بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمـــة
الحمد لله الذي جعل مقاليد الأمور كلها بيده ، وهو من الشواهد على التوحيد وإنتفاء الشريك لله عز وجل ، وفيه رحمة بالخلائق ومنها حاجتها لله عز وجل في كل آن ، ومن خصائص الإنسان حاجته لرحمة الله قبل ولادته وأيام حياته وبعد وفاته لقانون حاجة الإنسان المستديمة لله عز وجل في العوالم الطولية الثلاثة الحياة الدنيا وعالم البرزخ ، ويوم القيامة ، قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.
الحمد لله الذي رزق الإنسان ما لم يرزق غيره من الخلائق بأن جعله فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وفيه شاهد على حب الله عز وجل للناس ، ولزوم شكرنا على هذه النعمة شكراً قولياً وفعلياً .
وليس من حد لكل منهما ، ومن الشكر لله أداء الفرائض العبادية .
وهذا الكتاب هو الجزء الثاني من كتابي الموسوم (قوانين البرزخ) أي المعالم والوقائع والقواعد التي تحدث للإنسان بعد إدخاله القبر .
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا ذات بهجة وسعادة ، ومن الآيات أن أيام الغبطة والسعادة في الحياة الدنيا أكثر من أيام الحزن والمصائب ، لذا جاء قوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، بصيغة الجملة الشرطية بأداة الشرط (إذا) التي تفيد اليقين الذي يتحقق ، وهي أعلى مرتبة من (إن) التي تتضمن معنى الظن .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، الجواب نعم لبيان أن هذا النفخ نعمة عظمى ، وسبب لتوالي نزول النعم على الناس لبيان قانون وجوب الشكر لله على نعمة قانون كثرة أيام السعادة ، وقانون تسخير النعم في طاعة الله عز وجل وعمل الصالحات ، ليغادر الإنسان الدنيا على سنن التقوى .
وتلك المغادرة نعمة عظمى نسأل الله عز وجل الفوز بها وبالأمن بعد الموت ، وأيهما أكثر حاجة للإنسان الأمن في الدنيا أو الأمن في عالم البرزخ ، والأمن يوم القيامة ، الجواب هي على الترتيب الآتي في الحاجة إليها :
الأولى : الأمن يوم القيامة .
الثانية : الأمن في عالم البرزخ .
الثالثة : الأمن في الدنيا .
ومن خصائص نعمة الدعاء الإطلاق في المسألة .
وهل يمكن القول بأن آيات الأمن من الخوف ، والحزن يوم القيامة مقيدة للإطلاق في آيات أخرى ، الجواب لا .
فقوله تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ليس مقيداً للإطلاق في قوله تعالى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
والعموم في أهل الملل السماوية بقوله تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
فان قلت قد يعتري المؤمن الخوف ويصيبه الحزن في الدنيا ، والجواب إنه أمر عرضي طارئ سرعان ما يزول ، وفيه الأجر والثواب ، ومغفرة الذنوب والخطايا .
ويتجلى قانون كل إنسان يذكر الموت ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وللحجة على الإنسان بلزوم الإقرار بالمعاد والتدبر بما بعد الموت .
وذكر الإنسان للموت من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وتدل آيات القرآن والسنة النبوية على لزوم الإكثار من ذكر الموت ، وقد سمّاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث هادم اللذات.
و(فيما كتب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن أبي بكر: عباد الله إن الموت ليس منه فوت فاحذروا قبل وقوعه وأعدوا له عدته، فإنكم طرد الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم، الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوي خلفكم، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، وكفى بالموت واعظا، وكان رسول الله صلى الله عليه واله كثيرا ما يوصي أصحابه بذكر الموت فيقول: أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات، حائل بينكم وبين الشهوات)( ).
وورد عن الإمام زين العابدين في دعائه (وانصب الموت بين أيدينا نصبا ، ولا تجعل ذكرنا له غبا)( ).
وذكر الموت مطلوب بذاته ، وهو مناسبة للتدبر والتفكر في خلق السموات والأرض والملائكة والإنس والجن.
وجميع مسائل العقيدة يجب فيها اليقين كالتوحيد والنبوة والمعاد ، فانها ضرورية للإعتقاد والعمل ومنها الحياة في البرزخ وخارج الأحكام الشرعية والأصولية .
نعم اختلف هل عذاب القبر يقع على البدن أو الروح ، وكأن هذا الإختلاف من الإجماع المركب لأنه يدل على وجود عذاب في القبر .
والمختار وقوعه على الروح والجسد معاً بعودة الروح للبدن ساعة مساءلة منكر ونكير ، وحال الإكرام أو العذاب .
وفي قول (الحمد لله) على نحو الثبوت والدوام فضل إلهي متجدد، إذ أن مدة حياة الإنسان محدودة فحينما يقول (الحمد لله) تبقى كلمته هذه تسبح في الفضاء وتحفظ في سجلات الأعمال ويتعاهدها الله عز وجل بالنماء وزيادة الأجر والثواب، وكأنه يقولها كل يوم.
فلا غرابة أن تنزل شآبيب الرحمة على المؤمن في عالم البرزخ ، ويكون قبره روضة من رياض الجنة لأن قوله (الحمد لله) يبقى حياً بعد حياته ، وكأنه روح الأعمال ومادتها، فكما تبقى الأرواح ولا تفنى بالموت كذلك قول (الحمد لله).
يرى المسلم منافع الإفتتاح والإبتداء بالبسملة في أعماله في الدنيا فانه سيدرك الحاجة لها وضرورتها عند دخول القبر وما ينتظره فيه من الأهوال وتزداد تلك الحاجة باطراد يوم البعث والنشور وفي مواطن الحساب والصراط .
فمن يعتاد على إتيانها ولو في صلاته وحدها فهي سلاحه في عبور الصراط , وإن كانت موارد إستحبابها المؤكد أكثر من أن تحصى.
ورد عن (النبي صلى الله عليه وآله انه قال : إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، قيل يا رسول الله وما جلاؤها ؟ قال : قراءة القرآن ، وذكر الموت)( ).
إذ يذّكر القرآن القارئ والسامع بالموت، ويدعوهما للإستعداد له بالعمل الصالح، ويبين للناس جميعاً سبل السعادة الأبدية، ويطرد عن القلوب الغفلة والجهالة ، ويذّكر الأجيال المتعاقبة من الناس بأصل خلقهم وحدوثهم ، كما ورد في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا.
وإخبار القرآن والسنة عن الحياة بعد الموت بلاغ ومدرسة أخلاقية وعقائدية تدعو الناس إلى الإستعداد لأهوال ما بعد الموت.
والإيمان ضرورة من ضرورات الحياة وهو مادة دوامها، ومصداق الشكر لله تعالى على نعمة الخلق والإيجاد وإدراك حتمية الرجوع إلى الله وسيلة لإصلاح الذات وتوجه النفس للعبادة، والإستعداد للقاء الحتمي، وما يعنيه من الحساب والجزاء بقسميه الثواب والعقاب.
وتبين آيات القرآن الإرتقاء العلمي عند المسلمين وبلوغهم مرتبة في الكمال الإنساني بالإقرار بالربوبية لله وطاعته والعمل بأحكام الشريعة ، قال تعالى التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
ومن المعارف الإلهية التي فاز بها المسلمون الإقرار بعالم البرزخ ، ومساءلة منكر ونكير فيه ، وهو شعبة من تسليمهم بالمعاد وعالم الحساب والجزاء.
ليكون عالم البرزخ وأحوال الناس في القبر مما يحتج به القرآن والسنة النبوية على الناس .
وتظهر آيات القرآن جانباً من المعرفة الإلهية وبيان أسرار الخلق لتكون عوناً على الصلاح والإصلاح ونبذ الفساد.
لقد جاءت الآيات القرآنية صريحة في النص على وجود واتصال الحياة بعد الموت ووردت الروايات المتواترة والأخبار المستفيضة والبراهين العقلية ذات المرتكزات الايمانية والتي تظهر بقاء النفس بعد الموت.
ويعيش الناس في بلدانهم ضمن قوانين تحكم وتنظم أحوالهم والتعايش والمعاملة بينهم ، وتزجر عن التعدي والظلم ، ومع أن هذه القوانين وضعية من صنع الناس والتجرية والوجدان فانها من مصاديق قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، لينتقل الإنسان إلى عالم البرزخ فتكون فيه قوانين من الله عز وجل ليتولى تنفيذها الملائكة الذين يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وََيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
وتبدأ هذه القوانين بقانون الموت الذي يأتي على كل إنسان ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.
مع قانون تعيين ووقوع أجل كل إنسان من عند الله عز وجل ، قال تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ.
حرر في الثاني والعشرين من ربيع الثاني 1446هـ
26/10/2024
القانون لغة واصطلاحاً
معنى القانون لغة العصا المستقيمة والمسطرة ، وأصل الكلمة يوناني ، وأخذته اللغة العربية عن طريق السريانية ، وأخذ معنى الضابطة والقاعدة ، الكلية المطردة ، والنظام والإستقامة ، والعام المنبسط على مصاديق ثابتة وجلية .
والقانون المقياس الذي يقاس عليه .
(والقَوانِينُ الأُصُول الواحد قانُونٌ وليس بعربي)( ).
وقد ورد ذكره في أمهات كتب اللغة العربية ومنهم من اكتفى بالقول هذه الكلمة دخيلة ، وأدرجت كلمة قانون في اللغة العربية منذ أكثر من ألف عام بلحاظ المؤلفات القديمة التي ذكر فيها لفظ القانون خاصة التي صار عنواناً لها أو لموضوعها .
ويذكر :
الأول : قانون النحو .
الثاني : قانون الصرف .
الثالث : قانون العلوم .
الرابع : قانون القضاء .
الخامس : قانون المرافعات والجنايات .
السادس : قوانين التأريخ .
السابع : قوانين التطور البشري .
الثامن : قوانين الإجتماع .
التاسع : قوانين الوراثة .
العاشر: قوانين الميراث .
وقد تطلق على خصوص (القوانين الوضعية) لأن الشريعة الإسلامية وعلوم الفقه من عند الله ، والشريعة قواعد كلية وقوانين تفيد القطع والثبات والمناسبة لكل الأزمنة والأمكنة وهي أولى بتسمية القوانين بمعنى القواعد الكلية والنظام والضابطة.
ومصطلح الشريعة والشرع والتشريع خاص بالتنزيل والأحكام السماوية وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعصوم.
والقانون في الطب تأليف الحسين بن عبد الله بن سينا البلخي ثم البخاري 370-427 هجرية.
وكتاب قوانين الأصول واسمه القوانين المحكمة في الأصول المتقنة الميرزا أبو القاسم القمي ت1231.
كتاب القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية ، لابن جزي متوفى سنة 741 هجرية .
والمختار أن لفظ القانون يستعمل في العربية من جهات :
الأولى : الأصل ، والجمع قوانين .
الثانية : القاعدة الكلية المطردة .
الثالثة : الضابطة العامة متحدة أو متعددة .
الرابعة : التشريع الثابت .
الخامسة : النظام الكوني ، ومنه قوله تعالى [لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ] ( )، ومنه قوانين العلوم الفلكية والطبيعية والرياضية ، وقانون الجاذبية .
السادسة : كل آية قرآنية قانون متعدد ومستديم ومناسب لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة وقانون الآية القرآنية سالمة من التحريف والزيادة والنقصان ، قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ بلحاظ تعدد مضامينها ومفهومها .
السابعة : مقياس كل شئ .
الثامنة : التشريعات الدستورية ، والقوانين الوضعية والجنائية ، وهو المعنى المستعار المشهور في هذا الزمان للقانون .
وقد وردت في الجزء الأول من هذا السفر (قوانين البرزخ) مائة وستة عشر قانوناً , منها :
الأول : قانون الإحتضار . ص 17
الثاني : قانون سكرة الموت . ص 23
الثالث : قانون لقاء ملك الموت . ص35
الرابع : قانون حضور الصلاة عند الموت . ص45
الخامس : قانون تعاهد الصلاة منسأة في الأجل ، وأنها تدفع ميتة السوء ، الجواب نعم . ص47
السادس : قانون الموت . ص48
السابع : قانون الذاكرة سبيل للهداية وحجة على الإنسان . ص54
الثامن : قانون التقوى نجاة من عذاب القبر . ص57
التاسع : قانون المعجزة تشد الأسماع وتجذب الأذهان لها .
فالمعجزة هي الأمر الخارق للعادة ، المقرون بالتحدي ، السالم عن المعارضة. ص63
العاشر : قانون الملازمة بين النبوة والمعجزة . ص63
الحادي عشر : قانون (حياة المعجزة) كعنوان لإستدامتها وديمومتها .ص65
الثاني عشر : قانون احتضار الكافر أول مراحل عذابه . ص79
الثالث عشر: قانون تلقي ملك الموت للمؤمن . ص86
الرابع عشر : قانون التعزية عند الموت . ص89
الخامس عشر : قانون الذهاب إلى النوم . ص108
السادس عشر : قانون دخول القبر . ص142
السابع عشر : قانون الدعاء لصرف ضغطة القبر . ص153
الثامن عشر : قانون العناية بسبل النجاة من عذاب القبر ص165.
التاسع عشر : قانون سؤال منكر ونكير الميت . ص167
العشرون : قانون القبر وداع للدنيا . ص178
الحادي والعشرون : قانون الأمل . ص184
الثاني والعشرون : قانون البسملة حرز . ص186
الثالث والعشرون : قانون فتنة القبر . ص203
الرابع والعشرون : قانون الإستغفار . ص251
الخامس والعشرون : قانون دخول الإستغفار مع الميت للقبر . ص252
السادس والعشرون : قانون مصاحبة اللوم للنفس . ص253
السابع والعشرون : قانون الأمن في مكة حاجة عامة . ص256
الثامن والعشرون : قانون حشر الناس يوم القيامة حق . ص261
التاسع والعشرون : قانون الدعاء ذكر ، ويتجلى وعد الله عز وجل للعباد على ذكرهم له بقوله تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ]. ص263
الثلاثون : قانون الآخرة عالم الخلود جزاءً ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ* خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ].ص266
الحادي والثلاثون : قانون الدنيا دار الإستغفار . ص267
الثاني والثلاثون : قانون الشفاعة في القبر . ص268
الثالث والثلاثون : قانون إعجاز القرآن دعوة للإيمان . ص270
الرابع والثلاثون : قانون السنة النبوية مرآة للقرآن . ص270
الخامس والثلاثون : قانون السنة النبوية : المصدر الثاني للتشريع .ص272
السادس والثلاثون : قانون الإرهاب خلاف التقوى . ص274
السابع والثلاثون : قانون حسرة الكافر في الآخرة لأنه لم يصدق بالمعجزات في الدنيا.ص280
الثامن والثلاثون : قانون عذاب القبر لمن مات على الكفر . ص282
التاسع والثلاثون : قانون التوبة حاجة لكل إنسان . ص282
الأربعون : قانون إنتفاء البرزخ والحاجب بين العبد والتوبة . ص282
الواحد والأربعون : قانون استقلال عالم البرزخ .ص 291
الثاني والأربعون : قانون التضاد بين الحياة والموت . ص293
الثالث والأربعون : قانون لزوم العصمة من الكفر والجحود. ص293
قانون ذكر الموت
لقد جعل الله الموت واعظاً للإنسان ورادعاً ومؤدباً له. يعلم أنه ملاقيه فيجتنب فعل القبيح ويمتنع عن التوغل اللاشرعي في دروب الانانية والطمع والطغيان بل أنه يحرص على التواضع , ولا يبتعد عن الزهد .
(روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لولا ثلاثة في ابن آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض والموت والفقر، وكلهن فيه وانه لمعهن وثّاب)( ).
وفي قوله تعالى فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ، قيل أنه الريحان المشموم يؤتى به عند الموت من الجنة فيشمه فيقول أنا عملك الصالح .
وروي في الكافي عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام (أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه وعملك الصالح الذي كنت تعمله)( ).
الأمر الذي يظهر حضور الاعتقاد وتجسده في عالم البرزخ ، وتأثيره كالأعمال في ساعة الحساب وأوان الجزاء.
وقد ورد البعث على استحضار الإنسان الموت مع الإستعداد له في الكتاب والسنة ، ومنه قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
وأخرج (عن أبي جعفر المدائني رجل من بني هاشم وليس هو محمد بن علي قال : سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي المؤمنين أكيس؟ قال : أكثرهم ذكراً للموت وأحسنهم لما بعده استعداداً .
قال : وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله .
قال : نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح له ، قالوا فهل لذلك من إمارة يعرف بها .
قال : الإِنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والإستعداد للموت قبل لقاء الموت)( ).
لبيان سمو مرتبة الذي يكثر من ذكر الموت ، وهل هو من عمومات قوله تعالى ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، المختار نعم لما فيه من التسليم بالرجوع إلى الله عز وجل ، ورجاء رحمة الله تعالى في عالم البرزخ ويوم القيامة .
هل التفكر في أهوال القبر عبادة
لقد خلق الله عز وجل آدم وذريته ليتفكروا في الخلق العام للسموات والأرض ، ويتدبروا في خلقهم وعلته ويقتبسوا منه المواعظ من وجوه:
الأول : علة خلق الناس هي عبادة الله لقوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
الثاني : بديع صنع الله في خلق الإنسان ، قال تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
الثالث : قانون التناسل والتكاثر بين الناس .
الرابع : قانون العصمة من الشرك والكفر والضلالة .
الخامس : تسخير السموات والأرض لنفع الناس في حياتهم اليومية ، وفي عباداتهم ومناسكهم , كما في إطلالة الهلال ليكون مناسبة للعبادة , فهلال شهر رمضان إعلان كوني لبدء فريضة الصيام , قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
وهلال ذي الحجة بداية لمناسك الحج وأهلة الأشهر الحرم للإمتناع عن القتال , ولمعان السيوف وسفك الدماء , قال تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ .
وهل التفكر والتدبر في عالم البرزخ وأهواله وضيق القبر من مصاديق قوله تعالى [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] ( )( ) الجواب نعم .
السادس : فضل الله عز وجل في حديث المعراج وكيف أسرى بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس حيث موضع الصعود إلى السماء , والله عز وجل قادر على أن يصعده بالمعراج إلى السماء من مكة نفسها خاصة مع شرف وقدسية البيت الحرام , ولكن ليريه الله عز وجل الأنظمة الكونية , ويعمل المسلمون والناس جميعاَ بالأسباب.
ووجوب المقدمة لوجوب لذيها ، ومما يتجلى به هذا القانون في العبادات وجوب مقدمة الوضوء لأداء الصلاة يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ...
وعن (حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فُضّلنا على الناس بثلاث : جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، جُعلت الأرض لنا مسجداً، وجُعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) ( ).
وهل في حديث الإسراء دعوة للتفكر فيه , الجواب نعم لتعدد الآيات فيه , ولزوم شكر المسلمين لله عز وجل على هذه النعمة والدروس والمواعظ المقتبسة منها ، وإصلاح الذات لعالم ما بعد الموت واتخاذه موضوعاً وفرداً من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
لقد كان لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع آدم عليه السلام قصيراَ إذ تبادلا كلمات قليلة لبيان أن أهل السماء في عمل متصل وأن آدم عليه السلام إرتقى إلى منزلة وشأن رفيع في السماء في مدة عالم البرزخ .
ليكون من مصاديق تصديق المسلمين بالأنبياء جميعهم , واكرامهم رؤيتهم في عالم البرزخ , والفوز باللطف منهم وشفاعتهم في الآخرة .
قانون القول الثابت في البرزخ
الحمد لله الذي يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم ، وفتح باب الهداية للمسلمين على نحو يومي متكرر بتلاوة قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، إذ يتلوه كل مسلم سبع عشرة مرة في اليوم ، وإذ كانت هذه القراءة بقصد القرآنية فانها تتضمن الدعاء ، لبيان فوزهم المسلمين فوزاً عظيماً بنعمة الدعاء من وجوه :
الأول : قانون تعيين دعاء المسلمين بآيات قرآنية منها رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ )( ).
الثاني : قانون صبغة القرآنية والتنزيل لدعاء المسلمين ، وفيه أجر مضاعف وهو باب للإستجابة .
الثالث : قانون وجوب التلاوة ، ومنها صيغ الدعاء والمسألة بمسكنة وخضوع إلى الله عز وجل في الصلاة اليومية ، فبعد تكبيرة الإحرام يحرم على المسلم والمسلمة الإتيان بما يخالف أفعال الصلاة .
ومن مصاديق قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، تفضل الله عز وجل باعانة المسلمين في تثبيتهم في منازل الإيمان ، ووقايتهم من أسباب الضلالة ، قال تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
والقول الثابت هو كلمة التوحيد ، وتعاهد المسلم لها إلى حين وفاته ، وحينما يدخل المسلم القبر يأتيه الجزاء والشكر من عند الله عز وجل يجعله ينطق بالشهادتين عند سؤال منكر ونكير له عن ربه وعن نبيه وعن دينه ، ليكون من معاني آية البحث نجاة المسلم والمسلمة من عذاب القبر.
و(عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت يسمع حِسَّ النِّعال إذا ولَّى عنه الناس مُدْبِرين ، ثم يُجْلَسُ ويُوضَعُ كفنُه في عُنُقِه ثم يُسأل)( ).
وهناك مسألتان :
الأولى : المراد بالتثبيت في الحياة الدنيا ، تعاهد أداء الفرائض العبادية ، وعمل الصالحات وفعل الخيرات ، ومغادرة الدنيا على التمسك بالإيمان بالله ورسله والملائكة والمعاد .
الثانية : المراد من التثبيت في الآخرة على وجوه :
الأول : عند دخول القبر ومساءلة منكر ونكير .
الثاني : النجاة والسلامة من عذاب البرزخ .
الثالث : هل ينقطع القول الثابت بعد البعث من القبور ، الجواب لا ، وإن ذهب بعض المفسرين بأن المراد [فِي الآخرة] أنه في القبر .
وفي تأويل الآية وجوه :
الأول : و(عن أبي سعيد الخدري : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في هذه الآية يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة قال : في الآخرة القبر ، وكذا ورد عن البراء بن عازب لرفعه( ).
الثاني : أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه ، عن ابن عباس يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة قال : المخاطبة في القبر : من ربك ، وما دينك ، ومن نبيك.
الثالث : أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ قال : هذا في القبر .
الرابع : وأخرج البيهقي في عذاب القبر عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بي يفتن أهل القبور ، وفيه نزلت يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ))( ).
لبيان موضوعية الإيمان , وقانون تلقين الميت الشهادتين .
الخامس : إرادة المعنى الأعم ، وشمول الحياة الدنيا والآخرة ، إذ ورد (عن النبي صلى الله عليه واله في قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ قال : في القبر إذا سئل الموتى)( ).
السادس : تتضمن خاتمة الآية الإنذار للذين كفروا والمنافقين من عذاب القبر ، وشدة الحساب يوم القيامة وتمام الآية هو يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
إذ ورد في حديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بخصوص الكافر (ويسلط الله عليه في قبره الحيات تنهشه نهشا ، والشيطان يغمه غما، قال: ويسمع عذابه من خلق الله إلا الجن والانس ، قال: وإنه ليسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم، وهو قول الله عزوجل يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ))( ).
قانون موت الموت
ويبين تذكير القرآن بالموت أن عمر الدنيا قصير وثوابها مقيد بعدد أيامها ، ومحدود بحد مخصوص ينتهي بالموت، أما ثواب الآخرة فهو متصل ودائم وغير منقطع الوسط.
عن قتادة عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا ، قال : فيقال : هل تعرفون هذا .
فيقولون : نعم ربنا ، هذا الموت ، فيذبح كما تذبح الشاة ، فيأمن هؤلاء ، وينقطع رجاء هؤلاء( ).
أي يأمن أهل الجنة من طرو الموت ومغادرة الجنة ونعيمها بسببه، وييأس الكفار لأنهم يتمنون الموت للنجاة من عذاب النار، فيذبح ذات الموت، إلا أن يشاء الله .
لبيان قانون الخلود عند انتفاء الموت ويسأل أهل النار الله موتهم ، ولكن الموت صار أمراً عدمياً ، لقد سأل الذين ألقوا في النار خزنتها من الملائكة أن يسألوا الله تخفيف العذاب عنهم يوماً واحداً ، أجابهم الملائكة قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ.
وفيه شاهد بأن الموت يحضر يوم القيامة ليلقى ذات العاقبة التي كان يخرج بها الناس من الحياة الدنيا .
و(عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قيل : يا أهل الجنة فيشرفون وينظرون، وقيل: يا أهل النار فيشرفون وينظرون، فيجاء بالموت كأنه كبش أملح فيقال لهم : تعرفون الموت ، فيقولون: هو هذا، وكل قد عرفه، قال: فيقدم ويذبح ، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت، قال : وذلك قوله وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ))( ).
وفيه مصداق لكون الموت أمراً وجودياً ، ولكنه ليس ذا نفس ، فيؤتى به يوم القيامة في صورة كبش ، لتقريب المدركات العقلية لحواس الناس جميعاً.
وبيان إكرام الله عز وجل للإنسان في الحياة الدنيا إذ جعله فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وفي الآخرة إذ يبعث بذات هيئته وكفته .
وفي الموت أطراف :
الأول : ملك الموت الذي لا يحضر عند الإنسان في أجله إلا باذن الله.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يبعث كل عبد في القبر على ما مات ، المؤمن على ايمانه ، والمنافق على نفاقه)( ).
فقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عودة الروح للجسد في لاقبر بصفة البعث بقوله (يبعث في القبر).
الثاني : ذات الموت، وهو الحال والكيفية التي تنفصل معها الروح عن الجسد.
الثالث : الإنسان الذي ينزل الموت بساحته، قال تعالى[كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ] ( ).
ومن مصاديق قوله تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ، إخبارهم عن موضوع وحكم الموت من جهات:
الأولى : حتمية مجيء الموت لكل إنسان ، وفيه تأكيد لضعف الإنسان وعجزه عن الحفاظ على حياته في الساعة التي يريد الله أن يفارق بها الدنيا.
الثانية : الموت خاتمة وجود الإنسان في الحياة الدنيا، وليس من طريق آخر لمغادرته لها، فليس من دنيا ثانية يستطيع الناس أو الأنبياء أو الملوك منهم الإنتقال إليها ولو إلى حين.
الثالثة : ليس من عوض أو بدل لتأجيل الموت فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
الرابعة : لا يستطيع الإنسان الفداء بغيره لدفع أجله، فيموت الملك وبحضرته الخادم والعبد ينظران إليه ، وكذا الرعية تحاط علماً بموته ومتابعة من يخلفه وتركته .
ليكون موعظة وعبرة لهم، وهو من أسرار تلقي المستضعفين والفقراء والعبيد لرسالات الأنبياء بالقبول والتصديق والمبادرة في نصرتهم.
ومن الآيات أنهم يتحملون بصبر شتى صنوف الأذى والتعذيب في بيان معالم الإيمان مما يدل على أنهم لم يدخلوا الإسلام لطمع وشره ورغبة بالإنتقام والبطش ، قال تعالى وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
قراءة القرآن عند الإحتضار
تستحب عند الإحتضار قراءة سورة يس والصافات وآية الكرسي عند المحتضر لتعجيل راحته ، ولبعث السكينة في نفسه ، وليكون القرآن آخر ما يفارقه في الحياة الدنيا .
ومما يستحب قراءته من القرآن عند المحتضر أيضاً سورة الملك فهي المنجية من عذاب القبر بنصوص مستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال : يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر ، فاذا إنسان يقرأ سورة الملك [تَبَارَكَ] حتى ختمها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر)( ).
فان قلت وردت النصوص بخصوص قارئ السورة ، وليس الذي تقرأ عنده ، والجواب لرجاء المطلوبية وعسى أن يرحم الله عز وجل المحتضر عند استماعه للسورة ، أو ترديده لكلماتها مع الإمكان والإفاقة .
كما تستحب قراءة أي سورة من القرآن عند المحتضر عند إطالة مدة الإحتضار ، والتناوب على هذه القراءة ، وفيها الأجر والثواب لما فيها من التسليم بعالم ما بعد الموت ، ومنافع القرآن للموتى في القبور ومواطن يوم القيامة .
أوان الإحتضار
يقال حُضِرَ المريضُ واحتُضر: إذا نزل به الموت وحلّ أجله. واحضر فلان إذا اشرف على الموت ودنا أجله. وتصلح كلمة ميت لمن مات ولمن سيموت فيقال: ميِّت ومائت للذي لم يمت بعد.
ولكن لفظ (ميت) يدل على ملازمة الصفة وثبوتها. وان المائت تدل على حدوث الصفة وطروها ، كما يقال : فلان مائت غداً أي أنه سيموت.
لذلك وردت بعض الروايات والاخبار بالقول (إذا مات الميت) وقال بالعبارة بعض الفقهاء في فتاويهم (وفي صحيحة سليمان بن خالد قال سمعت ابا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: إذا مات لاحدكم ميت فسجوه باتجاه القبلة وكذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبل باطن قدميه ووجهه إلى القبلة( ) .
وتدل قرينة فسجوه على تحقق الموت .
وإطلاق لفظ الميت على من سيموت اقتضائي تعليقي وليس فعلياً وفيه إشارة إلى حضور أمارات الموت.
وتسميته بالمحتضر لها عدة معان ، وتحتمل وجوهاً عديدة منها:
الأول : حضور الملائكة الذين أمروا بقبض روحه. روي إن المحتضر يحضره صفّ من الملائكة عن يمينه عليهم ثياب خضر، وصفّ عن يساره عليهم ثياب سود، ينتظر كل واحد من الفريقين في قبض روحه.
والمحتضر ينظر إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء اخرى، ويبعث الله ملكاً إلى المؤمن يبشّره ويأمر ملك الموت أن يتراءى له في أحسن صورة، فاذا اخذ في قبض روحه وارتقى إلى ركبتيه شفّع إلى جبرئيل وقد أمره الله أن ينزل إلى عبده أن يرخص له في توديع أهله وولده. الحديث( ).
الثاني : حضور النبي صلى الله عليه واله وسلم عنده في ساعة مغادرته الدنيا .
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحضر لمن يكون في النزع من اصحابه، والمسلمون يعتقدون بحياته في العالم الآخر ، ويدل عليه الكتاب والسنة والاجماع والعقل.
الثالث : حضور أعمال المحتضر عنده ساعة وفاته وظهور الحقيقة امامه واضحة وهي أن حسابه سيكون حسب فعله ونوع عمله .
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : إذا وضع الميّت في قبره مثل له شخص.
فقال له : يا هذا كنّا ثلاثة، كان رزقك فانقطع بانقطاع أجلك.
وكان اهلك فخلّفوك وانصرفوا عنك.
وكنت عملك فبقيت معك .
أما اني كنت اهون الثلاثة عليك )( ).
اي إن الإنسان قد يولي عياله مجتمعين ومنفردين اهتماماً اكثر من العناية بنوع عمله في الصالحات ، ويقضي أيامه في طلب الرزق والكسب والتوسعة وقد لا يلتفت إلى ما عليه من الفرائض وما في المندوب من الثواب والنفع الدائم.
وهذا الموضوع سر من أسرار الحياة الدنيا وما فيها من الابتلاء ويمكن احتساب هذا الحديث مصداقاً لقوله تعالى الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( ) وقوله تعالى يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
الرابع : حضور الموت نفسه فقد كانت زيارته منتظرة منذ الساعات الاولى من الولادة وفي القرآن ذكر لحضور الموت ذاته بقوله تعالى شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ.
ووردت رواية بهذا المعنى في منطوقها اللغوي عن سالم بن أبي سلمة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: حضر رجلاً الموتُ فقيل: يا رسول الله إن فلاناً قد حضره الموت، فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ناس من أصحابه حتى أتاه وهو مغمى عليه.
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا ملك الموت كف عن الرجل حتى اسأله فافاق الرجل.
فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: مارأيت .
قال: رأيت بياضاً كثيراً وسواداً كثيراً .
فقال: فايهما كان أقرب اليك .
فقال: السواد .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قل: اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك، واقبل مني اليسير من طاعتك، فقال ثمّ اغمي عليه .
فقال: يا ملك الموت خفف عنه ساعة حتى أساله فافاق الرجل.
فقال: مارأيت .
قال: رأيت بياضاً كثيراً وسواداً كثيراً .
قال: فايهما كان أقرب إليك .
فقال : البياض .
فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غفر الله لصاحبكم،
فقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام : إذا حضرتم ميتاً فقولوا له هذا الكلام ليقوله( ).
وفي هذا القول توجيه للعناية بالسنة النبوية الشريفة وكيفية استثمارها لصالح الأفراد الأحياء منهم والأموات .
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبادراً لزيارة المحتضر وارشاده لما فيه نجاته وسلامته ليكون ذلك درساً وأُسوة حسنة للمسلمين ، وموعظة لاجيالهم ورحمة مزجاة للأموات منهم. بالاضافة لما فيه من سكينة للميت .
قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
الخامس : حضور الناس عنده، لقد دأب المسلمون على الحضور عند الميت ساعة احتضاره رحماً كان أو جاراً أو صديقاً بل وحتى غريباً، إكراماً وعبرة وعبادة وتوديعاً أو لفعل مستلزمات الموت من استحباب تلقينه الشهادتين , والإقرار بالإمامة , وكلمات الفرج , والتوبة والاستغفار والدعاء وتوجهه نحو القبلة.
السادس : حضور أهله عنده صلة للرحم واستقبالاً للفراق النهائي بالاجتماع العام، وعنواناً للتسليم بأمر الله تعالى وأداءً لما يجب أو يستحب في المقام.
وفيه دعوة للناس في هذا الزمان لتعاهد هذه المظاهر التي تجسد ارتقاءً في الاخلاق والقيم الاجتماعية متفرعاً من العقيدة الاسلامية ذات الكمال والشمول السليم لميادين الحياة كافة بما فيها الجوانب التفصيلية لحياة الافراد ومنها ساعة الاحتضار ذات الأهمية الخاصة التي تستلزم الإقرار بالفراق والتوديع بدليل التنزيل والسنة الشريفة القولية منها والفعلية وسيرة المسلمين.
وربَّ قائل يقول بانه ورد في الرواية لفظ (إذا حضرتم) وانها تدل ايضاً على حضور الناس عند المحتضر، وهو صحيح ايضاً ولامانع من كون لفظ المحتضر جاء بسبب حضور الملائكة والأهل والأعمال عند اقبال الموت .
السابع : حضور رحمة الله عز وجل التي تأتي من حيث يحتسب الناس ومن حيث لا يحتسبون ، وتأتي إبتداء وبفضل من عند الله عز وجل.
الثامن : استحضار المحتضر لما يعتقده ويغادر به الدنيا .
وليس من وقت محدد للإحتضار فقد يكون في دقيقة أو ساعات أو يستغرق أياماً ، وهو فرصة للإستغفار والتوبة ، والإنابة ، وتلقين الميت التوحيد ، وكلمات الفرج ، وتلاوة القرآن عنده ، وإتعاظ الأحياء من الإحتضار مع رهبة الموت .
قانون هادم اللذات
لقد ورد ذكر الموت في أكثر من سبعين آية من القرآن ، وكل آية منها موعظة وعبرة ، ومناسبة لاقتباس الدروس ، قال تعالى نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ.
وذكر الله موت الأرض أيضاً في آيات منها إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحض أصحابه على ذكر الموت بالتصريح أو التنبيه والتحذير .
و(عن أنس بن مالك قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقوم من الأنصار يضحكون ، فقال : أكثروا ذكر هادم اللذات)( ).
وقد سمّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموت (هادم اللذات) في أحاديث عديدة وذات هذه التسمية موعظة وتحذير نبوي .
و(عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكثروا ذكر هادم اللذات ، فإنه لا يكون في كثير إلا قلله ، ولا في قليل إلا كثره)( ).
ومعنى هادم أي قاطع ، لأن مجئ الموت للإنسان يقطع لذاته وآمانيه في الدنيا وينتقل به فوراً إلى دار الحساب بلا عمل ، وأكثروا من ذكره فيه وجوه :
الأول : استحضروه في الوجود الذهني .
الثاني : اذكروا الموت في مجالسكم ومنتدياتكم .
الثالث : اجعلوا الموت مادة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
الرابع : اذكروا آيات القرآن التي تتضمن ذكر الموت .
الخامس : اذكروا موتاكم بخير ، واستغفروا لهم .
السادس : أدبوا أولادكم على ذكر الموت ، وما فيه من المواعظ والعبر ، ليكون ذكر هادم اللذات تركة يومية عند أجيال المسلمين .
السابع : أكثروا ذكر هادم اللذات لأنه مقدمة للذات المؤمن في الآخرة.
الثامن : بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقانون التضاد بين ذكر الموت والغفلة ، قال تعالى في ذم الذين لا يعلمون يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ.
التاسع : قانون ذكر الموت طريق إلى التوبة والإنابة .
العاشر : قانون ذكر الموت واقية من المعاصي والسيئات .
الحادي عشر : من معاني الأكثار من ذكر الموت ذكر ما بعده من الأهوال .
الثاني عشر : قانون الإكثار من ذكر الموت تفقه في الدين .
لقد أطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسم هادم اللذات على الموت وهو من جوامع الكلم .
والظاهر أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يكرر هذه التسمية للموت ليتوارثها المسلمون وترسخ في أذهانهم ويتعظون منها.
ورد عن الإمام جعفر الصادق (عن علي عليه السلام قال: كان ضحك النبي صلى الله عليه وآله التبسم فاجتاز ذات يوم بفتية من الانصار وإذاهم يتحدثون ويضحكون بملء أفواههم .
فقال: يا هؤلاء من غره منكم أمله وقصر به في الخبر عمله، فليطلع في القبور، وليعتبر بالنشور، واذكروا الموت فانه هادم اللذات)( ).
و(قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اكثروا من ذكر هادم اللــذات فأنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسع عليه ولا في سعة إلا ضيّقها عليه)( ).
وقد تبدو فيه شبهة بدوية بتضاد الحال سرعان ما تتبدد فاذا كان الإنسان في ضيق كالفقر ، والمرض ، ومحنة فان ذكر الموت يخفف عنه وطأتها ، ويعلم أن ذات الدنيا فانية ، وقانون التخلص من المكروه محبوب ، وأن عالم الجزاء هو الخالد ، قال تعالى وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
أما إذا كان الإنسان في سعة وثروة , وكثرة أولاد , فان ذكر الموت ومفارقة هذه النعم يبعثه على الزهد ، ويمنعه من الغرور , وليسعى للأجر والثواب .
وقد ورد حديث هادم اللذات ، ومن غير ذكر حال الضيق والسعة ، إذ ورد عن الإمام علي عليه السلام أنه قال ( إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أكثروا ذكر هادم اللذات واعلموا أن ما بعد الموت لمن لم يغفر الله له ويرحمه أشد من الموت)( ).
وتبين هذه الأحاديث النبوية قانون الدنيا دار الملذات ، وجعل الله سلب الإغترار بها بالموت وذكره ، فهذا الذكر مقدمة لتسخير النعم في طاعة الله وعدم الغفلة عن ذكر الله , والولوج إلى عالم البرزخ بطمأنينة.
قانون ذكر الموت حياة للنفس
لقد أكرم الله عز وجل الإنسان بالذاكرة ، وخزن المعلومات القديمة والحديثة والطارئة لتسخيرها في طاعة الله والتدارك ، وأداء الوظائف العبادية في أوقاتها ، قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
وتشترك الحواس كالعين والأذن في تلقي المعلومات والوقائع وتبعثها إلى الذاكرة ، لتساهم الحواس في صلاح الإنسان ، قال تعالى وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى.
لتكون الدنيا وسعة أيامها ولياليها وما فيها من الشواهد كموت الأب أو الأم أو الجد والقريب مناسبة لذكر الموت والتدبر في ماهيته .
ذكر الإنسان للموت كنتيجة حتمية وخاتمة وجوبية لأيامه في الحياة الدنيا بأمر الهي أزلي دائم في أصناف الخلق وأفراد الجنس البشري وجوه:
الأول : قانون ذكر الموت يفتح أبواباً من المعرفة .
الثاني : قانون ذكر الموت سبيل في الهداية .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت، فيقول أكثروا ذكر الموت، فإنه هادم اللذات، حائل بينكم و بين الشهوات .
يا عباد الله، ما بعد الموت لمن لم يغفر له أشد من الموت القبر، فاحذروا ضيقه و ضنكه و ظلمته و غربته، إن القبر يقول كل يوم أنا بيت الغربة، أنا بيت التراب ، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود و الهوام)( ).
الثالث : قانون ذكر الموت زيادة في البصيرة.
الرابع : قانون ذكر الموت حصانة للإنسان بالقناعة فيما آتاه الله.
الخامس : قانون ذكر الموت حضّ على التعجيل بالتوبة والإنابة والنشاط بانواع الطاعات واتيان الصالحات من دون ان يكون في هذا الذكر ودوامه واتصاله ظاهراً وباطناً اثر أو سبب لتقديم الأجل.
السادس : قانون ذكر كل إنسان للموت حتم ولطف من الله عز وجل.
السابع : قانون ذكر الإنسان للموت حجة عليه ، قال تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
الثامن : قانون ذكر الموت تذكير بعالم البرزخ ومساءلة منكر ونكير .
التاسع : قانون الإنتفاع من ذكر الموت اجتناب للأخطار الناجمة من حب الدنيا وركوب الأهوال لنيل زخرفها والزيادة في متاعها وزينتها.
وذكر الموت وسيلة للنجـــاة من عذاب الآخرة لسعيه على إصلاح الإنسان مابينه وبين خالقه ، وحرصه على الاستعداد لما بعد الموت لذلك (قال الإمام جعفر الصــادق عليه الســلام : مــن أكثر ذكر الموت أظله الله في جنته .
وقال في حديث آخر : ومن أكثر ذكر الموت أحبـه الله)( ).
وللمنافع العاجلة واللاحقة لاستحضار الإنسان لعالم ما بعد الموت واثره في صلاح النفس والمجتمع يتوجه المؤمنون إلى قانون التضرع إلى الله عز وجل لبقاء ذكر الموت يتردد على البال , وقانون الاستعانة بالله تعالى لمنع غلبة حب الدنيا وهيمنته على أنماط السلوك لما يؤدي إليه طول الأمل من نسيان للآخرة وتركيز الاهتمام بأمور الدنيا ليتجلى قانون ذكر الموت تخفيف من وطأة المصائب ، وقانون يحجب ذكر الموت الإنسان عن الطغيان والإسراف في الغرور.
ويتلو كل مسلم ومسلمة قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، سبع عشرة مرة في اليوم على نحو الوجوب العيني ، وفيه اقرار بالتوحيد ، وأن مقاليد الأمور بيد الله ، وحتمية قانون الرجوع إلى الله عز وجل ، وهل في هذه التلاوة مدد للإستقامة والصلاح ، الجواب نعم .
فلذا جاءت الآية التي بعدها اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وقانون الهداية إلى الصراط المستقيم نجاة من فتنة وعذاب القبر ، وفي التنزيل إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
استقبال الموت
الموت أمر وجودي ، قال تعالى إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، وينفرد الموت بأنه زائر يأتي لمرة واحدة ، وينقل الإنسان من عالم الدنيا ، إلى عالم الحساب والجزاء ، وليس بينهما إلا انقطاع الشهيق والزفير .
ويتباين حال الناس بالنسبة لذكر واستقبال الموت على وجوه :
الأول : الخوف والفزع من قدوم الموت .
الثاني : قانون التسليم بمجئ الموت .
الثالث : قانون حتمية قبض الروح .
الرابع : تمني الموت ، وقد نهى عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : (القصد الى الموت وارادته، وهذا القسم ينقسم الى عدة اقسام فتارة يكون بقصد الشهادة والقتل في سبيل الله، وتارة يكون من اجل الدنيا والمغامرة، واخرى في المعصية والكفر وغير ذلك.
ومنطوق الآية يتعلق بالقسم الأول وعلى نحو التعدد والإشتراك والجماعة، وتبين الآية ان الخروج والهرب من الديار احتراز من الموت، ولابد انه الموت الجماعي الذي يتأتى من الوباء ونحوه .
والظاهر انه دعوة للمسلمين للإحتراز والوقاية من الأوبئة ،والسعي في علاجها ، ومن الحروب التي تستعمل فيها الأسلحة الكيماوية والبايولوجية الفتاكة من غير حاجة للخروج من الديار وترك الأوطان، ولعل اجراء دراسة احصائية تبين ان المسلمين وامصارهم من أقل بلدان العالم في امتلاك أسباب الوقاية من هذه الأسلحة وهو عنصر ضعف.
وهل يبعث في النفوس القنوط والفزع ، الجواب لا ، لقانون الدعاء والتوكل على الله سلاح , وباب للفوز بفضل الله.
ويبين ظاهر الآية ان الهروب من الموت لا يعني النجاة منه، وهذا لا يعني حتمية الموت الجماعي ولكنه دعوة للجوء الى سبل أخرى للتخلص منه، كالدعاء والصدقة والإخلاص في العبادة، بالإضافة الى أسباب الحذر والتوقي من مقدماته)( ).
لتكون القصة القرآنية موعظة وعبرة ودرساً وبياناً لفضل الله تعالى، فان طرد الله عز وجل الأوبئة عن المسلمين خصوصاً في بدايات الإسلام مقدمة لتثبيت اركان الاسلام والنصر على الاعداء وفيه تخفيف ورحمة بالمسلمين، والقرآن يحثهم على اجتناب تعطيل القوى والفتور عن الجهاد خوفاً من الموت، بالإضافة الى عمومات وحتمية حصول الموت وان المنية لابد وان تدرك الانسان ). ( ).
وفي قصيدة كعب بن زهير التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعلن اسلامه وتوبته
(بانت سعادُ، فقلبي اليومَ متبولُ … متيّم إثرها، لم يُشفَ، مكبولُ
حتى انتهى إلى قوله:
وقال كلّ خليلٍ كنتُ آمُلُه … لا ألْفِينّكَ، إني عنك مشغولُ
فقلت: خلّوا سبيلي، لا أبالكم … فكلّ ما وعَد الرحمن مفعولُ
كل ابنِ أنثى، وإن طالت سلامتُه … يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ)( ).
قانون رجاء رحمة الله
لقد وسعت رحمة الله كل شيء , وقد انزل الكتب السماوية وبعث الانبياء والرسل من اجل إصلاح بني آدم، وأمرهم بالمعروف وحبب اليهم فعل الخيرات ونهاهم عن المنكر , وكرّه اليهم الفساد والفسوق ,
وتعاهد الله الاسلام ديناً باقياً على سطح الارض حتى يوم القيامة ، قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.
وجعل مناهل وروده عليهم سهلة ميسرة. فليس من بيت إلا ويعرف أهله الإسلام وبعض الحقائق عنه، وتحمل الأيام في تعاقبها انباءاً واكتشافات علمية جديدة عن الاسرار الغيبية للمنافع العظيمة للبشرية -افراداً و جماعات وامماً-الكامنة في احكام الشريعة الاسلامية والمدلولات الرفيعة في تنظيم الحياة الأسرية والمعاملات التجارية وغيرها من أنماط السلوك الاجتماعي .
وليكون ذلك واقية لبني آدم ولحجبهم عن أعمال الفساد والتي حُصرت في حضيرة النواهي يشب الصغير على اجتنابها والحذر منها ويشيب الكبير على إزدرائها ، والنفرة ممن يرتكبها .
ويجتهد المسلم في الاستغفار مما أتاه من أبوابها , لقانون الاستغفار طريق فتحه الله للتوبة والصلاح والهداية .
وقانون المبادرة للإستغفار عبرة ودرس وموعظة للآخرين )، وحتى الرؤيا الصالحة تأتي أحياناً رادعة زاجرة ، ولطريق الحق هادية.
إن افاضات لطف الله تعالى وأبواب توفيقه لعباده متعددة ومتنوعة يعجز الناس عن إحصائها وهي متصلة في ازدياد.
وعن محمد بن سنان عمن أخبره عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في حديث ملخصه ان إبليس احتال على عابد من بني إسرائيل حتى ذهب إلى فاجرة يريد الزنا بها.
فقالت له : ان ترك الذنب ايسر من طلب التوبة وليس كل من طلب التوبة وجدها فانصرف وماتت من ليلتها فـاصبحت وإذا علــى بابها مكتوب احضروا فلانة فانها من اهل الجنة فارتاب الناس فمكثوا ثلاثاً لايدفنوها ارتياباً في أمرها.
فاوحى الله إلى نبي من الانبياء ولا اعلمه إلا موسى بن عمران ان ائت فلانة فصل عليها ومر الناس فليصلوا عليها اني قد غفرت لها واوجبت لها الجنة بتثبيتها عبدي فلاناً عن معصيتي)( ).
واليوم الآخر هو يوم القيامة ، ويبدأ من دخول الإنسان إلى القبر وانتقاله إلى عالم البرزخ، والآية في مفهومها رد وردع للأفكار المادية التي تحصر اهتمامها بما تدركه الحواس إذ تدعو للإيمان بالغيب وقانون الاستعداد للحساب بالعمل الصالح.
ومن أسماء الله تعالى الأَوَّلُ وَالآخِرُ، فهو الأول والباقي بعد فناء الأشياء من غير ان يطرأ عليه التغيير أو التحول .
وفي دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أنت الاول فليس قبلك أحد ، وأنت الاخر فليس بعدك أحد، وأنت الظاهر فليس فوقك أحد ، وأنت الباطن فليس دونك أحد، اقض عني الدين وأغنني من الفقر)( ).
أما اليوم الآخر فقد اجمع المسلمون بل المليون على حتمية حدوث اليوم الآخر والمعاد الجسماني ، ووصفه بالآخر لتأخره في الرتبة الزمانية على أيام الحياة الدنيا، لأنه يبتنى على الحياة الدنيا كمدار تكليف، ولعله لانعدام حساب الأيام بعده لاتصال أسباب الخلود وللإخبار والحث على الاستعداد فلا فرصة أخرى للإنسان بعده .
فاذا ورد لفظ الثاني فيه دلالة على وجود فرد ثالث أو ثالث ورابع وهكذا.
أما إذا ورد لفظ الآخر – بفتح الخاء – فيفيد عدم وجود فرد بعده، وإلا فان معالم اليوم الآخر الأساسية موجودة الآن وهي متقدمة في الشرف والحدوث .
فالجنة والنار مخلوقتان ، وهو المشهور شهرة عظيمة بين المتكلمين وعليه نصوص عديدة وان انكر وجودهما جمع من المليين .
ولا عبرة بقول من نظر إلى الإنسان ككيان محسوس وكيفية مزاجية يمتنع اعادة تحققه في المعاد، واعتمدوا قاعدة لم يثبت اطلاقها بل هي خلاف الوجدان وهي (المعدوم لا يعاد).
وقال بها الملاحدة والدهرية وبعض اتباع النظريات العصرية المشابهة، وفاتهم ان الروح جوهر مجرد لا يفنى بالموت.
واليوم الآخر يقف باعثاً لكثير من الأعمال والتكاليف الشرعية في الدنيا، وكذا كثير من الأحكام العقلية فليس من فعل في الدنيا منفصل وغير مرتبط بعالم الآخرة.
لقاء النبي محمد (ص) بآدم في المعراج
لقد رآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آدم عليه السلام في السماء الدنيا في حديث الإسراء ، تعرض عليه أرواح الناس الذين يموتون فيستقبل المؤمنين بالإكرام والأمر بجعلها في عليين ، قال تعالى [إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ] ( ) ويستقبل المشركين بالذم مع نقل أرواحهم إلى سجين ، قال تعالى إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ.
وهل [عِلِّيِّينَ]و[سِجِّينٍ] من بدائع خلق السموات والأرض، الجواب نعم وهما مما يتفكر به المؤمنون ليجتهدوا في عمل الصالحات والفوز بصيرورتهم إلى عليين ، ويحرصوا على الإمتناع عن فعل السيئات للنجاة من سجين .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إن المؤمن إذا حضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر ريحان ، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين .
ويقال : أيتها النفس الطيبة أخرجي راضية مرضيّاً عنك إلى روح الله وكرامته ، فاذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وذهب به إلى عليين.
وإن الكافر إذا حضر أتته الملائكة بمسح فيه جمر فتنزع روحه انتزاعاً شديداً ، ويقال : أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى هوان الله وعذابه ، فاذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة ، فإن لها نشيشاً ويطوى عليها المسح ويذهب به إلى سجين) ( ).
لقد رآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آدم بهيئة البشر ، وأدرك أنه ليس من صنف الملائكة ، فسأل جبرئيل عنه ، فأخبره بأنه آدم أبو البشر ، ومع كثرة الآباء بين آدم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان جبرئيل قال له هذا أبوك آدم ، لبيان أن الجد وإن ارتفع فهو بمنزلة الأب ، وفي التنزيل أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
لقد ابتدأ آدم النبي محمداً السلام ، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته لم يتغير منه شيء وإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول : روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفار الفجار فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين .
فقلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا أبوك آدم فسلم علي ورحب بي فقال : مرحبا بالابن الصالح)( ).
وفيه بشارة للمسلمين عند الموت بحسن استقبال آدم لهم .
وفيه تشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهد على تفضيله على الأنبياء ، ويلاحظ قلة كلام آدم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإنشغاله باستقبال الأرواح ولسنخية الحديث في عالم البرزخ ، وهناك مسألتان :
الأولى : هل كان آدم ينتظر معراج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : هل عمل آدم في السماء مما يتفكر به المؤمنون .
أما المسألة الأولى فالجواب نعم ، وهو ظاهر اللقاء وحسن الترحيب ، وقد كان آدم في حياته يبشر ببعثته ورسالته .
وأما المسألة الثانية فالجواب نعم ، فذات خلق آدم وذريته من مصاديق إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )( ).
قانون خلق وكثرة الملائكة نعمة عظمى
خلق الملائكة وجه من وجوه البر الفضل الإلهي تبتنى عليه نظريات النبوة والتنزيل ، لأن الملائكة واسطة بين الله عز وجل وبين أنبيائه ، بالإضافة إلى شرف الخلق وعظيم منزلة الملائكة عند الله عز وجل.
والملائكة خلق كريم مواظبون على العبادة ، ويتصفون بحسن الطاعة، وهم أجسام نورانية تستطيع التشكل بأشكال مختلفة من هيئات ومظاهر الخير والصلاح .
وعند الفلاسفة هم العقول المجردة والنفوس الفلكية، والملائكة لا يفعلون إلا الخير، والشياطين لا يفعلون إلا الشر، أما الجن فيفعلون الخير والشر، لذا كان إبليس من الجن قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، ومن الجن من يصدق عليه شيطان.
والإيمان بالملائكة إقرار بالبعثة النبوية لأنهم رسل الله تعالى الأمناء إلى الأنبياء، ويتحمل الملائكة الأعمال الشاقة وهم دائبون على اتيان العبادات الباهظة، في جميع الأزمان لا يتخلل عبادتهم فترة سكون أو قنوط أو ضعف أو وهن أو فراغ ، يجتهدون في الإبتعاد عن التقصير تراهم مواظبين على التسبيح، متلبسين بأعلى مراتب الإخلاص في العبودية، لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ.
وفي الدعاء الثالث من أدعية الصحيفة السجادية : اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون عن تسبيحك ولا يسأمون من تقديسك.
ويتصف الملائكة بعظمة الخلق وقرب المنزلة وجلالة الشأن فاقرب الملائكة إلى الله إسرافيل وبينه وبين الله سبعة حجب وهو صاحب الصور، الذي عظم دارت فيه كعرض السماوات والأرض كما في الحديث، والقرب هنا ليس مكانياً لأن الله عز وجل منزه عن المكان والجهة بل هو قرب معنوي وبلحاظ العرش وشرف المواضع.
و(عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال : ما جمعكم قالوا : اجتمعنا نذكر ربنا ، ونتفكر في عظمته فقال : لن تدركوا التفكر في عظمته . ألا أخبركم ببعض عظمة ربكم؟ قيل : بلى يا رسول الله.
قال : إن ملكاً من حملة العرش يقال له إسرافيل ، زاوية من زوايا العرش على كاهله . قد مرقت قدماه في الأرض السابعة السفلى ، ومرق رأسه من السماء السابعة في مثله من خليقة ربكم تعالى)( ).
ومن الملائكة جبرائيل وهو الأمين على الوحي الذي يبلغه من غير تحريف , والذي كان ينزل بالقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهو مقدم في الرتبة والإكرام ، وتطيعه الملائكة وترجع إلى رأيه .
و(عن معاوية بن قرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ما أحسن ما أثنى عليك ربك ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ فما كانت قوتك وما كانت أمانتك؟ قال : أما قوّتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن ، وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري .
فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب ، ثم هويت بهم فقتلتهم ، وأما أمانتي فلم أومر بشيء فعدوته إلى غيره)( ).
ويلاحظ في الحديث بيان وسعة كل مدينة بعدد المقاتلين وما يرمز اليه من القوة والسعة والعمران.
موعظة في جبل أحد
حينما قفل النبي صلى الله عليه وآله وسلم راجعاً من تبوك قال (إن أحداً جبل يحبنا ونحبه ، وإنه يقوم يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحتبس عليه أقوام يعرفون كلاً بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة)( ).
ومن معانيه أن رؤية المسافر له من بعيد يبشره بقرب أهله ودخول طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالضمير في (يحبنا ونحبه) يعود لأجيال المسلمين المتعاقبة.
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام لا تخلو ساعة كل يوم من زوار لجبل أحد ، وكذا في شطر من الليل .
وهو من معاني قوله تعالى [وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ].
ومنها مواساة المسلمين والمسلمات والتخفيف عن ذكرى الشهداء، ونضيف لها وجوهاً :
الأول : الشهادة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن المسلمين لم يخسروا معركة أحد .
الثاني : بشارة دخول شهداء أحد السبعين الجنة .
الثالث : دعوة المسلمين الثبات على الإيمان ، وعدم الجزع وهذا الثبات واقية من ميتة السوء ، ومن عذاب البرزخ.
الرابع : من الآيات في المقام قيام الملايين من المسلمين والمسلمات كل عام بزيارة جبل أحد وشهداء معركته بشوق ، والتي وقعت في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة النبوية .
ويستحب زيارة أئمة البقيع وقبور الشهداء بأحد ، وأفضله يوم الخميس ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (خرج إلى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أني قد رأيت إخواننا .
قالوا : يا رسول الله ألسنا بإخوانك .
فقال بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض)( ).
الخامس : تتجدد البشارة والغبطة كل يوم للمسلمين عند الدنو من جبل أحد بزيارة مسجد وقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : دعوة المسلمين لإقتباس المواعظ والعبر من معركة أحد ، وصبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في معركة أحد ، وهو من مصاديق قوله تعالى رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ إذ اجتمع في ميدان معركة أحد كل من :
الأول : المنادي للإيمان وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أنه مع إعلان الإيمان بالله جاء سؤال مغفرة الذنوب ، وهو ضرورة ويدرك الإنسان الحاجة إليها من ساعة مجئ ملك الموت ، وتتبين أكثر عند سؤال منكر ونكير ثم في عرصات يوم القيامة.
الثاني : الذين استجابوا لنداء الإيمان والدفاع في معركة أحد وهم المهاجرون والأنصار .
الثالث : التقى معهم في ميدان المعركة بالسيف مشركو قريش الذين امتنعوا عن الإستجابة للمنادي للإيمان مع أنهم أكثر الناس سماعاً لنداءاته .
الرابع : فضح المنافقين بانسحابهم من وسط الطريق إلى المعركة مع كثرة عددهم وهم ثلاثمائة ، نحو ثلث جيش المسلمين ، وبعد أن سمعوا نداءات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإيمان.
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَتّى إذا كَانُوا بِالشّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ ، انْخَزَلَ عَنْهُ( ) عَبْدُ اللّهِ بْنُ أبي ابْنُ سَلُولَ بِثُلُثِ النّاسِ وَقَالَ أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي ، مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيّهَا النّاسُ .
فرَجَع بِمَنْ اتّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ وَالرّيْبِ وَاتّبَعَهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ ، يَقُولُ يَا قَوْمِ أُذَكّرُكُمْ اللّهَ أَلّا تَخْذُلُوا قَوْمَكُمْ وَنَبِيّكُمْ حَضَرَ مِنْ عَدُوّهِمْ .
فَقَالُوا : لَوْ نَعْلَمُ أَنّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَمَا أَسْلَمْنَاكُمْ وَلَكِنّا لَا نَرَى أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ . قَالَ فَلَمّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وَأَبَوْا إلّا الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ قَالَ أَبَعْدَكُمْ اللّهُ أَعْدَاءَ اللّهِ فَسَيُغْنِي اللّهُ عَنْكُمْ نَبِيّهُ)( ).
من أسباب النفاق غلبة الهوى وحب الدنيا، وعدم التقيد بالتكاليف البدنية والمالية وما فيها من الجهد وإنفاق الأموال ، فنزلت آيات القرآن لتذكيرهم بالموت وكيف أنهم يحذرونه، ويخشون الأجل والإشارة إلى أن إتيان العبادات منسأة في الأجل وإكتناز للحسنات لما بعد الموت من عالم الحساب والجزاء.
مواطن الهلكة
من خصائص الدنيا أن من يزهد فيها يبصر زيف زينتها ، وقصر عمرها والحاجة إلى الصبر فيها عن الحرام ، والإمتناع عن الشبهات ، مع التسليم بالحياة بعد الموت والإستعداد لها ، وما فيها من الأهوال والتي تبدأ من ساعة الإحتضار ، وحضور ملائكة الرحمة وملائكة العذاب عنده ، ولا تكون له الخيرة بتقريب أي الفريقين منه ، وتولي روحه وأخذها من ملك الموت ، إنما الملاك هو سنخية عمله .
(عن الزهري قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى، فإما إلى الجنة و إما إلى النار، ثم قال: إن نجوت يابن آدم عند الموت فأنت أنت وإلا هلكت .
وإن نجوت يابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت .
وإن نجوت حين يحمل الناس على الصراط فأنت أنت وإلا هلكت.
وإن نجوت حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت وإلا هلكت، ثم تلا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قال : هو القبر وإن لهم فيه لمعيشة ضنكا، والله إن القبر لروضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار .
ثم أقبل على رجل من جلسائه فقال له: قد علم ساكن السماء ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين أنت ، وأي الدارين دارك)( ).
سؤال الوفاة مع الأبرار
تبعث آيات القرآن على تفقه المسلمين في الدين ، ليكون من منافع تلاوة المسلمين والمسلمات القرآن في الصلاة اليومية الإرتقاء في سلم الفقاهة لقانون الصلاة اليومية مدرسة فقاهة ، قال تعالى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ.
ومن إعجاز آيات القرآن تذكيرها بالموت وعالم الحساب بعد الموت ، وحاجة الإنسان مطلقاً ، سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن إلى الإستغفار والدعاء ، وإن كان دعاء الكافرين مردوداً لوجوب الإيمان في قبوله والإستجابة له ، قال تعالى فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ.
ولابد من الإحصاء في المقام من وجوه :
الأول : إحصاء وجمع الآيات التي ذكر فيها الموت .
الثاني : إحصاء الآيات التي تخص عالم البرزخ والقبور .
الثالث : إحصاء آيات الوعد والوعيد .
وهذا الإحصاء ليس مجرداً بذاته ، إنما يشمل دراسة هذه الآيات ، واستقراء المسائل والقوانين منها مجتمعة ومتفرقة , ومن الصلة بينها وبين آيات القرآن الأخرى .
وقال الواحدي (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ يعني : الأنيباء ، أي : في جملتهم حتى نصير معهم)( ).
والنسبة بين الأبرار والأنبياء هي العموم والخصوص المطلق ، فالأبرار أعم ويشمل هذا العنوان المؤمنين الأخيار الذين أطاعوا الله ورسوله .
وهل في قوله تعالى [وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ] إشارة إلى عالم البرزخ ، أم أن القدر المتيقن منها مغادرة الحياة الدنيا على ذات نهج الأنبياء والصالحين .
المختار هو الأول ، بقرينة (مع) في [مَعَ الْأَبْرَارِ] التي تفيد المعية والصحبة في عالم البرزخ والآخرة .
والأبرار جمع بار ، وهو الصادق الذي لا يفعل إلا الخير والعمل الصالح ، ومن خصائص الأبرار أمور :
الأول : الإقرار بربوبية الله المطلقة ، وأن الناس عبيد له .
وهذا الإقرار أهم حرز وسلاح يحتاجه العبد بعد دخوله القبر ، ويصاحبه في مواطن الآخرة ، يفارقه أهله وأصدقاءه عند الدفن ، ولكن كلمة التوحيد تتصف بالوفاء فتدخل معه القبر وتكون ضياءً.
الثاني : قانون توجه الأبرار بالدعاء (ربنا) لما فيه من معاني التوحيد.
الثالث : طاعة الله ، واتيان الأفعال بقصد القربة إلى الله .
وهذه الطاعة واجب عيني على المكلف لقوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وهي مؤونة وصاحب كريم في القبر ، وذخيرة ليوم القيامة .
ويتباهى أهل القبور بما لديهم من طاعة الله وفي الحديث أنهم حلقاً حلقاً يتحدثون ، كما (عن حبة العرني قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لاقوام فقمت بقيامه حتى أعييت .
ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولا .
ثم جلست حتى مللت، ثم قمت وجمعت ردائي فقلت: يا أمير المؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال: يا حبة إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته .
قلت: يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك ؟ قال: نعم ، ولو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون، فقلت أجسام أم أرواح .
فقال : أرواح، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن)( ).
الرابع : قانون تنزه الأبرار عن إيذاء الآخرين .
الخامس : الحب في الله ومظاهر طاعته .
السادس : قانون إعراض الأبرار عمن يؤذيهم ، والصفح عنه .
رجاء الأجر والستر والثواب والوقاية من عذاب البرزخ ، قال تعالى وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
السابع : قانون ملازمة الأبرار لمنازل رضوان الله .
وتفيد (مع) في قوله تعالى [مَعَ الْأَبْرَارِ] على الظاهر الغيرية ، ولكنها تتضمن معنى اجعلنا من الأبرار.
ومن معاني [مَعَ الْأَبْرَارِ] في الآية مغادرة أجيال من الأبرار الحياة الدنيا إلى دار النعيم ، وبيان قانون وجود أمة من الأبرار في كل زمان.
و(عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم ترك قتلى بدر( ) ثلاثا ثم قام عليهم فناداهم .
فقال : يا أبا جهل بن هشام ، يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً.
فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جيفوا.
قال : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في القليب قليب بدر)( ).
وفيه دلالة بأن الأموات مطلقاً عندما يغادرون الدنيا يسمعون الأصوات من حولهم ، لقانون الموت ليس عدماً محضاً.
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه : إنه ليسمع قرع نعالهم ، يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل .
زاد ابن مردويه : الذي كان بين أظهركم الذي يقال له محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال : فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله . فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار ، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فيراهما جميعاً)( ).
إنما هو زهوق الروح ، ومغادرتها للبدن ، وانتقال العبد من دار الدنيا إلى عالم البرزخ ، قال تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ.
فذكرت الآية أن الموت مخلوق كما يدل عليه قوله تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فيحضر الموت عند حلول الأجل .
عدد النجوم في السماء
لقد جعل الله عز وجل النجوم زينة للسماء ، ومناسبة للناس للتدبر والتفكر في بدائع خلق الله ، قال تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )( )، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )( ).
وهل من التفكر في خلق السموات أن الموت يقطع تنعم الإنسان بزينة السماء من النجوم والأفلاك ، الجواب نعم وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
وجاءت الإكتشافات العلمية الحديثة في علوم الفلك والمجرات لتبين أن عدد النجوم في السماء نحو مائتي مليار تريليون نجم في الكون.
وهل من صلة بين مجموع الذي عمروا ويعمرون الأرض من أيام آدم إلى يوم القيامة وبين عدد النجوم أعلاه ، الجواب لا دليل عليه.
وعدد النجوم في مجرة درب التبانة وحدها التي تنتمي لها الشمس والقمر والأرض مائة مليار نجم ، فكيف وأن عدد المجرات أكثر من تريليون.
ومعنى درب التبانة أن هذه النجوم متناثرة مثل درب عربة التبن التي يتناثر منها التبن اثناء المسير .
لبيان الإعجاز في الخلق بما جعل الإنسان يتصاغر أمام عظمة وسعة الخلق ، ويلجأ إلى الله بالدعاء والإستغفار ، مع إدراك قدرة الله عز وجل على بعث الناس بعد الموت ، قال تعالى وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.
واحتمال الصلة بين عدد النجوم وعدد الناس موضوع مستحدث هنا يستلزم الدراسة وكذا المقارنة بين عدد أهل الأرض وأهل القبور وبين عدد النجوم .
والمختار أن عدد النجوم والكواكب والأفلاك أكثر من مجموع عدد الناس من أيام أبينا آدم إلى يوم القيامة , والعلم عند الله .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (يا ابن آدم لو أكل قلبك طائر لم يشبعه وبصرك لو وضع عليه خرق أبرة لغطاه تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات والارض، إن كنت صادقا فهذه الشمس خلق من خلق الله فإن قدرت أن تملا عينيك منها فهو كما تقول)( ).
ذكر ملك الموت في القرآن
لقد جعل الله عز وجل القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ومنه الإخبار عن ملك الموت الموكل بقبض أرواح الناس مع إختلاف مذاهبهم وأماكن سكناهم أو ساعة وجودهم في البحر أو في السماء ، قال تعالى فاذا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ.
وورد ذكر ملك الموت مرة واحدة في القرآن بقوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ليأتي البيان والإحتجاج على الناس بالموت على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل نزلت هذه الآية عن سؤال من الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم ابتداء ، وكل من فضل الله.
المختار هو الأول ، فالآية من آيات البيان والإحتجاج والدعوة السماوية للناس للتهيئ لساعة قبض الروح والولوج على عالم البرزخ .
و(قل) فعل مبني على السكون ، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوباً ، تقديره : أنت .
يتوفاكم : فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر.
والمراد من الضمير المفعول به (كم) في [يَتَوَفَّاكُمْ] هم الناس جميعاً.
وملك : فاعل مرفوع بالضمة ، والموت مضاف إليه مجرور بالكسرة .
لقد وردت آيات بخصوص قبض الأرواح بمادة (توفى) :
الأولى : قوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إذا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ .
الثانية : قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا .
الثالثة : قوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ .
الرابعة : قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .
وهل المراد من صيغة الجمع في [تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا] إرادة خصوص ملك الموت ، الجواب لا ، والمختار أن صيغة الجمع إذا وردت في القرآن ، فالمراد منها المتعدد وليس المتحد إلا صيغة الجمع المراد منها الله عز وجل لإفادة التعظيم لمقام الربوبية ، قوله تعالى وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ.
والمراد ملك الموت وأعوانه من الملائكة ، وقيل يحتمل المراد من قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ] ( )، هو ملك الموت للبيان والتفسير في قوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ولكن لا يحصي كثرة الملائكة إلا الله عز وجل .
والخلاف صغروي لنسبة تولي وقبض أرواحهم لله عز وجل كما في الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَوقوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ.
والمختار اختصاص صيغة الجمع في القرآن بالله عز وجل .
ويعلم ملك الموت بما يفعل أعوانه ، ويقوم بقبض الأرواح بنفسه ، وهو الذي تدل عليه آية ملك الموت ، والأحاديث النبوية المستفيضة منها ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام قال
(دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل من الأنصار يعوده ، فاذا ملك الموت عليه السلام عند رأسه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن.
فقال : ابشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق ، واعلم يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم ، فيصرخ أهله ، فأقوم في جانب من الدار فأقول :
والله ما لي من ذنب وإن لي لعودة وعودة الحذر الحذر .
وما خلق الله من أهل بيت ، ولا مدر ، ولا شعر ، ولا وبر في بر ، ولا بحر ، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم وليلة خمس مرات حتى أني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم .
والله يا محمد إني لا أقدر أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى هو الذي يأمر بقبضه)( ).
وعن (وعن شهر بن حوشب قال : دخل ملك الموت على سليمان،
فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم إليه النظر،
فلمّا خرج قال الرجل : من هذا.
قال : هذا ملك الموت،
قال : لقد رأيته ينظر إليَّ كأنّه يريدني،
قال : فما تريد .
قال : أريد أن تحملني على الريح فتلقيني بالهند،
فدعا بالريح فحملته عليها فألقته بالهند،
ثمّ أتى ملك الموت سليمان (عليه السلام) فقال : إنّك كنت تديم النظر إلى رجل من جلسائي،
قال : كنتُ أعجبُ منه إنّي أُمرت أنْ أقبضَ روحه بالهند وهو عندك)( ).
المشترك اللفظي في آية واحدة
من إعجاز القرآن ورود المشترك اللفظي في آية واحدة بأن يرد اللفظ ، ويراد منه معاني متعددة مثل الصلاة كما في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
وصلاة المسلم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة والثناء ، وهل يختص هذا الثناء من الله (بأنه عند الملائكة ، كما قال ابو العالية)( ) الجواب لا ، ومنه ثناء الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية السابقة وفي القرآن منها قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، ومنها وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ومنها ثناء الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أيام الحياة الدنيا ، وفي الآخرة ، وهو من مصاديق مجئ الآية بصيغة الجمع [يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ].
لقد تساءلت الملائكة عن جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً مع أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء فأخبرهم الله إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ومن علم الله عز وجل بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإستئصال الفساد في الأرض ، ومنع القتل بغير حق ، ليستبشر الملائكة ببعثته كما في حديث الإسراء ، وليصلوا عليه في أيام الحياة الدنيا ، ويدعوا ويستغفروا له وللمؤمنين .
وصلاة الملائكة الدعاء والإستغفار ، وأما صلاة المسلمين عليه فقد ورد (عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ، أن رجلاً قال : يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فصمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم قال : إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا : اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)( ).
وعن (أبي فديك قال : سمعت بعض من أدركت يقول : بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فتلا هذه الآية { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً }( ) صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة فأجابه ملك : صلى الله عليك يا فلان لم تسقط لك حاجة)( ).
قانون عذاب المشركين في القبر
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الرحمة العامة ، ويجد فيها كل إنسان ضالته ، وتمر عليه أيام سعادة وغبطة وعافية وبهجة ، وأخرى ضدها ، وكل فرد منها دعوة لإستحضار عالم الآخرة الذي هو عالم حساب بلا عمل ، وتبدأ الآخرة من حين دخول الإنسان القبر .
وعذاب القبر للمشركين والظالمين عليه الكتاب والسنة والإجماع ، ومن الكتاب قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، بأن تعرض على آل فرعون غدوة وعشية وهم في عالم البرزخ مقاعدهم في النار ، وإذا قامت القيامة سيقوا إلى النار .
وقيل (أنهم يعذبون بالنار في قبرهم غدواً وعشياً ، وهذا لآل فرعون خصوصاً)( ).
ولا دليل على العذاب بالنار في القبر ، كما أن ذكر آل فرعون في الآية من باب المثال الأمثل ، وليس الحصر ، إذ قال فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى واتبعه وأطاعه قومه ، ولاقى منهم بنو إسرائيل أشد العذاب ، قال تعالى في تذكير لبني إسرائيل بنعمة الله عليهم وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.
أما في السنة النبوية فقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الإستعاذة من عذاب القبر ، وفيه دعوة للمسلمين للإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المقام ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
وعن الإمام علي عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير .
اللهم اجعل في سمعي نوراً ، وفي بصري نوراً ، وفي قلبي نوراً ، اللهم اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، وأعوذ بك من وسواس الصدور ، وتشتت الأمور ، وعذاب القبر .
اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل ، وشر ما يلج في النهار ، وشر ما تهب به الرياح ، شر بوائق الدهر)( ).
وعن عثمان قال (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخرة فَإِنْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ) ( ).
وينجو المسلمون والمسلمات من عذاب القبر لمغادرتهم الدنيا على التوحيد والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن (البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ، قال نزلت في عذاب القبر يقال له من ربك فيقول ربي الله ونبيي محمد)( ).
بحث أصولي
لقد ورد الأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزيارة القبور في أحاديث مستفيضة ، وفي طرق متعددة منها عن بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إني كنت نهيتكم عن ثلاث عن زيارة القبور فزوروها ولتزدكم زيارتها خيرا ونهيتكم عن لحوم الاضاحي بعد ثلاث فكلوا منها وأمسكوا ما شئتم ونهيتكم عن الاشربة في الاوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرا)( ).
وقد ذكرت في معراج الأصول / تقريرات بحثي الخارج أقوال في إرادة المرة أو التكرار من صيغة الأمر .
والمختار أن الأصل في الأمر هو الإجزاء بالمرة الواحدة إلا مع الدليل على الخلاف ، وفي قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، ورد (عن ابن عباس : أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحج في كل سنة . أو مرة واحدة؟
قال : لا . بل مرة واحدة ، فمن زاد فتطوّع)( ).
و(الأمر مركب من مادة وهيئة، وتأتي المادة بصيغة فعل الأمر أو الماضي أو المضارع وهي موضوعة بالوضع الشخصي، وأما الهيئة فهي موضوعة للنسب والإضافة والإرتباط لتكون عنواناً للمحاورة والبيان كونها فرداً من المعاني الحرفية فالمادة تمثل النسبة الباعثية، ويكون المأمور مبعوثاً، والهيئة موضوعاً لنسبة هذه المبعوثية وايجاد المادة، وبحسب مفهوم الطلب ايجاد المادة فان صيغة الأمر تفيد وجوهاً محتملة :
الأول : الوجوب : لأصالة الإطلاق بلحاظ أن الإستحباب يحتاج إلى مؤونة زائدة لما فيه من حصة اضافية وهي الترك ، بينما يكون الوجوب هو المتبادر من الطلب وصيغة الأمر.
الثاني : المعنى الأعم للوجوب والإستحباب لإشتراكهما في طلب الفعل، وان كلاً منهما مركب، ويلتقيان بالمنع من الترك والإذن فيه، وهما بعرض واحد من جهة الحاجة إلى المؤونة الزائدة فلا يصح التمسك بالإطلاق لإثبات الوجوب والطلب فيهما من الكلي المشكك الذي له مراتب متعددة تتجلى بالشدة في الوجوب، والضعف والإسترخاء في الإستحباب، وليس هناك نوع مغايرة بينهما فلا يتبادر الوجوب من الطلب.
واشكل على هذا القول بان شدة الطلب في الوجوب كافية للمائز وعدم الإشتراك مع الإستحباب، لأن الأخير عنوان ضعيف لا يقدر على الإشتراك مع الوجوب .
ولكن هذا الإشكال ليس تاما لأنه لا ينفي المؤونة الزائدة في الإستحباب ولأن الإستعمال اعم من الحقيقة والمجاز والنقاش في الكبرى وهو المعنى الأعم)( ).
الثالث : يحمل الأمر على الإستحباب إلا مع القرينة الصارفة إلى الوجوب .
الرابع : إرادة الإباحة .
الخامس : الأمر موقوف حتى يقوم دليل على المراد به لإحتماله .
والمختار هو الأول لأن الأصل في الأمر هو الوجوب إلا مع القرينة الصارفة .
ويتضمن القرآن الأوامر إلى الناس في باب العبادات والمعاملات والأحكام ، والاستعداد لعالم الآخرة بالتقوى والصلاح ، وليس من سبيل للنجاة في عالم البرزخ ويوم القيامة إلا الإمتثال إلى الأوامر الإلهية ، قال تعالى قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ.
قانون التلقين
يقال (لقِنَ الرجلُ الشيءَ يلقَنه لَقَناً، إذا فهمه. ولقّنتُه تلقيناً، إذا فهّمته. وغلام لَقِنٌ: سريع الفهم، والاسم اللَّقانة)( ).
والتلقين إلقاء الكلام إلى فرد آخر ليعيده ويكرره .
والتلقين في مصطلح الحديث نسبة الحديث للراوي وهو لم يقله وليس من حديثه وقد يقره بسبب نسيانه أو الإشتباه بحديث آخر ، أو لقلة الحرص أو التهاون ، أو تقادم السنين ، ومنه إدخال حديث في كتاب الشيخ ما ليس منه .
وهذا المعنى الإصطلاحي للتلقين خارج عن موضوع البحث الذي يكون القدر المتيقن منه التفهيم ، ومغادرة الميت الدنيا على عقيدة التوحيد وأصول الدين .
ولا يتعارض هذا التلقين مع الدعاء للميت بالأدعية المأثورة ومطلقاً ، والإستغفار له ، وتلاوة القرآن ومنه سورة يس عنده ساعة الإحتضار أو عند الدفن أو على القبر ، أو في الأيام والسنين اللاحقة لموته باهداء ثواب التلاوة له ، من غير أن ينقص ثواب التالي للآيات الذي يختم القرآن .
وتلقين الميت على مراتب ومراحل :
الأول : التلقين حال السوق والنزع للموت من غير إلحاح يؤدي إلى النفرة ، فبعد أن يوجه الميت نحو القبلة بأن تكون رجلاه إليها ، بحيث إذا جلس الميت يكون مستقبلاً لها ، واختلف هل هذا الإستقبال واجب أو مستحب ، والمختار أنه واجب ، وقال الجمهور بأنه مستحب مع ورود الخبر البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً .
وفي حديث عبيد الله بن عمير الليثي (عن أبيه أنه حدثه و كانت له صحبة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في حجة الوداع : ألا أن أولياء الله المصلون من يقيم الصلاة الخمس التي كتبن عليه و يصوم رمضان يحتسب صومه يرى أنه عليه حق و يعطي زكاة ماله يحتسبها و يجتنب الكبائر التي نهى الله عنها ثم أن رجلا سأله فقال : يا رسول الله ما الكبائر ؟ فقال : هي تسع الشرك بالله و قتل نفس المؤمن بغير حق و فرار يوم الزحف و أكل مال اليتيم و أكل الربا و قذف المحصنة و عقوق الوالدين المسلمين و استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء و أمواتا ثم قال : لا يموت رجل لم يعمل هذه الكبائر و يقيم الصلاة و يؤتي الزكاة إلا كان مع النبي صلى الله عليه و سلم في دار أبوابها مصاريع من ذهب)( ).
ولا فرق فيه بين الرجل والمرأة ، والكبير والصغير مع شرط الإسلام ، وهذا التلقين على جهات :
الأولى : تلقين المحتضر بالشهادتين ، والإمامة .
وعن أبي سعيد الخدري (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)( ).
ومنه ما ورد في صحيحة الحلبي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إذا حضرت الميت قبل أن يموت فلقنه شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله)( ).
الثانية : تلقين المحتضر الدعاء .
والدعاء في المقام على شعب :
الأولى : تلاوة آيات القرآن التي تتضمن الدعاء منها :
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا.
اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الثانية : الدعاء بالمأثور ، ومنه عن (عبد الله بن جعفر عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم ، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم ، الحمد لله رب العالمين . قالوا : يا رسول الله فكيف هي للحي؟ قال : أجود وأجود)( ).
وظاهر الحديث أن هذا التلقين عند الإحتضار .
الثالثة : الدعاء بما تيسر ، وما يخص الحال خاصة .
الثاني : التلقين عند وضع الميت في القبر ممن ينزل معه في قبره من أقاربه أو غيرهم ، إذ ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إذا أردت أن تدفن الميت فليكن أعقل من ينزل في قبره عند رأسه وليكشف خده الايمن حتى يفضي به إلى الارض ويدني فمه إلى سمعه ويقول : اسمع افهم – ثلاث مرات – الله ربك ومحمد نبيك والاسلام دينك – وفلان – إمامك اسمع وافهم ، وأعدها عليه ثلاث مرات هذا التلقين)( ).
الثالث : التلقين بعد الدفن ، وتسوية التراب ، وهو سنة نبوية ، وعليه إجماع علماء الإسلام.
وفيه موعظة ومناسبة للتدبر من الإحياء ، وتوبتهم وإصلاح الأعمال مقدمة لقانون ولوج القبر الحتمي ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
ويستحب الدعاء للميت بعد الدفن بالمأثور أو مطلقاً ، ومن المأثور (كان علي بن الحسين عليه السلام إذا أدخل الميت القبر قام على قبره ثم قال : اللهم جاف الارض عن جنبيه، وصعد عمله، ولقه منك رضوانا)( ).
ويستحب الدعاء للميت عند زيارته أو المرور على قبره ولو بعد سنوات من دفنه .
و(وعن أبى المقدام قال: مررت مع أبي جعفر عليه السلام بالبقيع فمررنا بقبر رجل من الشيعة قال فوقف عليه ثم قال : اللهم ارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، وأسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك وألحقه بمن كان يتولاه)( ).
الهروب من الموت
يبين قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ بياناً لقصة لطائفة من الناس تركوا بلدتهم وهربوا منها خشية الموت ووباء الطاعون ، فأماتهم الله عز وجل جميعاً ، ثم أحياهم لبيان معجزة وهي أن الله عز وجل قادر على إماتة طائفة وفرقة من الناس دفعة واحدة ، وعلى إحيائهم وإعادتهم إلى الدنيا ، ليكون شاهداً على بعث الناس من القبور يوم القيامة.
وقد ذكرت في موضوع الآية أعلاه وجوه :
الأول : قيام ملك من ملوك بني إسرائيل بأمر عسكره بالقتال ، ولكنهم اعتذروا لخوفهم خشية الوباء في أرض المعركة ، فأماتهم الله عز وجل (ثمانية ايام حتى انتفخوا وبلغ قومهم موتهم فخرجوا لدفنهم ولكنهم عجزوا عن دفنهم بسبب كثرتهم، فحظروا عليهم حظائر فاحياهم الله تعالى بعد الثمانية، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن، ولا زال في اولادهم وذراريهم.
الثاني : ان حزقيل النبي ندب قومه الى الجهاد ولكنهم كرهوا الخروج فارسل الله عليهم الموت , فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً من الموت .
فتوجه حزقيل الى الدعاء، وقال: اللهم اله يعقوب واله موسى ترى معصية عبادك فارهم آية في انفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وانهم لا يخرجون من قبضتك ، فارســل الله عليهم الموت، ثم انه ضاق صدره بسبب موتهم فدعا مرة اخرى فاحياهم الله تعالى.
ذكره الرازي ولم يذكر السند وجهة الصدور، ويمكن مناقشة الخبر دلالة ايضاً، اذ ان الموت وقع فيهم قبل دعاء حزقيل.
الثالث : عن السدي ان قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة اهلها، والذين بقوا مات اكثرهم، وبقى فريق منهم في المرض والبلاء ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا ساعين .
فقال من بقي من المرضى: هؤلاء أحرص منا، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات ولئن وقع الطاعون ثانياً خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون الفاً .
فلما خرجوا من ذلك الوادي، ناداهم ملك من اسفل الوادي وآخر من اعلاه ان موتوا فهلكوا وبليت اجسامهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم وتفكر فيهم .
فاوحى الله تعالى اليه أتريد ان أريك كيف أحييهم؟ فقال: نعم، فقيل له: ناد ايتها العظام ان الله يأمرك ان تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها الى بعض حتى تمت العظام .
ثم اوحى الله اليه , نادِ : أيتها العظام ان الله يأمرك ان تكتسي لحماً ودماً ثم قيل: ناد ان الله يأمرك ان تقومي فقامت، فلما صاروا احياء قاموا، وكانوا يقولون:
سبحانك ربنا وبحمدك لا اله الا انت ثم رجعوا الى قريتهم بعد حياتهم، وكانت امارات انهم ماتوا ظاهرة في وجوههم، ثم بقوا الى ان ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم( ).
والحديث ضعيف بجهة الصدور، فلم يرفع .
الرابع : في مرسلة الكافي عن الإمام الباقر في الآية قال: إن هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام وكانوا سبعين ألف بيت وكان الطاعون يقع فيهم في كل أوان، فكانوا إذا أحسوا به خرج من المدينة الاغنياء لقوتهم وبقي فيها الفقراء لضعفهم .
فكان الموت يكثر في الذين أقاموا ويقل في الذين خرجوا فيقول الذين خرجوا لو كنا أقمنا لكثر فينا الموت ويقول الذين أقاموا: لو كنا خرجنا لقل فينا الموت .
فاجتمع رأيهم جميعا أنه إذا وقع الطاعون فيهم وأحسوا به خرجوا كلهم من المدينة فلما أحسوا بالطاعون خرجوا جميعا وتنحوا عن الطاعون حذر الموت فساروا في البلاد ما شاء الله .
ثم إنهم مروا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها وأفناهم الطاعون فنزلوا بها فلما حطوا رحالهم واطمأنوا بها قال الله عز وجل: موتوا جميعا فماتوا من ساعتهم وصاروا رميما يلوح وكانوا على طريق المارة فكنستهم المارة فنحوهم وجمعوهم في موضع .
فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل فلما رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال: يا رب لو شئت لاحييتهم الساعة كما أمتهم فعمروا بلادك وولدوا عبادك وعبدوك مع من يعبدك من خلقك .
فأوحى الله تعالى إليه: أفتحب ذلك قال: نعم يا رب فاحيهم قال: فأوحى الله عز وجل إليه أن قل كذا وكذا ، فقال الذي أمره الله عز وجل أن يقوله.
فقال الصادق عليه السلام: وهو الاسم الاعظم – فلما قال: حزقيل ذلك الكلام نظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض فعادوا أحياءً ينظر بعضهم إلى بعض يسبحون الله عز ذكره ويكبرونه ويهللونه، فقال حزقيل عند ذلك: أشهد أن الله على كل شيء قدير.
والأخبار الواردة في وقائع وموضوع هذه الآية متقاربة ولا يضرها ضعف سندها وارسالها، لأن المشهور جابر لضعف السند، بالإضافة الى القاعدة التي حررناها في علم الأصول واطلقنا عليها اصطلاح التواتر السندي، ومفادها ان التقاء عدة اخبار ضعيفة السند في حكم وامر واحد يجعل بعضها يجبر ضعف سند الآخر، مع عدم ثبوت تواطئهم على الكذب.
ويدل تشابه هذه النصوص مع تعدد جهة الصدور على دقة الضبط عند علماء الإسلام وحرصهم على توثيق ما تتضمنه آيات القرآن من قصص لموضوعيتها ولأنها اشرف الدروس في العبرة والموعظة والذكرى بالإضافة الى ما فيها من الغايات العقائدية السامية الأخرى منها بيان امكان المعاد، وعدم اليأس من فضل الله تعالى في الإحياء بعد الموت.
فلو سمعنا ان انساناً مات واحياه الله لم يكن ذلك امراً عجيباً او مستحيلاً بل ان الموضــوع غير ممتنع في النشــأتين، والخــروج من الديار هرباً وفراراً من الموت عند طرو أسبابه ليس امراً مذموماً في الجملة، قال تعالى يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ.
فقد تتعرض البلدة للوباء او الزلزال او الأمطار الشديدة ويتعذر معها البقاء فيها، لذا ترى الآية خالية من ذمهم على نحو النص على اصل الخروج ولكنها تحكي قصتهم واسباب خروجهم، الا ان يستفاد الذم من القرائن، ولا مانع من الرجوع الى السنة لبيان ما ورد بخصوص خروجهم، أو يستظهر من القرائن بأن خروجهم من البلدة هرباً من الوباء)( ).
قانون الموت رحمة
لم يخلق الله شيئاً عبثاً فهو الحكيم الذي أحسن تدبير كل بديع. فخلق الموت وجعله خاتمة للحياة وزمان التكليف، ومدة الاختبار، إلى جانب ما فيه من أبواب المنفعة للناس، وتنظيم شؤون حياتهم وإعانتهم على أمور الدنيا والآخرة.
وموت الأفراد ممن حولنا مع التباين في أعمارهم وأسباب موتهم عِبرة وموعظة ، ودعوة للتفكر في ماهية الحياة ، وكيف أنها مزرعة للآخرة ، ولا يعلم أضرار إنعدام الموت بين الناس إلا الله عز وجل .
وفي الصحيح روي عن هشام بن سالم عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: إن قوماً اتوا نبياً لهم.
فقالوا : ادع لنا ربك يرفع عنا الموت فدعا لهم.
فرفع الله تبارك وتعالى عنهم الموت ، وكثروا حتى ضاقت بهم المنازل ، وكثر النسل .
وكان الرجل يصبح فيحتاج أن يطعم أباه وامه وجده وجد جده ويرضيهم ويتعاهدهم، فشغلوا عن طلب المعاش .
فاتوه فقالوا : سل ربّك أن يردّنا إلى آجالنا التي كنا عليها فسأل ربه عز وجل فردّهم إلى آجالهم( ).
أي إن الموت رحمة للناس وركن من عالم التكوين ، وزينة للحياة الدنيا لمن يعلم أنه مرحلة انتقال إلى عالم الخلود ويحرص على اقتران العمل اللازم بالعلم والادراك.
قانون مساءلة الإنسان في القبر
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار التكليف بالأصول والفروع ، ووجوب إقرار الإنسان بالعبودية لله عز وجل ، ولا يستثنى منه أحد ، وكذا بالنسبة للموت فهو عام ينزل بساحة كل إنسان .
وروي أن الإمام الحسين عليه السلام (لما عزم على الخروج إلى العراق، قام خطيبا فقال: الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة… الخبر)( ).
أي أن الموت حتمي مكتوب على كل إنسان كالقلادة التي تستدير على رقبة القتاة .
ومن معانيه أن الموت والقتل في سبيل الله يزين عاقبة الإنسان كما تزين القلادة رقبة وهيئة الفتاة ، فيدخل الملكان منكر ونكير على الإنسان حال دخوله القبر وترد له روحه مع التباين في دخولهما وهيئتهما بين الميت المؤمن والكافر .
ويتجلى العموم في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إذا اقبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لاحدهما : منكر، وللآخر : نكير، يقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فإن كان مؤمنا فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمدا رسول الله.
فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح في قبره سبعين ذراعا في سبعين ذراعا، ثم ينور له فيه .
ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم ؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله)( ).
ومثله (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قُبِرَ الْمَيِّتُ – أو قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولاَنِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه)( ).
وعندما يتحدث الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن عذاب القبر ويقول : ثم يدخل عليه ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير.
يسأله أبو بصير قائلاً : جعلت فداك يدخلان على المؤمن والكافر في صورة واحدة ، فقال عليه السلام: لا.
وقال : فيقعدانه ويلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقولان له: من ربك … الحديث( ).
أي أن اختلاف صورهما يشبه تباين صور ملك الموت بالنسبة للمؤمن والكافر.
وهذا التباين مرآة لعالم الأعمال في الدنيا ، فمن غادر الدنيا على الإيمان وعمل الصالحات يأتيه منكر ونكير بصورة وهيئة جميلة ، بخلاف الذي غادرها على الكفر والضلالة فيأتيه منكر ونكير بأشد هيئة تبعث الخوف والرعب ، وهذه الهيئة من مصاديق لعنة الملائكة في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وقد أنكر بعضهم تسميتهما منكراً ونكيراً بلحاظ إن المنكر ما يصدر من الكافر والمتردد في الإجابة على سؤالهما ، والنكير ما يصدر عنهما من التوبيخ والتقريع ، وليس للمؤمن منكر ونكير.
ولكن الاحاديث الصريحة وكما تقدم تنص على اسميهما وتفيد العموم في سؤالهما .
وربما كانت التسمية لأدنى ملابسة وللإنذار والتخويف ، بالاضافة إلى الاصل في وظيفتهما وهو السؤال ، وإرادة الأكثر من الناس ، قال تعالى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ.
ويتجلى قانون فعل الصالحات سلاح للنجاة من شدة الامتحان في لقاء الملكين .
واتيان العبادات وقاء ومفتاح أمان وباب تخفيف في ساعة المحنة.
روي بالاسناد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره، والبر مطل عليه.
قال : فيتنحى الصبر ناحيةً فاذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة: دونكما صاحبكم فان عجزتم عنه فانا دونه)( ).
والبِر : الخير والاحسان ، ومن معاني الصبر في المقام الصوم لصبر الصائم عن الأكل والشرب طاعة لله ، وفي قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام إن الصبر الصيام، وإذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة، فليصم فان الله تعالى يقول [اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ] يعني الصيام( ).
قانون ملازمة العمل لصاحبه في الآخرة
من معاني الخلافة في قوله تعالى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، موضوعية الإختيار والتصرف عند الإنسان ولكن بقيد وشرائط الخلافة التي تتقوم بالتقوى والصلاح ، لذا تفضل الله عز وجل وبعث الرسل مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
ومن معاني الآية أعلاه إقامة الحجة على الناس في الدنيا والآخرة ومنها حضور عمل الإنسان معه من حين دخوله القبر ، وعلى ماهيته وهل هو عمل صالح أو ضده يكون الحساب الإبتدائي لمنكر ونكير في القبر ، ثم يحضر العمل الإنسان يوم القيامة ، قال تعالى وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا.
فما فعله الإنسان في الدنيا يلازمه في الآخرة ، ثم ينشر الكتاب ، ويطلب منه أن يقرأه وإن كان أمياً .
إذ يبعث الله الناس من قبورهم إلى الموقف ، وهم حفاة عراة إلا من شاء الله ، ثم يأمر الملائكة الذين كانوا يكتبون على كل إنسان عمله بقوله تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ.
وفي تفسير علي بن ابراهيم عن ابيه عن علي بن مهزيار عن عمرو بن عثمان عن المفضل بن صالح، عن جابر، عن ابراهيم بن العلاء عن سويد بن غفلة عن امير المؤمنين عليه السلام: أن ابن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة مثّل له ماله وولده وعمله .
فيلتفت إلى ماله فيقول : والله اني كنت عليك لحريصاً شحيحاً، فمالي عندك .
فيقول : خذ مني كفنك .
ثم يلتفت إلى ولده فيقول : والله اني كنت لكم لمحبّاً، واني كنت عليكم لمحامياً، فماذا لي عندكم .
فيقولون : نودّ بك إلى حفرتك ونواريك فيها ، ثم يلتفت إلى عمله فيقول: والله اني كنت فيك لزاهداً، وانك كنت عليّ لثقيلاً، فماذا عندك .
فيقول: انا قرينك في قبرك، ويوم حشرك حتى أُعرض انا وانت على ربّك، فان كان لله ولياً اتاه اطيب الناس ريحاً، واحسنهم منظراً، وازينهم رياشاً.
فيقول: ابشر بروح من الله وريحان وجنة نعيم، قد قدمت خير مقدم، فيقول : من انت .
فيقول: انا عملك الصالح ارتحل من الدنيا إلى الجنّة، وانه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يعجّله .
فاذا ادخل قبره اتاه ملكان وهما فتّانا القبر، يجرّان اشعارهما، ويبحثان الارض بانيابهما، واصواتهما كالرعد القاصف وابصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: من ربك ، ومن نبيّك ، ومادينك ، فيقول: الله ربّي، ومحمد نبييّ، والاسلام ديني .
ثم يقولان ثبتك الله فيما تحبُّ وترضى ، وهو قول الله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
فيفسحان له في قبره مدّ بصره، ويفتحان له باباً إلى الجنّة، ويقولان له: نم قرير العين نوم الشاب الناعم وهو قوله أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا.
وإذا كان لربّه عدوّاً فانّه يأتيه اقبح خلق الله رياشاً، وانته ريحاً، فيقول له: ابشر بنزل من حميم، وتصلية جحيم، وانه ليعرف غاسله ويناشد حامله أن يحبسه فاذا ادخل قبره اتياه ممتحنا القبر فالقيا عنه اكفانه .
ثمّ قالا له : من ربّك ، ومن نبيّك ، ومادينك ، فيقول : لا ادري، فيقولان له: مادريت ولاهديت، فيضربانه بمرزبة( ) ضربة ماخلق الله دابة إلا وتذعر لها ما خلا الثقلين( ).
ثمّ يفتحان له باباً إلى النار، ثم يقولان له : نم بِشَرِ حال، فهو من الضيق مثل مافيه القنا من الزجّ حتّى أن دماغه يخرج من بين ظفره ولحمه، ويسلط عليه حيات الارض وعقاربها وهوامّها فتنهشه حتى يبعثه الله من قبره ، وانه ليتمنى قيام الساعة مما هو فيه من الشر ، وروي الحديث في أمالي الشيخ عن عبد الله بن عباس ايضاً( ).
قانون الدنيا مزرعة للآخرة
لقد جعل الله عز وجل الدنيا مزرعة للآخرة ، ومنها تعدد مصاديق الأمل وسبل النجاة .
و(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكل بالمؤمن ثلثمائة وستون ملكاً ، يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف ، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل ، كلهم باسط يديه فاغر فاه ، وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين ، لاختطفته الشياطين)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قال : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط ، أو يتردى في بئر ، أو يأكله سبع ، أو غرق أو حرق ، فاذا جاء القدر ، خلوا بينه وبين القدر .
ونزل القرآن ووردت السنة النبوية بسبل النجاة في الآخرة ، ومنها الحديث المتقدم لبيان السعة والتعدد في طرق الوقاية من عذاب القبر ، لينهل المسلم والمسلمة من كل فرد منها.
قانون بقاء الأرواح بعد الموت
تفنىِ الأجساد بعد الموت ولكن الأرواح باقية ، وهو من أسرار قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، في آدم وبعث الحياة فيه.
ان ورود الروايات بتعرض الأرواح للجزاء وانتقالها إلى منازل الثواب أو محل العذاب دعوة للناس للتفكر فيما بعد الموت والإجتهاد في السعي للفوز باللبث الدائم في الجنة والسلامة من النار ، قال تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا.
و(عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مرّ برسول الله فقال له : كيف أصبحت يا حارث .
قال : أصبحت مؤمناً حقاً .
قال : انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة إيمانك .
فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي ، واظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها.
قال : يا حارث عرفت فالزم ثلاثاً)( ).
كما في رواية إبراهيم بن إسحاق الجازيّ قال: قلت لأبي عبد الله -الصادق عليه السلام : أين أرواح المؤمنين .
فقال: أرواح المؤمنين في حجرات في الجنّة، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويتزاورون فيها. ويقولون: ربنّا اقم لنا الساعة لتنجز لنا ماوعدتنا.
قلت: فاين ارواح الكفّار.
فقال: في حجرات النار، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها ويتزاورون فيها، ويقولون: ربّنا لاتقم لنا الساعة لتنجز لنا ماوعدتنا( ).
ان ذلك لا يمنع من الإعتقاد بوقوع الثواب والعقاب للأبدان الأصلية في القبر أو وصول اثار النعيم وآلام العذاب إلى الأبدان الأصلية وقد يكون عذاب القبر في يوم واحد وساعة واحدة.
البدن المثالي
وفي قوله تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قال اصحاب أبي هاشم من المعتزلة: أن الله تعالى ينزع من جسد كل واحد منهم اجزاءاً قدر مايتعلق به الروح وأن الله تعالى يرزقهم على مانطقت به الآية وماسوى هذا من اجزاء ابدانهم فهي في قبورهم كأجساد سائر الموتى.
وهذا القول منهم مبني على الترجيح ضمن مستوى العقل الإنساني ذي الأبعاد المحدودة في التصور بالاضافة إلى قصوره في ادراك معالم الغيب وأسرار الحياة فيما بعد الموت ، وعجزه عن متابعة الإشارات البيانية المتصلة وغير المنتهية للوجوه المتشعبة من الرزق الواسع الذي ينعم به الله عز وجل على أوليائه واحبائه بعد التوكيد الفعلي لمضامين الاخلاص في العبودية وهو القادر على كل شيء ولاتستعصي عليه مسـألة.
فهو القادر على أن يخلق أجساماً مثالية يضع فيها هذه الأرواح وأن يجعلها في نعيم يناسب هيئة الروح المجردة من الجسد وبغض النظر عن البنية التي تصح معها الحياة ضمن القوانين التكوينية في الحياة الدنيا سيما وأن جسد الإنسان لا يتوجه إليه أمر ولا نهي ولا تكليف مباشرة بل يتعلق الأمر بالروح والذات التي هي من الجواهر.
وعن الإمام الصادق عليه السلام أن أرواح المؤمنين (في روضة كهيئة الأجساد في الجنة)( ).
وقد يقول قائـل إنا لم نر ميتاً خرج من قبره وعليه آثار العذاب، انها مقولة قديمة وتصاغ بالسنة مختلفة متناسبة مع جهة الصدور لتباين منازل الناس فقد تصدر من جاهل مفتقر للحجة والبينة والبيان .
وقد تصدر من عالم ينتهج الفكر المادي أو الوثني ويتبنى مسائله أو وفق المذاهب الفلسفية اللادينية ومع تلك السعة العرضية والامتداد الطولي لهذا القول لم تر له عبر العصور اثراً خارجياً متميزاً، بل إن أصحابه يتراجعون عنه عند حضور علامات الموت، بالاضافة إلى الأمارات العقلية المؤيدة للأدلة الشرعية للحياة بعد الموت.
جهاز رصد على القبر
في هذا الزمان حيث تداخلت الحضارات وأطلت العقائد والأفكار بعضها على بعضها الآخر وحدث ارتقاء سريع في سلّم العلوم والصناعات الدقيقة مع اتصال هذا التطور واطراده بسرعة متصاعدة قد يتساءل أحدهم ويقول : لو وضعت أجهزة رصد ومراقبة للميت في قبره حتى فناء بدنه وتفسخ اعضائه هل نرى اثراً لهذا العذاب أو لدخول أحد إلى القبر.
وللإجابة عليه نقول بان ما يجري في عالم مابعد الموت ومنه القبر بالنسبة للميت أمر يختلف عن سير الأمور في الحياة الدنيا ونظام الأعمال فيها. وان اشكال وكيفية ايقاظ الميت وسؤاله وتطورات حسابه تجري بصور وصيغ لا يستطيع العقل البشري الارتقاء إلى معرفتها وهي من المسائل الملكوتية.
وكان صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاجزين عن رؤية الوحي ساعة نزوله ومعه كانوا مؤمنين بحضور جبرئيل وان لم يشاهدوه. ومصدقين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يشاهده ويحدّثه ، نعم مع قرائن إعجازية في المقام .
و(عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا)( ).
وهناك صورة تقريبية أخرى في الحياة الدنيا وهي ما يجري للإنسان في منامه من الرؤيا المكروهة التي يواجه خلالها أنواعاً من العذاب ويشعر معها بالالم والضيق والاذى ويستغيث ويصرخ من غير أن يشعر بذلك من يجلس بجانبه.
ومنها ما يستيقظ النائم وهو يشعر باستمرار آثار الرؤيا وآلامها ويظن بحقيقة وجود من اعتدى عليه أو سبّب له في الرؤيا الأذى والالم مما لم يشاهده غيره ممن كان بجواره بل أن النائم نفسه يسر بغياب تلك الآلام والموجودات التي كانت تفزعه في الرؤيا.
وبالرجوع في المقام إلى قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
يمكن استقراء وجود عذاب القبر حقيقة وإن لم يخرج الميت من قبره أو لم ترصده الأجهزة الحديثة ، بالاضافة إلى إحتمال وامكانية وجود أسرار غيبية أخرى لاشكال هذا العذاب الذي ورد ذكره في الروايات اجمالاً بتقريب يناسب عقول الناس ومدارك افهامهم لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنا معاشر الانبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم( ).
و(عن أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يحاسب الناس يوم القيامة على قدر عقولهم)( ).
وهو من اللطف الإلهي وسعة رحمة الله بالناس في الآخرة ، وهل يشمل هذا التخفيف الناس في عالم القبر ، الجواب نعم .
النـَوح على الميت
النوح مصدر ناح ينوح نوحاً ، ويقال نائحة ذات نياحة. وناحت المرأة على زوجها أي بكت عليه بصوت مسموع وكلمات مفهومة. وقد يأتي النوح بمعنى اجتماع النساء للحزن والبكاء ويقال لهن النوائح.
ونوح الحمامة ما تُبديه من سجعها على شكل النوح .
والنوائح مأخوذ من التناوح بمعنى التقابل. لمقابلة نسوة لنسوة غيرهن عند النوح.
ونُوح-بضم النون- اسم رسول وهو اعجمي لذا قيل أن اسمه عبد الشكور أو عبد الغفار وان نوحاً لقب له لكثرة نوحه ولبكائه على ذنوب قومه ، وفي التنزيل قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي.
وبكاء الزهراء البتول عليها السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر معروف في كتب عامة المسلمين , ومنه البكاء على حمزة لذا فان البكاء على الميت أمر جائز سواء كان بالنظم أو النثر بشرط أن يكون خالياً من الويل والثبور وان لايكون فيه كذب أو جحود، وان لا يخرج عن التسليم لامر الله عز وجل والرضا بقضائه.
وقال الإمام علي عليه السلام: مروا اهليكم بالقول الحسن عند موتاكم فان فاطمة عليها السلام لما قبض أبوها اسعدتها بنات هاشم، فقالت : اتركن التعداد وعليكن بالدعاء( ).
ان النوح ليس غاية وهدفاً مقصوداً بذاته بل هو مدخل لجريان الدمع والتخفيف عن النفس ، وازاحة بعض الاحزان ، ومنع هيمنتها على البدن والسلوك.
ويجب أن يكون الإنسان -ذكراً كان أو أنثى- حذراً من الإسترسال في النوح والولوج في مداخل الجزع.
لذا قال الإمام محمد الباقر عليه السلام انما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها، ولاينبغي لها أن تقول هجراً، فاذا جاءها الليل فلاتؤذي الملائكة بالنوح( ).
وبالاسناد عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا الحسن وأبا جعفر في قول الله عز وجل وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لفاطمة عليها السلام : إذا أنا مت فلا تخمشي عليّ وجهاً ولا ترخي عليّ شعراً ولا تنادي بالويل ، ولا تقيمن عليّ نائحة.
ثم قال : هذا المعروف الذي قال الله عز وجل في كتابه ولا يعصينك في معروف( ).
كما ورد عن يزيد بن عبد الله مولى الصهباء عن شهر بن جوشب عن ام سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ، قال النوح ، وفي الزوائد إن يزيد بن عبد الله الذي جاء في اسناده مختلف فيه( ).
وورد في تفسير علي بن ابراهيم بخصوص الآية بيان تفصيلي حيث ذكر انها نزلت في يوم فتح مكة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قعد في المسجد يبايع الرجال إلى صلاة الظهر والعصر.
ثم قعد لبيعة النساء وأخذ قدحا من ماء فادخل يده فيه .
ثم قال للنساء : من أرادت أن تبايع فلتدخل يدها في القدح فاني لا أصافح النساء.
ثم قرأ عليهن عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ ))( ).
ولا تعارض بين وجوه تفسير الآية وأسباب نزولها.
ولا يصح النوح بالباطل أو الكذب سواء كان نثراً أو سجعاً أو شعراً.
ومما لا يجوز اللطم على الميت والخدش لما فيهما من ضرر محرم لقاعدة لا ضرر ولا ضرار ، وربما كان فيه خروج عن التسليم والرضا بقضاء الله ، ولأن الله عز وجل أمر بالذكر والإسترجاع عند المصيبة ، قال تعالى الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
(وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال فيما اوصى به عندما احتضر بأن لايلطمن على خد، ولايشقن على جيب، فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع لها في جهنم صدع كلما زادت زيدت) ( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (ما مؤمن يموت في غربة من الارض فيغيب عنه بواكيه، إلا بكته بقاع الارض التي كان يعبد الله عليها ، وبكته أثوابه وبكته أبواب السماء التي كان يصعد بها عمله، وبكاه الملكان الموكلان به)( ).
الذي يموت في كوكب آخر
مع الإرتقاء العلمي في هذا الزمان وصعود الإنسان ورحلاته إلى الكواكب الأخرى قد يرد سؤال هو: ما حال من يموت في الكواكب الأخرى خاصة عند إستقرار الحياة فيها، والله عز وجل يقول مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى.
إن تلك الإعادة لا تدل على الفورية بل أنها تسبق النشور وهي من مصاديق إطلاق قدرة الله تعالى، وإحتمال خروج نفر عن القاعدة لا يمنع من جريانها وذكرها، ووحدة الموضوع الشاملة للنفر الذي قد يقطن الكواكب فتشمله أحكام الدفـن ومن ثم النشــور، وإتحـاد سنخية التربة يؤكد إطلاق الحكم ومناسبته للموضوع.
وفي حـديث الإمام جعفر الصادق عليه السـلام : وقد سُئل عن الميت يبلى جسده؟ قال: نعم، حتى لا يبقى له لحم ولا عظم إلا الطينة التي خُلق منها فانها لا تبلى بل تبقى في القبر مستديرة حتى يُخلق منها كما خُلق أول مرة( ).
وجاءت آية أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا بسيطة في مضمونها إذ أن الخطاب فيها إنحلالي بعدد الناس من أيام أبينا آدم عليه السلام، فكل إنسان يحضره الله بروحه وجسده من غير تداخل بين الأفراد، وعدم التداخل هذا من مصاديق قوله تعالى في خاتمة الآية أعلاه[إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ].
إن إستحضار الإطلاق في قدرة الله مع الوعد والعهد منه تعالى بإحضار الناس جميعاً كاف لدفع شبهة الآكل والمأكول.
وإحضار وحشر الناس جميعاً في صعيد واحد وإن اختلف محل دفتهم في الأرض أو غيرها .
وفيه دعوة للإستعداد لهذا الإحضار بالمسارعة في الخيرات ، قال تعالى وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
شبهة المعدوم لا يعود
ان بقاء الروح وجلالة جوهرها وانعدام صورة البدن بعد قطع تلبس الروح به عند الموت وبعده دفع بعض الفلاسفة اتباع المشائين إلى الظن بان المعدوم لا يعود، وان القوى البدنية تنتفي بانتفاء البدن، فاذا زال المحل زال الحال. وقد أجابهم الاسلام بجواز إعادة المعدوم بعينه.
وقال بعض فلاسفة المسلمين بالمثلية في البدن لأن التكليف موجه أصلاً إلى النفس وهي المثاب والمعاقب.
والرئيس في الشفاء وان لم يحقق بالبرهان المعاد الجسماني إلا انه لم ينفيه. ونظر بعض من أهل الظاهر إلى الإنسان كونه الكيان الجسدي المتكون من اللحم والعظم والجلد ونحوها وما يصيبه من الامراض والكيفيات وهو نظر متخلف عن الواقع وفيه نقص ووهن.
إنما الموت نوع استكمال وانتقال وليس إنعداماً ومحواً وزوالاً ، فهو أمر وجودي أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، إذ أخبرت الآية أعلاه بأن الموت يحضر عند ساعة الوفاة والأجل .
وما قبل الموت من الحياة الدنيا وما بعده من عالم البرزخ ويوم القيامة أمور وجودية ، منها ما ظاهر لحواس الإنسان والوجدان وهو عالم الدنيا ، ومنها ما أخبر الله عز وجل عنها وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا.
ومع الإقرار ببقاء الروح بعد فناء الجسد إلا انها تتعرض هي الأخرى للفناء قبل قيام الساعة شأنها شأن المخلوقات الأخرى في الماديات وعالم الملكوت , قال تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
(وقال الإمام علي عليه السلام: أن الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ، ولا حين، ولا زمان عدمت عند ذلك الآجال والأوقات وزالت السنون والساعات فلاشيء إلا الله الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور)( ).
وهذا لا ينفي وجود الروح أيام البرزخ بعد هجرانها للجسد بالموت وقد روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ماخلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء وانما تنقلون من دار إلى دار ، وإنها في الارض غريبة وفي الابدان مسجونة)( ).
وروي ايضاً ان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وقف على قليب بدر فقال للمشركين الذين قتلوا يومئذ وقد أُلقوا في القليب :
لقد كنتم جيران سوء لرسول الله، اخرجتموه من منزله وطردتموه، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه ، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً.
فقال له عمر : يارسول الله: ماخطابك لهام قد صديت( ).
فقال له: مه يا ابن الخطاب، فوالله ما أنت بأسمع منهم، ومابينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع الحديد إلا أن أعرض بوجهي هكذا عنهم( ).
مكان الروح بعد الموت
لقد وردت أخبار كثيرة وروايات وآراء مستنبطة في محل تواجد الروح بعد الموت وانفصالها عن الجسد إذ انها لا تفنى بفناء الجسد منها :
الأول : تعاد الروح للبدن ساعة الدفن وسؤال منكر ونكير ، وقد ورد الحديث بالنداء للميت: يافلان بن فلانة وانه يسمع ولا يجيب ، وهذا الحديث محط عمل المسلمين في مختلف البلدان ، ومع تعاقب الازمان .
الثاني : الأرواح على أفنية قبورها ، وقد علّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين كيفية زيارة القبور.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (كان رسول الله صلى الله عليه واله يخرج في ملأ من الناس من أصحابه كل عشية خميس إلى بقيع المدنيين فيقول : السلام عليكم أهل الديار – ثلاثا – رحمكم الله – ثلاثا)( ).
وكان الإمام علي عليه السلام (إذا مر بالقبور قال : السلام عليكم أهل الديار ، وإنا بكم لاحقون ثلاث مرات .
وعنه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن تخطي القبور والضحك عندها)( ).
و(عن عبد الله بن سنان قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : كيف التسليم على أهل القبور ، فقال : نعم تقول : السلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين أنتم لنا فرط ونحن إن شاء الله بكم لاحقون)( ).
الثالث : إن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت. وقال مالك انه بلغني ذلك (وقد ورد عن حماد بن عثمان أن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ذكر الارواح ، ارواح المؤمنين فقال: يلتقون.
قلت : يلتقون .
قال : نعم ويتساءلون ويتعارفون حتى إذا رأيته قلت: فلان)( ).
وهناك روايات تفيد أن الارسال مختص بارواح المؤمنين.
الرابع : قالت طائفة منهم ابن حزم أن مستقر الروح بعد الموت حيث كانت قبل خلق جسدها.
الخامس : قال بعضهم أن مستقرها العدم المحض على القول بانها عرض من أعراض البدن كما قال العلاف وهو قول شاذ وقد ثبت استحالة وجود صفة لا في محل.
وباستثناء الوجه الرابع والخامس أعلاه فان الوجوه الثلاثة الأخرى من فضل الله عز وجل على الناس بعد انتقالهم إلى عالم الآخرة .
البرزخ في رحاب الدعاء
للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام دعاء إذا نُعي إليه ميت أو ذكر له الموت ورد ضمن أبواب الصحيفة السجادية التي هي إحدى ذخائر الفكر الاسلامي بما تضمنته من مفاهيم اسلامية وجسدته من أحكام أخلاقية تضفي على الحياة الإنسانية طابعاً روحياً ذا صبغة إيمانية تساهم في إعانة المسلمين للإرتقاء في منازل التقوى وسبل السالكين إلى مرضاة الله وطلب محبته وسؤال مغفرته وعفوه والمزيد من فضله ، وهو القائل في محكم كتابه المجيد ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
ويحمل الدعاء الرقم أربعين في تسلسل أدعية الصحيفة السجادية ولموضوعية هذا الدعاء وتعلق مفرداته ومضامينه بموضوع هذا الكتاب والإستعداد لعالم البرزخ نسرد نص الدعاء مع شرح فقراته تذكرة وموعظة( ) وهي :
كراهة طول الأمل
اللهم صل على محمد وآله ، وأكفنا طول الامل(1)( ).
1-كفى يكفي كفاية: إذا قام الأمر ، ويقال: كفاك الشيء يكفيك واكتفيت به.
وأمله يأمله أملاً: رجاه ضد يأس منه ، والأمل تطلع الإنسان لتحقيق محبوب أو حصول غاية في المستقبل.
ويتجلى قانون رزق الله أكبر وأكثر سعة من طول الأمل .
وطول الأمل عنوان يحتاج إليه رجاء تنجز الأمور الدنيوية والامال من مدة مديدة ووقت فسيح قد لاتستوفيه أيام حياة وعمر صاحبها ، وهو مكروه لسببين : لذاته وللطرق المؤدية اليه والأسباب الكامنة خلفه.
فان الاشتغال الذهني بالمحبوب والسعي الدائم لتحقيق حصوله قد يمنع الإنسان من أداء ما عليه من واجبات عبادية أو يحول دون اتمامها على الوجه المناسب والمطلوب.
حتى أن تلك الأحلام والأفكار تداهم العبد في صلاته فتسبب له الشك والارباك وقلة الثواب إلى جانب حجبها عن سبل التوبة والتفكير بوجوب الاستعداد لما بعد الموت والحاجة للاقبال على الأعمال الأخروية وان استحدث له سبب للتذكير بضرورة التوبة وتهيئة مستلزماتها فانه قد يؤجله ويعرض عنه تسويفاً بلغة الأيام ثم الاشهر ثم السنوات وربما يقول مع تكرار التأخير وتعاقب السنوات إلى ان يكتهل وبعد انقضاء سني الشباب.
وقد يؤجل الإنسان التوبة والإستعداد للآخرة حتى يستطيع الوصول إلى بعض من تلك الامال الـتي استولت على قلبــه ، ومــلأت أركان الإرادة والفعل منه وهكذا .
فكلما ينعم الله عليه بتحقيق بعض مما اشتغل بالسعي والاجتهاد لانجازه فانه ينتقل إلى أمر آخر غيره من الأمور الدنيوية لاصطباغ قلبه بالدوام على التخصص بوظيفة (طول الامل) حتى يغزوه الموت مفاجئاً ويأتيه بغتة ويرحل إلى عالم البرزخ من غير استعداد له.
لتطول في الآخرة حسرته ويشتد آلمه .
و(عن أبي سعيد الخدري قال : اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر ، فسمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إلا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر ، إن أسامة لطويل الأمل.
والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي وطننت أن شفري يلتقيان حتى أقبض ، ولا رفعت طرفي وظننت إني واضعة حتى أقبض ، ولا لقمت لقمة فظننت أني أسيغها حتى أغص بالموت .
يا بني آدم إن كنتم تعقلون فَعِدُوا أنفسكم في الموتى ، والذي نفسي بيده إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ))( ).
قانون قصور العمل
وقصّره عنّا بصدق العمل(2).
2-قصر الشيء يقصر قصراً : انحسر ونقص امتداده، خلاف طال، وقصرتّه تقصيراً إذا صيرته قصيراً وليس بطويل.
والصدق نقيض الكذب يقال: صدق صدقاً وتصداقاً أي قال الحق ونطق بما هو واقع وجاء بالفعل وذات العمل. والباء للاستعانة.
والعمل هو الفعل الذي يقترن بالقصد وتصاحبه النية فهو أخص من عموم الفعل.
والدعاء سؤال ورجاء للتوفيق إلى العمل الجاد والسعي المخلص الدؤوب لتحقيق الاماني صدقاً وانجاز ما يخطر بالبال من المشاريع في الواقع ودائرة الامكان ، قال تعالى لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وليكون النفع والمواظبة على العمل سبيلاً للتخلص من الاستغراق بالاوهام وطول الامل ليبعث الدعاء اشعاعات .
ويضع أسس علاج ما يسمونه اليوم (أحلام اليقظة) ويبيّن أخطارها وأضرارها إذ يفزع الإمام عليه السلام إلى الله عز وجل مستغيثاً للتخلص منها والنجاة من مضاعفتها.
ان ورود الدعاء بلسان الجماعة يكشف الستار عن الآثار الاجتماعية البليغة لوجود ظاهرة طول الامل والتشعبات المتعددة للحالة المنفردة منها إلى جانب ما تفرزه من حجب للعبد عن ذكر الله وعن أداء الطاعات في أوقاتها.
ومن حديث طويل عن أبي ذر (قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إبْرَاهِيمَ؟ قَالَ : كَانَتْ أَمْثَالاً كُلُّها : أَيُّهَا المَلِكُ المُسَلَّطُ المُبْتَلَى المَغْرُورُ ، إنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا على بَعْضٍ.
ولكني بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ المَظْلُومِ ، فَإنِّي لاَ أَرُدُّهَا وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ ، وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ :
وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ.
وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ في صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لَحَاجَتِهِ مِنَ المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ.
وَعَلَى العَاقِلِ أَلاَّ يَكُونَ ظَاعِناً إلاَّ لِثَلاَثٍ : تَزَوُّدٍ لِمَعادٍ ، أو مَؤُونَةٍ لِمَعَاشٍ ، أو لَذَّةٍ في غَيْرِ مُحَرَّمٍ.
وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيراً بِزَمَانِهِ ، مُقْبِلاً على شَانِهِ ، حَافِظاً للِسَانِهِ.
وَمَنْ حَسِبَ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ؛ قَلَّ كَلاَمُهُ إلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ .
قُلْتُ : يَا رَسُولِ اللَّهِ ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى؟ قَالَ : كَانَتْ عِبَراً كُلُّهَا : عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالقَدَرِ ، ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ ، وَعَجِبْتُ لِمَن رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَها بِأَهْلِهَا؛ ثُمَّ اطمأن إلَيْهَا ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَداً ثُمَّ لاَ يَعْمَلُ)( ).
لبيان أن قوله تعالى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، إن هذه الصحف مواعظ وحكم لهداية الناس إلى الصراط القويم ، وقد تفضل الله عز وجل بالقرآن جامعاً لهذه المواعظ والحكم وأحكام الشريعة .
لبيان قانون دعاء إبراهيم عليه السلام للمسلمين أوسع وأعظم مما أنزل عليه لقوله تعالى رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وتدل خاتمة الحديث أعلاه على أن أهوال البرزخ وعالم الحساب في الآخرة مذكورة في الكتب السماوية السابقة .
حتى لانؤمِّـل استتمامَ ساعةٍ بعد ساعةٍ(3)
3-تسمى (حتى) حرف غاية ، لان ما بعدها غاية ونهاية لما قبلها (وقال الازهري: حتى مشدّدة تكتب بالياء ولاتمال في اللفظ ، وتكــون غايـــة إلى معناهـا إلى مـع الأسمـاء ، وإذا كـانت مع الأفعـال فمعناها إلى أن ، ولذلك نصبوا بها الغابر)( ).
وامّله تأميلاً : رجاه وطمع فيه ، وتم الشيء يتم تماماً واستتمّه وتمّمه: انجزه بصفة الكمال والتمام.
والساعة مقدار من الوقت وجزء من الليل أو النهار.
والعرب تطلقها وتريد بها الحين والوقت .
وقد ورد لفظ الساعة في القرآن ثماني واربعين مرة منها اربعون رمزاً وعنواناً ليوم القيامة وموعده وزمان حدوثه.
ويدل قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، على المتسالم عند المسلمين وأهل الكتاب وغيرهم أن المراد من الساعة هو يوم القيامة بلحاظ القرائن اللفظية والمعنوية الدالة على هذا المعنى .
وكثر اطلاقها على كل جزء من اجزاء الليل والنهار البالغة أربعة وعشرون جزءاً ، وهو ذات المعنى في زمن الائمة عليهم السلام وانشاء الدعاء أو هو قريب منه .
كما في الحديث الذي روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام وقد سئل عن أي ساعة لا من ساعات الليل ولا من ساعات النهار. قال مجيباً: بأنها ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس( ).
وفي حديث آخر : وهي من ساعات أهل الجنة.
وهذا الوقت الممتد بين الطلوعين يستغرق الساعة باصطلاح الطبيعيين ومفهوم العرف ويزيد عليها بنصف ساعة أو أقل حسب الفصول والبلدان.
إن مزاولة الأعمال كسبيل لتحقيق الغاية والوصول إلى المحبوب يحول دون البطالة ويطرد الكسل وطول الأمل ، ويساهم في استثمار الوقت وتوظيفه لقضاء حوائج الدنيـا والآخرة وللتخلص من الانقطاع إلى الأمل وسرابـه بسكون وطمع أجوف.
لبيان عدم أمل الإنسان بقضاء ساعة أخرى بعد ساعته حياً في الدنيا ، وإذا كان الإنسان يخشى زيارة الموت له في ساعته ، وهو أمر ممكن وحق ، فانه ينصرف عن الآمال العريضة والتي دونها موانع أو التي ليس دونها موانع وعوائق .
فمن فضل الله عز وجل على الإنسان وأسباب صلاحه وهدايته عدم معرفة ساعة حلول أجله ، واحتمال كونها ذات الساعة التي هو يعيشها ، وبالنسبة لي الساعة التي أكتب هذه الصفحة من كتابي قوانين البرزخ ، نعم الدعاء يدفع الأجل , وأسأل الله لي وللمسلمين والمسلمات طول العمر المقرون بالعمل الصالح ، والنجاة من ضغطة وفتنة وعذاب القبر ، وفي التنزيل يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
روي أن أحد العباد قال لصاحبه : ما بلغ من قصر أملك ، فقال : أملي إذا أصبحت ان لا أمسي وإذا أمسيت أن لا أصبح.
فقال : انك لطويل الامل، أما انا فلا أؤمل ان يدخل لي نفس إذا خرج ولايخرج لي نفس إذا دخل .
ترى ما هي النسبة بين طول الأمل وذكر الموت ، الجواب هو التباين ، لبيان قانون تأكيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الإكثار من ذكر الموت دعوة رسالية لعدم الإنقطاع إلى الدنيا وعالم الآمال .
الأمل باستيفاء يومنا الحاضر
ولا استيفاء يومِ بعد يومٍ (4)
4-استيفاء الشيء : أخذه وافياً. واتمامه كاملاً ، ومنه يقال للميت : توفاه الله .
فلا يأمل أحدنا بقاءه حياً في تمام يومه وإلى حين الغروب إلا بفضل ولطف من عند الله .
و(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ، ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به ، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ، ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه.
وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب .
ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله ، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته)( ).
اليوم معروف وهو الوقت من الزمان الممتد بين طلوع الشمس إلى غروبها واستعمل ايضاً عنواناً لليل مع نهاره من غير اختصاص بالنهار كما هو شائع في العرف .
واليوم في الشرع من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس وقد يعني لفظ اليوم مطلق الوقت أو على واقعة مخصوصة وإن استغرقت لمدة أشهر أو سنوات كما في أيام العرب في الجاهلية .
مثل حرب البسوس التي استمرت نحو أربعين سنة وأقل قول في مدتها سبع سنوات (577-571) قبل الميلاد .
وجرت بين قبيلتين هما تغلب وبني مرة ، وفي أعداد القتلى نوع مبالغة فقيل أن عددهم في أيامها مائة ألف ، ولكنها كانت أيام قتال متفرقة .
ومثل يوم داحس والغبراء لإرادة المعارك التي وقعت بين قبيلة عبس وذيبان ، وكل منهما فرع من قبيلة غطفان.
وداحس فرس لقيس بن زهير ، والغبراء فرس لحذيفة بن بدر واستمرت هذه الحرب نحو عشرين سنة وحرب بعاث بين الأوس والخزرج ، لبيان فضل الله عز وجل على العرب والمسلمين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانقطاع هذه الحروب ، قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
ويطلق اسم اليوم على يوم القيامة مع طوله ، وقد ورد لفظ (يوم القيامة) سبعين مرة في القرآن لتذكير الناس بعالم الحساب والجزاء ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ )( ).
ومن الآيات عدم إطلاق اسم (يوم) على عالم القبر والبرزخ لأن وجود الناس فيه متباين كثرة وقلة ، فالسابق في الموت أطول مكثاً في القبر من اللاحق ، وقد تكون بين بعضهم آلاف السنين ، وكل واحد من الناس بعلم الله عز وجل .
وبعد : كلمة دالة على الشيء التالي كما تقول: جاء بعده، وبعد نقيض قبل.
قال الجوهري : وهما اسمان يكونان ظرفين إذا أضيفا ، وأصلهما الإضافة( ).
والفقرة من الدعاء رجاء التخلص من آثار طول الأمل ونتائجه على سلوك الإنسان وطريقة تفكيره وتسويف الأعمال وتأجيل عمل اليوم إلى غد مع دنو الأجل .
فبالاجتهاد والمواظبة على العمل والفعل المثمر النافع نقتطف ثمار أيام الحياة الدنيا كدار امتحان ونستثمر ما سخر الله لنا فيها في سعـي ودأب وطاعة لله وفلاح بعيداً عن الكسل والخمول وانتظار المجهول عجزاً وتقصيراً.
وقد حثت الشريعة المقدسة على العمل والسعي لصــلاح الإنسان في الدنيـــا وتحقيق الفــوز في الآخرة والأخبار في ذلك كثــيرة.
وفي وصيتـه لأبي ذر الغفاري قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (يا أبا ذر، احفظ ما أوصيتك به تكن سعيدا في الدنيا و الآخرة. يا أبا ذر، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة ، و الفراغ .
يا أبا ذر اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك .
وصحتك قبل سقمك .
وغناك قبل فقرك .
وفراغك قبل شغلك .
وحياتك قبل موتك .
يا أبا ذر إياك والتسويف بأملك، فإنك بيومك ولست بما بعده، فإن يكن غد لك تكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم.
يا أبا ذر كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومنتظر غدا لا يبلغه .
يا أبا ذر لو نظرت إلى الأجل ومسيره لأبغضت الأمل وغروره .
يا أبا ذر كن في الدنيا كأنك غريبا وكعابر سبيل ، وعد نفسك في أهل القبور .
يا أبا ذر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح ، وخذ من صحتك قبل سقمك ، ومن حياتك قبل موتك ، فإنك لا تدري ما اسمك غدا.
يا أبا ذر، إياك أن تدركك الصرعة عند الغرة فلا تمكن من الرجعة .
ولا يحمدك من خلفت بما تركت ، ولا يعذرك من تقدم عليه بما به اشتغلت .
يا أبا ذر ، ما رأيت كالنار نام هاربها ، ولا مثل الجنة نام طالبها)( ).
ومن فضل الله عز وجل انطباع هذه الوصايا النبوية في ذهن أبي ذر وصيرورة قوله وعمله مرآة لها ليقتدي هو والمسلمون بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
الأمل بتجدد النفس
ولا اتّصال نفسٍ بنفسٍ(5).
5-الاتصال : ارتباط الاشياء بعضها ببعض ، واتصل الشيء اتصالاً: لم ينقطع.
والنفس: الريح الذي يرد على القلب عبر الانف والفم ويخرج من خلالهما في عملية الشهيق والزفير. والجمع أنفاس وكل تروّح بين شربتين نفس.
وكل ذي رِئةٍ مُتنفّسٌُ بالضرورة وهو من بديع صنع الله وبيان المائز بين الدنيا وعالم البرزخ بانقطاع النفس ، لبيان أنه نعمة عظمى ومناسبة لذكر الله عز وجل .
وكل شهيق وزفير مستقل يستلزم الشكر لله عز وجل يفقده الإنسان حال مغادرة الروح الجسد .
والنفس مجموع الشهيق والزفير للمرة الواحدة بدخول الأوكسجين إلى الرئتين ، وخروج ثاني أوكيد الكاربون من الجسم .
ويكون عند البالغين من 12-16 نفساً في الدقيقة الواحدة لبيان أن إحصاء عدد أنفاس الإنسان في أيام عمره كلها لا يحصيها إلا الله عز وجل( ).
وقال تعالى وَالصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ، أي يزيد حتى يصبح نهاراً ، ولبيان عدم اختصاص نعمة التنفس بالناس .
وفي صلاة المغرب يجزي بين الإذا ن والإقامة نفس ، ويأتي لفظ (نفس) عنوانـاً للقرب.
واشتغال الإنسان اليومي بأمله البعيد عن الواقع أو التحقيق يضّيع عليه فرصة استثمار اجزاء الوقت وساعات العمر لقضاء حاجات الدنيا وضرورياتها ، ويحجبه عن الوصول إلى المقدار المناسب من الأعمال الصالحة للإقتراب من إدراك سبل النجاة من عذاب القبر وعن أهوال يوم الفزع الأكبر.
والحرص على ذكر النَفَس في الدعاء بعنوانه الزماني يظهر اهمية الوقت وحرص الشريعة على الانتفاع من جميع أجزائه.
وفي نهج البلاغة عن امير المؤمنين عليه السلام قال: نفس المرء خطاه إلى أجله( ).
(وفي الكافي باسناده عن عبد الاعلى مولى آل سام قال : قلت لأبي عبد الله -الصادق- عليه السلام قول الله عز وجل إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا قال عليه السلام : ماهو عندك ، قلت : عد الأيام ، قال : الآباء والامهات يحصون ذلك ولكنه عدد الانفاس)( ).
لبيان قبض الروح عند استيفاء عدد الأنفاس ، فاذا كان عددها في الدقيقة 15 نفساً ، فلا يُهمل الإنسان عند حلول الأجل شطراً من الدقيقة الواحدة ، مما يستلزم أخذ الحائطة بالتوبة وأداء العبادات والصلاح ، وهذا المعنى لا يمنع الإنسان من الدعاء بطول العمر .
والنفس لها عدة معان منها ذات الشيء، ومنها الجوهر المتعلق بالأجسام تعلق التدبير والتصرف، وهو الشيء الذي يشير اليه كل انسان بقوله انا وهو الباقي بعد الموت.
وَلاَ لُحُوقَ قَدَمٍ بقدمٍ(6).
6-لحق الشيء وألحقه لحوقاً: ادركه متابعة.
والقَدَم: رِجل الإنسان من لدن الرُسغ مما يطأ به الأرض ، والجمع أقدام.
إن انعام الله تعالى علينا بصدق العمل واجتناب طول الأمل يفتح لنا باباً في الحلم والتمهل والتدبر في الأمور والتخلص من آثار العجلة ومضاعفاتها السلبيـة.
ويخلق عند الإنسـان سلامـة التفكير والرزانة في السلوك ويسّهل الطريق لمعرفة الحياة الدنيا وحقيقـة زخرفها ومعاشرتهـا بالصـبر والحكمـة والتوكـل علـى الله والرضا والإستسلام لقضائه ، وفي الثناء على المؤمنين المهاجرين إلى الله ، قال تعالى الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
لقد سأل الإمام علي بن الحسين عليه السلام الله عز وجل بقصر الأمل بما يقرب من إنعدامه ، بأن لا يأمل الإنسان حينما يخطو خطوة يحل بساحته الموت فلا يخطو الخطوة التالية والذي يكون أمله في ذات الخطوة التي يخطوها دون التالية لها يزهد في الدنيا ولا يطمع في حرامها أو مواطن الشبهات فيها.
لأن الموت يكون حاضراً في الوجود الذهني عند المشي وعند الجلوس.
و(عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم خط خطوطا وخط خطا ناحية ثم قال هل تدرون ماذا هل مثل ابن آدم ومثل المتمني وذلك الخط الامل بينما يأمل إذ جاءه الموت)( ).
و(عن أحمد بن محمد بن خالد عن بعض من رواه يرفعه إلى أبي عبد الله -الصادق- عليه السلام قال : المؤمن له قوة في دين ، وحزم في لين وايمان في يقين ، وحرص في فقه ، ونشاط في هدى ، وبر في استقامة .
وعلم في حلم ، وكيس في رفق ، وسخاء في حق ، وقصد في غنى ، وتَجمل في فاقة ، وعفو في قدرة ، وطاعة الله في نصيحة ، وانتهاء في شهوة ، وورع في رغبة ، وحرص في جهاد ، وصلاة في شغل ، وصبر في شدة .
وفي الهزائز وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور ، ولا يغتاب ولايتكبر ، ولايقطع الرحم ، وليس بواهن ، ولا فظ ولا غليظ.
ولايسبقه بصره ، ولا يفضحه بطنه ، ولا يغلبه فرجه ، ولا يحسد الناس، يَعير ولا يعير .
ولا يسرف بنصر المظلوم ، ويرحم المسكين ، نفسه منه في غناء والناس منه إلى راحة ، لايرغب في عز الدنيا ، ولا يجزع من ذلها ، للناس هم قد اقبلوا عليه وله همّ قد شغله .
لا يرى في حلمه نقص ، ولا في رأيه وهن ، ولا في دينه ضياع ، يرشد من استشاره ، ويساعد من ساعده ويكيع( ) عن الخنا والجهل)( ).
رجاء السلامة من غرور طول الأمل
وَسَلّمنا مِن غُرورِهِ(7).
7 -سلّمه الله من الأمر : وقاه إياه وحفظه منه ، غرّه يغرّه غراً وغروراً فهو مغرور وغرير: خدعه واطمعه بالباطل.
والغَرَور : ما غرّ الشخص من انسان أو شيطان وكذلك الحياة الدنيا وزينتها ، قال تعالى وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
و(الهاء) في غروره في محل جر بالاضافة ، وتعود إلى طول الأمل اذ يغرّ الإنسان ويعجله غارقاً بالأماني الكاذبة ، ومستسلماً إلى الاباطيل التي تكّون معظم حظّه من الدنيــا ، قال تعالى رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
والتبادر من علامات الحقيقة ، إذ ينصرف الذهن بذكر الغرور إلى الشيطان ، وزينة الدنيا ، ولكن هناك قرينة صارفة في المقام ، إذ أن الهاء في (غروره) تعود إلى اسم سابق في الحديث وهو طول الأمل .
ليكون هذا المعنى من جوامع الكلم ، من وجوه :
الأول : قانون الملازمة بين طول الأمل والغفلة عن الموت ، قال تعالى وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
الثاني : قانون الحسن الذاتي لقصر الأمل .
الثالث : قانون قرب الموت سبب لاستحضار ذكر الموت والإستعداد له ، قال تعالى قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى.
و(عن انس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان الحرص وطول الامل)( ).
لبيان أن لجوء الإمام علي بن الحسين إلى الله عز وجل بالوقاية من طول الأمل مستقرأ من آيات القرآن والسنة النبوية .
دعاء الأمن من شر طول الأمل
وَآمِنّا مِن شرورِهِ(8).
8-آمنت غيرك : وفرت له الأمن والأمان ، والأمن ضد الخوف.
الشرور : جمع شر وهو السوء والفساد وفعل القبيح. والشر ضد الخير.
وطول الأمل سبب لانخداع الإنسان بالأباطيل وانقياده لما تزينّه الأماني لترسم على قلبه غشاوة تصدّه عن ذكر الآخرة ، وتمنعه من تمام الانصياع لطاعة الله واداء فرائضه صحيحة كاملة والمبادرة في ميدان الخيرات والفلاح.
وعن علي بن عيسى يرفعه (قال : فيما ناجى الله عزوجل به موسى صلوات الله عليه : يا موسى لا تطول في الدنيا أملك، فيقسو قلبك، والقاسي القلب مني بعيد)( ).
وطول الأمل كيفية نفسانية ، ولكنه قد يترجل على الجوارح والأركان بالعمل والكسب لسنوات طويلة ، وينسى معه الإنسان أن أجله قريب ، وأن الله عز وجل إذا كتب له طول العمر فانه يضمن له رزقه .
استحضار الموت في الذهن
وانصب الموت بين ايدينا نصبا(9).
9-نصبه ينصبه نصباً: وضعه ورفعه وجعله قائماً منتصباً، ويقال: مات الإنسان يموت موتاً ويعدى بالهمزة فيقال: اماته الله. والموت هو مغادرة الروح للجسد وزوال القوة الحسية وانعدام الحركة، والموت ضد الحياة.
وهل تحجب قسوة القلب قانون استحضار عذاب البرزخ ، الجواب لا ، نعم يكون هذا الإستحضار أقل ، ولكنه أمر وجودي في حياة الإنسان ينجذب إليه الإنسان بالتفكر وبالوقائع والشواهد ، ومنها موت القريب والإبتلاء بالمرض.
واصل (بين) ان تكون ظرف مكان ليس له هيئة أو حدود ، ومثله وسط ، وقد تكون للزمان ، كما لو قلت : بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ساعة بحسب ما تضاف اليه.
وقد وردت كلمة (بين) نحو ثمانين مرة في القرآن ، كلها بخصوص المكان حقيقة أو مجازاً ، وحتى قوله تعالى فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا، إذ أرادوا بعد الغاية من السفر .
وَلاتَجعَل ذِكرَنا لَهُ غِبّاً(10).
10-الذكر: استحضار الأمر في الذهن أو جريانه على اللسان يقال ذكره يذكره ذِكراً وذُكراً.
وغبّ الشيء في نفسه يغبّ غبّاً ، والغِبُّ : وردُ يوم ، وظمأ آخر ، وقيل: هو ليوم وليلتين. (وفي الحديث: أغِبُّوا في عيادة المريض وأربعوا)( ).
اللهم اجعلنا نحرص على استحضار حتمية الموت واحتمال قربه، وتوقع حدوثه وحلول ، موعد الاجل في كل ساعة ، ولا تجعل ذكرنا له يأتي متباعداً في زمانه أو يمر سريعاً لان غيابه شبه الدائم عن الذهن يجعل تأثيره ضعيفاً ويفقد الإنسان فرصة وسلاحاً وعوناً على مراجعة النفس وضبط السلوك وفق الحاجات الضرورية.
و(عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والناس حوله : أيها الناس ، استحيوا من الله حق الحياء .
فقال رجل : يا رسول الله ، إنا لنستحيي من الله .
فقال : من كان منكم مستحييا فلا يبيتن ليلة إلا وأجله بين عينيه ، وليحفظ البطن وما وعى والرأس وما حوى ، وليذكر القبور والبلى ، وليترك زينة الحياة الدنيا)( ).
حلاوة العمل الصالح
واجعل لنا من صالح الأعمال عملاً نستبطئ معه المصير اليك(11).
11-صلح يصلح صلاحاً وهو صالح : ما فيه الخير والفلاح وأسباب الرشاد. نقيض فاسد. وربما كنوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة.
وبطأ في مشيه يبطؤ بطأً وبِطاءً وأبطأ وتباطأ وهو بطيءً: تأخر وتخلف في الفعل. واستبطأته: رأيته واحتسبته بطيئاً.
وصار الامر إلى كذا يصير صيراً ومصيراً وصيرورة: رجع وانتهى.
اللهم وفقنا لفعل الصالحات واتيان الافعال التي توصل إلى مرضاتك ، وتكون سبيلاً لنيل جزيل الثواب في الآخرة.
وتبعث في النفس طمأنينة واستعداداً ليوم الحساب وشوقاً إلى حسن الجزاء وكريم العطاء في دار النعيم .
قال امير المؤمنين عليه السلام في خطبة له (فاعملوا والعمل يرفع. والتوبة تنفع، والدعاء يسمع ، والحال هادئة والاقلام جارية .
وبادروا بالاعمال عمراً ناكساً، ومرضاً حابساً أو موتاً خالساً فان الموت هادم لذّاتكم، ومكدّر شهواتكــــم، ومباعد طيّاتكــم.. إلى أن يقـول : فعليكم بالجد والاجتهاد والتأهب والاستعداد، والتزوّد في منزل الزّاد)( ).
وتتضمن هذه الفقرة من الدعاء سؤال أمرين : أحدهما يترشح عن الثاني ، أما الأول فهو الهداية إلى عمل الصالحات والإعانة عليه وكثرته.
وأما الثاني فهو قانون سؤال طول العمر في عمل الصالحات والمبادرة إلى الخيرات ، وهذا الرداء ضد تمني الموت المنهي عنه .
وفيه قانون إقرار المسلمين بالمصير إلى الله عز وجل ، وفي التنزيل وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
ويبين الحديث الكثرة والسعة في أبواب العمل الصالح ورجاء الهداية إلى بعضها .
قرب لقاء الله
وَنَحرِصُ لَهُ عَلى وشكِ اللّحاقِ بِكَ(12).
12-حرص عليه يحرص حرصاً : رغب فيه طمعاً ، والحرص : شدة الارادة والشره إلى المطلوب.
والوشيك : السريع والقريب: وشك وشاكةً ووشّك وأوشك.
ولحق الشيء وألحقه وكذلك لَحِق به والحق لَحاقاً : ادركه ، والمصدر اللّحاق ، والضمير في (له) يعود للعمل الصالح .
اللهم اهدنا واصلحنا لأداء الفرائض وفعل الصالحات التي نطمع معها بالانتقال المحتوم إلى الدار الآخرة ، والخلاص من دار الدنيا بفلاح وســداد ونجـاح في امتحانها واجتياز لابتلائها وسلامة من غرورها واغوائها.
اللهم اجعلنا نواظب على عمل الصالحات وعدم الإنقطاع عنها حتى مع دنو الأجل ، وقرب الموت ، لبيان قانون الإيمان تنزه عن البخل والشح إلى آخر أيام العمر .
قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: فسابقوا رحمكم الله إلى منازلكم التي أمرتم ان تعمروها ، والتي رُغّبتم فيها ودُعيتُم اليها. واستتموا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته والمجانبة لمعصيته فأن غداً من اليوم قريب.
ما أسرع الساعات في اليوم، واسرع الأيام في الشّهر .
وأسرع الشهور في السنة، واسرع السنين في العمر( ).
حتى يكون الموتُ مأنسنا الذي نأنسُ بِهِ(13).
13-حتى جاءت للانتهاء وهي مرادفة لـ (إلى) وهي مما يضمر بعدها (أن) فيكون معناها الدوام .
وأنس به يأنس أنساً: سكن قلبه اليه مطمئناً من غير نفور. والمأنس: الموضع الذي يأنس به الإنسان.
ويتجلى كل من :
الأول : قانون الموت خاتمة للحياة الدنيا وبداية للفراق الابدي مع الاحبة.
الثاني : قانون الموت عنوان بداية حرمان الإنسان مما اعتاده من متاع الدنيا ونعيمها ، وهو أمر صعب مستصعب لا يهون وتخفف وطأته إلا عندما ويرتقي في مراتب الإيمان ، ويتطلع إلى عالم ما بعد الموت مجتهداً بالاستعداد له مسارعاً إلى الاكثار من الصالحات لتمتلأ صحيفته منها.
وليصبح الموت وساعته مدخلاً كريماً لحياة سرمدية في دار النعيم.
ومن كلام لامير المؤمنين عليه السلام قال: والله لابن أبي طالب انس بالموت من الطفل بثدي أمه( ).
ويحتمل المراد من الموت في هذا الدعاء وجوهاً :
الأول : إرادة ذات الموت ، وحلول الأجل .
الثاني : ذكر الموت ، لما فيه من الأنس والشوق للقاء الله ، والإبتعاد عن هموم الدنيا .
الثالث : المعنى الأعم الجامع للوجهين أعلاه .
والمختار أن المراد هو الوجه الأول أعلاه ، ويلحق به الثاني .
إن ملازمة عمل الصالحات حتى مع التقدم بالعمر ودنو الأجل يجعل الإنسان يستأنس بذكر الموت وقربه ، لأن العمل الصالح خير مصاحب للإنسان إلى عالم القبر .
الألفة مع ذكر الموت
وَمَألفنا الّذي نشتاقُ اِليهِ(14).
14-الفت الموضع أولفه إيلافاً وألفت الشيء إذا أنست به. والمألف: موضع أنس الإنسان وما يألفه ويسكن اليه.
وشاق اليه وتشوّق واشتاق اشتياقاً : مالت نفسه إلى الشيء رغبة فيه وحباً.
اللهم اجعل الموت محطة للنفوس لتسكن اليه ، وتنزع للقائه إذا جاء ذكره على اللسان أو شاهدنا من دروسه وعبره .
ويعود الضمير (نا) في ( مألفنا ) إلى المسلمين والمسلمات ، وهو من بركات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باكثار المسلمين والمسلمات لذكر الموت من غير جزع أو خوف لقانون عمل الصالحات واقية من الخوف من الموت .
واجعل العواطف تهيج شوقاً للنعيم الأخروي عند حضور صورته في الذهن أو عند جريان ذكره ، وعند أوان قبض الروح.
ان عدم النفور من الموت وغياب الفزع عن الإنسان حين ذكره يحتاج إلى وجوه :
الأول : درجة عالية من التقوى .
الثاني : قانون الارتقاء في سلّم الهداية ومنازل الايمان.
الثالث : قانون الوثوق بما أعدّ الله لعباده الصالحين ، قال تعالى وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
ويأتي الدعاء بالتضرع إلى الله عز وجل وسؤال نزوع النفوس إلى كثرة ذكر الموت كونه موضع أنسها.
ومن كلام لامير المؤمنين عليه السلام (وصِيَّتِي لَكُمْ : أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئاً ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ، أَقِيمُوا هذَيْنِ الْعَمُودَينِ، وَخَلاَ كُمْ ذَمٌّ.
أَنَا بالاَْمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ، إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ، وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ ، فَاعْفُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
وَاللهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ، وَلاَ طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ، وَمَا كُنْتُ إِلاَّ كَقَارِب وَرَدَ ، وَطَالِب وَجَدَ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ))( ).
الدنو من الموت طارد لطول الأمل
وحامَّتنا الّتي نُحِبُّ الدّنُوَّ منها(15).
15-الحامة : خاصة الرجل من اهله وولده وذي قرابته ممن يتبادل معهم الشفقة والود والعطف .
وفي حديث الكساء عن أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه ، فقال لها : ادعي زوجكِ وابنَيْكِ .
قالت : فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري .
قالت : وأنا في الحجرة أُصلّي فأنزل الله تعالى هذه الآية إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.
قالت : فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثمّ قال : اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت : فأدخلت رأسي البيت
فقلت : وأنا معكم يا رسول الله .
قال : إنّك إلى خير ، إنَّكِ إلى خير)( ).
فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن أصحاب الكساء هم حامّته وخاصته .
ودنا منه يدنو دُنوّاً ودناوةً: قَرُبَ.
اللهم اجعلنا نميل إلى استحضار أمر الموت بشوق ورغبة من غير نفور ، ولا محاولة للإعراض والتجافي ، ونستسلم برضا وقبول لما تفعله الأيام في تعاقبها من تقريب لساعة الوفاة وموعد مغادرة الحياة الدنيا لكي لانحرص على التعلق بحبائلها والانقطاع اليها (قال الإمام علي بن الحسين عليـه السـلام:
وليس يعــرف تصرف أيامــها , وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصمه الله ونهج سبيل الرشاد وسلك طريق القصد ثم استعان على ذلك بالزهد والفكر واتعظ بالصبر وزهد في عاجل بهجة الدنيا وتجافى عن لذتها ورغب في دائم نعيم الآخرة وسعى اليها سعيها)( ).
قانون ورود الموت
فاذا أوردته علينا، وانزلته بنا(16).
16-وَرَدَ الماء وغيره ورداً ووروداً وورد عليه : أشرف عليه، دخله أو لم يدخله. قال الجوهري: ورد فلان وروداً، حضر : وأورده غيره واستورده أي أحضره ، قال تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا.
والنزول : الحلول ، وقد نزل عليهم ونزل بهم ونزلهم ينزل نزولاً ومنزلاً ، وانزله غيره واستنزله بمعنى.
وبما ان الفاء في (فاذا) استئنافية جاءت للترتيب الذكري وإذا ظرفية شرطية غير جازمة وهي بهذا العنوان ظرف للزمان المستقبل ، فيكون المعنى سؤالاً وتضرعاً لبيان الحاجة والحالة الشخصية المناسبة عند حلول موعد مغادرة الدنيا وحضور ملك الموت واعوانه وقدوم الموت الذي وصفه الإمام علي عليه السلام بالغائب المنتظر.
لبيان قانون كل من علامات وسكرات الموت ، وحلول الموت ، من عند الله عز وجل في كيفيتها وأوانها .
قانون الموت زائر قهري كريم
فَاسعِدنا بِهِ زائِراً(17).
17-الفاء: رابطة لجواب الشرط لان الجواب يدل على الطلب. والسّعد : اليُمن وهو نقيض النحس. يقال: سَعِد يَسعَد سعداً وسعادةً فهو سعيد ، وقد اسعده الله أي وفّقه واعانه وصيّره سعيداً.
والباء: للسببية.
وزائراً: حال منصوب من الضمير (الهاء) المجرور. وهو اسم فاعل من زاره يزوره زيارة وزوراً وزوارة أي قصده وعاده وحلّ ضيفاً عليه.
اللهم اجعلنا نستقبل الموت ورسله بسرور وغبطة وسعادة كونه بداية لدخول النعيم الاخروي وساعة اقتطاف ثمار الاجتهاد في العبادة والحرص على اختزان الصالحات.
لبيان قانون المواظبة على أداء العبادات وعمل الصالحات إقرار بالموت ولزوم التهيئ لعالم ما بعده.
وآنسنا به قادماً(18).
18- انسته بكذا ايناساً : وفّرت له ما يسكن اليه ويستبشر به ولاينفر منه. وقادم: اسم فاعل من قَدِم قدوماً إذا قصد. وقدم فلان إلى أمر كذا أي تعمده وقصد له ، وقدم من سفره يقدم قدوماً ومقدَماً فهو قادم : آب ورجع.
ولابد لكل إنسان أن يأتيـــه الموت زائـــراً ويقدم إليه بعد فسحة من العمر عند انقضاء مدته في الحياة الدنيا لا يمنعه حجاب ، ولايصدّه حاجز ، ولا يسأل الاذن لانه لا يحتاج اليه فهو عمل ملكوتي بمشيئة الاهية ، قال تعالى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ.
ويجب الإستعداد للموت بالعمل الصالح وإتيان العبادات وفعل الصالحات التي تكون مستلزمات وأسباب السعادة الروحية عند دنو الأجل وساعة دخول عالم الجزاء.
ولابد من توطين النفس على حتمية مجئ الموت ، فيجتهد الإنسان بالعمل الصالح ، ولا يقنط أو ييأس ، بل يكون ذكر الموت باعثاً على عمل الصالحات ، قال تعالى وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ.
سؤال الراحة عند الموت
ولاتشقنا بضيافته(19).
19-الشقاء : الشدة والعسرة ضد السعادة. شَقِيَ يشقى شقاً وشقاءً وشقاوةً وشقوة. وضفت الرجل ضيفاً وضيافة: مِلتُ اليه ونزلت به ضيفاً.
ان تشبيه الموت بالضيف استعارة لما يحتاجه حلول الضيف ونزوله من مفردات الإكرام وإعداد ما يحتاج اليه.
والتمثيل بالضيافة بيان ودليل على أهمية السخاء والكرم عند آل بيت النبوة ووجوبه لكل من يأتي زائراً ووفق ما يناسب مقامه حتى بالنسبة للموت الذي يأتي قابضاً عازماً بجد واخلاص على انتزاع الروح ، حازماً في وجوب مغادرة الحياة الدنيا طوعاً أو كرهاً.
وسواء استقبل أو لم يُستقبل، اخبر عن قرب مجيئه بمرض أو اصابة أو حلّ مفاجئاً وعلى حين غفلة , فيكون الشقاء بحلوله من نصيب اولئك الذين لم يستعدوا له بالتقوى والعمل الصالح ، ولم يبادروا إلى الاستغفار والتوبة النصوح.
وفي خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يصف الذين ينزل بهم الموت قائلاً : اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت. ففترت لها اطرافهم، وتغيرت لها الوانهم ، ثم ازداد المـوت فيهم ولوجاً.
فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وانه لبين اهله ينظر ببصره ويسمع باذنه على صحة من عقله وبقاءِ من لُبّهِ ، يفكر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره ، ويتذكر أموالاً جمعها أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصرّحاتِها ومشتبهاتها ، قد لزمتـه تبعــات جمعهــا ، وأشرف على فراقهــا، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتّعون بها.
فيكون المهنأ لغيره، والعبء على ظهره ، والمرء قد علقت رهونه بها، فهو يعضُّ يده ندامةً على ما أصحر له عند الموت من أمره( ).
دعاء الستر عند الموت
ولاتخزنا بزيارته(20).
20-الخزي : الهوان والذل والفضيحة بالسوء، يقال: خزِيَ الرجلُ يخزي خزياً.
والباء: للسببية.
وزاره يزوره زَوراً وزيارة: عاده وحلّ بساحته.
والدعاء سؤال للإعانة على الإستعداد لقدوم الموت ومجيئه بصالح الأعمال وحسن التهيء للآخرة بالتزود من التقوى.
والمبادرة إلى التوبة والانابة فان حلول الموت واوان الاجل أثناء ركوب السيئات وارتكاب الفواحش ومن غير استعداد له بأداء الفرائض والواجبات العبادية مجلبةً للذل والهوان، وسوء العاقبة، والفضيحة بين الخلائق يوم لا ينفع المرء إلا ماقدمت يداه.
وقد جاء القرآن بالانذار والتحذير من الخزي في دار الدنيا وفي الآخرة مع بيان أسباب الخزي ، قال تعالى كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
ووجوب اجتناب ما يؤدي إلى إليه وكيف ان الانبياء والصالحين يتضرعون إلى الله عز وجل طلباً للنجاة من الخزي يوم القيامة ويسألونه اتصال العز ودوام النعم. قال تعالى يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
كيفية موت المؤمن طريق للمغفرة
وأجعله باباَ من أبواب مغفرتك(21).
21-(جعل) من أفعال الشروع والإنشاء والبدء بالفعل وكأن معناه في الاصل (أوجد) .
والباب : الموضع الذي يجري الدخول منه إلى المكان كباب البيت وباب المدينة ، والجمع أبواب وبيبان.
ثم تجوز فيه ليشمل ما يتم به التوصل إلى الشيء ، وأبواب الفوز بمغفرة الله تعالى هي الطرق التي يتعين سلوكها لتكون سبيلاً للحصـول على العفـو والفـوز بالمغفرة الإلهية.
ولما كان الموت بعنوانه المجرد المحتوم أمراً يلجه كل الناس على اختلاف مللهم واعمالهم وعالماً مستقلاً بملاكه وخصوصياته قد لايمهل الإنسان وقتاً كافياً للإنابة والتوبة فانا نغتنم الفسحة من العمر لسؤال الإمهال واتاحة الفرصة عند حلول الموت بتقـــدم انذاراته وعلاماته ورسله بغية استثمارها بالاستغفار والوصية ورد المظالم والوفاء بالحقوق الشرعية.
عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في اهل بيته اذ قال: احب يوسف يستوثق لنفسه فقيل: بماذا يارسول الله؟ قال: لما عزل له عزيز مصر لبس ثوبين جديدين نظيفين وخرج إلى فلاة من الارض فصلى ركعات فلما فرغ رفع يده إلى السماء فقال رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخرة تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
قال : فهبط اليه جبرئيل فقال له: يايوسف حاجتك ، فقال : ربّ َتوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
قال الإمام الصادق عليه السلام: خشي الفتن( ).
وقد يقبض ملك الموت الروح بيسر أو يلاقي فيه الميت المشقة والأذى ومنه طول سكرات الموت ، فجاء الدعاء مطلقاً برجاء الأجر والثواب على حلول الموت ومغادرة الدنيا ومفارقة الأحبة معه.
قانون موت المؤمن مفتاح للرحمة
وَمِفتاحاً مِن مَفاتيحِ رَحَمتِكَ(22).
22-المفتاح : آلة فتح الباب وكل مستغلق، ومفاتيح جمعه. والفتح نقيض الإغلاق ، فتحه يفتحه فتحاً وافتتحه فانفتح. وهو آلة الوصول إلى المخزون والمغلق مما يصعب استخراجه. والجمع مفاتيح ومفاتح وفي القرآن الكريم ورد ذكر (مفاتح) في ثلاثة مواضع احدها في الغيب وخزائنه وعلومه( ).
والآخران في المعنى الحقيقي المتعارف للمفتاح بقوله تعالى إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ.
واستعمالاته في الولوج إلى داخل الدار بفتح بابه والوصول إلى أموال مخزونه ولها باب مغلق.
ومن أسماء الله الحسنى : الفتّاح فهو الذي يفتح على عباده أبواب الرزق الكريم والرحمة الواسعة وينعم عليهم بالهداية سبيلاً للنيل منها.
نسأل الله تعالى ان يكون الموت طريقاً للحصول على مغفرته ، وأماناً من عذابه وسخطه ومناسبة تتغشانا خلالها رحمته وسحائب عفوه (وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في حديث : إني نازلت ربي في أمتي فقال لي ان باب التوبة مفتوح حتى ينفخ في الصور( ).
لبيان فضل الله عز وجل على المسلمين ببقاء باب التوبة عن المعاصي والسيئات مفتوحاً إلى يوم القيامة .
نعمة الموت على الهداية
اَمِتنا مهتَديِن غَيَر ضاليـِّنَ(23).
23- مات يموت موتاً ، ويمات ، الأخيرة طائيةْ وأماته الله وموّته: شدد للمبالغة. ولفظ الميت يستوي فيه المذكر والمؤنث .
والموت خلق جعله الله نهاية وخاتمة لأيام الإنسان في الحياة الدنيا وبداية لدخوله الحياة الآخرة وولوجه عالم البرزخ ليبدأ مراحل الحساب الخالية من العمل إلا عملاً جاء به معه من الحياة الدنيا يكون له يوم القيامة سلاحاً إذا كان صالحاً ، ويكون العمل عوناً عليه ، وشاهداً ان كان قبيحاً سيئاً.
والهدى : الرشاد ضد الضلال ، وقد هداه هُدىّ وهدياً وهداية ، قال ابن منظور (وهدى واهتدى بمعنى)( ).
والإهتداء له معان أخرى تتعلق بالقصد والسعي إلى الهدى وطلب وتحري الهداية وملازمتها واتخاذها منهجاً ودليلاً ، قال تعالى فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ.
و(غير) كلمة ترمز إلى مفهوم المغايرة واصلها انها صفة تفيد مغايرة مجرورها لموصوفها ، والمغايرة أما ان تكون بالذات أو بالصفة كما في المقام.
وضالون: جمع ضالّ نقيض مهتدي يقال : ضلّ يضلّ ضلالاً وضلالة: لم يعرف طريق الهداية والرشاد.
والفقرة من الدعاء سؤال لحسن العاقبة وحلول ساعة الأجل ، والنفس ممتلئة بالايمان مستقبلة للموت بالتوبة والثبات على الحق ، ومعرفة طريقه وأحكامه.
وفيه تسليم بقانون موت الإنسان بيد الله عز وجل وقانون الحاجة لمغادرة الدنيا في طاعة الله ، وقانون حياة القلب بالإيمان .
و(عن أبي حمزة الثمالي قال: كان على بن الحسين يقول ابن ادم انك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك وماكانت المحاسبة من همتك وما كان الخوف لك شعاراً والحزن لك دثاراً، ابن آدم إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله فأعد جواباً)( ).
تلقي الموت بالقبول
طائعين غيَر مُستَكرَهيَن(24).
24-طائعون: جمع طائع ، يقال: أطاعه إطاعة أي انقاد له ولان وخفّض له الجناح واستجاب لامره.
ومستكرَهون بصيغة اسم مفعول: جمع مستكره وهو الذي يُكره على أداء فعل، وقد كرهه كَرهاً وكُرْهاً وكراهة وكراهية ومكرهاً ومكرهةً.
اللهم اجعلنا نستقبل الموت برداء الطاعة وزينة الانقياد لأوامرك فلا نغادر الحياة الدنيا إلا بالالتزام التام بأداء الفرائض والاقرار القلبي الثابت بمبدأ التوحيد والشهادة بصدق النبوة بغير إكراه أو إرغام للنفس، لان حملها على الامور كارهة مستكرة يؤثر سلباً في أدائها واخلاصها.
والله عز وجل يعلم السرائر وخفايا النفوس والوفاة على الإيمان نعمة عظمى ، وأمل كل مسلم ، إذ يخاف مغادرة منازله لشدة في الإبتلاء أو غفلة ، وفي التنزيل رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.
وبفضل من الله عز وجل صدر الجزء التاسع والخمسون بعد المائتين من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان) خاصاً بتفسير هذه الآية الكريمة.
(عن الهيثم بن واقد الجزوي قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ان الله عز وجل بعث نبياً من انبيائه إلى قومه واوحى اليه ان قل لقومك انه ليس من اهل قرية ولا ناس كانوا على طاعتي فاصابهم فيها سراء فتحولوا عما أحب إلى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون إلى مايكرهون.
وليس من أهـل قرية ولا أهل بيت كانـوا على معصيتي فاصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أحب إلا تحولت لهم عما يكرهون إلى مايحبون .
وقل لهم ان رحمتي سبقت غضبي فلا تقنطوا من رحمتي فانه لايتعاظم عندي ذنب اغفره، وقل لهم لا تتعرضوا معاندين لسخطي ولا يستخفوا باوليائي فان لي سطوات عند غضبي لايقوم لها شيء من خلقي)( ).
سؤال التوبة عند الموت
تائبين غيَر عاصِينَ(25).
25-تائبون : جمع تائب وهو الراجع عن الذنب والنادم على ماسبق من فعله للسيئات وارتكابه الآثام ، وتاب إلى الله يتوب توبة وتوباً ومتاباً: اناب ورجع عن المعصية إلى طاعة أوامر الله.
وقد ورد لفظ (التائبون) مرة واحدة في القرآن وبقوله تعالى التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
ومن الإعجاز في الآية أعلاه إبتداء عشر خصال سامية بصفة التوبة ، لبيان قانون التوبة سور جامع للخصال الحسنة المنجية من عذاب القبر ، ومن دخول النار .
وورد لفظ [التَّوَّابِينَ] مرة واحدة في القرآن بصيغة الثناء وبيان حب الله عز وجل لهم ، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَلبيان قانون حب الله للعبد وعد منه تعالى للنجاة من عذاب البرزخ وأليم حر النار .
وعن سلمان المحمدي (قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحسن والحسين ابناي ، من أحبهما أحبني ، ومن أحبني أحبه الله ، ومن أحبه الله أدخله الجنة ، ومن أبغضهما (1) أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار)( ).
وعاصون : جمع عاصٍ. وعصى فلان اميره يعصيه عصياً وعِصياناً ومعصية إذا لم يطعه، فهو عاصٍ وعصِيّ ، والعصيان خلاف الطاعة.
والفقرة من الدعاء سؤال للاستصلاح للموت وما يليه من عالم واهوال تكون التوبة فيها سلاحاً وشفيعاً ، والإنابة فيها نوراً وسبيلاً لنيل رحمة الله تعالى .
وفي أسماء الله الحسنى (التواب) فهو الذي يقبل التوبة ويهدي اليها ويصلح النفوس لاتخاذها منهجاً وحرزاً وظهيراً للعزيمة على ترك الذنوب وعوناً على اجتناب ارتكابها وعدم المعاودة اليها.
وقد ورد اسم [التَّوَّابُ] ست مرات في القرآن كلها لله عز وجل ، ومقترنة في كل مرة مع اسم الرحيم ، قال تعالى وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وهذا الإقتران وإجتماع التوبة على العباد مع رحمة الله لطف ورأفة لا يقدر عليها إلا الله عز وجل ، وفيه :
الأول : قانون الترغيب بالتوبة .
الثاني : قانون لزوم دخول القبر برداء التوبة .
الثالث : قانون التوبة النصوح واقية من عذاب القبر .
الرابع : قانون البشارة في الدنيا والآخرة للتائبين والتائبات .
الخامس : قانون ليس من تقييد أو تخصيص لمواضيع التوبة وسعة رحمة الله عز وجل ، فورود آيات التوبة والصلاح مطلقة ، ومن أبهى آيات الرجاء قوله تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
والله عز وجل هو الذي يخلق في النفوس حالة من الندم والغم لما اجترأت عليه من السيئات لتبرز عندها نامية متصلة مؤثرة بايجاب ملكة التحرز من الآثام والحرص الواعي على الإبتعاد عن الذنوب ومواطنها والأسباب المؤدية اليها.
إن إدراك العبد لحقيقة المعاصي وكونها طريقاً تؤدي به إلى النار يملي عليه التفكير بحكمة والسعي بجد لاجتنابها وضرورة اتخاذ اليقظة والحذر والحيطة من أسبابها والمنافذ المؤدية إلى ارتكابها .
مع لزوم التسلح بالايمــان لمواجهة اغـــواء إبليس واتخاذه عدواً.
وتلك مهام جهاد للنفس , وتستلزم تسخير الجوارح والمقدرة ومنع النفس عن الهوى وحجبها عن السوء الأمر الذي يدفع بالعبد المؤمن للتوجه إلى الله عز وجل لسؤال الهداية والرشاد والإنعام عليه بالانابة والتوبة كي لايأتي من يشهد عليه بشيء من الذنوب حتى يلقاه الله تعالى.
(عن أبي بصير قلت لأبي عبد الله -الصادق- عليه السلام : َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا)( ).
قال: هو الذنب الذي لايعود فيه ابداً. قلت: وايّنا لم يعد. فقال: يا ابا محمد ان الله يحب من عباده المفتن التواب)( ).
قبح الإصرار على المعصية
وَلامُصِرِّينَ(26).
26- أصل الإصر : الثقل والشدة ثم اطلق على الارادة والعزيمة على البقاء على الشيء وملازمته وان كان بعناد وضيق ومنه دوام ارتكاب الذنوب وقيل ان الاصر هو الاثم والعقوبة للغوه وتضييعه عمله. يقال: اصر الشيء يأصره أصراً: حبسه.
والإصرار على الشئ العزم على إتيانه ، والثبات عليه ، وفي ذم أهل النار وبيان خبثهم واستحقاقهم لنزول العذاب بهم يوم القيامة قال تعالى وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ.
والحنث العظيم هو الفواحش والذنوب الكبيرة ، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار)( ).
والإصرار على اتيان الذنوب هـو الإقامة عليها مـن دون استغفار ولااظهار للندم أو ذم لذات الفعل فيكـون الاثم بذلـــــــك مركباً وباباً لاغواء الاخرين وتحمّل قسط من أوزارهم يلحق بعضها بالإنسان بعد موته.
لقد تضرع الإمام علي بن الحسين عليه السلام إلى الله عز وجل سائلاً مستغيثاً من حالات استمرار ركوب الذنوب واقتراف السيئات ، وراجياً توفر ملكة الإنابة والتوبة وسرعة الاستجابة للطاعات وقبول النصيحة.
وفي الوسائل باب مستقل عنوانه (تحريم الإصرار على الذنب ووجوب المبادرة بالتوبة والاستغفار) .
عن جابر عن الإمام محمد الباقر عليه السلام في قـــول الله عـــز وجــــل وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ قال : الإصرار ان يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بالتوبة فذلك الإصرار.
وفي ذات الباب (عن الإمام جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من اذنب ذنباً وهو ضاحك دخل النار وهو باكي)( ).
قانون أحسن الجزاء
ياضامِنَ جزاءِ المُحسِنينَ(27).
27-(يا) حرف نداء وجاء الاسم المنادى بعدها منصوباً لانه مضاف. ضمن الشيء وبه ضمناً وضماناً فهو ضامن وضمين أي كافل وكفيل. والشيء مضمون.
والجزاء : المكافأة على الشيء ويكون ثواباً ويكون عقاباً (قال الجوهري: جزيته بما صنع جزاءاً وجازيته بمعنىً.
وقال الفراء: لايكون جزيته إلا في الخير ، وجازيته يكون في الخير والشر)( ).
والظاهر رجحان استعمال جزيته في الشر ويعرف بالقرينة ايضاً خاصة وان القرآن جاء بآية جامعة للثواب والعقاب بقوله تعالى لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هذا إلى جانب تخصيص كل من العنوانين بأكثر من آية ، قال تعالى لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.
وقرينة المقام وصيغة الدعاء والتضرع بلسان السؤال وطلب الأجر والإفضال والإحسان والتوسل إلى الله تعالى بأحب الأسماء إليه يؤكد ان (الجزاء) في المقام هو الثواب والمكافأة على فعل الطاعات وإتيان الصالحات. يقال: جزاه به وعليه جزاءً. وجازاه مجازاة وجزاءً.
والمحسنون : جمع محسن وهو الذي يبادر إلى إتيان الطاعات ، ويسارع إلى الخيرات ويجتهد في قضاء حوائج الآخرين ويتصدى لأبواب الإحسان.
ولم يرد في القرآن إلا بلغة الجمع ، وأثنى الله عز وجل عليهم في مواضع منه ووعدهم بحسن الجزاء وبشّرهم بالثواب وعظيم الأجر.
والفقرة من الدعاء توسل بلسان المدح والثناء إضافة إلى إظهار الثقة بوعد الله تعالى لأهل الصالحات والإطمئنان المقرون بالأمل وروح التوكل على الله تعالى فهو الذي يتعاهد ما يعمله العباد من الطاعات واعمال البر فينمّيها ويضاعف اجرها ، ويجعلها نوراً يدخل معهم في القبر ، وواقية من عذاب البرزخ .
والمختار أن أسباب وسبل النجاة من عذاب البرزخ أكثر من أن يحيط بها الإنسان لسعة رحمة الله عز وجل ، وقبوله القليل وإعطائه الكثير عليه .
وعن الإمام علي عليه السلام أنه قال (رحيم بعباده المؤمنين، ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم فبها يتراحم الناس، وترحم الوالدة ولدها، وتحنو الامهات من الحيوانات على أولادها .
فإذا كان يوم القيامة أضاف هذه الرحمة الواحدة إلى تسع وتسعين رحمة فيرحم بها امة محمد صلى الله عليه واله، ثم يشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة)( ).
وقيد الإمام الشفاعة لأهل الملة ليخرج بالتخصيص الأب الكافر ونحوه ممن غادر الدنيا على الكفر والجحود .
وكما ينفع الإنفاق في سبيل الله صاحبه في عالم البرزخ ويوم القيامة ، فكذا تنفعه الأخلاق الحميدة لبيان رأفة الله بالمؤمنين ، فمن يعجز عن الإنفاق فان خُلقه يشفع له .
وقد أثنى الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقد أمر الله عز وجل المسلمين بالإقتداء بسنته و(عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام
قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: أوحى الله عزوجل إلى داود عليه السلام: يا داود كما لا تضيق الشمس على من جلس فيها كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها، وكما لا تضر الطيرة من لا يتطير منها كذلك لا ينجو من الفتنة المتطيرون .
وكما أن أقرب الناس مني يوم القيامة المتواضعون كذلك أبعد الناس مني يوم القيامة المتكبرون)( ).
(وفي حديث للامام محمد الباقر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال على منبره: والذي لااله إلا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجائه له.
إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم: والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن لان الله كريم بيده الخير يستحي ان يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ، ثم يخلف ظنه ورجاءه فاحسنوا بالله الظن وارغبوا اليه)( ).
اللطف باصلاح أعمال العباد
وَمُستَصِلحَ عَمَل المُفسِدِينَ(28).
هذه الفقرة خاتمة الدعاء الأربعين من أدعية الصحيفة السجادية ، ذكرناه هنا مع البيان لما فيه من الموعظة والتذكير بالموت والتحذير العام من طول الأمل .
وهل تختص كراهة طول الأمل بالأفراد أم تشمل الأسرة والجماعة ، المختار هو الثاني ، وهل تشمل الدول وتخطيط الحكومات ، الجواب لا.
وقد ورد في القرآن البعث على التدبير والتخطيط في الدولة والوزارة لخمس عشرة سنة كما في قصة يوسف عليه السلام وتأويله لرؤيا ملك مصر ، إذ ورد في التنزيل قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ.
28-الإستصلاح نقيض الإستفساد والإفساد.
ويقال صلح يصلح صلاحاً وصلوحاً فهو صالح وصليح. ومعنى مستصلح في المقام آمرهم بالصلاح ومعينهم عليه وهاديهم إلى أسبابه.
والنسبة بينه وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عموم وخصوص مطلق ، إذ يختص الأمر هنا باصلاح عمل المفسدين ، وهذا الإصلاح أعم من القول والوعظ أو النهي باللسان إنما يشمل الفعل من غير ضرر على الذات أو الغير لعمومات قوله تعالى لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، ولقاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
وقد ورد في رواية لادعية الصحيفة (مصلح) بدل مستصلح من أصلح الشيء إذا جعله مستقيماً وحسناً في سلامة.
والمفسدون : جمع مفسد وهو مصدر ميمي حيث (يجيء المصدر من الثلاثي المجّرد وايضاً على مفعلٍ قياساً مطرداً)( ).
والفساد نقيض الصلاح. يقال فسد يفسد وفَسُد فساداً وفسوداً فهو فاسد).
وقد ورد لفظ (المفسدون) بالرفع بالواو مرة واحدة في القرآن ، قال تعالى في ذم المنافقين أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ.
وورد ثلاث عشرة مرة بصيغة النصب أو الجر (المفسدين).
والمفسـدون هم الذين يعملـــــون السيئـــات ويأتون بالقبيح من الافعال ويشيعون المنكر ويسعون عامدين أو من غير عمد في الاضلال بالقيّم الإخلاقية الراسخة والمبنية على مسائل عقائدية مستنبطة من الاحكام السماوية والكتب المنزلة ويعيثون في الأرض فساداً.
وليس في الفقرة من الدعاء ما ينافي المعنى والتفسير لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ.
وعدم الإصلاح في الآية هو عدم الاكثار وخلاف الإمضاء والإثبات. ويبطله ولا يديمه (وربما كنّوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة)( ).
حال الملائكة في الآخرة
يكون حال الملائكة في الآخرة على وجوه( ) :
الأول : إنقطاع عمل طائفة من الملائكة في الدنيا ، وليس لهم حضور في الآخرة .
الثاني : حضور طائفة من الملائكة في الآخرة للشهادة على الناس بعد ضبط أقوالهم وأفعالهم فيها .
وهل يكون هذا الضبط بالتدوين من قبل الملائكة أم بالحفظ بالذات .
المختار هو الأول ، وفي الخبر (عن أصبغ بن نباته قال: إن سلمان قال لي: اذهب بي إلى المقبرة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: يا سلمان سيكلمك ميت إذا دنت وفاتك .
فلما ذهبت به إليها ونادى الموتى أجابه واحد منهم، فسأله سلمان عما أرى من الموت وما بعده فأجابه بقصص طويلة، وأهوال جليلة.
وردت عليه إلى أن قال : لما ودعني أهلي وأرادوا الانصراف من قبري أخذت في الندم.
فقلت : يا ليتني كنت من الراجعين.
فأجابني مجيب من جانب القبر كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
فقلت له : من أنت ، قال : أنا منبه ، أنا ملك وكلني الله عزوجل بجميع خلقه لانبههم بعد مماتهم ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بين يدي الله عزوجل.
ثم إنه جذبني وأجلسني وقال لي : أكتب عملك .
فقلت : إني لا أحصيه .
فقال لي : أما سمعت قول ربك أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ.
ثم قال لي : أكتب وأنا أملي عليك.
فقلت : أين البياض ، فجذب جانبا من كفني ، فاذا هو ورق.
فقال : هذه صحيفتك ، فقلت : من أين القلم .
فقال : سبابتك ، قلت: من أين المداد.
قال : ريقك، ثم أملى علي ما فعلته في دار الدنيا ، فلم يبق من أعمالي صغيرة ولا كبيرة إلا أملاها ، كما قال تعالى وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.
ثم إنه أخذ الكتاب وختمه بخاتم ، وطوقه في عنقي فخيل لي أن جبال الدنيا جميعا قد طوقوها في عنقي.
فقلت له : يا منبه ، ولم تفعل بي كذا.
قال : ألم تسمع قول ربك وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا.
فهذا تخاطب به يوم القيامة ويؤتى بك وكتابك بين عينيك منشورا تشهد فيه على نفسك. ثم انصرف عني)( ).
وعن الحسن البصري (قال : يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ، ووكل بك ملكان كريمان ، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك ، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك ، حتى تخرج يوم القيامة)( ).
الثالث : قيام طائفة من الملائكة بوظائف في الدنيا وأخرى في الآخرة.
الرابع : خلق الله عز وجل لطائفة من الملائكة للآخرة ، وأخرى في الآخرة ، وفي التنزيل وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ.
الخامس : خزنة الجنة وهم ملائكة يتعاهدون أمور الجنة ، ويتولون العناية بها ، وينتظرون قدوم أهلها من المؤمنين ويعملون على تهيئة أسباب الضيافة والإكرام لهم من السكن والمأكل والمشرب والملبس ، قال تعالى وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إذا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.
وزمراً أي جماعات ممن ينتهي حسابه ، وترجح كفة ميزانه ، وهم متفاوتون في تقربهم إلى الجنة ، وقربها منهم بحسب اجتهادهم في التقوى والصلاح.
و(عن سهل بن سعد قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصف الجنة حتى انتهى ، ثم قال : فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ثم قرأ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ))( ).
وجاء ذكر خزنة الجنة في الآية أعلاه بصيغة الجمع [خَزَنَتُهَا] وورد في الخبر أن اسم الملك خازن الجنة (رضوان) في مقابل (مالك) خازن النار .
قانون منافع الصلاة في البرزخ
لقد جعل الله عز وجل الملائكة خيراً محضاً في خلقهم وانقطاعهم إلى التسبيح والذكر ، ويؤدي المسلمون الصلاة لتكون خيراً محضاً ، لذا جعلها الله عز وجل واجباً عينياً على كل مسلم في أوقات معينة ، قال تعالى فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا، لبيان قانون ملازمة الصلاة لوجود الإنسان في الأرض ، وقانون الملازمة بين خلافة الإنسان في الأرض وأداء المؤمنين الصلاة .
ورد عن الإمام علي عليه السلام في حديث نفر من اليهود: جاءوا إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عدة مسائل منها أن أحدهم قال (فأخبرني عن الله لاي شئ وقت هذه الخمس الصلوات في خمس مواقيت على أمتك في ساعات الليل والنهار.
قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الشمس عند الزوال لها حلقة تدخل فيها، فاذا دخلت فيها زالت الشمس فيسبح كل شئ دون العرش لوجه ربي، وهي الساعة التي يصلي علي فيها ربي.
ففرض الله عزوجل علي وعلى أمتي فيها الصلاة، وقال أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وهي الساعة التي يؤتى فيها بجهنم يوم القيامة، فما من مؤمن يوفق تلك الساعة أن يكون ساجدا أو راكعا أو قائما إلا حرم الله عز وجل جسده على النار .
وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة فأخرجه الله تعالى من الجنة فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، واختارها لامتي، فهي من أحب الصلوات إلى الله عز وجل، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات.
وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها على آدم عليه السلام، وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله تعالى فيها عليه ثلاث مائة سنة من أيام الدنيا.
وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة من وقت صلاة العصر إلى العشاء.
فصلى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حواء، وركعة لتوبته.
فافترض الله عز وجل هذه الثلاث الركعات على أمتي، وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، فوعدني ربي أن يستجيب لمن دعاه فيها، وهذه الصلوات التي أمرني بها ربي عز وجل فقال سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ.
وأما صلاة العشاء الآخرة فإن للقبر ظلمة ، وليوم القيامة ظلمة ، أمرني الله وامتي بهذه الصلاة في ذلك الوقت لتنور لهم القبور وليعطوا النور على الصراط .
وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلا حرم الله تعالى جسدها على النار، وهي الصلاة التي اختارها الله للمرسلين قبلي .
وأما صلاة الفجر فإن الشمس إذا طلعت تطلع على قرني الشيطان فأمرني الله عز وجل أن أصلي صلاة الفجر قبل طلوع الشمس وقبل أن يسجد لها الكافر فتسجد امتي لله، وسرعتها أحب إلى الله، وهي الصلاة التي تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار( ).
ويستقرأ من حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه قانون حاجة الإنسان في عالم البرزخ إلى صلاته في الدنيا ، وقانون إنارة صلاة العشاء ظلمة القبر، شكراً وجزاءً من عند الله عز وجل للمسلم لأنه كان يصلي في الليل .
ولا ينقطع فضل الصلاة بخصوص عالم البرزخ، إنما يشمل نفعها عالم الحساب والجزاء وقانون صلاة العشاء نور على الصراط ، وهي واقية من النار.
حضور الخلافة في الآخرة
لقد أكرم الله عز وجل الناس بقوله إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، سواء كان المراد الخلافة الخاصة لآدم والأنبياء ، أو عموم خلافة الإنسان باطلاق يده في الأرض لتكون حجة عليهم يوم القيامة.
فهل تحضر الخلافة مع الناس على نحو العموم المجموعي وبهيئة يراها الناس ويدركون أنها الخلافة وما شرّفهم الله به في الحياة الدنيا ، إذ تحضر الأشياء يوم القيامة بهيئة مادية وصورة خارجية .
المختار نعم ، بلحاظ أن الخلافة في الأرض الخاصة والعامة نعمة عامة على الناس ، وقال تعالى ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.
وهل تكون هذه الخلافة من المواضيع التي يسأل عنها الإنسان في القبر ، الجواب نعم ، لأنها نعمة عظمى اختص الله عز وجل بها الناس من بين الخلائق .
وعن ابن عباس يرفعه (أن “البقرة” و “آل عمران” يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان –أو : غيَايَتان -أو فِرْقَان من طير صَوَافّ.
و(قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل شاحب اللون .
فيقول له القرآن : أنا الذي كنت أسهرت ليلك وأطمأت هو اجرك وأجففت ريقك وأسلت دمعتك أؤول معك حيثما ألت .
وكل تاجر من وراء تجارته وأنا اليوم لك من وراء تجارة كل تاجر.
وسيأتيك كرامة من الله عزوجل فأبشر، فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه ويعطى الامان بيمينه والخلد في الجنان بيساره ويكسى حلتين ثم يقال له.
اقرء وارقه فكلما قرء آية صعد درجة ويكسى أبواه حلتين إن كانا مؤمنين ثم يقال لهما : هذا لما علمتماه القرآن)( ).
وفيه ترغيب للآباء والأمهات لتعليم الأبناء القرآن ، ولو علمهم غيرهم أو تعلم الابن بنفسه بهداية من الله عز وجل فهل يأتيهما الثواب ، الجواب نعم ، وهل يكون بذات كم وكيف وهيئة ذات الثواب الذي يأتيهما لو كانا هما اللذين علماه ، المختار لا .
لأن قيامهما بتعليم القرآن عمل صالح وخير محض ، نعم الثواب عظيم في الحالتين ، ومنه حديث عيسى بن مريم في الإخبار عن رفع عذاب القبر عن رجل مات وترك ابنه الذي لقنه المعلم (بسم الله الرحمن الرحيم) فرفع الله عز وجل عن الأب عذاب البرزخ .
ويدل ما ورد في التنزيل حكاية عن بلقيس قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، على أن البسملة موجودة قبل الإسلام وكأنها من مواثيق الأنبياء لما فيها من معاني التوحيد .
وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر : فيأتي المؤمن شابٌّ حسن اللون طيّب الريح ، فيقول : من أنت فيقول : أنا عملك الصالح)( ).
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إن العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة فيقول : من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح فيقوده إلى الجنة ، وبعكس هذا في الكافر)( ).
فان قلت هل هذه حجة في عدم حضور الخلافة في الآخرة فلو كان لبان ، فلم تذكر الخلافة كما ذكر حضور القرآن والعمل الصالح بهيئة جميلة ، الجواب لا ، فاثبات شء لشئ لا يدل على نفيه عن غيره.
و(عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا قال نزلت في عذاب القبر يقال له من ربك فيقول ربي الله ودين محمد صلى الله عليه وسلم فذلك قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ))( ).
قانون تعدد أصناف الشهداء
قال تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، إذ يقبض الله عز وجل روح الشهيد وليس ملك الموت الذي يقبضها .
لبيان انتفاء الفترة بين الشهادة وبين البعث والحياة من جديد وتكون حياة الشهيد في سبيل الله البرزخية عند الله عز وجل مما يدل بالدلالة على نجاته من عذاب البرزخ .
و(عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن للشهيد عند الله خصالاً . يغفر له في أول دفعة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة ، ويحلى عليه حلة الإيمان ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن يوم الفزع الأكبر .
ويوضع على رأسه تاج الوقار ، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه)( ).
مع إكرام الله عز وجل للمؤمنين عامة بعد الموت كما في قوله تعالى وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.
و(عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا) ( ).
و(عن سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : شهيد البحر مثل شهيد البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله.
وإن الله عز و جل وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدَين ، ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والدين)( ).
ولا يرى شهيد البحر الماً عند قبض روحه .
ولا يختص عنوان الشهيد بمن يقتل في سبيل الله ، خاصة وأن أزمنة الحرب والقتال قليلة ، ومن فضل الله كثرة الهبات في كل يوم ، لذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من تعدون الشهداء فيكم ، قالوا : يا رسول الله ، من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال : إن شهداء أمتي إذا لقليل .
قالوا : من يا رسول الله ، قال : من قتل في سبيل الله ، فهو شهيد ، ومن مات في سبيل الله ، فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون فهو شهيد ، ومن مات في بطن ، فهو شهيد.
قال سهيل : وأخبرني عبيد الله بن مقسم ، قال : أشهد على أبيك ، أنه زاد في الحديث الخامس ومن غرق فهو شهيد)( ).
قانون الوثاقة في الحديث بين الصحابة
من إعجاز القرآن إخباره عن قانون دخول الكافر النار بأمر الله عز وجل وحده ، فلا تقدر الملائكة ولا الأنبياء على إدخال أحد النار لقوله تعالى مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ.
الله وحده هو الذي يأمر بدخول الكافرين النار ممن لا تنجيهم أعمالهم ، ولا الشفاعة لقانون غلق باب الشفاعة والدعاء في الآخرة على الكافرين ، وهو لا يمنع من قيام الملائكة بسوقهم إلى النار بعد تلقي الأمر من عند الله ، إذ يسوقونهم بالزجر والتهديد والسحب على الوجوه ، ونسب الله عز وجل سوقهم إلى جهنم لنفسه إذ قال يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا.
وعن الإمام الصادق عليه السلام (قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله: أتى شبابا من الانصار، فقال : إني أريد أن أقرأ عليكم فمن بكى فله الجنة فقرأ آخر الزمر وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا إلى آخر السورة فبكى القوم جميعا إلا شاب .
فقال : يا رسول الله قد تباكيت فما قطرت عيني قال: إني معيد عليكم فمن تباكى فله الجنة قال: فأعاد عليهم فبكى القوم وتباكى الفتى فدخلوا الجنة جميعا)( ).
وهو من مصاديق قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (قال : بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القصاص ، فأتيت بعيراً فشددت عليه رحلي ، ثم سرت إليه شهراً حتى قدمت مصر فأتيت عبد الله بن أنيس فقلت له حديث بلغني عنك في القصاص .
فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يحشر الله العباد حفاة عراة غرلاً .
قلنا ما هما .
قال : ليس معهم شيء .
ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب .
أنا الملك ، أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة ، حتى أقصه منها حتى اللطمة .
قلنا كيف وان نأتي الله غرلاً بهما ، قال : بالحسنات والسيئات ، وتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ))( ).
والمراد من غرلا أي جمع أغرل وهو من بقيت غرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر لإرادة بعث الناس بجميع أعضائهم حين الولادة ، ويسمى هذا الحديث حديث القصاص.
وقد ورد الحديث بصيغة أخرى أقرب ليس فيه (قلنا ما هما ) إذ ذكر الطبراني باسناده (عن جابر بن عبد الله قال : ركبت إلى عبد الله بن أنيس ، إلى مصر ، أسأله عن حديث القصاص ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يجمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد ، حفاة عراة غرلا ، يسمع الصوت أقصاهم كما يسمع أدناهم.
يقول : أنا الملك لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، ولأحد من أهل النار عنده مظلمة يطلبه بلطمة فما سواها، فقالوا : يا رسول الله ، وكيف ونحن حفاة عراة غزلا .
قال : من أعمالكم)( ).
فبعد انتشار الناس في أقطار الأرض ، وهو من مصاديق إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يأتي عليهم الأجل تباعاً لتكون القبور هي المساكن ومحل الإقامة القهري .
ومن الآيات أنها منتشرة في أصقاع الأرض ، قال تعالى وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.
أما في يوم القيامة فقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باجتماع وحشر الناس في (صعيد واحد) أي الموضع العريض الواسع.
ويبين سعي الصحابي الجليل جابر بن عبد الله في طلب حديث واحد مسيرة شهر بين المدينة ومصر لسماع حديث نبوي يتعلق بالحساب والقصاص في الآخرة على حرص طائفة من الصحابة على أمور :
الأول : جمع الحديث النبوي .
الثاني : إحصاء الحديث النبوي .
الثالث : لحاظ تقسيم الحديث النبوي حسب الموضوع.
الرابع : تسليم الصحابة بأن كل حديث نبوي ثروة وتركة مباركة ، مما يلزم الحرص على توثيق الحديث النبوي .
الخامس : الدعوة لبذل الوسع في جمع الحديث النبوي ، وإسقاط الحديث الموضوع عنه .
السادس : وثاقة الصحابة فيما بينهم ، فلم يشك جابر بصحة سماع عبد الله بن أنيس حديث القصاص من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يطلب منه اليمين على صدق سماعه حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(قال ابن الكلبي : كان عبد الله بن أنيس مهاجرياً أنصارياً عقبياً، وشهد أحداً وما بعدها يكنى أبا يحيى.
روى عنه أبو أمامة، وجابر بن عبد الله، وروى عنه من التابعين بسر بن سعيد، وبنوه: عطية، وعمرو، وضمرة، وعبد الله، بنو عبد الله بن أنيس، وهو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ليلة القدر، وقال له: يا رسول الله: إني شاسع الدار، فمرني بليلة أنزل لها .
فقال : أنزل ليلة ثلاث وعشرين .
وتعرف تلك الليلة بليلة الجهني بالمدينة، وهو أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة، توفى سنة أربع وخمسين رضي الله عنه)( ).
لبيان قانون اجتماع العذاب والخزي في نار جهنم ، فجاءت آيات القرآن بسؤال تنجز ما وعد الله عز وجل به المؤمنين على ألسنة الأنبياء والرسل بدخولهم الجنة ، وفي التنزيل رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
قانون الرؤيا سبب للنجاة في البرزخ
من مصاديق قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، فضل الله عز وجل على الإنسان بالرؤيا تأتيه في المنام ، ومنها الرؤيا الصادقة ورؤيا البشارة والإنذار.
و(عن أبي الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نبوّة بعدي إلا بالمبشرات . قيل يا رسول الله : وما المبشرات؟ قال : الرؤيا الصالحة)( ).
ومعنى أو يرى له : أي يراه غيره في الرؤيا فيبشره ويخبره بمضامين الرؤيا ، كما لو قال له رأيتك تحج بيت الله الحرام .
ولا يعلم عدد الذين اتعظوا من الرؤيا ، وتابو إلى الله عز وجل بواسطتها إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ.
ومنافع توبة العبد لا تنحصر به بل تشمل صلاح ذريته ، وصيرورته أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، وهو ذاته موعظة وسبب لهداية غيره من دويرته ، قال تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
ومن الذين أدركتهم التوبة بالرؤيا مالك بن دينار العابد بالبصرة ، مولى خلاس بن عمرو( )، وأبوه دينار من سبي سجستان سمع أنس بن مالك وغيره .
وكان يكتب المصاحف بالأجرة ، وينسخ القرآن في أربعة أشهر فيدع أجرته عند البقال ، ليشتري بها طيلة المدة .
وعن (الأصمعي عن أبيه قال مرّ المهلب بن أبي صفرة على مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته فقال له مالك : أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين .
فقال له المهلب : أما تعرفني فقال له مالك : أعرفك أحسن المعرفة , قال وما تعرف مني .
قال أما أولك فنطفة مذرة وأما آخرك فجيفة قذرة وأنت تحمل بينهما العذرة فقال المهلب الآن عرفتني حق المعرفة)( ).
والمهلب بن أبي صفرة (كان رجلا شجاعا حمى البصرة من الخوارج ، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز، وتقلبت به الأحوال إلى أن ولي خراسان من جهة الحجاج ، ولم يزل والياً بخراسان حتى أدركته الوفاة)( ).
ومن فضل الله عز وجل صيرورة الرؤيا مناسبة للتوبة والإنابة ، ووسيلة للنجاة من عذاب القبر ، لقانون الملازمة بين التوبة النصوح والأمن من عذاب البرزخ .
(وروي عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته فقال: كنت شرطياً وكنت منهمكاً على شرب الخمر ثم إنني اشتريت جارية نفيسة ووقعت مني أحسن موقع فولدت لي بنتاً فشغفت بها.
فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حباً وألفتني وألفتها قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني عليه وهرقته من ثوبي.
فلما تم لها سنتان ماتت فأكمدني حزنها.
فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة الجمعة بت ثملاً من الخمر ولم أصل فيها عشاء الآخرة فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت ونفخ في الصور وبعثرت القبور وحشر الخلائق وأنا معهم فسمعت حساً من ورائي .
فالتفت فاذا أنا بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مسرعاً نحوي.
فمررت بين يديه هارباً فزعاً مرعوباً.
فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد السلام.
فقلت: أيها الشيخ أجرني من هذا التنين أجارك الله فبكى الشيخ وقال لي : أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه ولكن مر وأسرع .
فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه فوليت هارباً على وجهي فصعدت على شرف من شرف القيامة فأشرفت على طبقات النيران فنظرت إلى هولها وكدت أهوي فيها من فزع التنين .
فصاح بي صائح : ارجع فلست من أهلها ، فاطمأننت إلى قوله ورجعت ورجع التنين في طلبي فأتيت الشيخ فقلت : يا شيخ سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل فإن فيه ودائع المسلمين فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك.
قال : فنظرت إلى جبل مستدير من فضة وفيه كوى مخرمة وستور معلقة على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة باليواقيت مكوكبة بالدر على كل مصراع ستر من الحرير .
فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هارباً والتنين من ورائي .
حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا ، فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه .
فاذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت فأشرف علي من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار وقرب التنين مني فتحيرت في أمري.
فصاح بعض الأطفال : ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه فأشرفوا فوجاً بعد فوج وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علي معهم.
فلما رأتني بكت وقالت : أبي والله ، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي.
فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هارباً.
ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي وقالت : يا أبت أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ.
فبكيت وقلت : يا بنية ، وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت! نحن أعرف به منكم .
قلت : فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم .
( أي أنها صارت تأول له رؤياه مع أنها طفلة من أهل البرزخ ).
قلت فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي قالت: يا أبت ، ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء .
قلت : يا بنية ، وما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم .
قال مالك : فانتبهت فزعاً وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله عز وجل وهذا كان سبب توبتي)( ).
مات مالك بن دينار سنة سبع وعشرين ومائة( ).
قانون البرزخ من الآخرة
تقسم العوالم الطولية وأحوال الناس فيها أحياناً إلى أقسام :
الأول : الحياة الدنيا .
الثاني : عالم البرزخ .
الثالث : عالم النشور .
الرابع : عالم الحساب .
الخامس : عالم الخلود في الجنة أو النار .
وقد يتبادر إلى الذهن أن المراد من الآخرة يوم القيامة ، ولكن النسبة بينه وبين البرزخ هي العموم والخصوص المطلق ، فالآخرة أعم ، ويدخل فيها عالم القبر والبرزخ ، إذ ينقطع الإنسان بالموت عن الدنيا وعالم الإفعال والإختيار .
وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من مات فقد قامت قيامته).
وقيل لم يثبت هذا الحديث ولكن موضوعه مستقرأ من الأحاديث النبوية الأخرى، إذ ينقطع عمل الإنسان بالموت ، ويرى وهو في القبر ما ينتظره من الخير أو العذاب .
ومع استقلال عالم البرزخ وأنه وسط وفاصل بين الحياة الدنيا ويوم القيامة فانه يحتسب من عالم الآخرة ،وبداية عالم الحساب والجزاء ، لذا يكون فيه السؤال الإبتدائي للميت من قبل الملكين منكر ونكير ، فتعاد الروح للميت في القبر لتعرض عليه أعماله ، وليحيطانه علماً بما ينتظره من الجزاء .
لذا يلزم كثرة الإستغفار والدعاء بالنجاة من ضغطة القبر ، ومن حساب منكر ونكير ، وهل يعلم منكر ونكير عند المساءلة في القبر بالذي تدركه الشفاعة يوم القيامة .
المختار نعم ، وهو من فضل ولطف الله عز وجل ، وعن عمرو بن يزيد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في حديثه (ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ.
قلت: وما البرزخ .
قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة)( ).
نبش القبور
قد تتعرض القبور لسرقة ما فيها من المصوغات والممتلكات الشخصية أو سرقة ذات الكفن خاصة وأن طائفة من الناس يعتنون باكفانئهم ويدخرونها لحين الوفاة والنباش الذي ينبش القبور ، ويستخرج الأكفان ويسرقها.
ومن نهب القبور ما تعرضت له القبور القديمة في العراق وأوربا ، وفي مصر في وادي الملوك إذ كان الفراعنة يدفنون معهم أشياء ثمينة ، ويحتفظون بسجلات بهذه الأشياء مع تحذيرهم من اللعنة التي تصيب الشخص الذي يلمس ويأخذ هذه الكنوز أو ذات الموتى .
ولم يمنع هذا التحذير الذين ينهبون القبور لتدخل آثار عديدة إلى السوق والمتاحف , بسبب هذا النهب والسرقة .
وهذا النهب محرم ولا يجوز .
وكان في أيام التابعين وما بعدها ظاهرة سرقة الأكفان من المقابر خاصة في أيام القحط والجدب ، ومع هذا فهي قليلة ونادرة .
وقد أوصى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحسن الكفن ، ومنه ما روي عن صفوان بن سليم (عن صفوان بن سليم قال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يستجاد الأكفان)( ).
وعن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (أحسنوا الكَفَن ولا تؤذوا موتاكم بعويلٍ ولا بتزكيةٍ ولا بتأخيرِ وصيةٍ ولا بقطيعةٍ وعجلوا قضاءَ دَيْنِه واعدلوا عن جيران السوء ، وإذا حَفَرْتُم فأَعْمِقُوا وأَوْسِعُوا)( ).
والمراد من (وإذا حَفَرْتُم) أي حفر القبر لمنع ظهور رائحة الميت أو تعرض الجثة لنبش السباع .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من ذكر الموت والقبر ، وكذا أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وامتاز عمر بن عبد العزيز من بين خلفاء بني أمية بكثرة ذكره للموت وأهوال القبر .
وعن (أبو سريع الشامي قال قال عمر بن عبدالعزيز لرجل من جلسائه أبا فلان لقد أرقت الليلة تفكرا قال فيم يا أمير المؤمنين .
قال في القبر وساكنه إنك لو رأيت الميت بعد ثالثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته .
ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الريح وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب ثم شهق شهقة وخر مغشيا عليه)( ).
قانون الملازمة بين التقوى والطمأنينة
الطمأنينة في الدنيا هي إمتلاء نفس الإنسان باليقين في التوحيد والنبوة والمعاد ، وعصمتها من الشك والريب , فتجده يتنزه عن الإقتراب من الشبهات، ويمنع نفسه من الوقوع في الفواحش والسيئات، وإن زلت قدمه يبادر إلى ذكر الله والإستغفار وتسكن النفس لذكر الله والوعد عليه بالجنة الواسعة.
وأما الطمأنينة في الآخرة فهي الإمتناع بفضل الله عن الخوف عند الموت ، وعند سؤال منكر ونكير في القبر ، ويوم البعث والحساب وهو موضوع نزول قوله تعالىيَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً.
ولو دار الأمر في معنى الآية أعلاه بين إرادة إطمئنان النفس في الآخرة أم في الدنيا والآخرة , الجواب هو الثاني من وجوه:
الأول : أصالة الإطلاق.
الثاني : دلالة لفظ الآية أعلاه على العموم.
الثالث : سعة رحمة الله عز وجل في الدارين , والله يعطي بالأوفى والأتم.
الرابع : قانون الدنيا مزرعة للآخرة ، فالإيمان والعمل الصالح سبب للطمأنينة في النشأتين .
الخامس : في قوله تعالى (إرجعي) إشارة إلى إستدامة الإيمان قبل مغادرة الدنيا، وإستصحابه عند الرجوع إلى الله والإنتقال إلى عالم الآخرة.
و(عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : قل اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك)( ).
ويدل الحديث على نعمة النفس المطمئنة واليقين في الدنيا ، للأمن من فتنة وعذاب القبر ، وفيه دعوة لإصلاح النفس ، والتنزه عن الشك والريب والرياء والنفاق ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
وكل من التقوى والطمأنينة نعمة عظمى ، وحاجة للإنسان في الدنيا ، وعالم القبر ، ويوم القيامة وتترشح الملازمة بينهما بالصبر واليقين ، وهو أعلى مراتب الإيمان ، وهذه الملازمة من مصاديق قوله تعالى أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
دفع ميتة السوء
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مناسبة للصلاح والتوبة ، وليس من حد أو عمر مخصوص لقبول التوبة ، فكل يوم من أيام الإنسان في الدنيا هو وعاء للتوبة ، وتراه مملوءً بالآيات التي تقرب الإنسان منها ، ليغادر الدنيا بالتنزه عن الذنوب ولا يموت ميتة السوء التي هي الموت على معصية مثلا ذهب ليزني أو يسرق أو يظلم فمات أثناء ارتكابه لهذه الأفعال ونحوها ، والإصرار على المعصية ومفارقة الدنيا على الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
والنسبة بين سوء خاتمة العاقبة وميتة السوء هي العموم والخصوص المطلق ، فكل ميتة سوء هي من سوء العاقبة وليس العكس .
ومن ميتة السوء تكرار ركوب المعاصي ، وتسويف التوبة ، ويجب على الإنسان أخذ الحائطة لساعة الموت بأن لا يباغته ملك الموت وهو على معصية أو على الإصرار على الصغائر ، إذ أن هذا الإصرار كبيرة ، قال تعالى وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَولابد من المبادرة إلى الإستغفار والتوبة .
وهل يمكن القول بقانون الإستغفار يقي ميتة السوء ، المختار نعم .
و(قال النبي صلى الله عليه وآله: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الاصرار)( ).
وسئل ابن عباس (عن الكبائر أَسَبْعٌ هي ، قال : هي إلى السبعين أقرب)( ).
ولو اكتشف العلم الحديث تعيين أوان موت الإنسان على نحو تقريبي بلحاظ عمر أعضائه ونحوه ، وأخذ الإنسان يرتكب المعاصي إلى حين الأجل كف عنها وتاب ، فهل تشمله التوبة أم أنه من الإصرار على المعاصي وإشاعة المنكر .
المختار هو الثاني لوجوب المبادرة إلى التوبة.
ومن سبل الوقاية من ميتة السوء الصدقة ، إذ ورد (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين ميتة من السوء)( ).
ترى كيف تصرف الصدقة ميتة السوء ، الجواب بالصدقة يحجب الله العبد عن المعاصي ، ومنه قانون من العصمة امتناع المعصية .
فاذا همّ العبد بالزنا فان الله عز وجل يمنع مقدماته ، ويحول دون وقوعه ، وهو من الثواب العاجل على الصدقة والإحسان للفقراء ، قال تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
النهي عن تمني الموت
لقد جعل الله عز وجل أيام الحياة الدنيا وعاء لذكر الله وعبادته وعمل الصالحات ، ومناسبة للإمتحان والإبتلاء ، إذ جمع الله للإنسان العقل والشهوة ، وبينهما تضاد ، مما يدل على أن عدم إجتماع الضدين في محل واحد ليس قانوناً مطلقاً ، فلابد من استثناء ، وما من عام إلا وقد خصّ .
وبعث الله عز وجل الأنبياء ، وأنزل الكتب السماوية لإعانة الناس في غلبة العقل على الشهوة ، وما يترشح عن هذه الغلبة من إتيان الصالحات والإمتناع عن المعاصي .
ومنها ذكر الإنسان لإنقطاعه عن الدنيا ومغادرته لأيامها ونعيمها، مما يبعث على الإجتهاد في عمل الصالحات ، وإتخاذ كل يوم من أيامه في الدنيا لإكتناز الصالحات .
ويجتمع في أيام شهر رمضان من أداء الصلاة والصيام ، وقد نهى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني الموت .
وعن(أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يتمنين أحدكم الموت لضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بدّ متمنيا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)( ).
إذ أن الحياة الدنيا دار إبتلاء ، فقد ينزل بالإنسان أذى وشدة وضراء فيتمنى الموت ، فنهى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني الموت في هذه الحال مطلقاً ، إذ أن البلاء مناسبة للأجر والثواب والإستغفار .
وفي يوسف عليه السلام ورد قوله تعالى تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، فمع الوزارة العامة في مصر والسودان ليوسف ، وجمع شمل يوسف مع أبيه يعقوب النبي وأهله فانه ، سأل الله عز وجل الموت على الإسلام .
ويدرك كل إنسان أن خاتمة حياته في الدنيا هو الموت ، وفي قصيدة للإمام علي عليه السلام ليلة جرحه :
اشدد حيازيمك للموت …فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت … إذا حل بناديكا
ولا تغتر بالدهر …وإن كان يواتيكا
كما أضحكك الدهر… كذاك الدهر يبكيكا
ثم قال : اللهم بارك لنا في الموت ، اللهم بارك لي في لقائك( ).
وكان (ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف، عليه السلام)( ).
ولم يذكر السند وصحته ، والمختار أن الآية لا تدل على تمني الموت خاصة وأن عامة الناس محتاجون إلى علمه وأمانته ، ومنه قوله للملكقَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ولكن يوسف سأل الله عز وجل الموت عن الآجل على الإسلام وعدم الفتنة وسط مجتمع مشركين ، ولهم السطوة في البلاد .
نعم ورد في مريم عليها السلام عندما جاءت ساعة ولادة عيسى من غير أب وخشيتها من ظن الناس بها سوءً فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا لتأتي السكينة في الحال فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا.
واختلف هل المنادي جبرئيل أم عيسى عليه السلام ، والأول مروي عن ابن عباس .
وفيه دعوة للمسلمين لتعاهد الإيمان في كل الأحوال ، وسؤال الله الثبات على الهدى ، لذا تفضل الله عز وجل بجعل كل مسلم ومسلمة يتلو سبع عشرة مرة على نحو الوجوب العينياهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ومن معانيه في المقام وجوه :
الأول : إهدنا الصراط المستقيم في كل يوم من أيام صيامنا .
الثاني : إهدنا الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة .
الثالث : اللهم إهدنا الصراط المستقيم بفضل ومنّ منك سبحانك .
الرابع : إهدنا الصراط المستقيم ساعة الإحتضار .
الخامس : إهدنا الصراط المستقيم بالثبات على الإيمان .
السادس : إهدنا الصراط المستقيم لتزداد حسناً كل يوم ، ليكون بقاء المسلم في الدنيا وبعد أجله مناسبة لعمل الصالحات وإكتناز الحسنات .
وهل نهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني الموت خاص بالمؤمنين أم يشمل الفّساق والضّلال ، الجواب هو الثاني لأن أيام الدنيا مناسبة للتوبة والإنابة ، وذات الإمتناع عن تمني الموت طاعة لله ورسوله مقدمة للتوبة ، ودعوة إليها .
ساعة موت الكافر
لقد جعل الله عز وجل الناس يتنعمون في الحياة الدنيا ، فتصيب النعم البر والفاجر ، ويمهل الله الناس ، ويدفع عنهم أسباب البلاء بفضل منه تعالى ، أما في الآخرة فيبدأ التمايز من ساعة الإحتضار وبلوغ الروح (الحلقوم) في طريقها إلى مغادرة الجسد ، وإنقطاع الناس عن الدنيا .
إذ تأتي ملائكة الرحمة للمؤمن بالبشارة .
وتأتي ملائكة العذاب للكافر بسياط الأذى والعقاب الإبتلائي .
لبيان قانون لزوم العصمة من الكفر والجحود ، وقانون المبادرة إلى التوبة والإنابة ، قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
وعن ابن عباس في حديث طويل عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منه بخصوص ساعة قبض روح الكافر قال (إذا نزل به ملك الموت صف له سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين ، فيخطف بصره إليهم ما يرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم ويشدد عليه ، وإن كنتم ترون أنه يهون عليه فيلعنونه.
ويقولون : أخرجي أيتها النفس الخبيثة فقد أعد الله لك من النكال والنقمة والعذاب كذا وكذا ساء ما قدمت لنفسك ، ولا يزالون يسلونها في غضب وتعب وغلظ وشدة من كل ظفر وعضو ، ويموت الأول فالأول ، وتنشط نفسه كما يصنع السفود ذو الشعب بالصوف حتى تقع الروح في ذقنه ، فلهي أشد كراهية للخروج من الولد حين يخرج من الرحم مع ما يبشرونه بأنواع النكال والعذاب حتى تبلغ ذقنه ، فليس منهم ملك إلا وهو يتحاماه كراهية له.
فيتولى قبضها ملك الموت الذي وكل بها فيتلقاها ، أحسبه قال : بقطعه من بجاد أنتن ما خلق الله وأخشنه ، فيلقى فيها ويفوح لها ريح أنتن ما خلق الله ويسد ملك الموت منخريه ويسدون آنافهم .
ويقولون : اللهم العنها من روح والعنه جسداً خرجت منه ، فإذا صعد بها غلقت أبواب السماء دونها ، فيرسلها ملك الموت في الهواء حتى إذا دنت من الأرض انحدر مسرعاً في أثرها .
فيقبضها بحديدة معه يفعل بها ذلك ثلاث مرات ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ، والسحيق البعيد .
ثم ينتهي بها فتوقف بين يدي الملك الجبار فيقول : لا مرحباً بالنفس الخبيثة ولا بجسد خرجت منه ، ثم يقول : انطلقوا بها إلى جهنم فأروها مقعدها منها واعرضوا عليها ما أعددت لها من العذاب والنقمة والنكال .
ثم يقول الرب : اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى .
فيهبطون بها على قدر فراغهم منها ، فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه ، فما خلق الله حميماً ولا غير حميم من كلمة يتكلم بها لا وهو يسمعها إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة ، فلو سمع أعز الناس عليه وأحبهم إليه يقول : أخرجوا به وعجلوا وأذن له في المراجعة للعنه ، وود أنه ترك كما هو لا يبلغ به حفوته إلى يوم القيامة .
فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أرزقان فظان غليظان ، ومعهما مرزبة من حديد وسلاسل وأغلال ومقامع الحديد ، فيقولان له : اقعد بإذن الله .
فإذا هو مستوٍ قاعد سقطت عنه أكفانه ، ويرى عند ذلك خلفاً فظيعاً ينسى به ما رأى قبل ذلك فيقولان له : من ربك ، فيقول : أنت ، فيفزعان عند ذلك فزعة ، ويقبضان ويضربانه ضربة بمطرقة الحديد فلا يبقى منه عضو إلا وقع على حدة ، فيصيح عند ذلك صيحة فما خلق الله من شيء ملك أو غيره إلا يسمعها إلا الجن والإِنس ، فيلعنونه عند ذلك لعنة واحدة وهو قوله أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.
والذي نفس محمد بيده لو اجتمع على مطرقتهما الجن والإِنس ما أقلوها وهي عليهما يسير ، ثم يقولان عد بإذن الله ، فإذا هو مستو قاعداً فيقولان : من ربك ، فيقول : لا أدري . فيقولان : فمن نبيك؟ فيقول : سمعت الناس يقولون محمد .
فيقولان : فما تقول أنت ، فيقول : لا أدري ، فيقولان : لا دريت ، ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب ، فلهو أنتن من الجيفة فيكم ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيقولان له : نم نومة المسهر .
فلا يزال حيات وعقارب أمثال أنياب البخت من النار ينهشنه ، ثم يفتح له باب فيرى مقعده من النار ، وتهب عليه أرواحها وسمومها ، وتلفح وجهه النار غدوّاً وعشياً إلى يوم القيامة)( ).
وقد وردت أحاديث نبوية مستفيضة تبين الشدائد التي يلقاها الكافر ساعة الموت ، وعند دخوله القبر ، أعاذنا الله وإياكم منها .
قانون الابتلاء
ومن الإعجاز في قوله تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ] ابتداؤها بقانون حتمية موت كل إنسان ، ثم البلاء بالشر والخير يصدر من الذات أو يأتي من الغير ، لترتب العقاب على فعل الشر ، والثواب الحسن على على فعل الخير
ومن خصال المؤمن الهروب من الشر والجريمة ، وفي هذا الهروب نجاة في النشأتين فقد ورد (عن فضالة بن عبيد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أنا زعيم – والزعيم الحميل – لمن آمن بي وأسلم ، وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة ، وبيت في وسط الجنة.
وبيت في أعلى غرف الجنة .
فمن فعل ذلك لم يدع للخير مطلباً ، ولا من الشر مهرباً ، يموت حيث شاء أن يموت)( ).
وعن (حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يكون من ناس من أصحابي إساءة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستنّ بهم فيها ناس يعذبهم فيدخلهم الله بها النار)( ).
و(عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو : أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال وفتنة المحيا وفتنة الممات)( ).
قانون عصمة المسلمين من الإستئصال
لقد جعل الله عز وجل القرآن مدرسة الإتعاظ من الأمم السالفة ، قال تعالى وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.
ومن أظهر أسباب هلاك الأمم الكفر والجحود ، وطغيان الفساد ، وكثرة الفسوق والخبث ، وانقطاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو عدم الإصغاء له من عامة الناس ، وملاقاته بالسخرية والإستخفاف .
وهلاك الأمم على قسمين :
الأول : هلاك استئصال وزوال .
الثاني : هلاك ضعف .
و(عن مسعر قال بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال : يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه : أن به فابدأ لم يتمعر وجهه في ساعة قط)( ).
ومسعر بن كدام من التابعين توفى سنة 153 هجرية ، ولم يرفع الحديث.
وورد عن أبي بكر قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده)( ).
و(عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل الفاسق في القوم كمثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل إنسان منها نصيب فأخذ رجل منهم فأساً فجعل ينقر في موضعه.
وقال له أصحابه : أي شيء تصنع، تريد أن تغرق وتغرقنا .
قال : هو مكاني ، فإن أخذوا على يده نجوا ونجا وإن تركوه غرق وغرقوا)( ).
وفي عاد قال تعالى قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ، في احتجاج وإنذار الرسول هود لقومه عاد ، وإقامة الحجة عليهم بعد أن امتنعوا عن عبادة الله عز وجل وحده .
وتجرأوا وتحدوه ، وقالوا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا، أي من العذاب.
وظاهر الآية أن الذي أنذرهم هود منه وتحداهم بانتظاره هو هلاكهم ، إذ بعث الله عز وجل عليهم ريحاً شديدة البرودة سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فماتوا جميعاً إلا هوداً والذين آمنوا معه ، لتبقى مساكنهم على حالها عبرة وموعظة ، وشاهداً على خزي الكافرين في الدنيا ، وفيه إنذار للناس من قانون ترتب العذاب العاجل على الكفر والجحود العام بعد رؤية الآيات والمعجزات الرسالية.
ويتعقب هذا العذاب أشد منه في القبر ، ثم يوم القيامة ، لقد نزلت آيات القرآن عبرة وموعظة للناس ، قال تعالى لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
عدد الذين أحياهم عيسى (ع)
يبين قوله تعالى إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، عظيم فضل الله عز وجل على عيسى عليه السلام وعلى بني إسرائيل بواسطته ، وتعدد المعجزات التي رزقه الله تعالى .
فقد ذكرت الآية أعلاه اثنتي عشرة معجزة ومنها ما يعجز الطب الحديث مع إرتقائه عن التوصل إليه كابراء الأكمه أي الذي ولد أعمى ، وداء الصدفية ، ومعجزة أحياء الموتى .
وعدد الذين أحياهم عيسى عليه السلام أربعة ، ويستقرأ منه أن الله لم يأذن له إلا بهؤلاء الأربعة مع أن الله عز وجل أحيى الآلاف دفعة واحدة بمشيئته ، قال تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ.
ولما بعث الله عز وجل عيسى عليه السلام لبني إسرائيل أخرجوه ، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض.
وعن الإمام الصادق قال : إن الله جعل الاسم الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً.
فأعطى آدم منها خمسة وعشرين حرفاً.
وأعطى نوحاً منها خمسة وعشرين.
وأعطى إبراهيم منها ثمانية أحرف.
وأعطى منها موسى أربعة أحرف.
وأعطى منها عيسى حرفين، وكان يحيي بهما الموتى ويبرء الأكمه والأبرص.
وأعطى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إثنين وسبعين حرفاً.
وإحتجب حرفاً لئلا يعلم ما في نفسه، ويعلم ما في نفوس العباد( ).
وفي هذه السياحة دعوة إلى الله عز وجل ، ونزلا على رجل فأحسن ضيافتهما ، وكان لتلك المدينة ملك جبار يجعل على كل رجل من أهل البلدة يوماً ، قال ابن عباس (يطعمه هو وجنوده ويسقيهم الخمر)( ).
وقد بلغت نوبته الرجل الذي استضافهم ودخل الرجل على امرأته فرأته مريم عليه السلام حزيناً كئيباً ، فسألت امرأته فبينت لها الأمر ، وأن هذا اليوم نوبة زوجي ، وليس عندنا سعة .
فكلمت مريم عيسى فقال لها : إن فعلت كان فيه شر .
قالت : إنه أحسن إلينا وأكرمنا ، فأمر عيسى بملأ القدور والخوابي ماء ، فتحول إلى لحماً وودقا وخبزاً ، وصار الماء الذي في الخوابي خمراً لم ير الناس مثله .
فسأل الملك الرجل ، فأراد الرجل أن يدفع عن عيسى ولا يظهر أمره ، فقال جئت به من أرض كذا .
فقال الملك أنا يأتيني الخمر من هذه الأرض ، وليس فيه مثل هذه ، فذكر له أرضاً أخرى ، وأغلظ له الملك فأخبره بمعجزة عيسى هذه .
وهي لم تذكر في المعجزات في الآية أعلاه من سورة المائدة ، لبيان تعدد معجزات الأنبياء ، وكان للملك ولد يريد أن يستخلفه فمات قبل أيام ، وكان يحبه حباً جماً .
فقال الملك أن الذي دعا الله فجعل الماء خمراً ليستجيب الله له في إحياء ابني ، فدعا عيسى فكلمه وسأله أن يحيى ابنه ، فحذره عيسى وقال (لا تفعل فإنه ان عاش كان شراً قال الملك : لست أبالي أراه فلا أبالي ما كان.
قال عيسى عليه السلام : فإن حييته تتركوني أنا وأمي نذهب حيث نشاء( ).
فقال الملك : نعم . فدعا الله فعاش الغلام)( ).
وكان الناس ساخطين على الملك لظلم وجوره فلما رأوا ابنه قد عاش بعد الموت تنادوا بالسلاح لقتال الملك فهم لا يطيقون ظلمه ويخشون ظلم ابنه من بعده فاقتتلوا وغادر عيسى وأمه .
وتبين الواقعة سراً من أسرار فلسفة الموت المفاجئ والهلاك المنخرم الذي يأتي على الإنسان قبل الهرم والشيخوخة فهلاك الابن هذا كان برزخاً دون الإقتتال والفتنة وسبباً للأمل في النجاة من الطاغوت، وعبرة وموعظة له في الكف عن اضطهاد واستضعاف الرعية.
قانون معجزة إحياء الموتى فرع الخلافة
لقد أكرم الله عز وجل الناس بخلافتهم في الأرض وتسخير ما عليها وما في باطنها لهم ، قال الله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًوهذا الإخبار من الله عز وجل للملائكة إكرام آخر للناس عند أشرف الخلائق وحملة العرش وسكان السموات .
وقد أنعم الله عز وجل على الأنبياء بالمعجزة ، فكل نبي تصاحبه معجزة خارقة للعادة والعرف ، وفيها نفع عظيم ، وهي سبب للهداية والإيمان ، ومنها معجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى ، إذ أنه أخبر بني إسرائيل وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ.
(لقد جاءت الآية بصيغة الجمع [وَأُحْيِ الْمَوْتَى] وفيه دلالة على التعدد وتكرار آية إحيائه للموتى، وهذا مــن فضل الله تعالى على عيسى وهــو من عمومــات قانون الأوفى فانه تعالى لم يهــبه الإحــياء لمرة واحدة بل جاءت الآية على نحو التكرار ولا تقتصر مدة بقاء الميت على المسمى وصرف الطبيعة فمن يحييه عيسى قد يبقى حياً إلى سنوات ليكون آية حاضرة تدعــو الناس لإتباع عيسى .
وفيه آية وهي ان الله عز وجل يعلم ان الناس سيجهزون على عيسى ويأمرون بصلبه والتخلص منه.
فأراد الله عز وجل ان تبقى الآيات حية تدعو الى اتباع عيسى في كل مكان وبلدة وصل اليها وبما يحول دون طمس السلاطين والرهبان لهذه الآيات أو تشويهها وتحريفها سواء كان في إبراء الأكمه والأبرص والسقيم أو في إحياء الموتى.
وسئل الإمام جعفر الصادق هل كان عيسى ابن مريم أحيى أحدا بعد موته حتى كان له أكل ورزق ومدة وولد .
فقال نعم انه كان له صديق مواخ له في الله تعالى وكان عيسى عليه السلام يمر به وينزل عليه وان عيسى غاب عنه حينا ثم مر به ليسلم عليه.
فخرجت إليه أمه فسألها عنه ، فقالت مات يا رسول الله قال افتحبين أن تريه ، قالت : نعم.
فقال لها فإذا كان غدا فأتيك حتى أحييه لك بإذن الله تعالى ، فلما كان من الغد أتاها فقال لها انطلقي معي إلى قبره فانطلقا حتى اتيا قبره.
فوقف عيسى ثم دعا الله تعالى فانفرج القبر وخرج ابنها حيا فلما رأته امه وراءها بكيا فرحمهما عيسى .
فقال اتحب ان تبقى مع أمك في الدنيا ، فقال يا نبي الله بأكل ورزق ومدة أم بغير أكل ولا رزق ولا مدة فقال له عيسى بأكل ورزق ومدة تعمر عشرين سنة وتزوج ، ويولد لك ، قال نعم إذا فدفعه عيسى إلى أمه فعاش عشرين سنة وولد له.
وهذه الحياة والرزق من عمومات قانون الأوفى فان الله عز وجل أجرى على يد عيسى الكرامات والنعم للناس ، لتكون مناسبة ووسيلة للهداية والإيمان .
ولم يقل عيسى انه يبعث الموتى لأن البعث عنوان خاص بالآخرة بل انه يحيي الموتى باذن الله ، وهذا القيد يمنع من التعارض مع مصداق الإرادة التكوينية بان الموت والحياة بيد الله تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى.
فاحياء عيسى للموتى باذن من الله تعالى أراد الله له ان يكون حجة على الناس وهو محدود في عدده ومكانه وزمانه، وعيسى نفسه يعلن انه ميت ولا يستطيع دفع الموت عنه وأنه يؤمن بالبعث كما ورد في التنزيل [وَالسَّلاَمُ عَلَيَّيَ وْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا] ( ).
وهل الإذن لعيسى باحياء الموتى عام أو خاص .
الجواب إنه خاص، ففي كل مرة ينزل اذن الهي خاص للإحياء وان لم يسجل التأريخ حالات عجز فيها عيسى عن احياء ميت معين.
ولم يكن إحياء عيسى للميت خاصاً بالإنسان بل كان شاملاً للحيوان ايضاً وليس هو من باب الأولوية بلحاظ ان احياء الحيوان أسهل من الإنسان، بل لعموم الآية إذ أن إحياء الحيوان آية مستقلة وقائمة بذاتها .
ولم يذكر لنا تأريخ النبوة إحياء بعض الأنبياء الحيوانات لتكون آية في إحياء الإنسان ودلالة على الإرتقاء في ذات الموضوع كما ان قوم صالح حين أقدموا على قتل الناقة المعجزة لم يسألوه احياءها وتدارك الأمر.
نعم قد ورد في موسى عليه السلام إحياؤه للقتيل في آية إعجازية لفك الخصومة ومنع الإقتتال وبيان الآيات .
لتكون هذه القضية في واقعة والتي جاءت على نحو القضية الشخصية مقدمة لإعلان عيسى بانه يحيي الموتى ولتكون حجة على بني إسرائيل وتوكيداً لوحدة موضوع النبوة وتشابه الآيات بين موسى وعيسى .
ومجيء عيسى بالإحياء ابتداء ومن غير واسطة مادية كما في ضرب موسى للميت بذيل البقرة [فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا] ( ).
لقد كانت إماتة عزير مائة عام وبعثته بعدها معجزة له ودليلاً على نبوته( )، وكان ينظر لكيفية دبيب الحياة في حماره [وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ…].
أما عيسى فانه يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم باذن الله بعد يأس اهلهم منهم .
لتكون الآية عامة وشاملة للذين أخرج لهم ميتهم الذي ينقل لهم أهوال القبر وضغطته وما عاناه من سكرات الموت في دعوة للإقرار بالبعث والنشور, والإستعداد للموت بالعمل الصالح.
ترى كيف كان عيسى يحيي الموتى فليس عنده عصا كعصا موسى عليه السلام بل حتى عصا موسى مع ما فيها من الآيات فانه لم يستعملها لإحياء الموتى .
وعندما أراد موسى إحياء الميت لسؤاله عمن قتله أمر بني إسرائيل بان يذبحوا بقرة , كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] ( ) الجواب إن عيسى كان يحيي الموتى بالدعاء ولم يكلف بني إسرائيل ذبح بقرة أو تقريب قربان.)( ).
معجزة عيسى (ع) دعوة للدعاء
لقد أكرم الله عز وجل عيسى عليه السلام ، ورزقه احياء عدد من الموتى ، وفيه دعوة لبني إسرائيل للإيمان ، وللمسلمين للإجتهاد بالدعاء بطول العمر ، وبالسلامة من عذاب البرزخ ، ورجاء استجابة الله عز وجل لدعائهم ، قال تعالى فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ )( ).
تنقسم الأحكام بلحاظ الموضوع والأثر الى قسمين:
الأول : المطلق وهو ما دل على شائع في جنسه والأمر المرسل، كما يقال دابة مرسلة أي انها مطلقة العنان، ليس من مانع لحركتها فالإطلاق يعني عدم وجود وصف زائد على المعنى.
الثاني: المقيد الذي يأتي مقيداً بلحاظ شيء اضافي مع طبيعة الأصل يكون خارجا ًعن ماهيتها، فالمطلق هو المعنى الكلي الذي له قابلية الصدق على المتعدد من أفراده.
ومن الآيات ان كل مطلق تراه مقيداً من جهة أو حيثية معينة، ليبقى الإطلاق وعالم اللامنتهي خاصاً بمشيئة الله تعالى ، ووقفاً على ارادته لا تنازعه فيه الخلائق .
وترى معجزات الأنبياء مقيدة بالإذن والإرادة الإلهية الا ان هذا القيد تشريفي وفيه سلامة للمعجزة وتوكيد لصدقها وانها من عند الله فالنبي اذا لم ينسب آيته الى الله تعالى امراًَ واذناً ومشيئة فان الناس لا يصدقون به .
فمن معاني الأمانة والصدق الإخبار عن أصل المعجزة وانها من عند الله تعالى لذا ابتدأ عيسى كلامه مع بني إسرائيل بانه جاء بآية من عند الله يحملها لبني اسرائيل.
كما ورد في هذه الآية [وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إسرائيل أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ] أي ان عيسى عليه السلام واسطة مباركة بين الله وبينهم ، لأن الآية مقـــرونة بالدعوة الى الله واتباع الكتاب الــذي جاء به وهو الإنجيل.
ومن الآيات في باب المعجزة انها تكون مطلقة غير مقيدة بشيء اضافي يؤدي الى الإنتقاص منها أو يجعلها في مرتبة معينة من ذات الموضوع الذي جاءت به ، فعيسى عليه السلام لم يبرء الأكمه الذي فقد بصره بعد الولادة وحده بل يبرء الأكمه مطلقاً، وكذا لم يحيي الميت الذي مات حديثاً وقبل ان يدفن فقط ,بل يخرج الميت من قبره باذن الله .
ولو انحصرت معجزة عيسى بمن لم يوار في التراب بعد، لأبقت كل أسرة ميتها في جوف الدار تنتظر مجيء عيسى عليه السلام أو انها تقوم بحمل جثمانه له ليدعو الله ويحييه من الموت، ولا يخفى ما في هذا الفعل من الأذى والضرر العام والخاص وتعطيل الأعمال وتفشي الأمراض.
ولم يبعث عيسى إلا ليخلص الناس من الأدران فاطلاق الآية وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، رحمة ونعمة وحائل دون حصول اضرار عرضية من المعجزة.
والله عز وجل اذا أراد شيئاً فانه يحسن صنعه ويجعله خالياً من الأضرار لقانون بقاء المعجزة خيراً محضاً ونهراً يجري على الدوام لتطهير من يشرف عليه أو يشرب منه من دنس الشك والريب والضلالة)( ).
لقد نزل القرآن وثيقة سماوية لبيان معجزات الأنبياء ومنها إحياء عيسى عليه السلام عدداً من الموتى , وفيه وجوه :
الأول : تصديق المسلمين برسالة عيسى عليه السلام وعدم الإصغاء للذين ينكرونها .
الثاني : تثبيت نبوة عيسى في الواقع اليومي للناس .
الثالث : بيان فضل الله عز وجل على الأنبياء وتعضيدهم .
الرابع : الإقرار بوجود أمور خارقة للعادة جرت على أيدي الأنبياء .
الخامس : دعاء المسلم بما يرزقه الله عز وجل قضاء الحوائج بالأسباب أو من حيت لا يحتسب .
السادس : استحضار عالم القبر ، وأن وراء الموت بعثاً من القبور ، والإستعداد له بالتقوى والعمل الصالح .
السابع : قدرة الله عز وجل على بعث الناس من قبورهم .
إحياء ميت بذبح بقرة
لقد جعل الله عز وجل الدار الدنيا دار المعجزات والآيات والبراهين الدالة على ربوبيته المطلقة ، وكل آية تدعو إلى عبادة الله عز وجل وحده ، وبعث الله عز وجل الأنبياء لمخاطبة العقول والحواس .
وقد أكرم الله بني إسرائيل بكثرة الأنبياء منهم ، وكان أحدهم موسى عليه السلام وهو من الرسل الخمسة أولي العزم ، وجاء بآيات متعددة ، وواجه فرعون وجنوده وسلطانه بمعجزة العصا وغيرها من المعجزات ، ثم خرج من مصر في بني إسرائيل وعبروا بحر القلزم (البحر الأحمر ) بمعجزة من عند الله ليهلك فرعون وجنوده عندما أصروا على العبور خلفهم ، قال تعالى وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
ففي بضع كلمات تتضمن الآية أعلاه معجزات متعددة منها :
الأولى : انشطار البحر إلى شقين .
الثاني : ظهور الأرض اليابسة تحت الأرض ، وهل فيه إنذار للناس بلزوم الحفاظ على الماء خشية نضوب مياه الأنهار والبحث عن بدائل ، الجواب نعم ، وتظهر شواهد له في هذا الزمان وعلى نحو متسارع .
الثالث : عبور موسى وفرعون وبني إسرائيل البحر ، وذكر أن عددهم ستمائة ألف عدا الأطفال والصبيان والنساء ، فيكونوا نحو مليونين ، بينما كان عدد أولاد وعيال يعقوب عليه السلام عند دخولهم مصر اثنين وسبعين ذكوراً وإناثاً وهو عدد مبالغ فيه.
نعم خرج معهم عدد من المصريين الذين آمنوا برسالة موسى عليه السلام كما آمن السحرة ، وكان عدد النمو في عدد السكان آنذاك قليلاً في كل جيل ، لكثرة الأمراض والوفيات والحروب والمجاعة إلى جانب استضعاف فرعون وقومه لبني إسرائيل ، وحملهم على العمل بالزراعة والمهن الشاقة ، وقيام آل فرعون في بعض السنين بذبح أبنائهم عند الولادة خشية خروج من يزول حكم فرعون على يديه .
وبعد خروج موسى وبني إسرائيل من مصر ، وسلامتهم حدثت واقعة بأن رجلاً ثريا معهم وجد مقتولاً ، وكان القتل فيهم أمراً مهولاً ، وفرداً نادراً ، واختصم أهله مع أهل السبط الذين وجد فيه مقتولاً ، فانكر هؤلاء قتله ، فلجأوا إلى موسى عليه السلام ، وهو كليم الله ليخبرهم بمن قتله لدرء هذه الفتنة .
فأمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة ، قال تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
فأصابت الدهشة والإنكار بني إسرائيل ، إذ لم يدركوا موضوعية ذبح البقرة في كشف الفاعل ، وظنوا أنه يستخف بهم ، فلما استعاذ بالله والتجأ إليه لجأوا إلى كثرة السؤال عن صفات هذه البقرة .
لتبين الآية أعلاه وظائف الوساطة الملكوتية للنبي بين الخالق سبحانه وبين عباده وتتضمن في مفاهيمها رأفته ورحمته تعالى ببني إسرائيل بأن تأتي الأوامر الإلهية في تفاصيل الأحكام وأسبابها الإعجازية، وتحث الآية على طاعة الأنبياء والإنقياد لما يأتون به من عند الله، وتؤكد المرتبة العالية في العلم للأنبياء وإجتنابهم الإستخفاف بالآخرين أو الإضافة على الوحي والتنزيل، فلا يخبرون عن الله عز وجل إلا بما يأمرهم به.
وتدعو الآية إلى إجتناب الهزل في الأحكام والعقود , وتأكد حاجة كل إنسان للإستعاذة والإلتجاء إليه تعالى في إجتناب الزلل والخطأ، وتبين أضرار الجهل وآثاره السلبية على المجتمعات والصلة بين الإمام والمأموم، وتنفي عن موسى عليه السلام الغضب في مثل هذا المقام , فجاء رده تأديباً لهم وإظهاراً لحسن التوكل على الله وإشارة إلى دفع الفتنة .
لقد أكد موسى عليه السلام إلتزامه الجد والصدق وعدم التفريط بالوحي أو التجاوز عليه.
وتبين الآية فضلاً آخر على بني إسرائيل بتلقيهم الأمر الخاص من عند الله تعالى بواسطة نبي الله موسى عليه السلام، وتوثيق القرآن لهذا الأمر.
إن الأمر بذبح بقرة لإحياء ميت وبعث الحياة فيه خلاف قانون السببية ولكنها مناسبة لآية أخرى من فضل الله تعالى على بني إسرائيل وهي حضور المعجزة في الوقائع والأحداث الخاصة وهذه المعجزة وإن كانت حسية إلا أنها تتضمن دلالات عقلية للأمم قاطبة وإنتفع منها المسلمون في حياتهم اليومية وفي جهادهم وكيفية تعاملهم مع الآخرين والوقاية والإحتراس من أهل اللجاج والعناد.
وفي ذكر القرآن لكثرة سؤال بني إسرائيل لموسى عليه السلام في مسألة واحدة تأديب للمسلمين ، ودعوة وإرشاد لهم بتلقي ما يأمرهم به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والعمل ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
لقد اشترى أقرباء الميت البقرة بأغلى الأثمان لانحصار الأوصاف ببقرة واحدة ، وعلم صاحبها بهذا الإنحصار فطلب أضعاف ثمنها ، وهو من أسباب التشديد على النفس ، وعدم إكتفائهم بذبح أي بقرة حالما أمرهم موسى عليه السلام ، ولما ذبحوها أمرهم موسى عليه السلام بضرب الميت بذيل البقرة ، فقام ، وأخبر بأن الذي قتله إنما هو أحد قرابته طمعاً بماله وتركته ، ويرى السبط الذين وجدت الجثة في طريقهم الخاص .
و(عن الإمام الرضا عليه السلام قال : إن رجلاً من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه وطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل، ثم جاء يطلب بدمه، فقالوا لموسى عليه السلام: إن سبط آل فلان قتلوا فلاناً فأخبرنا من قتله.
قال : إيتوني ببقرة قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
ولو انهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ يعني أنها لا صغيرة ولا كبيرةً (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ).
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ* قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل، فقال: لا أبيع الا بملء مسك ذهباً.
فجاؤا إلى موسى عليه السلام وقالوا له ذلك، فقال: اشتروها، وجاؤا بها فأمر بذبحها، ثم أمر أن يضربوا الميت بذَنَبها، فلما فعلوا ذلك حيي المقتول ، وقال: يا رسول الله إن إبن عمي قتلني دون من يدعى عليه قتلي، فعلموا بذلك قاتله.
فقال لرسول الله موسى عليه السلام بعض أصحابه: إن هذه البقرة لها نبأ ، فقال عليه السلام: ما هو .
قالوا : ان فتى من بني إسرائيل كان باراً بأبيه, وإنه إشترى بيعاً فجاؤا إلى أبيه والأقاليد (المقاليد) تحت رأسه، فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره، فقال له: أحسنت، هذه البقرة فهي لك عوضاً لما فاتك، قال : فقال له رسول الله موسى عليه السلام : انظر إلى البر ما بلغ لأهله ، وقريب منه عن ابن عباس( ).
(وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)( ).
(عن عكرمة : كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر باباً ، لكل سبط منهم باب يدخلون منه ويخرجون، فوجد قتيل على باب سبط من الأسباط قتل على باب سبط وجر إلى باب سبط آخر، فاختصم فيه أهل السبطين)( ).
لقد أراد الله عز وجل باحياء بعض الموتى في الدنيا على ايادي الأنبياء مرة ، وأخرى بفضل من الله عزو جل ابتداء تذكير الناس باحيائهم وبعثهم بعد الموت للحساب ، قال تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى.
قانون دخول الغيظ مع الكفار إلى القبر
قد قسم علماء البلاغة الكلام العربي إلى :
الأول : حقيقة .
الثاني : مجاز .
وقد جعلتُ قسيماً ثالثاً وهو إجتماع الحقيقة والمجاز في لفظ قرآني واحد .
وجئت بشواهد منه في علم التفسير مع التفصيل ، منها في قصة يوسف وقول ابناء يعقوب لأبيهم وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.
ومن موارد الجمع بين الحقيقة والمجاز قوله تعالى [قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] في قوله تعالى وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، ولم يرد لفظ (غيظكم) أو (بغيظكم) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، والمراد منه :
الأول : الحقيقة : بأن يموت الذين كفروا وهم في حال الغيظ من انتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجاً ، كما في قوله تعالى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
الثاني : المجاز : المراد امتلاء نفوس الذين كفروا بالغيظ والحسرة والحقد ، مع العجز عن البطش والإنتقام ، بعد فشل مشركي قريش في تحقيق نصر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر أو معركة أحد ، ووردت هذه الآية في نظم آيات معركة أحد .
لتدل الآية على إجتماع الحقيقة والمجاز في لفظ قرآني واحد ، بأن يدخل الغيظ مع الكفار إلى القبور ، فيكون عبأ ثقيلاً وحجة عليهم ، وسبباً للحسرة وهم في القبر أشهر من حسرتهم في الدنيا بسبب نصر النبوة والتنزيل .
الثالث : تتضمن الآية الدعاء على الذين كفروا بالعنوان الجامع من الحقيقة والمجاز أعلاه .
الرابع : إزدياد غيظ الكفار على نحو طردي لأن الإسلام في نمو واتساع ، إلى أن يغادروا الدنيا وهم في أشهر حالات الغيظ .
الخامس : ترشح الأمراض النفسية عن حال القهر والإنكسار والخيبة والإضطرار لكبت البغضاء والحنق في تعجيل موت الإنسان فلذا اختتمت هذه الآية بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
ومن إعجاز الآية إخبارها عن قيام الكفار في خلوتهم بعض أناملهم من شدة الغيظ من انتصارات الإسلام وتوالي نزول آيات القرآن ، وبعد كشف وذم هذه الحال أمر الله عز وجل نبيه محمداً أن يقول لهم [مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ].
وهناك مسائل :
الأولى : قانون دخول الغيظ مع الكفار إلى قبورهم .
الثانية : هل يحاسبهم منكر ونكير على هذا الغيظ أم أنه كيفية نفسانية لا تترجل في عالم الفعل .
المختار مصاحبة هذا الغيظ الكفار ، وهو ظاهر الآية ، ودخوله معهم إلى القبر ، ويكون مما يسألهم عليه منكر ونكير ، قال تعالى فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.
لبيان إصلاح السرائر للقدوم على عالم الآخرة وإتخاذ الإيمان منهاجاً وصراطاً مستقيماً ، وهو الذي يبعث السكينة والطمأنينة في النفوس ، لذا قال تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي.
قانون الإسترجاع واقية في القبر
الإسترجاع هو قول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وقد ندب الله عز وجل المسلمين له بقوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ويدل هذا الندب على المنافع العظيمة للإسترجاع في النشأتين.
وورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة بخصوص الإسترجاع منها عن الإمام الصادق (عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربع من كن فيه كان في نور الله الاعظم : من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله .
ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون .
ومن إذا أصاب خيرا قال : الحمد لله رب العالمين، ومن إذا أصاب خطيئة قال: أستغفر الله وأتوب إليه)( ).
والمصيبة من الكلي المشكك إذ أنها على مراتب متعددة شدة وضعفاً ، ولا تنحصر بالموت ، و(عن أبي أمامة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطع شسع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون .
فقال له رجل : هذا الشسع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها مصيبة)( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال : ان عليا عليه السلام لما غمض رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إنا لله وإنا اليه راجعون ، يا لها من مصيبة خصت الاقربين وعمت المؤمنين)( ).
ويحتاج الإنسان الإسترجاع في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة ، وفيه الأجر والثواب .
وفيه مسائل :
الأولى : الإسترجاع من عمومات قوله تعالى (فاذكروني).
الثانية : مع الإسترجاع تأتي الرحمة الإلهية وهو من مصاديق قوله تعالى (أذكركم).
الثالثة : الإسترجاع شكر لله عز وجل لأنه إقرار بالرجوع إلى الله، وإستبشار بفضله تعالى وما أعد للمؤمنين في عالم الآخرة.
الرابعة : الإسترجاع واقية من الكفر بالنعمة , وهو تسليم بأمر الله وقضائه.
الخامسة : الإسترجاع حرز لعالم البرزخ ، ويوم الدين .
السادسة : قول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ عند المصيبة وثيقة تدونها الملائكة ويشهدون بها يوم القيامة .
السابعة : قانون الإسترجاع باعث على الطمأنينة ، قال تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي.
وفيه مسائل :
الأولى : قانون الإسترجاع استجار استجارة بالله .
الثانية : قانون الإسترجاع تخفيف من وقع المصيبة .
الثالثة : الإسترجاع ذكر لله عز وجل عند أشد وأقسى الأحوال .
الرابعة : حب الله عز وجل للذين يذكرونه عند المصيبة .
الخامسة : قانون الإسترجاع تسليم بقضاء وقدرة الله ، وأنه تعالى هو القوي القاهر العزيز ، وفي التنزيل أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ.
ولا يختص موضوع الآية أعلاه بالحياة الدنيا انما يشمل عالم البرزخ والآخرة ، فالقوة والقدرة لله عز وجل في كل هذه العوالم وهو القاهر لعباده وهو شديد العذاب للذين كفروا في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة.
السادسة : قانون في الإسترجاع ثواب عظيم .
السابعة : قانون انتفاع المؤمن من الإسترجاع في الدنيا ، وفي القبر ، ويوم القيامة .
فاذا سأل الملكان منكر ونكير الذي يسترجع عند المصيبة من ربك فانه يبادر إلى القول الله عز وجل ، لأنه لم ينس الله في حال المصيبة والشدة فيمده الله بالعون وكأنه من التلقين داخل القبر .
النسبة بين الصبر والإسترجاع
وهي العموم والخصوص المطلق ، فالصبر أعم وقول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، استحضار لذكر الله عند المصيبة ، وإقرار بربوبيته المطلقة ، وفيه مسائل :
الأولى : قانون الإسترجاع باعث على الطمأنينة وواقية من درن النفس .
الثانية : من أبهى معاني الصبر، هو الصبر عند المصيبة، وتفضل الله عز وجل وأمر بالإستعانة بالصبر في الأحوال مطلقاً، ومنها حال المصيبة.
الثالثة : من مصاديق الصبر قولإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
الرابعة : يفيد الجمع بين الآيتين دعوة المسلمين للجوء إلى الصلاة وذكر الله عند المصيبة.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يلجأ إلى الصلاة عند المصيبة.
و(عبدالله بن محمد بن الحنفية قال : انطلقت مع أبي إلى صهر لنا من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فسمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : أرحنا بها يا بلال الصلاة قال قلت : أسمعت ذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ .
فغضب وأقبل على القوم يحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث رجلا إلى حي من العرب فلما أتاهم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أحكم في نسائكم بما شئت.
فقالوا : سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثوا رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن فلانا جاءنا فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني أن أحكم في نسائكم بما شئت فإن كان أمرك فسمعا وطاعة وإن كان غير ذلك فأحببنا أن نعلمك فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رجلا من الأنصار.
وقال : إذهب إلى فلان فاقتله وأحرقه بالنار ، فانتهى إليه وقد مات وقبر فأمربه فنبش ثم أحرقه بالنار.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
ثم أقبل علي فقال : تراني كذبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا)( ).
الخامسة : إنفراد المسلمين باللجوء إلى الإسترجاع والصبر والعبادة عند المصيبة، وهو من عمومات قوله تعالىكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
السادسة : البشارة بالمدد واللطف الإلهي عند تلقي المصيبة بالصبر والإسترجاع وهو من مصاديق خاتمة هذه الآية إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
السابعة : عدم مغادرة البصيرة والحكمة للمسلم عند المصيبة، لما في اللجوء للإسترجاع من السكينة.
الثامنة : الصبر عند المصيبة إرتقاء في مراتب الكمال الإنسانية .
التاسعة : قانون الإسترجاع خلق كريم ، وقد اثنى الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
العاشرة : استحضار ذكر الله عند المصيبة فقاهة في الدين ، ومرتبة سامية في الهداية .
الحادية عشرة : قانون الإسترجاع لجوء إلى الله عز وجل ، واستعانة به تعالى رجاء الرزق الكريم ، والتغلب على المصيبة وأثارها ، ويتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم وعلى نحو الوجوب العيني إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
النسبة المنطقية بين الموت والقتل
نزل قوله تعالى وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، بخصوص آدم عليه السلام عندما خلقه الله في الجنة ، وبعث الروح فيه ، ولا يختص وجود الروح عند آدم بل هو متوارث عند بنيه وذريته إلى يوم القيامة لذا فالإنسان مركب من روح وجسد.
ويأتي الموت بالتفريق بينهما ، لبيان وجوه :
الأول : قانون بقاء الروح .
الثاني : قانون بعث الأجساد يوم القيامة.
الثالث : قانون إعادة الأرواح للأجساد في القبور للحساب الإبتدائي من قبل منكر ونكير .
الرابع : قانون إعادة الأرواح يوم القيامة إلى الأجساد من غير أن يقع خطأ أو اشتباه فلا تذهب روح إلى غير جسدها ، وفيه نفي للقول بتناسخ الأرواح.
وقد يغادر الإنسان الحياة الدنيا بالقتل ، والنسبة بين الموت والقتل هي العموم والخصوص المطلق ، فكل قتل هو موت وليس العكس .
ومن رحمة الله بالناس أن الذين يغادرون الدنيا بالموت أضعاف مضاعفة للذين يغادرونها بالقتل سواء القتل الجماعي كما في المعارك أو القتل على نحو القضية الشخصية .
ولا يقع كل من الموت والقتل إلا باذن من الله عز وجل ، قال تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وهل يصح تقدير الآية (وما كان لنفس أن تموت أو تقتل إلا بإذن الله) الجواب نعم ، لأن المراد من الموت في آية البحث الإطلاق في كيفية مغادرة الروح للجسد ومنها القتل، ولكن هذا لا يعني أن القاتل مجبور على فعله أو مكتوب عليه أن يقتل غيره مطلقاً أو في ذات الوقت والأجل.
لذا جاء القرآن بالتحذير والإنذار من القتل والتعدي والظلم من حين خلق آدم على لسان الأنبياء أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وما أن انجبت حواء بطنين حتى قتل قابيل أخاه هابيل ، ويدل قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، على أن قتله هذا ظلمه وبغير حق ، ولا يصح إيجاد عذر له يوماً ما ، لقانون القتل ظلم عظيم ، وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين قال تعالى وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا.
وتجلى قانون مصاحبة حكم القصاص للتنزيل ، وبيان أنه أمن وحياة للقاتل والذي يروم قتله ، قال تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
فمتى ما أدرك الذي يريد قتل شخص آخر أن القصاص ينتظره وانه سيقتل ويقاد بسبب هذا القتل فانه يجتنب هذا القتل .
ومن الإعجاز في بيان ذم القتل وقوعه بين ولدي آدم عليه السلام ومجئ قصته في القرآن، والإحتجاج والجدال الذي سبق القتل بغير حق وأن السبب هو قبول قربان المتقي دون قربان قابيل ، والله واسع كريم .
فان عدم إثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ، فعدم قبول القربان مرة لا يعني عدم قبوله على نحو القطع لذا فتح الله عز وجل للناس باب التوبة والإنابة، وفي التنزيل حكاية عن قابيل قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
قانون الشهادة العامة
من وقائع وأهوال يوم القيامة الشهادة على الناس ، وما كانوا يفعلون في الدنيا ، ومنها شهادة جوارح الإنسان عليه ، قال تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وهل تقوم هذه الجوارح بالشهادة على صاحبها في القبر ، وعند مساءلة منكر ونكير ، الأقرب لا ، ولأن أسئلة منكر ونكير عامة ، ومنها عن التوحيد والنبوة ، إنما تختص هذه الشهادة بيوم القيامة وبشهادة الأنبياء على أممهم ، من أمن وصدق بهم ، ومن جحد برسالتهم .
و(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالَ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ.
فَيُقَالَ لَهُمْ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ، فَيَقُولُونَ : مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ ، وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ.
فَيُقَالُ لِنُوحٍ : مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ، فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، الْوَسَطُ : الْعَدْلُ ، قَالَ : فَتُدْعَوْنَ فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالْبَلاغِ، ثُمَّ يُشْهَدُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ)( ).
وقد أكرم الله عز وجل المسلمين بأن جعل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يشهد عليهم ويكونوا شهداء على الناس ، ولابد من العدالة في هذه الشهادة لذا أمر الله عز وجل المسلمين في ذات آية الشهادة باقامة الصلاة واتيان الزكاة والفرائض العبادية الأخرى إذ قال تعالى لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
وفيه بيان لمقام العز والشأن الرفيع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة ، وأنه يغادر الدنيا ليكون شاهداً على الناس في الآخرة شهادة عامة .
وبسند عن محمد بن فضالة الأنصاري – وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وناس من أصحابه ، فأمر قارئاً فقرأ ، فأتى على هذه الآية فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا.
فبكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى اضطرب لحياه وجنباه ، وقال : يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره( ).
وفي الحديث مسائل :
الأولى : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بزيارة بعض بيوتات المدينة ومعه عدد من أصحابه .
الثانية : قانون حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عمارة المجلس بقراءة القرآن .
الثالثة : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أصحابه بقراءة آيات من القرآن من غير تعيين للسورة أو الآيات .
الرابعة : إستجابة الصحابي لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومبادرته للقراءة .
الخامسة : قانون بيان عناية النبي بالآية القرآنية والتدبر في معانيها وإستحضار الذهن لمصداقها الخارجي .
السادسة : قانون عمارة المجالس بتلاوة القرآن ، وبيان مضامينه القدسية.
السابعة : زيارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولبعث الناس لسؤاله عن أمور الدين والدنيا.
الثامنة : تذكير المسلمين والناس عامة بعالم القبر وأهوال يوم القيامة ، ولزوم الإستعداد لها .
التاسعة : قانون السنة النبوية طارد للغفلة من الناس ، فلولا التنزيل والسنة النبوية لما علم الناس وقائع عالم البرزخ ، وإعادة الروح للإنسان ، ومساءلة منكر ونكير .
العاشرة : قانون شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة ، ورجاء كل مسلم ومسلمة الفوز بهذه الشفاعة .
وفي رواية عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اقرأ عليّ ، قلت : أقرأ عليك وعليك أنزل .
قال : إني أشتهي أن أسمعه من غيري ، قال : فقرأت النساء ، حتى إذا بلغت فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا، قال لي : كفّ أو أمسك ، فرأيت عيناه تذرفان)( ).
إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي لأهوال القيامة ، وشدة وطأة القيام بالشهادة فكيف بالمشهود عليهم ، لذا تفضل الله عز وجل وأخبر بأن من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة والرأفة بالمسلمين خاصة والناس عامة.
وتبين الآية أعلاه المسؤوليات الجسام التي تقع على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
قانون ذوق الموت
يتجلى قانون الموت حق بحتمية مفارقة الروح للجسد وتعطل الحواس ، واستراحة القلب عن ضخ الدم الذي يزاوله في سنوات العمر كمهندس عامل بنشاط خفي ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
والمراد كل نفس من أهل الدنيا ويدل نظم الآية على أن المراد من [كُلُّ نَفْسٍ] أي كل نفس سائلة وقانون كل إنسان لابد أن يموت .
وقد ورد قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ، فان الله عز وجل هو الباقي الذي لا يموت ، ويدل على إرادة موت الخلائق في الآية أعلاه ، ويدل على موت الناس جميعاً قوله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
فالله عز وجل وحده هو الحي الذي لا يموت ، فيموت الإنس والجن والملائكة وحملة العرش ، ويكون الله عز وجل هو الأخر كما كان هو الأول ليس معه شئ في الحالتين ، وفي التنزيل هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وورد ذكر (النفس) في قوله تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ] بصيغة العموم بدلالة لفظ (كل) وهو سور الموجبة الكلية وأن الموت يقع عليها ، وفيه دلالة بأن النفس عنوان جامع لاجتماع الروح والجسد ، وأن الموت مركب من أمرين :
الأول : قانون الإنفصال بين الروح والجسد عند الموت.
الثاني : عدم صدق النفس على الميت لذا يسمى جنازة وجسداً .
ومن إعجاز القرآن ورود قوله تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ] ثلاث مرات ، وكل آية لها دلالات عامة وخاصة بلحاظ مضمون الآية وسياق الآيات المجاورة ، وهي :
الأولى : قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
الثانية : قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.
الثالثة : قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.
وفي هذا التكرار إنذار وطرد للغفلة عن الموت ، والعوالم التي بعده ، لقانون ما بعد الموت حياة .
قانون التسليم بأن أوان الموت باذن الله
من الإعجاز في آيات القرآن أنها ذكرت تعلق الثواب بالأعمال في الحياة الدنيا التي هي مزرعة للأعمال، وعلة الجزاء والثواب من وجوه :
الأول : قانون الإنسان لا يترك وشأنه .
الثاني : قانون الموت ليس نهاية الإنسان .
الثالث : قانون الموت بداية لحال الإنسان في القبر ويوم القيامة .
وإدراك هذه القوانين الثابتة يجعل المسلم يزهد في زينة الدنيا ولا يلهث وراء مباهجها ، بل يتطلع الى الجزاء الحسن ، والثواب الجميل لذا تفضل الله فاختتمت آيات من القرآن بالإخبار عن الثواب العظيم الذي ينتظر الشاكرين، سواء كان الثواب القريب في الدنيا أو الأجر العظيم في الآخرة.
وهل التسليم بأن الموت حق وأنه لا يتم إلا باذن الله من الشكر لله سبحانه ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : قانون الشهادة بأن مقاليد الأمور بيد الله ، وفي التنزيل وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
الثانية : قانون اللجوء إلى الدعاء لسؤال إرجاء الأجل ، والراحة عند الموت ، وحسن العاقبة ، قال تعالى وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
الثالثة : الإقرار بأن موت النبي وأوانه لم يتم إلا بإذن الله عز وجل وبعد أن أدى رسالته كاملة.
الرابعة : شكر المؤمن لله عز وجل على نعمة الإيجاد والخلق وطول العمر ، فكل ساعة من عمر الإنسان وكل دقيقة هي من فضل الله، وهي بشهيقها وزفيرها إطالة لم تتم إلا بمشيئة الله وإذنه.
الخامسة : بيان قانون وهو أن ملك الموت لا يقبض الأرواح إلا باذن الله.
فمن أراد إطالة عمره بصلاح فليتوجه إلى الله بالدعاء ، قال تعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ.
زيارة ملك الموت
من خصائص عمل ملك الموت عدم زيارته الإنسان إلا مرة واحدة ، وهي أقسى زيارة على الإنسان براً كان أو فاجراً ، حتى الذي يتمنى الموت فانه ساعة الإحتضار يتمنى بقاءه في الدنيا ليس لشدة سكرات الموت وحدها ، بل لحلاوة وعذوبة الحياة الدنيا ، والقدوم في الموت على وحشة القبر ، وشدة ظلمته .
وعن (أنس بن مالك، عن تميم الداري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله، عز وجل، لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به، فإني قد ضَربته بالسراء والضراء، فوجدته حيث أحب. ائتني به فَلأريحنَّه.
فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحَنُوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر. فيجلس ملك الموت عند رأسه، وتحف به الملائكة. ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه ويَبْسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفَر تحت ذقنه، ويفتَح له بابٌ إلى الجنة، فإن نفسه لَتَعلَّلُ عند ذلك بطرف الجنة تارة، وبأزواجها مرة ومرَّةً بكسواتها ومرة بثمارها، كما يُعَلّل الصبي أهله إذا بكى”. قال: “وإن أزواجه ليبتهشن عند ذلك ابتهاشًا.
قال : وتنزو الروح.
قال البُرْسَاني: يريد أن تخرج من العَجَل إلى ما تحب. قال: “ويقول مَلَك الموت: اخرجي يا أيتها الروح الطيبة، إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب”. قال: “ولَمَلَك الموت أشدّ به لطفا من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيب لربه، فهو يلتمس بلطفه تحببا لديه رضاء للرب عنه، فتُسَلُّ روحه كما تسل الشعرة من العجين”. قال: “وقال الله، عز وجل الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ، وقال فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ، قال: “روح من جهة الموت، وريحان يتلقى به، وجنة نعيم تقابله.
قال : فإذا قَبض ملك الموت روحه، قالت الروح للجسد: جزاك الله عني خيرا، فقد كنت سريعا بي إلى طاعة الله، بطيئا بي عن معصية الله، فقد نجيت وأنجيت .
قال : ويقول الجسد للروح مثل ذلك.
قال : وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل باب من السماء يصعد منه عمله. وينزل منه رزقه أربعين ليلة .
قال : فإذا قَبَض ملك الموت روحه، أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده ، فلا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم، وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط بني آدم، ويقوم من بين باب بيته إلى باب قبره صفّان من الملائكة، يستقبلونه بالاستغفار، فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده .
قال : ويقول لجنوده : الويل لكم. كيف خَلَص هذا العبد منكم، فيقولون إن هذا كان عبدا معصوما.
قال : فإذا صعد ملك الموت بروحه، يستقبله جبريل في سبعين ألفا من الملائكة ، كل يأتيه ببشارة من ربه سوى بشارة صاحبه , قال : فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش، خَرّ الروح ساجدا.
قال : يقول الله، عز وجل، لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب”.
قال : فإذا وضع في قبره، جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن فكان عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان ناحية القبر”. قال: “فيبعث الله، عز وجل، عُنُقًا من العذاب”.
قال: “فيأتيه عن يمينه” قال: “فتقول الصلاة: وراءك والله ما زال دائبا عمره كله وإنما استراح الآن حين وضع في قبره”. قال: “فيأتيه عن يساره، فيقول الصيام مثل ذلك”. قال: “ثم يأتيه من عند رأسه، فيقول القرآن والذكر مثل ذلك”.
قال: “ثم يأتيه من عند رجليه، فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك. فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد مساغًا إلا وجَد ولي الله قد أخذ جنته”. قال: “فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج”. قال: “ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم، فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذ أجزأتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان)( ).
ويأتي الموت للإنسان وهو على أحد وجوه:
الأول : الذي يغادر الدنيا على الهدى والإيمان، قال تعالىوَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
الثاني : الذي يصر على الكفر ولا ينفك عنه إلى أن يغادر الدنيا ، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
الثالث : الذي يجمع في عمله بين الصلاح والفسوق، ويسوف التوبة أو ينسخها وينقضها في كل مرة.
وتفضل الله عز وجل وبعث الأنبياء مبشرين ومنذرين، وأنزل الكتب السماوية لجذب الناس لمنازل الإيمان وسبل التقوى .
وجاء القرآن كتاباً سماوياً حاضراً عند الناس في كل زمان ليخبرهم بكون الموت كِتَابًا مُؤَجَّلًا وأن من علل تأجيله عن الإنسان المندوحة والسعة في أيام حياته ليتوب إلى الله، ويخلص الطاعة له سبحانه وينجو من ضغطة القبر ، ومن عذابه .
فقوله تعالى [كِتَابًا مُؤَجَّلًا] بيان لفلسفة وعلة تأخير الموت عن الإنسان وأن هذا التأخير خير محض، ومناسبة لإصلاح الذات والفعل، وتنقيح الفعل وصيرورته ذكراً حسناً بين الناس والذي يتأتى إلا بالتوبة وإخلاص السريرة وهو من مصاديق الرحمة بقوله تعالىوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، بتقريب أن من رحمة الله للمسلم فوزه بحسن السمعة بين الناس، ليكون هذا الصيت على وجوه:
الأول : أنه تركة كريمة للذرية والأبناء.
الثاني : إشاعة أسباب الهداية والرشاد.
الثالث :مناسبة لتمحيص وتنقية المؤمنين.
الرابع : وهو في مفهومه ودلالاته ذم للكافرين وإنذار بسوء عاقبتهم، وهو من الدعوة إلى الله عز وجل ، وهل هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الجواب لا، لموضوعية النية والقصد والفعل في الأمر والنهي، إنما هذا الصيت وحسن السمت والسمعة رشحة من العمل الصالح وثمرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل ذنب عسى الله ان يغفره الا من مات مشركا أو قتل مؤمنا متعمدا)( ).
لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار امتحان واختبار ، وهذا الاختبار ليس مجرداً وقائماً بذاته، إنما هو مقترن بالمدد للعباد واللطف من عند الله لتقريبهم إلى منازل الطاعة وسبل الرشاد .
فتكون أيام الحياة وما فيها من الابتلاء مناسبة لتنقية الأفعال وإصلاح المنطق والكلام، وفضحاً للكفر والجحود، ومن قوانين الحياة الدنيا أن كل يوم يمر على المؤمن هو تمحيص وتنقية له، ومناسبة لفعل الصالحات وإكتناز الحسنات ، لتكون ضياءً له في القبر ، وواقية من عذابه .
قانون حضور رحمة الله عند الموت
تتغشي رحمة الله الناس جميعاً في موضوع الموت من جهات:
الأولى : قانون الموت عاقبة الناس جميعاً وخاتمة وجودهم في الحياة الدنيا.
الثانية : لحوق الموت لأجيال الناس المتعاقبة.
الثالثة : الموت إنتقال ورحيل من الدنيا إلى عالم آخر ، وهو ليس أمراً عدمياً ، بدليل قوله تعالى [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ].
إذ يدل على وجود عالم آخر وأخير فيه حساب وجزاء حسن لمن يعمل الصالحات ، وأن الله عز وجل يؤجل الموت عن العبد ، ويدفع عنه موانع العمل الصالح ليفوز بالثواب العظيم في الآخرة .
وهل تشمل المغفرة في قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ عالم القبر لتكون المغفرة واقية من عذابه ، الجواب نعم .
الرابعة : تعليق موت أي إنسان باذن الله، لبيان موضوعية الموت والإنتقال به من عالم إلى عالم ، وفيه أمور :
الأول : قطع دنيا الأعمال .
الثاني : قانون ختم صحيفة الأعمال بمغادرة الدنيا .
الثالث : بداية عالم الحساب والجزاء .
فمن يرد ثواب الدنيا تنقطع الدنيا ولذاتها وزينتها بالموت والوفاة .
وأما من يرد ثواب الآخرة فان هذا الثواب يبدأ بالموت، ليشارك المؤمن الكافر في نعم وزينة الدنيا، وينفرد المؤمن بمصاديق الرحمة والفضل الإلهي في الآخرة.
مصاديق الإيمان
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الإيمان ، وهل يرتقي العباد إلى الإيمان بمدد من الله عز وجل ، الجواب نعم .
ليكون من مصاديق قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ تقريب الله سبحانه الناس إلى منازل الإيمان والهداية .
لذا ترى الحياة الدنيا مملوءة بالآيات الكونية , وتفضل الله عز وجل وبعث الأنبياء مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وأنزل معهم الكتب السماوية ، وجاء الأنبياء بالبشارة للمؤمنين بعد الموت وفي عالم البرزخ ، والإنذار للكافرين من عذاب القبر .
ويتضمن القرآن مصاديق الإيمان ، قال تعالى وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
وأخرج أحمد عن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في مجلس فيه أصحابه ، جاءه جبريل عليه السلام في غير صورته ، فحسبه رجلاً من المسلمين .
فسلم فرد عليه السلام ، ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال له : يا رسول الله ما الإِسلام ، قال : أن تسلم وجهك لله ، وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة.
قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت ، قال : نعم .
قال : ما الإِيمان؟ قال : أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، والموت ، والحياة بعد الموت ، والجنة والنار ، والحساب والميزان ، والقدر خيره وشره . قال : فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال : نعم .
ثم قال : ما الإِحسان؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فهو يراك قال : فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت.
قال : نعم . قال : فمتى الساعة يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله خمس لا يعلمها إلا الله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ))( ).
وقد ورد (عن مطر بن عكامس( ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة .
موت آخر الملائكة
يدل قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ على موت الملائكة ويتولى ملك الموت قبض أرواحهم ، حتى يأتيه الموت من عند الله عز وجل .
فعندما ينفخ في الصور النفخة الأولى ويموت أهل الأرض وأكثر الملائكة ثم يأتي الموت على كبار الملائكة .
والنفخة الأولى هي نفخة الفزع التي يموت بها آخر الأحياء من الناس ، أما النفخة الثانية فهي نفخة البعث .
وفي حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق [فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ] ( )، فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول : قد مات أهل السماء والأرض إلاّ من شئت .
فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال : أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت ، وبقي حملة العرش ، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول : أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل.
فيقول : اسكت إنّي كتبت الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان.
ثمّ يأتي ملك الموت فيقول : أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل ، فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول : بقيت أنتّ الحيّ الذي لا تموت وبقيتْ حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون ، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت.
ثمّ يأتي ملك الموت فيقول : يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول : بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال : أنت خلقٌ من خلقي خلقتك لما رأيت فمتْ فيموت .
فإذا لم يبق إلاّ الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وكان آخراً كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ( ).
ثمّ قال : أنا الجبّار ، لمن الملك اليوم ، ولا يجيبه أحد.
ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه : لله الواحد القهّار يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ مطويّات فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكافي لا يرى فيها عوجاً ولا أمتاً.
ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة ، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل ، من كان في بطنها ، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها .
ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال ، ثمّ يأمر السحاب أن تُنزل بمطر أربعين يوماً حتى يكون من فوقهم إثنا عشر ذراعاً ، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث( ) وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت.
قال الله سبحانه : ليَحيَ حملة العرش ، فيحيون ، ثمّ يقول الله تعالى : ليَحيَ جبريل وميكائيل. فيحييان ، فيأمر الله إسرافيل ، فيأخذ الصور فيضعه على فيه ، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها ، تتوهّج أرواح المؤمنين نوراً والأخرى ظلمة .
فيقبضها جميعاً ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض.
فيقول الله سبحانه : ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم ، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ.
ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعاً ، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض ، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عُراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي ، فيقول الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ))( ).
تسمية يوم القيامة موعظة
مع أن الاسم غير المسمى ، والمدار على المسمى فان ذات اسم يوم القيامة تنبيه وإنذار للناس بأنهم سوف يقومون من قبورهم ، وسوف يقفون بين يدي الله عز وجل ، قال تعالى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين التفقه في الدين، وأمور الدنيا والآخرة، ومعرفة حقيقة الخلق وان الدنيا دار عبور إلى الآخرة، وأراد للناس التدبر والتبصر في ماهية المال والملك وما يصير إليه وانه يعود هو والناس إلى ملك الله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
فالدنيا عالم الاختيار والاختبار، أما الآخرة فهي عالم عودة المال ومالكه ، والدار ومن سكنها والراحلة ومن ركبها إلى ملك الله تعالى.
ومن الآيات أن تأتي تسمية يوم القيامة في المقام بأنه اسم قيام الناس للحساب والجزاء والحكم على الاختيار الشخصي والنوعي للجماعة والأمة.
لتكون هذه التسمية درساً وموعظة وبشارة وإنذاراً وإخباراً بان ما يقتنيه الإنسان في حياته مادة وموضوع للحساب يوم القيامة، فإذا كان الإقتناء بالطرق الشرعية وان العبد يقوم بإخراج حقوقه وأداء الشكر القولي والفعلي لله تعالى على نعمة المال فإنه يقوده إلى الجنة ، وأما إذا كان جمعه بالباطل ، أو أنه جعله وسيلة للهو والفجور ، ومقدمة للمعصية فانه يسوق صاحبه إلى النار.
وتبين آيات القرآن معالم الآخرة , ومنافعها في الدنيا أكثر من أن تحصى وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة لها عدة مرات في كل يوم.
ومن إعجاز القرآن تذكيره بأهوال عالم الآخرة، لبعث المسلمين أمة وأفراداً إلى فعل الصالحات والسعي في مرضاة الله ، والجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله تعالى ، وتجعلهم يرون منازلهم في الجنة والنعيم الدائم ، وهم في الدنيا.
قانون الدنيا دار الإمهال
من رحمة الله عز وجل بالناس في الحياة الدنيا إمهالهم على نحو العموم المجموعي كجنس من أمم وشعوب , والقضية الشخصية كأفراد ، وعدم مؤاخذتهم بذنوبهم ، إذ أن هذه المؤاخذة تقضي عليهم بالفناء ، وفي التنزيل وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
وذات الغنى المطلق لله عز وجل ورد في الثناء على المؤمنين بقوله تعالى وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
لبيان أن حال الإيمان أو الكفر يدخل مع الإنسان إلى القبر ، ويكون ميزاناً للحساب .
وورد قوله تعالى [إِلَى حِينٍ] سبع مرات في القرآن ، منها تبليغ آدم وحواء وإبليس عند هبوطهم إلى الأرض ، وفي التنزيل اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.
والمراد من قوله تعالى (إِلَى حِينٍ) معنيان :
الأول : خاص وهو قانون إنقطاع حياة كل إنسان بالموت ، قال تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
الثاني : عام وهو قانون انتهاء الحياة الإنسانية على الأرض و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله .
قال جبريل ، وميكائيل ، وملك الموت ، واسرافيل ، وحملة العرش . فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت : من بقي .
وهو أعلم فيقول : رب سبحانك ، رب تعاليت ذا الجلال والاكرام بقي جبريل ، وميكائيل ، واسرافيل ، وملك الموت . فيقول : خذ نفس ميكائيل.
فيقع كالطود العظيم .
فيقول : يا ملك الموت من بقي .
فيقول سبحانك رب ، ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وملك الموت . فيقول مت يا ملك الموت ، فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول : سبحانك ، يا ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وهو من الله بالمكان الذي هو به .
فيقول : يا جبريل ما بد من موتك . فيقع ساجداً يخفق بجناحيه يقول : سبحانك رب ، تباركت وتعاليت ذا الجلال والاكرام ، أنت الباقي وجبريل الميت الفاني ، ويأخذ روحه في الخفقة التي يخفق فيها ، فيقع على حيز من فضل خلقه على خلق ميكائيل كفضل الطود العظيم)( ).
وإذا انتقل الإنسان إلى الكواكب الأخرى فان ملك الموت عزرائيل نفسه يتولى قبض روحه .
فيلحق بالأرض مدفناً كل كوكب يتخذه الإنسان سكناً له في الحياة الدنيا مستقبلاً ، ويصلح عليه أنه أرض ودار بالنسبة لساكنيه على نحو المجاز والإلحاق .
قانون كل آية قرآنية رحمة بالناس
في آيات القرآن تذكير بعالم البرزخ والقبر وزجر عن الكفر والجحود ، قال تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وفيه دلالة على فترة ما بين الموت والنشور بدليل صيغة التراخي في قوله تعالى [ثُمَّ يُحْيِيكُمْ].
وفيه تخويف وزجر للكفار، ودعوة للأجيال المتعاقبة من الناس للإستعداد لما بعد الموت ، ولغة العموم للناس جميعاً من مصاديق خطاب وتكليف الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ.
ويدل قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، على أمور :
الأول : قانون كل آية رحمة للناس جميعاً في الدنيا والآخرة .
الثاني : قانون الإنذار القرآني من عذاب القبر رحمة بالناس .
الثالث : إقامة الحجة على الناس بآيات القرآن ، قال تعاالى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
الرابع : قانون حضور آيات القرآن القبر مع الذي يتلوها ، ويعمل بأحكامها .
وأن الموت ثم النشور ليس النهاية، فلابد من الرجوع إلى الله والوقوف بين يديه، وهذا الرجوع ليس مجرداً بذاته، بل هو طريق للحساب ومناسبة للجزاء.
إن ذكر النعم الإلهية على الناس بخطاب موجه إلى الكفار بصيغة اللوم إنذار ووعيد من يوم القيامة وعالم الحساب.
وقد انتفع المسلمون من هذا الخطاب بالتنزه عن الكفر ، ومفاهيم الضلال.
قانون مطاردة الآية القرآنية للكفار
تلاحق الآية القرآنية الكفر وتبعث النفرة منه ، وتغزو الكفار في عقر دارهم وتنفذ إلى قلوبهم ، وتدخل إلى منتدياتهم، وتطرق أسماعهم قهراً لتكون حجة عليهم، ودعوة إلى الهدى ، قال تعالى وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
ومن مصاديق الذلة التي تلحق الكفار ذلهم وهوانهم في القبر ، وعند سؤال الملكين وفضح معاصيهم .
ومن علوم الغيب التي يذكرها القرآن ما فيه حجة على الكافرين ، وتوبيخ لهم ، وتذكير بعالم الآخرة ، قال تعالى فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ.
وللآية القرآنية أثر وتأثير على الناس جميعاً.
ومن أسماء الله تعالى (المنّان) وهو الذي يمن على عباده، ويذكرهم بنعمه وفضله عليهم ليكون هذا التذكير مناسبة للتوبة والإنابة والشكر له تعالى ، وجاء قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
لبيان مراتب الخلق والبعث على وجوه أربعة .
والإخبار عن أصل الإنسان وأنه كان معدوماً، وجاءت الآية بصيغة الجمع، وفيه مسائل:
الأولى : الإخبار بأن كل إنسان كان عدماً، فالآية وإن جاءت خطاباً وذماً للكفار إلا أنها تتعلق بجنس الإنسان وأصل الخلق.
الثانية : منع الوهم بأن الإنسان إرتقى من مخلوقات أخرى، وجاءت الآيات بالإخبار عن خلق آدم في الجنة، في دلالة على قانون التنزه عن دعوى تطور الإنسان من مخلوقات أدنى منه رتبة.
الثالثة : إلتقاء الآباء وإن علو، والأبناء وإن نزلوا بحقيقة الإيجاد من العدم، وقيل: إنهم كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم ، يعني نطفاً ، فأحياهم الله ، ثم أماتهم الموتة التي لابد منها( )، ونسبه الرازي إلى قتادة( ).
ولكن الآية أعم، وتتعلق بأصل خلق الآباء والأبناء جميعاً، وصحيح أن الموت أمر وجودي وحق من الله قال سبحانه الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ، ولكنه ضد الحياة، ويأتي بمعنى السكون والنوم .
ولعل فيه إشارة إلى عالم الذر، الذي كان فيه الناس قبل خلق آدم، ولكنه لا يمنع من المعنى الأول، وهو عدم وجود الإنسان في الأصل لأن الله تعالى هو الأول والآخر، فليس من قديم إلا واجب الوجود، ومن الإعجاز أن الآية لم تصف الناس قبل الحياة إلا بالموت .
النسبة بين الموت قبل الدنيا والموت بعدها
قد وصف الله عز وجل حال الناس قبل حياتهم في الدنيا بأنهم أموات كما في قوله تعالى كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وتحتمل النسبة بين الموت قبل الدنيا والموت الذي نغادرها فيه وجوه :
الأول : التساوي ، والتشابه بين الموتين اسماً ومسمى.
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وأحدهما فرع الآخر ، وهو على شعبتين :
الأولى : الموت بعد الدنيا فرع الموت الذي قبلها .
الثانية : الموت قبل الدنيا فرع ما بعدها .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، وهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما .
والمختار هو الأخير أعلاه ، فالموت في الأول هو العدم لأنه فرع الخلق والإيجاد ، قال تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.
فالمراد من الموت قبل الحياة الدنيا هو العدم ، أما الموت بعد الحياة الدنيا فهو مفارقة الروح للجسد ، والإنتقال إلى عالم الخلود .
ونسبة بعث الحياة في الناس إلى الله تعالى، وهو المنعم على الخلائق بالخلق والحياة ، وهل يشمل موضوع الآية أعلاه الذين سبقوا نزول القرآن بالإستصحاب القهقري إلى أبينا آدم عليه السلام.
الجواب نعم , فإن أصل الخلق واحد , وهو العدم لأن تعاقب الأجيال من الناس ليس من اللامنتهي بل له بداية ونهاية ، وفيه وجوه :
الأول : البعث والحياة آية من عند الله، لا يقدر عليها غيره سبحانه، قال تعالىفَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
الثاني : مغادرة الأرواح للأجساد ، وإنعدام حركة الإنسان، وغيابه قهراً عن الدنيا بوقت معين يجهله ذات الإنسان، قال تعالىفَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ.
الثالث : البعث النشور بعد الموت، والوقوف بين يدي الله للحساب ليكون مقدمة للجزاء أما للجنة وأما للنار.
النسبة المنطقية بين الخلق والحياة
الخلق هو الإيجاد والإنشاء والتقدير ، ويختص الله عز وجل بالخلق والإيجاد بحكمة متعالية وبلا مثال يحتذى ومن غير فكر أو روية ، وفي التنزيل إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ،
ومن أسماء الله (الخالق) و(الخلاق) والله عز وجل ربّ الخليقة والخلائق .
لذا يتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم وعلى نحو الوجوب العيني في الصلاة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وفيه إعجاز باقتران الحمد لله مع الإقرار بربوبيته المطلقة .
وتحتمل النسبة المنطقية بين الخلق والحياة وجوهاً :
الأول : التساوي : وأن الخلق هو الحياة .
الثاني : العموم والخصوص المطلق ، وأن الحياة فرع الخلق .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينها .
الرابع : التباين : وأن الحياة غير الخلق.
والمختار هو الوجه الثاني أعلاه ، فلا حياة إلا بالخلق والإيجاد ، ومع الحياة يأتي الرزق بفضل الله ، وكل من النعمتين بيد الله وحده .
ومن بديع صنع الله أنه الخالق ، والمحيي ، والمميت ، إلا أن شطراً من الناس اختاروا الكفر ، فبعث الله عز وجل الأنبياء لإنذارهم ودعوتهم للتوبة والإنابة ، وأنزل القرآن ومن النعم التي يتضمنها :
الأولى : قانون الإستغفار .
الثانية : قانون قبول الإستغفار .
الثالثة : ترغيب الناس بالإستغفار .
الرابعة : قانون حضور الإستغفار عند سؤال منكر ونكير ، قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى.
ليدرك الإنسان منافع التوبة حال دخوله القبر .
وبين الخلق والحياة عموم وخصوص مطلق، فكل حي مخلوق، وليس كل مخلوق هو حي، فمن المخلوقات ما لا يكون له نمو ولا حياة ، كالمعادن والحجارة ، ومنها ما يتصف بالتغذية والنمو وهو النبات .
قانون العقل حرز في البرزخ
قال تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا، وتدل لغة الخطاب على تفضيل الإنسان على عالم النبات والحيوان من وجوه:
الأول : قدرة الإنسان على فهم الكلام.
الثاني : نعمة العقل عند الإنسان .
قال الإمام الباقر عليه السلام (لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له : أدبر فأدبر ثم قال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن احب ، أما إني إياك آمر ، وإياك أنهى وإياك اعاقب ، وإياك اثيب)( ).
الثالث : تلقي الإنسان للخطاب التكليفي.
الرابع : تفضل الله بإنزال القرآن رحمة بالناس جميعاً.
الخامس : وجوب عبادة الناس لله عز وجل.
السادس : أهلية الإنسان للقيام بوظيفة الشكر لله.
وهذه الوجوه كلها نعم من عند الله تعالى ، ليتضمن القرآن توبيخ الكفار بلغة الحجة والمنّ وبيان النعم .
فمن وجوه الإعجاز في آيات القرآن ذكر الحياة كنعمة مستقلة، وجاء هذا بعد الموت والعدم، لبيان عظيم قدرة وسلطان الله تعالى ، قال تعالى وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ.
لبيان نسبة الحياة والبعث ونفخ الروح إلى الله تعالى، وهو وحده القادر عليها دون غيره، وعلى فرض إيجاد إنسان مستقبلاً بالإستنساخ والمختبرات فهل يشمله الخطاب وأن الله تعالى هو الذي أحياه بعد أن لم يكن شيئاً، الجواب نعم، فبعث الحياة لا يكون إلا من عند الله تعالى ، ولو بالوسائط التي هي من فضل الله، ومما علّمه للإنسان.
لقد ورد قوله تعالى [أَفَلَا يَعْقِلُونَ] بصيغة الغائب مرة واحدة في القرآن بقوله تعالى وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ.
وتكرر قوله تعالى [أَفَلَا تَعْقِلُونَ] ثلاث عشرة مرة في القرآن ، وفيه دعوة للناس لتوظيف العقول للإيمان والعمل الصالح والتهيئ لما بعد الموت ، وقال تعالى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.
ومما يلزم تذكره واستحضاره هو عالم البرزخ ، وحاجة الإنسان لإضاءة القبر بايمانه وعمله الصالح ، ودفع فتنة وعذاب القبر بالتقوى .
قراءة في [كُنتُمْ أَمْوَاتًا]
لم يرد اللفظ اعلاه في القرآن إلا مرة واحدة في قوله تعالى وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وتقدير الآية : كنتم أمواتاً قبل خروجكم إلى الدنيا .
ويختلف الموت السابق للحياة عن الموت اللاحق لها ، فالأول هو العدم ، والتالي هو انتقال إلى حياة أخرى ، ويتعلق لفظ الموت بساعة ومعنى مغادرة الروح للجسد عند الوفاة ، ثم يعيدها الله عز وجل للجسد للحساب والجزاء .
لبيان اتحاد اللفظ مع تعدد المعنى وكأن لفظ (الموت) من المشترك اللفظي ، وفيه مسائل :
الأولى : إذ جاء موضوع الموت والإحياء بصيغة الماضي [كُنتُمْ أَمْوَاتًا] [أَحْيَاكُمْ].
جاء موضوع الإماتة بصيغة المضارع مع حرف العطف [ثُمَّ يُمِيتُكُمْ] الذي يفيد الترتيب والتراخي، وفيه بشارة طول العمر لمن يتلو ويسمع القرآن.
فمن إعجاز هذه الآية الإمهال للناس وطول الأعمار، والحلم الإلهي على الكفار، فلم تقل الآية فأحياكم ويميتكم .
بل جاءت بحرف العطف والترتيب والتراخي [ثُمَّ ] للدلالة على الفترة وثواب السابق من فعل اللاحق من الذراري والمؤمنين عموماً، فإن قلت لماذا لم تقل الآية (ثم أحياكم) بل جاءت بقوله تعالى [فَأَحْيَاكُمْ] والجواب من وجوه :
الأول : جهل وعدم علم الإنسان بما تقدم من الأحقاب وأفراد الزمان الطولية.
الثاني : قصر عالم البرزخ في علم الله عز وجل ، قال تعالى إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا.
ولم يرد لفظ (يرونه) و(نراه) في القرآن إلا في الآيتين أعلاه ويعود الضمير (الهاء) إلى يوم القيامة (وكل آت قريب).
(وقال بعض المفسرين : الضمير في { يرونه } عائد على العذاب) ( ).
الثالث : المدة ما بين الموت الأول والحياة أقل وأقصر لذا جاءت بحرف العطف الفاء [فَأَحْيَاكُمْ] كما يقال: تزوج فولد له، أي ليس من فترة بين الزواج والولادة إلا مدة حمل الزوجة وهي تسعة أشهر.
أو رأينا الهلال فصمنا رمضان ، وكما على القول بأن المراد كنتم نطفاً في أصلاب آبائكم وبطون أمهاتكم ، والنطفة موات.
الرابع : مدة حياة الناس في عالم الدنيا أطول من مدة بقائهم في عالم الذر.
والصحيح هو الأول والثاني ، ولا يتعارض معهما الوجهان الآخران.
وجاءت الآية بصيغة الجمع [ثُمَّ يُمِيتُكُمْ] في دلالة على أن كل الناس يموتون ، ولا يبقى منهم أحد ، قال تعالى وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
وتبين الآية طول الفترة بين نزول القرآن وبين إستدامة الحياة البشرية على الأرض بلحاظ حرف العطف (ثم) في قوله تعالى [ثُمَّ يُمِيتُكُمْ].
الثانية : ذكرت الآية الفرد الرابع من الإرادة التكوينية في الناس جميعاً، وهو بعث الناس من جديد بعد الموت في عالم النشور بقوله تعالى [ثُمَّ يُحْيِيكُمْ].
لبيان قانون عدم استدامة عالم البرزخ ، فلابد من انقطاعه بخروج الناس من القبور ، قال تعالى خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ.
ولم يرد لفظ (خشعاً) (منتشر) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ولم يرد لفظ (جراد) من غير تعريف بالألف واللام إلا فيها أيضاً .
لبيان كثرة وتموج الناس وتفرقهم وحيرتهم واندهاشهم .
ومن الآيات معرفة أجيال الناس بحشرة الجرادة وكثرة الجراد وهيامها اثناء الطيران .
وفيه بشارة وإنذار للناس ، فيما يتعلق بعالم البرزخ ، وأهوال يوم القيامة.
ويدل ورود (ثم) في المقام على طول الفترة بين الموت وبين النشور وان كانت قصيرة عند الله ، وهذه الفترة هي عالم البرزخ.
الثالثة : جاءت خاتمة الآية لبيان رجوع الناس جميعاً إلى الله تعالى، ووقوفهم بين يديه للحساب ، وهذا الرجوع أمر حتمي وقطعي لا يتخلف عنه أحد ، فكما يشمل الموت الناس جميعاً، ولا يستثنى أحد منه ، فكذا بالنسبة للإحياء والبعث من الموت، فكل الناس يبعثون ويرجعون إلى الله تعالى.
وجاءت الآية بذكر الرجوع ويتضمن الإشارة إلى عالم الحساب والجزاء والجنة والنار، وتقدير الآية بالإحتجاج الإنحلالي على وجوه:
الأول : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً.
الثاني : كيف تكفرون بالله وهو الذي أحياكم.
الثالث : كيف تكفرون بالله وهو الذي يميتكم.
الرابع : كيف تكفرون بالله ، وهو الذي يبعث لكم منكراً ونكيراً.
الخامس : كيف تكفرون بالله الذي يحييكم بعد موتكم.
السادس : كيف تكفرون بالله الذي إليه ترجعون .
السابع : كيف تكفرون بالله الذي جعل عالم البرزخ ، ويوم القيامة حساباً وجزاءً من غير عمل .
الثامن : كيف تكفرون بالله وانتم تحتاجون رحمته في القبر ويوم القيامة أكثر من حاجتكم لها في الدنيا .
التاسع : كيف تكفرون بالله وقد خلقكم وتغشتكم نعمه الظاهرة والباطنة .
العاشر : كيف تكفرون بالله وأنتم ترون الآيات الكونية ، وبدائع الخلق ، وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ.
كما يمكن تقدير الآية بلحاظ كل نعمتين من هذه النعم أو أكثر.
إن الجحود والكفر بالنعم الإلهية لن يترك سدى، فالناس جميعاً يرجعون إلى الله ليقفوا بين يديه للحساب ويرجون رحمته وعفوه في الدنيا وعالم القبر ويوم القيامة ، قال سبحانه أن اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
قانون الآية القرآنية إنذار من عذاب البرزخ
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً مبشراً ومنذراً لهم ومنقذاً من مستنقع الضلالة ، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
ومن خصائص آيات القرآن وجوه :
الأول : آيات البشارة في منطوقها ، ولتدل في مفهومها على الإنذار .
الثاني : آيات الإنذار في منطوقها ، لتدل على البشارة في مفهومها .
الثالث : آيات الترغيب بالعمل الصالح وبيان وجوبه ، وآيات الوعيد على الكفر والجحود والمعاصي .
لقد ذكرت الآية كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الموت بقوله تعالى [ثُمَّ يُمِيتُكُمْ] وفيه وجهان:
الأول : إنه نعمة من عند الله عز وجل.
الثاني : جاء ذكر الموت للإحتجاج على الكفار.
ولا تعارض بين الوجهين من وجوه:
الأول : الحياة الدنيا دار إنذار وإمتحان.
الثاني : التذكير الإلهي بالموت نعمة إلهية على المؤمن والكافر، أما المؤمن فإنه يرجو إقترابه من عالم الثواب، وأما الكافر فإنه يستعد للموت بالنفرة من الفواحش والسيئات.
الثالث : بيان قانون ثابت، وهو موت كل إنسان، وأن الله تعالى لم يخلق الناس إلا لعبادته , قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ )( ).
الرابع : في الآية رحمة بالناس ، لبيان قانون كل آية من القرآن رحمة عامة وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، ومن منافع الآية والسورة القرآنية دخولها القبر مع صاحبها لتذب وتدفع عنه عذاب القبر .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (انزلت علي سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة، وقال: هي المانعة في القبور)( ).
الخامس : دعوة القرآن الناس للحذر من الموت على الكفر، قال تعالى [وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَانتُمْ مُسْلِمُونَ].
السادس : الآية موضوع لإحتجاج المسلمين على الكفار بأن يذّكروهم بالموت وما بعد الموت لاختتام الآية بقوله تعالى ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ويبدأ الرجوع إلى الله عز وجل من حين الموت .
نعمة الخلق والإيجاد
من بدائع خلق الله للأكوان وعالم الأحياء والجمادات قانون التباين بين كل جنس وآخر ، وقانون الإختلاف بين كل فردين من جنس واحد من البشر ، وقد خلقهم الله سبحانه من غير مثال سابق .
ويظهر الإختلاف بين الكواكب ، وفي فصول السنة ، وموضع شروق الشمس ومغيبها ، وكذا بالنسبة للقمر إذ يخرج هلالاً حتى إذا صار بدراً ابتلاه الله بالنقصان.
ويتجلى الإختلاف بين الناس في هيئاتهم وصورهم وبصمة اليد ، وبصمة العين ، والأذن ، والصوت ، وحتى في السلوك الخارجي ، والرزق ، والإختلاف في ذات هيئة الإنسان مع تقادم أيامه وعمره ، وهو من مصاديق قوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.
ليكون هذا الإختلاف دعوة لهم للإقرار بالعبودية لله عز وجل ، وشكر المنعم واجب عقلاً ونقلاً ، وفي التنزيل اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ.
ويبعث قانون القبر من مواطن الإحياء بعد الإماتة الناس على اليقظة وطرد الغفلة ، لوجوب الإستعداد لهذا الأحياء وما فيه من المساءلة .
ونزلت آيات القرآن لبيان نعمة الخلق من وجوه :
الأولى : آية خلق الإنسان وما فيها من الدلالة على بديع صنع الله عز وجل.
الثانية : خلق الإنسان من العدم.
الثالثة : بعث الحياة في آدم بالنفخ من روح الله ، قال تعالى ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ.
لبيان تعدد النعم في خلق الإنسان ، وإن كل حاسة من حواسه هي فضل ونعمة من عند الله يلزم الشكر عليها.
وهل يسأل الإنسان في القبر عن شكره لله عز وجل على النعم ، المختار نعم .
وهو سؤال ابتدائي لحين البعث يوم القيامة ، ولو مات الإنسان وقام ابنه بالإكثار من الشكر لله عز وجل فهل يصله من ثواب هذا الشكر ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق الزيادة في قوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ.
بحث كلامي
تبين آيات القرآن ، والشواهد اليومية حاجة الناس إلى واجب الوجود في خلقهم ووجودهم المسبوق بالعدم، وأن طرفي الوجود والعدم، أو الحياة والموت متساويان بالنسبة لكل إنسان .
ولا يترجح أحدهما إلا بسبب أو فاعل خارجي لأن سبب وجود الممكن إجتماع المؤثرات الخارجية أو توفرها، وسبب العدم فقدان وغياب تلك المؤثرات لقانون عدم السبب سبب العدم .
إذ يتحقق المعلول بتمام علته وهي من جزئين :
الأول : وجود المقتضي .
الثاني : انتفاء المانع .
وفي إثبات الحاجة إلى الله تعالى في نعمة الخلق والإيجاد (قول الامام جعفر الصـادق عليه السلام لما سأله عبد الله الانصاري ما الدليل على أن لك صانعاً؟ قال : وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين، اما أن أكون صنعتها وكانت موجودة أو صنعتها وكانت معدومة، فإن كان صنعتها وكانت موجودة فقد إستغنيت بوجودها عن صنعتها وإن كانت معدومة , فإنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئاً فقد ثبت المعنى)( ).
وفي الآية بيان عن حدوث العالم وكل حادث لابد له من محدث وأن الحياة والموت موضوع من خصوصياته الضرورية إستلزام الحركة والحدوث وهو دليل على بديع صنع الله .
إن إمتناع الوجود الإنساني لذاته يثبت حاجته إلى موجد خارج عنه، وهو ليس من عالم الممكنات فيكون واجباً بالضرورة، ولذلك ترى المتكلمين والحكماء يتبعون هذا الطريق في إثبات الصانع.
وأستدل بقوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ على أن الكفر بإختيار العبد ، ولم يخلقه الله تعالى فيه أو يجبره عليه، وهو صحيح لعمومات المنزلة بين المنزلتين ولوجود العقل رسولاً باطناً عند الإنسان.
وقد تفضل الله عز وجل بآيات البشارة ، والإنذار ، والوعد ، والوعيد ، لذا فإن المقاصد الشريفة من الآية الكريمة لا تنحصر بالتوبيخ وحده، بل إنها تتضمن التنبيه والتحذير ، ومنه التنبيه إلى عالم البرزخ الفاصل بين الدنيا والآخرة ، وليس فيها ما يدل على اليأس من عموم الكفار، لذا جعل الله باب التوبة مفتوحاً.
أعمار الأنبياء معجزة
قال تعالى وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الخَالدُونَ لقد كتب الله عز وجل على الناس الموت ببديع حكمته وجعله سبيلاً لمغادرة الحياة الدنيا بلحاظ حتمية زوالها وأنها دار إنتقال إلى الآخرة.
وتشمل الأنبياء في هذا الموضوع النواميس الثابتة في أصل الخلقة، وبعض الأنبياء قتل في سن الشباب كيحيى عليه السلام ، ومنهم من رزقه الله طول العمر حجة وآية في التبليغ. وبالإسناد عن الامام الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
عاش آدم أبو البشر تسعمائة وثلاثين سنة .
وعاش نوح الفين وأربعمائة.
وعاش إبراهيم عليه السلام مائة سنة وخمساً وسبعين.
وعاش إسماعيل بن إبراهيم مائة وعشرين سنة.
وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة.
وعاش يعقوب عليه السلام مائة وعشرين سنة.
وعاش يوسف عليه السلام مائة وعشرين سنة.
وعاش موسى عليه السلام مائة وستاً وعشرين سنة.
وعاش هارون عليه السلام مائة وثلاثاً وثلاثين سنة.
وعاش داود عليه السلام مائة سنة منها أربعون سنة ملكه.
وعاش سليمان بن داود عليه السلام سبعمائة سنة وإثنتي عشرة سنة)( ).
لقد رزق الله الأنبياء العصمة ودرجة عالية من الذكاء والحلم، وبما يناسب هذا المنصب الإلهي ويساهم في النفع والأثر الفعال في المجتمع وأداء وظائف النبوة على أحسن وجه، بالإضافة إلى الوحي الذي هو مدد غيبي يفوق قدرات الإنسان.
وقد عاش النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثاً وستين سنة منها ثلاث وعشرون سنة بعد البعثة النبوية ليثبت فيها أحكام الشريعة ، وتتبعه أجيال المسلمين في طاعة الله ، ولم يغادر إلى الرفيق الأعلى حتى نزلت عليه آيات القرآن كلها ، قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
روى علي بن ابراهيم عن ياسر عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال : ما بعث الله نبياً الا صاحب مرة سوداء صافية) ( )، أي أنه ذو قوة في العقل والرأي وثبات في الدين. وأشير إلى معناها في الطب القديم أنها غاية الحذق والفطانة والحفظ .
ووصفت في الحديث بأنها (صافية) أي خالية من مخالطة الخيالات الفاسدة والأخلاق الرديئة.
قانون امتثال ملك الموت لأمر الله
يتجلى قانون طاعة الملائكة لله وخضوعهم التام لأوامره كل حين فقد نزههم الله عز وجل عن المعاصي وارتكاب الذنوب وتنفر نفوسهم من أهل المعاصي لذا حينما أخبرهم الله عز وجل عن جعل الإنسان فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، سألوا الله تنزيه الأرض من أهل المعصية ، فاجابهم إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
وليس عند الملائكة قدرة على المعصية ، لذا حينما امتنع إبليس عن السجود لآدم علمت الملائكة أنه ليس منهم ، قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا.
ووردت آيات عديدة في الثناء على الملائكة منها لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، وقال تعالى لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وقال تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ.
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : يا جبرئيل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا ، فأنزل الله سبحانه وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ))( ).
وقد وكل الله عز وجل ملك الموت بقبض أرواح البشر بعد أن جاء بالتربة التي خلق منها آدم عليه السلام .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا : بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها , فقالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص مني ، فرجع ولم يأخذ شيئاً وقال : يا رب إنها أعاذت بك فأعذتها .
فبعث الله ميكائيل كذلك ، فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء ، وبيضاء ، وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به.
وتظهر الرواية عزم ملك الموت على إنجاز ما أمره الله تعالى به وإعطاءه الأولوية، ولكن ذلك لا يعني قصور الملائكة الذين رجعوا بسبب إستعاذة الأرض، وورد في الرواية أن أمر الله تعالى لملك الموت كان على وجه الحتم أي أن أمر الله تعالى إلى من تقدمه من الملائكة لم يكن على وجه الحتم والوجوب لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
قانون اللجوء إلى الله عز وجل
لقد خلق الله عز وجل الإنسان ضعيفاً محتاجاً لملازمة الحاجة للمكنات ، وهي وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : كل ممكن محتاج .
الصغرى : الإنسان ممكن .
النتيجة : الإنسان محتاج .
واللجوء إلى الله عز وجل في الدنيا حرز في البرزخ ، وأمن من عذاب القبر ، ومن مصاديق اللجوء إلى الله الإستعاذة به تعالى من شرور الشيطان وإغوائه.
ومن باب الشكر لله عز وجل طرد الناس إبليس من قلوبهم ومنعه من التأثير في أفعالهم وهذا الشكر منهم سبيل الدخول إلى الجنة فكيف يدخلها من لازم إبليس في حياته وجعله قريناً له في دار الإبتلاء .
فأحكام الملازمة تقتضي عجز أقرانه وجنوده من الأنس والجن عن دخول الجنة أولئك الذين لم يستطيعوا التخلي والإنفصال عنه ، وفيه دعوة للمسلمين والناس جميعاً للإستعاذة بالله من وجوه :
الأول : الإستعاذة رحمة متجددة في الأرض .
الثاني : قانون الإستعاذة بالله إحتراز .
الثالث : قانون الإستعاذة سلاح وقاية وحرز سماوي.
الرابع : الإستعاذة أدب إيماني .
الخامس : قانون حاجة الإنسان لمصاحبة الإستعاذة بالله له .
السادس : قانون الإستعاذة بالله واقية من عذاب البرزخ إذ تدخل مع صاحبها القبر ، وتشهد له دأبه على الإستعاذة بالله من شياطين الجن والإنس.
السابع : قانون الإستعاذة بالله مدخل إلى الجنة.
وقال بعض أهل العرفان في إكرام الله تعالى للمؤمن : يا عبدي قلبك بستاني وجنتي بستانك، فلما لم تبخل علي ببستانك أنزلت معرفتي فيه، فكيف أبخل ببستاني عليك أو كيف أمنعك منه .
لا أصل لقاعدة ما من عام إلا وقد خُصّ
اللفظ العام هو المستغرق لجميع أفراد الماهية والجنس مثل لفظ (الناس) (الشجر) ، أما اللفظ الخاص فهو اللفظ الدال على طائفة من أفراد الجنس .
ولم تنهض القاعدة الشائعة (ما من عام إلا وقد خص) أمام الإرادة التكوينية ، والتشريعية , فالمختار أن أفراد العام التي لم تخصص بالمليارات في كل يوم أضعاف مضاعفة للعام الذي خصص أو يخصص .
ولعل هذا القول لأول مرة ، فمن العام ما يستحيل عليه التخصيص ، ومنه ما لا يقبل التخصيص ذاتاً أو عرضاً، ومنه عظيم قدرة الله وسلطانه ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] [وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] [وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] .
وليس من أمر إلا ويرجع إلى الله ، وليس من إنسان إلا ويبعث من القبر ، وتعود الروح إلى جسده ، ويقف في مواطن يوم القيامة .
وقد ذكر الله عز وجل يومين أحدهما قوله تعالى فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، والآخر أطول وهو خمسون ضعفاً لليوم أعلاه بقوله تعالى في سورة المعارج سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
نعم يخفف يوم القيامة على المؤمنين ، ويشدد ويطول على الذين ماتوا على الكفر والنفاق ، وظلم الناس ، قال تعالى يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من عبد له مال ولا يؤدي زكاته إلا جمع يوم القيامة صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنباه وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار)( ).
وفي قوله تعالى [وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]انتفاء التخصيص والتقييد في خمس أمور في النشأتين.
[إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] [لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ] [وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ] [هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ] [لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ] [ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] ( ).
[ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ][ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ] أي كل الرعد , وكل الملائكة [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ]أي القرآن [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ].
نعم ورد التخصيص في موارد عديدة منها قوله تعالى [يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ] [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] [يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ] [يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ] [يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ].
لتذكر الآية أعلاه أمرين على نحو التخصيص , ثم تذكر أمراً يجمع الناس وهو الإنقلاب والرجوع الحتمي إلى الله عز وجل ويبدأ هذا الإنقلاب بمفارقة الروح الجسد , وكأنه من عطف العام على الخاص .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من مات قامت قيامته)( ).
قال تعالى [يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ] لبيان قانون أن الله عز وجل هو خالق العام ومخصص لأفراد منه.
وهل قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] من العام أم الخاص ، الجواب إنه من العام من جهات ، وتجد التفصيل في الجزء (264) من معالم الإيمان إن شاء الله.
قانون تعقب الجزاء لأيامك في الدنيا
جاءت آيات متعددة من القرآن تتضمن النص الصريح بأن الدنيا دار ابتلاء وامتحان ، وفيها تعب وعناء ،وليست دار قرار ورخاء ، قال تعالى إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً.
ويترتب الجزاء على النية وسنخية العمل ، قال تعالى هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
لتتجلى الحكمة في خلق الإنسان والتي جعلت الملائكة يلوذون بالإستغفار بعدما احتجوا على خلق آدم فاستدركوا وقالوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا.
ولبيان قانون وهو أن كل ما على الأرض له منافع ولو في زمان مخصوص ووجوه من الحسن تتراءى للناس جميعاً .
وكم من أمور ومظاهر في الأرض لايعبأ بها الإنسان ثم تستحدث فوائد وإستعمالات لها، كما جاءت آيات القرآن بتعيين بعض مصاديق الزينة منها الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وقال تعالى وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً.
وهل يمكن القول أن المقصود من الزينة التي في الأرض هي المقتنيات الخاصة والمصالح والمكاسب في الدنيا ، الجواب لا ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، ويكون المال والبنون بلحاظ الآية أعلاه من سورة الكهف على وجوه :
الأول : المال والبنون من الزينة التي جعلها الله على الأرض.
الثاني : إنهما من مقدمات الزينة على الأرض، وسبب لضروب مستحدثة من الزينة.
الثالث : إنهما نتيجة وفرع للزينة في الأرض، ومنه الود الذي جعله الله بين الزوجين ، قال تعالى وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً .
ومنه حب المؤمن لأداء الفرائض وانتظار وقت الصلاة اللاحقة بعد أداء الصلاة التي حل وقتها ، كانتظار صلاة الظهر عند أداء صلاة الصبح .
و(عن أبي أيوب قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟ فقلنا : نعم يا رسول الله .
قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، قال : وهو قول الله [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا] ( ) فذلكم هو الرباط في المساجد)( ).
وحب التنعم بالدنيا بواسطة سنن التقوى ، والمال والمكاسب سبب لبعث الشوق في النفس لإستدامة الحياة ، والتزود منها .
والزينة والإبتداع من أسرار الخلق، واللطف الإلهي بالإنس والجن وليتدبروا بصفات الكمال والجلال للخالق عز وجل فيزدادوا إيماناً ،وتكون هذه الزينة مناسبة لجذبهم لمنازل الهدى والإيمان فحتى السماء القريبة من الناس تجلت فيها صبغة الزينة بالأفلاك والنجوم، قال تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ.
والزينة في الأرض أعم من الأعيان الثابتة أو المتحركة، فتشمل الأعراض والآمال والرغائب ، قال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ، لبيان أن الميل النفسي والشهوة وحب المال والجاه ليست أموراً محرمة على نحو السالبة الكلية، وإلا لما زينها الله للناس، ولكن منها ما هو حلال ومحبوب، ومنها ما هو قبيح ومذموم وإن كان في ظاهره زينة.
لتكون مادة للحساب الإبتدائي في القبر ، ويوم تتطاير الصحف .
و(عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاثَ عَرَضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطَايُرُ الصُّحُفِ فِي أَيْدٍ، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ)( ).
ومعنى تطاير الصحف أي وصول صحائف الأعمال إلى أصحابها ، فيأخذها المؤمن بيمينه ، والكافر بشماله إذ يعجز عن استلامها باليمين.
ومن صيغة تلقين المحتضر (وأن ماجاء به محمد حق ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور).
وقد تتعلق الزينة بخصوص بيان قدرة الله وبديع صنعه وتجليات الحكمة والوحدانية في خلقه النفع العام والخاص.
وما يكون فيه الضرر بالذات كالأفاعي والحيوانات المفترسة، أو بالعرض كالفيضانات والزلازل إنما هو من الابتلاء والامتحان ومواعظ الجزاء ويكون الأمر الحسن زينة بالنجاة من الشئ الضار وتهيئة أسباب النجاة والوقاية منه .
فاحتراز الإنسان من الغرق والحرق والموت عطشاً من الزينة على الأرض، إذ تستلزم هذه النجاة اليومية الشكر من العباد لله عز وجل ، قال تعالى وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.
وهل انتفاع الإنسان في القبر من شكره لله عز وجل في الدنيا ، الجواب نعم ، فهذا الشكر نعمة وكنز وإدخار كريم ، وصاحب كريم.
وقوله تعالى [زُيِّنَ لِلنَّاسِ] تأكيد للابتلاء في الدنيا وأن الإنسان بذاته يميل للدنيا ومباهجها ، ويرغب فيها فجاء الأنبياء ونزلت الكتب السماوية للفصل والتمييز بين الميل الذي هو جائز شرعاً وفيه الأجر والثواب، وبين الميل القبيح في ذاته والذي يجلب على صاحبه الشقاوة في النشأتين، فهذه الشهوات زينة بذاتها.
ويكون المدار على كيفية عمل الإنسان أزاءها وفق أحكام الشريعة فتكون له زينة في الدنيا، وذخيرة في الآخرة، أو باتباع الهوى وإرادة ذات الشهوة كفاية بذاتها فتكون وبالاً عليه.
قانون الجسر على متن جهنم
من علم الغيب أهوال يوم القيامة ، وقد بيّن الله عز وجل طائفة منها في القرآن ، وجاءت السنة النبوية بتفصيل وطائفة أخرى ، وما احتفظ الله عز وجل لنفسه منها أضعاف ما اطلع عليه الإنس والجن ، ولا سبيل للنجاة منها إلا بالإيمان والتقوى ، وترك الهوى.
ويلزم الناس يوم القيامة العبور على الصراط وهو جسر على جهنم يجتازه المؤمنون بلطف ورحمة من عند الله من عرصات المحشر إلى الجنة لإدخارهم الإجتهاد في طاعة الله في الحياة الدنيا ليوم الجسر .
و(عن أبي سعيد الخُدريّ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يُؤْتَي بالجِسْرِ – يعني يوم القيامة – فَيُجْعَلُ بينَ ظَهْرِيْ جَهَنَّمَ ، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ .
قال: مَدحَضَةٌ مزَلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطاطِيفُ وكَلالِيبُ وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفاء تكُونُ بِنَجْدٍ، يُقالُ لَهَا السَّعْدانُ، يَمُرُّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْها كالطَّرفِ والبَرْقِ وكالرِّيحِ، وكأجاوِدِ الخَيْلِ والرِّكاب، فَناجٍ مُسْلِمٌ، ومَخْدُوشٌ مُسْلِمٌ، ومَكْدُوسٌ في جَهَنَّم، ثُمَّ يَمُرُّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبا.
فَمَا أنْتُمْ بأشدّ مُناشَدَةً لي في الحَقِّ قَد تَبَيَّنَ لَكْمْ، مِنَ المُؤْمِنِينَ يَومَئذٍ للجبَّارِ تَبارَك وَتَعالى، إذَا رأوْهُمْ قَدْ نَجَوْا وَبَقي إخْوانُهُم)( ).
وعن معاذ بن جبل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته وأن يهلك فيما يهوى .
يا معاذ إن المؤمن لا تسكن روعته ولا اضطرابه حتى يخلف الجسر( ) وراء ظهره .
فالقرآن دليله والخوف محجته ، والشوق مطيته ، والصلاة كهفه والصوم جنته والصدقة فكاكه والصدق أميره والحياء وزيره .
وربه من وراء ذلك بالمرصاد يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه .
يا معاذ إني أحب لك ما أحب لنفسي وأنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل فلا ألفيتك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاه الله منك ( ).
ولا يختص هذا الحديث بمعاذ بل يشمل كل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة ، قال تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.
وهل يتحد الجزاء مع العمل في ذات السنخية أم لا .
الجواب الإتحاد في الماهية والجنس، فان كان العمل خيراً وصلاحاً، فيكون الثواب خيراً وفلاحاً يضاعف الأجر والثواب ، وإن كان العمل شراً فيكون الجزاء عقاباً .
وفي ذم الذين يصرون على الكفر والطغيان وشدة عذابهم يوم القيامة ورد قوله تعالى جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا* وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا.
ولبيان أن الذي يريد الدنيا ويطغى ويتكبر فيها يستدرجه الله بالتمتع بالدنيا ، ويكون هذا التمتع وزراً ثقيلاً عليه في عالم البرزخ إذا كان في معصية الله .
و(عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدنيا سجن المؤمن وسننه ، فإذا خرج من الدنيا فارق السجن والسنة)( ).
بحث بلاغي في ثواب الآخرة
من المحسنات اللفظية في علم البديع: الإئتلاف والملائمة وحسن التنسيق بين اللفظين المتجاورين ، ومنها ملائمة اللفظ لذات المعنى الموضوع له في أصل اللغة أو الذي انتقل له بقرينة ووجه تشابه وهو الذي يسمى المجاز ، وإذا كان المعنى رقيقاً اختير له لفظ رقيق ، وإذا كان جزلاً وضعت له ألفاظ جزلة .
وكذا بالنسبة لغرابة المعنى أو تصغيره أو ألفاظ الوعيد والمدح والهجاء أو الحب والبغض .
ويأتي اللفظ المتداول في المعنى والموضوع المتداول والمعروف عند الناس مثل [وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
ومع التباين بين الدنيا والآخرة وأن الأولى قصير أمدها سريع زوالها ، يمر عليها الجيل من الناس ويتداخل معه الجيل والطبقة التالية إلى أن ينقطع الجيل الأول ثم يأتي التالي يتداخل مع الثاني .
وهو من أسرار خلافة الإنسان في الأرض، وعمارته لها بالعبادة ،إلى أن يأتي جيل تأتيه الساعة بغتة وفجاًٍة وهم في أعمالهم اليومية .
و(عن ابن مسعود قال : يأتي على الناس زمان يأتي الرجل القبر فيضطجع عليه ، فيقول : يا ليتني مكان صاحبه ، ما به حب لقاء الله إلا لما يرى من شدة البلاء)( ).
أما الدار الآخرة فهي دار الحساب والجزاء بغير عمل وهي دار الخلد ، وليس من تعاقب في حضور الناس يوم القيامة بل يبعثون من القبور مرة واحدة ، وهل هو من أسرار سعة وكبر مساحة الأرض بالنسبة للمدن والقرى منها .
الجواب نعم ، فالقسم المعمور من الأرض أقل نسبة وهو واحد من عشرة آلاف من مجموع مساحة الأرض والبحار تقريباً ويقدر بعضهم عمارة الإنسان لها قبل ستة ملايين سنة وأن مجموع الذين عمروها نحو أربعة بلايين مما يدل على أنه لو إجتمع الناس جميعاً مرة واحدة تكفيهم في وقوفهم للحساب ، الجواب ، والأمر صحيح في التصور الذهني ، وعند الله عز وجل المزيد من الفضل والآيات .
فمساحات الصحراء الشاسعة والجبال والبحار التي على مد البصر تكفي لأجيال الناس في آلاف السنين عند إجتماعهم مرة واحدة ، ولكن لا تكون هناك هذه الأرض يوم القيامة إلا أن يشاء الله ، قال تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
و(عن أبي أيوب الأنصاري قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم حبر من اليهود وقال : أرأيت إذ يقول الله [يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ فأين الخلق عند ذلك ، قال : أضياف الله ، لن يعجزهم ما لديه)( ).
اتصال نعمة الجزاء
في الجمع بين خاتمتي آيتين متجاورتين وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، وقوله تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ مسائل :
الأولى : لم يرد في القرآن لفظ (وسيجزي) إلا في الآية أعلاه ، ولا لفظ (سنجزي) إلا في الآية الثانية أعلاه .
الثانية : مع إضافة حرف العطف الواو في الآيتين (وسيجزي) (وسنجزي) فهو زيادة في إنفراد الآيتين بمضمون مخصوص يدل على وجود دلالات خاصة لكل منهما.
الثالثة : مجئ الوعد الكريم بالجزاء لخصوص الشاكرين في آيتين متعاقبتين.
الرابعة : هاتان الآيتان أولى الآيات في نظم القرآن اللائي يرد فيها لفظ الشاكرين من مجموع تسع مرات في القرآن، إذ ورد اللفظ الثالث حسب ترتيب سور القرآن في المصحف في سورة الأنعام .
الخامسة : تعلق موضوع الآيتين بالزجر عن الإنقلاب والإرتداد بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومغادرته الدنيا بعد رسالته للناس جميعاً وإمامته للمسلمين في العبادات والمعاملات وسوح الدفاع.
فليس من موضوع إلا وشخصه الكريم وسننه حاضران باشراقة مباركة فيه يجذبان الناس طوعاً وقهراً إلى التدبر والإقتداء بها والإستزادة منها ، وهو من نعمة الله عز وجل بأن جعل هذا الحضور المستغرق للوقائع والأحداث مرآة لأحكام القرآن في الحلال والحرام، ومصداقاً لقوله تعالى[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ( ).
السادسة : من مصاديق جزاء الشاكرين عند الموت وفي القبر وجوه :
الأول : اليسر والسهولة في قبض روح المؤمن الشاكر لله عز وجل .
الثاني : قانون عناية ورأفة ملك الموت بالشاكرين الله .
الثالث : السعة في القبر .
الرابع : الأمن من الفزع من منكر ونكير .
الخامس : قانون تخفيف منكر ونكير المساءلة عن الشاكرين .
السابعة : بيان قانون كلي وهو: لا يقدر على جزاء الشاكرين لله عز وجل والثناء عليهم وإثابتهم إلا الله عز وجل ، لذا أختتمت الآية بصيغة المتكلم ولغة الجمع التي تدل على إحاطة الله عز وجل بالموجودات كلها وأنه الذي يهب العطايا العظيمة التي لا تخطر على بال أحد، وعندما احتجت الملائكة على جعل آدم عليه السلام خليفة في الأرض تفضل الله عز وجل وأخبرهم بانفراده بالعلم المطلق الذي لا تدرك معشاره الخلائق إذ رد عليهم[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن علم الله عز وجل قبض أرواح البشر ، ودخولهم القبور لتبدأ عملية الحساب والجزاء ، فالذي يفسد في الأرض والذي يقتل ويسفك الدماء ويعتدي على الآخرين سيواجهه منكر ونكير بسوء عمله حالماً يدخل القبر .
لتكون هذه المواجهة مقدمة ووعيداً للحساب والعقاب يوم القيامة.
فمن مصاديق إجابة الله للملائكة إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وجوه:
الأول : قبض أحد الملائكة أرواح بني آدم وهو عزرائيل ملك الموت .
الثاني : دخول الملكين منكر ونكير القبر على الميت .
الثالث : صيرورة قبر المؤمن الذي عمل الصالحات روضة من رياض الجنة ، أما قبر الذي اختار الكفر والفساد والظلم فانه يكون حفرة من حفر النار ، ويحضر الملائكة مواطن الحساب يوم القيامة ، ومنهم الذين يشهدون على بني آدم ، قال تعالى جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ.
وتفضل الله سبحانه بالبرهان الحاضر بأن علم آدم الأسماء كلها، فلاذوا بالتسبيح والتهليل قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا، لتتجلى مصاديق من علم الله عز وجل من وجوه :
الأول : ثبات المسلمين في مقامات الإيمان بعد مغادرة الخليفة والرسول من الدنيا.
الثاني : تلقي المسلمين الإنذار من الإنقلاب بتعاهد خصال الإيمان.
الثالث : بقاء الإنذار الوارد إلى يوم القيامة، وهذا البقاء بالذات والرسم الحرفي والتلاوة والتوجه موضوعاً وحكماً إلى الأجيال المتعاقبة من المسلمين.
الرابع : قانون إقرار المسلمين في كل زمان ومن أيام أبينا آدم بأن المعاد حق.
الخامس : قانون مصاحبة الندم للظالمين من حين قتل قابيل بن آدم لأخيه هابيل ، وتدل عليه صيغة الجمع في قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، مع أنه أول من سنّ القتل في الأرض.
السادس : هداية الله عز وجل الناس إلى سبل التوبة .
إخبار النبي (ص) عن المغيبات
الغيب هو ماغيّبه وأخفاه الله عز وجل عن عباده ، وأثنى الله على الذين يؤمنون به ، قال تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ لإختصاص الله سبحانه بعلوم الغيب ، وتعجز عقول البشر والخلائق عن الإحاطة بها ، ومنها عالم الأكوان والأفلاك ، وسكرات الموت ، والتباين بين الناس فيها بلحاظ الإيمان والكفر ، قال تعالى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.
والمحن التي تواجه الإنسان في القبر والبعث من القبر وكثرة وطول مدة مواطن يوم القيامة والملائكة وكثرتهم وهيئاتهم العجيبة ، ووظائفهم.
ومن علم الغيب ما في الحياة الدنيا ، ولا يعلم الإنسان ما في غد ، وقال تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
ومن الغيب القصص والوقائع التي جرت على الناس في الأمم السالفة إلا ما أخبرت به الكتب السماوية ، وما ذكره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما أطلعه الله عز وجل عليه ، وأذن له بالإخبار عنه ، قال تعالى تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
ومن علوم الغيب أن عدد الأنبياء هو مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً بينما يذكر القرآن خمسة وعشرين منهم لتكون قصصهم مرآة لسيرة الأنبياء الآخرون .
إلى جانب ما أخبر عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض قصص الأنبياء غيرهم كما بيّن جوانب من أهوال القبر ، وأسباب الفزع منها ولزوم التهيئ والإستعداد لها بالتقوى.
ويمكن تقسيم الإخبار عن المغيبات إلى شعبتين :
الأولى : علم الغيب في أمور الحياة الدنيا، وينقسم إلى وجوه :
الأول : قصص الأنبياء السابقين في القرآن ، وورد قوله تعالىذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، ومنه قصة عيسى ابن مريم ونبي الله يوسف عليهما السلام.
الثاني : علم الغيب في قصص الأمم السابقة وأخبار الصالحين للإتعاظ والتدبر .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان رجل في بني إسرائيل يقال له جريج يصلي إذ جاءته أمه فدعته فقال أجيبها أو أصلي ، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات .
وكان جريج في صومعة فعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقيل لها ممن.
قالت : من جريج فأتوه وكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه ،فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام ، قال: فلان الراعى ، قالوا: أنبني صومعتك من ذهب ، قال: لا إلا من طين)( ).
الثالث : أخبار الوقائع الطارئة والقريبة في زمانها ، ومنها هلاك الظالمين وأخبار الأنبياء السابقين وبيان جهادهم لتكون السنة النبوية سبيل هداية للإقتداء بمناهج الأنبياء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أفضل الصيام صيام داود.
وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكون فيها، وكانت له ركعة من الليل يبكى فيها نفسه ويبكى ببكائه كل شئ ويصرف بصوته المهموم والمحموم)( ).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا هلك كُسْرَى فلاَ كُسْرَى بَعْدَهُ ، وإذَا هلك قَيْصَرُ فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ والَّذِي نَفْسِي بِيِدِهِ لَتُنْفِقنّ كُنُزهمَا فِي سبيل اللَّه عزَّوَجلَّ) ( ).
وكان كسرى قد مزّق كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أرسله بيد عبد الله بن حذافة فسأل النبي الله عز وجل أن يمزق ملكه.
الرابع : أنباء الحوادث من الأماكن الأخرى التي لا يصل الخبر عنها إلا بعد يوم أو أيام، فيخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وقوع الحدث ثم ترد الأخبار بوقوعه في ذات التأريخ كموت ملك , وأخبر النبي أصحابه عن قتلى بدر ومواضعهم عشية معركة بدر .
(إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا مصرع عتبة ، وذلك مصرع شيبة ، وذاك مصرع الوليد)( ).
الخامس : بيان أسرار من عالم الخلق والإيجاد، وهذا البيان من فضل الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : طائفة من أخبار الملائكة وخلقهم ، وإنكشاف الحجب وأسرار ليلة الإسراء ، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجن من مارج من نار ، وخلق آدم كما وصف لكم( ).
الثانية : علم الغيب فيما يخص عالم الآخرة وأهوالها، وإخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنه مرآة لآيات القرآن وتفسير لها وفيه وجوه:
الأول : ساعة احتضار الميت ، وحضور الملائكة ، ملائكة الرحمة وملائكة العذاب .
الثاني : أسرار عالم البرزخ ،وكيف أنه على أقسام.
الثالث : مواطن الحساب يوم القيامة.
الرابع : شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة ، وفي البشارة الأخروية للمؤمنين , قال تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وفيها نصوص متواترة ومستفيضة منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام (إن اناسا من بني هاشم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه
أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله للعاملين عليها فنحن أولى به .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولالكم، ولكني وعدت الشفاعة، ثم قال: والله أشهد أنه قد وعدها ، فما ظنكم يا بني عبد المطلب إذا أخذت بحلقة الباب، أتروني مؤثرا عليكم غيركم .
ثم قال : إن الجن والانس يجلسون يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا طال بهم الموقف طلبوا الشفاعة فيقولون : إلى من .
فيأتون نوحا فيسألونه الشفاعة.
فقال : هيهات قد رفعت حاجتي .
فيقولون : إلى من إلى إبراهيم فيأتون إلى إبراهيم فيسألونه الشفاعة فيقول : هيهات قدر رفعت حاجتي، فيقولون: إلى من .
فيقال: ايتوا موسى، فيأتونه فيسألونه الشفاعة، فيقول: هيهات قد رفعت حاجتي ، فيقولون : إلى من .
فيقال: ايتوا محمدا، فيأتونه فيسألونه الشفاعة فيقوم مدلا حتى يأتي باب الجنة فيأخذ بحلقة الباب ثم يقرعه فيقال: من هذا .
فيقول: أحمد ، فيرحبون ويفتحون الباب، فإذا نظر إلى الجنة خر ساجدا يمجد ربه بالعظمة ، فيأتيه ملك .
فيقول : ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع ، فيرفع رأسه فيدخل من باب الجنة فيخر ساجدا ويمجد ربه ويعظمه .
فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فيقوم فما يسأل شيئا إلا أعطاه إياه)( ).
و(عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن ، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم عليه السلام .
فيقول : لَسْتُ بصاحب ذلك ، ثم موسى عليه السلام فيقول : كذلك ، ثم محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع ، فيقضي الله بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة ، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم)( ).
و(عن جندب : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى : إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً .
وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن مسعود قال : إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً ، وإن صاحبكم خليل الله ، وإن محمداً سيد بني آدم يوم القيامة . ثم قرأ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ))( ).
الخامس : أحوال أهل الجنان والنعيم الذي هم فيه خالدون.
السادس : شقاء وشدة بؤس أهل النار.
وكلما كان الإخبار عن أمر قريب في أوانه يكون التحدي أعظم والآية جلية ، فلم يلبث المسلمون أن ساروا إلى مكة ليتم فتحها سلماً بعد ثلاث سنوات من يوم الأحزاب .
وقد اختلف العلماء في فتح مكة في العاشر من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة على قولين :
الأول : فتحت مكة عنوة .
الثاني : فتحت مكة صلحاً .
والمختار أنها فتحت سلماً ، وليس من قتال يعتد به يومئذ ، ولا طرف آخر يقع الصلح بينه وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أن أكثر أهل مكة يومئذ مسلمون.
وهل يبقى تمني الموت بعد معركة أحد أمراً مشروعاً أم أن القدر المتيقن هو بخصوص أوان نزول الآية وشدة الحرج على المسلمين يومئذ بكثرة جنود الكفار وسوء نواياهم وإرادتهم قتل النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم وأصحابه.
الجواب هو الثاني ، كما ورد النهي عن تمني الموت .
قانون التذكير بالموت
يكثر القرآن من التذكير بالموت , لدعوة الناس للإستعداد له , ومن ضروب التهيء للموت الصلاح والتوبة وإجتناب التعدي والظلم.
لقد ورد قوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ )( )مواساة متقدمة للمسلمين على وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليكون أول من نعاه ورثاه هو الله عز وجل ، وتفضل وأخبر المسلمين بموته قبل أن يغادر الدنيا .
لقد توفى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة وفيه مسائل :
الأولى : من منافع إخبار القرآن عن حتمية وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون منع الغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : التذكير بالموت وجريانه على كل إنسان .
الثالثة : إذا كان البني محمد صلى الله عليه وآله وسلم يموت فلابد أن كل مسلم يموت .
الرابعة : قانون الشهادة القرآنية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة من عند الله عز وجل .
الخامسة : قانون عصمة المسلمين من الإرتداد في أشق الأحوال .
السادسة : البشارة بخيبة وخسران المرتدين ، ومنهم الذين ادعوا النبوة مثل مسيلمة الكذاب والأسود العنسي ، وسجاح ونصرتهم طوائف من قومهم ، ومن الذين منعوا الزكاة .
السابعة : العاقبة الحميدة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفوزه بالشفاعة العظمى يوم القيامة .
و(عن عائشة ، قالت : اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغادر منهن امرأة ، فجاءت فاطمة تمشي ، ما تخطئ مشيتها مشية أبيها .
فقال : مرحبا بابنتي فأقعدها عن يمينه أو عن شماله ، فسارها بشيء فبكت ، ثم سارها فضحكت.
فقلت لها : خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسر وتبكين فلما قامت( ) ، قلت لها أخبريني بما سارك ، قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره .
فلما توفي قلت لها : أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني بما سارك فقالت : أما الآن فنعم قالت : سارني.
فقال : إن جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة ، وإنه عارضني العام مرتين ، ولا أرى ذلك إلا عند اقتراب أجلي . فاتقي الله واصبري فنعم السلف أنا لك فبكيت.
ثم سارني فقال : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة يعني فضحكت)( ).
ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين عليهما السلام فقبلهما وأوصى بهما خيراً وفيه دعوة وتوصية نبوية لتعاهد بيعة الحسن عليه السلام وحرمة دس السم له ، وحرمة قتل الحسين وأهل بيته وأصحابه في كربلاء في العاشر من محرم الحرام من السنة الستين للهجرة النبوية الشريفة.
وقد وعظ وذكرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أزواجه.
و(عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلاَمُ وَاكَرْبَ أَبَاهُ ، فَقَالَ لَهَا : لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ .
فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهْ ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ . فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلاَمُ يَا أَنَسُ : أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التُّرَابَ)( ).
لتفتقد برحيله إلى الرفيق الأعلى أمور :
الأول : التنزيل ، إذ ينقطع نزول آيات القرآن إلى يوم القيامة ، وليس من كتاب آخر غير القرآن ينزل بعده فهو خاتم الكتب السماوية .
الثاني : إنقطاع الوحي ، فلا ينزل الملك بصفة وحي النبوة ، وبين الوحي والقرآن عموم وخصوص مطلق , فكل قرآن هو وحي وليس العكس .
لقد كانت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبباَ للحزن المركب والأسى .
الثالث : فقد شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والحرمان من طلعته البهية.
الرابع : فوات نعمة إستغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس , قال تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
الخامس : إنقطاع الحديث النبوي , والسنة النبوية القولية والفعلية , والتي هي من الوحي , قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.
ليجتهد المسلمون في تعاهد آيات القرآن ، والعمل بأحكامها ، وتوثيق السنة النبوية والسعي للأمن في عالم البرزخ الذي حذر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من فتنته وعذابه ، والعمل للفوز بشفاعته يوم الورود.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا تبع جنازة علاه كرب ، وأقل الكلام ، وأكثر حديث نفسه)( ).
وحديث نفسه هو التسبيح والذكر والإستغفار وتلاوة القرآن.
وعن عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ)( ).
قانون سفر الموت
يبعث تعاقب الجديدان الليل والنهار والتدبر والتفكر فيهما على الإيمان والإستسلام للقضاء والقدر ، وإدراك كنه الدنيا وأنها إلى زوال وإنقضاء ، وكلما يمر يوم على الإنسان فيها فانه يقرب الأجل ، ولا يعود هذا اليوم إلى يوم القيامة ليحضر عرصات الحساس ويكون هو وليلته شاهداً على الذين عاشوا فيه كباراً وصغاراً ، رجالاً ونساء
وهل تحضر أيام حياة الإنسان في عالم البرزخ وعند حساب منكر ونكير ، الجواب لا دليل عليه ، والأصل عدم الحضور لأن القدر المتيقن هو حضور عمل الإنسان معه .
وقد يأتي تذكر الموت بالقول أو الفعل أو بهما معاً كما ورد (عن سفيان بن عيينة قال: رأى الزهري علي بن الحسين عليه السلام ليلة باردة مطيرة، وعلى ظهره دقيق وهو يمشي .
فقال: يا بن رسول الله ما هذا ؟ قال: اريد سفرا أعد له زادا أحمله إلى موضع حريز .
فقال الزهري: فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى، قال: أنا أحمله عنك فأني أرفعك عن حمله فقال علي بن الحسين: لكني لا أرفع نفسي عما ينجيني في سفري، ويحسن ورودي على ما أرد عليه، أسألك بحق الله لما مضيت لحاجتك وتركتني، فانصرف عنه .
فلما كان بعد أيام قال له: يا ابن رسول الله لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثرا.
قال : بلى يا زهري ليس ما ظننت، ولكنه الموت وله أستعد، إنما الاستعداد للموت تجنب الحرام وبذل الندى في الخير)( ).
وقد لا يحصي الإنسان عدد المرات التي سافر فيها إلى مسافة شرعية وبلدان أخرى ، ولا الأيام التي قضاها في سفر ، ويتنقل في الأمصار ثم يعود سالماً ، ليزوره سفر الموت مرة واحدة ، فيتخطفه من بين أهله وأحبته ، فالإنسان يزور البلدان والقرى والأمصار في سفره طوعاً وإختياراً وسياحة.
أما الموت فهو الذي يحل بداره ليأخذه إلى عالم مجهول ، وقبر مظلم وموحش لا يصاحبه فيه إلا عمله ، ومنه أسفاره في الدنيا وما عمل فيها ، لذا تجب المحافظة على الصلاة في أوقاتها ، وقد خفف الله عز وجل عن المسافر بالصلاة القصر ، ركعتين بدل اربع ركعات في كل صلاة من صلاة الظهر والعصر والعشاء .
ليكون من معاني وتقدير قوله تعالى حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ، على وجوه :
الأول : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى لتنفعكم بعد الموت .
الثاني : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى كل يوم لأنها عمل عبادي يدخل معكم إلى القبر .
الثالث : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الرابع : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فهي وما فيها من تلاوة القرآن واقية من عذاب البرزخ .
الخامس : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، فان الله يحب الذين يحافظون عليها ، ومن يحبه الله يصرف عنه عذاب القبر .
ومع قلة كلمات آية [حَافِظُوا ..] أعلاه فقد وردت فيها كلمات لم ترد في غيرها من آيات القرآن وهي [حَافِظُوا] و [الصَّلَوَاتِ] و[الْوُسْطَى] و[قُومُوا] و [قَانِتِينَ ] لبيان أن كلمات الآية باستثناء اسم الجلالة لم ترد في آية أخرى من القرآن .
(فيما كتب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن أبي بكر : عباد الله إن الموت ليس منه فوت فاحذروا قبل وقوعه وأعدوا له عدته، فإنكم طرد الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم، الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوي خلفكم .
فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، وكفى بالموت واعظا، وكان رسول الله صلى الله عليه واله كثيرا ما يوصي أصحابه بذكر الموت فيقول: أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات، حائل بينكم وبين الشهوات)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله: قال الله عزوجل: ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في موت عبدي المؤمن إنني لاحب لقاءه ويكره الموت، فأصرفه عنه، وإنه ليدعوني، فاجيبه، وإنه ليسألني فاعطيه، ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن لاستغنيت به عن جميع خلقي، ولجعلت له من إيمانه انسا لا يستوحش إلى أحد)( ).
ولله المشيئة المطلقة ، ولكن الحديث مصداق لقوله تعالى يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، وتفضل الله عز وجل في المد والإرجاء في عمر المؤمن للزيادة من عمله الصالحات ، وكذا دفع الأجل عن الذي يعلم الله بتوبته لاحقاً ، إن ذكر الإنسان الموت وتجرع مرارة كأسه والإنتقال بحلول الأجل إلى عالم الحساب كاف لزجر الإنسان عن المعاصي .
قانون ذكر الموت رادع عن المعاصي
لقد جعل الله عز وجل العقل ميزاناً عند الإنسان ، ورزقه التفكر في الأمور وعواقبها ، ويختلف الناس في مراتب التفكر وموضوعه ، وما يترشح عنه ، ويأتي تذكر الموت ليكون برزخاً دون تسخير ملكة التفكر في المسائل البسيطة ، والأمور اليومية لأنه يجعل الإنسان يعرف قدره .
وعن أبي جعفر عليه السلام قال (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي المؤمنين أكْيَس .
قال : أَكْثَرُهُم ذِكْراً لِلْمَوتِ وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَاداً)( ).
لبيان أن ذكر الموت مطلوب بذاته ، ولأن هذا الذكر تحصين للنفس والجوارح ومنعها من فعل المعصية ، للتسليم بعالم الحساب ، والمراد من الكيس هو الفطن الذي يحسن تدبير أموره ، ويستحضر العواقب ، ويمتنع عن اتباع الهوى .
ومن الإعجاز في الحديث النبوي أعلاه وجوه :
الأول : بيان مراتب الإيمان ، وأن المؤمنين في الكياسة والفطنة على مراتب متفاوتة ، وكذا بالنسبة لعامة الناس ، ولكن المؤمنين ارتقوا باختيار الإيمان بالله وطاعته .
الثاني : سمو مرتبة الذي يكثر من ذكر الموت ويستحضره عند إتيان العقل ، فيقدم على الصالحات ، ويجتنب السيئات ، ولا تغره الدنيا واللهث وراء زينتها .
الثالث : استحباب الإكثار من الموت ، وحتمية مغادرة الدنيا ، وهو مادة وسبيل للإنزجار عن إرتكاب الذنوب .
الرابع : قانون الإستعداد لما بعد الموت ، إذ يتضمن هذا الحديث دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين والناس جميعاً للإستعداد للمساءلة في القبر وأهوال يوم القيامة ، وهذه الدعوة من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
قانون الغائب المنتظر
هذا العنوان وصف للموت على لسان الإمام علي عليه السلام ، إذ قال (إنا بالله عائذون عباد الله أين الذين عمروا فنعموا وعلموا ففهموا وأنظروا فلهوا الاحتشاد. ومهل البقية . وأنف المشية. وإنظار التوبة وانفساح الحوبة قبل الضنك والمضيق . والروع والزهوق وقبل قدوم
الغائب المنتظر وأخذة العزيز المقتدر)( ).
وتسمية الموت بالغائب له معاني ودلالات منها :
الأول : قانون عدم رؤية الموت مع أنه أمر وجودي :
الثاني : قانون عدم زيارة الموت الإنسان إلا مرة واحدة ، وهل زيارة الموت على الإنسان هي أشد زيارة ، المختار نعم .
الثالث : إنشغال الإنسان بالدنيا وأمورها ، والجد في الأعمال والمهن فلا يذكر الموت إلا عرضاً .
الرابع : قانون غياب الموت تخفيف ورحمة ، إذ جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار العمل والكسب مع بعث الناس على ذكر الموت .
الخامس : ذكر الموت ليس مانعاً من بقائه غائباً مما حولنا .
وتسمية الموت المنتظر أي لابد من حضوره ونحن ننتظره ، قال تعالى وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ولابد من ورود حياض الموت .
وفيه دعوة عامة لإستحضار ذكر الموت ، مع الدعاء بخصوصه مثل :
الأول : رجاء إرجاء الموت .
الثاني : تخفيف سكرات الموت .
الثالث : الموت بين الأهل والأحبة .
الرابع : الإستغفار والإنابة قبل الموت ، قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
الخامس : قانون الإقرار بحتمية مجئ الموت .
ولو استثنى الله عز وجل أحداً من الناس من الموت لاستثنى الأنبياء سادة البشر ، كما يأتي الموت أيضاً على الملائكة بما فيهم ملك الموت ، وفي التنزيل كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
قانون مطرقة منكر ونكير
يدخل ملكا المساءلة والحساب الإبتدائي منكر ونكير قبر الميت بآية من عند الله عز وجل ، إذ ينكشف لهما القبر ، وتعاد الروح إلى الميت إلى حقويه (أي معقد الأزار) والحقو : الخصر ، ومنتصف الإنسان.
وفي يد كل من الملكين مطرقة ثقيلة لو اجتمع آلاف من البشر لا يستطيعون تحريكها ورفعها .
وهل حملهما لهاتين المطرقتين خاص بمساءلة المشرك والمنافق ، الجواب لا ، إذ أنهما مصاحبتان لهما عند الدخول في كل قبر ، إلى جانب شدة أصواتهما مما يبعث الرعب في قلب الميت ويربكه ، ولكن الله عز وجل يتفضل بتثبيت المسلمين بكلمات الإيمان ، وحتى الكافر فانه مع خوفه وفزعه فلا يجيب الملكين إلا بما كان يظنه في الدنيا ، وهو من مصاديق قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.
وفي حديث تميم الدارمي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قال : ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف ، وأصواتهما كالرعد القاصف ، وأنيابهما كالصياصي( ).
وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين مَنْكِب كل واحد مسيرة كذا وكذا، وقد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يُقلّوها .
قال: فيقولان له : اجلس ، قال : فيجلس فيستوي جالسا .
قال : وتقع أكفانه في حقويه . قال : فيقولان له: من ربك .
وما دينك ، ومن نبيك .
قال : قالوا : يا رسول الله، ومن يطيق الكلام عند ذلك، وأنت تصف من المَلَكَين ما تصف .
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلميُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
قال : فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة، ونبيي محمد خاتم النبيين”.
قال: “فيقولان: صدقت”. قال: فيدفعان القبر، فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعا، وعن يمينه أربعين ذراعا، وعن شماله أربعين ذراعا، ومن خلفه أربعين ذراعا، ومن عند رأسه أربعين ذراعا، ومن عند رجليه أربعين ذراعا .
قال : فيوسعان له مائتي ذراع .
قال البرساني: فأحسبه: وأربعين ذراعا تحاط به .
قال: ثم يقولان له: انظر فوقك، فإذا باب مفتوح إلى الجنة .
قال : فيقولان له: وليَّ الله، هذا منزلك إذ أطعت الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفس محمد بيده إنه يصل إلى قلبه عند ذلك فرحة، ولا ترتد أبدًا، ثم يقال له : انظر تحتك.
قال: “فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار قال : فيقولان : ولي الله نجوت آخر ما عليك .
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا)( ) وهو من مصاديق قوله تعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا.
ويحتاج كل إنسان ساعتئذ رحمة الله فتنزل على المؤمنين، فلا ينجي الإنسان من مطرقة منكر ونكير إلا الإيمان والإستقامة ، ومغادرة الدنيا على كلمة التوحيد .
ويسأل منكر ونكير الكافر والمنافق عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من التوحيد ووجوب عبادة الله ، وفي حديث قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وَأَمَّا الْكَافِرُ – أَوِ الْمُنَافِقُ – فَيَقُولُ لاَ أَدْرِى ، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ .
فَيُقَالُ لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ . ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ)( ).
والترديد بين الكافر والمنافق إنما ورد من جهة أحد رجال السند ، وفي رواية عبد الأعلى عن سعيد يرفعه (وأما الكافر والمنافق فيقول لا أدري)( ).
النسبة بين الآخرة ويوم القيامة
النسبة بين الآخرة ويوم القيامة عموم وخصوص مطلق ، فيوم القيامة جزء وشطر من الآخرة التي تبدأ من حين دخول الميت القبر ، فتشمل الآخرة كلاً من :
الأول : الممات وقبض الروح ، قال أبو مسعود : رجل (أَمَرَ أَهْلَهُ إِذَا مَاتَ أَنْ يُحَرِّقُوهُ ثُمَّ يَطْحَنُوهُ ثُمَّ يُذَرُّونَهُ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ فَجُمِعَ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ لَهُ مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا .
قَالَ يَا رَبِّ لَمْ يَكُنْ عَبْدٌ أَعْصَى لَكَ مِنِّي فَرَجَوْتُ أَنْ أَنْجُوَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي فَغُفِرَ لَهُ .
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)( ).
الثاني : عالم البرزخ .
الثالث : البعث من القبور .
الرابع : مواطن يوم القيامة وكثرتها ومنها الحوض ، والحساب ، والميزان ، والصراط.
الخامس : السوق إلى الجنة أو النار ، قال تعالى وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ.
وذات النسبة بين الآخرة واليوم الآخر , فالآخرة أعم .
و(عن البراء بن عازب قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في يده كتاب ينظر فيه قال : انظروا إليه كيف ، وهو أمي لا يقرأ ، قال : فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال : هذا كتاب من رب العالمين ، بأسماء أهل الجنة ، وأسماء آبائهم ، وقبائلهم ، لا يزاد فيهم ، ولا ينقص منهم ، وقال [فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] ( ) فرغ ربكم من أعمال العباد)( ).
وورد مثله عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( ).
ويحتمل قيام الناس يوم القيامة وجوهاً :
الأول : قيام الناس طواعية .
الثاني : قيام الناس فزعاً لامتلاء نفوسهم بالرعب .
الثالث : الإرادة العامة لمعرفة المصير ، هل هو إلى الجنة أم إلى النار.
الرابع : قيام الناس إضطراراً بمشيئة من الله عز وجل ، لا يقدر أحدهم على الجلوس .
الخامس : إرادة القيام الغالب ، وأنهم يجلسون أحياناً .
والمختار هو الرابع أعلاه ، ويكون الوجه الثاني في طوله.
وهل يكون عناء وتعب الناس يومئذ بمرتبة واحدة ، الجواب لا ، إذ يخفف الله عز وجل عن المؤمنين ، ويدفع عنهم العناء والأذى يومئذ ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وقال تعالى أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
والنسبة بين أولياء الله والمؤمنين هي العموم والخصوص المطلق ، فالأولياء أعلى مرتبة ، والمؤمنون أكثر وكذا الذين ينجون من الخوف والحزن يوم القيامة ، ولم ترد صفة (أولياء الله) في القرآن إلا مرة واحدة بينما ورد قوله تعالى [لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ] اثنتي عشرة مرة لبيان فضل الله في قبول القليل من العمل الصالح ، ومضاعفته ونمائه ، ورحمته في قبول شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومع أن الاسم غير المسمى فان تسمية يوم القيامة له دلالات عقائدية ، منها البشارة للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، والوعيد للذين غادروا ويغادرون الدنيا على الكفر والجحود .
وتفضل الله عز وجل بذكر يوم القيامة سبعين مرة في القرآن مع موضوعية سياق وموضوع الآية التي يرد فيها هذا الاسم المبارك ، ولا يعلم كثرة انتفاع المسلمين من هذا الاسم ، وصيرورته سبباً للصلاح والسعي للفوز بالبشارات التي نزل بها القرآن وتضمنتها السنة النبوية في خصوصه إلا الله عز وجل .
بين صراط الدنيا وصراط الآخرة
من مصاديق جعل الحياة الدنيا دار امتحان وإبتلاء قانون تعدد وكثرة سبل الرحمة التي تتغشى الناس فيها ، والإنارة التي تعبد طريق الهداية والرشاد ، وأسباب حجب سبل الغواية والضلالة فيها .
لذا يتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة وعلى نحو الوجوب العيني قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، وفي هذه التلاوة تفقه في الدين لما تتضمنه من التمايز والتضاد بين الهداية والضلالة .
والصراط على قسمين :
القسم الأول : الصراط المستقيم في الدنيا
ومع أن كل صراط في عالم غير الذي فيه الثاني ، فان هناك نوع ملازمة ، ومن مصاديق [الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] في الدنيا وجوه :
الأول : أنه كتاب الله، وهو المروي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن الإمام علي عليه السلام وعبد الله بن مسعود .
وبالإسناد عن الحارث الأعور عن الأمام علي بن ابي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الصراط المستقيم كتاب الله عز وجل( ).
الثاني : الإسلام، وهو المروي عن جابر وابن عباس.
الثالث : دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، وهو المروي عن محمد بن الإمام علي.
الرابع : سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنهاجه واهل بيته على جادة الحق والشريعة، وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام في الآية انه قال: صراط محمد واهل بيته).
الخامس : حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومودة اهل بيته التي وردت بنص القرآن الكريم فهي سبيل هداية وطريق فلاح وتمسكاً بعرى الإيمان، لذا ورد عن ابن عباس في الآية قوله : قولوا معاشر العباد ارشدنا الى حب محمد واهل بيته.
السادس : نهج الأنبياء والمرسلين الذين حملوا راية التوحيــد وتغشاهم الله عز وجل بنعمة الهداية والإيمان.
السابع : ورد عن الإمام علي الهادي عليه السلام في تفسير قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أدم لنا توفيقك الذي به اطعناك في ما مضى من أيامنا حتى نطيعك ايضاً في مستقبل اعمارنا( ).
لتكون العبادة متصلة وتستوعب الحياة الدنيا.
الثامن : في العيون ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير الآية وما فيها من مضامين الدعاء قال : إرشدنا إلى الصراط المستقيم أي ارشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ إلى جنتك والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو أن نأخذ بآرائنا ونهلك( ).
التاسع : إنه الطريق الحق.
العاشر : عن الإمام الصادق عليه السلام : إنه الطريق إلى معرفة الله عز وجل.
الحادي عشر : وعنه أيضاً : أن الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة.
وهو مرآة للصراط وأعمال الناس في الحياة الدنيا ، وحاجة الناس لإكتناز الحسنات في الدنيا ، قال تعالى يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
لقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببيان الصراط المستقيم بالشواهد الحسية .
و(عن جابر بن عبد الله قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال : هذا سبيل الله ، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال : هذا سبيل الشيطان ، ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ…]الآية ( ))( ).
وهل ذكر صراط الآخرة في القرآن ، الجواب نعم في دلالة آيات منها وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا، وقوله تعالى يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ.
وجاءت السنة النبوية بتأكيد صراط الآخرة وأنه جسر ممدود على متن جهنم ، والسنة النبوية المصدر الثاني للتشريع .
والإجماع على وجود الصراط كجسر يوم القيامة ، وأنكره القاضي عبد الجبار المعتزلي وعدد من أتباعه بأنه لا يمكن عبوره ، وإن أمكن ففيه عذاب .
ولا عبرة بانكارهم هذا بعد ورود الآيات والنصوص المستفيضة التي تتضمن البيان والبشارة والإنذار .
وفي حديث للإمام علي عليه السلام قال (والصراط المستقيم، هو صراطان : صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة، فأما الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير ، واستقام فلم يعدل إلى شئ من الباطل ، والطريق الآخر طريق المؤمنين إلى الجنة الذي هو مستقيم، لا يعدلون عن الجنة إلى النار ، ولا إلى غير النار سوى الجنة)( ).
القسم الثاني : الصراط في الآخرة
لابد لكل إنسان من المرور عليه ، ويكون بعد الحساب ويدل عليه الكتاب والسنة والإجماع ، قال تعالى وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ، ومن السنة نصوص متواترة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن أنس قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل . قلت : يا رسول الله أين أطلبك؟ قال : أطلبني أول ما تطلبني على الصراط .
قلت : فإن لم ألقك على الصراط؟ قال : فاطلبني عند الميزان . قلت : فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال : فاطلبني عند الحوض ، فإني لا أخطىء هذه الثلاثة مواطن)( ).
و(عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الناس يمرون يوم القيامة على الصراط : والصراط دحض مزلة يتكفأ بأهله . والنار تأخذ منهم ، وإن جهنم لتنطف عليهم مثل الثلج إذا وقع لها زفير وشهيق .
فبينما هم كذلك إذ جاءهم نداء من الرحمن : عبادي من كنتم تعبدون في دار الدنيا؟ فيقولون : رب أنت تعلم انا إياك كنا نعبد . فيجيبهم بصوت لم يسمع الخلائق مثله قط : عبادي حق عليّ أن لا أَكِلَكُمُ اليوم إلى أحد غيري فقد عفوت عنكم ، ورضيت عنكم .
فتقوم الملائكة عند ذلك بالشفاعة ، فينحون من ذلك المكان فيقول الذين تحتهم في النار فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قال الله فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ قال ابن عباس : ادخروا فيها إلى آخر الدهر)( ).
و(عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إني لأعلم آخر رجل من أمتي يجوز الصراط ، رجل يتلوى على الصراط كالغلام حين يضربه أبوه تزلّ يده مرة فتصيبها النار ، وتزل رجله مرة فتصيبها النار ، فتقول له الملائكة : أرأيت إن بعثك الله من مقامك هذا فمشيت سوياً أتخبرنا بكل عمل عملته .
فيقول : أي وعزته لا أكتمكم من عملي شيئاً فيقولون له : قم فامش سوياً . فيقوم فيمشي حتى يجاوز الصراط فيقولون له : اخبرنا باعمالك التي عملت فيقول في نفسه : إن أخبرتهم بما عملت ردوني إلى مكاني.
فيقول : لا وعزته ما عملت ذنباً قط فيقولون : إن لنا عليك بينة ، فيلتفت يميناً وشمالاً هل يرى من الآدميين ممن كان يشهد في الدنيا أحد . فلا يراه فيقول : هاتوا بينتكم فيختم الله على فيه ، فتنطق يداه ورجلاه وجلده بعمله فيقول : أي وعزتك لقد عملتها وان عندي العظام العظائم المضرات فيقول : اذهب فقد غفرتها لك)( ).
و(عن عبد الله بن مسعود قال : الصراط على جهنم مثل حد السيف)( ).
والصراط في الآخرة متغير بحسب عمل الإنسان فيكون للمؤمن عريضاً معبداً ، ويكون للكافر كحد السيف فيقع منه في جهنم التي هي تحت الصراط.
وفي حديث (عن عبد الرحمن بن سمرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فقال : إني رأيت البارحة عجائب، قال: فقلنا: يا رسول الله وما رأيت حدثنا به فداك أنفسنا وأهلونا وأولادنا .
فقال : رأيت رجلا من امتي وقد أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فمنعه منه، ورأيت رجلا من امتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فمنعه منه، ورأيت رجلا من امتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله عزوجل فنجاه من بينهم .
ورأيت رجلا من امتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فمنعته منهم)( ).
إلى أن قال (ورأيت رجلا من امتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع فجاءه صيام شهر رمضان فسقاه وأرواه، ورأيت رجلا من امتي والنبيون حلقا حلقا كلما أتى حلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأجلسه إلى جنبي .
ورأيت رجلا من امتي بين يديه ظلمة ، ومن خلفه ظلمة ، وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن تحته ظلمة مستنقعا في الظلمة، فجاءه حجه وعمرته فأخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور .
ورأيت رجلا من امتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءه صلته للرحم( ) فقال: يا معشر المؤمنين كلموه فإنه كان واصلا لرحمه فكلمه المؤمنون وصافحوه وكان معهم .
ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النيران وشررها بيده ووجهه فجاءته صدقته فكانت ظلا على رأسه وسترا على وجهه، ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فخلصاه من بينهم وجعلاه مع ملائكة الرحمة .
ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه، بينه وبين رحمة الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذه بيده فأدخله في رحمة الله، ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته قبل شماله فجاءه خوفه من الله عزوجل فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه .
ورأيت رجلا من امتي قد خفت موازينه فجاءه أفراطه فثقلوا موازينه، ورأيت رجلا من امتي قائما على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من الله عزوجل فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلا من امتي قد هوى في النار فجاءته دموعه التى بكى من خشية الله فاستخرجته من ذلك .
ورأيت رجلا من امتي على الصراط يرتعد كما ترتعد السعفة في يوم ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى على الصراط، ورأيت رجلا من امتى على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه ومضى على الصراط)( ).
لبيان حاجة الإنسان إلى العمل الصالح أيام حياته ، لقانون مصاحبة الحاجة للإنسان في الدنيا والآخرة وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : كل ممكن محتاج .
الصغرى : الإنسان محتاج .
النتيجة : الإنسان محتاج .
وتمتاز حاجة الإنسان باستدامتها وتجددها في كل من الوجوه التالية :
الأول : الحياة الدنيا .
الثاني : عالم البرزخ .
الثالث : يوم القيامة .
وحاجة الإنسان في الفرد التالي من هذه الأفراد أكثر وأشد من حاجته لها من الوجه السابق .
قانون كَرْبِ الموت
(الكَرْب: الحُزْن الذي يأخذ بالنفس ، وجمعه : كُرُوب.
وكَرَبه الأمر يَكْرُبه كَرْبا، فهو مكروب، وكَرِيب.
والاسم: الكُرْبة.
واكترب لذلك: اغتمّ.
وكَرَب الأمر يكرُبُ كُروبا : دنا .
قال خُفَاف بن عبد القَيْس البُرْجُمِيّ :
أبُنَيّ إن اباك كاربُ يومِه … فإذا دُعِيتَ إلى المكارم فاعَجلِ)( ).
والله عز وجل هو الذي ينجي عباده من كروب الدنيا والآخرة ، وهل يشملها قوله تعالى قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ، الجواب تختص هذه الآية بالإبتلاء والهموم في الدنيا لإختتامها بقوله تعالى [ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ] وكذا في موسى وهارون عليهما السلام بقوله تعالى وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ.
ترى ما هي النسبة بين كربات الموت وسكراته ، المختار هو العموم والخصوص المطلق ، فالكربة هنا أعم ، لأن سكرات الموت كيفية بدنية ، ومشقة وحشجرة في التنفس أما الكربات فتشملها مع حال الحزن التي تتغشى المحتضر لفقده الأهل ، وقطعه بمغادرة الدنيا قهراً ، وتركه المال ، والولد ، والنعم الطاغية ، وإدراكه الإقبال على هول المطلع ، وحتى الفقير والبائس يلحقه الكرب عند الموت لشدة وطأته .
والدعاء بالنجاة من كربات الموت أمر حسن ، وهو من السنة النبوية ، و(عن عائشة قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت ، وعنده قدح فيه ماء ، يدخل يده في القدح ، ثم يمسح وجهه بالماء ، ثم يقول : اللهم أعني على كربات الموت)( ).
ومن بركات يوم الجمعة أنه ودعاء زماني لإنكشاف الكربات وزوال الهموم ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يوم الجمعة سيد الأيام ، تضاعف فيه الحسنات ، وترفع فيه الدرجات ، وتستجاب فيه الدعوات ، وتكشف فيه الكربات .
وتقض فيه الحوائج العظام ، وهويوم المزيد ، فيه عتقاء وطلقاء من النار ، ما دعا فيه واحد من الناس وعرف حقه وحرمته إلآ كان حقاً على الله تعالى أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار.
فإن مات في يومه أو ليلته مات شهيداً وبُعث آمناً ، وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلاّ كان حقاً على الله تعالى أن يصليه نار جهنم إلا أن يتوب)( ).
ولا تختص الكربات بحال الموت وغمراته بل هي أكثر وأشد يوم القيامة ، لذا قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ ، وَمَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)( ).
وفي باب الدعاء للنجاة من الكربات ورد عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام قال (ثلاث لا يضر معهن شئ: الدعاء عند الكربات ، والاستغفار عند الذنب، والشكر عند النعمة)( ).
ويمكن تقسيم الكربات إلى اقسام بلحاظ أفراد الزمان والعوالم الطولية :
الأول : الكربات والرزايا والمصائب في الدنيا ، وتصيب المؤمن والكافر ، وليس من حد لها ، وقد تكون الأفراد التي يصاب بها المؤمن أضعاف ما يصاب به الكافر .
الثاني : الكربات والشدائد والهموم ساعة الإحتضار وبها يبتدأ التخفيف عن المؤمن فلا يلاقي ذات السكرات والغمرات التي تصيب الكافر والفاسق والفاجر .
الثالث : كربات عالم البرزخ ، وشدة مساءلة منكر ونكير وفتحهما لصفحات قائمة من حياة الإنسان إلا أن يفوز بستر من الله عز وجل .
الرابع : قانون كربات يوم القيامة وأهواله أشد وطأة .
ومن دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة وهو دعاء طويل (ونجني من أهوال الدنيا وكربات الأخرة واكفني شر ما يعمل الظالمون في الأرض، اللهم ما أخاف فاكفني)( ).
قانون الدعاء للأمن والسلامة من ضغطة القبر
من خصائص عالم القبر قانون ضغطة القبر وتسمى أيضاً ضمة القبر إذ يقوم القبر بالضغط على الميت عند دخوله إليه .
والنسبة بين عذاب القبر وضغطة القبر العموم والخصوص المطلق ، مع استقلال ضغطة القبر بذاتها.
وهي سابقة لدخول منكر ونكير ، ومن فضل الله عز وجل بيان سبل النجاة من ضغطة القبر منها :
الأول : الدعاء المخصوص ، قال تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، لذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال (إن فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين كانت أول امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة على قدميها .
وكانت من أبر الناس برسول الله صلى الله عليه وآله، فسمعت رسول الله وهو يقول: إن الناس يحشرون يوم القيامة عراة كما ولدوا فقالت: واسوأتاه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: فإني أسأل الله أن يبعثك كاسية)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في حديث أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يذكر ضغطة القبر، فقالت: واضعفاه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : فإني أسأل الله أن يكفيك ذلك، وقالت لرسول الله صلى الله عليه وآله يوما : إني اريد أن أعتق جاريتي هذه، فقال لها: إن فعلت أعتق الله بكل عضو منها عضوا منك من النار.
فلما مرضت أوصت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأمرت أنى يعتق خادمها، واعتقل لسانها فجعلت تومي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إيماء، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وصيتها)( ).
الثاني : الدعاء عند الدفن لينجو الميت من ضغطة القبر ، و(لما ماتت رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه واله قال رسول الله صلى الله عليه واله : الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وأصحابه، قال: وفاطمة عليها السلام على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر، ورسول الله صلى الله عليه واله بتلقاه بثوبه قائم يدعو، قال : إني لاعرف ضعفها وسألت الله عز وجل أن يجيرها من ضمة القبر)( ).
الثالث : الإستعاذة بالله من ضغطة القبر ، وفي الصحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال (كان أبي عليه السلام يقول إذا أصبح : بسم الله وبالله وإلى الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله، اللهم إليك أسلمت نفسي وإليك فوضت أمري وعليك توكلت يا رب العالمين، اللهم احفظني بحفظ الايمان من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي ومن تحتي ومن قبلي .
لا إله إلا أنت، لاحول ولا قوة إلا بالله، نسألك العفو العافية من كل سوء وشر في الدنيا والآخرة، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن ضغطة القبر ومن ضيق القبر)( ).
الرابع : أداء صلاة الليل فهي واقية من عذاب القبر (قال الرضا عليه السلام: عليكم بصلاة الليل فما من عبد يقوم آخر الليل فيصلي ثمان ركعات وركعتي الشفع وركعة الوتر، واستغفر الله في قنوته سبعين مرة إلا اجير من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومد له في عمره، و وسع عليه في معيشته.
ثم قال عليه السلام : إن البيوت التي يصلى فيها بالليل يزهر نورها لأهل السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض)( ).
الخامس : قراءة سور مخصوصة من القرآن ، والمواظبة عليها ، و(عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : من قرأ سورة النساء في كل جمعة أمن من ضغطة القبر)( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام (من ادمن قراءة حم الزخرف آمنه الله في قبره من هوام الأرض ومن ضمة القبر حتى يقف بين يدي الله عزوجل، ثم جاءت حتى تدخله الجنة بأمر الله تبارك وتعالى)( ).
قانون الثواب الدنيوي بعد الموت
هل يأتي الجزاء للإنسان في الدنيا بعد مغادرته لها، الجواب نعم , وهو من بديع صنع الله بالإنسان.
فقد تأتي الحسنات للإنسان وهو في قبره باستدامة منافع عمل صالح عمله ، أو معروف أمر به أو ولد صالح له يذكره ويستغفر له سواء كان هذا الولد ذكراً أو أنثى .
وعن الإمام الصادق (عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله قال : إن الله ليخلف العبد الصالح من بعد موته في أهله وماله وإن كان أهله أهل سوء، ثم قرأ هذه الاية إلى آخرها ” وكان أبوهما صالحاً)( ).
وعن الإمام الصادق (عن قول الله عز وجل وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا فقال : أما إنه ما كان ذهبا ولا فضة ، وإنما كان أربع كلمات: لا إله إلا أنا من أيقن بالموت لم يضحك سنه ، ومن أيقن بالحساب لم يفرح قلبه، ومن أيقن بالقدرة لم يخش إلا الله)( ).
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده) ( ) .
ليكون هذا الإتصال المبارك بالدنيا من جزاء الله عز وجل لعباده الشاكرين، ونافلة من الثواب الذي يأتيهم بعد مماتهم، بالأثر الحسن الذي يتركه العبد من قبل أن يغادر الدنيا كالعلم النافع أو الصدقة المتصلة الدائمة التي ينتفع منها الفقراء والمساكين أو التي هي سبيل نفع لعامة الناس.
وقد يأتي هذا الثواب بواسطة الولد الصالح الذي هو من كسب الإنسان في الولادة والنشأة والإصلاح وهو من مفاهيم ما ورد عن (عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَتَى أَعْرَابِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي قَالَ أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَمْوَالَ أَوْلَادِكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ فَكُلُوهُ هَنِيئًا)( ).
ورد هذا الحديث بطرق متعددة وصيغ متقاربة ، والظاهر أن اللام في (لِوَالِدِكَ) للإباحة ، وليست لأم التمليك لحكومة قاعدة السلطنة، ليكون من دلالات الحديث تأكيد المسلم لعدم إنقلابه بلحاظ تركته وإحسانه وذريته وكيفية إصلاحهم للثبات على الإيمان ليكون كالوصية المتوارثة بين المسلمين بأن يتعاهد الابن الفرائض وأحكام الحلال والحرام ولا ينقلب عن منازل الإيمان التي ودّع أبوه الدنيا ومن عرصاتها.
وروي أن عيسى عليه السلام بقبر يعذب صاحبه، ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب، فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذب، ثم مررت به العام فإذا هو ليس يعذب ؟ فأوحى الله عزوجل إليه: يا روح الله إنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما فغفرت له بما عمل ابنه( ).
وعن رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم : ولد الرجل من كسبه ، من أطيب كسبه ، فكلوا من أموالهم)( ).
وقال عياض: لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها هذه الأشياء من اكتسابه الولد وبثه العلم عند من حمله عنه أو إيداعه تأليفا بقي بعده وإيقافه هذه الصدقة بقيت له أجورها ما بقيت ووجدت)( ).
وهناك تباين بين السبب والإكتساب، وقد يكون الإنسان سبباً بفعل الغير المعصية فلا تكون من كسب المسبب، وينطبق عليه قوله تعالى وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، ولكن نسبة الكسب للمسلمين فضل من عند الله.
قانون صلاح الولد نعمة في النشأتين
لم يقيد الحديث النبوي (أو ولد صالح يدعو له) ( ) الولد الصالح بإصلاح الأب له في مراتب الإيمان فقد يهتدي اليتيم ونحوه ليبين الحديث قانوناً كلياً وهو بإمكان الإنسان إبقاء طريق الأجر والثواب بعد مماته، فيفارق الدنيا ويستمر توالي الثواب عليه ،والأصل أن تكون صلة الإنسان بلحاظ موضوع التركة في ميدان الأعمال على وجوه :
الأول : الذي يترك عملاً صالحاً ينتفع منه أو ولداً صالحاً من بعده، فيأتيه الثواب من بعد موته من منافع هذا العمل أو من دعاء الولد له.
الثاني : الذي يترك عملاً سيئاً فيه ضرر على الناس من بعده ،فيؤثم كلما صار مادة للإضرار بالناس، وإذا ترك من بعده ولداً شريراً فان الإثم لا يأتي على الأب من فعل ابنه إذا لم يكن الأب سبباً في سوء تربية ابنه .
الثالث : الذي يموت وليس له عمل من بعده أو ولد في الدنيا، أو خلف ولداً لاينفع الناس ولا يضرهم فلا يأتيه ثواب ولا إثم من بعده من جهة الولد ، ولكن باب الإنتفاع والثواب بعد الموت لا ينقطع عن الإنسان ، فقد فتح الله عز وجل باب تحصيل العلم النافع وإذا كان هذا الباب للخاصة والعلماء ، فقد فتح الله كنز الإستغفار على الإنسان لقلة ما في يده ، وهو تركة كريمة .
وتفضل الله عز وجل على الناس بالثواب المستحدث بخصوص الأول أعلاه ، وفيه ترغيب بعمل الصالحات ليكون حديث عدم انقطاع العمل من مصاديق قوله تعالى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً.
قانون السعي للآخرة
قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : علم ينتفع به ، أو صدقة تجري له ، أو ولد صالح يدعو له)( ) لبيان أفراد تستلزم السعي والجد والمثابرة وعمل الإنسان لآخرته بما يتركه في الدنيا من الصالحات الباقيات ، وهو على ثلاثة أطراف :
الأول : المراد من العلم تأليف كتاب نافع أو ترجمة أو تحقيق أو تصنيف أو طبع نسخ القرآن وتفسيره وعلوم الفقه، والعلوم التي تدرء الفتنة وتحول دون الفرقة والخصومة بين المسلمين، وعلوم الإبدان، والصناعات الحديثة التي ينتفع منها الناس في الزراعة والنقل والمكاسب والهندسة والفلك وغيرها.
الثاني : تحمل الصدقة الجارية على بناء المسجد والوقف والقنطرة والطريق.
ويدل الحديث على أن الضابطة الكلية في باب العلم هو النفع الخاص أو العام وليس الموضوع أو العمل كالتأليف، ومن المواضيع ما هو خير محض كالفقه والمعارف الألهية ويكون الأثر على وجهين :
الأول : النفع.
الثاني : الأذى والضرر.
ويحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة النفع والخير المحض، وهو القدر المتيقن من الحديث.
الثاني : المدار على رجحان كفة الخير والنفع من العلم إذا كان وسيلة مشتركة بينه وبين الشر.
الثالث : موضوعية النية وقصد صاحب العلم.
الرابع : شرطية الإيمان في مجئ النفع والثواب لصاحب العلم بعد وفاته الذي هو فرع الإيمان بالله والنبوة والمعاد.
ولا تعارض بين هذه الوجوه مجتمعة ومتفرقة.
الثالث : الولد مع قيدين:
الأول : الصلاح.
الثاني : الدعاء للوالدين، بما يجعله باراً بهما.
وهل يشمل الحديث الأمهات وإنتفاعهن من الأولاد أم أنه خاص بالأب، الجواب هو الأول إنما ورد التذكير للغالب .
ومن منافع الحديث أن كل طرف من أطرافه الثلاثة واقية من الإنقلاب والإرتداد في القادم من الأيام والأجيال .
فيكون من خصائص المؤمن سلامته من الإرتداد وعمله لينجو غيره من الناس في الأجيال اللاحقة منه، فكلما جاءت طبقة أو جيل من المؤمنين إلى الدنيا وجدوا أمامهم المقتضي للإيمان، والموانع من الإرتداد، التي خلفها الآباء تركهّ لهم، وهذه التركة متراكمة، فكل جيل من الآباء يترك صدقات وعلوم متعددة.
من مصاديق الشكر لله
وجاءت الآيات بصيغة الجمع (الشاكرين) ومن لطف الله كثرة الآيات الكونية والشخصية التي تبعث الناس على الشكر لله عز وجل ، وجعله منهاجاً وسنة .
فهناك نعم تتغشى الناس جميعاً ، وهناك نعم خاصة على كل إنسان لم تأت لغيره من أجيال الناس المتعاقبة مع كثرتها ، وهي محفوظة عند الله عز وجل ، ومما يحتج به سبحانه على الناس يوم القيامة .
ليكون الشكر على وجوه:
الأول : شكر الطائفة والأمة على النعم التي تأتيهم مجتمعين.
الثاني : شكر الطائفة والأمة على النعم التي تنزل عليهم متفرقين، ولكنهم ينتفعون منها على نحو الكلي المشكك التي هو على مراتب متفاوتة كالغنائم التي ترد المؤمنين.
الثالث : شكر الأمة على النعم التي تأتي للناس من مصاديق رحمة الله بالناس مثل نزول المطر الذي يصيب البر والفاجر.
الرابع : شكر الطائفة والأمة على النعم الفردية التي تأتي لبعضهم بلحاظ جهات:
الأولى : الثناء على الله عز وجل بتفضله بالنعم.
الثانية : إنتفاع الفرد أو الجماعة من فضل الله.
الثالثة : الشكر من العباد طريق للمزيد من الفضل الإلهي وصيرورته عاماً.
الرابعة : الشكر العام على النعمة الخاصة رجاء إستدامتها على ذات العبد، وهو من عمومات قوله تعالىوَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، بتقريب أن الشكر لله عز وجل من التقوى والخشية منه، وأن النعمة التي تصيب الفرد تنتفع منها الجماعة بالذات أو الأثر.
الخامس : شكر الفرد على النعمة الخاصة التي تأتيه من عند الله وتقدير الآية: وسنجزي الشاكر.
السادس : قيام المسلم بشكر الله على فضله تعالى عليه وعلى والديه وذوي الأرحام وفي التنزيل حكاية عن النبي سليمان [رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ] ( ).
قانون الثواب العاجل
ويدل ورود السين في قوله تعالى (سنجزي الشاكرين) على إرادة المستقبل القريب الذي ينصرف إلى الجزاء في الحياة الدنيا، الجواب الآية أعم، وتقسيم المستقبل إلى القريب والبعيد بلحاظ التباين حرف السين أعلاه(وسوف) التي تأتي للمستقبل البعيد والزمن الواسع لذا سميت حرف تسويف أي تأخير.
وورد كلاهما في ذات نص قرآني، قال تعالىكَلاَّ سَيَعْلَمُونَ *ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ وقال تعالى [أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ] ( )لأن الآية وردت بخصوص عالم البرزخ ويوم القيامة ، وفيه إنذار وتنبيه لتجلي البيان وتخويف وتكرار للوعيد سواء في الدنيا وعواقب الأمور الذي تدل عليه الآية أعلاه من سورة النبأ، أو في عالم الآخرة والجزاء الذي تبينه بوضوح سورة التكاثر، وعلى فرض أن السين الواردة في آية البحث تفيد المستقبل القريب وتخص المسلمين والمسلمات فكيف يكون جزاء الشاكرين من الأمم السابقة بلحاظ هذه الآية.
الجواب من وجوه:
الأول : زيادة الأجر ومضاعفة الثواب لهم وهم في عالم الآخرة، بالنماء فيما عملوه من الصالحات.
الثاني : ورود الذكر الحسن للمؤمنين من الأمم السابقة في الكتب السماوية وخاتمتها والمهيمن عليها القرآن.
الثالث : الهدى والرشاد لذرية المؤمنين من الأمم السابقة الإستصحاب الخبري القهقري بافادة قانون مجئ الثواب العاجل للمؤمنين في أيام حياتهم قبل أن يغادروا إلى الآخرة وبعد هذه المغادرة.
وقوله تعالى وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا، روي عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله ليخلف العبد الصالح من بعد موته في أهله وماله، وإن كان أهله أهل سوء، ثم قرأ هذه الآية .
وتدل الآية بالدلالة التضمنية على أن الله عز وجل هو الجواد بادئ النعم، وهو الذي أعطى ومنح قبل المسألة وفيه حث للناس على التدبر بذات النعم التي تأتي من عند الله إبتداءً، ولبيان أن مفاتيح خزائن السموات والأرض بيده تعالى، وأنه يهب ويعطي للناس والخلائق ما يفوق حاجاتها وآمالها، ويأتي الشكر من العباد ليزيد الله عز وجل من فضله وإحسانه.
والثواب الكريم العاجل من مصاديق قوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
بحث أصولي
لقد خلق الله عز وجل آدم وأسكنه الأرض خليفة وهيئ له ولذريته أسباب الرزق الكريم, قال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ.
لتكون النعم الإلهية على الإنسان على وجوه:
الأول : إنها دعوة للإيمان وإتخاذ التفكر بعظمة المخلوقات وبديع الصنع إلى الإقرار بالربوبية لله عز وجل.
الثاني : هذه النعم تعضيد للأنبياء في دعوتهم إلى عبادة الله، لذا جاءت آيات القرآن تذكيراً بها كقوله تعالىلِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
الثالث : كل نعمة حجة على الإنسان في النشأتين.
الرابع : النعم الإلهية من مصاديق رحمة الله بالخلائق، ومصداق من فضله الواسع.
الخامس : بعث الناس على شكر الله عز وجل ، وقد ثبت في علم الأصول أن شكر المنعم واجب ، وقال الأشاعرة بأن وجوبه سمعي، وقال المعتزلة بان وجوبه عقلي، وهو خلاف صغروي ولا ملازمة بين تقييد صفة الوجوب وبين ترتب الفائدة للعبد الشاكر، والأصل أن وجوب الشكر لله عز وجل على وجوه:
الأول : السمع وندب القرآن له، وفي قوله تعالى [وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ] مسائل :
الأولى : موضوعية الشكر لله عز وجل في إستدامة النعم.
الثانية : ترشح الشكر لله عن المعرفة والتفقه في بديع الخلق والنعم الخاصة والعامة.
الثالثة : بعث الآية المسلمين للشكر لله، لمجئ الآية بصيغة الجمع والتي تدل على وجوه:
الأول : شكر الجماعة والأمة على النعم الفردية.
الثاني : شكر الفرد على النعم الخاصة به.
الثالث : شكر الفرد على النعمة العامة.
الرابع : شكر الأمة على النعم التي تتغشاها على نحو العموم الإستغراقي.
الرابعة : الوعد الكريم بالجزاء العاجل من الله عز وجل للشاكرين.
الخامسة : بعث المسلمين للدعاء وسؤال الجزاء الذي وعد الله عز وجل في هذه الآية، من وجوه:
الأول : سؤال الجزاء على نحو الأجمال من غير تعيين لأفراده.
الثاني : الرجاء وتفويض سنخية الجزاء إلى الله عز وجل وهو أعلم بمصلحة العبد، وفي التنزيلوَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.
الثالث : الدعاء بذكر الحاجات وتسميتها.
الرابع : سؤال حاجات الدنيا والآخرة.
الثاني : تجلي الآيات الكونية وبديع صنع الله .
الثالث : وظائف الحواس بادراك النعم .
الرابع: إقرار العقل بحاجة الإنسان للشكر لله عز وجل ، وكأن هذه الخلاف هل وجوب الشكر لله سمعي أو عقلي من الإجماع المركب الذي يثبت الوجوب ، وينفي وجود قول ثالث ، ولكن النوبة لا تصل إليه إذ جاءت آيات القرآن بوجوب الشكر لله عز وجل بصيغة الأمر ، والخبر الذي يدل عليه ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ويدرك العقل لزوم الشكر لله عز وجل .
الخامسة : الترغيب بالشكر في الكتاب والسنة .
السادسة : بيان الثواب العظيم للشكر لله ، لبيان قانون حاجة للفرد والجماعة للشكر لله والثواب الذي يترتب عليه .
والثواب العاجل والآجل من مصاديق عظيم قدرة الله وسعة رحمته وأنه سبحانه لا تستعصي عليه مسألة ، قال سبحانهأَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وتضمنت خاتمة هذه الآية (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) بيان عطف العام على الخاص لإرادة جزاء الله عز وجل لكل الذين سعوا ويسعون للبث الدائم في النعيم سواء من المسلمين أو من أتباع الأنبياء السابقين صعوداً إلى أبينا آدم عليه السلام.
وفي صيغة الجمع في الآية مسائل :
الأولى : سعة عطاء الله وعظيم جزائه.
الثانية : الإخبار عن قانون وهو أن الجزاء والثناء على الشاكرين لا يقدر عليه إلا الله عز وجل.
الثالثة : المنافع العظيمة للشكر، وإتصالها وتواليها وتعاقبها في الدنيا والآخرة.
الرابعة : لا يعلم عظيم الجزاء الذي يأتي من عند الله للشاكرين إلا الله عز وجل.
الخامسة : بيان مواضيع الشكر لله، ومنها الإيمان بالله ورسوله، وعدم الإنقلاب والإرتداد عن الإيمان.
السادسة : قانون ترتب الثواب على الإيمان والثبات عليه في السراء والضراء .
قانون البشارة للصابرين
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الابتلاء والإمتحان ، تتوالى الحوادث على الإنسان ، ويأتيه الخير والشر ، على نحو دفعي أو تدريجي ، ليحتاج مع كل منهما حضور قانون الصبر ، ليسخر النعمة والخير في مرضاة الله ، ويوطن نفسه بالرضا بقضاء الله عز وجل في الشر والخير الذي يأتيه ، ونزل القرآن بالحض على الصبر ، وقانون البشارة العظيمة على التحلي بالصبر قال تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.
ولم يرد لفظ (وبشر الصابرين) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وورد لفظ (الصابرين) أربع عشرة مرة في القرآن بينما ورد مرتين بصيغة الرفع (الصابرون) في القرآن ، قال تعالى إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
والمراد الصبر في طاعة الله عز وجل وإجتناب معاصيه ، وهل من البشارة للصبر ، والأجر عليه كما في الآيتين أعلاه ما يتعلق بعالم القبر ، الجواب نعم .
وقد وردت البشارة للصابرين مطلقة من غير تقييد ، والقبر أول مواطن الآخرة .
و(عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تبكي على صبي لها فقال لها : اتقي الله واصبري . فقالت : وما تبالي أنت مصيبتي .
فلما ذهب قيل لها : إنه رسول الله ، فأخذها مثل الموت ، فأتت بابه فلم تجد عليه بوابين فقالت : لم أعرفك يا رسول الله ، فقال : إنما الصبر عند أوّل صدمة)( ).
و(قال: إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره والبر يطل عليه ويتنحى الصبر ناحية وإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مسائلته قال الصبر للصلاة والزكاة: دونكما صاحبكم فإن عجزتم عنه فأنا دونه)( ).
ولا يعني هذا أن الصبر أعلى مرتبة وأكثر نفعاً من الصلاة والزكاة ، فالصلاة والزكاة أعم لأنهما مصداق العبادة وعلة خلق الإنسان ، قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، ولكن المراد من الخبر أعلاه أن الصبر يتم منافع الصلاة والزكاة خاصة ، ومن معاني الصبر الصيام ، قال تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ.
(وعن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا سلمان من أحب فاطمة ابنتي فهو في الجنة معي، ومن أبغضها فهو في النار، يا سلمان حب فاطمة ينفع في مائة موطن أيسر تلك المواطن الموت والقبر والميزان والمحشر والصراط والمحاسبة فمن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيت عنه، ومن رضيت عنه رضي الله عنه)( ).
لبيان أن ساعة الموت موطن مستقل فيه عسر ومشقة بالغة ، وكذا القبر موطن من مواطن الآخرة ، يحتاج فيه العبد حب آل محمد ، ومع أن هذا الحديث ذكر مرسلاً من غير اسناد ، فقد ورد في ينابيع المودة عن زادان( ).
فان مضامين الحديث من مصاديق قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
النسبة المنطقية بين البرزخ والقبر
البرزخ لغة هو الحاجز بين الشيئين ، وهو في الإصطلاح العالم الفاصل بين الحياة الدنيا والآخرة .
ومن إعجاز القرآن ورود لفظ (برزخ) ثلاث مرات في القرآن ، اثنتين بخصوص المعنى اللغوي ، قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ.
ووردت آية بخصوص المعنى الإصطلاحي بقوله تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، لتعضد السنة النبوية هذه الآية ، ويبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث عديدة أحوال الناس في البرزخ ، ومنافع معالم الإيمان فيه .
ويدل قوله تعالى وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ على عذاب المنافقين ثلاث مرات :
الأولى : في الدنيا بتوبيخ آيات القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم .
الثانية : في عالم البرزخ .
الثالثة : إلقاء المنافقين في النار ، قال تعالى إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا.
لأن النار أدراك أي طبقات ، وعددها سبعة ، طبقة فوق طبقة ، لبيان شدة عذاب الذي يخفي الكفر والجحود بالرسالة في ذات الوقت الذي يظهر فيه الإيمان ويغادر الدنيا من غير توبة .
فالبرزخ هو عالم القبر من حين الموت ، وكل إنسان مات صار في عالم البرزخ .
ويمكن القول أن النسبة المنطقية بين البرزخ والقبر هي العموم والخصوص المطلق ، فالبرزخ أعم ، ومنه عالم الأرواح وتلاقيها ، وسياحتها حيث يأذن الله عز وجل .
أما القبر فهو محل رقود الجسد ، وقد يتعرض الجسد إلى الدود تنخر فيه وهو جزء من البرزخ .
أما ما ورد في رواية عمرو بن يزيد عن الصادق عليه السلام (ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ. قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة)( ).
فالمراد منه تقريب المعنى إلى الأذهان وإطلاق العام على الخاص الجلي كما في تسمية صلاة الفجر قرآن الفجر لما فيها من قراءة القرآن ، قال تعالى وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
والمراد من البرزخ أفراد الزمان الطولية التي تمر على الإنسان من حين موته إلى يوم ينفخ في الصور ، ويبعث الله أهل القبور ، قال تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إن المؤمن حين ينزل به الموت ويعاين ما يعاين ، ود أنها قد خرجت ، والله يحب لقاءه ، وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء ، فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض ، فإذا قال : تركت فلانا في الدنيا أعجبهم ذلك ، وإذا قال لهم إن فلانا قد فارق الدنيا .
قالوا : ما جيء بروح ذاك إلينا ، وقد ذهب بروحه إلى أرواح أهل النار ، وإن المؤمن يجلس في قبره ويسأل : من ربك ؟ فيقول : ربي الله ، ويقال : من نبيك ، فيقول : نبيي محمد صلى الله عليه وسلم .
فيقال : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيفتح له باب في قبره ، فيقال : انظر إلى مجلسك ، نم قرير العين.
فيبعثه الله يوم القيامة كأنما كانت رقدة)( ).
ومثله ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال: إن الأرواح في صفة الاجساد في شجرة في الجنة تعارف وتسائل فإذا قدمت الروح على الأرواح يقول : دعوها فإنها قد أفلتت من هول عظيم ثم يسألونها ما فعل فلان وما فعل فلان .
فإن قالت لهم: تركته حيا ارتجوه وإن قالت لهم: قد هلك قالوا: قد هوى هوى)( ).
أي سقط في العذاب لقانون إتصال عذاب الكافر في عالم البرزخ ، فاما أن تكون الروح في سعادة والقبر روضة من رياض الجنة ، وأما أن تكون الروح معذبة والقبر حفرة من حفر النيران مدة عالم البرزخ .
قانون اللبث في البرزخ
يمتاز عالم القبر والبرزخ بأمور :
الأول : إنه عالم ما بين موت الإنسان إلى يوم ينفخ في الصور لقانون مدة برزخ كل إنسان تختلف عن الآخر في طولها أو قصرها .
فبعضهم يلبث في القبر آلاف السنين ، وبعضهم بضع سنين كالذين يسمعون الصيحة .
الثاني : قانون التباين بين برزخ الأرواح وبرزخ الأجساد التي تبقى في القبور .
الثالث : البرزخ أفراد زمان طولية .
الرابع : قانون فوز أرواح وأجساد المؤمنين بالهناء ، وأرواح وأجساد الكافرين بالعذاب في عالم البرزخ .
وعن الإمام الصادق عليه السلام في حديث : المؤمن (إذا قبضه الله تعالى صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون فاذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا)( ).
الخامس : عالم القبر جزء من عالم البرزخ .
السادس : عالم البرزخ يشمل الأموات جميعاً ، أما السعادة فيه فتخص المؤمنين ، وأما العذاب فينزل بالكافرين الذين محضوا الكفر محضاً ، وهناك أناس مسكوت عنهم ، منهم المستضعفون قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ.
السابع : كل إنسان يقضي سنين من عمره في الحياة الدنيا قبل الولوج إلى عالم القبر ، باستثناء الطفل الذي يموت أيام الولادة .
وهل حياة الناس في البرزخ حقيقية أم تقديرية ، الجواب هو الأول ، ولا يقدح به انفصال الروح عن الجسد خاصة وأنها تعاد إليه عند الحساب الإبتدائي من الملكين منكر ونكير ، قال تعالى في الثناء على الشهداء وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
ولو دار الأمر بين الحقيقة والمجاز والتقدير ، فالأصل هو الأول إلا مع القرينة الصارفة ، وهي معدومة في المقام .
لعظيم قدرة وسلطان الله عز وجل ، ودلالة النصوص النبوية التي تدل على عودة الحياة للإنسان وهو في عالم البرزخ .
قانون تعزية النبي لأصحابه
من شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، مسائل :
الأولى : تفقّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه في الصلاة ، والحضور في المسجد النبوي .
الثانية : سؤال النبي عمن يفقده من الصحابة ثلاثة أيام , ومعرفة سبب انقطاعه عن صلاة الجماعة ، وعن الحضور للمسجد النبوي , والدعاء له .
الثالثة : عيادة المرضى والمساكين والدعاء لهم ، وعن أبي (أمامة بن سهل بن حنيف أن مسكينة مرضت، فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضها.
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المساكين ويسأل عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مات فآذنوني ، قال: فخرج بجنازتها ليلاً، وكرهوا أن يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بالذي كان من شأنها .
فقال : ألم آمركم أن تؤذنوني بها ، فقالوا : يا رسول الله، كرهنا أن نخرجك ليلاً أو نوقظك.
قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صف بالناس على قبرها ، …)( ).
الرابعة : مجالسة أصحابه والمشي معهم .
الخامسة : إجابة دعوة الذي يدعوه إلى طعام وإن جاء معه شخص أخر استاذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يدخل .
السادسة : حسن مواساة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ، وتعزيته لهم عند المصيبة.
ومن خصائص تعزية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اقترانها بالدعاء ، وصيرورتها والدعاء سنة نبوية حميدة .
و(عن بريدة قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه ، فلما دخل عليها قال : أما أنه قد بلغني أنك جزعت؟ فقالت : ما لي لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد .
فقال : إنما الرقوب التي يعيش ولدها ، إنه لا يموت لامرأة مسلمة ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا وجبت لها الجنة . فقال عمر : واثنين؟ قال : واثنين)( ).
وعن قرة بن إياس المزني (قالَ كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهَلَكَ فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ لِذِكْرِ ابْنِهِ فَحَزِنَ عَلَيْهِ فَفَقَدَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : مَا لِى لاَ أَرَى فُلاَنًا .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ بُنَيَّهُ الَّذِى رَأَيْتَهُ هَلَكَ ، فَلَقِيَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ : يَا فُلاَنُ أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمْرَكَ أَوْ لاَ تَأْتِى غَدًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ ، قَالَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ بَلْ يَسْبِقُنِى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهَا لِى لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ ، قَالَ : فَذَاكَ لَكَ)( ).
أسماء منكر ونكير
قد ثبت أن منكراً ونكيراً من الملائكة ، وعليه النص وإجماع علما المسلمين . ومن أسباب هذه التسمية وجوه :
الأول : لا يعرف الإنسان منكراً ونكيراً إلا بعد دخوله القبر .
الثاني : التباين في الهيئة التي يأتي بها منكر ونكير للإنسان، بلحاظ قانون التضاد بين الإيمان والكفر ، فيأتيان للمؤمن بأبهى هيئة وللكافر بأغلظ هيئة.
الثالث : ينكر منكر ونكير السيئات التي فعلها الإنسان ، ويكون الحساب الإبتدائي في القبر عليها .
وقد ورد ذكرهما في المدينة والأخبار بأسماء متعددة منها :
الأول : الملكان .
الثاني : منكر ونكير .
الثالث : نكر ونكير , كما عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام .
ومن حديث طويل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أزرقان فظان غليظان)( ).
الرابع : المنكر والنكير ، كما في سنن الترمذي .
الخامس : ملكا القبر . كما في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام.
السادس : قعيدا القبر ، إذ ورد عن الإمام الصادق عليه السلام (إن المؤمن إذا اخرج من بيته شيعه الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه، حتى إذا انتهي به إلى قبره قالت له الارض .
مرحبا بك وأهلا، أما والله لقد كنت أحب أن يمشي علي مثلك، لترين ما أصنع بك، فيوسع له مد بصره، ويدخل عليه في قبره ملكا القبر وهما قعيدا القبر : منكر ونكير فيلقيان فيه الروح إلى حقويه.
فيقعدانه ويسألانه فيقولان : من ربك ، فيقول: الله، فيقولان: ما دينك ؟ فيقول: الاسلام، فيقولان : من نبيك ؟ فيقول: محمد صلى الله عليه واله، فيقولان: ومن إمامك ؟ فيقول: فلان .
قال : فينادي مناد من السماء: صدق عبدي، افرشوا له في قبره من الجنة، وافتحوا له في قبره بابا إلى الجنة، وألبسوه من ثباب الجنة حتى يأتينا، وما عندنا خير له، ثم يقال له : نم نومة العروس نم نومة لا حلم فيها)( ).
السابع : مبشر وبشير ، وهما اسما الملكين اللذين ينزلان على المؤمن .
ونسب المجلسي إلى القيل (إنما سمي ملكا الكافر ناكرا ونكيرا لانه ينكر الحق، وينكر ما يأتيانه به ويكرهه، وسمي ملكا المؤمن مبشرا وبشيرا لانهما يبشرانه من الله تعالى بالرضا والثواب المقيم)( ).
وقال (إنما ينزل الملكان على من محض الايمان محضاً، أو محض الكفر محضاً ، ومن سوى هذين فيلهى عنه، وبينا أن الخبر جاء بذلك فمن جهته قلنا فيه ما ذكرناه)( ).
إنما ورد الحديث بالاسناد عن الإمام جعفر الصادق قال (إنما يسأل في قبره من محض الايمان محضا والكفر محضا وأما ما سوى ذلك فيلهى عنهم.
أبوعلى الاشعري عن محمد بن عبدالجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن ابن بكير، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إنما يسأل في قبره من محض الايمان محضا والكفر محضا وأما ما سوى ذلك فيلهى عنه)( ).
لبيان أن عذاب القبر حساب وعذاب ابتدائي من قبل الملكين منكر ونكير.
وفي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أخبر الله عز وجل أنهم أحياء عنده ، قال تعالى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
ولم يرد اسم منكر ونكير في القرآن ، ولا موضوع سؤالهما للميت في قبره ، ولكن ورد ذكرهما في السنة النبوية وهي المصدر الثاني للتشريع ، قال تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىوورد في أحاديث الأئمة عليهم السلام .
وعن سلمان المحمدي : الملك منبه موكل من الله بجميع خلقه لينبههم بعد الممات .
و جاءت آيات القرآن بالإنذار ووجوب الإستعداد للحساب بعد الموت.
رومان فتان القبور
رومان اسم ملك يدخل القبر وتعود معه الروح إلى جسد الميت ، ويسبق دخوله حضور ومساءلة منكر ونكير (عبد الله بن سلام أنه قال: سألت رسول الله عن أول ملك يدخل في القبر على الميت قبل منكر ونكير، قال صلى الله عليه وآله: يا ابن سلام يدخل على الميت ملك قبل أن يدخل نكير ومنكر يتلألأ وجهه كالشمس اسمه (رومان) فيدخل على الميت، فيدخل روحه ثم يقعده فيقول له : اكتب ما عملت من حسنة وسيئة. فيقول : بأن شئ أكتب.
أين قلمي ، وأين دواتي .
فيقول: قلمك إصبعك، ومدادك ريقك، اكتب. فيقول: على أي شئ أكتبه وليس معي صحيفة.
قال: فيمزق قطعة من كفنه فيقول: اكتب فيها، فيكتب ما عمل في الدنيا من حسنة، فإذا بلغ سيئة استحيى منه، فيقول له الملك: يا خاطئ أفلا كنت تستحيي من خالقك حيث عملتها في الدنيا والآن تستحيي مني.
فيكتب فيها جميع حسناته وسيآته، ثم يأمره أن يطويه ويختمه، فيقول: بأي شئ أختمه و ليس معي خاتم.
فيقول: اختمها بظفرك، ويعلقها في عنقه إلى يوم القيامة كما قال الله تعالى وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ثم يدخل بعد ذلك منكر ونكير)( ).
وفي دعاء الإمام علي بن الحسين عليه السلام على حملة العرش ذكر رومان وصفته إذ قال : وملك الموت وأعوانه ، ونكر ونكير ، ومبشر وبشير ، ورومان فتان القبور).
و(قد روى عن ابن مسعود أنه قال يا رسول الله : ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره.
: يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول : يا عبد الله اكتب عملك فيقول : ليس معي دواة و لا قرطاس فيقول : هيهات كفنك قرطاسك و مدادك ريقك و قلمك إصبعك فيقطع له قطعة من كفنه ثم يجعل العبد يكتب و إن كان غير كاتب في الدنيا فيذكر حينئذ حسناته و سيئاته كيوم واحد ثم يطوى الملك القطعة و يعلقها في عنقه
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قوله تعالى وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ أي : عمله فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتانا القبر و هما ملكان أسودان يخرقان الأرض بأنيابهما لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض كلامها كالرعد القاصف و أعينهما كالبراق الخاطف و نفسهما كالريح العاصف بيد كل واحد منهما مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه لو ضرب به أعظم جبل لجعله دكا فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت و ولت هاربة فتدخل في منخر الميت فيحيا الميت من الصدر و يكون كهيأته عند الغرغرة و لا يقدر على حراك غير أنمه يسمع و ينظر قال : فيقعدانه فيبتدئانه بعنف و ينتهرانه بجفاء و قد صار التراب له كالماء حيثما تحرك انفسح فيه و وجد فرجة فيقولان له : من ربك.
و ما دينك ؟ و من نبيك ؟ و ما قبلتك ؟ فمن وفقه الله و ثبته بالقول الثابت قال : و من و كلكما علي ؟ و من أرسلكما إلي ؟ و هذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار فيقول أحدهما للآخر : صدق كفي سرنا ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة .
و يفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه ثم يفرشان له من حريرها و ريحانها و يدخل عليه من نسيمها و روحها و ريحانها و يأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه يؤنسه و يحدثه و يملأ قبره نورا و لا يزال في فرح و سرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة و يسأل : متى تقوم الساعة ؟ فليس شيء أحب إليه من قيامها)( ).
وتعدد مجئ الملائكة للميت في قبره أهوال عالم القبر من مصاديق قوله تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، ويتجلى التمايز والفصل الفعلي بين المؤمن والكافر في القبر بلحاظ أسئلة الملائكة للميت وأجوبته عليها .
وهل يعلم ملك الموت حال الميت عند قبض روحه هل هو مؤمن أو كافر .
الجواب نعم ، لموضوعية الإيمان في تخفيف سكرات الموت ، ووطأة شدة قبض الروح .
وحينما يدخل رومان فتان القبور ومنكر ونكير القبر هل يعلمون حال الميت ، وهل هو من أهل الإيمان أو لا ، أم لا يعلمانه إلا بعد عودة الروح إلى جسده وسؤاله .
المختار هو الأول ، ليكون سؤالهم وجواب الميت حجة له أو عليه ، ومقدمة لنزول عذاب القبر بالكافر العابد للوثن والجاحد بربوبية الله .
قانون خزي الكافر في القبر
الخزي الهوان والمقت يقال أخزاه الله ، وقال الصاحب بن عباد (الخِزْيُ: السُّوء)( ) ، والمختار أن النسبة بين الخزي والسوء عموم وخصوص من وجه ، وليس التساوي .
والخزي مصدر خزي يخزي .
والخزي كيفية وأثر لقول أو فعل صادر من الذات أو يأتي من الغير .
ويأتي الخزي للذين كفروا في الحياة الدنيا في القبر ويوم القيامة ، وفي ذم الذين كفروا قال الله تعالى فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
ولفظ الآخرة عالم تارة يرد لخصوص يوم القيامة وأخرى يرد مطلقاً فيشمل عالم البرزخ .
ويدل على خزي الكافر والمنافق والظالم والفاسق في القبر نصوص عديدة ، وهل يتضمن قوله تعالى وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، التخويف والإنذار والوعيد من ظلمة ووحشة القبر ، وحساب منكر ونكير ، الجواب نعم .
وهل يمكن لحوق الخزي بالمسلم في القبر ، ثم ينجو منه يوم القيامة بعد الحساب وشفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، (عن سلمان قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السموات والأرض ، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض ، فأهبط منها رحمة إلى الأرض ، فيها تراحم الخلائق ، وبها تعطف الوالدة على ولدها ، وبها يشرب الطير والوحوش من الماء ، وبها تعيش الخلائق .
فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثم أفاضها على المتقين ، وزاد تسعاً وتسعين رحمة ، ثم قرأ { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون })( ).
(وروى الصادق عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والبهائم، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده)( ).
وسيأتي في الجزء الرابع والستين بعد المائتين من تفسيري (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) باب (مصاديق الخزي في الآخرة ) مع ذكر أربعة وجوه للخزي الذي يصيب الكافر في الآخرة منها خزيه في عالم البرزخ ، وتبكيت منكر ونكير له ، وتعذيبه ، فذات العذاب خزي كما يترشح الخزي عنه .
كيفية موت ملك الموت
يختص الله عز وجل بالإحاطة بعلوم الغيب ، ولا يقدر على الإحاطة علماً بها إلا هو سبحانه ، وتفضل الله عز وجل وعلّم ملائكته وانبيائه جزء من علوم الغيب ، وجعل في القرآن بعضها كما تستقرأ أفراد من علوم الغيب من الجمع بين آيات القرآن ، قال تعالىعَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، فما يعلمه الأنبياء على نحو الموجبة الجزئية ، لأن الغيب مطلقاً لا يعلم به إلا الله، لذا ورد حكاية عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التنزيل ْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .
ومن علم الغيب الذي اطلع الله عز وجل النبي محمداً عليه ، وأذن له بالإخبار عنه ما ورد بخصوص كيفية كوت ملك الموت ليكون على وجوه :
الأول : تحدي السائل في تأكيد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تفقه المسلمين في الدين والموعظة لهم .
الثالث : بعث الخوف والرعب في قلوب المشركين .
وفي جوابات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن سلام عندما بعثه علماء بني إسرائيل إذ سأله فأخبرني عن يوم القيامة وكيف تقوم (فأخبرني عن ملك الموت هل يذوق الموت أم لا ؟
قال: يا ابن سلام، إذا أمات الله الخلائق ولم يبق شئ له روح يقول الله عز وجل: يا ملك الموت ! من أبقيته من خلقي ؟
وهو أعلم – فيقول: يا رب أنت أعلم مني بما بقي من خلقك، ما خلق إلا وقد ذاق الموت إلا عبدك الضعيف ملك الموت.
فيقول الله عز وجل: يا ملك الموت أذقت عبادي وأنبيائي وأوليائي ورسلي الموت، وقد سبق في علمي القديم – وأنا علام الغيوب – أن كل شئ هالك إلا وجهي [وهذه نوبتك !] فيقول: إلهي وسيدي ارحم عبدك ملك الموت فإنه ضعيف. فيقول الله عزوجل له: يا ملك الموت، ضع يمينك تحت خدك الايمن بين الجنة والنار ومت. قال عبد الله بن سلام: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وكم بين الجنة والنار ؟
قال: مسيرة ثلاثين ألف سنة من سنين الدنيا – فيضطجع ملك الموت على يمينه ويضع يده اليمنى تحت خده الايمن، ويده الشمال على وجهه ويصرخ صرخة فلو أن أهل السماوات والارض أحياء لماتوا لشدة صرخته)( ).
قانون زيارة عزرائيل
لقد خلق الله عز وجل طوائف واعداداً من الملائكة لا يحيط بكثرتهم ، ولا يحصي عددهم إلا الله عز وجل ، وهم في إزدياد كل يوم .
وقد ذكر القرآن أسماء عدد منهم وهم :
الأول : جبرئيل عليه السلام وهو الذي يقوم بتبليغ الوحي .
الثاني : ميكائيل وهو الذي إنزال المطر وإنبات النبات ، قال تعالى مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ.
ولو ارتقى العلم والتقنية في هذه الأزمنة ، وصار الإنسان يسير السحاب في غير موسمها ، لتنزل حيث الطلب والشراء ، فهل يكون من إختصاص ميكائيل أيضاً ، أم أنه خارج اختصاصه ، الجواب هو الأول ، وهو من مصاديق عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ لينفذ الإنسان هذه العلوم مادة للتقوى ، ولدخول القبر بسلاح الإيمان والشكر لله عز وجل .
الثالث : مالك خازن النار ، وفي التنزيل وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ.
الرابع والخامس : هاروت وماروت ، قال تعالى وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.. )( ).
(عن عبد الله بن عمر « أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة : أي رب { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } قالوا : ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله للملائكة : هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان؟ فقالوا : ربنا هاروت وماروت . . . قال فاهبطا إلى الأرض ، فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر ، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت : لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك قالا : والله لا نشرك بالله أبداً . فذهب عنهما ثم رجعت بصبي تحمله ، فسألاها نفسها فقالت : لا والله حتى تقتلا هذا الصبي قالا : لا والله لا نقتله أبداً . فذهبت ثم رجعت بقدح من خمر ، فسألاها نفسها فقالت : لا والله حتى تشربا هذا الخمر ، فشربا فسكرا فوقعا عليها ، وقتلا الصبي . فلما افاقا قالت المرأة : والله ما تركتما شيئاً ابيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما . فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا)( ) وورد قريب منه عن الإمام الباقر عليه السلام ( ).
وقيل (هما رجلان ببابل )( )ولكن إذا ثبت النص بأنهما ملكان فلا موضوعية لما يخالفه .
وذكر القرآن خزنة الجنة ، وخزنة النار ، والزبانية بقوله تعالى فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ.
و(قال ابن عباس : لمّا نهى أبو جهل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة انتهرهُ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وقال أبو جهل : أتُهدّدني.
فواللّه لأملأن عليك إن شِئت هذا خيلا جرداً أو رجالا مرداً،
فأنزل اللّه سبحانه {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} أي قومه {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لأخذته الزبانية عياناً)( ).
وقد قتل أبو جهل في معركة بدر بعد إصراره على القتال ، والزبانية هم من الملائكة الذين على النار يوم القيامة.
واسم ملك الموت (عزرائيل) و(عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه واله قال: إن الله تبارك وتعالى اختار من الكلام أربعة، ومن الملائكة أربعة .
ومن الانبياء أربعة ومن الصادقين أربعة ، ومن الشهداء أربعة، ومن النساء أربعة.
ومن الايام أربعة ومن البقاع أربعا. فأما خيرته من الكلام، فسبحان الله ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر فمن قالها عقيب كل صلاة كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، و رفع له عشر درجات، وأما خيرته من الملائكة فجبرئيل وميكائيل وإسرافيل و عزرائيل .
وأما خيرته من الانبياء فاختار إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وعيسى روحا، ومحمدا حبيبا، وأما خيرته من الصديقين فيوسف الصديق، وحبيب النجار وعلي بن أبي طالب)( ).
وهل يصح التوسل بملك الموت لإرجاء الأجل ، وتأجيل ساعة الموت ، الجواب لا .
إنما يكون التوسل والدعاء إلى الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، ليكون من معاني (ادعوني) إفادة الحصر والتعيين ، وأن العباد لا يتتوجهون بالدعاء إلا إلى الله عز وجل ، وهو من أسرار مجئ الآية أعلاه بصيغة الجمع ، ثم أن ملك الموت مأمور ولا يقبض روحاً إلا بأمر وإذن من عند الله عز وجل .
(و في خبر الإسراء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مررت على ملك آخر جالس على كرسي إذا جميع الدنيا و من فيها بين ركبتيه و بيده لوح مكتوب ينظر فيه و لا يلتفت عنه يمينا و لا شمالا فقلت : يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا ملك الموت.
قلت : يا ملك الموت كيف تقدر على قبض جميع أرواح من في الأرض برها و بحرها ، قال : ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتي و جميع الخلائق بين عيني و يداي تبلغان المشرق و المغرب فإذا نفذ أجل عبد نظرت إليه فإذا نظرت إليه عرف أعواني من الملائكة أنه مقبوض غدوا فبطشوا يعالجون نزع روحه فإذا بلغوا بالروح الحلقوم علمت ذلك فلم يخف علي شيء من أمره مددت يدي فأنزعه من جسده وألي قبضه)( ).
وفي قوله تعالى وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة ، فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده)( ).
(وقال ابن عباس : إن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر و كان هذا جمعا بين القولين والله أعلم فإذا انقضى عمر ذلك الشخص الذي حان قبض روحه سقطت ورقة من سدرة المنتهى التي فيها اسمه على اسمه في الصحيفة فعرف أن قدر فرغ أجله وانقطع أكله .
وفي الخبر أن ملك الموت تحت العرش يسقط عليه صحائف من يموت من تحت العرش الصحف هنا : ورق السدرة و الله أعلم وكما في الخبر قبله : فإذا نظر إلى الإنسان قد نفذ رزقه وانقطع أكله ألقى عليه سكرات الموت فغشيته كرباته وأدركته سكراته)( ).
وقد ارتقى الإنسان في العلم والتقنية في هذا الزمان ببصمة العيون ، وبصمة الوجوه ، لبيان أن قدرة الملائكة خارقة لمراتب علوم البشر بفضل من الله عز وجل .
قانون الخزي المتصل للكافر
صحيح أن الدنيا دار امتحان وإختبار إلا أنها لا تخلو من الجزاء بالثواب الحسن للمؤمن ، والذم والخزي للكافر ، قال تعالى ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ وثاني عطفه أي لأوي عنقه استكباراً .
و(تقول العرب : جاء فلان ثاني عطفه أي متجبّراً لتكبّره وتجبّره،)( ).
بنجاة المؤمنين من الدخول في النار والتعرض لشدة لهيبها ، كما سألوا الله عز وجل النجاة من الخزي المصاحب لدخول النار يوم القيامة (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)( ).
وتدل الآية على تسليم أجيال المسلمين والمسلمات بالجنة والنار ، وأن زج ورمي المشركين والمنافقين والظالمين فيها حق ، وفيه عار وشنار والبلية عليه
وقانون الملازمة بين الكفر والخزي في الآخرة ، فقد يعيش الكافر والظالم في الدنيا بوجاهة وسلطان وأموال ، ولكنه ما أن يدخل القبر حتى يصاحبه الخزي والذل والهوان والحسرة ، والندامة والعذاب ، ويسأل الله عز وجل إعادته إلى الدنيا ليعمل صالحاً ، ولكن الموت إنقطاع أبدي عن الدنيا .
ومن الإعجاز في قوله تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، أن الآية لم تقل ( حتى اذا جاء الإنسان ) أو (إذا جاء أحدكم الموت ) بصيغة الخطاب الذي يشمل المسلمين ، لأن المؤمن يحب لقاء الله ، وحينما يدخل القبر يوسع الله عز وجل له في القبر ، ولا يريد إعادة معاناة سكرات الموت ، وشدة قبض الروح .
لدلالة الآية على توبيخ الكفار ، وحال الندامة التي تصيبهم عند دخول القبر ، والمقترنة بالعذاب الإبتدائي .
لقد قال تعالى وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَوموضوع الآية أعلاه بخصوصها يوم القيامة عند إنتهاء الحساب ، وعلمهم بدخولهم النار بعد مواطن الأذى والشدة في عالم البرزخ ومواطن يوم القيامة.
وكذا ورد الذم للمشركين وبيان حالهم في الآخرة وقانون مصاحبة الكذب للمشركين في قوله تعالى أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ .
لقد كان المشركون والمنافقون يتأذون في أرتكاب المعصية ، ويأتيهم التبليغ ، ويتلقون صيغ البشارة والإنذار بقول (نعم ولكن ) في مكر وإرجاء للتوبة والإنابة .
أوان خزي الكافر
قال تعالى رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ )( ) يحتمل أوان خزي الكافر وجوهاً :
الأول : خزي الكافر في الدنيا ، وهو على شعبتين :
الأولى : أيام حياة الكافر.
الثانية : خزي الكافر بين الناس في الدنيا بعد قبض روحه ، ومغادرته الحياة الدنيا .
فمن خصائص التأريخ إنكشاف الزخرف والتزيين والباطل ، والبهرج( ) والتفخيم الذي يغطي العيوب .
وقد أخبرت آيات من القرآن عن خزي الكفار في الدنيا ، قال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌوإِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
ومن فضل الله عز وجل محو وصرف الخزي عن الذين يتوبون سواء كانوا فرادا أو جماعات ، قال تعالى فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ.
الثاني : من ساعة الإحتضار .
الثالث : من حين الموت وقبض الروح .
الرابع : عند دخول الكافر في القبر .
الخامس : إعادة الروح إلى الكافر إلى حقويه وهو معقد الأزار عند مساءلة منكر ونكير .
السادس : مدة اللبث في عالم البرزخ ، كما ورد في أمر فرعون ، قال تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
وحكي إنكاره عن ضرار بن عمرو الذي نسب إلى المعتزلة (وهم برآء
منه – لمخالطة ضرار إياهم، وتبعه قوم من السفهاء من المعاندين للحق و نحوه)( ).
السابع : خزي الكافر عند ادخاله النار ، وهو القدر المتيقن من الآية أعلاه .
الثامن : خزي الكافر وهو في النار ، وهو الخزي الأشد والأطول ، قال تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ.
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق لحوق الخزي بالكافرين بأمر من عند الله ، وفي التنزيل وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ.
ومن وجوه الخزي في الدنيا الذم العام للكافر ، وتقبيح أفعاله ، والنفرة منه ، أما الخزي في الآخرة فهو العذاب في البرزخ ويوم القيامة ، ومصاحبة الخزي لهذا العذاب ، قال تعالى وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ.
ومن الإعجاز في الآية أعلاه وجوه :
الأول : تكرار لفظ العذاب ، وهو شاهد على تعدد مواطنة ، ويمكن تقدير الآية : عذاب يخزيه في الدنيا والبرزخ ومواطن اليوم الآخر يحل عليه عذاب مقيم في النار .
الثاني : قانون ذات خزي الكافر عذاب ، والآية أعلاه في قوم نوح ، لذا ورد عن ابن عباس (في قوله [مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ] قال : هو الغرق وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ قال : هو الخلود في النار)( ) .
والمدار على عموم المعنى وليس موضوع النول وحده ، فالآية ذم ووعيد للكافرين في كل زمان .
الثالث : تكرار لفظ [عَذَابٌ مُقِيمٌ] خمس مرات في القرآن ، ويفيد لبث الكفار الدائم في نار جهنم ، قال تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ.
جحود القرية الآمنة
لم يرد لفظ (المطمئنة) بصيغة التعريف بالألف واللام في القرآن إلا في قوله تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً.
وورد مرة واحدة من غير تعريف بقوله تعالىوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وفي هذه القرية وجوه :
الأول : (عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال : كان أبي عليه السلام إذا رأى شيئا من الطعام في منزله قد رمي به , نقّص من قوتهم مثله ، وكان يقول في قول الله عزوجل وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.
قال : هم أهل قرية كان الله عزوجل قد أوسع عليهم في معايشهم، فاستخشنوا الاستنجاء بالحجارة واستعملوا من الخبز مثل الافهار فكانوا يستنجون به .
فبعث الله عليهم دواب أصغر من الجراد فلم تدع لهم شيئا خلقه الله من شجر ولا نبات إلا أكلته، فبلغ بهم الجهد إلى أن رجعوا إلى الذي كانوا يستنجون به من الخبز فيأكلونه)( ).
الثاني : قال ابن كثير : هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يُتخطَّف الناس من حولها، ومن دخلها آمن لا يخاف)( ).
الثالث : ذكر الطبرسي (وقيل إن هذه القرية هي مكة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا القد والعلهز و هو الوبر يخلط بالدم و القراد ثم يؤكل وهم مع ذلك خائفون وجلون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الإغارة على قوافلهم، وذلك حين دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم فقال : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعل عليهم سنين كسني يوسف)( ).
فاستجاب الله عز وجل دعاءه ، فتعطلت تجاراتهم بعد أن شمروا إبلها لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذبح بعضها إطعاماً للجيوش ، وإستيلاء المسلمين على أعداء منها غنائهم كما في معركة بدر ، وأصاب أهل مكة القحط والجدب ، وصاروا يأكلون الميتة والكلاب.
فبعثوا (أبا سفيان بن حرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ما هذا البلاء ، هبك عاديت الرجال فما بال الصبيان والنساء .
فأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يحمل إليهم الطعام ، فحمل إليهم الطعام ، ولم يقطع عنهم وهم مشركون)( ).
ومن معاني الآية المبادرة إلى الإستعاذة بالله للسلامة والوقاية لنا ولذريتنا من الجحود بالنعم ومنها نعمة الأمان ، والطمأنينة ، والصحة ، والرزق .
وفي دعاء شكر النعمة (اللهم لك الحمد لا إله إلا أنت، قلت في كتابك ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، فبك آمنت وصدقت .
فلا تجعل هذا مثلي في نعمتك يا سيدي، ولا تجعلني مغترا بالطمأنينة إلى رغد العيش آمنا من مكرك لأنك قلت في كتابك فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ .
وأنا أبرء إليك من الحول و القوة، معترف باحسانك، مستجير بكرمك، من أن تذيقني لباس الجوع والخوف بعد الأمن والنعمة وصل على محمد وآله، واجبرني ولا تخذلني، وأستغفرك لذنبي فاغفر لي ، واجعلني ممن سبقت له منك الحسنى، فأسعدته في الآخرة والأولى.
وأسئلك يا سيدي أن تصلي على محمد وآل محمد ، وأن تستجيب دعائي ، وتحقق بفضلك أملى ورجائي يا الله فلك الحمد يا حي يا قيوم)( ).
إحصاء قوانين هذا الجزء
الأول قانون حاجة الإنسان المستديمة لله عز وجل في العوالم الطولية الثلاثة الحياة الدنيا وعالم البرزخ ، ويوم القيامة ، قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.ص3.
الثاني : قانون وجوب الشكر لله على نعمة ص 4.
الثالث : قانون كثرة أيام السعادة .
الرابع : قانون تسخير النعم في طاعة الله عز وجل وعمل الصالحات ، ليغادر الإنسان الدنيا على سنن التقوى ص4.
الخامس : قانون كل إنسان يذكر الموت ص 5.
السادس : قانون الموت الذي يأتي على كل إنسان ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.ص8
السابع : قانون تعيين ووقوع أجل كل إنسان من عند الله عز وجل ، قال تعالى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ.ص8.
الثامن : كل آية قرآنية قانون متعدد ومستديم ومناسب لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة
التاسع : قانون الآية القرآنية سالمة من التحريف والزيادة والنقصان ، قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَص 10 .
العاشر : قانون ذكر الموت ص10
الحادي عشر : قانون التناسل والتكاثر بين الناس ص 12
الثاني عشر : قانون العصمة من الشرك والكفر والضلالة ص12
الثالث عشر : قانون القول الثابت في البرزخ ص 14.
الرابع عشر :قانون تعيين دعاء المسلمين بآية قرآنية منها رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( ).ص15
الخامس عشر : قانون صبغة القرآنية والتنزيل لدعاء المسلمين ، وفيه أجر مضاعف وهو باب للإستجابة .ص 15
السادس عشر : قانون وجوب التلاوة ، ومنها صيغ الدعاء والمسألة بمسكنة وخضوع إلى الله عز وجل في الصلاة اليومية ص 15
السابع عشر : قانون تلقين الميت الشهادتين ص 17.
الثامن عشر : قانون موت الموت ص 17.
التاسع عشر : قانون الخلود عند انتفاء الموت ويسأل أهل النار الله موتهم ، ولكن الموت صار أمراً عدمياً ص18
العشرون : قانون هادم اللذات ص 25.
الواحد والعشرون : قانون التضاد بين ذكر الموت والغفلة ، قال تعالى في ذم الذين لا يعلمون يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ.ص27 .
الثاني والعشرون: قانون ذكر الموت طريق إلى التوبة والإنابة ص27.
الثالث والعشرون : قانون ذكر الموت واقية من المعاصي والسيئات ص 27.
الرابع والعشرون : قانون الإكثار من ذكر الموت تفقه في الدين ص 27.
الخامس والعشرون : قانون التخلص من المكروه محبوب ، وأن عالم الجزاء هو الخالد ، قال تعالى وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.ص 28.
السادس والعشرون : قانون الدنيا دار الملذات ، وجعل الله سلب الإغترار بها بالموت وذكره ص28.
السابع والعشرون: قانون ذكر الموت حياة للنفس ص 28 .
الثامن والعشرون : قانون ذكر الموت يفتح أبواباً من المعرفة . ص 29
التاسع والعشرون : قانون ذكر الموت سبيل في الهداية .ص 29 .
الثلاثون : قانون ذكر الموت زيادة في البصيرة.29ص
الواحد والثلاثون : قانون ذكر الموت حصانة للإنسان بالقناعة فيما آتاه الله 29ص.
الثاني والثلاثون : قانون ذكر الموت حضّ على التعجيل بالتوبة والإنابة والنشاط بانواع الطاعات واتيان الصالحات من دون ان يكون في هذا الذكر ودوامه واتصاله ظاهراً وباطناً اثر أو سبب لتقد يم الأجل.ص30
الثالث والثلاثون : قانون ذكر كل إنسان للموت حتم ولطف من الله عز وجل.ص30.
الرابع والثلاثون : قانون ذكر الإنسان للموت حجة عليه ، قال تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ. ص30.
الخامس والثلاثون : قانون ذكر الموت تذكير بعالم البرزخ ومساءلة منكر ونكير ص30..
السادس والثلاثون : قانون الإنتفاع من ذكر الموت اجتناب للأخطار الناجمة من حب الدنيا وركوب الأهوال لنيل زخرفها والزيادة في متاعها وزينتها ص30..
السابع والثلاثون : قانون التضرع إلى الله عز وجل لبقاء ذكر الموت يتردد على البال ص30.
الثامن والثلاثون : قانون الاستعانة بالله تعالى لمنع غلبة حب الدنيا وهيمنته على أنماط السلوك لما يؤدي إليه طول الأمل من نسيان للآخرة وتركيز الاهتمام بأمور الدنيا
التاسع والثلاثون : قانون ذكر الموت تخفيف من وطأة المصائب ص 30 لذا ورد النص بالإسترجاع أي بقول إنا لله وأنا إليه راجعون.
الأربعون : قانون الهداية إلى الصراط المستقيم نجاة من فتنة وعذاب القبر ، وفي التنزيل إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. ص 31.
الواحد والأربعون : قانون التسليم بمجئ الموت .ص 31 .
الثاني والأربعون : قانون حتمية قبض الروح ص 31.
الثالث والأربعون : قانون الدعاء والتوكل على الله سلاح , وباب للفوز بفضل الله. ص 32 .
الرابع والأربعون : قانون يحجب ذكر الموت الإنسان عن الطغيان والإسراف في الغرور ص 33
الخامس والأربعون : قانون رجاء رحمة الله ص 33 .
السادس والأربعون : قانون الاستغفار طريق فتحه الله للتوبة والصلاح والهداية ص 33.
السابع والأربعون : قانون المبادرة للإستغفار عبرة ودرس وموعظة للآخرين ص33.
الثامن والأربعون : قانون الاستعداد للحساب بالعمل الصالح ص34 .
التاسع والأربعون : قانون خلق وكثرة الملائكة نعمة عظمى ص 38 .
الخمسون : قانون الصلاة اليومية مدرسة فقاهة ، قال تعالى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ.ص 43 .
الواحد والخمسون : قانون توجه الأبرار بالدعاء (ربنا) لما فيه من معاني التوحيد ص 44.
الثاني والخمسون : قانون تنزه الأبرار عن إيذاء الآخرين ص 45 .
الثالث والخمسون : قانون إعراض الأبرار عمن يؤذيهم ، والصفح عنه . ص 45
الرابع والخمسون : قانون ملازمة الأبرار لمنازل رضوان الله ص45 .
الخامس والخمسون : قانون وجود أمة من الأبرار في كل زمان ص 46 .
السادس والخمسون : قانون ليس الموت عدماً محضاً. ص 46.
السابع والخمسون : قانون عذاب المشركين في القبر ص54 .
الثامن والخمسون : قانون التلقين ص 58.
التاسع والخمسون : قانون ولوج القبر الحتمي ، قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.ص60.
الستون : قانون الموت رحمة ص64
الواحد والستون : قانون مساءلة الإنسان في القبر ص 65 .
الثاني والستون : قانون فعل الصالحات سلاح للنجاة من شدة الامتحان في لقاء الملكين ص67
الثالث والستون : قانون ملازمة العمل لصاحبه في الآخرة ص 68 .
الرابع والستون : قانون الدنيا مزرعة للأخرة ص 71 .
الخامس والستون : قانون بقاء الأرواح بعد الموت ص 71 .
السادس والستون : قانون رزق الله أكبر وأكثر سعة من طول الأمل ص84 .
السابع والستون : قانون قصور العمل ص 85.
الثامن والستون : قانون دعاء إبراهيم عليه السلام للمسلمين أوسع وأعظم مما أنزل عليه لقوله تعالى رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.ص87
التاسع والستون : قانون تأكيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الإكثار من ذكر الموت دعوة رسالية لعدم الإنقطاع إلى الدنيا ، وعالم الآمال ص 89.
السبعون : قانون الملازمة بين طول الأمل والغفلة عن الموت ، قال تعالى وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.ص97 .
الواحد والسبعون : قانون الحسن الذاتي لقصر الأمل ص 97 .
الثاني والسبعون : قانون قرب الموت سبب لاستحضار ذكر الموت والإستعداد له ، قال تعالى قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى.ص 97.
الثالث والسبعون : قانون إقرار المسلمين بالمصير إلى الله عز وجل ، وفي التنزيل وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.ص100.
الرابع والسبعون : قانون الإيمان تنزه عن البخل والشح إلى آخر أيام العمر ص101
الخامس والسبعون : قانون الموت خاتمة للحياة الدنيا ، وبداية للفراق الأبدي مع الأحبة.ص 102
السادس والسبعون : قانون الموت عنوان بداية حرمان الإنسان مما اعتاده من متاع الدنيا ونعيمها ص102 .
السابع والسبعون : قانون عمل الصالحات واقية من الخوف من الموت ص 103 .
الثامن والسبعون : قانون الارتقاء في سلّم الهداية ومنازل الايمان. ص 103.
التاسع والسبعون : قانون الوثوق بما أعدّ الله لعباده الصالحين ، قال تعالى وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.ص103.
الثمانون : قانون ورود الموت ص105
الواحد والثمانون : قانون كل من علامات وسكرات الموت ، وحلول الموت ، من عند الله عز وجل في كيفيتها وأوانها .ص 106.
الثاني والثمانون : قانون الموت زائر قهري كريم ص 106.
الثالث والثمانون : قانون المواظبة على أداء العبادات وعمل الصالحات إقرار بالموت ولزوم التهيئ لعالم ما بعده. ص 107.
الرابع والثمانون : قانون موت المؤمن مفتاح للرحمة ص 111
الخامس والثمانون : قانون موت الإنسان بيد الله عز وجل ص 113 .
السادس والثمانون : قانون الحاجة لمغادرة الدنيا في طاعة الله ص113.
السابع والثمانون : قانون حياة القلب بالإيمان ص 113 .
الثامن والثمانون : قانون التوبة سور جامع للخصال الحسنة المنجية من عذاب القبر ، ومن دخول النار .ص 115
التاسع والثمانون : قانون حب الله للعبد وعد منه تعالى للنجاة من عذاب البرزخ وأليم حر النار .ص115 .
التسعون : قانون الترغيب بالتوبة ص 116.
الواحد والتسعون : قانون لزوم دخول القبر برداء التوبة ص 116
الثاني والتسعون : قانون التوبة النصوح واقية من عذاب القبر ص 116.
الثالث والتسعون : قانون البشارة في الدنيا والآخرة للتائبين والتائبات ص 116
الرابع والتسعون : قانون ليس من تقييد أو تخصيص لمواضيع التوبة وسعة رحمة الله عز وجل ص 116.
الخامس والتسعون : قانون أحسن الجزاء 118.
السادس والتسعون : قانون منافع الصلاة في البرزخ ص 126.
السابع والتسعون : قانون ملازمة الصلاة لوجود الإنسان في الأرض ص 126.
الثامن والتسعون : وقانون الملازمة بين خلافة الإنسان في الأرض وأداء المؤمنين الصلاة ص126.
التاسع والتسعون : قانون حاجة الإنسان في عالم البرزخ إلى صلاته في الدنيا ص127
المائة : قانون إنارة صلاة العشاء ظلمة القبر، شكراً وجزاءً من عند الله عز وجل للمسلم لأنه كان يصلي في الليل . ص128.
الواحد بعد المائة : قانون صلاة العشاء نور على الصراط ، وهي واقية من النار ص128.
الثاني بعد المائة : قانون تعدد أصناف الشهداء ص130 .
الثالث بعد المائة : قانون الوثاقة في الحديث بين الصحابة ص132
الرابع بعد المائة : قانون دخول الكافر النار بأمر الله عز وجل وحده ، فلا تقدر الملائكة ولا الأنبياء على إدخال أحد النار لقوله تعالى مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ. ص133
الخامس بعد المائة : قانون غلق باب الشفاعة والدعاء في الآخرة على الكافرين ص 132
السادس بعد المائة : قانون اجتماع العذاب والخزي في نار جهنم ص 135.
السابع بعد المائة : قانون رؤيا سبب للنجاة في البرزخ ص 135.
الثامن بعد المائة : قانون الملازمة بين التوبة النصوح والأمن من عذاب البرزخ .ص137.
التاسع بعد المائة : قانون البرزخ من الآخرة ص 139.
العاشر بعد المائة : قانون الملازمة بين التقوى والطمأنينة ص 142 .
الحادي عشر بعد المائة : قانون الدنيا مزرعة للآخرة ، فالإيمان والعمل الصالح سبب للطمأنينة في النشأتين .ص 143 .
الثاني عشر بعد المائة : قانون الإستغفار يقي ميتة السوء ص 144.
الثالث عشر بعد المائة : قانون من العصمة امتناع المعصية ص145 .
الرابع عشر بعد المائة : عدم إجتماع الضدين في محل واحد ليس قانوناً مطلقاً ، فلابد من استثناء ، ومنه إجتماع العقل والشهوة عند الإنسان ص 145.
الخامس عشر بعد المائة : قانون لزوم العصمة من الكفر والجحود ص 148.
السادس عشر بعد المائة : قانون المبادرة إلى التوبة والإنابة ، قال تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
السابع عشر بعد المائة : قانون الإبتلاء ص151 .
الثامن عشر بعد المائة : قانون حتمية موت كل إنسان ص151.
التاسع عشر بعد المائة : قانون عصمة المسلمين من الإستئصال ص 152.
العشرون بعد المائة : قانون ترتب العذاب العاجل على الكفر والجحود العام بعد رؤية الآيات والمعجزات الرسالية. ص 152.
الواحد والعشرون بعد المائة : قانون معجزة إحياء الموتى فرع الخلافة ص 156 .
الثاني والعشرون بعد المائة : قانون بقاء المعجزة خيراً محضاً ونهراً يجري على الدوام ، لتطهير من يشرف عليه أو يشرب منه من دنس الشك والريب والضلالة)( ) ص162.
الثالث والعشرون بعد المائة : قانون دخول الغيظ مع الكفار إلى القبور ص 167.
الرابع والعشرون بعد المائة : قانون مصاحبة الغيظ مع الكفار إلى قبورهم .ص169
الخامس والعشرون بعد المائة : قانون الإسترجاع واقية في القبر ص 169.
السادس والعشرون بعد المائة : قانون الإسترجاع باعث على الطمأنينة ، قال تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي.ص 171.
السابع والعشرون بعد المائة : قانون الإسترجاع استجار استجارة بالله ص171 .
الثامن والعشرون بعد المائة : قانون الإسترجاع تخفيف من وقع المصيبة . ص 171.
التاسع والعشرون بعد المائة : قانون الإسترجاع تسليم بقضاء وقدرة الله ، وأنه تعالى هو القوي القاهر العزيز ، وفي التنزيل أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. ص171.
الثلاثون بعد المائة : قانون في الإسترجاع ثواب عظيم ص171.
الواحد والثلاثون بعد المائة : قانون انتفاع المؤمن من الإسترجاع في الدنيا ، وفي القبر ، ويوم القيامة .ص172
الثاني والثلاثون بعد المائة : قانون الإسترجاع باعث على الطمأنينة ، وواقية من درن النفس ص172.
الثالث والثلاثون بعد المائة : قانون الإسترجاع خلق كريم ، وقد أثنى الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.ص 174 .
الرابع والثلاثون بعد المائة : قانون الإسترجاع لجوء إلى الله عز وجل ، واستعانة به تعالى رجاء الرزق الكريم ، والتغلب على المصيبة وآثارها ، ويتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم وعلى نحو الوجوب العيني إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.ص174 .
الخامس والثلاثون بعد المائة : قانون بقاء الروح ص174.
السادس والثلاثون بعد المائة : قانون بعث الأجساد يوم القيامة. ص174
السابع والثلاثون بعد المائة : قانون إعادة الأرواح للأجساد في القبور للحساب الإبتدائي من قبل الملكين منكر ونكير ص174.
الثامن والثلاثون بعد المائة : قانون إعادة الأرواح يوم القيامة إلى الأجساد من غير أن يقع خطأ أو اشتباه فلا تذهب روح إلى غير جسدها ، وفيه نفي للقول بتناسخ الأرواح. ص174 .
التاسع والثلاثون بعد المائة : قانون القتل ظلم عظيم ، وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين قال تعالى وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا.ص 175 .
الأربعون بعد المائة : قانون مصاحبة حكم القصاص للتنزيل ، وبيان أنه أمن وحياة للقاتل والذي يروم قتله ، قال تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.ص 176.
الواحد والأربعون بعد المائة : قانون الشهادة العامة ص 176.
الثاني والأربعون بعد المائة : قانون حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عمارة المجلس بقراءة القرآن .ص 178.
الثالث والأربعون بعد المائة : قانون بيان عناية النبي بالآية القرآنية ، والتدبر في معانيها وإستحضار الذهن لمصداقها الخارجي ص 178.
الرابع والأربعون بعد المائة : قانون عمارة المجالس بتلاوة القرآن ، وبيان مضامينه القدسية ص 178.
الخامس والأربعون بعد المائة : قانون السنة النبوية طارد للغفلة من الناس ، فلولا التنزيل والسنة النبوية لما علم الناس وقائع عالم البرزخ ، وإعادة الروح للإنسان ، ومساءلة منكر ونكير .ص178
السادس والأربعون بعد المائة : قانون شفاعة النبي محمد (ص) في الآخرة ، ورجاء كل مسلم ومسلمة الفوز بهذه الشفاعة .ص179.
السابع والأربعون بعد المائة : قانون ذوق الموت ص 179.
الثامن والأربعون بعد المائة : قانون الموت حق بحتمية مفارقة الروح للجسد وتعطل الحواس ، واستراحة القلب عن ضخ الدم الذي يزاوله في سنوات العمر ص 179.
التاسع والأربعون بعد المائة : قانون كل إنسان لابد أن يموت ص 179.
الخمسون بعد المائة : قانون الإنفصال بين الروح والجسد عند الموت ص 180.
الواحد والخمسون بعد المائة : قانون التسليم بأن أوان الموت باذن الله ص 181
الثاني والخمسون بعد المائة : قانون الإنسان لا يترك وشأنه .ص 181.
الثالث والخمسون بعد المائة : قانون الموت ليس نهاية الإنسان .ص 181
الرابع والخمسون بعد المائة : قانون الموت بداية لحال الإنسان في القبر ويوم القيامة ص 181.
الخامس والخمسون بعد المائة : قانون الشهادة بأن مقاليد الأمور بيد الله ، وفي التنزيل وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. ص182.
السادس والخمسون بعد المائة : قانون اللجوء الى الدعاء لسؤال إرجاء الأجل ، والراحة عند الموت ، وحسن العاقبة ، قال تعالى وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. ص 182.
السابع والخمسون بعد المائة : قانون ملك الموت لا يقبض الأرواح إلا بإذن الله. ص 182.
الثامن والخمسون بعد المائة : قانون حضور رحمة الله عند الموت ص 186.
التاسع والخمسون بعد المائة : قانون الموت عاقبة الناس جميعاً ، وخاتمة وجودهم في الحياة الدنيا. ص 187.
الستون بعد المائة : قانون ختم صحيفة الأعمال بمغادرة الدنيا ص 187.
الواحد والستون بعد المائة : قانون الدنيا دار الإمهال ص 193.
الثاني والستون بعد المائة : قانون إنقطاع حياة كل إنسان بالموت ، قال تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.ص 194.
الثالث والستون بعد المائة : قانون انتهاء الحياة الإنسانية على الأرض ص 194.
الرابع والستون بعد المائة : قانون كل آية قرآنية رحمة بالناس ص 195.
الخامس والستون بعد المائة : قانون كل آية رحمة للناس جميعاً في الدنيا والآخرة ص 195.
السادس والستون بعد المائة : قانون الإنذار القرآني من عذاب القبر رحمة بالناس ص 195
السابع والستون بعد المائة : قانون حضور آيات القرآن القبر مع الذي يتلوها ، ويعمل بأحكامها . ص 196.
الثامن والستون بعد المائة : قانون مطاردة الآية القرآنية للكفار ص 196.
التاسع والستون بعد المائة : قانون التنزه عن دعوى تطور الإنسان من مخلوقات أدنى منه رتبة ص 197
السبعون بعد المائة : قانون الإستغفار .ص 200
الواحد والسبعون بعد المائة : قانون قبول الإستغفار ص200 .
الثاني والسبعون بعد المائة : قانون حضور الإستغفار عند سؤال منكر ونكير ، قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى. ص 200.
الثالث والسبعون بعد المائة : قانون العقل حرز في البرزخ ص 201.
الرابع والسبعون بعد المائة : قانون عدم استدامة عالم البرزخ ص 204.
الخامس والسبعون بعد المائة : قانون الآية القرآنية إنذار من عذاب البرزخ ص 206.
السادس والسبعون بعد المائة : قانون ثابت، وهو موت كل إنسان، وأن الله تعالى لم يخلق الناس إلا لعبادته , قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ )( ). ص207 .
السابع والسبعون بعد المائة : قانون كل آية من القرآن رحمة عامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ص 207.
الثامن والسبعون بعد المائة : قانون التباين بين كل جنس وآخر ص 208.
التاسع والسبعون بعد المائة : قانون الإختلاف بين كل فردين من جنس واحد من البشر ، وقد خلقهم الله سبحانه من غير مثال سابق . ص 208
الثمانون بعد المائة : قانون القبر من مواطن الإحياء بعد الإماتة يبعث الناس على اليقظة وطرد الغفلة ص 208
الواحد والثمانون بعد المائة : قانون عدم السبب سبب العدم ص 209 .
الثاني والثمانون بعد المائة : قانون امتثال ملك الموت لأمر الله ص 212 .
الثالث والثمانون بعد المائة : قانون طاعة الملائكة لله وخضوعهم التام لأوامره كل حين ص 212.
الرابع والثمانون بعد المائة : قانون اللجوء إلى الله عز وجل . ص214.
الخامس والثمانون بعد المائة : قانون الإستعاذة بالله إحتراز ص 214.
السادس والثمانون بعد المائة : قانون الإستعاذة سلاح وقاية وحرز سماوي ص 214.
السابع والثمانون بعد المائة : قانون حاجة الإنسان لمصاحبة الإستعاذة بالله له ص 215.
الثامن والثمانون بعد المائة : قانون الإستعاذة بالله واقية من عذاب البرزخ إذ تدخل مع صاحبها القبر ، وتشهد له دأبه على الإستعاذة بالله من شياطين الجن والإنس ص 215 .
التاسع والثمانون بعد المائة : قانون الإستعاذة بالله مدخل إلى الجنة ص 215.
التسعون بعد المائة : قانون الإستعاذة حصن عند دخول القبر ص 215.
الواحد والتسعون بعد المائة : قانون أن الله عز وجل هو خالق العام ومخصص لأفراد منه. ص218.
الثاني والتسعون بعد المائة : قانون تعقب الجزاء لأيامك في الدنيا ص 218.
الثالث والتسعون بعد المائة : قانون كل ما على الأرض له منافع ، ولو في زمان مخصوص ووجوه من الحسن تتراءى للناس جميعاً ص 218
الرابع والتسعون بعد المائة : قانون الجسر على متن جهنم ص 221 .
الخامس والتسعون بعد المائة : قانون عناية ملك ورأفة الموت بالشاكرين الله ص 226
السادس والتسعون بعد المائة : قانون تخفيف منكر ونكير المساءلة عن الشاكرين ص 226.
السابع والتسعون بعد المائة : قانون لا يقدر على جزاء الشاكرين لله عز وجل ، والثناء عليهم وإثابتهم إلا الله عز وجل ص 226
الثامن والتسعون بعد المائة : قانون إقرار المسلمين في كل زمان ومن أيام أبينا آدم بأن المعاد حق ص 228.
التاسع والتسعون بعد المائة : قانون مصاحبة الندم للظالمين من حين قتل قابيل بن آدم لأخيه هابيل ، وتدل عليه صيغة الجمع في قوله تعالى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، مع أنه أول من سنّ القتل في الأرض ص 228.
المائتين : قانون التذكير بالموت ص 224.
الواحد بعد المائتين : قانون منع الغلو بشخص النبي محمد (ص) .ص 234 .
الثاني بعد المائتين : قانون الشهادة القرآنية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة من عند الله عز وجل . ص 234.
الثالث بعد المائتين : قانون عصمة المسلمين من الإرتداد في أشق الأحوال ص235.
الرابع بعد المائتين : قانون سفر الموت ص 237.
الخامس بعد المائتين : قانون ذكر الموت رادع عن المعاصي ص 240 .
السادس بعد المائتين : قانون الإستعداد لما بعد الموت ص 241 .
السابع بعد المائتين : قانون الغائب المنتظر ض 241 .
الثامن بعد المائتين : قانون عدم رؤية الموت مع أنه أمر وجودي ص 242 .
التاسع بعد المائتين : قانون عدم زيارة الموت الإنسان إلا مرة واحدة ، وهل زيارة الموت على الإنسان هي أشد زيارة ، المختار نعم ص 242 .
العاشر بعد المائتين : قانون غياب الموت تخفيف ورحمة ، إذ جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار العمل والكسب مع بعث الناس على ذكر الموت ص 242.
الحادي عشر بعد المائتين : قانون الإقرار بحتمية مجئ الموت ص 242.
الثاني عشر بعد المائتين : قانون مطرقة منكر ونكير ص 242.
الثالث عشر بعد المائتين : قانون تسمية يوم القيامة بشارة وإنذار ص 245.
الرابع عشر بعد المائتين : قانون تعدد وكثرة سبل الرحمة التي تتغشى الناس في الحياة الدنيا ، والإنارة التي تعبد طريق الهداية والرشاد ، وأسباب حجب سبل الغواية والضلالة فيها ص248.
الخامس عشر بعد المائتين : قانون مصاحبة الحاجة للإنسان في الدنيا والآخرة ص 255
السادس عشر بعد المائتين : قانون كَربِ الموت ص 255.
السابع عشر بعد المائتين : قانون كربات يوم القيامة وأهواله أشد وطأة ص 258 .
الثامن عشر بعد المائتين : قانون الدعاء للأمن والسلامة من ضغطة القبر ص 258.
التاسع عشر بعد المائتين : من خصائص عالم القبر قانون ضغطة القبر وتسمى أيضاً ضمة القبر إذ يقوم القبر بالضغط على الميت عند دخوله إليه ص 258.
العشرون بعد المائتين : قانون الثواب الدنيوي بعد الموت ص 260 .
الواحد والعشرون بعد المائتين : قانون صلاح الولد نعمة في النشأتين ص 262.
الثاني والعشرون بعد المائتين : قانون إمكان الإنسان إبقاء طريق الأجر والثواب بعد مماته ص 263.
الثالث والعشرون بعد المائتين : قانون السعي للآخرة ص 264 .
الرابع والعشرون بعد المائتين : قانون الثواب العاجل ص 267 .
الخامس والعشرون بعد المائتين : قانون مجئ الثواب العاجل للمؤمنين في أيام حياتهم قبل أن يغادروا إلى الآخرة وبعد هذه المغادرة . ص 267.
السادس والعشرون بعد المائتين : قانون وهو أن الجزاء والثناء على الشاكرين لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ص 271.
السابع والعشرون بعد المائتين : قانون ترتب الثواب على الإيمان والثبات عليه في السراء والضراء .ص 271.
الثامن والعشرون بعد المائتين : قانون البشارة للصابرين ص 271 .
التاسع والعشرون بعد المائتين : قانون البشارة العظيمة على التحلي بالصبر ، قال تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.ص 272.
الثلاثون بعد المائتين : قانون إتصال عذاب الكافر في عالم البرزخ ص 276.
الواحد والثلاثون بعد المائتين : قانون اللبث في البرزخ ص 276 .
الثاني والثلاثون بعد المائتين : قانون البرزخ عالم ما بين موت الإنسان إلى يوم ينفخ في الصور ص 279
الثالث والثلاثون بعد المائتين : قانون مدة برزخ كل إنسان تختلف عن الآخر في طولها أو قصرها ص 276.
الفهرس
المقدمـــة 3
هل التفكر في أهوال القبر عبادة 14
قانون القول الثابت في البرزخ 17
قانون موت الموت 20
قراءة القرآن عند الإحتضار 23
أوان الإحتضار 24
قانون هادم اللذات 28
قانون ذكر الموت حياة للنفس 31
استقبال الموت 34
قانون رجاء رحمة الله 36
لقاء النبي محمد (ص) بآدم في المعراج 38
قانون خلق وكثرة الملائكة نعمة عظمى 40
موعظة في جبل أحد 42
مواطن الهلكة 45
سؤال الوفاة مع الأبرار 46
عدد النجوم في السماء 50
ذكر ملك الموت في القرآن 52
المشترك اللفظي في آية واحدة 55
قانون عذاب المشركين في القبر 57
بحث أصولي 59
قانون التلقين 61
الهروب من الموت 63
قانون الموت رحمة 67
قانون مساءلة الإنسان في القبر 68
قانون ملازمة العمل لصاحبه في الآخرة 71
قانون الدنيا مزرعة للآخرة 75
قانون بقاء الأرواح بعد الموت 75
البدن المثالي 77
جهاز رصد على القبر 78
النـَوح على الميت 79
الذي يموت في كوكب آخر 82
شبهة المعدوم لا يعود 83
مكان الروح بعد الموت 85
البرزخ في رحاب الدعاء 87
كراهة طول الأمل 88
قانون قصور العمل 90
حتى لانؤمِّـل استتمامَ ساعةٍ بعد ساعةٍ(3) 92
الأمل باستيفاء يومنا الحاضر 94
الأمل بتجدد النفس 97
وَلاَ لُحُوقَ قَدَمٍ بقدمٍ(6). 99
رجاء السلامة من غرور طول الأمل 101
دعاء الأمن من شر طول الأمل 102
استحضار الموت في الذهن 103
وَلاتَجعَل ذِكرَنا لَهُ غِبّاً(10). 103
حلاوة العمل الصالح 104
قرب لقاء الله 105
حتى يكون الموتُ مأنسنا الذي نأنسُ بِهِ(13). 106
الألفة مع ذكر الموت 107
الدنو من الموت طارد لطول الأمل 109
قانون ورود الموت 110
قانون الموت زائر قهري كريم 111
سؤال الراحة عند الموت 112
دعاء الستر عند الموت 113
كيفية موت المؤمن طريق للمغفرة 114
قانون موت المؤمن مفتاح للرحمة 115
نعمة الموت على الهداية 116
حال الملائكة في الآخرة 127
قانون منافع الصلاة في البرزخ 130
حضور الخلافة في الآخرة 132
قانون تعدد أصناف الشهداء 135
قانون الوثاقة في الحديث بين الصحابة 136
قانون الرؤيا سبب للنجاة في البرزخ 140
قانون البرزخ من الآخرة 144
نبش القبور 145
قانون الملازمة بين التقوى والطمأنينة 147
دفع ميتة السوء 149
النهي عن تمني الموت 150
ساعة موت الكافر 153
قانون الابتلاء 156
قانون عصمة المسلمين من الإستئصال 157
عدد الذين أحياهم عيسى (ع) 158
قانون معجزة إحياء الموتى فرع الخلافة 161
معجزة عيسى (ع) دعوة للدعاء 165
إحياء ميت بذبح بقرة 167
قانون دخول الغيظ مع الكفار إلى القبر 173
قانون الإسترجاع واقية في القبر 175
النسبة بين الصبر والإسترجاع 177
النسبة المنطقية بين الموت والقتل 180
قانون الشهادة العامة 182
قانون ذوق الموت 185
قانون التسليم بأن أوان الموت باذن الله 187
زيارة ملك الموت 188
قانون حضور رحمة الله عند الموت 192
مصاديق الإيمان 193
موت آخر الملائكة 195
تسمية يوم القيامة موعظة 198
قانون الدنيا دار الإمهال 199
قانون كل آية قرآنية رحمة بالناس 201
قانون مطاردة الآية القرآنية للكفار 202
النسبة بين الموت قبل الدنيا والموت بعدها 204
النسبة المنطقية بين الخلق والحياة 205
قانون العقل حرز في البرزخ 207
قراءة في [كُنتُمْ أَمْوَاتًا] 208
قانون الآية القرآنية إنذار من عذاب البرزخ 212
نعمة الخلق والإيجاد 214
بحث كلامي 215
أعمار الأنبياء معجزة 217
قانون امتثال ملك الموت لأمر الله 218
قانون اللجوء إلى الله عز وجل 220
لا أصل لقاعدة ما من عام إلا وقد خُصّ 221
قانون تعقب الجزاء لأيامك في الدنيا 223
قانون الجسر على متن جهنم 227
بحث بلاغي في ثواب الآخرة 229
اتصال نعمة الجزاء 231
إخبار النبي (ص) عن المغيبات 234
قانون التذكير بالموت 240
قانون سفر الموت 243
قانون ذكر الموت رادع عن المعاصي 246
قانون الغائب المنتظر 247
قانون مطرقة منكر ونكير 250
النسبة بين الآخرة ويوم القيامة 252
بين صراط الدنيا وصراط الآخرة 256
القسم الأول : الصراط المستقيم في الدنيا 256
القسم الثاني : الصراط في الآخرة 259
قانون كَرْبِ الموت 263
قانون الدعاء للأمن والسلامة من ضغطة القبر 266
قانون الثواب الدنيوي بعد الموت 268
قانون صلاح الولد نعمة في النشأتين 271
قانون السعي للآخرة 272
من مصاديق الشكر لله 273
قانون الثواب العاجل 275
بحث أصولي 276
قانون البشارة للصابرين 279
النسبة المنطقية بين البرزخ والقبر 282
قانون اللبث في البرزخ 284
قانون تعزية النبي لأصحابه 286
أسماء منكر ونكير 288
رومان فتان القبور 290
قانون خزي الكافر في القبر 293
كيفية موت ملك الموت 294
قانون زيارة عزرائيل 296
قانون الخزي المتصل للكافر 300
أوان خزي الكافر 302
جحود القرية الآمنة 305
إحصاء قوانين هذا الجزء 307
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد
3935 لسنة 2024