالى وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ.
الخامس : مجئ آيات القرآن بالإنذار من الكفر وسوء عاقبته،والضرر الذي يلحق صاحبه ، قال تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
السادس : تقوى الله والتقيد بالأحكام والسنن التي جاءت في التنزيل وعلى لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وظيفة كل مكلف ومكلفة، وهي من أهم مصاديق الخشية من الله سراً وعلانية , قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
لزوم النصرة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن بنصرته وكذا ورد في الكتب السماوية السابقة لقانون نصرة الأنبياء واجب ، ومن مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ جريان المعجزات الحسية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول آيات القرآن تباعاً لإعانة الناس في تصديقه بالحجة والبرهان ، واستحضار البشارات المتوارثة برسالته .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام مسائل :
الأولى : تضمن التوراة البشارة بنبوته ولزوم نصرته ، قال تعالى وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ.
الثانية : إخبار الأنبياء السابقين عن بعثته ، ودعوتهم للتصديق به وإتباعه , وورود كتبهم بالبشارة به , مثل زبور داود وكتاب شعياء , وكتاب حزقيل وكتاب دانيال وكتاب إرميا وكتاب حقوق , وهي متفرقة ومجتمعة تتضمن البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة : مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات الدالة على نبوته، فهذه المعجزات والتصديق بها من عهد الله.
الرابعة : التقيد بالعهود والمواثيق التي عقدها بنو إسرائيل مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإنتفاع من مدتها وما فيها من السعة والمندوحة للتدبر بمعجزات نبوته وأسرار آيات القرآن، وقد بعث الله تعالى عدداً جماً من الأنبياء في بني إسرائيل لإقامة سنن التوراة , وتثبيت أحكامها وتعاهد العمل بحلالها , وتوارث بشاراتها والإنزجار عما نهى الله تعالى عنه فيها.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يقرأ التوراة ، ولم يرجع إلى علماء بني إسرائيل ولم تكن له صحبة وصلات معهم.
قال تعالى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضوعية البشارات بنبوته في الكتب السماوية السابقة بدخول طائفة من الناس الإسلام سواء من أهل الكتاب أو من الذين كفروا ، كما أنها واقية من تأليب قريش الناس ضد رسالته وإن وجدوا من يشاركهم في تكذيب نبوته والتحريض على التنزيل وتحشيد الجيوش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار .
بناء صرح الدولة
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : العناية ببناء صرح الدولة الإسلام .
الثاني : تثبيت معالم وأحكام الشريعة السمحاء .
الثالث : الإمتثال الشخصي والعام للأوامر والنواهي التي نزل بها القرآن لتقتدي به أجيال المسلمين .
الرابع : الدفاع عن بيضة الإسلام .
الخامس : الإرتقاء بمجتمع المسلمين عقائدياً للثبات في مقامات الإيمان بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
السادس : توزيع أموال الزكاة والأنفال على المسلمين توزيعاً عادلاً ، ومع هذا قال أحد المنافقين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (في قسمة غنائم حنين : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، وكما قال له الآخر : اعدل يا محمد)( ).
وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ.
وأخرج (عن أبي سعيد الخدري قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله . فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل .
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه فاضرب عنقه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يرى فيه شيء.
ثم ينظر في رصافه فلا يرى فيه شيء ، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء .
قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى يديه – أو قال ثدييه – مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة ، تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس قال : فنزلت فيهم وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ…الآية.
قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن علياً حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم)( ).
السابع : استقبال وفود القبائل والمدن في المدينة ، وأخذ البيعة ممن يدخل الإسلام ، والأمر بتفقههم في الدين ، وحبسهم لأيام المدينة لإتقان الصلاة ، وحفظ آيات وسور من القرآن ومعرفة معجزات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لذا قال صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي)( ).
الثامن : الإحتجاج والإجابة على الأسئلة ، وإظهار الصبر والسماحة والعفو ، قال تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )( ).
التاسع : تغشي مبادئ التوحيد وأحكام الشريعة الجزيرة العربية ليشع ضياء الإسلام إلى ربوع الأرض .
ومن معاني صيغة الإطلاق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، إرادة المتقدمين والسابقين على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل زمانها والمتأخرين عنها إلى يوم القيامة، ومن الشواهد بشارة الأنبياء السابقين وبنبوته، ورسالته والدعوة لإتباعه ونصرته ورجاء شفاعته في الدنيا والآخرة.
ومن مصاديق نصرة الله عز وجل للأنبياء نجاتهم من القوم الظالمين.
كما في نوح وإبراهيم ولوط ونجاة موسى وبني إسرائيل ، قال تعالى وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : نجاة النبي محمد وأهل بيته وأصحابه الأوائل بالهجرة من مكة .
الثاني : بناء دولة الإسلام في المدينة .
الثالث : تفضل الله برمي الذين كفروا بالعجز عن تحقيق نصر في معركة بدر وأحد والخندق ، مع أنهم هم الغزاة فيها ، والذين يختارون الزمان والمكان لإشعالها ولمعان السيوف .
الرابع : لم تمر ثماني سنوات على هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى تم فتح مكة من غير قتال يعتد به .
وقد اختلف العلماء في فتح مكة على قولين :
الأول : فتح مكة عِنوة .
الثاني : فتح مكة صلحاً .
والمختار قول مستحدث وهو فتحت مكة سلماً ، وهو من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : صيرورة الذين قاتلوا النبي محمداً في بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين ، جنوداً تحت لوائه في طاعة الله .
الإحتجاج
لقد جعل الله عز وجل الأنبياء وسائط بينه وبين عامة الناس وزودهم بسلاح المعجزة والكتاب ، وقد تفضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول القرآن وما فيه من مضامين الإحتجاج.
وقد ورد لفظ (قل) بصيغة الأمر (332) مرة في القرآن ، منها (328) مرة كلها خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكثير منها في الإحتجاج والإجابة على الأسئلة ولا بأس بإحصاء آيات الإحتجاج في القرآن وهي على أقسام :
الأول : قانون احتجاج الأنبياء السابقين .
الثاني : احتجاج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن خصائصه أنه الإمام في الإحتجاج وإقامة الحجة والبرهان كما يتجلى في القرآن والسنة ، قال تعالى وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
الثالث : احتجاج المؤمنين .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب الإحتجاج أمور :
الأول : إقامة البرهان على التوحيد ، ووجوب عبادة الله وحده .
الثاني : السماحة ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يغضب لنفسه بل يعفو ويصفح .
وفي خطاب وأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
الثالث : اتخاذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإحتجاج والجدال سبيلاً لهداية الناس .
الرابع : من صيغ احتجاج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لغة البشارة والإنذار , ودعوة الناس للنجاة في النشأتين .
موضوعية الخصائص الأخروية للنبي محمد (ص)
يمكن تقسيم خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ أفراد العوالم الطولية إلى ثلاثة أقسام :
الأول : الخصائص الدنيوية .
الثاني : الخصائص الأخروية .
الثالث : الخصائص الدنيوية الأخروية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة أنه أول من تنشق عنه الأرض .
وعن الإمام علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من تنشق الأرض عنه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع)( ).
ومن الآيات التي تدل على الخصائص الأخروية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آيات الشفاعة ، وتفسيرها في السنة النبوية ، ومن مصاديق قوله تعالى يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا.
وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور ادخاره شفاعته لأهل الكبائر من أمته ، وهذا لا يعني حصر شفاعته بهم ، إذ ورد عن الإمام الرضا عن آبائه عن الإمام علي عليهم السلام عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
(أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة المكرم لذريتي من بعدي، و القاضي لهم حوائجهم، و الساعي لهم في أمورهم عند اضطرارهم إليه، و المحب لهم بقلبه و لسانه)( ).
وفي قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القاضي لهم حوائجهم مسائل :
الأولى : إمكان قضاء الحوائج لذرية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير حرج أو أذى أو ضرر .
الثانية :سؤال الذرية لحوائجهم خاصة دون الشفاعة للناس عند المراد منه قضاء الحوائج .
الثالثة : سؤال الذرية غيرهم من الناس كالأمراء والرؤساء والأغنياء عند الحاجة والضرورة والإضطرار ، لأن الإمتناع عن السؤال في غيرها من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ، وهذا الحديث من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى .
لا يتعارض هذا الحديث النبوي مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم (إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)( ) فهو في طوله بفضل ولطف من الله عز وجل .
وهل في الحديث إنذار لمن قتل الحسين عليه السلام وإمتناع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشفاعة للذين اشتركوا في قتله وأعانوا عليه ، الجواب نعم .
الوجاهة في الآخرة لحملة القرآن، فهم عرفاء أهل الجنة كما ورد في الحديـث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال (حملة القرآن عرفاء أهل الجنة يوم القيامة)( )، وسئل ابن عباس عن معنى الحديث فقال: رؤساء أهل الجنة.
والعرفاء في اللغة والمفهوم العرفي جمع عريف، وهو القيم بأمور القبيلة والجماعة من الناس يعرف احوالهم ويطلع الولاة بواسطته عليها ، وهو دون الرئيس.
قوانين هذا الجزء
وفيه القوانين التالية :
الأول : قانون لله عز وجل نعم خاصة على كل إنسان غير موجودة عند غيره من أيام آدم وإلى يوم القيامة .
الثاني : قانون نعم الله عز وجل على كل إنسان أضعاف ما يحتاج إليه ، قال تعالى وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ.
الثالث : قانون كثرة ووفرة وتوالي النعم الإبتدائية تلك التي تأتي ابتداء من عند الله ، وسيأتي في الجزء السادس إن شاء الله قانون بعثة النبي محمد نعمة خاصة وعامة على الناس .
الرابع : قانون وجوب شكر الله عز وجل على النعم على نحو متكرر ، وهل أداء الصلاة من هذا الشكر ، الجواب نعم ، وهو من أبهى مصاديق الشكر لله .
الخامس : قانون عجز الناس عن إحصاء كثرة نعم الله عز وجل الظاهرة والباطنة عليهم ، وهذا العجز من انفراد الله عز وجل بإحصاء الأشياء والأعمال ، والموجود والمعدوم.
السادس : قانون كل نبي له أتباع وأنصار.
السابع : قانون الأنبياء أئمة المتقين .
الثامن : قانون الإيمان بالرسل .
التاسع : قانون سماوي وهو لزوم الإيمان بجميع الأنبياء والرسل .
العاشر : قانون كل رسول جاء بالوعد من عند الله بالجنة والثواب العظيم على الإيمان.
الحادي عشر : قانون الأصنام وعبادتها برزخ دون دخول الجنة .
الثاني عشر : قانون هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذات نفع عام ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
الثالث عشر: قانون النبوة سلام وأمن .
الرابع عشر : قانون يدفع النبي أسباب ومقدمات القتال ، قال تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
الخامس عشر : قانون أولوية الصلح ، ونبذ القتال .
السادس عشر : قانون الرفق بالكفار عند إصابتهم بالوهن .
السابع عشر : قانون الملازمة بين النبوة والصلاة .
الثامن عشر : قانون الصبر على الأذى سلم .
التاسع عشر : قانون القرآن مدرسة الأجيال .
العشرون : قانون قصص القرآن فقاهة ، وعلم لتأريخ الأمم والملل والملوك.
الواحد والعشرون : قانون استدامة المعجزة العقلية .
الثاني والعشرون : قانون القرآن لسان النبوة المصاحب للناس إلى يوم القيامة .
الثالث والعشرون : قانون حفظ القرآن لقصص الأنبياء والأمم السالفة بصيغة اتعاظ عامة الناس منه ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
الرابع والعشرون : قانون بيان القرآن لأحكام الشريعة السمحاء .
الخامس والعشرون : قانون توارث أمة وهم المسلمون العمل بأحكام القرآن .
السادس والعشرون : قانون قيام القرآن بوظائف النبوة بعد انتقال خاتم النبيين إلى الرفيق الأعلى .
السابع والعشرون : قانون تعضيد السنة النبوية للقرآن .
الثامن والعشرون : قانون النبوة مدرسة الدعاء .
التاسع والعشرون : قانون الحروف المقطعة مدد .
الثلاثون : قانون كل معجزة نبوية حجة على الذين كفروا .
الواحد والثلاثون : قانون سبق الإنذار على البلاء أفضل من نزول البلاء من رأس.
الثاني والثلاثون : قانون إنذارات القرآن حجة على الذين كفروا ، وزجر لهم عن محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث والثلاثون : قانون صيرورة أسواق مكة مرآة للتقوى بصلاح النفوس ، وصحة المعاملات والإبتعاد عن الغش والخداع .
الرابع والثلاثون : قانون توثيق القرآن للحدث النبوي سبيل لتدارس أجيال المسلمين له ، والتدبر فيه .
الخامس والثلاثون : قانون الهجرة أمان من الإفتتان .
السادس والثلاثون : قانون كلمة التوحيد هي العليا ، قال تعالى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
السابع والثلاثون : قانون الأذان تبكيت للكافر ،ودعوة للتوبة .
الثامن والثلاثون : قانون عدم التعارض بين العيادة والسعي في أمور الدنيا ، نعم الأذان تذكير بأن يكون الكسب من الحلال .
التاسع والثلاثون : قانون الإكثار من ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه دعوة للصلاح.
الأربعون : قانون سكن الملائكة هو السماء .
الواحد والأربعون : قانون سلاح الدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعضيد للعلم.
الثاني والأربعون : قانون الإسلام دين العلم ، وأن التدبر في السور المكية وما فيها من الدعوة إلى التوحيد والإيمان ، والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإقرار باليوم الآخر هو من العلم .
الثالث والأربعون : قانون الفوز بالجنة يستلزم السعي لها بالإيمان والعمل الصالح .
الرابع والأربعون : قانون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حفظ للنفوس مطلقاً.
الخامس والأربعون : قانون السنة بيان للقرآن .
السادس والأربعون : قانون انتفاء التعارض بين القرآن والسنة ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا….
السابع والأربعون : قانون خلو الأحاديث النبوية من التعارض فيما بينها ، وكذا بينها وبين السنة الفعلية .
الثامن والأربعون : قانون أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرآة للقرآن .
التاسع والأربعون : قانون خلو أحاديث النبي محمد من التعارض فيما بينها .
الخمسون : قانون كل نبي له خصائص أخروية .
الواحد والخمسون : قانون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأنبياء خصائص إكرام وتفضيل في الآخرة ، لبيان علو منزلته ، وجهاده في سبيل الله .
الثاني والخمسون : قانون ملائمة المعجزة لزمانها .
الثالث والخمسون : قانون مناسبة معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل زمانه .
الرابع والخمسون : قانون دعوة معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التوحيد .
الخامس والخمسون : قانون التذكير ببليغ الكلام وجوامع الكلم بلحوق الإثم لمن كانوا يعبدون الأوثان من الآباء .
السادس والخمسون : قانون القرآن معجزة حسية وعقلية إلى جانب معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية مثل الإسراء والمعراج .
السابع والخمسون : قانون اقتران النبوة بالوحي والمعجزة .
الثامن والخمسون : قانون موضوعية رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أسباب ومقدمات الفتح .
التاسع والخمسون : قانون رؤيا النبي محمد حق وصدق .
الستون : قانون مجئ المصداق الواقعي لرؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الواحد والستون : قانون رؤيا النبي محمد شعبة من الوحي .
الثاني والستون : قانون صلح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتح له.
الثالث والستون : قانون الصلح برزخ دون القتال .
الرابع والستون : قانون صلح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الكفار كف لأيديهم عن المسلمين .
الخامس والستون : قانون الصلح النبوي أمضى من السيف .
السادس والستون : قانون ميل ورضا وغبطة المسلمين بالصلح ، وتفضل الله عز وجل لإصلاحهم لهذا الرضا وإلى يوم القيامة ، قال تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
السابع والستون : قانون تمام النعمة ليس بالحرب وتحقيق النصر فيه، إنما بالصبر والصلح المقرون بالثبات على الإيمان .
الثامن والستون : قانون مصاحب للحياة الدنيا ، وهو : الصلح فتح.
التاسع والستون : قانون الصلح فضح للمشركين .
السبعون : قانون السلم المجتمعي التلقائي في المدينة بتهذيب القرآن والسنة النبوية للنفوس ، وإصلاحها للمجتمعات ، ونبذها للعنف والغزو والثأر والنهب والسلب ، وأسباب الإقتتال الشخصي والعام.
الواحد والسبعون : قانون الدنيا دار الإستغفار .
الثاني والسبعون : قانون ابتداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومه بالإستغفار مدرسة وموعظة .
الثالث السبعون : قانون الدنيا دار الإستغفار .
الرابع والسبعون : قانون السنة النبوية مرآة للقرآن إذ يترجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم آيات الإستغفار عملياً .
الخامس والسبعون : قانون بشارة النبي (ص) وحي .
السادس والسبعون : قانون تأويل النبي محمد للرؤيا شعبة من الوحي .
السابع والسبعون : قانون تحقق رؤيا الرسول .
الثامن والسبعون : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون تلقي المسلمين رؤياه بالقبول والرضا والعمل وفق أحكام الرؤيا النبوية .
التاسع والسبعون : قانون عجز المشركين عن حجب الناس عن النبي (ص) .
الثمانون : قانون بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرسالية إلى عامة الناس.
الواحد والثمانون : قانون عجز المشركين عن منع الناس عن العلم برسالته ، والميل إليها .
الثاني والثمانون : قانون توارث الأجيال للبشارة برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنه تلقي هرقل ملك الروم كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والرضا ، والسؤال عن علاماتها ، وتصديقه لها .
الثالث والثمانون : قانون السعي النبوي للصلح .
الرابع والثمانون : قانون كل رسول يبشر بالرسول الذي يأتي بعده .
الخامس والثمانون : قانون مصاحبة الأمل للفرد والجماعة والأمة ، والبشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمل كل مؤمن ومؤمنة ، من أيام آدم عليه السلام.
السادس والثمانون : قانون اتحاد النبوة من حين هبط آدم أيام إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع والثمانون : قانون إتصال الحجة في الأرض بسلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة , قال تعالى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ, وقال تعالى مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ.
الثامن والثمانون : قانون الملازمة بين النبوة والمعجزة .
التاسع والثمانون : قانون السنة النبوية تعضيد للقرآن .
التسعون : قانون وهو بالمسير وحده من غير قتال يكون الفتح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الواحد والتسعون : قانون لم يغادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا إلا وعمل بكل آية تتضمن الخطاب له أمراً ، وجوباً ، أو استحباباً ، أو النهي .
الثاني والتسعون : قانون اقتداء أجيال المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإجتهاد في طلب الصلح وفك الخصومة .
الثالث والتسعون : قانون وهن عدو النبوة .
الرابع والتسعون : قانون إخافة المشركين .
الخامس والتسعون : قانون عصمة القرآن .
السادس والتسعون : قانون عصمة القرآن رحمة عامة .
السابع والتسعون : قانون القرآن أصل يصدر عنه الناس في عبادتهم ومعاملاتهم .
الثامن والتسعون : قانون إنتفاء البرزخ بين القرآن والناس .
التاسع والتسعون : قانون إجتماع الوحي ونزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
المائة : قانون مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العبادات والمعاملات ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الواحد بعد المائة : قانون الوحي مدد وعون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره في الوقائع والأحداث ، وتوجيه الأسئلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم )( ).
الثاني بعد المائة : قانون رؤيا الأنبياء وحي.
الثالث بعد المائة : قانون اتصال الوحي .
الرابع بعد المائة : قانون اتصال السماء بالأرض ، وأنهما جميعاً وما فيهما ملك لله عز وجل ، وفي التنزيل وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( ).
الخامس بعد المائة : قانون حضور الوحي واقية من القتل .
السادس بعد المائة : قانون الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة عامة .
السابع بعد المائة : قانون الوحي سبب لكثرة الداخلين في الإسلام .
الثامن بعد المائة : قانون اتصال الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب لتثبيت المسلمين في منازل الإيمان.
التاسع بعد المائة : قانون الوحي كاشف عن صدق النبوة .
العاشر بعد المائة : قانون بالوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انقطع الإفتراء على الله بادعاء الوحي .
الحادي عشر بعد المائة : قانون الوحي طريق ومادة النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل بخصوص معركة بدر إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
الثاني عشر بعد المائة : قانون المعجزة دليل النبوة .
الثالث عشر بعد المائة : قانون عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة عامة.
الرابع عشر بعد المائة : قانون عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للناس للهداية والإيمان .
الخامس عشر بعد المائة : قانون مصاحبة العصمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين مغادرته إلى الرفيق الأعلى .
السادس عشر بعد المائة : قانون وجود نبي بين الناس .
السابع عشر بعد المائة : قانون ملازمة الوحي للنبوة .
الثامن عشر بعد المائة : قانون تملك العبيد امتحان واختبار .
التاسع عشر بعد المائة : قانون مؤازرة توالي النزول للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العشرون بعد المائة : قانون نزول القرآن نجوماً برزخ دون تحريفه .
الواحد والعشرون بعد المائة : قانون منع الاختلاف في سبب للنزول .
الثاني والعشرون بعد المائة : قانون منع أسباب النزول الإختلاف والشقاق بين المسلمين بخصوص تفسير الآيات ذات الأسباب.
الثالث والعشرون بعد المائة : قانون عدم انحصار أسباب النزول بالأمور الحسية الظاهرة .
الرابع والعشرون بعد المائة : قانون انقطاع العصبية القبلية برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط في القوانين ونزول القرآن .
الخامس والعشرون بعد المائة : قانون القرآن سور جامع للمسلمين الذي يلتقون في الإعتقاد به، وفي قراءته والعمل بأحكامه.
السادس والعشرون بعد المائة : قانون التداخل بين التلاوة والصلاة .
السابع والعشرون بعد المائة : قانون وهو عند التزاحم بين الواجب العيني والواجب الكفائي يقدم الواجب العيني إلا أن يرد دليل على الخلاف .
الثامن والعشرون بعد المائة : قانون ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان طريق النصر .
التاسع والعشرون بعد المائة : قانون ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان بالوحي لعمومات وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الثلاثون بعد المائة : قانون احتجاج الأنبياء السابقين .
المحتويات
المقدمـــة 3
طهارة المولد 10
جهاد النبي (ص) بالآية القرآنية وليس بالسيف 11
قانون الإيمان بالرسل 13
النداء العام 16
صفات النبي محمد (ص) في الكتب السابقة 17
مقدمات نبوية للبعثة 18
صدقة المناجاة 21
إزاحة القرآن للشعر 22
الدعوة في موسم الحج 23
قانون النبوة سلام وأمن 26
ملك الجبال 27
قانون الملازمة بين النبوة والصلاة 28
تكرار جريان الماء من اليد 30
نداء حراء في اليقظة 31
قانون الصبر على الأذى سلم 32
الدعاء شعبة من الوحي 33
خصائص النبوة الخاتمة 35
الدعوة في الأسواق 39
قانون استدامة المعجزة العقلية 40
قانون النبوة مدرسة الدعاء 42
حضور الملائكة يوم بدر 44
العلم بأحاديث المشركين 46
قانون الحروف المقطعة مدد 47
إقامة الحجة على قريش 51
القيام بالتبليغ 53
أسواق مكة 56
الهجرة القهرية 57
مخاطر طريق الهجرة 61
قانون الهجرة أمان من الإفتتان 62
الاجتهاد في إعلان الأذان 64
منافع الأذان 66
الأذان والإقامة 67
منافع النبوة الخاتمة للنساء 72
هل الجنة والنار مخلوقتان 73
استجابة دعاء النبي محمد (ص) 75
الدعاء لأهل البيت 77
مظاهر استجابة دعاء النبي محمد (ص) 79
اجتماع الحلم والعفو 82
التباين في التلبية 83
خصائص النبي (ص) في موسم الحج 85
السور المكية عضد للنبي (ص) 88
ليلة المبيت 90
الضرورات الخمس والسنة النبوية 91
الضرورة الأولى : حفظ الدين 91
الضرورة الثانية : حفظ النفس 94
الضرورة الثالثة : حفظ العقل 98
الضرورة الرابعة : حفظ النسل (العرض) 100
الضرورة الخامسة : حفظ المال 104
غزو الرعب لقلوب الكافرين 107
أقسام الحديث 110
الأول : علم الحديث (رواية) 110
الثاني : علم الحديث (دراية) 111
قانون السنة بيان للقرآن 112
تعدد الخصائص في حديث واحد 113
الصلاة على النبي (ص) 116
قانون ملائمة المعجزة لزمانها 120
النبي الرسول 122
توثيق آيات القرآن عند نزولها 123
الجمع بين النبوة والرسالة 124
معجزة رؤيا الحديبية 127
صدق الرؤيا 128
الخروج إلى الحديبية 130
الحديبية تأسيس للسلم 133
المقصود من الفتح 134
الطريق الى الحديبية 136
أولوية الصلح 138
مصداق احتجاج الملائكة 139
تهنئة جبرئيل 142
صلاة الخوف 143
قاعدة منع الحرج في العبادات 145
بيعة الرضوان 146
حديث أعطيت خمساً 148
قانون الصلح فضح للمشركين 150
مقدمات صلح الحديبية غنى عن الإرهاب 151
حضور القرآن في صلح الحديبية 152
الإستجابة الفورية / فتح خيبر 154
المبارزة الشعرية 156
الإستشارة 159
الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة 162
البشارة بالإمام المهدي 164
تيسير المعاملات 166
قانون الدنيا دار الإستغفار 167
أحاديث الفتن 170
سلاح ضد الرجال دون النساء 174
رفع العلم 175
نور النبوة 177
قانون بشارة النبي (ص) وحي 179
النهي عن الترويع 181
التأويل النبوي فرع الوحي 182
توثيق الرؤيا لصفات النبي (ص) 185
قانون عجز المشركين عن حجب الناس عن النبي (ص) 186
تلقي الملوك كتب النبي (ص) بالقبول 188
قانون السعي للصلح 191
مصاديق السلام في الحديبية 192
بشارة آدم بالنبي محمد (ص) 194
خاتم آدم 197
خاتم النبي محمد (ص) 199
دلائل النبوة 200
تقسيم جديد للواجب 202
بشارات الكتب السماوية السابقة 205
الحض على التدبر في القرآن 208
نعمة الرسالة الخالدة 209
تفسير آيات من القرآن 213
امتثال النبي محمد (ص) لخطابات القرآن (علم جديد) 215
حديث الآن نغزوهم 216
وفود الحديبية 218
دروس الأسماء يوم الحديبية 224
الخصال الحميدة 225
قانون وهن عدو النبوة 226
مقتل أبي بن خلف 228
تجهيز المشركين الجيوش 231
قانون إخافة المشركين 234
تسمية حجة الوداع 236
الواجب التعبدي والواجب التوصلي 238
قانون عصمة القرآن 239
قانون إنتفاء البرزخ بين القرآن والناس 241
تعدد كيفية الوحي 244
من أقسام الوحي 246
معرفة الناس العام بالوحي 247
قانون اتصال الوحي 249
قانون المعجزة دليل النبوة 253
الوحي سور جامع 255
بين آدم والنبي محمد (ص) 257
إمام العابدين 259
مكاتبة وعتق العبيد 260
نزول القرآن منجماً 265
توالي نزول آيات القرآن 267
نزول آيات القرآن على التوالي 269
قانون منع الاختلاف سبب للنزول 271
تسمية الأنصار 273
الدعاء لذراري الأنصار 274
كثرة الصحابة 276
التضاد بين الوعد والوعيد 277
المباحات 279
المناجاة 282
التقية 285
تسمية الفاتحة بالصلاة 291
تقديم الإحسان للوالدين 293
رسائل الإنذار 294
الثبات طريق النصر 295
لماذا لا يتمثل الشيطان بالنبي (ص) 298
صناعة الطير 299
اجتماع لام الجنس ولام العهد 300
علاج الجراحات 302
ذم الكفر بالنبوة 303
لزوم النصرة 306
بناء صرح الدولة 307
الإحتجاج 310
موضوعية الخصائص الأخروية للنبي محمد (ص) 312
قوانين هذا الجزء 314
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
3259 لسنة 2025