تخطّي إلى المحتوى

لسماحة المرجع الديني
الشيخ صالح الطائي دام ظله

قوانين البرزخ / الجزء الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمـــة
الحمد لله لا إله إلا هو الملك المنان بديع السموات والأرض هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.
الحمد لله الذي بحمده تستديم وتتصل وتتضاعف النعم الظاهرة والباطنة.
الحمد لله الذي خلق جعل الدنيا دار امتحان واختبار وإبتلاء ، وجعل حمد الإنسان له واقية في عالم البرزخ ويوم القيامة ، إذ تفضل الله عز وجل وجعل الحمد له كنزاً وثروة ومفتاحاً للخير والبركة .
وعن سلمان المحمدي (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال رجل : الحمد لله كثيرا ، فأعظمها الملك أن يكتبها ، وراجع فيها ربه عز وجل ، فقيل له : اكتبها كما قال عبدي كثيرا)( ).
الحمد لله على كل دقيقة وكل ساعة من أيام حياتنا ، وما فيها من الرزق الكريم ، وسبل الهداية إلى الصلاح والرشاد ، تلك التي اتعظنا منها والتي تخلفنا عن الإتعاظ والإنتفاع منها والتي لا يحصيها إلا هو سبحانه .
الحمد لله الذي يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وهل تدعو الآية أعلاه الناس لسؤال الله عز وجل بأن يرزقهم بغير حساب مجتمعين ومتفرقين ، الجواب نعم ، ليكون من معاني قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، ادعوني لأرزقكم بغير حساب .
ومن الرزق بغير حساب تفضل الله عز وجل علينا بتوالي اصدار هذه المؤلفات بعلوم مستحدثة ، فبفضل من الله عز وجل صدرت مائتان وثمانية وستون جزء من تفسيري (معالم الإيمان في تفسير القرآن) في سورة البقرة وآل عمران ، وتتضمن أكثر من عشرين ألف قانون .
إلى جانب رسالتي العملية (الحجة) خمس أجزاء والمسجلة بدار الكتب والوثائق في بغداد برقم (345) لسنة 2001 ، وكتبي الفقهية والأصولية والكلامية الأخرى .
ومع صدور الجزء الثامن والستين بعد المائتين من تفسيري للقرآن والجزء الخامس من (خصائص النبي محمد (ص)) والإنشغال بالتدريس اليومي في علم الأصول والتفسير ، فقد صدر لي والحمد لله جزءان بعنوان (قوانين البرزخ) وهذا الكتاب الذي بين يديك هو الجزء الثالث .
ويتضمن مباحث دنيوية ذات صبغة فقهية ، ومباحث أخروية عقائدية وكلامية وقوانين مستحدثة في المقام مستنبطة من آيات القرآن والأحاديث النبوية .
وأقوم بالتأليف والمراجعة والتصحيح لكتبي وتقريراتي بمفردي بفضل ولطف من الله عز وجل .
ويتضمن قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا، الثناء على الذين ينصتون لآيات القرآن ، ويتعظون منها ، ويعملون للآخرة ، لقد جعل الله عز وجل الآيات الكونية والتنزيلية ومعجزات الأنبياء حجة وبرهاناً ، ووسيلة لجذب الناس لمنازل الإيمان.
ومن خصائص المؤمنين الإيمان بنزول آيات القرآن من عند الله والإتعاظ منها ، وإذ قرأوا الآية أو سمعوها لم يمروا عليها مروراً سريعاً من غير فهم وعقل ، إنما يقبلون عليها بعيون راعية وآذان واعية وقلوب مبصرة .
والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وفي الآية تعريض بالكافرين والمنافقين.
وتبين هذه الآيات وما فيها من الصفات الحميدة التكامل العقائدي والمعرفي والسلوكي للمؤمنين والمؤمنات .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام (قال: مستبصرين ليسوا بشكاك)( ).
وهل تدل هذه الآيات على سلامة القرآن من التحريف ، الجواب نعم .
الحمد لله رب العالمين الذي أحصى كل شئ عدداً ، وجعل لكل شئ أمداً ، ومنه مدة أيامنا في الدنيا ، ومكوثنا في القبر ، ولا يعلم الساعة وأوان النفخ في الصور والبعث من القبور إلا الله سبحانه .
ويتضمن الجزء الأول من هذا الكتاب (116) قانوناً.
ويتضمن الجزء الثاني (233) قانوناً .
ويتضمن هذا الجزء وهو الثالث (164) قانوناً .
وهذا الكتاب سياحة روحية في مقدمات الإستعداد لعالم البرزخ ، ودعوة لذكر الأموات بالإستغفار والإهداء لهم العبادات والصدقات ، واقرار بالعالم الآخر وإجماع المسلمين على أنه من أصول الدين .
وهذا الكتاب هو الجزء الثالث من كتابي الموسوم (قوانين البرزخ) في ثروة وثورة علمية للصلة بين الحياة الدنيا وعالم ما بعد الموت ، بين أهل الدنيا ، وأصحاب القبور ، وقد ورد لفظ (القبور) خمس مرات في القرآن ، منها مرة واحدة بلفظ أصحاب القبور ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ.
وهذه الآية من سورة الممتحنة وهي مكية ، نزلت في مكة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة لبيان أنها إنذار ووعيد للذين كفروا من قريش ، وتوبيخ لهم لإنكارهم عالم البرزخ ، ودعوة للأجيال للإقرار بالحياة بعد الموت .
ولم يرد ذكر (القبر) بصيغة المفرد في القرآن ، وكأن أهل القبور أمم وطوائف .
ومن أسماء القبر الجنين لأنه يستر صاحبه ، وأصل الجنة الأرض لأن ذات الشجر والنخل يستتر ما بداخلها( ).
(والجَنين : المدفون. قال الشاعر في جَنين القبر – هو عمرو ابن كلثوم التغلبي:
ولا شَمْطاءَ لم يَتْرُك شَقاها … لها من تسعةٍ إلاّ جَنينا
أي مدفوناً ، أي قد ماتوا كلُّهم ، قال : ومنه كلام ابن الحنفيّة ، رحِمكُ الله مِن مُجَنٍّ في جَنَنٍ ومدْرَج في كَفَنٍ ، يقوله للحسن)( )عليه السلام.
و(عن ابن عباس قال : إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى ، ثم قرأ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أي (ليلة القدر) قال : ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل موت أو حياة أو رزق كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة إلى مثلها من قابل)( ).
سبحان الله عدد ما خلق ويخلق , سبحانه الله عدد أهل عالم البرزخ ، سبحان الله عدد الذين قبضهم ويقبضهم ملك الموت باذن منه تعالى .
سبحان الله عدد ما أهدى أهل الدنيا لأصحاب القبور .
سبحان الله بعدد حسنات الساكنين القبور .
سبحان الله بعدد ساعات وأيام عالم البرزخ ، قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
سبحان الله عدد ما في السموات والأرض .
اللهم ارحمنا في الدنيا ، وعند زيارة الموت ، وحضور ملك الموت ، وارزقنا السلامة من ضغطة القبر ، والنجاة من عذاب القبر ، وفي التنزيل وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.
(وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك ، فإن المنبت لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى ، فاعمل عمل امرىء يظن أن لن يموت أبداً ، واحذر حذراً تخشى أن تموت غداً)( ).
ويقدر عدد الوفيات كل سنة في هذا الزمان أكثر من (56) مليون حاله ، ويكن معدله اليومي (150) ألف حالة وفاة ، ويكون نحو (6) آلاف حالة وفاة كل ساعة (104) في كل دقيقة ، وتشمل حالات الوفاة عن كبر وشيخوخة ، والمرض ، والحوادث ، والعنف ، والكوارث المحدودة .
وكل فرد منهم يتعرض لضغطة القبر إلا من استعد لها بالدعاء ، وأداء صلاة الليل ، وتلاوة القرآن ، والصدقة .
والقانون لغة العصا المستقيمة والمسطرة ، وأصل الكلمة يوناني ، وأخذته العربية عن طريق السريانية ، وصار يفيد معنى الضابطة والقاعدة الكلية المطردة ، والنظام ، والعام المنبسط على مصاديق ثابتة وجلية ، والمقياس الذي يقاس عليه .
وفي لسان العرب قال ابن منظور المصري الإنصاري وهو من رجال القرن السادس الهجري (والقَوانِينُ الأُصُول الواحد قانُونٌ وليس بعربي)( ).
لقد أدخلت كلمة القانون في اللغة العربية منذ أكثر من ألف سنة ، ومنه القانون في الطب لابن سينا المتوفى سنة 427 هجرية.
ويذكر قانون النحو ، قانون الصرف ، قانون العلوم ، قوانين الفضاء ، قوانين التأريخ ، قوانين الوراثة ، قوانين الإجتماع ، قوانين الميراث ، قانون الجاذبية .
والبرزخ لغة هو الحاجز بين شيئين ، وفي الإصطلاح هو ما بعد زهوق الروح وعالم القبر وأهواله إلى حين النشور .
وقد جاءت نصوص نبوية مستفيضة تفيد أن الميت ينتفع وهو في قبره من عمله الصالح ومما يهدى إليه من أهل الدنيا .
أي النفع في الدنيا والآخرة ، وقد يكون الولد أو البنت أكثر نفعاً للأب والأم ، وفيه شواهد يومية في المجتمعات المختلفة قال تعالى آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إِذَا مَاتَ الإِنسانُ انقطع عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاِتٍ : إِلاَّ مِنْ صَدَقَةَ جَارِيَةٍ ، أَوْ علْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)( ).
ومن الإعجاز في الحديث النبوي أعلاه العموم الإستغراقي بلفظ (الإنسان) وفي رواية أخرى (ابن آدم) فدعاء الولد يصل الأب والأم في قبرهما وكذا عمله الصالحات .
(وروي عنه عليه السلام أنه قال : لكون الميِّتُ في قَبْرِهِ كالغَرِيقِ يَنْتَظرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ من ابْنِهِ أَو أَخِيهِ أو صَدِيقِهِ ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ ، كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدَّنْيا وَمَا فِيهَا)( ).
وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ قيل : وما البرزخ ، قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة)( ).
ومن منافع ذكر الموت السعة والأمن في القبر لما فيه الزهد والإقرار بالعالم الآخر .
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت، وأفضل العبادة ذكر الموت، وأفضل التفكر ذكر الموت، فمن أثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة)( ).
ولقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وفيه دعوة للناس للأخذ بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي حذر المسلمين من تمني الموت ، لبيان أن إطالة عمر المسلم سبب للتوبة والإنابة وفعل الخيرات .
وذكر الموت يختلف عن تمني الموت الذي ورد النهي عنه إذ قال (لا تتمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من سعادة المرء أن يطول عمره ، ويرزقه الله الانابة إلى دار الخلود)( ).
ومن الإعجاز في الموت فصل الروح عن البدن من غير جرح أو فعل في البدن ظاهر للعيان ليبقى البدن فجأة جثة هامدة .
قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.
حرر في الثاني عشر من شهر جُمادى الأخرة 1447هـ
3/11/2025 
كلمة (القانون) بين أصل الوضع والإستعمال
إطلاق لفظ القانون على النظم الكونية والشرعية حق ومن باب الأولوية لأن معناه لغة (الأصل) كما عن ابن منظور في لسان العرب( ) والقاعدة الثابتة إذ أن اللفظ يدل على معنى على نحو الحقيقة ويقابلها المجاز.
ويوضع اللفظ في اللغة لمعنى ثم يستعمل في معاني أعم بلحاظ القرائن , ووجوه الشبه .
لذا يقسم وضع اللفظ في علم الأصول إلى وضع تعييني وهو تخصيص اللفظ بالمعنى من قبل واضع معين .
والوضع التعيني وهو الإرتباط الخاص الحاصل بين اللفظ والمعنى الذي يترشح عن كثرة الإستعمال .
والتفصيل في الجزء الأول من كتابي الموسوم (معراج الأصول) وهو تقريرات بحثي الخارج على فضلاء الحوزة العلمية من سنة 2000 والحمد لله.
فاستعمال لفظ (الصيام) مثلاً في العبادة المخصوصة بالإمساك عن المفطرات ساعات نهار الصوم كما في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لا يمنع من المعنى الذي وضع له اللفظ وهو الإمساك (قال النابغة :
خيل صيام وخيل غير صائمة … تحت العجاج وخيل تعلك اللجما.
وقال صاحب العين : الصوم والصمت واحد كقوله تعالى إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أي صمتا ، والصوم قيام بلا عمل)( ).
وفي المزهر (ومما جاء في الشرع: الصلاة، وأصلُه في لغتهم الدّعاء، وقد كانوا يعرفون الرُّكوع والسجودَ، وإن لم يكن على هذه الهيئة؟ قال أبو عمرو: أَسْجََدَ الرجل: طَأٌْطَأ رأسَه وانْحَنى، وأنشد :
فَقُلْنَ له : أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدا .
يعني البعير إذا طأَطَأ رأسه لتَرْكَبه)( ).
وأصل كلمة الزكاة هو النماء والزيادة ، يقال زكا الزرع يزكو زكاءُ أي نما وزاد .
وزكاة المال لغة زيادته ونماؤه ، وهو في الإصطلاح إخراج حصة مقدرة في مال معين لفئات مخصوصة .
ترى ما هي الصلة بين المعنى اللغوي والمعنى الإصطلاحي للزكاة فيه وجوه :
الأول : إخراج الزكاة نماء وبركة لما بقي من المال .
الثاني : قانون الزكاة سبب لنماء الحسنات وزيادتها وحضورها في الآخرة .
وفي الصدقة مطلقاً قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (لا يتصدق أحد بتمرة من الكسب الطيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه و قلوصه حتى يكون مثل الجبل أو أعظم)( ).
فكلمة القانون يونانية (kanon) تعني العصا المستقيمة والمسطرة ثم انتقلت إلى العربية وصارت تستعمل بمعنى الأصل والضابطة الكلية ، ولا يصح أن يقف الإنسان عند استعمال معين للفظ وإن كان مشهوراً , وينكر استعماله في أصل الوضع والتعيين أو استعماله في معاني أخرى اصطلاحية ومجازية .
والنسبة بين أصل وضع اللفظ وبين استعماله عموم وخصوص مطلق ، فموارد الإستعمال أكثر ، ويكون في الحقيقة والمجاز , وهو من أسرار إحاطة كلمات اللغة المحدودة بالحوادث والمصاديق الكثيرة والمستحدثة .
والبرزخ لغة الحاجز بين شيئين .
والبرزخ في الإصطلاح عالم القبر ، وسمي البرزخ لأنه الحاجز بين موت الإنسان والبعث العام للناس ، قال تعالى وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ.
و(وقال رجل بحضرة الشعبي : رحم الله فلانا فقد صار من أهل الآخرة ، فقال : لم يصر من أهل الآخرة ولكنه صار من أهل البرزخ وليس من الدنيا ولا من الآخرة)( )، وهذا رأي من الشعبي .
(وقال النبي صلى الله عليه واله: إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده ليس أقل منه)( ).
أسماء عالم البرزخ
البرزخ لغة : الحاجز والحائل بين شيئين والجمع برازخ ، قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِوقال تعالى وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا .
وقد ورد لفظ [بَرْزَخٌ] في القرآن ثلاث مرات ، مرتين بخصوص المعنى اللغوي كما في الآيتين أعلاه .
والثالثة في المعنى الإصطلاحي للبرزخ من حين زهوق الروح وخروج الإنسان من الدنيا إلى حين البعث من القبور ، وفي سؤال الكافر بعد الموت الرجوع إلى الدنيا رجاء عمله عملاً صالحاً لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
والمراد من [مِنْ وَرَائِهِمْ] أي من أمامهم للترادف بينهما وللإشارة بأن عالم البرزخ عالم حساب ابتدائي ، مما يدل على انتباه الإنسان بعد الموت ، وأن الكافر عندما يأتيه الموت ، ثم يدخل القبر عليه منكر ونكير يعلن عن ندمه ، ويطلب من الله عز وجل إعادته إلى الحياة الدنيا ليتدارك أعماله ويصلح نفسه .
ولات حين مندم ، إذ لا ينفع الندم حينئذ لأن الآخرة دار حساب بلا عمل بعد تضييع مناسبة التوبة وعمل الصالحات في الدنيا ، وليس من فرصة أطول منها في مواضيع وأحكام الحياة الدنيا .
وتتعدد أسماء البرزخ ، وكل اسم له دلالته منها :
الأول : عالم القبر .
الثاني : القبر ، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران)( ).
وفي هذا الحديث دلالة على ثبوت الثواب للمؤمن ،وهو في عالم البرزخ مثلما ثبت عذاب الكافر فيه.
ومن حديث عمر بن يزيد عن الإمام الصادق عليه السلام (ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ، قلت: وما البرزخ ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة)( ).
الثالث : البرزخ وهو الاسم الذي ورد له في القرآن .
وهل المراد من كلمة البرزخ في قوله تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، المعنى اللغوي أم المعنى الإصطلاحي ، الجواب لا مانع من اجتماع الأمرين .
الرابع : الحياة البرزخية لبيان وجود حياة للموتى بين الموت ويوم القيامة.
ومن الدلائل على ثواب المؤمنين في البرزخ قوله تعالى فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )( )، أي من أصحابهم المؤمنين الذين لا زالوا في الحياة الدنيا .
ومنهم من أطلق على عالم البرزخ عالم المثال ، وأرض الحقيقة.
وتعاد الروح إلى الجسد في القبر عند مسألة منكر ونكير .
تسمية هذا الكتاب (قوانين البرزخ)
بخصوص تسمية أجزاء هذا الكتاب (قوانين البرزخ) فان معنى القانون لغة العصا المستقيمة والمسطرة ، وأصل الكلمة يوناني ، وأخذته اللغة العربية عن طريق السريانية ، وصار بمعنى الضابطة والقاعدة الكلية المطردة ، والنظام والإستقامة ، والعام المنبسط على مصاديق ثابتة وجلية .
والقانون المقياس الذي يقاس عليه .
(والقَوانِينُ الأُصُول الواحد قانُونٌ وليس بعربي)( ).
والقانون في الطب تأليف الحسين بن عبد الله بن سينا البلخي ثم البخاري 370-427 هجرية.
والمختار أن لفظ القانون يستعمل في العربية من جهات :
الأولى : الأصل ، والجمع قوانين .
الثانية : القاعدة الكلية المطردة .
الثالثة : الضابطة العامة متحدة أو متعددة .
الرابعة : التشريع الثابت .
الخامسة : النظام الكوني ، ومنه قوله تعالى [لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ] ( )، ومنه قوانين العلوم الفلكية والطبيعية والرياضية ، وقانون الجاذبية .
السادسة : كل آية قرآنية قانون متعدد ومستديم ومناسب لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة وقانون الآية القرآنية سالمة من التحريف والزيادة والنقصان ، قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ بلحاظ تعدد مضامينها ومفهومها .
السابعة : مقياس كل شئ .
الثامنة : التشريعات الدستورية ، والقوانين الوضعية ، والجنائية ، وهو المعنى المستعار المشهور في هذا الزمان للقانون .
ومجموع القوانين في هذا الكتاب كالآتي :
الجزء عدد القوانين عدد الصفحات
الأول 116 328
الثاني 233 334
الثالث 164 333
وهذه القوانين على قسمين :
الأول : القوانين التي لها شرح وتفصيل .
الثاني : القوانين التي ذكرت بعنوانها بحسب مناسبة الحال ، والسور الجامع بينهما هو عالم البرزخ وأهواله ومقدماته .
وهي غير القوانين التي ذكرتها في كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) والتي تزيد على عشرين ألف قانون والحمد لله ، وقد صدر في الجزء الثامن والستين بعد المائتين منه .
وهل التفكر والتدبر في عالم البرزخ وأهواله وضيق القبر والحاجة إلى رحمة الله فيه من مصاديق ذكر الله ، الجواب نعم.
الإقرار بالبرزخ
أمية بن أبي الصلت الثقفي من رؤساء ثقيف ، وأمه من بني أمية رقية بنت عبد شمس .
وكان من الأحناف ويدعو لنبذ عبادة الأصنام ، ولم يكن وحده في زمانه الذي يدعو لنبذ عبادة الأصنام ، وهؤلاء الدعاة كالمقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي دعوتهم حجة عليهم للتصديق برسالته حين بعثته ، ولكن لما بلغه إعلان النبي محمد لبعثته ، وتلاوته لآيات التنزيل كفر به حسداً.
(ولما أنشد لرسول الله صلى الله عليه وآله من شعره قال: آمن لسانه، وكفر قلبه)( )( ).
وكان يقرأ التوارة والكتب القديمة ، فلبس المسوح تعبداً ، وحرم شرب الخمر.
وعن أبي سفيان في حديث طويل أنه خرج مع أمية بن أبي الصلت وطليق بني أمية (إلى الشام فكلما نزلنا منزلا أخرج أمية سفرا فقرأها علينا قال فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى قال فجاءوه وأكرموه ، وذهب معهم إلى بيعتهم .
ثم رجع وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما وقال يا أبا سفيان هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب تسأله عما بدا لك.
قلت لا أرب لي فيه والله لئن حدثني ما أحب لا أثق به ولأن حدثني بما أكره لأوجلن منه .
فذهب ويخالفه شيخ من النصارى فدخل علينا فقال ما منعكما أن تذهبا إلى هذا الشيخ .
قال قلنا لسنا على دينه قال فإنكما تسمعان عجبا وتريانه قال أثقفيان أنتما .
قلنا لا ، ولكن قرشيان قال فما يمنعكما من الشيخ فوالله إنه ليحبكم ويوصي لكم)( ).
فمكث أمية بن أبي الصلت عند عالم النصارى إلى قريب منتصف الليل وأصبح حزيناً كئيباً لا يكلم أحداً ثم ارتحلوا ، وبعدد ليلتين تكلم أمية وهو في حال خوف ورهبة إذ أظهر إيمانه بالمعاد وبعث الناس للحساب بعد أن سمع كلام عالم النصارى ، وقال (يا أبا سفيان لنبعثن ثم لنحاسبن وليدخلن فريق الجنة وفريق النار .
قلت ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك قال لا علم لصاحبي بذلك ثم لا فيّ ، ولا في نفسه)( ).
أي أنه لا يعلم حاله في الآخرة ، ولا حال أمية بن أبي الصلت ، وهو الأمر الذي جعل أمية في حال خوف وفزع .
قال أبو سفيان (حتى قبلنا غويطة دمشق وإياها كنا نعمد فبعنا متاعنا وأقمنا بها شهرين ثم ارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى)( ).
لقد اتصل أمية بن أبي الصلت بأحد علماء النصارى في طريق عودتهم إلى مكة وقال له أمية (أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر .
قال هو رجل من العرب قلت قد علمت أنه من العرب فمن أي العرب هو قال من أهل بيت تحجه العرب.
قلت وفينا بيت تحجه العرب ( ) .
قال هو من أخوانكم من قريش .
فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط وخرج من يدي فوز الدنيا والآخرة وكنت أرجو أن اكون إياه .
قلت فإذا كان ما كان فصفه لي قال رجل شاب حين دخل في الكهولة بدو أمره يجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم ويأمر بصلتها وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة أكثر جنده من الملائكة)( ).
الإحتجاج بيوم الحساب
قد ورد ذكر (يوم الحساب) أربع مرات في القرآن ، وبلغة البشارة للمتقين وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ.
والآيات الثلاثة الأخرى كلها بلغة الإنذار والوعيد للذين كفروا ، منها قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ.
قد يلجأ المؤمن إلى الإحتجاج بالتخاصم يوم القيامة ، قال تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، فيأخذ المظلوم من حسنات الظالم وفق حساب دقيق ولو تصدق إنسان بدينار يجعله الله عز وجل دنانير ويزيد من فضله ، ولو قام ذات الشخص بسرقة دينار من زيد فماذا يأخذ زيد منه يوم القيامة ، المختار أنه يأخذ ديناراً من العشرة أعلاه ، قال تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا.
وهو من مصاديق نشر الله عز وجل رحمته يوم القيامة فقد (روى الصادق عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال : إن لله مائة رحمة ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والبهائم ، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده)( ).
والإحتجاج بعالم الحساب يوم القيامة سلاح بيد الأنبياء ، وبه نزلت الكتب السماوية ، وهو من أسباب هداية كثير من الناس لما فيه من إدراك قانون من الإراردة التكوينية وهو حياة الناس بعد الموت .
وفي فتنة خلق القرآن وكيف انقطعت ورفع خلفاء بني العباس امتحان الناس بها ، بعد كانوا يشترطون على القضاة والعامة أن يقولوا بخلق القرآن.
وفي خبر نسب إلى محمد بن الواثق (أقدم أحمد بن أبي دواد علينا شيخا من أذنه، فأدخل على الواثق مقيدا، فرأيته استحيا منه، ورق له، وقربه، فسلم ودعا، فقال: يا شيخ، ناظر ابن أبي دواد فقال : يا أمير المؤمنين، نصبوا ابن أبي دواد، ويضعف عن المناظرة.
فغضب الواثق، وقال: أيضعف عن مناظرتك أنت ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هون عليك، فائذن لي في مناظرته، فإن رأيت أن تحفظ علي وعليه.
قال: أفعل.
فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه هي مقالة واجبة داخلة في عقد الدين، فلا يكون الدين كاملا حتى تقال فيه ؟ قال: نعم.
قال: فأخبرني عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم حين بعث، هل ستر شيئا مما أمره الله به من أمر دينهم .
قال: لا، قال: فدعا الامة إلى مقالتك هذه فسكت ، فالتفت الشيخ إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين، واحدة.
قال: نعم.
فقال الشيخ: فأخبرني عن الله حين قال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، هل كان الصادق في إكمال دينه، أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال بمقالتك هذه ؟ فسكت.
فقال: أجب، فلم يجب.
فقال: يا أمير المؤمنين، اثنتان.
ثم قال: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك، أعلمها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أم لا ؟ قال: علمها.
قال: فدعا الناس إليها ؟ فسكت.
فقال: يا أمير المؤمنين، ثلاث.
ثم قال: يا أحمد، فاتسع لرسول الله أن يعلمها وأمسك عنه كما زعمت، ولم يطالب أمته بها ؟ قال: نعم.
قال: واتسع ذلك لابي بكر وعمر ؟ قال: نعم.
فأعرض الشيخ، وقال: يا أمير المؤمنين، قد قدمت أنه يضعف عن المناظرة إن لم يتسع لنا الامساك عنها، فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم.
فقال الواثق: نعم، اقطعوا قيد الشيخ.
فلما قطع، ضرب بيده إلى القيد ليأخذه، فجاذبه الحداد عليه.
فقال الواثق: لم أخذته ؟ قال: لاني نويت أن أوصي أن يجعل في كفني حتى أخاصم به هذا الظالم غدا ، وبكى، فبكى الواثق وبكينا ثم سأله الواثق أن يجعله في حل، فقال: لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، لكونك من أهله.
فقال له: أقم قبلنا فننتفع بك، وتنتفع بنا، قال: إن ردك إياي إلى موضعي أنفع لك، أصير إلى أهلي وولدي، فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك، قال: فتقبل منا صلة ؟ قال: لا تحل لي، أنا عنها غني.
قال المهتدي: فرجعت عن هذه المقالة، وأظن أن أبي رجع عنها منذ ذلك الوقت)( ).
فقد أصر هذا الشيخ بأخذ الجامعة الحديد لتوضع في كفنه كي يخاصم بها ابن أبي دؤاد للحيف والضرر الذي لحقه ، وجلبه محبوساً إلى بغداد من مدينة أذنة التي تسمى في هذا الزمان أضنة وهي من المدن التركية ، وتقع على نهر سيحان على بعد 30كم من البحر المتوسط جنوب الأناضول .
وتلقي قوله بالقبول شاهد على تسالم المسلمين بالحساب الإبتدائي في عالم البرزخ وأن الإنسان يشكو الظلم والجور عند دخوله القبر .
وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (من مات فقد قامت قيامته)( ).
ولم يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسب أيضاً للإمام علي عليه السلام .
وليس من عمل للعبد بعد الموت ، نعم لا ينقطع مجئ الثواب للمؤمن من الذرية ، ومن تركته في الصالحات ، والدعاء ، والإستغفار له ، والترحم عليه .
عالم الذر
من بديع صنع الله خلقه لأرواح الناس قبل أجسادهم بألفي عام ، كما ورد عن الإمام علي عليه السلام .
و(عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأرواح جنود مجندة، فما تَعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف)( ).
وجاء بيان هذا الحديث والإستدلال عليه من القرآن .
(وعن الحسين بن علي : أن عمر بن الخطاب قال: ثلاث لم أسأل عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال علي : وما هن .
قال : حب الرجل الرجل لم يجر بينهما خلطة ولا معرفة فأنى ذلك والرؤيا منها ما يصدق كأخذ باليد، ومنها ما يكون أضغاثاً فأنى ذلك والرجل يتحدث بالحديث أحياناً ويختلف أحياناً فأنى ذلك.
فقال علي عليه السلام: أما ما ذكرت من حب الرجل الرجل لم تجر بينهما خلطة ولا معرفة، فإن الله خلق الأرواح قبل الأجساد فتلتقي الأرواح على سبب بين السماء والأرض فتتشام كما تتشام الخيل فما تعارف ثم ائتلف هنا، وأما الرؤيا فإن العقل إذا عرج بنفسه وهو في النوم في المصعد فهو كأخذ باليد، وإذا هبط إلى جسده تلتقطه الشياطين بالأضغاث لكي تحزنه، وأما أخبرت به فهو الذي لا يصدق.
وأما الرجل يتحدث بالحديث ثم ينسى فإن القلب تغشاه ظلمة كظلمة القمر، فإذا تغشى القلب تخلى عنه ذكره)( ).
وسئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام (ما تقول في الأرواح إنها جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف .
قال : قلت : إنا نقول ذلك، قال: فإنه كذلك، إن الله عزوجل أخذ من العباد ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد، وهو قوله عزوجل وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إلى آخر الآية، قال: فمن أقر له يومئذ جاءت ألفته ههنا ومن أنكره يومئذ جاء خلافه ههنا)( ).
بيان: جاءت ألفته أي ألفته مع أئمته ومعرفته لهم، أو الفة المؤمنين بعضهم ببعض من جهة اتفاقهم في سنن الهدى.
ويدل الكتاب والسنة على حياة الناس في عالم الذر وتوجه خطاب الله لهم .
و(عن أبي العالية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلق الله الخلق ، وقضى القضية ، وأخذ ميثاق النبيين ، وعرشه على الماء ، فأخذ أهل اليمين بيمينه ، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى ، وكلتا يدي الرحمن يمين .
فأما أصحاب اليمين فاستجابوا إليه فقالوا : لبيك ربنا وسعديك قال أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم : يا رب لم خلطت بيننا فإن لَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ قال : أن يقولوا يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ.
ثم ردهم في صلب آدم عليه السلام فأهل الجنة أهلها ، وأهل النار أهلها ، فقال قائل : فما العمل إذاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعمل كل قوم لمنزلتهم)( ).
و(عن الاصبغ بن نباتة ، عن علي عليه السلام قال : أتاه ابن الكواء فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تبارك وتعالى هل كلم أحدا من ولد آدم قبل موسى.
فقال علي: قد كلم الله جميع خلقه برهم وفاجرهم وردوا عليه الجواب. فثقل ذلك على ابن الكواء ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين .
فقال له: أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيه [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى] ( ) قالوا بلى فقد أسمعكم كلامه، و ردوا عليه الجواب كما تسمع في قول الله – يابن الكواء ، قالوا بلى .
فقال لهم : إني أنا الله لا إله إلا أنا، وأنا الرحمن، فاقروا له بالطاعة والربوبية، وميز الرسل والانبياء والاوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم، فأقروا بذلك في الميثاق.
فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك: شهدنا عليكم يا بني آدم ان تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين)( ).
وفي شهادة الملائكة على الناس مسائل :
الأولى : الصلة بين أهل السماء وأهل الأرض .
الثانية : عدالة الملائكة في شهادتهم .
الثالثة : حضور الملائكة في الآخرة للشهادة على الناس .
الرابعة : من شهادة الملائكة على الناس قوله تعالى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.
الخامسة : عندما تساءل الملائكة على جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وأنه سيفسد في الأرض ومن الناس من يقتل غيره أجابهم الله عز وجل إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
قانون ذكر الموت ذخيرة
من خصائص ذكر الموت أنه باعث على التوبة والندامة وحبس الجوارح عن الظلم والتعدي .
لقد أراد الله عز وجل للمسلم استحضار مرارة الموت ليكون هذا الإستحضار زاجراً عن الفساد والظلم وسفك الدماء .
وقد يقدم الإنسان على الظلم والتعدي ، وعندما يبلغ مرتبة استحضار الموت يندم كثيراً على الذي فعله ، لذا تفضل الله عز وجل وفتح باب التوبة وجعل أحكام الكفارة على القتل ، قال تعالى [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا] ( ).
لبيان قانون وهو استحضار الإنسان للموت مناسبة للتدارك ، واللجوء إلى الإستغفار ودفع الكفارة ، وقضاء العبادات التي في ذمته .
و(عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ : اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ الْمَوْتُ وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ) ( ).
ولابد من استحداث علوم في باب التذكير بالموت في القرآن من جهات:
الأولى : إحصاء آيات القرآن التي تذكر بالموت .
الثانية : قانون الصلة بين آيات التذكير بالموت.
الثالثة : قانون دلائل الإنذار في آيات الموت .
الرابعة : قانون معاني البشارة في آيات الموت .
الخامسة : قانون منافع ذكرالموت في الحياة الدنيا .
السادسة : قانون المنافع الأخروية لذكر الموت .
يدل قوله تعالى وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا على قانون من الإرادة التكوينية وهو ضعف الإنسان ، وملازمة الحاجة له مع احتمال مغادرته الدنيا في كل ساعة ، إلى أن تأتي الساعة التي تنقطع معها صلته مع الدنيا .
السابعة : قانون ذكر الموت قصر للأمل وترك للهث وراء كل فان وزائل ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] ( ).
الثامنة : ذكر الموت تهذيب لا يتعارض مع السعي في أمور الدنيا ، وطلب الحلال ، وعن أبي ذر في وصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (يا أبا ذر، أتحب أن تدخل الجنة؟ فقلت: نعم، فداك أبي وأمي، قال: فاقصر الأمل، واجعل الموت نصب عينك، واستحي من الله حق الحياء)( ).
(عن أبي الدرداء قال: من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده)( ).
ذكر أسماء الموت ودلالتها
الموت ضد الحياة ، وهو أمر وجودي ، ومن عادة العرب وضع عدة أسماء للأمر الجلل ، فجعلوا للموت عشرين اسماً بحسب المتعلق والكيفية ، وكل ما سكن فهو عندهم ميت فيقال : ماتت الريح .
والنعي هو الإخبار عن الموت والإشعار به والنسبة بين أسماء الموت في اللغة وبين أسمائه في القرآن عموم وخصوص مطلق ، فأسماؤه في اللغة أكثر ، ومن أسمائه في القرآن :
الأول : الوفاة ، قال تعالى [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ( )وقال تعالى [وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ).
الثاني : المنون ، لقد كان كفار قريش يتربصون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم ويتوعدونه ويهددونه بحبسه وقتله ، وينتظرون موته ، وإنقطاع التبليغ .
وقد ورد في التنزيل أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ إذ قالوا تربصوا به الموت (حتّى يهلك فيه كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وإنّما هو كأحدهم) ( ).
(عن ابن عباس في قوله [رَيْبَ الْمَنُونِ] قال : الموت) ( ).
الثالث : الأجل : وبلوغ الأوان الذي يكون فيه قبض الموت ، وبلفظ الأجل يستدل الملائكة ، كما ورد عن ابن عباس (قال : سألت كعباً عن رفع إدريس (مكاناً علياً)( ).
فقال : كان عبداً تقياً رفع له من العمل الصالح ما رفع لأهل الأرض في زمانه ، فعجب الملك الذي كان يصعد عليه عمله ، فاستأذن ربه قال : رب، ائذن لي آتي عبدك هذا فأزوره ، فأذن له ، فنزل قال : يا إدريس ، أبشرْ ، فإنه رفع لك من العمل الصالح ما لا رفع لأهل الأرض ، قال : وما علمك.
قال إني ملك .
قال : وإن كنت ملكاً.
قال : فإني على الباب الذي يصعد عليه عملك .
قال : أفلا تشفع إلى ملك الموت ، فيؤخر من أجلي لأزداد شكراً وعبادة.
(أي أن إدريس لم يطلب طول العمر وإرجاء أجله حباً بالدنيا ، ولكن ليتخذها مزرعة لعبادته لله عز وجل).
قال الملك لَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا قال : قد علمت ، ولكنه أطيب لنفسي .
فحمله الملك على جناحه ، فصعد به إلى السماء فقال: يا ملك الموت ، هذا عبد تقي ، نبي رفع له من العمل الصالح ما لا يرفع لأهل الأرض ، وإني أعجبني ذلك .
فاستأذنت ربي عليه ، فلما بشرته بذلك ، سألني لأشفع له إليك لتؤخر له من أجله؛ ليزداد شكراً وعبادة) ( ).
فلم يجب ملك الموت بخصوص موضوع الشفاعة ، إنما سأل عن الشخص ليرى أوان موته فقال (ومن هذا ، قال : إدريس ، فنظر في كتاب معه حتى مر باسمه ، فقال : والله ما بقي من أجل إدريس شيء ، فمحاه ، فمات مكانه)( ).
لبيان أن ملك الموت لا يعرف الناس بأشخاصهم إلا أن تحضر آجالهم في كتاب عنده .
و(عن أبي سعيد الخدري : عن النبي صلى الله عليه وسلم وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا قال : في السماء الرابعة)( ).
الرابع : الهلاك : لبيان أن الموت خمود للبدن ، وإنقطاع عن عالم الدنيا، فمن يخشى أحداً يطمئن عند موته لأنه هلك وانقطع أثره ، وكذا من يريد أن ينتقم من شخص ويبلغه موته ، وفيه دعوة للإستعداد للموت ، والتواضع في الدنيا التي تنقطع بالهلاك ، قال تعالى وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.
و(عن واثلة بن الاسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تظهر الشماتة بأخيك ، فيرحمه الله ويبتليك)( ).
وبالنسبة للصحابي واثلة بن الأسقع فقد حدث قائلاً (جئت أريد علياً فلم اجده فقالت فاطمة انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه فاجلس قال فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلا فدخلت معهما قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنا وحسينا فاجلس كل واحد منهما على فخذه وادنى فاطمة من حجره وزوجها ثم لف عليهم ثوبه وانا منتبذ.
فقال انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا اللهم هؤلاء اهلي اللهم اهلي احق.
قلت يا رسول الله وانا من اهلك قال وانت من اهلي ، قال واثلة انها لمن ارجى ما ارجو)( ).
وقد ورد ذات حديث الكساء عن أم سلمة إذ ورد (عن عمر بن أبي سلمة ، قال : نزلت هذه الآية على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو في بيت أم سلمة إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا فدعا حسنا وحسينا وفاطمة فأجلسهم بين يديه، ودعا عليا فأجلسه خلفه، فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال: هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا .
قالت أم سلمة : أنا معهم مكانك، وأنت على خير)( ).
مما يدل على تكرار ذات الحديث النبوي لتكون أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة شهوداً عليه .
الخامس : الحتف : ويقال لقى حتفه ، أي مات الإنسان من غير ضرب أو قتل ، إنما تخرج روحه من أنفه وهو على فراشه بانقطاع نفسه ، ويقال (مات حَتْفَ أنْفِهِ ، وأوَّلُ مَن تَكلَّم بذلِكَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : فإذا مَاتَ بعدَ الهَرَم قِيلَ : قَضَى نَحْبَهٌ عن أبي سعيد الضَّرِير ، فإذا مَاتَ نزْفاً قيلَ : صَفِرَتْ وِطَابُهُ عَنِ ابْن الأعْرابيّ وزعم أنَّهُ يُرادُ بذلِكَ خُرُوجُ دَمِهِ مِنْ عُرُوقِهِ)( ).
وهل لتعدد أسماء الموت من منافع ، الجواب نعم ، لبيان حضوره في آيات القرآن وفي عالم الألفاظ ودلالتها على المعاني على نحو الحقيقة أو المجاز.
فيذّكر القرآن والسنة بالموت ، كما أن الموت ذاته يذكر بنفسه ، ويدعو للتدبر في ماهيته ، وقد ورد ذكر [مَلَكُ الْمَوْتِ] مرة واحدة في القرآن بقوله تعالى [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ] ( ).
وملك الموت هو عزرائيل ومعناه بالعبرية الذي يساعده الله.
آدم وملك الموت
مما رزق الله عز وجل آدم أبا البشر بأن خلقه الله عز وجل في الجنة ، وقد أخبر الله عز وجل الملائكة بأنه خلق آدم ليكون فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، ولما تساءلوا بقولهم أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، أجابهم الله عز وجل إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ومن علم الله عز وجل كلام آدم مع الملائكة ، وقيامه بتعليمهم الأسماء لبعث السكينة في نفوس الملائكة من الخليفة في الأرض .
وهل رأى آدم ملك الموت في الجنة وتكلم معه ، المختار نعم ، وهو من مصاديق وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
لقد علم آدم أنه ليس مخلداً وأن الموت يأتي عليه وعلى ذريته ، وأن أعمار الناس أقل كثير من أعمار الملائكة ، وما ملك الموت إلا رسول من عند الله لقبض الأرواح ، وعلم آدم أن عمره ألف سنة .
وبخصوص نزول آية الدَين ورد (عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أوّل من جحد آدم أن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه .
فرأى فيهم رجلاً يزهر قال : أي رب من هذا؟ قال : هذا ابنك داود . قال : أي رب كم عمره؟ قال : ستون عاماً قال : رب زد في عمره .
فقال : لا إلا أن أزيده من عمرك .
وكان عمر آدم ألف سنة ، فزاده أربعين عاماً ، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة.
فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال : إنه قد بقي من عمري أربعون عاماً . فقيل له : إنك قد وهبتها لابنك داود . قال : ما فعلت .
فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة ، فكمل الله لآدم ألف سنة ، وأكمل لداود مائة عام)( ).
وفي التوراة أن آدم ولد له ابنه شيث وعمره مائة وثلاثين سنة ومات عمره (930) سنة إذ ورد في سفر التكوين (وعاش ادم مئة وثلاثين سنة وولد ولدا على شبهه كصورته ودعا اسمه شيثا .
5: 4 و كانت ايام ادم بعدما ولد شيثا ثماني مئة سنة وولد بنين وبنات.
5: 5 فكانت كل ايام ادم التي عاشها تسع مئة وثلاثين سنة ومات)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال: لما عرض على آدم ولده نظر إلى داود فأعجبه فزاده خمسين سنة من عمره، قال: ونزل عليه جبرئيل وميكائيل فكتب عليه ملك الموت صكاً بالخمسين سنة .
فلما حضرته الوفاة نزل عليه ملك الموت، فقال آدم: قد بقي من عمري خمسون سنة، فقال: فأين الخمسون التي جعلتها لابنك داود ؟ قال: فإما أن يكون نسيها أو أنكرها، فنزل عليه جبرئيل وميكائيل وشهدا عليه فقبضه ملك الموت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: وكان أول صك كتب في الدنيا)( ).
وفاة آدم
آدم هو أبو البشر الذي أكرمه الله عز وجل بأن خلقه في الجنة ونفخ فيه من روحه ، ويحتمل هذا النفخ وجوهاً :
الأول : إنه مقدمة لخلافة آدم عليه السلام في الأرض .
الثاني : إنه شرط الخلافة في الأرض ، ليكون تقدير قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي خليفة نفخت فيه من روحي .
الثالث : ليس من ملازمة بين نفخ الله من روحه وبين خلافة آدم في الأرض .
والمختار هو الثاني فلم ينل آدم الخلافة في الأرض إلا بتأهيله بقوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
ليتلقى آدم أحكام النبوة والتنزيل ، ويعمر وذريته الأرض بالعبادة وسنن التقوى .
ولقد أطال الله عز وجل في عمر آدم فعمر ألف سنة وقد بلغ أولاده وأحفاده وأسباطه في حياته أربعين ألفاً ليسمعوا منه ومن حواء وقائع سكنهما في الجنة ، وإغواء إبليس لهما في الأكل من الشجرة التي نهاهما الله عز وجل عنها .
و(عن خالد الحذاء قال: خرجت خرجة لي فجئت وهم يقولون: قال الحسن : فلقيته فقلت يا أبا سعيد آدم للسماء خلق أم للأرض، فقال: ما هذا يا أبا منازل ، للأرض خلق ، قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة قال: للأرض خلق، فلم يكن بد من أن يأكل منها)( ).
والمراد من الحسن أي الحسن البصري .
والمختار أن آدم لو لم يأكل من الشجرة لامتحنه الله بأمر آخر ثم آخر حتى يهبط إلى الأرض مع اختلاف كيفية الهبوط فقد يكون هبوطاً بعد نجاح في إختيار متعدد .
وقد لا يمتحنه الله عز وجل بعد امتحان الأكل من الشجرة لو اعتصم وحواء من الأكل منها ، فيهبطان باكرام وثناء من الله وتوديع ولطف من الملائكة .
وهو المختار ، فلا ملازمة بين الأكل من الشجرة وبين الهبوط إلى الأرض ، وقد ورد قوله تعالى وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ.
ومن مصاديق قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا معرفة آدم بعالم البرزخ والثواب والعقاب ، فيخبر أتباعه وذريته بها ، ويحثهم على الإستعداد لمساءلة منكر ونكير ، وكيف أنه رآهما في الجنة ، وعلم بما سيقومان به من سؤال الميت في قبره .
و(عن أبي كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما حضر آدم قال لبنيه : أنطلقوا فاجنوا لي من ثمار الجنة ، فخرجوا فاستقبلتهم الملائكة فقالوا : أين تريدون .
قالوا : بعثنا أبونا لنجني له من ثمار الجنة ، فقالوا : ارجعوا فقد كفيتم .
فرجعوا معهم حتى دخلوا على آدم ، فلما رأتهم حواء ذعرت منهم وجعلت تدنو إلى آدم وتلصق به.
فقال : إليك عني ، فمن قبلك أتيت . خلّي بيني وبين ملائكة ربي.
قال : فقبضوا روحه ، ثم غسلوه وحنطوه وكفنوه ، ثم صلوا عليه ، ثم حفروا له ودفنوه ، ثم قالوا : يا بني آدم هذه سنتكم في موتاكم فكذلكم فافعلوا)( ).
وبالإسناد (عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن آدم عليه السلام لما مرض مرضه الذي مات فيه قال لبنيه أي بني إني أشتهي ما يشتهي المريض وإني أشتهي من ثمار الجنة فابغوني من ثمار الجنة فخرجوا يسعون في الأرض .
فلقيتهم الملائكة عيانا فقالوا يا بني ادم أي شئ تريدون قالوا نبغي أبانا من ثمار الجنة .
فقالوا ارجعوا فقد أمر بقبض أبيكم إلى الجنة قال فقبضوا روحه وهم ينظرون وغسلوه وهم ينظرون وكفنوه وهم ينظرون ثم قالوا يا بني ادم هذه سنتكم في موتاكم)( ).
لبيان أن تغسيل وتكفين الميت ليس بدعاً في شريعة الإسلام ، إنما هو حكم متوارث من أيام آدم ، وبتعليم الملائكة ، وفي رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حفظ للأحكام التي جاء بها الملائكة .
(وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحق قال : حدثنا أصحابنا أن آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال : يا بني ، إن الله سينزل على أهل الأرض عذاباً ، فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوني وادفنوني بأرض الشام . فكان جسده معهم ، فلما بعث الله نوحاً ضم ذلك الجسد وأرسل الله الطوفان على الأرض فغرقت الأرض زماناً ، فجاء نوح حتى نزل وأوصى بنيه الثلاثة وهم سام وحام ويافث – أن يذهبوا بجسده إلى الغار الذي أمرهم أن يدفنوه به .
فقالوا : الأرض وحشية لا أنيس بها ولا نهتدي لطريق ، ولكن كفّ حتى يعظم الناس ويكثروا . فقال لهم نوح : إن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة ، فلم يزل جسد آدم حتى جاء الخضر عليه السلام هو الذي تولى دفنه ، فأنجز الله له ما وعده فهو يحيا ما شاء الله أن يحيا)( ).
ولا أصل لهذا الحديث رواية ودراية ، ولم يسند أو يرفع ابن إسحاق الحديث .
ولو دار الأمر بين هل دفن آدم عليه السلام عند موته أم ارجئ دفنه عشرات ومئات السنين ، فالأصل هو الأول ، وهو الذي تدل عليه رواية أبي بن كعب أعلاه .
مادة هلك
وقد وردت مادة (هلك) في القرآن ثماني وستين مرة ، منها ثلاثة بلفظ (هلك) بمعنى الموت :
الأولى : قال تعالى [إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] ( ).
الثانية : قال تعالى [لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ] ( ).
الثالثة : ورد بخصوص يوسف عليه السلام ،قال تعالى [حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً] ( ).
ولعل فيه إشارة إلى إنقطاع وزارة النبي يوسف عليه السلام وبداية استضعاف بني إسرائيل في مصر.
وقد يرد لفظ الهلاك في القرآن بمعنى العذاب بخصوص الطائفة والأمة ، قال تعالى وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ والنسبة بين الفناء في قوله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ وبين الموت عموم وخصوص مطلق ، فالفناء أعم ويشمل غير جنس البشر.
ويأتي بمعنى الفساد ، قال تعالى [وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ] ( ).
قانون المقابر عقب التكاثر
قال تعالى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ، وسورة التكاثر مكية ، وتتضمن الإنذار والوعيد للذين كفروا ، ودعوة الناس في كل زمان إلى التدبر في ماهية الدنيا ونهاية السعي والجد منها .
لبيان إنشغال الناس بالتباهي والتفاخر بالجاه والنسب والشأن والتنافس على المراتب والمنازل في السلطان والمجتمع والتباري في جمع الأموال خاصة وأن هذه السورة نزلت بين ظهراني رؤساء قريش وأهل مكة الذين كانوا يعملون في التجارة كما قال تعالى لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
وفي قافلة أبي سفيان في السنة الثانية للهجرة شاركت كل بيوت مكة في رأس مال القافلة ، والتسوق من الشام ، لتصبح هذه القافلة سبباً في إشعال معركة بدر بذريعة أن النبي محمداً وأصحابه أرادوا الإستيلاء على القافلة ، ولا أصل لهذه الدعوى .
ولم يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإستيلاء على القافلة ، إنما كان في سرية استطلاع ونشر لمعالم الدين .
وهل في سورة التكاثر إنذار لقريش من محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد ، والخندق ، وأن مصيرهم القتل ، الجواب نعم .
لذا سقط منهم سبعون قتيلاً في معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسحبهم إلى القليب ثم خاطبهم .
ونزل القرآن بالإخبار عن هلاك الأمم السالفة من المشركين وانقطاع ذكرهم ، وخراب ديارهم ، قال تعالى فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا* وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا.
فلا تجد منهم أحداً ، ولا يسمع لهم صوت خفي.
وتتضمن هذه السورة مع قلة كلماتها التحذير من الإنقطاع إلى الدنيا ، وزينتها ، والتجارة والمكاسب ، وترك الإصغاء إلى دعوة الحق إلى أن يأتي أحدهم الموت .
وعن (أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يتبع الميت ثلاثةٌ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله)( ).
لقد ذكرت السورة دخول المقابر بأنه زيارة ، والمراد من المقابر في الآية هي القبور ، لبيان أن الزائر يكون حياً في محل وموضع الزيارة ، وهل في الآية إشارة إلى عالم البرزخ وحياة الإنسان فيه ، الجواب نعم .
و(قال ابن عباس : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم [أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ] قال : تكاثر الأموال : جمعها من غير حقها ومنعها من حقها وشدها في الأوعية)( ).
من كلام للإمام علي عليه السلام بعد تلاوته أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ.
يا له مراما ما أبعده ، وزورا ما أغفله، وخطرا ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أي مدكر، وتناوشوهم من مكان بعيد، أفبمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون .
يرتجعون منهم أجسادا خوت، وحركات سكنت، ولان يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، ولان يهبطوا بهم جناب ذلة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة. لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة، وضربوا منهم في غمرة جهالة .
ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية، لقالت ذهبوا في الارض ضلالا، وذهبتم في أعقابهم جهالا: تطأون في هامهم، وتستثبتون في أجسادهم، و ترتعون فيما لفظوا، وتسكنون فيما خربوا.
وإنما الايام بينهم وبينكم، بواك ونوائح عليكم. اولئكم سلف غايتكم، وفراط مناهلكم، الذين كانت لهم مقاوم العز، وحلبات الفخر، ملوكا وسوقا .
سلكوا في بطون البرزخ سبيلا، سلطت الارض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم، وشربت من دمائهم، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون، وضمارا لا يوجدون .
لا يفرغهم ورود الاهوال، ولا يحزنهم تنكر الاحوال ولا يحفلون بالرواجف، ولا يأذنون للقواصف.
غيبا لا ينتظرون، وشهودا لا يحضرون، وإنما كانوا جميعا فتشتتوا وآلافا فافترقوا، وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عميت أخبارهم، وصمت ديارهم، ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا، وبالسمع صمما، وبالحركات سكونا فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات.
جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التعارف، وانقطعت منهم أسباب الاخاء، فكلهم وحيد، وهم جميع وبجانب الهجر وهم أخلاء ، لا يتعارفون لليل صباحا ، ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان…الحديث)( ).
وهل لقوله تعالى لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ )( ) صلة بقوله تعالى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، الجواب نعم مع أن الآية أعلاه مدنية ومن سورة آل عمران ، إذ جاء الإنذار والوعيد للذين كفروا في قوله تعالى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ.
وجاء بعث المسلمين على الإحتراز من الإفتتان بكثرة أموال وأسفار ووجاهة الذين كفروا ، لبيان أمور :
الأول : قانون كثرة أسفار الذين كفروا من تكاثرهم في الأموال والتجارة والأسفار ، والنسبة بين التكاثر في الآية أعلاه وبين كثرة أسفار الذين كفروا عموم وخصوص مطلق .
الثاني : قانون إجتماع الوعيد للذين كفروا والهداية للذين آمنوا في الموضوع المتحد .
الثالث : قانون تنزيه أجيال المسلمين من الإفتتان بالأموال واللهث في جمعها .
الرابع : البعث على إخراج الزكاة والخمس والحقوق الشرعية والتي تكون واقية من عذاب البرزخ .
وموضوع علم الفرائض ، التركات وتقسيمها وهو العلم الذي يبحث في ميراث الميت وقسمت وفق الحصص ويسمى أيضاً علم الميراث .
وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قال : العِلْمُ ثلاثة ، وما سِوَى ذلك فهو فَضْلٌ: آية مُحْكَمَةٌ، أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فَريضةٌ عَادَلةٌ)( ).
وروي مثله عن الإمام الكاظم عليه السلام ( ).
وندرس علم الفرائض اليوم ونحن عرضة لأن تقسم تركتنا وما لنا من مال ، ولكن العلم تركة باقية لا تقبل القسمة مع بقائه وانتفاع الجميع منه ، وعدم انحصاره بذي القربى ، قال تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ.
شدة الفتن في آخر الزمان
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء واختبار ، والإبتلاء في الدنيا من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة فوة وضعفاً سواء بالنسبة للأفراد أو الجماعات والأمم .
ومن خصائص الإيمان تضاؤل الفتن بالنسبة للمؤمنين مجتمعين ومتفرقين ، وإن جاءتهم فهي تأتي على نحو التدريج والتوالي ، ولا تمكث بينهم كثيراً ، لموضوعية الإيمان في نزول فضل الله عز وجل في محو المصائب والمحن عن المؤمنين في قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، كيف التوفيق بين دخول الشهداء الجنة حال يموتون وبين الحديث بأن النبي محمداً أول من يدخلها (لربك أمر من أن أفتح).
الجواب قيل أن أرواحهم تدخل الجنة مدة البرزخ ، أما يوم القيامة فتدخل أجسادهم وأرواحهم الجنة ، والمختار [عِنْدَ رَبِّهِمْ].
وهو أعم من دخول الجنة .
و(عن قيس الجذامي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن للقتيل عند الله ست خصال : تغفر له خطيئته في أول دفعة من دمه ، ويجار من عذاب القبر ، ويحلى حلة الكرامة، ويرى مقعده من الجنة ، ويؤمن من الفزع الأكبر ، ويزوّج من الحور العين( ).
وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجه والبيهقي عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن للشهيد عند الله خصالاً . يغفر له في أول دفعة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة ، ويحلى عليه حلة الإيمان .
ويجار من عذاب القبر ، ويأمن يوم الفزع الأكبر ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه) ( ).
و(عن جابر بن عبد الله قال : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا جابر ما لي أراك منكسراً؟ قلت : يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً فقال : ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال : بلى . قال : ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب ، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً وقال : يا عبدي تمن عليّ أعطك قال : يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب تعالى : قد سبق مني أنهم لا يرجعون . قال : أي رب فأبلغ من ورائي . فأنزل الله هذه الآية [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا] ( ))( ).
(عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الشهداء ثلاثة : رجل خرج بنفسه وماله محتسباً في سبيل الله يريد أن لا يقتل ولا يقتل ولا يقاتل ، يكثر سواد المؤمنين ، فإن مات وقتل غفرت له ذنوبه كلها ، وأجير من عذاب القبر ، وأومن من الفزع الأكبر ، وزوّج من الحور العين ، وحلت عليه حلة الكرامة ، ووضع على رأسه تاج الوقار والخلد)( ).
وقد ورد (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِى كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلاَّ الْبَلاَءُ)( ).
أي أنه يرغب بالإنتقال إلى عالم الآخرة ، يريد مغادرة الدنيا بسبب شدة البلاء الذي يلاقي، وليس المراد الناس كلهم، إنما المراد بيان شدة البلاء، وتوالي الفتن وشياع هذا القول عند كثير من الناس .
لبيان شدة الفتن في آخر الزمان ، وهذه الفتن ليس بسبب الدين والإيمان ، كما في شدة تعذيب رؤساء قريش النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه الأوائل لعملهم على ترك الإسلام حتى قتل عدد منهم تحت التعذيب منهم سمية بنت خباط أم عمار بن ياسر وهي أول شهيد في الإسلام ، إنما تكون المحن في أمور الدنيا والمصالح الشخصية وطلب الرياسات ، وتوسعة السلطان والإستيلاء على الثروات الخاصة والعامة .
فيصيب الجزع شطراً من الناس ، وتضيق بهم السبل .
وهل من معاني هذا الحديث الإنذار ، الجواب نعم ، فهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
وفيه دعوة نبوية لتوارث الإيمان ، وتعاهد الأجيال للصلاة والفرائض العبادية الأخرى فهو واقية من فتن الدنيا .
وابتدأ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حديثه بالقسم بالله عز وجل (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ) للإقرار بأن النفس والشهيق والزفير بيد الله عز وجل وأنه سبحانه تفضل علينا بالحياة ، وهو الذي يقبض النفوس من يشاء ، وفي التنزيل وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا.
ونفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أطيب النفوس .
وقد تكرر هذا القسم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث عديدة منها ما ورد (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ قَدْ أَلْقَاهَا أَهْلُهَا فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا)( ).
ولم يقل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويمر الرجل على المقبرة.
لبيان تكرار تمني الموت حتى عند القبر المنفرد وعلى نحو يومي متجدد لقلة ذهاب الناس للمقابر .
قانون الحضور عند المحتضر
بيان قانون الدنيا دار الإستجابة للمؤمنين بخصوص الوقائع وأمور الدنيا والآخرة ، فليس من حصر لميادين الإستجابة من الله عز وجل ، لتشمل موضوع الدعاء وغيره ، ويتجلى قانون نفع دعاء الحي للمعدوم ممن مات ومن لم يولد بعد .
و(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَقَعَ فِي أَبٍ لِلْعَبَّاسِ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَطَمَهُ الْعَبَّاسُ فَجَاءَ قَوْمَهُ فَقَالُوا وَاللَّهِ لَنَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَهُ فَلَبِسُوا السِّلَاحَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ قَالُوا أَنْتَ قَالَ فَإِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ فَلَا تَسُبُّوا مَوْتَانَا فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا فَجَاءَ الْقَوْمُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِكَ)( ).
وحالما يدخل الكافر القبر يدرك الحاجة إلى الدعاء ، وحرمانه لنفسه وموتاه من الدعاء ، ولم تعد تنفعه زينة ومباهج الدنيا .
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحضر عند المحتضر خاصة الأنصار لأنهم أكثر من المهاجرين ، وتتباين أعمارهم ، ومنهم الكبير والمسن ، وفي حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند المحتضر مسائل :
الأولى : قانون إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ، وهو شعبة من الوحي ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
الثانية : لقد أنزل الله تبارك وتعالى في نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصلاة على المنافقين وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ (فترك الصلاة عليهم)( ).
ويدل على هذا المنع على قدسية صلاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الميت ، وموضوعية الصلاة على الميت مطلقاً ، وما فيها من الأجر والثواب .
لقد أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأديب المسلمين بالإقتداء به في الحرص على الصلاة على الميت التي هي واجب كفائي ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
وعن الإمام الصادق عليه السلام عن الإمام علي عليه السلام قال (قال: صلى رجل إلى جنبي فاستغفر لابويه وكانا ماتا في الجاهلية فقلت : تستغفر لابويك وقد ماتا في الجاهلية.
فقال : قد استفغر إبراهيم لابيه فلم أدر ما أرد عليه فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله ، فأنزل الله [وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ] ( ) قال لما مات تبين أنه عدو لله فلم يستغفر له)( ).
الثالثة : بعث المسلمين على الحضور عند المحتضر وقراءة القرآن عنده ، وتلقينه الشهادتين ، وفي التنزيل لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
الرابعة : الحضور عند المحتضر عبرة وموعظة ، ودعوة للتوبة والإنابة ، وتذكير بالموت .
الخامسة : عناية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه أحياءً وأمواتاً .
السادسة : من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يحضر المحتضر ، ويقوم بتشييع الميت ، ويجلس عند القبر مع الموعظة اثناء هذا الجلوس .
و(عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ، ولما يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله ، وكأن على رؤوسنا الطير ، وفي يده عود ينكت به في الأرض .
فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ، ثم قال : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه ، كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ، حتى يجلسوا منه مد البصر . ثم يجيء ملك الموت ، ثم يجلس عند رأسه.
فيقول : أيتها النفس المطمئنة ، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ، وإن كنتم ترون غير ذلك ، فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين ، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط .
ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب .
فيقولون : فلان ابن فلان ، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له فيفتح لهم ، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ، حتى تنتهي به إلى السماء السابعة…الحديث)( ).
مكروهات ساعة الإحتضار
الأول : إن يمس في حالة النزع لأنه في حال ضعف.
الثاني : إبقاء الميت وحده فإن الشيطان يعبث في جوفه ، عن الإمام الصادق عليه السلام (قال : ليس من ميت يموت ويترك وحده إلا لعب الشيطان في جوفه)( ).
الثالث : حضور الجنب والحائض عنده حال الإحتضار.
الرابع : الإكثار من الكلام عند الميت إلا أن يكون قراءة للقرآن وذكراً لله.
(مسـألة780) يجوز سؤال طول العمر وتمنيه، ويكره تمني الموت وطول الأمل فيه ولو في حال الشدة والبلوى، نعم يستحب ذكر الموت.
و(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة والآخرة قد احتملت مقبلة، ألا وإنكم في يوم عمل لا حساب فيه ويوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي الاخرة إلا لمن يحب وإن للدنيا أبناء وللآخرة أبناء.
فكونوا من أبناء الاخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، إن شر ما أتخوف عليكم اتباع الهوى وطول الامل، فاتباع الهوى يصرف قلوبكم عن الحق، وطول الامل يصرف هممكم إلى الدنيا، وما بعدهما لاحد من خير يرجاه في دنيا ولا آخرة)( ).
(مسـألة781) يجوز الفرار من الوباء كالطاعون ونحوه وقد يكون واجباً، وكراهية الموت غير محرمة.
لذا ورد (عن سعيد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم ، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا تدخلوها)( ).
للزوم الإحتراز من العدوى ، والمنع من انتشار الوباء .
(مسـألة782) يستحب عند ظهور أمارات الموت الشوق للقاء الله عز وجل.
(مسـألة783) غسل المسلم إذا مات وتكفينه والصلاة عليه ودفنه واجبات كفائية أي إن اداها بعضهم تسقط عن الجميع ولو تركها الجميع أثموا.
(مسـألة784) يجب على غير الولي الإستئذان من الولي في هذه الأفعال والإستئذان شرط في صحة الفعل، وأما وجوبها فهو تكليف ثابت على الجميع ابتداءً.
(مسـألة785) إذا امتنع الولي عن المباشرة والإذن تسقط موضوعية إذنه ، فيرجع إلى المرتبة التي تلي من بعده من الورثة الأقرب فالاقرب، ثم إلى الحاكم الشرعي، ويجوز أن يتصدى لذلك عدول المؤمنين.
(مسـألة786) لا يشترط في الإذن أن يكون صريحاً فتجوز الفحوى وشاهد الحال القطعي ونحوه من وجوه الظهور العرفي المعتبر.
(مسـألة787) لا تكفي مباشرة بعض المكلفين وشروعهم بهذه الأفعال لاسقاط لأصل الوجوب، فلابد من اتيان تمام الفعل ، والشك في قيام الغير بتجهيز الميت أو عدمه لا يسقط وجوب المبادرة.
(مسـألة788) العلم بصدور الفعل من الغير يسقط التكليف به عن الآخرين ، إلا أن يعلم بطلانه ، أما في حال الشك في الصحة فيحمل على الصحة.
(مسـألة789) لا يشترط العدالة في الذي يباشر تجهيزات الميت.
قراءة سورة البقرة عند الموت
سورة البقرة مدنية ، وهي أكبر سور القرآن وأكثرها آيات ، إذ أنها تتألف من (286) آية وتتضمن أحكاماً شرعية وسنناً ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين خصائص ومنافع سورة البقرة وحفظها ، فأولاها المسلمون العناية ، وتدبروا في معانيها ودلالتها .
روي ان لَبيد بن ربيعة( ) من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام، وسأله عمر في خلافته عن شعره واستنشده فقرأ سورة البقرة فقال : انما سألتك عن شعرك.
فقال: ما كنت لأقول بيتاً من الشعر بعد ان علمني الله عز وجل سورة البقرة وآل عمران( ).
ولا تنحصر منافع سورة البقرة بأيام الحياة الدنيا إنما تشمل عالم ما بعد الموت وانها تنفع صاحبها في البرزخ وتخفف عنه أهوال القبر ووحشته.
فقد روي عن أبي الدرداء أنه قال : إن رجلاً ممن قرأ القرآن أغار على جار له فقتله وانه اقيد منه فقتل، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة حتى بقيت سورة البقرة وآل عمران جمعة أي اسبوعاً، ثم ان آل عمران إنسلت منه فاقامت البقرة جمعة، فقيل لها مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ قال: فخرجت كأنها السحابة العظيمة)( ).
لتكون لعمل الإنسان وقراءته القرآن في الدنيا موضوعية وأثر في كيفية مغادرته الحياة الدنيا .
(عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره ، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة ، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة ، في قبره .
وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج قال : قال لي أبي : يا بني إذا وضعتني في لحدي فقل : بسم الله ، وعلى ملة رسول الله . ثم سن علي التراب سناً ، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها . فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك).
وهل عالم البرزخ من مصاديق علم الغيب في قوله تعالى الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، الجواب نعم .
فمن علم الغيب ما غاب عن الناس علمه ، ومنه ما يحدث للإنسان في مستقبل أيامه ، وأهوال عالم الآخرة وأخبار الأمم السالفة إلا ما أخبر الله ورسوله عنه .
والنسبة بين الآخرة في قوله تعالى وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وبين البرزخ عموم وخصوص مطلق ، فالآخرة أعم والقبر أول مواطن الآخرة .
والله وحده هو الذي أحاط بالغيب علماً ومنه عالم القبر والبرزخ .
قانون التباين في النعم
من أسرار فوز الإنسان بمرتبة الخلافة في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً توالي النعم الخاصة والعامة عليه، وأن كل إنسان تأتيه نعمة خاصة من عند الله لا تكون عند غيره من جهات متعددة منها:
الأولى : ذات وماهية النعمة.
الثانية : جنس وموضوع النعمة بالولد أو المال أو الجاه.
الثالثة : كيفية مجئ النعمة على نحو دفعي أو تدريجي.
الرابعة : الكم النازل من النعمة على العبد.
الخامسة : المقدار الذي انتفع منه العبد، فقد يكون بين الكم النازل والمقدار المكتسب التساوي، وقد يكون على نحو الموجبة الجزئية ، وهذه الجزئية من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ومتباعدة.
السادسة : مدة بقاء النعمة عند العبد.
السابعة : أوان مجئ النعمة والفضل الإلهي للعبد.
الثامنة : حال العبد عند نزول النعمة.
التاسعة : كيفية تلقي وإكتساب العبد للنعمة.
العاشرة : هيئة الاقتضاء عند العبد لنيل النعمة بلحاظ أنها حاجة أو نافلة وفضل، أو حرز لحاجة لاحقة.
الحادية عشرة : إزاحة المانع الخاص أو العام عند العبد أو الحواجز التي تحول دون الإنتفاع الأمثل من النعمة.
الثانية عشرة : مدة إنتفاع العبد من النعمة، والصلاح الذاتي للإكتساب.
الثالثة عشرة : الأثر المترشح عن النعمة الإلهية.
قانون التباين في كيفية الموت
من بديع صنع الله ومصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، أن لكل إنسان خصوصية في ذات النعم والرزق التي يأتيه من عند الله بما يختلف عن غيره بحيث تعلم الملائكة ذات الشخص مما ينفرد به ، من النعم كماً وكيفاً ، ومكاناً وزماناً ، والتي تكون حجة عليه وهي ما يسأله عنها منكر ونكير في القبر ، وتكون ظاهرة جلية يوم القيامة ، قال تعالى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
وكذا لكل إنسان كيفية خاصة في موته تختلف عن أي إنسان من أيام آدم عليه السلام وإلى يوم القيامة ، وكأنها مثل بصمة اليد والعين واختلاف الناس فيها ، لبيان موضوعية الإيمان في اليسر في قبض ملك الموت الروح وبشارة الملائكة .
وهل لشكر الإنسان الله عز وجل على النعم موضوعية في دفع وإرجاء الأجل وكيفية موته وقبض روحه ، الجواب نعم ، لبيان الحاجة للشكر لله عز وجل .
ليكون من معاني وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، ومنه لنفسه بالإنتفاع من الشكر لله في عالم البرزخ .
أسماء ملكي القبر
تتعدد أسماء الملكين اللذين يسألان الميت في قبره وفيه موعظة ودعوة للتدبر في المساءلة الحتمية في القبر ، وكيفية هذه المساءلة ، ومن هذه الأسماء:
الأول : ملكا القبر : لبيان الإختلاف بينهما وبين الملكين اللذين يصاحبان الإنسان في الدنيا ، وهما الموكلان بكتابة أقواله وأفعاله ، إذ يكتب صاحب اليمين الحسنات ويكتب صاحب الشمال السيئات ، قال تعالى عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ.
وعن الإمام الباقر عليه السلام (فما يفتر ينادي حتى يدخل قبره فإذا دخل حفرته ردت الروح في جسده وجاءه ملكا القبر فامتحناه)( ).
الثاني : قعيدا القبر : لبيان أنهما بانتظار إدخال الميت قبره ، والدلالة على أن مساءلتهما له أمر حتم .
الثالث : منكر ونكير : وهما الاسمان المشهوران لهما عند أجيال المسلمين لورودهما في أحاديث نبوية عديدة .
الرابع : فتانا القبر ، و(عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : كيف أنت إذا رأيت منكراً ونكيراً؟ قال : وما منكر ونكير ، قال : فتّانا القبر ، أصواتهما كالرعد القاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف ، يطآن في أشعارهما ويحفران بأنيابهما معهما عصاً من حديد ، لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها)( ).
والمراد من أهل منى أي وفد الحاج الذين يجتمعون أيام التشريق في منى كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله (من مات مريضا مات شهيدا ووقي فتاني القبر ، وغدي ، وريح عليه برزق من الجنة)( ).
قال تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا.
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه (نظر في رجوعه من صفين إلى المقابر فقال: هذه كفات الاموات أي مساكنهم ثم نظر إلى بيوت الكوفة فقال: هذه كفات الاحياء)( ).
إذ تجمع الأرض الناس وهم أحياء على ظهرها ، وتسترهم في بيوتهم وتجمعهم أمواتاً في بطنها ، فكما جعل الله عز وجل الناس خلفاء في الأرض فانه سبحانه أمرها بأن تستر الناس أحياء وأمواتاً .
وورد قوله تعالى في الثناء على المؤمنين وبشارتهم [لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ] وتدل هذه الآية على امتياز المسلمين بنعمة وهي عدم دخول سيئاتهم معهم إلى القبر ، لأن الله عز وجل محاها في الدنيا ويبدلها حسنات ، مما يبعث الطمأنينة في نفوسهم فلن تكون حاضرة يوم القيامة ، وهو من مصاديق سؤالهم وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وتفضل الله بالإستجابة لهم.
صلة الرحم
صلة الأرحام من مكارم الإخلاق ، ودعا القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليها ، مع بيان الحاجة إليها في الدنيا والآخرة ، وعظيم الثواب فيها ، وهي صرح اجتماعي يسمو بالصلات ، وينمي ملكة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
بالإسناد عن محمد بن ابراهيم (قال بعث أبو جعفر المنصور إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام و أمر بفرش فطرحت إلى جانبه فأجلسه عليها، ثم قال علي بمحمد، علي بالمهدي، يقول ذلك مرارا .
فقيل له الساعة يأتي يا أمير المؤمنين، ما يحبسه إلا أنه يتبخر. فما لبث أن وافى وقد سبقته رائحته، فأقبل المنصور على جعفر عليه السلام فقال يا أبا عبد الله، حديث حدثنيه في صلة الرحم اذكره يسمعه المهدي .
قال نعم، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده ، عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيرها الله عز وجل ثلاثين سنة ، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيرها ثلاث سنين ، ثم تلا عليه السلام يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ .
قال هذا حسن يا أبا عبد الله و ليس إياه أردت .
قال أبو عبد الله نعم ، حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه و آله : صلة الرحم تعمر الديار ، وتزيد في الأعمار ، وإن كان أهلها غير أخيار .
قال هذا حسن يا أبا عبد الله وليس هذا أردت ، فقال أبو عبد الله عليه السلام نعم ، حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : صلة الرحم تهون الحساب ، وتقي ميتة السوء ، قال المنصور نعم ، إياه أردت)( ).
لبيان حضور صلة الرحم مع ملك الموت ينظر لها وينظر إلى الميت ، وكأنها تشفع له وتنجيه من ميتة السوء ، وتحضر صلة الرحم مع الإنسان يوم القيامة فتكون سبباً لتخفيف الحساب وشدته.
وهذه الأحاديث من مصاديق قوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
قانون الحاجة للنجاة من الخزي
الخزي هو البلّية وفضح الخصلة القبيحة للفرد بين الناس ، ويقال أخزاه الله : أي فضحه .
والخزي على قسمين :
الأول : في الدنيا بما يتضمن الذل الذي يستحي منه ، قال تعالى في الذين كذبوا الرسل السابقين وانكروا التوحيد فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
الثاني : الخزي في الآخرة ، وهو نوع عذاب بذاته ، والحياء والذل أمام الملائكة وأهل المحشر .
فاذا كان الإنسان في الدنيا لا يلتفت إلى رؤية الملائكة لما يفعل ، وإحصائهم لعمله ، فانه يراهم في الآخرة ويستحي منهم ومن الناس ، ويود الهروب وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، فليس هو أوان هروب أو فرار ، والمناص : الملجأ .
وابتدأت آية رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ بنداء الاستغاثة (ربنا).
وأختتمت بقانون من الإرادة التكوينية [إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ] والنسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، لقانون خاتمة الآية القرآنية فقاهة في الدين ، فاذ ابتدأت الآية بتوسل المسلمين بالله عز وجل بتنجز ما وعدهم على ألسنة الرسل ، وما جاءت به الكتب السماوية المنزلة وخاتمها القرآن أختتمت الآية بصيغة الإطلاق في [إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ] ليشمل أموراً :
الأول : رجاء المؤمنين الأمن في القبر ، والفوز بالنعيم يوم القيامة .
الثاني : الحساب الإبتدائي في القبر من الملكين منكر ونكير ، إذ ينقطع عالم العمل ، ويبدأ عالم الحساب والجزاء ، و(عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان أحدكم إذ مات عرض على مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)( ) لبيان أن عالم القبر والبرزخ بين موت الإنسان إلى يوم ينفخ في الصور ، ليس أمراً عدمياً أو يتغشاه السكون.
الثالث : الموت حق والبعث والنشور من القبور حق ، قال تعالى زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
آيات في الإحتضار
قال تعالى فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ.
لبيان سكرات وغمرات الموت ، وبلغت الروح الحلقوم في طريق مغادرة الجسد على نحو تدريجي كفرصة ولطف من عند الله ليتوب العبد ، ويعينه أهله بتلقينه كلمة التوحيد والإستغفار وكلمات الفرج .
والمراد من وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ، الخطاب لأهل الميت ومن حضره من الناس وعجزهم عن دفع الموت عنه ، وفضل الله لحملهم على التسليم بقضاء وقدر الله عز وجل .
وفي الآية ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال (إن نفس المحتضر إذا بلغت الحلقوم وكان مؤمنا رأى منزله من الجنة .
فيقول : ردوني إلى الدنيا حتى أخبر أهلها بما أرى، فيقال له: ليس إلى ذلك سبيل)( ).
وقد ذكرت في الجزء الرابع والستين بعد المائتين من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان) أن موضوع الآية أعم من مسألة ساعة الإحتضار ، ومقدمة الموت ، إنما تشمل سرعة الإستجابة من عند الله بقوله تعالى فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ، بدليل قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
وهو معكم أي شاهد ورقيب عليكم ، ويحيط علماً بأفعالكم ، وتصاحبكم رحمته ولطفه .
وفي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام قال (فإذا بلغت الحلقوم ضربت الملائكة وجهه ودبره وقيل أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ.
وذلك قوله تعالى يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا.
فيقولون: حراما عليكم الجنة محرما، وقال: يخرج روحه فيضعه ملك الموت بين مطرقة وسندان فيفضح أطراف أنامله وآخر ما يشدخ منه العينان، فيسطع لها ريح منتن يتأذى منه أهل السماء كلهم أجمعون.
فيقولون: لعنة الله عليها من روح كافرة منتنة خرجت من الدنيا، فيلعنه الله ويلعنه اللاعنون، فإذا اتي بروحه إلى السماء الدنيا اغلقت عنه أبواب السماء، وذلك قوله لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ.
يقول الله : ردوها عليه ، فمنها خلقتهم ، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى)( ).
قانون الصبر نعمة
من معاني البشارة للصابرين بشارتهم في القبر وعند البعث والنشور ومواطن يوم القيامة الأخرى ، ولا يحصي بشارتهم في الآخرة كماً وكيفاً إلا الله عز وجل.
وهل يشملها قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، الجواب نعم.
ولما أسلم عمار بن ياسر وأبوه وأمه سمية وأخوه عبد الله أخذهم الكفار جميعاً وقاموا بتعذيبهم أشد العذاب .
و(عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بعمار وأهله وهم يعذبون في الله ، فقال : أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة)( ).
وماتت سمية وياسر تحت وطأة العذاب واستشهد عمار في صفين ، وأول شهيد في الإسلام هي سمية بنت خباط .
قال تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
ومن خصائص الحياة الدنيا أنها دار الصبر ، ليس من إنسان إلا ويحتاج فيها الصبر في القول والعمل وتلقي المصائب ، ويتصف المؤمن بالأجر على الصبر والتحمل لإقراره بأن ما يأتيه هو من عند الله لقانون صبر المؤمن فرع اليقين ، قال تعالى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
ومن معاني الصبر الإمتناع عن فعل ما لا يحسن وحبس النفس عن الجزع ، واللسان عن التعدي ، والجوارح عن اللطم .
و(عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنه من يستعف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، ولم تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يرّغب بالإسترجاع عند نزول المصيبة ، لقانون سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترجمان للقرآن ، ولبيان النفع العظيم في الدنيا والآخرة للإسترجاع لقوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وعن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه واله فقال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه واله قولا سررت به، قال: لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته فيقول : اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها ، إلا فعل ذلك به .
قالت ام سلمة: فحفظت ذلك منه فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منه ثم رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير من أبي سلمة .
فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه واله وأنا أدبغ إهابا لي، فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له .
فوضعت له وسادة من أدم حشوها ليف، فقعد عليها فخطبني إلى نفسي ، فلما فرغ من مقالته .
قلت : يا رسول الله صلى الله عليه واله ما بي إلا أن يكون بك الرغبة، ولكني امرءة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرءة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال .
فقال : أماما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فانما عيالك عيالي .
قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه واله فتزوجها رسول الله.
فقالت ام سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسول الله صلى الله عليه واله)( ).
قانون الحذر من الموت
الحذر : الخيفة والإحتراز ، يقال حذره يحذره حذراً، فزع منه وتوجس منه خيفة.
يبذل الإنسان الجهد كل يوم في الحذر من الموت ، ودفعه ومقدماته, وإرجاء أجله ، وهو أمر حسن ضمن قوانين وقواعد الشريعة .
وقد ورد لفظ [حَذَرَ الْمَوْتِ] مرتين في القرآن وكلاهما في سورة البقرة ، وهي مدنية قال تعالى أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ.
وقوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ.
وفي هذه الآية ورد بالإسناد عن الإمام الرضا عليه السلام قال (إن قوما من بني إسرائيل هربوا من بلادهم من الطاعون وهم الوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة .
فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم فصاروا رميما، فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله عزوجل إليه : أتحب أن احييهم لك فتنذرهم .
فقال : نعم يا رب، فأوحى الله عزوجل: أن نادهم، فقال: أيتها العظام البالية ، قومي بإذن الله عزوجل، فقاموا أحياءا أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم)( ).
لبيان أن الله عز وجل هو الذي سأل النبي إن كان يرغب في إحيائهم بعد موتهم ليقوم بانذارهم ووعظهم .
وورد مادة الحذر في القرآن في الثناء على المؤمنين الذين يتعاهدون صلاة الليل ويخشون أهوال الآخرة بقوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.
لبيان أن الإقرار بعالم الحساب والجزاء من العلم وفيه ارتقاء في المعرفة.
وهل الحذر من الموت ضد تمنيه المنهي عنه .
الجواب إنه أعم لأن التمني كيفية نفسانية ، أما الحذر فهو قول وفعل .
ويبين القرآن أن الدعاء يمحو الضرر ، ويبعد الأجل الذي كتبه الله عز وجل إلا أن هذا الحذر نعمة من عند الله عز وجل رزقها الإنسان خاصة إذا اقترن بالتقوى وطاعة الله عز وجل .
ويسأل الإنسان الله عز وجل أن يميته على إيمان وتقوى وصلاح ، وهل في هذا السؤال إطالة للعمر ، الجواب نعم ، لما في هذه الإطالة من عمل الصالحات والإكتناز من الحسنات .
صرف المصائب
من خصائص المصيبة الضرر البالغ على حال الإنسان ، وشدة وطأتها على النفس ، فيخفف الله عز وجل عن الناس بمحو الكثير من المصائب.
وهل يختص هذا المحو بالمؤمنين والمؤمنات ، الجواب لا ، لعموم رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً ، نعم ما يمحى عن المؤمنين من المصائب أكثر من غيرهم ، لقانون الإيمان واقية من توالي المصائب ، وفي التنزيل يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
ويعجز الإنسان عن إحصاء مصاديق وأفراد نعمة الله عز وجل عليه بدفع المصائب والفتن والأجل عنه ، قال تعالى لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.
و(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وكل بالمؤمن ثلثمائة وستون ملكاً ، يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف ، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل ، كلهم باسط يديه فاغر فاه ، وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين ، لاختطفته الشياطين)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الله عز وجل أن يحييه ما دامت الحياة خيراً له ، إذ ورد عن عمار بن ياسر قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بهؤلاء الدعوات : اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي .
اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحكم في الغضب والرضا ، وأسألك القصد في الفقر والغنى.
وأسألك نعيماً لا يبيد وقرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضا بعد القضاء.
وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة .
اللهم زينا بزينة الإِيمان ، واجعلنا هداة مهتدين)( ).
وفي هذا الدعاء سؤال المسلمين الله عز وجل الحياة بعد الموت ، تلك المنزلة التي رزقها الله عز وجل للشهداء بقوله تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
ليسأل المسلم الله عز وجل بأن يمد في عمره ، ويجعل طول العمر كله في خير وعمل الصالحات وهو من مصاديق قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
قانون الموت موعظة
لقد ملأ الله عز وجل الحياة الدنيا بالشواهد الكثيرة من الموعظة , ويتعظ الإنسان من نفسه وممن حوله ، وهل موت القريب من مصاديق سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، الجواب نعم .
وكان الإمام علي عليه السلام آية الله في الأرض وهو أول من أسلم ، وأشجع الصحابة كما في واقعة بدر ، وأحد ، وصرع فارس مضر عمرو بن عبد ود العامري في معركة الخندق ، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (اقضاكم علي).
وعندما ضرب أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم الإمام عليه السلام بالسيف على رأسه ساعة الفجر يوم التاسع عشر من شهر رمضان من السنة الأربعين للهجرة بقي الإمام علي جريحاً ليومين ، فكانت أقواله ووصاياه موعظة للأجيال ومنها قوله (قبل ساعة موته :
أنا بالأمس صاحبكم ، وأنا اليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم.
غفر الله لي ولكم إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك. وإن تدحض القدم فإنما كنا في أفياء أغصان، ومهب رياح. وتحت ظل غمام اضمحل في الجو متلفقها، وعفا في الأرض مخطها.
وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما، وستعقبون مني جثة خلاء: ساكنة بعد حراك، وصامتة بعد نطق. ليعظكم هدوي، وخفوت أطرافي، وسكون أطرافي، فإنه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع)( ).
وفي هذا الحديث مسائل :
الأولى : إنه دعوة لذكر الله .
الثانية : الإتعاظ بوفاة الإمام المفترض الطاعة باجماع المسلمين .
الثالثة : هذا الحديث مناسبة للصلاح .
الرابعة : بعث الناس على الإستغفار .
الخامسة : هو شعبة من قانون الزجر عن التمادي في المعاصي .
السادسة : قانون المنع من الظلم والجور ، قال تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا.
السابعة : قانون الموت موعظة جلية أبلغ من الخطبة الفصيحة .
الثامنة : مغادرة الإمام علي عليه السلام وهو يتعاهد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
التاسعة : الإقرار بعالم الحساب .
العاشرة : إقرار الإمام علي عليه السلام بالعبودية لله عز وجل ، وهو يرجو رحمته ، وفيه منع الغلو .
الحادية عشرة : التخفيف عن المؤمن من شدة وطأة مصيبة مفارقته الدنيا ، وحثهم على التدبر في عالم الآخرة ، فالموت مدرسة في الموعظة وعبرة للناس ، وشواهد يومية متجددة تدعو للصلاح ، وتتضمن الإخبار لكل إنسان بأنه مغادر الدنيا طوعاً وقهراً .
قانون الإحتجاج على الكفار
من خصائص القرآن احتجاجه على الكفار بالحجة والبرهان ، وفيه مدد للأنبياء ، وعون للمؤمنين في كل زمان ، وهو من مصاديق سلامة القرآن من التحريف .
يتضمن القرآن الإحتجاج على الكفار من وجوه وعلل متعددة ، منها أنهم وجميع الناس كانوا أمواتاً وعدماً وأن الله عز وجل هو الذي بعثهم وأحياهم ، وهذا الإحتجاج من لطف الله عز وجل بالعباد.
ومن إعجاز القرآن نقله لأقوال الكافرين التي تتضمن إنكار البعث ، وفي التنزيل وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، وفيه مسائل:
الأولى : قانون إنذار الناس من محاكاة الكافرين .
الثانية : قانون دعوة الكافرين إلى التوبة والإنابة .
الثالثة : احتجاج الله على الكافرين بوجوب البعث إذ ذكر الله قولهم ثم رده عليهم بعد آيتين بقوله تعالى فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
الرابعة : الإخبار عن قانون حتمية الموت، وأن هذا الموت ليس مسألة تتعلق بالدهر أو الأسباب الدنيوية المادية المحضة، بل أن موت أي إنسان لا يتم إلا بأمر من عند الله عز وجل .
الخامسة : مغادرة الدنيا بالموت ليس خاتمة لوجود وذات الانسان بل هي خاتمة للحياة الدنيا، فبعد الموت يبعث الله الناس ويحييهم من جديد، وفيه تحذير للكافرين وإخبار عن عالم الحياة بعد الموت.
السادسة : رجوع الناس عامة إلى الله تعالى للوقوف بين يديه للحساب ثم الجزاء.
السابعة : ذم الذين قالوا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ، وبيان قبح مقولة : أرحام تدفع وأرض تبلع ، إن كان القصد منها إنكار البعث ، أو أنها تتضمن هذا المعنى .
الثامنة : الزحر عن إنكار النبوة خاصة مع المعجزات التي جاء بها الأنبياء وليس من نبي إلا وجاء بالإنذار من عذاب الكفار يوم القيامة .
التاسعة : احتجاج القرآن حجة للمؤمنين ، ودعوة عامة للإتعاظ والتدبر في آيات الإحتجاج ، ومن الآيات ورود الأمر الإلهي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) بعد ذكر احتجاج الكفار فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ، وقال تعالى سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ.
لقد احتجوا بالقدر ، فاذا فعلوا معصية قالوا إن الأمر مقدر عليهم ، ولا أصل له ، إنما جعل الله عز وجل عند الإنسان القدرة على اختيار الإيمان ، وقربه إليه بالآيات الكونية وبعثة الأنبياء ، قال تعالى إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا.
وأول من احتج بالقدر زوراً إبليس كما ورد في التنزيل قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ.
ولا يصح أن يقول الإنسان اني أريد السلامة والنجاة من عذاب البرزخ من غير أن أتوب وأعمل صالحاً .
ومن الأدلة على بطلان الإحتجاج بالقدر أن أهل النار حينما سئلوا مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، لم يقولوا هذا قدرنا ، أو أن الله أجبرنا على الكفر أو أن الرؤساء أمرونا بالظلم , إنما قالوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ.
فمن أراد النجاة في عالم البرزخ واليوم الآخر فليشمر عن ساعديه ، ويتعب قدميه في طاعة الله ، ويجعل لسانه لهجاً بذكر الله ، وفي المرسل (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أوصني فقال: احفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني .
قال: احفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني، قال: احفظ لسانك، ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم)( ).
السلامة في البرزخ
لقد حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ذكر أهوال الآخرة وإنذار الناس منها ، وحتى في ميدان معارك الإسلام الأولى مثل معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين ، والتي كان فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حال دفاع عن بيضة الإسلام ولم يكن غازياً .
فقد كان لا يبدأ قتالاً ، وكان ينادي بين الصفين (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)( ).
ومن الفلاح النجاة من فتنة وعذاب القبر ، والأمن من الخوف يوم القيامة ، قال تعالى لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، ولم يرد لفظ (الفزع) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ويدل نعته بالأكبر على تجاوزه لعالم التصور .
وعن (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : ما المقام المحمود الذي ذكر لك ربك؟ قال : يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلاً ، كهيئتكم يوم ولدتم هالهم الفزع الأكبر ، وكظمهم الكرب العظيم ، وبلغ الرشح أفواههم وبلغ بهم الجهد والشدة ، فأكون أول مدعى وأول معطى .
ثم يدعى إبراهيم عليه السلام قد كسي ثوبين أبيضين من ثياب الجنة ، ثم يؤمر فيجلس في قبل الكرسي . ثم أقوم عن يمين العرش فما من الخلائق قائم غيري ، فأتكلم فيسمعون وأشهد فيصدقون)( ).
والحديث ضعيف سنداً بعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي القرشي السهمي .
وعن أبي عمرو بن العلاء قال (كان لا يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب، إلا أنهما كانا لا يسمعان شيئا إلا حدثا به)( ).
و(عن أيوب قال كنت إذا جئت إلى عمرو بن شعيب أغطي رأسي حياء من الناس)( ).
و(قال يحيى القطان : حديث عمرو بن شعيب عندنا واه)( ).
وحديث المقام المحمود مستفيض بطرق متعددة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يضر فيه ضعف بعض طرقه.
وعن عبد الله بن عباس في قوله (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قال : مقام الشفاعة .
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال : هو الشفاعة)( ).
و(عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تَلٍّ ، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي أن أقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك المقام المحمود)( ).
وعن الإمام الصادق (عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا قمت المقام المحمود تشفعت في أصحاب الكبائر من أمتي، فيشفعني الله فيهم ، والله لا تشفعت فيمن آذى ذريتي)( ).
في المستحبات بعد الموت
أي ما يفعله الحي الذي يكون حاضراً ساعة وفاة غيره , منها :
الأول : تغميض عيني المحتضر وتطبيق فمه وشد فكيه ومد يديه إلى جنبيه ومد رجليه وتغطيته بثوب.
الثاني : تلقينه الشهادتين ، وعن الإمام جعفر الصادق (عن أبيه عن آبائه عليهم السلام : أن رسول الله صلى الله عليه واله قال : لقنوا موتاكم لا إله إلآ الله ، فإن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)( ).
الثالث : قراءة القرآن عند المحتضر ، ليغادر الدنيا وقد امتلأت أذنه بكلام الله ، والصلاة على النبي محمد وآله الأطهار ، ومطلق الدعاء ، وتلقينه كلمات الفرج.
وفي صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على رجل من بني هاشم وهو يقضي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : قل : لا إله إلا الله العلي العظيم ، لا إله إلا الله الحليم الكريم ، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع ، وما بينهن وما تحتهن ، ورب العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين.
فقالها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الحمد لله الذي استنقذه من النار)( ).
الرابع : إعلام المؤمنين ليحضروا جنازته وتشييعه.
الخامس : التعجيل في دفنه فلا ينتظرون به الليل لو مات في النهار ، ولا النهار أن مات في الليل إلا أن يوجد راجح شرعي كما لو شك في موته ، أو أن تكون امرأة حاملاً وولدها حي ينتظر لحين اخراجه وخياطة موضع الإخراج.
السادس : إعلام وحضور أكبر عدد للتشييع لا يصلح أن يكون علة لتأخير الدفن ، وكذا الاعتبارات العرفية.
ومن مستحبات الإحتضار التوصية بقراءة القرآن عند القبر خاصة في ساعة الدفن ، وقراءته تلك الساعة حتى بدون توصية من الميت فمن فضل القرآن إعجازه وإنفراده بمنزلة لا يستطيع أساطين البلاغة والفصـاحـة ان يدركـوا بعضـاً منها .
وقد ورد في وصية الزهراء عليها السـلام للإمام عـلي عليه السلام لما احتضرت انها قالت : فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء عندما تسوي التراب عليَّ فانها ساعة يحتاج الميت فيها الى أنس الأحياء .
ومصاديق الأحياء هنا القرآن والقارئ ، وان القرآن وحي وبقراءته تنال أشرف مراتب الحياة ويوسع للميت في قبره .
قانون الملازمة بين الظلم والندامة
الظلم لغة وضع الشئ في غير موضعه والميل عن القصد .
والظلم في الإصطلاح هو الجور ، ومجاوزة الحد ، والتعدي عن الحق إلى الباطل .
وفي الظلم أطراف :
الأول : الظالم .
الثاني : موضوع ومادة الظلم .
الثالث : المظلوم .
وقد يكون الإنسان ظالماً لنفسه ، فيكون ظالماً ومظلوماً في آن واحد لتقوم عليه الحجة .
وأبى الله عز وجل إلا أن يجعل الندامة مصاحبة للظالم ، وهو من مصاديق احتجاج الله عز وجل على الملائكة حينما تساءلوا عن جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، إذ قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، فمن علمه تعالى جعل الظالم يندم على سوء فعله .
والنسبة بين الظلم وبين الإفساد في الأرض وسفك الدماء عموم وخصوص مطلق ، ومن علم ولطف الله عز وجل أنه فتح باب التوبة للظالم وفي وعد عام لأجيال الناس وبصيغة الإطلاق في ماهية الأفعال ، قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى.
وفي سبب نزول قوله تعالى وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا هو عُقبة بن أبي مُعيط وأُبي بن خلف .
إذ بصق أمية بن خلف في وجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووطئ (عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتّى كَادَتْ عَيْنَاهُ تَبْرُزَان)( ).
وذكرت أن موضوع الآية القرآنية أعم من سبب النزول فالمدار على عموم المعنى ، وصار أمية بن خلف يهدد النبي محمداً بالقتل ، ويرسل له رسائل الإنذار والتخويف فاجاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : أنا اقتله إن شاء الله .
وعلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القتل على المشيئة الإلهية لعلمه باحتمال المحو وعدم وقوع القتل لقوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، ولتأكيد أن النبي محمداً لا يقصد يوماً قتل أمية بن خلف أو غيره لقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يقتل أحداً بسيفه ولكن حينما زحف ثلاثة آلاف رجل من قريش وحلفائها والمرتزقة في معركة أحد ، وانكشف أكثر الصحابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقدم أمية بن خلف نحوه (أَيْ مُحَمّدُ لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَوْتَ فَقَالَ الْقَوْمُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَيَعْطِفُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنّا .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ دَعُوهُ فَلَمّا دَنَا ، تَنَاوَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَرْبَةَ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ الصّمّةِ : فَلَمّا أَخَذَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُرَ الشّعْرَاءِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إذَا انْتَفَضَ بِهَا .
ثُمّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا .
أي تَقَلّبَ عَنْ فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَتَدَحْرَجُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ ، كَمَا حَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، يَلْقَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ فَيَقُولُ يَا مُحَمّدُ إنّ عِنْدِي الْعَوْذَ فَرَسًا أَعْلِفُهُ كُلّ يَوْمٍ فَرَقًا مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُك عَلَيْهِ فَيَقُولُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ أَنَا أَقْتُلُك إنْ شَاءَ اللّهُ .
فَلَمّا رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ وَقَدْ خَدَشَهُ فِي عُنُقِهِ خَدْشًا غَيْرَ كَبِيرٍ فَاحْتَقَنَ الدّمُ قَالَ قَتَلَنِي وَاَللّهِ مُحَمّدٌ قَالُوا لَهُ ذَهَبَ وَاَللّهِ فُؤَادُك وَاَللّهِ إنْ بِك مِنْ بَأْسٍ قَالَ إنّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكّةَ أَنَا أَقْتُلُك ، فَوَاَللّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيّ لَقَتَلَنِي . فَمَاتَ عَدُوّ اللّهِ ِسَرِف وَهُمْ قَافِلُونَ بِهِ إلَى مَكّةَ)( ).
وقد شرعت بكتابة الجزء الثالث من كتابي قوانين البرزخ بعد أن صدر الجزء الأول والثاني منه والحمد لله فاذكر بخصوص هذه الواقعة شواهد في اليقظة وكشف من عالم البرزخ وكيف أن الذي يعبد الأوثان ويحارب النبوة والتنزيل يلقي العذاب في البرزخ.
(قال الواقدي: كان ابن عمر يقول: مات أبَيّ بن خلف ببطن رَابِغٍ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تتأجّح فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبيّ بن خلف)( ).
وهل عذاب أبي بن خلف على نحو قضية عين شخصية أم هو علامة على عذاب القبر للذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب هو الثاني .
فمن أشد الناس عذاباً في الآخرة الذين قتلوا الأنبياء والذين حاربوهم ، لأن كل نبي جاء بمعجزة حسية خارقة تدل على صدق نبوته من عند الله عز وجل .
لتكون الوقائع الشخصية بسماع عذاب القبر موعظة وعبرة ومدرسة.
وتبعد رابغ عن مكة نحو (195)كم.
ويرى الناس ما يتعرض له الميت من خير أو أذى في عالم البرزخ في الرؤيا الصادقة ، ولا تختص هذه الرؤيا بالمؤمنين إذ أنها من عمومات البشارات والإنذارات من الله في الحياة الدنيا ، ولكن حادثة المتقدمة جرت حقيقة في الواقع لأنكشاف الغطاء لبيان الحجة .
وقد ورد مثله عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
وعن إدريس بن عبد الله قال : سمعت الإمام جعفر الصادق عليه السلام (يقول : بينا وأنا وأبي متوجهين إلى مكة وأبي قد تقدمني في موضع يقال له: ضجنان .
إذ جاء رجل في عنقه سلسلة يجرها فأقبل علي فقال: اسقني اسقني، فصاح بي أبي: لا تسقه لا سقاه الله، قال: وفي طلبه رجل يتبعه، فجذب سلسلته جذبة طرحه بها في أسفل درك من النار)( ).
قانون الإنقضاء
من بديع صنع الله أن لكل مخلوق أجلاً لا يتعداه ، فالله عز وجل وحده هو الأول والباقي والأخر .
وكلما مرّ على الإنسان يوم ينخرم من عمره بقدر ساعاته ودقائقه ونزل القرآن بانذار الناس من ساعة الموت وما بعدها .
وهل قوله تعالى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ عام للناس أم أنه خاص ، الجواب هو الأول ، ومعنى تحيد أي تكره ، وفيه وجوه :
الأول : قانون إنقطاع الحياة الدنيا، فلا يستطيع الناس أفراداً وفرقة وملة أن يبقوا فيها إلى أبد الأبد.
الثاني : قانون الموت بداية عذاب الكفار، وثواب المسلمين.
الثالث : قانون الحياة والموت بيد الله تعالى، ولا يقدر عليهما غيره سبحانه.
ومن إعجاز القرآن عدم مجئ الإستفهام الإنكاري بخصوص الطيبات في المأكل والمشرب والملبس، بل جاء بخصوص نعمة الخلق والحياة ، قال تعالى أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ.
الرابع : التذكير بالبطش الإلهي بالكفار عند الموت بواسطة الملائكة ، وفي عالم البرزخ ، قال تعالى فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ، لبيان شدة قبض ملك الموت لروح الكافر .
الخامس : بعث آيات القرآن السكينة في نفوس المسلمين من أهوال عالم البرزخ.
السادس : بيان التضاد بين الفلاح وعذاب القبر ، مما يلزم السعي في مراتب الفلاح والتي تتجلى بالتقوى والصلاح ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )( ).
قانون الوقاية من الوسوسة
الوسوسة والوسواس ما يلقيه الشيطان في قلب الإنسان في خفاء عندما يجد فرصة للنفاذ إليه من ضعف الإيمان ، والغرور والظلم والضلالة .
والوسواس ضد الإلهام وما فيه من الخير والصلاح ، وفي آدم وحواء ورد قول الله فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا، وقد تأتي الوسوسة من داخل الإنسان عندما يغلب عليه الشك والريب والعناد ، قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ.
وعن عبد الله بن مسعود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان ، ثم قرأ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ))( ).
ومن وسواس الشيطان إشغال الإنسان عن عالم البرزخ ، وعالم الآخرة إذ يغويه باللهث وراء الدنيا ، وفي ترتب الأثر على وسوسة إبليس وجوه محتملة :
الأول : يؤثر إبليس في النفس الأمارة بالسوء وحدها , تلك التي يخشى تبعيتها لهواها.
الثاني : يقع سلطان إبليس على النفس اللوامة التي وردت الإشــارة إليها بقــولـه تعالىوَلاَ أُقْسِــمُ بِالنَّفْــسِ اللَّوَّامَةِ التي لا تزال تلوم نفسها, وتجتهد في الصلاح.
الثالث : يقع على النفس المطمئنة الآمنة التي لا يستقر فيها خوف أو حزن.
الرابع : النفس الراضية، أو المرضية.
الخامس : تتوجه شرور إبليس إلى عقل الإنسان الذي عليه يكون الثواب والعقاب.
السادس : الروح المنزهة عن صفات الجسمية ، والحاملة للأمانة وعهدة التكاليــف ومواثيـق العبادة، تلك التي لا تفنى ولا تموت بل تتبدل حالها بالموت وقد يكون كمالاً لها.
السابع : يكون تأثير إبليس على الجوارح والأعمال.
والمختار أنه لا سلطان أو تأثير للشيطان على الإنسان ، فقد شرّف الله عز وجل الإنسان بالخلافة في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
وعندما يدخل المؤمنون الذين عملوا الصالحات الجنة ، ويدخل المشركون النار ، ومعهم ابليس يتوجهون إليه باللوم والتوبيخ وأنه السبب في دخولهم النار فيحتج عليهم بانتفاء أي سلطان له عليهم كما ورد في التنزيل وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
فالإنسان وحدة متكاملة، وكيان تتداخل أعضاؤه، وهذا الجسم الذي يتضمن أعراضاً مجتمعة لا يقبل القسمة والإفتراق ، وهو جوهر مركب ، وروح مسكنها الأعضاء .
فلابد أن يكون التأثير على النفس والجوارح .
نعم مثل هذا التأثير من الكليـات المشككة فهو يختلف من إنسان إلى آخــر، وهذه الحـواس الظاهرة وقوى النفس البهيمية أو الشهوانية التي تميل إلى اللذات .
وتحتاج النفس الحيوانية والسبعية إلى حارس وعون ومدد خارجي من مصاديق التقوى والخشية من الله، ومنه التوكل على الله والإستعاذة التي هي فزع والتجاء إلى الله تعالى .
وهل تلاوة المعوذتين من مصاديق الإستعاذة بالله أم لابد من قول أعوذ بالله من الشيطان ، وهل تنفع الإنسان استعاذته في الدنيا عند دخوله القبر ,
المختار أن تلاوة المعوذتين وآيات الإستعاذة واللجوء إلى الله من أبهى مصاديق الإستعاذة لأنها بقصد القرآنية وما في تلاوتها من الأجر والثواب.
لقد كان استكبار إبليس عن السجود لآدم عليه السلام سبباً في طرده من الجنة، أي إنه علة طرد إبليس وحرمانه من نعيم الجنة، لعدم إكرامه للإنسان بالذي أمر الله عز وجل به من السجود له, وفي التنزيلالاَّ إِبْلِيسَ قَال أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا.
مما يترتب عليه شكر الناس لله عز وجل بالإيمان وعمارة الأرض بذكر الله ، وهو الذي يغيض إبليس وجنوده ، ويكون مقدمة للأمن في عالم البرزخ ويوم النشور .
دلالة تعدد أسماء يوم القيامة
قد ترد أسماء متعددة لمسمى واحد ، لبيان شرف المسمى ، وللدلالة على تعدد معانيه بلحاظ مختلف ومتباين ، فمثلاً ذكرت في كتابي (معالم الإيمان في تفسير القرآن)( ) أربعة وأربعين اسماً لسورة الفاتحة مع التفصيل وعلة وموضوع كل اسم ومنها الأسماء التوقيفية ، وكذا التي ذكرها العلماء ، أو التي اخذتها لها ، وهذه الأسماء هي :
الأول : فاتحة الكتاب .
الثاني : سورة الفاتحة .
الثالث : سورة الحمد.
الرابع : الحمد لله رب العالمين .
الخامس : أم القرآن .
السادس : أم الكتاب .
السابع : السبع المثاني .
الثامن : المثاني .
التاسع : الصلاة .
العاشر : سورة الدعاء .
الحادي عشر : سورة الشكر .
الثاني عشر : الشفاء .
الثالث عشر : الشافية .
الرابع عشر : الوافية .
الخامس عشر : الأساس .
السادس عشر : الكافية .
السابع عشر : سورة الكنز .
الثامن عشر : الرقية .
التاسع عشر : القرآن العظيم .
العشرون : السبع .
الواحد والعشرون : سورة الحمد الأولى .
الثاني والعشرون : سورة الحمد القصرى
الثالث والعشرون : فاتحة القرآن
الرابع والعشرون : سورة السؤال
الخامس والعشرون : سورة تعليم المسألة
السادس والعشرون : سورة النور
السابع والعشرون : سورة المناجاة
الثامن والعشرون : سورة التفويض .
التاسع والعشرون : سورة الثناء
الثلاثون : سورة الإقتران .
الواحد والثلاثون : سورة الإبتداء .
الثاني والثلاثون : سورة المناسبات .
الثالث والثلاثون : سورة العقود .
الرابع والثلاثون : سورة العلوم .
الخامس والثلاثون : المنجية .
السادس والثلاثون : سورة الأصول والفروع .
السابع والثلاثون : السورة البكر .
الثامن والثلاثون : الميسَّرة .
التاسع والثلاثون : سورة الكمال .
الأربعون : الواقية .
الواحد والأربعون : سورة الإتحاد .
الثاني والأربعون : الحاضرة .
الثالث والأربعون : سورة الذكر .
الرابع والأربعون : سورة العوض .
وتتعدد أسماء يوم القيامة لكثرة المواطن والأهوال فيه لبيان أن هذا التعدد مدرسة في الصلاح ، وهي مظهر من مظاهر البشارة والإنذار ، فكل اسم ووصف ليوم القيامة يدل على معنى ، ولبيان الدنيا دار عبور ، ومزرعة للآخرة .
(وعن ابن عباس قال : إن رسول الله صلى الله عليه واله دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبيه، فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا، فقال: ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها)( ).
وفي تعدد وكثرة أسماء يوم القيامة مسائل :
الأولى : تنبيه وإنذار متجدد للناس .
الثانية : كل اسم من أسماء يوم القيامة له دلالات ومعاني تبعث الناس لوجوب التصديق باليوم الآخر .
الثالثة : الإستعداد للآخرة ، وقيام الناس بين يدي الله للحساب .
الرابعة : قانون أسماء يوم القيامة حرب على الشرك .
الخامسة : قانون كثرة أسماء يوم القيامة مانع من استحواذ مفاهيم الكفر والجحود على النفوس .
السادسة : دعوة إلى الناس جميعاً للإقرار باليوم الآخر .
السابعة : قانون البعث على التفقه في أحكام اليوم الآخر ، ومعرفة منازله ومواطنه كما بينه القرآن والسنة .
وهي ثمرة من ثمار بشارة الأنبياء ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشاهد على حاجة الأمم إلى هذه البشارة وتوارثها لما في التصديق بمضامين هذه الآية من أسباب الهداية والصلاح، وترشح النفع العظيم من إخبارها بملكية الله تعالى لكل شيء في الدنيا والآخرة.
قانون ثواب الآخرة
النسبة بين الآخرة وعالم البرزخ عموم وخصوص مطلق ، فالآخرة أعم والتي تبدأ من حين دخول الميت القبر ، فيحتاج الإنسان ثواب الصالحات وهو في القبر .
وأيهما يكون الإنسان أشد حاجة للثواب في عالم البرزخ أم يوم القيامة ، الجواب هو الثاني ، فاذا كان في عالم البرزخ يلاقي ضغطة القبر ومسألة منكر ونكير ، فان مواطن يوم القيامة أشد وطأة وأكثر أهوالاً.
وفي قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، مسائل :
الأولى : قانون وجود موضوع الثواب في الدنيا .
الثانية : تجلي الأثر والنتيجة الحاضرة للفعل العبادي ، ويتجلى بالنعم وأسباب الصلاح في الدنيا .
الثالثة : قانون عدم حرمة طلب الثواب في الدنيا بما لا يتعارض مع ثواب الآخرة بل يكون مقدمة ونوع طريق له .
فمع السعة والغنى يدفع المؤمن الزكاة والخمس ، ويكون عنده زاد وراحلة لحج البيت الحرام لقيد الإستطاعة في قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ).
ليبارك الله في رزقه ، ويجعل النماء في ماله ، ويكون أداء الفرائض العبادية واقية له في عالم البرزخ ، وسبباً لإكرام منكر ونكير له ، ورأفتهما به وبعثهما السكينة في نفسه ، إنه ثمن عظيم يُشترى بعمل زهيد ، وهو من لطف الله ومصاديق قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي عنها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيطت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)( ).
الرابعة : قانون الشواهد الفعلية للإعجاز الغيري للقرآن بأن يرى المؤمن ثواب الدنيا على أفعاله العبادية وعمله الصالحات وإذ قيدت الآية ثواب الدنيا في الآية بارادته وطلبه ، فهل تأتي للذي لم يطلبها .
الجواب نعم ، فاثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عما عداه ،وتقدير الآية : ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ونؤت الذي لم يردها منها .
ويكون تقدير موضوع الفعل في الآية على وجوه :
الأول : ومن يرد ثواب الآخرة بالزهد والتقوى .
الثاني :ومن يرد ثواب الآخرة بعدم الإنقلاب عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينعم الله عز وجل عليه .
الثالث: ومن يرد ثواب الآخرة بتعاهده للصلاة والصوم والحج والواجبات العبادية كما كان يؤديها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : رجاء ثواب الآخرة حباً لله وللقائه , وفي التنزيل [مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ] ( ).
الخامس : ومن يرد ثواب الآخرة طمعاً ورغبة بفضل الله ، قال تعالى وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
السادس : ومن يرد ثواب الآخرة الذي ذكره الله في القرآن .
السابع : ومن يرد ثواب الآخرة الذي أخبر عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نؤته منها .
وعن طارق بن سعيد عن أبيه الصحابي طارق بن أشيم (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعمت الدار الدنيا لمن تزوّد منها لآخرته حتى يرضي ربه ، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه ، وإذا قال العبد : قبَّح الله الدنيا . قالت الدنيا : قبح الله أعصانا لربه)( ).
والمراد بالآخرة في الآية أعلاه عالم البرزخ ويوم القيامة ومنه السعي للنجاة من ضغطة وفتنة وعذاب القبر ، ورجاء إحسان منكر ونكير لنا عند سؤالهما في القبر .
و(عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا وضع المؤمن في قبره ، أتاه ملكان فانتهراه ، فقام يهب كما يهب النائم ، فيقال له : من ربك؟ فيقول : الله ربي والإِسلام ديني ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي . فينادي مناد ، أن صدق عبدي . فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة فيقول : دعوني أخبر أهلي . فيقال له : اسكن)( ).
قانون الدعاء إصلاح للذاكرة
لقد جعل الله عز وجل الإنسان مخيراً في أفعاله ، وما يفكر ويهم به ، لكن سلطان قدرة الله عز وجل نافذة فيها ، لذا لابد من التوجه إلى الله عز وجل بالدعاء للهداية إلى التفكر بما فيه الصلاح ، ومنه استحضار الموت ، ومن مصاديق هذا الإستحضار وجوه :
الأول : إدراك الإنسان أن الموت حق .
الثاني : احتمال طرو الموت في أي ساعة .
الثالث : التدبر فيما أعدّ للموت وما بعد الموت ، سواء الوصية التمليكية أن يجعل الثلث أو ما دونه من ماله حقاً لغيره شخصاً أو جهة بعد وفاته .
والوصية العهدية بأن يعهد أنه إذا مات لشخص بعمل مخصوص مثل الصلاة اليومية ، أو تغسيله ، أو دفنه ، أو القيمومة على أولاده الصغار .
الرابع : الإكثار من الإستغفار .
الخامس : تعاهد الفرائض العبادية .
و(عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول : اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك .
قلت : يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب .
قال : نعم .
ما من خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله ، فإن شاء الله أقامه ، وإن شاء أزاغه .
فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب .
قلت : يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي .
قال : بلى . قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي ، وأذهب غيظ قلبي ، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني)( ).
وهذا الدعاء ولا تجعل ذكرنا له غبا).
وفيه رجاء توسل ليبعثنا الله على حال ذكرنا للموت متفرقين ومجتمعين ، وأن يكون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهل منه تلاوة الآيات التي فيها ذكر الموت ، الجواب نعم ، ومنها ذكر موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
وفي هذا الدعاء تصديق بقوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ .
والآية أعلاه دليل على تغير تفكير وذكر الإنسان لما هو الأحسن والأصلح.
فهو ليس قرباً مجرداً ، إنما هو قرب إرادة وعن (أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : نزل الله من ابن آدم أرفع المنازل هو أقرب إليه من حبل الوريد ، وهو يحول بين المرء وقلبه ، وهو آخذ بناصية كل دابة ، وهو معهم أينما كانوا)( ).
وفيه بيان لوجوه :
الأول : قانون الدعاء واقية من الخرف وداء الزهايمر (ALzheimer) حتى مع تقدم العمر ، وفي الدعاء تثوير للذاكرة ، وطرد للغفلة والنسيان ، وفي التنزيل وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
الثاني : قانون الدعاء تنمية لملكة الذاكرة .
الثالث : قانون الدعاء وسيلة لكثرة ذكر هادم للذات والتخفيف من سكرات الموت .
ويدعو المسلم الله عز وجل أن يجعله يكثر من ذكر الموت ، فيكون هذا الدعاء سبباً لتعاهد الصلاة في أوقاتها ، والتهيئ لأدائها والفرائض العبادية الأخرى .
قانون انتفاع المؤمن من الصفة العامة والخاصة لرحمة الله
ورد لفظ (الأسماء) خمس مرات في القرآن أربعة بلفظ (الأسماء الحسنى) وأنها لله عز وجل وحده ، وواحدة بخصوص تعليم الله عز وجل آدم عند خلقه ونفخ الروح فيه وهو في الجنة , قال تعالى َوعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
وهل الأسماء الحسنى من هذه الأسماء التي علمها الله لآدم ، الجواب نعم ، فهي اسناها وأشرفها وذكر الأسماء هذا في القرآن من بدائع نظم القرآن ، وتأكيد للشأن العظيم للأسماء الحسنى في عالم التكوين والخلق واستدامة الحياة ، وفي عالم البرزخ ويوم القيامة .
وهناك مسألتان :
الأولى : هل عالم البرزخ وموت الإنسان وعالم القبر والبرزخ من الأسماء التي علمها الله عز وجل لآدم .
الثانية : هل تعلم الملائكة بأن الإنسان الذي جعله الله عز وجل فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، يموت بعمر وأجل محدود ، وأنه يدفن في ذات الأرض التي يكون فيها خليفة ، ومن ورائه حساب القبر والبرزخ .
المختار لا ، إلى أن أمر الله عز وجل آدم بإخبارهم ، كما ورد في التنزيل قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
وآيات الأسماء الحسنى هي :
الأولى : قوله تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
الثانية : قوله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا.
الثالثة : قوله تعالى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
الرابعة : قوله تعالى هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ويتجلى قانون هداية المسلمين للدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بالأسماء الحسنى .
وهل تنفع تلاوة المسلم لآيات الأسماء الحسنى في عالم البرزخ ، أم لابد من الدعاء والتوسل إلى الله عز وجل بأسمائه الحسنى ، الجواب هو الأول.
و(عن جندب بن عبد الله البجلي قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ، ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نادى : اللهمَّ ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حظرت رحمة واسعة ، أن الله خلق مائة رحمة ، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها ، وعنده تسعة وتسعون)( ).
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام (أنه قال : الرحمن اسم خاص بصفة عامة ، والرحيم اسم عام بصفة خاصة)( ).
والمراد أن اسم الرحمن خاص في الدنيا ، ويفيد تغشي رحمة الله عز وجل لكل الناس في الحياة الدنيا .
وأما الرحيم فهو صفة خاصة لشمول خصوص المؤمنين برحمة الله في الدنيا وفي عالم البرزخ ويوم القيامة ، قال تعالى وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.
وبذا ينتفع المؤمن ثلاث مرات مقابل مرة واحدة للكافر .
وإذ ينتفع المؤمن من صفة الرحمن والرحيم في الدنيا ، وينتفع الإنتفاع الأمثل من صفة الرحيم في الآخرة ، ومنها في عالم البرزخ والقبر ، وليكون انتفاعه في الدنيا من صفتي الرحمن والرحيم سبيلاً ومقدمة لنجاته في القبر ، وسلامته من الخوف والحزن لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ.
وأما الكافر فلا ينتفع إلا من صفة (الرحمن) في الدنيا لتكون وبالاً عليه في الآخرة ، لأنه لم يجعل نعمة الصحة والمال والأولاد في طاعة ومرضاة الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )( ).
والجامع بين الصفة الخاصة والعامة لرحمة الله قوله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
قانون جزاء الشاكرين
من سعة رحمة الله ومصاديق ملك السموات والأرض وما فيهما وما بينهما لله عز وجل قدرته تعالى على الجزاء الأحسن وينسى العبد كثيراً من أفراد عمله ولكن الله عز وجل لا ينسى أي فرد منها ، وفيه مسائل :
الأولى : قانون أعمال العباد حاضرة عند الله قبل فعلها واثناءه وبعده .
الثانية : تفضل الله عز وجل بمضاعفة حسنات العباد ، قال تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا.
الثالثة : قانون الأمن في الآخرة للمؤمن الذي يعمل الصالحات .
ومن خصائص المؤمنين شكرهم لله عز وجل وجاء ذكرهم بصيغة الجمع (الشاكرين) ثماني مرات في القرآن لبعث الناس على الشكر لله ، وجعله ملكة وسمة ثابتة عندهم ، قال تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ.
وتقدير المفرد في قوله تعالى وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (وسنجزي الشاكر) وورد ضمير المتكلم بصيغة الجمع (نا) ولم تقل الآية (وسأجزي الشاكرين) .
لبيان التفخيم لمقام الربوبية , والسعة والكثرة في الجزاء وشموله لأحوال الإنسان في الدنيا ومواطن الآخرة.
ترى ما هي المنافع في عالم البرزخ للإنسان الذي واظب على الشكر لله عز وجل في حياته الدنيا ، الجواب فيه تخفيف في مساءلة منكر ونكير ، وهو باب لرفق الملائكة به والشكر لله حرز في الدنيا وفي الآخرة لدلالته على الإقرار بالعبودية لله عز وجل وبأن النعم من عنده سبحانه.
وهل تشمل الزيادة في قوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ عالم القبر أم أن القدر المتيقن من الزيادة في النعم هو في الحياة الدنيا ، الجواب هو الأول من جهتين :
الأولى : زيادة النعم ثواب على الشكر لله باب للنفع في الآخرة .
الثانية : شمول الزيادة في الآية أعلاه للنعم في الآخرة .
فحالما يدخل الإنسان القبر يدرك منافع مواظبته على الشكر لله عز وجل لقانون الشكر لله عبادة .
والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق ، فالعبادة أعم .
ومن خصائص عالم البرزخ عودة الروح للبدن لمن محض الإيمان محضاً ليعيش النعيم ، ومن محض الكفر محضاً تشتد مساءلة الملائكة له ، ومنه قوله تعالى في آل فرعون مدة البرزخ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
أي يعرض آل فرعون على النار وهم في قبورهم ، فيرون ما ينتظرهم من العذاب ، وهل الآية أعلاه خاصة بآل فرعون ، الجواب لا ، إذ تشمل المشركين العتاة الظالمين .
قانون الجزاء الكريم
من الشواهد بأن الجزاء من عند الله أعظم بكثير من ذات فعل العبد، ومنه تقدير الآية وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أضعافاً مضاعفة)، ومنها الثواب المترشح عن إنتفاع الناس من فعل الإنسان في حياته.
ومن خصائص جزاء الله عز وجل على الشكر أنه أعم في موضوعه وكيفيته وزمانه ، فيأتي الجزاء والثناء والإحسان من الله عز وجل للعبد على شكره لله عز وجل في الحياة الدنيا ، وفي عالم البرزخ ، ويوم القيامة .
ويتعدد موضوع الشكر الذي يكون سبباً للجزاء الحسن، وبين الشكر والحمد عموم وخصوص مطلق، فالحمد ثناء باللسان على الجميل مع قصد التعظيم والإكرام ويكون الشكر باللسان والفعل ويأتي بغير اللسان في مقابل النعمة .
وقيل النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، لإنفراد الحمد بأنه ثناء باللسان من غير تلقي نعمة يتقوم بها هذا الحمد.
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن( ).
وفي تعدد ثناء الله على الشاكرين شاهد على فضل الله بوجود أمة في كل زمان تشكر الله عز وجل على النعم ، وتكون سبباً لإستدامة فضل الله عز وجل على الناس .
وهل هذا الشكر من العبادة التي هي علة الخلق في قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
الجواب نعم ، فالشكر لله عز وجل إقرار بربوبيته المطلقة وأن النعم منه سبحانه، وهو الذي يثيب العباد في الدنيا والآخرة.
وعن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استكثروا من الباقيات الصالحات ، قيل : وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله( ).
وهو من باب المثال الأقرب، والفرد الذي يقدر عليه كل مسلم غنياً كان أو فقيراً، كبيراً، أو صغيراً، معافى أو عليلاً، ذكراً أو أنثى.
وفي قوله تعالى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا بشارة حضور العمل الصالح في عالم البرزخ ، ويوم القيامة .
ويتجلى قانون الدعاء تخفيف عن العبد ، وهل هذا التخفيف في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة ، أم بخصوص يوم القيامة ، المختار أصالة الإطلاق ، والفرد الجامع لها .
والآية أعلاه من سورة الكهف والتي تسمى (الحائلة) أي تحول وتحجز صاحبها عن النار ، لبيان قانون وقاية القرآن تاليه في القبر ويوم القيامة ففي القبر تنجيه سورة الملك ، وفي الآخرة سورة الكهف .
(وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لما عُرج بي إلى السماء أريت إبراهيم فقال : مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة ، فقلت وما غراس الجنة؟ قال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)( ).
زيارة الموت لكل إنسان
يدل قوله تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ على أن الموت أمر وجودي.
وهل يدل على أن الأشياء المعدومة التي شاء الله عز وجل أن توجد كانت حياة قبل إيجادها بإخبار الآية أعلاه عن خلق الموت ، الجواب لا .
لأن الألف واللام في (الموت) للجنس والماهية وليس لإستغراق الأفراد الميتة.
ومن معاني وجود الموت ، مجيؤه للإنسان ، كل إنسان ويقترن هذا المجئ بقبض الملائكة للروح لقوله تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ.
ورد قوله تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ] ليشمل الملائكة والإنس والجن والحيوان ، فلابد من طرو الموت عليها ، ولبيان قانون الهلاك لذوي النفوس بخروج النفس من الجسد ، مما لها روح كما في الإنسان إذ أكرمه الله عز وجل بقوله وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، أو الكائنات ذوات النفوس المتلبسة بالأبدان .
والنسبة بين الآية أعلاه وقوله تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا، هي العموم والخصوص المطلق ، والمطلق والمقيد ، إذ لا يكون موت ذي نفس إلا باذن من الله عز وجل لبيان أن ملك الموت مأمور من عند الله بأوامر شخصية ، ولا يملك إذناً عاماً بقبض الأرواح ولو في آجالها عامة ، إنما يأتيه الإذن في الحال لقوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
وهو من الملكية المطلقة لله عز وجل للمخلوقات ، ولبيان قانون التقييد في الإذن الإلهي للملائكة فلا يعملون أي فرد من أعمالهم إلا باذن الله ، ومنه أن جبرئيل يحتاج الإذن والأمر من الله في كل مرة ينزل بها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومنه أيضاً نزول ألف من الملائكة لنصرته وأصحابه من المهاجرين والأنصار يوم معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، قال تعالى فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ.
إن تقييد موت الإنسان وقبض روحه بالإذن من الله عز وجل باب رحمة فتحه الله عز وجل للناس جملة خبرية ، ولكنها باب للدعاء وفيوضات الرحمة ، وهو من مصاديق قوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
وهذا الإذن عام من وجوه :
الأول : الإذن من جهة أوان الموت .
الثاني : كيفية الموت ، ولكل إنسان كيفية مخصوصة في قبض روحه ، لذا يلزم الدعاء لتيسير قبض الروح .
الثالث : طول العمر وإرجاء الأجل بالدعاء والعمل الصالح والصدقة .
الرابع : السعة والمندوحة في الإستعداد للموت .
الخامس : كيفية زيارة الموت للإنسان خاصة وأن القرآن دل بآيات عديدة على أن الموت أمر وجودي وليس عدمياً ، مثل إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا.
وبصيغة المضاف إليه كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، بينما ذكر ملك الموت مرة واحدة في القرآن ، وهو عزرائيل .
قانون الإستجارة بالله
من صفات الله تعالى (المجير) وهو يقتبس من قوله تعالى وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ.
وصفات الله أوسع من أسمائه التوقيفية .
ومشهور علماء الإسلام أنه لا يصح تسمية الله عز وجل بـ(المجير) لأن القدر المتيقن من أسماء الله هي التوقيفية مثل الرحمن العليم ، القوي ، الجبار .
والمختار جواز تسمية الله عز وجل بالمجير ، فالله عز وجل يمنع في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة ، ويحفظ وينصر ويدفع عمن يشاء ، ولا يُمنع منه .
ومنه الدعاء المسمى (دعاء المجير) المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (و يقول عند آخر كل اسمين من أسمائه اللذين هما الفاصلة أجرنا من النار يا مجير و هو بسم الله الرحمن الرحيم سبحانك يا الله تعاليت يا رحمان سبحانك يا رحيم تعاليت يا كريم سبحانك يا ملك تعاليت يا مالك سبحانك يا قدوس تعاليت يا سلام سبحانك يا مؤمن تعاليت يا مهيمن)( ).
لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار الدعاء والمسألة لأمور المعيشة وحال الإنسان في الآخرة ، والنجاة وأهوالها ، ومن الدعاء الإستجارة بالله من النار ، والإستعاذة من الشيطان وأسباب ومقدمات الولوج في النار .
ومن الآيات اختلاف فصول السنة في البرودة والحرارة لتذكر حرارة الجو بشدة حرارة النار ، والإستجارة بالله باب فتحه الله عز وجل لعباده ، ورحمة حاضرة ، وسبب لصرف البلاء لقانون الإستجارة بالله حاجة من غير تقييد .
وهل قوله تعالى فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ في خاتمة الآية الواحدة والتسعين بعد المائة من سورة آل عمران( ) من الإستجارة بالله ، الجواب نعم .
ولم يرد لفظ (فقنا) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
وعن (ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه وذلك في الصيف .
فقال رجال : يا رسول الله الحر شديد ولا نستطيع الخروج فلا تنفروا في الحر .
فقال الله قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فأمره بالخروج)( ).
وهل تدعو النار الله عز وجل لنجاة العباد من حرها ، الجواب نعم .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينذر الناس من النار ولهيبها ، ويأمرهم بلزوم الوقاية من عذاب القبر ومن النار في الآخرة ، ويدعوهم للإستغفار والتباكي الذي هو صيغة من صيغ التوسل بالله عز وجل .
وعن أنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً .
والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجارون إلى الله ، لوددت أني كنت شجرة تعضد .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى عن أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل فتقرح العيون ، فلو أن سفناً أرخيت فيها لجرت .
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن زيد بن رفيع رفعه قال : إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زماناً ، ثم بكوا القيح زماناً فتقول لهم الخزنة : يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا ، هل تجدون اليوم من تستغيثون به .
فيرفعون أصواتهم : يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشاً ، وكنا طول الموقف ، عطاشاً ونحن عطاشاً ، فافيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله . فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم ، ثم يجيبهم إنكم ماكثون . فييأسون من كل خير)( ).
وليس من قول محدد للإستجارة من النار ،ويصح بأي لغة كانت ، ومنه اللهم أجرني من النار ، واللهم أجرنا من النار يا مجير بصيغة الجمع .
(عن مسلم بن الحارث بن مسلم التميمي انه حدثهم عن أبيه قال : قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك ان مت من يومك ذلك كتب الله لك جوارا من النار .
فإذا صليت المغرب فقل قبل ان تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك ان مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار ثواب من قال في دبر صلاة الغداة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير)( ).
تذكير الملوك بالموت
لقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وفيه قصص الأولين ، والإتعاظ منها ، ومنها أحوال الملوك ومغادرتهم الملك والسلطان والمال قهراً ، كما في غرق فرعون الذي لم يمت في ملكه وصولجانه ، بل مات غرقاً هو وجنوده لكفره وجحوده بالمعجزات ، وإصراره على اللحوق بموسى عليه السلام وبني إسرائيل لإرجاعهم إلى حياة الذل بعد أن أنذره موسى وهارون عليهما السلام ، ورآى المعجزات تترى على يد موسى عليه السلام ، قال تعالى فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ.
وتتعدد وجوه وصيغ تذكير الملوك بالموت ، منها ذات الموت واعظ ، بقبض روح القريب والوزير ، وهو من الدلائل على أن الموت أمر وجودي لتأثيره في نفوس الأحياء بقبض من كتب عليه الموت .
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية وجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن خمس مرات في الصلاة اليومية وجوباً عينياً ، ومنه آيات كثيرة تذكر بالموت وتذكير الملوك بالموت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبطريقة تناسب المقام ولغة الخطاب والموعظة مع الملوك .
ومن خصائص ملك الموت أنه لايهاب الملوك والسلاطين ، وانه يقبض نفوهم بأجالها .
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قال : كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة ، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع .
قال : فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب ، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لِمَنْ في البيت: من أين دخل هذا الرجل، والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود .
فجاء داود، عليه السلام، فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب.
فقال داود: أنت والله إذًا ملك الموت. مرحبًا بأمر الله، فتزمل داود، عليه السلام، مكانه حتى قبضت نفسه، حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس .
فقال سليمان عليه السلام للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض ، فقال لها سليمان: اقبضي جناحا جناحا)( ).
الملوك والقبر
مسألة القبر مذكورة في الديانات السماوية السابقة وفي الفلسفة اليونانية وغيرها لما ورثوه عن الأنبياء والكتب السماوية مما سبق الاسلام ولكن بنحو أدنى في ماهيته عما هو في الاسلام .
فقد روي أن الاسكندر مر بمدينة قد ملكها سبعة أملاك من بيت واحد وباد، فسأل هل بقي من نسلهم أحد، قالوا بقي واحد وهو يلزم المقابر، فدعا به فسأله لماذا تلزم المقابر.
قال : أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء.
قال : هل لك أن تلزمني حتى انيلك بغيتك.
قال : لو علمت انك تقدر على ذلك للزمتك، قال: وما بغيتك.
قال : حياة لا موت معها .
قال : لن أقدر على ذلك.
قال: فدعني أطلبه ممن يقدر عليه.
لقد أعطى الاسلام مفهوماً مشرقاً لقبر المؤمن، وان القبر امتداد للحياة الدنيا وثمرة لنوع العمل فيها ، وكما يستطيع الإنسان أن يبني له داراً في الحياة الدنيا بالجهد البدني والإنفاق المالي فهو يستطيع أن يحدد معالم قبره وسعته بالتقوى واتيان الصالحات.
(قال سليمان بن عبد الملك يوما والشعراء عنده قد قلت نصف بيت فأجيزوه فقالوا ما هو ؟ فقال : نروح إذا راحوا * ونغدو إذا غدوا فلم يصنعوا شيئا فدخل على جارية له فأخبرها فقالت كيف قلت ؟ فأنشدها فقالت :
نروح إذا راحوا ونغدو إذا غدوا … وعما قليل لا نروح ولا نغدو)( ).
لتذكره الجارية بعالم البرزخ وانقطاع عالم الأعمال وزينة الدنيا.
ولا يختص السؤال في القبر بالمسلمين ، إنما يشمل الناس جميعاً ، والأمم السابقة يُسألون عن التوحيد وعن رسولهم ، فيأتي منكر ونكير ليقولا للميت في قبره : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم .
وفي قوم شعيب ورد في التنزيل قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.
وكذا بخصوص التكاليف فمثلاً ورد قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
مصاديق الخزي في الآخرة
لقد أظهر المسلمون الإستجارة والشفقة من شدة عذاب النار ، ومن الخزي الذي يصاحبه لأنه عقاب دائم على الكفر والظلم والمعاصي ، وورد في التنزيل [قِنَا عَذَابَ النَّارِ] ثلاث مرات ، ترى ممن الخشية بعد الموت ، الجواب من وجوه :
الأول : الخزي والإستحياء من الله عز وجل .
الثاني : خزي الكافر في عالم البرزخ ، وتبكيت منكر ونكير له وخزيه بين الناس عند مغادرته الدنيا بالمعاصي .
الثالث : خزي الكافرين في مواطن يوم القيامة بالعلامات التي تظهر عليهم منها شدة العطش والحرمان من السقيا من حوض النبوة ، ومنها أخذ الكافر صحيفة أعماله في شماله ، قال تعالى وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ وكان العرب يفرقون بين اليمين والشمال ، فاليمين عنوان القبول والكرامة ، أما الشمال فهي نذير الضعف والهوان .
الرابع : الخزي أمام الملائكة ، ومنهم مالك وخزنة النار .
الخامس : الخزي من أهل المحشر .
السادس : الخزي بحضرة الأنبياء والرسل إذ أنهم قاموا بتبليغ الرسالة وأقاموا الحجة على الناس بالتبليغ ، وبه تحتج ملائكة النار على أهلها قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى.. فيومئذ لا يقدر الكافرون على الكذب .
السابع : الخزي من ذوي القربى والأبناء والأحفاد والزوجة
الثامن : الخزي أمام الأصدقاء وشماتة الأعداء .
التاسع : الخزي امام أهل الجنة ، ومنه حينما يسألونهم الماء يمتنعون عليهم بالقول إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ، وسئل عبد الله بن عباس (أي الصدقة أفضل .
فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أفضل الصدقة سقي الماء ، ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا : أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله)( ).
العاشر : لحوق الخزي بأهل النار كل يوم بشواهد الألم في النار ، ومنه قوله تعالى وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ… (عن أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل فتقرح العيون ، فلو أن سفناً أرخيت فيها لجرت)( ).
الحادي عشر : خزي وهوان أهل النار بعضهم من بعض ، إذ تظهر معاصيهم التي استخفوا بها النار، وإنشغالهم بالعذاب عن المحادثة والمؤانسة.
الثاني عشر : تقريع وتوبيخ الكفار بعضهم لبعض بسبب التبعية أو الإشتراك في فعل المعصية ، أو الأمر بالقيامة بها ، قال تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ .
لذا ذم الله عز وجل المنافقين لسعيهم في ترغيب الناس بالمنكر ، وصرفهم عن المعروف ، قال تعالى الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .
ولم يرد لفظ [بِالْمُنْكَرِ] [َيَقْبِضُونَ][ فَنَسِيَهُمْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان سوء فعل المنافقين ، وتجلي قبحه في الدنيا والآخرة واستحقاقهم السوق إلى النار بسببه ، قال تعالى إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ .
الثالث عشر : خزي الكافرين في مواطن الحساب ، ونطق جوارحهم وأعضائهم بما كان يفعلون وشهادتها عليهم ، قال تعالى الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
وبعد هذا الختم وتمام شهادة الأعضاء يأذن الله عز وجل للأفواه بالكلام ، فيتوجه اللسان لعتابها ولومها ، ومنه وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
لبيان أن شهادة أعضاء الكفار عليهم أعم من أن تختص بالأيدي والأرجل بل تشمل الجلود ، كما تشمل للسان والسمع والبصر ، والبطن والفرج من باب الأولوية .
الرابع عشر : خزي الكافر من نفسه لما يصيبه من الهوان والذل وشدة الألم يوم القيامة ، من حين قبض ملك الموت روحه بقسوة مساءلة منكر ونكير في القبر .
قانون الشفاعة ذخيرة
قال تعالى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ.
فمن خصائص ميثاق الأنبياء قيامهم بتبليغ سننه وأحكامه ، فبلغت المسلمين بآيات القرآن والسنة النبوية ، فلجأوا إلى الله عز وجل لتحقيق ما وعدهم من الثواب بالنعيم الدائم في الجنة ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وعن الحسن البصري (قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : المؤمن إذا خرج من قبره (أي عند النشور والبعث من القبور) صور له عمله في صورة حسنة وريح طيبة فيقول له : ما أنت . فوالله إني لأراك عين امرىء صدق .
فيقول له : أنا عملك ، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة .
وأما الكافر فاذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة ، فيقول له : ما أنت فوالله إني لأراك عين امرىء سوء ، فيقول : أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني أستوهب من ربي أربعة: آمنة بنت وهب، وعبد الله بن عبد المطلب، وأبا طالب، ورجلا جرت بيني وبينه إخوة فطلب إلى أن أطلب إلي ربي أن يهبه)( ).
وفي قوله تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا، ووردت نصوص عديدة تفيد أن المقام المحمود هو الشفاعة ، وعن (عبد الله( ): إذا صلّيتم على النبي صلّى الله عليه فأحسنوا الصلاة عليه ، فإنّكم لا تدرون لعلّ ذلك يعرض عليه.
قالوا : فعلِّمْنا .
قال : قولوا : اللّهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيّد المرسلين وإمام المتّقين وخاتم النبيّين محمد عبدك ورسولك ، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة .
اللّهم ابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأوّلون والآخرون ، اللّهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنَّك حميد)( ).

مسائل في إحياء عيسى (ع) الموتى
لقد ولد عيسى عليه السلام بمعجزة من غير أب ، وأنطقه الله عز وجل وهو في المهد ، ليكون حجة على بني إسرائيل ، وسبباً لبراءة وطهارة مريم عليها السلام ، وفي التنزيل فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا.
ومن فضل الله على الأنبياء والناس بخصوص المعجزة وجوه :
الأول : قانون تعدد المعجزة .
الثاني : قانون توالي المعجزات .
الثالث : قانون إقرار كثير من الناس بالمعجزة .
وهناك من المعجزات ما تكون طارئة .
(وأخرج عن ابن عباس قال: كانت اليهود يجتمعون إلى عيسى ويستهزؤن به ويقولون له يا عيسى ما أكل فلان البارحة وما ادخر في بيته لغد فيخبرهم فيسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم .
وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف انما هو سائح في الأرض فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهى تبكى .
فسألها فقالت ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها .
فصلى عيسى ركعتين ثم نادى يا فلانة قومي باذن الرحمن فاخرجي.
فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر .
ثم نادى الثالثة فخرجت وهى تنفض رأسها من التراب .
فقالت يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين.
يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا ، يا روح الله سل ربي ان يردنى إلى الآخرة وان يهون على كرب الموت فدعا ربه فقبضها إليه فاستوت عليها الارض( ).
فيلاحظ في الحديث مسائل:
الأولى : ان عيسى صلى ركعتين، والصلاة مناجاة ودعاء بل من أفضل وأسمى مصاديق الدعاء، ومن وجوه اشتقاق اسم الصلاة الدعاء.
الثانية : مناداة صاحبة القبر، ولم ينادها إلا بعد الصلاة.
الثالثة : تقييد الأمر بخروجها من القبر بانه بإذن الله ، لمنع الغلو في شخص عيسى عليه السلام.
الرابعة : تكرار النداء للميتة لتخطي مراحل انشقاق القبر، واستجابته هو الآخر لدعاء ونداء عيسى، فمن الآيات انه يأمر الميت بالخروج، والقبر ينشق وينصدع.
الخامسة : تعدد نداء عيسى للميتة بالخروج.
السادسة : دعاؤه لأعادة الميتة بناء على رغبتها، وموضوع الإماتة والإعادة خاص بالتي أحياها عيسى باذن الله دون غيرها من الأحياء.
السابعة : هذه المعجزة مصداق لإخبار عيسى عليه السلام الناس بأنه يحيي الموتى إذ ورد حكاية عن عيسى عليه السلام في التنزيل وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ.
ومن إعجاز القرآن تفسيره الذاتي ، فتجد الآية القرآنية تفسر وتؤكد في آية أخرى وبدلالة مختلفة إذ قال تعالى مخاطباً عيسى عليه السلام وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.
وفي الحديث القدسي : يا موسى سلني كل ما تحتاج حتى علف شاتك وملح عجينك ، مما يعني موضوعية الدعاء في حياة وكسب الأنبياء،
ومدرسة الدعاء عند الأنبياء دعوة الى عبادة الله تعالى وحده ، ومانع من الغلو فيهم خصوصاً عند رؤية الآيات ولعظم الآيات التي جاء بها عيســى فانه حرص على الدعاء اثناء المعجزة .
والإخبار بان المعجــزة فرع قدرة ومشيئة الله سبحانه ودعوة لقهر النفس الشهوية والغضبية .
وجعل الناس ينقطعون الى الله لا تشغلهم المعجزة عنه سبحانه بل يجعلونها وسيلة للإيمان بربوبيته سبحانه .
ويتجلى قانون الدعاء واقية وحصانة وتثبيت للمعجزة .
وقانون الدعاء برزخ دون الغرر والجهالة والإفتتان الذي قد يصيب بعضهم عند رؤية الآية)( ).
لقد أراد الله عز وجل لمعجزة عيسى ان تكون سبباً للتذكير بالنشأة الآخرة وعالم القبر , فالناس تأتي عليهم أيام وسنين ينشغلون بالدنيا ولا يلتفتون الى الآخرة، ويعرضون عمن يقوم بتذكيرهم بما بعد الموت ولزوم الإستعداد له، بسبب لهثهم وراء الدنيا والإنقياد الى السلاطين وغيرهم .
فجاء عيسى عليه السلام بفلسفة التذكير العملي بالموت وجعله امراً حاضراً في أذهانهم بصورة يومية متصلة ولكن ليس على نحو الفزع والتخويف في الآخرة، بل باللطف على بني إسرائيل وما يكون شاهدا على تفضيلهم ومصداقاً من مصاديق اصطفاء آل ابراهيم وآل عمران.
ويتجلى قانون التذكير بالموت حاجة عقائدية لصلاح النفس وقانون ذكر الموت تنزيه من شوائب الشهوة.
فضل الإسترجاع
الإسترجاع هو قول [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] عند المصيبة وهو صيغة كريمة لمواجهتها بإعلان التسليم لأمر الله تعالى والإقرار له بالعبودية، وعلى استحباب الإسترجاع الكتــاب والســنة والإجمــاع والعقـــل، فمــن الكتـــاب قوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
ومن السنة نصوص مستفيضة منها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه)( ).
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لا ينحصر الإتيان بالإسترجاع بالبلاء والفتن وما هو خلاف المتعارف وقانون العلة والمعلول ، وعدم تخلف المعلول عن علته، بل يشمل كل ما فيه أذى وابتلاء وان كان محدوداً ، واتخاذه مناسبة لذكر الله تعالى، وروي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم طفئ سراجه فاسترجع أي قال [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ].
المسألة الثانية : الإسترجاع باب للثواب وعظيم الأجر ، ومناسبة كريمة لسؤال الخلف والعوض واعلان بتفويض الأمر لله تعالى، ولعل فيه وقاية وحرزاً من تجدد المصيبة واستحداث البلاء لما في الإسترجاع من الإستغاثة بالله تعالى وإقرار بالنقص الذاتي عند الإنسان ، وحاجته المستديمة إلى رحمة الله تعالى.
المسألة الثالثة : يؤتى بالإسترجاع بإبرازه خارجاً بالتلفظ والصوت المسموع ، وفيه أيضاً تعظيم لشعائر الله وحث للآخرين على تذكر الآخرة.
المسألة الرابعة : يجزي في الإسترجاع اتيانه مرة واحدة عند المصيبة ، والتعدد مستحب.
المسألة الخامسة : في الإسترجاع وجوه :
الأول : قانون الإسترجاع سبيل لطرد وسوسة الشيطان .
الثاني : قانون الإسترجاع حاجز دون اليأس والقنوط والجزع والهلع .
الثالث : الإسترجاع سبيل مبارك لتلقي المصيبة برضا , واختيار الفعل المناسب وفق القواعد الشرعية.
المسألة السادسة : يستحب الإسترجاع ساعة المصيبة ، وعند تذكرها بأن يقول [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] والإكثار منه خصوصاً عند موت الولد.
المسألة السابعة : تجوز زيارة القبور وقراءة القرآن وطلب الرحمة والمغفرة للموتى لا سيما يوم الإثنين، وعصر الخميس، وصبيحة السبت بشرط الصبر وعدم الجزع .
ويستحب للزائر ان يضع يده على القبر وان يكون مستقبلاً القبلة وان يقرأ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سبع مرات.
ويستحب ايضاً قراءة الحمد، والمعوذتين وآية الكرسي كل منها ثلاث مرات.
وآية الكرسي هي اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
وتنفع قارئها في الدنيا والآخرة .
والســنة : النعاس، وابتداء النوم بفتور يدب في الأعضاء قبل استيلائه على القلب، والوسن: اول النوم، والكرسي: السرير وعنوان الملك، وفي الإصطلاح هو العلم والإحاطة وقيل هو الملك وجسم بين يدي العــرش محيــط بالســماوات والأرض وما بينهــما وما تحــت الثـرى.
وأده الأمر يؤده ويئده: اذا دهاه وثقل عليه وبلغ منه المجهود والمشقة، والإد: الشدة.
وفي حديث علي عليه السلام : رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فقلت: ما لقيت بعدك من الإدد والأود”، والإدد: الدواهي العظام، والأود: العوج.
هل تدل آية الكرسي على شفاعة الأموات للأحياء بالرزق ، وصرف البلاء ، المختار نعم ، إن شاء وأذن الله عز وجل .
وقراءة سورة يس مع الأدعية المأثورة في المقام والإسترجاع عند القبر.
ويجوز الدعاء بغير المأثور وقراءة سور أخرى من القرآن اذ انه من باب تعدد المطلوب.
المسألة الثامنة : قانون حاجة الإنسان للصبر عند المصيبة ، ومنه قول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
المسألة التاسعة : الإسترجاع إقرار بالرجوع إلى الله والتسليم بالمعاد الذي هو من أصول الدين ، وفي التنزيل وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
المسألة العاشرة : فوز المسلمين بالصبر عند المصيبة والشدائد تنمية لملكة الصبر ، فيتحلى المسلم بالصبر في حال السعة والأمن من باب الأولوية.
المسألة الحادية عشرة : استحباب الإكثار من الإسترجاع .
المسألة الثانية عشرة : حضور الإسترجاع مع الميت في القبر ليكون عوناً له في إجابة الملكين حينما يسألانه من ربك ؟ فقد أقر وهو في الدنيا بأن الله عز وجل هو ربه، وأن الرجوع إليه حق وحتم .
المسألة الثالثة عشرة : قانون الإسترجاع مائز للمسلمين في عالم القبور ، وهل هو خاص بشريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم جاء به الأنبياء السابقون .
الجواب هو الثاني , ويحتمل هذا المجئ وجوهاً :
الأول : مجئ الأنبياء بالنص إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
الثاني : الإقرار بالرجوع إلى الله عز وجل بأي لفظ وصيغة .
الثالث : من الأنبياء ما جاء بالإسترجاع بذات النص القرآني ، ومنهم من أطلق ألفاظه .
المختار هو الآول ، والمسلمون ورثة الأنبياء , وفي التنزيل قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قانون الإسترجاع فرع الصبر
من خصائص أداء العبادات أنه مصداق للصبر ، وفي التنزيل أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى.
وعن الإمام الباقر عليه السلام في الآية أعلاه قال (نزلت في علي وفاطمة والحسن الحسين عليهم السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي باب فاطمة كل سحرة فيقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، الصلوة يرحمكم الله إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ))( ).
وفي قول المسلم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ عند المصيبة مسائل :
الأولى : ترغيب للناس بذكر الله .
الثانية : الإسترجاع في حال الشدة .
الثالثة : الإسترجاع دعوة لأداء الصلاة .
الرابعة : عدم صيرورة المصيبة برزخاً دون أداء الصلاة في أوقاتها ، وعند سماع النداء .
والصبر لغة الحبس ، وفي إصطلاح علم الكلام هو مقاومة النفس للهوى لئلا تنقاد للشهوات، والرغائب غير الشرعية ، والصبر نقيض الجزع ، وسمي الصوم صبراً لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والمفطرات الأخرى .
ومن أسماء شهر رمضان (شهر الصبر) لما فيه من الإمتناع عن الأكل والشرب ، والصبر عما يفسد الصيام .
وهو مناسبة لتنمية ملكة الصبر، والوقاية من السيئات في شهر رمضان وباقي أيام السنة وهو من أسرار جعل الصوم شهراً كاملاً وفي كل سنة فإن منافع الصوم في تهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات وولوج باب التوبة والمبادرة إليها تنبسط على كل أيام السنة ، وهو مقام من مقامات الصالحين، ويستلزم التلبس بدرجة من الورع والتقوى وإظهار الخضوع لله عز وجل، لذا ورد قوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ.
والنسبة بين الصبر والإسترجاع عموم وخصوص مطلق ، إذ يمتلك الإنسان لسانه وجوارحه عند المصيبة إلا بذكر الله ، ورجاء الأجر والثواب ليحضر قول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مع صاحبه في القبر ليذب عنه ، فظلمة ووحشة القبر مصيبة لولا فضل الله .
ومن مصاديق القبر أنه محل الوحشة والغربة ، وقد وردت كلمة (وحشة القبر).
والحاجة إلى الأمن منها في الحديث النبوي الصحيح ، إذ روى (عن مالك بن أنس ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من قال في كل يوم مائة مرة (لا إله إلا الله الملك الحق المبين) كان له أمان من الفقر ، وأمن من وحشة القبر، واستجلب الغنى، وفتحت له ابواب الجنة)( ).
لبيان ضرورة تكرار كلمة التوحيد كل يوم فهي غنى وواقية وأمن في الدنيا وفي عالم البرزخ ، ويوم القيامة .
ولا تختص هذه المصيبة بالميت بل تشمل الأحياء لما يلحقهم من الحزن وألم الفراق الأبدي مع الميت ، وهل استرجاعهم في المقام سبب لنيل الميت رحمة من عند الله عز وجل ، المختار نعم ، إذ صار موته موعظة لهم ، وسبباً لقهر المصيبة وطرد الحزن بالإسترجاع والإقرار بالرجوع إلى الله ، والوقوف بين يديه للحساب .
وقد أكرم الله عز وجل الأنبياء بالصبر، وجعلهم يرتقون في منازله ، ليكونوا أسوة للمؤمنين وعامة الناس في التحمل وتلقي الأذى في جنب الله وليبقى صبرهم مدرسة للأجيال في ترويض النفوس لتلقي العناء في سبيل الله بقبول ورضا ، قال تعالى فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
ويدل الأمر بالإستعانة بالصبر بقوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ على أنه أمر وجودي وليس عدمياً، ويحتاج الصبر قوة في نفس الإنسان يستطيع معها السيطرة على الجوارح واللسان، ويمتنع عما نهى الله عز وجل عنه مع فخر وإعتزاز بهذا الإمتناع، لقانون النفرة من الفعل القبيح واقية من إرتكابه وملابسته والدنو منه ، ولقانون الصبر موعظة وسبب للصلاح .
ترى هل ينفع الصبر المسلم عند دخوله الصبر ومساءلة منكر ونكير ، الجواب نعم لما فيه من الرضا بحكم الله عز وجل ، وتلقي الأذى رجاء الأجر والثواب.
قانون ندامة القاتل
من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً عمارة الناس للأرض ،والألفة بينهم واستئناس بعضهم ببعض ، والنفرة العامة من القتل عمداً أو خطأ ، وجاء الأنبياء والكتب السماوية بالإنذار من القتل والوعيد عليه .
ومن خصائص خلافة الإنسان في الأرض أنه ليس من قاتل إلا ويندم على إقدامه على قتل غيره ، وإن تجاهر بعضهم برضاه على القتل ، ويكون الإقدام على القتل من أسباب إدراك الإنسان للحساب الأخروي ، وأخذ المظلوم حقه من الظالم ، وقال تعالى وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا.
وفي المقام أمور :
الأول : قانون نفرة الناس من القتل .
الثاني : قانون منافاة القتل للخلافة في الأرض
الثالث : قانون ندامة القاتل لخسارته ، فحالما يقتل غيره ظلماً يصبح خاسراً ، قال تعالى فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
الرابع : قانون ندامة القاتل على القتل ، بحيث أنه يتمنى لو عادت الأيام فلا يقوم بالقتل كما في ندم قابيل بن آدم عندما قتل أخاه هابيل ، وفي التنزيل فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
وهذا القتل هو الأول على وجه الأرض ، ولم تقل الآية (فاصبح نادماً) إنما ذكرت النادمين بصيغة الجمع لإخبار المسلمين والناس بتكرار وقوع القتل والحروب ، ولقانون عاقبة القتل ظلماً وتعدياً الندامة من جهات :
الأولى : الندامة في الدنيا وبين الناس.
الثانية : الندامة لولوج الآخرة بوزر الدماء .
الثالثة : قانون ندامة القاتل عند دخوله القبر ، ومساءلة منكر ونكير عن سفكه الدم واخباره بأن القاتل ينتظره ليشكوه إلى الله ، وأن العذاب ينتظره.
الرابعة : ندامة القاتل لأن المقتول سيلاقيه يوم القيامة وهو يطلب دمه وعمره الذي إنخزم .
وعن عبد الله بن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ)( ).
الخامسة : قانون ندامة القاتل في مواطن يوم القيامة ، قال تعالى مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ.
لقد اجتمعت الخسارة والندامة للقاتل ، وبلحاظ سياق الآية أعلاه هل يدل قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على ندم الذي لا يقوم بدفن الميت في الأرض أم المقصود من الندامة في المقام اجتماع القتل والعجز عن الإهتداء للدفن ، الجواب لا مانع من الجمع بينهما.
و(عن ابن عباس . أن رجلاً أتاه فقال : أرأيت رجلاً قتل رجلاً متعمداً ، قال فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.
قال : لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى .
قال : وأنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ثكلته أمه ، رجل قتل رجلاً متعمدا يجيء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره ، وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله ، تشخب أوداجهُ دماً في قبل العرش ، يقول : يا رب سل عبدك فيم قتلني)( ).
أي يأذن الله عز وجل للمقتول بأن يمسك بيده القاتل من شعره ومقدم رأسه ، وأوداج المقتول وهما عرقان على جانبي عنقه يسيلان دماً ، ويشتكي إلى الله ويقول : يارب ، هذا قتلني ، حتى يدنيه من العرش ، لبيان المقتول للظلم الذي وقع عليه فغادر الدنيا بأجل منخرم.
وفي الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام (أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه : يا ابن آدم اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي لا أمحقك فيمن أمحق)( ).
والمراد من غضب الله في المقام أي عند فعل العبد معصية .
و(عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجئ الرجل آخذا بيد الرجل فيقول يا رب هذا قتلني فيقول الله له لم قتلته فيقول قتلته لتكون العزة لك فيقول فإنها لي .
ويجئ الرجل آخذا بيد الرجل فيقول إن هذا قتلني .
فيقول الله له لم قتلته فيقول لتكون العزة لفلان فيقول إنها ليس لفلان فيبوء بإثمه)( ).
وسيأتي بيان وشرح هذا الحديث في الجزء السبعين بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) وهو الجزء الثلاثون بعنوان (التضاد بين القرآن والإرهاب).
لبيان المائز بين القتل بالحق كحكم القصاص ، وبين القتل ظلماً بغير حق.

خزي قابيل
من إعجاز قصص القرآن أنها موعظة وعبرة وسبب لصلاح الناس ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
وقد ذكر الله عز وجل قصة قتل قابيل بن آدم لأخيه لتكون هذه القصة زاجراً عن القتل ، وعن الخصومة بين الإخوة والأرحام لما في هذا القتل من الخسارة ، قال تعالى فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
خاصة وأن قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، دعوة للمسلمين للنجاة من الندامة لقانون مصاحبة الندامة للقاتل .
ومن معاني الآية أعلاه وجوه :
الأول : فاصبح من الخاسرين حالما قتل أخاه ، لما تدل عليه الفاء من التعقيب والفورية .
الثاني : ملازمة الندامة لقابيل في الحياة الدنيا .
الثالث : عذاب البرزخ من الخسارة التي وردت في قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
الرابع : دخول الندامة مع قابيل إلى القبر .
الخامس : خسارة قابيل يوم البعث والحساب .
السادس : رؤية أهل المحشر لقابيل وهو شديد الندامة لقتله هابيل ، وهل يوجه الناس يومئذ له اللوم ، الجواب نعم .
وحالما يدخل قابيل القبر واجه ضغطة القبر ، ثم سؤال منكر ونكير وشدة ايذائهما له ، ثم استدامة عذاب القبر ، قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
السابع : الندم في القبر وعالم البرزخ ويندم قابيل لخسارته في النشأتين وورد لفظ الخاسرين اثنتي عشرة مرة في القرآن ، ولم يرد قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، إلا بخصوص قابيل.
لتجتمع عنده الخسارة والخزي مع الندامة ويترشح عنها الخزي في الدارين ، ولم يرد لفظ [فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ]إلا في الآية أعلاه ، وكذا لم يرد لفظ (النادمين) معرفاً بالألف واللام في القرآن إلا في الآية أعلاه بخصوص قابيل وحسرته وأسفه .
ويتعلق موضوعها بالحياة الدنيا ، منه قوله تعالى فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ،
لبيان قانون القتل والكفر يورث الندامة ، ومن الخسارة أسباب الحسرة والندامة وعذاب القبر ، ودخول النار واللبث الدائم فيها ، قال تعالى في قوم صالح قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
لتترتب الندامة في عالم البرزخ والآخرة على سوء الفعل والمعصية في الدنيا ، وتعلق موضوع الندم بالحياة الدنيا لبيان السعة والمندوحة بفضل الله عز وجل على الناس وندبهم للتوبة والإنابة والرجوع إلى دين التوحيد والتصديق بالأنبياء ، واللجوء إلى باب الدعاء الذي ترّغب فيه آية البحث.
ومن الآخرة في قوله تعالى وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ، عالم البرزخ ، فالذين كفروا يكتبون بعالم البرزخ وبعث الحياة في الإنسان ، والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق إذ تبدأ الآخرة من دخول الإنسان القبر ، لذا روي النبي (عليه الصلاة والسلام قال : من مات فقد قامت قيامتُه)( ).
والنسبة بين الندامة والخسارة عموم وخصوص من وجه ، فهناك مادة للالتقاء وأخرى للافتراق بينهما ، وتجتمع الندامة والخسارة للقاتل الذي يسفك الدماء ظلماً ، وينشر الفساد في الأرض .
الثامن : ندم وخزي قابيل يوم القيامة ، وفضحه بين الخلائق ومجئ هابيل حاملاً رأسه بيده يسأل حقه من أخيه الذي قتله ظلماً .
وعن عبد الله بن مسعود (وناس من الصحابة فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ليقتله ، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال ، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم ، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات ، فتركه بالعراء ولا يدري كيف يدفنه.
وهل ينحصر خزي قابيل في عالم الآخرة أم يشمل الدنيا ، الجواب هو الثاني ، ومنه تلاوة المسلمين كل يوم آيات قتل قابيل لهابيل وحيرته وعجزه عن دفنه ، فتفضل الله عز وجل ببعث غراب ، كما في قوله تعالى فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
قانون الموت كتاب مؤجل
ما أن يولد الإنسان حتى يصاحبه دنو الموت يوماً بعد يوم ، فكل يوم يمر عليه يصدق عليه أن موته مؤجل بفضل من الله عزو جل ، وأن هذا التأجيل يتناقص مع تقادم الأيام ، ويدل قوله تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا.
على قانون ساعة موت كل إنسان بيد الله عز وجل وحده ، وهو من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض , والتقدير لا يغادر خليفتي الدنيا إلا بأمري , وإن ظهرت الأسباب المادية من الوقائع والحروب والإقتتال والأمراض والأوبئة فالحياة والموت بيد الله عز وجل ، قال تعالى وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا.
وبلحاظ الآية السابقة لها وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، تتضمن الآية بعث الطمأنينة في نفوس المسلمين بنفي ما أشيع عن قتل النبي في معركة أحد حيث صارت حجارة المشركين تصل إليه وكثرت الجراحات في وجهه ، وكسرت رباعيته.
وتبين الآية أعلاه من سورة آل عمران أن ملك الموت ليس مفوضاً بقبض الأرواح من جهة أوان وكيفية قبض روح الإنسان ، لمنع الغلو في ملك الموت.
ولدعوة الناس إلى الدعاء وسؤال الله عز وجل إطالة العمر واستمرار إرجاء الموت .
فمثلاً يدعو الإنسان عند كل صباح أن يجعل الموت في هذا اليوم [كِتَابًا مُؤَجَّلًا] وأن يؤجله الله عز وجل عنه وعن متعلقيه إلى يوم آخر ليس بقريب ، واقتران هذا التأجيل بعمل الصالحات ، وزيادة كفة الحسنات.
ولو كان إنسان يدعو الله في كل يوم إرجاء الموت عنه بذات اليوم ، وفي اليوم الذي كتب الله عز وجل فيه حلول أجله نسي هذا الدعاء فهل يقبض الله عز وجل روحه فيه بسبب هذا النسيان ، المختار لا ، لرأفة وسعة رحمة الله وحديث الرفع ، نعم إذا شاء الله عز وجل ينسيه الدعاء في يوم أجله لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، ولعلم الله عز وجل بنفع العبد في تعيين اليوم الذي يأذن فيه لملك الموت بقبض روحه .
وتبين الآية رحمة الله عز وجل في عمارة الناس للأرض فنسبة الذين يموتون كل يوم من مجموع الناس ضئيلة جداً ، ويقدر عدد الذين يموتون في كل يوم في هذا الزمان (150) ألف .
ولا يموت أحدهم إلا بأمر من عند الله عز وجل لأن هذا الموت رجوع إليه تعالى ، وانقطاع لرزق الإنسان وعلمه في الدنيا ، وبداية عالم الحساب .
ولو حصلت آفة أرضية أو سماوية أو حرب اهلكت كثيراً من الناس دفعة فهل يقل عدد الذين يموتون في الأيام اللاحقة ، بارجاء آجالهم ، المختار لا ، لذا يجب أن يحرص أولو الأمر والسلطان على تجنيب الناس أسباب موت الفجأة ، والإبادة الجماعية ، والحروب المدمرة ، وقال الله تعالى الصُّلْحُ خَيْرٌ.
وفي كل ساعة من حياة الإنسان رحمة مستحدثة بل في كل شهيق داخل وزفير خارج نعمة عظيمة ، ورحمة جديدة تحل بالإنسان مما يستلزم الشكر لله عز وجل ليكون قوله تعالى [كِتَابًا مُؤَجَّلاً] ( ) من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة في آنات الزمان قرباً وبعداً .
وتبين الآية أن هذا التأجيل حكم عام يتغشى الناس جميعاً وهو من مصاديق رحمة الله عز وجل بالناس في الحياة الدنيا .
إذ يتنعم البر والفاجر بدفع الأجل فهناك مندوحة في العمر لكل إنسان لتكون مناسبة للتوبة والإنابة وإصلاحاً للذات ، والتهيئ للموت بالتقوى والعمل الصالح.
وفيه حجة على الكافرين وهو من مصاديق قوله تعالى وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا.
وفيه بعث للسكينة في نفوس المسلمين بتباعد الآجال ، ودعوة لهم للسعي في مرضاة الله من غير أن تتعارض هذه الدعوة مع الإنتفاع الأمثل من وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم.
قانون الرد بالأحسن حصن
قال تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، من هذا الدفع إجتناب القتال والقتل والندامة التي تترشح عن الندامة .
وهل يحضر الدفع والرد بالأحسن سواء بالقول أو الفعل في القبر مع الإنسان ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : ذات الفعل الحسن .
الثانية : الإمتثال للأمر الإلهي .
الثالثة : قصد القربة والطاعة لله عز وجل .
وورد ذكر الموت أكثر من ذكر القتل في القرآن وهو من إعجاز القرآن سواء بما فيه من علوم الإحصاء( ) أو دلالة هذا التباين العددي ومضامينه.
وورد عن عبد الله بن مسعود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل الأولي الذي هو أول قاتل)( ).
والمراد قابيل بن آدم الذي قتل أخاه هابيل .
وقد ورد في الحديث النبوي ذكر قابيل بالاسم ، إذ قال الإمام علي عليه السلام (يا رسول اللّه، بأبي أنت وأمي، وما منزلة الأمير الجائر المعتدي الذي لم يصلح لرعيته، ولم يقم فيهم بأمر اللّه .
قال : هو رابع أربعة، وهو أشد الناس عذابًا يوم القيامة: إبليس، وفرعون، و (قابيل) قاتل النفس، والأمير الجائر رابعهم.
ومن احتاج إليه أخوه المسلم في قرض فلم يقرضه وهو عنده حرَّم اللّه عليه الجنة يوم يجزي المحسنين)( ).
وهل يختص أوان عذاب هؤلاء بيوم القيامة ، الجواب لا ، إنما يشمل عذاب البرزخ ، وذكر خصوص يوم القيامة لأنه العذاب الأشد ومنه الخلود في النار ، قال تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
وفي كتاب الإمام علي عليه السلام لأهل مصر عندما ولى عليها محمد بن أبي بكر (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إن العبد المؤمن إذا دفن قالت الأرض له مرحبا وأهلا قد كنت ممن أحب أن يمشي على ظهري .
فإذا توليتك فستعلم كيف صنعي بك فتتسع له مد البصر .
وإن الكافر إذا دفن قالت الأرض له لا مرحبا ولا أهلا قد كنت من أبغض من يمشي على ظهري فإذا توليتك فستعلم كيف صنعي بك فتضمه حتى تلتقي أضلاعه وإن المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوه عذاب القبر أن يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا فينهشن لحمه ويكسرن عظمه يترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث لو أن تنينا منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعا أبدا .
اعلموا يا عباد الله إن أنفسكم الضعيفة و أجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير من العقاب تضعف عن هذا فإن استطعتم أن تجزعوا لأجسادكم وأنفسكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه .
فاعملوا بما أحب الله و اتركوا ما كره الله يا عباد الله إن بعد البعث ما هو أشد من القبر يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير ويسقط فيه الجنين تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ.
يوم عبوس قمطرير يوم كان شره مستطيرا إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم وترعد منه السبع الشداد والجبال الأوتاد والأرض المهاد وتنشق السماء فهي يومئذ واهية وتصير ورده كالدهان وتكون الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا بعد ما كانت صما صلابا .
وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن إن لم يغفر الله له ويرحمه من ذلك اليوم) ( ).
ومع ما في هذا الكتاب من الإنذار والوعيد فانه دعوة للتوبة والإنابة وبعث للجوء للإستغفار لقانون الإستغفار واقية في عالم البرزخ .
معجزة نجاة النبي (ص) من كيد الكافرين
وتتجلى مصاديق قوله تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ في حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعند دراسة سيرته وبعثته والأحوال التي صاحبت دعوته وإجهاره بها بين قوم كافرين يدرك الإنسان أنه نجى من القوم الطاغين بآية من عند الله عز وجل.
وهذه النجاة المتكررة معجزة حسية وعقلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وتدل كلمة [بِإِذْنِ اللَّهِ] على فضل الله تعالى على الإنسان في المندوحة والسعة في عمره ورزقه وكسبه .
والتركة للذرية من بعده وكأن فيهم امتداداً لحياته في الدنيا ، وصلة وموضوعاً لتعلقه بها والمباهج التي جعلها الله عز وجل بها ، ولبيان لزوم دعائهم له لنجاته من عذاب القبر ، وقضاء ديونه ، ومنها ديون الله عز وجل مما فاته من الصلاة والصيام وحج بيت الله الحرام .
و(عن ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة ، فهل يجزي أن أحج عنه .
فقال : نعم .
فقالت : فهل ينفعه ذلك .
فقال عليه السلام : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزي.
قالت : نعم .
قال : فدين له أحق)( ).
ومثله ورد عن الإمام الصادق عليه السلام .
وباب الدعاء مفتوح للمسلمين والناس جميعاً ، إنه نعمة صاعدة وكنز بيد المسلمين ، وقد تفضل الله عز وجل على المسلمين بتتابع نزول آيات القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( ).
فكانت علامة على قرب أجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ودعوة للمسلمين للمناجاة بالتقوى وتجديد الإيمان ، والإحتراز من الإنقلاب والإرتداد بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.
(عن ابن عمر قال : هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختمها ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه الوداع)( ).
ويحتمل التأجيل وجهين :
الأول : تعيين أوان الموت والمراد التأجيل بلحاظ استدامة حياة الإنسان قبل مغادرته الدنيا.
الثاني : التأجيل من الكلي المشكك الذي قد تكون مدته طويلة وقد تكون قصيرة ولكنه ثابت ومعلوم عند الله عز وجل.
ولا تعارض بين الوجهين وهو من أسرار آية البحث وتقدم إذن الله فيها على الكتاب المؤجل، ولو اكتفت الآية بقوله تعالىوَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كتاباً مؤجلاً، ولو لم تقيده بالكتاب المؤجل , لقال بعضهم بخلود بعض الناس خاصة أولئك الذين يغالون في الأنبياء.
الملكان منكر ونكير
لم يرد اسم منكر ونكير أو ملكي القبر في آيات وسور القرآن ولكنه ورد في السنة النبوية التي هي المصدر الثاني للتشريع .
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر اسمي منكر ونكير ، إذ قال (إذا قبر الميت ، أتاه ملكان أسودان أزرقان ، يقال لأحدهما منكر ، والآخر نكير . فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ، فيقول ما يقول : هو عبد الله ورسوله ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله .
فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا .
ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ، ثم ينور له فيه ، فيقال له : نم .
فيقول : أرجع إلى أهلي فأخبرهم .
فيقولون : نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)( ).
و(عن قتادة حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم .
قال : فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟” قال : فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله.
فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة . قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : فيراهما جميعا)( ).
وبعد أن يدخل الميت في القبر ، تعود روحه له ، ليأتي الملكان يسألانه عن إيمانه وعن أفعال الجوانح والجوارح .
و(عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يلقى صاحب القبر، فقال: إن ملكين يقال لهما: منكر ونكير يأتيان صاحب القبر فيسألانه عن رسول الله صلى الله عليه واله فيقولان: ما تقول في هذا الرجل الذي خرج فيكم ؟ فيقول: من هو ؟ فيقولان: الذي كان يقول: إنه رسول الله، أحق ذلك .
قال: فإذا كان من أهل الشك قال: ما أدري ؟ قد سمعت الناس يقولون، فلست أدري أحق ذلك أم كذب ؟ فيضربانه ضربة يسمعها أهل السماوات وأهل الارض إلا المشركين، وإذا كان متيقنا فإنه لا يفزع فيقول: أعن رسول الله تسألاني ؟ فيقولان: أتعلم أنه رسول الله ؟ فيقول: أشهد أنه رسول الله حقا، جاء بالهدى ودين الحق، قال: فيرى مقعده من الجنة ويفسح له عن قبره ثم يقولان له: نم نومة ليس فيها حلم في أطيب ما يكون النائم)( ).
وسلامة المؤمن من عذاب البرزح بحسن إجابته على أسئلة منكر ونكير من مصاديق قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
وهناك أسئلة وشبهات حول عذاب القبر وكيفيته ، وهو أمر خارج التصور الذهني ، ولم نكلف بمعرفة تفاصيله ، إنما نسلم بالنصوص النبوية الواردة بخصوصه عند جميع فرق المسلمين .
وهذه النصوص ترجمان لآيات القرآن التي تشير إلى عذاب البرزخ منها قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، لبيان أن عرض المشركين على النار قبل يوم القيامة أي في عالم البرزخ.
قانون الدعاء تخفيف للحساب
يعيش الإنسان في الدنيا بسعة ومندوحة واختيار في قضاء الوقت والتصرف ، وهو لا يعلم أن الملائكة يكتبون كل ما يقول ويفعل حتى إذا دخل القبر أعيدت روحه إلى جسده للحساب الإبتدائي .
وفي حديث عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (وذكر قَبْضَ روح المؤمن: فتُعاد روحُه في جسده ، ويأتيه مَلَكان فيجلسانه ، يعني في قبره ، فيقولان: مَنْ ربُّك؟ فيقول: ربيَ الله .
فيقولان: ما دينُك؟ فيقول ديني الإسلام . فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هو رسولُ الله .
فيقولان: ما يدرِيك؟ فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنت به وصدَّقْتُ. فينادِي مُنادٍ من السماء أنْ صَدَق عبدي. قال: فذلك قول الله عز وجل يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ))( ).
ولم يترك الله عز وجل الإنسان يفاجئ بأهوال وشدة القبر بل بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين ، وأخبروا عن عالم البرزخ ، ونزل القرآن بالبيان وتضمنت السنة النبوية التأكيد على الحساب الإبتدائي في عالم البرزخ وسؤال منكر ونكير ، ليحاسب الإنسان نفسه في الدنيا ، ويتجهد في طاعة الله ، والإستغفار والدعاء للنجاة من ضغطة القبر ومن عذاب البرزخ .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج، والمسألة في القبر، والشفاعة)( ).
والمراد معراج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السماء بقوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)( ).
وهل يقصد الإمام علي عليه السلام الإيمان بعروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجسده أم يكفي مصداق المعراج بالروح أو جسد مثالي ، المختار هو الأول وعليه النصوص ، نعم الحديث ضعيف سنداً فاحمد بن الحسن القطان لم يرد بخصوصه مدح آدم ، نعم هو من مشايخ الصدوق ، وقد ترحم عليه ، وهو كاف في وثاقته ، والسكري مجهول .
والجوهري هو محمد بن زكريا الجوهري مولى بني غلاب ت 298 هجرية ، قال النجاشي له كتب منها : المجمل الكبير ، المجمل الصغير ، كتاب صفين الكبير ، مقتل الحسين عليه السلام ، ولم يذكره الشيخ الطوسي في رجاله وذكره ابن حبان في الثقات .
وورد اسم محمد بن عمارة لأكثر من واحد دون توثيق فالخبر ضعيف سنداً .
ولا تصل النوبة على الإستدلال على المعراج بالروح والجسد والمساءلة في القبر ، والشفاعة على هذا الحديث لثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع .
ومن خصائص الدعاء النفع العام في الدنيا وعالم البرزخ ، ويوم القيامة ، ومن معاني قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، أي استجب لكم في أمور الدنيا والآخرة ، واستجب لكم وانتم في الدنيا .
واستجب دعاءكم في الدنيا لحياتكم في الآخرة ، فيأتي التخفيف والإكرام في مواطن يوم القيامة ، والذي هو كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.
فيسأل المؤمن عن سبب هذا التخفيف من بين الذين من حوله ، من أهل الموقف فيقال له هذا بسبب دعائك الفلاني في أيامك في الدنيا ، أو بسبب دعاء واستغفار ابنائك الأحياء لك بعد موتك .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (عن ابيه عن جده علي بن الحسين عن ابيه عن علي بن ابي طالب عليهم السلام (قال رسول الله صلى الله عليه وآله : صلاتكم علي ، مجوزة لدعائكم ، ومرضاة لربكم ، وزكاة لابدانكم ) وبهذا الاسناد ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله : اربع جعلن شفعاء : الجنة ، والنار ، والحور العين ، وملك عند رأسي في القبر .
فاذا قال العبد من امتي : اللهم زوجني من الحور العين ، قلن : اللهم زوجناه ، واذا قال : العبد اللهم اجرني من النار ، قالت : الله اجره مني ، واذا قال :
اللهم اسألك الجنة ، قالت الجنة : اللهم هبني له ، واذا قال : اللهم صل على محمد وآل محمد ، قال الملك الذي عند رأسي : يا محمد ان فلان بن فلان صلى عليك ، فاقول : صلى الله عليه ، كما صلى علي)( ).
وفي الحديث شاهد على بلوغ الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليه ، ورده الكريم عليها بالدعاء لصاحبها ، وفيه ترغيب للمسلمين بالدعاء للزواج من الحور العين ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار.
وعن الإمام علي عليه السلام (وأما قوله عز وجل وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا والناس يومئذ على طبقات ومنازل .
فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا، ومنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لانهم لم يتلبسوا من أمر الدنيا بشئ، وإنما الحساب هناك على من تلبس بها ههنا .
ومنهم من يحاسب على النقير والقطمير( )، ويصير إلى عذاب السعير، ومنهم أئمة الكفر وقادة الضلالة، فاولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا ولا يعبأ بهم، لانهم لم يعبؤا بأمره ونهيه، ويوم القيامة هم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)( ).
ولبيان التباين بين المؤمن والكافر في مواطن يوم القيامة ، إذ يمتنع الخوف والحزن عن المؤمن لقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ بينما يستمر عذاب الكافر مع إزدياده وشدته إلى أن يختتم بالسوق إلى النار والخلود فيها.
لماذا الصلاة على الميت
تجب صلاة الأموات على كل من مات من المسلمين والمسلمات ، وان كان قاتلاً لنفسه وعلى أطفال المسلمين إذا بلغوا من العمر ست سنين وهو السن الذي يعقل فيه الصلاة ، وتستحب لمن هو أقل من ذلك في العمر لمن ولد حياً.
وتكون الصلاة بعد غسل الميت وتكفينه ، ولا تجزي قبلهما إلا مع تعذرهما وتستحب الجماعة في هذه الصلاة خاصة وأنها دعاء وشفاعة للميت في ساعة توديعه ومغادرته الدنيا إلى عالم يكون فيه محتاجاً إلى الرحمة والعفو ، ومتطلعاً إلى الاستغفار والدعاء ، ولا يتحمل الإمام في هذه الصلاة عن المأمومين شيئاً من التكبير والدعاء.
وتسمى صلاة الجنازة أي على الميت الحاضر وهي واجب كفائي (فرض كفاية) تسقط عن الجماعة إن أداها أحدهم .
ومن خصائص الصلاة على الميت أنها باب للحوق الثواب والأجر له .
و(عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : نصلي عن الميت ؟ فقال : نعم ، حتى أنه ليكون في ضيق فيوسع الله عليه ذلك الضيق ، ثم يؤتى فيقال له : خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك ، قال : فقلت له : فأشرك بين رجلين في ركعتين ؟ قال : نعم)( ).
ويدل على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع ، أما الكتاب فمفهوم قوله تعالى وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ, فان نزول النهي على النبي عن الصلاة على المنافق شاهد في مفهومه على لزوم الصلاة على المسلم الموافق .
ومن السنة ما ورد (عن معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: إنه ذكر لنا أن رجلا من الانصار مات وعليه ديناران دينا ، فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه واله وقال: صلوا على صاحبكم حتى ضمنهما عنه بعض قرابته .
فقال أبو عبد الله عليه السلام : ذلك الحق ، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله إنما فعل ذلك ليتعظوا وليرد بعضهم على بعض ولئلا يستخفوا بالدين وقد مات رسول الله صلى الله عليه واله وعليه دين ومات الحسن عليه السلام وعليه دين وقتل الحسين عليه السلام وعليه دين)( ).
وذكر الدّين على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند مغادرته الدنيا ، وكذا الإمام الحسن والحسين عليهما السلام شاهد على أنهم لم يجمعوا من الدنيا ولم يدخروا الأموال مع كثرة الأموال آنذاك .
وإجماع علماء الإسلام على وجوب الصلاة على الميت الحاضر (وفي حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على النجاشي ، روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوما : توفي أصحمة رجل صالح من الحبشة، فقوموا وصلوا عليه، فكان كذلك)( ).
لبيان جواز الصلاة على الغائب أو على القبر ممن لم يصل عليه من المسلمين .
وقد تقدم التفصيل بخصوص كيفية الصلاة على الميت وأحكامها( ).
و(عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عودوا المريض ، واتبعوا الجنازة ، ولا عليكم أن تأتوا العرس ، ولا عليكم أن لا تنكحوا المرأة من أجل حسنها فعل أن لا يأتي بخير ، ولا عليكم أن لا تنكحوا المرأة لكثرة مالها فعل مالها أن لا تأتي بخير ، ولكن ذوات الدين والأمانة)( ).
قانون الإستعاذة حصن في القبر
قال تعالى فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
والإستعاذة لغة هي الإستجارة والتحيز إلى الشئ للسلامة من الأذى والمكروه .
ويقال : استعذت به أي التجأت إليه .
والإستعاذة في الإصطلاح هي الإلتجاء إلى الله ، والإعتصام والتحصن به من إغواء ووسوسة الشيطان .
ومعنى قول [أَعُوذُ بِاللَّهِ] أي اللهم احفظني واني اعتصم وأتحصن بك ، وهل الإستعاذة من مصاديق قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، الجواب نعم .
والمراد من الشيطان في في الآية أعلاه إبليس وكل متمرد عات من الجن والإنس ، ومن معاني الإستعاذة وجوه :
الأول : الدلالة على الحاجة لله عز وجل ورحمته .
الثاني : إقرار الإنسان بضعفه .
الثالث : التسليم بأن الله عز وجل هو الكافي للعباد ، وفي التنزيل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ.
وعند مغادرة الإنسان الحياة الدنيا ينقطع إغواء الشيطان له ، ومن منافع الإستعاذة السلامة في القبر من الأعمال القبيحة التي يدعو إليها الشيطان فالإستعاذة في الدنيا واقية من اتباع الشيطان ، فتكون نجاة في القبر والدار الآخرة .
إذ يدخل عمل الإنسان معه في قبره وإذا كان سالماً من إغواء الشيطان نجى من عذاب ابتدائي في القبر .
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن للموت فزعاً ، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل : إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون .
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن أبي بكر بن أبي مريم سمعت أشياخنا يقولون : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن أهل المصيبة لتنزل بهم فيجزعون وتسور عنهم فيمر بها مار من الناس ، فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فيكون فيها أعظم أجراً من أهلها)( ).
لبيان الترغيب بالإسترجاع لذوي المصيبة ولغيرهم لما فيه من الثواب العظيم ، وفيه شاهد بعدم اختصاص الإسترجاع بصاحب المصيبة بل يشمل الذي يحضرها .
ولو ذكرت عند الإنسان مصيبة لغائب ، أو قرأ في كتاب وقصة وتأريخ مصيبة فاسترجع فهل يأتيه الثواب ، الجواب نعم .
ومن مسائل الإستعاذة :
الأولى : من مستحبات قراءة القرآن في الصلاة الإستعاذة، وإستحبابها مؤكد قبل قراءة الفاتحة وعليه الإجماع والنص .
وصيغتها (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وتقدم ذكره .
ويجوز أن يقول المصلي (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) وكل منهما ورد مضمونه في القرآن( )، والأولى هي الأشهر , الا أن الثانية لا تتعارض معها بل هي في طولها.
الثانية : وجود ملازمة إجمالية بين الإستعاذة اللفظية والإستعاذة المعنوية، فاللفظية مقدمة للمعنوية وتترشح عنها لتكون النفس مؤهلة لمنازل الفضيلة والكمال والتماس السعادة الأبدية بإخلاص العبودية.
الثالثة : يؤتى بالإستعاذة إخفاتاً ، وادعي الإجماع عليه، ويجوز أن يؤتى بها جهراً في الصلاة الجهرية، والأول هو الأحوط , والأقوى إســتفادة الســعة والجواز ولو على سبيل الفرد النادر والقرائن التي ترجح إستحباب الجهر بها خصوصاً في الصلاة الجهرية كالمغرب والعشاء والصبح من غير تعارض مع تعلق الإستحباب أصلاً بالإخفات.
لقاء الله سبحانه
لقد وردت كلمة (لقاء الله) في القرآن ثلاث مرات وبصيغة [لِقَاءِ رَبِّهِمْ] أربع مرات ، ومثلها بلفظ [لِقَاءَنَا] في القرآن ، أكثرها في ذم الذين كذبوا بالمعاد واليوم الآخر ، وفيه دعوة للناس للإيمان بعالم الحساب ، وأنه حق وصدق ، قال تعالى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ وقال تعالى قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
وعن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، فقالت عائشة : إنا لنكره الموت .
فقال : ليس ذاك ، ولكن المؤمن إذا حضر الموت بشر برضوان الله وكرامته ، فليس شيء أحب إليه مما أمامه ، وأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه .
وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه وكره لقاء الله وكره الله لقاءه( ).
ومن معاني لقاء الله الرجوع إليه ، والوقوف بين يديه للحساب ، ونيل الثواب والجزاء على العمل في الدنيا .
لبيان التباين بين المؤمن والكافر بلحاظ الكيفية النفسانية في النظر للدنيا ومغادرتها وعالم الموت ، إذ يُبشر المؤمن عند النزع والإحتضار بالرضوان والمغفرة والرحمة من عند الله ، فيشتاق لما بعد الموت من الثواب العظيم ، أما الكافر فانه يكره الموت لعشقه للدنيا وزينتها ولخوفه مما بعد الموت ، هذا العالم الذي لم يلتفت إليه ولم يستعد له طيلة أيام حياته ، مع أن هذا الإستعداد صلاح وسكينة لأنه يتقوم بتقوى الله ، وأداء الصلاة والفرائض العبادية ، ومنه قوله تعالى أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
وفي الثناء على المؤمنين وبشارتهم ، وبيان حسن حالهم يوم القيامة قال تعالى تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا.
(وفي قوله تعالى تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ روي عن البراء أنه قال: يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه)( ).
ويدل سياق الآية أعلاه على أن المراد هو لقاء الله تعالى ، نعم قبض ملك الموت لروح الإنسان مقدمة وبداية للقاء الله عز وجل .
و(عن البراء بن عازب قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في يدي ، فرأى جنازة ، فأسرع المشي حتى أتى القبر ، ثم جثا على ركبتيه ، فجعل يبكي حتى بل الثرى ، ثم قال لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ))( ).
تسمية يوم القيامة
من وظائف الأنبياء البشارة والإنذار ، ويمدهم الله بعون وآيات من عنده ، ومنها ما هو ثابت كالآيات الكونية وتعاقب الليل والنهار ، ومنها ما هو طارئ متبدل كالوقائع ، والآفات وموت القريب بعد اجتماع الأهل حوله ساعة الإحتضار .
وسمي يوم القيامة لقيام الناس فيه للحساب ، قال تعالى يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
ومن خصائص يوم القيامة طول مدته وكثرة أهواله ، وتعدد مواطنه ، وهل في قوله تعالى كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، بشارة إطالة أعمار الناس بالإرتقاء الطبي والتقني ، خاصة وأن هذه النعمة حدثت في الدنيا إذ بلغ عمر آدم ألف سنة ، وكان عمر نوح أطول من عمر آدم ، المختار نعم .
وروي من حديث (أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لما بعث الله نوحا إلى قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وبقي بعد الطوفان خمسين ومائتي سنة.
فلما أتاه ملك الموت قال : يا نوح يا أكبر الأنبياء ويا طويل ويا طويل العمر ويا مجاب الدعوة كيف رأيت الدنيا قال : مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد وتخرج من الباب الآخر)( ).
وقد تجتمع البشارة والإنذار معاً في موضوع واحد كما في الإخبار عن يوم القيامة وما فيه من الجزاء ، الجزاء باللبث الدائم في الجنة للمؤمنين الذين عملوا الصالحات ، والجزاء بالإقامة في النار للذين كفروا ، قال تعالى فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
وليتعقب هذا القيام والحساب الجزاء الخالد التي يترتب على عمل الإنسان في الدنيا ، فاما إلى الجنة وإما إلى النار .
وقد تضمنت أجزاء كتابنا (معالم الإيمان في تفسير القرآن) عناوين عن يوم القيامة منها :
الأول : أسماء يوم القيامة في الجزء التاسع بعد المائة .
الثاني : من أسرار تعدد أسماء يوم القيامة في الجزء الخامس والثلاثين بعد المائتين .
الثالث : إحصاء أسماء يوم القيامة في الجزء الخامس والأربعين بعد المائتين .
الرابع : دلالات تسمية يوم القيامة في الجزء الخامس والأربعين بعد المائتين .
مع عدد من القوانين الخاصة به .
البشارة والإنذار في تسمية يوم القيامة
من معاني البشارة والإنذار في تسمية يوم القيامة وجوه :
الأول : قيام الناس للحساب يوم القيامة ، فيكون بشارة للمؤمن وخزي ورعب للكافر .
الثاني : تعدد أسماء يوم القيامة إنذار لناس وطرد للغفلة عن العالم الأخر .
الثالث : السكينة للمؤمنين لاتخاذهم الزاد والعدة لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ.
الرابع : كل اسم من أسماء يوم القيامة له دلالة ومعنى .
الخامس : بيان قانون الموت انتقال من عالم إلى عالم آخر عالم الرحمة والمغفرة من الله .
(وروى الصادق عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: إن لله مائة رحمة ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والبهائم، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده)( ).
وقد ذكرت في الجزء التاسع بعد المائة من كتابي (معالم الإيمان) أن لفظ (الآخرة) ورد في القرآن مائة وخمس عشرة مرة ، وذات العدد ورد للفظ الدنيا .
وهو من الإعجاز في التوافق في الأعداد في القرآن ودعوة للتأمل بأسرار الأعداد والكثرة فيها، مع ذكر كل من الدنيا والآخرة بألفاظ أخرى، قال تعالىفَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالْأُولَى، وورد بخصوص فرعون قوله تعالىفَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالْأُولَى، وفيه وجوه:
الأول : العقوبة في الدنيا والعقوبة في الآخرة.
الثاني : إرادة غرق فرعون في الدنيا، ودخوله النار في الآخرة.
الثالث : عن مجاهد : الأولىمَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي، والآخرة قولهأَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى ))( ).
الرابع : عذاب الأولى الإمهال، والآخرة في النار عن الربيع( ).
الخامس : الجمع بين عقوبة الدنيا والآخرة معاً في الآخرة لأن الله عز وجل أفاض عليه من النعم في الدنيا إستدراجاً.
والنكال مصدر بمعنى التنكيل والتعذيب الذي ينكل من يراه أو يسمعه فينصرف عن الأسباب والمقدمات التي أدت إلى هذا العذاب، قال تعالىفَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا، وظاهر لفظ (نكال) في سياق الآية أعلاه من سورة النازعات أنه أعم من أن يختص بالغير ومن سمع أو رأى العقوبة بل يشمل ذات فرعون ونزول العذاب به وهو من مصاديق الأخذ وعلة البطش به بالإضافة إلى أن الآية التالية لها أخبرت عن علة الإنتقام من فرعون بالنسبة للغير بقوله تعالىإِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى، أي أن اسم الإشارة(ذلك) لا يختص بحال من سمع ورأى عقوبة فرعون بل يشمل ذات فرعون وجنوده.
وكيفية هلاك فرعون وجنوده من مصاديق ما أذهب إليه على نحو مستحدث وهو قانون لكل إنسان كيفية يموت فيها تختلف عن موت أي إنسان من البشر من آدم وإلى يوم القيامة ، وهذا الإختلاف مثل الإختلاف في بصمة اليد والعين .
والنسبة بين الآخرة ويوم القيامة عموم وخصوص مطلق ، فالآخرة أعم وتشمل عالم البرزخ .
البكاء من خشية الله
قال تعالى في الثناء على أهل العلم والمعرفة بالله وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا.
وتتعدد أسباب البكاء، والله عز وجل هو الذي يجلب أسباب البكاء أو الضحك للإنسان ، ومنه بكاء الحزن على ما فات ، أو فوات محبوب ، وقد تدمع عين الإنسان من الفرح ولكن هذه الدمعة باردة لذا يقال لما فيه الفرح (قرة عين) أما دموع الحزن فهي ساخنة.
وقد اثنى الله عز وجل على بعض الأنبياء والأوبياء بالقول إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا.
(وعن البراء بن عازب قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله اذ أبصر جماعة فقال : علام اجتمعوا هؤلاء ، فقيل : على قبر يحفرونه ، قال : فبدر رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه أصحابه مسرعا حتى أتى القبر فجثا عليه ، قال : فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع فبكى حتى بل التراب من دموعه ثم اقبل علينا فقال : اخواني، لمثل هذا فاعدوا)( ).
لبيان وجوب الإستعداد للموت بالإجتهاد في الصالحات .
و(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شيع جنازة علاه كرب ، وأقل الكلام وأكثر حديث نفسه)( ).
والمراد من حديث النفس هنا الإنقطاع إلى ذكر الله ، لبيان حال الخشوع لله عند التشييع ، وإدراك ما يلاقيه الميت عند مفارقته الأحبة ، ودخوله القبر ، وان موت الإنسان عبرة للأحياء ، ومناسبة للإتعاظ .
وفي البكاء من خشية الله الأجر والثواب ، والأمن من الفزع في الآخرة ، وفي المرسل (عن أبي حازم : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي ، فقال : من هذا .
قال : فلان . قال جبريل : إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء ، فإن الله يطفئ بالدمعة نهوراً من نيران جهنم .
وأخرج الحكيم الترمذي ، عن النضر بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو أن عبداً بكى في أمة من الأمم ، لأنجى الله تلك الأمة من النار ببكاء ذلك العبد؛ وما من عمل إلا له وزن وثواب إلا الدمعة ، فإنها تطفئ بحوراً من النار . وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله ، إلا حرم الله جسدها على النار ، وإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن الجعد أبي عثمان قال : بلغنا أن داود عليه السلام قال : إلهي . . . ما جزاء من فاضت عيناه من خشيتك؟ . . . قال : جزاؤه أن أؤمنه يوم الفزع الأكبر)( ).
ومن معاني البكاء من خشية الله الإقرار بالعبودية له سبحانه ، ورجاء فضله وإحسانه ، والتسليم بالرجوع إليه ، والوقوف بين يديه للحساب ، ومن معانيه الإحتراز من فعل السيئات ، ومن إرتكاب المعاصي فهذا البكاء شاهد على استحضار ذكر الله ، واشتراك الجوارح والجوانح بالخشية منه تعالى بالغيب ، وفي الثناء على المتقين ، قال تعالى الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ.
(وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مليكة قال : توفيت أم عمرو بنت أبان بن عثمان فحضرت الجنازة ، فسمع ابن عمر بكاء فقال : ألا تنهي هؤلاء عن البكاء ، فإن رسول الله صلى عليه وسلم قال : إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه ، فأتيت عائشة فذكرت ذلك لها ، فقالت : والله إنك لتخبرني عن غير كاذب ولأمتهم ولكن السمع يخطىء ، وفي القرآن ما يكفيكم { ولا تزر وازرة وزر أخرى)( ).
فلا يؤاخذ الميت في قبره بسبب بكاء الحي عليه .
الإماتة ثم الإحياء
لقد ملأ الله عز وجل الحياة الدنيا بالمواعظ والعبر ، والآيات الباهرات ، والمعجزات ، لبيان أنه تعالى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وليكون عالم الأكوان دعوة للناس للإيمان ، وبرزخاً دون الكفر والفجور ، فقد خلق آدم من طين ونفخ فيه من روحه ، وخلق معه زوجه حواء وأسكنهما الجنة ، ليهبطا إلى الأرض ، وتتكاثر ذريتهما في الأرض ، ولم يغادر آدم الحياة الدنيا إلا وقد بلغ عدد ولده وولد ولده أربعين ألفاً ، ونسبه في البحار إلى القيل( )، وفيه تضعيف له .
وتعاقبت الأجيال ، ومعها يبعث الله الأنبياء [مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ] ثم تفضل الله عز وجل بولادة عيسى بن مريم من غير أب ، وكانت ساعة ولادته مادة ومناسبة للتذكير بعظيم قدرة الله ، وأنها لا تقف عند قانون السبب والمسبَب ، والعلة والمعلول ، ليرجو الناس سعة رحمة الله ، ويأملون فضله ، وفي التنزيل إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
ومن بديع قدرة الله عز وجل موت الإنسان ثم بعثه بعد الموت ، وهذا البعث على قسمين :
الأول : شخصي : في القبر عندما يموت الإنسان تعاد الروح إلى جسده ، ليسأله الملكان منكر ونكير سؤالاً ابتدائياً ، وفي هذا السؤال مسائل :
الأولى : بيان عظيم قدرة الله .
الثانية : الدليل العملي على أن الموت أمر وجودي ، وانتقال من عالم إلى آخر .
الثالثة : تذكير الإنسان بأعماله في الدنيا ، ليكون هذا التذكير مقدمة لعالم النشور وتطاير الصحف .
الرابعة : بيان مصداق لما أخبر عنه القرآن والسنة النبوية من عذاب البرزخ ، ليستعد أهل الأرض إلى مساءلة الملكين .
الثاني : البعث العام للناس من قبورهم للحساب بعد أن ينفخ في الصور ، ويهلك أهل الأرض .
وفي المرسل عن الإمام علي عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره)( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتخاذه المعاد وعالم الحساب في الآخرة مادة للإحتجاج على الذين كفروا ، ووسيلة صدق للدعوة إلى الإيمان ، فيقيم فيه الحجة على فرد أو جماعة لتتعظ الأجيال منه.
لما ورد عن ابن عباس (قال : جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ، ففته بيده ، فقال يا محمد : أيحيي الله هذا بعدما أرى؟ قال : نعم . يبعث الله هذا ، ثم يميتك ، ثم يحييك ، ثم يدخلك نار جهنم . فنزلت الآيات من آخر يس أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ إلى آخر السورة)( ).
والعاص بن وائل القرشي السهمي هو أبو عمرو بن العاص ، وكان العاص مشركاً ، بيطاراً يعالج الخيل .
وهو من أشد خصوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان يكثر من الإستهزاء به ، ويحارب المسلمين الأوائل .
و(عن ابن عباس : أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يتقاضونه ، فقال : ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا : بلى . قال : فإن موعدكم الآخرة . والله لأوتين مالاً وولداً ، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به ، فقال الله أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا ))( ).
وعن قتادة في قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا أن قريشاً قالوا (يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة ، قال يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ: قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : تهج الساعة بالناس : والرجل يسقي على ماشيته ، والرجل يصلح حوضه ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، والرجل يقيم سلعته في السوق ، قضاء الله لا تأتيكم إلا بغتة)( ).
أي من قضاء الله عز وجل وأسرار الإبتلاء العام في الحياة الدنيا احتمال قيام الساعة في أي وقت وعلى أي أمة وجيل من الناس ، وكأن الساعة مرآة عامة لحال موت الأفراد .
فكما أن الموت قريب من كل إنسان ، ولا يعلم متى يأتيه الأجل ، فان الساعة قريبة من أهل الأرض مجتمعين ، ولا يعلمون بأوانها ، ولكن جعل الله عز وجل لها علامات ، مما يلزم الإستعداد للأخرة وعالم النشور من القبور .
وقد ورد سؤال الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة وقيام القيامة ثلاث مرات في القرآن من بين خمس عشرة مرة للفظ (يسألونك) وهي :
الأولى : قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا.
الثانية : قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا.
الثالثة : قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا.
الموتى يسمعون
أحوال الموتى بعد مفارقتهم الحياة الدنيا من علوم الغيب التي لا يعلمها إلا الله عز وجل ، وأخبر عنها إجمالاً في التنزيل وعلى ألسنة الأنبياء ، إذ وردت النصوص باستدامة الصلة بين أهل الدنيا والذين فارقوا إلى عالم البرزخ ولا تختص هذه الصلة بالأرحام والمعارف بل هي أعم .
فمثلاً إذا قرأ الذي يمر على المقبرة سورة الفاتحة ويهدي ثواب قراءتها لهم فان ثوابها يوزع عليهم جميعاً من يعرفه ومن لا يعرفه ، ومن سبق في موته بمئات السنين .
وهل هذه الصلة من طرف واحد ، فيما يجود به أهل الدنيا على أهل القبور من الصلاة والصوم والحج والصدقة والإستغفار ، المختار لا ، إذ يردون السلام على من يسلم عليهم ، ويفرحون بمن يزورهم .
وهل يحزن الكافر في قبره عندما يتلقى المؤمن الهدايا والإستغفار ، الجواب لا دليل عليه ، فكل الناس في قبورهم عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، ويختص حسابهم بما فعلت أيديهم .
و(عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم ترك قتلى بدر( ) ثلاثا ثم قام عليهم فناداهم .
فقال : يا أبا جهل بن هشام ، يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً.
فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جيفوا.
قال : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في القليب قليب بدر)( ).
وفيه دلالة بأن الأموات مطلقاً عندما يغادرون الدنيا يسمعون الأصوات من حولهم ، لقانون الموت ليس عدماً محضاً.
فاذا كان المشركون يسمعون الكلام بعد موتهم فمن باب الأولوية سماع المؤمنين له .
وهل يحتمل إرادة سماع الموتى لكلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص دون غيره ، الجواب لا ، لذا ورد العموم في لفظ (ان العبد) في الحديث التالي .
عن (أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم .
يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل .
زاد ابن مردويه : الذي كان بين أظهركم الذي يقال له محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قال : فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله.
فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة ، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : فيراهما جميعا)( ).
إنما هو زهوق الروح ، ومغادرتها للبدن ، وانتقال العبد من دار الدنيا إلى عالم البرزخ ، قال تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ.
فذكرت الآية أن الموت مخلوق كما يدل عليه قوله تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فيحضر الموت عند حلول الأجل.
آيات ذكر فيها الموت
من مصاديق قوله تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، البشارة والإنذار في أمور الدنيا ، وعالم مابعد الموت ، فلا يعلم الناس أن الموت انتقال إلى عالم أبدي فيه الحساب ، فنزل القرآن بالإخبار عن عالم الحساب والجزاء ، وجاء البيان والتفسير في أحاديث نبوية كثيرة ، وفي السنة النبوية الفعلية .
وقد ورد ذكر الموت في آيات قرآنية عديدة ، يقتضي عنوان وموضوع هذا الكتاب وهو (قوانين البرزخ) التصدي لتفسير عدد منها ولو على نحو الإختصار ، منها :
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ.
[أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا] ( ).
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ.
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إذا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ.
[وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أو قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ] ( ).
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق.
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
فَلَوْلَا إذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
[كَلَّا إذا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ] ( ).
[إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ] ( ).
[وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ] ( ).
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
[كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ] ( ).
[وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فاذا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ] ( ).
[قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] ( ).
[وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ] ( ).
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.
أحاديث عن ساعة الموت
من خصائص الإنسان انتظار ساعة له تخرج فيها روحه ويغادر معها الدنيا ، ومن مصاديق قانون الإختلاف بين الناس في كيفية قبض الروح التباين في مدة قبض الروح وكيفيته ، فقد تقبض الروح في دقيقة أو ساعة أو ساعات أو يدوم الإحتضار أياماً .
ولا ملازمة بين سرعة قبض الروح والراحة فيه ، فقد يكون قبض روح الكافر سريعاً ولكن بشدة وقسوة من قبل ملك الموت وتبدأ مغادرة الروح الجسد من الأطراف مثل القدمين بالتدرج نحو جهة الرأس .
وهل رأفة ملك الموت من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، الجواب نعم .
فمن منافع مودة وحب أهل البيت ما يتعلق بعالم البرزخ ، ومع أن هذا الحب كيفية نفسانية ليس قولاً أو عملاً فان الله عز وجل يعلمه ويدخله مع صاحبه إلى القبر ، ويأذن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل ملك الموت الرفق به ، ذكراً كان أو أنثى .
(عبيد بن كثير معنعنا ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: يا علي إن فيك مثلا من عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا.
يا علي إنه لا يموت رجل يفتري على عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حتى يؤمن به قبل موته ويقول فيه الحق حيث لا ينفعه ذلك شيئا، وإنك على مثله لا يموت عدوك حتى يراك عند الموت فتكون عليه غيظا وحزنا حتى يقر بالحق من أمرك ويقول فيك الحق، ويقر بولايتك حيث لا ينفعه ذلك شيئا، وأما وليك فإنه يراك عند الموت فتكون له شفيعا ومبشرا وقرة عين) ( ).
(وعن الحارث الاعور قال: قال أتيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم نصف النهار فقال: ما جاء بك ؟ قلت: حبك والله، قال: إن كنت صادقا لتراني في ثلاث مواطن: حيث تبلغ نفسك هذه – وأومأ بيده إلى حنجرته – وعند الصراط، وعند الحوض) ( ).
قال الإمام الصادق عليه السلام (ما من أحد يحضره الموت إلا وكل به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر ويشككه في دينه حتى تخرج نفسه، فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه، فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يموت)( ).
لبيان سعي إبليس لإغواء الإنسان حتى في حال النزع فقد ينفذ من الجزع الذي قد يصيب المحتضر ، لبيان الحاجة إلى تلقينه الشهادتين لطرد إبليس ، ولإتخاذ كلمة التوحيد لباساً وواقية عند دخول القبر ، وشهادة في استقبال الملكين منكر ونكير .
(وقال أمير المؤمنين عليه السلام : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من لد عبد المطلب وهو في السوق وقد وجه لغير القبلة فقال: وجهوه إلى القبلة فانكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة وأقبل الله عزوجل عليه بوجهه، فلم يزل كذلك حتى يقبض)( ).
لبيان موضوعية توجيه المحتضر إلى القبلة ، ومنافع هذا التوجيه للميت إذ تتغشاه رحمة الله ، وتحضر الملائكة ، ويدل هذا الحضور على طرد الشياطين عنه ، لعدم إجتماع الضدين في موضع واحد .
(محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن سالم بن أبي سلمة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حضر رجلا الموت فقيل: يا رسول الله إن فلانا قد حضره الموت .
فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه ناس من أصحابه حتى أتاه وهو مغمى عليه .
فقال : يا ملك الموت كف عن الرجل حتى أسأله ، فأفاق الرجل فقال النبي صلى الله عليه واله: ما رأيت ، قال : رأيت بياضا كثيرا وسوادا كثيرا، فقال: فأيهما كان أقرب إليك ، فقال: السواد .
فقال النبي صلى الله عليه واله : قل: اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك، واقبل مني اليسير من طاعتك، فقال ثم اغمي عليه فقال: يا ملك الموت خفف عنه ساعة حتى أسأله، فأفاق الرجل: فقال ما رأيت ، قال: رأيت بياضا كثيرا وسوادا كثيرا، قال: فأيهما كان أقرب إليك ، فقال، البياض .
فقال رسول الله صلى الله عليه واله: غفر الله لصاحبكم. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا حضرتم ميتا فقولوا له هذا الكلام ليقوله)( ).
لبيان الإتعاظ والإقتباس من مدرسة النبوة والسنة الفعلية والقولية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
قانون ذكر الموت واقية
من خصائص ذكر الموت اجتناب الظلم والطغيان ، وواقية من ارتكاب السيئات ، وإماتة الشهوات ، والسعي لإنصاف الآخرين وحفظ الأمانة ، والإمتناع عن إتباع الهوى ورفقاء السوء .
ويقطع ذكر الموت الطمع عند الإنسان ، ويجعله يرضى بالقليل ، ويغشى الإنسان ذنوبه ففتح الله عز وجل باب التوبة والإستغفار.
ومما يروى من شعر الإمام عليه السلام (
حقيقَ بالتواضُعِ مَنْ يموتُ … ويكفي المرءَ مِنْ دنياهُ قوتُ
فما للمرءِ يصبحُ ذا هُمُوم … وحرصٍ ليس تدركُهُ النعوتُ
صنيعُ مليكِنَا حَسَن جميل … وما أرزاقُهُ عنا تَفُوتُ)( ).
وقال الإمام علي عليه السلام جواباً لمعاوية من الوافر (
محمدٌ النبيّ أخي وصهري … وحمزة سيّد الشهداء عمّي
وجعفرٌ الذي يمسي ويضحي … يطير مع الملائكة ابن أمّي
وبنت محمدٍ سكني وعرسي … مسوطٌ لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمدٍ ولداي منها … فأيّكم له سهمٌ كسهمي؟
سبقتكم إلى الإسلام طرّاً … صغيراً ما بلغت أوان حلمي
فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب، لا يقرأه أهل الشام، فيميلون إلى ابن أبي طالب)( ).
وقوله عليه السلام في جعفر يطير مع الملائكة كل يوم شاهد على الحياة في عالم البرزخ ، والتفاخر في حياة الشهداء فيها بفضل ولطف من عند الله عز وجل .
و(عن أبي صالح الحنفي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وآله في منامي، فشكوت إليه ما لقيت من أمته من الاود واللدد وبكيت ، فقال: لا تبك يا علي والتفت، فالتفت، فإذا رجلان مصفدان، وإذا جلاميد ترضخ بها رؤوسهما .
فقال أبوصالح: فغدوت إليه من الغد كما كنت أغدو كل يوم، حتى إذا كنت في الجزارين لقيت الناس يقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين عليه السلام .
ليلة الشهادة
لقد كان الإمام علي عليه السلام أول الناس إسلاماً ، وقاتل في كل معارك الإسلام وقتل أبطال قريش عندما تحدوا المسلمين للمبارزة فلم يبرز لهم إلا علي عليه السلام .
ففي معركة أحد التي جرت في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة والتي كان فيها المشركون هم الغزاة .
خرج أبو سعد بن أبي طلحة (بَيْنَ الصّفّيْنِ فَنَادَى أَنَا قَاصِمُ مَنْ يُبَارِزُ بَرَازًا ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ أَحَدٌ . فَقَالَ يَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ زَعَمْتُمْ أَنّ قَتَلَاكُمْ فِي الْجَنّةِ وَأَنّ قَتَلَانَا فِي النّارِ كَذَبْتُمْ وَاَللّاتِي لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقّا لَخَرَجَ إلَيّ بَعْضُكُمْ فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ عَلِيّ فَقَتَلَه)( ).
وفي معركة الخندق والتي كان المشركون فيها هم الغزاة أيضاً واضطر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لحفر الخندق ، واقتحم جماعة من جيش المشركين الخندق على رأسهم فارس مضر عمرو بن عبد ود ولقلة عددهم ولشجاعته تقدم ودعا للمبارزة .
وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن ابن إسحاق قال (خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى : من يبارز ، فقام علي بن أبي طالب فقال : أنا لها يا نبي الله فقال : إنه عمرو اجلس ثم نادى عمرو : ألا رجل يبرز ، فجعل يؤنبهم ويقول : أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها ، أفلا تبرزون إلى رجلا .
فقام علي فقال : أنا يا رسول الله : اجلس ثم نادى الثالثة فقال :
ولقد بحت من الندا … ء لجمعهم : هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشجع موقف القرن المناجر
ولذاك إني لم أزل … متسرعا قبل الهزاز
إن الشجاعة في الفتى … والجود من خير الغرائز
قال : فقام علي فقال : يا رسول الله أنا فقال : إنه عمرو فقال : وإن كان عمرا ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه و سلم فمشى إليه حتى أتى وهو يقول :
لا تعجلن فقد أتا … ك مجيب صوتك غير عاجز
في نية وبصيرة … و الصدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقيـ … م عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز
فقال له عمرو : من أنت ؟ قال : أنا علي قال : بن مناف ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب فقال : يا بن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك.
فقال له علي : لكني و الله لا أكره أن أهريق دمك ! فغضب فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبا واستقبله علي بدرقته فضربه عمرو في درقته فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه وضربه علي على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرفنا أن عليا قد قتله فثم يقول علي :
أعلى تقتحم الفوارس هكذا … عني وعنهم أخروا أصحابي
اليوم يمنعني الفرار حفيظتي … ومصمم في الرأس ليس بنابي
إلى أن قال :
عبد الحجارة من سفاهة رأيه … وعبدت رب محمد بصواب)( ).
ومما رزق الله عز وجل الإمام علي عليه السلام علمه في الليلة التي يقتل في صبيحتها شهيداً.
وروى عبيد الله بن موسى، عن الحسن بن دينار، عن الحسن البصري قال: سهر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في الليلة التي قتل في صبيحتها، ولم يخرج إلى المسجد لصلاة الليل على عادته، فقالت له ابنته ام كلثوم رحمة الله عليها : ما هذا الذي قد أسهرك ، فقال : إني مقتول لو قد أصبحت ، وأتاه ابن النباح فآذنه بالصلاة، فمشى غير بعيد ثم رجع، فقالت له ابنته أم كلثوم: مر جعدة فليصل بالناس.
قال : نعم ، مروا جعدة فليصل ، ثم قال : لا مفر من الاجل .
فخرج إلى المسجد وإذا هو بالرجل قد سهل ليلته كلها يرصده.فلما برد السحر نام، فحركه أمير المؤمنين عليه السلام برجله وقال له : الصلاة ، فقام إليه فضربه .
وروي في حديث آخر : أن أمير المؤمنين عليه السلام سهر تلك الليلة ، فأكثر الخروج والنظر في السماء وهو يقول : والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ ، وإنها الليلة التي وعدت بها ، ثم يعاود مضجعه، فلما طلع الفجر شد ازاره وخرج وهو يقول:
أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك .
فلما خرج إلى صحن الدار استقبلته الاوز فصحن في وجهه ، فجعلوا يطردونهن فقال : دعوهن فإنهن نوائح ، ثم خرج فأصيب عليه السلام)( ).
وروي (إنه لما نزل بالحسن بن علي عليه السلام الموت فقال أخرجوا فراشي إلى صحن الدار فأخرج فقال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإني لم أصب بمثلها .
و روي أنه لما حضرت الحسن بن علي عليه السلام الوفاة كأنه جزع عند الموت فقال له الحسين عليه السلام كأنه يعزيه يا أخي ما هذا الجزع إنك ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وهما أبواك ، وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك ، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك ، وعلى حمزة وجعفر وهما عماك .
فقال له الحسن عليه السلام : أي أخي إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط قال فبكى الحسين)( ).
و(عن عدي بن حاتم قال : قلت للنبي صلى الله عليه و سلم كان أبي يطعم المساكين ويعتق الرقاب فهل له في ذلك خير ، قال : التمس أبوك أمرا فأصابه)( ).
عذاب القبر على الزنِا
الزنا فعل قبيح جاءت الشرائع السماوي بتحريمه والزجر عنه وهو في اصطلاح علم الكلام : إدخال فرج في فرج محبوب طبعاً محرم شرعاً ، وقال تعالى وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا.
ومن خصائص عالم القبر مساءلة منكر ونكير الإنسان في قبره على أعماله ، ومنها القبر ، مع العذاب الإبتدائي عليه إذ ورد في مناهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (قال : ألا ومن زنى بامرءة مسلمة أو يهودية أو مجوسية، حرة أو أمة، ثم لم يتب ومات مصرا عليه، فتح الله له في قبره ثلاث مائة باب تخرج منه حيات وعقارب وثعبان النار، فهو يحترق إلى يوم القيامة .
فإذا بعث من قبره تأذى الناس من نتن ريحه، فيعرف بذلك، وبما كان يعمل في دار الدنيا، حتى يؤمر به إلى النار. وإن الله حرم الحرام، وحد الحدود، وما أحد أغير من الله، ومن غيرته حرم الفواحش)( ).
لبيان أن عقوبة الزنا تظهر بعلامات على الإنسان يوم القيامة فيعلم أهل المحشر من نتن رائحته أنه من الزناة في الدنيا ممن لم يبادر إلى التوبة والإستغفار ، ولبيان قانون عذاب البرزخ لا يسقط عذاب يوم القيامة .
وقد أسس القرآن نظام الملاعنة بين الزوجين عند إدعاء الزوج رؤية زوجته تزني وليس عنده بينة أي شهود أربعة يرون الميل في المُكحُلة ، قال تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
في المقام مسائل :
الأولى : لماذا التباين بين لعنة الله على الزوج إن كان كاذباً فيما يدعيه من رؤيته لأمرأته وهي تزني ، وغضبه تعالى على المرأة الكاذبة في الملاعنة.
وأيهما أشد إذ قال تعالى وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وفي المرأة قال تعالى وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ،
اللعن أم الغضب ، الجواب الغضب هو أشد وضده الرضا ، أما اللعن في الإصطلاح فهو الطرد من رحمة الله .
ولم يرد لفظ (الخامسة) في القرآن إلا في هاتين الآيتين .
والزنا من أقبح الجرائم ، وكل الأديان جاءت بالنهي عنه ، ويرفضه العقل ، وفيه عدوان على المجتمع ، وهو سبب لإختلاط الإنساب ، قال تعالى وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا.
والنصوص في شدة عذاب الزاني والزانية في الآخرة متواترة ومستفيضة.
وجاء الإسلام بمنع مقدمات الفاحشة إذ ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (فما من رجل خلا بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)( ).
والجواب أن الرجل نادراً ما يكذب ويفتري على أهله وزوجته ، واثمه ان كان كاذباً في الكذب واليمين.
أما المرأة فانها إذا زنت وحلفت بالله كذباً ظلمت نفسها وأهلها واساءت للمجتمع ، وأشاعت الرذيلة ، وعملت على اختلاط المياه والأنساب .
وجاء العلم الحديث بتحليل D.N.N لتحليل الشفرة الوراثية وفيه تحديد للذرية والنسب لفضح الزناة ، مما يلزم الإحتراز من الزنا من قبل الرجال والنساء .
وبعد الملاعنة ليس من حد وإن ثبت الزنا ، ولكن يفرق بينهما مؤبداً ، كما في قصة عويمر بن الحارث .
وقول النبي (ص) لولا كتاب سبق من الله عز وجل لكان لنا معها شأن ، والمراد من الكتاب قوله تعالى [وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ].
وقد ذكرته تفصيلاً في الجزء الرابع عشر من كتابي الموسوم (دار السلام في شرائع الإسلام) المسجل بدار الكتب والوثائق في بغداد برقم 483 في 16/10/2001 وهو تدريسي لكتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام على طلبة الحوزة العلمية قبل أكثر من ثلاثين سنة والحمد لله .
ولابد في الملاعنة من كذب أحد الزوجين ، فهل يحاسب على هذا الكذب في عالم البرزخ ، الجواب نعم سواء كان الزوج أو الزوجة .
ولو اجتهد في الدعاء والإستغفار بعد الملاعنة ، وأظهر الندم والتوبة فهل ينجو من عذاب القبر على نحو الموجبة الكلية أو الموجبة الجزئية وبخصوص موضوع الكذب في الملاعنة ، المختار نعم ، والعلم عند الله.
سليمان (ع) وملك الموت
سليمان بن داود نبي من أنبياء بني إسرائيل ، ورث عن أبيه النبوة والملك والزهد والخشوع لله عز وجل ، ولم يختص ملكه بالإنس بل شمل الجن والطير ، قال تعالى وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ.
وسخر الله عز وجل معه الريح ولم تمنع هذه النعم العظيمة من دنو الموت منه ، إذ عاش نيفاً وخمسين سنة ، وقيل كان ملكه أربعين سنة .
و(عن الحسين بن خالد( )، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد عليهم السلام قال: إن سليمان بن داود عليه السلام قال ذات يوم لاصحابه: إن الله تبارك وتعالى قد وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، سخر لي الريح والانس و الجن والطير والوحوش، وعلمني منطق الطير .
وآتاني من كل شئ، ومع جميع ما أوتيت من الملك ما تم لي سرور يوم إلى الليل، وقد أحببت أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي فلا تأذنوا لاحد علي لئلا يرد علي ما ينغص علي يومي.
أي أنه سأل حاشيته ورجاله أن ينفرد بنفسه يوماً كاملاً يكون فيه مسروراً إلى الليل من غير شكاوى وخصومات يعرضها الناس عليه ، ومنغصات العيال .
قالوا: نعم، فلما كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره، ووقف متكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه مسرورا بما أوتي فرحا بما أعطي إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره.
فلما بصر به سليمان عليه السلام قال له: من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم ، فبإذن من دخلت ؟ فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربه وبإذنه دخلت.
فقال: ربه أحق به مني، فمن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت، قال: وفيما جئت .
قال: جئت لاقبض روحك، قال: امض لما أمرت به فهذا يوم سروري، وأبى الله عزوجل أن يكون لي سرور دون لقائه، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه.
فبقي سليمان عليه السلام متكئا على عصاه وهو ميت ما شاء الله والناس ينظرون إليه وهم يقدرون أنه حي فافتتنوا فيه واختلفوا فمنهم من قال: إن سليمان عليه السلام قد بقي متكئا على عصاه هذه الايام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب، إنه لربنا الذي يجب علينا أن نعبده.
وقال قوم: إن سليمان عليه السلام ساحر وإنه يرينا أنه واقف متكئ على عصاه، يسحر أعيننا وليس كذلك .
فقال المؤمنون : إن سليمان هو عبد الله ونبيه يدبر الله أمره بما شاء .
فلما اختلفوا بعث الله عزوجل الارضة فدبت في عصاه، فلما أكلت جوفها انكسرت العصا وخر سليمان عليه السلام من قصره على وجهه، فشكرت الجن للأرضة صنيعها .
فلاجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلا وعندها ماء وطين، وذلك قول الله عزوجل فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ يعني عصاه ، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين)( ).
حمّى ليلة والموت
الحمى والسخونة هي ارتفاع درجة حرارة الجسم فوق الحالة العادية والطبيعية وهي ليست مرضاً ولكنها تترشح عن أمراض متعددة ، والتهاب في الجسم ، وتكون مقدمة لأمراض أخرى ، خاصة عند استمرارها عند الصغار والكبار .
وقد جاءت السنة النبوية بالتحذير من الحمى وأسبابها ، وأخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن ضررها وأنها قد تؤدي إلى الموت بذاتها أو عند مضاعفاتها مع بيانه لما فيها من الأجر والثواب في دعوة للمؤمنين للصبر والدعاء .
فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السّلام (عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : الحمى رائد الموت ، وسجن الله في أرضه ، وفورها من جهنم ، وهي حظ كل مؤمن من النار)( ).
ومثله ورد (عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمى حظ كل مؤمن من النار ، وحمى ليلة يكفر خطايا سنة مجرمة)( ).
أي أن الحمى تكفير لخطايا المؤمن ، وواقية له من النار ، وذهب مجاهد إلى القول بأنها مصداق قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا، فمن حُمَّ من المسلمين فقد وردها .
ولا دليل عليه وهو خلاف الظاهر والمتبادر من سياق الآية أعلاه .
و(عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال : نعم الوجع الحمّى ، يصيب ويعطي كل عضو قسطاً من البلاء، ولا خير فيمن لا يبتلى به).
و(عن الرّضا عليه السّلام قال : المرض للمؤمن تطهير ورحمة ، وللكافر تعذيب ولعنة ، وإن المرض لا يزال بالمؤمن حتى ما يكون عليه ذنب)( ).
وعن أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام (قال : كان فيما ناجى به موسى عليه السلام ربه أن قال : يا رب علمني ما بلغ من عيادة المريض من الأجر ، قال الله تعالى : أوكّل به ملكاً يعوده في قبره إلى محشره)( ).
وهذا الملك غير منكر ونكير ، إنما يأتي زائراً ، وهل هو ذات الملك يزور في القبر كل من عاد مريضاً في حياته ، المختار لا .
وهل يشترط قصد القربة في عيادتك للمريض ، الجواب لا ، لأصالة الإطلاق في الحديث ، ولكن في ضم قصد القربة إلى الله لعبادة المريض أجر وثواب إضافي .
ويدل الحديث على زيارة الملائكة للمؤمن في قبره لعمله الصالحات .
وعن (ابن عباس في خطبة طويلة لرسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيها : ومن عاد مريضا فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله سبعون الف الف حسنة ، ويمحى عنه سبعون الف الف سيئة ، ويرفع له سبعون الف الف درجة ، ووكل به سبعون الف الف ملك يعودونه في قبره ، ويستغفرون له إلى يوم القيامة)( ).
لبيان زيارة الملائكة للمؤمن في قبره ، وعيادتهم له وكأنه مريض ويستمرون بالإستغفار له الى يوم القيامة .
قال موسى (يا ربِّ ، ما لمن غسل الموتى ، قال : اغسله من ذنوبه كما ولدته أمه ، قال : يا ربِّ ، فما لمن شيع الجنازة ، قال : أوكّل به ملائكة من ملائكتي معهم رايات يشيعونهم من قبورهم إلى محشرهم.
قال : يا ربِّ ، فما لمن عزى الثكلى ، قال : أظله في ظلي يوم لا ظل إلاّ ظلي)( ).
سؤال النجاة من الخزي في الآخرة
قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أول الآية الثانية والتسعين بعد المائة من سورة آل عمران ، وتمام الآية هو رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.
ومن فضل الله عز وجل علينا صدور الجزء الخمسين بعد المائتين من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن) خاصاً بتفسير هذه الآية ، وكله تأويل واستنباط للمسائل والعلوم من ذات الآية الكريمة كما يتضمن (145) قانوناً .
وتدل الآية في مفهومها على أمور :
الأول : إقرار المسلمين بالربوبية المطلقة لله عز وجل ، إذ ينادون الله عز وجل مجتمعين ومتفرقين (ربنا) وهو مصداق للعبودية ، وباب للإستجابة .
الثاني : إقرار المسلمين باليوم الآخر والمعاد ، وهو من أصول الدين ، وأن الله عز وجل خلق الجنة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ، وخلق النار للذين كفروا ، وقد تتضمن آية قرآنية واحدة البشارة بالجنة ، والوعيد بالنار ، ومنها قوله تعالى فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ )( ) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ.
لبيان التناقض بين الجنة والنار وأن الإنسان لابد وأن يدخل إحداهما بعمله.
الثالث : حساب الناس يوم القيامة بيد الله عز وجل ، وليس للملائكة ومنهم خزنة النار إدخال إنسان إلى النار إلى بأمر من عند الله.
وهل النسبة بين الجنة والنار هي التناقض أم التضاد ، والفرق بين التناقض والتضاد .
أن التناقض بين شيئين لا يجتمعان ولا يرتفعان مثل الإيمان والكفر ، والصيام والإفطار ، والصحة والمرض ، أما التضاد هو النسبة بين شيئين لا يجتمعان .
وقد يرتفعان مثل اللون الأبيض والأسود ، إذ يرتفعان باللون الأزرق ، والغنى والفقر لا يجتمعان ولكنهما يرتفعان بمتوسط الحال ، ومثل القيام والقعود يرتفعان بالإضطجاع .
إذ تقسم النسبة بين شيئين إلى أربعة أقسام :
الأول : تناقض .
الثاني : تباين مثل إنسان وحجر .
الثالث : تضاد .
الرابع : تماثل .
مصاديق قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
الرابع : تسليم المسلمين بأن الموت انتقال إلى عالم آخر عالم الحساب والجزاء .
الخامس : حاجة المسلمين وكل الناس للدعاء للنجاة من الخزي يوم القيامة ، ومبادرة المسلمين لهذا الدعاء فهم الأئمة في الدعاء لأمور الدنيا والآخرة ، وتفضل الله عز وجل فجعل هذا الدعاء في آيات قرآنية ، وهو من بركات آيات القرآن ، ومنه ثواب تلاوة كل حرف من القرآن .
السادس : إدراك المسلمين شدة عذاب النار وبه نزل القرآن ، ويتجلى بحضور الحساب والجزاء يوم القيامة في الوجود الذهني للمسلمين بتلاوة كل واحد منهم القرآن على نحو الوجوب العيني خمس مرات في الصلاة كل يوم .
وجاءت السنة النبوية بوصف شدة لهيب النار ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها)( ).
(في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل مصر في وصف النار : قعرها بعيد، وحرها شديد، وشرابها صديد ، وعذابها جديد، ومقامعها حديد، لا يفتر عذابها، ولا يموت ساكنها، دار ليس فيها رحمة ،ولا تسمع لاهلها دعوة)( ).
السابع : حال الإستحياء والخضوع والمسكنة التي يتصف بها المسلمون بالتوسل والتضرع إلى الله عز وجل لإنقاذهم من الخزي بين الخلائق يوم القيامة .
الثامن : قانون الدعاء وسيلة للنجاة من الخزي يوم القيامة.
التاسع : بيان قانون الملازمة بين دخول النار والخزي بين الخلائق ، فاذا كان عذاب الكافر في القبر لا تطلع عليه الخلائق ، فان أهل المحشر يرون الخزي الذي يلحقه بسوق الملائكة له إلى النار .
والنسبة بين أهل النار والظالمين العموم والخصوص المطلق ، فأهل النار أعم من الظالمين ، نعم من الظالمين من تدركه الشفاعة ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) .
ترى لماذا قيد النبي محمد شفاعته لخصوص أمته ، الجواب لأن الذي يشرك بالله لا تناله المغفرة لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا.
الإستجارة حاجة
هل من موضوع للإستجارة في قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، الجواب نعم ، فذات النداء (ربنا) لجوء واستجارة بالله من أمور الدنيا والآخرة ، أما التي في الدنيا فالإستجارة واقية إرتكاب المعاصي وما يؤدي إلى دخول النار ، وأما في الآخرة فمن جهات :
الأولى : فتنة القبر ، وعذاب البرزخ ، الذي يترشح عن الكفر ، وعمل السيئات في الدنيا .
الثانية : خوف ورعب الكفار والظالمين واقترانه بالجوع والعطش في مواطن يوم القيامة ، ومقداره خمسون ألف سنة ، إذ قال تعالى وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إنَّ اللّهَ لَيُهَوِّنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى المُؤْمِنِ ، حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ أَخَفَّ مِنْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلاَّهَا فِي الدُّنْيَا)( ).
الثالثة : لا يستمر الحساب إلى آخر يوم القيامة فلا يأتي وسط النهار إلا وقد فرغ من الحساب ، قال تعالى َوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا.
ولا يستمر الحساب إلى آخر يوم القيامة فلا يأتي وسط النهار إلا وقد فرغ من الحساب ، قال تعالى َوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا.
الدعاء الجماعي
قد ورد كل من النداء (ربي) والنداء الجماعي (ربنا) أكثر من تسعين مرة في القرآن ، والأخير أكثر لبيان موضوعية النداء الجماعي في حياة الأنبياء والمسلمين إلى يوم القيامة .
ويكون النداء الجماعي على وجوه :
الأول : يدعو واحد ويؤمن الآخرون .
الثاني : يدعو الفرد بارادة الجماعة ، ونية اشراكهم في الدعاء .
الثالث : دعاء الجماعة بصوت واحد .
الرابع : يدعو أحدهم ويكرر الآخرون بعده سواء بقصد التلقين والتعليم أو مطلقاً ، ومنه ما يقع في مناسك الحج .
وفيه دعوة للمسلمين للتعاون والتآزر في سبل الصلاح التي تنقذهم من دخول النار ، ومن الخزي في عالم البرزخ ويوم القيامة وهو من مصاديق قوله تعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وهل يبعث الحديث الوارد عن (النبي صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسَّهر)( ) تعاون المسلمين بالدعاء الخاص والجماعي لإخوتهم الذين يموتون وأهل عالم البرزخ بالدعاء واهداء العبادات والصدقة ، أم أن القدر المتيقن من الحديث هو المفاعلة بين طرفين ، فكل طرف يتواد ويرحم الطرف الآخر ، وكلاهما من أهل الدنيا.
الجواب هو الثاني ، ولا مانع من إلحاق الأول به لحاجة أهل البرزخ إلى الدعاء ، والإستغفار والهدية .
وقال الإمام الصادق عليه السلام (إن الميت ليفرح بالترحم عليه والاستغفار له كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه)( ).
وفي إخبار عن الحياة في عالم البرزخ بان الميت ترد له الروح ليتلقى البلاغ بوصول هدية له مع ماهية هذه وذكر الذي أهداها له .
وفي هذا التعاون صلاح للمجتمعات ، واستحضار لعالم الآخرة ، وإدراك قربه إذ يبدأ من حين دخول الإنسان القبر .
وقال الزمخشري (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات فقد قامت قيامته) أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة)( ).
ولكن المراد من الحديث ابتداء عالم الحساب بلا عمل من حيث دخول الميت القبر ، ومجئ الملكين منكر ونكير لمساءلته على نحو الإبتداء والمقدمة لحساب الآخرة ، وما يصيب الكافر من عذاب القبر مدة عالم البرزخ ، قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
ومن الآيات التباين الكبير في مدة دخول البرزخ بآلاف السنين بين الأجيال الأولى للناس ابتداء من أيام آدم عليه السلام ، والأجيال الأخيرة التي تسبق النفخ في الصور .
ليكون من تقدير قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، أي أدعوني فرادى وجماعات استجب لكم .
وأيهما أقرب للإستجابة الدعاء الفردي أم دعاء الجماعة مشتركين ، الجواب هو الثاني .
قانون الوعد بالجزاء
من مصاديق قوله تعالى َاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ حفظ الله عز وجل للصالحات التي يعملها العبد وهذا الحفظ أعم من التوثيق والإحصاء ، فهو حفظ جزاء وثواب منه حضور الصالحات التي عملها الإنسان عند دخوله القبر .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى الجواب نعم .
وفيه دعوة للمسلمين والمسلمات للإجتهاد في طاعة الله ، واكتناز الحسنات ، لدلالة الآية الكريمة على حضورها يوم القيامة وصيرورتها واقية من الخزي يومئذ .
وهل تحضر الآية أعلاه وما فيها من الوعد الإلهي في عالم البرزخ وسؤال منكر ونكير ، الجواب نعم ، لبيان سعة وكثرة الجزاء والثواب على العمل العبادي .
لتكون مصاديق قوله تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، على وجوه محتملة :
الأول : عشرة أمثال الحسنة في الدنيا .
الثاني : عشرة أمثال الحسنة في عالم البرزخ .
الثالث : عشرة أفعالها يوم القيامة .
الرابع : مجموع الجزاء في الدنيا والآخرة عشرة أمثال الحسنة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من فضل الله ، وفي الآخرة لا يعلم عظيم الجزاء على الحسنة إلا الله عز وجل .
ومنه الأمن من الفزع الأكبر لقوله تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ.
(روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنه قال : إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ، ويأخذها بيمينه ، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره وفصيله ، حتى تصير اللقمة مثل جبل أحد ، وتصديق ذلك في كتاب الله [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ] ( ) وأن الله يقبل التوبة ويأخذ الصدقات)( ).
النداء إلى القتلى
لقد جعل الله عز وجل سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدرسة للأجيال ، وجامعة لأمور الدين والدنيا .
ومن خصائصها قانون السنة النبوية برزخ دون اختلاف المسلمين منها أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخطاباته للأحياء والأموات ، وما في هذه الخطابات من الحكمة والموعظة .
ومن خطابات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للموتى والقتلى ما وقع في معركة بدر التي وقعت في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، إذ ابتدأ مشركو قريش القتال فيها ، ولم تستمر إلا يوماً واحداً فيسقط عندها سبعون قتيلاً من رجالات قريش ، فيسحبون إلى القليب ، ويخاطبهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (بعد ثلاث ليال : وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من آخر الليل.
فقال : يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ، فإني قد وجدت ما وعدني ربى حقا)( ).
لبيان نزول عذاب البرزخ في الذين حاربوا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين كمصداق لآيات الإنذار والوعيد لهم والتي نزلت في مكة ، أما ما وعد الله عز وجل النبي محمداً من النصر فهو في معركة بدر من غير رجحان العدو أو العدة ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
قال الواقدي وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم (على أهل القليب فناداهم رجلا رجلا : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا ، بئس القوم كنتم لنبيكم ، كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس .
فقالوا : يا رسول الله أتنادي قوما قد ماتوا ، فقال: لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق)( ).
قتلى القليب في ديوان الشعر
لقد جاء شعر حسان بن ثابت لتبكيت الذين كفروا بلغة الشعر التي كانت سائدة عند العرب ، وتهنئة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر يوم بدر.
ومن شعره توثيق مخاطبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحاب القليب يوم بدر إذ قال في قصيدة طويلة (
فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا … وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ
وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ … ذَوِي حَسَبٍ إذَا نُسِبُوا حَسِيبِ
يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللّهِ لَمّا … قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ
أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقّا … وَأَمْرُ اللّهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ
فَمَا نَطَقُوا ، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا … صَدَقْتَ وَكُنْتَ ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ)( ).
وهذا الشعر من الإستثناء الوارد في تنزه أهل الإيمان من الذم الذي يلحق شعراء أهل الكفر والضلالة الذين قال الله عز وجل فيهم وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، والإستثناء هو إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا.
و(عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟ فقال : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه – والذي نفسي بيده – لكأنما بوجههم مثل نضج النبل)( ).
وعلى الجانب الآخر رثت بعض نساء قريش أهل القليب إذ قالت صفية بنت مسافر (
أَلَا يَا مَنْ لِعَيْنٍ لِلتّ … بَكّي دَمْعُهَا فَانِ
كَغَرْبَيْ دَالِجٍ يَسْقَى … خِلَالَ الْغَيّثِ الدّانِ
وَمَا لَيْثُ غَرِيفٍ ذُو … أَظَافِيرَ وَأَسْنَانِ
وأَبُو شِبْلَيْنِ وَثّابٌ … شَدِيدُ الْبَطْشِ غَرْثَانِ
كَحِبّي إذْ تَوَلّى و … أَلْوَانِ
وَبِالْكَفّ حُسَامٌ صَا … رِمٍ أَبْيَضُ ذُكْرَانِ
وَأَنْتَ الطّاعِنُ النّجْلَا … ءِ مِنْهَا مُزْبِدٌ آنِ)( ).
وفي رثاء النساء لهم شاهد على النقص في رجالهم ، والإرباك والكبت الذي أصابهم .
لقد انشغلت قريش بالمصائب التي أصابتهم يوم بدر بكثرة القتلى والأسرى منهم ، والأموال والإبل والخيل ، وكانت نساؤهم ترثي قتلاهم ، ولا ينفعهم هذا الرثاء .
بينما تثني نساء المسلمين على الشهداء ويعلن التفاخر بهم ، إذ قالت هند بنت أثاثة بن عباد ترثي عبيدة بنت الحارث بن المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أمره رسول الله بالخروج للمبارزة هو والإمام علي وحمزة بن عبد المطلب عليهما السلام ، إذ قالت (
لَقَدْ ضُمّنَ الصّفْرَاءُ مَجْدًا وَسُؤْدُدًا … وَحِلْمًا أَصِيلًا وَافِرَ اللّبّ وَالْعَقْلِ
عُبَيْدَةَ فَابْكِيهِ لِأَضْيَافِ غُرْبَةٍ … وَأَرْمَلَة تَهْوِي لِأَشْعَثَ كَالْجِذْلِ
وَبَكّيهِ لِلْأَقْوَامِ فِي كُلّ شَتْوَةٍ … إذَا احْمَرّ آفَاقُ السّمَاءِ مِنْ الْمَحْلِ
وَبَكّيهِ لِلْأَيْتَامِ وَالرّيحُ زَفْزَةٌ … وَتَشْبِيبُ قِدْرٍ طَالَمَا أَزْبَدَتْ تَغْلِي
فَإِنْ تُصْبِحُ النّيرَانَ قَدْ مَاتَ ضَوْءُهَا … فَقَدْ كَانَ يُذْكِيهِنّ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ
لِطَارِقِ لَيْلٍ أَوْ لِمُلْتَمِسِ الْقِرَى … وَمُسْتَنْبَحٍ أَضْحَى لَدَيْهِ عَلَى رَسْلِ)( ).
سيماء السجود
المقصود من سيماء السجود أعم من علامة السجود التي تظهر على جبهة المصلي من كثرة السجود بل حال الخشوع والخضوع لله ، وحسن السمت ، والتواضع .
وعن الإمام علي عليه السلام (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ عنى بذلك صفرة وجوههم من سهر الليل)( ).
وهل يرى منكر ونكير هذه السيماء في المؤمن ، والمؤمنة عند المساءلة في القبر ، المختار نعم .
وتبقى هذه السيماء مصاحبة لهما حتى بعد البعث من القبور ، لبيان فضل الصلاة ومنافعها في النشأتين ، وموضوعية السجود في بياض الوجوه يوم القيامة ، بحيث يعرفهم الملائكة وأهل المحشر .
و(عن أُبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال : النور يوم القيامة)( ).
وفي ذم الكفار قال تعالى وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا.
و(حديث أنس أن رجلا قال : يا رسول الله الذين يحشرون على وجوههم أيحشر الكافر على وجهه.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)( ).
الحكم لله يوم القيامة
ليس للملائكة أو الأنبياء ادخال إنسان في النار إنما هو جزاء وحكم يختص به الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وإنفراد الله عز وجل بادخال الإنسان النار رحمة بالعباد .
ومنها نزول العفو عن كثير ممن يستحق دخولها من الظالمين والفاسقين والفاسدين ، ومنها فتح الله عز وجل لباب الشفاعة للأنبياء والصديقين لمنع دخول فريق ممن استحق دخول النار ، كما ويشفعون لإخراج فريق آخر ممن دخلها ، وفي التنزيل مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ.
ويتفضل الله عز وجل ويخرج أناساً كثيرين من النار برحمة منه ومن غير شفاعة أحد .
وانكر المعتزلة الشفاعة لمن استحق النار ، وكذا انكروا الشفاعة لمن دخل النار ، لصبغة الخلود فيها ولكن الأحاديث المتواترة تبطل قولهم ، ومنه حديث الشفاعة الطويل.
عن (أبي سعيد الخدري : ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : دحض مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخذوش مرسل ومكدوس في نار جهنم .
حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار .
يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون .
فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه .
ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار( ) من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا.
ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجوا( ) فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا .
وكان أبو سعيد يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا فيقول الله تعالى : شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمماً)( ).
وهل يعلم الذين كفروا وهم في عالم البرزخ بالجسر الذي يضرب على جهنم وحرمانهم من الشفاعة ، المختار نعم ، وهو من مصاديق مساءلة منكر ونكير ، وعمومات قوله تعالى في حال آل فرعون في عالم البرزخ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
المواساة عند المصيبة
مما يلتقي به الناس في أجيالهم المتعاقبة التعزية عند الموت ، فمع اختلاف المشارب والمذاهب والملل فان الناس يقومون بتعزية صاحب المصيبة الذي فقد عزيزاً عليه مع الإختلاف العرفي في كيفية التعزية وفي هذا الزمان طرأت التعزية بالهاتف ونحوها ، وقد لا تجزي عرفاً خاصة في صلة الأرحام وتقارب السكن وانتفاء الموانع من الحضور ، نعم كل تعزية تخفيف عن صاحب المصيبة ، وتلاوة القرآن عند التعزية .
(عن جعفر ابن محمد ، عن أبيه عليهما السلام : أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : من عزّى مصاباً كان له مثل أجره ، من غير ان ينقص من أجر المصاب شيء)( ).
وظاهر الحديث الإطلاق في ماهية وكيفية التعزية ولو بالهاتف والرسائل.
وعزى الصادق عليه السلام (رجلا بابن له فقال: الله خير لابنك منك وثواب الله خير لك من ابنك ، فلما بلغه جزعه بعد عاد إليه فقال: له قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله فما لك به أسوة .
فقال: إنه كان مرهقا فقال : إن أمامه ثلاث خصال : شهادة أن لا إله إلا الله، ورحمة الله ، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلن تفوته واحدة منهن إن شاء الله)( ).
ووردت الأحاديث النبوية بالترغيب بالتعزية وبيان ما فيها من الثواب .
و(عن عمرِو بْنِ حَزْمٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلاَّ كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْم القِيَامَةِ)( ).
والنسبة بين المصيبة في الحديث أعلاه وبين الموت عموم وخصوص مطلق ، فالمصيبة أعم ، لبيان تجلي مصاديق الأحخوة والتآلف بين المسلمين ورجاء الأجر والثواب .
وقد ورد ذكر [مُصِيبَةُ الْمَوْتِ] مرة في القرآن بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ.
ذكر الله حرز في البرزخ
لقد أمر الله عز وجل الناس بعبادته ، وهذه العبادة هي علة خلقهم وخلق الجن أيضاً ، ومن العبادة ذكر الله عز وجل .
ومن الإعجاز الموضوعي ورود اذْكُرُوا اللَّهَ ثماني مرات فيه ، وكلها خطاب وأمر للمسلمين والمسلمات يتضمن صيغة الوجوب ، مع الإكثار من الذكر ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا.
ليكون هذا الذكر واقية وحرزاً وأمناً في القبر ويوم القيامة .
والنسبة بين ذكر الله وبين الدعاء عموم وخصوص مطلق ، فالذكر أعم ، وذات الدعاء ذكر لله فجاءت آية السياق بذكر المؤمنين لله عز وجل على كل حال من القيام والقعود والإستلقاء ، لا يوقفهم عن الذكر إلا النوم الذي يستقبلونه بالذكر والتسبيح ، وحالما يفارقهم النوم يلجأون إلى الذكر والدعاء ليجدوا الإستجابة والأجر والثواب من عند الله عز وجل .
وقال رجل (يا رسول الله، ذهب أهل الدثور( ) بالأجور ، فقال : أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركب بعضها على بعض أكان يبلغ السماء ، أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء .
قال : ما هو يا رسول الله ، قال : تقول : لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله ، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء)( ).
ومن لطف الله عز وجل بالناس أنه أمرهم بذكره ، ووعدهم بالإحسان والثواب على هذا االذكر ويحمل الذكر في قوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، على الوجوب لترغيب الناس بذكر الله ، ونزول الرزق الكريم والثواب عليهم .
ومن خصائص ذكر الله أنه باعث على العمل في طاعة الله ، وهو حصانة من ارتكاب المعاصي ، وفي التنزيل وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ.
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ يقول : اذكروني يا معاشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي)( ).
لبيان أن الذكر في الآية أعلاه أعم من الذكر باللسان والقول ، إنما يشمل اتيان الفرائض والواجبات العبادية ، وهي أعم من الدعاء ومقدمة لإستجابة الدعاء ، وباب لنزول الفضل الإلهي ، وواقية في عالم البرزخ ويوم القيامة.
(أن قوله تعالى [النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا] وقوله أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا يدل على أن الانسان حي بعد الموت .
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الانبياء لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار) ( ).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران) ( ).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم (من مات فقد قامت قيامته)( ).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (في خطبة طويلة له : حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول: يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حله ومن غير حله فالمهنأ لغيري والتبعة على ، فاحذروا مثل ما حل بي)( ).
التضاد في الآخرة
من اللطف الإلهي اشتراك المؤمنين في الأجيال المتعاقبة ومن أيام آدم وإلى يوم القيامة بالأجر والثواب .
وموضوع التضاد هو الإيمان وضده الكفر ، إذ تبدأ رشحات التباين بين المؤمن والكافر من حين ساعة الإحتضار وقبض ملك الموت وأعوانه الروح ، فيقبض روح المؤمن بلطف ورفق بخلاف قبضة روح الكافر .
ويشترك الذين كفروا من قابيل بن آدم الذي قتل أخاه ، وإلى يوم القيامة بأمرين :
الأول : المتاع القليل في الدنيا .
الثاني : العذاب الأليم في الآخرة ، قال تعالى في ذم الذين كفروا وكثرة أسفارهم مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
ليكون الفراق الحقيقي والأبدي بين الناس يوم القيامة ، إذ ينقسم الناس قهراً عليهم إلى قسمين متضادين في الجزاء ، قال تعالى وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا وقال تعالى [وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا] ( ).
ومن آيات عالم الآخرة أنه مع التضاد والتباين بين أهل الجنة وأهل النار ، وشدة حرارة النار ، فأنه يجري حوار بين الفريقين ، قال تعالى وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ.
وورد بسند ضعيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إن اناساً من أهل الجنة يتطلعون إلى أناس من أهل النار فيقولون : بم دخلتم النار ، فوالله مادخلنا الجنة إلا بتعليمكم؟! فيقولون : إنا كنا نقول ولا نفعل)( ).
ترى كيف يكون الحديث بين أهل الجنة والنار مع الإحساس بلهيب النار من مسافة بعيدة ، الجواب من وجوه :
الأول : لا يصيب حر النار أهل الجنة وإن أشرفوا عليها ، قال تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا.
الثاني : طوي المسافات بين أهل الجنة والنار فيسمع بعضهم حديث بعض .
الثالث : كيفيات متعددة بفضل الله للحجة على أهل النار ، وليشكر المؤمنون الذين عملوا الصالحات الله عز وجل لذا ورد قوله تعالى وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الرابع : هذا الحديث والحوار من مصاديق إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الخامس : سؤال أهل الجنة الله عز وجل برؤية أهل النار والحديث معهم ، والإحتجاج عليهم .
موضع قتل هابيل
لقد ذكرت قصة قتل قابيل بن آدم لأخيه هابيل في القرآن كأول جناية قتل وسفك دماء بغير حق في الأرض حسداً وبتحريض من الشيطان وذكرا في القرآن بصفة ابني آدم بقوله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
وذكرا في العهد القديم بالاسم ومنه (4: 1 و عرف ادم حواء امراته فحبلت وولدت قايين وقالت اقتنيت رجلا من عند الرب.
4: 2 ثم عادت فولدت اخاه هابيل وكان هابيل راعيا للغنم وكان قايين عاملا في الارض .
4: 3 وحدث من بعد ايام ان قايين قدم من اثمار الارض قربانا للرب.
4: 4 وقدم هابيل ايضا من ابكار غنمه ومن سمانها فنظر الرب الى هابيل وقربانه .
4: 5 ولكن الى قايين وقربانه لم ينظر فاغتاظ قايين جدا وسقط وجهه)( ).
وورد في انجيل لوقا (11: 50 لكي يطلب من هذا الجيل دم جميع الانبياء المهرق منذ انشاء العالم.
11: 51 من دم هابيل الى دم زكريا الذي اهلك بين المذبح و البيت نعم اقول لكم انه يطلب من هذا الجيل)( ).
وكان لهابيل يوم قُتِل عشرون سنة ، وفي مصرعه وموضع قتله وجوه :
الأول : أخرج ابن عساكر عن الإمام علي عليه السلام (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بدمشق جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه)( ).
الثاني : قال ابن عباس : على جبل نود .
الثالث : قال بعضهم : عند عقبة حرّا.
الرابع : حكى محمد بن جرير وقال جعفر الصادق : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم فلما قتله بالعراء لم يدر ما يصنع به ،لأنه كان أوّل ميّت على وجه الأرض من بني آدم فقصده السباع ، فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعلقت به الطير والسباع تنظر متى يرمي به فتأكله)( ).
والمختار هو الأخير.
وبتأريخ 28/12/2011 أصدرت البيان التالي :
قال تعالى[وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ]
م/ قبر هابيل بن آدم في البصرة
لقد إحتجت الملائكة على جعل خليفة في الأرض كما في قوله تعالى[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] فرد الله تعالى عليهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] وأول دم سفك في الأرض هو دم هابيل بن آدم فأرسل الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لإتعاظ الأجيال المتعاقبة من الناس من هذه الواقعة، وبعث النفرة من القتل في نفوسهم وهو من علم الله في سيادة سنن التقوى وتنزيه الأرض من الفساد، ومن علم الله وعمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ].
لقد قرّب إبنا آدم عليه السلام قرباناً، وكان قابيل صاحب زرع فقرب حملاً من زرع ردئ، وقيل أضمر في نفسه:لا أبالي قبل أو لا، أما هابيل فكان صاحب غنم، فقرّب أحسن كبش عنده، وأضمر في نفسه الرضا لله تعالى، فقبل الله قربان هابيل، فقال له قابيل حسداً لأَقْتُلَنَّكَ فراغ عنه فوجده قابيل يوماً نائماً فشدخ في رأسه بصخرة فمات.
وذكرت في موضع مصرع هابيل وجوه :
الأول : قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : إنه بالبصرة في موضع المسجد الأعظم( )، ونسبه عدد من المفسرين إلى القيل، ولم يذكروا قولاً آخر يتعارض معه( ).
الثاني : عن إبن عباس:عند جبل ثور، ونسب له أنه عند جبل نود أي بالهند( ).
الثالث : عند عقبة حراء : نسب إلى القيل : وفيه تضعيف له , وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة، ولما قتله قابيل تركه بالعراء لا يعلم ما يصنع به، وخاف عليه السباع،فحمله في جراب على ظهره أربعين يوماً وعن إبن عباس : سنة، حتى إنتشرت رائحته، فعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم القاه في الحفرة،قال تعالىفَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ.
وروي أن آدم مكث بعد مقتل هابيل مائة سنة لايضحك( ).
الرابع : ومثلما نسبت روايتان إلى إبن عباس فكذا عن كعب الأحبار:
الأولى : أنه قتل على جبل دير المران.
الثانية : انه قتل على جبل قاسيون، وتذكر الروايتان أعلاه القتل وليس الدفن ولا مانع من التباين بين موضع القتل والدفن.
وتعدد ذكر الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام بأن هابيل دفن في البصرة عند المسجد الأعظم.
وأقترح إنشاء مقام لهابيل في ذات الموضع يحكي قدم مدينة البصرة وتأريخها العتيد بين مدن العالم، ويكون فيه موعظة وعبرة، وتنمية لملكة العز والفخر في نفوس أهلها, ودعوة للتآخي ونبذ سفك الدماء .
وهذا الخبر لا يتعارض مع تمصير البصرة في السنة الرابعة عشرة للهجرة، وقبل الكوفة بستة أشهر ، فكل واحدة منهما كان لها شأن، وفيها من يسكنها .
وكانت في البصرة الخريبة التي نزل فيها عتبة بن غزوان والأبٌلة وقصر نزله المسلمون وقال بعضهم (الدبادبة خرجوا هُراباً وجئنا القصر فنزلناه فقال عتبة ارتادوا لنا شيئاً نأكله قال فدخلنا الأجمة فإذا زِنبيلان في أحدهما تمر وفي الاَخر أرز بقشره فجذبناهما حتى أدنيناهما من القصر وأخرجنا ما فيهما فقال عتبة هذا سم أعَده لكم العدو يعني الأرز فلا تقربنْه)( ) وأكل منه فرس فتبين أنه مسموم .
وقد صلّى المسلمون في المسجد الأعظم في البصرة بعد أن إختطوه من غير بناء ثم بنوه من القصب وجذوع النخل سنة 14 للهجرة، وأختلف في الذي اختطه ، وجرت عليه توسعات عديدة خصوصاً في أيام العباسيين.
وفي تعيين وبناء مقام لهابيل ملاصق لمسجد البصرة دروس عقائدية وأخلاقية , وما أكثر قبور الصالحين في العراق والتي تنفق في عمارتها أموال عامة وخاصة , وأرجو من كل من فضيلة العلامة الشيخ د. نجرس المالكي والعلامة الشيخ علاء الشمري والعلامة السيد كريم الجابري بذل الوسع في هذا المشروع ومقدماته وأرجو من المؤمنين مؤازرتهم إن رأوا فيه مصلحة ومنفعة في النشأتين وإيجاد فرص عمل راتبة وعمارة ما حول المسجد.
وسوف يقصد الزوار من عموم العراق وايران والخليج وغيرها هذا المعلم إن شاء الله ، خصوصاً وأن أمير المؤمنين جلس في المسجد الأعظم في البصرة للناس للحكم والقضاء والتفسير وصلى فيه الجمعة.
وفيه علّم دعاء الخضر لكميل بن زياد على رواية ابن طاووس , وتتجلى خصوصية أخرى لمسجد البصرة بأولوية الإعتكاف فيه إلى جانب المسجد الحرام والمسجد النبوي ومسجد الكوفة كما مبين في رسالتنا العملية (الحجة)2/173.
وأدعو إلى تأليف مجلد خاص إسمه (تأريخ مسجد البصرة) يتضمن أبواب الإنشاء والعمارة والإمامة والإمارة والفقه والكلام ومدرسة النحو التي أخذت صبغة العالمية ، إذ تتقاسم ومدرسة الكوفة مناهج وعلوم النحو والرجال , وأدعو المؤمنين الذين سيتولون بناء مقام هابيل إلى فتح موقع بالعنوان أعلاه، قال تعالىقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
حرر في النجف الأشرف
3صفر1433
قانون ندم قابيل في النشأتين
لقد لحق الخزي قابيل بن آدم في قتله أخيه هابيل ، ومنه ذكر قصتهما في القرآن وتلاوة المسلمين لها ويحتمل ندم قابيل في قوله تعالى فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ وجوهاً :
ويصاحب الندم قابيل في الدنيا من جهات :
الأولى : ندم قابيل لتقديمه قرباناً قليلاً ، وعدم قبول الله عز وجل له.
الثانية : الندم لتهديده أخيه بالقتل ، وامتناع أخيه بمقابلة التهديد بمثله ، إذ قال هابيل لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
الثالثة : حسرة وندامة قابيل بسبب الإثم العظيم لقتله أخيه ، وسفكه الدم الحرام ، وانتظاره سوء العاقبة بدخول النار .
ويحتمل أوان وزمان ندمه وجوهاً :
الأول : الندم حال القتل .
الثاني : الندم عندما أدرك الحاجة إلى دفن أخيه .
الثالث : ندم قابيل طيلة أيامه في الدنيا .
الرابع : الندم لأنه أحزن أبيه وأمه ، آدم وحواء اللذين عاشا في الجنة برهة من الزمن .
الخامس : الندم لأنه لم يعلم بأن ضربته تؤدي إلى موت هابيل ومغادرته الدنيا إلى الأبد .
السادس : الندم في عالم البرزخ ، والحساب الإبتدائي فيه على القتل .
السابع : الندم لأنه أول قتل في الأرض ، ولحوقه تبعة بسريان القتل بين الناس .
الثامن : ندم قابيل يوم القيامة ، ليشترك مع النادمين يومئذ من القتلة والظالمين والمشركين .
وعن عبد الله بن مسعود (وناس من الصحابة فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ليقتله ، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال ، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم ، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات ، فتركه بالعراء ولا يدري كيف يدفن.
فبعث الله غرابين أخوين ، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ، فحفر له ثم حثا عليه التراب ، فلما رآه قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ ))( ).
وقد تقدم الإنذار والوعيد من أخيه هابيل بالقول إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، وكان قتل قابيل لهابيل ظلماً لنفسه ولأخيه ، ولآدم وحواء وللبشرية.
الرابعة : ندم قابيل لصيرورته مادة للذم من قبل المسلمين ، وخزيه عندهم في آيات القرآن ، وان ذكرته الآيات بصفة البنوة لآدم .
وورد عن عبد الله بن مسعود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل الأولي الذي هو أول قاتل . قيل هو قابيل قتل أخاه هابيل)( ).
وقد ورد في الحديث النبوي ذكر قابيل بالاسم ، إذ قال الإمام علي عليه السلام (يا رسول اللّه، بأبي أنت وأمي، وما منزلة الأمير الجائر المعتدي الذي لم يصلح لرعيته، ولم يقم فيهم بأمر اللّه .
قال : هو رابع أربعة، وهو أشد الناس عذابًا يوم القيامة: إبليس، وفرعون، و (قابيل) قاتل النفس، والأمير الجائر رابعهم.
ومن احتاج إليه أخوه المسلم في قرض فلم يقرضه وهو عنده حرَّم اللّه عليه الجنة يوم يجزي المحسنين)( ).
ويدل قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على الإطلاق ، وقانون مصاحبة الندم للقاتل في النشأتين .
قانون ندم القاتل في البرزخ
الندم في القبر وعالم البرزخ ويندم قابيل لخسارته في النشأتين ، وورد لفظ الخاسرين اثنتي عشرة مرة في القرآن ، ولم يرد قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، إلا بخصوص قابيل.
مع ورود لفظ (الخاسرون) بصيغة الجمع المرفوع إحدى عشرة مرة ، وورد بصيغة النصب والجر اثنتى عشرة مرة ، منه قوله تعالى قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
فحالما دخل قابيل القبر واجه ضغطة القبر ، ثم سؤال منكر ونكير وشدة ايذائهما له ، ثم استدامة عذاب القبر ، قال تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
لتجتمع عنده الخسارة مع الندامة ويترشح عنها الخزي يوم القيامة ، ولم يرد لفظ [فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ]إلا في الآية أعلاه ، وكذا لم يرد لفظ (النادمين) معرفاً بالألف واللام في القرآن إلا في الآية أعلاه بخصوص قابيل وحسرته وأسفه .
وفي قوم صالح عليه السلام قال تعالى فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ .
وفي ندامة وحسرة الكافر في الآخرة قوله تعالى وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ.
والنسبة بين الآخرة ويوم القيامة عموم وخصوص مطلق إذ تبدأ الآخرة من دخول الإنسان القبر ، لذا قال النبي (عليه الصلاة والسلام : من مات فقد قامت قيامتُه)( ).
والنسبة بين الندامة والخسارة عموم وخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما ، وتجتمع الندامة والخسارة للقاتل الذي يسفك الدماء ظلماً ، وينشر الفساد في الأرض .
قانون ندم قابيل في الآخرة
لا يختص ندم قابيل بالدنيا وعالم البرزخ بل يشمل ندم وخزي قابيل يوم القيامة ، وفضحه بين الخلائق ، ومجئ هابيل حاملاً رأسه بيده يسأل حقه من أخيه الذي قتله ظلمـاً.
ويشتد ندم قابيل عندما يوجه له القتلة اللوم والتوبيخ لأنه أول من سنّ القتل في الأرض .
وعن عبد الله بن مسعود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل)( ).
ويطول ندم قابيل وكل من سفك دماً يوم القيامة فهو كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ولأن سوء العاقبة ودخول النار ينتظر قابيل .
وهل حال الندم التي تتغشى الإنسان عند القتل وطول وقوفه للحساب وندمه يوم القيامة من مصاديق قوله تعالى إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، في احتجاج الله عز وجل على الملائكة ، الجواب نعم .
التوصية
من خصائص نهاية الدنيا انقطاع الحياة فيها بغتة ، وهل هو كالقنبلة النووية التي تلقي على بلدة ، الجواب إنها أسرع من هذا ، وأرأف وأرحم بالناس في كيفية قبض أرواحهم جملة .
فحالما تكون الصيحة تقف أجهزة التنفس عند الناس جميعاً ، فلا يقدرون على التوصية فيما بينهم ، لانعدام أطراف التوصية من الموصي والموصى إليه ، وموضوع التوصية إذ يموت الناس في البيوت وهم في الأسواق وحال السفر ، فلا يرجع بعضهم إلى بعض .
ومن مفاهيم [فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً] لزوم كتابة المسلم والمسلمة وصيته ، لوجوه :
الأول : عدم علم الإنسان بأجله ، وساعة موته .
الثاني : جهل الناس عامة بأوان النفخ في الصور ، قال تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
الثالث : الأجر والثواب بذات كتابة الوصية في مرضاة الله ، وتهيئة مقدمات تنفيذ الأحياء لها .
والمختار أن النسبة المنطقية بين التوصية والوصية عموم وخصوص مطلق فالتوصية أعم ولا تنحصر بالتركة وثلث الميت .
وذكر أن المراد من قوله تعالى يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أن المراد من الراجفة الصيحة الأولى إذ ترجف بالناس وترجف الأرض والسموات .
والرجف : شدة الحركة ، فيموت الأحياء إلا من شاء الله كجبرئيل وميكائيل وملك الموت ليموتوا بعدها على نحو التعيين .
أما الرادفة فهي النفخة الثانية وتأتي بعد النفخة الأولى بأربعين ، والنفخة الثانية هي نفخة البعث .
وسئل الإمام الصادق عليه السلام (أيتلاشي الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق ؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور فعند ذلك تبطل الاشياء وتفنى، فلا حس ولا محسوس، ثم اعيدت الاشياء كما بدأها مدبرها ، وذلك أربعمائة سنة تسبت فيها الخلق وذلك بين النفختين)( ).
(قال قتادة في حديث رفعه : إن ما بين النفختين أربعين سنة)( ).
و(عن أبيّ بن كعب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال : يا أيها الناس اذكروا الله ، اذكروا الله ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه)( ).
وآيات النفخ في الصور إنذار للذين كفروا وتنغيص لهم في تقلبهم في البلاد ، إذ أنها تبعث على ذكر الموت وهو نوع طريق للإيمان .
نفختا الصور
قال تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ.
والصور كهيئة البوق الكبير لا يعلم سعته ودائرته إلى الله عز وجل ، وقيل هو جمع صورة والملاك سماع أهل الأرض جميعاً له مع تباعد محل سكناهم .
والنفخ هو إخراج الهواء من الفم ليخرج صوتاً.
والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، وسمي النفخ الأول بالصيحة في قوله تعالى مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ، وقال تعالى إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ.
وهل يمكن القول باحتمال أن الصيحة غير النفخ في الصور ومصاحبة له ، الجواب نعم لأصالة تعدد المعنى مع تباين اللفظ .
وورد ذكر (النفخ في الصور) في عشر آيات من القرآن ستة بخصوص الصيحة الأولى وثلاثة بخصوص النفخة الثانية وتسمى نفخة البعث ، وواحدة جامعة لهما ، وقوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وورود (ثم) في الآية للدلالة على التراخي الزماني بين النفختين .
وذكر النفخة الأولى ضعف النفخة الثانية للدلالة على لزوم استعداد الناس لها بالتقوى كما ذكرت الصيحة .
وورد ذكر النفخة الثانية أيضاً في قوله تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ.
والنفخ في الصور من أشراط الساعة ، والإيمان به واجب ولا يشترط العلم بالتفاصيل .
و(في حديث الزنديق الذي سأل الصادق عليه السلام عن مسائل أن قال : أخبرني عن السراج إذا انطفأ أين يذهب نوره.
قال : يذهب فلا يعود، قال: فما أنكرت أن يكون الانسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه إذا انطفأ .
قال: لم تصب القياس إن النار في الاجسام كامنة والاجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت من بينهما نار تقتبس منها سراج له الضوء .
فالنار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب، والروح جسم رقيق قد ألبس قالبا كثيفا ليس بمنزلة السراج الذي ذكرت .
أن الذي خلق في الرحم جنينا من ماء صاف، وركب فيه ضروبا مختلفة من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وغير ذلك هو يحييه بعد موته ويعيده بعد فنائه .
قال : فأين الروح ، قال : في بطن الارض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث .
قال : فمن صلب أين روحه ، قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الارض .
قال أفيتلاشي الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق ؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الاشياء وتفنى، فلا حس ولا محسوس، ثم اعيدت الاشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة تسبت فيها الخلق ، وذلك بين النفختين)( ).
وفي خاتمة الحديث أعلاه مسألتان :
الأولى : بقاء الروح من حين الوفاة وإلى يوم القيامة .
الثانية : إعادة الأرواح في الأجساد يوم القيامة ، لتكون من الشواهد على أن المعاد جسماني وبالجسد والروح .
العرض على النار يوم القيامة
في ذم المشركين وسوء عاقبتهم في الآخرة ، قال تعالى وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ.
([خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ] قال السدي : خاضعين من الذل)( ).
لبيان عدم انحصار عرض الذين كفروا على النار في عالم البرزخ ، إذ يشمل يوم القيامة ، وقبل سوقهم إليها .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه عدم عرض الذين آمنوا على النار يومئذ مع إجتماعهم في محل واحد ، فيرى المؤمنون عرض النار على الذين كفروا على النار من بين الخلائق فيذم المؤمنون الكافرين والظالمين لما جلبوا على أنفسهم من العذاب ، وهو من الخزي الذي يلحقهم لقانون ملازمة الخزي للذين كفروا في الآخرة .
فاذا كان المؤمنون في عالم البرزخ لا يرون عرض آل فرعون ورؤساء الكفر على النار ، فانهم يرون هذا العرض في المحشر وهم في أمن منه لقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
أي يعرض عامة المشركين على النار في الآخرة ، وقد ورد قوله تعالى [يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا] مرة أخرى بخصوص عالم البرزخ في قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، في آل فرعون وهو من قانون تأكيد العام للخاص ، وهذا القانون مستحدث هنا فما يصيب آل فرعون بسبب شركهم يصيب المشركين عامة ، مع بيان نكتة في المقام وهي أن رؤساء الكفر أشد عذاباً يوم القيامة .
قبض الروح
قبض الروح هو نزع وفصل روح الإنسان عن جسده الذي يصبح حينئذ جثة هامدة ، والنسبة بين سكرات الموت وبين قبض الروح ، نسبة المقدمة وذيها فلابد من سكرة وشدة الموت لكل إنسان ، ولكن الله عز وجل يخفف عن المؤمن في سهولة خروج روحه ، قال تعالى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
و(روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة ، وقال عيسى ابن مريم : يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهون عليكم هذه السكرة يعني سكرات الموت)( ).
و(عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن المؤمن إذا قُبض، أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي إلى روح الله. فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء ، فيقولون ما هذا الريح الطيبة التي جاءت من قِبل الأرض؟ ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك ، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فَلهُم أشدّ فرحًا به من أهل الغائب بغائبهم .
فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غمّ فيقول: قد مات، أما أتاكم .
فيقولون: ذُهب به إلى أمه الهاوية. وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسْح فيقولون: اخرجي إلى غضب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فَيُذْهَب به إلى باب الأرض)( ).
لبيان ماهية حضور الأعمال في الآخرة من وجوه :
الأول : إيمان المسلمين والصالحات التي عملوها .
الثاني : جحود الكفار والسيئات التي عملوها في الدنيا .
الثالث : حسنات للمؤمنين لم يعملوها ، ولكنها بدل عن السيئات بسبب استغفارهم وتوبتهم ودعائهم ، قال تعالى يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
وقال تعالى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ أي قبض أرواحهم (قال ابن عباس : الموت قيامة الكافر)( )، لإرادة بداية عذابه ، وحرمانه من رحمة الله ، وفيه شاهد بأن لملك الموت أعواناً من الملائكة.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد أن رجلاً قال : يا رسول الله أي الخلق أكرم على الله عز وجل، قال: لا أدري، فجاءه جبريل عليه السلام فقال: يا جبريل أي الخلق أكرم على الله، قال: لا أدري .
فعرج جبريل ثم هبط، فقال: أكرم الخلق على الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فأمَّا جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين، وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنبت وكل ورقة تسقط.
وأما ملك الموت فهو موكل بقبض كل روح عبد في بر أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم( ).
لبيان عظيم منزلة ملك الموت ، والوظيفة السامية التي يقوم بها ، وفيه دعوة للمسلمين لإكرام ملك الموت في مجالسهم وأحاديثهم ، وهو من مصاديق الإستعداد للموت وفيه الأجر والثواب .

النفخ في الصور
لقد كتب الله عز وجل على أهل الدنيا الإنتقال منها ، ومغادرتها طوعاً وقهراً بالموت ، ففي كل يوم يموت عدد من الناس ، ولكن نهاية الدنيا تكون بنفخ الملك إسرافيل بالصور النفخة الأولى وهو بوق كبير ، بأن يصعق الناس دفعة واحدة ، فلا يبقى أحد منهم على قيد الحياة .
وهذا النفخ والموت العام من أشراط الساعة وقرب بعث الناس من القبور ، ويجب الإيمان بالنفخ في الصور لوروده في الكتاب والسنة ، قال تعالى وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ.
ويستحب لكل جيل من الناس الإجتهاد بالدعاء أن لا يكونوا الجيل الذي يقع عليه النفخ في الصور النفخة الأولى .
وفي حديث طويل عن أبي هريرة (قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طائفة من أصحابه فقال إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى الأرض ينظر متى يؤمر.
وعن الصور (والذي بعثني بالحق إن أعظم دارة فيه كعرض السماء والأرض فينفخ ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين عز وجل.
فيأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ نفخة الفزع فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله فيأمره فيمدها ويطيلها فلا يفتر وهي التي يقول الله عز وجل وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ.
فيسير الله تعالى الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابا فترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة الموقرة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها أو كالقنديل المعلق بالعرش ترجه الأرياح وهي التي يقول الله عز وجل يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ.
فتميد الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويولي الناس مدبرين مالهم من الله من عاصم ينادي بعضهم بعضا وهو الذي يقول الله عز وجل (يوم التناد).
فبينا هم على ذلك تصدعت الأرض فانصدعت من قطر إلى قطر فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله وأخذهم من ذلك الكرب والهول ما الله به عليم ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ثم انشقت فانتثرت نجومها وانخسفت شمسها وقمرها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك …الحديث)( ).

هبة ضغطة القبر
ذكرت الأحاديث المستفيضة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوقوع ضغطة القبر لكل إنسان ، فحتى المؤمن لا ينجو منها إلا أن يشاء الله ، فالدعاء يطالها ويكون برزخاً دونها للوعد الكريم من الله عز وجل بأصالة الإطلاق في قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
وضغطة القبر من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، فتكون على المؤمن كضمة الوالدة لولدها ، وتشتد على أضلاع المشرك ومرتكب المعاصي .
وعن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام قال (إن سعدا( ) لما مات شيعه سبعون ألف ملك، فقام رسول الله صلى الله عليه واله على قبره فقال: ومثل سعد يضم، فقالت امه: هنيئا لك يا سعد وكرامة، فقال
لها رسول الله: يا أم سعد لا تحتمي على الله، فقالت: يا رسول الله قد سمعناك وما تقول في سعد، فقال: إن سعدا كان في لسانه غلظ على أهله. – وقال أبو بصير: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لما ماتت قام رسول الله صلى الله عليه واله على قبرها، فرفع يده تلقاء السماء ودمعت عيناه .
فقالوا له: يارسول الله إنا قد رأيناك رفعت رأسك إلى السماء ودمعت عيناك، فقال: إني سألت ربي أن يهب لي رقية من ضمة القبر)( ).
وأسماء القبر (والجَنَنُ بالفتح: القبر)( ) وسمي القبر جنناً لأنه يستر جسد الميت .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال : إن الله عز وجل أوحى إلى عيسى بن مريم عليه السلام: يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني، ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي، اغسل بالماء منك ما ظهر، وداو بالحسنات ما بطن، فإنك إلي راجع، فشمر فكل ما هو آت قريب، وأسمعني منك صوتا حزينا)( ).
لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
النجاة من ضغطة القبر
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار النجاة من العذاب الأخروي ، وهو من أسباب بعث الأنبياء والرسل وتفضله تعالى بانزال الكتب السماوية ، وحفظه للقرآن سالماً من التحريف والزيادة والنقصان إلى يوم القيامة .
إذ يتضمن سبل الهداية للوقاية من أهوال القبر وشدة الحساب يوم القيامة ، ووسائل العبور على الصراط الذي جعله الله عز وجل قائماً على نار جهنم .
وأخبرت السنة النبوية عن ضغطة القبر ، وأنها عامة للناس ، ووردت نصوص وسنة فعلية بشواهد من الإستثناء من ضغطة القبر .
منها سؤال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عز وجل أن يقي فاطمة بنت أسد أم الإمام علي عليه السلام ضغطة القبر لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أمامها في حياتها ضغطة القبر ، فقالت (واضعفاه ).
وعندما أدخلت القبر دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معها القبر لأنها ربته وكانت تقدمه على أولادها .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وأما نومي في لحدها فإني ذكرت في حال حياتها ضغطة القبر فقالت : واضعفاه ، فنمت في لحدها لاجل ذلك حتى كفيتها ذلك)( ).
مما يدل على أن ضغطة القبر عامة تشمل الناس جميعاً الرجل والمرأة ، والبر والفاجر ، إلا من رحم الله عز وجل ، ويتجلى قانون صرف الدعاء لضغطة القبر في قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وما ورد في النصوص بخصوصها مثل قراءة سورة حم الزخرف.
وعن أبي بصير عن أحدهما( ) عليهما السلام قال (لما ماتت رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه واله قال رسول الله صلى الله عليه واله: الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وأصحابه .
قال : وفاطمة عليها السلام على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر، ورسول الله صلى الله عليه واله بتلقاه بثوبه قائم يدعو.
قال : إني لاعرف ضعفها وسألت الله عز وجل أن يجيرها من ضمة القبر)( ) والمراد من ضمة القبر هي ضغطة القبر أول ما يدخل الإنسان القبر.
وعن أبي بصير أنه سأل الإمام جعفر الصادق عليه السلام (ايفلت من ضغطة القبر أحد ، فقال: نعوذ بالله منها، ما اقل من يفلت من ضغطة القبر)( ).
لبيان وجود طائفة من أهل الإيمان ينجون من ضغطة القبر من وجوه :
الأول : تعاهد صلاة الليل كما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام .

الثاني : عن أبي بصير عن الإمام محمد الباقر عليه السلام قال (من أدمن قراءة حم الزخرف آمنه الله في قبره من هوامّ الأرض ، ومن ضمّة القبر حتى يقف بين يدي الله ، ثمّ جاءت حتى تكون هي التي تدخله الجنة بأمر الله)( ).
الثالث : الدعاء بخصوص النجاة من ضغطة القبر ، وفيه شاهد على الإقرار بضغطة القبر ، وأن الله عز وجل ينجي من يشاء من ضغطة القبر ، والدعاء سلاح الأنبياء .
الرابع : مراعاة الطهارة عن التبول .
الخامس : إجتناب الغلظة والقسوة على العيال .
السادس : الإمتناع عن الكذب والخيانة والنميمة .
السابع : دعاء الأحياء للميت عند احتضاره وقبض روحه وعند دفنه ، وسؤال الله عز وجل أن ينجيه من ضغطة القبر .
الثامن : تقديم المسلم لنفسه بالدعاء في أيام الشباب والصحة للنجاة من ضغطة القبر عند الموت .
وورد عن الإمام الصادق عليه السلام أن من دعاء الإمام الباقر عليه السلام إذا أصبح أي كل يوم صباحاً (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن ضغطة القبر ومن ضيق القبر)( ).
وهذا الدعاء من جوامع الكلم ، إذ جمعت هذه الكلمات على قلتها الإستعاذة من ثلاثة أمور :
الأول : عذاب القبر ، ابتداء واستدامة ، فاذا كانت ضغطة القبر في الليلة الأولى فان عذاب القبر مستمر .
الثاني : ضغطة القبر .
الثالث : ضيق القبر ، في توسل لتوسعته .
ضياء في القبر
يتضمن قوله تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ )( ) الدعوة إلى الهدى والصلاح، والتوقي من السيئات والفواحش من جهات:
الأولى : التذكير بالموت وأنه خاتمة حتمية للحياة الدنيا.
الثانية : الإطلاق العمومي لوقوع الموت للناس جميعاً، فليس من استثناء ، وأن الموت لم يتراخ في إنقضاضه على الإنسان، ولكن الله عز وجل هو الذي يزجره ويدفعه عن الناس رحمة منه تعالى إلى الأجل ، وتؤكده آيات منها قوله تعالى [كِتَابًا مُؤَجَّلاً] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ.
وفي الصحيح عن زرارة عن حمران بن أعين عن الإمام محمد الباقر عليه السلام (في قوله تعالى ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ قال: إنهما أجلان : أجل محتوم ، وأجل موقوف .
قال له حمران : ما المحتوم ، قال: الذي لا يكون غيره ،
قال : وما الموقوف ، قال : هو الذي لله فيه المشية.
قال حمران : إني لارجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف، فقال أبو جعفر عليه السلام : لا والله إنه من المحتوم)( ).
الثالثة : تبعث الآية على التقوى، وتملأ النفس بالخشية من الله، وتطرد الغرور عن الجوارح والحواس .
وعن أبي أيوب قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله علمني وأوجز قال : إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع ، ولا تكلم بكلام تعتذر منه ، وأجمع اليأس مما في أيدي الناس( ).
الرابعة : الآية الكريمة مادة للوعظ والزجر عن الفواحش، وهي سلاح في باب الأمر بما يرضي الله، والنهي عن التعدي عن حدوده، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ.
والتقوى مصدر وقى ، يقي ، وقياً ، ومن معاني التقوى وقاية النفس من مخالفة أوامر الله عز وجل ، قال تعالى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.
ليدخل الإنسان القبر بصحيفة خالية من سواد المعاصي ، وأسباب الخزي بحضرة الملكين منكر ونكير ، إذ يتلقى صاحب المعاصي منهما العقاب الإبتدائي الأليم .
و(عن يزيد بن سلمة الجعفي أنه قال : يا رسول الله إني سمعت منك حديثاً كثيراً أخاف أن ينسيني أوّله آخره ، فحدثني بكلمة تكون جماعاً قال : اتق الله فيما تعلم)( ).
لبيان مصداق لمجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجوامع الكلم ، والإخبار النبوي عن منافع الخشية من الله في الدنيا والآخرة ، ومن التقوى التعاون في عمل الصالحات ، والتكافل الإجتماعي .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (مثل المؤمنين في تَوادِّهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسَّهَر.
وفي الصحيح أيضا : المؤمن للمؤمن كالبنيان ، يشد بعضه بعضا ، وشبك بين أصابعه)( ).
لبيان بعث المسلمين للمناجاة بالتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم ، وإصلاح أنفسهم ، وبالنسبة للحديث أعلاه بخصوص الجسد الذي يشتكي عضو منه ، فان جسد الظالم والفاسق يشكو كله دفعة واحدة في القبر مما يلزم معه قانون الإحتماء بالدعاء والتقوى من ضغطة القبر ، ومن عذاب البرزخ.
ويتجلى قانون التقوى ضياء في القبر ، وهي سكينة في الدنيا ، وقانون التقوى واقية في عالم البرزخ .
مدة البقاء في البرزخ
يتباين طول مدة اللبث في البرزخ بتباين مدته بين إنسان وآخر ، فالأولون من الموتى أطول إقامة في البرزخ بخلاف المتأخرين ، وهل يمكن القول بوجود أمة من الناس لم تدخل عالم البرزخ ، الجواب لا ، لوجود فترة بين موت آخر الناس وبين النفخة الثانية في الصور ، نعم الذين يموتون بالصيحة لن يدخلوا القبور.
فليس من إنسان يدفنهم إذ تأتي الصيحة للناس فجأة على حين غفلة منهم ، وإنشغال بالدنيا ، قال تعالى مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ أي تأتيهم نفخة إسرافيل في الصور وهم يخاصم بعضهم بعضاً ، وهل فيه تبكيت للناس الذين يتقاتلون فيما بينهم لأمور الدنيا ، وأن الموت والصيحة قريبة .
الجواب نعم ، إذ تأتي الصيحة للناس وهم في الأسواق والمجالس والبيوت لتموت معهم رغائبهم وأحلامهم وأمانيهم وخصوماتهم ، ويتركوا أموالهم وأثاثهم ومقتنياتهم التي جمعوها بالحلال والحرام ، فتكون مادة للحساب .
إلا أن يكونوا قد صنعوا آلات وريبوتات تعمل بالذكاء الأصطناعي ، وما هو أرقى منه من التكنلوجيا وأسباب أخرى تقوم بدفنهم في الأرض عند الموت .
لما فيها من التسليم بالصيحة وميجيئها بالصيحة ومجيئها بغتة ، خاصة وأن الآية جاءت بصيغة العاقل (مَن) فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ.
والذي لا يدفن من الناس هل ينجو من ضغطة القبر ، الجواب لا .
معنى الصيحة
من الذين كذبوا من أقوام الأنبياء من أهلكوا بالصيحة وهي صوت مهلك ومرجف صادر من السماء ، ورنين ينتج عن موجات تحت الصوتية يتغشى دائرة الذين كفروا ، ويترشح عنه ارتجاف أعضاء وأحشاء الإنسان من غير أن تؤثر على المساكن والمباني ولا على المؤمنين في ناحيتهم لتبقى شاهداً وعبرة وموعظة.
ومن الوعيد لكفار قريش في المقام قوله تعالى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا.
وهل تدل آيات الصيحة على حرمة استعمال القنابل الصوتية المميتة ، الجواب نعم ، لأن عذابها خاص بالذين قابلوا الرسول الذي بعثه الله عز وجل لهم بالتكذيب والجحود ، وليس عامة الناس في هذا الزمان والحروب بين الدول ، وهي عقاب وجزاء عاجل من الله على الكفر والجحود ، وليس للناس العقوبة بمثله.
وذكرت الصيحة بخصوص أقوام :
الأول : مدين قوم شعيب ، قال تعالى وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ.
الثاني : ثمود قوم صالح ، قال تعالى وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ، والحجر اسم الوادي الذي يسكنون ، وهو بين المدينة والشام .
وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (مرّ في غزاة تبوك بالحجر ، فقال : هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلاّ رجلاً كان في حَرَم الله ، منعه حرمُ الله من عذاب الله ، قيل : يا رسول الله من هو ، قال : أبو رغال)( ).
الثالث : قوم لوط ، إذ أصروا على الإقامة على فعل الفاحشة ، فجاءهم عذاب الصيحة مع هطول الحجارة عليهم من السماء ، قال تعالى فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ.
قال ابن كثير : تكفير الغزالي في تهافت الفلاسفة لابن سينا( ) في ثلاث مسائل من بين عشرين مسألة وهي :
الأولى : قدم العالم .
الثانية : إنكارهم للبعث وحشر الإجساد ، وعالم الجزاء .
الثالثة : إن الله لا يعلم بالجزئيات مع إقراره بعلمه تعالى بالكليات .
أما المسائل السبعة عشرة الأخرى التي اتهم الغزالي بها الفلاسفة فهي تتفرع عن هذه المسائل .
وقال ابن حلكان : أن ابن سينا اصيب بالقولنج وضعف (فأهمل المداواة وقال: المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء، ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة)( ).
وقال (وكان نادرة عصره في علمه وذكائه وتصانيفه، وصنف كتاب (الشفاء) في الحكمة ، و(النجاة) و (الإشارات) و(القانون) وغير ذلك مما يقارب مائة مصنف ما بين مطول ومختصر ورسالة في فنون شتى، وله رسائل بديعة : منها رسالة (حي بن يقظان) ورسالة (سلامان وابسال) ورسالة (الطير) وغيرها، وانتفع الناس بكتبه، وهو أحد فلاسفة المسلمين.
وله شعر، فمن ذلك قوله في النفس :
هبطت إليك من المحل الأرفع … ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف … وهي التي سفرت فلم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما … كرهت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما ألفت فلما واصلت … ألف مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهوداً بالحمى … ومنازلاً بفراقها لم تقنع)( ).
لا عبرة بالقليل من الفلاسفة الذين ينكرون اليوم الآخر والذين لهم صوت في أكثر الأزمنة ، ومن فضل الله أنه صوت ضعيف يفتقر إلى الحجة والبرهان .
(عن أنس بن مالك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خط خطوطاً وخط خطاً منها ناحية فقال : تدرون ما هذا، هذا مثل ابن آدم ومثل التمني، وذلك الخط الأمل بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت)( ).
قيل لبعض (الأعراب : ما الدليل على أنَّ للعالم صانعاً، فقال : إنَّ البعرة تدلُ على البعير ، وآثار القدم تدلُ على المسير ،وهيكل علَّوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة؛ أما يدلاَّن على الصانع الخبير.
قال ابن عباس : خلق اللَّه الارواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة ، وشهد بنفسه لنفسهِ قبل أن يخلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا برَّ ولا بحر ، فقال : شهد اللَّه أنَّهُ لآ اله إلا هو)( ).
قراءة القرآن حصن من الأشباح والجن
من أسباب تسمية السفر أن الإنسان يسفر بوجهه ، ويخرج من البيوت والمدينة ، ويصبح منكشفاً للوقائع والأحداث ، فجعل الله عز وجل كلامه حرزاً وصاحباً كريماً .
وهل هذه المصاحبة من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، الجواب نعم ، فهو من اللطف الإلهي بأن لا يترك الإنسان وحيداً في البرية بل يكون معه كلام الله وهو خير صاحب وخير جليس .
وقال المتنبي :
(أعز مكان في الدنا ظهر سابح … وخير جليس في الزمان كتاب)( ).
والأولى قول :
أعز مكان في الدنا مسجد عامر … وخير جليس في الزمان قرآن
والأشياء كلها مستجيبة لله عز وجل وذات الأرواح والنباتات والجمادات ، واستجابتها لله عز وجل فورية فيتحصن المسلم بآيات القرآن للوقاية في الحل والترحال .
و(عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : ما كنت أرى أن أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث من آخر سورة البقرة ، وإنهن لمن كنز تحت العرش)( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحث على تلاوة القرآن وآيات مخصوصة عند الشروع في السفر .
وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق محمد بن علي المطلبي عن خطاب بن سنان عن قيس بن الربيع عن ثابت بن ميمون عن محمد بن سيرين قال : نزلنا يسيري فأتانا أهل ذلك المنزل .
فقالوا : ارحلوا فانه لم ينزل عندنا هذا المنزل أحد إلا اتخذ متاعه فرحل أصحابي وتخلفت للحديث الذي حدثني ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قرأ في ليلة ثلاثاً وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة سبع ضار ، ولا لص طار ، وعوفي في نفسه ، وأهله ، وماله حتى يصبح .
فلما أمسينا لم أنم حتى رأيتهم قد جاءوا أكثر من ثلاثين مرة ، مخترطين سيوفهم فما يصلون إلي ، فلما أصبحت رحلت فلقيني شيخ منهم فقال : يا هذا إنسي أم جني؟ قلت : بل إنسي! قال : فما بالك . . ! لقد أتيناك أكثر من سبعين مرة كل ذلك يحال بيننا وبينك بسور من حديد .
فذكرت له الحديث ، والثلاث وثلاثون آية ، أربع آيات من أول البقرة إلى قوله (المفلحون) وآية الكرسي .
وآيتان بعدها إلى سورة قوله (خالدون)( ) والثلاث آيات من آخر البقرة [لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ] ( ) إلى آخرها وثلاث آيات من الأعراف [إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ] إلى قوله مِنَ الْمُحْسِنِينَ وآخر بني إسرائيل قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ إلى آخرها.
وعشر آيات من أوّل الصافات إلى قوله لَازِبٍ وآيتان من الرحمن [يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ] إلى قوله فَلَا تَنْتَصِرَانِ.
ومن آخر الحشر لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ إلى آخر السورة.
وآيتان من قُلْ أُوحِيَ إلى وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً إلى قوله رَشَدًا.
فذكرت هذا الحديث لشعيب بن حرب فقال لي : كنا نسميها آيات الحرب ، ويقال : إن فيها شفاء من كل داء . فعدّ عليّ الجنون ، والجذام ، والبرص ، وغير ذلك . قال محمد بن علي : فقرأتها على شيخ لنا قد فلج حتى أذهب الله عنه ذلك)( ).
ديوان الشعر توبيخ للكفار
لقد اتخذ العرب الشعر وثيقة تأريخية وسجلاً خالداً للتفاخر والمدح والذم وبيان أحوالهم الإجتماعية والعامة والعادات ، وكان موسم حج البيت الحرام كل سنة مناسبة للتباري بالشعر خاصة في سوق عكاظ ، ووجود حكام فيه .
لينزل القرآن فيتحداهم بالبلاغة والفصاحة ثم يتصدى شعراء المسلمين لبيان صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتبكيت المشركين.
وجاء شعر حسان بن ثابت لتبكيت الذين كفروا بلغة الشعر التي كانت سائدة عند العرب ، وفيه شاهد على بشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر يوم بدر ، وإنذار المشركين من العودة لميدان القتال ، إذ قال :
(عَرَفْتُ دِيَارَ زَيْنَبَ بِالْكَثِيبِ … كَخَطّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ
تَدَاوَلُهَا الرّيَاحُ وَكُلّ جَوْنٍ … مِنْ الْوَسْمِيّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ
فَأَمْسَى رَسْمُهَا خَلَقًا وَأَمْسَتْ … يَبَابًا بَعْدَ سَاكِنِهَا الْحَبِيبِ
فَدَعْ عَنْك التّذَكّرَ كُلّ يَوْمٍ … وَرُدّ حَرَارَةَ الصّدْرِ الْكَئِيبِ
وَخَبّرَ بِاَلّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ … بِصِدْقِ غَيْرِ إخْبَارِ الْكَذُوبِ
بِمَا صَنَعَ الْمَلِيكُ غَدَاةَ بَدْرٍ … لَنَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ النّصِيبِ
غَدَاةَ كَأَنّ جَمْعَهُمْ حِرَاءٌ … بَدَتْ أَرْكَانُهُ جُنْحَ الْغُرُوبِ
فَلَاقَيْنَاهُمْ مِنّا بِجَمْعٍ … كَأُسْدِ الْغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ
أَمَامَ مُحَمّدٍ قَدْ وَازَرُوه … عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي لَفْحِ الْحُرُوبِ
بِأَيْدِيهِمْ صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ … وَكُلّ مُجَرّبٍ خَاظِي الْكُعُوبِ
بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفُ وَازَرَتْهَا … بَنُو النّجّارِ فِي الدّينِ الصّلِيبِ
فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا … وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ
وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ … ذَوِي حَسَبٍ إذَا نُسِبُوا حَسِيبِ
يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللّهِ لَمّا … قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ
أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقّا … وَأَمْرُ اللّهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ
فَمَا نَطَقُوا ، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا … صَدَقْتَ وَكُنْتَ ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ)( ).
وعلى الجانب الآخر رثت بعض نساء قريش أهل القليب إذ قالت صفية بنت مسافر (
يَا مَنْ لِعَيْنٍ قَذَاهَا عَائِرُ الرّمَدِ … حَدّ النّهَارِ وَقَرْنُ الشّمْسِ لَمْ يَقِدْ
أُخْبِرْتُ أَنّ سَرَاةَ الْأَكْرَمِينَ مَعًا … قَدْ أَحْرَزَتْهُمْ مَنَايَاهُمْ إلَى أَمَدِ
وَفَرّ بِالْقَوْمِ أَصْحَابُ الرّكَابِ وَلَمْ … تَعْطِفْ غَدَاتَئِذٍ أُمّ عَلَى وَلَدِ
قَوْمِي صَفِيّ وَلَا تَنْسَى قَرَابَتَهُمْ … وَإِنْ بَكَيْتِ فَمَا تَبْكِينَ مِنْ بُعُدِ
كَانُوا سُقُوبَ سَمَاءِ الْبَيْتِ فَانْقَصَفَتْ…فَأَصْبَحَ السّمْكُ مِنْهَا غَيْرَ ذِي عَمَدِ)( ).
وفي رثاء النساء لهم شاهد على النقص في رجالهم ، والإرباك والكبت الذي أصابهم .
قانون الكفر ظلم في النشأتين
قد يظلم الإنسان نفسه بالقول أو الفعل يخروجه عن قواعد الشريعة ، وسنن التكاليف والأخلاق ، قال تعالى وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
والنسبة بين ظالمي أنفسهم ، وبين الذين قتلوا مع الكفار عموم وخصوص مطلق ، وأشد ظلم للنفس اختيار الكفر والجحود.
وقال الثعلبي (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (أي يقبض أرواحهم ملك الموت).
وهل تدل صيغة الجمع في قوله تعالى [تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ] على الإذن من الله للملائكة الذين نزلوا يوم بدر بقبض أرواح الذين كفروا .
المختار نعم ، فلا تصل النوبة معهم إلى حضور ملك الموت.
وفي الفلسفة ما من عام إلا وقد خصّ ، قال تعالى إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ.
و(عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا قال: إني لأتبعُ رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري)( ).
و(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ عَنْ أَبِي دَاوُد الْمَازِنِيّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا ، قَالَ إنّي لَأَتّبِعُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ إذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي ، فَعَرَفْتُ أَنّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي)( ).
والمختار أن صيغة الجمع إذا وردت في القرآن تحمل على ظاهرها وإرادة التعدد إلا مع القرينة ، نعم ترد صيغة الجمع لله عز وجل للتعظيم والإكرام كما في قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
ترى من هم الملائكة الذين [قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ] والمختار أنهم غير الملائكة الذين توفوهم لجهتين :
الأولى : جاء السؤال بعد الوفاة .
الثانية : قولهم فيم كنتم .
قراءة في الجزء الثاني من كتابي (قوانين البرزخ)
قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.
لقد تجلى حب الله عز وجل للإنسان بأن جعله فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وهي مرتبة لم ينلها غيره من الخلائق بما فيهم الملائكة ، وقد صدر لي والحمد لله الجزء الثاني من كتابي (قوانين البرزخ) الذي يبين شطراً من المعالم والوقائع والشواهد والقواعد التي تحدث للإنسان بعد ادخاله القبر ، بلحاظ تعاهده لقوانين الخلافة في الأرض أو عدمه ، إذ قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
ويحتاج الإنسان الأمن في أفراد العوالم الطولية :
الأول : الحياة الدنيا .
الثاني : عالم البرزخ .
الثالث : يوم القيامة .
قال تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وهل ينفع الإنسان الدعاء لجلب الأمن فيها ، الجواب نعم ، نسأل الله أن يدفع عنا الخوف والرعب والفزع في النشأتين .
وفيه استحضار لذكر الموت الذي هو أمر وجودي وليس عدمياً ، وانتقال من منزل إلى آخر .
وقد سمّى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الموت بهادم اللذات ، وكان كثيراً ما يوصي أصحابه فيقول : أكثروا ذكر الموت فانه هادم اللذات حائل بينكم وبين الشهوات .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما خلقتم للفناء، بل خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار)( ).
واختلف هل عذاب القبر يقع على البدن أو الروح ، وكأن هذا الإختلاف من الإجماع المركب لأنه يدل على وجود عذاب في القبر .
والمشهور شهرة عظيمة وقوعه على البدن والروح وعليه الكتاب والسنة.
والمختار وقوعه على الروح والجسد معاً بعودة الروح للبدن ساعة مساءلة منكر ونكير ، وحال الإكرام أو العذاب.
وإخبار القرآن والسنة عن الحياة بعد الموت بلاغ ومدرسة أخلاقية وعقائدية تدعو الناس إلى الإستعداد لأهوال ما بعد الموت.
وفي علم الأصول ذكرت المقدمة العلمية التي يتحقق في تحصيلها حصول العلم بالإمتثال القطعي والإستيعاب الفعلي والخروج من عهدة التكليف مثل غسل قليلاً مما فوق المرفق ليتحقق غسل اليدين في الوضوء .
والمقدمة العقلية مثل قطع المكلف المسافة من البلد إلى مكة لأداء مناسك الحج .
والمقدمة الشرعية مثل الوضوء للصلاة للكتاب والسنة أما الكتاب فلقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
وأما السنة فللحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا يقبل الله تعالى صلاة بغير طهور)( ) ، وقول الباقر عليه السلام : لا صلاة إلا بطهور .
ويمكن تقسيم مقدمة العمل العبادي إلى أقسام :
الأول : المقدمة الزمانية .
الثاني : المقدمة المكانية .
الثالث : المقدمة الزمانية المكانية .
ويمكن تسميتها الزمكانية بدمج مفهومي الزمان والمكان ، وهو بالإنكليزية (SPACETIME) وعالم البرزخ مقدمة مكانية تحت الأرض ليوم القيامة ، وزمانية بين ساعة الموت والنفخ في الصور.
الرابع : المقدمة العرفية .
الحوض
وهو حوض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من رحمة الله عز وجل بالمؤمنين في أحد مواطن يوم القيامة حيث تشتد الحرارة ، ويعطش الناس ، ويزداد عطشهم بسبب الخوف والفزع وطول القيام .
وجعل الله عز وجل لكل نبي حوضاً يشرب منه هو وأتباعه .
وعن عبد الله بن عباس (قال : سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء قال : والذي نَفْسِي بيَدِه، إن فيه لماءً، إن أولياء الله ليردون حِياضَ الأنبياء، ويَبْعَثُ الله تعالى سبعين ألف مَلَكٍ في أيديهم عِصِيّ من نار، يَذُودون الكفار عن حياض الأنبياء)( ).
وفي سنن الترمذي (إن لكل نبي حَوْضًا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة)( ).
(عن أُبيّ كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أول من يدعى يوم القيامة أنا فأقوم فألبي ، ثم يؤذن لي في السجود فأسجد له سجدة يرضى بها عني ، ثم يؤذن لي فأرفع رأسي فأدعو بدعاء يرضى به عني ، فقلنا يا رسول الله كيف تعرف أمتك يوم القيامة .
قال : يعرفون غراً محجّلين من أثر الطهور فيردون علي الحوض ما بين عدن إلى عمان بصرى ، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحاً من المسك ، فيه من الآنية عدد نجوم السماء.
من ورده فشرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ومن صرف عنه لم يرو بعده أبداً .
ثم يعرض الناس على الصراط ، فيمر أوائلهم كالبرق ، ثم يمرون كالريح ، ثم يمرون كالطرف ، ثم يمرون كأجاويد الخيل والركاب ، وعلى كل حال وهي الأعمال.
والملائكة جانبي الصراط يقولون رب سلم سلم ، فسالم ناج ، ومخدوش ناج ، ومرتبك في النار .
وجهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين ما شاء الله أن يضع فتقبض وتغرغر كما تغرغر المزادة الجديدة إذا ملئت وتقول قط قط)( ).
وحينما ينظر الإنسان في ليلة صافية إلى السماء ويعدّ النجوم قد تكون نحو ستة آلاف نجم ، ولكن عدد نجوم السماء الحقيقي لم يصل العلماء إلى الآن إلى إحصائها ، والمجرات التي تجمعها ففي مجرة درب التبانة التي منها الأرض والشمس نحو مائة مليار نجم ، وعدد المجرات في الكون من (100-200) مليار مجرة .
وقدر عدد النجوم في الكون نحو عشرة أضعاف عدد أكواب الماء في جميع محيطات الأرض وهو من بديع صنع الله عز وجل .
لينحصر إحصاء النجوم بالله عز وجل وحده ، وهو من مصاديق وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.
وعدد الآنية في حوض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة بعدد هذه النجوم ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
قدوم أخت أمية على النبي (ص)
لقد قدمت أخت أمية الفارعة بنت أبي الصلت الثقفي بعد فتح مكة (على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح الطائف وكانت ذات لب وعفاف وجمال ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعجب بها ، وقال لها يوماً : هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً .
فأخبرته خبره وما رأت منه وقصت قصته في شق جوفه وإخراج قلبه ثم صرفه مكانه وهو نائم وأنشدت له الشعر الذي أوله :
باتت همومي تسري طوارقها … أكف عيني والدمع سابقها
نحو ثلاثة عشر بيتاً منها قوله :
ما رغب النفس في الحياة وإن … تحيا قليلاً فالموت سائقها
يوشك من فر من منيته … يوماً على غرة يوافقها
من لم يمت غبطة يمت هرماً … للموت كأس والمرء ذائقها
وفي الخبر لما حضرت وفاته قال عند المعاينة :
إن تعف يا ربي تعف جما … وأي عبد لك لا ألما
ثم قال :
كل عيش وإن تطاول دهراً … صائر مرة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في قلال الجبال أرعى الوعولا
ثم مات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا فارعة كان مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين)( )( ).
ليبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس قانون اتخاذ العلم طريقاً للإيمان ، وسبيل نجاة في عالم البرزخ .
دفن أبي ذر
أبو ذر واسمه جُندب بن جُنادة الغفاري ولد قبل البعثة النبوية بعشرين سنة .
وعن (محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن يحيى بن شبل عن خفاف بن إيماء بن رحضة قال: كان أبو ذر رجلا يصيب الطريق وكان شجاعا يتفرد وحده يقطع الطريق ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبي، صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ بمكة يدعو مختفيا)( ).
وذكر الحديث أيضاً ابن عساكر في تأريخ دمشق( ).
ولم يثبت هذا الخبر ، والمختار عدمه .
نعم خفاف بن إيماء الثقفي صحابي ، شهد الحديبية وبايع بيعة الرضوان.
لقد نفي أبو ذر الغفاري رابع أربعة دخل الإسلام إلى الربذة أيام عثمان ، وحضر فيها أجله ولم يكن معه إلا امرأته وغلامه .
(فأوصاهما أن غسلاني وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا ذلك به .
ثم وضعاه على قارعة الطريق فأقبل عبد الله بن مسعود ورهط من أهل العراق عمارا فلم يرعهم الا بجنازة على الطريق قد كادت الابل تطأها وقام إليهم الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه قال فاستهل عبد الله بن مسعود يبكى ويقول صدق رسول الله تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه)( ).
وحدث عبد الله بن مسعود الذين معه ، فقد تخلف أبو ذر عن المسير إلى تبوك بسبب ضعف بعيره ، فترك البعير وحمل متاعه على ظهره وصار يمشي خلف الجيش .
ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعض المنازل رأوا شخصاً جاء يمشي فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : كن أبا ذر ، فلما اقترب منهم علموا أنه أبو ذر ، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (يرحم الله أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده)( ).
لقد ذكر النبي محمد ثلاث حالات لأبي ذر ، وكلها من علم الغيب خاصة مع مخالفتها للمتعارف والمتسالم عليه ، إذ يعيش أبو ذر في المدينة مكرماً من قبل المهاجرين والأنصار ، وإذا النبي يخبر وبحضور جمع من الصحابة بأنه يعيش وحده للإشارة إلى وقائع تحدث .
وجاء التأكيد بقوله : تموت وحدك ، ثم بشره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأجر والثواب بأن يحشر وحده عند البعث من القبور .
فلسفة الدفن
من ذخائر خلافة الإنسان في الأرض بقوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، فيقوم الأحياء بدفن الميت في قبره وجعل شاهد عليه لتعيين موضعه ، وزيارته والسلام عليه .
ومن الآيات أن أول دفن في الأرض تم بتوجيه وهداية من عند الله عز وجل عندما قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل ، إذ قال تعالى فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ *فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
ولم يرد لفظ (غراب) في القرآن إلا في الآيتين أعلاه بخصوص تعليم الإنسان دفن الموتى ، قال تعالى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى.
ومن الصحابة الأوائل مصعب بن عمير ، وهو فتى مكة إذ كان جميلاً مدللاً من قبل والديه ، خاصة والدته خُناس بنت مالك التي كانت ثريه ، فتكسوه أحسن الثياب ، ويتعطر بالطيب ، ولكنه ما أن علم بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورآى المعجزات الحسية والعقلية بادر إلى الإيمان والنطق بالشهادتين .
وهو من الأوائل الذين اجتمهوا في دار الأرقم بن أبي الأرقم على أطراف جبل الصفا واتفق أن رآه عثمان بن طلحة يصلي فأخبر أمه وأهله فاوثقوه وعذبوه بغية إرتداده ، ولكنه صبر على الشقاء والعذاب.
ولما دخلت طائفة من الأوس والخزرج في الإسلام في بيعة العقبة الأولى بعثه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معهم ليقوم بالوظائف العقائدية التالية :
الأولى : تعليم الأنصار القرآن .
الثانية : أداء الصلاة جماعة بالأنصار .
الثالثة : دعوة أهل يثرب لدخول الإسلام .
الرابعة : إعانة المهاجرين الذين يقدمون إلى يثرب ، وتوفير أسباب السكن لهم .
الخامسة : التوطئة لقدوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً إلى المدينة .
السادسة : وظائف السفارة .
دفن مصعب بن عمير
قيل أن مصعب بن عمير هو أول سفير في الإسلام ، والمختار أن أول سفراء في الإسلام هم مهاجرو الحبشة وهم ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة ، والتقوا بالنجاشي ملك الحبشة .
وفي معركة أحد كان مصعب بن عمير حامل اللواء ، وقد ذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى استشهد ، وحينما قتل ظن المشركون أنهم قتلوا النبي محمداً ، فنادى ابن قمئة : قتلت محمداً .
و(عن عبيد بن عمير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف على مصعب بن عمير وهو منجعف على وجهه فقرأ هذه الآية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِإلى آخر الآية.
ثم قال إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس زوروهم وأتوهم وسلموا عليهم فو الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه السلام)( ).
و(عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد مصعب بن عمير اللواء فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول له في آخر النهار: تقدم يا مصعب، فالتفت إليه الملك فقال : لست بمصعب ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ملك أيد به.
وقتل مصعب بن عمير يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة ، قال خباب بن الأرت( ) فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال لنا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم : اجعلوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها).
لبيان حال الفقر التي صار عليها في دخوله الإسلام ورضاه وغبطته بالإيمان.
(قال : أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال: كان مصعب بن عمير رقيق البشرة حسن اللمة ليس بالقصير ولا بالطويل، قتل يوم أحد على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة وهو ابن أربعين سنة أو يزيد شيئا، فوقف عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في بردة مقتول فقال: لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حلة ولا أحسن لمة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة. ثم أمر به يقبر فنزل في قبره أخوه أبو الروم بن عمير وعامر بن ربيعة وسويبط بن سعد بن حرملة)( ).
وفيه شاهد على تقوى الصحابة ، وصدق إيمانهم ، وبذلهم أنفسهم في بناء صرح الإسلام .
لحوق الأجر بعد الموت
المتبادر أن الثواب والأجر يأتي للإنسان بعمله الصالحات في الدنيا ، ووردت السنة النبوية بالإخبار على وصول الهدية من العبادات والمستحبات إلى الميت في قبره .
وبالإسناد عن (ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواخي بين أصحابه فآخى بين سلمان الفارسي و بين أبي الدرداء و بين عوف بن مالك و بين الصعب بن جثامة فقال أحدهما لصاحبه : إن مت قبلك يا أخي فتراء لي .
فمات الصعب قبله فتراء له عوف فرآه فقال : كيف أنت يا أخي ، قال : بخير ما صنعت ، قال : غفر لنا يوم دعونا عند حانوت فلان و لم يكن في أهلي مصيبة إلا لحقني أجرها حتى هرة لنا ماتت منذ ثلاثة أيام)( ).
لبيان لحوق الأجر للمؤمن بعد وفاته بالمصيبة التي تلحق أهله في الدنيا ، وذكر الهرة لبيان سعة فضل الله ، وكعلامة بأن الرؤيا صادقة ، إذ أن عون بن مالك لم يعلم ولا يلتفت لموت هرة عند أهل صاحبه الميت .
وقد ذكرتُ في الجزء السادس والستين بعد المائتين من معالم الإيمان ثناء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الصحابي صعب بن جثامة يوم حنين بقوله (لولا الصعب بن جثامة لفضحت الخيل)( )( ).
والصعب بن جثامة حليف قريش وأمه أخت أبي سفيان بن حرب واسمها فاختة وقيل زينب وشارك في فتح اصطخر.
و(لما فتحت اصطخر نادى مناد ألا إن الدجال قد خرج فلقيهم الصعب بن جثامة قال : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره)( ).
ومن فضل الله عز وجل مجئ الثواب للمؤمن بما تركه خلفه من الضوابط والقواعد في عمل الصالحات ، والإنزجار عن السيئات ، وهو من مصاديق الحديث النبوي عند جميع المسلمين ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به ،أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له)( ).
والعلم في هذا الحديث مطلق يدل على القليل والكثير لأن الله عز وجل ينمي القليل الحسن ، وفي الحديث ترغيب بالعلم وترك أثر منه ، وبالصدقة الجارية ، وتنشئة الأولاد على سنن الإيمان ، وكل فرد من هذه الأفراد ذخيرة في عالم البرزخ ويوم القيامة .
ليكون من معاني وتقدير العمل في قوله تعالى وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وقل اعملوا لأنفسكم وذراريكم وموتاكم.
وأن العمل للموتى يصل إليهم ، وأن العمل للأبناء ينفعكم في دنياكم وفي عالم البرزخ ويوم القيامة .
مصاديق انتفاع الميت
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً والأنبياء السابقين [مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ] ومن البشارة والإنذار ما يختص بالإيمان في الحياة الدنيا ، ومنها ما يتعلق بعالم البرزخ ومنها في يوم القيامة .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : الإخبار عن ضغطة القبر , وفي مناسبات متعددة .
الثاني : تأكيد قانون مساءلة منكر ونكير في القبر .
الثالث : بيان قانون الحياة في عالم البرزخ .
الرابع : ذكر مصاديق قانون المنافع التي تأتي للميت من عمل الأحياء من خلفه لبيان قانون نفي البأس عن الذي يقبل على الآخرة ويحضر عنده الموت ومقدماته من المرض المستعصي .
ويأتي الأجر والثواب للميت من وجوه :
الأول : استغفار الأحياء للميت .
الثاني : أداء العبادات والصدقات عن الميت .
الثالث : نزول المصيبة في أهل بيت الميت ، وان كانت يسيرة.
وهل يلزم فيها الإسترجاع وقولهم [إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] لقوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ كي يصل الثواب للمؤمن الميت .
الجواب يصح ويستحب الإسترجاع عند المصيبة مطلقاً ، واسترجاع الأحياء عند المصيبة يضاعف الثواب للميت .
و(عن بريدة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب ، فيقول له : هل تعرفني .
فيقول : ما أعرفك ، فيقول : أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر ، وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته.
وإنك اليوم من وراء كل تجارة . قال : فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار .
ويكس والداه( ) حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا ، فيقولان : بم كسينا هذا؟ فيقال لهما : بأخذ ولدكما القرآن . ثم يقال له : اقرأ واصعد درج الجنة وعرفها ، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلاً)( ).
قانون الصلاح طريق العاقبة الحسنة
ورد في التنزيل وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
في الآية دعوة سماوية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبراءة من العلم بالغيب إلا ما علمه الله عز وجل ، وفيها تأديب للمسلمين.
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنع من الغلو بشخصه الكريم إذ أكدت آيات القرآن عبوديته لله عز وجل وأنه سخر نفسه في الدعوة إلى الإيمان بالله عز وجل وطاعته ، وفي التنزيل وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.
(عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء وهي امرأة من نسائه مأخبرته وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عُثمان بن مظعون. فاشتكى عثمان عندنا فَمرَّضناه، حتى إذا توفي أدْرَجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وما يدريك أن الله أكرمه.
فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي .
قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدا بعده أبدا. وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينا تجري، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ذاك عمله)( ).
يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتأويل رؤيا الصحابيات ، ومنه تأويله لرؤيا أم الفضل في بشارة ولادة الإمام الحسين عليه السلام.
و(عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعجبه الرؤيا الحسنة ، فجاءت امرأة فقالت : يا رسول الله رأيت في المنام كأني أخرجت فأدخلت الجنة ، فسمعت وجبة التجّت لها الجنة ، فإذا أنا بفلان وفلان حتى عدت اثني عشر رجلاً .
وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية قبل ذلك ، فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل : اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ ، فغمسوا فيه ، فخرجوا وجوههم كالقمر ليلة البدر ، وأتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها .
وجيء بصحفة من ذهب فيها بسرة ، فأكلوا من بسره ما شاؤوا ، فما يقلبونها لوجهة إلا أكلوا من فاكهة ما شاؤوا ، فجاء البشير فقال : يا رسول الله كان كذا وكذا . . . وأصيب فلان وفلان ، حتى عدَّ اثني عشر رجلاً.
فقال : عليّ بالمرأة فجاءت فقال : قصي رؤياك على هذا فقال الرجل : هو كما قالت أصيب فلان وفلان)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خير الامور خيرها عاقبة)( ).
ومن أبهى الآمال رجاء الإنسان حسن عاقبته في الدنيا بالتوبة والإنابة ، وحسن عاقبته في عالم البرزخ بالأمن من ضمة (ضغطة) القبر ومن شدة مساءلة منكر ونكير .
وحسن العاقبة في مواطن يوم القيامة في يوم كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ بالأمن من الخوف والحزن فيه .
ويتجلى حسن العاقبة بالختام بدخول الجنة الذي ينال بالخشية من الله ، وأداء الفرائض العبادية ، قال تعالى وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى، والنسبة بين الصلاح والتقوى عموم وخصوص مطلق ، فالتقوى أعم .
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال (والله لاتزول قدم يوم القيامة حتى يسأل عن ثلاث : عن عمره فيما أفناه، عن ماله أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت)( ).
قانون وحدة البلاغ النبوي
لقد أخبر الله عز وجل عن وظائف الذين اختارهم للنبوة والرسالة والتي تتقوم بالبشارة والإنذار ، وليس من حصر لمصاديق البشارة والإنذار التي جاء بها الأنبياء ، منها ما يتعلق بأمور الدنيا ، والأحكام الشرعية ، ومسائل الحلال والحرام .
ومنها ما يخص عالم البرزخ ، ومنها ما يتعلق بيوم القيامة وهو الأهم الذي اجتهد الأنبياء في بيانه بالبشارة العامة للمؤمنين بالثواب بالإقامة الدائمة بالجنة ، والإنذار والوعيد بدخول الذين كفروا النار ، ولبيان أمور :
الأول : قانون التوافق في منهاج الأنبياء .
الثاني : قانون تصديق الأنبياء بعضهم لبعض .
الثالث : قانون تصديق النبي اللاحق للنبي السابق .
الرابع : قانون بشارة الرسول السابق بالرسول اللاحق .
لتنقطع هذه البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا نبي من بعده ، قال تعالى مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
وهل من مصاديق وتقدير قوله تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وما كنا معذبين في عالم البرزخ حتى نبعث رسولاً.
الجواب نعم ، ومنه عرض فرعون وجنوده على النار صباحاً ومساء لجحودهم برسالة ومعجزات موسى عليه السلام مع ظهورها ، ولإصرارهم على عذاب بني إسرائيل .
ويدل قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ على قانون عذاب الكافر في البرزخ لا يخفف عنه العذاب يوم القيامة .
وفي حديث طويل عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى ، قال : يا أبا ذر نعم قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ))( ).
هل تتكرر العقوبة
كما أن الدنيا دار امتحان واختبار وابتلاء فانها دار لنزول العقاب بالإنسان .
ومن مصاديق رحمة الله عز وجل في الدنيا والآخرة أنه تعالى إذا عاقب مسلماً في الدنيا فانه أكرم من أن يعاقبه في الآخرة على ذات الذنوب .
وعن أنس (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أراد الله تعالى بعبدِه الخير عجّل له العقوبة في الدّنيا ، وإذا أراد الله بعبده الشّر أمسك عليه بذنبه حتّى يوافي به يوم القيامة)( ).
ومن لطف الله عز وجل في خلق الناس جعله الحياة الدنيا دار الإستغفار والإنابة والتوبة لبيان قانون التوبة واقية من العقاب في الدنيا وفي الآخرة ، وقانون انتفاء الملازمة بين الذنب والعقوبة لسعة فضل الله ، وللتدارك بالتوبة .
وقد يعفو الله عز وجل ابتداء عن العبد ويمهله ، أو يعفو عنه بفعل آبائه ، أو ما سيأتي من عمل أبنائه الصالحات واستغفارهم له ، والله عز وجل يعلم بما كان وما يكون .
وبالإسناد (عن أبي جحيفة عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : ألا أحدثكم حديثا حق على كل مسلم أن يوعيه ، فقلنا : ألا تحدثنا به ؟ فحدثناه أول النهار ، فنسيناه آخر النهار .
فرجعنا إليه فقلنا : الحديث الذي ذكرت أنه حق على كل مسلم أن يوعيه ، فقد نسيناه فأعده ، فقال : ما من مسلم يذنب ذنبا ، فيؤاخذه الله به في الدنيا فيعاقبه في الآخرة ، إلا كان الله عز وجل أعظم وأكرم أن يعود في عقوبته يوم القيامة .
وما من عبد مسلم يذنب ذنبا ، فيعفو الله عز وجل عنه ، إلا كان الله عز وجل أحلم وأكرم من أن يعود فيه يوم القيامة ، ثم قرأ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ))( ).
تنوع عذاب الظالمين
كما أن من خصائص الحياة الدنيا كثرة النعم على كل إنسان ، وكل جماعة وأفواج .
ولله عز وجل على كل إنسان نعم ينفرد بها لم تأت لإنسان آخر من أيام آدم وإلى يوم القيامة ، وكأن بصمة اليد والعين والأذن مرآة لتعدد النعم ، وفيه حجة على الناس ودعوة لهم للإيمان بآيات ومعجزات خاصة بكل إنسان وهو من مصاديق قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
وهل تنكشف هذه النعم لذات الإنسان في الآخرة ، الجواب نعم له ولغيره بمعنى أن النعم التي على زيد من الناس يراها في الآخرة وكأنها تجري أمامه في شاشة مصورة ويراها غيره من الناس ليشهدوا عليها .
ويبدأ عذاب الكافرين من حين قبض أرواحهم متحدين أو متفرقين .
ولقد أمر الله جبرئيل ليدمر مدائن لوط بعد شيوع الفاحشة بينهم وقال مخبراً عن قوته لما سأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها حملت المدائن من الأرضين السفلى الى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم، بريشة واحدة من جناحي أنتظر أمر ربي إلى الصبح .
ومع هذا تراه يتخلف عن الموضع الذي بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السماء السابعة ولا يتقدمه في الصلاة ويبالغ في إكرامه وفي ذلك دعوة للناس جميعاً للإنقياد لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه خصوصاً وان الله عز وجل قد زكى قوله وفعله ونسبه اليه بالواسطة قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى .
ويتصل تنوع عذاب الكافرين والظالمين في يوم القيامة ، فصحيح أن النار سور جامع لهم ، قال تعالى وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
فان لكل نوع من أنواع الظلم والجحود نوعاً من العذاب في النار .
وفي الخبر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل قال: اطلعت في النار فرأيت وادياً في جهنم يغلي فقلت: يا مالك لمن هذا؟ فقال لثلاثة: المحتكرين، والمدمنين الخمر، والقوادين( ).
والظاهر ان هذه الرؤية غير رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للنار في الإسراء إنما إخبار من جبرئيل لحالة موجودة لذا ترى الشريعة تؤكد على حرمة كل واحدة من هذه الثلاثة.
والمحتكر يجبر من قبل الحاكم على البيع، ولا يعين له السعر، بل يكفي إخراج بضاعته إلى السوق وله ان يبيع بما شاء، نعم لو أجحف يجبر على تخفيض السعر من دون تسعير عليه .
ويصدق عنوان الإحتكار في الخصب بمرور أربعين يوماً على حاجة الناس للطعام مع وجوده عند المحتكر، أما في الشدة والغلاء في ثلاثة ايام، وقد تختلف المدة بحسب الحاجة فتكون في مراتب القحط والابتلاء ساعات معدودات.
وقد جاءت الأخبار بالنهي عن الإحتكار، وبذل أولو الأمر وأهل الحل والعقد في العالم الإسلامي الوسع في الحد منه واجتناب مقدماته.
مسائل في الإحتكار
(مسألة 7) يحرم الإحتكار وهو حبس الطعام انتظاراً به الغلاء مع حاجة الناس له.
(مسألة 8) يتحقق الإحتكار في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن وما يحتاج اليه الناس من الطعام بحسب البلاد والزمان.
(مسألة 9) لو كان هناك طعام غير هذه الخمسة يحتاج اليه الناس عرفاً فتشمله ادلة الإحتكار، كما في بعض البلدان يكون الغذاء الرئيسي فيها الرز او الذرة ونحوها.
(مسألة 10) المحتكر يجبر من قبل الحاكم على البيع، ولا يعين له السعر، بل يكفي اخراج بضاعته الى السوق وله ان يبيع بما شاء، نعم لو اجحف يجبر على تخفيض السعر من دون تسعير عليه.
(مسألة 11) يصدق عنوان الإحتكار في الخصب بمرور اربعين يوماً على حاجة الطعام للناس مع وجوده عنده، اما في الشدة والغلاء فثلاثة ايام، وقد تختلف المدة بحسب الحاجة وربما تكون في بعض مراتب القحط والابتلاء ساعات معدودات.
(مسألة 12) لو ادخر طعاماً حصل عليه بالحصاد او الشراء او الإرث او الهبة ونحوهما مما يزيد عن حاجته وكان في السوق طعام معروض للبيع مثل الطعام المدخر فلا يصدق على هذا الادخار عنوان الإحتكار.
(مسألة 13) للحاكم الشرعي ان يحدد السعر اذا شعر بالحاجة له، او يمضي تحديد من يتولى امور السلطنة، ولا يجوز حينئذ ان يبيع المالك بالأكثر لوجوب انفاذ حكم الحاكم، ولو حدث البيع بالأكثر صح البيع ويجوز رجوع المشتري على البائع بالزائد.
(مسألة 14) قد تكون بعض مراتب الإحتكار مكروهة كما لو كان هناك بديل في السوق للطعام المحتكر.
العذاب في البرزخ
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والناس جميعاً باسراء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى البيت المقدس ثم العروج به إلى السماء ، قال تعالى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وعندما عاد النبي محمد إلى مكة من الإسراء في نفس الليلة أخذ يقص على الناس ما رأه من بدائع صنع الله .
وعن ابن عباس قال (قال رسول الله صلى اله عليه وسلم : لمّا كانت ليلة اسري بي ، ثمّ أصبحت بمكة ، فظعت بأمري ، وعلمت بأنّ النّاس يكذّبوني ، قال: فقعد معتزلاً حزيناً، فمرّ به أبو جهل، فجاء فجلس فقال كالمستهزئ: هل كان من شيء .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم، قال : ما هو ، قال : إنّي أسري بي اللّيلة .
قال : إلى أين ، قال : إلى بيت المقدس ، قال : ثمّ أصبحت بين أظهرنا.
قال : نعم، قال : فلم ير أنّه يكذّبه مخافة أن يجحده الحديث.
فقال : أرأيت إن دعوت إليك قومك أتحدّثهم بما حدّثتني ، قال : نعم ، فدعا قومه فقال: يا معشر بني كعب بن لؤيّ هلمّ ، فانتقضت المجالس، فجاءوا حتى جلسوا إليهما .
فقال : حدّثهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّي أسري بي اللّيلة ، قالوا : إلى أني ، قال : إلى بيت المقدس ، قالوا: ثمّ أصبحت بين ظهرينا ، قال : نعم، قال : فمن بين مصفّق وواضع يده على رأسه مستعجب)( ).
وكان عدد من رجالات قريش قد سافر إلى بيت المقدس ورأى المسجد ومعالم البلدة فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم عن نعوته فأخبرهم وكأنه ينظر إليه .
ومن الآيات أن حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيت المقدس لم ينقطع بل استمر حتى بعد الهجرة وكثرة عدد المسلمين ، فكان معجزة عقلية وحسية ، ومن أحاديث النبي محمد عن الإسراء حديثه عن عذاب البرزخ .
ورآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشخاصاً يعذبون في النار كما في بعض الأخبار ويحتمل وجوهاً :
الأول : إنهم من المسلمين.
الثاني : من الملل الأخرى والأمم السابقة.
الثالث : إنهم من الأجناس السابقة لخلق آدم.
وعن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر)( ).
الرابع : المعنى الأعم الشامل للوجوه الثلاثة المتقدمة.
الخامس : انه من عذاب البرزخ وليس من عذاب النار الذي يكون بعد النشور والحساب يوم القيامة ، قال تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا.
أي يعرض آل فرعون على النار وهم في قبورهم صباحاً ومساءً ، وفيه تعذيب ، وفيه تعذيب لهم ، ومقدمة للعذاب .
وقال الإمام الصادق عليه السلام (ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة لان نار القيامة لا يكون غدوا وعشيا، ثم قال: إن كانوا إنما يعذبون في النار غدوا وعشيا ففيما بين ذلك هم من السعداء، ولكن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة، ألم تسمع قوله عز وجل وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ))( ).
السادس : انه على التمثيل أي انه يحصل للأجسام المثالية التي تتلبس فيها الأرواح قبل النشور وعودتها إلى الأجسام الأصلية.
الأقوى هو الثالث والخامس وأنه من عذاب البرزخ جاء للإعتبار والإتعاظ ولتمامية مدرسة الإسراء والمعراج وتحصيل غاياتها ، وأنهم من الأمم السابقة من ذرية آدم.
الإيمان بالمعراج
المعراج من غرر المعجزات التي اختص الله عز وجل بها النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وحاز شرفها المسلمون جميعاً، وهو مدرسة تترشح عنها دروس وعبر ومواعظ بل وأحكام شرعية لذا وردت نصوص تؤكد على لزوم الإيمان بالمعراج .
و(عن ابن عمارة، عن أبيه قال: قال الصادق عليه السلام: ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء: المعراج، والمسألة في القبر، وخلق الجنة والنار ، والشفاعة)( ) ، والخبر ضعيف سنداً .
وهل المراد الإيمان بها على نحو العموم الإستغراقي أم العموم البدلي الأقوى هو الأول أي يلزم الإيمان بكل واحد منها مستقلاً وعدم انكار أي منها.
وثلاثة من أفراد الحديث تتعلق بمستقبل الإنسان وعالم ما بعد الموت، والمعراج وحده يتعلق بما مضى كمعجزة نبوية مما يدل على موضوعية المعراج في دائرة عقيدة التوحيد والإيمان بالمعاد.
والمراد من المعراج هو صعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء ليلة الإسراء، والسنة بيان للقرآن فصحيح أن الآية تعلقت بالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلا أن السنة توسع حديث الإسراء وتخبر عن تفاصيله، وتبين أنه يتكون من معراجين.
والنسبة بين عالم البرزخ والمساءلة في القبر التي ورد الحديث أعلاه في النهي عنها عموم وخصوص مطلق .
ترى لماذا ذكرت النصوص المساءلة في القبر فيه وجوه :
الأول : ذكر الخاص وإرادة العام ، فالمقصود حياة الإنسان في عالم البرزخ.
الثاني : بيان دخول أعمال الإنسان معه في القبر ومساءلته عليها.
الثالث : موضوعية الملكين منكر ونكير في عالم البرزخ .
الرابع : ثبوت مساءلة منكر ونكير لورودها في أحاديث نبوية مستفيضة ، ومنها حديث الإسراء .
بين هبوط آدم والإسراء
لقد بلغت الكمالات الإنسانية غايتها بالنبي محمد صلى الله عليه واله وسلم فهو سيد البشر، ومن صفات الله تعالى الثبوتية انه عالم، عالم بكل شيء، يعلم الحوادث والجزئيات قبل حدوثها بعلمه الازلي، وتغير المعلومات لا يعني أبداً تغير ذاته، لإن التغير في الإضافات وهي أمور اعتبارية لا أثر لها في العلم الذاتي.
ولقد وردت نصوص كثيرة تؤكد اقرار آدم عليه السلام بمنزلة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم مع سمو مرتبة ونبوة آدم ، وفوزه بالنفخ فيه من روح الله قال تعالى فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا.
(أخرج الطبراني في المعجم الصغير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه ، رفع رأسه إلى السماء .
فقال : أسألك بحق محمد إلا غفرت لي؟ فأوحى الله إليه : ومن محمد؟ فقال : تبارك اسمك . لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .
فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممن جعلت إسمه مع إسمك . فأوحى الله إليه : يا آدم انه آخر النبيين من ذريتك ، ولولا هو ما خلقتك)( ).
وسيبقى موضوع هبوط آدم إلى الأرض نعمة متصلة عليه وعلى ذريته، وصحيح أن الهبوط بالقياس والمقارنة مع سكن الجنة حرمان وخسارة، إلا أن النظر إلى وجود آدم في الأرض بشكل مستقل بعيداً عن المقارنة يظهر رحمة الله تعالى في إكرام آدم وذريته وبداية الخلافة في الأرض وعمارتها بالعبادة والذكر، إلى جانب تهيئة أسباب الرزق فيها.
ولقد شرّف الله الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بآية من القرآن تدل على التقاء المسلمين على محبته قال تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.. الآية، إنه غاية التشريف والإكرام، ويتصل تفضيل النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم بالآخرة حيث الدرجة الرفيعة والمقام الموعود الذي ينعم الله عز وجل به عليه دون غيره.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة)( )، إنه إخبار وبشارة وعنوان العز والرفعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين عامة اذ يلتقون بعرض واحد مع الأنبياء في الإنضمام للواء الحمد والنبوة.
وفي حديث الإسراء والتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء الذين سبقوه مناسبة لتجديد ميثاق الأنبياء وعهدهم للإقرار بتقدمه في منازل العز والفخر ومراتب السمو.
وأفضلية النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم على الأنبياء مطلقاً وآدم عليه السلام خاصة في باب المعجزة معروفة وظاهرة وكانت بياناً لدوام الإكرام وتمام الحجة .
ففي الخرايج عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام ان يهودياً سأل الإمام علي عليه السلام عن معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقابل معجزات الأنبياء فقال: هذا آدم أسجد الله له ملائكته فهل فعل بمحمد شيئاً مثل هذا .
فقال علي عليه السلام: لقد كان ذلك ولكن أسجد الله لآدم ملائكته لم يكن سجود طاعة، أو إنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل، ولكن اعترافاً لآدم بالفضيلة ورحمة من الله له، ومحمد عليه السلام أعطي ما هو افضل من هذا، ان الله جل جلاله صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه فهذا زيادة له يا يهودي( ).
حديث قرب الأجل
مما اختص الله عز وجل به النبي محمداً إكرامه باخبار القرآن عن قرب أجله ، ودنو أوان مفارقته الدنيا .
فلما (نزلت إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال : نعيت إلى نفسي أني مقبوض، فمات في تلك السنة. وقال لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن : إنك لا تلقاني بعد هذا)( ).
ولقد خصّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء عليها السلام بحديث قرب أجله وفيه إكرام لها ونوع مواساة ودعوة للإستعداد للآخرة والتزود من الدنيا بالصالحات، فقد روى البخاري بسنده عن عائشة انها قالت : ان كنا ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، فاقبلت فاطمة سلام الله عليها تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فلما رآها رحب بها ، وقال: مرحباً بابنتي ثم أجلسها عن يمينه او عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديداً، فلما رأى حزنها سارها الثانية، فاذا هي تضحك فقلت لها: انا من بين نسائه خصك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسر من بيننا ثم انت تبكين.
فلما قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألتها عما سارها قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سره.
فلما توفي قلت لها: عزمت عليك لما أخبرتني؟ قالت: أما الآن فنعم، فاخبرتني.
قالت : أما حين سارني في الأمر الأول، فانه أخبرني ان جبرئيل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وانه قد عارضه به العام مرتين ولا أرى الأجل إلا قد إقترب إلي وأصبري فاني نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت .
فلما رأى جزعي سارني الثانية، قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين او سيدة نساء هذه الأمة)( ).
ترى لماذا أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قرب أجله فيه مسائل :
الأولى : منع الغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن القول عند موته بأنه حي لم يمت .
الثانية : تأكيد موت كل رسول من عند الله ، قال تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ.
الثالثة : تهيئة أذهان ومجتمعات المسلمين لما بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : النهي عن الإرتداد بسبب وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : إقرار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالموت ، وشوقه للقاء الله عز وجل .
السادسة : إتخاذ النبي محمد القرائن والأمارات على قرب الأجل .
السابعة : استمرار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحياته اليومية حتى مع قرب الأجل بفضل من الله عزو جل .
الثامنة : الثناء من الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبشارته باكمال الدين من قبل مغادرته إلى الرفيق الأعلى ، قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
موسى (ع) وملك الموت
المختار أن كل إنسان يأتيه الموت بكيفية تختلف عن غيره من البشر من أيام آدم إلى يوم القيامة .
في بيان لبديع صنع الله ، ولموضوعية عمل الإنسان كماً وكيفاً في كيفية زيارة الموت وملك الموت له .
وهل اتصل إكرام الله عز وجل للأنبياء حتى في ساعة الموت ، الجواب نعم ، إذ كان ملك الموت يزور عدداً من الأنبياء ، ثم يزورهم الزيارة الأخيرة ليخبرهم بأنها زيارة الموت ومغادرة الدنيا .
وذكر في كتاب شجرة طوبى( ) عن كتاب (فتوحات القدس) ومن غير إسناد (أن موسى عليه السلام رأى يوما ملك الموت فقال له جئت لزيارتي ام لقبض روحي .
فقال: لقبض روحك فقال موسى: امهلني حتى اذهب واودع اهلي وعيالي فقال: لست مأمورا بالتأخير فقال: أمهلنى حتى اسجد الله فامهله فسجد .
فقال في سجوده : إلهى ومعبودي قل لملك الموت ان يمهلني حتى اودع اهلي وعيالي واقربائي فأمر الله ملك الموت أن يمهله فجاء موسى الى امه فقال : يا اماه ان في قدامي سفرا بعيدا اجعليني من حقوقك في حل.
فقالت : أي سفر هذا ، فقال: سفر الاخرة فبكت امه وودعته .
فجاء موسى عليه السلام عند عياله واطفاله وودع كلا منهم وكان له طفل صغير وكان يحبه حبا شديدا رأى الطفل وداع ابيه اخذ بطرف ثوبه يبكى واضطرب اضطرابا شديدا حتى لم يتمالك موسى نفسه وبكى بكاء شديدا.
فقال الله تعالى : يا بن عمران تجيئ عندي فما سبب بكائك واضطرابك.
فقال : يا رب جزعي واضطرابي لاجل أطفالي فأني رحيم بهم .
فقال الله تعالى : اضرب بعصاك البحر فضرب فانفلق فظهر حجر عظيم ابيض .
فقال الله : اضرب بعصاك الحجر فضرب فانفلق فظهر حجر عظيم ابيض .
فقال الله: اضرب بعصاك الحجر فضرب فانفلق فخرج دود ضعيف كان في فمه ورق اخضر يأكله.
فقال الله : يا موسى اني ارزق هذا الدود الضعيف المستور في جوف الحجر الكائن في وسط البحر فهل انسى اطفالك فطب نفسا فأنى احفظهم حفظا حسنا.
فقال موسى عليه السلام لملك الموت : امض لما امرت فقبض روحه الطيبة.
شدة قبض الروح
من أشق الأمور على الإنسان ساعة قبض روحه ، ومغادرتها الجسد وبها يفارق الإنسان الدنيا لتبدأ ظلمة ووحشة القبر ، ودبيب الدود بكثافة على الجسد الذي كان يعتني به .
وهل يخفف الدعاء المشقة في استقبال الموت ، الجواب نعم .
وكذا كل عمل صالح سواء قصد به الإنسان التخفيف عنه في قبض روحه أو مطلقاً من غير هذا القصد ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ].
وعن كتاب (زهرة الرياض) لإبن طاووس المتوفى سنة 673 هجرية ، قال في شجرة طوبى من غير إسناد (إذا فارقت الروح من البدن نودى بثلاث صيحات يابن آدم تركت الدنيا ام الدنيا تركتك اجتمعت الدنيا ام الدنيا اجتمعك قتلت الدنيا ام الدنيا قتلتك ؟ وإذا وضع على المغتسل نودى بثلاث: اين بدنك القوى ما اضعقك ، واين لسانك الفصيح ما اسكتك ؟ واين احياؤك ما اوحشك .
وإذا لف في الكفن نودى بثلاث: تذهب الى سفر بغير زاد، وتخرج من منزلك فلا ترجع ابدا، وتصير الى بيت ما اهواله .
وإذا حمل على اجنازة نودى بثلاث طوبى لك ان كنت تائبا، وطوبى لك ان كنت تائبا، طوبى لك ان كنت تائبا، طوبى لك ان صحبك رضوان الله، الويل لك ان صحبك سخط الله .
وإذا وضعت الجنازة على شفير القبر نودى بثلاث يابن آدم ما تزودت من العمر ان لهذا الخراب، وما حملت من الغى لهذا الفقر، وما حملت من النور لهذه الظلمة .
وإذا وضع في اللحد نودى بثلاث يابن آدم كنت على ظهري فرحا وصرت في بطني حزينا وكنت على ظهري ضاحكا فصرت في بطني باكيا وكنت على ظهرى ناطقا وصورت في بطني ساكتا .
وإذا ادبر الناس عنه يقول الله: عبدى بقيت وحيدا فريدا وتركوك في ظلمة القبر وقد عصيتني لاجلهم ارحمك رحمة يتعجب منها الخلائق وانا اشفق عليك من الوالدة بولدها)( ).
وفي كل زمان يتناقل الناس ويقرأون في بطون الكتب صفحات من رؤية أو سماع الأحياء لعذاب القبر .
و(وقال زيد بن ثابت: بينا النبي صلى الله عليه وسلم على بغلة له إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال من يعرف أصحاب هذه الأقبر ؟ فقال رجل: أنا.
فقال: متى مات هؤلاء ؟ قال: ماتوا في الإشراك، فأعجبه ذلك ، فقال : إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله عز وجل أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع).
وقال أنس : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا من حيطان المدينة لبني النجار فسمع أصوات قوم يعذبون في قبورهم فحاصت البغلة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى دفن هذا ؟ قالوا: يا رسول الله دفن هذا في الجاهلية فأعجبه ذلك)( ).
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فلولا أن لا تدافنوا) بحذف إحدى التائين أي لولا مخافة عدم التدافن ، خشية من عذاب القبر ، وخوف الفضيحة في الأقارب ، وللرفق بالميت ، وللإنشغال عن العمل .
و(وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني أرى مالا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)( ).
ومعنى (أعجبه ذلك) أي أن أصحاب القبور تلك لم يكونوا من المسلمين.
سماع الأحياء لعذاب البرزخ
قد تنكشف صورة وفرد من عذاب البرزخ للأنبياء ، ولبعض الصحابة ، وأهل البيت والأتقياء في اليقظة ، ليكون موعظة وعبرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
وقد تنكشف لغيرهم أيضاً بفضل من الله عز وجل لأنه سبحانه جعل الدنيا دار الموعظة ، والعبرة ، والبشارة ، والإنذار .
لقد وردت بخصوص إحياء عيسى عليه السلام عدداً من الموتى باذن الله آيتان من القرآن :
الأولى : خطاب من الله تعالى إلى عيسى وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي.
الثانية : قوله تعالى وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ.
لبيان أن هذا الإخراج هو إخراج الموتى أحياء باذن الله ، ومن معاني الجمع بين الآيتين وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي من قبورهم أحياء ، ولتأكيد أن هذا الإحياء لا ينحصر بالميت الذي مات تواً وهو على سرير الموت .
لأن الله عز وجل يرزق بالأتم والأوفى وبما يدل على المعجزة السالمة من المعارضة ومن أسباب الشك والريب .
لبيان فضل الله عز وجل على بعض الأولياء ومن يشاء الله بسماع ما يقع في عالم البرزخ لبعض الموتى ، وهل ينقطع هذا السماع ، الجواب لا ، فهو مستمر في كل زمان وإن كان نادراً .
وقد تتبين أحوال الناس في عالم البرزخ في عالم الرؤيا ، وفيه شواهد كثيرة ، خاصة لذوي القربى والمعارف الذين فارقوا حديثاً .
لا أصل لتسمية الرئيس
المراد من الرئيس هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الملقب برئيس العقلاء وهي تسمية لا أصل لها، لأمور:
الأول : إذا كان أحد يستحق هذه التسمية فهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم الأنبياء وفي الحديث(أدبني ربي فأحسن تأديبي)( ).
الثاني : ليس من دليل على كون شخص لا يأتيه الوحي والتنزيل والتحديث هو رئيس العقلاء، خصوصاً مع الإجماع على عدم عصمته.
الثالث : إذ كان هناك إصطلاح يطلق على الشارع وهو سيد العقلاء فلا يصلح أن تطلق رئاسة العقلاء على واحد من العلماء أو عامة الناس وعلى فرض أن المراد خصوص أهل زمانه فلم يثبت، نعم، وقد يكون مدحاً له في زمانه ولكن هذا المدح استمر له، وكثير من العلماء كان يطرى عليهم، ويبالغ في الثناء عليهم، فأبن الأثير مثلاً يصف أحد العلماء بقوله: إمام الدنيا في زمانه)( ).
(ومن وزراء الدولة العباسية بقوله: ما كان يسمى رئيس الرؤساء لكنه ينصرف إلى مراتب الحكم)( ).
الرابع : لقد قسم الله عز وجل العقل بين الناس وهو من الكلي المشكك عندهم ولا دليل على كون أحدهم فيه رئيساً والآخر مرؤوساً، ولعل التسمية تتعارض مع الحكمة الإلهية في الخلق.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (قال: إن الله خلق العقل، فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر .
ثم قال له : وعزتي وجلالي ما خلقت شيئا أحب إلي منك لك الثواب وعليك العقاب)( ).
الخامس : ما هو شائع في التسمية هو (الرئيس) على نحو الإطلاق وقد يراد من الرئاسة غير ذلك، وقد سماه صدر الدين الشيرازي شيخ فلاسفة الاسلام( )، وفاضل الفلاسفة( ).
السادس : نسب إلى إبن سينا القول بقدم العالم ونفى المعاد الجسماني، وإثبات المعاد النفساني وأنه كان يقول إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، وإنما يعلمها بعلم كلي)( ).
ومن الناس من أثنى عليه ومنهم من قدح به وقال بكفره ومع تعارض المدح والقدح يكون التساقط ، فينظر بموضوعية لأقواله وفق الكتاب والسنة ، وتسميته بالرئيس لا أصل أو موضوع لها.
وورد عن الشيخ البهائي قال: قال الشيخ العارف مجد الدين البغدادي: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقلت ما تقول في حق ابن سينا؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “هو رجل أراد أن يصل إلى الله بلا وساطتي فحجبته هكذا بيدي، فسقط بالنار) وهذه الرؤيا وخبرها ليس بحجة.
ومن خصائص الحياة الدنيا وما فيها من الآيات دعوة الناس للهداية والصلاح والإستعداد لما بعد الموت بخشوع لله عز وجل ، وفي التنزيل يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ.
قانون النبوة هداية للنجاة
النبوة نعمة وفيها بعث لحياة الإيمان ودوام العبودية ، وحسن الإمتثال للأوامر الالهية، والعبادة حاجة ومنفعة للناس وليس لله عز وجل ، وهو سبحانه غير محتاج والحاجة ملازمة للإمكان .
لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى : كل ممكن محتاج .
الصغرى : الإنسان ممكن .
النتيجة : الإنسان محتاج .
ومن حاجة الإنسان إحاطته علماً بأن وراءه عالم البرزخ ، وشدة الحساب ، فبعد الموت تستحضر أعماله في الدنيا ، فتفضل الله عز وجل وأرسل الأنبياء ، قال تعالى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
لذا فالنبوة نعمة عظمى ، ولطف من عند الله عز وجل وسبيل هداية ورشاد للأجيال .
والموت ليس أمراً عدمياً بل هو مناسبة للإنتقال إلى عالم الخلود وأن الدنيا مزرعة للآخرة , قال تعالى خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً.
ويدل عليه الوجدان وقصر أيام الإنسان في الحياة الدنيا بعد طموحه وسعة أمله، والموت قريب منه يهدده بزيارته في كل لحظة تلك الزيارة التي لا تتكرر ، يأتي ملك الموت لينقل الإنسان من دار الإمتحان والإختبار إلى دار الحساب والجزاء ، قال تعالى [قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ] ( ).
والنبوة نوع طريقية إلى العبادة وإرشاد الناس لمصالحهم وأحوال معايشهم وحفظ النوع الإنساني ومنع الأضرار والظلم بينهم، لذا ترى الأنبياء جميعاً ويتبعون الشرع السماوي الذي يجري وفق أسس الصلاح والنفع العام.
ولم يعلم الناس بعالم البرزخ وأحوال الناس في القبور إلا من الأنبياء والكتب السماوية النازلة ، وهو من فضل الله عز وجل على الناس .

شهادة أربعين للميت
ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال : كان في بني إسرائيل عابد فأوحى الله تعالى إلى داود أنه مراء قال: ثم إنه مات ولم يشهد جنازته داود عليه السلام.
فقام أربعون من بني إسرائيل فقالوا: اللهم لا نعلم منه إلا خيرا، وأنت أعلم به منا فاغفر له، فلما وضع في قبره قاموا أربعون غيرهم وقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا فاغفر له ، فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام ما منعك أن تصلي عليه ، قال : الذي أخبرتني به عنه، قال : فأوحى الله إليه أنه قد شهد له قوم فأجزت شهادتهم وغفرت له، وعلمت ما لايعملون)( ).
لبيان موضوعية ونفع شهادة الناس للميت بالصلاح ، ولا تختص هذه الشهادة بالعدل والثقة ، إذ ورد الحديث أعلاه بلفظ (قد شهد له قوم) بصيغة الإطلاق ، وتفضل الله عز وجل وقبل شهادتهم ، وغفر للميت ومحى عنه صفة المراء ، إذ توجهوا بشهادتهم إلى الله عز وجل بقولهم (اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً) ولتضمن هذه الشهادة الإقرار بعالم البرزخ.
لبيان قانون انتفاع الميت من إقرار الحي بعالم البرزخ .
وعن جعفر الصادق عليه السلام (قال : إذا مات المؤمن فحضر جنازته أربعون رجلا من المؤمنين فقالوا : اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا ، قال الله تبارك وتعالى : إني قد أجزت شهادتكم وغفرت له ما علمت مما لا تعلمون)( ).
لبيان فضل الله في إكرام الميت وغفران ذنوبه بدعاء الأحياء له ، ولو صلى الأربعون رجلاً على الميت جماعة ودعا الإمام بالدعاء أعلاه فهل يحتسب أنه صادر منهم أيضاً ، الجواب نعم .
وهل يختص الأمر بالرجال جموداً على النص أم يشمل النساء ، وإذا شملهن هل يلزم ثمانين امرأة كما في الشهادة فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ، الجواب لا ، انما تكفي أربعون امرأة أيضاً وذكر لفظ (رجلاً) في الحديث للغالب ،ومن فضل الله أن الشهادة على الميت في حديث العابد أعلاه لا تقيد بالعدالة والإيمان .
وهل يدل الجمع بين الحديثين على تقيد الإطلاق بالتقييد بالإيمان الوارد في الحديث أعلاه ، الجواب لا ، لأصالة التخفيف عن الموتى بفضل ولطف من الله ، وكفاية توجه الشهود بشهادتهم إلى الله عز وجل بقولهم (اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا).
ولأن الشهادة على الميت على ظاهر أقواله وأفعاله وعدم الإطلاع على سره وقصده الرياء ونحوه ، وإذا كان الناس يرأفون بالميت بحسن الذكر فالله عز وجل هو أرحم الراحمين ، وهو (العفو الغفور).
فلا تستلزم الشهادة على الميت خصال العدالة لإمام الجماعة ونحوها ، والعلم عند الله .
ومن معاني هذه الشهادة إقرار الأحياء باليوم الآخر ، وحاجة الميت إلى رحمة الله .
وفي الصلاة على الميت التي تؤدى جماعة وفرادى : اللهم إنه احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه .
يوم التخاصم
من خصائص يوم القيامة الخصومة بين أرباب الحقوق يومئذ ، قال تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ويدل سياق هذه الآية على أن الخصومة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين كفروا ، وبين المؤمنين والكافرين وموضوع الآية أعم إذ يؤخذ للمظلوم من الظالم ، وللضعيف من الشديد ، ويفتضح السارق والقاتل ، ليؤدى لكل ذي حق حقه .
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)( ).
وليس من تعارض لموضوع الآية أعلاه من سورة الزمر وبين قوله تعالى قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، لأن موضوع هذه الآية هو عند دخول الذين كفروا النار ، ووقوع التلاوم بينهم ، لذا ذكر يوم القيامة في قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، أي أن الخصومة في الموقف ومواطن يوم القيامة لتكون موضوعية ونوع حجة لهذه الخصومة في دخول شطر من الناس الجنة وشطر إلى الناس .
و(عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا)( ).
أي أن أهل الجنة يتوجهون إلى منازلهم في الجنة ، وكأنهم يعرفونها ، ويعرفون ما فيها من النعم ، ومن أسباب هذه المعرفة أنها تعرض عليهم وهم في القبور بالغداة والعشي .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن الجنة ،وإن كان من أهل النار فمن النار، فيقال: هذا مقعدك حتى نبعثك يوم القيامة)( ).
ويدل عليه مفهوم ما ورد في آل فرعون في التنزيل النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، ليقابله عرض الثواب والبشارة للمؤمنين .
وهل الإستغفار للميت والصدقة وأداء الحج والصلاة والصيام عنه يخفف عنه أعباء الخصومة يوم القيامة.
الجواب نعم ، لما في إهداء الصالحات للميت من الأجر والثواب الذي يلحقه ، ويحجب الخصومة عنه أو تكون مادة لتعويض الغير من غير أخذ المظلوم من أصل حسناته .
إن الإقرار بالتخاصم يوم القيامة تسليم بالمعاد والعالم الآخر ، ليكون في هذا الإقرار الأجر والثواب ، وهو مادة للصلاح والتوقي من أسباب الخصومة في الآخرة .
وكان الإمام جعفر الصادق عليه السلام يقول عند الإفاضة من عرفات (اللهم إني أعوذ بك أن أُظلم أو أظلم أو أقطع رحما أو أُؤذي جارا)( ).
لبيان قانون الدعاء واقية من الخصومة يوم القيامة .

قانون الإيمان بالموت
يجب على العبد الإيمان هو الإيمان بالله والنبوة والتنزيل والملائكة واليوم الآخر ، قال تعالى وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ… .
وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا قال : لوح من ذهب مكتوب فيه : شهدت أن لا إله إلا الله ، شهدت أن محمداً رسول الله ، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن .
عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، عجبت لمن تفكر في تقلب الليل والنهار ويأمن فجأتهما حالاً فحالاً)( ).
ترى كيف يكون الإيمان بالموت ، الجواب الإقرار به كخاتمة حتمية للحياة وأنه قريب من الإنسان .
فمن خصائص ضعف الإنسان في المقام أمور :
الأول : عدم معرفة الإنسان أجله وكيفية موته .
الثاني : عجز الإنسان عن دفع الموت ومقدماته عنه .
الثالث : مجئ الموت للإنسان فجأة .
الرابع : إدراك الإنسان انه ومن حوله كل واحد منهم معرض للموت في كل ساعة كالجماعة يركبون في سفينة لا يعلمون حتى تهب عليهم رياح عاتية .
ويبين الحديث أن النسبة بين الإيمان بالموت وبين الفرح هي التضاد والتنافي ، فلا يجتمعان عند المؤمن الذي لا يأمن ما يأتي به الجديدان الليل والنهار .
قانون مغادرة الروح الجسد
لقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومنه الإخبار السماوي عن كيفية قبض أرواح الناس ، والتباين بينها ، ومجئ الموت للناس وهم في أحوال شتى ، فمنهم المؤمن بالله عز وجل ، الذي يعلم بأن الموت ليس عدمياً إنما هو انتقال من عالم إلى عالم آخر ، من عالم الخلافة في الأرض ، والإختيار في القول والفعل والتنعم بالطيبات فوق سطح الأرض وما سخر الله فيها للناس ظاهرها وباطنها ، عالم التنقل والأسفار ، والصلات الإجتماعية ، والحرية الإختيارية( ).
ليغادر الدنيا قهراً وانطباقاً بحلول أجله ويصبح جثة هامدة ، يتناجى الأقربين لدفنه وفق القواعد الخاصة بكل ملة .
وقد أخبر الله عز وجل عن الوفاة وقبض الروح بواسطة ملك الموت الذي ورد ذكره في القرآن مرة واحدة كما في قوله تعالى [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ] ( ).
والآية خطاب وأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باخبار المشركين بأنهم يموتون ، وأن الذي يقبض أرواحهم هو ملك الموت وهو شبيه للملك جبرئيل الذي ينزل بالقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي بدء خلق الإنسان من طين (ذكر في الخبر أنه لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم ، بعث جبريل ليجمع التراب من وجه الأرض ، فلما نزل جبريل وأراد أن يجمع التراب ، قالت له الأرض : بحق الله عليك لا تفعل فإني أخشى أن يخلق من ذلك خلقاً يعصي الله تعالى فأستحي من ربي ، فصعد جبريل وقال : لو أمرني ربي بالرجوع إليها لفعلت .
فلما صعد جبريل بعث الله تعالى ميكائيل ، فتضرعت إليه الأرض بمثل ذلك ، فرجع ميكائيل ، فبعث الله تعالى عزرائيل ، فتضرعت إليه الأرض ، فقال عزرائيل : أمر الله أولى من قولك؛ فجمع التراب من وجه الأرض الطيب والسبخة ، والأحمر والأصفر ، وغير ذلك ، ثم صعد إلى السماء ، فقال له تعالى : أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك؟ فقال : رأيت أمرك أوجب من قولها.
فقال : أنت تصلح لقبض أرواح أولاده . فصار ذلك التراب طيناً ، وكان طيناً أربعين سنة ، ثم صار صلصالاً كما قال في آية أخرى خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ))( ).
وتبين الآية والأحاديث النبوية التي هي بيان للقرآن بأن ملك الموت وكل بقبض أرواح الناس جميعاً ، وهو نفسه من أيام آدم إلى يوم القيامة وإلى أن يأتيه الأجل لقانون تغشي الموت لجميع الخلائق ، قال تعالى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
روي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال (فتعاد روحه في جسده ، فيأتيه ملكان فيجلسانه ، فيقولان له : من ربك؟ فيقول : ربي الله . فيقولان له : ما دينك؟ فيقول : ديني الإِسلام . فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول : هو رسول الله .
فيقولان له : وما علمك؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت .
فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي ، فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة ، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح .
فيقول : أبشر بالذي يسرك . . . هذا يومك الذي كنت توعد . فيقول له : من أنت ، فوجهك الوجه يجيء بالخير . فيقول له : أنا عملك الصالح . فيقول : رب أقم الساعة . . . رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي)( ).
و(عن الزهري قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى ، فإما إلى الجنة وإما إلى النار.
ثم قال: إن نجوت يابن آدم عند الموت فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت حين يحمل الناس على الصراط فأنت أنت وإلا هلكت .
وإن نجوت حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت وإلا هلكت. ثم تلا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال: هو القبر ، وإن لهم فيه لمعيشة ضنكا .
والله إن القبر لروضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار .
ثم أقبل على رجل من جلسائه فقال له: قد علم ساكن السماء ساكن الجنة من ساكن النار فأى الرجلين أنت ؟ وأي الدارين دارك)( ).
من لا يُدفن
ليس من ملازمة بين الموت والدفن ، فقد يتعذر دفن بعض الموتى ، ومن الملل من يقومون بحرق موتاهم .
وهل يشمل ثواب أو عذاب البرزخ الميت الذي لا يُدفن مثل الذي احترق فصار رماداً ، أو غرق في البحر ، أو أكلته السباع ، المختار نعم ، فما ورد من الأخبار النبوية عن القبر وحال الإنسان فيه من باب الفرد الغالب .
والمعنى الأعم للقبر هو ما يتضمن جثة الميت بعد موته ، سواء كان في البر أو البحر أو في بطون الطير والسباع .
قال تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ إذ يظهر الكافر الندم على إصراره على الكفر وإرتكابه السيئات حالما تفيض روحه ، وقبل أن يدفن أو أنه يحرم من الدفن.
وقوله تعالى في الشهداء وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ .. لبيان حياة الشهداء بعد القتل والصلب .
وتتضمن كتب ورسائل الإمام علي عليه السلام أيام خلافته إلى الولاة وأهل الأمصار كيف يعظهم بالتذكير بالموت ليجعله حاضراً في الوجود الذهني ، ومن منافع هذا الوجود السعي في مسالك الصلاح ، والتنزه عن الحرام وارتكاب المعاصي ، ومنه ما ورد بالإسناد عن عبد الله بن الحسن (كتب علي إلى محمد بن أبي بكر و أهل مصر أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله و العمل بما أنتم عنه مسئولون فأنتم به رهن و إليه صائرون فإن الله عز وجل يقول كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وقال وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
إلى أن قال (واحذروا عباد الله الموت ونزوله وخذوله فإنه يدخل بأمر عظيم خير لا يكون معه شر أبدا أو شر لا يكون معه خير أبدا.
وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير إلى الجنة أم إلى النار أعدو هو لله أم ولي له فإن كان وليا فتحت له أبواب الجنة وشرع له طريقها و نظر إلى ما أعد الله عز وجل لأوليائه فيها فرغ من كل شغل ووضع عنه كل ثقل.
وإن كان عدوا فتحت له أبواب النار وسهل له طريقها ونظر إلى ما أعد الله فيها لأهلها واستقبل كل مكروه وفارق كل سرور قال الله تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.
واعلموا عباد طرداء للموت إن قمتم أخذكم وإن هربتم أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من خلفكم فأكثروا ذكر الموت عند ما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات فإنه كفى بالموت واعظا.
قالرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات .
واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت لمن لم يغفر الله له ويرحمه واحذروا القبر وضمته وضيقه وظلمته فإنه الذي يتكلم كل يوم أنا بيت التراب وأنا بيت الغربة و أنا بيت الدود.
والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
إن المسلم إذا مات قالت له الأرض مرحبا وأهلا قد كنت ممن أحب أن تمشي على ظهري فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك فيتسع له مد بصره.
وإذا دفن الكافر قالت له الأرض لا مرحبا ولا أهلا قد كنت ممن أبغض أن تمشي على ظهري فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك فتنضم عليه حتى تلتقي أضلاعه واعلموا أن المعيشة الضنك التي قال سبحانه فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا هي عذاب القبر فإنه يسلط على الكافر في قبره حيات عظام تنهش لحمه حتى يبعث لو أن تنينا منها نفخ الأرض ما أنبت الزرع أبدا)( ).
والذي لم يدفن ولم يُقبر هل تشمله ضغطة القبر أم لا ، الجواب هو الأول ، فتأتيه بمثل ما لو كان قد دفن وضغطت الأرض أضلاعه ، ولا ينجي من ضغطة القبر إلا الدعاء ، والعمل الصالح ، نسأل الله عز وجل أن يقينا وأياكم ضغطة القبر .
(وسئل الصادق عليه السلام : عن المصلوب يصيبه عذاب القبر ، فقال: إن رب الارض هو رب الهواء فيوحي الله عزوجل إلى الهواء فيضغطه أشد من ضغطة القبر)( ).

أول منزل
لقد تضمنت آيات متعددة من القرآن بيان قانون الموت أمر وجودي ، منها قوله تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ، وقوله تعالى حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
وجاءت السنة النبوية التي هي شعبة من الوحي بالإخبار عن عودة الروح للجسد بعد الدفن ، ومجئ الملكين منكر ونكير للحساب الإبتدائي.
(وقيل في بعض الاخبار: إن اسمي الملكين اللذين ينزلان على المؤمن مبشر وبشير، وقيل: إنه إنما سمي ملكا الكافر ناكرا ونكيرا لانه ينكر الحق، وينكر ما يأتيانه به ويكرهه، وسمي ملكا المؤمن مبشرا وبشيرا لانهما يبشرانه من الله تعالى بالرضا والثواب المقيم)( ).
ولو وضع جهاز تصوير وتنصت دقيق داخل القبر لا ترى حركة أو يسمع همس في القبر ، ولا يدل هذا على عدم تحقق الحساب الإبتدائي إنما يدل على أن وقائع العالم الآخر محجوبة عن الناس بحدوثها بكيفية من العالم الآخر لا يقدر عليها إلا الله عز وجل ، فمثلاً الملائكة موجودون في الدنيا ويوثقون أعمال بني آدم ولكن الناس لا يرونهم ، وكذا الجن ، وعالم القبر أول منازل الآخرة ، إذ يبدأ عالم الحساب من غير عمل.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (والموت أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا، فطوبى لمن أكرم عند النزول بأولها، وطوبى لمن احسن مشايعته في آخرها ، والموت اقرب الاشياء من بني آدم وهو يعده أبعد)( ).
لبيان أن النسبة بين الآخرة ويوم القيامة عموم وخصوص مطلق ، فالآخرة أعم ، وتبدأ من حين دخول الإنسان القبر .
وكل من عالم البرزخ ويوم القيامة من الدار الآخرة .
أيهما أقرب للإنسان الأمن أو العذاب في البرزخ ، الجواب هو الأول بلحاظ اللجوء إلى التوبة .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما رأيت منظرا قط إلا القبر أفظع منه)( ).
وفي هذا الحديث دعوة نبوية للمسلمين والناس جميعاً للإستعداد لدخول القبر بالعمل الصالح ، إذ يدل بالدلالة التضمنية على أن في القبر حياة وخوفاً ووحشة .
فصحيح أن الحديث أعلاه ورد بصيغة الجملة الخبرية إلا أنه إنذار وتحذير وموعظة ، وإرادة جميع الناس في الحديث لعمومات قول الله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.
ويدل وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقبر بأنه أول منزل من منازل الآخرة على أن القبر عالم قائم بذاته ، وليس هو مقدمة لعالم الآخرة والحساب إنما هو جزء من عالم الآخرة والحساب.
فالقبر أما أن يكون روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران ، ويختلف عالم القبر عن يوم القيامة بوصول هدايا أهل الدنيا للذي في القبر ، مثل الصلاة والصيام والحج الواجب والمستحب والصدقة .
نعم تحضر هذه الهدايا مع الميت يوم القيامة ، ولكن يوم القيامة يمتاز بعدم وجود أناس في الحياة الدنيا لإنقطاعها بالنفخ في الصور ثم البعث من القبور .
ويتجلى في نداء جميع وفد الحاج بالتلبية (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك) وبلباس الإحرام الذي قانون التذكير بمغادرة الدنيا بالكفن ظاهراً ، والعمل باطناً .
وفي صحيحة (محمد بن أبي عمير عن رجاله عن الصادق عليه السلام : في الرجل يموت وعليه صلاة أو صوم ، قال : يقضيه أولى الناس به .
وعن هشام بن سالم وهو من رجال الصادق والكاظم عليهما السلام قال هشام في كتابه : وعنه عليه السلام قال : قلت له : يصل إلى الميت الدعاء والصدقة والصوم ونحوها ، قال : نعم.
قلت : أو يعلم من يصنع ذلك به ، قال : نعم ، ثم قال : يكون مسخوطا عليه فيرضى عنه)( ).
والسخط أدنى من الغضب ، وليس من سخط أو غضب في القبر إلا من عند الله عز وجل ، وهل عالم القبر من مصاديق قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، أم أن القدر المتيقن من هذه الآية هو يوم القيامة.
الجواب هو الأول ، وقبول الصدقات والهدايا للميت في قبره من ملك الله عز وجل .
ولا يختص الإنتفاع من اهداء الصالحات للميت متحداً أو متعدداً ، بل يشمل ذات الذي يهدي للأموات الصلاة والصيام والحج والإستغفار ، وقراءة القرآن .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من مر على المقابر وقرأ قل هو الله أحد احدى عشرة مرة ثم وهب أجره للاموات اعطي أجره بعدد الاموات)( ).
والمراد قراءة السورة كاملة ، والتي تسمى :
الأول : سورة الإخلاص .
الثاني : سورة التوحيد .
الثالث : سورة [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ].
لبيان تسمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعدد من السور والآيات بأول كلماتها .
قانون بر الوالدين بعد موتهما
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه يتكلم ابتداء في موضوع أو حكم للتفقه في الدين ، وليكون منهاجاً لأجيال المسلمين ، ومنه ذكره لإهداء الصالحات للموتى ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ما يمنع أحدكم أن يبر والديه حيين وميتين يصلي عنهما ويتصدق عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله ببره خيرا كثيرا)( ) وفيه مسائل :
الأولى : الخطاب النبوي أعلاه موجه إلى الصحابة ولكن موضوعه أعم ويشمل أجيال المسلمين من الرجال والنساء ، وقد يكون إهداء البنت لوالديها من الصالحات أكثر من الابن .
الثانية : بيان قانون الصلة بين أهل الدنيا وأهل عالم البرزخ ، والحاجة إلى تقّوم هذه الصلة باهداء الأحياء العبادات وعامة الصالحات إلى موتاهم.
الثالثة : دلالة الإهداء إلى الأموات على التسليم باليوم الآخر وعالم الحساب .
وفي هذا التسليم أجر وثواب إضافي ، وهل يحضر هذا الثواب في القبر عند موت صاحبه ، الجواب نعم .
الرابعة : قانون إهداء الصالحات للوالدين بعد موتهما بر بهما ، ومن مصاديق قوله تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ….
الإحسان للوالدين بعد موتهما بالإستغفار لهما وتلاوة القرآن وعمل الصالحات في ثوابهما مجتمعين ومتفرقين .
ليكون من وجوه تقدير قوله تعالى آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا… ، أيهم أقرب لكم نفعاً بعد وفاتكم وانتقالكم إلى عالم البرزخ حيث الحاجة إلى لصلاة والصيام والصدقة ونحوها من وجوه البر .
الخامسة : جواز إهداء الصلاة للوالدين والصدقة نيابة عنهما وهما في الحياة الدنيا ، وهذا الحديث دليل على جوازه والمبادرة إليه ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، ومن الإحسان إليهما قضاء دينهما .
السادسة : الترغيب ببر الوالدين وما فيه من الأجر والثواب في النشأتين ، وعن السكوني (عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيد الابرار يوم القيامة رجل بر والديه بعد موتهما)( ).
السابعة : هذا الحديث النبوي باب للتدارك في بر الوالدين بعد التقصير معهما والإنشغال عنهما في الدنيا ، وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام (إن الرجل يكون بارا بوالديه وهما حيان، فإذا لم يستغفر لهما كتب عاقا لهما، وإن الرجل ليكون عاقا لهما في حياتهما فإذا ماتا أكثر الاستغفار لهما فكتب بارا)( ).
الثامنة : منع الإختلاف في وصول العبادات للأموات ، فالصلاة والصوم بنية الهدية أو القضاء عن الميت تصله ، وكذا الحج والصدقة ، وقضاء الدين وإعادة الأمانة ، ورد المظالم .
إجماع علماء الإسلام على وصول هدايا الصالحات للأموات وانتفاعهم منها .
التاسعة : ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوالدين من باب المثال الأهم والأقرب ، ويجوز إهداء الصالحات لغيرهما من ذوي القربى وغيرهم مع قصد القربة في أتيانها.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (إن الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة وكل عمل صالح ينفع الميت حتى أن الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه، ويقال: إن هذا بعمل ابنك فلان، وبعمل أخيك فلان. أخوه في الدين)( ).
وسأل عمر بن يزيد الإمام جعفر الصادق عليه السلام (أيصلى عن الميت ، فقال: نعم ، حتى أنه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك الضيق، ثم يؤتي فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك)( ).
وفيه ترغيب باهداء للميت سواء قضاء الصلاة المكتوبة ، أو اهداء النافلة .
العاشرة : الأجر والثواب لمن يهدي الصالحات إلى الأموات ، وفي الحديث وعد متعدد منه قوله صلى الله عليه وآله وسلم (فيكون الذي صنع لهما) وله مثل ذلك فيزيده الله ببره خيراً .
الحادية عشرة : قانون الإقرار بحاجة الأحياء والأموات لرحمة الله .
الثانية عشرة : التسليم باتصال واستمرار الصلة بين أهل الدنيا وسكان القبور .
الثالثة عشرة : الإهداء للأموات فقاهة في الدين ، وارتقاء في العلم ، وتسليم بعلم الغيب .
قانون الموت حياة
لقد أبتلى الله عز وجل الناس بالموت ، ومن خصائص الإنسان الإجتهاد في دفع الموت عنه، ومنه علاج الأمراض واجتناب أسباب الهلكة والإقتتال .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجتنب قتال المشركين ، وحتى في الميدان ينهى أصحابه عن الإبتداء بالقتال أو الرمي .
وقد صدرت لي والحمد لله تسعة وعشرون جزءً بعنوان (لم يغز النبي (ص) أحداً) من بين مائتين وثمانية وستين جزءً من كتابي الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن).
ترى لماذا يجتنب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القتال ، فيه وجوه عديدة منها بخصوص موضوع الكتاب (قوانين البرزخ) أمور :
الأول : الإكتفاء بالمعجزة الحسية والعقلية من الدعوة إلى الله .
الثاني : حضور مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ في ميادين القتال .
الثالث : رجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توبة الذين كفروا وصلاحهم وكان يدعو للجماعة والأفراد بالهداية .
وفي قصة إسلام الطفَيْل بن عَمرو الدوسي أنه أسلم في مكة بعد أن حذره وأنذره رجال قريش من الإستماع لى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فاسلم ورجع إلى قومه يدعوهم للإسلام وابتدأ برزوجته ووالديه ، فبادروا إلى دخول الإسلام وتعاهد الصلاة ، ولكن قومه أبطأوا عليه.
فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له (يَا نَبِيّ اللّهِ إنّهُ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى دَوْسٍ الزنَا فَادْعُ اللّهَ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ اللّهُمّ اهْدِ دَوْسًا ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ . قَالَ فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتّى هَاجَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ.
ثُمّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعِي مِنْ قَوْمِي وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَيْبَرِ .
حَتّى نَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ ، ثُمّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَيْبَرِ فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ)( ).
الرابع : إجتناب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سفك الدماء مطلقاً .
الخامس : إقامة الحجة على الذين كفروا ، فمع كثرتهم وأسلحتهم في الميدان سرعان ما انهزموا أمام المهاجرين والأنصار والمدد من الملائكة .
وقد ورد (عن ابن مسعود قال : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة ، إن كان براً فقد قال الله وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ وإن كان فاجراً فقد قال الله وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ))( ).
ولم يرفع الحديث إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويمكن أن يناقش رواية ودلالة ، فليس الموت دائماً خيراً من الحياة ، بل العكس بخلافه بالنسبة للمؤمن ، لما في إطالة عمره من عمل الصالحات وإتيان الفرائض العبادية.
وفي المرسل (عن طلحة بن عبيد الله التيمي ، أن رجلين من بلي قدما على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان إسلامهما معا ، وكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر ، فغزا المجتهد فاستشهد ثم مكث الآخر بعده سنة ، ثم توفي . فقال طلحة : بينا أنا عند باب الجنة – يعني في النوم – إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة ، فأذن للذي مات الآخر منهما .
فأصبح طلحة ، فحدث الناس فعجبوا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : من أي ذلك تعجبون .
قالوا : يا رسول الله ، هذا الذي كان أشد الرجلين اجتهادا فاستشهد في سبيل الله فدخل الآخر الجنة قبله ، قال : أليس قد مكث هذا بعده سنة وأدرك رمضان فصامه .
قالوا : بلى : وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة .
قالوا . بلى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض)( ).
وقد يكون طول عمر الكافر خيراً له ، إذا كان سبباً للتوبة والإتعاظ ، وتضاؤل الشهوة وأسباب الضلالة عنده ، لذا نزل القرآن بالبعث على التوبة والترغيب بها وأنها سبب للمغفرة من عند الله ، قال تعالى فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الحاجة إلى التوبة
يحتاج الإنسان المبادرة إلى التوبة الفورية لوجوه :
الأول : قانون الحاجة إلى التوبة في الحياة الدنيا .
الثاني : قانون الحاجة إلى التوبة في عالم البرزخ .
الثالث : قانون الحاجة إلى التوبة في مواطن يوم القيامة بعد البعث من القبور .
وأي هذه الوجوه أكثر حاجة ، الجواب هو الأخير ، ثم الثاني .
وليكون من مصاديق قوله تعالى إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، أن الكافر عند دخوله القبر ييأس من إهداء الناس له الصلاة والصيام والصدقة ، أما المؤمن فهو ينتظر وهو في القبر ما يأتيه من أهله وذويه من الصالحات وأعمال البر.
والآية أعلاه من سورة المائدة التي هي من آخر سور القرآن نزولاً ، وهي خالية من المنسوخ لبيان ثبوت قانون التوبة طريق إلى المغفرة ، نعم قيدت الآية التوبة باقترانها بعمل الصالحات ، ومنه أداء الفرائض العبادية ، وذكرت الآية الظلم مطلقاً سواء كان الظلم للذات أو الغير ، والظلم المتحد أو المتعدد والمتكرر ، فان التوبة ماحية له بفضل من الله عز وجل ، وهل يدخل ظلم الإنسان لغيره معه في القبر ، الجواب نعم لأنه شعبة من العمل إلا الذي تدركه التوبة والإنابة وعمل الصالحات سواء تلك التي عملها بنفسه قبل موته ، أو التي تلحقه من أهله .
وعن (عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك وتعالى باسط يده لمسئ الليل ليتوب بالنهار ولمسئ النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها)( ).
نعم ترك الذنب والمعصية من الأصل هو الأولى والأسمى .
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة فاغتنم غفلة المنية)( ).
و(قيل جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله إني أذنبت ذنبا فقال استغفر الله قال إني أتوب ثم أعود قال كلما أذنبت فتب حتى يكون الشيطان هو الخسير.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ما من عبد أذنب ذنبا فقام و توضأ و صلى و استغفر الله من ذنبه إلا كان حقيقا على الله أن يغفر له لأنه يقول وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا، قيل أوحى الله تعالى إلى داود اتق أن آخذك على غرة وتلقاني بلا حجة)( ).
الإجماع على استجواب القبر
إجماع علماء الإسلام على استجواب ومساءلة الموتى في قبورهم ، وتعذيب الكافر في القبر تعذيباً ابتدائياً ، وترشح هذا الإجماع عن الكتاب والسنة النبوية المتواترة مثل عرض منزل الكافر في النار عليه كما في قوله تعالى في آل فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
والمختار أن ذكر آل فرعون في الآية الكريمة أعلاه من باب المثال الأمثل ، والآية عامة في الذين كفروا ، ولكن هذا العرض من العذاب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة .
ولا عبرة بخلاف جماعة من المعتزلة الذين نفوا عذاب البرزخ إتباعاً منهم ضرار بن عمرو المعتزلي الذي (توفي في حدود الثلاثين ومائتين)( ).
وقال يحيى بن معين (ليس بشئ ولا يكتب حديثه سمعت بن حماد يقول ضرار بن عمرو روى عنه الحكم بن عمرو فيه نظر)( ).
تبعته فرقة قليلة وتسمى الضرارية ، قال المرودي (قال أحمد بن حنبل: شهدت على ضرار بن عمرو عند سعيد بن عبدالرحمن، فأمر بضرب عنقه، فهرب.
دخلت على ضرار ببغداد، وكان مشوها وبه فالج، وكان معتزليا، فأنكر الجنة والنار، وقال: اختلف فيهما: هل خلقتا بعد أم لا ؟ فوثب عليه أصحاب الحديث، وضربوه .
وقال أحمد بن حنبل: إنكار وجودهما كفر، قال تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا.
قال أحمد: فهرب ، قالوا : أخفاه يحيى بن خالد حتى مات.
قلت: فهذا يدل على موته في زمن الرشيد.
فأما حكاية جنيد، فيكون حكاها عن أحمد ، وأيضا فإن حفصا الفرد الذي كفره الشافعي في مناظرته من تلامذة ضرار.
قال ابن حزم: كان ضرار ينكر عذاب القبر .
وقال أبو همام السكوني: شهد قوم على ضرار بأنه زنديق، فقال سعيد: قد أبحت دمه، فمن شاء فليقتله.
قال: فعزلوا سعيدا من القضاء، فمر شريك القاضي، ورجل ينادي: من أصاب ضرارا، فله عشرة آلاف.
فقال شريك: الساعة خلفته عند يحيى البرمكي – أراد شريك أن يعلم أنهم ينادون عليه وهو عندهم .
قلت: لمثل هذا تكلم الناس في دين البرامكة)( ).
تباين المقام في الدنيا والآخرة
لقد كان رؤساء قريش بأحسن النعم والجاه وكثرة الأموال ، ببركة البيت الحرام ، ودعاء إبراهيم عليه السلام لهم كذرية له ومجاوري البيت الحرام كما ورد في التنزيل رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
ولكنهم اتخذوا من الأصنام آلهة وصاروا يتقربون بها إلى الله عز وجل ، ويغضون الطرف عن الذين ينصبون أصنام قبائلهم في البيت الحرام ، ويحرسونها لهم .
فتفضل الله عز وجل وبعث النبي محمداً رسولاً من بين ظهرانيهم فصدوا عن رسالته وقاموا بتعذيب المسلمين الأوائل ، وممن عذب آل ياسر وهم :
الأول : ياسر بن عامر بن مالك .
الثاني : عمار بن ياسر .
الثالث : عبد الله بن ياسر وهو أخو عمار .
الرابع : سمية بنت خباط أم عمار مولاة لبني مخزوم .
وعذب عمار بن ياسر وأهل بيته من قبل بني مخزوم لأنهم حلفاؤهم وليس لهم عشيرة في مكة تحميهم وتدفع عنهم ، أما سمية فهي سابعة سبعة في الإسلام ، وكانت أمة لهم ومن شدة التعذيب مع إيمانهم بالله والنبوة وآيات القرآن أغلظت لأبي جهل، وأسمعته كلاماً يؤذيه ويدل على ثباتها على الإيمان ، فغضب عليها .
(وطعنها في قبلها فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام)( ).
واسم أبي جهل عمرو بن هشام ، ومن الآيات أن الإنسان حالما يسمع باسمه ينساه ، ولا يستحضر إلا كنيته التي كناه بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أبا جهل) بعد أن كان الناس يسمونه قبل البعثة أبا الحكم.
لتمر الأيام سريعاً ويكون أبو جهل من أول قتلى المشركين في معركة بدر، ويلقى على مرآى ومسمع من عمار بن ياسر في قليب( ) بدر.
ويكون التباين بينهما في الذكرى في الدنيا والعاقبة في الآخرة ، ليكون إكرام كل جيل من أجيال المسلمين رجالاً ونساءً لسمية أم عمار , وحنقهم وازدراؤهم لأبي جهل نوع مرآة للنعيم الذي تعيش فيه سمية.
وعذاب القبر الذي يكون فيه أبو جهل وما ينتظره من عذاب النار إلى جانب خزيه في عرصات يوم القيامة أمام الناس جميعاً.
فليس من مسلم أو مسلمة وفي كل زمان ومكان لا يعرف جحود أبي جهل وشدة عداوته للإسلام ، وأصراره على الحرب والقتال يوم بدر ، وما لحقه من الخزي وسوء العاقبة ، بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتطلع إلى معسكر المشركين لعلهم يكفون ويعزفون عن القتال .
وهل يلحق أبو جهل بأل فرعون في سنخية وكيفية عذاب القبر في قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، الجواب نعم ، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط .
وأول منازل التباين بين المؤمن والكافر في قبض الروح إذ يقبض ملك الموت روحه بلطف ويسر .
أما الكافر فتقبض روحه بقسوة ، ولا تخرج إلا مع العسر والشدة .
وفي حديث جابر بن يزيد الجحفي عن الإمام الباقر عليه السلام (إذا أراد الله قبض روح الكافر قال: ياملك الموت انطلق أنت و أعوانك إلى عدوي، فإني قد ابتليته فأحسنت البلاء، ودعوته إلى دار السلام فأبى إلا أن يشتمني، وكفر بي وبنعمتي، وشتمني على عرشي.
فاقبض روحه حتى تكبه في النار، قال: فيجيئه ملك الموت بوجه كريه كالح، عيناه كالبرق الخاطف، صوته كالرعد القاصف، لونه كقطع الليل المظلم، نفسه كلهب النار رأسه في السماء الدنيا ورجل في المشرق و رجل في المغرب، وقدماه في الهواء معه سفود كثير الشعب.
معه خمسمائة ملك معهم سياط من قلب جهنم، تلتهب تلك السياط وهي من لهب جهنم)( ).

الشاهد على القبر
وهو العلامة والدلالة التي توضع على القبر لتميزه عن غيره من الأرض ومن القبور الأخرى ، ليكون دليلاً على مكانه لزيارة أهله له وقراءة القرآن عنده ، والترحم عليه ، وقد يدفن عند أقاربه الذين يموتون بعده .
و(عَنِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ أَمَرَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ .
قَالَ الْمُطَّلِبُ قَالَ الَّذِى يُخْبِرُنِى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَىْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ : أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِى وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِى)( ).
ويدل هذا الحديث على استحباب دفن الأقارب متقاربين .
وهل يكتفي بالحجر على القبر ، الجواب لا ، لكثرة القبور في المقبرة فلابد من التعيين بالشاهد على الذي يوضع على القبر ويذكر فيه اسم الميت ، ويجوز كتابة وآية قرآنية على لوح أو حجر أو على القبر ، وينصب الشاهد عند محل رأس الميت .
وسؤال الإستغفار للميت على شاهد القبر .
ولعل الذي منع الكتابة على الشاهد استدل بما ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري (قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ أَوْ يُجَصَّصَ)( ).
والحديث لا يشمل الشاهد للحاجة إليه في زيارة القبور مع إتساع المقابر.
وتوفى عثمان بن مظعون في السنة الثانية للهجرة بعد مشهده معركة بدر (فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع وجعل عند رأسه حجرا علامة لقبره)( ).
وهذا الحجر عنوان مسمى للشاهد .
قانون ذكر الموت زهد
من الخصائص العامة عند كل إنسان ذكره الموت ، فلابد أن يذكر الموت في تفكيره ، وفي كلامه ، ويترجل هذا الذكر في فعله ، نعم منهم من يمر عليه هذا الذكر على نحو عابر من غير تدبر وتفكر فيه ، ومنهم من يتخذه مناسبة للإتعاظ .
وشواهد موت الآباء والأمهات والأصدقاء حاضرة عند كل إنسان .
وذكر الموت مادة للزهد والتطامن والخشوع ، لقانون التضاد بين ذكر الموت وحب الدنيا ومباهجها ، لذا نزل القرآن ، ووردت السنة النبوية بالحث على ذكر الموت ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يزور مقبرة البقيع .
وكان الإمام علي عليه السلام وهو في الكوفة يزور الجبانة وهي المقبرة الواسعة ، وروي أنه خرج ذات ليلة من مسجد الكوفة (وكانت ليلة قمراء ، فأتى الجبانة ، ولحقه جماعة يقفون أثره .
فوقف عليهم ثم قال من أنتم قالوا شيعتك يا أمير المؤمنين ، فتفرس في وجوههم ثم قال فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة قالوا ، وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين.
فقال صفر الوجوه من السهر ، عمش العيون من البكاء ، حدب الظهور من القيام ، خمص البطون من الصيام ، ذبل الشفاه من الدعاء ، عليهم غبرة الخاشعين)( ).
لقد ذكر الإمام علي عليه السلام ست خصال للشيعة تدل على التقوى والخشوع لله عز وجل ، والإجتهاد في أداء الفرائض العبادية .
(وقال بعضهم ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بينى وبين قيام الليل)( ).
لبيان أن حبه للدنيا متعلق باقامته الصلاة ، وعشقه لصلاة الليل التي هي نافلة ، ولكن فيها خلوة مع الله عز وجل .
وإذا كان ذكر الموت باعث على الزهد ، وعدم اللهث وراء زينتها ، فهل الزهد سبب لكثرة ذكر الموت ، الجواب نعم ، من غير أن يلزم الدور بينهما .
لبيان أن من مصاديق الخلافة في قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً إصلاح الإنسان لعبادة الله والخشوع له سبحانه ، والتسليم بأن الموت مقدمة لقاء الله تعالى .
وبالإسناد عن أحمد بن أبي الحواري عن الإمام الصادق عليه السلام قال : كان عتبة الغلام( ) (يقطع الليل بثلاث صيحات يصلي القيامة ثم يضع رأسه بين ركبتيه يفكر فاذا مضى من الليل ثلثه صاح صيحة ثم يضع رأسه بن ركبتيه يفكر فاذا كان السحر صاح صيحة قال أحمد فحدثت به عبد العزيز فقال لي حدثت به بعض البصريين فقال لا تنظر إلى صيحته ولكن انظر إلى الأمر الذي كان منه بين الصيحتين)( ).
ومن منافع إصلاح الأباء والأمهات أولادهم لسبل الهداية والإيمان قيام الأولاد بالهدية لهم بعد انتقالهم إلى عالم البرزخ من الصلاة والصيام والحج والإستغفار ، ويردون عنهم المظالم بالإستغفار لهم ، وبدفع الصدقات والكفارات ورد حقوق الناس التي عليهم .
قوله تعالى [حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ].
وقوله تعالى [أَلْهَاكُمُ] أي أشغلكم عما يجب عليكم ومنه التدبر فيما جاء به رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزات الباهرات ولأن واجب الناس هو عبادتهم لله عز وجل ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.
والتكاثر المكاثرة ، جمع الأموال وتعدد الأملاك والتباري والتباهي بالمال والأولاد والجاه ومتاع الدنيا.
والمقابر : جمع مقبرة ، وهي الموضع الجامع للقبور .
وقوله تعالى حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كناية عن الموت ، ، ولم يرد لفظ (زرتم) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
قال (ابن السكيت: زُرْته زَوراً وزيارة وزُوارة وازدرْته – أتيته)( ).
أي أن معنى الزيارة يشمل المجئ والقصد .
وفي قوله تعالى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ قال (مقاتل والكلبي : نزلت في حيّين من قريش : بني عبد مناف وبني قصي ، وبني سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب ، كان بينهم لِحاء( ) – بكسر اللام- فتعادّوا السادة والأشراف أيّهم أكثر .
فقال بنو عبد مناف : نحن أكثر سيّداً وأعزّ عزيزاً وأعظم نفراً وأكثر عدداً.
وقال بنو سهم مثل ذلك فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا : نعدّ موتانا حتى زاروا القبور فعدّوهم ، وقالوا : هذا قبرُ فلان وهذا قبرُ فلان ، فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات ، لأنهم كانوا أكثر عدداً في الجاهلية فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية)( ).
(وقال الفراء في قول الله تعالى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ نزلت في حيين تفاخرا أيهما أكثر عدداً، وهما بنو عبد مناف، وبنو سهم فكَثرَتْ بنو عبد مناف بني سهم، فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادُّونا بالأحيلة والأموات فكثرتهم بنو سهم فأنزل الله جل وعز [أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ] حتى ذكرتم الأموات)( ).
وهو بعيد ، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الصحابة أو أئمة أهل البيت .
وهذا القول خلاف المتبادر من كلمات وأحكام الآية ومضامينها المتصلة وشواهدها المتجددة في كل زمان وبقاء أحكامها وما فيها من المواعظ والإنذار إلى يوم القيامة .
إذ ورد بالإسناد عن عبد الله بن الشخير (قال : انتهيت إلى رسول اللّه (عليه السلام) وهو يقرأ هذه الآية [أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ] قال : يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك إلاّ ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدّقت فأمضيت.
وروى زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب قال : ما زلنا نشكّ في عذاب القبر حتى نزلت [أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ] إلى كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني في القبر)( ).
لبيان الإنشغال بزينة الدنيا لم يمنع طرو الموت عند الأجل ، ولم تنفع الأموال في إرجائه ، فلا أحد يأخذ معه إلى المقبرة ماله أو جاهه أو صولجانه ، ويكون هذا التكاثر بالأموال مادة وسبباً للحساب .
أقول : هل يشمل المعنى الأعم لزيارة المقابر زيارتها من قبل الأحياء والأموات ، إذ يشيع الأحياء الميت بانتزاعهم ساعة من اللهث وراء تكاثر الأموال والجاه فيدخلون المقابر ، وتكون مادة قهرية للإتعاظ .
ليكون تقدير الآية على وجهين :
الأول : زيارة الميت المقبرة ، وهو جثة هامدة .
الثاني : زيارة الأحياء المشيعين المقبرة ساعة دفن الميت .
الجواب هذا بعيد لإفادة (حتى) في قوله تعالى [حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ] إنتهاء الغاية .
لقد اعطى الحرف (حتى) معنى الدوام لزيارة المقابر ، وأن المراد هنا الموت والدفن في المقبرة .
وجاءت هذه السورة لإنذار الذين كفروا من قريش ، وإنذار الناس في الأجيال المتعاقبة من الإنقطاع إلى الدنيا وزينتها .
والأصل في معنى [حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ] ( ) هو الموت وكناية عنه وكما جاء معنى الزيارة للموت جاء لفظ ذوق العذاب ، ولا يعني إنحصاره بحاسة الذوق مرة واحدة ، قال تعالى بخصوص أهل النار ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ.
بل حتى عند ساعة الموت تأتي كلمة ذوقوا .
لماذا الموت أمر وجودي
الموت هو مفارقة الروح البدن من غير جرح أو نقص يصيبه البدن ، ولكنه يصبح في الحال جثة هامدة يغادرها الحراك يتوقف القلب عن الحركة على نحو نهائي ، ويتغير عنوانه عند العرف ، ويصبح الحديث عن الجنازة والتحضير لدفنها .
وملك الموت ليس بعيداً عن هؤلاء الذين صاروا يتحدثون عن الجنازة إذ يقول أني قريب منكم ، وليس من أحد إلا ويصبح جنازة فاستعدوا لضغطة القبر وسؤال منكر ونكير .
وقال كعب بن زهير في قصيدته بانت سعاد في مدح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
(كُلُّ ابنِ أُنْثَى وإِنْ طالَتْ سَلامَتُه … يَوْماً عَلى آلةٍ حَدْباءَ مَحْمُولُ)( ).
والآلة سرير الميت ، والحدباء : الصعبة الشديدة ، وتأتي بمعنى المرتفعة ، وبمعنى الدابة .
وقد أخبرت آيات قرآنية متعددة عن قانون الموت أمر وجودي منها :
الأولى : أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا.
الثانية : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
الثالثة : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
الرابعة : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.
الخامسة : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ.
والموت أمر وجودي لجهات منها :
الأولى : إنه خلق من خلق الله عز وجل ، كما في قوله تعالى الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ.
الثانية : قيام الموت بوظيفة إنعدام حياة الأفراد .
الثالثة : استجابة الموت لأمر الله عز وجل .
الرابعة : اختلاف وتباين الكيفية التي يأتي بها الموت للناس ، فمنهم من يأتيه الموت بغتة ، ومن غير سبب ظاهر ، ومنهم من يأتيه بعد طول عمر ، قال تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.
من الهرم أو الخرف وذهاب العقل وهو لا ينحصر بعمر معين خاصة مع الإرتقاء العلمي وتعدد المعارف ، وطرق علاج الأمراض والصحة النفسية وتحسن الغذاء والدواء .
ومن خصائص قراءة القرآن طردها للخرف .
و(قال ابن عباس : إنّ نفراً ردوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عذرهم وأخبر أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم)( ).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الله عز وجل (أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا وفتنة الممات)( ).
الخامسة : إدراك طرد الغفلة عن الناس ولزوم أخذ الحائطة للأمر الوجودي الزائر الحتمي لذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين حسن سمت الذي يكثر من ذكر الموت .
(وروى ابنُ ماجة بسَنَده ، عنِ ابن عُمَرَ أنَّهُ قَالَ : كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ .
قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً ، قَالَ : فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ ، قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً ، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ استعدادا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ)( ).
السادسة : تلقي الموت الأوامر من عند الله عز وجل ، ومن ملك الموت ، منها الرفق بالمؤمن عند قبض روحه ، والشدة والغلظة عند قبض روح الكافر لقانون الموت مأمور .
السابعة : حضور الموت كل يوم وكل ساعة في حياة الناس ليزداد ظهور هذا الحضور في زمان العولمة وشبكات التواصل الإجتماعي فتسمع في كل ساعة أنباء عن وفاة متحدة أو متعددة ، وفيه تذكير إضافي بالموت وحضوره المباغت.
الثامنة : زيارة الموت لشخص تذكير للأحياء ممن حوله بالموت ، وفيه شاهد على قانون الموت واعظ ، وقانون الموت زاجر عن المعاصي .
و(قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كفى بالموت واعظا وبالعقل دليلا، وبالتقوى زادا، وبالعبادة شغلا، وبالله مونسا ، وبالقرآن بيانا)( ).
طرو الموت يوم الجمعة
لقد أكرم الله عز وجل يوم الجمعة من بين أيام الأسبوع ، وكل أيام الأسبوع كريمة ، وهي من فضل ولطف الله عز وجل بالناس ، قال تعالى تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ.
وعندما يدنو الأجل من الإنسان يشعر بندم على تفريطه في إطلالة الفجر عليه كل يوم ، وعدم الإنتفاع الأمثل منه ، ومن غروب الشمس وهي آيات لطف بذاتها ، ومن بديع صنع الله ، وما سخره للناس جميعاً .
ووردت مفردات (الأجل) نحو ستين مرة في القرآن ولكنه لم يرد معرفاً فيه إلا في آية واحدة .
وكذا لفظ (الأجلين) في قصة موسى عليه السلام وشعيب وفي غير موضوع الموت ، إذ ورد في التنزيل قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا.
ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع وقد ذكره الله عز وجل في القرآن هو ويوم السبت الذي ورد بخصوص بني إسرائيل ، بينما ورد ذكر يوم الجمعة بخصوص صلاة المسلمين في أجيالهم المتعاقبة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وسميت سورة القرآن باسم الجمعة ، وبينت السنة النبوية شرف وأفضلية يوم الجمعة وعمل الصالحات فيها .
و(عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتدري ما يوم الجمعة ، قال : الله ورسوله أعلم . قالها ثلاث مرات ، ثم قال في الثالثة : هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة لا يتطهر رجل فيحسن طهوره ، ويلبس أحسن ثيابه ، ويصيب من طيب أهله ، إن كان لهم طيب ، وإلا فالماء ثم يأتي المسجد فيجلس وينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كانت كفارة ما بين الجمعة ما اجتنيت الكبائر ، وذلك الدهر كله)( ).
كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام وفيه ادخل الجنة، وفيه اخرج، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)( ).
وعن أوس بن أوس الثقفي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (ان من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي يقولون قد بليت قال إن الله قد حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء)( ).
لبيان إكرام الله عز وجل للأنبياء حتى في عالم البرزخ .
وهل يدل الحديث على انحصار سلامة الأجساد في عالم البرزخ بالأنبياء ، الجواب لا ، فاثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره .
وهل يستحب دعاء المؤمن أن يكرمه الله عز وجل بأن يمنع الأرض من أكل جسده ، الجواب نعم ، ليكون من مصاديق قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، أي ادعوني استجب لكم في أمور الدنيا وعالم البرزخ ويوم القيامة .
لبيان قانون الدنيا دار الدعاء للنشأتين .
ومن خصائص يوم الجمعة سلامة الذي يموت يوم الجمعة من ضغطة القبر وجعله الله بمنزلة الشهداء ، إذ ورد عن الإمام الرضا عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن يوم الجمعة سيد الايام يضاعف الله فيه الحسنات و يمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات ويستجيب فيه الدعوات ويكشف فيه الكربات ويقضي فيه الحوائج العظام وهو يوم المزيد لله فيه عتقاء وطلقاء من النار ما دعا به أحد من الناس وقد عرف حقه وحرمته إلا كان حقا على الله عزوجل أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار فإن مات في يومه وليلته مات شهيدا وبعث آمنا وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقا على الله عز وجل أن يصليه نار جهنم إلا أن يتوب)( ).
وبخصوص ضغطة القبر ورد عن الإمام علي عليه السلام أنه قال (من مات يوم الخميس بعد الزوال وكان مؤمناً ، أعاذه الله عزَّ وجلّ من ضغطة القبر ، وقبل شفاعته في مثل ربيعة ومضر)( ).
وروي (عن الصادق عليه السلام أنه قال: من مات بين زوال الشمس من يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة من المؤمنين أعاذه الله من ضغطة القبر)( ).
نعم لقد أكرم الله عز وجل المؤمن فهو في أي يوم يموت يكون عند الله بدرجة الشهيد إذ ورد عن الإمام علي عليه السلام أنه قال (المؤمن على اى الحالات مات في اى يوم وساعة قبض فهو صديق شهيد ولقد سمعت حبيبى رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لو ان المؤمن خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب اهل الارض لكان الموت كفارة لتلك الذنوب)( ).
رؤية أهل الدنيا لعذاب البرزخ
لقد تضمنت آيات البعث الإنذار للناس جميعاً ، ووردت السنة النبوية بالبيان والتفسير والتأكيد لهذه الآيات ، ومن خصائص الإنذار القرآني الإطلاق وشموله للعوالم الطولية الثلاث الحياة الدنيا ، عالم البرزخ ، يوم القيامة .
وهل هذا الإنذار وعمومه سبب لهداية وصلاح طائفة من الناس ، الجواب نعم ، وفيه حجة متعددة على الذين كفروا من جهات :
الأولى : ذات الإنذار .
الثانية : سماوية الإنذار ونزوله من عند الله عز وجل .
الثالثة : تحقق الشواهد المتعددة لإنذارات القرآن والسنة .
الرابعة : مصاحبة معجزات النبوة للإنذار القرآني .
الخامسة : دخول طائفة من الناس الإسلام بسبب هذه الإنذارات حجة على الذين كفروا.
و(عن ابن عباس قال : جاء أبي بن خلف الجمحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعظم نخر فقال : أتعدنا يا محمد إذا بليت عظامنا ، فكانت رميماً أن الله باعثنا خلقاً جديداً ، ثم جعل يفت العظم ويذره في الريح فيقول : يا محمد من يحيي هذا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعم .
يميتك الله ، ثم يحييك ، ويجعلك في جهنم ، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ))( ).
وفيه شاهد على جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قومه وتعضيد القرآن له ، وبيان الحياة والحساب الإبتدائي في عالم البرزخ ، ثم بعث الناس جميعاً من القبور للحساب وعالم الجزاء.
وفي معركة أحد أصر أبي بن خلف على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(وقال ابن إسحاق: لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، أدركه أبى ابن خلف وهو يقول: لا نجوت إن نجوت.
فقال القوم : يا رسول الله يعطف عليه رجل منا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه ، فلما دنا منه : تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة.
فقال بعض القوم كما ذكر لي : فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا)( ).
ومن الشواهد الظاهرة للناس من عذاب البرزخ ما نزل بأبي بن خلف بعد دفنه .
لقد نزلت آيات القرآن بالوعد والوعيد بما يفيد القطع واليقين ، فقول أبي بن خلف (اتعدنا يا محمد) يقصد آيات القرآن التي نزلت بخصوص المعاد ومنها الآيات التي تتضمن إبطال شبهات المشركين في المقام ، ومنها قوله تعالى وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ.
وقوله تعالى وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.
إلى جانب السنة النبوية القولية والفعلية في الإنذار من عذاب البرزخ ، ووجوب الإستعداد له وليوم الجزاء .
فشاء الله عز وجل أن يرى رؤساء الشرك الذين حاربوا النبوة والتنزيل العذاب حال دخولهم القبور .
وخاتمة الآية من سورة آل عمران إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ أعم في موضوعها وأحكامها من أولها ، لأنها تشمل العوالم الطولية الثلاث الحياة الدنيا ، والبرزخ ، ويوم القيامة ، إذ يتنجز في كل منها ما وعد الله عز وجل به العباد والخلائق كلها ، وفيه بيان لحاجتنا لرحمة الله عز وجل.
وهذا التنجز من ملك الله عز وجل لهذه العوالم ، قال تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )( ).
سؤال الرجوع إلى الدنيا
قال تعالى حَتَّى إذا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
ورد قوله تعالى [أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ] في القرآن مرتين في القرآن ، وكلاهما في ذم الذين كفروا والآية الثانية هي وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
لبيان أن الموت أمر وجودي وهو بالصناعة النحوية فاعل مرفوع يحضر لتبدأ حياة جديدة ، حياة الحساب من غير عمل ، ويعود الضمير في [أَحَدَهُمُ] إلى الذين كفروا ، إذ يود الكافر الرجوع إلى الحياة الدنيا ليتوب ويجتهد في عمل الصالحات ، فيتوسل بالملائكة ليردوه إلى الدنيا ، والله يعلم أنه ليس صادقاً فيما يدعيه ، ولو علم الله عز وجل منه صلاحاً لأرجأ الموت عنه رحمة به.
ومن مصاديق الآية أعلاه سلامة المؤمنين والمؤمنات من الخوف والفزع في البرزخ ويوم القيامة .
ومن لطف الله عز وجل أنه فتح نافذة وضياء ونسيماً من الدنيا إلى عالم القبور لمن يستغفر للأموات ، ويعمل الصالحات ويهدي ثوابها لهم ، لبيان المائز بين المؤمن والكافر في عالم البرزخ ، فيأتي الثواب لمن يموت على الإيمان والتوبة والصلاح ، ويحجب عن الذي يموت على الكفر والجحود ، قال تعالى وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ .
ويحتمل نزول الملائكة في الآية إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وجوهاً :
الأول : في الحياة الدنيا .
الثاني : عند الإحتضار .
الثالث : عند الموت ودخول القبر ، ويأتي منكر ونكير بالبشارة للمؤمن في قبره ، أو يأتي ملائكة آخرون ممن يختصون بنقل هذه البشارة .
الرابع : عند البعث من القبور .
الخامس : التباين والتعدد بحسب مراتب الإيمان والتقوى والصلاح ، فمنهم من تبشره الملائكة من ساعة الإحتضار وتكرر البشارة ، ومنهم في المواطن اللاحقة .
ومن إعجاز الآية أعلاه مجئ ثلاث كلمات تتضمن كل كلمة بشارة خاصة لأجيال المؤمنين فقوله تعالى [َلَّا تَخَافُوا] أي مما أمامكم من شدة وضيق القبر وأهوال الآخرة .
[َلَا تَحْزَنُوا] على ما فاتكم في الحياة الدنيا ، وما خلفتم من الأولاد والأموال فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
[وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ] وعد عظيم لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ، وهو السعادة العظمى .
السادس : تعدد نزول الملائكة على المؤمن من ساعة الإحتضار إلى أن يدخل الجنة ويؤنسون وحشته في القبر ، ويدفعون عنه مساءلة رومان فتان القبور ومنكر ونكير ، ويحضرون عند البعث من القبور ، وساعة النشور ، وعند الميزان وإعانتهم له في العبور على الصراط وإلى أن يدخل الجنة ، وهو من مصاديق ما ورد في التنزيل حكاية عن الملائكة نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ.
فان قلت إن الدنيا دار امتحان واختبار فلا ينزل الملائكة على المؤمنين ، ولم نر هذا النزول ، إنما نزل الملائكة بالوحي على الأنبياء ، والجواب تدل الآية أعلاه على نزول الملائكة على المؤمنين في الدنيا بكيفية لا يعلمها إلا الله عز وجل باخبارهم عن ولايتهم لهم في الدنيا والآخرة .
ويذّكر الملائكة المؤمنين يوم القيامة بولايتهم في الدنيا بهدايتهم إلى سبل الصلاح ، وصرفهم عن السيئات ، ودفع المكاره عنهم ، قال تعالى لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ.
وأخبر القرآن عن نزول الملائكة يوم بدر ، ويوم أحد ، ويوم الخندق .

العين طريق إلى القبر
العين هي قوة نفسانية قد تؤثر في الأبدان والأموال ويسمى صاحبها عائن ، وعاين .
والنسبة بين الحاسد والعائن هو العموم والخصوص المطلق ، فكل عائن هو حاسد وليس العكس ، وكذا فكل معيون هو محسود وليس العكس ، والأكثر الأغلب هو الحاسد أما العاين فهو فرد قليل.
ومن فضل الله عز وجل على الناس أنه جعل الدعاء طريقاً للوقاية منه ، وسبلاً لعلاجه والتدارك بخصوصه إذ يدفع شر العين والحسد ذكر الله وتلاوة القرآن ، والصدقة ، ، والإستعاذة ، سواء الحسد الحال والطارئ كما لو رآه عاين وحاسد .
واللجوء إلى الدعاء وقراءة القرآن والصدقة مطلقاً لجوء إلى الله عز وجل ، واستجارة به من الشرور عامة ، ومن العين والحسد .
ووردت الإستعاذة بالله عز وجل في قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، لبيان أن الإستعاذة من الحاسد تشمل الإستعاذة من العين ، والعائن لقانون انبساط الدعاء العام على الخاص .
ولم يرد لفظ (حاسد) و(حسد) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، مع ورود آيات أخرى في ذم الحسد .
ومنها ما تتضمن ذم الحسد والعين معاً كما في قوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا.
وورد (عن عكرمة في قوله [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ] قال : الناس في هذا الموضع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة)( ).
والمختار أن صيغة الجمع إذا وردت في القرآن فانها تعني المتعدد إلا ما يخص الله عز وجل كما في قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ.
والمراد من الناس في الآية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون وأهل الكتاب وعامة أهل الأرض مما يخص النعم الشخصية من الغنى والصحة والأولاد وطول العمر ، والهداية والإيمان ونحوها إلى جانب النعم العامة التي خص الله عز وجل بها النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وغيرهم من الناس .
فالأصل في لفظ الناس دلالة الألف واللام على العموم الإستغراقي إلا أن يرد دليل خاص على التخصيص والحصر كما في قوله تعالى الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ )( ).
و(عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : العين تدخل الرجل القبر , والجمل القِدر) ( ).
أي يضطر أهله إلى ذبحه وأكله قبل موته من العين والحسد لأن الحاسد يتمنى زوال نعمة الغير.
ولا تختص العين بالبائس والمسكين فقد تأتي من ذي النعمة والجاه , وقد يحسد من هو أعلى شخصاً أدنى منه على خصلة يفتقر إليها أو يتعجب من تحلي صاحبها بها.
وكأن أثر وضرر العين سهم يخرج من نفس وعين العاين ، ولما كان الحسد والحاسد أعم من العاين والإستعاذة من الحاسد تشمل العائن .
والخشية والحيطة من العين أمر مصاحب للإنسان ، وقد ورد في قصة يوسف عليه السلام وصية النبي يعقوب لأولاده [وَقَالَ يَابَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ] ( ) .
لقد كان لمصر أربعة أبواب فخاف يعقوب على أولاده لأنهم أحد عشر ولداً لرجل واحد ، وكانوا أهل طلعة بهية وحسن ، والناس في حال مجاعة وفقر تكون معه العين أظهر وأكثر ضررا بالذات والأثر .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعيذ الحسن والحسين :
أعيذكما بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)( ).
وهل تعويذة النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة في أوانها وزمانها ، أم أنها تتغشى الحسن والحسين عليهما السلام أيام حياتهما ، الجواب هو الثاني .
وفي حديث الرقية هذا بيان لمنزلة الحسن والحسين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة للمسلمين لإعاذة أنفسهم وأولادهم من العين وشرور الشيطان .
والهامة الحيات والحشرات ذوات السموم.
ويسمي العرب النقرة التي في الذقن (النونة) وكأنها بالنسبة للذقن كالنقطة من حرف النون ، أما النقرة التي في الخد والتي تظهر عند الإبتسام فتسمى (الفَحَصة) وكل من النونة والفحصة من علامات الجمال عند العرب.
وكان العرب يسودون النونة عند الصبي المليح أي النقرة التي في ذقنه لترد العين .
وكذلك فعلت معي أمي رحمها الله بتغطية النونة بالوشم ، وأنا صبي في المهد .
وفي قوله تعالى [وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ] ( ).
قال القرطبي أرادت قريش أن يصيبوه (بالعين فنظر إليه قوم من قريش وقالوا : ما رأينا مثله ولا مثل حججه لبيان وجه آخر من عداء ومحاربة قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة إلى قوله تعالىوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وقال أبو ذؤيب :
(وإذا المِنيّةُ أَنشبَتْ أَظفارَهَا … أَلْفَيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنْفَعُ) ( ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم لأصحابه (إنه دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ : الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ، هِيَ الْحَالِقَةُ ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَفَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثْبِتُ ذَاكُمْ لَكُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلام بَيْنَكُمْ)( ).
وجوب الإستعاذة من العين
لقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ومنه لغة البشارة والإنذار في أمور الدنيا والآخرة ، وقد أختتم القرآن بالمعوذتين ليكونا هبة من الله عز وجل لمن ختم قراءة القرآن ، ولمن تلاهما في الصلاة ، وهما سورتان من القرآن ، وتجزي قراءة كل منهما مع الفاتحة في الركعة من الصلاة .
و(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ وَيَقُولُ إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى)( ).
و(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَتَانِ فَتَعَوَّذُوا بِهِنَّ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَعَوَّذْ بِمِثْلِهِنَّ يَعْنِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ)( ).
و(عن أبي بكر الحضرمي قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام إنّ ابن مسعود كان يمحو المعوّذتين من المصحف ، فقال : كان أبي يقول : إنّما فعل ذلك ابن مسعود برأيه وهما من القرآن)( ).
ومن الإعجاز في المقام أن لفظ [مِنْ شَرِّ] ورد خمس مرات في هاتين السورتين مع قلة كلماتهما ، ولم يرد في أي سورة أخرى من القرآن والبالغ عددها (114) سورة .
وفي السنة الواحدة بعد الألفين قبل أربع وعشرين سنة ألقيت على فضلاء الحوزة العلمية محاضرة بعنوان (المعوذتان وجزءيتهما من القرآن) ومدونة في الجزء الخامس أو السادس من (معالم الإيمان).
إذ ورد أربع مرات في سورة الفلق ، ومرة واحدة في سورة الناس ، واختتمت سورة الفلق التي تتألف من خمس آيات وأخرها قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، لبيان انحصار الإستعاذة من الشرور بالله عز وجل ، وتقييد الآية [إِذَا حَسَدَ].
لبيان حسن السمت مع الناس جميعاً حتى الحاسد إلا أن الإستعاذة والحيطة منه بخصوص حسده ، وتمنيه زوال النعمة التي رزقنا الله عز وجل واقية وحرز.
وابتدأت هذه السورة بلفظ (قل) في خطاب وأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خطاب خاص وحكم عام إذ يشمل أجيال المسلمين إلى يوم القيامة ثم الثناء على الله عز وجل ، فمع الإستعاذة به جاء وصفه بأنه رب الفلق لبيان أنه لا يقدر على صرف العين وشرور الخلائق إلا هو سبحانه .
ومن حسن الدعاء المقدمة بالثناء على الله عز وجل .
وتبين آيات سورة الفلق تعدد وضروب الإستعاذة وأنها لا تنحصر بالإستعاذة من الشيطان إنما تشمل كلاً من :
الأول : الإستعاذة من شر الخلائق ، وليس ذات الخلائق ، لتشمل الآية الإنس والجن والدواب والطير ، فلم تقل الآية من شر من خلق ، بل جاءت بصيغة (ما) في مَا خَلَقَ لإفادة العاقل وغير العقل .
الثاني : غاسق أي القمر إذا دخل في الظلام وطوارق الليل وقيل (أنه الليل ، لأنه يخرج السباع من آجامها ، والهوام من مكامنها ويبعث أهل الشر على العبث والفساد ، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي ، قال الشاعر :
يا طيْفَ هِنْدٍ لقد أبقيْتَ لي أرَقا … إذ جئْتَنا طارِقاً والليلُ قد غَسَقا)( ).
الثالث : من شر السواحر المؤذيات اللاتي ينفثن في عقد الخيوط للسحر ورجاء حل ما يعقد السحرة .
الرابع : الحسد أول شر إذ حدث في السماء بحسد إبليس لآدم وحواء .
ومن شر حاسد : أي من شر عينه ونفسه وقوله وفعله .
وقد عّوذ جبرئيل النبي محمداً إذ ورد (عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل أتاه وهو يوعك فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من حسد حاسد ، وكل عين ، اسم الله يشفيك)( ).
ولا يختص الحسد العين بالبائس والمسكين فقد تأتي من ذي النعمة والجاه , وقد يحسد من هو أعلى شخصاً أدنى منه على خصلة يفتقر إليها أو يتعجب من تحلي صاحبها بها.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعيذ الحسن والحسين : أعيذكما بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)( ).
وأعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ، وشر عباده ، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون.
وهل الإستعاذة من الحسد واجب أم مستحب ، الجواب هو الأول ، لسياق سورة الفلق التي تبدأ بالإستعاذة بالله وحده مع الثناء عليه بأنه رب الفلق أي الصبح كعنوان للخلق ، إذ قال تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ.
وتقدير خاتمة الآية : قل أعوذ برب الفلق من شر حاسد إذا حسد.
ووردت الآية بصيغة التنكير في الحاسد لبيان تعدد موضوع الحسد ، وكفاية الدعاء ، والإستعاذة بالله من جميع ضروب الحسد .
وهل تجزي وتشمل الإستعاذة بالله من الحاسد الزمن الماضي والحاضر والمستقبل ، الجواب نعم.
فان قلت كيف تكفي الإستعاذة اللاحقة بالعين في الزمن السابق لها ، الجواب لعلم الله عز وجل بأن العبد سيستعيذ به ، وهو من فضل الله عز وجل ، ومنافع الناس من إحاطته علماً بما وقع وما يقع إلى يوم القيامة ، وفي التنزيل هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
والحسد مذموم شرعاً وعقلاً ، وجاءت هذه الآيات لبعث النفرة منه ، وتذمه وتقي المسلم والمسلمة من الحسد ، فلا يكونا من الحاسدين أو المحسودين ، نعم المؤمن يغبط الغير على ما عنده من النعم ، ويسأل الله عز وجل أن تكون عنده مثلها ، كما ورد (عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) ( ).
فالحسد هنا الغبطة والثناء النفسي الباعث على الرضا .
وسيأتي في الجزء الرابع إن شاء الله وجوه الإستعاذة منها ما ورد في التنزيل وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ.
قوانين هذا الجزء
وفيه القوانين التالية :
الأول : قانون الملازمة بين الظلم والندامة .
الثاني : قانون من الإراردة التكوينية وهو حياة الناس بعد الموت .
الثالث : قانون ذكر الموت ذخيرة .
الرابع : قانون وهو استحضار الإنسان للموت مناسبة للتدارك ، واللجوء إلى الإستغفار ودفع الكفارة ، وقضاء العبادات التي في ذمته .
الخامس : قانون الصلة بين آيات التذكير بالموت.
السادس : قانون دلائل الإنذار في آيات الموت .
السابع : قانون معاني البشارة في آيات الموت .
الثامن : قانون منافع ذكرالموت في الحياة الدنيا .
التاسع : قانون المنافع الأخروية لذكر الموت .
العاشر : قانون من الإرادة التكوينية وهو ضعف الإنسان.
الحادي عشر : قانون ملازمة الحاجة للإنسان .
الثاني عشر : قانون ذكر الموت قصر للأمل وترك للهث وراء كل فان وزائل .
الثالث عشر: قانون التباين في النعم .
الرابع عشر : قانون التباين في كيفية الموت .
الخامس عشر : قانون الحاجة للنجاة من الخزي .
السادس عشر : قانون خاتمة الآية القرآنية فقاهة في الدين .
السابع عشر : قانون الصبر نعمة .
الثامن عشر : قانون صبر المؤمن فرع اليقين.
التاسع عشر : قانون سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترجمان للقرآن .
العشرون : قانون النفع العظيم في الدنيا والآخرة للإسترجاع لقوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
الواحد والعشرون : قانون الحذر من الموت .
الثاني والعشرون : قانون الإيمان واقية من توالي المصائب ، وفي التنزيل يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
الثالث والعشرون : قانون الموت موعظة .
الرابع والعشرون : قانون الزجر عن التمادي في المعاصي .
الخامس والعشرون : قانون المنع من الظلم والجور .
السادس والعشرون : قانون الموت موعظة جلية أبلغ من الخطبة الفصيحة .
السابع والعشرون : قانون الإحتماء بالدعاء والتقوى من ضغطة القبر ، ومن عذاب البرزخ.
الثامن والعشرون : قانون التقوى ضياء في القبر .
التاسع والعشرون : قانون الخشية من الله سكينة في الدنيا.
الثلاثون : قانون التقوى واقية في عالم البرزخ .
الواحد والثلاثون : قانون الإحتجاج على الكفار .
الثاني والثلاثون : قانون إنذار الناس من محاكاة الكافرين .
الثالث والثلاثون : قانون دعوة الكافرين إلى التوبة والإنابة .
الرابع والثلاثون : قانون حتمية الموت .
الخامس والثلاثون : قانون موت أي إنسان لا يتم إلا بأمر من عند الله عز وجل .
السادس والثلاثون : قانون إنقطاع الحياة الدنيا .
السابع والثلاثون : قانون الموت بداية عذاب الكفار، وثواب المؤمنين .
الثامن والثلاثون : قانون الحياة والموت بيد الله تعالى، ولا يقدر عليهما غيره سبحانه.
التاسع والثلاثون : قانون الوقاية من الوسوسة .
الأربعون : قانون أسماء يوم القيامة حرب على الشرك .
الواحد والأربعون : قانون كثرة أسماء يوم القيامة مانع من استحواذ مفاهيم الكفر والجحود على النفوس .
الثاني والأربعون : قانون البعث على التفقه في أحكام اليوم الآخر .
الثالث والأربعون : قانون ثواب الآخرة .
الرابع والأربعون : قانون وجود موضوع الثواب في الدنيا .
الخامس والأربعون : قانون عدم حرمة طلب الثواب في الدنيا بما لا يتعارض مع ثواب الآخرة بل يكون مقدمة ونوع طريق له .
السادس والأربعون : قانون الشواهد الفعلية للإعجاز الغيري للقرآن .
السابع والأربعون : قانون الدعاء إصلاح للذاكرة .
الثامن والأربعون : قانون الدعاء واقية من الخرف وداء الزهايمر (ALzheimer) حتى مع تقدم العمر .
التاسع والأربعون : قانون في الدعاء تثوير للذاكرة .
الخمسون : قانون الدعاء طرد للغفلة والنسيان ، وفي التنزيل وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
الواحد والخمسون : قانون الدعاء تنمية لملكة الذاكرة .
الثاني والخمسون : قانون الدعاء وسيلة لكثرة ذكر هادم للذات والتخفيف من سكرات الموت .
الثالث والخمسون : قانون انتفاء المؤمن من الصفة العامة والخاصة لرحمة الله .
الرابع والخمسون : قانون هداية المسلمين للدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بالأسماء الحسنى .
الخامس والخمسون : قانون جزاء الشاكرين .
السادس والخمسون : قانون أعمال العباد حاضرة عند الله قبل فعلها واثناءه وبعده .
السابع والخمسون : قانون الأمن في الآخرة للمؤمن الذي يعمل الصالحات .
الثامن والخمسون : قانون الشكر لله عبادة .
التاسع والخمسون : قانون الجزاء الكريم .
الستون : قانون الدعاء تخفيف عن العبد .
الواحد والستون : قانون وقاية القرآن تاليه في القبر ويوم القيامة ففي القبر تنجيه سورة الملك ، وفي الآخرة سورة الكهف .
الثاني والستون : قانون الهلاك لذوي النفوس بخروج النفس من الجسد ، مما لها روح كما في الإنسان إذ أكرمه الله عز وجل بقوله وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، أو الكائنات ذوات النفوس المتلبسة بالأبدان .
الثالث والستون : قانون التقييد في الإذن الإلهي للملائكة فلا يعملون أي فرد من أعمالهم إلا باذن الله .
الرابع والستون : قانون الإستجارة بالله .
الخامس والستون : قانون الإستجارة بالله حاجة من غير تقييد .
السادس والستون : قانون الشفاعة ذخيرة .
السابع والستون : قانون تعدد المعجزة .
الثامن والستون : قانون توالي المعجزات .
التاسع والستون : قانون إقرار كثير من الناس بالمعجزة .
السبعون : قانون الدعاء واقية وحصانة وتثبيت للمعجزة .
الواحد والسبعون : قانون الدعاء برزخ دون الغرر والجهالة والإفتتان الذي قد يصيب بعضهم عند رؤية الآية)( ).
الثاني والسبعون : قانون التذكير بالموت حاجة عقائدية لصلاح النفس.
الثالث السبعون : قانون ذكر الموت تنزيه من شوائب الشهوة.
الرابع والسبعون : قانون الإسترجاع سبيل لطرد وسوسة الشيطان .
الخامس والسبعون : قانون الإسترجاع حاجز دون اليأس والقنوط والجزع والهلع .
السادس والسبعون : قانون حاجة الإنسان للصبر عند المصيبة ، ومنه قول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
السابع والسبعون : قانون الإسترجاع مائز للمسلمين في عالم القبور .
الثامن والسبعون : قانون الإسترجاع فرع الصبر .
التاسع والسبعون : قانون النفرة من الفعل القبيح واقية من إرتكابه وملابسته والدنو منه.
الثمانون : قانون الصبر موعظة وسبب للصلاح .
الواحد والثمانون : قانون ندامة القاتل .
الثاني والثمانون : قانون نفرة الناس من القتل .
الثالث والثمانون : قانون منافاة القتل للخلافة في الأرض .
الرابع والثمانون : قانون ندامة القاتل لخسارته .
الخامس والثمانون : قانون ندامة القاتل على القتل .
السادس والثمانون : قانون الندامة عاقبة القتل ظلماً وتعدياً .
السابع والثمانون : قانون ندامة القاتل عند دخوله القبر ، ومساءلة منكر ونكير عن سفكه الدم .
الثامن والثمانون : قانون ندامة القاتل في مواطن يوم القيامة ، قال تعالى مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ.
التاسع والثمانون : قانون الرد بالأحسن حصن .
التسعون : قانون الإستغفار واقية في عالم البرزخ .
الواحد والتسعون : قانون مصاحبة الندامة للقاتل .
الثاني والتسعون : قانون الموت كتاب مؤجل .
الثالث والتسعون : قانون ساعة موت كل إنسان بيد الله عز وجل وحده ، وهو من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض , والتقدير لا يغادر خليفتي الدنيا إلا بأمري.
الرابع والتسعون : قانون الدعاء تخفيف للحساب .
الخامس والتسعون : قانون الإستعاذة حصن في القبر.
السادس والتسعون : قانون الموت انتقال من عالم إلى عالم آخر عالم الرحمة والمغفرة من الله .
السابع والتسعون : قانون لكل إنسان كيفية يموت فيها تختلف عن موت أي إنسان من البشر من آدم وإلى يوم القيامة.
الثامن والتسعون : قانون السبب والمسبَب ، والعلة والمعلول ، ليرجو الناس سعة رحمة الله ، ويأملون فضله.
التاسع والتسعون : قانون الموت ليس عدماً محضاً.
المائة : قانون الإختلاف بين الناس في كيفية قبض الروح التباين في مدة قبض الروح وكيفيته.
الواحد بعد المائة : قانون ذكر الموت واقية.
الثاني بعد المائة : قانون عذاب البرزخ لا يسقط عذاب يوم القيامة .
الثالث بعد المائة : قانون المقابر عقب التكاثر.
الرابع بعد المائة : قانون كثرة أسفار الذين كفروا من تكاثرهم في الأموال والتجارة والأسفار ، والنسبة بين التكاثر في الآية أعلاه وبين كثرة أسفار الذين كفروا عموم وخصوص مطلق .
الخامس بعد المائة : قانون إجتماع الوعيد للذين كفروا والهداية للذين آمنوا في الموضوع المتحد .
السادس بعد المائة : قانون تنزيه أجيال المسلمين من الإفتتان بالأموال واللهث في جمعها .
السابع بعد المائة : قانون الدعاء وسيلة للنجاة من الخزي يوم القيامة.
الثامن بعد المائة : قانون الملازمة بين دخول النار والخزي بين الخلائق.
التاسع بعد المائة : قانون الوعد بالجزاء.
العاشر بعد المائة : قانون السنة النبوية برزخ دون اختلاف المسلمين .
الحادي عشر بعد المائة : قانون الحضور عند المحتضر .
الثاني عشر بعد المائة : قانون الدنيا دار الإستجابة للمؤمنين بخصوص الوقائع وأمور الدنيا والآخرة.
الثالث عشر بعد المائة : قانون نفع دعاء الحي للمعدوم ممن مات ومن لم يولد بعد .
الرابع عشر بعد المائة : قانون إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ، وهو شعبة من الوحي.
الخامس عشر بعد المائة : قانون ندم قابيل في النشأتين .
السادس عشر بعد المائة : قانون مصاحبة الندم للقاتل في النشأتين .
السابع عشر بعد المائة : قانون ندم القاتل في البرزخ .
الثامن عشر بعد المائة : قانون القتل والكفر يورث الندامة ، ومن الخسارة أسباب الحسرة والندامة وعذاب القبر .
التاسع عشر بعد المائة : قانون ندم قابيل في الآخرة .
العشرون بعد المائة : قانون تأكيد العام للخاص ، وهذا القانون مستحدث هنا فما يصيب آل فرعون بسبب شركهم يصيب المشركين عامة.
الواحد والعشرون بعد المائة : قانون الكفر ظلم في النشأتين.
الثاني والعشرون بعد المائة : كل آية قرآنية قانون متعدد ومستديم ومناسب لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة .
الثالث والعشرون بعد المائة : قانون الآية القرآنية سالمة من التحريف والزيادة والنقصان.
الرابع والعشرون بعد المائة : كلمة (القانون) بين أصل الوضع والإستعمال.
الخامس والعشرون بعد المائة : قانون الزكاة سبب لنماء الحسنات وزيادتها وحضورها في الآخرة .
السادس والعشرون بعد المائة : قانون اتخاذ العلم طريقاً للإيمان ، وسبيل نجاة في عالم البرزخ .
السابع والعشرون بعد المائة : قانون مساءلة منكر ونكير في القبر .
الثامن والعشرون بعد المائة : قانون الحياة في عالم البرزخ .
التاسع والعشرون بعد المائة : قانون المنافع التي تأتي للميت من عمل الأحياء من خلفه.
الثلاثون بعد المائة : قانون نفي البأس عن الذي يقبل على الآخرة ويحضر عنده الموت ومقدماته من المرض المستعصي .
الواحد والثلاثون بعد المائة : قانون الصلاح طريق العاقبة الحسنة.
الثاني والثلاثون بعد المائة : قانون وحدة البلاغ النبوي.
الثالث والثلاثون بعد المائة : قانون التوافق في منهاج الأنبياء .
الرابع والثلاثون بعد المائة : قانون تصديق الأنبياء بعضهم لبعض .
الخامس والثلاثون بعد المائة : قانون تصديق النبي اللاحق للنبي السابق.
السادس والثلاثون بعد المائة : قانون بشارة الرسول السابق بالرسول اللاحق .
السابع والثلاثون بعد المائة : قانون عذاب الكافر في البرزخ لا يخفف عنه العذاب يوم القيامة .
الثامن والثلاثون بعد المائة : قانون التوبة واقية من العقاب في الدنيا وفي الآخرة.
التاسع والثلاثون بعد المائة : قانون انتفاء الملازمة بين الذنب والعقوبة لسعة فضل الله ، وللتدارك بالتوبة .
الأربعون بعد المائة : قانون النبوة هداية للنجاة .
الواحد والأربعون بعد المائة : قانون انتفاع الميت من إقرار الحي بعالم البرزخ.
الثاني والأربعون بعد المائة : قانون الدعاء واقية من الخصومة يوم القيامة .
الثالث والأربعون بعد المائة : قانون الإيمان بالموت .
الرابع والأربعون بعد المائة : قانون مغادرة الروح الجسد .
الخامس والأربعون بعد المائة : قانون تغشي الموت لجميع الخلائق.
السادس والأربعون بعد المائة : قانون صرف الدعاء لضغطة القبر .
السابع والأربعون بعد المائة : قانون الموت أمر وجودي.
الثامن والأربعون بعد المائة : قانون التذكير بمغادرة الدنيا بالكفن ظاهراً ، والعمل باطناً .
التاسع والأربعون بعد المائة : قانون بر الوالدين بعد موتهما .
الخمسون بعد المائة : قانون الصلة بين أهل الدنيا وأهل عالم البرزخ ، والحاجة إلى تقّوم هذه الصلة باهداء الأحياء العبادات وعامة الصالحات إلى موتاهم.
الواحد والخمسون بعد المائة : قانون إهداء الصالحات للوالدين بعد موتهما بر بهما.
الثاني والخمسون بعد المائة : قانون الإقرار بحاجة الأحياء والأموات لرحمة الله .
الثالث والخمسون بعد المائة : قانون الموت حياة .
الرابع والخمسون بعد المائة : قانون الحاجة إلى التوبة في الحياة الدنيا .
الخامس والخمسون بعد المائة : قانون الحاجة إلى التوبة في عالم البرزخ .
السادس والخمسون بعد المائة : قانون الحاجة إلى التوبة في مواطن يوم القيامة بعد البعث من القبور.
السابع والخمسون بعد المائة : بيان ثبوت قانون التوبة طريق إلى المغفرة .
الثامن والخمسون بعد المائة : قانون ذكر الموت زهد .
التاسع والخمسون بعد المائة : قانون التضاد بين ذكر الموت وحب الدنيا ومباهجها ، لذا نزل القرآن.
الستون بعد المائة : قانون الموت مأمور .
الواحد والستون بعد المائة : قانون الموت واعظ .
الثاني والستون بعد المائة : قانون الموت زاجر عن المعاصي .
الثالث والستون بعد المائة : قانون الدنيا دار الدعاء للنشأتين .
الرابع والستون بعد المائة : قانون انبساط الدعاء العام على الخاص .


المقدمـــة………………………………………………….. 3
كلمة (القانون) بين أصل الوضع والإستعمال 11
أسماء عالم البرزخ 13
تسمية هذا الكتاب (قوانين البرزخ) 15
الإقرار بالبرزخ 17
الإحتجاج بيوم الحساب 19
عالم الذر 23
قانون ذكر الموت ذخيرة 26
ذكر أسماء الموت ودلالتها 28
آدم وملك الموت 32
وفاة آدم 34
مادة هلك 38
قانون المقابر عقب التكاثر 39
شدة الفتن في آخر الزمان 43
قانون الحضور عند المحتضر 46
مكروهات ساعة الإحتضار 49
قراءة سورة البقرة عند الموت 51
قانون التباين في النعم 53
قانون التباين في كيفية الموت 54
أسماء ملكي القبر 55
صلة الرحم 57
قانون الحاجة للنجاة من الخزي 58
آيات في الإحتضار 60
قانون الصبر نعمة 62
قانون الحذر من الموت 64
صرف المصائب 66
قانون الموت موعظة 67
قانون الإحتجاج على الكفار 69
السلامة في البرزخ 72
في المستحبات بعد الموت 74
قانون الملازمة بين الظلم والندامة 75
قانون الإنقضاء 79
قانون الوقاية من الوسوسة 80
دلالة تعدد أسماء يوم القيامة 83
قانون الدعاء إصلاح للذاكرة 89
قانون انتفاع المؤمن من الصفة العامة والخاصة لرحمة الله 91
قانون جزاء الشاكرين 94
قانون الجزاء الكريم 96
زيارة الموت لكل إنسان 98
قانون الإستجارة بالله 100
تذكير الملوك بالموت 103
الملوك والقبر 104
مصاديق الخزي في الآخرة 106
قانون الشفاعة ذخيرة 109
مسائل في إحياء عيسى (ع) الموتى 111
فضل الإسترجاع 114
قانون الإسترجاع فرع الصبر 117
قانون ندامة القاتل 120
خزي قابيل 124
قانون الموت كتاب مؤجل 127
قانون الرد بالأحسن حصن 129
معجزة نجاة النبي (ص) من كيد الكافرين 132
الملكان منكر ونكير 134
قانون الدعاء تخفيف للحساب 136
لماذا الصلاة على الميت 140
قانون الإستعاذة حصن في القبر 142
لقاء الله سبحانه 144
تسمية يوم القيامة 146
البشارة والإنذار في تسمية يوم القيامة 147
البكاء من خشية الله 150
الإماتة ثم الإحياء 152
الموتى يسمعون 155
آيات ذكر فيها الموت 157
أحاديث عن ساعة الموت 161
قانون ذكر الموت واقية 163
ليلة الشهادة 165
عذاب القبر على الزنِا 168
سليمان (ع) وملك الموت 171
حمّى ليلة والموت 173
سؤال النجاة من الخزي في الآخرة 175
الإستجارة حاجة 178
الدعاء الجماعي 179
قانون الوعد بالجزاء 181
النداء إلى القتلى 183
قتلى القليب في ديوان الشعر 184
سيماء السجود 186
الحكم لله يوم القيامة 187
المواساة عند المصيبة 189
ذكر الله حرز في البرزخ 190
التضاد في الآخرة 193
موضع قتل هابيل 195
م/ قبر هابيل بن آدم في البصرة 196
قانون ندم قابيل في النشأتين 199
قانون ندم القاتل في البرزخ 202
قانون ندم قابيل في الآخرة 203
التوصية 204
نفختا الصور 206
العرض على النار يوم القيامة 208
قبض الروح 209
النفخ في الصور 212
هبة ضغطة القبر 214
النجاة من ضغطة القبر 215
ضياء في القبر 218
مدة البقاء في البرزخ 220
معنى الصيحة 221
قراءة القرآن حصن من الأشباح والجن 224
ديوان الشعر توبيخ للكفار 227
قانون الكفر ظلم في النشأتين 228
قراءة في الجزء الثاني من كتابي (قوانين البرزخ) 230
الحوض 232
قدوم أخت أمية على النبي (ص) 234
دفن أبي ذر 235
فلسفة الدفن 237
دفن مصعب بن عمير 238
لحوق الأجر بعد الموت 240
مصاديق انتفاع الميت 242
قانون الصلاح طريق العاقبة الحسنة 243
قانون وحدة البلاغ النبوي 246
هل تتكرر العقوبة 247
تنوع عذاب الظالمين 248
مسائل في الإحتكار 250
العذاب في البرزخ 251
الإيمان بالمعراج 253
بين هبوط آدم والإسراء 255
حديث قرب الأجل 257
موسى (ع) وملك الموت 259
شدة قبض الروح 260
سماع الأحياء لعذاب البرزخ 262
لا أصل لتسمية الرئيس 263
قانون النبوة هداية للنجاة 265
شهادة أربعين للميت 267
يوم التخاصم 268
قانون الإيمان بالموت 271
قانون مغادرة الروح الجسد 272
من لا يُدفن 275
أول منزل 278
قانون بر الوالدين بعد موتهما 281
قانون الموت حياة 284
الحاجة إلى التوبة 287
الإجماع على استجواب القبر 288
تباين المقام في الدنيا والآخرة 290
الشاهد على القبر 293
قانون ذكر الموت زهد 294
قوله تعالى [حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ]. 296
لماذا الموت أمر وجودي 299
طرو الموت يوم الجمعة 302
رؤية أهل الدنيا لعذاب البرزخ 305
سؤال الرجوع إلى الدنيا 308
العين طريق إلى القبر 311
وجوب الإستعاذة من العين 315
قوانين هذا الجزء 318

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
1045 لسنة 2025