بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمـــة
الحمد لله الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وتفضل الله على الناس بالعقل وبعثة الأنبياء رسلاً وحجة وسبيل هداية ونجاة من أهوال القبر , وتدل الآية أعلاه على أن الموت أمر وجودي .
لقد شاء الله عز وجل أن تكون الدنيا مزرعة للآخرة , ومناسبة للإبتلاء ودار امتحان، وعلى نوع الأفعال في الدنيا يكون المقام في الآخرة وبالاستعداد الحسن لعالم البرزخ وحياة القبر تكون السلامة مما فيه من ظلمة وأهوال وحساب ومساءلة ابتدائية .
وهذا الكتاب سعي متواضع لبيان أحكام الاحتضار وعرض لبعض وجوه عالم البرزخ والقبر وأسباب الوقاية والاحتراز عند ولوجه، خاصة وان الندم والحسرة آنذاك لا تنفع، والإقالة والاستدراك معدوم إلا أن يشاء الله.
وعالم البرزخ عالم مستقل من حيث الزمان والمكان والماهية وحياة تتوسط الحياة الدنيا والحياة الآخرة ، قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
وفي هذا الكتاب سياحة مباركة في آيات القرآن والأحاديث النبوية التي تبين في منطوقها أو مفهومها القوانين والقواعد الحاكمة في عالم البرزخ ، وكيفية تلقي الأجل وملك الموت ، ثم مساءلة منكر ونكير .
إنه دعوة للإستعداد للمساءلة الإبتدائية في القبر وما فيه من الأهوال بسلاح التقوى وصيغ التوبة والعمل الصالح , لاسيما وأن التكليف فيه منقطع.
وسيبقى البحث في هذا الموضوع وجهاً مشرقاً وأصلاً من أصول الفلسفة الإسلامية ومرتكزاتها العقائدية ودعوة كريمة لمعرفة الدنيا ومباهجها بموازين الحكمة وصيغ الحقيقة والواقع وبما يؤدي إلى الاستثمار الأمثل لأيامها وما سخّر الله فيها لبني آدم .
الحمد لله بعدد مليارات النجوم التي في السماء مما تم اكتشافه بعلوم الفلك ، وما لم يتم اكتشافه ، وما يذكره الله عز وجل في قوله تعالى وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ .
الحمد لله عدد ذرات الكون وما بينهما ، الحمد لله عمر الحياة الدنيا وما تأتي من السنين والأحقاب ، ونسأل الله عز وجل أن يصاحبنا الحمد له سبحانه في القبر ما جدّ الجديدان بأن يتفضل ويجعل حمدنا هذا له ذخيرة وكنزاً ، وسبباً للتوسعة في القبر ، وصيرورة حمدنا له نسيماً عذباً وعطراً طيباً يملاً قبورنا .
الحمد لله الذي كان ولم يكن معه شئ ، ثم خلق كل شئ وجعل مقاليد الأمور بيده .
و(عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنه قال : كان الله ولم يكن شيء قبله . وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض)( ).
الحمد لله الذي خلق الإنسان من نطفة وجعله يتنقل قهراً وانطباقاً في مراحل تكوينه في الرحم ثم حياته في الدنيا ، وكفل له رزقه ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فاذا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
الحمد لله الذي جعل لكل إنسان عمراً محدوداً ، وأجلاً معيناً لايتجاوزه ، والله قوي السلطان وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الحمد لله على حلمه على الناس وترغيبهم بالتوبة والإنابة ، وعدم تقديم آجالهم حتى الذين يعلم إصرارهم على المعصية ومغادرة الدنيا في آجالهم من غير توبة.
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار وإبتلاء ، وجعل القبور وعالم البرزخ ما بعد الموت ، ولكنها ليست الخاتمة ، فمن وراء البرزخ عالم النشور .
اللهم إن نسألك أن تجعل نعمك علينا في الدنيا بإظهار الجميل وستر القبيح مصاحبة لنا في عالم البرزخ ، وحين حضور منكر ونكير ، وحاضرة معنا يوم القيامة إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
الحمد لله الذي لا يؤاخذ على الجريرة ، ولا يهتك الستر ، وهو عظيم الفضل ، دائم المنّ والإحسان على كل إنسان .
الحمد لله رب العالمين الذي أحصى كل شئ عدداً ، وجعل لكل شئ أمداً ، ومنه مدة أيامنا في الدنيا ، ومكوثنا في القبر ، ولا يعلم الساعة وأوان النفخ في الصور والبعث من القبور إلا الله سبحانه .
وقد ورد لفظ (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن منها أربعة بخصوص يوم القيامة بلفظ (الساعة) لبيان أن أمرها عند الله سهل يسير ، ووردت مرتان منها في آية واحدة يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
وعن (جابر بن عبد الله قال : كنت مع رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ، إذ عارضنا رجل مترجب يعني طويلاً – فدنا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بخطام راحلته فقال : أنت محمد؟
قال : نعم .
قال : إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمها أحد من أهل الأرض ، إلا رجل أو رجلان .
فقال : سل عما شئت .
قال : يا محمد ، ما تحت هذه؟ يعني الأرض قال : خلق .
قال : فما تحتهم .
قال : أرض .
قال : فما تحتها .
قال : خلق .
قال : فما تحتهم .
قال : أرض ، حتى انتهى إلى السابعة . قال : فما تحت السابعة .
إلى أن قال (فما تحت الثرى؟
ففاضت عينا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم بالبكاء؟
فقال : انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق أيها السائل ، ما المسؤول بأعلم من السائل .
قال : صدقت ، أشهد أنك رسول الله يا محمد ، أما إنك لو ادعيت تحت الثرى شيئاً ، لعلمت أنك ساحر كذاب ، أشهد أنك رسول الله ، ثم ولى الرجل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيها الناس ، هل تدرون ما هذا ، قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا جبريل)( ).
والمختار أن تبوك ونحوها كتيبة وليس غزوة , خاصة وأنه لم يقصد فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلدة معينة ، ولم يقع فيها قتال مع أحد ، إنما كانت عرضاً لمنعة الإسلام وزجراً عن التعدي على الإسلام وثغوره ، وهي من مصاديق قوله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ.
وقد صدرت ثمانية وعشرون جزء من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) بخصوص قانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً ) وهي الأجزاء :
(164-165-166-168-169
170-171-172-174-176
177-178-180-181-182
183-187-193-194-196
204-212-216-221-229
239-256-261)
الحمد لله الذي أنعم علينا بالدعاء لعالم القبر , والنجاة من ظلمته وضغطته وأهواله ، لبيان أن قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، على وجوه :
الأول : ادعوني لأمور المعاش والدنيا .
الثاني : ادعوني لأحوالكم في عالم البرزخ .
الثالث : ادعوني لأهوال يوم القيامة .
وهل قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يشمل عالم البرزخ ، الجواب نعم ، وهو من فضل الله أن يسبق الدعاء أحوال الإنسان في منقلبه ومثواه.
اللهم لك الحمد في الأولى ، ولك الحمد في البرزخ ، ولك الحمد يوم النشور ، ولك الحمد في مواطن القيامة كلها ، ونسألك أن تجعل هذا الجهد وقراءته واقية وصاحباً لنا في كل حال وموطن منها ، وسبيلاً إلى دخول الجنة.
الحمد لله في الرخاء والشدة ، والسراء والضراء ، ونسأله تعالى أن يمحو عنا سكرات الموت وشدتها ، ويخفف عنا وطأة عالم البرزخ , وأهوال ويوم القيامة .
لقد أقر الفلاسفة أيضاً بأن الموت مرحلة وحالة ينتقل بها العبد إلى عالم آخر لأن الروح لا تفنى بفناء الجسد , وولوج الروح للبدن بداية لحياة أبدية مختلفة في النوع ومغايرة في الاعتبار والمكان مطلقاً.
الحمد لله على ما كتب وفرض وما قسّم ، وما محاه ويمحوه عنا من الأذى والشرور ، وفي التنزيل يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ .
سبحان الله المنّان ، الحنّان ، واهب العطايا الجزيلة ، الذي يعطي بسؤال وبغير سؤال ، ويرزق بالأسباب وبغير أسباب ، ونسأله تعالى الرأفة والرحمة في عالم البرزخ ، قال تعالى وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.
وقد صدر لي قبل ثلاثين سنة كتاب (عالم البرزخ) في 212 صفحة.
ويتضمن هذا الكتاب الذين بين يديك دراسات عقائدية وقوانين في زيارة ملك الموت ولقاء الموت ، وفي عالم القبر وأهواله , نسأل الله عز وجل أن يكون موعظة وذخيرة وواقية من أهوال القبر ومواطن الآخرة .
ومن معاني وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أي في أفراد الزمان الطولية وما بعدها في الدنيا ، وعالم البرزخ ، ويوم القيامة ، واللبث الدائم في النعيم .
ومع صدور الجزء (263) من تفسيرنا (معالم الإيمان) والحمد لله صدر لنا كل من كتاب (مصطلحات فقهية) و(فلسفة الرؤيا في الإسلام) جزءين و(قوانين البرزخ).
والقوانين جمع قانون وهو النظام والقواعد والسنن ، والبرزخ في الإصطلاح هو ما بعد زهوق الروح وعالم القبر وإلى حين النشور ، قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
وأحوال الناس فيه مختلفة فهو مرآة لعالم الأفعال في الدنيا ، مع موضوعية الإستغفار والتوبة ، ورجاء شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن اللطف الإلهي بالإنسان عموماً تذكيره بالموت في الوقائع اليومية كفقد عزيز ، وكلما تقدم العمر بالإنسان إزداد ذكره للموت ، ولابد أن يكون هذا الذكر مع الإستعداد لما بعده .
وسيأتي شرح لحديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينما سئل أي المؤمنين أكيس ، قال (أَكْثَرُهُم ذِكْراً لِلْمَوتِ وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَاداً)( ).
ونكتب ونقرأ عن عالم البرزخ والواجبات والمستحبات أزاء المحتضر والذي يُدخل في القبر ، والتلقين بعد الدفن ، وسنكون يوماً ما الميت الذي يرجو ويحتاج أداء ذات الواجبات والمستحبات .
نسأل الله عز وجل أن يجعل عملنا وقراءتنا لأهوال البرزخ والتسليم بها واقية من عذابه إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
ويتضمن هذا الجزء وهو الأول من كتابي الموسوم (قوانين البرزخ) مائة وستة عشر قانوناً ، وكل قانون ضياء في مسالك الهداية ، ودعوة للغوص في كنوز القرآن وذخائر السنة النبوية ، والتهيئ لعالم القبر ، كما أنها تصلح لدراسات واطروحات في المقام وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
حرر في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول 1446
28/9/2024
البرزخ
قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
البرزخ لغة هو الحاجز بين الشيئين ، وفي الإصطلاح أهوال القبر إلى حين البعث والنشور ، وعالم ما بين الدنيا ويوم القيامة .
و(البَرْزَخُ الحاجِزُ بين الشَّيْئَينِ، ومن وقْتِ المَوْتِ إلى القيامَةِ، ومن ماتَ دَخَلَه. وبَرازِخُ الإِيمانِ ما بَيْنَ أوَّلِهِ وأخِرِه، أو ما بين الشَّكِّ واليَقينِ)( ).
والآية أعلاه إخبار إجمالي عن عالم ما بعد الموت وما فيه من الامتناع من التلاقي ، والحجز عن العمل وإتيان الصالحات، وان سأل الإنسان الرجعة أو العودة إلى الدنيا ، لذا فالآية إنذار وتحذير ودعوة إلى الاستعداد إلى القبر وما فيه وما بعده ، لما له من أحكام خاصة وقوانين وقواعد .
وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال (ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ) قيل : وما البرزخ ، قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة( ).
وقد جاءت نصوص نبوية مستفيضة تفيد أن الميت ينتفع وهو في قبره من عمله الصالح ومما يهدى إليه من أهل الدنيا .
و(أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنك لتصدق عن ميتك بصدقة فيجيء بها ملك من الملائكة في أطباق من نور فيقوم على رأس القبر فينادي : يا صاحب القبر الغريب : أهلك قد أهدوا إليك هذه الهدية فأقبلها.
قال : فيدخلها إليه في قبره و يفسح له في مداخله و ينور له فيه فيقول : جزى الله أهلي عني خير الجزاء .
قال : فيقول لزيق ذلك القبر أنا لم أخلف لي ولدا و لا أحدا يذكرني بشيء فهو مهموم و الآخر يفرح بالصدقة)( ).
وقال : إن أرواح المؤمنين تأتي كل جمعة إلى السماء الدنيا بحذاء دورهم وبيوتهم ينادي كل واحد منهم بصوت حزين باكين : يا أهلي ، يا ولدي ويا أبي ويا أمي وأقربائي، اعطفوا علينا، يرحمكم الله بالذي كان في أيدينا، والويل والحساب علينا والمنفعة لغيرنا.
أنه دليل على أن الأموات لم تنقطع صلتهم بالدنيا وان الثواب يصلهم، ليس هذا فحسب بل إن أرواحهم تطل على الرحم، وتناشده وترجو الخير منه وله.
و(عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول : لا تقولوا لموتاكم إلا خيرا)( ).
وفي (قوله : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير.
قال الصادق عليه السلام : هذه الخمسة أشياء لم يطلع عليها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، وهي من صفات الله عزوجل)( ).
الدعاء لإطالة العمر
للدعاء والصدقة وأفعال البر والصلاح أثر في النسيئة في العمر ، وابتعاد الأجل ، ولحكومة قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
فصحيح أن آجال الناس في صحف الملائكة ولكن المشيئة لله عز وجل وحده في إرجائها ، لقد قال الله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، لإفادة الإطلاق من جهتين :
الأولى : موضوع الدعاء ، ومنه سؤال طول العمر .
الثانية : الإستجابة من عند الله عز وجل .
والأولى أن يكون الدعاء باطالة العمر مقترناً بسؤال الله الهداية والثبات على الإيمان ، ويصح الدعاء للغير بالقول أطال الله عمرك في طاعته .
كما يستحب سؤال الله عز وجل التخفيف عند قبض الروح وسعة القبر .
وتقدير الآية أعلاه بصيغة المفرد في المقام على وجوه :
الأول : ادعني لطول عمرك .
الثاني : ادعني لطول عمرك في طاعة الله .
الثالث : ادعني لغيرك بطول عمره .
وقد تأتي زيادة العمر بصلة الرحم ، وعن (عمرو بن سهل قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : صلة القرابة مثراة في المال ، محبة في الأهل ، منسأة في الأجل)( ).
ومن وجوه الدعاء بطول العمر أمور :
الأول : الإقرار بالتوحيد .
الثاني : التسليم بأن الأجال بيد الله عز وجل .
الثالث : مقاليد الأمور بيد الله عز وجل .
الرابع : حضور مشيئة الله عز وجل في كل شئ ، فهو سبحانه لم يخلق الخلائق ويتركها بل إنه يتعاهدها في كل دقيقة .
الخامس : لا تستعصي على الله مسألة وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
السادس : لايحصي مصاديق الإستجابة من عند الله عز وجل للناس في كل يوم إلا هو سبحانه ، فكيف بالنسبة لأيام الدنيا كلها ، والتي لا يعلمها ويحصيها إلا هو سبحانه .
ولو سأل أهل الجنة الله عز وجل عن أعداد هذه الإستجابة وهم في الجنة فهل يخبرهم الله عز وجل عنها بأرقام غير متناهية ، المختار نعم ، قال تعالى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
إذ يعجز أهل الدنيا عن عدّها فقد تكون لشخص واحد آلاف الإستجابات من الله ، وهكذا من أيام آدم وإلى يوم القيامة ، فلا يحصي أفراد استجابة الله عز وجل للناس إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
بلحاظ أن كل فرد من استجابة الله عز وجل لدعاء الفرد ، ودعاء الجماعة نعمة عظمى من عند الله عز وجل ، ومن الآيات أن كيفية كل استجابة تختلف عن غيرها كاختلاف بصمات الأيادي والعيون ، وهو من لطف الله عز وجل وعظيم قدرته وسلطانه ، وفي التنزيل إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
عيادة المريض
وهي من المستحبات المؤكدة في الحالات المرضية الطارئة، ولا تتأكد في وجع العين والضرس والدمل وشبهه، ولا عند اشتداد المرض عندما تطول العلة، ومن آدابها:
الأول : العيادة مستحبة في الصباح والمساء مع مراعاة العرف والعادة ، وعدم ايذاء المريض في الوقت غير المناسب، وتكره إطالة الجلوس عنده إلا أن يطلب المريض ذلك.
الثاني : إن يبدو على العائد في جلوسه التسليم لأمر الله كأن يضع احدى يديه على الأخرى أو يضعها على جبهته.
الثالث : الدعاء للمريض بالشفاء والأولى إن يقول (اللَّهُمَّ اشْفِهِ بِشِفَائِكَ وَدَاوِهِ بِدَوَائِكَ وَعَافِهِ مِنْ بَلَائِكَ) وأن يضع يده على ذراع المريض عند الدعاء له أو اثناء مدة العيادة مطلقاً.
الرابع : استصحاب هدية له من فاكهة أو نحوها مما يدخل السرور والبهجة على نفسه.
الخامس : إن يقرأ عليه فاتحة الكتاب سبعين مرة أو اقل ولو مرة واحدة.
السادس : إن لا يفعل عنده ما يغيظه أو يؤذيه، ولا يأكل عنده ما يشتهيه المريض أو ما يضره إلا أن يكون باطعام منه ومن عياله.
السابع : إن يلتمس من المريض أن يدعو له لأنه ممن تستجاب دعوته، وعن الإمام الصادق عليه السلام (إذا دخل أحدكم على أخيه عائدا له فليسأله يدعو له فإن دعاءه مثل دعاء الملائكة)( ).
قانون الإحتضار
الإحتضار هو سوق الروح ودنو إخراجها من البدن أعاننا الله عليه ، وسمي بالإحتضار لوجوه :
الأول : حضور الملائكة عند الميت ، ملائكة الرحمة بيض الوجوه للمؤمن ، ومعهم أكفان من الجنة ، وملائكة العذاب للكافر سود الوجوه ، ومعهم أكفان وحنوط من النار .
الثاني : مجئ ملك الموت ، ورؤية المؤمن له بهيئة حسنة ورؤية الكافر له بصورة مخيفة .
الثالث : حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند المؤمن .
الرابع : حضور ذات الموت كأمر وجودي ، قال تعالى إذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ.
الخامس : اجتماع الأهل والأقارب عند الميت .
السادس : استحضار الإنسان ما فعله في حياته في الوجود الذهني ، وهو مناسبة للتوبة والإستغفار .
أحكام الإحتضار
الإحتضار سوق الروح واخراجها من البدن أعاننا الله عليه، وسمي بالإحتضار لحضور الملائكة عنده ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ولحضور المؤمنين، ولحضور الموت كما في قوله تعالى إذا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ، ولحضور ما مرّ عليه في حياته للإستغفار واستحضار العقل في إعداد الوصية , ولحضور واستحواذ وحشة القبر وأهوال الآخرة على الوجود الذهني .
(مسـألة741) يجب على من يحضر عند المحتضر توجيهه إلى القبلة بوضعه مستلقياً على ظهره ويستقبل بباطن قدميه القبلة بحيث لو جلس كان وجهه إلى القبلة.
(مسـألة742) وجوب توجيهه إلى جهة القبلة لا ينحصر بوليه، وهو واجب كفائي على كل من حضره بل من علم باحتضاره وهو آكد في الولي والحاضرين.
(مسـألة743) لو استطاع المحتضر أن يكون على هيئة الإستقبال فعليه أن يفعله، ومع عدم التمكن فالأقرب إلى القبلة، أو توجيهه اليها جالساً أو مضطجعاً على الأيمن أو على الأيسر مع مراعاة حاله، ولا فرق في استقبال المحتضر بين الرجل والمرأة والصغير والكبير بشرط أن يكون مسلماً.
(مسـألة744) يستحب مراعاة استقبال المحتضر بعد خروج الروح ايضاً وإلى حين تمام الغسل في ما بعد، وبعد الغسل يستحب وضعه على نحو ما يوضع حين الصلاة عليه وحال الدفن بجعل رأسه إلى المغرب ورجليه إلى المشرق، أو بحسب كيفية الاستقبال في بلده.
(مسـألة745) يستحب تلقينه الشهادتين والإمامة وسائر الإعتقادات الحقة على وجه يفهم ويستطيع ترديدها أن كان قادراً على ذلك.
(مسـألة746) يستحب تلقينه بعض الأدعية ككلمات الفرج وهي (لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبِّ الاَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ وَمَا تَحْتَهُنَّ وَرَبِّ الْعرْشِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
(مسـألة747) يستحب نقل المحتضر إلى مصلاه إذا عسر عليه النزع بشرط أن لا يسبب له النقل أذى.
(مسـألة748) يستحب قراءة سور يس والصافات لتعجيل راحته، وقراءة آية الكرسي إلى [فِيهَا خالِدُونَ] وثلاث آيات من سورة البقرة من [للَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ] إلى آخر السورة، بل وقراءة آيات القرآن مطلقاً.
قراءة (يس) عند الإحتضار
من خصائص القرآن أن قراءته نفع وبركة في كل آن وعلى كل حال وفي الثناء عليه قال تعالى وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
ومن معاني البركة النماء وثبوت الخير والزيادة حسية كانت أو معنوية ، ومجئ الفضل الإلهي , ومنها منافع تلاوة القرآن عند المحتضر .
(عن زر بن حبيش ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن لكل شيء قلبا ، وإن قلب القرآن يس ومن قرأ يس وهو يريد بها الله عز وجل غفر الله له ، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة.
وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف من سورة يس عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ، ويستغفرون له ، ويشهدون غسله ، ويشيعون جنازته ، ويصلون عليه ، ويشهدون دفنه.
وأيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فيشربها ، وهو على فراشه.
فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان ، فيمكث في قبره وهو ريان.
ويبعث يوم القيامة وهو ريان ، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان)( ).
وتدل خاتمة الحديث أعلاه على تعدد أحواض الأنبياء ليشرب منها أنصارهم وأتباعهم ، نعم حوض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أطولها وأكبرها .
و(عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما بين ناحيتي وفي رواية لابتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة ، وفي رواية : مثل ما بين المدينة وعمان.
وفي رواية قال : إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن ، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء)( ).
لبيان فضل الله عز وجل بطول وسعة الحوض يوم القيامة بحيث يرده الملايين من الناس دفعة واحدة من غير تزاحم بينهم ، وكفاية شربة واحدة لكل منهم لذا ورد في حديث أبي بن كعب عن النبي محمد بخصوص الحوض قال (فيه من الآنية عدد نجوم السماء ، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعده أبداً)( ).
وقد أثبت علم الفلك أن نجوم السماء بآلاف المليارات .
لبيان إختصاص الله عز وجل وحده بالعلم بعدد الذين يردون الحوض يوم القيامة إذا علمنا أن عدد النجوم في مجرة درب التبانة وحدها التي تنتمي لها الشمس والقمر والأرض مائة مليار نجم ، فكيف وأن عدد المجرات بالمليارات.
وهل تُستعمل آنية الحوض لمرة واحدة ، الجواب لا ، فهي في كل مرة تتجدد وكأنها لم يشرب بها أحد , وعند الله المزيد .
دعاء العديلة
يتعارف قراءة دعاء العديلة عند الميت ، ولم يرد هذا الدعاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الأئمة المعصومين ، ولم يرد في كتب الحديث ، إنما هو من مؤلفات بعض أهل العلم بالجمع بين الأخبار.
ولو دار الأمر بين القرآن ودعاء العديلة عند المحتضر فالقرآن أولى ، وكذا الدعاء المأثور .
والمراد من العديلة هو العدول وقت الموت من الحق إلى الباطل ومن الإيمان إلى الجحود لحضور الشيطان عند المحتضر ، ووسوسته لبعث الشك في نفسه ، وليشغله عن ذكر الله في أحوج ساعة إلى الذكر.
ودعاء العديلة هو (بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَأنا العَبدُ الضَّعِيفُ المُذنِبُ العاصي المُحتاجُ الحَقيرُ ، أشهَدُ لِمُنعِمي وَخالِقي وَرازِقي وَمُكرِمي كَما شَهِدَ لِذاتِهِ، وَشَهِدَت لَهُ المَلائِكَةُ وَاولوا العِلمِ مِن عِبادِهِ بِأنَّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ ذو النِّعَمِ وَالإحسانِ، وَالكَرَمِ وَالامتِنانِ قادِرٌ أزَليُّ.
عالِمٌ أبَديُّ، حَيُّ أحَديُّ، مَوجودٌ سَرمَديُّ، سَميعٌ بَصيرٌ ، مُريد كارِهٌ، مُدرِكٌ صَمَديُّ .
يَستَحِقُّ هذِهِ الصِّفاتِ وَهُوَ عَلى ما هُوَ عَلَيهِ في عِزِّ صِفاتِهِ، كانَ قَويا قَبلَ وُجودِ القُدرَةِ وَالقوَّةِ، وَكانَ عَليماً قَبلَ إيجادِ العِلمِ وَالعِلَّةِ .
لَم يَزَل سُلطاناً إذ لا مَملَكَةَ وَلا مالَ، وَلَم يَزَل سُبحاناً عَلى جَميعِ الأحوالِ .
وُجودُهُ قَبلَ القَبلِ في أزَلِ الآزالِ، وَبَقاؤُهُ بَعدَ البَعدِ مِن غَيرِ انتِقالِ وَلا زَوالِ .
غَنيُّ في الأوّل وَالآخِر، مُستَغنٍ في الباطِنِ وَالظّاهِرِ، لا جَورَ في قَضيَّتِهِ، وَلا مَيلَ في مَشيئَتِهِ، وَلا ظُلمَ في تَقديرِهِ .
وَلا مَهرَبَ مِن حُكوَمَتِهِ، وَلا مَلجَأ مِن سَطوَتِهِ، وَلا مَنجى مِن نَقِماتِهِ.
سَبَقَت رَحمَتُهُ غَضَبَهُ وَلا يَفوتُهُ أحَدٌ إذا طَلَبَهُ، أزاحَ العِلَلِ في التَّكلّيفِ، وَسَوّى التَّوفيقَ بَينَ الضَّعيفِ وَالشَّريفِ .
مَكَّنَ أداءَ المَأمورِ، وَسَهَّلَ سَبيلَ اجتِنابِ المَحظورِ، لَم يُكَلِّفِ الطَّاعَةَ إلاّ دونَ الوِسعِ وَالطّاقَةِ .
سُبحانَهُ ما أبيَنَ كَرَمَهُ، وَأعلى شَأنَهُ، سُبحانَهُ ما أجَلَّ نَيلَهُ، وَأعظَمَ إحسانَهُ .
بَعَثَ الأنبياءَ ليُبَيِّنَ عَدلَهُ، وَنَصَبَ الأوصياء ليُظهِرَ طَولَهُ وَفَضلَهُ.
وَجَعَلنا مِن اُمَّةٍ سَيِّدِ الأنبياءِ، وَخَيرِ الأولياء، وَأفضَلِ الأصفياءِ، وَأعلى الأزكياءِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.
آمَنّا بِهِ وَبِما دَعانا إلَيهِ، وَبِالقُرآنِ الَّذي أنزَلَهُ عَلَيهِ، وَبِوَصيِّهِ الَّذي نَصَّبَهُ يَومَ الغَديرِ، وَأشارَ بِقَولِهِ: هذا عَليُّ إلَيهِ، وَأشهَدُ أنَّ الأئِمَّةَ الأبرارَ وَالخُلَفاء الأخيارَ بَعدَ الرَّسولِ المُختارِ: عَليُّ قامِعُ الكُفّارِ، وَمِن بَعدِهِ سَيِّدُ أولادِهِ الحَسَنُ بنُ عَليٍّ .
ثمّ أخوهُ السِّبطُ التَّابِعُ لِمَرضاتِ اللهِ الحُسَينُ، ثمّ العابِدُ عَليٌّ، ثمّ الباقِرُ مُحَمَّدٌ، ثمّ الصّادِقُ جَعفَرٌ، ثمّ الكاظِمُ موسى، ثمّ الرِّضا عَليٌّ، ثمّ التَّقيُّ مُحَمَّدٌ، ثمّ النَّقيُ عَليٌ، ثمّ الزَّكيُّ العَسكَريُّ الحَسَنُ، ثمّ الحُجَّةُ الخَلَفُ القائِمُ المُنتَظَرُ المَهديُّ المُرجى الَّذي بِبَقائِهِ بَقيَت الدُّنيا ، وَبيُمنِهِ رُزِقَ الوَرى، وَبِوُجودِهِ ثَبَتَتِ الأرضُ وَالسَّماءِ .
وَبِهِ يَملأُ الله الأرضَ قِسطاً وَعَدلاً بَعدَ ما مُلِئَت ظُلماً وَجَوراً .
وَأشهَدُ أنَّ أقوالَهُم حُجَّةٌ، وَامتِثالَهُم فَريضَةٌ، وَطاعَتَهُم مَفروضَةٌ، وَمَوَدَّتَهُم لازِمَةٌ مَقضيَّةٌ، وَالاقتِداءَ بِهِم مُنجيَةٌ، وَمُخالَفَتَهُم مُرديَةٌ، وَهُم ساداتُ أهلِ الجَنَّةِ أجمَعينَ، وَشُفَعاءُ يَومِ الدّينِ، وَأئِمَّةُ أهلِ الأرضِ عَلى اليَقينِ، وَأفضَلُ الأوصياءِ المَرضيّينَ.
وَأشهَدُ أنَّ المَوتَ حَقٌّ، وَمُساءَلَةَ القَبرِ حَقٌّ، وَالبَعثَ حَقٌّ، وَالنُّشورَ حَقٌّ وَالصِّراطَ حَقٌّ، وَالميزانَ حَقٌّ، وَالحِسابَ حَقٌّ ، وَالكِتابَ حَقٌّ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنّارَ حَقٌّ .
وَأنَّ السّاعَةَ آتيَةٌ لارَيبَ فيها، وَأنَّ الله يَبعَثُ مَن في القُبورِ.
اللهُمَّ فَضلُكَ رَجائي، وَكَرَمُكَ وَرَحمَتُكَ أمَلي .
لا عَمَلَ لي أستَحِقُّ بِهِ الجَنَّةَ، وَلا طاعَةَ لي أستَوجِبُ بِها الرِّضوانَ، إلاّ أنّي اعتَقَدتُ تَوحيدَكَ وَعَدلََكَ وَارتَجَيتُ إحسانَكَ وَفَضلَكَ، وَتَشَفَّعتُ إلَيكَ بِالنَّبي وَآلِهِ مِن أحِبَّتِكَ .
وَأنتَ أكرَمُ الأكرَمينَ وَأرحَمُ الرَّاحِمينَ، وَصَلّى اللهُ عَلى نبينّا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أجمَعينَ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ وَسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً كَثيراً، وَلا حَولَ وَلا قوَّةَ إلاّ بِالله العَليِّ العَظيمِ.
اللهُمَّ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ إنّي أودَعتُكَ يَقيني هذا وَثَباتَ ديني، وَأنتَ خَيرُ مُستَودَعٍ، وَقَد أمَرتَنا بِحِفظِ الوَدائِعِ فَرُدَّهُ عَلَيَّ وَقتَ حُضورِ مَوتي بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ).
والمراد من العديلة مجئ الشيطان للإنسان عند الموت لمحاولة عدوله عن الإيمان فيقع في العذاب ، لذا فان قراءة القرآن عند المحتضر طرد للشيطان وجنوده ، وذكر الأصول ، التوحيد ، النبوة ، الإمامة ، المعاد .
قانون سكرة الموت
قال تعالى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
سكرة الموت أي شدته وغمرته ، والجمع سكرات ، ولم يرد لفظ (سكرة) في القرآن إلا في الآية أعلاه وإضافتها إلى الموت ، لبيان أنها فرد نادر يتصف بالشدة ساعة خروج النفس من الدنيا وإنفصالها عن الجسد .
ولغلبتها على فهم الإنسان كالسكران والنائم للإنذار بعجز الإنسان في تلك الساعة عن الإلتفات للمبادرة للتوبة .
وليس من مدة محدودة لسكرات الموت ، فقد تكون دقائق أو ساعات أو أياماً .
ومعنى الذي [كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ] أي تفر وتعرض ، وتتمنى إرجاءه ولا تستعد له بما يناسبه من مصاديق التقوى والصلاح .
وهناك تباين في سكرات الموت بين المؤمن الذي تخرج روحه بيسر ، كما في حديث البراء عن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث (ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ، فيقول : أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء وإن كنتم ترون غير ذلك)( ).
أما الكافر فقد ورد في ذات الحديث أعلاه أن ملك الموت (يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب ، فتفرق في جسده فينتزعها كما يتنزع السفود من الصوف المبلول)( ).
(والسَفَّودُ، بالتشديد: الحديدةُ التي يُشوَى بها اللحم)( ).
ملك الموت
لقد خلق الله الملائكة أجساماً نورانية ذات قوة خارقة وهي مع ذلك دائبة في طاعة الله لايعصون لله أمرا منقطعين إلى عبادته في خشوع.
وفي ثناء الله عز وجل على نفسه ببيان بديع خلق الملائكة وتعدد هيئاتهم الإعجازية ، قال تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وجعل الله لكل واحد منهم وظيفة يؤديها من غير تلكأ أو تردد أو خطأ ، وبعض من تلك الوظائف ما يتعلق بشؤون الأنس والجن وأحوالهم في الدنيا والآخرة.
وحيث إن الإنسان مكتوب عليه مغادرة عالم الدنيا إلى عالم البرزخ بانفصال الروح عن الجسد فان الملك الموكل بذلك من أعظم الملائكة شأناً وأكثرهم هيبة وفيه موعظة وإنذار ودعوة إلى الاستعداد للموعد المرعب واللقاء المركب، لقاء الموت وملك الموت وضنك القبر وشدة ضيقه دفعة واحدة وعلى نحو مباغت .
ولملك الموت منزلة عند الله عز وجل إذ وكله بقبض أرواح الناس الذين أكرمهم الله عز وجل بالخلافة في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
ومع أن آدم وحواء خلقا في الجنة واختلطا مع الملائكة ، وتكلما معهما ، فان ملك الموت نزل عند الأجل لقبض روح آدم عليه السلام ، وعاشت بعده حواء سنة .
و(عن عكرمة بن خالد : أن رجلاً قال : يا رسول الله أي الخلق أكرم على الله عز وجل .
قال : لا أدري ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال : يا جبريل أي الخلق أكرم على الله .
قال : لا أدري ، فعرج جبريل ثم هبط.
فقال : أكرم الخلق على الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، فأمَّا جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين ، وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنبت وكل ورقة تسقط.
وأما ملك الموت فهو موكل بقبض كل روح عبد في بر أو بحر ، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم)( ).
وفي قوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ورد عن أنس (قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله ، قال : جبريل ، وميكائيل ، وملك الموت ، واسرافيل ، وحملة العرش.
فاذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت : من بقي ، وهو أعلم فيقول : رب سبحانك رب تعاليت ذا الجلال والاكرام بقي جبريل ، وميكائيل ، واسرافيل ، وملك الموت .
فيقول : خذ نفس ميكائيل ، فيقع كالطود العظيم .
فيقول : يا ملك الموت من بقي ، فيقول سبحانك رب ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وملك الموت .
فيقول مت يا ملك الموت ، فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول : سبحانك يا ذا الجلال والإكرام بقي جبريل ، وهو من الله بالمكان الذي هو به .
فيقول : يا جبريل ما بد من موتك ، فيقع ساجداً يخفق بجناحيه يقول: سبحانك رب تباركت وتعاليت ذا الجلال والاكرام ، أنت الباقي وجبريل الميت الفاني ، ويأخذ روحه في الخفقة التي يخفق فيها ، فيقع على حيز من فضل خلقه على خلق ميكائيل كفضل الطود العظيم)( ).
و(عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه كل يوم خمس مرات فإذا وجد الانسان قد نفد أجله وانقطع أكله ألقى عليه الموت فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها ، الصارخة بويلها، الباكية بشجوها فيقول ملك الموت: ويلكم مم الجزع ؟ وفيم الفزع.
والله ما أذهب لاحد منكم مالا، ولا قربت له أجلا، ولا أتيته حتى امرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت وإن لي إليكم عودة، ثم عودة، حتى لا ابقي منكم أحدا .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله والذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم وبكوا على نفوسهم حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش وهو ينادي: يا أهلي وولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعته من حله ومن غير حله وخلفته لغيري، والمهنأ له والتبعات علي، فاحذروا، من مثل ما نزل)( ).
ملك الموت في حديث الإسراء
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية الإسراء والمعراج ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
ليرى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدائع خلق الله ، ويجتهد في تبليغ الرسالة ، وفي قوله تعالى وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، أي كشف الله عز وجل له ما في السموات والأرض ، وإبراهيم في محله في الأرض من غير إسراء .
وأخرج ابن مردويه عن الإمام علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك.
ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا فهلك ، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه.
فأوحى الله إليه : أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي ، فإنهم مني على ثلاث : إما أن يتوب فأتوب عليه.
وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح.
وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت)( ).
لبيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله ، وإكرامه والمسلمين في الإسراء في ليلة واحدة بين مكة وبيت المقدس ثم العروج به إلى السماء ليرى الآيات الكبرى وللدلالة على وراثته للخلافة في الأرض ، وإمامته للناس جميعاً ولقائه بالأنبياء السابقين ، والصلاة جماعة بهم ، وصعوده في السموات سماءًً بعد سماء .
لتكون آية الإسراء وحديثه معجزة خاصة للنبي ، وثروة بيد المسلمين تكشف عن آفاق وآيات من السماء ، وحياة الأنبياء بعد الموت عند الله عز وجل ، وفيه بشارة للمؤمنين بالأمن في عالم البرزخ.
وورد (عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه .
فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء ، ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت.
فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن.
فقال جبريل : اخترت الفطرة . ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت ، قال : جبريل . قيل : ومن معك ، قال : محمد.
قيل : وقد بعث إليه ، قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فاذا أنا بآدم ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟
قال : جبريل . قيل : ومن معك؟
قال : محمد ، قيل : بعث إليه؟
قال : قد بعث إليه .
ففتح لنا فاذا أنا بإبني الخالة ، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ، فرحّبا بي ودعوا لي بخير)( ).
وفي حديث الإسراء عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ثم مررت بملك من الملائكة وهو جالس وإذا جميع الدنيا بين ركبتيه وإذا بيده لوح من نور فيه كتاب ينظر فيه ولا يلتفت يمينا ولا شمالا مقبلا عليه كهيئة الحزين فقلت من هذا يا جبرئيل .
فقال هذا ملك الموت دائب في قبض الارواح.
فقلت يا جبرئيل ادنني منه حتى اكلمه، فادناني منه فسلمت عليه، وقال له جبرئيل هذا محمد نبي الرحمة الذي أرسله الله إلى العباد فرحب بى وحياني بالسلام .
وقال ابشر يا محمد فاني أرى الخير كله في أمتك فقلت الحمد لله المنان ذي النعم على عباده ذلك من فضل ربي ورحمته علي .
فقال جبرئيل هو أشد الملائكة عملا فقلت أكل من مات أو هو ميت فيما بعد هذا تقبض روحه .
قال نعم قلت تراهم حيث كانوا وتشهدهم بنفسك؟ فقال نعم، فقال ملك الموت ما الدنيا كلها عندي فيما سخرها الله لي ومكنني منها إلا كالدرهم في كف الرجل يقلبه كيف يشاء.
وما من دار إلا وأنا اتصفحها كل يوم خمس مرات( ) واقول إذا بكى أهل الميت على ميتهم لا تبكوا عليه( ) فان لي فيكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم احد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كفى بالموت طامة يا جبرئيل.
فقال جبرئيل إن ما بعد الموت اطم واطم من الموت)( ).
ومعنى اطم أي أعظم ، قال تعالى فاذا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى والطامة الداهية التي تكون أعظم من غيرها في هولها ، والمراد بالآية أعلاه يوم القيامة وأهواله ، وحيث يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.
وفي رواية مسندة عن الإمام علي بن موسى الرضا عن ابائه عليهم السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما اسري بي إلى السماء رأيت في السماء الثالثة رجلاً قاعداً، رِجْل له في المشرق ورجل في المغرب وبيده لوح ينظر فيه، ويحرك رأسه فقلت: ياجبرئيل من هذا؟ فقال: ملك الموت.
أعوان ملك الموت
يمكن تصور قبض ملك الموت للأرواح في ساعة واحدة مع إن بعضها في المشرق وبعضها في المغرب للقدرة التي جعل الله فيه من أجل أداء وظيفته التي غلبت على اسمه وما لها من رهبة يفزع منها كل انسان .
وعن (الصادق عليه السلام: قيل لملك الموت عليه السلام كيف تقبض الارواح وبعضها في المغرب وبعضها في المشرق في ساعة واحدة؟ فقال: ادعوها فتجيبني.
وقال ملك الموت إن الدنيا بين يديّ كالقصعة بين يدي احدكم. يتناول منها ما يشاء والدنيا عندي كالدرهم في كف أحدكم يقلبه كيف شاء)( ).
هذا بالاضافة إلى ما ورد في الروايات والاخبار إن لملك الموت اعواناً من الملائكة يصدرون عن امره بعضهم يتصف بالرحمة يرسله لقبض ارواح المؤمنين واهل الطاعة، وبعضهم يتصف بالغضب والنقمة يبعثه لقبض ارواح الكفار واصحاب المعاصي.
وما يأتيه هؤلاء الملائكة منسوب اليه ولكنه لايعني إن المراد بملك الموت الجنس كما ذهب إليه أحد كبار المفسرين مستدلاً بقوله تعالى تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا، وقوله تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
والحقيقة إنه لا تناقض في القرآن ولكن آياته يفسر بعضها بعضاً فضلاً من الله ورحمة فقوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وقوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ وقوله تعالىتَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ.
وقوله تعالى تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ تفيد إن إرادة الموت والحياة بيد الله تعالى وانه سبحانه سخر لذلك بعض ملائكته الذين لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.
ولم يرد ذكر ملك الموت في القرآن إلا في الآية أعلاه من سورة السجدة.
وقد جاء في الاخبار النبوية الشريفة إن ملائكة تحضر برفقته عند قبض روح العبد ، وانه من كبار الملائكة ، ومن أعظمهم منزلة عند الله عز وجل.
بالاسناد عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله (إن الله تبارك وتعالى اختار من كل شئ أربعة : اختار من الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام.
واختار من الانبياء أربعة للسيف إبراهيم وداود وموسى وأنا.
واختار من البيوتات أربعة ، فقال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.
واختار من البلدان أربعة فقال عزوجل وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ فالتين المدينة والزيتون بيت المقدس وطور سينين الكوفة ، وهذا البلد الامين مكة.
واختار من النساء أربعا : مريم وآسية وخديجة وفاطمة.
واختار من الحج أربعة : الثج والعج والاحرام والطواف ، فأما الثج فالنحر ، والعج ضجيج الناس بالتلبية .
واختار من الاشهر أربعة : رجب وشوال وذو القعدة وذو الحجة.
واختار من الأيام أربعة : يوم الجمعة ، ويوم التروية ، ويوم عرفة ، ويوم النحر)( ).
قانون اللطف والرفق في قبض روح المؤمن
لقاء الإنسان بملك الموت أول ساعة من ساعات الجزاء المحض حيث تتوقف دورة العمل والامتحان وتتوقف الطريقة التي يتعامل فيها ملك الموت واعوانه مع صاحبهم الذي فوض اليهم قبض روحه بعد أن كانوا له تاركين وعن ايذائه ممنوعين طبيعتها على سنخ عمله ، وصلاح أفعاله .
فطوبى لمن استعد لهذا اللقاء بالتقوى والصلاح، لينعم بالطمأنينة ساعة توديع الدنيا وميادين الابتلاء فيها .
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رضي الله عن عبد قال: يا ملك الموت اذهب إلى فلان فأتني بروحه، حسبي من عمله، قد بلوته فوجدته حيث أحبّ .
فينزل ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم قضبان الرياحين وأصول الزعفران، كل واحد منهم يبشره ببشارة سوى بشارة صاحبه .
ويقوم الملائكة صفين لخروج روحه، معهم الريحان، فاذا نظر اليهم إبليس وضع يده على رأسه ثم صرخ .
فيقول له جنده : ما لك ياسيدنا ، فيقول أما ترون ما أعطي هذا العبد من الكرامة؟ أين كنتم عن هذا؟ قالوا: جهدنا به فلم يطعنا ( ).
أن فزع المؤمن من الموت وحذره الدائم منه واستحضاره في الذاكرة في كل مناسبة يتحول ساعة الموت إلى استبشار وسرور حيث تفاجئه السكينة نازلة وتتغشاه الطمأنينة بسبب ما يحمله معه من كنوز العبادة ووجوه البر وما تزود به من التقوى وحسن الإيمان في الحياة الدنيا ، قال تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
وفي مرسلة الهيثم بن واقد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل من أصحابه وهو يجود بنفسه.
فقال : يا ملك الموت ارفق بصاحبي فأنه مؤمن.
فقال : ابشر يامحمد فأني بكل مؤمن رفيق. واعلم يامحمد اني اقبض روح ابن آدم فيجزع اهله فاقوم في ناحية من دارهم فأقول : ما هذا الجزع فوالله ماتعجّلناه قبل أجله .
وما كان لنا في قبضه من ذنب .
فأن تحتسبوه وتصبروا تؤجروا. وان تجزعوا تأثموا وتوزروا، واعلموا أن لنا فيكم عودة ثمّ عودة.
فالحذر الحذر إنه ليس في شرقها ولا في غربها أهل بيت مدر ولا وبر إلا وأنا اتصفحهم في كل يوم خمس مرّات، ولأنا اعلم بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم.
ولو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت عليها حتى يأمرني ربّي بها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انما يتصفحهم في مواقيت الصلاة، فان كان ممن يواظب عليها عند مواقيتها لقنّه شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله، ونحى عنه ملك الموت إبليس( ).
قانون لقاء ملك الموت
لكل انسان لقاء مع ملك الموت يكون خاتمة لأيامه في الدنيا، ومع حتمية هذا اللقاء واهميته وشدة ساعته فإن الإنسان لا يلتفت إليه إلا قليلاً.
فبعث الله الأنبياء للإخبار عما يقع للإنسان بعد الموت وتعيين سبيل النجاة من أهوال الآخرة بالإيمان وعمل الصالحات ، وجعل الله موت الافراد من الجنس البشري عبرة وموعظة حيث يتفكر الناس بالموت حقيقة واقعة قريبة من كل واحد منهم ليكون فيه تذكرة بما بعد الموت واتخاذ ما فيه درساً للإستعداد له بالمبادرة إلى التوبة وفعل الصالحات.
خاصة وأن زيارة ملك الموت لقبض الروح لم يعرف أوانها ولامكانها ، قال تعالى وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.
فموضع وفاة أي انسان لا يعلمه إلا الله عز وجل ، وبه ورد الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الحديث أن ملك الموت لايعلم من يموت ولكن الامر ينزل اليه وفيه اسم الذي حانت وفاته والناس في ذلك كاوراق شجرة كلها خضراء الاورقة الذي جاء أجله.
و(عن أبي موسى قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : متى تنقطع معرفة العبد من الناس قال : إذا عاين)( ).
قال أسباط بن سالم مولى أبان للإمام جعفر الصادق عليه السلام: جعلت فداك يعلم ملك الموت بقبض من يقبض؟ قال: لا، انّما هي صكاك تنزل من السماء : اقبض نفس فلان بن فلان)( ).
قانون اليسر في قبض روح المؤمن
لقد رزق الله عز وجل الإنسان العقل ، وبعث الأنبياء بالبشارة والإنذار ، قال تعالى فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ.
ومن البشارة والإنذار في المقام البشارة للمؤمن ساعة لقاء ملك الموت ، والإنذار للكافر ساعتئذ .
فلا تختص بشارة وإنذار الأنبياء بيوم القيامة ، بل هي مصاحبة للناس في الدنيا وفي عالم البرزخ ويوم النشور ومواطن الحساب والجزاء .
وفي خطاب وأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا، وقال تعالى لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
ويدرك كل إنسان بالشواهد والوجدان قانون ملاقاته للموت حتم وقطع ، وجاءت آيات التنزيل لتخبر بأن ملكاً موكلاً بقبض الأرواح هو ملك الموت ، ووردت بعض الأخبار بأن اسمه عزرائيل.
ان لقاء ملك الموت وكيفيته تشغل بال المسلم وخاصة في مناسبات نزول مصيبة الموت والاجتماع فيها , وكل انسان يأمل اللطف ويرجو التخفيف عند دنو أجله ، وهو رجاء غير مستحيل ولا بعيد المنال لسعة فضل الله تعالى , وفي التنزيل وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ.
وقد أرشد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين إلى باب يؤدي إلى الراحة ساعة الموت (بالاسناد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من صام من رجب أربعة وعشرين يوماً .
فاذا نزل به ملك الموت تراءى له في صورة شاب، عليه حلةّ من ديباج اخضر، على فرس من افراس الجنان وبيده حرير اخضر ممسك بالمسك الاذفر، وبيده قدح من ذهب مملوء من شراب الجنان. فسقاه اياه عند خروج نفسه يهون عليه سكرات الموت .
ثم يأخذ روحه في تلك الحرير فيفوح منها رائحة يستنشقها اهل سبع سماوات فيظل في قبره ريّان حتّى يرد حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
لبيان منافع الصيام ساعة الإحتضار ، وفي القبر ، قال تعالى وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وعن عبد الله بن مسعود قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله جعل حسنة ابن آدم عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم ، وقال : والصوم لي وأنا أجزي به)( ).
و(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عز وجل : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)( ).
وقد يكون التخفيف عن المؤمن ساعة الموت برد نفسه وارجاع الروح إلى البدن عند النزع من أجل أن لا تشق عليه مفارقة الدنيا بصورة مفاجئة، ولتفضل الله تعالى بجعله يرى منزله في الجنان ، وماينتظره من النعيم فيرضى عندها بالموت، ويصبح هيناً عليه ، ويأتيه وهو مشغول.
ومثلما يتعلق الحزن بالماضي فان الخوف يتعلق بالمستقبل أي أن الملائكة تبشر المؤمن بمغفرة الذنوب فيما يخص الحياة قبل الموت، وما خلف من ولد وأهل ومال ، ومما يدل عليه قوله تعالى وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا.
وبالأمن في عالم القبر والحساب ليكون الموت مناسبة يتلقى فيها المؤمن البشارة بما أعد الله له ، ويكون مسروراً بما سينتقل له. وقد يكون تكرار رد الروح لمحو الذنوب ، وتخفيف تبعاتها، ومناسبة للإستغفار، بالإضافة إلى ما يلحق المحتضر من الاجر بسبب اعتبار واتعاظ الآخرين من حالته. وقد تجتمع الأسباب وتتداخل .
وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام إنه قال: إن الله عز وجل يأمر ملك الموت فيرّد نفس المؤمن ليهوّن عليه ويخرجها من أحسن وجهها فيقول الناس: لقد شدّد على فلان الموت، وذلك تهوين من الله عز وجل عليه).
اي إن الذي يظنه الناس تشديداً إنما هو تخفيف ورحمة بالمؤمن ساعة الوفاة، وباب للإستغفار والتوبة ، ونطق بالشهادتين يفتحه الله ساعة الموت، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
وروي عن أنس بن مالك أنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية ثم قال قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها( ).
ومن الصعب على الإنسان مغادرة الدنيا برضاه بعد أن عاش فيها أيام حياته وتنعم بملذاتها من الطيبات وكانت تكرمه حيث يلازمه النهار بالضياء والحركة والسعي ويودعه ليتركه مع الليل وما فيه من سكينة وهدوء ولذلك تراه جزعاً ساعة الموت ، قال تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )( ).
ولكن الباري عز وجل ينظر له بعين الرأفة ولايؤاخذه على حبه لما انعم عليه به في الحياة الدنيا.
وفي الحديث القدسي (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول الله عز و جل : من عادى لي وليا فقد ناصبني بالمحاربة وماترد دت عن شيء أنا فاعلة كترددي عن موت المؤمن يكره الموت وأكره مساءته .
وربما سألني وليي المؤمن الغنى فأصرفه من الغنى إلى الفقر ولو صرفته إلى الغنى لكان شرا له وربما سألني وليي المؤمن الفقر فأصرفه إلى الغنى ولو صرفته إلى الفقر لكان شرا له .
إن الله عز و جل قال : وعزتي وجلالي وعلوي وبهائي وجمالي وارتفاع مكاني لايؤثر عبد هواي على هوى نفسه إلا أثبتت أجله عند بصره وضمنت السماء والأرض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر)( ).
وعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقول: قال الله تبارك وتعالى : ماتردّدت عن شيء أنا فاعله كتردّدي عن المؤمن فأني احب لقاءه ويكره الموت فأزويه عنه.
ويعيش المؤمن حالة توديع ذاتية في ساعة مغادرته الدنيا تشترك فيها جميع أركان بدنه وأعضاء جسمه .
عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن العبد ليعالج كرب( ) الموت وسكراته ، وإن مفاصله يسلّم بعضها على بعض تقول: عليك السلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة( ).
قانون الحضور النبوي المبارك
لقد تواترت الأخبار بان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحضر عند المؤمن ساعة موته يبشره ويهون عليه سكرات الموت ويجعله يقبل على الآخرة بشوق وليشتغل ساعة الموت في الإستغفار وإخلاص التوبة.
ان حضور رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بشارة ، ودعوة فورية للتوبة والإستغفار لما فيها من توكيد لصدق مسالك الايمان ودروب الاسلام.
لما ورد في مرسلة ابن فضال عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام إنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته.
ثم قال إن السنة لكثير من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته .
ثم قال إن الشهر لكثير من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته.
ثم قال وان الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته، ثم قال أن يوماً لكثير من تاب قبل أن يفارق قبل الله توبته)( ).
إن حضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند المؤمن ساعة وفاته فرصة للإنابة ، وربما يلقن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلم ساعة الاجل ما فيه خلاصه من أهوال القبر ، ومساءلة منكر ونكير ، خاصة وان بركة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على الناس متصلة ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ومثلما أنعم الله على أهل مكة ولم يبتلهم بعذاب الإستئصال ونحوه لان النبي محمداً صلى الله عليه واله وسلم بين ظهرانيهم فان الاستغفار علة لدرء العذاب ودفعه ، قال تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
وليس ببعيد عن رحمة الله تعالى أن يأذن لنبيه الكريم صلى الله عليه واله وسلم بالحضور عند من آمن به وصدق برسالته عند الإحتضار.
ليهديه إلى سبل الاستغفار ولإعانته وبره ونجاته من فتنة وعذاب القبر.
بالاسناد عن أبي بصير عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: إذا حيل بينه -اي المحتضر- وبين الكلام أتاه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومن شاء الله .
فجلس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن يمينه، والآخر عن يساره، فيقول له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أما ما كنت ترجو فهو ذا امامك، واما ما كنت تخاف منه فقد امنت منه.
ثمّ يفتح له باب الجنة فيقول: هذا منزلك في الجنة فان شئت رددناك إلى الدنيا ولك فيها ذهب وفضة، فيقول : لا حاجة في الدنيا، فعند ذلك يبيّض لونه، ويرشح جبينه، وتتقلّص شفتاه وتنتشر منخراه، وتدمع عينه اليسرى، فاي هذه العلامات رأيت فاكتف بها…الحديث( ).
وورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام ايضاً بأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يمثل له، أي أن صورة النبي تبدو له فيعرفه بها فيفرح بذلك ويستبشر بالعاقبة.
بالاسناد عن سدير الصيرفي قال: قلت لابي عبد الله الصادق عليه السلام : جعلت فداك يا ابن رسول الله هل يُكره المؤمن على قبضه روحه ، قال : لا والله ، إنه إذا اتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك.
فيقول له ملك الموت : ياوليّ الله لاتجزع، فوالذي بعث محمداً صلى الله عليه واله وسلم لأنا أبر بك واشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر .
قال : ويمثل له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ذريتهم ، فيقال له : هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والائمة ورفقاؤك ، قال (فيفتح عينيه فينظر فينادي روحه منادِ من قبل رب العزة فيقول : يا أيتها النفس المطمئنة…) الحديث.
ولا تنافي بين الروايتين إذ أن الله واسع كريم، وأن الملاك في الأمر هو ادخال الاستبشار إلى نفس المؤمن برؤية النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم ، وشعوره بان عمله في الحياة الدنيا لم يذهب سدىً وانه يقدم على أهوال الآخرة ، والشفاعة غير بعيدة عنه أو أن الطريق اليها ليست موحشة ، بل انها مزدانة بالأنوار الملكوتية ، وأن الذين اهتدى بهداهم في الحياة الدنيا حضروا لينيروا له دروب الآخرة الرهيبة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا.
ولا يبعد تعلق أرواح الأولياء وتجسدها في أجساد مثالية وان يجعل الله لهم القدرة على الحضور في أكثر من مكان وعند المتعدد من الأموات في ساعة واحدة، وان يكون حضور الأنبياء والأولياء عند المحتضر بصور لطيفة لا يراها إلا هو.
إن حضور النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم وأولياء الله ساعة الإحتضار غير منعدم في الحياة الدنيا ايضاً، ولكنه قد لا يدرك إلا بالوجدان، ولايستطيع الذهاب إلى القطع بالتأثير أو الاستدلال بوضوح ظهوره بسبب الطبيعة التكوينية لوجود الإنسان في الحياة الدنيا بلحاظ أنها دار امتحان وبلاء .
ولكن الغطاء ينكشف عن عينيه عند الموت فتتحقق الرؤية التي تشكل في الحقيقة ذات الحضور من حيث ماهية المنفعة فضلاً عن عظيم الحاجة إليها.
ولا تنحصر رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الموت بالمسلمين فقط بل أن أفراد الجنس البشري جميعهم قد يرونه ساعة الموت. ليعلم غير المسلم ساعتها أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله، وان عدم الايمان برسالته ضرر وخسارة فادحة , وسبب للحرمان من ابواب الرحمة والعفو والتخفيف.
روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام في قوله تعالى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا أنه قال : ليس من أحد من جميع الاديان يموت إلا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين حقاً من الأولين والآخرين.
وفي الآية قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أي أن الضمير في (به) عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذهب إلى هذا القول بعض المفسرين كعكرمة.
وفي حديث الحجاج وكيف أنه يأتي بالأسير فلا يسمع منه ذلك ، قال شهر بن حوشب فاجبته (وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر اليّ وقال: ممن.
قلت : حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد اخذتها من عين صافية أو من معدنها. قال الكلبي فقلت له ما اردت إلى أن تقول: حدثني محمد بن علي ابن حنفية.
قال : اردت أن اغيظه , يعني بزيادة اسم علي لأنه مشهور بابن الحنفية)( ).
ولا تنافي بين الروايتين لامكان الجمع بينهما مع احتمال التوالي في المساءلة واظهار الحجة.
وان كانت الرواية الاولى هي الأرجح لأنها رويت عن المعصوم ، وهي أكثر مناسبة لسياق الآية.
وكذلك الايمان في تلك الحالة لا يرفع العذاب لانه جاء متأخراً عن زمان التكليف ومدة الابتلاء. كإقرار فرعون حين أدركه الموت وغمرته أمواج البحر كما ورد في التنزيل آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
وقد تدمع عين المحتضر ساعة الموت ولذلك أسباب متعددة ولكنها عند المؤمن عنوان الإستبشار برؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والفرح بحضوره في تلك الشدة.
وعندما سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن الميت تدمع عينه عند الموت. قال عليه السلام: ذاك عند معاينة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيرى ما يسرّ( ).
قانون حضور الصلاة عند الموت
يُنظر في علم التفسير إلى قوله تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا بأن الصلاة أمر مفروض ، وفي أوقات محددة ، ولكن للآية دلالات ومفاهيم أخرى منها :
الأول : منافع أداء الصلاة في يومها كغفران الذنوب , وفي أيام الدنيا والآخرة .
الثاني : قانون الأجر العظيم في تعاهد أوقات الصلاة .
الثالث : المصالح المترشحة عن أداء الصلاة ومنها تهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات ودفع المفاسد ، قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
الرابع : قانون أداء الصلاة من أبهى مصاديق طاعة الله ، والإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : حضور الصلاة عوناً عند الموت , وشفيعاً في عالم البرزخ ، ومواطن متعددة يوم القيامة .
وعن عدد من أصحاب رسول صلى الله عليه وآله وسلم (كان رجلان أخوان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان أحدهما أفضل من الآخر ، فتوفي الذي هو أفضلهما وعمر الآخر بعده أربعين ليلة ، ثم توفي فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضل الأوّل على الآخر.
قال : ألم يكن يصلي ، قالوا : بلى يا رسول الله .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما يدريكم ما بلغت به صلاته.
ثم قال عند ذلك : إنما مثل الصلوات كمثل نهر جار بباب أحدكم غمر عذب يقتحم فيه كل يوم خمس مرات ، فماذا ترون يبقى من درنه)( ).
و(عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لله تعالى ملكاً ينادي عند كل صلاة يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فاطفئوها)( ).
لبيان فضل الصلاة ، وحضورها عند الموت ، ورؤية ملك الموت لها ، وإعانته لصاحبها ، قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
ان ساعة حضور ملك الموت وسكرات الموت أمور شديدة لذاتها عند أكثر الناس ولكنها باب للخشية من الله عز وجل ومناسبة يبعث استحضارها في النفس روح الصلاح والزهد. وادراك حتمية لقاء ملك الموت.
عن حمران قال : سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله فاذا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ قال : هو الذي سمي لملك الموت في ليلة القدر( ).
إن ساعة الموت ولقاءه مناسبة يشعر فيها المؤمن بالتكريم والجزاء الحسن على اختياره سبل الهداية وطرق الرشاد (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يتوفّى ملك الموت المؤمن .
فقال: انّ ملك الموت ليقف من المؤمن عند موته موقف العبد الذليل من المولى فيقوم هو واصحابه لايدنو منه حتى يبدأه بالتسليم ويبشره بالجنة)( ).
وهل يمكن القول بقانون تعاهد الصلاة منسأة في الأجل ، وأنها تدفع ميتة السوء ، الجواب نعم .
وفي قوله تعالى ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ، وورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام قال: المسمى ما سمي لملك الموت في تلك الليلة وهو الذي قال الله إذا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ، والآخر له فيه المشيئة إن شاء قدمه وإن شاء أخره)( ).
و(عن ابن عباس : أن الله تعالى قضى لكل أحدٍ أجلين : أجلاً من مولده إلى موته ، وأجلاً من موته إلى مبعثه ، فإن كان بَرّاً تقياً وَصولاً للرحِم زيد له من أجل البعث في أجَل العمر .
وإن كان فاجراً قاطعاً نُقِصَ من أجل العُمُر وزيد في أجل البعث ، وذلك قوله تعالى وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ))( ).
وقيل الأجل الأول ما بين الحياة والموت ، والثاني ما بين الموت والبعث من البرزخ .
قانون لقاء الموت فرح للمؤمن
يكون لقاء الموت ساعة فرح للمؤمن حيث يرى نتائج عمله الصالح يتجسد باستقبال مبارك وودي من قبل ملك الموت وأعوانه الذين يهونون عليه شدة الموت ويخففون عنه وطأة فراق الأحبة , وألم مغادرة الدنيا التي اتخذها داراً وموطناً أيام عمره رحمة من الله عز وجل في لحظة الموت التي تكون عالماً مستقلاً لما فيها من البلاء والخوف والجزع ولانها محطة انتقال رهيبة ونقطة تحول إلى عالم مملوء بالأهوال ذات الآجال التي يجهل الناس مدة زمانها واحقابها.
إنها ساعة من ساعات الجزاء، ولكنها لاتظهر إلا لصاحبها، وانما خفيت تفاصيلها على الناس لاحكام الابتلاء في الدنيا.
قانون الموت
الموت معروف ، وهو مغادرة الروح للجسد وتوقف الحركة فيه، يقال مات الإنسان يموت موتاً ، والموت ضد الحياة وكلاهما من خلق الله وفي التنزيل خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.
وتؤكد الآيات أن الموت أمر وجودي وهو مخلوق وفيه إشارة إلى العالم الذي ينتقل إليه الإنسان بالموت. وحيث أن اللام في (ليبلوكم) للتعليل أي أن ما بعدها علة لما قبلها، يكون المعنى أن وجود حالة الموت والحياة سبيل إلى اختبار الناس، وامتحانهم بالأمر والنهي.
إذ جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء وتفضل الله عز وجل وبعث الأنبياء دعاة للتوحيد ، ورسلاً للنجاة من ظلمات البرزخ ، وأهوال يوم القيامة ، قال تعالى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وليكون الجزاء على نوع العمل وقدره، وليأتي الثواب ثمرة ونتيجة لحسن الطاعة والعبادة , وينزل العذاب متعقباً للمعصية في زمان التكليف. وليكون الموت وادراك حتمية حدوثه سبباً للمسارعة في الخيرات باباً للمسابقة في الصالحات.
وفي تفسير الآية كان قتادة يستحضر قول النبي محمد صلى الله عليه وأله وسلم (ان الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت)( ).
فالموت موجود وغير بعيد مع وجود الحياة واتصال اسبابها فهو والحياة ليسا من باب (تقابل الملكة وعدمها).
كالبصر والعمى فالبصر ملكة ، والعمر عدمها ، فأحدهما وجودي والآخر عدمي .
فالحياة والموت ضدان متقابلان لانهما أمران وجوديان متعاقبان وموجودان في موضوع واحد ويتعذر اجتماعهما فيه. وبذلك يمكن القول بانهما صفتان وليسا من الذوات والاشياء المتخالفة كالبناء والخراب، والحيوان والحجر .
احتجاج إبراهيم (ع) بالحياة والموت (بحث منطقي)
وجود الموت وحقيقته دليل على الايمان والرشاد، واختراعه أمر إعجازي يجعل الإنسان يشعر بالذل والخضوع أمام عظيم قدرة الله تعالى وحسن تدبيره وبديع حكمته والنظر باستغراب وتعجب إلى الذي تعمى بصيرته عن ادراك هذه البديهية الذي يجب أن يكون من الضرورات العقائدية في أركان الوجود الإنساني على سطح الارض.
وقد ورد التعجب ممن يحتج بالباطل في هذا المقام ، قال تعالى أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.
والذي قام بمحاجة نبي الله إبراهيم عليه السلام هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح وقيل أنه نمروذ بن فالخ بن عامر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ، الذي اتجه صوب صناعة الجدل للمحافظة على انقياد الناس له في سلطانه وضلالته وكفره ، فهو أول من استكبر وطغى في الأرض بادعائه الربوبية.
لقد كان إبراهيم عليه السلام يبشر بالدعوة إلى الله وقيل أن المحاجة جرت عندما أخرج نمروذ إبراهيم من السجن ليحرقه بعد أن قام بكسر الاصنام فقال له من ربك الذي تدعو اليه ، فاجاب ابراهيم رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.
لقد اتجه إبراهيم عليه السلام إلى قضايا وامثلة تسمى في علم المنطق (المشهورات الحقيقية المطلقة)، والتي لايستطيع الإنسان انكارها، ولايحاول احد التشكيك فيها، وهي بديهيات غير مكتسبة.
فاحتج ابراهيم عليه السلام بالموت والحياة وان الله هو الذي يحيي ويميت وبان ذلك أمر معجز لايقدر عليه إلا الله تعالى، الامر الذي يؤكد وجود الموت آية من آيات الله عز وجل.
فاتجه الملك الكافر إلى الجدال والاعتراض بعناد ومغالطة , فقال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أي أنه يعفو أو يسجن من يراد قتله ويقتل من يريد بسلطانه.
ولم يستمر معه إبراهيم بالجدال والاحتجاج في ذات الموضوع، خاصة وان الحجج والبراهين التي يستظهر ويظهر على نمرود بها كثيرة فاجابه باحتجاج سريع ومناسب في المقام.
وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: أن ابراهيم قال له: احيي من قتلته إن كنت صادقاً( ).
ثم انتقل إلى برهان آخر ومثال آخر في بيان ووضوح مناسب لمدارك الناس قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، ولا يعني بذلك ترك الاحتجاج بالموت الذي يستدل به على واجب الوجود ، ولفت الانظار إلى حقيقة استحالة وجود الممكن بلا علة ، أو تخلف المعلول عن العلة.
وأراد توكيد العلة الفاعلية وما منه الوجود ففي المثالين كان الاستدلال على ألوهية الله تعالى وانه المفيض للوجود سليماً ، وقاد إلى غلبة إبراهيم وهزيمة الباطل ليتصاغر الطاغوت في سلطانه.
قانون الحضور النبوي بشارة
من فضل الله عز وجل على المسلمين حضور النبي صلى الله عليه واله وسلم عند الميت , وهذا الحضور على وجوه متعددة كل حسب عمله وبما يأذن به الله عز وجل ، ومن تلك الوجوه :
الأول : يحضر النبي صلى الله عليه واله وسلم ، ويراه المحتضر عند ساعة الوفاة من غير أن يتكلم النبي صلى الله عليه واله وسلم ليستبشر المحتضر ويفرح أن كان مؤمناً .
ويحزن أن كان كافراً ويتألم بمرارة لجحوده نبوة خاتم المرسلين وفوات فرص الاستدراك وساعات التوبة والإنقياد لأحكام الإسلام ، قال تعالى قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
الثاني : حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم مناسبة ليتعامل ملك الموت مع الميت على ضوء تصديقه بالرسالة المحمدية وليكون حجة على الميت أو له.
فيتوقف الكافر عن الاعتراض عما يلاقيه من شدة قبض روحه ، أو الميل إلى استغرابه.
بينما يزداد المؤمن برؤية النبي صلى الله عليه واله وسلم رضاً ويركن إلى الطمأنينة لما سار عليه من اعتقاد واعتمده من الافعال الصالحة والفرائض الدينية التي تعاهدها المسلمون عن النبي صلى الله عليه واله وسلم.
ويدرك ساعتها أن الله انعم عليه بالتوفيق في دار الابتلاء، وانه على مشارف النعيم الخالد وان تصديقه بنبوة محمد لم يذهب سدىً ، ولم يكن إلا حقاً وأن ثماره أينعت وحان أوان اقتطافها في أشد حالات الحاجة إلى نسائمها .
قال الإمام علي عليه السلام : تمسكوا بما أمركم الله به ، فما بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى ما يحب إلا أن يحضره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وتأتيه البشارة من الله عز وجل فتقرّ عينه ويحب لقاء الله( ).
الثالث : يحضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتدخل مباشرة في مراحل قبض روح الميت وطريقة مغادرته الدنيا فيوصي ملك الموت بالعناية بالمؤمن واتاحة الفرصة أمام المسلم للتوبة في النفس الأخير واختيار ما فيه رحمة له ليكون باباً للانابة وسبيلاً إلى الشفاعة .
وهل يوبخ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكافر في القبر ، الجواب لا .
الرابع : إن يسّكن روع المؤمن ويخبر بان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمامه وأن الموت باب للقاء به وصحبته في الآخرة، عن عبد الحميد بن عوّاض قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول:
إذا بلغت نفس أحدكم هذه قيل له: أما ما كنت تحزن من همّ الدنيا وحزنها فقد آمنت منه ويقال له أمامك رسول الله وعلي وفاطمة( ).
الخامس : قد يكون حضور النبي صلى الله عليه واله وسلم بتوسل ودعاء من الميت للشدة والحرج الذي هو فيه ساعة معاينة الموت لما قرأه واعتقده لحضوره صلى الله عليه واله وسلم.
فيحضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليوصي ملك الموت به خيراً، رحمة من الله وفضلاً.
السادس : من مصاديق قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، استجابة الله عز وجل لدعاء المسلم أن يحضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنده ساعة الإحتضار وعند دخول القبر ، ومجئ منكر ونكير للحساب الإبتدائي .
وقد يتعلق اختلاف تلك الصور بتباين أحوال المسلمين وأعمالهم في الحياة الدنيا ودرجات ايمانهم وما يستحقه أهل التقوى من الكرامة وأسباب الرفق والتخفيف عند عقبة الموت في طريق الوصول إلى النعيم الخالد الذي وعدوا به واجتهدوا في الاستعداد له وليزول الحجاب عن اعينهم .
فيشتاق كل واحد منهم إلى الدار الآخرة ويصبح أحدهم ساعتها وهو لايريد اللبث في الدنيا ، ويتطلع إلى تناول روحه للحاق بالنبي صلى الله عليه واله وسلم والأولياء.
الموت والذاكرة
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بالذاكرة وحضور المعاني في النفس ، واستحضارها في الوقت المناسب وحسب مدارك الإنسان ونباهته , ونوع اعتقاده وسنخية اهتمامه وعدم تضييعها.
ويتجلى كل من :
الأول : قانون الذاكرة مدرسة للعبرة والاتعاظ .
الثاني : قانون الذاكرة سبيل للهداية وحجة على الإنسان .
الثالث : قانون الذاكرة حاجب يمنع الإنسان من الإعتذار يوم القيامة.
إذ يمكن توظيفها باستذكار ما جرى على الذات وعلى الناس من الأمم السالفة ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ومن الشواهد الذي يفارق الأحبة من بينهم ، واستحضار ما ينتظر الإنسان من المصير المحتوم وهو مغادرة الدنيا بالموت الذي لا مفر منه وحيث لا تنفع معه الحيلة ولا سبيل إلى النجاة منه ، قال تعالى أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.
وقد يميل بعض الناس إلى الابتعاد عن ذكر الموت حيث يخيفهم شبحه وربما ظنوا ومن غير تدبر أن استذكاره ينغص نضرة الدنيا وسرور نعيمها ورونق بهجتها ورفيف سعادتها لما يهجم عليه معه من الرعب والفزع وانكشاف الغطاء عن حقيقة الدنيا في سرعة زوال أيامها .
وتصور أهوال الموت أمر رهيب ويحتاج التأمل فيه إلى ملكة من التحمل والصبر الذهني وإرادة على متابعة الفكر لمراحل مغادرة الروح للجسد وتجسيد صور ومراحل الانتقال إلى عالم البرزخ والدار الآخرة وغيره من الظن الذي يتبدد.
وينحسر بحياء عند التدبر والتعمق في النظر إلى منافع استذكار الموت بمنظار ايماني ونظرة واقعية إلى حقيقة وماهية الحياة الدنيا كخلق لله عز وجل وقرين ملازم في مدة التكليف.
ويصبح التفكر بالموت رحمة وعوناً (عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الموت، الموت، جاء الموت بما فيه، جاء الروح والراحة والكرّة المباركة إلى جنّة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم .
وجاء الموت بما فيه، جاء بالشقوة والندامة والكرّة الخاسرة إلى نار حامية لاهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم)( ).
من سبل الوقاية من عذاب القبر
الحياة الدنيا دار الوقاية ، وفيها استعداد كريم واحتراز سابق وادخار مبارك، وفيه وجوه وطرق متشعبة منها :
الأول : تظهر الشريعة النفع العظيم لصالح الأعمال عند ولوج عالم القبر حيث يدخل مع الميت عمله وتحضر له صحائف اعماله في حساب أولي واستعراض اجمالي لنوع اعماله وبيان اعلامي لسيرته في الدنيا ، واخبار ملكوتي عما ينتظره من الجزاء يوم القيامة.
الثاني : اشتغال الإنسان بالدعاء في حياته وسؤال النجاة من عذاب القبر.
بالاضافة إلى قيام مشيعيه عند موته بالدعاء له وتلقينه ووضع الجريدتين معه ، كما تقدم رجاء تجافي العذاب عنه في القبر.
الثالث : التوَقي من أسباب عذاب القبر التي وردت في الروايات، والتنزه عما يبعد الإنسان عن تمام الطهارة ، وما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام من قول : إن جلّ عذاب القبر في البول.
إشارة وتنبيه إلى ضرورة الحرص على عدم إصابة البول الجسد أو اللباس والحاجة للتقيد بأحكام التخلي .
وروي عن ابن عباس أنه قال: عذاب القبر ثلاثة أثلاث ، ثلث للغيبة وثلث للنميمة وثلث للبول( ).
الرابع : اتقان الفرائض وأداؤها على الوجه الصحيح وبصورة تامة. والحفاظ على أركانها واجزائها لتكون سلاحاً وواقية ، وعوناً في عالم البرزخ ومابعد الموت.
وبالاسناد عن سعيد بن جناح قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام في منزله بالمدينة فقال مبتدئاً من أتم ركوعه وسجوده لم تدخله وحشة في القبر( ).
الخامس : الاستعداد لسؤال منكر ونكير وتهيئة الاجابة باقرار الجنان بالشهادتين وجعل اللسان يعتاد على النطق بهما والجوارح مستجيبة ومرددة لما ينطق بهما.
و(عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن لله تعالى ملكين يقال لهما: ناكر ونكير ينزلان على الميت فيسألانه عن ربه ونبيه ودينه وامامه، فان اجاب بالحق سلّموه إلى ملائكة النعيم، وان ارتج عليه( ) سلّموه إلى ملائكة العذاب)( ).
قانون التقوى نجاة من عذاب القبر
من إعجاز القرآن ذكر المتقين والثناء عليهم ، وبيان صفاتهم ، وفيه ترغيب بالخشية من الله والثبات على الإيمان ، وانفاقهم في سبيل الله ، والبشارة لهم بالجنة ، قال تعالى وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
وقد تأتي آيتان أو آيات متجاورة في وصف المتقين ، ولمعرفة أوصافهم الحميدة لابد من قراءة آيات القرآن آية آية ، فمثلاً سورة الفاتحة كل آية من آياتها تتضمن صفة من صفات المتقين .
ومن إعجاز القرآن تقديم البشارة بالجنة للمتقين على ذكر صفاتهم ، كما في قوله تعالى قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ.
ومن صفات المتقين في الآيتين أعلاه :
الأولى : قانون إتخاذ الدعاء منهاجاً ثابتاً ، وفيه خير الدنيا والآخرة ، قال تعالى مخاطباً النبي محمداً وَإذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.
وهل هذا الخطاب والأمر من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لا ، وتقدير الآية أيضاً (يا أيها الناس إذا سألكم عبادي عني ..) و(يا أيها الذين آمنوا إذا سألكم عبادي عني…).
نعم سؤال الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر منه سؤالهم لغيره لذا ورد لفظ (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن.
الثانية : قيام المتقين مجتمعين ومتفرقين بسؤال الله عز وجل المغفرة لذنوبهم ، فكل واحد منهم يسأل الله عز وجل المغفرة لنفسه ولغيره من الأحياء والأموات .
لبيان قانون انتفاع الأموات من المتقين من أهل الدنيا ، فمن مصاديق الآية (اغفر لابائنا وأمهاتنا ، واغفر للمؤمنين والمسلمين الذين ماتوا ، ربنا اغفر لأهل القبور).
ومن الإعجاز ابتداء السؤال في هاتين الآيتين بسؤال مغفرة الذنوب ، وانفراد احداهما بهذا السؤال ، بينما ذكرت الآية الأخرى خمس صفات.
الثالثة : قانون الملازمة بين التقوى والصبر في طاعة الله ، والصبر في إجتناب المعصية .
الرابعة : التحلي بالصدق في القول والعمل ، والإخلاص في طاعة الله ، والتنزه عن الرياء .
وعن عبد الله بن مسعود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بالصدق فأن الصدق يهدي إلى البر ، وأن البر يهدي إلى الجنة ، وأن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)( ).
الخامسة : القنوت والخشوع لله عز وجل ، ودوام طاعته ، واتيان الفرائض العبادية ، قال تعالى حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.
السادسة : الإنفاق في سبيل الله في حال العسر واليسر ، وإخراج الزكاة ، والخمس بقصد القربة إلى الله .
السابعة : المداومة على الإستغفار خصوصاً وقت السحر .
لقد تضمنت الآيات من سورة آل عمران البشارة للمتقين بالجنة الواسعة يوم القيامة ، وهل تدل بالدلالة التضمنية على نجاتهم من عذاب القبر ، الجواب نعم ، وكل صفة حميدة من صفاتهم أعلاه واقية من العذاب في القبر.
قال تعالى وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، أي تقرب منهم ، فليس ثمة مسافة ليسهل ويعجل دخولهم لها .
وعن الإمام علي عليه السلام قال (يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان ، فعمدوا إلى احداهما فشربوا منها ، فذهب ما في بطونهم من أذى أو قذى وبأس ، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها ، فجرت عليهم نضرة النعيم.
فلن تغير أبشارهم بعدها أبداً ولن تشعث أشعارهم كأنما دهنوا بالدهان ، ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.
ثم تلقاهم الْوِلْدَان يطوفون بهم كما يطيف أهل الدنيا بالحميم ، فيقولون : ابشر بما أعد الله لك من الكرامة .
ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين ، فيقول : قد جاء فلان باسمه الذي يدعى به في الدنيا.
فتقول : أنت رأيته .
فيقول : أنا رأيته ، فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها ، فاذا انتهى إلى منزله نظر شيئاً من أساس بنيانه فاذا جندل اللؤلؤ فوقه أخضر ، وأصفر ، وأحمر ، من كل لون ، ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فاذا مثل البرق . ولولا أن الله تعالى قدر أنه لا ألم لذهب ببصره)( ).
منافع ذكر الموت
لاستحضار الإنسان موضوع الموت وعدم تعمد الإعراض عن تدبره والتأمل في ماهيته منافع عديدة منها :
الأول : الزهد في الدنيا والعزوف عن زينتها وإغرائها وترك غرورها، عن أبي عبيدة قال : قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام (حدثني ما انتفع به فقال: يا أبا عبيدة أكثر ذكر الموت فإنه لم يكثر ذكره إنسان إلا زهد في الدنيا)( ).
وقال : سئل الصادق عليه السلام عن الزاهد في الدنيا قال الذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عقابه) ( ).
ليكون ذكر الموت مناسبة للقناعة ، والرضا بما قسم الله ، وسبيلاً إلى ترك الحرام وسلاحاً لنبذ السيئات والتحرج مما في الدنيا من الحلال.
الثاني : حب الله عز وجل والتسليم لحكمه والرضا بقضائه والإقرار بأن الموت جزء من بديع صنعه وحكمته ، وفي التنزيل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
الثالث : ازدياد الايمان عند الإنسان والتقدم في سلم الورع.
الرابع : الارتقاء في منازل اليقين ودرجات العلم وفي قوله تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.
قال الحسن ومجاهد وقتادة معناه حتى أن يأتيه الموت ربما لان العقلاء جميعاً يوقنون بحتمية لقائه.
الخامس : الاقبال على الطاعات واتيان الصالحات ، وذكر الموت بعنوانه المجرد عبادة مستقلة لما فيها من التفكر والاعتبار .
قال النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم : أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت وافضل العبادة ذكر الموت، وافضل التفكر ذكر الموت، فمن اثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة( ).
لبيان تعدد منافع ذكر الموت ، وشمولها للدنيا والآخرة وهو مادة للصلاح.
السادس : جودة القريحة ورجحان العقل والنباهة والفطنة بالنظر الواقعي للحياة الدنيا ومعرفة الأعمال في خواتيمها، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أكيس الناس من كان أشد ذكراً للموت( ).
وتعني كلمة (أشد) الكثرة والعناية والإتعاظ من ذكر الموت .
السابع : اجتناب محارم الله بادراك زوال لذاتها وبقاء تبعاتها، وان الله عز وجل لا تخفى عليه خافية وانه جعل الموت بداية للحساب وباباً لمراحل الجزاء.
عن القدّاح عن الصادق عن أبيه الباقر عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : استحيوا من الله حق الحياء، قالوا وما نفعل يا رسول الله .
قال : فان كنتم فاعلين فلايبيتنَّ أحدكم إلا وأجله بين عينيه، وليحفظ الرأس وما وعى والبطن وماحوى ، وليذكر القبر والبلى، ومن أراد الآخرة فليدع زينة الحياة الدنيا( ).
الثامن : مواجهة مشاق الحياة بروح الصبر وارادة التوكل على الله عز وجل وملكة التحمل وتلقي المصائب بالاسترجاع والاقرار بالقدر، وان الواقع ترجمة وانعكاس لما هو مكتوب.
قال الإمام علي عليه السلام: اكثروا ذكر الموت، ويوم خروجكم من القبور، وقيامكم بين يدي الله عز وجل تهون عليكم المصائب( ).
التاسع : النظر إلى الأمور بمنظار الحقيقة وتقييم الاشياء بمنطق الواقع وانعدام الغفلة وغياب اليأس والقنوط.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اذكروا هادم اللذات، فقيل وما هو يا رسول الله فقال : الموت فماذكره عبد على الحقيقة في سعة إلا ضاقت عليه الدنيا، ولا في شدة إلا اتسعت عليه .
والموت اول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا، فطوبى لمن اكرم عند النزول بأوّلها، وطوبى لمن احسن مشايعته في اخرها.
والموت اقرب الاشياء من بني ادم وهو يعدّه ابعد، فما أجرأ الإنسان على نفسه، وما اضعفه من خلق .
وفي الموت نجاة المخلصين وهلاك المجرمين، ولذلك اشتاق من اشتاق إلى الموت وكره من كره( ).
العاشر : صلاح النفس وبناء الشخصية على أسس عقائدية وتنمية ملكة الاقدام والعزيمة في الفعل ضمن حدود مرضاة الله وآفاق الشريعة. قال الإمام الصادق عليه السلام :
(ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ، ويقلع منابت الغفلة، ويقوي القلب بمواعد الله، ويرّق الطبع ، ويكسر أعلام الهوى، ويطفيء نار الحرص ويحقّر الدنيا، وهو معنى ما قال النبي صلى الله عليه واله وسلم : فكر ساعة خير من عبادة سنة.
وذلك عندما يحلّ اطناب خيام الدنيا، ويشدّها في الآخرة، ولايشك بنزول الرحمة على ذاكر الموت بهذه الصفة، ومن لايعتبر بالموت وقلة حيلته وكثرة عجزه وطول مقامه في القبر وتحيّره في القيامة فلا خير فيه)( ).
الحادي عشر : الاستعداد للموت وتوقع حلول ساعته في كل آن وعدم ظهور علامات الحسرة والاسى عندما تبدو بعض أماراته إنما هي المبادرة إلى الإستغفار والوصية.
معجزة إحياء عيسى (ع) الموتى
من لطف الله عز وجل بالأجيال المتعاقبة من الناس بقاء معجزات الأنبياء بين ظهرانيهم بالسماع وتوارت الأخبار لقانون المعجزة تشد الأسماع وتجذب الأذهان لها .
فالمعجزة هي الأمر الخارق للعادة ، المقرون بالتحدي ، السالم من المعارضة ، ونزل القرآن ليتضمن التوثيق السماوي لمعجزات عدد من الأنبياء ، لتكون شاهداً على قانون الملازمة بين النبوة والمعجزة .
وهو من مصاديق اتصاف القرآن بأنه معجزة عقلية ، وعصمته من الزيادة أو النقصان أو التحريف ، قال تعالى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
وكل معجزة من معجزات الأنبياء تدعو الناس للرجوع إلى الله عز وجل ، وهو من أسباب بقائها غضة طرية مع تعاقب السنين .
والمعجزة فريدة في بابها لا ترقى اليها العلوم الإنسانية وتجعل الناس عاجزين أمامها مبهورين منها، وتدخل البيوت في كل زمان ومكان، تخالط الناس في معاملاتهم وتحضر طوعاً وقهراً في منتدياتهم .
وتكون مقدمة عقلية لتوجههم إلى العبادات .
وتمنع من الغلو في الرؤساء وقادة أهل الدنيا وما يأتون به من الأعمال والإنتصارات والمكاسب، للتباين الموضوعي بينها وبين المعجزة التي هي أمر يفوق القدرات البشرية وتتحدى العقول في كل زمان ولقانون بقاء المعجزة سالمة عن المعارضة بلحاظ أوانها واستغنائها عن الأسباب والمقدمات المادية وليس لها من علة الا اذن الله وفضله تعالى.
وقد ورد لفظ [أَذِنَ اللَّهُ] عشرين مرة في القرآن ، منها مرتان في آية واحدة بخصوص عيسى عليه السلام ، وفي التنزيل وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ.
وفيه قانون طرد الغلو بشخص عيسى عليه السلام ، والمنع من نعته بالساحر ، لقانون لا إفراط ولا تفريط .
إن قانون استدامة حياة المعجزة مدرسة لإستلهام العبر واستنباط الدروس واقتباس العلوم فلقد أراد الله عز وجل للإنسانية جمعاء وإلى يوم القيامة ان تنتفع من كل آية ومعجزة من معجزات الأنبياء بالذات والعرض.
أما الذات فماهية وموضوع تلك المعجزة وامتلاكها أسباب الحياة .
وأما العرض فانها تبعث الحياة في غيرها , ومن خصائص التدبر في معجزات الأنبياء أنه واقية من عذاب القبر لما يؤدي إليه من مصاديق التقوى في القول والفعل .
وتأتي الأحداث والوقائع مصداقاً للمعجزة ورشحاتها ، وشاهداً على الحاجة المستديمة لها في كل الأزمنة .
ويمكن ان نسمي هذا القانون (حياة المعجزة) كعنوان لإستدامتها وديمومتها، وشاهد على استمرار الإعجاز وعدم انحصاره في زمانها وان كان الموضوع والكم والكيفية تختلف .
وهذا القانون شاهد على بقاء المعجزة بذات الخصوصية وعدم انتقالها الى عالم أخبار الناس العامة ، إذ تحافظ على استقلالها وشأنها الملكوتي وماهيتها السماوية في الكتب والمجتمعات والمنتديات والأذهان، لتساهم في بقاء عالم الروح والعبادة في منأى عن الخلافات والخصومات والتناحر والنقض والإبرام .
وتتناسب معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الأمور التي يعتني بها أهل زمانه ، فمثلاً كان قوم فرعون يولون عناية فائقة للسحر ، فبعث الله عز وجل موسى عليه السلام بعصاه فكانت تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ,
وصارت سبباً لإسلام السحرة , وكان الناس في زمان عيسى عليه السلام يعتنون بالطب فبعثه الله بآيات في علم الطب ، وورد حكاية عن عيسى في التنزيل وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
لقد نسب عيسى احياءه الموتى الى الإذن الإلهي , وقال [وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ] فسرعان ما قيده باذن الله تعالى لمنع الغلو في شخصه , أو رميه بالسحر , وهو لا يمنع من موضوعيته ومكانته في حصول المعجزة لأنها تجري على يديه.
لقد أراد عيسى علي السلام أن يبين لبني إسرائيل فضل الله عليه وعليهم على نحو الخصوص واثبات نبوته وإقامة الحجة بلزوم اتباعه.
ولم يقل أحد من الأنبياء أني أأتي بالمعجزة من عندي انما يقيدها بأنها باذن الله عز وجل وعظيم فضله .
ويلتقي إبراهيم الخليل عليه السلام مع عيسى بأن كل واحد منهما من الرسل الخمسة أولي العزم ، ومع هذا فان إبراهيم قال [رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى] ( )، لتكون آية ومعجزة لإبراهيم ان أراه الله إحياء الموتى بواسطة ومثال الطير .
أما عيسى عليه السلام فقال وبحضرة الناس أنا أحيي الموتى باذن الله.
مما يدل على عظيم منزلة عيسى وان آيات الأنبياء في ارتقاء متصل، كل نبي يأتي بآية أكبر من اختها في رحمة للناس وتنبيه لهم للرجوع الى سبل الهداية، وعدم الصدور إلا عن الأنبياء والرسل.
إلى أن جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات العقلية والمعجزات الحسية ، والمعجزات الجامعة بين العقلية والحسية .
وأخبر بأحاديث عديدة عن المساءلة في القبر ، وعن عذاب القبر وسبل النجاة منه ، ولا يعلم كثرة الملايين من المسلمين والمسلمات الذين انتفعوا من الأحاديث النبوية عن عالم البرزخ ، ويشمل هذا النفع الحياة الدنيا باصلاح السرائر وتهذيب الأفعال ، واجتناب الظلم .
ولا يتوقع أحد من الناس أن يأتي من يقول لهم أني أحيي الموتى خصوصاً وأن الأنبياء من قبل عيسى لم يأتوا بهذه الآية .
فلابد ان تكون آية ومعجزات عيسى سبباً في دخولهم في شريعته على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، ولكنهم قابلوه بالصدود والعناد الا قليلاً منهم .
وأبى الله الا ان يكون أنصار معجزة النبي بما يناسبها موضوعاً وحكماً وان تخلف أهل زمانها عن واجباتهم ووظائفهم في نصرتها والتصديق بها ، ليصبح أتباع عيسى عليه السلام من أكثر الأمم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا)( ).
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق اسماعيل بن عياش عن محمد بن طلــحة عن رجــل ان عيسى بن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الركعة الأولى تبارك الذى بيده الملك.
وفي الثانية تتزيل السجدة فإذا فــرغ مدح الله وأثنى عليه ثم دعا بســبعة أسماء يا قديم ياحى يا دائم يا فرد ياوتر يا أحد يا صمد( ).
ولكن هذا الخبر ضعيف سنداً بالإرسال وقال البيهقي: ليس هذا بالقوي.
وكان العرب أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعتنون بالشعر والبلاغة ، فنزل القرآن بلغة أسمى وأرقى من بلاغتهم ، وتعطلت صناعة الشعر في سوق عكاظ وفي منتديات مكة لغلبة آيات القرآن عليها وتلاوة وترديد الركبان لها , والتدبر العام في مضامينها مع أن إعجاز القرآن أعم من أن ينحصر ببلاغته .
ثبوت الوجود الذهني
لقد ذهب جماعة من الفلاسفة إلى نفي الوجود الذهني وقالوا أنه لو حلت الماهية في الذهن لتأثر بلوازمها كالحرارة والبرودة والطول والعرض والتحيز والحركة .
والحق إن الوجود الذهني يختلف عن الوجود الخارجي ، حيث لا تحل في الذهن الذات ولوازمها، إنما صورتها الإدراكية المجردة المثالية غير المادية ومفاهيمها بالحمل الأولي .
ليكون ذلك شاهداً على بديع صنع الله تعالى وعظيم نعمته على الإنسان بان أعطاه العقل وجعل وظائفه متعددة.
ففي حسنة محمد بن مسلم عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: لما خلق الله العقل قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر. فقال : وعزتي ما خلقت خلقاً احسن منك، إياك أمر وإياك أثيب ، وإياك أعاقب( ).
ولو كان للموت وجود نفسي في الذهن تترتب عليه أثاره في الوجود الخارجي للزم تعطيل جانب منه، ولكن وجوده الذهني كيفية نفسانية وماهية مغايرة للماهية الخارجية لقانون أن العلم غير المعلوم .
والإختلاف بين الفلاسفة في المقام مصداق للحديث أعلاه وبديع صنع الله تعالى للعقل وماجعل فيه من الأسرار التي لا تدركها الاوهام.
ويعجز العقل البشري عن العلم بذاته، وتلك حجة على الإنسان ودليل على قصوره وعجزه، ومانع نفسي لمنع التعدي في التفكير وامتناعه، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : إياكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمة الله تعالى فانظروا إلى عظم خلقه( ).
ضرر اجتناب ذكر الموت
قد يتجنب بعض الناس عن عمد ذكر الموت ، ويعرض عن الخوض في حديثه وخصوصياته وشدائده ، من وجوه :
الأول : عظيم هول المطلع .
الثاني : التفاعل والانسجام مع نعيم الدنيا وزينتها .
الثالث : القصور عن الاستعداد للموت في الأعمال , قال تعالى وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
الرابع : تخلف العبد عن تصور احتمال تعرضه لصنوف العذاب , وقد تراه يتضايق من بحث حقيقة انفصال الروح عن الجسد الذي يصبح فريسة وطعماً لهوام الارض.
هذا ما يرى في محيطه من وقوع الموت بالشيخ تارة والشاب أو الصبي تارة أخرى، وانه المرشح هو الاخر للموت في كل ساعة.
قال الإمام علي عليه السلام : مارأيت ايماناً مع يقين اشبه منه بشك على( ) هذا الإنسان ، أنه كل يوم يودع إلى القبور، ويشيّع، وإلى غرور الدنيا يرجع، وعن الشهوة والذنوب لا يقلع.
فلو لم يكن لابن آدم المسكين ذنب يتوكّفه ولا حساب يقف عليه إلا موت يبدّد شمله ويفرّق جمعه ويؤتم ولده لكان ينبغي له أن يحاذر ما هو فيه بأشدّ النصب والتعب.
ولقد غفلنا عن الموت غفلة اقوام غير نازل بهم، وركنّا إلى الدنيا وشهواتها ركون اقوام قد ايقنوا بالمقام، وغفلنا عن المعاصي والذنوب غفلة اقوام لايرجون حساباً ولايخافون عقاباً( ).
ليبين الإمام عليه السلام بلسان التنبيه والتحذير والإستغفار ضرر ترك ذكر الموت على الألسنة ، وفي الوجود الذهني .
لبيان قانون التضاد بين ذكر الموت والغفلة ، فهذا الذكر طرد للغفلة ، وزاجر عن المعاصي.
وربما أدى ببعضهم الفزع مما بعد الموت وعدم الاستعداد له إلى نكران وجود عالم آخر وصاغوه في نظريات حديثة تضرب جذورها بالواقع اللاديني القديم ويلتقيان في ذات المنطلق ونفس الأسباب.
وقد جاء في القرآن ذم لمن ينكر البعث ، وفضح لأوهامهم وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا *أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا.
أقوال الحكماء عند موت الإسكندر
لقد أولت الشرائع السماوية الموت واستحضاره في الذهن عناية خاصة كمدخل للصلاح والهداية ، وأولى الحكماء عناية خاصة بموضوع الموت مادة لبيان زيف زخارف الدنيا ومتاعها ضمن موازين العقل ودواعي الحكمة , إلا أنها قد كانت قاصرة في إعطاء المفاهيم الروحية للموت وما بعده .
فمثلاً عند موت الإسكندر اجتمع عند تابوته الحكماء ، وكما يفعل أطباء الابدان في هذا الزمان بالاجتماع عند جثة الميت للبحث عن سبب الوفاة ونحوه.
استثمر الحكماء تلك المناسبة وتكلموا فقال أحدهم : حركنا بسكونه.
وقال الآخر : قد كان سيفك لا يجف وكانت مراقيك لا ترام وكانت نقماتك لاتؤمن وكانت عطاياك يفرح بها، وكان ضياؤك لا ينكشف فاصبح ضوؤك قد خمد واصبحت نقماتك لاتخشى وعطاياك لاترجى ومراقيك لا تمنع وسيفك لا يقطع.
وقال آخر انظروا إلى حلم المنام كيف انـجلى وإلى ظل الغمام كيف انسلى.
وقال آخر : ما كان أحوجه إلى هذا الحلم وإلى هذا الصبر والسكون أيام حياته.
وقال آخر: القدرة العظيمة التي ملأت الدنيا العريضة الطويلة طويت في ذراعين , أي في الكفن.
وقال آخر : آسر الاُسَراء أسيراً ، وقاهر الملوك مقهوراً كان بالامس مالكاً فصار اليوم هالكاً( ).
وولد الإسكندر المقدوني سنة 356 ق.م في مدينة بيلا المقدونية (اليونان) ومات سنة 323 ق.م وعمره 33 سنة ، في مدينة بابل في العراق تولى الحكم بعد مقتل أبيه على يد حارسه .
والإسكندر من أعظم القادة العسكريين وكان يعتمد الهجوم المفاجئ ، وخطة الحمامة ، وهو تلميذ ارسطو ، وفتح مصر والعراق والهند وفارس التي غزاها تحقيقاً لحلم والده ، ولم يهزم في معركة.
وأختلف في سبب موته وسرعان ما تفككت الممالك التي استولى عليها ، قال تعالى وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ.
وقال الإمام علي عليه السلام (غداً ترون أيامي ويكشف لكم عن سرائري ، وتعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي) ( ).
ولم يترك الإمام علي عليه السلام للحكماء وغيرهم أن يتحدثوا عند جنازته بل كفاهم هذا الحديث وهو سيد البلغاء ، عندما اصيب تكلم قبل موته بخطبة بليغة مملوءة موعظة وعبرة وتقوى ومما جاء فيها :
أنا بالإمس صاحبكم، وأنا اليوم عبرة لكم وغداً مفارقكم، غفر الله لي ولكم.
إلى أن قال : وانما كنت جاراً جاوركم بدني أياماً وستعقبون مني جُثَةً خلاءً ساكنة بعد حراك. وصامتة بعد نطوق ليعظكم هدوّي وصفوت اطلاقي وسكون أطرافي. فانه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع( ).
استحضار الموت باعث على العمل
لقد أعطى الإسلام لموضوع الموت منزلته النفسية والفكرية والواقعية المناسبة ومن غير إفراط ولا تفريط.
أي أنه لم يجعل استحضار الموت سبباً للخمول والكسل واليأس. ولم يكن مقدار اهتمامه به من القلة بحيث يكون مفوتاً لبعض منافع ذكره , وما فيه من الموعظة .
وقد ورد ذكر الموت ومفرداته في القرآن نحو مائة وأربعين موضعاً، وفيه آية ومدرسة في ماهية الموت وما يتضمنه من أسرار ودروس وما بعده من الحياة التي تختلف من شخص إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى.
وترى حياة قادة المسلمين وسيرهم تذكر بالموت وتنبأ عن حضوره اليومي نصب أعينهم مثلما يتفحص ملك الموت أهل كل بيت خمس مرات في اليوم.
ويمكن أن تؤلف في هذا الباب مجلدات تكون سجلاً وثائقياً يجسد الفهم الموضوعي للموت وآثاره الإيجابية في حياة المسلمين عموماً ويعكس التزامهم الواعي بآداب مدرسة القرآن ومنهاج شريعة سيد المرسلين.
لقد أولى الإسلام الموت والورود على القبر موضوعية خاصة كمسألة حتمية يجب أن يكون أثرها على الحياة ايجابياً يتجسد بالزهد والتقوى والصلاح.
وجاء ذكر القبر في القرآن ثماني مرات ، وورد ذكره في الحديث النبوي في تفسيره لآيات القرآن وعلى المنبر وفي الإجابة على الإسئلة وفي الحديث ابتداء .
و(عن أبي مالك في قوله سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعذب المنافقين يوم الجمعة بلسانه على المنبر ، وعذاب القبر)( ).
و(عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما عمل آدمي عملاً قط أنجى له من عذاب القبر من ذكر الله)( ).
لبيان أن ذكر العبد لله عز وجل عمل صالح وأن النجاة من عذاب القبر لا تنحصر بتلاوة سورة الملك ، بل ينفع ذكر الله عز وجل مطلقاً في المقام.
ومن الإعجاز في الحديث النبوي أعلاه ذكر النبي للأدمي عموماً ، وقد اختص المسلم والمسلمة بالإنتفاع من ذكر الله في القبر ، لبيان قانون ذكر المسلمين من الأولين والآخرين ينجي من عذاب القبر ، ومنهم هابيل بن آدم.
فحينما قال له أخوه قابيل لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أظهر في ساعة الشدة والتهديد بالقتل خوفه من الله بالقول والفعل كما ورد في التنزيل لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
ويدل كلام هابيل على حرصه على ذكر الله ، ومواظبته على طاعة الله عز وجل.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ بالله من عذاب القبر ، وكان يقوم بتشييع الجنازة ، ويحضر دفن بعض الصحابة ، ويتخذ هذه المناسبة للموعظة والترغيب بالعمل الصالح.
و(عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدخل ميتاً القبر ، وقال : رحمك الله أن كنت لأوّاهاً تلاء للقرآن)( ).
وورد كلام لامير المؤمنين عليه السلام بعد تلاوته قوله تعالى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ أنه قال : ياله مراماً ما ابعده. وزوراً ما اغفله وخطراً ما افظعه.
لقد استخلوا منهم أي مدَّكر. وتناوشوهم من مكان بعيد فبمصارع آبائهم يفخرون. أم بعديد الهلكى يتكاثرون..)( ).
ولقد أولى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام في سيرتهم المباركة وأيام مصاحبتهم للدنيا عناية خاصة لذكر الموت وحببوه إلى النفوس بما ألبسوه من التقوى وزينة الهدى وبيان طريقته إلى لقاء الله مع إجتهادهم في طاعة الله ، ودعوة الناس لاتيان الفرائض وإجتناب مانهى الله عز وجل عنه.
قانون الموت طالب حثيث
الحثيث هو الذي تلحق أفراده بعضها بعضاً بسرعة كالطالب له ، وقد ورد ذكره مرة واحدة في القرآن ، قال تعالى يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا.
وليس بين الليل والنهار واسطة أو شئ آخر , وكذا ليس بين الإنسان والموت شئ ، إذ أنه يطلب الإنسان في ساعات الليل والنهار أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ.
(وقال عبد الله بن جعفر الطيار: دخلت على عمي علي بن أبي طالب عليه السلام صباحاً وكان مريضا ، فقلت : كيف أصبحت يا أمير المؤمنين.
قال : يا بني كيف أصبح من يفنى ببقائه ، ويسقم بدوائه ، ويؤتى من مأمنه)( ).
لقد قرن الإمام علي بن الحسين عليه السلام الإستعداد للموت بالضروريات ، فعندما يتفقده المسلمون ويحرصون على سلامته وأحواله ويسأله بعضهم كيف أصبحت يا ابن رسول الله .
يجيب الإمام عليه السلام أصبحت مطلوباً بثمان : الله يطلبني بالفرائض ، والنبي بالسنة ، والعيال بالقوت ، والنفس بالشهوة ، والشيطان باتباعه ، والحافظان بصدق في العمل ، وملك الموت بالروح ، والقبر بالجسد ، فانا بين هذه الخصال مطلوب( ).
وقد حضّ الإمام فردين من الثمانية أحدهما لملك الموت بطلبه والآخر للقبر يريد دخول الإنسان له .
لقد جعل الإمام عليه السلام من نفسه موعظة وعبرة وتذكرة خاصة وان انقطاعه إلى العبادة والنسك يؤكد صدق كلامه ويساهم في نفاذه إلى النفوس.
وقد وردت كثرة الصلاة في اليوم والليلة ، وكان الإمام علي عليه السلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة .
(قيل لعلي بن الحسين عليه السلام : ما أقل ولد أبيك ؟ فقال: العجب كيف ولدت له وقد كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، لما بلغ قتله أهل مكة صعد ابن الزبير المنبر وخطب:
وقال : أما والله لقد كان الحسين (ع) صواما بالنهار وقواما بالليل، والله ما كان يستبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الخداء، ولا بالصيام شرب الخمور، ولا بقيام الليل الزمور، ولا بمجالس الذكر الركض في طلب الصيود واللعب بالقرود)( ).
وعن الباقر عليه السلام (كان علي بن الحسين يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة، وكانت له خمسمائة نخلة، فكان يصلي عند كل نخلة ركعتين .
وكان إذا قام في صلاته غشي لونه لون آخر، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل ، كأن أعضاؤه ترتعد من خشية الله , وكان يصلي صلاة مودع يرى أنه لا يصلي بعدها أبدا)( ).
قانون علامات دنو الأجل
من اللطف الإلهي بالناس عند حلول الأجل ظهور علامات الإحتضار ، ومقدمات الموت , وأعراض دنو الأجل كي يستعد لها الذي حان أجله ، ويساعده من حوله بتلقينه الشهادتين والإستغفار واستقبال القبلة ونحوه ، وقد تستمر سكرات الموت يوماً أو يومين أو أكثر ، ومن علاماتها :
الأولى : الغرغرة والحشرجة ، وهي صلصلة الصوت ، وتراكم اللعاب في الحلق .
الثانية : تردد الروح في الحلق ، قال تعالى فَلَوْلَا إذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ.
الثالثة : استرخاء القدمين ، والعجز عن انتصابها .
الرابعة : ميل الأنف وانخساف الصدغين .
الخامسة : الثقل في اللسان فلا يستطيع المحتضر الكلام ، لذا يقوم الحاضرون عنده بتلقينه وهو من معاني تسمية الإحتضار .
السادسة : ذهاب سواد عين المحتضر .
السابعة : الإسترخاء والضعف في اليدين .
الثامنة : وهن العقل وكأن المحتضر في حال أغماء ساعة النزع ، وتوالي شدائده على البدن ، ومقدمات خروج الروح .
وقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في ساعة الإحتضار فقد كان لسانه لهجاً بذكر الله ، والدعاء والإستغفار وتكرار كلمة التوحيد مع حركة يديه ورجليه بارادته .
إذ ورد عن عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء ، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول : لا إله إلا الله إن للموت سكرات)( ).
وفيه دعوة للمسلمين والمسلمات بسؤال الله عز وجل التخفيف عنهم في سكرات الموت والتي هي من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، فيخففها الله عز وجل بالعمل الصالح والدعاء.
ومن الناس من لا يلاقي سكرات الموت , أو أنها تكون خفيفة كالذي يموت فجأة أو في الحوادث ، ولكن سكرات الموت نعمة لأنها مناسبة للإستغفار والذكر .
وفي عيسى عليه السلام ورد قوله تعالى وَرَسُولًا إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وقد احيى عيسى أربعة أنفس ، ثلاثة معاصرين له وفي زمانه والرابع (سام بن نوح دعا عيسى عليه السلام باسم اللّه الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه.
فقال : قد قامت القيامة .
قال عيسى : لا ولكني دعوتك باسم اللّه الأعظم.
قال : ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزّمان ، وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب .
ثم قال : مُت. فقال : بشرط أن يعيذني اللّه من سكرات الموت ، فدعا اللّه عز وجّل ففعل)( ).
مما يدل على شدة وطأة سكرات الموت على الإنسان ، وكان الكفار حين يحيي عيسى الموتى ينعتونه بالسحر .
وسكرات الموت للمؤمن تمحيص لذنوبه ، ورفع لدرجاته ، وتخفف سكرات الموت بالدعاء والمواظبة على الفرائض العبادية ، والصدقة والإحسان.
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال: من كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف كان حقا على الله أن يكسوه من ثياب الجنة، وأن يهون عليه سكرات الموت ، وأن يوسع عليه في قبره .
وأن يلقى الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى ، وهو قول الله عزوجل في كتابه وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ))( ).
قانون احتضار الكافر أول مراحل عذابه
يرى الكافر ساعة الإحتضار من العذاب والاذى ما يعجز أهل الدنيا عن تحمله متفرقاً، فيريد ملك الموت واعوانه من رسل الله وجنوده أن ينتقموا من الذي جحد وكفر وعصى مستكبراً , واختار العمى والموت قبل ذلك بزمان حين سلك سبل الضلالة.
وروي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت هل تستطيع أن تريّني صورتك التي تقبض فيها روح الفاجر ، قال: لا تطيق ذلك ، قال : بلى.
قال : فاعرض عني فاعرض عنه ثم التفت فاذا هو برجل اسود قائم الشعر منتن الريح اسود الثياب يخرج من فيه ومناخره لهيب النار والدخان فغشي على ابراهيم ثم افاق فقال: لو لم يلق الفاجر عند موته إلا صورة وجهك لكان حسبه( ).
قوله تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، ويكون تقدير جواب (لو) المحذوف لرأيت امراً عظيماً وعقاباً اليماً ومشهداً فيه للكافرين خزي ونكال وربما كان سبب الحذف لتصور وجوه كثيرة محتملة وحادثة ، ولكي يكون الحذف أكثر تأثيراً ولمناسبته من جهة البلاغة ومن معانيه ستضربهم الملائكة عند الموت.
والآية أعلاه نزلت يوم بدر وروى الحسن البصري أن رجلاً قال يا رسول الله اني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشرك، فقال: ذاك ضرب الملائكة.
والمدار على عموم المعنى ، وليس سبب النزول وحده .
وأختلف في تفسير قوله تعالى [وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] هل تقول لهم الملائكة للكافرين استخفافاً بهم ووعيداً وحذف يقولون اختصاراً وان ذلك ينتظرهم يوم القيامة أو أنه عبارة عن التهاب النار في جراحات الكفار بسبب ما كان يضربهم الملائكة يوم بدر بمقامع من حديد ، أو شدة ألم النار الملتهبة ، أو أنه قول خزنة النار لهم .
ولا مانع من الجمع بين تلك الوجوه ويكون كل منها مصداقاً وتفسيراً للآية الكريمة وإن كان ذكر الحريق يدل على إرادة النار ، قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ.
وقال في الكشاف (ذوقوا عذاب الحريق ، كما أذقتم المسلمين (الغصص))( ).
في إشارة منه إلى واقعة بدر ، وأحد ، ولكن موضوع الآية مطلق وشامل للكافرين من الأولين والآخرين.
والحريق فعيل من الحرق ، وهي النار المنتشرة المهلكة ملتهبة أو غير ملتهبة .
وعن احمد بن حسن الحسيني، عن الإمام حسن العسكري عن آبائه عليهم السلام قال: قيل للصادق عليه السلام: صف لنا الموت قال عليه السلام : للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كلّه عنه، وللكافر كلسع الافاعي ولدغ العقارب أو اشد.
قيل : فأنّ قوماً يقولون : انّه اشّد من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ورضخ بالاحجار. وتدوير قطب الارحية على الاحداق .
قال : كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين، إلا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد، فذلكم الذي هو اشد من هذا لا من عذاب الآخرة فانه اشدّ من عذاب الدنيا .
قيل: فما بالنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفيء وهو يحدث ويضحك ويتكلم، وفي المؤمنين ايضاً من يكون كذلك، وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد .
فقال : ماكان من راحة للمؤمن هناك فهو عاجل ثوابه. وماكان من شديدة فتمحيصه من ذنوبه ليرد الآخرة نقيّاً، نظيفاً مستحقاً لثواب الابد، لامانع من دونه، وما كان من سهولة هناك على الكافر فليوفى اجر حسناته في الدنيا ليرد الآخرة وليس له إلا مايوجب عليه العذاب وماكان من شدّة على الكافر هناك فهو ابتداء عذاب الله له بعد نفاذ حسناته ذلكم بأن الله عدل لايجور( ).
فكما يصيب الله بنعمته ورزقه في الدنيا البر والفاجر، ليكون رحمة للمؤمن ونقمة وباباً للحساب على الكافر ، فان اختلاف كيفية الموت لا على أساس الايمان باب افتتان ومناسبة للثواب أو العقاب فان اتحدت كيفية الموت للمؤمن والكافر فانهما متغايران في الاعتبار وعواقب الأعمال.
وقد ورد الحديث بأن الإيمان قسمان، ايمان مستقر وايمان مستودع ويبدو أحد أفراد مصاديقه خارجاً ساعة الموت، حيث يسلب الثاني أي المستودع , ومنه سلبه ساعة الموت باغواء الشيطان وكيده ، وقد ورد دعاء العديلة طرداً للشيطان وإغوائه، وقيل أن العديلة اسم شيطانة موكلة من جانب إبليس ليعدل الإنسان حين الموت من الايمان والهدى إلى الباطل والزيغ.
حاضر المحتضر
الحضور عند الميت مدرسة عقائدية وأخلاقية ذات شعب فكرية وتربوية واجتماعية متفرعة ، ولكنها تحمل مجتمعة ومتفرقة سمات الصلاح والهداية والاعتبار والاتعاظ أنه مناسبة للاقرار بالاجل وحتمية الموت والزهد بالدنيا والتحصن مما فيها من الافتتان.
وهو آية تملي التدبر والتفكر وادراك ضرورة المبادرة إلى ما فيه الاستعداد للموت من أداء الفرائض وإتيان الصالحات ونحوه من الزاد الكريم ليوم اللقاء ، قال تعالى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.
قانون الاشتغال بتجهيز الميت من التقوى ، وسبيل إلى طرد الهوى والزهو والغرور عن النفس .
ومن وظائف من يحضر الميت من الأهل والأقرباء وغيرهم :
الأولى : المبادرة إلى توجيه المحتضر في استلقائه إلى القبلة ليكون باطن قدميه إلى القبلة بحيث أنه لو جلس لكان مستقبلاً للقبلة واستدل عليه بما ورد عن زيد بن علي (عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من ولد عبد المطلب، فاذا هو في السوق، وقد وجه إلى غير القبلة .
فقال : وجهوه إلى القبلة فانكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة وأقبل الله عليه بوجهه ، فلم يزل كذلك حتى يقبض)( ).
وهناك روايات أخرى مشابهة في المقام .
وتكليف الحاضرين بتوجيه الذي في النزع يأتي إعانة له لاتمام هذا العمل ذي الأولوية ، وإذا تمكن المحتضر من الاستقبال مستلقياً على ظهره فعليه أن يقوم به.
ان تغشي رحمة الله للعبد في تلك الساعة وحضور الملائكة بسبب توجهه للقبلة باب من الإكرام وفضل من الله تعالى ، ويشترط في المحتضر الذي يُوجه نحو القبلة أن يكون مسلماً ليفوز بهذه النعمة سواء كان كبيراً أو صغيراً ، ذكراً أو أنثى ، لإطلاق الدليل وشمولهم.
الثانية : استحباب تلقين المحتضر الشهادتين (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) والإقرار بالنبوة والامامة والعقائد الأساسية في الدين.
في صحيحة الحلبي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إذا حضرت الميت قبل أن يموت فلقنه شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله) ( ).
وتلقين المحتضر الشهادتين وتكرارها حتى الموت باب للمغفرة والرحمة وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فان من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ( ).
ويستحب استحباباً مؤكداً الإكثار من النطق بكلمة التوحيد في حال الصحة والعافية ، وسعة الأيام والمندوحة في الأجل ، إذ ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال (قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : لقنوا موتاكم بلا إله إلاّ الله فإنها تهدم الذنوب.
فقالوا : يا رسول الله فمن قال في صحته ؟
فقال : فذاك أهدم وأهدم ، إنّ لا إله إلاّ الله أمنٌ للمؤمن في حياته ، وعند موته ، وحين يبعث)( ).
ومن خصائص التلقين طرده الشياطين من حضرة المؤمن ويكون حجاباً لصد إذا هم واغوائهم من التأثير فيه.
عن أبي خديجة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: مامن أحد يحضره الموت إلا وكل به أباليس من شياطينه ويأمره بالكفر ويشككه في دينه حتى يخرج نفسه .
فمن كان مؤمناً لم يقدر عليه فاذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله حتى يموتوا( ).
وتلقين الميت كلمة التوحيد عليه إجماع المسلمين ، و(عن ابن عباس : قال قال صلى الله عليه وآله و سلم : ( لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله فمن قالها عند موته وجبت له الجنة قالوا : يارسول الله فمن قالها في صحة قال ( تلك أوجب وأوجب) .
ثم قال (والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرضين ومن فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعت في كفة الميزان ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن ))( ).
ويقال للمحتضر مثلاً : يا فلان قل لا إله إلا الله ، اذكر الله ، استغفر الله.
كلمات الفرج
يستحب تلقين الميت كلمات الفرج والتي وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيحة الحلبي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل على رجل من بني هاشم وهو يقضي.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قل لااله إلا الله العلي العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السماوات السبع والارضين السبع وما بينهن وما تحتهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين فقالها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي استنقذه من النار( ).
ومن معاني تسمية كلمات الفرج انكشاف الغطاء للمؤمن عند موته فيرى منزله في الجنة وما ينتظره من النعيم الدائم وانه يختار برضا منه ما أعد له الله عز وجل من السعادة ، والفرج بعد مدة الامتحان والابتلاء ، ويستحب الإتيان بها في القنوت في الصلاة اليومية .
وهناك أدعية أخرى في المقام. كما يستحب قراءة بعض سور القرآن وآياته مثل سورة يس والصافات وآية الكرسي وغير ذلك من جميع سور القرآن، وفي الرضوي: إذا حضر احدكم الوفاة فاحضروا عنده القرآن وذكر الله والصلاة على رسول الله وآله وسلم.
ويستحب تعجيل تجهيزه إلا مع الاشتباه فلا يجوز التعجيل.
المكروهات
الأول : يكره حضور الجنب والحائض عند المحتضر لان الملائكة تتأذى بحضورهما باستثناء حالة الضرورة المؤقتة (بالاسناد عن علي بن أبي حمزة قال: قلت لابي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام -المرأة تقعد عند رأس المريض وهي حائض في حد الموت .
فقال (لابأس أن تمرضه فاذا خافوا عليه وقرب ذلك فلتتنح عنه وعن قربه فان الملائكة تتأذى بذلك)( ).
وذكر العلة وهي تأذي الملائكة هل تعني أن الحديث خاص بالمؤمن الميت ام انها عامة ، المختار أنها عامة ، وان الأذى متعلق بحضور الحائض بصفة الحيض ، من غير اعتبار لموضوع الايمان .
نعم على المؤمنين العمل طبق وظيفتهم بمنع بقائها ساعة الوفاة قدر الإمكان ومن غير حرج ، لعدم الحرمة في بقائها إنما هي الكراهة .
الثاني : يكره أن يمسه من يكون عنده حاضراً لان ذلك يزيده ضعفاً ويسبب له الاذى وهو في النزع وقد يسبب له المس انشغالاً عن مستلزمات استقبال الموت من الذكر والاستغفار، والإصغاء إلى التلقين بكلمة التوحيد وتلاوة القرآن وكلمات الفرج ، وترديد المحتضر لها مع الإمكان .
الثالث : ترك المحتضر منفرداً يواجه النزع وسكرات الموت لما فيه من مظاهر الجفاء ساعة التوديع ولانه يضاعف آثار الوحشة ويحرم الميت من الإعانة في الذكر والتلقين ونحوه .
و(عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : لا تدعن ميتك وحده، فان الشيطان يعبث في جوفه)( ).
الرابع : البكاء عنده ، والصراخ وكثرة الكلام في غير الذكر.
الخامس : حضور الذين يتولون إعداد الموتى وتجهيزهم ودفنهم عنده، ينتظرون مغادرة روحه الجسد.
قانون تلقي ملك الموت للمؤمن
من أبواب رحمة الله تعالى على المؤمنين أن ملك الموت يؤدي وظيفة التلقين للمؤمن عند موته ، فقد ينشغل المؤمن بسكرات الموت وثقل الغرغرة القهرية ، ويملأ قلبه الحزن لفراق الأحبة ، والفزع من ظلمة القر وأهوال الآخرة ، وخشية تقصيره وذنوبه ، فلا يلتفت إلى النطق بكلمة التوحيد ، ولأنه جعلها صاحباً يومياً له في أيام حياته بأدائه الصلوات اليومية .
فيكون من بركات العمل بمضامين قوله تعالى حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى أن ملك الموت يتولى تلقين المؤمن قول لا إله إلا الله قبل أن يقبض روحه .
وورد في حديث عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال : أن ملك الموت يقول اني لملقن المؤمن عند موته شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله( ).
إنها بشارة واعانة للمؤمن والمؤمنة ساعة الموت ولطف لتدارك ما يصيب الميت مطلقاً عند حضور ملك الموت ، وبيان النفع العظيم للإيمان عند الوفاة.
عند زهوق الروح
يستحب عند خروج الروح أن تغمض عينا الميت ويشد لحياه وان يغطى بعد ذلك بثوب.
(عن زرارة قال: ثقل ابن لجعفر -الصادق- وأبو جعفر- الباقر- جالس في ناحيته فكان إذا دنى منه إنسان قال: لاتمسه فانه انما يزداد ضعفاً واضعف ما يكون في هذا الحال ، ومن مسه على هذه الحال أعان عليه فلما ، قضى الغلام أمر به فغمض عيناه وشدّ لحياه.
ثم قال: لنا أن نجزع ما لم ينزل أمر الله فاذا نزل أمر الله فليس لنا إلا التسليم ثم دعا بدهن فادهن واكتحل ودعا بطعام فاكل هو ومن معه ثم قال هذا هو الصبر الجميل ثم أمر به فغسل ولبس جبة خز ومطرف خز وعمامة خز وخرج فصلى عليه)( ).
ويستحب مدّ يدي الميت إلى جنبيه ، ومدّ رجليه حرصاً على بقاء هيئته وتيسيراً لاتمام الغسل.
ومن مظاهر إكرام الميت والعناية بشأنه وحسن توديعه إسراج المكان الذي مات فيه أن كان موته في الليل ، إنه نحو إحترام للميت واشعار بعدم قطع الصلة وتفاؤل بنور يستضيء به ، ويستدل عليه بمرسلة عثمان بن عيسى.
قال (لما قبض أبو جعفر عليه السلام أمر ابو عبد الله عليه السلام بالسراج في البيت الذي كان يسكنه حتى قبض ابو عبد الله عليه السلام. ثم أمر ابو الحسن عليه السلام بمثل ذلك في بيت أبي عبد الله عليه السلام حتى اخرج إلى العراق ثم لا ادري ما كان)( ).
وموضوع الحديث أعم من ليلة الوفاة وهو مناسبة للإستغفار للميت وقراءة القرآن له .
بحث أصولي
المشترك اللفظي اسم تشترك فيه عدة معاني مثل (العين).
إذ يطلق على مسميات متعددة من غير أن تشترك بالحد والحقيقة والماهية منها :
الأول : الآلة الباصرة .
الثاني : عين الماء المتفجرة من الأرض .
الثالث : عين الشمس .
الرابع : الجاسوس .
الخامس : النقد من الذهب والفضة .
أما المشترك المعنوي فهو لفظ يدل على معنى كل عام له مصاديق كثيرة مثلاً قصد الطلب في الجامع بين الوجوب والندب إذ يلزم الوجوب مع الإثم مع الترك ، بينما الإستحباب طلب يجوز فيه الترك من غير إثم .
ومن المشترك المعنوي الإنسان الذي يدل على كل أفراد نوع البشر ، فكل واحد منهم انسان ، وكذا القلم ، والكتاب على الكتب مع تعددها واختلافها ، والشجر .
فاللفظ متحد ، ولكن المصاديق الخارجية متعددة ، وان اتحدت في أصل المعنى .
ومن الآيات أن القبر عنوان مستقل وهو الموضع في باطن الأرض الذي يدفن فيه الميت ، فلا يصدق عليه اسم القبر إلا بعد الدفن ، ومن الإستعارة يقال حفر قبره بيده : أي تسبب في هلاك نفسه.
ويقال رجله في القبر كناية عن كبر سنه ودنو الأجل منه ، ومن حكمة الله عز وجل هناك هل محتمل وراجح لعمر الإنسان ليستعد معه لدخول القبر قهراً ، قال تعالى لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ.
قانون التعزية عند الموت
من سنخية الإنسان من أيام آدم عليه السلام الحزن والأسى عند فقد القريب مصيبة إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ.
والنسبة بين المصيبة والموت عموم وخصوص مطلق ، لذا ذكر لفظ (مصيبة) عشر مرات في القرآن واحدة منها فقط جاءت بعنوان مصيبة الموت ، قال تعالى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ.
وتتصف الحياة الدنيا بقصر أيامها ، وسرعة إنطوائها ، وعدم تكرار اليوم الذي يمر على الناس إذ يأتي غيره وما فيه من الخير وأسباب الإبتلاء ، ومع هذا فان الدنيا تغري الإنسان ، وتجذبه زخرفتها وزينتها ، وقد يأتيه الموت بغتة ليقطع عنه الآمال والرغائب إلا المؤمن الذي استعد للموت بالعمل الصالح.
ومن الآيات أن هذا الإستعداد يخفف عن أهله وأرحامه المصيبة وأثرها لأنهم يأملون فوزه برضا الله تعالى ، وفي التنزيل أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )( ).
وقد تجعل الدنيا الإنسان يلهث وراء لذاتها وحطامها وما فيها من الإغراء والمتعة ، حتى يختطفه الموت.
والغربة الحق هي غربة اللحد التي تبدأ بالكفن وتجهيز مغادرة الميت الدنيا طوعاً وقهراً ، قال تعالى [كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ] ( ).
وقد كانت في مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا عبرة وتذكرة وسبيل توبة واستعداد للآخرة .
وكانت امتحاناً للصحابة وعموم الذين نطقوا بالشهادتين وغيرهم إذ حصلت الردة ، ولم يبق على الإسلام إلى أهل المدينة ومكة وبعض النواحي ليكون القضاء عليها معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته وشاهداً على جهاد المهاجرين والأنصار في سبيل الله ، وثبوت الإيمان في قلوبهم .
وعن الإمام علي عليه السلام (لما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال : السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] ( ) إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وخلفاً من كل هالك ، ودركاً من كل ما فات فبالله فثقوا ، وإياه فأرجوا ، فإن المصاب من حرم الثواب .
فقال علي عليه السلام هذا الخضر)( ).
لبيان مسألة وهي التذكير بقانون وهو أن الرسول محمداً لابد وأن يموت مثلما مات الرسل السابقون ، وأن هذا الموت لا ينفي عنه صفة الرسالة , قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
وفيه منع للغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وقانون التهيئ العام لمغادرة النبي محمد إلى الرفيق الأعلى , ودعوة للمسلمين للإتعاظ والصلاح اقتداءً برسول الله وبلغة للحوق به في جنات النعيم ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
و(كل) سور الموجبة الكلية ، لنفي الإستثناء في موضوع الآية ، وهو نزول الموت وشدة سكراته بكل إنسان ، وهو من خصائص الحياة الدنيا ، فهي دار ممر وعبور ، قال تعالى وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
والحيوان مصدر ، والمراد من الحيوان الحياة الدائمة ، والحيوان مبالغة من الحياة .
فتبين الآية أعلاه التباين بين ماهية الحياة الدنيا وأنها لهو وسريعة الزوال ، وتميل بأهلها ، يفارقها أهلها كما يفارق الصبيان بعضهم بعضاً بعد انقضاء اللعب , وبين الآخرة فهي دار الخلود .
يموت الإنسان ولم يحجب أو يرجئ شأنه في أسرته وعمله ومقامه الموت عنه .
وما تلبث الوقائع حتى تعود من جديد على يد غيره من إدارة عمله ونحوها ، ولكن يبقى الذكر الحسن .
وعن المسعودي في رثاء محمد بن علي بن أبي طالب لأخيه الحسن عليه السلام (وقف على قبره فقال: أبا محمد، لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وأنت خامس أهل الكساء، وابن محمد المصطفى، وابن علي المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طُوبَى. ثم أنشأ يقول عليه السلام:
أأدْهن رأسي أم تطيب مجالسي … وَخدُّكَ معفور وأنت سليب.
أأشْرَب ماء المزن من غيرمَائِة … وقد ضمن الأحشاء منك لهيب
سأبكيك ما ناحت حمامة أيْكَةٍ … وما اخضر في دَوْح الحجاز قضيب
غريب وَأكْنَاف الحجاز تَحُوطه … ألا كل من تحت التراب غريب) ( ).
والتعزية هي مواساة صاحب المصيبة ، والتخفيف عنه ، وحمله على الصبر .
وليس للتعزية صيغة وألفاظ مخصوصة ، والأفضل بالمأثور .
وعن (أسامة بن زيد قال : ارسلت ابنة للنبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابنا لي قبض فأتنا فأرسل يقرأ السلام ويقول إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال .
فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا قال هذا رحمة يجعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)( ).
ومن مصاديق التعزية الإسترجاع ، قال تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
ومن الآيات أن التعزية عند الموت سور الموجبة الكلية ، فهي نظام عند الناس جميعاً وفي كل الأزمنة ، وأوان التعزية عند المصيبة وقبل الدفن ، إلى جانب العرف السائد بعد الوفاة.
غسل الميت
إنه موضوع يستحق دراسة عقائدية واجتماعية وروحية لبيان الاشراقات والمعاني السامية التي يجسدها ، وما فيه من إكرام للمسلم وإعزاز يؤكد نفاذ الاحكام الشرعية في كيان وذات المسلم حتى بعد مغادرته الدنيا وبما يساهم في الإرفاق به وسلامته في الآخرة.
ولقد زرع الله الشوق في النفوس للمبادرة لهذا الواجب.
وترى عناية خاصة فطرية بالميت ساعة الوفاة حتى ممن تراه مقصراً في واجباته العينية ، وغسل الميت من المرتكزات الشرعية والعرفية عند عموم المسلمين ضرورة غسل الميت وإكرامه ووقايته به.
وهو توديع كريم ، وخاتمة بيضاء لأيام الحياة الدنيا التي تتباين فيها الأفعال مع تعدد الافراد واختلاف المجتمعات بل , ومن قبل الفرد الواحد وفي بيئة واحدة مع انعدام المؤثر الخارجي المستحدث .
لذا ترى معالم الرحمة الإلهية ظاهرة في موضوع غسل الميت لما فيه من العموم ومعاني الطهارة ، وشموله كواجب لكل ميت من المسلمين بغض النظر عن السنخية والسجية والمذهب ونوع الفعل في الحياة الدنيا.
وغسل الميت من الواجبات الكفائية وكذا مستلزمات تجهيزه الاخرى من التكفين والصلاة عليه والدفن ، وليس فيه تعارض مع احقية البعض واولويته كالولي واستئذانه، وتسقط باداء البعض لها وان تركت أثم الجميع واستحقوا العقاب، وقاعدة الاشتغال تشير إلى بقاء أصل الوجوب إلى حين اتمام العمل بشرائطه .
ويجب أن يقوم بالتغسيل البالغ العاقل لاشتراط قصد القربة فيه .
وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: غسل الميت واجب)( ).
وأحكام الشريعة سور محيط يضم كل من نطق بالشهادتين فيجب تغسيل كل مسلم إكراماً له وللشهادتين وسعياً لتخفيف عذاب البرزخ عنه، وان يدخل العالم الآخر بطهر ونقاء من الخبث( ) والحدث( ).
عن محمد بن سنان أن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام كتب اليه في جواب مسائله :
علة غسل الميت أن يغسل ليطهر ، وينظف عن ادناس امراضه، وما أصابه من صنوف علله ، لانه يلقى الملائكة ، ويباشر أهل الآخرة .
فيستحب إذا ورد على الله عز وجل ولقى أهل الطهارة ، ويماسونه ويماسهم ، أن يكون طاهراً نظيفاً متوجهاً به إلى الله عز وجل ليطلب وجهه وليشفع له وعلة اخرى أنه يخرج منه المني الذي منه خلق فيجنب فيكون غسله له)( ).
ومباشرة غسل الميت بقصد القربة عليه الاجماع وسيرة المتشرعة ولتقوم العمل بالنية لقول النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم (الأعمال بالنيات)( ).
ويظهر احتساب قصد القربة واشتراطه بعدم صحة غسل الميت إلا من قبل البالغ العاقل فلا يصح من المجنون والصبي إلا على القول بشرعية عباداته فهو أمر مختلف فيه ، وللضرورة في المقام احكام مبينة في المفصلات والرسائل العلمية .
روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال: فيما ناجى الله به موسى ربه قال (يارب ما لمن غسل الموتى ، فقال تعالى (اغسله من ذنوبه كما ولدته أمه)( ).
شرائط التغسيل
من شرائط تغسيل الميت :
الأول : طهارة الماء : لقاعدة أن المتنجس لا يطهر ، وإباحته وكذا إنائه ومحله والسدر والكافور المستعمل في مراحل التغسيل لعدم تحقق القربة بما هو حرام ، وفيه معصية.
الثاني : تنظيف بدن الميت واعضائه من كل نجاسة ، وازالة الحواجب عن البشرة.
ولا يجوز أخذ الأجرة على تغسيل الميت .
الثالث : يجزي غسل الميت عن غسل الجنابة والحيض ولاتجب اعادة الغسل عند خروج نجاسة أو تعرضه لنجاسة خارجية للاصل وللاخبار الواردة في المقام.
منها ماروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال : أن بدا من الميت شيء بعد غسله فاغسل الذي بدا منه ولا تعد الغسل)( ).
الرابع : ومن الاحوط غسل الميت بعد برده ، لاحتمال كون الحرارة من المراتب التي يظن أو يشك معها وجود الحياة واحتج ايضاً بالسيرة ولكنها ربما تتم اتفاقاً لذا لايصلح عدم التعجيل للاستدلال ، والأصل عدم اشتراط تأخير غسل الميت حتى يبرد.
آداب غسل الميت
الأول : يستحب تغسيل الميت على ساجة( ) أو سرير أو دكة بما يحقق حفظ بدنه من التلطخ منحدراً باتجاه قدميه لكي لايجتمع الماء تحته.
الثاني : أن يوضع مستقبل القبلة وكما تقدم في حالة الاحتضار وقال بعض الفقهاء بوجوب الاستقبال في التغسيل ولكن الامر فيه يحمل على الندب .
ولصحيحة ابن يقطين قال: سألت ابا الحسن الرضا عليه السلام عن الميت كيف يوضع على المغتسل، موجهاً وجهه نحو القبلة، أو يوضع على يمينه ووجهه نحو القبلة؟ قال عليه السلام: يوضع كيف تيسر.
الثالث : أن يجري التغسيل تحت سقف أو ظل عن علي بن جعفر أنه سأل اخاه الإمام موسى بن جعفر عن الميت هل يغسل في الفضاء؟ قال عليه السلام: لابأس وان ستر بستر فهو أحب الي.
الرابع : أن يكون الميت عارياً مستور العورة احتراماً له.
الخامس : غسل يديه إلى نصف الذراع قبل التغسيل .
السادس : أن تكون البداية في كل غسل من الاغسال الثلاثة من الطرف الايمن من رأسه.
السابع : أن يكون الغاسل واقفاً بالجانب الايمن من الميت .
الثامن : أن يبادر الغاسل إلى غسل يديه إلى المرفقين أو إلى المنكبين ثلاث مرات في كل غسل من الاغسال الثلاثة .
التاسع : أن تكون كمية ماء التغسيل ست قرب ، كما في وصية رسول الله إلى أمير المؤمنين إذ ورد عن الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام إذا انا مت فاستق لي ست قرب من ماء بئر غرس وغسلني وكفني..)( ).
العاشر : إذا افتقد احد الخليطين -السدر والكافور- يكتفى بالماء القراح( ) بدلاً عنه، وان افتقدا معاً سقطا عن الاعتبار ، ويغسل بالماء القراح ثلاثة أغسال مع النية بالاول بدلاً عن السدر وبالثاني بدلاً عن الكافور.
الحادي عشر : عند تعذر الحصول على الماء وانعدامه ييمم الميت ثلاثاً بدلاً عن الاغسال .
روي عن زيد بن علي عن آبائه عن الإمام علي عليه السلام أنه قال : إن قوماً اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يارسول الله مات صاحب لنا وهو مجدور فان غسلناه انسلخ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يمموه( ).
وهناك رواية ذكرتها في رسالتي العملية ( الحجة)( ) ودأب الفقهاء على ذكر محتواها في الرسائل العملية والمفصلات لما فيها من نكتة وبيان شرعي وهي.
بالاسناد عن عبد الرحمن بن أبي نجران أنه سأل ابا الحسن موسى بن جعفر عن ثلاثة نفر كانوا في سفر، احدهم جنب، والثاني ميت، والثالث على غير وضوء، وحضرت الصلاة ومعهم من الماء قدر مايكفي احدهم من يأخذ الماء وكيف يصنعون.
قال: يغتسل الجنب , ويدفن الميت بتيمم , ويتيمم الذي هو على غير وضوء لان غسل الجنابة فريضة ، وغسل الميت سنة , والتيمم للآخر جائز.
الثاني عشر : تجفيف بدن الميت بعد مراحل الغسل بثوب نظيف.
الثالث عشر : مواظبة الذي يقوم بالتغسيل على ذكر الله ، والإكثار من الاستغفار.
وهناك مكروهات في الغسل جاء الأمر باجتنابها منها :
الأول : اقعاد الميت عند الغسل .
الثاني : غسل الميت بالماء الذي أصبح بالنار حاراً .
الثالث : التخطي على الميت حال التغسيل .
الرابع : في خبر غياث عن الإمام الصادق عليه السلام قال : كره أمير المؤمنين عليه السلام أن تحلق عانة الميت إذا غسل أو يقلم له ظفر، أو يجز له شعر( ).
تكفين الميت
وهو واجب بضرورة من الدين ، وفيه نصوص متواترة إلى جانب السيرة، وفيه حفظ لطهارة بدن الميت ومساعدة له في لقاء ربه من غير تلطيخ ، وهو ستر له ومنع لظهور عورته وأعضاء بدنه الأخرى سواء لمن يقوم بحمله ودفنه أو لغيره.
وهو رحمة للأحياء في إتصال إكرام المسلم حتى بعد موته، وحائل دون قسوة القلب، وحفاظ على الوجه الجميل للحياة الدنيا ، ويتباهى الأموات يوم القيامة باكفانهم وقد ورد في الرواية بانهم يحشرون باكفانهم.
عن الإمام الصادق عليه السلام: تنوقوا في الاكفان فانكم تبعثون بها( ).
وفي موثقة سماعة قال: سألته أي الإمام الصادق عليه السلام -عما يكفن الميت ، قال : ثلاثة أثواب ، وإنما كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وثوب حبرة ، والصحارية تكون باليمامة ، وكفن ابوجعفر عليه السلام في ثلاثة اثواب ( ).
وفي رواية الحلبي عن الصادق عليه السلام (أن أبي كتب في وصيته أن اكفنه في ثلاثة اثواب أحدها رداء له حبرة وثوب آخر وقميص قلت ولم كتب هذا؟ .
قال: مخافة قول الناس وعصبناه بعد ذلك بعمامة وشققنا له الارض من أجل أنه كان بادنا وأمرني أن أرفع القبر من الارض أربع أصابع مفرجات وذكر أن رش القبر بالماء حسن)( ).
وقد ورد تفصيل في أجزاء الكفن وبيان في أوصافه وأجزائه وهي :
الأول : المئزر : ويكون من السرة إلى الركبة ويستحب أن يغطي مابين الصدر والقدم.
الثاني : القميص : ويصل إلى نصف الساق ، ويجزي عنه ثوب يستر جميع أعضاء البدن.
الثالث : الإزار-بكسر الهمزة- ويجب أن يستوفي تمام البدن والاحوط أن يكون أكثر طولاً كي يشد طرفاه.
وإذا لم تتوفر القدرة على ثلاثة اثواب تتم الكفاية بما تيسر. لقاعدة الميسور ، ويلزم في الكفن ستر البدن وان لايكون حاكياً لما دونه. ومن الافضل أن يكون من نوع اللباس الذي كان الميت يصلي فيه في حياته وأحسنه القطن الابيض.
ويستحب أن تزاد الحِبَرَة -بكسر الحاء وفتح الباء- وهو ثوب يمني. والعمامة للرجل ، والقناع للمرأة لستر رأسها ، ويستحب أن تكتب الشهادتان على الكفن وعلى حواشيه خاصة.
وذكر (أن معاذ بن جبل أوصى امرأته وخرج فماتت وكفناها في ثياب لها خلقان فقدم بعد أن رفعنا ايدينا عن قبرها بساعتين فقال فيما كفنتموها قلنا في ثيابها الخلقان .
فنبشها وكفنها في ثياب جدد وقال أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يحشرون فيها)( ).
أما حذيفة فانه نهى عن المغالاة في كفنه (لما ثقل حذيفة سمع بذلك رهطه والأنصار فأتوه في جوف الليل أو عند الصبح قال أي ساعة هذه قلنا جوف الليل أو عند الصبح قال أعوذ بالله من صباح النار ثم قال جئتم بما أكفن به قلنا نعم قال لا تغالوا بالأكفان فإنه إن يكن لي عند الله خير بدلت به خيرا منه وإن كانت الأخرى سلبت سلبا سريعا)( ).
دعاء الجوشن الكبير
تستحب كتابة تمام القرآن على الكفن لأن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام كفن بكفن فيه حبرة عليها القرآن كله ، وفي الخبر عندما حُبس الإمام موسى بن جعفر في دار السندي .
(قال السندى : وسألته عليه السلام إن يأذن لي أن اكفنه ، فأبى وقال : إنا أهل بيت مهور نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا من طهرة اموالنا ، وعندي كفني)( ).
واستشهد لرجحانه بما ورد في التكفين في ثوب الاحرام وفيما كان يصلي فيه.
وقيل تستحب كتابة دعاء الجوشن الصغير( ) وكذلك الكبير .
وعن الإمام الحسين بن علي عليه السلام قال: أوصاني أبي بحفظ هذا الدعاء وتعظيمه وان اكتبه على كفنه، وان اعلمه أهلي( ).
ولم تثبت نسبة هذا الدعاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام الحسين عليه السلام ، وقال المجلسي (ومن الادعية المعروفة دعاء الجوشن الكبير , وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وآله رواه جماعة من متأخري اصحابنا رضوان الله عليهم)( ).
وفيه إشارة بأن الدعاء لم يرد في كتب المتقدمين رواية أو دراية ، إنما ذكره الشيخ الكفعمي توفى سنة (905) هجرية في كتاب المصباح .
وقيل تستحب قراءته ليلة القدر ، ولا دليل على هذا القول .
هذا وقد كتب أمير المؤمنين عليه السلام على كفن سلمان بيتين من الشعر هما:
وفدت على الكريم بغير زاد … من الحسنات والقلب السليم
وحمل الزاد اقبح كل شــيء … إذا كان الوفـود على الكريم
قانون الحرمة اللاحقة
وهو الذي يعني حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً ، وعليه الاجماع كما تدل عليه نصوص عديدة منها ماجاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: حرمة المسلم ميتاً كحرمته وهو حي سواء( ).
ومنها قول الإمام محمد الباقر عليه السلام إن الله حرم من المؤمنين امواتاً ماحرم منهم احياءً( ).
وقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: حرمة الميت كحرمة الحي.
واستدل ايضاً بسيرة الناس مطلقاً في أمواتهم ، وهي ليست بحجة ولكنها أمارة متوارثة من فطرة الإنسان حدثت عاطفة أو اتفاقاً أو رقة أو عادة أو خشية الذم واللوم والسخرية أو اتباعاً للمسلمين في إكرام موتاهم.
وقتل ابن آدم قابيل لأخيه هابيل هو أول قتل في الأرض ، ويتصف بأنه قتل عمد ، ومع هذا فقد حمل قابيل جثة أخيه (على ظهره مدة سنة)( ).
وقيل حمله ثلاثة أيام إلى أن رآى الغرابين( ) وهو الأنسب.
فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، لا يعلم ماذا يفعل حتى صارت السباع تتبعه على رائحة المقتول ، فبعث الله عز وجل غرابين ، كما ورد في التنزيل فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
ليكون الدفن سنة الناس في الأرض من آدم وإلى يوم القيامة ، والنسبة ين الناس وبني آدم هي العموم والخصوص المطلق ، فالناس أعم ، لأنه سور جامع للناس ، ومنهم آدم وحواء ، بينما لا يشملهما اصطلاح بني آدم ، وجاء النداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] عشرين مرة في القرآن .
وورد النداء [يَا بَنِي آدَمَ] خمس مرات في القرآن منها يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ.
وتبين الآية أعلاه النسبة المنطقية بين الناس وبني آدم ، وأن لفظ الناس هو الأعم والأكثر ، باضافة آدم وحواء .
والنصوص الواردة بالمقام تفيد العموم في تنزيل الميت منزلة الحي إلا ما ورد فيه دليل، فما كان محرماً وممنوعاً منه في أيام حياته من الاهانة والايذاء والهتك والغيبة والظلم ونحوها من الحقوق الشرعية، يبقى حقاً له بعد الموت.
وربما الحقت بها الحقوق والاعتبارات المجاملية والعرفية.
والمسائل التي تتفرع عن هذه القاعدة كثيرة وتراها في أبواب مقدمات العبادات وفي أحكام الأموات وفي الديات والمواريث والقضاء وغيرها.
التشييع
يقال شيّع الجنازة أي لحقها وتبعها، وشيعت الضيف: خرجت معه عند مغادرته إكراماً له.
إن تشييع الميت مدرسة إسلامية ذات مضامين إيمانية واخلاقية زاخرة بالوفاء والاجلال وتبعث ضياء الموعظة وتذكر النفوس بالموت ، وتجعلها تمتلأ منه رهبة.
وموت الآخرين عبرة وإنذار لمن بقي من الأحياء ، لذا يستحب إعلام المؤمنين بنزول الموت ووفاة احدهم ليبادروا إلى حضور جنازته وتشييعه والصلاة عليه .
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: ينبغي لاولياء الميت منكم أن يؤذنوا إخوان الميت بموته، فيشهدون جنازته ويصلون عليه ويستغفرون له، فيكتب لهم الأجر ، ويكتب للميت الإستغفار ويكتسب هو الأجر فيهم ، وفيما اكتسب لميته من الإستغفار( ).
وروي عن امير المؤمنين عليه السلام أنه قال في حديث: ضمنت لستة على الله الجنة رجل خرج في جنازة رجل مسلم فمات فله الجنة( ).
والروايات في فضل حضور تشييع المؤمن كثيرة وفيها حث ودعوة إلى المبادرة في المشاركة في التشييع كما وان السنة النبوية والعملية منها خاصة حافلة بالدروس في بيان اهمية التشييع وثوابه وآدابه التي حرص المسلمون عبر اجيالهم المتعاقبة على تعاهدها ولازالوا يجتهدون في حفظها.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على حضور تشييع من يموت من أصحابه ، ويرافق الجنازة إلى القبر ، ويبين عند الدفن بعض المواعظ التي تزيد أصحابه إيماناً وخشوعاً لله عز وجل.
وعن الإمام علي عليه السلام (قَالَ كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَأَتَانَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أو سَعِيدَةً .
فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ.
قَالَ : أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ)( ).
آداب التشييع
وفيها وجوه :
الأول : أن يقول من ينظر إلى الجنازة إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ويكبر ويقول هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
اللهم زدنا ايماناً وتسليماً، الحمد لله الذي تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن قالها إذا استقبل جنازة أنه (لم يبق في السماء ملك إلا بكى رحمة لصوته)( ).
وروي عن أبي حمزة أن الإمام علي بن الحسين عليه السلام كان: إذا رأى جنازة قد اقبلت قال الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم( ).
الثاني : أن يقول حين حمل الجنازة: بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد ، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.
الثالث : تربيع الشخص الواحد في حمل السرير بمعنى ان يحمله من جوانبه الأربعة بالتعاقب وان يبدأ بمقدمة السرير من جهة يمين الميت ، ثم مؤخرته اليمنى على عاتق المشيع الأيمن ثم مؤخرة الأيسر على عاتقه الأيسر ثم ينتقل إلى مقدمة السرير اليسرى.
الرابع : أن يظهر على صاحب المصيبة في هيئته وزيه ما يدل على مصيبته، كأن يكون بلا رداء ، والأولى ان ينشغل بالذكر والإسترجاع أي قول انا لله وانا اليه راجعون.
الخامس : جاءت الأخبار بالمشي والسير في الجنازة ، واجتناب الركوب إلا لعذر أو عند العودة.
السادس : تحمل الجنازة على الاكتاف لا على الدواب إلا مع بعد المسافة ، رجاء المغفرة فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن المؤمن يبشر عند موته : إن الله غفر لك ولمن يحملك إلى قبرك( )، أي تأتي البشارة للمحتضر وهو مقبل على الآخرة بدليل ورود الفعل (يحملك) بصيغة الفعل المضارع .
ورد في المرسل عن الإمام الصادق عليه السلام: من اخذ بقائمة السرير غفر الله له خمساً وعشرين كبيرة، فاذا رجع خرج من الذنوب)( ).
وغير ذلك من النصوص التي تذكر ثواب الذي يشارك في التشييع، بالاضافة إلى السيرة النبوية في هذا الباب. وقد حمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم جنازة سعد بن معاذ.
انها تظاهرة روحية ايمانية، واستثمار مبارك لمصيبة الموت بالاعتبار القهري والإتعاظ الجماعي، ووقوف مقصود في الحركة الدائبة لمتعلقات الحياة الدنيا وأسباب المعيشة. لذا يمكن أن يقوم المختصون من المسلمين في أبواب الاجتماع والنفس والفلسفة بإعداد دراسات ورسائل مستقلة حول التشييع ومسائله المتشعبة.
السابع : إن يمشي المشيعون خلف الجنازة أو طرفيها ، وعليه الاجماع بالإضافة إلى النص .
عن إسحاق بن عمار عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: المشي خلف الجنازة أفضل من المشي بين يديها. وفي خبر سدير من أحب أن يمشي ممشى الكرام الكاتبين فليمش جنبي السرير ( ).
الثامن : التفكر بخشوع عند المشاركة بالتشييع ، وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر : يا أبا ذر إذا تبعت جنازة فليكن عملك فيها التفكر والخشوع وأعلم أنك لاحق به( ).
ويبين الحديث التالي أن اتباع الجنازة من أعمال البر اليومية ، و(عن جعفر ابن محمد ، عن أبيه عليهما السلام قال : قال النبي صلى الله عليه وآله لرجل : أصبحت صائما ؟ قال : لا ،
قال : فعدت مريضا ، قال : لا ، قال : فاتبعت جنازة .
قال : لا ، قال : فأطعمت مسكينا ، قال : لا ، قال : فارجع إلى أهلك فأصبهم فإنه عليهم منك صدقة)( ).
التاسع : تغطية الجنازة بغطاء يستحب أن يكون غير مزين، وفي تغطيتها بغطاء أو ثوب احترام للميت وهيبة للموت، والسيرة تؤكده ، وأما أنه غير مزين، فللمصيبة ومنع الإنشغال بزخرفة الدنيا لأن المقام مقام إتعاظ وتذكرة.
ولما روي عن الإمام علي عليه السلام أنه نظر إلى نعش ربطت عليه حلتان حمراء وصفراء زين بهما، فأمر بهما فنزعتا وقال عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أول عدل الآخرة القبور لا يعرف وضيع من شريف( ).
(وعن الحسن بن علي عليهما السلام أنه مشى مع جنازة فمر على قوم فذهبوا ليقوموا فنهاهم، فلما انتهى إلى القبر وقف يتحدث مع أبي هريرة وابن الزبير حتى وضعت الجنازة، فلما وضعت جلس وجلسوا)( ).
العاشر : إن تحمل الجنازة من جهاتها الأربعة ، وعليه الإجماع ، وفيه إكرام للميت .
وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام : السنة إن يحمل السرير من جوانبه الاربع ، وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع ( ).
الحادي عشر : الاستغفار للميت أثناء التشييع والدعاء له وللمؤمنين بل وللنفس بطول العمر وبُعد الأجل ، كي يكون التشييع مركباً من الوظيفة البدنية والصيغ العبادية القلبية.
وقد وردت السنة القولية والفعلية بالترغيب بالتشييع ، وما فيه من الثواب.
قانون الذهاب إلى النوم
لقد جعل الله عز وجل النوم نعمة وحاجة للإنسان ، وفيه ترتخي العضلات ، وتنخفض معه الحركات الإرادية ، ويكاد ينعدم معه شعور الإنسان بما يحدث حوله لتوقف مراكز الدماغ عن العمل عند النوم ليفوض النقص في الإدراك والشعور الذي فقده الإنسان ساعة النوم.
مع قلة عمل القلب والتنفس وارتفاع درجة الحرارة عند النوم ، وهو من مصاديق قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وقوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
ومن هذه الآيات بقاء الجهاز الهضمي يعمل أثناء النوم بحسب العمر وماهية الطعام ، ومن مقدمات النوم النعاس ، وهو فتور في الحواس.
ومن الإعجاز في القرآن ذكر النعاس فيه على نحو قهري في لطف ورحمة وتخفيف وأمنة ومعجزة وآية في أبدان الصحابة عشية معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية إذ قال تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ.
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت الشجرة حتى أصبح)( ).
و(عن النبي صلى الله عليه وآله قال : من قرء أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ عند منامه وقي فتنة القبر)( ).
ونزل النعاس على المهاجرين والأنصار أيضاً يوم معركة أحد بعد هجوم خيل المشركين من جهة جبل الرماة وسقوط سبعين شهيداً من المسلمين ، فنزل قوله تعالى ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
ليكون هذا النعاس أمنة من الخوف ، وبرزخاً دون الفرار والحسرة ، أو الخصومة ، والتلاوة بين الصحابة .
لبيان موضوعية قراءة القرآن عند النوم ، لتوديع النهار بجريان كلام الله على اللسان ، ونفاذه إلى الجوارح والأركان ، وهو باعث على الإستغفار .
و(عن أنس : أن أبا طلحة حدثهم : أنه كان يومئذ ممن غشيه النعاس، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه ، ويسقط والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همَّة إلا أنفسهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ))( ).
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ، ثم ليقل : اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة)( ).
مكروهات التشييع
وفي التشييع تكره أمور ويتنافى بعضها مع آداب التشييع ومنها :
الأول : الضحك ومطلق اللهو بل والكلام بغير الذكر، لأن الضحك واللهو خلاف الاعتبار بل ويستنكره العقلاء.
وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام أنه تبع جنازة فسمع رجلاً يضحك فقال عليه السلام : كأن الموت فيها على غيرنا وجب)( ).
ويستحب اثناء التشييع الدعاء والإستغفار.
الثاني : الإسراع في المشي على وجه ينافي إكرام الميت وحسن توديعه.
الثالث : اشتراك النساء في التشييع ، لما روي عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام: أنه نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرنة( ) عند المصيبة، ونهى عن النياحة والاستماع اليها. ونهى عن اتباع النساء الجنائز) ( )، ويحمل على الكراهة .
وبالكراهة قال الحنابلة والشافعية أيضاً لقول أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)( ).
وقال الحنفية بالتحريم .
وعلة الكراهة هي التخفيف عن النساء ، ولزوم النساء بيوتهن وخشية الفتنة ، وقلة صبرهن ، وقيل تختص الكراهة بالنساء الأجنبيات ، ولا دليل على هذا التخصيص .
الرابع : ضرب اليد على الفخذ أو على اليد الأخرى عند التشييع بل وعند تلقي نبأ الوفاة.
الخامس : اتباع الجنازة بالنار ولو مجمرة إلا في الليل فيجوز المصباح.
السادس : القيام عند مرور الجنازة إن كان جالساً إلا إن يكون الميت كافراً لئلا يعلو على المسلمين.
السابع : يكره حمل جنازة الرجل والمرأة على سرير واحد ، والأحوط الترك.
الثامن : ان يقول صاحب المصيبة ارفقوا به أو قفوا به ، مما يكون فيه انشغال عن التدبر والتفكر والإتعاظ إلا مع وجود الراجح.
ان التشييع فرصة ومناسبة لادراك حتمية مغادرة الدنيا ، وقد يُصور بتجسيد فكري وهو أن يتصور المشيع نفسه هو الميت، واثناء السير بالجنازة يتوسل بالله عز وجل لإرجاعه إلى الحياة الدنيا ليأتي بالصالحات ويؤدي الفرائض ، فانعم الله عليه بالإستجابة ورجوعه بعد دفن الجنازة فليعمل لما بعد التوبة.
الصلاة على الميت
وهي في حقيقتها دعاء وشفاعة واستغفار ، وتجدها خالية من الركوع والسجود ولايشترط فيها الوضوء والطهارة من الحدث والخبث .
وفي خبر يونس قال: سألت ابا عبد الله الصادق عليه السلام عن الجنازة اصلي عليها على غير وضوء؟ فقال: نعم ، إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل( ).
ولا تحتاج إلى إذا ن أو اقامة وليس فيها تشهد ولاتسليم ، ومشهور علماء الإسلام قراءة الفاتحة بعد أول تكبيرة منها .
وقد (ورد بالاسناد عن عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر عن ابيه أن علياً عليه السلام كان إذا صلى على ميت يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلي على النبي)( ).
والاجماع على وجوب الصلاة على كل من حكم باسلامه ونطق بالشهادتين .
وفي خبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال : صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله) ( ).
ورمى جماعة الرواية ومثيلاتها في المقام بضعف السند وتمسكوا بالاصل من عدم وجوبها على غير المؤمن ، ولكن هذا القول ضعيف ومخالف للاجماع، والشهرة جابرة لضعف السند والصلاة تؤدى تعبداً من غير حاجة إلى الاحاطة بعلة التشريع ولما فيها من تعظيم لشعائر الله واظهار الشهادتين.
والصلاة على الميت سنة كريمة تعود في بدايتها إلى تأريخ وفاة ابينا آدم عليه السلام. وفي صحيحة ابن سنان قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : لما مات آدم فبلغ إلى الصلاة عليه، فقال هبة الله لجبرئيل: تقدم يا رسول الله فصل على نبي الله .
فقال جبرئيل : إن الله أمرنا بالسجود لابيك فلسنا نتقدم أبرار ولده ، وانت من ابرهم فتقدم فكبر عليه خمساً عدد الصلوات التي فرضها الله تعالى على امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. وهي السنة الجارية في ولده إلى يوم القيامة( ).
وفيه مسائل :
(مسـألة870) تجب الصلاة على كل مسلم من غير فرق بين الشهيد والعادل والفاسق ومرتكب الكبائر وقاتل نفسه ، ولا تجوز على الكافر بقسميه الفطري والملي إذا مات بلا توبة.
الأول : تستحب الصلاة على أطفال المسلمين إذا لم يبلغوا ست سنين بل وان مات الطفل حال تولده حياً .
الثاني : لا تجب الصلاة على الميت إلا إذا بلغ عمره ست سنين .
الثالث : لا صلاة على من ولد ميتاً.
(مسـألة871) يلحق بالمسلم في وجوب الصلاة عليه من وجد ميتاً في بلاد المسلمين، وكذا لقيط دار الإسلام ودار الكفر ايضاً،إذا وجد فيها مسلم يحتمل كونه منه.
(مسـألة872) يشترط الإيمان والإذن من الولي في صحة الصلاة على الميت.
(مسـألة873) الأقوى صحة صلاة الصبي المميز، وفي إجزائها وسقوط الصلاة عن المكلفين البالغين منهم.
صلاة النبي محمد (ص) على الأموات
لقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تثبيت سنة الصلاة على الأموات في الارض وحرص على الصلاة على كل من مات من المسلمين وبه وضعت الأسس الثابتة لدوام هذه السنة المباركة في الارض حيث اقتدى المسلمون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوارثت اجيالهم هذه السنة وحرصوا على تعاهدها طاعة لله ولرسوله والتماساً لما فيها من الثواب ومايعود على الميت من النفع والشفاعة والرحمة.
فلا غرابة أن تجد الروايات تذكر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبادر إلى الصلاة على كل مسلم ويستجيب للسؤال في هذا الباب. حتى أنه صلى على عبد الله بن أبي رأس النفاق في المدينة بعد أن سأله ابنه -وكان مؤمناً- الصلاة عليه .
روي (عن جابر قال : مات رأس المنافقين بالمدينة ، فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يكفنه في قميصه ، فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أبي أوصى أن يكفن في قميصك ، فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره ، فأنزل الله وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ))( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفرق في ذلك بين الغني والفقير، والذكر والانثى ، فالكل محتاج إلى العفو والمغفرة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة لأهل الأرض ، قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
روي بالاسناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن يزيد بن ثابت قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما ورد البقيع فاذا هو بقبر جديد، فسأل عنه .
فقالوا : فلانة، فعرفها وقال: إلا آذنتموني بها .
قالوا : كنت قائلاً صائماً. فكرهنا أن نؤذيك.
قال: فلا تفعلوا لا أعرفن ما مات منكم ميّت، ماكنت بين اظهركم، الا آذنتموني به، فان صلاتي عليه له رحمة، ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه اربعاً( ).
وفيه دليل عل جواز الصلاة على الميت وهو في قبره .
كيفية الصلاة على الميت
اتفق فقهاء الإسلام على أصل وجوب التكبير في الصلاة على الميت والدعاء ويرجع اختلاف كيفية وأجزاء هذه الصلاة إلى السعة في هذا الباب وامكان اضافة الخصوصيات والاستحباب.
وقال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام (فان قيل: فلم جوزتم الصلاة على الميت بغير وضوء؟ قيل لانه ليس فيها ركوع ولا سجود، وانما هي دعاء ومسألة.
وقد يجوز أن تدعو الله عز وجل وتسأله على أي حال كنت وانما يجب الوضوء في الصلاة التى فيها ركوع وسجود)( ).
ويجزي على المشهور أن يقول المصلي بعد نية القربة وتحديد الميت :
الله اكبر اشهد ان لااله الا الله وان محمداً رسول الله،
الله اكبر، اللهم صل على محمد وآل محمد،
الله اكبر، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات،
الله اكبر، اللهم اغفر لهذا الميت،
الله اكبر.
وحيث إن هذه الصلاة مبنية في أصل تشريعها على الدعاء للميت والاستغفار له، وليس لها دعاء مخصوص ونص معين ثابت، وان إتيان التكبيرات ولاء أمر غير متعارف عند المسلمين، فانه من الأولى أن يؤتى بهذه الصلاة بكيفية أكثر تفصيلاً واعم دعاءً واستغفاراً وهي :
الله أكبر : اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا صمدا فردا حيا قيوما دائما أبدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
الله أكبر : اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد افضل ما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد , اللهم وصل على جميع الأنبياء والمرسلين .
الله أكبر : اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات , والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والأموات , تابع اللهم بيننا وبينهم بالخيرات إنك على كل شئ قدير .
الله أكبر : اللهم إن هذا المسجى قُدامَنا عبدُك وابن عبدِك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به .
اللهم انك قبضت روحه اليك وقد احتاج إلى رحمتك وانت غني عن عذابه .
اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت اعلم به منا. اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته واغفر لنا وله.
اللهم احشره مع من يتولاه ويحبه وابعده ممن يتبرأ منه ويبغضه .
اللهم الحقه بنبيك وعرّف بينه وبينه وارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين .
اللهم اكتبه عندك في أعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين واجعله من رفقاء محمد وآله الطاهرين , وارحمه وإيانا برحمتك يا أرحم الراحمين.
وان كانت امرأة هي الميتة التي يصلى عليها فيقال بدل (هذا المسجى) (هذه المسجاة قدامنا امتك وابنة عبدك وابنة امتك، وتأنيث الضمائر العائدة للميت).
وان كان الميت طفلاً فيقال اللهم اجعله لابويه ولنا سلفاً وفرطاً واجراً.
الله اكبر
وهذه التكبيرة آخر فصول الصلاة على الميت .
ثم ينصرف المصلي اذ ليس في هذه الصلاة ركوع أو سجود أو قنوت أو تشهد أو تسليم، وعليه الاجماع والنص.
ويستحب للمصلي أن يقف في موقفه حتى ترفع الجنازة، وفي خبر حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن علياً عليه السلام كان إذا صلى على جنازة لم يبرح من مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال( ).
والأولى أن يقول بعد الفراغ من الصلاة ” ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”( ) وان كان الميت امرأة يقول بدل قوله ” هذا المسجى (هذه المسجاة) قدامنا أمتك وأبنة عبدك وأبنة أمتك ” ويأتي بسائر الضمائر مؤنثة.
مسائل في الصلاة على الميت( )
(مسـألة874) إذا نقصت التكبيرات سهواً تجب الإعادة إلا إذا لم تفت الموالاة فيتم التكبيرات الخمس، ويجوز ان تكون التكبيرات اقل من خمس في حال التقية.
(مسـألة875) يجوز قراءة القرآن والدعاء بغير المأثور بين التكبيرات ما دامت صورة الصلاة محفوظة.
(مسـألة876) تجب العربية في الأدعية بقدر الواجب وفيما زاد عليه يجوز الدعاء بلغة اخرى غيرها.
(مسـألة877) ليس في الصلاة على الميت إذان أو اقامة أو ركوع أو سجود أو قنوت أو تشهد أو سلام، وان أتى بشيء منها بعنوان التشريع كان حراماً.
(مسـألة878) إذا لم يعلم ان الميت رجل أو امرأة يجوز ان يأتي بالضمائر مذكرة بلحاظ الشخص والنعش والبدن وان يأتي بها مؤنثة بلحاظ الجثة والجنازة.
(مسـألة879) إذا شك في التكبيرات بين الأقل والأكثر بنى على الأقل، نعم لو كان مشغولاً في الدعاء في التالية وشك في اتيانه للتكبيرة السابقة يبني على الإتيان بها لقاعدة التجاوز كما لو كان في الدعاء بعد الثانية وشك في التكبيرة الأولى فانه يبني على الإتيان بها.
(مسـألة880) يجوز أن يقرأ الأدعية من كتاب بيده أو أمامه خصوصاً إذا لم يكن حافظاً لها لقاعدة نفي الحرج في الدين.
شرائط الصلاة على الميت
وهي أمور :
الأول : أن يوضع الميت مستلقياً ورأسه إلى يمين المصلي ورجلاه إلى يساره.
الثاني : أن يكون المصلي خلفه محاذياً له إلا ان يكون صف المصلين طويلاً.
الثالث : أن يكون الميت حاضراً على الأقوى.
الرابع : أن لا يكون بين المصلي والميت حائل كستر أو جدار ولا يضر ان يكون الميت في تابوت و نحوه.
الخامس : أن لا يكون بينهما بعد مفرط على وجه لا يصدق الوقوف عنده إلا من المأموم مع اتصال الصفوف.
السادس : استقبال المصلي القبلة.
السابع : ان يكون المصلي قائماً مستقراً.
الثامن : تعيين الميت ولو اجمالاً وعلى وجه يرفع الإيهام، ولو ينوي الصلاة على الميت الحاضر أو الذي عينه امام الجماعة.
التاسع : قصد القربة.
العاشر : اباحة مكان المصلي.
الحادي عشر : الموالاة بين التكبيرات والأدعية على وجه لا تمحى صورة الصلاة.
الثاني عشر : ان تكون الصلاة بعد التغسيل والتكفين والحنوط كما تقدم.
(مسـألة881) لا تشترط في الصلاة على الميت الطهارة من الحدث والخبث واباحة اللباس وستر العورة، والأحوط لحاظ شرائط الصلاة فيها.
(مسـألة882) يجوز ان تؤدى الصلاة من جلوس لمن عجز عن القيام.
(مسـألة883) إذا دار الأمر بين القيام بلا استقرار، والجلوس مع الإستقرار يقدم القيام.
(مسـألة884) إذا لم يمكن الإستقبال أصلاً سقط، وان اشتبه وضع على اربع جهات إلا إذا خيف على الميت الفساد ونحوه من أسباب التعجيل والضرورة فيتخير وان كانت جهة القبلة مظنونة صلى اليها.
(مسـألة885) إذا تبين بعد الصلاة ان الميت مكبوباً وجبت الإعادة بعد جعله مستلقياً على قفاه.
(مسـألة886) يجب ان تكون الصلاة قبل الدفن وإذا لم يصل على الميت حتى دفن، يصلى على قبره سواء كان تأخير الصلاة عصياناً أو نسياناً أو عن عذر، وكذا إذا ثبت بطلان الصلاة وقد دفن الميت، وإذا كان الميت في مكان مغصوب والمصلي في مكان مباح صحت الصلاة.
(مسـألة887) يجوز التيمم لصلاة الجنازة وان كان متمكناً من الماء، والاحوط الإقتصار على صورة عدم التمكن من الوضوء أو الغسل أو خوف فوت الصلاة.
(مسـألة888) الأقوى ترك الكلام اثناء الصلاة على الميت بالكلام في اثنائها والأحوط ترك الكلام في غير افعال الصلاة وادعيتها.
(مسـألة889) إذا وجد اثنان احدهما يستطيع الصلاة قائماً والآخر من جلوس فالأقوى تعين الصلاة على الأول لقدرته على الإمتثال للتكليف الإختياري.
(مسـألة890) لو شك هل صلى أحد على الميت أو لا، بنى على عدم الصلاة عليه، وان علم بالصلاة عليه وشك في صحتها بنى على الصحة، ولو علم فسادها وجبت الإعادة.
(مسـألة891) إذا صلى شخص على الميت معتقداً صحة الصلاة بحسب تقليده أو اجتهاده لا تجب الصلاة على من يعتقد فسادها بحسب تقليده أو اجتهاده إلا إذا علم بأنها باطلة.
(مسـألة892) يجوز تكرار الصلاة على الميت سواء اتحد المصلي أو تعدد، لكنه مكروه إلا إذا كان الميت من أهل العلم والشرف والتقوى.
(مسـألة893) لا ينبش القبر من أجل الصلاة على الميت بل يصلى على القبر مع مراعاة الشرائط من الإستقبال وغيره وان كان بعد يوم وليلة أو اكثر.
(مسـألة894) تجوز الصلاة على القبر وان صلي على الميت قبل الدفن.
(مسـألة895) تجوز الصلاة على الميت في جميع الأوقات بلا كراهة، حتى في الأوقات التي يكره النافلة فيها، سواء كانت الصلاة على الميت واجبة أو مستحبة.
(مسـألة896) يستحب المبادرة إلى الصلاة على الميت وان اتفقت مع الفريضة اليومية إلا ان يخاف فوت وقت الفريضة، والأولى تقديمها على النافلة وعلى قضاء الفريضة .
وإذا حصل التعارض بين الخوف عليه وفوات وقت الفريضة اليومية تقدم الفريضة وان استلزم الأمر الصلاة عليه بعد الدفن.
(مسـألة897) لا يجوز إتيان صلاة الميت أثناء الفريضة وان لم تكن ماحية لصورتها كما في الإقتصار على التكبيرات.
أوان الصلاة على الميت
(مسـألة870) يشترط ان تكون الصلاة بعد الغسل والتكفين وقبل الدفن، ولو تعذر الغسل والتيمم لا تسقط الصلاة، وكذا لو لم يتمكن من التكفين فتستر عورته ولو بالتراب ويصلى عليه.
(مسـألة871) إذا تعذر دفن الميت لا تسقط الواجبات الأخرى من الغسل والتكفين والصلاة عليه.
إذن الولي
(مسـألة872) يشترط في صحة الصلاة على الميت إلى جانب الإيمان الإذن من وليه.
(مسـألة873) إذا تعدد الأولياء في مرتبة واحدة كما لو كان للميت عدة أولاد يكفي بالصلاة عليه الإذن من الولد الأكبر الذي له الحبوة وعليه قضاء ما فاته من الصلاة والصيام , ولقاعدة نفي الحرج، نعم لكل واحد من اولاده الآخرين الصلاة عليه من غير استئذان من البقية.
(مسـألة874) إذا أوصى الميت بأن يصلي عليه شخص معين تنفذ الوصية , والأحوط إذن الولي ومع الإختلاف والتشاح أي التسابق إلى الصلاة على الميت والتنافس فيها بين الذي أوصى له الميت وبين الذي أذن له الولي تقدم وصية الميت .
(مسـألة875) إذا كان ولي الميت امرأة يجوز لها ان تأذن لغيرها , وأن تصلي على الميت منفردة أو في جماعة النساء أو خلف الرجال سواء كان الميت ذكراً أو أنثى.
(مسـألة876) يجوز الإذن لامرأة بالصلاة عليه إذا لم يحضر رجل يصلي عليه ، وإذا أمت المرأة جماعة النساء تقوم في صفهن ولا تتقدم عليهن.
الصلاة جماعة
(مسـألة877) يستحب اتيان الصلاة جماعة، والظاهر عدم اشتراط العدالة في الإمام لأن النصوص وردت بذكر الولي وصلاته عليه من غير تقييد، ولأن ماهية الصلاة على الميت نوع دعاء وليس فيها ركوع ولا سجود، نعم اجتماع شرائط الإمامة فيه هو الاحوط.
(مسـألة878) يجوز ان يصلي على الميت أشخاص متعددون فرادى في زمان واحد، أو جماعة بعد جماعة، وينوي المصلي الوجوب إلا إذا فرغ من الصلاة عليه أحد الأشخاص فينوي الإستحباب ولذا يجوز في الصلاة جماعة ان ينوي الإمام وكل واحد من المأمومين الوجوب لعدم سقوطه ما لم يتم واحد منهم صلاته.
(مسـألة879) لا يتحمل الإمام في الصلاة على الميت عن المأمومين شيئاً اذ لا قراءة فيها ويقف المأمومون خلف الإمام ويكره وقوفهم إلى جنبه.
(مسـألة880) يجوز صلاة العراة اضطراراً على الميت فرادى و جماعة ولا يتقدم الإمام عليهم ويجب على كل واحد منهم ستر عورته ولو بيديه، ومع تعذر ستر العورة يصلى عن جلوس.
(مسـألة881) تقف النساء خلف الرجال في الجماعة، والحائض تقف في صف وحدها.
(مسـألة882) يجوز في الصلاة على الميت العدول من إمام إلى إمام ويجوز قطعها اختياراً، والعدول عن الجماعة إلى الإنفراد إذا لم يكن بعيداً عن الجنازة بعداً فاحشاً، وليس من حائل بينه وبينها ولا يخرج عن المحإذا ة لها.
(مسـألة883) إذا كبّر قبل الإمام في التكبير الأول له ان ينفرد وله ان يقطع صلاته ويجدد التكبير مع الإمام ، أما إذا كبّر قبل الإمام في التكبير الثاني أو الثالث أو الرابع فله ان يصبر حتى يكبر الإمام ويقرأ معه الدعاء وله ان ينفرد.
(مسـألة884) يجوز الدخول في الصلاة على الميت في أي حال يكون عليه الإمام فاذا كان الإمام في التكبير الثالث، يكبر الداخل ويجعله اول صلاته ويأتي بوظيفته من الدعاء وبعد التكبير الأول وإذا فرغ الإمام يأتي بالبقية مخففة وله ان يأتي بالتكبيرات ولاء من غير دعاء، ويجوز اتمامها خلف الجنازة ان امكن الإستقبال والشرائط الأخرى.
تعدد الميت
(مسـألة885) يجوز الصلاة على ميتين صلاة واحدة ويجوز الصلاة على كل واحد منهما منفرداً وهو الأولى.
(مسـألة886) إذا أحضر في اثناء الصلاة على الميت ميت آخر يتخير المصلي بين وجوه:
الأول : ان يتم الصلاة على الأول ثم يأتي بالصلاة على الثاني.
الثاني : قطع الصلاة واستئنافها بنحو التشريك.
الثالث : التشريك في التكبيرات الباقية بالنية والفعل واتيان الدعاء لكل منهما بما يخصه، والإتيان ببقية الصلاة للثاني بعد تمام الصلاة على الأول، مثلاً إذا حضر الميت الثاني قبل التكبيرة الرابعة يأتي بالدعاء للأول وهو اللهم اغفر لهذا الميت، ثم بالدعاء للثاني وهو اتيان الشهادتين.
ثم يأتي بالتكبيرة الخامسة للأول وبها تتم الصلاة عليه ويأتي بالدعاء للثاني وهو اللهم صل على محمد وآل محمد، ثم يأتي بالتكبيرة الثالثة للميت الثاني ويستمر في الصلاة على الثاني.
آداب الصلاة على الميت
بما أن الصلاة على الميت ذات ماهية مستقلة ومناسبة معينة ، وكيفية خاصة خالية من الركوع والسجود، صبغتها الدعاء. فان لها آداباً خاصة منها :
الأول : طهارة المصلي واستحبابها، وهي ليست شرطاً.
وفي صحيحة عبد الحميد بن سعد قال (قلت لأبي الحسن عليه السلام الجنازة يخرج بها ولست على وضوء فان ذهبت اتوضأ فاتتني الصلاة أيجزي لي أن أصلي عليها وأنا على غير وضوء ، فقال : تكون على طهر أحب لي)( ).
الثاني : إن يقال قبل الصلاة (الصلاة) ثلاث مرات ، فليس في هذه الصلاة إذان ولا إقامة.
الثالث : يستحب رفع اليدين عند التكبير ، وعن الشيخ في النهاية والمبسوط، والمرتضى وابن إدريس اختصاص استحباب وفعل رفع اليدين بالتكبيرة الأولى ، بل وفي كل تكبيرة لنصوص عديدة منها صحيحة عبد الرحمن العرزمي قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام على جنازة فكبر خمساً، يرفع يده في كل تكبيرة( ).
الرابع : رفع الإمام لصوتهِ في التكبير والدعاء، تعظيماً لشعائر الله وتعميماً للاتعاظ والثواب، ولاطلاقات إسماع الإمام صوته للمأموم في صلاة الجماعة.
الخامس : أداء الصلاة في أماكن اجتماع المسلمين وكثرتهم ، ليصلي على الميت أكثر عدد منهم، وينتفع من دعائهم واستغفارهم .
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : إذا مات المؤمن فحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين، فقالوا : اللهم انا لا نعلم منه إلا خيراً، وأنت اعلم به منا، قال الله تبارك وتعالى (قد أجزت شهادتكم وغفرت له ماعلمت مما لاتعلمون)( ).
وهل تؤدى الصلاة على الميت في المساجد ، الجواب نعم ، وادعي الإجماع على جوازه كما عن المنتهى ، لأنه من الأفعال السائغة غير المنافية لوجه الوقف .
واستدل بنصوص منها صحيحة الفضل بن عبد الملك قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام هل يصلى على الميت في المسجد. قال: نعم( ).
وقيل بالكراهة جمعاً بين هذه النصوص وقول أبي الحسن عليه السلام أن الجنائز لايصلى عليها في المسجد( ).
السادس : ان يقف الإمام والمنفرد عند وسط الجنازة إذا كان الميت رجلاً بل مطلق الذكر، وعند صدر المرأة بل مطلق الأنثى، ويتخير في الخنثى، ولو شرك بين الذكر والأنثى في الصلاة جعل وسط الرجل في قبال صدر المرأة ويكون الرجل اقرب اليه ولو كان طفلاً عمره ست سنين.
السابع : ان يكون المصلي حافياً، ويكره الصلاة بالحذاء ولا بأس بالخف والجورب.
الثامن : ان يقف قريباً من الجنازة.
التاسع : ان تكون جماعة ويكفي المنفرد ولو امرأة .
العاشر : ان يقف المأموم ان كان واحداً خلف الإمام بخلاف اليومية، حيث يستحب وقوفه ان كان واحداً إلى جنبه.
الحادي عشر : الإجتهاد في الدعاء للميت والمؤمنين.
الثاني عشر : إذا اجتمعت عدة جنائز ، فالأولى الصلاة على كل واحدة منفردة، وان اراد التشريك فللمصلي ان يضع الجميع قدامه مع المحإذا ة مع كون الرجل اقرب اليه من المرأة، وله ان يجعل الجميع صفاً واحداً على ان يكون رأس كل واحد عند الية الآخر.
مع مراعاة تثنية الضمير وجمعه وتذكيره أو تأنيثه بعد التكبير الرابع، ويجوز التذكير في الجميع بلحاظ لفظ الميت، ويجوز التأنيث بلحاظ الجنازة.
وعن (عن سلمة بن الأكوع قال : مرَّ بجنازة فأثنى عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وجبت . ثم مر بجنازة أخرى فأثنى عليها ، فقال : وجبت . فسئل عن ذلك فقال : إن الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض ، فما شهدتم عليه من شيء وجب ، وذلك قول الله وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ))( ).
لبيان استحضار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن في الوقائع والأحداث والشواهد اليومية ، وفيه دعوة للمسلمين للصدور عن القرآن ، وتلاوة آياته في الصلاة وخارجها ، والإتعاظ منها ، وبيان ملائمتها.
الدفن
قال تعالى فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ *فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
الآية الكريمة في ولدي آدم حيث قتل قابيل أخاه هابيل الذي كان اول من قتل من أهل الارض فاحتار هابيل ماذا يفعل بجسد أخيه فبعث الله غرابين احدهما حي والآخر ميت، وفي قول أن احدهما قتل الآخر ثم بحث الذي بقى حياً منهما الارض ودفن الغراب الميت. ففهم قابيل وظيفته وقام بدفن أخيه، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وابن مالك ومجاهد والضحاك وقتادة.
إن (لسوءَة اخيه) الواردة في الآية معنيين :
الأول : عورة أخيه .
الثاني : جسد أخيه وهو ميت ، وما فيه من الافتضاح لعجز الإنسان وما يسببه بقاؤه مكشوفاً من النتن ، والرائحة الكريهة وتعرضه لهوام الارض.
و(ورد في العلل باسناده عن فضل بن شإذا ن عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: انما أُمر بدفن الميت لئلا يظهر الناس على فساد جسده ، وقبح منظره ، وتغير رائحته ولا يتأذى الأحياء بريحه وبما يدخل عليه من الآفة والفساد وان يكون مستوراً عن الأولياء والاعداء فلايشمت عدوه ولايحزن صديقه)( ).
والدفن لغة هو الستر والمواراة دفنه يدفنه دفناً فهو مدفون ودفين وهو في الإصطلاح مواراة الميت في الأرض، بما يحفظ جسده من السباع، ويؤمن انبعاث ريحه وما فيه من اذى للناس.
والسنة في بني آدم دفن الميت ومواراته في الأرض ولايعتد بما يعمله بعض أرباب الملل من الحرق بالنار ونحوه من البدع التي لا تتناسب وإكرام الإنسان بعد موته، وربما أثرت في نفوس الأحياء منهم سلباً.
فقد بقي الدفن هو السائد في الجنس البشري والغالب حتى في الأمم الوثنية ولكن بعضاً منها بالغت في قبور ملوكها كما في زمن الفراعنة في مصر حيث اقيمت المقابر الفخمة ووضعت في القبر الهدايا والأثاث والتجهيزات التي يُظن أن الميت سيحتاج اليها .
واخذ الفراعنة المتعاقبون يبالغون في تشييد مقابرهم التي انشئت على هيأة الهرم وفاقهم في ذلك الفرعون خوفو وخفرع ومنقرع من السلالة الرابعة.
كما قام الأمراء والوزراء ونحوهم ببناء قبور لهم حول الهرم.
وعندما كان يوسف في مصر وزيراً في دولة الفراعنة مات ابوه نبي الله يعقوب فوضعه في تابوت ومضى به بنفسه ودفنه في بيت المقدس كما أوصاه إلى جنب أبيه إسحق ، وكذا فعل بجثمان يوسف ولو بعد مدة مديدة من وفاته.
سؤال عجوز بني إسرائيل
لقد جاء عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قد نزل على رجل بالطائف قبل الإسلام فأكرمه فلما أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس .
قيل للرجل أتدري من أرسله الله عز وجل إلى الناس .
قال: لا .
قالوا له: محمد بن عبد الله يتيم أبي طالب وهو الذي كان نزل بك بالطائف يوم كذا وكذا فاكرمته.
قال: فقدم الرجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلم عليه وأسلم ثم قال له اتعرفني يارسول الله .
قال: من انت .
قال: انا رب المنزل الذي نزلت به بالطائف في الجاهلية يوم كذا وكذا فاكرمتك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مرحباً بك سل حاجتك.
فقال اسألك مائتي شاة برعاتها.
فأمر له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما سأل ثم قال لأصحابه ماكان على هذا الرجل أن يسألني سؤال عجوز بني إسرائيل لموسى عليه السلام.
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله عز ذكره أوحى إلى موسى أن احمل عظام يوسف من مصر قبل أن تخرج منها إلى الأرض المقدسة بالشام.
فسأل موسى عن قبر يوسف عليه السلام فجاءه شيخ فقال : إن كان أحد يعرف قبره ففلانة، فارسل موسى عليه السلام إليها فلما جاءته قال: تعلميني موضع قبر يوسف عليه السلام .
فقالت: نعم. قال: فدليني عليه ولك ما سألت.
قالت : لا أدلك عليه إلا بحكمي، قال: فلك الجنة. قالت: لا، إلا بحكمي عليك .
فاوحى الله عز وجل إلى موسى لايكبر عليك أن تجعل لها حكمها.
فقال لها موسى فلك حكمك، قالت فان حكمي أن أكون معك في درجتك التي تكون فيها يوم القيامة في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما كان على هذا لو سألني ما سألت عجوز بني اسرائيل.
وورد قريب منه في الخصال( ) عن الإمام الكاظم عليه السلام .
ليبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أولوية سؤال حاجات الآخرة ، والنجاة من أهوال القبر ويوم القيامة .
لقد أولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دفن المسلمين عناية خاصة ، وكان يشارك في التشييع ولا يغادر حتى تتم مواراة الميت في القبر ليضع للمسلمـين وأجيالهم المتعاقبة سنة شريفة في الدفن وأحكامه وآدابه وفيها الكثير مما يساهم في تخفيف عذاب البرزخ وشدته.
روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (جنازة رجل من بني عبد المطلب فلما أنزلوه في قبره، قال: أضجعوه في لحده على جنبه الايمن مستقبل القبلة، ولا تكبوه لوجهه ولا تلقوه لظهره.
ثم قال للذي وليه : ضع يدك على أنفه حتى يتبين لك استقبال القبلة، ثم قال : قولوا : اللهم لقنه حجته، وصعد روحه، ولقه منك رضوانا)( ).
من مسائل الدفن
الأولى : دفن الميت واجب كفائي ، وعليه الاجماع أي إن قام به واحد سقط عن الآخرين وإن ترك أثم الجميع لعدم الامتثال ، ولان الخطاب لم يتوجه إلى شخص بعينه بل لكافة المكلفين .
الثانية : إذن الولي كونه شرطاً وليس مانعاً، لظهور النصوص في موضوعيته .
وعن أبي بصير أنه قال للإمام الصادق عليه السلام (المرأة تموت من أحق بالصلاة عليها .
قال: زوجها، قلت: الزوج أحق من الأب و الولد والأخ ، قال: نعم ويغسلها)( ).
الثالثة : لا يجوز الدفن في المكان المغصوب، وعليه الإجماع ، لحرمة التصرف في مال الغير بدون إذنه، خاصة وأن الميت يحتاج في قبره إلى العفو والرحمة والمغفرة.
الرابعة : أن يحفر القبر قدر قامة الإنسان متوسط الطول وأن يجعل له مما يلي القبلة لحد، إذ أن القبر نوعان، أحدهما شق وهو أن تحفر الارض ويوضع الميت ويبنى عليه، وتطم الحفيرة.
والاخر لحد -بفتح وكسر اللام وسكون الحاء- وهو أن تحفر الارض ثم يحفر بقدر بدن الميت -طولاً وعرضاً- ومن اسفل الحفيرة وبالاتجاه الذي يكون فيه الميت مستقبلاً للقبلة، وبعمق يكون فيه الميت قادراً على الجلوس (واما اللحد فبقدر ما يمكن الميت فيه الجلوس ، وقول الإمام الرضا عليه السلام: فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبراً.
(ولما حضر علي بن الحسين عليه السلام الوفاة أغمي عليه فبقي ساعة ثم رفع عنه الثوب ثم قال (الحمد لله الذي أورثنا الجنة نتبوء منها حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.
ثم قال احفروا لي حتى يبلغ الرشح ، ثم مد الثوب عليه فمات عليه السلام)( ).
واتخاذ اللحد مما أجمع عليه .
وقد ورد في سنن الترمذي بالاسناد عن ابن عباس إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اللحد لنا والشق لغيرنا) ( ).
وفي صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحد له ابو طلحة الانصاري( ).
الخامسة : إن يدفن الميت في المقبرة القريبة حيث يسهل دفنه ووصول أهله اليه وكثرة من يقرأ له الفاتحة ويستغفر له إلا أن تكون في الأبعد مزايا وأسباب للترجيح.
السادسة : وضع الجنازة دون القبر ببضعة أذرع كي يستعد للقبر وولوج عالمه (قال يونس: حديث سمعته عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ماذكرته وانا في بيت إلا ضاق عليّ يقول: إذا اتيت بالميت إلى شفير القبر فامهله ساعة فانه يأخذ اهبته للسؤال)( ).
السابعة : أن يرسل إلى القبر برفق وتؤدة عن الإمام الرضا عليه السلام قال: والميت يسل من قبل رجليه ويرفق به إذا ادخله قبره( ).
الثامنة : الدعاء عندما يسل من النعش: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إلى رحمتك لا إلى عذابك، اللهم افسح له في قبره، ولقنه حجته وثبته بالقول الثابت وقنا واياه عذاب القبر.
وعند الشروع في ادخاله في القبر: اللهم اجعله روضة من رياض الجنة، ولاتجعله حفرة من حفر النار.
وعندما يوضع الميت في القبر يقال: اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك نزل بك وانت خير منزول به وإذا كانت امرأة هي الميتة يؤنث الضمير فيقال: امتك وابنة عبدك.
وبعد أن يوضع الميت في قبره يقال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وصاعد عمله ولقنه منك رضواناً. وكان الإمام علي بن الحسين عليه السلام يقوله إذا ادخل الميت في قبره.
وعندما يوضع الميت في اللحد يقال: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تقرأ سورة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين وسورة التوحيد -الاخلاص- مع الالتفات إلى عدم ترك الاستعاذة .
وقام الإمام الباقر عليه السلام (على قبر رجل فقال: اللهم صل وحدته، وآنس وحشته، وأسكن إليه من رحمتك ورأفتك ، ما يستغني عن رحمة من سواك)( ).
وعند الخروج من القبر يقول : انا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم ارفع درجته في عليين، واخلف على عقبه في الغابرين، وعندك نحتسبه يارب العالمين.
وعند اهالة التراب عليه يقال : إنا لله وانا اليه راجعون، اللهم جاف الأرض عن جنبيه، واصعد اليك بروحه، ولقنه منك رضواناً واسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك ويقال ايضاً ايماناً بك.
التاسعة : إن تحل عقد الاكفان من قبل طرف الرأس ثم الرجلين.
عن الصادق عليه السلام : إذا وضعته في لحده فحل عقده( ).
العاشرة : إن يحسر عن وجهه وتعمل له وسادة من التراب ويكون خده على الارض.
الحادية عشرة : بعد وضع الميت في اللحد وقبل أن يستر باللبن يجري تلقينه ، ويدني الملقن فمه من إذن الميت ويقول: يافلان بن فلان اسمع افهم (ثلاث مرات) الله ربك، ومحمد نبيك، والإسلام دينك، والقرآن كتابك، ويذكر الائمة عليهم السلام.
افهمت يا فلان. ثبتك الله بالقول الثابت، وهداك الله إلى صراط مستقيم، عرف الله بينك وبين أوليائك في مستقر من رحمته، اللهم جاف الارض عن جنبيه، واصعد بروحه اليك، ولقه منك برهاناً اللهم عفوك عفوك.
وهناك صيغ اخرى للتلقين ومفرداته مذكورة في المفصلات من الكتب الفقهية.
الثانية عشرة : سد اللحد باللبن والطين لحفظ بدن الميت من التراب (بالاسناد عن عبد الله بن سنان ان الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال في حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل على لحد سعد بن معاذ وسوى اللبن عليه وجعل يقول ناولني حجراً ناولني تراباً رطباً يسد به ما بين اللبنتين فلما أن فرغ وحشى عليه التراب وسوى قبره.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أني لأعلم أنه سيبلى ويصل اليه البلا ولكن الله يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه)( ).
الثالثة عشرة : يستحب أن يكون الذي يضع الميت في قبره على طهارة وضوءاً أو تيمماً، لما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام في حديث : توضأ إذا ادخلت الميت القبر) ( ).
المحمول على الندب جمعاً بينها وبين صحيحته الاخرى عن احدهما عليهما السلام : قلت له: من ادخل الميت القبر عليه وضوء قال: لا، إلا أن يتوضأ من تراب القبر إن شاء وعندما يخرج يكون خروجه من طرف الرجلين.
الرابعة عشرة : إن يهيل عليه الحاضرون -من غير رحم- التراب بظهور الاكف وهم يقولون إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
الخامسة عشرة : يضع المرأة في قبرها بعض محارمها وأن تعذر ذلك فبعض أرحامها وإلا فالأجانب.
السادسة عشرة : يرفع القبر بارتفاع مقداره أربع أصابع مفرجات وعن الصادق عليه السلام : إن أبي أمرني أن أرفع القبر أربع أصابع مفرجات( ).
السابعة عشرة : إن يكون القبر مستطيلاً ذا زوايا قائمة ومسطحاً ولايسنم كسنام البعير ولايعمل بهيئة الدائرة ولايكون بيضاوياً.
الثامنة عشرة : وضع علامة أو لوحة تشير إلى القبر وصاحبه .
وعن الإمام علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دفن عثمان بن مظعون( ) دعا بحجر فوضعه عند رأس القبر وقال (يكون علماً ليدفن اليه قرابتي) ( ).
التاسعة عشرة : إن يرش القبر بالماء، وفي مرسلة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يتجافى عنه العذاب ما دام الندى في التراب) ( ). والاولى أن يبدأ صب الماء من الرأس بأستقبال القبلة.
العشرون : يضع الحاضرون أصابعهم على القبر ، روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئاً لا يصنعه بأحد من المسلمين .
كان إذا صلى على الهاشمي ونضح قبره بالماء، وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفه على القبر حتى ترى أصابعه في الطين .
فكان الغريب يقدم أو المسافر من اهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه اثر كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: (من مات من آل محمد)( ).
الواحدة والعشرون : أن يقوم الولي أو غيره بتلقين الميت تلقيناً آخر بعد إتمام الدفن وانصراف من حضر.
فقد روي عن يحيى بن عبد الله أنه قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول ما على أهل الميت منكم أن يدرؤا عن ميتهم لقاء منكر ونكير. قال: قلت: كيف نصنع؟ قال: إذا افرد الميت فليستخلف عنده اولى الناس به فيضع فمه عند رأسه ثم ينادي باعلى صوته يافلان بن فلان
(هل انت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن لااله إلا الله وحده وان محمداً عبده ورسوله سيد النبيين وان علياً امير المؤمنين وان ماجاء به محمد حق وان الموت حق والبعث حق وان الله يبعث من في القبور قال: فيقول منكر لنكير انصرف بنا عن هذا فقد لقن حجته)( ).
وهناك مستحبات اخرى مذكورة في المفصلات .
مكروهات الدفن
الأول : دفن ميتين في قبر واحد .
الثاني : فرش القبر بالساج والاجر ونحوه .
الثالث : نزول الأب في قبر الابن لاحتمال جزعه .
الرابع : سد القبر بتراب من غير ترابه .
الخامس : المقام على القبور .
السادس : الجلوس على القبر .
السابع : نقل الميت من البلد الذي يموت فيه إلى بلد آخر لما نسب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ادفنوا الاجساد في مصارعهم ولاتفعلوا كفعل اليهود فان اليهود تنقل موتاهم إلى بيت المقدس-الحديث).
واستثنى فقهاء الإمامية من ذلك النقل للمشاهد المشرفة والاماكن المقدسة للروايات الواردة في شأنها كالنقل من عرفات إلى مكة.
والنقل إلى النجف لواذا بجوار الإمام علي عليه السلام رجاء النجاة من عذاب البرزخ.
روي عن علي بن سليمان قال: كتبت اليه -أي الإمام الصادق- اسأله عن الميت يموت بعرفات يدفن بعرفات أو ينقل إلى الحرم فايّهما افضل فكتب يحمل إلى الحرم ويدفن فهو افضل) ( ).
وقد ورد في الحديث : إن موسى بن عمران لما حضرته الوفاة سأل ربه أن يدنيه إلى الارض المقدسة رمية حجر، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لو كنت ثم لاريتكم قبره عند الكثيب الاحمر) ( ).
وفي رواية هارون بن خارجة قال: سمعت ابا عبد الله الصادق عليه السلام يقول : من دفن في الحرم أمن من الفزع الاكبر.
فقلت : من برّ الناس وفاجرهم؟ قال : من بر الناس وفاجرهم( ).
وفي ارشاد الديلمي: أن من خواص تربة الغري اسقاط عذاب القبر وترك محاسبة نكير ومنكر هناك كما ورد في الأخبار الصحيحة عن أهل البيت)( ).
البكاء على الميت
البكاء مصدر يقال بكى يبكي بكاء فهو باك .
والبكاء على الميت هو سيلان الدمع عن حزن وأسى ، وقيد عن حزن لإخراج سيلان الدمع عن فرح وسرور جامح ، ويخرج البكاء عن الوجع والشكر ، والبكِاء من خشية لله .
والبكاء من السجايا التي ينفرد بها الإنسان ، ويأتي اختيارياً أو قهراً وانطباقاً ، وكل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر .
والناس في البكاء على مراتب متفاوتة ، قال تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، إذ يدخل الله عز وجل الغبطة والسرور على الناس ، وكذا أسباب البكاء .
لبيان التباين في أحوال الناس في الدنيا ، ومع التضاد بينها فانها دعوة للتوحيد ، والإنقطاع إلى الله عز وجل لأنه مسبب الأسباب ، وبيده مقاليد الأمور ، وقد أثنى الله عز وجل على الذين يبكون من خشيته وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا.
وتعددت النصوص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الترغيب بالبكاء من خشية الله ، وبيان الثواب العظيم عليه منه قوله (مَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ جَنَاحِ ذُبَابٍ دُمُوعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ حتى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهِ)( ).
كما حضّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على البكاء أو التباكي عند قراءة القرآن ، و(عن عبد الله بن السايب قال : قدم علينا سعد بن أبي وقاص بعدما كفّ بصره ، فأتيته مسلّماً عليه ، فانتسبني فانتسبت.
فقال : مرحباً بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هذا القرآن نزل بحزن فاذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا)( ).
وهناك تباين بين دمعة الفرح ودمعة الحزن ، فدمعة الفرح والسرور باردة والقلب في غبطة ، وفيها (قرة عين) ويقال أقر الله عينه ، أما دمعة الحزن فهي حارة والقلب في أسى ، ويقال سخينة العين ، ومنه البكاء على الميت .
بكاء النبي (ص) على ابنه إبراهيم
البكاء على الميت جائز، وروى ابن القداح عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : لما مات إبراهيم( ) ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هملت عين رسول الله بالدموع ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون).
وروى الشيخ الطوسي في اماليه بالاسناد عن ابن أبي مليكة عن عائشة انها قالت: لما مات ابراهيم بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى جرت دموعه على لحيته فقيل: يارسول الله: تنهى عن البكاء وانت تبكي؟ فقال: ليس هذا بكاء وانما هي رحمة ومن لايَرحم لايُرحم) ( ).
و(عن عبد الرحمن بن عوف قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فانطلقت معه إلى إبراهيم ابنه وهو يجود بنفسه ، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره حتى خرجت نفسه قال : فوضعه وبكى قال : فقلت : تبكي يا رسول الله وأنت تنهى عن البكاء.
قال : إني لم أنه عن البكاء ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ، صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان ، وصوت عند مصيبة لطم وجوه وشق جيوب ، وهذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم.
ولولا أنه وعد صادق وقول حق وأن يلحق أولانا بأخرانا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون تبكي العين ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب)( ).
البكاؤون خمسة
روي عن الإمام الصادق عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جداً ويقول: كانا يحدثاني ويؤنساني فذهبا جميعاً( ).
عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: البكاؤون خمسة آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعلي بن الحسين عليهم السلام. فاما ادم فبكى على الجنة حتى صار في خديه امثال الاودية.
واما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أو تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ.
واما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به اهل السجن فقالوا: أما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار واما أن تبكي النهار وتسكت بالليل فصالحهم على واحد منهما .
وأما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تأذى اهل المدينة فقالوا لها: قد اذيتنا بكثرة بكائك وكانت تخرج إلى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف.
وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين عشرين سنة واربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له .
جعلت فداك اني اخاف عليك أن تكون من الهالكين ، قال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلى اللَّهِ، اني لم اذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة)( ).
قانون دخول القبر
انه فراق الإنسان لعالم الدنيا وأيامها التي رافقته في سني حياته كلها ونما فيها لحمه وعظمه واسدلت عليه نعمها وزينتها بغير حساب ليدخل إلى هذا المكان الضيق الموحش.
وهو وان كان على موعد موقوت معه ولاتخفى عليه بعض معالمه إلا أن الإنسان يقضي ساعات تلك الليلة في خوف ورعب متصل وغربة مظلمة وفزع من أهوال ما دخل فيه من عالم رهيب ذي فصول مملوءة بالمخاوف والحساب وصنوف البلاء.
بالاسناد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: مامن قبر إلا وهو ينطق كل يوم ثلاث مرات انا بيت التراب، انا بيت البلى، انا بيت الدود، قال: فاذا دخله عبد مؤمن قال: مرحباً واهلاً، أما والله لقد كنت اُحبك وانت تمشي على ظهري فكيف إذا دخلت بطني، فسترى ذلك.
قال : فيفسح له مدّ البصر ويفتح له باب يرى مقعده من الجنّة، قال: ويخرج من ذلك رجل لم تر عيناه شيئاً احسن منه.
فيقول ياعبد الله مارأيت شيئاً قط احسن منك، فيقول: انا رأيك الحسن الذي كنت عليه وعملك الصالح الذي كنت تعمله، قال: ثم تؤخذ روحه فتوضع في الجنة حيث يرى منزله.
ثم يقال له : نم قرير العين ، فلا تزال نفحة من الجنة تصيب جسده يجد لذّتها وطيبها حتى يبعث.
قال : وإذا دخل الكافر قالت: لامرحباً بك ولا اهلاً، أما والله لقد كنت ابغضك وانت تمشي على ظهري، فكيف إذا دخلت بطني؟ سترى ذلك، فتضم عليه فتجعله رميماً ويعاد كما كان، ويفتح له باب إلى النار فيرى مقعده من النار.
ثم قال : ثم أنه يخرج منه رجل اقبح من رأى قطّ. قال: فيقول: ياعبد الله من انت ؟ ما رأيت شيئاً اقبح منك .
قال. فيقول: انا عملك السيء الذي كنت تعمله، ورأيك الخبيث، قال: ثم تـؤخذ روحه فتوضع حيث رأى مقعده من النار .
ثم لم تزل نفحة من النار تصيب جسده فيجد المها وحرها إلى يوم البعث، ويسلّط على روحه تسعة وتسعون تنّيناً تنهشه ليس فيها تنين تنفخ على وجه الارض فتنبت شيئاً) ( ).
انها اول ساعات الجزاء، يأتي فيها الفزع والرعب دفعة واحدة وبما يفوق التصور ومن غير ظهير أو ملاذ إلا العمل الصالح واتيان الفرائض الذي تظهر منافعه وبركاته منذ اللحظات الاولى لدخول القبر، ليتخذه المؤمن عوناً وسلاحاً وواقية وهناك يبدو الـبون الشاسع بين المؤمن والكافر ، ويدرك العاصي أنه أوان الحساب ، ويتطلع المؤمن لرحمة الله تعالى وحسرة الكافر حيث لا ينفع الندم.
لذا ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال في البسملة : الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة)( ).
اي أن الرحمن خاص بالدنيا وحاجات الناس فيها وأرزاقهم وأحوالهم وبما فيه الذب عنهم وصرف البلاء والكرب عنهم قبل حلول أجله بغض النظر عن هوية الايمان أو موضوع التلبس بالكفر لأن ملاك الرحمة هنا هو انهم خلق الله ، كما ترى أن الله سبحانه يرسل السحاب وينزل المطر فيصيب به البر والفاجر .
وقد تجد قوماً يتنعمون مع ضلالتهم بخيرات الأرض وكنوزها لرحمة من الله تعالى في الخلق جارية، وحكمة سماوية وحجة بالغة، قال تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
ولم يرد لفظ (الحجة) و(البالغة) في القرآن إلا في الآية أعلاه مع أن كلاً منهما من الألفاظ الشائعة .
اما الرحيم فهو اسم لله عز وجل تختص افاضاته بشؤون المؤمن وحاجاته، وأسباب رزقه، وجوانب أموره ، ومستلزمات عبادته في الحياة الدنيا، وكذلك في تخفيف اهوال البرزخ والحساب وتقلبه في احوال الدار الآخرة.
فالمؤمن ينتفع مستفيداً من صفة الرحمن والرحيم في دار الحياة الدنيا ومن (الرحيم) في الدار الآخرة ، أي ثلاثة منافع .
بينما لاينتفع الكافر إلا من صفة الرحمن وفي الحياة الدنيا فقط أي منفعة واحدة ليس هذا فحسب بل أن هذا النفع يكون عليه في الآخرة حجة وحسرة دائمة وابتداءً من الدخول إلى القبر( )قال تعالى [ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ] ( ).
وحشة ليلة الدفن
ليلة الدفن هي التي يبقى فيها البدن مستوحشاً وقد غادرته الروح واصبح مفتقراً إلى التدبير، عاجزاً عن الحيلة، لايستطيع احداث مايدفع عنه البلاء وهو يجهل ما يرد عليه منه في تلك الليلة الرهيبة وما اعده الملائكة لاستقباله مما يتناسب مع اعماله بل أنه لا يعلم من الذي سيأتيه منهم ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب .
يزاحم الاسف والحسرة الخوف الذي ألم به والفزع الذي استولى على أركان بدنه لعدم اعتباره من مغادرة الأجيال السابقة الدنيا وعدم اتعاظه من اختطاف الموت لآبائه، وتوظيفه في صالح الأعمال والاستعداد لهذه الليلة، وشراء الأمان فيها بالتقوى ، والذي أصبح لا ينال بأموال الدنيا أو إمتلاكها في حياته.
تعاد عليه صور الدنيا وسيرته فيها فيندم لتفويته فرص الصالحات التي كانت تعرض عليه وتضييعه المال والجهد في أعمال أخرى خالية من الاجر والثواب ، والندم حينئذ مركب. لعدم الاذن بالرجعة وانعدام الفرصة للتوبة ويمتلأ أسىً في ارتعاد حين حضور الذنوب والسيئات التي ارتكبها في حياته بعد غياب لذاتها وبقاء تبعاتها التي أصبحت مجسدة وتأكد من كتابتها وتسجيلها وتثبيتها من قبل الملائكة ولم ينفعه حرصه على اخفائها عن الناس. وكيف أنه جنى على نفسه مرة أخرى وحاول نسيانها وترك الإستغفار منها وانتهاج التوبة سبيلاً لمحوها.
صلاة ليلة الدفن
وتسمى صلاة الوحشة ، وصلاة هدية الميت .
وذكر هذه الصلاة وكيفيتها ابن طاووس ت(664 هجرية) والشيخ الكفعمي (840-905هجرية) وغيرهما .
وليس من سند متصل أو مرسل لهذه الصلاة ، واستحبابها لوجوه :
الأول : الصلاة خير موضوع .
الثاني : حاجة الميت لإهداء الصالحات له .
الثالث : قاعدة التسامح بأدلة السند ، ورجاء المطلوبية .
وقال المجلسي (توفى سنة 1111 هجرية) (أوردت هذه الصلاة تبعا للأصحاب، وليس فيها خبر أعتمد عليه مرويا من طرق أصحابنا، وإنما ذكروه لتوسعهم في المستحبات)( ).
وفي كتاب فلاح السائل لابن طاووس ومن غير اسناد قال (عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : لا يأتي على الميّت ساعة أشدّ من أوّل ليلة، فارحموا موتاكم بالصدقة، فإن لم تجدوا فليصلّ أحدكم ركعتين يقرأ في الاُولى فاتحة الكتاب مرّة ، وقل هو اللَّه أحد مرّتين، وفي الثانية فاتحة الكتاب مرّة وألهاكم التكاثر عشر مرّات .
ويسلّم ويقول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد وَابْعَثْ ثَوابَهُما إِلَى قَبْرِ ذلِكَ الميّتِ فلان ابن فلان .
فيبعث اللَّه من ساعته ألف ملك إلى قبره، مع كلّ ملك ثوب وحلّة، ويوسّع في قبره من الضيق إلى يوم ينفخ في الصور، ويعطى المصلّي بعدد ما طلعت عليه الشمس حسنات ويرفع له أربعون درجة)( ).
ونقلها عنه المجلسي في البحار .
وكيفية هذه الصلاة على وجهين :
الأول : ركعتان يقرأ في الأولى سورة الفاتحة وآية الكرسي ، وفي الثانية الفاحة ، وسورة القدر عشر مرات ، فاذا سلم قال : اللهم صل على محمد وآل محمد وابعث ثوابها إلى قبر فلان .
الثاني : يقرأ سورة الفاتحة والتوحيد مرتين في الركعة الأولى ، والفاتحة والتكاثر عشراً ، ثم دعاء الإهداء أعلاه.
وتؤدى صلاة ليلة الدفن هذه في الليلة الاولى لدفن الميت، واحتمل بعض الفقهاء شمولها لليلة الموت بالنسبة لمن يتأخر دفنه عنها. لذلك لابأس بادائها في الليلتين أي أن صليت في ليلة الوفاة فلابد من تكرارها في ليلة الدفن لبقاء الموضوع. ويجوز الاتيان بها في أي ساعة من ساعات الليل كما أن المبادرة إلى أدائها في اول الليل أمر حسن بلحاظ انها مسارعة في الخيرات.
تهيئة المسلم قبره
إن لكل انسان قبراً ينتظره ويفرح بقدومه إن كان من أهل الصالحات ويشتاق إلى ساعة اللقاء ، وإن كان من أهل السيئات فانه يكره ايوائه، وكم من انسان يمشي على قبره ومكان دفنه وهو لا يعلم ذلك أو أنه لم يستعد له ، قال تعالى وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.
وعن بشير الدهان عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: إن للقبر كلاماً في كلّ يوم يقول : انا بيت الغربة، انا بيت الوحشة، انا بيت الدود، انا القبر انا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار( ).
ومما ينبغي للمؤمن فعله المبادرة إلى تهيئة قبره ومكان مدفنه وان كان سليماً معافى وكان بعض السلف من أهل الصلاح يدخل بين الحين والاخر إلى مدفنه ويقرأ فيه القرآن تأديباً للنفس ومنعها من الاندفاع في مباهج الدنيا وأسباب اللهو.
والارتداع والانزجار باستحضار عالم القبر الذي ندنو منه ويدنو منا من غير توقف ، ما تعاقب الجديدان الليل والنهار ، وتوالى الدائبان الشمس والقمر .
وللعمل باطلاقات قوله تعالى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ.
ويستحب التبرع بالأرض لدفن المؤمن .
وقد روي عن عقبة بن علقمة أنه قال : اشترى أمير المؤمنين عليه السلام ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة , وآخر ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين بأربعين الف درهم وأشهد على شرائه ، فقلت له : يا امير المؤمنين تشتري بهذا المال وليس ينبت خطأ .
فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول (كوفان يرد اولها على اخرها يحشر من ظهرها سبعون الفاً يدخلون الجنة بغير حساب فاشتهيت أن يحشروا في ملكي)( ).
ويستحب القيام بحفر قبر المؤمن لما فيه من الثواب والاتعاظ .
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال: من حفر لميت قبراً كان كمن بوأه بيتاً موافقاً إلى يوم القيامة( ).
قانون ضغطة القبر
قد يكون ضيق القبر ووحشته وانعدام الإستطاعة فيه على الحركة وارادة الفعل وراء اجتناب طائفة من الناس التفكير بهذا الامر الحتمي. فتراهم يهربون من التأمل فيه، والنظر في تفاصيله ، وقد يظن أن استحضار الموت والقبر سبب لتعطيل الأعمال .
ولكن الذين نظروا إلى الدنيا بهيئتها الحقيقية كونها دار ممر ، وان الإنسان فيها مسافر إلى عالم آخر ، وهو مكره على السفر والانتقال منها، حرصوا على التدبر في أحوالها وجعلوا من أيام أعمارهم فيها مزرعة للاخرة ، وانصتوا إلى الآيات القرآنية التي تتناول عالم ما بعد الموت والبعث من القبور ، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وما تتضمنه من مواعظ وعبر واستمعوا إلى الاحاديث الشريفة في هذا الباب ذي الاهمية في عالم التكوين.
ومما جاء منها في شؤون هذا العالم واحواله ومراحله الاولى هو (ضغطة القبر) التي يتعرض لها الميت في بدنه عند ادخاله في القبر والاقرار بها لازم للروايات الواردة في المقام عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
عن علي بن الحسين الهمداني عن جعفر بن احمد عن علي بن برزخ الخياط عن عمر بن اليسع عن عبد الله بن اليسع عن ابن سنان( ) عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : أُتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له: أن سعد بن معاذ( ) قد مات .
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقام اصحابه معه، فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب .
فلما أن حنّط وكفّن حمل على سريره تبعه رسول الله بلا حذاء ولارداء.
ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر.
فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحّده وسوى اللبن عليه ، وجعل يقول : ناولوني حجراً، ناولوني تراباً رطباً، يسدّ به ما بين الّبن .
فلّما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (اني لاعلم أنه سيبلى ويصل البلى اليه، ولكن الله يحب عبداً إذا عمل عملاً احكمه) .
فلّما أن سوّى التربة عليه قالت ام سعد: ياسعد هنيئاً لك الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يأمّ سعد مه، لاتجزمي على ربك فان سعداً قد اصابته ضمّة .
قال : فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجع الناس فقالوا له : يارسول الله لقد رأيناك صنعت على سعد مالم تصنعه على احد ، انك تبعت جنازته بلارداء ولاحذاء .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم (ان الملائكة كانت بلارداء ولاحذاء فتأسيت بها) .
قالوا : وكنت تأخذ يمنّة السرير مرّة ويسرة السرير مرّة، قال: (كانت يدي في يد جبرئيل آخذ حيث يأخذ)، قالوا: امرت بغسله وصلّيت على جنازته ولحّدته في قبره ثم قلت: انّ سعداً قد اصابته ضمّة، قال: فقال صلى الله عليه وآله وسلم (نعم أنه كان في خلقه مع اهله سوء)( ).
والرواية ضعيفة لوجود بعض المجاهيل في سندها ولكن تعضد مضامينها النصوص الواردة بخصوص الكرامة في جنازة سعد بن معاذ .
(وروى من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لقد نزل من الملائكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفاً ما وطئوا الأرض قبل)( ).
وروى من حديث أنس بن مالك قال: لما حملنا جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته وكان رجلاً طوالاً ضخماً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الملائكة حملته)( ).
(وافتخرت الأنصار ، فقالت الأوس ، منا خزيمة بن ثابت صاحب الشهادتين ، ومنا حنظلة غسيل الملائكة ، ومنا عاصم بن ثابت بن الأفلح الذى حمت رأسه الدبر ، يعنى الزنابير ، ومنا سعد بن معاذ الذى اهتز العرش لموته ، ورضى الله عز وجل بحكمه ، والملائكة فى أهل قريظة ، وقالت الخزرج : منا أربعة أحكموا القرآن ، أبى بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، ومنا سعد بن عبادة صاحب راية الأنصار وخطيبهم الذى ناحت الجن عليه)( ).
ويحتمل اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ وجوهاً :
الأول : فرح وسرور الملائكة لقدومه عليهم ، وبه قال القرطبي( ).
الثاني : الحزن لمصيبة شهادته .
الثالث : إجتماع الفرح والحزن بشهادة سعد بن معاذ .
والمختار هو الثاني أعلاه ، وقد سمّى الله عز وجل الموت مصيبة ، قال تعالى تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إذا لَمِنَ الْآثِمِينَ.
وورد عن بشير النبال قال: سمعت ابا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: خاطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبر سعد فمسحه بيده واختلج بين كتفيه .
فقيل له: يا رسول الله رأيناك خاطبت واختلج بين كتفيك وقلت: سعد يفعل به هذا ، فقال: أنه ليس من مؤمن إلا وله ضمّة( ).
وهل يصرف إجتهاد المؤمن بالدعاء في الدنيا لصرف ضغطة القبر عنه ، الجواب نعم ، لعمومات قوله تعالى وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
قانون ضغطة القبر تذكرة
لقد جعل الله عز وجل آيات القرآن تذكرة وموعظة لأمور الدين والدنيا ، قال تعالى طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى.
وليس من حصر لوجوه الخشية التي تتضمنها آيات القرآن والأحاديث النبوية ، وهل منها الخشية من ضغطة القبر ، الجواب نعم ، للزوم الدعاء للسلامة منها فهي تذكرة لما ينتظر الإنسان ساعة عودته إلى الارض التي خلق منها .
لتكون هذه التذكرة درساً وموعظة يدرك الإنسان بها أنه فان ومغادر هذه الدنيا بعجز مطلق وغياب الناصر وانعدام الأسباب والتسليم بانفراده لضغطة الارض التي طالما مشي عليها وسخرها لخدمته ، وأكل من كنوزها قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
لبيان أن اتباع الشيطان باب لنزول عذاب القبر في الإنسان ، ومن بديع صنع الله أن الأرض وزراعتها تذكر الإنسان بالموت ، والحياة بعده ، وهو الذي تذكره الناس به الآية وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فاذا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ومثلما يكون الموت وكيفية قبض الروح بالنسبة للمؤمن التي تتصف بالراحة والسكينة والبشارة ، وبالنسبة للكافر وجهاً من وجوه العذاب كذلك ضغطة القبر في نتائجها حيث تكون للمؤمن باباً من أبواب المغفرة.
عن السكوني عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن ابائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ضغطة القبر للمؤمن كفارة لما كان منه من تضييع النعم)( ).
ومن أوجه تضييع النعم عدم استثمارها في طاعة الله والتقصير في مستلزمات الشكر واداء الحقوق وتركها أو أن لايعبأ بها الإنسان ولا يعرف اهميتها حتى يفقدها.
والحديث تأديب مبارك وارشاد للنجاة من ضغطة القبر أو تخفيفها بالحرص على عدم تضييع النعم ، وبالشكر عليها .
وتعني ضغطة القبر الشدة والمشقة والعصر ، وتكون للمؤمن (ضمة) والضم الجمع وضم الشيء إلى الشيء والإصطلاح لا يخلو من مضامين الرفق والتخفيف كما في حديث سعد المتقدم .
قانون الدعاء لصرف ضغطة القبر
لقد تفضل الله عز وجل وجعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، ولم يرزق أحداً أو صنفاً وجنساً من الخلائق منزلة خلافة الله عز وجل ، فمع بديع خلق الملائكة وقربهم من العرش ، وامتلاء السموات بهم فليس لهم خلافة فيها أو في غيرها وهو من أسباب تساؤلهم كما ورد في التنزيل أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
وقد ذكرتُ في كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) والذي صدرت منه (263) جزءً والحمد لله قولاً مستحدثاً وهو أن الملائكة لم يحتجوا على جعل آدم خليفة في الأرض ، ولكنهم سألوا الله عز وجل تنزيه الأرض من الفساد والظلم ووقاية الناس من ضغطة وعذاب القبر ودخول النار .
ولكن الدنيا دار امتحان وابتلاء ليلبث الذين آمنوا في النعيم الدائم ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وهل النجاة من ضغطة القبر وعذاب القبر من مصاديق قوله تعالى فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
الجواب نعم ، وربما لم يشر أحد من العلماء إلى هذا المعنى في المقام ، إذ أن مضامين الآيتين أعلاه لطف ورحمة من عند الله ، ولو دار الوعد الإلهي بين الإطلاق والتقييد ، فالأصل هو الإطلاق .
و(عن الإمام الصادق عليه السلام : ما أقل من يفلت من ضغطة القبر).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذ قال (انه ليس من مؤمن إلا وله ضمّة)( ).
وقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بارشاد المسلمين إلى اتخاذ الدعاء سبيلاً إلى النجاة من ضغطة القبر سواء بدعاء المؤمن لنفسه في حياته أو دعاء المشيعين وذويه له.
وعندما توفت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رسول الله : اللهم هب لي رقية من ضمة القبر ، فوهبها الله له)( ).
قال ابو بصير : سمعت ابا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: إن رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ماتت قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قبرها. فرفع يده تلقاء السماء ودمعت عيناه فقالوا له: يارسول الله انا قد رأيناك رفعت رأسك إلى السماء ودمعت عيناك .
فقال : اني سألت ربي أن يهب لي رقية من ضمة القبر)( ).
انها دعوة للمؤمنين للنجاة من ضغطة القبر بالدعاء لتأثيره الفعال في التركيبة الطبيعية للاحداث ومن غير تعارض مع قواعد النظام الكوني لدخوله بفضل الله تعالى في الأسباب ، وقوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
فاطمة بنت أسد وضغطة القبر
هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، ولدت قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخمس وخمسين سنة ، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة زوج الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانت تتعاهد بالعطف والحنان والإحسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وأولادها من أبي طالب ، طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وعلي عليه السلام ، وأم هانئ ، وجمانة ، وريطة .
(كان علي أصغر ولد أبي طالب. وكان أصغر من جعفر بعشر سنين وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين .
وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن الأرقم أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره.
وقال ابن إسحاق: أول من آمن بالله وبرسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم من الرجال علي بن أبي طالب وهو قول ابن شهاب إلا أنه قال: من الرجال بعد خديجة وهو قول الجميع في خديجة)( ).
ولقد لاقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه أشد الأذى من كفار قريش ، الذين ضربوا الحصار على بني هاشم في شعب أبي طالب لثلاث سنوات من السنة السابعة للبعثة النبوية .
و(عن ابن عباس قال : ما كان أبو لهب إلا من كفار قريش ، ما هو حتى خرج من الشعب حين تمالأت قريش حتى حصرونا في الشعب وظاهرهم ، فلما خرج أبو لهب من الشعب وظاهرهم ، فلما خرج أبو لهب من الشعب لقي هنداً بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه ، فقال : يا ابنت عتبة هل نصرت اللات والعزى ، قالت : نعم فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة .
قال : إن محمداً يعدنا أشياء لا نراها كائنة ، يزعم أنها كائنة بعد الموت ، فما ذاك وصنع في يدي ، ثم نفخ في يديه ثم قال : تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد ، فنزلت تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ .
قال ابن عباس : فحصرنا في الشعب ثلاث سنين ، وقطعوا عنا الميرة حتى إن الرجل ليخرج منا بالنفقة فما يبايع حتى يرجع حتى هلك فينا من هلك)( ).
وبعد أن بات الإمام عليه السلام في فراش النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الهجرة ، وهجوم عشرة من فتيان قريش لقتله وقت السحر ظناً منهم أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكشف عن غطائه ، وأخبرهم أنه علي بن أبي طالب ، هاجر بالفواطم إلى المدينة .
وهن أمه فاطمة بنت أسد ، وفاطمة بنت رسول الله ، وفاطمة بنت الزبير ، ولحقت به أم أيمن بركة بنت ثعلبة الحبشية ، وهي حاضنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ورثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمه ، ثم أعتقها ، تزوجها زيد بن حارثة فولدت له أسامة بن زيد .
وفي وفاة فاطمة بنت أسد أم الإمام علي عليه السلام تتجلى عناية النبي في موضوع ضغطة القبر وحرصه على نجاتها منه براً بها ووفاء لما أسهمت فيه في بناء قواعد الإسلام بتعاهدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنين الأولى من عمره الشريف ، وقد أطرى عليها بقوله (لم نلق بعد أبي طالب أبر بي منها)( ).
وذكر أنه لما ماتت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام اقبل باكياً فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما يبكيك ، لا أبكى الله عينك.
قال : توفت والدتي يارسول الله، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بل والدتي يا علي.
فلقد كانت تجوّع اولادها وتشبعني، وتشعث اولادها وتدهنني .
والله لقد كان في دار أبي طالب نخلة فكانت تسابق اليها من الغداة لتلتقط، ثم تجنيه فاذا خرجوا بنو عمي تناولني ذلك ، ثم نهض صلى الله عليه وآله وسلم فاخذ في جهازها وكفنها بقميصه.
وكان في حال تشييع جنازتها يرفع قدماً ويتأنى في رفع الآخر ، وهو حافي القدم .
فلما صلى عليها كبر سبعين تكبيرة، ثم لحّدها في قبرها بيده الكريمة بعد أن نام في قبرها. ولقنها الشهادة، فلما أُهيل عليها التراب واراد الناس الانصراف، جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
يقول لها : ابنك ، ابنك ، لا جعفر ولا عقيل ، ابنك : علي بن أبي طالب.
ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما فعله ، أجاب : أما التأني في وضع اقدامي ورفعها في حال التشييع للجنازة فلكثرة ازدحام الملائكة .
وأما تكبيري سبعين تكبيرة فانها صلى عليها سبعون صفاً من الملائكة.
وأما نومي في لحدها فاني ذكرت في حال حياتها ضغطة القبر .
فقالت : واضعفاه .
فنمت في لحدها لاجل ذلك حتى كفيتها ذلك .
وأما تكفيني لها بقميصي فاني ذكرت لها في حياتها القيامة وحشر الناس عراة.
فقالت : واسوأتاه ، فكفنتها به، لتقوم يوم القيامة مستورة واما قولي لها ابنك ، ابنك ، لاجعفر ولاعقيل فانها لما نزل عليها الملكان وسألها عن ربها فقالت : الله ربّي ، وقالا : من نبيك ، قالت : محمد نبييّ .
فقالا : من وليك وأمامك…الحديث.
ويدل الحديث على تصديق فاطنة بنت أسد بكل ما يقوله النبي ، لأن القول من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، ويدل على حاجة الإنسان لسؤال الله السلامة من ضغطة القبر ، وسؤاله الستر في الآخرة .
كما روى (روى الطبراني في الكبير والأوسط برجال الصحيح عن أنس بن مالك قال: ماتت فاطمة بنت أسد : أم علي بن أبي طالب ، فَدَخَل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عند رأسها.
فقال : رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني ، وتمنعين نفسك طيباً وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة .
ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً .
فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده .
ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه .
ثم دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود؛ يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرج ترابه، ثم لما فرغ اضطجع فيه .
ثم قال وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين .
وكبر عليها أربعاً، وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق قال ابن عباس.
فلما سوى عليها التراب قيل: يا رسول الله، رأيناك صنعت شيئاً لم نرك صنعته لأحد .
فقال : إني ألبستها قميصي؛ لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت في قبرها ، لأخفف عنها من ضغطة القبر، إنها كانت أحسن خلق الله إلي صنعاً بعد أبي طالب)( ).
الدعاء للسلامة من ضغطة القبر
ان بركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتصلت من أيام حياته لتكون مؤثرة في رفع ضغطة القبر أو تخفيفها عن المؤمنين فقد ترفع عن المؤمن والمؤمنة وقد تكون بطابع اللطف ولتكون تطهيراً له مما لحقه من ذنوب الدنيا خاصة وانها تلازم السؤال من قبل الملائكة.
وقد روي عن أبي بصير عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : يسأل وهو مضغوط( ).
ولكن هذا لا يعني أن من لا يضغط لا يُسأل فقد يتعرض بعض الناس بل اكثرهم إلى ضغطة القبر والسؤال معاً. وقد ينجو بعض الناس من احدهما أو كليهما.
وهناك باب من أبواب رحمة الله تعالى فتحه للمؤمنين للنجاة من ضغطة القبر وهو حدوث الوفاة في ساعة مباركة.
فبالاسناد عن ابان بن تغلب عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : من مات ما بين زوال الشمس يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة من المؤمنين أعاذه الله من ضغطة القبر( ).
وقيد من المؤمنين ليخرج الكافر والمنافق .
وفيه بشارة وحسن مواساة لمن يكون أجله في ليلة الجمعة أو صدر نهارها.
وهل فيه دعوة للمسلم بأن يدعو الله عز وجل أن يمد الله في عمره وأن يأتيه الموت في ليلة الجمعة أو صباحها ، الجواب نعم ، ليجتمع مع السؤال بالنجاة والسلامة من ضغطة القبر .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا بأيامها ولياليها دار الدعاء والمسألة ، ومنه الدعاء للنجاة من ضغطة القبر ، والسلامة من سؤال منكر ونكير ، قال تعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا.
الجريدتان في القبر
الجريدتان مثنى جريدة وهي سعفة النخلة فعيلة بمعنى مفعولة، سميت بذلك لتجريد خوصها ونزعه عنها ومنه الخبر كتب القرآن في جرايد .
وعن (أبي بكرة قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشي بيني وبين رجل آخر ، إذ أتى على قبرين .
فقال : إن صاحبي هذين القبرين يعذبان فأتياني بجريدة قال أبو بكرة : فاستبقت أنا وصاحبي ، فأتيته بجريدة ، فشقها بنصفين ، فوضع في هذا القبر واحدة ، وفي ذا القبر واحدة قال : لعله يخفف عنهما ما دامتا رطبتين ، أما إنهما يعذبان بغير كبير ، الغيبة والبول)( ).
ورد عن الإمام الباقر عليه السلام الحث على وضع جريدتين مع الميت في قبره وبيّن علة ذلك ومنافعه.
بالاسناد عن زرارة قال: قلت لابي جعفر الباقر عليه السلام: أرأيت الميت إذا مات لِمَ تجعل معه الجريدة .
قال : يتجافى عنه العذاب والحساب ما دام العود رطباً.
قال : والعذاب كله في يوم واحد، في ساعة واحدة ، قدر ما يدخل القبر ويرجع القوم ، وانما جعلت السعفتان لذلك فلايصيبه عذاب ولاحساب بعد جفوفهما أن شاء الله)( ).
ويلاحظ في النص موضوعية الرطوبة في العود ، وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام كما في حديث (حريز وفضيل وعبد الرحمن : قالوا : قيل لابي عبد الله عليه السلام : لاي شئ يوضع مع الميت الجريدة ، قال: إنه يتجافى عنه ما دامت رطبة)( ).
وعنه عليه السلام (الجريدة تنفع المؤمن والكافر)( ).
ويتجلى النفع من البركة والتسليم بوجود عذاب في القبر ورجاء فضل الله في صرفه .
وقد ورد ايضاً عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أنه لايجوز اليابس في اجابة له على من سأل عن وضع السعفة اليابسة مع الميت .
وقد ورد (عن يحيى بن عبادة المكي أنه قال : سمعت سفيان الثوري يسأل ابا عبد الله الصادق عليه السلام عن التخضير فقال: أن رجلاً من الانصار هلك فأوذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموته فقال لمن يليه من قرابته خضروا صاحبكم فما اقل المخضرين يوم القيامة قال: وما التخضير .
قال: جريدة خضراء توضع من أصل البدن إلى أصل الترقوة)( ).
والاجماع بان الجريدة إذا كانت يابسة لاتكفي بل يستحب أن يراعى في اختيارها بطئ يبسها وطول مدة الخضرة والرطوبة فيها وباختيار الاكثر غلظاً منها.
ومن ناحية الطول فيكون ذراعاً ويجزي أن يكون طول الجريدة شبراً أو اقل أو اكثر من ذلك كله ، للإطلاقات وغياب القرائن الخارجية التي تقيدها في المندوبات وإمكان التسامح في المقام.
أما طريقة وضعها مع الميت فهي أن تشطر طولاً إلى شطرين يوضع احدهما في الجانب الإيمن للميت من الترقوة إلى حيث تصل مع الحرص على جعلها ملاصقة لبدنه.
أما الآخر فيوضع في جانبه الأيسر من عند الترقوة أيضاً ما بين القميص والأزار.
وهناك كيفية أخرى لوضعها بوضع أحد الشطرين منها تحت إبطه الأيمن.
أما الآخر فيوضع بين رجليه بحيث يكون منتصفه بين الركبتين وإذا كانت واحدة غير مشطورة فتوضع في جانبه الأيمن.
وهناك كيفيات اخرى لوضعهما جاءت بها الأخبار ومذكورة في المفصلات الفقهية.
والذي يظهر من الروايات والنصوص هو تحقق الغاية بمطلق وضع الجريدة مع الميت في قبره وهو المناسب لروح التخفيف وسعة رحمة الله تعالى ليس هذا فقط بل أنه يمكن تدارك نسيان وضع الجريدة مع الميت.
بوضعها على قبره بعد الدفن لما ورد عن (محمد بن علي بن الحسين عليه السلام قال :
مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قبر يعذب صاحبه فدعا بجريدة فشقها نصفين فجعل واحدة عند رأسه والاخرى عند رجليه وانه قيل له لم وضعتهما فقال: أنه يخفف عنه العذاب ما كانتا خضراوين)( ).
(وروي أن صاحب القبر كان قيس بن قهد الأنصاري ، وروي قيس بن قمير)( ).
وجاء ايضاً في صحيح البخاري ما يؤكد وضع الجريدة في تخفيف عذاب القبر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبرين يعذبان، فقال: انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما احدهما فكان لايستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة .
ومعنى لا يستتر من البول أي لا يمنع بوله من وصوله إلى جسده وثيابه.
ثم اخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين ثم غرز في كل قبر واحدة فقالوا: يارسول الله لم صنعت هذا.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)( ).
وإذا تعذر الحصول على جريدة فيؤخذ من السدر والا فمن عود الخلاف -وهو الصفصاف- أو الرمان وان عجز الإنسان عن أي منها أو كان ذلك امراً صعباً فيجزي كل عود رطب.
ومن الافضل كتابة اسم الميت واسم ابيه على الجريدة وانه يشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كسبيل إلى التبرك والتضرع إلى الله ورجاء الرحمة والشفاعة.
ولبيان الإقرار بالشهادتين والتمسك بالامامة.
عذاب القبر
يدل على وقوع عذاب القبر لشطر من الناس الكتاب والسنة والإجماع ، ومن الكتاب آيات منها قوله تعالى سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ.
و(عن أبي مالك في قوله [سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ] قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعذب المنافقين يوم الجمعة بلسانه على المنبر ، وعذاب القبر)( ).
و(عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا من قبر فقال متى مات هذا قالوا مات في الجاهلية فسر بذلك وقال لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر .
عن البراء عن أبي أيوب قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس فسمع صوتا فقال يهود تعذب في قبورها التعوذ من عذاب القبر)( ).
ومعنى (لولا أن لا تدافنوا) أي أن سماعكم لعذاب الموتى داخل القبر ترك دفن بعضكم بعضاً خشية عذاب الميت .
ويدل الحديث أعلاه على عدم إنحصار عذاب القبر بالمسلمين في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها)( )، لما ورد في الحديث أعلاه (قالوا مات في الجاهلية).
ولو أحرق الميت فهل ينجو من عذاب القبر ، الجواب لا .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أن القبر أول منازل الآخرة، فان نجا منه فما بعده ايسر منه، وان لم ينج منه فما بعده ليس اقلّ منه).
وذكر صاحب بحار الأنوار هذا الحديث من غير سند في الجزء 6/242 ، وذكره أحمد في مسنده في حديث عن عثمان بن عفان أنه قال (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ : الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخرة فَإِنْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ)( ).
وهذا القول موسوعة مختصرة وافية ومن جوامع الكلم التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبر بها الأمة الاسلامية واجيالها المتعاقبة هادياً إلى سبل الرشاد، ومنذراً من عذاب القبر، وباعثاً على اجتنابه ودرئه في موعظة تظهر أن عناصر النجاة من عذاب القبر متعددة ، وتنفع في المراحل اللاحقة ايضاً.
ويتجلى قانون الإستعداد لعالم القبر بالتقوى وهو رصيد وذخيرة في الآخرة ، وباب من أبواب السلامة يوم الفزع الأكبر ، وقانون العناية بسبل النجاة من عذاب القبر ، وقانون إعداد المستلزمات والمقدمات الإيمانية للوقاية من عذاب القبر.
وعذاب القبر جزء من الفلسفة الدينية والإمتحان القائم على الثواب والعقاب وأن الله عز وجل لم يخلق الناس عبثاً، وأن الآخرة دار الحساب.
حيث يكون القبر اول منازلها ، وأخرج الترمذي عن علي عليه السلام أنه قال: مازلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت سورة الهاكم التكاثر( ).
لبيان أن الإنذار من عذاب القبر نزل في مكة لان سورة التكاثر مكية وكانت السور القرآنية أيام الدعوة في مكة تتضمن الإنذار والتخويف والوعيد مع قلة كلماتها .
قانون نداء الإستغاثة
يطلق الميت نداءات الاستغاثة إلى أهله وذويه من أهل الدنيا من حين مفارقتهم له بعد إهالة التراب عليه الذين أفنى أيام عمره من أجلهم، وانفق امواله في اعاشتهم، وحرص على ارضائهم لينقذوه أو ليحرسوه أو ليعينوه ولايتوانى في سؤالهم ببعث ما يخفف عنه أهوال تلك الليلة ، ويبدد ظلمة القبر من الأعمال الصالحة وإهداء ثوابها اليه.
ولايلبث بعد أن يتيقن من عدم سماعهم لاستغاثته أو عدم الاستماع اليها وتثاقلهم عن الاستجابة أن يعود إلى ذم نفسه ولومها على الإسراف والتقصير في أبواب الورع والتقوى.
(روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال: اتقوا الله واستعينوا على ما انتم عليه بالورع والاجتهاد في طاعة الله، فان اشدّ ما يكون أحدكم اغتباطاً بما هو عليه لو قد صار في حدّ الآخرة وانقطعت الدنيا عنه.
فاذا كان في ذلك الحدّ عرف انّه قد استقبل النعيم والكرامة من الله، والبشرى بالجنة ، وامن ممّن كان يخاف ، وايقن أن الذي كان عليه هو الحق، وأن من خالف دينه على باطل هالك)( ).
ولا يفقد المؤمن في تلك الليلة خيوط ضياء الايمان وبريق أشعة الأمل لما أعده من الطاعات ذخيرة لهذه الليلة وما فيها من الشدة والمحن، ولتكون ساعات عبادته وصلاح أعماله وقاء من العذاب ، وحاجباً يدرء عنه أليم العقاب بل انها تصبح باباً للفوز برحمة الله تعالى ، ومدخلاً كريماً إلى منازل مرضاته عز وجل (فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران)( ).
إن الصدقة في تلك الليلة واهداء ثوابها إلى الميت في قبره ، وصلاة ليلة الدفن سبيل من سبل الاحسان لتخفيف وطأة آلام تلك الليلة واستجابة لإستغاثة الميت .
و(عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يأتي على الميت ساعة أشد من أول ليلة، فارحموا موتاكم بالصدقة.
فان لم تجدوا فليصل أحدكم ركعتين يقرأ في الاولى بفاتحة الكتاب مرة وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مرتين ، وفي الثانية بفاتحة الكتاب مرة وأَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ عشر مرات ، ويسلم .
ويقول : اللهم صل على محمد وآل محمد ، وابعث ثوابهما إلى قبر ذلك الميت فلان ابن فلان.
فيبعث الله من ساعته ألف ملك إلى قبره مع كل ملك ثوب وحلة، ويوسع في قبره من الضيق إلى يوم ينفخ في الصور، ويعطي المصلي بعدد ما طلعت عليه الشمس حسنات وترفع له أربعون درجة)( ).
قانون سؤال منكر ونكير الميت
منكر ونكير لغة كمحسن وكريم وهما ملكان من ملائكة الله عز وجل ينكران أعمال وأخلاق السوء من العبد عند إدخاله في القبر.
ولقد اتفق أهل الإسلام على سؤال منكر ونكير للميت في قبره وما يتعرض له الكفار من العذاب عند السؤال ومخالفة شخص واحد وهو ضرار بن عمرو للإجماع في هذا الباب أمر لا يعتد به خاصة وأن السمع تواتر بحدوث هذا العذاب للكفار بالاضافة إلى إمكان وقوعه.
وورد استشهاد في المقام بقوله تعالى قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا وان أحد الإحيائين يكون في القبر للحساب ، وفيه يكون الإعتراف بالذنوب ، وهناك وجوه أخرى في المقام :
الأول : من أثبت العذاب في القبر دون الإحياء.
الثاني : وصف العذاب بأنه اجتماع للآلام في الجسد.
الثالث : الإحياء ولكن من غير إعادة للروح.
وانكر الجبائي وابنه والبلخي تسمية الملكين منكراً ونكيراً وقالا انما المنكر مايصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سئل ، والنكير إنما هو تقريع الكافر وهو قول ينطلق من المفهوم اللغوي للكلمة والتقيد الدقيق بمنطوقها والا فهو قول مخالف لظاهر الحديث.
وفي الصحيفة السجادية دعاء في الصلاة على حملة العرش وكل ملك مقرب وأوله : اللهم وحملة عرشك الذين لايفترون عن تسبيحك ولايسأمون من تقديسك… إلى إن يقول : وملك الموت واعوانه ومنكر ونكير، ورومان فتّان القبور( ).
وظائف منكر ونكير
يتولى الملكان منكر ونكير سؤال الميت بعد إدخاله القبر بأن تعاد إليه الروح لتلقي الأسئلة والإجابة عليها ، ولبيان موضوعية الروح في مدارك الإنسان ، ووظائف العقل ، وقد اختلف في الوظيفة الإضافية لمنكر ونكير من تعذيب الميت بعد سؤاله.
فهل هما اللذان يتوليان عذاب الكافر، ام انهما يكتفيان بالسؤال ثم يوكلان الميت أما إلى ملائكة النعيم أو إلى ملائكة العذاب ، أو أن أحدهما من ملائكة النعيم والآخر من ملائكة العذاب.
فان اجاب الميت بما يستحق النعيم قام عنده ملك النعيم ، وإن ظهر أنه يستحق العذاب تولاه ملك العذاب وغادره ملك النعيم ، وربما كان السؤال والعذاب في ساعة واحدة ، ومنكر ونكير هما اللذان يقومان به ولا يبعد إن يكون لهما أعوان كما لملك الموت اعوان.
(وقد روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا أقبر الميت أتاه ملكان اسودان أزرقان يقال لأحدهما: منكر، وللآخر: نكير، يقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ، فان كان مؤمناً فيقول: هو عبد الله ورسوله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .
فيقولان: قد كنّا نعلم انك تقول هذا، ثمّ يفسح في قبره سبعين ذراعاً في سبعين ذراعاً، ثم ينوّر له فيه، ثمّ يقال له: نم، فيقول: ارجع إلى اهلي فاخبرهم .
فيقولان: نم كنومة العروس الذي لايوقظه الاّ أحب اهله، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وان كان منافقاً.
قال : سمعت الناس يقولون فقلت مثله، لاادري. فيقولان: قد كنّا نعلم انك تقول ذلك .
فيقال للأرض : التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف اضلاعه، فلايزال معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)( ).
والمختار تعدد وظائف وحال الملكين منكر ونكير على وجوه :
الأول : قيام منكر ونكير بسؤال الميت .
الثاني : السؤال والبشارة للمؤمن .
الثالث : الأمر بالتخفيف عن الميت .
الرابع : تولي منكر ونكير عذاب الكافر عذاباً ابتدائياً.
الخامس : أمر منكر ونكير غيرهما بعذاب الكافر قبل مغادرتهما له أو بعدها .
السادس : إدخال منكر ونكير على المؤمن الروح والريحان ، ويأتيان له بالطعام من الجنة كما في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام( ).
ولا يتم وجه من هذه الوجوه إلا بأمر وإذن من عند الله ، نسأل الله عز وجل النجاة من سؤال وتعذيب منكر ونكير ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
وورد في حديث نبوي تعريف المنكر والنكير كما (عن ابن عمر ، قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا من الموت غايته ، ويا من القبر منزله ، ويا من الكفن ستره ، ويا من التراب وساده ، يا من الدود جيرانه .
يا من المنكر والنكير زواره ، يا أيها المودع غدا عرسه ، كم من مستقبل يوما لا يستكمله ، ومنتظر غدا لا يبلغه ، لو نظرتم إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره)( ).
وفي سنن الترمذي ورد اسما الملكين بالتعريف : المنكر والنكير( ).
قانون الملازمة بين دخول القبر وسؤال منكر ونكير
ظاهر الأحاديث أنه ليس من فترة بين دخول الميت القبر وحضور منكر ونكير وابتداء سؤالهما وهو من أهوال القبر ووجوب الإستعداد لها.
وقد تأتي صلاة ليلة الدفن بعد سؤالهما ، لذا تجب الصلاة على الميت ، والإستغفار له ، وتلقينه عند ادخاله القبر ووضعه في اللحد قبل الستر بالِلبن بعقائد الإسلام وأصول الدين كما في باب قانون التلقين .
والنصوص عن الملكين منكر ونكير مستفيضة وتشير في مضامينها إلى حقيقة السؤال في القبر.
بالإسناد عن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: إذا مات المؤمن شيّعه سبعون ألف ملك إلى قبره، فاذا ادخل قبره اتاه منكر ونكير فيقعدانه ويقولان له: من ربّك؟ ومادينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، ومحمد نبيي، والإسلام ديني، فيفسحان له في قبره مدّ بصره، ويأتيانه بالطعام من الجنة، ويدخلان عليه الروح والريحان، وذلك قوله عزّ وجلّ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ.
(يعني في قبره وجنة نعيم) يعني في الآخرة .
ثمّ قال : إذا مات الكافر شيعه سبعون الفاً من الزبانية إلى قبره، وانه ليناشد حامليه بصوت يسمعه كل شيء إلا الثقلان ويقول لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المؤمنين ، ويقول ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ.
فتجيبه الزبانية كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ انت قائلها .
ويناديهم ملك: لوردّ لعاد لما نهي عنه، فاذا ادخل قبره وفارقه الناس اتاه منكر ونكير في أهول صورة فيقيمانه ثم يقولان له: من ربك؟ ومادينك؟ ومن نبيك؟ فيتلجلج لسانه ولايقدر على الجواب، فيضربانه ضربة من عذاب الله يذعر لها كل شيء .
ثم يقولان له: من ربك ، ومادينك ، ومن نبيك ، فيقول: لاادري. فيقولان له: لادريت ولاهديت ولاافلحت .
ثم يفتحان له باباً إلى النار وينزلان اليه من الحميم من جهنم، وذلك قول الله عز وجل وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني في القبر وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ يعني في الآخرة( ).
من بديع خلق الملائكة
لم يخلق الله عز وجل خلقاً اكثر من الملائكة وأناط بهم الأعمال والوظائف المختلفة لحكمته في الخلق ولحسن تدبيره جلت قدرته إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهو القادر على الفعل من غير اداة أو واسطة اذ أن جميع الأشياء مستجيبة لمشيئته.
فطائفة من الملائكة موكلون بحمل العرش، وآخرون مشغولون بالتسبيح وهم حافون من حوله. وفئة تتولى حفظ الأسماء، وأخرى لحفظ بني آدم ، ومنهم الكتبة الذين يدونون أعمال العالمين ونسخها ورفعها.
وطائفة منقطعة إلى العبادة والتسبيح كما ورد في حديث الإسراء.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ثم مررنا بملائكة من ملائكة الله عز وجل خلقهم الله كيف شاء ووضع وجوههم كيف شاء ليس شيء من أطباق أجسادهم إلا وهو يسبح الله ويحمده من كل ناحية بأصوات مختلفة ، أصواتهم مرتفعة بالتمجيد والبكاء من خشية الله فسألت جبرائيل عنهم.
فقال : كما ترى خلقوا أن الملك منهم إلى جانب صاحبه ما كلمهم كلمة قط ولارفعوا رؤوسهم إلى ما فوقهم ولاخفضوها إلى ماتحتهم خوفاً من الله وخشوعاً.
فسلمت عليهم فردوا عليّ ايماءً برؤوسهم لاينظرون اليّ من الخشوع.
فقال لهم جبرئيل هذا محمد نبي الرحمة ارسله الله إلى العباد رسولاً نبياً وهو خاتم النبيين وسيدهم أفلا تكلمونه .
فلما سمعوا ذلك من جبرئيل اقبلوا عليّ بالسلام واكرموني وبشروني بالخير لي ولامتي مولعون بذكر الله والشكر على ماانعم عليهم، ومايرون من آيات الله وعجائب صنعه فلا يبالون بغير التسبيح والعبادة.
ومن الملائكة من وكل بحفظ الجبال ومنهم من يقوم بخزن الرياح أو يشّيع الثلج والسحاب وغيره مما يتعذر إحصاؤه من الأعمال الجليلة.
ولا يحصي عدد الملائكة ولا وظائفهم إلا الله عز وجل ، وفيه دعوة للناس للإيمان والإستعداد لعالم الآخرة ، فكل من أهل الجنة والنار سيلاقون الملائكة ، وسيتحدثون معهم ، فيلقى أهل الجنة البشارة والرفق من الملائكة ، وفي التنزيل وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إذا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.
ويلقى أهل النار الشدة والقسوة من الملائكة ، قال تعالى عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
سؤال منكر ونكير من شدائد ليلة الدفن
إن مساءلة منكر ونكير صفحة وجزء من موضوع أعم إلا وهو عذاب القبر في الليلة الأولى، وصحيح أنها ركن أساسي من أهوال تلك الليلة ولكن البلاء والفتنة لا تنحصر بسؤالهما وما يجري عند حضورهما الميت.
ويدرك العقل لزوم التدبر والاحتراز والاستعداد لمصائب تلك الليلة، فان نوع استقبال الملكين للضيف في تلك الليلة بيده مدة حياته الدنيا، ليس بينه وبين احراز كرمهما ولطفهما إلا التقوى والتوبة ، قال تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
وورد في حديث للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن اسم الملكين : ناكر ونكير إذ قال (أن لله تعالى ملكين يقال لهما: ناكر ونكير ينزلان على الميت فيسألانه عن ربه ونبيه ودينه وإمامه، فإن أجاب بالحق سلموه إلى ملائكة النعيم ، وإن أرتج عليه سلموه إلى ملائكة العذاب)( ).
و(عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبدالله عليه السلام : لا يسأل في القبر إلا من محض الايمان محضا أو محض الكفر محضا.
وبالإسناد عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير عنه عليه السلام : قال : يُسأل وهو مضغوط)( ).
وهل شدة سؤال منكر ونكير في القبر من الخزي يوم القيامة ، لينتفع المسلم في القبر من تلاوة قوله تعالى رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ )( )، ليتلوه المسلم والمسلمة فيكتب لهما دعاءً للأمن من أهوال الآخرة من حين الدخول في القبر .
الجواب القدر المتيقن من الدعاء في الآية أعلاه هو يوم القيامة ، ولكن سؤال منكر ونكير مقدمة له فيشملهما الدعاء .
عموم السؤال في القبر
هل السؤال في القبر خاص بالمسلمين أم هو للناس كافة ، فيه أقوال :
الأول : هذا السؤال عام للمسلمين وغيرهم من الناس كافة ، قال تعالى فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، وإذا كان موضوع هذه الآية هو يوم القيامة فانه لا يمنع من سؤالهم في عالم البرزخ ، وتدل عليه الأحاديث النبوية .
الثاني : إرادة خصوص المسلمين والمنافقين والذين بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم لأن موضوع السؤال هو التصديق برسالته ، واتباعه في أداء التكاليف ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وقال في التمهيد (الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن او منافق ممن كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القبلة ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة .
وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام والله أعلم يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ))( ).
وأن عذاب غير المسلمين من المشركي في القبر ليس من المساءلة .
الثالث : التوقف في هذا الأمر.
والمختار هو الأول ، فالسؤال في القبر عام للناس جميعاً , كل حسب زمانه والرسول الذي بعث لهم ، والتكاليف التي بلغتهم .
بين فتنة القبر وعذاب القبر
تحتمل النسبة بين فتنة القبر وعذابه وجوهاً :
الأول : التساوي : وفتنة القبر هي عذابه .
الثاني : العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما .
الثالث : نسبة العموم والخصوص المطلق ، فالفتنة في القبر عامة ، أما عذاب القبر فهو خاص بالكافرين الظالمين ، ومنهم آل فرعون في قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
والمختار هو الثالث .
والمراد من فتنة القبر هو سؤال منكر ونكير لمن يدخل القبر من الناس كافة لأصالة العموم وإرادة العام في الحديث النبوي .
والعام هو : اللفظ المستغرق لما يصلح له.
ويشمل جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه ، ومنها :
الأول : لفظ (كل) ، (جميع) ، (كافة).
الثاني : المعرف بـ(أل) الجنس .
الثالث : المضاف إلى جمع ، كما في قوله تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
الرابع : الجمع المضاف إلى مفرد وهذا التقسيم منّا ، ذكرته ابتداءَ هنا.
ومنه قولك أهل الأرض ، سكان الأرض ، نجوم السماء ، أنهار الدنيا ، وكما في قوله تعالى وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ.. فاصحاب جمع أضبف إلى الجنة وإلى النار وكل منهما مفرد .
فقد يفتتن الإنسان في القبر ، ويحضر الشفيع ، ولكنه لا يعذب ، أما العذاب في القبر فهو نازل بالكافر مقدمة لعذابه يوم القيامة ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتعوذ تارة من فتنة القبر ، وأخرى من عذابه ، ولو دار الأمر بين إتحادهما أو تعددهما .
فالأصل هو الثاني لغة واصطلاحاً ورواية.
و(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ)( ).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ بالله من الآفات والشرور والبلاء ، وكان (يدعو بهؤلاء الكلمات الله إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار وفتنة القبر وعذاب القبر وشر فتنة المسيح الدجال .
ومن شر فتنة الفقر وشر فتنة الغنى اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد وأنق قلبي من الخطايا كما أنقيت الثوب الابيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم)( ).
لبيان حاجة كل إنسان إلى الإستعاذة والإستجارة بالله عز وجل في أمور الدنيا والآخرة ، وإعلان الفقر إلى رحمة الله ، وفي التنزيل يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : عذاب القبر يكون من النميمة، والبول، وعزب الرجل عن أهله)( ).
وعزب الرجل عن أهله : أي بعده عن أهله ، وكناية عن نشوزه على زوجته .
وقد تنحصر فتنة القبر بوقت وساعات مخصوصة أما عذاب القبر فقد ينقطع أو يستمر ، ومنه قول الله في آل فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
قانون القبر وداع الدنيا
يقال اقبرت الميت أي أمرت أن يدفن وهيأت له حفرة في الأرض يوضع فيها ويوارى بترابها أي جعلت له قبراً وجمعه قبور وموضع اجتماعها تسمى مقبرة وفي الحديث أنه نهى عن الصلاة في المقبرة وفي التعليل قيل لاختلاط ترابها بصديد الموتى ونجاستهم.
ومادة (قبر) وردت في القرآن في ثمانية مواضع كل منها مدرسة فيها حكمة وموعظة وعبر متشعبة منها قوله تعالى مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ.
وبالجمع بين هذه الآية والآية الكريمة من سورة المائدة فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ بالاضافة إلى السنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية يظهر أن تشريع القبر مدفناً للإنسان سنة إلهية في الأرض وهي عنوان إكرام للذي بعث الله فيه من روحه ، وتمييز له عن جميع الحيوانات في موته وبعد وفاته كما اكرمه الله بالعقل والنطق والرزق الكريم في حياته.
وهذا الإكرام من مصاديق فضل الله بخلافة الإنسان في الأرض ، إذ قال تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
ومن رشحات نفخ الله من روحه في آدم وتوارث هذه النعمة في خلقة ذريته ، قال تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، فلا غرابة أن يقيم الله عز وجل الحجة على الإنسان في الدنيا ، ويسأله بعد الموت عن أيامه في الدنيا ، والنعم التي توالت عليه منها ، قال تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أول عدل الآخرة القبور لايعرف وضيع من شريف)( ).
فكل الناس يدخل القبر ويحيطه التراب من جميع جوانبه لا اختلاف بينهم إلا بالأعمال الصالحة في الدنيا ، فالعمل هو الذي يبقى ملازماً للإنسان في قبره لايفارقه وان تركه أهله.
وتلك سنة الله في الخلق ومصداق للقول بان الدنيا دار ابتلاء وامتحان.
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: إذا وضع الميت في قبره مثّل له شخص فقال له : يا هذا كنّا ثلاثة، كان رزقك فانقطع بانقطاع أجلك ، وكان أهلك فخلفوك وانصرفوا عنك، وكنت عملك فبقيت معك، أما انّي كنت اهون الثلاثة عليك( ).
لقد أظهر الاسلام الوظيفة الحقيقية للقبر في الحياة الدنيا بصورة قهقرية ولكنها إيجابية المضمون والدلالة بالاستعداد لهُ بزاد التقوى والعمل الصالح .
نحن لا ننكر أن الحضارات والملل التي سبقت الإسلام ذكرت الموت ، ولكنها ذكرته بمفهومه المجرد الذي تدركه العقول بالحس والوجدان، فمثلاً لما مات الاسكندر قال أحد الحكماء : أصبح أسير الأسراء أسيراً، وقاهر الملوك مقهوراً، كان بالامس مالكاً فصار هالكاً( )، وكأن الامر انتهى بالموت.
لقد يبين الاسلام بالكتاب والسنة أن الموت انتقال إلى عالم آخر يرتبط بالحياة الدنيا ونوع الأعمال الشخصية فيها وبذلك أعطى الاسلام للعقل وظيفة أكبر واكثر أهمية في الحياة .
فقول هذا الحكيم الذي يدل تناقله وروايته من أبسط المفاهيم التي يحيط بها كل مسلم بغض النظر عن مذهبه وثقافته.
شدة عذاب القبر
يتبين من الروايات الواردة في أهوال عذاب القبر أنه ذو شدة وبطش عظيم ولولا آيات القرآن وتلك الأخبار لما تمكنا من معرفة إجمالية لهول ما فيه من اليم العقاب لأنه يفوق مستوى إدراك العقول وفق مسار السلوك في الحياة الدنيا.
وتجمع هذه الآيات والأحاديث النبوية بين أمور :
الأول : الإنذار .
الثاني : التخويف .
الثالث : كشف الغطاء عن بعض أهوال الآخرة.
ليكون الإنذار في المقام من مصاديق وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، لما في الإخبار عن عذاب القبر وشدته على الدعوة والبعث للإستعداد له بالعمل الصالح .
فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : اني كنت انظر إلى الإبل والغنم وانا ارعاها -وليس من نبي إلا وقد رعى الغنم .
وكنت انظر اليها قبل النبوة وهي متمكّنة في المكينة ماحولها شيء يهيّجها حتّى تذعر فتطير، فأقول : ماهذا ، وأعجب .
حتّى حدثني جبرئيل عليه السلام إن الكافر يضرب ضربةً ماخلق الله شيئاً الاّ سمعها ويذعر لها الاّ الثقلين، فقلنا: ذلك لضربة الكافر فنعوذ بالله من عذاب القبر( ).
وهل ينحصر عذاب القبر بالكفار واصحاب الكبائر ام أنه يشمل غيرهم ومن هو دونهم بالمعصية والذنب.
الجواب هو الثاني ، وقد يطال غير الكفار ايضاً وان عامة الناس معرضون لاهوال هذا العذاب واحتمال نزوله بساحتهم عند ورودهم على هذا العالم المليء باهوال الحساب وشدته حيث تنكشف صحائف أعمال بني آدم للملائكة إلا من رحم الله .
بالاسناد عن صفوان بن مهران عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: أقعد رجل من الاخيار في قبره، فقيل له: انا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله .
فقال : لااطيقها، فلم يزالوا به حتّى انتهوا إلى جلدة واحدة فقالوا: ليس منها بدّ قال: فبما تجلدونيها؟ قالوا: نجلدك لانك صليت يوماً بغير وضوء ومررت على ضعيف فلم تنصره، قال: فجلدوه جلدة من عذاب الله عز وجل فامتلأ قبره ناراً( ).
وفي بيان أسباب عذاب القبر والارشاد إلى اجتناب شدته روي الصدوق عن علي بن حاتم عن أحمد بن محمد الهمداني عن المنذر بن محمد عن الحسين بن محمد عن علي بن القاسم عن أبي خالد عن زيد بن علي عن ابيه عن جده عن علي عليه السلام قال (عذاب القبر يكون من النميمة ، والبول ، وعزب الرجل عن أهله)( ).
السورة الواقية من عذاب القبر
من مصاديق قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، أنه من امتحان وبلاء إلا جعل الله عز وجل له سبيل نجاة ، وهدى الناس للأمن والسلامة منه ، ومنه عذاب القبر الذي هو حق ، فتفضل الله عز وجل بسورة الملك لتكون تلاوتها في الدنيا حرزاً وذخيرة عند ولوج القبر ، وبداية أيام الآخرة .
وفي قراءة سورة الملك والمواظبة على تلاوتها وحفظها عن ظهر قلب نفع عظيم وأجر وثواب ووقاية من عذاب القبر .
روي بالاسناد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (ان رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ.
فلما وضع في حفرته اتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها انك من كتاب الله وانا اكره شقاقك واني لااملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً فان اردت هذا به فانطلقي إلى الرب فاشفعي له.
فانطلقت إلى الرب فتقول يارب أن فلاناً عمد إلى مابين كتابك فتعلمني وتلاني أفمحرقه انت بالنار ومعذبه وانا في جوفه فان كنت فاعلاً به ذلك فامحني من كتابك.
فيقول : اذهبي فقد وهبته لك وشفعتك فيه فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء.
فتجيء فتضع فاها على فيه فتقول مرحباً بهذا النغم فربما قامتا بي وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه.
فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها وسماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنجيّة( ).
وورد ايضاً عن انس يرفعه: لقد رأيت رجلاً مات كان كثير الذنوب مسرفاً على نفسه فكلما توجه اليه العذاب في قبره من قبل رجليه أو من قبل رأسه اقبلت السورة التي فيها الطير تجادل عنه العذاب أنه كان يحافظ عليّ وقد وعدني ربي أنه من واظب علي أن لايعذبه فانصرف عنه العذاب بها( ).
والمراد سورة الملك وقوله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.
و(عن ابن عباس أنه قال: ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قبر وهو لايحسب أنه قبر فاذا بانسان يقرأ سور الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هي المانعة هي المنجيّة تنجيه من عذاب القبر) ( ).
قانون الأمل
لقد رزق الله عز وجل الإنسان العقل ، وجعل تفكيره أعم وأكبر من واقعه ، ويصاحبه الأمل في صغائر الأمور وكبائرها ، ويبعث الأمل الإنسان على العمل والسعي والمثابرة والجد في الغالب ، ويطرد الكسل والخمول ، وهو مادة للطمأنينة ، ويتقوم الأمل بالتوكل على الله ، والثقة بقرب رحمته وفضله .
وصار نبي الله يونس في بطن الحوت ، ولكنه بقي يتطلع إلى فضل الله عز وجل بنجاته ، قال تعالى فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
ولم يرد لفظ (المسبحين) في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان منافع التسبيح وقول (سبحان الله) في النجاة من المحن والشدائد في الدنيا .
(عن أبي الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما أوحي إليّ أن أكون تاجراً ولا أجمع المال متكاثراً ، ولكن أوحي إلي أن سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله [حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ] قال : الموت)( ).
وهل ينفع التسبيح في الآخرة ، الجواب نعم ، لما فيه من الإقرار بربوبية الله المطلقة ، وتنزيه مقام الربوبية ، ورجاء فضل الله وأنه سبحانه لا تستعصي عليه مسألة سواء في الدنيا أو عالم البرزخ أو يوم القيامة .
ويفكر الإنسان في كيفية النجاة من عذاب القبر ، ويبحث عن سبل التخلص منه ليستعد له في الحياة الدنيا فهي دار العمل الذي هو في احد وجهيه علة وسبب عذاب القبر فيتجه صوب الشريعة ليجد فيها وقاية وعلاجاً لهذا العذاب مثلما دلت عليه ونبهت المسلمين إلى لقائه عند مغادرة الدنيا .
إنه تسخير لملكة العقل والتمييز الذي فضل الله به الإنسان على غيره من الحيوانات ، وبه يكون الثواب والعقاب، وبتوظيفه في اجتناب الهوى والابتعاد عن المعصية تكون السلامة ، لذا ورد في التنزيل لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ.
و(عن انس بن مالك قال: اثنى قوم على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف عقل الرجل .
قالوا : يارسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة واصناف الخير وتسألنا عن عقله .
فقال : إن الاحمق يصيب بحمقه اعظم من فجور الفاجر، وانما يرتفع العباد غداً في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم)( ).
قانون البسملة حرز
تعلم وقراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) حرز وأمان من سطوة الملائكة الذين يتولون أمر النار يوم القيامة، بالاضافة إلى أنها سبيل لنجاة الآباء من عذاب القبر .
فقد روي أن عيسى ابن مريم مرّ على قبر، فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتاً، فلما انصرف في حاجته، مرّ على القبر فرأى ملائكة الرحمة معها أطباق من نور فتعجب من ذلك، فصلى ودعا الله تعالى فاوحى الله تعالى اليه : ياعيسى كان هذا العبد عاصياً ومذ مات كان محبوساً في عذابي.
وكان ترك امرأة حبلى فولدت ولداً وربته حتى كبر، فسلمته إلى الكـــتـــّـاب فلقنه المعلم بسم الله الرحمن الرحيم فاستحييت من عبدي أعذبه بناري في بطن الارض وولده يذكر أسمي على وجه الأرض( ).
رؤيا النجاة من عذاب القبر
وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حديث فيه بيان وارشاد لأبواب النجاة من عذاب القبر وهداية للذين يبحثون عن سبل النجاة في الدنيا والآخرة.
وقد جاءت مضامين الحديث بصورة رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والرؤيا سلاح بيد الانبياء كونها جزء من كنوز الغيب واحد مفاتحه.
ومن الانبياء من ينتظر الوحي اثناء نومه لان قلبه يكون عنده مستعداً لتلقي الاوامر والنواهي.
والرؤيا الصادقة جزء من ست واربعين جزءاً من اجزاء النبوة.
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : الانبياء على خمسة انواع منهم من يسمع الصوت مثل صوت السلسلة فيعلم ماعني به ومنهم من ينبأ في منامه مثل يوسف ومنهم من يعاين ومنهم من ينكث في قلبه ويوقر في اذنه واول مابدء من يوسف الرؤيا الصالحة وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مارأى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح.
فبالاسناد عن عبد الرحمن بن سمرة( ) قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في صفة بالمدينة فقام علينا فقال: اني رأيت البارحة عجباً .
رأيت رجلاً من أمتي اتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه .
ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله فطير الشياطين عنه.
ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم.
ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فاسقاه وأرواه.
ورأيت رجلاً من أمتي ورأيت النبيين جلوساً حلقاً حلقاً كلما دنا إلى حلقة طرد ومنع فجاءه غسله من الجنابة فاخذ بيده فاقعده إلى جنبي .
ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة وهو متحير منه فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وادخلاه في النور .
ورأيت رجلاً من أمتي يتقي وهج النار وشررها، فجاءته صدقته فصارت ستراً بينه وبين النار وظلاً على رأسه .
ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولايكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت يامعشر المؤمنين أنه كان وصولاً لرحمه فكلمته المؤمنون وصافحوه وصافحهم.
ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه امره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من ايديهم وادخله في ملائكة الرحمة .
ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فاخذ بيده فادخله على الله عز وجل .
ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه وقوفه من الله عز وجل فاخذ صحيفته فوضعها في يمينه .
ورأيت رجلاً من أمتي خف ميزانه فجاءه افراخه فثقلوا ميزانه .
ورأيت رجلاً من أمتي وكان قائماً على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى .
ورأيت رجلاً من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك .
ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن روعه ومضى .
ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط يحبو احياناً ويتعلق احياناً فجاءته صلاته عليّ فاقامته على قدميه وانقذته .
ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى ابواب الجنة فغلقت الابواب دونه، فجاءت شهادة أن لا اله إلا الله ففتحت له الابواب وادخلته الجنة( ).
أحاديث موضوعة عن فضائل السور
هناك من وضع بعض الاحاديث في فضائل سور القرآن مثل أبي عصمة الذي قيل له: من اين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة .
فقال : اني رأيت الناس قد اعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة)( ).
ومارواه الحاكم أن رجلاً من الزهاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره فقيل له: لم فعلت هذا .
فقال : رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت أن ارغبهم فيه فقيل له: فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده في النار.
فقال : انا ما كذبت عليه وانما كذبت له( ).
و(عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ بحديث أبي بن كعب في فضائل سورة القرآن سورة سورة فقال: حدثني رجل بالمدائن وهوحي فصرت إليه.
فقلت له: من حدثك؟ قال: حدثني شيخ بواسط وهوحي، فصرت إليه فقلت له: من حدثك .
قال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه فقلت له: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بعبادان .
فصرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً فاذا فيه من المتصوفة وبينهم شيخ.
فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكننا رأينا الناس رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن. قال ابن الصلاح: ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم)( ).
(وروى ابن حبان في مقدمة تاريخ الضعفاء عن ابن مهدوي قال: قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث ، من قرأ كذا فله كذا ، قال: وضعتها أرغب الناس فيها)( ).
وطرح أكثرها لضعف سندها وانكشاف حقيقتها.
ولكن الاحاديث في فضل سورة الملك في المقام مستفيضة ومن طرق متعددة ومشارب شتى ومعتبرة سنداً مع جوازها عقلاً، أنه باب مبارك فتحه الله للمؤمنين ثم تفضل مرة اخرى فجعله قريباً منهم ، مما يلزم النهل منه والإلتفات إلى ما فيه من النفع بعد مغادرة دار العمل وحيث لاينفع الندم.
إنه سبيل كريم لا يعرفه إلا المسلمون، ولايسلكه إلا أهل الإيمان والمعرفة وحملة القرآن.
إنه كنز لاينفد في متناول الناس جميعاً وفي كل زمان، بصره قوم. وعميت عند أبصار آخرين، انتفع منه شطر من الناس، وحرم آخرون أنفسهم منه، وبين الذين بصروا به والذين انتفعوا منه عموم وخصوص مطلق ، فليس كل من أبصر وعرف الحاجة إلى الوقاية من عذاب القبر نجا منه .
إنما يحتاج الإنسان إلى العمل ملازماً للعلم وثمرة له، ودليلاً خارجياً على الاستجابة والطاعة وهو الذي يدخل مع الإنسان إلى قبره.
ومن هنا يدرك المرء جانباً مما في الفرائض من نعمة وبركة لما فيها من الحرز والوقاية في عالم القبر، سواء الفرائض البدنية كالصلاة والصوم أو المالية كالزكاة والخمس ، أو الجامعة لهما كالحج.
وفي وصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عليه السلام (يا علي ثلاث درجات وثلاث كفارات ، وثلاث مهلكات ، وثلاث منجيات ، فأما الدرجات فإسباغ الوضوء في السبرات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات .
وأما الكفارات فافشاء السلام وإطعام الطعام والتهجد بالليل والناس نيام ، وأما المهلكات فشح مطاع ، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه . وأما المنجيات فخوف الله في السر والعلانية ، والقصد في الغنى والفقر ، وكلمة العدل في الرضا والسخط)( ).
والمراد من إسباغ الوضوء إتمامه بأن يصل الماء إلى جميع أعضاء الوضوء ، أما السبرات فهي شدة البرد .
و(عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ قَالَ
سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُرَخِّصْ لَنَا فَقُلْنَا إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ فَسَأَلْنَاهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَنَا فِي الطُّهُورِ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَنَا وَسَأَلْنَاهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَنَا فِي الدُّبَّاءِ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَنَا فِيهِ سَاعَةً .
وَسَأَلْنَاهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْنَا أَبَا بَكْرَةَ فَأَبَى وَقَالَ هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ وَطَلِيقُ رَسُولِهِ وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حِينَ حَاصَرَ الطَّائِفَ فَأَسْلَمَ)( ).
أي أرادوا إسقاط الوضوء فلم يأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم لوجوب الوضوء مقدمة للصلاة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أو عَلَى سَفَرٍ أو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
و(عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لا صلاة إلا بطهور)( ).
وفي هذه الوصية بيان أن سبل النجاة أعم من أن تنحصر بالقبر وعذابه ، كما أنها لا تختص بسورة الملك .
عودة الحياة للبدن
تعاد الحياة إلى البدن أو إلى بعض منه في القبر لانجاز وظيفة السؤال واتمام الحجة في ترتب الثواب واستحقاق العذاب خاصة وان ضغطة القبر وغيرها من نتائج الحساب تكون في بدن الإنسان الأصلي.
وسواء تعرض جميع الناس إلى الحساب في القبر ومايستحق كل منهم من الثواب أو العقاب أو أنه منحصر فقط في أهل الايمان وأهل الكفر كما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (انما يُسأل في قبره من محض الايمان محضاً أو محض الكفر محضاً، فاما سوى هذين فأنه يلهى عنه)( ).
أي أن المؤمنين الذين التزموا بمسالك الإيمان وأحكام الشريعة يعجل لهم الثواب وتفتح لهم أبواب من قبورهم إلى الجنة ودار النعيم.
وإن الذين سلكوا دروب الكفر والضلالة استحقوا العذاب بما ارتكبوا ولاختيارهم باصرار الشرك يعجل لهم العذاب ، وتفتح أبواب من قبورهم إلى النار فينظرون إلى منازلهم فيها.
وقيل سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عمّن مات في هذه الدار أين تكون روحه ، فقال: من مات وهو ماحض للايمان محضاً أو ماحض للكفر محضاً نقلت روحه من هيكله إلى مثله في الصورة، وجوزي بأعماله إلى يوم القيامة.
فاذا بعث الله من في القبور انشأ جسمه وردّ روحه إلى جسده وحشره ليوفيّه اعماله، فالمؤمن ينتقل روحه من جسده إلى مثل جسده في الصورة فيجعل في جنات من جنان الدنيا يتنعم فيها إلى يوم المآب .
والكافر ينتقل روحه من جسده إلى مثله بعينه ويجعل في نار فيعذّب بها إلى يوم القيامة ، وشاهد ذلك في المؤمن قوله تعالى قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي.
وشاهد ماذكرناه في الكافر قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فاخبر سبحانه أن مؤمناً قال بعد موته وقد ادخل الجنة: ياليت قومي يعلمون، واخبر أن كافراً يعذب بعد موته غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة يخلد في النار، وهناك من يلهى عنه ويعد نفسه عند فساد جسمه، فلا يشعر بشيء حتى يبعث، وهو من لم يمحض الايمان محضاً، ولاالكفر محضاً.
وقد بيّن الله تعالى ذلك عند قوله إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا.
فبين أن قوماً عند الحشر لايعلمون مقدار لبثهم في القبور حتى يظن بعضهم أن ذلك كان عشراً أو يظن بعضهم: أن ذلك كان يوماً، وليس يجوز أن يكون ذلك من وصف من عذّب إلى بعثه ونعّم إلى بعثه، لان من لم يزل منعماً أو معذباً لايجهل عليه حاله فيما عومل به ، ولايلتبس عليه الامر في بقائه بعد وفاته) ( ).
وفي قوله تعالى وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا.
روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن العبد يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا منهم يحيى بن زكريا ولد مؤمنا وحيي مؤمنا ومات مؤمنا وإن العبد يولد كافراً ويحيا كافرا ويموت كافرا منهم فرعون ولد كافرا وحيي كافراً ومات كافراً)( ).
قال الحسن أن المقصود بآل فرعون من كان على دينه( ).
والمراد من الحسن أعلاه هو الحسن البصري .
وكان السدي يقول : ارواحهم في اجواف طير سود يعرضون على النار غدواً وعشياً ويجوز أن يحييهم الله بالغداة والعشي ويعرضهم على النار.
لقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من مات فقد قامت قيامته)( ).
وجاء عن الإمام علي عليه السلام أنه قال : ليس بيننا وبين الجنة أو النار الاّ الموت( ).
لبيان بقاء باب العمل والأجر مفتوحاً واتمام مستلزمات الحساب ووضوح مقام الإنسان في الآخرة ، وفيه دلالة على بدء مراحل الحساب بالموت وانتقال الإنسان إلى العالم الآخر .
ومن فضل الله عز وجل على الناس عدم إنقطاع الرجاء والصلة مع الدنيا بعد الموت ، فقد يأتي الثواب العظيم من الأولاد والأصدقاء والأخيار بالإستغفار والدعاء له ، وإهداء الصالحات في ثوابه .
كيفية إعادة الروح في القبر
ومن الأسرار الكونية قانون إحتجاب ما تلقاه الروح من الثواب أو العقاب عن المدارك ، ولقد اختلف في صيغ عذاب القبر وأحواله على وجوه :
الأول : إحياء الميت من غير إعادة الروح فيه ، وهو بعيد .
الثاني : إحياء الميت وإعادة الروح فيه.
الثالث : إعادة الروح إلى بعض اجزاء البدن وبما يجزي في المساءلة والاحساس بالعذاب.
وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام عن الميت بعد دفنه (ويدخل عليه في قبره ملكا القبر وهما قعيدا القبر : منكر ونكير فيلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقعدانه ويسألانه فيقولان : من ربك ، فيقول : الله)( ).
الرابع : اعادة الروح من غير أن تبدو معالم الحياة وآثارها.
الخامس : اجتماع الآلام في الجسد ، ويكون الحشر موعداً للإحساس بها.
نعم يعلم كيفية إعادة الروح للبدن ومدتها إلا الله عز وجل لأنها حياة برزخية ، والراجح هو الثالث والرابع أعلاه .
وهل تكون بحال وهيئة واحدة بالنسبة للناس ، المختار لا ، لموضوعية الإيمان الذي يترشح عنه الإكرام في القبر ، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنما تنتقلون من دار إلى دار) وقال تعالى وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.
وإعادة الروح للبدن الاصلي واشتراكهما معاً في مواجهة عذاب القبر وسؤاله ظاهر في منطوق ومفهوم كثير من الروايات ولا يمنع ذلك من مغادرة الروح بعد مراحل محددة من السؤال أو باشتراك العذاب معه وفق موازين العدل واللطف الإلهي وما يحكم عالم القبر من أحكام وقواعد وما يرد من الدنيا من عمل صالح من الأحياء هدية إلى الميت وفيه له نفع وثواب ، أو وزر وعقاب.
قانون بقاء العصعص
يبقى من الجسد عَجب الذنَب (العصعص) وعن أبي سعيد الخدري (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يأكل الترابُ كلَّ شيء من الإنسان إلا عَجْبُ ذَنَبه قيل : وما هو يا رسول الله ، قال : مثل حبة خردل منه ينشئون)( ).
لبيان صغر الجزء المتبقي من الميت وقد لا يرى بالعين المجردة ، ولكنه في علم الله ، وقيل أجريت تجارب مختبرية لإذا بته بأقوى الأحماض والحرق والسحق فبقي على حاله ولا تصل النوبة لمثل هذه التجارب ، وهو من تفسير قوله تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ.
و(العُصْعُص، وهو عَظْمُ عَجْبِ الذَّنَبِ ، وهو من الإنسان : العُظَيم الذي بين ألْيَتَيْه)( ).
وبقاء هذا النتوء الصغير من الإنسان شاهد على الصلة والإتصال بين الدنيا وعالم البرزخ وعند البعث من القبور ، والضبط والدقة والإعجاز في هذا البعث مع أن أعداد الناس يوم البعث بمئات المليارات ، وفي التنزيل لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا.
البكاء على الميت
يقال بكى يبكي بكى وبكاء بالقصر والمد، قيل القصر مع خروج الدمع ، وقد جمع حسان بن ثابت بينه وبين النياحة فقال :
بَكَتْ عَيَني وحُقَّ لها بُكاها … وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَوِيلُ( ).
والبكاء مظهر نفساني وهو مرآة لحال الحزن الشديد عند الإنسان واطلاقه العنان للتعبير عما يلم بالنفس من الجزع والاسى ، وقد ثبت في تجارب الطب القديم ودراسات الطب الحديث وجود منافع للإنسان في البكاء عند المصيبة لما فيه من التخفيف من وطأتها على النفس.
(وَمَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِدَارِ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَظَفَرٍ( ) فَسَمِعَ الْبُكَاءَ وَالنّوَائِحَ عَلَى قَتْلَاهُمْ فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَكَى .
ثُمّ قَالَ لَكِنّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ فَلَمّا رَجَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إلى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَمَرَا نِسَاءَهُمْ أَنْ يَتَحَزّمْنَ ثُمّ يَذْهَبْنَ فَيَبْكِينَ عَلَى عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ)( ).
لقد بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شهداء أحد ، ثم ذكر مصيبته باستشهاد حمزة بن عبد المطلب لبيان أنه أيضاً فقد عمه شهيداً ، وفيه مواساة للأنصار وأسرهم .
وفي مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي توفى فيه كانت فاطمة عليها السلام عنده وهي تقول (واكرباه لكربك يا أبتاه ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة.
إن النبي لا يشق عليه الجيب ، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى عليه بالويل ، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم : تدمع العينان وقد يوجع القلب.
ولا نقول : ما يسخط الرب، وإنا بك يا ابراهيم لمحزونون، ولو عاش إبراهيم لكان نبيا)( ).
وورد عن منصور الصيقل عن ابيه قال: شكوت إلى أبي عبد الله- الإمام الصادق عليه السلام وجداً وجدته على ابن لي هلك حتى خفت على عقلي فقال: إذا أصابك من هذا شيء فأفض من دموعك فانه يسكن عنك( ).
لذا يجوز البكاء على الميت ، مع الالتزام بالرضا بقضاء الله.
وورد عن ابن القداح عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال في حديث: لما مات ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هملت عين رسول الله بالدموع ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : تدمع العين ويحزن القلب ولانقول مايسخط الرب وانا بك ياابراهيم لمحزونون ثم رأى النبي صلى الله عليه وآله في قبره خللا فسواه بيده، ثم قال: إذا عمل أحدكم عملا فليتقن، ثم قال: الحق بسلفك الصالح عثمان بن مظعون( ).
وقال أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جداً ويقول: كانا يحدثاني ويؤنساني فذهبا جميعاً( ).
وهل يمكن تخصيص مورد الحديثين السابقين بأن بكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما في وفاتهم من مصيبة في الدين ، فإبراهيم مثلاً لو بقي لكان نبياً باخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وجعفر وزيد بن حارثة استشهدا في سبيل الله في معركة مؤتة ، الجواب لا ، أن من الصعوبة بمكان تجريد الامر من اعتبار منزلة كل منهم في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلالة قدره ، وعلى فرض التجريد فليس هناك ما ينافي جواز البكاء عند المصيبة.
وفي علم الأصول لو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد فالأصل هو الإطلاق أي البكاء عند الموت مطلقاً ، وقد سمّاه الله مصيبة كما في قوله تعالى إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ.
قانون المنع من الجزع
ان تمكن الايمان من النفس واستيلاءه على المباني الحسية للإنسان يجعل الرحمة رداءاً لاحاسيسه التي تنفعل بسرعة مع مايهجم عليها لذا يجب السيطرة عليها ومنع العواطف من الظهور بروح الجزع أو الخروج عن التسليم لامر الله ، لما في المصيبة من امتحان في دار الابتلاء وهي في حقيقتها فرصة للأجر ونيل الثواب.
وبالاعتقاد بأن جميع ما أنعم به الله علينا عارية من الله تعالى ووديعة جاهزة للرد والتسليم والإنقياد لحكمه تعالى ومشيئته وبديع حكمته يتم الارتقاء في مقامات الأولياء والسالكين سبل المعرفة الإلهية.
وبالإسناد (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ( ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ إذا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ)( ).
لبيان أن الإبتلاء ونزول الأذى من الإمتحان الإلهي الذي يترشح عنه الإرتقاء في سلم الدرجات والرفعة .
وروي بالإسناد عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول : لما جيئ بأبي يوم أُحُد وجائت عمتي تبكي عليه، قال : فجعلت أبكي ، وجعل القوم ينهوني ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينهاني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ابكوه أو لاتبكوه فو الله مازالت الملائكة تظله باجنحتها حتى دفنتموه( )، وفيه غاية المواساة.
وقد ورد في الاخبار مايفيد جواز البكاء على الاليف أو القريب الذي وافاه الموت وهو في ضلالة وخسران.
بالاسناد عن عبد الله بن بكير الأرجاني قال : ذكرت أبا الخطاب( ) ومقتله عند أبي عبد الله -الامام الصادق-عليه السلام فرققت عند ذلك وبكيت .
فقال : أتأسى عليهم ، فقلت : لا ، ولكن سمعتك تذكر أن علياً عليه السلام قتل أصحاب النهروان فأصبح اصحاب علي يبكون عليهم .
فقال علي عليه السلام : أتأسون عليهم ، فقالوا: لا، انا ذكرنا الالفة التي كنا عليها والبلية التي أوقعتهم فلذلك رققنا عليهم ، قال : لا بأس.
وقد ورد النهي عن النياحة ، وهي البكاء بصوت عال ، وكلمات حزن وأسى وشق الثوب ولطم الخد .
والبكاء على الميت أمر متعارف قبل الإسلام حيث تسكن اليه النفوس بلحاظ كونه عنوان رأفة ولسان وفاء ، كان موجوداً من غير استغراب في حياة الأنبياء .
وفي حديث عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام فبكى آدم (على هابيل أربعين يوما وليلة .
فلما جزع عليه شكى ذلك إلى الله فاوحى الله اليه اني واهب لك ذكرا يكون خلفا من هابيل، فولدت حواء غلاما زكيا مباركا، فلما كان اليوم السابع اوحى الله اليه يا آدم أن هذا الغلام هبة مني لك فسماه هبة الله)( ).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (نحن مَعْشَرَ الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد) ( ).
وسبب البكاء حزناً أعم من الموت ، و(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هبط آدم من الجنة بياقوتة بيضاء تمسح بها دموعه ، قال : وبكى آدم على الجنة أربعين عاماً ، فقال له جبريل : يا آدم ما يبكيك إن الله بعثني إليك معزياً ، فضحك آدم ، فذلك قول الله هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَ فضحك آدم ، وضحكت ذريته وبكى آدم وبكت ذريته)( ).
وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام (وبكى آدم على هابيل أربعين يوماً)( ).
(روي بالاسناد عن محمد بن الحسن الواسطي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: أن ابراهيم خليل الرحمن سأل ربه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته)( ).
أن جواز البكاء على الميت لايعني اتخاذه رداءً وفعلاً دائماً يحجب الإشتغال به المرء عن ذكر الله والصلاة بأوقاتها والتدبر في فلسفة مصيبة الموت واتخاذها سبيلاً للإيمان وباباً للهداية وامتحاناً في منازل التقوى.
لذا نزل القرآن باللجوء إلى الله عز وجل ، والإقرار بالرجوع إليه سبحانه عند المصيبة ، وفيه الأجر والثواب العظيم ، قال تعالى الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
والنسبة بين المصيبة ووقوع الموت عموم وخصوص مطلق ، فالمصيبة أعم.
روي عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: الميت يُعَذّب بما نيح عليه) وفي رواية يعذب ببكاء اهله عليه (وقد نقل ابن أبي مليكة عن عائشة انها قالت: انما كانت يهوديةْ ماتت فسمعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكون عليها ، قال: فان أهلها يبكون عليها وانها تُعَذّب في قبرها)( ).
أي أن عذابها ليس بسبب بكائهم , ويدل عليه قوله تعالى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.
قانون فتنة القبر
حالما يدخل الإنسان قبره ترد له روحه ، ويأتيه الملكان منكر ونكير يختبرانه ويسألانه عن دينه ، وعن عمله في الدنيا ، وهذا السؤال هو فتنة القبر .
والنسبة بين فتنة القبر وعذاب القبر عموم وخصوص مطلق ، فالعذاب أعم ، ويأتي عذاب القبر لمن يستحقه إلا إذا كان قد اجتهد بالإستغفار ، قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى.
ويجمع فتنة وعذاب القبر ، قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
وقد تعوذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من فتنة القبر ، و(عن أم سلمة ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدعو بهؤلاء الكلمات : اللهم أنت الأول لا شيء قبلك ، وأنت الآخر فلا شيء بعدك.
أعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها بيدك ، وأعوذ بك من الإثم والكسل ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة الغنى .
ومن فتنة القبر ، وأعوذ بك من المأثم والمغرم .
اللهم نق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم بعد بيني ، وبين خطيئتي كما بعدت بين المشرق والمغرب)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر المسلمين بالتعوذ من فتنة القبر ، إذ قال (تعوذوا بالله من فتنة القبر)( ).
وكان يدعو لبعض أصحابه بالنجاة من فتنة القبر ، وعن (عوف بن مالك يقول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه .
واكرم نزله ووسع عليه مدخلا واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الابيض من الدنس وابدله دارا خيرا من داره وأهلا خيراً من أهله وزوجة خيرا من زوجته وادخله الجنة واعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار)( ).
زيارة القبور
القبور في شخوصها مدرسة اخروية ذات فصول روحية تبعث على الاعتبار وتضغط على الذهن لحضور هذه الحقيقة في قاموس الاحوال الخاصة بذات الإنسان وماينتظره في مستقبل أيامه .
فتساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في زرع وتغذية نزعة الهداية وارادة الصلاح بادراك ضرورة الاستعداد لهذا العالم. ورسم البرامج المنهجية في السيرة والسلوك بما يكون ذخيرة لمحنة القبر وشدة ساعاته ذات الطول الرهيب من حيث الزمان والبطئ والشدة في حركة دقائق اجزائه.
ولقد ورد في احاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان وعلة زيارة القبور وذكر بالاسناد (عن أنس بن مالك مرفوعاً: اني نهيتكم عن زيارة القبور فمن شاء أن يزور قبراً فليزره فانه يرق القلب، ويدمع العين ويذّكر الآخرة، ولاتقولوا هجراً)( ).
وبالاسناد عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فأنها تُزهِد في الدُنيا، وتُذَكّر الآخرة( ).
ولعل ماذكر من النهي عن زيارة القبور الذي أكدت الأحاديث والسنة الفعلية نسخه كان من أجل توجيه المسلمين نحو واجبات الدفاع وتثبيت أركان الإسلام وعدم الاشتغال بزيارة القبور ونحوها عن حفظ القرآن والاهتمام باحكام الشريعة والتفقه في الدين ، وإنجاز أعمال الكسب والسعي على العيال وأمور وحاجات الدنيا .
وللحيلولة دون زيارة قبور آباء المسلمين الأوائل الذين هم في غالبهم من المشركين وان زيارة قبورهم مع بدايات نماء الإيمان في الصدور وحداثة العهد مع الاسلام قد تكون استحضاراً لافعالهم وعقائدهم الباطلة أو ميلاً إلى طبيعة حياتهم اليومية الخالية من الامتثال إلى الدعوة لنشر راية الإسلام في آفاق الجزيرة العربية.
وتملي الوظائف الاساسية للرعيل الأول من الصحابة عليهم مسؤوليات يومية متصلة تحتم الإعراض عن الاشتغال بما يؤدي إلى الضرر في الواجبات والاعمال في نتائجها (وبالاسناد عن ابن بريدة عن ابيه( ) قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فان في زيارتها تذكرة)( ).
وجاءت السنة ببيان مضامين زيارة القبور ضمن الشعائر الاسلامية وروح الايمان، فقد ورد عن ثوبان( ) مرفوعاً : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها واجعلوا زيارتكم لها صلاة عليهم واستغفاراً لهم) ( ).
لتكون زيارة الميت في قبره باباً ومناسبة للاستغفار وسبباً للذكر ولنزول الرحمة وتجديداً للعهد معه بروح الإيمان ، والإعتقاد بالعالم الآخر وان الاموات يحتاجون إلى مسالك الهداية ، وفيه مسائل :
الأولى : إنها دعوة إلى التقوى .
الثانية : الحث على أداء الطاعات ، وفعل الصالحات .
الثالثة : هي وجه من وجوه البر، وصلات الرحم مع الآباء وذوي الأرحام الذين انقطع عملهم ورجاؤهم من الدنيا إلا ما يرد اليهم بهذه الهبات.
لقد ورد أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يزور البقيع ، وعن عائشة انها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا وإياكم مواعدون غدا ومؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد)( ).
بالإسناد (سليمان بن داود ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ، هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات ، وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحريا للمشاركة في الترغيب ، وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة ، وصلى الله على محمد ، وآله أجمعين)( ).
وذكره البيهقي في السنن الكبرى وغيره ، وفيه جواز الصلاة عند القبور ، وفي الصلاة قراءة للقرآن .
(وبالإسناد عن هشام بن سالم ، قال سمعت الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقول: عاشت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً لم تر كاشرة ولا ضاحكة تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين الاثنين والخميس .
فتقول هيهنا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهيهنا كان المشركون)( ).
وفيه شاهد بأن فاطمة الزهراء عليها السلام كان حاضرة في واقعة أحد ، و(عن أبى حازم، أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال: أما والله إنى لاعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووى.
قال : كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم، وكسرت رباعيته يومئذ، وجرح وجهه وكسرت البيضة( ) على رأسه)( ).
قراءة القرآن على القبر
دأب المسلمون على قراءة القرآن على القبور ،وتلاوة سور مخصوصة منه، لورود دليل على منفعة الميت من قراءتها وفيه أخبار عديدة.
ومن تلك السور سورة يس ، وسورة الواقعة ، وسورة الملك .
وروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن سورة الملك تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هي الواقية من عذاب القبر).
بأن تنجي وتحفظ الذي يقرأها في حياته من عذاب القبر ، وتنفع الميت حين تتلى على قبره.
وعن الإمام الرضا عليه السلام إن أهل المقبرة يدعون الله أن يمر بهم المؤمن فيقرأ سورة الفاتحة فيتقاسمون ثوابها دون أن ينقص من ثواب كل واحد منهم شيء.
وروي أن فاطمة عليها السلام لما احتضرت أوصت علياً عليه السلام فقالت : إذا أنا مت فتول انت غسلي وجهزني وصل علي ، وانزلني في قبري ، والحدني وسوي التراب علي وأجلس عند رأسي قبالة وجهي ، فاكثر من تلاوة القرآن والدعاء فانها ساعة يحتاج الميت فيها إلى أنس الأحياء( ).
وقراءة القرآن خير محض وفيها تذكير بالآخرة ، وقيل بأن قراءة القرآن عند القبور لا أصل لها ، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا)( ).
ولا يدل هذا الحديث على المنع من قراءة القرآن عند القبور ، والقدر المتيقن منه هو تشبيه ترك قراءة القرآن في البيوت بسكنة القبور من الموتى لأنها من الدار الآخرة ، ليس فيها عمل .
والقدر المتيقن من الأمر هو أداء شطر من الصلوات في البيت خاصة النوافل ، و(من) في (من صلاتكم) للتبعيض .
و(عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا قضى احدكم الصلوة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلوته فان الله عزوجل جاعل في بيته من صلوته خيرا)( ).
وعن (إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا قَالَ أَحْسَبُهُ ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)( ).
الذي لا يدفن
قد لا يحصل بعض الناس على مدفن يقبر فيه ويكون له سكناً في عالم البرزخ أما بسبب اعتقاد ومذهب كما عند الاقوام الذين يبادرون إلى حرق موتاهم -بغض النظر عما في ذلك الفعل من الابتعاد عن اكرام الإنسان بعد موته وانعكاسه على النفوس التي لازالت تنبض بالحياة.
أو بسبب الموت غرقاً ، وعدم العثور على الجثة أو حرقاً أو مات في مكان منقطع عن الناس ، وتأكل الطير والحيوان جثته ونحوه.
ويصدق القبر على ما ضمّ جسد الميت سواء في الأرض أو البحر أو في بطون الطير والسباع .
ويلحق بالمقبور فيأتيه منكر ونكير ، ويناله النعيم أو عذاب القبر بما يستحقه.
وأما بسبب طبيعة الموت وهيئته كالغريق ونحوه.
فهل ينجو من يستحق عذاب القبر من هؤلاء من المحاسبة وضمة القبر وغيرها .
الجواب لابد من ملاقاة المساءلة والحساب ، وان لم يدخل الميت القبر وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فمع وجود المقتضي وانعدام المانع يمكن تصور تعرض أجزاء بدن الميت للعذاب وان كانت متفرقة وكل حسب ما يقع عليها من المجموع الكلي.
أو أن البدن يتعرض للعذاب ولو لم يكن في قبر.
فقد سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن المصلوب يصيبه عذاب القبر .
فقال : انّ ربّ الأرض هو ربّ الهواء ، فيوحي الله عزّ وجلّ إلى الهواء فيضغطه ضغطة أشدّ من ضغطة القبر( ).
شبهة الآكل والمأكول
ترد هذه الشبهة على القول بالمعاد الجسماني ، ومضمونها أن الإنسان إذا صار غذاءً لإنسان آخر فان الجزء المأكول منه أما أن يكون يوم النشور في جسم الآكل أو في بدن المأكول، مما ينفي تمام العينية أي عينية البدن الأخروي لبدن الإنسان ذاته في الحياة الدنيا.
فكيف تكون أوجه الجزاء إذا كان الآكل وثنياً أو كافراً والمأكول منه مؤمناً ، فقد يكون في الجزاء عـذاب لهذا المؤمن ، أو يكـون فيه ثـواب للكافر أو تتداخل أوجه الجزاء المختلفة على ذات البدن.
وهذه الشبهة مدفوعـة وهي من ضعيف الشبهة ، ونوع مغالطة إذ أن الصورة جوهر ثابت لا ينقلب وتحتفظ بإستقلالها، وإنتقال الأجزاء إلى ماهية أخرى يغير الموضوع .
والصورة هي الجوهر عند حلوله بالمحـل وتقويمه له، ولعل إحتسابها عند العرف الخارجي، الوصف للشيء وتخطيطه نوع تخفيف وإرادة المعنى الظاهري، فصيرورة الماء بخاراً وهواء مثلاً لا يعني تغير صورة المائية، بل أن المادة لاتزال باقية موجودة غير معدومة، ولكنها انخلعت من شكلها الأول وصارت ذات شكل آخر.
وفي الفقه في باب المطهرات (الإستحالة) وهي تبدل حقيقة الشيء وصورته النوعية ، وتكون قاعدة مستقرأة فليس في النصوص لفظ (الاستحالة) كالخشـبة المتنجسـة تصبح رماداً فانها تطهر ، وكذا الطعام النجس إذا صار جـزء من الحيوان، وهـذه الإستحالة قد تجعل أجزاء بدن الميت غير داخلة إنطباقاً ووصفاً في بدن الآكل.
ومن بديع خلق الله عز وجل أن عجب الذنب وهو (العصعص) الذي يكون اسفل الظهر فوق عجز الإنسان يبقى بعد موت الإنسان وتلف أعضاء بدنه وعظامه ، وهذا العصعص صغير لا يكاد يرى ويبقى لمئات السنين ، ليكون إجتماع أعضاء الإنسان ، وفيه تركب يوم البعث .
وفي سورة البقرة وأمر الله عز وجل لموسى عليه السلام بأن يأمر بني إسرائيل بذبح بقرة للكشف عن القاتل ورد قوله تعالى فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
وفي (تفسير الامام : قال عليه السلام في سياق قصة ذبح البقرة: ثم ذبحوها وأخذوا قطعة وهي عجب الذنب الذي منه خلق ابن آدم وعليه يركب إذا أراد خلقا جديدا فضربوه بها)( ).
وأنت ترى البيان والتشديد في أحكام الدفن وأن القبر يحفر إلى الترقوة من طول الإنسان الواقف، وتحول بدن الميت إلى تراب ودخوله في عناصر غذاء الحيوان أعم من انتقال بدن الميت بالواسطة إلى بدن الحي، مع ندرة إلتقاء تلك الأجزاء.
وبدن المؤمن في علم الله محدد ومعروف، وليس من العسير فرز بدن إنسان عن آخر أو عن حيوان أو عن تراب، وكل شيء مستجيب لله عز وجل ويعرف وظيفته ومقامه، وأن الصورة الخاصة ليست شرطاً في مادية البدن .
بالإضافة إلى إعتماد الحيثية في البعث والنشور على النفس التي فيها يكون تشخص الإنسان خاصة وأن أجساد الموتى تبلى وتتفاعل جزئياتها مع التراب والنباتات وقد تدخل أبداناً أخرى.
والبدن الذي يحشـر في الآخرة هو عين بدن الإنسان لا مثله وان رآه في الآخرة يقول هذا فلان الذي عهدنـاه في الحـياة الدنيا وهو أمر ثابت في الشـريعة وممكـن عقلاً، وهو بحـد ذاتـه رد على هذه الشـبهة وإبطال لها وإن تلبست الـروح في عالم البرزخ ببـدن مثـالي مشابه له.
وظاهر الأخبار أن البعث والنشور على الخلقة الأولى، وأن شبهة الآكل والمأكول أجنبية عن موضوع البعث، لأن النوبة لا تصل إليها موضوعاً ومحمولاً.
نبش القبور
تتضمن عملية دفن الميت اكراماً وحفظاً له وتعاهداً لبدنه وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً)( ).
ويلاحظ في الحديث ذكر المسلم مطلقاً ، وليس المؤمن وحده ، والنسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، فالإسلام أعم .
ويشمل الحديث المسلمات أيضاً ، إنما ورد التذكير فيه للغالب ، كما في نداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] فانه يشمل المسلمات ومنه التكليف بالصيام في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
والإجماع على حرمة نبش قبر المسلم إلا ما خرج بالدليل .
وما يجب أن يقال في المقام أن هذا النبش لا يمكن احتسابه مثلة بالميت وان ذهب بعض الفقهاء إلى هذا القول.
إذ أن المثلة التي ورد الحديث بالنهي عنها هي في خصوص القتيل والميت بجدع انفه وأذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه أو نحوه، كما (يقال مثلت بالحيوان أمثل به مثلاً إذا قطعت اطرافه وشوهت به)( ).
وما جاء في باب الحدود من قطع يد السارق وتعزيره انما كان لأخذه الكفن إن كانت قيمته ربع دينار فصاعداً ، ووردت بعض الأخبار بالقطع مطلقاً وإن لم تبلغ قيمة الكفن ربع دينار .
والأول أرجح لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ادرؤا الحدود بالشبهات)( ).
ومن لم يأخذ فهو بمنزلة من نقب بيتاً ولم يسرق منه (وقد ورد عن زيد الشحام عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: اخذ نباش في زمن معاوية فقال لاصحابه ماترون فقالوا نعاقبه ونخلي سبيله.
فقال رجل من القوم ماهكذا فعل علي بن أبي طالب قال: ومافعل ، قال : يقطع النباش وقال وهو سارق وهتّاك للموتى)( ).
ويتحقق عنوان النبش بظهور الجسد وبروزه فلايتم بمجرد حفر القبر واظهار بعض ترابه وعلق بعض الفقهاء تحققه بالعرف وهتك الحرمة.
واستثنيت بعض الحالات كما بينّاه في رسالتنا العملية (الحجة) وقيل منها جواز النبش بالعلم باندراس القبر واضمحلاله وصيرورته تراباً. ولايشمل هذا الجواز قبور الائمة والشهداء واولياء الله والصالحين والعلماء وان تعاقبت القرون عليهم خاصة التي اتخذها الناس مزاراً ، ومحلاً لسؤال البركة ومظان الإستجابة من عند الله عز وجل.
قانون نبش القبر عند الحاجة
هناك موارد تستثنى من حرمة النبش والتي تكون في الغالب من صغريات قاعدة الاهم والمهم منها :
الأول : إذا دفن الميت في مكان مغصوب مع العجز عن الحصول على موافقة المالك ورضاه ببقاء الميت وأن كان من المناسب للمالك أن يرضى ، ويقبل القيمة خاصة في حالة عدم العدوان ، وعلى أولياء الميت أن يبادروا إلى بذل القيمة والحيلولة دون نقل الميت خاصة أن كان حقه أهم وبقاؤه أولى ، وكذا إذا كان الكفن مغصوباً .
الثاني : إذا دفن مال ونحوه مع الميت مما يعتد به فينبش القبر لاخراجه حيث انه يعود إلى الورثة أو غيرهم.
الثالث : إذا دفن الميت من غير تغسيل أو كفن أو اتضح عدم صحة الغسل أو أن الكفن مخالف للشرائط كأن يكون من جلد الميتة. فيجوز النبش لتصحيح ذلك إذا لم يكن فيه هتك للميت الذي هو الأهم في المقام.
الرابع : إذا كان في رؤية جسد الميت اثبات بعض الحقوق.
الخامس : إذا كان مكان دفنه مما لايناسب شأنه لأمور شرعية كأن يدفن في مقبرة كفار أو في مزبلة.
السادس : إذا حضرت أمور ضرورية تدعو إلى النبش وكذا الامر الراجح الذي يستوجب في موارد التزاحم وهناك أسباب اخرى يمكن معها المبادرة إلى النبش مبينة في المفصلات الفقهية.
سَفَرُ الروح
الروح هي خاصة الإنسان , والبنيان الخفي الذي يرتكز عليه في بقائه حياً وهي جسم بخاري لطيف يستمد استمراره في الحيوية والقوة من لطافة الاغذية وبخاريتها.
وللروح تأثير كبير في نظام البدن وطبيعة افعاله وقد قوى العلم الحديث حقيقة الظواهر النفسية واهميتها في حياة الإنسان واكتشف دورها في التسبب في كثير من أمراض البدن وافرد علماً مستقلاً له ، وهو قابل لانشطارات وتشعبات تتكفل دراسة ومعالجة الحوادث البدنية ذات الارتباط المباشر بالروح.
وقوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي في خلق آدم عليه السلام وبعث الروح فيه يظهر إن الروح هي غير قوة الحس والحركة وجريان الدم، مما ينبعث من القلب ويتوزع بحكمة ونظام دائب في اركان البدن واجزائه وتجاويف الأعصاب والشرايين .
ويصدر منها ضياء البصر على العين، وملكة السمع على الاذن، والقدرة على النطق ، ونحوها من الحواس وسائر أعضاء البدن مما تشترك فيه البهائم.
إن نسبة الروح إلى الله عز وجل في حدوثها، ووقوف الفلاسفة والمفكرين عاجزين عن ادراك كنه حقيقتها، مع اقرار البشر بوجودها في تركيب الإنسان وتكوينه باشتراكها مع البدن في ماهية الإنسان وكيان وجوده أمور تؤكد أهمية موضوع الروح خاصة ، وان الأرواح باقية بعد انفصالها في الموت عن الجسد.
بالاضافة إلى الدلالات الخاصة للحديث الذي روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو: خلق الله الارواح قبل الاجساد بالفي عام( ).
(وقال ابن عباس : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية ، فقال : خَلَقَ الأَرْوَاحَ قَبْلَ الأَجْسَادَ بأَرْبَعِ آلافِ سَنَة ، وهكذا خلق الأرزاق قبل الأرواح بأربع آلاف سنة)( ).
وفي قوله تعالى فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا، في مريم عليها السلام (قيل : هو روح عيسى عليه السلام لأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد فركب الروح في جسد عيسى عليه السلام الذي خلقه في بطنها)( ).
ولكن المراد هو جبرئيل عليه السلام لقوله تعالى فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا.
والذي قال فيه الشيخ المفيد أنه من أخبار الآحاد ، ولكنه بأكثر من إسناد.
وأوله بعضهم بأن الله عز وجل قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الاجساد.
وقال عليه السلام : أن الارواح تكل كما تكل الابدان ) .
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يقول (روحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فإنها تكل كما تكل الابدان)( ).
يؤكد أن الروح مادة وجوهر منفصل عن البدن. ومما يثبت سبق الاسلام في هذا المضمار هو اعتراف علماء الطب والاخلاق بوجود أمراض للنفس خاصة بها نشوءاً وبقاءاً.
وهذا السبق أمارة إعجاز وبيان لما جاء به القرآن والسنة من إخبار عن حقائق في النفوس لازال العلم الحديث مع تطوره مرتبكاً في تشخيص أبواب الوقاية منها وعلاجها الخالي من المضاعفات الجانبية فضلاً عن معرفة كنهها.
وعن الإمام علي عليه السلام (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول، والدليل عليه كتاب الله خلق الله عزوجل الناس على ثلاث طبقات وأنزلهم ثلاث منازل وذلك قول الله عزوجل في الكتاب أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ.
فأما ما ذكر من أمر السابقين فإنهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين، جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس وروح الايمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن .
فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين وبها علموا الاشياء .
وبروح الايمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا.
وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معاشهم.
وبروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام ونكحوا الحلال من شباب النساء.
وبروح البدن دبوا ودرجوا فهؤلاء مغفورلهم مصفوح عن ذنوبهم.
ثم قال : قال الله عزوجل تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.
ثم قال : في جماعتهم وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يقول: أكرمهم بها ففضلهم على من سواهم، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم.
ثم ذكر أصحاب الميمنة وهم المؤمنون حقا بأعيانهم، جعل الله فيهم أربعة أرواح : روح الايمان ، وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح البدن ، فلا يزال العبد يستكمل هذه الارواح الاربعة حتى تاتي عليه حالات.
فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ما هذه الحالات؟ فقال: أما اولا هن فهو كما قال الله عزوجل وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا.
فهذا ينتقص منه جميع الارواح وليس بالذي يخرج من دين الله لان الفاعل به رده إلى أرذل عمره فهو لايعرف للصلاة وقتا ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار ولاالقيام في الصف مع الناس فهذا نقصان من روح الايمان وليس يضره شيئا .
ومنهم من ينتقص منه روح القوة، فلا يستطيع جهاد عدوه ولا يستطيع طلب المعيشة ومنهم من ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أصبح بنات آدم يحن إليها ولم يقم.
وتبقى روح البدن فيه فهو يدب ويدرج حتى يأتيه ملك الموت فهذا الحال خير لان الله عزوجل هو الفاعل به.
وقد تأتي عليه حالات في قوته وشبابه فيهم بالخطيئة فيشجعه روح القوة ويزين له روح الشهوة ويقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة فاذا لامسها نقص من الايمان وتفصى منه فليس يعود فيه حتى يتوب .
فاذا تاب تاب الله عليه وإن عاد أدخله الله نار جهنم…الحديث).
وقد يحمل هذا على وجوه فاعلية الروح وميادين نشاطها ولا يمكن تصوره على تعدد الارواح عند الإنسان لأن التنزيل والاحاديث جاءت صريحة بأنها روح واحدة ولكنها تحمل سمات الخير أو الشر، ووجوه الإرادة والفعل.
محل الأرواح حسب النصوص
جاءت الروايات بتفصيل لأحوال الأرواح في عالم البرزخ فهو ميدان ابتدائي للجزاء ، وأول مداخل الآخرة ، وتفيد في مجموعها وجوهاً :
الأول : إن ارواح المؤمنين في الجنة إذا لم تحجبهم كبيرة ولا دين ، وإن أرواح الكفار في النار بالاسناد عن ابراهيم بن اسحاق الحجازي قال: قلت لابي عبد الله -الإمام الصادق- عليه السلام: اين ارواح المؤمنين .
فقال : أرواح المؤمنين في حجرات في الجنة. يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها. ويتزاورون فيها. ويقولون: ربنا أقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا .
قلت : فاين أرواح الكفار؟ فقال : في حجرات النار يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويتزاورون فيها .
ويقولون : ربنا لا تقم لنا الساعة لتنجز لنا ماوعدتنا.
وقال الإمام احمد برواية ابنه عبد الله : أرواح الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة( ).
الثاني : قال كعب : إن أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة ، وأرواح الكفار في سجين في الارض السابعة تحت جند أبليس( ).
الثالث : قالت طائفة أن ارواح المؤمنين في بئر زمزم ، وأرواح الكفار ببئر برهوت( ).
وبئر برهوت في وادي برهوت في حضرموت باليمن ، وهو أبغض بقعة إلى الله ، وتهب منه ريح منتنة ، وهو قريب من الأحقاف ديار قوم هود ، وفيها قبره .
وفي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام (وأن لله ناراً في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار ويأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمين يقال له: برهوت أشد حرا من نيران الدنيا كانوا فيها يتلاقون ويتعارفون فإذا كان المساء عادوا إلى النار، فهم كذلك إلى يوم القيامة)( ).
الرابع : قال ابن منده : إن طائفة من الصحابة والتابعين قالوا بأن ارواح المؤمنين عند الله عز وجل.
الخامس : إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة على بابها ، يأتيهم روحها ونعيمها ورزقها.
السادس : روي عن سلمان الفارسي انه قال : إن ارواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت ، وأرواح الكفار في سجين ، وفي لفظ عنه : نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت( ).
السابع : قالت طائفة أرواح المؤمنين عن يمين آدم ، وارواح الكفار عن شماله ، وهذا القول مستقرأ من حديث الإسراء( ).
الثامن : قال ابن عبد البر : إن أرواح الشهداء في الجنة ، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم.
التاسع : تكون الأرواح بعد الموت في أبدان أُخر، وورد منسوباً إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر تأتي إلى قناديل معلقة بالعرش هي لها كاوكار للطائر( ).
واختار ابن حزم وغيره أن يكون الروح في صورة طائر.
وعن أبي ولاد الحناط أنه قال للامام الصادق عليه السلام: جعلت فداك يرون أن ارواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش .
فقال : لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير. لكن في ابدان كأبدانهم)( ) أي في أبدان مثالية.
العاشر : في وادي السلام لما روي عن أحمد بن عمر أنه قال للإمام جعفر الصادق عليه السلام : أن أخي ببغداد واخاف أن يموت بها.
فقال : ما تبالي حيثما مات، أما انه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام .
فقلت له : واين وادي السلام ، قال : ظهر الكوفة، أما اني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون( ).
الحادي عشر : أرواح المؤمنين في شجرة من الجنة لما رواه أبو بصير عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام انه قال : إن أرواح المؤمنين لفي شجرة من الجنة يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون: ربّنا أقم لنا الساعة وانجز لنا ما وعدتنا، والحق آخرنا بأولنا( ).
الثاني عشر : عن الإمام الصادق عليه السلام: إن أرواح المؤمنين في روضة كهيئة الاجساد في الجنة( ).
الثالث عشر : في بدن مثالي بمثل صورته في الدنيا ، وهذا البدن ليس جديداً ولا نسخاً وانما كان موجوداً في الأصل في ذات الإنسان وظله وهو الذي يراه الإنسان بالرؤيا حيث يرى نفسه وشخصه ينتقل ويعمل ويؤذى ونحوها فاذا ما فارقت الروح الجسد بالموت فارق معها الجسد المثالي فتـتـلبس به .
(وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في حديث في المؤمنين : فاذا قبضه الله عز وجل صير تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون ، فاذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا)( ).
الرابع عشر : الأرواح المرسلة التي كتب الله لها النعيم في عالم البرزخ تتلاقى وتتذاكر ما فارقته من الدنيا روي انه لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت عليه ام بشر وجداً شديداً.
فقالت : يارسول الله انه لايزال الهالك يهلك من بني سلمة، فهل تتعارف الموتى فأرسلُ إلى بشر بالسلام .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم والذي نفسي بيده يا أم بشر انهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رؤوس الشجر، وكان لايهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر فقالت : يا فلان عليك السلام فيقول: وعليك. فتقول: اقرأ على بشر السلام( ).
الخامس عشر : أرواح المؤمنين تسيح في الجنة وتتنعم بنعيمها , والأرواح المعذبة في شغل عن التزاور والتلاقي .
السادس عشر : في حديث الإسراء رأى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الانبياء وتحدث معهم وصلى بهم، وورد فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان في السماء إذا هو برجل آدم جسيم تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينتقص من خلق الناس تعرض عليه ارواح بني آدم فيقول لبعضها خيراً ويبشرهم بالخير .
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة المطففين على رأس سبع عشر آية كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ.
ويقول لبعضها شراً ويعبس ويقول ريح خبيث. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبرئيل: من هذا؟ قال: هذا ابوك آدم يعرض عليه ارواح ذريته.
وفي رواية إن ابراهيم كان مسنداً ظهره إلى البيت المعمور. وربما كانت أحوال الانبياء في عالم البرزخ تختلف عن غيرهم من الناس لما حباهم الله به من الكرامات في الدنيا والآخرة.
يظهر من الجمع بين الأخبار في المقام أن الأرواح في البرزخ متفاوتة وعلى درجات وتختلف في المنزلة التي تتوقف عليها ايضاً لكثرة الحركة والتنقل وهو باب من أبواب الجزاء وسبيل إلى اليوم الآخر.
ولعل من أرواح المؤمنين من أنعم الله عليها بالسياحة في الجنة وزيارة الأهل والذهاب إلى القبر وربما زارت بعض أرواح الأحياء كما يتجسد ذلك في الرؤيا يراها النائم ويتكلم فيها أو يشاهد ميتاً من معارفه.
ومن الآيات في المقام إن الميت في الرؤيا لا يكذب لأنه من عالم الحق والخلود وهو في شغل عن الكذب واللهو ، ولم يأت في الرؤيا للأحياء إلا باذن الله عز وجل.
ولم يرد حديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يفيد القطع بصدق حديث الميت في الرؤيا ، ولكن الشواهد في كل زمان تدل على صدقه ، وقد أخبر النبي وبنصوص مستفيضة ومتواترة عن بقاء الأرواح في عالم البرزخ.
و(عن أسحاق بن عمار عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال : سألته عن الميت يزور أهله؟ قال: نعم فقلت: في كم يزور؟ قال: في الجمعة وفي الشهر وفي السنة على قدر منزلته، فقلت: في أي صورة يأتيهم؟ قال: في صورة طائر لطيف يسقط على جدرهم ويشرف عليهم فإن رآهم بخير فرح وإن رآهم بشر وحاجة حزن واغتم)( ).
و(جابر بن عبد الله قال: نظر إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : يا جابر مَا لِي أراك مُهْتَما .
قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك دَينا وعيالاً .
فقال : ألا أُخْبِرُكَ مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا.
قال علي : الكفَاح: المواجهة -فَقَالَ: سَلْني أعْطكَ.
قَالَ : أَسْأَلُكَ أنْ أُرَدَّ إلى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيْكَ ثَانِيَةً فَقَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إنَّهُ سَبَقَ مِنِّي القول أنَّهُمْ إلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ.
قَالَ: أي رَبِّ: فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي ، فَأَنزلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ))( ).
وكم من ميت أخبر في الرؤيا عن حقائق وخفايا فوجدت كما أخبر.
الروح من بدائع الخلق
إن الله عز وجل خالق الحبة وبارىء النسمة والروح مخلوقة، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف)( ) والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة.
والروح خلق من خلق الله وصنع من صنعه بل هي من بديع خلقه ولطيف صنعه، وآية بينة وحجة.
ولما للروح من إدراك ومعرفة بالمقولات ، بل ومعرفة بالنفس فانها ليست بعرض واحد خاصة وان العلوم عرض ولا يمكن أن يحل العرض بعرض مثله، مما يدل على عدم ثبوت القول بأن الروح تحل بالقلب كما يحل البياض في الموضوع.
والروح ليست بجسم لان الجسم قابل للقسمة في الجهات الثلاثة الطول والعرض والعمق ، وقد ثبت أن الروح لا تقبل القسمة لان القسمة تستلزم انشطار العلم وربما اجتماع النقيضين أي العلم والجهل في حالة واحدة وهو محال.
وقيل (وبالصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الاسلام كالشيخ أبي القاسم الراغب الاصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي ومن قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي ومن الشيعة الشيخ المفيد ومن الكرامية جماعة.
ومن الفلاسفة الالهيين كلهم أن روح الإنسان جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه، ولامتصل به ولا منفصل عنه ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، كما أن إله العالم لاتعلق له بالعالم الأعلى إلا على سبيل التصرف والتدبير)( ).
ولكن كيف تكون الروح لاداخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا يمكن تصور وسط بينهما.
والمثال اجنبي عن المقام فواجب الوجود غير الممكنات والخلائق كافة منفصل عنها وهي حادثة محتاجة متميزة.
قانون مغادرة الروح البدن عند الموت
قال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .
ذكرت هذه الآية الأنفس ، وتارة يراد منها الروح وأخرى النفس غير الروح ، وهو الذي ذهب إليه ابن عباس في هذه الآية.
إذ حكى عنه ابن جريج أنه قال (أن لكل جسد نفساً وروحاً فيتوفى الله الأنفس في منامها بقبض أنفسها دون أرواحها حتى تتقلب بها وتتنفس ، فيمسك التي قضى عليها الموت أن تعود النفس إلى جسدها ويقبض الموت روحها ، ويرسل الأخرى وهي نفس النائم إلى جسدها حتى تجتمع مع روحها إلى أجل موتها)( ).
قد وردت النصوص بمغادرة الروح للبدن عند الموت ، وإعادتها له في حساب منكر ونكير .
وللفلاسفة اقوال متباينة في الروح. فمن الفلاسفة اليونانيين من احتسبها بخاراً ومنهم من عدها حرارة.
وقال ارسطو انها الأصل والصورة الأولى لجسم طبيعي متمتع بحياة القوة.
وهذه الأقوال وغيرها وان اختلفت في تحديد ماهية الروح إلا انها التقت بالإقرار بوجود الروح كنتيجة للكتب السماوية وأحاديث الأنبياء من أيام أبينا آدم عليه السلام.
ووجود الروح وشأنها وبقاؤها بعد فناء الجسد والتباين بين أرواح المؤمنين وأرواح الكفار من مصاديق قوله تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، كما أفرزتها البحوث العقلية واستدلالاتها.
لقد أجمع الفلاسفة على أن الإنسان مركب من البدن والروح ولا فعل لأحدهما دون الآخر وإن الروح من المجردات ، والبدن من عالم المادة ، قال تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
الروح في كلام الفلاسفة
وقال ابن رشد وهو من الفلاسفة المسلمين بالتقسيم الثلاثي للروح الذي ذهب اليه ارسطو وهو :
الأول : الروح العاقلة .
الثاني : الروح الغاذية .
الثالث : الروح الحاسة أو الحيوانية.
وقال ديكارت وهو فيلسوف فرنسي في القرن السادس عشر الميلادي بالروح العاقلة دون غيرها وقال بان الروح جوهر أخص صفاته الفكر، والجسم جوهر أخص صفاته التمدد.
واعترف باسكال وهو فيلسوف فرنسي بالعجز عن أدراك اتحاد الجسم بالروح لأن الإنسان لم يستطع معرفة كنه الروح.
أما الفلاسفة الماديون فقد ذكروا شبهتين :
الأولى : أن الفكر وظيفة عضوية كسائر الوظائف البدنية الأخرى، وقال الأستاذ بخنز الطبيعي الألماني : الفكر نتيجة جميع القوى المجتمعة في المخ.
وهذه النتيجة لايمكن أن ترى بالعين وماهي كما تدل عليه الظواهر إلا اثر الكهربائية العصبية( ).
الثانية : انهم لايصدقون بوجود شيء إلا عند رؤيته أو الاحساس به فإنهم رفضوا الإقرار بالروح بسبب عدم الإحساس بها.
لقد اعتمدوا قياسات فلسفية عاجزة عن سبر الواقع والغور في آفاق الحكمة.
فبالنسبة للشبهة الأولى فقد حصروا فهمهم للروح بأنها وظيفة من وظائف البدن وما يحتويه من تركيب وقالوا بأنها الفكر. والحال أن الروح غير الفكر.
أما الثانية ففيها خلل مركب فليس بالضرورة أن ينحصر التصديق بالرؤيا بالإحساس بها والعقل الإنساني المجرد يقر بالغيب.
ومن أظهر وظائف الإنسان الإعتقادية والأخلاقية هو التصديق بما جاء به الإنبياء والمرسلون ، وفي التنزيل قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
والروح آية من عند الله وسره المكنون في خلق الإنسان. وسيبقى موضوعها باباً للهداية والرشاد والمعرفة.
وقد اتعب الحكماء أنفسهم ببحث واستنتاج أن اعادة المعدوم بعينه ممتنعة، وكذا من تبعهم من المتكلمين وان كان أكثرهم على جواز الإعادة ولكن هناك خلل في آلة البحث وطرق الاستنتاج.
فالعقل الإنساني قاصر عن متابعة مراحل الإعادة التي تعني في الحقيقة غياب الانعدام ، فبالنسبة للروح يكون الموت مناسبة لخروجها من البدن ، وقيل أنه استكمال لها .
أما البدن وهو موضوع مبحث الإعادة ، فأنه في الآخرة ذات بدن الإنسان في الدنيا ، وبحضور أجزائه المتفرقة واستجابتها لأمر الله تعالى في البعث والنشور ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
روي في الخبر عن ابن عباس : لاتزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم الروح والجسد فيقول الجسد للروح : انت التي حركتني وامرتني وصرفتني والا انا لم اكن اتحرك ولا أفعل شيئاً بدونك .
فتقول الروح له وأنت الذي أكلت وشربت وتمتعت فانت الذي تستحق العقوبة .
فيرسل الله سبحانه وتعالى ملكاً يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستاناً .
فقال المقعد للأعمى أنا أرى فيه من الثمار ولكن لا أستطيع القيام، وقال الأعمى : أنا أستطيع القيام ولكن لا ابصر شيئاً .
فقال المقعد تعال فاحملني فانت تمشي وانا أتناول .
فعلى من تكون العقوبة؟ فيقولان عليهما. فيقول فكذلك انتما( ).
والتمثيل للجسد بالأعمى ، وللروح بالمقعد .
وهل تعلم الروح والجسد أن المثل حجة عليهما عند إجابتهما ، المختار لا .
ولو كانا يعلمان به فهل يستطيعان أن يحيدا عن الإجابة بنعم ، الجواب لا ، وهو من عمومات ما ورد في التنزيل لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
البرزخ ووجوب القضاء عن الميت
لقد أولى المسلمون عناية خاصة لاستمرار الصلة مع الأموات ، فحرصوا على بِرهم ، وايصال أسباب الثواب لهم ، وتعاهد ذكرهم والمواظبة على الاستغفار لهم بما يخفف عنهم العذاب .
ويكون مدخلاً للعفو والمغفرة والإحسان، وهم بعملهم هذا يقرون ويعترفون بوجود عالم البرزخ ، وما فيه من أهوال، وحاجة الميت الدائمة فيه إلى العمل الصالح ووجوه الثواب.
وبه وردت نصوص مستفيضة ومن طرق متعددة و(عن أبي أسيد الساعدي قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال رجل : يا رسول الله ، هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به ، قال : نعم . خصال أربع : الدعاء لهما ، والاستغفار لهما ، وانفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما)( ).
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي (عن ابن عباس انه قال: اتى رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن اختي نذرت لان تحج وانها ماتت ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو كان عليها دين أكنت قاضيه ، قال: نعم. قال: فحق الله أحق بالقضاء)( ).
وفي اخبار اهل البيت عليهم السلام وردت روايات كثيرة وشطر منها صحيح سنداً، تدل على القضاء عن الميت وتدارك مافاته من العبادات منها مارواه ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن الإمام الصادق عليه السلام قال: يقضي عنه اولى الناس بميراثه. قلت: فان كان أولى الناس به امرأة . فقال عليه السلام: لا، الاّ الرجال)( ).
والقول بالقضاء عن الميت هو المشهور والمختار ، وانكره ابن أبي عقيل، وقال بالتصدق عنه من ماله أو من مال الولي، ونسب القول بالقضاء إلى شذوذ، ونسب الصدقة إلى التواتر .
وقال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وطائفة من المالكية والشافعية بوصول الأعمال أو ثواب الانفاق إلى الميت بالإهداء والهبة.
وقال ابن الهمام: إن مالكاً والشافعي لايقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة بل غيرها كالصدقة والحج).
وقال بعض الفقهاء بعدم إثابة الإنسان بعمل غيره مستندين إلى تفسيرهم لقوله تعالى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وبها استدل الإمام الشافعي بعدم لحوق ثواب القراءة بالإموات.
ولكن ورد عن ابن عباس إن الآية منسوخة بقوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ.
إن الولد الصالح هو في الواقع من سعي الإنسان في الدنيا سواء بالإعتبار التكويني أو باضافة التعليم والتأديب والتربية لذا ورد في الصحيح أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث : إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له( ).
والمختار أن هذه النصوص ليست مخصوصة ، وليست شمول الباب بالعمومات من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
لقد أثنى الله عز وجل على الذين ذكروا أسلافهم من المؤمنين واستغفروا لهم، مما يؤكد انتفاع الاموات والاحياء معاً من الدعاء ، قال تعالى وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ.
وفي السنن عن وائلة بن الاسقع انه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل من المسلمين .
فسمعته يقول : اللهم أن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه فتنة القبر وعذاب النار، وانت اهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه وانت الغفور الرحيم.
وفي الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه)( ).
لقد أجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه عن ذمة الميت ولو كان من التركة أو أن المتبرع به أجنبي ، لانتفاء الموضوع بالقضاء، ولما ورد من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رضي بقضاء الإمام علي عليه السلام لدَين ميت.
فمجموع النصوص يؤكد قبول النيابة في قسمي العبادة البدنية والمالية بالإضافة إلى أولوية قضاء العبادات.
و(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ فَقَالَ : أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ.
فَقَالَتْ : نَعَمْ ، فَقَالَ : دَيْنٌ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ)( ).
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أنه قال : لكون الميِّتُ في قَبْرِهِ كالغَرِيقِ يَنْتَظرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ من ابْنِهِ أَو أَخِيهِ أو صَدِيقِهِ ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ ، كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدَّنْيا وَمَا فِيهَا)( ).
ومن الفقهاء من قيد قضاء الولي عن الميت بما لو تمكن الميت من قضائه وأهمله ، بلحاظ أنه تدارك من قبل الولي لما وجب على الميت قضاؤه. فلو أتصل المرض مثلاً حتى الوفاة يسقط عن الولي قضاء ماوجب عيناً مدة المرض .
وفي المنتهى نسبه إلى العلماء إلا ما فات بالسفر فانه يقضى كما في التهذيب وظاهر الصدوق في المقنع لان السفر من اختيار المكلف وهو ليس قهرياً كالمرض.
ويدل عليه النص ففي خبر منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل سافر في شهر رمضان فيموت. قال: يقضى عنه، وان امرأة حاضت في شهر رمضان فماتت لايقضى عنها، والمريض في شهر رمضان لم يصح حتى مات لايقضى عنه.
لأن المدار على توجه الخطاب التكليفي ، فيأتي القضاء عند عدم الأداء ، أما إذا لم يتوجه خطاب تكليفي ، كما في المريض شهر رمضان واستدامة المرض ، ومات المكلف ، فلا قضاء لخصوص الشهر الذي عجز فيه عن الصيام بسبب المرض ، بينما يجب قضاء ما فاته من الصلاة والصيام في حال العمد أو النسيان ، أو المرض الذي تم الشفاء منه بعد شهر رمضان ولم يقضه .
كما لو مرض في شهر رمضان ، ثم شفي في شهر شوال ومات بعده فيجب القضاء عنه ، قال تعالى فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
هذا بالاضافة إلى ماتمثله هذه الأعمال العبادية من البر بالاموات وصلة الرحم واتخاذ سبل العارفين مسلكاً.
وفي كل قضاء عن الميت رحمة تدخل قبره ، وتخفيف عنه , ومنفعة له ولمن قضى عنه يوم القيامة .
وقد ورد عن محمد بن مسلم عن الإمام محمد الباقر عليه السلام انه قال : إن العبد ليكون باراً بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولايستغفر لهما فيكتبه الله عاقاً .
وانه ليكون عاقاً لهما في حياتهما غير بار لهما فاذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما ليكتبه الله باراً)( ).
إنها مناسبة لفعل الصالحات والإحسان .
عن الفضل بن أبي قرة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرّ عيسى بن مريم بقبر يعذب صاحبه، ثم مرّ به من قابل فاذا هو لا يعذب، فقال: يارب مررت بهذا القبر عام اول وهو يعذب، ومررت به العام فاذا هو ليس يعذب .
فاوحى الله اليه انه ادرك له ولد صالح فاصلح طريقاً واوى يتيماً، فلهذا غفرت له بما عمل ابنه ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ميراث الله عز وجل من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده ، ثم تلا أبوعبدالله عليه السلام آية زكريا عليه السلام هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا )( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء، ويكتب أجره للذي يفعله وللميت)( ).
فورد ذكر الميت المسلم في الحديث أعلاه بصيغة العموم الإستغراقي من غير تقييد بمن صلى في حياته أو لم يصل .
مجالس الفاتحة
تعارف الناس في هذا الزمان على اقامة مجلس فاتحة لمن يموت من الأهل أو الاقارب غالباً مايكون ثلاثة أيام تتوافد الناس عليهم لقراءة سورة الفاتحة وتعزيتهم بمصيبتهم واختلف القول فيه، فالبعض قال بأنه بدعة ، وبعض تردد في الإفتاء خاصة ، وقد قوبل بموضوع البدعة ، ونفر لم ير فيه بأسا.
وقبل الخوض في موضوعه ترى ما هي البدعة ، البدعة في الاصطلاح الحدث في الدين مما ليس له أصل في الكتاب أو السنة ، وإنما سميت بدعة لان صاحبها ابتدعها وابتكرها من غير تشريع جاء بها.
وقال في النهاية (ان البدعة بدعتان بدعة هدى وبدعة ضلال فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم.
وما كان تحت عموم ما ندب الله اليه وخص عليه أو رسوله فهو في حيز المدح)( ).
ولكن الذي ندب الله اليه وحث العباد على اتيانه لايسمى بدعة. بل يكون مما له اصل في الشريعة أو انه استنبط أو استقرأ منها.
والخلط في العناوين وعدم الدقة في فهم الحديث وتحديد المصطلح قد يسبب ارباكاً ، وفي اللغة ومصطلحاتها سعة.
وقال الشافعي : البدعة بدعتان ، بدعة محمودة ، وبدعة مذمومة ، فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم.
وعلى التعريف المتقدم للبدعة هل مجالس الفاتحة بدعة ، الجواب ليس فيها مصداق البدعة بل هي اجتماع لذكر الله بقراءة القرآن وبالإتعاظ من فقدان العزيز ، وهو فرصة للثواب للحي والميت ، ومناسبة لزيارة الإخوان ومواساتهم.
وقد يقال أن مجالس الفاتحة في بعض الأمصار تنفق فيها الأموال الطائلة وهذا من الاسراف ، ولا يعني الخطأ في فكرة مجلس الفاتحة ، فالإسراف في ذاته مذموم ومنهي عنه.
وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حين بلغه استشهاد جعفر الطيار اطعموا آل جعفر ثلاثاً. وما يجري في مجالس الفاتحة عكس ذلك ، أي أهل الميت هم الذين يطعمون المعزين .
والذي أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس على سبيل الوجوب والقاعدة الكلية ، إنما كان بياناً للمواساة وتخفيفاً لإنشغال آل جعفر بالمصيبة وهولها بخلاف أهل الميت في هذا الزمان فانهم يستعدون لمستلزمات مجلس الفاتحة ، نعم في هذا الإستعداد إكرام للموت والميت ، وهو من البر به.
ولا يعني هذا الامضاء العام لكل ما يقع في مجالس الفاتحة أي بجعلها كلياً طبيعياً، ولكنه قول لنفي البأس في أصل موضوعها، ثم انها تبقى مختلفة من بلد إلى أخر ومن أسرة إلى أخرى سعة وانحساراً وما يستحق الإشارة هنا هو جعل تلك المجالس مناسبة لذكر الله وقراءة القرآن ، واستذكار الموت والاستعداد له بأداء الفرائض وفعل الصالحات وبالاستغفار للميت.
(وأخرج أحمد عن طاوس قال : إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعاً فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام) ( ).
ومجلس الفاتحة أمر حسن ، ومواساة واقرار بالموت وإكرام للميت وأهله ، وعرف ونظام إجتماعي متوارث عند المسلمين وغيرهم من أهل الأرض ، وان تباين بين ملة وأخرى ، وبلدة وأخرى .
الانبياء والموت
الانبياء يلتقون مع أفراد البشر الآخرين بالعبودية لله عز وجل كونها كلياً طبيعياً قال تعالى إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، ولكنهم يختلفون عنهم بالنبوة والوحي وبما خصهم الله عز وجل من البعثة والشرف المؤبد فبينهم عموم وخصوص من وجه، فكل نبي عبد لله وليس كل عبد لله نبياً.
وشملت الانبياء سنة الموت خاتمة للحياة الدنيا. وفي موتهم بالخصوص درس وعبرة لكل الناس ، ولو كان هناك استثناء من الموت لاستثنى الانبياء والمرسلون فهم عباد الله المخلصون ، قال تعالى وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ.
وقد أولى المؤمنون موضوع وفاة الأنبياء وتأريخ وفاة كل منهم عناية.
فيؤرخ المسلمون ومعهم التأريخ ملحمة وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ بداية شكواه إلى حين وفاته وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه بتفصيل ووقائع كأنها حاضرة للعيان وتوفي وعمره الشريف ثلاث وستون سنة بعد أن ثبّت أركان التوحيد والدعوة إلى الله في الأرض ، قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
أما بالنسبة للأنبياء فقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آدم أبا البشر عاش تسعمائة وثلاثين سنة، وفي قول أن عمره ألف سنة.
وذكر السيد ابن طاوس في سعد السعود من صحف إدريس : مرض عليه السلام عشرة أيام بالحمى ووفاته يوم الجمعة لأحد عشر يوماً خلت من المحرم ودفن في غار جبل أبي قبيس ، ووجهه إلى الكعبة وأن عمره عليه السلام من وقت نفخ الروح إلى وفاته الف سنة وثلاثون وان حواء ما بقيت بعده إلا سنة ثم مرضت خمسة عشر يوماً ثم توفيت ودفنت إلى جنب آدم عليه السلام( ).
و(عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أوّل من جحد آدم أن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة .
فجعل يعرض ذريته عليه ، فرأى فيهم رجلاً يزهر قال : أي رب من هذا ، قال : هذا ابنك داود .
قال : أي رب كم عمره ، قال : ستون عاماً قال : رب زد في عمره . فقال : لا إلا أن أزيده من عمرك .
وكان عمر آدم ألف سنة ، فزاده أربعين عاماً ، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة .
فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال : إنه قد بقي من عمري أربعون عاماً . فقيل له : إنك قد وهبتها لابنك داود .
قال : ما فعلت . فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة ، فكمل الله لآدم ألف سنة ، وأكمل لداود مائة عام)( ).
وفي خبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه جحد فجحدت ذريته.
وورد في بعض الأخبار أن الله عز وجل أمر بالكتابة في المعاملات بين بني آدم لتكون دليلاً وحجة عند النسيان وعدم الإقرار وان من وصل رحمه زاد في عمره ثلاثين سنة، ومن قطعه نقص منه بقدر المدة، ولا صلة بين المسألتين خاصة مع عدم وضوح السند.
أما نوح عليه السلام فقد كان أطول الانبياء عمراً حيث بلغ عمره الفين وخمسمائة سنة منها تسعمائة وخمسين سنة داعياً إلى الله ، يدعوهم إلى الايمان والهدى ، قال تعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا.
وفي المرض الذي توفي فيه قال استقلالاً لأيامه في الحياة الدنيا : ما رأيت الدنيا إلا مثل دار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الأخر.
وفي رواية انه قال ذلك جواباً على سؤال لجبرئيل عليه السلام( ).
أما إبراهيم فقد سأل ربه أن لا يقبض روحه حتى يسأله ولم يسأله ذلك حتى رأى يوماً رجلاً في غاية الكهولة على هيئة منكرة يسيل لعاب فمه إلى لحيته ويتلطخ به سبلته ، وقد حضر على ضيافة إبراهيم ومائدته، وكان كلما يضع لقمته في فيه ويزدردها سقطت إلى الجانب الأسفل من ساعته بلا تحليل في اللقمة على غير اختيار من الرجل.
فقال عليه السلام له: ياشيخ ما حالك وما بالك حتى صرّت كذلك.
فقال : اني ابتليت بغاية الهرم والكبر ، فزال مني القوة الماسكة والهاضمة والقوى الأخرى فصرت كما ترى.
فقال : هذا آخر الهرم لكل من الورى. قال: نعم.
فاستنكر إبراهيم عليه السلام هذا الحال وسأل حينئذ من الله الموت والارتحال ، وكان الرجل ملكاً أتى إليه على تلك الهيئة.
وفي خبر آخر أن ابراهيم عليه السلام سأله عن عمره فاخبره بما يزيد على عمر إبراهيم بسنة فاسترجع وقال أنا أصير بعد سنة إلى هذه الحالة فسأل الموت من الله سبحانه.
ويمكن التساؤل في دلالة هذا الخبر وسنده وجهة الصدور خاصة وان ابراهيم الذي استطاع ان يواجه بمفرده أعتى قوى الكفر والطغيان الطاغوت غرورا لا يصعب عليه أن يميز بين الناس وان احوالهم مختلفة وان تساوت الأعمار , وقد قال تعالى له إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا إلا على فرض تهيئة أسباب ومقدمات الأجل بلطف من الله لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
وورد في الخبر أن ابراهيم لم يرض بقبض ملك الموت لروحه في أول الأمر.
فقال ملك الموت يا إبراهيم الخليل إلا يرضى الخليل بلقاء الخليل فرضي بعده.
أما بالنسبة لموسى عليه السلام فقد روي انه لم يرض بقبض روحه حينما جاءه ملك الموت قابضاً، فرجع ملك الموت إلى الله عز وجل قال : رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت.
فقال لملك الموت : انته إلى أمر ربك فقبضه.
وروي أن الله عز وجل أوحى إلى موسى أن ضع يدك على متن ثور فلك بكل شعرة دارت يدك عليها عمر سنة.
فقال عليه السلام: ثم ماذا ؟ فقال: الموت. فقال موسى لملك الموت انته إلى أمر ربك فقبضه.
وهناك من روى أن موسى عليه السلام لطم ملك الموت في بادىء الامر أو وكزه فاعوره فاعطاه الله عينه وارجعه بالوحي .. إلى آخر الرواية. وهذا بعيد ويحتاج إلى دليل.
وفي رواية أن موسى عليه السلام لما لم يطع ملك الموت في قبض روحه سار ذاهباً في الارض فرأى شخصاً يحفر قبراً، فقال لم تحفر هذا القبر ، قال: لواحد من أولياء الله.
قال موسى عليه السلام: فاعينك على حفره. فلما تم الحفر. قال موسى عليه السلام: فانا ارقد فيه فانظر هل بقي من نقصان لنتمه. فلما رقد في القبر مستلقياً نزل ملك الموت فقبضه هناك ، وكان هذا الحافر واحداً من الملائكة.
وحديث موت سليمان ودابة الارض معروف ، قال تعالى فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
و(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان سليمان عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها : ما اسمك ، فتقول : كذا وكذا ، فإن كانت لغرس غرست ، وإن كانت لدواء نبتت .
فصلى ذات يوم ، فإذا شجرة نابتة بين يديه فقال لها : ما اسمك؟ قالت : الخرنوب ، قال : لأي شيء أنتِ؟ قالت : لخراب هذا البيت.
فقال سليمان عليه السلام : اللهم عم عن الجن موتي حين يعلم الإِنس أن الجن لا يعلمون الغيب ، فأخذ عصا ، فتوكأ عليها وقبضه الله وهو متكىء ، فمكث حيناً ميتاً والجن تعمل ، فأكلتها الأرضة فسقطت ، فعلموا عند ذلك بموته .
فتبينت الإِنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين . وكان ابن عباس يقرأها كذلك ، فشكرت الجن الأرضة ، فأينما كانت يأتونها بالماء)( ).
وقد جاء في الخبر أنه ما من مسجد بني إلا على قبر نبي أو وصي نبي فاصابت تلك البقعة رشة من دمه فاحب الله ان يذكر فيها ، لذا ذهب جماعة إلى القول بطهارة دماء الانبياء بتقريب ان الله لا يحب الرجس وهو أمر اعتباري لايصلح للإستدلال.
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال : إن ما بين الركن والمقام لمشحون من قبور الأنبياء، وإن آدم لفي حرم الله عزوجل)( ).
المعاد حتم
من معاني ووجوه خلق الإنسان وصيرورته فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، بعث الناس للحساب يوم القيامة ، قال تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى.
ليكون النفخ في الصور بداية خروج الموتى من قبورهم بمعجزة وآية من عند الله ، قال تعالى فاذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ.
فالذين صدّقوا بمعجزات الأنبياء واتبعوهم ، واللذين جحدوا بها وحاربوهم سيلتقون عند البعث والحساب ، مع ظهور علامات الإيمان وعلامات الجحود على الناس يوم القيامة يعرفون بها بين الخلائق ، قال تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ.
وفي كيفية المعاد أقوال ووجوه :
الأول : المعاد الروحاني الجسماني، أي ان الإنسان يبعث يوم القيامة ببدنه الذي كان عليه في الدنيا مع روحه التي هي جوهر مجرد فانها تعود إلى البدن بعد ان غادرت بالموت إلى عالم المفارقات والسماء الدنيا .
وتحل نفس المؤمن في جسد مثالي إلى ان تتلبس بالجسد مرة أخرى، وهذا القسم من وجوه المعاد هو المشهور بين علماء الاسلام وبه قال الشيخ المفيد والطوسي والسيد المرتضى والعلامة الحلي والمحقق الحلي،كما قال به الغزالي والراغب الأصفهاني وجماعة من الحكماء، وبه قال جمهور النصارى .
فجاءت الآية لتذكير الناس ولزوم عدم انكار الآخرة وما فــيها من الثواب بالجنة والعقاب بالنار.
الثاني : المعاد جسماني ، ونسب ملا صدرا في الحكمة المتعالية هذا القول إلى جمهور الإسلاميين وعامة الفقهاء وأصحاب الحديث بناء على ان الروح عندهم كانت تجري في البدن كسريان النار في الفحم .
وهذه النسبة ليست تامة ومحل تأمل إلا ان يراد منها المعنى الأعم للبدن والروح ، وللرد على من قال أنه معاد روحاني فقط إذ أن البدن مادة للروح.
الثالث : المعاد روحاني عقلي، وهو الذي ذهب إليه جمع من الفلاسفة واتباع المشائين لأنهم يقولون بانعدام البدن ، وتعرضه للتلف صوراً وأعراضاً، وتمسكوا بقاعدة (المعدوم لا يعاد) التي يأتي بيانها في الجزء الثاني.
والأصح هو الأول وعليه الأدلة النقلية والعقلية ، وهو برهان للإعجاز في خلق الله تعالى للناس وللإتصال والإتحاد بين عالم الدنيا وعالم الآخرة.
وهو جزاء مركب من الثواب والعقاب اللذين اخبر عنهما القرآن ولا يتقوم عالم الدنيا والواجبات إلا به .
لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا( ).
فجاء قول الله تعالى وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لطرد الغفلة وللتذكير بوجوب الإيمان بعالم الحساب والجزاء والمعاد .
والتصديق ركن من أركان الإيمان وأصل من أصول الحكمة ، ولزوم إزالة اللبس والغموض فيه , وبه تدفع الشبهات التي يأتي بها الجاحدون والكافرون حوله.
إن إقرار الإنسان بالعالم الآخر يجعله يستعد له بالعمل الصالح ويسعى للثواب ويتجنب أسباب العقاب لأن الدنيا مزرعة الآخرة.
دعاء الملائكة للمسلمين الأحياء والأموات
الملائكة خلق الله في السماوات أكرمهم الله عز وجل بجواره وقاموا بتبليغ رسالاته إلى الأنبياء والرسل لأنهم الواسطة بين الباري عز وجل والموجودات الارضية .
والمفرد مَلَك ، وهو جوهر بسيط ذو حياة ونطق عقلي، واكثر المتكلمين الذين انكروا الجواهر المجردة وصفوا الملائكة بأنها أجسام لطيفة.
وكون مسكن الملائكة السماء لا يمنع من وجود بعضهم في الأرض والجبال والهواء والماء للقيام بوظائف تتعلق بتعاهد الموجودات ورصد افعال الخلائق وتنظيم أحوال الطبيعة والأفراد.
ومن الملائكة من ينزل إلى الأرض لوظائف مخصوصة كما في نزول جبرئيل بآيات القرآن إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ.
وقد تنزل طائفة من الملائكة دفعة واحدة كما في نزول ألف من الملائكة يوم بدر لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة ، قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
وعن ابن عباس في حديث طويل (وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة عليهم السلام ، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة .
وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة .
وجاء إبليس في جند معه راية في صورة رجال من بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان للمشركين لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ.
فلما اصطف القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره ، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال : يا رب إن تهلك هذه العصابة في الأرض فلن تعبد في الأرض أبداً .
فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فأرم به وجوههم ، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة فولوا مدبرين)( ).
ليلقى أبو جهل وقتلى المشركين الآخرين يومئذ أشد العذاب في البرزخ.
وفي الدعاء الخاص بالصلاة على الملائكة في الصحيفة السجادية ورد قوله عليه السلام (وسكان الهواء والأرض والماء) وهذا لا يتعارض مع القول بأن سكن الملائكة في السماء لأنه الغالب والأصل والمتعارف.
ولا ينزل أحدهم إلى الأرض إلا باذن من الله عز وجل ، ومنه نزول جبرئيل بالقرآن ، قال تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (خُلقت الملائكة من نور ، وخُلقت الجان من مارج من نار، وخُلق بنو آدم مما وصِف لكم)( ).
وقد وردت آيات كثيرة بخصوص الملائكة وبديع خلقهم ، وانقطاعهم إلى التسبيح .
ومن وظائفهم كتابة أعمال بني آدم والتي تصاحبهم إلى قبورهم ، قال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ.
وهل يصح الدعاء بأن لا يكتب الملائكة الحافظون علينا إلا ما نعمله من الصالحات ، الجواب نعم ، فان الله عز وجل قادر على أن يحجب عن ملك الشمال السيئات فلا يكتبها .
كما يصح الدعاء بمحو تلك السيئات بالفور وحالما يكتبها الملك ، وهو من معاني الجمع بين آيات الإستجابة للدعاء ، وآية المحو بقوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
ومن الملائكة حملة العرش ، ومن فضل الله وأسرار إتخاد الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً استغفار ودعاء حملة العرش للمسلمين ، قال تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ترى لماذا قالت الآية [وَمَنْ حَوْلَهُ] وما تدل عليه (من) من جنس العقلاء ولم تقل (ما) فيه وجوه :
الأول : يحمل ملائكة العرش خصوص العقلاء ممن حول العرش .
الثاني : يحمل الملائكة العقلاء وغير العقلاء مما حول العرش ، وورد (من) للتغليب .
الثالث : قانون كل من حول العرش من العقلاء .
والمختار الأخير أعلاه ، والإتصاف بالعقل من معاني الإكرام للعرش ومحيطه , ولإنقطاعهم للتسبيح.
وهل يختص دعاء الملائكة بالأحياء من المسلمين ، الجواب لا ، إنما يشمل أهل القبور ليكونوا قد فازوا بدعاء الملائكة لهم وهم أحياء ودعاء الملائكة لهم وهم أموات ماداموا في البرزخ ، فينساهم الناس واندرست قبورهم ، ولكن حملة العرش يدعون ويستغفرون لهم ، وهي نعمة عظمى فاز بها المسلمون من أيام آدم عليه السلام وإلى يوم القيامة .
قانون الإيمان بالملائكة عون ومدد
يساعد الإيمان بالملائكة في تنقيح أعمال العبد للمحاكاة والإقتداء والاتعاظ .
فقد انعدمت عندهم الشهوات وتنزهوا عن السهو والجهل، وابتعدت عنهم الغفلة لإنقطاعهم للتسبيح والطاعة والتقديس للذات الإلهية، ولا يعلم عدد وكثرة الملائكة إلا الله عز وجل.
و(عن أبي ذر قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ حتى ختمها ثم قال : إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء ، وحق له أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجداً لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، لخرجتم إلى الصعدات تجأرون)( ).
وهؤلاء الملائكة يقرون بالقرآن ويصدقون باياته ويعلمون عظيم منزلته بين الكتب السماوية .
ولا يتسرب إلى نفوسهم السأم من العبادة، وهم بهذه الماهية والهيئة دليل عقلي ووجداني متفرع عن السمعي ويؤكد عظيم قدرة الله تعالى في الخلق ، ولزوم الإنقياد لأوامره مع خشية بطشه سبحانه.
والايمان بالملائكة يجب ان يكون على نحو العموم المجموعي أي ان نؤمن بهم جميعاً.
و(عن حفص قال : سمعت موسى بن جعفر عليه السلام عند قبر وهو يقول: إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وان شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره)( ).
و(عن سعيد بن المسيب قال : كان علي بن الحسين عليه السلام يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وحفظ عنه وكتب كان يقول: أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه ترجعون فتجد كل نفس ماعملت في هذه الدنيا من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.
ويحك يا ابن آدم الغافل وليس بمغفول عنه.
يا ابن آدم إن أجلك أسرع شئ إليك، قد أقبل نحوك حثيثا يطلبك ويوشك أن يدركك وكأن قد أوفيت أجلك وقبض الملك روحك وصرت إلى قبرك وحيدا .
فرد إليك فيه روحك واقتحم عليك فيه ملكان ناكر ونكير لمسائلتك وشديد امتحانك .
ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي أرسل إليك ، وعن دينك الذي كنت تدين به .
وعن كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذي كنت تتولاه ، ثم عن عمرك فيما كنت أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفيما أنت أنفقته .
فخذ حذرك وانظر لنفسك وأعد الجواب قبل الامتحان والمسائلة والاختبار فإن تك مؤمنا عارفا بدينك، متبعا للصادقين، مواليا لأولياء الله لقاك الله حجتك وأنطق لسانك بالصواب وأحسنت الجواب وبشرت بالرضوان والجنة من الله عزوجل واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان.
وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك ودحضت حجتك وعييت عن الجواب وبشرت بالنار واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم)( ).
لقد كانت صور الآخرة وأهوال المحشر المتجسدة أمام عيني الإمام علي بن الحسين عليه السلام وكأنه يراها ، الأمر الذي انعكس على سلوكه مع الناس وطبعه بصيغة الخشوع لله والإعراض عن شؤون الدنيا ومنازلها فتراه يعطي الدروس العظيمة في الحلم والحكمة وضبط النفس عن هيجان الغضب من غير ان تستفزه الإساءة الموجعة.
(استقبله احدهم بالسب والشتم من غير علة، فاجابه الإمام عليه السلام بلطف وسكينة ومن غير ان تبدو عليه امارات التأثر والسخط: يا فتى ان بين يدينا عقبة كؤوداً فان جزت منها فلا أبالي بما تقول ، وان اتحير( ) فيها فانا شر مما تقول)( ).
وينقل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السامعين إلى مواطن الآخرة ، وقوله تعالى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ.
ولم يرد لفظ (العقبة) في القرآن إلا مرتين وفي هاتين الآيتين ، لبيان أن العقبة الكؤود في الآخرة ، ولزوم الإستعداد لإجتيازها .
ومن إعجاز القرآن عدم بقاء الناس في طيرة وحيرة إذ جاءت الآيات التي بعدها ببيان سبل إجتيازها وعبورها بالصالحات ، قال تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ * أو إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أو مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ.
وقيل أن الأعمال التكليفية هي العقبات التي تكون كالجبال للمشقة التي في أدائها يكون اجتيازها .
والمختار أن العقبة حق وهي موجودة ويلاقيها كل إنسان ، ويجتازها الذي يعمل الصالحات .
وقال معمر بن خلال (رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام يأكل فتلا هذه الآية فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ إلى آخر الآية ثم قال : علم الله أن ليس كل خلقه يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم سبيلاً إلى الجنة باطعام الطعام)( ).
وكان كل جواب منه حكمة ودرساً يفتح آفاق من المعرفة ومناسبة للرفعة وكمال الأدب، فهو يقابل الإساءة بالإحسان والعفو تأدباً وعملاً بلغة القرآن واحكامه، قال تعالى وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ.
قانون الإستغفار
الإستغفار سؤال العبد الله عز وجل العفو وستر الذنوب ، ويدل الإستغفار من الذنوب بالدلالة التضمنية على أمور:
الأول: الإقرار والإعتراف بالذنوب , قال تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ.
الثاني: إظهار الخضوع والخشوع لله عز وجل.
الثالث: التبرأ من الذنوب، والتنصل منها، وهذا التبرأ من خصال المتقين، وصحيح أن الإستغفار لفظ يجري على اللسان بالقول (استغفر الله) إلا أنه صادر من النفس والجوارح والأركان, وكأن اللسان أخذ الوكالة منها، ونطق بالنيابة عنها جميعاً.
الرابع : قانون دخول الإستغفار مع الميت للقبر .
الخامس : قانون الإستغفار سلاح وعون في عالم البرزخ ، مما يلزم الإكثار منه ، ويدل قوله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، على نجاة الذي يستغفر الله من الضرر في الدنيا ، ومن عذاب القبر ويوم القيامة ، بلطف من الله , لأصالة الإطلاق في معاني الإستغفار في الآية .
السادس : قانون الإستجابة للإستغفار ليكون من مصاديق الدعاء ، قال تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا.
السابع : قانون حاجة كل إنسان إلى الإستغفار والإكثار منه ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعصوم من الخطأ يواظب على الإستغفار ، ويحث المسلمين والمسلمات عليه .
وعن أبي موسى (قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو بهذا الدعاء : رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وجدي وهزلي وكل ذلك عندي .
اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت إنك أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير)( ).
النفس المطمئنة
لم يلتفت أحد لموضوع النفس المطمئنة لولا نزول القرآن بها ، قال تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، ولم يرد لفظ (المطمئنة) (ارجعي) (مرضية) في القرآن إلا في الآيتين أعلاه .
وتترشح الطمأنينة من اليقين والتقوى والصلاح ، وهي من أعلى مراتب الكمال الإنساني ، ويكون تقدير الآية على وجوه منها :
الأول : المطمئنة بذكر الله .
الثاني : المطمئنة برضاها بقضاء الله .
الثالث : المطمئنة لإيمانها .
الرابع : المطمئنة لعملها الصالحات واجتناب السيئات .
الخامس : المطمئنة عند دخول القبر .
السادس : المطمئنة بأن الرجوع إلى الله حتم .
السابع : قانون النفس المطمئنة التي تغمرها السعادة لإلتزامها والجوارح جادة الهدى الإستقامة .
قانون مصاحبة اللوم للنفس
من خصائص خلافة الإنسان في الأرض لوم النفس لصاحبها على فوات الفرص ، وعلى ارتكاب المعاصي ، وهو من أسرار نفخ الروح فيه من الله عز وجل ، وجاء تأكيد هذا المعنى بقوله تعالى وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ.
والنفس في الآية أعلاه اسم جنس ، وفيها وجوه :
الأول: هي النفس الفاجرة الجشعة (اللوامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأغراضها)( ) عن ابن عباس.
الثاني: هي اسم الجنس لأنها تلوم على الخير والشر، عن ابن جبير.
الثالث: المراد نفس آدم , لأنها لم تزل اللائمة على فعله الذي أخرجه من الجنة) ( ) ولكن الآية أعم.
الرابع: النفس التي تلوم صاحبها في ترك الطاعة ونحوه (وعن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن -والله-ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتـي؟ ما أردت بحــديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُما ما يعاتب نفسـه)( ).
والآية في مقام الثناء على المؤمنين، ليكون لوم النفس مناسبة لذكر الله، وباعثاً للجوارح في سبل الصلاح وإقراراً بالتقصير في طاعة الله ، وأقسم الله عز وجل بهذه النفس لأنها من بديع صنعه.
وروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه (قال : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة إن عملت خيرا كيف لم أزد، وإن عملت شرا قالت : ليتني كنت قصرت ، أو نفس آدم فإنها لم تزل تتلوم على ما خرجت به من الجنة)( ).
الخامس: إرادة حال النفوس يوم القيامة , فأهل الجنة يقولون لولا زدنا من الحسنات وأكثرنا من الذكر والإستغفار، وأهل النار يلومون أنفسهم على قبيح فعلهم الذي أدى بهم إلى سوء العاقبة .
والمختار هو الوجه الثاني والرابع والخامس أعلاه .
ويتجلى هذا المعنى في سياق الآية أعلاه ومجيئها في سورة القيامة، وبيان أهوال القبر ، والبعث والحساب، وهو لا يتعارض مع الوجوه المذكورة أعلاه.
ويفيد الجمع بينها وظاهر الآية أن صفة اللوم في النفس الإنسانية نعمة وخصلة حسنة وإن لم ينتفع منها الذين يتمادون في الكفر والضلالة في الشر.
ويتجلى قانون كل نفس لوامة ، ولكن موضوع هذا اللوم مختلف ، كما أنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة كثرة وقلة في طروه على النفس وإنعكاسه على الجوارح ، وعالم الفعل ، والمبادرة إلى الإستغفار والتوبة ، والشكر لله عز وجل على النعم .
وهذا اللوم ليس صبغة دائمة لنفوس الكفار , نعم ، لابد أن تتولى نفوسهم لومهم على التمادي في الكفر وإقتراف السيئات لذا فتح الله عز وجل لهم باب التوبة , وفيه تقريب إلى أصل وظيفة النفس الإنسانية في باب اللوم الذاتي ، وهو إظهار الندم على تضييع فعل الصالحات وعلى الإستزادة منها ، والحسرة على فعل السيئات والتمادي فيها.
قانون مواعظ النبي (ص) عند دفن صحابي
مع كثرة مسؤوليات النبوة التي يؤديها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على وجه التمام والكمال وهو من مصاديق قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
فانه صلى الله عليه وآله وسلم كان يشّيع الميت من الصحابة ، ويجلس عند قبره لحين تسوية التراب عليه ، ويتلو القرآن ، ويجيب على الأسئلة ، ويعظ أصحابه أثناء حفر القبر والدفن.
وفي معركة بدر سقط أربعة عشر شهيداً من المسلمين ، وسبعون من المشركين ، ومن بينهم عدد من رؤساء جيشهم مثل أبي جهل عمرو بن هشام ، وعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة وابنه الوليد ، وأمية بن خلف وغيرهم.
فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدفن الشهداء وأمر بالقاء قتلى المشركين في القليب وهو البئر التي جف ماؤها .
وفي معركة أحد التي وقعت في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة سقط سبعون شهيداً من المسلمين .
و(احْتَمَلَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتْلَاهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَدَفَنُوهُمْ بِهَا ، ثُمّ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ ادْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا)( ).
ورجع بعضهم بقتلاهم إلى أحد بناءً على أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون مقبرة شهداء أحد مزاراً للملايين من المسلمين في كل سنة ، وما في هذه الزيارة من ذكر لله ، والموعظة والأجر .
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري الذي استشهد أبوه في معركة أحد (بَيْنَا أَنَا فِي النّظّارَةِ إذْ جَاءَتْ عَمّتِي بِأَبِي وَخَالِي عَادَلَتْهُمَا عَلَى نَاضِحٍ فَدَخَلَتْ بِهِمَا الْمَدِينَةَ لِنَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا وَجَاءَ رَجُلٌ يُنَادِي : أَلَا إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالْقَتْلَى فَتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ . قَالَ فَرَجَعْنَا بِهِمَا فَدَفَنّاهُمَا فِي الْقَتْلَى حَيْثُ قُتِلَا)( ).
وأشرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ ، قَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ ، إنّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللّهِ إلّا وَاَللّهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى جُرْحُهُ اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرّيحُ رِيحُ مِسْكٍ اُنْظُرُوا أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ أَصْحَابِهِ فِي الْقَبْرِ – وَكَانُوا يَدْفِنُونَ الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ)( ).
قانون الأمن في مكة حاجة عامة
جاءت الآيات بالأمن لمكة على نحو التعيين من بين كل أمصار الأرض وأقطارها ، قال تعالى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وبينت أولوية الأمن فيها مناهج وسنن المرسلين فتوجهوا بالدعاء إلى الله، كما في دعاء إبراهيم عليه السلامرَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ.
ولابد من موضوعية للأمن في مكة في ظهور وإستدامة دولة الإسلام وتعظيم شعائر الله ، قال تعالى وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ.
لقد ورد لفظ [أُمَّ الْقُرَى] مرتين في القرآن ، وكلاهما بخصوص مكة بلحاظ مجئ أفراد القبائل وأهل البلدان إليها لحج البيت الحرام ، وللعمرة ، والتسوق ، والإقتراض من قريش ومناشدتهم التوسط في حل الخلافات ، وطلب المعونة ، والسؤال بالأحلاف والمواثيق التي معهم.
وعمدة هذه الوجوه هو حج القبائل البيت الحرام كل عام ، قال تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
أي أن العرب تعلم وتضبط أشهر الحج .
وترشد الهلال ليأتي شهر شوال ثم شهر ذي القعدة وهو شهر حرام .
ليتوجهوا لحج بيت الله الحرام ، فيجدون النبي محمداً قائماً يصلي في البيت الحرام في ظاهرة عبادية ملائكة لحج البيت والطواف من حوله ، ويسمعونه يتلو آيات القرآن .
كما أنه يطوف عليهم في مساكنهم في منى يدعوهم إلى الإسلام ونبذ الشرك وعبادة الأوثان .
وليس من حصر للمواضيع والمنافع المترتبة على الأمن في مكة، ومنها ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلامته وأهل مكة من غزوة أبرهة وجيوشه إذ كان النبي يومها حملاً لشهرين في بطن أمه ، قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.
وفضل الله في وقاية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صباه وفي نشأته وصباه ولحين بعثته وعدم بلوغ إيذاء الكفار له مرتبة القتل، وإن أرادوا أن يقتلوه ولكن الله عز وجل أنجاه من كيدهم ومكرهم، لتكون هذه النجاة من مصاديق الأمن في مكة ، قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
حديث النبي محمد (ص) مع الأنبياء السابقين
قد لا يظن الناس أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم يلتقي بآدم عليه السلام ويتكلم معه وهو في الدنيا , ولكنها شبهة بدوية تزول بأدنى تفكر إذ ينزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحدثه والأنبياء أحياء عند الله عز وجل , وشاء الله عز وجل أن يجمع بينهم وبين رسوله الكريم في الإسراء والمعراج .
وهل التقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجميع الأنبياء السابقين , الجواب لا , فظاهر الكلام أنه التقى بعدد من الأنبياء والمرسلين في السماء , لبيان عظيم شأنهم وإمكان الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة ، وكيف أنهم أحياء في عالم البرزخ .
(عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ، ولما يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلسنا حوله – وكأن على رؤوسنا الطير – وفي يده عود ينكت به في الأرض.
فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ، ثم قال : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ، حتى يجلسوا منه مد البصر . ثم يجيء ملك الموت .
ثم يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس المطمئنة ، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان .
قال : فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ، وإن كنتم ترون غير ذلك ، فيأخذها ، فاذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين ، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب.
فيقولون : فلان ابن فلان ، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له فيفتح لهم ، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ، حتى تنتهي به إلى السماء السابعة ، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض ، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى .
فتعاد روحه في جسده ، فيأتيه ملكان فيجلسانه ، فيقولان له : من ربك ، فيقول : ربي الله . فيقولان له : ما دينك .
فيقول : ديني الإِسلام . فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول : هو رسول الله . فيقولان له : وما علمك .
فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت . فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي ، فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة ، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح.
فيقول : أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد . فيقول له : من أنت .
فوجهك الوجه يجيء بالخير . فيقول له : أنا عملك الصالح.
فيقول : رب أقم الساعة ، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال : وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه ، معهم المسوح . فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة ، اخرجي إلى سخط من الله وغضب ، فتفرق في جسده ، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول .
فيأخذها فاذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح . ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض . فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة . إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث.
فيقولون : فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا ، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتح فلا يفتح له .
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى . فتطرح روحه طرحاً .
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ.
فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان ، فيجلسانه فيقولان له : من ربك؟ فيقول : هاه هاه لا أدري .
فيقولان له : ما دينك ، فيقول : هاه هاه لا أدري.
فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول : هاه هاه لا أدري.
فينادي مناد من السماء ، أن كذب عبدي ، فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار .
فيأتيه من حرها وسمومها ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح.
فيقول : أبشر بالذي يسوءك ، هذا يومك الذي كنت توعد .
فيقول : من أنت ،فوجهك الوجه يجيء بالشر ، فيقول : أنا عملك الخبيث . فيقول : رب لا تقم الساعة)( ).
قانون حشر الناس يوم القيامة حق
تتعاقب أجيال الناس على الأرض في الحياة الدنيا ومادة الإتصال بينهم عبادة الله ، وبعث الأنبياء والتنزيل ، ويتوارث الناس السكن والمال والإنتماء في العقيدة أو البلد.
أما في الآخرة فان الناس يحشرون من قبورهم جميعاً في آن واحد مع اختلاف أجيالهم وإن كان بينها آلاف السنين والأحقاب .
لقد ملأ الله عز وجل الحياة الدنيا بالآيات الكونية ، وذات الإنسان آية من عند الله ، وكذا الآيات التي تترشح عن إجتماع الناس ، وعالم الأفعال والسلوك الجمعي ، قال تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
وتتجلى في الآخرة آيات أخرى من بدائع صنع الله وأيهما أكثر الآيات في الحياة الدنيا ، أم في الآخرة ، الجواب هو الثاني ، وكأنه من ذات النسبة المئوية في رحمة الله .
فقد ورد عن (جُنْدُب -هو ابن عبد الله البَجَلي- قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عَقَلها ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى راحلته فأطلق عقالها، ثم ركبها .
ثم نادى: اللهم، ارحمني ومحمدًا، ولا تشرك في رحمتنا أحدًا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتقولون هذا أضل أم بعيره)( ).
وفيه وجوه :
الأول : جمع الناس من الأولين والآخرين في المحشر ، بعد بعثهم من القبور .
روى في المرسل (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه رده الله عليه رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين مالي إنك على كل شيء قدير)( ).
الثاني : الوعد بنزول رحمة الله على الذين يذكرونه ، ومن فضل الله نزول رحمة الله عليهم في الدنيا ، وفي البرزخ ، ويوم القيامة ، إذ أن الله عز وجل يعطي بالأوفى والاتم ، ولأصالة الإطلاق ، لذا جاءت النصوص بحضور القرآن لتاليه عند مجئ منكر ونكير لمساءلته.
وعن (رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة ، وقال : هي المانعة في القبور)( ).
وتأتي الرحمة بلحاظ جهات :
الأولى : قانون الدعاء طريق نجاة في البرزخ ، والمحشر ، قال تعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ.
ولو دار الأمر في موضوع الآية أعلاه هل هو خاص بعالم الدنيا وقضاء الحاجات فيها ، أم يشمل الآخرة .
فالمختار هو الثاني ، لأصالة الإطلاق ، وسعة رحمة الله عز وجل ، ولأن المراد من قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، هو أدعوني لأمور الدنيا والبرزخ ويوم القيامة.
الثانية : قانون الدعاء ذكر ، ويتجلى وعد الله عز وجل للعباد على ذكرهم له بقوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.
الثالثة : قانون تلاوة آيات القرآن ذكر لله عز وجل .
الثالث : تفضل الله عز وجل بالعفو والمغفرة عند الإستغفار ، قال تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا.
ومن الإعجاز في آيات الإستغفار قانون العموم بقبول التوبة ، فباب الإنابة والتوبة مفتوح للناس جميعاً ، ومع المغفرة العامة تأتي النعم والخصب والبركة ، كما في ترغيب نوح عليه السلام بالإستغفار مقدمة للنعم فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا وفيه نكتة وهي وعد الرسول لقومه من الوحي.
قانون المناجاة بالصلاح واقية في البرزخ
من واجبات المكلفين قانون السعي في مرضاة الله , وقانون الإستعداد للموت وعالم القبر بطلب رضا الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالعمل الصالح وقد يفوز العبد برضا الله بفعل مخصوص بقصد القربة إلى الله تعالى ويبتغي فيه رضوانه ، قال تعالى لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
وهل النجاة من عذاب البرزخ من الأجر العظيم الذي اختتمت به الآية أعلاه ، الجواب نعم .
لتبين الآية صراطاً مستقيماً وما يسمى خارطة طريق للذي يريد النجاة في النشأتين لبيان النفع العظيم في القول الصالح ، والهداية إلى الرشاد ودرء الفساد .
وتبين الآية أعلاه حضور ما يتناجى به الناس معهم يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، ثم أخبرت الآية عن النفع العظيم في نجوى صلاح متعددة في كل من :
الأول : الأمر بالصدقة ومنه الحث على إخراج الزكاة والخمس .
ولم يرد لفظ [بِصَدَقَةٍ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين ميتة من السوء)( )، وفيه دعوة نبوية لدفع أسباب ومقدمات ميتة السوء .
الثاني : الأمر بالمعروف والإحسان ، وما تطمئن اليه النفوس ويستحسن شرعاً وعقلاً ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
الثالث : الإصلاح بين الناس بالسعي وبذل المال ، وسبل الوئام .
وهل منه الصلح بين الزوجين .
الجواب نعم ، ليكون من معاني وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، بقصد القربة إلى الله عز وجل وجوه :
الأول : الصلح خير للمصلح في القبر .
الثاني : الصلح خير للمصلح يوم القيامة .
الرابع : الوعد بالأمن من أهوال يوم القيامة ، وهو وعد عظيم ، ولا يعلم كثرة عدد الذين ينالونه إلا الله عز وجل ، ولا ينالونه باستحقاق ، بل بلطف ورحمة وكرم من عند الله عز وجل ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .
لبيان أن البشارة بالنجاة من عذاب البرزخ ملازمة لأهل الأرض لأنها من رشحات بعثة الأنبياء ، ونزول الكتب السماوية ، فالمؤمنون من الأمم السابقة فازوا بذات بشارة الأمن من العذاب في القبر ويوم القيامة ، وهو الذي بشر به المؤمنون والمؤمنات واتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : العصمة من الخزي يوم القيامة ، قال تعالى يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
وتدل الآية على الفوز بهذه النعمة بالإيمان والعمل الصالح والدعاء .
وهل من خزي للكافر في القبر ، أم ليس من خزي لعدم وجود الناس معه ، الجواب هو الأول ، لأن الخزي للقبح الذاتي للخزي ولحضور الملكين منكر ونكبر .
السادس : الوعد الأعظم ، واللطف الأكرم ، والهبة الأسنى بالوعد بدخول الجنة ، وتنجز هذا الوعد في الآخرة ، ومن خصائص دخول الجنة قانون الذي يدخل الجنة يلبث فيها مؤبداً ولا يخرج منها ، لقانون الآخرة عالم الخلود جزاءً ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ* خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وهنا مسألة وهي هل تشمل البشارة بدخول الجنة السلامة من عذاب البرزخ ، أم أن القدر المتيقن من هذه البشارة هو يوم القيامة .
المختار هو الأول ، لأن الآية أعلاه ذكر خصال الذين يخلدون في الجنة وهم المؤمنون الذين عملوا الصالحات ، والتي هي واقية من عذاب البرزخ ، والعلم عند الله عز وجل.
قانون منافع الإستغفار عند الدخول في القبر
ينفع الإستغفار صاحبه عند دخوله القبر ، كما ينتفع من الأموات من استغفار الأحياء ، وفيه وجوه :
الأول : قانون الدنيا دار الإستغفار .
الثاني : قانون الإستغفار ذخيرة للنشأتين فاستغفارك اليوم ينفعك في غد وأيام الأسبوع والشهر ، وفي الآخرة .
الثالث : قانون دخول الإستغفار مع صاحبه إلى القبر ، لأنه شعبة من العمل ، والإجماع على قانون دخول العمل مع صاحبه القبر .
الرابع : قانون الإستغفار إمتثال لأمر الله عز وجل ، إذ ورد ذكره في القرآن بصيغة الأمر في آيات عديدة مع البشارة باستجابة الله عز وجل منها قوله تعالى وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
كما ذكرت آيات أخرى بذكر الإستغفار بصيغة الجملة الخبرية ، منها قوله تعالى وَالَّذِينَ إذا فَعَلُوا فَاحِشَةً أو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، فيمحو الإستغفار فعل الفاحشة .
ومن الإعجاز في السنة النبوية تعليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته وأصحابه كيفية الإستغفار ، وكان يجتهد بالإستغفار لنفسه مع عصمته ، لتنمية ملكة الخشوع والإستكانة لله عز وجل عند أجيال المسلمين والمسلمات .
(عَنْ أبي مُوسَى قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي كُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي)( ).
وعن عبد الله بن مسعود (قال : قال رسول الله : من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاثاً غفرت ذنوبه وإن كان فرّ من الزحف)( ).
قانون الشفاعة في القبر
الفوز بشفاعة الرسل والأنبياء والملائكة ومن يأذن الله له بالشفاعة الخاصة نعمة عظمى ، قال تعالى إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ إذ تدل الآية أعلاه على تحقق الشفاعة في الآخرة .
وقد وردت نصوص عديدة بالشفاعة ، ومنها شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي الشفاعة الكبرى ، إذ ورد (عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ – آدم فمن سواه – إلا تحت لوائي .
وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم عليه السلام فيقولون : أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك .
فيقول : إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض ، ولكن ائتوا نوحاً . فيأتون نوحاً فيقول : إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم . فيأتون إبراهيم فيقول : ائتوا موسى .
فيأتون موسى عليه الصلاة والسلام فيقول : إني قتلت نفساً ، ولكن ائتوا عيسى . فيأتون عيسى عليه السلام فيقول : إني عُبِدْتُ من دون الله ، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها ، فيقال : من هذا.
فأقول : محمد .
فيفتحون لي ويقولون : مرحباً .
فأخرّ ساجداً فيلهمني الله عز وجل من الثناء والحمد والمجد ، فيقال : ارفع رأسك . . . سل تُعْطَ ، واشفع تُشَفّعْ ، وقل يسمع لقولك . فهو المقام المحمود الذي قال الله عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ))( ).
والمختار أن شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تشمل العوالم الثلاثة :
الأول : الحياة الدنيا ، فهو حي عند الله عز وجل .
الثاني : عالم البرزخ .
الثالث : يوم القيامة ، و(عن أبي الدرداء : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع النداء قال : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، صل على محمد عبدك ورسولك ، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال هذا عند النداء جعله الله في شفاعتي يوم القيامة)( ).
والنداء هو الأذان خمس مرات في اليوم .
قانون إعجاز القرآن دعوة للإيمان
لقد تلقى رؤساء قريش وحلفاؤهم رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن بالتكذيب ، وإنكار التنزيل .
وقد كذّب الكفار الأنبياء السابقين كما في قوله تعالى كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ، كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ.
كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ وهم قوم شعيب ، والأيكة : الشجر الملتف.
ولا تدل هذه الآيات على الحصر ، إنما تتضمن الإخبار عن تكذيب الكفار لكل نبي يبعث في زمانهم ، لذا وردت الآيات أعلاه بصيغة الجمع (المرسلين).
وإذ كذب الكفار المرسلين مع مجيئهم بالمعجزات الحسية ، فقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات العقلية والحسية وهذا التعدد من مصاديق وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
فمن مصاديق الرحمة في بعثته صلى الله عليه وآله وسلم تقريب الناس للإيمان بالمعجزة العقلية أو الحسية أو بهما معاً ، ومع هذا فقد كذّب به الكافرون ، قال تعالى قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
ولكن هذا الجحود لم يصمد أزاء دخول الناس في الإسلام أفواجاً وتسليمهم بعالم البرزخ وعالم الحساب ، قال تعالى إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
و(عن ابن عمر قال : هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنى ، وهو في حجة الوداع إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختمها ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع)( ).
وصحيح أن القرآن مؤلف من جنس الألفاظ العربية التي يتحدثون ويتخاطبون بها إلا أنه معجز بذاته وبلاغته ودلالاتها ، ووعده ووعيده ، وبشاراته وإنذاراته ، وأحكامه وما فيه من التكاليف .
ولقد ذكر الله القرآن بما يفيد معنى أعم من القسم في ثلاث آيات وهي:
الأولى : قوله تعالى [يس *وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ] ( ).
الثانية : قوله تعالى ص* وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
الثالثة : قوله تعالى [ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ] ( ).
وكل آية منها تأكيد لموضوع سماوي ، وشهادة بصدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ، ونزول القرآن من عند الله وشاهد سماوي على صدق نزول القرآن من عند الله .
وأن كل آية منه قانون سماوي لا يحتمل إلا الصدق والحق ، ومنه الآيات التي تتضمن الإخبار عن عالم البرزخ وبيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها ، إذ أن السنة النبوية مرآة للقرآن ، وهي المصدر الثاني للتشريع .
قانون لقاء العباد لله عز وجل
الحمد لله الذي جعل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ومنه أحوال الناس في الآخرة , بما يمنع من الجهالة والغرر ويطرد الغفلة عما في القبر من المساءلة ، والأهوال يوم القيامة .
وقد ذكر القرآن لقاء الناس لله في ثلاثة مواضع من القرآن بقوله تعالى في الآيات :
الأولى : قوله تعالى قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ.
الثانية : قوله تعالى وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.
الثالثة : قوله تعالى مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
ولقاء الله ليس حسياً كلقاء الناس بعضهم لبعض ، فالله عز وجل منزه عن المكان والجهة ، إنما المراد لقاء الحساب والجزاء من عند الله ، فاما إلى الجنة ، وأما إلى النار .
والمراد من أجل الله هو الموت عند حلول أوانه ، قال تعالى يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ووردت آيات بصيغ أخرى تتعلق بلقاء الله لبيان أنه حق ، منها قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ.
والمراد من لقاء الله هو صيرورة الإنسان إلى عالم الآخرة من حين الوفاة ، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من مات فقد قامت قيامته)( ).
لبيان الإنتقال من دار العمل وكسب الحسنات إلى عالم القبر وشدة وطأته .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، قلنا يا رسول الله كلنا نكره الموت .
قال : ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا حُضِر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه.
قال : وإن الفاجر -أو الكافر-إذا حُضِر جاءه بما هو صائر إليه من الشر أو : ما يلقى من الشر-فكره لقاء الله فكره الله لقاءه)( ).
وهل عالم البرزخ من لقاء الله أم أن القدر المتيقن منه هو يوم القيامة ، المختار هو الأول .
إذ ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، فاعبدوا الله كأنكم ترونه، واستغفروه كل ساعة).
قانون الرؤيا بشارة ورحمة
(عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، قال : الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن ، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة.
فمن رأى ذلك فليخبر بها وادّاً.
ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه ، فلينفث عن يساره ثلاثاً وليسكت ولا يخبر بها أحداً)( ).
ومن معاني الرؤيا المكروهة من الشيطان وأضغاث الأحلام ما يوسوس به الشيطان للإنسان في اليقظة والإبتلاء الذي يلاقيه .
والمختار أن الشيطان لا يستطيع النفاذ إلى روح الإنسان أثناء نومه .
والحديث النبوي أعلاه من المتواتر إذ روي عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت ، وعن جابر بن عبد الله بن رباب
و(عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة، قال : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له)( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال (أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أخبرني عن قول الله الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما قوله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه ، وأما قوله [وفي الآخرة] فإنها بشارة المؤمن عند الموت ، إن الله قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (لن تموت نفس مؤمنة حتى ترى رسول الله صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام يدخلان جميعا على المؤمن.
فيجلس رسول الله صلى الله عليه وآله عند رأسه وعلي عند رجليه ، فيكب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: يا ولي الله ابشر أنا رسول الله إني خير لك مما تركت من الدنيا .
ثم ينهض رسول الله صلى الله عليه وآله فيقوم علي عليه السلام حتى يكب عليه فيقول : يا ولي الله ابشر أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحب ، أما لانفعنك .
ثم قال : إن هذا في كتاب الله، فقلت: أين جعلني الله فداك ، قال في يونس [الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ( ))( ).
وتبين الآية الكريمة قانون مصاحبة البشارة في النشأتين للتقوى ، فالمؤمن الذي يخشى الله بالغيب تأتيه الرؤيا الحسنة ، وبما يبعث السكينة والطمأنينة في نفسه).
لتكون الرؤيا مدداً للمسلم وغير المسلم في تنزيه جوارحه عن التعدي والظلم والإرهاب لقانون الإرهاب خلاف التقوى ، ومن لطف الله عز وجل بالناس مجئ أسباب التقوى للمسلم في اليقظة والمنام .
قانون عدم الإنشغال بالرؤيا
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار ، والمدار فيها على عالم الأفعال ، ولا يصاحب الإنسان ويدخل معه في قبره إلا عمله صالحاً كان أو سيئاً .
مما يلزم العاقل الإمتناع عن فعل السيئات ، ومنها الظلم وسفك الدماء ، فلذا وردت آيات القرآن بمخاطبة أولي الألباب ، أي الذين يسخرون عقولهم في طاعة الله والعصمة من فعل القبيح ، والظلم عموم وخصوص مطلق ، فالقبيح أعم.
أما الرؤيا فهي رموز تزور الإنسان في منامه للبشارة أو الإنذار ولتقويم وإصلاح الأعمال ، ومنها ما يكون أضغاث أحلام لا عبرة فيها .
وقد ذكر الله عز وجل الرؤيا وتأويلها وأثرها في (خمسة وعشرين) آية تقريباً من مجموع آيات القرآن وهي (6236) آية لبيان أحوال الأنبياء ، وترتب الأثر على الرؤيا الصادقة ، وهل هي من مصاديق قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ، الجواب نعم .
والأصل هو الإنشغال بأمور الدين والدنيا والواقع ، ولا يقف الفرد والجماعة عند الرؤيا وموضوعها كثيراً ويدل عليه ما ورد عن (ابن عباس كان يحدث ان رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
فقال يا رسول الله إنى أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم فالمستكثر والمستقل.
وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض فأراك أخذت به فعلوت ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلا ، قال أبو بكر يا رسول الله بأبى انت وأمى لتدعني فلاعبرنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعبر قال أبو بكر أما الظلة فظلة الاسلام .
وأما الذى ينطف من السمن والعسل فالقرآن حلاوته ولينه ، وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل ، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذى أنت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل بعدك فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به (ثم يأخذ به رجل آخر فيعلوبه فينقطع به) ثم يوصل له فيعلو به.
فأخبرني يا رسول الله بأبى انت وامي أصبت أو اخطأت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصبت بعضا واخطأت بعضا قال فو الله لتخبرنى بالذى اخطأت قال لا تقسم)( ).
وحينما أراد أبو بكر معرفة ما أخطأ به ، لم يبين له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجوه خطئه كيلا تكون هناك عناية زائدة وجدال في الرؤيا الشخصية ، والمنع من هذه العناية لأن الدنيا دار عمل وجهد وجهاد ضد النفس وفي التنزيل إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ.
ومن هذه الفلسفة عدم الإنشغال التام بالرؤيا وجعلها موضوع الحديث والأخذ والرد ، إلا إذا كانت ذات صبغة عامة كما تدل عليه رؤيا يوسف عليه السلام ورؤيا ملك مصر .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا تُقسم )لعدم ترتب الأثر على يمين المناشدة في إنجاح وتلبية القسم .
وقد ذكرتُ في الجزء الرابع من رسالتي العملية الحجة (يمين المناشدة: وهي المتوجهة إلى الغير لحثه على انجاح المقصود ، كما لو قلت لأخيك أسألك بالله ان تصل رحمك، وقد يكون سؤال الترك في المستقبل كما لو قلت له: اسألك بالله أن تترك التدخين .
ويسمى السائل هنا الحالف والمقُسم ، أما الذي يُسأل فيسمى المحلوف عليه.
وهذه اليمين لا تنعقد ولا يترتب على عدم الإمتثال والإلتزام بها إثم أو كفارة لا على الحالف في احلافه ولا على المحلوف عليه في عدم انجاح مسؤوله وعليه الإجماع وعدد من الأخبار)( ).
دار السلام
لقد احتجت الملائكة على جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، مع بيانهم لسبب هذا الإحتجاج بأنه [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] فاجابهم الله عز وجل إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، ومن علم الله عز وجل عدم استدامة خلافة الإنسان في الأرض وانقطاعها من جهات :
الأولى : القضية الشخصية بالموت والأجل يأتي على الإنسان ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ )( ).
الثانية : الحروب والأوبئة والفيضانات ، ونحوها مما يسبب الموت الذريع.
الثالثة : فناء الدنيا .
و(عن قتادة في قوله مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : تهيج الساعة الناس والرجل يسقي ماشيته .
والرجل يصلح حوضه ، والرجل يقيم سلعته في سوقه .
والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، فتهيج بهم وهم كذلك فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ قال : اعجلوا عن ذلك)( ).
ومن علم الله عز وجل حشر الناس جميعاً يوم القيامة ، بعد تعاقبهم أجيالاً وطبقات لآلاف السنين في الحياة الدنيا ، وفي شتى أصقاع الأرض وهو من مصاديق خلافتهم فيها .
ولكن يوم القيامة تجتمع هذه الأجيال التي لا يُحصي عددها إلا الله عز وجل في صعيد واحد .
لبيان التباين الشاسع بين الأجيال في لبثهم في عالم البرزخ ، فمنهم من يمكث في القبر عشرات آلاف السنين ومنهم من يمكث فيها بضع سنوات ، ولأن الساعة والنفخ في الصور لا يعلم أوانه إلا الله عز وجل فلابد للإنسان من الإحتراز والإستعداد لطول البقاء في القبر وعالم البرزخ بعمل الصالحات.
ولقد أكثر الناس من سؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أوان انقطاع الحياة الدنيا ، وقيام الساعة ، فنزلت الآيات بأن الله عز وجل وحده هو الذي يعلم أوانها ، قال تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
ويحاسب كل واحد من عموم الناس في ذات الوقت ، وهو من الإعجاز في بديع صنع الله عز وجل لبيان وجوه :
الأول : قانون بدائع الخلق في الآخرة أعظم منها في الدنيا .
الثاني : قانون حسرة الكافر في الآخرة لأنه لم يصدق بالمعجزات في الدنيا.
الثالث : قانون ندم الظالم يوم القيامة لحضور عمله بين يديه ، وما فيه من الإضرار بالناس ، قال تعالى وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا.
ولم يرد لفظ (يعض) في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان شدة ندم الظالمين في الآخرة .
وليكون المؤمنون الذين يعملون الصالحات يوم القيامة في أمن من الخوف والفزع ، قال تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، ومن اتباع الهدى التنزه عن الإرهاب لأنه ظلم وتعد.
وقد ورد لفظ (دار السلام) مرتين في القرآن احداهما تدل على أن المراد هو عالم الآخرة ، قال تعالى في البشارة للمؤمنين لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، والثانية قوله تعالى وَاللَّهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، وفيه إقامة للحجة على الناس بأن الله عز وجل يدعوهم كل يوم مجتمعين ومتفرقين إلى الجنة ، وليس من حصر لمصاديق هذه الدعوة ، وكل آية من القرآن من هذه الدعوة ، وكذا كل حديث نبوي لقوله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
ومن الدعوة الآيات الكونية وهل منها نفرة الناس العامة من العمل الإرهابي ، الجواب نعم لقوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
قانون عذاب القبر لمن مات على الكفر
قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ نزلت الآية بصيغة الجملة الاسمية التي تفيد الثبات والدوام ، لأنهم غادروا الدنيا على الكفر ، والآخرة دار حساب بلا عمل.
ولم تختص الآية بكتمان وإخفاء البينات وبراهين التوحيد ، وهل من استثناء في المقام ، كأن يدعو الابن لأبيه الكافر ، وعمومات قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
الجواب قال تعالى مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى.
وفيه دعوة لكل انسان للتوبة والإنابة ، وإصلاح نفسه لعالم الآخرة ولقبول الدعاء والإستغفار له .
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إذا مَاتَ الإِنسانُ انقطع عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاِتٍ : إِلاَّ مِنْ صَدَقَةَ جَارِيَةٍ ، أو علْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)( ).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (يكون الميِّتُ في قَبْرِهِ كالغَرِيقِ يَنْتَظرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ من ابْنِهِ أو أَخِيهِ أو صَدِيقِهِ ، فاذا لَحِقَتْهُ ، كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدَّنْيا وَمَا فِيهَا)( ).
ومن خصائص عالم البرزخ فرح الميت بما يهدى إليه أكثر مما يفرح الحي بالهدية ، والذي قد يستقل الهدية ، أو تأتيه رداً لجميل صدر منه ، أما الميت فيرضى ويغتبط بالكلام القليل مثل (اللهم اغفر لفلان) أو بقراءة الفاتحة ، وإهداء آيات القرآن له ، أو بالصدقة نيابة عنه .
لبيان الصلة بين الدنيا والآخرة ، ويقرأ المسلم سورة الفاتحة لأهل المقبرة فيصل ثوابها كاملاً إلى كل واحد منهم وكأنه قرأ له بالخصوص .
ومن المقابر ما تضم ملايين الأجساد كمقبرة النجف بجوار الإمام علي عليه السلام ، وهل يصل الثواب إلى أهل القبور المندرسة أيضاً ، الجواب نعم .
وهل يختص استحباب قراءة الفاتحة لأهل المقبرة عند المرور أو الوقوف عليها ، الجواب لا ، لبيان سعة فضل الله عز وجل على الأحياء والأموات ، إذ ينال الحي الذي يستغفر للأموات أو يقرأ لهم القرآن الأجر والثواب ، ومنه السلام على أهل القبور.
إذ ورد عن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من قال إذا مر بالمقابر السلام على أهل لا إله إلا الله من أهل لا إله إلا الله كيف وجدتم قول لا إله إلا الله يا لا إله إلا الله بحق لا إله إلا الله اغفر لمن قال لا إله إلا الله واحشرنا فى زمرة من قال لا إله إلا الله غفر له ذنوب خمسين سنة .
قيل يا رسول الله من لم يكن له ذنوب خمسين سنة قال لوالديه وقرابته ولعامة المسلمين)( ).
وقال رجل من بني سلمة (يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ بَقيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ ، أَبُّرُهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ : نَعَمْ الصَّلاَةُ عَلَيْهما ، والاسْتِغْفَارُ لَهُما وإِنْفَاذُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِمَا ، وَصَلَةُ الرَّحِمِ التي لاَ تُوَصَلُ إِلاَّ بِهمَا ، وإِكْرَامُ صَدِيِقِهَما)( ).
التوبة النصوح
التوبة هي العزم على ترك الذنوب والمعاصي متحدة أو متفرقة والرجوع إلى الله ، وإتيان الصالحات وكأنها من الناسخ والمنسوخ ، ويتجلى قانون التوبة حاجة لكل إنسان .
ومن لطف الله وجوه :
الأول : قانون إنتفاء البرزخ والحاجب بين العبد والتوبة .
الثاني : قانون إنعدام المانع بين الإنسان والإنابة والندامة عن إرتكاب المعصية .
الثالث : قانون لزوم تعاهد التوبة بالإقلاع عن الذنب والندم على مافات .
الرابع : قانون المبادرة إلى التوبة .
ومن معاني التوبة النصوح صدقها ، وخلوها من الغش والرياء ، مع النية بعدم معاودة المعصية ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قال قتادة ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : بادروا بالأعمال ستاً : طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، والدخان ، ودابة الأرض ، وخويصة أحدكم( ) وأمر العامة . القيامة.
ذكر لنا أن قائلاً قال : يا نبي الله ما آية طلوع الشمس من مغربها.
قال : تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين .
فيقوم المتهجدون لحينهم الذي كانوا يصلون فيه ، فيصلون حتى يقضوا صلاتهم والنجوم مكانها لا تسري .
ثم يأتون فرشهم فيرقدون حتى تكل جنوبهم ، ثم يقومون فيصلون حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس .
ثم يصبحون ولا يصبحون إلا عصراً عصراً ، فبينما هم ينتظرونها من مشرقها إذ فجئتهم من مغربها)( ).
وباب التوبة للناس مفتوح من وجوه منها :
الأول : القضية الشخصية ، لقانون كل يوم وكل ساعة من حياة الإنسان هي مناسبة للتوبة .
الثاني : القضية النوعية العامة ، والآيات الكونية في آخر الزمان منها طلوع الشمس من مغربها ، فلا توبة بعدها ، إذ ورد (عن حذيفة قال :سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقلت : يا رسول الله ما آية طلوع الشمس من مغربها .
فقال : تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين ، فبينما الذين كانوا يصلون فيها فيعملون كما كانوا والنجوم لا ترى قد قامت مقامها .
ثم يرقدون ثم يقومون فيعملون ثم يرقدون ، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس ولا يصبحون ، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذا هي طلعت من مغربها ، فاذا رآها الناس آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم)( ).
الثالث : التوبة من الذنب عند الهمّ به ، بعدم اقترافه ، والإنصراف عنه.
وبالإسناد (عن أعرابي قال خرجت في بعض ليالي الظلمة فإذا أنا بجارية كأنها علم فأردتها على نفسها فقالت ويلك أما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناه من دين فقلت لها إيها والله ما يرانا إلا الكواكب قالت فأين مكوكبها)( ).
وهل منه ما ورد بخصوص يوسف عليه السلام وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ، الجواب لا .
لأن يوسف عليه السلام لم يهم بفعل الفاحشة ، ففي الآية تقديم وتأخير ، وتقديرها : ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها.
وذكر من معاني الآية أنه همّ بقتلها ، وقيل أن زليخا لما همت بيوسف عليه السلام قامت فغطت وجه صنم كان لها ، فقال يوسف : ما لك اتستحين من مراقبة جماد ، ولا أستحي من مراقبة الملك الجبار .
وقد تأتي التوبة بزاجر من طرف آخر ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
وكان في البصرة رجل له أملاك ، وعنده عامل في قصره ، وللعامل امرأة جميلة حسناء كثيرة اللحم ، فركب إلى قصره ، وأرسل زوجها ليلقط لهم الرطب ثم يدور به على عدة بيوتات في الأزقة ، وخلا بامرأة العامل وقال لها (أغلقي باب القصر فأغلقته ، ثم قال لها أغلقي كل باب ففعلت ، فقال لها هل بقي باب لم تغلقيه .
قالت نعم باب واحد لم أغلقه قال وأي باب هو قالت الباب الذي بيننا وبين الله عز وجل فبكا ثم قام يتصبب عرقا وانصرف ولم يواقع الخطيئة)( ).
الرابع : التوبة عند التلبس بالمعصية وبقطعها بقصد التوبة والإنابة .
أسماء الموت
الموت مصدر يقال مات يموت موتاً ، فهو ميت والجمع ميتون وأموات وموتى ، قال تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.
وفي الآية أعلاه منع من الغلو بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،ومن الإرتداد عند موت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وورد لفظ [أَمْوَاتً]في القرآن ست مرات منها أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا والكفات الوعاء والسكن أي أن الأرض وعاء للناس تجمع الأحياء على ظهرها ، وتضم الذين يموتون إلى بطنها .
ونظر الإمام علي عليه السلام (في رجوعه من صفين إلى المقابر فقال:
هذه كفات الأموات، أي مساكنهم، ثم نظر إلى بيوت الكوفة فقال: هذه كفات الاحياء، ثم
تلا قوله: ” ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا)( ).
وورد لفظ الموتى سبع عشرة في القرآن ، ومنها قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ .
ومن عادة العرب تعدد الأسماء للشئ الواحد خاصة إذا كان ذا أهمية وشأن عندهم، وغالباً ما يكون هذا التعدد بسبب التباين في النوع أو الكيفية لذات الشئ ، كما في كثرة أسماء السيف ، ومن أيام الجاهلية إذ تصل أسماؤه إلى نحو مائتي اسم ، ولقب منها ما يطلق على السيف مطلقاً ، ومنها يكون لصنف خاص منها الصمصام وهو السيف الذي لا ينثني ، والبارقة الذي له لمعان ، والأزود وهو السيف القاطع ، والصفيحة وهو العريض ، والمدجل وهو سيف المطلي بالذهب ، والمهند وهو المطبوع من حديد بلاد الهند ، وكان أحسن الحديد والحسام وهو القاطع .
وفي قصيدة لأبي تمام بخصوص فتح عمورية :
السيف أصدق أنباءً من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لاسود الصفائح في … متونهن جلاء الشك والريب)( ).
وقد أكرم الله عز وجل الناس بالكتب السماوية المنزلة ، وهي السبيل إلى الهداية والرشاد والصلاح ، وإستئصال الفساد .
وللموت عند العرب نحو عشرين اسماً بنحو المترادف منها :
الأول : المنيَة (عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا كانت منية أحدكم بأرض أتيحت له الحاجة ، فيقصد إليها فيكون أقصى أثر منه فيقبض روحه فيها ، فتقول الأرض يوم القيامة : رب هذا ما استودعتني)( ).
وقوله تعالىأَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِفي مكر كفار قريش بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإرادتهم موته بحوادث الأمور وعن (عن ابن عباس في قوله { ريب المنون } قال : الموت)( ).
الثاني : الشعوب بالفتح لأن الموت يشعب ويفرق بين المرء ومن حوله (ويقال: شعبت به الشَّعوب؛ أي ذهبت به المنية)( ).
الثالث : الوفاة ، قال تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
الرابع : القاضية ، ويقال فلان قضى نحبه أي أجله ، وسأل نافع (عن قوله { قضى نحبه }( ) قال : أجله الذي قدر له . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول لبيد :
ألا تسألان المرء ماذا يحاول … أنحب فيقضى أم ضلال وباطل)( ) .
وقال تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا وذكر (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول ، فوقف عليه ودعا له ، ثم قرأ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ….
ثم قال أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، فائتوهم وزوروهم ، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه)( ).
ويرد ذكر الموت بلازمه والإخبار عنه وهو النعي .
الخامس : السام ، قال الزبيدي (والصحيح في الموت انه السام بتخفيف الميم بلا هاء)( ) .
السادس : الحِمام بالكسر .
السابع : الأجل ، قال تعالى إذا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ.
الثامن : الردى .
التاسع : الهلاك .
العاشر : الفَوات (موت الفجأة) .
الحادي عشر : الهلاك ، وفي يوسف عليه السلام قال تعالى حَتَّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا….وهلك أي مات .
قانون استقلال عالم البرزخ
لقد خلق الله عز وجل آدم أبا البشر من الأرض وترابها ثم نفخ فيه من روحه ، قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ .
والصلصال الطين اليابس إذا نقرته سمعت له صلصلة أي صوتاً ، وقال تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فاذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ .
ويذّكر الله عز وجل الناس في آيات القرآن بخلقهم من التراب ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يستحضر هذا الخلق ليزداد الناس خشوعاً لله عز وجل و(عن أبي أمامة قال : لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}( ) بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله)( ).
لتبين هذه الآية تقسيم العوالم الطولية إلى :
الأول : الحياة الدنيا ، وهي دار عمل بلا حساب ، مع إمتلائها بالمعجزات والآيات الكونية التي تدعو الناس في كل ساعة إلى عبادة الله عز وجل .
الثاني : عالم البرزخ : وهو مدة لبث الناس في القبور ، ودخولهم إلى القبور متباين زماناً بين كل إنسان وآخر ، وبين كل جيل والذي يليه ، أما أوان خروجهم من القبور فهو واحد ، وهو من بدائع خلق الناس .
قال تعالى يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًاوهذا الخروج عند النفخ في الصور النفخة الأخيرة ، لتكون نهاية البرزخ ، ولو دفنت طائفة من الناس في بعض الكواكب كما تسعى جهود علماء الفضاء في هذا الزمان للسكن فيها , ففيه وجوه :
الأول : إعادة الناس بعد الدفن إلى باطن الأرض ، لقوله تعالى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى.
الثاني : بعث هذه الطائفة على سطح ذات الكوكب الذي دفنوا فيه ، وكأنه من ذات سنخية التراب الذي خلق منه آدم .
الثالث : جمع الناس في صعيد عريض واحد ، قال تعالى فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فاذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ.
و(عن ابن عباس في قوله فاذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ، قال : الأرض)( ).
والملاك هو إجتماع الناس عند النشور بين يدي الله عز وجل ، وإنكشافهم جميعاً ، قال تعالى إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فاذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ.
وعن ( سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها معلم لأحد”)( ).
ومن فضل الله عز وجل في التخفيف عن الناس ظنهم عند البعث قصر مدة لبثهم في عالم البرزخ ، مع أن أجيالاً منهم تقضي آلاف السنين فيه ، بينما معدل عمر الإنسان نحو سبعين سنة ، قال تعالى يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا.
قانون التضاد بين الحياة والموت
من خصائص الحياة والموت أنهما لا يجتمعان في إنسان أو جان أو حيوان مع أن كلاً منهما أمر وجودي ، لتكون النسبة بالدقة العقلية بين الحياة والموت عموماً وخصوصاً من وجه .
فمادة الإلتقاء الخلق والوجود ، ومادة الإفتراق الحياة دنيوية ، وتجمع بين الروح والجسد وفيها الحركة والمتعة والصحة والمرض .
وفي الموت مفارقة الروح للجسد ، وتعطل الحواس ، وامتناع الأعضاء عن الحركة .
ولكن المدار ليس على الدقة العقلية فالمتبادر هو التنافي والتضاد بين الحياة والموت فلا يحصي نعم الله على الأحياء إلا الله عز وجل بدء من الولادة ، والرزق والصحة والعقل ، وإتخاذه الدنيا دعاء وفرصة لعبادة الله عز وجل .
ولو أجرينا احصائية لخصائص الحياة التي يفقدها الإنسان في الموت ، لبلغت آلاف النعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا.
حكم نبش القبور
يلحق نبّاش القبور الذي يسرق الأكفان بالسارق ، وقال تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وفي قضاء الإمام علي عليه السلام (أنه قطع نباش القبر ، فقيل له : أتقطع في الموتى ؟ فقال : إنا لنقطع لأمواتنا كما نقطع لأحيائنا)( ).
وظاهر الحديث ان القطع عند أخذ الأكفان ، وثبوت نصاب القطع بربع دينار فصاعداً ، والمراد الدينار الذهبي مثقال ذهب عيار (18) حبة .
ولا يحكم بالقطع بأول مرة إنما هو مع تكرار التجرأ والتعدي والسرقة ، لما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام (عن رجل اخذ وهو ينبش ؟
قال : لا أرى عليه قطعا إلا أن يؤخذ وقد نبش مرارا فاقطعه)( ).
وفي هذا الزمان يكون الحكم وفق قوانين البلد من السجن أو الغرامة ، أما الذي ينبش القبر ولم يسرق منه فلا يقطع ولكن قد يعزر .
ولابد من إقامة البينة والحجة على نباش القبور ، فقد يرتاد المؤمن القبور لزيارة عزيز فقده أو للإتعاظ في جوف الليل .
بالاسناد عن عباية بن ربعي( ) قال : ان شاباً من الأنصار كان يأتي عبد الله بن العباس، وكان عبد الله يكرمه ويدنيه فقيل له: انك تكرم هذا الشاب وتدنيه وهو شاب سوء، يأتي القبور فينبشها بالليالي.
فقال عبد الله بن العباس إذا كان ذلك فاعلموني ، قال : فخرج الشاب في بعض الليالي يتخلّخل القبور فأعلم عبد الله بن العباس بذلك فخرج لينظر ما يكون من أمره فوقف ناحية ينظر اليه من حيث لا يراه الشاب .
قال : فدخل قبراً قد حفر، ثم اضطجع في اللّحد، ونادى بأعلى صوته ياويحي إذا دخلت لحدي وحدي، ونطقت الارض من تحتي.
فقالت : لامرحباً بك ولا اهلاً قد كنت ابغضك وانت على ظهري، فكيف صرت في بطني، بل ويحي إذا نظرت إلى الانبياء وقوفاً والملائكة صفوفاً .
فمن عدلك غداً من يخلصني، ومن المظلومين من يستنقذني .
ومن عذاب النار من يجيرني، عصيت من ليس بأهل ان يعصى.
عاهدت ربي مرّة بعد اخرى فلم يجد عندي صدقاً ولاوفاءً .
وجعل يردّد هذا الكلام ويبكي فلما خرج من القبر التزمه ابن عباس وعانقه ثم قال له: نعم النبّاش، نعم النبّاش، ما انبشك للذنوب والخطايا، ثم تفرقا( ).
ومن خصائص الشريعة الإسلامية حرمة الميت وتعاهد قبره ، والمنع من التعدي عليه (إِنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ مَيْتًا كَمِثْلِ كَسْرِهِ حَيًّا)( ).
لبيان حرمة التعدي على الميت مطلقاً ، وليس المؤمن فقط إلى جانب هيبة الموت وعالم القبر .
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية عدم تقييد حرمة نبش القبور ، وسرقة الأكفان بقبور المسلمين ، إنما هي عامة وليس فيها تخصيص ، وكما يدل عليه الحديث أعلاه ، فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسر عظم المسلم ، إنما قال (كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ).
هيئة حفر القبر
والقبر على قسمين :
الأول : اللحد وهو الحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة يوضع فيه الميت ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال عليه التراب ، وكان الصحابي أبو طلحة يلحد ، وهو الذي لحد قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم اللحد لنا والشق لغيرنا ) ( ).
الثاني : الشق ، وهو حفر حفرة وسط القبر على قدر الميت ، ويبنى جانباها بالطوب اللين حتى لا يهيل التراب على الميت ، ثم تسقف الحفرة باللبن أو الحجر مع رفع السقف قليلاً حتى لا يمس جسد الميت ثم يهال عليه التراب .
ويوضع الميت على جنبه الايمن مستقبلاً القبلة ، وكل من اللحد والشق صحيح ، ولكن اللحد هو الأفضل والشق في الأرض الرملية هو الأنسب كيلا ينهال الرمل على الميت .
ويستحب في القبر أن يكون واسعاً وحسناً ، وفي معركة أحد سقط سبعون شهيداً من الصحابة ، فلم يغادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه موضع المعركة حتى دفنهم مع كثرة جراحاته وأصحابه .
وعن (هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَصَابَ النَّاسَ جِرَاحَاتٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِى الْقَبْرِ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا)( ).
لا يجوز المشي والجلوس على القبر بما يؤذي الميت ، ويحرم نبش قبر المسلم وأن كان طفلاً أو مجنوناً (ويستثنى من حرمة النبش موارد :
الأول : الدفن في المكان المغصوب عدواناً أو جهلاً أو نسياناً، ولو رضي المالك بعوض أو بغيره فلا اشكال، والا فيجب نبشه، وكذا إذا كان كفنه مغصوباً أو دفن معه مال مغصوب وان كان من المال المنتقل إلى الوارث، نعم لو اوصى بدفن دعاء أو خاتم أو نحوه معه وكان من الثلث فلا يجوز نبش القبر واخذه إلا إذا كانت الوصية خالية من الغرض الشرعي والعقلائي وكان فيها اضرار بالورثة.
الثاني : إذا كان مدفوناً بلا غسل أو بلا كفن، أو تبين بطلان غسله أو تكفينه كما لو كان الكفن من جلد ميتة مما يقتضي تداركه شرعاً إلا ان يعتبر هتكاً للميت.
الثالث : إذا توقف اثبات حق من الحقوق على رؤية جسد الميت سواء تعلق الحق بالميت أو بالورثة أم بغيرهم.
الرابع : لدفن بعض اجزائه المبانة منه معه، والأولى دفنها معه بصورة لا يظهر منها جسد الميت.
الخامس : إذا دفن في مقبرة أو مكان لا يناسبه بحيث يكون وجوده فيه هتكاً له، كما لو دفن في مقبرة الكفار أو في مزبلة أو بالوعة.
السادس : لنقله إلى المشاهد المشرفة إذا كان قد اوصى بذلك، والأقوى جوازه وان لم يوص الميت به مع عدم الحرج والمشقة أو الهتك للميت، والأولى مع العزم على نقله إلى المشاهد ان يوضع الميت في تابوت يمكن ان ينقل فيه.
السابع : وجود راجح شرعي أهم أو ضرورة إلى النبش, لعمومات قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام .
الثامن : إذا أوصى بدفنه في مكان معين وخالفوا وصيته تقصيراً ومن غير راجح شرعي أو عقلي.
التاسع : إذا خيف عليه من سبع أو سيل أو عدو)( ).
إحصاء قوانين هذا الجزء
الأول : القوانين جمع قانون وهو النظام والقواعد والسنن . ص 11
الثاني : قانون الإحتضار . ص 17
الثالث : قانون سكرة الموت . ص 23
الرابع : قانون اللطف والرفق في قبض روح المؤمن .ص 33
الخامس : قانون لقاء ملك الموت . ص35
السادس : قانون اليسر في قبض روح المؤمن .ص 36
السابع : يدرك كل إنسان بالشواهد والوجدان قانون ملاقاته للموت حتم وقطع. ص36
الثامن : قانون الحضور النبوي المبارك . ص40
التاسع : قانون حضور الصلاة عند الموت . ص45
العاشر : قانون الأجر العظيم في تعاهد أوقات الصلاة . ص45
الحادي عشر : قانون أداء الصلاة من أبهى مصاديق طاعة الله ، والإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ص45
الثاني عشر : قانون تعاهد الصلاة منسأة في الأجل ، وأنها تدفع ميتة السوء ، الجواب نعم . ص47
الثالث عشر: قانون الموت . ص48
الرابع عشر : قانون الحضور المبارك للنبي محمد(ص) عند الميت .ص51
الخامس عشر : قانون الذاكرة مدرسة للعبرة والاتعاظ . ص54
السادس عشر : قانون الذاكرة سبيل للهداية وحجة على الإنسان . ص54
السابع عشر : قانون الذاكرة حاجب يمنع الإنسان من الإعتذار يوم القيامة. ص54
الثامن عشر : قانون التقوى نجاة من عذاب القبر . ص57
التاسع عشر : قانون إتخاذ الدعاء منهاجاً ثابتاً ، وفيه خير الدنيا والآخرة ، قال تعالى مخاطباً النبي محمداً وَإذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. ص58
العشرون : قانون انتفاع الأموات من المتقين من أهل الدنيا . ص58
الحادي والعشرون : قانون الملازمة بين التقوى والصبر في طاعة الله ، والصبر في إجتناب المعصية . ص58
الثاني والعشرون : قانون المعجزة تشد الأسماع وتجذب الأذهان لها .
فالمعجزة هي الأمر الخارق للعادة ، المقرون بالتحدي ، السالم عن المعارضة. ص63
الثالث والعشرون : قانون الملازمة بين النبوة والمعجزة . ص63
الرابع والعشرون :قانون بقاء المعجزة سالمة عن المعارضة بلحاظ أوانها واستغنائها عن الأسباب والمقدمات المادية وليس لها من علة الا اذن الله وفضله تعالى. ص64
الخامس والعشرون :وقد ورد لفظ [أَذِنَ اللَّهُ] عشرين مرة في القرآن ، منها مرتان في آية واحدة بخصوص عيسى عليه السلام ، وفي التنزيل وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ.
وفيه قانون طرد الغلو بشخص عيسى عليه السلام ، والمنع من نعته بالساحر ، لقانون لا إفراط ولا تفريط . ص64
السادس والعشرون : قانون استدامة حياة المعجزة مدرسة لإستلهام العبر واستنباط الدروس واقتباس العلوم .ص65
السابع والعشرون : قانون (حياة المعجزة) كعنوان لإستدامتها وديمومتها .ص65
الثامن والعشرون :وجود الموت في الذهن كيفية نفسانية وماهية مغايرة للماهية الخارجية لقانون أن العلم غير المعلوم .ص68
التاسع والعشرون :قانون لزوم ذكر الموت على الألسنة ، وفي الوجود الذهني .
الثلاثون :بيان قانون التضاد بين ذكر الموت والغفلة ، فهذا الذكر دفع للغفلة ، وزاجر عن المعاصي. ص70
الحادي والثلاثون : قانون الموت طالب حثيث . ص75
الثاني والثلاثون : قانون سكرات الموت . ص76
الثالث والثلاثون :قانون احتضار الكافر أول مراحل عذابه . ص79
الرابع والثلاثون : قانون الاشتغال بتجهيز الميت من التقوى ، وسبيل إلى طرد الهوى والزهو والغرور عن النفس . ص82
الخامس والثلاثون :قانون تلقي ملك الموت للمؤمن . ص86
السادس والثلاثون :قانون التعزية عند الموت . ص89
السابع والثلاثون :التذكير بقانون وهو أن الرسول محمداً لابد وأن يموت مثلما مات الرسل السابقون. ص91
الثامن والثلاثون : قانون التهيئ العام لمغادرة النبي محمد إلى الرفيق الأعلى.
التاسع والثلاثون : قانون دعوة للمسلمين للإتعاظ والصلاح اقتداءً برسول الله وبلغة للحوق به في جنات النعيم . ص91
الأربعون :قانون الحرمة اللاحقة . ص102
الواحد والأربعون :قانون الذهاب إلى النوم . ص108
الثاني والأربعون :قانون دخول القبر . ص142
الثالث والأربعون :قانون ضغطة القبر . ص148
الرابع والأربعون :قانون ضغطة القبر تذكرة . ص151
الخامس والأربعون : قانون الدعاء لصرف ضغطة القبر . ص153
السادس والأربعون :يتجلى قانون الإستعداد لعالم القبر بالتقوى وهو رصيد وذخيرة في الآخرة.
السابع والأربعون : قانون العناية بسبل النجاة من عذاب القبر ص165.
الثامن والأربعون : قانون إعداد المستلزمات والمقدمات الإيمانية للوقاية من عذاب القبر. ص165
التاسع والأربعون : قانون نداء الإستغاثة . ص166
الخمسون : قانون سؤال منكر ونكير الميت . ص167
الواحد والخمسون : قانون الملازمة بين دخول القبر وسؤال منكر ونكير . ص170
الثاني والخمسون : قانون القبر وداع للدنيا . ص178
الثالث والخمسون : قانون الأمل . ص184
الرابع والخمسون : قانون البسملة حرز . ص186
الخامس والخمسون : قانون إحتجاب ما تلقاه الروح من الثواب أو العقاب عن المدارك . ص195
السادس والخمسون : قانون بقاء العصعص . ص196
السابع والخمسون : قانون المنع من الجزع . ص199
الثامن والخمسون : قانون فتنة القبر . ص203
التاسع والخمسون : قانون نبش القبر عند الحاجة . ص214
الستون :قانون مغادرة الروح البدن عند الموت . ص226
الواحد والستون : قانون كل من حول العرش من العقلاء . ص247
الثاني والستون : قانون الإيمان بالملائكة عون ومدد . ص248
الثالث والستون : قانون الإستغفار . ص251
الرابع والستون : قانون دخول الإستغفار مع الميت للقبر . ص252
الخامس والستون : قانون الإستغفار سلاح وعون في عالم البرزخ ، مما يلزم الإكثار منه . ص252
السابع والستون :قانون الإستجابة للإستغفار ليكون من مصاديق الدعاء. ص252
الثامن والستون : قانون حاجة كل إنسان إلى الإستغفار والإكثار منه ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعصوم من الخطأ يواظب على الإستغفار ، ويحث المسلمين عليه . ص252
التاسع والستون : قانون النفس المطمئنة التي تغمرها السعادة لإلتزامها والجوارح جادة الهدى الإستقامة . ص253
السبعون : قانون مصاحبة اللوم للنفس . ص253
الواحد والسبعون : قانون كل نفس لوامة .ص255
الثاني السبعون : قانون مواعظ النبي (ص) عند دفن صحابي . ص255
الثالث والسبعون : قانون الأمن في مكة حاجة عامة . ص256
الرابع والسبعون : قانون حشر الناس يوم القيامة حق . ص261
الخامس والسبعون : قانون الدعاء طريق نجاة في البرزخ ، والمحشر ، قال تعالى [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ] . ص263
السادس والسبعون : قانون الدعاء ذكر ، ويتجلى وعد الله عز وجل للعباد على ذكرهم له بقوله تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ]. ص263
السابع والسبعون : قانون تلاوة آيات القرآن ذكر لله عز وجل . ص263
الثامن والسبعون : من الإعجاز في آيات الإستغفار قانون العموم بقبول التوبة. ص264
التاسع والسبعون : قانون المناجاة بالصلاح واقية في البرزخ . ص264
الثمانون : من واجبات المكلفين قانون السعي في مرضاة الله.ص264
الواحد والثمانون : قانون الإستعداد للموت وعالم القبر بطلب رضا الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالعمل الصالح .ص264
الثاني والثمانون : قانون فوز العبد برضا الله بفعل مخصوص بقصد القربة إلى الله تعالى ويبتغي فيه رضوانه ، قال تعالى [لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا]. ص264
الثالث والثمانون : من خصائص دخول الجنة قانون الذي يدخل الجنة يلبث فيها مؤبداً ولا يخرج منها.
الرابع والثمانون : قانون الآخرة عالم الخلود جزاءً ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ].ص266
الخامس والثمانون : قانون منافع الإستغفار عند الدخول في القبر. ص267
السادس والثمانون : قانون الدنيا دار الإستغفار . ص267
السابع والثمانون : قانون الإستغفار ذخيرة للنشأتين فاستغفارك اليوم ينفعك في غد وأيام الأسبوع والشهر ، وفي الآخرة . ص267
الثامن والثمانون : قانون دخول الإستغفار مع صاحبه إلى القبر ، لأنه شعبة من العمل ، والإجماع على قانون دخول العمل مع صاحبه القبر . ص267
التاسع والثمانون : قانون الإستغفار إمتثال لأمر الله عز وجل ، إذ ورد ذكره في القرآن بصيغة الأمر في آيات عديدة مع البشارة باستجابة الله عز وجل منها قوله تعالى [وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]. ص267
التسعون : قانون الشفاعة في القبر . ص268
الواحد والتسعون : قانون إعجاز القرآن دعوة للإيمان . ص270
الثاني والتسعون : كل آية من القرآن قانون سماوي لا يحتمل إلا الصدق والحق . ص270
الثالث والتسعون : قانون السنة النبوية مرآة للقرآن . ص270
الرابع والتسعون : قانون السنة النبوية : المصدر الثاني للتشريع .ص272
الخامس والتسعون : قانون لقاء العباد لله عز وجل . ص272
السادس والتسعون : قانون الرؤيا بشارة ورحمة . ص274
السابع والتسعون : قانون مصاحبة البشارة في النشأتين للتقوى ، فالمؤمن الذي يخشى الله بالغيب تأتيه الرؤيا الحسنة ، وبما يبعث السكينة والطمأنينة في نفسه). ص274
الثامن والتسعون : قانون الرؤيا مدد للمسلم وغير المسلم في تنزيه جوارحه عن التعدي والظلم والإرهاب . ص274
التاسع والتسعون : قانون الإرهاب خلاف التقوى . ص274
المائة : قانون من لطف الله عز وجل بالناس مجئ أسباب التقوى للمسلم في اليقظة والمنام . ص276
الواحد بعد المائة : قانون عدم الإنشغال بالرؤيا . ص276
الثاني بعد المائة : قانون بدائع الخلق في الآخرة أعظم منها في الدنيا .ص280
الثالث بعد المائة : قانون حسرة الكافر في الآخرة لأنه لم يصدق بالمعجزات في الدنيا.ص280
الرابع بعد المائة : قانون ندم الظالم يوم القيامة لحضور عمله بين يديه ، وما فيه من الإضرار بالناس ، قال تعالى [وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا].ص281
الخامس بعد المائة : قانون عذاب القبر لمن مات على الكفر . ص282
السادس بعد المائة : قانون التوبة هي العزم على ترك الذنوب والمعاصي متحدة أو متفرقة ، وإتيان الصالحات وكأنها من الناسخ والمنسوخ . ص282
السابع بعد المائة : قانون التوبة حاجة لكل إنسان . ص282
الثامن بعد المائة : قانون إنتفاء البرزخ والحاجب بين العبد والتوبة . ص282
التاسع بعد المائة : قانون إنعدام المانع بين الإنسان والإنابة والندامة عن إرتكاب المعصية . ص282
العاشر بعد المائة : قانون لزوم تعاهد التوبة بالإقلاع عن الذنب والندم على ما فات . ص282
الحادي عشر بعد المائة : قانون المبادرة إلى التوبة . ص284
الثاني عشر بعد المائة : قانون كل يوم وكل ساعة من حياة الإنسان هي مناسبة للتوبة.ص285
الثالث عشر بعد المائة : قانون استقلال عالم البرزخ .ص 291
الرابع عشر بعد المائة : قانون التضاد بين الحياة والموت . ص293
الخامس عشر بعد المائة : قانون لزوم العصمة من الكفر والجحود. ص293
السادس عشر بعد المائة : قانون المبادرة إلى التوبة والإنابة ، قال تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] . ص298
الفهرس
المقدمـــة 3
البرزخ 11
الدعاء لإطالة العمر 13
عيادة المريض 15
قانون الإحتضار 16
أحكام الإحتضار 16
قراءة (يس) عند الإحتضار 18
دعاء العديلة 19
قانون سكرة الموت 22
ملك الموت 23
ملك الموت في حديث الإسراء 26
أعوان ملك الموت 30
قانون اللطف والرفق في قبض روح المؤمن 32
قانون لقاء ملك الموت 34
قانون اليسر في قبض روح المؤمن 35
قانون الحضور النبوي المبارك 39
قانون حضور الصلاة عند الموت 43
قانون لقاء الموت فرح للمؤمن 46
قانون الموت 47
احتجاج إبراهيم (ع) بالحياة والموت (بحث منطقي) 48
قانون الحضور المبارك للنبي محمد(ص) عند الميت 50
الموت والذاكرة 52
من سبل الوقاية من عذاب القبر 54
قانون التقوى نجاة من عذاب القبر 55
منافع ذكر الموت 59
معجزة إحياء عيسى (ع) الموتى 62
ثبوت الوجود الذهني 67
ضرر اجتناب ذكر الموت 68
أقوال الحكماء عند موت الإسكندر 69
استحضار الموت باعث على العمل 71
قانون الموت طالب حثيث 74
قانون سكرات الموت 75
قانون احتضار الكافر أول مراحل عذابه 78
حاضر المحتضر 81
كلمات الفرج 83
المكروهات 84
قانون تلقي ملك الموت للمؤمن 85
عند زهوق الروح 86
بحث أصولي 87
قانون التعزية عند الموت 88
غسل الميت 92
شرائط التغسيل 94
آداب غسل الميت 95
تكفين الميت 97
دعاء الجوشن الكبير 99
قانون الحرمة اللاحقة 100
التشييع 102
آداب التشييع 104
قانون الذهاب إلى النوم 107
مكروهات التشييع 109
الصلاة على الميت 111
صلاة النبي محمد (ص) على الأموات 113
كيفية الصلاة على الميت 114
مسائل في الصلاة على الميت() 116
شرائط الصلاة على الميت 117
أوان الصلاة على الميت 120
إذن الولي 120
الصلاة جماعة 121
تعدد الميت 122
آداب الصلاة على الميت 122
الدفن 125
سؤال عجوز بني إسرائيل 127
من مسائل الدفن 128
مكروهات الدفن 135
البكاء على الميت 136
بكاء النبي (ص) على ابنه إبراهيم 137
البكاؤون خمسة 138
قانون دخول القبر 139
وحشة ليلة الدفن 142
صلاة ليلة الدفن 143
تهيئة المسلم قبره 144
قانون ضغطة القبر 146
قانون ضغطة القبر تذكرة 149
قانون الدعاء لصرف ضغطة القبر 151
فاطمة بنت أسد وضغطة القبر 153
الدعاء للسلامة من ضغطة القبر 157
الجريدتان في القبر 158
عذاب القبر 162
قانون نداء الإستغاثة 164
قانون سؤال منكر ونكير الميت 165
وظائف منكر ونكير 166
قانون الملازمة بين دخول القبر وسؤال منكر ونكير 168
من بديع خلق الملائكة 170
سؤال منكر ونكير من شدائد ليلة الدفن 171
عموم السؤال في القبر 173
بين فتنة القبر وعذاب القبر 174
قانون القبر وداع الدنيا 176
شدة عذاب القبر 178
السورة الواقية من عذاب القبر 180
قانون الأمل 182
قانون البسملة حرز 183
رؤيا النجاة من عذاب القبر 184
أحاديث موضوعة عن فضائل السور 186
عودة الحياة للبدن 190
كيفية إعادة الروح في القبر 192
قانون بقاء العصعص 193
البكاء على الميت 194
قانون المنع من الجزع 197
قانون فتنة القبر 201
زيارة القبور 202
قراءة القرآن على القبر 205
الذي لا يدفن 207
شبهة الآكل والمأكول 208
نبش القبور 210
سَفَرُ الروح 212
محل الأرواح حسب النصوص 216
الروح من بدائع الخلق 222
قانون مغادرة الروح البدن عند الموت 224
الروح في كلام الفلاسفة 225
البرزخ ووجوب القضاء عن الميت 228
مجالس الفاتحة 233
الانبياء والموت 235
المعاد حتم 240
دعاء الملائكة للمسلمين الأحياء والأموات 242
قانون الإيمان بالملائكة عون ومدد 245
قانون الإستغفار 249
النفس المطمئنة 250
قانون مصاحبة اللوم للنفس 251
قانون مواعظ النبي (ص) عند دفن صحابي 254
قانون الأمن في مكة حاجة عامة 255
حديث النبي محمد (ص) مع الأنبياء السابقين 257
قانون حشر الناس يوم القيامة حق 260
قانون المناجاة بالصلاح واقية في البرزخ 262
قانون منافع الإستغفار عند الدخول في القبر 265
قانون الشفاعة في القبر 266
قانون إعجاز القرآن دعوة للإيمان 268
قانون لقاء العباد لله عز وجل 270
قانون الرؤيا بشارة ورحمة 272
قانون عدم الإنشغال بالرؤيا 274
دار السلام 277
قانون عذاب القبر لمن مات على الكفر 280
التوبة النصوح 282
أسماء الموت 285
قانون استقلال عالم البرزخ 289
قانون التضاد بين الحياة والموت 291
حكم نبش القبور 292
هيئة حفر القبر 294
إحصاء قوانين هذا الجزء 296
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
3934 لسنة 2024