تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

دار السلام في شرائع الاسلام – الجزء السادس

دار السلام
في شرائع الإسلام
(الجزء السادس)

بسم الله الرحمن الرحيم
الـمـقــدمــة
الحمد لله الذي أرسل النبي محمد صـــلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، وجعل الاســلام الشريعة الباقية الى يوم الدين، والملة الجامعة للأصول والفروع وما يحتاج اليه الناس أجمعين.
وكان من الضروري ان يتعاهد العلماء الأحكام التكليفية وفروع الدين بالحفظ والبيان والتفسير ويدرأوا عنها وجوه الخلط والإلتباس نجاة للناس ودعوة للرشاد، وليسود الأمن سطح الأرض وتعم بركات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته الأطهار سكان المعمورة باتباع نهجهم الكريم، والاقتباس من فيض أنوارهم والاتعاظ بهم، والالتزام بسنن الشريعة السمحاء.
وهذا هو الجزء السادس من كتاب (دار السلام في شرائع الإسلام) تقريراً لدرسنا الحــــوزوي اليومي، ويتضمن كتاب الاعتكاف، وشطراً من كتاب الحج الذي هو مرقاة الانقطاع الى الله عز وجل والتجرد من الدنيا في عبادة ومناســك يتجلى فيها الإعجاز تشريعاً وموضوعاً وأداءً وبقاءً، ولتكون طريقاً الى الســـعادة الأبدية والتي لا تتم الا بالتفقه بأحكامه والإتيان بأفعاله وفق ما جاء به الكتاب الكريم والســــنة النبوية الشريفة والله يهدي من يشاء الى سواء السبيل.

النجف الأشرف				الــمؤلـــــف

السادس من ذي القعدة 1418.

كـتـاب الاعـتـكـاف
والكلام فيه وفي أقسامه واحكامه. الاعتكاف هو اللبث المتطاول للعبادة(1).
( )الاعتكاف لغة هو الاحتباس اذ ان مادة العـكوف تدل على الحبس واللزوم، يقال عكفه يعكفه عكفاً: حبسه. وقد يرد بمعنى اللبث المتطاول. وفي الاصطلاح هو اللبث في المسجد بقصد العبادة ويدل على رجحانه الأدلة الأربعة، فمن الكتاب الكريم قوله تعالى أن طــهرا بيتي للطــــائفين والعاكفين والركع السجود .
واما السنة فقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وســـلم انه قال “اعتكاف عشر في شهر رمضان تعادل حجتين وعمرتين”( )، بالاضافة الى اجماع المسلمين في الفتوى والعمل.
واما العقل فهو محبوبية الالتجاء الى دار المحبوب وانتظار افاضاته، والأقوى كفاية قصد التعبد بنفس اللبث، وله مطلوبية في ذاته اذ ان الانقطاع عن الدنيا والكـف عن مشـاغلها بقصـــد التقـــرب الى الله عز وجل أمر وجــودي ذو اعتبار، وعند الشك في الزائد فالمرجع أصالة البراءة.
وقيل: الأحوط ضم قصد عبادة اخرى اليه، (خروجاً عن خلاف ما يظهر ذلك عن جمع منهم المحقق في الشرائع، والعلامة في التذكرة والمنتهى، والشهيد في الدروس) ولكن ظاهر المتن اعلاه هو ان اللبث المتطــاول طـــريق للعبادة وانها غيره. وفي المنتــهى قال ولا يصح الا من مكلف مسلم(1).
وشرائطه ستة، الأول: النية
ويجب فيه نية القربة(2).
“لبث مخصوص للعبادة”.
(1) لعدم توجه الامر بالعبادة لغير المكـلف كفاقد العقل ، أو شرط البلوغ. نعم اختلف في مشروعية عبادات الصبي، وخلافاً للمقام فقد قال المصــنف (قدس سره) في كتاب الصوم بصحة صوم الصبي. وفي التذكرة قال: ويصح اعتكاف الصبي المميز كما يصح صومه.
لقد وقع الخلاف في عبادات الصبي هل هي مشروعة أم هي تمرينية، أي هل ان الصبي مأمور بها كي يكون المأتي به مطابقاً للمأمور به شرعاً، أم انه غير مأمور بها فلا ترقى الى درجة الشرعية وتكون تمرينية فقط. والخلاف في هذه المسألة مبني على مبحث أصولي وهو هل ان الأمر بالامر بالشيء هو أمر به أو لا، أي ان الأوامر الموجهة الى ولي الصبي بصلاة الصبي وصومه هل موجهة الى الصبي بالواسطة أم لا، ولعلها أعم من هذا الحصر وشرط الاسلام لعدم صحة عبادات الكافر سواء على القول بتكـليفه بالفروع أو عدمه، ولعدم جواز وقوفه ولبثه في المسجد.
(2) وعليه الاجماع، لأن العبادة لا تتقوم الا بالقصد والنية، فلو اعتكف لمصالح دنيوية او رياء ولو في يـوم منه بـطل، ومحل النية أول الفعل ووقتها قبل الفجر.

ثم ان كان منذوراً نواه واجباً(1)، وان كان مندوباً نوى الندب(2). واذا مضى له يومان وجب الثالث(3)، على الأظهر(4)،
فرع: لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف الى اعتكاف آخر، أو من النيابة عن ميت الى آخر.
(1) أي ان الوجوب تعلق بامر عارض كالنذر والاجارة اذ ان الاعتكاف مستحب نفسي ويطرأ عليه الوجوب بالعرض. وقيل لا يعتبر فيه قصد الوجه كالشكر واللطف والامركما في غيره من العبادات لعدم الدليل على اعتبار قصد الوجه واصالة البراءة واطلاقات الادلة ولكفاية القصد الاجمالي في التعيين اذا تعدد.
(2) باعتبار انه طريق الى تحقق المأمور به عند الامتثال.
(3) وهو المشهور، للاختلاف في الاعتبار بين الحدوث والبقاء، فيختلف الحكم فيهما، وللنص. وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: “اذا اعتكف الرجل يوماً ولم يكن اشترط فله ان يخرج وان يفســخ الاعتكاف ، وان اقـام يومين ولم يكن اشـترط فليس له ان يفســـخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة ايام”( ) وبه قال الشيخ في النهاية، وابن الجنيد وابن حمزة.
(4) وقال المصنف على الأظهر للقولين الآخرين فيه وهما:
1- يجب بالشروع اكمال ثلاثة ايام، وبه قال الشيخ في المبسوط وابو الصلاح الحلبي لاطلاق أحاديث الكفارة على المعتكف.
وجدد نية الوجوب(1).
الثاني: الصوم
فلا يصح الا في زمان يصح فيه الصوم ممن يصح منه(2)،
2- عدم وجوب الاعتكاف بالشروع وان أتم يومين، وبه قال السيد المرتضى وابن ادريس بل والمصنف في المعتبر استصحاباً للجواز وأصالة البراءة عن الزائد، ولأن الوجوب يحتاج الى دليل وهو مفقود. وحملت الصحيحة اعلاه على تأكد الاستحباب.
(1) ووقت النية قبل فجر اليوم الثالث، وقيل بالاشكال بكفاية النية في أول الليل او في اثنائه. هذا في كون النية اخطــارية، اما على القول بأن النية قصدية وهو الأرجح فلا مانع من وقوعها قبل زمان الفعل واستمرارها مقارنة الفعل في استدامته.
والاعتكاف اما واجب معين كالنذر المضـيق، او واجب موسع كاليمين والاجارة غير المشروطة بوقت معين، واما مندوب والاجماع على انه هو الأصل، فالأول يجب في أوانه وعند الشروع فيه، ولا يجوز الرجوع فيه، اما الآخران فيجوز الرجوع فيهما الا عند اكمال اليومين فيجب اليوم الثالث.
(2) أي ان الاعتكاف لا يصح بدون الصوم، وعليه الاجماع بالاضافة الى النص. ففي صحيحة الحلبي عن الامام الصادق عليه السلام: “لا اعتكاف الا بصوم”( ) وقوله عليه السلام “وتصوم ما دمت معتكفاً”( ).
فان اعتكف في العيدين لم يصح(1)، وكذا لو اعتكفت الحائض والنفساء(2).
ولا يصح وقوعه من المســافر الا فيما يجوز له الصــوم فيه كنذر الصوم في السفر، أو صوم ثلاثة أيام للحاجة في المدينة المنورة، أو المسافر الذي حكمه الاتمام في الصلاة كناوي الاقامة عشرة أيام، او الذي يبقى متردداً بين الاقامة والسفر مدة ثلاثين يوماً.
وعن المختلف ان ابن بابـويه والشيخ وابن ادريس قالوا باستحباب الاعتكاف في الســـفر وانه عبادة مطـلوبة للشارع لا يشترط فيها الحضر.
( ) لعدم جواز الصوم في عيد الفطــر وعيد الاضحى. بل لو دخل فيه قبل العــيد بيومين لم يصح الاعتكاف لواقعية الشرط ولقاعدة “انتفاء المشروط بانتفاء شرطه”. وأتى به المصــنف من باب المثال للزمان الذي لا يصح وعاء للصوم فلا يجوز الاعتكاف فيه.
(2) لعدم صحة الصوم منهما لاشتراط الصوم بالطهارة في جميع آنات النهار. وهذا ايضاً مثال لمن لا يصح الصوم منه بسبب المانع الشرعي، فلا يحق للحائض الاعتكاف لا لانعدام المقتضي بل لوجود المانع.
فرع: اذا لم يقصد المعتكف في غير شهر رمضان الصوم مع الاعتكاف، يجـوز له ان يصوم في ايامه صوماً واجباً أو منذوراً أو اجارة لصحة الاعتكاف بكل صوم مشروع.

الثالث: العدد(1)
لا يصح الاعتكاف الا ثلاثة ايام(2)، فمن نذر اعتكافاً مطلقاً، وجب عليه ان يأتي بثلاثة(3).
وكذا اذا وجب عليه قضاء يوم من اعتكاف، اعتكف ثلاثة ليصح ذلك اليوم(4).
( ) أي عدد ايام الاعتكاف.
(2) وعليه الاجماع، وفي موثقة عمر بن يزيد عن الامام جعفر الصادق عليه السلام: “لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام”( ). واليوم لغة وفي الاصطلاح الشرعي من طلوع الفجر الصادق الى الغروب عند سقوط القرص أو حين غياب الحمرة المشرقية، فلا تدخل الليلة الأولى وكذلك الليلة الأخيرة، وتدخل الليلتان المتوســطتان اللتان بين الايام الثلاثة، وقيل ان اليوم اذا اطلق دخلت فيه الليلة، ولكنه خلاف المشهور والمتعارف وأجنبي عن الموضوع.
(3) لأن الثلاثة ايام هي أقل ما يتحقق به الاعتكاف، ولكفاية ما يصدق عليه الاعتكاف في الوفاء بالنذر ولأصالة البراءة عن الزائد.
(4) أي يضم لهذا اليوم يومين آخرين ندباً. وفي خبر أبي عبيدة عنه عليه السلام: “من اعتكف ثلاثة ايام فهو يوم الرابع بالخيار ان شاء زاد ثلاثة أيام أخر، وان شاء خـرج من المسجد، فان أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة ايام”( ).
وقضاء اليوم يتحقق مثلاً كما لو اخرجه السلطان او غيره ظلماً وقهراً فانه لا يفسد اعتكافه، ولكن يقضي ما يفوته.
ومن ابتدأ إعتكافاً مندوباً كان بالخيار في المضي فيه وفي الرجوع، فان اعتكف يومين وجب الثالث. وكذا لو اعتكف ثلاثاً ثم اعتكف يومين بعدها، وجب السادس(1).
ولو دخل في الاعتكاف قبل العيد بيوم او يومين لم يصح(2).
ولو نذر اعتكاف ثلاثة من دون لياليها، قيل يصح(3)،
وقال الشيخ في المبســوط: كل من خرج من الاعتكاف لعذر او غير عذر وجب عليه قضاؤه، ومتى خرج قبل ان يمضي ثلاثة استأنف.
( ) وهو المشهور، لما ورد في خبر ابي عبيدة. وقيل انه لو اعتكف ثمانية ايام وجب التاســع وهكذا، أي عدم الفصل بين السادس وبين كل ثالث ثلاثة، وبه قال في المسالك والمدارك ولكنه يحتاج الى دليل.
(2) لانه لا اعتكاف الا بصـوم ودخول يوم العيد قهراً وانطـــباقاً في الاعتكاف لا بسبب الاستصحاب القهقري الذي لا نقول به، بل لانتفاء المركب بانتفاء جزئه والصوم محرم في العيد.
(3) والقائل الشــيخ الطوســي في أحد قوليه ولكنه قيده بعدم شرط المتابعة. وقال في المبسوط: واذا نذر اعتكاف ثلاثة ايام وجب عليه ان يدخل فيه قبل طلوع الفجر من أول يوم الى بعد الغروب من ذلك اليوم، وكذلك اليوم الثاني والثالث، هذا اذا اطلقه، وان شرط التتابع لزمه الثلاثة ايام بينهما ليلتان.
أي انه أورد صورتين للاعتكاف احداهما تفرده بالايام دون ما بينهما من الليالي، ولعله في خصوص النذر المقيد بالايام دون الليالي، اي ان ظاهره التقييد وليس الاطلاق.

وقيل: لا، لأنه بخروجه عن قيد الاعتكاف، يبطل اعتكاف ذلك اليوم(1). ولا يجب التوالي فيما نذره من الزيادة على الثلاثة، بل لابد ان يعتكــف ثلاثة ثلاثة فما زاد، الا ان يشترط التتابع لفظاً او معنى(2).
الرابع: المكان
فلا يصح الا في مسجد جامع(3)،
(1) وهو المشهور، لدخول الليلتين المتوســـطتين في الاعتكاف. وقد ورد في بعض النصوص وجوب الكفارة على من جامع ليلاً وهو معتكف، ولانسباق اتصال اللبث، وكما في مورد ايام الحيض، واقامة المسافر عشرة ايام.
(2) أي يجوز له التفريق فيما زاد على الثلاثة ايام الا ان يشترط التتابع فيها كأن نذر لفظاً تسعة ايام متتابعة، او المعنى كما لو نذر العشرة الأخيرة من شـهر رمضان. لعمومات قوله تعالى وليوفوا نذورهم ، وقوله تعالى يوفون بالنذر ، وللتقييد بصيغة النذر ومعناه على نحو مخصوص، فتنحصر بالمبرز الخارجي الذي ينطبق عليه العمل ويصدق عليه الوفاء بالنذر.
(2) أي المسجد الذي يجتمع فيه معظم أهل البلد، ومع اشتراك أكثر من مسجد بهذا الوصف جاز الاعتكاف في كل مسجد يصدق عليه الوصف، وقد اطلق عليه بعضهم صفة المسجد الأعظم، وما في المتن أفتى به جمع منهم الشهيد ويدل عليه ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في صحيحة الحلبي: “لا اعتكــاف الا بصوم وقيل: لا يصح الا في المساجد الأربعة: مسجد مكة ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومسجد الجامع بالكوفة، ومسجد البصرة(1)، وقائل: جعل موضعه مسجد المدائن(2).
وضابطه: كل مسجد جمع فيه نبي أو وصي جماعة(3)، ومنهم من قال: جمعة(4).
في مسجد جامع”( ). وعن ابن أبي عقيل انه يصح في كل مسجد من مساجد الجماعات.
(1) والقائل جماعة منهم السيد والشيخ الاختصاص بأحد المساجد الأربعة، المسجد الحرام، ومسجد النبي، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة.
وفي المنتهى نسبه الى المشهور، بل عن المرتضى والشيخ وابن زهرة والطبرسي الاجماع عليه، ولم يثبت الاجماع.
(2) والقائل علي بن بابويه، وقد روي ان الحسن بن علي عليه السلام صلى فيه. وعن المقنع ان المتجه حينئذ ضمه الى الأربعة لا إبداله. والهاء في موضعه تعود لمسجد البصرة.
(3) وقد تحقق ذلك في المسـاجد الأربعة، وإلحاق مسجد المدائن بها على فرض صحة الرواية القائلة بأن الحسن بن علي عليه السلام صلى فيه باعتبار هذه القاعدة الكلية، وربما تعدى ذلك الى غيرها من المساجد بتتبع الاخبار والنصوص كمسجد براثا.
(4) كالشيخ في المبسوط والمرتضى في الانتصار، أي انه يشـترط في المسجد الذي يعتكف فيه صلاة النبي او الوصي فيه الجمعة وهو أخص فبين هذا الضابط وما سبقه عموم وخصوص مطلق.
ويستوي في ذلك الرجل والمرأة(1).
فلو صلى فيه فريضة أو أكثر غير الجمعة ولو جماعة لا يعتكف فيه.
الهاء في ضابطه هل تعود الى المسجد الجامع أم الى مكان الاعتكاف، الثاني هو الأرجح لأن فتوى المصنف قد تقدمت بالاطلاق في كل مســجد جامع، والمسـجد الجامع اعم من ان يكون المعصــوم قد صــلى فيه وتدل عليه قاعدة نفي الحرج، ولا يدخل فيه مسجد القبيلة والسوق الا مع صدق عنوان الجامع علبهما لقيد كون عمّاره معظم اهل البلد.
(1) لقاعدة الاشتراك بين الرجل والمرأة، ولأن النصوص وردت بلفظ المذكر للتغليب الا ان يرد الدليل تخصصاً أو تخصيصاً، ولأنه نوع عبادة.
فروع:
1- يعتبر في الاعتكاف وحدة المسجد وعدم تجزئة الاعتكاف من جهة المكان.
2- اذا حدث مانع من اتمام الاعتكاف في المسجد كالهدم والخوف ونحوه بطل الاعتكاف لعدم حصوله جامعاً للأجزاء والشرائط ولزم استئنافه أو قضاؤه.
3- سطح المسجد وسردابه وما ضم اليه من الأجنحة منه يصدق الاعتكاف فيها، الا اذا علم خروجها عن عنوان المسجدية والتبعية له.
4- وجوب المسجدية لموضع الاعتكاف يشمل المرأة ايضاً اذ ليس لها ان تعتكف في مسجد القبيلة أو السوق او المكان الذي عينته في بيتها للصلاة.

5- لو أجنب في المسجد وتعذر عليه الاغتسال فيه يجب عليه المبادرة الى الخروج، فمع عدم خروجه يبطل اعتكافه للنهي عن لبثه فيه وهو مفسد للعبادة، ومما اســتدل به على حرمة الجماع في ليلة الاعتكاف الخروج للاغتسال.
6- اذا وجب عليه الخروج لاتيان واجب آخر، ولكنه لم يخرج بمعنى انه لم يؤد الواجب الآخر أثم ولكن اعتكافه لا يبطل على الأقوى، لامكان التفكيك بين الواجب الآخر وبين الاعتكاف الذي له احكامه الخاصة التي تتعلق به، ولأن الاحكام تبنى على الدقة العرفية.
7- الاحوط اتخاذ اقصر الطرق عند الخروج من المسجد للضرورة والحاجة، ولو طال خروجه بحيث انمحت صورة الاعتكاف بطل لتغير الموضوع والهيئة.
8- ضريح مسـلم بن عقيل وهاني بن عروة ليسا من مسجد الكوفة، ولا تلحق الحضرات المشرفة بالجوامع الجامعة.

الخامس(1): إذن من له ولاية(2)
كالمولى لعبده(3) والزوج لزوجته(4). واذا أذن من له ولاية، كان له المنع قبل الشروع وبعده(5)، ما لم يمض يومان(6)
(1) من شرائط الاعتكاف.
(2) بحيث يستطيع بولايته المنع من الاعتكاف.
(3) وعليه الاجماع لأن العبد مملوك لا يقدر على فعل شيء الا بإذن مولاه، وقوله “كالمولى” أي لابد من إذن السيد لعبده الذي يريد الاعتكاف، ســـواء كان العبد قناً او مكاتباً مشروطاً او مدبراً، أو أنها أم ولد.
(4) لعمومات أدلة عدم خروج الزوجة من بيت زوجها الا بإذنه والاعتكاف فرع الخروج، ولأنه مشـروط بالصوم وليس لها ان تصوم في المقام الا باذنه. واستدل ايضاً بأن الأمر بالشيء يقتضي على قول النهي عن ضده، وبان الزوج يملك منافع زوجته.
وقد نوقش في تلك الوجـوه والمدارك وقيل بأن الكل مخـــدوش، ولكن ما في المتن ليس فيه خلاف، نعم قيد بعض الفقهاء لزوم إذن الزوج لزوجته فيما اذا كان اعتكافها منافياً لحقه.
(5) للأصل وجواز الرجوع عن الإذن وعدم وجود ما يدل على الخلاف، وحكي عن الشيخ في المبسوط والخلاف عدم جواز الرجوع مع الإذن.
(6) لأن الاعتكاف يكون بعد اليومين واجباً فلا موضوعية او اعتبارحينئذ للرجوع عن الإذن.

او يكون واجباً بنذر وشبهه(1).
فرعان:
الأول: المملوك اذا هاياه مولاه، جاز له الاعتكاف في أيامه(2)، وان لم يأذن له مولاه(3).
الثاني: اذا اُعتق في اثناء الاعتكاف، لم يلزمه المضي فيه، الا ان يكون شرع فيه بإذن المولى(4).
(1) لعدم طاعة المخلوق في معصية الخالق، فلو أذن الزوج لزوجته ان تنذر الاعتكاف انعقد النذر ووقع جامعاً للشرائط وليس له بعد ذلك حله، ونحو النذر اليمين والإجارة، أي يسقط حق المولى والزوج في المنع في صورة الاعتكاف الواجب بالعرض بعد الإذن به.
(2) اذا كانت ايامه تتسع في اتصالها لمدة الاعتكاف وأقله ثلاثة أيام، والمهاياة تقسيم أيام العبد بينه وبين سيده على حسب ما يتفقان عليه، فيكون كسبه وسعيه في كل وقت لمن كان له ذلك اليوم أو الاسبوع.
(3) لخروجه عن ســـلطان مولاه في تلك الأيام، وقيده بعضـــهم فيما اذا لم يضعفه الاعتكاف وما فيه من الصوم عن العمل اثناء ايام ســـيده، ولكن حقه في الانتفاع بأيامه حاكم في المقام، ولا سلطان لمولاه عليه في ايام نوبته.
(4) لصحة الفعل ابتداءً بالإذن وحصول سبب الوجوب بمضي يومين، وعن الشيخ انه أوجب الاتمام عليه وان لم يكن في البداية مأذوناً فيه.

السادس(1): استدامة اللبث في المسجد(2)
فلو خرج لغير الأسباب المبيحة، بطل اعتكافه(3)، طوعــاً خرج أو كرهاً(4).
(1) أي الشرط السادس والأخير.
(2) وعليه الاجمــاع، بغض النظـر عن هيئته من القيام او الجلوس او الاضطجاع او الركوب اثناء اللبث، لصـدق عنوان الاعتكاف عليها جميعاً.
(3) لقاعدة “انتفاء المشروط بانتفاء شرطه”، ولأن جواز الخروج جاء حصراً في الأسباب المبيحة لا من باب المثال فلا يتعدى الى غيرها. وفي خبر داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام: ” ولا ينبغي للمعتكف ان يخرج من المسجد الجامع الا لحاجة لابد منها، ثم لا يجلس حتى يرجع، والمرأة مثل ذلك”( ).
وفي صحيحة الحلبي: “ولا يخرج في شيء الا لجنازة أو يعود مريضاً، ولا يجلس حتى يرجع”( ). وفي صحيحة ابن سنان: “ان يخرج من المسجد الا الى الجمعة او جنازة او غائط”( ).
(4) وهو المحكي عن المبســوط وللاطـلاقات الدالة على الملازمة بين موضوع الاعتكاف وواقعية اللبث ولعله لعدم تحقق الامكان واقعاً وان كان السبب قهرياً، ومنهم من حصر البطلان بما لو خرج طوعاً، لأن المنساق من الأدلة صورة الاختياروالعمد لا الاكراه والنسيان، بالاضافة الى عمومات حديث الرفع.
فإن لم يمض ثلاثة ايام، بطل الاعتكاف(1).
وان مضت فهي صحيحة الى حين خروجه. ولو نذر اعتكاف أيام معينة، ثم خرج قبل اكمالها بطل الجميع ان شرط التتابع(2)، ويستأنف(3).
ويجوز الخروج للأمور الضرورية، كقضاء الحاجة، والإغتسال، وشهادة الجنازة، وعيادة المريض، وتشييع المؤمن، واقامة الشهادة(4).
(1) لأنها أقل مدة للاعتكاف، فاذا خرج قبل اتمام الايام الثلاثة اختياراً بطل الاعتكاف. وكذا كرهاً على ما في المتن.
(2) لعدم انطـباق المأتي به على المأمـور به وعدم اتمامه على الوجه المطلوب شرعاً. والتاء في مضت تعود للأيام الثلاثة.
(3) لقاعدة الاشتغال ولزوم الامتثال وعمومات أدلة القضاء، ولانتفاء المركب بانتفاء جزئه.
(4) وعليه الاجماع ولقاعدة نفي الحرج والارفــــاق وعدم الخروج بذلك عن صفة الاعتكاف. واحكام الضرورة وان الضرورات يؤتى بها بقدرها، وعمومات أدلة استحباب عيادة المريض وتشييع المؤمن ونحوه، وعدم خروج حال الاعتكاف عندها لا بالتخصص ولا بالتخصيص. وما في المتن ورد من باب المثال الأهم. ففـي خبر مـيمون بن مـهران قـال: “كنت جالساً عند الحسـن بن علي عليه السلام فأتاه رجل فقال له: يا ابن رسول الله ان فلاناً له عليّ مال ويريد ان يحبسني، فقال: والله ما عندي مال فأقضي عنك، فقال: فكلمه، فلبس عليه السلام نعله، فقلت له: يا ابن رسول الله أنسيت اعتكافك؟ فقال: لم أنس، ولكني سمعت أبي يحدث عن
واذا خرج لشيء من ذلك لم يجز له: الجلوس، ولا المشي تحت الظلال(1)،
جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عبد الله عز وجل تسعة آلاف سنة صائماً نهاره قائماً ليله”( ).
ويمكن تقييد الخبر وجعله من منصــوص العـلة، أي ان العلة في هذا الخروج هو انه كالعبادة في صوم.

(1) اما عـدم الجلوس تحت الظــلال فعليه الاجمـاع. وفي خبر داود بن سرحان عن الإمام الصادق عليه السلام: “ولا تقعد تحت الظلال حتى تعود الى مجلسك”( ).
وقيده بعض الفقهاء بالإمكان لعمل الأدلة عليه عرفاً، وانه نهي ارشادي.
اما المشي تحت الظلال فقال الشيخ بعدم جوازه، وعن الانتصار دعوى الاجماع عليه وانه طريق الاحتياط، وقال: “ليس للمعتكف اذا خرج من المسجد ان يستظل بسقف حتى يعود اليه”.
أما عدم الجلوس فهـو قول الأكثر وقيل هو الاحــوط لما فيه الجلوس من محو هيئة وصورة الاعتكاف وللنص ففي خبر الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: “لا ينبغي للمعتكف ان يخرج من المسجد الا لحاجة لابد منها، ثم لا يجلس حتى يرجع”( ).
ولا الصلاة خارج المسجد الا بمكة فانه يصلي بها أين شاء(1). ولو خرج من المسجد ساهياً لم يبطل اعتكافه(2).
فروع:
الأول: اذا نذر اعتكاف شهر معين ولم يشترط التتابع، فاعتكف بعضاً وأخل بالباقي، صح ما فعل وقضى ما أهمل(3)،
(1) أي لا يجوز للمعتكف اداء صلاة الفريضة خارج المسجد الذي اعتــكف فيه منعاً لمحو صـورة الاعتكاف، وقـد قـــال الشيخ ان المقصــود بقول الصادق عليه السلام في صحيحة ابن سنان: “ولا يصلي المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه الا بمكة، فانه يعتكف بمكة حيث شاء، لأنها كلها حرم الله”( )، “يصلي” صلاة الاعتكاف.
(2) لحديث رفع القلم وعدم الحاق السهو بالعمد، وقيده بعضهم بعدم محو صورة الاعتكاف. أي ان ظاهر المتن الاطلاق، فسواء محى السـهو صورة الاعتكاف أو لا فأنه غير مبطل، بينما قال بعضهم بأن السهو لا يكون مبطلاً فقط في حالة عدم محو صورة الاعتكاف.
(3) لعدم شرط التتابع ولصحة اطلاق الشهر على المتفرق وعمومات أدلة القضاء، على ان لا يقل الاعتكاف الأول عن ثلاثة أيام، ويجوز له التفريق ثلاثة أيام ثلاثة الى ان يتم ثلاثين يوماً، لصدق مقدار الشهر عليه عرفاً، ولكنه لا يصــدق لغة اذا جعل بينهما اياماً لم يعــتكف فــيها. اذ ان الشــهر ما انحصر بين هلالين، وهو تسعة وعشرون أو ثلاثون يوماً، سمي شهراً لاشتهاره بين الناس.
ولو تلفظ فيه بالتتابع استأنف(1).
الثاني: اذا نذر اعتكاف شهر معين، ولم يعلم به حتى خرج، كالمحبوس والناسي، قضاه(2).
(1) يستأنف لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، ولوجوب الوفاء بالنذر وقاعدة الاشتغال، ولأن التتابع صـفة ذاتية لموضوع النذر فيقضي ان أخل به. وقيل ان هذا الحكم لا ينحصر بالتلفظ بل وان كان المنساق من النذر التتابع. ومنهم من أشكل في قضاء الشهر المعين بالتتابع لأصالة البراءة ولأن القضاء يحتاج الى دليل آخر.
وظاهر عبارة المصــنف عدم الملازمة بين تعيين الشهر وتتابع الاعتكاف فيه، وان كان التتابع فرع التعيين وفواته بسبب فوات الشهر قهراً لا يمنع من بقاء التتابع في القضاء ولعمومات أدلة القضاء.
(2) بلا خلاف فيه. وعن المدارك انه مقطوع به في كلام الاصحاب، وتشمل المقام عمومات أدلة القضاء خاصة وان الاعتكاف فيه صوم على نحو الجزئية.
وفي الجواهر قال: نعم عن الشهيد انه لو غمت عليه المشهور توخى والا تخير كما في الصوم( )، واشكل بعضهم بانه لا دليل هنا والقياس محرم، ولكن ما في المتن أعم في موضوعه عن المسألة التي تعرض لها الشهيد، فنحن بصدد حصول القطع بخروج الشهر، واصالة بقاء التكليف حاكمة بالاضافة الى قاعدة الاشتغال.

الثالث: اذا نذر اعتكاف اربعة ايام، فأخل بيوم قضاه، لكن يفتقر ان يضم اليه آخرين، ليصح الاتيان به(1).
الرابع: اذا نذر اعتكاف يوم لا أزيد لم ينعقد(2)، ولو نذر اعتكاف ثاني قدوم زيد صح، ويضيف اليه آخرين(3).
فرع:
لا يجوز التعليق في الاعتكاف لمنافاة التعليق لعقد النية.

( ) لأن أقل الاعتكاف ثلاثة ايام، فقضاء اليوم الرابع واجب لقاعدة الاشتغال ولا يصدق عليه اسم الاعتكاف الا اذا ضم اليه يومين آخرين فيتم تصحيحه شرعاً، ولو نذر خمسة ايام وأخل بيومين وجب قضاؤهما ويضم اليهما يوماً آخر.
(2) لعدم مشروعية متعلق النذر لأنه قيده بعدم الزيادة فيبطل نذره وذلك لأن أقل الاعتكاف ثلاثة ايام.
(3) لأنه لم يقيده بعدم الزيادة، ولأنه يعلم يوم الاعتكاف قبل الفجر، ولعمومات الوفاء بالنذر ولامكان تصحيحه شرعاً باضافة يومين آخرين عليه، أما لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد، بطل الا ان يعلم يوم قدومه قبل الفجر،خاصة مع وجود المقتضي وفقد المانع لكن يضيف له يومين آخرين لأن أقل الاعتكاف ثلاثة أيام فلا يتحقق الوفاء بالنذر الا بهذه الاضافة.

الثاني(1) في أقسامه
وأما اقسامه فانه ينقسم الى: واجب وندب(2).
فالواجب ما وجب بنذر وشبهه(3). والمندوب ما تبرع به(4).
فالأول: يجب بالشروع(5)،
(1) أي الباب الثاني من أبواب الاعتكاف.
(2) لأنه عبادة، والندب هو الدعوة الى الشيء، واصل المندوب المندوب اليه حذفت الصلة لوضوح المعنى، وهو الذي يثاب المرء على الاتيان به ولا يؤثم بتركه والاعتكاف راجح ومستحب نفسي، وقد يكون في الاعتكاف ما هو محرم كاعتكــاف الزوجـــة بدون إذن الزوج وبما يمنع من استمتاعه بها، واعتكاف الولد مع عدم إذن الوالد وتأذيه بذلك.
(3) لعمومات الوفاء بالنذر وانه التزام بعمل لله تعالى على نحو مخصوص، وشبه النذر كاليمين والعهد والاجارة، أي ان وجوبه بالعرض وليس بالذات. وهذا التقييد يبين ان الاعتكاف ليس واجباً عينياً تعيينياً أو تخيرياً، انما يكون بالإرادة والاختيار وقصد القربة.
(4) طلباً للثواب وتأســياً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيماً لشعائر الله، وقد يكون التبرع عن النفس او عن الغير.
(5) الواجب على نوعين، منه الواجب المعين في زمن محدد، والآخر مطلق غير محدد بزمن معين، فبالنسبة للأول يجب بالشــروع فيه بلا خـلاف فيه، أما الثاني أي غير المعين فالمشـهور ايضاً كذلك، للنهي عن ابطال العبادة، وقيل بامكان مساواته للمندوب في عدم وجوب المضي فيه قبل اليومـــين، وما في المتن هو الأصــح لترشـــح
والثاني: لا يجب المضي فيه حتى يمضي يومان، فيجب الثالث(1). وقيل: لا يجب(2)، والأول أظهر(3).
ولو شرط في حال نذره الرجوع إذا شاء، كان له ذلك أي وقت شاء، ولا قضاء(4)،
النية على استدامة الفعل.
(1) وهو المندوب أي بعد اكمال يومين كاملين فيجب اليوم الثالث من الاعتكاف المندوب، وبه قال الاسـكافي وابن البراج والشــيخ في النهاية وجمع من المتأخرين لانقلاب الحكم بعد اليومين من الندب الى الوجوب فتشمله أدلة الوجوب حينئذ.
ويدل على ذلك نصوص كثيرة منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: “اذا اعتكف الرجل يوماً ولم يكن اشترط فله ان يخرج ويفسخ الاعتكاف، وأن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له ان يخرج ويفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام”( ).
(2) وبه قال السـيد المرتضى وابن إدريس والعـلامة الحلي وغيرهم. ربما لأن الابتداء فيه مستحب فيستمر كذلك، وللقول بأنه كالصلاة.
(3) للنصوص الصحيحة الدالة على وجوب اليوم الثالث من اعتكاف الندب بعد إكمال اليومين.
(4) لعمومات الالتزام بالشرط وجوازه حدوثاً وبقاءً وقوله عليه السلام: “المؤمنون عند شروطهم”، هذا على القول بصحة هذا الشرط، ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم أعلاه وخبر أبي بصير.
ولو لم يشترط، وجب استئناف ما نذره إذا قطعه(1).
الثالث: في أحكامه
وأما أحكامه، فقسمان: الأول: ما يحرم عليه:
انما يحرم على المعتكف ستة: النساء لمساً وتقبيلاً(2)
وقيل عند اشتراط العذر وطروه مما يجوز معه الفسخ، وقيل بجواز الرجوع في اليوم الثالث أيضاً للإطلاقات، ولكن الشيخ قال بعدم الرجوع في اليوم الثالث وإن شرط ذلك لأنه واجب، فيكون الشرط مخالفاً لعمومات أدلة الوجوب ويقع باطلاً.
(1) لعمومات الوفاء بالنذر سواء المشروط منه بالتتابع وكذا عند إتمام يومين فيجب اليوم الثالث، ولقاعدة الاشتغال وأصالة التكليف.
(2) وهو المشهور وبالتقييد بالشهوة وقيل إنه مقطوع به عند الأصحاب ولا دليل غيره، ولا فرق بين المعتكف والمعتكفة فيحرم عليها أيضاً الجماع واللمس والتقبيل بشــهوة، أما النظر بشهوة لمن يجوز النظر إليه بشهوة فليس بمحرم إلا مع العلم بالإنزال معه، فلا يجوز حينئذ لحرمة مقدمة الحرام.
وقد ورد في حسنة الحلبي أو صحيحته عن الإمام الصادق عليه السلام: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد وضربت له قبة من شعر وشمر المئزر وطوى فراشه، فقال بعضهم: واعتزل النساء، فقال أبو عبد الله عليه السلام: “أما اعتزال النساء فلا”( )، فحمل هنا على المخالطة والمحادثة ونحوهما دون الجماع.

وجماعاً(1)، وشم الطيب على الأظهر(2)، واستدعاء المنى(3)، والبيع والشراء(4)،
وهل يمكن حمل الاعتكاف هنا على المعنى اللغوي الاصطلاحي؟ هذا بعيد. وفيه بعض الأخبار، ويمكن تأسيس قاعدة وهي “فساد الاعتكاف بالافطار”.
(1) وعليه الإجماع، ويدل عليه قوله تعالى ولا تباشـروهن وأنتم عاكفون في المساجد . وفي موثقة ابن الجهم: “عن المعتكف يأتي أهله؟ فقال عليه السلام: لا يأتي امرأته ليلاً ولا نهاراً وهو معتكف”( )، ولأن الاعتكاف عبادة وانقطاع عن الدنيا ولذاتها.
(2) وهو المشهور لصحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفـر عليه السلام: “المعتكف لا يشـم الطيب ولا يتلذذ بالريحان ولا يماري ولا يشتري ولا يبيع”( )، وعن الشيخ في المبسوط عدم حرمة شم الطيب لأصالة الإباحة، وربما لأن قوله عليه السلام في الصحيح : “ولا يتلذذ”، يدل على اعتبار القصد في الشم وحصول التلذذ، والشم أعم منه.
(3) لأنه فرع الإجناب العمدي ومقدمته وإن كانت مقدماته صحيحة شرعاً كالنظر إلى حليلته كسبب معلوم للاستمناء.
(4) وعليه الإجماع، ويدل عليه صحيحة أبي عبيدة المتقدمة، ومنهم من تعدى إلى مطلق التجارة.

والممارات(1).
وقيل: يحرم عليه ما يحرم على المحرم(2)، ولم يثبت(3).
فلا يحرم عليه لبس المخيط، ولا إزالة الشـعر، ولا أكل الصيد، ولا عقد النكاح(4).
وقال به في المنتهى وحكاه عن السيد المرتضى، وعن ابن إدريس التعدي إلى كل مباح لا يحتاج إليه، ولا دليل على الحاقه بالبيع والشراء. وقيل بعدم البأس بالبيع والشراء أيام الاعتكاف إذا كان ضـــرورياً وأحتيج إليه للأكل والشرب مثلاً مع تعذر التوكيل.
(1) والمجادلة على أمر دنيوي أو ديني بقصد الغلبة على الخصم وبيان الفضيلة وهو محرم في غير الاعتكاف أيضاً، أما إذا كانت النية تعظيم شعائر الله وردع الخصم عن الخطأ والزلل فلا بأس بأقل ما يكفي، فالمدار على القصد والنية.
(2) والقائل الشيخ وابن حمزة والبراج، لأن كثيراً مما يحرم على المحرم في الحج يحرم على المعتكف فتلحق القلة بالكثرة بالتبعية، ولعله من القياس مع الفارق.
(3) للأصل وعدم الدليل، ولا ملازمة بين الاعتكاف والإحرام.
(4) للأصل والسيرة وقاعدة نفي الحرج وأصالة البراءة، فيجوز للمعتكف هذه الأمـور مما يحرم على المحرم فلا تلازم بين المحرم والمعتكف.
وقد مـر في أول الكتاب قول المصـنف بأن الاعتكاف هو اللبث المتطاول للعبادة.

ويجوز له النظر في أمور معاشه، والخوض في المباح(1).
وكل ما ذكرناه من المحرمات عليه نهاراً، يحرم عليه ليلاً عدا الإفطار(2). ومن مات قبل انقضاء الاعتكــاف الواجب(3)، قيل: يجب على الولي القيام به(4)،
(1) لعدم التعارض بينها وبين اللبث في المسجد ولقاعدة نفي الحرج وأصــالة البراءة، خلافاً لابن إدريس الذي ألحقها بالبيع والشــراء ودعوى إن الاعتكاف اللبث للعبادة، فلا يجوز فيه غير العبادة، ولكن المراد العبادة في النية وفي الجملة ولكفاية قصد التعبد بنفس اللبث وصدقه من غير الإتيان بعبادة أخرى خارجة عنه، ومن المباحات الخياطة والنساجة ونحوهما، وقيل الأحوط الترك.
(2) لشمول الاعتكاف لأنات الليل والنهار، أما الإفطار فلأن أوان الصوم هو اليوم الشرعي، ولحرمة صوم الوصال.
فرع:
اذا أتى بعض المحرمات سهواً لا يبطل اعتكافه للشك في البطلان، فالأصل الصحة ولقاعدة “نفي الحرج في الدين”، الا الجماع لعمومات قوله تعالى ولا تباشـــروهن وأنتم عاكفــون في المساجد .
(3) سواء كان واجباً بنذر ونحوه، أو مندوباً أتم منه يومين قبل موته.
(4) نسب الشيخ هذا القول والذي بعده في المبسوط إلى الأصحاب لثبوت النصوص الواردة بقضاء الولي لما فات الميت من الصيام الواجب ولقاعدة الاشتغال.

وقيل: يستأجر من يقوم به(1)، والأول أشبه(2).
القسم الثاني: فيما يفسده، وفيه مسائل:
الأولى: كل ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف(3)، كالجماع والأكل والشرب والاستمناء(4).
وقيل بوجوب قضاء الصوم دون الاعتكاف كما اختاره المصنف في المعتبر لأصالة البراءة من قضاء الاعتكاف الواجب على الميت لأنه ليس بواجب أصالة. وهو حسن الا ان يوصي الميت بقضائه من الثلث أو قضاء ما عليه من العبادات فيشمله.
(1) لصدق القضاء وبالبدلية من الأجير ولعدم توجه القضاء على الولي بشخصه.
(2) أي قيام الولي به أشبه بالأصول والقواعد لأدلة قضاء الولي وإن كانت الأدلة أعم فلا مانع من الخيار فيه بين القضاء والاستئجار.
فرعان:
لا تجوز النيابة في الاعتكاف عن أكثر من واحد للأصل في المثلية، ويجوز الإهداء في ثواب العمل ونية الإشراك في المندوب لأنه حق للعامل وليس بواجب عيني.
(3) لاشتراط الاعتكاف بالصـوم، فيكون من انتفاء المشروط بانتفاء شرطه والمركب بانتفاء جزئه ولا دليل على الخلاف.
(4) سواء كان الجماع والاستمناء في الليل أو النهار لظهور الأدلة، وفي الغنية ادعى الإجماع عليه ولأنها من المفطرات ومبطلة للعبادة، أما بالنسبة للأكل والشرب فتتعلق حرمتهما بالنهار دون الليل، وقد تقدم الكلام فيه.

فمتى أفطر في اليوم الأول والثاني، لم يجب به كفارة إلا أن يكون واجباً(1).
وإن أفطر في الثالث، وجب الكفارة(2). ومنهم من خص الكفارة بالجماع حسب(3)،
(1) أي إن كان واجــباً معيناً فتجب فيه الكــفارة وان كان الافساد في اليوم الأول أو الثاني، هذا إلى جانب القضاء في كل وجوه الواجب.
أما بالنسبة للواجب غير المعين فعلى القول بالشروع كما عن المصـنف فهو كالمعين ولذا أطلق في المتن صفة الوجوب من غير تعيين بالمعين، أما على القول بأنه لا يجب إلا بعد يومين فإنه يكون كالمندوب قبل انقضـــائهما، لامكان البدلية في الأيام فهو كالكلي في المعين.
(2) لوجوب اليوم الثالث بعد إكمـال اليومـين، وافرد اليوم الثالث هنا لبيان الاطلاق وان التفصيل خاص باليومين الأوليين دون الثالث، فالكفارة تجب في اليوم الثالث سواء كان الاعتكـــاف واجباً أو مندوباً لوجوب اليوم في الحالتين.
(3) وهو الشيخ ومن تبعه، ونسبه في المدارك إلى أكثر المتأخرين وادعي الاجماع على وجوب الكفارة في هذه الصورة سواء كان الجماع ليلاً أو نهاراً. ففي خبر عبد الأعلى: “عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلاً في شهر رمضان، قال عليه الســـلام: عليه الكفارة، قلت: فإن وطأها نهاراً، قال عليه السلام: عليه كفارتان”( ).

واقتصر في غيره من المفطرات على القضاء وهو الأشبه(1).
ويجب كفارة واحدة إن جامع ليلاً. وكذا لو جامع نهاراً في غير رمضان(2)، ولو كان فيه لزمه كفارتان(3).
ويحمل تعدد الكفارة هنا على نهار شهر رمضان جمعاً بينه وبين موثقة سماعة أدناه.
(1) أي الأشبه بأصول المذهب وقواعده ، والهاء في غيره تعود للجماع، وهو المشهور بين المتأخرين. وقال السيد المرتضى والمفيد بالكفارة لكل مفطر في رمضان وعليه الإجماع في الغنية.
وفي المنتهى قال: ولا أعرف المســتند، والوجـه عندي التفصيل، وعدم وجوب الكفارة في غير الجماع لجواز الرجوع متى شاء.
(2) وكفارته ككفارة الإفطار في يوم من شهر رمضان، ونسب ذلك إلى الأكثر بل هو المشهور وادعى عليه الإجماع. وفي موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام: “عن معتكف واقع أهـله، قال عليه السلام: عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً عتق رقبة، أو صــيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً”( ).
(3) لتعدد الكفارة بتعدد سببها. وفي الجواهر ألحق به قضاء شهر رمضان، ولكن القضاء فيه تفصيل، فإذا كان قبل الزوال فليس على الذي يقضي من غير اعتكاف شيء إلا يوماً بيوم، وإن أفطر بعد الزوال فكفارته إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد، فإن لم يتمكن فصوم ثلاثة أيام. الا ان يقال بتبعية القضاء للأداء في حال الاعتكاف، ولكنه يحتاج الى دليل لا سيما وان كفارة قضـاء شهر رمضان تختلف عن كفارة الافطارالمتعمد في شهر رمضان.
الثانية: الارتداد موجب للخروج من المسجد، ويُبطل الاعتكاف(1)، وقيل: لا يبطل(2)، وإن عاد بنى(3)، والأول أشبه(4).
الثالثة: قيل: إذا أكره امرأته على الجماع، وهما معتكفان نهـاراً في شهر رمضان، لزمه أربع كفارات(5).
(1) ذكره الشيخ في الخلاف( )، لاشتراط الاعتكاف بالمسلم، فيبطل لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، ولأن الارتداد موجب للخروج من المسجد وعدم البقاء فيه لنجاسة المرتد.
(2) وهو المحكي عن المبسوط وفاقاً للشافعي.
(3) أي وإن عاد المرتد إلى الإسلام فيبني على اعتكافه أي يتمه على القول بعدم بطلانه بالارتداد ولأصالة الصحة في العبادة، ولزوال ما يحول دون الصحة، ولانعدام أثر الارتداد عما تقدمه من الاعتكاف، والاجماع على نفي الاستصحاب القهقري.
(4) أي بطلان الاعتكاف بالارتداد سواء كان الارتداد فطرياً أو ملياً للفصل بالارتداد.
(5) والقائل الإسكافي والمرتضى والشيخ وابن حمزة وابن إدريس وغيرهم، بل هو المشهور وفي المختلف قال: لم يظهر له مخالف.
وفي الدروس قال: لا نعلم فيه مخالفاً سوى المعتبر، وقيل لا دليل على تحمله كفارة الاعتكاف عن زوجته وهو خلاف الأصل وإن كان هو الأحوط، فيكفي ثلاث كفارات إحداها لاعتكافه واثنتان لإفطاره وإفطار زوجته.

وقيل: يلزمه كفارتان، وهو الأشبه(1).
الرابعة: إذا طُلقت المعتكفة رجعية، خرجــت إلى منزلها(2)، ثم قضت واجباً إن كان واجباً(3)، أو مضى يومان(4)، وإلا ندباً(5).
(1) أي كفارة إفطاره وكفـارة اعتكافه، وفـاقاً لابن أبي عقيل الذي لا يقول بمضاعفة الكفارة على الذي يكره امرأته على الجماع في نهار رمضان وهي صائمة ويوجب عليها القضاء فقط.
(2) لوجوب وجودها مدة العدة في بيتها، في التذكرة نسبه إلى علمائنا أجمع، لذا قال في الجواهر: وهو بعد شهادة المتتبع له العمدة في هذا الحكم( ).
ويمكن ان يناقش بتبعية الطلاق الرجعي وأيام عدته للزوجية فيشمله إذن الزوج بالاعتكاف، بل للأولوية لتلاشي او تعليق استمتاع الزوج بها في العدة وان بقى الخيار له بالإرجاع.
(3) إن كان الاعتكاف واجباً معيناً بنذر أو شبهه، وقيل إذا كان معيناً فيجوز التخيير بين إتمامه ثم الخروج، أو الخروج فوراً وإبطاله لتزاحم الواجبين.
(4) فيتعين اليوم الثالث وجوباً بعد إكمال اليومين وان كان الاعتكاف مندوباً.
(5) أي وإلا اعتكــفت ندباً بعد خروجها من العدة الرجعية اذا كان اعتكافها الأول مندوباً ولم يمض منه يومان.

الخامسة: إذا باع أو اشترى، قيل: يبطل اعتكافه(1)، وقيل: يأثم ولا يبطل(2)، وهو الأشبه(3).
السادسة: إذا اعتكف ثلاثة متفرقة، قيل: يصـح، لأن التتابع لا يجب إلا بالاشتراط(4)، وقيل: لا، وهو الأصح(5).
(1) وهو ظاهر كلام ابن إدريس للمنافاة بين اللبث والاشتغال بالبيع والشراء واستحالة الجمع بين المتنافيين، قد تقدم حرمة البيع والشراء أثناء الاعتكاف كما في صحيحة أبي عبيدة، وبطلان الاعتكاف بهما للنهي في العبادات الذي يفيد البطلان، ومنهم من قيده بعدم الضرورة، وألحق بالأكل والشرب مع تعذر التوكيل او النقل بغير البيع. وقد تقدم من المصنف جعل البيع والشراء فيما يحرم على المعتكف.
(2) والقائل جماعة منهم الشيخ في المبسوط، لكون النهي خارج عن ذات العبادة ولم يضر في اللبث في الجملة.
(3) وهو أشبه بالأصول والقواعد.
(4) والقائل الشيخ، والتفرق هنا يعني اعتكاف النهار دون الليل وقد يكون المراد بالتـــفريق هو ثلاث أيام بلياليها ولكنها ليست متوالية كأن يعتكـــف اليوم الأول والثالث والخامس من الشهر باعتبار ان الاعتكاف ليس عبادة واحدة متصلة، وان التتابع وجوب ثاني يطرأ بالعرض وعند الشرط.
(5) أي لا يصح الاعتكـاف ثلاثة أيام متفرقة، والقائل المشهور لأن المتبادر إلى الذهن هو الاتصال في الأيام الثلاثة التي هي أقل الاعتكاف لذلك قال المصـنف (قدس سره) : هو الأصح.

كتاب الحج(1)
وهو يعتمد على ثلاثة أركان.
الأول: في المقدمات ــ وهي أربع:
المقدمة الأولى: الحج(2):
( ) الحج ــ بفتح الحاء وقد تكسر ــ هو القصد والسعي إلى شيء وقد يأتي بعنوان كثرة الاختلاف إليه، ولكن المقصود هنا فريضة الحج.
(2) الحج من أركان الدين، وهو فرض واجب بالكتاب والسنة والإجماع من جميع المسلمين، ومنكره كافر لما لإنكار الضروري من موضوعية فيه. أما وجوبه من الكتاب فقوله تعالى: ولله على الناس حج البيـت من استطاع إليه سبيلاً ، وآيات اخرى تتعلق بمناســــك الحج منها قوله تعالى ان الصفـــا والمروة من شعائر الله .
أما من السنة فنصوص متواترة بالإضافة إلى السنة الفعلية والتقريرية. إنه باب للتقرب إلى الله تعالى وسبيل إلى المغفرة بأدائه طاعة لله عز وجل ويتضمن إذلال النفس وإجهاد البدن وبذل النفقة وتحمل وعثاء السفر ومشاقه وترك اللذات خاصـة وإن الله عز وجل جعله في أرض وعرة امتحاناً للعباد.
إنه عبادة بدنية ومالية تتضـمن عدة وجوه من الطاعات، وثوابه عظيم، فقد ورد إن الحج المبرور لا يعدله شيء ولا جزاء له إلا الجنة.

وتشريع الحج قديم وهو ملازم لوجود الإنسان على الأرض فقد ورد إن آدم عليه السلام هو أول من حج البيت من البشر، بل ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن الإمام الصادق عليه السلام: “لما أفاض آدم من منى تلقته الملائكة، فقالت: يا آدم بر حجـك( ) فإنا قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجه بألفي عام”( )، وقد أولى النبي صــــلى الله عليه وآله وسلم حج البيت أهمية خاصة. وبناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للبيت خلده القرآن بالثناء.
وورد عن الإمام الباقر عليه السلام إنه قال: “حج موسى بن عمران ومعه سبعون نبياً من بني إسرائيل خطم إبلهم من ليف، يلبون وتجيبهم الجبال، وعلى موسى عبائتان قطوانيان يقول: لبيك عبدك وابن عبدك”. وعنه عليه السلام: “ان سليمان بن داود قد حج البيت في الجن والإنس والطير والرياح وكسى البيت القباطي.
إن أداء فريضة الحج تشـييد لصرح الإسلام وتعاهد لسننه وهي وفــود إلى الله عز وجل وتشــرف بضـيافة بيته الحـرام وتأدية لمناسك معنوية، ونزع لـرداء الدنيا وتلبس بسـفـر روحي وكأنه ارتقاء في عالم الملكوت، وهي يؤكد صدق العبودية وحسن الاستجابة ومناسبة للتوبة والتدارك، وفيها دلالة على أهلية المسـلمين للمحافظة على شعائر الله وتعظيمها وإن الإسلام هو الديانة الباقية في الأرض إلى يوم القيامة.

وإن كان في اللغة القصد، فقد صار في الشرع اسماً لمجموع المناسك المؤداة في المشاعر المخصوصة(1).
وهو فرض على كل من اجتمعت فيه الشرائط الآتية، من الرجال والنساء والخناثى(2). ولا يجب بأصل الشرع إلا مرة واحدة، وهي حجة الإسلام(3). وتجب على الفور(4).
(1) الحج في الاصطلاح الشرعي الذي أصبح هو الغالب أو المنقول قصد البيت الحرام بوقت معين ومحدد من السنة بمناسك مؤداة، والمناسك وجوه العبادة والمفرد منسك وما جاءت به الشريعة من المشاعر المخصوصة كالطواف بالبيت الحرام، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات.
(2) بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين بل بضرورة من الدين وانكاره كفر وتركه من غير استخفاف من الكبائر.
(3) وعليه الإجماع، أي يجب مرة واحــدة في تمام العــمر وهـــو المسمى بحجـة الإسلام الذي بني عليه الإسلام، وهو كالصلاة والصوم والزكاة والخمس. وفي الصحيح عن الصادق عليه السلام: “كلفــهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك”، وعن الرضا عليه السلام في خبر ابن سنان: “إنما أمروا بحجة واحــدة لا أكثر من ذلك لأن الله تعالى وضع الفرائض على أدنى القوم قوة”( ).
(4) حكي الاتفاق عن الناصــريات والخلاف، أي يجب المبادرة إلى أداء الحج في العام الأول من الاستطاعة، وتدل عليه جملة من النصوص ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: والتأخير مع الشرائط كبيرة موبقة(1).
“إذا قدر الرجـل على ما يحج به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام”( ).
فرع: لو توقف أداء فريضة الحج على مقدمات تتعلق بتهيئة أسباب السفر كواسطة النقل والجواز ونحوه، وجب لأنها من المقدمات المفوتة أي إن تركها يوجب تفويت الواجب في وقته والعقل يحكم بوجوبها، وإن تاركها يستحق العقاب إن لم يأت بها على وجه يدرك به الحج في سنة الاستطاعة.
(1) أي التأخير بعد حصول الاستطاعة واجتماع شرائط الحج، يعتبر كبـيـرة موبقة ومهــلكة كما عن جمع من الفقهاء وإن حج فيما بعد، واستدل عليه بقوله تعالى ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ، وبالأصل ونصوص منها خبر الفضل بن شاذان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: “وإنه عد الاستخفاف بالحج من الكبائر”.
وقد يتعذر أحياناً الفصل بين التأخير والاستخفاف، واعتبر بعضهم الذي يؤخر الفورية عاصياً واشكل عليه، لذا فإن الوجوب يتجدد كل عام مع تحقق الشرائط، وفي صحيحة ابن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ، قال: هذا لمن عنده مال وصحة وإن كان سوقه للتجارة فلا يسعه، وإن مات على ذلك فقد ترك شــريعة
وقد يجب الحج: بالنذر. وما في معناه(1). وبالإفساد(2)، وبالاستيجار للنيابة(3). ويتكرر بتكرر السبب(4). وما خرج عن ذلك مستحب(5). ويستحب لفاقد الشروط: كمن عُدم الزاد والراحلة إذا تسكع، سواء شق عليه السعي أو سهُل. وكالمملوك إذا أذن له مولاه(6).
من شرائع الإسلام إذا هو ما يجد ما يحج به”( ).
(1) كاليمـين والعهــد فيكون وجوب الحج حينئذ بالعرض وان كان قد سبق منه تأدية حج الفريضة.
(2) كما سيأتي إن شاء الله.
(3) باعتـبار إن الإجارة عقد لازم، وإن الحج في مـوارد معـينة من العبادات التي تجوز الإجارة فيها.
(4) سواء كانت الأسـباب المتعددة من جنس واحد أم من أجناس مختلفة لقاعدة الاشتغال ولقاعدة عدم التداخل بين الاسباب، كما لو كان عليه حج بالنذر وآخر بالاستئجار وثالث بافساد حج واجب.
(5) كتكرار الحج، والتبرع عن الميت ونحوه، لما فيه من تعظيم لشعائر الله. أي ان الحج ينقسم الى حج واجب وحج مستحب.
(6) أي يستحب لمن فقد الاستطاعة أن يحج بتحمل المشقة والتكلف، يقال حج متسكعاً أي بغير زاد ولا راحلة، ومثله المملوك الذي يأذن له مولاه وليس عنده استطاعة. لأن الاســتطــاعة طــريق ومقــدمـة للحـج، وموضــوعيتها تتعــلق بالتكليف ووجوب الامتثال واستقرار الواجب واشتغال الذمة به، لا مطلقاً.
المقدمة الثانية: في الشرائط. والنظر في: حجة الإسلام، وما يجب بالنذر، وما في معناه، وفي أحكام النيابة(1).
القول في حجة الإسلام وشرائط وجوبها خمسة:
الأول: البلوغ وكمال العقل(2)
فلا يجب على الصبي، ولا على المجنون. ولو حج الصبي، أو حُج عنه أو عن المجنون لم يجز عن حجة الإسلام(3).
(1) بين الحج الواجب وحجة الاسلام عموم وخصوص مطلق، فحجة الاسلام هي التي تجب مرة بالذات والأصالة عند ما توجد الاستطاعة وشرائطها الأخرى، والواجب أعم.
(2) وعليه الإجماع وهما من شرائط التكليف العامة، فلا يجب الحج على الصبي المميز ولا المجنون بنوعيه المطبق والإدواري الذي لا تتسع مدة إفاقته المتصلة للإتيان بتمام أعمال الحج، ويدل عليه حديث الرفع، فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: “إن القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ”( ).
(3) وعليه الإجماع، وعدم الاجـزاء لفقد شــرط البلوغ حتى على القول بصحة عبادات الصبي وشرعيتها، فيكون من انتفاء المشروط بانتفاء شرطه ولعدم توجه الأمر بالتكليف ولقاعدة الاشتغال والوجوب العيني كما تدل عليه نصوص منها خبر مسمع عن الإمام الصـادق عليه السلام: “لو إن غلاماً حج عشر حجج ثم احتلم كان عليه فريضة الإسلام”( ).
ولو دخل الصبي المميز والمجنون في الحج ندباً، ثم كمل كل واحد منهما وأدرك المشعر، أجزأ عن حجة الإسلام(1)،
أما قوله عليه السلام: “الصبي إذا حج به فقد قضى حجة الإسلام حتى يكبر”( )، فحمل على تحقق الثواب أو مشروعية حجه، لا الحج الذي بني عليه الإسلام. نعم يستحب للصبي المميز أن يحج وإن كان حجه هذا غير مجز عن حجة الإسلام.
فرعان:
1- البـالغ لا يحتـاج في حجــه المندوب إلى إذن الأبــوين، إلا إذا كان فيه إيذاء فعلي لهما ولا عبرة بالتقديري منه، فلو كانت موانع محتملة لو علـما بها أو باحتمالها لتأذيا فمع عدم علمهما لا اعتبار بها ولا يجب الاستئذان معها.
2- لا يعتبر إذن الوالدين في حج البالغ حجة الاسلام لتوجه خطاب التكليف له بالحج ولعمومات قوله عليه السلام: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”.
(1) وهو المشهور، وعن الخلاف الإجماع عليه في الصبي، وللنصوص الكثيرة التي تفيد بأن من أدرك المشعر فقد أدرك الحج، فهي مطلقة تشمل الصبي اذا اتفق بلوغه والمجنون اذا أفاق، ولبقاء الوقت والأجزاء بتجديد نية الوجوب.
فلو حج الصبي المميز وهو يعلم انه سيصل سن البلوغ ما بين الطلوعين من يوم النحر مع اجتماع الشرائط الاخرى، صح منه وكانت حجة الاسلام.

على تردد(1).
ويصح إحرام الصبي المميز(2)، وإن لم يجب عليه. ويصـــح أن يحرم عن غير المميز وليه ندباً(3)،
(1) (وعن ظاهر النافع وصريح الجامع عدم الأجزاء عن حجة الإسلام”( )، للأصل وعدم ثبوت الإجماع، ولعدم اجزاء المندوب عن الفعل الواجب ولعدم وقوع الإحرام والتلبية على الوجه المأمور به شرعاً.
(2) على القول بشرعية عباداته، وصحة حج المميز ادعي عليها الإجماع، وهو مستحب وإن لم يجز عن حجة الإسلام، والمشهور أنه مشروط بإذن الولي لما فيه من الإنفاق والحاجة إلى المال في أغلب الأحـوال. فالحج ليس عبـادة بدنية فقط، بل هو عبادة مالية لما فيه من الهدي والكفارة والنفقات الأخرى. ولأنه عبادة ليست بواجبة على الصبي وإن كانت متلقاة من الشارع.
(3) غير المميز الذي هو أقل منه سناً كالرضيع، ومن هو دون السادسة من العمر، تعظيماً لشعائر الله ولتحقق الحضور والأداء. في الجواهر قال: يمكن تحصيل الإجماع عليه( ) ويستحق الولي الثواب، وتدل على ذلك جملة من النصوص منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام قال: “قلت له: إن معنا صبياً مولوداً فكيف نصنع به؟ فقال عليه السلام : مُر أمه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها، فأتتها فسـألتها كيف تصنــــع؟، فقالـــت: إذا كان يـــوم التروية فاحرمــــوا عنه وجــردوه
وكذا المجنون(1).
وغســلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه، واحلقوا رأســه، ثم زوروا به البيت، ومري الجارية أن تطوف به بالبيت وبين الصفا والمروة”( ).
وألحقت الصبية بالصبي لأنه ورد من باب الغالب لا الخصوصية وإنه أعم من الانحصار بالمذكر، واستشكل في الإلحاق صاحب المستند.
والمراد بالإحرام هو إحرامه بالذات ولبسه ثوبي الإحرام وليس الإحرام عنه، ويقول الولي ــ اللهم إني أحرمت هذا الصبي ــ كما سيأتي في كيفية الإحرام.
وفي القواعد ومحكي المبسـوط أنه يستحب له ترك الحصى في يد الصبي غير المميز ثم يرمي الولي أي بعد أخذها من يده.
(1) وهو المشهور، لما يدل عليه ذكر الصبي من عموم عدم التكليف فيشمل المجنون، وقصد رجاء الثواب، وقيل أنه لم يرد فيه نص بالخصوص فلا يثبت وجوب استحقاق الثواب، كما أن الطفل أكثر انقياداً ويمكن إدراك بعض الأفعال بل يساعد ذلك على تنمية ملكاته العقائدية إذ على الولي أن يأمره بالتلبية ويلقنه إياها، ويلبي عنه إن تعـذر عليه ذلك، وأن يجنبه ما يجب أن يجتنبه المحرم، ويطــوف به، ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات ومنى ويأمره بالرمي وصلاة الطواف وإن لم يستطع يرمي ويصلي عنه. ويمكن ان نضيف ان الصبي قد يكون عوناً على تعظيم شعائر الله، وفي المجنون مشقة وانشغال في الجملة.
والولي: هو من له ولاية المال، كالأب، والجد للأب، والوصي(1). وقيل: للأم ولاية الإحرام بالطفل(2). ونفقته الزائدة تلزم الولي دون الطفل(3).
(1) وفي التذكـــرة الإجمــاع علــيه، والمقصــود بالولي هنا الولي الشرعي لا العم والخال ونحوهما لذكر الولي في صحيحة معاوية ابن عمار عن الإمام الصادق عليه الســلام: “انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة”( ) أو إلى بطن مرو يصنع بهم ما يصنع بالمحرم، يطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصـم عنه وليه”. وإن ظاهرها أعم ومتعلق الولاية الصوم.
(2) وإن لم تكن الأم ولياً شــرعياً ولكن تلحــق بهم للنص الخاص وللتيسير ولأن الحكم خلاف القاعدة فيقتصر على ما ورد فيه الدليل، كما في خبر ابن سنان: “مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برويثة وهو حاج، فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها، فقالت يا رسول الله أيحج عن مثل هذا؟ قال: نعم، ولك أجره”( ).
(3) في الجواهر: بلا خلاف أجده( )، والمقصود النفقة الزائدة على نفقة الحضر مما تستلزمه مقدمات الحج ونحوها، لأن النفع والثـواب يعود على الولي، ولأن هذا الحج لا يجزي عن الطفل في كبره، ولأصـالة عدم الولاية في مثل هذا الإنفاق. فلا يجوز احتسابه من مال الصبي أو في ذمته الا بالعنوان الثانوي كاحكام الضرورة وقاعدة لا ضرر ولا ضرار.
الثاني: الحرية فلا يجب على المملـــوك ولو أذن له مولاه(1). ولو تكلفه بإذنه صح حجه، لكن لا يجزيه عن حجه الإسلام(2). فإن أدرك الوقوف بالمشعر معتقاً أجزاه(3).
(1) للأصل وعليه الإجماع، فلا يجب الحج على المملوك لأنه لا يقدر على شيء، وتدل على ذلك موثقة ابن يونس: “فليس على المملوك حج أو عمرة حتى يعتق”( )، وقوله عليه السلام في خبر آدم بن علي: “ليس على المملوك حج ولا جهاد، ولا يسافر إلا بإذن مالكه”. وقد يفهم من الحديثين رفع المؤاخذة الكاشف عن رفع الوجوب.
(2) وعليه الإجماع، لوجود المقتضي وفقد المانع، فيحكم بالصحة، أما عدم الإجـزاء فلأن الأمر بالوجوب ملازم لشرط الحرية، بالإضافة إلى النصوص منها صحيحة علي بن جعفر عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: “المملوك إذا حج ثم أعتق فإن عليه إعادة الحج”( ). وفي صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام : “أن المملوك إذا حج وهو مملوك ثم مات قبل أن يعتق أجزأه ذلك الحج، فإن أعتق أعاد الحج”( ).
(3) وعليه الإجماع، هذا إذا كان حجه بإذن مولاه، والمشعر هو جبل بآخر مزدلفة واسمه قزح ويسمى جمعاً والمزدلفة والمشعر الحرام، ووصف بالحـرام لحـرمته أو لأنه من الحرم قال تعالى: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام .
ولو أفسـد حجه ثم أعتق مضى في الفاسد، وعليه بدنة وقضاه، وأجزأه عن حجة الإسلام(1). وإن اعتق بعد فوات الموقفين، وجب عليه القضاء، ولم يجزه عن حجة الإسلام(2).
والأجـزاء هنا أي عن حجة الإسـلام. وفي صحيحة معـاوية بن عمار: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: “مملوك أعتق يوم عرفة. فقال: إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج”( ).

(1) لأنه كالحر في وجوب الإتمام والكفارة والقضاء ولشموله باطلاق الأدلة بعد إفساد حجه بالجماع قبل الوقوف بالمشعر.
(2) لقاعدة الاشتغال، فتجب بعد الحرية ولكن مع إحراز شرائطها الأخرى، ويدل على ذلك ما روي في المعتبر: “وإن فاته الموقفان فقد فاته الحج، ويتم حجه ويستأنف حجة الإسلام”( ).
وفي الجواهر قيده بالإفساد فقال: “وإن أفسده قبل الوقوف واعتق بعد فوات الموقفين …”( )، ولكن المورد أعم.

الثالث: الزاد والراحلة(1) وهما يعتبران فيمن يفتقر إلى قطع المسافة(2).
(1) وعليه الإجماع، وهما عنوان الاستطاعة التي هي شرط الوجوب، وجاء من باب المثال للمؤونة وواسطة للنقل، وتدل عليه نصوص كثيرة منها صحيحة الخثعمي قال: “سأل حفص الكناسي أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن قول الله عز وجل: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ، ما يعني بذلك؟ قال عليه السلام: من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه، له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع أو قال: من كان له مال، فقال له حفص: فإذا كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة ولم يحج فهو ممن يستطيع الحج؟ قال: نعم”( ).
(2) لصدق السفر على المسافة الشرعية التي يتم تقصير الصلاة فيها وهي ثمانية فراسخ، وتكون نحو أربعة وأربعين كيلو متر، فمن كان بيته قريباً من الحرم بأقل من المسافة الشرعية لا يشترط في حجه الزاد والراحلة لأنه كالمقيم. ولكن مقتضى بعض الأخبار الإطلاق في وجـوب الحج وان لم تتهيأ الراحلة. ففي صحيحة معاوية بن عمار قال: “سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل عليه دين أعليه أن يحج؟ قال عليه السلام: نعم إن حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين، ولقد كان أكثر من حج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشاة، ولقد مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكــراع الغميم فشكــوا إليه الجهـــد والعنـــاء فقال:
ولا تباع ثياب مهنته(1)، ولا خادمه، ولا دار سكناه للحج(2).
والمراد بالزاد قدر الكفاية من القوت والمشروب، ذهاباً وعوداً، وبالراحلة راحلة مثله(3). ويجب شراؤها ولو كثر الثمن مع وجوده(4)،
شدوا أزركم واستنبطوا، ففعلوا ذلك فذهب عنهم”.
(1) أي ثياب العـمل والخدمة في مقابل ثياب التجمل اللائقة بحاله، أي من باب أولى لاتباع ثياب التجمل، بل يحتاج اليها في سفره للحج، لذا لم يذكرها المصنف وذكر الخادم ودار السكن للحاجة لها عند عودته من الحج. لذا أطلق في الدروس ومحكي التحــرير موضوع الثياب خاصة وإنها مستثناة عنه في ديون الناس.
(2) وفي المعتبر والمنتهى والتذكرة الإجماع عليه، وذلك لقاعدة نفي الحرج، ولعدم تحقق الاستطاعة شرعاً، ولأنها من مصاديق المؤونة.
(3) وما يحتاجه من الأوعية وضروريات طريقه بحسب حاله وشأنه شرفاً وعرفاً، فإذا كان من شأنه ركوب السيارة بحيث يعتبر نقصاً عليه من دونها يشترط تحقق ذلك في الوجوب لحكومة قاعدة نفي الحرج، ولاختلاف مراتب الاستطاعة إلا مع نفي الحرج وحده في الأدنى، فيجب الحج إذن عملاً باطلاقات ووجوب الحج. أما ما ورد في بعض الأخبار فيحمل على الحد الأدنى من الاســتطاعة في ذلك الزمان أو ما شابهه.
(4) لتحقق موضوع الاستطاعة بالقدرة على الشراء إذ لا موضـوعية للثمن، أي إن غلاء ما يحتاج إليه وأجرة الراحلة أو واسطة النقل مطلقاً لا يوجب السقوط في تلك السنة أو التأخير عنها.
وقيل: إن زاد عن ثمن المثل لم يجب(1)، والأول أصـــح(2). ولو كان له دين وهو قادر على اقتضائه وجب عليه(3). فإن مُنع منه وليس له سواه، سقط الفرض(4).
(1) والقائل الشيخ، لقاعدة نفي الحرج وعدم صدق الاستطاعة فتشمله اطلاقات الأدلة، ولكن تلك الزيادة لها مراتب، لذا قيل لو كان الضرر مجحفاً بماله مضراً بحاله يسقط وجوب الحج لقاعدة نفي الحرج، وإليه مال في التذكرة، ولتقييد وجوب مقدمة الواجب بما إذا لم ينجم عنها ضرر لا يطاق، ولقبح التكليف بالعسير.
(2) وهو المشهور، تعظيماً لشعائر الله ولعظيم النفع في الدارين، ولأنه انفاق في سبيل الله وتحقق الاستطاعة والقدرة على أداء الفريضة واقعاً .
(3) أي له على غيره دين حال، ولو كان الاقتضاء بالواسطة مع عدم الضرر، فتتحقق الاستطاعة باستيفائه، إن كان الدين بمقدار مؤونة الحج أو إنه متمم لها، وقوله (قدس سره) وجب عليه أي وجب الحج عليه، واستـيفاء الدين يعتبر مقدمة للواجب المطلق سواء كان المديون باذلاً أو مماطلاً يستعان عليه، أو منكراً يمكن إثبات الدين عليه، أو إن الدين مؤجل ولكن المديون باذل له قبل الأجل كما يحدث أحياناً عندما يعلم المديون إن الدائن ينوي أداء فريضة الحج.
(4) لعدم تحقق الاستطاعة وعدم التمكن من التصرف في ماله.

ولو كان له مال وعليه دين بقدره لم يجب(1)، إلا أن يفضل عن دينه ما يقوم بالحــــج(2). ولا يجب الاقتراض للحج، إلا أن يكون له مال بقدر ما يحتاج إليه زيادة عما استثناه(3).
(1) سواء كان الدين لإنسان آخر، أو من الديون الشرعية كالزكاة والخمس والنذر الحال، للسبق الزماني لتلك الديون ووجوب الوفاء بها وتعلقها بالمال أو بالذمة، فلا يتحقق موضوع الاستطاعة معها ولقاعدة نفي الحرج.
(2) لبقاء الاسـتطاعة وعــدم زوالها بالدين، وأطـلق المصنف الدين ولم يقيده بالحال دون المؤجل، وان كان ظاهر عبارته يحتــمل هذا التقييد. وفي الدروس علل ذلك بأنه في الحال غير مستطيع للحج، وفي المؤجل يتوجه إليه الضرر فيسقط الفرض.
وربما قيل بالوجوب مع عدم الضــرر في الدين، أو إن له وجهاً للوفاء بعد الحج، وقد يستدل على ذلك بصحيحة معاوية بن عمار إنه سأله الصادق عليه السلام: “عن رجل عليه دين أعليه أن يحج؟ قال: نعم، إن حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين”( )، ولكنها تعني تحمل مشاق الحج من غير تعرض لموضوع النفقة والزاد والراحلة وبيان عدم الملازمة او التعارض بين الحج وبين اشتغال الذمة بالدين، ولعمومات قوله عليه السلام: “دين الله أولى أن يؤدى”.
(3) فمع الاقتراض لا تجب حجة الإسلام لأن تحصيل الاستطاعة غير واجب، إلا أن يكون له مال غائب أو له دين حل على آخر، والاستثناء مما هو ضروري لمعاشـــه ولائق بحاله، كما لو كان له ولو كان معه قدر ما يحج به، فنازعته نفسـه إلى النكاح، لم يجز صرفه في النكاح، وإن شـــق تركه وكان عليه الحج(1). ولو بُذل له زاد وراحلة ونفقة، له ولعياله، وجب عليه(2).
مورد معلوم كألف دينار يأتيه في شهر محرم مثلاً ويكفي للحج ومؤونة العيال، فله ان يقترض مثله في أيام الحج لأداء حجة الاسلام. وقوله: ما يحتاج اليه، أي ما يحتاج اليه في طريقه الى الحج وأداء مناسكـه، وما اســتثناه: أي لمؤونة عياله ونحوها.
(1) لتحقق الاستطاعة وثبوت الحج الواجب بينما النكاح مستحب، ولتوجــه الخطاب بالحج، ولقاعدة نـفي الحـرج. وقيل إن المدار ليس بين الواجب والمستحب بل المدار على الحرج وعدمه وإنها من صغريات الأهم والمهم، فإذا كان التزويج هو الأهم وتركه يسبب حرجاً فلا يكون مستطيعاً معها. ولكن القاعدة في باب التزاحم تقديم المضيق على الموسع وتضيق الحج شرعي، فيمكن القول بان المدار على أوان الحج.
ولكن لو تم صرف المال في النكاح قبل أوان خروج الوفد إلى الحج فإن التحريم ينتفي، لصرف المال في المؤونة وعدم تحقق الاستطاعة أوان الحج ولطرو الحاجة على الاستطاعة وحكومتها.
(2) وعليه الإجماع كما عن الخلاف والغنية وغيرهما، لوجود المقتضي وفقد المانع وتحقق الاستطاعة فيجب عليه الحج. وتدل عليه جملة من النصوص منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه الســلام في حديث: “قلت له: فإن عـرض عليه ما يحج به فاستحى من ذلك، أهو ممن يستطيع إليه سبيلاً؟ قال: نعم، ما شأنه يستحي ولو يحج على حمار أجدع أبتر، فإن كان يستطيع أن يمشي ولو وُهب له مال لم يجب عليه قبوله(1).
ولو استؤجر للمعونة على السفر، وشُرط له الزاد والراحلة أو بعضه، وكان بيده الباقي مع نفقة أهله، وجب عليه، وأجزأه عن الفرض إذا حج عن نفسه(2).
بعضاً ويركب بعضاً فليحج”( ).
وظاهر المتن كفاية البذل، وقيل بأن الوجوب يتحقق بقبول البذل، وعن ابن إدريس: “لا يجب الحج بالبذل حتى يملكه المبذول”.
والبذل يكون بالاستصحاب للحج، أو يقال له حج وعليّ نفقة حجك ونفقة عيالك ونحو ذلك من الإباحة اللازمة، والظاهر عدم اعتبار الملكية في الزاد والراحلة.
(1) باعتبار إن الهبة لا تتم إلا بالقبض كما إنها عقد يحتاج إلى قبول، وليس من دليل على اعتبار هذا القبول مقدمة للحج، كما إن القبول ليس بواجب وإن كان تحصيلاً لشرط الوجوب، وشرط الواجب المقيد غير واجب. وقيل القبول لا يحقق الاستطاعة وهو ضعيف.
(2) لتحقق الاستطاعة بالإجارة، ولا تعارض بين عمله لغيره واشـتغاله في الطريق وأدائه للحج، إذ إن الواجب في الحج هي مناسك الحج وأفعاله. ويدل على ذلك جملة من النصوص منها خبر معاوية بن عمار قال: “قلت لأبي عبد الله عليه الســلام: الرجل يخرج في تجـارة إلى مكة، أو يكون له إبل فيكريها، حجته ناقصة أم تامة؟ قال عليه السلام: لا، بل حجته تامة”.

ولو كان عاجزاً عن الحج، فحج عن غيره، لم يجزه عن فرضه، وكان عليه الحج إن وجد الاستطاعة(1).
الرابع: توفر المؤنة الكافية، أن يكون له ما يموّن عياله حتى يرجع، فاضلاً عما يحتاج إليه. ولو قصر ماله عن ذلك لم يجب عليه(2). ولو حج عنه من يطيق الحج، لم يسقط عنه فرضه، سواء كان(3)
وقول المصنف (وكان بيده الباقي) متعلق ببعضه كما لو شــرطت له الراحـلة فقط وكان بيده الزائد، أو كانت أجرته في الطريق لزاد وكان يمتلك اجرة واسطة النقل، أو استؤجر على نصف الزاد والراحلة وكان قادراً على النصف الآخر ومؤونة عياله.
(1) وعليه الإجماع، لعدم تحقق الاسـتطاعة بالنيابة، ولقاعدة الاشـتغال ولانصراف النية والعمل الى المنوب عنه. ويدل على ما في المتن نصوص منها خبر آدم بن علي عن الإمام أبي الحسن عليه السلام: “من حج عن إنسـان ولم يكن له مال يحج به اجزأت عنه حتى يرزقه الله ما يحج به ويجب عليه الحج”( ).
(2) في الجواهر قال: “ربما ظهر من بعضهم الإجماع عليه”( )، لوجوب مؤونة عياله المســتديمة عليه، فلا تتحقق الاستطاعة إلا مع توفير مؤونتهم لوجوبها عليه كل يوم، ولقاعدة نفي الحرج.
(3) الضـمير في عنه وفي فرضه يعود للمنوب عنه وكذا اسم كان، لأن الحج واجب عيني والضرورات تقدر بقدرها، فمع تجدد الاستطاعة والقدرة تجب مباشــــرة الحج ولا تكون حجة النيابة عنه
واجد الزاد والراحلة أو فاقدهما(1).
وكذا لو تكلف الحج مع عدم الاستطاعة(2). ولا يجب على الولد بذل ماله لوالده في الحج(3).
مجزية حينئذ. اسم كان ضـمير مستتر يدل على النائب.
(1) في الجواهر قال: بلا خلاف أجده بيننا، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، لأن الحج واجب عيني مع تحقق شرط الاستطاعة والمباشرة معتبرة فيه.
(2) بلا خلاف فيه بيننا، لأنه يعتبر حينئذ مندوباً، والمندوب لا يجزي عن الواجب”. أقول: الاستطاعة طريق ومحمول لتوجه الخطاب والتكليف بالحج، ولأن متعلق الاستطاعة الوجوب وليس الصحة، والمدار في الوجوب والندب على النية والاشتغال، فالأقوى صحة حجة وإجزائه عن الواجب، ولأن الاستطاعة أعم من الزاد والراحلة، ولانطباق المأتي به على المأمور به ولقاعدة نفي الحرج.
(3) وهو المشهور، للنصوص التي تحصر جواز أخذ الوالد ما يحتاج إليه من مال ولده من غير إســراف، فلا يجب على الولد الإنفاق على الوالد إلا ما هو ضـروري لمعاشه فلا تتحقق حينئذ استطاعة الوالد. ولأن المدار على استطاعة المكلف نفسه وموضوع التكليف بالحج غير الحاجة التي يحق للوالد الأخذ معها من مال ابنه، اذ تعتبر المؤونة هي القدر المتيقن منها. وفي خبر الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قـال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل: أنت ومالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: وما أحب له أن يأخذ من مال ابنه إلا ما يحتــاج إليه مما لا بد منه، إن الله عز وجل لا يحب الفساد”.
الخامس: إمكان السير
وهو يشتمل على: الصحة. وتخلية السرب. والاستمساك على الراحلة. وسعة الوقت لقطع المسافة(1). فلو كان مريضاً بحيث يتضرر بالركوب لم يجب(2). ولا يسقط باعتبار المرض مع إمكان الركوب(3).
(1) بلا خلاف فيه، وهو فرع الاستطاعة باعتباره مقدمة عقلية للواجب المطلق، بالإضافة إلى قاعدة نفي الحرج والعسر، ويدل على ما في المتن صحيحة ذريح عن الإمام الصادق عليه السلام: “من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً”( ).
والسَّرب ــ بفتح السين وقد تكسـر وسكون الراء ــ هو الطريق. وفي صحيحة هشام بن الحكم عنه عليه السلام: “إن كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة”( ).
(2) بلا خلاف فيه كما عن الجواهر( )، لأن كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ولقاعدة نفي الحرج، ولأن الصحة إحدى مصاديق الاستطاعة، بل يمكن تقسيم الاستطاعة إلى الاستطاعة المالية والاستطاعة البدنية.
(3) وهو المشهور، فلا موضوعية للمرض مع عدم معارضته للاسـتطاعة، واسم يسقط هو وجوب الحج، وظاهر العبارة ان ولو منعه عدو، أو كان معضوباً لا يستمسـك على الراحلة، أو عُدمَ المرافق مع اضطراره إليه، سقط الفرض(1).
وهل يجب الاستنابة مع المانع من المرض أو عدو(2)؟ قيل: نعم، وهو المروي(3)،
اعتبار المرض ليس مطلقاً فاذا كان المرض لا يحول دون ركوب واسـطة النقل والســفر الى بيت الله الحرام لا يكون من العذر الذي يسقط الوجوب. لذا لا يعتبر الأعمى والأعرج والأصم والأخرس ونحوهم من المرضى، خلافاً لأبي حنيفة الذي لم يوجب الحج على الأعمى.
(1) بلا خلاف فيه لعدم الاستطاعة ولقاعدة نفي الحرج، ولعمومات كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر.
(2) سواء كان المانع ذاتياً كالمرض والضعف والكبر، أو خارجياً قهرياً كالعدو ومختلف أسباب منع السفر وأداء فريضة الحج.
(3) والقائل الإسكافي والشيخ وأبو الصلاح وابن البراج بل هو المشهور، الحلبي في صحيحته أو حسنته: “وإن كان موسراً حال بينه وبين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره الله تعالى به، فإن عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له”( )، ولأنه تعظيم لشعائر الله ولعمومات النيابة في الحج.
وكذا ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “إن علياً عليه السلام رأى شيخاً لم يحج قط ولم يطق الحج من كبره، فأمر أن يجهزه رجلاً فيحج عنه”( ).
وقيل: لا(1). فإن أحج نائباً، واستمر المانع، فلا قضاء. وإن زال وتمكن، وجب عليه ببدنه(2)، ولو مات بعد الاستقرار ولم يُؤدِّ قُضي عنه(3).
وقريب منها رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام.
(1) أي لا تجب الاستنابة مع وجود المانع، والقائل ابن إدريس والمفيد والفاضل في القواعد والمختلف وغيرهم، وحملوا الصحيحة أعلاه ونحوها من النصوص على من عرض له المانع بعد استقرار الحج في ذمته والتفريط، وأنه دين يجب أن يقضى. أو على الندب كما في صحيحة معاوية بن عمار اعلاه.
(2) وهو المشهور للأصل وزوال المانع واستحداث تحقق الاستطاعة التي يلازمها تجديد التكليف وعدم إجزاء البدلية معه لأنه واجب عيني على المكلف ان يباشره بنفسه.
وقول المصنف ــ وتمكن ــ تشير إلى عدم القضاء لو وجد مانع جديد غير الأول، أو زال العذر ولم تكن استطاعة.
(3) لقاعدة الاشتغال أي يقضي عنه وإن كان قد أرسل نائباً عنه قبل زوال المانع، وللقول بأن النيابة مستحبة فلا تجزي عن وجوب الحج العيني.
وفي المـدارك مال إلى عــدم الوجوب بناءً على القول بوجوب النيابة وأجزائها، وقيل لا دليل على وجوبه مرة اخرى، وعلى القول باستحباب النيابة فإن المستحب لا يجزي عن الواجب إذا لم يكن بذات الماهية، وقاعدة الاشتغال والوجوب العيني مقدم على قاعدة نفي الحرج، وأصل البراءة، والأرفاق.

ولو كان لا يستمسك خلقة، قيل: يسقط الفرض عن نفسه وماله(1)، وقيل: يلزمه الاستنابة(2)،والأول أشبه(3).
ولو احتاج في سفره إلى حركة عنيفة للالتحاق أو الفرار فضعف سقط الوجوب في عامه(4)،
(1) لفقد الاستطاعة بمعناها الأعم والعرفي، وإنها ليست تعبدية شرعية. وقوله (وماله) باعتبار ان الحج فريضة بدنية مالية، فعندما يسقط الفـرض عن عذر في البدن، فهل تبقى الاستطاعة والاشتغال في المال فيجب عليه ارسال من ينوب عنه في الحج، ام لا يجب لأن المدار على النفس والاستطاعة محمول، ولا محمول من غير موضوع.
(2) واختاره صاحب المدارك والحدائق، وقيل أنه الأحوط، وفي صـحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: “كان علي عليه السـلام يقول لو أن رجلاً أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سـقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلاً من ماله ثم ليبعثه مكانه”( ).
(3) أي الأشبه بالأصول والقواعد.
(4) لقاعدة نفي الحرج، وعدم تحقق الاستطاعة عرفاً، سواء كان الضعف عن مرض أو لعارض خلقي، أو لما في تلك الحركة من مشقة زائدة لا يستطيع تحملها، وقيل لو تكلف الحج لم يجز عن حجة الإسلام، وفي الدروس قال بالإجزاء لأنه من باب تحصيل الشرط فإنه لا يجب ولو فعله وجب وأجزأ وهو الأقوى.

وتوقع المكنة في المستقبل(1). ولو مات قبل التمكن والحال هذه، لم يُقض عنه(2). ويسقط فرض الحج، لعدم ما يضطر إليه من الآلات، كالقربة وأوعية الزاد(3).
ولو كان له طريقان، فمُنع من إحداهما سلك الأخرى، سواء كانت أبعد أو أقرب(4). ولو كان في الطريق عدو لا يندفع إلا بمال(5)، قيل: يسقط وإن قلّ(6).
(1) فإذا زال العذر بالإمكان، فقد المانع وتحققت الاستطاعة ووجب الحج في تلك السنة.
(2) لعدم تحقق شرط الاستطاعة في حياته. ولتبعية القضاء للأداء.
(3) وغير ذلك من أدوات ومستلزمات الحج وطريقه لأنها من أفراد الاستطاعة، مما لا يستطيع الاستغناء عنه وهي مختلفة باختلاف الأمصار فالقربة مثلاً لا يحتاج لها غالب الحجاج ووردت من باب المثال ليس الحصر، نعم يجب شراؤها وتهيئتها أو استئجارها ونحوه، وإن زاد على قيمة المثل مما يحقق الاستطاعة العرفية.
(4) لبقاء صدق الاستطاعة بالطريق الآخر وإن كان أبعد واستلزم سلوكه نفقة أكثر، إذ لا موضوعية للبعد وزيادة النفقة إذا لم تكن مجحفة.
(5) أي أن هذا العدو لا يأخذ المال قهراً، ولكنه يعـتبر مانعاً لا يزول إلا بالمال.
(6) أي يسقط وجوب الحج وإن قلّ المال الذي يطلبه العدو، والقائل الشيخ الطوسي”( ) وجماعة، لعدم وجوب دفع المال لأنه من تحصيل شــــــرط الوجــوب الـذي ليس بواجب. أي ليس على ولو قيل: يجب التحمل مع المكنة كان حسناً(1).
ولو بذل له باذل، وجب عليه الحج لزوال المانع(2). نعم، لو قال له: أقبل وادفع أنت، لم يجب(3).
المكلف السعي لتحقيق تخلية السرب ولكن إن حصل وجب الحج لأنه من أفراد الاستطاعة، ودفع المال هذا إعانة على الظلم، كما انه يؤخذ قهراً وبغير مسوغ شرعي.
(1) لصدق موضوع الاستطاعة بالتمكن من الدفع وإلحاق هذا المال بنفقات الحج ومعه تتحقق حجة الإسلام، ولعظيم ثواب الحج وما يستحقه أداء الفريضة لبذل المال. واعتبر صاحب الترددات هذا القول ضعيف جداً.
(2) بلا خلاف فيه، لتحقق الاستطاعة وزوال المانع وإن كان بسبب خارجي ولارتفاع الضرر بالبذل والتبرع من الغير.
(3) لعدم وجوب القبول فيكون من تحصيل شــرط الوجوب الذي ليس بواجب، وفي المدارك إنه لم يســـتبعد الوجــوب لأن الشرط التمكن من الحج، وهو حاصل بمجرد البذل، ولعموم (قوله عليه السلام: “ان عرض عليه ما يحج به فاستحى فهو مستطيع)( ).
وظاهر العبارة يحتاج الى بيان، ويحتمل أن يكون المقصود هو أن الفاعل في (قال له) هو الباذل، وأنه هو الذي يدفع وما على الحاج إلى القبول فلم يجب القبول هنا لما في القبول من المنّة، ولكن الضمير أنت لا يناسب ما نذهب إليه إلا أن يكون الضمير بدله (أنا) يعود للباذل والعلم عند الله، أو أن يقصد إن الباذل يقول له ادفع لي فيما بعد وهو بعيد.
وطريق البحر كطريق البر، فإن غلب ظن السلامة، وإلا سقط(1). ولو أمكن الوصـول بالبر والبحر، فإن تساويا في غلبة الســــلامة كان مخيراً(2). وإن اختص أحدهما تعين(3).
ولو تساويا في رجحان العطب سقط الفرض(4).
(1) أي سقط وجوب الحج من حيث الاستطاعة والنفقة، ووجـود العدو، وطول الطريق ونحوه، وإن يجب ركوب طريق البحر لأداء فريضة الحج مع ترجيح الأمن والسلامة، وعدم وجود مخوف معتد به عند العقــلاء كالخوف من الغرق، أو إيجاب أكل النجس وشربه، أو الإخلال بالصلاة مما لا يستطيع تحمله فيكون مانعاً، ولكن عرفت السلامة هنا بالسلامة من القتل والجرح والمرض والضرر الفادح، والظن هنا هو العلم العادي، وليس الظن في الاصطلاح المنطقي، أي ترجيح أحد طرفي الخـبر وهما الوقـوع واللا وقــوع مع عدم نفي الطرف الآخر، لأن الظـن عند الأصوليين أخص منه ويعني الظن المعتبر.
(2) أي تخير أي الطريقين لتحقق موضوع الاستطاعة بكل منهما الذي يثبت معه الوجوب من دون موضوعية لطريق البر أو غيره، ويدخل في هذا الزمان معهما طريق الجو وركوب الطائرة، للسعة وقاعدة نفي الحرج، ولأنها نحو طريقية ومن المقدمات العقلية.
(3) أي تعين الطريق الذي فيه غلبة السلامة سواء كان برياً أو بحرياً أو جوياً، لأن الاستطاعة تتحقق معه ويزول به المانع، والاختصاص بالسـلامة هنا لا يعني الترجيح بمرتبة بل الانفراد بالظن بالسلامة.
(4) لوجود المانع وعدم الظن بالسلامة، فلا تتحقق الاستطاعة عرفاً، ولقاعدة نفي الحرج وعدم تخلية السرب.
ومن مات بعد الإحرام ودخول الحرم برئت ذمته(1)، وقيل: يجتزئ بالإحرام(2)،
(1) وهو المشهور، وعن المنتهى الإجماع عليه، ولقاعدة ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر، ولصدق التلبس بالحج وخروجه حاجاً وليس على وليه قضاء الحج عنه، وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: “قلت فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكة، قال: يحج عنه إن كان حجة الإسلام ويعتمر، إنما هو شيء عليه”( ).
وفي صحيحة بريد العجلي قال: “سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل خرج حاجاً ومعه جمل وله نفقة وزاد فمات في الطريق، قال: إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام، وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الإسلام، وإن فضــل من ذلك شـيء فهو للورثة إن لم يـكن عليه دين، قلت: أرأيت إن كانت الحجة تطوعاً ثم مات في الطريق قبل أن يحرم لمن يكون جمـله ونفقته وما معه؟ قال: يكون جميع ما معه وما ترك للورثة إلا أن يكون عليه دين فيقضي، أو يكون قد أوصى بوصية فينفذ ذلك لمن أوصى له، ويجعل ذلك من ثلثه”( )، بالإضافة إلى صحيحة ضريس”.
(2) والقائل الشيخ وابن إدريس، أي يجتزء بحجه إن كان موته بعد الإحرام وإن لم يكون قد دخل الحرم لتحقق مسمى الحج والشروع فيه بالإحرام الذي هو أول أفعاله.
والأول أظهر(1).
وإن كان قبل ذلك، قضيت عنه إن كانت مستقرة(2)، وسقطت إن لم تكن كذلك(3). ويستقر الحج في الذمة، إذا استكملت الشرائط وأهمل(4).
واستدل عليه بما ورد في صحيحة بريد العجلي أعلاه من اشــعار، “وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقـته في حجة الإســلام”( ). ولكنه معارض بما في صدر الحديث “ثم مات في الحرم”، وبصحيحة ضريس، لذا حمل قوله عليه السلام “قبل أن يحرم” على دخول الحرم.
(1) في الفتوى ولسان الأدلة.
(2) لقاعدة الاشتغال وعدم دخوله بمناسك الحج التي تبدأ بالإحرام، وإن المشي ونحوه مما يسـبقه إنما هو مقدمات عقلية لا اعتبار لها في أداء الفريضة ولا تبرء ذمته بها.
(3) أي إن لم تكن مستقرة بذمته ومات قبل الإحرام، لأن موته كاشـف عن عدم الاستطاعة، وهو مثل الذي مات في بلده قبل سفره إلى الحج، أو كان فاقداً لبعض الشروط الأخرى، وربما حمل القول بالقضاء في هذه الحالة على الندب، وقوله (قبل ذلك) أي قبل دخول الحـرم، أو قبل الاحرام على القول المتقدم الإجتزاء به.
(4) لقاعدة الاشــتغال، ولأن وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، ولبقاء الشــرائط أو بعضها بل وإن كان الباقي أصل القدرة وعدم الحرج، ويقضى عنه بعد وفاته لأنها بحكم الدين ودين الله أولى أن والكافر يجب عليه الحج(1) ولا يصح منه(2). فلو أحرم ثم أسلم، أعاد الإحرام(3). وإذا لم يتمكن من العود إلى الميقات، أحرم من موضعه(4).
يؤدى، ولنصوص كثيرة منها ما روى عن محمد بن مسلم قال: “سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل مات ولم يحج حجة الإسلام ولم يوص بها تقضى عنه؟ قال: نعم”( ).
(1) وعليه الإجماع لشــموله بخطاب التكليف ولأنه مكلف بالفروع على المشهور بتكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالأصول، خلافاً لأبي حنيفة، والفيض الكاشاني منا وتبعه الشيخ يوسف البحراني والسيد الخوئي.
(2) لأن الإسلام شرط في صحة العبادات، ولأنها تتقوم بالأهلية العقائدية للتقرب إلى الله تعالى، والكافر بعيد عن ذلك ولا تصح النية منه، وإذا مات الكافر لا يقضى عنه لأن القضاء إكرام ورحمة.
(3) أي يجب تجديد الإحرام من الميقات، لأنه وقع منه باطلاً بفقده شرط الإسلام، بغض النظر عن كون الإحرام عبادة مستقلة أو جزء النسك.
(4) لقاعدة نفي الحرج والميسور، وإلحاقاً له بالناسي والجاهل، وقيل لا تجري فيه قاعدة الجب لانحصارها بالكفر وعدم وجوب قضاء ما فات ايامه، أما الحج فهو مركب من افعال ومناسك يجب ان يؤتى بها ابتداءً من الإحرام والإطلاقات تشمله.

ولو أحرم بالحج وأدرك الوقوف بالمشعر لم يُجزه، إلا أن يستأنف إحراماً آخر(1). وإن ضاق الوقت أحرم ولو بعرفات(2). ولو حج المسلم ثم ارتد لم يُعد على الأصح(3).
ولو لم يكن مستطيعاً فصار كذلك في حال ردته(4)،
(1) أي إنه أحرم للحج كافراً ثم أدرك الوقوف بالمشعر مسلماً، لفوات أجزاء من الحج ومن غير لياقة من الكــافر لقصد القربة الذي تتقوم به العبادة.
(2) على القول بجواز استئناف الإحرام من المشعر، ولقوله عليه السلام: “من أدرك الموقف فقد أدرك الحج”.
(3) أي ارتد بعد أداء حجة الاسـلام ثم تاب لأصالة الصحة، وقد يحمل كلام المصنف على الاطلاق وانه يشمل حصول الارتـداد والتوبة اثناء الحج. ولكن ســيأتي كلام المصنف (ولو احرم مســلماً ثم ارتــد ثم تاب)، لعدم اعـــتبار الهيئة الاتصالية جزءاً منها، وللفرق بين الصوم مثلاً والحج، ولما ورد في خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: “من كان مؤمناً فحج ثم أصابته فتنة فكفر ثم تاب، يحسـب له كل عمل صالح عمله، ولا يبطل منه شيء”( ).
أما الآية الكريمة: ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم والتي تسمى آية الحبط، فإنها تتعلق بمن مات على كفره.
(4) أي لم يكن مستطيعاً وهو مسلم، ثم أصبح مستطيعاً قادراً على الزاد والراحلة ونحوهما ولكن في أيام ارتـداده، وجب عليه وجب عليه الحج(1) وصـح منه إذا تاب(2). ولو أحرم مسلماً ثم ارتد ثم تاب، لم يبطل إحرامه على الأصـــح(3).
الحج في أيام ردته ولكنه لا يصح منه الا مع التوبة.
وفي الجواهر قال: “فصار كذلك في حال ردته، ولو عن فطرة بأن اسـتصحبه غيره وحمله إلى مكة والمواقف”( )، ولم يقصد المصنف (قدس سره) ذلك، وإنما قصد توفر شرط الاستطاعة أثناء أيام ردته مطلقاً واشتغال ذمته، فلو تاب ومات بعد توبته مباشرة قبل حلول موسم الحج وجب القضاء عنه، أي ان الردة لا تمنع استقرار الحج عليه اذا حصلت الاستطاعة في ايام الارتداد. نعم قد يعتبر البذل أحد مصاديق تلك الاستطاعة.
(1) لأن الكفار مكلفون بالفروع كتكليفهم بالأصول، وفي غير اعتبار لأوان الاستطاعة، وفي القواعد قال: “إنه لو مات أي المرتد بعد الاستطاعة أخرج من صلب تركته ما يحج به عنه، وإن لم يتم على إشــكال”، وقيل بعدم براءة ذمته وعدم أهليته لما في القضاء من إكرام وهو باب للمغفرة.
(2) لإطلاقات قبول التوبة وعموم أدلتها، وسواء كان الارتداد عن ملة أم عن فطرة على الأقوى بقبول توبة المرتد الفطري.
(3) لعدم جزئية الزمانية الفاقدة للجزء العبادي من العبادة، لغياب الدليل وهي المسماة بالهيئة الاتصالية، وعدم اعتبار مفهوم الزمان، فالحج كالوضوء أو الصلاة إذا لم يأت بشيء مناف، ولم تفت الموالاة فيهما، يحكم بالصحة خلاف الصوم.

والمخالف إذا استبصر، لا يعيد الحج(1) إلا أن يخل بركن منه(2). وهل الرجوع إلى الكفاية من صناعة أو مال أو حرفة شرط في وجوب الحج(3)؟ قيل:  نعم لرواية أبي الربيع(4)،

(1) وهو المشـهور لعمومات الإجزاء وقاعدة نفي الحرج، ولما ورد في صحيحة العجلي عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: “… وأما الصلاة والحــج والصـــيام فليس عليه قضاء”.
وفي الجواهر قال: “فما عن ابن الجنيد والبراج من وجوب الإعادة عليه واضح الضعف”، ويشترط في الصحة أن يكون صحيحاً في مذهبه وإن لم يكن صحيحاً عندنا، ومن غير فرق بين الفرق الإسلامية، وما ورد في بعض الأخبار من الإعادة حمل على الاستحباب لورود النصوص الصحيحة في الاجزاء، ولقوله عليه السلام: “يقضي أحب إليّ والحج أحب إلّي”، وظاهره ما هو أعم تعظيماً لشعائر الله ولأن الحج من الخير المحض.
(2) وفي المدارك نسبه إلى الشيخ وأكثر الأصحاب، وهو المنساق من أدلة التقرير، ولقاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وإن المراد بالركن الركن عندهم.
(3) أي رجوع المؤدي لفريضة الحج إلى ما يكفيه وعياله في معيشتهم، فيكون عنده بعد رجوعه من الحج ما يقوته وعياله.
(4) لقاعدة البراءة وقاعدة نفي الحرج في الدين، وان المراد من الاستطاعة ما زاد على النفقة الواجبة ومنها نفقة العيال، ورواية أبي ربيع الشـامي هي: “سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً وقيل: لا، عملاً بعموم الآية وهو الأولى(1).
وإذا اجتمعت الشــرائط فحج متسكعاً، أو حج ماشياً، أو حج في نفقة غيره، أجزأه عن الفرض(2).
فقال: ما يقول الناس؟ قلت له: الزاد والراحـلة، قال: فقال أبو عبد الله عليه الســلام: قد سئل أبو جعفر عليه السـلام عن هذا فقال: هلك الناس إذاً لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا، فقيل له: في السبيل؟ قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقي بعضـاً لقوت عياله، أليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم”( ).
وفي خبر الأعمش عن الصادق عليه السلام أيضاً في تفسير السبيل الذي ذكر في الآية: “هو الزاد والراحلة مع صحة البدن، وأن يكون للإنسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه من حجه.
(1) وفي الجواهر نسبه إلى الشهرة، ولأن الآية الكريمة تطلق وجوب الحج ليشمل كل من كان مستطيعاً له من غير اعتبار لما بعد الحج، وقد يكون هو المنساق من الأدلة عرفاً ولكن الســنة مبينة للقرآن ولا تصل النوبة الى وصف تلك الأحاديث بأنها مقيدة للإطلاق.
(2) وعليه الإجماع، لتحقق أداء الحج والمناســك، ومطـابقة المأتي به للمأمور به، وإن صرف المال من المقدمة للواجب وتحصــيله، وعدم توقف الحج على طريقة معينة في صرف المال أو نوع الوصول إلى الحج، بالإضافة إلى النصوص الواردة في جواز الحج بنفقة الغير، وكذلك الحج مشــياً، “سألت أبا عبد الله عليه السلام ومن وجب عليه الحج، فالمشي أفضل له من الركوب، إذا لم يضعفه(1)، ومع الضعف الركوب أفضل(2).
مسائل أربع:
الأولى: إذا استقر الحج في ذمته ثم مات، قضي عنه من أصل تركته(3).
عن فضل المشي فقال: إن الحسن بن علي عليه السلام قاسم ربه ثلاث مرات نعلاً ونعلاً وثوباً وثوباً وديناراً وديناراً وحج عشرين حجة ماشياً على قدميه”( ).
(1) وهو المشهور، ولما في المشـي من الخشــوع ولأنه الأشد في سبيل الله، وتدل على تفضيله جملة من النصوص منها مرسلة الفقيه: “روي إن ما تقرب العبد من الله عز وجل بشــيء أحب إليه من المشــي إلى بيته الحرام على القدمين ولم يضعفه”، أي عن أداء المناسك.
(2) لقاعدة نفي الحرج وللتيسير، وإنه لا موضوعية للمشي، والنصوص كلها تشير إلى الراحلة.
(3) وعليه الإجماع، أي يقضـى عنه الحج مما ترك من المال لقاعدة الاشتغال وشموله بالخطاب وإمكان القضاء، باعتبار إن الحج دين، بل هو من أهم الديون سواء كان حج التمتع أو القران أو الإفراد. وقيل إنه اذا أوصـى بإخراجها من الثلث وجب إخراجها منه، وتقدم على الوصايا المستحبة، وإن كانت تأتي بعدها في الترتيب ضمن الوصية.

فإن كان عليه دين وضاقت التركة، قسمت على الدين وعلى أجرة المثل بالحصص(1).
الثانية: يُقضى الحج من أقرب الأماكن(2)،
ويدل على ما في المتن نصوص كثيرة منها صحيحة العجلي عن أبي جعفر عليه السلام: “عن رجل استودعني مالاً وهلك، وليس لولده شيء ولم يحج حجة الإسلام، قال عليه السلام: حج عنه، وما فضل فاعطهم”.
ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: “تقضى عن الرجل حجة الإسلام من جميع ماله”.
وهذه النصوص موافقة للأصل لتعلق الحج بالذمة وإمكان قضاءه بالمال كالدين وبالصرف نيابة عنه للإرفاق، وتبعية وجوب القضاء لوجوب الأداء.
(1) لصـدق عنوان الدين على الجميع، وبطلان الترجيح بلا مرجح فتوزع على الجميع بالنسبة كما في غرماء المفلس، وتعلق الحج بالتركة، وإمكان الجمع بين الحج وغيره لإمكان أداء الحج من أقرب الأماكن. وفي خبر معاوية بن عمار قال: “قلت له: رجل يموت وعليه خمسمائة وعليه حجة الإسلام وترك ثلاثمائة درهم فأوصى بحجة الإسلام، وإن يقضي عنه دين الزكاة، قال عليه السلام: يحج عنه من أقرب المواضع ويجعل ما بقي في الزكاة”.
(2) وهو المشهور، وعن الغنية الإجماع عليه، أي من الميقات إن أمكن لقاعدة الميسور والأجزاء وقاعدة نفي الحرج، وعدم اعتبار الطريق في الحج وهو ليس بشرط.

وقيل: يـستأجر من بلد الميت(1)، وقيل: إن اتسع المال فمن بلده، وإلا فمن حيث يمكن(2)، والأول أشبه(3).
وفي صحيحة حريز قال: “سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعطى رجلاً حجة يحج بها عنه من الكوفة، فحج عنه من البصرة، قال عليه السلام: لا بأس إذا قضـى جميع المناسك فقد تم حجه”.
(1) والقائل الشيخ وابن إدريس وغيرهما، لاشتغال ذمته بنفقة الطريق ومشقته.
(2) واختاره في الدروس، وورد في كلام بعض الفقهاء، ويدل عليه صـحيحة البزنطي عن الإمام الرضا عليه السلام: “الرجل يموت فيوصي بالحج من أين يحج عنه؟ قال عليه السـلام: على قدر ماله إن وسعه ماله فمن منزله، وإن لم يسعه ماله فمن الكوفة، وإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة”( ).
(3) أي أشــبه بالقواعد والأصول للإرفاق والتيسـير وعدم سقوط الميسور بالمعسور، أي يقضى عنه الحج من أقرب الأماكن، وعدم وجـوب الزائد عن نفقة الواجب الذي يتحقق من الميقات. وفي صحيحة علي بن رئاب عن الإمام الصادق عليه السلام: “عن رجل أوصى أن يحج عنه حجة الإســلام ولم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهماً، قال: يحج عنه من بعض المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قرب”( )، وغيرها من النصوص المشابهة.

الثالثة: من وجب عليه حجة الإسلام لا يحج عن غيره، لا فرضاً ولا تطوعاً(1)، وكذا من وجب عليه بنذر أو إفساد(2).
(1) ولا تبرعاً ولا إجارة ونحوها، لقاعدة الاشتغال ولعدم جواز تفويت الواجب الفعلي، وللوجوب العيني بالحج وتقدمه على الواجب بالعرض أو المستحب، وقيل إن عمدة الدليل خبر سعد بن أبي خلف قال: “سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن رجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: نعم، اذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه، فإن كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزي عنه حتى يحج من ماله، وهي تجزي عن الميت إن كان للصرورة مال أو لم يكن له مال”، ومثلها صحيحة سعيد الأعرج، عن الصادق عليه السلام.
وفي المدارك قال: قد قطع الأصحاب بفسـاد التطوع والحج عن الغير مع الاسـتطاعة وعدم الإتيان بالواجب) وهو إنما يتم إذا ورد فيه نهي على الخصوص، أو قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص.
وقد يستفاد من خبر سعد بن أبي خلف الذي وصفه في المدارك بالصحيحة النهـي عن الحج عن الغير منطـوقاً أو مفهــوماً، وإنه مـن باب ترك الأهم والواجب التكليفي، وإن الذمة تبقى مشغولة ولاعتبار عدم تأخـير الفورية في الحج عن النفس.
(2) أي كذلك من وجب عليه الحج بنذر حان أوانه، أو لإفساد حجة الإسلام فإن عليه أن يحج عن نفسه ولا يحج عن غيره، لقاعدة الاشتغال ولعدم أهلية الواجب بالعرض لمزاحمة الواجب العيني.

الرابعة: لا يشترط وجود المحرم في النساء، بل يكفي غلبة ظنها بالسلامة(1)، ولا يصح حجها تطوعاً إلا بإذن زوجها(2)
(1) لتحقق صدق الاستطاعة بالاعتقاد بالأمن والسلامة، ولا فرق بين المرأة ذات البعل وغيرها إذ لا موضوعية لوجود المحرم رفيقاً للمرأة في حجها إذا كانت مأمونة على نفسها وبضعها.
ويدل على ما في المتن جملة من النصوص منها صحيحة معاوية بن عمار قال: “سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تخرج إلى مكة بغير ولي. فقال عليه السلام : لا بأس، تخرج مع قوم ثقاة”( ).
بل ويكفي الإيمان في المقام عنواناً للحرمة للتيسير، ففي صحيحة صفوان الجمال قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام : قد عرفتني بعملي تأتيني المرأة، اعرفها بإسلامها، وحبها إيـاكم وولايتها لكم، ليس لها محـرم، فقال عليه السلام: إذا جاءت المرأة المسلمة فاحملها، فإن المؤمن محرم المؤمنة، ثم تلا هذه الآية: المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )”( )، وقيل لو حجت بلا محرم مع عدم الأمن. فالأقوى الصحة وإن سقط الوجوب، وكذا يصح حجها لو حصل الأمن قبل الشروع في الإحرام.
(2) وعليه الإجمـاع، وفي المنتهـى لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم، وتشمله عمومات عدم جواز خروج المرأة من البيت إلا بإذن زوجـها، وخـرج منه الحج الواجـب بالدليل. واستدل بأن حق الزوج واجب فلا يجوز تفويته بغير الواجب.
ــ ولها ذلك في الواجب كيف كان(1) ــ ، وكذا لو كانت في عدة رجعية(2)،
ونوقش بأن ذلك الحق أعم من أن يفوت في مدة معينة، ولكن هذا الحق ينبسط على أيام الزوجية.
ويدل على ما في المتن من موثقة إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: “سألته عن الامرأة المؤسرة قد حجت حجة الإســلام تقول لزوجها أحجني مرة أخرى، أله أن يمنعها؟ قال: نعم، يقول لها: حقي عليك أعظم من حقك عليّ في هذا”. ولعمومات ما ورد في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام : “ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه”.
(1) وعليه الإجماع، لتوجه الخطاب بالتكليف لها، وعدم اعتبار حق الزوج في الاستطاعة، ولعدم الأثر في نهيه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. نعم له منعها من الرفقة الأولى وتأخيرها إلى رفقة أخرى في ذات السنة من غير تضييق الوقـت، وظـاهر قوله (كيف كان) أي مطلق الواجب وإن كان بالعرض كالنذر أو الاسـتئجار، ولكنه لا يخـلو من إشكال إلا في حجة الإسلام.
(2) لإلحاقها بالزوجية في الأحـكام، ولبقـاء حـق الزوج بالاستمتاع بها معلقاً على الرجوع الذي هو محتمل وجائز شرعاً. وتدل على ذلك جملة من النصوص منها ما في صحيحة منصور بن حازم عن الإمام الصادق عليه السلام : “المطـلقة إن كانت صرورة حجت في عدتها، وإن كانت حجت فلا تحج حتى تنقضي عدتها”. وفي صحيحة معاوية بن عمار عنه عليه السلام : “لا تحج المطلقة في عدتها”.
وفي البائنة لها المبادرة من دون إذنه(1).
القول في شرائط ما يجب(2) بالنذر واليمين والعهد
وشرائطها(3) اثنان، الأول: كمال العقل.
فلا ينعقد: نذر الصبي ولا المجنون(4).
الثاني: الحرية. فلا يصح نذر العبد إلا بإذن مولاه(5).
(1) إلحاقاً لها بالمتوفي عنها زوجها، ولانقطاع عصمة الزوجية فلا تحتاج إذن الزوج، ولعدم وجود حق له بالاستمتاع بها أو احتماله، ولعدم إمكان الرجوع في الطلاق البائن. وفي موثقة داود بن الحصين عن أبي عبد الله عليه السلام: “سألته عن المتوفي عنها زوجها. قال: تحج وإن كانت في عدتها”.
(2) أي ما يجب من الحج.
(3) الضمير (ها) يعود لفريضة الحج.
(4) وعليه الإجماع، لحديث رفع القلم، وعدم تحقق القصد التام، وإن بلغ الصبي عشراً، ومع القول بصحة عباداته وشـرعيتها، إذ أن رفع الوجوب أعم من الصحة، ويلحق بهما الغافل والساهي والسكران والمكره.
واختلف في الكافر، والمشهور عدم صحة نذره فيه لاعتبار قصد القربة، بخلاف اليمين الذي لا يعتبر فيه قصد القربة، وقيل أن القربة في النذر غير معتبرة واللازم أنه راجح شرعاً، ولإمكان إسلام الكافر فالمانع اختياري.
(5) لأن العبد مملوك لمولاه وليس له التصرف في منافعه لاعتبار الحرية في الملكية والقدرة على التصرف. وفي خبر الحسين بن علوان المروي عن قرب الإسناد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: “إن ولو أذن له في النذر فنذر، وجب(1) وجاز له المبادرة ولو نهاه(2). وكذا الحكم في ذات البعل(3).
علياً عليه السلام كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا أن يأذن سيده”. وللنصوص الكثيرة الواردة بخصوص اليمين، ولكن المشهور قال باتحاد الحكم بين النذر واليمين بتنقيح المناط، وان المراد من اليمين ما يشمل النذر والعهد، خاصة في الزوجة والمملوك، واختلف في الولد مع والده.
(1) لوجود المقتضي وفقد المانع وشموله بعمومات الوفاء بالنذر.
(2) لوجوب الوفاء بالنذر بعد انعقاده صحيحاً جامعاً للشرائط، وتشــمله عمـومات الوفاء بالنذر، وقيل بجواز حل المولى ليمين أو نذر العبد.
(3) بلا خلاف فيه كما عن الجـواهر( ). للنصوص الكثيرة الواردة في اليمين وإلحــاق النذر والعهد به، لما ورد في صحيحة منصور بن حازم عن الصادق عليه السلام قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يمين لولد مع والده، ولا لمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها”، وصحيحته الأخرى عن أبي جــعفر عليه السـلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالإضافة إلى النص الخاص بخصوص النذر كما في صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام: “ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق، ولا صدقة، ولا تدبير، ولا هبة، ولا نذر في مالها إلا بإذن زوجها، إلا في حج، أو زكاة، أو بر والديها، أو صلة قرابتها”. وظاهر قوله عليه السلام “إلا في حج” أي حجة الإسلام.
مسائل ثلاث:
الأولى: إذا نذر الحج مطلقاً(1)، فمنعه مانع، أخّره حتى يزول المانع(2). ولو تمكن من أدائه ثم مات، قُضي عنه من أصل تركته(3). ولا يُقضى عنه قبل التمكن(4). فإن عين الوقت، فأخل به مع القدرة، قُضي عنه(5).
(1) أي نذر المكلف الحــج من غير تقييد ذلك بوقت أو تعليقه على أمر.
(2) لوجود المقتضي فلا يبطل النذر بل ينتظر زوال المانع، وفي المدارك نسبه إلى قطع الأصحاب.
(3) في المدارك أنه مقطوع به في كلام أكثر الأصحاب، لأنه دين متعلق بذمة الميت ويقضى من أصل المال، وهناك من منع كونه واجباً مالياً. قال في الجواهر( ): فإنه عبارة عن أداء المناسك، وليس بذل المال داخلاً في ماهيته ولا من ضرورياته.
(4) أي لا يجب القضاء عمن مات من غير تحقق شروط الاستطاعة والتمكن من الوفاء بالنذر في حياته.
(5) بلا خلاف فيه، أي أن قيد النذر بالحج بسنة معينة، فيكون واجباً فورياً لو تمكن منه في ذات السنة، فلو عصى بالتأخير فعليه القضاء والكفارة، أما إذا مات بعد التمكن منه وعدم أدائه ولا قضائه في حياته، فيجب القضاء عنه.
وهل يخرج من الأصـل أو من الثلث؟ فقال جماعة بأنه يقضى من الأصل لأنه من العبادات المالية وإنه دين وجميع الواجبات العبادية ديون لله تعالى. وإن الحج يحتاج إلى بذل المال في مقدماته وإن منعه عارض لمرض أو عدو حتى مات، لم يجب قضاؤه عنه(1). ولو نذر الحج وهو معضوب أو أفسد، قيل: يجب أن يستنيب وهو حسن(2).
الثانية: إذا نذر الحج، فإن نوى حجة الإسلام، تداخلا(3).
والطريق إليه وإن كان هو في الأصل عبادة بدنية، ثم أن موضوع القضاء أعم من الاختصاص بجهة وضعية محددة إنما هو عبارة عن تفريغ الذمة التي اشتغلت به.

(1) وعليه الإجماع كما في المدارك، لعدم تحقــق التمكن من الوفاء بالنذر، ولقاعدة ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر، وبتبعية القضاء للأداء.
(2) (والقائل الشيخ وأتباعه كما حكي عنهم) والمعضوب: الضعيف الذي لا يستمسك على الراحلة، (وقال الأزهري: المعضوب في كلام العرب: المخبول الزمّن الذي لا حراك به)( ). وقال أبو الهيثم (العضب: الشلل والعرج والخبل).
والاستنابة هنا في زمان حياته لصيغة العموم في الأخبار الخاصة بالمقام، وقيل باختصاصها بحجة الإسلام والإفساد فيها.
(3) أي يكفيه حج واحد، لصحة نذر الواجب وللإجزاء عند الشـك في أصل تعدد التكليف، واحتمال ان يكون نذر بر وهو نذر المجازات كما لو علق على أمر قال “لله عليّ حج البيت ان رزقت ولداً”. وعن كشف اللثام عليه الاتفاق.

وإن نوى غيرها لم يتداخـلا. وإن أطلق(1)، قيل: إن حج ونوى النذر أجزأه عن حجة الإسلام(2)، وإن نوى حجة الإسلام لم يجز عن النذر(3)،
(1) لتعدد الوجوب بتعدد أسـبابه، أي لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب وبما ينافي التداخل وهو حاكم على مسألة الإجزاء ولكفاية الفعل ذي الطبيعة، والمقصود من الإطلاق: الإهمال وعدم قصد التعيين، ولأن حج النذر وجب بأمر عرضي جديد.
(2) والقائل الشيخ في محكي النهاية والاقتصاد والتهذيب لأنها جاءت واقعاً على فريضة حجة الإسلام، واستدل على ذلك بصحيحة رفاعة بن موسى قال: “سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فمشى، هل يجزيه عن حجة الإسلام؟ قال عليه السلام : نعم، قلت: أرأيت إن حج عن غيره ولم يكن له مال وقد نذر أن يحج ماشياً، أيجزي ذلك عنه من مشيه؟ قال عليه السلام : نعم”( )، ومثله صحيحة محمد بن مسلم.
ولكن الصحيحة ظاهرة في نذر المشي، أي أن موضوع النذر هو المشي من غير تخصيص بأنها حجة نذر وليست حجة الإسلام، فتعتبر أصالة الصحة وإنه من الشك في الشبهة المصداقية.
(3) ولانصراف النية قهراً إلى حجة الإسلام لأنه عامها. لعدم الدليل على تداخل النذر مع حجة الإسلام، ولقاعدة الاشتغال ولأن النذر واجب بالعرض ومستقل ومستحدث طوعي إضافي.

وقيل: لا يجزي إحداهما عن الأخرى، وهو الأشبه(1).
الثالثة: إذا نذر الحج ماشياً، وجب أن يقوم في مواضع العبور(2). فإن ركب طريقه قضى(3).
(1) وهو المشهور، وعن الناصريات الإجماع عليه، لقاعدة الاشـتغال أي أن الإتيان بحج واحد في مقام الامتثال لا يكفي، ولقابلية الجزاء للتكرار، ولأن كلاً من السـببين مسـتقل، والمسألة موضع خلاف بين الأصوليين في باب الشرط والقاعدة فيها عدم التداخل.
(2) وهو المشهور كما في الحدائق، أي أنه لا يجلس في مواقع العبور كالســفينة، ولأن المشي في حد ذاته أفضل من الركوب، وفي خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام : “إن علياً عليه السلام سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فمر في المعبر، قال: فليقم في المعبر قائماً حتى يجوزه”.
وحمل في المنتهى والتحرير والتذكرة على الاستحباب لضعف الخبر عن إثبات الوجوب، ولانصراف النذر لغير العبور ولقاعدة نفي الحرج.
(3) أي أن قام الذي نذر الحج مشـياً بركوب الراحلة أو السيارة أو الطائرة أو نحوها، مع فرض تمكنه من المشي فإنه يقضي حجه لعدم صحة الامتثال ومخالفة المنذور وعدم الوفاء به ولقاعدة الاشتغال، اما ما ورد في صحيحة الحذاء من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن تركب اخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة ان تمشي الى بيت الله حافية، فهي قضية خاصة في واقعة، وربما لوجود المانع وتعذر الوفاء بالنذر وعجزها عن المشي ولولاية النبي العامة.

وان ركب بعضاً، قيل: يقضي، ويمشي مواضع ركوبه(1)،وقيل: بل يقضي ماشياً لإخلاله بالصفة المشترطة(2)،
وصحيحة الحذاء هي قال: “سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل نذر ان يمشي الى مكة حـافياً، فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج حاجاً فنظر الى امرأة تمشي بين الإبل، فقال: من هذه؟ فقالوا: اخت عقبة بن عامر نذرت ان تمشي الى مكة حافية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عقبة انطلق الى اختك فمرها فلتركب، فان الله غني عن مشيها وحفاها، قال: فركبت”( ).
( ) والقائل الشـيخ الطوسي والشيخ المفيد وجماعة. لتحقق صدق الامتثال بالتلفيق، أي بالمشي في حج القضاء في المسافة التي ركبها في حجه الأول، وبه يتحقق مشيه في جميع مسافة طريق الحج. ولقاعدة نفي الحرج في الدين، وللتبعيض الخارجي في النذر وعدم الوفاء بشطر منه.
(2) والقائل ابن ادريس، لأن فعله وقع مركباً من المشي والركوب، والمنذور وهو قطع المسافة مشياً، فلا يصدق عرفاً بالتلفيق، ولأن الأمر لا يتم وفق التحليل الدقي العقلي. وفي خبر ابراهيم بن عبد الحميد: “ان عباد بن عبد الله البصري سأل الكاظم عليه السلام عن رجل جعل لله نذراً على نفسه المشي الى بيته الحرام فمشي نصف الطريق أو أقل أو أكثر، قال عليه السلام: ينظـر ما كان ينـفـق من ذلك المـوضع فليتصدق به”، محمول على الاستحباب وفي صورة العجز.
وهو اشبه(1).
ولو عجز قيل: يركب ويسوق بَدَنَه(2)، وقيل: يركب ولا يسوق(3). وقيل: ان كان مطلقاً توقع المكنة من الصفة(4)، وان كان معيناً بوقت سقط فرضه بعجزه(5)،
( ) أي القضاء مشياً لمسافة الطريق بتمامها هو الأشبه بالقواعد والأصول.
(2) والقائل الشيخ وجماعة. وفي الخلاف دعوى الاجماع عليه، وتدل عليه صـحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “قلت له: رجل نذر ان يمشي الى بيت الله وعجز ان يمشي، قال عليه السلام: فليركب، وليسيق بدنة، فان ذلك يجزي اذا عرف الله تعالى منه الجهد”( ).
(3) نسب ذلك الى الشيخ المفيد، والشيخ في كتاب النذر من الخلاف، للعجز عن المنذور فلا حاجة للجبر ببدنة، ولصحيحة رفاعة بن موسى قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل نذر ان يمشي الى بيت الله قال: فليمش، قلت: فانه تعب، فقال: اذا تعب ركب”( ), ولقاعدة “كلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر”.
(4) والقــائل ابن ادريس، أي ان كان الحج مطـلقاً غير مقيد بسـنة معينة، فيبقى في حال عجزه ينتظر التمكن من صدق الامتثال بالحج ماشياً. ويســقط مع اليأس من التمكن من الحج ماشياً.
(5) لعدم التمكن من الامتثال، وعدم كون المنذور مقدوراً، ولقاعدة “ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر”.
والمروي الأول(1)، والسياق ندب(2).
ولأن التعيين بسنة معينة يسقط القضاء مع العجز في تلك السنة، لأن القضاء فرع الاداء فلا يبقى موضوع له.
(1) أي لو عجز يركب ويسوق بدنة، وهو مروي، ففي صحيحة ذريح المحاربي: “سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل حلف ليحجن ماشياً، فعجز عن ذلك فلم يطقه، قال عليه السـلام: فليركب، وليسيق الهدي”( )، بالاضافة الى صحيحة الحلبي المتقدم ذكرها.
(2) للأصل ولما ورد في خبر عنبسة الدال على عدم الوجوب صراحة، فعن عنبسة بن مصعب قال: “قلت لأبي عبد الله عليه الســلام: اشتكى ابن لي، فجعلت لله عليّ ان هو برئ ان اخرج الى مكة ماشــياً، وخرجت أمشـــي حتى أتيت الى العقبة، فلم اســتطع ان أخطـو فيه، فركبت تلك الليلة حتى اذا أصبحت مشيت حتى بلغت فهل عليّ شيء؟ قال عليه السلام: اذبح فهو أحب اليّ، قال أي شيء هو اليّ لازم أم ليس لي بلازم؟ قال عليه السـلام: من جعل لله على نفسه شيئاً فبلغ فيه مجهوده فلا شيء عليه وكان الله تعالى اعذر لعبده”.
واشكل عليه بان عنبسة واقفي وخبره ضعيف، ولكن الخبر موثق وهو حجة خاصة وان ابن ابي عمير جعله من الاصحاب، كما وروى عنه البزنطي اعتماداً عليه، بالاضافة الى موافقة الخبر للارفاق والامتياز، كما انه وردت نصوص بالإجزاء بالركوب من غير سياق كما في صحيحة رفاعة المتقدمة وصحيحة محمد بن مسلم.
القول في النيابة(1)
وشرائط النيابة ثلاثة: الاسلام(2)،
( ) أي الحج بنية النيابة عن الغير، ولا خلاف في أصل مشروعيتها بين علماء المسلمين، وكذا لا اشكال في صحتهاعن الميت في الحج الواجب والمندوب، وكذلك عن الحي في المندوب، وعليه الاجماع بالاضـافة الى النصوص منها صحيحة ابن عيسى قال: “بعث اليّ ابو الحسن الرضا عليه السلام رزم ثياب، وغلمان، وحجة لي، وحجة لأخي موسى بن عبيد، وحجة ليونس بن عبد الرحمن، وامرنا بالحج عنه، فكانت بينها مائة دينار اثلاثاً فيما بيننا”.
فروع:
1- لا يجوز استئجار من يتعذر عليه اداء بعض المناسك لقاعدة الاشـتغال واستصحاب التكليف الواقعي يمنع من انقلابه الى التكليف العذري.
2- الأجير ضامن للحج ولكنه أعم من فراغ ذمة الميت، والظاهر كفاية الاجارة في فراغها وان الله يعطيه ثواب الحج مع شــرائط الاخـتيار الا اذا ثبت عدم اتيان النائب الحــج صحيحاً. وقيل لا تفرغ ذمـة المنوب عنه الا باتيان النائب للحج صحيحاً لقاعدة الاشتغال.
3- النيابة أعم من الاجارة فتصح بالتبرع بل وبالجعالة لأن المدار على اتيان العمل صحيحاً ولعمومات أدلة التراضي.
(2) ولا تصح نيابة الكافر وعليه الاجماع، لبطلان عمله وافتقاره الى قصد القربة. وفي خبر عمار بن موسى “عن قضاء صلاة أو صوم قال ابو عبد الله عليه السلام: لا يقضيه الا مسلم عارف”.
وكمال العقل(1)، وان لا يكون عليه حج واجب(2).
فلا تصح: نيابة الكافر، لعجزه عن نية القربة. ولا نيابة المسلم عن الكافر(3)،
لذا اشــترط بعضهم العدالة في جواز الاستنابة لا في صحة عمله باعتبار انها طريق للوثوق بادائه وصحة عمله.

(1) لعدم صحة نيابة المجنون بالضرورة بين الفقهاء ولعدم تحقق القصد منه, وسواء كان جنون مطبقاً او ادوارياً ولكن الحج في زمن جنونه، نعم لا بأس بنيابة السفيه للاطلاق.
(2) في ذلك العام سواء كانت حجة الاسـلام او النذر المعين بتلك الســنة مع تمكنه منه, ولو حج في هذه الحالة أي مع تمكنه من أداء الحج الواجب لنفسه فالمشهور البطلان، ولكن الأقوى ان الحج صحيح وانما يؤثم لتفويت الواجب الفعلي ولتعلق الشرط بالاستنابة والاجارة.
(4) وعليه الاجماع، أي يشــترط في المنـــوب عنه الاســلام، فلا تصح نيابة المسلم عن الكافر في الحج لعدم انتفاع الكافر به ولانصراف أدلة القضــاء عن الكافر، ولعمومات قوله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ولتبعية النيابة لفعل المنوب عنه في الصحة والفساد، ولأن القضاء نوع اكرام ولا يستحقه الكافر. ولو مات الكافر مستطيعاً وكان الوارث مسلماً فلا يجب عليه النيابة او الاستئجار عنه.

ولا عن المسلم المخالف(1) الا ان يكون أبا النائب(2).
ولا نيابة المجنون، لانغمار عقله بالمرض المانع من القصد(3). وكذا الصبي غير المميز(4). وهل يصح نيابة المميز؟ قيل: لا، لاتصافه بما يوجب رفع القلم(5).
( ) خلافاً للمحكي عن الجامع والمعتبر والمنتهى والمختلف والدروس فحصروا عدم الجواز بالناصب لكفره، وجواز النيابة في غيره لاسلامهم وصحة عباداتهم وهو الأقوى، ولذا لا يعيدون الحج بعد الاستبصار( ).
(2) وبه قال الفاضلان وفي القواعد، وتدل عليه صحيحة وهب بن عبد ربه أو حسنته: “سئل الصادق عليه السلام أيحج الرجل عن الناصب؟ فقال عليه السلام: لا، قال فان كان أبي؟ قال: ان كان أباك فنعم”( ). وفي خبر اسحاق بن عمار عن الامام الكاظم عليه السلام في حديث قال: “وان كان ناصباً ينفعه ذلك أي حج النيابة؟ قال: نعم، يخفف عنه”. ولعل الاذن في الابن لاعتبار بر الوالدين مطلقاً، او لتعلق الحج بالمال وما على الولي من الاخراج عنه.
(3) لأن الحج عبادة لا تتقوم الا بالقصد، والمجنون يفتقر له.
(4) وهو المشهور، لفقد شرط البلوغ، ولعدم كمال العقل وان كان الاقوى ان عباداته شرعية ولفقد الوثوق وغياب الرادع له وعدم توجه التكليف له.
(5) وهو المشــهور والأحوط، أي لحديث الرفع فلا يتحقق الوثوق بفعله وادائه وعدم الرادع لعدم تكــليفه، ولأن عباداته تمرينية مع وقيل: نعم، لأنه قادر على الاستقلال بالحج ندباً(1). ولابد من نية النيابة، وتعين المنوب عنه بالقصد(2).
ان الأقوى انها شـرعية، ولاصــالة عدم فراغ ذمة المنوب عنه واشتمال شطر من الاخبار على لفظ الرجل.
(1) لشرعية عبادات الصـبي المميز، ولأن النائب يقصد أمر المنــوب عنه وأمر المنوب عنه شـــرعي، والتمرين حكمة ولا يمنع ترتب الاحكام عليه، وعدم تكليف الصبي اصالة وذاتاً لا يمنع من اهليته للنيابة عن غيره، وهو واجب بالعرض فيكون الموضوع مختلفاً والمرجع عند الشك اصالة الصحة. وان ذكر الرجل مثلاً في جملة من الاخبار انما ورد من باب المثال والفرد الغالب وليس الحصـر بدليل جواز نيابة المرأة وان عدم الوثوق أعم من المدعى.
(2) بلا خلاف فيه، لاخراج الفعل عن الأداء للنفس وهو الأصل، وللحاجة الى تشخيص المنوب عنه لتتحقق النيابة وبراءة الذمة والثواب. ويكفي ذكر الاســم او ملكيته للمال او نحو ذلك، ويستحب تسميته في جميع المواطن والمواقف لصحيحة محمد بن مسلم. وفي حسنة معاوية بن عمار قيل للصادق عليه الســلام: “أرأيت الذي يقضـي عن أبيه أو أمه أو أخيه أو غيرهم يتكلم بشيء؟ قال: نعم، يقول بعد ما يحرم: اللهم ما أصابني في سفري هذا من تعب أو بلاء أو شعث فآجر فلاناً فيه واجزني في قضائي عنه”( ).
فرع: تجوز النيابة عن الصبي المميز لاطلاق الأدلة، وتجب عن المجنون اذا استقر عليه حال افاقته ثم مات مجنوناً.
وتصح نيابة المملوك بإذن مولاه(1). ولا تصح نيابة من وجب عليه الحج واستقر(2)، الا مع العجز عن الحج ولو مشياً(3). وكذا لا يصح حجه تطوعاً(4). ولو تطــوع، قيل: يقع عن حجة الاسلام(5)، وهو تحكم(6). ولو حج عن غيره لم يجز عن أحدهما(7).
( ) أي تصح نيابة المملوك عن غيره اذا أذن مولاه لعدم اشتراط الحرية في النائب للأصل والاطلاق. ومفهوم المتن ان استنابة العبد بدون اذن مولاه لا تصح، ولو حج العبد من دون اذنه بطل لحرمة تصرفات العبد في منافعه بدون اذن مولاه.
(2) لاشتغال ذمة النائب بالحج بعد تقصيره ومعصيته في عدم الحج في عام الاستطاعة مما يمنع من اهليته للنيابة عن غيره.
(3) لتعذر اتيان الحج عن نفسه أصالة، فتصح نيابته، لسقوط الأمر بتكليفه.
(4) لاشتغال ذمته بالواجب.
(5) والقائل الشيخ الطوسي، لوقوعه قهراً على حجة الاسلام لاشتغال ذمته بها واقعاً، كما لو كان قد صام يوم الشك بنية شعبان فتبين انه من شهر رمضان فأنه يحتسب من شهر رمضان.
(6) لعدم الدليل عليه، ولانه خلاف القواعد، ولأن قياسه بيوم الشك قياس مع الفارق، ومفهوم ما في المتن ان حج التطوع هذا لا يجزي عن حجة الاسلام للاختلاف في النية التي هي شرط الفعل العبادي.
(7) لاشــتغال ذمته وبطلان النيابة، فلا تجزئ عن حجة الاسلام له لأنه لم ينوها، ولا تصح عن غيره لتوجه الأمر له بالحج الذي يمنع من ويجوز لمن حج، ان يعتمر عن غيره، اذا لم يجب عليه العمرة. وكذا لمن اعتمر، ان يحج عن غيره، اذا لم يجب عليه الحج(1).
وتصح نيابة من لم يستكمل الشرائط، وان كان حجه صَرورة(2).
النيابة وهذا كله مع اسـتقرار حجة الاسلام عليه، وقد تقدم خبر سعد بن أبي خلف، وفيها دلالة على الإجزاء عن الميت وان كان للصــرورة مال، ولإمكان التفكيك بين حكم النائب والمنوب عنه.
(1) لعدم التكليف بالنسك الذي يؤديه نيابة، وحتى من كان في حج واجب له ان يعتمر عن غيره للعمومات وللنص. وعن اسحاق بن عمار انه سأل الكاظم عليه السلام: “عن الرجل يحج فيجعل حجته او عمرته أو بعض طـوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ببلدة أخرى، فينقص ذلك من أجره، قال: لا، هي له ولصاحبه، وله أجر سوى ذلك بما وصل، قال: وهو ميت هل يدخل ذلك عليه؟ قال: نعم، حتى يكون مسخوطاً عليه فيغفر له، او يكون مضيقاً عليه فيوسع عليه، قال: فيعلم هو في مكانه ان عمل ذلك لحقه؟ قال: نعم، قال: وان كان ناصباً ينفعه ذلك؟ قال: نعم، يخفف عنه”.
(2) لعدم اشتغال ذمته بحج واجب. والصرورة الذي لم يحج بعد، ويطــلق على الرجل والمرأة، وقيل بكراهة نيابة الصرورة واستئجاره ولو كان رجلاً عن رجل كما في مكاتبة ابراهيم بن عقبة وهي ضعيفة السند ولا تثبت الحرمة.
فرع: لا يجوز ان ينوب واحــد عن اثنين أو أزيد في عام واحد وعليه الاجماع في الحج الواجب، اما في الحج المندوب فقيل بجواز ويجوز ان تحج المرأة: عن الرجل وعن المرأة(1).
ومن استؤجر فمات في الطريق، فإن أحرم ودخل الحرم، فقد أجزأت عمن حج عنه(2)،
حج واحد عن جماعة بعنوان النيابة، وان صاحب الجواهر ارسله ارسال المسلمات واستدل عليه بخبر محمد بن اسماعيل قال: “سألت ابا الحسن عليه السلام كم أشرك في حجتي؟ قال: كم شئت”( ) وظاهره اهداء الثواب.
(1) وهو المشهور، لاطلاق الأدلة وعدم الدليل على شرط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكــورة والأنوثة، وقيل هي الأولى، ويدل على ما في المتن جمـلة من النصوص، وفي خبر مصادف عن أبي عبد الله عليه السلام: “في المرأة تحج عن الرجل الصرورة؟ فقال عليه السلام: ان كانت قد حجت، وكانت مسلمة فقيهة، فرب امرأة أفقه من رجل”، ونوقش في سندها ودلالتها. وفي صحيحة معاوية قال:” قلت لأبي عبد الله عليه السلام الرجل يحج عن المرأة، والمرأة تحج عن الرجل، قال عليه السلام: لا بأس”( ).
(2) وعليه الاجماع، للتلبس في الدخول بالحرم، ولقاعدة “ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر”، وللنص. في موثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ” سألته عن الرجل يموت فيوصــي بحجة فيعطي رجل دراهم يحج بها عنه، فيموت قبل ان يحج، قال: ان مات في الطريق او بمكة قبل ان يقضي مناسكه، فأنه يجزي عن الأول”.
ولو مات قبل ذلك لم يجز(1)، وعليه ان يعيد من الإجرة ما قابل المتخلف من الطريق، ذاهباً وعائداً(2). ومن الفقهاء من اجتزأ بالإحرام(3)،
ولعل لفظ الطريق هنا مقيد بالتفصيل الوارد في مرسلة المفيد الواردة في الفقرة التالية.
(1) وعليه الاجماع ولقاعدة الاشتغال، وللأصل في عدم فراغ ذمة المنوب عنه الا باتيان المناسك. ولمرسلة المفيد في المقنعة: “من خرج حاجاً فمات في الطريق فأنه ان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، فإن مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج وليقض عنه وليه”. ولأن القضاء فرع الاداء وان كان من قبل الغير.
(2) للحاظ تلك المقدمات العقلية والتي تتطلب المال في الإجارة ومقدار المال، ولإصالة احترام عمل المسلم الذي جاء اجارة وليس تبرعاً. وقيل: لا يستحق شيئاً الا اذا كان المشي جزءاً من الاجارة ومطلوباً فيها فيستحق ما يقابله. وقيل بالاطلاق في عدم استحقاقه لأن فعله غير مجز ولانه لم يأت بالمناسك، والضمير في (عليه) لابد ان يعود لولي الميت.
ولكن ورد في مرسلة المفيد عن الصادق عليه السلام: “في رجل أعطى رجلاً ما يحجه فحدث بالرجل حدث. فقال: ان كان خرج فأصابه في بعض الطريق فقد أجزأت عن الأول، والا فلا” ولكنها ضعيفة بالارسال واعرض عنها الاصحاب في العمل.
(3) كالشيخ، أي اذا احرم النائب ومات قبل ان يدخـــل الحرم فانه مجز لكفاية الاحرام كمصداق للتلبس بالمناسك، ولعمومات كل ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر.
والأول أظهر(1). ويجب ان يأتي بما شُرط عليه من تمتع، أو قران، او إفـراد(2). وروي: اذا اُمر ان يحج مفرداً او قارناً فحج متمتعاً جاز، لعدوله الى الأفضل(3)،
(بل ادعى انه منصوص عليه بين الاصحاب لا يختلفون فيه)( ).
( ) وبه تتحقق الاجرة أي عند دخوله الحرم ثم زيارة الموت له، وهو الاظهر في الفتوى، لصدق عنوان الحج على الدخول في الحرم وللنص، ولأن الاحرام كالمقدمة الغيرية والمدخل التعبدي للمناسك.
(2) لعمومات وجوب الوفاء بالعقود. وقاعدة “المؤمنون عند شروطهم” فلا يجوز للمؤجر العدول عما عين له وان كان أفضل. ويدل على ما في المتن ما ورد عن الحسن بن محبوب مرسلاً عن علي عليه السلام: “في رجل اعطى رجلاً دراهم يحج بها عنه بها حجة مفردة، قال: ليس له ان يتمتع بالعمرة الى الحج، ولا يخالف صاحب الدراهم”( ).
(3) وقال به الشــيخ وجماعة كالعدول الى التمتع تعبداً من الشارع. والرواية هي خبر أبي بصير عن احدهما عليهما السلام: “في رجل اعطى رجلاً دراهم يحج بها مفردة، أيجوز له ان يتمتع بالعمرة الى الحج؟ قال عليه السلام: نعم، انما خالف الى الفضل”( ). وقيد بعضهم جواز العدول برضا المستأجر فيكون هذا الرضا دلالة على اســقاط حق الشـــرط ان كان بعنوان الشـرطية الخارجة عن الذات
وهذا يصح اذا كان الحج مندوباً، او قصد المستأجر الاتيان بالأفضل، لا مع تعلق الفرض بالقِران او الإفراد(1).
ولو شُرط الحج على طريق معين، لم يجز العدول ان تعلق بذلك غرض(2)، وقيل: يجوز مطلقاً(3).
ومن باب الرضا بغير الجنس ان كان بعنوان القيدية المقومة له.
( ) لقاعدة “ما على المحسنين من سبيل “، وانها زيادة في الكمال، وللفحوى وللسعة في الندب. وعن المعتبر والمنتهى الاقتصار على المندوب.
(2) وهو المشــهور، والاصل عدم اعتبار تعيين الطريق، لعدم تعلق الغرض بنوع الطريق فهو مقدمة عقلية، وقد يذكر الطريق على المتعارف لا لخصــوصية، فحينئذ يجوز العدول، لذا قيده المصنف قدس سـره بالغرض فيكون كالشرط الســائغ الذي يجب الوفاء به، كما لو أراد زيـادة الثواب بكثرة الخطى والمشاق، أو وفاء لنذر، او تعظيماً لشعائر الله، والا فيستحق تمام الاجرة وان عدل عنه، وكذا اذا اسقط الشرط بعد التعيين.
(3) والقائل الشيخ في المبسوط، أي يجوز العدول عن الطريق المعين وان تعلق غرض نوعي بالطريق لخصوص تقيد العقد وتقومه ذاتياً باداء المناسك وان ذكر على سبيل الجزئية في الاجارة.
وفي رواية حريز قال: “سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل أعطى رجلاً حجة يحج عنه من الكوفة، فحج من البصرة، قال: لا بأس اذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه”( ).

واذا استؤجر بحجة، لم يجز ان يؤجر نفسه لأخرى، حتى يأتي بالأولى(1). ويمكن ان يقال بالجواز ان كان لسنة غير الأولى(2).
(1) وبه قال الشيخ، لعدم امكان مباشرة الحج في تلك السنة الا نيابة عن شخص واحد، ولاعتبار تمكن الأجير من العمل بنفسه، وعدم قدرته على العمل بالنيابة لوجوب العمل بالنيابة الأولى في تلك السنة حيث لا يجوز استنابة شخص للحج في سنة عن أكثر من شخص. وظاهر المتن عدم الجواز مطلقاً، أي وان لم يحدد المباشرة في سنة معينة تعظيماً لشعائر الله وللمسارعة في الخيرات، لذا استدرك بقوله “ويمكن ان يقال”.
(2) لان التمكن من الحج أعم من المباشرة في ذات السنة، ولاطلاق الأدلة. وفي المدارك: يحتمل جواز الاستئجار للسنة الأولى اذا كانت الاجارة الأولى موسعة. لاطلاق أدلة الاجارة وللتوسعة وعدم التزاحم بين الاجارتين من جهة موعد الاداء، فتجوز وتصح الاجارة الثانية مع اختلاف سنة الاداء او التوسعة فيها، بل وان كانت مقيدة بسنة معينة ان كانت الاجارة الأولى موسعة.
فرع:
قيل (لو اقترنت الاجارتان من جهة الاداء والمباشــرة بطلتا معاً لامتناع صحتهما معاً، وبطلان الترجيح بلا مرجح)، ولكن المدار على الاداء ونيته فيه فتصـح عمن نوى النيابة عنه، كما يصح الحج تبرعاً وجعالة ونحوها، وقد يقع الاشكال في عقد الاجارة ويمكن تصحيحها بإجازة الآخر، وان كانت كل واحدة منهما مستقلة عن الاخرى.
ولو صُد قبل الإحرام ودخول الحرم، استعيد من الاجرة بنسبة المتخلف(1). ولو ضمن الحج في المستقبل لم يلزم اجابته(2)، وقيل: يلزم(3). واذا استؤجر فقصرت الأجرة لم يلزم الاتمام(4).
(1) لعدم الإجزاء وعدم تحقق ادائه لمناسك الحج ولان أحكام الصد والحصر مترتبة على طبيعة الحج للنفس كانت أو للغير، وتنفسخ الاجارة لتعذر العمل الكاشف عن فساد التمليك والتملك، نعم يستحق الأجير من الاجرة بمقدار عمله لاحترام عمل المسلم وتعويض ما صدر منه من العمل.
وقيل ان قاعدة احترام عمل المسلم لا تجري هنا لعدم رجوع الانفساخ الى المستأجر، والمقام نظير الانفساخ في الاعمال المرتبطـة وعدم اتمامها، ولعدم الفائدة الشرعية من العمل الذي جاء به، فلا يستحق اجرة المثل ايضاً. وما في المتن هو الأصح.
(2) أي لو ضمن الأجير الحج في سنة اخرى غير التي احصر فيها فليس للمسـتأجر اجابته للأصل وانفساخ الاجارة والحاجة الى عقد جديد.
(3) أي يلزم اجابته، ونسب الى ظاهر المقنعة والنهاية، ولعله لاستصحاب العقد الأول وعدم وقوعه على السنة الأولى فيكون كالشرط الضمني. وقيل بضعفه وحمله بعضهم على ارادة رضا المستأجر بالضمان والاستئجار ثانياً.
(4) أي لا يجب على المســتأجر اتمام الاجرة، للأصــل ولان مقدار الاجرة محدد بالعقد، ولان الجبر يقع على من عليه الخسارة، ولاصالة عدم وجوب الاتمام وانتفاء الغرر وقاعدة نفي الحرج في وكذا لو فضلت عن النفقة، لم يرجع المستأجر عليه بالفاضل(1). ولا يجوز النيابة في الطواف الواجـب للحاضر(2)، الا مع العذر، كالإغماء او البطن وما شابههما(3).
الدين. وعن النهاية والمبسوط والمنتهى استحباب الاتمام لانه من الإعانة في الصالحات.
( ) لصحة العقد وتفرع مقدار المال منه، ولان الاجارة لا ينحصر موضوعها بالمؤونة وما تستحقه كالزاد والراحلة، واصالة عدم الولاية على الاسترداد، وقيل باستحباب رد الأجير للزائد ولا دليل عليه، وعلل بأنه موجـب للاخلاص في العبادة، ولكن الرد يأتي بعد اتمام المناسك. ويدل على ما في المتن النص. ففي خبر محمد بن عبد الله القمي قال: “سألت ابا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل يعطى الحجة يحج بها، فوسع على نفسه فيفضل منها أيردها عليه؟ قال: لا، هو له”.
(2) أي لا يجوز الطـواف نيابة عن رجل حاضر في مكة اثناء الحج. للأصل ولان تشريع النيابة للغائب والميت والعذر المانع. وفي مرسلة ابن ابي نجران عن الصادق عليه السلام “سئل الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكة؟ قال: لا، ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب عن مكة”( ). وتدل على ما في المتن نصوص اخرى.
(3) أي العذر المانع من الطــواف ســواء كان يتعذر معه الطواف او الطــواف به، او ان المانع جاء لتأثير خارجي مخل كالاضرار بطهارة المكان كما في المبطون ونحوه.
ويجب ان ينوي ذلك بنفسه. ولو حمله حامل فطاف به، أمكن ان يحتسب لكل منهما طوافه عن نفسه(1). ولو تبرع انسان الحج عن غيره بعد موته، برئت ذمته(2).
وتدل على ذلك نصوص كثيرة منها صحيحة معاوية بن عمار: “الكسير يحمل ويطاف به، والمبطون يرمي، ويطاف عنه ويصلى عنه”.
(1) أي يجب ان يتولى الحاضر الجامع لشرائط التكليف بنفسه الطواف مع النية وان طـيف به لعذر فأنه يصــدق عليه الطواف بان يخط اللارض برجليه كي تمس قدماه الارض في الطواف بالحركة العرضية للمحمول.
وفي خبر الهيثم بن عروة التميمي انه قال للصادق عليه السلام: “اني حملت امراتي ثم طفت بها وكانت مريضة في البيت في طواف الفريضة وبالصفا والمروة واحتسبت بذلك لنفسي فهل تجزيني؟ فقال: نعم”( ).
(2) وعليه الاجماع، أي يلحق الميت ثواب الحج وتبرء ذمته ان كانت مشغولة بالحج، لعمومات أدلة القضاء، ولانه اجسان محض، ولارتباط عالم البرزخ بالدنيا، ولثبوت مشروعية النيابة مع تعذر الاذن، بالاضافة الى النصوص المستفيضة. منها خبر ابن عميرة قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام بلغني عنك انك قلت: لو ان رجلاً مات ولم يحج حجة الاسلام فحج عنه بعض اهله اجزأ ذلك عنه، فقال: نعم، اشهد بها على أبي انه حدثني ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول وكل ما يلزم النائب من كفارة ففي ماله(1). ولوأفسده، حج من قابل. وهل يُعاد بالإجرة عليه؟(2) يبنى على القولين(3).
الله ان أبي مات ولم يحج، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حج عنه فان ذلك يجزي عنه”.
وقول المصنف (ولو تبرع) أي أدى مناسك الحج اذ لا يكفي التلفظ بالتبرع من دون أداء في إبراء ذمة الميت.
(1) وعن الغنية الاجماع عليه، ولان الكفارة عقوبة على المباشر الأجير لفعل صدر منه وهو خارج عن موضـــوع الاجارة، ولا صلة للمستأجر به، كما لو اتلف مالاً او مطلق الجناية في الاحرام والهدي في التمتع.
(2) في الجواهر قال: بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، كما لوأفســد الأجير حجه بالجماع قبل المشعر، فأن عليه اتمامه كما لو حج عن نفسه والحج في السنة التالية وكفارة بدن كما تقدم.
وظاهر المتن أو ان اعادة الحج تكون بذات الأجرة ولا يستحق اجرة جديدة وان كانت اعادة الحج غير موضوع الكفارة وأعم منها.
(3) القول الأول ان الواجب المستأجر عنه هو الأول وان الحج الثاني عقوبة، والقول الثاني ان الثاني هو الفرض او ان ترك الأول عقوبة لانه جاء غير تام وان الاجارة انفسـخت في الأول ولم يستحق الاجرة، وكان الاتيان بالحج في قابل واجباً.
ويرد القولان فيمن حج عن نفسه حجة الاسلام وأفسدها، ولا فرق بينه وبين الأجير، فالذي قال بإجزاء الأولى عن حجة الاسلام فأن ذمة المنــــوب عنه تبرء مع كمالها، وعلى الأجير القضـاء عقوبة

لأن العقوبة تقع على المباشر.
وعلى القول الثاني وهو عدم إجزاء الأولى عن المنوب عنه وانه عقوبة أو ان بطلانه عقوبة بدليل نعته بالفساد وان فسره من ذهب الى القول الأول بالنقصان وعدم الكمال الذي لا يمنع من الإجزاء، وعلى الأجير ان يأتي بالحج في قابل بلا اجرة.
وقول المصــنف يبنى على القولين ليس بتوقف ولعله يقصـد ان الأجير لا يستحق اجرة على الثاني أي الحج في قابل لانه اما عقوبة – كما على القول الأول – ويتحملها الأجير لأنه المباشر، واجب تعبدي عليه، او على القول الثاني فأن الحج من قابل قضاء لذات موضوع الاجارة الذي هو ضامن له.
وفي المعتبر قال: ويمكن ان يقال الحجة الثانية مجزية عن المستأجر لأنها قضاء عن الحجة الفاسدة كما يجزئ عن الجاج نفسه. وعن الشيخ في المبسوط قال: ان أفسد النائب الحج، فأما ان يكون السنة معينة أو مطلقة، فأن كانت معينة انفسخت الاجارة، وعليه استئجار من ينوب عنه، وان كانت مطلقة وجب عليه ان ياتي بحجة النيابة بعد إكمال الحجة الفاســدة وقضاءها، وبه قال ابن ادريس، ولكنه في غير ما نحن بصدده اذ ان المصنف أورد المسألة على نحو الاطلاق.
وعن اسحاق بن عمار عن احدهما عليهما السلام قال: “قلت: فإن ابتلى بشيء يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل، أيجــزي عن الأول؟ قال: نعم، قلت: فأن الأجير ضامن للحج؟ قال: نعم”. وقيل الاحوط ان يأتي بالثاني بقصد ما في الذمة.
واذا اطلق الاجارة، اقتضى التعجيل ما لم يشترط الأجل(1)، ولا يصح ان ينوب عن اثنين في عام(2). ولو استأجراه لعام صح الأسبق(3).
( ) كما عن المبسوط والسرائر وغيرهما. لتسلط المستأجر على المطالبة الفورية، وان اطلاق العقد ينزل على الحلول، وللمبادرة والمسارعة في الخيرات. وقيل انه لا دليل على اقتضاء التعجيل في المقام خاصة وانه لم تثبت المبادرة في اطلاق الأمر.
(2) أي لا يصــح ان ينوب نائب واحـد عن اثنين في الحج الواجب في نفس العام، وكذا أكثر من اثنين وعليه الاجماع، لامتناع تحقق ثواب النيابة في الواجب عن أكثر من واحد. ويدل على ذلك صحيحة ابن بزيع قال: “أمرت رجلاً ان يسـأل أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يأخذ من رجل حجة فلا تكفيه، أله ان يأخذ من رجل آخر حجة اخرى ويتسع بها ويجزي عنهما جميعاً ان لم يكفه احداهما، فذكر انه قال: أحب اليّ ان تكون خالصة لواحد، فإن كانت لا تكفيه فلا يأخذ”. ويجوز اذا كان من باب الشركة ، كما لو نذرا معاً تحصيل حجة واحدة تكون وفاءً لنذرهما.
ولا يعتبر كلام المصنف أعلاه تكراراً لما تقدم منه (واذا استؤجر بحجة لم يجز ان يؤجر نفسه لأخرى حتى يأتي بالأولى)، فما في المتن اعلاه يتعلق بالنية والأداء، بينما يتعلق ما تقدم بعقد الأجارة.
(3) لوقوع العقد للأول واشــتغال ذمة الأجير به وعدم القدرة على العمل بالثانية مع اشتراط المباشرة، وقيل بل حتى مع عدم شرط المباشرة تقع الثانية غير صحيحة لأن من شرائط الاجارة قدرة الأجير على القيام بالعمل فلا يجوز مثلاً استئجار الأعمى ولو اقترن العقدان، وزمان الايقاع، بطلا(1). واذا احصـر تحلل بالهدي، ولا قضاء عليه(2).
ومن وجب عليه حجان مختلفان كحجة الاسلام والنذر، فمنعه عارض، جاز ان يستأجر أجيرين لهما في عام واحد(3).
ويستحب: ان يذكر النائب من ينوب عنه بإسمه، في المواطن كلها. وعند كل فعل من أفعال الحج والعمرة(4).
الذي لم يحفظ القرآن لقراءة القرآن، والأرجح الصحة لأن التمكن أعم من المباشرة.
(1) لانحصار تمكنه بحجة واحدة، ولعدم وجود المرجح لأحدهما فيبطلا معاً. أما لو اختلف أوان العقدين فالأقوى بطلان المتأخر.
(2) أي اذا أحصر النائب، لقاعدة نفي الحرج، ولانفسـاخ الاجارة حينئذ وسيأتي الكلام في موضوع الحصر.
(3) وعليه الاجماع كما عن الخلاف، ســواءً كان الاستئجار قضاء عن ميت في حجة الاسـلام، أو عن حي ولكنه عجز عن الحج ولو مشياً، او عن حي في نذرين أي متحدين في النوع، للأصل والاجماع، واختلاف الماهية بين الحجين ولعدم تداخلهما ولتعدد الوجوب بتعدد اسبابه وللتباين بينهما وعدم الترتيب وعدم كفاية الفعل ذي الطبيعة الواحدة. وكذا يجوز اذا كان احدهما واجباً والآخر مستحباً، وقيل بجواز استئجار أجيرين لحج واجب واحد كحجة الاسلام احتياطاً ولاحتمال بطلان حج احدهما.
(4) قد تقدم قول المصنف (قدس سره) ولابد من نية النيابة، وتعين المنوب عنه بالقصد. أي يحتاج النائب الى الابتداء بنية النيابة، ولكن من المستحب ذكر اسم المناب عنه في مناسك الحج ابتداءً وان يعيد ما يفضل معه من الأجرة بعد حجه(1). وان يعيد المخالف حجه اذا استبصر، وان كانت مجزية(2).
من الاحرام، وعليه الاتفاق للنصوص الواردة في المقام منها صحيحة محمد بن مسلم “انه سأل أبا جعفر عليه السـلام: ما يجب على الذي يحح عن الرجل؟ قال: يسميه في المواطن والمواقف”. وصحيحة البزنطي: “ان رجلاً سأل الكاظم عليه السلام عن الرجل يحج عن الرجل يسميه بإسمه؟ فقال: ان الله تعالى لا تخفى عليه خافية”. ومقتضى الجمع استحباب الذكر في المواطن كلها. وعن الصادق عليه السلام: “في الرجل يحج عن الانسان يذكره في جميع المواطن كلها؟ فقال: ان شاء فعل، وان شاء لم يفعل، والله يعلم انه قد حج عنه، ولكن يذكره عند الأضحية اذا ذبحها”( ).
( ) قد تقدم قول المصنف انه لو فضلت عن النفقة لم يرجع المستأجر عليه بالفاضل. وذكر هنا الإعادة استحباباً، ولا دليل عليه بالخصوص الا انه مما يوجب الاخلاص في العبادة ولكن ذلك أمر اعتباري لا يصلح للاستدلال والفتوى خاصة اذا كان بعد اتمام العمل العبادي، ثم ان الاخلاص في العبادة له مراتب متعددة بل ووجوه مختلفة، وقد يقتر الانسان على نفسه في طريق الحج للانتفاع بالفاضل في عباداته ومؤونة عياله عند رجوعه.
(2) وقد تقدم الكلام في الإجزاء وعدم وجوب الاعادة بشرط كون حجه صحيحاً على مذهبه، وللنصوص كصحيحة العجلي وفيه “واما الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء”، وكذا صحيحة الفضلاء.
ويكره: ان تنوب المرأة اذا كانت صرورة(1).
مسائل ثمان:
الأولى: اذا أوصى ان يُحج عنه ولم يعين الاجرة، انصرف ذلك الى اجرة المثل(2). وتخرج من الأصـل اذا كانت واجبة(3)،
(1) المشهور جواز استنابتها، ولكن وردت نصوص خلاف ذلك حملت على الكراهة مثل خبر زيد الشحام “يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة”( ). وعن سليمان بن جعفر قال: “سألت الرضا عليه السلام عن المرأة الصرورة حجت عن امرأة صرورة فقال عليه السلام: لا ينبغي”( ).
ونسب القول الى الشيخ بعدم جواز استنابة المرأة الصرورة مطلقاً, وقيل انه ضعيف.
(2) للانصـراف اليها، نعم اذا وجد من يرضى بأقل من اجرة المثل فيجب استئجاره الا اذا كانت مرجحات شرعية ةتتعلق بأداء المناســك، مع اعتبار ما في الاجرة الأقل من توفير للورثة وتدبير أو سعة في وجوه البر الأخرى المذكورة في الوصية.
(3) لانه واجـب مالي، وكل واجب مالي يخرج من الأصـل، ولانه افراغ لذمة الميت. ولما ورد في الاخبار ان الحج بمنزلة الدين أي انه يخرج من الأصل سواءً أوصى به أو لم يوص.

ومن الثلث اذا كانت ندباً(1). ويستحقها الأجير بالعقــد(2). فأن خالف ما شُرط، قيل: كان له اجـرة المثل(3)، والوجه انه لا اجرة(4).
(1) وعليه الاجماع، باعتبارها فرداً من افراد الوصايا، ولأن المال ينتقل بالموت الى الوارث باستثناء ما يوصي به الميت. ويدل على ذلك النص. ففي خبر معاوية بن عـمار: “في رجل مات واوصى ان يحج عنه فقال عليه السلام: ان كان صرورة يحج عنه من وسط المال، وان كان غير صرورة فمن الثلث”.
(2) أي تصبح ملكاً له لاطلاق ســـببية العقود المحللة للملكية ومنها عقد الاجارة. وفي الدروس: اذا توقف حج الأجير على دفع الاجرة ولم يدفعها المستأجر فالأقرب ان له الفسخ. والمعروف في باب عقد الاجارة انه قبل اتمام العمل ليس للاجير المطالبة بالاجرة الا اذا كان قد اشترط تقديم الاجرة، او انه كان متعارفاً، اذ انه لا يجب تسليم الاجرة الا بعد العمل، لابتناء المعاوضات على ذلك سواء كان العوض عيناً أو ديناً، ولو كانت عيناً كان النماء للاجير.
(3) والقائل الشيخ في محكي المبسوط، أي انه يستحق الاجرة لما أتى به من الاعمال، لقاعدة احترام عمل المسلم، ولانبساط الاجرة على اجزاء العمل وانه يستحق اجرة المثل.
(4) لأن قاعدة احترام عمل المســلم لا تجري هنا، فهو كالمتبرع ولا بأس بالقول بالتفصيل في المقام. فاذا كان المستأجر لا ينتفع من عمل الاجير بمخالفته الشرط فلا موضوعية لقاعدة احترام عمل المسلم لانه أقدم على الضرر او التلف او الغرر.

الثانية: من أوصى ان يُحــج عنه ولم يعين المرات، فإن لم يُعلم منه ارادة التكرار، اقتصر على المرة(1). وإن عُلم ارادة التكرار، حُج عنه حتى يستوفي الثلث من تركته(2).
الثالثة: اذا أوصى الميت ان يُحج عنه كل سنة بقدر معين فقصــر، جمع نصيب ســنتين واســتؤجر به لسنة. وكذا لو قصر ذلك اضيف اليه من نصيب الثالثة(3).
فرع: اطلاق الاجارة يقتضي مباشرة الاجير نفسه الا مع الاذن الصريح او العلم والرضا من المستأجر أو على المتعارف وهو ما تدل عليه رواية ابن عيسى قال: “قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: ما تقول في الرجل يعطي الحجة فيدفعها الى غيره؟ قال عليه السلام: لا بأس”.
( ) أي يكفيه حجة واحدة لعدم التعيين، وحصول صرف الطبيعة، ولاصـالة البراءة فأن الزائد والتكرار يحتاج الى دليل، بل ربما يفهم من اللفظ ارادة المرة كما يضرب مثلاً في الاصول بأمر السيد لعبده.
(2) في الجواهر قال: “بلا خلاف ولا اشكال”، لعدم تسلط الوارث علىالثلث، وللتصريح في الوصية. وقيل كذلك لو أوصى باخراج الثلث ولم يذكر الا الحج، وفيه تأمل. وقيل: لو أوصى ان يحج عنه مكرراً كفى مرتين، لصدق التكرار معهما.
وفي خبر ابن خالد قال: “سألت ابا جعفر عليه السلام عن رجل أوصى ان يحج عنه مبهماً. فقال: حج عنه ما بقي من ثلثه شيء”.
(3) كأن خصص ثلثه في بســتان أو بناء من سكن او سوق، واتفق عدم كفاية الايجاراو الريع السنوي للحج في كل سنة، فيجمع الرابعة: لو كان عند انسان وديعة، ومات صاحبها وعليه حجة الاسلام، وعلم ان الورثة لا يؤدون ذلك، جاز ان يقتطع قدر اجرة الحج فيستأجر به، لأنه خارج عن ملك الورثة(1).
ايجار سنتين في حجة واحدة، او ايجار وريع ثلاث سنين في حجة واحدة او حجتين، لأن الظاهر من الوصية هو تحقق الحج بالمقدار المناسب وان تحديد السنة ثم بتصور كفايته. وفي المدارك قال: هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب.
وفي خبر ابراهيم بن مهزيار قال: “كتب اليه عليه السلام اعلمك يا مولاي ان مولاك علي بن مهزيار أوصى ان يحج عنه من ضيعة صير ربعها لك في كل سنة حجة بعشرين ديناراً، وانه انقطع طريق البصرة فتضاعفت المؤن على الناس فليس يكتفون بعشرين ديناراً، وكذلك أوصى عدة من مواليك في حجهم. فكتب عليه الســلام: تجعل ثلاث حجج في حجتين ان شاء الله”.
( ) لأنه من الاحسان والإعانة على البر والتقوى، ولعدم سلطنة الوارث على مقدار الأجرة لبقائها على ملك الميت ولأنه من الديون التي تخرج من الأصل، لذا قال بعض الفقهاء بالوجـوب بدل الجواز. وفي صحيحة بريد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “سألته عن رجل استودعني مالاً فهـلك، وليس لوارثه شــيء ولم يحج حجة الاسلام. قال عليه السلام: حج عنه وما فضل فأعطهم”.
وموردها بيان الحكم الشرعي فلا حاجة للاذن من الحاكم الشرعي، وهي وان كانت مطلقة قيدوها بما اذا علم أو ظن بعدم الخامسة: اذا عقد الاحـرام عن المستأجر عنه، ثم نقــل النية الى نفسه لم يصح(1). فاذا اكمل الحجة وقعت عن المستأجر عنه، ويستحق الاجرة(2). ويظهر لي انها لا تجزي عن احدهما(3).
السادسة: اذا أوصى ان يُحج عنه وعين المبلغ، فان كان بقدر ثلث التركة أو أقل صح، واجباً كان أو مندوباً(4).
تأدية الورثة للحج لو دفع المال اليهم. وقيل انه سياق عرفي وان هذا القيد يستقرأ من السؤال. لمبادرة المؤمنين الى الوفاء بدين الميت الى ورثته ولا يتحملون مسؤولية الاستنابة وتأخير الدين والتصـرف بأموال الغير ونحوه.
( ) لعدم صحة النقل بعد نيته في الاحرام لغيره، وباقي الاعمال تؤدى عن نفسه فلا يلحقه ثوابها.
(2) تكون قهراً للمناب عنه لملكيته للمنفعة واســـتحقاقه لها، وكأن النية فرع الاجارة ولعمومات “المؤمنون عند شروطهم” ولصحة العقد، ويدل على ذلك خبر أبي حمزة عن الصادق عليه السلام: “في رجل اعطى رجلاً مالاً ليحج عنه فحج عن نفسه قال: هي في صاحب المال”.
(3) للتباين بين النية والفعل ، وتابع المصنف جمع من متأخري المتأخرين، فلا يجزي عن النائب لأن الاحرام لغيره، ولا عن المنوب عنه وكذا النية لغيره، والعمل العبادي لا يتقوم الا بالنية.
(4) لأنه تم بالمال المخصص له وكانت الوصية فيه، ولعدم سلطنة الورثة على الثلث, فمع وجود المقتضي وفقد المانع يحكم بالصحة وتشمله أدلة انفاذ الوصية وعموماتها.
وان كان أزيد وكان واجباً ولم يجز الورثة، كانت اجرة المثل من أصل المال والزائد من الثلث(1). وان كان ندباً حُج عنه من بلده، ان احتمل الثلث(2).
وان قصر حُج عنه من بعض الطريق. وان قصر عن الحج حتى لا يرغــب فيه أجير، صُرف في وجوه البر(3)،
( ) أي المال الذي عينه الموصي أكثر من ثلث التركة وان الورثة لم يجيزوا دفع الزائد عن الثلث. لوجود المقتضي وفقد المانع فتنفذ الوصية ولأن الحج الواجب من الديون المالية فتخرج اجرة المثل من أصل المال، سواء أوصى بذلك أو لم يوص، حجة الاسلام كانت أم حج نذري أم افسادي.
(2) لتحقق أدلة نفاذ الوصية، وعليه الاجماع والنص. ففي خبر معاوية بن عمار: “رجل مات وأوصـى ان يحج عنه، فقال عليه السلام: ان كان صرورة يحج عنه من وسط المال، وان كان غير صرورة فمن الثلث”. والمقصود بوسط المال أي اصله ومجموعه قبل القسمة.
(3) وهو المشهور، لقاعـدة الميســور، وقيل ان قاعدة الميسور تنحصر في المجعولات الشـرعية، لا مجعولات الناس، ولكن لأنه عين الحج من باب تعدد المطلوب والأفضل فلما تعذر يتجه للأقرب فالأقرب. عن ابن الريان قال: “كتبت الى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن انسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي الا باباً واحداً، كيف يصنع بالباقي؟ فوقع عليه السلام: الابواب الباقية اجعلها في وجوه البر”.
ويكفي في الحج الميقاتي لاصالة عدم وجوب الزائد عليه، ولأن الوصية بالثلث تخرجه عن حق الورثة في التركة، ولحق الموصي في الثلث وارادته عملاً ينفعه.
وقيل: يعود ميراثاً(1).
السابعة: اذا أوصى في حج واجب وغيره، قُدم الواجب(2). فان كان الكل واجباً وقصرت التركة، قسمت على الجميع بالحصص(3).
وفي الكـافي عن علي بن فرقد في حديث عن الصادق عليه السـلام قال: “قلت: مات رجل فأوصى بتركته ان أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم تكف للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها، فقال عليه السلام: ما صنعت؟ قلت: تصدقت بها، فقال عليه السلام: ضمنت الا ان لا تكون تبلغ ان يحج بها من مكة فأنت ضامن”.
( ) لقصوره ابتداءً وعدم اجزائه في انفاذ الوصية فيكون في إرث الميت. وقيل بالتفصيل أي اذا كان من الأول لا يرغب فيه أحد فيعود ميراثاً. اما اذا كان الراغب موجوداً ثم طــرء التعذر فالأولى صرفه في وجوه البر.
(2) لأولوية الحج الواجب ووجوب اخراجه من الأصل، بينما غير الواجب لا يكون واجــباً الا بالوصية والعرض واستيعاب الثلث له ومتعلق وجوبه الوارث والا فأنه باق على أصل الاستحباب. والضمير في (غيره) يعود للواجب أو للحج الواجب والأقرب الأول، أي غيره من من المستحبات وان لم يكن حجاً مستحباً، كما لو أوصى بالحج الواجب عنه وبالعقيقة وهي مسـتحبة فيقدم الحج الواجب فالحج الواجب يجب وان لم يوص به.
(3) للتساوي بينها في صفة الوجوب، كما لو وصى بالزكاة والخمس والحج والدين لأن تقديم احدها ترجيح من غير مرجح.
الثامنة: من عليه حجة الاسلام ونذر اخرى، ثم مات بعد الاستقرار، اخرجت حجة الاسلام من الأصـل، والمنذورة من الثلث(1).
ولو ضاق المال الا عن حجة الاســلام، اقتصر عليها ويستحب ان يُحج عنه النذر(2).
ومنهم من سوى بين المنذورة وحجة الاسـلام في الاخــراج من الأصل، والقسمة مع قصور التركة وهو أشبه(3).
( ) وبه قال أبو علي والشيخ ويحيى بن سعيد، لوجوب حجة الاسلام فتخرج من أصل التركة، وان جرى عليها صدق عنوان الوصية، أما المنذورة فانها كالمتبرع بها، وليس له التصـــرف في ماله الا بالثلث والباقي حق الورثة الا ان يجيزوا. وتدل عليه صحيحة ضريس بن أعين، بالاضافة الى صحيحة ابن أبي يعفور.
(2) لترجيح حجة الاسلام وان النذر واجب بالعرض يسقط مع عدم التمكن والعجز، كما أن المنذور واجب بدني يسقط بالموت. وبه قال ابن ادريس.
(3) أي أشبه بأصول المذهب وقواعده باعتبار ان كلاً منهما دين ولأصالة وجوب تحقيق الوفـاء بالنذر مع الامكان، ولأنهما في عرض واحد من جهة الوجوب، ولكن المرجح لحجة الاسلام موجود فلا تصل النوبة الى المساواة او القسمة عند قصور التركة.
كما انه لا تعارض بين اخراج حجة الاسلام من الاصل وحق الورثة بخلاف حجة النذر.

وفي الرواية: ان نذر ان يحج رجلاً ومات وعليه حجة الاسلام، اخرجت حجة الاسلام من الأصل، وما نذره من الثلث(1). والوجه التسوية لأنهما دين(2).
( ) وهي صحيحة ضريس بن أعين: “سألت ابا جعفر عليه السلام عن رجل عليه حجة الاسلام ونذر شكر ليحجن رجلاً فمات الرجل الذي نذر قبل ان حج حجة الاســـلام، او قبل ان يفي لله بنذره، فقال: ان كان ترك مالاً حج عنه حجة الاسلام من جميع ماله، ويخرج من ثلثه ما يحج به عنه للنذر، وان لم يكن ترك مالاً الا بقدر حجة الاســلام حج عنه حجة الاسلام، انما ترك وحج عنه وليه فانما هو مثل دين عليه”.
(2) لقاعدة نفي الحــرج في الدين ولعدم الفــرق بين اقسام الحج فكلها من الواجب المالي، وكل واجب مالي يخرج من الأصل، ولكنه اجتهاد في مقابل النص، ثم ان النذر يسقط مع عدم القدرة، والمــوت عجز قهــري تام، ولتعلق حق الورثة بالمال فلا يخرج منه الا ما ثبت بالدليل.

المقدمة الثالثة: في أقسام الحج
وهي ثلاثة(1): تمتع(2)، وقِران(3)، وإفراد(4).
( ) باجماع المسلمين وللنصوص المتواترة، ووقع في الخلاف في حج التمتع وهل ظل على تشريع أيام الرسالة أم انه ابطل فيما بعد، واجماع الإمـامية على عدم بطــلانه. ومن النصوص صــحيحة معاوية بن عمار: “الحج ثلاثة أصناف حج مفرد، وقِران، وتمتع بالعمرة الى الحج، وبها أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والفضـل فيها ولا نأمر الناس الا بها”. وفي خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: “الحاج على ثلاثة وجوه: رجل أفرد الحج وساق الهدي، ورجل أفرد الحج ولم يسق الهدي، ورجل تمتع بالعمرة الى الحج”.
(2) أصل التمتع: التلذذ، سمي بذلك لما يتخلل بين عمرته وحجته من التحلل الموجب لجواز التلذذ، أي قبل الاحرام لحجه.
(3) وسمي القِران لأن الحاج يقرن بين احرامه وســوقه لهديه. أي يجمع بين الحج والعمرة في الاحرام.
والإسم القِران – بالكسر.
(4) لانفراد الحج عن العمرة وعدم اعتبارها فيه، وقد وردت النصوص بأن آدم عليه السلام أول من حج البيت، وان ابراهيم واسماعيل عليهما السلام قاما ببناء البيت أي اعادة انشائه، والهدي لا يجب في حج الافراد.

أما التمتع(1):
(1) وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “ان رسول الله صلى الله عليه وآله وســلم حين حج حجة الاسـلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى اتى الشجرة، فصلى بها ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها، وأهل بالحج وساق مائة بدنة، واحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عـمرة ولا يدرون ما المتعة حتى اذا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة طاف بالبيت وطاف الناس معه، ثم صلى ركعتين عند المقام واستلم الحجر، ثم قال ابدأ بما بدء الله عز وجل به، فأتى الصفا فبدأ بها، ثم طاف بين الصفا والمروة سبعاً فلما قضى طوافه عند المروة قام خطيباً، فأمرهم ان يحلوا ويجعلوها عمرة وهو شيء أمر الله عز وجل به فأحل الناس، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كنت استقبلت من عمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم، ولم يكن يستطيع أن يحل من أجل الهدي الذي معه إن الله عز وجل يقول: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وقال: سراقة بن مالك بن جعشـم الكناني: يا رسول الله علمنا كأنا خلقنا اليوم أرأيت هذا الذي أمـرتنا به لعامنا هذا أو لكل عام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابد للأبد، وإن رجلاً قام فقال: يا رسول الله نخرج حجاجاً ورؤوسنا تقطر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنك لن تؤمن بهذا أبداً”.
والتمتع فرض من كان بعيداً عن مكة، أما حج القران والأفراد فهما فرض من كان حاضراً أي لا يبتعد عن مكة بثمانية وأربعين فصــورته: أن يُحرم(1) من الميقات بالعمرة المتمتع بها، ثم يدخل بها مكة. فيطوف سبعاً بالبيت، ويصلي ركعتيه بالمقام. ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعاً(2). ويقصر(3).
ثم ينشئ إحراماً آخر للحج من مكة يوم التروية على الأفضل، والا يقدر ما يعلم أنه يدرك الوقوف(4). ثم يأتي عرفات فيقف بها إلى الغـــروب(5). ثم يفيض إلى المشعر فيقف به بعد طلوع الفجر(6).
ميلاً أو أكثر من أي جانب، على المشهور. وقيل اثني عشــر ميلاً حملاً للثمانية وأربعين ميلاً على الجهات الأربعة.
(1) أي يحرم في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه.
(2) وقيل أنه يطوف للنســاء احتياطاً، والأصح عدم وجوبه كما
في المتن. ففي صحيحة صفوان بن يحيى قال: سأله أبو حارث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج، فطاف وسعى، وقصر هل عليه طواف النساء؟ قال عليه السلام: لا، انما طواف النساء بعد الرجوع من منى”. والقائل بالاحتياط بطواف النساء استند الى خبر المروزي عن الفقيه عليه السلام وهو ضعيف سنداً، كما نعت بأنه شاذ وليس من عامل به.
(3) أي يقصر شعره، ويمتاز حج التمتع على القران والأفراد بأن تقدم عمرته على حجه ناوياً بها التمتع.
(4) أي أن يدرك الوقوف بعرفة، والأفضل إيقاع الإحرام يوم التروية.
(5) أي يقف بعرفات من زوال يوم عرفة إلى غروبه. هذا مع الاختيار.
(6) أي يفيض ويمضي إلى المشـعر الحرام يقف فيبيت فيه، ويقف به بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى طلوع الشمس.
ثم يفيض إلى مِنَى، فيحلق بها يوم النحر، ويذبح هديه، ويرمي جمرة العقبة(1). ثم إن شاء أتى مكة ليومه أو لغده، فطاف طواف الحج وصلى ركعتيه، وسعى سعيه، وطاف طواف النساء، وصلى ركعتيه، ثم عاد إلى مِنَى ليرمي ما تخلف عليه من الجمار(2). وإن شــاء أقــام بمنى حتى يرمــي جماره الثـــلاث يوم الحادي عشــر، ومثله يوم الثاني عشر، ثم ينفر بعد الزوال(3).
(1) مع مراعاة الترتيب، أي أنه يرمـي جمـرة العقبة وهي تلي مكة ولا ترمى يوم النحر إلا هي، ثم ينحر أو يذبح هديه ويأكل منه، ثم يحلق رأسه أو يقصر فعندها يحل من كل شيء إلا النساء والطيب، والأحوط اجتناب الصيد وإن لم يكن محرماً من جهة الإحرام ولكن الحرمة من جهة الحرم كما سيأتي.
(2) أي إن الحاج حج التمتع مخير بعد ذلك بأن لا يأتي الى مكة، أو يأتي اليها في يومه، فيطوف طواف الحج، ويصلي ركعتيه ويسعى سعيه، فيحل له الطيب، ثم يطوف طواف النساء ويصلي ركعتيه فتحل له النساء، ثم يعود لمنى لرمي الجمار فيبيت بها ليالي التشريق وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر ويرمي في أيامها الجمار الثلاث.
(3) أي إن شـاء |أن يقيم بمنى فلا يأتي إلى مكــة في يوم النحر حتى يرمي جمار الثلاث يوم الحادي عشر ومثله يوم الثاني عشر ثم ينفر بعد الزوال من نفس اليوم.

وإن أقام إلى النفر الثاني، جاز أيضاً(1). وعاد إلى مكة للطوافين والسعي(2).
وهذا القسم فرض من كان بين منزله وبين مكة اثنا عشـــر ميلاً فما زاد من كل جانب(3) وقيل: ثمانية وأربعون ميلاً(4)،
(1) وهو اليوم الثالث عشر ولو قبل الزوال ولكن لا ينفر الا بعد الرمي.
(2) أي ليطوف طواف الحج، وطواف النساء.
(3) كما عن الشيخ في المبسوط والتبيان وكذلك في مجمع البيان للطبرسي وفي الكافي والسرائر وغيرها، وحج التمتع فرض من كان بعيداً عن مكـة وعليه الإجماع لقوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضـري المسجد الحرام ، وفي صحيحة حريز في تفسير الآية الكريمة أعلاه: “من كان منزله على ثمانية عشر ميلاً بين يديها، وثمانية عشر ميلاً من خلفها وثمانية عشر ميلاً عن يمينها وثمانية عشر ميلاً عن يسارها فلا متعة له مثل مرّ وأشباهه”( ).
وأسقطها عن الاعتبار عدم وجود العامل بها. ومثلها صحيحة حماد بن عثمان وصحيحة الحلبي وفيهما “إن الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكة”، وقيل ليس من دليل على ما في المتن إلا الأصل العملي ومقتضاه الاحتياط.
(4) وفي المدارك نسـبه إلى أكثر الأصحاب، وقيل إنه المشهور ولكن صاحب الجواهر قال بأن تلك الشهرة لم تتحقق عندي.

فإن عدل هؤلاء إلى القِران أو الإفراد في حجة الإسلام اختياراً لمن لم يجز(1)، ويجوز مع الاضطرار(2).
وشروطه أربعة: النية(3).
وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قلت له: “قول الله عز وجل في كتابه: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ، فقال عليه السلام: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة”( ).
(1) وعليه الإجماع لأنهم مأمورون بحجة التمتع، بالإضافة إلى النصوص المستـفيضة منها قول الصـادق عليه السلام: “لو حججت ألفي عام ما قدمتها إلا متمتعاً”( ).
(2) وعليه الإجماع، لقاعدة ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر، وللنص ولنفي الحرج، كما لو ضاق الوقت أو عند الحيض.
(3) لاعتبار النية والقصد في كل عبادة، ويكفي فيها مجرد الداعي، وقيل هو حاصل ارتكازاً عند من يذهب إلى الديار المقدسة لغرض أداء الحج والنية هنا قصد الإتيان بهذا النوع من الحج حين الشروع في إحرام العمرة قيل وإن نوى غيره أو تردد لم يصح.

ووقوعه في أشهر الحج(1)، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة(2)، وقيل: وعشـــرة من ذي الحجة(3)، وقيل: وتسعة من ذي الحجة(4)،
وفي صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام: “سألته عن رجل متمتع كيف يصنع؟ قال عليه السلام: ينوي العمرة ويحرم بالحج”. وقول أبي الحسن عليه السلام: “في حج التمتع: لب بالحج وأنو المتعة”.
(1) وعليه الإجماع، بالإضـافة إلى النص، ففي خبر محمد بن يزيد عن الإمام الصــادق عليه السلام: “ليس يكون متعة إلا في أشهر الحج”.
(2) كما عن الشيخ الطوسي والمفيد وابن جنيد وابن إدريس، وإنه لا يصح وقوع بعض العمرة في غيرها، وذو الحجة بتمامه على الأصـح، واسـتدل عليه بقوله تعالى [ الحج أشهر معلومات ] وحمل ظاهراً على تمام الأشهر الثلاثة لا الناقص منها. وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “إن الله تعالى يقول الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة”.
(3) كما عن التبيان للطبرسي والجواهر وروض الجنان، وقوله عشرة أي وعشرة أيام وليس ليالي، وربما كان ذلك لأن النصوص جاءت بأن يوم الحج الأكبر في العاشر من ذي الحجة.
(4) أي بدخول يوم عرفة، ونسب إلى الغنية وتسع من ذي الحجة أي تسع ليالي، فيخرج التاسع منه باعتبار إنه أوان الوقوف وقيل: إلى طلوع الفجر من يوم النحر(1). وضابط وقت الإنشاء، ما يعلم إنه يدرك المناسـك(2). وأن يأتي بالحج والعمرة في سنة واحدة(3).
الاختياري بعرفات.
(1) كما في المبسوط والخلاف والوسيلة، لعدم جواز الإحرام للحج بعده ولفوات أوان الوقوف الاضطراري في عرفات، ونسب إلى ابن إدريس القول إلى طلوع الشمس يوم النحر.
(2) لأنه من الواجبات المؤقتة فيحتاج أن يدرك مناسك الحج في أوانها المحدد.
(3) وهو الشرط الثالث وهو المشهور، وعن المدارك بلا خلاف فيه بين العلماء، وهو المتبادر من النصوص، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “دخلت العمرة في الحج هكذا وشبك بين أصابعه”، بالإضافة لاتصال العمرة بالحج وعدم جواز الخروج من مكة بعد العمرة قبل الإتيان بالحج.
وفي صحيحة حماد أو حسنته عن أبي عبد الله عليه السلام: “من دخـل مكة متمتعاً في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطـائف أو إلى ذات عـرق خرج محرماً ودخل ملبياً بالحج، فلا يزال إحرامه، فإن رجع إلى مكة رجع محرماً ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على إحرامه، وإن شاء وجهه ذلك إلى منى، قال: فإن جهل وخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثم رجع في أبان( ) الحج في أشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ فقال وأن يحرم بالحج له من بطن مكة(1)، وأفضلها المسجد(2) وأفضله المقام(3)، ثم تحت الميزاب(4).
عليه السلام: إن رجع في شهره دخل مكة بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً، قال: فأي الإحرامين والمتعتين متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: الأخيرة هي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته”.
(1) وهو الشرط الرابع، وعن كشـف اللثام الإجماع عليه، لا يجوز الخروج من مكة بعد الإحلال من عمرة التمتع قبل أن يأتي بالحج، وإذا أراد الخروج فعليه أن يحرم بالحج ويخرج محرماً به.
(2) لشرف الموضع، ولأن الإحرام يستحب بعد الصلاة، والصلاة في المسجد أفضل فالركعة فيه بألف ركعة، وفي حسنة معاوية عن الإمام الصادق عليه السلام: “إذا كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافياً وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين إحرامك من الشجرة، وأحرم بالحج”.
(3) لما ورد في خبر عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام: “إذا كان يوم التروية فاصـنع كما صنعت بالشجرة، ثم صل ركعتين خلف المقام، ثم أهل بالحج، فإن كنت ماشياً فلب عند المقام، وإن كنت راكباً نهض بك بعيرك”، وعن الصدوق التخيير بينه وبين الحجر، لحسنة معاوية السابقة.
(4) وعن الإرشاد والتبصرة ذكر فضل ما تحت الميزاب وفي الجواهر قال: “ولم نعثر له على شاهد يقتضي فضله على المقام”.
فلو أحرم بالعمرة المتمتع بها في غير أشهر الحج. لم يجز له التمتع بها(1)، وكذا لو فعل بعضها في أشهر الحج(2). ولم يلزمه الهدي(3). والإحرام من الميقات مع الاختيار(4).
(1) عن المدارك: الحكم مجمع عليه من الأصحاب، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “وليس تكون متعة إلا في أشهر الحج”، وفي صــحيحة عمر بن يزيد: “من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس”.
(2) وقد تقدم إن العمرة كلها في أشهر الحج، خلافاً لأبي حنيفة.
(3) أي إن وقعت العمــرة أو بعضــها في غير أشهر الحج فحينئذ لم يلزمه الهدي لأنه من توابع التمتع وفي خبر سعيد الأعرج قال أبو عبد الله عليه السلام: “من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة وإن تمتع في أشهر الحج ثم جاور حتى يحضـر الحج فليس عليه دم، إنما هي حجة مفردة إنما الأضحى على أهل الأمصار”.
واختلف في إن العمرة بقصد التمتع في غير أشهر الحج هل تصح مفردة أو تبطل من الأصل؟ قولان في المدارك اختار الثاني لأن ما نواه لم يقع والمفردة لم ينوها، وهناك من اختار القول الأول منهم المحقق والعلامة، وهو موافق القاعدة وقائم على الامتنان والتيسير.
(4) على ما وقته رسول الله صلى الله عليه وآله وسـلم، وقد تقدم إن إحرام حج التمتع من مكة مع الاختيار وعليه الإجماع والأخبار، ويدل على ذلك صحيحة ابن عمار وقيده المصنف، بالاختيار لقاعدة الميسور، ولما ورد عن المعصوم عليه السلام: “وإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه”.
ولو أحرم بحج التمتع من غير مكة لم يجزه(1). ولو دخـــل مكة بإحرامه، على الأشبه وجب استئنافه منها(2). ولو تعذر ذلك(3)، قيل: يجــزيه(4)، والوجه إنه يستأنفه حيث أمكن ــ ولو بعرفة ــ إن لم يتعمد ذلك(5).
(1) لعدم انطباق المأتي به على المأمور به، ولأنها من العبادات التوقيفية، وقيل إن إحــرامه من غيرها كالعدم، أي إنه لا يجزي المرور بمكة محــرماً بل لابد من تجــديد نيــة الإحرام فيها.
(2) وعليه الإجماع لوجوب تجديده بمكة وتداركه، ويكفي أي موضع منها ولو من سككها، وفي خبر عمرو بن حريث عن الصادق عليه السلام: “من أين أهل بالحج؟ فقال: إن شئت من رحلك وأن شئت من المسجد وإن شئت من الطريق”.
(3) أي تعذر استئناف الإحرام من مكة.
(4) ونسب إلى الشيخ في الخلاف الاجتزاء بإحرامه الأول، للإرفاق، ولأن أداء المناسك تم على وجهه ولقاعدة نفي الحرج.
(5) وعليه الإجماع والنص، ولقاعـــدة نفي الحرج والأرفاق سيما وإن النية مستديمة وإلحاقاً له بالناسي بل هو أولى، ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: “سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكره وهو في عرفات، فما حاله؟ قال عليه السلام: يقول اللهم على كتابك وسنة نبيك، فقد تم إحرامه، فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده، إن كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجه”.

وهل يسقط الدم والحال هذه؟ فيه تردد(1).
ولا يجوز للمتمتع الخروج من مكة حتى يأتي بالحج، لأنه صار مرتبطاً به(2)، إلا على وجه لا يفتقر إلى تجديد عمرة(3).
(1) أي الإحرام بالحج من غير مكة، أما سقوط الدم فلإحكام الضرورة وعدم العمد وأصالة البراءة وللإرفاق ولاستدامة النية وعن الشيخ في المبسوط: والمتمتع إذا أحرم بالحج من خارج مكة وجب عليه الرجوع إليها مع الإمكان، فإن تعذر لم يلزمه شيء وتم حجه ولا دم عليه ســواء أحرم من الحل أو الحرم”( ).
وهل المقصود بالدم في المقام هو دم الهدي الواجب على المتمتع أو إنه دم شاة، فيه قولان. وقال صاحب ترددات الشرائع، وبالجملة فلا وجه للتردد في اسقاط الدم على جميع المقادير.
(2) وهو المشهور، أي إنه لا يجوز الخروج من مكة بعد الإحلال من عمرة التمتع وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: “تمتع فهو والله أفضل، ثم قال: إن أهل مكة يقولون إن عمرته عراقية وحجته مكية كذبوا أليس هو مرتبطاً بالحج؟ لا يخرج حتى يقضيه”.
(3) وقيل إن وجوب البقاء طريقي لإدراك الحج، لجواز الخروج وعدم حرمته وحملت الأخبار على الكراهة كما عن ابن إدريس وجمـــاعة كما ورد في مرسلة الصدوق إذا أراد المتمتع للخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك، لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا أن يعلم إنه لا يفوته الحج.

ولو جدد عمرة تمتع بالأخيرة(1). ولو دخل بعمرته إلى مكة، وخشي ضيق الوقت، جاز له نقل النية إلى الإفراد، وكان عليه عمرة مفردة(2).
نعم لا يجوز الخروج من مكة بنية عدم الرجوع أو مع العلم بفوات الحج، وفي المسالك بأن يخرج منها محرماً أو يرجع قبل شهر كما عن القواعد.
وفي مرسلة موسى بن القاسم عن بعض أصحابنا: “إنه سأل أبا جعفر عليه السلام في عشر من شوال فقال: إني أريد أن أفرد عمرة هذا الشهر، فقال: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: إن المدينة منزلي ومكة منزلي ولي فيهما وبينهما أموال، فقال: أنت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: فإن لي ضياعاً حول مكة وأريد الخروج إليها، فقال: تخرج حلالاً وترجع حلالاً إلى الحج”.
(1) وتصير الأولى مفردة، لاتصال عمرة التمتع بحجه، ولحسنة حماد المتقدمة وقوله عليه السلام: “الأخيرة هي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته”.
(2) قال في الجواهر:بلا خـــلاف أجده فيه، بل لعل الإجماع بقسميه عليه.
وقد تقدم إنه لا يجـــوز لمن وظيفته التمتع إن يعدل إلى غيره من حـج الإفراد وحج القران اختياراً وعليه الإجماع والنص، ولكن لو ضــاق الوقت عن إتمام العمرة وإدراك الحــج جاز له نقل النية إلى الإفراد وأن يأتي بالعمرة بعد الحج لقاعدة نفي الحرج ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور.

وكذا الحائض والنفساء، إن منعهما عذرهما عن التحلل، وإنشاء الإحرام بالحج، لضيق الوقت عن التربص(1).
واختلف في حد الضيق قيل إنه فوات الوقوف الاختياري في عرفة وعن علي بن بابويه والمفيد إن حد فوات السعة زوال الشمس من يوم التروية. وعن المقنع والمقنعة إنه غروب الشمس منه قبل الطواف والسعي، وقيل غير ذلك.
ولقد أطلق المصنف بقوله: (وخشي ضيق الوقت)، وهو مناسب لاختلاف النصوص في المقام وليقدر المكلف إمكانية عدم خــوف فوت الوقوف بعرفات ولقاعدة نفي الحرج ولقوله تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة .
(1) وهو المشهور وقوله عن التربص: أي لقضاء أفعال العمرة، ولأنه يتعذر عليها الطواف بالبيت لأنه صلاة كما ورد في النصوص، كما لا يجوز لها الدخول في المسجد، فإذا استمر حيضها إلى زمان الوقوف بعرفات فإن متعتها تبطل وتكون حجة مفردة. ويدل على ما في المتن صـحيحة جميل قال: “سألت أبا عبد الله عليه الســلام عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية قال عليه السلام: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطـهر، فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة”.
وهــناك أقوال أخــرى منها ما ورد بترك الحائض والنفساء الطواف والإتيان بالسعي ثم الإحلال وإدراك الحج وقضاء طواف العمرة بعد ذلك.

ولو تجدد العذر وقد طافت أربعاً، صحت متعتها، وأتت بالسعي وبقية المناسك، وقضت بعد طهرها ما بقي من طوافها(1).
ولما ورد في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام: “المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها وبين التروية اغتسلت واحتشت ثم سعت بين الصفا والمروة، ثم خرجت إلى منى فإذا قضت المناسك وزارت البيت، طافت بالبيت طوافاً لعمرتها ثم طافت طوافاً للحج، ثم خرجت فسعت فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم إلا فراش زوجها، فإذا طافت أسبوعاً حل لها فراش زوجها”.
وعن الإســكافي التخيير بين الأمرين، وقول رابع بالتفصيل إذا ما كان الحيض قبل الإحرام فتعدل أو كانت طاهراً عند الإحرام ثم حدث الحيض أو النفاس فتترك الطواف وتتم العمرة وتقضي بعد الحج. وقول إنها تستنيب للطواف ثم تتم العمرة وتأتي بالحج، ولم يعرف دليله بل وقائله، والأقوى الأول أي ما في المتن وهو المشهور.
(1) أي تأتي ببقية المناسك التي لا تشترط فيها الطهارة ولإحراز الطواف بأربعة منه دفعة واحدة وجواز إتمام ما بقي منه فيما بعد لأحكام الضــرورة، ولخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: “إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بين الصفا والمروة فجازت النصــف فعلمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، وإن هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله”.
وإذا صح التمتع سقطت العمرة المفردة(1).
من النصوص وقوله عليه السلام: “من الموضع الذي علمته” أي الذي تركت الطواف منه بســــبب الحيض. وحكي عن ابن إدريس بطلان متعتها بعروض الحيض في أثناء الطواف ولو بعد الأربع، بسبب عدم إتمام العمرة وعدم وقوع التحلل، وقيل إنه اجتهاد في مقابل النص.
(1) بلا خلاف فيه، فإذا صــح حج التمتع الإسلامي سقطت عمرة الإسلام. وعن الإمام الصادق عليه السلام: “إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة”.
وعن يعقوب بن شعيب قلت لأبي عبد الله عليه السلام: “قول الله عز وجل وأتموا الحـــج والعمرة لله يكفي الرجل إذا تمتع بالعمرة إلى الحج مكان العمرة المفردة، قال: كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه”.

ووجوه الاختلاف في المناسـك بين حج التمتع من جهة وحجي الأفراد والقران من جهة أخرى هي:
1- العمرة تجب في حج التمتع ولا تجب في حجي الإفراد والقران الا بالعرض كالنذر ونحوه.
2- تقدم العمرة في حج التمتع بخلافها==76.
3- في حج التمتع تكون العمرة والحج في عام واحد، وفي حج الإفراد والقران لا يجب ذلك إلا بنذر أو نحوه.

4- عمرة حج التمتع في أشهر الحج كما تقدم، بخلاف حج الإفراد والقِران.
5- يحرم لحج التمتع من بطن مكة، وللإفراد والقران من أحد المواقيت أو منزلهما إن كان دون الميقات.
6- محل إحرام عمـرة حج التمتع من الميقات، أما عمرة حج الإفراد والقران فإنه من أدنى الحل لو كان في الحرم.
7- تقطع التلبية في عمرة حج التمتع إذا شوهدت بيوت مكة، بخلاف المفردة فإن التلبية تقطع عند مشاهدة الكعبة.
8- ليس في عمرة التمتع طواف النساء بخلاف عمرة الإفراد والقران ففيهما طواف النساء حجاً وعمرة.
9- يجوز في حج الإفراد والقران تقديم الطواف والسعي على الموقفين اختياراً بخلاف حج التمتع.
10- في حج التمتع لا يجوز تأخير الطواف والسعي طول ذي الحجة، بخلاف حج الإفراد والقران فيجوز تأخير الطواف والسعي.
11- اختلف في الطواف ندباً لحج التمتع عند دخول مكة، وفيه قولان اشهرهما التحريم، بخلاف حج الإفراد والقران.
12- لا ينعقد إحرام التمتع إلا بالتلبية، بخلاف القران فانه ينعقد بها وبالإشعار.
13- الهدي واجب في حج التمتع، بخلاف حج القران والإفراد وهدي القران واجب من جهة السوق.

14- حج التمتع يعدل إليه ولا يعدل منه في حال الاختيار، والإفراد يعـدل عنه ولا يعدل إليه، والقران لا يعدل عنه ولا إليه.
15- في التمتع يجب الحج بالشروع في العمرة، لأنها بمنزلة العبادة الواحدة، وفي الإفراد والقران لا يجب أحد النسكين بالشروع في الآخر إلا بنذر أو نحوه.

وأما الإفراد( )
وصورة الإفراد: ان يحرم من الميقات(2)، او من حيث يسـوغ له الإحرام بالحج(3)، ثم يمضي الى عرفات فيقف بها، ثم يمضي الى المشعر فيقف به، ثم الى منى فيقضي مناسكه بها، ثم يطوف بالبيت ويصلي ركعتيه، ويسعى بين الصفا والمروة، ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتيه(4).
وعليه عمرة مفردة بعد الحج والإحـلال منه، يأتي بها من أدنى الحل(5).
( ) سمي الحج بذلك لانفراد العمرة عنه أو لانفراده عنها وعدم اعتبارها فيه.
(2) كما سيأتي بيانه وتحديد مكانه، والميقات الموضع المعين للإحرام، واصل الوقت المحدد من الزمان. أطلق على هذه الأمكنة باعتبار الوجوب وسيأتي الكلام عن مواضع المواقيت.
(3) كأن يكون منزله اقرب إلى مكة.
(4) بلا خلاف في شيء من ذلك وعليه النص، مع جواز تقديم الطواف والسعي على الموقفين على كراهة.
(5) أي من الموضع الأقرب الى الحرم، أو من أحد المواقيت، وذلك عند ما تجب عليه العمرة. وفي المنتهى الاجماع عليه، ويعتبر أدنى الحل من المواقيت العشرة المستقرأة من الاخبارولاطلاق الأدلة
وفي خبر ابن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام: “من أراد ان يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما اشبهها، وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر ثلاث عمر متفرقات كلها في ذي القعدة عمرة اهل فيها من عسفان وهي عمرة ويجوز وقوعها في غير اشهر الحج( ). ولو احرم بها من دون ذلك، ثم خرج الى ادنى الحل، لم يجزه الإحرام الأول(2)، وافتقر الى استئنافه(3). وهذا القسم والقِران(4)، فرض اهل مكة ومن بينه وبينها دون اثني عشر ميلاً من كل جانب(5).
الحديبية، وعمرة القضاء احرم فيها من الجحفة، وعمرة أهل فيها من الجعرانة وهي من الطائف من غزاة حنين”.
(1) أي يجوز وقوع العمرة الواجبة في غير اشهر الحج وهي شهر شوال وذو القعدة وذو الحجة لإطلاق الأدلة، وفي صحيحة عبد الرحمن قال: “سألت أبا عبدالله عليه السلام عن المعتبر بعد الحج، قال اذا امكن الموس من رأسه فحسن”.
(2) لوقوعه في الحرم فيكون باطلاً. وفي صحيحة الحلبي: عن الصادق عليه السلام: “الإحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي لحاج ولا معتمر أن يحرم قبلها ولا بعدها”( ).
(3) وسيأتي الكلام عنه ان شاء الله.
(4) أي حج الإفراد وحج القران.
(5) باعتبار انهما فرض من كان حاضراً لا يبعد موطنه عن مكة اثني عشر ميلاً. وفي خبر زرارة عن أبى جعفر عليه السلام: “سألته عن قول الله عز وجل [ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ]” ( )، قال: لأهل مكة ليس لهم متعة، ولا عليهم عمرة. قلت: فما حد ذلك؟ قال: ثمانية واربعون ميلاً من جميع نواحي فان عدل هؤلاء الى التمتع اضطراراً جاز(1). وهل يجوز اختياراً؟ قيل: نعم(2)،
مكة دون عسفان وذات عرق”.
وقد تقدم أن المشهور ثمانية واربعون ميلاً من كل جانب. (الميل مسافة مقدرة بمد البصر، أو بأربعة آلاف ذراع، وكل ثلاثة أميال فرسخ، وفي القياسات الحديثة يساوي الميل 1,61 كيلو متر تقريباً، وبين الحسابين فرق اذ ان الفرسخ خمسة كيلو متر ونصف تقريباً)
(1) لأحكام الضرورة ووحدة الموضوع في تنقيح المناط. وفي الجواهر قال: بلا خلاف أجده فيه على ما اعترف به غير واحد، بل عن بعضهم دعوى الإتفاق عليه، فان تم ذلك كان هو الحجة، والا كان مشكلاً خصوصاً في القران الذي استفاضت النصوص بعدم مشروعية العدول فيه.
وفي صحيحة معاوية بن عمار سأل الصادق عليه السلام “عن رجل لبى بالحج مفرداً، ثم دخل مكة فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، قال: فليحل وليجعلها متعة إلا أن يكون ساق الهدي فلا يستطيع إن يحل حتى يبلغ الهدي محله”.
(2) والقائل الشيخ في أحد قوليه وذلك في المبسوط والخلاف. وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: “سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت أله أن يتمتع؟ قال: ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل، وكان الإهلال احب إلي”( ).
وقيل:لا، وهو الأكثر(1)، ولو قيل: بالجواز لم يلزمهم هدي(2).
وشـــروطه ثلاثة: النية(3)، وان يقع في اشهر الحج(4)، وان يعقــد احرامه من ميقاته، او من دويرة اهله ان كان منزله دون الميقات(5).
(1) وهو المشهور، وعن الغنيـــــــة الإجماع عليه، لظاهر الآيـة الكريمة [ ذلك ..]، وللنصوص التي تقول بأنه ليس لأهل مكة ولا لأهل مر ولا لأهل شرف متعة. ومنها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام.
(2)كما سيأتي في باب الهدي ولأنه نسك، ولعدم فوات ميقات الإحرام لهم.
(3) أي الشرط الأول من شرائط حج الإفراد هو النية باعتبار انه عمل عبادي يتقوم بالنية والقصد إليه. ويعتبر في النية القربة والخلوص، وان تكون مقارنة للشروع فيه.
(4) وهذا هو الشرط الثاني، بلا خلاف فيه لقوله تعالى [ الحج أشهر معلومات ]”( ) أي انه لا يجوز الإحرام له قبل أشهر الحج.
(5) وهو الشرط الثالث أي من ميقاته ان كان قريباً من موطنه، أو من دويرة أهله ان كان منزله اقرب إلى مكة من الميقات، وفي الجواهر قال: بلا خلاف فيه بيننا، ولأن ميقات أهل مكة منها عند الإحرام للحج. نعم الإحرام للعمرة من أدنى الحل لهم ولغيرهم. وفي التذكرة قال: لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتاً له، ولا نعلم في ذلك خلافاً.
واما القران
وافعال القارن وشروطه كالمفرد، غير انه يتميز عنه بسياق الهدي عند احرامه(1).
واذا لبى استحب له: اشعار ما يسوقه من البدن، وهو ان يشق سنامه من الجانب الأيمن(2)،
( ) وهو المشهور. وفي خبر منصور الصيقلي عن الإمام الصادق عليه السلام: “الحاج عندنا على ثلاثة أوجه، حاج متمتع، وحاج مفرد سائق للهدي، وحاج مفرد للحج”( )، والسائق أي القارن.
وفي خبره الآخر عن الصادق عليه السلام: “لا يكون القارن قارناً إلا بسياق الهدي وعليه طوافان بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة كما يفعل المفرد، وليس بأفضل من المفرد إلا بسياق الهدي”.
(2) الإشعار لغة الإعلام، والشعار: العلامة. قال الأزهري: ولا ادري مشاعر الحج إلا من هذا لأنها علامات له، واشعرَ البَدَنَة: اعلمها. وهو أن يشق جلدها أو يطعنها في اسنمتها في أحد الجانبين بمبضع أو نحوه، وقيل: يطعن في سنامها الأيمن حتى يظهر الدم ويعرف إنها هَدْيّ. وفي خبر الفضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام: “إذا انتهى إلى الوقت فليحرم ثم يشعرها ويقلدها”. وفي خبر جابر: “إنما استحسنوا إشعار البدن لأن أول قطرة تقطر من دمها يغفر الله عز وجل له”.
وقال المصنف بالاستحباب لما ورد في خبر ابن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام: “في رجل ساق هدياً ولم يقلده ولم يشعره، قال: قد أجزأ عنه ما اكثر ما لا يشعر ولا يقلد ولا يجلل”.
ويلطخ صفحته بدمه(1). وان كان معه بُدن دخل بينها واشعرها يميناً وشمالاً(2). والتقليد: ان يعلق في رقبة المسوق نعلاً، قد صلى فيه(3).
والإشعار والتقليد للبدن. ويختص البقر والغنم بالتقليد(4).
وكره أبو حنيفة الإشعار وزعم انه مثلة ولكنه سنة.
وكيفية الإشعار كما عن الجواهر هو أن يقوم الرجل من الجانب الأيسر ويشق أو يطعن سنامه بحديدة من الجانب الأيمن باركاً معقولاً مستقبلا بها القبلة.
(1) وهو المشهور، للعلامة والتمييز فتعرف إنها هدي ونوع إعلان، وفي الحدائق قال بعدم العثور على نص يدل عليه.
(2) البدن ــ بضم الباء والدال او بضم الباء وسكون الدال ــ ، جمع بَدْنة أو بَدَنة وهي الناقة أو البقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لعظمها وضخامتها وسمنها.
ودخوله بينها طريق لإشعارها وذلك لكثرتها وجواز الإشعار من جهة الشمال ايضاً. ففي صحيحة جميل عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “إذا كانت البدن كثيرة قام فيما بين ثنتين ثم اشعر اليمنى ثم اشعر اليسرى”.
(3) ويستحب ايضاً التقليد لما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيها”.
(4) لاحتمال عدم تحمل البقر والغنم للإشعار والطعن، خاصة وان الأمر استحبابي. وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: “كان الناس يقلدون البقر والغنم وإنما تركه الناس حديثاً، ويقلدون بخيط أو بسير”.
ولو دخل القارن او المفرد مكـة، وأراد الطــواف جاز(1)، لكن يجددان التلبية عند كل طواف لئلا يُحلا على قول(2)، وقيل: انما يحل المفرد دون السائق(3).
(1) بلا خلاف فيه كما عن الجواهر، والطواف هنا هو الطواف المندوب قبل الوقوف بعرفات، للإطلاق ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “الطواف بالبيت صلاة”.
ويجوز للمفرد والقارن أن يقدم الطواف الواجب، وعليه الإجماع والنص. ففي خبر زرارة انه سأل أبا جعفر عليه السلام: “عن المفرد للحج يقدم طوافه أو يؤخره، فقال: هو والله سواء عجله أو أخره”.
(2) وهو قول الشيخ في المبسوط والخلاف والنهاية، وعن الشهيد: أن الفتوى به مشهورة ودليله ظاهر والمعارض منتف، وان تجديد التلبية عند كل طواف شرط في البقاء على الإحرام، ولو لم يجدداها انقلبت حجتهما إلى عمرة.
(3) وحكي هذا القول عن الشيخ في التهذيب، وإنها شرط في البقاء على الإحرام لرواية يونس بن يعقوب عمن اخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “ما طاف بين هذين الحجرين الصفا والمروة أحد إلا احل، إلا سائق هدي”.
أي ان علة زوال الإحرام منتفية أصلاً بالنسبة لسائق الهدي سواء جدد التلبية في كل طواف أو لم يجددها. وفي الجواهر: وعن المرتضى والمفيد عكس ذلك وان كنا لم نتحققه.

والحق انه لا يحل احدهما الا بالنية(1)، لكن الأولى تجديد التلبية عقيب صلاة الطواف(2).

ويجوز للمفرد اذا دخل مكة، ان يعدل الى التمتع(3)،
(1) كما عن ابن إدريس والفاضل وولده، ونسب القول إلى المتأخرين. وقال ابن إدريس أن تجديد التلبية ليس بواجب، ولا يبطل الإحرام بتركها، ولا تكون الحجة عمرة، قيل وهو ظاهر كلام الشيخ في الجمل.
(2) أولى للاحتياط، ولصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام قال: “سألته عن رجل أفرد الحج فلما دخل مكة طاف بالبيت ثم أتى أصحابه وهم يقصرون فقصر معهم ثم ذكر بعد ما قصر انه مفرد، قال: ليس عليه شيء إذا صلى فليجدد التلبية”.
(3) وعليه الإجماع كما في الخلاف والمعتبر والمنتهى، ولقاعدة نفي الحرج ولوجود المقتضي وفقد المانع ولأنه خير محض، ولما ورد في حجة الوداع وان جبرئيل عليه السلام نزل بوجوب التمتع على أهل الآفاق وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “انه لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق هدياً”، وقيل أن ظاهرها وجوب العدول.
وفي الموثق المروي عن عبيد بن زرارة: “وعليك بالحج أن تهل بالإفراد وتنوي الفسخ إذا قدمت مكة وطفت وسعيت فسخت وأهللت به، وقلبت الحج عمرة وأحللت إلى يوم التروية، ثم استأنفت الإهلال بالحج مفرداً إلى منى” إلى أن قال: “فكذلك حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا أمر أصحابه أن يفعلوا أن يفسخوا ما أهلوا به ويقلبوا الحج عمرة”.
ولا يجوز ذلك للقارن. والمكي اذا بعد عن اهله. وحج حجة الإسلام على ميقات(1)، احرم منه وجوباً(2).
ولو أقام من فرضه التمتع بمكــة سنة او سنتين لم ينتقل فرضه، وكان عليه الخروج الى الميقات اذا اراد حجة الإسلام. ولو لم يتمكن من ذلك، خرج الى خارج الحرم(3).
(1) أي لا يجوز للقارن العدول إلى حج التمتع اختياراً، وعليه الإجماع. وقيل انه إذا عطب هديه قبل مكة ولم يجب عليه الإبدال فهو يصير كالمفرد في جواز العدول لما ورد في النصوص بأنه لا يحل حتى يبلغ الهدى محله، فتشمل القارن الذي عطب هديه الاطلاقات.
(2) بلا خلاف ولا إشكال كما عن الجواهر، لأن حكم المواقيت عام ولا موضوعية لأصل السكن بعد الإحرام منه، ولا يجاوز الميقات أي ينقلب فرض المكي بخروجه.
وفي صحيحة عبد الرحمن بن أعين قال: “سألنا أبا الحسن عليه السلام عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الأمصار ثم رجع في بعض المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أله أن يتمتع؟ فقال: ما ازعم أن ذلك ليس له، والإهلال بالحج احب إلي”.
(3) أي لم ينتقل فرضه من حج التمتع إلى حج الإفراد أو الإقران، لعدم تحقق أسباب انقلاب الفرض، وعدم تحقق الوطنية في مكة عرفاً. وفي الجواهر قال: بلا خلاف أجده فيه نصاً وفتوى، بل لعله إجماعي، وكذا لا خلاف ايضاً نصاً وفتوى في عدم انتقاله عن فرض النائي بمجرد المجاورة وان لم يكن قد وجب عليه سابقاً.
فان تعذر، احرم عن موضعه(1). فان دخل في الثالثة مقيماً، ثم حج، انتقل فرضه الى القران او الإفراد(2). ولو كان له منزلان بمكة وغيرها من البلاد، لزم فرض اغلبهما عليه(3).
وفي خبر سماعة عن أبي الحسن عليه السلام: “سألت عن المجاور أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم، يخرج إلى مهل أرضه فليلب ان شاء”. وعن الشيخ وغيره انه يخرج إلى ميقات أهل أرضه لاندراجه فيما دل على حكمهم.
(1) لقاعدة نفي الحرج، وقاعدة الميسور ولأن كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر، بل يمكن استظهاره من صحيحة الحلبي قال: “سالت أبا عبدالله عليه السلام هل لأهل مكة أن يتمتعوا قال: لا، ليس لأهل مكة أن يتمتعوا، قال: قلت: فالقاطنون؟ قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فان أقاموا شهراً كان لهم أن يتمتعوا، قلت: من أين؟ قال: يخرجون من الحرم، قلت: من أين يهلون بالحج؟ قال: من مكة نحواً مما يقول الناس”( ).
(2) وهو المشهور والمحكي عن النهاية والمبسوط بانتقال الفرض بالدخول في الثالثة وللنص. ففي صحيحة عمر بن يزيد عن الصادق عليه السلام: “المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاور سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتع”.
(3) لتحقق التوطن بمكة عرفاً وللنص، ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: “من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة ولا متعة له، فقلت لأبي جعفر عليه السلام ارأيت أن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة؟ قال عليه السلام: فلينظر أيها الغالب عليه فهو ولو تساويا كان له الحج باي الأنواع شاء(1). ويسقط الهدي عن القارن والمفرد وجوباً(2)، ولا يسقط التضحية استحباباً(3). ولا يجوز: القران بين الحج والعمرة بنية واحدة(4).
من أهله”. والمراد بالغالب أي ما يقضي فيه أكثر أيام سنته أو كان متعارفاً استيطانه فيه لاعتبار العرف في الموضوعات.
(1) لعمومات أدلة التخيير، ولأن المقام ليس من باب التعارض وأدلة التساقط ولأنه من الخير المحض والامتنان ولأن العمل بأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح. وفي الجواهر قال: بلا خلاف أجده فيه.
(2) وعليه الإجماع، إذ انه لا هدي على غير المتمتع معتمراً كان أو حاجاً، سواء كان حج قران أو إفراد. وفي رواية الأعرج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “من تمتع في اشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، ومن تمتع في غير اشهر الحج ثم جاور بمكة حتى يحضر الحج فليس عليه دم هي حجة مفردة، وإنما الأضحى على أهل الأمصار”.
وفي صحيحة ابن عمار: “أما المفرد للحج فعليه طواف” ــ إلى أن قال ــ “ليس عليه هدي ولا أضحية”. ونسب إلى سلار وجوبه على القارن.
(3)كما سيأتي ان شاء الله.
(4) وهو المشهور كما عن المسالك، لأن كل منهما نسك مستقل عن الآخر، فيكون الجمع بين نيتيهما من التشريع المحرم. وقيل بأنهما عبادتــان لا يؤتى بأحدهما إلا بعد الفراغ من الأخرى، كما أن ولا ادخال احدهما على الآخر(1). ولا بنية حجتين ولا عمرتين ــ على سنة واحدة ــ (2)، ولو فعل، قيل: ينعقد واحدة(3)، وفيه تردد(4).
النهي في العبادات يقتضي الفساد. وعن الشيخ في الخلاف الإجماع على عدم جواز القران فيهما.
(1) أي لا يجوز الإتيان ببعض أفعال الحج قبل التحلل من العمرة، كالإحرام للحج، وكذا لا تجوز نية العمرة قبل إتمام مناسك الحج.
وقيل أن الدليل على ذلك هو الإجماع كما ذكره في الخلاف والسرائر وانه لا دليل آخر عليه.
(2) لوجود المانع وعدم صلاحية الفعل للتعدد ولأن إحرامه لا ينعقد إلا لواحدة فقط، فتكون الأخرى سالبة بانتفاء الموضوع ولا يجب قضاؤها.
(3) والقائل الشيخ كما عن الخلاف، وادعى الإجماع عليه، ولأن أفعاله تقع على حجة واحدة قهراً وانطباقاً.
(4) لما قيل ببطلانهما معاً بسبب ما فيه من التشريع المحرم في النية، وان النهي في العبادات يقتضي الفساد، وقد صرح الفاضل بالبطلان.

المقدمة الرابعة في المواقيت(1)
والكلام في: اقسامها واحكامها
اما اقسامها المواقيت ستة(2):
(1) وهي الأماكن المحددة للإحرام ونعتها بالمواقيت اشـارة الى الوجوب كما في قوله تعالى أن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً .
وهو التوقيت للشيء والتحديد لأوانه، يقال وقته فهو موقوت اذا بين للفعل وقتاً يفعل فيه وزماناً لحدوثه. قال تعالى ان يوم الفصل كان ميقاتاً ، واستعير للمكان ومنه مواقيت الحج لمواضع الإحرام.
(2) لصحيحة ابن عمار: “من تمام الحج والعمرة، أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تجاوزها إلا وأنت محرم، فانه وقت لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق، بطن العقيق من قبل أهل العراق، ووقت لأهل اليمن يلملم، ووقت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقت لأهل المغرب الجحفة ــ وهي مهيعة ــ ، ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله”.
وفي بعض الأخبار أن المواقيت خمسة وبه قال في المنتهى والتحرير. ولا يعني هذا الحصربل هو الغالب والمتعارف في طرق القوافل ومسير الحاج.

لأهل العراق (1)، العقيق، وافضله المسلخ، ويليه غمرة، وآخره ذات عرق(2).
وقد استقر المذهب على جواز الإحرام من عشرة مواضع، أي بإضافة أربعة إلى ما في المتن وهي فخ، ومكة، ومحاذاة الميقات، وأدنى الحل.
(1) وأيضا لأهل نجد وميقات من يمر عليه من الحاج من البلدان الأخرى، وعليه الإجماع والنص ومنها صحيحة ابن عمار المتقدمة. ففي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: “ووقت لأهل نجد العقيق”.
(2) وهو المشهور، وعن علي بن بابويه كما في ظاهر كلامه انه لا يجوز تأخير الإحرام إلى ذات عرق إلا لضرورة أو تقية لأنه ميقات العامة، وقالوا بأن العقيق لم يكن بتوقيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لم يكن يومئذ فيه مسلم، وقد تقدم ما في صحيحة ابن عمار عن الصادق عليه السلام الذي حجة وآية وأخبار عن إسلام أهل العراق، وقيام الناس من الامصار المختلفة بأداء فريضة الحج.
ويدل على ما في المتن نصوص منها خبر أبي بصير: “حد العقيق أوله المسلخ وآخره ذات عرق”. وفي مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام: “وقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل العراق العقيق أوله المسلخ، ووسطه غمرة، وآخره ذات عرق، وأوله أفضله”، وفي الأمكنة للزمخشري العقيق: واد معروف.( )

ولأهل المدينة(1): مسجد الشجرة(2)،
وفي خبر ابن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام قال: “أول العقيق بريد البعث وهو دون المسلخ بستة أميال مما يلي العراق، بينه وبين غمرة أربعة وعشرون ميلاً بريدان”. وقيل بأنه لابد أن يؤول أو يطرح خاصة مع إعراض المشهور عنه.
والعقيق في اللغة كل واد عقه السيل أي شقه فانهره، والميقات هذا وادي يتدفق سيله في غوري تهامة.
والمسلخ، موضع النزع، لأن الحاج ينزع فيه ثيابه للإحرام، أو المسلخ أي الموضع العالي.
وغمرة منهل في مكة، وعن الأزهري انه فصل ما بين نجد وتهامة.
وذات عرق: جبل صغير أو قليل من الماء أو قرية خربت، كما عن الجواهر.
وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام: “يجزيك إذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس والأعراب عن ذلك”.
( ) ومن يمر على طريقهم.
(2) وقيل هو ذو الحليفة لذا قيل يصدق الإحرام بالمحاذاة منه. وفي صحيحة علي بن رئاب عن قرب الإسناد عنه عليه السلام: “وقت لأهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة”. وفي صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام: “من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحج ثم بدا له أن يخرج من غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء”.
وفي العلل انه لما سئل الصادق عليه السلام: “لأي علة أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مسجد الشجرة ولم يحرم من موضع دونه؟ فقال: انه لما اسري به إلى السماء وصار بحـــذاء وعند الضرورةالجحفة(1). ولأهل الشام: الجحفة(2).
الشجرة نودي يا محمد فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لبيك، قال: ألم أجدك يتيماً فآويتك، وألم أجدك ضالاً فهديتك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك، فلذلك احرم من الشجرة دون المواضع كلها”.
وسمي ذا الحليفة لأن أناسا اجتمعوا فيه قبل الإسلام وتحالفوا. وعن القاموس انه ماء لبني جشم.
(1) الجحفة( ) على سبع مراحل من المدينة، وثلاث من مكة، والضرورة كالمرض والضعف وإدراك الوقوف بعرفة ونحوه، وفي خبر أبي بكر الحضرمي عن الصادق عليه السلام قال: “إني خرجت بأهلي ماشياً فلم أهل حتى أتيت الجحفة، وقد كنت شاكياً فجعل أهل المدينة يسألون مني فيقولون لقيناه وعليه ثيابه وهم لا يعلمون، وقد خص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الجحفة”.
(2) ومنهم أهل مصر والمغرب ومن يمر بطريقهم أن لم يمروا بذي الحليفة. وفي الجواهر قال: بلا خلاف أجده فيه نصاً وفتوى.

ولأهل اليمن: يلملم(1). ولأهل الطائف: قرن المنازل(2). وميقات من منزله اقرب من الميقات: منزله(3).
(1) وهو على مرحلتين من مكة، وعن الياقوت( ) هو موضع على ليلتين من مكة. وعن الزمخشري في الأمكنة: واد يحرم منه أهل اليمن( ). وعليه الإجماع والنص. قال عليه السلام: “ووقت لأهل اليمن يلملم”.
وفي الجواهر قال: وهو جبل في جنوب مكة ويسمى الآن السعدية.
(2) قرْن ــ بفتح القاف وسكون الراء ــ والجوهري فتح الراء ايضاً. وهو جبل عرفات على مرحلتين من مكة، ويقال له قرن الثعالب، وقرن بلا إضافة، وقيل أن قرن الثعالب غيره.
وعن الزمخشري قرن المنازل على طريق اليمن يصب من نخلة اليمانية( ). قال عمر بن أبي ربيعة:
ألم تسأل الربع ان ينطِقا
بقرن المنازل قد أخلَقا
وما في المتن عليه الإجماع والنص. قال عليه السلام: “ووقت لأهل الطائف قرن المنازل”. وفي بعض النصوص انه وقت لأهل نجد وكما في صحيحة عمر بن زيد، وكذا عن بعض علماء السنة، ربما لأن نجد لها طريقان.
(3) وعليه الإجماع بقسميه، ويسمى دويرة الأهل، وهو لمن كان منزله دون الميقات إلى مكة.

وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "من كان منزله دون الوقت إلى مكة فليحرم من منزله".

فرع:
أما فخ فهو سهل معروف على فرسخ من مكة، وهو ميقات الصبيان في غير حج التمتع كما عن جماعة. أي تخفيفاً في تأخير إحرامهم إلى هذا المكان، بخلاف جماعة فانهم قالوا بإحرامهم من الميقات لكن لا يجردون إلا في فخ.
أما محاذاة أحد المواقيت الستة، فهو ميقات من لم يمر على تلك المواقيت كما في صحيحة بن سنان عن الصادق عليه السلام: “من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحج ثم بدا له أن يخرج من غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة في البيداء”.
أما أدنى الحل فهو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو الإفراد، بل لكل عمرة مفردة، والأفضل أن يكون من الحديبية أو الجعرانة أو التنعيم لتعيينها بالنص.
والحديبية ــ بالتخفيف والتشــديد ــ بئر بقرب مكة على طريق جدة دون مرحلة، ثم أطلق على الموضع، ويقال نصفه في الحل ونصفه في الحرم.
والجعرانة ــ بكسر الجيم والعين وتشديد الراء ــ أو ــ بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء ــ موضع بين مكة والطائف على سبعة أميال.
والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة، وبينه وبين مكة نحو أربعة أميال ويعرف بمسجد عائشة.
وكل من حج على ميقات لزمه الإحرام منه(1)، ولو حج على طريق لا يُفضي الى احد المواقيت، قيل: يُحرم اذا غلب على ظنه محاذاة اقرب المواقيت الى مكة(2). وكذا من حج في البحر(3). والحج والعمرة يتسـاويان في ذلك(4). وتجرد الصبيان من فخ(5).
( ) للإجماع والنص ولوجود المقتضي وفقد المانع، وقاعدة الاشتغال، والانطباق اللزومي والعمومات.
(2) وقد تقدم انه اعتبر عند المتأخرين ميقاتاً مستقلاً، لأصل البراءة من قصد أحد المواقيت وللنص. كما في صحيحة ابن سنان اعلاه ومرسلة الصدوق المشابهة لها، واختار محاذاة اقرب المواقيت الشيخ والمبسوط والعلامة. والمحاذاة تبنى على العرف والمتعارف لا الدقة العقلية، ويكون الميقات عن يمينه أو يساره.
(3) أي بمراعاة المحاذاة مع أحد المواقيت.
(4) أي في الإحرام من المواقيت المذكورة سواء كان الحج افراداً أو قراناً، والعمرة مفردة أو تمتعاً.
وفي الجواهر (قد ذكر غير واحد من الأصحاب اعتبار الخروج إلى أدنى الحل في العمرة المفردة للقارن والمفرد بعد الحج)( ).
(5) وقد تقدم الكلام فيه، وفخ بئر معروف على فرسخ من مكة، ويدل على ما في المتن صحيحة ابن الحر قال: “سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الصبيان من أين نجردهم؟ فقال: كان أبي يجردهم من فخ”. ولأن عبادات الصبي تمرينية ولقاعدة نفي الحرج وللتسهيل والتخفيف.
واما احكامها ففيه مسائل
الأولى: من أحرم قبل هذه المواقيت لم ينعقد احرامه(1)، الا لناذر بشرط ان يقع احرام الحج في اشهره(2)،
( ) وعليه الإجماع والنص لأن المأتي به لا ينطبق على المأمور به، فلا يجوز الإحرام قبل المواقيت ولا ينعقد ولا يكفي المرور عليها محرماً، بل لابد من تجديد النية وانشائها، ففي خبر ميسرة “دخلت على أبي عبدالله عليه السلام وانا متغير اللون فقال عليه السلام: من أين حرمت بالحج؟ فقلت: من موضع كذا وكذا، فقال عليه السلام: رب طالب خير يزل قدمه، ثم قال: أيسرك أن صليت الظهر في السفر اربعاً؟ قلت: لا، قال: فهو والله ذاك”.
(2) أي يستثنى من ذلك من نذر الإحرام قبل الميقات فانه يجوز لعمومات الوفاء بالنذر، ولخبر أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام: “لو أن عبداً أنعم الله تعالى عليه نعمة، ثم ابتلاه فعافاه من تلك البلية، فجعل على نفسه أن يحرم من خراسان فأن عليه أن يتم”.
والرجحان لمتعلق النذر والنص بجوازه. نعم لو بعدت المسافة بحيث انه يحرم في غير أشهر الحج لكي يتم النسك لم ينعقد النذرلأن شرطه أن يقع الحج وعمرة التمتع له في اشهر الحج للإجماع بعدم جواز وقوعهما في غيرها، ولقوله تعالى الحـــــــج أشهر معلومات . وفي هذا الزمان يمكن القول بانعقاد مثل هذا النذر لإمكان تحقق بوسائط النقل الحديثة المتعارفة.

ولمن اراد العمرة المفردة في وجب وخشي تقضيه(1).
الثانية: اذا أحرم قبل الميقات لم ينعقد احرامه(2)، ولا يكفي مروره فيه ما لم يجدد الإحرام من رأس(3).
(1) لما ورد في الأخبار بأن العمرة الرجبية تلي الحج في الفضل، وقوله قدس سره، تقضيه أي انه اراد ادراك عمرة رجب وخشي انتهاء شهر رجب أن اخر الإحرام إلى الميقات، فانه يجوز له الإحرام قبل الميقات وتحسب له عمرة عمرة رجب، وعليه الإجماع كما عن العلامة والشهيد الثاني بالإضافة إلى النص. ففي صحيحة اسحاق بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام: “عن رجل يجئ معتمراً ينوي عمرة رجب، فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق، أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب، أو يؤخر الإحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان؟ قال عليه السلام: يحرم قبل الوقت، فأن لرجب فضلاً”. صحيحة معاوية بن عمار تشير إلى مطلق العمرة، إذ أن لكل شهر عمرة.
( ) وعليه الإجماع والنص. في صحيحة ابن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام: “من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تجاوزها إلا وأنت محرم”.
(2) بانشاء النية والتلبية كما سيأتي أن شاء الله. فكما لا يجوز تقديم الإحرام على الميقات، كذلك ليس للحاج أو المعتمر اجتيازها من غير احرام. والإجماع على عدم جواز تأخير الإحرام عنها

ولو أخره عن الميقات لمانع ثم زال المانع عاد الى الميقات(1). فان تعذر، جدد الإحرام حيث زال(2).
ولو دخل مكة خرج الى الميقات. فان تعذر، خـــرج الى خارج الحرم. ولو تعذر أحرم من مكة(3).
(1) وبه قال الشيخ في محكي النهاية كالمرض ونحوه لقاعدة نفي الحرج وللإرفاق، وفي مرسلة المحاملي: “إذا خاف الرجل على نفسه أخر إحرامه إلى الحرم”.
والأصل انه لا يجاوز الميقات اختياراً إلا محرماً، ولو لم يحرم منها فانه يجب العود مع الإمكان، إلا إذا كان أمامه ميقات آخر، وان اثم بترك الإحرام من الميقات الأول لتركه التكليف المنجز الفعلي عمداً.
(2) لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقاعدة نفي الحرج، وقال الشيخ في النهاية كما حكي عنه: أن من عرض له مانع من الإحرام جاز له أن يؤخر عن الميقات، فإذا زال المانع احرم من الموضع الذي انتهى إليه.
أما لو اخر الإحرام من الميقات عامداً عالماً ولم يرجع الى الميقات، فان إحرامه وحجه باطل كما عن المشهور وان كان عدم الرجوع لعذر، وعليه القضاء ان كان مستطيعاً.
(3) لقاعدة الميسور، ولأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، ولأحكام الضرورة وقاعدة نفي الحرج. وفي مرسلة جميل عن احدهما عليهما السلام: “في مريض اغمي عليه فلم يفق حتى أتى الموقف، قال عليه السلام: يحرم عنه رجل”.

وكذا لو ترك الإحرام ناسياً(1)، او لم يرد النسك(2). وكذا المقيم  بمكة اذا كان فرضه التمتع(3). أما لو أخـــره عامداً لم يصح احرامه حتى يعود الى الميقات، ولو تعذر لم يصح احرامه(4).

(1) أي كذلك يجب على الذي ترك الإحرام من الميقات ناسياً العودة إليه مع الإمكان، وعليه الإجماع والنص. وان تعذر عليه ذلك فمن حيث يتمكن والا فمن مكة.
ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: “رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم، قال عليه السلام: قال أبي عليه السلام: يخرج من ميقات أهل أرضه، فان خشي أن يفوته الحج احرم من مكانه، فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم”.
(2) أي الذي يجاوز الميقات محلاً لأنه لم يقصد النسك ولا دخول مكة، ثم بدا له اتيان المناسك أو دخول مكة، فانه يرجع إلى الميقات مع التمكن والى ما امكن مع عدمه، لظهور الإطلاق في الأحكام الخاصة في المقام لمطلق أهل الأعذار، وإنما ورد الناسي من باب المثال ويلحق به ايضاً الجاهل بالحكم والموضوع.
(3) كما تقدم بيانه، وتدل عليه صحيحة الحلبي المتقدمة.
(4) بلا خلاف فيه لقاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، ويبطل حجه على المشهور ويجب قضاؤه ان كان مستطيعاً، أي يأتي به في السنة الثانية، مع الإثم بترك الإحرام وتفويت الواجب.

الثالثة: لو نسي الإحرام ولم يذكر حتى اكمل مناسكه، قيل: يقضي ان كان واجباً(1)، وقيل: يجزيه(2) وهو المروي(3).
الركن الثاني في افعال الحج
والواجب اثنا عشر: الإحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، ونزول منى، والرمي، والذبح، والحلق بها والتقصير، والطواف وركعتاه، والسعي، وطواف النساء وركعتاه(4). ويستحب أمام التوجه: الصدقة(5)،
(1) والقائل ابن إدريس، أي يعيد مناسكه وما كان يريد الإحرام له من حج أو عمرة أن كانت واجبة.
(2) والقائل المشهور لحديث رفع القلم. وفي الدروس نسبه إلى الأصحاب عدا الحلي.
(3) وهي مرسلة جميل عن أبي عبدالله عليه السلام: “في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى، قال: تجزيه نيته، إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وان لم يهل”( ).
(4) ومنها واجبات غير ركنية لا يبطل الحج إلا بتركها عمداً، ومنها ما هو واجب ركني يبطل الحج بتركه عمداً وسهواً، كالموقفين معاً فان تركهما معاً ولو سهواً مبطل.
(5) لدفع البلاء ودفع النحوسة وشراء السلامة. وقد ورد في الخبر “انه كان علي بن الحسين عليه السلام إذا اراد الخروج إلى بعض أمواله اشترى السلامة من الله عز وجل بما يتيسر له ويكون ذلك إذا وضع رجله في الركاب، واذا سلمه الله تعالى فانصرف حمد الله عز وجل وشكره وتصدق بما تيسر له”.
وصلاة ركعتين(1)، وان يقف على باب داره(2). ويقرأ فاتحة الكتاب أمامه وعن يمينه وعن شماله وآية الكرسي كذلك(3)، وان يدعو بكلمات الفرج وبالأدعية المأثورة(4)،
(1) لما ورد عن أبي عبدالله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما استخلف رجل على أهله بخلافة افضل من ركعتين يركعهما إذا أراد الخروج إلى سفر، ويقول اللهم إني استودعك نفسي ومالي وذريتي ودنياي وآخرتي وامانتي وخاتمة عملي، إلا أعطاه الله ما سأل”.
(2) أي عند الخروج إلى الحج، والدار هنا ورد للغالب والا فمن مطلق المكان أو الموضع الذي يتوجه منه إلى الحج.
(3) لما ورد في خبر الحذاء عن أبي الحسن عليه السلام قال: “لو كان الرجل منكم إذا اراد سفراً قام على باب داره تلقاء وجهه الذي يتوجه له فقرأ الحمد أمامه وعن يمينه وعن شماله وآية الكرسي أمامه وعن يمينه وعن شماله، ثم قال: اللهم احفظني واحفظ ما معي، وسلمني وسلم ما معي، وبلغني وبلغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل، حفظه الله وحفظ مامعه، وبلغه وبلغ ما معه، وسلمه وسلم مامعه، أما رأيت الرجل يحفظ ولا يحفظ ما معه، ويسلم ولا يسلم ما معه ويبلغ ولا يبلغ ما معه”.
(4) لما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في صحيحة معاوية: “إذا خرجت من بيتك تريد الحج والعمرة ان شاء الله فادع دعاء الفرج، وهو لا اله إلا الله الحليم الكريم، لا اله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين”.
وان يقول اذا جعل رجله بالركاب: بسم الله الرحمن الرحيم، بســم الله وبالله والله اكبر، فاذا استوى على راحلته، دعا بالدعاء المأثور(1).
(1) لما ورد عن أبي الحسن عليه السلام في خبر ابراهيم بن عبد الحميد قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ركب الرجل الدابة فسمى، ردفه ملك يحفظه حتى ينزل، وان ركب ولم يسم، ردفه شيطان فيقول له: تغن، فأن قال له لا احسن، قال: تمن، فلا يزال يتمنى حتى ينزل.
وقال: من قال إذا ركب الدابة: بسم الله ولاحول ولا قوة إلا بالله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنـا له مقرنين ، حفظت له نفسـه ودابته حتى ينزل”.
ووردت نصوص اخرى قريبة من ذلك.

القول في الإحرام والنظر في: مقدماته، وكيفيته، واحكامه
اما مقدماته والمقدمات كلها مستحبة وهي:
توفير شعر رأسه من أول ذي القعدة اذا اراد التمتع، ويتأكد عند هلال ذي الحجة، على الأشبه(1). وان ينظف جسده، ويقص اظفاره، ويأخذ من شاربه، ويزيل الشعر عن جسده وإبطيه مطلياً(2).
( ) وهو المشهور وفي صحيحة ابن مسكان عن الصادق عليه السلام قال: “لا تأخذ شعرك وأنت تريد الحج في ذي القعدة، ولا في الشهر الذي تريد فيه الخروج الى العمرة”( ). وفي صحيحة عبد الله بن سنان: “اعف شعرك للحج إذا رأيت هلال ذي القعدة، وللعمرة شهراً”.
وقال المصنف (قدس سره) على الأشبه، ربما لما يفهم من كلام الشيخين في المقنعة والنهاية والإستبصار. ففي المقنعة مثلاً قال: إذا اراد الحج فليوفر شعر رأسه في مستهل ذي القعدة فأن حلقه في ذي القعدة فان عليه دم يهريقه”. ولا يدل ذلك على الوجوب فقد يأتي في مثل هذا اللفظ بقصد الندب.
( ) لعمومـات قوله تعالى يا بني آدم خــذوا زينتكم عند كـــل مسجـد ، وتعظيماً لشعائر الله واظهاراً للأدب في الوفود الى بيت الله. وفي الجواهر( ) قال: بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل النصوص فيما عدا الأول مستفيضة.
ولو كان قد أطلى اجزأه، ما لم يمض خمسة عشر يوماً(1).
وفي صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال: “إذا انتهيت الى العقيق من قبل العراق، أو الى وقت من هذه المواقيت وأنت تريد الإحرام ان شاء الله فانتف إبطيك، وقلّم أظفارك واطل عانتك، وخــذ من شاربك، ولا يضــرك بأي ذلك بدأت، ثم استك واغتسل والبس ثوبيك وليكن فراغك من ذلك ان شـــاء الله عند زوال الشمس، وان لم يكـن عند زوال الشمس فلا يضرك “( ).
ولم يذكر المصنف طلي العانة مع ان ذكرها في بعض النصوص، وهناك من رتب طرق ازالة الشعر بالطلي اولاً ثم الحلق ثم النتف، لما ورد عن الصادق عليه السلام في خبر عبد الله بن يعفور: “حلقه أفضل من نتفه، وطليه أفضل من حلقه”( ).
أما تنظيف الجسد وازالة الأوساخ عنه فلم يذكر بالنص، ولكنه يستقرأ استحبابه من غسل الإحرام وفحوى ما دل على تنظيف بعض اجزاءه.
(1) لما رواه محمد بن يعقوب عن علي بن حمزة قال: “سأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام وانا حاضر فقال: إذا طليت للإحرام الأول كيف اصنع في الطلية الأخيرة، وكم بينهما؟ قال عليه السلام: إذا كان بينهما جمعتان، خمسة عشر يوماً فاطل”( )، ورواه الصدوق باسناده.
والغسل للإحرام(1)، وقيل: ان لم يجد ماء يتيمم له(2).
ووردت نصوص تفيد اعادة الطلاء والتنور عند حلول أوان الإحرام وان كانت المدة التي مضت على التنوير الأول بضعة ايام ترغيباً فيه وطلباً للثواب، ولما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام وانه قال لأبن أبي يعفور وابي بصير: “اطليا، قالا: فقلنا: فعلنا منذ ثلاث، فقال عليه السلام: أعيدا، فان الطلاء طهور”.
( ) ادعي عليه الإجماع للنصوص المستفيضة تعظيماً لشعائر الله واظهار الطهارة وصدق الاقبال على المناسك ويكون الغسل عند الميقات، وورد عن أبي عبد الله عليه السلام في صحيحة ابن عمار: “الغسل من الجنابة ويوم الجمعة والعيدين وحين يحرم”( )، وجاء في بعض الأخبار انه واجب، ونسب العلامة الى ابن أبي عقيل القول بوجوبه، ولكن الوجوب الوارد في النصوص يحمل على الإستحباب المؤكد.
(2) والقائل الشيخ في المبسوط وابن البراج في المهذب، لبدلية التراب في الطهور والغسل المشروع، ولكن المصنف نسبه إلى القيل وضعفه في كشف اللثام والمدارك، ربما لأن تشريع هذا الغسل للتنظيف وازالة الأوساخ وتجديد الهمة وهذا لا يحصل بالتيمم، خاصة وان الغسل مستحب.
ونعت العلامة هذا القول بالضعف، وفي الروض قال: قول للشيخ لا بأس به وان جُهل مأخذه.

ولو اغتسـل وأكل او لبس، ما لا يجوز للمحرم اكله ولا لبسه، أعاد الغســل استحباباً(1). ويجوز له تقديمه على الميقات، اذا خاف عوز الماء فيه(2).

(1) وهو الأولى لما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار قال: “إذا لبست ثوباً لا ينبغي لك لبسه، أو أكلت طعاماً لا ينبغي لك أكله فأعد الغسل”( ). وهناك نصوص اخرى منها ما يشمل التطيب وتعدى بعض الفقهاء إلى جميع تروك الإحرام، وانه لو أتى بواحد منها بعده قبل الإحرام فالأولى اعادة الغسل.
ولو تركه أعاده واعاد صورة الإحرام، وان كان تركه عامداً لأن إحرامه الأول صحيح وليس من دليل على بطلانه، ويستحب الدعاء عند الغسل أو بعده: “بسم الله وبالله، اللهم اجعله لي نوراً، وطهوراً، وحرزاً، وأمناً من كل خوف، وشفاء من كل داء وسقم، اللهم طهرني وطهر قلبي، واشرح لي صدري، واجر على لساني محبتك ومدحتك والثناء عليك، فانه لا قوة لي إلا بك، وقد علمت أن قوام ديني التسليم لك، والإتباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله.
(2) في الجواهر قال: بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به في الذخيرة والرياض وغيرهما، بل في المدارك الإجماع عليه، لما ورد عن أبي بصير قال: “سألته عن الرجل يغتسل بالمدينة لإحرامه أيجزيه ذلك عن غسل ذي الحليفة؟ قال: نعم”( ).
ولو وجده استحب له الإعادة(1). ويُجزي الغسل في أول النهار ليومه، وفي أول الليل لليلته ما لم ينم(2).
ونصوص اخرى مثلها كصحيحة الحلبي.
وعوز الماء جاء من باب الغالب والمثال وليس الحصر فيجوز التقديم لمطلق العذر واحكام الضرورة.
(1) لما ورد في صحيحة هشام بن سالم: “أرسلنا إلى أبي عبد الله عليه السلام ونحن جماعة ونحن بالمدينة انا نريد ان نودعك، فأرسل الينا أن اغتسلوا بالمدينة فاني اخاف أن يعوز الماء عليكم بذي الحليفة، فاغتسلوا بالمدينة والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها ثم تعالوا فرادى أو مثاني”، ورواه الصدوق باسناده عن ابن أبي عمير وزاد “فلما اردنا أن نخرج قال: لا عليكم أن تغتسلوا إن وجدتم ماء إذا بلغتم ذا الحليفة”( ). ولكن حمل “لا عليكم” على نفي البأس وليس على الندب.
(2) للإرفاق والاجزاء ولما ورد في النصوص. وفي الجواهر قال: بلا خلاف أجده فيه.
وفي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام: “من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، ومن اغتسل ليلاً كفاه غسله إلى طلوع الفجر”( ).

ولو أحـرم بغير غســل او صلاة ثم ذكر، تدارك ما تركه وأعاد الإحرام(1).
وان يحرم عقيب فريضة الظهر او فريضة غيرها(2). وان لم يتفق(3) صلى للإحرام ست ركعات، وأقله ركعتان(4).
(1) استحباباً، وهو المشهور، لما ورد في صحيحة حسين بن سعيد عن أخيه الحسن قال: “كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن عليه السلام: رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلاً أو عالماً، ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب: يعيده”( ). وحملت الإعادة على الندب اجماعاً.
(2) وهو المشهور، وذهب الإسكافي إلى الوجوب، وقيل الإجماع على الإستحباب.
(3) أي لم يتفق إحرامه بعدصلاة فريضة.
(4) لما ورد في خبر أبي بصير عن الصادق عليه السلام: “تصلي للإحرام ست ركعات تحرم في دبرها”( )، بالإضافة إلى عمومات جواز بعد النافلة كما في صحيحة عمر بن يزيد: “واعلم انه واسع لك أن تحرم في دبرفريضة، أو نافلة في ليل أو نهار”( ).
ويجوز الصلاة اربع ركعات لخبر إدريس بن عبد الله عن الصادق عليه السلام: “وصلاة ركعتين”، فقد وردت في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدا الله عليه السلام قال: ” اذا اردت الإحرام في يقرأ في الأولى: “الحمد” و “قل يا أيها الكافرون”، وفي الثانية: “الحمد” و “قل هو الله أحد”(1)، وفيه رواية اخرى(2).
ويوقع نافلة الإحرام تبعاً له(3) ــ ولو كان وقت فريضـة ــ مقدماً للنافلة ما لم يتضيق الحاضرة(4).
غير وقت صلاة فريضة فصلّ ركعتين ثم أحرم في دبرها”( ).
( ) لما ورد في خبر معاذ بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام: “لا يدع أن يقرأ قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون في سبعة مواطن: في الركعتين قبل الفجر، وركعتي الزوال، وركعتين بعد المغرب، وركعتين في أول صلاة الليل، وركعتي الإحرام، والفجر إذا اصبحت بها، وركعتي الطواف”.
(2) وفي الجواهر( ) قال: لم اقف فيها إلا على خبر معاذ بن مسلم، لكن في التهذيب بعد أن اورد ذلك قال: وفي رواية اخرى: انه يقرأ في هذا بقل هو الله أحد، وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون، إلا في الركعتين قبل الفجر، فانه يبدأ بقل يا أيها الكافرون ثم يقرأ في الركعة الثانية بقل هو الله أحد.
(3) وقال في إيضاح ترددات الشرائع أي: “تبعاً للغسل” ، والأرجح أن المقصود انه تابع للإحرام من حيث المكان والوقت المتصل معه من غير تراخ.
(4) تقديم النافلة حتى على القول بعدم جواز النافلة لمن عليه فريضة للأخبار الواردة بالخصوص إلا مع ضيق الحاضرة لأنها صاحبة واما كيفيته: فتشتمل على واجب، ومندوب
أ ــ فالواجبات ثلاثة: الأول: النية(1)
وهي ان يقصد بقلبه الى أمور اربعة: ما يحرم به من حج اوعمرة متقرباً(2). ونوعه من تمتع او قران(3) أو افراد.
وصفته من وجوب أو ندب(4). وما يحــرم له من حجة الإسلام او غيرها(5).
الوقت الأصلية، كما ورد عن الصادق عليه السلام: “خمس صلوات تصليها في كل وقت منها صلاة الإحرام”.
( ) بلا خلاف محقق فيه كما عن الجواهر. ولأن الأعمال العبادية لا تتقوم إلا بالقصد، كما أن الثواب يترتب على النية.
(2) وهذا الأول أي تحديد قصـد الحج أو العمرة وبنية القربة التي تحتاج اليها العبادات امتثالاً للأمر، ويكفي في النية الداعي إذ لا يعتبر فيها التلفظ ولا الإخطار بالبال، لإطلاق الأدلة واصالة البراءة.
(3) وهذا الثاني أي نوع الحج هل هو تمتع أو حج قران، لوجوب التعيين عند المتعدد المأمور به.
(4) وهذا هــو الأمر الثالث من مسـتلزمات النية، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنما الأعمال بالنيات”، ولقاعدة الإشتغال فيما يتعلق بالواجب من حجة الإسلام أو النذر ونحوه، وقيل لا يعتبر في النية الوجــه من وجــوب أو نــدب إلا إذا تـوقــف التعـيين عليها.
(5) وهو الأمر الرابع في النية للحاجة إلى التعيين في الإمتثال.
ولو نوى نوعاً ونطق بغيره عمل على نيته(1). ولو أخل بالنية عمداً او سهواً لم يصح احرامه(2).
ولو أحرم بالحج والعمرة وكان في اشهر الحج، كان مخيراً بين الحج والعمرة(3)، اذا لم يتعين عليه احدهما(4).
( ) لإعتبار النية والقصد خاصة إذا كان النطق بغير ما عقد عليه النية سهواً. وفي خبر علي بن جعفر المروي عن قرب الإسناد: “سأل أخاه عن رجل أحرم قبل التروية فأراد الإحرام بالحج يوم التروية فأخطأ وذكر العمرة، فقال عليه السلام: ليس عليه شيء فليعيد الإحرام بالحج”( ).
(2) بلا خلاف فيه كما عن المدارك، لأن النية جزء أو شرط في الإحرام فلا يجوز تفويتها. وسأل الحلبي الصادق عليه السلام: “عن رجل لبى بحجة وعمرة وليس يريد الحج، قال: ليس بشيء، ولا ينبغي له أن يفعل”. أن بطلان الإحرام بفوات نيته لا يعني بطلان الحج.
(3) لأنهما لا يقعان بنية واحدة واحرام واحد، وكل منهما يحتاج إلى احرام مستقل للأرفاق ولإشتراكهما في النية التي لا تتعلق إلا بأحدهما. وعن الشيخ في الخلاف الإجماع على عدم جواز القران بينهما باحرام واحد. لظهور امتثال كل منهما بغض النظر عن اجتماعهما، فلو نوى كذلك وجب عليه تحديدها، ونسب الى الشيخ القول بصرفه الى المتعين منهما، اذ أن الاحرام حقيقة واحدة كالطهارة الحدثية.
(4) ومع التعيين يكون الإحرام للمتعين.

وان كان في غير أشهر الحج تعين للعمرة(1). ولو قيل: بالبطلان في الأول ولزوم تجديد النية، كان اشبه(2).
ولو قال: كاحرام فلان، وكان عالماً بماذا أحرم صح(3). واذا كان جاهلاً، قيل: يتمتع احتياطاً(4).
(1) أي العمرة المفردة كما عن الخلاف والمبسوط، ولإنحصار زمان الحج في اشهر معينة لقوله تعالى الحج اشهر معلومات .
(2) أي اشبه بأصول المذهب، لقاعدة الإشتغال، وللزوم مطابقة المأتي به للمأمور به، وللتعيين الواقعي وعدم صحة الحج حينئذ فيكون انطباق الفعل على العمرة قهراً.
وورد عن ابن أبي عقيل صحة الإحرام بالحج والعمرة في نية واحدة بشرط سياق الهدي، لكنه لم يقل بالتخيير.
(3) وعليه الإجماع، أي نية إحرامه تكون مطابقة لصاحبه، ولإمكان جعل النية بالدلالة غير المباشرة ما دامت لا تدل على متعدد أو شيء غيري، وللإرفاق ونفي الحرج وجواز التقليد في المقام، ولوجود المقتضي وفقد المانع، بالإضافة إلى النص. ففي صحيحة الحلبي أو حسنته عن الصادق عليه السلام: “في حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي بأي شيء اهللت؟ فقال: أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم”، (وكان عالماً) أي انه يعلم بماذا احرم الذي جعل نيته تابعة له.
(4) أي ان كان جاهلاً بما نواه فلان، والقائل الشيخ والفاضل في محكي المنتهى والتذكرة يصح، أي يتمتع للحج والعمرة، لجواز العدول إلى التمتع، ولإحتمال كونه متمتعاً فيوافق الفعل الأمر ولو نسي بماذا أحرم، كان مخيراً بين الحج والعمرة، اذا لم يلزمه احدهما(1).
الثاني(2): التلبيات الأربع(3)
خاصة مع اشتباه الأمر، وهناك قول بالبطلان لعدم التعيين. ولو لم يعلم المكلف هل انه احرم، أم لا، فانه بحكم من لم يحرم.
(1) كما قال به الفاضل والشهيدان وغيرهم، لعدم جواز الجمع بينهما في الإحرام، وللأصل في جواز الإحرام بأي منهما، ولحديث الرفع أما مع التعيين فينصرف الاحرام له.
(2) من واجبات الإحرام وقد تقدم الواجب الأول وهو النية.
(3) والإجماع على اصل وجوبها، بالإضافة إلى النصوص. وعن المنتهى اجماع أهل العلم على عدم وجوب الزائد. وهناك قول بالخمس.
كما عن ظاهر الإقتصاد وعن التذكرة، الإجماع على عدم وجوبه. وعن المهذب البارع حكى القول بالست، والقولان ضعيفان.
واختلف في صورة التلبية منها:
1- “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”، واختاره المحقق والعلامة.
2- إضافة “أن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”، إلى التلبية اعلاه. ونسب الى الصدوق في الفقيه والمقنع، والى المفيد وابن أبي عقيل وابن الجنيد.
3- “لبيك اللهم لبيك، لبيك أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك”، وهذا القول لم يكن في مدارك الأخبار، وهناك قول رابع بتقديم لفظ “والملك” على لفظ “لك”.

فلا ينعقد الإحرام لمتمتع ولا لمفرد الا بها(1)،
وعمدة الدليل على ما في المتن صحيحة معاوية بن عمار التي هي من محكمات الأخبار. وفي صحيحة عاصم بن حميد قال: “سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما انتهى إلى البيداء حيث الميل قربت له ناقة فركبها، فلما انبعثت به لبى بالأربع فقال: لبيك اللهم لبيك، اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبيك ثم قال: ها هنا يخسف بالأخابث، ثم قال: أن الناس زادوا بعد وهو احسن”( ). والواجب من التلبية مرة واحدة.
ولا يجزي الملحون في الإتيان بها مع التمكن من الصحيح للزوم مراعاة قواعد اللغة، والأخرس يشير اليها باصبعه مع تحريك لسانه، ويلبى عن الصبي غير المميز كما تقدم وعن المغمي عليه.
و”ان الحمد” يقرأ بكسر الهمزة وفتحها، والأول أولى، ولبيك مصدر منصوب بفعل مقدر، أي الب لك الباباً بعد الباب، أو لباً بعد لب أي اقامة بعد اقامة، من لب المكان أي أقام.
( ) بلا خلاف فيه أي لا ينعقد الإحرام لمتمتع بعمرة أو حجة، ولا لمفرد معتمر ولا حاج إلا بالتلبية، وعليه الإجماع كما عن الإنتصار والغنية والخلاف والتذكرة والمنتهى.
بالإضافة إلى النص، ففي صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام: “في الرجل إذا تهيأ للإحرام فله أن يأتي النساء ما لم يعقد التلبية أو يلب”.

وبالإشارة للأخرس مع عقد قلبه بها(1).
والقارن بالخيار، ان شاء عقد احرامه بها، وان شاء قلد او اشعر، على الأظهر(2).
والتلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة أي أن الشروع في الإحرام وان كان بالنية ولبس الثوبين، إلا انه لا تحرم عليه المحرمات. وفي صحيحة ابن الحجاج عن الصادق عليه السلام: “في الرجل يقع على أهله بعد ما يعقد الإحرام ولم يلب، قال عليه السلام: ليس عليه شيء”.
(1) وهو المشهور لقاعدة الميسور وتعذر الإتيان بالتلبية. ويدل على ذلك النص، كما في خبر السكوني المنجبر بالعمل “أن علياً عليه السلام قال: تلبية الأخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه واشارته باصبعه”.
(2) أي أن ما تقدم في المتمتع والمفرد والقارن بالخيار وهو المشهور، كما في صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال: “يوجب الإحرام ثلاثة اشياء: التلبية، والإشعار، والتقليد، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم”.
وقول الصادق عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد: “من اشعر بدنته فقد احرم وان لم يتكلم بقليل ولا كثير”( ). وحكي عن السيد وابن إدريس عدم الجواز إلا بالتلبية لأنها الفرد المتيقن. وعن الشيخ وابن حمزة وابن البراج اشتراط الإنعقاد بغير التلبية عند العجز عنها.

وبأيهما بدأ كان الآخر مستحباً(1).
وصورتها ان يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك(2)، وقيل يضيف الى ذلك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وقيل: بل يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك ان الحمد والنعمة والملك لك، لا شريك لك لبيك(3)، والأول اظهر(4).
(1) أي بالتلبية أو بالإشعار والتقليد، وقيل بعدم وجود دليل على الإستحباب الا أن اطلاق الأمر بكفاية كل من الثلاثة.
(2) وقد تقدم ذكر الإختلاف في صورتها وان لم يختلفوا في كونها أربعة، وما في المتن هو ظاهر التحرير ومحكي المنتهى وخيرة الكركي والمدارك، كما في صحيحة عاصم بن حميد، واختاره العلامة ايضاً وهو الوارد في صحيحة معاوية بن عمار وهي من محكمات الأخبار في هذا الباب( ) والزوائد فيها مستحبة.
(3) كما عن جمل السيد والمبسوط والسرائر والكافي والغنية والوسيلة.
واعترف جماعة بعدم وجود مدرك له في الاخبار. وفي حديث شرائع الدين عن الصادق عليه السلام: “وفرائض الحج: الاحرام، والتلبيات الأربع، وهي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.
(4) أي الصورة الأولى من الصور الثلاثة أعلاه، فهي أظهر من غيرها في النصوص والاخبار.

ولو عقد نية الإحرام، ولبس ثوبيه ثم لم يلب، وفعل ما لا يحل للمحرم فعله، لم يلزمه بذلك كفارة اذا كان متمتعاً او مفرداً(1). وكذا لو كان قارناً ولم يشعر ولم يقلد(2).
فروع:
1- يجب ان يؤتى بالتلبية على الوجه العربي الصحيح من غير لحن، وان كان مع التلقين أو التصحيح او الاستعانة بالآلة، ولا تجزي الترجمة ومع التعذر فالأحوط الجمع بين الاستنابة والترجمة.
2- اذا شك في صحة الاتيان بالتلبية، بنى على الصحة لقاعدة الفراغ.
(1) لأنه من الشروع الصوري الظاهري، ولأن التلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة، بالإضافة إلى النص، والإجماع انه لا ينعقد احرام حج التمتع أو احرام عمرته، ولا احرام حج الإفراد، ولا احرام العمرة المفردة إلا بالتلبية. وللنص ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: “لا بأس ان يصلي الرجل في مسجد الشجرة، ويقول الذي يريد أن يقوله ولا يلبي، ثم يخرج فيصيب من الصيد وغيره فليس عليه شيء”.
(2) لورود النص بعدم انعقاد الإحرام إلا بأحد الثلاثة. ففي صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام: “يوجب الإحرام ثلاثة اشياء: التلبية والإشعار والتقليد، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد احرم”. خلافاً للسيد وابن إدريس من عدم انعقاد الإحرام مطلقاً إلا بالتلبية. لذا قيل بان الأحوط ضم التلبية عند اختيار الإشعار أو التقليد.
الثالث: لبس ثوبي الإحرام
وهما واجبان(1)، فلا يجوز الإحرام فيما لا يجوز لبسه في الصلاة(2). وهل يجوز الإحرام في الحرير للنساء؟ قيل: نعم، لجواز لبسهن له في الصلاة(3)، وقيل: لا،(4)،
( ) بلا خلاف فيه كما في الجواهر والمنتهى والمدارك، وفي التحرير الإجماع عليه، بالإضافة إلى السيرة العملية والتأسي وان كان أعم من الوجوب. واقتصر الشيخ وبنو حمزة والبراج وزهرة الإحرام في ثوب على الضرورة.
بالإضافة إلى النصوص الكثيرة منها ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن الإمام الصادق عليه السلام: “ثم استك واغتسل والبس ثوبيك”.
(2) كالثوب المصنوع من جلد ووبر وشعر ما لا يؤكل لحمه، ويدل على ذلك ما ورد في حسنة حريز عن الصادق عليه السلام: “كل ثوب يصلى فيه فلا بأس بالإحرام فيه”.
(3) والقائل المفيد في كتاب احكام النساء، وابن إدريس في السرائر، والفاضل في القواعد ونسب إلى اكثر المتأخرين، للأولوية وللنص ففي صحيحة يعقوب بن شعيب قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام: “المرأة تلبس القميص تزره عليها، وتلبس الحرير والخز والديباج، فقال: نعم، لابأس به، وتلبس الخلخالين والمسك”.
(4) والقائل الشيخ والصدوق، لأنه الاحرام للحج عنوان الزهد والإنقطاع عن الدنيا، وربما أثر لبس الحرير على غير المرأة.

وهو أحوط(1).
ويجوز ان يلبس المحرم اكثر من ثوبين(2)، وان يبدل ثياب احرامه(3)، فاذا اراد الطواف فالأفضل ان يطوف فيهما(4).
ويدل على ما في المتن النصوص منها صحيحة عيص بن القاسم عن الصادق عليه السلام قال: “المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين”( ).
(1) للنصوص الواردة في النهي عن لبسه، وان كان الجمع بين النصوص يفيد الكراهة.
(2) لما ورد في حسنة معاوية بن عمار وحسنة الحلبي أو صحيحته قال: “سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يتردى بالثوبين، قال: نعم والثلاثة أن شاء، يتقي بها البرد والحر”( ).
(3) اذ لا موضوعية لشخص معين من الثياب في الاحرام، للأصل ولقول الصادق عليه السلام في حسنة الحلبي أو صحيحته: “لا بأس أن يحول المحرم ثيابه”، وفي اخرى “وسألته عليه السلام يغسلها إذا اصابها شيء، قال: نعم، وان احتلم بها فليغسلها”( ).
(4) وهو الأحوط للبس كل منها في شطر من مناسكه، ولكن قاعدة نفي الحرج حاكمة ومفهوم صحيحة الحلبي اعلاه يدل على عدم شرطية استدامة واستصحاب لبس ثوب الإحرام في الطواف. وفي الجواهر قال: وان قيل قد يوهم الوجوب عبارة الشيخ وجماعة.

واذا لم يكن مع الإنسان ثوبا الإحرام، وكان معه قباء، جاز لبسه مقلوباً، بان يجعل ذيله على (كتفيه)(1).
وأما أحكامه فمسائل
الأولى: لا يجوز لمن احرم ان ينشيء احراماً آخر، حتى يكمل أفعال ما أحرم له(2). فلو أحرم متمتعاً ودخل مكة، واحرم بالحج قبل التقصير ناسياً، لم يكن عليه شيء(3)،
(1) في الجواهر قال: بلا خلاف أجده في اصل الحكم، بل عن ظاهر التذكرة والمنتهى انه موضع وفاق، لأحكام الضرورة ولقاعدة الاجزاء والميسور بالإضافة إلى النص ففي صحيحة الحلبي: “إذا اضطر المحرم إلى القباء ولم يجد ثوباً غيره فيلبسه مقلوباً ولا يدخل يديه في يدي القباء”.
والقباء ـ بالفتح ـ من الثياب سمي بذلك لاجتماع أطرافه لأنه مشتق من قبا الشيء قبواً أي جمعه والجمع أقبية.
(2) وعليه الإجماع بالإضافة إلى النصوص، وان حج التمتع يكون بعد التقصير المحلل لإحرام العمرة واتمامها. فالإحرام الثاني قبل اكمال أفعال الإحرام الأول يكون من التشريع المنهي عنه، ولإصالة بقاء الإحرام الأول.
(3) ادعي الإجماع على ذلك، أي انه ليس عليه دم او قضاء التقصير، لحديث الرفع.
ويدل على ما في المتن النصوص منها صحيحة معاوية بن عمار قال: “سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أهل بالعمرة ونسي أن يقصر حتى دخل بالحج، قال: يستغفر الله تعالى ولا شـيء عليه

وقيل: عليه دم(1)، وحمله على الإستحباب أظهر(2).
وان فعل ذلك عامداً، قيل: بطلت عمرته فصارت حجة مبتولة(3)، وقيل: بقي على احرامه الأول، وكان الثاني باطلاً(4)، والأول هو المروي(5).
وقد تمت عمرته”( ).
(1) والقائل الشيخ وابن زهرة وابن البراج وابن حمزة، لأن النسيان يرفع الإثم دون الكفارة، ويدل على ما في المتن النص ففي موثقة اسحاق بن عمار قال: “قلت لأبي ابراهيم عليه السلام: الرجل يتمتع فينسى أن يقصر حتى يهل بالحج، قال: عليه دم يهريقه”.
(2) جمعاً بين النصوص وظهور الصحاح في عدم وجوب شيء عليه، وذهب إلى هذا القول ايضاً الصدوق وابن إدريس والديلمي وهو المشهور بين المتأخرين.
(3) والقائل الشيخ وابن حمزة وابن سعيد، لبقاء الإحرام الأول ولزوم إتمام اعماله عليه. وفي خبر محمد بن سنان عن العلاء بن الفضيل قال: “سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل أن يقصر، قال: بطلت متعته، وهي حجة مبتولة”( )، والمبتول المقطوع.
(4) والقائل ابن إدريس والفاضل في التلخيص، للنهي عن الثاني المقتضي الفساد لأنه من العبادات، ولأنه لا يدخل في الحج إلا بعد إتمام مناسك العمرة.
(5) لخبر العلاء بن فضيل المتقدم وموثقة أبي بصير أو صحيحته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبى الثانية: لو نوى الإفراد، ثم دخل مكة، جاز ان يطوف(1) ويسعى ويقصر ويجعلها عمرة يتمتع بها(2) ما لم يلب. فان لبى انعقد احرامه(3). وقيل: لا اعتبار بالتلبية، وانما هو بالقصد(4).
الثالثة: اذا أحرم الولي بالصبي، جرده من فخ(5)، وفعل به ما يجب على المحرم وجنبه ما يجتنبه(6).
بالحج قبل أن يقصر فليس له أن يقصر، وليس له متعة”( ).
( ) أي يطوف واجباً للحج.
(2) لجواز العدول حينئذ.
(3) لعدم جواز العدول حينئذ.
(4) والقائل ابن إدريس، ولعله لعمومات قوله عليه السلام: “انما الاعمال بالنيات” وصحة التلبس بسبب القصد والعزيمة.
(5) أي انه يحرم بالصبي من الميقات وهو الأحوط، وتجريد الصبي عن المخيط يكون من فخ وقد تقدم الكلام في ذلك. والقول بجواز تأخير إحرامهم الى فخ، وفخ محل معروف على فرسخ من مكة.
(6) لتعلق أحكام الحج به بغض النظر عن مشروعية عبادات الصبي. وللنص ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: “انظروا إلى من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر، ويصنع به ما يصنع بالمحرم، ويطاف به ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه”( ).

ولو فعل الصبي ما يجب به الكفارة، لزم ذلك الولي في ماله(1). وكل ما يعجز عنه الصبي يتولاه الولي من تلبية وطواف وسعي وغير ذلك(2). ويجب على الولي الهدي من ماله ايضاً(3). وروي: اذا كان الصبي مميزاً جاز أمره بالصيام عن الهدي، ولو لم يقدر على الصيام صام الولي عنه مع العجز عن الهدي(4).

(1) لعدم توجه الخطاب إلى الصبي، وتوجهه إلى الولي بأن يجنب الصبي ما فيه الكفارة، وعن ابن إدريس عدم الوجوب مطلقاً لأن عمد الصبي خطأ.
(2) لصحيحة زرارة عن احدهما عليهما السلام: “إذا حج الرجل بإبنه وهو صغير فأنه يأمره أن يلبي ويفرض الحج، فان لم يحسن أن يلبي لبوا عنه، ويطاف به ويصلى عنه، قلت: ليس لهم ما يذبحون عنه، قال: يذبح عن الصغار ويصوم الكبار، ويتقي ما يتقي المحرم من الثياب والطيب، فان قتل صيداً فعلى أبيه”. ونصوص اخرى منها صحيحة ابن الحجاج التي تقدم ذكرها.
(3) أي أن الولي يتحمل قيمة الهدي والقيام به لأنه نوع نفقة زائدة، ويدل على ما في المتن جملة من النصوص منها خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام قال: “يصوم عن الصبي وليه إذا لم يجد هدياً وكان متمتعاً”( ).
(4) لقدرة الصبي على اداء المناسك وأداء الصيام، وهل ان (العجز عن الهدي) متعلق بالصبي أو الولي، أو مطلقاً.

الرابعة(1): اذا اشترط في احرامه ان يحله حيث حبسه ثم احصـر، تحلل(2). وهل يسقط الهدي؟ قيل: نعم(3)، وقيل: لا، وهو الأشبه(4).
الأرجح انه متعلق بالولي، وعدم انتقال النوبة الى مال الولي وصيامه إلا بعد عجز الصبي. وربما لم تكن الرواية بهذا التفصيل، وقريب من ذلك موثقة سماعة انه سأله عليه السلام: “عن رجل أمر غلمانه أن يتمتعوا، قال: عليه أن يضحي عنهم، قلت: فانه اعطاهم دراهم فبعضهم ضحى وبعضهم أمسك الدراهم وصام، قال: قد أجزأ عنهم، وهو بالخيار أن شاء تركها قال: ولو انه امرهم فصاموا كان اجزأ عنهم”( ).
(1) أي المسألة الرابعة.
(2) لجواز الشرط في المقام العمل به. وفي الجواهر قال: بلا إشكال ولا خلاف نصاً وفتوى.
(3) والقائل المرتضى والحلي والحلبي، وفي الانتصار للسيد المرتضى الإجماع عليه، وهو فائدة الشرط ويدل على ذلك صحيحة ذريح المحاربي قال: “سألت أبي عبد الله عليه السلام عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج واحصر بعد ما احرم كيف يصنع؟ قال: فقال: أو ما اشترط على ربه قبل أن يحرم أن يحله من إحرامه عند عارض عرض له من أمر الله؟ فقلت: بلى قد اشترط ذلك( ).
( ) أي لا يسقط الهدي، والقائل الإسكافي والشيخ في محكي الخلاف والمبسوط.
وفائدة الإشتراط جواز التحلل عند الإحصـار(1)، وقيل: يجوز التحلل من غير شرط(2)،
أي وهو الأشبه بالقواعد والأصول، ويدل عليه خبر عامر بن عبد الله بن جذاعة المروي عن الجامع من كتاب المشيخة لأبن محبوب عن الصادق عليه السلام: “في رجل خرج معتمراً فاعتل في بعض الطريق وهو محرم، قال: ينحر بدنة ويحلق رأسه ويرجع إلى رحله ولا يقرب النساء، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً، فان برأ من مرضه اعتمر ان كان لم يشترط على ربه في إحرامه، وان كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر إلا أن يشاء فيعتمر، ويجب أن يعود للحج الواجب المستقر وللأداء أن استمرت الإستطاعة في قابل، والعمرة الواجبة كذلك في اشهر الداخل، وان كانا متطوعين فهما بالخيار”.
(1)كما عن الخلاف والمبسوط، في المصدود، ويدل على ذلك صحيحة معاوية عن الصادق عليه السلام في حديث: “أن الحسين بن علي عليه السلام خرج معتمراً فمرض في الطريق، فبلغ علياً عليه السلام وهو بالمدينة فخرج في طلبه فادركه بالسقيا وهو مريض، فقال: يا بني ما تشتكي، قال: اشتكي رأسي فدعا علي عليه السلام ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة، فلما برء من وجعه اعتمر”( ).
(3) وهو المشهور بين العامة وربما كان ظاهر المبسوط والخلاف، واختاره ثاني الشهيدين كما عن الجواهر.

والأول اظهر(1).
الخامسة: اذا تحلل المحصور(2) لا يسقط الحج عنه في القابل ان كان واجباً(3)، ويسقط ان كان ندباً(4).
باعتبار أن الشرط يترتب عليه الثواب، والشرط يدل على الجواز، ولقاعدة نفي الحرج ولإستدامة اعتبار الإستطاعة.
وفي حسنة زرارة: “هو حل إذا حبسه اشترط لو لم يشترط”.
(1) أي أن فائدته التعجيل أي تعجيل التحلل كما عن الجواهر( )، ولكن ظاهر العبارة جواز التحلل مع الشرط لا التحلل من غير شرط.
(2) أو المصدود.
(3) لقاعدة الإشتغال أي أن الإشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، بالإضافة إلى الأصل والعمومات والنص، والواجب أعم من حج الفريضة فيدخل به الواجب بالعرض كما لو وجب بالنذر أو اليمين.
(4) لعدم الوجوب في الأصل وبقاء الندب على حاله.

ب ــ والمندوبات
رفع الصوت بالتلبية للرجال(1)، وتكرارها عند نومه واستيقاظه. وعند علو الآكام ونزول الأهضام(2).
( ) وهو المشهور وفي صحيحة عمر بن يزيد: “واجهر بها كلما ركبت وكلما نزلت، وكلما هبطت وادياً أو علوت أكمة أو لقيت راكباً وبالأسحار”( ). ومنهم من قال بوجوب الجهر حملاً لقوله عليه السلام “واجهر بها”، على ظاهره، ولكن المنساق منه السنة والأدب والإستحباب. وفي المرسل “أن التلبية شعار المحرم فارفع صوتك بالتلبية”.
وليس على النساء جهر في التلبية، ففي مرسلة فضالة عن الصادق عليه السلام الله: “ان تعالى وضع عن النساء اربعاً: الجهر بالتلبية، والسعي بين الصفا والمروة، ودخول الكعبة، واستلام الحجر”.
(2) للتأسي والثواب وتعظيم شعائر الله، وفي صحيحة معاوية بن عمار: “تقول هذا في دبر كل صلاة مكتوبة أو نافلة، وحين ينهض بعيرك، واذا علوت شرفاً أو هبطت وادياً أو لقيت راكباً، أو استيقظت من منامك وبالأسحار واكثر ما استطعت”.
الآكام والأكام: جمع أكمة وهو التل الصغير أو الموضع الأشد ارتفاعاً مما حوله، والأهضام الهضوم جمع هضم ــ بفتح أو كسر الهاء ــ، المطمئن من الأرض وقيل بطن الوادي، والأول اعم وانسب لمعناه في المقام.
وقيل أن الواجب من التلبية مرة واحدة للأصل والإطلاق، وان الإكثار منها مستحب.
فان كان حاجــاً فإلى يوم عرفة عند الزوال(1). وان كان معتمراً بمتعة فاذا شاهد بيوت مكة(2).
وفي خبر ابن فضال عن رجال شتى عن أبي جعفر عليه السلام قال: “قال رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم: من لبى في إحرامه سبعين مرة ايماناُ واحتساباً، اشهد الله له ألف ألف ملك، ببراءة من النار وبراءة من النفاق”( ).

( ) مفردة أو قارناً للنصوص الواردة في المقام، منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: “الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس”( ). وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك.
(2) وعليه الإجماع، وقيل انه مقطوع به في كلام الأصحاب، ويدل عليه قول الصادق عليه السلام في حسنة الحلبي: “المتمتع إذا نظر إلى بيوت مكة قطع التلبية، ومن جاء على طريق المدينة يقطع عند عقبة المدنيين وهو مكان معروف”.
وفي صحيحة معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية، وحد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين، فان الناس قد احدثوا بمكة ما لم يكن، فاقطع التلبية وعليك بالتكبير، والتهليل والتحميد، والثناء على الله عز وجل بما استطعت”( ).
وان كان بعمرة مفردة، قيل: كان مخيراً في قطع التلبية عند دخول الحرم، او مشاهدة الكعبة(1). وقيل: ان كان ممن خرج من مكة للإحرام، فاذا شاهد الكعبة. وان كان ممن احرم من خارج، فاذا دخل الحرم(2)، والكل جائز.
( ) والقائل الصدوق وذلك جمعاً بين الأحاديث التي تفيد قطع التلبية تارة عند دخول الحرم وتارة عند البيت، ففي خبر يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام: “عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من أين يقطع التلبية؟ قال: اذا رأيت بيوت ذي طوى فاقطع التلبية”( ).
وفي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “من دخل مكة مفرداً للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الإبل اخفافها في الحرم”( ).
( ) وهو المشهور أي الحكم بالتفصيل في قطع التلبية بين من خرج من مكة ومن أحرم من خارج الحرم. ويدل على ما في المتن الجمع بين الأحاديث.
فقد ورد في خبر معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام: “من اعتمر من التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر إلى المسجد”. وصحيحة عمر بن يزيد: “من خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمراً لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة”. وقد انكر الشيخ على الصدوق القول بالتخيير.
ويرفع صوته بالتلبية، اذا حج على طريق المدينة، اذا علت راحلته البيداء، فان كان راجلاً فحيث يحرم(1). ويستحب التلفظ بما يعزم عليه(2). والاشتراط ان يحله حيث حبســه. وان لم يكن حجة فعمرة(3).
( ) وهذا ايضاً من المستحبات يمكن استقراؤه من النصوص التي تفيد ذكر مواطن التلبية من باب المثال والفرد المعلوم وما فيه تعظيم شعائر الله.
(2) تثبيتاً للنية وتعظيماً لشعائر الله، وبيان انه حج مفرد أو تمتع أو عمرة مفردة أو متمتع بها، وفي صحيحة معاوية بن وهب: “قال تحرمون كما انتم في محاملكم تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك بمتعة بعمرة إلى الحج”( ).
واستحباب التلفظ لا ينحصر بالتلبية فربما جاء بصيغة الدعاء والمسألة لما ورد في النص: “اللهم إني اريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم فاقبلها”.
(3) أي يستحب أن يشترط عند إحرامه على الله أن يحله إذا عرض مانع من إتمام نسكه من حج أو عمرة. وان يتم إحرامه عمرة إذا كان الإحرام للحج وتعذر عليه اتمامه.
واختلف في فائدة هذا الإشتراط، قيل إنها سقوط الهدي، وقيل إنها تعجيل التحلل وعدم انتظار بلوغ الهدي محله، وقيل سقوط الحج من قابل، وقيل أن فائدته ادراك الثواب فهو مستحب تعبدي.
وان يحرم في الثياب القطن(1)، وافضله البيض(2). واذا احرم بالحج من مكة، رفع صوته بالتلبية، اذا اشرف على الأبطح(3).
وكيفية الإشتراط وردت بعدة صيغ منها ما جاء في صحيحة ابن سنان: “إذا اردت الإحرام بالتمتع فقل: اللهم إني اريد ما امرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج فيسر ذلك لي وتقبله مني وأعني عليه، وحلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت عليّ، أحرم لك شعري وبشري من النساء والطيب والثياب”( ).
(1) بلا خلاف فيه للتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويدل على ذلك جملة من النصوص منها قول أمير المؤمنين عليه السلام: “البس القطن فانه لباس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لباسنا”.
(2) لإستحباب لبس الأبيض مطلقاً وما يعنيه من الطهارة والطيب والحسن، وما فيه ووحدة لون لباس الحاج من تعظيم لشعائر الله وقدسية خاصة للدوام فيه والفصل عن غيره، بالإضافة إلى النص.
ففي خبر الدعائم عن أبي جعفر عليه السلام: “يتجرد المحرم في ثوبين نقيين ابيضين، فان لم يجد فلا بأس بالصبغ ما لم يكن بزعفران أو ورس أو طيب، وكذلك المحرمة لا تلبس مثل هذا من الصبغ”.
(3) لما ورد في حسنة معاوية بن عمار عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “إذا كان يوم التروية أن شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافياً وعليك السكينة والوقار، ثم صل ويلحق بذلك: تروك الإحرام(1)
وهي محرمات ومكروهات، فالمحرمات عشرون شيئاً(2)
مصيد البر(3):
ركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين احرمت من الشجرة، فاحرم بالحج وعليك السكينة والوقار، فإذا انتهيت إلى فضاء دون الردم فلب، فإذا انتهيت إلى الردم واشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى”( ).
( ) أي التي تترك عند الإحرام.
(2) وفي الدروس ثلاثة وعشرون، وفي القواعد ثمانية وعشرون، وقيل غير ذلك، والإختلاف في التصنيف، وبعض اختصر على ذكر النوع، وآخر ذكر الجنس، ومنها ما هو مشترك بين الرجل والمرأة، او مختص بالرجل دون المرأة، او المرأة دون الرجل.
(3) وفي نسخة اخرى صيد بدل مصيد، ويدل عليه الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ، وقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً..، وفي صحيحة عمر بن يزيد: “واجتنب في احرامك صيد البر كله”( ). وفي صحيحة الحلبي: “لا تستحلن شيئاً من الصيد وأنت حرام ولا وانت حلال في الحرم”( ).
اصطياداً أو أكلاً ولو صاده مُحل(1)، واشارة ودلالة، واغلاقاً(2)، وذبحاً(3). ولو ذبحه كان ميتة حراماً، على المحل والمحرم(4).
(1) وعليه الإجماع والنص قال الصادق عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار: “لا تأكل شيئاًَ من الصيد وأنت محرم وان صاده حلال”( ). أي انه لا يجوز للمحرم الصيد أو اكل ماصاده المحل أو ذبحه.
(2) أي تحرم الإعانة على الصيد اشارة ودلالة واغلاقاً ونحو ذلك مما يكون بقصد صيده والتسبيب إليه. ويدل على ذلك جملة من النصوص منها صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: “ولا تدلن عليه محلاً ولا محرماً فيصطاده، ولا تشر إليه فيستحل من اجلك، فان فيه فداء لمن تعمده”( ). وقوله “اغلاقاً عليه” أي يمنعه من الفرار حتى يصيده غيره.
(3) وعليه الإجماع لقوله تعالى لا تقتلوا الصيد وانتم حرم .
(4) وهو المشهور، وعن المنتهى والتذكرة الإجماع عليه، بالإضافة إلى النص ففي خبر وهب بن وهب المنجبر بعمل المشهور عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال: “إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحلال والحرام وهو كالميتة، واذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة حلال ذبحه أو حرام”( ).

وكذا يحرم فرخه وبيضه(1).
وفي خبر اسحاق عن جعفر عليه السلام ايضاً: “أن علياً عليه السلام كان يقول إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم، واذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم”( ).
وقد نوقش في ذلك واستدل بجواز اكل المحل ما صاده المحرم على حسب بعض النصوص على انه ليس بميتة. ففي صحيحة ابن عمار قال: “سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اصاب صيداً وهو محرم يأكل منه الحلال؟ فقال عليه السلام: لا بأس، إنما الفداء على المحرم”. وصحيحة منصور ابن حازم قال: “قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل اصاب من صيد اصابه محرم وهو حلال ؟ قال عليه السلام: فليأكل منه الحلال وليس عليه شيء، إنما الفداء على المحرم”( ).
واستشهد بان التذكية لا تتم إلا بذكر الله تعالى وهو غير ممكن على المحرم، ولكن لا تعارض بين الذكر والحرمة خاصة وان النهي في غير العبادات لا يوجب الفساد.
(1) وعليه الإجماع والنص، أي أن البيض والفرخ كالأصل في الحرمة على المحرم أكلاً واتلافاً، مباشرة وتسبيباً. نعم لا يحرم البيض الذي اخذه المحرم أو كسره على المحل سواء كان في الحل أو الحرم لعدم اشتراط التذكية فيه. وقيل ان الأحوط اجتنابه. وسيأتي الكلام في باب الكفارات ان شاء الله.
والجراد في معنى الصيد البري(1). ولا يحرم صيد البحر(2)، وهو ما يبيض ويفرخ في المياه(3).
(1) وعليه الإجماع والنص. خلافاً للشافعي واحمد في رواية. قال الباقر عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم: “مرّ علي عليه السلام على قوم يأكلون جراداً وهم محرمون، فقال: سبحان الله وانتم محرمون، فقالوا: إنما هو من صيد البحر، فقال لهم : ارموه بالماء اذن”( ).
أي انه لو كان بحرياً لأستطاع العيش في الماء.
(2) وعليه الإجماع، أي يجوز للمحرم صيد البحر مباشرة وتسبيباً واكلاً وتزوداً، ويشمل البحر النهر ايضاً، ويدل على ما في المتن قوله تعالى أحــل لكم صيد البحــر وطعامـــه متاعاً لكم وللسيارة . وفي صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “لا بأس بأن يصيد المحرم السمك ويأكل مالحه وطريه ويتزود”( ).
(3) أي وان كان هو في البر أو يخرج إلى البر أو يرتزق فيه. وفي حسنة معاوية عن الصادق عليه السلام: “كل شيء أصله في البحر ويكون في البر والبحر فلا ينبغي للمحرم أن يقتله، فان قتله فعليه الجزاء كما قال الله عز وجل”( ).

والنساء: وطئاً(1)، ولمساً(2)، وعقداً لنفسه ولغيره(3)، وشهادة على العقد(4)،
( ) وعليه الإجماع ويدل عليه قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج . وعن الإمام الصادق عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار: “إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله وقلة الكلام إلا بخير، فان تمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلا من خير، كما قال الله تعالى [ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ]، فالرفث الجماع، والفسوق الكذب والسباب، والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله”( ).
(2) لما ورد في حسنة أبي سيار قال لي ابو عبد الله عليه السلام: “ومن مس أمرأته وهو محرم على شهوة فعليه دم شاة”( ). وقيده بعض الفقهاء بالشهوة، وقيل انه الأحوط وجوباً.
(3) وعليه الإجماع، بالإضافة الى النصوص المستفيضة وفي صحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام: “ليس للمحرم ان يتزوج ولا يزوج، وان تزوج او زوج محلاً فتزويجه باطل”( ).
(4) أي وكذا يحرم عليه الشهادة على العقد، وفي المدارك نسبه الى قطع الأصحاب. وفي مرسلة ابن فضال المنجبر بالشهرة عن الصادق عليه السلام: “المحرم لا ينكح ولا يُنكح ولا يخطب ولا يشهد، فان نكح فنكاحه باطل”( ).
واقامة(1)، ــ ولو تحملها محلاً ــ لا بأس به بعد الإحلال(2)، وتقبيلاً(3)، ونظراً بشهوة(4)، كذا الإستنماء(5).
(1) أي الشهادة بقصد اقامة العقد بالشهادة وحضوره، او الخطبة ونحوه. ويدل عليه مرسلة ابن فضال المتقدمة. وفي الرياض نسبه الى المشهور.
(2) لإنحصار المنع بما لو تحملها محرماً.
(3) لما فيه من التلذذ وهو محرم مطلقاً في الإحرام. وقيده بعض الفقهاء بالشهوة. ويدل على ما في المتن من الإطلاق خبر علي بن ابي حمزة قال: “سألت ابا الحسن عليه السلام عن رجل قبل امرأته وهو محرم، قال: عليه بدنة وان لم ينزل، وليس له ان يأكل منها”( ).
(4) لأن النظر بشهوة احد مصاديق الإلتذاذ المنهي عنه في الإحرام، ولم يتعرض له الشيخ في كتبه على ما قيل، وكذا آخرون غيره، والنصوص جاءت بخصوص الذي ينظر بشهوة وما يتعقب تلك النظرة من نزول المني.
وفي حسنة علي بن يقطين سأل الكاظم عليه السلام: “عن رجل قال لأمرأته او لجاريته بعدما حلق ولم يطف ولم يسع بين الصفا والمروة اطرحي ثوبك ونظر الى فرجها، قال عليه السلام: لا شيء عليه اذا لم يكن غير النظر”( ).
(5) أي استدعاء المني ومحاولة اخراجه بملاعبة او يد ومطلق التسبيب، وعليه الإجماع.
تفريع
الأول: اذا اختلف الزوجـان في العقد، فادعى احدهما وقوعه في الإحرام وأنكر الآخر، فالقول قول من يدعي الإحلال، ترجيحاً لجانب الصحة(1). لكن ان كان المنكر المرأة، كان لها نصف المهر، لإعترافه بما يمنع من الوطء(2)،
لصحيحة ابن الحجاج عن الصادق عليه السلام: “سألته عن رجل يعبث بأمرأته حتى يمني وهو محرم من غير جماع، او يفعل ذلك في شهر رمضان، فقال: عليهما جميعاً الكفارة مثل ما على الذي يجامع”( ). وفي خبر اسحاق بن عمار عن ابي الحسن عليه السلام قلت: “ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى، قال: أرى عليه مثل ما على من أتى اهله وهو محرم، بدنة والحج من قابل”( ).
نعم لو سبقه المني من غير فكل شيء من اسبابه فلا اثم ولا كفارة عليه، كما لا كفارة في اعمال المقدمات مع عدم خروجه. والمرأة كالرجل في جميع الإستمتاعات بزوجها. أي يحرم عليها تقبيله ولمسه والإستنماء والوطء.
( ) لأن مدعي الفساد يقول بوصف زائد وهو العقد في حال الإحرام، فالقول قول من ينكر ذلك الوصف مع يمينه.
(2) وهو المحكي عن المبسوط، أي ان المرأة انكرت وقوع العقد في الإحرام فيكون كالطلاق قبل الدخول، وهذا من القياس. والتعليل في المتن أي اعترافه بما يمنع من الوطئ قد لايكون علة تامة لتحميله نصف المهر الا بدلالته التضمنية على الاقرار بالعقد.
ولو قيل: لها المهر كله كان حسناً(1).
الثاني: اذا وكل في حال احرامه فأوقع(2)، فان كان قبل احلال الموكل بطــل(3)، وان كان بعده صح(4). ويجوز مراجعة المطلقة الرجعية، وشراء الإماء في حال الإحرام(5).
(1) باعتبار ان العقد الصحيح يملكها المهر كاملاً، ولأصالة الصحة.
(2) أي اذا وكل محرم في حال احرامه محلاً فأوقع الوكيل العقد.
(3) فإن كان ايقاع العقد قبل احلال الموكل ــ بالفتح ــ بطل العقد لمنافاة الإحرام لعقد النكاح مباشرة ووكالة وولاية. ولما ورد في خبر سماعة عن الصادق عليه السلام: “لا ينبغي للرجل الحلال ان يزوج محرماً وهو يعلم انه لا يحل له، قلت: فان فعل فدخل بها المحرم، فقال: ان كانا عالمين فان على كل واحد منهما بدنة، وعلى المرأة ان كانت محرمة بدنة، وان لم تكن محرمة فلا شيء عليها، الا ان تكون قد علمت ان الذي تزوجها محرم، فان كانت علمت ثم تزوجته فعليها بدنة”( ).
(4) أي وان وقع العقد بعد الإحلال صح بلا خلاف ولا اشكال ( ). لقاعدة نفي الحرج وعدم الدليل على البطلان .

(5) يجوز للمحرم ذلك في حال احرامه، بلا خلاف كما عن التذكرة والمنتهــى، للأصـل ولعمومـــات قوله تعالى بعولتهن أحق بردهن ، باعتبار ان ارجاع المطلقة غير الرفث، وان شراء والطيب: على العموم(1)، ما خلا خلوق الكعبة(2)،
الإماء عقد وبيع يمكن الإنتفاع منه بعد الإحرام، بل اثناء الإحرام لغرض الخدمة ونحوه. وفي صحيحة سعد بن سعد الاشعري عن ابي الحسن الرضا عليه السلام: “سألته عن المحرم يشتري الجواري ويبيعها قال: نعم”( ).
( ) وعليه اجماع المسلمين، وكل ما يسمى طيباً عرفاً يحرم استعماله عليه، ويحرم الطيب مساً وشماً وأكلاً وسعوطاً واكتحالاً، واتخاذه في اللباس والمتاع ونحوه، والنصوص متواترة في ذلك. ففي صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام: “لا تمس شيئاً من الطيب ولا من الدهن في إحرامك، واتق الطيب في طعامك، وامسك على انفك من الرائحة الطيبة، ولا تمسك عليه من الرائحة المنتنة فانه لا ينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة”( ).
(2) أي لا بأس بشم خلوق الكعبة او علوق شيء منه في البدن والثوب، وعليه الإجماع، ولقاعدة نفي الحرج وللإرفاق ولأنه قد يعلق او يشم قهراً من غير قصد، وللنص. ففي صحيحة حماد: “سألت ابا عبد الله عليه السلام عن خلوق الكعبة وخلوق القبر يكون في ثوب الإحرام، فقال عليه السلام: لا بأس بهما، هما طهوران”( ).
فروع:
1- يحرم على المحرم شم الطيب وان كان عند غيره، أي يجب عليه أن يجتهد في منع الشم والإمساك عنه.
ولو في الطعام(1). ولو اضطر الى أكل ما فيه طيب، او لمس الطيب، قبض على أنفه(2). وقيل: انما يحرم المسك والعنبر والزعفران والعود والكافور والورس(3).
2-يجوز له شراء وبيع الطيب والإجتياز بمحل بيعه ولكن مع امساك الأنف عنه وعدم اكتساب الثياب والبدن منه.
(1) في التذكرة نسبه الى اجماع علماء الأمصار، وعن الخلاف والتحرير والمنتهى حرمة أكل ما فيه طيب وان زالت اوصافه، لعموم النهي عن أكل ما فيه طيب او زعفران. وقيل بأكل ذي الرائحة الطيبة كالتفاح من غير شم رائحته.
وربما يستدل على ذلك بمرسلة ابن ابي عمير قال: “سألته عن التفاح والإترج والنبق وما طاب ريحه، فقال عليه السلام: تمسك عن شمه وتأكله”( ).
وذهب جماعة الى اعتبار عدم استهلاك الطيب في الطعام.
(2) لقاعدة ان الضرورات تتقدر بقدرها، وان ادلة الحرمة لا تشمل مقدار الضرورة. ومنهم من اطلق احكام الضرورة في الأكل والشم والسعوط وبالمقدار الذي ترتفع به .
(3) والقائل الشيخ في النهاية وابن حمزة، وعن الخلاف الإجماع على انه لا كفارة في غيرها( ).

وقد يقتصر بعض على اربع: المسك والعنبر والزعفران والورس(1). والأول أظهر(2).
ولبس المخيط: للرجال(3)،
(1) كما عن الصدوق في المقنع، لما ورد في صحيحة معاوية عن الصادق عليه السلام: “وانما يحرم عليك من الطيب أربعة اشياء: المسك والعنبر والورس والزعفران، غير انه يكره للمحرم الأدهان الطيبة”( ).
(2) أي الطيب على العموم، وانما ورد ذكر الأربعة من باب الفرد الغالب والمثال.
(3) عن التذكرة الإجماع عليه، ولم يكن في النصوص الواردة في المقام لفظ المخيط كما اعترف بذلك الشهيد في الدروس، ولكنه مستقرء من مجموع الروايات.
وفي صحيحة زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: “سألته عما يكره للمحرم ان يلبسه؟ فقال عليه السلام: يلبس كل ثوب الا ثوباً يتدرعه”( ). والتدرع ادخال اليد في يدي الثوب وكلما ادخلت شيئاً في جوف شيء فقد ادرعته.
وفي صحيحة معاوية عن ابي عبد الله عليه السلام: “لا تلبس ثوباً له ازرار وانت محرم الا ان تنكسه ولا ثوباً تدرعه، ولا سراويل، الا ان لا يكون لك ازار، ولاخفين الا ان لا يكون لك نعل”( ).

وفي النساء خلاف، والأظهر الجواز، اضطراراً واختياراً(1). وأما الغِلالة فجائزة للحائض اجماعاً(2). ويجوز لبس السراويل للرجل، اذا لم يجد أزاراً(3).
ولا فرق في المخيط بين القليل والكثير، او ان يضم بعضاً من البدن او كله، ومن الأحوط الحاق المنسوج بالمخيط. نعم لا يحرم حمل المخيط ولا نقله ولا افتراشه، لعدم صدق اللباس على المحمول، وان المحرم هو الملبس.
(1) وهو المشهور وتدل عليه صحيحة العيص عن الصادق عليه السلام: “المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين”( ).
(2) الغلالة ــ بكسر الغين ــ ثوب رقيق يلبس تحت الثياب. والإجماع قال به في التذكرة والمنتهى، لقاعدة نفي الحرج ولمنع انتشار النجاسة. بالإضافة الى النص ففي صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام: “تلبس المحرمة الحائض تحت ثيابها غلالة”( ).
كما ورد النص بجواز لبس السراويل لأن موضوعها الستر ولأولويته. ففي صحيحة الحلبي انه سأل ابا عبد الله عليه السلام: “عن المرأة اذا احرمت تلبس السراويل؟ فقال: نعم، انما تريد بذلك الستر.
(3) وفي التذكرة عليه اجماع العلماء، وفي المنتهى اتفق عليه العلماء الا مالكاً وابا حنيفة.

وكذا لبس طيلسان له ازرار، لكن لا يزره على نفسه(1).
والإكتحال: بالسواد على قول(2). وبما فيه طيب(3). ويستوي في ذلك الرجل والمرأة(4). وكذا النظر في المرآة، على الأشهر(5).
وفي خبر حمران عن ابي جعفر عليه السلام: “المحرم يلبس السراويل اذا لم يكن معه إزار”( ).
(1) وبه قال الصدوق والشيخ، وقيل لو زر الثوب او عقده فهو كلبس المخيط وتجب حينئذ الدية، وفيه نظر.
(2) والقائل المفيد والشيخ وسلار وابن ادريس وغيرهم. ويدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن الإمام الصادق عليه السلام: “لا يكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الأسود الا من علة”( ). والأسود هنا لما فيه من الزينة.
(3) وهو المشهور، وعن التذكرة والمنتهى الإجماع عليه، وفي صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: “يكتحل المحرم ان هو رمد بكحل ليس فيه زعفران”( ).
(4) بلا خلاف فيه. ويدل عليه صحيحة معاوية بن عمار اعلاه لوحدة الموضوع.
(5) وبه قال الصدوق والشيخ وابن ادريس وغيرهم. وفي الجمل والعقود والوسيلة والغنية انه مكروه.

ولبس الخفين: وما يستر ظهر القدم. فان اضطر جاز(1). وقيل: يشقهما(2)، وهو متروك(3).
والفسوق(4): وهو الكذب.
وفي صحيحة حماد عن الإمام الصادق عليه السلام : “لا تنظر في المرآة وانت محرم فأنه من الزينة”( ).
(1) في المدارك نسبه الى الأصحاب، وفي الغنية نفي الخلاف فيه وجواز اللبس في حال الإضطرار لأحكام الضرورة وقاعدة نفي الحرج. ولما ورد في صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام: “وأي محرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله ان يلبس الخفين اذا اضطر الى ذلك، والجوربين يلبسهما اذا اضطر الى لبسهما”( ).
(2) والقائل الشيخ في المبسوط وابن حمزة وابن سعيد في الوسيلة والجامع، والشق لمنع ستر القدم وللنص. ففي خبر محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام: “في المحرم يلبس الخف اذا لم يكن له نعل، قال: نعم، ولكن يشق ظهر القدم”( ).
(3) لما روي من عدم الشق وان الشق فساد، ولكنه من احكام الضرورة وليس طريقاً لجواز اللبس، والضمير (هما) يعود للخفين.
(4) ويدل عليه الكتاب والسنة والاجماع والعقل. قال تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج .

والجدال: وهو قول: لا والله، وبلى والله(1).
وقتل هوام الجسد: حتى القمل(2). ويجوز نقله من مكان الى آخر من جسده(3). ويجوز القاء القراد والحَلَم(4).
وعن الصادق عليه السلام في خبر زيد الشحام: “ان الفسوق هو الكذب”، أما العقل فلعدم اشراك المنافي لهذه المناسك معها.
(1) لما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “انه قول الرجل: لا والله بلى والله”( ). ولكن يمكن حمل الجدال في الآية على المعنى الأعم، وان الإمام الصادق عليه السلام ذكر بعض مصاديقه للبيان، ومن الجدل مقابلة الحجة بالحجة فهو صناعة اقامة الحجة أو رد حجة الخصم على وجه لا تتوجه عليه مناقضة، والحج مناسبة للإنقطاع الى الله عز وجل من غير اشتغال بالخصومة.
(2) وهو المشهور ففي صحيحة حماد بن عيسى قال: “سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحرم يبين القملة من جسده فيلقيها، قال: يطعم مكانها طعاماً”.
(3) بلا خلاف فيه. أي يجوز نقل هوام الجسد في اجزاء البدن الظاهرية، لأن النهي يتعلق بقتلها. ويدل عليه ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال: “المحرم يلقي عنه الدواب كلها الا القملة فانها من جسده، فاذا اراد ان يحول قملة من مكان الى مكان فلا يضره”( ).
(4) الحلم ــ بفتح الحاء واللام ــ جمع حلمة وهو القراد الكبير، والقاؤها عن البدن لا خلاف فيه ولا اشكال.
ويحرم: لبس الخاتم للزينة(1)، ــ ويجوز للسنة(2) ــ. ولبس المرأة الحلي للزينة(3). وما لم يعتد لبسه منه على الأولى(4)،
وفي صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام: “أرأيت ان وجدت عليّ قراداً او حَلَمة اطرحهما، فقال: نعم وصغارهما، انهما رقيا في غير مرقاهما”.
(1) (كما قطع به الأكثر على ما في كشف اللثام)( ). للانقطاع الى الله عز وجل وعدم الإنشغال بمباهج الدنيا ايام الحج. ويدل عليه خبر مسمع عن ابي عبد الله عليه السلام: “سألته أيلبس المحرم الخاتم قال: لا يلبسه للزينة”.وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية.
(2) للأصل ولتبدل الحكم بتغير الموضوع، ولما ورد في خبر نجيع عن ابي الحسن عليه السلام من الإطلاق: “لا بأس بلبس الخاتم للمحرم”. وفي صحيحة ابن بزيع قال: “رأيت العبد الصالح عليه السلام وهو محرم وعليه خاتم وهو يطوف طواف الفريضة”.
(3) وهو المشهور. وقيده المصنف بالزينة لتعلق النهي بها. وفي خبر النضر بن سويد عن ابي الحسن عليه السلام: “سألته عن المرأة المحرمة أي شيء تلبس من الثياب؟ قال: تلبس الثياب كلها الا المصبوغة بالزعفران والورس، ولا تلبس القفازين، ولا حلياً تتزين بها لزوجها، ولا تكتحل الا من علة، ولا تمس طيباً، ولا تلبس حلياً ولا فرنداً، ولا بأس بالعَلَم في الثوب”.
(4) أي من الحلي ما لم تعتد المرأة لبسه كالذي تلبسه في المناسبات والأعياد، وهذا يكون عليه النهي من باب الأولوية لظهوره في الزينة ودلالته على الانشغال حينئذ بالدنيا ومباهجها.
ولا بأس بما كان معتاداً لها(1)، لكن يحرم عليها اظهاره لزوجها(2).
واستعمال دهن فيه طيب، محرم بعد الإحرام(3). وقبله اذا كان ريحه يبقى الى الإحـــرام(4).
(1) أي يستثنى من النهي ما اعتادت المرأة لبسه ولم يكن للزينة وبضميمة ان الإعتياد لا يدل على قصد الزينة والإنشغال بالدنيا. ويدل على ذلك النص ففي صحيحة حريز عن الصادق عليه السلام: “اذا كان للمرأة حلي لم تحدثه للإحرام لم ينزع عنها”.
(2) لما في ذلك من التلذذ وتحقق عنوان الزينة. ويدل عليه خبر النضر بن سويد اعلاه. ويمكن ان يناقش فأن الاظهار للزوج أعم من التزين ولاحتمال شمول استثناء الاعتياد له ايضاً.
(3) بلا خلاف ولا اشكال كما عن الجواهر( )، لتحقق صدق الطيب وان كان بالواسطة. وفي المنتهى قال: وتجب له الفدية اجماعاً.
(4) وفي المدارك نسب الى الأكثر، لحرمة الطيب على المحرم اثناء احرامه وان كان بقاءً، أي انه من مقدمات الإحرام ترك الدهن بما فيه الطيب الذي يبقى الى حين الإحرام.
وفي حسنة الحلبي او صحيحته عن الصادق عليه السلام: “لا تدهن حين تريد ان تحرم بدهن فيه مسك ولا عنبر من اجل ان رائحته تبقى في رأسك بعد ما تحرم، وادهن بما شئت من الدهن حين تريد ان تحرم، فاذا احرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل”. وبتغير البدن واللباس والبيت بما فيه طيب كالعود من الطيب المحرم.

وكذا ما ليس بطيب ــ اختياراً ــ بعد الإحرام(1) ويجوز اضطراراً(2).
(1) إلحاقاً له بالطيب والزينة وجموداً على الاطلاقات لقوله عليه السلام: “وأمسك على أنفك من الرائحة الطيبة”.
(2) لأحكام الضرورة وقاعدة نفي الحرج كما لو كان استعماله للتداوي وعلاج الوجه واليدين مطلقاً، وقيل يجوز استعمال الأدهان مطلقاً ما لم يكن فيها طيب.

الفهرست
الصفحة الموضوع
3 المقدمة
5 كتاب الاعتكاف
6 شرائطه
24 أقسامه
26 احكامه
30 ما يفسده
36 كتاب الحج
41 شرائط حجة الاسلام
48 الزاد والراحلة
74 عدم شرط وجود المحرم
76 ما يجب بالنذر وشبهه
85 النيابة
108 الوصية بالحج
113 اقسام الحج
131 حج الإفراد
135 حج القِران
143 في المواقيت
154 افعال الحج

الصفحة الموضوع
157 الإحرام
167 التلبية
170 صورة التلبية
172 لبس ثوبي الإحرام
181 مندوبات الإحرام

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
77 لسنة 2000